######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : الأنتصار على علماء الأمصار - المجلد الأول حتى 197 #META# cat: الموافق للمطبوع #META# bkid: 391 #META# الكتاب: الأنتصار على علماء الأمصار - المجلد الأول حتى 197 #META# bkord: 378 #META# iso: الانتصار علي علماء الامصار المجلد الاول حتي 197 #META# comp: 1 #META# bk: الأنتصار على علماء الأمصار - المجلد الأول حتى 197 #META# max: 213 #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# الانتصار # على علماء الأمصار # في تقرير المختار من مذاهب الأئمة وأقاويل علماء الأمة # للإمام # يحيى بن حمزة # تحقيق # عبد الوهاب بن علي المؤيد علي بن أحمد مفضل PageV01P001 مقدمة المحقق # { # الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك ~~نستعين، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين. # والصلاة والسلام على النبي الأمي الذي أرسله الله بشيرا ونذيرا وداعيا ~~إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. محمد بن عبدالله، وعلى آله الذين أذهب الله ~~عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وعلى أصحابه الذين كانوا معه أشداء على الكفار ~~رحماء بينهم، تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا، سيماهم في ~~وجوههم من أثر السجود. # وبعد: # فهذه مقدمة كتاب (الانتصار) التي كانت جهد المقل ولم تكن أقل الجهد. ولم ~~يكن كذلك، تصدير هذا الكتاب الجليل بها لمجرد تقليد سار عليه المحققون ~~والناشرون، بقدر ما رأينا فيها قبل كتابتها، وحرصنا عليه أثناء إعدادها.. ~~مدخلا يمهد لبدايته، ويوثق مصادره ومراجعه، ويعرف به مخطوطة، ويروي ملامح ~~عزلة قرون سبعة عاشها الكتاب، مشتتة أجزاؤه، ومتناثرة مجلداته في المكتبات ~~العامة والخاصة داخل اليمن وخارجها. وهي في نفس الوقت، مقدمة لتحقيق الكتاب ~~في حدود ما اقتضاه الحال وسمح به الإمكان، من أغراض التمهيد والتوثيق ~~والتعريف هذه إلى جانب ما تضمنه وتناوله التحقيق من الملاحق والهوامش ~~الخاصة بالكتاب، ليخرج في الصورة اللائقة به ولو في الحد الأدنى. ومن الله ~~تعالى نستمد العون والتوفيق، واحتسابه عملا خالصا لوجه الله في خدمة التراث ~~الفكري الإسلامي. إنه سميع مجيب وعلى كل شيء قدير. PageV01P005 # ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا. # تمهيد: # عندما كنا في المدرسة العلمية(¬1) طلابا.. كنا نسمع عن كتاب (الانتصار) ~~اسما مجردا وملخصا في هذه الكلمة، مثل ما نسمع عن الإمام يحيى بن حمزة.. ~~وذلك عند أن نسمع من أساتذة المدرسة (المشائخ)، أو فيما نقرؤه من كتب ~~المنهج المقررة، في عبارات: (قال في الانتصار..)، (أورده صاحب الانتصار..)، ~~(أوضحه يحيى بن حمزة)، (وخالفه يحيى بن ms001 حمزة)، (وهو ما قاله الإمام يحيى بن ~~حمزة في الانتصار). # وقلما يرد فيما نقرؤه من هذه الكتب اسم كتاب (الانتصار) مقرونا باسم ~~مؤلفه. ولذا فإن كثيرا من الطلاب حينها لم يكن يعرف أو يهتم بأن يعرف أن ~~كتاب (الانتصار) هو من مؤلفات يحيى بن حمزة، أو أن يحيى بن حمزة هو مؤلف ~~الكتاب. # وإذا اقتصر الطالب على الكتب المقررة في المدرسة العلمية، فإنه يقضي ~~السنوات الخمس أو السبع أو التسع فيها، دون أن يعرف عن كتاب (الانتصار) ~~أكثر من أنه كتاب في الفقه.. وعن يحيى بن حمزة أكثر من أنه واحد من كبار ~~علماء اليمن. أما ما زاد عن ذلك من معلومات أخرى، مثلا: عن حجم (الانتصار) ~~وأجزائه وحتى اسمه الكامل وتعليله، وعن عصر يحيى بن حمزة ومؤلفاته.. وما ~~إلى ذلك.. فإنها أشياء لا يعرفها إلا العالمون، والسبب لا يعود إلى عدم ~~توفر هذه المعلومات أو مصادرها فقط، بل يعود أولا وقبل كل سبب، إلى عدم ~~الاهتمام بشيء خارج نص الدروس المقررة. # وهذه الحال لا تخص كتاب (الانتصار) أو مؤلفه يحيى بن حمزة.. بل تعم كل ~~الكتب والمؤلفين مما ليس مقررا ضمن منهج المدرسة. وأكثر من هذا، أن الحال ~~تعم أيضا، الكتب المقررة فيما يتعلق بأسماء الكتب ومؤلفيها. حيث أن تداول ~~أسمائها يأتي ملخصا، ثم لا تتجاوز معارف الطلاب في الغالب، تلك الأسماء ~~والألقاب والعناوين الملخصة. # وعلى سبيل المثال.. أسماء الكتب المقرونة ملخصة باسم المؤلف، كما كانت ~~متداولة في المدرسة العلمية من الكتب المقررة مثل: PageV01P006 # - كافل لقمان(¬1). # - متن ابن الحاجب. أو الحاجبية(¬2). # ولا نبالغ إذا قلنا بأن القليل أو النادر من طلاب المدرسة العلميه حينها، ~~من كان يعرف أو يهتم بأن يعرف أن اسم الكتاب الأول كاملا، هو: (الكاشف لذوي ~~العقول عن معاني الكافل بنيل السؤول)، وأن اسم مؤلفه: أحمد بن محمد بن ~~لقمان (أصول الفقه). وأن اسم الكتاب الثاني: (كافية ذوي الأرب في معرفة ~~كلام العرب) (نحو). وهكذا معظم الكتب ومؤلفيها. # وهكذا ظللنا في المدرسة العلمية السنوات الثلاث الأولى ms002 من سنوات الدراسة ~~بها(¬3) وتركنا المدرسة ونحن لا نعرف عن كتاب (الانتصار) أكثر من أنه كتاب ~~في الفقه للإمام يحيى بن حمزة، ولا نعرف عن يحيى بن حمزة ما قد يتجاوز ~~العلم بأنه مؤلف كتاب (الانتصار). # ونعتقد أن هذه الحال هي أكبر وأعمق من صورتها التي تظهر بها، وأنها ذات ~~علاقات وآثار متعددة وواسعة في مجال التراث الفكري الإسلامي في اليمن. ~~وأنها بالتالي.. جديرة بالبحث وما أكثر الجوانب والمجالات الجديرة بالبحث ~~في تراثنا الإسلامي في اليمن. وهذا يلح علينا أن نمر بجانبين من هذه الحال ~~التي كانت قائمة: # الأول: أسبابها. # ونعتقد أن من أوائل الأسباب: # 1- أسلوب المؤلفين.. حيث درجوا على تداول عناوين وأسماء الكتب والمؤلفين ~~بأساليب ملخصة، تعتمد: # أولا: على الاقتصار في ذكر أي منها، ومنهم في حدود حاجة الاستدلال ~~والتوضيح وذكر المرجع. فيكتفي الواحد منهم في مؤلفه بذكر ما لا بد منه في ~~المسألة. PageV01P007 # ثانيا: استخدام أبرز وأقل الكلمات عند الإشارة إلى المرجع، فيقول مثلا: ~~ذكره صاحب (الغاية)(¬1) وقال في (الأزهار)، وهكذا. # 2- كذلك فإن مؤلفي كتب التراث هذه -وبصفة عامة لا تكاد تجد فيها حالة ~~استثناء- درجوا على قصر كل منها في نطاق موضوعه فقط، من بداية الكتاب ب(أما ~~بعد فإن علم (كذا)..) (وهذا ما دفع بي إلى تأليف هذا الكتاب الذي سميتة) ~~(فأقول وبالله التوفيق..). وحتى يصل إلى نهايته في (والله تعالى أعلم، ~~وبهذا تم الكتاب بعون الله تعالى في يوم...). # دون أن يعطي المؤلف أي اهتمام لمسألة التراجم أو الفهارس الملخصة لما ~~ذكره في مؤلفه من أعلام ومراجع. وهي قاعدة وأسلوب شائعان لدى مؤلفي كتب ~~التراث الإسلامي في البلدان العربية وغيرها، وإن كانت في اليمن ربما أظهر وأكثر. # قد يقال بأن صعوبة الكتابة المخطوطة باليراع والمحبرة واليد، كانت السبب ~~الأول. ونعتقد أن هذا ليس السبب الأول ولا الأخير، فهم معروفون بالصبر على ~~تحمل كل المشاق والصعاب من البحث عن الكتب واستيعابها قراءة واستقراء، ومن ~~الترحال والتنقل بين المدن والأقطار لطلبه وتلقيه عن أعلامه.. إلى الحد ~~الذي يدفع أعلاما ms003 من أمثال عبدالرزاق الصنعاني(¬2) أن يذهب إلى الشام ~~والعراق بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة، بحثا عن بضعة أحاديث يريد أن ~~يسمعها من رواتها أو من طرق أخرى، وأن يرحل الشافعي إلى اليمن مؤكدا إصراره ~~بقوله المشهور: (لابد من صنعاء وإن طال السفر)، ولنفس الغرض. وغيرهما كثير. # ولكن السبب الحقيقي كما نعتقد، هو عدم إعطاء جانب التراجم والفهارس ملحقة ~~بالمؤلفات، أي اهتمام؛ لأنهم لا ينظرون إليها في عصورهم من الزاوية التي ~~ننظر إليها الآن. ولا يعني هذا أنهم يطرحون شيئا من قيمة التراجم العلمية، ~~أو ينقصون مكانتها في كونها فنا مستقلا ذا وظيفة أساس في تصنيف النسيج ~~الفكري للفنون والعلوم المتعددة، ولكن الذي يظهر من مؤلفاتهم بعامة PageV01P008 أنهم في هذه الناحية، يحرصون على تأكيد ما يمكن أن نطلق عليه صفة التخصص ~~والفصل في التأليف بين مختلف الفنون والعلوم. ولذا ظلت كتب ومؤلفات التراجم ~~والمعاجم والطبقات، علما متميزا مستقلا عما عداه. (ومن أراد مزيد تفصيل ~~فليرجع إلى المطولات) (¬1). # والجانب الثاني: # عدم الاهتمام بتدريس كتب التراجم أو حتى بإدخالها ضمن مراجع المنهج ~~المقرر. # الانتصار ل(الانتصار): # وكتاب (الانتصار) هذا الذي نقدمه مطبوعا إلى مكتبة الفكر الإسلامي، بوصفه ~~واحدا من أبرز وأشهر وأوسع مخطوطات التراث اليمنية.. هو - أيضا - شأنه شأن ~~سائر المؤلفات التراثية في خلوه خلوا كليا من التراجم والهوامش فضلا عن ~~الفهارس، وحتى في المفردات والأعلام والعناوين التي قد تشتبه بنظائر مغايرة ~~دون وجود قرائن مميزة يمكن الاعتماد عليها.. حتى في مثل هذه الحال فإن ~~المؤلف لا يقطع استرساله في البحث ليوضح شيئا منها إلا في القليل النادر. ~~وقد سبقت الإشارة إلى أن هذه النظرة أو الأسلوب، يعود بالدرجة الأولى إلى ~~دقة التصنيف الموضوعي في كتب هؤلاء المؤلفين بصفة عامة. ويضاف إلى ذلك أن ~~المؤلف منهم كصاحب (الانتصار)، يكون قد استقرت في اعتقاده قاعدة ثابتة في ~~طرق التعلم والتعليم وبالتالي التأليف.. وهي أن الكتاب (أي كتاب) ليس ~~موضوعا للمبتدئ في طلب العلم، ولكنه للشيخ أو الأستاذ الذي بلغ من العلم ~~درجة تؤهله لتدريس الكتاب. ms004 ومن هنا فإن القضية تبدو محكوما فيها ومفروغا ~~منها سلفا. # وهذه القضية واحدة من القضايا أو العناصر التي جعلت تحقيق كتاب ~~(الانتصار) يبدو لدينا أكثر صعوبة من غيره من كثير من الكتب التراثية ~~الأخرى. وقد أعجز عن وصف المفاجأة التي أثارت في نفسي كثيرا من الدهشة ~~والاستغراب، عند أن عرض علي الأخ والصديق الأستاذ علي بن أحمد مفضل فكرة ~~القيام بتحقيق هذا الكتاب. # وبقدر ما سببت عدم موافقتي المطلق بأسباب لا أزال أراها موضوعية.. فقد ~~كان قادرا على PageV01P009 إقناعي بالموافقة بأسباب هي الأخرى موضوعية. وكان السبب الأول لعدم موافقتي ~~آتيا من حقيقة لدي تتضمن اقتناعا وحرصا ثابتين: # - اقتناعي بأن تحقيق المخطوطات التراثية، أصبح فنا مستقلا من فنون العلم ~~والفكر أكثر من كونه جزءا من مهنة النشر في هذا العصر الذي يطلق عليه (عصر ~~المطابع) ضمن أشهر صفاته. # - وحرصي على أهمية هذا الكتاب وما احتواه من علم جم ومنهج فذ أن يتم ~~تحقيقه ونشره في الصورة اللائقة به؛ لأنني وغيري أشعر بالإشفاق والألم ~~لكثير من المخطوطات التي صدرت تحت عبارة (تحقيق وتصحيح)، وليس فيها - ~~وللأسف الشديد - من التحقيق شيء غير اسم لشخص كتبه بعد هاتين الكلمتين، وقد ~~يضيف تصديرا في بضعة أسطر يستهل بها الكتاب. ومثل هذا لا يمكن أن يكون ~~تحقيقا، ولكنه في أحسن الحالين يكون نسخا للمخطوطة إن لم يكن مسخا لها، من ~~حيث أن ما هو مقبول في المخطوطة ليس مقبولا في نسختها عند طبعها ونشرها. ~~ومن هنا فإن ما أعرفه من شروط يجب أن تتوفر في عمل التحقيق، هي قطعا متوفرة ~~لدى غيري من المهتمين بهذا الجانب أكثر مني. وليس الإلمام بأصول التحقيق ~~وسعة الاطلاع في كتب التراث والتفرغ، كل الشروط أو ربما أكثرها أهمية. # ولأن زميلي صاحب الفكرة والمشروع لتحقيق (الانتصار)، ينظر إلى الكتاب ~~بعين الفقيه المطلع الحريص على نشر الكتاب بوصفه الغاية الأولى، وبوصف ما ~~عداها من غايات مجرد وسائل تسخر لخدمتها، فقد أقنعني بإصرار كثير، وعزم ~~متين عبر عنهما بكلمات قليلة. قال ما خلاصته: ms005 # أولا: إن الواجب لا يخص المتفرغين للتحقيق في كتب التراث؛ لأنه واجب ديني ~~وفكري يقع على كل شخص بحسب وعيه بهذا الواجب، وبحسب قدرته على أدائه. # وثانيا: وكما أن المبدأ أو القاعدة في أداء الواجب محددة بقوله تعالى: ~~{لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}.. فإن المفهوم المفروغ منه في هذه الآية، أن ~~الأداء واجب في حدود وسع النفس وقدرتها، ولا يسقط بمجرد الاحتمال المسبق ~~لعدم القدرة على أداء الواجب كاملا غير منقوص. فدعنا نعمل ما في وسعنا ~~أولا، ثم نحكم عليه بالقبول أو الرفض. PageV01P010 # ومن هذه القاعدة الفقهية وترتيبها المنطقي رأيتني أشاطر هذا الزميل المفضل ~~الإصرار والعزم داعين الله تعالى أن يجعل خير أعمالنا خواتمها، وأن يجعل من ~~هذا العمل انتصارا لكتاب (الانتصار) من عزلة المخطوطات وحالة الشتات التي ~~باعدت بين مجلداته ونسخه وأجزائه. ومن الله نستمد العون. # منهج المقدمة: # تدور مقدمة التحقيق للكتاب حول ثلاثة محاور تشمل في طيها أبرز الفقرات ~~والعناصر الداخلة ضمن منهج التحقيق بالشكل الذي نحاول فيه أن لا يهمل أصلا ~~ثابتا من هذه العناصر ولا يثبت مهملا لا علاقة مباشرة له بالخط العام ~~للتحقيق ومقاصده وغاياته الأولى. # وتتحدد المحاور الثلاثة في: # - دوافع التحقيق وغايته. # - موضوع كتاب الانتصار. # - شخصية المؤلف. # المحور الأول: دوافع التحقيق وغايته # ننطلق في تحقيقنا لهذا الكتاب من فهمنا اللغوي لكلمة (التحقيق)، وهو أنه ~~عمل مستقل يتغيا محاولة لإظهار حقائق يحددها الغرض منه، بصورة كلية أو ~~جزئية، أو تقتصر على أبرزها أو في حدود ما يمكن إظهاره منها. سواء أكانت ~~هذه الحقائق من متن الموضوع أم مترتبة على وضعه، مفهومة من سياقه أم مضافة ~~إليه بحكم علاقته بما عداه من موضوعات مماثلة من جهة، وبغاياته من جهة ~~موازية. # وهذا الفهم يتيح لنا المضي في تحقيق الكتاب (.. في حدود ما يمكن إظهاره ~~منها..) وهو حد أدنى لا حد لأقله. كما أن اعتبارنا هذا الفهم بهذا الحد في ~~التحقيق يجعل التحقيق ممكنا وأكثر إمكانا من انتهاج التحقيق، إما باعتبار ~~الحد الاصطلاحي له، وإما باعتبار الحد ms006 الموضوعي الذي يبرز القيمة PageV01P011 العلمية للكتاب، وتميز أسلوبه ومنهجه. بينما الحد أو الفهم الأول قد يزيح ~~شبح التهيب، ويتيح الإقدام على العمل في حدود ما يمكن أن يكون (أضعف ~~الإيمان) وننطلق في تحقيق هذا الكتاب من دوافع أو أسباب أربعة: # أولها: قيمة الكتاب التراثية والفكرية في إطار الفقه الإسلامي، وهي قيمة ~~لا يحددها موضوعه مجردا.. بل أيضا، ميزات قلما تتوافر مجتمعة في غيره بمثل ~~ما هي فيه. ومنها مثلا: # 1- 1- حجم الكتاب. حيث يقع في ثمانية عشر جزءا. # 2- 2- منهجه الذي يجعل منه موسوعة إسلامية رائعة، سواء في أعلام الفكر ~~الإسلامي ومدارسه ومؤلفاته، أم في تقرير آراء كل علم وفريق ومدرسة في كل ~~مسألة، وإيراد أدلة واجتهادات وأقوال كل منهم منقحة معللة.. مما يجعل من ~~الكتاب بحثا شاملا في إطار أصبح يسمى، بالفقه المقارن. # 3- 3- أسلوبه في تبويب وترتيب الموضوعات والمسائل في تصنيف وتسلسل يحدد ~~ويحقق استقلال الموضوع من جهة، ويحافظ على الاتساق العام والترابط الموضوعي ~~من جهة أخرى وبقدر متساو ومتناسب وبارز. وسنتحدث عن الكتاب بصورة أوسع عند ~~الحديث عن موضوعه. # ثانيها: نشر الكتاب، وهذا الدافع يمثل في ذات الوقت الغاية الأولى من ~~التحقيق، ولكن نشر الكتاب يأتي دافعا قويا في الحالين؛ إذ أن إهمال كتاب ~~بهذا الحجم والقيمة العلمية من التراث الإسلامي اليمني، يعد أكثر من إهمال ~~لأهميته، وإهدار لقيمته إلى ما قد يصل به إلى حد يقرب فيه التساوي بين ~~وجوده وعدمه، ثم لا يلبث هذا الإهمال أن يجعل منه نسيا منسيا. وخصوصا إذا ~~أخذنا في الاعتبار: # 1- أن عصر المطابع الذي نعيشه يختلف كثيرا عن عصر المخطوطات، حيث أصبح ~~الاعتماد في عصرنا على الكتاب المطبوع المتداول المتوافر بكثرة، سواء في ~~المدارس والمعاهد والكليات العامة والمتخصصة، أم في مراكز البحوث ~~والدراسات. عدا القلة من الباحثين. ناهيك عن اهتمام الأفراد خارج هذه PageV01P012 المؤسسات ممن ينحصر اهتمامهم في الغالب في جانب الاطلاع.. ومن هنا فإن ~~الاهتمام عموما بالكتاب المخطوط، يكاد في هذا العصر، ينحصر في غايتين: # أولاهما: في هواية اقتناء الكتاب التراثي المخطوط. ms007 وهذه الغاية ترجح جانب ~~القيمة الأثرية التراثية التاريخية فيه على القيمة العلمية. # وثانيتهما: وفي القيمة المرجعية له.. وهذه الغاية يؤمها الباحث الحصيف. ~~وقد أصبحت نادرة، وخصوصا إذا استثنينا الباحثين المتخصصين في كتب التراث أو ~~الاختصاصيين بها. # بينما -بطبيعة الحال- كان الكتاب المخطوط قبل ثلاثين عاما في اليمن ~~بالذات، كتابا مقروءا ومتداولا، يستتنسخه الناس ويشترونه، ويتوارثونه ~~ويحافظون عليه، لغرض القراءة، ولقيمته العلمية قبل كل شيء. ومن هذه ~~المقارنة البسيطة بين عصر المخطوطات وعصر المطابع، تتضح أهمية النشر دافعا ~~وغاية وحرصا على قيمته العلمية من النسيان وعدم الفائدة. # 2- ثم إن أقصى ما يمكن أن يلاقيه الكتاب المخطوط من عناية، لا يتجاوز ~~توثيقه في بعض المكتبات العامة ومراكز البحوث. وفي هذه الحال فإن وجوده لا ~~يتجاوز كثيرا مساحة العنوان في أدلة وقوائم هذه المكتبات والمراكز. # ثالثها: ندرة الكتاب، وندرة الكتاب مخطوطا بمعنى قلته وندرته في أيدي ~~الناس، هي حالة تعم كل كتاب مخطوط؛ إذ أن نسخ أي مخطوطة مهما تكن نسخا ~~كثيرة، فإنها في الحد الأقصى لعدد نسخها لن تتجاوز العشرات. ولكن هذا ~~الكتاب (الانتصار) هو وقليل من أمثاله، تظل فيه ندرة الكثرة أو كثرة الندرة ~~حالة أخص به وأظهر فيه.. لسبب واحد كاف ناهيك بغيره. وهو حجم كتاب ~~(الانتصار) الذي يبلغ ثمانية عشر جزءا. وهذا ما جعل منه مخطوطة نادرة حيث ~~توجد، من حيث أنها لا تكاد توجد منه نسخة كاملة بأجزائها الثمانية عشر في ~~مكان واحد. فكل مكان بحثنا فيه عن هذا الكتاب أثناء القيام بجمع نسخ منه ~~لغرض تحقيقه، لم نجد فيه نسخة كاملة من الانتصار، سواء في المكتبات العامة ~~أو الخاصة. وظل السؤال عنه والبحث قائمين طيلة فترة التحقيق وحتى بداية ~~الطبع ولا يزالان. # وقد يكون مثيرا للاستغراب القول، بأنا بدأنا في هذا المشروع بمقابلة ~~النسختين الأوليين من حيث PageV01P013 حصولنا عليهما، وليس بين أيدينا من كل نسخة منهما غير الأجزاء الثلاثة ~~الأولى من الكتاب، ونحن في ذات الوقت لا نعرف من أين سنحصل على بقية ~~الأجزاء لنسخة واحدة، فضلا عن ms008 بقية الأجزاء لكلتا النسختين ونسخ أخرى. وكان ~~هذا تنفيذا لمبدئنا الذي جعلناه رائدنا في هذا المشروع، وهو المبدأ الرباني ~~الإنساني {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}.. أن نعمل بما في وسعنا، وبما ~~يتوفر لدينا من أجزاء ونسخ، وحتى لو كان جزءا واحدا أو نسخة واحدة. ولولا ~~الإصرار على هذا المبدأ لما بدأنا. # وتقابل ندرة الكتاب هذه، ما سبقت الإشارة إليه من قيمة هذا الكتاب ~~الموسوعة بحق، ولدرجة أنه من الكتب التي قلما أمكن لغيرها من نظائرها أن ~~يغني عنها. ولا نريد أن نطلق حكما يحتاج إلى كثير من التروي والنظر ~~العلميين، فنقول باستحالة حلول أي كتاب آخر من كتب الفقه الإسلامي اليمني ~~محله، على كثرتها واتساع مجالها. # وقيمة الكتاب لم يعد ممكنا ظهورها والإفادة منها مالم يطبع الكتاب وينشر، ~~ويصبح في متناول العالم والمتعلم والباحث على حد سواء، وفي أي مكان وزمان، ~~وإلا فلا نعتقد أنه يفرط في الرأي من يقول بأن المخطوطات في هذا العصر ~~حبيسة حبرها وجلودها، وعديمة الفائدة العامة والخاصة إلا للقلة من ملاكها، ~~إن لم يشملها عصر النشر وزمن الطباعة والمطابع. # رابعها: غاية التحقيق. # كذلك تأتي غاية تحقيق الكتاب هنا، دافعا لتحقيقه. وهنا، وفي كتاب ~~(الانتصار) بصفة خاصة بالنسبة إلينا.. نعتقد أن التحقيق في مفهومه ومنهجه، ~~أو في جانبيه النظري والعملي، يعني رأيا في هذين الجانبين نوضحه فيهما كما يلي: # أ- الجانب النظري. # نلخص الجانب النظري لنسخ المخطوطة، في فقرات ثلاث: # 1- المخطوط بين عصرين: # نعرف أن طباعة المخطوطة من كتب التراث، تنقلها طفرة من عصرها الذي تم فيه ~~تأليفها إلى PageV01P014 العصر الحديث نقله واحدة لا تدرج فيها ولا تمهيد. وهذه النقلة لا يمكن أن ~~نفهمها على أنها بسيطة وسهلة؛ لأن قضيتها هنا لا تنحصر في عملية التقنية ~~الآلية التي يعبر عنها بأنها كتاب كانت كلماته مخطوطة باليراع والمحبرة، تم ~~نسخه طباعة بواسطة آلة الكمبيوتر. إن القضية كما نعتقد، أعمق وأوسع وأكبر ~~من هذا الفهم البسيط.. لأنها قضية اجتماعية تاريخية لغوية ثقافية، فليس من ~~السهل والطبيعي تقديم هذه ms009 المخطوطة مطبوعة إلى القارئ المعاصر والعادي ~~خصوصا، ليتعامل معها تعاملا طبيعيا كأي كتاب آخر، ويلغي عشرة أو ثمانية أو ~~خمسة قرون من السنين تفصل بينه وبين تلك المخطوطة، إن فارق الزمن لا بد أن ~~يظل مؤثرا في علاقة القارئ المعاصر بتلك المخطوطة أثرا ينعكس على مدى ~~استفادته منها وإفادتها إياه، انخفاضا وتدنيا وركاكة في أحسن الأحوال، إن ~~لم ينصرف عنها انصرافا كليا. وهذا ما هو حاصل بالفعل وموجود، وحتى مع ~~الاعتراف بأن هناك أسبابا أخرى تصرف الأجيال المعاصرة عن كتب التراث ~~المطبوعة، برغم تميز هذه الفترة بالإقبال النسبي عليها، ومنها مثلا سببان: # أولهما: تميز هذا العصر بالانتشار الكثير والواسع للعلوم والفنون ~~والوسائل الحديثة في التعليم والتثقيف والمهن والترفيه. # ثانيهما: ارتباط العلوم الحديثة بالمعيشة ارتباطا مباشرا. # ومع الاعتراف كذلك، بأن هذه المخطوطات بالنسبة إلى العربي ومن يتكلم ~~العربية، هي مكتوبة بلغته، إلا أنه لا مجال من الاعتراف أيضا، بأن الفارق ~~الزمني يعني أشياء كثيرة ومؤثرة.. يعني الفوارق في المصطلحات والاستخدام ~~اللغوي والتوظيف المعنوي والدلالي للمفردات واختلاف الأسلوب بصفة عامة. ~~إضافة إلى أن لعلماء الفكر الإسلامي في كل نوع وفرع منه مصطلحات خاصة به، ~~سواء في المسميات أو الاشتقاقات أو المجازات أو الجمل والتعابير الأخرى. # 2- وظيفة التحقيق: # من ذلك.. نجد أن التحقيق لأي مخطوط يصل إلى ما يقارب الضرورة. ولكن على ~~أساس أن يكون التحقيق كاملا قدر الإمكان؛ لأن وظيفة التحقيق هنا تكون -بصفة ~~عامة- مقربة للمسافة PageV01P015 الفاصلة بين القارئ وحتى الباحث المعاصر من جهة، وبين الكتاب المخطوط من ~~الجهة الأخرى. وتأكيد ضرورة التحقيق يظهر جليا عند أن تكون وظيفته تقريب ~~الكتاب كما سبق؛ لتتحقق الغاية من نشر الكتاب في أكبر قدر ممكن متاح، وهي ~~إبراز قيمته العلمية وتسهيل الاستفادة منه لطالب العلم والباحث على حد سواء. # 3- بين النشر والنسخ: # وقد سبقت الاشارة إلى المستوى المتدني الذي وصل إليه التحقيق للمخطوطات، ~~وهذه الحال موضع شكوى لا في اليمن فحسب، بل في معظم الأقطار العربية ~~والإسلامية التي توجد بها المخطوطات التراثية، بصورة تجعل من ms010 تحقيقها ~~ونشرها عملا متميزا ومستقلا. والعجب ليس فقط من إقدام هؤلاء المحققين على ~~نشر المخطوطات وهم غير مؤهلين لذلك العمل، ولكنه أيضا يكون أكثر من حال ~~القادرين على التحقيق ممن لديه اطلاع واسع، وتجربة سالفة، وفهم بأصول ~~العمل. ثم نجدهم ينسخون المخطوطة طباعة دون أن يضيفوا إليها أي شيء مما هو ~~ضروري ومهم في وجوده وسهل في إنجازه، مثل تبويب الموضوعات وفهرسها. وهؤلاء ~~يصدق عليهم قول الشاعر: (¬1) # ولم أر في عيوب الناس شيئا ... كنقص القادرين على التمام # ... والذي نعرفه عن التحقيق، منذ أن فتحنا أعيننا على الكتب المطبوعة ~~المحققة من كتب التراث عن طريق رواد التحقيق والنشر في اليمن، أمثال ~~الأساتذة الأفاضل: القاضي عبدالواسع بن يحيى الواسعي، وعلي بن اسماعيل ~~المؤيد رحمهما الله وغيرهما. # نعرف أن التحقيق عمل متميز مستقل يضاف إلى المخطوطة يعرف بها، مخطوطة ~~وموضوعا ومؤلفا. ويسهل الاستفادة منها في فهارس وملاحق عدة. ولكن أن ينسخ ~~الكتاب فقط.. فهذا لا يمكن أن يكون من التحقيق في شيء، وهو إلى العمل ~~التجاري أقرب وألصق منه بالعمل الثقافي العلمي المسئول. # ب - الجانب العملي: PageV01P016 # وهنا.. أجدني مضطرا لاستكمال الاستطراد الذي تجاوزت به بابه بحكم شدة ~~الترابط بين هذين الجانبين. وفي هذا الجانب العملي من التحقيق، نركز موضوعه ~~في فقرات أربع: # الأولى: النسخ والأمانة العلمية: # قلنا في الحد المبسط والعملي للتحقيق ما معناه: بأنه كشف وإضافة حقائق في ~~الكتاب وإليه تبرز قيمته العلمية وتسهل استفادة القارئ المعاصر منه، بين ~~أكثر قدر ممكن منها وأقل قدر لا بد منه. # ولعل في مثل هذا الحد قدرا جيدا من المرونة والتسامح عن بلوغ الحد الأعلى ~~من ناحية، وقدرا من الحرص والتمسك بالحد الأدنى الذي يمثل أضعف الإيمان من ~~ناحية أخرى، وفي ذلك إتاحة الفرصة لتحاشي الإفراط في شروط التحقيق التي ~~تؤدي إلى الابتعاد عن تحقيق المطبوعة ونشرها، والسمو عن التفريط في ~~الاكتفاء بنسخها طباعة دون أن يلمس المطلع أي جهد للتحقيق. وبما أن حالة ~~الإفراط المانعة من التحقيق، هي سالبة عدمية.. فإن حالة التفريط إيجابية ms011 ~~تتمثل في عمل يحدد موضع وموضوع الحديث عنه. # ونمر به في مثالين: # أحدهما: النسخ المجرد: # وبين أيدينا عدد من المخطوطات النادرة التي تم طبعها دون أثر فيها ~~للتحقيق، والغريب أن من تولوا نشرها، يصرون على أن يسموا هذا النشر تحقيقا ~~مكتوبا على صفحاتها الأولى ومحفورا على أغلفتها. وكما سبق، فإن هذا الإخراج ~~للمخطوطة يكون عدمه أفضل من وجوده؛ ذلك أنه يمنع في الغالب، إقدام شخص آخر ~~على التحقيق مرة أخرى لذلك الكتاب. ثم إن فائدته تظل قليلة وحبيسة في ~~داخله. وكان أقل قدر من أضعف الإيمان أن يضع الناشر تبويبا للموضوعات ~~وفهارس لها.. ولكن الذي حدث أنه لم يضف شيئا.. ولدي بعض من هذه الكتب لا ~~أجدني قادرا على الاستفادة منها أبسط المعارف إلا بأن أتصفح الكتاب من ~~غلافه إلى غلافه في كل حالة أبحث فيها عن علم أو مفردة أو رأي لمؤلفه. # وثانيهما: الإخلال بالأمانة العلمية: PageV01P017 # وهذه الحالة أو المثال أشد سوءا وأكثر ظلما وهضما للكتاب ولمؤلفه. وقد ظهرت ~~لدينا في فترات متباعدة من العشرين عاما الأخيرة، بضعة كتب تراثية تم نشرها ~~وإدخال إضافات إلى صميم موضوع الكتاب منها. وحذف كلمات وجمل، بل ومفردات من ~~أماكن متفرقة فيها. وذلك لغرض التحريف المتعمد للمخطوطة الأصل، باسم إخضاع ~~آراء وأسلوب ومصطلحات الكتاب لمفاهيم وآراء معينة حدثت أخيرا على الساحة ~~الفكرية والثقافيه والسياسية. ومثل هذا العمل، يعتبر جريمة علمية وتاريخية ~~وخلقية وجنائية في حق الكتاب ومؤلفه خاصة، وفي حق الفكر والتاريخ عامة. # وتمثل هاتان الحالتان قضية الأمانة العلمية والتاريخية، ولذا يجب على من ~~يستطيع، وفي المقدمة العلماء والمثقفون.. الوقوف بحزم إلى جانبها ضد أي شخص ~~عمل أو يحاول أن يعمل في اتجاهها والمس منها والإساءة إليها. ولا نريد أن ~~نسمي أمثلة من هذه الكتب، حرصا على ترك المسئولية لأصحابها المباشرين في ~~مؤسساتها المختصة.. على أمل أن يتم تدارك القصور والخطأ في الطبعة القادمة ~~لمثل هذه الكتب. # الثانية: العودة إلى التراث: # والملاحظ أن ظاهرة العودة إلى كتب التراث الإسلامي، أصبحت حقيقة تتصاعد ~~من ms012 عام إلى آخر. وبصرف النظر عن أسبابها ودوافعها مما ليس هذا مكانها.. ~~فإنها ظاهرة تزيد من دوافع الاهتمام بنشر كتب التراث الإسلامي من جهة، ~~وبرفع مستوى التحقيق لهذه الكتب من جهة ثانية. # ففي كل محافظات ومدن الجمهورية في اليمن مثلا.. تزايد الطلب على ~~المخطوطات اليمنية في الفكر الإسلامي، بصورة أصبحت تمثل قضية لدى الجيل ~~الشاب بصفة خاصة. ولندرة طباعة ونشر هذه المخطوطات، اعتمد الناس على ~~تصويرها كما هي، في نسخ تتعدد وتتكاثر بين وقت وآخر، حتى أن مئات من ~~المخطوطات أصبحت صورها المنسوخة منتشرة بشكل بارز ومميز في المكتبات الخاصة ~~والمساجد وحلقات التدريس وغيرها، ولا يزال الإقبال يزداد ويتصاعد عليها حتى ~~أصبحت آلات طبع المخطوطات عن طريق التصوير وآلات التجليد، مهنا وحرفا رائجة ~~يعيش منها ويتفرغ فيها كثير من الناس. PageV01P018 # الثالثة: عزلة التراث اليمني: # وبالإضافة إلى ندرة الكتاب مخطوطا كما أشرنا إلى هذا العامل بوصفه واحدا ~~من الدوافع لتحقيق المخطوطات ونشرها، فإن موضوع عزلة التراث الفكري ~~اليمني.. يمثل أيضا واحدا من أبرز الدوافع لتحقيق ونشر أي مخطوطة. # ونتحدث عن هذا الموضوع من جوانب ثلاثة: # أولا: مدى عزلة التراث اليمني في الداخل: # أعرف أن أشياخا مطلعين وفتيانا متطلعين من أشياخنا وفتياننا العلماء ~~والمتعلمين، قد يقدمون أكثر من اعتراض أو استدراك أو تحفظ على هذا الموضوع ~~من حيث أن كتب التراث الإسلامي اليمنية لم تعد تعيش حالة توصف بالعزلة، بعد ~~أن فتح الباب على مصراعية للتحقيق والنشر، وبعد أن توفرت وسائل الطباعة ~~ودور النشر والمهتمون بالتحقيق وخرج إلى النور مئات من المخطوطات. # وفي الحقيقة التي نعتقدها ونقتنع بها.. فإن هذا الاعتراض من وجهته العامة ~~وارد ومقبول في جملته لا تفصيله؛ كونه لا يتعارض مع الحقيقة.. ولكنه لم ~~يطرح الحقيقة كلها ومن كل جوانبها وطبقا للأسس التي تقوم عليها والمعايير ~~التي تقاس بها. وحقيقته بالتالي، تظل نسبية من جانب، ومنطلقة من مدى توفر ~~الوسائل تشريعا ومؤسسات نشر من جانب آخر. # وبطرح الحقيقة من جميع جوانبها وبأبرز أسسها ومعاييرها، يتضح صدق العزلة ~~على الحال ms013 الذي تعيشه كتب التراث. وألخص ذلك في ملامح أربعة: # 1- إن المقصود بتعبير العزلة، هو عزلة هذا التراث اليمني عن القارئ في ~~داخل الجمهورية اليمنية وخارجها في الأقطار العربية خصوصا، ثم الإسلامية ~~عموما، هذا جانب من العزلة.. وجانب ثان، وهو عزلة كتب التراث عن حياة الناس ~~الفقهية والثقافية عموما. ولا نقصد بذلك فرضها على فئة أو مؤسسة أو منهج ~~دراسي، وإنما المقصود بهذا هو عزلتها عن الناس والأماكن، في حدود الحاجة ~~والفائدة القائمتين على الطلب والرغبة. وجانب ثالث، وهو أن المخطوطة هي في ~~حد ذاتها ووضعها وطبيعتها، عزلة للكتاب. وتزايد الإقبال على كتب التراث بين PageV01P019 أوساط الناس بمختلف فئاتهم وثقافاتهم، المخطوطة منها (عن طريق التصوير كما ~~سبق) والمطبوعة.. يؤكد بما لا مجال فيه للشك، أنه لو أصبحت المخطوطة من كتب ~~التراث مطبوعة منشورة، لشملها هذا الإقبال. ولم يعد الآن مستغربا أن يسمع ~~الواحد منها بين وقت وآخر أصحاب دور نشر في سوريا ولبنان بالذات، يسألونه ~~عن مدى معرفته بشيء من التراث اليمني يمكن أن يتولوا طبعه ونشره ابتداء أو ~~إعادة. وهم لا يعنون كتبا بعينها ولكن أي كتب. وهذا السؤال نسمعه أكثر ~~أثناء معارض الكتاب الدورية التي تقيمها جامعة صنعاء. وفيه دلالة كافية على ~~رواج كتب التراث؛ إذ أن كثيرا من أصحاب هذه الدور أصحاب هدف محدد ومعروف ~~سلفا، وهو المردود المالي من هذا العمل. وبرغم ذلك فإنهم أصحاب هدف مشروع ~~وعمل يستحق التشجيع والتسهيل والمساعدة لإنجازه. # المناظرة بين المشرق والمغرب: # ومثال آخر من الواقع.. وهو أن الحوار الذي عقده أستاذان من أبرز الباحثين ~~العرب(¬1) وأدارته بينهما إحدى المجلات العربية(¬2) تحت عنوان عام، هو ~~(المناظرة بين المشرق والمغرب) في حلقات خلال العام 1989م، وهذا الحوار شغل ~~مساحة واسعة من القراء في الوطن العربي وخارجه، وظلت المطالبة باستمراره ~~والتعليق على جوانب منه، تزداد وتتسع. كما كان من نتائجه انصراف أعداد غير ~~قليلة من مختلف فئات الناس، إلى البحث عن كتب التراث والسؤال عن عناوين ~~منها متعددة. وذلك ما لم يكن متوقعا بهذه ms014 الكثرة على الأقل. ودلالة المثال ~~في أن الحوار كان في مجال القضايا الفكرية التراثية، ثم ما استتبع ذلك من ~~استخدام المدارس والمذاهب والإعلام في إطار الفكر الإسلامي، مادة للحوار. ~~وإضافة إلى هذا، فإن شطر هذا الحوار - كما قرأت أخيرا قد صدر في كتاب. # 2- وبما أن المخطوطة عزلة للكتاب كما سلف، ونقرؤ مثلا: من المحقق القاضي ~~محمد بن علي الأكوع الحوالي، حيث يقول عن مخطوطة: (العقود اللؤلؤية) (¬3) ~~بأنها النسخة الوحيدة من الكتاب.. فإن ما لا يزال من تراث الفكر اليمني سجين PageV01P020 المخطوطات، يزيد عن ما نسبته 90% تسعون في المئة أو عن تسعة أعشاره.. ~~اعتمادا على أدنى التقديرات لعدد المخطوطات من كتب التراث اليمني(¬1). # 1- 3- عزلة المكتبات الخاصة: # ونتجاوز ما تسرب من كتب التراث اليمني إلى الخارج خلال حقب مرت من ~~التاريخ، ولا يزال يتسرب بصورة ربما أكثر من الماضي، وبكل الوسائل والطرق ~~المشروعة وغير المشروعة، والطرق غير المشروعة أكثر، وذلك مما هو الآن في ~~كثير من المتاحف والمكتبات العامة وهو كثير(¬2)، ناهيك عما ضل عن طريق هذه ~~المكتبات والمتاحف، والتجاوز قائم على أساس أن هذا الجانب منها يقع في ~~متناول الباحث والمطلع القادرين.. إذا تجاوزنا هذا، فإن النسبة الكبرى من ~~المخطوطات اليمنية في الداخل، هي التي توجد في المكتبات الخاصة، وهي واقعة ~~تحت احتكار ملاكها الذين يمتنع كثير منهم حتى عن إعطاء بيانات كاملة وشاملة ~~عما بحوزتهم، إلى المراكز والمكتبات العامة، فضلا عن تقديم شيء منها إلى ~~هذه المكتبات العامة التي تقع في متناول الباحث والمطلع. # واحتكار المكتبات الخاصة للمخطوطات، يكاد يكون عادة متوارثة لدى الأسر ~~اليمنية كغيرها من الأسر في غير اليمن، ولعلها في اليمن أرسخ وأعمق.. ومن ~~آيات ذلك، على طريق التمثيل ظاهرتان: # أولاهما: أن مخطوطات الأسر المالكة لها، أصبحت معروفة تقريبا، بحيث يمكن ~~للمطلع على المخطوطات والمهتم بها.. معرفة عناوين الكتب التي تملكها الأسرة ~~أو الأسر الفلانية، هذا من حيث أسماء وموضوعات المخطوطات في أبرزها وأشهرها ~~على الأقل. وكذا يمكنه من حيث شكل المجلدات تمييز نسخ المخطوطات ونسبتها ~~إلى ms015 ملاكها. حتى أشبهت المخطوطات في ملكياتها، العمارات والعقارات تقريبا، ~~فلا تستغرب أن تسمع شخصا يتحدث عن الفوارق والميزات بين نسخة آل فلان من ~~الكتاب الفلاني، وبين نسخ أخرى منه للأسر الفلانية مثلا.. من حيث جودة ونوع ~~الخط والهوامش والتصحيح ...إلخ. PageV01P021 # وثانيتهما: ترتب على حرص الأسر على مخطوطاتها، أو تسبب فيه ونتج عنه أن ~~انتشر واشتهر في أوساط كثير من الأسر اليمنية -ولا يزال لدى بعضها حتى ~~اليوم- حصر توارث المخطوطات من الكتب بصفة خاصة على الذكور من أفراد الأسرة ~~دون النساء، حتى لا يخرج موروثها من الكتب إلى أسر أخرى. ولكن دون وجود ~~تعصب أو تحيز ضد الوارثات من النساء أو إنكار حقهن بأية صفة من الإكراه أو ~~الحرمان، بل برضاهن أولا، وبتعويضهن عن الكتب من المنقولات الموروثة الأخرى ~~ثانيا، أو أن يشتري الرجل نصيب قريبته من أسرته، بعد القسمة بثمن الزمان ~~والمكان حسب تقويم عدول مختصين، ويساعد على ذلك في الغالب، عدم اهتمام ~~المرأة بالمخطوطات من جهة، وكثيرا ما تشاطر أسرتها الحرص على الاحتفاظ ~~بالمخطوطات المتوارثة. # وهذه عادات وأساليب ليس هذا موضع مناقشتها، وقد لا يجد المعترض سبيلا ~~شرعيا إلى الطعن فيها، طالما ظلت قائمة على الصفة الشرعية التي استعرضنا ~~جانبا منها في المثال الأخير. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى.. فإن الحرص ~~الشديد من أصحاب المكتبات الخاصة على مجلداتهم، وهو حرص يشمل في الغالب ~~المتعلمين وغيرهم من أفراد الأسرة الواحدة.. لا يبدو أنه آت من فراغ، ولكن ~~له أسبابا فرضتها حالات تعرضت فيها الكتب للضياع بطرق مشروعة أو شبه ~~مشروعة، كالعارية التي لا ترد، وكأخذها بصورة مؤقتة لبعض المدارس، ثم بعد ~~فترة من الزمن والنسيان تصبح وقفا بطريق الخطأ، أو تتنقل من شيخ (أستاذ ~~المدرسة العلمية) إلى آخر، وربما من مدرسة إلى أخرى.. وبطرق غير مشروعة، ~~كالمصادرة والنهب والابتزاز والسرقة...إلخ. ثم من ناحية ثالثة، أن اعتقادا ~~ترسخ لدى كثير من الأسر اليمنية يربط المحافظة على المخطوطات الموروثة بشيء ~~من كرامة وسمعة الأسرة، وهو اعتقاد قد بدأ بانتشار المطابع بالدرجة ms016 الأولى، ~~يتلاشى في طريقه إلى الانحسار. # 4- عزلة المكتبات العامة: # وكما سبق، فإن وجود المخطوطات في المكتبات العامة، وإن كان وجودها فيها ~~أقل عزلة وأكثر حضورا، إلا أنها في حد ذاتها عزلة أيضا، لولا تبريرها بأنها ~~أهون الشرين كما يقال، وأن ذلك هو كل ما في الإمكان حاليا؛ ذلك أن وجودها ~~تظل فائدته محصورة تقريبا على الباحث والدارس، بمن فيهم أصحاب الدراسات ~~الأكاديمية العليا أو المتخصصة. ويؤكد هذه العزلة في بلادنا وما شابهها ~~بصفة خاصة، عوامل عدة مثل: PageV01P022 # أ- إن جمهور المكتبات العامة من المثقفين في بلادنا، جمهور لم يتجمهر بعد ~~ولا يكاد يظهر بما يستحق أن يذكر، فما بالنا بعامة الناس. # ب - إن الحصول على نسخ أو أوراق منسوخة من محتويات المكتبات العامة، لا ~~يزال أمرا صعبا ومرتفع التكاليف عند إمكانه. وكثيرا ما يتعذر ذلك في بعض ~~المخطوطات لأسباب غالبا ما تكون غير منطقية ولا مقبولة.. وعلى سبيل المثال، ~~فقد أفادنا مسئول في إحدى المكتبات العامة للمخطوطات، أثناء المحاولة ~~للحصول على نسخ من بعض المراجع.. أفاد بأن لديه أمرا من المسئول الأول عن ~~المؤسسة المشرفة على المكتبة يقضي بمنع تصوير المخطوطات بحجة أن ذلك يسبب ~~التفسخ وشيئا من الإساءة المادية (تمزق بعض الأوراق والتجليد) إلى ~~المخطوطات، وهو عذر مقبول لو كان النسخ متعذرا إلا من المخطوطة الأصل، ~~ولكنه غير مقبول ولا مقنع إذا عرفنا أن بالإمكان تصوير نسخة واحدة من كل ~~مخطوط بواسطة فنيين متخصصين، ثم النسخ عن الصورة، هذا من جهة.. ومن أخرى ~~فإن المفروض استخدام أحدث أجهزة النسخ والتصوير التي تؤدي الغرض ولا تضر ~~بالمخطوطة، ولا تسبب لها أي إساءة. وهو احتجاج كما ترى، يعتبر دليلا على ~~عدم الاهتمام بحق النسخ والاطلاع، وعدم الاهتمام بصيانة المخطوطات، وعدم ~~وضع الحل الجذري، أكثر من كونه مبررا مقنعا بعدم النسخ. # ثانيا: عزلة الفهم الخاطئ. # والجانب الثاني من الجوانب الثلاثة التي حددتها لتناول موضوع عزلة التراث ~~الفكري اليمني.. هو عزلة الفهم الخاطئ لهذا التراث، وأطلق عليه هنا صفة ~~العزلة.. إطلاقا لا يستخدم ضربا ms017 من معاني وأساليب الكناية أو المجاز، ولكن ~~هذا الفهم قد مثل عزلة للتراث الفكري اليمني (الزيدي) بكل ما تعنيه الكلمة ~~في دلالتها الحقيقية من دلالة لغوية. وأحاول توضيح هذا الجانب في أربعة من وجوهه: # الأول: أن هذا الفهم الخاطئ، قد ضرب عزلة شديدة على التراث الفكري اليمني ~~لسنوات طويلة مضت ولا يزال قائما ومفروضا، وبأساليب شتى وإصرار عجيب.. هو ~~صادر من بعض المدارس PageV01P023 الإسلامية، ثم من تأثر أو قلد هذه المدارس، أو يحاول التظاهر بالتأثر ~~والتقليد لها، لأسباب أو لأخرى. وتظهر ملامح الصورة لهذا الفهم، في العناصر ~~الأربعة التالية: # 1- أنه صادر من بعض المدارس الإسلامية كما سبق. وأنه بدأ تقريبا منذ ~~ثلاثة قرون مضت، ولا يزال فحله مستفحلا، ودعائم بنيانه مدعومة، ودعاوى ~~دعوته متصاعدة. # 2- نطلق عليه (فهما) تجوزا؛ لأنه فهم ليس صادرا عن اعتقاد بريء، ولكنه ~~يجمع بين صفات العمد والإصرار والاستمرار. # 3- يستهدف هذا الفهم الإساءة إلى الفكر الإسلامي اليمني عموما، باسم ~~الفكر أو المذهب (الزيدي) وهذا من العوامل التي قد تشير إلى أن دوافع الفهم ~~ليست فكرية بحتة. # 4- يصف الفهم هذا أتباع المذهب الزيدي أو اليمنيين عموما، بأنهم أصحاب ~~بدع.. ومن هنا، يمضي في وصفهم بالانحراف عن الدين، ينسب إليهم الشرك مرة ~~والكفر أخرى والفسق ثالثة...إلخ. # الثاني: أنه فهم متعمد لغرض الإساءة إلى الفكر الإسلامي في اليمن، لا ~~يقتصر فقط على تخطئة هذا الفكر، ولكنه يتعداه إلىالتحذير منه ونعته بكل ~~الأوصاف والنعوت السيئة التي هو أبعد ما يكون عنها. # الثالث: أن محاولات يمنية متكررة لتوضيح الفكر اليمني أمام أعلام ذلك ~~الفهم ومدارسه وفي كل الفترات والعهود الماضية وحتى الآن.. قد جرت من قبل ~~كثير من علماء اليمن، منذ العلامة محمد بن علي الشوكاني والعلامة محمد بن ~~إسماعيل الأمير، والعلامة صالح بن مهدي المقبلي. # وعرض أصحاب هذه المحاولات كتب الفكر الإسلامي اليمني الزيدي من أمهات ~~مراجع الكتب لتوضيح أصول ومصادر وآراء هذا الفكر.. ولكنها كلها تبدأ ~~باعتراف أصحاب هذا الفهم بخطأ فهمهم، فإذا انفض الجانبان عن المقام، أنكر ~~أولئك ما ms018 سمعوا ورجعوا عما قالوا وعادوا إلى ما PageV01P024 اعتادوا. ويتذرع أصحاب هذا الفهم في بعض ما يقولون وما يكتبون ضد الفكر ~~اليمني، بمخالفة هذا الفكر لمذهبهم في آراء لا تخرج في معظمها عن الآراء ~~الاجتهادية التي لا خلاف بين الأمة في جواز الاجتهاد فيها اختلافا؛ ~~والاختلاف فيها اجتهادا. وليس هذا التعريج سوى استطراد من موضوع عزلة ~~التراث اليمني، مما يمنعنا عن الإيغال فيه وتتبع بعض من الأمثلة في هذا ~~والأدلة عليه. # الرابع: يلاحظ في السنوات العشر الأخيرة تقريبا.. ظهور مؤلفات جديدة عن ~~بعض أعلام الفكر اليمني صادرة في فترات متفاوتة.. في دراسات عليا. وهذه ~~المؤلفات أو الدراسات، وإن كانت موضوعاتها يظهر عليها أنها منتقاة، إلا ~~أننا يجب أن نعتبرها بادرة جيدة على أمل أنها قد تتيح فرصا لنظرة علمية ~~وموضوعية نحو هذا الفكر. # وأريد التنبيه هنا.. إلى أن وضع هذا الحديث في شكل علامة تعجب من ذلك ~~الموقف والفهم الخاطئ تجاه الفكر اليمني، لا يعني أبدا أننا نريد من ~~الآخرين أن يقطعوا بتصويب كل التراث الفكري الإسلامي في اليمن ومذاهبه ~~وآرائه واجتهادات أعلامه، بصفة مطلقة.. أو أن يتركوا مذاهبهم وتراثهم ~~وينصرفوا إلى هذا التراث. فهذا غير وارد.. ولكن الغرض الذي نريده هنا، ~~يتلخص في نقطتين: # أولاهما: أن لا يقول أولئك في الفكر والمذاهب وأعلامهما في اليمن رأيا أو ~~نعتا قبل أن يقرؤوا من مؤلفات هذا الفكر مجموعة متنوعة في موضوعها ومؤلفيها ~~تكون كافية لتكوين نظر ورأي صحيحين، وأن لا يقولوا عنها بعد قراءتها كلاما ~~يتناقض مع ما رأوه وقرأوه فيها، أو رأيا مغايرا لما فهموه منها أو صفات لا ~~تنطبق عليها. وهذا أقل ما يمكن أن لا يفرط فيه أو يتجاوزه أو يقصر عنه ~~العالم الورع في ما ينقله ويرويه ويكتبه عن غيره من الناس. # وثانيتهما: أن يكون التعامل مع هذا الفكر على حقيقته، بوصفه فكرا إسلاميا ~~اعتور تأليفه وتأصيله وتوسيع علومه وآرائه، علماء مجتهدون من أكبر وأشهر ~~علماء المسلمين على مدى قرون من السنين وأجيال من الباحثين والمحققين.. ~~وعلى أساس ms019 أن الاختلاف في الاجتهادات والمذاهب قضية واردة ومسلم بها، وموضع ~~احترام وإجلال بين علماء الأمة ومدارس ومقاصد الشريعة، يفترض أن لا يسبب ~~شيء منها فرقة أو تنابذا أو سوءا من قول أو فعل، وهي قضية قائمة معروفة غير ~~منكرة من عهد الصحابة (رضوان الله عليهم)، ثم التابعين وحتى اليوم. ولم ~~يحدث شيء منها عداء أو فرقة بين PageV01P025 الأمة إلا في فترات محدودة ولدى أشخاص محدودين، وذلك في حالتين تقريبا: # إحداهما: عندما دخلت طفيليات من الأغراض والمقاصد والدوافع مغطاة بدثار ~~الإسلام ومتسمية باسم الاجتهاد وهي بعيدة عنهما. # والأخرى: عند أن حلت العصبية والحمية محل البحث العلمي والنظر الموضوعي ~~في قضية الاجتهاد وقضايا الفكر الإسلامي عموما. # ثالثا: عزلة الانتشار العام: # الجانب الثالث من جوانب عزلة التراث اليمني.. عزلة الانتشار العام له في ~~خارج اليمن. وهذا الجانب يرتبط كما نعتقد الآن، بعامل وسبب يفوق غيره من ~~العوامل والأسباب الأخرى، وهو عزلة المخطوطات اليمنية عن المطابع وندرة ما ~~طبع منها حتى الآن، ويأتي بعد هذا السبب أسباب ثانوية، لا أرى داعيا ~~لاستقراء شيء منها هنا. # الرابعة: طريقة منهج التحقيق # نصل إلى الفقرة الرابعة من فقرات التحقيق الأربع في جانبه العلمي.. وهي ~~منهج التحقيق لكتاب (الانتصار). ونقسم هذه الفقرة إلى قسمين: مصادر ~~التحقيق، ومنهج التحقيق. # القسم الأول: مصادر التحقيق: # أ- مخطوطة الكتاب: # تعتبر مخطوطة الكتاب أولى مصادر التحقيق؛ وذلك أنه لا يمكن أن يتجاوز ~~التحقيق جزءا من أجزائها أو يستغني عن شيء منها. ويعني ذلك بالنسبة لهذا ~~الكتاب أغراضا أساسية ثلاثة: وجودا وقراءة واستقراء. # أولها: وجود المخطوطة بكامل أجزائها .. وهذا الغرض قد يظهر أمرا بديهيا ~~كونه مرتبطا بموضع التحقيق وموضوعه وغايته بحكم الضرورة.. غير أن الضرورة ~~التي تجعل من وجود كامل أجزاء المخطوطة أمرا بديهيا.. تجعل تجاوز بعض من ~~أجزائها أمرا واردا ومحتملا، بل وحاصلا في بعض المخطوطات عند اليأس من ~~وجودها في مظانها على المدى الزمني الزائد والمنقطع عن فترة البحث عنها، ~~وعن فترة التحقيق للمخطوطة. وهنا تفرض الضرورة أحد خيارين: إما إخراج ما ~~توفر ms020 من PageV01P026 أجزائها، وإما إهمالها وصرف النظر عن تحقيقها وطبعها. ويكون الأخذ بالأول ~~أفضل وأرجح وأولى، من باب: إخراج البعض ولا فقدان الكل. وهو مبدأ ينسجم مع ~~العقل والمصلحة والضرورة العلمية. ومع ما جاء في القرآن الكريم {لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها} و{.. إلا ما آتاها}والحديث الشريف: ((إذا أمرتم بأمر ~~فأتوا به (أو منه) ما استطعتم)). باعتبار إخراج المخطوطات واجبا علميا ~~دينيا يقع على القادرين بحسب مراتب القدرة والاستطاعة لديهم، وهذا ما تم ~~مثلا في إخراج وتحقيق كتاب (الإكليل)(¬1). # وثانيها: قراءة المخطوطة، قراءة متأنية ومتأملة وفاحصة، تتغيا أمورا ~~تشارك بأهميتها في صرح التحقيق وبنائه وهي أربعة: # 1- مقارنة المخطوطة الأم مع نسخة أو نسخ من مخطوطات الكتاب بحسب ما يتوفر ~~منها. لتحديد الفوارق بينها، زيادة ونقصانا وفي ما قد يظهر من اختلاف في ~~بعض التعابير والتبويب والهوامش، وما يضارع ذلك أو يترتب عليه.. واعتماد ~~الأصح والأصلح والأكثر كمالا واكتمالا وإفادة وتناسبا مع موضعه أو موضوعه ~~في النسخة التي ستخرج إلى المطبعة، ثم إلى المكتبات والناس. # 2- استفادة التمرس والدربة على طريقة الناسخ وأسلوبه في رسم الحروف ~~والكلمات.. وهذه مسألة ليست من البساطة بحيث يمكن تجاوزها والتهاون بها، بل ~~لا تقل أهميتها عن أي عنصر آخر من عناصر التحقيق؛ ذلك أن اختلاف طريقة رسم ~~الحروف والكلمات في المخطوطات العربية فيما قبل قرن إلى قرنين فما فوق عنها ~~اليوم.. هو اختلاف كبير وواسع. # أولا: من حيث مصطلحات رسم الحروف. # وثانيا: من حيث العجم (ضبط الحروف بالنقط)، الذي أصبح جزءا لا ينفصل عن ~~الأحرف، بينما نجده في المخطوطات لا يكاد يبين ولا يمكن الاعتماد عليه في ~~التمييز بين الحرف ونظائره، أو بين المعجم والمهمل في المخطوطات اليمنية ~~القديمة. وهذا يسبب كثيرا من الخطأ في قراءة الكلمات مصحفة أو محرفة أو بلا ~~معنى، مما يحتاج إلى كثير تأمل وفحصة، وأحيانا العودة إلى المراجع من نظائر PageV01P027 المخطوطة للتأكد من رسم الكلمة ومعناها الصحيحين. # وثالثا: أن اعتماد الناس في هذا العصر، على القراءة المطبوعة في كل أو ~~معظم ms021 ما يقرؤونه من كتب وصحف ومنشورات البحوث، وحتى الرسائل الرسمية.. قد ~~جعل القارئ منا مطبوعا ومتطبعا عليها، فلا يكاد يواجه مخطوطة قديمة حتى ~~يبدو كالطفل في بدايات تعلمه ومحاولاته فك المكتوب وقراءة كلماته بتكرار ~~وبطء وصعوبة. وهذا بالنسبة لجيلنا الذي بدأ حياته العلمية في الفقه ~~واللسانيات والعلوم الدينية في كتب معظمها من المخطوطات القديمة. أما الذين ~~بدأوا تعلميهم في المدارس الحديثة، فإن الواحد منهم يكاد يستوي هو والأمي ~~في التعامل مع المخطوطة. ولذا فإن قراءة المخطوطات القديمة، أصبحت حتى في ~~البلدان العربية.. خبرة مستقلة تحتاج إلى كثير من التخصص والتدرب لكسبها ~~تماما، كما أصبح الخبراء فيها يوازون خبراء حل (الشيفرة) أو فك نصوص ~~(المسند) في اليمن(¬1). # ورابعا: النقط والفواصل التي تميز وتفصل بين أنواع الجمل والفقرات ~~والنصوص.. في العصر الحديث أصبحت جزءا من الكتابة وعنصرا أساسا فيها. بينما ~~تخلوا منها المخطوطات القديمة تمام الخلو. وهذا الخلو يسبب كثيرا من تحريف ~~المعاني والخلط فيما بينها، وفهمها فهما خاطئا، عند عدم التمييز بين الجمل ~~المتتالية. وهذه النقط والفواصل تظل مشكلا لا سبيل إلى الحئول دون وقوع ~~القارئ العادي على الأقل في الخطأ في كل مكان تحتمل فيه جملة أو أكثر، أكثر ~~من تفسير أو فهم واحد لمعانيها. # 3- إضافة إلى أمور أخرى ترتبط بقراءة المخطوطة، ويلزم المحقق معرفتها ~~وتسجيلها والإشارة إليها، بحسب ما يتطلبه كل واحد منها.. مثل: التعريف ~~بالمخطوطة وبدايات ونهايات أجزائها واسم مالكها ومكانها المحفوظة فيه واسم ~~ناسخها وتاريخ نسخها بداية ونهاية. إلى آخره. # 4- تصحيح الأخطاء الواردة في المخطوطة بعد التأكد منها. # ثالثا: استقراؤها: PageV01P028 # من خلال التجربة التي مررنا بها في تحقيق هذا الكتاب، ومن بقايا الخبرة ~~السالفة والممارسات المتفاوتة المتقطعة فيما يتعلق بالمخطوطات اليمنية.. ~~فإن قراءة المخطوطة لغرض التحقيق بصفة خاصة، هي كما أوضحت آنفا عنصر يتعلق ~~بشكل الحروف والجمل وطريقة الرسم في نسخ المخطوطة، بينما أن استقراء ~~المخطوطة، ونقصد به الاستقراء أو التتبع الداخلي لأبواب وفصول وفقرات أصل ~~النسخة ومتنها.. يتعلق بالنصوص والأساليب والمصطلحات، توثيقا وترجمة ~~وتوضيحا. ويدخل ضمن ms022 ملاحق التحقيق. أبدأ في الحديث هنا عن استقراء النصوص ~~في المخطوطة مما هو داخل ضمن مهمة التحقيق. والنصوص التي يبرزها الاستقراء ~~والتي نقصدها هنا.. تأتي في أنواع وحالات ثلاث: # الأولى: حالة التوثيق للنصوص الواردة في المخطوطة (الكتاب)، لغرض ~~الاستدلال والاستشهاد والتأصيل. # الثانية: حالة الترجمة.. وتشمل الأعلام والأماكن والكتب الواردة في ~~المؤلف المخطوط. وكذا المدارس والجماعات. # الثالثة: حالة التوضيح. وتتناول المفردات اللغوية والعبارات أو الجمل ~~المتشابكة المتشابهة، والمعاني المبهمة أو التي تظهر متناقضة أو ناقصة أو ~~محذوفة أو مفروغا منها. # ب - توثيق المخطوطة: # عند دأبنا في البحث عن مصادر تحقيق المخطوطة لهذا الكتاب لغرض توثيقها ~~والتأكد من أنها الأوفى والأصح من حيث متنها (النص الأصل) وهوامشها وبدايات ~~ونهايات أجزائها.. واجهتنا صعوبات شتى، وكان لا بد من توثيقها بكل الممكن ~~في الفترة الزمنية المقبولة فترة لتحقيق الكتاب هذا.. مهما تكن شدة ~~الصعوبات، طالما كانت في إطار وحدود الممكن. وكان ما يثير القلق والحيرة ~~منها أشد مضاضة علينا مما تعنيه الصعوبات من جهود ومتاعب مادية أو عضوية. ~~وكان مصدر هذه الصعوبات أو معظمها، يتمثل في جوانب، منها: # أولا: أن كتاب (الانتصار) ليس مثل كثير من الكتب المخطوطة، من حيث حجمه ~~واتساعه؛ كونه ثمانية عشر جزءا تناهز حوالي ثلاثة آلاف صفحة مخطوطة كما ~~قدرناها من خلال النماذج الموجودة، PageV01P029 وذلك يغني عن شرح ما تحتاجه المخطوطة من زمن وجهد لفحصها وقراءتها ~~واستقرائها أثناء التدقيق والتحقيق. # ثانيا: وليست الصعوبات الأهم ماثلة في حجم الكتاب واتساعه، ولكنها قبل ~~ذلك في عدم وجود مخطوطته كاملة، وعدم العثور عليها في مكان واحد. وأنها بخط ~~أكثر من ناسخ وعبر أكثر من زمن وجيل. ومع كل هذا فإن الأجزاء والبيانات ~~التي بين أيدينا حتى الآن، تؤكد أن بعضا من أجزائها لا يزال مجهول المكان ~~والوجود. والتصنيف التالي يوضح النسخ والأجزاء والبيانات التي توفرت لتوثيق ~~وتحقيق الأجزاء الأربعة الأول. # المخطوطة الأولى (و): # 1- الحجم: # تقع هذه المخطوطة في أربعمائة وتسع وثمانين صفحة، مقياس الصفحة (28 × ~~20سم). وتحتوي الصفحة الواحدة معدل أربعين سطرا. طول ms023 السطر (16سم). ويحتوي ~~بمعدل وسط خمسا وعشرين كلمة. أي أن سعة الصفحة ألف كلمة تقريبا. وكما هو ~~معروف في المخطوطات بصفة عامة، فإن الصفحة الواحدة من هذه المخطوطة، لا ~~يوجد فيها فراغ يتسع لكلمة واحدة وحتى في بدايات ونهايات الأبواب والفصول ~~وما شابهها. فيما عدا إبراز البدايات والعناوين من الباب والفصل والفرع ~~والحكم والمختار والانتصار، بحروف مكبرة في الموقع الذي تصادفه من السطر. ~~ولكن دون أن يدع الناسخ فراغا. هذا بالإضافة إلى عدم وجود الفواصل والنقط، ~~سواء في أواسط أواخر الجمل أو نهايات الفقرات والنصوص من الأدلة. إلا أن ~~الناسخ يستخدم في حالات نادرة، علامة الوقف المصطلح عليها أو المتبعة عادة ~~في المخطوطات القديمة، وهي حرف الهاء منفصلة ساكنة بشكلها الموجود في ~~الأبجدية (ه).. مع تشويشها أو تزويقها بنقط وخطوط من داخلها، حتى لا تكاد ~~تميزها إلا بتأمل في الغالب. # ويجوز أن يكون حرف (ه) هنا، مجرد شكل لا يعني غير علامة للوقف أو الفصل. ~~تبعا لاطراد العادة في استخدامه لدى النساخ. كما يجوز أن يكون رمزا ناطقا ~~لانتهاء الفقرة أو النص، وهو مصطلح يكثر وجوده في المخطوطات القديمة في ~~اليمن، كونه اختصارا لكلمة (انتهى). وهو أقصد PageV01P030 حرف (ه)، أول ما استخدم علامة للوقف في نهاية الآيات في القرآن الكريم. وله ~~حالة أخرى في المخطوطات، حيث يكون مسبوقا بحرف الألف (ا ه). بمعنى (انتهى). ~~إلا أنه يأتي في نهاية النصوص المقتبسة أو المتضمنة من كتب أو أقوال أخرى. ~~وتعني أن النص انتهى بلفظه، في الأكثر. وهذا ما لم يلتزم به الناسخ لهذه ~~المخطوطة، بل يستخدم حرف (ه) في المكان الذي يمكن أن نضع فيه نقطة أو ~~فاصلة. وفي النصوص الشعرية، يضعه فاصلا بين شطري البيت وفي آخره. مما يؤكد ~~أنه يستخدمه شكلا فقط. # 2- أجزاؤها.. وهذه النسخة تحتوي على ثلاثة أجزاء، هي: # الجزء الأول: من البداية إلى نهاية الصفحة ذات الرقم (183) مائة وثلاث ~~وثمانين. ويبدأ من أول سطر في الصفحة الثالثة، حيث شغل الصفحة الأولى عنوان ~~الكتاب واسم مؤلفه .. ونصه ورسم ms024 أسطره كما يلي: # (السفر الأول من كتاب الانتصار على علماء الأمصار في تقرير المختار من ~~كلام الأئمة ومذاهب علماء الأمة في المسائل الفقهية والمضطربات ~~الاجتهادية). # وتحت اسم الكتاب.. اسم المؤلف: # (مما ألفه إمام الأمة الجامع لعلوم الأئمة (......) المؤيد برب العزة ~~يحيى بن حمزة). # وفي آخر الصفحة الأولى، ثلاثة أبيات من الشعر تقول: # ترى فيها مسائل آل طه ... تبرهن مشكل الأمر المريج # أدر عينيك في ورقي ففيها ... مسائل لم تسود في الدروج # وتظهر كل غاب مدلهم ... وتبكم كل ذي نطق حجيج # ولم يحدد قائلها، وفي هذه الصفحة هامش نصه: # (من كتب مولانا المتوكل على الله رحمه الله التي لا رسم فيها ولها حكم ~~ذكره في وصيته). PageV01P031 # ولم يذكر اسم المتوكل على الله(¬1). # وفي الصفحة هوامش أو فوائد ليست من الكتاب ولا تبدو بخط الناسخ، وبداية ~~الكتاب في هذه النسخة من بداية السطر الأول في الصفحة الثالثة. # (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وصلاة على سيدنا محمد وآله اللهم أعن ~~ياكريم). # وفي السطر الثاني: # (الحمد لله القيوم الذي لا تستولي على كنه جلاله عميقات مذاهب الفكر ~~والأفهام. المتعالي بكبريائه عن أن ترتقي إليه متاهات الظنون والأوهام). ~~والكلمتان الأخيرتان في بداية السطر الثالث. # وفي أعلى الصفحة الثالثة هذه في الزاوية اليسرى .. تأريخ الابتداء بنسخ ~~المخطوطة كما يبدو؛ إذ يعرف هذا بمجرد الفهم فقد اقتصر نصه على: # (كان الابتداء في أول العشر الأولى من ذي القعدة سنة أربع وثمانين ~~وثمانمائة). # 3- الناسخ: # في نهاية الجزء الأول بنهاية الصفحة (183). والذي انتهى بما نصه: # (وقد نجز غرضنا من بيان الفصول الثلاثة، التي اشتمل عليها باب الوضوء، من ~~بيان فروضها وسننها وحكم الشك عند عروضه فيها. ونندفع الآن في شرح النواقض ~~للوضوء، مستعينين بالله وهو خير معين). وتلاه بقلم الناسخ الإشارة إلى ~~انتهائه من نسخ الجزء الأول، ثم أضاف تاريخ الانتهاء في ما نصه: # (تم الجزء الأول من كتاب الانتصار على علماء الأمصار والحمد لله رب ~~العالمين) (وافق الفراغ من رقم هذا الجزء المبارك إن شاء الله تعالى ms025 عشية ~~يوم الأربعاء الثامن من شهر سفر (صفر) الذي هو من شهور سنة خمس وثمانين ~~وثمانمائة (مئة) سنة(¬2) من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة PageV01P032 والسلام). # ويلي هذا من أول السطر ما نصه: # (كان ذلك بخط مالكه الفقير إلى الله تعالى، علي بن حسن الملقب بالخلوفة، ~~ابن حسن بن محمد بن أحمد بن وهاس..). ثم يستطرد في ذكر نسبه إلى الحسن بن ~~الحسن بن علي بن أبي طالب، ثم تابع في ذكر النسب إلى أن انتهى إلى (قصي بن ~~كلاب بن مرة). ثم أضاف في تعريفه بنفسه قوله: (الزيدي مذهبا، والسليماني ~~نسبا، والصبياني بلدا..) وفي آخر سطر: # (كان ذلك في مدينة صنعاء المحروسة حرسها الله بصالح عباده، بمسجد داود، ~~والحمد لله وحده). # الجزء الثاني: # يبدأ من صفحة (185)، وفي الزاوية اليسرى من أعلى نفس الصفحة بخط الناسخ: ~~(كان الابتداء يوم الجمعة العاشر من شهر صفر سنة 885ه). # ويبدأ الجزء الثاني من السطر الأول بدون توقف: # (بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلاة على سيدنا محمد ~~الأمين وآله وصحبه أجمعين، اللهم أعن يا كريم. # الفصل الرابع في بيان الأحداث الناقضة للطهارة، قال الهادي في الأحكام: ~~ينقض الوضوء ما خرج من السبيلين..). # وينتهي الجزء الثاني من هذه النسخة بنهاية الفصل الخامس في بيان صفة ~~المؤذنين، وذلك في الصفحة (345) ثلاثمائة وخمس وأربعين، ولفظ نهاية الجزء: # (وإن أغمي عليه في حال الأذان بنى على أذانه وأتمه غيره..)، وبعد هذه ~~النهاية مباشرة على لسان الناسخ: (قال الإمام المؤيد بالله أمير المؤمنين ~~يحيى بن حمزة (أيده الله): وقد نجز غرضنا من باب الأذان، وبتمامه يتم ~~الكلام في الجزء الثاني من كتاب الانتصار، ويتلوه في السفر الثالث، باب ~~استقبال القبلة. وكان الفراغ من جمعه وتأليفه في حصن هران، في العشر ~~الثالثة من شهر رجب الأصب من سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة). PageV01P033 # وتلا هذا بخط الناسخ: # (وكان الفراغ من رقمه يوم الخميس عند قائم الظهيرة يوم الرابع والعشرين ~~من شهر جمادى الأخرى سنة خمس وثمانين وثمانمائة من الهجرة ms026 النبوية على ~~صاحبها أفضل الصلاة والتسليم. بخط مالكه...إلخ). # الجزء الثالث: # يبدأ من الصفحة (347).. من أول السطر مباشرة بقوله: # (بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله وحده وصلاته على محمد وآله. الباب ~~الثالث استقبال القبلة، قال الإمامان القسم (القاسم)- والهادي (عليهما ~~السلام) يجب على كل مصل أن يستقبل الكعبة..). # وينتهي الجزء الثالث من هذه النسخة، بنهاية الفصل الثالث في بيان موقف ~~الإمام والمأموم... في الصفحة (487) بقوله: # (فقد وضح لك فيما ذكرناه أنهم لم يصنعوا شيئا في إطلاق الإكفار بهذه ~~المسائل، وأنهم ليسوا من التحقيق في ورد ولا صدر، وقد نجز غرضنا من بيان ~~موقف الإمام من المأموم، ونشرع الآن في حكم الاقتداء ونختم به الكلام في ~~صلاة الجماعة). # وعند نهاية الجملة الأخيرة بخط مكبر ما لفظه: # (تم الجزء الرابع من كتاب الانتصار على علماء الأمصار). # وعن يمينه بخط صغير أشبه بهامش لا يظهر أنه بخط الناسخ، ما نصه: # (تم الجزء الثالث..صح صح) وبعده بخط الناسخ: # (كان الفراغ من رقم هذا الجزء المبارك إن شاء الله تعالى، يوم الثلاثاء ~~عند قائم الظهيرة، الثامن عشر من شهر رمضان المعظم المبارك، أحد شهور سنة ~~خمس وثمانين وثمانمائة (مئة) سنة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة ~~والسلام. بخط مالكه...) ثم يضع الناسخ اسمه ونسبه إلى (المعافا). # 4- تعقيب على هذه النسخة: PageV01P034 # نوضح هنا بعضا من نقط التعقيب التي لا مناص منها لتوثيق هذه النسخة من كتاب ~~(الانتصار)، وتحديد محتواها، والإبانة عن بعض مواطن الغموض التي قد تكون ~~موضع تساؤل المطلع والباحث بصفة خاصة. ونلخصها في إشارات أربع: # الأولى: أجزاء النسخة: # هذه النسخة كما سلف تضم أجزاء ثلاثة من كتاب (الانتصار) تقع كلها في مجلد ~~واحد بقلم الناسخ علي بن حسن وهاس. وقد رمزنا لها بحرف (و)، الحرف الأول من ~~(وهاس). # وكما يلاحظ المطلع، فإن فيها ما يثير التساؤل في صحة نهايات وبدايات ~~الأجزاء الثلاثة، ونشير إليها في الآتي: # 1- في نهاية الجزء الأول، لم يشر المؤلف إلى أن انتهاء الفصل الثالث من ~~باب الوضوء، هو نهاية الجزء الأول. ms027 وإنما جاء ذلك بخط الناسخ في قوله: (تم ~~الجزء الأول من كتاب الانتصار). # ولم توجد في بداية الجزء الثاني أيضا إشارة من المؤلف إلى أن ذلك هو ~~بداية الجزء الثاني. ولم يشر الناسخ أيضا إلى بداية الجزء الثاني، وإنما ~~اكتفى كما يبدو بما كتبه في الزاوية اليسرى من أعلى الصفحة الأولى من الجزء ~~الثاني بقوله: (كان الابتداء يوم الجمعة..). # من هنا فإن الذي يمكن الاعتماد عليه في توثيق بداية الجزء الثاني في هذه ~~النسخة الثلاثية، أمور ثلاثة: # أولها: نهاية الجزء الأول في الصفحة السالفة لبداية الثاني بما جاء في ~~كلام الناسخ. # ثانيها: ترابط موضوع وفصول الكتاب، بحيث انتهى الجزء الأول بنهاية الفصل ~~الثالث من باب الوضوء، ويبدأ الجزء الثاني بالفصل الرابع، وهذه النهاية ~~والبداية، موثقتان بخط المؤلف في نهاية الأول، بقوله: (وقد نجز غرضنا من ~~بيان الفصول الثلاثة التي اشتمل عليها باب الوضوء..) ثم (.. ونندفع الآن في ~~شرح النواقض..). ويبدأ الجزء الثاني بنواقض الوضوء. # ثالثها: هناك احتمال كبير، أن ما جاء بعد نهاية الجزء الأول هو من كلام ~~المؤلف لا الناسخ، وذلك قوله: (تم الجزء الأول...إلخ) رغم أن الناسخ لم ~~يؤكد ذلك كما أكده في نهاية الجزء الثاني بقوله: (قال الإمام)...إلخ. إذ أن ~~هذا الاحتمال قائم رغم عدم وجود ما يفيد التأكيد من نسبة هذه العبارة إلى PageV01P035 المؤلف أو إلى الناسخ، هذا من ناحية، ومن أخرى فإن هذه العبارة: (تم الجزء ~~الأول... إلخ) واردة بنصها في النسخة الثانية التي سيأتي الكلام عنها وهي ~~في الغالب قد ترجح نسبتها إلى لفظ المؤلف، ولكنها لا تعطي الدليل الكافي، ~~وخصوصا إذا كانت النسخة الثانية نقلا عن الأولى كما نحتمل هذا إلى درجة ~~الظن الغالب، وسنشير إلى هذه النقطة عند الحديث عن النسخة الثانية، وعلى ~~فرضنا لعدم وجود أدلة أخرى، فإن في هذه الأمور أو الأمارات الثلاث ما يوثق ~~بداية الجزء الثاني. # 2- في نهاية الجزء الثاني، توجد عبارة: (تم الجزء الثالث من الانتصار ~~ويتلوه الجزء الرابع، باب استقبال القبلة). وذلك بعد توثيق نهاية الجزء ms028 ~~الثاني. ويليه الثالث، وأوله (باب استقبال القبلة) بلسان المؤلف، ونقلا ~~للفظه. وهذه العبارة لا يعول عليها لأسباب ثلاثة: # أولا: لأنها تتناقض مع ترتيب الكتاب موضوعات وفصولا. # وثانيا: أن نهاية الجزء الثاني، وبداية الثالث مؤكدة في نفس المكان نقلا ~~عن المؤلف وبلسانه ولفظه. # وثالثا: أن العبارة مكتوبة بخط صغير هامشي، ولا يظهر أنها بخط الناسخ. # 3- وقد تكرر الخطأ في نهاية الجزء الثالث، ولكنه هنا بخط الناسخ؛ حيث ~~أثبت أنه انتهى الجزء (الرابع)، وهو الثالث، وهذه وإن كانت أكثر قوة من ~~سابقتها، كون هذه بخط الناسخ، وبحروف مكبرة، إلا أنه يسهل الحكم بخطئها ~~أيضا. وتعليل ذلك يظهر في الآتي: # أولا: للأسباب التي تدحض سابقتها. # وثانيا: أن تحتها عبارة تصححها، ولفظها كما سبق (تم الجزء الثالث، صح صح). # وثالثا: أن النسخة الثانية، وقعت في نفس الخطأ الحرفي أيضا، ثم عاد ~~ناسخها فشطب كلمة (الرابع) وترك ما كان كتبه من انتهاء الجزء الثاني، ~~ويتلوه الثالث، مثبتا كما هو. # 4- أن هذه النسخة هي مجموع هذه الأجزاء الثلاثة الأول من كتاب (الانتصار) ~~ولا يوجد فيما بين أيدينا مما أتيح لنا الاطلاع عليه حتى الآن، سواء من ~~النسخ أو البيانات عن نسخ لما نحصل عليها بعد .. بقية أجزاء الكتاب الخمسة ~~عشر بخط PageV01P036 هذا الناسخ، كما سنوضح هذا الجانب فيما بعد. # 5- النسخة الأم.. نقصد بها النسخة التي نقلت عنها هذه النسخة، فقد جاء في ~~نهايتها ما لفظه: # (الحمد لله، نسخت من نسخة من الانتصار بخط حي(¬1) القاضي العلامة الورع ~~شرف الدين حسن بن محمد بن حسن النحوي رحمه الله تعالى وعلى تلك النسخة ~~تصحيح حي السيد العلامة المحدث فخر الدين(¬2) عبدالله بن الهادي بن الإمام ~~يحيى بن حمزة.. رحمهم الله). وعقب يقول فيها: (انتهت مقابلة ومعارضة ~~وتصحيحا على (أمها الصورة الأصل) حسب الطاقة والإمكان). # الثانية: هوامشها: # في الملحوظة الثانية هذه، من الملحوظات على المخطوطة الأولى من كتاب ~~(الانتصار) ضمن هذا التعقيب.. نرى الابتداء بتعريج جدير بالتسجيل، وهو أن ~~ما يكاد يكون عادة متبعة وسنة ثابتة وسمة شائعة في ms029 المخطوطات اليمنية، هو ~~وجود التعليقات والإضافات على هوامش كل مخطوطة. بل وعلى كثير من المخطوطات ~~بعد طباعتها ونشرها، ولا نعني بهذه الهوامش التي تطبع مع المخطوطة فهي ~~مفروغ منها، ولكن إضافة هوامش جديدة تخط على جوانب صفحات الكتاب المطبوع من ~~كتب التراث الفقهي بصفة خاصة. كما نجد مثلا في (شرح الأزهار)(¬3) و(البحر ~~الزخار) (¬4) وغيرهما. # ومن هنا.. يمكن أن نصنف هوامش المخطوطات بصورة عامة، في أصناف أو أنواع ~~ثلاثة من حيث علاقتها بأصحابها بحسب ما لاحظناه: # الأول: ما يضيفه المؤلف نفسه إلى كتابه بعد أن ينتهي من تأليفه. وهذا ~~النوع لا يكاد يخرج عن موضوع الكتاب وآرائه وغايته؛ إذ يقتصر على استدراك ~~أو توضيح موضوعي أو لفظي، أو رفع إبهام محتمل، أو إيهام غير وارد، أو تنبيه ~~إلى مواضع سابقة أو تالية، أو ما يرادف أيا منها ويجري في اتجاهه. PageV01P037 # الثاني: ما يضيفه الفقيه المطلع أو الشيخ المدرس أو الدارس المدقق للكتاب ~~أو مجموع هؤلاء وغيرهم من الفقهاء والدارسين، سواء في عصر المؤلف أو بعده، ~~وسواء أكان ذلك بإيعاز أو إذن من المؤلف أم لم يكن بهما ولا بأيهما، وسواء ~~اتفق مع رأي المؤلف أم اختلف معه، وهذا النوع يشمل كل أنواع وأصناف الهوامش ~~وموضوعاتها وغاياتها. # الثالث: شرح وتفسير وتأصيل الكتاب في أحد اتجاهين عامين: في اتجاه رأي ~~المؤلف توضيحا وتعليلا وإثباتا. أو في الاتجاه المخالف بطرح المآخذ، وتتبع ~~الثغرات والهفوات للمؤلف، كشفا ونقدا وتحليلا واعتراضا. وغالبا ما يكون ~~الأول من تلامذة أو مدرسة المؤلف، ويكون الآخر من جماعة الرأي أو المدرسة ~~المقابلة المختلفة مع أبرز مذاهب المؤلف ومدرسته. # وفي هذه الحال فإن أيا من الحاشيتين (الهامشين) أو كلتيهما، غالبا ما ~~تتحول إلى كتاب مستقل يرتبط عنوانا وموضوعا، بعنوان وموضوع الكتاب المشروح ~~أو المنقود. و(الحواشي) في كتب التراث العربي الإسلامي، أعرف من أن تعرف ~~وأكثر من أن تحد، واشتهرت الحواشي أكثر في النحو وعلوم اللغة العربية ~~والتفسير. فنجد مثلا (حاشية المفتي)، (حاشية السيوطي)، و(حاشية أحمد)، ~~وغيرها مما تعرف بحاشية (فلان على ms030 كتاب كذا) أكثر مما تعرف بعنوانها الذي ~~وضعه مؤلفها، ولا تكاد تعرف هوامش المخطوطات بغير الحواشي. # وأنبه هنا.. إلى أن الحواشي أو هوامش المخطوطات في اليمن، وحتى الآن لا ~~تتوقف عند حد أو أحد. عند حد موضوعي أو زمني أو أحد من العلماء والفقهاء.. ~~بل تستمر حتى بعد أن يطبع الكتاب كما سبق إشارة وتمثيلا، وذلك عادة وأسلوب ~~واهتمام قائم على أسس نظرية ثابتة، لعل من أهم ما يجب ذكره منها هنا، ثلاثة أسس: # 1- أن وضع الحواشي من اختصاص العلماء والمجتهدين بالذات، وليس لأي ملاحظ ~~أو ذي رأي أن يخط على هامش الكتاب. ولذا فإن معظم -إن لم أقل كل الحواشي- ~~تنسب إلى أصحابها وكتبها، وذلك أيضا، لأغراض علمية لا يستهان بها لديهم. # منها: توثيق الحاشية بإسنادها إلى صاحبها حتى تتحقق الثقة بها ~~وباعتمادها، أو تفنيدها ضمن آرائه الموثقة، وتمييزها عن رأي المؤلف، ~~وإدراجها ضمن مجموعة الآراء والاعتراضات والمآخذ على PageV01P038 المؤلف التي تستخدم مجتمعة بصيغتها، مثل: (وخالفه فلان) في حاشيته، (أو ~~تعليقه) على المسألة. بقوله: (...)، ويتم نسخ الحواشي مع الأصل عند نسخ ~~الكتاب، كما ينقلها ويتناقلها الفقهاء والتلاميذ وغيرهم، في ما لديهم من ~~نسخ الكتاب. # 2- أن الحواشي لديهم جزء لا ينفصل عن الكتاب. فهم يراعونها في القراءة، ~~والتدريس والنسخ، خلا أنهم يؤخرونها في النسخ إلى ما بعد الانتهاء من ~~الأصل. ويعتبرون النسخ المجردة من الحواشي خصوصا فيما له حواش كثيرة، نسخة ~~ناقصة، فيقال مثلا: اقرأ نسخة كذا فهي أكمل لأنها (محوشاة). # 3- كما اصطلحوا على توثيق الحاشية بنسبتها في آخرها إلى صاحبها أو ~~كتابها، مهما ظهرت صغيرة أو بسيطة، وذلك بأن يضاف في نهايتها رمز انتهائها، ~~واسم مصدرها رمزا أو تلخيصا. مثل: (أه انتصار) بمعنى انتهى مأخوذا من كتاب ~~الانتصار. وقد تضاف إحدى كلمتي (ملخصا) أو (بلفظه). أو ما يرادفهما، مثل ~~(مختصرا) أو (بنصه). وهذا في آخر الحاشية. و(ملخص) أو (مختصر ما جاء في ~~كذا) أو (ما أورده أو أفاده، أو ذكره...إلخ). # إلى جانب اعتماد البعض وضع عنوان للحاشية من العناوين العامة ms031 المتداولة. ~~مثل (حاشية، نكتة، تعليق، فائدة، تنبيه). # حواشي المخطوطة: # أعود إلى هوامش النسخة الأولى المخطوطة من كتاب (الانتصار). وقد رأينا ~~البدء بالتنبيه إلى الهوامش في المخطوطات اليمنية بصفة عامة، تناولة جديرة ~~بإدراجها في هذا المكان، وذلك لإيضاح بعض من أصول وصور الهوامش هذه، حتى ~~يظهر الحديث عن حواشي أو هوامش المخطوطة الأولى مكتملا وموثقا ومؤصلا ~~بالقدر المتناسب مع موضع التناولة هذه وموضوع فقرتها. # وهنا.. يلاحظ المطلع أن هذه النسخة التي رمزنا لها بحرف (و) كما سبق ~~إثبات هذا.. قليلة الهوامش، خصوصا في الجزء الأول، وقد يعن تساؤلان عن سبب ~~قلة هوامشها: # - هل السبب آت من أن الناسخ لم يستكمل استقصاء ونسخ الهوامش كاملة كما جاء PageV01P039 في الأصل؟ # - أم أنها حالة تعود إلى الكتاب في أجزائه الثلاثة هذه التي تضمها ~~النسخة؟ ونحن نرجح الاحتمال الذي تضمنه التساؤل الأخير، ودافع هذا الترجيح ~~يتمثل في الاستدلال عليه من نواح ثلاث: # الأولى: أن الذي أفدناه من قراءة واستقراء هذه النسخة الثلاثية الأجزاء، ~~هو انطباع عن طابع عام لها، يؤكد حصافة الناسخ، ودقته في النسخ، وسنتحدث ~~عنه في نهاية الحديث عن هذه النسخة، مما يؤكد أنه لم يدع شيئا من الهوامش ~~الموجودة في الأصل التي نقل عنها. # الثانية: أن النسخة التي تمت عليها مقابلة هذه النسخة بما احتوته في ~~أجزائها الثلاثة، لا يكاد يوجد فيها شيء يتجاوز الندرة والنزر اليسير؛ إذ ~~لم يستكمل ناسخها كتابة الهوامش، أو بتعبير أقرب إلى حالها، لم يبدأ الناسخ ~~في نسخ الهوامش. # الثالثة: اتساع الكتاب (الانتصار) وقدرة مؤلفه على استيعاب كل الآراء ~~والتخريجات والأقوال، كما سيأتي الحديث عنه بإذن الله.. لم يدع كبير مجال ~~للهوامش. فهذه النواحي الثلاث لتأكيد استكمال الحواشي في هذه النسخة، قد ~~تكون كافية لترجيح ذلك الاحتمال. وهي نواح تتعلق الأولى بحصافة الناسخ، ~~والثانية باستقراء التحقيق، والثالثة باستيعاب المؤلف. # ونتناول حواشي هذه النسخة من جوانب ثلاثة شاملة للحديث عنها. وهي: ~~الأنواع، والموضوعات، والغايات. # الأول: أنواع حواشي النسخة: # وتنحصر في ثلاثة أنواع: # 1- إبراز عناوين الأصل في الهامش. والغرض ms032 من هذا تقريب البحث والتفتيش عن ~~أبواب وفصول ومسائل الكتاب لرجوع القارئ إليه، وهي طريقة أو أسلوب متبع في ~~المخطوطات، يحل محل الفهرسة للموضوعات، وإن كان لا يؤدي الغرض بنفس ~~مستواها. ومن أمثلة ذلك في هذه النسخة: # (الباب الأول في المياه) ص28 (مسألة: إذا وقعت نجاسة في بئر نظرت) ص92. PageV01P040 # (الفرع الثامن: المرأة إذا تمت ولادتها بوضع جميع ما في بطنها، وفيه ضروب ~~خمسة) ص290. # وهذا النوع ليس شاملا كل العناوين الواردة في المتن (القلب) هذا من ~~ناحية، ومن أخرى فإن الناسخ لم يثبتها في كل النسخة، بل اقتصر على الجزء ~~الأول، وحوالي مائة صفحة من الجزء الثاني. ولم يتجاوز في فهرس الحواشي هذه ~~صفحة (290) من المخطوطة. # وبمناسبة كلمة المتن (القلب) التي أوردتها آنفا، نشير إلى أنها مصطلح في ~~قاموس المخطوطات المتداول، تعني قلب الصفحة، أو أصل الكتاب. ويقابل المتن.. ~~الحاشية. # 2- تصحيح وتدارك ما سقط سهوا من الناسخ، من كلمات أو جمل من الأصل وله ~~رموز تحل محل الأرقام المشتركة بين الأصل والهامش في الطريقة الحديثة، وهي ~~رموز عامة، سواء من حيث استخدامها في المخطوطات عموما أو من حيث استخدامها ~~لتصحيح النقص أو للهوامش الإضافية، ويستخدم ناسخ المخطوطة هذه في الأكثر ~~رمزين يتناوبان في الهوامش: أحدهما على شكل حرف الحاء المربوطة في أول ~~الكلمة (ح)، إلا أنه يبالغ في مد خطها الأفقي. وهذا الرمز أكثر استخداما ~~لدى الناسخ هنا. والثاني متعامدان.. ولكنه لا يستخدم أحدهما في كل الهوامش، ~~ولم يستخدم أيا منهما في إبراز العناوين، وهذا النوع من الهوامش وهو ~~التصحيح لما سقط من الأصل، لا يدخل ضمن اسم الحواشي بمعناه الذي يتبادر إلى ~~الذهن والفهم عند ذكر الكلمة؛ إذ أن معنى الحواشي مقصور على الإضافات. # 3- الحواشي بمعناها المقصود الذي يعني الإضافات بمختلف موضوعاتها، ~~وغاياتها. # 1- الثاني: موضوعات الهوامش: # وموضوعاتها التفصيلية أكثر من أن تحد كما هو معروف. ولكنا نقصد بهذا ~~موضوعاتها من حيث متعلقاتها العامة. وعلى هذا فبالإمكان تحديدها في المفيد ~~لتحقيق الغرض من إعطاء جانب الصورة الذي يلي الموضوعات ms033 من جوانب الصورة ~~العامة للهوامش، ومن هنا، فإن الغرض سيتحقق من تصنيفها إلى ثلاثة أصناف من ~~الموضوعات: # 1- ما يتعلق باللغة.. أي بتفسير مادة أو مفردة، دلالة واشتقاقا وتركيبا ~~وشكلا. فيقول PageV01P041 مثلا: في الدلالة (السبرة، الغداة الباردة، وجمعها سبرات) ص366. وفي ~~الاشتقاق: (قال ابن الأثير: الأصل في التثويب، أن يجيء الرجل مستصرخا فيلوح ~~بثوبه ليرى ويشتهر، فسمي الدعاء تثويبا، وكل داع مثوب. وقيل: إنما سمي ~~الدعاء تثويبا من ثاب يثوب إذا رجع) ص 335. وفي الشكل: (ملحق، بكسر الحاء ~~على المشهور، ويقال بفتحها، ذكره ابن قتيبة) ص 414. وفي التركيب أن يوضح ~~أحرف الكلمة تمييزا للمعجم عن المهمل... إلخ. # 2- ما يتعلق بشكل الأسماء والأعلام. بتوضيح الطريقة الصحيحة، أو الطرق ~~المختلفة لنطقها. وتركيبها، ومثل ذلك: (قلت: المقدس، كذا ضبطه الجوهري، ~~وضبطه ابن بري المقدس) ص347. وقد ضبط الشكل في الحاشية لكلمة (المقدس) في ~~ذكر بيت المقدس، بحيث تنطق في الأولى بضم الميم، وفتح القاف، وتشديد ~~(تضعيف) الدال المهملة مفتوحة. وفي الثانية بفتح الميم، وسكون القاف، وكسر الدال. # 3- ما يتعلق بالمعاني المختلفة الأخرى. # الثالث: غايات الهوامش. وهي كثيرة، ولكن أبرز نماذجها قد لا يتجاوز غايات ~~خمسا هي: # 1- التوضيح لما جاء مبهما في الأصل (القلب) مثل ما جاء في الأصل: (لما ~~روي عن الرسول أنه جاءه رجلان أخوان أحدهما أكبر من الآخر..) ص461. فجاء ~~الهامش وفيه: (وهما حويصة ومحيصة ابنا مسعود بن كعب، خزرجيان أنصاريان.. ~~ذكره في الاستيعاب). # 2- الاستدراك لما اشتهر أو ورد على غير وجهه الصحيح. مثل ما نقل بعض ~~أصحاب الإمام الشافعي عنه من تفسيره لقوله تعالى: {فصل لربك وانحر} بأن ~~المراد به وضع اليد على اليد تحت النحر في الصلاة، وهو ما نقله المؤلف، ~~فجاء في الهامش: (قال صاحب (الفصيح) لثعلب: عهدة هذا التفسير على قائله، ~~وأنكره على الشافعي جدا وزيفه) ص397. # 3- التتمة لرأي أو قول أو نص.. مثل (قال في التحرير: إلا أن يتعمدهما) ص441. PageV01P042 # تتمة للرأي الوارد في الأصل بأن السعال والعطاس لا يفسدان الصلاة. # 4- التصحيح لسهو وقع فيه المؤلف أو ms034 الناقل للرأي أو الراوي للحديث أو ~~الحدث. وذلك مثل ما ورد في الأصل حول عدم كراهة الصلاة خلف العبيد ~~والموالي. محتجا بأدلة، منها أن عمر بن الخطاب جعل الخلافة شورى في ستة ~~منهم سالم مولى أبي حذيفة. وجاء الهامش مصححا بقوله: (المعروف أن عمر رضي ~~الله عنه قال: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته..) ص462. ليؤكد أن ~~سالما لم يكن ضمن الستة. # 5- التعقيب على قول أو رأي لزيادة معناه إيضاحا، ويدخل ضمن التنبيه ~~والاعتراض. وهي غايات متداخلة ومتقاربة، وفي هذه النماذج إشارة كافية. # 1- الثالثة: خطها: # والمقصود بكلمة (خطها) هنا، المصدر من الفعل (خط) مضافا إلى مفعوله، ~~والغرض من العنوان، هو محاولة رسم صورة لشكل النسخة هذه من خلال الملامح ~~البارزة لها، وتتركز هذه الفقرة في شقين هما: طريقة الناسخ، والشكل الخارجي ~~للنسخة. # 1- الشق الأول: طريقة الناسخ: # وهي في معظم إن لم نقل في كل ملامحها، طريقة ليست خاصة به، بل تشمل في ~~مجموعها كل المخطوطات التراثية اليمنية. والفوارق تظل نسبية فيما بينها، ~~بالقدر الذي يمكن به تمييز كل مخطوطة وناسخ عن مخطوطة أخرى وناسخ آخر. ولذا ~~نحرص على أن نركز على إبراز هذا القدر المميز بصفة خاصة وفي الملامح الآتية ~~لهذا الشق وبدون كثير اهتمام بترتيب شيء منها: # 1- نوع الخط. لا يكاد يخرج كثيرا عن النوع المسمى (بالنسخ) وهو أشهر ~~وأكثر أنواع الخط في المخطوطات اليمنية، والفوارق في نوعه هنا لا تتعدى ~~الطابع العام له في تلك المخطوطات والطابع الخاص الذي يميز ناسخا عن آخر. # 2- حجم الحرف. يمكن أن يحدد بطريقة تقريبية، بأنه يتراوح بين مقاسي (12 - ~~14) في مقاس الطباعة القديمة، وهو مقاس المتن العام في النسخة، ويكبر PageV01P043 الحروف في ثلاثة أحجام تقريبا، وذلك في العناوين الكبيرة والمتوسطة ~~والصغيرة لموضوعات الكتاب. مثل: الباب والفصل والمسألة والفرع، والمذهب ~~والقول... إلخ. ويستخدم الحبر الأحمر في معظم هذه العناوين، والأسود فيما ~~عداها من المتن عموما. # 3- حجم الصفحة، وقد سبقت الإشارة إلى أن المعدل العام للصفحة الواحدة ~~أربعون سطرا، سعة السطر خمس ms035 وعشرون كلمة، أي بمعدل ألف كلمة في الصفحة، ~~ومقاس الصفحة (28 × 20) لكامل الصفحة، تشغل الأسطر منها (23 × 16 سم)، ~~والبقية للهوامش. مع الأخذ في الاعتبار لأمرين: # أولهما: أن النسخة قد تآكلت من أطرافها؛ إذ يزيد عمرها عن خمسمائة سنة ~~(885-1412ه). # وثانيهما: أن الناسخ لا يتوقف في أثناء السطر عند انتهاء فقرة وبداية ~~عنوان موضوع آخر، ولا يدع سطرا واحدا من الفراغ، بل يواصل الأسطر متتالية ~~من بداية النسخة إلى آخرها، فيما عدا نهايات أجزائها الثلاثة. ويحسن ~~التنبيه إلى ملاحظتين تتعلقان بالصفحات: # أولاهما: عدم وجود الترقيم للصفحات، وقد تم ترقيم النسخة هذه عند ~~تصويرها، وهي الأرقام التي نشير إليها عند تسجيل موضع النص. # ثانيتهما: الاستغناء عن الأرقام بكتابة الكلمة الأولى من الصفحة في نهاية ~~الهامش الأسفل من الصفحة السابقة لها، وهو ما يسمى في مصطلح المخطوطات ~~ب(القيد) بمعنى ربط الصفحات بحسب تتاليها، بحيث يعول على هذا التقييد في ~~ترتيب الصفحات. # وكلتا الملاحظتين داخلة ضمن طريقة القدماء في نسخهم للكتب. والاستغناء ~~بالقيد عن الترقيم، يماثل الاستغناء بإبراز العناوين أو بعضها على الهامش، ~~عن الفهارس في المخطوطات. وهذا ينطبق أيضا على هذه النسخة كما أسلفت، إضافة ~~إلى عدم وجود أية ملاحق أخرى فيها مما يرتبط بموضوع ومتن الكتاب. PageV01P044 # 4- الفواصل، والنقط. حظ هذين الملمحين في هذه النسخة، حظ عاثر وغائر، ~~فالفواصل غير موجودة إطلاقا، لدرجة أنه يكتب العنوان بخط بارز مكبر، مثل: ~~الباب، الفصل، المختار، الانتصار، ...إلخ، بعد الكلمة الأخيرة من المبحث ~~السالف، دون نقطة أو فاصلة بينهما. إلا أنه يضع أحيانا في نهاية المبحث ~~علامة الانتهاء الشائعة في بعض المخطوطات، وهي حرف (ه) أو ما يشبهها. وهي ~~رمز مختصر لكلمة(انتهى) كما سبق المرور بها. وهذه حالة نادرة لا تقوم عليها ~~قاعدة بالنسبة لهذه النسخة. ومعروف أن الفواصل جاءت في عصور متأخرة، وأنها ~~منعدمة في المخطوطات التراثية بأشكالها وصفاتها ووظائفها الموجودة الآن. ~~ولكن كثيرا من المخطوطات يستخدم فيها بعض العلامات الفاصلة بين العناوين ~~الرئيسية والفرعية على الأقل. كما سبق الحديث عنها. # وفيما يخص النقط، ms036 أو العجم للحروف (المستعمل للتمييز بين المعجم والمهمل ~~منها) فإن حظها أسوأ من سابقتها، ليس لانعدامها فهي موجودة في هذه النسخة، ~~ولكن لقلتها إلى حدود الندرة، نظرا للحاجة إليها أكثر من نقط وفواصل الجمل؛ ~~كون الأبجدية كما هو معروف ثمانية وعشرين حرفا، منها اثنان وعشرون حرفا لا ~~تتميز عن الاشتباه بين معجمها ومهملها إلا بالنقط. (وما يتميز بدون ذلك ~~منها، ستة فقط؛ هي: الألف مطلقا ومهموزا، والكاف واللام والميم والواو ~~والهاء) وهذا ما يجعل اشتباه القارئ وتشابه الحروف يتكرر في كل كلمة أو ~~كلمتين أو ثلاث على الأكثر. وهي مشكلة تواجه المحقق أيضا لا يتجاوزها إلا ~~بالإلمام النسبي بالموضوع أولا، وبمعرفة الكلمة من سياق المعنى ثانيا، ~~وبالفهم لمصطلحات وأساليب المؤلفين القدماء من جهة، والمؤلف لهذا الكتاب من ~~جهة ثانية ثالثا، وبالدربة على طريقة الناسخ في رسم الحروف رابعا. # ولا نقصد بهذا أن نصور النسخة، وكأن قراءتها ضرب من فك الألغاز وحل ~~(الشيفرات)، لا.. ليس هذا المقصود، فالخط واضح وبإمكان أي قارئ قراءته، ~~ولكن المقصود هو توضيح شكل النسخة في هذا الجانب بحيث تصعب قراءتها بفهم ~~الكلمات كما وضعها المؤلف لمن لم يتوسل إليها بالوسائل الأربع الآنفة ~~الذكر، ولو في أدنى حالاتها؛ إذ أن النسبة المحذوفة من نقط الحروف في هذه ~~النسخة يصل معدلها إلى أكثر من النصف، وهو معدل يحتمل الزيادة لا النقصان. # وتجدر الإضافة هنا، لملامح مصطلح عليها في عجم الحروف في المخطوطات ~~والوثائق التراثية في PageV01P045 اليمن. وتكاد تنحصر كما أعرف حتى الآن في نوعين: # أولهما: عجم أو نقط حروف مهملة وغير معجمة في مصطلح الأبجدية الشائع ~~اليوم في كل الأقطار العربية، وهما حرفان: الدال والطاء المهملان. بحيث ~~يعجم كلاهما بنقطة من تحت تقابل عجم نظيره (الذال والظاء) في النقطة، ~~وتخالفه في الموقع. # وثانيهما: علامة بعض الحروف المهملة، والعلامة المصطلح عليها، تشبه رقم ~~سبعة. عدا أنها تكون صغيرة تشبته أحيانا بالنقط الثلاث، وتوضع على بقية ~~الحروف المهملة مما له منها نظير في المعجم. وهي حروف خمسة: (الحاء والراء ~~والسين ms037 والصاد والعين). وكلا النوعين يستخدمه ناسخ المخطوطة، ولكن بصفة ~~نادرة جدا. # وهذان النوعان من شكل الحروف، أذكر أنا تعلمناهما في الكتاب أو ~~(المعلامة) باللهجة اليمنية. وكانا شائعين في كتاتيب الأرياف اليمنية ~~خصوصا. حيث لا توجد كتب مدرسية. ولكن لا نعرف مدى إيغالهما في الماضي، ومدى ~~علاقتهما بالأبجدية في غير اليمن، إلا أننا نعرف أنهما ليسا من المصطلح ~~الموثق في الأبجدية العربية في شيء. وفي هذه المخطوطات أيضا، يهمل هذان ~~النوعان عند إيضاح أي منها لشكل وتركيب أية مفردات من الغريب أو المتشابه، ~~فيقال في المخطوطات، ومنها هذه النسخة، مثلا في كلمة (عطر): بعين مكسورة ~~مهملة، وطاء ساكنة مهملة فراء مهملة...إلخ. # وقد يكون مستغربا إهمال العجم، أو بتعبير أكثر دقة، التساهل في عجم ~~الحروف من قبل نساخ المخطوطات اليمنية؛ إذ لا يحمل مثل هذا على غير التساهل ~~والإهمال. فإذا كانت الفواصل والنقط فيما بين الجمل والتعابير والفقرات ~~وضعت في فترة متأخرة، فإن نقط أو عجم الحروف يعود ربما إلى القرن الهجري ~~الأول(¬1). وهذا التساهل يسبب كثيرا من التصحيف والخلط والخطأ والتشويش ~~والقلب والتحريف للمفردات شكلا ومعنى، مما يقع فيها القارئ العادي على ~~الأقل، ولا يسلم منها الفقيه المطلع المتمرس. # 1- 5- الإملاء: # نستطيع حصر الملاحظات على الإملاء في هذه النسخة الثلاثية في أنواع خمسة: PageV01P046 # أولها: في قصر الممدود ومد المقصور وحذف الهمزة. أي ثلاثة ملامح لهذه ~~الناحية من الإملاء، وهي في بعض الألفاظ طاغية على النسخة بحيث تشكل شبه ~~ثابتة يلتزمها الناسخ التزامه للقاعدة، إلا أنها في الملمحين الأولين أقل ~~منها في الثالث، وهو التزام في كلمات محددة تقريبا، وليس عاما. # فالمثال على الملمح الأول: (صلاة الاستسقى) و(الأسمى الحسنى) ص422. # والمثال على النوع الثاني: (ولا غنا) عنها (الأعلا). # والمثال على الثالث: (أمنا، وضمنا) بمعنى أمناء وضمناء. والأخير شائع في ~~هذه النسخة في معظم مواقع الهمزة بدون استثناء لشيء من الكلمات، على عكس ~~الأولين حيث يختصان ببعض الكلمات، بينما في غيرها يلتزم مد الممدود، وقصر ~~المقصور في الغالب. # ثانيها: في تذكير المؤنث وتأنيث المذكر، ms038 وهو ملمح يميز أسلوب الناسخ في ~~هذه النسخة، وإن كان نادرا، وفي كلمات تكاد تكون محصورة. # مثال الأول: أحدهما (للمؤنث) فتجيء مثلا في (الصلاتين، أو في أحدهما) ~~و(من ناحيتين أحدهما) أو (أحدها) بدلا من إحداهما وإحداها. و(تأتي على ~~ثلاثة أحوال، الحالة الأولى..) ص463. وفي الحديث أن رسول (الله ) (قام حتى ~~اسمعرت قدماه.. أي انتفخا) ص 430 بدل انتفختا. # وفي الأفعال كثير من هذا، ومنه مثلا في هذه النسخة (وإن صلاها ظهرا ~~أجزأه) (وهل يلزمه الإعادة)؟ # ومثال الثاني: المثالان السابقان في صفحتي (463 - 430) وهو أقل من سابقه بكثير. # اعتراضان: # ونتوقف هنا أمام اعتراضين نحتمل طرحهما، وهما لا شك واردان: # أولهما: لماذا لا ننسب هذه المآخذ إلى المؤلف، بدلا من اعتبارها ملامح من ~~طريقة الناسخ؟ وخصوصا ما نعرفه في النساخ عموما من تحري النقل الحرفي لدرجة ~~أنهم ينقلون الخطأ كما ورد في الأصل، ويكتفون بالتنويه عنه في الهامش إن ~~كانوا يعرفونه، أو يتركونه لمن يعرف. هذا من ناحية. PageV01P047 # ومن ناحية أخرى: فإن مثل هذه النسخة التي مر عليها أكثر من خمسة قرون ~~وتداولها وتناقلها وتناسخها لا شك، أكثر من واحد من الفقهاء وأساتذة الفقه. ~~فكيف يمكن أن يجدوا مثل هذه الأخطاء، ثم لا يصلحوها أو يشيروا إليها في ~~الهوامش؟ # ثانيهما: ثم إن مثل هذه المآخذ أو الأخطاء التي ورد التمثيل عليها ~~والحديث عنها، هي في معظمها بحسب أمثلتها مما يمكن تأويله بدلا من اعتباره ~~خطأ، فلماذا لا تعاد إلى التأويل مهما أمكن، وهو وارد وممكن في أكثرها؟ # وهنا.. أفضل تأجيل الرد على هذين الاعتراضين حتى نكمل بقية الملامح ~~المأخوذة على نسخ هذه المخطوطة؛ لأن فيها ما يمكن أن يتضمنه الاعتراضان ~~ويشمله الرد. # ثالثها: في شكل ونسق الكلمات، وهو أصناف ثلاثة: لحن وسقط وتكرار، وهو ~~أيضا قليل ونادر جدا، ولا يكاد يبين. # مثال الأول: (..والمماسة، ولم تعتبر (تواري). وفي هذا دلالة ص211. و(.. ~~فإن لم يبول اغتسل..) ص216، و(..الدم إذا كان أسود ثخين أو كان أحمر رقيق) ~~ص276. (.. وكان أسودا وأحمرا..) ص277. # وفي ms039 الصنفين الأخيرين،سقوط حرف من كلمة أو كلمة من جملة، وتكرير حرف أو ~~كلمة أو جملة، ولا يحتاج إلى التمثيل؛ كونه ناتجا عن السهو المجرد، وهو أمر ~~يرد في كل مخطوطة ومطبوعة. وخصوصا ما كان منه نادرا ويسيرا جدا، كما هو ~~الحال في هذه النسخة. # رابعها: في طريقة النسخ، ونقصد بهذا النوع بعض ما هو شبه مصطلح عليه في ~~الإملاء بين النساخ القدماء، وهذا ليس خطأ لا في الاصطلاح على قاعدته لديهم ~~ولا في هذه النسخة. وإنما أوردناه هنا بوصفه ملمحا بارزا في هذه النسخة ~~كغيرها تقريبا. ويأتي في مثل حذف حرف الألف الثابتة، وإثبات المحذوفة في ~~قواعد الإملاء المتبعة. وتنحصر هذه القاعدة في كلمات قد لا تتجاوز العشر، ~~بصرف النظر عن تكررها في هذه الكلمات كلما وردت إحداها. # ومن الكلمات التي يحذف منها الألف: (قال تعلى) تعالى، (والقسم) و(عثمن) ~~و(سفين) وهي ونظائرها تطرد مع قاعدة (بسم) و(الرحمن) في البسملة و(اسمعيل ~~وإسحق والملئكة) في قاعدة نسخ المصحف. PageV01P048 # وفي عدم الحذف مثل كلمات: (هاذان) (وهاؤلاء) (وأولائك) (وذالك) وقد لا ~~تتجاوز هذه الحال أسماء الإشارة. # 1- خامسها: طريقة الناسخ: # ونحن ننسبها إلى الناسخ كطريقة خاصة به، أخذا بأرجح الاحتمالات الواردة ~~لدي الآن. وهي طريقة حذف (سنة) الياء أو الهمزة عند اجتماعهما في كلمة ~~واحدة. مثل (هية) و(هيات) بمعنى هيئة وهيئات، ولا يمكن الجزم بحذف إحداهما ~~بعينها لعدم وجود الهمزة في خطه إلا نادرا. إلا أن الاحتمال الأرجح هو أن ~~(سنة) الهمزة هي المحذوفة استغناء بالألف عنها في حالة الجمع. # 1- تعقيب على الاعتراضين: # وأعود إلى الرد على الاعتراضين، ونركزه في نواح ثلاث: # الأولى: أن احتمال ورود الملحوظات المشار إليها من قبل الناسخ أو من قبل ~~المؤلف، احتمال أو احتمالان كلاهما وارد؛ ولكن الأول أكثر رجحانا لدينا حتى ~~الآن على الأقل. ولذا رأينا أن نضعها في موضع الحديث عن الصورة العامة ~~للشكل فما يتعلق بهذه النسخة. # الثانية: أن الأسس التي اعتمدناها في ترجيح الاحتمال الأول، هي أدلة تكاد ~~تتجاوز غلبة الظن لو أن بين غلبة الظن ms040 والجزم درجة وسطا، فضلا عن قدرتها ~~على مجرد الترجيح. # وهذه الأسس (الأدلة) هي: # أولا: أن الناسخ لم ينقل عن المؤلف مباشرة إملاء أو إجازة أو نقلا عن ~~نسخته، أو بأية طريقة من طرق النقل المباشر.. بل أخذ الناسخ عن نسخة، ~~والنسخة عن سالفة ربما. وهكذا.. إذ أن بين تاريخ وفاة المؤلف (749ه)، ~~وتاريخ الانتهاء من نسخها (885ه) مائة وستا وثلاثين سنة، وتتالي النسخ ~~والنساخ عليهما حري بأن تتخللها الأخطاء والأغلاط اللغوية واللفظية والنقص ~~والتحريف والتصحيف في بعض كلماتها وجملها. # ثانيا: أن الناسخ مظنة للوقوع في مثل تلك الأخطاء اللفظية والمعنوية على ~~حد سواء، فاللفظية لا يمكن أو يستبعد المطلع نسبتها إلى المؤلف؛ لأنها جزء ~~من خط الناسخ وأسلوبه وسهوه. والمعنوية كذلك من حيث أن المؤلف من علماء ~~الاجتهاد المشهورين قبل أن يؤلف كتابه هذا، ليس في الفقه PageV01P049 فحسب، بل وهو بعلمه ومؤلفاته في علوم اللغة، من مشاهيرها. ثم إن المعروف عن ~~معظم النساخ استعانتهم بمن يملي عليهم من النسخة الأم، تسهيلا لعمل النسخ ~~وإسراعا في إنجازه، ولا يشترطون في من يستعينون بهم في الإملاء أكثر من ~~قدرتهم على الإملاء. # ومن هنا فإن الناسخ أقرب إلى احتمال وقوعه في الخطأ. # ثالثا: أن لو احتملنا وقوع المؤلف في بعض الأخطاء سهوا، فهو لا شك بشر ~~يجوز عليه السهو والخطأ، ولكن يصعب على المطلع العارف أن ينسب بعضا من ~~الأخطاء المعنوية إلى المؤلف، وخصوصا من التي لا يمكن تأويلها. # وأكتفي بهذه الأسس، أو الأدلة الثلاثة. # الثالثة: أنه لو أمكن تأويل بعض الأخطاء الواردة، فإنه يصعب وربما يستحيل ~~تأويلها كلها، ولا يجد الباحث الحصيف بدا من نسبة معظمها إلى الناسخ، ~~وخصوصا أن كثيرا منها اختصت به هذه النسخة مما وضحته مقارنتها بالنسخة ~~الأخرى التي سنتحدث عنها، وإن كانت بعض الدلائل تشير إلى أن النسخة الثانية ~~قد نسخت عن هذه النسخة التي هي موضوع الحديث. وهنا انتهى الحديث عن الشق ~~الأول من الفقرة الخاصة بخط المخطوطة. # 1- الشق الثاني: شكل النسخة من خارجها: # وقد سبق عرض ms041 مقاساتها حروفا وصفحات وهوامش، وتبقى الإشارة إلى أنها ~~منسوخة على ورق (جلد) ناعم يساوي مقاس (100 جرام) تقريبا. ولكن لون الورق ~~قد مال إلى الصفرة، وظهرت على أطراف الورق شروخ بحكم التقادم. وتقع ~~بأجزائها الثلاثة في مجلد واحد قديم مغلف بقماش قد انحسر معظمه عن دفتيها ~~من الخارج، وصفات أخرى لا تعدو كثيرا نظائرها من المجلدات المخطوطة ~~القديمة. # 1- الرابعة: مصدرها: # حصلنا على هذه النسخة الثلاثية الأجزاء من مكتبة آل الذاري التي كانت في ~~منزلهم في منطقة PageV01P050 الذاري(¬1) ثم نقلوها إلى صنعاء. # 1- ب - النسخة الثانية (ق): # رمزنا للنسخة الثانية بحرف (ق) لتمييزها عن غيرها بمميز رمزي يسهل ذكره ~~وتكراره. واختيار (ق) جاء من لقب ناسخها (القدمي) بنفس طريقة اختيار الرمز ~~(و) لسابقتها. # أود التنبيه في البداية إلى عدم الحاجة في الحديث عن هذه النسخة والنسخ ~~الأخرى التالية لها، لاستقصاء التفاصيل كما مر في الأولى، حيث سنكتفي في ~~هذه النسخ، بذكر المميزات لكل منها فيما لا بد من ذكره، ونشير في الصفات ~~والأشكال والملحوظات المشتركة بين أي منها وبين النسخة الأولى، إلى ما مر ~~من توصيف وتصنيف لتلك؛ اختصارا للورق ولزمن وجهد المطلع أو القارئ، وتجنبا ~~للتكرار الذي لا طائل من ورائه، وقد حرصنا على التفاصيل في الحديث عن ~~النسخة الأولى (و) لسببين: # أحدهما: تعريفا بالنسخة وتوثيقا لها بوصفها النسخة المختارة أصلا لطباعة ~~الكتاب في أجزائه الثلاثة الأولى التي تحويها هذه النسخه. # والآخر: لتكون شبه نموذج نرجع إليه عند توصيف وتصنيف نظائرها من النسخ ~~الأخرى فيما تشاركها فيه من الصفات. # ونبدأ بتطبيق ذلك النموذج في الحديث عن هذه النسخة الثانية (ق)، الذي ~~نتناولها فيه من خلال نفس النواحي الأربع، وهي الداخلة ضمن التعقيب على ~~النسخة بعد تعريفها أو التعريف بها من جوانب رئيسة ثلاثة، هي: حجمها ~~وأجزاؤها وناسخها. ثم التعقيب جانبا رابعا، ونبدأ بنموذج الاستقراء هذا من أوله: # 1- أولا: حجم النسخة (ق): # تقع هذه النسخة في (908) صفحات هي صفحات أجزائها الثلاثة، عدا عشر صفحات ~~في أولها مشغولة ببعض الموضوعات الشعرية والنثرية المختلفة ms042 الواقعة قبل ~~بداية الكتاب دون وجود أية PageV01P051 علاقة موضوعية أو عضوية لها به. وهذه الصفحات السابقة لبداية الكتاب ~~والتالية لنهايته في نفس المجلد، عادة يتبعها المختصون بتجليد المخطوطات. ~~ويطلق عليها في مصطلحهم: (الحامية)، وهو اشتقاق يوضح الغاية منها، وهي ~~حماية صفحات الكتاب قبل بدايته وبعد نهايته، ولكن صفحات الحامية البيضاء لا ~~تظل بيضاء.. بل يشغلونها، أو معظمها بنتف وقصاصات مختلفة، وهي في الغالب لا ~~تعدو الأنواع الأربعة التالية: # 1- تحديد تناقل المجلد عن طريق الملك أو العارية من شخص لآخر، ولها ~~تعابير وصيغ أصبحت شبه ثابتة ومتعارفا عليها مثل: (هذا المجلد من كتاب .. ~~في نوبة (ملك) الفقير إلى الله تعالى.. وذلك بالشراء الصحيح من ...)...إلخ، ~~أو (هذا الكتاب لدي عارية من ... يعاد إليه بعد الاستغناء عنه أو عند ~~طلبه). أو (أكملنا بعون الله تعالى قراءة هذا الكتاب على يد... وذلك ~~يوم....). ويدخل ضمن هذا النوع إبراز بعض من عناوين محددة لموضوعات في ~~الكتاب، وتحديد صفحاتها، وقد تسبق بعبارة: (راجع ما قاله المؤلف رحمه الله ~~في...). # 2- تسجيل تاريخ المواليد وحالات الرضاع المتبادلة بين الأمهات، إضافة إلى ~~توثيق بعض المناسبات الاجتماعية الأخرى! وللشق الأول من هذا النوع أيضا، ~~تعابير وصيغ شبه ثابتة منها مثلا: (وجد بمن الله وكرمه الولد المبارك) أو ~~(الولد المباركة) للبنت، (المرجو فيه الصلاح والفلاح بإذن الله.. فجر أو ~~صباح أو ظهر ...إلخ يوم... الموافق... جعل الله على قدومه الخير، وجعله ~~صالحا بارا بأبويه .... ورضع من .... زوجة... واللبن له..) إضافة إلى ~~مناسبات الزواج والطلاق، وتاريخ حج وسفر وعودة ووفاة أحد أفراد الأسرة أو ~~أقاربهم أو أكابر الناس...إلخ. # 3- طرائف ونكت مختارة من أحاديث وحكم ووصايا شعرية ونثرية مختلفة. # 4- وصفات طبية، ورقى مختلفة، بعضها من الطب النبوي، والآخر منسوبا إلى ~~أساطينه من الحكماء (علماء الطب) مثل جالينوس، وابن سينا، والأنطاكي. فتقرأ ~~مثلا( فائدة لضعف الكبد، يؤخذ مقدار ثلاثة دراهم من الفلفل الأسود مع مقدار ~~درهم من الحبة السوداء ثم يدق جميعة دقا ناعما، ويخلط بمقدار أربعة أضعافه PageV01P052 من العسل المصفى، ثم يستعمل ms043 منه ثلاث لعقات في الصباح وفي المساء قبل ~~النوم؛ فإنه يزيل ديدان البطن ويقوي الكبد بإذن الله تعالى، وهو مجرب، ~~والله المعافي والشافي). # ولا شك أن هذه الأنواع مما يكتب على حامية المخطوطات لا تكتب في عصر ~~واحد، أو من قبل شخص واحد، بل تعتورها فترات وأشخاص، بصفة مستمرة لا تتوقف، ~~حتى لا يبقى مكان فيها يمكن أن يكتب فيه في كثير من الحالات. # وحجم صفحة هذه النسخة وأسطرها كالآتي: # 1- حجم النسخة مجلدة من خارجها (5و30 × 3و21 × 5و5 سم). وهي صورة للنسخة ~~الأصل (فوتو كوبي). ويراعى فيها زيادة على الأصل تقدر ب 5% تقريبا في كل ~~المقاييس والأبعاد. # 2- حجم الصفحة من الداخل (7و29 × 21 سم). # 3- حجم الصفحة المكتوب فيها: (22 × 14 سم) والزائد هامش الصفحة. # 4- حجم الحرف: حوالي 14 بمقياس حرف الطباعة تقريبا. ما عدا العناوين فهي ~~تقارب أحجام النسخة الأولى وطريقتها في إبراز العناوين وفي عدم ترك فراغات ~~في نهاية أو بداية الباب أو الفصل أو الفرع أو غيرها. # 5- تحتوي الصفحة على واحد وثلاثين سطرا بمعدل وسط دقيق لا يكاد الاختلاف ~~يسجل نقصا أو زيادة تستحق الذكر، بمعدل 18 كلمة للسطر الواحد. # 1- ثانيا: أجزاؤها: # أجزاء هذه النسخة ثلاثة كسابقتها، تبدأ بنفس بداياتها، وينتهي كل منها ~~كتلك. وهي الأجزاء الأول والثاني والثالث من كتاب (الانتصار). # 1- ثالثا: الناسخ: # نتناول اسم الناسخ لهذه النسخة وتاريخها، من نص ما سجله فيها: PageV01P053 # 1- في نهاية الجزء الثاني صفحة (628 بحسب ترقيم صفحات الصورة، إذ إن الأصل ~~غير مرقمة الصفحات). جاء بخط الناسخ ما لفظه: (وكان الفراغ من رقمه يوم ~~الجمعة لعله رابع شهر المحرم الحرام في سنة اثنين وخمسين بعد الألف من ~~الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم. برسم السيد الفاضل عماد ~~الدين(¬1) يحيى بن الحسين بن أمير المؤمنين(¬2)، وذلك بخط أسير ذنبه ورهين ~~كسبه، الراجي عفو ربه جل وتعالى، محمد بن داود الريعاني نسبا، والزيدي ~~مذهبا..). # 2- وفي نهاية الجزء الثالث صفحة (908) إشارة إلى انتهاء الكتاب بانتهاء ~~الجزء الثالث، ثم ما أوردنا لفظه آنفا، والزيادة ms044 هنا هي بعد (برسم.. بن ~~أمير المؤمنين المنصور بالله القاسم بن محمد بن علي أعاد الله من بركاته ~~على جميع المسلمين آمين). ثم أضاف في هامش جانبي: (كان الفراغ من تحصيل هذا ~~الجزء المبارك الذي هو أربعة أجزاء من كتاب الانتصار في يوم الجمعة عقيب ~~صلاة الظهر، في العشر الأولى من شهر ربيع الأول في سنة اثنين وخمسين بعد ~~الألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم...). هذا سجله ~~الناسخ في هامش جانبي أيمن. وفي هامش جانبي أيسر كتب اسمه مضيفا (القدمي ~~المعروف بالريعاني) وذلك بعد الاسم (محمد بن داود بن محمد..). # 1- رابعا: تعقيب على النسخة (ق): # يتضمن هذا التعقيب كسابقه بعض الجوانب التي نرى تسجيلها للتوضيح والتوثيق ~~الخاصين بهذه النسخة، ونلخصها في إشارات أربع: # 1- الأولى: أجزاء النسخة: # وقد سبق المرور بها من حيث عددها، وهي ثلاثة في (908) صفحات. # 1- الجزء الأول يبدأ من الصفحة الأولى الخاصة باسم الكتاب واسم مؤلفه ~~فقط، ويبدأ PageV01P054 في الثانية ب( بسم الله الرحمن الرحيم، رب يسر وأعن يا كريم) في السطر ~~الأول كاملا، ويبدأ الكتاب في السطر الثاني ب(الحمد لله الحي القيوم..) ~~كسابقتها. وينتهي هذا الجزء في صفحة (324) بنفس ما انتهى به في النسخة ~~الأولى، عدا ما أضافه الناسخ من تسجيل اسمه بدون تاريخ. والفرق في البداية ~~بين النسختين لا يتجاوز جملتي الدعاء بعد البسملة مباشرة، وفي نفس السطر من ~~كل منهما. # 2- الجزء الثاني، يبدأ من صفحة (327) وقبلها صفحتان فارغتان. وينتهي في ~~صفحة (628). وبدأ وانتهى بنفس البداية والنهاية الموجودتين في النسخة ~~الأولى. والغريب ربما أن كلتا النسختين يشير ناسخها في نهايتي الجزأين ~~الثاني والثالث إلى انتهائهما، ثم يضيف في نهاية الثاني، أن الذي انتهى هو ~~الثالث، وفي نهاية الثالث إلى أنه الرابع، ثم يشطبه بطريقة لا تخفي شيئا من ~~حروفه أو يدعه ويصححه في الهامش كما في هذه النسخة. وهذا أثار لدينا شكوكا ~~حول الجزء الرابع سنتحدث عنها عند الحديث عنه بإذن الله تعالى. # 3- الجزء الثالث. ويبدأ بنفس بدايته في الأولى من صفحة (630) وينتهي ms045 في ~~صفحة(908). # الثانية: هوامشها. # هذه النسخة الثانية ذات الأجزاء الثلاثة الأول، تقل في هوامشها كثيرا عن ~~سابقتها. فبينما لا تكاد تخلو صفحة، أو صفحتان في النسخة الأولى من هامش أو ~~أكثر، وبالأخص في الجزأين الثاني والثالث.. تظهر هذه النسخة نادرة الهوامش ~~قليلتها جدا إلى درحة أن هوامشها قد لا تعادل نسبة 5 - 10% إلى هوامش ~~الأولى. إلا أن هوامش الثانية وإن كانت لا تتعدى أنواع الهوامش الرئيسة ~~التي سبق تحديدها في الحديث عن الهوامش أو الحواشي، إلا أن نصوصها وأماكنها ~~وموضوع كل منها لا تتطابق مع هوامش الأولى، بصرف النظر عن تطابق أو تشابه ~~اليسير منها، مما يؤكد التغاير بينهما في الهوامش، وهو أمر وارد بين نسخ ~~الكتاب الواحد كما سبق تقريره، ونقول هذا رغم أن الغالب في الظن لدينا أن ~~هذه النسخة قد تكون نسخت عن الأولى، وغلبة الظن جاءت من التشابه الكبير ~~بينهما في الأخطاء اللفظية والمعنوية في كثير من الحالات التي قد لا يمكن ~~أن تكون بفعل الصدفة والتشابه التلقائي. PageV01P055 # وهذا احتمال وارد وراجح.. وهناك احتمال آخر، وهو أن تكون كلتا النسختين ~~أخذت عن نسخة ثالثة. ولا يمكننا الجزم بأحد الاحتمالين إلا بإحدى طريقين: # أولاهما: أن يحدد ناسخ الثانية النسخة الأصل التي نقل عنها، وهذا غير ~~موجود فيها. وهنا يسقط الاعتماد على هذه الطريقة. # ثانيتهما: أن نجد نسخا أخرى أو أجزاء أخرى من النسخة الثانية يحدد أي ~~منها دليلا قاطعا أو مقربا. # وبالطبع.. لا يمكن احتمال العكس في العلاقة بين النسختين، وهو أن الأولى ~~نسخت عن الثانية؛ لأن بينهما في تاريخ النسخ، مائة وسبعا وستين سنة تسبق ~~بها الأولى كما أسلفنا تحديد تاريخ كل منهما. # ويجدر هنا إثبات ما جاء في صفحات (حامية الكتاب)، في أول مجلد هذه النسخة ~~قبل بداية الكتاب، وهو نوعان. # أحدهما: (تمليكات) النسخة، أو تسجيل تناقل ملكيتها من شخص لآخر، وهذا ~~سنتحدث عنه عند الحديث عن مصدرها. # والآخر: قصيدة شعر تقع في حوالي ثلاثمائة بيت من الشعر الآتية مقاطعه على ~~حروف (الألف باء) كل ms046 حرف بحسب ترتيبها، يكون مقطعا من عشرة أبيات، يبدأ ~~وينتهي كل بيت بنفس الحرف. يقول ناقلها: # (بسم الله الرحمن الرحيم، هذه القصيدة للشيخ الرئيس شهاب الدين أحمد بن ~~حنش، قالها في مولانا أمير المؤمنين يحيى بن حمزة قدس الله روحه في الجنة ~~آمين). ثم يبدأ قافية الألف: # إذا برق ليل الدجن في ليلة شرا ... أزال وميض البرق عن عيني الكرا # وتستمر قافية الألف عشرة أبيات، ثم قافية الباء، وهكذا. وتقع في ثمان ~~صفحات، وهي كما ترى أول أبياتها من بحر الطويل. # وبالنسبة للملاحق، فهي كسابقتها بدون أية ملاحق أو فهارس كما هي لا توجد ~~في كل المخطوطات تقريبا، إلا أن هذه النسخة لا يوجد فيها إبراز لبعض أو ~~أكثر العناوين على الهامش في محاذاة مكانه في القلب، وهذا ما تميزت به ~~الأولى وإن كان قليلا. PageV01P056 # الثالثة: خطها. # خط هذه النسخة من نوع النسخ أيضا، وخطها جميل ومقروء بوضوح، وعناوينها ~~بارزة بخط مكبر أنيق، وهي واقعة في نفس الأخطاء والأغلاط اللفظية واللغوية ~~والإملائية التي سبق الحديث عنها في استقراء النسخة الأولى. ليس فقط من ~~قبيل المضارعة الكلية.. بل في نفس الأخطاء بكلماتها وأماكنها، وذلك في ~~معظمها إن لم نقل كلها، وهذا ما دفعنا إلى احتمال أن تكون منسوخة عن ~~الأولى. إلا أن هذه تخالف الأولى في النقص، وبعض ملامح الشكل في جوانب، ~~نحصرها في أربعة منها: # 1- النقص في هذه النسخة قد يكون أبرز علامة لنسخها، ويظهر في ملامح ثلاثة: # أولها: نقص في الهوامش عن نظيرتها الأولى كما سبق ذلك. # ثانيها: نقص كثير في مواقع كثيرة، ووحدات هذا النقص الشائع متساوية في ~~حجمها، مما يؤكد أن الناسخ يسقط سطرا من النسخة الأصل التي نقل عنها وكثرة ~~إسقاط الأسطر فيها، لدرجة أننا كنا نواجه أثناء معارضتها على الأولى، بمعدل ~~كل عشر صفحات تقريبا يوجد فيها السقط، وهناك سقط فيها حجمه سطران وثلاثة ~~وأربعة، ولكنه بهذا الحجم قليل. # ثالثها: سقط من النسخة هذه حوالي إحدى عشرة صفحة بحجم هذه النسخة، أي أن ~~السقط هذا ms047 وقع في مكان واحد بما يساوي حوالي خمسة آلاف وثمانمائة كلمة ~~تقريبا. ومكان السقط هذا ينحصر بين الفرع التاسع من كلمة (في حق) ضمن عبارة ~~(كما يباح في حق الحائض..) وهي قبل الفرع التاسع بسطر تقريبا من الفصل ~~الثاني: (في حكم المرأة عند الولادة) وحتى ما بعد الفرع الخامس بسطرين، وفي ~~جملة: (ولقد كرمنا بني آدم). من البحث الرابع (في بيان من وجبت عليه ~~الصلاة). وضمن المحذوف عناوين أبرزها اثنان، يأتيان بحسب ترتيبهما: # الأول: الفصل الثالث في بيان المستحاضات، وفي الجزء الثاني من أجزاء ~~النسخة. # الثاني: كتاب الصلاة. # إضافة إلى المباحث والفروع والمسائل والمراتب من العناوين البارزة ضمن ما سقط. # وقد تأكدنا من أصل النسخة في مكتبة الجامع الكبير (لأن الموجودة بين ~~أيدينا هي صورة لها) وكنا PageV01P057 ظننا أن النقص آت من الصورة ومقصور عليها، وخصوصا أن أرقام الصفحات هي خاصة ~~بالصورة، إلا أننا اكتشفنا وللأسف، أن النقص هذا بحجمه كاملا هو من الأصل، ~~هذه ناحية. # والناحية الثانية: أن النقص ليس من أصل المخطوطة ومن جهة ناسخها، ولكنه ~~سقط من تجليد النسخة، إذ أن (قيد الصفحات) الممثل بكتابة كلمة في هامش ~~الصفحة الأسفل، هي الكلمة التي تبدأ بها الصفحة التالية، قد كشف هذا، حيث ~~انتهت الصفحة (538) بجملة (..كما يباح في حق) والقيد في هامشها كلمة ~~(الحائض) التي هي بداية اهصفحة التالية. ولكن الصفحة التالية (539)، بدأت ~~بجملة (حيث قال: ولقد كرمنا بني آدم) ولا عبرة بالترقيم كما سبق، كونه ليس ~~أصلا في النسخة، وإنما هو ترقيم المكتبة ربما أو غيرها بعد التجليد الذي ~~أسقط هذه الصفحات. # 2- اللون: استخدم الناسخ اللون الأحمر في العناوين، ولكن في آخر الجزء ~~الثالث من صفحة(887)، مع شيء من التزويق المزدوج. # 3- ظهر في صفحة (160) إلى (960) بداية تميع وفيشان في حبر هذه المخطوطة ~~يزداد سوءا كلما توغلت الصفحات في اتجاه النهاية، وهو ناتج عن سوء الحفظ في ~~المكتبة ربما؛ إذ يقول مسئول مكتبة الجامع الكبير بصنعاء: بأن ذلك ناتج عن ~~الرطوبة التي أصابت النسخة فبدأ حبرها يسيح ويفيش، ms048 وهو خطر يهدد النسخة ~~بالتلف إن لم تعالج بالوسائل التي تضمن توقفه كما هو على الأقل. # 4- لا تختلف عن سابقتها في عدم النقط والفواصل إلا نادرا، وبالنسبة لعجم ~~الحروف فإنها في هذه النسخة أكثر من سابقتها، ولكنه ناقص بحيث يمكن تقدير ~~نسبة العجم فيها ب75% من مجموع حروف المعجم في أجزائها الثلاثة. # 1- الرابعة: مصدرها: # مصدر هذه النسخة مكتبة الأوقاف بالجامع الكبير بصنعاء، وهي أغنى مكتبة ~~للمخطوطات اليمنية، وهذه النسخة مودعة فيها برقم (981) وفي صدر النسخة قبل ~~بداية الكتاب (تمليكات) عدة، نورد نماذج منها في الإشارات الثلاث التالية: # 1- كما سبق في نص ما كتبه الناسخ في نهايتها، فإنها نسخت لصالح (برسم) يحيى PageV01P058 بن الحسين بن القاسم بن محمد، وهذا يعني أنه أول مالك لها، وفي الصفحة ~~الأولى تحت اسم الكتاب، ما يزيد ذلك تأكيدا، وهو قصاصة بخط مالكها يحيى بن ~~الحسين ما نصه: (استكتبت هذا الكتاب الجليل وأنا الفقير إلى الله يحيى بن ~~الحسين بن أمير المؤمنين المنصور بالله القاسم بن محمد بن علي لطف الله به، ~~في شهر صفر(1052ه). # 2- وهناك تمليكات أخرى بخط أصحابها، ولكن لا يوجد فيها تاريخ، وربما أن ~~بعضها مكرر. ومما وضح منها تمليك باسم المحسن بن المؤيد بالله (بن القاسم). ~~وآخر باسم محمد بن المتوكل على الله اسماعيل (بن القاسم). وثالث باسم حميد ~~بن أمير المؤمنين المنصور بالله. # 3- وفي الصفحة الثالثة من الورق الذي تحتويه النسخة، توثيق وقفية النسخة، ~~وفيها ما لفظه: (الحمد لله تعالى، من وقف سيدي المالك المولى أمير المؤمنين ~~المنصور بالله رب العالمين، حفظه الله وأعلى شأنه، على قبة والده(¬1) ~~الإمام المهدي (رضوان الله تعالى عليه) التي بحافة طلحة(¬2)، بتاريخ شهر ~~شعبان سنة 1252ه، وكتبه الفقير إلى الله تعالى، محمد بن صالح العصامي لطف ~~الله به). # ويتضح من الإشارات الثلاث السابقة، ثلاث إشارات غير مباشرة من خلاصة ~~النصوص الواردة: # أولاها: أن التاريخ الوارد في الأولى بخط مالكها الأول يحيى بن الحسين، ~~هو تاريخ استكتابه الناسخ لهذه النسخة، وذلك يظهر من تاريخ النسخة؛ لأن ms049 ~~فترة نسخها كانت قبل شهر ربيع الأول عام(1052ه). # ثانيتها: أن تنقلها من شخص لآخر، كان بين أفراد الأسرة الواحدة من أحفاد ~~القاسم، ولم تخرج إلى غيرهم. PageV01P059 # ثالثتها: أن تحويلها من الملكية الخاصة إلى الوقف كما جاء في توثيق وقفيتها ~~على الصفحة الثالثة الآنفة الذكر، كان من جهة المنصور علي بن المهدي ~~عبدالله (ولاية المنصور بن علي في منتصف القرن الثالث عشر الهجري) الواقف ~~لها على مسجد (قبة) والده المهدي. # 1- ج - مخطوطة الجزء الرابع: # بدأنا المقارنة بين نسختي الأجزاء الثلاثة الأولى السالفتي الحديث عنهما، ~~مقدرين صعوبة الحصول على أكثر من نسخة عن بقية الأجزاء، إما مجزأة في خمسة ~~عشر مجلدا، (بقية الثمانية عشر)، وإما مجموعا بعضها في مجلدات في شكل ثنائي ~~وثلاثي...إلخ. ولذا توقفنا عن الاستمرار في قراءة ما توفر لدينا من أجزاء ~~غير مرتبة من الكتاب، وصرفنا الاهتمام إلى البحث عن نسخ مغايرة لهذه ~~الأجزاء التي لم تتوفر بعد، وقضينا قرابة ثلاثة أشهر نبحث ونسأل في ~~المكتبات العامة والخاصة التي نعرفها، أو يدلنا عليها الآخرون مما هي مظنة ~~توفر شيء من أجزاء الكتاب، ثم في المراجع التاريخية القديمة والبحوث ~~الحديثة التي تتحدث عن هذا الكتاب وأجزائه وأماكن شيء من مخطوطاتها في ~~الداخل والخارج، وبدأنا نحس بما يشبه استحالة وجود نسختين كاملتين من أجزاء ~~الكتاب الثمانية عشر، بعد أن اقتنعنا بعدم وجود نسخة كاملة منه في مكان ~~واحد، سواء أكان مكتبة عامة أو خاصة، وفي الداخل أو الخارج طبعا.. بحسب ما ~~استطعنا الحصول عليه من معلومات الكتب والبحوث والأدلة التي تتناول الكتاب ~~وأماكن مخطوطاته. # وهنا.. كنا قد بدأنا نشك في بعض القناعات والمعلومات عن الكتاب، التي ~~كانت شبه مسلم بها ومفروغ منها.. مثل مدى توفر نسخة كاملة منه في مجموع ~~شتات أجزائه ومدى تطابق النسخ المكررة بنقص الأجزاء من حيث البداية ~~والنهاية، وحتى عدد أجزائه لم يسلم من الشك، وخاصة أن مخطوطة الجزء الرابع ~~أو إحدى مخطوطاته بالأصح، تشير إلى أنه عشرون جزءا، ولكن الشك في عدد ~~الأجزاء لم يلبث أن ms050 زال؛ لأن مراجعه من البحوث والتراجم والفهارس تؤكد أنه ~~18 جزءا. هذا أولا. # وثانيا: أن التبويب الفقهي للأجزاء الموجودة تشير إلى هذه الحقيقة. # وثالثا: وهذا الأهم.. أن أحد الأجزاء التي عثرنا عليها، هو الجزء الثامن ~~عشر وهو مخطوط بخط المؤلف رحمه الله وفيه نهاية الكتاب. # وندع الحديث عن مخطوطة الجزء الرابع ثم ما يليه إلى أن يصل مسار التحقيق ~~إلى كل منها، وهنا PageV01P060 نتوقف قليلا عند أبرز الفهارس والبحوث التي استقرأ أصحابها أجزاء الكتاب ~~ومخطوطاته وهي ثلاثة، نتصفحها هنا بدون ترتيب: # أولها: كتاب (مصادر التراث اليمني في المتحف البريطاني). # وفيه يفيد مؤلفه البحاثه الدكتور حسين عبدالله العمري، بأن الموجود من ~~(الانتصار) في (مكتبة المتحف البريطاني) ثمانية أجزاء في سبعة مجلدات، هي ~~الثاني والثالث والخامس والسادس والثامن، والجزءان السادس عشر والسابع عشر ~~في مجلد واحد، والسابع عشر مكرر في مجلد. ص177. # وثانيها: دليل مكتبة الأوقاف بالجامع الكبير بصنعاء(¬1). # ويحدد الموجود من (الانتصار) في مكتبة الأوقاف بالجامع الكبير، بستة عشر ~~جزءا في أربعة عشر مجلدا. وهي: الأول والثاني والثالث في مجلد واحد، النسخة ~~الأولى التي سبق الحديث عنها لهذه الأجزاء الثلاثة، والثاني مكررا في ~~مجلدين، والرابع والخامس والثامن والعاشر والحادي عشر والثالث عشر والخامس ~~عشر والسادس عشر، والأجزاء المكررة إضافة إلى النسخ الثلاث من الثاني، وهي: ~~الخامس والثامن والحادي عشر(¬2). # وثالثها: كتاب: (مصادر الفكر العربي والإسلامي في اليمن) للباحث المعروف ~~الأستاذ عبدالله محمد الحبشي(¬3). # ولم يتجاوز فيه ما جاء في دليل وزارة الأوقاف، بل لم يستوف ما جاء في ~~الدليل، حيث أورد خمسة أجزاء في سبعة مجلدات، هي: الثاني والخامس والثامن، ~~والحادي عشر، والخامس عشر، إضافة إلى نسختين مكررتين للثاني والخامس عشر. # ولا نسبق الحديث عن كل جزء على حده وفي موضعه بحسب تسلسلها، ويلاحظ من ~~مجموع هذه الأجزاء، غياب أجزاء خمسة هي: السابع والتاسع والثاني عشر ~~والرابع عشر والثامن عشر. وقد سبق PageV01P061 القول: بأننا عثرنا على الثامن عشر صورة مخطوطة بخط المؤلف.. فيبقى أربعة ~~أجزاء غير متوفرة سنتحدث عن كل منها ms051 في مكانه. # ومن بداية الجزء الرابع سنخصص لكل جزء مقدمة ملخصة تتضمن فقط، الحديث عن ~~مخطوطته الأم، وما يتعلق بها خارج نطاق الحديث العام عن مخطوطات الكتاب، ~~الذي نرى أن المقدمة قد استوعبت أهم جوانبه، والله ولي التوفيق {ربنا آتنا ~~من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا}. # المحور الثاني: موضوع الكتاب # المحور الثاني من المحاور الثلاثة لمقدمة كتاب (الانتصار).. يخص موضوع ~~الكتاب، وسنتناول فيه ملامح عامة عن موضوعه، توضح كلياته العامة ومنهجه ~~وأسلوب مؤلفه في تأليفه، ثم صورا مركزة عن موضوع الكتاب في رأي العلماء ~~والباحثين، كل ذلك في الحدود التي تقدم خلاصة وفكرة عن موقع الكتاب وأثره ~~في وسط الفكر والفقه الإسلامي في اليمن. # ذانك قسمان أساسيان لهذا المحور، نبدأ بأولهما بعون الله تعالى. # 1- أولا: (القسم الأول) ملامح عامة عن موضوع الكتاب: # نتناول هذه الملامح من جوانب ثلاثة، هي: موضوع الكتاب ومنهجه، وأسلوبه. # 1- أولها: موضوع الكتاب: # وموضوع الكتاب هو الفقه الإسلامي. # وكتاب (الانتصار)، كما أنه أكبر وأوسع كتاب في الفقه الإسلامي التراثي ~~الزيدي، في موضوعه وموضوعاته، وفي كتبه وفصوله ومسائله وأصوله وفروعه، وفي ~~مباحثه وحقائقه ودقائقه وأحكامه.. فهو كذلك أوسع وأكبر كتاب من كتب التراث ~~الإسلامي في اليمن، في منهجه واستدلاله، وفي أوجهه وآرائه وأقواله التي جمع ~~المؤلف في كتابه هذا شتاتها وأدنى بعيدها، ورتب قواعدها، ووثق شاردها ~~وواردها، وأبرز دقيقها ووضح غامضها وفك مبهمها، وحل عقيلها، واستنطق ~~أسرارها وأنطق قيلها، وجمع أولها بآخرها وقديمها بجديدها، ولم يقتصر في ~~(الانتصار) على إيراد آراء وأقوال المجتهدين من الأئمة والعلماء والفقهاء ~~في اليمن ممن وافق مذهبه وجايل عصره، بل شمل كل PageV01P062 المدارس وجل المذاهب الفقهية الإسلامية بأعلامها ومجتهديها وآرائها وأدلتها ~~وطرق استدلالها في كل العصور التي سبقته، بدءا بخير الأجيال والعصور، وهو ~~جيل الصحابة الأجلاء (رضوان الله عليهم) فالتابعين وتابعيهم، ثم من تلاهم ~~من أجيال الأعلام والمجتهدين.فهذا الكتاب يعتبر بحق وكما سنبرز بعضا من ~~آراء ونعوت العلماء والباحثين فيه.. موسوعة نادرة للمدارس والمذاهب الفقهية ~~الإسلامية.. بل يتميز عن الموسوعة ويتفوق ms052 عليها ويتجاوزها من حيث أنه عالم ~~حي بحوار الأفكار والآراء وتقارع الحجج والبراهين وباتفاق واختلاف الآراء ~~والمذاهب، فهو بحث واسع للفقه المقارن الذي يستخدم في منهجه إيراد الآراء، ~~ثم فحصها ومقارنتها في كل مسألة، ثم يعود إلى تقرير (المختار) لديه ممعنا ~~في الاستدلال عليه بأسلوب العالم المتجرد من كل الأهواء، ويختم كل مسألة ~~بإيراد (الانتصار) الذي يناقش آراء وأقوال مخالفيه بحصافة الناقد البصير، ~~وبصيرة الناقد الحصيف وعمق المجتهد المطلع، وإنصاف الورع الذي لا يتغيا غير ~~الحق، ولا يستهدف سوى الحقيقة، وهي طريقة من يعرف أنه ليس بعد الحق إلا ~~الضلال، وليس وراء الحقيقة إلا الخيال. # ويمكن الحديث عن موضوع كتاب (الانتصار)، من خلال تحديد مؤلفه فيه لعنوانه ~~وغايته وموضوعاته: # 1- العنوان: # (كتاب الانتصار على علماء الأمصار، في تقرير المختار من مذاهب الأئمة، ~~وأقاويل علماء الأمة، في المسائل الشرعية، والمضطربات الاجتهادية). # والعنوان كما ترى، مصوغ على طريقة المؤلفين القدماء من حيث الشكل، في ~~بلاغته وجزالة وانتقاء ألفاظه، والتزامه السجع، ومن حيث المحتوى، في أنه ~~تضمن الغاية والموضوع والمنهج، بمعان منطوقة ومفهومة، توضحها قراءة الكتاب، ~~وهي معان تكاد تتمثل ملخصة في الصيغة التالية. # (كتاب) يتغيا (الانتصار) بالأدلة طبقا للمنهج الأصولي(¬1) وقواعده ~~الثابتة، (على) المخالفين لمذهبه في كل مسألة، ومع كل مجتهد من (علماء ~~الأمصار) (في تقرير المختار) الذي يحدد به رأيه ضمن ما يورده من الآراء، ~~وهو مختار (من مذاهب الأئمة وأقاويل علماء الأمة) الإسلامية (في المسائل ~~الشرعية) الإسلامية الفقهية. (والمضطربات الاجتهادية). وتأتي العبارة ~~الأخيرة معطوفة على المسائل PageV01P063 الشرعية في مكان النعت لها، لعدم وجود التغاير الذي يسوغ التعاطف بين ~~المسائل الشرعية والمضطربات الاجتهادية، وقد نفهم من ذلك أنه أراد إبراز شيئين: # أولهما: تحديد موضوع الكتاب لمسائل الفقه التي يجوز فيها الاختلاف عن ~~طريقة الاجتهاد. # وثانيهما: استثناء علم أصول الدين. # والذي نريد توضيحه أكثر، هو أن المؤلف في عنوان الكتاب، لم يقصد أنه ~~انتصار على مجموع علماء الأمصار ومجمل آرائهم، بمعنى أنه يختلف في كل مسألة ~~مع كل علماء الأمصار، ثم ينتصر عليهم ms053 بالاستدلال ونقد الرأي، وإنما قصد أنه ~~يورد في كل مسألة (مذاهب الأئمة وأقاويل علماء الأمة) ثم يختار منها رأيه ~~الذي يحدده منهجه في الاستدلال النقلي والعقلي، ثم يسبب في الانتصار ~~اختياره لذلك الرأي. مبررا انصرافه عن آراء مخالفيه بطرح ومناقشة جوانب ~~الضعف في أدلتها، أو في طريقة الاحتجاج بها. # ولعل توضيحنا هذا، جاء تحصيلا لحاصل، ولكنا رأينا أنه قد يوضح لبسا ~~واردا، ولو بنسبة ضئيلة واحتمال بعيد. # 2- الغاية من الكتاب.. حددها المؤلف في بداية الكتاب في غرضين: # أولهما: ديني، وهو أن يكون (لي بعد الموت ما عسى أن يبقى ثوابه، ولا ينفد ~~أجره..). # ثانيهما: موضوعي، وهو أنه لما ألف كتابه (العمدة)، كان قد اقتصر فيه (على ~~ذكر المذهب ودليله وذكر من خالف مذهبنا، أو وافق من علماء الأمة وفقهاء ~~العامة. وألغيت ذكر أدلة المخالفين، وذكر المختار من الأقاويل في المسألة ~~وتقرير الحجة عليه). وأنه وعد في صدر كتاب (العمدة) إن مد الله في أجله أن ~~يؤلف هذا الكتاب، يستوفي فيه آراء المخالفين وحججهم. وكان أن مد الله في ~~عمره فوفى بوعده وعهده، من الله الذي جعل لكل أجل كتابا، ولكل كتاب أجلا. # 3- موضوع الكتاب في نهاية كتاب الحج في الجزء السابع ص(245) من المخطوطة، ~~حدد المؤلف مضمون الكتاب في أربعة أقسام أو أرباع: # أ- (الربع الأول: العبادات، ويشتمل (على ما كان قربة من الصلاة والزكاة ~~والصوم والحج). PageV01P064 # ب - (الربع الثاني: مشتمل على ما كان مألوفا من العادات، كالنكاح والطلاق ~~والإيلاء والرضاع والظهار، وغير ذلك). # ج - (الربع الثالث: مشتمل على المعاوضات من البيع والشراء والإجارة ~~والشفعة والفرائض. وغير ذلك). # د - (الربع الرابع: مشتمل على المعاملات للكفار والبغاة، وأنواع الجهاد). # فهي أربعة أقسام ملخصة: في العبادات والعادات والمعاوضات والمعاملات ~~للكفار والبغاة. # (المذهب) في فقه الزيدية. # يلاحظ القارئ المطلع على هذا، ورود كلمة (ذكر المذهب) في الغرض الثاني ~~لتأليف الكتاب، ولعل المطلع غير الباحث على الأقل يظن بأن إطلاق كلمة ~~(المذهب) في كلام المؤلف، تعني مذهبه وحده، وخاصة أن بعدها مباشرة عبارة: ~~(وذكر من ms054 خالف مذهبنا أو وافق). وكلمة (مذهبنا) قد تعطي مفهومات ثلاثة ~~محتملة، وهي: # 1- توضيح كلمة (المذهب) التي أطلقها المؤلف، وتؤكد أنه قصد مذهبه هو، ~~بإطلاقه الأولى ونسبته للثانية إلى ضمير الجماعة الذي كثيرا ما يأتي ويفهم ~~بمعنى المتكلم. # 2- صرف كلمة (المذهب) عن المؤلف منفردا إلى جماعة علماء الزيدية، التي ~~عبر عنها بضمير الجماعة في كلمة (مذهبنا)، وهو أقرب الاحتمالات إلى الصواب ~~وإن لم يكن بالدقة التي دفعت إلى هذا التوضيح دون تمييز للغرض، والمقصود ~~والمدلول لكل منهما، وهنا.. يأتي موضع التوضيح لكلمة (المذهب) إذا أطلقت في ~~الفكر الفقهي الزيدي، وهي مسألة واسعة نحاول تلخيصها في ثلاثة جوانب: # أولها: تكثر كلمة (المذهب) في كتب الفقه الزيدي، ويكاد ذكرها ينحصر في ~~جمل وصيغ محددة، يأتي كل منها بحسب المواقع والمواضع والحالات وسياق ~~المعاني، مثل: (رأي المذهب) و(على قاعدة المذهب) و(به قال أهل المذهب) ~~و(نقله للمذهب) و(رواه أو أخرجه للمذهب)...إلخ. وله مصطلح رمزي، يمثل ~~اختصارا للكلمة في حرفي (هب) مع نقطة فوق حرف الباء الموحدة ضمن الرمز، ~~ويكتفى في كتابة المخطوطة بحرف الهاء ممدودة إلى اليسار (ه) ويعني وجود هذا ~~الرمز فوق PageV01P065 المسألة أو الرأي، أنه على رأي (المذهب). ويكثر وجود المصطلح الرمزي هذا في ~~أشهر كتب الفقه الزيدي، مثل: (شرح الأزهار). ويرادفه في حواشي الكتب ~~المطبوعة رمز (قرز) وهي حروف القاف والراء مكررا، والنقطة فوق الأخيرة منها ~~علامة (المذهب). # ثانيها: أن (المذهب) يمكن القول بأنه ذو دلالتين: عامة وخاصة. فالعامة ~~تعني: أنه يمثل المذهب الزيدي في مجمله وعمومه، والخاصة لا تعني ذلك، إذا ~~كان القصد بها أنه يوافق في كل مسائله آراء كل عالم من علماء الزيدية، أو ~~حتى بعضهم، أو واحدا منهم. # ثالثها: ويوضح ما قد يكون ظهر من لبس في الجانبين السالفين نتيجة التركيز ~~ربما.. أن (المذهب) يعني قواعد وأسسا وأصولا عامة، تجتمع عليها آراء أئمة ~~وعلماء الزيدية تم وضعها لتؤدي غرضين أساسين: # أحدهما: أن تكون محاورا للرأي، ومعيارا لمدى موافقته للمذهب في أية ~~مسألة، ثم تتفرع وتتسع الآراء، وتتشعب في ms055 اتجاه تلك القواعد والأصول ~~الثابتة، هذه هي القضية المبدئية الأولى. ثم تأتي قضية اختيار رأي المذهب ~~في وسط الآراء والخيارات والأقوال المختلفة في المسألة الواحدة. وهنا.. ~~يمكن القول بأن هناك شبه اتفاق بين علماء الزيدية في مختلف العصور وتتالي ~~أجيال أعلامها.. بأن يتم اختيار رأي المذهب من بين الآراء المختلفة طبقا ~~لمبادئ أو أسس ثانوية محددة تقريبا، منها على سبيل المثال: # - الأخذ بالأحوط، فالإختلاف مثلا بين العلماء في المضمضة والاستنشاق بين ~~من يقول بوجوبها بوصفها من أعضاء الوضوء استنادا إلى فعل الرسول (عليه وآله ~~الصلاة والسلام) ومن يقول: بأنها سنة استنادا إلى عدم تضمن آية الوضوء لها، ~~فالمختار للمذهب يؤخذ فيه الأحوط، وهو الوجوب باعتبارهما من غسل الوجه. # - أقرب الآراء إلى تطبيق الدليل والعمل به أكثر. # - أرجح الأقوال وأكثرها اتفاقا في المسألة. # ومثل هذه المبادئ ليست قواعد مطردة في كل الأحوال، بل يدخل عليها الترجيح ~~بين المبدأ وما يقابله، فيرجح مثلا، أيسر وأسهل الآراء تناولا أو أداء أو ~~إلزاما أو تسامحا على مقابله الذي قد يكون PageV01P066 القائلون به أكثر. # ثانيهما: أن تمثل هذه الأسس العامة (المذهب) الثابت والسائد في الأغلب، ~~في مجالات المعاملات والعلاقات وقضاياها ومسائلها ومشاكلها العامة في ~~مجتمعات عامة الناس، مثل: مجالي القضاء والإفتاء، ووضع القوانين المختلفة ~~ذات العلاقة المباشرة بالفقه الإسلامي؛ وذلك تجنبا لتناقضها عند تركها ~~للاجتهادات والأقوال المختلفة. # ويجدر التعريج هنا على موضوع أسس وقواعد (المذهب)، وذلك من ناحيتين: # الأولى: إيراد نماذج من هذه الأسس والقواعد التي يتم وفقا لها، تخريج ~~واختيار رأي المذهب في مسألة ما، بحيث لا يقبل تخريج من يخرج للمذهب ~~بخلافها، ومنها ما يمكن اختياره ضمن أطر عامة في الصورة التالية(¬1) : # 1- قضية الاجتهاد: # - مطلوب الله من عباده الاجتهاد. # - إذا تعذر الاجتهاد، جاز التقليد. # - يعتبر الجاهل فيما فعله معتقدا صحته ولم يخرق الإجماع، مقلدا لمن وافقه. # - الخلاف في المسألة، يصيرها ظنية. # 2- التعارض والتناقض: # - إذا اجتمع حظر وإباحة، فالحظر أولى لأنه الأصل. # - إذا تعارض واجب ومحظور، فترك الواجب أهون من فعل المحظور. # - إذا تقارن ms056 أصل وظاهر، قدم الظاهر. # - إذا كان فعل الحسن سببا لفعل القبيح، وجب تركه. # - إذا اجتمع في العقد وجها صحة وفساد، حمل على الصحة. PageV01P067 # - إذا تعارض أصلان قريب وبعيد، فالقريب هو المعمول عليه. # - إذا تعارضت مصلحة ومفسدة مساوية أو راجحة، وجب توقي المفسدة. # - إذا التبس موت الشخص وحياته، فالحياة هي الأصل. # 3- العلم والظن: # - ما كان من الأحكام الشرعية يمكن الوصول إليه بالعلم، لم يكف الظن فيه، ~~وما لا سبيل منها إلى تحصيل العلم فيه، فالظن معمول عليه. # - الظن لا ينقض الظن. # - علم الإنسان أقدم (أولى) من علم غيره. # - وعلم الغير أقدم من ظن نفسه. # - وظن نفسه أقدم من ظن غيره بالنظر إلى العمل. # - خبر العدل معمول به في العبادات على كل حال(¬1). # 4- في الواجب، وفصل القضاء: # - ما لا يتم الواجب إلا به، يجب على حد وجوبه. # - الإقدام على ما لا يؤمن قبحه، قبيح. # - العبرة في العبادات بالانتهاء، وفي المعاملات بالابتداء. # - الإكراه يصير الفعل كلا فعل. # - نية المكره تصير الإكراه كلا إكراه. # - لا يجتمع على الشخص غرمان في ماله وبدنه. # - يلحق الضمان المباشر لا المسبب، إلا إذا لم يوجد المباشر، فعلى المسبب. # - يعمل بالعرف في الصحة والفساد واللزوم والسقوط، ما لم يصادم نصا. PageV01P068 # - البينة المركبة غير مقبولة. # الثانية: كيف تم وضع هذه القواعد والأسس؟ وهذا السؤال في هذه الناحية، ~~يصعب استقصاؤه ويطول استعراضه دون حاجة إلى التوسع فيه، كون التعريج عليه ~~هامشيا، ولغرض التوضيح السريع، ثم إن شيئا من هذا يحتاج إلى عالم مطلع ~~استقرأ المذهب من حيث بداية وضعه وواضعي أسسه ومن اقتفى أثرهم في تخريج ~~أصوله وتوسيع قواعده واطراد مسائله وتصنيف اختياراته؛ لأن الحصيلة التي ~~يمكن أن نجمعها من كل جوانبها، ليست كما نعتقد منحصرة في مرجع واحد، بل إن ~~كثيرا منها (تحديد بداياتها، وواضعيها استطرادا واختيارا وتخريجا وزمنا).. ~~لا يزال شتاتا وموضوع تحقيق وتسجيل، وكنت قبل عامين تقريبا قد سجلت جملا في ~~صيغ أسئلة تتناول أصول (المذهب) وبداياته واختياراته وتخريجاته وأعلامه وما ~~يتعلق بها، وقدمتها إلى واحد من أكبر ms057 علماء الزيدية المعاصرين، ومن أكثرهم ~~اطلاعا وتحقيقا وتدقيقا في الفكر الزيدي بمختلف علومه، وهو المولى العلامة ~~الوالد مجدالدين بن محمد بن المنصور المؤيدي (مد الله في عمره) والتمست منه ~~إمكان الرد على تلك التساؤلات لتكون مرجعا في تحقيق أصول (المذهب). برغم ما ~~أعرفه من مشاغله بالتأليف والتدريس والفتيا وغيرها، ولا يزال الأمل موجودا. # ويمكن القول باختصار، بأن أسس المذهب بدأت من قبل الإمام الهادي إلى الحق ~~يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم، ثم من بعده ابناه: المرتضى محمد ~~والناصر أحمد. ومن أعلام واضعي هذه الأسس وناقليها تخريجا واختيارا، ~~السيدان الأخوان: الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني، وأبو طالب ~~يحيى بن الحسين، والقاضي زيد(¬1) وغيرهم. # 1- ثانيها: منهج الكتاب: # منهج الكتاب (الانتصار) أو منهج المؤلف في كتابه هذا، هو منهج يكاد يكون ~~متميزا عن غيره ممن سبقه وتلاه من المؤلفين والكتب في الفقه في اليمن على ~~كثرتهم وكثرة مؤلفاتهم، وهو تميز لا نعني به العادي الذي يمكن به التفريق ~~بين مؤلف وآخر، ولكنه تميز رائد في المنهج عامة شكلا وتصنيفا وتبويبا ~~ومحتوى ورأيا واختيارا، وطريقة بحث واستنتاج واستدلال. # ولا نشك في قصورنا عن القدرة على إعطاء الكتاب حقه عامة، وفي جانب منهجه ~~خاصة، ولكنا PageV01P069 لا نزال وسنظل متمسكين بمبدئنا السالف ذكره، وهو {لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها}. ومع بذل الوسع ندعوا الله تعالى: {ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا ~~من أمرنا رشدا}. # ونخلص إلى منهج الكتاب للحديث عنه في فقرات ثلاث: # الأولى: منهجه في تصنيف الموضوعات. # سبقت الإشارة إلى أنه تتركز مقدمة الكتاب عموما، على أبرز الملامح ~~والجوانب لصور الكتاب العامة، وخاصة ما جاء منها ضمنا أو شائعا، بصفة يصعب ~~معها تحديده عن طريق غير القراءة والاستقراء للكتاب ومصادره ومراجعه ~~المتاحة؛ وذلك حرصا على أن تظل المقدمة ضمن مفهومها العام وإطارها المحدد؛ ~~إذ إن الخروج عن نصوص وأصول منهج الكتاب الواردة فيه مفصلة، يخرج المقدمة ~~عن غرضها إلى الاستطرادات الواسعة الداخلة في باب لزوم ما لا يلزم دون ms058 حاجة ~~تدعو إليه، وتتحول إلى شبه عرض لمحتوى الكتاب، وهذا العرض قد يكون مطلوبا ~~في موضعه حيث يستغنى به عن الكتاب في تقديم صورة وصفة ملخصتين عنه، وهذا ~~ليس مكانه؛ لأننا هنا نقدم الكتاب إلى القارئ بذاته كاملا كما هو، والصورة ~~لا تستخدم للتعريف بالذات مع وجودها. # ولذا.. نكتفي في الحديث عن منهج الكتاب في تصنيف وتبويب الموضوعات، ~~بإحالة المطلع إلى الصفحة أو الصفحات الأولى منه، حيث تناوله المؤلف مركزا ~~وافيا، وكافيا لتحديد ذلك في جانبين: # أولهما: تبويب وتصنيف موضوعات الكتاب عند قوله: (فلما أنجز الله العدة ~~وصدق الرجاء بتنفيس المدة، ابتدأت بتأليف هذا الكتاب فأجعله كتبا ثم أضمن ~~الكتب أبوابا ثم أحشو الأبواب فصولا...إلخ). # وثانيهما: أنواع المسائل، وطريقة تناوله إياها وتقريره المختار منها ~~لرأيه واجتهاده، وتعليل وإثبات مذهبه فيها بالأدلة النقلية والعقلية ~~المناسبة الكاملة، ولخصها في المراتب الثلاث التالية لتحديده الكتب ~~والأبواب والفصول. # ولنا هنا، وقفة نتأمل فيها طريقة المؤلف في التصنيف والتبويب للكتاب في ~~عناصر ثلاثة: # الأول: أسسه العامة في التصنيف. PageV01P070 # يلاحظ من تحديده في بداية الكتاب لأسس منهجه، في تصنيف الموضوعات ~~وتبويبها.. أن الأسس التي حددها هي الرئيسية، ولذا حرص على ذكرها وتسميتها، ~~وضرب صفحا عن ذكر الأسس الأخرى التي تعتورها، بوصفها أسسا فرعية أو متفرعة ~~عن الأولى التي هي الرئيسية وجملتها أربعة: الكتب والأبواب، والفصول ~~والمسائل. # وبحسب ما حدده وطبقه المؤلف.. فإنها تبدأ في هذا الترتيب، بالأعم فالأخص، ~~بداية بالكتب وانتهاء بالمسائل. وكما يعني هذا الترتيب التدرج من الأعم إلى ~~الأخص.. فإنه يعني أيضا أن الأسس الفرعية الأخرى التي لم يذكرها ولكنه ~~استخدمها في التبويب، ستظل فروعا للأسس العامة الأربعة، وضمن تقسيماتها ~~التفصيلية في مختلف الموضوعات، إما بشكل مباشر عن أي من الأسس العامة، أو ~~متدرجة عن مجموعها، وهذا هو الذي يفهم من تصدير المؤلف. # وقد ظل كذلك في الأسس الثلاثة الأولى، وهي: الكتاب والباب والفصل، في ~~الغالب السائد. وأما الرابع وهو المسألة، فلم تظل أساسا في معظم الكتاب، ~~وخاصة من الجزء الثاني منه؛ إذ أصبحت ms059 (القاعدة) و(الفرع) بصفة خاصة إطارين ~~كلاهما أوسع وأشمل وأعم من المسألة، وأصبح (التفريع على هذه القاعدة الفرع ~~الأول)، يلي الكتاب والباب والفصل مباشرة، ثم تأتي المسائل ضمن الفروع ~~بينما ظهرت المسألة في أماكن أخرى كالجزء الأول مثلا، أعم من الفرع، فيبدأ ~~بالمسألة ثم يصنفها في فروع مسلسلة. # الثاني: اتساع أطر منهجه. # من يقرأ كتاب الانتصار من المهتمين بأسس المنهج الحديث في البحث.. يقف ~~مأخوذا باتساع منهج المؤلف فيه، وبخصوبته وغناه وتنوع وتعدد جوانبه. وبقدرة ~~المؤلف على بناء منهجه في متانة ومرونة، بناء فنيا وعلميا محكما ودقيقا ~~وقائما على قواعد منطقية وموضوعية، فلا يكاد واحد من موضوعاته يبدأ حتى ~~يتسع ويتسلسل في أطر وعناوين تتفرع وتنمو وتتعدد في اتساق وانسجام، ينساب ~~موضوعه في مجراهما انسيابا سهلا وثريا ومتناميا بتنامي القضايا والمسائل من ~~داخلها، تناميا يتناسب مع أصل واتساع الموضوع العام، ومع العلاقات الطبيعية ~~القائمة بين المضامين وأطرها ومسمياتها، حتى لا تكاد تحس نوعا من التكلف في ~~تصنيفها أو الإقحام لشيء منها على غيره أو بعيدا عن موضعه، ولا فراغا بين ~~أي منها أو إهمالها لدقيقة قد تشذ عنها، أو أي شيء آخر من سهو أو تكرار PageV01P071 أو انحراف عن جادة المنهج وأسسه العامة والمتفرعة عنها. # ولعل النظائر كالأضداد في القدرة على توضيح التميز والتفوق والفوارق بين ~~الأشياء، ولذا نلاحظ مثلا، أن منهج كتاب (الانتصار) منهج رائد وفذ، في سبقه ~~واستخدامه، سواء في شكله من حيث تنوعه، وتعدد أسسه وبنائه، أو في محتواه من ~~حيث اتساعه ودقته وانسجامه وشموليته وغناه، ويزداد الإعجاب بهذا المنهج، ~~إذا أخذنا في الاعتبار الظروف والنظائر في أمثلة: # 1- أن تأليفه تم في الربع الثاني من القرن الثامن الهجري (الرابع عشر ~~الميلادي). وهو وقت مبكر بالنسبة لعلاقته بأصول وأسس منهج البحث في الفكر ~~الإسلامي؛ إذ ظل المنهج التقليدي مسيطرا على التأليف والبحث حتى بداية ~~القرن الحالي بصفة عامة، وفي شبه الجزيرة العربية بصفة خاصة، حتى منتصفه ~~تقريبا. # 2- أن مؤلفه بدأ في تأليفه، في ما يمكن تقديره ببداية العشرين عاما ms060 ~~الأخيرة من عمره، هذا من ناحية، ومن أخرى، أنه توقف عن الاستمرار في تأليفه ~~عند شطر من الجزء الثاني منه(¬1) فترة امتدت على التوالي، اثنتي عشرة سنة، ~~ثم عاد ليستأنفه من مكان توقفه منوها بذلك ومعتذرا عما قد يظهر من تكرار ~~بسبب الانقطاع؛ ومن ناحية ثالثة، فقد أكمله بخطه كما يظهر من بعض الأجزاء ~~في سنوات عمره الأخيرة. وكان انتهاؤه من الجزء الأخير (الثامن عشر) في ~~أواخر عام (748)، أي قبل وفاته بأشهر معدودة(¬2) وقد بلغ الثمانين من ~~العمر. ومن ناحية رابعة.. فقد أكمله، لا في حالة دعة من العيش ورخاء من ~~الحياة، بل وهو في حالة من المعاناة وقسوة الحياة والظروف، حيث كان مرابطا ~~في أحد الحصون(¬3) مواصلا جهاده ودعوته إلى الله، ومثابرته على نشر العلم ~~والعدل والسلام. PageV01P072 # 3- أن من تلاه زمنا، أو اقتفاه أثرا في منهجه من المؤلفين في مجاله وبلده، ~~لم يبلغوا في اقتفائهم إياه ما بلغ من سبقه وتفرده بهذا المنهج ~~المتميز(¬1). # الثالث: نماذج من منهجه. # في آخر هذا الملمح عن منهج الكتاب، قد يكون مفيدا حصر نماذج أطره التي ~~استخدمها المؤلف في رؤوس موضوعاته، وأصناف تفريعاته، وهي بحسب ترتيبها في ~~طريقة استخدامه إياها.. أساليب تتنوع نماذجها من حيث اتساعها في ما يمكن أن ~~نلخصه في تقسيمات أربعة هي: # الأول: التقسيم العام، وهو الذي حدده في بداية الكتاب، ويبدأ (بكتاب ~~...)، ثم يقسمه إلى أبواب، والأبواب إلى فصول، والفصول إلى مسائل، وهذا ما ~~يمكن أن نسميه بالتركيب الجذري، أو التقسيم المبدئي للكتاب (الذي هو جزء من ~~كتاب الانتصار). # ثم يتوصل إلى النتائج ومناقشتها وتحديد المذاهب فيها، بالتفريع على ~~المسألة، وهو تقسيمها إلى فروع يذكر في كل فرع جانبا من المسألة، يبدأ ~~غالبا بالجانب الأكبر، ثم تتدرج جوانبها في الاتساع بتعدد وتتالي الفروع، ~~تدرجا من الأعلى والأقرب والأكبر إلى الأدنى والأبعد والأصغر، فيورد في ~~الفرع، فرع المسألة، ويقسمها إن لزم تقسيمها، إلى حالات أو أقسام أو أضراب ~~أو أحكام أو أركان أو تقارير أو أصناف أو أنواع، بحسب التقسيم ms061 الذي تقتضيه ~~أجزاء وجزئيات المسألة في أي من فروعها. # ثم يذكر أهم أوجه الخلاف حولها في آراء أو أقوال أو مذاهب، وقد يقسم ~~أصحاب الخلافات إلى فرقاء أو طوائف أو فئات أو اجتهادات، موضحا ومعللا كل ~~رأي أو قول بما يتطلبه من موضوعية ودقة وشمولية، مع إيراد حججه وأدلته ~~وأوجه الاستدلال بها، ولا يغفل ما قد يترتب على المسألة من أسس أو شروط، ثم ~~يصل إلى تقرير المختار من هذه الأقوال والمذاهب الذي يراه ويختاره مذهبا ~~له، فالانتصار الذي يبرر به اختياره لهذا الرأي أو ذلك القول أو المذهب، ~~مظهرا جوانب التفوق والقوة والصحة فيه مقابل ما يراه من أوجه الضعف في ~~الآراء المخالفة الأخرى، ثم لا يتجاوز المسألة حتى يستطرد إلى ما قد يراه ~~مترتبا عليها، أو مشارا إليه فيها أو مرتبطا بها من (قاعدة) أو (دقيقة) أو ~~(فائدة) أو (تنبيه) أو نحو هذا. PageV01P073 # الثاني: التقسيم المضارع لسابقه، ويختلف عنه من ناحية أن المسائل تلي ~~الأبواب مباشرة بدون توسط الفصل بين الباب والمسألة. # الثالث: التقسيم المباشر، حيث يأتي التفريع بعد الباب مباشرة، ملغيا ~~للفصول وسابقا للمسائل التي تأتي أثناءه متخللة الفروع. # الرابع: التقسيم الأصغر، وفي هذا النموذج يبدأ بإيراد الفصل، ثم يدخل في ~~مناقشة الموضوع أو القضية ويذكر أحكامها والأقوال وحججها، ثم يخلص إلى ~~المختار، فالانتصار. ويورد بعد ذلك، التفريع والمسائل التي يتضمنها الفصل. # ويجدر هنا التنبيه إلى ما يلي: # 1- أن هذه النماذج الأربعة، ليست حصرا لنماذج المؤلف في تصنيف منهجه، ~~وإنما هي أبرز نماذجه التي تغلب على عامة الكتاب. # 2- أن النماذج الثلاثة الأخيرة، تتساوى مع الأول بصفة عامة فيما بعد ~~التفريع من تقسيمات واستطرادات واستقراء لعناصر وأطر المنهج، في الآراء ~~والمذاهب والأقوال والحجج وما إليها. وقد أغنى ذكرها في النموذج الأول، عن ~~تكرارها في الثلاثة التالية له. # 3- لم نقصد باختلاف النماذج الأربعة لمنهج المؤلف وما ينتج عن توصيفها من ~~فوارق بينها، الإشارة إلى خروج المؤلف عن أسس وأطر منهجه العامة، بل إن ~~العكس هو الصحيح، وهو أن الغرض ms062 من التوصيف تأكيد اتساع وغنى وشمولية هذا ~~المنهج، وقدرة المؤلف على اختيار الأطر المناسبة لكل باب أو فصل أو تفريع، ~~وفي حدود اللازم الذي يميز أسلوبه في تفصيل الأطر وعناوينها على أجزاء ~~الباب أو الفصل أو المسألة بحسب موضوعاتها، تعددا وتنوعا واتساعا، وبدقة ~~متناهية وتلاؤم دقيق، يؤكدان عمقا في النظر ووضوحا في الرؤية وسعة في ~~الآفاق ومهارة في التشكيل، بصفة نادرة باهرة. # الثانية: مبادئ منهجه العامة. # في هذه الفقرة الثانية من الفقرات الثلاث الخاصة بالحديث عن منهج ~~الكتاب.. نخلص إلى PageV01P074 المبادئ والأصول العامة لمنهج الكتاب، أو منهج المؤلف في هذا الكتاب، وهي ~~لا شك تعم كل مؤلفاته في هذا الموضوع، ولكنا نسبناها إلى (الانتصار) ~~لسببين: # أولهما: أنه موضوع هذا الحديث الذي يهمنا هنا، عن منهجه. # ثانيهما: أن منهج المؤلف في (الانتصار) أوسع وأوضح وأشمل وأكمل، وفيه ~~الإضافات والجدة والريادة والتميز عن سواه، وبالتالي فإن مبادئ وأصول منهج ~~المؤلف هنا، أكثر ظهورا وشمولا، وأشمل ظهورا وكثرة، ثم إن نسبة المبادئ ~~والأصول إلى هذا الكتاب من كتب المؤلف، هي نسبة اشتراك وعموم لا نسبة تغاير ~~وحصر. ثم من جانب آخر، فإن مبادئ وأصول المؤلف في منهج كتابه وكتبه، ليست ~~مبادئ وأصولا خاصة به ومقصورة عليه، بل إن من المقطوع به سلفا أنه يلتقي في ~~كلها أو جلها مع أعلام مدرسته الذين توارثوا العلم حتى أوصلوه إليه، ومع ~~غيرهم من نظرائه وزملائه، ومع أعلام الفكر الإسلامي عموما، ثم مع تلامذته ~~ودارسي فكره، ومؤلفاته والمتأثرين بآرائه ومنهجه، ويظل مع كل ذلك محتفظا ~~بما له من قصب السبق وحق الريادة، وجديد ما أضافه وإبداع ما تميز به بحثه ~~وأوصله إليه اجتهاده، وهو الجانب الذي نركز فيه على أبرز مبادئ وأصول منهجه ~~في (الانتصار). # وكما أن الحديث عن مبادئ وأصول منهج (الانتصار)، لا بد أن يكون في جوانب ~~منه حديثا عن منهج المؤلف عموما، فإن الحديث عن منهج المؤلف من حيث مبادئه ~~وأصوله، لا بد وأن يكون كذلك حديثا في بعض جوانبه عن منهج الفكر أو ms063 الفقه ~~الزيدي في اليمن، لعمومية وتداخل هذه المبادئ والأصول فيما بينها متفرقة ~~ومجتمعة، وهذا الترابط أو التداخل يفرض شيئا من الإشارة إلى المبادئ ~~والأصول المنهجية العامة في فكر المدرسة الزيدية، لتكون شبه مدخل للحديث ~~الذي قد يظهر بدونها مبتورا وذلك بالقدر الذي يهمنا هنا، من هذه المبادئ ~~والأصول العامة، ونركز في مبادئ عامة ثلاثة تميز المدرسة الزيدية. # 1- الأول: وحدة المبدأ في (علم الأصول): # يجمع أئمة وعلماء الزيدية، على مبدأ واحد في علم الأصول (أصول الدين) ~~ويمثل اتفاقهم على كل مسائله (الإلهية) اتفاقا متطابقا لا يكاد يوجد بينهم ~~خلاف في أية واحدة من مسائل الأصول الأساسية، مثل: مسائل العدل والتوحيد، ~~والوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. PageV01P075 # ويجمعون كذلك على أن القضايا أو المسائل الأولى العامة والكلية من أصول ~~الدين، هي مسائل لا مجال فيها للاجتهاد واختلاف الرأي في مبدأ الإثبات ~~والنفي الكليين؛ لأن الحق فيها كل لا يتجزأ وواحد لا يتعدد، وإذا وجد بين ~~بعضهم خلاف في الرأي حول أي شيء منها، فإنه لا يتجاوز المسائل الفرعية التي ~~تترتب عليها وتنشأ عنها من فعل أو نظر أو اعتقاد أو تعامل، مثل: هل يجب ~~إكفار أو تفسيق المخالف في الأصول، أم أن بحثه ونظره اللذين أوصلاه إلى ~~الاجتهاد فالاعتقاد برأيه، يحصنانه من ذلك؟ # 1- الثاني: حرية الرأي في الاجتهاد: # فالزيدية يرون بالإجماع، أن مجال الاجتهاد فيما عدا الأصول المشار إليها، ~~مجال متاح وأن بابه مفتوح في كل مسائل الفقه من الفروع، مهما توفرت وسائل ~~الاجتهاد وأسسه وشروطه، ولعل أهم ما يجب توفره منها لديهم ثلاثة: # 1- العلم عن طريق الاطلاع الكامل والاستقراء الواسع، لكل العلوم الدينية ~~وغيرها مما لا تتحقق بدونه. # 2- العقل، ويراد به العقل القادر على البحث والنظر ومعرفة الأدلة ~~واستنباط الأحكام. # 3- المنهج الصحيح، سواء في معرفة طرق الاجتهاد أو الإلمام بأسس ~~الاستدلال، وأنواع الأدلة النقلية والعقلية وأصنافها وحالاتها من الأولويات ~~والتناسخ والتساقط والتعارض والترجيح، وفي هذه الحال فإن كل مجتهد مصيب. # 1- الثالث: العقل: # إذ ترى الزيدية أن العقل السليم هو معيار ms064 الأدلة ومناط التكليف ومدار ~~الأحكام ووسيلة البحث والنظر والاجتهاد.. ومن هنا يتميز المذهب الزيدي ~~بأمرين شائعين فيه أكثر منهما في غيره، وهما: # 1- عدم ظهور التناقض في البحث والنظر والرأي والاعتقاد، في كل القضايا ~~والاجتهادات برغم كثرتها وانتشارها واختلافها، ولذا يندر أن تجد لأي منهم ~~في المسألة، أكثر من قول ورأي واحد. PageV01P076 # 2- الاختلاف الواسع بين علمائه في الأقوال والآراء في مجال الفقه، على ~~اختلاف وتعدد أعلامه ومؤلفاته وأجياله ومسائله. # وكما أن كتاب (الانتصار) هذا، واحد من أشهر وأوسع كتب التراث الفقهي ~~للمدرسة الزيدية، فإن مؤلفه الإمام يحيى بن حمزة، واحد من أئمتها وعلمائها ~~المجتهدين المشاهير. ولذا فإن الحديث عن مبادئ وأصول منهجه في الانتصار، ~~يدخل ضمن المبادئ والأصول العامة للزيدية، كما أشرنا إليها سلفا. ولكنا ~~نحاول إكمال الصورة في هذا الجانب عن منهجه، بما نستطيع إيراده من مبادئه ~~وأصوله التفصيلية التي تميزه بصفة أو بأخرى. وأعود لتطبيق المبادئ الثلاثة ~~السالفة في جوانبها التفصيلية، وفي محيط منهج المؤلف في هذا الكتاب: # 1- أولها: في أصول العقيدة: # نختار ثلاثة نماذج من مبادئ الإمام يحيى بن حمزة الأصولية التفصيلية، ~~الواردة في كتاب (الانتصار). # 1- في الفصل الخامس من باب (الأذان) جاء في التفريع عليه: (الفرع الأول.. ~~الكافر لا يصح أذانه..). ثم صنف الكفار إلى صنفين: # الصنف الأول: كفار التصريح، ثم ذكر منهم الملاحدة وعبدة الأوثان والنجوم ~~(والمعطلة والدهرية والفلاسفة والزنادقة والطبائعية، وكذا حال أهل الكتب ~~المنزلة، كاليهود والنصارى والمجوس). (فهؤلاء لا خلاف في كفرهم بين أهل ~~القبلة وأهل الإسلام، ولا يصح أذانهم). # الصنف الثاني: كفار التأويل. وذلك أنهم من المسلمين، يقرون بوحدانية الله ~~وحكمته، ويصدقون بالنبوءة والقرآن والشريعة، (خلا أنهم يعتقدون اعتقادا ~~يوجب إكفارهم، مع كونهم على هذه الصفة) ومثل عليهم بأربع فرق (المجبرة ~~والمشبهة والروافض والخوارج..)، (فهؤلاء اختلف أهل القبلة في إكفارهم..) ~~(فالذين ذهبوا إلى إكفار المجبرة والمشبهة، أئمة العترة وجماهير المعتزلة ~~والزيدية..). ثم وبحسب أسلوب منهجه، يوضح رأيه في قوله: (والمختار أنهم ~~ليسوا كفارا؛ لأن الأدلة التي تذكر في إكفارهم، فيها احتمالات كثيرة..). # 2- في ms065 القسم الثاني: في بيان من لا تجوز إمامته في الصلاة.. جاء ضمنه إيراد PageV01P077 المؤلف للأقوال في حكم صحة الصلاة خلف المخالف في مسائل أصول الدين، ~~والمخالف في الأراء الاجتهادية، وذلك في فرعين. ملخص ما نريده منهما ~~كالآتي: # أولهما: (الفرع الخامس في حكم أهل البدع والضلالات..)، ويقصد بهم ~~المخالفين في أصول الدين، لما عليه إجماع (العترة والمعتزلة والزيدية). ~~وذكر أمثلة ونماذج منهم، ثم انتهى إلى: والمختار أن الصلاة خلف هؤلاء ~~جائزة، إذا سلموا من ملابسة الكبائر وظهور الخلل في العدالة. مع كونها ~~مكروهة، فأما الإجزاء فهي مجزية). # ثانيهما: (الفرع السادس)، الذي يلي سابقه، وفيه شرح مسألة الصلاة خلف ~~المخالف في المسائل الاجتهادية والأقوال فيها، وانتهى إلى الفرع السابع في ~~ذكر المختار لرأيه، فقال: (فنقول: القوي من جهة النظر الشرعي والتصرف ~~الأصولي، جواز الإئتمام بمن خالف مذهبه مذهب المؤتم، سواء علم المؤتم ~~بالمخالفة أم لم يعلم). # 3- في الفصل الثالث في بيان حكم الاجتهاد، وفيه ناقش المؤلف مسألة ~~المخالفين في العقائد الإلهية (أصول الدين) هل يعتد بآرائهم في أية مسألة ~~في انعقاد الإجماع أو عدمه. وانتهى إلى طرح رأيه بقوله: (.. نقول: بأن جميع ~~أهل القبلة سواء في كونهم معدودين من أهل الإجماع إذا كانوا مجتهدين، وأن ~~خلافهم في هذه المسائل الإلهية وغيرها لا يقطع الاجتهاد، ولا يبطل كونهم ~~معدودين من أهل الإجماع والاجتهاد في المسألة، بعد إحراز منصب الاجتهاد في ~~كل واحد منهم..). # 1- ثانيها: في قضية الاجتهاد: # لعل ما سبق آنفا إيراده من نصوص المؤلف في كتابه هذا، يعتبر كافيا في ~~تحديد أصول منهجه في هذه القضية. ونشير هنا إلى أمور وأقوال ومواقف للمؤلف ~~في انتصاره، تؤكد عدة مبادئ في جانب قضية الاجتهاد منها: # 1- سعة مبدأ الزيدية في حرية الاجتهاد إذا توفرت شروطه وذلك فيما عدا ~~الأصول، ويظهر المؤلف نموذجا واضحا ومقنعا من نماذج هذه المدرسة. PageV01P078 # 2- يختار المؤلف رأيه من بين الأقوال التي يوردها في كل مسألة من مختلف ~~اجتهادات علماء الأمة، بحسب ما يراه مطابقا لمنهج اجتهاده ومنطق أسس وأصول ~~هذا المنهج، ms066 دون اعتبار بأصحاب الأقوال الذين سيخالفهم من أعلام مدرسته، أو ~~الذين سيلتقي معهم من أعلام المدارس والمذاهب الأخرى. وانظر في مثل آرائه ~~السابقة الذكر التي خالف فيها ما يشبه إجماعا للزيدية. # 3- يلاحظ المستقرئ لمختاراته في (الانتصار)، ردا نظريا وتطبيقيا للقول ~~الشائع في أوساط بعض المدارس والمذاهب الفقهية، بأن المذهب الزيدي ومجتهديه ~~يتميز بمخالفته في الفقه لآراء الحنفية والشافعية، وهذا القول تظهر مجانفته ~~للحقيقة في جانب كبير منه؛ لأنه لم يقم على أسس موضوعية ونتيجة بحث ونظر، ~~ولكنه أشبه بالرجم بالغيب منه بالقاعدة المطردة في أغلب أحوالها، وهذا ما ~~يؤكده المؤلف بصورة عملية في هذا الكتاب بصفة ضمنية وغير متعمدة لذاتها، ~~فتراه في عموم (مختاره) يلتقي مع الشافعية تارة ومع الحنفية أخرى أكثر - ~~ربما - مما تلتقي الشافعية والحنفية في أقوالهما في المسألة الواحدة. # 4- كما يلاحظ المستقرئ لمختارات المؤلف في هذا الكتاب من ناحية، وأقوال ~~أئمة علماء الزيدية من ناحية ثانية، أيضا.. فساد القول الشائع الآخر، وهو ~~أن النظرة العامة إلى فقه الزيدية، أنه قائم على قاعدة شبه مطردة، هي ~~التشدد في الأقوال والآراء، فترى آراء المؤلف في (المختار) وآراء أئمة ~~وعلماء الزيدية في أغلب المسائل، أقل تشددا من آراء المذاهب الأخرى، برغم ~~أن أكثر من يعرض المؤلف لأقوالهم من أعلام الزيدية، هم الهادي والقاسم ~~والناصر والأخوان(¬1). وهؤلاء الأئمة في مقدمة من يؤخذ عليهم شيء من التشدد ~~في الرأي في هذه المدرسة ومذاهبها. # 1- ثالثها: في إعمال العقل: # كما سبق.. فإن العقل لدى أئمة وعلماء الزيدية، هو مناط التكليف وأساس ~~البحث والنظر، وهو PageV01P079 كذلك لدى المؤلف بصفة عامة وخاصة، فهو رائده في الاختيار والاجتهاد وفي عرض ~~الأقوال ونقدها والمقارنة فيما بينها فالحكم في مدى التساوي فيما بين ~~أدلتها، أو ترجيح بعضها على بعض. # ولذا فإن من أصول منهج المؤلف في المسائل الدقيقة القابلة لأكثر من ~~احتمال، أو لاختلافها في بعض الحالات أو الظروف.. عدم البت فيها بقول واحد، ~~بل كثيرا ما يحدد المختار بقوله: (والمختار تفصيل نشير إليه..)، أو ~~(والمختار. إذا عرضت هذه ms067 المسألة .. نظرت فإن كان.. وإلا فإنها..). # 1- الثالثة: طريقته في الاستدلال (أسلوبه): # الفقرة الثالثة من التصنيف الخاص بمنهج (الانتصار) هي أسلوبه أو طريقته ~~في الاستدلال، ونحن بالتأكيد لا نقصد من هذه الفقرة، الحديث عن طريقة ~~المؤلف في الاستدلال بصفة عامة؛ إذ أن ذلك موضوع بحث مستقل، ولكن الغرض هو ~~الاتساق مع الفقرات السابقة في تناول العناصر والمبادئ والأصول التفصيلية ~~في أغلبها، المميزة لمنهج المؤلف في هذا الكتاب. # نتناول هذه الفقرة عبر ملامح عامة ثلاثة، تشمل اللغة، وعنصري الاستدلال ~~الرئيسين: (النص والعقل) والمبادئ والأسس العامة للاستدلال. # 1- الملمح الأول: لغة الكتاب: # معروف سلفا، أن الإمام يحيى بن حمزة من أكبر علماء اللغة في مختلف ~~علومها، وأن له مؤلفات وبحوثا، منها ما هو واسع ومشهور، مثل: (كتاب الطراز ~~المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز). وهو (يعد من أهم المراجع في ~~البلاغة، والذي يعول عليه الباحثون والدارسون في هذا المجال ..) كما يقول ~~الدكتور أحمد محمود صبحي(¬1). # وفي جانب لغة الكتاب، يمكن الاقتصار على إيراد نماذج ثلاثة عن المؤلف، من ~~علمه باللغة، وأسلوبه العام، ومصطلحاته المميزة. # الأول: علم المؤلف في اللغة، وهو علم من أعلامها كما سبق ذلك، وباعه ~~الطويل وبحثه الواسع وآراؤه المميزة في علوم اللغة العربية، كل هذه وغيرها ~~جعلت من هذا الإمام إماما في نهجها، وواحدا PageV01P080 من الرواد في كشف أسرارها واجتلاء حقائقها، ومدرسة في فنونها مميزة ~~بمعالمها، ومن يبحث في كتابه (الطراز) الآنف الذكر، يعتقد أن مؤلفه لم يشغل ~~حياته بغير اللغة العربية.. نحوها وصرفها ومفرداتها ومعانيها وبديعها ~~وقواعدها وأقيستها وعروضها وشعرها ومؤلفاتها وأعلامها. # ونعرض هنا لنموذج ثلاثي من آرائه المميزة: # 1- من القواعد التي أثبتها المؤلف في كتابه (الطراز) أن المفردات أسماء ~~وصفات وأفعالا، المنقولة من معناها اللغوي (الأصلي) إلى الدلالة على معان ~~شرعية مثل الصلاة والزكاة والحج والمسلم والمؤمن والكافر والفاسق وغيرها ~~وما تصرف عنها.. تعبر عن معانيها الشرعية هذه تعبيرا حقيقيا، وتعتبر فيها ~~حقيقة لغوية، لا مجازية كما يقول جمهور الأشاعرة وغيرهم. # وجاء في (المطلب الثاني) من التمهيد لبداية هذا ms068 الكتاب، فأكد هذه القاعدة ~~وعللها وأورد آراء المخالفين وناقشها، وهذه المسألة موضوع بحث ونقاش وخلاف ~~واسع بين أعلام ومدارس الفكر الإسلامي، وهي وإن كانت قضية لغوية وبداية ~~الخلاف فيها لغويا، فإن جوهرها وجوهر الخلاف حولها، يجعلها قضية أساسا في ~~(أصول الدين) و(أصول الفقه) والفقه. # 2- في مسألة الخلاف في مسح كل الرأس في الوضوء، من حيث دلالة صيغة آية ~~الوضوء {وامسحوا برؤوسكم}، هل توجب الآية الكريمة مسح كل الرأس، أم بعضه؟ ~~فذهب جمهور الفقهاء تقريبا، إلى الدلالة على البعضية، بحجة أن (الباء) في ~~{برؤوسكم}، تأتي في مثل هذا المكان للتبعيض، وتدل عليه في دلالتها ومعناها ~~اللغويين، وعارض المؤلف هذا القول رأيا وتفسيرا، وذهب يعرض أوجه الاستدلال ~~ضد مخالفيه بطريقة شيقة بقدر ما هي شاملة وعميقة ومقنعة وواضحة، في أوجه ثلاثة: # أولها: أن الباء تأتي للإلصاق، وهو معناها الأصلي الذي يجب الرجوع إليه، ~~فهي تعني عكس ما ذهب إليه مخالفوه، وهو إلصاق المسح بكل جزء من الرأس. # ثانيها: استشهد بابن جني، وهو واحد من أبرز فلاسفة اللغة العربية ~~والمجددين في علومها.. وأورد رأي ابن جني الذي قال فيه: (ومن زعم أن الباء ~~للتبعيض، فشيء لا يعرفه أهل اللغة، ولا ورد PageV01P081 في شيء من كلام العرب منظومه ولا منثوره) (¬1). # وثالثها: أورد المؤلف قاعدة في غاية الدقة والأهمية، ومفادها، أن الباء ~~في {برؤوسكم}، تدخل على المفعول به لغرض التعميم لا التبعيض، ذلك أن الفعل ~~إذا كان متعديا بنفسه فله حالتان: # الأولى: إذا جاء دون تعديته بالباء في مثل: مسحته، فإنه هنا يفيد التعميم ~~والتخصيص. # والثانية: إذا جاء مع الباء في مثل (مسحت به) فإنه لا يفيد إلا التعميم؛ ~~لأن الفعل المتعدي بنفسه لا يحتاج إلى الباء لغرض التعدية، ولكن لتفيد معنى ~~جديدا هو التعميم. # ثم يؤكد بأن (باء التبعيض) لم ترد في القرآن الكريم على الإطلاق. # 3- وكما أثبت القاعدة السلبية السالفة في القرآن الكريم بعدم وجود الباء ~~للتبعيض فيه، أثبت قاعدة مماثلة أخرى في القرآن، هي عدم وجود العطف على ~~المحل، وذلك في تفسير ms069 آية الوضوء في {وأرجلكم إلى الكعبين} منصوبة، بأن ~~نصبها ليس عطفا على المحل من {برؤوسكم} بفعل {وامسحوا}. فهو يرى أن (.. ~~الظاهر من قراءة النصب هو الغسل من غير تأويل، والظاهر من قراءة الجر هو ~~المسح من غير تأويل، ولا تعارض بين القراءتين ولا تنافي بينهما..). ثم ~~يقول: (وطريقة الجمع بينهما، هو أن النصب في الأرجل إنما كان على طريقة ~~العطف على الأيدي). وذلك بالفعل {فاغسلوا}، من قوله تعالى: {إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا..} ثم يمضي في توضيح القاعدة (.. والفصل بين المعطوف ~~والمعطوف عليه شائع أو (سائغ) كما قال تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام ~~قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام}. ~~وإنما عطف المسجد الحرام على الشهر الحرام؛ لأن توجه السؤال إنما كان عن ~~القتال فيهما..). ولذلك فإن عطف {المسجد الحرام} كما يقول، على {عن سبيل ~~الله}، غير جائز لمجيء التعاطف في الجواب، طبقا لتوجه السؤال. # وأتوقف هنا قليلا للتنبيه على أمرين أراهما جديرين بذلك في هذا الموضع: # الأمر الأول: أن علوم اللغة العربية في منهج الزيدية، أساس العلوم ~~ومفتاحها وفأسها، ولذا فإنهم PageV01P082 يبدأون باستيعابها والتحقيق الدقيق والعميق فيها، في سن مبكرة، فلا يكاد ~~أحدهم يصل إلى درجة الاجتهاد، إلا وقد أصبح واحدا من كبار أعلام اللغة في ~~شتى فنونها وعلومها وآدابها، لأنهم يرونها رائدة كل العلوم الأخرى، والسبيل ~~والوسيلة الوحيدين لفهم ومعرفة العلوم معرفة كافية، وفهما صحيحا وسليما ~~يسهل كشف حقائقها وإبراز دقائقها على أقوم الطرق وأصح الوجوه، أي أن اللغة ~~العربية لديهم كالعقل، فكلاهما يحظى لدى الزيدية بالاعتماد عليه رائدا لكل ~~العلوم، فإذا كانت اللغة في منهجهم بمنزلة اليدين في تناول العلوم، فإن ~~العقل فيه بمنزلة العينين المبصرتين في الإنسان، سواء بسواء. # الأمر الثاني: أن لدى الزيدية مصطلحات في تسمية العلوم تبين مدى نظرتهم ~~إلى كل علم ودرجة اعتمادهم عليه وموقعه في أولويات منهجهم. ومن هذه ~~المصطلحات، الأسماء: # 1- (أصول الدين) لعلم الحقائق الإلهية أو علم الكلام، ومفهوم التسمية أن ~~الدين يقوم على ms070 هذه الأصول، وهو لديهم كذلك. # 2- (أصول الفقه)، لعلم الاستدلال وأصول الأدلة وأنواعها وأوجه وحالات ~~الدلالات فيها ومصطلحات التشريع.. أو مصادر التشريع. # ... وسر تسميتها ب(أصول الفقه) توحي بدلالتها على أن الفقه يقوم عليها، ~~وأن فقها بلا أصول كبناء بلا أساس، لا يمكن أن يقوم وإذا قام شيء منه، فلا ~~يلبث أن يتداعى وينهار. # 3- (الأصولان) بمعنى علمي الأصول: أصول الدين وأصول الفقه. # 4- (علم الآلة) لعلوم اللغة العربية وعلم المنطق. وتوحي التسمية بأن علوم ~~اللغة بمنزلة الآلة لكل العلوم لا تتحقق معالجتها بدونها. # 5- (الفروع) وتطلق على الفقه. وهي تسمية آتية من تأثير المقابل فيها، وهو ~~الأصول أو الأصولان. # الثاني. من نماذج لغة الكتاب.. أسلوبه العام. # وفي الأسلوب العام للغة الكتاب، ميزات ثلاث: # أولاها: الأسلوب العام لعصره ومدرسته، من ميل إلى الجزالة في اللفظ، ~~والاهتمام بجمال التعبير PageV01P083 وبلاغة القول. # ثانيتها: تميز المؤلف بأن أسلوبه في جزالة لفظه وبلاغة تعبيره يأتي ~~مقرونا بأسلوب العالم الحصيف في اختيار مفرداته، بحيث يستوعب ويستفرغ توظيف ~~كل منها معناها الكامل، وأن يظهر جمال التوظيف وبلاغة التعبير، ضمن سياق ~~متسق ومتناغم وسهولة ظاهرة وراقية وبعيدة عن الهبوط، قدر بعدها عن أي تعقيد ~~أو تكلف. # ثالثتها: قصر الجمل المتتابعة في السياق، مع قدرة فيها على دقة التعبير ~~واستيعاب المعاني المقصودة بما تفيده مباشرة وإيحاء وتصريحا وإشارة، منطوقا ~~ومفهوما. إلى جانب سرعة تناولها للموضوعات الكبيرة والصغيرة والأصلية ~~والفرعية، وما يترتب عليها من دقائق وتنبيهات وفوائد وتوخي احتمالات ~~وتساؤلات واردة، وتوقي أية ثغرات أو شروخ أو تجاوز قد يحدث أو يحتمل حدوثه ~~أو يفهم احتماله. # 1- الثالث من النماذج الثلاثة - مصطلحاته المميزة: # للمؤلف مصطلحات مثل غيره من أمثاله خاصة به، ولا نقصد بذلك أنها مصطلحات ~~بالمفهوم العلمي المنهجي، وإنما نعني بذلك جملا وتعابير يكثر إيرادها في ~~مواضعها مما لا يجعلها تظهر تكرارا، بل هي من نوع تلك التعابير التي لا ~~يلبث القارئ أن يستحليها ويولع بها ويحفظها ويرتاح لاستعارتها وترديدها، ~~وهذا لون من التعبير تطلق عليه عموما، صفة (السهل الممتنع). وفيه دلالة على ~~الأصالة ms071 الفنية وغنى القاموس اللغوي وسرعة البديهة وتألق الذاكرة، وكل هذا ~~الكلام قليل في ذاته كثير في قصوره عن استيعاب صفة من صفات هذا الإمام ~~العالم الجليل، بالرغم من أننا نقول هذا عنه، وهو في عقد الثمانين من عمره، ~~قد آدت كاهله السنون، وأنقضت ظهره تبعات العلم والتعليم والجهاد والدعوة ~~إلى الله. ومن جمله التي تجدها أينما ذهبت في صفحات كتابه (الانتصار)، هذه ~~التي نوردها مثالا تلقائيا، لم نتوخ فيها انتقاء أو ترتيبا: # - (وهذه من الأمور الغيبية التي استأثر الله بها، فلا مجال فيها للعقل أو ~~النظر أو الاجتهاد). يورد هذه العبارة في أماكن الحاجة إليها مثل موضع الرد ~~على من يحاول تعليل شيء من العبادات ثابت بالدليل السمعي فقط، مثل عدد ~~الركعات في الصلاة، وغسل الجنابة، والتثليث في غسل أعضاء الوضوء. PageV01P084 # - (قلنا عن ذلك وجهان: أما أولا..). في بداية رده على أقوال مخالفيه. # - (والمختار تفصيل نشير إليه..). # - (وقد ذكرناه في موضعه، وذكرنا فيه تقرير المختار والانتصار، فأغنى عن ~~الإعادة). # - (قلنا: دليلنا حاظر، ودليلكم مبيح، فلا جرم كان الأخذ بالحاظر أحق ~~وأولى). # - (الانتصار يكون بإبطال ما عولوا عليه، أو ما جعلوه عمدة لهم). # - (وقد نجز غرضنا من هذا الباب، ونشرع الآن بعون الله في الباب الذي يليه). # الملمح الثاني من ملامح الفقرة الثالثة: عنصرا الاستدلال: (النص والعقل). # غني عن التوضيح القول: بأن منهج المؤلف في استخدام هذين العنصرين ~~الرئيسيين في الاستدلال، هو منهج أئمة وعلماء الزيدية عموما، وهو أسلوب في ~~منهج الاستدلال، اشتهرت به الزيدية بين المدارس الإسلامية الأخرى، وهو ~~أسلوب تميزت به الزيدية كما يشهد بذلك أعلام وباحثون من خارج هذه المدرسة. ~~ولكن الذي قد يكون ملفتا للنظر أو مثيرا للإستغراب، أن نسمع من يحاول قلب ~~هذه الميزة، لغرض الطعن بها في هذا المنهج الزيدي من ناحيتين بصفة عامة، ~~يظهر التزيد أو الجهل في كلتيهما: # أولاهما: القول بأن الزيدية يقدمون العقل على النص. # ثانيتهما: انصرافهم إلى الفقه وكتب الفقه عن مسندات الحديث وكتب السنة. # ولئن كانت هذه المسألة تتردد في ms072 هذا العصر، فإن علماء وأعلام مدرسة ~~الزيدية، قد فرغوا من مناقشتها والبت فيها في الكثير من كتبهم وكتاباتهم، ~~ولسنا بمن ينتظر تصديهم للرد عنها بالقول الفصل وفصل الخطاب، ولكنا وجدناها ~~على جادة منهج هذه المقدمة، قضية تطرح نفسها من جديد، فكان لا بد من المرور ~~عليها مرور الكرام بما قد يسد ثغرة في هذا المنهج، ويصل فقراته ويحافظ على ~~اتساق سياقه. ولا نريد أن نستطرد في المناقشة بأكثر مما يحقق الغرض المشار ~~إليه ضمنا، وذلك بحصرها في ثلاث نقط: # الأولى: أن القول بأن الزيدية يقدمون العقل على النص، هو ادعاء غير دقيق؛ ~~كونه يتضمن عدة معان محتملة من حيث منطق صيغته ومفهومه المباشر. # فهل يعني أنهم يأخذون برأي العقل، ويتركون النص؟ فهذا غير وارد ولا يقبله ~~عقل قائله؛ لأن العقل الذي يأخذ برأيه ويترك النص، لا يمكن أن يكون عقلا ~~ولكنه الهوى وحده؛ لأن العقل لدى الزيدية، من بعض صفاته أنه الذي يهدي به ~~الله تعالى صاحبه إلى الحق والصواب، والحق والصواب هو التمسك بالدليل ~~السمعي مهما أمكن ذلك، أما ترك النص والإعراض عنه، فإنه اتباع الهوى الذي ~~يقود إلى الضلال. # أم يعني أنهم يأخذون بالعقل، فإذا لم يجدوا فيه ما يريدون عادوا إلى ~~النص؟ وهذا قول يرفضه الإسلام عقيدة وأصولا وفقها وأدلة وعقلا ونقلا ~~وتشريعا وعملا. # الثانية: وبصرف النظر عما قد يمكن طرحه من احتمالات أخر، فإن العقل لدى ~~الزيدية، ولدى كل أمة محمد كما هو مفروض، لا يسبق الدليل السمعي ولا ~~يتجاوزه، ولكنه يرتبط به ارتباطا مباشرا، بوصفه وسيلة تلقي النص وفهمه ~~وتحديد موجبه وعلاقته بما قد يوجد من نظائره ونقائضه، وتفاوتها قوة وضعفا ~~وتمايزها عموما وخصوصا، ثم تحديد حالات وكيفية تطبيقه وإعماله أو إسقاطه ~~وإهماله بحسب مدى ثباته من عدمه، وهذا كله يتم طبقا لقواعد ومنهج علم أصول ~~الفقه المعتمدة لديهم ولدى علماء الأمة، مع عدم الالتفاف إلى ما يعتورها من ~~اختلافات قليلة أو فرعية. # الثالثة: وحول القول عن انصرافهم إلى كتب الفقه عن مسندات الحديث يمكن ms073 ~~التعليق بثلاث حقائق ثابتة: # 1- أن مسندات الحديث موجودة ضمن تراث الفقه الزيدي، منها ما هو خاص وملحق ~~بالمسندات نصوصا ورجالا ورواية، مثل: (مجموع الإمام زيد بن علي) (¬1) ومنها ~~ما هو وارد ضمن ما يسمى بالأماليات(¬2)، ومنها ما هو خاص بقواعد وأصول ~~ومصطلحات الحديث، وبمنهج وطرق وأنواع الرواية ورجالها PageV01P085 وطبقاتهم، وبطرق ومنهج التوثيق رواية ورجالا (الجرح والتعديل ...إلخ) وكتب ~~الفقه تطفح بالأدلة من الكتاب والسنة في كل مسألة(¬1). # 2- معروف أن جمع السنة النبوية الشريفة ورواية الأحاديث ونقدها، علم ~~مستقل وقائم بذاته، هو (علم الحديث) وأن إعمال السنة وحالات طرق تطبيقها، ~~علم مستقل بذاته معني به علماء الفقه وأصول الفقه وكتبها ومولفاتها، ويسمى ~~في مصطلحها، علم (الدراية). كما يطلق على سابقه، علم (الرواية). ومن هنا، ~~فإن مسندات الحديث وأمهاته، لم تؤلف من قبل مدرسة محددة من مدارس الفقه، بل ~~كانت مدرسة مستقلة بذاتها، وليس الأخذ منها والاستدلال بما جاء فيها خاصا ~~بفرقة أو فرق محددة من الفرق والمذاهب الإسلامية، ولكن لكل الحق في ذلك. ~~ومن هنا فإن القائلين على الزيدية ذلك القول، ليسوا في مدارس فقههم بأكثر ~~من علماء الزيدية مسندات، ولا أحق بالأخذ من أمهات الحديث أو غيرها ولا ~~أكثر استدلالا بالنصوص الواردة فيها من هؤلاء. # 3- ثم إن كل كتب الفقه الزيدي في كل كتاب وكل باب وفصل، بل وفي كل مسألة ~~جليلة ودقيقة كبيرة وصغيرة، بدءا من مسائل أركان الإسلام الخمسة، وانتهاء ~~بمسائل الاستجمار وتخليل الأظافر ومسح الرقبة، مدارها ومناطها والأصل فيها ~~الدليل السمعي من الكتاب والسنة بدون استثناء. وهذا الكتاب (الانتصار) خير ~~شاهد وأكبر دليل وأعظم رد على كل قول. # الملمح الثالث: مبادئه، وأسسه العامة في الاستدلال. # يتميز كتاب (الانتصار) بعناصر شاملة وواسعة في قضية الاستدلال، قد لا ~~توجد مجتمعة في غيره بمثل هذه الصورة، سواء في أسسها وأصولها، أو في أسلوب ~~طرحها وترتيب عناصرها، أو في شمولها واستيعابها لكل الأطراف والعناصر، ~~ويتضح أبرز الجوانب لهذه الطريقة وصورتها، في معالم ثلاثة: # المعلم الأول: طريقته في الاستدلال: PageV01P086 # 1- وهي طريقة تتميز ms074 بقدرتها على الإقناع حتى لدى المخالف الذي لا يريد ~~الأخذ بها، فإنه يقتنع بحق المؤلف وحجيته في الاختيار للرأي (المختار) بعد ~~أن أبلغ في عرض الآراء وأدلتها ومناقشتها، حتى توصل إلى تحديد رأيه. وميزة ~~طريقة المؤلف، أن بإمكانه إنهاء المسألة أية مسألة بالمختار لأصله(¬1). # 2- ولكنه لا يتوقف عند هذا الحد، بل يذهب لتأكيد صحة (المختار) بمناقشة ~~جديدة تتضمن كل ما يمكن الاستدلال به من الأدلة النقلية والعقلية، في عرض ~~غني بالنكت والقواعد والفوائد، وإيراد النماذج من النظائر والأشباه ~~والأنداد والأضداد، وباستقراء واستنباط كل أوجه وعناصر الدلالات فيها من ~~منطوق ومفهوم بأنواعه ومدى قوة كل منها، وجوانب الإفادة منه ومن عكس ~~الدلالات وطردها، ومن مناقشة حجج مخالفيه وتفنيدها مرة وإسقاطها أخرى، ~~وقلبها حجة عليهم ثالثة، وإبراز ما قد يكون من تناقض أصحابها فيها نظرا إلى ~~أقوال وآراء لهم سابقة عن طريق طرد هذه الأقوال في النظائر، وعكسها في ~~النقائض...إلخ. # 3- ومناقشة آراء وحجج مخالفيه والاحتجاج عليهم، يركز عليه ويمحصه في ~~(الانتصار) وذلك يكون حسب منهجه في نهاية المسألة. # المعلم الثاني: معالم طريقته في الاستدلال وهي: # 1- في الصورة العامة لمنهج البحث، يفصلها مرتبة في العناصر الأربعة: # - يبدؤها بالباب أو الفصل أو المسألة أو الفرع أو القاعدة أو الحكم أو ~~التقرير. # - بعد طرح المسألة، يورد الأقوال المختلفة فيها وحجج كل قول. # - ثم يقرر المختار لأصله، موضحا لأدلته وحججه. # - فالانتصار الذي يمحضه لتفنيد أقوال مخالفيه، والاحتجاج عليهم. # 2- وقد يلحظ المطلع، أن المؤلف يحرص بصفة دقيقة وشديدة، على أن لا يطعن في PageV01P088 صحة الدليل الذي يورده مخالفه، حتى من الأدلة التي لا يقبلها المؤلف لضعفها ~~أو عدم صحتها لديه لأي سبب من الأسباب، بل يحاول إبطالها بطرق أخرى غير ~~مباشرة لا تمس الدليل، مثل: # - الطعن في طريقة الاستدلال التي يستخدمها مخالفه. # - إلزام المخالف من متن دليله، بدلالة أخرى تخالف مذهبه أو قوله في مسألة ~~أخرى أو في جانب آخر من نفس المسألة. # - رده عن طريق العلاقة بين العام والخاص أو الأولويات. # - صرفه عن غرض المخالف بسبب ms075 لغوي لتفسير بعض مفرداته، أو لما يتعلق ~~بحيثياته. # - الاحتجاج عليه بدليل أقوى منه لدى المخالف. # - بتساقط الأدلة عند استوائها في القوة والدلالة. # - بإحدى الأولويات المعروفة، كأولوية الحاظر على المبيح، والخاص على العام. # 3- كما يلحظ ما هو أبعد من هذا، وهو إيراده واحتجاجه ببعض الأحاديث التي ~~لم تصح لديه لأي سبب، ولكنه لا يعتمد على شيء منها إلا إذا كانت دلالته ~~ثابتة لدى المؤلف بأدلة أخرى، أو جاء الحديث متطابقا مع المقاصد والحيثيات ~~العامة للمسألة بما يوافق أصله فيها، أو جاء لإثبات فرع في مسألة يستوي ~~طرفاها لدى المؤلف في اختيار الأخذ به. # ... وإيراد المؤلف للحديث في مثل هذه الأحوال، يمكن اعتباره إلى ~~الاستئناس بالدليل، أقرب منه إلى الاستدلال، علما بأن طريقة الاستئناس ~~بالنص، ظهرت مصطلحا جديدا في القانون تطلق على إيراد نص من قانون قد ألغي، ~~أو نسخ أو عدل بقانون تال له. # 4- ومثل براعة المؤلف في بحث ومناقشة وتعليل الأدلة النقلية، فهو نموذج متميز PageV01P089 في المناقشة والتحليل والكشف والاستنباط وأساليب الاحتجاج، ورده في مجال ~~الاستدلال العقلي، مستخدما قدراته الواسعة في اللغة والمنطق وأصول القياس ~~ومبادئ العقل والنظر. # المعلم الثالث: مداخل الاختلاف في القول. # كما سبق الحديث مركزا عن اتساع الآراء والأقوال في المذهب الزيدي، وعن ~~الاختلاف في الفروع (الفقه) بين أئمته وعلمائه بصورة قد لا توجد بين أعلام ~~المذاهب الفقهية الأخرى.. فإن كتاب (الانتصار) ربما يدل أكثر من غيره ~~لتوسعه في الأقوال والحجج وطرق الاستدلال، يدل على مداخل عامة للاختلاف ~~الذي يكثر بين أقوال أئمة الزيدية وعلمائها وفقهائها. وقبل أن أورد نماذج ~~من هذه المداخل، أشير إلى أن الاختلاف بينهم في حد ذاته، يؤكد أمرين: # أحدهما: الاعتماد على البحث والنظر في اختيار كل مجتهد لرأيه في المسألة؛ ~~كونهم لا يجيزون التقليد للمجتهد ولا يوصدون طريقا عنه إذا توفرت شروطه، ~~ولأنهم يرون في قواعدهم وأصولهم، (أن الاجتهاد هو مطلوب الله تعالى من ~~عباده)(¬1). # وثانيهما: غنى واتساع وعمق المذهب الزيدي بالكتب والمؤلفات والبحوث، في ~~مختلف فنون وعلوم الفكر الإسلامي. # ونورد الآن ms076 نماذج من هذه المداخل، وهي مجرد أمثلة على المداخل التي يبدأ ~~منها اختلاف الأقوال في الفروع بين طرفين قد يكون كلاهما مقرا بمبدأ ~~الاحتجاج في أصل تلك المسألة: # 1- الأحوط في مقابل الأصل، وذلك في مثل النجاسة الخفية، متى جفت فإن ~~وجودها يصبح حكما شرعيا فقط، لا وجودا ماديا، وبالتالي فإن النجاسة لا ~~تنتقل منها بواسطة الرطوبة، ومع اتفاق الطرفين على هذا الأصل، فإن أحدهما ~~يذهب إلى ترجيح اعتبارها منجسة من باب الأحوط، وهو أحوط غير مطلق، بل لا ~~يخلو في الأغلب من دليل عام، فيأتي في مثل هذه الحال بقوله تعالى: {والرجز ~~فاهجر}. والهجر لا يتحقق إلا بتجنب موقع النجاسة حتى يزول حكمها بغسلها. PageV01P090 # 2- الاجتهاد في قضية من قضايا العبادات. ويرى الطرف الآخر أن الاجتهاد غير ~~وارد فيها بوصفها من الأمور الغيبية التي استأثر الله تعالى بها، وذلك في ~~مثل الفعل الكثير في الصلاة أو تحديد بلوغ الصبي بالعقل. # 3- الاحتجاج بقول الصحابي. ويكون الاختلاف في أن يرى أحد الطرفين أن قول ~~الصحابي في المسألة اجتهاد، واجتهاد الصحابي لنفسه لا يلزمنا الأخذ به، ~~ويرى الطرف الآخر أن قول الصحابي هذا، لا يكون إلا توقيفا من جهة صاحب ~~الشريعة...إلخ. # المحور الثالث: شخصية المؤلف # هذا هو المحور الثالث والأخير من المحاور العامة لمقدمة الكتاب. وكنا في ~~بداية المحور الثاني قد قسمناه ضمن تصنيف منهج المقدمة، إلى قسمين: # أولهما: ملامح عامة عن الكتاب، وهو الذي انتهى ببداية هذا المحور. # وثانيهما: نبذ من أقوال وآراء المؤرخين والباحثين في الكتاب، وقد تجاوزنا ~~القسم الأخير لإدراجه ضمن هذا المحور اختصارا للمقدمة، وتجنبا لتكرار ~~الأقوال والآراء عن الكتاب مرة، ثم عن المؤلف أخرى، لتوحد هذه النبذ عن ~~الكتاب والمؤلف في موضع واحد، ثم للترابط اللصيق بين ما كتبه المؤرخون ~~والباحثون عن الموضوع بشقيه. # هذا.. لمجرد التنبيه عن التجاوز وتداركه. ونعود إلى شخصية المؤلف في ~~جوانب ثلاثة لهذا المحور تتناول شخصية المؤلف وحياته ومؤلفاته: # 1- أولا: شخصية المؤلف: # لعل هذا هو الجزء الوحيد من هذه المقدمة، الذي نجد العجز عن ms077 القول فيه ~~بأي لون من ألوان القول المتاحة للذهن أن يمد القلم بشيء منها؛ لأن النظرة ~~الخاطفة إلى مقام هذا الإمام الذي تجمعت فيه خلال قلما تجتمع لغيره، تخرس ~~الألسن والعقول، وتجعل العالم النحرير يتطلع مذهولا إلى جوانب شخصيته التي ~~يبدو في كل جانب منها فارسا فذا وعلما متميزا، في علمه واجتهاده وجهاده ~~ومؤلفاته PageV01P091 وإخلاصه وورعه وشجاعته، وفي زهده وتنسكه وتقواه، وفي كل واحدة من هذه ~~الفضائل تتركز وتجتمع كل فضائله وخلاله المميزة، وهذه الفضائل والخلال، لم ~~تكن أو شيء منها صفات خلعها عليه مديح شاعر، أو إطراء ناثر، أو حب قريب ~~لصيق، أو إعجاب تلميذ أو شهادة صديق، بل كانت تعبيرا عن شمائل شخصيته، ~~وترجمة لسيرة حياته. # وأمام شخصية تذهل العالم النحرير، فكيف بنا ونحن أحوج إلى قراءة شيء من ~~مؤلفاته، والتأمل في جانب من أسلوبه ومنهجه، واستقراء جزء من هممه ~~ومثابرته، منا إلى ما يمكن أن نقول عنه؟ # ولذا نصمت برهة لنطالع خلالها نبذا ملخصة مما كتب المؤرخون والباحثون عن ~~هذه الشخصية، ونكتفي بما روي عن المتنبي في الإمام علي بن أبي طالب، جد هذا ~~الإمام. # وتركت مدحي للوصي تعمدا ... مذ صار نورا مستطيلا ماثلا # وإذا استطال الشيء قام بنفسه ... وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا # نسبه: # ترجم للمؤلف فضيلة الوالد العلامة مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي في ~~كتابه (التحف شرح الزلف)، فقال: # (هو الإمام المؤيد بالله أبو إدريس، يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم بن ~~يوسف بن علي بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن إدريس بن جعفر الزكي بن علي ~~التقي بن محمد الجواد بن الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق ~~بن محمد الباقر بن سيد (زين) العابدين علي بن الحسين السبط ابن الإمام ~~الوصي (علي بن أبي طالب) عليهم السلام)(¬1). # هذه نعتبرها الرواية المعتمدة لنسبه. # أولا: لأن المؤلف (العلامة مجدالدين) معروف بطول الباع في أنساب الأئمة ~~وسيرهم، وذلك هو موضوع كتابه هذا (التحف) إضافة إلى علمه الجم في سائر علوم ~~الفكر ms078 الإسلامي وتاريخه ولغته. PageV01P092 # ثانيا: فإن ما جاء في (التحف)، يتفق مع (مشجر) الأنساب الذي يحتفظ بنسخ ~~وأجزاء منه، بعض الأسر في اليمن(¬1). # والتركيز نوعا ما على هذه النقطة، ناتج عن ما لا حظناه من نقص وخطأ في ~~بعض المراجع التي أوردت نسب المؤلف، ومنها مثلا: (البدر الطالع) للعلامة ~~الشوكاني (¬2). وكذا في كتابي الدكتور الباحث المعروف أحمد محمود صبحي، ~~وهما: (الإمام يحيى بن حمزة وآراؤه الكلامية)(¬3) و(الزيدية)(¬4) وهو لاشك ~~سقط عابر لا رأيا في رواية النسب، ولعله حدث أثناء الطباعة. # ويضيف في (التحف) عن ترجمته: # (.. ولما بلغت دعوته بعض العلماء قام خطيبا، وحث الخلق على إجابته، وأقسم ~~بالله ما يعلم من أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) إلى وقته، من هو أعلم ~~منه..). # مولده وحياته: # ترجم له كثير من المؤرخين اليمنيين تراجم مختلفة، ولكنها تتفق في إضفاء ~~وصفه بالإمام العالم المجتهد المجاهد الزاهد الناسك. ونقتصر كما قلنا على ~~نبذ من هذه التراجم، بما يعطي أبرز المعالم عن المؤلف. ومن المترجمين له: # 1- الشوكاني: # يقول عنه العلامة محمد بن علي الشوكاني في (البدر الطالع): (ولد بمدينة ~~صنعاء، سابع وعشرين من صفر سنة669ه تسع وستين وستمائة، واشتغل بالمعارف ~~العلمية وهو صبي، فأخذ في جميع أنواعها على أكابر علماء الديار اليمنية، ~~وتبحر في جميع العلوم، وفاق أقرانه، وصنف التصانيف الحافلة PageV01P093 في جميع الفنون، فمنها: الشامل، ثم ذهب يورد مؤلفاته، ويعقب عليها بالقول: ~~(..وله غير ذلك من المصنفات الكثيرة حتى قيل: إنها بلغت إلى مائة مجلد، ~~ويروى أنها زادت كراريس تصانيفه على عدد أيام عمره، وهو من أكابر أئمة ~~الزيدية بالديار اليمنية، وله ميل إلى الإنصاف مع طهارة لسان، وسلامة صدر، ~~وعدم إقدام على التكفير والتفسيق بالتأويل، ومبالغة في الحمل على السلامة ~~على وجه حسن، وهو كثير الذب عن أعراض الصحابة المصونة (رضي الله عنهم) وعن ~~أكابر علماء الطوائف رحمهم الله..)(¬1). # ثم يواصل العلامة الشوكاني الحديث مختصرا عن دعوة المؤلف إلى نفسه، وعن ~~معارضيه، وينتهي إلى القول: (.. ولكن أجاب الناس في الديار اليمنية دعوة ~~صاحب الترجمة، ms079 ولم يلتفتوا إلى غيره، وكان من الأئمة العادلين الزاهدين في ~~الدنيا المتقللين منها، وهو مشهور بإجابة الدعوة، وله كرامات عديدة، ~~وبالجملة فهو ممن جمع الله له بين العلم والعمل، والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، ومات في سنة 705ه خمس وسبعمائة بمدينة ذمار، ودفن بها، وقبره الآن ~~مشهور مزور)(¬2). # ويلاحظ أن هناك خطأ في تاريخ وفاته المضبوطة في هذا الكتاب؛ إذ إن تاريخ ~~وفاته كان في عام 749ه تسعة وأربعين وسبعمائة للهجرة، أي بعد التاريخ ~~الوارد هنا بأربعة وأربعين عاما وهذا يكاد يتفق عليه المؤرخون لحياته ~~والمترجمون لشخصيته، ولم نجد فيما بين أيدينا من المراجع ما يخالف هذا ~~التاريخ لوفاته (749ه) فيما عدا كتاب (غاية الأماني) ليحيى بن الحسين، الذي ~~عد وفاة المؤلف ضمن أحداث عام747ه(¬3). فالمؤلف لم ينته من تأليف كتابه ~~(الانتصار). إلا في أواخر عام748ه. وكذا تتفق الروايات على أن تاريخ دعوته ~~إلى الإمامة، كانت في عام729ه، عقب وفاة الإمام محمد بن المطهر. # 2- يحيى بن الحسين بن القاسم: # يعيد يحيى بن الحسين بن القاسم في كتابه (غاية الإماني في أخبار القطر ~~اليماني)، دعوة المؤلف إلى أحداث عام 730ه، (..وفيها كان قيام أربعة أئمة ~~من أئمة العترة الزكية وهم: علي بن صلاح بن إبراهيم بن تاج الدين، والإمام ~~الأعظم المؤيد بالله يحيى بن حمزة، والواثق بالله المطهر بن الإمام محمد بن ~~المطهر بن يحيى، وأحمد بن علي بن أبي الفتح..)(¬4). # (...وأما الإمام يحيى بن حمزة فظهر في جهات صنعاء، وبلغت دعوته بلاد ~~الظاهر وصعدة، والشرف، واستقر في حصن هران قبلي ذمار..). # (..وكان الإمام يحيى بن حمزة أفضلهم وأشرفهم علما وعملا، له التصانيف ~~المفيدة، والمناقب العديدة..)(¬5). # 3- العلامة مجدالدين بن محمد المؤيدي. # وعن دعوة الإمام يقول مؤلف التحف: (.. قال في دعوته: إني قد تسنمت غارب ~~هذه الدعوة مستكملا لشرائطها، غير خارج عن استحقاقها، وقد لزمتكم الإجابة، ~~ولكم البحث والاختيار..) إلى آخر كلامه. قال السيد الهادي بن إبراهيم (¬6) ~~في كتاب (كاشف الغمة): (قال الإمام الناصر صلاح بن علي بن محمد: وكان ~~الواجب عليهم ms080 اختياره؛ لأنه الأسبق بالدعوة، وكلامه داع إلى الصوب سالك ~~منهج السنة والكتاب..)(¬7). # 4- الدكتور حسين عبدالله العمري: # وقال عنه الباحث اليمني الدكتور حسين العمري، في كتابه (مصادر التراث ~~اليمني في المتحف البريطاني): (.. الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة، أحد ~~أعاظم أئمة اليمن، وأكابر علماء الزيدية. ولد بصنعاء، واشتغل بالمعارف ~~الإسلامية من صغره، دعا لنفسه بالإمامة عقب موت الإمام المهدي محمد بن ~~المطهر سنة 728ه ..)(¬8). (.. أما كتبه ومصنفاته فكثيرة، ويروى أن كراريس PageV01P094 تصانيفه زادت على عدد أيام عمره، ولعل أجلها كتاب (الانتصار) في 18 ~~مجلدا...) (¬1)، (..يعتبر كتاب الانتصار من أعظم كتب الفقه عند الزيدية، بل ~~لقد وصف بأنه لا نظير له في كتب المتقدمين والمتأخرين..)(¬2). # 5- الأستاذ عبدالله محمد الحبشي: # (..الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة بن علي؛ مولده سنة 669ه، حكمه سنة ~~729ه، وفاته سنة749ه. من أجل حكام اليمن وعظمائهم، ولد بصنعاء في 27 صفر، ~~وحفظ القرآن، واشتغل بالمعارف الإسلامية من صغره، وصحب الإمام المتوكل على ~~الله المطهر بن يحيى في حربه سنة 689ه، في (جبل اللوز) و(تنعم) من (خولان) ~~العالية، فقال الإمام المطهر: (في هذا الولد ثلاث آيات: علمه، وخطه، وخلقه) ~~(¬3) ومن أجل شيوخه الإمام يحيى بن محمد السراجي، والفقيه عامر بن زيد ~~الشماخ وغيرهما..)(¬4). # مراجع الترجمة: # 1- سيرة الإمام يحيى بن حمزة، نبذة في ترجمته، ومهمتان في 7 ورقات، جامع ~~مخطوطة رقم10. # 2- الترجمان المتفتح بكمائم البستان. # 3- مآثر الأبرار. # 4- اللآلئ المضية. طراز أعلام الزمن. # 5- العقود اللؤلؤيه ج2 ص142. # 6- غاية الأماني ج2 - ص511 - 554. PageV01P095 # 7- تكملة الإفادة. # 8- الجامع الوجيز. # 9- البدر الطالع ج2 ص331 - 333. # 10- فرجة الهموم والحزن ص194 - 195. # 11- أئمة اليمن ص 228 - 235. # 12- إتحاف المهتدين ص65. # 13- التحف شرح الزلف ص120 - 123. # 14- المقتطف من تاريخ اليمن ص 80(¬1). # 6- الدكتور أحمد محمود صبحي: # الأستاذ الدكتور أحمد محمود صبحي، من أكثر الباحثين في العصر الحديث ~~إيغالا في المذهب الزيدي، دراسة وبحثا لشخصيات وأعلام أئمته وعلمائه ~~ومؤلفاتهم، وفي تصديره لكتاب (المعالم الدينية في العقائد الإلهية) ~~للمؤلف.. (تحقيق : سيد مختار محمد أحمد حشاد). يقول الدكتور صبحي: (عدة ~~أمور جذبتني إلى الإمام يحيى بن ms081 حمزة، حين قمت بدراسة عن أشهر مفكري ~~الزيدية، والتي ضمنتها كتابي (الزيدية). # الأمر الأول: تواضعه الجم، إذ لا يعرض لنفسه رأيا، إلا بعد عرض آراء ~~الفرق المختلفة في الموضوع، ثم يعقب قائلا: (والأرجح عندنا هو...) # الأمر الثاني: منهجه الفريد في عرضه للموضوعات الكلامية، فقد أتاحت له ~~مقدرته الفائقة في علوم اللغة وبخاصة البلاغة، أن يقيس الآراء الكلامية، ~~بمعايير أربعة للاستخدام الصحيح للفظ: اللغة والدين والعرف والاصطلاح. # الأمر الثالث: ويحيى بن حمزة موسوعة علمية ندر أن يكون له نظير.. # (أما كتابه الانتصار في الفقه، فهو الينبوع الذي اغترف منه ابن المرتضى، ~~فأخرج للناس بحره الزخار، وتتالت من بعده المؤلفات لا في فقه الزيدية فحسب، ~~بل في فقه مختلف الأمصار). # (وبعد: فإن يحيى بن حمزة في نظري، مغبون أشد الغبن، غبنه الزمان إن صح ~~هذا التعبير، حين ظلت معظم مؤلفاته حبيسة الأقبية لا ترى النور..). # (مرة أخرى.. هذه دعوة للاهتمام بتراث هذا العلم الشامخ من أئمة الزيدية ~~وكبار مفكريهم، عسى أن يسهم ذلك في إلقاء الضوء على أراء فرقة من أكثر فرق ~~المسلمين اعتدالا، وأقومهم قصدا)(¬2). # ونفس هذا الكلام تقريبا مع اختلاف في بعض الألفاظ.. أورده الدكتور صبحي ~~في مقدمته لكتابه (الإمام يحيى بن حمزة وأراؤه الكلامية). وفي هذه المقدمة ~~يشير إلى كتاب (الانتصار) بقوله: (.. يكفي للدلالة على ذلك أن أشير بصدد ~~يحيى بن حمزة إلى أمرين: # الأول: أن كتابه (الانتصار الجامع لمذاهب علماء الأمصار)، يعد أول موسوعة ~~فقهية شاملة لجميع المذاهب الإسلامية، وكل من ألف بعد ذلك في هذا الموضوع ~~كانوا عيالا عليه. # الثاني: أن كتابه (الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز) ~~يعد من أهم المراجع في البلاغة، والذي يعول عليه الباحثون، والدارسون في ~~هذا المجال)(¬3). # مؤلفاته: # تمثل مؤلفات المؤيد بالله يحيى بن حمزة، مكتبة نموذجية للفكر الإسلامي في ~~أشمل وأبلغ وأوسع علومه. وعندما يراجع المطلع، عناوين مؤلفاته وموضوعاته ~~وبعض مخطوطاتها، يخيل إليه أنه أمام جيل من أعلام وعلماء المفكرين ~~والمؤلفين. كذلك يجد الإنسان وهو يقرأ للإمام يحيى بن حمزة ms082 في علم معين، أن ~~هذا المؤلف لم يبرع في أي علم آخر مثلما برع في هذا، وهكذا. فتقرأ له في ~~علم الكلام، فتأخذه عالما ومفكرا متخصصا في علم الكلام أكثر من أي علم ~~غيره، وتعود إلى مؤلفاته في أصول الفقه، فتظنه تفوق فيه أكثر منه في أي ~~ميدان آخر.. وكذا في اللغة العربية وعلومها المختلفة، بما في PageV01P097 ذلك منطق اللغة وفلسفتها، وهكذا. # وكذا.. فلا يكاد الإنسان يراجع شيئا من مؤلفاته في جانب من جوانب هذه ~~العلوم، إلا اعتقده تفرغ لهذا العلم طيلة حياته دون أن يشتغل بشيء آخر سواه ~~من علم أو عمل، ولذا يجد العالم النحرير فكيف بنا؟ .. يجد نفسه مذهولا أمام ~~شخصية هذا الإمام، فلا يلبث أن يعود إلى نفسه شاكا في مواهبها وقدراتها. ~~فإذا كان يحيى بن حمزة قد ألف ما مجموع كراريسه بعدد أيام حياته، كما يقول ~~أمثال الشوكاني، فكيف عاش طفولته أولا؟ ثم كيف قضى فترة طلبه للعلم تلميذا ~~محصلا ومطلعا ومنقبا عن مواقع العلم ومواطن العلماء، وفي بواطن الكتب ~~ومصادر العلم والمعرفة، وكيف عاش داعيا إلى بيعته مضطلعا بأعباء الحكم، ~~حاكما بكتاب الله وسنة رسوله، منفذا لأحكامهما ومقتفيا لنهجهما، ومجاهدا في ~~سبيل الله ينشر العلم والعدل والحق، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر. وكيف ~~استطاع مع كل هذا، أن يظل إمام علم لا ينفك عن التعليم والمناقشات والفتيا ~~والقضاء، حتى كون جيلا من التلاميذ الذين أصبحوا علماء؟ ناهيك بتهجده ~~وعبادته وبحياته الخاصة. إنها بالفعل حياة إنسان مقلة الحياة، ونموذج فذ ~~وعلم مفرد من نماذجها وأعلامها. # سبعون مؤلفا: # نجد بين أيدينا مما هو مسجل ضمن مؤلفات هذا الإمام، زهاء سبعين مؤلفا ~~نسردها هنا مصنفة قدر الإمكان، بحسب موضوعات محتوياتها من العلوم، ثم نعود ~~للتعقيب على مصادرها من حيث مواطن الخلاف حول تسجيل وحجم ومواقع ما يوجد ~~فيه الاختلاف منها. # وذلك بحسب مجالاتها الأربعة العامة: أصول الدين وأصول الفقه والفقه ~~واللغة، دون ذهاب في التصنيف إلى تفصيلاتها، وبحسب ما أورده الحبشي في ~~كتابه (مصادر الفكر الإسلامي في ms083 اليمن) ثم مقارنته مع غيره من المصادر ~~الأخرى لتوخي وتحري الصحة في تسجيل كل المعلومات المتعلقة بمؤلفات الإمام ~~يحيى بن حمزة، مجتمعة ومنفردة، ثم نورد في قسم خاص في آخرها، ما كان من ~~المؤلفات خارج نطاق هذه المجالات الأربعة العامة، ونضع بين قوسين ما ذكر ~~منها في مصادر أخرى. # أولا. أصول الدين (علم الكلام): # 1- الإفحام لأفئدة الباطنية الطغام. PageV01P098 # منه نسخة مخطوطة سنة 817ه، ضمن مجموعة من ورقة (155) إلى (204) بمكتبة ~~الجامع الكبير بصنعاء. (فهرست وزارة الأوقاف ص537). # 2- التحقيق في أدلة الإكفار والتفسيق. # منه نسخة مخطوطة سنة 724ه، في حياة المؤلف، في (140) ورقة بمكتبة الأستاذ ~~حسين السياغي، نسخة أخرى بمكتبة الجامع الكبير (مجلد واحد كما هو في البدر ~~الطالع ج2 ص331، وفي التحف ص185. # 3- التمهيد لأدلة مسائل التوحيد. # منه نسخة مخطوطة سنة 733، في (112) ورقة بمكتبة الجامع برقم (61) علم ~~الكلام. (ص575 فهرست الأوقاف). # نسخة أخرى بمكتبة الجامع (الكتب المصادرة)، وهو مجلدان كما في البدر ~~الطالع ج2 ص331، وكذا في التحف ص185. # 4- الجواب الرائق في تنزيه الخالق. (ص 585 فهرست الأوقاف. وفي البدر ~~الطالع). # منه نسخة مخطوطة بمكتبة الجامع برقم (10) مجاميع. # 5- الجواب القاطع للتمويه عما يرد على الحكم والتنزيه (585 فهرست ~~الأوقاف). # منه نسخة مخطوطة ضمن المجموعة السابقة، بمكتبة الجامع (ذكره في البدر ~~الطالع). # 6- الجواب الناطق بالصواب، القاطع لعرى الشك والارتياب. # منه نسخة مخطوطة ضمن المجموعة السابقة في 6 ورقات (ص 586 فهرست الأوقاف). # 7- الرسالة الوازعة لذوي الألباب، عن فرط الشك والارتياب. # منه نسخة مخطوطة ضمن مجموعة من ورقة (60) إلى (63) بمكتبة الأمبروزيانا ~~برقم (205g) (فهرست الأوقاف ص 1235 وذكره في البدر الطالع). PageV01P099 # 8- الشامل لحقائق الأدلة وأصول المسائل الدينية. # منه نسخة مخطوطة سنة 1066ه بمكتبة الجامع برقم (24) (الكتب المصادرة). # نسخة أخرى بنفس المكتبة (قسم المكتبة المتوكلية) مخطوطة سنة 1069ه في ~~(283) ورقة، برقم (70) علم الكلام. (ذكره الشوكاني في البدر الطالع ج2 ص ~~331، وأنه 4 مجلدات، وفي التحف ص185). # 9- القسطاس. # في علم الكلام جزآن. ذكره زبارة في (أئمة اليمن) ص329، وفي (إيضاح ~~المكنون) لإسماعيل باشا، ج2 ص226 ms084 (ذكره في مقدمة شرح الأزهار ص42 ج3). # 10- مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار. # منه نسخة مخطوطة سنة 817ه، بمكتبة الجامع الكبير برقم (131) علم الكلام ~~مع كتاب (المعالم الدينية) للمؤلف، طبع بتحقيق: محمد السيد الجليندي سنة ~~1382 - 1962م بالقاهرة، عن دار الفكر الحديث في (300) صفحة. (فهرست الأوقاف ~~ص 750 ذكره في التحف ص185). # 11- المعالم الدينية في العقائد الإلهية. # منه نسخة مخطوطة سنة 817ه في (197) ورقة، مع كتاب (مشكاة الأنوار) بمكتبة ~~الجامع برقم (131) علم الكلام، وقد طبع سنة 1408ه 1988م، بتحقيق: سيد مختار ~~محمد أحمد حشاد، عن دار الفكر المعاصر. لبنان بيروت في (150) صفحة، (فهرست ~~الأوقاف ص 755، وذكره الشوكاني بأنه مجلد واحد، في البدر الطالع ج2 ص331، ~~وذكره في التحف ص185). # 12- مشكاة الأنوار للسالكين الأبرار. # منه نسخة مخطوطة بمكتبة الجامع (الكتب المصادرة) ضمن مجموعة برقم 89. 13 ~~ق رقم (10) مجاميع جامع في 832. (فهرست الأوقاف ص 750). # ثانيا: أصول الفقه: PageV01P100 # 1- الحاوي لحقائق الأدلة الفقهية، وتقرير القواعد القياسية. # في أصول الفقه (الترجمان) (ذكره في البدر الطالع ج2 ص 131: 3 مجلدات، ~~وذكره في التحف ص185). # 2- الكوكب الوقاد في أحكام الاجتهاد. # جواب على سؤال الفقيه محمد بن مرزوق، من بيت قعد بجبل مسور. منه نسخة ~~مخطوطة سنة 832ه في (7) ورقات، بمكتبة الجامع ضمن المجموعة رقم (10). # نسخة أخرى مخطوطة سنة 864ه، بمكتبة الجامع ضمن المجموعة رقم (66) (الكتب ~~المصادرة) (فهرست الأوقاف ص 850). # 3- نهاية الوصول إلى علم الأصول. # ذكره المؤرخ زبارة في (أئمة اليمن) ص 229، وهو في ثلاثة أجزاء (كما جاء ~~في البدر الطالع للشوكاني ج2 ص 331، وعده ضمن أصول الدين، وذكره في التحف ~~بأنه مجلدان ص185). # 4- المعيار لقرائح النظار في شرح الأدلة الفقهية وتقرير القواعد ~~القياسية. # منه نسخة مخطوطة سنة 746ه في (141 ورقة بمكتبة الجامع برقم (1094) فقه. # نسخة أخرى بنفس المكتبة، مخطوطة سنة 726ه برقم (84) (فهرست الأوقاف ص860). # ثالثا: الفقه (علم الفروع): # 1- الانتصار الجامع لمذاهب علماء الأمصار في تقرير المختار من مذاهب ~~الأئمة وأقاويل علماء الأمة في المباحث الفقهية والمضطربات الشرعية. # ... فهرست الأوقاف ص 913 ذكره في البدر الطالع ms085 ج2 ص331). # أ- نسخة الجزء الثاني في (140) ورقة في مكتبة الجامع، برقم (138) فقه. # ب - نسخة الجزء الأخرى (ثانية) يبتدئ من أثناء نواقض الوضوء، إلى أثناء ~~الآذان. خط قديم في (243) ورقة، برقم (139). فقه. # ج - الجزء الخامس، يبتدي من كتاب الزكاة، إلى باب مستحق الزكاة. PageV01P101 # ... مخطوط بقلم المصنف سنة 743ه في (185) ورقة برقم (140). # د - الجزء الثامن، أوله كتاب الطلاق، إلى كتاب النفقات. # مخطوط سنة 757ه في (190) ورقة برقم (308). # ه - الجزء الحادي عشر، يبدأ من أثناء كتاب الإجارة إلى أثناء الرهن، ~~مبتور أوله. بخط المصنف سنة 746ه في (188) ورقة برقم (309). # و- الجزء الخامس عشر، أوله: الفصل الثالث في البينات إلى كتاب الحوالة، ~~مبتور آخره بخط المصنف في (150) ورقة برقم (310). # ز - الجزء الخامس عشر (مكرر). يبتدئ بأثناء كتاب الكفالة إلى حد السارق، ~~بخط المؤلف سنة 748ه في (153) ورقة، برقم (311) فقه. جميع هذه الأجزاء ~~مخطوطة بمكتبة الجامع. # 2- أسئلة الفقيه أحمد بن سليمان الأوزري، والأجوبة عليها من المؤلف. ~~مخطوطة ضمن مجموعة رقم (11) بمكتبة الجامع (الكتب المصادرة). # 3- الإيضاح لمعاني المفتاح في الفرائض. # ذكره زبارة في (أئمة اليمن) الترجمان. ص 230، وذكره الشوكاني في البدر ~~الطالع بأنه مجلد، وجاء ذكره في التحف ص185. # 4- العدة في المدخل إلى العمدة. # ... ذكره المؤرخ زبارة في (أئمة اليمن) ص229، وقال: إنه في الفقه مختصر ~~بالغ الأهمية يقع في جزأين. # 5- عقد اللآلي في الرد على أبي حامد الغزالي. # رد عليه في مسألة إباحته للسماع. منه نسخة مخطوطة سنة 1064ه بمكتبة ~~الجامع (الكتب المصادرة) ضمن مجموعة برقم (66)، ونسخة أخرى مخطوطة سنة ~~832ه، ضمن مجموعة برقم (10) بمكتبة الجامع، 22 ق(فهرست الأوقاف ص683). # 6- العمدة في الفقه. PageV01P102 # ذكره زبارة، وقال: إنه يقع في ستة مجلدات. (أئمة اليمن ص229). (وكذا في ~~التحف ص 185: 6مجلدات). # 7- فتاوى. # منه نسخة مخطوطة سنة 832ه، ضمن مجموعة بمكتبة الجامع(¬1). # 8- الكاشف للغمة عن الاعتراض على الأئمة. # 9- مختصر الأنوار المضية في شرح الأربعين السيلقية. # ذكره الزركلي في الأعلام ج9، ص (174)، وأشار إلى أنه موجود بإحدى ~~المكتبات. # 10- المصلح للدين الموضح سبيل المرسلين. # ذكره زبارة في (أئمة اليمن ص230 (فهرست ms086 الأوقاف ص1025). # 11- من كلام الإمام يحيى في جواز التقليد. # منه نسخة مخطوطة سنة 832ه، ضمن مجموعة برقم (10) بمكتبة الجامع. # 12- من كلام الإمام يحيى في المنع بالفتوى بمذهب الإمام الناصر. # منه نسخة ضمن المجموعة السابقة. # 13- من كلام الإمام يحيى في سؤال ورد عليه، في رجل أرجع زوجته على مذهب ~~الإمام الناصر، وفي أن الطلاق بدعة لا يقع. # منه نسخة ضمن المجموعة السابقة. # 14- الأنوار المضية شرح الأخبار النبوية شرح الأربعين الحديث السيلقية. # ذكره زبارة في (أئمة اليمن ص 229) فرغ منها سنة 736ه. نسخة مخطوطة سنة ~~1330ه في (306) 1230. حديث مصادر. (فهرست الأوقاف ص 296، وفي البدر الطالع: ~~مجلدان ص332، PageV01P103 وفي التحف ص185). # رابعا: اللغة # 1- الأزهار الصافية شرح مقدمة الكافية. (في النحو). # منه نسخة مخطوطة سنة 826ه، بمكتبة الجامع (الكتب المصادرة) برقم (2) و(3) ~~نحو، في جزأين. وورد ذكره في (أئمة اليمن) ص229 باسم (الأنهار الصافية). # 2- الاقتصار (في النحو). # ذكره زبارة في (أئمة اليمن) ص 229 (وذكره في البدر الطالع: في مجلد، وكذا ~~في التحف ص185، وكلاهما ضبطه (الاقتصاد) بالدال المهملة. # 3- الإيجاز لأسرار كتاب الطراز، في علوم البيان ومعرفة إعجاز القرآن. # نسخة مخطوطة سنة 744ه، بخط المؤلف في (160) ورقة بمكتبة الجامع برقم 4 ~~بلاغة، نسخة أخرى مخطوطة سنة 905ه، في 96 ورقة بمكتبة دار الكتب برقم ~~(4299). (فهرست الأوقاف ص 1580، وفي البدر الطالع ذكره الشوكاني بأنه ~~مجلدان). # 4- الحاصر لفوائد المقدمة في حقائق الإعراب. # شرح المقدمة المحسنية في علم العربية. لابن بشاذ المتوفى سنة 469ه. # منه مخطوطة في (196) ورقة بمكتبة الجامع، ونسخة مخطوطة سنة 785ه في (174) ~~ورقة بنفس المكتبة برقم (185) لغة، نسخة مخطوطة رابعة سنة 799ه في (170) ~~ورقة برقم(122) لغة، نسخة أخرى مخطوطة سنة 798ه في (124) ورقة بمكتبة ~~المتحف البريطاني برقم(3824)، نسخة سادسة بمكتبة الأمبروزيانا برقم (102g) ~~(فهرست الأوقاف ص1465، وذكره في البدر الطالع ص 332 باسم (الحاصر في مقدمة ~~طاهر)، مجلد. وفي التحف ص185. # 5- الطراز، المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز. # فرغ منه مؤلفه سنة 728ه.. طبع بالقاهرة سنة 1332ه -1914م ه بمطبعة ~~المقتطف في ثلاثة أجزاء. ms087 (ذكره الشوكاني أنه مجلدان، البدر الطالع ج2 ص331، ~~وفي التحف ص185). PageV01P104 # 6- الفائق المحقق في علم المنطق. # ذكره المؤرخ زبارة في (أئمة اليمن) ص230، والترجمان. # 7- القانون المحقق في علم المنطق. # ذكره زبارة في (أئمة اليمن) و(ذكره الشوكاني في البدر الطالع). # 8- المحصل في كشف أسرار المفصل. # منه نسخة مخطوطة سنة 728ه بمكتبة الجامع، برقم 98. (فهرست الأوقاف ص1512) ~~وذكره في البدر الطالع وأنه 4 مجلدات، وكذا في التحف 185). # 9- المنهاج الجلي في شرح جمل الزجاج. # منه مخطوطة سنة 1310ه في (200) ورقة بمكتبة الجامع (الكتب المصادرة)، ~~برقم (66) نحو. (ذكره في البدر الطالع للشوكاني ج2 ص 331: المنهاج مجلدان، ~~وكذا في التحف). # خامسا: مؤلفات ورسائل في فنون متفرقة: # 1- إجازة للفقيه أحمد بن سليمان. # ... نسخة بخط المؤلف بجانب (المعيار) بمكتبة الجامع برقم (84) (علم ~~الكلام). # 2- الاختيارات المؤيدية. # ... ذكره المؤرخ زبارة في (أئمة اليمن) ص229، ولعله مخطوط بإحدى مكتبات ~~الهند (ذكره محقق المعالم الدينية ص13). # 3- أطواق الحمامة في حمل الصحابة على السلامة. # ... منه مخطوطة في (7) ورقات ضمن مجموعة بمكتبة آل يحيى بمدينة تريم ~~بحضرموت. # 4- جواب على سؤال ورد إليه من الشام، يسأل عن أحواله ومقروءاته ومصنفاته. # ... منه مخطوطة ضمن مجموعة برقم (10) بمكتبة الجامع الكبير (الكتب ~~المصادرة)، نسخة أخرى ضمن مجموعة بخط حفيده بنفس المجموعة. PageV01P105 # 5- جوابات ثمانية وثلاثين سؤالا. # ... نسخة مخطوطة سنة 832، بخط حفيد المؤلف: أحمد بن عبدالله بن يحيى بن ~~حمزة، بنفس المجموعة. # 6- الجواب الناطق بالصواب، القاطع لعرى الشك والارتياب. # ... منه مخطوطة ضمن المجموعة السابقة في (6) ورقات. # 7- الجوابات الوافية بالبراهين الشافية. # ... نسخة ضمن المجموعة السابقة في سنة 821ه، في 13 ورقة. ذكره في البدر ~~الطالع. # 8- خلاصة السيرة. # ... لخص فيه سيرة ابن هشام. # 9- الدعوة العامة. # منه نسخة مخطوطة ضمن مجموعة برقم (69) بمكتبة الجامع. # 10- الرسالة المفيدة. # ... منه مخطوطة ضمن مجموعة برقم (93) بمكتبة الجامع. (فهرست الأوقاف ~~ص635) في علم الكلام. # 11- الرسالة الوازعة لصالح الأمة عن الاعتراض على الأئمة. # ... منه مخطوطة سنة832ه بخط حفيده، ضمن مجموعة برقم (10) بمكتبة الجامع ~~(فهرست الأوقاف ص1892). # 12- الرسالة الوازعة للمعتدين عن سب صحابة سيد المرسلين. # ... طبعت بعناية المؤرخ زبارة ms088 سنة 13ه بمصر في المطبعة المنيرية في 36 ~~صفحة (ذكره الشوكاني في البدر الطالع). PageV01P106 # 13- صورة كتاب فيه تولية الفقيه مسعود الحويت. # ... منه مخطوطة سنة 832ه، ضمن مجموع برقم (10) بمكتبة الجامع. # 14- صورة كتاب إلى الفقيه مسعود الحويت. # ... مخطوطة ضمن المجموعة السابقة. # 15- عهد الإمام إلى بعض قضاته. # ... مخطوطة سنة 832ه، ضمن المجموعة السابقة. # 16- اللباب في محاسن الآداب. # ... مخطوطة ضمن مجموعة من ورقة 169 - 173. مكتبة الأمبروزيانا، برقم (124g) # 17- من كلام الإمام يحيى، وقد طالع كتاب التصفية للفقيه محمد بن حسن ~~الديلمي. # ... مخطوطة ضمن مجموعة برقم (10) بمكتبة الجامع. # 18- نسخة كتاب تعزية في الفقيه أحمد بن يحيى إلى الفقهاء بيت حنش. # ... مخطوطة سنة 832ه، ضمن المجموعة السابقة (فهرست الأوقاف ص1389 . (في ~~الفهرست: بني حبيش). # 19- نسخة كتاب تعزية إلى الشيخ أحمد بن حسن الرصاص، بوفاة الشيخ علي محمد ~~الرصاص. # مخطوطة ضمن المجموعة السابقة. (فهرست الأوقاف ص1823). # 20- نسخ ثلاثة كتب: # - أحدها: إلى السادة بالجهات الظاهرية. (فهرست الأوقاف ص1780). # - الثاني: إلى من وقف عليه من القبائل. PageV01P107 # - الثالث: إلى السادة أهل حوث. # مخطوطاتها ضمن المجموعة السابقة. # 21- وصية. # ... أورد جزءا منها المؤرخ زبارة في ص231 - 233. من (أئمة اليمن). # 22- وصية الإمام يحيى بن حمزة إلى أولاده وزوجاته. # ... مخطوطة سنة 832ه، ضمن المجموعة السابقة. (فهرست وزارة الأوقاف ~~ص1402). # 23- تصفية القلوب عن درن الأوزار والذنوب. # ... قسمها إلى عشر مقالات: # ... منه ست نسخ مخطوطة. (فهرست الأوقاف ص1315) أفاد في البدر الطالع ج2 ~~ص334 أنه مجلد. # - الأولى: سنة 1048ه في (222) ورقة بمكتبة الجامع برقم (72). تصوف. # - الثانية: في (268) ورقة برقم (71) بنفس المكتبة. # - الثالثة: سنة 1060ه في (225) ورقة بنفس المكتبة رقم (36) تصوف. # - الرابعة: ضمن الكتب بالجامع (وقف للمدرسة). # - الخامسة: سنة 1064ه بمكتبة الأمبروزيانا برقم (63b). # - السادسة: سنة 1339ه في(307) ورقات بمكتبة المؤرخ زبارة بصنعاء. # 24- الديباج الوضي في الكشف عن أسرار كلام الوصي. # ... شرح كتاب (نهج البلاغة). مخطوطة منه سنة 1073ه في (400) ورقة بمكتبة ~~الجامع برقم (306) أدب. # (فهرست الأوقاف ص1646 وفي البدر الطالع: (.. كلام الرضي) ج2 ص331، وفي ~~التحف ص185 (الوصي) كما في الفهرست والمصادر). PageV01P108 # كتب المؤلف في ms089 مصادر أخرى: # هذا نص ما أورده الأستاذ عبدالله الحبشي، في كتابه: (مصارد الفكر العربي ~~الإسلامي في اليمن). مع حذف طفيف جدا لبعض الجمل والكلمات المكررة، وفي ~~تصنيفها إلى خمسة أصناف فيما هو خاص بمؤلفات المؤلف، وأضفنا بين قوسين، ما ~~هو موجود منها بفهرست وزارة الأوقاف بمكتبة الجامع الكبير، أو بعض المصادر ~~الأخرى، ونورد ما تفرد به الفهرست عند الحديث على محتوياته. # وأعود للتعقيب على مؤلفات الإمام يحيى بن حمزة، بحسب النص السابق لها، من ~~خلال أشهر مصادرها المتوفرة لدينا، وسيقتصر هذا التعقيب على: # 1- إضافة مؤلفات أخرى. # 2- تغيير في أسماء أو عناوين شيء منها. # 3- زيادة أو نقصان في عدد أجزاء المخطوطة. # 4- وجود نسخ أخرى أو مكررة لشيء منها في مصادر أخرى. # 5- مدى تحقيق وطبع شيء من مخطوطاتها، تال لما هو مسجل بهذا المصدر، أو ~~أية إضافات أخرى تستحق التناول، تسهيلا للباحث والمطلع وأدلة المكتبات ~~وغيرها. ونشير هنا إلى أن ما قدمه الأستاذ الحبشي، هو جهد عظيم وكبير ولائق ~~بباحث متفرغ في مستوى اطلاعه وتفرده في هذا المجال، إلى الحد الذي يدفعنا ~~وغيرنا إلى القول بحق: بأنه فذ متفرد في الاطلاع وتسجيل المخطوطات الفكرية ~~ومؤلفيها وأعلامها في اليمن، وما قدمه من خدمة لها، هو أجل من الثناء وأكثر ~~من الوصف، فجزاه الله عنها خير الجزاء. والذي نريد الإشارة إليه، أن كتاب ~~الأستاذ الحبشي في ما يخص مؤلفات يحيى بن حمزة، بوصفها موضوع هذا الحديث.. ~~قد اقتصر على تسجيل ما هو منها بمكتبة الجامع الكبير بصنعاء، فيما عدا ذكره ~~بضع مرات لبعض منها في خمسة مصادر. هي: (الأمبروزيانا، والمتحف البريطاني، ~~ومكتبة بالهند، ومكتبتا كل من المؤرخ زبارة والقاضي حسين السياغي، ومكتبة ~~آل يحيى بتريم - حضرموت). # وكما قلت.. فإن ما ذكره في هذه المصادر الخمسة، لا يتجاوز بضع مخطوطات من ~~مؤلفات الإمام PageV01P109 يحيى بن حمزة، وهذا لا ينال كتاب الأستاذ الحبشي بشيء، إذ أن ذلك مرتبط ~~ربما بطبيعة كتابه من ناحية، ثم إنه جهد رائد وعظيم، وسيظل كذلك، وهذا من ~~ناحية ثانية. # ولأن ما ms090 سوف يضاف هنا، يقتصر على ما يدخل ضمن إطار النقط الخمس السابقة.. ~~فإننا سنتناول المخطوطات من مؤلفات المؤلف، في هذا الإطار وخارج التصنيف ~~الموضوعي السابق وبحسب تسلسلها، إلا أننا سنبدأ بكتاب (الانتصار). # 1- كتاب الانتصار. # ذكر الأستاذ الحبشي كما سلف.. خمسة أجزاء من الانتصار هي: الثاني، ~~والخامس، والثامن، والحادي عشر، وجزأين مكررين هما: الثاني، والخامس عشر. ~~وذيلها بقوله: (جميع هذا الأجزاء مخطوطة بمكتبة الجامع)، ولفظه هذا لا يفيد ~~الحصر والقصر، إلا أن موضوع كتابه القائم أساسا على الاستقراء، قد يفيد ذلك. # و(فهرست مخطوطات مكتبة الجامع الكبير بصنعاء) يسجل من أجزاء (الانتصار) ~~بمكتبة الجامع خمسة عشر جزءا، تضم المسجل في كتاب الأستاذ الحبشي والمكرر، ~~ونوضح الجديد في التالي: # أولا: فهرست مخطوطات الجامع الكبير: # وينحصر ما يضيفه هذا الفهرس من (الانتصار)، في عشرة أجزاء. # 1- مجلد الأجزاء الثلاثة الأول: الأول والثاني والثالث، التي سبق ~~اعتمادها ضمن هذا التحقيق برمز (ق). وهي بخط الريعاني القدمي، ويتفق في ~~نسختين من الثاني مع ما سبق. # 2- الجزء الرابع: وهي أولى المخطوطتين التي تم اعتمادها أصلا للتحقيق. # 3- الجزء الخامس: مخطوطة سنة 783ه. ق: (220) م: (28). # 4- الجزء الثامن: مخطوطة سنة 784ه. ق: (253) م: (21). # 5- الجزء العاشر: أول المخطوطة: القول في خيار النقيصة. # آخرها: والمستقر من الأراضي والدور وسائر العقارات. في ربيع الآخر784ه. ~~ق(227) م:(26). PageV01P110 # 6- الجزء الحادي عشر: مخطوطة سنة 1091ه. ق: (179) م: (29). # 7- الجزء الثالث عشر: مخطوطة بخط المؤلف في 10 ربيع الأول سنة 747ه .ق: ~~(156)م: (29). # 8- الجزء السادس عشر: مخطوطة بخط المؤلف في 10 جمادى الآخرة سنة 748ه. ق: ~~(160) م: (35). # ثانيا: (مصادر التراث اليمني في المتحف البريطاني) للدكتور حسين عبدالله ~~العمري. وفيه ثمانية أجزاء من (الانتصار) بما فيها المكرر، وهي: # 1- الجزء الثاني: # ... ... مخطوطة بخط المؤلف سنة 742ه في العشر الثالثة من رجب. ق: (174). # 2- الجزء الثالث: مخطوطة في منتصف ذي الحجة سنة 947ه. ق: (274) ~~برقم:3980. # 3- الجزء الخامس: مخطوطة في 154 ق. برقم 3981. # 1- 4- الجزء السادس: مخطوطة في 188ق. برقم 3982. # 5- الجزء الثامن: مخطوطة في 224ق. برقم 3978. # 6- الجزء السادس عشر: مخطوطة في 374 ق. برقم 3983. # 7- الجزء ms091 السابع عشر: داخل ضمن مخطوطة السادس عشر السابقة، وضمن عدد ~~صفحاتها. # 8- الجزء السابع عشر: (نسخة ثانية) مخطوطة في آخر أيام شهر رمضان سنة ~~748ه في 162 ق، برقم 3984. # ثالثا: المكتبات الخاصة: # وهي المخطوطات التي استطعنا الحصول عليها من بعض المكتبات الخاصة في ~~اليمن. تضمنت هذه المقدمة تسجيل ما حصلنا عليه من نسخ للأربعة الأجزاء ~~الأولى من الكتاب، وكما أشرنا سابقا، PageV01P111 فإننا ندع المعلومات المفصلة عن مخطوطات الأجزاء من الخامس فما يليه، لتكون ~~في مقدمة كل مجلد على حدة بصفة مستقلة، وهذا تجنبا للتكرار والإطالة، قدر ~~الإمكان. # رابعا: المؤلفات التي لم يتضمنها كتاب الحبشي: # نورد هنا مؤلفات الإمام يحيى بن حمزة التي لم تتضمنها مصادر الأستاذ ~~الحبشي، الذي اعتمدناه أصلا لعرض هذه المؤلفات. # ونود الإشارة أولا: إلى أن اللبس الذي قد يؤدي إلى تكرار أو إهمال من ~~قبلنا، يعود إلى بعض المخطوطات التي ليس لها عناوين محددة، أو التي تتشابه ~~عناوينها العامة، مثل: الرسائل والجوابات والوصايا ونحوها، وهذه يصعب تجنب ~~الخطأ فيها، وقد حرصنا على العمل لتمييزها بواسطة الأسماء أو عدد الأوراق ~~أو التاريخ مهما أمكن ذلك، وبعده لا نجد سبيلا إلى ضبط الخطأ وجل من لا يخطئ. # وثانيا: أن مصادر الأستاذ الحبشي لمؤلفات المؤلف، هي أشمل وأوسع، وفيما ~~هو منها في مكتبة الجامع الكبير، فيمكن تمييز ما أورده الحبشي مما ليس ~~موجودا في فهرست وزارة الأوقاف، بعدم وجود الإشارة إلى موقع المخطوطة بين ~~قوسين في قائمة المؤلفات السالفة. # وهذه مجموعة المؤلفات التي لم توجد في مصادر الحبشي. # أولا: فهرست مكتبة الجامع الكبير (فهرست وزارة الأوقاف): # 1- # مسلسل ... عنوان الكتاب ... رقم الصفحة # 1 ... إكليل التاج وجوهرة الوهاج. مخطوطة عام 832ه. ق: 146 - 175. # 2 ... رأي يحيى بن حمزة في أبي بكر وعمر (ض) ق:202-206. # 3 ... جوابات مسائل ... 1025 # 4 ... جوابات مسائل حول الشفعة والجوار ... 1079 # 5 ... نبذة من سيرة الإمام يحيى بن حمزة ... 1820 # 6 ... نسخة من كتاب يحيى بن حمزة إلى سلطان اليمن المجاهد ... 1824 PageV01P112 7 ... نسخة من دعوة يحيى بن حمزة ms092 إلى أمراء آل عماد الدين ... 1824 # 8 ... نسخة من دعوة يحيى بن حمزة إلى سلطان اليمن ... 1770 # 9 ... كتاب يحيى بن حمزة إلى الأمير عبدالله بن أحمد بن قاسم ... 1823 # ثانيا: المؤلفات التي يظهر فيها شيء من التشابه والاشتباه: # وهذه حرصنا على إيراد أبرزها هنا، لتحقيق أكبر قدر ممكن من الدقة في ~~تحديد مؤلفات الإمام يحيى بن حمزة وعناوينها، ثم إن إيرادها لا يعدم ~~الفائدة من تصحيح ما يحتاج منها إلى تصحيح، عن طريق لفت نظر المهتمين ~~والباحثين على أقل احتمال لحجم الفائدة. # وهذه الكتب أعني مؤلفات هذا الإمام كلها، يلحظ فيها بعامة، تشابه كبير ~~بين عناوينها لدرجة تجعل المستقرئ لها، يظن أن الكتاب الوارد في مصدرين، ~~كتابان، أو العكس. وأعود لما رأينا تسجيله هنا نموذجا لذلك التشابه ~~والاشتباه. # 1- الشامل لحقائق الأدلة العقلية وأصول المسائل الدينية: # حول هذه الكتاب توجد الملاحظات الآتية: # الأولى: أورد الكتاب بهذا العنوان، سيد مختار، في (المعالم الدينية ~~والعقائد الإلهية) ص6،12. الطبعة الأولى 1988م. بينما أورده الحبشي في ~~(المصادر) ص 567، بنفس العنوان. ما عدا الكلمة الأخيرة (الدينية)، فقد جاءت ~~(الدنيوية)، كما جاء ذكره في (البدر الطالع) ص331، و(التحف شرح الزلف) ص185 ~~بأسم (الشامل) مجردا، اختصارا للاسم، والصحيح ما أوردناه هنا، استنادا إلى ~~الاستقراء، وهي كلمة (الدينية)، ولتناسبها مع موضوع الكتاب. # الثانية: قال الدكتور أحمد محمود صبحي في تصديره لكتاب (المعالم) ص6: بأن ~~مؤلف الإمام يحيى بن حمزة (المعالم الدينية في العقائد الإلهية)، يتضمن ~~تلخيصا لمؤلفه الضخم (الشامل). # الثالثة: لم نجد هذا الكتاب ضمن فهرست الأوقاف لمخطوطات الجامع الكبير، ~~برغم أن مصادر الأستاذ الحبشي تؤكد وجود مخطوطته في مكتبة الجامع كما سبق. # 2- الحاوي لحقائق الأدلة الفقهية وتقرير القواعد القياسية: # وحوله الملاحظات الآتية: PageV01P113 # الأولى: جاء ذكره في (مصادر الفكر العربي الإسلامي في اليمن ص567). ولم ~~يحدد مجلداته ولا مكان مخطوطته وليس في مكتبة الجامع، كما يظهر من عدم ~~وروده في فهرست الأوقاف. # الثانية: جاء ذكره في (البدر الطالع) و(التحف شرح الزلف)، وأنه ثلاثة ~~مجلدات مخطوطة، وكذا في (المعالم ms093 الدينية ص12)، ولم يحدد أي منها مكانه. ~~وأفاد مصدر آخر بأنه من الكتب المفقودة. # الثالثة: عرفنا أن منه مجلدين هما: الأول: صورة مخطوطة لدى القاضي محمد ~~سعد الشرقي بمكتبته الخاصة، والثاني: مخطوطة لدى الأستاذ محمد بن محمد بن ~~يحيى مطهر. # الرابعة: أن مخطوطة (المعيار لقرائح النظار في شرح الأدلة الفقهية، ~~وتقرير القواعد القياسية)، لنفس المؤلف من جهة، وفي نفس الموضوع من جهة ~~ثانية، وبنفس العنوان عدا الكلمتين الأوليين من (الحاوي)، والثلاث الأولى ~~من المعيار، مما يوحي بأن هناك علاقة ما بين الكتابين، قد تكون مثلا، في أن ~~الأخير هو ملخص أو منتزع من الأول، كما جاء في مقدمة المعيار شيء من هذا. # 3- الاقتصار (في النحو): # هكذا أورده في المصادر ص565، بحرف الراء في آخره، بينما جاء في البدر ~~الطالع، وفي التحف، بالدال المهملة كما سبق، إلا أن تراجم شرح الأزهار ج3 ~~ص42، تؤكده بالراء. وهذه التراجم للعلامة أحمد بن عبدالله الجنداري (رحمه الله). # 4- العمدة (في الفقه): # ذكره المؤلف في مقدمة (الانتصار) وورد في المصادر عن (أئمة اليمن)، بأنه ~~ستة مجلدات، وكذا في التحف، ويشتبه بكتاب (العدة في المدخل إلى العمدة) ~~للمؤلف أيضا، ذكره في (المصادر) عن (أئمة اليمن) وأنه جزآن في الفقه أيضا، ~~ويظهر أنه مختصر (العمدة) بناء على ما جاء في أئمة اليمن بأنه مختصر بالغ ~~الأهمية، ولكن لم نطلع على ما يؤكد ذلك، أو يحدد سبق أحدهما للآخر. # 5- الأزهار الصافية شرح مقدمة الكافية: # جزآن في النحو، وكما سبق فقد ذكره في (أئمة اليمن)، باسم (الأنهار ~~الصافية). وبرغم ذكرها في جملة مخطوطات الجامع الكبير، فلم يرد ذكرها في ~~فهرست الأوقاف، ولعل عنوانها الصحيح: PageV01P114 # (الأزهار الصافية) كما جاء في (المصادر)، وكما جاء في تراجم شرح الأزهار. # 6- الإيجاز لأسرار كتاب الطراز في علوم البيان ومعرفة إعجاز القرآن: # وتبدو العلاقة واضحة في العنوان بينه وبين كتاب (الطراز) للمؤلف، ولكن ~~دون معرفة نوع هذه العلاقة، إلا فيما إذا كان (الإيجاز) مختصر (الطراز). ~~وقد صدر كتاب الطراز في مجلدات ثلاثة، وبين أيدينا نسخه صادرة ms094 عن (دار ~~الكتب العلمية) ببيروت عام 1980م. وبرغم أن على ورقته الأولى: (أشرفت على ~~مراجعته وضبطه وتدقيقه جماعة من العلماء بإشراف الناشر) إلا أن أولى صفحات ~~الكتاب، مقدمة المؤلف، فلم يقدم هؤلاء (الجماعة من العلماء) للكتاب، وكل ما ~~أضافوه لا يكاد يتجاوز فهارس الموضوعات، وبعض الهوامش القليلة، مع ظهور ~~لهجة تجن وعسف في هذه الهوامش على المؤلف مثل ما في ص3 هامش(1) ج1، تعليقا ~~على استخدام المؤلف جمع (أكتبة) للقلة، عن (كتب) مفردها كتاب.. فجاء نص ~~الهامش: (هذا جمع لم تستعمله العرب). هذه الأربع أو الخمس الكلمات فقط، دون ~~أن يستند فيها إلى أحد. # ومثل الهامش على قول المؤلف: (.. فالمعاني جمع معنى كمضارب ومقاتل، ~~والمعنى مفعل، واشتقاقه من قولهم: عناه أمر كذا إذا أهمه ..) فجاء التعليق ~~على كلمة (مفعل) في الهامش، بلفظ: (1) هذا كلام من لا يدري، والصواب أنه ~~مشتق من عنيت الأمر، كرميت إذا كنت قاصدا له، فمعنى الكلام مقصده. كتبه سيد ~~المرصفي) انتهى ص10 ج1. # وأسلوب صاحب الهوامش هذا، لا يوحي بأنه أسلوب عالم أو عارف، وهو يقول عن ~~المؤلف: بأن كلامه كلام من لا يدري، وكأنه يخاطب تلميذا في الفصل لم يحرز ~~بعد أبجديات اللغة، لا علما من أبرز أعلام اللغة بكل علومها، وكأن صدره ~~موغور على المؤلف، وليته أصاب في اعتراضه، ولكنه عبر فعلا عن قصور في اللغة ~~من جهة، وفي قدرته على فهم المعنى الذي أورده وأراده المؤلف من جهة ثانية؛ ~~إذ أن أصل الفعل (عنى) سواء من (أهم) أو (قصد). # وعن (الإيجاز) يقول محقق (المعالم الدينية): (يبدو أنه لأحد تلامذته)، ~~ولم يوضح ما بنى عليه هذا الاحتمال. # 7- الفائق المحقق في علم المنطق: # 8- القانون المحقق في علم المنطق: PageV01P115 # كما سبق ذكرهما في (المصادر) ص568 برقمي (39 - الفائق) و(41 - القانون).. ~~على أنهما كتابان استند في ذلك إلى (أئمة اليمن). وقد ذكر (القانون) ~~الشوكاني في (البدر الطالع) ص332، ولم يذكر أي من هذه المراجع مكانا أو ~~حجما أو تاريخا لأي من الكتابين. وحتى يظهر ما يؤكد الحقيقة، ms095 فإن الذي يمكن ~~ترجيحه الآن، هو أنهما كتاب واحد، هو (القانون) الذي ذكره الشوكاني، ويسند ~~هذا أن التشابه بين الكلمتين في الشكل مهد للتصحيف وتحويل كلمة (القانون) ~~إلى (الفائق). # 9- خلاصة السيرة: # وهي خلاصة لسيرة النبي (ص) لابن هشام، كما ظهر من مصادر الأستاذ الحبشي، ~~ولكن لم نطلع على ذكر له حتى الآن فيما توافر لنا من مراجع. # 10- الديباج الوضي في الكشف عن أسرار كلام الوصي: # في (المصادر) (الوصي) بالواو والصاد المهملة، فياء، وكذا (التحف شرح ~~الزلف) إلا أن الشوكاني ضبطها في (البدر الطالع)، ب(الرضي) بالراء والضاد ~~المعجمة فياء، ولعل الأصح (الوصي). # خاتمة: # نكتفي بهذا العرض السريع لمؤلفات الإمام يحيى بن حمزة؛ إذ ليس هذا مقام ~~الوقوف عندها أكثر للبحث والفحص، فذلك مقام بحث خاص بمؤلفاته، يصل إلى أدق ~~المعلومات عنها وعن أماكنها وعناوينها وموضوعاتها إلى آخره، وقد حرصنا أن ~~نضمن هذه المقدمة ما أمكن مما هو متناسب مع موضوعها وغايتها وطبيعتها، ~~آملين أن يكون ذلك مقاربا لحدود المطلوب منها. # ونعود إلى تضمين هذه الخاتمة إشارتين: # أولاهما: منهج تحقيق الكتاب. # وفي هذا الجانب فقد وضعنا منهج تحقيق (الانتصار) على الأسس العامة ~~التالية: # 1- المقدمة: بمحاورها الثلاثة السالفة. # 2- ملاحق الكتاب المتعلقة بالفهارس والتراجم والتخريجات. PageV01P116 # 3- الهوامش الخاصة بالكتاب. # 4- وضع التصحيح أو التصويب للأخطاء الإملائية أو اللغوية أو النقص، مما ~~رأينا تركه كما هو بالمخطوطة الأصل، بين قوسين في (القلب)، عقب الكلمة ~~المتغيا تصحيحها أو تصويبها في مكان النقص المحتمل. # أما ما عدا ذلك من توضيح أو تصويب أو إشارات إلى غرض المؤلف أو ما ~~يضارعها، فإن مكانها الهامش. # ثانيتهما: رموز وألقاب الأعلام والأسماء الواردة في الكتاب. # في البداية لهذه الإشارة نود القول بأن مؤلفات الزيدية في اليمن، ~~والفقهية منها خاصة، لها رموز مصطلح عليها من حرف أو حرفين أو ثلاثة، تمثل ~~اختصارا لأسماء بعض الأعلام والكتب، وبعض الفرق التي يكثر إيرادها، ~~وترديدها، وكذا ألقاب مصطلح على تحديد المراد بها إذا أطلقت. ونورد هنا ~~مجموعة هذه الرموز والألقاب الموجودة في هذا الكتاب فقط، موزعة ومتناثرة ms096 في ~~أماكن ذكر كل منها، كما هي كذلك في مختلف كتب المخطوطات اليمنية الفقهية ~~خاصة، وهي نوعان: الألقاب المطلقة، والرموز. # أولا: ألقاب الأعلام: # 1- الإمام الهادي، أو الهادي: يحيى بن الحسين. # 2- القاسم، أو الإمام القاسم: القاسم بن إبراهيم. # 3- الناصر، أو الإمام الناصر: الحسن بن علي الأطروش. # 4- العبادلة الثلاثة: عبدالله بن عباس، وعبدالله بن مسعود، وعبدالله بن عمر. # ... والأربعة: يضاف إليهم عبدالله بن عمرو بن العاص. # 5- السيدان، الأخوان: المؤيد بالله وأبو طالب. # 6- السادة الثلاثة: المؤيد بالله وأبو طالب وأبو العباس. # 7- المؤيد بالله: أحمد بن الحسين الهاروني. PageV01P117 # 8- أبو طالب: يحيى بن الحسين الهاروني. # 9- المنصور بالله: عبدالله بن حمزة. # 10- أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن الحسن. # ثانيا: رموز الأعلام: # 1- (ص) بالله: الإمام المنصور بالله. # 2- (م) بالله: الإمام المؤيد بالله. # 3- (ط): أبو طالب. # 4- (ع): أبو العباس. # 5- (ح): الإمام أبو حنيفة. # 6- (ش): الإمام الشافعي. # 7- (ك): الإمام مالك. # 8- (ص ح): أصحاب أبي حنيفة. # 9- (ص ش): أصحاب الشافعي. # 10- (ف): الفقيه أبو يوسف. # 11- (ث): سفيان الثوري. # (وقد نجز غرضنا من هذه المقدمة) بحسب مقولة المؤلف عليه السلام راجين أن ~~نكون قد وفقنا في تقديم أقل ما يجب تجاه هذا الكتاب الموسوعة النادرة للفقه ~~الإسلامي، ومؤلفه الإمام العالم المجتهد المجاهد المؤيد بالله يحيى بن ~~حمزة، وحققنا شيئا من الانتصار لكتاب (الانتصار) ليخرج من غياهب العزلة ~~التي ظل فيها حبيس المخطوطات المشتتة قرابة سبعة قرون، بالشكل والأسلوب ~~اللائقين به، ولو في أدنى حد ممكن، آملين من الله تعالى أن يجعله عملا ~~خالصا لوجهه الكريم، وأن يكفر عنا بحسنات حسنة سيئات سيئة إنه جواد كريم ~~وغفور رحيم، والرجاء من كل قارئ قادر على PageV01P118 أن يسد خللا أو يصحح خطأ تقع عليه عيناه، أن يفعل ذلك بقدر الإمكان، وأن ~~يتجاوز عنا فيما تجاوزه السهو والخطأ منا، وحسبنا أنا قد تمسكنا فيه ~~بمبدئنا بأن نبذل الجهد بما في وسعنا. وإن كان يسيرا وقليلا، فإن الله ~~يضاعف لمن يشاء. {ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت}. # {ربنا لا تؤاخذنا إن ms097 نسينا أو اخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما ~~حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا ~~واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين}. # (وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين) # ... ... عبد الوهاب بن علي بن محمد بن إبراهيم حورية المؤيد # ... ... ... ... ... صنعاء - أكتوبر 2000م. PageV01P119 # نماذج من المخطوطات PageV01P122 [مقدمات المؤلف] # الحمد لله وصلاة على سيدنا محمد وآله، اللهم أعن يا كريم. # الحمد لله القيوم الذي لا تستولي على كنه جلاله عميقات مذاهب الفكر ~~والأفهام، المتعالي بكبريائه عن أن ترتقي إليه متاهات الظنون والأوهام، ~~المنزه في ذاته عن مشاكلة المكونات من الأعراض والأجسام، البعيد عن الحصول ~~في الأماكن والجهات على حد تحيز الأجرام، المقدس بالصفات الإلهية الشريفة ~~العظام، المسبح بالأسماء على ألسنة الملائكة الكرام، المنعم الذي ضرب علينا ~~من فضله سرادقات نعمه الجسام، وأرخى علينا من جوده سرابيل المنن والإنعام، ~~بما ألهمنا من معرفة معالم الدين والإسلام، وخصنا بما عرفنا من حقائق ~~الشرائع والأحكام، وتمييز الحلال من الحرام.. وأشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، شهادة تكون سببا لإحراز عفوه وغفرانه، وذريعة إلى الفوز ~~بثوابه وعظيم رضوانه. والصلاة على رسوله المؤيد بالواضحات من الأعلام، ~~الهادي إلى الرشد الداعي إلى دار السلام، محمد المحمود في طرائقه وآثاره، ~~وإمام من اهتدى بهديه وعلم مناره، وعلى آله الطيبين الذين أشرق بضياء ~~علومهم عن الدين كل ظلام، وانحسر بنور أنظارهم عنه كدورة كل قتام، حتى رسخت ~~عروقه وتقررت منه مواضع الأقدام، فتجلت أنواره عن حقائقها وأسرارها، وطلعت ~~شموسه واضحة فأسفر وجه نهارها. فجزاهم الله عن حميد سعيهم في دينه أعظم ~~رضوانه، وأحلهم أعلى الدرجات من فضله ومزيد إحسانه. # أما بعد: فإن أفضل ما شغل الإنسان به نفسه وأفنى فيه عمره، هو طلب العلم ~~وإعطاؤه، فإنه أفضل الأعمال وأشرفها، سواء وفق لإحرازه طالبه أو أخطأه. ثم ~~إن الباعث على هذا الإملاء غرضان: # فالغرض الأول منهما هو: أن العلم لما كان من أعلى المراتب وأسناها وأشرف ms098 ~~المناقب وأرفعها وأحظاها، وأنفس الأعمال وأزكاها، وأشرف ما يخلفه الإنسان ~~بعد الموت، لشرفه وعلو فائدته في PageV01P126 الدين .. فأحببت أن يكون لي بعد الموت ما عسى أن يبقى ثوابه ولا ينفد أجره، ~~تصديقا لقوله تعالى: {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم}[يس:12]. ~~وفي الحديث عن صاحب الشريعة صلوات الله عليه: (( إذا مات ابن آدم انقطع عنه ~~سائر عمله إلا ثلاثة: علم ينتفع به، أو صدقة تجري، أو ولد صالح يدعو له ~~))(¬1). # والغرض الثاني: أن الله تعالى لما وفقني لإتمام كتاب (العمدة في المباحث ~~الفقهية)(¬2) وكنت قد اقتصرت فيه على ذكر المذهب ودليله، وذكر من خالف ~~مذهبنا أو وافق من علماء الأمة وفقهاء العامة، وألغيت ذكر أدلة المخالفين، ~~وذكر المختار من الأقاويل في المسألة، وتقرير الحجة عليه، ووعدت في صدر ~~الكتاب أن الله تعالى إن نفس لي في المهلة وتراخى الأجل ضممت إليه كتابا، ~~فلما أنجز الله العدة، وصدق الرجاء بتنفيس المدة، ابتدأت بتأليف هذا الكتاب ~~فأجعله كتبا، ثم أضمن الكتب أبوابا، ثم أحشو الأبواب فصولا، والفصول مسائل، ~~فأذكر في كل مسألة من خالف فيها، وأورد لكل مجتهد حجته من الأدلة، ولم آل ~~جهدا في تقرير كل مذهب من تلك المذاهب بدليله وإيراد أحسن ما أجده في نصرته ~~وتقرير مقالته، حتى إذا أكملت المذاهب بأدلتها في المسألة، ذكرت المختار من ~~تلك المذاهب وقررته بحجته، وأوردت الانتصار بإبطال ما خالفه، فصار في سياقه ~~مرتبا على مراتب ثلاث: # المرتبة الأولى: أن تكون المسألة قد وقع فيها خوض من أئمة العترة وفقهاء ~~الأمة، وتكرر فيها النظر، وطالت فيها الخصومة، وحصل فيها النزاع بينهم. ~~وهذا هو الأكثر المطرد من جهة أن معظم المسائل قد خاضوا فيه، وأفتى كل واحد ~~منهم على حسب ما يعن له من النظر ويقوى من الدليل الشرعي، وما هذا حاله من ~~المسائل، أذكر لكل واحد منهم دليله وأوضحه، ثم أشفعه بذكر المختار من تلك ~~المذاهب، وأذكر ترجيحه على غيره من تلك المذاهب المذكورة. # المرتبة الثانية: أن لا يكون لأئمة العترة فيها ms099 قول وللفقهاء فيها خوض.. ~~وما هذا حاله فهو مغفور PageV01P127 قليل ولا يعثر عليه إلا على جهة الندرة، بالإضافة إلى ما قد خاضوا فيه، ~~فأذكر المسألة وأوضحها ببراهينها الشرعية لكل واحد من المخالفين، ثم أذكر ~~المختار من تلك الأقاويل، وما أراه صالحا للمذهب منها بمعونة الله، فأما ما ~~كان مجمعا عليه فأذكره، ثم أوضحه بحجته من غير زيادة. # المرتبة الثالثة: ما لا يكون لأئمة العترة ولا لعلماء الأمة فيها قول، ~~وما هذا حاله فإنما يعثر عليه في الندرة ويوجد على جهة القلة، وهو أدخل في ~~الندور من الذي قبله. وما هذه صفته، فأذكر المسألة وأوضحها بالحجة الشرعية ~~على حد ما أجده وأعثر عليه، فلما نزلته على هذه الهيئة، ورتبته على هذا ~~الترتيب، وصار معتمدا في معرفة المذاهب وحجج التأويل، ووسيلة إلى تمييز ~~الصحيح المختار من الأقاويل.. سميته بكتاب: # (الانتصار على علماء الأمصار في تقرير المختار من مذاهب الأئمة وأقاويل ~~علماء الأمة) # وأنا أسأل الله بجلاله وعلو شأنه وجبروت ملكوته وقاهر سلطانه، أن يوفق ~~فيه القصد ويخلص فيه النية، ويحقق فيه الأمل ويصدق الأمنية، ويجعله خالصا ~~لوجهه، مطابقا لرضاه بمنه وطوله، إنه قريب مجيب. # تمهيد # واعلم أنا قبل الخوض فيما نريده من مقاصد الكتاب، نذكر تمهيدا يشتمل على ~~مقدمات خمس تكون قاعدة لمهاده، وعونا على إحراز أسراره ومراده، ولا غنى ~~عنها لمن خاض في المسائل الفقهية، وتكرر نظره في المذاهب الخلافية، وأكثر ~~الكتب الفقهية خالية عنها، ونحن نوردها ونشرحها بمعونة الله تعالى. # وكتابي هذا متميز عن سائر الكتب المصنفة في هذا الفن بخصال لا تخفى على ~~الناقد البصير، ويدري بمواقعها كل ألمعي نحرير. PageV01P128 # المقدمة الأولى: في بيان ماهية الحكم وصحة نقل الأسماء # اعلم أنه يتعذر أنا نتكلم في الأحكام الشرعية، كالقبح والحسن والوجوب ~~والندب والإباحة والكراهة، وتحصيلها بأدلتها الشرعية، ولم نفهم ماهية الحكم ~~وحقيقته؛ لأن الكلام على ثبوت الشيء ووجوده، فرع على الكلام على تصور ~~ماهيته وبيان معناه. ويتعذر أن نتكلم في أن الصلاة مقولة على هذه الأفعال ~~وغيرها من الأسماء الشرعية، ms100 ولم نقدم صحة نقل الأسماء، فهذان(¬1) مطلبان ~~تشتمل عليهما هذه المقدمة. والعجب من نظار الفقهاء حيث تكلموا على هذه ~~الأحكام ولم يظهروا هذه الأسرار، ولا أبرزوا خفاياها مع شدة الحاجة إليها. # المطلب الأول: في بيان ماهية الحكم ومعناه. # والذي ذهب إليه نظار الأشعرية(¬2) والمحققون منهم، كالجويني (¬3) ~~والغزالي (¬4) وابن الخطيب الرازي (¬5) أن المرجع لما(¬6) ذكرناه من هذه ~~الأحكام ليس إلا مجرد إيصال الخطاب بالفعل من غير أمر وراء هذا. PageV01P130 # فالقبيح عندهم: ما قيل فيه: لا تفعلوه. # والواجب: ما قيل فيه: افعلوه، وحرام تركه. # والمندوب: ما قيل فيه: افعلوه، ولا حرج في تركه. # والمباح: ما قيل فيه: لا حرج عليكم في فعله ولا تركه. # والمكروه: ما قيل فيه: اتركوه، ولا حرج في فعله. # فهذه هي ماهية الحكم عندهم، ونفس معقوله من غير أمر وراءه(¬1). # والذي عليه الجماهير من المعتزلة من أصحاب الشيخ (¬2) وعليه علماء ~~الزيدية، أن هذه الأحكام أمور إضافية زائدة على ذات الأفعال، تتصف لها لأجل ~~وقوعها على أوجه مخصوصة. # فقبح الظلم والكذب حكمان زائدان على هذين الفعلين مؤثران عن وقوع الفعل ~~على صفة الظلمية والكذبية، وهكذا وجوب الصلاة والزكاة، فهي أمور إضافية إلى ~~هذه الأفعال زائدة عليها، وهكذا غيرها من سائر الأحكام. # وذهب الشيخان أبو الحسين (¬3) ومحمود الخوارزمي (¬4) إلى أن هذه الأحكام ~~ليست أمرا زائدا على ذات الأفعال على حد ما يقوله الشيوخ من أصحاب أبي هاشم PageV01P131 فالحسن عندهما: ليس إلا أنه لا حرج على فاعله في فعله. # والقبيح: أمر يستحق عليه الذم. فقبح الظلم: ليس إلا أنه يستحق عليه الذم. # وحسن التفضل: ليس إلا أنه لا حرج على فاعله. # ووجوب شكر المنعم: ليس إلا أنه يستحق الذم(¬1) بتركه، وهكذا القول في ~~سائر الأحكام كلها. # والمختار عندنا: ما عول عليه الشيخان: أبو الحسين والخوارزمي من المعتزلة (¬2). # ويدل على ما اخترناه: هو أن هذه الأحكام في الحقيقة راجعة إلى أمور سلبية ~~والسلب نفي، والنفي لا يكون أمرا ثبوتيا، فضلا عن أن يكون صفة زائدة على ~~الفعل، وحكما راجعا إليه. # وبيان ذلك: ms101 أن المرجع بالحسن ليس إلا أنه لا حرج على من فعله كالأكل ~~والشرب. # والمرجع بالقبح: هو أنه يحسن ذم فاعله ولا حرج على من ذمه عليه. # ويرجع بالوجوب على أنه لا حرج على من ذم تاركه. # وترجع حقيقة الندب: إلى أنه يحسن فعله ولا حرج على تاركه. # والمكروه: راجع إلى أنه لا يستحق تاركه ولا فاعله مدحا. # والمباح: لا حرج على من فعله أيضا ولا على من تركه. # فإذا كانت هذه الأحكام راجعة إلى ما ذكرناه من هذه السلوب(¬3) فلا وجه ~~لجعلها أمورا ثبوتية وصفات راجعة إلى هذه الأفعال، وإنما تكون مزايا ~~وإضافات تختص بالأفعال من غير أن يكون هناك وصف زائد على الفعل يختص به ~~زائدا على ذاته لما أشرنا إليه. PageV01P132 # فإذا تقرر أن الحكم المرجع به إلى ما ذكرناه، فالذي عليه أئمة الزيدية ~~والجماهير من المعتزلة البصرية والبغدادية، أن هذه الأحكام منقسمة إلى ما ~~يستقل العقل بدركه، وإلى ما لا يستقل العقل بدركه. # فالذي يستقل به العقل ينقسم أيضا إلى ما يكون معلوما بالضرورة، فلا يفتقر ~~إلى نظر وتفكر، وهذا هو نحو قبح الظلم والعبث، ونحو وجوب شكر المنعم وحسن ~~الإنصاف، وغير ذلك من الأحكام التي تعلم ضرورة من جهة العقل. # وإلى: ما يكون معلوما بنظر العقل وتفكره، وهذا نحو قبح الكذب النافع، ~~وحسن الصدق الضار، فإن ما هذا حاله يحتاج إلى تأمل وفكر، فإن هذا الكذب ~~يكون قبيحا مع كونه نافعا؛ لأن الوجه في قبحه كونه كذبا، سواء كان معه نفع ~~أو لم يكن، وهكذا القول في حسن الصدق الضار، فإن الوجه في حسنه ليس إلا ~~كونه صدقا، سواء كان ضارا، أو لم يكن ضارا. فلا بد من تقرير البرهان على ما ~~ذكرناه من حسن هذا وقبح ذاك، والرد لهما إلى الأصل في قبح أحدهما وحسن الآخر. # وأما الذي لا يستقل العقل بدركه: فهو سائر المقبحات والمحسنات الشرعية، ~~فقبح الزنا والربا وشرب المسكر قبيح من جهة الشرع لا مجال للعقل فيه بحال، ~~وحسن الصلاة والصوم والحج معلوم ms102 من الشرع لا تصرف للعقل فيه، ولا له هداية ~~إليه، بل هو تحكم جامد للشرع لا يهتدي العقل إلى تفاصيل هذه المحسنات ~~والمقبحات الشرعية. # والذي عليه محققو الأشعرية وجميع فرق المجبرة(¬1): أن الأحكام كلها ~~شرعية، وأنه لا مجال للعقل في تقريرها وإثباتها، لا بضرورته ولا بنظره، ~~وإنما مستندها الأدلة الخطابية، والأمور النقلية قطعيها وظنيها، وزعموا أنه ~~لا حكم للعقل أصلا، وإنما التصرف كله للشرع. # والمختار عندنا: ما عول عليه أصحابنا والمعتزلة. # ويدل على ما اخترناه: هو أن هذه الأحكام لو كانت شرعية لكان لا يعلمها ~~إلا من علم طريقها، PageV01P133 ونحن نعلم قطعا أن منكري النبوات والشرائع قاطعون بصحة هذه الأحكام من ~~استحسان الصدق، وتقبيح الكذب والظلم، ونعلم بالضرورة كونهم عالمين بها ولو ~~كان مستندها النقل لانسد عليهم العلم بها. # وفيما ذكرناه كفاية على التنبيه في تحسين العقل وتقبيحه، وهو المقدار ~~اللائق بالكتب الفقهية. وقد أودعنا الكتب العقلية ما فيه كفاية، ورددنا على ~~الشيخ أبي حامد الغزالي وغيره من نظار الأشعرية، وكشفنا عن غلطاته والحمد ~~لله تعالى. # المطلب الثاني: في صحة نقل الأسماء من اللغة إلى الشرع. # واعلم أنه لا خلاف بين أهل القبلة من علماء الأمة في جواز ذلك وصحته، وما ~~يحكى عن الصيمري (¬1) من أن دلالة اللفظ على معناه لذاته، فلا يصح نقله، ~~فلا يلتفت إليه لضعفه؛ لأن حقيقته آيلة إلى تغير الدواعي وهو تابع ~~للاختيار، سواء قلنا: إن إفادة الألفاظ لمعانيها بالتوقيف أو بالمواضعة، ~~فلا مانع من مثل هذا، ولا حرج من جهة العقل أن يختار مختار نقل اسم من ~~معناه إلى معنى آخر لغرض من الأغراض، وإنما الخلاف في وقوعه سمعا. وقد وقع ~~فيه تردد ونزاع بين العلماء. # فالذي ذهب إليه أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة أن في الشرع أسماء ~~منقولة عن معانيها اللغوية إلى معان أخر قد وقعت المواضعة الشرعية، وصار ~~نقلها تاما، حتى صارت معانيها اللغوية نسيا منسيا لا تفهم منها بحال، ثم ~~تنقسم إلى أسماء شرعية، نحو الصلاة والزكاة والحج والصوم .. وغير ذلك من ms103 ~~الأسماء المفيدة لمعان شرعية. وإلى دينية، نحو قولنا: مؤمن، كافر، فاسق، ~~منافق. ونعني بكونها دينية هو أنها قد صارت تفيد مدحا وذما بتصرف الشرع ونقله. # وحكي عن بعض فرق المرجئة(¬2): أنها باقية على معانيها اللغوية من غير أن ~~يكون للشرع تصرف فيها بحال، وعلى هذا قالوا: بأن الفاسق مؤمن لكونه مصدقا ~~بالله ورسله، وإلى هذا ذهب بعض PageV01P134 النظار من الأشعرية، كما هو محكي عن أبي بكر الباقلاني (¬1). # وحكي عن الشيخ أبي حامد الغزالي أنه قال: لا سبيل إلى إنكار تصرف الشرع ~~في هذه الأسماء، ولا سبيل إلى دعوى كونها منقولة عن معانيها اللغوية ~~بالكلية. وحاصل هذه المقالة أنها دالة على معانيها اللغوية مع اشتراط أمور ~~من جهة الشرع، كالصلاة مثلا، فإنها كما هي دالة على الدعاء بوضعها اللغوي، ~~فهي دالة على هذه الأفعال من الركوع والسجود والأذكار وسائر معانيها. وحكي ~~عن ابن الخطيب الرازي من الأشعرية: أنها دالة على هذه المعاني الشرعية من ~~جهة المجاز، وعلى معانيها اللغوية على جهة الحقيقة. وحاصل هذه المقالة أنها ~~دالة على المعنيين جميعا: أحدهما بطريق الحقيقة، والآخر من طريق المجاز. ~~والتفرقة بين مذهبه ومذهب الغزالي، أن الغزالي يقول: بأنها مفيدة للمعنيين ~~جميعا على جهة الحقيقة ولا مجاز فيها، بخلاف مقالة ابن الخطيب كما ترى. # والمختار عندنا: تفصيل نشير إلى أسراره وهو: أن هذه الأسماء وإن أفادت ~~معاني شرعية قد دلت عليها بتقرير الشارع عليها، لكنها دالة على معانيها ~~اللغوية، وغير خارجة عن كونها دالة عليها. # ويدل على ما اخترناه من ذلك: هو أن دلالتها على معانيها اللغوية هو ~~الأصل، فمن يدعي إخراجها عنها فهو مدع خلاف الأصل، فلابد من دلالة على ذلك. ~~فإذا دل الشرع على إفادتها لمعان شرعية فليس بينهما تعارض ولا تدافع، فيجب ~~القضاء بحصولهما جميعا، فتكون دلالة الصلاة على الدعاء بالوضع اللغوي، ~~وتكون دلالتها على هذه الأفعال المفترضة فيها بالاصطلاح الشرعي، ولا معنى ~~للاقتصار على معناها اللغوي كما هو رأي بعض فرق المرجئة، ولا وجه للاقتصار ~~على معناها الشرعي كما هو ms104 رأي أصحابنا والمعتزلة. # فأما من زعم أنها دالة على معناها اللغوي بطريق الحقيقة، وعلى معناها ~~الشرعي بطريق المجاز، فهو تحكم لا وجه له كما حكيناه عن ابن الخطيب الرازي؛ ~~لأن معناها الشرعي سابق إلى الفهم فلا وجه لعده في المجاز كما زعم، فلا غنى ~~للفقيه عن هذه المسألة، وقد اقتصرنا على ذكر الوجه المختار بدليله، وأعرضنا ~~عن ذكر أدلة المخالفين ونقضها؛ لأنها مترددة بين المباحث الكلامية والأسرار ~~الأصولية، فهي بمعزل عن المباحث الفقهية التي تصدينا لكشفها وبيانها والله ~~تعالى الموفق للصواب. PageV01P135 # المقدمة الثانية: في بيان المستند لنا في تقرير أحكام الشريعة التى قدمنا ذكرها # واعلم أن الذي نذكره في هذه المقدمة، هو الكلام في بيان الأصل في تقرير ~~هذه الأحكام الفقهية، وفي بيان التفرقة بين المسائل الأصولية والمسائل ~~الفقهية، فهذان فصلان تحتهما فوائد جمة لابد للخائض في المسائل الخلافية من ~~إحرازها. # الفصل الأول: في بيان عمدتنا في تقرير الأحكام الفقهية # والمعتمد في تقريرها هو الرسول وما يصدر عنه. # والصادر عنه: إما خطاب، أو مفهوم الخطاب، أو معقول الخطاب، أو استصحاب، ~~فهذه مراتب أربع لا يخلو مستندنا في الأحكام الشرعية عن واحدة منها، نذكر ~~ما توجه في كل واحدة منها بمعونة الله تعالى. # المرتبة الأولى: في تقرير الأدلة الخطابية: # ونعني بالخطاب: ما كان مأخوذا من لسان صاحب الشريعة، إما بنفسه كالكتاب ~~والسنة، أو ما يكون مستندا إليهما كالإجماع؛ فإنه وإن لم يكن من الخطاب، ~~لكنه معتمد على الكتاب والسنة في تقرير كونه حجة، فلهذا كان لاحقا بهما وإن ~~لم يكن خطابا. فهذه ضروب ثلاثة معتمدة في تقرير الأحكام. # الضرب الأول منها: أدلة الكتاب، ولا خلاف في كونه عمدة في تقريرها، ~~ودلالتنا عليها: إما من جهة النص، وإما من جهة الظهور، وإما من جهة ~~الإجمال، وقد أورد بعض الأصوليين دلالة العموم، وزادها على ما ذكرنا ولا ~~وجه له، فإن دلالة العموم إنما هي ظاهرة فهي مندرجة تحت الظاهر، فلا وجه ~~لإفرادها بالذكر من الظواهر. PageV01P137 # فأما النص: فهو اللفظ الذي لا يحتمل التأويل ms105 بحال قريبا كان أو بعيدا، وهذا ~~كقوله تعالى: {وإلهكم إله واحد} [البقرة: 163] وغير ذلك مما لا يحتمل سوى ~~معناه الموضوع من أجله. # وقد حكي عن بعض المتفقهة: إنكاره، وأنه لا يكاد يوجد، وأظنه أبا علي ~~الطبري (¬1) من أصحاب الشافعي، وهو فاسد(¬2)، فإنا لا نريد بالنص: ما كان ~~الاحتمال منتفيا عنه من جميع الوجوه، وإنما نريد به: ما لا يحتمل التأويل ~~في المعنى الذي هو صريح فيه. وقد تكون الآية الواحدة مشتملة على النص ~~والظاهر والمجمل. ومثاله قوله تعالى:{أقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة}(¬3).[البقرة:43، 83، 110] فإنهما نص في مطلق الطلب لما أمره به، ~~وهما ظاهران في الوجوب؛ لأنه يحتمل غيره، وهما مجملان في كيفية المأمور بها. # فما كان منصوصا عليه لا يجوز العدول عنه إلا بأمر ينسخه أو يعارضه. # وأما الظاهر: فهو ما كان محتملا لأمرين: أحدهما أسبق إلى الفهم من الآخر. # فما كان له ظاهر في اللغة فإنه يحمل على ظاهره إلا لدلالة، وهذا كقوله ~~تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}[ البقرة: 228]. فإنه ظاهر في ~~كل مطلقة لغة، لكنا أخرجنا الآيسة من الحيض لصغر أو كبر، والحامل والمرتدة. # وما كان ظاهرا بالشرع، فإنه يحمل على ظاهره شرعا إلا لدلالة، وهذا نحو ~~الصلاة، فإنها تحمل عند الإطلاق على ظاهرها الشرعي إلا لدلالة؛ لأنها صارت ~~ظاهرة في معناها الشرعي، فلا تصرف عنه إلا لأمر يقتضيه ويدل عليه، فلا تحمل ~~الصلاة على الدعاء إلا لدلالة خاصة، وهكذا القول في الصوم وغيره، تحمل على ~~معانيها الشرعية عند إطلاقها. # وأما المجمل: فهو الذي لا يفهم المراد من لفظه ويفتقر في البيان إلى ~~غيره. ثم هو على وجهين: # أحدهما: لا عرف فيه من جهة اللغة، ومثاله قوله تعالى:{وآتوا حقه يوم ~~حصاده}[الأنعام: 141]. لاعرف PageV01P138 فيه من جهة اللغة. فما(¬1) هذا حاله [فهو] مجمل لا يمكن الاحتجاج به؛ لأنه ~~لا يمكن فيه معرفة جنس الحق ولا قدره فلا يمكن العمل عليه إلا لدلالة موضحة ~~لقدره وجنسه وكيفية تأديته. # وثانيهما: أن يكون له عرف من جهة اللغة. وما هذا حاله يمكن العمل عليه ms106 ~~فيما كان متعارفا فيه. ومثاله قوله تعالى:{حرمت عليكم أمهاتكم}[ النساء: ~~23]. فإن ما هذا حاله يمكن العمل عليه؛ لأنه قد صار متعارفا في الاستمتاع ~~من كل الوجوه فيمكن امتثاله، ولا يكون مجملا لما ذكرناه، فهذه جملة أدلة ~~الكتاب التي تدل عليها. # فأما العموم فلا حاجة إلى إفراده بالذكر، لاندراجه تحت ما ذكرناه من ~~الظاهر؛ لأن دلالة العموم من جهة الظهور، ولا يكون نصا إلا في صورة قد ~~ذكرناها في الكتب الأصولية، وهو : إذا كانت الاحتمالات منسدة إلا احتمالا واحدا. # الضرب الثاني: أدلة السنة. ودلالتها على ما تدل عليه إما من جهة القول، ~~وإما من جهة الفعل، وإما من جهة التقرير. # أما القول: فهو نص وظاهر ومجمل كما ذكرناه في دلالة الكتاب. # فالنص: كقوله : (( في كل أربعين من الغنم شاة))(¬2). وكقوله : (( في أربع ~~وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة )) (¬3). فهذا وما أشبهه ~~نص في الحكم يجب المصير إليه ولا يجوز العدول عنه بتأويل؛ لأنه لا يحتمله ~~وإنما يجوز تغييره بناسخ أو معارض له. # والظاهر من السنة: فهو جميع الأوامر الشرعية، فإن ظاهرها دال على الوجوب ~~وليس نصا في الوجوب، كقوله عليه السلام لأسماء: (( حتيه ثم اقرصيه ثم ~~اغسليه بالماء))(¬4). وكقوله: (( إذا فضخت(¬5) الماء فاغتسل)). وهكذا جميع ~~المناهي الشرعية فإنها دالة بظاهرها على التحريم كقوله: (( لا يقرأ الجنب ~~ولا الحائض شيئا من القرآن)). مع احتماله لغيره. PageV01P139 # والمجمل: كقوله عليه السلام: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)). فما هذا حاله ~~مجمل لا يمكن الاحتجاج به إلا بدلالة توضح ما ذكره من الحق الذي استثناه. # وأما الفعل: فهو شرع لدلالة العصمة عليه(¬1)، ثم إما يرد مستقلا بنفسه، ~~وإما يرد بيانا لغيره. # فإن ورد على جهة الابتداء فإن لم يكن فيه قربة فهو دال على الجواز كالبيع ~~والشراء، والأكل والشرب؛ لأن أدنى درجاته الجواز، فأما الحظر فلا يجوز في ~~حقه لأجل العصمة. # وإن كان فيه قربة فقد وقع فيه ms107 تردد بين العلماء، فمنهم من حمله على ~~الوجوب، ومنهم من حمله على الندب، ومنهم من وقف في حاله وجوز الأمرين ~~جميعا. هذا كله إذا ورد على جهة الإبتداء والاستقلال. # وإن كان واردا على جهة البيان فحاله معتبر بالمبين في الوجوب والندب ~~والجواز عند قوم، ومنهم من قال بأنه إذا كان بيانا فهو واجب بكل حال، سواء ~~كان بيانا لواجب أو مندوب أو جائز؛ لأن البيان لا بد منه على كل حال وإلا ~~كان الخطاب لغوا لا فائدة فيه. # وأما التقرير: فهو على وجهين: # أحدهما: أن يرى رسول الله أمرا فيقر عليه، فما هذا حاله يكون جائزا؛ ~~لأنه لو كان قبيحا لم يجز أن يقره عليه، ومثاله: ما روي أن قيسا(¬2) صلى ~~ركعتين بعد الفجر، فقال : (( ما هاتان الركعتان))؟ فقال: هما ركعتا الفجر، ~~فلم ينكر عليه. # وثانيهما: أن يفعل بعهده لا بحضرته، فإن كان من الأمور الظاهرة التي لا ~~يخفى حالها، فيكون بمنزلة ما لو فعل بحضرته وسكت عليه؛ لأن الغرض هو علمه ~~به وتقريره عليه، وإن كان مما يجوز أن يخفى، لم يدل على جوازه، ومثاله: ما ~~روي عن بعض الصحابة أنهم قالوا: كنا نجامع ونكسل. [والإكسال: هو الإيلاج من ~~غير إنزال]. على عهد رسول الله ولا نغتسل. فما هذا حاله [فهو]مما لا PageV01P140 يجوز الاحتجاج به؛ لأنه من الأمور الخفية، ويجوز أن يكون الرسول لم يشعر ~~به، ولهذا لم يعمل به الصحابة ولم يرجعوا إليه. # فهذه وجوه أدلة الكتاب والسنة. # الضرب الثالث: دلالة الإجماع، وهو في دلالته على وجهين: # أحدهما: أن يكون إجماعا عاما، وهذا نحو إجماع الأمة كافة على وجوب الصلاة ~~والزكاة والصوم والحج، فما هذا حاله يجب المصير إليه والعمل به، ومن خالف ~~ذلك مع العلم به فإنه يحكم بكفره؛ لأن ذلك معلوم بالضرورة من دين صاحب ~~الشريعة صلوا ت الله عليه فمخالفه يجب الحكم بردته وخروجه عن الدين. # وثانيهما: إجماع خاص، وهو إجماع الأمة، أو العترة على حكم الحادثة، فما ~~هذا حاله يجب العمل به والمصير إليه ms108 عندنا. # فأما إجماع الأمة فمتى حصل على حكم من الأحكام فإنها تحرم مخالفته؛ لكونه ~~قاطعا ويفسق المخالف له لما في ظاهر الآية من الوعيد على من خالفه(¬1). ~~وأدنى الدرجات في الوعيد الفسق، ويحرم وقوع الاجتهاد على مخالفة حكمه من ~~جهة أن الاجتهاد على مخالفة المقطوع ممنوع، كما لو اجتهد على مخالفة النص ~~كان فاسدا فهكذا هاهنا. # وأما إجماع العترة فهو حق وصواب لظاهر الآية والخبر(¬2) ولا يفسق من ~~خالفه لعدم الدلالة على فسقه. والفسق إنما يكون بدلالة قاطعة شرعية، وليس ~~في ظاهر الآية والخبر ما يدل على فسق من خالفه(¬3). # وهل يكون قاطعا فيما تناوله أم لا؟ فيه نظر وتردد، والأقرب أن دلالته ~~ظنية كالظواهر القرآنية ونصوص السنة المنقولة بالآحاد، وكالإجماعات من جهة ~~الأمة التي نقلت على طريق الآحاد لما في ظاهر الآية والخبر - الدالين على ~~كونه حجة - من الاحتمال، وإذا كان مظنونا جاز مخالفته بالاجتهاد، PageV01P141 ولهذا فإنك ترى كثيرا من المسائل التي وقع فيها إجماع العترة، الخلاف من ~~جهة الفقهاء فيها ظاهر، والاجتهاد فيها مضطرب من غير نكير هنا في المخالفة ~~ولا تأثيم للمخالف ولا تحريج عليه، ولو كان إجماعهم قاطعا لحرم الاجتهاد ~~ولكان الخطأ مقطوعا به. وفي هذا دلالة على كونه ظنيا وأنه لا يحرم ~~الاجتهاد. # وهذا ما أردنا ذكره في تقرير أدلة الخطاب من الكتاب والسنة والإجماع. # المرتبة الثانية: في بيان دلالة المفهوم من الخطاب # وهو أن يكون الحكم مستفادا من غير ظاهر اللفظ وصريحه، فما كان على هذه ~~الصفة فهو في لسان الأصوليين يقال له: المفهوم. ثم إنه يأتي على ثلاثة أضرب: # الضرب الأول منها: فحوى الخطاب. # وحقيقة هذا الضرب آيلة إلى أن المسكوت (عنه) يكون أقرب إلى الفهم من ~~المنطوق به، ودلالة اللفظ عليه من جهة التنبيه، ومثاله قوله تعالى في حق ~~الوالدين: {فلا تقل لهما أف}[الإسراء: 23]. فنص بتصريح اللفظ على المنع من ~~التأفيف، ونبه بطريق الفحوى على منع الضرب والشتم وسائر الإيذاء من طريق ~~الأولى، ومثله قوله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه ms109 بقنطار يؤده إليك ~~ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك}[آل عمران: 75]. فنص على القنطار ~~ونبه به على ما دونه من جهة الأحق والأولى، ونص على الدينار ونبه على ما ~~فوقه بطريقة الأولى. وكقوله عليه السلام: (( لا تضحوا بالعوراء ولا ~~بالعرجاء)) فنص على العور والعرج، ونبه بذلك على ما فوقه من العمى وقطع ~~الرجلين من طريق الأولى، فما هذا حاله (فهو يفهم) عند الخطاب لا من جهة ~~الخطاب وصيغة لفظه.. ثم تردد الأصوليون، فمنهم من قال: إن المنع من الضرب ~~مستفاد من جهة عرف اللغة، ومنهم من زعم أنه مفهوم من جهة معنى اللفظ ~~وفحواه، وهل يسمى قياسا أم لا؟ فمنهم من جوز ذلك ومنهم من منعه، وحكي عن ~~الشافعي أنه سماه: القياس الجلي. # والمختار عندنا: أن هذه المعاني كلها مفهومة من جهة فحوى اللفظ لا من جهة ~~صيغته؛ لأنه ليس هناك صيغة تدل عليها، وفي هذا دلالة على ما قلناه من أخذها ~~من جهة المعنى دون اللفظ، وأن ما هذا حاله يسمى قياسا أيضا؛ لأن حقيقة ~~القياس، فهم المسكوت (عنه) من شيء منطوق به، وهذا ها هنا حاصل على هذه ~~الصفة، ولا يضر في تسميته قياسا كونه مفهوما بطريق الأحق من المنطوق به؛ ~~لأن في بعض الأقيسة ما يكون جليا وبعضها يكون غامضا، فلا يمنع كونه جليا ~~سابقا إلى الفهم من تسميته PageV01P142 قياسا. والله أعلم. # الضرب الثاني منها: لحن الخطاب، وهو المضمر الذي لا يتم ويكون مفيدا إلا ~~به، ومثاله قوله تعالى: {أن اضرب بعصاك البحر فانفلق}(¬1)[ الشعراء: 63]. ~~ومعناه: فضرب فانفلق. فحذف قوله: فضرب لدلالة الكلام عليه من جهة لحنه. ~~ومنه قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر}[ ~~البقرة: 184]. والمعنى: فيه فأفطر. فحذفه لما كان الكلام لا يكون تاما إلا ~~بتقديره، وهذا من باب حذف المسبب لدلالة السبب عليه، ولهذا جاءت الفاء ~~منبهة على المسببية. ومنه حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكثيرا ما ~~يقع في الكلام الفصيح كقوله تعالى: {واسأل القرية}(¬2)[يوسف:82]. المراد: ms110 ~~أهل القرية؛ لأن القرية يتعذر سؤالها وخطابها، فلو لم يقدر المضاف لم يكن ~~للكلام فائدة ولا أفاد معنى ولهذا كان تقديره واجبا، هذا كله إذا كان غير ~~تام(¬3) من دون تقديره وجب تقديره، فأما إذا كان الكلام يتم من دون إضماره ~~فلا وجه لإضماره، وهذا كقوله تعالى: {قال من يحيي العظام وهي رميم}[يس:78]. ~~فلا يجوز أن نقول: المراد منه أهل العظام إلا بدلالة منفصلة من جهة أن ~~الكلام مستقل فصيح من دون إضمار، فلا حاجة إلى الإضمار من غير دلالة تدل عليه. # الضرب الثالث: دليل الخطاب، وهو أن يكون معلقا على شيء مذكور فيدل ذلك ~~على انتفائه عما عداه، وقد يكون الحكم معلقا إما على الصفة كقوله عليه ~~السلام: (( في سائمة الغنم زكاة )). فدل ذلك على نفيها عن المعلوفة. وإما ~~على العدد كقوله : (( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا )). فدل ذلك على ~~أنه إذا كان الماء دونهما فإنه يحمل الخبث، وإما على جهة الشرط كقوله ~~تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن}[الطلاق: 6]. فدل ~~ذلك على أن من كانت خلوا عن الولد فلا نفقة لها إذا طلقت. وبين الأصوليين ~~نزاع فيما هذا حاله، فحكي عن أبي العباس بن سريج أن تعليق الحكم بأحد ~~الوضعين لا يدل على انتفاء الحكم فيما عداه. وهو محكي عن أصحاب أبي حنيفة ~~(¬4). ومن PageV01P143 أصحاب الشافعي (¬1) من زعم: أن الحكم المعلق على الاسم دال على نفي ما ~~عداه، والأكثر منهم على أنه غير دال. # والمختار عندنا: أن دلالة المفهوم مختلفة وأعلاها الشرط والغاية، فهذان ~~يدلان على نفي الحكم عما عداهما وأدناه الاسم واللقب، فإنهما غير دالين على ~~نفي الحكم عما عداهما، والمتوسط بينهما هو الصفة، فكل هذه درجات المفهوم ~~بعضها أقوى من بعض كما أشرنا إليه، وكلها مأخوذة من مفهوم اللفظ دون لفظه ~~وصريحه، وهذه الدرجات قد أشرنا إلى تفاوتها وحصرها في الكتب الأصولية بحمد الله. # المرتبة الثالثة: في بيان دلالة المعقول، وهو القياس في أنواعه وضروبه. # وهو تحصيل مثل حكم الشيء أو ms111 نقيضه في غير محله باعتبار تعليل غيره، فهذه ~~الماهية جامعة لجميع أطراف القياس كله لا يشذ منها شيء، وقد أقر بكونه ~~طريقا من طرق أحكام الشريعة، كل محصل من علماء الأمة ، وإنما يحكى الخلاف ~~فيه عن شذوذ وطوائف من الأمة لا عبرة بهم، جمدوا على الظواهر الشرعية ~~والنصوص النقلية، وأعرضوا عن محاسن الشريعة وأسرارها المأخوذة من القواعد ~~القياسية، وقد رددنا مقالتهم في الكتب الأصولية وأفسدنا ما جاءوا به والحمد لله. # وجملة ما يكون معتمدا عليه في تقرير الأحكام الشرعية من الأقيسة، ضروب ~~خمسة نفصلها ونشير إليها على جهة الإجمال: # الضرب الأول منها: قياس الطرد، وهو في لسان الأصوليين مقول على تحصيل، ~~مثل: حكم الشيء في غيره بجامع غير مخيل ولا مشتمل على مخيل، وما هذا حاله ~~فهل يكون معتمدا في تقرير الأحكام الشرعية أم لا؟ فأكثر أهل التحقيق من ~~الفقهاء والأصوليين على منعه، ورده على ترك استعماله في الجدل والنظر، ومن ~~الفقهاء من قبله، واستعمله في تقرير الأحكام الشرعية، وهذا شيء يحكى عن بعض ~~أصحاب أبي حنيفة، ومنهم من رده في النظر واستعمله في الجدل، وهو المحكي عن ~~أبي الحسن PageV01P144 الكرخي (¬1). # والمختار عندنا: رده، وأنه لا يعول عليه في إثبات شيء من الأحكام ~~الشرعية، وإنما يعول في تقريرها على المعاني المخيلة والأقيسة الشبهية، ~~فأما الأقيسة الطردية فقد أنكرها المحققون ولم يعولوا عليها، ومثاله ما ~~قاله أصحابنا والحنفية في التكرير في مسح الرأس أصل يؤدى بالماء، فيكون ~~التكرار فيه مشروعا قياسا على سائر الأعضاء، ونحو قول الشافعي في عدم ~~تكريره: مسح فلا يسن بثلاث كالمسح على الخفين. فما هذا حاله من الأقيسة ~~الطردية التي لا يلوح فيها تخايل المعاني، ولا يرشد إليها خائض الأشباه، ~~وكمن تعلل أن النجاسة لا تزال بغير الماء كاللبن تعويلا على قوله: مائع لا ~~يبنى القطرة على حسه فلا تزال النجاسة به كالدهن. # الضرب الثاني: قياس العكس، وهو: تحصيل نقيض حكم الشيء باعتبار تعليل ~~غيره، وهو معتمد في تقرير الأحكام الشرعية، وهو عند التحقيق راجع إلى قياس ms112 ~~الدلالة، ومثاله ما قال أصحابنا والحنفية في شرطية الصوم في الاعتكاف: لو ~~لم يكن الصوم من شرط الاعتكاف لما كان من شرطه وإن نذر، قياسا على الصلاة ~~فإنه كما لم يكن من شرطها لم يكن من شرطها وإن نذر، وحاصل الأمر فيه أنا ~~أخذنا وجوب شرط الصوم في الاعتكاف من عدم اشتراطه في الصلاة باعتبار ما ~~ذكرناه من التعليل، والغرض من ذكره هو الإشارة إلى أنه معتمد في تقرير ~~الأحكام الشرعية، وأنه من جملة المضطربات الاجتهادية، وأما تقرير كونه حجة ~~على منكريه فموضعه أصول الفقه (¬2). # الضرب الثالث: قياس المعنى. وحاصله: التعويل في المعاني المختلفة ~~والأوصاف المناسبة للحكم، وهو مشتمل على أصل وفرع وعلة وحكم، ولن يكون ~~معدودا في المعاني إلا إذا كان الوصف الجامع بين الفرع والأصل مخيلا ووصفيا ~~مناسبا، ومثاله ما قاله أصحابنا والفقهاء، هو: أن العلة في قطع يد السارق، ~~كونه أخذ مال من حرز على جهة الخفية، وهذا حاصل في النباش للقبور فيجب قطع ~~يده إذا كان الكفن نصابا. ومثال آخر، وهو: أن العلة في ضمان الأعيان بالغصب ~~إنما هو إثبات يد عادية، وهذا حاصل في المنافع فيجب ضمانها بالغصب أيضا. ~~فهذان المثالان خاصان للقياس المعنوي، وأكثر PageV01P145 الأقيسة الجارية في المعاوضات جارية على نعت الإخالة وحاصلة على المناسبة، ~~وهكذا القول في الإجارات والشفعة والمغارسة والمساقاة تجري على جهة ~~الإخالة، والله أعلم. # الضرب الرابع: قياس الشبه، وحقيقته آيلة إلى التعويل على الأوصاف ~~الشبهية، وقد عمل أكثر القياسيين به، وإنما أنكره أقوام حذرا من الطرد، ~~فإنهم لما ردوا الطرد لقبحه توهموا أن الشبه في معناه، وليس الأمر كما ~~ظنوه، وهو مشتمل على الأصل والفرع والعلة والحكم بجامع غير مخيل، ومثاله ما ~~قاله أصحابنا والشافعي في إيجاب النية في الوضوء أخذا له من التيمم: طهارة ~~حكمية فيجب فيها اشتراط النية كالتيمم. # فقولنا: حكمية. نحترز به عن طهارة النجاسة فإنها عينية. # فقولنا: طهارة حكمية. علة شبهية ليس فيها شيء من الإخالة وإنما هو تعويل ~~على أخص الأشباه، وأقربها إلى المعاني وأكثرها ms113 ملائمة للحكم، فكلما ازداد ~~الوصف خصوصية فهو أقوى ما يكون من الأشباه، وكلما بعد عن الإخالة فهو أضعف ~~ما يكون من الأشباه، فما قوي منها فهو لاحق بالمعاني المخيلة فيجب قبوله، ~~وكل ما ضعف منها فهو لاحق بالطرد فيجب رده. # الضرب الخامس: قياس الدلالة، وهو من جملة الأقيسة المعول عليها في اقتباس ~~الأحكام الشرعية، وحاصله: الاستدلال على الشيء بخاصيته ونتيجته ونظيره. ~~فالخاصية مثل: استدلال أصحابنا والشافعي على كون الوتر غير واجب، بأنها ~~صلاة تؤدى على الراحلة، فلو كانت فرضا لما جاز أداؤها على الراحلة كسائر ~~الفرائض، خلافا لأبي حنيفة وأصحابه حيث زعم أنها واجبة. وأما النظير ~~فكقولنا: من صح طلاقه صح ظهاره، استدلالا من الشافعي على صحة الظهار من ~~الذمي، خلافا لما ذهب إليه أصحابنا وأبو حنيفة وأصحابه، فالظهار والطلاق ~~نظيران في تعلقهما بالزوجة وكونهما يتعلقان بالأقوال، فإذا صح أحدهما صح ~~الآخر. وأما النتيجة فكما يقول الشافعي في البيع الفاسد في حق الجارية: فلو ~~كان منعقدا لجاز وطؤها، فلما لم يجز وطؤها دل على كونه غير منعقد؛ لأن حل ~~الاستمتاع من نتائج العقد، وقد تعذر وطؤها فدل على بطلانه. # فهذا ما أردنا ذكره في دلالة ما عقل من الخطاب على الأحكام الشرعية. # المرتبة الرابعة: في بيان دلالة الاستصحاب. # وهو عمدة في تقرير حكم الحادثة إذا عدم المغير الشرعي، وهو آخر قدم يخطو ~~به المجتهد إذا عدم PageV01P146 مسلكا شرعيا استصحب البراءة الأصلية وحكم بها، وأكثر العلماء على اتباعه ~~وجعله حجة، وزعم قوم أنه لا يكون حجة وإنما هو صالح للترجيح. # والمختار: ما ذكرناه وعليه أكثر الأصوليين من الزيدية(¬1) والمعتزلة ~~والأشعرية. ثم هو على وجهين: # أحدهما: أن يكون الحال عقليا، فيستصحبه المجتهد، وذلك أن الأصل هو ~~البراءة العقلية عن كل ما كان يشغلها من جميع الإلزامات في الضمانات وغيرها ~~من العبادات، وفراغ الذمة معلوم عقلا، وطريق شغلها إنما يكون من جهة الشرع، ~~وقد طلبت المسالك الشرعية فلم أجد شيئا، فلا جرم حكمت بفراغها. وعلى هذه ~~القاعدة حكمنا بصلاة سادسة، فهذا مسلك صحيح ms114 لا عثار عليه، والاستدلال به جائز. # وثانيهما: أن يكون الحال شرعيا، فيجب استصحابه حتى يرد ما يغيره وينقله ~~عما كان عليه، وهذا نحو استصحاب العموم حتى يرد مخصص، ونحو استصحاب العقود ~~الثابتة حتى يرد ما ينقضها ويبطلها، ومثل استصحاب شغل الذمة بالإتلاف حتى ~~يرد ما يزيله ويبطله من الغرامات المالية، إلى غير ذلك من الاستصحابات ~~الصحيحة الثابتة المستقرة. # فأما استصحاب الإجماع في موضع الخلاف ونحو استصحاب النص بعد ورود ما ~~ينسخه، فهو خطأ لا وجه له ولا تعويل عليه؛ لأن ما هذا حاله يكون استصحابا ~~للدليل بعد بطلانه؛ لأن الإجماع يرفعه الخلاف، والنص يرفعه ناسخه فلا معنى ~~لاستصحابهما على جهة الإجمال، وقد فصلنا هذه القواعد وأتينا فيها على الغرض ~~الشافي وأودعناه الكتب الأصولية، وما ذكرناه هاهنا فهو كاف للفقيه المجرد، ~~فأما الأصولي ففي فهمه أكثر من ذلك. # الفصل الثاني: في بيان التفرقة بين المسائل الأصولية والمسائل الفقهية ~~والميز بينها # اعلم أن هذا الفصل ينبغي الاهتمام بحاله والاعتناء بإيضاحه، لما يشتمل ~~عليه من الفوائد PageV01P147 الغزيرة، والنكت الكثيرة. وجملة الأمر أن المسائل منقسمة بالإضافة إلى ما ~~يتعلق بأمور الديانة إلى عقلية ونقلية. # فأما العقلية: فهي ما كان متعلقا بالعقائد الإلهية، نحو العلم بالذات ~~وصفاتها وأحوال الحكمة والوعيد وأحوال المعاد وغير ذلك، وما هذا حاله فالحق ~~فيه واحد والتعبد فيها بالعلم القاطع وما عداه خطأ وجهل، وقد قررناه في ~~الكتب الكلامية. # وأما النقلية: فهي ما كان متعلقا بالسمع لا مجال للعقل فيه. ثم هي منقسمة ~~بالإضافة إلى قطعية وظنية. # فما كان مقطوعا به منها فهي المسائل الأصولية القطعية. # وما كان غير مقطوع به فهي المسائل الظنية الاجتهادية. والمعيار الصادق ~~والفصل الفارق بين ما يكون مقطوعا به فيكون من فن الأصول، وبين ما يكون ~~ظنيا فيكون من الفقه. فما كان المعتمد في تقريره وإثباته مسلك قاطع، إما نص ~~الكتاب وإما نص السنة المتواترة أو الإجماع المقطوع المتواتر أو تصرف العقل ~~وحكمه، فهو قاطع وما هذا حاله فهو لاحق بالمسائل الأصولية والحق فيه واحد، ~~وما ms115 عداه محكوم عليه بالخطأ؛ لأن العلم ونقيضه لا يكونان صوابا، بل لا بد ~~من أن يكون أحدهما خطأ وجهلا، وما كان من المسائل مستند إثباته وتقريره ~~مسلك ظني نحو ظاهر الكتاب أو نص السنة الآحادية أو ظاهر نصها المتواتر، أو ~~إجماع منقول بالآحاد أو غير ذلك من المسالك المظنونة، فهو لاحق بالمسائل ~~الظنية الاجتهادية، ولهذا فإن القياس وخبر الواحد وأن الأمر للوجوب والنهي ~~للتحريم كلها معدودة من المسائل الأصوليةح لأن المستند في تقريرها هو ~~الإجماع القاطع والنصوص الواردة الشرعية على إثباتها، ولم تستند إلى مسلك ~~ظني، وعلى هذا يكون ما يكون مستندا إلى الأخبار الآحادية، نحو مسائل ~~الصلاة، وأحوال العبادات والمعاملات من البيع والشراء والإجارات وغير ذلك ~~من المسائل الشرعية، كلها تكون ظنية اجتهادية، ومن ثم قضينا بأن في اللغة ~~لفظة موضوعة للعموم ولوقوع الاشتراك في اللغة بكونها أصولية لما كان ~~مستندها دليلا قاطعا وهو الإجماع، فيكون الحق فيها واحدا، وما لا قاطع فيه ~~فهو من فن الاجتهاد والكل فيه مصيب كما سنوضحه بعد هذا ونفرد له كلاما يخصه. # وإن وقع الإجماع على مسألة من مسائل التحليل والتحريم وإن لم تعد من ~~المسائل الأصولية، نحو جواز الصلاة في الثوب الواحد، فإنه يكون قاطعا ولا ~~يعد من المسائل الاجتهادية لإسناده إلى الإجماع PageV01P148 القاطع. فتنخل من مجموع ما ذكرناه أن الحكم الاجتهادي هو ما كان مستندا إلى ~~مسلك ظني من المسائل الشرعية، فإذا أراد الناظر الوقوف على حقيقة التفرقة ~~وإدراك ما هيتها فليمتحن المسائل النقلية بنظره، فإن وجد هناك مسلكا قاطعا ~~عرف أنه ليس مجتهدا فيها بحال، وأنها ترده عن الاجتهاد مقطوعاتها، وأن ~~الخطأ في خلافها، سواء كان ذلك المسلك عقليا أو نقليا أو غير ذلك من ~~القواطع المفردة أو المركبة. فإذا تقرر فيها مسلك قاطع فإن كانت متعلقة ~~بالأصول فهي من مسائله، وإن كانت من المسائل العملية فهي قاطعة بكل حال، ~~وإن لم يجد فيها مسلكا قاطعا فهي من المسائل الاجتهادية التي لاحق فيها ~~معينا، فأكثر المسائل الخلافية مجتهد فيها ولا ms116 يمكن حصرها ولا ضبطها. وما ~~كان منها قاطعا، فهو محصور يؤثر في أمكنة معدودة، والمسائل الأصولية كلها ~~قاطعة لاستنادها إلى مسالك في تقريرها قاطعة، ولهذا فإنك ترى خوض من خاض ~~فيها من الأصوليين خوض قاطع، بأن الحق في جانبه وما عداه خطأ، كما كان ~~خوضهم في المسائل الدينية عقليها ونقليها من غير تفرقة بينها في ذلك. ~~ولنقتصر على هذا القدر في التفرقة بين ما ذكرناه ففيه كفاية للفقيه، وما ~~عدا ذلك نحيله على الكتب الأصولية. PageV01P149 # المقدمة الثالثة: في تصويب الآراء في المسائل الخلافية والأنظار الاجتهادية # واعلم أن هذه المقدمة لابد للفقية الخالي من علم الأصول من إحرازها ~~والإحاطة بها لأوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأن يعلم فضل هذا الرسول ، على غيره من الأنبياء بما خصه الله ~~تعالى بمالم يخص به غيره من الرسل، وفضل هذه الشريعة على غيرها من سائر ~~الشرائع المتقدمة باتساع طرقها وامتداد أطرافها، وفضل هذه الأمة على غيرها ~~من الأمم السابقة بأن جعلهم حاكمين في كل حادثة بأنظارهم الثاقبة، وفاصلين ~~في كل قضية بمواد فكرهم الصائبة. # وأما ثانيا: فلئلا (¬1) يستوحش الناظر لما يرى من كثرة الخلاف في كل ~~مسألة من المسائل الاجتهادية، فإذا تحقق أنها كلها صائبة هان عليه الأمر ~~ولم يعظم عليه الخطب فيبقى في حيرة من أمره، فإذا عرف أنها كلها على الحق ~~زال عنه الخوف وزاح عنه الطيش والفشل. # وأما ثالثا: فلئلا يستعجل إلى تخطئة من يخالفه في المسالك، فيحكم له بخطأ ~~أو بهلاك من غير بصيرة، ومع إدراك هذه الخصلة أعني معرفة التصويب لا يستعجل ~~بهلاك من يخالفه، وكيف يقع الهلاك والآراء كلها صائبة وكلها حق وصواب، وهذا ~~من فضل الله ورحمته وعظيم منته على الخلق وجزيل نعمته. # فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن كل مسألة ليس فيها دلالة قاطعة فالأمة ~~فيها فريقان: # الفريق الأول: قائلون بأن الواقعة ليس فيها حق معين، وأن الآراء كلها حق ~~وصواب، فهؤلاء هم المصوبة، أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة والمحققون ~~من الأشعرية، وعليه جمهور الفقهاء أبوحنيفة والشافعي ومالك ms117 (¬2) وأتباعهم. # ثم أهل التصويب لهم مذهبان: # أحدهما: أن في المسألة أشبه، وهذا هو المحكي عن أصحاب أبي حنيفة: محمد بن ~~الحسن (¬3) وأبي الحسن الكرخي، ويحكى عن قاضي القضاة (¬4) والشافعي ~~والمروزي (¬5) وغيرهم من الفقهاء. # ومعنى الأشبه: أن الله لو نص لما نص إلا عليه. # وثانيهما: إبطال الأشبه، وهذا هو المحكي عن أكابر الشيوخ من المعتزلة: ~~الشيخين أبي علي (¬6) وأبي هاشم، وأبي الهذيل (¬7) وقاضي القضاة، وهو قول ~~بعض أئمة الزيدية، ورأي أبي حامد العزالي، PageV01P151 وهو رأي أكثر المصوبة. # الفريق الثاني: أن في الواقعة حكما لله تعالى معينا، وما عداه من الأقوال ~~فهو باطل، ثم اختلفوا بعد ذلك، فمنهم من قال: إنه لا دلالة عليه قطعا ولا ~~ظنا، وإنما هو كدفين يعثر عليه. # ومنهم من قال: عليه دلالة ظنية. # ومنهم من غلا، وقال: إن عليه دلالة قاطعة. # فهذه أقوال المخطئة على ما ترى ، وهذه نبذة من الخلاف في الآراء في ~~المسائل الخلافية قد أشرنا إليها على جهة التنبيه والإجمال، وتفاصيلها تحال ~~على الكتب الأصولية. فلنذكر المختار في التصويب ثم نردفه بذكر المختار في ~~حكم الأشبه، فهذان تقريران نذكر ما يتوجه في كل واحد منهما بمعونة الله تعالى: # التقرير الأول: في بيان المختار في التصويب للآراء في الاجتهاد. # والذي نرتضيه هو ما قاله أصحابنا والمعتزلة وذهب إليه محققو الأشعرية ~~والفقهاء، وهو أن الواقعة ليس فيها لله حكم معين وإنما هو يكون على نظر ~~المجتهد ورأيه، فإذا نزلت به الحادثة وأعمل فيها نظره وأتعب فيها فكره وسأل ~~من الله تعالى توفيقا وتسديدا لإصابة الحق، وكان جامعا لعلوم الاجتهاد ~~محرزا لها على شروطها المعتبرة التي فصلناها في الكتب الأصولية، فإنه متى ~~أدى نظره إلى حكم من الأحكام من تحليل أو تحريم أو غيرهما من سائر الأحكام ~~الشرعية العملية، فإن ما هذا حاله يكون حقا وصوابا عند الله تعالى. # والبرهان على ما قلنا يتضح بمسلكين: # المسلك الأول منهما: أنا نقول لمن زعم أن في الواقعة حكما معينا هو مقصود ~~لله ومطلوب. لو كان الأمر كما زعموه من ms118 تعينه لكان لا يخلو الحال فيه، إما ~~أن ينصب الله عليه دلالة أو لا ينصب، والقسمان باطلان، فيجب القضاء ببطلان ~~كونه معينا. PageV01P152 # وإنما قلنا: إنه لا يخلو من الوجهين، فلأنها قسمة دائرة بين النفي والإثبات ~~فلا واسطة بينهما، وهي من العلوم العقلية التي لا يجوز خلافها، فإثبات ~~متوسط باطل بالضرورة. # وإنما قلنا: إنه يستحيل أن عليه من الله دلالة منصوبة؛ فلأنها لو نصبها ~~لكانت ظاهرة لكل من قصدها كسائر الأدلة الظاهرة العقلية والنقلية، والمعلوم ~~باطراد العادة وجريانها، أن مثل ذلك لم ينقل ولا له أثر، وفي هذا دلالة على ~~أنه ما كان، ولو كان لنقل كما نقل ما هو أخفى منه وأدق. # وإنما قلنا: إنه يستحيل ألا ينصب الله عليه دلالة؛ فلأنه لو كلف به من ~~غير أن ينصب عليه دلالة، لكان تكليفا بما لا يعلم وهو قبيح. # فتقرر بما ذكرناه فساد القسمين اللذين فصلناهما، وهما نصب الأدلة عليها ~~وعدم نصبها، ويلزم من بطلانهما بطلان أن يكون هناك حكم معين في الحادثة وهو ~~المطلوب. # المسلك الثاني: أن الصحابة (رضي الله عنهم) ما زالوا مجتهدين في الحوادث ~~التي ليس عليها دلالة من جهة الكتاب، ولا من ظواهر السنة في الفتاوى ~~والأقضية، والوقائع غضة طرية على ممر الأزمنة وتكرر الأعصار، وما برحوا ~~مختلفين في الفتاوى والأحكام التي يصدرونها عن أنظارهم، وتفترق بهم المجالس ~~عن المخالفة في الآراء، وكل واحد منهم مصوب لما قاله الآخر غير منكر عليه ~~في رأيه واجتهاده، ولو كان في الواقعة حكم معين لطلبوه ولجدوا في طلبه ~~وتحصيله، وما سمع عن واحد منهم أنه قال لصاحبه: هذا خلاف حكم الله، وحكم ~~الله شيء آخر غير ما ذهبت إليه، بل من حكم بقضية وأبرمها فلا اعتراض عليه ~~بحال، ويتشددون في التحرز عن بعض القضايا الصادرة عن الأحكام مع مخالفة ~~الآراء، بل وربما يصدر من جهتهم التصريح بالتصويب في الأراء، وفي هذا دلالة ~~قاطعة من إجماعهم على أنه ليس هناك حكم معين، هو شوف(¬1) المجتهد ومقصده ~~ومقصد نظره، وإنما هي كلها ms119 آراء صائبة وظنون صادقة على تحصيل مراد الله في ~~الحادثة، وهذا المسلك يدريه من مارس طرفا من سير الصحابة رضي الله عنهم وما ~~كان منهم من الفتاوى في التحليل والتحريم وإصدار القضايا عن الآراء ~~الصائبة، فعند ذلك نعلم قطعا ويقينا صحة ما ادعيناه من تصويب الآراء PageV01P154 الاجتهادية في جميع الحوادث التي لا نص فيها. ولنقتصر على هذا القدر من ~~الدلالة ففيه مقنع وكفاية. # التقرير الثاني: في بيان المختار في الأشبه من الاجتهاد. # اعلم أن جماعة من المصوبة زعموا مع القول بكون الآراء صائبة في الاجتهاد، ~~أن فيها أشبه على معنى أن الله تعالى لو نص على الحادثة لما نص إلا عليه، ~~وعلى معنى أنه الأجزل ثوابا عند الله تعالى، وهو محكي عن جماعة من الحنفية، ~~منهم: أبو الحسن الكرخي، ومحمد بن الحسن الشيباني، ومروي عن الشافعي. # والمختار عندنا: أنه لا معنى للأشبه وأن جميع الآراء في تلك الحادثة كلها ~~أشبه إلى قائله، وأنها كلها مقصودة لله، وإنما تقوى وتضعف بحسب قوة الأمارة ~~وضعفها، وهذا هو رأي أهل التحقيق من المصوبة، أئمة الزيدية والجماهير من ~~المعتزلة: أبي علي وأبي هاشم وأبي الهذيل. وإلى بطلان الأشبه ذهب المحققون ~~من الأشعرية، كالباقلاني، وأبي حامد العزالي، وشيخه عبدالملك الجويني، فأما ~~الشيخ من المعتزلة، فليس له فيه تصريح بإثبات ولا نفي، وكلامه فيه احتمال. # والبرهان على ما اخترناه يظهر بتقرير حجتين: # الحجة الأولى: هو أنا نقول: إن الشبه والأشبه سيان في تعليق الحكم بهما، ~~فيجب أن لا يكون للأشبه مزية على الشبه، وفي هذا ما نريده من بطلان القول ~~بالأشبه. وبيان ذلك: أنا نفرض الكلام في مسألة تعليل الربا في الفضل، ~~فالكيل على رأي أصحابنا وأبي حنيفة شبه وهو طرد عند القائلين بصحة الطرد، ~~والطعم شبه على رأي الشافعي وهو طرد عند من يقبل الطرد، فمن قبل الوصف الذي ~~لا يناسب الحكم، فهو شبه، ومن رده فهو طرد، فمن قبل الطرد قال: بأنه طرد، ~~ومن رد الطرد قال: بأنه شبه، ومن رد الشبه فقال إنه ms120 أشبه، فالطرد والشبه ~~والأشبه في مسألة كلها تعليلات وأوصاف غير مناسبة. لكنها تختلف الألقاب ~~عليها بالإضافة إلى ردها وقبولها من غير أن يكون هناك بينها تفرقة من جهة ~~الذات لعدم المناسبة فيها، وأن التعويل فيها إنما هو على أمر غير مخيل من ~~جهة المشابهة الخاصة، فإذا كان لا تفرقة بينها من جهة الذات دل ذلك على أن ~~الطرد والشبه والأشبه في حكم واحد، وأن PageV01P155 الشبه في حق القائلين هو الأشبه في قول آخرين، وأنهما جميعا طردان عند ~~القائلين بالطرد.. فإذا لا وجه لما قاله هؤلاء في تقرير الأشبه بحال. # الحجة الثانية: في بطلان الأشبه، أن نقول للقائلين ونستنطقهم عما يرون من ~~إثباته فنقول: # ليس يخلو حال الأشبه عندكم إما أن يكون مكلفا به أو لا يكون مكلفا به. # فإن قالوا: إنه غير مكلف به. # قلنا: فإذا كان غير مكلف به فلا حاجة إلى طلبه؛ لأنه على هذا لا يتناوله ~~التعبد ولا يعد في الأمور العملية، وإن كان مكلفا به فليس يخلو حاله إما أن ~~ينصب الله عليه دلالة أو لا، فإن لم ينصب عليه دلالة كان التكليف به تكليفا ~~بما لا يعلم وهو محال لا يجوز على الله تعالى لأجل حكمته، وإن نصب عليه ~~دلالة، فليس يخلو حالها، إما أن تكون علمية أو ظنية، ومحال أن تكون علمية؛ ~~لأنه كان يلزم أن يكون أمرا معينا وأنتم لا تقولون به، ويلزم أن يكون ~~مخالفه مخطئا وهو خلاف مذهبكم. # وإن كانت ظنية فهذا جيد، لكن نقول: إن كل واحد من المجتهدين يدعي فيما ~~قاله وغلب على ظنه أنه علة الحكم ووصفه أنه أشبه، فليت شعري بم يكون ~~التمييز بين وصف ووصف وأمارة وأمارة، وفي ذلك بطلان الأشبه، وأنه لا حقيقة ~~له ولا وجود. # فهذا ما أردنا تقريره في حكم الآراء في المسائل الاجتهادية، وأن المذهب ~~تصويبها لا محالة. PageV01P156 # المقدمة الرابعة: في بيان ما يعرف به مذهب المجتهد وبيان الطريق إليه # اعلم أن هذه المقدمة تمس إليها حاجة الخائض في الأبواب الفقهية؛ لأنه ms121 لا ~~يزال يردد نظره ويكرره في مذاهب المجتهدين ومعرفة مستنداتهم فيها. # وقبل الخوض فيما نريده من ذلك نذكر ماهية المذهب وحقيقته، وهو: كل اعتقاد ~~صادر عن دلالة أو أمارة أو شبهة أو تقليد، فمتى كان الاعتقاد صادرا عما ~~ذكرناه فهو مذهب لصاحبه، ولهذا فإن اعتقاد حدوث العالم وإثبات صانعه، مذهب ~~الموحدة من أهل الإسلام، واعتقاد من خالفهم في ذلك مذهب الملاحدة والدهرية ~~وغيرهم من الفرق الكفرية لما كان صادرا عن شبهة فاعتقدوه لأجلها، واعتقادات ~~المجتهدين لما ذهبوا إليه من مذاهبهم في التحليل والتحريم، تصير مذاهب لهم ~~لما كانوا محصلين لها عن الأمارات. وهكذا حال المقلدة فإنها مذاهب لكونها ~~صادرة عن اعتقاد التقليد، فصار المذهب لا يكون مذهبا إلا بما ذكرناه من ~~الاعتقاد، ولهذا [ف]إن ما كان صادرا عن العلوم الضرورية لا يكون مذهبا، وإن ~~كان من جملة الاعتقادات لما لم يكن العلم الضروري من فعله، فصار المذهب ~~يكون مذهبا لاستناده إلى الاعتقاد من فعله، فلا بد من اعتبار هذين الوصفين ~~في كونه مذهبا. # فإذا عرفت هذا، فلنذكر الطريق إلى معرفة مذهب المجتهد، ثم نردفه بكيفية ~~التخريج على مذهبه، وحكم القولين في المسألة، فهذه مباحث ثلاثة تختص ما نحن ~~فيه وبعدها تفاصيل يليق ذكرها بالكتب الأصولية، ولكنا نورد ما يكون عونا ~~للفقيه على إحراز مذاهب المجتهدين وأقاويلهم وكيفية إحرازه لها بمعونة الله تعالى. # البحث الأول: في بيان الطريق إلى معرفة مذهب المجتهد. # وقد يدرك من جهة النطق، وقد يدرك من جهة الضرورة، وقد يكون معلوما من جهة ~~الاستدلال، فهذه طرق ثلاث نذكر ما يتوجه في كل واحدة منها بمعونة الله تعالى: PageV01P158 # الطريق الأول: ما يكون معلوما من جهة النطق، وهذا كأن يصرح المجتهد بأن ~~يقول: هذا مذهبي، أو هذا الذي أقول به وهو اعتقادي في المسألة، من تحليل أو ~~تحريم أو غير ذلك، سواء كان في الاعتقادات الإلهية أو في المباحث الأصولية ~~أو كان في المسائل الفقهية، وأقوى ما يعرف به مذهب القائل، هو تصريحه من ~~لسانه؛ لأن ما عداه من ms122 الطرق لا يكاد يسلم عن الاحتمال. وقد يقول المؤيد ~~بالله (¬1): هذا هو الذي أذهب إليه، وكما قال الشافعي: إذا تعارض الخبر ~~والقياس فمذهبي هو القول بالخبر، يعني أنه لا يذهب إلى القياس ولا يرى له ~~وزنا عند وجود الخبر وثبوته، بخلاف غيره فإنه ربما قال بالقياس وأعرض عن ~~الخبر. وحكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: اجتمع رأيي ورأي عمر ~~في تحريم بيع أمهات الأولاد، وأنا أرى الآن بيعهن(¬2). وهذا تصريح منه بما ~~يراه ويعمل به ويفتي، وهكذا القول في سائر المعتقدات. # الطريق الثاني: من جهة الضرورة. # وهذا ظاهر.. فإن كثيرا من المعتقدات [هو] مما يعلم بالضرورة، بالممارسة، ~~ويعلم الحب والبغض والموالاة والمعاداة وغير ذلك من المقاصد الضرورية، ~~ولهذا فإنا نعلم قطعا بالضرورة، بغض العباسية للمروانية، وبغض الفريقين ~~للفاطمية وعداوتهم، ونعلم أيضا انقطاع الموالاة بينهم، وهكذا حال العدلية ~~والجبرية في البغض وعدم الموالاة، ونضطر إلى قصودهم في الانقطاع وبطلان ~~مذهب كل واحد من الفريقين لصاحبه(¬3) وهكذا القول في غيره فإنا نضطر إلى أن ~~المجبرة يعتقدون تجوير الله ونسبته إلى فعل الظلم وسائر القبائح، كما نضطر ~~إلى أن المشبهة يعتقدون مشابهة الله للأجسام وإن لم ينطقوا بذلك، ولكنا ~~نضطر إلى مقاصدهم في الاعتقاد لذلك والعمل عليه وانطواء أفئدتهم على PageV01P159 التصميم على ذلك ولا يزعهم عن ذلك وازع ولا يصدهم صاد. وهكذا القول في حال ~~الإمامية من الشيعة فإنا نعلم بالضرورة إعظام أمير المؤمنين وموالاته، ~~وتفسيق من خالفه في الإمامة وإكفاره، وإن لم يصرحوا بهذا الاعتقاد لما يظهر ~~من أخلاقهم وشمائلهم، بل يصرحون بذلك ويدينون به. # الطريق الثالث: ما يعلم من جهة الاستدلال. # اعلم أن الاستدلال على مذهب المجتهد ينبني على انسداد الاحتمالات، فإذا ~~كان غير مصرح بمذهبه ولكنا نعلم من ضرورة قصده حكما لها، وكانت الاحتمالات ~~منسدة سوى احتمال واحد قوي على الظن، كون ذلك الاحتمال مذهبا له، وهذا يكون ~~على أوجه ثلاثة: # أولها: أن يعلل الحكم المخصوص بعلة مخصوصة فيجب طرد(¬1) الحكم مع تلك ~~العلة أينما وجدت؛ لأنه ms123 قد نص على العلة، والحكم تابع للعلة سواء كان قائلا ~~بتخصيص العلة أو مانعا من تخصيصها؛ لأنه إذا كان مانعا من التخصيص كان ~~الحكم مساويا للعلة في كل محل من محالها، وهكذا إذا كان قائلا بالتخصيص؛ ~~لأنه إنما يقول بالتخصيص لدلالة، فإذا لم توجد هناك دلالة، كان مذهبه ~~التعميم لا محالة، فهذا وجه في معرفة مذهب المجتهد وإن لم يكن ناصا عليه. # وثانيها: أن يعلم من جهته بتصريحه أنه لا يفرق بين المسألتين، أو ينعقد ~~الإجماع من جهة على أنه لا تفرقة بينهما، ثم إنه نص على إحدى المسألتين ~~فإنه يعلم بما ذكرنا أن حكم إحداهما حكم الأخرى، ومثاله أن يقول: الشفعة ~~للجار، فيندرج تحت ذلك جميع الصور في الجيرة؛ لأنه قد حكم بالشفعة للجار ~~على طريقة العموم فلا يجوز تخصيصه إلا لدلالة ولا دلالة ها هنا قائمة، ~~فلهذا كان مذهبه التعميم في جميع الصور، أو يحكم مثلا بالشفعة لجار الدار، ~~فيعلم بذلك أن مذهبه وجوب الشفعة في جار العقار والأراضي إذ لا أحد من ~~الأمة فصل بينهما، فعلمنا بمذهبه في شفعة الجار مع انضمام قرينة ألا أحد ~~فصل بينهما من الأمة.. وجوب كونه قائلا بالشفعة في كل جار من غير تفرقة ~~بينهما. # وثالثها: أن يعلم له مذهب مقرر في الأصول، فيفرع على ما يذهب [إليه] من ~~ذلك وإن لم يصرح به، ومثاله: إذا كان يقول ويعرف من مذهبه القول بالعموم، ~~وهو أن في اللغة صيغة موضوعة له، فإذا ورد قوله عليه السلام: (( كل مسكر ~~حرام)). فنقول: مذهبه تحريم كل مسكر مما سوى الخمر؛ لأنه من PageV01P160 القائلين بالعموم ولا مخصص هناك، فنعلم مذهبه في ذلك. وهكذا إذا ورد قوله : ~~(( الشفعة في كل شيء)). فإنا نقول: يكون من مذهبه وجوب [الشفعة] في ~~المنقولات؛ لأن هذا عموم وهو من القائلين به فيجب القضاء بأنه من مذهبه وإن ~~لم يكن مصرحا به، فهذا جملة ما يعرف به مذهب المجتهد إما من جهة التصريح، ~~أو من جهة الإضطرار إلى قصده، أو بطريق الاستدلال على ms124 ما فصلناه لانسداد ~~الاحتمالات فيها، وأنه لا محمل له إلا أنه قائل به فيجب كونه مذهبا له. # البحث الثاني: في بيان حكم التخريج على مذهب المجتهد: # اعلم أن من الأصوليين من زعم أنما عدا ما قدمناه من الأوجه الثلاثة فإنه ~~لا يعد مذهبا للمجتهد ولا ينسب إليه. # والمختار عندنا: تفصيل نشير إليه، وهو أن كل ما كان يقتضيه قياس قول ~~الإمام أو المجتهد في المسائل الفقهية والمضطربات الاجتهادية، فإنه يجوز أن ~~يجعل قولا له، وإن لم ينص عليه إذا كانت أصوله دالة عليه وتقريراته تشير ~~إليه وتفهم من تصرفاته. نعم .. إنما يكون منسوبا إليه على جهة التخريج ولا ~~بد من التصريح بذلك إذا عزي إليه لئلا يكون موهما للكذب، فيقول المخرج: هذا ~~يكون مذهبا له على جهة التخريج. وليكون تفرقة بين ما يكون صريحا من مذهبه ~~وبين ما يكون على جهة التخريج. والبرهان على صحة ما قلناه هو: أن الأمة ~~مجمعة على جواز ذلك وحسنه فيجب كونه معمولا عليه مقبولا. وإنما قلنا: إن ~~الأمة مجمعة على ذلك؛ فلأن جميع الفرق من الزيدية والحنفية والشافعية ~~مطبقون على تخريج المسائل التي هي غير منصوصة على ما يكون أصل واحد من ~~الأئمة مقتضيا له و[على] بيان ذلك. أما أئمة الزيدية فلأن أصحاب القاسم ~~(¬1) ناقلون لمذهبه، مخرجون على PageV01P161 ما تقتضيه أصوله مما لم ينص عليه ويصرحون بذلك، وهكذا القول في حال ~~الناصرية(¬1) فإنهم قد دونوا نصوصه في كتبه، وما زالوا مخرجين على تلك ~~النصوص ملحقين بمذهبه على جهة التخريج مالم يقل به وجعلوه من جملة مذهبه في ~~الصحة والعمل. وأما اليحيوية(¬2) فإنهم إيضا مخرجون على رأيه محصلون له على ~~ما يفهمون من تصرفه وعلى حد ما يعهدون من أدائه في الحوادث المنصوص عليها ~~من جهته، وأعظم من عني في التخريج على أصول هؤلاء الأئمة وعنى في ذلك بجده ~~ومبلغ جهده، السادة الثلاثة: المؤيد بالله وأبو طالب (¬3) وأبو العباس ~~(¬4). وغيرهم من أصحاب كل إمام من هؤلاء الأئمة الثلاثة، فإن نصوصهم قليلة ~~بالإضافة إلى المسائل المخرجة ms125 على أصولهم، وربما تختلف آراؤهم في التخريجات ~~على حسب ما يعن من فهم مراده في تلك الحادثة، ويأتي كل واحد منهم بما يغلب ~~على ظنه أنه غرضه ومراده. # وأما أصحاب أبي حنيفة، فنصوصه وإن كانت كثيرة في المسائل، لكن أبا يوسف ~~(¬5) ومحمد بن PageV01P162 الحسن الشيباني، في غاية الجد والجهد في تقرير مذهبه وتلخيص مسائله وإلحاق ~~غير المنصوص بالمنصوص، وهكذا حال الشيخ أبي الحسن الكرخي والجصاص (¬1)، فإن ~~هؤلاء هم العمدة في نقل مذهب أبي حنيفة والتخريج عليه، وغيرهم من عظماء ~~الحنفية وزعمائهم الذين أصلوا مذهبه وفصلوا مسائله وأظهروا أسراره، وهكذا ~~الطحاوي (¬2) فإنه كان إماما في مذهب الرجل(¬3) وكلهم جاهد في ضبط المذهب، ~~وتقرير قواعده وتفريع مذهبه على حد ما يفهمون من آرائه وشيمه وأخلاقه، وعلى ~~فهم مذهب صاحبهم في الأصول. فيكون ذلك مفرعا عليه كما تراه في تصرفاتهم ~~الفقهية. # وأما أصحاب الشافعي المتقدمون كالبويطي (¬4) وحرملة (¬5) والحسين ~~الكرابيسي (¬6) والمزني (¬7) وغيرهم ممن عاصره فإنهم إما مخرجون(¬8) على ~~نصوصه مع كثرتها وانتشارها، أو يستنبطون مسائل لم ينص عليها في أصوله ~~المقررة، ومسائله المدونة عندهم. وهكذا القول في المتأخرين من أصحابه كأبي ~~بكر بن الحداد (¬9) وابن الصباغ (¬10) صاحب (الشامل) وأهل العراق أيضا، فما ~~من واحد من هؤلاء إلا وقد خرج على مذهبه، وألحق بالمسائل المنصوصة في ~~(الأم)(¬11) أكثر منها، وما يزالون في الأعصار الخالية والآماد المتمادية ~~مخرجين على نصوصه لا يصرفهم عن ذلك صارف. وأصحابه أدق الفقهاء نظرا، ~~وأكثرهم خوضا، وأحكمهم في تقرير القواعد وتحرير الضوابط. # وأما أصحاب مالك فأول من صنف في الحديث مالك؛ فإنه وضع (الموطأ)(¬12) ~~وقرأ عليه وسمعه الناس، وقد عني أصحابه بمذهبه أشد العناية، وخرجوا وأصلوا ~~وفصلوا وأكثر أهل المغرب على اتباع مذهبه؛ وكان مستوطنا المدينة ولكنه شاع ~~مذهبه في ناحية المغرب، وولع حذاق المغاربة به، ولهم تصانيف في الأصول ~~والفروع كلها على رأي مالك. # فحصل من مجموع ما ذكرناه هاهنا، أن الأمة مجمعة على القول بالتخريج وعلى ~~جوازه وحسنه، وفي هذا دلالة على كونه معمولا به على رأي كل ذي ms126 مذهب من ~~المذاهب كما أشرنا إليه، وإذا كان الأمر كما قلناه، كان صحيحا وكيف لا؟ وقد ~~قال صاحب الشريعة (صلوات الله عليه): (( ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله ~~حسن)). فهذه دلالة تقرر ما ادعيناه من صحة القول بالتخريج والعمل عليه. لا ~~يقال: فإذا خرج بعض أصحابه ذلك الإمام على مذهبه وخرج آخر ما يخالفه، فعلى ~~أي التخريجين يكون عمل العامي الذي يقلده، وما يكون حكم الفتوى على رأيه، ~~والحال ما ذكرناه؟ # لأنا نقول(¬13): إذا كان هذان المخرجان عالمين بمذهبه مخلصين له، ~~فتخريجهما مقبول لا محالة، PageV01P163 ويجب نقلهما للعامي ويخير في العمل بأحدهما كما لو كان له في المسألة قولان ~~والتبس التاريخ بينهما، فإنهما ينقلان للعامي يعمل بأيهما شاء، فهكذا هذا ~~من غير تفرقة بينهما، والله أعلم بالصواب. # ولابد أن يكون بين المسألة المخرجة والمخرج عليها قرب ومداناة، بحيث لا ~~يكون التخريج مباينا لما خرج عليه ولا مناقضا له، جاريا على نعت الملائمة ~~لنصوصه وتصرفاته. # نعم.. إذا قال المجتهد في الحادثة بقول، ثم قال بعد ذلك: ولو قال قائل ~~فيها كذا وكذا لكان مذهبا، فإن ما هذا حاله لا يكون مذهبا له بمجرد قوله ~~هذا، ومن أصحاب الشافعي من زعم أنه يكون مذهبا له، ولكن إنما يكون مذهبا له ~~إذا كان جاريا على أصوله ملائما لها جاز ذلك لا بمجرد قوله وحكايته بما ~~ذكرناه. وهكذا لو نص على واقعة بحكم معين، ونص في مثلها على نقيض ذلك ~~الحكم، لم يجز نقل أحد القولين إلى الآخر، ومثاله أن يقول: الوضوء يفتقر ~~إلى نية، ثم يقول: الغسل لا يفتقر إلى النية. فهذان قولان متنافيان في ~~هاتين المسألتين لا يجوز نقل أحدهما إلى الأخرى لما فيهما من المخالفة، ~~وحكي عن بعض أصحاب الشافعي جواز نقل حكم إحداهما إلى الأخرى وتخريجهما على ~~القولين، وهذا يكون على التفصيل الذي أشرنا إليه. # البحث الثالث: في كيفية القولين للمجتهد في المسألة الاجتهادية وحكمهما: # اعلم أن من الأصوليين من جوز أن يقال: للمجتهد في هذه الواقعة قولان، ~~ومنهم ms127 من منع ذلك على الإطلاق وقال: إنه لا معنى لذلك. # والمختار عندنا: تفصيل نشير إليه؛ إذ لا وجه للنفي أو للإثبات على ~~الإطلاق، والحق الذي نعول عليه في القول بأن للمجتهد في المسألة قولين، هو ~~أنه إذا نظر في المسألة فحدث له فيها قول، ثم عاود النظر فيها مرة أخرى ~~فقال فيها بقول آخر، لكن جهل التاريخ بينهما ولم يعرف المتقدم منهما من ~~المتأخر، فلا جرم نحكي القولين جميعا عنه من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، ~~فهذا هو الوجه الصحيح الذي يحمل عليه قول العلماء: إن للمجتهد في المسألة ~~قولين، وعلى هذا ينقلان للعامي المقلد له في المسألة، ويخير بينهما إذ لا ~~ترجيح لأحدهما على الآخر. وإذا كان الأمر كما قلناه، وجب أن يحمل ما يحكى ~~عن المؤيد بالله وغيره من أصحابنا من اختلاف القولين أو الأقوال، ويحمل ما ~~يحكى عن PageV01P164 الشافعي من اختلاف القولين أو الأقوال، فمتى عرف المتقدم منهما على ~~المتأخر(¬1) فإنه يكون العمل عليه واجبا ويكون ناسخا له، أو يعرف الصحيح ~~منهما من الفاسد، فيكون القول هو الصحيح دون غيره، فأما ما لا يعرف فيه ~~التاريخ ولا يعلم صحة أحدهما من فساد الآخر، فإنه يقال فيه: إن له قولين ~~على هذا الوجه، وأكثر أقوال الشافعي قد ميزها أصحابه، وعرفوا المتقدم منها ~~من المتأخر، وأوضحوا الصحيح منها من الفاسد، والذي اعتاص عليهم فيها تاريخ ~~تقدم أحدهما على الآخر هي مسائل قليلة حكاها أبو إسحاق الأسفرائيني (¬2) ~~يرتقي عدها إلى سبع عشرة مسألة، فحكوا فيها قولين، وما عدا هذا الوجه فهو ~~خطأ، فلا يجوز أن يقال: إن للعالم المجتهد قولين، على معنى أنه يقول إن هذا ~~الشيء في نفسه حلال حرام على جهة الجمع بينهما؛ إذ لا يجوز أن تكون العين ~~الواحدة حلالا حراما في وقت واحد من جهة شخص واحد، ولا يجوز أن يقال: إن له ~~في المسألة قولين على جهة التخيير فيقول: بأن هذه العين حلال أو حرام، إذ ~~لا وجه للقولين على هذه الصفة، ولا على أن ms128 يقال: إن المسألة محتملة لأوجه ~~كثيرة فيبطل كل واحد منها سوى اثنين فعلى [القول] بأن له في هذه الحادثة ~~قولين، فإن مثل هذا قد صححه أبو إسحاق الشيرازي (¬3) من أصحاب الشافعي، ~~وزعم أن ذلك معنى صحيح في صحة حمل قول المجتهد في المسألة على وجهين وهذا ~~فاسد أيضا، فإنه إذا كانت محتملة لما ذكره من الاحتمالات ثم بطلت كلها إلا ~~اثنين منها، فإنه يكون شاكا فيما ورائهما، فكيف يقال بأنهما قولان له؟ فما ~~هذا حاله يكون خطأ، فإذا لا تعويل في أن للمجتهد في المسألة قولين إلا على ~~ما ذكرناه دون سائر الأوجه، والله أعلم بالصواب. # وهذا ما أردنا ذكره في التنبيه على ما اشتملت عليه هذه المقدمة مما لا ~~يتسع جهله للفقيه الخالي عن علم الأصول، والله الموفق للرشاد. PageV01P166 # المقدمة الخامسة: في جواز التقليد للعوام في المسائل الخلافية وذكر من هو ~~أحق بذلك من العلماء # اعلم أن الذي عليه أهل التحقيق من أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة ~~ومحققي الأشعرية، أنه لا يجوز التقليد في المسائل الدينية نحو: العلم ~~بالصانع وصفاته، والعلم بحكمته ومعرفة صدق الرسول إلى غير ذلك من مسائل ~~الديانة، والواجب على كل مكلف الوصول فيها إلى العلم اليقين، بالنظر في ~~الأدلة القاطعة. # وذهب كثير من الفقهاء إلى جواز حصول هذه المعارف كلها بالتقليد لمن علمها ~~بالنظر والاستدلال، وهو محكي عن أبي إسحاق النصبي (¬1) ويأتي على رأي ~~عبدالله بن الحسن العنبري (¬2) وإلى هذه المقالة ذهب أهل الحشو ~~والتعليمية(¬3) وزعموا أن الطريق إلى معرفة الحق إنما تكون بالتقليد، وأما ~~النظر فهو موضع حيرة. # والمختار: هو الأول؛ لأن المقلد في هذه الأمور ليس يخلو حاله [إما] أن ~~يكون مقلدا لجميع الفرق المخالفة، أو يكون مقلدا لفريق دون فريق، وباطل أن ~~يكون مقلدا لجميع الفرق، لما يؤدي إليه ذلك من الإعتقادات المتناقضات، فإن ~~منهم من أثبت الصانع ومنهم من زعم نفيه، وما هذا حاله يستحيل الجمع بينهما، ~~وإن قلد بعضا دون بعض، فإما أن يكون ذلك التخصيص لمرجح أو لا لمرجح، ms129 وباطل ~~أن يكون ذلك من غير مرجح؛ لأن اعتقاد أحد الجائزين من غير مرجح يكون باطلا ~~عقلا، وإن كان PageV01P168 لمرجح فليس ذلك يكون إلا بالنظر لبطلان ما سواه من الطرق، إذ لا يمكن ~~الوقوف على حقيقة الأمر إلا به، وفيه بطلان التقليد بكل حال وهو المقصود. # فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر جواز التقليد من جهة العوام للعلماء في ~~المسائل الخلافية، ثم نذكر من هو أحق بالتقليد في ذلك، فهذان مطلبان نذكر ~~ما يتوجه في كل واحد منهما بمعونة الله تعالى: # المطلب الأول: في بيان جواز التقليد من جهة العوام للعلماء في المسائل ~~الخلافية والأحكام العملية # زعم جماعة من معتزلة بغداد أنه لا يجوز للعامي التقليد في المسائل ~~الخلافية العملية، وقالوا: إن الواجب على العامي هو أن يعرف حكم الحادثة ~~بدليل الشرع الموضوع له، ويحرم عليه التقليد، وحاصل هذه المقالة: إلحاق ~~المسائل الفقهية بمسائل العقائد الدينية، وقالوا على أثر هذه المقالة: إنه ~~إنما يجب عليه الرجوع إلى قول المفتي إنما كان ليعرفه طريقة النظر لا من ~~أجل أنه يتبعه في قوله، إلى هذه المقالة ذهب الجعفران من المعتزلة: جعفر بن ~~حرب (¬1) وجعفر بن مبشر (¬2)، وأما الشيخان: أبو علي الجبائي وأبو عبدالله ~~البصري (¬3) فقد فرقا بين المسائل الشرعية وقالا: إن كان في المسألة ~~الشرعية دلالة قاطعة فإنه لا يجوز للعامي التقليد فيها، ويجب عليه إمعان ~~النظر في تحصيله، وإن لم يكن فيها مسلك قاطع فإنه يجوز له التقليد فيها، ~~وإلى هذه المقالة ذهب الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من أصحاب الشافعي. # والذي عليه أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة والنظار من الأشعرية، هو ~~جواز التقليد في المسائل الشرعية مطلقا للعوام ومن هو قاصر عن النظر ~~كالنساء والعبيد، سواء كان فيها مسلك قاطع أو لم PageV01P169 يكن. # وهذا هو المختار عندنا، والمعتمد فيه أنا نعلم قطعا بتواتر النقل من جهة ~~الصحابة والتابعين لهم إلى يومنا هذا والذي وقع فيه الخلاف أنهم كانوا ~~مسوغين للعوام العمل على أقوال المجتهدين من الصحابة، ولم يؤثر عن أحد منهم ~~أنه ms130 كلفهم طلب الأدلة الغامضة، ولا يفرقون في ذلك بين ما كان فيه دليل قاطع ~~وبين ما ليس فيه دلالة قاطعة في تسويغ العمل، وهذا ظاهر من عادة الصحابة ~~ومن بعدهم من التابعين لا يختلفون فيه، وأيضا فإنا لو كلفنا العوام النظر ~~في المسائل ومعرفة أحكامها ومنعناهم عن التقليد، لاحتاج كل واحد منهم إلى ~~معرفة ذلك وإدراكه والوقوف على حقيقته، وفي ذلك تكليفهم ما ليس في وسعهم، ~~ويؤدي إلى اشتغالهم عن طلب المعاش وإبطال كل أعمالهم، وهذا ساقط لا يعول ~~عليه، فثبت بما ذكرناه جواز تقليد العوام للعلماء وبطلان كونهم ناظرين في ~~هذه الأدلة لما ذكرناه، وسواء كان من يقلدونه في المسائل العملية حيا أو ~~ميتا إذا كان بالغا درجة الاجتهاد، فإنه يجوز لهم ذلك، وحكي عن الجماهير من ~~العلماء أنه لا يجوز تقليد الميت ولا العمل على رأيه، وأن تقليد الحي أولى ~~وأحق، وزعموا أنه لا قول لميت، بدليل أن الإجماع ينعقد من دونه ولا ينعقد ~~مع كونه حيا. # ووجه آخر: وهو أن الميت لا يدرى حاله هل يكون مستمرا على اجتهاده لو كان ~~حيا أو يكون راجعا عنه، فالعمل عليه والحال هذه يكون عملا على الشك وهو باطل. # والمختار عندنا: هو جواز العمل على رأي من مات من أهل الاجتهاد من علماء ~~العترة وفقهاء الأمة، كأبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه (رحمهم الله ~~تعالى) ومعتمدنا في الدلالة على ذلك أمران: # أحدهما: من جهة الضرورة، وحاصله أن الاجتهاد لما كان متعذرا في زماننا ~~هذا لقصور همم أهله عن بلوغ غايته، فلا جرم تحكم الضرورة بتقليد من سلف من ~~الأئمة والفقهاء، إذ لو لم نقلدهم لأدى ذلك إلى بطلان التقليد في حق ~~العوام، لشغور الزمان عمن يكون من أهل الاجتهاد، إذ لا خلاف في صلاحية من ~~سلف من علماء العترة وفقهاء الأمة للاجتهاد، وكونهم من أهله، وأن أحدا في ~~زماننا هذا لا يلحق بأدناهم درجة في ورع ولا تقوى ولا نفوذ بصيرة، فلهذا ~~كانوا أحق من غيرهم فضلا عن PageV01P170 جواز ذلك. # وثانيهما: ms131 أن الإجماع منعقد من أهل العصر هذا على جواز ذلك، والإجماع حجة ~~في كل عصر من الأعصار، فلأجل هذا كانوا أحق وأولى بالتقليد، ووجه آخر: وهو ~~قوله : (( من عام إلى عام ترذلون))(¬1) فإذا كانوا على تكرار الأعصار وتخرم ~~الزمان لا يزدادون إلا نقصا في كل أحوالهم من جهة الدين والدنيا، كان من ~~سلف أكمل منهم درجة وأعلى همة في جميع الأمور، فلا جرم قضينا بكون من سبق ~~أحق بالتقليد وأولى بالمتابعة؛ لأن كمالهم في العلم أكثر، واختصاصهم ~~بالتقوى والورع أعظم وأوفر. # قوله: الميت لا يدرى حاله هل يرجع عن المسألة أم هو باق على القول بها؟ ~~قلنا: الظاهر هو استمراره على القول بها التي مات وهو قائل بها وقد انقطع ~~اجتهاده بموته. # قوله: الميت لا قول له في المسألة. # قلنا: هذا خطأ، فإن قوله معتبر في المسألة ولهذا فإن القوي أنه لا ينعقد ~~إجماع مع مخالفته وإن كان ميتا، ولا تعد المسألة إجماعا مع خلافه، وفيه ~~خلاف ذكرناه في الكتب الأصولية، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن تقليد من سلف ~~جائز من الأئمة والفقهاء، بل يكون أحق لما ذكرناه. # المطلب الثاني: في بيان من هو أحق بالتقليد ومن يكون أولى بالمتابعة ممن ~~حاز منصب الاجتهاد من العلماء: # اعلم أن العوام لما كانوا لا هداية لهم إلى القيام بهذه التكاليف الشرعية ~~وتأدية هذه العبادات العملية بأنفسهم فلا بد لهم من قدوة يعتمدونها وإمام ~~يهتدون بهديه، ثم هل يكون العامي مخيرا في تقليد من شاء من أهل الاجتهاد، ~~أو لابد له من مزيد نظر في طلب الأفضل؟ فيه تردد ونظر. # والمختار عندنا: أن عليه تكليفا في طلب الأفضل؛ لأن الذي دل على أنه واجب ~~عليه التقليد فهو بعينه دال على أن عليه مزيد تكليف من تعرف من يكون أحق ~~بالتقليد في الفضل وهذا ظاهر. # فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر ما يكون معتمد التقليد من المذاهب، فنقول: PageV01P171 # أجمع العلماء واتفق رأي الفضلاء من أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة ~~والأشعرية وغيرهم من سائر فرق ms132 الأمة، على أن الصحابة (رضي الله عنهم ~~وأرضاهم) وإن كان فضلهم لا ينكر، ومزيد علمهم لا يجحد، لعلو منصبهم في ~~الدين، وإحراز المناقب، واختصاصهم بالصحبة، فإنه ليس للعوام ولا من فرضه ~~التقليد من أنواع الخلق، تقليدهم لوجهين: # أما أولا: فلأنهم لم يكن من جهتهم اعتناء بتذليل مسالك الاجتهاد وترتيب ~~أبوابه وإيضاح طرقه وتأسيس أصول النظر فيه، وإنما كان همهم إحياء معالم ~~الدين وتقرير قواعد الإسلام بالذب عنه بالسيف. # وأما ثانيا: فلم يدونوا أبواب الفقه ولم يكن من جهتهم اهتمام [في] تقرير ~~مسائله، بل كان همهم من ذلك إرسال الاجتهاد وإيضاح الفتاوى في الأقضية ~~والأحكام على جهة الإجمال من غير نظر في التفاصيل. # نعم.. إنما الذين خاضوا غمرات الاجتهاد، وسبروا مسالك الأدلة بالتفصيل ~~والتهذيب، وترتيب المسائل وتبويب الأبواب وسطرها في الكتب وإثباتها في ~~الصكوك، هم العلماء من بعدهم من زمن التابعين وتابعيهم إلى يومنا هذا من ~~أئمة العترة وفقهاء الأمة، فإن عنايتهم في ذلك غير خافية على من له في ذلك ~~أدنى مسكة من الفضل، وكفوا من بعدهم النظر في مذاهب الصحابة (رضي الله ~~عنهم) لأن السابق وإن كان له حق الوضع والتأصيل. فللمتأخر الناقد حق ~~التكملة والتنخيل والتفصيل فلأجل ذلك كان من بعدهم أحق بالاتباع. # فإذا وضحت هذه الجملة، فنحن الآن نعلوا ذروة لا ينال حضيضها في ترجيح ~~مذاهب أئمة العترة على غيرهم من فقهاء الأمة وعلماء العامة، ونوضح ~~بالبراهين الباهرة والأدلة القاهرة، أنهم أحق بالتقليد وأولى بالمتابعة، ~~وجملة ما نشير إليه من ذلك طرق ثلاث نذكر ما يتوجه في كل واحدة منها: # الطريقة الأولى منها: ورود الثناء من جهة الله تعالى ومن جهة رسوله . # أما من جهة الله تعالى: فقوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة ~~في القربى}[الشورى:23]. # ووجه الاستدلال بهذه الآية على فضلهم هو أن الله تعالى لما كان من أعظم ~~نعمه على الخلق وأجلها PageV01P172 وأعلاها وأكملها هو بعثه الرسول لهداية الخلق وإرشادهم إلى السعادة ~~الأخروية وإزاحتهم عن العمى وهدايتهم إلى طرق الهداية ، فما يكون في ms133 مقابلة ~~هذه النعمة يكون لا محالة جليل القدر عظيم المنزلة؛ لكونه جعل في مقابلته ~~هذه النعمة، والله تعالى قد جعل في مقابلة النعمة بالرسول والجزاء على ~~عنايته في الخلق، هو المودة والمحبة لمن كان قريبا إليه، وما هذا حاله فليس ~~يخفى مزيد فضله، وعلو حاله وأمره من جهة كونها واردة في معرض المدح ~~والتنبيه على مزيد فضل القرابة وعلو قدرهم واهتمام أمر الله تعالى بهم، حتى ~~قال فيهم ما قاله. # وقوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا}[الأحزاب:33]. فظاهر هذه الآية دال على إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم ~~من سائر الأدناس على جهة المبالغة، حيث صدر الآية بإنما وهي موضوعة للتحقيق ~~في الجملة؛ لأنها في معنى النفي والإثبات(¬1) كأنه قال: ما يريد الله إلا ~~إذهاب الرجس عنكم، ولأنه أكد الفعل بالمصدر حيث قال: {يطهركم تطهيرا} كأنه ~~قال: تطهيرا لا زيادة فوقه، ولا شك أن كل من أخبر الله عنه بإذهاب الرجس ~~وتطهيره عن كل مكروه، فلا مرية في اختصاصه بالفضل على غيره. # وأهل البيت هم: أمير المؤمنين (علي)، وفاطمة، والحسن والحسين(¬2)، ~~وأولادهما في كل عصر، بدليل خبر الكساء حيث خصهم به وقال: (( اللهم هؤلاء ~~أهل بيتي))(¬3). فدل ذلك عل صحة ما قلناه، فهاتان الآيتان قد دلتا على ~~فضلهم وعلو مرتبتهم من الوجه الذي لخصناه وأشرنا إليه. # وأما من جهة السنة: فقد ورد في ذلك أحاديث نذكرها: # أولها: قوله عليه السلام: (( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من ~~بعدي أبدا، كتاب الله PageV01P173 وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي ~~الحوض))(¬1). # وثانيها: قوله : (( أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل ~~السماء، فإذا ذهبت نجوم السماء أتى أهل السماء ما يوعدون، وإذا ذهب أهل ~~بيتي من الأرض أتى أهل الأرض ما يوعدون))(¬2). # وثالثها: قوله : (( مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن ~~تخلف عنها غرق وهوى))(¬3). # ورابعها: قوله : (( أهل بيتي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم))(¬4). # وخامسها: ms134 قوله : (( أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم، وأحبوني لحب ~~الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي))(¬5). # وسادسها: قوله : (( ما أحبنا أهل البيت أحد فزلت به قدم إلا ثبتته أخرى ~~حتى تنجيه))(¬6). PageV01P174 # وسابعها: قوله : (( أهل بيتي باب حطة، فادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر ~~لكم خطاياكم، وهم كالكهف لأصحاب الكهف، وهم باب السلم فادخلوا في السلم ~~كافة))(¬1). # وثامنها: قوله : (( اللهم اجعل شرائف صلواتك على محمد وعلى آل محمد، كما ~~جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد))(¬2). # وتاسعها: قوله عليه السلام: (( من أسبغ وضوءه، وأحسن صلاته، وأدى زكاة ~~ماله، وكف غضبه، وسجن لسانه، وبذل معروفه، واستغفر لذنبه، وأدى النصيحة ~~لأهل بيتي. فقد استكمل حقائق الإيمان))(¬3). # وعاشرها: قوله : (( لا يبغض أحد أهل بيتي إلا كبه الله على وجهه في ~~النار))(¬4). # وحادي عشرها: قوله : (( نحن أهل بيت شجرة النبوة، ومعدن الرسالة، ليس أحد ~~من الخلائق يفضل أهل بيتي غيري))(¬5). # وثاني عشرها: قوله عليه السلام: (( احفظوني في عترتي أهل بيتي))(¬6). # وثالث عشرها: قوله : (( أعطيت الكوثر. قيل يا رسول الله وما الكوثر؟ قال: ~~نهر في الجنة عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب لا يشرب منه أحد فيظمأ، ولا ~~يتوضأ منه أحد فيسغب، لا يشرب منه إنسان خفر ذمتي وقتل(¬7) أهل بيتي))(¬8). PageV01P175 # ورابع عشرها: قوله : (( ثلاثة أنا شفيع لهم يوم القيامة: الضارب بسيفه أمام ~~ذريتي، والقاضي لهم حوائجهم حين اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ~~ولسانه))(¬1). # وخامس عشرها: قوله : (( حرمات من حفظهن حفظ الله له أمر دينه، ومن ضيعهن ~~لم يحفظ الله له شيئا. قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: حرمة الإسلام، ~~وحرمتي، وحرمة رحمي))(¬2). # وسادس عشرها: قوله : (( حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وقاتلهم، وعلى ~~المعين عليهم، أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا يزكيهم ~~ولهم عذاب أليم))(¬3). # وسابع عشرها: قوله : (( لا تزول قدما العبد حتى يسأل عن أربع: عن عمره ~~فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله ممن اكتسبه وفيم أنفقه، وعن ~~حبنا أهل البيت))(¬4). # وثامن عشرها: قوله : (( من ms135 أحب أن يحيى حياتي ويموت ميتتي فليتول علي بن ~~أبي طالب وذريته الطاهرين أئمة الهدى، فإنهم لن يخرجوكم من باب الهدى إلى ~~باب الضلالة))(¬5). # وتاسع عشرها: قوله : (( لما أسري بي رأيت على باب الجنة مكتوبا بالذهب لا ~~بماء الذهب: لا إله إلا الله محمد حبيب الله، علي ولي الله، فاطمة أمة ~~الله، الحسن والحسين صفوة الله، على باغضهم لعنة الله))(¬6). # العشرون: عنه أنه قال: (( إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني قد تركت فيكم ~~الثقلين، كتاب الله ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي فإن اللطيف ~~الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي PageV01P176 الحوض فانظروا ما تخلفوني فيهما))(¬1). # فهاتان الآيتان اللتان تلوناهما والأخبار التي أوردنا، كلها دالة على ~~فضلهم وعلو درجتهم عند الله تعالى، وعلى كونهم أحق بالمتابعة لما ورد من ~~الثناء من الله تعالى، ومن جهة رسوله عليهم، وعلى التحذير عن مخالفتهم، ~~وكما هي دالة على ما ذكرناه، فهي دالة على كون إجماعهم حجة في الأحكام ~~الشرعية. وقد قررناه في الكتب الأصولية، فإذا تقرر هذا فوجه الاستدلال بما ~~ذكرناه من الآيات والأخبار هو ورود الثناء من جهة الله تعالى ومن جهة رسوله ~~عليهم وإبانة فضلهم، وفي هذا دلالة على تزكيتهم وإظهار عدالتهم، ولا تزكية ~~أعظم من تزكية الله تعالى، وتزكية رسوله، وأدنى الدرجات مما ذكرناه، كونهم ~~أحق بالمتابعة وأولى بالتقليد في أمور الدين من غيرهم من سائر الفرق بما ~~ذكرناه من هذه الشواهد الشرعية والأمور النقلية. # الطريقة الثانية: النظر في الخصال العالية والسير المحمودة وإحراز الشيم ~~الظاهرة في العلم والدين والورع، ولا شك أن ما هذا حاله من الخصال الدينية ~~يدور عليها معظم الترجيح لمن ينبغي تقليده من العلماء، ونحن نبين أنها في ~~حقهم حاصلة على الكمال والتمام أكمل منها في حق غيرهم من علماء الأمة. ~~وجملة ما نشير إليه من ذلك ضروب ثلاثة: # الضرب الأول منها: الفضل بإحراز العلم، وليس يخفى على منصف غوصهم في ~~العلوم الشرعية وتبحرهم في أسرارها واطلاعهم على حقائقها وإحاطتهم بأسرارها ~~ودقائقها، وينكشف ms136 غرضنا من هذه القاعدة بإيضاح مسلكين: # المسلك الأول منهما: على جهة الإجمال، وذلك من أوجه خمسة: # أما أولا: فلأن الآية واردة بالثناء عليهم في التطهير، وهي عامة في ~~النزاهة لهم عن كل ما يسوء، ولا مساءة أعظم من الجهل وعدم البصيرة في الدين ~~فيجب تنزيههم عن ذلك، وهذا هو الغاية في إحراز العلم النافع في الآخرة ~~والسعادة الأبدية. # وأما ثانيا: فلأن الرسول ، قرنهم بالكتاب حيث قال: (( إني تارك فيكم ما ~~إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ))، وأعظم ~~الهداية في الدين، والنفع مأخود من كتاب الله تعالى، وهكذا يكون حال العترة ~~ومن كان حاله على حد كتاب الله في النور والشفاء من العمى والبيان PageV01P177 وإيضاح كل ملتبس، فلا علم أنفع منه ولا شرف فوقه ولا مرتبة أعلى منه. # وأما ثالثا: فقوله : (( مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن ~~تخلف عنها غرق وهوى)). فاستعار لهم أسم السفينة وشبههم بها فصاروا لذلك ~~أمانا من الغرق في بحر الجهالات، كما أن سفينة نوح أمان من الغرق في بحر ~~الماء، ولن يكونوا كذلك إلا بإحراز العلم الشافي من الجهل وهذا هو المراد. # وأما رابعا: فقوله : (( إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي، إنهما ~~لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)). وظاهر الخبر دال على أنهما متفقان غير ~~مفترقين فيما يدلان عليه، فإذا كان القرآن صحيحا دالا على كل العلوم ~~الدينية والدنيوية فيجب ذلك في حق العترة. # وأما خامسا: فقوله: (( هم كالكهف وهم باب حطة)). وغير ذلك من الأحاديث ~~التي تدل من جهة ظاهرها على كونهم أئمة الخلق دعاة إلى الله هداة لخلقه، ~~فهي بعينها دالة على علو درجاتهم في العلم وإحرازه، وأقوى دلالة على جهة ~~الإجمال، على علمهم، قوله : (( الأئمة من قريش))(¬1). فما هذا حاله يكفي في ~~الدلالة على إحرازهم للعلم من طريق الإجمال. # المسلك الثاني: من طريق التفصيل، وهذا إنما يكون بالوقوف على موضوعاتهم ~~والاطلاع على مصنفاتهم في علوم الشريعة والفتاوى النقلية والمضطربات ~~الاجتهادية، فالناظر ms137 متى وقف على ما ذكرنا، لاح له على القرب أنهم قد ~~أحاطوا بعلوم الشريعة وقادوها بأزمتها ودعوا بأهلها وأصحابها، وكانوا سادة ~~لأئمتها، ويشهد لذلك تصرفهم في المسائل الاجتهادية ومكالمة الخصوم في ~~المضطربات الفقهية مع ما شغلوا [به] من عداوة أهل البغي في أزمانهم وإقصاء ~~أخدان الظلم في أوانهم، وإظهار حجة الله وإعلاء كلمته بالسيف، لأجل تقلدهم ~~للأمانة ونهوضهم بأحكام الزعامة، فكانوا لهم في غاية الطرد والإبعاد عن ~~الشغل بالتدريس وإظهار العلم خوفا على دنياهم ومحاذرة عن انثلام ظلمهم ~~للخلق، وإكبابهم على البغي وأنواع الفسوق، فهذا ما يتعلق بجانب العلم. # الضرب الثاني: ما يتعلق بجانب الدين، وذلك أن كل من اطلع على أحوالهم ~~وعرف طرفا من PageV01P178 سيرهم، عرف قطعا ويقينا مراقبتهم لله تعالى في الإقدام والإحجام، وشدة ~~تحرزهم في الأخذ والإعطاء، ووقوفهم على حدود الشريعة في التحليل والتحريم، ~~والجري على مراسمها والمحاذرة عن مخالفة شيء من أدلتها القاطعة، وحصروا ~~نفوسهم على التدوار في مواردها ومصادرها، ولم يطمح لأحد منهم نظر إلى ~~مخالفتها، ولا تشوقت قلوبهم إلى غيرها، شددوا على أنفسهم بأخذ العزائم ~~وأخذوا الخلق بما فهموا من الله رخصة فيه لخلقه، واقتحموا موارد الموت في ~~نصرة دين الله تعالى وإعلاء كلمة الحق بين مقتول ومصلوب ومأسور ومطرود، لا ~~يزيدهم ما يرون في أنفسهم وأهليهم من القتل والطرد إلا صبرا لله تعالى ~~واحتسابا في إعزاز دينه وعلو(¬1) كلمته وتصلبا على من خالف أمر الله وحكمه، ~~ومن كانت هذه حاله فقد تمسك بالدين بالعروة الوثقى التي ليس لها انفصام ولا ~~يخاف عليها نقض ولا يخشى لجانبها إهضام. # الضرب الثالث: الورع، ومن أراد الاطلاع على رفضهم للدنيا وإعراضهم عنها ~~وحرصهم على إيثار الآخرة وسلوكهم لجانب الحيطة في الأخذ والترك، وبعدهم عن ~~المآثم وازورارهم عن الوقوع في المحرمات والمكروهات، فليطالع سيرهم ~~وأخبارهم، فإنه يتحقق لا محالة أن تعويلهم ما كان إلا على رفض الدنيا ~~وإيثار رضوان الله، وإحراز طاعته، والعمل لوجهه وتحصيل مرضاته، فإن حصلت ~~الدنيا آثروا بها وإن زويت عنهم صبروا على ما أصابهم ms138 من مشقة لأوائها، علما ~~بما لهم عند الله من عظيم الزلفة، ورفيع الدرجة، فيزيدهم رغبة فيما عند ~~الله وشوقا إلى لقائه، وهذه هي حقيقة الورع وغاية أمره وقصارى حاله وسره. # الطريقة الثالثة: تشتمل على نظر كلي بالإضافة إلى صحة العقائد في أمور ~~الديانة، وفيه سلامة عن الزلل، وعصمة عن الخطأ في مجاري الأنظار الاجتهادية ~~في أحكام الشريعة. # واعلم أن الذين نصبوا أنفسهم للفتوى، واقتعدوا درس العلماء، واشتهروا ~~بالاجتهاد وطبقت مذاهبهم طبق الأرض ذات الطول والعرض، هم هؤلاء العلماء ~~الثلاثة: مالك وأبو حنيفة والشافعي، فأما أحمد بن حنبل (¬2) وسفيان الثوري ~~(¬3) فهما وإن بلغا درجة الاجتهاد، لكنهما لم يشتهرا كشهرة PageV01P179 هؤلاء ولم يختصا بكثرة الأتباع مثلهم، وكل واحد من هؤلاء الثلاثة قد نأى عن ~~الصواب نظره، وانمحى عن رسم الحق أثره، إما في عقيدته وإما في أثناء تصرفه ~~في المسائل الاجتهادية. # فنقول: أما مالك بن أنس فإنه لا يشق غباره في ضبط الأخبار وتمييز صحيحها ~~ومعرفة قويها من ضعيفها، وكان شديد الاحتراز في الرواية والتصون في النقل ~~وحصر وقائع الصحابة (رضي الله عنهم). ولا تدرك آثاره في انتقاد الرواة ~~ومعرفة أحوالهم، وهو أول من عني في جمع الأحاديث وضبطها في كتابه (الموطأ) ~~وكان كثير التعظيم للعلم، شديد الورع، خلا أنه استرسل في القول بالاستصلاح ~~حتى أداه ذلك إلى إهدار الدماء، وإتلاف الأموال لمصالح إيالية(¬1) وانتهى ~~حاله إلى تقرير أمور منوطة بالسياسة، حتى آل نظره في ذلك إلى أن قال: (اقتل ~~ثلث الأمة في استصلاح ثلثيها)، وهذا يعد في الخطأ، فإنا نعلم بالضرورة من ~~حال الصدر الأول انكفافهم عن مثل هذا وتصونهم عن الفتوى بمثل هذا، ونعلم من ~~حالهم أنهم لا يتجاسرون على إراقة كف من دم إلا بحقها. # وأما الشافعي محمد بن إدريس، فنظره لا يجارى وفضله لا يبارى، في تقدير ~~أصول الأدلة وتنزيلها منازلها وترتيبها على أحسن هيئة، وفي ذلك دلالة على ~~سعة علمه وتبحره في علوم الشريعة مع حدة نظره وجودة ذكائه، وتشهد لفضله ~~مسائله التي أنشأها، وعلله التي قررها ms139 واستنبطها، ولقد كان عمره يقصر عن ~~إحراز مثل فضله، فاخترم وقد نيف على الخمسين، لكنه قال بالرؤية ونقلها عنه ~~البويطي من أصحابه، وهذا خطأ في الاعتقاد. فإن كانت الرؤية مكيفة أدى ذلك ~~إلى التشبيه؛ لأن المرئي لا يعقل إلا متحيزا أو حاصلا في المتحيز، وكله ~~محال على الله تعالى، وإن كانت الرؤية غير مكيفة فهو لا يعقل على كلا ~~الوجهين فلا يخلو عن خطأ. # وأما أبو حنيفة النعمان بن ثابت فلا ينكر فضله في اتقاد القريحة وجودة ~~الفطنة وإدراك الأسرار الشرعية واستنباط المسائل الدقيقة واستيلائه على ~~الإحاطة بأسرار الحكومات والأقضية، والتمكن من وضع المسائل والتصدي للأسئلة ~~والجوابات في المضطربات الاجتهادية، لكنه قد حكي عنه القول PageV01P180 بإيجاب القدرة، وهذا خطأ، فإن مثل هذا يجر إلى الجبر وبطلان الاختيار للعبد ~~ويؤدي إلى تكليف مالا يطاق، وهذا يطرق خللا في قاعدة الحكمة(¬1)، وحكي عنه ~~بطلان القصاص بالمثقل(¬2)، وهذه تهدم عصمة الدماء، وحكي عنه حل المثلث ~~والمنصف، وقد علم من جهة الشرع والعقل قطعا صيانة العقول عن الإهدار ~~والإفساد. # وإذا تأملت علوم العترة وجدتها مصونة عن مثل هذه الأشياء التي حكيناها عن ~~غيرهم، وفي هذا دلالة على عصمة الله لهم عن الوقوع في مثل هذه المواقع التي ~~يعلم خطؤها، وأنهم باقون على رسوم الشريعة غير خارجين عن حدودها في اعتقاد ~~ديني، ولا خطأ في مضطرب اجتهادي، وما ذاك إلا من لطف الله تعالى بهم ~~وتأييده لهم في كل إقدام وإحجام وقول وفعل. # فحصل من مجموع ما ذكرناه صحة تقدمهم في هذه الخصال العالية في الدين ~~والورع والتقوى، ومناقب العترة أكثر من أن تحصى، وقد أفرد فيها العلماء ~~كتبا على حيالها ولكنا سمحنا من ذلك بمقدار ما يليق بترجيح تقليدهم على ~~تقليد غيرهم من علماء الأمة في الأمور العملية، وكيف لا يكون تقليدهم راجحا ~~على تقليد غيرهم من علماء الأمة؟ وقد قال : (( تعلموا من قريش ولا ~~تعلموها))(¬3) وفي حديث آخر: (( ولا تعالموها)) وأراد: ولا تغالبوهم في ~~علومهم، وقال عليه السلام: (( عالم قريش يملأ الأرض علما))(¬4)، ms140 وقال : (( ~~الناس في هذا الشأن تبع لقريش، فمسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع ~~لكافرهم))(¬5). فلا جرم كان اتباعهم أحق من اتباع غيرهم لما قررناه من ~~الأدلة على فضلهم، وهم السر والخلاصة واللباب من قريش، ولم نرد بما ذكرنا ~~من حال فقهاء الأمة وعلمائها في الاعتقادات PageV01P181 الدينية وانحراف أنظارهم في المسائل المجتهدة حطا لما رفع الله من منارهم، ~~ولا وضعا لما أشاد الله من رفع أقدامهم(¬1)، ولكن غرضنا الكشف عما اختص به ~~علماء العترة من إصابة الحق والهداية لوجه الإصابة في معتقداتهم ومجاري ~~أنظارهم، مع علمي بأنهم الغواصون على علوم الشريعة والخائضون في بحور ~~أسرارها. # ولا يقال: فمن الآل والأهل من الذرية والعترة؟ وهل من تفرقة بين هذه ~~الألفاظ من جهة اللغة أو من جهة الشرع؟ # لأنا نقول: أما الآل والأهل فهما سواء في صحة إطلاقهما على الزوجات ~~والعيال، والهاء مبدلة من ألف الآل، خلا أن الآل قد تطلق على الأتباع، قال ~~الله تعالى: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب}[غافر:46]. وأهل البيت وآل النبي ~~سواء لما ذكرناه، وهما عبارتان عن هذه البطون الأربعة: آل علي، وآل جعفر، ~~وآل عقيل، وآل العباس، لما روي عن النبي أنه لما قيل له: من أهل بيتك يا ~~رسول الله؟ قال: (( آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس))(¬2). # وأما العترة والذرية فهما سواء، وهما عبارتان عن أولاد الرجل، خلا أن ~~العترة قد تطلق ويراد بها رهط الرجل الأدنون منه، وعترة الرسول وذريته هم ~~أولاد فاطمة، الحسن والحسين وأولادهما،لما روى جابر (¬3) عن النبي أنه ~~قال: (( إن الله عزوجل جعل ذرية كل نبي من صلبه، وذريتي من صلبك يا ~~علي))(¬4). فإذا كانت العترة والذرية هم الأولاد كما قررناه، فلا يعلم ولد ~~للرسول إلا من فاطمة، فلهذا كانوا هم العترة والذرية لا محالة، فأما لفظ ~~العشيرة فإطلاقه على القبيلة الأقرب والأبعد، لقوله تعالى: {وأنذر عشيرتك ~~الأقربين}[الشعراء:214] فخص الأقربين لما لهم من الحق بالعلاقة بالنسب مع ~~صحة إطلاقه على الأبعد. # تنبيه: نجعله خاتمة لهذه المقدمات، في معرفة ما يعتمد من الأدلة ms141 المتقدمة ~~في تقرير الأحكام PageV01P182 الشرعية وإثبات الأمور العملية في المسائل الخلافية ومواقع الأنظار في ~~المضطربات الاجتهادية، وقد أسلفنا ما يعتمد من الأدلة الشرعية، ونردفه بما ~~لا يعتمد منها بمعونة الله تعالى. # واعلم أن هاهنا أمورا قد وقع الخلاف فيها بين العلماء، هل تكون عمدة ~~لتقرير الأحكام الشرعية أم لا! فلا بد من ذكرها ليكون الناظر متمكنا من ~~معرفة ما وقع فيه الخلاف مما ليس فيه خلاف، وجملة ما نورده من ذلك مآخذ عشرة: # المأخذ الأول: يتعلق بالقرآن. # وحاصل الأمر أن كل ما كان منقولا بطريق الآحاد فإنه لا يعد قرآنا، ولا ~~يكفر من رده، ولا يكون متلوا مثل ما تواتر نقله. # وهل يعول عليه في تقرير الأحكام العملية أم لا؟ فيه تردد وخلاف بين ~~العلماء، ولنورد من ذلك ثلاثة أمثلة: # المثال الأول: ما روته عائشة (¬1) في عدد الرضعات قالت: كان فيما أنزل ~~الله، عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس رضعات معلومات يحرمن. ومات رسول ~~الله وهي مما يتلى في القرآن. فاعتمده الشافعي في تقرير مذهبه في تحريم ~~الرضاع بخمس، وأباه أصحابنا وأبو حنيفة لأمرين: # أما أولا: فلأن القرآن إنما يثبت بطريق التواتر دون الآحاد. # وأما ثانيا: فلأنه لو كان قرآنا لكان متلوا من جملة القرآن مكتوبا في ~~المصاحف، فلما بطل ذلك تعذر كونه معدودا في القرآن. # المثال الثاني: ما روي [عن] ابن مسعود (¬2) رضي الله عنه: أنه كان يقرأ: ~~{فصيام ثلاثة أيام - متتابعات - PageV01P183 }. فاعتمده أصحابنا وأبو حنيفة في إيجاب التتابع في كفارة اليمين، وروي عن ~~عمر رضي الله عنه أنه قال: لولا أن يقال: زاد عمر آية في كتاب الله، لكتبت ~~آية الرجم: {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة والله عزيز حكيم}. ~~وقال: لا تتركوا آية الرجم فتهلكوا، أي لا تتركوها عن العمل بها فتهلكوا، ~~فأثبتها من طريق الحكم دون التلاوة. # المثال الثالث: ما روي عن أبي بن كعب (¬1) أنه كان يقرأ في آية الإيلاء: ~~{فإن فاءوا - فيهن - فإن الله غفور رحيم}. فاستدل به أبو حنيفة وأصحابه على ~~أن الفيئة ms142 إنما تكون في مدة الإيلاء، وأباه أصحابنا والشافعي وأجازوا ~~الفيئة بعد تقضي مدة الإيلاء. # فما هذا حاله لا خلاف في أنه غير معدود في القرآن لما ذكرناه، وإنما ~~الخلاف في أنه: هل يجوز تقرير الأحكام العملية به أم لا؟ فأما كونه قرآنا ~~فلا يثبت بحال. # المأخذ الثاني: زعم بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي أن النافي لا دليل ~~عليه، وجعل هذه طريقة في الاستدلال بأن يقول: أنا ناف فلا يلزمني إقامة ~~دليل على ما نفيته، وإنما يتوجه الدليل على من كان مثبتا لشيء من الأحكام، ~~وقرر هذا بأن قال: من نفى نبوءة غيره لم يلزمه إقامة دليل على ذلك، وإنما ~~يلزم من كان مثبتا للنبوءة، وهذا فاسد في الاستدلال لا يعول عليه، فإن ~~القطع بالنفي لا يجوز التعويل عليه إلا بدلالة، كما أن القطع بالإثبات لا ~~بد فيه من دلالة، فهما مستويان في تقرير الدلالة عليهما، ولهذا فإن النفي ~~قد يكون معلوما بالضرورة، فإنا نقطع بأنا لسنا في لجة بحر ولا جناح نسر، ~~ويعلم بالنظر، فإنا قطعنا بأن المطلقة غير المدخول بها لا عدة عليها لقوله ~~تعالى: {من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها}[الأحزاب:49]. ~~ويستدل على أنه لا نفقة للمتوفى عنها زوجها بأن النفقة تكون في مقابلة ~~الاستمتاع وقد انقطع بالموت. # قوله: بأن النافي للنبوة لا دلالة عليه. # قلنا: هذا خطأ، فإن المنفي عليه دلالة، وهو عدم المعجز الدال عليها(¬2) ~~فإذا عدم كانت منتفية لا PageV01P184 محالة، فبطل التعويل على مثل هذه الطريقة في تقرير الأحكام كما زعموا. # المأخذ الثالث: سكوت صاحب الشريعة وتقريره من غير أن يكون له شعور بالفعل ~~وتفطن به، ومثاله: ما يزعمه بعض أهل الظاهر (¬1) في إسقاط الغسل من الإيلاج ~~من غير إنزال، لما روي عن بعض الصحابة أنه قال: كنا نكسل على عهد رسول الله ~~ولا نغتسل، وفي هذا دلالة على أنه لا يجب الغسل منه، وما هذا حاله من ~~الاستدلال يضعف ولا يلتفت إليه؛ لأن هذا أمر يفعل على جهة الخفية ولم يشعر ms143 ~~به الرسول فيقر عليه أو ينكره، والأمر فيه محتمل، فلا يجوز تقرير الحكم ~~بما فيه احتمال، وعن هذا قال عمر رضي الله عنه لمن احتج بهذا، وجرى الخوض ~~بحضرة الصحابة: هل علم رسول الله بذلك فأقركم عليه؟ فقالوا: لا. فرده. فدل ~~ذلك على أن هذه الطريقة غير معتمدة ولا تعويل عليها، ولأن الحجة بما يصدر ~~من جهة الشارع، وهاهنا لم يصدر من جهته شيء أصلا فيعول عليه في كونه شرعا. # المأخذ الرابع: استصحاب الإجماع في محل الخلاف. # فما هذا حاله من الاستدلال غير معتد به؛ لأن حاصل أمره عند التحقيق في ~~الصحة إبطاله، وما هذا حاله من الأدلة فلا عبرة به، وهذا نحو استدلال بعض ~~أصحاب الشافعي في المتيمم إذا رأى الماء وهو في الصلاة، فإنه زعم أنه يمضي ~~فيها ولا يخرج، محتجا بأنا أجمعنا على صحة إحرامه وانعقادها صلاة، فأنا ~~أستصحب هذا الإجماع في إثباتها، فمن زعم أنه برؤية الماء يبطل إحرامه فإنه ~~يفتقر إلى الدلالة. # وقد بطل ما عول عليه من الاستدلال، فإن أصحابنا وأبا حنيفة يبطلونه من ~~جهة أن الإجماع إنما كان منعقدا قبل رؤية الماء فأما مع رؤيته فلا إجماع ~~هناك؛ لأن الإجماع لا يمكن تقريره مع الخلاف، فكأنه أراد أن يصحح الإجماع ~~فأبطله لاستعماله في محل الخلاف، فلهذا قلنا: إن في تصحيحه إبطاله. # المأخذ الخامس: استعمال العموم مع قيام المخصص، ومثاله: استدلال الشافعي ~~على وجوب المتعة في حق المدخول بها بقوله تعالى: {وللمطلقات متاع ~~بالمعروف}[البقرة:241] . فما هذا حاله يكون مردودا؛ لأنه استدلال بالعموم ~~مع قيام دلالة التخصيص وهو قوله : (( فلها المهر بما استحل من فرجها)) فأوجب PageV01P185 للمدخول بها المهر لا غير، فلا تكون مندرجة تحت قوله تعالى: {وللمطلقات ~~متاع بالمعروف} فلا يصح الاحتجاج به مع قيام ما ذكرناه من المخصص، وإنما ~~يكون دلالة فيما عداه، وهو المطلقة غير المدخول بها ممن لم يسم لها مهر، ~~ويبطل هذا الاستدلال بما ذكرناه من استصحاب الإجماع في محل الخلاف؛ لأنهما ~~سيان في الإبطال؛ وكمن يحتج بقتل المرتدة بقوله ms144 : (( من بدل دينه ~~فاقتلوه)). فما هذا حاله في الرجال والنساء على العموم، فيجب قتله بظاهر ~~هذا العموم، وهذا غير صحيح، فإن قوله : (( نهيت عن قتل النساء)). قد أخرجه ~~عن العموم فلا يصح الاحتجاج بالعموم مع وجود هذا المخصص؛ لأنه يدل على ~~خروجه عنه فلا يكون مقصودا به. # المأخذ السادس: قول الواحد من الصحابة، هل يكون حجة أم لا؟ # فحكي عن الشافعي في القديم: أنه جعله حجة وقدمه على القياس، ومثاله: ما ~~روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال فيمن ظاهر من نسوة له أربع: إنه يلزمه ~~كفارة واحدة عن جميعهن، ورجع الشافعي في الجديد عن هذا وقال: إنه لا يكون ~~حجة بحال. # وحكي عن أبي حنيفة: أنه إذا خالف القياس كان توقيفا من جهة الرسول ~~ومثاله: ما استدل به أصحاب أبي حنيفة فيمن اشترى شيئا بثمن ثم باعه بأقل من ~~ذلك الثمن قبل أن ينقد الثمن في البيع الأول، أن ذلك غير جائز، لما روي أن ~~عائشة (رضي الله عنها) أنكرت ذلك على زيد بن أرقم (¬1)، وقالت لأم ولده: ~~أخبري زيدا أنه أحبط جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب، فدل ذلك على أنها لم ~~تغلظ في القول بإحباط الجهاد والإثم إلا عن توقيف، وهذه تسمى العينة(¬2). # وحكي عن مالك: أنه حجة مع مخالفة القياس كمقالة الشافعي في القديم. # وقد عول أصحابنا على ما قاله أبو حنيفة من حجة أن قول الصحابي إذا كان ~~موافقا للقياس، فظاهر الحال أنه على رأي له فلا يكون فيه حجة، بخلاف ما إذا ~~كان مخالفا للقياس فلا تكون مخالفته للقياس إلا لأمر أحق من القياس وأولى ~~وهو التوقيف من جهة الشارع. PageV01P186 # والمختار: أنه لا يكون حجة معتمدة؛ لأنه لا دلالة على كونه حجة من جهة أدلة ~~الشرع، وإنما يكون صالحا للترجيح لا غير، ولأنه كما لا تعويل عليه إذا وافق ~~القياس، فهكذا لا تعويل عليه مع مخالفة القياس أيضا، والجامع بينهما: أنه ~~قول من لا دلالة على كون قوله حجة. # قولهم: إنه مع ms145 مخالفة [القياس] يدل على التوقيف لأجله خالف القياس. # قلنا: هذا فاسد، فإنه لو كان هناك توقيف لوجب ذكره في ذلك الوقت أو في ~~وقت آخر. # قولهم: إن عائشة أغلظت عليه فيدل على التوقيف. # قلنا: هذا فاسد، فإنه قد يحصل التغليظ في الاجتهاد كما روي عن أمير ~~المؤمنين كرم الله وجهه: من أراد أن يقتحم جراثيم(¬1) جهنم فليقض بين الجد ~~والأخوة برأيه، أو كما قال ابن عباس(¬2): ألا يتقي الله زيد بن ثابت (¬3) ~~بأن يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا. فالتغليظ قد يرد على جهة ~~المبالغة في مسائل الاجتهاد كما أوضحناه والله أعلم. # المأخذ السابع: في شرع من قبلنا من أهل الكتابين، التوراة والإنجيل، هل ~~يكون شرعا لنا إذا لم ينسخ عنا أم لا؟ فيه خلاف بين العلماء. # فالذي ذهب إليه أصحابنا والشافعي جواز ذلك، ولهذا سوغوا أن تكون المنافع ~~مهرا بما في قصة شعيب ، حيث قال لموسى صلى الله عليه وسلم: {إني أريد أن ~~أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج}[القصص:27]. وقالوا: إن ~~شرع من قبلنا لازم لنا ما لم ينسخ عنا وأستعملوه في كثير من المسائل ~~الفقهية. # وكما قال الشافعي في تسوية القصاص في الأطراف بين المرأة والرجل محتجا ~~بقوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين ~~بالعين}..الآية[المائدة:45]، ولأنها كتب منزلة من السماء على ألسنة الرسل ~~فما لم ينسخ فهو شرع في حقنا كالقرآن. # وأبى ذلك أبو حنيفة وأصحابه محتجين بأن الرسول ، شريعته ناسخة لجميع ~~الشرائع وذلك معلوم من دينه بالضرورة. # والمختار عندنا: ما قاله أبو حنيفة وأصحابه ويدل على ذلك وجوه ثلاثة: # أما أولا: فلأن الرسول ، لم يعلم من حاله أنه كان يطالع شيئا من الكتب ~~المتقدمة في شيء من الحوادث، ولا كان يسألهم عن ذلك، فلو كان ذلك شرعا في ~~حقنا لكان يعرفنا ما هو المنسوخ من ذلك من غير ما يكون منسوخا، فلما علمنا ~~إعراضه عنها، دل على أنه لا يكون شرعا في حقنا. # وأما ثانيا: فلأنه رأى يوما في ms146 يد عمر كراسة من التوراة فاحمر وجهه وتغير ~~لونه وقال: (( والله لو كان أخي موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي))(¬4). # وأما ثالثا: فلأن ما كان من شرعنا مطابقا لحكم التوراة وغيرها من الكتب ~~فإنما يكون بتقرير الشارع له وتنصيصه عليه لا بحكم التوراة على الإطلاق، ~~وفي هذا دلالة على أنها غير معتمدة في كونها شرعا لنا، وهذا هو مطلوبنا. # المأخذ الثامن: الاستدلال بالقرائن، وهو محكي عن المزني من أصحاب ~~الشافعي، ومثاله: استدلال أصحاب أبي حنيفة، وهو محكي عن بعض أصحابنا، في ~~نجاسة الماء المستعمل، بأن الرسول قال: (( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ~~ولا يغتسل فيه))(¬5). ففرق بين البول فيه والاغتسال فيه، لما كان البول فيه ~~ينجسه ويفسده، وهكذا حال الاغتسال. ومثل هذا لا يعد طريقا لتقرير الأحكام ~~الشرعية من جهة احتماله؛ لأن عطف الشيء على غيره لا يوجب أن يكون حكمه مثل ~~حكمه؛ لأن المعطوف يغاير المعطوف عليه، فقد يعطف المستحب على ما يكون محرما ~~كقولك: لا تظلم أخاك ولا تؤاخذه PageV01P187 بذنبه. فإذا كان كما قلناه، لم تكن القرينة وهي اتصال أحدهما بالآخر على ~~جهة العطف، دالة على تساويهما في الحكم، بل لابد هنالك من علة جامعة أو ~~دلالة منفصلة تدل على تنجيس الماء بالاستعمال من غير ما ذكروه، وقد عول ~~أصحاب أبي حنيفة على هذه القرينة في غير هذه المسألة، وزعموا أن عطف الخاص ~~على العام يوجب تخصيصه، كما قالوا في قوله عليه السلام: (( لا يقتل مؤمن ~~بكافر، ولا ذو عهد في عهده))(¬1) فلما أوجب أن يكون الثاني مخصوصا بالكافر ~~الحربي لتساوي دماء أهل الذمة، وجب أن يكون الأول مخصوصا أيضا بالكافر ~~الحربي، وجوزوا على أثر هذا أن يقتل المسلم بالذمي، وقد أوضحنا الرد عليهم ~~في الكتب الأصولية وأبطلنا مقالتهم هذه. # المأخذ التاسع: زعم بعض الأصوليين، أن نسخ بعض أحكام الآية يكون نسخا ~~لها، فلا يجوز الاحتجاج بها فيما وراء ذلك. وهذا فاسد. ومثال ذلك: استدلال ~~القاسمية(¬2) على وجوب النفقة للمتوفى عنها زوجها أخذا من قوله تعالى: ~~{والذين ms147 يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج}[البقرة:240]. فنسخ الحول لا يدل على نسخ المتاع، فإذا كان الحول ~~منسوخا بالأربعة الأشهر فلا وجه لنسخ النفقة، بل هي واجبة بنص الآية، ومن ~~أسقطها فإنما يسقطها بدليل آخر كما هو رأي الفقهاء والمؤيد بالله لا من جهة ~~أن بعض أحكام الآية منسوخ فيجب نسخ جميعها. وكاستدلال أصحابنا والشافعي على ~~كون المهر يجوز أن يكون منفعة الحر بقوله تعالى: {إني أريد أن أنكحك إحدى ~~ابنتي هاتين}[القصص:27]. فإذا نسخ كون المهر للأب كانت الآية الحجة فيما ~~وراءه ولم يكن نسخ بعضها نسخا لجميعها كما زعموه. # المأخذ العاشر: تأخر البيان عن وقت الخطاب لا يكون دليلا على عدم الحكم ~~أصلا؛ لأن تأخر البيان عن وقت الخطاب جائز كما قررناه في الكتب الأصوليه، ~~ومثاله: استدلال أصحابنا والحنفية على إسقاط الكفارة في قتل العمد، بأن ~~الله تعالى ذكر العمد ولم يوجب فيه كفارة، فلو كانت واجبة لذكرها كما ذكرها ~~في قتل الخطأ، فلما لم يذكرها، دل على عدم الوجوب فيها، فما هذا حاله لا ~~يكون معتمدا في نفي وجوبها وإنما يؤخذ عدم وجوبها من دلالة أخرى غير هذه، ~~خلافا لرأي الشافعي في وجوبها، PageV01P188 لأنه لا يمتنع كونها واجبة لكن بيان وجوبها متأخر عن بيان قتل الخطأ ~~انتظارا لوقوع الحاجة، وهذا يخالف الاستدلال على أن المرأة لا يجب عليها ~~كفارة الظهار، من جهة أن الرسول أوجبها على الرجل ولم يوجبها على المرأة، ~~فلو كانت واجبة لذكرها؛ لأنه لو لم يذكرها لكان في ذلك تأخير للبيان عن وقت ~~الحاجة وهو غير جائز، فظهرت التفرقة بينهما بما ذكرناه. # ولا أورد من الأحاديث إلا ما صح بطريقة شرعية يعتمدها أهل الحديث ~~ويستقويها الأصوليون، ولا اعتمد من الأقيسة إلا ما كان ظاهر الإخالة قوي ~~المشابهة من غير تعريج على حديث ضعيف أو قياس طردي ركيك. # ولنقتصر على هذا القدر من التنبيه على مالا يعتمد من الأدلة في تقرير ~~الأحكام الاجتهادية ففيه كفاية، وبتمامه يتم الكلام على ما أردنا ذكره ms148 من ~~هذه المقدمات التي يحتاج إليها الفقيه الخائض في الفقه من غير أن يكون له ~~حظوة وافرة في علم الأصول والحمد لله. PageV01P190 # كتاب الطهارة PageV01P191 كتاب الطهارة # وهو مشتمل على مسائل خمس: # المسألة الأولى: في لفظ الطهارة # وهي مصدر من قولهم: طهر الشيء يطهر، نحو كتب يكتب، وطهر يطهر، نحو شرف ~~يشرف، طهارة. # والاسم: الطهر، وطهرت الشيء تطهيرا، وتطهرت بالماء تطهرا. # ومعناها: التنزه من الأدناس. # قال امرؤ القيس: # ثياب بني عوف طهارى نقية ... وأوجههم بيض المسافر غران(¬1) # وطهارى: جمع طاهر، على غير قياس كأنه جمع لطهران، نحو كسلان وكسالى، ~~وحيران وحيارى(¬2)، والمسافر: جمع مسفر، وهو ما ظهر من الوجه. # والتفرقة بين المصدر والاسم، هو أنك إذا قلت: طهارة، فإنها مشعرة بالفعل، ~~كأنك قلت: طهر الشيء طهارة، بخلاف قولك: الطهر، فإنه غير دال على الفعل ولا ~~مشعر به، فهو في إطلاقه كإطلاق الرجل في عدم إشعاره بالفعل ودلالته عليه، ~~فهذه هي التفرقة بين المصدر والاسم إذا أطلقه الفقهاء PageV01P177 وأهل اللغة، وتحتها أسرار وفوائد لا يخفى حالها على الأذكياء. # والطاهر في اللغة: هو الجاري على نعت الاشتقاق من غير أن يكون فيه مبالغة ~~كالضارب، فإنه الفاعل للضرب من غير مبالغة. # والطهور هو الجاري على جهة الاشتقاق مع اختصاصه بالمبالغة، كضروب وضحوك، ~~فهو في إفادة ما ذكرنا من المبالغة كفعال، نحو ضراب وقتال. # فالطاهر ما كان مختصا بالطهارة في نفسه لا غير. # والطهور هو: الطاهر في نفسه المطهر لغيره. # فالطاهر: وصف لا زم غير متعد إلى غيره. # والطهور يتعدى إلى غيره، وهو أنه مطهر لغيره، ونعني بتعديته أمرين: # أحدهما: من طريق التأثير، وهو أنه مؤثر في غيره التطهير، كما أن الضارب، ~~مؤثر في غيره الضرب والقاتل مؤثر في غيره القتل، فتأثيره حاصل في جهة الغير ~~كما ذكرناه. # وثانيهما: من جهة اللفظ، وهو أنه متعد إلى مفعول بحرف جر، كقولك: مررت ~~بزيد، بخلاف قولنا: طاهر فإنه لا يفيد واحدا من هذين الوجهين فلهذا كان ~~لازما، فهذا هو مراد الفقهاء بقولهم: إن الطاهر لازم، والطهور متعد. ms149 وهل ~~يفترقان من جهة الحكم أم لا؟ فيهما مذهبان: # أحدهما: أنه لا تفرقة بينهما، وعن هذا قالوا: إن كل شيء من المائعات كان ~~طاهرا فإنه يجوز التطهر به للجنب والنجس، دون الحدث(¬1) كالخل واللبن ~~وغيرهما، وهذا شيء يحكى عن أبي حنيفة وأصحابه وأبي بكر بن داود الأصم (¬2). PageV01P178 # والحجة لهم على ما زعموه: ما عرف من عادة العرب من عدم التفرقة بين فاعل ~~وفعول في الإطلاق، فما كان الفاعل منه لازما فالفعول مثله في اللزوم، ~~كالقاعد والقعود، والنائم والنؤوم، وما كان الفاعل منه متعديا فالفعول مثله ~~في التعدي، كالضارب والضروب والقاتل والقتول، وهكذا حال الطاهر والطهور لا ~~تفرقة بينهما، وإن كانا في اللزوم على سواء، فلهذا قضينا بأن كل ما كان ~~طاهرا فهو طهور من غير تفرقة. # وثانيهما: وجوب التفرقة بينهما، فالطاهر ما كان طاهرا في نفسه كما مر ~~تقريره، والطهور ما كان مطهرا لغيره، وعن هذا قالوا بأن غير الماء من ~~المائعات لا يكون طهورا لما كان غير مطهر لغيره، وهذا هو رأي أئمة الزيدية ~~ومن تابعهم من فقهائهم، وهو مذهب الشافعي وأصحابه. # والحجة لهم على ذلك: قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا}[الفرقان:48]. # ووجه الحجة من الآية: هو أن الآية واردة مورد الامتنان بما أنعم الله به ~~من نزول الماء للتطهير وخصه بالذكر وجعله من أعظم النعم، فلو كان الطاهر ~~والطهور على سواء لكان لا فائدة في تخصيصه بالذكر ووروده على جهة الامتنان، ~~وقوله تعالى:{وسقاهم ربهم شرابا طهورا}[الإنسان:21]. # ووجه الحجة للدلالة من هذه الآية هو: أنها واردة على جهة المدح والثناء ~~على شراب أهل الجنة وتميزه عن شرابات الدنيا، بأن شراب أهل الجنة طاهر في ~~نفسه مطهر لغيره كالماء، بخلاف شراب الدنيا فإنه ليس على هذه الصفة، فلو ~~كان الطاهر والطهور سواء لكان الشرابان مستويين في ذلك، وفي هذا دلالة في ~~حصول التفرقة بينهما. # والمختار: ما عول عليه أصحابنا والشافعي لما رواه أبو هريرة (¬1) قال: ~~سأل رجل رسول الله فقال: إنا نركب رماثا لنا في البحر - الرماث جمع رمث ms150 ~~بالتحريك وهو زورق صغير يركب عليه في PageV01P179 البحر - ومعنا القليل من الماء إن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ ~~فقال: (( هو الطهور ماؤه والحل ميتته))(¬1). فخص الماء باسم الطهور، وفي ~~هذا دلالة على أن غيره لا يطلق عليه اسم الطهور، وكما هو دلالة على ما ~~ذكرناه من اختصاصه من اسم الطهور، ففيه دلالة أيضا على أن الماء يتطهر به؛ ~~لأنهم سألوه عما يتطهر به، فأجابهم بأنه طهور، وما رواه أبو سعيد الخدري ~~(¬2) عن النبي أنه قال: (( خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير ريحه أو ~~لونه))(¬3). # ويدل على ذلك من جهة اللغة قول جرير: # عذاب الثنايا ريقهن طهور(¬4) # وأراد أن ريقها طاهر يتطهر به؛ لأنه قصد به المبالغة في مدحها، فلو كان ~~الطهور هو الطاهر لا غير، لكان لا مدح موجود لها في ذلك، فإن ريق البهائم ~~يشاركها في كونه طاهرا، وهذا هو المقصود، ثم إن الخلاف في هذه المسألة له ~~ثمرتان: # الأولى منهما: أنه لا يجوز إزالة الأشياء النجسة ولا رفع الأحداث بشيء من ~~المائعات سوى الماء PageV01P180 لاختصاصه بالتطهير عندنا، وهو رأي الشافعي، وعندهم أن ذلك جائز(¬1). # الثانية: أنه إذا تغير الماء بشيء من الطاهرات فإنه لا يجوز الوضوء به ~~ولا الغسل ولا رفع النجاسات، وعندهم أن ذلك جائز كما [ذكرناه]. # فأما قولهم: إن العرب لم يفرقوا بين فاعل وفعول، وبنوهما من الفعل اللازم ~~والمتعدي جميعا، فهو فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنا نعلم قطعا تفرقتهم بينهما حيث جعلوا فعولا للمبالغة دون ~~فاعل، فإذا جاز أن يفرقوا بينهما فيما ذكرناه، جاز أن يفرقوا بينهما في كون ~~أحدهما وهو فعول، موضوعا للتعدي دون فاعل. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه تعويل على أمر لفظي في وضع الصيغة، وما ذكرناه ~~تعويل على أمر معنوي. ولا شك أن التعويل على المعاني أحق من التعويل على ~~الألفاظ، واسم الطهارة قد صار منقولا بالشرع عما كان عليه في اللغة؛ لأنه ~~موضوع في الأصل للتنزه عن الأنجاس ومفيد للنقاء، ثم صار مقولا في الشرع على ~~إفادة ms151 معان شرعية كالغسل والمسح والجفاف والنزح وغير ذلك من المعاني ~~الشرعية، فصار فيما يفيده كالصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها من الأسماء ~~التي نقلها الشرع، وهل تكون مفيدة لمعانيها اللغوية ما أفادتها من معانيها ~~الشرعية أم لا؟ فيه تردد وخلاف قد ذكرناه من قبل، وأخبرنا فيما سبق أنه مع ~~إفادتها لما نقلت إليه من المعاني الشرعية، فلا تنفك عن إفادتها لما وضعت ~~له من معانيها اللغوية، لكن الشرع قد غيرها وزاد فيها زيادة غير مخلة ~~بمعانيها اللغوية كما أشرنا إليه، فهذا ما أردنا ذكره في بيان ما يفيده لفظ ~~الطهارة وشرح معانيه الدالة عليها. # المسألة الثانية: في بيان حقيقة الطهارة وشرح معانيها المفيدة لها بوضع الشرع: # قد وضح لك أن الطهارة اسم شرعي، واعلم أن الناس بالإضافة إلى شرح حقيقة ~~الطهارة وإبانة ماهيتها فريقان: PageV01P181 # فالفريق الأول: تكلموا في بيان معناها وإبانة ماهيتها، بالإشارة إلى تفاصيل ~~مسائلها، وشرح أحكامها على جهة التفصيل من غير إشارة منهم إلى ضبطها ~~بالحدود والتعريفات الحقيقية والرسمية، وإنما كان همهم من ذلك ذكر المسائل ~~المشتملة عليها على جهة التفصيل، وهؤلاء هم أكثر الفقهاء، أبو حنيفة ~~والشافعي وأصحابهما، وزعموا أن ماهية الشيء وإدراك حقيقته كما يحصل ~~بالتعريفات الحقيقية واللوازم الرسمية، فإنها تحصل أيضا بحصر المسائل وضبط ~~الأحكام. # الفريق الثانى: وهم الذين رغبوا في حصرها بالحدود والتعريفات وصانوها عن ~~النقوص بالاحترازات. ثم هم حزبان: # الحزب الأول منهم: اقتصروا من مفهوم الطهارة على طهارة الماء من حدث أو ~~نجس ، وعلى طهارة التراب من الحدث من غير إشارة منهم إلى ما وراء هذين ~~النوعين من الطهارات كلها، وهذه هي طريقة السيد الإمام أبي طالب وغيره من ~~فقهاء المذهب، فإنهم قصروا أنظارهم فيما أوردوه من التعريفات على الطهارة ~~المائية والطهارة الترابية، ولم يخرجوا عن شيء سواهما من سائر أصناف ~~الطهارات مع أنها طهارة ، كالجفاف والاستحالة(¬1) وغيرهما، ثم إنهم ذكروا ~~لها تعريفات ثلاثة: # التعريف الأول : ذكره السيد أبو طالب فى (التذكرة)(¬2)، وحاصل ماقاله: # الطهارة هي: الشرعية المزيلة للأحداث. فقوله: الشرعية، يخرج منه مايفيد ms152 ~~التنقية وليس مشروعا كغسل الحائض ووضوئها فإن هذه طهارة، ولكنها غير شرعية؛ ~~لأنها لاتفيد رفع الحدث ولا إزالة النجس. # وما ذكره من التعريف ينتقض بأمور ثلاثة: # أما أولا: فلأن هذا تخرج منه الطهارة من النجس، وهي من جملة الطهارات ~~الشرعية. # وأما ثانيا: فلأن هذا تخرج عنه الطهارة بالتراب؛ لأنها غير مزيلة للحدث ~~على رأيه، وهي من جملة ما يتطهر به. # وأما ثالثا: فلأن هذا منقوض بالطهارة على الطهارة، فإنها من جملة ~~الطهارات وقد ورد بها الشرع PageV01P182 كالوضوء على الوضوء وليس مزيلا للحدث فانتقض هذا الحد. # التعريف الثاني: ذكره في (الشرح)(¬1)، وحاصل كلامه أنه قال: # الطهارة: هي الشرعية الواجبة لأجل الأحداث، وهذا وإن كان سالما من ~~الاعتراض بطهارة التراب كما ورد على الحد الأول، لكنه منقوض بالأمرين ~~الآخرين، إما بطهارة النجس فإنها من جملة الطهارات وليست واجبة لأجل ~~الأحداث، وإما بالطهارة على الطهارة فإنها من جملة الطهارات الشرعية وليست ~~واجبة مع كونها طهارة، فخرجت عنها، فلهذا كان ما ذكره منقوضا بما أشرنا إليه. # وذكر القاضي زيد (¬2) أن الأولى أن يقال فيها: الطهارة هي: المفعولة ~~للأحداث، وهذا وإن كان سالما عن النقض بطهارة التيمم، لكنه منقوض بالطهارة ~~عن النجس والطهارة على الطهارة، فإن هاتين من جملة الطهارات وليستا ~~مفعولتين من أجل الحدث. # التعريف الثالث: أن يقال: الطهارة عبارة عن مسح وغسل أو عن أحدهما بصفة ~~مشروعة، وهذا وإن كان سالما عن النقض بطهارة التيمم والطهارة على الطهارة، ~~لكنه منقوض بسائر أنواع الطهارات، كالجفاف والاستحالة وغيرهما مما يكون ~~طهارة وليس مسحا ولا غسلا، وهذه كلها تعريفات لمن قصر الطهارة على هذين ~~النوعين ولم يعرج على ما سواهما مما يكون طهارة. # الحزب الثاني: الذين أغرقوا في حصر أنواع الطهارات وراموا اندراجها تحت ~~حد واحد بإدخال جميع الصور، كما هو محكي عن الشيخ أبي عبدالله محمد بن أحمد ~~النجراني (¬3)، فإنه قال: # الطهارة عبارة عن: مسح وغسل وجفاف ونزح واستحالة، فما هذا حاله قد اندرج ~~تحته ما يقال: إنه طهارة في الشرع من الحدث والنجس، وطهارة ms153 التراب وجفاف ~~الأطفال عند الولادة، ونزح الآبار PageV01P183 عند وقوع النجاسة فيها، والأمور النجسة إذا استحالت كالعذرة إذا صارت ~~رمادا، والكلب إذا صار ملحا، وغير ذلك، وهذا ما أردنا ذكره من مذاهب ~~الفقهاء في سلوكهم طريق الضبط لماهية الطهارة، والإشارة إلى تعريفها. # والمختار في ذلك: تفصيل نشير إلى أسراره يلتفت إلى القواعد العدلية ويشم ~~رائحة من المباحث الكلامية. وحاصله أنا نقول: اسم الطهارة واقع على حقائق ~~مختلفة وأنواع متفاوتة لا يمكن اندراجها تحت حد واحد، وما هذا حاله من ~~الألفاظ المشتركة فلا تشملها ماهية واحدة ويستحيل ذلك في حقها، فلو قال ~~قائل: ما حقيقة الملك والجني والإنسان والحجر؟ فإنه لا يمكن أن يجاب بحقيقة ~~واحدة لاختلاف هذه الحقائق في أنفسها، وهكذا حال من يسأل عن ماهية الطهارة ~~فلا يمكن أن يجاب بماهية واحدة لإختلاف حقائقها في أنفسها وسائر أنواعها، ~~فإنها مقولة على طهارة الحدث وطهارة النجس وطهارة التراب وطهارة النزح ~~والجفاف والاستحالة، فصارت لفظة مشتركة واقعة على حقائق مختلفة يستحيل ~~اندراجها تحت ماهية واحدة، فإذا سأل السائل عن ماهية الطهارة لم يستحق ~~جوابا على الإطلاق، ولكن يقال له: عن أي أنواع الطهارة تسأل؟ # فإذا قال: عن طهارة الماء؟ # قيل له: هي استعمال الماء لحدث أو نجس. # وإن قال: عن طهارة التراب؟ # قيل له: هو استعمال التراب للحدث. # وهكذا القول في سائر أنواع الطهارة إذا كان سائلا عن كل واحد منها بعينه ~~فإنه يستحق جواب كل واحد منها بعينه، ويجري ما ذكرناه في جميع الألفاظ ~~المشتركة التي تندرج تحتها حقائق مختلفة، كالعين والإدراك وغيرهما مما لا ~~بد فيه من الاستفصال، فإن أنف آنف عما ذكرناه من هذا التقسيم وأراد ~~اندراجها تحت ماهية واحدة، فالأغوص أن يقال في ماهيتها: عبارة عن غسل ومسح، ~~أو عن أحدهما أو ما في حكمهما بصفة مشروعة، فلا يبعد أن يكون هذا ضابطا ~~لجميع مجاريها الشرعية. # نعم هذا كله، إذا قلنا: بأن لفظ الطهارة يطلق على ما ذكرناه من هذه ~~الحقائق المختلفة من غير أن يكون تعارفا، فأما ms154 إذا قلنا: بأن لفظ الطهارة ~~قد صار متعارفا [عليه] في ألسنة الفقهاء فيما كان من PageV01P184 طهارة الماء وطهارة التراب، فعلى هذا يقال في ماهية الطهارة: هي استعمال ~~أحد المشروعين: الماء أو التراب. وعلى هذا يكون الحد مطابقا لما كان ~~التطهير قد صار متعارفا فيهما. # وإذ قد أتينا على المقصود من تعريف ماهية الطهارة وذكر خلاف الفقهاء ~~فيها، فلنردفه بذكر حقائق الألفاظ التي تمس الحاجة إليها عند الخوض في ~~المسائل الخلافية، والاستدلالات الخطابية، والاستنباطات القياسية، ويعظم ~~دورها في ألسنة الفقهاء، وجملة ما نذكر من ذلك أمور عشرة نفصلها بمعونة ~~الله تعالى: # أولها: النظر، وهو: ترتيب مقدمات علمية أو ظنية، ليتوصل [بها] إلى الوقوف ~~على الشيء بعلم أو ظن. # وثانيها: الدليل، وهو: ما كان النظر فيه مؤديا إلى العلم بالمطلوب. ~~والأمارة: ما كان النظر فيها مؤديا إلى تغليب الظن. # وثالثها: العلم، وهو: إدراك الشيء على ما هو به مع سكون النفس إليه. ~~والظن: تغليب بالقلب على أحد المجوزين ظاهري التجويز. # ورابعها: الحجة، وهو: ما يدل على صحة الدعوى. # وخامسها: الخبر، وهو: ما كان محتملا للصدق والكذب. والصدق: ما كان مخبره ~~على ما هو به، والكذب: ما كان غير مطابق لمخبره. # وسادسها: الظاهر، وهو: ما كان محتملا لأمرين، أحدهما أقوى من الآخر. ~~والتأويل: صرف الكلام عن ظاهره. والمطلق: اللفظ الصالح لما تناوله. ~~والمقيد، هو: الذي خصص ببعض صفاته. # وسابعها: النسخ، وهو: بيان أن مثل الحكم الشرعي غير ثابت بدليل مثله مع ~~تراخيه عنه. والأمر: قول القائل لغيره: افعل. والنهي: قول القائل لغيره: لا ~~تفعل. والحقيقة: ما أفاد معنى مصطلحا عليه في غير ذلك الوضع. والواجب ~~والفرض: ما تعلق العقاب بتركهما. والعبادة هي: الطاعة. والطاعة: موافقة ~~الأمر. والمعصية: مخالفة الأمر. # وثامنها: الصحيح، وهو: ما كان معتدا به في مقصوده. والفاسد: ما خالف ~~الشرط المعتبر فيه. والمجزي من الأفعال: ما كان خارجا به من عهدة الأمر. ~~والمتواتر: ما حصل به العلم PageV01P185 الضروري.والآحادي: ما أثمر الظن. والصحابي: من خالط الرسول. والتابعي: من ~~صحب الصحابة. # وتاسعها: المرسل، ms155 وهو: ما انقطع إسناده. والمسند: ما اتصل إسناده. ~~والموقوف من الأحاديث: ما كان مقصورا على الصحابة. والمرفوع: ما كان إسناده ~~متصلا بالرسول . والاجتهاد: بذل الوسع في تحصيل الغرض. والرأي: استخراج ~~صواب العاقبة. # وعاشرها: القياس، وهو: حمل فرع على أصل بعلة جامعة بينهما. والأصل: ما ~~ثبت حكمه بنفسه. والعلة، هي: المقتضية للحكم. والمعلل، هو: الناصب للعلة. ~~والطرد، هو: وجود الحكم بوجود العلة.والعكس، هو: عدم الحكم بعدم العلة. ~~والنقص: وجود العلة من غير حكمها. والمعارضة: مدافعة الخصم بمثل دليله أو ~~بما هو أقوى منه. والترجيح: إثبات مزية توجب تقديم إحدى الأمارتين على ~~الأخرى. والانقطاع: هو العجز عن نصرة المذهب. ولنقتصر على هذا القدر ففيه ~~كفاية عن مقدار غرضنا من ذلك. والله الموفق. # المسألة الثالثة: في بيان تقسيم الطهارات: # واعلم أن لها تقسيمات كثيرة باعتبارات متفاوتة، ولكنا نقتصر منها على ~~تقاسيم أربعة: # التقسيم الأول: باعتبار ذاتها إلى ما يفتقر إلى النية وإلى ما لا يكون ~~مفتقرا إليها: # فالذي يفتقر إلى النية من الطهارات، هو التيمم والوضوء والغسل عندنا على ~~اختلاف فيه بين الفقهاء سنذكره فى موضعه ونوضح المختار بمعونة الله تعالى. # والذي لايفتقر إلى النية، هو غسل النجاسة. # وإنما كان تقسيمها باعتبار النية تقسيما راجعا إلى ذاتها ، من أجل أن ~~الطهارة [حكم] اسمي شرعي كما مر تقريره من قبل، فلما كان لاحكم للطهارة من ~~غير نية، لما كان الشرع قد اعتبر فيها النية، فلأجل هذا كانت من غير نية لا ~~صورة لها ولاتوجد حقيقتها، فمن ثم كان ذلك راجعا الى الذات. # واعلم أن النية هي العزم. يقال: نويت السفر إذا عزمت عليه. والنية القصد. ~~يقال: إلى أين نيتك؟ PageV01P186 # والغرض إلى أين قصدك. وعينها واو، واشتقاقها من النوى وهو البعد؛ وإنما ~~سميت بذلك لكونها غائبة عن الناس، ولكونها فى القلب مستورة. وأنشد الجوهري (¬1): # صرمت أميمة خلتي وصلاتي ... ونوت ولما تنتوي كنواتي # أي ولم يكن قصدها قصدي، ولا كانت عزيمتها مثل عزمي في المودة وحسن ~~المواصلة ولزوم الإخاء، ولها(¬2) موقع عظيم في العبادات الشرعية، لما ms156 روي ~~عن عمر رضي الله عنه عن النبي ، أنه قال: (( إنما الأعمال بالنيات))(¬3). ~~ولايكون العمل صالحا إلا بها ولا مقبولا إلا معها، لما روي عن النبي أنه ~~قال: (( لا عمل إلا بنية))(¬4). فظاهر الخبر دال على أن ماليس معه نية من ~~الأعمال فهو مردود، وهي أفضل الأعمال لما روي عن النبي أنه قال: (( نية ~~المؤمن خير من عمله، ونية الفاسق شر من عمله)) (¬5) وهذا الخبر له معان خمسة: # المعنى الأول: أن العمل متناول للأفعال الظاهرة القولية والفعلية، ولا شك ~~أن ما هذا حاله فإنه يدخله الرياء، بخلاف النيات فإن محلها القلوب ولا يطلع ~~عليها الخلق ولا يكون فيها رياء، وعمل قليل بعلم أفضل عندالله من عمل كثير ~~بجهل ورياء، فلأجل هذا كانت النية أفضل من العمل. # المعنى الثاني: أن يكون مراده عليه السلام من ذلك أن العمل مفتقر إلى ~~النية، بحيث لو خلا عنها لكان لا وزن له عند الله تعالى، بخلاف النية فإنها ~~غير مفتقرة إلى العمل، فالنية يؤجر عليها بمجرد فعلها، بخلاف العمل فإنه لا ~~يؤجر عليه ولا يكون مستحقا للثواب عليه إلا بانضمام النية إليه، فلهذا كانت ~~خيرا من العمل لهذا الاعتبار. PageV01P187 # المعنى الثالث: أن المراد من قوله: نية المؤمن خير من عمله، على معنى أن ~~المؤمن قد ينوي الفعل ولا يتفق له العمل، فيحصل له الثواب على مجرد النية ~~وهي أسهل من العمل، بخلاف العمل فإنه لا يحصل إلا بتكليف ومشقة في فعله، ~~فيكون المعنى بكونها خيرا أنها أسهل مؤنة وأخف محملا، بخلاف الفعل فإن فيه ~~من المشقة ما ليس فيها، ويؤيد هذا المعنى ما روي عن النبي أنه قال: (( إن ~~المؤمن إذا نوى خيرا كتبت له حسنة فإذا فعله كتب له عشر حسنات)). # المعنى الرابع: أن هذا الحديث وارد على سبب خاص، وهو أن الرسول ، ذكر له ~~صلاة بعض المنافقين وأنه طول فيها قنوته، فقال الرسول : (( نية المؤمن خير ~~من عمله))، أي من عمل الكافر، فالضمير في عمله راجع إلى الكافر؛ لأنه لا ~~ثواب له ms157 على صلاته، وأراد أن نية المؤمن على قلتها وصغر قدرها وخفة مؤنتها، ~~خير من عمله وإن كان شاقا يحتاج إلى مؤونة كثيرة، كما روي عن النبي أنه ~~قال: (( إن الله خلق آدم على صورته))، فالضمير في صورته راجع إلى آدم، وقد ~~غلط فيه بعض المجسمة الحشوية فأعاد الضمير إلى الله تعالى. # المعنى الخامس: أن المراد من ذلك: أن نية المؤمن وإن كانت قليلة في ~~عددها، فهي خير من جملة عمله وإن كان كثيرا، فتكون الفائدة في ذلك أنها ~~مساوية للعمل في كونه عبادة وفي كونه مستحقا عليه الأجر والثواب، فهذه ~~المعاني كلها يحتملها الخبر ويدل عليها كما أشرنا إليه. # التقسيم الثاني: باعتبار ما يتطهر به: # اعلم أنما يتطهر به ينقسم إلى: مائع وجامد. # فالمائع هو: الماء، لقوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم ~~به}[الأنفال:11]. وما روي أنه عليه السلام قال: (( خلق الماء طهورا)). # والجامد هو: التراب، يكون طهورا عند عدم الماء في سفر أو حضر، لقوله ~~تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}[النساء:43]. وقد يكون بالحجر ~~عند أثر الغائط والبول، لقوله : (( ثلاثة أحجار ينقين PageV01P188 المؤمن))(¬1). كما سنوضحه بعد هذا بمعونة الله تعالى. # وهل يجوز التطهر بنبيذ التمر أم لا؟ فيه مذهبان: # الأول: أنه لا يجوز التطهر بشيء من الأنبذة بحال، وهذا هو رأي أئمة ~~العترة ومن تابعهم من فقهائهم، وبه قال الشافعي ومالك ومحكي عن أحمد بن ~~حنبل وأبي عبيد (¬2) وداود (¬3). # والحجة على ذلك: قوله تعالى في آية الوضوء: {إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا}[المائدة:6]. ثم قال: {فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}. ~~فنقلهم عند عدم الماء إلى التراب، فلو كان غيره جائزا لم يقصرهم في النقل ~~إليه ولكان نقلهم إلى غيره أقرب من نقلهم إلى التراب؛ لأن النبيذ أقرب إلى ~~صفة الماء وخلقته من التراب. ولقوله : (( التراب طهور المؤمن مالم يجد ~~الماء))(¬4). # وتقرير الحجة فيه: ما ذكرناه في تقرير الآية، ولأن التطهر ورد من جهة ~~الشرع مقصورا على الماء والتراب، فلا يجوز نقله إلى غيرهما إلا بدلالة شرعية. ms158 # المذهب الثاني: أنه يجوز التطهر بنبيذ التمر، وهذا هو رأي أبي حنيفة ~~وأصحابه، ثم اختلفت الرواية فيه عن أبي حنيفة، وله فيه ثلاث روايات: # الرواية الأولى: مثل مذهبنا، أنه لا يجوز التطهر به، إلا في كونه نجسا ~~[فإنه] قال بطهارته مع أنه لا يجوز التوضؤ به، وهو قول أبي يوسف، وعند ~~أصحابنا والشافعي: أن كلما انتبذ يكون نجسا. # الرواية الثانية: أنه يجوز التوضؤ به والتيمم بعده، وهذا هو المحكي عن ~~محمد بن الحسن. # الرواية الثالثة: أنه يجوز التوضؤ به إذا طبخ وانتبذ عند عدم الماء في ~~السفر، والحجة على ذلك PageV01P189 حديث ابن مسعود ليلة الجن، فإنه قال: كان مع الرسول في تلك الليلة، فلما ~~أراد الصلاة لفرض الفجر، فقال له: (( أمعك وضوء))؟ فقال: لا. معي إداوة(¬1) ~~فيها نبيذ. فقال: (( تمرة طيبة وماء طهور))، فتوضأ به. # والمختار: ما عول عليه أصحابنا والشافعي، لما ذكرناه عنهم من الأدلة ~~الشرعية، ولأن الكتاب والسنة ظاهرهما دال على عدم النقل من الماء إلى غير ~~التراب، فلو كان التطهر بالنبيذ جائزا إذا لذكره؛ لأنه في موضع تعليم الشرع ~~وهو وقت الحاجة فلا يجوز تأخيره عن الذكر، والإعراض عنه. # الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه، أما ما ذكره من الاحتجاج بحديث ابن ~~مسعود، فعنه أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلأن هذا الحديث، رواه أبو زيد(¬2)، عن ابن مسعود وهو مجهول ~~عند رواة الحديث، فلا يكون مقبولا. # وأما ثانيا: فلأن الرسول قال: (( تمرة طيبة وماء طهور))(¬3). فأطلق اسم ~~الماء عليه، فلو [كان] نبيذا لم يطلق عليه اسم الماء. # وأما ثالثا: فلأنه قال: (( تمرة طيبة)). فلو كان التمر قد صار نبيذا لم ~~يطلق عليه [اسم] التمر بعد تغيره، فأما قول ابن مسعود جوابا له، حيث قال ~~له: ما في إداوتك؟ فقال: نبيذ تمر، فلا حجة فيه؛ لأنه كلام لصحابي، وقد ~~قررنا أنه لا حجة في قول الصحابي فأغنى عن تكريره. # وله تأويل، وهو أنه إنما قال: نبيذ تمر. جريا على عادة العرب في نبذهم في ~~الأمواء تميرات تجتذب ملوحته وتطيبه؛ لأن ms159 الغالب الملوحة في أمواء الحجاز، ~~فلهذا قال: نبيذ تمر، من أجل ذلك أجابه PageV01P190 الرسول بقوله: (( تمرة طيبة)). جريا على ما هو المألوف من عادات العرب في ~~ذلك كما أشرنا إليه، فإطلاق اسم التمرة والماء من جهة صاحب الشريعة صلوات ~~الله عليه، فيه دلالة ظاهرة على أنهما لم يتغيرا عما هما عليه من صفة ~~المائية والتمرية؛ لأن إطلاق اسم الماء والتمر على ما تفاحش تغيره وزال عن ~~صفته يشابه إطلاق الماء على المرق والعصيدة وهو محال لا وجه له. # ثم إنا نقول: إنه لم يجر من عادة العرب أنهم يستصحبون الأنبذة في أسفارهم ~~إذ لا حاجة لهم إليها، وإنما يستصحبون الأمواء لحاجتهم إليها في المفاوز، ~~فلا وجه لاستصحاب ابن مسعود النبيذ في السفر، وفيه دلالة وأمارة قوية علىأن ~~ما كان في إداواته إنما هو الماء المنبوذ فيه تمرات لا غير. # لا يقال: لو كان في إداوته ماء لم يكن لنفيه للوضوء [معنى] لما سأله ~~الرسول : ((هل معك وضوء))؟ فقال له: لا، لأنا نقول: هذا فاسد، لأن الحجة ~~إنما هي في كلام صاحب الشريعة دون كلام ابن مسعود، فلا حجة فيه، وقد قال: ~~(( تمرة طيبة وماء طهور)). ولعله إنما نفى الماء الذي يتوضأ به اعتقادا منه ~~أن كل ما خالطه الطاهر ولم يغير شيئا من أوصافه فإنه لا يجوز التوضؤ به، ~~فبطل ما توهموه. # التقسيم الثالث: باعتبار مايفعل التطهر من أجله: # والذي يحدث التيمم له منقسم إلى: فريضة ونافلة. # فأما الفريضة، فمنقسمة إلى ما يكون واجبا على الأعيان كالصلوات الخمس، ~~وإلى ما يكون وجوبه على الكفاية كصلاة الجنازة، وهكذا صلاة العيدين على رأي ~~من يجعلهما فرضا، إما على الكفاية وإما على الأعيان كما سنقرر الخلاف فيهما ~~ونوضح المختار بمعونة الله تعالى. # ثم ما كان واجبا على العين، منقسم إلى ما يكون قضاء وهو الذي فات وقته ~~فأدي بالتطهر، وإلى ما يكون وقته باقيا، وهو المؤدى، هذا كله تقسيم في حق ~~ما يكون واجبا مما يكون مؤدى بالتيمم. # وأما النافلة: فهي على وجهين: ms160 # أحدهما: أن تكون تابعة، وهذا نحو ركعتي الظهر وسائر الرواتب التي للصلاة ~~المفروضة. # وثانيهما: أن تكون مستقلة، إما متكررة بتكرير الأعوام كصلاة العيدين، ~~وإما بتكرر الحوادث كصلاة الكسوفين والاستسقاء، وإما غير ذلك، كسائر ~~النوافل المبتدأة في جميع الأوقات ما خلا PageV01P191 الأوقات المكروهة، فهذه الصلوات كلها تجوز(¬1) لأجلها الطهارة وتكون مشترطة ~~فيها، وهذه الأمور كلها نذكر أحكام أدائها بالطهارة، ونورد مسائلها ~~باستقصاء بمعونة الله تعالى. # التقسيم الرابع: باعتبار كيفية استعمال الطهارات (وينقسم) إلى: # ما يكون الواجب فيه المسح، وهو التيمم كما سنذكر كيفيته، وإلى ما يكون ~~الواجب فيه الغسل، وهو الطهارة من الجنابة وطهارة الميت وغير ذلك من ~~الاغتسالات الواجبة. # وإلى ما يجب فيه الأمران، وهو الوضوء، فالغسل في الأعضاء الخمسة والمسح ~~في الرأس. # ثم تنقسم الطهارات إلى: # ما يكون له بدل مشروع، وهذا نحو الوضوء والغسل عند تعذرهما أو عدم الماء، ~~فإن لهما بدلا وهو التيمم بالتراب. # وإلى مالا يكون له بدل، وهو الطهارات من النجاسات كما سنوضحه. # ثم للطهارات تقسيمات كثيرة باعتبارات مختلفة، ولكنا نقتصر من تقسيماتها ~~على ما أوردناه ففيه كفاية لقصدنا، والله أعلم. # المسألة الرابعة: في بيان حكم الطهارة من النجاسات هل تكون معقولة المعنى أم لا؟ # اضطرب رأي الخائضين في علوم الاجتهاد في المسائل الخلافية، في أن الطهارة ~~من النجاسة هل يعقل معناها أم لا؟ # فالذي ذهب إليه الأكثر من أئمة العترة ومن تابعهم من العلماء من شيعتهم ~~أنها غير معقولة المعنى، ونعني بكونها غير معقولة المعنى، هو أنها مشروعة ~~على جهة التعبد من غير أن يفهم معناها، ومن أجل كون معناها غير معقول، تعين ~~الماء لها، فلا يجوز إزالتها بغير الماء، وبه قال الشافعي ومالك PageV01P192 وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه (¬1) وداود وزفر (¬2) ومحمد بن الحسن من ~~أصحاب أبي حنيفة. # والحجة لهم على ذلك: هو أن الطهارة لا تجب لغير الصلاة ولا يفهم من جهة ~~الشرع وجوب إزالة النجاسة إلا من أجلها، والمعنى الذي من أجله وجبت لأجل ~~الصلاة غير معقول ولا ترشد إليه مخائل ms161 المعاني ولا تجري فيه مسالك الأشباه، ~~وفي هذا دلالة على أنها غير معقولة، ويؤيد كونها غير معقولة المعاني، وجوب ~~الاغتسال من المني دون البول والغائط، وهما أكبر وأقذر منه، فدل ذلك على ~~انسداد معانيها بكل حال، ولأن إزالة النجاسة طهارة تراد للصلاة وتقصد من ~~أجلها، فلا يجوز فهم معناها كالوضوء، وإذا كانت غير مفهومة المعنى تعين ~~الماء لها، فلا يجوز إزالتها بغير الماء، وهذه هي الفائدة في كونها غير ~~معقولة المعنى، وزعم أبو حنيفة وأصحابه أن طهارة النجاسة معقولة المعنى، ~~وأن مقصود الشرع منها إزالة عينها واستئصال أثرها، وهذا يحصل بما كان يرفع ~~ويقلع من المائعات كالخل واللبن، فقد حصل معناها المعقول، وإلى هذا ذهب أبو ~~عبدالله الداعي (¬3). # والحجة لهم على ما قالوه: ما ذكرناه من تقرير معناها المعقول من الرفع ~~والقلع، وإذا كان معناها معقولا وهو حاصل بكل ما كان يرفع أثرها ويزيل ~~عينها من المائعات، فقد تقرر مقصود الشرع بفهم المعنى، وينوي على هذا ~~إزالتها بغير الماء من كل مائع رافع لها. # والمختار: ما عول عليه أصحابنا والشافعي ومن وافقهم في كونها غير معقولة ~~المعنى، ومن أجل ذلك تعين لها الماء، ولم يجز إزالتها بغيره من سائر ~~المائعات. ويدل على ذلك أنها جارية على صرف PageV01P193 التعبد والاحتكام، فلا تفهم فيها مخائل المعاني وطرقها منسدة فيها، فلا ~~يضطرب فيها بالخطوات الواسعة لضيق مسلكها ودقة مجراها، وما هذا حاله فإنه ~~يجب الجمود فيها على حكم الشرع واقتراحه، لما كان معناها غير مفهم فيجب قصر ~~الإزالة على الماء. # الانتصار: يكون بتزييف(¬1) ما اعتمدوه. # قالوا: الغرض والمقصود هو الإزالة، فتجب إزالتها بكل قالع للأثر. # قلنا: هذا فاسد فإنا لا نسلم أن المقصود هو الإزالة، فإنه قد تجوز الصلاة ~~مع الآثار النجسة وإن بقي أثرها بعد غسلها بالماء كما سنوضح الأمر فيه، ثم ~~إنا وإن سلمنا أن الغرض هو الإزالة، لكن لا نسلم أنه كل المقصود، بل هو ~~المقصود مع نوع تعبد، كما أن الغرض بالعدة هو براءة الرحم، لكن ليس كل ~~المقصود ms162 منها. وإذا كان الأمر كما قلنا من كونها غير معقولة المعنى، وجب ~~تعين الماء لها، وهذه هي الفائدة بكونها غير معقولة المعنى. والذي يقطع ~~شجارهم ويحسم مادة سعيهم، أنا نقول لهم: إزالة النجاسة لا تجب لغير الصلاة، ~~فأخبرونا عن وجه وجوبها للصلاة. # فإن قالوا: المفهوم من جهة الشرع أن المصلي مأمور بأن يأخذ في الصلاة ~~أبهى زي وأحسن هيئة فهكذا يكون مأمورا بالتنقية من الأقذار والنجاسات أحق وأولى. # قلنا: هذا تكرير للسؤال، فلم تجب التنقية في الصلاة؟ وعنه نسأل. # فحصل من مجموع ما ذكرناه أن اشتراط إزالة النجاسة في الصلاة لا يعقل ~~معناه، بل هو جار على صرف التعبد فهكذا حال النجاسة نفسها لا يعقل معناها. ~~وإذا كان أمرها جاريا على ما ذكرناه من التعبد، وجب تعين الماء لها كما ~~قررناه من قبل، لأجل إشارة ظواهر الشرع إلى قصره على الماء فلا وجه ~~لإعادته، وإزالة النجاسة ليس من قبيل العبادات فلا تكون مفتقرة إلى النية، ~~وتصح تأديتها ممن ليس من أهل العبادة كالكافر والصبي. وإن نوى التقرب بها ~~كان مثابا على فعلها؛ لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، كما جاء في ~~الحديث، وهو رأي أصحابنا والفقهاء لا يختلفون فيه، والوجه فيه ما أشرنا إليه. PageV01P194 # المسألة الخامسة: في بيان حكم الطهارة من الحدث هل يعقل معناها في ذلك أم لا؟ # ذهب علماء العترة ومتبعوهم إلى أن طهارة الحدث غير معقولة المعنى، ~~وأرادوا بما ذكروه من ذلك هو أنها جارية على صرف التعبد من جهة الله تعالى، ~~منسدة عنها مسالك المعاني ومنحسمة فيها طرق القياس، وعن هذا قالوا: إنها ~~مقصورة على الماء بحيث لايقوم غيره في تحصيلها من المائعات مقامه، وبه قال: ~~أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ولايختلفون في ذلك. # والحجة على ذلك: هو أن الطهارة من الأحداث مختصة بأوقات وجارية على ~~كيفيات مقررة من جهة الشرع، بحيث لاتهتدي العقول إلى معرفة أسرارها ~~ولاتنتهي إلى غاياتها، فخصها بوقت الحدث دون غيره، وأوجبها في أعضاء مخصوصة ~~عن موضع الحدث، ثم أوجب غسلها من ms163 غير نجاسة فيها لأجل نجاسة خارجة من ~~غيرها، ثم أوجب غسل الأكثر منها، ومسح بعضها على هيئة مقدرة وكيفية مرتبة ~~لاتخفى، وكل ماذكرناه من هذه التصرفات الجارية من جهة الشرع، فيها دلالة ~~على أنها جارية على جهة التحكم من غير أن يكون للعقول إليها تطلع في فهم ~~معناها، ومن أجل ذلك احتكم فيها بأنه لايجرى غير الماء في تأدية المقصود ~~منها مجراه. # وذهب بعض متبعي الشافعي إلى أن طهارة الحدث معقولة المعنى، وزعموا أن ~~الغرض هو تنقية هذه الأعضاء من القاذورات، وعن هذا قالوا: تجوز بغير الماء ~~لما كان المعنى فيها مفهوما، كماء الورد وغيره من الأمواء الطاهرة. وحكي عن ~~الأوزاعي (¬1): جواز التوضؤ بجميع الأنبذة بخلاف ماقاله أبو حنيفة فإنه ~~قصره على نبيذ التمر دون غيره من سائر الأنبذة، وقد حكى عنه ابن أبي ~~مريم(¬2): رجوعه عن جواز التوضؤ به. PageV01P195 # وحكي عن الحسن بن حي (¬1): جواز التوضؤ بالخل وماء الورد ونحوه. # والحجة لهم على ما قالوه من كونها معقولة المعنى: هو أن الغرض من الطهارة ~~التنقي عن الأدران، والنظافة عن الأوضار وإزالة الغبرات، ولا شك أن الأعضاء ~~الظاهرة في المهن والتصرفات هي الوجه واليدان إلى المرفقين والقدمان، ~~والإنسان في تصرفاته في مهنه وتقلباته في قضاء مآربه، يصادم الغبرات وتعلق ~~به الأدران، فورد الشرع بغسل هذه الأعضاء على كيفيات مخصوصة وأوقات محددة ~~مقدرة، والرأس لما كان مستورا بالعمامة غالبا، خفف الشرع وظيفته فجعلها ~~مسحا. وقرروا هذا الاستدلال بقوله جل جلاله، في سياق آية الوضوء: {ولكن ~~يريد ليطهركم}[المائدة:6]. فأشار بذلك إلى التوقي عن القاذورات والبعد عن ~~مصادمة الغبرات. هذا ملخص ما قالوه في تقرير هذه المقالة. # والمختار: ما عول عليه أصحابنا والفريقان من الحنفية والشافعية: في أن ~~طهارة الحدث لا يعقل معناها، ويدل على ذلك أن الطهارات كما أشرنا إليه، ~~جارية على منهاج العبادات البدنية التي لا يلوح فيها معنى مخصوص ولكنها ~~مشتملة على أمور غيبية استأثر الله تعالى بعلمها وأحاط علمه بها. # نعم.. قد يخيل منها معان كلية ومقاصد عامة تحمل ms164 على المثابرة على وظائف ~~الخيرات ومجاذبة القلوب بذكر الله وصرف النفوس عن المطالب الدنيوية، والحض ~~على أخذ الأهبة لدار الآخرة، وقد أشار إليه بقوله تعالى: {إن الله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين}[البقرة:222]. وقوله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر}[العنكبوت:45]. فهذه أمور مفهومة ولكنها ~~غير منحصرة في أنفسها فلا يمكن القياس، ويتعذر استنباط المعاني المختلفة ~~التي يتقرر القياس عليها. وإذا كانت المعاني منسدة طرقها ويصعب جريها فيها ~~بطل استعمال الأقيسة فيها فلا يلحق بها شيء، ويبطل أن يقوم مقام الماء غيره ~~في تأدية العبادات به لانحسام مسالك القياس وجريها على مرارة التعبد، وفي ~~ذلك بطلان ما قالوه. ويؤيد ما ذكرناه، هو أن أبا حنيفة لما لم يصف له ~~المعنى في طهارة الحدث وافقنا في كونها غير معقولة المعنى، وأن غير الماء ~~لا يقوم مقامه في تأديتها بخلاف طهارة النجس، فإنه قد زعم كونها معقولة ~~المعنى، وأن الغرض القلع للآثار والتنحية لها، وهذا حاصل بما يقلع من ~~المائعات كما أوضحناه من قبل. PageV01P196 # الانتصار عليهم: يكون بإبطال ما توهموه. # فأما ما زعموه من المعنى الذي توهموه في إيجاب غسل هذه الأعضاء ومسحها، ~~فهو من الإقناعات التي يقبلها من ليس له قدم راسخة في علم الأصول، وحاصلها ~~خيال منقشع بأدنى مطالبة، ويبطل ما قالوه بما قررناه من قبل من كونها جارية ~~على مذاق التحكمات الجامدة، فلا ينقدح فيها معنى معقول فيقاس عليه، ثم نبطل ~~ما ذكروه بالمعارضة بأمرين: # أحدهما: أنا نقول: لو استقام ما ذكرتموه في الوضوء وأن الغرض به التنقي ~~عن كل ما يعرض من القاذورات والتنزه عنها، لكان يلزم فيمن أسبغ وضوءه وأتمه ~~بكماله ثم عمد إلى تراب فتعفر به وتلطخ بالطين الطاهر ثم صلى وهو على تلك ~~الحالة، أن لا تكون صلاته صحيحة؛ لأن سر الوضوء ومعناه غير حاصل، فلو صح ~~المعنى الذي زعموه لما كانت صلاته صحيحة وهو مخالف للإجماع. # وثانيهما: أن التيمم هو تعفير الوجه بالتراب وإزالة رونقه بملابسته ومسحه ~~به، فلو صح ما ذكرتموه من ms165 معنى الطهارة لكان لا وجه لكونه مشروعا عند عدم ~~الماء؛ لكونه مناقضا لمعنى الطهارة وسرها. # فهذان الأمران مبطلان لهذه القاعدة التي ذكروها، وتنخل من مجموع ما ~~ذكرناه، أن طهارة الحدث والنجس لا يعقل معناهما، وأن المعنى الذي ذكره أبو ~~حنيفة في طهارة النجاسة وهو القلع، يبطل بما سلمه في طهارة الحدث، فإن ~~التعميم حاصل فيها بماء الورد وقد منع منه، فهكذا يمنع مما كان مانعا ~~للأثر، ويجب قصرهما على التطهير بالماء كما أشرنا إليه، وممن قال معنا ~~بأنهما لا يعقل معناهما، الشيخ عبدالملك الجويني وتلميذه أبو حامد الغزالي. # فهذا ما أردنا ذكره من المسائل التي اشتمل عليها اللقب في قولنا: كتاب ~~الطهارة. # ونشرع الآن في الأبواب التي اشتمل عليها الكتاب مستعينين بالله وهو خير ~~معين، وجملة ما يشتمل عليه من الأبواب عشرة. PageV01P197 ### | AUTO الباب الأول في المياه # واعلم أن أنظار الفقهاء مختلفة في تقديم الأسبق من أبواب الطهارة في ~~التصانيف، فمنهم من يقدم الكلام في آداب قضاء الحاجة؛ لأن الطهارة إنما ~~تقصد للصلاة وأول ما يشتغل(¬1) به الإنسان هو قضاء الحاجة ليحصل بعدها ~~التطهير، وهذه طريقة المحدثين في كتب الأحاديث ويسمونه باب التخلي، وباب ~~الاستطابة، ويعنون به قضاء الحاجة. # ومنهم من يقدم الكلام في الاستنجاء؛ لأن أول التطهير هو الاستنجاء، وهو ~~غسل الفرجين، وهذه هي طريقة السيد أبي طالب في التحرير(¬2) وشروحه. # ومنهم من يقدم الكلام في المياه؛ لأن أعظم ما يقع به التطهير هو الماء من ~~بين سائر المطهرات، وهذه هي طريقة أكثر الفقهاء، وهذا هو المختار، لأن ~~الاعتبار بذكر الطهارات المائية هو الذي تكون لأجله تأدية الصلوات في أغلب ~~الحالات، ولأنه أحق المطهرات بالتطهير وما عداه بدل منه، فلهذا كان أحق ~~بالتقديم، والأمر فيه قريب وليس فيه كبير فائدة. # ثم إن الطهارة مختصة بالماء من بين سائر المائعات، أما في طهارة الحدث ~~فهو رأي أصحابنا والفرق الثلاث الشافعية والحنفية والمالكية، خلافا ~~لشذوذ(¬3) من الفقهاء، وطوائف قد ذكرناهم من قبل، وأما في طهارة النجس كما ~~رأى أصحابنا والشافعي ومالك ms166 خلافا لأبي حنيفة وأصحابه. # وجهة اختصاصه بذلك من وجهين: # أما أولا: فمن أجل كونه مختصا بنوع من اللطافة والرقة وتفرده بتركيب لا ~~يشاركه فيه غيره من الجوهرية والصقالة. PageV01P198 # وأما ثانيا: فلأنه تعبد في صفة لا يعقل معناه، وهذا هو الأقوى كما مر ~~تقريره، ودليله ماورد من الإشارات الشرعية بكونه مطهرا وانحصار التطهر به، ~~كقوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به}[الأنفال:11]. وقوله ~~عليه السلام: (( خلق الماء طهورا )) إلى غير ذلك من الظواهر الشرعية الدالة ~~على التعبد في التطهير به من سائر المائعات. # فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر تقسيم الأمواء، ثم نردفه بذكر ما يجوز ~~الوضوء به وما لا يجوز، ثم نذكر كيفية الاجتهاد عند الشك في طهارة الماء ~~ونجاسته، ثم نذكر حكم الآنية في الاستعمال، فهذه فصول أربعة: # الفصل الأول: في بيان تقسيم الأمواء # وهي منقسمة إلى طاهرة، ونجسة، ومستعملة، فهذه أقسام ثلاثة: # القسم الأول: في بيان الأمواء الطاهرة # مسألة: كلما بقي على الخلقة من سماء أو نهر أو بئر أو برد أو ثلج أو بركة ~~أو مستنقع للماء، فما لم تلاقه نجاسة أو تغلب عليه أو يكون مستعملا في ~~الطهارة، فهو طاهر في نفسه مطهر لغيره عند أئمة العترة وفقهاء الأمة، ولا ~~يعلم خلاف في هذه الجملة. # أما ماء السماء فالحجة على طهارته: قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا}[الفرقان:48]. وقوله: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم ~~به}[الأنفال:11]. # وأما ماء الأنهار فالحجة عليها: ما رواه أبو سعيد الخدري عن النبي أنه ~~قال: (( الماء طهور لا ينجسه شيء)) ولأنه ماء لم يشبه شائب فجاز التطهر به ~~كماء السماء. # وأما ماء الأبار فالحجة فيه: ما روي عن النبي ، أنه توضأ من بئر بضاعة. # وأما البرد والثلج. فالحجة فيه: ما روى أبو هريرة، قال: كان رسول الله . ~~يقول في سكوته بين التكبير والقراءة: (( اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما ~~باعدت بين المشرق والمغرب، ونقني من PageV01P199 الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني بماء البرد والثلج )) ~~(¬1). فلولا أنهما مطهران لما ms167 جاز الغسل بهما(¬2). # وأما البرك والمستنقعات وغيرهما من الأمواء الطاهرة؛ فالحجة على طهارتها: ~~عموم الآية التي تلوناها، والخبر الذي رويناه، فأغنى عن إفرادهما بالذكر. # فأما البرد والثلج والماء إذا صار صروفا جامدا، فإذا توضأ به متوضئ نظرت، ~~فإن كانت جامدة على حالها لم يكن التوضؤ بها؛ لأنها يستحيل جريها على ~~الأعضاء، فلا يكون فيها غسل، وإن مسح بها رأسه أجزأه في المسح من جهة أن ~~المسح يكفي به إصابة البلل وهو حاصل فيها، وإن كانت ذائبة أو رخوة بحيث ~~تكون جارية على الأعضاء، جاز التوضؤ بها؛ لأن المقصود من الغسل حاصل بها ~~كالماء. وحكي عن الأوزاعي: جواز التوضؤ بماء البرد والثلج والجامد وهي على ~~حالها في الجمود إذا أمرها على العضو المغسول، وما قاله فاسد بما قررناه، ~~ولأنها جامدة صلبة فلا يجوز التوضؤ بها كالأحجار والخشب، وما قلناه في هذه ~~القاعدة هو قول أئمة العترة والجماهير من الفقهاء لا يختلفون فيه. # مسألة: وهل يجوز التطهر بماء البحر أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه يجوز التطهر به، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الصدر ~~الأول من الصحابة رضي الله عنهم ورأي الفرق الثلاث: الحنفية والشافعية ~~والمالكية. # والحجة على ذلك: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه من الحديث الذي قدمنا ~~ذكره، وهو قوله: (( هو الطهور ماؤه والحل ميتته)) لما سئل عنه، وما رواه ~~أيضا أبو هريرة عن الرسول أنه قال: (( من لم يطهره البحر فلا طهره ~~الله))(¬3). # وثانيهما: ما روي عن عبدالله بن عمر (¬4)، وعبدالله بن عمرو بن العاص ~~(¬5)، أنهما قالا في ماء البحر: PageV01P200 # التيمم أعجب إلينا منه. وحكي عن سعيد بن المسيب (¬1) أنه قال: إذا ألجئت ~~إليه فتوضأ منه. وروي عن عبدالله بن عمر أنه قال: تحت بحركم هذا نار، وتحت ~~النار بحر حتى عدد تسعة أبحر وتسعة أنور(¬2). وكلامهم هذا دال على كراهة ~~استعماله للطهارة، وعلى أنه لا يجوز التطهر به إلا عند الضرورة. # والمختار: ما قاله أصحابنا، وهو الذي عليه الجلة من الصدر الأول من ~~الصحابة والتابعين، ms168 وتدل عليه الظواهر القرآنية والأخبار المروية في ~~الأمواء، فإنها دالة بظواهرها على جواز استعماله في التطهر، فأما ما روي عن ~~ابن عمر فإنه يحمل على أنه يصير يوم القيامة نارا، ويصدقه قوله تعالى: ~~{وإذا البحار سجرت}[التكوير:6]. أراد: أحميت، ومنه تسجير التنور إذا كانت ~~محماة(¬3)، أو يحمل على أن البحر مهلكة كما أن النار مهلكة. # فإن قال قائل: فهل ينعقد الإجماع بعد هؤلاء الثلاثة على جواز التطهر بماء ~~البحر فلا يجوز لأحد أن يذهب إلى قولهم، أو تكون المسألة خلافية فلا ينعقد ~~الإجماع مع مخالفتهم؟ # جوابه: أن قوما من الأصوليين زعموا أن الإجماع ينعقد بعدهم، وأنه لا يجوز ~~العمل على قول من خالف بعد إجماع من بعده على خلاف قوله، وهذا فاسد، فإن ~~الإجماع منعقد على جواز الأخذ بقول كل واحد ممن خالف في هذه المسألة، فلو ~~انعقد الإجماع من بعدهم لحرم اتباعهم، وفي ذلك تناقض الإجماعين فلهذا نقول: ~~فلو أجمع من بعدهم فلا يكون إجماعا؛ لأن الإجماع صادر عن بعض الأمة، ~~بالإضافة إلى هذه المسألة، فلا جرم كان الحق جواز العمل على قول من سبق ولا ~~ينعقد الإجماع على مخالفته. PageV01P201 # مسألة: ذهب علماء العترة وفقهاء الأمة: أبوحنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ~~وغيرهم من العلماء إلى أن الماء إذا خالطه شيء يتطهر به، وتغير به فإنه لا ~~يخرجه عن كونه طاهرا يتطهر به، وهذا نحو الملح البحري فإن أصله ماء، لكنه ~~انعقد فصار كالملح إذا ذاب، وكالماء الجامد إذا خالط ماء آخر، وكالتراب إذا ~~خالط الماء فإنه لا يخرجه عن كونه طهورا مع تغيره، فإن طرح التراب في الماء ~~لم يؤثر فيه وكان طهورا كما كان قبل اتصاله فيه؛ لأنه يوافق الماء في كونه طهورا. # والحجة على ذلك: ما ذكرناه من الظواهر الشرعية، من جهة الكتاب والسنة ~~فإنها دالة على جواز التطهر بما هذا حاله من الأمواء، ولا يعرف فيه خلاف ~~بين الأمة. # وإن خالطه طاهر لا يتطهر به ولم يكن مغيرا لشيء من أوصافه نظرت، فإن كان ~~عدم تغيرها لأجل قلته(¬1)، ms169 لم يمنع التطهر به عند أئمة العترة وهو قول أبي ~~حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه، ولا يعرف فيه خلاف، كقطرة ماء ورد وزعفران ~~لا يظهر عليه أثر لقلته، أو غير ذلك من المائعات الطاهرة التي هي غير مغيرة ~~له، من جهة أن الماء باق على إطلاقه فكان مندرجا تحت الظواهر الشرعية ~~الدالة على أن ما هذا حاله فإنه يكون طاهرا مطهرا. # وإن كان عدم تغيره لموافقته لما في طعمه ولونه ورائحته كماء ورد انقطعت ~~رائحته، فالذي عليه أئمة العترة وهو أحد قولي الشافعي وبه قال أبوحنيفة ~~وأصحابه: أنه إذا كانت الغلبة للماء جازت الطهارة به. # والحجة على ذلك: هو أن اسم الماء المطلق جار عليه فلأجل هذا جاز كونه ~~طاهرا يتطهر به. # وإن كانت الغلبة للمخالط لم تجز الطهارة به لزوال اسم الماء عنه. # وللشافعي قول آخر، وحاصله: أنه إذا كان قدرا لو كان مخالفا للماء في ~~صفاته لم يغيره، لم يكن مانعا للتطهر به، وإن كان قدرا لو كان مخالفا له ~~غيره، فإنه يكون مانعا عن التطهر به؛ لأنه لما لم يكن اعتباره بنفسه لأجل ~~مماثلته للماء ومشاكلته له فيما ذكرناه من الأوصاف، اعتبر بغيره كما نقول ~~في الجناية التي ليس لها أرش مقدر على الحر لما لم يكن اعتبارها بنفسها، ~~اعتبرت بغيرها. إما بتقريبها من PageV01P202 الموضحة وإما بحال الجناية على العبيد كما سنقرره بمعونة الله في الجنايات. ~~والتفرقة بين الضبطين في الوجهين ظاهرة، فإن الأول اعتبار بحال نفس الماء ~~من كونه غالبا أو غير غالب، بخلاف الثاني فإنه يعتبر بخلاف غيره، وهو الأمر ~~المخالف للماء. # والمختار: ما قاله أصحابنا في الضد بخلاف نفسه؛ لأن حال نفس الماء في ~~الغلبة وعدمها أخص من حال غيره وأمس للمقصود، فلهذا كان التعريج عليه أكثر. # مسألة: وإن تغير أحد أوصافه من طعم أو لون أو ريح نظرت، فإن كان من ~~الأمور التي لا يمكن صون الماء عنها كالتي تكون في أصله كالنورة والزرنيخ ~~والشب والكحل والطحلب وغير ذلك(¬1)، فما هذا حاله يجوز التطهر ms170 به عند أئمة ~~العترة وهو قول الفقهاء ولا يعرف فيه خلاف. # والحجة عليه: أن مثل هذا يتعذر صون الماء عنه فرفع حكمه كالنجاسة اليسيرة ~~وكالعمل القليل في الصلاة، ولأن اجتناب هذا يكون فيه حرج ومشقة، وقد قال ~~تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}[الحج:78]. ولأنه يعسر تجنبه، وقد ~~قال : (( بعثت بالحنيفية السمحة))(¬2). # وإن كان المغير من الأشياء التي يمكن صون الماء عنها كالزعفران وماء ~~الورد الذكي في الرائحة والحنا والعصفر والأشنان(¬3) وغير ذلك من الأمور ~~المغيرة لأوصافه وإن لم تكن غالبة عليه، فهل يجوز التطهر به أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # أحدهما: أنه لا يجوز التطهر به، وهذا هو قول بعض أئمة العترة ومحكي عن ~~الشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه زال عنه إطلاق اسم الماء بمخالطة ما ليس مطهرا مع ~~استغناء الماء عنه فلم يجز التطهر به كماء اللحم وماء الباقلا. # فقولنا: بالمخالطة. نحترز به عما ليس مخالطا ولكنه مجاور كالماء المبخر ~~بالعود والعنبر. # وقولنا: ما ليس مطهرا. نحترز به عما إذا خالطه التراب والملح البحري، ~~فإنه لا يمنعه من التطهير PageV01P203 مع تغيره. # وقولنا: مع استغناء الماء عنه. نحترز به عما إذا تغير الماء بما في أصله ~~ومقره مما يتعذر صونه عنه، فإنه لا يمنع من تطهيره. # وثانيهما: أنه يجوز التطهر بما هذا حاله، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه ~~ومحكي عن الإمامين: القاسم بن إبراهيم والمنصور بالله عبدالله بن حمزة (¬1). # والحجة لهم على ذلك: هو أن المغير إذا لم يكن غالبا للماء فالحكم للماء ~~فصار كاليسير الذي لم يغيره من هذه الأشياء؛ لأن اليسير إنما لم يكن له حكم ~~لما كان الماء غالبا له فهكذا حال الماء إذا تغير وكان غالبا جاز به ~~التطهر. # والمختار: ما قاله أصحاب أبي حنيفة وما قاله الإمامان القاسم والمنصور ~~بالله، من أن الطاهر إذا كان مخالطا للماء غير غالب له، فإنه يجوز التطهر ~~به؛ لأنه إذا كان غير غالب له فإطلاق اسم الماء باق عليه، ولأن الإجماع ~~منعقد في المخالط إذا ms171 لم يظهر له أثر فلا عبرة به، كاليسير من الزعفران ~~الذي لا يظهر له أثر في الأوصاف الثلاثة، فهكذا المخالطة وإن ظهر أثرها فلا ~~حكم له إلا أن يكون غالبا، فإن كان المغير الطاهر غالبا على الماء في ~~الكثرة لم يجز التطهر به عند أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ~~والشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أن التطهير إنما يكون متعلقا باسم الماء، وفي هذه ~~الصورة قد زال عنه اسم الماء لما كان غالبا عليه، فأما قول أصحابنا ~~والشافعي: أنه قد خالطه ما ليس مطهرا، فلا يجوز التطهر به كماء الباقلاء. # قلنا: هذا غير مسلم، فإنا ننكر أن يكون مطلق المخالطة مانعا من التطهر، ~~بدليل أن اليسير مما يكون مخالطا لا يمنع وإنما المانع هو الغلبة لغير ~~الماء فهي المانعة، ولهذا لم يجز التطهر بماء اللحم وماء الباقلاء لما كانا ~~غالبين للماء فافترقا، والباقلاء - هو حب الفول -، فإذا شددت لامه فهو ~~مقصور، وإذا PageV01P204 خفف فهو ممدود، هكذا قاله الجوهري. # مسألة: والماء إذا خالطه شيء من الأشياء الطاهرة فغير أوصافه أو بعضها ~~كالقرض(¬1) والحنا والأشنان والدقيق وغير ذلك، حتى صار غالبا عليه فإنه لا ~~يجوز التطهر به كما أسلفنا تقريره، لخروجه عن كونه ماء، ويجوز شربه ~~واستعماله في العجين وعقد الأدوية وغير ذلك، عند أئمة العترة وفقهاء الأمة: ~~أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ومالك، ولا يعرف فيه خلاف. # والحجة على ذلك: هو أن المأخوذ فيما يجوز شربه ليس إلا كونه طاهرا لا يضر ~~من شربه. # وقولنا: طاهر. نحترز به عن سائر النجاسات فإنه لا يجوز شربها. # وقولنا: لا يضر [من شربه]. نحترز به عن السمومات فإنه يحرم(¬2) تناولها ~~كما نقرره في الأطعمة بمعونة الله تعالى، ولقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم ~~إن الله كان بكم رحيما}[النساء:29] وما ذكرناه ليس فيه واحد من هذين ~~الأمرين، فلهذا جوزنا شربه واستعماله فيما ذكرناه، بخلاف التوضؤ به والغسل، ~~فإن التعبد وارد في التطهير أن يكون بالماء منحصر فيه كما مر تقريره ~~فافترقا. # وإن وقع في الماء ms172 مالا يختلط به فغير رائحته كالدهن المطيب والعود ~~والكافور، فهل يجوز التطهر به أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: يجوز التطهر به، وهذا هو رأي أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة، ~~وأحد قولي الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن هذا التغير إنما كان بالمجاورة دون المخالطة فلهذا ~~لم يكن مانعا من التطهر به؛ لأن ما يعبق به من الرائحة إنما هو على جهة ~~الانفصال. # وثانيهما: أنه لا يجوز التطهر به، وهذا هو الذي حكاه البويطي عن الشافعي، ~~والأول حكاه المزني عنه. # والحجة فيه: هو أنه ماء متغير فلا يجوز الوضوء به كما لو تغير بما يخالطه ~~كالزعفران. PageV01P205 # والمختار: ما قاله أصحابنا وأبوحنيفة، وهو رواية المزني؛ لأن أصل الماء باق ~~على التطهير فهو الأصل فيه وما عرض فيه غير مغير لهذا الحكم وما علق به في ~~حكم المزايل له، فلهذا قضينا بكونه طاهرا مطهرا. # قال السيد المؤيد بالله: والقمقم إذا سخن فيه الماء فوجدت فيه رائحته ~~فإنه لا يضره؛ لأنه ليس مما يخالط أجزاءه الماء، وكذلك الكوز الذي توجد فيه ~~رائحة المثلث، فإنه لا يضر الماء بعدما غسل ولا بأس به لأن ذلك للمجاورة لا ~~للمخالطة. # وإن تغيرت رائحة الماء برائحة ميتة بقربه، فإن ذلك لا يخرجه عن كونه ~~مطهرا عند أئمة العترة وهو قول الفقهاء: أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ~~وأصحابه، ولا يعرف فيه خلاف، لأن تلك الرائحة إنما كانت على جهة المجاورة ~~دون المخالطة؛ لأنها غير متصلة به على جهة المخالطة فتكون مانعة عن تطهيره. # مسألة: وإذا أخذ الطحلب وجفف ثم دق ووضع في الماء فتغير به، وهكذا حال ~~الزرنيخ والشب والكحل، فإن هذا الأشياء إذا خالطت الماء وغيرته فإنه لا ~~يجوز التطهر به عند أئمة العترة وجميع الفقهاء؛ لأن تغييرها إنما يكون ~~مغتفرا إذا كانت حاصلة في المنابع بحيث لا يمكن الاحتراز منها، وهكذا يكون ~~حال الطحلب فإنه يغتفر تغير الماء به إذا كان نابتا فيه، وأما إذا كانت ~~منفصلة عنه ثم خالطته، فإنما يصير كالزعفران والعصفر(¬1) في تغير الماء ms173 ~~وانفصالها عنه، بخلاف التراب فإنه سواء كان في مقره أو ممره أو حمل إليه ~~فتغير به فإنه لا يضر التطهر عند أئمة العترة وفقهاء الأمة. # والحجة على ذلك: هو أن المعلوم من حال السلف أنهم كانوا لا يحترزون عن ~~الأمواء التي يختلط بها التراب ولا يتصونون عنها. # وقد حكي عن بعض الفقهاء أنه إذا حمل على الماء على جهة القصد فتغير به ~~أنه لا يجوز التطهر به، PageV01P206 وهذا لا وجه له لما ذكرناه من عادة السلف؛ ولأن اتصاله إنما يكون على جهة ~~المجاورة دون المخالطة ولهذا فإنه يرسب في القرار ويصفو الماء عليه. # والمختار: هو الأول من قول العترة وفقهاء الأمة؛ لأن التراب طهور في ~~نفسه، لقوله : (( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)) (¬1). فاتصاله بالماء إن لم ~~يزده قوة في التطهير لم يزده ضعفا. # وإن تغير الماء بطول المكث فهو طاهر مطهر، هذا هو قول أئمة العترة وفقهاء ~~الأمة ، ولا يعرف فيه خلاف. # ووجهه: هو أن الماء باق على أصل التطهير والطهارة في نفسه ولم يعترض له ~~ما يخرجه عن ذلك بمخالطة ولا ممازجة يغير حكمه، فلهذا وجب الحكم عليه بما ~~ذكرناه من الطهارة. # مسألة: وإن تناثرت أوراق الشجر في الماء فتغير بها بعض أوصافه، ففيه ~~مذاهب ثلاثة: # أحدها: أنه تصح الطهارة به، وهذا هو الذي رواه الفقيه محمد بن منصور ~~الكوفي (¬2) عن السلف، وارتضاه الإمام أبوطالب وهو أحد أقوال الشافعي. # والحجة على هذا: أن الأوراق [هي] مما لا يمكن صون الماء عنها ويتعذر ~~الاحتراز منها، فجرت مجرى أصول الأشجار والطحلب وغيره مما لا يمكن صون ~~الماء عنه، ومما يكون في مقره وممره. # الثاني: أنه لا يصح التطهر به، وهذا هو الذي ذكره السيد المؤيد بالله ~~وعول عليه الأكثر من أصحابنا، وأحد أقوال الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله مانع طاهر اختلط به فمنع كونه طهورا ~~كما لو خالطه الأشنان والصابون، وهذا إذا كانت مما ينعصر في الماء ~~لرطوبتها، فإنها تكون مانعة، فإن كانت مما لا ينعصر PageV01P207 كاليابسة ms174 لم يمنع التطهر به. # المذهب الثالث: التفصيل، وهو أنه ينظر، فإن كانت من أوراق الربيع فإنه لا ~~يجوز التطهر به؛ لأنه قليل يمكن صون الماء عنه، وإن كان من ورق الخريف فلا ~~بأس؛ لأنه يكثر ويتعذر صون الماء عنه، وهذا ذكره بعض أصحاب الشافعي. # والمختار في ذلك: أنه ينظر، فإن كان المتغير من الماء بمخالطة الأوراق هو ~~لونه وطعمه لم يجز التطهر به؛ لأن ما هذا حاله يكون مخالطا ممازجا للماء، ~~وإن تغير بالرائحة فما هذا حاله يكون مجاورا فيجوز التطهر به، فتغيره ~~باللون والطعم ينزل منزلة تغيره بالخل واللبن في المخالطة، وتغيره بالرائحة ~~بمنزلة تغيره بالعنبر والمسك في المجاورة دون المخالطة، وإلى ما اخترناه ~~يشير كلام المؤيد بالله حيث قال: إذا تغير لون الماء بعمى البيت(¬1) من ~~الدخان ونحوه فإنه لا يتطهر به، لأنه تغير باختلاط؛ لأن تغير اللون يبعد أن ~~يكون من غير اختلاط، ولأن أصل الماء على الطهارة والتطهير فلا يمكن قطع ~~كونه مطهرا إلا بخروجه عن كونه ماء، وهذا لا يمكن إلا لأجل المخالطة، فلا ~~جرم كانت التفرقة هي الوجه المختار. # مسألة: والملح إذا طرح في الماء فتغير به أحد أوصافه، ففيه احتمالات ثلاثة: # أحدها: أنه يصح التطهر به، والحجة أن كل ملح فهو منعقد من الماء في ~~الأصل، فلهذا لم يفترق الحال فيه بين أن يكون بحريا أو جبليا في أنه غير ~~مغير للماء. # وثانيها: أن كل واحد من الملحين مغير للماء؛ لأنه قد خرج عن صفة الماء ~~فصار كالزعفران والأشنان، فلهذا كان مغيرا بالمخالطة. # وثالثها: التفرقة بين الملحين، فإن كان بحريا لم يمنع التطهر به، وإن كان ~~جبليا فهو مانع للتطهر به، وهذا هو المختار كما مر تقريره؛ لأن ما كان ~~بحريا فهو ماء في الأصل فينزل منزلة الثلج إذا ذاب(¬2)، PageV01P208 وإن كان جبليا منع من التطهر، لأنه بمنزلة الأشياء الطاهرة إذا كان الماء ~~متغيرا بها في منع التطهر به، وقال الشافعي في (الأم): والقطران(¬1) يجوز ~~التطهر به، ثم قال بعد ذلك: إنه مانع ms175 من التطهر به. # والمختار فيه: تفصيل نشير إليه وهو أن ما كان اتصاله بالماء على جهة ~~المخالطة فإنه مانع من التطهير، وما كان اتصاله بالماء على جهة المجاورة ~~فإنه غير مانع للطهارة. # ووجه التفرقة التي ذكرناها: تكون إما باعتبار حالين: وهو أن القطران جنس ~~واحد خلا أنه ربما اشتد اتصاله بالماء حتى صار مخالطا فلهذا منع التطهر به، ~~وربما لم تشتد مخالطته فكان مجاورا فجاز التطهر به. # وإما باعتبار جنسين، وهو أن من القطران ما يرق فيخالط وربما غلظ فكان ~~مجاورا. # والحجة في ذلك: هو أنه إذا صار مخالطا فالمخالطة مخرجة له عن اسم الماء، ~~وإذا صار مجاورا فالمجاورة لا تخرجه عن صفة الماء، فلهذا كان الاعتبار في ~~جواز التطهر وعدمه، إنما يكون بالمخالطة والمجاورة كما أوضحناه. # مسألة: كل ما جاز التطهر به من الأمواء جاز إزالة النجاسة به عندنا، وهو ~~قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه، ودليله ما مر فلا نعيده. وكل ما ~~تزال به النجاسة من المياه فإنه يجوز التطهر به عند أئمة العترة، وهو محكي ~~عن الشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أن كل واحد منهما طهارة تراد للصلاة تعبدية لا يعقل ~~معناها فكانت مقصورة على الماء لما حكيناه من الظواهر الشرعية خلافا لأبي ~~حنيفة وأصحابه فإنهم زعموا إزالة النجاسة بغير الماء مما يكون قالعا مزيلا ~~لها كالخل واللبن، والتطهر بنبيذ التمر ليس من جهة كون طهارة الحدث معقولة ~~المعنى عندهم، كما زعموه في طهارة النجاسة، ولكنه جائز بتخصيص الخبر له، ~~ولهذا قصروه على نبيذ التمر دون غيره من الأنبذة، فصارت الأمواء الطاهرة ~~على ثلاثة أضرب PageV01P209 نفصلها: # الضرب الأول منها: الماء القراح الباقي على أصل خلقته لم يشبه شائب ولا ~~غيره مغير في عينه ولا حكمه، كالمياه النازلة من السماء وماء العيون ~~والأنهار وأمواء البحار وغير ذلك مما يشاكلها في الصفاء والرقة، وقد قررنا ~~أدلة كونها طاهرة في نفسها مطهرة لغيرها فأغنى عن الإعادة. # الضرب الثاني: ما تغير وصفه عن أصل خلقته ولكنه يعد يسيرا لا يوجب ms176 إزالة ~~اسم الماء المطلق عليه، فما هذا حاله فهو طاهر مطهر لغيره كالماء المتغير ~~بطول المكث والمتغير بزعفران يسير أو صابون أو أشنان، بحيث لا يظهر أثره ~~عليه، وهكذا حال ما تغير ريحه بالعود والعنبر والكافور، أو كان في مقره أو ~~ممره كالزرنيخ والكحل كما مر تفصيله. # الضرب الثالث: ما تفاحش تغيره بمخالطة غيره من الأشياء الطاهرة بحيث لا ~~يطلق اسم الماء عليه، فإن استجد إطلاق اسم الماء عليه لم يجز التطهر به، ~~كالمرق والنيل والنقم(¬1) في طهارة الحدث ولا في طهارة النجس إجماعا بين ~~أئمة العترة وفقهاء الأمة لخروجه عن صفة المائية، وإن لم يستجد اسما منفردا ~~يطلق عليه ولكنه خالطه وسواء غلب عليه أو لم يغلب، فلا يجوز التطهر به عند ~~الأكثر من أئمة العترة والشافعي، خلافا لأبي حنيفة وأصحابه، فقالوا: يجوز ~~التطهر به إذا لم يكن غالبا عليه، وهو المختار كما أوضحناه من قبل، وقد ~~فصلنا هذه الجملة وأوردنا ما تحتمله من المسائل المفصلة والله الموفق ~~للصواب. # القسم الثاني: في بيان الأمواء النجسة: # إذا وقعت النجاسة في الماء فغيرت ريحه أو لونه أو طعمه، فإنه يكون نجسا ~~قليلا كان أو كثيرا، عند أئمة العترة، وهو قول الفرق الثلاث: الحنفية ~~والشافعية والمالكية. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه كان يتوضأ من بئر بضاعة (بضم ~~الباء، فالضاد المعجمة والعين المهملة، بئر في المدينة)، فقيل: يا رسول ~~الله إنك تتوضأ من بئر بضاعة وإنه يطرح فيها المحايض ولحوم الكلاب وعذر ~~الناس. (والمحايض: خرق الحيض، والعذر: جمع عذرة، وهو ما يخرج من أدبار بني ~~آدم). فقال رسول الله : (( خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء، إلا ما غير ريحه ~~أو لونه PageV01P210 أو طعمه )). فنص عليها جميعا فلا حاجة إلى القياس مع هذا. # ووجه الدلالة: أن الرسول ، أوجب للماء أنه خلق على الطهارة، وحصر نجاسته ~~على تغير أحد هذه الأوصاف الثلاثة، فدل ذلك على أن النجاسة متعلقة بها. # فإن قال قائل: كيف يطرح ذلك في بئر يتوضأ منها رسول الله وحرمته ms177 أجل ~~وأعلى من أن يفعل ذلك في حقه؟ # وجوابه: من أوجه ثلاثة: # أما أولا: فيحمل [على] أن البئر كانت في موضع منخفض من الأرض، وكانت ~~السيول تحملها إليها لقربها من مجراها. # وأما ثانيا: فيحتمل أن يكونوا طرحوها قبل أن يتوضأ منها ولم يعلموا منه ~~نهيا في ذلك. # وأما ثالثا: فيحتمل أن الذي فعل ذلك أهل النفاق من اليهود وغيرهم لما ~~يحملون عليه من العداوة. # دقيقة: اعلم أن اللون والطعم والرائحة أعراض مدركة موجودة بمحالها على ~~جهة الحلول، واتصالها بالماء لا يكون إلا على جهة المجاورة.. أجزاؤها ~~لأجزاء الماء لاستحالة الانتقال على الأعراض، وإذا كان الأمر فيها كلها على ~~ما ذكرناه من المجاورة ولا يعقل خلاف ذلك فيها، فلا معنى لكلام الفقهاء أن ~~الرائحة إذا كانت مجاورة فإنها لا تنجس كغدير بجنبه ميتة عبق بمائه منها ~~رائحة، بخلاف ما لو كانت فيه فإنها تنجسه لو كانت مخالطة له، وهكذا حال ~~الزعفران إذا ذيف(¬1) في الماء فإنه ينجسه إذا كان نجسا لما كان مخالطا، ~~فإذا لا تعقل في اتصالها بالماء إلا على جهة المجاورة، وإذا كان لا يعقل ~~فيها إلا المجاورة فلا وجه لتقسيمها إلى ما يجاور فلا ينجس ما كان مجاورا ~~له، وإلى مخالط ممازج، فينجس ما اتصل به. # فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن غرض الفقهاء بما قالوه مع التسليم في ~~أنه لا يعقل في اتصاله بالماء إلا على جهة المجاورة ويستحيل عليها ~~الانتقال، فعلى هذا تكون التفرقة بين المجاورة والمخالطة، هو أن المجاورة ~~عبارة عن الاتصال بالماء مع حصول الخلل بين الأجزاء، ومن أجل ذلك قالوا: بأن PageV01P211 اتصال النجاسة بالماء على جهة المجاورة لايوجب تنجيسه بخلاف المخالطة فإن ~~اتصال أجزاء النجاسة بالماء على جهة المخالطة اتصال من غير أن يكون هناك ~~خلل بينهما، بل هو جار على جهة الالتصاق. وعن هذا قالوا: بأن المخالطة توجب ~~التنجيس، فإلى هذا يرجع وجه التفرقة عند الفقهاء بين المجاورة والمخالطة لا ~~غير، مع كون المجاورة معتبرة فيهما لا محالة كما أوضحناه، فإذا حصلت ms178 ~~المجاورة مع حصول الخلل اغتفر الشرع النجاسة في الماء، وإذا حصلت على جهة ~~المخالطة من غير خلل لم يغتفرها، وكان محكوما عليه بالتنجيس، فهذا هو سر ~~التفرقة بين المجاورة والمخالطة في ألسنة الفقهاء، فأما ما يتعلق بالمباحث ~~العقلية فلا يقع هناك تفرقة بين المتكلمين بين ما يكون مخالطا ممازجا وبين ~~ما لا يكون كذلك في أنه كله مجاورة، وما قاله الفقهاء من التفرقة بين ما ~~يكون من النجاسة مخالطا وبين ما يكون مجاورا لكونه مأخوذا من جهة الظواهر ~~الشرعية ومتفرعا على الأقيسة المخيلة الظنية، فلهذا كان التعويل عليه وكان ~~أحق وأقيس. # مسألة: فإن كان الماء كثيرا وتغير بعضه بوقوع النجاسة، فالمتغير يكون ~~نجسا لا محالة لما ذكرناه في المسألة الأولى، عند أئمة العترة وفقهاء الأمة. # والحجة: ما رويناه من الخبر فإنه لم يفصل بين أن يكون متغيرا كله أو بعضه ~~من جهة أن الموجب للتنجيس إنما هو التغير، وهذا حاصل ها هنا. # وهل ينجس ما يكون متصلا به وإن لم يكن متغيرا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه لا يكون نجسا، وهذا هو قول أئمة العترة والفرق الثلاث: ~~الحنفية والشافعية والمالكية. # والحجة على ذلك: ما رواه أبو سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله يقول: (( ~~إن الماء طهور لا ينجسه شيء)). وقوله : (( خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما ~~غير ريحه أو طعمه))، وهذا لم يتغير أحد أوصافه فيجب القضاء بطهارته، وما ~~رواه ابن عباس عن النبي أنه قال: (( إن الماء لا يجنب))(¬1) فهذه الأحاديث ~~كلها دالة على أن مالم يتغير فهو طاهر لا محالة. # وثانيهما: أنه يكون نجسا وإن لم يتغير لما كان متصلا بالنجاسة، وهذا شيء ~~يحكى عن بعض PageV01P212 أصحاب الشافعي، منهم: أبو إسحاق الإسفرائيني وابن الصباغ صاحب (الشامل)، ~~وعن صاحب (المهذب)، وصاحب (المقنع) أيضا. # وحجتهم على هذا: هو أن ما تغير فهو نجس بالاتفاق لظاهر الأحاديث، وإذا ~~كان نجسا كان ما اتصل به نجسا؛ لأنه ماء واحد فلا يجوز أن ينجس بعضه دون ~~بعض فلأجل هذا حكمنا عليه بالنجاسة في ms179 جميعه. # والمختار: ما عول عليه أصحابنا والفقهاء لما رويناه من الأخبار، فإنها ~~كلها دالة على أنه لا ينجس من الماء إلا ما تغيرت أوصافه، وما هذا حاله ~~فإنه لم يتغير إلا بعضه وما عداه باق على أصل التطهير وقد حمل بعضهم ما ~~قالوه، على أن الماء الذي لم يتغير دون القلتين، فأما إذا كان فوق القلتين ~~فإنه لا ينجس جميعه، وهذا فاسد لا وجه له، فإن ابن الصباغ نص على خلاف ذلك ~~في كتابه (الشامل)، فقال: إذا كان هاهنا ماء راكد متغير بالنجاسة وبجنبه ~~قلتان متصلتان بالراكد غير متغيرتين فقياس المذهب أنه كله ينجس؛ لأنه ~~كالماء الواحد فلهذا كان الكل نجسا وإن كثر، فلما نقلناه يضعف هذا الحمل. ~~وحاصل هذه المقالة أن كل ما كان متصلا بالنجس فإنه يكون نجسا مثله وإن لم ~~يتغير لكونه ماء واحدا، ويضعف ما قالوه من وجهين: # أما أولا: فيلزم هؤلاء إذا كانت بجانب البحر جيفة ميتة فتغير بعض البحر ~~بها أن ينجس جميعه، وهذا لا يلتزمه أحد، وغالب ظني أنهم يفرقون على قولهم ~~بهذه المقالة بين البحر والبرك فتنجس البرك وما شاكلها ولا ينجس البحر، ~~وكله فاسد. # وأما ثانيا: فلأنا إنما حكمنا بنجاسة ما تغيرت أوصافه لدلالة الخبر؛ فأما ~~ما لم يتغير فهو باق على أصل حكم الماء في الطهارة، ويزعمون أن البحر مخصوص ~~بقوله عليه السلام: (( من لم يطهره البحر فلا طهره الله ))، ولم يفصل بين ~~أن يكون متغيرا بالنجاسة أو غير متغير. # مسألة: وإن وقعت النجاسة في ماء كثير ولم تغير شيئا من أوصافه، فهل ينجس ~~ما لاقى النجاسة واتصل بها أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن جميع الماء كله طاهر ولا ينجس الماء إلا بالتغير لأحد ~~أوصافه، وهذا هو المحكي عن جماعة من الصحابة، كابن عباس، وأبي هريرة، ~~وحذيفة بن اليمان (¬1)، ومروي عن جماعة من PageV01P213 التابعين، كالحسن البصري (¬1)، وسعيد بن المسيب، وعكرمة (¬2)، وابن أبي ~~ليلى (¬3)، وجابر بن زيد (¬4) وغيرهم، وإليه يشير كلام القاسم، فإنه روى ~~محمد بن منصور قال: حضرت ms180 القاسم بن إبراهيم، وكان يستسقى له من بئر كان ~~يتوضأ منها، فأصابوا يوما في البئر حمامة ميتة فأعلم القاسم بذلك فقال ~~لغلمانه: انظروا هل تغير منها ريح أو طعم أو لون؟ فنظروا فلم يروا تغيرا ~~فتوضأ منها، ولم يعتبر مجاورا للنجاسة أصلا، وإليه يشير كلام الهادي. فإنه ~~قال: حدثني أبي عن أبيه في البيار والغدران يقع فيها الشيء النجس فقال: لا ~~تفسد إلا أن تغلب النجاسة عليها ولا ينجسها ما وقع فيها من ميتة أو ما ~~أشبهها إذا لم يغلب عليها النجس في لون أو ريح أو طعم، وهذا محكي عن أبي يوسف. # والحجة على ذلك: ما رواه أبو سعيد الخدري من قوله : (( خلق الماء طهورا ~~لا ينجسه إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه )). فظاهر الخبر دال على أن ~~الماء لا ينجس منه إلا ما تغير بأحد هذه الأوصاف الثلاثة أو بمجموعها، وما ~~ذكرنا ليس متغيرا فلهذا وجب الحكم عليه بالطهارة كله من غير أن يكون نجسا ~~بالمجاورة. # المذهب الثاني: أن ما يلي تلك النجاسة محكوم عليه بالتنجيس، ثم اختلفوا ~~في ذلك على أقوال ثلاثة: PageV01P214 # أولها: أن المجاور الأول للنجاسة نجس، والمجاور الثاني مما جاورها نجس ~~أيضا، وهذا هو المحكي عن المؤيد بالله. # وحجته على ما قاله: ما رواه أبو هريرة عن الرسول أنه قال: (( إذا استيقظ ~~أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا ))(¬1). فلولا أن ~~المجاور الثاني ينجس، وإلا لكان لا فائدة في الغسلة الثالثة والأمر بها، ~~والقياس في الغسالة الثالثة أن تكون نجسة لاتصالها بالنجس، لكنا قضينا فيها ~~بالطهارة لحديث أبي هريرة فإنه قصره على الثالثة، فلو كانت نجسة لم تكن ~~مطهرة لما قبلها، والتعبد في الطهارات وارد على خلاف الأقيسة المطردة في ~~الاتصال. # وثانيها: أنه لا ينجس إلا المجاور الأول وهو ما لاصق النجاسة وباشرها دون ~~غيره من المجاورات فإنها طاهرة، وهذا هو الذي يشير إليه كلام السيد أبي ~~طالب وهو قول أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: هو أن السبب في ms181 التنجس للماء إنما هو عين النجاسة، ~~والمتصل بها ليس إلا المجاور الأول فإنه ملاصق لها بخلاف المجاور الثاني ~~فإنه غير ملاصق، فلأجل هذا قضينا بنجاسة الأول دون غيره لاتصاله بها ~~وملاصقته لها. # وثالثها: أنه ينظر في الماء المتصل بالنجاسة فإن كان دون قلتين فهو نجس ~~وإن لم يتغير، وإن كان قلتين فما فوقهما فهو طاهر، وهذا هو رأي الشافعي ~~وأصحابه. # والحجة على ذلك: ما رواه عمر رضي الله عنه عن الرسول ، أنه قال: (( إذا ~~كان الماء قلتين لم ينجس))(¬2). فالقلتان عنده كثير وهو غير متغير فلهذا لم ~~يكن نجسا لمجاورة النجاسة؛ لأنه كثير كما سنقرره من بعد، وإن كان دون ~~القلتين فهو قليل فيجب الحكم بنجاسته وإن لم يكن متغيرا لكونه قليلا. فهذا ~~تقرير المذاهب في هذه المسألة. # والمختار: ما عول عليه الإمامان: القاسم والهادي ومن وافقهما من علماء ~~الأمة الصحابة والتابعين. # والحجة على ذلك: من أوجه ثلاثة: PageV01P215 # أما أولا: فحديث ابن عباس (( الماء لا يجنب )). # وأما ثانيا: فحديث أبي سعيد الخدري حيث قال: (( خلق الماء طهورا لا ينجسه ~~شيء )). أخرجنا ما تغير بعض أوصافه بالنجاسة أو كلها بدليل خاص غير ظاهر ~~هذين الخبرين، فبقي ما عداها مندرجا تحت ظاهرهما فيجب القضاء بطهارته إذ لا ~~تغير فيه. # وأما ثالثا: فلأن المجاور الثالث كالثاني والأول في عدم التغير بالنجاسة، ~~فلو قضينا بنجاسة الأول والثاني لوجب القضاء بنجاسة الثالث وما وراءه ~~لاشتراكها كلها في عدم تغيرها بالنجاسة؛ إذ لا فاصل هناك، فإذا لم يكن هناك ~~مخصص وجب القضاء بطهارة الكل من المجاورات وهذا هو المقصود. # وأما ما احتج به الإمام المؤيد بالله من حديث أبي هريرة، فعنه جوابان: # أما أولا: فلأنه ليس في ظاهر الحديث ما يدل على نجاسة شيء من المجاورات ~~بصريحه فلا تكون فيه حجة. # وأما ثانيا: فلأنه إنما ذكر الثلاث مبالغة في التنظيف كما أشار في ~~الغسلات السبع من ولوغ الكلب والتعفير بالتراب مبالغة في التنظيف وإزالة ~~الأثر، فكما أن الشيء لا يكون نجسا بالمجاورة فهكذا حال الغسالة الثالثة ms182 ~~والأولى لا تكونان نجستين لما ذكرناه. # وأما ما احتج به الإمام أبو طالب. فجوابه: أن مطلق الاتصال بالنجاسة لا ~~يوجب تنجيسه إلا بظهور أثرها فيه، فأما إذا لم يظهر أثرها عليه فلا وجه ~~للحكم بنجاسته، فإذا لا وجه لنجاسة المجاور الأول كما ذكر بحال، ولأنه يلزم ~~الحكم بنجاسة المجاور الثاني لاستوائهما جميعا في عدم التغير، وهو لا يقول ~~به، فليس إلا الحكم بطهارة الماء كله من غير حاجة إلى تنجيس شيء من ~~المجاورات. # وأما ما احتج به الشافعي، فهو مبني على أن القلتين كثير وما دونهما قليل، ~~ومبني على أن القليل ينجس عند ملاقاة النجاسة وإن لم يتغير، وسنقرر الكلام ~~عليه في هذين الأصلين بعد هذا بمعونة الله تعالى. # مسألة: الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغير أوصافه وكان قليلا، فهل ~~ينجس لوقوعها فيه أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يكون نجسا وإن لم يتغير، وهذا هو قول الأكثر من أئمة ~~العترة، الهادي والناصر والأخوين(¬1) وغيرهم، ومحكي عن ابن عمر من الصحابة، ~~ومن التابعين عن سعيد بن جبير(¬2)، ومجاهد (¬3) وأحمد وإسحاق بن راهويه، ~~وهو مروي عن الفريقين: الحنفية والشافعية. والحجة على ذلك: من جهة الكتاب ~~والسنة والقياس. # الحجة الأولى: من جهة الكتاب، قوله تعالى: {والرجز فاهجر}[المدثر:5]. ~~وقوله تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث}[الأعراف:157]. وقوله تعالى: {إنما ~~الخمر والميسر}[المائدة:90]. إلى قوله تعالى: {فاجتنبوه}. فدلت هذه الظواهر ~~على المنع من استعمال النجاسة ووجوب تجنبها، واستعمال هذا الماء يؤدي إلى ~~استعمال النجاسة، فوجب المنع منه. # الحجة الثانية: من جهة السنة، قوله عليه السلام: (( إذا ولغ الكلب في ~~إناء أحدكم فليغسله.. ))(¬4)، وقوله عليه السلام: (( إذا استيقظ أحدكم من ~~منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى PageV01P216 يغسلها ثلاثا )). وقوله : (( لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يتوضأ فيه ~~))(¬1). فجميع هذه الأخبار دالة [على المنع] مما هذا حاله ولم يغير طعما ~~ولا لونا ولا ريحا(¬2). # الحجة الثالثة: قياسية، وهو أنه ماء قليل خالطته النجاسة فوجب أن ينجس ~~كما لو تغير، ولأنه ماء قد تيقن استعمال النجاسة ms183 باستعماله فكان نجسا كما ~~إذا ظهرت عليه النجاسة، ولأنه اجتمع فيه الحظر والإباحة فوجب تغليب الحظر ~~ومنعه على جانب الإباحة، كالجارية بين الرجلين في تحريم وطئها لأحدهما، ~~والصيد قتله مسلم وكافر، وهذه الأدلة الشرعية دالة على منعه وتنجيسه. # المذهب الثاني: أنه طاهر في نفسه ولا يحكم بنجاسته إلا إذا تغير، وهذا ~~محكي عن جلة من الصحابة كابن عباس وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان، وعن جماعة ~~من التابعين، الحسن البصري وسعيد ابن المسيب وعكرمة وابن أبي ليلى وجابر بن ~~زيد والأوزاعي وداود والثوري والنخعي (¬3)، واختاره مالك، وهو مروي عن ~~الإمام القاسم بن إبراهيم، حكاه النيروسي (¬4) عنه، فإنه قال: كل ما لا ~~تظهر فيه النجاسة لا ينجس بما وقع فيه من النجس وإن كان قليلا. والحجة على ~~ذلك تكون من جهة الكتاب والسنة والقياس: # الحجة الأولى: من الكتاب، قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا}[الفرقان:48]. وقوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم ~~به}[الأنفال:11]. فظاهر هاتين الآيتين دال على أن كل ما نزل من السماء فهو ~~طاهر يتطهر به من غير فصل بين قليله وكثيره، سواء اتصلت به النجاسة أو لم ~~تتصل، لكنه خرج ما تغير أحد أوصافه أو كلها بدلالة منفصلة. # الحجة الثانية: من جهة السنة، وهو حديث ابن عباس (( الماء لا يجنب )). ~~وحديث أبي سعيد الخدري حيث قال: (( خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء )). فهذان ~~الخبران دالان على أن الماء كله طاهر إلا ما خرج بدليل خاص في نجاسته ~~بتغيره. # الحجة الثالثة: القياس، وهو أنه مالم يتغير بوقوع النجاسة عليه فيجب ~~القضاء بتطهيره كالماء الكثير، ولأنه باق على أصله في التطهير لم يعرض له ~~ما يغيره من لون أو طعم أو ريح فكان طاهرا كالماء الكثير، فهذا تمام تقرير ~~أدلة الفريقين قد أوضحناها. # والمختار: الحكم بتطهيره كما أشار إليه القاسم وغيره من علماء الصحابة ~~والتابعين، وإنما يتضح بتقويته بالدلالة وبالجواب، فهذان تقريران نفصلهما: # التقرير الأول: في إيراد البراهين الشرعية على طهارته، وجملتها حجج خمس: # الحجة الأولى: هو أن المعلوم من ms184 حال الصدر الأولى من عصر النبي إلى آخر ~~عصر الصحابة رضي الله عنهم أنهم لم تنقل عنهم واقعة في الطهارة ولا سؤال عن ~~كيفية حفظ الماء عن النجاسات، وكانت أواني مياههم يتعاطاها الصبيان والإماء ~~والذين لا يحترزون عن النجاسات وتكثر ملابستهم لها، ولم يعلم تصونهم عن ~~مداخلة هؤلاء ولا نقل احترازهم عنهم وانقباضهم عن تأدية(¬5) المياه ~~ومعاناتهم لها في حملها ونقلها مع شدة الورع عن الوقوع في المناهي وبعدهم ~~عن ما حرم الله، وبلوغهم في العبادة الغاية القصوى، وكل ذلك دال على ~~اعتمادهم في تطهير الماء على عدم تغيره، فمهما كان على هذه الصفة فهو باق ~~على أصله في التطهير، وهذه حجة يدين بها كل منصف. # الحجة الثانية: الحمامات، فإنها لم تزل في الأعصار الخالية والآماد ~~المتمادية مستعملة في جميع الأمصار والأقاليم، يدخلها العلماء والأفاضل من ~~غير نكير ولا مدافعة، ويتعاطاها الخاص والعام ويغمسون الأيدي في تلك الحياض ~~الخارجة والداخلة مع قلة الماء فيها، ومع العلم بأن الأيدي النجسة والطاهرة ~~كانت تتوارد عليها وهم ساكتون عن الكلام في نجاستها مكبون على استعمالها، ~~وما ذاك إلا لما يعلمون من أن الماء لا ينجسه إلا ما غير أحد أوصافه، وأنه ~~مخلوق على هذه الهيئة، وقد قال عليه السلام: (( ما رآه المسلمون حسنا فهو ~~عندالله حسن ))(¬6). فاستعمالهم مع علمهم بحالها PageV01P217 واشتمالها على ما ذكرناه من القلة وملابسة النجاسة، دلالة على ما ذكرناه. # الحجة الثالثة: ما علم من حال صاحب الشريعة (صلوات الله عليه)، أنه أصغى ~~الإناء للهرة حتى شربت، وعدم تغطيتهم للآنية منها بعد أن تراها(¬1) تفترس ~~الحيوانات من الفأرة وغيرها، والمعلوم من حالهم قطعا أنهم ما كانوا يجعلون ~~للسنانير(¬2) حياضا على انفرادها ولا كانت تنزل الآبار للشرب، فإرسالهم ~~إياها على ما في الآنية من الأمواء مع قلتها واستعمالهم لها بعد ولوغها ~~فيها، فيه أمارة ظاهرة ودلالة قوية على أن الماء لم يكن نجسا بعد ولوغها ~~فيه، وكل ذلك تعويل على عدم تغيره مع كونه قليلا. # الحجة الرابعة: ما روي عن عمر رضي ms185 الله عنه أنه توضأ بماء في جرة نصرانية ~~مع العلم بقلة الماء، وملابسة النصرانية للنجاسة، وتعاطيها له في جميع ~~أحوالها، وفي هذا دلالة على أنه لم يعول إلا على عدم تغير الماء، ولا شك أن ~~نجاسة النصرانية تعلم بأدنى ظن قريب، فأعرض عما ذكرنا وعول على طهارة الماء ~~بما يظهر من حاله من عدم تغيره، وكانت هذه هي الأمارة القوية في طهارته ~~التي لا يعارضها معارض(¬3). # الحجة الخامسة: إذا وقع رطل من البول في ماء كثير، إما القلتان على رأي ~~من قال بهما، وإما الكثير عند من أعرض عنهما، ثم أخذ من ذلك الماء في صحاف ~~مختلفة، فكل واحدة منها ما فيها من الماء طاهر لا محالة باتفاق، فليت شعري ~~أتعليل طهارته لعدم تغيره أولى، أو بقوة كثرة الماء مع أنا قد فرضنا انقطاع ~~الكثرة بحصوله في صحاف كثيرة مع العلم بأن البول حاصل فيه لا محالة وإن خفي ~~أمره؟ وفي هذا دلالة على أن التعويل إنما كان على عدم تغيره، فهذه الحجج ~~كلها دالة على أن المراعى في طهارة الماء ونجاسته إنما هو على ما يظهر من ~~حاله من التغير وعدمه، والله أعلم. # وممن قال بطهارة الماء القليل عند وقوع النجاسة عليه، الشيخ أبو حامد ~~الغزالي فإنه اختاره مذهبا، وقال: كنت أود أن يكون مذهب الشافعي مثل مذهب ~~مالك، يعني أن الماء وإن قل لا ينجس إلا PageV01P219 بالتغير من غير حاجة إلى تقدير الكثرة بالقلتين كما هو رأيه. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه وهو التقرير الثاني في بيان الجواب عن ~~ما أوردوه من الأدلة على نجاسته، وقد تمسكوا بما حكيناه عنهم من الظواهر، ~~الآي القرآنية والأخبار المروية والأقيسة المستنبطة، وقد عارضناها بما ~~تلوناه من الآيات ورويناه من الأخبار وقررناه من علل الأقيسة، وليس بعد ~~الانتهاء إلى هذه الغاية إلا التصرف الأصولي، إما العمل على تساقطها لما ~~كانت متعارضة، والعمل على دليل آخر، وإما ترجيح أدلتنا على أدلتهم، فهذان ~~تصرفان: # التصرف الأول: وهو القول بالتساقط، فإذا حكمنا بتساقط الأدلة من ms186 الجانبين ~~جميعا وجب الرجوع إلى الأصل وهو طهارة الماء؛ لأنه هو الأصل، والحكم عليه ~~بالنجاسة إنما يكون بعارض يعرض له كما رجعنا إلى البراءة الأصلية عند تعارض ~~الأدلة الشرعية المعتبرة، وهكذا هاهنا يجب ما قلناه من الرجوع إلى طهارته، ~~وهو مطلوبنا. # التصرف الثاني: وهو الترجيح لأدلتنا على أدلتهم، فنقول: ما أوردوه من ~~الظواهر إنما سيقت لأغراض أخر غير ما نحن بصدده، كقوله تعالى: {إنما الخمر ~~والميسر}[المائدة:90]. وقوله تعالى: {والرجز فاهجر}[المدثر:5]. وهكذا ما ~~أوردوه من الأخبار مسوقة لمقاصد مخصوصة، فتناولها لهذا الماء يضعف من جهة ~~كونها مسوقة لبيان غيره، بخلاف ما ذكرناه من الآيات والأخبار فإنها مسوقة ~~لبيان غرض التطهير، كقوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا}[الفرقان:48]. وقوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم ~~به}[الأنفال:11]. وهكذا حال الأخبار التي رويناها فإنها مسوقة من أجل غرض ~~التطهي لا لغرض سواه، كقوله عليه السلام: (( خلق الماء طهورا))، وقوله: (( ~~الماء لا يجنب)). وقوله: (( الماء لا ينجس)). إلى غير ذلك من الأخبار ~~المؤدية بالتصريح بالمقصود، فلهذا كان التعويل على ما كان صريحا دون ما ليس صريحا. # ثم نقول: الماء الجاري وإن كان قليلا فإنه يخالف الراكد كما هو محكي عن ~~المنصور بالله، وهو رأي الشافعي وأصحابه وغيرهم من جلة الفقهاء في أنه لا ~~ينجس بوقوع النجاسة فيه مع قلته، فإذا وقع بول في ماء جار ولم يتغير به ~~فإنه يجوز التطهر به وإن كان قليلا، فليت شعري أي فرق بين الراكد والجاري، ~~وهل تكون الحوالة على عدم التغير أم على قوة الماء بسبب الجريان، ثم ما حد ~~تلك القوة فإنها تكون مختلفة الأحوال في القوة والضعف؟ فالإحالة عليها يكون ~~ردا إلى عماية وجهالة، فإذا كان PageV01P221 التعويل فيما كان جاريا وإن ضعفت جريته على تغيره في التنجيس، فهكذا يكون ~~في الراكد قليلا كان أم كثيرا من غير تفرقة بينهما. # قولهم في القياس: إنه المردود إلى المتغير بجامع وقوع النجاسة فيه بأقيسة ~~مختلفة في صورها. # قلنا: الجواب عن هذه الأقيسة وإن كانت مختلفة الصور بحرف واحد ms187 وهو الفرق ~~بوصف مخيل، وهو أقوى ما يعترض به على الأقيسة في الإبطال، وهو أنا نقول: ~~المعنى في الأصل أنه متغير وهذا غير حاصل فيما ذكرتموه من الماء القليل ~~فإنه لم يتغير بوقوع النجاسة، وهذا الفرق يبطل الجمع الذي ذكرتموه ويلحق ~~القياس بالعدم والبطلان. # فأما ما يحكى عن الناصر من تأويل مذهب القاسم في طهارته فلا وجه له ~~لأمرين: # أما أولا: فلأنهم لم ينقلوا عنه إلا ما قاله ولو تطرق إليهم الوهم في هذه ~~الحالة لتطرق إليهم الوهم في سائر ما ينقلونه في مذهبه كله، وأيضا فإنهم ~~وإن كانوا عجما لا تخفى عليهم مقاصده ومراداته خاصة مع الممارسة الكثيرة ~~وطول الإقامة معه. # وأما ثانيا: فإنما كان يجب تأويل كلامه إذا كان هناك مخالفة لنص قاطع ~~وإجماع متواتر، أو غير ذلك من النصوص المقطوعة التي لا يمكن مخالفتها، فأما ~~وللنظر في المسألة مسرح وللاجتهاد فيها مضطرب فلا وجه للتأويل، بل ينقل ~~مذهبه على حد ما غلب على ظنه بعد توفية الاجتهاد حقه، فإذا كان قد نظر في ~~المسألة وأمعن فكل ما أتى به فهو حق وصواب كما مر تقريره، وهكذا ما يحكى عن ~~السيد الإمام أبي طالب من أن كلام القاسم لا يعول عليه وأن المأخوذ به ما ~~قاله الهادي والناصر وسائر أصحابنا، فإن لكل اجتهاده ولا ضير عليه في ~~المخالفة، ولقد أود أن يكون مذهبهما مثل ما يحكى عن القاسم في أنه لا ينجس ~~القليل إلا بالتغير، فضلا عن أن يقال: إنه لا يعول على مقالته في ذلك. # قالوا: قد تعارض فيه الحظر والإباحة فوجب حظره. # قلنا: إنا لا نسلم التعارض، بل ما ذكرناه من الإباحة الشرعية أرجح لما مر ~~بيانه، ثم إنا نقول: إذا تعارضا من غير ترجيح، وجب القضاء بالتساقط والعمل ~~على ما هو الأصل من طهارة الماء، وفي ذلك حصول غرضنا. # مسألة: حكم الماء الكثير لا ينجس بملاقاة النجاسة إذا لم يتغير، وحكم ~~الماء القليل أنه ينجس PageV01P222 بملاقاتها وإن لم يكن متغيرا على رأي من قال به، ms188 فلا بد من بيان حد القليل ~~والكثير ليعرف هذان الحكمان اللذان يتعلقان به، فأما من لا يقول بالقليل ~~فلا يفتقر إلى معرفة حد القليل والكثير، وإنما الضبط عنده في التنجس وعدمه، ~~إنما هو بما أشار إليه الشرع من التغير قليلا كان أم كثيرا كما اخترناه ~~فيما مضى. # وقد اختلف العلماء في حد القليل والكثير من الماء ولهم في ذلك مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أن ما كان من الماء قلتين فهو كثير وما كان دونهما فهو ~~قليل، وهذا هو قول الإمامين الناصر والمنصور بالله وهو رأي الشافعي ~~وأصحابه، ثم اختلف أصحاب الشافعي في حد القليل(¬1)، فمنهم من قال: هما ~~خمسمائة منا(¬2) وهو يأتي ألف رطل بالبغدادي، وقال أبو عبدالله الزبيري ~~(¬3): هما ثلاثمائة منا وهما ستمائة رطل بالبغدادي، وهو محكي عن القفال ~~(¬4)، واختاره المسعودي (¬5)، وقال أبو حامد: وأكثر أصحاب الشافعي: هما ~~خمسمائة رطل بالبغدادي وهو المنصوص. قال الشافعي: والاحتياط أن يجعل كل قلة ~~قربتين ونصفا، والقربة في الحجاز مقدار ما تسعه مائة رطل، فصار ذلك خمسمائة ~~رطل وهل يكون ذلك تقريبا أو تحديدا؟ فيه لهم وجهان: # أحدهما: أنه تقريب، وعلى هذا لو نقص منهما رطل أو رطلان أو ثلاثة لم يضر ذلك. # وثانيهما: أنه تحديد، فلو نقص منهما نصف رطل تنجس بوقوع النجاسة فيه ~~لكونه قليلا، فإذا تقرر هذا، فإذا وقع في القلتين نجاسة لم تنجس إلا أن ~~يتغير، وإن كان الماء دون القلتين تنجس بوقوع النجاسة وإن لم يتغير، فهذه ~~هي فائدة التحديد بالقلتين وما دونهما. PageV01P223 # والحجة على ذلك: ما رواه عمر رضي الله عنه عن النبي ، أنه قال: (( إذا كان ~~الماء قلتين بقلال هجر(¬1) لم يحمل خبثا)). وفي حديث آخر: (( إذا بلغ الماء ~~قلتين لم ينجسه شيء))(¬2). ومعنى قوله: لم يحمل خبثا: أي أنه لا يقبله ولا ~~يلتزمه بدليل الحديث الآخر. # المذهب الثاني: أن حد الكثير من الماء هو الذي جرت العادة في مثله، أنه ~~لا يستوعب شربا وتطهرا، كالأنهار الجارية والبيار النابعة والبرك العظيمة، ~~وحد القليل ما كان دونه ms189 وهو الذي يستوعب في مجرى العادة شربا وتطهرا، ~~كالحفائر الضيقة والأنهار النزرة والعيون الراكدة، وهذا حكاه السيد الإمام ~~أبوطالب والشيخ أبو جعفر (¬3) من أصحابنا لمذهبهم كالقاسمية، ولم أعرفه ~~قولا لأحد من الفقهاء. # والحجة على ذلك: هو أن ما هذا حاله من الأمواء إذا كان لا يستغرق في مطرد ~~العادة في الشرب والتطهر فإنه يوصف بكونه كثيرا، وإذا كان على خلاف ذلك ~~فإنه يوصف بكونه قليلا، وإنما جعلنا المعيار الضابط في القلة والكثرة بما ~~ذكرناه من اطراد العادة؛ لأن أكثر ما يحتاج الناس الماء في أغلب أحوالهم في ~~الشرب والتطهر، لأنهما هما اللازمان في أكثر الحالات وأغلبها، وما عداهما ~~فليس أمرا غالبا بل هو أمر نادر بالإضافة إليهما، فلهذا وجب ضبطه به. # المذهب الثالث: أن حد الكثير ما كان يغلب على الظن أن النجاسة غير ~~مستعملة باستعماله. والقليل ما كان يغلب على الظن أن النجاسة مستعملة ~~باستعماله، وهذا هو الذي حكاه الكرخي عن أبي حنيفة، واختاره الأخوان ~~الإمامان المؤيد بالله وأبوطالب للمذهب(¬4). # والحجة على ذلك: هو أن المقصود من معرفة حد القليل [وهو] تنجيسه وإن لم ~~يتغير، والغرض من معرفة حد الكثير هو أن لا يحكم بنجاسته إلا إذا تغير، ~~وإذا كان الأمر كما قررناه وجب أن يكون PageV01P224 للنجاسة مدخل في معرفة حد القليل والكثير، فلأجل ذلك جعلناها أصلا في ~~معرفتهما لما لهما بها من الاتصال، وجعلنا الظن هو المعيار الفارق بين ~~القليل والكثير في النجاسة؛ لأنه هو المعتمد في الأكثر والمعول عليه في ~~التكاليف العملية في العبادات وغيرها، فإذا تقرر هذا فكل ما وقعت فيه نجاسة ~~وغلب على ظن المستعمل له أنه مستعمل لها باستعماله، فهو قليل ينجس بملاقاة ~~النجاسة وإن لم يكن متغيرا، وكلما وقعت به نجاسة وغلب على ظن من يلابسه ~~ويستعمله أن النجاسة لا يستعملها عند استعماله، فهو كثير لا ينجس ~~بملاقاتها، فلا جرم جعلنا غلب ظنه في الاستعمال وعدمه معيارا فارقا بين ~~قليل الماء وكثيره، هذا ملخص هذه المقالة وزبدتها وثمرة ما عولوا عليه فيها. # المذهب ms190 الرابع: حكاه أبو يوسف عن أبي حنيفة في التفرقة بين قليل الماء ~~وكثيره، وحاصل ما قاله: هو أن الحوض والبركة إذا كانا بحيث إذا تحركت منه ~~ناحية لم تضطرب الناحية الأخرى، فما هذا حاله يكون من الكثير فلا ينجس ~~بوقوع النجاسة عليه، وإذا كان بحيث إذا تحرك منه جانب اضطرب الجانب الآخر ~~فهو قليل متنجس إذا لاقته النجاسة. # والحجة على ذلك: هو أن ما هذا حاله من الأمواء إذا كان قليلا فإنه يضعف ~~عن احتمال المصاكة فلهذا يضطرب كله لقلته، بخلاف ما إذا كان كثيرا فإنه إذا ~~وقعت فيه المصاكة فإنه يحتملها، فلهذا لم يضطرب إلا ما قرب من الضرب دون ما ~~بعد منه، فلأجل ذلك جعل المعيار الفارق بين قليله وكثيره هو الاضطراب ~~والمصاكة التي حكيناها، فهذا تقرير هذه المذاهب بأدلتها بحسب الإمكان. # والمختار: ما قررناه آنفا، من أن التعويل في نجاسة الماء وطهارته، إنما ~~هو على تغير أحد أوصافه بالنجاسة، أو كلها، فأما مالم تتغير أوصافه فهو باق ~~على أصل الطهارة كما تشير إليه الظواهر الشرعية. # وتأييد هذا الاختيار إنما يكون بتقريره بالحجة وإيراد الاعتراض على ما ~~يخالفه، فهذان مسلكان: # المسلك الأول: في تقريره بالحجة، وقد أوضحنا فيما سبق أن التعويل في ذلك ~~إنما هو على التغير بالنجاسة من غير أمر وراءه، وهذا هو الضابط الشرعي الذي ~~يسترسل على جميع الصور، وهو الذي تشير إليه الظواهر الشرعية من الكتاب ~~والسنة التي حكيناها، وإذا كان الأمر كما قلناه فلا حاجة بنا إلى ضبط ~~القليل والكثير من الأمواء؛ لأنهما إنما يرادان من أجل معرفة النجس والطاهر ~~من الأمواء، وهذا يمكن معرفته وإدراكه بالأمارة التي ذكرناها، وهي التغير ~~المشار إليه من جهة صاحب الشريعة، PageV01P225 فلا حاجة بنا إلى تكلف غيره لضبط قليل الماء من كثيره، إذ لا ثمرة هناك مع ~~ما ذكرناه من أمارة التغير، فلا جرم اكتفينا به وكان المعول عليه، ويؤيد ما ~~ذكرناه أن جميع ما عولوا عليه في هذه الضوابط التي ذكروها بين قليل الماء ~~وكثيره ما خلا ms191 القلتين، إنما عولوا على عادات عرفية وأمور استنباطية وأقيسة ~~خيالية، والباب باب تعبد، والأمور التعبدية تنسد فيها طرق القياس وتضيق ~~مسالكه وإنما تحكم فيه الأمور النقلية والظواهر السمعية من جهة اشتماله على ~~أسرار غيبية استأثر الله بها، كما أشرنا إليه في طهارة الحدث والنجس فأغنى ~~عن الإعادة. # المسلك الثاني: في إبطال ما اعتمدوه في تقريره فنقول: # أما الكلام على أهل القلتين فقد اعتمد السيد أبوطالب في إفساده على وجوه ~~كثيرة، وحاصل ما قاله من جهة الرد والمعارضة والتأويل، فهذه مقامات ثلاثة ~~نذكر ما يتوجه فيها: # المقام الأول: في الرد، وذلك حاصل من وجهين: # أحدهما: من جهة الاضطراب في سنده، فإن بعضهم يقول: إنه مروي عن محمد بن ~~عباد (¬1)، وبعضهم يرويه عن محمد بن جعفر بن الزبير (¬2)، ومنهم من قال: عن ~~عبدالله بن عبدالله بن عمر، وبعضهم يقول: عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر ~~(¬3)، وهذا الاضطراب في سنده يدل على ضعفه وترجيح غيره عليه في هذا الوجه. # وثانيهما: من جهة متنه، فإنه يروى (( إذا بلغ الماء أربعين قلة لم يحمل ~~الخبث)) وفي بعض الروايات: (( إذا كان الماء قلة أو قلتين)). وفي بعضها: (( ~~إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا)). وفي بعضها: (( إذا بلغ الماء قلتين لم ~~ينجس)). فانظر إلى وقوع هذا الاختلاف في متنه باختلاف ألفاظه وعباراته، وكل ما PageV01P226 ذكرناه مما يطرق إليه الضعف ويكون غيره راجحا عليه إذا كان سالما عما ورد ~~على هذا، فلهذا لم يكن معتمدا. # المقام الثاني: من جهة المعارضة، وذلك من أوجه ثلاثة: # أما أولا: فما روى ابن عباس عن الرسول أنه قال: (( إن الماء لا يجنب)). # وأما ثانيا: فما رواه أبو سعيد الخدري: (( الماء طهور لا ينجسه شيء)). # وأما ثالثا: فلأنه قد روي: (( إذا بلغ الماء أربعين قلة)) وروي: (( ثلاث ~~قلال)) إلى غير ذلك من الاختلافات، وهذه الأحاديث كلها معارضة لحديث ~~القلتين، من جهة أن ما دون القلتين عندهم ينجس بملاقاة النجاسة وإن لم يكن ~~متغيرا، وظاهر حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري يدلان على ms192 أن القليل لا ينجس ~~إذا لم يكن متغيرا، وهكذا حديث الأربعين فإنه معارض لحديث القلتين من جهة ~~المعنى، فقد حصل لك بما ذكرناه أن حديث القلتين غير سالم عن المعارضة بما ~~أشرنا إليه وفي ذلك ضعفه وبطلانه. # المقام الثالث: في التأويل ويمكن تأويله على أوجه ثلاثة: # أما أولا: فلعل المراد من قوله عليه السلام: (( إذا بلغ الماء قلتين لم ~~يحمل خبثا)). المراد به أنه يضعف عن حمل الخبث والنجاسة، وهذا موافق لما ~~قلناه من ذلك؛ لأنه قليل فلهذا لم يقو على حملها. # وأما ثانيا: فلعل المراد بالقلة: اسم لرأس الجبل وقامة الرجل، فإن القلة ~~قد تطلق عليهما، وعلى هذا لا يمتنع أنه أراد إذا بلغ الماء قلة الجبل أو ~~قامة الرجل، وعلى هذا يتباعد إليه [الاحتمال] لأن ما هذا حاله يكون كثيرا ~~لا محالة؛ لأن المعتاد هو تقدير الماء بالقامات والأذرع أكثر من تقديره ~~بالأرطال والأمناء لكثرته. # وأما ثالثا: فلأن قلة الشيء أعلاه، فيحتمل أن يكون مراده أعلى الشيء ~~ورأسه، ومتى كان على هذه الصفة فهو كثير وإنما بناه عملا على تثنية الأسماء ~~المشتركة باعتبار لفظها مع اختلاف معناها، ولهذا فإنه يقال: قرءان. للطهر ~~والحيض جميعا يكونان مرادين به، كما يقال: قرءان. لطهرين أو حيضين، فلا جرم ~~قال: قلتين. لأعلى الشيء ورأسه، وتثنية الأسماء المشتركة باعتبار لفظها دون ~~معناها يضعف، لكنه يحتمل أن يؤول عليه الحديث هاهنا، فهذا تقرير كلام السيد ~~أبي طالب على القائلين بالقلتين، مع PageV01P227 تلخيص منا لكلامه و[تجاوز] تهذيب لم نذكره، والله الموفق للصواب. # وأما الكلام على المعيار للمذهب الثاني في حد الكثير بما لا يستوعب في ~~مجرى العادة شربا وتطهرا والقليل بخلافه. فاعلم أنما قالوه يضعف لأمرين: # أما أولا: فإن ردوه إلى عدد مقدر فهو تحكم لا مستند له ولا دلالة عليه، ~~وإن ردوه إلى أمر مبهم فهو رد إلى عماية، فإن العادة فيما هذا حاله مختلفة ~~في السفر والحضر فلا يعول على ما ذكروه. # وأما ثانيا: فإن الطرفين واضحان، فما يكفي مائة ألف يكون كثيرا ms193 لا محالة، ~~وما يكفي الواحد والاثنين قليل بلا مرية، وما بين هذين الطرفين وسائط كثيرة ~~ومراتب متفاوتة فلا يختص بعضها دون بعض إلا بدلالة ظاهرة وأمارة قوية، وما ~~قالوه ليس يرشد إليها، فيحصل من مجموع ما ذكرناه أن ماعولوا عليه معيار ~~مضطرب لا يعول عليه في إثبات المميز بين قليل الماء وكثيره. # وأما الكلام على المعيار للمذهب الثالث في حد الكثير بما لا يغلب على ~~الظن أن النجاسة مستعملة باستعماله، والقليل بخلافه، فاعلم أن ما قالوه وإن ~~كان أسد من الذي قبله وأدخل في الضبط والحصر وأكثر تأدية للمقصود، فإنه غير ~~منفك عن نظر من وجهين: # أما أولا: فلأن طهارة الماء ونجاسته صفتان تختصان بالماء فلا يجوز ~~تعليقهما بظن المستعمل للماء، فأحدهما بمعزل عن الآخر، فلا يجوز أن يجعل ظن ~~المستعمل للماء سببا في المميز بين قليل الماء وكثيره؛ لمجانبته للغرض ~~وميله عن المقصود. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه من الظن يختلف باختلاف الظانين، ولهذا فإن من ~~الناس من ظن أن ما دون القلتين قليل والقلتان كثير، ومنهم من قال: إن ~~القلتين في أنفسهما قليل وما فوقهما قد يكون قليلا وقد يكون كثيرا، فمراتب ~~الظنون في مثل هذا مختلفة جدا فلا يجوز أن [تكونا] فاصلا بين قليل الماء ~~وكثيره. # ثم إنا نقول: ما تريدون بقولكم في القليل: إن النجاسة مستعملة باستعماله؟ ~~(هل) تعنون به أنه قد تحقق وصول جرم النجاسة إليه؟ فهذا خطأ، فإنا نعلم ~~قطعا أن قطرة خمر أو قطرة بول وقعتا في قدر القلتين خمسمائة رطل فإنه قليل ~~عندكم، ونحن نعلم قطعا أن جرم النجاسة غير متصل به، وإن أردتم PageV01P228 أن جرم النجاسة غير خال عما استعمل من الماء فهذا حاصل في الماء الكثير ~~كالبركة، فإنه لو بال فيها رجل فإنا نعلم أن أجزاء النجاسة فيها، ومع ذلك ~~لم تمنعوا الوضوء منها مع تحققنا لوقوع النجاسة ومخالطتها لها، وإن أردتم ~~معنى ثالثا، فاذكروه حتى ننظر فيه بصحة أو فساد. فبطل ما توهموه. # وأما الكلام على المعيار للمذهب الرابع ms194 في حد الكثير بما كان لا تضطرب ~~جوانبه عند تحريك جانب منه والقليل بخلافه. فاعلم أن هذا أضعف مما قبله، ~~وفساده يظهر من وجهين: # أما أولا: فلأن ما قالوه مبني على التحريك والاضطراب والمصاكة لأجزاء ~~الماء، وما هذا حاله فلا مناسبة له بكونه قليلا أو كثيرا؛ إذ لا اختصاص ~~للحركة بالتطهير والتنجيس والقلة والكثرة. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه راجع إلى قوة الاصطكاك وضعفه وامتداد الماء ~~وقبضه، فكم من ماء يعظم قعره ويكون رأسه ضيقا يضطرب كله عند الضرب وتتحرك ~~أطرافه، ومع ذلك فإنه يعد في الكثرة والعظم، وكم من ماء قليل لا قعر له ~~لسعة أطرافه إذا حرك لم تصطك أطرافه، ومع ذلك فإنه معدود في القلة، فعرف ~~بما ذكرناه أنه لا أثر لهذا الضابط ولا تعويل عليه في قلة الماء وكثرته. # ثم إنا نقول لهم: هذا يختلف حاله باختلاف قوة الضارب، فإذا خف الضرب ضعف ~~الاصطكاك مع كونه قليلا، وإذا قوي الضرب عظم الاصطكاك وإن كان كثيرا فهذا ~~لا يعول عليه، فحصل من مجموع ما ذكرناه ضعف هذه الضوابط كلها، وإذا كانت ~~فاسدة كما قررناه وجب التعويل على ما أشرنا إليه من أنه لا قليل هناك نجس ~~إلا ما كان متغيرا بالنجاسة، فأما من غير تغير فلا وجه للحكم بنجاسته كما ~~أشار إليه القاسم. # والعجب من الإمام الناصر حيث حمل كلام القاسم على أنه وقع فيه نجاسة ولم ~~يرها فليس عليه في ذلك شيء، وقال: إنه كان كثير الأخذ بالاحتياط فيما تعبد ~~الله به عباده، وهذا لا وجه له، فإن المقصود بلوغ الغاية في الاجتهاد ~~وتوفيته حقه فما أدى إليه فهو حق وصواب سواء كان في تحليل أو تحريم أو ~~إباحة، ثم لا فرق بين أن يبيح شيئا مما حرمه الله أو يحرم شيئا مما أباحه ~~الله، أو يضيق مسلكا فسحه الله علىعباده بالإباحة، أو يفسح مسلكا ضيقه الله ~~على عباده بالتحريم، فكلها مستوية في ذلك، ثم إن الماء مخصوص من بين سائر ~~المائعات بالتطهير لغيره كما مر ms195 بيانه، ثم يختص بأنه لا ينجسه إلا ما غير ~~أحد أوصافه أو كلها سواء كان قليلا أو كثيرا، وهو مختص بالغلبة لكل شيء، ~~فإذا وقع فيه شيء PageV01P229 من النجاسات وكان غالبا لها لم يسلبه اسم الماء، فهو باق على الطهارة ~~والتطهير لغيره، وهذه الخاصة لا تحصل في شيء من المائعات، ومن أجل هذا فإنه ~~لو وقع في لبن أو عسل أو خل أو غيرها من المائعات كثير قطرة بول أو خمر ~~فإنها تنجس الماء(¬1) لما لم يكن لها غلبة على النجاسة مثل غلبة الماء لها، ~~سواء كانت متغيرة بالقطرة أو غير متغيرة، ولم تكن مختصة بما اختص به الماء ~~من الصقالة والرقة، فلهذا لم تقدر على حمل النجاسة كقدرته على حملها. # مسألة: في الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة. # اعلم أن جميع ما أسلفنا فيه الكلام إنما هو مختص بالماء الراكد، واعلم أن ~~كل من قال من العلماء من أئمة العترة وغيرهم من علماء الأمة، بأن القليل من ~~الماء لا ينجس إلا بالتغير، فإنه لا يفصل بين أن يكون الماء راكدا أو ~~جاريا، ويطرد هذا الحكم في جميع المياه راكدة كانت أو جارية، وعلى هذا إذا ~~وقعت ميتة في نهر جار فإنه ينظر، فإن تغير فهو نجس، وإن لم يتغير فهو طاهر ~~مطهر. وينشأ من ذلك فروع ثلاثة: # الفرع الأول: إذا وقعت قطرة من خمر أو بول في قربة أو مشعل(¬2) أو جرة ~~نظرت، فإذا كان متغيرا بها فهو نجس، وإن لم يتغير بها فهو طاهر؛ لأن ~~الاعتماد في هذا المذهب على تغير الماء بوقوع النجاسة وعدم تغيره لا غير من ~~غير أمر ورائه، وإليه تشير ظواهر الأحاديث كما قررناه من قبل. # الفرع الثاني: إذا كان الماء راكدا في حفير أو بركة أو غيرهما ثم وقعت ~~فيه ميتة نظرت أيضا، فإن كان متغيرا بها فهو نجس لأنه قد تغير بها، وإن كان ~~غير متغير فهو طاهر كله من غير حاجة إلى مجاور أول ولا إلى مجاور ثان كما ~~قررناه فيما ms196 سبق، فاتصالها بالماء لا يكون له حكم في التنجيس إلا مع ~~التغير. # الفرع الثالث: إذا وقعت ميتة في نهر جار فإنه ينظر في حالها، فإن غيرت ~~الماء فهو نجس كله ما انفصل منه وما لم ينفصل، وإن لم يكن متغيرا فهو طاهر ~~كله، حافة النهر ووسطه، والجرية التي تمر على النجاسة طاهرة أيضا إذا لم ~~تكن متغيرة سواء كان الجاري قليلا أو كثيرا. فهذه المسائل كلها متفرعة PageV01P230 على رأي من يذهب إلى أن الماء لا ينجس إلا مع التغير وهو المختار، وقد ~~قررناه بالأدلة فأغنى عن الإعادة والتكرير. # فأما القائلون بنجاسة الماء القليل وإن لم يكن متغيرا فقد اضطربت ~~أنظارهم، فمنهم من قال: إن الجاري مخالف للراكد، ومنهم من قال: بأنهما ~~مستويان. فهذان فريقان نذكر ما يختص كل فريق: # الفريق الأول: الذين ذهبوا إلى أن الجاري لا ينجس وإن كان قليلا بخلاف ~~مقالتهم في الراكد، وهذا هو المحكي عن الإمام المنصور بالله فإنه قال: إن ~~الجرية تلحقه بالكثير في الحكم، وهو أحد قولي الشافعي الذي حكاه الخراساني ~~عنه، وحكى عنه البغداديون من أصحابه قولا آخر: أنه ينجس. # والحجة على ذلك: هو أن الجاري يخالف في طبعه الراكد من جهة أن الراكد ~~يتدافع بعضه على بعض من غير نفوذ بخلاف الجاري فإنه يدفع بعضه بعضا من غير ~~مرادة، فالنجاسة إذا وقعت في الجاري اندفعت على حسب الجرية فلم يكن له حكم ~~في البقاء بخلاف الراكد فإنه يرتد بعضه على بعض، فإذا وقعت فيه النجاسة كان ~~حكمها أقوى في البقاء بخلاف الجاري فافترقا. # الفريق الثاني: وهم الذين ذهبوا إلى أن الجاري مثل الراكد في أن القليل ~~منه ينجس، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ~~والقول المشهور عن الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن الأدلة التي دلت على تنجس القليل من الماء لم تفصل ~~بين الجاري والراكد، فإذا وقعت النجاسة في الماء الجاري فكل على أصله في ~~القلة والكثرة فينظر في الماء، فإن كان متغيرا بوقوع النجاسة ms197 فيه فهو نجس ~~بكل حال قليلا كان أو كثيرا، وإن كان غير متغير، فعلى قول الناصر والمنصور ~~بالله والشافعي: أن الذي يمر بالنجاسة من الماء إن كان قلتين فما فوقهما ~~فهو طاهر، وإن كان دون القلتين فهو نجس. وعلى ما حكيناه عن الإمامين ~~والأخوين(¬1) تحصيلا للمذهب، أن الماء الذي يمر بالنجاسة إن كان يغلب على ~~الظن أن النجاسة مستعملة باستعماله فهو قليل فينجس، وإن كان لايغلب على ~~الظن أن النجاسة مستعملة باستعماله فهو كثير فلا يكون نجسا، وهكذا القول في ~~تلك الضوابط التي حكيناها في القليل والكثير، فما كان قليلا فهو نجس وإن لم ~~يتغير، وماكان كثيرا PageV01P231 فهو طاهر إن لم يتغير كما مر تفصيله. # والحجة على ماقالوه: قد اسلفناها. # والمختار: هو الحكم بطهارة الماء إذا لم يكن متغيرا سواء كان جاريا أو ~~راكدا قليلا كان أو كثيرا، بل هو في الجاري أحق من جهة أن الجرية تذهب ~~بالنجاسة، بخلاف الراكد فإنه يرتد بعضه على بعض، والعذر لمن قال بتنجيس ~~الماء القليل في الراكد أظهر منه في الجاري لما ذكرناه. # فأما على ما اخترناه فهما سيان، ويؤيد ذلك ما نعلم من حال السلف فإنهم ~~مازالوا يستنجون من الأنهار القليلة من غير نكير، وفي هذا دلالة على أن ~~الجاري يخالف الراكد وأنه لاينجس مع كونه قليلا. # فإذا تمهدت هذه القاعدة، فاعلم أن الماء الجاري إذا وقعت فيه النجاسة ~~يكون على أوجه ثلاثة، على رأي من يرى تنجيس الماء وإن لم يكن متغيرا: # الوجه الأول منها: أن تكون النجاسة جارية بجري الماء، فتكون معه لكونها ~~خفيفة لاتثقل عليه كالمنبذ مثلا، فالماء الذي [كان] قبل النجاسة يكون طاهرا ~~لامحالة من جهة أن النجاسة غير واصلة إليه، فهو كالماء الذي يصب من إبريق ~~على نجاسة، والماء الذي يكون بعدها طاهرا لأنها غير متصلة به، وأما مايختلط ~~بالنجاسة من تحتها ومن فوقها وعن يمينها وعن شمالها، فإنه ينظر فيه فإن ~~كانت الجرية متغيرة بالنجاسة فهو نجس بلا مرية، وإن كانت غير متغيرة، فهل ~~تنجس أم ms198 لا؟ فيه أقوال ثلاثة: # فالقول الأول: يأتي على رأي الأكثر من أئمة العترة، وهو أنه يكون نجسا ~~إلا أن يكون كثيرا، واعتبار كثرته باعتبار الأوجه التي قررناها لهم اعتمادا ~~على أن الماء القليل ينجس وإن لم يكن متغيرا، قال المؤيد بالله: لو كان ~~هاهنا ميتة كبيرة وقعت في نهر حتى سدت جانبيه وعلم أن جميع الماء يمر عليها ~~ويجاورها، يجب تنجيسه(¬1) بخلاف ما إذا كان حال الجرية عظيما ولم يتغير ~~فإنه لا ينجس لأجل كثرته. PageV01P232 # القول الثاني: وهو الذي يأتي على رأي أهل القلتين، الناصر، والشافعي، وهو: ~~أنه ينظر في حاله، فإن كان الذي عن يمينها وشمالها ويجري فوقها يأتي قلتين، ~~فهو طاهر؛ لأنه صار مقدارا للكثرة، وإن كان دونهما فهو نجس لكونه قليلا ولا ~~يجوز التطهر به بعد انفصاله إلا أن يركد ويصير قلتين فما فوقهما، وهذا هو ~~المشهور عن الشافعي، وقد روي عنه قول آخر أنه يكون طاهرا إذا كان غير متغير ~~من غير اعتباره بالقلتين. # القول الثالث: أن الجرية وما فوق النجاسة وما تحتها وما عن يمينها ~~وشمالها يكون طاهرا من غير حاجة إلى اعتباره بالقلتين، وهذا هو المحكي عن ~~الإمام المنصور بالله، وهو أحد أقوال الشافعي من جهة: أن الجرية لها حكم ~~يخالف الركود فلأجل ذلك لم تقو النجاسة على تنجيس الماء من غير تغير. # الوجه الثاني: أن تكون النجاسة واقفة غير جارية بجرية الماء، فالماء الذي ~~قبلها يكون طاهرا، والماء الذي بعدها [يكون] طاهرا إذا لم يتصل بها ~~ويجاورها، فأما الجرية التي تكون فوق النجاسة ومن تحتها فإنه ينظر فيها، ~~فإن كانت متغيرة فهي نجسة، وإن كانت غير متغيرة فالأقوال الثلاثة التي ~~حكيناها في الوجه الأول حاصلة هاهنا، فمن اعتبر الكثرة قال: هو نجس إلا أن ~~يكون كثيرا، ومن اعتبر القلتين قال: هو نجس كله إلا أن يكون قلتين، ومن عول ~~على الجرية في الطهارة قال بكونه طاهرا على أية حال كان، سواء كان قلتين أو ~~أكثر كما حكيناه عن المنصور بالله. # الوجه الثالث: أن ms199 يكون هاهنا نهر جار فوسطه يجري على سنن جريته، وعن يمين ~~الجرية وشمالها ماء راكد متصل بجرية الوسط، فوقعت في الراكد نجاسة فينظر ~~فيه، فإن كان متغيرا بالنجاسة فهو نجس، وإن لم يتغير فيجب تخريجه على تلك ~~الأقوال الثلاثة، فعلى قول الأكثر من أصحابنا أنه ينظر فيما ركد، فإن كان ~~قليلا فهو نجس لملاصقته النجاسة ولا تنفعه الجرية المائلة عن سمته، وعلى ~~قول أهل القلتين إن كان الراكد قلتين فهو طاهر وإلا فهو نجس. وأما على رأي ~~الإمام المنصور بالله فإنه ينظر فيه، فإن دخل عليه الجاري وخرج منه فإنه ~~يكون له حكم الجاري فلا ينجس إلا بالتغير لا غير، وإن كان بحيث لا يتصل به ~~الجاري ولا يدخل عليه. فإنه ينظر فيه، فإن كان قلتين فهو طاهر وإن لم يجر، ~~وإن كان دونهما فهو نجس. # فهذه الأوجه الثلاثة كلها حادثة على رأي من ينجس القليل من غير تغير. PageV01P233 # فأما على رأي القاسم والذي اخترناه، فكل ما ذكرناه في هذه الأوجه في هذه ~~الأمواء فإنها طاهرة مالم تكن متغيرة من غير اعتبار ضابط آخر على أي صفة ~~كانت، ومن أجل تنجيس القليل من غير تغير وقع الاختلاف في هذه الصور كما ~~أوضحناه، ومع اعتبار التغير لا يقع هناك اختلاف في الصور، وهذا يدلك على ~~أنه معيار لا تنثلم له حافة ولا تشذ عنه صورة دون صورة، ويسترسل على جميع ~~الصور ويحيط بكل الحالات. # مسألة: إذا حكم بنجاسة الماء لوقوع النجاسة فيه وأريد تطهيره جاز ذلك؛ ~~لأنه كالثوب إذا وقعت فيه نجاسة فإنه يجوز تطهيره بالغسل، وليس يخلو حاله ~~عند ذلك من أوجه ثلاثة: # الوجه الأول: أن يكون الماء كثيرا، واعتبار كثرته إما أن يكون بحيث لا ~~تكون النجاسة مستعملة باستعماله كما رأى بعض أئمة العترة، وإما بحيث لا ~~يستوعب شربا وتطهرا في مطرد العادة ومجراها، وإما بأن يكون قلتين فما ~~فوقهما على رأي من يعتبر الكثرة بالقلتين كما هو رأي الإمامين الناصر ~~والمنصور بالله والشافعي، فإذا كان كثيرا بهذه الاعتبارات ms200 وتغير بوقوع ~~النجاسة عليه وأريد تطهيره، فإنه يطهر بزوال تغيره؛ لأنه هو المؤثر في ~~نجاسته، فإذا زال تغيره وجب الحكم بطهارته لأنه خلق طهورا، وإنما عرض له ~~عارض فبزوال ذلك العارض تعود له الطهارة، وذلك يكون: إما بطول الإقامة ~~والمكث، وإما بهبوب الريح، وإما بطلوع الشمس عليه، وإما بأن يضاف إليه ما ~~هو أعظم منه وأوسع في الكثرة فيزول تغيره به، وإما بأن يؤخذ بعضه فيكون ~~أخذه سببا في زوال تغيره، فما هذا حاله يعود طاهرا عند أئمة العترة وهو قول ~~أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي. # والحجة على ذلك: قوله : (( خلق الماء طهورا )). وفي حديث آخر: (( لا ~~ينجسه إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه )). فإذا كان التنجيس متعلقا ~~بالتغير فهو إذا زال بطل حكم النجاسة. # نعم.. إذا طرح فيه شيء فزال التغير لأجل طرحه، فإن كان المتغير هو الطعم ~~فطرح فيه ماله طعم فغلب طعمه طعم النجاسة، أو كان المتغير هو اللون فطرح ~~فيه ماله لون فغلب لونه لون الماء، أو كان المغير هو الريح فطرح فيه ماله ~~ريح فغلب ريحه ريح الماء، فما هذا حاله لا يحكم بطهارته(¬1) للماء عند PageV01P234 أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي. # والحجة على ذلك: هو أنه يجوز أن تكون صفة الماء المتغير بالنجاسة باقية، ~~وإنما لم تظهر لغلبة ما طرح فيه، وتحقيق ذلك أن النجاسة متحققة الحصول في ~~الماء، والشك حاصل في زوالها فلا وجه للحكم بزوالها بالشك. # وإن طرح فيه تراب فأزال تغير الماء بالنجاسة، فهل يطهر أم لا؟ الأقرب على ~~المذهب أنه غير مطهر(¬1)، وهو أحد قولي الشافعي الذي اختاره المحاملي (¬2) ~~لمذهبه. # والقول الثاني: أنه يطهر، حكاه الإسفرائيني من أصحابه. # والحجة للأول: هو أنه زال تغيره بوارد عليه غير مزيل للنجاسة، فأشبه ما ~~لو طرح فيه كافور أو مسك فزالت رائحته به. # والحجة للثاني: هو أنه قد زال التغير فأشبه ما لو زال بنفسه أو بماء. # والمختار: هو الأول، وهو ما ذكرناه من قبل، أن النجاسة متحققة والتراب لا ms201 ~~يعلم حاله هل هو مزيل أو ساتر، فلا يجوز الحكم بطهارته مع الشك. # وإن طرح في الماء المتنجس غير التراب من الجوامد التي لا ريح لها ولا طعم ~~ولا لون كالأحجار الصلبة فزال تغيره بها، فهل يطهر أم لا؟ فيه لأصحاب ~~الشافعي وجهان: # أحدهما: أنه لا يطهر وهو محكي عن الشيخ أبي حامد من أصحابه. # وحجته: أنه زال تغيره بغير مطهر فأشبه الزعفران وماء الورد. # وثانيهما: أنه يطهر؛ لأنه قد زال التغير بطارئ عليه فأشبه ما لو زال ~~بالماء. # والمختار للمذهب: هو الثاني. PageV01P235 # والحجة على ذلك: هو أن هذه الأحجار ليس لها طعم ولا ريح ولا لون، فإذا زال ~~تغير الماء بها كان طاهرا كما لو زال بهبوب الريح وطلوع الشمس. # الوجه الثاني: أن يكون على قدر مخصوص من الكثرة، بحيث لا يزيد عليها ولا ~~ينقص منها على رأي أكثر العترة، أو يكون قلتين من غير زيادة عليهما فيكون ~~كثيرا(¬1) ولا ناقص عنهما فيكون قليلا، ومتى كان الأمر فيه على هذه الصفة ~~فأريد تطهيره فإنه يطهر بجميع ما ذكرناه، بهبوب الريح وجري الشمس، أو بأن ~~يزاد عليه من الماء ما هو أعظم منه ولا يخرج عن هذا إلا تطهيره بالنقصان ~~عنه؛ لأنه متى نقص عن حد الكثرة كما يقوله أصحابنا، أو عن القلتين عند من ~~يعتبرهما، كان نجسا، وتطهير الشيء النجس لا يكون بنقصان بعض أجزائه، وإنما ~~يكون هذا إذا كان موصوفا بالكثرة. # الوجه الثالث: أن يكون الماء ناقصا عن حد الكثير، إما بأن يكون يغلب على ~~الظن بأن النجاسة مستعملة باستعماله، أو بأن يكون ناقصا عن القلتين عند من ~~اعتبرهما في الكثرة، فإذا وقعت فيه نجاسة وغيرت أوصافه أو بعضها وأريد ~~تطهيره، فإذا كوثر الماء فصب عليه حتى بلغ حد الكثرة، فهل يطهر أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # أحدهما: أنه لا يطهر، وهذا هو رأي أكثر أئمة العترة، وهو محكي عن أبي ~~حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أن كل واحد من الزائد والمزيد عليه نجس لكونهما قليلا ~~بانفراد كون ms202 كل واحد منهما، فلا يطهران باجتماعهما، كالمتولد بين الكلب ~~والخنزير، فإنه يكون حراما مثلهما. # وثانيهما: أنه يطهر، وهذا هو رأي الشافعي وأصحابه. # والحجة له على ذلك: هو أنها وقعت فيه نجاسة، وقد بلغ حد الكثرة بالقلتين ~~من غير تغير فيه، فكان طاهرا كما لو وقعت فيه نجاسة وهو قلتان ولم تغيره ~~فإنه يحكم بطهارته فهكذا هذا. قالوا: وهكذا لو كان هاهنا قلتان منفردتان في ~~كل واحدة منهما نجاسة قد غيرتها، فخلطا جميعا فزال التغير بالخلط حكم ~~بطهارتهما، وقالوا أيضا: إذا كان هاهنا قلتان فوقعت في كل واحدة منهما ~~نجاسة على انفراد كانت نجسة، فإذا اجتمعتا صارتا طاهرتين، فإذا تفرقتا ~~كانتا على أصل الطهارة، وإن طرأ عليهما نجاسة بعد افتراقهما تنجستا لا محالة. PageV01P236 # والمختار: أن هذه التفاصيل التي قررناها إنما تليق على رأي من أثبت نجاسة ~~القليل من غير تغير، فأما على ما أصلنا من أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، ~~فجميع هذه الصور كلها طاهرة سواء كان قليلا أو كثيرا، أو كان قلتين أو ~~زائدا عليهما أو ناقصا عنهما فلا عبرة في طهارته ونجاسته بطرو النجاسة عليه ~~إلا بتغيره لا غير. # نعم.. إذا كان لا بد من إثبات القليل من الماء يكون نجسا وإن لم يتغير، ~~فحصره بالقلتين أولى من حصره بغيرهما(¬1) تفريعا على قول أهل القليل؛ لأن ~~القلتين قد دل الشرع على كونهما وما فوقهما معيارا للكثير من الماء، ودل ~~على أن ما دونهما فهو معيار للقليل، فلهذا كان القلتان فما فوقهما لا ~~ينجسان بوقوع النجاسة فيهما إذا لم تتغيرا وكان ما دون القلتين قليلا فينجس ~~بوقوع النجاسة وإن لم يتغير، بخلاف غيرهما من الضوابط للكثرة والقلة، فإنما ~~تقررت بالمقاييس والظنون والأمارات وذلك يكون من جهة القياس، ولا شك أن ~~منصب الشارع أعلى من منصب القائس؛ لأن عصمة الشارع معلومة مقطوع عليها، ~~بخلاف القائس فإنما يصدر قياسه عن ظنون وأمارات خيالية، فلهذا كان القلتان ~~أحق من جهة التقدير لو قلنا به. والله أعلم. # مسألة: وإذا وقع في الماء نجاسة ms203 ولم تغيره ووقع الشك في الماء، هل هو ~~قليل أو كثير، أو قلتان أو أقل منهما على رأي من قال بهما، حكم بنجاسته على ~~رأي أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي، من جهة أن الأصل فيه ~~القلة، والكثرة عارضة. فلهذا كان التعويل على كونه قليلا فينجس. # وإن تحقق كون الماء كثيرا، أو قلتان فما فوقهما، ثم أخذ [منه] مقدار فوقع ~~الشك في كونه قليلا أو كثيرا، ثم وقعت فيه نجاسة لم تغيره، كان طاهرا من ~~جهة أن الأصل هو الكثرة؛ لأنها هي المتحققة من قبل، والشك إنما وقع في ~~القلة فلهذا حكمنا بطهارته. # وإن كان الماء كثيرا فنقص منه مقدار قربة أو غرب(¬2)، أو كان قلتين فنقص ~~منهما مقدار كوز ثم أكمل بماء الورد ثم وقعت فيه نجاسة، كان الماء كله ~~نجسا، وإن لم يتغير، من جهة أنه نقص عن مقدار ما تحمل النجاسة وهو الكثرة، ~~وإن أكمل بماء قد تغير بالزعفران ثم وقعت نجاسة فيه، فإن الماء يكون PageV01P237 طاهرا. # والتفرقة بينهما هو: أن ماء الورد عرق وليس بماء بخلاف ما تغير بالزعفران ~~فإنه ماء كان مطهرا، فإذا أكمل بماء الورد فقد أكمل بغير الماء، وإذا أكمل ~~بماء الزعفران فقد أكمل بالماء فإذا زال تغيره بالخلط صار طاهرا مطهرا ~~فافترقا. # وإن صب على القليل من الماء أو على ما دون القلتين خمرا أو بولا، حكم ~~بنجاسة الماء وإن لم يتغير، وهكذا إذا صب على القليل ماء نجسا حكم بنجاسة ~~الماء أيضا، وإن صب ما حكم بقلته من الماء أو كان دون القلتين على الخمر ~~والبول فاستهلك الخمر والبول بالماء، فهل يحكم بطهارة الماء أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # أحدهما: أنه يكون نجسا، وهذا هو رأي أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه ماء قليل خالطته النجاسة فيجب القضاء بنجاسته ~~كماء لو ورد عليه البول والخمر. # وثانيهما: أنه يكون طاهرا، وهذا هو المحكي عن الشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: قوله : (( إذا استيقظ أحدكم من منامه ms204 فلا يغمس يده في ~~الإناء حتى يغسلها ثلاثا)). فنهى عن إيراد اليد النجسة على الماء وأمر ~~بإيراد الماء عليها، فدل ذلك على أن إيراد الماء على النجاسة يستهلكها ~~فلهذا طهرها بخلاف ما إذا أوردت عليه فإنها تكون مستهلكة له. # والمختار: هو الأول على رأي أهل القليل؛ لأنه إذا كان قليلا فإنه يغلب ~~على الظن أن النجاسة مستعملة باستعماله، فلهذا كان نجسا كما لو كانت ~~النجاسة واردة على الماء، فهذه التفاصيل إنما تليق بمن قال بالتقدير في ~~قليل الماء وكثيره كما فصلناه من تلك الضوابط لهم، فأما من جعل الضابط هو ~~التغير فلا يفتقر إلى هذه التفاصيل وإنما معياره هو التغير لا غير، سواء ~~كان الماء جاريا أو راكدا، فالتغير هو المعيار الذي لا يختلف حاله، وإنما ~~وقع الاضطراب في هذه المسائل التي ذكرناها من أجل الضبط بالقليل والكثير ~~بالقلتين وبغيرهما، فأما ضابط التغير فإنه لا اختلاف فيه. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه، فأما ما رواه أبو هريرة من قوله عليه ~~السلام: (( إذا استيقظ أحدكم من منامه)). الحديث، فقد احتج به الشافعي على ~~أن الماء إذا أورد على النجاسة طهرها بخلاف PageV01P238 ما إذا وردت عليه، وجوابه من وجهين: # أما أولا: فلأنه إنما قال: (( فلا يدخلها الإناء حتى يغسلها ثلاثا)) ليس ~~من أجل التفرقة بين أن ترد النجاسة على الماء أو يكون واردا عليها، ولكن ~~الغرض هو التنزيه، وإدخالها الإناء يناقض التنزيه ويبطله فلهذا أمر بإيراد ~~الماء عليها من أجل ذلك. # وأما ثانيا: فلأنه لا يؤمن أن تكون في يده نجاسة تفسد الماء، فلا جرم أمر ~~بإيراد الماء عليها، ولأن الماء إذا ورد عليها كانت الغسالات منفصلة عن ~~الماء بخلاف مالو كانت اليد واردة على الماء، فإنها تكون متصلة به، فحصل من ~~هذا أنه لم يأمر بإيراد الماء على النجاسة من جهة التفرقة، فهما سيان في ~~التنجيس على رأي من يفسد الماء بالقليل من النجاسة وإن لم تغيره. # وقد احتج بالخبر من زعم أن الماء القليل ينجس من غير تغير؛ لأنه لولا ms205 أن ~~الماء ينجس بملاقاة النجاسة لما نهى عن إدخالها الإناء من غير غسل، لأنه ~~إذا كان إدخالها الأناء لا ينجس الماء فلا فائدة في نهيه عن إدخالها ~~الإناء، وجوابه من وجهين: # أما أولا: فليس في ظاهر الحديث ما يدل على أن في اليد نجاسة، وإنما ورد ~~التعبد في المنع من إدخالها الإناء وإن كانت طاهرة، وليس واردا على جهة ~~المنع وإنما ورد على جهة التنزيه والاستحباب، ولهذا قال ابن عباس لما روى ~~أبو هريرة هذا الحديث: فما نصنع بمهراسنا؟ يشير إلى أنه ليس واردا عل جهة ~~الحظر وإنما مقصوده التنزيه. # وأما ثانيا: فلأنا نقول: لعل النجاسة التي توهم اتصالها باليد كانت تغير ~~الماء وتنجسه بالتغيير له، وكلامنا إنما هو في نجاسة لا تغير الماء، فلا ~~جرم لم تكن منجسة له. والنزاع إنما وقع فيما كان من النجاسات غير مغير ~~للماء هل تنجسه أم لا؟ فأما ما كان مغيرا له، فهو منجس له لا محالة ~~فافترقا. # مسألة: إذا وقع في الماء القليل نجاسة لا يدركها الطرف أو في الثوب، فقد ~~حكي عن أصحاب الشافعي فيه طرق خمس: # الأولى منها: أنه يعفى عنها؛ لأنه يتعذر الاحتراز مما هذا حاله فلهذا عفي عنه. # الثانية: أنه لا يعفى عن شيء منها من جهة أنها نجاسة متيقنة فهي كالنجاسة ~~التي يدركها الطرف. PageV01P239 # الثالثة: أن فيها قولين: # أحدهما: أنه يعفى عنها. # وثانيهما: أنه لا يعفى، ووجههما ما ذكرنا من قبل. # الرابعة: التفرقة بين الماء والثوب، فيعفى عن الثوب ولا يعفى عن الماء. # ووجه التفرقة بينهما: هو أن الثوب أخف حكما في النجاسة ولهذا فإنه يعفى ~~عن قليل الدم والقيح فيه، بخلاف الماء فافترقا. # الخامسة: أنه يعفى عن الماء ولا يعفى عن الثوب. # ووجه التفرقة بينهما: هو أن الماء يزيل النجاسة عن غيره، فلهذا دفع ~~النجاسة عن نفسه بخلاف الثوب فافترقا. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من العفو عن ذلك، وهو أول هذه الطرق. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}[الحج:78]. ms206 ~~فلو أوجبنا تنجيس الماء لكان في ذلك أعظم حرج، وأي حرج أعظم من المعاملة ~~بنجاسة ما لا تعلم نجاسته ويعلمها الله تعالى، والتكليف فيما هذه حاله، بما ~~يدرك بالحس ويعلم بالإدراك. وقوله : (( بعثت بالحنيفية السمحة ))(¬1). ولا ~~مسامحة فيما هذا حاله، إنما السموحة في إسقاط نجاسته والعفو عنها كما قلناه. # ومن جهة القياس، وهو أن ما هذه صفته فإنه يلحق بما لا نفع فيه؛ لأنه في ~~الحكم كأنه غير واقع من جهة أنه غير مدرك ولا مرئي، فهذا ما أردنا ذكره في ~~الأمواء النجسة وما تحتمله من المسائل، والله الموفق. # القسم الثالث: في بيان المياه المستعملة: # اعلم أن الماء المستعمل الذي وقع فيه التردد بين العلماء في كونه مطهرا ~~أو غير مطهر، إنما يصير مستعملا باعتبار معنيين. PageV01P240 # المعنى الأول منهما: تأدية العبادة به، فرضا كانت أو نفلا، فما كان [من ~~الماء] منفصلا عن أعضاء المحدث في فرض الطهارة ونفلها، وما كان منفصلا عن ~~بدن المحدث في غسل الجنابة، فإنه يصير مستعملا بما أوضحناه. # المعنى الثاني: ما أزيل به النجاسة، فهذا نحو الغسالة الثالثة على رأي ~~المؤيد بالله فإنها طاهرة، وقد صارت مستعملة في إزالة النجاسة بها، ونحو ~~الغسالة الثانية والثالثة على رأي الشافعي فإنهما طاهرتان، وقد حصل لهما ~~وصف الاستعمال بإزالة النجاسة بهما، فأما الغسالة الأولى على رأي المؤيد ~~بالله والشافعي فهي نجسة، فلا كلام عليها، وهكذا حال الغسالة الثانية على ~~رأي المؤيد بالله فإنها نجسة أيضا، وإنما كلامنا فيما كان طاهرا من الماء ~~وقد عرض [له] وصف الاستعمال. فمتى حصل هذان المعنيان صار الماء مستعملا، ~~وسيأتي تقريره، ومتى انتفيا جميعا فليس مستعملا، وإن حصل أحدهما دون الآخر ~~فالماء مستعمل لا محالة. ومثال حصولهما جميعا: هو أن المحدث لو كان على ~~أعضائه نجاسة فطهرها من النجاسة، ثم لما كان عند الغسلة الثالثة نوى رفع ~~الحدث فصار ما تساقط من الماء المستعمل يستعمل في رفع الحدث وإزالة النجاسة جميعا. # ومثال ما انتفى عنه الأمران جميعا، فالغسالة الرابعة فإنها غير مستعملة ~~في رفع ms207 حدث ولا إزالة نجس، فلا جرم لم يتعلق بها حكم الاستعمال، فما هذا ~~حاله من الأمور يجوز فيه رفع الحدث وإزالة النجس؛ لأنه لم يتغير عن وصفه لا ~~بعارض حسي ولا بعارض حكمي يزيل وصف التطهر به، فلهذا جاز التطهر [به] ~~اتفاقا. ومثال ما حصل به رفع الحدث دون إزالة النجس، الماء الذي تؤدى به ~~العبادة من فرض أو نفل فإنه يكون مستعملا لما حصل به من تأدية العبادة. # ومثال ما حصل به إزالة النجاسة، نحو الماء الذي تزال به النجاسة عن الثوب ~~مثلا، فإنه إنما كان مستعملا بإزالة النجاسة لا غير وليس هناك حدث. وهل ~~يصير الماء مستعملا بالتبرد أم لا؟ # والذي عليه أئمة العترة وهو قول الشافعي: أنه لا يصير مستعملا. وحكى ~~الطحاوي عن أبي حنيفة: أن الماء يصير مستعملا بالتبرد وأنكره الجصاص من ~~أصحابه. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة، واختاره الفريقان أبوحنيفة وأصحابه، ~~والشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه باق على أصل الطهارة لم يعرض ما يخرجه عن كونه ~~مطهرا من شائب في PageV01P241 عينه ولا حكمه، فوجب الحكم عليه بكونه طاهرا مطهرا كالماء الذي لم يخالطه ~~شيء، ولأنه لم يعرض له إلا مباشرته للجسم من غير أن يتعلق به حكم شرعي فلا ~~يكون مغيرا له كما اتصل بمجراه وممره. # فإذا عرفت حقيقة الماء المستعمل وما المراد به في ألسنة العلماء، فلنذكر ~~مسائله المتعلقة بأحكامه. # مسألة: الماء المستعمل، هل يكون طاهرا أو نجسا أو موقوفا في حاله؟ فيه ~~ثلاثة مذاهب نفصلها: # المذهب الأول: أنه طاهر، وهذا هو الذي عليه أكثر أئمة العترة وهو المنصوص ~~للشافعي والرواية المشهورة عن أبي حنيفة التي حكاها عنه محمد بن الحسن، وهو ~~محكي عن مالك، ومحكي عن زيد بن علي (¬1)، والناصر، والمؤيد بالله، وأبي طالب. # والحجة على ذلك: الظواهر القرآنية كقوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا}[الفرقان:48]. وقوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم ~~به}[الأنفال:11]. والماء المستعمل مندرج تحت هذه الظواهر فيجب القضاء ~~بطهارته. # والحجة الثانية: الأخبار المروية كقوله : (( خلق ms208 الماء طهورا لا ينجسه ~~إلا ما غير ريحه أو طعمه أو لونه)). وقوله : (( الماء لا يجنب)). وقوله : ~~(( الماء طهور )). فهذه الأخبار كلها دالة على كونه طاهرا، ويدل على ذلك: ~~ما روي أن الصحابة (رضي الله عنهم) كانوا لا يحترزون عنه، فلو كان نجسا ~~لكانوا يحترزون عنه كما يفعلون في سائر النجاسات. PageV01P242 # المذهب الثاني: أنه نجس، وهذه هي الرواية الثانية عن أبي حنيفة التي رواها ~~أبو يوسف واختارها مذهبا لنفسه، وهو الذي حصله السيد أبوالعباس لمذهب ~~الهادي. # والحجة على ذلك: ما رواه أبو هريرة عن النبي أنه قال: (( لا يبولن أحدكم ~~في الماء الراكد ثم يغتسل فيه ))، فجمع بين الأمرين في النهي، فلما كان ~~البول في الراكد ينجسه فهكذا الاغتسال ينجسه، ولهذا عطف أحدهما على الأخر ~~لما كانا مستويين في تنجيس الماء جميعا. # الحجة الثانية: أن الأمة مجمعة على إراقته في السفر والحضر وإضاعته، ~~فلولا أنه نجس وإلا لما فعلوا ذلك فيه كسائر الأمواء النجسة كالأبوال ~~والأمواء التي خالطتها النجاسات. # والحجة الثالثة: من جهة القياس، وهو أنه ماء أزيل به مانع من الصلاة ~~كالحدث والنجس، فيجب أن ينتقل المنع إليه كالماء المتغير بالنجاسة، وهذه ~~الأمور كلها دالة على تنجيسه. # والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة وفقهاء الأمة ويدل على ~~طهارته حجتان: # الحجة الأولى: ما علم من حال الصحابة (رضي الله عنهم) أنهم كانوا يبتدرون ~~إلى غسالة وضوء رسول الله فيغسلون بها وجوههم وأيديهم ويتمسحون بها ~~ويستشفون بمخالطتها، فلو كانت نجسا(¬1) لما فعلوا ذلك، ولأنكر عليهم رسول ~~الله ما فعلوه لما فيه من مخامرة النجاسة ومخالطتها. # الحجة الثانية: وهي أن الماء باق على أصل الطهارة بالظواهر الشرعية وليس ~~ينجس إلا بما يلاقيه، والماء المستعمل لم يعرض له ما يوجب تنجيسه من ~~المخالطة للنجاسات، فيجب القضاء بكونه طاهرا؛ ولأنه ماء طاهر لاقى محلا ~~طاهرا فوجب أن يكون طاهرا كما لو غسل به ثوب طاهر. # المذهب الثالث: الوقف في حاله، وهذا شيء حكاه أبو ثور (¬2) عن الشافعي. # ومن توقف في مسألة فليس ms209 له مذهب فيها من جهة أن المذهب ليس إلا الاعتقاد ~~أو الظن، ومن PageV01P243 وقف فليس معتمده إلا تعارض الأدلة واستواؤها في حقه من غير ترجيح، فلهذا ~~توقف فهو لا يفتقر إلى إيضاح مذهبه بالدلالة، إذ لا مذهب له كما قررناه، ~~وغالب ظني أن توقف الشافعي في الماء المستعمل، إنما هو في كونه مطهرا لا في ~~طهارته، ولهذا فإن تردده إنما هو في كونه مطهرا رافعا للأحداث ومزيلا ~~للنجاسات في اختلاف أقواله كما سنحكيها، لا في كونه طاهرا فإنه لم يحك عنه ~~تنجيسه، وظاهر توقفه مطلقا، والأقرب أنه يجب حمله على ما قلناه. # مسألة: وإذا وجب الحكم بطهارته كما قلناه، فهل يكون مطهرا لغيره أم لا؟ ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول منهما: أنه طاهر مطهر، وهذا هو رأي المؤيد بالله أخيرا، ~~ومحكي عن الحسن البصري والزهري (¬1) والنخعي وداود، وهو مروي عن الإمامية، ~~وحكى عيسى بن أبان (¬2)، عن الشافعي: أنه مطهر، ورواية عن مالك، ورواية عن ~~أبي حنيفة. # والحجة [الأولى] على ذلك: ما روي عن النبي ، (( أنه اغتسل من الجنابة ~~فبقي في يديه لمعة فأخذ الماء الذي بقي في شعره فدلكها به))، وهذه هي صورة ~~الماء المستعمل فإن أصل ذلك قد كان أدى به غسل الجنابة ولا فائدة للمستعمل ~~إلا ما ذكرناه، فما هذا حاله نص لا احتمال فيه. # الحجة الثانية: ما ذكرناه من قبل، أن الصحابة كانوا يبتدرون وضوء رسول ~~الله ، فيغسلون به وجوههم وأيديهم، فكما هو دال على طهارته كما أسلفنا ~~تقريره، فهو دال على كونه مطهرا وهو مرادنا. # الحجة الثالثة: من جهة القياس، وهو أنه أحد ما يشترط في تأدية الفروض فلا ~~يخرج عن حكمه بتأدية الفرض به كالثوب فإنه يصلى به مرارا. # المذهب الثاني: أنه غير مطهر لغيره، وهذا هو رأي أكثر العترة، الهادي ~~والناصر والمنصور بالله، PageV01P244 وهو محكي في رواية عن أبي حنيفة، ورواية عن مالك، والمشهور عن الشافعي، وبه ~~قال الليث (¬1) وأحمد بن حنبل والأوزاعي. # والحجة [الأولى] على ذلك: ما روي عن النبي أنه قال: (( لا يتوضأ ms210 أحدكم ~~بفضل وضوء المرأة))(¬2). وقد تقرر أنه لم يرد مانع في الإناء؛ لأن ذلك مطهر ~~بالإجماع وليس مستعملا، وإنما يكون مستعملا إذا تساقط من أعضاء الوضوء، وقد ~~نهي عنه، فدل ذلك على أنه غير مطهر. وفي حديث آخر: (( لايتوضأ الرجل بفضل ~~وضوء المرأة، ولا المرأة بفضل وضوء الرجل))(¬3). وكل ذلك دال على المنع من ~~التطهر والوضوء بالماء المستعمل في قربة من فرض أونفل. # الحجة الثانية: هو أن المعلوم من عادة الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ~~وتابعيهم إلى يومنا هذا، [أنهم] كانوا يسافرون ويعدمون الماء فيعدلون إلى ~~التيمم بعد عدمه، وما روي عن أحد منهم أنه توضأ بالماء المستعمل، فلو كان ~~جائزا لفعل على قلة الأمواء وضيقها في الأسفار. # الحجة الثالثة: ما روي عن عمر أنه كان له مولى يقال له: أسلم (¬4) كان ~~يأكل الصدقة، فقال له عمر: تأكل غسالة أوساخ الناس؟ أرأيت لو توضأ إنسان ~~بماء أكنت شاربه؟ فكره شربه، فلو كان استعماله جائزا لما كره شربه، فهذا ~~تقرير كلام الفريقين كما ترى. # والمختار: القول بطهارته كما مر تقريره، فأما من قال بنجاسته فقد أبعد في ~~نظره، ومن ادعى إجماعا PageV01P245 في طهارته لم يكن مجازفا، فإنا نعلم من عادة السلف والخلف من الصدر الأول ~~إلى يومنا هذا، عدم تحرزهم عن الأمواء المستعملة وهم يباشرونها مباشرة ~~الأشياء الطاهرة وهم لا يخالفوننا في جواز شربه واستعماله في غير التطهر، ~~ولو كان نجسا لما جاز ذلك فيه، كما لا يجوز في الأشياء المتنجسة من الأبوال ~~والأرواث وغيرها. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: روى أبو هريرة: (( لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل فيه)). # قلنا: جوابه من وجهين: # أما أولا: فلأنا قد قررنا فيما سبق أن الاستدلال بهذه الطريقة تضعف من ~~جهة أنها تعويل على الاقتران من غير علة جامعة بينهما، فلا يقبل ما هذا ~~حاله، وهي طريقة لأصحاب أبي حنيفة؛ لأنهم عولوا فيها على أن البول لما كان ~~منجسا للماء فهكذا الاستعمال لما كان معطوفا عليه؛ لأن من حق المعطوف أن ms211 ~~يكون مغايرا للمعطوف عليه، ولهذا استحال عطف الشيء على نفسه، فإذا كان من ~~حقهما التغاير فكيف يقال إن من حقهما الاستواء في الحكم!. # وأما ثانيا: فلأنه محمول على كون الماء قليلا قد تغير بمخالطة البول فلا ~~يجوز الاغتسال به ولا فيه؛ لأجل نجاسته بالبول لا من أجل كونه مستعملا، ~~فبطل ما توهموه. # قالوا: الأمة مجمعة على تضييعه في السفر والحضر وإراقته، وفي هذا دلالة ~~على كونه نجسا. # قلنا: [هذا القول] فاسد لأوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأن ما ذكروه من دعوى الإجماع فإنما هو إجماع مرسل لا يدرى ~~بقصد الأمة فيه، فإنهم لم يصرحوا بمرادهم فيه، وما هذا حاله من الإجماعات ~~فإنه لا حجة فيه. # وأما ثانيا: فهب أنهم أراقوه فلم يريقوه من أجل كونه نجسا، فما دليلكم ~~على نجاسته؟ وليس الكلام إلا في نجاسته. # وأما ثالثا: فلأنا نقول: لعلهم أراقوه من أجل استغنائهم بغيره، أو من أجل ~~كراهتهم واستقذارهم منه، فمطلق الإراقة له لا يكون حجة على تنجيسه. PageV01P246 # قالوا: هو ماء أزيل به مانع من الصلاة، وهو الحدث والنجاسة، فانتقل المنع ~~إليه كالماء المتنجس. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن هذا القياس باطل بالفرق، لأنا نقول: المعنى في الأصل أن ~~الماء تغير بالنجاسة، والمستعمل لم يكن متغيرا بالاستعمال، فما هذا حاله من ~~الفرق يبطل فيه الجمع ويلحق الجامع بالفساد والبطلان من جهة كون الفرق ~~مخيلا والجامع أمر شبهي. # وأما ثانيا: فلأن هذا القياس معارض بمثله، فإنا نقول: شيء يؤدى به الفرض ~~فلا يخرج عن حكمه بتأدية الفرض، كالثوب يصلى فيه مرارا فبطل ما توهموه، ~~فإذا تقرر كونه طاهرا بما أوردنا من الأدلة وبإبطال ما جعلوه حجة لهم على ~~نجاسته. # والمختار أيضا: كونه مطهرا كما قاله المؤيد بالله كما سبق تقريره من ~~الأدلة ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: أنا نقول: إنه ماء طاهر لم يشبه شيء من النجاسات ولا ما ~~يخرجه عن كونه ماء، فجاز التطهر به كالماء القراح. # فقولنا: ماء. نحترز به عن الخل واللبن [ونحوهما] فإنها غير مطهرة ms212 كما مر بيانه. # وقولنا: لم يشبه شيء من النجاسات. نحترز به عما غير أحد أوصافه أو كلها ~~فإنه لا يجوز التطهر به. # وقولنا: ولا ما يخرجه عن كونه ماء، نحترز به عما خالطه شيء من المائعات ~~الطاهرة فأزال عنه اسم الماء. # والحجة الثانية: هو أنا قد أوضحنا أن الماء القليل لا ينجس بوقوع النجاسة ~~فيه إذا لم تكن مغيرة لأحد أوصافه، بالبراهين الشرعية الظاهرة، فإذا كان ما ~~هذا حاله من الأمواء يكون طاهرا مطهرا، فهكذا ما كان الشائب له أمرا حكميا ~~وهو الاستعمال يكون طاهرا مطهرا من جهة أن الشائب العيني أقوى وأظهر أمرا ~~من الشائب الحكمي، فإذا كان لا يخرجه عن التطهير، فالمستعمل لا يخرجه ~~الاستعمال عن التطهير أحق وأولى. # وإذا تقرر بما ذكرنا كونه مطهرا، جاز رفع الحدث به وجازت إزالة النجاسة ~~به؛ لأن كل ما يرفع PageV01P247 الحدث فإنه يرفع النجس، كالماء القراح فإنه كما يرفع الحدث عن أعضاء ~~الطهارة وجب أن يكون رافعا للنجاسة. # وإذا قلنا: بأنه غير مطهر، لم يجز رفع الحدث به، وهل يجوز إزالة النجاسة ~~به أم لا؟ فيه لأصحاب الشافعي وجهان: # أحدهما: وهو المحكي عن أبي القاسم الأنماطي (¬1)، وعلي بن خيران (¬2)، ~~أنه يجوز إزالة النجاسة به ولا يجوز إزالة الحدث، من جهة أن للماء حكمين، ~~رفع الحدث وإزالة النجاسة، فإذا بطل رفعه للحدث بما ذكروه من الأدلة، بقي ~~الحكم الآخر وهو إزالة النجاسة. # وثانيهما: وهو المعول عليه عند أبي إسحاق صاحب (المهذب)(¬3) وارتضاه صاحب ~~(البيان)(¬4) لأن ما لا يجوز رفع الحدث به فلا يجوز إزالة النجاسة به ~~كالماء النجس. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: (( لا يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة ولا ~~المرأة بفضل وضوء الرجل)) وفي هذا دلالة على أنه غير مطهر. # قلنا: الكلام على هذا الخبر من أوجه [سبعة]: # أما أولا: فلأن هذا الحديث رواية داود بن عبدالله عن حميد الحميري (¬5)، ~~وهما ضعيفان عند أئمة الحديث. PageV01P248 # وأما ثانيا: فلأنه لم يروه عن رجل معين وإنما قال ms213 فيه: لقيت رجلا صحب رسول ~~الله أربع سنين كما صحبه أبو هريرة، فأضافه إلى مجهول أيضا لا يعرف حاله، ~~وما هذا حاله من الأحاديث يكون مرجوحا بغيره مما يكون رواية معلومين. # وأما ثالثا: فلأنه قال فيه: صحب رسول الله أربع سنين كما صحبه أبو هريرة، ~~ولا شك أن صحبة أبي هريرة لرسول الله كانت أكثر من أربع سنين. # وأما رابعا: فلأنه لا معنى لكون هذا الرجل صحب الرسول أربع سنين، فإن ~~الصحبة تثبت بدون هذه المدة فلا وجه لتحديدها بأربع سنين. # وأما خامسا: فلأنه إذا كان عدلا فهو مقبول الرواية سواء كانت صحبته مدة ~~كثيرة أو قليلة. # وأما سادسا: فلأن هذا الحديث معارض بما روته عائشة رضي الله عنها قالت: ~~(( كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد ونحن جنبان)). # وأما سابعا: فلأنه معارض بحديث ابن عمر رضي الله عنه قال: (( كان الرجال ~~والنساء يتوضئون في زمان رسول الله ، من الإناء الواحد)). فهذه الأمور كلها ~~دالة على ضعف هذا الحديث وأن غيره راجح عليه. # قالوا: المعلوم من عادة الصحابة والتابعين أنهم كانوا يعدلون عند عدم ~~الماء إلى التيمم، وما روي عن أحد منهم أنه توضأ بالماء المستعمل، وفي هذا ~~دلالة على كونه غير مطهر. # قلنا: الكلام على ما ذكرتموه من وجهين: # أما أولا: فلأنهم إنما عدلوا إلى التيمم إذا عدم الماء أو تعذر استعماله، ~~ومهما عدم الماء المطلق عدم المستعمل، وحيثما تعذر استعمال المطلق تعذر ~~استعمال المستعمل، فلا حجة لكم في ذلك. # وأما ثانيا: فهو طاهر عندكم، والأمة قد عدلت عنه إلى التيمم، فيحمل أن ~~يكون عدولهم إلى التيمم لنجاسته ويحمل أن يكون عدولهم لأجل كونه غير مطهر ~~كما قلتموه، فما أجبتم به من قال بكونه نجسا فهو جوابنا لكم في كونه غير ~~مطهر، من جهة أن عدولهم إلى التيمم محتمل للوجهين جميعا على سواء. PageV01P249 # فإن قال قائل: من وجد من الماء ما لا يكفيه لكل أعضاء الوضوء، فالأمة ~~مختلفة فيه على قولين: # فمنهم من قال: يجب عليه العدول إلى ms214 التيمم ولا يلزم استعمال الماء في بعض ~~أعضاء الوضوء. # ومنهم من قال: يتوضأ بما معه من الماء ثم يتيمم بعد ذلك(¬1)، ولم يقل أحد ~~منهم إنه يغسل بما معه من الماء ما قدر عليه من أعضائه إلى إناء ثم يغسل ~~سائر أعضائه بما قطر منه، فلو كان الماء المستعمل مطهرا لقالوا ذلك، فلما ~~لم يقولوه دل على كونه غير مطهر، وهذا سؤال واقع على من قال بكونه مطهرا، ~~وجوابه من أوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأن المسألة اجتهادية لا محالة، وإذا كان الأمر فيها كما ~~قلنا، فلا مانع من إحداث قول ثالث فيها وهو استعمال الماء المستعمل؛ لأن ~~المحذور(¬2) من إحداث قول ثالث، هو إبطال ما في أيدي المسلمين من الحق، وما ~~هذا حاله لا يبطل ما قالوه فلهذا كان سائغا. # وأما ثانيا: فلعل هذا مفروض في حق من انتهى حاله في قلة الماء إلى أنه لم ~~يقطر من أعضائه شيء من الماء لقلته، فلهذا قالوا بعدوله إلى التيمم كما قلتم. # وأما ثالثا: فإنه يحتمل أن يكون عدولهم إلى التيمم، لنجاسته على رأي من ~~يقول بنجاسته، فما أجبتم به في بطلان كونه نجسا فهو جوابنا في كونه مطهرا ~~من غير فرق. # قالوا: إن عمر قال: أرأيت لو توضأت بماء أكنت شاربه؟ # قلنا: جوابه يكون من أوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأن قول الصحابي ليس بحجة كما أسلفنا تقريره. # وأما ثانيا: فأقصى ما في الباب أن يكون مذهبا لعمر رضي الله عنه وهو من ~~جملة المخالفين في PageV01P250 المسألة، فما أجبناكم به فهو جواب له(¬1). # وأما ثالثا: فلأن كلامنا إنما هو في كونه مطهرا أو غير مطهر، وكلام عمر ~~إنما هو في شربه، وكم من شيء يستكره الإنسان شربه مع كونه طاهرا مطهرا، ~~فاستكراه شربه لا يدل على كونه غير مطهر، فحصل من مجموع ما ذكرنا صحة كون ~~الماء المستعمل طاهرا مطهرا بالأدلة التي ذكرناها وبالجواب عما أوردوه من ~~الشكوك على هذ القاعدة، ولو عدمت الماء في سفر أو حضر ووجدت ماء مستعملا ~~لتوضأت ms215 به ولم أعدل إلى التيمم لوجهين: # أما أولا: فلأن الله تعالى يقول: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}[النساء:43]. ~~وهذا واجد للماء لا محالة. # وأما ثانيا: فلأنه طاهر، مطهر فلا حاجة إلى العدول إلى التراب مع وجوده ~~وإمكانه، ولم أستعمل الماء المستعمل في عمري في طهارة حدث ولا أزلت به ~~نجاسة، ولكن الغرض من تحقيق المسألة وتقريرها أمران: # أحدهما: إبانة الحق من المسألة فيما تؤدي إليه الأدلة الشرعية من الظواهر ~~النقلية والمقاييس النظرية في التصرفات الاجتهادية. # وثانيهما: لجواز أن يضطر إليها مضطر في سفر أو مرض أو عند إعواز الماء، ~~ولهذا فإنك ترى من برز في الاجتهاد وتبحر في علومه يفتي بالمسألة ولا يفعل ~~بما أفتى به، من الصحابة والتابعين وغيرهم، ولأجل ذلك فإن ابن عباس أفتى ~~بحل المتعة ورجع عنها، ومع ذلك فإنه لو حز رأسه ما تمتع، وأبوحنيفة أباح ~~شرب المنصف والمثلث ولو قطعت أوصاله ما شربها أبدا، والشافعي أباح قتل تارك ~~الصلاة، ولو حظي إلى مثله لم يحتز رأسه، ولكن الغرض إبانة ما يؤدي إليه ~~النظر الشرعي في المسائل كلها سواء عمل بها أو لم يعمل. # مسألة: تشتمل على تفريعات المذاهب التي أسلفناها في الأمواء وجملتها ستة: # التفريع الأول: الماء إذا كان دون القلتين على رأي القاسم ومن وافقه من ~~العلماء الذين حكيناهم ووقعت فيه نجاسة ولم تغيره، فإنه يكون طاهرا مطهرا، ~~ولا يحتاج إلى مغالبة بكثرة الماء(¬2) في طهارته؛ PageV01P251 لأنه في الأصل طاهر فلا يحتاج إلى تطهير بغلبة الماء الطاهر عليه، فإذا ظهر ~~عليه أثر النجاسة فغيرت أحد أوصافه جاز إيراد الماء الكثير عليه، فإذا ذهب ~~ما تغير من أوصافه لكثرة الماء فإنه يعود طاهرا، وهكذا القول في الأمواء ~~المستعملة فإنها تكون على رأيه طاهرة مطهرة من جهة أن الماء إنما ينجس ~~بظهور النجاسة عليه على رأيه، فإذا كانت النجاسة لا تغير حكم الماء إلا مع ~~الظهور، فيجب أن تكون الأمواء المستعملة جارية على حكم الطهارة؛ لأنها غير ~~متغيرة بنجاسة ويلزمها حكم التطهير لقوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء ms216 ~~طهورا}[الفرقان:48]. والطهور: اسم موضوع للمبالغة كالضروب والصبور لمن تكرر ~~منه ذلك، فهكذا يكون الطهور واقعا على تكرير التطهير بالماء مرة بعد مرة، ~~وهذا هو المراد بالاستعمال بالماء، فإذا استعمل في الغسل جاز استعماله في ~~الوضوء وفي إزالة النجاسة، وهو الذي اخترناه من قبل، ويؤيده ما رواه أبو ~~هريرة عن النبي ، أنه سئل عن الحياض التي تكون بين مكة والمدينة وأن الكلاب ~~والسباع تلغ فيها فقال الرسول : ((لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شراب ~~وطهور))(¬1). وهذا عام فيما يعد من الأمواء مالم يتغير، وعام في الحياض ~~الكثيرة والقليلة، لكنا خصصنا ما تغير بالنجاسة من ظاهر هذا الحديث وعمومه، ~~وبقي حجة في القليل والكثير كما ترى من ظاهره. # التفريع الثاني: على رأي من قال من العترة : بأن الماء المستعمل غير مطهر ~~كالناصر والمنصور بالله، وهو رأي الشافعي، فإذا اجتمع قلتان من الماء ~~المستعمل، فالذي يأتي على رأي الناصر والمنصور بالله وهو أحد قولي الشافعي ~~أنه يصير مطهرا كالماء النجس إذا بلغ قلتين، وحكي عن الشافعي قول آخر: ~~أنهما لا يصيران مطهرين لغيرهما؛ لأنه لا يقع عليهما اسم الماء المطلق، ~~وإنما يقال له: ماء مستعمل وإن كان كثيرا بخلاف الماء النجس فإنه بعد ~~اجتماعه قلتين يقال له: ماء على الإطلاق فافترقا. # والمختار على أصلهما: أنه يكون مطهرا من جهة أن القلتين ماء كثير، فإذا ~~كانا باجتماعهما يرفعان النجاسة لكثرتهما، فلأن يرفعا الاستعمال أحق وأولى؛ ~~لأن النجاسة عين والاستعمال حكم شرعي والعين أقوى تأثيرا من الحكم، فإذا ~~دفعا العين دفعا الحكم لامحالة. PageV01P252 # وإذا كان الماء المستعمل على رأيهما لا يجوز التوضؤ به، فهل تجوز إزالة ~~النجاسة به أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه لا تجوز إزالته به، وهذا هو رأي الناصر وأحد قولي الشافعي ~~المعمول عليه عند أصحابه؛ لأنه ماء لا يرفع الحدث فلم تجز إزالة النجاسة به ~~كالماء النجس. # وثانيهما: أنه يجوز إزالة النجاسة به، وهذا شيء يحكى عن المنصور بالله، ~~وهو محكي عن الشافعي في قول آخر من جهة أن ms217 للماء حكمين: رفع الحدث، وإزالة ~~النجاسة، فإذا بطل كونه رافعا للحدث بدليل شرعي، نفى كونه مزيلا للنجس، وقد ~~سبق الاختيار في الماء المستعمل فأغنى عن الإعادة. # التفريع الثالث: على رأي الناصر، والهادي، والمنصور بالله، والشافعي ~~وغيرهم، في كون الماء المستعمل غير مطهر فإذا انغمس الجنب في ماء كثير أو ~~غسل عضوا من أعضائه بنية رفع الجنابة عنه، لم يكن الماء مستعملا عندهم لا ~~محالة وهو الأصح من قولي الشافعي ويخرج عن جنابته. # والحجة على ذلك: هو أن حكم النجاسة أقوى من حكم الاستعمال، فلو وقعت ~~نجاسة فيما هذا حاله من المياه الكثيرة لم يزل حكمه في كونه مطهرا إذا كان ~~غير متغير بها، فهكذا حال الاستعمال يكون أحق بذلك، وحكى صاحب (الشامل) عن ~~الشافعي قولا آخر، وهو أن الماء مع كونه كثيرا يكون مستعملا ويخرج به عن ~~جنابته، من جهة أن الاستعمال حاصل بجميعه وهو مانع من طريق الحكم فلا تؤثر ~~فيه الكثرة، وهذا فاسد فإن ما هذا حاله يلزم أن يكون ماء البحر مستعملا ~~وهذا لا قائل به، إذ لا فرق بين كثرة وكثرة، بعد ما كانت الكثرة معلومة. # وإذا أدخل الجنب يده في ماء قليل بنية الاغتراف منه والتبرد به، فإنه لا ~~يصير مستعملا؛ لأن الاستعمال إنما يحصل حكمه بشرط حصول نية القربة بالغسل ~~للجنابة وهي غير حاصلة فيما ذكرناه، وإن أدخلها بنية رفع الجنابة صار الماء ~~مستعملا وخرج عن جنابته باليد، كما لو أفاض الماء عليها بنية الجنابة، وإن ~~انغمس الجنب في ماء قليل صار الماء مستعملا وخرج عن جنابته وهو أحد قولي ~~الشافعي المنصوص له، ولا يصير مستعملا إلا بعد انفصاله عنه فلو توضأ منه ~~رجل أو اغتسل منه قبل انفصاله عنه صح وضوؤه وغسله، لأنه مالم ينفصل عنه ~~فليس مستعملا. PageV01P253 # ووجه ذلك: أنا لو قلنا بأنه يصير الماء مستعملا بأول ملاقاته لجزء من بدنه ~~لوجب أن يكون الماء الذي يفيضه على عضو من أعضاء الطهارة مستعملا بأول ~~ملاقاته لأول عضو، وهذا لا قائل به، فعلى ms218 هذا إذا صب الجنب على رأسه ماء ~~فإن نزل الماء عن رأسه متصلا على ظهره وعنقه من غير فصل، أجزأه النازل من ~~رأسه على ما مر عليه بعد رأسه لكونه متصلا به، وإن قدرنا أن له شعرا كثيرا ~~فوقع الماء على الشعر ثم تقاطر الماء من أعلى طبقات الشعر ومر في الهواء ~~إلى ظهره أو بطنه فإنه لا يجزيه عما وقع عليه بعد انفصاله من الرأس في ~~الهواء، لأن بنفس الانفصال عنه في الهواء قد صار مستعملا. # وحكى الخضري (¬1) من أصحاب الشافعي أن الماء يصير مستعملا ولا يخرج عن ~~جنابته من جهة أنه لما لاقى أول جزء من بدنه أول جزء من الماء صار الماء ~~مستعملا بأول الملاقاة فإذا انغمس فيه صار منغمسا في ماء مستعمل. # والمختار: ما قررناه أولا على رأي من منع من التطهر بالماء المستعمل، ~~والله أعلم بالصواب. # التفريع الرابع: إذا صلى الرجل بطهارة صلاة فرض، فإنه يستحب له أن يجدد ~~الطهارة لصلاة بعدها، لما روى أنس بن مالك عن النبي (( أنه كان يتوضأ لكل ~~صلاة طاهرا كان أو غير طاهر))(¬2). وروى ابن عمر (رضي الله عنهما) عن النبي ~~أنه قال: (( من توضأ على طهر كتب الله له به عشر حسنات))(¬3). # فإذا كان المصلي على طهارة ثم إنه جدد الطهارة ثانيا فهل يصير الماء ~~المجدد به مستعملا أم لا؟ والأقرب أنه يكون مستعملا على رأي أكثر أئمة ~~العترة، وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر: أنه لا يكون مستعملا. # والحجة على ما قاله أئمة العترة: هو أن هذا الماء قد تعلقت به القربة ~~لتأدية الصلاة المفروضة، فلهذا PageV01P254 وجب كونه مستعملا كما لو توضأ للصلاة من غير طهارة. # وإن قام من النوم فغسل يده في ماء قليل فهل يصير الماء مستعملا أم لا؟ ~~والأقرب أنه يصير مستعملا على رأي أصحابنا، وهو أحد قولي الشافعي، وله قول ~~آخر: أنه لا يصير مستعملا. # والحجة على ذلك: هو أن غسلهما قد تعلقت به القربة فلهذا كان مستعملا ~~كالوضوء للنافلة. # وإن غسل ms219 رأسه مكان المسح فهل يصير الماء مستعملا أم لا؟ والأقرب أنه يصير ~~مستعملا من جهة أن هذا قد تعلقت القربة في تأدية وظيفة مسح الرأس من جهة أن ~~الغسل معظم(¬1) المسح كما أن المسح خفيف الغسل. # التفريع الخامس: إذا توضأ الحنفي أو اغتسل للجنابة بماء قليل، فهل يصير ~~الماء مستعملا بوضوئه أو غسله أم لا؟ من جهة أنه لم يقصد بالوضوء والغسل ~~قربة، إذ لا يعتبر النية في الطهارات ولا يشترطها. فيه على المذهب احتمالات ثلاثة: # أولها: أنه لا يصير مستعملا بحال؛ لأنه يتوضأ من غير نية، والماء إنما ~~يصير مستعملا بالنية، وإن أتى بالنية فإنه يعتقد أنها غير واجبة عنده فلهذا ~~لم يزل الماء عن حكمه في التطهير. # وثانيها: أنه يصير مستعملا بكل حال وإن لم ينو الطهارة به؛ لأنا نحكم ~~بصحة صلاته لا محالة، ولهذا فإنا لا نوجب عليه قضاءها ولا يحكم بفسقه ولا ~~يباح قتله. ولو كانت صلاته غير صحيحة لكان بمنزلة من لم يصل أو بمنزلة من ~~صلى بغير طهارة، في مؤاخذته بهذه الأحكام، وهذا لا قائل به، فلما حكمنا ~~بصحة صلاته دل على كون الماء مستعملا بوضوئه وغسله، كغيره ممن يوجب النية ~~في الوضوء والغسل. # وثالثها: أنه ينظر في حاله، فإن نوى به الطهارة كان مستعملا؛ لأنه قد ~~ارتفع به حدثه، وإن لم ينو به الطهارة لم يصر مستعملا، كما لو توضأ به ~~الشافعي من غير نية. # والمختار: على رأي القائلين بالاستعمال، أنه يصير مستعملا، لأنه قد ارتفع ~~به حدثه وأجزت PageV01P255 صلاته، فأشبه وضوء غيره ممن يعتبر القربة فيه بالنية، فأما من لا يرى خروج ~~الماء بالوضوء والغسل عن الاستعمال وأنه باق على التطهير لغيره كما قررناه ~~من قبل، فلا كلام. # التفريع السادس: إزالة النجاسة ليست عبادة، ولهذا فإنه لا يفتقر إلى ~~النية، لكن الماء يصير مستعملا بإزالة النجاسة؛ لأنه رفع بالماء مانع من ~~الصلاة فأشبه رفع الحدث بالوضوء والغسل، فأما الغسالة الرابعة فهي طاهرة ~~مطهرة باتفاق بين أئمة العترة؛ لأنها لم يزل بها حكم ms220 شرعي، فلهذا لم تكن ~~مستعملة فهي كالماء المستعمل للتبرد، وأما الغسالة الثالثة، فهي طاهرة؛ ~~لأنه حكم بطهارة المحل بورودها عليه فوجب الحكم بطهارتها. # وهل تكون مستعملة فلا ترفع الحدث ولا النجس أو تكون رافعة لهما؟ والأقرب ~~على رأي أهل الاستعمال، أنها مستعملة؛ لأنها أثرت في زوال مانع من الصلاة ~~وهو النجاسة فأشبهت ما يرفع به الحدث. وعلى رأي السيد أبي طالب وهو قول أبي ~~حنيفة وأحد قولي الشافعي، أنها طاهرة مطهرة تستعمل في رفع الحدث وإزالة ~~النجاسة جميعا؛ لأنها كالرابعة على رأي المؤيد بالله، وأما الغسالة الثانية ~~فإنها نجسة على رأي المؤيد بالله، فلا يزال بها حدث ولا نجس، ويحكم عليها ~~بالطهارة على رأي السيد أبي طالب وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وهل تكون ~~مستعلمة أم لا؟ فعلى رأي السيد أبي طالب تكون مستعملة، وهو قول أبي حنيفة، ~~فلا يزال بها حدث ولا نجاسة، لأجل استعمالها. وعلى أحد قولي الشافعي أنها ~~طاهرة يجوز إزالة الحدث والنجاسة بها، لا يتصل بها حكم الاستعمال، وأما ~~الغسالة الأولى المتصلة بالنجاسة، فهي نجسة على رأي أئمة العترة ممن قال ~~بأن الماء ينجس وإن لم يكن متغيرا، وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي ~~وله قول آخر أنها لا تنجس إلا إذا تغيرت بالنجاسة. # فهذه التفريعات كلها إنما تكون على رأي من قال بتغير حكمه بالاستعمال، ~~إما في كونه نجسا كما حكيناه عنهم، وإما في كونه غير مطهر ولا رافع للحدث ~~ولا للنجاسة، فأما من لا يرى بنجاسة الماء القليل إذا لم يتغير فلا رفع ~~للاستعمال على مذهبه كما هو رأي القاسم، وهو المختار كما مر بيانه؛ لأن ~~النجاسة إذا لم تكن مغيرة للماء فالاستعمال أضعف حكما منها فلهذا لم تكن ~~مغيرة لحكمه، وقد تم الكلام في الفصل الأول من باب المياه والله الموفق ~~للصواب بلطفه. PageV01P256 # الفصل الثاني: في بيان ما يجوز الوضوء به، ومالا يجوز # رفع الحدث وإزالة النجاسة، يجوز بالماء المطلق وهو ما نزل من السماء من ~~ماء المطر، أو كان ذائبا من ms221 الثلج والبرد، أو ما كان نابعا من الأرض، كماء ~~البحار والآبار والأنهار وغير ذلك مما يكون قراحا طيبا. وقد أوردنا الدليل ~~على كون كل واحد من هذه الأمواء يجوز التطهر به بالأدلة الشرعية، فأغنى عن ~~الإعادة. # مسألة: يجوز التطهر بالماء المشمس، ومعناها مالحقته حرارة لأجل(¬1) ~~الشمس، عند أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه، ولا ~~يعرف خلاف بين الأمة في جوازه. # فإن قصد تشميسه بحر الشمس فهل يكره التوضؤ به أم لا؟ فعند أئمة العترة ~~أنه لا يكره، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ومحكي عن أحمد بن حنبل. # والحجة على ذلك: هو أنه ماء لحقته الحرارة لأجل الشمس، فلا يكره كما لا ~~يكره ماء البرك والأنهار، ولأنه ماء حصلت حرارته بعلاج، فلا يكره كما لو ~~كانت حرارته بالنار. # وحكي عن الشافعي أقوال: # أحدها: مثل قولنا. # والثاني: يكره بكل حال وهو المنصوص له. # وله قول ثالث: يكره إذا كان مسخنا في آنية الصفر في البلاد الحارة دون غيرها. # وقول رابع: يكره في البدن دون الثياب. # وقول خامس: أنه يرجع فيه إلى قول علماء الطب، فإن قالوا: إنه يورث البرص ~~كره، وإلا لم يكره. # والمختار: أنه إذا سخن في آنية الصفر بالشمس، كره وإلا لم يكره، وعلى هذا ~~يحمل ما روت عائشة رضي الله عنها، أنها سخنت ماء في الشمس فقال لها الرسول ~~: (( لا تفعلي يا حميراء هذا فإنه يورث PageV01P257 البرص))(¬1). وروي عن عمر أنه كان ينهى عن الماء المشمس، وقال إنه يورث ~~البرص، اعتمادا على ما روته عائشة. # وإنما كان هذا مختارا؛ لأن مسنده الخبر دون القياس، وليس هذا يختص هذا ~~الموضع، بل كل موضع تعارض فيه القياس والخبر، فالعمل على الخبر هو المختار ~~في كل موطن إلا أن يكون الخبر منسوخا أو يعرض له عارض يبطله، من جهة أن ~~كلام صاحب الشريعة لا يقاومه كلام القياس، وهو معصوم والقائس ليس معصوما، ~~فلهذا كان مختارا. # وإذا قلنا بكراهته فبرد المشمس، فهل تبقى الكراهة فيه أم لا؟ والأقرب ~~أنها لا ms222 تبقى؛ لأن العلة هي حصول الحرارة بالشمس وقد زالت بالتبريد فلا ~~تبقى الكراهة، وهو أحد أقوال الشافعي، وحكي عنه قول آخر أنها لا تزول ~~الكراهة، والحق ما ذكرناه؛ لأنه قد زال العارض الموجب للكراهة فزالت في نفسها. # مسألة: وإن سخن الماء بالنار لم يكره التطهر به عند أئمة العترة، وهو ~~محكي عن الفرق الثلاث: الحنفية والشافعية والمالكية، سواء سخن بالوقود ~~الطاهر أو الوقود النجس. # والحجة على ذلك: ما روى شريك (¬2) أنه قال: (( اجتنبت وأنا مع رسول الله ~~في سفر فجمعت أحجارا وسخنت ماء فاغتسلت به، فأخبرت النبي فلم ينكر ~~علي))(¬3). فتقريره إياه على ذلك فيه دلالة على عدم الكراهة فيه. # وحكي عن مجاهد أنها تكره الطهارة بالماء المسخن بكل حال. PageV01P258 # وقال أحمد بن حنبل: إن سخن بالوقود الطاهر جاز التطهر به، وإن سخن بالوقود ~~النجس كرهت الطهارة به. # والمختار: ما عليه علماء العترة وفقهاء الأمة، لما روى ابن عباس رضي الله ~~عنه (( أن الرسول دخل حماما في الجحفة(¬1) فاغتسل فيه))(¬2)، ولأن الحرارة ~~صفة عارضة للماء فلا يكره التطهر به كالبرودة. # ولا يكره التطهر في الوضوء والغسل بماء زمزم عند أئمة العترة، وهو قول ~~أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ومالك. # والحجة: قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}[النساء:43]. فهو مأمور ~~بالتطهر به ولا يجوز التيمم مع وجوده، وما كان مأمورا به فليس مكروها. # وحكي عن أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه: أنه يكره. # وحجته على هذا: ما روي عن العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه(¬3) أنه قال ~~في زمزم: ((لا أحلها لمغتسل، وهي لشارب حل وبل))(¬4). فإن هذا محمول على ~~أنه قال ذلك في وقت [قلة] الماء وكثرة من يطلب الشرب منها، فكرهه من أجل ذلك. # وقوله: حل. أي: حلال طيب. # وقوله: وبل بفتح الباء بنقطة من أسفلها، ومعناه: مباح، بلغة حمير. # وقال أبو عبيدة (¬5): وبل أي شفاء، من قولهم: بل فلان من مرضه إذا شفي ~~منه وبرأ. PageV01P259 # والمختار: ما عول عليه علماء العترة وفقهاء الأمة، من أجل الظواهر الشرعية ~~التي ms223 ذكرناها في طهارة الأمواء من جهة الكتاب والسنة، فإنها عامة في جميع ~~الأمواء إلا ما خصته دلالة، وأيضا فإن الصدر الأول من الصحابة والتابعين ~~وتابعيهم إلى يومنا هذا يتطهرون بها من غير نكير، وكونها في موضع شريف لا ~~يمنع من التطهر بها كما لو انصب المطر من ميزاب الكعبة والحرم. # مسألة: وما عدا ذلك من الأمواء، نحو ماء الورد وهو الذي يعتصر من الورد ~~وماء العصفر وماء الزعفران، وهذا هو الذي يكون معتصرا منهما، فلا يجوز ~~التطهر به عند أئمة العترة وهو قول الفريقين، وهو محكي عن مالك وهو مذهب ~~عامة العلماء إلا ما يحكى عن الإمامية، فإنهم جوزوا الوضوء بماء الورد، وهو ~~محكي عن الصادق (¬1)، وحكوا عنه أنه سئل عن التطهر به فجوزه وقال: ما زاد ~~إلا طيبا(¬2). وعن الأصم أنه جوز رفع الحدث بكل مائع طاهر، وعن بعض ~~الفقهاء(¬3) جواز التطهر بالخل. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا}[النساء:43]. فلم يجعل بين التيمم وعدم الماء مرتبة، وفي هذا دلالة ~~على أنه لا يجوز التطهر بغير الماء، ولأن الصحابة (رضي الله عنهم) وغيرهم ~~من التابعين وتابعيهم إلى يومنا هذا قد كانوا يسافرون ويعدمون الأمواء في ~~المفازة، ولم يعلم بأن أحدا منهم توضأ بغير الماء ولا عدل إليه(¬4). # فإن قال قائل: فهل يكون من قال بجواز التطهر بغير الماء، خارقا للإجماع ~~لما ذكرتموه من عمل الصحابة، والقياس على خلاف قوله؟ PageV01P260 # قلنا: معاذ الله أن يعدوا خارقين للإجماع والمسألة اجتهادية، وما هذا حاله ~~من المسائل فلا يكون المخالف فيها خارقا؛ لأنهم وإن أجمعوا على جواز التطهر ~~بالماء فلم يجمعوا على منع التطهر بغيره، فلو صدر منهم هذا الإجماع لكان من ~~خالف يكون خارقا لإجماعهم، ولكنهم سكتوا عن تحريم التطهر بغيره ولهذا جرى ~~فيه الخلاف. # وهل يجوز التطهر بماء الزعفران أم لا؟ وقد قدمنا ذكر هذه المسألة وذكرنا ~~أن الزعفران إن كان غالبا على الماء لم يجز التطهر به إجماعا من أئمة ~~العترة وفقهاء الأمة، وإن كان مخالطا ms224 غير غالب لم يجز التطهر عند أئمة ~~العترة، وهو قول الشافعي. # وقال أبوحنيفة وأصحابه: يجوز التطهر به، وهو المختار كما مر تفصيله ~~بأدلته فأغنى عن الإعادة. # وهل يجوز التطهر في رفع الحدث والنجاسة بالماء الذي يقطر من أعواد الشجر ~~عند كسرها أم لا؟ يحكى عن الإمام المنصور بالله: جواز التطهر بما هذا حاله. # والحجة على هذا: قوله : (( خلق الماء طهورا))، وما هذا حاله فإنه لم ~~يتغير بطاهر ولا بنجس يغير شيئا من أوصافه، فجاز التوضؤ به كالماء القراح، ~~وقال: لا فرق بين أن يجريه الله في عود أو حجر. # والذي عليه أكثر أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ~~وأصحابه، أنه لا يجوز التطهر به. # والحجة على ذلك: من الظواهر القرآنية والأخبار الدالة على انحصار التطهر ~~بالماء فأغنى عن الإعادة. # والمختار: ما عول عليه أكثر أئمة العترة وأكثر الفقهاء وإن لم يزل عنه ~~اسم الماء، فقد زال عنه مطلق اسم الماء، فإنه لا يقال فيه: إنه ماء، ولكن ~~يقال: ماء عنب وماء شجر، وغير ذلك من الأوصاف، ولأنه إذا لبث في الإناء ~~فإنه يتغير ويستحيل عن كونه ماء فلو كان ماء لم يتغير مع الإقامة. # قوله: إنه قد اندرج تحت الظواهر الدالة على كونه مطهرا فوجب العمل عليها. # قلنا: قد دل الدليل على كونه مخصوصا منها فعملنا بالعمومات فيما تناولته ~~والمخصصات فيما تناولته، توفقة بين الأدلة وعملا بما دلت عليه بحسب الوسع. PageV01P261 # قوله: لا فرق بين أن يجريه الله تعالى في الأعواد أو في الأحجار والصخور. # قلنا: الأحجار والصخور لا تكسبه تغيرا فلهذا جاز التطهر [به] و[هو] يخالف ~~ما يجري في الأعواد والشجر فإنه يخالطه، فلا جرم أذهب عنه اسم مطلق الماء، ~~فلم يجز التطهر به كماء اللحم وماء الباقلا فافترقا. # مسألة: النبيذ نجس فلا يجوز التطهر به ولا بشيء من الأنبذة، عند أئمة ~~العترة وهو قول الشافعي ومالك، وحكي عن أبي حنيفة: جواز التطهر بنبيذ التمر ~~المطبوخ في السفر عند عدم الماء، وقد قدمنا هذه المسألة وحكينا فيها ms225 الخلاف ~~فأغنى عن التكرير، لكنا نزيد هاهنا إيراد ما تعلقوا به ونبطله. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه، وقد احتجوا بخبر ابن مسعود ليلة الجن. # قلنا: قد أبطلناه من قبل ونزيد هاهنا فنقول: قد روى هذا الحديث أبو زيد ~~مولى عمرو بن حريث وهو ضعيف، وروى النخعي عن عبدالله بن مسعود أنه قال: لم ~~أكن مع الرسول ليلة الجن ووددت أني كنت معه. وروى الشعبي (¬1) عن علقمة ~~(¬2) قال: قلت لابن مسعود: أكنت مع النبي ليلة الجن؟ فقال: لا، لم يصحبه ~~أحد منا. خرجهما مسلم (¬3) في كتابه. # وعلى أن الذي توضأ به لم يكن مطبوخا وإنما كان نيئا؛ لأن العرب لا تعرف ~~الطبخ، وعندكم أنه لا يجوز بالنيئ بحال. # ولأنه لم يكن نبيذا وإنما نبذ فيه تمرات لاجتداف ملوحته(¬4) . وإنما سماه ~~نبيذا لما كان يصير إليه، كما قال تعالى: {إني أراني أعصر خمرا}[يوسف:36]. ~~ولهذا قال: (( تمرة طيبة )). PageV01P262 # قالوا: روى ابن عباس أن النبي قال: (( النبيذ وضوء من لم يجد الماء ~~))(¬1). # قلنا: إن هذا الحديث رواه المسيب بن واضح وهو ضعيف، وقيل: إنه وهم فيه، ~~وإنما هو عن عكرمة وهو لم يشهد الرسول ، فيكون موقوفا عليه. # قالوا: روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: لا بأس بالوضوء ~~بالنبيذ، ولا يقول مثل هذا إلا عن توقيف من جهة الرسول . # قلنا: هذا ليس مشهورا عن أمير المؤمنين وإنما يرويه الحارث الأعور (¬2)، ~~وهو ضعيف، وقد قال الشعبي: هو كذاب، ورواه أيضا مزيدة بن جابر (¬3)، وهو ~~مجهول لا يعول على حديثه. # قالوا: طهارة فلم تختص بجنس واحد، كالاستنجاء فإنه مخير فيه بين الحجر وغيره. # قلنا: نعارضه بقياس مثله، وهو أنا نقول: مائع لا يجوز الوضوء به في الحضر ~~فلم يجز في السفر كالخل، أو مائع لا يجوز الوضوء به مع وجود الماء فلا يجوز ~~مع عدمه كالخل، ثم نقول: لو كان النبيذ كالاستنجاء لكان مخيرا بين النبيذ ~~والماء كما يتخير في الاستنجاء وأنتم لا تقولون بذلك. # قالوا: الرجلان والرأس عضوان من أعضاء الوضوء فثبت ms226 فيهما بدل في الطهارة ~~كالوجه واليدين. # قلنا: هذا فاسد بالمعارضة، فإن الوجه واليدين عضوان من أعضاء الوضوء فلا ~~يثبت فيهما بدل PageV01P263 كالرأس والرجلين، ثم نقول: لو كان الرأس والرجلان كالوجه واليدين كما زعمتم ~~لثبت فيهما مقصورا عليهما كما ثبت ذلك في الوجه واليدين، فلما كان بدلهما ~~عاما في جميع الأعضاء بطل القياس. على أن هذه الأقيسة التي أوردتموها ~~لنصرتكم إنما هي من الأقيسة الطرديه التي لا يعول عليها، وما أوردناه من ~~الأقيسة فهو مثلها، ولم نوردها اعتمادا عليها وإنما أوردنا معارضة الفاسد ~~بالفاسد، وهو مقصد في الجدل ينتحيه النظار من الفقهاء ويجعلونه عمدة فيما ~~هذا سبيله، فأما ما يعول عليه في تقرير الأحكام الفقهية ويعتمد في مجاري ~~المضطربات الاجتهادية، فهي الأقيسة المخيلة والشبهية، وستراها مقررة في ~~أثناء هذا الكتاب وغضونه بمعونة الله تعالى وحسن توفيقه. # مسألة: الماء إذا تنجس بأي نجاسة كانت، فلا يجوز التطهر به عند أئمة ~~العترة وفقهاء الأمة، على حد اختلافهم في كيفية تنجس الماء، ولا يعرف في ~~ذلك خلاف، وهم وإن اختلفوا في الصلاة في الثوب النجس كما سنقرره، فلم ~~يختلفوا في أنه لا يجوز التوضؤ بالماء النجس، والنبيذ وإن كان نجسا عندنا ~~لا يحل شربه ولا التطهر به فإنه طاهر عند أبي حنيفة يجوز التطهر به كما سبق ~~تقريره. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {والرجز فاهجر}[المدثر:5]. والرجز: هو القذر ~~والنجس، وعند مجاهد: هو الصنم. والأول هو المستعمل في اللغة، ومن استعمله ~~في التطهر فلم يهجره، وقوله تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث}[الأعراف:157]. ~~ولم يفصل، وهو من جملة الخبائث، ومن توضأ به فلم يحرمه. وقوله : (( لا ~~يبولن أحدكم في الماء الراكد )). ولم ينه عنه إلا من أجل تنجيسه به. وقوله ~~(عليه الصلاة والسلام): (( إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده الإناء ~~حتى يغسلها ثلاثا )). وما ذلك إلا من أجل النجاسة. # ومن طريق القياس، وهو قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة}[المائدة:3]. ولم ~~تحرم إلا من أجل نجاستها، فهكذا ما شاركها في النجاسة مقيس عليها في ~~التحريم والمنع من استعماله، ms227 وقوله : (( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم ~~فليغسله سبعا ))، وما ذاك إلا من أجل نجاسته فيجب(¬1) في كل ما كان نجسا من ~~غير فصل. PageV01P264 # وإذا حكمنا بنجاسة الماء لم يجز التطهر به في رفع الحدث ولا رفع النجاسة ~~عند أئمة العترة وفقهاء الأمة كما مر بيانه، للظواهر الشرعية الواردة في ~~منع ذلك، ولأنه نجس في نفسه فلا يجوز كونه مطهرا، وهل يجوز الانتفاع بهذا ~~الماء في غير الطهارة أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # أولها: أنه لا يجوز الانتفاع به، وتجب إراقته سواء كان متغيرا بالنجاسة ~~أو غير متغير بها، وهذا هو الذي ذكره الأخوان: السيد المؤيد بالله والسيد ~~أبو طالب، وهو محكي عن الشافعي ومالك وغيرهم من الفقهاء. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {والرجز فاهجر}[المدثر:5]. وقوله عليه ~~السلام: (( إذا وقع الحيوان في السمن أريق المائع وقور ما حولي ~~الجامد))(¬1). وهذا فيه دلالة على أنه لا يجوز الانتفاع به؛ لأنه لو كان ~~طاهرا لم يقل بإراقة المائع، لأنه في محل تعليم الشرع فلا يجوز فيها إغفال ~~البيان عن موضع الحاجة. # وثانيها: أنه يجوز الانتفاع به فيما يكون استهلاكا له، نحو سقي الزرع وبل ~~الطين وما أشبه ذلك مما يكون مغلوبا بالاستعمال فلا ترى له عين، وسواء كان ~~متغيرا أو غير متغير. # والحجة على ذلك: هو أن ما هذا حاله فقد جرى به عرف المسلمين من غير نكير ~~في الأمصار والأقاليم، وقد قال عليه السلام: (( ما رآه المسلمون حسنا فهو ~~عند الله حسن )). ولأن في إضاعته من غير نفع يستهلك فيه، حرجا ومشقة، وهذا ~~شيء يحكى عن الإمام المنصور بالله. # وثالثها: فإنه ينظر فيه فإن كان متغيرا بالنجاسة فإنه لا يجوز الانتفاع ~~به في أمر من الأمور، وإن كان غير متغير بها جاز الانتفاع به في بل الطين ~~وسقي الدواب والطير. وهذا شيء يحكى عن أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه إذا كان متغيرا بالنجاسة فهو نجس بالإجماع فلا ~~يجوز الانتفاع به ولا مساغ للاجتهاد فيه؛ لأنه مجمع على تنجيسه، ms228 فأما إذا ~~كان غير متغير بالنجاسة فهو في محل الاجتهاد كما قررناه من قبل، وإذا كان ~~مما قد وقع فيه خلاف الأمة، جاز الانتفاع به في الاستهلاكات التي ذكرناها، ~~لأنه متى كان مختلفا فيه فالأقوال فيه صائبة لكونها اجتهادية، فمن انتفع به ~~لم يكن هناك محذور يقع فيه PageV01P265 فلهذا وقعت التفرقة بين ما يتغير وبين ما لا يتغير. # فأما بيعه فسيأتي الكلام عليه في البيوع بمعونة الله تعالى. # والمختار: ما قاله الإمام المنصور بالله، من جواز الانتفاع به فيما ذكر. # والحجة على ذلك: هو أن الانتفاع به مع قيام المانع يكون رخصة من جهة الله ~~تعالى لعباده؛ لأنا لا نريد بالرخصة إلا أن سبب التحريم قائم مع الإباحة ~~كما نقول في إباحة أكل الميتة للمضطر في المخمصة، وكما نقول في بيع السلم ~~فإنه رخصة في بيع ما ليس عنده، وهاهنا سبب التحريم قائم وهو النجاسة، لكن ~~الشرع قد دل على الرخصة لما روي عن النبي : (( من لم يقبل الرخصة فعليه من ~~الأثم مثل جبال عرفات))(¬1). وفي حديث آخر: (( إن الله يحب أن تؤتى رخصه ~~كما يحب أن تؤتى عزائمه ))(¬2) فمن أجل ذلك انتحال الرخصة فيما هذا حاله هو ~~الأقرب، وكيف لا وفيه من تيسير الحال وتسهيل الأمر ما لا يخفى، وقد قال ~~الله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}[البقرة:185]. # الانتصار: قال المانعون من جواز الانتفاع به: الآيات والأخبار دالة على ~~المنع منه في حالة من الحالات فيجب اتباعها. # قلنا: إنما يندرج تحت هذه العمومات إذا كان نجسا ونحن لا نسلم نجاسته، بل ~~لما ذكرناه من عمل المسلمين زالت نجاسته وحكم بطهارته، ثم إنا وإن سلمنا أن ~~نجاسته باقية لكنا نقول: قد سقط حكمها لما قررناه من حديث الرخصة الذي أشار ~~إليه الشرع، فإذا إنما كان مندرجا تحت العموم، إما بثبوتها وتقرير حكمها ~~وهو الإثم، ونحن لا نسلمها في هذه الصورة، ولو سلمناها فلا نسلم بقاء ~~حكمها، وإذا كان الأمر كما قلناه بطل اندراجه تحت ما ذكروه من ms229 العمومات ~~الدالة على منع الانتفاع به. # قالوا: أمر بإراقة السمن لما وقعت فيه النجاسة فيجب في الماء مثله. PageV01P266 # قلنا: الماء مخالف لجميع المائعات كلها، ولهذا فإنها تنجس بملاقاة النجاسة ~~قليلة كانت أو كثيرة، تغيرت بالنجاسة أو لم تتغير، بخلاف الماء فإن الخلاف ~~فيه واقع في قليله هل ينجس إذا لم يكن متغيرا أم لا؟ كما قررناه من قبل ~~فافترقا، وأيضا فإن الحاجة إلى الماء ليس كالحاجة إلى السمن فلا يلزم من ~~اغتفار نجاسة ما تمس الحاجة إليه ويعظم الافتقار إلى الانتفاع به، اغتفار ~~نجاسة مالا تمس الحاجة إليه. # قالوا: نجس فلا يجوز الانتفاع به من غير ضرورة كالميتة. # قلنا: لا نسلم كونه نجسا فإنه لو كان نجسا لم يستعمله المسلمون في ~~الأمصار والأقاليم، ثم وإن سلمنا كونه نجسا فالمعنى في الأصل كونه نجسا ~~ينتفع به مع بقاء عينه، وما نحن فيه ليس له عين فلهذا جاز الانتفاع به، ~~ويؤيد ما قلناه أنه إذا كان ينتفع به مع بقاء عينه فهو مماثل للميتة في ~~التحريم والمنع؛ لأن بقاء عينها يكون لها قدر وارتفاع وزن في نظر الشرع، ~~ونحن مأمورون باستقذارها والبعد عنها لركتها ونزول قدرها، بخلاف ما لا عين ~~له مرئية، فإن استعماله في الاستهلاكات مطابق لنظر الشرع في إ زالتها ~~وإذهاب أعيانها، فلا جرم انقطعت عن الميتة لما ذكرناه وذلك يفسد القياس على ~~الميتة فافترقا. # الانتصار على أبي حنيفة: قالوا: ما كان متغيرا بالنجاسة فهو ممنوع ~~استعماله بخلاف مالم يتغير بها. # قلنا: أهل الإجماع لم يفصلوا بين المتغير وغير المتغير في جواز الاستعمال ~~فلا معنى للتفرقة بينهما، والتفرقة بينهما تكون تحكما لا مستند له. # قالوا: ما كان متغيرا فهو نجس بالإجماع بخلاف ما لم يكن متغيرا فهو في ~~محل الاجتهاد ومخالفه يتناوله الوعيد، بخلاف ما كان مختلفا فيه فلا وعيد فيه. # قلنا: لا نسلم انعقاد الإجماع على نجاسة ما هذا حاله ولو اعتقدوا النجاسة ~~لما استعملوه، ثم لو سلمنا انعقاد الإجماع على نجاسته فإنا نحمله على ~~الانتفاع به فيما ليس ms230 يعد استهلاكا في العادة، على أنا نقيس الجمع عليه على ~~ما كان مختلفا فيه بجامع كونه نجسا، فنقول: نجس فجاز الانتفاع به فيما يزيل ~~عينه كالمختلف فيه، فبطل ما توهموه. # مسألة: ذهب أئمة العترة إلى أن الوضوء بالماء المغصوب لا يجزي ولا تنعقد ~~الصلاة به، وهو PageV01P267 محكي عن داود من أهل الظاهر. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل}[البقرة:188]. فنهى عن استهلاك مال الغير، ولا شك أن الوضوء به ~~استهلاك له، وقوله : (( لا يحل مال امرءئ مسلم إلا بطيبة من نفسه))(¬1). ~~وهذا لم توجد فيه طيبة في نفس مالكه، فظاهر الآية والخبر دال على المنع من ~~استعماله، فالآية ناهية، والنهي دال على الفساد فيما كان عبادة، والوضوء ~~عبادة لقوله : (( الوضوء شطر الإيمان ))(¬2). ولأنه يفتقر إلى النية فكان ~~عبادة كالصلاة، والخبر دال على تحريمه ومنعه بطريق النفي دون النهي، وهو ~~أبلغ في عدم الإجزاء من النهي فلهذا قضينا بكونه غير مجزئ للصلاة. # والحجة الثانية: من جهة القياس، وهو أنه ممنوع من استعماله فلم يجز ~~الوضوء به كالنجس. أو نقول: عبادة تؤدى بالمال فلا يجوز أداؤها بالمغصوب ~~كالكفارة، فهذه حجج ثلاث دالة على بطلان التوضؤ بما كان مغصوبا أو مسروقا ~~من الأمواء. # وذهب جميع الفرق الثلاث: الحنفية والشافعية والمالكية إلى جوازه مع كونه ~~مكروها، وهو قول المعتزلة. # والحجة لهم على ذلك: الظواهر القرآنية كقوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ~~ماء طهورا}[الفرقان:48]. وقوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم ~~به}[الأنفال:11]. فلم يعتبر في الماء شيئا سوى كونه طاهرا ولم يذكر كونه ~~حراما ولا حلالا، وفي هذا دلالة على أن كونه حلالا، لا يشترط في صحة التوضؤ به. # الحجة الثانية: الأخبار المروية، كقوله : (( خلق الماء طهورا لا ينجسه ~~إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه)). وقوله : (( الماء لا يجنب)) و(( الماء ~~لا ينجس))، فهذه الأخبار كلها دالة على صحة التوضؤ بما كان طاهرا، ولم ~~يعترض لما عداه من كونه حراما، فدل ذلك على كونه مجزيا بظاهرها، فمن ادعى ~~إخراجه عن ms231 هذه الظواهر كان مدعيا لخلاف الظاهر فلا بد من إقامة الدلالة على ذلك. # الحجة الثالثة: من جهة القياس، وهو أنه ماء مطلق فجاز التوضؤ به كالماء ~~الحلال. PageV01P268 # والمختار: ما عول عليه أئمة الآل من كونه غير مجز في تأدية الصلاة. # والحجة على ذلك: ما أوردوه من الآيات والأخبار والأقيسة، ونزيد هاهنا ~~حججا ثلاثا بعون الله تعالى: # الحجة الأولى: أنا نقول: الوضوء مأمور به بدليل قوله تعالى: {إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}[المائدة:6]. والغصب منهي عنه بدليل قوله تعالى: ~~{ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}[البقرة:188]. فلو جوزنا فعل الوضوء ~~بالماء المغصوب لكان العبد مأمورا بفعله منهيا عنه، فيكون الوضوء مطلوبا ~~غير مقبول، وهذا محال. # لا يقال: إن كونه مأمورا متعلق بفعل الوضوء، وكونه منهيا متعلقا بالغصب، ~~وهما وجهين للفعل متقاربين فلا يلزم فيه مناقضة؛ لأنا نقول: هذا فاسد لأنه ~~لا يعقل هناك تغاير بينهما من جهة اتحادهما، وبيانه أنا نقول: إن متعلق ~~الأمر على زعمكم هو فعل الوضوء بالماء المغصوب، وعلى قولنا متعلق النهي هو ~~فعل الوضوء بالماء المغصوب، فهما متحدان كما ترى، أعني متعلق الأمر والنهي، ~~فيلزم ما ذكرناه؛ لكونه مأمورا به منهيا عنه وأنه محال. # الحجة الثانية: فعل الوضوء طاعة لله تعالى؛ لأنه من جملة العبادات وكل ~~عبادة فهي طاعة، وفعل الغصب يكون معصية لله تعالى، فلو جوزنا التوضؤ بالماء ~~المغصوب على زعمكم لكان طاعة من حيث كونه عبادة، ومعصية من جهة كونه مغصوبا ~~لايحل فعله، فيلزم أن يكون العبد بالتوضؤ بالماء المغصوب، مطيعا عاصيا [في ~~وقت واحد]، وما هذا حاله فلا خفاء بفساده. # لايقال: إن كونه طاعة لم يلاق كونه معصية، وكونه معصية لايلاقي كونه طاعة ~~وإذا لم يتلاقيا لتغاير المتعلقين فيهما لم يكن ذلك مؤديا إلى فساد، فلا ~~جرم جاز أن يكون مطيعا بفعل الوضوء وعاصيا بكونه غاصبا، ومثل هذا جائز؛ ~~لأنا نقول: هذه عبارة فارغة لا فائدة تحتها، وتكرير ألفاظ لا طائل وراءها، ~~فإنا قد قررنا اتحاد الوجهين في كونه طاعة معصية بما ذكرناه في كونه مأمورا ms232 ~~به منهيا عنه فأغنى عن الإعادة. # الحجة الثالثة: أنا نقول لهم: أليس قد تقرر كون الوضوء مرادا لله تعالى؟ ~~فلابد من قول بلى، وقد تقرر كون الغصب مكروها لله تعالى من جهة كونه منهيا ~~عنه، والنهي لا يكون نهيا إلا بالكراهة. فإذا PageV01P269 تقرر ذلك فكيف يقال بجواز التوضؤ بالماء المغصوب؟ وفي ذلك كونه مرادا ~~مكروها بالتقرير الذي لخصناه وهو محال. # لا يقال: كيف يقال بأن الوضوء بالماء المغصوب مكروه وهو من جملة ~~الواقعات؟ والله تعالى مريد لكل واقع طاعة كان أو معصية، فإذا لا معنى ~~لكونه مكروها مع كونه مما يقع في العالم، وإذا بطل كونه مكروها ثبت كونه ~~مرادا، سواء كان طاعة أو معصية فلا وجه للإلزام بكونه مكروها كما قلتم؛ ~~لأنا نقول: هذا فاسد، فإنا إنما قررنا هذا الإلزام على الدليل وقد قام ~~البرهان العقلي على أن المعاصي غير مرادة لله تعالى سواء كانت واقعة أو غير ~~واقعة، فإن سلموا ذلك فالإلزام متوجه على لزوم كون الوضوء مرادا مكروها، ~~وإن دفعوه نقلنا معهم الكلام إلى تلك المسألة فإنها متعلقة بالمباحث ~~العقلية الكلامية، وقد قررناها في الكتب العقلية، فحصل من مجموع ما ذكرناه ~~هاهنا أن هذه الإلزامات متوجهة على قول من زعم أن الوضوء بالماء المغصوب جائز. # الانتصار على من خالفنا في هذه المسألة بتزييف(¬1) أدلتهم فيها. # قالوا: الظواهر الشرعية دالة على صحة الوضوء بالماء المغصوب. # قلنا: هذا فاسد من وجهين: # أما أولا: فإنا لا نسلم اندراجه تحت العموم؛ لأن العمومات القرآنية ~~والأخبار النبوية، إنما تناولت اسم الطهور وهو متناول ما كان طاهرا في نفسه ~~مطهرا لغيره، والماء المغصوب ليس هكذا، فلهذا لم يكن مندرجا تحتها. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا اندارجه تحت العموم، لكنه خرج بأدلتنا المخصصة ~~من ظاهر العموم فيعمل بأدلتنا المخصصة فيما كانت متناولة له بظاهرها، وهو ~~خروج الماء المغصوب عن صلاحية كونه وضوءا، ثم يعمل بالأدلة العامة فيما ~~وراء ذلك، فيكون فيما ذكرناه عمل بالعموم والخصوص جميعا، وما ذكرتموه إخراج ~~لأدلة الخصوص عن كونها دالة، ms233 وهذه طريقة مرضية بين علماء الأصول، أعني ~~الجمع بين الأدلة، لا يختلفون فيها فمن قال منهم بأن في اللغة لفظة موضوعة ~~للعموم. # قالوا: ماء مطلق فجاز التطهر به كالماء الحلال. PageV01P270 # قلنا: هذا القياس معترض من أوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأن الجامع الذي ذكرتموه هو كونه ماء، وما هذا حاله وصف طردي ~~ليس مشتملا على إخالة ولا مشابهة خاصة، وما يكون على هذه الصفة فليس معتمدا ~~في تقرير حكم من الأحكام الشرعية. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الأصل كونه حلالا، وهذا فرق فقهي يبطل الجمع ~~ويلحقه بالبطلان والفساد. # وأما ثالثا: فلأنا نعارضه بقياس مثله فنقول: ماء [مغصوب] فلم يجز التطهر ~~به كالماء النجس، أو نقول: شرط من شروط الصلاة المعتبرة في أدائها موصوفة ~~بصفة فلم تجز بما هو موصوف بضدها، كالماء الطاهر(¬1). # قالوا: طهارة بالماء تعتبر في صحة أداء الصلاة، فلم يكن الحلال من شرطها ~~كإزالة النجاسة، فلو غسل الثوب من النجاسة بماء مغصوب لكان مجزيا فهكذا حال ~~الوضوء من غير تفرقة بينهما. # قلنا: هذا فاسد، وبيانه: أنه إن كان الغرض من هذا القياس هو استعمال ~~الماء المغصوب في إزالة النجاسة فهو باطل؛ لأنه محرم عقلا وشرعا ويؤيده ~~قوله : (( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه )). وقوله : (( إذا أخذ ~~أحدكم عصا أخيه فليردها عليه ))(¬2). وإن كان الغرض من القياس هو بيان أن ~~من غسل النجاسة بماء مغصوب فإن الصلاة مجزية له، فهكذا حال الوضوء، فالفرق ~~بينهما ظاهر، فإن النجاسة ليست عبادة فلهذا كان تحصيلها على جهة الشرط دون ~~العبادة، بخلاف الوضوء فإنه عبادة فلا يجوز ملابسته للمعصية فافترقا. ثم ~~نقول: فرق آخر، وهو أن غسل الثوب بالمغصوب ليس ملاقيا للصلاة في حال أدائها ~~فلهذا كانت الصلاة مجزية بغسله، بخلاف الوضوء فإنه ملاق للصلاة مؤدى لها؛ ~~لأن غسل النجاسة يراد للصلاة ولغير الصلاة بدليل قوله تعالى: {والرجز ~~فاهجر}[المدثر:5]. ولم يفصل بين الصلاة وغيرها بخلاف الوضوء، فإنه لا يراد ~~إلا للصلاة فافترقا. # فحصل من مجموع ما ذكرناه أن غسل النجاسة هو ms234 تأدية شرط لا تأدية عبادة، ~~بخلاف الوضوء PageV01P271 فإنه عبادة تفتقر إلى النية، فلهذا جاز غسل النجاسة بالماء المغصوب بخلاف ~~الوضوء فبطل ما توهموه من الجمع بينهما. # قالوا: عبادة تدخلها النيابة، فلم يكن التلبس بالمغصوب مفسدا لها كالذبح ~~بالسكين المغصوبة والوقوف على جمل مغصوب. # قلنا: هذا القياس فاسد لأوجه ثلاثة: # أما أولا: فبالمنع من حصول العلة في الفرع، فإنه لا نسلم النيابة في ~~الوضوء، فإن حقيقة النيابة أن يتوضأ عنه غيره وهذا لا قائل به، فأما أن ~~غيره يوضيه فهذا ليس نيابة وإنما هو استعانة لا نيابة. # وأما ثانيا: فبالفرق، وهو أن الوقوف على جمل ليس واجبا، بل لو وقف على ~~قدميه أجزأه، وهكذا لو ذبح بالمروة والسيف أجزأه وبكل ما يفري الأوداج ~~ويبهر الدم، فالذبح بالسكين غير واجب بخلاف الوضوء فإنه يجب عليه استعمال ~~عين الماء ولا يجزيه غيره فافترقا. # وأما ثالثا: فلأن ما ذكروه من القياس فاسد الاعتبار، فإن الوضوء بالماء ~~بعيد عن الذبح بالسكين المغصوب والوقوف على جمل حرام، فلا يقاس أحدهما على ~~الآخر لبعد أحدهما عن الآخر؛ لأن السكين آلة في الذبح كالقوس للرمي، والجمل ~~آلة في الوقوف راكبا كالقلم للكتابة، بخلاف الوضوء فإنه ليس بحقيقة الآلة ~~بل هو عبادة منفصلة على جهة الاستقلال، وإنما الآلة أن يغتصب دلوا وحبلا ~~فيستسقي بهما ماء حلالا ثم يتوضأ به، فهذا يكون نظيرا لمسألتنا ولا نخالف ~~فيه؛ لأنهما يتوصل بهما إلى تحصيل الماء فهما بحقيقة الآلة أشبه فبطل ما قالوه. # قالوا: الغصب لا يعقل في الماء؛ لأنه على أصل الإباحة بدليل قوله : (( ~~المؤمن أخو المؤمن يسعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفتان))(¬1). يعني ~~الشيطان، وقوله : (( الناس شركاء في ثلاثة: في الماء والنار والكلأ))(¬2). # قلنا: إن صح ما ذكرتموه، فالخلاف بيننا في المسألة مرتفع، إذ لا صورة له ~~على ما ذكرتموه، إنما يتصور في الأنهار والسيول فإنه لا يتصور فيه الغصب، ~~فأما ما أحرز في القرب والكيزان والصحاف PageV01P272 وغير ذلك من الآنية، فإنه يكون مملوكا لصاحبه ولمن أحرزه، يعقل فيه الغصب ~~ويجب ms235 فيه الضمان بالمثل، فلو توضأ متوضئ بما هذا حاله من غير إذن مالكه، ~~جاء الخلاف في المسألة. والله أعلم بالصواب. # مسألة: في التفريع، واعلم أن هذه المسألة يتفرع عليها فروع أربعة: # الفرع الأول منها: من توضأ بماء وكان عنده أنه مغصوب، فكان مباحا أو ملكا ~~له، فهل يجزيه الوضوء أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه يكون مجزيا له، وهذا هو الذي ذكره السيدان: أبو الحسن ~~الحقيني (¬1)، وأبو عبدالله الجرجاني (¬2). # والحجة على ذلك: هو أن التعويل في الأمور على الحقائق دون الأمور ~~العارضة، ولا شك أن أصل هذا الماء هو على الإباحة فلا جرم كان مجزيا. # وثانيهما: أنه غير مجز له وهذا هو الذي ذكره المؤيد بالله، ومحكي عن ~~المنصور بالله. # والحجة على ذلك: هو أنه توضأ بماء وعنده أنه منهي عن استهلاكه، فإقدامه ~~على التوضؤ به وهو على هذه الصفة يؤثر في كونه قربة؛ لإقدامه واعتقاده ~~للمعصية، فلا يكون مجزيا له كما لو كان مغصوبا على جهة الحقيقة. # والمختار: ما عول عليه الإمامان: الحقيني والجرجاني، من جهة أن التعويل ~~إنما هو على حقائق الأمور وأصولها ولا تعويل على ما يعرض من الاعتقادات ~~التي لا حقيقة لها، ومن جهة أن الظواهر الشرعية كلها دالة على صحة التوضؤ ~~بما ذكرناه من هذا الماء، وعروض الاعتقاد من جملة الجهالات فلا يلتفت إليه، ~~ونهاية الأمر فيه أن يكون آثما باعتقاده لكونه معصية، ومعصيته بما هذا حاله ~~لا تطرق خللا في أصل وجوبه مع كونه جاريا على نعت الصحة. PageV01P273 # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. # قالا: الإقدام على التوضؤ به وهو على هذه الصفة يكون معصية فيؤثر في كونه ~~قربة، فلهذا قضينا بكون الوضوء غير مجزئ. # قلنا: الماء في نفسه طاهر حلال لا مرية فيه فلا أثر لاعتقاده وقد نوى به ~~القربة وقد صادفت القربة ماء حلالا فلا يؤثر في حاله الاعتقاد بكونه ~~مغصوبا، ويؤيد ما ذكرناه: أن رجلا لو عظم رجلا هو أبوه وقد اعتقد أنه غير ~~أبيه فإن التعظيم منصرف إلى أبيه لا محالة، ms236 ولا أثر لاعتقاده كونه غير ~~أبيه، ولهذا قلنا: بأن عبادة المشبهة منصرفة إلى الله تعالى وإن اعتقدوه ~~بصفة الأجسام، فاعتقاد المتوضئ لكونه مغصوبا لا أثر له في تغيير حقيقته ولا ~~في كونه قربة. # الفرع الثاني: من توضأ بماء وعنده أنه مباح فكان مغصوبا فهل يجزيه وضوؤه ~~أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه يكون مجزيا له، وهذا هو الذي ذكره الإمامان المؤيد بالله ~~والمنصور بالله. # والحجة لهما على ما قالاه: هو أنه توضأ بماء حلال عنده، وانكشاف العاقبة ~~بعد ذلك بكونه مغصوبا لا يطرق خللا فيما فعل من التوضؤ بماء هو عنده حلال، ~~وعليه غرامة مثله؛ لكونه مستهلكا مال الغير، وعلى اليد ما أخذت حتى ترد. # وثانيهما: أنه غير مجز له، وهذا هو الذي ذكره الإمامان الحقيني والجرجاني ~~رحمهما الله تعالى. # والحجة على ذلك: هو أن الاعتبار بالحقائق ولا أثر للاعتقادات في قلب ~~الحقائق عما هي عليه. فلما كان الماء مغصوبا في الحقيقة، كان وضوؤه واقعا ~~على خلل وفساد فلهذا بطل إجزاؤه كما لو تحقق كونه مغصوبا. # والمختار: ما عول عليه الحقيني والجرجاني. # والحجة على ذلك: ما ذكرناه في المسألة الأولى ونزيد هاهنا: وهو أن الأدلة ~~الدالة على بطلان التوضؤ بالماء المغصوب التي أسلفناها على الفقهاء، فهي ~~بعينها دالة على بطلان الوضوء في هذه المسألة، ولا ينفع اعتقاد كونه مباحا؛ ~~لأنه اعتقاد جهل والجهالات لا أثر لها ولا حقيقة، فمن اعتقد في رجل أجنبي ~~أنه أبوه ثم عظمه على حد تعظيم أبيه، لم يكن معظما لأبيه لاعتقاده كونه أبا ~~له، ولا يصير أبا له بالاعتقاد، فهكذا هاهنا لا يصير حلالا باعتقاده إذا ~~كان حراما في ذاته. PageV01P274 # الانتصار: قالا: ليس عليه إلا التوضؤ بما يعتقد في نفسه كونه مباحا، وهذا ~~حاصل فيما نحن فيه. # قلنا: أليس اعتقاده جهلا؟ فلابد من بلى. # قلنا: فجهله لا يزيده إلا وبالا ولا يكون مسوغا ما لا يسوغ شرعا، من جهة ~~أن الحقيقة مخالفة لإعتقاده فلا أثر لاعتقاده مع حقيقة الحال في كونه ~~مغصوبا. # والعجب أن ما ms237 ذكره المؤيد بالله هاهنا مخالف لما تقتضيه أصوله في الصلاة، ~~إذ ليس هاهنا إلا فقد العلم بكون الماء مغصوبا، وقد تقرر من نصوصه أنه لا ~~تأثير للعلم والجهل في المفعول إذا لم يكن سائغا على اجتهاده، وقد نص على ~~أن من نسي شيئا مما طريقه الاجتهاد فكان مختلفا فيه فصلى ولم يذكره إلا بعد ~~مضي الوقت، فإنها تجب عليه الإعادة، فكيف يقال هاهنا بأن وضوءه يكون مجزيا ~~مع وقوعه على خلل وفساد لم يعلمه. وأعجب من هذا أن هذين الإمامين: المؤيد ~~بالله والمنصور بالله، لا يزالان معولين في أثناء كلامهما في ريب النظر ~~ومجاري الاجتهاد على حقائق الأشياء وأصولها في استصحاب العموم وإستصحاب ~~الأصل في الطهارة والنجاسة، واستصحاب براءة الذمة وغير ذلك مما يكون متمسكا ~~بالحقائق في أصول الأشياء، حتى إذا جاءا إلى هذه المسألة كان تعويلهما على ~~مطلق الاعتقاد من غير تعويل على الحقائق ولا التفات إليها، مع تبحرهما في ~~علم الشريعة وإحاطتهما بالمجاري الاجتهادية والمضطربات الفقهية، فما أدري ~~على ما أوجه عليه كلامهما في هذه المسألة. # الفرع الثالث: من توضأ من بئر في دار من غير إذن أهلها، فهل يكون وضوؤه ~~مجزيا له أم لا؟ فيه قولان للمؤيد بالله: # أحدهما: أنه لا يكون مجزيا، وهذا هو الذي ذكره بعض فقهاء المذهب. # والحجة على ذلك: هو أن البئر وماءها ملك لصاحبها فلا يجوز من غير إذنه ~~كما لو كان الماء في كوز أو قربة، فإذا كان أخذه معصية بالغصب كان مضادا ~~للقربة فلا جرم قضينا بفساد الوضوء لوقوعه غير عبادة. # وثانيهما: أن ذلك جائز وهذا هو الذي ذكره آخرا. # والحجة على ذلك: هو أن أصل الماء باق على الإباحة مالم يكن محرزا في ~~الكيزان والجرار، بدليل PageV01P275 قوله : (( الناس شركاء في ثلاثة: في الماء والنار والكلأ )). # والمختار: ما قاله آخرا. وهو القول بإجزائه في الوضوء لما ذكره من ~~التعليل فإنه لا عثار على وجهه، ونزيد هاهنا: وهو أن المعصية إنما تعلقت ~~بنفس الدخول لا بنفس الماء فلم تلاق القربة نفس ms238 المعصية فيكون مفسدا للوضوء ~~لتغايرهما، كما لو غصب مطهرة فتوضأ فيها فإن وضوءه يجزيه إذا كان أصل الماء ~~حلالا فافترقا. # الفرع الرابع: يجوز التوضؤ من النهر الذي حفر غصبا ومن ساقية المرأز(¬1) ~~إذا حفرت ظلما، ذكره بعض أصحابنا للمذهب، وهذا جيد لا عثار عليه؛ لأن أصل ~~الماء على الإباحة، والخلل إنما وقع في مجراه، والوضوء إنما هو بالماء دون ~~مجراه، فالمعصية لا تلاقي ما هو طاعة بل هي منحرفة عنها، فلهذا كان مجزيا. ~~والظاهر من كلام المؤيد بالله أن تردده إنما هو في ماء البئر إذا كان ~~مأخوذا من غير رضا صاحبها، فأما النهر فغالب ظني أن كلامه لا يختلف، وأنه ~~يجوز التوضؤ بماء النهر وإن حفر غصبا، والتفرقة بينهما ظاهرة، فإن البئر ~~يمكن إلحاقها بالكوز والقربة فلا يجوز التوضؤ منها إلا مع الرضا من صاحبها. ~~ويتعقل فيها الغصب، ويمكن إلحاقها بالنهر فلا يعقل فيها الغصب، فلهذا تردد ~~نظره في ذلك كما قررناه من قبل، بخلاف النهر فإنه على الأصل في الإباحة، ~~فهو مخالف للبئر كما ترى، وسيأتي لهذا مزيد تقرير في إحياء الموات بمعونة ~~الله تعالى. # قال السيد الإمام المؤيد بالله: وإذا كانت البئر خارج الستر فتوضأ رجل ~~بمائها من غير إذن مالكها فلا بأس، إذا كان الظاهر من حال صاحبها أن لا ~~يمنع من استقاء مائها، فهذا عمل على القول الأول، وقد حكينا عنه قوله الآخر ~~وهو جواز التوضؤ والاستسقاء؛ لأن الظاهر من الأمواء كلها الإباحة، سواء كان ~~بئرا أو نهرا إلا ما خرج بدليل خاص في المنع. # دقيقة: اعلم أن هذه المسألة اجتهادية فالتصويب شامل لجميع القولين، وإنما ~~قضينا بكونها اجتهادية؛ لأن كل واحد من الفريقين ممن منع أو أجاز مشتمل من ~~الظواهر الظنية والأمارات الفقهية من غير إسناد إلى مانع، فلهذا وجب القطع ~~على كونها من مسائل الاجتهاد. # وليس العجب من الفقهاء فيما ذهبوا [إليه] من جواز التوضؤ بالماء المغصوب، ~~لأن قصارى PageV01P276 أنظارهم مستندة إلى الظواهر الشرعية، وإنما العجب من الإخوان الفئة العدلية ~~شيوخ المعتزلة، حيث ms239 زعموا صحة التوضؤ بالماء المغصوب مع استطالة أيديهم في ~~المباحث الكلامية وقوة أنظارهم في المسائل الدينية وتحققهم أن القربة من ~~شرط الوضوء وأن المعصية منافية لها، وأن الوضوء مأمور به، فكيف ينهى عنه ~~لكونه غصبا، وأنه مراد لكونه عبادة فكيف يكون مكروها لما تضمن من المعصية ~~من الغصب؟ وكل هذه الأسرار مأخوذة من الأسرار الكلامية وهم أعلم بها وأكثر ~~إحاطة بحقائقها من الفقهاء، فهم في التحقيق أحق بالقول بعدم الجواز لما ~~ذكرناه. # ويدل على التصويب فيها: أن خوض الفقهاء فيها كخوضهم في سائر المسائل ~~الخلافية من غير تخطئة ولا تأثيم لمن خالف قول صاحبه في المسألة، وهذه ~~أمارة قوية في كون المسألة اجتهادية؛ لأن الأدلة لو كانت قاطعة لكان الحق ~~واحدا فيها، ولكان من خالفه مخطئا كما في المسائل الدينية والمضطربات ~~الأصولية، وقد قررنا في مقدمة الكتاب الفرق بين المسائل القطعية والظنية ~~فلا وجه لتكريره. # مسألة: في الآسار، السؤر مهموز وجمعه آسار وهو: عبارة عما يفضل من الطعام ~~والشراب في الإناء، وما فضل في الإناء من سؤر المؤمن من شرابه وغسله ووضوئه ~~فهو طاهر عند أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ~~ومالك، ولا يؤثر فيه خلاف بين الأمة. # والحجة على ذلك: هو ما مر من الظواهر الشرعية في طهارة الماء كقوله ~~تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا}[الفرقان:48]. وقوله : (( خلق الماء ~~طهورا لا ينجسه إلا ما غير ريحه أو طعمه )). إلى غير ذلك من الأخبار ~~الواردة. # الحجة الثانية: قوله : (( المؤمن لا ينجس ))(¬1). ولم يفصل بين وضوئه ~~وغسله وعرقه ولعابه، ولا ينجس من ذلك إلا ما خصته دلالة، ولأنه لم يعرض له ~~ما يبطل التوضؤ به والاغتسال من غير نجاسة ولا استعمال، فيجب القضاء ~~بطهارته. # ويجوز التطهر بسؤر الجنب والحائض لما روته عائشة (رضي الله عنها) قالت: ~~(( كنت أتعرق العظم وأنا حائض فأعطيه النبي فيضع فمه في الموضع الذي وضعت ~~فمي فيه، وأشرب الشراب فأناوله PageV01P277 فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه))(¬1). وفي حديث حذيفة أنه لما قال: ms240 ~~إني جنب (( أبرز ذراعيك إن المسلم لا ينجس ))(¬2). ثم وضع كفه على ذراعيه ~~وإنها لرطبه. وروي عن النبي (( أنه خرج يوما إلى المسجد فرأى في ثوبه دما ~~فأمر به إلى عائشة وهي حائض لتغسله فغسلته))(¬3)، وقال لها يوما: (( ~~ناوليني الخمرة)). فقالت: إني حائض. فقال: (( أحيضتك في يدك))(¬4)؟ # وهل يكره سؤرهما أم لا؟ فالذي عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة أن سؤرهما ~~لا يكره. # والحجة على ذلك: ما رويناه من هذه الأحاديث، فإنها دالة على الجواز من ~~غير كراهة. # وحكي عن الحسن بن صالح كراهة سؤرهما، ولا أعرف له وجها في الدلالة على ~~الكراهة سوى أن الحائض متلوثة بالنجاسة في أغلب أوقاتها، فإذا باشرت شيئا ~~من هذه الأمور فإنه لا يؤمن منها تنجيسه، فلهذا كره مخالطتها لما ذكرناه. ~~والجنب مقيس عليها بجامع كون كل واحد منهما يجب عليه الغسل. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة من جواز استعمال آسارهما ~~من غير كراهة، وما قاله من توهم النجاسة لا وجه له، فإنه وهم لا يعول عليه ~~مع ما قررناه من الأدلة الشرعية التي حكيناها، ولأن ما ذكره الحسن يشبه أن ~~يكون مثل فعل اليهود، فيجب القضاء ببطلانه لما روى أنس بن مالك: أن اليهود ~~كانوا إذا حاضت منهم المرأة أخرجوها من البيت فلم يؤاكلوها ولم يشاربوها ~~ولم يجامعوها في البيت، فسئل رسول الله عن ذلك فأنزل الله تعالى: ~~{ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض}[البقرة:222]. ~~إلى آخر الآية، فقال : (( جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء غير ~~النكاح))(¬5). فقالت اليهود: ما يريد هذا الرجل أن يدع شيئا من أمرنا إلا ~~خالفنا فيه، ففي PageV01P278 هذا دلالة على جواز مخالطتهن في المآكل والمشارب والتصرفات من غير كراهة. # مسألة: سؤر الكافر، يكون طاهرا أو نجسا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن جميع آسار الكفار كلها نجسة، على جميع الأديان الكفرية ~~من عبدة الأوثان والأصنام والملاحدة والزنادقة والمجوس، وأهل الكتابين ~~اليهود والنصارى، إلى غير ذلك من سائر الملل المخالفة لملة الإسلام. وهذا ~~هو رأي ms241 القاسم بن إبراهيم، ومحكي عن الهادي والناصر، وهو قول مالك. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إنما المشركون نجس}[التوبة:28].، فهذا نص ~~على ما قلناه من نجاستهم ولا حاجة إلى تأويله من غير ضرورة، فيجب الحكم ~~عليهم بالنجاسة في جميع ما تصرفوا فيه إلا ما خصته الدلالة الظاهرة؛ لأنها ~~عامة في رطوبتهم وأبدانهم فلا وجه لأن يقال: المراد به اعتقاداتهم ~~وأبدانهم. # الحجة الثانية: ما روي أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله ضرب لهم قبة ~~في المسجد. فقالوا: يا رسول الله، قوم أنجاس. فقال الرسول : (( ليس على وجه ~~الأرض من نجاستهم شيء، إنما نجاستهم على أنفسهم))(¬1). # ووجه الدلالة: هو أنهم لما قالوا: قوم أنجاس، أقرهم على ذلك، ومن جهة أن ~~الصحابة رضي الله عنهم فهموا من جهتهم النجاسة فقالوا: قوم أنجاس، فصرحوا ~~بذلك(¬2). # الحجة الثالثة: ما روي عن أبي ثعلبة الخشني (¬3) قال: قلت: يا رسول الله ~~إنا بأرض أهل الكتاب فنسألهم آنيتهم، فقال: (( اغسلوها، ثم اطبخوا ~~فيها))(¬4). فلولا أنها نجسة وإلا لكان لا وجه للأمر PageV01P279 بغسلها، وليس الوجه في نجاستها إلا من أجل مماستهم لها وشربهم فيها، وفي ~~هذا دلالة على نجاسة الآسار كما ذكرناه. # المذهب الثاني: أن جميع آسار الكفار ورطوبتهم طاهرة، وهذا هو قول زيد بن ~~علي ومحكي عن المؤيد بالله، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه. ~~قال زيد بن علي: المشرك يتوضأ بسؤر شربه إلا أن يعلم أنه شرب خمرا، ولا ~~يتوضأ بسؤر وضوئه، وإنما خص التوضؤ بسؤر شربه دون سؤر وضوئه لأمرين: # أما أولا: فلأن الأصل هو النجاسة فيهم، ولكن خص الشرع آسارهم فبقي ما بقي ~~على أصل التنجيس. # وأما ثانيا: فلأنه يسيح عند الوضوء من ملابسة النجاسة مالا يسيح عند ~~الشرب، فمن أجل ذلك فرق بينهما، وإلى طهارة الآسار في حق الكفار وطهارة ~~رطوباتهم، ذهب الإمام المنصور بالله. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم ~~حل لهم}[المائدة:5]. فلو كانوا أنجاسا لما أباح ذلك، وهذا خاص في الدلالة ~~على طهارة الرطوبة ms242 في حقهم في الطعام والشراب وسائر الرطوبات. # الحجة الثانية: ما روى جابر بن عبدالله قال: (( كنا نغزوا مع رسول الله ~~فنشرب من آنية أهل الكتاب ونطبخ في قدورهم، ولم نؤمر بغسلها من مس ~~أيديهم))، وفي هذا دلالة على ما ذكرناه من طهارة ذلك. وروي عنه أنه استعار ~~أدرعا من صفوان بن أمية(¬1) وكان مشركا ولم يأمر بغسلها لما أرادوا لبسها، ~~لما ذكرناه. # الحجة الثالثة: ما روي أنه توضأ من مزادة مشركة، ولم يؤثر أنه أمر ~~بغسلها(¬2)، وروي عن عمر مثل ذلك. ولأنه آدمي فوجب أن تكون رطوبته طاهرة ~~كالمسلم، فهذا تقرير أدلة الفريقين القائلين PageV01P280 بالجواز وعدمه كما لخصناه، والله الموفق للصواب. # والمختار: ما قاله الأئمة الثلاثة: زيد بن علي والمؤيد بالله والمنصور ~~بالله ومن تابعهم من فقهاء الأمة، من طهارة آسارهم ورطوباتهم على الجملة، ~~لكنا نذكر تفصيلا نشير إليه وحاصله، أن الكفار ضربان: # فالضرب الأول منهم: لا يتدينون باستعمال النجاسات ولا يتلوثون بها، ~~وهؤلاء هم اليهود والنصارى وسائر أهل الشرك من عباد الأوثان والأصنام، ~~فهؤلاء يجوز التوضؤ بفضلة ما شربوه ولا بأس برطوباتهم، لما روي عن النبي ، ~~(( أنه ألم به رجل من عباد الأوثان فأضافه وأكرمه وسقاه لبنا فشربه، ولم ~~يؤثر أن الرسول غسل الإناء عقيب شربه)). وروي أن ثمامة بن أثال (¬1) لما ~~جاءوا به أسيرا فربط في بعض سواري المسجد و(( كان يخرج إليه الطعام من بيوت ~~رسول الله وبيوت الصحابة، وما أثر أنه غسلت الآنية من أثره))(¬2). # الضرب الثاني من الكفار: وهم الذي يتدينون باستعمال النجاسات ومخالطتها ~~ولا يزالون يتعاطونها ويخامرونها، وهؤلاء هم المجوس والصابئة؛ لأنهم ~~يتطهرون بالبول ويتقربون بالأرواث النجسة، فهؤلاء يكره استعمال آنيتهم قبل ~~غسلها لما ذكرناه، وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر حكاه أبو إسحاق: أنه ~~لا يجوز استعمال آنيتهم. وقال أبو حنيفة ومالك: إنها على أصل التطهير كآنية ~~أهل الكتاب من اليهود والنصارى. # والحجة على ما اخترناه من الكراهة فيمن ذكرناه: هو أنه إذا كان المعلوم ~~من حالهم ما ذكرناه من التدين باستعمال ms243 النجاسات، فهم لا محالة إلى ~~مخالطتها أقرب، فلهذا كره للوجه الذي لخصناه. فأما سراويلاتهم وما يختص ~~أسافلهم من الثياب كالمآزر ونحوها، فهي أشد كراهة من جهة أن النجاسة تسيح ~~إليها وهي بها ألصق من غيرها، فمن أجل ذلك كانت أشد كراهة، فلهذا قال ~~أصحابنا: إن PageV01P281 الظن غالب على نجاسة سراويل المجوسي. وما ذاك إلا من أجل ما قررناه من عدم ~~احترازهم عنها. # الانتصار على من خالف هذه المقالة: إنما يكون بإيراد متمسكاتهم والجواب عنها. # فنقول: أما ما أوردوه من الأدلة على نجاستهم فجوابه من وجهين: # أما أولا: فأدلتنا معارضة لأدلتهم فيجب الرجوع إلى التساقط فيهما والرجوع ~~إلى دلالة أخرى غير معارضة، أو الرجوع إلى حكم العقل وهو القضاء بالتطهير ~~في كل شيء إلا لدلالة خاصة، وفيه حصول غرضنا بالطهارة في الرطوبة لهم. # وأما ثانيا: فلأنا لا نسلم التعارض في الأدلة، بل ما ذكرناه من الأدلة ~~راجح على ما ذكروه، أما الآية فلأنه ليس المقصود منها التنجيس وإنما سيقت ~~من أجل كفرهم وجحدانهم، فلهذا فإنه يقال: نجس إذا كان كثير الرداءة ويعظم ~~خبث باطنه. وأما ما رووه من وفد ثقيف وهو حجة لنا حيث قال: (( نجاستهم على ~~أنفسهم)). فدل ذلك على ما يعلق بنا من رطوباتهم فهو طاهر لا محالة، وإنما ~~قال: قوم أنجاس، يعني: كفار متمردون أو هم متنجسون خلا أن نجاستهم قد رفع ~~حكمها بالإضافة إلينا بدليل آخر الخبر. وأما ما رواه ثعلبة من قوله: (( ~~فاغسلوها ))، فالغسل على زعمهم لا نسلم أنه يدل على النجاسة، بل نقول: إنما ~~غسلت لما يعلق بها من مس أيديهم، لأجل أن النفوس تعافهم وتكرههم لأجل كفرهم ~~لا من أجل كونها نجسة. ثم إنما أمر بغسلها على جهة الاستحباب دون الوجوب ~~لما فيه من النظافة وإزالة العفونات لا من أجل نجاستها، فضعف ما أوردوه. # قالوا: حيوان غير محقون الدم في الأصل لا من أجل الضراوة والتذكية، وهو ~~مما يصح دخوله في ملك مالك فوجب أن يكون نجسا كالخنزير. # فقولنا: غير محقون الدم في الأصل، ms244 نحترز به عن المسلم. # وقولنا: من أجل الضراوة، نحترز به من سباع الطير فإن آسارها(¬1) طاهرة ~~كما سنوضحه. # وقولنا: والتذكية، نحترز به عما يذكى فإن سؤره طاهر. PageV01P282 # وقولنا: وهو مما يصح دخوله في ملك مالك، نحترز به عن الحشرات كالحيات ~~والعقارب فإن آسارها طاهرة لما كانت لا يصح دخلوها في ملك مالك فقد حصل ~~بهذه القيود مشابهة الكافر للخنزير فيجب كونه نجسا. # قلنا: ما ذكرتموه من القياس يبطل بالمنع، وهو أنا نقول: ليس الكافر ~~مشابها للخنزير في النجاسة، ولو كان الأمر كما زعمتموه لكان شعره مثل شعر ~~الخنزير وقد حكمنا بطهارة شعر الكافر، وأيضا فإن المعنى في الخنزير هو أنه ~~نجس الذات، بخلاف الكافر فإن نجاسته ليست ذاتية، ولهذا فإنه يطهر بالإسلام. ~~فهذا فرق يبطل ما جمعتموه ويلحق جمعكم بالفساد والبطلان، وأيضا فإنه معارض ~~بقياس مثله على عكسه، فإنا نقول: إنسان كامل العقل حامل الأمانة فيجب الحكم ~~بطهارته كالمسلم، بل نقول: هذا القياس أحسن من قياسكم لما بينهما من ~~التفاوت، فإن الكافر إلى المسلم أقرب من الكافر إلى الخنزير، ومهما بعدت ~~المشابهة ضعف القياس. # قالوا: دم مباح إلا لعارض فأشبه الكلب في النجاسة. # فقولنا: إلا لعارض. وصف من أوصاف العلة من جهة أن الكلب دمه مباح إلا أن ~~يكون لزرع أو ماشية أو صيد، والكافر مباح الدم إلا للأمان، أو لقبول ~~الجزية. # قلنا: المعنى في الأصل كونه سبعا والكافر ليس سبعا، أو نقول: المعنى في ~~الأصل كونه نجسا في ذاته بحيث لا يطهر بحال، بخلاف الكافر فإنه يطهر ~~بالإسلام. ثم يعارض بأنه إنسان عاقل فكان سؤره طاهرا كالمسلم. # قالوا: استوى الكافر والخنزير في نظر الشرع، ووصفه حيث وصف المشركين ~~بالنجاسة كما قال تعالى: {إنما المشركون نجس}[التوبة:28]. وفي وصف الخنزير ~~بالرجس حيث قال:{إنه رجس}[الأنعام:145]، فيجب استواؤهما في نجاسة الآسار ~~وفي ذلك حصول غرضنا بنجاسة الكافر. # قلنا: لا نسلم أن النجس مثل الرجس فإن الرجس القذر، ولهذا جعله وصفا ~~للخنزير، بخلاف النجاسة فإنها لا نسلم كونها صريحة في القذر بل يمكن حملها ms245 ~~على نجاسة الأفعال بالخدع والمكر فافترقا، ثم لو سلمنا أنهما مستويان في ~~الوصف بالقذر فلا نسلم استواءهما في نظر الشرع، فإن الكافر آدمي قد شرف ~~بالعقل والتمييز والاهتمام بأمره في حفظ الملائكة وإرسال الرسل وإنزال ~~الكتب إليه PageV01P283 فكيف يقال بأنهما مستويان في نظر الشرع! فقد انقطع عن الخنزير بما ذكرناه، ~~فلا جرم حكمنا بطهارته لبعده عن كونه مشابها للخنزير. # قالوا: مشرك فوجب أن يكون سؤره نجسا كما لو شرب بول ما لا يؤكل لحمه. # قلنا: هذه علة ركيكة مركبة، والعلل المركبة، أكثر النظار من الأصوليين لا ~~يعرج عليها ولا يجعلها عمدة في تقرير الأحكام الشرعية ولا ثمرة لها في ~~الجدل؛ لأن عندنا أن نجاسة سؤره في هذه الصورة إنما كان نجسا لنجاسة البول ~~واتصاله به، وعندهم إنما كان نجسا لكفره، فلا يستقل أحدهما بإسناد النجاسة ~~إليه، وما هذا حاله يكون باطلا لا أثر له، فسقط ما ذكروه وصح التوضؤ بسؤر ~~الكافر كما أشرنا إليه. # مسألة: وسؤر الكلب والخنزير هل يكون نجسا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه نجس لا يجوز التوضؤ به، وهذا هو رأي أكثر أئمة العترة ~~وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي. # والحجة على ذلك: نوضحها عند الكلام في ذكر الأشياء النجسة، فإذا كان نجسا ~~كان سؤره نجسا أيضا لأجل اتصال ريقه بالماء إذا كان قليلا سواء تغير لونه ~~أو لم يتغير فلا يجوز التوضؤ به أصلا، وهؤلاء إنما قالوا بنجاسة الماء مع ~~كونه غير متغير لما ذهبوا إلى نجاسة الماء القليل وإن لم (يكن) متغيرا ~~بالنجاسة، وقد مر الكلام عليه فلا فائدة في إعادته، فلا جرم قالوا على أثر ~~هذا بنجاسة سؤر الكلب والخنزير إذا ولغا في ماء قليل. # المذهب الثاني: أن سؤرهما ليس نجسا إذا لم يكن الماء متغيرا به، وهذا هو ~~المحكي عن مالك، وهذا الذي يأتي على ظاهر إطلاق القاسم في أن الماء القليل ~~لا ينجس بوقوع النجاسة عليه إذا لم يكن متغيرا بها. # والحجة على ذلك: هي ما تقدم من الظواهر الشرعية ms246 في طهارة الماء، وأنه لا ~~ينجس بوقوع النجاسة عليه إلا إذا غيرت أحد أوصافه قليلا كان أو كثيرا فإنها ~~لم تفصل في ذلك. # والمختار: قد أسلفنا الكلام عليه والانتصار له بالحجج الواضحة والبراهين ~~الباهرة. PageV01P284 # مسألة: آسار السباع الوحشية كلها هل يكون [السؤر منها] طاهرا يتوضأ به أو ~~يكون نجسا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه طاهر يتطهر به وهذا هو قول القاسم والهادي، ومحكي عن ~~المؤيد بالله وأبي طالب وهو قول الشافعي ومالك. # والحجة على ذلك: ما روى جابر بن عبدالله أن الرسول سئل فقيل: أنتوضأ بما ~~أفضلت الحمر، وبما أفضلت السباع كلها؟ فقال: (( نعم ))(¬1). فما هذا حاله ~~نص في موضع الخلاف. # الحجة الثانية: من طريق القياس، وهو أنه حيوان يجوز بيع جنسه فجاز التوضؤ ~~بسؤره، دليله سباع الطير كالباز والشاهين والصقر، فإن هذه قد وافقونا على ~~أن آسارها(¬2) طاهرة يجوز بها التوضؤ. # المذهب الثاني: أن آسارها نجسة، وهذا هو رأي زيد بن علي والناصر وهو محكي ~~عن أبي حنيفة، وأصحابه. # والحجة لهم على ذلك: ما روي عن النبي أنه سئل عن المياه تكون بالفلاة ~~وما ينوبها من السباع. فقال: (( إذا كان الماء قلتين فإنها لا تنجسه )) فدل ~~ذلك على أنه إذا كان دونهما فإنه يكون نجسا؛ لأنه لو كانت آسارها طاهرة لم ~~يفترق الحال بين قليل الماء وكثيره. # الحجة الثانية: قياسية، وهي أنه حيوان يصطاد بجنسه فكان سؤره نجسا ~~كالكلب، فهذه زبدة ما ذكروه عمدة لهم. # والمختار: ما عول عليه القاسم والهادي ومن تابعهما، وهو رأي المنصور بالله. # والحجة على ذلك: ما روي عن النبي أنه سئل عن الحياض ما بين مكة والمدينة ~~تردها السباع. فقال: (( ما أخذته في بطونها فهو لها وما بقي فهو شراب لنا ~~وطهور))(¬3). # الانتصار: قالوا: دليلنا على نجاستها الخبر المقيد بالقلتين. PageV01P285 # قلنا: جوابه من وجهين: # أما أولا: فلأنه قد روي (( الكلاب))(¬1)، ومن يقول بطهارة سؤر السباع ~~فلعله لا يقول بطهارة سؤر الكلاب كما مر بيانه. # وأما ثانيا: فلعله تغير [السؤر] ليطابق خبرنا فيكون جمعا بينهما. ms247 # قالوا: حيوان يصطاد بجنسه فكان سؤره نجسا كالكلب والخنزير. # قلنا: هذا منقوض بسباع الطير، فإنها تصطاد بجنسها وآسارها طاهرة كما مر، ~~وأيضا فإنا نمنع الأصل، بأن نقول: إنا لا نسلم بنجاسة الكلب؛ لأنه من جملة ~~السباع خلا أن الشرع أخرجه عنها بدلالة منفصلة فبطل قياسكم عليه. # قالوا: حيوان لا يؤكل لحمه لا من أجل حرمته، يستطاع الاحتراز منه فكان ~~سؤره نجسا كالكلب والخنزير. # فقولنا: لا لحرمته، نحترز به عن ابن آدم فإنه لا يؤكل؛ لأن الله حرم قتله ~~وأكله، بخلاف غيره فإنه يحرم أكله لا لحرمته، بل لدلالة أخرى. # وقولنا: يستطاع الاحتراز، نحترز به عن سباع الطير فإن آسارها طاهرة؛ لأنه ~~يتعذر الاحتراز منها. # قلنا: هذا منقوض بسباع الطير. # قالوا: قد احترزنا في قياسنا بقولنا يستطاع الاحتراز منه. # قلنا: هذا فاسد لأنهما سيان في إمكان الاحتراز أو في تعذر الاحتراز منهما ~~فلا وجه للتفرقة بينهما، فإنه كما يتعذر من الطير فهو متعذر من السباع ليلا ~~ونهارا، وأيضا فإن تحريم الأكل لا يدل على النجاسة فإنه يطهر إذا ذكي وإن ~~لم يحل أكله. # قالوا: ألبانها نجسة فيجب الحكم بنجاستها كالكلب. PageV01P286 # قلنا: هذا فاسد فإن الحيوان لا يعتبر باللبن لبعد أحدهما عن الآخر، وأيضا ~~فإن نجاسة ألبانها ممنوع بل هي طاهرة كألبان بني آدم فسقط ما أوردوه. # مسألة: سؤر الفرس طاهر يتطهر به عند أئمة العترة وهو قول الشافعي ومالك. ~~قال أبو حنيفة: هو مشكوك فيه لا يجوز التوضؤ به. وعرقه نجس عنده. # والحجة على ما قلناه: هي أنه حيوان سهم له في الغنيمة فكان سؤره طاهرا، ~~أو فلم يكن سؤره نجسا كابن آدم. # ويجوز التوضؤ بسؤر الحمار والبغل عند أئمة العترة، وهو قول الشافعي ~~ومالك، وعند أبي حنيفة يكره، وهو مشكوك فيه. # والحجة على ما قلناه: هي أنه حيوان لا يغسل الإناء من ولوغه سبعا فجاز ~~التطهر بسؤره كالشاة، وعرقه طاهر عند أئمة العترة، وهو قول الشافعي ومالك، ~~وقال أبو حنيفة: هو نجس. # والحجة على ما قلناه: هي ما روي أن ms248 الرسول ((ركب حمارا من غير ~~إكاف))(¬1) وصلى، والظاهر أنه أصابه من عرقه لا محالة لأن الغالب أن ظهورها ~~ترشح إذا ركبت فيصيبه. # وسؤر الهرة طاهر يتطهر به عند أئمة العترة وهو محكي عن الشافعي ومالك، ~~وقال أبو حنيفة: يكره التوضؤ بسؤرها. # والحجة على ما قلناه: ما روي أن رسول الله ، كان يصغي لها الإناء فتشرب ~~منه. وقال: (( إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات))(¬2). # وسؤر الفيل طاهر عند أئمة العترة، وهو قول الشافعي ومالك، ومحكي عن ~~الكرخي أنه نجس. # والحجة على طهارته: أنه حيوان ذو خف يقتنى للجمال والزينة فأشبه الإبل. PageV01P287 # وسؤر ما يؤكل لحمه طاهر كالإبل والبقر والغنم، عند أئمة العترة، وهو قول ~~أبي حنيفة وأصحابه والشافعي. ولا يعرف فيه خلاف. # والحجة على ذلك: لأن حل أكلها لا خلاف فيه، فلو كانت أفواهها نجسة لم يحل ~~أكل رؤوسها. # وسؤر المسلم طاهر عند أئمة العترة وهو قول فقهاء الأمة ولا يعرف فيه خلاف. # والحجة على ذلك: حديث عمار، وهو قوله : (( ما لعابك ودموع عينيك إلا ~~كالماء في ركوتك))(¬1). # ولو كان نجسا لم يشبهه بالقراح من الماء. # وآسار الأطفال من الذكور والإناث طاهرة عند أئمة العترة وفقهاء الأمة. # والحجة على ذلك: هو أن هؤلاء من جملة الطوافين والطوافات. # وهكذا سائر الحشرات من الأفاعي والحيات وما يتعذر الاحتراز منه كالفأرة ~~وغيرها، كلها آسارها طاهرة بجامع الطوف، وهو تعذر الاحتراز. # ويجوز التطهر بماء الحمة؛ لأنه باق على أصل الطهارة ولم يعرض له إلا ~~الحرارة وهي غير مانعة عند أئمة العترة وفقهاء الأمة، لقوله : (( خلق الماء ~~طهورا))، ولا يكره ، كما قلنا في المشمس؛ لأن ما كان خلقة لم يكره، ولأنه ~~أحد نوعي الماء فلم يكره كالماء البارد، وستأتي بقية المسائل المتعلقة بهذا ~~الفصل في باب النجاسات بمعونة الله تعالى. # الفصل الثالث: في كيفية الاجتهاد عند الشك في طهارة الماء ونجاسته # الواجب هو العمل على استصحاب ما كان هو المتحقق في الأصل من طهارة أو ~~نجاسة، فإذا تيقن طهارة الماء أو نجاسته وشك فيما ms249 يضاد ما تيقنه وعلمه، وجب ~~عليه استصحاب الحال لما تيقنه؛ لأن PageV01P288 الأصل هو بقاؤه فلا يجوز إزالة ما تحققه بالشك العارض، ولأن الشك هو الخلو ~~عن الاعتقاد والظن فلا يجوز إزالة الأمر الثابت بالأمر المنفي، وإن لم ~~يتحقق في الماء طهارته ولا نجاسته فهو طاهر بحكم الأصل؛ لأن الله تعالى خلق ~~الماء طهورا، والأصل بقاؤه على خلقته إلا لمغير طارئ، ويؤيده قوله : (( خلق ~~الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير ريحه))(¬1). الخبر. وإن وجد الماء متغيرا ~~ولم يعلم بأي شيء كان تغيره، جاز التوضؤ به؛ لأنه باق على أصل التطهير، ~~وتغيره يجوز أن يكون بطول المكث. # وإن رأى حيوانا يبول في ماء كثير فوجده متغيرا ولم يعلم بأي شيء كان ~~تغيره نظرت، فإن غلب ظن المتوضئ أن تغيره إنما كان من جهة البول لم يتوضأ ~~به، وإن كان الماء كثيرا وبول ذلك الحيوان قليلا مما لا يجوز أن يتغير به ~~الماء جاز التوضؤ به؛ لأن ذلك مما لا يتغير به الماء الكثير في العادة، ~~فيجوز أن يكون تغيره لطول المكث لا بالبول كما ذكرناه أولا، ولا خلاف في ~~هذه القاعدة بين أئمة العترة وفقهاء الأمة. # والحجة عليها: هو أن مبناها على الاستصحاب فيما كان أصلا حتى يرد ما ~~ينقضه ويزيل حكمه، فالعمل على استصحاب براءة الذمة حتى يرد مغير من جهة ~~الشرع، وهكذا القول في استصحاب الطهارة والنجاسة والعموم وغير ذلك مما يكون ~~أصلا كما هو مقرر في المباحث الأصولية. # مسألة: إذا ورد على ماء فأخبره رجل بنجاسته، فهل يقبل خبره على الإطلاق ~~أو لابد من أن يسأل بأي شيء تنجس؟ والظاهر من قول أصحابنا هو القبول من غير ~~سؤال، ووجه ما قالوه: هو أن الأدلة الشرعية الدالة على قبول خبر الواحد لم ~~تفصل في ذلك، فلهذا وجب العمل عليه من غير فحص ولا سؤال، والأقرب وجوب ~~السؤال؛ لأنه يجوز أن يكون قد رأى سبعا يلغ فيه، فاعتقده نجسا، فأخبر عن ~~نجاسته فيكون قد عدل إلى التيمم مع وجود الماء، ms250 فإن بين النجاسة قبل منه ~~ولم يجتهد، لأن الخبر مقدم على الاجتهاد كما في أخبار الآحاد مع القياس ~~فإنها مقدمة عليه، ويقبل فيه قول الرجل والمرأة والحر والعبد عند أئمة ~~العترة، وهو رأي الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما. # والحجة على ذلك: هو أن هؤلاء تقبل منهم أخبار الرسول في التحليل ~~والتحريم، فهكذا تقبل PageV01P289 أخبارهم فيما ذكرناه من غير تفرقة؛ لأنها كلها مشتركة في كونها أمورا عملية ~~ينقدح لأجلها الظن. # ويقبل فيها قول الأعمى؛ لأن له طريقا إلى العلم به من جهة الحس والخبر، ~~ولأن خبره يغلب على الظن إذا كان ثقة، فلهذا وجب العمل على قوله. # ولا يقبل كافر ولا فاسق عند أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة والشافعي؛ ~~لأن أخبارهما غير مقبولة لما يلحقهما من التهمة في الدين فلا يزعهما وازع ~~عن الجرأة على الله تعالى في الكذب. # وهل يقبل قول الصبي أم لا؟ والأقرب على مذاهب أئمة العترة أنه غير مقبول ~~وهو أحد قولي الشافعي وله قول آخر أنه يقبل. # والحجة على ما قلناه: هو أنه ليس من أهل الشهادة فلهذا لم يقبل خبره. # مسألة: وإن كان معه إناءان فأخبره رجل أن كلبا ولغ في أحدهما بعينه فإنه ~~يقبل قوله ويترك الاجتهاد كما وجب ذلك في أخبار الآحاد، ويترك النظر ~~والقياس. # وإن أخبره رجل أن كلبا ولغ في هذا دون هذا، وقال آخر: ولغ في ذاك دون ~~هذا، فإن لم يعينا وقتا بعينه وجب الحكم بنجاستهما جميعا لجواز أن يكون قد ~~ولغ فيهما في وقتين، فإن عينا وقتا واحدا فهما متعارضان فيحكم (¬1) ~~بتساقطهما عند أئمة العترة وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر أنه يجب ~~استعمالهما إما بالقرعة بينهما وإما بالوقف في حالهما وإما بالإراقة. # والحجة على ما قلناه: هو أنهما قد تعارضا ولا ترجيح لأحدهما على الآخر ~~فلهذا وجب التساقط فيهما، وإذا حكمنا بتساقطهما وجب الرجوع إلى الأصل وهو ~~طهارة الماء فيتوضأ بأيهما شاء؛ لأنه لم يثبت نجاسة واحد منهما. # وهل يحتاج إلى ترجيح واجتهاد أم لا؟ والأقرب ms251 أنه لا يحتاج إلى اجتهاد في ~~الاستعمال، وحكي عن الصيدلاني (¬2) من أصحاب الشافعي: أنه لابد من الاجتهاد ~~في التوضؤ بأحدهما ولا وجه له، لأنا قد PageV01P290 حكمنا بطهارتهما جميعا فأغنى عن الاجتهاد. # وإن قال رجل ثقة: إن هذا الكلب ولغ في هذا الإناء وقت الظهر، وقال آخر: ~~إن ذلك الكلب كان في ذلك الوقت في بلد آخر، فالأقرب على المذهب أنهما ~~متعارضان فيجب الحكم بتساقطهما والرجوع إلى أصل الطهارة في الماء، وهو أحد ~~قولي الشافعي، وله قول آخر أنه يحكم بنجاسته. # والحجة على ما قلناه: هو أن الخبرين قد استويا من غير ترجيح لأحدهما على ~~الآخر، وليس محلا للتحري لتساوي العدة فلم يبق إلا الحكم بالتساقط والرجوع ~~إلى ما هو الأصل كالخبرين والأمارتين إذا تعارضا فإنه يجب الحكم بتساقطهما ~~والرجوع إلى حكم العقل والبراءة الأصلية. # وإن أخبر مخبر بأن هذا الكلب أدخل خرطومه أو رأسه في الإناء ولم يعلم ~~ولوغه فيه، لم يحكم بنجاسة الماء؛ لأن التنجيس إنما يتعلق بالولوغ دون ~~إدخال الرأس والخرطوم فلا حكم لهما، كما لو دخل الكلب دارا، قال: ورأيته ~~دخل هذه الدار، فإنه لا يحكم بنجاسة ما فيها من الماء فهكذا هاهنا. وإن ~~قال: إنه أدخل خرطومه وأخرجه وعلى فيه أثر من الرطوبة ولكني لم أعلم بولوغه ~~بالماء، فالأقرب على المذهب أنه يحكم بالنجاسة وهو أحد قولي الشافعي، وله ~~قول آخر أنه لا يحكم بالنجاسة؛ لأن الأصل هو عدم الولوغ، لكن هذه القرينة ~~وهي حصول الرطوبة على خرطومه تقوي الظن أنها من الولوغ لأن الغالب ذلك من ~~حالها فلهذا حكمنا فيه بالنجاسة. # مسألة: ذهب علماء العترة إلى أن التحري واجب عند الاشتباه في الأواني ~~والثياب على الجملة لا يختلفون فيه، وهو محكي عن الفريقين: أبي حنيفة ~~وأصحابه والشافعي وأصحابه، وذكر الناصر في (الأمالي)(¬1) أن التحري لا يجوز. # والحجة على ما قلناه: قوله : (( إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما ~~استطعتم))(¬2) ووجه الاستدلال بما ذكرناه من الخبر هو أن الصلاة ثابتة على ~~الذمة بيقين، فلابد من تأديتها بأمر ms252 متيقن فإذا تعذر أداؤها باليقين وجب ~~العدول إلى غالب الظن؛ لأن الظن معمول به عند تعذر العلم القاطع لا محالة، ~~فإذا اشتبهت الأواني الطاهرة بالأواني النجسة والأثواب النجسة بالأثواب ~~الطاهرة فلابد فيها من التحري ليحصل PageV01P291 تغليب الظن بتأدية الصلاة، فيكون الظن غالبا عند التحري بكونه أدى الصلاة ~~في ثوب طاهر بماء طاهر، وهذا هو مقصود الشرع ومطلوبه. # وحكي عن المزني من أصحاب الشافعي وأبي ثور، أنه لا معنى للتحري في ~~الأواني ولا في الثياب كما [هو] رأي الناصر ولكن يعدل إلى التيمم. # وحجتهما على ما قالاه: هو أنه قد وقع الاشتباه بين محظور ومباح فلم يجز ~~التحري فيهما كما لو اختلطت منكوحة بأجنبية وكما لو اختلطت [ميتة] بمذكاة. # وحكي عن ابن الماجشون (¬1): أنه يتوضأ بكل واحد من الإنائين ويصلي وكذلك ~~الثياب يصلي في كل واحد منها. # وحجته على هذا: هو أنه إذا كان الفرض يمكنه أداؤه بيقين وجب عليه، ولن ~~يكون إلا بما ذكرناه فلهذا وجب عليه. # والمختار: ما قاله علماء العترة وفقهاء الأمة من وجوب التحري وكونه ~~مشروعا في الأواني والثياب. # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا، وهو قوله عليه السلام: (( ~~دع ما يريبك إلى مالا يريبك))(¬2). والشك(¬3) إذا اعترض فهو ما يريب ويؤلم ~~النفس ولا سبيل إلى إزالته فيما ذكرناه إلا بالتحري وتحصيل غالب الظن، ~~فلهذا كان واجبا لتحصيل العبادة على مطابقة الشرع ووفقه، وقوله : (( ~~المؤمنون وقافون عند الشبهات)). فإذا حصل التردد لأجل الشك فلا سبيل إلى ~~إزالة الشبهة إلا بما يحصل من الترجيح وتغليب الظن، ولهذا كان مقصودا ~~للشرع، ولأن الغرض بالتحري إنما هو إسقاط لزوم الصلاة عن الذمة وبراءتها ~~عنها، وهذا إنما يحصل على الكمال بالتحري والاجتهاد، فيجب أن يكون واجبا ~~فيما ذكرناه كما وجب ذلك في استعمال الماء للوضوء إذا كان صريحا. # الانتصار على ما قاله المزني: بأنا نقول: القياس جواز التحري فيما ذكره ~~خلا أن الإجماع منع من PageV01P292 ذلك، وإذا منع الإجماع في صورة فالقياس جار في غيرها من الصور إذ لا ms253 مانع ~~هناك. وعلى(¬1) ابن الماجشون أنا نقول: قد روي عن النبي أنه قال: (( لا ~~ظهران في يوم ))(¬2). وما قاله يؤدي إلى تكرير الصلاة مرتين في الثوبين وفي ~~الإناءين وهو ممنوع بما ذكرناه. # فإذا تقررت هذه القاعدة فاعلم أن هذه فروع تنشأ عنها نذكرها: # الفرع الأول منها: ذهب علماء العترة ومن تابعهم إلى أن التحري في الأواني ~~والثياب عند الاشتباه في أحوالها نجسها بطاهرها، لا يكون إلا إذا [كان] عدد ~~الطاهر أكثر من عدد النجس، وإلى هذا ذهب أبوحنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أن الأواني إذا كان النجس والطاهر فيها مستويين في ~~العدة فقد استوى جانب الحظر والإباحة كما لو كان أحدهما بولا، وكما لو ~~اختلطت منكوحة بأجنبية أو ميتة بمذكاة، فإذا كان هاهنا إناءان أحدهما طاهر ~~والآخر نجس، لم يجز التحري فيهما، ووجب العدول إلى التيمم لما ذكرناه من ~~الاستواء وتغليب جانب الحظر. # وذهب الشافعي إلى أن التحري واقع عند الاشتباه فيما ذكرناه سواء كان عدد ~~الطاهر أكثر أو عدد النجس أو كانا سواء. # والحجة على ذلك: هو أن كل ما دخله التحري، إذا [كان] عدد المباح أكثر جاز ~~دخول التحري فيه وإن كانا مستويين، والجامع بينهما(¬3) وقوع الاشتباه فإنه ~~الأصل في وجوب التحري. # والمختار: ما قاله علماء العترة ومن تابعهم. # والحجة على ذلك: ما قدمناه، ونزيد هاهنا: وهو أن الطاهر إذا كان عدده ~~زائدا على النجس كان حكمه أغلب، فهو كالشاهد إذا كانت محاسنه غالبة على ~~مساوئه وحكم الحاكم بشهادته فهكذا هاهنا، ولأنه لما استوى جانب الحظر وجانب ~~الإباحة فلو تحرينا مع استوائهما لكان ذلك خلاف الورع PageV01P293 والتقوى، وقد قال : (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)). # الانتصار: قالوا: قد ورد الأمر بالاعتبار في قوله تعالى: {فاعتبروا يا ~~أولي الأبصار}[الحشر:2]. وهذه منه. # قلنا: تدعون فيه عموما فليس فيه لفظة تدل على عموم الاعتبار، وإنما هو ~~أمر مطلق تدعون أنه أطلق ولم يفصل، فنحن نقول: لفظة الاعتبار إلى الإجمال ~~أقرب، فلا يمكن الاستدلال بظاهره؛ إذ لا ظاهر للمجملات لاشتماله ms254 على ~~الاعتبار الفاسد والصحيح، وما يجري فيه القياس وما تنسد فيه مجاري القياس ~~كالعبادات فلا نسلم جري القياس فيما هذا حاله فلا بد من دلالة على جريه فيه ~~وهو أول المسألة؛ لأن الكلام إنما هو فيه، فإذا كان مجملا فلا حجة فيه إلا ~~ببيان لإجماله. # قالوا: شرط من شروط الصلاة فجاز دخول التحري عند دخول الاشتباه في اثنين ~~منه كالثياب. # قلنا: الثياب جارية على القياس في التحري فلا جرم كانت باقية على الأصل، ~~بخلاف الآنية فإنها خارجة على القياس بدليل خصها فلا يجري فيها التحري، إلا ~~إذا كان الطاهر أغلب كما قررناه، وأيضا فالثياب مفارقة للآنية، فإنه لو ~~توضأ بالإثنين كليهما، كان متلوثا بالنجاسة مستعملا لها بخلاف ما لو صلى في ~~الثوبين فإنه لا يكون مقدما هناك على محظور، فإذا افترقا من هذا الوجه جاز ~~افتراقهما في العدد كما أشرنا إليه. # قالوا: كلما دخله التحري إذا كان عدد المباح أكثر فإنه يدخله التحري وإن ~~كان عدد المحرم أكثر كالثياب. # قلنا: لا نسلم ما قالوه في الثياب، فإنه لو كان هاهنا خمسة أثواب، واحد ~~منها نجس والباقي طاهر، فإنه تجب عليه الصلاة في اثنين منها ليكون الفرض ~~ساقطا بيقين، ثم ولو سلمنا فالفرق بين الأثواب والآنية ظاهر بما ذكرناه من ~~جواز الاستعمال في الأثواب كلها دون الآنية فاقترقا. # الفرع الثاني: في كيفية التحري عند الاشتباه في الآنية والثياب. # حكي عن جماعة من أهل خراسان أن المتحري لا يحتاج إلى نوع استدلال كما ~~يحتاج المجتهد في PageV01P294 الأحكام، ولكن يكفيه أن يبني أمره على الطهارة لقوله : (( ظن المؤمن لا ~~يخطئ))(¬1). # وهذا فاسد، فإنه إذا كان لابد من إفادة الظن وتحصيله ليزول به الاشتباه، ~~فلا بد من أمارة وهي لا تكون حاصلة إلا بنوع استدلال ونظر في الأمارات. # والذي عليه أئمة العترة وعليه أكثر فقهاء الأمة أنه لابد من نظر واستدلال ~~في الآنية والثياب لتميز النجس منها عن الطاهر، وذلك يحصل بأمارات ينقدح ~~الظن لأجلها مختلفة، إما بتغير لون أو رائحة أو اضطراب في ms255 الماء أو لوقوع ~~الترشش حول الماء، أو بأن يرى أثر الكلب عند الماء، أو بنقصانه إذا كان ~~قليلا يؤثر فيه الولوغ بأن يكون الإناء ممتلئا، أو بغير ذلك من الأمارات ~~التي تكون محركة للظن في كونه قد صار نجسا، فإذا حصلت له نجاسته بأي ~~الأمارات التي ذكرناها لم يجز استعماله وجاز له استعمال غيره، وصار الذي ~~غلب على ظنه كونه نجسا حراما بالإضافة إلى ظنه لا بالإضافة إلى نفس الإناء، ~~فلهذا فإنه لو غلب على ظن غيره طهارته جاز له استعماله، فأما امتحان نجاسة ~~الماء بالذوق فلا وجه له؛ لأنه ربما كان نجسا فلا يحل له ذوقه قبل أن يغلب ~~على ظنه طهارته، وهكذا التحري في الأثواب إما بلون النجاسة وإما بريحها أو ~~وقوع عليها بأن تكون قريبة من النجاسة دون الثوب الآخر، أو غير ذلك من ~~الأمارات المثيرة للظنون فيجب استعماله. # الفرع الثالث: وإن وقعت النجاسة في أحد الإناءين فاشتبها ثم اهراق أحدهما ~~على الأرض قبل الاجتهاد في طهارة أحدهما، ففيه على المذهب احتمالات ثلاثة: # الاحتمال الأول: أن يتحرى في الباقي ويعمل نظره في طهارته أو نجاسته؛ لأن ~~جواز الاجتهاد قد تقرر قبل الانقلاب فلا يسقط بالانقلاب. # الاحتمال الثاني: سقوط التحري، ويجب عليه التيمم للصلاة؛ لأن حقيقة ~~التحري والاجتهاد إنما تعقل بين أمرين. PageV01P295 # الاحتمال الثالث: أنه يتوضأ بالباقي من غير اجتهاد، من جهة أن الأصل هو ~~بقاء الماء على الطهارة، وهذا هو أغربها وأعجبها؛ لأنه أصل على الطهارة ~~ولأنه قد انفرد فصار كما لو لم يوجد من أول الأمر غيره. # وإن اجتهد في الإناءين فلم يغلب على ظنه طهارة أحدهما فأراقهما على الأرض ~~ثم إنه تيمم وصلى صح، ولم تجب عليه إعادة لما صلى، لما روي عن النبي أنه ~~قال: (( لا ظهران في يوم)). فلو أوجبنا عليه الإعادة لكان ذلك مخالفة لظاهر ~~الخبر، فإن صب أحدهما وترك الآخر جاز له أن يتوضأ بالآخر كما ذكرناه من ~~قبل؛ لأنه باق على أصل الطهارة كما لو لم يكن إلا هو. # الفرع ms256 الرابع: إذا كان معه إناءان فاشتبه عليه نجاسة أحدهما فتحرى فيهما ~~فأداه اجتهاده إلى طهارة أحدهما، فالمستحب له أن يريق الآخر مخافة أن يشتبه ~~عليه الأمر فيه مرة ثانية، فإن لم يرقه وبقيت من الأول بقية تكفي للطهارة، ~~ثم حضرت صلاة أخرى وهو محدث فهل يجب عليه إعادة التحري أم لا؟ # والأقرب أنه لا تجب عليه إعادة التحري كما لو صلى إلى جهة بالاجتهاد، ثم ~~حضرت صلاة أخرى فإنه يجزيه التحري الأول ما لم يتغير، وهو أحد قولي ~~الشافعي، وحكى ابن الصباغ صاحب (الشامل)، والمحاملي: أنه يجب عليه إعادة ~~الاجتهاد ثانيا، ولا وجه له مهما كان الاجتهاد مستمرا على طهارة ما استعمله ~~وعلى تلك الجهة، فإن تغير اجتهاده قبل أن يصلي نظرت، فإن أداه اجتهاده إلى ~~طهارة الأول فلا كلام لمطابقة الاجتهاد الأول للثاني من غير مخالفة، وإن ~~تيقن أن الذي توضأ به هو الطاهر فإنه لا يستحب له إهراق النجس؛ لأنه ربما ~~احتاج إليه في حال عطشه، وإن تيقن أن الذي توضأ به هو النجس فإن الواجب ~~عليه غسل ما أصابه من الماء الأول في ثيابه وبدنه وإعادة ما صلى بالطهارة ~~الأولى، لأنه قد تحقق يقين الخطأ فيما فعله فهو كالمجتهد إذا أخطأ النص ثم ~~وجده، فإنه يبطل اجتهاده فهكذا هاهنا. # وإن أداه اجتهاده إلى أن ما توضأ به نجس وأن الثاني طاهر فكيف يكون الحكم ~~فيه؟ وقد حكي عن الشافعي في ذلك قولان: # فالقول الأول منهما: حكاه المزني وهو: أنه لا يتوضأ بالثاني ولكنه يتيمم ~~ويصلي ويعيد كل صلاة صلاها بالتيمم، وهذا الذي رواه عنه حرملة أيضا. PageV01P296 # ووجهه: أنا لو أمرناه بأن يتوضأ بالثاني لكان لا يخلو إما أن نأمره بغسل ما ~~أصابه من الأول أولا، فإن لم نأمره بغسل ما أصابه منه فقد صلى وعليه نجاسة ~~بيقين؛ لأنا قد حكمنا في النظر الأول بكونه نجسا، وإن أمرناه بغسل ما أصابه ~~منه كان نقضا للاجتهاد الأول بالاجتهاد الثاني، ومثل هذا غير جائز؛ لأن هذا ~~يؤدي إلى اضطراب الأحكام ms257 وتشويش القواعد. # وهل يلزمه إعادة ما صلى بالتيمم أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يعيد؛ لأنه قد تيمم ومعه ماء بيقين فالتيمم واقع على فساد، ~~وهذا هو قول العمراني صاحب (البيان). # وثانيهما: أنه لا تجب عليه الإعادة؛ لأن تيممه وقع على نعت الصحة؛ لأنه ~~ممنوع عن هذا بالشرع، وهذا هو المحكي عن أبي الطيب بن سلمة (¬1). # القول الثاني: حكاه أبو العباس بن سريج (¬2) وأنكر ما نقله المزني، وقال: ~~إن الواجب عليه أن يتوضأ بالثاني. # ووجهه: أنه شرط من شروط الصلاة له مدخل في التحري، فإذا تحرى وغلب على ~~ظنه باجتهاد آخر خلاف الأول جاز العمل على الثاني كما لو صلى إلى جهة ثم ~~تغير اجتهاده فإنه يصلي إلى الجهة الأخرى فهكذا هاهنا، وإن لم يبق من الماء ~~الأول شيء فإنه يتيمم؛ لأن ما معه من الماء قد حكم بنجاسته من قبل فلا ~~ينقض، وهل يلزم إعادة ما صلى بالتيمم أم لا؟ فيه وجهان(¬3): # والمختار على المذهب: ما قاله المزني من جهة أنه قد حكم بنجاسته فلا يحكم ~~بطهارته فيلزمه التيمم، ولا تجب عليه [إعادة ما صلى] لقوله : (( لا ظهران ~~في يوم)) ولأنه ممنوع من استعمال هذا الماء الموجود بالشرع كما لو كانت ~~نجاسته متحققة. PageV01P297 # الفرع الخامس: وإن اشتبه عليه ماءان طاهر ونجس، ومعه إناء ثالث طهارته ~~متحققة، فهل يجوز له الاجتهاد والتحري فيما اشتبه أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن ذلك جائز وهو قول الأكثر من أصحاب الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أنه ليس فيه أكثر من العدول عن الماء المتيقن طهارته ~~إلى الماء المحكوم بطهارته من جهة الظاهر، وذلك غير ممتنع في الطهارة ولهذا ~~فإنه يجوز التوضؤ من الماء القليل على شاطئ البحر. # وثانيهما: أن ذلك غير جائز، وهذا يحكى عن بعض أصحاب الشافعي، وهذا هو ~~الأقرب على المذهب والمختار. # والحجة على ذلك: هو أنه يمكنه إسقاط الفرض بيقين بأن يتوضأ مما يتيقن ~~طهارته، فلم يجز الرجوع إلى غلبة الظن كما لا يجوز الاجتهاد في طلب القبلة ~~إذا كانت ms258 المعاينة ممكنة. # وإن اشتبه عليه ماء قراح وماء ورد انقطعت رائحته أو ماء شجر، فهل يتحرى ~~أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يتحرى، وهذا هو المحكي عن أهل خراسان من أصحاب الشافعي، وذلك ~~أنه قد اشتبه عليه ما يتطهر به بما لا يتطهر به فجاز فيه إعمال النظر ~~والاجتهاد بالتحري كالماء الطاهر والنجس. # وثانيهما: أنه لا يتحرى بل يستعملهما جميعا، وهذا هو قول البغداديين من ~~أصحاب الشافعي وهو رأي الإمام المنصور بالله وهو المختار. # والحجة على ذلك: هو أن ماء الورد وماء الشجر لا أصل لهما في التطهير، ~~فيرد إليهما بالاجتهاد، ولكن يتوضأ بكل واحد منهما ليسقط بيقين. # وإن اشتبه عليه ماء مطلق وبول قد انقطعت رائحته فهل يتحرى أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا وجه للتحري ولكن يتيمم، وهذا هو المحكي عن أهل بغداد من ~~أصحاب الشافعي، وذكره بعض أصحابنا للمذهب. # والحجة على ذلك: هو أن البول لا أصل له في الطهارة فيرد إليه الاجتهاد، ~~فلهذا وجب العدول إلى PageV01P298 بدله وهو التيمم. # وثانيهما: أنه يجوز فيه التحري وهذا هو رأي أهل خراسان، وذكره القاضي زيد ~~من أصحابنا للمذهب. # والحجة على ذلك: هو أنه قد وقع الاشتباه بين الماء وغيره فجاز إعمال ~~الفكر بالتحري كالماء الطاهر عند التباسه بالنجس. # والمختار: هو الأول؛ لأن التحري إنما يكون داخلا فيما يطلق عليه اسم ~~الماء، إما مطلقا كالماء المستعمل، وإما مضافا كماء الورد وماء الشجر، ~~والبول لا يطلق عليه اسم الماء لا على جهة الإطلاق ولا على جهة الإضافة، ~~ولهذا بطل التحري فيه، ودعوى الإجماع فيه لا وجه له، فإن المسألة خلافية ~~لها مدخل في الاجتهاد، فلا معنى لدعوى الإجماع على بطلان التحري في الماء ~~والبول لما ذكرناه. # الفرع السادس: إذا أخبر الأعمى بأن هذا الماء قد ولغ فيه كلب أو وقع فيه ~~بول، قبل خبره كما يقبل خبر البصير؛ لأنه يحتمل أن يكون قد علم ذلك فيه ~~قطعا، أو قد أخبره به مخبر ثقة؛ فلهذا عمل عليه. وإذا كان مع رجل ms259 إناء طاهر ~~وتغير فغلب على ظنه أن تغيره بنجاسة لم يحكم بنجاسته، وإن كان معه إناء نجس ~~فغلب على ظنه طهارته لم يحكم بطهارته، وكان باقيا على نجاسته فيجب التعويل ~~على ما هو الأصل في الطهارة والنجاسة، ويفارق ذلك ما إذا علم النجاسة في ~~أحد الإناءين فغلب على ظنه طهارة أحدهما أو نجاسته فإنه يعمل عليه؛ لأنه لم ~~يحصل فيهما نجاسة معينة، والأصل في كل واحد منهما الطهارة، وإنما تجدد شك ~~في كل واحد منهما فلا جرم كان زائلا بالظن، وإذا اشتبه عليه طعام طاهر ~~وطعام نجس جاز التحري فيهما والعمل على غلبة الظن؛ لأن أصلهما على الإباحة، ~~فإذا طرأت النجاسة على أحدهما واشتبها عليه جاز إعمال الفكر في التحري ~~فيهما، كما لو اشتبه عليه ماء طاهر ونجس، وإذا اشتبه عليه طعام طاهر وطعام ~~نجس ومعه طعام طاهر ثالث من ذلك النجس متيقن طهارته فهل يجوز له التحري أم ~~لا؟ فيه الوجهان اللذان ذكرناهما، وقد ذكرنا توجيههما فأغنى عن الإعادة، ~~والله أعلم. # الفرع السابع: يشتمل على صور أربع: PageV01P299 # الصورة الأولى: إذا كان هاهنا رجلان معهما إناءان أحدهما نجس لزمهما ~~التحري، فإن تحريا فأدى اجتهاد كل واحد منهما إلى التوضؤ بكل واحد من ~~الإناءين، فإنه يلزمهما استعمالهما؛ لأنه إذا أدى اجتهادهما إلى ذلك، فإن ~~توضأ كل واحد منهما بما أدى إليه اجتهاده لم يجز لأحدهما أن يأتم بالآخر في ~~الصلاة عند أئمة العترة، وهو قول أكثر الفقهاء: أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ومالك. # وحكي عن أبي ثور جواز ذلك. # والحجة على ذلك: هو أن كل واحد منهما لما أعمل فكره في التحري، فإنه ~~يعتقد أن الآخر قد توضأ بالماء النجس فلا يجوز له أن يأتم بمن يعتقد ويغلب ~~على ظنه أنه متلوث بالنجاسة وأنه في غير صلاة. # والحجة لأبي ثور، هو أن كل واحد منهما صحيح الصلاة في نفسه لنفسه، فلم لا ~~يجوز أن يصلي خلف من صلاته صحيحة لنفسه؟ # والمختار: ما قاله أبو ثور. # والحجة على ذلك: هو أن الحق أن ms260 الآراء صائبة في الاجتهاد، وإذا كان الأمر ~~كما قلناه فصلاة كل واحد منهما صحيحة عند نفسه لنفسه لا محالة، فلهذا فإنا ~~لا نأمره بقضائها بعد تأديتها على هذه الصفة، ولا يعد تاركا للصلاة، ~~فالإمام صلاته مجزئة بالاتفاق، والمأموم يجب أن تكون صلاته مجزئة أيضا؛ ~~لأنه مصل خلف من صلاته صحيحة عند الله تعالى. # الانتصار: قالوا: المأموم يعتقد فساد صلاة الإمام فلا تجوز له الصلاة خلفه. # قلنا: هذا فاسد؛ لأن اعتقاده بفساد صلاة الإمام لا يقطع الائتمام به من ~~جهة أن عنده أن صلاة الإمام صحيحة لنفسه فليس أحد الاعتقادين بالعمل عليه ~~أحق من الآخر، فلا يمتنع من الصلاة خلفه [لاعتقاده] لفسادها، بالإضافة إلى ~~المأموم بأولى من أن يقتدى بصحة صلاته، بالإضافة إليه في نفسه من غير ~~تفرقة، ثم إن ما ذكرتموه يؤدي إلى خرق الإجماع بتقدم المرضي للصلاة ورعا ~~ودينا، والتخلف عنه لغير موجب يمنع شرعا. وسيأتي لهذه المسألة مزيد تقرير ~~نكشف الغطاء فيه عن سرها وحقيقتها بمعونة الله تعالى. فإن صلى أحدهما ~~بالآخر على رأي من منع من ذلك، صحت صلاة الإمام لكونه مستقلا بنفسه من غير ~~متابعة، وبطلت صلاة المأموم لكونه متابعا. PageV01P300 # الصورة الثانية: إذا كانت الأواني ثلاثة نظرت، فإن كان الطاهر منها واحدا ~~وكانوا ثلاثة فتوضأ كل واحد منهم بواحد من الآنية الثلاثة، لم يجز لكل واحد ~~منهم أن يأتم بالآخر على رأي من منع من ذلك، من جهة أن كل واحد منهم يغلب ~~على ظنه أن غيره متوضئ بالماء النجس فلهذا لم تجز الصلاة خلفه. وإن كان ~~الطاهر منها اثنين، جاز أن يؤمهم أحدهم، فإذا صلى بهما الصبح صحت صلاتهم ~~جميعا، من جهة أن كل واحد منهم يظن أنه توضأ بالماء الطاهر، ولا يخطىء ~~إمامه في اجتهاده ولا يقول: إنه قد توضأ بالنجس، فلهذا صحت صلاتهم أجمع لما ~~ذكرناه، لأنهم لما قدموا الإمام حكموا بصحة صلاته، وهما إناءان طاهران ~~فواحد استبد به الإمام وواحد كل واحد من الرجلين يظن في نفسه أن متطهر به، ~~فلأجل هذا ms261 التقرير حكمنا بصحة صلاتهم معا(¬1). وإن صلى بهم رجل منهم الظهر ~~صحت صلاة الإمام؛ لأنهم لما قدموه فقد حكموا بصحة صلاته وصحة صلاة إمام ~~الصبح؛ لأنها قد صحت من قبل فلا يتغير حكمها بعد ذلك، وتفسد صلاة الثالث ~~لأنهما إناءان طاهران وقد استبد كل واحد من إمام الصبح وإمام الظهر بكل ~~واحد منهما، وتعين حكم النجاسة على الثالث ففسدت صلاته، فإن صلى بهم الثالث ~~العصر صحت صلاته لنفسه؛ لأنهم لما قدموه حكموا بصحة صلاته؛ ولأنه مستقل ~~بنفسه غير مقيد بغيره، وبطلت صلاة الآخرين خلفه لأجل اقتدائهما بمن قد ~~تعينت النجاسة في وضوئه، فلهذا بطلت لأجل الاقتداء. # الصورة الثالثة: أن تكون الأواني أربعة، فإذا كان كذلك نظرت، فإذا كان ~~الطاهر منها واحدا لم يجز لكل واحد منهم أن يأتم بالآخر من جهة أنه لا فسحة ~~للظن في صحة طهارة واحد منهم وتجويزها، إذ الطاهر ليس إلا واحدا منها كما ~~فرضناه على رأي المانعين من ذلك، وإن كان الطاهر منها اثنين وصلى كل واحد ~~منهم صلاة بالآخرين فصلاة الصبح صحيحة لهم جميعا، لأنهم لما قدموا الإمام ~~حكموا بصحة صلاته وأنه متوضئ بالماء الطاهر، وبقي إناء واحد، كل واحد منهم ~~يجوز أنه توضأ به فلا جرم كانت صحيحة في حقهم معا لظهور الاحتمال والتجويز ~~في الصحة، وصلاة الظهر صحيحة لإمام الصبح؛ لأنها لا تتغير عما هي عليه في ~~الصحة، وصلاة إمام الظهر صحيحة؛ لأنهم لما قدموه PageV01P301 فقد حكموا بصحة صلاته، وصلاة العصر والمغرب صحيحتان لإمامهما دون ~~المقتديين، لأن الإناءين الطاهرين قد استكملا في حق إمام الصبح والظهر وليس ~~هناك طاهر سواهما، فبطلان صلاة المأمومين حاصل لأجل الاقتداء؛ لأنهما ~~مصليان خلف من يظنان أنهما متلوثان بالنجاسة غير متوضئين فبطلا. وإن كان ~~الطاهر منها ثلاثة وصلى كل واحد منهم بأصحابه، فصلاة الصبح والظهر صحيحة ~~لكل واحد منهم؛ لأنهم لما قدموهما فقد حكموا بصحة صلاتهما وبقي إناء واحد ~~طاهرا، كل واحد من المأمومين يمكن أن يتوضأ به فلأجل هذا حكمنا بصحة صلاتهم ~~أجمعين. وأما صلاة العصر ms262 فإنها صحيحة لإمامي الصبح والظهر ولإمام العصر ~~أيضا، من جهة أنهم لما قدموا فقد حكم بصحة صلاتهم واستكملت الآنية في ~~الطهارة، وتبطل في حق المؤتمين في صلاة العصر لأجل الاقتداء؛ لأنهم مؤتمون ~~بمن عندهم أنه غير مطهر. # الصورة الرابعة: إذا كانت الآنية خمسة نظرت، فإذا كان الطاهر منها واحدا ~~والباقي نجس، لم يجز أن يأتم كل واحد منهم بصاحبه؛ لأن كل واحد عنده أن ~~صاحبه متطهر بالماء النجس إذ لا طاهر منها سوى واحد، وإن كان الطاهر منها ~~اثنين فصلاة الصبح صحيحة في حق الجميع وصلاة الظهر صحيحة في حق إمامها ~~وإمام الصبح، وتبطل في حق الباقين من أجل الاقتداء، وأما صلاة العصر ~~والمغرب والعشاء فتصح لكل واحد ممن كان إماما فيما قبلها وتبطل في حق ~~المؤتمين لأجل الاقتداء. فإن كان الطاهر منها ثلاثة صحت صلاة الظهر والعصر ~~للجميع منهم، وتصح صلاة العصر لإمامها وإمام الظهر وإمام الصبح وتبطل في حق ~~المؤتمين في المغرب والعشاء. وإن كان الطاهر منها أربعة فصلاة الصبح والظهر ~~والعصر صحيحة في حق الجميع منهم وتبطل صلاة المؤتمين في المغرب والعشاء من ~~أجل الاقتداء. # فكلما كان الطاهر من الأواني واحدا فلا وجه للاقتداء بحال، وإن كان ~~الطاهر اثنين جاز لكل واحد أن يصلي خلف واحد لا غير، وإن كان الطاهر منها ~~ثلاثة جاز لكل واحد منهم أن يصلي خلف اثنين منهم وهلم جرا، وإن كثرت. # فالمعيار الضابط للمسألة: أن الطاهر إذا كان واحدا امتنع الائتمام مطلقا؛ ~~إذ لا مساغ للظن في طهارة من عدا هذا الواحد بخلاف ما إذا كان الطاهر ~~اثنين، فواحد يستبد به الإمام وواحد كل من المؤتمين يجوز أن يكون متطهرا ~~به، فلهذا صحت في حق الجميع، فصلاة من قدم للإمامة تكون PageV01P302 صحيحة بكل حال؛ لأنه لما قدم حكم على صلاته بالصحة، وأن النجاسة حاصلة في ~~حق غيره، وأما المؤتمون فإن كان في عدة الأواني الطاهرة فسحة تكفي للإمام ~~والمأمومين، صحت صلاتهم جميعا وإن كانت غير كافية صحت صلاة المقتدى به ~~وبطلت صلاة ms263 المقتدين. # مسألة: تشتمل تنبيهات ثلاثة: # التنبيه الأول: في بيان كيفية ورود التعبد في الأحكام. # اعلم أن التعبد في الأحكام التكليفية ربما كان بالعلم اليقيني، وربما كان ~~بالظن، فهذان مجريان نذكر ما يتوجه في كل واحد منهما؛ لأن لهما تعلقا خاصا ~~بما نحن فيه: # المجرى الأول منهما: أن يكون التعبد واردا بطريق العلم دون الظن، وهذا ~~يكون تارة في المسائل الدينية وتارة في المسائل الأصولية، ومرة يكون في ~~المسائل الفقهية، فلا ينفك عن هذه الأمور الثلاثة: # فأما الدينية: فنحو العلم بالله تعالى وصفاته، وما يجب له وما يجوز له ~~وما يستحيل عليه من الصفات، ونحو العلم بصدق الأنبياء وأحوال المعاد ~~الأخروي، وغير ذلك من المسائل الدينية. فهذه الأمور كلها مستندها العلم ~~القطعي لا يقوم غيره مقامه. # وأما الأصولية: فنحو العلم بوجوب العمل على الأخبار الآحادية، وكون ~~الأقيسة النطرية معتمدة في تقرير الأحكام الشرعية، ونحو أن في اللغة لفظة ~~موضوعة للعموم، وأن الأمر للوجوب، إلى غير ذلك من المسائل الأصولية. # وأما الفقهية: فنحو الشهادات، فإن مستندها العلم القاطع فلا تجوز الشهادة ~~إلا بما يعلمه ويتحققه مشاهدة، أوغير ذلك من طريق العلم، ولا تجوز الشهادة ~~بالظنون إلا في بعض الصور سنقررها في باب الشهادات بمعونة الله تعالى. ونحو ~~النكاح فإنه لا يجوز الوطء إلا بعلم أنها غير محرمة عليه. # والأصل في هذه القاعدة أن كل ما كان الوصول فيه إلى العلم ممكنا وجب ~~تحصيل العلم به، وكل ما لا سبيل إلى العلم به فغلبة الظن كافية فيه. # قال المؤيد بالله: ومن كان معه عشرة أثواب وعلم أن فيها ثوبا نجسا فإنه ~~تجب عليه الصلاة في ثوبين منها ليكون الفرض ساقطا بيقين. وهكذا نقول فيمن ~~كان معه عشرة أثواب نجسة وفيها ثوب PageV01P303 طاهر؛ فإنه يجب عليه أن يصلي فيها أجمع ليكون الفرض ساقطا عن ذمته بيقين ~~وقطع، فهذه المسائل كلها، التعبد فيها بالقطع والعلم دون الظن، وهي مستوية ~~في ذلك كما أوضحناه. # المجرى الثاني: ما كان التعبد فيه واردا بالظن. # وهذا هو معظم أحكام ms264 الشريعة فإنها جارية على الظنون في أكثر العبادات ~~والمعاملات. وهذا نحو الحكم بالشهادة فإن مستندها الظن بصدق الشاهدين، ونحو ~~مراعات الظنون في طهارة الأشياء ونجاستها، ونحو الأخبار المعول عليها في ~~جميع الأحكام الشرعية فإنها مثمرة للظن لا غير، في الصلوات والحج والصيام ~~وغير ذلك. # وهكذا الكلام في الأقيسة فإنها معمول بها في تقرير الأحكام الفقهية، ~~والعمل على الأخبار الآحادية والأقيسة قد قال به الأكثر من الأمة، ولم ينكر ~~العمل عليهما إلا شواذ من الأمة لا يلتفت إلى كلامهم، والمنكرون للأقيسة ~~أكثر من المنكرين لأخبار الآحاد؛ لأن الأخبار الآحادية مستندها الشارع، ~~والأقيسة النظرية مستندها نظر القائسين، وكلها معمول عليها عند أئمة العترة ~~والنظار من علماء الأمة، والكلام على هاتين القاعدتين قد قررناه في الكتب ~~الأصولية. # التنبيه الثاني: في بيان الظن المعمول عليه في الأحكام الشرعية. # واعلم أن ماهية الظن هو تغليب في القلب على أحد المجوزين ظاهري التجويز. # فقولنا: تغليب، نحترز به عن سائر الاعتقادات فإنها جزم وليست تغليبا. # وقولنا: في القلب؛ ليكون عاما لمن قال: إن الظن أمر يفعله الإنسان في ~~قلبه، ولقول من قال: إن الظن أمر يوجبه القلب عند حصول الأمارة. # فالأول: مذهب الشيخ أبي هاشم وأصحابه. # والثاني: مذهب أبي الحسين البصري وأصحابه. # فإذا قلنا فيه: تغليب في القلب، كان شاملا لهما جميعا. # وقولنا: على أحد المجوزين؛ لأن الظن إنما يكون متعلقا بصفات الشيء ~~وأحكامه ولا يكون متعلقا بأصل حقيقته أصلا، فالأمران المجوزان إنما يكونان ~~في الصفات والأحكام، ولهذا فإن زيدا يمكن أن PageV01P304 يكون في الدار ويمكن أن يكون في المسجد، فإذا أخبرك مخبر بكونه في أحدهما ~~فقد غلب خاطرك على ما كان ممكن الوقوع وهو كل واحد من الأمرين. # وقولنا: ظاهري التجويز، نحترز به عن اعتقاد التقليد فإن المقلد وإن كان ~~يجوز خلاف ما هو عليه من التقليد، لكن تجويزه ليس ظاهرا جليا، بل هو مصمم ~~على ما قد اعتقده من ذلك، وإن جوز خلافه فإنما هو من حيث كونه ممكنا في ~~ذاته لا أن المقلد يعتقده ms265 ويظهر اعتقاده، وإنما تجويزه يكون خفيا غامضا، ~~فهذه ماهية الظن. # فإذا تمهدت هذه القاعدة، فاعلم أن الظن المراعى في تقرير الأحكام الشرعية ~~والتكاليف العملية ضربان، نذكر ما يتعلق بحقائقهما بمعونة الله تعالى: # الضرب الأول منهما: الظن المطلق، وهو ما يكون تغليبا لأحد مجوزيه من غير ~~أن يكون فيه قوة تقارب العلم، وهذا نحو أن يخبر مخبر ثقة، بأن زيدا في ~~الدار، فإن ما هذا حاله من الأمارات محرك للقلب في إثارة الظن وإحداثه، ~~لمكان هذه الأمارة، وعلى مثل هذا تجري الأخبار المستعملة في أحكام الشريعة ~~في الإيجاب والندب والكراهة والإباحة وأنواع التحليلات والتحريمات في جميع ~~الفتاوى والأقضية والأحكام المستنبطة من تلك الأحكام. # الضرب الثاني: الظن الذي يقارب العلم، وهذا نحو أن يخبر مخبر ثقة بأن ~~زيدا في الدار، ثم يخبره بعده مخبر آخر بأنه فيها، فما هذا حاله قد حصل ~~الظن المطلق بخبر الثقة الأول، ثم إنه ازداد قوة بالخبر الثاني، فصار ~~مقاربا للعلم بهذا المعنى، ومعنى كونه مقاربا للعلم، هو أنه ربما تقوت هذه ~~الأخبار من جهة الثقات وبالقرائن حتى صار ذلك الظن علما، وخرج عن كونه ~~مظنونا؛ فالمخبر الأول يورث الظن المطلق ويبعث عليه، والمخبر الثاني يقوي ~~الظن ويزيده قوة، ولا تزال هذه القوة تزداد بحسب المخبرين حتى ترتقي إلى ~~درجة الذي لا يجوز خلافه، وربما ازداد قوة أيضا بعد حصول القطع بمخبره إلى ~~أنه يصير ضروريا لا يجوز ورود الشبهة فيه. فهكذا يكون حصول الظن في موارد ~~الشريعة ومصادرها لا محالة. # وأما الشك: فهو عبارة عن تصور ماهية الشيء وحقيقته من غير أن نحكم عليها ~~بنفي أو إثبات، فمن تصور ماهية العالم وحقيقته من غير أن يحكم عليه بقدم ~~ولا حدوث، فهو شاك فلا تحصل له هذا PageV01P305 الصفة إلا متى تصور الماهية وخلا عن اعتقاد حكم من أحكامها، فمتى علم حدوث ~~العالم بالنظر أو بالضرورة أو بالاعتقاد أو بالظن، فقد خرج عن كونه شاكا ~~وكان عالما أو معتقدا أو ظانا، وبطل الشك لانتفاء ماهيته. فقد وضح لك ms266 بما ~~ذكرناه ماهية كل واحد من الظن والشك ومعرفة الظن المطلق والظن المقارب. # التنبيه الثالث: في الكلام على الشيخ علي بن الخليل (¬1) والقاضي أبي مضر ~~(¬2) من أصحابنا. # واعلم أنهما قد ذكرا: أن الظن الوارد على المكلف على ثلاثة أقسام: # أحدها: الظن المطلق الذي ليس بغالب. # والثاني: هو الظن الغالب لكنه غير مقارب للعلم. # والثالث: الظن المقارب للعلم. # فإذا كان التجويز الوارد على الشيء والاحتمال الواقع فيه يستوي طرفاه، ~~فإن كل واحد من الاحتمالين ظن، إلا أنه ليس بظن غالب، وإنما هو ظن مطلق، ~~فإذا وجد الرجحان في أحد الاحتمالين على الآخر فإن أرجح الاحتمالين ظن غالب ~~والاحتمال الآخر شك، فإن قوي الرجحان في أحد الاحتمالين وضعف الشك في ~~الاحتمال الآخر فهو ظن غالب مقارب للعلم. ثم جعلا مثال الظن المطلق وهو ~~الشك، الظن بنجاسة سراويل المجوسي. ومثال الظن الذي ليس مقاربا للعلم: أن ~~يخبر مخبر بنجاسة سراويل المجوسي وأنها قد أصابتها نجاسة. ومثال الظن الذي ~~يكون مقاربا للعلم: نحو أن يخبر مخبران وثالث بأن سراويل المجوسي قد ~~أصابتها نجاسة، فإذا اجتمع هذا الخبر إلى الخبر الأول قوي هذا الاحتمال ~~وضعف الاحتمال الآخر جدا، فصار هذا الاحتمال الأرجح والأقوى، ظنا غالبا ~~مقاربا للعلم إلى آخر ما ذكراه في تقرير هذه القاعدة. # واعلم [أن] كلامهما هاهنا، قد وقعت فيه استدراكات عليهما، ونحن نذكرها ~~ونفصل ما قالا فيه PageV01P306 بمعونة الله تعالى: # الإستدارك الأول: قولهما: إن الشك من قبيل الظنون، وهذا فاسد لوجوه ثلاثة: # أما أولا: فلأن الشك من قبيل التصور وهو العلم بحقائق الأشياء وماهياتها ~~والكف عن اعتقاد شيء من أحكامها كما مر تقريره، والظن جنس برأسه ليس من ~~قبيل الاعتقاد والتصور. # وأما ثانيا: فلأن الظن لا حكم له في جلب النفع ودفع الضرر، إلا إذا كان ~~صادرا عن الأمارات، فإن لم يصدر عنها كان لاحقا بالظنون السوداوية التي لا ~~يعول عليها عاقل، بخلاف الشك فإنه لا يفتقر إلى أمارة؛ لأنه في الحقيقة كف ~~عن الحكم على الشيء بنفي أو إثبات فلا يفتقر ms267 إلى أمارة من أجل ذلك. # وأما ثالثا: فلأن الظنون الصادرة عن الأمارات يعول عليها في جميع ~~التصرفات العرفية في جلب المنافع ودفع المضار، وعليه تبتني أكثر الأحكام ~~الشرعية في العبادات والعادات والمعاملات، والشك لا يرد في هذه الموارد ولا ~~يعول عليه في شيء من الأحكام بحال. فحصل من مجموع ما ذكرناه مخالفة الشك ~~للظن في حكمه ولفظه، فكيف يقال: إنه من قبيل الظنون!. # الاستدراك الثاني: قولهما: إن الظنون منقسمة إلى ثلاثة. وهذا فاسد ~~لأمرين: # أما أولا: فلأن من حق مورد التقسيم أن يكون شاملا لجميع الأقسام ليصح ~~تقسيمها عليه، ولهذا فإنه يقال: الحيوان ينقسم إلى إنسان وفرس، ولا يقال: ~~الحيوان ينقسم إلى إنسان وحجر، لما كان مورد القسمة وهو قولنا: الحيوان، ~~ليس شاملا لقولنا: حجر ولا هي مندرجة تحته، فيبطل التقسيم لعدم اندراجها ~~تحته، فلما كان الشك غير داخل في حقيقة الظن ولا يطلق عليه اسمه، بطل ~~تقسيمه عليه لعدم اندراجه تحته، ونزل ذلك منزلة من يقول: العلم منقسم إلى: ~~نظري وظني، فلما كان هذا باطلا فهكذا ما ذكراه من التقسيم، ولكن يقال: ~~العلم منقسم إلى: نظري وضروري لا غير. # وأما ثانيا: فلأن الظن حقيقة مغايرة للشك ومخالفة له في لفظه ومعناه كما ~~أشرنا إليه، وما هذا حاله فلا يقال بأنه أحد أنواع الظن وقسم من أقسامه. ~~ومن العجب أنهما لقباه بالظن المطلق وجعلاه أول أقسام الظن الوارد على ~~المكلف، وبينهما من المغايرة والمخالفة في الحقائق واللوازم والألفاظ ما لا ~~يخفى، وفي ذلك ضعف ما قالاه وسقوطه. PageV01P307 # الإستدراك الثالث: قولهما: فإذا كان التجويز الوارد على الشيء والاحتمال ~~الواقع فيه يستوي طرفاه، فإن كل واحد من الاحتمالين ظن، إلا أنه ليس بظن ~~غالب وإنما هو ظن مطلق، وهذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن ظاهر كلامهما هذا يقتضي بأن التجويز هو الشك، وهذا فاسد، ~~فإن حقيقة الشك مخالفة لحقيقة التجويز، فإن الشك كما ذكرناه تصور الحقائق ~~والماهيات مع الكف عن اعتقاد شيء من أحكامها اللازمة لها. # وأما التجويز: فهو العلم بأن ليس ms268 في العقول ما يحيل هذا الحكم في الثبوت ~~ولا نقيضه. فإذا علمنا العالم نفسه، وكففنا عن اعتقاد قدمه وحدوثه، فهذا هو ~~الشك، وأما إذا علمنا بأنه ليس في العقول ما يحيل إثبات قدمه وإثبات حدوثه، ~~فهذا هو التجويز. ثم إن التجويز هو مستند للشك فلا شك في الأمرين جميعا: ~~القدم والحدوث، إلا إذا كان مجوزا وكانا ممكنين، فأما الأمور المستحيلة فلا ~~يمكن تجويزها، وهو أيضا مستند للظن فإنه لا يمكن ظن حكم من الأحكام في ~~ثبوته ونفيه، إلا إذا كان مجوزا له، فعرفت بما ذكرناه مغايرة حقيقة الشك ~~للتجويز وأن الشك لا يكون تجويزا بحال. # وأما ثانيا: فقولهما: إن كل واحد من الاحتمالين ظن. # فظاهر هذا الكلام دال على أن محتملي التجويز ظن، وهذا فاسد، فإن التجويز ~~في نفسه ليس ظنا، فكيف يكون احتمالاه ظنين، وإنما التجويز لابد من مصاحبته ~~للظان، كما أنه يصاحب الشاك؛ لأن قاعدة التجويز هو العلم بإمكان تلك الصفة ~~في الثبوت والانتفاء، وإذا كان مصاحبا أعني التجويز للظن، فكيف يقال بأنه ~~نفس حقيقته!. # الاستدراك الرابع: قولهما: فإذا وجد الرجحان في أحد الاحتمالين على ~~الآخر، فإن أرجح الاحتمالين صار ظنا غالبا، والاحتمال الآخر شك، فإن قوي ~~الرجحان في أحد الاحتمالين وضعف الاحتمال في الآخر فهو ظن غالب مقارب للعلم. # واعلم أن كلامهما دال هاهنا على أن الرجحان إذا كان حاصلا في أحد ~~الاحتمالين فإنه يكون ظنا غالبا، والاحتمال الآخر شك، فظاهر هذا الكلام ~~يشعر بأنه يطلق عليه اسم الشاك، مع كونه ظانا وهذا فاسد، فإنه إذا قوي ظنه ~~على أحد الاحتمالين فإنه بالظن يكون خارجا عن حقيقة الشك بكل PageV01P308 حال، ولا يطلق عليه اسمه بعد كونه ظانا، سواء كان ظنه غالبا أو مقاربا؛ لأن ~~الشك كما ذكرناه خلو عن كل ترجيح، فلا يكون مصاحبا للرجحان أصلا. # فأما التجويز: فإنه مخالف لما ذكرنا من الشك، فإنه يكون مصاحبا للرجحان، ~~سواء كان ذلك الرجحان بعلم أو ظن أو اعتقاد؛ لأن حقيقتة لا تنافي هذه ~~الأمور بل تكون باقية معها، ms269 فلا جرم صاحبتها، بخلاف الشك فإن حقيقته منافية ~~للرجحان فلا تصاحبه، فتنخل من مجموع ما ذكرناه تباين هذه الأشياء في ~~الحقائق والأحكام، أعني الشك والظن والتجويز، وأنه لا سبب للوقوع في مثل ~~هذه المضائق إلا عدم الإحاطة بهذه الدقائق والميز بينها، وهو مسلك دقيق لا ~~يدرك إلا بالفكرة الصافية، والقريحة المتقدة، وما وقعا فيما وقعا فيه إلا ~~لعدم الوطأة في المباحث الكلامية، والإحاطة بدقائقها، والغوص على أسرارها ~~وغوامضها وحقائقها. # الاستدراك الخامس: قولهما: مثال الظن المطلق - الذي هو الشك على زعمهما ~~وتوهمهما - ما نقلاه عن المؤيد بالله فيمن صلى في سراويل المجوسي، فإنه ~~يحتمل أن يكون المجوسي قد نجسه لسبب من الأسباب، إما بترك الاستنجاء أو ~~بغيره، ويجوز خلاف ذلك وهو أن لا يكون أصابه شيء من النجاسات، وليس لأحد ~~الاحتمالين رجحان على الآخر، وكل واحد من الاحتمالين ظن. # واعلم أن ما ذكره المؤيد بالله إنما أورده لمقصدين: # المقصد الأول: لبيان أن الأصل في الأشياء كلها التطهير، ولا يقدم على ~~تنجيسها إلا بأمارة قوية تنقلها عن حكم أصلها، ومثله بسراويل المجوسي فإنه ~~باق على أصل الطهارة لا يقدم على القول بتنجيسه إلا بأمارة. # المقصد الثاني: أن يكون غرضه بيان جواز الصلاة في سراويل المجوسي مع ~~الكراهة لها؛ لأنها باقية على أصل الطهارة، وكونه مستحلا للنجاسات متلوثا ~~بها في أكثر حالاته، لا تبطل الصلاة فيها ولكنه يكره لما ذكرناه، فهذا هو ~~مقصد الإمام بما أورده من المثال. فأما إيراده مثالا للشك وأن الشك من جملة ~~الظنون، فالمؤيد بريء من عهدته وإنما هو من كيسهما، وحاشا لفكرته الصافية ~~وذوقه المعتدل عن أن يلتبس عليه حكم الشك بالظن، والتجويز بالشك فلا يميز ~~بين حقائقها، فقدره أجل وأعلا من ذلك. وقد قال المؤيد بالله: والأقرب أنه ~~يحصل الظن بنجاسة سراويل المجوسي. ولكن لما لم يقارب العلم لم PageV01P309 يحكم بنحاسته، وهذا يصدق ما ذكرناه من حمل كلامه على ما حملناه من إيراد ~~المثال، لا على ما ظناه وتوهماه. # الاستدراك السادس: قولهما: إن الظن المطلق وهو الشك ms270 على زعمهما، يجوز ~~العمل عليه بشرط أن تنضم إليه قرينة أخرى، وجعلا مثاله ما ذكره المؤيد ~~بالله في المتاعات، وهو: أنه إذا كان الشيء في يد إنسان فقال: هو لفلان ~~وكلني ببيعه أو رهنه، فإنه يجوز أن يشترى منه لمجرد هذا القول، وفي مثل ذلك ~~جاز العمل على مطلق الظن لأجل القرينة، وهي اليد القائمة، وهكذا حال المرأة ~~إذا قدمت من الغيبة، وقالت: طلقني زوجي وانقضت عدتي. جاز أن يؤخذ بقولها ~~ويعمل عليه. # واعلم أن ما ذكرناه [عنهما] هاهنا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن الشك لا يجوز العمل عليه أصلا، ولا يكون مستندا لشيء من ~~التكاليف العملية، ولا يعول عليه في أمر من الأمور الشرعية، والتعبد إنما ~~وقع مع غلبات الظنون، بقوة الأمارات والاعتماد عليها، فأما الشك فهو خلي ~~عما ذكرناه فلا تعويل عليه، ولهذا قالا في آخر المثال: فأما إذا لم تكن مع ~~الظن المطلق هذه الأمارة والقرينة، فإنه لا يجوز العمل عليه؛ لأنه يكون شكا صرفا. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكره المؤيد بالله في المثالين إنما أوردهما مثالا ~~في حصول الظن والعمل عليه، ولم يوردهما مثالا للشك كما زعماه وتوهماه، ~~فالأمارة للظن هو حصول اليد واستيلاؤها على ملك الشيء، فلهذا جاز العمل ~~عليها في كونه ملكا لمن هو في يده ويجوز الشراء منه، وهكذا حال المرأة ~~فإنها حاصلة في يد نفسها، فلهذا قبل قولها فيما تقول من نكاح، وطلاق، وعدة، ~~ووفاء العدة؛ لأنه لا مخاصم لها، فيجوز إنكاحها على هذه الأمارة، فإن قامت ~~بينة على خلاف ذلك عمل عليها. وقد عملنا أولا على ظاهر الحال، وله مساغ من ~~جهة الشرع، فما ذكره المؤيد بالله من المثال هو مطابق للممثول لكن الوهم ~~جاء من جهتهما حيث جعلاه مثالا للشك، وهو جعله مثالا للظن بالقرينة. ومن ~~العجب أنه قال: إنه يكون شكا؛ لكنه يجوز العمل عليه للقرينية، فبطل ما ~~توهماه. # الاستدراك السابع: حكيا عن الإمام المؤيد بالله التفرقة بين الظن الغالب ~~وبين الظن المقارب، وهو أن انتقال الشيء عن حكم ms271 أصله لا يجوز العمل فيه إلا ~~على الظن المقارب دون الظن الغالب، وأوردا PageV01P310 ما ذكره المؤيد بالله في المثال لذلك، وهو أن كل من غلب على ظنه نجاسة ~~الماء فإنه ينظر في ذلك الظن، فإن كان الظن مقاربا للعلم وجب العمل به، وإن ~~كان الظن غالبا لم يجز العمل عليه؛ لأن الماء على الطهارة فلا ينتقل عن حكم ~~هذا الأصل إلا بما يكون من الظنون مقاربا للعلم دون غيره، وكمن غلب على ظنه ~~أنه طلق امرأته وأعتق عبده، فإنه لا يعمل فيه إلا بالظن المقارب؛ لأن الأصل ~~هو استقرار عقد النكاح وثبوت الرق، فلا ينتقل عنهما إلا بما يكون مقاربا ~~دون ما كان غالبا. # والحجة على ذلك: هو أن العمل على غلبة الظن قد تقرر كونه معولا عليه في ~~العمل على الشهادات والحكم بها، فلا وجه لدفعه وإنكاره، فإذا كان الشيء ~~معلوم الأصل فلا يجوز الانتقال عنه إلا بما يكون مقاربا له في التحقق، وهذا ~~إنما يكون في الظن المقارب للعلم لقوته، فلهذا وجب اشتراطه فيما يكون ~~انتقالا عن حكم الأصل. # والمختار في ذلك: تفصيل نشير إلى أسراره، وهو عدم التفرقة في الظنون بين ~~ما يكون منها غالبا وبين ما يكون مقاربا، والعمل عليهما على جهة الإطلاق من ~~غير تفرقة بينهما. # والحجة على ذلك: هو أن الأدلة الشرعية التي دلت على العمل على غلبات ~~الظنون في المواضع التي لا سبيل فيها إلى القطع بالعلم، لم تفصل بين ما ~~يكون غالبا، وبين ما يكون مقاربا، فلا وجه للتفرقة من غير دلالة عليها. # ومن وجه آخر: وهو أنه إذا جاز العمل على الظن الغالب في باب العبادات ~~كلها وأحوال المعاملات الدينية والدنيوية، جاز أيضا العمل عليه فيما يكون ~~انتقالا عن حكم الأصل إجراء للظن مجرى واحدا من غير تفرقة. # ومن وجه ثالث: وهو أنه لا حقيقة للظن المقارب للعلم إلا قوة أمارته، إما ~~بتكرر المخبرين، وإما بغير ذلك من القرائن والأسباب المقوية له، والظن ~~الغالب لابد فيه من مزيد قوة في أمارته، ms272 فإذا كان كل واحد منهما يفتقر إلى ~~مزيد قوة في أمارته، فيجب استواؤهما في العمل من غير خصوصية المقارب على ~~الغالب وفي ذلك ما نريده. # قالوا: إن حكم الأصل معلوم فلا يجوز الانتقال عنه إلا بما يكون مقاربا له ~~في التحقق والقطع، وذلك لا يكون إلا في الظن المقارب. PageV01P311 # قلنا: قد أقررتم بجواز الانتقال عن حكم الأصل بالأمور المظنونة لكنكم ~~اشترطتم كونه مقاربا فلابد عليه من دلالة. فأما الانتقال بالظن فقد سلمتموه ~~فلا نحتاج فيه إلى دلالة. فأما الهادي فقد جرى على القياس في أنه لا يجوز ~~الانتقال عن حكم الأصل المعلوم إلا بدلالة علمية، ولم يراع في ذلك ظنا سواء ~~كان غالبا أو مقاربا، وسيأتي تقرير الكلام على ذلك في نواقض الوضوء بمعونة ~~الله تعالى. # الاستدراك الثامن: وقالا: الظن إذا كان غالبا فحكمه إذا وقع في تحريم أنه ~~لا يجب الأخذ به ولكن يستحب الأخذ به، ومثاله في الماء، وهو أنه إذا حصل ~~الظن الغالب بكونه نجسا ولم يكن مقاربا للعلم فإنه لا يجب التجنب له، ولكن ~~يستحب تجنبه، وهكذا الحكم في نظائره، كالطلاق والعتاق مما يكون له أصل ~~معلوم مستقر، فإن كان واقعا في تحليل فإنه إذا لم يكن مقاربا للعلم لم يجز ~~العمل عليه، ومثاله: أن يرد الظن على الصائم أنه قد دخل عليه الليل وحل له ~~الإفطار فإنه إن كان الظن مقاربا للعلم جاز الأخذ به، وإن كان دون ذلك لم ~~يجز الأخذ به. # قلنا:إن ما ذكرتموه فيه نظر من وجهين: # أما أولا: فلأن التفرقة بينهما تحكم من غير دلالة شرعية تشير إلى تفرقة ~~بينهما، فإن الظن إذا كان غالبا فهو العذر عندالله تعالى في جواز العمل ~~عليه سواء كان تحليلا أو تحريما. # وأما ثانيا: فلأن المراد باشتراط كون الظن مقاربا للعلم إنما [هو] مزيد ~~قوة، فالظن الغالب لابد فيه من مزيد قوة. # وإن كان الغرض قوة مخصوصة تقارب العلم، قلنا: هذا رد إلى عماية، فإن تلك ~~الغاية غير معلومة فلا يجوز اشتراطها في التكليف؛ لأن ms273 من حق ما كان مكلفا ~~به أن يكون ظاهرا متحققا ممكنا تحصيله، واشتراط المقاربة لا وجه له، وإنما ~~الغلبة للظنون هي المشترطة الشاملة لجميع أساليب الظنون في جميع الأفعال ~~الشرعية. # الاستدراك التاسع: قال الشيخ علي بن الخليل: قد ينتقل الإنسان من اليقين ~~إلى الشك في العقليات، ومثاله: إذا علم رجل بأن زيدا في الدار بطريق ~~المشاهدة ثم غاب عنه وتخلل هناك وقت وزمان، فإنه لا يجوز الاعتقاد على ~~القطع بأنه في الدار لجواز أن يكون قد غاب، ولا بأنه حي لجواز أن يكون قد ~~مات، وكما لا يجوز الاعتقاد فلا يجوز الإخبار. PageV01P312 # واعلم أن ما ذكره في هذا الفصل ليس وراءه كثير فائدة ولا تحته جدوى نافعة، ~~فليس يخلو غرضه بما ذكره فيه، إما أن يريد أنه لا يجوز العمل على الشك ~~والانتقال إليه فهذا فاسد لا قائل به، فإنه لا يجوز العمل على الشك في شيء ~~من أحكام الشريعة مقطوعها ومظنونها، ولا ورد تعبد بالشك بحال، وإن كان غرضه ~~أن كل من علم بأن زيدا في الدار بطريق المشاهدة والإدراك ثم غاب عنه ولم ~~يشاهده فإنه لا يحصل العلم به من تلك الطريق فهذا صحيح، فإن كل من لم يدرك ~~لم يحصل العلم بالإدراك، وكل من لم يعلم فإنه جاهل به، وليس وراء هذا مزيد ~~فائدة، وإن كان الغرض أن الواحد لا يجوز له الاعتقاد لما لا يعلم حقيقة ~~حاله ولا يجوز له الإخبار عما لا يأمن كونه كذبا، فهو ظاهر لا مرية فيه ~~وليس مختصا بهذا الموضع ذكره، وموضعه كتب الكلام. # الاستدراك العاشر: قوله: إنه يجوز الانتقال من اليقين إلى الشك في ~~الشرعيات، ومثاله أنه لو كان معه إناء من ذهب موزون، ثم وقع فيه سبب يجوز ~~أن يكون قد نقص وزنه نحو أن يقع على الأرض أو يسرقه سارق أو غير ذلك، فإنه ~~إذا أراد أن يبيعه بدينار لم يجز له أن يبيعه إلا بأن يعيد وزنه، وقام هذا ~~الشك الجائز مقام القطع بأنه قد نقص وزنه. ms274 # قلنا: إن كان الغرض من هذا الكلام هو أن الشك قد عمل به فهذا فاسد، فإن ~~الشك لا يكون مستندا لحكم من أحكام الله تعالى على خلقه بحال، وإن كان ~~الغرض هو إبانة التعبد في الذهب بمثله والفضة بمثلها، أنه لا بد من اعتبار ~~المساواة فيهما علما فهذا مسلم، فمهما لم يحصل العلم لم تصح المعاوضة، فما ~~هذا حاله ليس عملا على الشك أصلا، وهكذا حال المكيل بمثله والموزون بمثله، ~~لا يجوز بيعه إلا بعد إعادة كيله أو وزنه للحديث الوارد، فهو تعبد لا يعقل ~~معناه، فإذا كان العلم مشترطا فيها وزال لم يجز العمل لبطلان الشرط، لا ~~لأجل العمل على الشك والجواز المحتمل، وهكذا لو كان لرجل عشرون بنتا ~~فارتضعت منهن واحدة لبن من لا يجوز له نكاح بنتها حرمن عليه، لأن التعبد في ~~حقه أن لا ينكح إلا من يعلم أنها تحل له، فإنما حرمن عليه لعدم العلم الذي ~~ذكرناه وهو الشرط في النكاح، لا من أجل حصول الشك والجواز، ولأجل كونه ~~واردا على جهة التعبد لم يجز الإلحاق بها إلا ما يكون في معناها، سواء كانت ~~العلة مظنونة أو مقطوعة، فإذا ورد في الذهب قسنا عليه الفضة، وإذا ورد في ~~المكيل قسنا عليه الموزون، وإذا ورد في الحرائر قسنا عليه الإماء. ولا يقاس ~~عليه ما يخالفه في جنسه إذ لا علة هناك تجمعهما، فحيث يكون مضطرب النظر هو ~~طلب الجامع فإنه PageV01P313 غير جار فيه، وحيث يكون مضطرب النظر فيه التعرض للفارق فإنه جار فيه. # فهذا ما أردنا من التنبية على كلام القاضي والشيخ، وليس الغرض نقصا من ~~فضلهما فهما الجوابان لأسرار المسائل والخريتان(¬1) في دقيق الأنظار، ولكن ~~الغرض التذرب في أساليب الأنظار الفقهية، وتكرير المحاورة في الأسرار ~~الشرعية؛ فإنها لم تعدم فائدة يدريها الأذكياء، ويتقاعد عن فهمها الأغمار ~~الأغبياء، والله أعلم بالصواب. # فحصل من خلاصة هذا التقرير الذي أطلنا فيه بعض الإطالة، أن الشك لا يطلق ~~عليه اسم الظن، وأنه لا يعمل على الشك، وأن الأمارتين إذا ms275 تعارضتا وجب ~~الحكم عليهما بالسقوط، ولا يقال بأن ما هذا حاله ظن مطلق، إذ لا ظن بعد ~~تساقط الأمارتين، وإن الظن الغالب والمقارب سواء في صحة العمل من غير تفرقة ~~بينهما كما مر بيانه، والله الموفق. # الفصل الرابع: في ذكر الآنية وما يجوز استعماله وما لا يجوز # وسبب ذكره في هذا الموضع لما له من التعلق بالطهارة في الوضوء والاغتسال. # مسألة: ولا يحل أكل الميتة ولا الانتفاع بها، وسيأتي تقريره في النجاسات. ~~والذي نذكره هاهنا هو ما يتعلق بالكلام فيما يجوز التوضؤ فيه عند دباغها. # واعلم أن هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء في جلود الميتة هل تطهر ~~بالدباغ أم لا؟ وخلافهم فيها على ستة مذاهب: # المذهب الأول: أنها نجسة وأنها لا تطهر بالدباغ، وهذا هو قول علماء ~~العترة لا يختلفون فيه، وهو محكي عن عمر وابن عمر وعائشة، وبه قال أحمد بن ~~حنبل في إحدى الروايتين عنه، وإحدى الروايتين عن مالك، وراية أخرى أنه يطهر ~~ظاهره دون باطنه، ويصلى عليه ولا يصلى فيه. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة}[المائدة:3]. PageV01P314 # ووجه الاستدلال بهذه الآية: هو أن الله تعالى حرم الميتة، والسابق إلى ~~الفهم من هذا الكلام من طريق العرف في اللغة، إنما هو الانتفاع بالأكل ~~والوضوء وغير ذلك من سائر وجوه الإنتفاعات؛ لأن التحريم لا يتعلق بالأعيان ~~وإنما يتعلق التحريم بأفعالنا والنهي عنها، وهي عامة بالإضافة إليها، فيجب ~~القضاء بتحريمه إلا لدلالة خاصة تدل على حلها، وفيه حصول المقصود. # الحجة الثانية: ما رواه زيد بن علي عن آبائه عن الرسول أنه قال: (( لا ~~تنتفعوا من الميتة بشيء))(¬1). وهذا عام في جميعها لا يجوز تخصيصه إلا ~~بدلالة. وروى عبدالله بن عكيم (¬2) قال: أتانا كتاب رسول الله قبل موته ~~بشهر ونحن في أرض جهينة قال: (( لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب))(¬3). ~~وهذا عام. # الحجة الثالثة: من جهة القياس فنقول: جزء من ميتة فلا يتطهر بالدباغ ~~كاللحم، أو نقول: جلد ميتة فكان نجسا كما كان قبل الدباغ. # المذهب الثاني: أن ms276 جميع الجلود تطهر بالدباغ وجلد الكلب، فأما الخنزير ~~ففيه ثلاث روايات: # الأولى منها: أنه يطهر بالدبغ. # والثانية: لا يطهر به. # والثالثة: بأنه لا جلد له، وإنما ينبت شعره على لحمه، وهذا هو رأي أبي ~~حنيفة، وهكذا جلد الإنسان عنده لا يطهر بالدباغ. PageV01P315 # والحجة على ما قاله: ما روي عن النبي أنه مر بشاة ميمونة (¬1) وهي ميتة ~~فقال الرسول : (( هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ))؟ فقالوا: يا ~~رسول الله إنها ميتة. فقال: (( إنما حرم من الميتة أكلها))(¬2). # الحجة الثانية: قوله : (( أيما إهاب دبغ فقد طهر))(¬3). وهذا عام في جميع ~~الحيوانات كلها. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله ~~يقول: (( أيما إهاب دبغ فقد طهر )) وروت عائشة (رضي الله عنها) عن النبي ~~أنه قال: (( دباغ الميتة طهورها))(¬4). # الحجة الثالثة: من جهة القياس، وهو أن الدباغ فعل لا تصاحبه الحياة فكان ~~مؤثرا في التطهير كالذكاة الشرعية، فأما الخنزير وجلد الإنسان فهما خارجان ~~عن هذه العمومات التي أوردناها، وعلى رأيه: الكلب داخل فيها كما قلناه، ~~وخروج جلد الخنزير عنده؛ لأنه لا جلد له، وخروج جلد الإنسان لأنه لا نفع ~~فيه، والعمومات مشيرة إلى الانتفاع به. # المذهب الثالث: أن جلود الميتات كلها تطهر بالدباغ إلا جلد الكلب ~~والخنزير وما كان متولدا منهما أو من أحدهما، وهذا هو رأي الشافعي، وحكاه ~~ابن الصباغ، والعمراني صاحب (البيان) عن أمير المؤمنين، وابن مسعود، فأما ~~جلد الإنسان فلأصحاب الشافعي فيه وجهان. # والحجة على ذلك: ما رويناه من العمومات التي أوردناها حجة لأبي حنيفة، ~~فإنها حجة لهما فلا حاجة إلى تكريرها، وخروج الكلب على رأيه بالقياس، وهو ~~أنه حيوان نجس في حال حياته فأشبه الخنزير، أو لأنه حيوان مستقذر في نظر ~~الشرع فلم يطهر جلده بالدباغ كالخنزير، وأبوحنيفة يعارض هذا القياس بقوله: ~~حيوان ينتفع به حال الحياة، فطهر جلده بالدباغ عند الموت كالشاة والبقرة. PageV01P316 # المذهب الرابع: أن الجلود كلها تطهر بالدباغ إذا ماتت، وهذا هو المحكي عن ~~داود من أهل الظاهر، ويروى عن أبي يوسف ms277 أيضا. # والحجة على ذلك: ما رويناه من الأحاديث العامة في طهارة جلود الميتة؛ ~~فإنها لم تخص شيئا عن شيء، ولا شك أن العموم ظاهر فيما كان دالا عليه ولا ~~يخص إلا بدلالة منفصلة. # المذهب الخامس: أنه يطهر بالدباغ جلود ما يؤكل لحمه، ولا يطهر جلود ما لا ~~يؤكل لحمه، وهذا شيء يحكى عن الأوزاعي وأبي ثور. # والحجة على ذلك: هو أن حديث شاة ميمونة إنما كان فيما يؤكل لحمه دون مالا ~~يؤكل لحمه، فلا جرم قصرناه عليه، ولأنها أكثر ما ينتفع بأهبها في العادة. # المذهب السادس: أنه يطهر ظاهر الجلد بالدباغ دون باطنه، وعلى هذا تجوز ~~الصلاة عليه ولا تجوز فيه، ويجوز الانتفاع به في الأشياء اليابسة دون ~~الأشياء الرطبة. وهذا شيء يحكى عن مالك. # والحجة على ذلك: هو أن باطن الجلد هو الملاقي للنجاسة والمباشر لها عند ~~الموت، فلهذا لم يؤثر الدباغ في طهارته بخلاف ظاهر الجلد فإنه لم يلاق ~~نجاسة الميتة، فلا جرم أثر فيه الدباغ. # وحكي عن الزهري: أنه أنكر الدباغ، وقال: بأنه يجوز الانتفاع بجلود ~~الميتات على كل حال. فهذا تقرير المذاهب بأدلتها بحسب الوسع. # والحجة للزهري: حديث ابن عباس رضي الله عنه وهو أنه عليه السلام مر بشاة ~~ميتة فقال: (( ما على أهل هذه لو أخذوا إهابها فانتفعوا به))(¬1). ولم يذكر ~~الدباغ ولا شرطه. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم من الصحابة (رضي الله ~~عنهم) والتابعين، من نجاسة الجلود في الميتة دبغت أو لم تدبغ. PageV01P317 # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: ما روى جابر بن عبدالله عن النبي أنه قال: (( لا ينتفع من ~~الميتة بشيء )). فلما كان من الغد خرج فإذا نحن بسخلة مطروحة على الطريق، ~~فقال عليه السلام: (( ما كان على أهل هذه أن ينتفعوا بإهابها)). فقلت: يا ~~رسول الله أين قولك بالأمس؟! فقال: (( ينتفع منها بيسير)). وأراد باليسير: ~~ما لا تحله الحياة كالشعر والضلف والقرن، فإن ما هذا حاله يكون طاهرا كما ~~سنوضحه بعد هذا بمشيئة ms278 الله تعالى. فظاهر هذه الأحاديث دالة على بطلان ~~الانتفاع من الميتة بشيء لأجل عمومها؛ كالآية التي تلوناها في تحريم ~~الميتة، وكالأخبار التي أوردناها. # الحجة الثانية: قياسية، وتقريرها أنا نقول: الميتة صارت نجسة لمعنى لا ~~يرفعه الدباغ، فوجب أن لا يطهر كجلد الخنزير عند أبي حنيفة والشافعي، ونحو ~~جلد الكلب على رأي الشافعي، ونحو جلد الإنسان على رأي أبي حنيفة. # وقولنا: لمعنى لا يرفعه الدباغ، تقرير لقاعدة القياس وهو: انتفاء الحياة ~~عنه؛ لأن ذلك هو السبب في نجاسة الميتة، وهو ملازم لعينها، فلا يزال بأمر ~~عارض وهو الدباغ، ومهما بقي الجلد فهو باق على النجاسة كالخمر فإنها لا ~~تطهر مهما كانت خمرا، بخلاف ما إذا انقلبت خلا، وكالنجاسة مهما بقيت عينها ~~فإن نجاستها باقية حتى تزول العين، وعين الجلد باقية على النجاسة بالموت ~~فلا تزول بما ذكروه من عارض الدبغ. # ويؤيد ما ذكرناه: هو أن الماء ورد مطهرا لجميع النجاسات كلها، والدباغ ~~ليس له هذه المزية فإنه قاصر عنه ولا يكون مطهرا إلا للجلد لا غير(¬1) فإذا ~~كان الماء لا يطهر جلد الميتة مع استيلائه على التطهير لجميع الأقذار ~~والنجاسات فالدباغ أحق وأولى بأن لا يكون مطهرا. # ثم نقول: الذكاة في التطهير أقوى من الدباغ، ولهذا فإنها تؤثر في طهارة ~~الجلد واللحم وتؤثر في محلها وغير محلها، والدباغ لا يؤثر إلا في طهارة ~~الجلد لا غيره، ولا يؤثر في غير محله، ثم إن الذكاة في حق الميتة لا تطهر ~~جلدها، فالدباغ أحق بأن لا يطهره لما قررناه، ولا جلد حيوان غير مذكى، فوجب ~~تحريم الانتفاع به كما كان قبل التذكية. فهذه الأقيسة كلها متطابقة على ~~نجاسة جلد الميتة وإن كان PageV01P318 مدبوغا وأن دباغه لا يؤثر في طهارته. # الانتصار على من خالفنا في هذه القاعدة إنما يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: والأخبار التي رويناها عن عائشة (رضي الله عنها) وعن ابن عباس وعن ~~جابر، كلها دالة بعمومها على أن الدباغ مطهر، وهي ظاهرة في العموم، وهو ~~أدنى متمسك في حق ms279 المجتهد حتى يدل دليل على خلافه. # قلنا: هذه الأخبار معارضة بمثلها، ومهما كانت الأمارات الظنية متعارضة، ~~فلابد من الرجوع إلى الترجيح؛ لأن الترجيح تغلب على الظن قوته، ويصير كأنه ~~غير معارض، وأخبارنا قد ظهر ترجيحها من أوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأن أخبارنا دالة على الحظر، وما أوردوه من أخبارهم فهو دال ~~على الإباحة، ولا شك أن الحاظر أحق بالاتباع من المبيح من جهة ما في الحاظر ~~من الاحتياط في الدين، وقد قال عليه السلام: (( دع ما يريبك إلى ما لا ~~يريبك)). وفي حديث آخر: (( المؤمنون وقافون عند الشبهات)). # وأما ثانيا: فلأن أخبارنا مؤرخة؛ لأنه قال قبل موته بشهر أو شهرين: (( لا ~~تنتفعوا من الميتة بشيء)). فهي دالة على التأخر وأخباركم مطلقة وظاهرها ~~التقدم، فلهذا تطرق إليها ظن كونها منسوخة، وما يظن كونه ناسخا فهو أحق ~~بالعمل عليه مما يكون منسوخا. # وأما ثالثا: فلأن أخبارنا لم يخرج من عمومها إلا ما كان لا ينجس بالموت ~~كالقرن والضلف والشعر والصوف، فهو طاهر في حال الحياة والموت، فكان كالخارج ~~عن الميتة بخلاف عمومات أخباركم، فإنه قد خرج منها جلد الكلب والخنزير ~~والإنسان، وما هذا حاله فإنه يضعف العموم؛ لأنه إذا خرج هذا الجنس من ~~الجلود عن العموم بأدلة منفصلة، جاز إخراج جلد كل ميتة بأدلتنا ويبقى ~~متناولا لجلد ما ذكي، فإذا دبغ طهر عن الدم والفرث وسائر الأقذار التي ~~تتعلق به. # قالوا: إن الله تعالى قال: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا}[النحل:80]. ~~فأورد هذه الآية على جهة الامتنان، ولم يفصل بين المذكى منها وغير المذكى، ~~بل هي عامة في الأمرين جميعا، وهذا هو مطلوبنا. # قلنا: هذا فاسد لأوجه ثلاثة: PageV01P319 # أما أولا: فلأنه كما لم يفصل بين المذكى منها وغير المذكى، فهكذا لم يفصل ~~بين المدبوغ منها وغير المدبوغ، فيلزم جواز تطهير ما ليس مدبوغا عملا على ~~عمومها وأنتم لا تقولون به، فالذي به خرج عن المدبوغ من العموم على زعمكم ~~يخرج عن المذكى على مذهبنا. # وأما ثانيا: فلأن (من) هاهنا دالة على البعضية، ms280 وهذا مسلم في أن بعض ~~الجلود يكون كنا لنا وهو ما كان مذكى فلا يكون فيه حجة لكم على ما زعمتم. # وأما ثالثا: فهب أنا سلمنا عموم هذه الآية على ما ادعيتموه، لكن قوله ~~تعالى: {حرمت عليكم الميتة}[المائدة:3] خاصة، فتكون هذه حاكمة على تلك ~~فيخرج ما تناولته هذه وهو تحريم الميتة، وتبقى الآية الأولى دالة على ما ~~عدا هذه الخاصة، وفيه حصول غرضنا من تحريم الميتة كلها. # قالوا: روت عائشة عن النبي : (( دباغ الميتة طهورها)). وهذا ظاهره القضاء ~~بأن الدبغ يطهر الجلد فلا حاجة إلى تأويله. # قلنا: لو دبغ بالأشياء النجسة، أو دبغ بالطاهرة لكنها وقعت عليها نجاسة، ~~أليس لابد من تأويله بأنه إنما يطهر إذا دبغ بالأشياء الطاهرة دون الأشياء ~~النجسة؟ فقد خرجت هذه الصورة عما قالوه من العموم، فهكذا نقول: إنما يطهر ~~بالدبغ ما كان ميتا بالذكاة دون ما مات حتف أنفه، لأجل الدلالة كما أخرجتم ~~الأول بالدلالة فلا تفرقة بينهما. # قالوا: روي عن النبي أنه قال: (( دباغ الأديم طهوره )). وفي رواية أخرى: ~~(( يطهرها الماء والقرض)). # ووجه الدلالة: هو أنه لم يفصل بين أديم مذكى وغير مذكى. # قلنا: إن ادعيتم فيه العموم وجب أن يكون مخصوصا بأدلتنا، وإن ادعيتم أنه ~~لم يفصل بين مذكى وغير مذكى وجب تأويله على المذكى جمعا بين الدلالتين، ~~وهذه طريقة مستقيمة، أعني أنه إذا أمكن الجمع بينهما كان مستحبا من غير ~~حاجة إلى الحكم بتعارضهما، وقد تناكد في قبولها أبو إسحاق الشيرازي صاحب ~~(المهذب)، وزعم أنه لا حاجة إلى الجمع بينهما بل يحكم بتعارضهما إذا لم يكن ~~هناك ترجيح، أو ترجيح أحدهما على الآخر من غير حاجة إلى الجمع بينهما. # والمختار: هو أنه إذا لم يكن الجمع بينهما وموضعه الكتب الأصولية. PageV01P320 # قالوا: في الدباغ فعل لا تصاحبه الحياة، فيجب أن يكون مؤثرا في التطهير ~~كالذكاة الشرعية. # قلنا: نفرق بينهما ونقول: التطهير حصل في المذكى بنفس التذكية الشرعية ~~بدليل قوله تعالى: {إلا ما ذكيتم}[المائدة:3]. ولم تسبقه نجاسة، بخلاف ~~الدباغ فإنه مسبوق بالنجاسة فلهذا لم ms281 يكن رافعا لها فافترقا. وسيأتي بقية ~~الكلام على ما يكون نجسا في أبواب النجاسات، وإنما ذكرنا ما يتعلق بالآنية ~~في الوضوء لا غير. # فأما الزهري: فلا يبعد أن تكون مقالته هذه مخالفة للإجماع من جهة أن ~~الأمة فيها على أقوال: # فمنهم من قال بنجاسة جلود الميتة على كل حال دبغت أم لم تدبغ. # ومنهم من قال بطهارتها إذا دبغت. # ومنهم من قال بطهارة بعضها دون بعض، كما فصلناه من الخلاف في ذلك. # ولم نعلم أن أحدا من الأمة ذهب إلى طهارتها أجمع على كل حال؛ لأن ما هذا ~~حاله يؤدي إلى فوات الحق عن أيديهم وإلى ذهابهم عنه؛ لأن القول بطهارة جلود ~~الميتات من دون دبغ لم يصر إليه صائر منهم، فلهذا كان مخالفا للإجماع خارجا ~~عنه، لأن الصحابة (رضي الله عنهم) قد خاضوا في المسألة ولم يقل أحد منهم ~~بهذه المقالة. فأما تردد الفقهاء في إخراج بعض الجلود عن العموم، وإدخال ~~بعضها في العموم كإخراج الشافعي جلد الكلب، وإدخال أبي حنيفة له تحت عموم ~~الطهارة بقوله: (( أيما إهاب دبغ فقد طهر)). وإخراجهما جميعا لجلد الخنزير، ~~وإخراج من أخرج جلود ما لا يؤكل لحمه، وإدخال جلود مايؤكل لحمه، وكإخراج ~~مالك لباطن الجلود دون ظاهرها، فإنها كلها تصرفات في العموم بالإدخال ~~والإخراج بالأقيسة المعنوية والأمور العرفية، وهم إنما بنوها على صحة هذه ~~الأحاديث العامة، وتصرفهم فيها بالإدخال والإخراج وقد أبطلناها، فلا وجه ~~لتكرير الإبطال، فإن إبطالها قد اندرج تحت ما ذكرناه. # مسألة: الحيوان المأكول إذا ذبح على شرط الشرع في الذكاة فإنه يحل أكله ~~ويطهر جلده، ويجوز جعله مطهرة للماء، سواء دبغ أو لم يدبغ، عند أئمة ~~العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ولا يعرف فيه خلاف. # والحجة على ذلك: قوله تعالى:{فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها ~~وأطعموا}[الحج:36]. ومعنى قوله تعالى: {وجبت جنوبها}: سقوطها. وليس سقوطها ~~إلا بالذبح والذكاة الشرعية. # فأما غير المأكول من الحيوانات، كالكلب والحمار وسائر السباع والخيل، فإن ~~ذكاته لا تؤثر في طهارة جلده، وهي ميتة، وينجس ms282 عند أئمة العترة، ونص عليه ~~الشافعي في (الأم). # والحجة على ذلك: هو أنها ذكاة لا تبيح اللحم، فلا تكون مطهرة للجلد، ~~دليله ذكاة المجوسي، ولأن(¬1) المقصود من الذكاة هو الأكل، والطهارة تابع ~~لأنها هي التابع فإذا لم يكن المقصود حاصلا فالتابع له أولى لعدم الحصول. # وذهب أبوحنيفة ومالك إلى أن الذكاة يطهر بها جلد جميع ما لا يؤكل لحمه ما ~~خلا الخنزير والإنسان. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إلا ما ذكيتم}[المائدة:3]. فظاهر الآية دال ~~على أن كل ما حصلت في حقه [الذكاة] فهو طاهر وحلال أكله؛ لكن قام الدليل ~~الشرعي على كون لحمه حراما فبقي الدليل على طهارة جلده؛ لأن أحدهما منفصل ~~عن الآخر. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة. # والحجة عليه: ما ذكرناه ونزيد ههنا وهو أنه حيوان لا يؤكل لحمه فلم تكن ~~الذكاة مؤثرة في تطهيره كالخنزير، ولا حل اللحم طهارة الجلد، لأنه قد يؤكل ~~مع اللحم في المسموط(¬2)، فهو تابع له وقد اتفقنا على تحريم اللحم ونجاسته. ~~فهكذا حال الجلد يكون نجسا لا محالة، فإذا عمل من هذا الجلد النجس مطهرة أو ~~حوض فإنه ينظر فيه(¬3)، فإن كان متغيرا بالجلد فهو نجس باتفاق، وإن لم يكن ~~متغيرا فمن قال بأن القليل لا ينجس إلا مع التغير فإن ما هذا حاله يكون ~~طاهرا كما هو رأي القاسم ومالك، وهو الذي اخترناه من قبل، ومن قال بأن ~~القليل ينجس من غير تغير فإن كان دون القلتين فهو نجس على رأي الناصر ~~والمنصور بالله والشافعي وإن كان فوقهما لم ينجس. فأما إذا كان PageV01P321 كثيرا فهو لا ينجس بحال. # الانتصار: قالوا: الآية دالة على طهارته. # قلنا: هذا فاسد، فإن قوله تعالى: {إلا ما ذكيتم}[المائدة:3]. ورد عقيب ~~ذكر الحيوانات التي يحل أكلها، وعرض الموت من غير ذكاة، فظاهر الآية دال ~~على تحريمها إذا ماتت من أجل تلك الأسباب، الخنق والوقذ(¬1) والنطح ~~والتردي، فهذا يكون حراما إلا ما أدرك بالذكاة الشرعية فلا حجة لكم فيه. # قالوا: الذكاة أقوى من الدباغ، من جهة أنها ms283 تفيد الطهارة في الجلد، ثم إن ~~الجلد قد طهر بالدباغ فتكون طهارته بالذكاة أحق وأولى. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنا لا نقول بطهارة الجلد بالدبغ فلا يلزمنا ذلك وقد مر ~~بيانه فأغنى عن الإعادة. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا طهارته بالدباغ كما هو على رأي الشافعي، فله ~~أن يقول: بل طهارة الدباغ أقوى؛ لأنه يزيل نجاسة حالة، والذكاة تدفع نجاسة ~~غير حالة، فالتأثير في الموجود بدفعه أقوى من التأثير في دفع مالم يكن ~~موجودا، وأيضا فإن الدباغ أوسع مجالا وتصرفا لعمومه، من جهة أنه لا يختلف ~~حاله في كونه مطهرا باختلاف حال من يدبغه، فلهذا لم يختلف حاله فيما يؤكل ~~وما لا يؤكل، بخلاف الذكاة فإنها تختلف حالها باختلاف حال المذكي من كفر ~~وإسلام، فلا جرم اختلف حالها بالإضافة إلى ما يؤكل وما لا يؤكل. # قالوا: ما طهر جلده بالدباغ طهر بالذكاة كالشاة. # قلنا: هذا لا يلزمنا وإنما يلزم الشافعي، وله أن يجيب بأن الشاة صادفت ~~الذكاة محلها فأثرت في طهارة الجلد كالذبح في المذبح، وفي هذا لم تصادف ~~الذكاة محلها فلم تكن مؤثرة في طهارته كالذبح في غير المذبح فافترقا، ولأن ~~ذبح الشاة يفيد المقصود وهو حل الأكل؛ فلهذا كان مفيدا للطهارة، وهذا الذبح ~~لا يفيد المقصود فلا جرم لم يكن مفيدا للطهارة كذبح المجوسي. # فأما جلد الكلب فهل يطهر بالدبغ أم لا؟ فالذي ذهب إليه علماء العترة: أنه ~~لا يطهر كسائر الجلود. وقد قدمنا الكلام عليه وهو رأي الشافعي، وذهب ~~أبوحنيفة إلى طهارته بالدبغ. PageV01P322 # والحجة على ذلك: هو أنه حيوان نجس في حال حياته، فلم يطهر جلده بالدباغ ~~كالخنزير، أو نقول: حيوان يغسل الإناء من ولوغه، فأشبه الخنزير، ولأنه ينجس ~~الماء بولوغه فيه، فكيف نجعل جلده مطهرة يتوضأ فيها؟ هذه مناقضة، وقد مضى ~~الكلام على أهل الدباغ فلا نعيده. # مسألة: نهى رسول الله عن استعمال الآنية الذهبية والفضية في الوضوء ~~والأكل والشرب وغير ذلك من الاستعمالات، واعتمد هذا الخبر أئمة العترة، وهو ~~قول الفرق الثلاث: الحنفية، ms284 والشافعية، والمالكية. # والحجة على ذلك: ما روى حذيفة، قال سمعت رسول الله يقول: (( لا تلبسوا ~~الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في ~~صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة))(¬1). فنص على هذه ~~الاستعمالات، ثم قسنا عليها ما عداها من سائر وجوه الاستعمالات. # وحكي عن داود: أنه لا يحرم إلا الشرب فيها، وهو إنما قال بهذه المقالة ~~لإنكاره الأقيسة المعنوية المخيلة منها والشبهية، وعول على ظواهر الأحاديث ~~وجمد عليها من غير تعرض لمعانيها الرائقة وأسرارها المفيدة الفائقة، ومنكرو ~~القياس جهال لمحاسن الشريعة، عتاة عن(¬2) التطلع إلى دقائقها وأسرارها، قد ~~جمدوا على ظواهر فما أحرزوها ولا وصلوا إلى غايتها، ولا رعوها حق رعايتها. # وقد حكي عن ابن سريج أنه ناظره يوما وقال له: أنت لا تقول إلا بالظواهر. # فقال: نعم. # فقال: ما تقول في قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره}[الزلزلة:7،8]. فما تقول فيمن يعمل مثقال ذرتين؟ # فقال له: الذرتان ذرة وذرة، فقد اندرج تحت الظاهر. # فقال له ابن سريج: فما تقول فيمن يعمل مثقال ذرة ونصف؟ # فتبلد ولم يجب بحلوة ولا مرة، والذي أوقعه في ذلك هو إنكاره للقياس ~~و[عدم] الاطلاع على دقائقه، والاحتواء على مكنون أسراره. PageV01P324 # وهل يكون النهي عنها نهي تنزيه أو تحريم؟ والأقرب أنه نهي تحريم، وهو ~~[القول] الجديد للشافعي، وقال في القديم: إنه نهي تنزيه. # والحجة على ما قلناه: ما روته أم سلمة (¬1)، عن الرسول أنه قال: (( الذي ~~يشرب في آنية الذهب والفضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم ))(¬2). ويروى: ~~يجرجر، بفتح الجيم على فعل ما لم يسم فاعله، وبكسرها على ما سمي فاعله، ~~يقال: جرجر فلان الماء في حلقه، إذا جرعه جرعا لها صوت، والجرجرة: حكاية ~~ذلك الصوت، وجرجر الجمل في هديره: إذا رده في شقشقته، قال الشاعر: # وهو إذا جرجر بعد الهب ... جرجر في حنجرة كالجب(¬3) # والجب: هو دن الماء. # وهل كان تحريم استعمال الآنية الذهبية والفضية لأجل الزينة والفخر ~~والخيلاء، أو ms285 لعين الذهب والفضة؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن ذلك من أجل العين، وهذا هو الذي تشير إليه الظواهر الشرعية. # وثانيهما: أنه من أجل الفخر والخيلاء؛ لأن استعمالها في الأكثر إنما هو ~~من أجل ذلك، وفائدة التوجيه الذي ذكرناه أنه لو اتخذ إبريقا، أو طاسا من ~~ذهب أو فضة، ثم غشاه بالرصاص أو بالنحاس. # فإن قلنا: إنه للفخر والخيلاء جاز ذلك، إذ لا فخر هناك ولا خيلاء؛ لأن ~~الذي يبدو منه هو الرصاص والنحاس. PageV01P325 # وإن قلنا: إنه لأجل العين لم يجز استعمال ذلك؛ لأن العين حاصلة فيه. # وإن خالف النهي وتوضأ في الآنية الذهبية والفضية كان عاصيا، ولم يحرم ~~المأكول ولا المشروب، وصح وضوؤه؛ لأن المنع إنما كان لمعنى يعود إلى الإناء ~~لا إلى ما فيه، بخلاف ما إذا توضأ بماء نجس أو بماء مغصوب، فإن ذلك لا يصح ~~من جهة أن النهي راجع إلى معنى في الماء. # وإذا كان استعمالها حراما فهل يجوز اقتناؤها أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: [أنه] يجوز، لأنه إحراز لمال(¬1)، والشرع إنما ورد بتحريم ~~الاستعمال، والقنية ليست استعمالا. # وثانيهما: أنه لا يجوز، وهو المختار؛ لأن فيه نوعا من الخيلاء والزينة، ~~ولأن كل ما لا يجوز استعماله لا يجوز اتخاذه واقتناؤه، كالملاهي، كالطنبور ~~والمزمار والربط(¬2). # فأما الآنية المتخذة من غير الذهب والفضة، كالياقوت والزمرد والفيروزج ~~والبلور، فهي نوعان: نفيس، وغير نفيس. # فالنفيس: ما ذكرناه من هذه الأحجار، فهل يجوز استعمالها أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا يجوز؛ لأن فيه سرفا وخيلاء فأشبهت الذهب والفضة. # وثانيهما: أنه يجوز؛ لأن السرف فيها غير ظاهر ولا يكاد يعرفها إلا الخواص ~~من الناس، فلا يكون استعمالها مؤديا إلى الفتنة والفخر. # فالأول: حكاه حرملة عن الشافعي. # والثاني: حكاه المزني. والأقرب هو الأول، لأنها في القيمة أغلى من الذهب ~~والفضة، والفخر والخيلاء بها أكثر لا محالة. PageV01P326 # وأما غير النفيس، فينظر فيه، فإن كانت صيغة نفيسة كالآنية المخروطة من ~~الزجاج، والخشب، وأواني الصفر المنقوش، فهل يجوز استعمالها أم لا؟ فيه ~~الوجهان اللذان ذكرناهما في ms286 الأحجار النفيسة. # وإن كانت صيغتها غير نفيسة، أو كان ذلك متخذا من المدر جاز استعمالها ~~واتخاذها إذا لا سرف فيها ولا خيلاء. # فأما الآنية المتخذة من العنبر والكافور والعود الرطب، ففيها الوجهان ~~اللذان ذكرناهما في الياقوت والزمرد. # وإذا قلنا بتحريم استعمالها فهل يجوز اقتناؤها أم لا؟ # والمختار: أنه لا يجوز لما فيها من الفخر والخيلاء والسرف، وكل هذه ~~الأمور منهي عنها، فلهذا كان مكروها حراما؛ لأن أصحابها والمقتنين لها ~~ينسبون إلى التكبر والفخر والخيلاء فلهذا منع. # ويكره استعمال الآنية من النحاس والرصاص المطعمة بالذهب والفضة والمموهة ~~بهما، والتوضؤ فيها كالإبريق، والطشت، والدواة، والمكحلة، وغير ذلك من ~~الآلات، لما في استعمالها من الفخر والخيلاء، والتشبه بالأعاجم، والذهب أشد ~~كراهة من الفضة، لما روي عن النبي أنه قال في الذهب والحرير: (( هذان ~~حرامان على ذكور أمتي حل لإناثها))(¬1). والتنزه عن جميع ذلك أفضل لقوله ~~عليه السلام: (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)). ولأن أدنى ذلك الوقوع فيما ~~كره الله ورسوله، وأعلاه الوقوع فيما حرم الله ورسوله، فلا حاجة إلى ما هذا ~~حاله، ولقوله عليه السلام: (( من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه))(¬2). # ويكره التوضؤ من الإناء المضبب بالذهب؛ لأن الضبة تكون على شرف الإناء ~~وربما شرب منها فيكون شاربا في آنية الذهب، ويكره التوضؤ منه لما فيه من ~~استعماله آنية الذهب. # فإن دعت الضرورة إلى استعماله جاز ذلك، لما روي أن عرفجة بن أسعد (¬3) ~~أصيب أنفه يوم الكلاب، بضم الكاف مخففا، يوم كان للعرب، وهو ما وقعت فيه ~~حرب عظيمة، فاتخذ أنفا من فضة PageV01P327 فأنتن عليه، (( فأمره الرسول أن يتخذ أنفا من ذهب))(¬1). # فأما التضبيب بالفضة فهو واقع على أربعة أوجه: # أولها: يكون مباحا غير مكروه، وهو أن يكون قليلا للحاجة تدعو إليه، وهذا ~~نحو حلقة القدح والقصعة وضبة الشفرة، والضبة التي تكون في قائم السيف ~~وقبيعته، وهي رأس القلة منه، لما روي أن حلقة قصعة رسول الله كانت من فضة، ~~وقبيعة سيفه كانت من فضة. # ومعنى قولنا: لحاجة، أي ms287 أن الحاجة داعية إليها وإن كان غير الفضة يقوم ~~مقامها من جهة أن الحاجة ربما تدعو إلى الفضة نفسها. # وثانيها: كثير للحاجة إليها، فيكون مكروها لكثرته، ولا يكون محرما لأجل ~~الحاجة إليه. وحد الكثير: أن يكون جزءا من الإناء كاملا من الفضة، نحو أن ~~يكون كل أسفله أو جميع أطرافه من فضة، أو يكون جنبه من فضة، فإن كانت الفضة ~~مستولية عليه كله فهو محرم لكونه استعمالا لآنية الفضة فلا يجوز التوضؤ منه ~~ولا استعماله بحال. # وثالثها: قليل لغير حاجة، فلا يحرم لقلته ويكون مكروها لعدم الحاجة إليه، ~~وهذا نحو ضبة القلم فإن ما هذا حاله قليل مستغنى عنه. # ورابعها: كثير لغير حاجة، وهذا يكون محرما لعدم الحاجة إليه، وهذا نحو أن ~~تكون الأعمدة التي على ظهر الدواة من فضة أو تكون الأقلام فضة، أو تكون ~~الدواة ملبسة كلها من الفضة، فما هذا حاله يكون محرما؛ لكونه كثيرا لا تدعو ~~إليه حاجة ولا ضرورة. # وإن اتخذ سنا من ذهب أو فضة جاز ذلك، والذهب أولى من الفضة لما ذكرناه من ~~حديث عرفجة، ولأنه لا يصدأ ولا يبلى، فإن قطعت أصبعه لم يجز أن يجعلها ذهبا ~~ولا فضة لا تعمل عمل الأصبع من القبض والبسط فلم يكن فيها إلا مجرد الزينة ~~لا غير بخلاف الأنف فإنه لا عمل لها في القبض والبسط فلهذا جاز اتخاذها، ~~وإن قطعت أنملته جاز أن يعملها ذهبا أو فضة؛ لأنها تعمل عمل الأصبع في PageV01P328 القبض والبسط، فافترقا. # ويستحب تغطية الآنية وإيكاء الأسقية، وإغلاق الأبواب، وتطفئة السراج عند ~~النوم، لما روي عن النبي أنه قال: (( خمروا آنيتكم وأوكوا قربكم)). ~~والإيكاء: هو ربط أفواهها لئلا يهراق ما فيها من الماء أو يدخل فيه شيء من ~~الحشرات. (( وأغلقوا أبوابكم لأن الشياطين لا تفتح بابا مغلقا، وأطفئوا ~~سرجكم لأن الفويسقة(¬1). ربما جاءت فسحبت الذبالة فأحرقت البيت)). فإن وجد ~~غطاء على الإناء وإلا عرض عليه عودا لما روي عن النبي أنه قال: (( فإن لم ~~تجد غطاء فلتعرض عليه عودا))(¬2). لأنه إذا ms288 كان كذلك هابت الحشرات أن تقربه. # دقيقة: اعلم أن جميع ما أوردناه في هذا الباب من الكلام في تنجيس الماء، ~~وإن لم يكن متغيرا، وما يجوز الوضوء به من ذلك وما لا يجوز، والكلام في ~~تحري الآنية عند الاشتباه فيها بين النجس منها والطاهر، والكلام في الآنية ~~التي يحرم استعمالها من أجل تنجيسها للماء وإن لم تكن مغيرة له، إنما كان ~~على رأي كثير من أئمة العترة وأكثر فقهاء الأمة في تنجيسهم للماء وإن لم ~~يكن متغيرا إذا كان قليلا، فأما ما حكيناه من ظاهر كلام القاسم بن إبراهبم ~~وهو المحكي عن مالك، ورأي الشيخ أبي حامد الغزالي وهو الذي اخترناه كما مر ~~تقريره، فلا وجه لهذه التفريعات من جهة أن المعيار الضابط لنجاسته إنما هو ~~تغيره لا غير، كما هو الظاهر من نصوصات الشرع وعمومات الأخبار الواردة في ~~الماء وأنه لا يكون نجسا إلا بغلبة النجاسة عليه واستيلائها على تغيير ~~أوصافه أو بعضها، فأما اتصال المطهرات به فلا تؤثر في تطهيره إلا إذا أزالت ~~عنه اسم الماء كالمرق، أو كان مزيلا لمطلق الماء عنه، نحو ماء الورد وماء ~~الشجر وغير ذلك مما يزيل مطلق الاسم عنه، وقد فصلنا من قبل وأتينا على جميع ~~هذه المسائل كلها وفصلناها، والله الموفق للصواب. PageV01P329 # الباب الثاني: في بيان الأعيان النجسة وبيان كيفية إزالتها وحكم مجاري ~~الاجتهاد فيها # يقال: نجس الشيء - بالكسر -. ينجس.- بالفتح - مثل: علم يعلم، والمصدر ~~منه: نجسا، والاسم: النجاسة، ويقال: شيء نجس، مثل: حسن، ونجس مثل حذر، قال ~~الله تعالى: {إنما المشركون نجس}[التوبة:28]. أي: ذوو نجس. فوصفهم بالمصدر ~~مبالغة في وصفهم بالنجاسة، وجمعه: أنجاس. # واعلم أن هذا الباب قد اشتمل على بيان أعيان هذه النجاسات وإيضاحها ~~بالدلالة، وعلى كيفية إزالتها عند وقوعها، وعلى التنبيه على حكم مجرى ~~الاجتهاد فيها. فهذه فصول ثلاثة قد اشتمل عليها هذا الباب نفصلها بمعونة ~~الله تعالى. # الفصل الأول: في بيان أعيان هذه النجاسات # مسألة: رجيع بني آدم نجس، وهو عبارة عما يخرج من أدبارهم. والرجيع: اسم ~~لكل ms289 ما يكون متراجعا، وسمي المطر: رجعا لتراجعة مرة بعد أخرى، وسميت الجرة: ~~رجيعا؛ لأنها ترجع إلى فم البعير بعد نزولها عنه، والأصل في إطلاق الرجيع ~~أن يكون حقيقة في كل ما كان يتردد كالجرة، لكنه أطلق على ما يخرج من أدبار ~~بني آدم على جهة المجاز؛ لأنه غير متراجع، ثم غلب حتى صار حقيقة فيه؛ لكونه ~~سابقا الى الفهم عند إطلاقه، كما كان في الغائط فانه يطلق حقيقة على المكان ~~المطمئن، وعلى قضاء الحاجة على جهة المجاز، ثم غلب في قضاء الحاجة حتى صار ~~حقيقة لسبقه إلى الفهم عند إطلاقه. # ونجاسته معلومة عند أئمة العترة وفقهاء الأمة لا يعرف فيه خلاف بينهم. PageV01P330 # والحجة على ذلك: قوله لعمار رضي الله عنه(¬1): (( إنما تغسل ثوبك من البول ~~والغائط )).وسيأتي تقرير ما يعفى وما لا يعفى عنه في باب الاستنجاء نفصله ~~هناك بمعونة الله تعالى. # مسألة: أبوال بني آدم كلها نجسة عند أئمة العترة، صغارا كانوا أو كبارا، ~~طعموا الطعام أو لم يطعموه، وهو قول الكافة من الفقهاء، إلا ما حكي عن داود ~~فإنه قال: إن بول الغلام الذي لم يطعم طاهر، وهذا القول قد حكي عن الشافعي ~~في أحد قوليه، وقد بحثت عنه في كتب أصحابه فما وجدت أحدا حكاه عنه، وغالب ~~ظني أن خلافه إنما هو في كيفية التطهير منه، وهو أنه يرش على بول الغلام ~~ويغسل بول الجارية، وأما طهارة البول فلم يؤثر عنه بحال . # والحجة على نجاسته: قوله : (( تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر ~~منه))(¬2). وقوله لعمار: (( إنما تغسل ثوبك من البول)). # والحجة لداود: هو ما رواه أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) عن النبي أنه ~~قال: (( يغسل الثوب من بول الصبية وينضح من بول الغلام))(¬3). والنجاسة ~~إنما تطهر بالغسل دون النضح، فلما فرق بينهما دل ذلك على أن بول الغلام ~~مخالف لبول الصبية، وليس ذلك إلا بكونه طاهرا؛ لأنه لوكان نجسا لفعل به كما ~~فعل ببول الصبية، وفي ذلك صحة ماقاله من طهارته. # والمختار: ماعول عليه علماء العترة ms290 وفقهاء الأمة من نجاسته، لما تقدم من ~~الحجة، ونزيد هاهنا، PageV01P331 وهو ماروي عن النبي أنه مر بقبرين فقال: (( إنهما ليعذبان وما يعذبان ~~بكبير، كان أحدهما يمشي بالنميمة والآخر كان لايستنزه من بوله))(¬1). ولأنه ~~خارج من أحد سبيلي ابن آدم فكان نجسا كالسبيل الآخر. # الانتصار: قالوا: لو كان نجسا لأمر بغسله كما أمر بغسل بول الجارية. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلو كان طاهرا لكان لا حاجة إلى نضحه كما في سائر الأمور ~~الطاهرة. # وأما ثانيا: فلأن النضح هو خفيف الغسل، فالتفرقة بينهما إنما هو في خفة ~~النجاسة وثقلها لا في كونه طاهرا، ويجوز أن يكونا متفقين في التنجيس، وإن ~~كان أحدهما أدخل في النجاسة من الآخر، فلاجرم نضح أحدهما وغسل الآخر. # لا يقال: فهل يمكن أن يكون داود مخالفا للإجماع أم لا؟ # لأنا نقول: إن كان الصحابة (رضي الله عنهم) قد خاضوا في هذه المسألة، ~~وأفتوا بعدم التفرقة بينهما، فلاشك في كونه مخالفا للإجماع، وإن لم يكن من ~~الصحابة ولا من جهة التابعين خوض فيها فلا وجه لكونه خارقا للإجماع. # لا يقال: فهل يكون معدودا من علماء الشريعة مع إنكاره للقياس، وجموده على ~~الظواهر أو لا ينعقد إجماع من دونه؟ # لأنا نقول: قد قال فريق من علماء الأمة بأن منكري القياس لايعدون من ~~علماء الشريعة، وهم عوام بالإضافة إلى القائلين بالقياس الخائضين لغماره، ~~المحرزين لأسراره، ولايعد خلافهم، وهذا فاسد، فإن الحق أنهم معدودون من ~~جملة العلماء، ولاينعقد الإجماع ممن في عصرهم مع مخالفتهم، وكيف لا وقد ~~بلغوا منصب الاجتهاد وأحرزوا علومه، ولم ينكروا إلا العمل على المعاني ~~والأشباه في مواضع، وهذا لا يخرجهم من عدهم من جملة العلماء. PageV01P332 # مسألة: أبوال ما لا يؤكل لحمه نجسة عند عامة العلماء العترة، وهو محكي عن ~~محمد بن الحسن وزفر والثوري، ومالك والأوزاعي، وهو قول أبي حنيفة والشافعي. # والحجة على ذلك: ماروي عن النبي أنه قال لعمار: (( إنما تغسل ثوبك من ~~البول)). ولم يفصل بين بول وبول، وما خرج عن ذلك فإنما يخرج ms291 بدليل، وهكذا ~~بول الفأرة وبول الأوزاغ، وبول الخفاش، وبول الهر، كلها نجسة؛ ولأنه بول ~~خارج من أحد سبيلي مالا يؤكل لحمه، فكان نجسا كبول بني آدم. # وذهب إبراهيم النخعي إلى أن جميع الأبوال كلها طاهرة في حق البهائم، وحكي ~~عن داود أنه قال: الأبوال كلها طاهرة إلا بول بني آدم. # والحجة لإبراهيم: أنه بول حيوان لعابه وعرقه طاهران فكان بوله طاهرا ~~كالحيوان الذي يؤكل لحمه. # وأما الحجة لداود: فهو أن جميع الأبوال كلها هي الأمواء التي تشربها، ولم ~~يعرض لها إلاحصولها في أجوافها، ولم تدل دلالة على تنجسها في أجوافها، ~~فلهذا كانت باقية على الطهارة كما لوكانت موضوعة في الآنية، وبول بني آدم ~~خرج بالدلالة، وبقي ما عداه على أصل هذا القياس الذي قررناه. # والمختار: ماقاله علماء العترة وفقهاء الأمة من الحكم بنجاسته. # والحجة عليه: ما ذكرناه من قبل، ونزيد هاهنا، وهو أنه بول مستحيل إلى نتن ~~خارج من حيوان لا يؤكل لحمه كالكلب والخنزير، هذا رد على إبراهيم، أو نقول: ~~إنه بول مالا يؤكل لحمه، فوجب الحكم بنجاسته كبول بني آدم، هذا على داود، ~~ولأن أصلها جميعا على التقذير، أعني بول ما يؤكل لحمه ومالا يؤكل لحمه، ~~لكنا خصصنا بول مايؤكل لحمه بدلالة شرعية نذكرها بعد هذا، فبقي ماعداه على ~~حكم التقذير والنجاسة. # الانتصار: ليس معتمدكم فيما قلتموه سوى القياس، وقياسنا معارض لقياسكم، ~~وترجيح قياسنا من جهة كونه دالا على الحظر، وقياسكم دال على الإباحة، فلا ~~جرم كان قياسنا أحوط فوجب الاعتماد عليه، ثم إنا نؤيده بالفرق، وهو أن ~~المعنى في الأصل: أنه حيوان يؤكل لحمه فافترقا، هذا على إبراهيم، وعلى داود ~~قال: إن الأصل أنها أمواء ودخولها في بطونها لا تنجسها. PageV01P333 # قلنا: هذا خطأ فإنها لا تكون أبوالا إلا بدخولها في البطون، فما ذكرتموه ~~يؤيد الحجة ويقررها، ثم إن هذا باطل بأبوال بني آدم؛ فإنها في الأصل طاهرة؛ ~~لكونها أمواء فسقط ما قاله. # مسألة: أبوال ما يؤكل لحمه وأرواثها طاهرة عند أئمة العترة، ومحكي عن ~~محمد بن الحسن، ms292 وزفر، ومالك، والأوزاعي، والزهري، والنخعي. # والحجة على ذلك: ماروى زيد بن علي، عن آبائه عن النبي أنه قال: (( ولا ~~بأس بأبوال الإبل والبقر والغنم))(¬1). ولايريد بالتطهير له، إلا أنه لا ~~حرج في استعماله وإصابة الأثواب له ولا معنى له سوى ذلك. # والحجة الثانية: ما روى البراء بن عازب (¬2) عن رسول الله أنه قال: (( ~~ما أكل لحمه فلا بأس ببوله))(¬3). # الحجة الثالثة: ماروى عبدالله بن الحسن(¬4) عن النبى أنه قال: (( كل شيء ~~يجتر فلحمه حلال ولعابه وسؤره وبوله حلال))(¬5). ومعنى كونه حلالا أنها طاهرة. # وحكي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف أنها نجسة، وهو محكي عن ابن عمر، فأما ~~الشافعي فالظاهر من قوله أنها كلها نجسة، وحكى بعض أصحابه: طهارتها. # والحجة لهم على ماقالوه: قوله تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم ~~مما في بطونها من بين فرث ودم لبنا PageV01P334 خالصا سائغا للشاربين}[النحل:66]. # ووجه الحجة: هو أن الله تعالى امتن علينا بأن أخرج لبنا طاهرا من بين ~~نجسين، الفرث والدم. # والمختار: ماقاله علماء العترة ومن وافقهم لما ذكروه من الحجج ونزيد ههنا ~~حججا [ثلاثا]: # الحجة الأولى: ماروي عن النبي (( أنه طاف على جمل بالبيت))، فلولا أن ~~بوله وروثه طاهران لما طاف عليه مخافة أن ينجس المسجد. # الحجة الثانية: ماروى أنس بن مالك أن أناسا من عرينة قدموا على الرسول ~~فقال لهم: (( اخرجوا إلى إبل الصدقة فاشربوا من أبوالها وألبانها))(¬1). ~~لأجل ما أصابهم من الوباء، فلو كان نجسا لما أمرهم بشربه. # الحجة الثالثة: من جهة القياس، وهو أنه مائع خارج على جهة الاعتياد من ~~مخرج معتاد من حيوان يؤكل لحمه، فوجب الحكم بطهارته كاللبن، أو خارج من ~~حيوان يؤكل لحمه فوجب أن يكون طاهرا كاللعاب والعرق. # الانتصار: قالوا: الآية دالة على ما نقوله. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنه ليس في الآية ما يشعر بالطهارة والتنجيس فضلا عن أن ~~يقال: إنها دالة على ما تدعونه من النجاسة، وإنما هي دالة على مطلق ~~الامتنان لا غير، فما برهانكم على ما تقولونه؟ # وأما ثانيا: ms293 فلأن الامتنان حاصل بأن الله أخرج لنا لبنا خالصا سائغا ~~للشاربين من بين أمرين كل واحد منهما لايصلح أن يكون شرابا، وهما الفرث والدم. # ثم نقول: لو استدللنا بهذه الآية على الطهارة لكنا أسعد حالا منكم، ~~وبيانه: أن الله تعالى وسط PageV01P335 اللبن، بين الفرث والدم، وساق الآية على جهة الامتنان، وتعظيم القدرة ~~الباهرة، بأن أخرج هذا اللبن الخالص من هذين الأمرين اللذين هما في غاية ~~البعد من الغذاء وقوام الأجسام، فاقتران اللبن بهما فيه دلالة على ~~طهارتهما؛ لأن الشيء إنما يقترن بمثله وجنسه، وهذه الطريقه لانرتضيها، خلا ~~أن فيها غرضا، وهو معارضة الركيك بمثله في الركة والضعف، وهذا مثل استدلال ~~الشافعي على وجوب الترتيب في الوضوء، أن الله تعالى قد وسط ممسوحا بين ~~مغسولين، فدل على مراعاة الترتيب، فهكذا نقول: وسط اللبن بين الفرث والدم، ~~فدل على كونهما مثله في الطهارة، ولم أعرف أحدا من أصحاب الشافعي استدل ~~بهذه الآية على ما ذكرناه سوى العمراني صاحب (البيان)، فلهذا أوردناها. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: (( تنزهوا عن البول)). وقوله لعمار: (( ~~إنما تغسل ثوبك من البول)). وقوله : (( أكثر عذاب القبر من البول)). فلفظة ~~البول عامة لكونها جنسا فتكون مستغرقة لجميع الأبوال، وهذا هو مقصودنا. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن اللام هذه للجنس، وإنما هي منصرفة إلى العهد؛ ~~لأن المعهود في هذه الأحاديث إنما هو بول بني آدم فيجب صرفه إليه لأن ~~الواحد إذا قال: فلان لايستنزه من البول، فإنما يعني بول نفسه فهو السابق ~~إلى الفهم فيجب حمله عليه. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا كونه جنسا لكنا نبني العام فيه على الخاص ~~فيخرج بأحاديثنا بول ما يؤكل لحمه، وتبقى أبوال ما لا يؤكل لحمه داخلة تحت ~~هذا العموم؛ فيكون عملا بالعام في عمومه، والخاص في خصوصه، وهذه طريقة ~~مرضية بين الفقهاء والأصوليين؛ لأن فيها عملا بالدليلين جميعا. # قالوا: أخبارنا حاظرة، وأخباركم مبيحة، فيجب العمل على أخبارنا لكونها ~~أحوط في المنع. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: ms294 فلأنه إنما يترجح الحاظر على المبيح إذا كانا مستويين في ~~كونهما عامين أو خاصين، فإذا اختص أحدهما بالحظر كان راجحا لا محالة، فإذا ~~كان أحدهما عاما، والآخر خاصا فإن الحكم PageV01P336 للمخصص لا محالة؛ لأن في ذلك عملا عليهما جميعا بهذه الطريقة، وفي العمل ~~على الحاظر إسقاط المبيح بلا مزية، فلهذا كان العمل على المخصص أحق وأولى. # وأما ثانيا: فلأن في العمل على المبيح تخفيفا وتيسيرا ورفع الجناح، وقد ~~قال الله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}[البقرة:185]. # قالوا: بول مستحيل إلى نتن، وفساد وقذر فأشبه بول بني آدم. # قلنا: هذا فاسد لأمور ثلاثة: # أما أولا: فبالفرق وهو أن بول ما يؤكل لحمه إنما كان طاهرا من جهة أن ~~لبنه طاهر، وبول ما لا يؤكل لحمه نجس لما كان لبنه نجسا فافترقا. # وأما ثانيا: فبالنقض على أبي حنيفة بذرق الحمام وسباع الطير، فإنها طاهرة ~~مع كونها قذرة ومستحيلة إلى نتن وفساد، وعلى الشافعي بالمني، فإنه مستحيل ~~إلى نتن وفساد ومع ذلك فإنه قضى بطهارته. # وأما ثالثا: فمن جهة القلب للعلة، وهو أنا نقول: إذا قالوا: بول مستحيل ~~فكان نجسا. # قلنا: حيوان فاستوى بوله ولبنه، وهذا من القلب المبهم، وهو مفسد للعلة ~~فيبطل ماتوهموه. # فأما أبوال الضفادع ففيه ثلاثة أوجه: # أولها: أنه يكون نجسا، وهذا هو رأي المؤيد بالله. # والحجة على ذلك: هو أنه حيوان لا يؤكل لحمه فكان بوله نجسا كبول بني آدم، ~~وهذا رأي أكثر الفقهاء أبي حنيفة والشافعي. # وثانيها: أن بولها طاهر، وهذا هو الذي ذكره السيد أبوطالب. # والحجة على ذلك: هو أنه حيوان لايعيش إلا في الماء فأشبه السمك في ذلك. # وثالثها: أنه مكروه، وهذا هو الذى حصله السيد المؤيد بالله من مذهب ~~الهادي. PageV01P337 # والحجة على ذلك: هو أن البول معتبر باللحم عنده، فإذا كان يكره لحمه فبوله ~~مكروه، حملا لأحدهما على الآخر. # والمختار: الحكم بنجاسة بولها؛ لأنها ليست سمكا لمخالفتها له في الهيئة ~~والصورة، وبولها وإن كان نجسا، فلاينجس به الماء إذا كان قليلا؛ لأنه ms295 مما ~~يتعذر الاحتراز منه فعفي عنه. هذا على رأي من ينجس القليل من غير تغيير، ~~فأما على ما اخترناه من عدم نجاسة الماء القليل بالنجاسة إذا لم تغيره فهو ~~غير مغير له، فلا ينجسه بحال. # مسألة: ما لا يؤكل لحمه إما لحرمته كابن آدم، وإما لنجاسته كالكلب ~~والخنزير، وإما لمنع الشرع منه كالسباع، فأما أرواث بني آدم فقد قدمنا ~~الحجة على نجاستها فلا وجه للاعادة، وأما غيرهم ممن ذكرنا فهي نجسة عند ~~أئمة العترة، وفقهاء الأمة: أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: ماروى عبدالله بن مسعود (رضي الله عنه) أن الرسول التمس ~~منه أحجارا ليستجمر بها، فأتاه بحجرين وروثة، فألقى الرسول الروثة، وقال: ~~(( إنها ركس))(¬1). والركس: النجس. # الحجه الثانية: من جهة القياس، وهو أنه روث ما لا يؤكل لحمه فكان نجسا ~~كروث بني آدم. أو نقول: هو أن كل ما خرج من الآدمى وجب القضاء بنجاسته؛ ~~فإنه اذا خرج من البهائم التي لا يؤكل لحمها فهو نجس كالدم، أو لأنه خارج ~~من مسلك معتاد في سبيل ما لا يؤكل لحمه فكان نجسا كالآدمى. # فأما إبراهيم النخعي فلم يعرف له قول في طهارة أرواث ما لا يؤكل لحمه، ~~وإنما يحكى الخلاف في طهارتها عن داود، وقد قدمنا الكلام جميعا في طهارة ~~الأبوال والأرواث فأغنى عن تكريره. # والمختار: ماقاله علماء العترة ومن تابعهم من الفقهاء. # والحجة على ذلك: هو ما تضمن من الاستقذار والنتن فأشبه رجيع بني آدم، وقد ~~قررنا كل ما بهما PageV01P338 في الانتصار في المسألة الأولى، فأغنى عن الإعادة. # وهل يكون ذرق الدجاج، والبط، والأوز، طاهرا أو نجسا ؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه نجس، وهذا هو الذي عول عليه أكثر علماء العترة: ~~الناصر، والهادى، والمؤيد بالله، وإحدى الروايتين عن القاسم، وهو قول ~~الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أنه طعام أحالته الطبيعه والمعدة، فيجب القضاء ~~بنجاسته كالذي يخرج من بني آدم، أو نقول: متغير اللون والرائحه، فيكون نجسا ~~كالعذرة. # المذهب الثاني: أنه يكون طاهرا في نفسه، إلا أن يكون ms296 مختلطا بشيء، فانه ~~يكون نجسا لما خالطه لا من جهة نفسه. # والحجة على ذلك: هو أن لحمه مأكول، فكان ما يخرج منه طاهرا كالبقر ~~والغنم؛ لأن الخارج معتبر باللحم كما أشار اليه الشرع بقوله: (( ما أكل ~~لحمه فسؤره وبوله حلال)). # والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العتره من القول بنجاسته لما في ~~الخارج من الديكة، والدجاج، والبط، والطاووس، والأوز من القذر المشبه في ~~لونه وريحه ورقته، لما يخرج من أدبار بني آدم، فلهذا قضينا بنجاسته. # الانتصار: قالوا: قد تقرر في قواعد الشرع وتمهد في مطالبه، أن الخارج ~~معتبر باللحم، فاذا كان اللحم حلالا فالخارج طاهر لا محالة كما في ~~الحيوانات المأكولة كلها، فإن جميع مايخرج منها طاهر، فلهذا وجب أن تكون ~~هذه الحيوانات مردودة إلى هذه القاعدة في طهارة ما يخرج منها. # قلنا: هذه القاعدة لا ننكرها، لكنه عرض ماهو أخص منها، وهي المشابهة لما ~~يخرج من هذا الحيوان لما يخرج من بني آدم في تلك الخصال التي ذكرناها، ~~فلاجرم كان العمل على حكم المشابهه، أخص وأولى لا محالة. # ومن وجه آخر: وهو أن العمل على نجاستها هو الأحوط في الطهارة، وأبعد عن ~~التلوث بالقاذورات مع ما أشار إليه الشرع من البعد عن ذلك حيث قال عليه ~~السلام: (( إن الله نظيف يحب PageV01P339 النظافة وجميل يحب الجمال))(¬1). # قالوا: لو كان نجسا لنزه منه المسجد الحرام وسائر الجوامع العظام، فإن ~~ذرق الحمام وغيرها من الطيور المأكولة حاصلة في المساجد، ولم يحكم ~~بنجاستها، وفي ذلك دلالة على ما قلناه من كونها طاهرة. # قلنا: إنما لم تنزه منه المساجد والجوامع العظام لتعذر الاحتراز منها، ~~وما تعذرالاحتراز منه رفع حكمه فى النجاسة كالأفواه، وغبار السرقين(¬2) في ~~الطرقات وغير ذلك، وأيضا فإن لم تكن المساجد منزهة لما ذكرناه من التعذر، ~~وجب تنزيه اللباس والأبدان عن ذرقها؛ لكونه ممكنا، وفي هذا دلالة على كونه نجسا. # قالوا: كل ما استحال إلى غير نتن وقذر وجب الحكم بطهارته كالذي يخرج من ~~النحل من العسل. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: ms297 # أما أولا: فلأنا لانسلم قياسهم على النحل فإنه قد قيل: إنها تعسل من ~~أفواهها، وقيل: إن الأمر في أمرها مبهم من الله تعالى فلا ندري كنه حالها ~~في ذلك ولانعرف حقيقتة، ولهذا روي أن سليمان بن داود عليه السلام أراد أن ~~يعرف حقيقة أمرها في العسل هل يخرج من أفواهها أو من أدبارها، فاتخذ آنية ~~من زجاج، وجعلها فيها لرقتها فيعرف حقيقة الأمر فيها، فلطخت وجه الآنية ~~بطين حتى أنه لم يعرف كيف تعسل العسل، فلا يصح الرد إليها. # وأما ثانيا: فلا نسلم أن ما يخرج منها لا يستحيل إلى غير نتن، بل القذر ~~والنتن ملازم لما يخرج منها، ويعرف ذلك من خبر حالها في أبراج الحمام ~~وأماكن الدجاج التي تبيت فيها، فإن القذر فيها مستحكم في الرائحة الخبيثة ~~والنتن الظاهر، وتقذيرها للأماكن الطاهرة مما لا يخفى حاله، فحصل من PageV01P340 مجموع ماذكرناه: أن قياسها على النحل غير صحيح لما ذكرناه من جهة أن العسل ~~طيب خروجه من أفواهها فهو كالريق في طهارته وطيبه، وهذه الذروق كلها خارجة ~~من الأدبار، فأشبهت رجيع بني آدم، فبطل ماتوهموه. # مسألة: ذرق سباع الطير كالبازي والشاهين والصقر وغير ذلك، نجس عند أئمة ~~العترة، وهو قول الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أنها حيوانات لا يؤكل لحمها، فوجب أن تكون ذروقها ~~نجسة كالآدمي، أو نقول: حيوان يستحيل ذرقه الى قذر ونتن فكان نجسا كالرجيع، ~~أو خارج من سبيل ما لا يؤكل لحمه، فكان نجسا كالغائط، وإلى هذا ذهب محمد بن ~~الحسن من أصحاب أبي حنيفة. # وحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنها لاتفسد شيئا، ولو كان فاحشا كثيرا، ~~وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: من صلى وعلى ثوبه ذرق من سباع الطير التي لا ~~يؤكل لحمها وهو أكبر من قدر الدرهم فإنها تجزئه ولاتلزمه إعادتها. # والحجه على ذلك: ما يعلم من مطرد العادة من حصول ذرقها في الأماكن ~~الطاهرة كالجوامع والمساجد، ولم يعلم أن أحدا من العلماء في الأمصار ~~والأقاليم أمر بتطهير المساجد والجوامع من ذرقها ولا ms298 أنكره، وفي هذا دلالة ~~على أنها طاهرة، وقد قال عليه السلام: (( مارآه المسلمون حسنا فهو عند الله ~~حسن)). وهذا كاف في كونها طاهرة. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة، ومن وافقهم من فقهاء الأمة من القول ~~بنجاسته. # والحجة على ذلك: هو أنها ذروق أحالتها الطبيعة في البطون، فوجب القضاء ~~بنجاستها، دليله: العذرة، أو نقول: ذروق خبيثة في اللون والرائحة فكانت ~~نجسة كالغائط الذي يخرج من بني آدم. # الانتصار: قالوا: اطرد في العادة أن العلماء لم يأمروا بغسل المساجد من ~~ذرقها مع علمهم بوقوعها فيها. # قلنا: إنما لم يأمروا فيها بالغسل ليس من أجل ظنهم بطهارتها، ولكن من جهة ~~عموم البلوى بها؛ PageV01P341 فإنها لا يمكن الاحتراز منها، فلما تعذر الاحتراز منها اغتفر الشرع ~~نجاستها، فهذا هو السبب المانع من أمرهم بغسلها لا من جهة الحكم بكونها ~~طاهرة، ثم نقول: إنا لا نسلم أيضا أنهم ساكتون عن غسل ما تفاحش من ذلك، ~~وإنما السكوت عما كان قليلا يتعذر الاحتراز منه، فأما ماكان كثيرا فلا يسقط ~~الشرع حكمه ويجب غسله فافترقا، والسيد أبوطالب وإن كان قد قال في ذرق ~~الدجاج والبط ما قال من طهارته إذا لم يكن مخالطا للنجاسة، فإنه لا يخالف ~~هاهنا في نجاسة ذرق سباع الطير، وهكذا إحدى الروايتين عن القاسم في ذرق ~~الحمام وغيرها، فإنه لا يخالف هاهنا أيضا في النجاسة؛ لأن لحومها غير ~~مأكولة عنده، فهما لا يخالفان في نجاسة ما يخرج منها. # والانتصار عليهم فيما يوردون من الكلمات الدالة على ذرق الدجاج، يعود ~~هاهنا، وقد أبطلناه فلا حاجة إلى تكريره، والله أعلم بالصواب. # مسألة: والدماء الخارجة من الكلب والخنزير والميتة والكافر، كلها نجسة ~~عند أئمة العترة وفقهاء الأمة: أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ~~وغيرهم من العلماء قليله وكثيره، ولا يعرف فيه خلاف من جهة الصدر الأول من ~~الصحابة والتابعين (رضي الله عنهم) وإنما يحكى الخلاف عن بعض الفقهاء سنذكر ~~مقالته، ونظهر فسادها بمعونة الله تعالى. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم}[المائدة:3]. فهذا ~~عام، وقوله ms299 في حديث عمار: (( إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والدم))، ~~ولم يفصل بين دم ودم، فيجب القضاء بنجاسة كل دم إلا ما خصته دلالة على ~~حياله، ولأن الدم كاف في كونه نجسا؛ فكيف إذا كان متصلا بهذه النجاسات، ~~أعني: كونه كلبا وخنزيرا وميتة وكفرا، فهذه كلها مزيدة قوة في النجاسة ~~لامحالة. # وهل يكون دم السمك طاهرا أو نجسا ؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه طاهر، وهذا هوا المحكي عن السيدين أبي العباس وأبي ~~طالب وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن. # والحجة على ذلك: هو أنه يؤكل بدمه، فوجب الحكم عليه بالطهارة كالدم الذي ~~يبقى في العروق بعد الذبح؛ فإنها لما كانت تؤكل بدمائها دل على طهارتها. PageV01P342 # الحجة الثانية: أنه لاينجس الماء بموته فلو كان دمه نجسا لكان ينجس الماء ~~بموته كالشاة وغيرها. # المذهب الثاني: أنه يكون نجسا، وهذا هو رأى المؤيد بالله وهو قول (ف) ~~وأحد قولي الشافعي وقوله الآخر: أنه طاهر. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم}[المائدة:3]. ~~وحديث عمار: (( إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والدم)). فهاتان دلالتان ~~على العموم لا يخرج عنهما خارج إلا بدلالة. # والمختار: ماقاله المؤيد بالله ومن وافقه في كونه نجسا ويدل عليه ماقدمنا ~~ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: قوله تعالى:{أو دما مسفوحا}[الأنعام:145]. وهذا من جملة ~~الدماء المسفوحة؛ لأنا لا نريد بالمسفوح إلا ما كان سائلا، وهذا مختص ~~بالسيلان لا محالة فيجب الحكم بتنجيسه. # الحجة الثانية: أنا نقول حيوان له دم سائل، فوجب كونه نجسا كسائر ~~الحيوانات كلها، أو نقول: دم سائل، فأشبه ما يسيل من الدماء. # الانتصار: قالوا: يؤكل بدمه، فكان طاهرا كالعروق الباقية(¬1). # قلنا: هذا فاسد، فإنا لا نسلم أن فيه دما عند موته، فيقال: إنه يؤكل ~~بدمه، ولكنه يذهب، ولو كان فيه دم لكان نجسا كدم الميتة من الحيوانات، ولكن ~~لما دل الشرع على أنه لاذكاة له فلهذا حكمنا بطهارته، وإن كان ميتا لأجل نص ~~الشرع عليه، ولكن كلامنا في الدماء اذا كان سافحا منه، ما يكون حكمه؟ # قالوا: ms300 لا ينجس الماء بموته. # قلنا: إنما لم ينجس الماء بموته لما كان لا ذكاة له؛ فلهذا لم يكن ميتة ~~بخلاف غيره من الحيوانات فإن له ذكاة في الحلق والنحر، فاذا لم يحصل واحد ~~منهما فهو ميتة، فلا جرم نجس الماء بموته فافترقا. # قالوا: جزء من أجزاء السمك فكان طاهرا كاللحم. PageV01P343 # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن ما يحكم بطهارته من السمك فهو مأكول بدليل قوله : (( أحل ~~لنا ميتتان ودمان))(¬1). فالميتتان: السمك والجراد، والذى يؤكل هو لحمه دون ~~دمه، فلهذا لم يكن طاهرا. # وأما ثانيا: فبالفرق، وهو أن المعنى في الأصل، هو كونه مما يدخر ويقتات ~~بخلاف الدم فإنه لا يدخر ولا يقتات فلا يكون طاهرا. # قالوا: لو كان دمه نجسا لم يحل حتى يسفحه سافح كالشاة، فلما لم يحتج في ~~حل أكله إلى سافح دل على طهارته. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن حاجة الشاة إلى ذبحها ليسفح دمها من أجل ~~نجاستة فيلزم ما قالوه، وإنما كان ذلك لأجل الاستعجال لإزهاق الروح، والسمك ~~يموت بإخراجه من الماء، فلهذا لم يكن محتاجا إلى سفح سافح. # وأما ثانيا: فلو كان طهارتها من أجل سفح الدم، لكان يلزم أنه لو ذبحها من ~~غير منحرها أن تكون حلالا، والأمر على خلاف ذلك، فسقط ماتعلقوا به، وصح أن ~~دم السمك نجس؛ لكونه سافحا سواء كان سائلا قبل موته أو بعده. # مسألة: البق والبراغيث والكتان، حيوانات لداغة للجسم تقع على الأجسام ~~فتمص الدم بمناقيرها وتمتلي أكراشها منه، فأما ما يخرج من أدبارها، فلا يقع ~~خلاف بين العلماء في طهارته؛ لكونه ذرقا خارجا عن صفة الدم في لونه وغلظه، ~~وإنما تردد الفقهاء وخلافهم إذا قصعت بعد مصها [للدم]، فهل يكون ما يخرج ~~منها من الدم طاهرا أو نجسا فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه طاهر، وهذا هو المحكي عن السيدين أبي العباس وأبي ~~طالب، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه. PageV01P344 # والحجة على ذلك: من جهة القياس، وهو أنه ليس بدم سائل فوجب الحكم بطهارته ms301 ~~كالدم الذى يبقى في العروق بعد الذبح، أو نقول: إنه غير سافح، فوجب أن لا ~~يحكم بنجاسته كالكبد والطحال؛ فإنهما في الأصل دمان، بدليل قوله : (( أحل ~~لنا ميتتان ودمان)). فأما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: فالكبد ~~والطحال، فسماهما دما؛ لأن أصلهما من الدم، لكنه انعقد وصار جامدا على هذه ~~الكيفية، أو نقول: قد إتفقنا على أن موته في الماء لاينجسه فلو كان دمه ~~نجسا لنجسه كالشاه لما كان دمها سائلا فإنها تنجس الماء بموتها فيه. فهذه ~~حجج مناسبة تدل على طهارته. # المذهب الثاني: أنها نجسة. وهذا هو المحكي عن الشافعي، فأما المؤيد بالله ~~فلم يختلف قوله في دم البق أنه نجس إذا كان سافحا، وأما دم البراغيث فقال ~~أولا: إنه يكون نجسا. وقال آخرا: إنه يكون طاهرا. # والحجة للمؤيد بالله والشافعي في نجاسة البق قوله تعالى {حرمت عليكم ~~الميتة والدم}[المائدة:3]. وهذا عام في جميع الدماء إلا ماخرج عنه بدلالة، ~~ولأنه دم سائل فوجب أن يكون نجسا، دليله: دم سائر الحيوانات السافحة، أو ~~نقول: حيوان له دم سائل فوجب القضاء بنجاسته، دليله: جميع الدماء السافحة. ~~فأما تردد المؤيد بالله في البراغيث فوجه الحكم بنجاسته: هو أنه دم فأشبه ~~سائر الدماء السائلة، ووجه كونه طاهرا: هو أنه قد خرج بكونه في أكراشها عن ~~صفة الدم، فلهذا لم يكن نجسا. # فأما الكتان فلم يذكروه وأظنه غير واقع في ديارهم، وهو في معنى البق؛ ~~لأنه يغرس منقاره في الجسم ويمص الدم حتى يملأ كرشه، وله لدغ شديد أشد من ~~لدغ البق والبراغيث، وضرره أعظم في الإيلام والأذية، فلهذا كان الخلاف فيها ~~واحدا، فهذا تقرير هذه المذاهب بأدلتها. # والمختار هاهنا: تفصيل نشير إليه، وتقريره أنا نقول: إن الشرع قد ورد ~~دالا على نجاسة الدم على جهة العموم والإطلاق كقوله تعالى:{إنما حرم عليكم ~~الميتة والدم}[النحل:115]. إلى غير ذلك من الآيات المطلقة. وكالحديث الوارد ~~من طريق عمار وهو قوله: (( إنما تغسل ثوبك من الدم )). إلى غير ذلك من ~~الأخبار، وورد أيضا نجاسته على جهة التقييد، كقوله تعالى: ms302 {أو دما ~~مسفوحا}[الأنعام:145]. فقيد نجاسته بالسفح ولم يطلقه، فإذا كان الأمر فيه ~~كما قررناه وجب الجمع بين الأدلة، وحمل المطلق على المقيد، فلا ينجس من ~~الدم إلا ما كان سافحا، والسفح: الصب، من قولهم: سفح الماء إذا صبه، وسفح ~~الدم إذا PageV01P345 سفكه، وأقل السفح ما جاوز محله؛ لأنه يكون سافحا لا محالة، فخرج من هذا ما ~~كان على حد رؤوس الإبر وحب الخردل، ولا يحرم أكله إلا ماكان كذلك(¬1). ~~فيخرج عن هذا الدم الذى يبقى في العروق بعد الذبح وعلى الحلقوم عند الذبح، ~~وعلى هذا يكون المعيار الضابط في الطهارة والتنجيس وحل الأكل وتحريمه، إنما ~~هو السيلان كما أشار إليه الشرع، وفيه وفاء بالجمع بين الأدلة والعمل بها، ~~ويؤيد هذا الاختيار، ماروى زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين (كرم ~~الله وجهه) أنه قال: خرجت مع رسول الله (( وقد تطهر للصلاة فأمس إبهامه ~~أنفه فإذا هو قد رأى دما فأعادها أخرى فلم ير شيئا وجف في إبهامه، فأهوى ~~بيده إلى الأرض فمسحها ولم يحدث وضوء ا ومضى إلى الصلاة))(¬2). فهذا فيه ~~دلالة على أنه إذا كان غير سافح لم ينجس وأن ما دون السفح يكون يسيرا يعفى ~~عنه، ولهذا فإنه لم يغسل يده ولا أنفه من ذلك الدم فدل على طهارته، ولأنه ~~لما تعذر الاحتراز منه رفع الشرع حكمه كما رفع كثيرا من النجاسات لما تعذر ~~الاحتراز منها. # الانتصار: يكون على من قال: إنه طاهر على الإطلاق، وعلى من قال: إنه نجس ~~على الإطلاق، فهذان فريقان: # الفريق الأول: من قال: بطهارته مطلقا، كالسيدين: أبي العباس وأبي طالب، ~~وأبي حنيفة. # قالوا: دم غير مسفوح فأشبه الكبد والطحال في طهارتهما. # قلنا: هذا هو الذي نرتضيه مذهبا، أعني اشتراط السفح لنجاسته كما مر ~~تقريره، وهو يرد إبطالا لما ذهب إليه الشافعي من نجاسته وإن لم يكن سافحا. # قالوا: حيوان لا ينجس الماء بموته فكان دمه طاهرا كالسمك. # قلنا: إن عنيتم أنه طاهر وإن سفح فهذا لا نسلمه، وقد قررنا الكلام في ~~نجاسة ms303 دم السمك لما كان سافحا، وإن عنيتم أنه إذا كان غير سافح فهو طاهر، ~~فهذا هو مرادنا ولا ننكره. PageV01P346 # قالوا: حيوان تعظم البلوى به فرفع الشرع حكمه في النجاسة كالهر. # قلنا: إنما تعظم البلوى بوقوعه في الطعام والشراب، فأما قصع دمه فى الثوب ~~فلا يرفع الشرع حكمه إذا كان سائلا، فحصل من ذلك أنه إذا كان سافحا وجب ~~غسله من الثوب؛ لأنه يكون نجسا، ولا يرفع الشرع حكمه، وإن كان غير سافح فقد ~~رفع الشرع حكمه بالقلة فبطل الحكم على دمه بالطهارة بالإطلاق كما أردناه، ~~والله أعلم. # الفريق الثاني: الذين قالوا: بنجاسته على الإطلاق كما [هو] محكي عن ~~الشافعي وأصحابه. # قالوا: حيوان فكان دمه نجسا كالشاة والبقرة. # قلنا: تعنون بكونه نجسا إذا لم يسل أو إذا كان سائلا؟ فالأول: ممنوع ~~لانسلمه: لأنه إذا كان غير سائل فهو غير سافح، والتنجيس إنما يتعلق بنص ~~الشرع بالسافح، والثاني: مسلم ولا يضرنا؛ لأن ما دون السفح فهو طاهر عندنا، ~~وأيضا فإنه لا فرج لكم في التعلق بالشاة والبقرة، فإن دمهما سافح باتفاق ~~بيننا وبينكم وهو نجس باتفاق، وإنما كلامنا إنما هو في غير السافح كالبق ~~والبراغيث، فإذن الخلاف يرتد في كونها عند قصعها دماؤها سافحة أو غير ~~سافحة، فإن كانت سافحة فهي نجس بلا مرية ولا تردد منا ومنكم، وإن كانت غير ~~سافحة فهي طاهرة، لكنا نقول: إن دماء هذه الحيوانات غير سافحة فهي طاهرة، ~~وأنتم تزعمون أنها سافحة وأنها نجس، فإذن الخلاف مردود إلى ماذكرناه. والله أعلم. # قالوا: دم فوجب أن يكون نجسا كما لو كان سائلا. # قلنا : المعنى في الأصل كونه سائلا، فالسيلان وصف في العلة التي للنجاسة ~~فلا ينبغي إهمالها وهو الأصل في التنجيس كما سبق تقريره. فأما السيد الامام ~~المؤيد بالله، فلم يختلف قوله في نجاسة دم البق لما كان سافحا، وإنما اختلف ~~كلامه في البراغيث، فمرة قال: بأنها طاهرة، ومرة قال: بأنها نجسة، وكلامه ~~في تردد نظره إنما تعويله على السفح وعدمه، فحيث كان السفح حاصلا فالنجاسة ~~متحققة، ms304 وحيث عدم السفح فالطهارة متيقنة، وحيث جاز عدمها ووجودها فالتردد ~~واقع، فعلى قدر ما يغلب من الظن عن الأمارة الشرعية يكون الحكم فيها كما في ~~غيرها من المسائل الخلافية والأنظار الفقهية. PageV01P347 # مسألة: ودم الأوزاغ والحلم وما يكون في معناها في الخلقة والصورة، نجس عند ~~أئمة العترة، وفقهاء الأمة: أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالك. # والحجة على ذلك: هو أن هذه الحيوانات كلها دماؤها سافحة والسافح نجس. ~~وإنما قلنا: إن ما هذا حاله من الحيوانات فدماؤها سافحة فهذا ظاهر، فإنا لا ~~نعني بالسفح إلا ماكان سائلا ودماؤها سائلة عند قتلها وجرحها، وإنما قلنا: ~~إن كل ماكان سائلا فهو نجس، فهذا هو قول أئمة العترة وفقهاء الأمة لا ~~يختلفون في ذلك، أعني أن كل ماكان سائلا سافحا من الدماء فهو نجس، ويدل على ~~ذلك حجج [ثلاث]: # الحجة الأولى: قوله تعالى: {إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا}[الأنعام:145]. وأقل السفح هو السيلان كما مر تقريره. وقوله تعالى: ~~{حرمت عليكم الميتة والدم}[المائدة:3]. # الحجة الثانية: حديث عمار وهو قوله : (( إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول ~~والدم)). # والحجة الثالثة: القياس على دم الحيض بجامع كونه دما سائلا فوجب القضاء ~~بنجاسته كدم الحيض فإنه لا خلاف يؤثر في نجاسة دم الحيض وإنما يؤثر الخلاف ~~في غيره من الدماء مما يكون سائلا منها، هل يكون طاهرا أو نجسا؟ # وحكي عن الحسن بن صالح: أن جميع الدماء السافحة كلها طاهرة إلا دم الحيض، ~~فلم يستثن من الدماء إلا ماذكرناه من دم الحيض لاغير، والحسن هذا كان له ~~تقدم وفهم وإليه تنسب فرقة من الزيدية يقال لها: الصالحية، وهم مخالفون ~~للجارودية من جهة أن الجارودية لا يحسنون الظن في أبي بكر وعمر، والصالحية ~~يتولو نهما ويقولون بإمامتهما، والحسن هذا هو صهر عيسى بن زيد (¬1). هربا PageV01P348 من المهدي (¬1) وطلبهما فلم يقدر عليهما وماتا بالكوفة (رحمهما الله ~~تعالى). # والحجة له على ما قاله، هو أن الدم خارج أعماق البدن، فلم يكن نجسا ~~كالريق والدمع والعرق، وغيرها من الفضلات. # والمختار: ماعول عليه أئمة ms305 العترة، وفقهاء الأمة من الصحابة والتابعين. # والحجة لهم: ما أوردناه لهم على نجاسته، ونزيده ههنا، وهو أن الاجماع ~~منعقد من جهة الصدر الأول ومن بعدهم من التابعين إلى زمن الحسن بن صالح، أن ~~ما كان من الدماء سائلا فإنه يكون نجسا لا محالة، فما خالف هذا الإجماع وجب ~~القضاء ببطلانه وفساده. # الانتصار: قالوا: الدماء رطوبات حاصلة في البدن، فكانت طاهرة كالدمع ~~والبصاق وغيرهما. # قلنا: هذا فاسد، فإن المعنى في تلك الرطوبات أنها إنما كانت طاهرة من أجل ~~أنها غير مستحيلة، بخلاف الدماء فإنها رطوبات مستحيلة، فأشبهت في الاستحالة ~~البول والغائط، وغيرهما مما يكون مستحيلا. # قالوا: الآيات الدالة على تحريم الدماء إنما هي دالة على تحريم أكلها لا ~~أنها دالة على نجاستها، وأحدهما بمعزل عن الآخر، ولهذا عقب ذكر الدم ~~بالأشياء المأكولة كما في قوله [تعالى]: {حرمت عليكم الميتة ~~والدم}[المائدة:3]. وقوله تعالى: {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا}[الأنعام:145]. # فنقول: إنه يحرم أكله، ولكنه طاهر؛ فإن المعنى بكونه نجسا هو أنه لا ~~يلابس الصلاة، وتحريم الأكل مخالف لهذا المعنى. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: PageV01P349 # أما أولا: فلأن لفظ الدم في الآيتين عام في جميع وجوه الاستعمال من أكل ~~وملابسة، فلا يجوز تخصيصه من غير دلالة تدل على ذلك. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا ماذكروه في الآية؛ لكن الأخبار دالة على كونها ~~نجسة كخبر عمار، وهو قوله: (( إنما تغسل ثوبك من البول والدم)). وهذا نص في ~~مقصودنا وغرضنا. # قالوا: دم سائل فكان طاهرا كدم السمك. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنا نمنع الأصل، ونقول: إن دم السمك السائل نجس وقد مر ولا نعيده. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا طهارة دم السمك كما هو مذهب بعض الأئمة ~~والفقهاء، فالتفرقة بينهما ظاهرة؛ فإنه يؤكل بدمه ولا ينجس الماء بموته، ~~بخلاف ما سال من الدماء من الحيوانات، فإنه لا يكون له هذا الحكم بحال، ~~فافترقا، فتنخل من مجموع ما ذكرناه نجاسة كل ماسفح وسال من ms306 الدماء كلها. # مسألة: إذا تقرر هذا فهل يكون ما دون السافح طاهرا أو نجسا ؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يكون طاهرا، وهذا هو رأى القاسم والهادي، ومحكي عن ~~السيدين: أبي العباس وأبي طالب، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {أو دما مسفوحا}[الأنعام:145]. فشرط الله في ~~تحريم أكله أن يكون مسفوحا، فدل على أن ماكان السفح [فيه] فهو مخالف له في ~~الحكم، وإذا لم يحرم أكله فهو طاهر لا محالة. # الحجة الثانية: حديث زيد بن علي (( أن الرسول أدخل يده في أنفه فأخرج ~~عليها دما ثم أعادها مرة أخرى فلم ير شيئا فمسح يده بالأرض ولم يعد وضوءا ~~ولم يغسل يده)). وفي هذا دلالة على كونه طاهرا؛ لأنه لو كان نجسا لغسل يده ~~ولتوضأ، وإنما لم يكن نجسا لما كان غير سائل. PageV01P350 # الحجة الثالثة: هو أن ما هذا حاله لما كان الاحتراز منه متعذرا وتلحق ~~المشقة في قليله، فلأجل هذا حفف الشرع الأمر في نجاسته لعظم البلوى به كما ~~خفف الشرع حكم النجاسة في موضع النجو على رأي الفقهاء وكما رفع حكم ~~النجاسات في صور كثيرة، فتقرر بما ذكرناه كونه طاهرا. # المذهب الثاني: أنه نجس معفو عنه وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن ~~الشافعي. # والحجة [الأولى]: الآيتان اللتان ذكرناهما في التحريم حيث قال: {حرمت ~~عليكم الميتة}[المائدة:3]. وقوله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة ~~والدم}[النحل:115]. ولم يفصل هاهنا بين قليله وكثيره، وخروج القليل بدليل ~~خاص لا يمنع من اندراجه تحت العموم لكنه خرج بدليل، وهذا هو مرادنا بكونه ~~نجسا لكنه عفي عنه. # الحجة الثانية: خبر عمار، وهو قوله : (( إنما تغسل ثوبك من الدم ~~والبول)). ولم يفصل بين قليله وكثيره، فدل ذلك على (أن) قليله موصوف ~~بالنجاسة كما كان في الكثير. # الحجة الثالثة: من جهة القياس، وهو أن كل ما كان كثيره نجسا فقليله مثله ~~في النجاسة كالبول والغائط والخمر وسائر النجاسات، ولأنه دم فوجب القضاء ~~بكونه نجسا كالكثير منه وهذا تقرير الدلالة على المذهبين جميعا. والله ~~الموفق. # والمختار: ms307 ماقاله المؤيد بالله ومن تابعه عليه من العلماء. # والحجة على ذلك: ما أوردناه في الاستدلال لهم ونزيد ههنا، وهو أن الأدلة ~~الدالة على نجاسة الكثير منه مسترسلة على جميع الأجزاء وما خرج منه فإنما ~~خرج بدلالة منفصلة وليس يكون مندرجا تحت العموم إلا والنجاسة شاملة لجميع ~~أجزائه كما في قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين}[التوبة:5]. ثم قال:{وإن أحد ~~من المشركين استجارك}[التوبة:6]. فهو وإن خرج بدلالة فالشرك شامل له، ولأنه ~~مائع خرج من البدن يتعلق به نقض الطهارة فوجب أن يستوي فيه حكم قليله ~~وكثيره في النجاسة، دليله: البول. أو نقول: يجب غسل الثوب منه للصلاة، ~~فاستوى فيه القليل والكثير كدم الحيض والاستحاضة حيث قال عليه السلام: (( ~~حتيه ثم اقرصيه ولا يضرك بعد ذلك أثره)). ولم يفصل بين قليله وكثيره فهذه ~~الأدلة قاضية باستواء القليل والكثير فيه، والله أعلم. PageV01P351 # الانتصار: قالوا: شرط الله في تنجيسه السفح، فقال: {أو دما ~~مسفوحا}[الأنعام:145]. فإذا لم يكن مسفوحا فلا نجاسة لعدم الصفة، وهذا هو ~~مرادنا بطهارة ما قل منه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكروه استدلال بمفهوم الصفة، ومفهوم الصفة كمفهوم ~~اللقب في عدم الدلالة، فإذا قلت: جاء زيد لم يدل هذا الكلام على عدم مجيء ~~عمرو، وهكذا إذا قلت: جاءني زيد الكريم، فليس دلالة على عدم مجيء البخيل، ~~وعلى ذلك يكون قوله تعالى: {أو دما مسفوحا}[الأنعام:145]. فإذا أطلق ~~النجاسة على السفح لم يكن دالا على التطهير عند عدم السفح، فما قالوه ليس ~~فيه دلالة على ماتوهموه. # وأما ثانيا: فلأن الآية من أولها إنما سيقت من (أجل) بيان المأكولات لا ~~من أجل بيان التطهير والتنجيس، ولهذا قال الله تعالى في أولها: {قل لا أجد ~~فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه}[الأنعام:145]. وكلامنا إنما هو في ما ~~يكون طاهرا من الدماء وما يكون منها نجسا فأحدهما بمعزل عن الآخر. فكونها ~~مسوقة من أجل بيان المأكولات يضعف الاستدلال الذي ذكرتموه. # قالوا: فعل الرسول في إدخال يده أنفه وإخراج الدم عليها ولم يعد لها غسلا ~~ولا وضوءا، ms308 فيه دلالة على طهارته. # قلنا: ليس في هذا الحديث إلا أنه لم يغسل يده ولا أعاد وضوء ا، وهذا لا ~~يدل على كطهارة مالم يسفح من الدم؛ لأن ما هذا حاله معفو عنه لقلته ، فلهذا ~~لم يغسل يده ولم يعد وضوء ا فهو نجس خلا أنه قليل معفو عنه، وهذا مسلم لا ~~ننكره، وأيضا فإنه لم يصرح بطهارته فيكون فيه دلالة لكم على ما تزعمون من ~~طهارة القليل، ثم إنا نقول: إن رد يده إلى أنفه مرة ثانية فيه دلالة لنا ~~على نجاسته؛ لأنه لو أعادها فخرج عليها دم كثير كان الكل سواء في التنجيس ~~ونقض الطهارة، وفي هذا دلالة على ما قلناه من نجاسة ما لم يسل منه لكنه عفي عنه. # قالوا: إن ما هذا حاله، لما كان تعظم البلوى به، خفف الشرع فجعله طاهرا ~~لتعذر الاحتراز منه. PageV01P352 # قلنا: تخفيف الشرع فيه هو أنه أسقط حكمه في الغسل ونقض الطهارة به لا في ~~كونه نجسا، فهذا هو الذي وقع فيه النزاع، فد لوا عليه لتصح دعواكم فيه. # واعلم أن التفرقة بين مذهب الإمامين: الهادي والمؤيد بالله في ذلك ظاهرة، ~~وهو أن الهادي لا يفتقر إلى تقدير مايعفى عنه من ذلك؛ لأنه طاهر عنده، ولا ~~عفو فيما كان طاهرا، وأما المؤيد بالله فإنه يفتقر إلى تقدير ما يعفى عنه ~~لما كان نجسا عنده فلابد من التفرقة بين مايعفى عنه منه وما لا يعفى، فهذه ~~هي ثمرة الخلاف بينهما في ذلك وهما متفقان على كونه غير ناقض للطهارة ولا ~~يجب غسله إذا لم يكن سائلا. # مسألة: الحيوان الذي له نفس سائلة، هو الذي إذا ذبح سال دمه عن موضع ~~الذبح كالشاة، والبقرة، والحمامة، والدجاجة، وما أشبهها، لأن النفس هي ~~الدم، والحيوان الذي لا نفس له سائلة هو الذي إذا ذبح لم يسل دمه عن موضع ~~ذبحه كالذباب والزنبور والجراد وغير ذلك من الحيوانات التي لا نفوس لها، ~~فهذا هو مراد الفقهاء بقولهم في الحيوان: له نفس أو لا نفس له. # فإذا ms309 عرفت هذا فالذي ذهب إليه أئمة العترة، وأكثر الفقهاء: أبوحنيفة ~~وأصحابه، ومالك، والشافعي في أحد قوليه أن جميع هذه الحيوانات التى لا نفوس ~~لها سائلة لا تنجس بالموت ولا تكون منجسة للطعام بموتها فيه. # والحجة على ذلك: ماروى زيد بن علي، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (كرم الله ~~وجهه) أن الرسول ، أتي بجفنة قد أدمت فوجد فيها خنفساء وذبابا فأمر بهما ~~فطرحا ثم قال: (( سموا وكلوا فإن هذا لا يحرم شيئا))(¬1). وهذا عام في جميع ~~الحيوانات كلها التى وصفناها، في كل المائعات. # الحجة الثانية: قوله : (( إذا وقع الذباب في طعام أحدكم فامقلوه فإن في ~~أحد جناحيه داء والآخر شفاء، وإنه ليقدم الداء علىالشفاء )). ولم يفصل هناك ~~بين مقل متلف ومقل غير متلف فلو كان ينجس المائع بموتة لفصل بينهما. # الحجة الثالثة: من جهة القيا س، وهو أنه حيوان ليس له دم سائل ولا نفس ~~سائلة فلا ينجس الماء PageV01P353 بموته فيه كدود الخل وكدود التفاح والسمك والجراد. # وحكي عن الشافعي أنه ينجس بالموت، قولا واحدا، وهل يكون منجسا للطعام؟ ~~فيه قولان. # والحجة له على ماقاله: هو أنه حيوان لا يؤكل بعد موته لا لحرمته، فيجب أن ~~يكون نجسا بالموت كما لو كانت له نفس سائلة. # وقولنا: لا لحرمته. نحترز به عن ابن آدم فإن عنده أنه لا ينجس بالموت. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم من علماء الأمة، ويدل على ~~ذلك ماحكيناه عنهم ونزيد ههنا، وهو مارواه سلمان الفارسي (¬1) عن الرسول ~~أنه سئل عن إناء فيه طعام أو شراب فيموت فيه ماليس له نفس سائلة، فقال: ~~((هو الحلال أكله وشربه والوضوء منه))(¬2) ولأن ما هذا حاله تعظم به البلوى ~~ويشتد به الحرج لوكان ينجس الطعام بموته، فيجب أن يكون حكمه مرفوعا في ~~التنجيس لقوله تعالى: {وماجعل عليكم في الدين من حرج}[الحج:78]. وقوله ~~تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}[البقرة:185]. واليسر ورفع ~~الحرج لا يكونان إلا بطهارته فيجب القضاء بها. # الانتصار: قالوا: نتلوا الآية وهي قوله تعالى: {حرمت ms310 عليكم ~~الميتة}[المائدة:3]. وهذا عام في كل ميتة فيجب أن يكون نجسا في نفسه منجسا ~~لما وقع فيه. # قلنا: ليس في الآية إلا أنه يحرم أكلها ونحن نساعدكم على ذلك وليس كلامنا ~~فيه، وإنما كلامنا في أنه لا ينجس في نفسه، ولا ينجس ما وقع فيه من ~~المائعات، وما هذا حاله لانسلم تناول الآية له. # قالوا: حيوان محرم اللحم فموته في الماء مفسد له كالكلب والخنزير. # قلنا: قولكم محرم اللحم، وصف عديم التأثير؛ لأن الشاة لو ذبحت في الماء ~~لأفسدته بدمها ومع ذلك فإنه لايحرم أكلها فبطل جعله وصفا من أوصافها، ثم إن ~~التفرقة بينهما ظاهرة، فإن المعنى في الأصل هو أن لها دما مسفوحا بخلاف ما ~~نحن فيه فافترقا. # ثم إنا نقلب عليهم إذا قالوا: حيوان له دم سائل، فوجب أن لا يختلف حلاله ~~وحرامه في أن موته في الماء يفسده. # فنقول: حيوان لا دم له سائل فيجب أن لا يختلف حاله في كونه غير مفسد ~~للماء كالسمك والجراد، وكذلك ما حرم أكله مما لا دم له سائل لا يفسده أيضا ~~كالذباب والزنبور، وهذا من باب قلب التسوية، وهو مفسد للعلة؛ لأن أصلهم ~~الشاة والبقرة في استواء الحلال والحرام لهما في إفساد الماء،، وأصلنا ~~السمك والجراد فيما يؤكل لحمه والذباب والزنبور فيما لا يؤكل لحمه في كونها ~~غير مفسدة للماء. # قالوا: حيوان لا يؤكل بعد موته لا لحرمته فيجب كونه منجسا للماء كما لا ~~يؤكل لحمه. # قلنا: قولكم: لا يؤكل بعد موته، تحترزون به عن السمك والجراد فإنهما ~~يؤكلان بعد موتهما وهذا جيد، ولكن قولكم: لا يؤكل لا لحرمته، وصف عديم ~~التأثير؛ لأنكم إنما ذكرتموه تحترزون به عن الآدمى فإنه لا يؤكل لحرمته ومع ~~ذلك فإن وقوعه في الماء لاينجسه إذا مات فيه، لأن من مذهبكم أن الآدمي لا ~~ينجس بالموت فلأجل هذا قلنا: إن قولكم لا لحرمته عديم التأثير لا معنى له ~~فإن ذكره يفسد العلة ويبطلها، ثم إنا نقول: إن ما ذكره الشافعي في تعليل ~~تنجيس ماليس له ms311 دم سائل، قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه مخالف للإجماع، فإن ما ~~هذا حاله من الأقيسة فإنه لا يعول عليه لفساد وصفه واعتباره. قال ابن ~~المنذر (¬3): ولا أعلم أحدا قال: إنه ينجس الماء بموته فيه إلا الشافعي، ~~وعن أبي بكر الرازي (¬4) أنه قال: إن الشافعي قد خالف الإجماع في تنجيس ~~الماء بموت ما لا دم له سائل، وما PageV01P354 هذا حاله من الأقيسة يكون باطلا لا جريان له في الأحكام الشرعية والفتاوى ~~الفقهية. قال العمراني في (البيان): وإذا قلنا: لا ينجس الماء بموت ما لا ~~دم له سائل فإنه قول عامة الفقهاء، وحكي عن أكثر أصحاب الشافعي أنهم قالوا: ~~إنه الأصلح للناس. # مسألة: تشتمل على فروع على هذه القاعدة التي تقدمت وجملتها خمسة: # الفرع الأول منها: الحيوان الطاهر غير الكلب والخنزير إذا مات فإنه ينظر ~~فيه، فإن كان مما ليس له نفس سائلة فإنه طاهر كما مر بيانه لحديث سلمان: (( ~~كل طعام وشراب ماتت فيه دابة ليس لها نفس سائلة)).. الخبر، وقد قدمناه. # وإن كان له نفس سائلة كالحوت على اختلاف أنواعه فهو طاهر، لقوله عليه ~~السلام: (( أحلت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان: الحوت والجراد، والدمان: ~~الكبد والطحال)). فإن قطع من السمك قطعة وبقيت السمكة حية فهل يحكم بطهارة ~~تلك القطعة أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها تكون نجسة لقوله عليه السلام: (( ما أبين من الحي فهو ~~ميت))(¬1). ولم يفصل. # وثانيهما: أنها تكون طاهرة؛ لأن ميتة السمك طاهرة، وهكذا حال الجراد إذا ~~قطع يكون فيه الوجهان. # والمختار: هو الحكم بطهارة تلك القطعة المبانة، لأن المحذور أن تكون ~~ميتة، وقد دل الشرع على جواز أكل ميتة هذين النوعين بجملته فضلا عن قطعة من ~~أبعاضه، فلهذا فارق غيره من سائر الحيوانات عند الإبانة، لما ذكرناه. # وإن كان غير الحوت فهو نجس كسائر الحيوانات التي لها دم سائل، لقوله ~~تعالى: {حرمت عليكم PageV01P355 الميتة}[المائدة:3]. # الفرع الثاني: القيح والصديد والمدة(¬1)، نجسة؛ لأنها دماء استحالت إلى ~~نتن وفساد، فإذا كان الدم نجسا كما مر بيانه فهذه تكون أولى، وأما ~~المكو(¬2) ms312 وهو الذي يلحق الأيدي والأرجل عند شدة الاحتراك والاعتمال فتظهر ~~نفخات منها بماء غير متغير، فهل يكون ماؤها نجسا أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها نجسة؛ لأنها تلحق الجسم عن فساد وتغير فأشبهت القيح. # وثانيهما: أنها طاهرة؛ لأن ما فيها ماء غير متغير فأشبه العرق والدمع، ~~وهذا هو المختار، وهو الذي ذكره الإمام الحقيني وأبو مضر، والأول ذكره من ~~أصحابنا: الشيخ علي خليل، والقاضي أبو إسحاق. # والحجة على ما اخترناه: أن ماءها رقيق صاف حصل من فضلات الجسم، فهي ~~بالعرق أشبه. # وذرق الحوت والجراد طاهران عندنا، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي؛ ~~لأن ميتتهما طاهرة ولحمهما طاهر، فيجب أن يكون الذرق طاهرا إلحاقا له ~~باللحم من غير فرق. # الفرع الثالث: البلة التي تكون في فروج النساء، ينظر فيها فإن كانت مختصة ~~بلون أبيض فهي نجسة، ويقال له: القذا، وفي الحديث: (( كل فحل يمذي، وكل ~~أنثى تقذي))(¬3). أي: يخرج منها القذا، وإن لم يكن له لون نظرت، فإن كان ~~مختصا بريح خبيث فهو نجس أيضا على المذهب، وهو أحد قولي الشافعي، وله قول ~~آخر: أنه طاهر. # والمختار: هو الأول؛ لأنه صار متغير الريح فأشبه القيح، وإن كان لا لون ~~له ولا ريح فهل يكون طاهرا أو نجسا؟ فيه وجهان: PageV01P356 # أحدهما: أنها تكون نجسة؛ لأنها رطوبة خارجة من مخرج الحدث فأشبهت البول. # وثانيهما: أنها تكون طاهرة؛ لأنها بلة لا ريح لها فأشبهت العرق. # والمختار: طهارتها من أجل رقتها وصفائها وعدم تغيرها فهي بالريق والعرق ~~أشبه، ولأنها من فضلات البدن لا يلحقها تغير فأشبهت الدمع. # الفرع الرابع: العلقة والمضغة هل يكونان طاهرين أم لا؟ فيهما وجهان: # أحدهما: أنهما طاهران؛ لأنهما دمان غير مسفوحين فأشبها الكبد والطحال. # وثانيهما: أنهما دم خارج من الرحم فهما كالحيض والاستحاضة. # والمختار: هو الأول، لأنهما قد خرجا عن صفة الدم، ولأنهما أحد أطوار ~~الخلقة الآدمية فصارا كالعظم واللحم. # والمشيمة، وهي التي تكون وعاء للولد في بطن أمه، نجسة إذا انفصلت لقوله ~~عليه السلام: (( ما أبين من الحي فهو ميت)). ms313 # والدم الذي ينعقد على رأس الجرح طاهر؛ لأنه قد صار لتصلبه من جملة الجلد، ~~ولو قطع لتألم الحي؛ لأنه لاتصاله به أجري مجراه. # والدم الذي يبقى في العروق بعد ذبح البهائم طاهر يؤكل مع اللحم والمرق ~~لاتصاله به، فعفي عنه لما تعذر الاحتراز منه. # والماء الأصفر الخارج من الأنف طاهر؛ لأنه ليس دما فلهذا لم يكن نجسا كالدم. # الفرع الخامس: لما كان الدم معظم البلوى فيه لكثرة معالجته وعلاجه في بني ~~آدم والبهائم وسائر الحشرات، لا جرم خفف الشرع حكمه، وعفي عن قليله، وكان ~~يجري الرخصة فيه لما ذكرناه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر}[البقرة:185]. وقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج}[الحج:78]. PageV01P357 # ومن هذه القاعدة نعلم أن مبنى الشرع وقاعدته على التساهل في الطهارات وخفة ~~الأمر فيها، وأن خلاف ذلك مجانب لأمر الشريعة وحكمها، ومن قرع سمعه ما كان ~~من ممارسة الرسول لأهل الشرك في الآنية والطعامات واللباس، وعرف سيرة ~~الصحابة (رضي الله عنهم) وغيرهم من التابعين وتابعيهم في حال من يعاشرون من ~~الأطفال والعبيد والنسوان وعوام الخلق، تحقق ما قلناه من سهولة أمر ~~الطهارة. # واختلف(¬1) في مقدار ما يعفى من الدم، فمرة قال: مثل رؤوس الإبر وحب ~~الخردل، وتارة قدر الدرهم. # وأما الهادي فقد جعل العفو منه ما كان دون القطرة وهو الذي لا يسفح فإنه ~~طاهر، وهو المختار كما مر تقريره، وليس في الحقيقة عفو؛ لأنه طاهر عنده ~~بخلاف المؤيد بالله، فإن العفو متحقق فيه؛ لأنه نجس عنده فعفي عن ما ذكره، ~~فإن وقع الشك في هذا القدر وجب غلسله؛ لأن الأصل هو الحظر، والإباحة ~~والرخصة إنما تعلقا بهذا القدر لا غير، وإن وقع الشك في كونه قطرة لم يجب ~~الغسل؛ لأن الأصل هو الطهارة على رأيه. والحظر إنما وقع فيما تحقق حاله من ~~القطرة. # وأما الشافعي فقد حكي عنه أقوال ثلاثة: # أما أولا: فيعفى عن دم القمل والبراغيث. # وأما ثانيا: فقال في القديم: يعفى عنه إذا كان دون ملء ms314 الكف. # وأما ثالثا: فحكي عنه: مثل الدراهم والدنانير. # فكله نجس عنده إلا ما ذكرناه من هذه المقادير، وجميع ما ذكرناه من العفو ~~في الدماء على اختلاف هذه المذاهب، فهو جار في القيح والصديد والمدة وما ~~جرى مجراها لاستوائها جميعا في عظم البلوى بها، وشدة علاجها في جميع ~~الحيوانات كلها. PageV01P358 # والمختار من ذلك: ما قررناه من قبل، من أن تعليق النجاسة إنما هو بالسفح ~~كما أشار إليه الشرع بقوله: {أو دما مسفوحا}[الأنعام:145]. فأما ما عداه ~~فهو باق على حكم الطهارة كما هو رأي الهادي، فأما ما يعفى عنه من النجاسات ~~فسنذكره في آخر الباب. # مسألة: الآدمي غير الكافر، طاهر في حال الحياة؛ عرقه وسؤره ولعابه، وهل ~~ينجس في حال موته أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يكون نجسا، وهذا هو رأي القاسم بن إبراهيم والهادي ~~وأولادهما، ومحكي عن السيدين الأخوين: المؤيد بالله وأبي طالب وغيرهم من ~~أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ومالك، وأحد قولي الشافعي، ولهم ~~على ذلك حجج [ثلاث]: # الحجة الأولى: قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة}[المائدة:3]. ولم يفصل في ~~ذلك بين ميتة وميتة، في ترك الاستعمال والملابسة لها إلا ما قام عليه دليل، ~~والتحريم إنما يتعلق بالأفعال دون الأعيان. # الحجة الثانية: ما روي أن حبشيا وقع في بئر زمزم فأمر ابن عباس وابن ~~الزبير بنزح مائها، فلولا أنه نجس وإلا لكان الأمر بالنزح لا فائدة فيه. # الحجة الثالثة: من جهة القياس، وهو أنه ميتة غير مذكى له دم سائل، فوجب ~~كونه نجسا كسائر الميتات. # المذهب الثاني: أنه طاهر، وهذا شيء يحكى عن الشافعي في أحد قوليه، له قول ~~آخر مثل مذهب أصحابنا. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم}[الإسراء:70]. ومن ~~الكرامة أن لا يكون نجسا بعد موته. # الحجة الثانية: قوله : (( المؤمن ليس ينجس حيا ولا ميتا)). # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن وافقهم على ذلك. # والحجة لهم: ما حكيناه عنهم؛ ونزيد ههنا: وهو أن حيوان فارقته الحياة على ~~جهة الابتداء من غير PageV01P359 سبب، وله ms315 دم سائل فوجب كونه نجسا كسائر الميتين. # قولنا: فارقته الحياة ابتداء، نحترز به عن الشهيد فإنه طاهر محكوم عليه ~~بالطهارة ولهذا لم يحتج إلى غسل والشهادة في حقه قائمة مقام غسله. # وقولنا: وله دم سائل، نحترز به عما ليس له دم سائل فإنه طاهر كما مر ~~بيانه، ومن وجه آخر وهو أن الموت مؤثر في النجاسة، فلا يجوز رفع هذه ~~القاعدة إلا بدلالة، وما تذكرونه في طهارته معرض للاحتمال فلا ترفع به ~~القواعد المعلومة. # الانتصار: بإبطال ما جعلوه عمدة لهم في طهارته. # قالوا: قد كرم الله بني آدم كما أخبر ومن الكرامة طهارتهم بعد الموت وأن ~~لا يكونوا أنجاسا. # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلأنه ليس في الآية لفظ عموم فيكون حجة لكم على ما ذكرتموه، ~~وإنما أخبر بأنه قد كرمهم، ومتى حصلت خصلة واحدة في الإكرام صدق عليه قوله ~~تعالى: {ولقد كرمنا}. فمن أين أن ما ذكرتموه هو المراد من الآية؟ # وأما ثانيا: فلأنا نقول: الكرامة إنما هي في الحقيقة بالعقل والتكليف ~~وإرسال الرسل، وحفظ الملائكة، والإجلال والتعظيم بالحمل في البر والبحر ~~والرزق كما أشار إليه في الآية، فأين هذه الخصال الكريمة عما ذكرتموه من ~~النجاسة بالموت؟ # وأما ثالثا: فلأن الغرض بالإكرام ما يكون في حال الحياة من تلك ~~الإكرامات؛ لأنها لا تكون إلا متعلقة بالحياة دون الموت، والإكرام بالطهارة ~~إنما يكون بعد الموت فلا يكون مرادا بالآية فبطل ما توهموه. # قالوا: روى ابن عباس: (( لا تنجسوا موتاكم فإن المؤمن ليس ينجس حيا ولا ~~ميتا)). وهذا نص فيما نريده. # قلنا: قد ذكرنا أن الموت مؤثر في النجاسة، وهذه قاعدة معلومة لا سبيل إلى ~~رفعها، فإذا ورد ما PageV01P360 يعارضها من الظواهر الشرعية وجب تأويله، وخبر ابن عباس رضي الله عنه له ~~تأويلان: # أحدهما: أن يكون المراد منه، لا تعرضوا موتاكم لمباشرة النجاسات، والتضمخ ~~بها، والتلبس بمخالطتها، فإن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا نجاسة لا تطهر ~~بالغسل، بل إذا غسلت عنه النجاسة المتصلة به كان طاهرا كما كان ms316 في حال ~~الحياة. # وثانيهما: أن يكون المراد من الخبر تفاوت حاله لحال الكافر، وتميزه عنه ~~بإن الكافر نجس في حال الحياة وحال الموت، كما قال تعالى: {إنما المشركون ~~نجس}[التوبة:28]. بخلاف المؤمنين فإنهم ليسوا أنجاسا، في حال الحياة وحال ~~الموت على مثل نجاسة الكفار، بل إذا غسلوا بعد الموت طهروا، بخلاف الكافر ~~فإن غسله لا يزيده إلا نجاسة بعد الموت؛ لأنه لا يصلى عليه، فأورد الحديث ~~تفرقة بين حال المؤمن وحال الكفار؛ لأن الغرض هو الحكم بطهارته بعد موته ~~فسقط ما قالوه. # قالوا: آدمي فارقت جسمه الحياة فلا يكون نجسا كالشهيد. # قلنا: المعنى في الأصل هو مفارقة روحه لجسمه بسبب هو القتل شهيدا، فلهذا ~~كانت الشهادة قائمة مقام الغسل ففارق حاله حال الموت. # مسألة: مشتملة على فروع عشرة: # الفرع الأول: إذا غسل الميت فهل يطهر بالغسل أم لا؟ فالذي أشار إليه ~~السيد أبو طالب أنه يكون طاهرا، وهذا هو رأي أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحكي ~~عن مالك، والشافعي. # والحجة على ذلك: هو أنه لا فائدة في التعبد بغسله إلا أنه يصير في حكم ~~الطاهر، ولهذا فإنه يصلى عليه، فلو كانت النجاسة بالموت باقية فيه لما جازت ~~الصلاة عليه. وذهب سائر العترة إلى أنه لا يعود طاهرا بالغسل. # والحجة على ذلك: هو أن النجاسة إنما حصلت فيه بالموت فهي أمر غير مفارق، ~~وليس يطهر بالغسل إلا ما يصح مزايلته كالنجاسة المنفصلة، فأما ما كانت ~~نجاسته ذاتية فلا تطهر بالغسل كالكلب والخنزير وغيرهما مما نجاسته عينية. # والمختار: ما قاله السيد أبو طالب، ويدل عليه ما ذكرناه عنه، ونزيد وهو ~~أن الطهارة والنجاسة إنما PageV01P361 هما حكمان شرعيان متلقيان من جهة خطاب الشرع، ويجب الاحتكام لما قاله في ~~موارد الشرع ومصادره. # فنقول: قد دل الشرع على نجاسة الميتة فلهذا قضينا بنجاسة الميت لأجل ~~الموت، فإذا ورد الشرع بوجوب غسله دل ذلك على أنه يعود طاهرا بالغسل، وإلا ~~فلا فائدة في الأمر به وإيجابه، فيكون في حكمنا بطهارته بالغسل عملا بموجب ~~الدليلين معا، وتوفيرا عليهما ما ms317 يقتضيه حكمهما من ذلك، فلأجل ذلك حكمنا ~~بطهارته بالغسل بعد الحكم بنجاسته بالموت. # الانتصار: قالوا: النجاسة فيه عينية فلا يعود طاهرا بالغسل كالكلب ~~والخنزير. # قلنا: ما تعنون بكون نجاسته عينية؟ تريدون أنه لا يطهر من غير غسل؟ فهذا ~~مسلم ولا نزاع فيه، أو تريدون أنه لا يطهر وإن غسل فهذا لا نسلمه وفيه وقع ~~النزاع، فلم لا يجوز أن يعود طاهرا بعد غسله؟ # قالوا: لو عاد طاهرا بالغسل لجاز أن يعود الكلب والخنزير طاهرين إذا غسلا ~~ولا قائل بهذا القول، فبطل أن يكون غسله موجبا لطهارته. # قلنا: التفرقة بينهما ظاهرة، فإن نجاسة الكلب والخنزير لم يرد الشرع ~~بأنها تزول بالغسل ولا ورد الشرع بغسلهما بحال، فدل ذلك على أن النجاسة ~~باقية فيهما وأن الشرع لم يلحظ فيهما الطهارة أصلا بخلاف المسلم إذا غسل ~~بعد موته، فإنه لما ورد الشرع بغسله بان لنا أن الطهارة في حقه ملحوظة بنظر ~~الشرع وحكمه، وتحقق ما ذكرناه من كون الطهارة في حق المسلم ملحوظة شرعا ~~جواز الصلاة عليه، والصلاة من حكمها الطهارة فيما يصلى فيه وعليه وطهارة ~~الجسم والمكان والأثواب كما سنوضحه، فسقط ما قالوه، والله أعلم. # الفرع الثاني: إذا انفصل من جسم ابن آدم عضو من أعضائه في حال حياته فهل ~~يكون طاهرا أو نجسا؟ فالذي عليه علماء العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ~~ومالك، وأحد قولي الشافعي أنه نجس. PageV01P362 # والحجة على ذلك: قوله : (( ما أبين من الحي فهو ميت)). وحكي عن الشافعي قول ~~آخر: أنه يكون طاهرا، عملا على أنه لا ينجس بالموت فتصير ميتته طاهرة ~~كانفصال ما ينفصل من السمك والجراد في حال حياته. # والمختار: ما قاله علماء العترة ومن وافقهم، وهو الأصح من قولي الشافعي ~~لما قررناه من أنه ينجس بالموت، ثم إنا لو سلمنا ما زعموه من طهارته عند ~~الموت فالحكم بالطهارة إنما تثبت لجملته دون أبعاضه. # الفرع الثالث: ذهب علماء العترة إلى أن لبن الميتة نجس، وهو محكي عن ~~الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أنه مائع غير الماء ms318 لاقى نجاسة فوجب الحكم عليه ~~بالنجاسة، كما لو حلب في إناء لطخ بالبول والعذرة، وذهب أبو حنيفة وأصحابه ~~إلى أنه طاهر. # والحجة لهم على ما قالوه: وهو أنه إنما يتصل بوعاء اللبن الحاصل في الضرع ~~وليس فيه حياة فينجس بملاقاة ما انفصلت عنه الحياة وإنما ينجس وعاء اللبن ~~بملاقاة الميتة فهو حائل بين الميتة واللبن فلهذا كان طاهرا. # والمختار في ذلك تفصيل: وهو أنه إن صح أن اللبن حاصل في إناء غير الضرع ~~الميت فهو طاهر كما قاله السيد أبو طالب؛ لأنه غير مجاور للميتة، وإنما ~~جاور ما جاور الميتة، وإن كان حاصلا في الضرع نفسه كما قال المؤيد بالله ~~بالمجاورة وهو رأي الشافعي وإذا كان الأمر كما قلناه، ارتفع النزاع في ~~المسألة وصارت وفاقية. # الانتصار: بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: مائع لاقى النجاسة فكان نجسا. # قلنا: إذا كان وعاء اللبن أمرا مخالفا للضرع فلا شك في طهارته، فلا نسلم ~~الملاقاة للنجس، وإن كان الملاقي هو الضرع نفسه من غير وعاء فهو نجس لا ~~محالة، فإذن الخلاف في المسألة ربما كان لفظيا على التفصيل الذي ذكرناه. # الفرع الرابع: إنفحة الميتة نجس عند أئمة العترة وهو قول الشافعي. PageV01P363 # والحجة على ذلك: هو أن الإنفحة بكسر الهمزة وفتح الفاء بنقطة من أعلاها ~~وحاء مهملة: هو شيء أصفر يكون في كرش الجدي مالم يأكل الشجر واتصاله ~~بالنجاسة ظاهر، فلهذا كان نجسا، دليله سائر رطوبات الميتة من دمها وفرثها، ~~يؤخذ فيفت على الجبن فينعقد به، فما كان مأخوذا من الميتة فهو نجس لما ~~ذكرناه من الاتصال بها، وذهب أبو حنيفة إلى طهارته. # والحجة له على ذلك: هو أن الرسول خرج إلى غزوة الطائف فأتوه بالجبن، ~~فقال عليه السلام: (( أين يصنع هذا))؟ فقالوا له: بأرض فارس، فقال عليه ~~السلام: (( اذكروا اسم الله عليه ثم كلوا))(¬1). ولا شك أن ذبائح المجوس ~~نجسة؛ لأنها ميتة، فظاهر الخبر دال على طهارة الإنفحة؛ لأن جبنهم لا ينعقد ~~جبنا إلا بها. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم ms319 على ذلك. # والحجة على ذلك: ما قدمناه؛ ونزيد ههنا وهو أن الإنفحة نازلة منزلة أعضاء ~~الميتة في كونها متصلة بالميتة، فلهذا حكمنا بنجاستها كنجاسة أعضاء الميتة. # الانتصار: قالوا: الحديث دال على طهارة الإنفحة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا الحديث منسوخ بقوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر ~~اسم الله عليه}[الأنعام:121]. ولا شك أن المجوس ليسوا أهل كتاب عندنا، ~~فذبائحهم تكون ميتة لا محالة فلهذا كان منسوخا. # وأما ثانيا: فلأن المجوس قد قيل: إنهم لا يذبحون لأنفسهم، بل كان يذبح ~~لهم اليهود والنصارى وهم أهل كتاب، ومن منع من ذبائح المجوس لم يمنع من ~~ذبائح أهل الذمة، وهي مسألة خلاف بين أهل القبلة، كما سنوضحه في الذبائح ~~بمعونة الله تعالى. # قالوا: ما جاز أن يؤخذ من الحيوانات في حال حياته، فإنه لا ينجس بالموت ~~كالبيض. PageV01P364 # قلنا: [هذا] فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن الإنفحة لا يمكن أخذها إلا بالذبح فهو مخالف للبيض؛ لأنها ~~من كرش الجدي. # وأما ثانيا: فالتفرقة بينهما ظاهرة، وهو أن للبيض قشرا يمنع من وصول ~~النجاسة إليه بخلاف الإنفحة فإنها متصلة برطوبة كرش الجدي فلهذا لم تفارقه ~~في النجاسة. # الفرع الخامس: ألبان ما يؤكل لحمه طاهرة كالبقر والغنم والإبل؛ لأنها ~~متاع للخلق وفيها قوام لهم كاللحم والشحم عند أئمة العترة وفقهاء الأمة، ~~وألبان الآدميات المسلمات طاهرة عند أئمة العترة وفقهاء الأمة؛ لأنها قوام ~~الأطفال ومتاع لهم، ولو كانت نجسا لما جاز إطعامهم إياها، وإذا حل اللبن ~~فالزبد والجبن والسمن من ذلك طاهر حلال؛ لأن أصلها لبن، فإذا كان طاهرا ~~فهذه طاهرة، وألبان السباع والخيل والحمير نجسة عند أئمة العترة وهو قول ~~فقهاء الأمة، وحكي عن الحقيني أنها طاهرة. # والحجة على ذلك: هو أنها رطوبة منفصلة من حيوان لا يؤكل لحمه فكانت طاهرة ~~كالدمع والعرق. # والمختار: أنها نجسة؛ لأنها فضلة مستحيلة من الدم، فكانت نجسة كالمني منه. # الانتصار: قالوا: فضلة تشبه العرق. # قلنا: إنها بالمني أشبه؛ لأنهما جميعا يستحيلان من الدم، فلهذا كان ~~إلحاقها بالمني أقرب، ولأنها ms320 ألبان ما لا يوكل لحمه فأشبه لبن الكلاب ~~والخنازير، وما كان لبنه نجسا كهذه الحيوانات، فالزبد والسمن والجبن نجس من ~~جميع ذلك كله. # الفرع السادس: شعر الكلب، وفيه مذاهب ثلاثة: # أولها: أن شعره نجس، وهذا هو مذهب الهادي وأجازه الأخوان السيدان، وهو ~~محكي عن الشافعي. PageV01P366 # والحجة على ذلك: ما روي عن عبدالله بن المغفل (¬1) أن الرسول قال: (( إذا ~~ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب)). وإنما ~~وجب ذلك فيه لنجاسته، فإذا تقررت نجاستة بما ذكرناه فشعره يجب أن يكون ~~نجسا؛ لأنه شعر حيوان نجس فأشبه شعر الخنزير. # وثانيها: أنه طاهر، وهذا شيء يحكى عن الباقر (¬2)، والصادق، والناصر، وهو ~~قول أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه شعر نابت على أصل نجس فكان طاهرا كشعر الميتة ~~وصوفها، أو نقول: شعر لا تحله الحياة، فكان محكوما عليه بالطهارة، دليله: ~~شعر الميتة. # وثالثها: التفرقة بين شعر الكلب والخنزير، وهذا هو رأي أبي حنيفة، فإنه ~~قال بطهارة شعر الكلب، وقال: إن شعر الخنزير نجس. # والحجة له في التفرقة بينهما: هو أن الخنزير لا جلد له وإنما شعره نابت ~~على لحمه فكأنه بعضه فلهذا كان نجسا، بخلاف الكلب فإن له جلدا وشعره نابت ~~على جلده فلهذا كان طاهرا مثل شعر الميتة وصوفها. # والمختار: ما قاله الأخوان من نجاسته لكونه نابتا على محل نجس، فلهذا كان ~~نجسا كجلده ولحمه، ولما روي أن الرسول دعي إلى دار فلم يجب ودعي إلى دار ~~فأجاب، فقيل له في ذلك، فقال: (( إن في دار فلان كلبا)). فقيل له: وفي دار ~~فلان هرة. فقال: (( إن الهرة ليست بنجس))(¬3). فدل ذلك على أن الكلب نجس، ~~ولم يفصل بين شعره ولحمه وعظمه. PageV01P367 # الانتصار: قالوا: شعر نبت على محل نجس، أو لا حياة فيه فكان طاهرا كشعر ~~الميتة. # قلنا: المعنى في الأصل: أن النجاسة في الميتة طارئة بخلاف نجاسة الكلب ~~فإنها أصلية، ثم إنا نعلم أن أحدا من المسلمين لم يستعمل شعر الكلب في حالة ~~من الحالات، وفي هذه ms321 دلالة على استقذاره، وأنهم إنما تركوه من أجل نجاستة ~~وقذره، وقد قال عليه السلام: (( ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)). # الفرع السابع: شعر الخنزير، وفيه مذهبان: # أحدهما: أنه نجس لا يجوز الانتفاع به في الحرز ولا في غيره، وهذا هو رأي ~~أكثر أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه. # وحكي عن مالك: طهارة الخنزير كله، وحكي عنه: نجاسته. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {أو لحم خنزير فإنه رجس}[الأنعام:145]. ~~والرجس: هو النجس، فالضمير في قوله تعالى: {فإنه}. يرجع إلى الخنزير؛ لأنه ~~أقرب المذكورين ومن حق الكناية أن تكون راجعة إلى أقرب المذكورين، ولم يفصل ~~بين شعره ولحمه وجلده. # وثانيهما: أنه طاهر، وهذا هو المحكي عن الصادق والباقر والناصر. # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم في الاستدلال على طهارة شعر الكلب فلا ~~وجه لتكريره. # والمختار: هو القول بنجاسة شعره؛ لأنه في نظر الشرع كالكلب فهو أدخل في ~~النجاسة والتقذير من الكلب، من جهة أن الكلب يقتنى للصيد والزرع والماشية ~~ويؤنس به، بخلاف الخنزير فإنه لا يراد لواحد من هذه المنافع، ولا يكاد يوجد ~~في اليمن، وإنما يوجد في بلاد الروم والصين والديار المصرية، وأكثر من يأكل ~~أولاده المغل(¬1) ومن لا يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر، وما قررناه في ~~الانتصار عليهم في نجاسة الكلب فهو بعينه هاهنا وارد في الخنزير. PageV01P368 # وإذا قلنا بنجاسة شعره فهل يجوز الانتفاع به أم لا؟ فالذي عليه أكثر أئمة ~~العترة أنه لا يجوز الانتفاع به في الحرز ولا في غيره. # والحجة على ذلك: هو أنا قد قررنا نجاسته وتحريم ملابسته ولم تفصل الأدلة، ~~في ذلك، هذا هو رأي الشافعي، وأبي يوسف، وحكي عن الناصر، والباقر، والصادق ~~جواز الانتفاع به؛ لأنه على مذهبهم طاهر، كما قررناه من قبل، وحكي عن أبي ~~حنيفة جواز الانتفاع بشعر الخنزير للأساكفة، وحكي عن محمد طهارة شعره كما ~~حكيناه عن الباقر، والصادق، والناصر، وحكي عن القاسم أن ترك الانتفاع بشعره ~~أفضل، وفي هذا تنبيه من مذهبه على الجواز، وعلى كونه ms322 غير محرم الاستعمال. # والمختار: هو التنزه عنه؛ لأن الأدلة الشرعية لم تفصل في ذلك بين شعر ~~وعظم ولحم، ولأن شعره جزء من أجزائه فلم يجز الانتفاع به كغيره من أجزائه ~~المتصلة به، والله أعلم. # الفرع الثامن: في شعور بني آدم وأظافرهم، وفيها مذهبان: # أحدهما: أنها طاهرة كلها سواء أخذت في حال الحياة أو في حال الموت، وهذا ~~هو رأي أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه شعر طاهر نابت على محل طاهر فوجب الحكم عليه ~~بالطهارة كما إذا كان ذلك قبل الموت، وطرو الموت لا يوجب تنجيسه؛ لأن ~~الحياة غير حالة فيه فلهذا استوى حالاه قبل الموت وبعده. # وثانيهما: ما حكي عن الشافعي: أنه طاهر في حال الحياة ونجس بعد الموت، ~~وحكي ذلك عن محمد بن يحيى (¬1) وخطأه السيد أبوطالب في ذلك. وقال: إن مذهب ~~القاسم، ويحيى [ابن الحسين]: أنه طاهر؛ لكونه نابتا على محل طاهر. PageV01P369 # والحجة لهم على ذلك: هو أن الأدلة الشرعيةلم تفصل في حق الميتة بين شعر ~~ولحم ودم، فلهذا قضينا بنجاسة ما كان متصلا بها. # والمختار: ما عليه أكثر أئمة العترة من طهارتها في الحياة والموت. # والحجة: ما ذكرناه؛ ونزيد ههنا، وهو أن هذه الشعور ليست من جملة الحي، ~~ولهذا فإنه لا يتألم بقطعها ولا تؤذيه مفارقتها، فوجب أن لا تكون من جملة ~~الميتة؛ لأن ما لا يلحقه حكم الحياة فلا يلحقه حكم الموت كالثوب والقميص. # وقد حكي عن الشافعي قول ثان: أنه نجس على الإطلاق، وقول ثالث: أنه طاهر ~~على الإطلاق، وحكي عنه: أنه يتبع الجلد، فإن كان الجلد طاهرا فهو طاهر، وإن ~~كان نجسا فهو نجس. # الانتصار: بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: الأدلة الشرعية دالة على تحريم الميتة على جهة العموم، فلا وجه ~~لإخراج شعرها وظفرها من غير دلالة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا نسلم اندراج ما ذكرناه تحت العموم، فإن المقصود في تحريم ~~الميتة إنما هو أكلها، فما ذكرتموه دعوى غير مسلمة. # وأما ثانيا: فهب ms323 أنا سلمنا العموم كما زعمتم لكنا نخرج ما ذكرناه بدلالة ~~القياس، والتخصيص بالقياس يكون عملا بالقياس والظاهر جميعا، فبقي الظاهر ~~على عمومه ويخرج بالقياس ما تناوله وفيه عمل بالدليلين جميعا، وما ذكرتموه ~~تعويل على الظواهر وإهمال للقياس وإلغاء، فلا يكون مقبولا. # الفرع التاسع: عظم الميتة وعصبها، ذهب علماء العترة إلى [أن] عظم الميتة ~~وعصبها نجسة كلها، وهو قول مالك والشافعي. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة}[المائدة:3]. ولا شك أن ~~العظم والعصب من PageV01P370 جملة الميتة، وهو تعالى لم يفصل بين جزء منها وجزء، فيجب أن تكون محرمة ~~كلها إلا ما خصته دلالة كما سنقرره في الشعور والأصواف والأوبار، وقد حكينا ~~عن محمد بن يحيى ما قاله في نجاسة الأصواف وتخطئة أبي طالب له، وهذا لا وجه ~~له، فإنه لا وجه لإطلاق الخطأ في المسائل الاجتهادية؛ لأنها كلها حق وصواب، ~~وما هذا حاله فلا ينبغي إطلاق الخطأ فيه؛ لأنه يوهم أن هناك حقا مطلوبا لله ~~تعالى يخطئه بعض المجتهدين ويصيبه آخرون، وهذا لا معنى له في المسائل ~~الخلافية، وقد حققناه في صدر الكتاب فأغنى عن الإعادة، اللهم إلا أن يريد ~~السيد أبوطالب بالخطأ: هو أن ما قاله محمد بن يحيى ليس مذهبا للقاسم ويحيى، ~~فهذا يمكن أن يقال: أخطأ من نسب هذه المقالة إليهما، فأما أن يقال: إن كل ~~من ظن أن شعر الميتة وصوفها نجس فهو مخطئ، فإنه لا وجه لهذه المقالة. # الحجة الثانية: قوله : (( لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب )). وفي ~~حديث آخر: (( لا تنتفعوا من الميتة بشيء)). وهذا عام فلا وجه لمخالفته. # الحجة الثالثة: هو أن العظام فيها حياة بدليل قوله تعالى: {قال من يحيي ~~العظام وهي رميم}[يس:78]. وكل ما كان من الميتة حي فإنه ينجس بالموت لا ~~محالة كالكبد والطحال واللحم وغيرها. # وحكي عن أبي حنيفة وأصحابه: أنها كلها طاهرة. # والحجة لهم على ذلك: هو أن العظام فيها صلابة تمنع من وجود الحياة فيها، ~~وما لا تحله الحياة فلا ينجس بالموت؛ لأن بنية الحياة لا ms324 بد من حصولها على ~~كيفية مخصوصة من الرطوبة والاعتدال في البنية، والعظم والعصب فيهما، قساوة ~~فلا يجوز وجود الحياة فيهما. وإذا كان لا حياة فيهما فإنها لا تنجس بالموت. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة، من القول بنجاستها لما ذكروه. ونزيد ~~هاهنا ونقول: إن كان فيها حياة فهي نجسة بالموت، كالميتة وإن لم يكن فيها ~~حياة فإنها تنجس أيضا بالمجاورة لما يحتوي عليها من اللحم والدم والبشر ~~وغير ذلك، فلهذا وجب القضاء بنجاستها فإنها لا تنفك من الأمرين جميعا، ومتى ~~انفصلت وجب القضاء بنجاستها لكونها بعضا من أبعاض الميتة كاللحم والعروق. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. PageV01P371 # قالوا: العظام فيها صلابة تبطل حلول الحياة فيها. # قلنا: قد دل الشرع على كونها حية بما تلوناه من ظاهر الآية، وإذا كان ~~ظاهر الآية يقضي بالحياة وجب العمل عليها؛ لأن الشرع يجب التعويل عليه في ~~كل المسائل الاجتهادية من غير تعويل على ما يدل عليه العقل ويقتضيه، فإن ~~تحكيم الشرع أحق في المسائل الاجتهادية الخلافية. # الفرع العاشر: في عظم الفيل: ذهب علماء العترة إلى أن عظام الفيل لا يجوز ~~استعمالها وعاء للأدهان الرطبة. # والحجة على ذلك: هو أنه حيوان لا يؤكل لحمه فلا تلحقه الذكاة الشرعية، ~~وعظم الميتة نجس فلأجل ما ذكرناه يكون عظمه نجسا لا محالة، وهو قول ~~الشافعي. # وحكي عن أبي حنيفة جوازه؛ لما سبق تقريره من أن عظم الميتة طاهر، ولأن من ~~أصله أن الذكاة تطهر اللحم والجلد فيما لا يؤكل لحمه، فلأجل هذين الأصلين ~~جاز استعمال عظمه في الأشياء الرطبة، وكان طاهرا لا محالة. # والمختار: ما قاله علماء العترة. # والحجة على ذلك: ما مهدنا من الأصول من كون الفيل غير مأكول اللحم، وأن ~~الذكاة لا تكون مطهرة لما لا يؤكل لحمه، وأن العظام مما تحلها الحياة ~~بالأدلة الشرعية، وكل هذه الأصول قد مهدناها وقررنا قواعدها بالأدلة ~~النقلية فأغنى عن الإعادة، وما ذكرناه من الانتصار على عظام الميتة فهو ~~وارد ههنا. والله الموفق للصواب. # مسألة: في شعور الميتات وأصوافها وأوبارها والقرن ms325 والظفر والسن منها مما ~~لا تحله الحياة، وفيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها طاهرة قبل الموت وبعده، وهذا هو رأي القاسم ويحيى وهو ~~رأي أكثر أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ومحكي عن مالك. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ~~ومتاعا إلى حين}[النحل:80]. PageV01P372 # ووجه الاستدلال بهذه الآية: هو أن الله تعالى أوردها على جهة الامتنان ~~علينا بما جعل فيها من المنافع لنا في الرزق واللباس وجميع أنواع المنافع ~~العظيمة فيها، ثم إنه لم يفصل في ذلك بين الميت منها والمذكى بحال، فلو ~~كانت نجسة لكان لا وجه للامتنان بهذا الإنعام، بل يجب تجنبها كما في غيرها ~~من سائر النجاسات التي ورد الشرع بالتنزه عنها وإبعادها. # الحجة الثانية: قول ، فيما روت أم سلمة، قالت: سمعت رسول الله يقول: (( ~~لا بأس بشعر الميتة وصوفها إذا غسل بالماء))(¬1). وهذا نص في مرادنا. # وقوله: (( إذا غسل بالماء)). ليس شرطا في طهارته، وإنما أراد أنه لا يكاد ~~ينفك عن تلوثه بصديدها أو عرقها أو شيء من رطوباتها، فلهذا ندب إلى غسله، ~~ويحتمل أن يكون واجبا لما ذكرناه، وقوله : (( إنما حرم من الميتة ~~أكلها))(¬2). فيه دلالة على أن التحريم إنما يتناول ما يتأتى فيه الأكل، ~~والشعر، والصوف، والقرن، والضلف لا يتأتى فيه الأكل، فلهذا لم يكن التحريم ~~متناولا له. # الحجة الثالثة: قياسية، وهي أن جواز الانتفاع غير موقوف على حصول الذكاة، ~~فوجب أن يكون حكمه بعد الموت مثل حكمه قبله، دليله: البيض والولد. # المذهب الثاني: أنها نجسة، وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة له على ذلك: الآية والخبر الدالان على تحريم الميتة، كقوله تعالى: ~~{حرمت عليكم الميتة}[المائدة:3]. وقوله : (( لا تنتفعوا من الميتة بشيء)). ~~فهذان دالان على المنع من استعمال الميتة و[على] نجاستها وهذا هو مقصودنا. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن وافقهم من علماء الأمة لما حكيناه ~~عنهم في الاستدلال؛ ونزيد هاهنا وهو أن الشعر والوبر والصوف لو كانت نجسة ~~من الميتة لوجب الحكم عليها بالنجاسة ولو كان الحيوان حيا، لقوله : (( ما ms326 ~~أبين من الحي فهو ميت )). فلما توافقنا على أنها طاهرة وإن قطعت PageV01P373 من الحيوان في حال حياته، دل ذلك على طهارته وإن قطعت بعد موته. والجامع ~~بينهما: هو أنه لا حياة فيها فلهذا كانت طاهرة. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: الآية دالة على تحريم الميتة، ولم تفصل بين بعض وبعض منها، والصوف ~~والشعر والظفر والقرن من أبعاضها فيجب أن تكون نجسة. # قلنا: ليس في ظاهر الآية ما يدل على النجاسة وإنما هي نص في التحريم، وكم ~~من المحرمات ما هو ممنوع حرام وليس نجسا كالأنصاب والأزلام - وهي قداح ~~الميسر - فليس في ظاهر الآية إلا مطلق التحريم، وليس فيه دلالة على ~~النجاسة، وكلامنا إنما هو في نجاستها دون تحريمها. على أنا نقول: المقصود ~~هو تحريم أكلها، والأكل بمعزل عن النجاسة، فنحن نقول بأنه لا يجوز أكلها ~~ويجوز استعمال ما كان طاهرا منها مما لا تحله الحياة كالصوف والشعر والقرن، ~~ثم إنا وإن سلمنا العموم كما زعمتم، لكنا نخصها بما ذكرناه من الأدلة، ~~فنستعمل العموم فيما عدا ما ذكرناه، ونستعمل الخصوص فيما تناولته أدلتنا، ~~فيكون عملا بالدليلين جيمعا ولا حاجة إلى إبطال أحدهما، فيخرج ما لا تحله ~~الحياة من صوف أو شعر أو قرن أو غير ذلك، ويبقى ما عداها. # قالوا: الخبر دال على منع الانتفاع من الميتة. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلا نسلم اندارج هذه الأشياء تحت عموم الخبر؛ لأن الميتة إنما ~~تكون لما فارق الحياة وكان ميتا، وهذه الأشياء ليس فيها حياة قبل الموت ولا ~~بعده فلا يطلق عليها اسم الميتة لما ذكرناه. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا اندراجها تحت العموم لكنها خرجت بالأدلة التي ~~ذكرناها من أجل الخصوص، فيكون الخبر معمولا به في غير ما تناولته أدلتنا ~~الخاصة، وفيه الوفاء على العمل بالدليلين كما أشرنا إليه. # قالوا: جزء متصل بذي روح ينمو بنمائه فوجب أن ينجس بالموت كالظهر والبطن. PageV01P374 # فقولنا: جزء متصل، نحترز به عن الولد والجنين فانهما يكونان طاهرين عند ~~الانفصال. # قلنا: هذا فاسد ms327 لأمرين: # وأما أولا: فلأن المعنى في الأصل، أنه لا يجوز قطعها ولا يحل استعمالها ~~في حال حياته فلهذا كانت نجسة بالموت، بخلاف ما نحن بصدده فإنه يجوز قطعها ~~عن الحيوان في حال حياته، ويجوز الانتفاع بها فلا جرم لم تنجس بالموت. # وأما ثانيا: فهو أنها تحلها الحياة فلهذا تنجست بالموت، بخلاف مسألتنا ~~فإنها لا تحلها الحياة فلم تكن نجسة بالموت، فإذا وقع الفرق من هذين ~~الوجهين بطل الجمع بما ذكرتموه، والفرق أدخل ما يكون في إبطال ما ذكره ~~القائس لكونه إبطالا لفقه الجمع. # قالوا: جزء مضمون من الصيد بالجزاء، فوجب أن تكون فيه حياة كالعين ~~والأذن. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأن المضمون من الصيد هو نقصان ما فات منه، سواء كان فيه حياة ~~كسائر أعضائه أو لم تكن فيه حياة كالبيض والريش. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه منقوض باللبن، فإنه مضمون من الصيد، وإن لم ~~تكن فيه حياة فعدم الحياة لا يؤثر في جبران النقص من الصيد؛ لأن المقصود هو ~~ضمان ما نقص بكل حال. # قالوا: قد أشار الرسول ، إلى غسله إذا أريد استعماله، فلولا أن فيه حياة ~~تنجس بالموت وإلا لما أمر بغسله. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن هذا يبطل عليكم ما قلتموه من نجاستها؛ لأنه لو كان من ~~جملة الميتة لم يأمر بغسله؛ لأنه لا يطهر بالغسل من جهة أن نجاسته عينية ~~كنجاسة الكلب والخنزير، فالأمر بالغسل يبطل كونه نجسا. PageV01P375 # وأما ثانيا: فإنه إنما أمر بغسله لما كان طاهرا في ذاته كما قلناه، لكنه ~~ربما سنح له النجاسة لأجل اتصاله بالميتة، فلا يؤمن هناك اتصاله برطوبتها ~~من دم أو روث أو قيح أو صديد أو غير ذلك، فلهذا كان غسلها مأمورا به لما ~~ذكرناه. # مسألة: ذهب أئمة العترة إلى أن مني بني آدم نجس، سواء كان خروجه على ~~طهارة أو غير طهارة، لا يختلفون فيه، وهذا هو قول أبي حنيفة وأصحابه، ومحكي ~~عن الأوزاعي ومالك، ومثله خرج صاحب (التلخيص) على رأي الشافعي، ويدل على ~~ذلك ms328 حجج [ثلاث]: # الحجة الأولى: خبر عمار، قال: مر بي رسول الله ، وأنا أسقي راحلتي فتنخمت ~~فأصابتني نخامتي فجعلت أغسل ثوبي، فقال رسول الله : (( ما نخامتك ودموع ~~عينيك إلا كالماء في ركوتك)) ثم قال: (( إنما تغسل ثوبك من البول والغائط ~~والدم والقيء والمني )). فأوجب غسل الثوب منه، فلولا أنه نجس لما أوجب غسل ~~الثوب منه، ولأنه أدرجه في ضمن هذه النجاسات فكان نجسا مثلها. # الحجة الثانية: ما روي عن النبي ، أنه سأله رجل عن المني يصيب الثوب ~~فقال: (( أمطه عنك بإذخرة(¬1) فإنما هو كمخاط أو بصاق))(¬2). فأمره بإزالته ~~فلو كان طاهرا لما أمره بإزالته ولأنه قال: (( أمطه بإذخرة)) دل ذلك على ~~مبالغة في نجاسته، ولهذا فإنه زاد في إزالة أثره بالإذخرة، وإنما قال: (( ~~فإنما هو كمخاط أو بصاق)). لما فيه من المشابهة لهما في الغلظ واللزوجة ~~والبياض وليس الغرض مشابهته لهما في الطهارة، إذن لا فائدة في الإزالة. # الحجة الثالثة: قياسية، وهو أنه مائع يجب الغسل بخروجه، فوجب كونه نجسا ~~كدم الحيض، أو نقول: خارج من الإحليل فوجب كونه نجسا كالبول والمذي. فهذه ~~الأدلة كلها دالة على نجاسته. # وذهب الشافعي في قوله المشهور غير ما حكاه صاحب (التلخيص): إلى أنه طاهر ~~ما لم تصبه PageV01P376 نجاسة عارضة عليه. وإلى هذا ذهب ابن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة من ~~الصحابة رضي الله عنهم. # والحجة لهم على ذلك: ما روته عائشة، أنه بلغها أن رجلا غسل ثوبه من ~~المني، فقالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله وهو يصلي. # قالوا: فلو كان نجسا لما انعقدت معه الصلاة، ولهم أدلة غير هذا نوردها ~~عند ذكر الانتصار عليهم في هذه المقالة. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم، في كونه نجسا لما ذكرناه ~~عنهم، ونزيد هاهنا حججا: # الحجة الأولى: ما روته عائشة (رضي الله عنها) قالت: (( كان رسول الله ، ~~يغسل المني من ثوبه ثم يخرج إلى الصلاة)). # [الحجة الثانية]: وعن عمر رضي الله عنه: أنه غسل موضع الاحتلام من ثوبه. ~~وعن عبدالله بن مسعود ms329 أنه قال: إذا وجدت المني فاغسله. # [الحجة الثالثة]: وعن ابن عمر أنه كان يغسله من ثوبه، فهؤلاء الجلة من ~~الصحابة (رضي الله عنهم) روي عنهم غسله، فلولا كونه نجسا لما واظبوا على ~~غسله كسائر النجاسات. # ولأنه خارج من الإحليل لشهوة فوجب كونه نجسا كالمذي، ولأنه خارج من مخرج ~~الحدث، فوجب كونه نجسا كالبول والعذرة، فهذه المعاني كلها دالة على نجاسته. # الانتصار: يكون بإيراد ما جعلوه عمدة لهم وإبطاله. # احتجوا بقوله تعالى: {فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين ~~الصلب والترائب}[الطارق:5 - 7]. # ووجه الاحتجاج بهذه الآية: هو أن الله تعالى إنما أوردها على جهة ~~الامتنان وإظهار القدرة، وكمال الامتنان إنما يكون بأن يخلقه من الطاهر دون ~~النجس، فلهذا حكمنا بطهارته. PageV01P377 # قلنا: هذا فاسد لأوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأن الآية إنما سيقت لبيان افتقاره إلى الحفظ، لكونه مبنيا من ~~حالة ضعيفة. ولهذا قال تعالى(¬1):{إن كل نفس لما عليها حافظ}[الطارق:4]. # والمعنى: وإنما كان مفتقرا إلى حافظ لكونه مخلوقا من ماء رقيق، وأعظم ما ~~يحتاج إلى الحفظ، الماء لرقته وتفرق أجزائه ولكونه أيضا على صفة الدفق عن ~~مقره ومكانه، يفتقر إلى الحفظ؛ لأن أحوج ما يحتاج إلى الحفظ ما فارق محله ~~وزايله. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا أن الآية واردة على جهة الامتنان، فالغرض من ~~الامتنان إنما هو بالخلق وتقويمه وتسوية السمع والبصر وجميع أنواع المنافع ~~في الخلقة لا من أجل الطهارة، وكم بين الإمتنان بما ذكرناه وبين الإمتنان ~~بطهارة الماء. # وأما ثالثا: فإنه ليس في ظاهر الآية ما يدل على نجاسة ولا طهارة، وإنما ~~تعرض لذكر كونه ماء دافقا، فلا يكون فيه حجة على ما طلبوه، اللهم إلا أن ~~يعضدوه بقوله : (( خلق الماء طهورا)). وهو من جملة الأمواء، لكن هذه دلالة ~~مستقلة على حيالها سنجيب عنها، فلا يخلطان دلالة واحدة. # قالوا: ورد قوله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم}[الإسراء:70]. فلو كانوا ~~مخلوقين من النجاسة لم تكن هناك كرامة، ثم إنها واردة على جهة الإمتنان، ~~ولن يكون ذلك إلا بأن يكون محكوما ms330 عليه بالطهارة. # قلنا: الكرامة إنما كانت بتسوية الخلقة وإكمال العقل، وتمكينه من المنافع ~~كلها، وما لا يكون لشيء من الحيوانات المخلوقة غيرهم، وأيضا، فكان من جملة ~~الكرامة ألا يجري في مجرى الحيض، ويخرج من مخرج البول، ويوضع في الأرحام، ~~وهي أسخف مكان، وهذا يبطل ما توهموه من الكرامة. # قالوا: روت عائشة قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ، في الصلاة. # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلأن هذا إنما هو كلام عائشة، وليس فيه عن رسول الله ، شيء، ~~والحجة إنما هي في كلام PageV01P378 رسول الله ، لا في كلام عائشة، ولم تحك عنه شيئا في طهارته. # وأما ثانيا: فنهاية الأمر، أنه مذهب لعائشة وأنها تقول به، فالرد عليها ~~كالرد على سائر المجتهدين في المسألة من غير تفرقة. # وأما ثالثا: فلعل الرسول لم يشعر بكونه متصلا بثوبه فيأمر بغسله أو ~~يقرها عليه، فلا تكون فيه حجة. # ثم إنا نقول: لو كان طاهرا، فأي حاجة إلى الفرك كما لا يحتاج اللعاب إلى ~~الفرك، فالفرك على نجاسته أدل منه على طهارته، ولهذا فإن أباحنيفة يذهب إلى ~~نجاسته، لكنه يكتفي بالفرك في طهارته، كما سنقرره في كيفية إزالة النجاسات. # قالوا: مبتدأ خلق بشر، فكان طاهرا كالطين. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأن هذا منقوض بماء المرأة، فإنه مبتدأ خلق البشر، ثم إنه نجس ~~باتفاق منا ومنكم. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الأصل كونه غير خارج من مخرج الحدث، فلهذا ~~كان طاهرا بخلاف المني فافترقا. # قالوا: خارج من حيوان طاهر تخلق منه مثل أصله فوجب كونه طاهرا كالبيض. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكروه يبطل بالسرقين(¬1) فإنه خارج من حيوان طاهر مثل ~~أصله في كونه حيوانا، فيلزم أن يكون طاهرا، وأنتم لا تقولون به. # فإن قيل: قد احترزنا بقولنا: تخلق منه مثل أصله والدود الخارج من السرقين ~~ليس مثل ما خرج منه السرقين في الجنسية، فلا يلزم ما ذكرتموه. PageV01P379 # فجوابه بالفرق، وهو أنا نقول: إن البيض يجوز أكله والانتفاع به، فلهذا قلنا ms331 ~~بطهارته، بخلاف المني فإنه لا يجوز أكله ولا يحل الانتفاع به فافترقا. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في البيض، أن له حجابا يحجزه عن اتصال النجاسة ~~به من مخرجه، بخلاف المني فإنه لا حجاب يحجبه عن اتصال النجاسة به في مخرجه. # قالوا: مائع يتعلق به التحريم، فكان طاهرا كاللبن. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن التحريم متعلق به، وإنما مستند التحريم هو ~~وطؤ المرأة، والتقاء الختانين فلا يلزم ما ذكروه. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في اللبن أن ما وقع به التحريم من جهة جواز شربه ~~وكونه غذاء ينبت اللحم وينشز العظم، فلأجل هذا كان مؤثرا في التحريم ~~كالنسب، بخلاف المني فإنه لا يجوز شربه ولا ينبت لحما ولا ينشز عظما ~~فافترقا. # قالوا: أصل لتكوين الخلقة الآدمية، فوجب كونه طاهرا كالتراب. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم كونه أصلا للتكوين، وإنما الأصل هو التراب في ~~الحقيقة، على أنما ذكروه منقوض بالعلقة والمضغة، فإنهما أصلان للتكوين، ومع ~~ذلك فإنهما نجسان. # وأما ثانيا: فنقلب عليهم، ونقول: أصل للتكوين، فكان نجسا كماء المرأة، ~~فبطل ما توهموه، ويتفرع على هذه المسألة فروع ستة: # الفرع الأول: ذهب علماء العترة إلى أن مني الكلب والخنزير نجسان، وهو قول ~~أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه خارج من أحد السبيلين فكان نجسا في حقهما كالبول، ~~والخلاف في PageV01P380 ذلك مع من قال بطهارة الأبوال إلا بول بني آدم، كالذي حكيناه عن داود وقد ~~مر فلا نعيده؛ لأنهم يجعلون منيه من جملة فضلاته فأشبه عرقهما وسؤرهما. # الفرع الثاني: مني ما يؤكل لحمه كالبقر والغنم والإبل، طاهر عند أئمة ~~العترة، وهو أحد قولي الشافعي، وحكي عنه قول آخر: أنه نجس. # والحجة على ما قلناه: هو ما ذكرناه من الدليل على طهارة أبوالها ~~وأرواثها، وقد تقدم الكلام عليه، وقد مر الاختيار والانتصار له فأغنى عن ~~الإعادة. # الفرع الثالث: مني ما لا يؤكل، كالحمار والفرس وسائر السباع، نجس عند ~~أئمة العترة، فأما الشافعي فله فيه أقوال ms332 ثلاثة: # أحدها: أنه نجس بكل حال. # وثانيها: أنه طاهر بكل حال. # وثالثها: التفرقة بين ما يؤكل لحمه وبين ما لا يؤكل لحمه مثل مذهبنا. # والحجة على ما قلناه: هو ما ذكرناه من الدليل على نجاسة أبوالها ~~وأرواثها، فما دل على ذلك فهو دليل على نجاسة ما يظهر منها من المني وقد مر ~~فلا وجه لتكريره. # الفرع الرابع: المني مثقل الحشو، لا يجوز تخفيفه، واشتقاقه من منى الماء ~~إذا صبه، قال الله تعالى: {ألم يك نطفة من مني يمنى}[القيامة:37]. أي يصب ~~في الأرحام. وهل يجوز شربه أم لا؟ فالذي عليه علماء العترة، أنه لا يجوز ~~شربه، وهو المشهور عن الشافعي، وحكى المروزي من أصحاب الشافعي: أنه يحل شربه. # والحجة على ما قلناه من تحريم شربه: هو أنا قد دللنا على نجاسته فلا يجوز ~~شربه، ولأنه خارج من مخرج الحدث فلا يجوز شربه ولا الانتفاع به كالبول. # وبيض ما لا يؤكل لحمه، نحو سباع الطير والغراب والحدأة، ظاهرها نجس؛ ~~لأنها خارجة من PageV01P381 الدبر، فأشبهت الروث والزبل(¬1) وقد قررنا نجاسة ذروقها، فإن غسلت طهر ~~ظاهرها، ولا يحل أكلها؛ لأنها بعض من أبعاضه فأشبهت سائر أعضائه. # الفرع الخامس: المذي، وهو بالتخفيف لا يجوز تثقيله(¬2)، وهو ماء رقيق ~~يكون عند تحرك الشهوة، روي عن النبي أنه قال: (( المذي رائد المني )). ~~وأراد: أنه لا يكون إلا لشهوة، كما أن المني كذلك، وهو نجس عند أئمة العترة ~~وهو قول عامة الفقهاء: أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالك. # والحجة على ذلك: ما روي [عن] أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) أنه قال: كنت ~~رجلا مذاء فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري، فذكرت ذلك لرسول الله فقال: (( لا ~~تفعل إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك))(¬3). وقوله : (( كل فحل يمذي فإذا وجدت ~~الماء(¬4) فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة)). وعن عبدالله بن مسعود قال: ~~سألت رسول الله عن الماء يكون بعد الماء، فقال: (( ذلك المذي فاغسل فرجك ~~وأنثييك)). فهذه الأخبار كلها دالة على نجاسته. # ومن جهة القياس: وهو أنه خارج من مخرج المني فكان ms333 نجسا كالبول، وحكي عن ~~فريق من الإمامية، أنهم قالوا بطهارته. # والحجة لهم على ذلك: ما حكيناه عن الشافعي في طهارة المني؛ لأنهما ~~متقاربان، وقد قال عليه السلام: (( المذي رائد المني)) فإذا كان المني ~~طاهرا فهكذا حال المذي من غير تفرقة بينهما. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة وفقهاء الأمة من نجاسته؛ لما ذكرناه ~~[من الرد] عليهم(¬5) في PageV01P382 نجاسة المني فهو وارد هاهنا، ولأنه ناقض للوضوء والصلاة فأشبه البول. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم في طهارته، وقد ذكرنا نجاسة ~~المني وهو أصلهم فيه، فالمذي يكون كذلك فلا حاجة بنا إلى تكريره. # الفرع السادس: الودي وهو بالدال المهملة والياء تشدد وتخفف، وهو ماء أبيض ~~يخرج بعد البول، وهو نجس عند أئمة العترة وهو قول فقهاء الأمة، ولا يحكى ~~الخلاف في نجاسته وكونه ناقضا للطهارة. # والحجة على ذلك: هو أنه خارج من مخرج معتاد فوجب كونه نجسا كالبول. # مسألة: ذهب أئمة العترة إلى أن الخمر نجسة، وصفة الخمر ومواضع الخلاف ~~والإجماع فيما يحل شربه ويحرم، يجيء مفصلا في كتاب الأشربة بمعونة الله ~~تعالى، وما قلناه من نجاستها هو قول عامة العلماء: أبي حنيفة وأصحابه، ~~والشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه}[المائدة:90]. فقد حصل من الآية دليلان: # أحدهما: قوله: {رجس}. والرجس: هو النجس. # وثانيهما: قوله: {فاجتنبوه}. فلو كانت طاهرة لم يأمر باجتنابها. # الحجة الثانية: ما روى أبو طلحة، (( أن الرسول لما نزل تحريمها أمر ~~بإراقتها))، فلو كانت طاهرة لما أمر بإراقتها(¬1). PageV01P383 # الحجة الثالثة: قياسية. وهي أنها مائع محرم شربه، فأشبه البول في نجاسته، ~~ومن جهة أن العقد عليها محرم فكانت نجسة كالميتة. # وحكي عن ربيعة (¬1)، وداود، والحسن البصري، وفريق من الإمامية: أنها طاهرة. # والحجة لهم على ذلك: هو أن هذه الأدلة الذي ذكرتموها إنما دلت على تحريم ~~شربها وعلى النهي عنه، وأما طهارتها ونجاستها فليس في الآية والأخبار ما ~~يشعر بذلك. # الحجة الثانية: قياسية، وهو أنها شراب يؤخذ من العنب والتمر فأشبه ms334 ~~النقيع، وغير ذلك مما يكون مأخوذا من هاتين الشجرتين. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة وغيرهم من فقهاء الأمة من نجاستها، ~~ودليله ما سبق تقريره، ونزيد هاهنا، وهو أن الرسول ، أتي له بنقيع تمر وقد ~~طلع نشيشه، فقال لصاحبه: (( اضرب به هذا الحائط )). فكسر الإناء وأراقه. ~~وفي هذا دلالة على تحريم رطوبتها، وأنها نجسة كما قررناه. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: إن الأدلة إنما دلت على تحريم شربها دون نجاستها. # قلنا: هذا فاسد، فإن الخطابات كلها مطلقة على وجوب إراقتها والاجتناب ~~منها، وهذا عام في جميع التصرفات فيها، ومن جملة ذلك أنه لا تجوز رطوبتها ~~ومباشرتها، وهذا هو الذي نريده بكونها نجسة. # قالوا: معنى كونها محرمة، هو أنه لا يجوز شربها، وهذا مسلم، ومعنى كونها ~~نجسة، هو أنه لا تجوز مصاحبتها للصلاة، ومن أين أنه إذا حرم شربها لم تجز ~~مباشرتها للمصلي؟ فأحدهما مخالف للآخر. PageV01P384 # قلنا: هذا فاسد، فإن قوله تعالى: {فاجتنبوه}. دال على المنع من المباشرة في ~~جميع الأحوال فلا يجوز تخصيصه من غير دلالة، وهكذا فإن قوله تعالى: {رجس} ~~دال على التصريح بالنجاسة وهذا هو مرادنا. # قالوا: حكي عن مالك أن من صلى وعلى ثوبه خمر لم يعلمها، فإنه يعيد في ~~الوقت ولا يعيد بعده، وعن الليث: أنه يعيد في رواية، وفي رواية أخرى: أنه ~~لا يعيد، وفي هذا دلالة على مخالفة الخمر لسائر المائعات النجسة. # قلنا: إن كان قد سبق من جهة الصدر الأول وهم الصحابة (رضي الله عنهم) ~~والتابعون، إجماع على نجاستها، فهم محجوجون به وتحرم مخالفة الإجماع لكونه ~~قاطعا، ولا تجوز مخالفته. وإن لم يكن هناك إجماع من جهة الصدر الأول، ~~فالمسألة اجتهادية لا محالة لا ختلاف العلماء فيها، وهذه هي أمارة كون ~~المسألة اجتهادية، فلهذا قال مالك: إنه يعيد في الوقت؛ لأن الخطاب عليه ~~متجدد في تأدية الصلاة من غير نجاسة، وإن كان الوقت فائتا لم تلزمه إعادة ~~الصلاة؛ لأن الوقت قد فات. وقد قال عليه السلام: (( لا ظهران في يوم )). ~~وسيأتي لهذا ms335 مزيد تقرير في كيفية الاجتهاد وحكمه في المسائل الخلافية، فما ~~قاله مالك، تقرير كونها نجسة، لكن نجاستها عنده مختلف فيها، فلهذا قال فيها ~~ما قال، وهكذا حكم من خالف من علماء الأمة في طهارتها. # قالوا: مائع شراب يؤخذ من العنب فأشبه النقيع. # قلنا: هذا خطأ، فإن قياسنا أرجح من جهة مطابقته للظواهر النقلية في ~~تحريمها ونجاستها، وما قلتموه لا يعضده نقل ولا يرشد إليه، فلهذا كان ~~باطلا،. وأيضا، فإن ما ذكرتموه من الأقيسة الطردية التي لا يعول عليها محصل ~~ولا يعتمد عليها محقق، وأمارة كونه طردا مهجورا، هو أن تعليق الحكم عليه ~~ليس أولى من تعليق نقيضه، ولهذا نقول: مائع محرم بيعه فكان نجسا كالبول، ~~على أن ما ذكرتموه من القياس معارض بما ذكرناه من الأقيسة، فيجب تساقط ~~الأقيسة والعمل على الظواهر، النقلية التي حكيناها. # ويتفرع على هذه المسألة فروع خمسة: # [الفرع] الأول: النبيذ نجس عند أئمة العترة وهو المشهور عن الشافعي، وهو ~~ما يتخذ من التمر PageV01P385 والعنب مما يسكر كثيره دون قليله. # وحكي عن بعض أصحاب الشافعي طهارته، وهو قول أبي حنيفة. # والحجة على ما قلناه: قوله : (( ما أسكر كثيره فقليله حرام))(¬1). وقوله ~~عليه السلام: (( كل مسكر حرام)). # واحتج أبوحنيفة وبعض أصحاب الشافعي بحديث ابن مسعود ليلة الجن، حيث قال ~~له [الرسول]: (( ما في أداوتك))؟ فقال: نبيذ تمر، فتوضأ به، فلو كان نجسا ~~لما جاز التوضؤ به. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم. # والحجة على ذلك: ما ذكرناه عنهم، ونزيد هاهنا، وهو أن هذه الأخبار قد دلت ~~على تحريم جميع الأنبذة، والحرام هو ما كان ممنوعا منه، والأدلة الشرعية لم ~~تفصل في ذلك بين شرب واستعمال، وهذا فيه دلالة على كونها نجسة لشمول ~~التحريم، وما ذكرناه من النجاسة فهو عام في جميع الأنبذة كلها من العنب ~~والتمر والزبيب والبر والشعير والذرة، فهي نجسة كلها لأجل شمول التحريم ~~لها، وسنقرر الكلام في هذه الأصناف وما يحل وما يحرم في كتاب الأشربة. # الانتصار: قالوا: توضأ به رسول الله ، ليلة ms336 الجن، فدل ذلك على طهارته. # قلنا: قد تكلمنا على هذه المسألة في المياه، وبينا أن المراد بذلك: هو ما ~~نبذ فيه تمرات لاجتذاب ملوحته، واسم الماء باق عليه في الإطلاق، فلو كان ~~نبيدا كما زعمتم، لم يقل الرسول : (( ماء طهور)). فبطل ما توهموه. # الفرع الثاني: ذهب أئمة العترة إلى أنه لا يجوز تخليل الخمر، ونعني ~~بالتخليل: هو علاجها حتى تزول عن كونها خمرا إما بطرح خل فيها أو ملح أو ~~خردل أو غير ذلك من الأمور التي تفسد خمريتها، وهو قول الشافعي. PageV01P386 # والحجة على ذلك: ما رواه أنس بن مالك أن أبا طلحة سأل رسول الله ، عن أيتام ~~ورثوا خمرا فقال له: (( أهرقها )) . فقال: أولا أجعلها لهم خلا؟ قال: (( ~~لا))(¬1). # وذهب أبوحنيفة إلى أن ذلك جائز. # والحجة على ذلك: ما روي عن النبي أنه قال: (( يطهر الدباغ الجلد كما ~~يطهر الخل الخمر))(¬2). # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم من تحريم تخليلها، ويدل ~~على ذلك ما حكيناه عنهم، ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: ما روي عن النبي ، (( أنه لعن عاصر الخمر ومعتصرها وبائعها ~~ومشتريها وحاملها والمحمولة إليه، إلى تمام عشرة أشخاص))(¬3)، وكل ذلك إنما ~~كان لأجل تلبسهم وتعلقهم بها، ولا شك أن كل من عالجها وزاولها بالتخليل ~~والعلاج لها، فقد لابسها، فيجب أن يكون داخلا تحت لعنه . فلو كان ذلك مباحا ~~لما لعنهم. # الحجة الثانية: قياسية. وحاصلها، أنا نقول: فعل محظور بحق الله تعالى، ~~فلم يكن المقصود منه مباحا لفاعله كما لو ذبح المحرم صيدا لغيره. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: روي عن الرسول ، أنه قال: (( يطهر الدباغ الجلد كما يطهر الخل ~~الخمر)). فجعلهما سواء في الإباحة والصحة، وهذا هو مرادنا. # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: PageV01P387 # أما أولا: فالمطالبة بصحة نقل هذا الحديث. فعلى ناقله تصحيحه ليصح الاحتجاج به. # وأما ثانيا: فلأن ظاهره متروك العمل عليه باتفاق من جهة أن ظاهره دال على ~~أن الخل إذا خلط على الخمر، فإنه يطهرها، وهذا لا قائل به؛ لأن ms337 الخمر تنجس ~~الخل، فكيف يكون مطهرا لها؟ فلا بد من تأويله. # وأما ثالثا: فلأنا نقول: المراد إذا استحالت خلا بنفسها، فأما أنها تعالج ~~بفعل فاعل، فما هذا حاله محظور من جهة الشرع لما أوضحناه. # قالوا: إنما أمر الرسول بإهراق خمر الأيتام ولم يأمر بتخليلها، من جهة ~~أن ذلك كان واقعا في أول الإسلام وكانوا قد ألفوها، فمنع من ذلك لأجل ~~التشديد، ولهذا فإنه أمر بتمزيق الأزقاق وشقها من أجل ذلك، ثم لما استقر ~~تحريمها نسخ. # قلنا: هذا فاسد، لأوجه ثلاثة: # أما أولا: فإنا لا نسلم أن تحريمها لما ذكروه من الشدة والإعظام في ~~النكير، بل جعل من أحكام الخمر كما جعل إيجاب الحد وتحريم البيع، ولعن ~~البائع والمشتري والعاصر والمعتصر من أحكامها. # وأما ثانيا: فلأنه إن كان المنع من التخليل لما ذكروه من العلة، فلا شك ~~في كونها باقية، فإنها مألوفة مطربة تدعو إليها الهزة والطرب، فوجب أن يبقى ~~المنع كذلك. # وأما ثالثا: فلأنها مختصة بلذة، ولها رائحة فائحة، وهزة مستلذة، فلا يأمن ~~من أن يدعو تخليلها إلى شربها والمداومة عليه، فلا جرم كان ذلك محرما كما ~~حرمنا خطبة المعتدة في العدة مخافة الوقوع في المحظور. # ثم نقول: إنه وإن كان المنع من التخليل لما ذكروه، خلا أنه ممنوع بخطاب ~~مطلق، فلا يجوز زوال حكمه بزوال العلة كما قلناه في الرمل والاضطباع في ~~الطواف(¬1)، فإنه إنما شرع لإظهار الجلد للكفار، PageV01P388 ثم إنه بقي مع زوال العلة، وكما شرع غسل يوم الجمعة لزوال الروائح، ثم بقي ~~وإن لم تكن هناك رائحة. # الفرع الثالث: إذا تقرر تحريم تخليلها، فلو أقدم مقدم على هذا المحظور ~~فهل يكون حلالا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يكون حراما، وهذا هو رأي الهادي والقاسم ومحكي عن ~~الشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: ما في حديث أبي طلحة (¬1) حيث قال له: يخللها؟ فقال : (( ~~لا)). فلو كان التخليل لها يطهرها لأمره به، خاصة مع كونها مالا لأيتام يجب حفظه. # الحجة الثانية: قياسية، وهي أنه مائع لا يرفع الحدث، ms338 فإذا تنجس لم تؤثر ~~صنعة الآدمي في تطهيره كالخل، فإن الخل إذا تنجس لم يطهر بصنعة صانع فهكذا ~~حال الخمر. # المذهب الثاني: أنها تكون حلالا، وهذا هو الذي يحكى عن الناصر والمؤيد ~~بالله، وهو قول أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: هو أنها إنما حرمت لمعنى وهو الشدة المطربة التي تختص ~~بها، فإذا صارت خلا فقد زال المعنى الموجب لتحريمها، كما لو لم تكن خمرا من ~~قبل، ويؤيد ما ذكرناه، أن الماء إذا تنجس بنجاسة طارئة عليه، بأن غيرت ~~أوصافه أو بعضها ثم زال ذلك التغير، فكما أنه يصير طاهرا مطهرا فهكذا ما ~~نحن فيه. # والمختار: ما قاله الناصر والمؤيد بالله. # والحجة عليه: هو أنها خمر زالت شدتها من غير نجاسة وقعت فيها من غيرها، ~~فوجب القضاء بطهارتها، وكونها حلالا كما لو انقلبت خلا بنفسها من غير تخليل. # ومن وجه آخر: وهو أن في تخليلها إصلاح فاسد وتطهير نجس، فكان مؤثرا في ~~العلاج والتطهير PageV01P389 كوضع البيض تحت الدجاجة، ومكاثرة الماء النجس بماء طاهر. # الانتصار: يكون ببطلان ما أوردوه. # قالوا: حديث أبي طلحة مانع من التخليل. # قلنا: قد تكلمنا عليه فأغنى عن الإعادة بما فيه كفاية. # قالوا: مائع لا يرفع الحدث، فإذا تنجس لم تؤثر صنعة الآدمي في تطهيره كالخل. # قلنا: الخمر إذا صارت خلا طهرت بخروجها عن صفة الخمرية، بخلاف الخل فإنه ~~لا يخرج عن كونه خلا فلهذا لم يطهر بحال فافترقا. # الفرع الرابع: إذا صارت الخمر خلا بنفسها من غير معالجة، فهل تطهر وتصير ~~حلالا يحل شربها أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يحل شربها، وهذا هو الذي حكاه السيد أبوطالب عن ~~كثير من أصحابنا. # والحجة على ذلك: هو أنها صارت خلا بعد أن كانت خمرا فلا يحل شربها كما لو ~~كان بالتخليل والمعالجة، وعلى منهاج هذه المقالة. قالوا: بأن العنب والتمر ~~إذا صارا في هذه الجواني، فلا بد أن يعالج بالملح والخردل مخافة أن يصير ~~خمرا، وأوجبوا ذلك؛ لأن العادة مطردة أن الخل لا يصير خلا إلا ms339 بعد صيرورته ~~خمرا، فلا جرم أوجبوا ما ذكرناه مخافة أن يكون خمرا فينجس ويحرم أكله. # المذهب الثاني: أنها تكون طاهرة ويحل شربها، وهذا هو الذي دل عليه كلام ~~الهادي والقاسم، واختاره الأخوان، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي ~~وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنها إذا صارت خلا بنفسها، فقد استحالت عن الصفة التي ~~أوجبت تحريمها وهي الخمرية، فجاز شربها كاللبن إذا استحال من الدم، وهو ~~محكي عن الناصر. # والمختار: ما قاله الناصر والأخوان. PageV01P390 # والحجة على ذلك: ما روى جابر بن عبدالله، أن الرسول ، قال: (( نعم الإدام ~~الخل))(¬1). فأثنى عليه، وفي هذا دلالة على طهارته وعلى حل شربه، وقد عرف ~~في مطرد العادات واستمرارها، أنه يستحيل أن يكون خلا من غير أن يكون خمرا، ~~وفي هذه دلالة على أنها إذا صارت خلا بنفسها من غير معالجة جاز وحل شربها ~~وحكم بطهارتها. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه في تحريمها. # قالوا: صارت خلا بعد أن كانت خمرا فأشبه ما لو عولجت بذلك، وقد قررنا أن ~~علاجها لا يبيح ذلك. # قلنا: فرق بين أن يصير خلا بنفسه وبين أن يصير بفعل الآدمي، فمتى صار خلا ~~بفعل الآدمي فهو نجس، وإن كان بنفسه طهر وحل شربه كما تقدم، كما يكون ذلك ~~في الصيد إذا خرج من الحرم بنفسه، ولا يحل إذا أخرجه آدمي. # الفرع الخامس: وهل يطهر الدن الذي هي فيه أم لا؟ والأقرب: أنه يطهر، وهو ~~أحد قولي الشافعي، وله قول آخر: أنه لا يطهر إذا كان مما يقبل النجاسة ~~كالدنان والقصاع والفخارات، وإن كان مما لا يقبل النجاسة طهر، كالزجاج ~~وآنية البلور؛ لأنها إذا كانت مما يقبل النجاسة فإنه(¬2) لا يطهر إلا ~~بالغسل، وإن كان مما لا يقبلها طهر بالحكم لأنه لا تنشب به. # والحجة على ما قلناه: وهو الأصح من قولي الشافعي، هو أن نجاستها إنما ~~كانت لاتصالها بالخمر وكونها وعاء لها، فإذا حكمنا بطهارة الخمر لما ~~استحالت خلا وجب الحكم بطهارتها على جهة التبع، وهكذا حال المغرفة أيضا. # ولا يجوز إمساك ms340 الخمر لغرض أنها تصير خلا، لما روي (( أن الرسول ، لعن ~~عاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه)). ولا شك أن كل من أمسكها لغرض ~~التخليل فإنه مندرج تحت هؤلاء الملعونين لكونه متلبسا بها، فإن أمسكها حتى ~~تخللت بنفسها، فهل تطهر ويحل شربها أم لا؟ فيه PageV01P391 الوجهان اللذان ذكرناهما في حكمها إذا تخللت من غير فعل آدمي. # مسألة: القيء مهموز. وفي الحديث: (( الراجع في هبتة كالراجع في ~~قيئه))(¬1). والذي ذهب إليه أئمة العترة: أن القيء الخارج من أقصى المعدة ~~نجس، وهو قول فقهاء الأمة: أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالك ~~وغيرهم من الفقهاء الصحابة والتابعين. # والحجة على ذلك: ما جاء في حديث عمار، حيث قال عليه السلام: (( إنما تغسل ~~ثوبك من البول والغائط والقيء والمني والمذي))(¬2). # والحجة الثانية: قياسية، وهو أنه طعام استحال في الجوف إلى نتن وفساد ~~فأشبه الغائط، فأما نقضه للوضوء فسيأتي تقريره في باب الأحداث الناقضة ~~للطهارة بمعونة الله تعالى، ولا يفترق الحال في كونه نجسا إذا كان من أقصى ~~المعدة، لأن خبر عمار لم يفصل في ذلك بين جنس وجنس، ولأن المعدة هي موضع ~~الحدث كما لا يفترق الحال فيما يخرج من الدبر لما كان موضعا للحدث، وفيه ~~تردد بين العلماء نفصله في التفريع. # ويتفرع على ما ذكرناه فروع نذكرها: # الفرع الأول: هل يكون قليله مثل كثيره في كونه نجسا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن قليله مثل كثيره في النجاسة لا يفترقان، وهذا هو رأي ~~الإمام الشهيد زيد بن علي، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي. # والحجة على ذلك: أن الظواهر الشرعية الدالة على نجاسة القيء، نحو حديث ~~عمار، واردة على جهة العموم غير فاصلة بين قليله وكثيره، والتخصيص إنما ~~يكون بدلالة منفصلة ولا دلالة هناك، فبقي على العموم وهو المطلوب. PageV01P392 # الحجة الثانية: قياسية، وحاصلها أنا نقول: طعام استحال في المعدة إلى نتن ~~وفساد فكان قليله مثل كثيره في النجاسة كالعذرة. # المذهب الثاني: أن قليله مخالف لكثيره، فالكثير منه نجس وقليله غير نجس، ~~وحد القليل ما كان ms341 دون ملء الفم وهي الدسعة الواحدة، فما كان دونها فهو ~~طاهر وما جاوزها فهو نجس، وهذا هو الذي حصله السيدان: أبوالعباس وأبوطالب، ~~لمذهب الهادي والقاسم، وهو الظاهر من مذهب المؤيد بالله. # والحجة على ذلك: هو أنه خارج من أعماق البدن، فوجب أن يكون قليله مخالفا ~~لكثيره كالدم. # الحجة الثانية: هي أن الدم والقيء متفقان في الحكم، من جهة أن كل من قال: ~~إن كثير الدم ناقض للوضوء، قال: إن كثير القيء ناقض له، ومن قال: بأن كثير ~~الدم غير ناقض، قال: إن كثير القيء غير ناقض، فإذا كانا مستويين فيما ~~ذكرناه وجب استواؤهما في العفو عن قليل القيء كما عفي عن قليل الدم، وفي ~~ذلك ما نريده من مخالفة قليله لكثيره. # والمختار: ما قاله الإمام زيد بن علي ومن وافقه من علماء الأمة، لما ~~حكيناه من الاستدلال لهم ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: أن تعويلهم في التفرقة بين قليله وكثيره إنما هو على ~~الأقيسة المعنوية من جهة القائس، وما ذكرناه من التسوية بينهما إنما هو ~~تعويل على الظواهر الشرعية من جهة صاحب الشريعة، ولا شك أن ما كان من جهة ~~الشارع، فإنه لا يساوي ما كان من جهة القائس، فإن الشارع معصوم عن الخطأ، ~~والقائس ليس معصوما عن الخطأ، فلا جرم كان التعويل على كلام الشارع أولى ~~وأحق من غيره. # الحجة الثانية: هي أن ما ذكرناه من حديث عمار، إنما سيق بيانا لأعيان ~~النجاسات حيث قال فيه عليه السلام: (( إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول ~~والقيء والدم)). وغيره من الأحاديث المذكور فيها (( الدسعة)) و(( الذارع))، ~~إنما سيقت من أجل بيان نواقض الوضوء لا من أجل بيان أعيان النجاسات، ولا شك ~~أن كل ما سيق بيانا لمقصود معين، هو أقوى مما سيق لمقصود آخر، فلهذا كان ~~حديث عمار PageV01P393 أقوى في الدلالة من غيره، وهو لم يفرق بين القليل والكثير فلهذا كان ~~التعويل عليه. # الانتصار: يكون بالجواب عما جعلوه عمدة لهم في ذلك. # قالوا: خارج من أعماق البدن فكان قليله مخالفا لكثيره ms342 في التنجيس كالدم. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأن مسلك النجاسات ضيق فلا يضطرب فيه بالخطوات الوساع وإنما ~~قاعدته التقريرات الشرعية والتحكمات النقلية، فأما مسالك القياس فتكاد تكون ~~منسدة فيه لكونه متعلقا بأمر غيبي استأثر الله بعلمه، ولا شك أن الشرع قد ~~دل في الدم على مخالفة قليله لكثيره فقررناه حيث ورد، ولم تدل مثل تلك ~~الدلالة على قليل القيء، فمن أجل ذلك قضينا فيه بنجاسته كله من غير تفرقة ~~كسائر النجاسات كلها، فإن مبناها على موافقة قليلها لكثيرها في التنجيس، ~~فوجب مثله في القيء من غير مخالفة لغير دلالة. # وأما ثانيا: فلأن عموم البلوى في الدماء كثيرة من أجل ملابستها في كل ~~حيوان، بخلاف القيء فإنه مخصوص ببعض الحيوانات، فلما كان الأمر فيه كما ~~قلناه لا جرم خفف الشرع فيه الحكم في التفرقة بين قليله وكثيره، وبقي القيء ~~على أصل القياس في النجاسات فافترقا. # قالوا: سوت الأمة بين الدم والقيء في نقض الوضوء بهما وعدم النقض بهما ~~على قولين: فمن قائل يقول: بأنهما ناقضان كلاهما، وقائل يقول: إنهما غير ~~ناقضين كلاهما، فإذا كانا مستويين فيما ذكرناه، فيجب استواؤهما في مخالفة ~~القليل منهما جميعا للكثير. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنه لا يلزم من استوائهما في حكم استواؤهما في حكم آخر، فما ~~ذكرتموه دعوى لا برهان عليها من جهة دلالة شرعية. # وأما ثانيا: فلأنه إنما وجب استواؤهما في النقض وعدمه لدلالة شرعية، أما ~~في النقض فلقوله عليه PageV01P394 السلام: (( الوضوء مما خرج))(¬1) ولم يفصل، وأما في عدم النقض فلأنه عليه ~~السلام احتجم وما زاد على غسل محاجمه ولم يعد وضوءا، فهذان مستندان لمن نقض ~~بالخارج ولمن منع من النقض به قد استويا، فلأجل هذا قضينا بالتسوية بينهما ~~لمكان هذه الدلالة الشرعية، بخلاف ما نحن فيه فإن الدلالة الشرعية إنما دلت ~~على الفصل بين قليل الدم وكثيره، ولم يحصل مثل ذلك في القيء، فلهذا افترقا ~~في ذلك، فلا جرم حكمنا على كل شيء بموجب دليله الشرعي، فلأجل هذا قضينا ~~بمفارقة الدم ms343 للقيء في القليل، والله أعلم بالصواب. # قالوا: أشار الشرع إلى كثير القيء، بقوله: (( أو دسعة تملأ الفم))(¬2). ~~فدل على أن ما نقص عن الدسعة فإنه في حكم القليل، كما أن ما نقص عن السفح ~~في حق الدم، فإنه قليل، وفي ذلك ما نريده من التفرقة بين قليله وكثيره. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكره عليه السلام هاهنا، إنما ورد بيانا لحال نواقض ~~الوضوء دون الطهارة والتنجيس، وكلامنا إنما هو فيما ينجس من القيء وما لا ~~ينجس، فمن الجائز أن يكون غير ناقض وهو نجس، كما قاله الناصر والشافعي، ومن ~~المحتمل أن يكون كما هو ناقض فهو نجس أيضا، كما قالته القاسمية. فالنجاسة ~~شيء، والنقض شيء آخر، فأحدهما مخالف للآخر. # وأما ثانيا: فلأنه إنما بين حكم الدسعة، وسكت عما دونها، فليس فيه دلالة ~~على أن ما دونها مخالف لها، اللهم إلا أن يقال: ما علق الحكم بالدسعة إلا ~~وما دونها مخالف لحكمها فيكون هذا تعلقا بدليل الخطاب ومفهومه، وهو متمسك ~~ضعيف المجرى في المسائل الفقهية، وقد قررنا حكمه فيما سبق PageV01P395 فأغنى عن تكريره. # قالوا: روي عنه أنه قال: (( وقيء ذارع )). فدل على أن ما دون الذارع ~~مخالف لحكمه في النقض والتنجيس. والذارع: هو السابق؛ لأنه يسبق الإنسان ولا ~~يقف على إرادته، وسمي القيء: ذارعا لخفة خروجه عند تحرك النفس وتجشيها أخذا ~~من قولهم: امرأة ذارع. إذا كانت خفيفة الغزل. فلما علق الحكم بالذارع، دل ~~على أن ما عداه بخلافه في النجاسة. # قلنا: هذا من الطراز الأول، فإن الخبر إنما سيق من أجل نقضه للوضوء لا من ~~أجل بيان حكم النجاسة، فأحدهما مخالف للآخر، فنحن نسلم أنه ناقض وما دونه ~~ليس ناقضا، لكنا لا نسلم أنه غير نجس، بل الذارع وما دونه نجسان، دليله، ~~سائر النجاسات كلها من البول والعذرة وغيرهما. # قالوا: ما دون الدسعة قيء لم يملأ الفم فوجب أن لا يكون نجسا كالجشاء ~~المتغير. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأن القيء خارج من أعماق البدن، والجشاء ليس خارجا ms344 من أعماقه، ~~وإنما هو هواء يتردد في الحلق من المعدة إلى الفم. # وأما ثانيا: فلأن الأصل في الجشاء أن تكون رائحته طيبة؛ لأنه لا محالة ~~ينفصل من الغذاء الطيب، وإنما تعرض له الرائحة الكريهة من أجل تغير في ~~المعدة من أجل الامتلاء، بخلاف القيء فإنه متغير بكل حال فلهذا افترقا. # قالوا: مائع من طبعه الانحدار فإذا علا صار مستخرجا، فلهذا كان نجسا ~~كثيره دون قليله كالدم. # قلنا: نقض الوضوء متعلق بكثيره دون قليله كما فصل بينهما الشرع، بخلاف ~~النجاسة، فإن الشرع ما فصل بين قليله وكثيره فمن أجل ذلك قضينا بالتعميم في ~~قليله وكثيره بالتنجيس. # الفرع الثاني: القلس وهو فعل بتحريك اللام بالفتح كفرس، وهو بالقاف ~~والسين بثلاث من PageV01P396 أسفلها(¬1). قال الخليل بن أحمد (¬2): والقلس ما خرج من الحلق ملء الفم أو ~~دونه، وليس بقيء، فإن عاد فهو القيء. وما يكون حكمه في النجاسة؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أنه إذا كان ملء الفم فما فوقه فهو نجس وإن كان دونه فهو ~~طاهر، وهذا هو الظاهر من مذهب الهادي والقاسم، وهو رأي الأخوين السيدين: ~~المؤيد بالله وأبي طالب والسيد أبي العباس. # والحجة على ما قالوه: قد ذكرناها من قبل فأغنى عن الإعادة. # المذهب الثاني: أنه يكون نجسا قليله وكثيره، وهذا هو الذي حكيناه عن زيد ~~بن علي، وأبي حنيفة وأصحابه، والشافعي. # والحجة على ذلك: قد ذكرناها وهو المختار كما مر بيانه. # الفرع الثالث: ما انحدر من الرأس كالبصاق والمخاط والدمع فهو طاهر عند ~~أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالك. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: (( إذا قام أحدكم في صلاته ~~فإنه يناجي ربه فلا يبصق في قبلته ولكن عن يساره وتحت قدمه)) ثم إنه أخذ ~~طرف ردائه ثم بصق فيه ثم رد بعضه على بعض، ثم قال: (( إذا فعل فليفعل ~~هكذا))(¬3). # وهل يكره ذلك أم لا؟ فالذي عليه أئمة العترة وهو قول علماء الأمة، أن ذلك ~~لا يكره. PageV01P397 # والحجة على ذلك: هو أن الرسول ms345 ، قد فعل ذلك، وأدنى درجات فعله عليه السلام ~~هو الحسن والإباحة، وأعلى درجات فعله هو الوجوب، فإذا فعل فعلا دل ذلك على ~~حسنه وعلى عدم الكراهة؛ لأنه معصوم فلا يجوز عليه فعل القبيح. # وحكي عن الحسن بن صالح: أنه يكره للرجل أن يبصق في ثوبه، وحكي عن ~~الأوزاعي: أنه يكره للرجل أن يدخل سواكه في [ماء] وضوئه. # والحجة على ما قالا: هو أن ما هذا حاله ربما تعافه النفوس وتستقذره، ~~فلهذا كان مكروها. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة وفقهاء الأمة، ويدل على ذلك ما روى ~~أنس بن مالك(¬1) (( أن رسول الله بصق في ثوبه ورد بعضه على بعض))، فلو كان ~~مكروها لما فعله، وما ذكروه ليس معولا عليه؛ لأن الغرض إنما هو الكراهة ~~الشرعية، ولم تدل عليها دلالة، فأما الاستقذار فليس له وجه شرعي فلا يعول عليه. # الفرع الرابع: ذهب علماء العترة إلى أن البلغم المتصعد من المعدة نجس، ~~وهذا هو قول الشافعي ومحكي عن أبي يوسف. # والحجة على ذلك: هو أن الأخبار الواردة في نجاسة القيء كخبر عمار وغيره ~~من الأخبار، لم تفصل بين أن يكون بلغما أو غيره، فوجب أن يكون حكم النجاسة ~~متعلقا به. # والحجة الثانية: قياسية، وهو أنه قيء خارج من المعدة، فوجب أن يكون نجسا ~~كالمرة الصفراء والسوداء. # وحكي عن أبي حنيفة ومحمد: أنه طاهر. # والحجة لهما على ذلك: هو أنه جنس من البلغم فأشبه ما ينزل من الرأس. PageV01P398 # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم. # والحجة على ذلك: هو أنه قيء خارج من المعدة فأشبه القلس، ولأنه طعام ~~استحال في المعدة فكان نجسا كالعذرة. # الانتصار: قالوا: جنس من البلغم فأشبه ما ينحدر من الرأس. # قلنا: المعنى في الأصل أنه لم يتصل بالمعدة فلهذا كان طاهرا، بخلاف ~~البلغم فإنه متصل بالمعدة وهي محل للنجاسة فلهذا كان نجسا. # قال السيد المؤيد بالله: البلغم يكون طاهرا في نفسه، خلا أنه لما كان ~~خارجا من المعدة فإنه لا ينفك عن اتصاله بالنجاسة فلهذا وجب الحكم بتنجيسه؛ ms346 ~~لأجل الاتصال بالنجس كما لو خرج من الدبر، وكما لو شرب ماء ثم قاءه فإنه ~~ينجس لما ذكرناه من الاتصال، وهكذا حال الطعام إذا خرج بعينه فإنه يصير ~~نجسا للمجاورة للنجاسة. # قالوا: البلغم فيه صقالة ولزوجة فلا يقبل النجاسة، فلهذا كان طاهرا. # قلنا: إن صقالته ولزوجته لا تمنع من أن يكون متصلا بالنجاسة التي هي ~~السبب في نجاسته فإذا اتصل بها كان نجسا. # الفرع الخامس: البلغم المتصعد من أقصى الحلق، طاهر عند أئمة العترة وهو ~~رأي الفقهاء: أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ولا يحكى الخلاف فيه ~~إلا عن أبي يوسف. # والحجة على ذلك: هو أنه مائع غير متصل بالمعدة فوجب القضاء بطهارته ~~كالدمع والبصاق، ولأن العلة في نجاسة البلغم ليس إلا اتصاله بالمعدة التي ~~هي محل النجاسة، وما هذا حاله غير متصل بها، فلهذا لم يكن نجسا، ويؤيد ما ~~ذكرناه هو أن ما يقع في المعدة من الطعام فإنه يتغير على القرب لأجل ~~الحرارة التي فيها فتطبخه فيتغير في لونه إلى الحمرة كحب الرمان وإلى ~~الصفرة وفي طعمه إلى الحموضة، بخلاف ما لا يكون متصلا بها فإنه لا يكون ~~متغيرا. # قال السيد المؤيد بالله: والأقرب عندي أن الماء الخارج من الفم في حال ~~النوم أنه طاهر، والأظهر PageV01P399 أنه غير خارج من المعدة؛ لأن الخارج منها لا بد أن يكون متغيرا كماء حب ~~الرمان وشبهه، ويتعذر خروجه إلا بقذف وتقيؤ، وهذا يؤيد ما قلناه من ذلك ~~ويوضحه. # الفرع السادس: من انكسرت يده فجبر بعظم نجس فانجبرت اليد والتحم عليها ~~العصب واللحم، فهل يجب كسره وإخراجه أم لا؟ فالذي عليه علماء العترة أنه لا ~~يجب كسره ولا يتوجه إخراجه، وهذا هو قول أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: هي أن النجاسة إذا حصلت في باطن الإنسان سقط حكمها كما ~~لو شرب خمرا أو أكل ميتة لخشية التلف. # وحكي عن الشافعي: أن السلطان يجبره على إخراجه إذا لم يخف التلف. # والحجة على ما قاله: هو أن ما هذا حاله لا يجوز استعماله من ms347 أجل نجاسته، ~~فإذا انجبر عليه اللحم لم يسقط حكم الإخراج. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}[الحج:78]. ~~ولا حرج أعظم من تقطيع الإنسان وكسر يده ورجله. وقوله تعالى: {يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}[البقرة:185]. ولا يسر مع ما ذكرناه. # الانتصار: قال: لا يحل استعمال النجس إلا لضرورة ولا ضرورة هاهنا. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن الله تعالى قد خفف حكم النجاسات في مواضع كثيرة، نحو أكل ~~الميتة للمضطر في مخمصة، ونحو إساغة الطعام بالخمر عند الضرورة لفقدان ~~الماء وإعوازه. # وأما ثانيا: فلأنه إذا كان اللحم منجبرا عليه فليس بأعظم من النجاسات ~~التي اشتمل عليها باطنه كالبول والعذرة والدم، وإنما قال الشافعي: يجبره ~~السلطان لما كان منكرا تجب إزالته فيستعان بالسلطان على دفعه وإزالته إذا ~~لم يكن صاحبه دافعا له؛ لأن الولاية تقتضي ذلك وتوجبه كإزالة سائر PageV01P400 المنكرات الشرعية، وإنما خص الإخراج بالسلطان لما كان يتضمن من الإيلام ~~بالقطع، وإيلام الخلق لا يجوز إلا بالولاية، ولا ولاية أعظم من ولاية الذي ~~بيده سلطان الإسلام. # والعجب من تصميم الشافعي على هذا النظر مع علمه بتحقق رحمة الله للخلق ~~وأنه لا يكلف ما ليس في الوسع، وأن مبنى الطهارات على الخفة والسهولة. ~~ويؤيد ما ذكرناه ما سبق من أن عرفجة بن أسعد قطع أنفه يوم الكلاب فاتخذ ~~أنفا من فضة فأنتن عليه، فأمره الرسول باتخاذ أنف من ذهب، ولا فرق بين ~~العظم النجس وبين استعمال الذهب في التحريم، فإذا جاز ذلك جاز هذا من غير ~~تفرقة بينهما. وليت شعري أيما أعظم في نظر الشرع مع الإلتفات إلى القواعد ~~العقلية والإستمرار على القوانين النقلية، هل تقطيع أوصال الإنسان وإيلامه ~~بأنواع الإيلام لغير موجب، أو اغتفار نجاسة عظم قد صار من جملة الأوصال ~~مغمورا باللحم والعصب مع ما تضمنه باطن الإنسان من أضعاف تلك النجاسة! فما ~~قاله الشافعي معوز النظير، فهذا ما أردنا ذكره في بيان الأعيان النجسة. ms348 # دقيقة تشتمل على بيان ما يعفى عنه من هذه النجاسات، وجملة ذلك أمور عشرة: # أولها: الطين الذي يكون في الشوارع النجسة الذي يعلق بالخفاف والنعال ~~وأسفل الأقدام بقدر ما يتعذر الاحتراز منه، والضابط لما يعفى منه: هو الذي ~~لا ينسب المتلطخ به إلى تفريط ولا إلى رثاثة الهمة وركتها. # وثانيها: الغبار المنفصل عن السرقين وسائر الأرواث النجسة في الطرقات، ~~فما هذا حاله يعفى [عنه] لكثرة التردد في الطرقات. # وثالثها: دم البراغيث والبق ما قل منه، وهو ما يكون غير سافح كما تقدم ~~ضبطه، سواء كان في ثوبك الذي تلبسه أو ثوب غيرك فلبسته؛ لأن الرخصة حاصلة ~~في الأمرين جميعا. # ورابعها: دم البثرات التي تكون في الوجه في الوجنة والذقن والجبهة وما ~~ينفصل منها من قيح وصديد ودم. وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان في وجهه ~~بثرة فخرج منها دم فصلى ولم يغسل أثرها؛ لأنها ربما شق الاحتراز عنها. PageV01P401 # وخامسها: أثر الفصد فإن تلك الشرطة أثرها يسير يعفى عنه، وهكذا حال أفواه ~~الدماميل عند عصرها، يغتفر حالها لعصرها وعموم البلوى بكثرتها في الأجسام. # وسادسها: ما تحمله الذبان بأرجلها من النجاسات في الأثواب والأجسام، ~~فإنها كثيرا ما تقع على الأجسام الرطبة ثم تطير فتقع على ما ذكرناه، فما ~~هذا حاله يتعذر الاحتراز منه لا محالة، فلهذا عفي عنه إذا كان يسيرا غير ~~متفاحش في الكثرة. # وسابعها: ما تحمله الريح من النجاسات أيضا سواء كانت النجاسة رطبة أو ~~يابسة، فإنها ربما حملت من غبار السرقين والأزبال النجسة، وتارة تطير ~~بالرشاشات من الرطوبات النجسة أيضا، فإنه يعفى عما هذا حاله مالم يكن ~~متفاحشا. # وثامنها: الحبة والحبتان من خرو الفأرة؛ لأن البلوى بهن كثيرة في البيوت ~~والمساكن العامرة والخراب، ومثل ذلك جار في حق الحيات والأفاعي الساكنة في ~~البيوت أيضا، فإنه يعفى من ذروقهن وأزبالهن ما يغتفر في حق الفأرة؛ لأنهما ~~سواء في المخالطة والطوف، وقد قال الفقهاء مثل ذلك في البعرة والبعرتين عند ~~الحلب، لأن ذلك ربما وقع كثيرا، بناء منهم على ms349 ما زعموه من نجاسة أرواث ما ~~يؤكل لحمه، وقد مر الكلام عليهم في ذلك. # وتاسعها: إذا طين البيت بالطين النجس بالأمواء النجسة والأزبال والسرقين، ~~فإن الطين يكون نجسا بما خالطه منها، فإذا دخلها الداخل ولا صق هذه الجدرات ~~فإنه ربما يعلق بالأثواب منها شيء من غبارها وترابها، فيغتفر ما هذا حاله ~~لما يلحق من توقيه من المشقة بالتحرز منه فتساهل الشرع فيه. # وعاشرها: الدماء التي تكون في العروق متصلة باللحم بعد الذبح، ودماء ~~المذابح ما بقي منها يغتفر، لأنه لم يعلم في الأمصار والأقاليم أن أحدا من ~~العلماء أوجب غسل تلك المواضع لما يلحق فيها من الصعوبة والحرج، وفي هذا ~~دلالة على كونها مغتفرة في الطهارات كما قررناه من قبل، ويلحق بهذا العفو: ~~موضع السبيلين، بترك الغسل اكتفاء بالحجارة على رأي الفقهاء، وهو عندنا غير ~~معفو عنه، ولابد من غسله وسنقرره في الاستنجاء بمعونة الله تعالى. PageV01P402 # فهذه الأمور العشرة قد تسامح الشرع فيها وعفا عنها، وتسامحه فيه دلالة ظاهر ~~وقرينة معرفة على أن مبنى الطهارات كلها على التساهل، وأن كل ما زيد فيه ~~على خلاف قانون الشرع ووضعه فإنما هو بدعة نشأت من جهة الوسوسة لا أصل لها. ~~وبتمامه يتم الكلام على الفصل الأول من باب النجاسات، والله أعلم بالصواب. # الفصل الثاني: في بيان الكيفية في إزالة هذه النجاسات # اعلم أن الذي ورد به الشرع هو التحرز من النجاسات والبعد عنها، كما قال ~~الله تعالى: {والرجز فاهجر}[المدثر:5]. والرجز: هو النجس، فأما الرجز في ~~قوله تعالى: {فأرسلنا عليهم رجزا من السماء}[الأعراف:162].فإنما هو العذاب، ~~وفي الحديث: (( إن الله نظيف يحب النظافة فتنظفوا )). ثم إن الإزالة مختلفة ~~باختلاف النجاسات نفسها، منها ما لا يقبل النجاسة، ومنها ما لا يمكن غسله ~~فمنها ما يمكن غسله خلا أنه يتعذر من جهة المشقة، ومنها ما هو ممكن الغسل، ~~فهذه أمور أربعة نعقدها في نوعين لاندراجها تحتهما، ثم نذكر ما يختص كل ~~واحد منها من المسائل: # النوع الأول منها: ما لا يقبل النجاسة لصقالته، وهذا نحو: المرآة ms350 والسيف ~~والزجاج والذهب وغيرها من الأشياء الصقيلة، فإذا أصابتها نجاسة فهل تطهر ~~بالمسح أو لابد من الغسل؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها لا تطهر إلا بالغسل لا غير، وهذا الذي ذكره المؤيد ~~بالله، وأشار إلى أنه مذهب الهادي، وهو قول الشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه محل نجس فلا يطهر بالمسح كالثوب، أو نقول: محل ~~اتصلت به النجاسة فلا يطهر إلا بالغسل كالأثواب والآنية. # المذهب الثاني: أنه يطهر بالمسح فإذا داس(¬1) ما هو صقيل بالخرقة أو ~~بالخشن كان طاهرا، وهذا هو رأي زيد بن علي، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ومالك. PageV01P403 # والحجة على ذلك: هو أن النجاسة إما أن تكون عينية أو حكمية، وكل واحد من ~~العين أو الحكم إنما تجب إزالته عن المحل إذا كان قابلا له، فأما إذا لم ~~يكن قابلا له فلا وجه لإزالته، فهذه الأشياء لصقالتها غير قابلة فلهذا لم ~~يجب غسلها بالماء، وهذا هو رأي السيد أبي طالب. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله وغيره. # والحجة على ذلك: هو أنها طهارة تراد للصلاة فلا يجوز تحصيلها بغير الماء، ~~دليله: طهارة الحدث. # الانتصار: قالوا: إزالتها بالماء إنما تجب إذا كان المحل قابلا لها فأما ~~إذا لم يكن قابلا فلا وجه لإيجاب الماء. # قلنا: إن لم يكن المحل قابلا فلا حاجة إلى المسح كما قلتم، وإن كان المحل ~~قابلا فلا بد من الغسل، وأيضا فإنا نقول: ما تريدون بقولكم: إن الأشياء ~~الصقيلة غير قابلة للنجاسة، هل تعنون أنها لم تقع فيها النجاسة وتتصل بها؟ ~~فهذا لا وجه له، فإنا فرضنا أن النجاسة متصلة بها حسا بأن يقع البول ~~والعذرة على هذه الأشياء الصقيلة، وإن عنيتم أنها وإن اتصلت بها النجاسة ~~لكن المسح يزيلها، فهذا فاسد، فإنه وإن أزال العين فالنجاسة الحكمية باقية ~~لا تزول إلا بالغسل وذلك لأن التعبد في إذهاب النجاسة حكمان: # أحدهما: إذهاب العين. # وثانيهما: إزالة الحكم. # فالعين وإن زالت حسا بالمسح لكن الحكم لا يكون زائلا إلا بالغسل، وأيضا ~~فإن البلة اللاحقة من جهة ms351 اتصال النجاسة بالمحل لا تزول بالمسح، وإنما يزول ~~حكمها بالغسل، فبطل ما قالوه. # قالوا: التطهير بالماء إنما يجب إذا كان هناك مرفوع كالبول والعذرة، ~~وههنا لا مرفوع فلهذا كان المسح كافيا عن الغسل. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الطهارة واردة على جهة التعبد لا يعقل معناها كما مر ~~بيانه، لاختصاصها بأوقات PageV01P404 وكيفيات لا يعلم خصائصها إلا الله، ولهذا كانت مفتقرة إلى النية لأجل كونها ~~عبادة، فلهذا وجبت على حد ما يوجبه الشرع، سواء كان هناك مرفوع أو لم يكن، ~~ولهذا فإنا نوجب الطهارة في غير محل الحدث، فنوجبها في غسل أعضاء الوضوء ~~وإن لم تكن محلا للأحداث، ونوجب الطهارة من التقاء الختانين، وإن لم يكن ~~هناك إنزال يكون حدثا. # وأما ثانيا: فلا نسلم أنه ليس هناك مرفوع، بل المرفوع وإن لم يكن حسيا ~~فهو رفع حكمي، وهو إزالة البلة التي تلحق باتصال النجاسة بالمحال، فبطل ما ~~توهموه. # قالوا: الأعيان من جملة الأشياء الصقيلة بل هي من أعظمها في الصقالة، فلو ~~أوجبنا غسلها عند وقوع النجاسة لأدى ذلك إلى الحرج والمشقة، وقد قال تعالى: ~~{وما جعل عليكم في الدين من حرج}[الحج:78]. فإذا سقط الغسل فيها سقط في ~~غيرها إذ لا قائل بالفرق. # قلنا: عما ذكرتموه جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن في غسلها حرجا ومشقة، ولهذا ذهب إلى إيجاب ~~غسلها في الوضوء ذاهبون كما سنوضحه؛ لأن الماء يجلوها. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا سقوط الغسل عن الأعيان للحرج والمشقة، فلا ~~يسقط عن غيرها إذ لا مشقة فيه ولا حرج، فالميسور لا يسقط بالمعسور، وغير ~~الممكن إذا سقط لم يلزم سقوط الممكن فافترقا. # مسألة: الأشياء النجسة إذا استحالت عما كانت عليه، وهذا نحو أن تصير ~~العذرة رمادا، والميتة ترابا، والكلب والخنزير إذا صارا ملحا في الملاحة ~~إلى غير ذلك من الاستحالات، فهل تطهر أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها تكون طاهرة، وهذا هو رأي القاسم والمؤيد بالله أخيرا، ~~وهو محكي عن أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: هو أن ms352 هذه عين استحالت وخرجت عما كانت عليه من الصفة، ~~فوجب القضاء PageV01P405 بطهارتها كالخمر إذا صارت خلا، أو نقول: إنها بالاستحالة التامة خالفت ما ~~كانت عليه من النجاسة في الاسم والصفة والتركيب، فوجب القضاء عليها ~~بالطهارة، كالنطفة إذا صارت آدميا. # المذهب الثاني: أنها تكون نجسة، وهذا هو رأي المؤيد بالله قديما، وهو قول ~~الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن طريق التطهير الشرع، ولم يرد الشرع بأن النار ~~مطهرة وهكذا القول في سائر الاستحالات، لا تكون مطهرة لما كانت عليه من ~~النجاسة؛ فلهذا وجب الحكم عليها ببقاء النجاسة حتى تغسل كسائر النجاسات. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله أخيرا، وأبوحنيفة. # والحجة على ذلك: هو أن هذه استحالة تامة لم يبق لها أثر في الهيئة والطعم ~~والرائحة، فوجب الحكم عليها بالطهارة؛ كالدم إذا صار لبنا؛ لأن الموجب ~~لنجاسة العذرة والميتة إنما هو وجودها على ضرب من الاستحالة والتغير عما ~~كانت عليه من قبل، وقد زال ذلك بالاحتراق فمن أجل ذلك حكمنا عليها بالطهارة ~~كالدم إذا صار لبنا من غير فرق، أو نقول: إنما كانت العذرة والميتة نجسين ~~لأمر يصح لأجله إطلاق الاسم عليها، وبعد الاحتراق قد بطل إطلاق اسم العذرة ~~والميتة عليهما بكل حال، فلهذا حكمنا ببطلان النجاسة. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمده على بقاء حكم النجاسة. # قالوا: والمحكوم عليه بالتنجيس في العذرة والميتة إنما هو الجرم والبلة، ~~ولا شك أن الاستحالة في الجرم دون البلة فهي باقية فلا يطهرها إلا الغسل ~~بالماء دون الاستحالة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه إذا بطل حكم جرم النجاسة بالاستحالة وجب بطلان البلة ~~تبعا له؛ لأن الجرم أعظم في التنجيس من البلة فلأجل هذا بطل حكمه تبعا لها. # وأما ثانيا: فهذا معارض بالدم فإن جرمه قد تغير بصيرورته لبنا، فإذا بطل ~~حكم بلة الدمية عند كونه لبنا فهكذا ما نحن فيه من غير تفرقة بينهما. PageV01P406 # قالوا: مالم يكن نجسا بالاستحالة كالكلب والخنزير فإنه لا يطهر بالاستحالة ~~أيضا، فصار كسائر النجاسات التي لم يحصل فيها استحالة تامة ms353 كالدم إذا صار ~~صديدا وقيحا وكالبول إذا تغير عن حاله، بخلاف ما تنازعنا فيه فإنه قد ~~استحال استحالة تامة، فلهذا حكمنا عليه بالنجاسة عند استحالته لما كانت ~~نجاسته لم تكن باستحالة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكرتموه باطل بالعذرة، فإنها إنما تنجست باستحالة ~~الطعام ابتداء، ثم إنها لا تطهر عندكم بالاستحالة إذا صارت رمادا. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الدم والبول هو أنهما لم يستحيلا استحالة ~~تامة، فلهذا لم يكونا طاهرين بخلاف ما تنازعنا فيه، فإنه قد استحال استحالة ~~تامة في كل أوصافه، حتى صار غير ما كان من قبل في اسمه ولونه وطعمه ~~ورائحته. # قالوا: المستند في تنجيس هذه الأشياء العينية كالكلب والخنزير والميتة ~~والعذرة إنما هو خطاب الشرع وأدلته، وهو لم يفصل بين هذه الأمور بين أن ~~تكون مستحيلة أو غير مستحيلة، فلهذا قضينا بنجاستها في كل أحوالها استحالت ~~أم لم تستحل. # قلنا: هذا فاسد لأوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأنا نقول: إنما تناولها الخطاب الشرعي بالتنجيس بشرط بقائها ~~على حالها، واستمرارها على حقائقها وصفاتها الكائنة عليها، نحو الكلبية ~~والخنزيرية وما عداها، وبعد استحالتها بالاحراق، فلا نسلم تناول الخطاب لها ~~بحال وهي على هذه الصفة. # وأما ثانيا: فهذا باطل بالدم، فإن اللبن مستحيل منه بظاهر الآية كقوله ~~تعالى: {من بين فرث ودم}[النحل:66]. فكان يلزم أن يكون نجسا إذا صار لبنا ~~ولا قائل به. # وأما ثالثا: فلأن الاحراق بالنار في الطهارة أبلغ من الدباغ في الجلد، ~~لأن الجلدية مع الدباغ باقية، وقد حكمتم عليه بالطهارة، والعذرة والميتة مع ~~الإحراق ليس حقيقتهما باقية؛ فإذا حكمتم هناك PageV01P407 بالطهارة فهاهنا أحق. # قالوا: لو صارت العذرة والميتة وسائر النجاسات طاهرة بالإحراق للزم أن ~~تكون النار مطهرة؛ لأنها هي السبب في الإحراق، فكان يلزم على هذا أن البول ~~لو وقع في آنية الفخار وأدخل النار أن يطهر من غير غسل وهذا لا قائل به؛ ~~لأنه لم يتجدد فيه إلا الحرارة فيلزم على هذا أن يطهر بوضعه في الشمس وهو محال. # قلنا: هذا ms354 فاسد، فإنا لم نقل: إن النار مطهرة بنفسها فيلزم ما قلتموه، ~~وإنما قلنا: إن العذرة تطهر بالاحتراق، والاحتراق حاصل عن النار، فالتطهير ~~حاصل عن(¬1) النار لا بها فأين أحدهما عن الآخر؟ وأيضا فإن التطهير حاصل ~~بالاستحالة، وما ذكرتموه ليس من باب الاستحالة في شيء، وإنما هو جفاف، ~~والبول لا يطهر بالجفاف، وكلامنا إنما هو في الاستحالة فافترقا. # قالوا: تطهير فلا يقع إلا بمائع كالوضوء والغسل. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فهذا منقوض بالتيمم والاستجمار؛ فإنهما يطهران وليسا بمائع، ~~وإنما حصلا بجامد، وهو التراب والحجارة. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الأصل إنما وجب(¬2) بالماء لما كان المقصود ~~بهما(¬3) تأدية العبادة، بخلاف طهارة العذرة والميتة بالإحراق فإنهما لا ~~تؤدى بهما عبادة فلهذا طهرا بالإحتراق من غير ماء فافترقا. # مسألة: الأرض إذا أصابتها نجاسة من بول أو عذرة أو غير ذلك من سائر ~~النجاسات، هل تطهر بطلوع الشمس وهبوب الريح أم لا تطهر إلا بالغسل؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أنها لا تطهر إلا بالغسل، وهذا هو رأي أئمة العترة، وهو ~~قول الشافعي في الجديد، PageV01P408 ومحكي عن مالك، وزفر. # والحجة على ذلك: قوله تعالى:{أن طهرا بيتي للطائفين}[البقرة:125]. فظاهر ~~الآية الأمر لإبراهيم بتطهير البيت، فلا بد من جهته من العناية، فلو كان ~~يطهر بهبوب الريح وطلوع الشمس عليه لم يكن للأمر فائدة إذ لا عناية له ~~بهبوب الريح وطلوع الشمس. # والحجة الثانية: قوله لما بال الأعرابي في ساحة المسجد: (( صبوا عليه ~~ذنوبا من ماء ))(¬1). فلو كان الأمر كما زعموه من طهارتها بما قالوا من ~~هبوب الريح وطلوع الشمس لما كان للأمر بالصب فائدة؛ لأن المقصود يحصل من دونه. # الحجة الثالثة: قياسية، وحاصلها: أنها بقعة لا يجوز التيمم منها فلا تجوز ~~الصلاة فيها، كما إذا لم يذهب أثر النجاسة عنها. # المذهب الثاني: أنها تطهر بما ذكرناه من هبوب الريح وطلوع الشمس عليها، ~~وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي في القديم، وهذه المقالة ~~إنما تكون إذا كانت أجزاء النجاسة قد ذهب ريحها وعينها ms355 ولونها، فأما مع ~~بقاء شيء من ذلك فلا قائل به. # والحجة على ذلك: هو أن الأرض مع الريح والشمس تحيل الأشياء عن طباعها، ~~فمن أجل ذلك كان تأثيرها في النجاسة وإذهابها أعظم من تأثير الماء. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من أن نجاستها لا تزول إلا بالماء. # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم، ونزيد هاهنا وهو أن الأرض محل نجس(¬2) ~~فلا تطهر عند PageV01P409 وقوع النجاسة إلا بالماء كالثوب، ولأنها أرض لا يصح التيمم منها فلا تصح ~~الصلاة عليها كما إذا لم يذهب أثر النجاسة، وهذا القياس إنما هو على إحدى ~~الروايتين في أنه يصلي عليها ولا يتيمم منها، فأما على الرواية الثانية أنه ~~يصح فيها الأمران جميعا فلا وقع له. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: الأرض مع طلوع الشمس وهبوب الرياح تحيل الأشياء عن طباعها، ولهذا ~~قال الله تعالى: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا}[الكهف:8]. ومع ~~الاستحالة تحصل الطهارة لا محالة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا منقوض بالذهب والفضة وسائر الأحجار الجوهرية، فإن ~~الأرض لا تحيلها. # وأما ثانيا: فلأن الغرض بالآية إبطال هذا النظام وزوال هذا التأليف من ~~الجبال والآكام، وجعلها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، على أنه قد ~~حكي عن ابن عباس في تفسير الآية: أنه [تعالى]: أراد بذلك موت الأنبياء، ~~والخلفاء، والعلماء، والأمراء، ومن فيه صلاح للخلق. # قالوا: الشمس تقلل النجاسة، وقليل النجاسة لا يمنع من الصلاة كالأمور ~~التي عفا الشرع عنها، وقد مر بيانها. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن الشمس تقلل النجاسة كما زعموه، وإنما تنشفها ~~كما ينشفها ما كان مهلهل النسيج؛ كالثوب الخلق والبساط، وما هذا حاله فلا ~~يعد تقليلا بحال. # وأما ثانيا: فإنا نقول: القليل عندكم معاشر أصحاب أبي حنيفة هو قدر ~~الدرهم قياسا على حلقة الدبر، وهذا أكبر من الدرهم فلا وجه لعده من جملة ~~القليل. # قالوا: تأثير الأرض في إزالة النجاسة أعظم من تأثير الماء فإذا كان الماء ms356 ~~مطهرا فالأرض مثله في التطهير من غير فرق بينهما، وإنما كانت الأرض أبلغ من ~~الماء من جهة أن الأرض تحيل النجاسة وتذهبها بخلاف الماء، فإنه إنما يطهرها ~~ولا يحيلها، فلهذا قلنا: بأنها أبلغ من الماء في التطهير. PageV01P410 # قلنا: إن كان الغرض أن جرم النجاسة قد أحالته الأرض حتى صار ترابا فقد صار ~~طاهرا بالاستحالة كما في رماد العذرة، لكنا نقول: إن مكان النجاسة قد صار ~~نجسا بالبلة التي تلحقه فهي باقية فلا بد من إزالتها بالماء، والأرض لا ~~تقدر على إزالة البلة، وإنما تطهيرها يكون بالماء، فالأرض وإن كانت أقوى في ~~الإحالة للنجاسة من الماء لكن الماء أقوى منها في كونه مزيلا للبلة ~~المتنجسة دون الأرض. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: (( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا )). ولفظة ~~الطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وظاهرها يدل على أن الأرض كما تصلح ~~للسجود عليها بالصلاة فهو دال على كونها مطهرة للأنجاس، ولن يكون تطهيرها ~~لها إلا بما ذكرناه. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأن هذا لا يتأتى على مذهبكم؛ لأن الطهور عندكم من الأسماء ~~اللازمة، والطاهر والطهور عندكم سواء، فلا يكون لكم فيه حجة؛ لأنه ليس ~~مطهرا لغيره، ولهذا عمموا التطهير بالماء وبغيره من الطاهرات كما مر ~~تقريره. # وأما ثانيا: فلأن المراد بكون الأرض مطهرة هو أنها قائمة مقام الماء عند ~~عدمه في تأدية الصلاة، أو أنها مزيلة للنجاسات بالاستحالة فتطهر الميتة بأن ~~تجعلها ترابا كما تطهر النار العذرة بأن تجعلها رمادا، وهذا لا ننكره وعليه ~~يكون تأويل الخبر، وإنما الذي وقع فيه الخلاف والنزاع إنما هو طهارة بلة ~~النجاسة بالأرض، والخبر لم يتناول هذا فلا يكون فيه حجة لكم، فإن ذهب لون ~~النجاسة وريحها بالظل فقد قال البغداديون من أصحاب الشافعي: أنه لا يطهر ~~قولا واحدا، وقال أهل خراسان من أصحابه أيضا: فيها قولان. # والمختار على رأي أئمة العترة: أنها لا تطهر بالظل، بل لا بد من غسلها ~~بالماء عند وقوع النجاسة عليها كما قاله أهل بغداد. # والحجة على ms357 ذلك: هو أن الأرض لا قوة لها على طهارة البلة اللاحقة بالأرض، ~~وأن الظل أضعف من الشمس، فإذا لم تكن مؤثرة فالظل أبعد من التأثير في ~~الطهارة. PageV01P411 # مسألة: ذهب أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، إلى ~~أن الخفاف والنعال إذا أصابت أسفلها نجاسة فدلكت على الأرض فأزال عينها ~~وبقي أثرها فإنه ينظر في حالها، فإن كانت رطبة لم تطهر؛ لأنها لرطوبتها ~~تزول بالدلك من جانب من الخف إلى جانب آخر بالحك والدلك فلا تطهر إلا ~~بالغسل، وإن أصابتها وهي رطبة فجفت عليها ثم دلكها عن الخف فأزال عينها ~~وبقي أثرها فإنه لا يحكم بطهارة الخف والنعل لاتصال النجاسة به، وهل يعفى ~~عن ذلك الأثر وتصح الصلاة فيه أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يعفى عنه ولا تجوز الصلاة فيه، وهذا هو رأي أئمة ~~العترة لا يختلفون فيه، وهو قول محمد والشافعي في الجديد. # والحجة على ذلك: هو أنه محل نجس فوجب أن لا يطهر بالمسح والحك كالثوب، ~~ولأنه لو كان على الثوب لم يطهر إلا بالغسل، فهكذا إذا كان على الخف من غير ~~تفرقة بينهما. # المذهب الثاني: أنها تطهر وتجوز الصلاة فيها، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأبي ~~يوسف، وهو قول الشافعي في القديم. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: (( إذا وطئ أحدكم الأذى ~~بنعله فإن طهورها التراب))(¬1) رواه أبو هريرة. # الحجة الثانية: من جهة القياس، وهو أنه موضع تتكرر فيه النجاسة فأجزأ فيه ~~المسح كموضع الاستجمار. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم. # والحجة على ذلك: هو أن الخفاف والنعال ملبوسة فإذا أصابتها نجاسة فإنها ~~لا تطهر إلا بالغسل، دليله: الأثواب، ولأنها نجاسة اتصلت بالخف وهي رطبة ~~فلا تجوز الصلاة فيها ولا يحكم بطهارتها PageV01P412 إلا بالغسل كما لو اتصلت بالقدم من غير خف ولا نعل. # الانتصار: يكون بتزييف ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: روى أبو هريرة عن النبي أنه قال: (( إذا وطئ أحدكم الأذى بنعله ~~فإن طهورها التراب)). # قلنا: عن ms358 هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه يحتمل أن يكون مراده وطء المستقذرات الطاهرة، فإنه قد ~~يستعمل لفظ التطهير في ذلك كقوله عليه السلام: (( السواك مطهرة للفم ~~))(¬1). # وأما ثانيا: فلعله أراد الأذى الذي يكون جافا فلا يعلق بالخف، وما هذا ~~حاله فإنا نسلم أنه لا يحتاج إلى غسل؛ لأن ظاهر الحديث ليس فيه أن النجاسة ~~رطبة كما زعمتم، فإذا كان الخبر محتملا لما ذكرناه بطل تعلقهم به. # قالوا: روى أبو سعيد الخدري عن الرسول أنه قال: (( إذا جاء أحدكم إلى ~~المسجد فلينظر نعليه فإذا كان فيهما خبث فليمسحه بالتراب)). أو قال: (( ~~بالأرض ثم ليصل فيهما))(¬2). فظاهر الخبر دال على ما قلناه من طهارة الخف ~~إذا حكه بالتراب. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه ليس في الخبر إلا أنه يمسحه على الأرض، وليس فيه دلالة ~~على منع غسله، فلعله أراد بالمسح تخفيف النجاسة بالمسح أولا، ثم يغسله ثانيا. # وأما ثانيا: فلأنه يحتمل أن يكون ذلك الخبث جافا فلا ينجس الخف به، كغيره ~~من النجاسات الجافة وإنما وجب حمله على ما ذكرناه من أجل مخالفته للقياس؛ ~~لأن القياس في اتصال النجاسة الرطبة: أنه لا بد من غسلها للصلاة، وهذا ~~الخبر لما خالف هذا القياس وجب تأويله على ما ذكرناه. PageV01P413 # والاحتمال وإن بعد فإنه يغتفر بعده مخافة ارتكاب ما هو أبعد منه، والله أعلم. # قالوا: محل تتكرر فيه النجاسة فزال حكمها بالمسح كمسح الاستجمار. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلا نسلم أنه تتكرر فيه النجاسة، فإن الغالب من حال الأرض هو ~~الطهارة، وهو مخالف لما قالوه في الاستجمار، فإن موضع الاستجمار تتكرر فيه ~~النجاسة، فلو ألزمناهم غسله لكان فيه مشقة، هذا على رأيهم في أن وضع ~~الاستجمار معفو عنه، فأما على ما نختاره وهو رأي أئمة العترة، فإنه غير ~~معفو عنه، وسيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله. # وأما ثانيا: فلأن المسح بالأحجار في موضع الاستجمار يزيل البول والغائط ~~إذا كانا رطبين، وهاهنا لا يجوز إلا إذا كانت النجاسة قد جفت على الخف ms359 ~~والنعل فافترقا. # قالوا: جرم الخف مستحصف كثيف، وجرم النجاسة متخلخل سخيف، فإذا جفت ~~النجاسة على الخف والنعل فإنها تنشف الرطوبة إلى نفسها التي فيها، فإذا مسح ~~زال ما حصل فيه إلا الرطوبة، وتبقى في الخف نجاسة يسيرة يعفى عنها شرعا. # قلنا: هذا فيه منع من وجهين: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن النجاسة تنشف نجاسة الخف إلى نفسها، لأنها لو ~~كانت كما زعموا لوجب إذا مسح الخف على الأرض أن يطهر عند اتصال النجاسة به، ~~من جهة أن الرطوبة قد حصلت في الجرم وقد زال الجرم. # وأما ثانيا: فلأنا لا نسلم أن ما يبقى معفو عنه؛ لأن ما يعفى عنه إنما هو ~~مما تعظم به البلوى، ويكثر فيه الحرج والمشقة في تلك الأمور العشرة، وليس ~~هذا منها فافترقا. # مسألة: مشتملة على فروع: # الفرع الأول منها: إذا ضرب اللبن من التراب وفيه نجاسة ذائبة كالخمر ~~والبول، فإن اللبن يكون نجسا لا محالة لاتصاله بالنجاسة الذائبة المتصلة ~~به، فإن أريد تطهيره قبل طبخه فإنه يكاثر بالماء فإذا PageV01P414 كوثر بالماء طهر ظاهره، ولا يطهر باطنه إلا بأن تفتت أجزاؤه ثم يصب عليه من ~~الماء ما يغيره، ويتهرأ(¬1) فيه فعند ذلك يطهر، وإن طبخ هذا اللبن فإذا صب ~~الماء على ظاهره طهر ظاهره وإن خرج الندى من الجانب الآخر طهر باطنه ~~لاتصاله بالماء، وإن خالط طينه نجاسة مستجسدة كالسرقين والعذرة، فإنه مهما ~~دام لبنا لم يطبخ، فإنه لا يطهر بحال؛ لأنه لا يطهر بالغسل فلا معنى ~~للمكاثرة فيه بالماء من جهة أن الأعيان النجسة لا تطهر بالغسل؛ لأن نجاستها ~~عينية كما مر تقريره، وإن طبخ هذا اللبن فهل يطهر بالنار من غير غسل أم لا؟ ~~فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا يطهر؛ لأن بلة السرقين والعذرة نجسة، وقد اختلط بها ~~وامتزج ولم يعرض [له] إلا النار وهي غير مطهرة. # وثانيهما: أنه يكون طاهرا من جهة أنه قد استحجر واستحالت تلك الأجزاء ~~بالنار فصار كرماد العذرة والسرقين، وهذان الوجهان محكيان عن الشافعي. # والمختار: هو الثاني؛ لأن ms360 أجزاء السرقين قد ذهبت بالاحتراق بالنار، فإذا ~~زالت العين بالنار زال حكم البلة تبعا لها كما قلناه في الدم إذا صار لبنا، ~~والخمر إذا صارت خلا كما سبق. # الفرع الثاني: قال القاسم: من مس كلبا جافا لم يجب عليه غسل يده، وهكذا ~~الحال فيمن مس عذرة [جافة] فإنه لا يتوجه عليه غسل يده لأجل مجاورتها ~~للنجاسة، وهذا هو رأي العترة وهو قول علماء الأمة. # والحجة على ذلك: هو أن الأشياء النجسة إنما تكون منجسة لما جاورها بأحد أمرين: # - إما بأن تكون مائعة بنفسها كالخمر ودم الميتة ورطوبتها. # - وإما بأن تكون في نفسها جافة، لكن الشيء الطاهر الذي جاورها يكون رطبا ~~فإنه يكون مخالطا لها بما فيه من الرطوبة فينجس من أجل ذلك، فمن غسل يده ~~وأمرها على كلب أو خنزير فإنها تكون PageV01P415 نجسة؛ لأنها بما فيها من البلة لاقت النجس فكانت نجسة، فحصل من مجموع ما ~~ذكرناه أن جميع الأعيان الطاهرة لا ينجس شيء منها بملاقاة [شيء] من ~~النجاسات إلا إذا كان أحدهما رطبا. # الفرع الثالث: إذا وقعت في الأرض نجاسة ذائبة كالبول والخمر وكاثرها ~~بالماء، فهل تطهر على الإطلاق أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنها تطهر بالمكاثرة من غير نظر إلى حالها، وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على ذلك: ما روى أبو هريرة أن أعرابيا دخل مسجد الرسول فقال: ~~اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا. فقال الرسول : (( لقد تحجرت واسعا ~~)). فما لبث أن قام إلى زاوية المسجد فبال فيها فابتدره أصحاب النبي . فقال ~~النبي : (( دعوه )). ثم دعا بذنوب من ماء فأراقه عليه ثم قال: (( علموا ~~ويسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا ))(¬1). والذنوب: هو الدلو الكبيرة. # وثانيهما: أنه ينظر فإن كانت الأرض رخوة ينزل فيها الماء، وصب عليها ~~الماء فإنها تطهر، وإن كانت صلبة لم يجز إلا حفرها ونقل التراب وهذا هو رأي ~~أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: هو أنها إذا كانت رخوة ذهبت أجزاء النجاسة مع الماء ~~بخلاف ما إذا كانت صلبة فإنها تطهر على وجه الأرض والماء ms361 قليل ينجس بملاقاة ~~النجاسة، فلهذا وجب حفر ما اتصل بالنجاسة وإلقاؤه، فعند ذلك تطهر الأرض ~~بقلع التراب وإزالته. # والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه، هو أن الأرض إن كانت رخوة فلا كلام في ~~طهارتها، فأما إذا كانت صلبة، فإنه ينظر في الماء الذي كوثرت به النجاسة، ~~فإن كان متغيرا بها لم يطهر إذا ظهر فيه ريح أو لون، وإن لم يظهر فيه تغير ~~بالنجاسة طهرت الأرض بالماء وإن لم تنشفه. # الانتصار على الشافعي: احتج بحديث أبي هريرة. # قلنا: أرض المسجد كانت رخوة؛ لأنه رمل وكلامنا إذا كانت صلبة لا ينزل ~~فيها الماء، فليس في PageV01P416 حديث أبي هريرة حجة على ذلك. # وعلى أبي حنيفة نقول: إذا كان غير متغير بالنجاسة، فإنه بالمكاثرة قد ~~صارت الأرض طاهرة ولا معنى لحفرها، بخلاف ما إذا تغير الماء بالنجاسة، ~~فإنها تنجسه وعلى هذا تكون غالبة فلا تطهر. # الفرع الرابع: وإن وقعت نجاسة على الأرض فصب عليها الماء وكاثرها به، فهل ~~يحكم بطهارتها قبل أن ينشف الماء أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يحكم فيها بالطهارة وإن لم ينشف الماء؛ لأن الطهارة فيها ~~متعلقة بالمكاثرة وقد وجدت فلهذا طهرت. # وثانيهما: أنه لا يحكم لها بالطهارة حتى ينشف الماء؛ لأنه لا يتحقق ذهاب ~~النجاسة إلا بالتنشيف، وهذا هو الذي ذكره أصحابنا للمذهب. # والمختار: أن الماء إذا كان راكدا على الأرض ولم تبلعه فإنه ينظر فيه، ~~فإن تغير بالنجاسة التي وقع عليها فهو غير طاهر ولا مطهر لها، وإن لم يكن ~~متغيرا بالنجاسة فإنه يكون طاهرا مطهرا، من جهة أن العبرة هي المكاثرة من ~~غير تغير فيه. # الفرع الخامس: في قدر المكاثرة، وفيه وجهان: # أحدهما: أن يصب على النجاسة ما يكون غامرا لها مستهلكا لأجزائها مما يكون ~~ذاهبا بلونها وطعمها ورائحتها. # وثانيهما: أن النجاسة لا تطهر حتى يصب عليها من الماء سبعة أضعافها؛ ~~لأنها نجاسة فيجب إزالتها بسبعة أضعاف، دليله: ولوغ الكلب. # والمختار: هو الأول، وهو الذي نص عليه الشافعي في (الأم). # والحجة على ذلك: هو أن المقصود ms362 إنما هو إزالة النجاسة، وما ذكرناه يكون ~~مذهبا لها فلهذا وجب التعويل عليه، وما ذكروه من أخذه من ولوغ الكلب لا وجه ~~له لأمرين: PageV01P417 # أما أولا: فلا نسلم أنه يغسل من ولوغه سبع مرات، وسنوضح القول فيه إن شاء الله. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمناه في الكلب، وأما في غيره فلا نسلمه(¬1) لأن ~~ذلك إنما كان تعبدا في حق الكلب على الخصوص، لكونه مختصا في نظر الشرع ~~بتقذير بالغ، فلهذا خصه بهذا العدد في الإزالة فلا يكون غيره في معناه، فلا ~~يقاس عليه غيره. # مسألة: ذهب أئمة العترة إلى أن فم الهر طاهر، وسؤره يجوز التطهر به، وهو ~~رأي فقهاء الأمة: أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ولهم على تقرير هذه ~~المسألة حجتان: # الحجة الأولى: من جهة القول، وهو ما روته كبشة بنت كعب بن مالك (¬2)، ~~وكانت تحت [عبدالله بن] أبي قتادة (¬3)، فجاءت هرة فشربت من وضوئه فأصغى ~~لها الإناء فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يابنة أخي؟ فقلت: نعم، فقال: إن ~~رسول الله قال: (( إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات)). # الحجة الثانية: من جهة الفعل، وهو ما روته عائشة رضي الله عنها أن الرسول ~~كان يتوضأ بفضلها(¬4)، وروي أنه أصغى لها الإناء فشربت منه، فوضح بما ~~قررناه هاهنا، أن الهرة فمها وسؤرها طاهران بما أوردناه من الأدلة الشرعية ~~في حقها قولا وفعلا، والله أعلم. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول منها: إذا ولغت هرة في ماء قليل ولم يرها قبل ذلك أكلت ~~نجاسة، جاز الوضوء به عند أئمة العترة، وهو قول الشافعي،. ولا يكره ذلك. PageV01P418 # والحجة على ذلك: ما قررناه من قبل من جهة القول والفعل فلا وجه لتكريره، ~~وكله دال على طهارتها من غير كراهة فلو كان فيه كراهة لنبه عليه؛ لأنه في ~~موضع الشرع فلا يجوز تأخير البيان عن موضع الحاجة إليه. # وحكي عن أبي حنيفة: أن سؤرها يكره، وكذلك الخيل، وعنده أن سؤر بني آدم ~~وسائر ما يؤكل لحمه طاهر، وسؤر مشكوك فيه وهو سؤر البغال ms363 والحمير، وسؤر نجس ~~وهو سؤر السباع كلها. # والحجة على كراهة سؤر الهر: هو أنه من جملة السباع لكونه ذا ناب، لكن ~~القياس: أن يكون نجسا عنده كسائر السباع، فلما خفف الشرع حكمه بالمخالطة ~~والطوفان فيه، لا جرم كان مكروها ولم يكن محرما. # والمختار: ما عول عليه الجماهير من أئمة العترة والفقهاء من طهارتها ولا ~~مزيد على ما أوردناه في ذلك من الأدلة الشرعية، لكنا نقول: الكراهة حكم ~~شرعي فلا بد فيه من دلالة لكونه مقابلا للمندوب، من جهة أن المندوب: ما جاز ~~تركه والأفضل فعله، والمكروه: ما جاز [فعله] والأفضل تركه، والجنس شامل ~~لهما جميعا، فكما كان الندب لا بد فيه من دلالة، فهكذا حال المكروه من غير ~~فصل، ولا دلالة هناك على كراهة سؤر الهرة. # الانتصار على أبي حنيفة: قال: سؤر السباع نجس. # قلنا: لا نسلم، وقد مر الكلام فيه، وقد أوضحنا كونه طاهرا فأغنى عن ~~الإعادة، ثم إنا إن سلمنا كون السباع نجسة، فالهرة ليست من السباع بنص صاحب ~~الشريعة صلوات الله عليه وعلى آله وسلم، حيث قال: (( إنها ليست سبعا)). ثم ~~إن عموم المخالطة بالطوفان قد خفف أمرها في النجاسة فلا وجه لما ادعاه من ~~الكراهة. # الفرع الثاني: إذا افترست الهرة حيوانا فهل ينجس فمها أم لا؟ فالذي ذهب ~~إليه علماء العترة: أنه ينجس، وهذا هو أحد أقوال الشافعي، وله قول ثان: أنه ~~لا ينجس بالافتراس؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منها، وقول ثالث: أنها إن غابت ~~ثم رجعت لم ينجس، لجواز طريان الطهارة على فمها، وإن لم تغب فإنه يكون ~~نجسا؛ لأن الأصل هو بقاء نجاسته بالافتراس. PageV01P419 # والحجة على ما قاله علماء العترة: هو أن الافتراس متحقق في حقها والنجاسة ~~متحققة فلا معنى لإزالتها بالوهم الصرف. # والمختار: ما عولنا عليه من نجاسة فمها. # والحجة على ذلك: هو أنه إما أن يقال: إنها لم تفترس شيئا، فقد فرضنا أنها ~~قد افترست، فلا وجه له، لفرض خلافه. # وإما أن يقال: إنها وإن افترست ففمها طاهر. فهذا لا وجه له، ms364 لأنا قد ~~تيقنا نجاسة فمها بأكل الميتة فإذا الحكم بنجاسة فمها هو الوجه، ولأنا لو ~~لم نحكم بنجاسة فمها لأدى إلى طهارة الميتة، ولا قائل بكونها طاهرة. # الانتصار على الشافعي: حيث قال: بأنها لا تنجس؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منها. # قلنا: إنكار كونها آكلة للميتة لا سبيل إليه، فبعد ذاك، إما أن يقال: إن ~~الميتة طاهرة، وهذا لا وجه له، وإما أن يقال: بأن فمها لم ينجس بأكل ~~الميتة، فهذا فاسد أيضا فإن الميتة نجس وما خالطها فهو نجس أيضا، وإما أن ~~يقال: بأن فمها قد تنجس خلا أنه يطهر بعد ذلك، فهذا جيد، وسنقرر كيفية ~~طهارته بعد تنجيسه بأكل النجاسة، وفيه تسليم ما قلناه من كون فمها نجسا. # قوله: ينظر، فإن غابت فهو طاهر، وإن لم تغب فهو نجس. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الأصل: هو تحقق النجاسة بالافتراس فلا يجوز رفع هذا ~~التحقق بالوهم والشك. # وأما ثانيا: فلأن فمها قد وجب كونه نجسا بالحضور، فيجب أيضا الحكم عليه ~~بالنجاسة مع الغيبة، والجامع بينهما: هو تحقق النجاسة، ولم يعرض ما يزيلها أصلا. # الفرع الثالث: إذا تقرر كونه نجسا بما قررناه، فبأي شيء تكون طهارته؟ إذ ~~لا سبيل إلى القول ببقاء نجاسته على الاستمرار؛ لأنها من الطوافين ~~والطوافات ولا تنقطع مخالطتها، وكون فمها نجسا بكل حال فيه حرج ومشقة فلا ~~وجه له. PageV01P420 # والذي عليه أئمة العترة: أنه يكون طاهرا بالريق؛ لأن ذلك هو الممكن في ~~حقها، وظاهر كلام الشافعي: أنه يطهر حكما، ولم أعلم أن أحدا من نظار أصحابه ~~ولا من حذاق محصلي مذهبه البغداديين، كالزعفراني الحسن (¬1) والكرابيسي ~~الحسين وإبراهيم الكلبي، ولا من المصريين، كالمزني وحرملة والبويطي. ~~فالبغداديون يروون أقواله القديمة، والمصريون يروون أقواله الجديدة، وما ~~نقل أحد منهم عنه أنه يطهر بالريق، ولا من أصحابه المتأخرين، كالصباغ ~~والقفال وأبي بكر الحداد، نقل ذلك عنه أيضا مع تحفظهم على نقل أقواله، ~~وتشددهم في التخريج عليها. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من طهارته بالريق، ويدل على ذلك حجتان: ms365 # الحجة الأولى: أنا نقول: ليس يخلو الحال في فم الهرة، بعد تحقق النجاسة ~~عليه: إما أن يقال: إنه يطهر بغير سبب، وهذا لا قائل به، فإن أحدا من ~~الفقهاء لم يذهب إلى طهارة الشيء بعد نجاسته لا لأمر من الأمور، وإما أن ~~يقال: إنه يطهر بالغسل، وهذا أيضا لا قائل به، فإنه لا يعلم أن أحدا أوجب ~~غسل فم الهرة بعد نجاسته، وإما أن يقال: إنه يطهر بالمسح، وهذا إنما يقال ~~به في الأشياء الصقيلة كالسيف والمرآة، فأما ما عداها فلا، وقد مر بيانه، ~~فإذا بطل ما ذكرناه من هذه الأوجه لم يبق إلا أن يقال: إنه يطهر بالريق؛ ~~لأنه هو الذي يمكن أن يقال في حقها بعد بطلان ما ذكرناه. # الحجة الثانية: هو أن الريق مائع فأشبه الماء، ولأن الريق في حقها وحق ~~غيرها من سائر الحيوانات مختص بنوع حدة، ولهذا فإنه يؤثر في زوال الآثار ~~بعض تأثير في تقليلها إذا علقت، فلأجل هذا كان مختصا بالتطهير في حقها، لما ~~لها في ذلك من مزية الاختصاص؛ ولأنه هو الممكن في حقها، وقد قال تعالى: {لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها}[البقرة:286]. ولأنه قد رآه الأفاضل من علماء ~~العترة وغيرهم من فقهاء الأمة، وقد قال عليه السلام: (( ما رآه المسلمون ~~حسنا فهو عند الله حسن )). # الانتصار على الشافعي: قال: روي عن الرسول أنه قال: (( إنها ليست بنجس ~~)). ولم يفصل بين PageV01P421 أحوالها في حال افتراسها وعدم افتراسها، وفي هذا دلالة على كونها طاهرة في ~~جميع حالاتها بتقرير الشارع وتصريحه من غير حاجة إلى التأويل. # قلنا: عما أوردوه جوابان: # أما أولا: فلأنه إنما قال ذلك لسبب، وهو أنه لما دعي إلى دار فيها كلب ~~فلم يجب، ثم دعي إلى دار فيها هرة فأجاب فقيل له في ذلك، فقال: (( إنها ~~ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات)). يعني أنها ليست مثل الكلب ~~في السبعية، ولم يرد نفي النجاسة عنها على جهة الإطلاق. # وأما ثانيا: فلأنه إنما أراد أنها ليست نجسة الذات وإنما هي طاهرة، ms366 ولأجل ~~ما يعرض فيها من الطوفان، ولم يرد أنها إذا افترست لا ينجس فوها فبطل ما قاله. # قال الشافعي: قال الرسول : (( إنها من الطوافين عليكم والطوافات)). ~~والغرض من ذلك أنها لما كانت البلوى تعظم بها بالمخالطة والطوفان، وأنه لا ~~يمكن حجزها عن البيوت والحجرات والمساكن، فلأجل هذا حكم بطهارتها من أجل ~~ذلك، ولم يفصل فيها بين حال وحال، وفي هذا دلالة على طهارتها. # قلنا: هذا فيه دلالة على ما قلناه من نجاستها؛ لكن الشرع عفا عن تلك ~~النجاسة، لأجل عظم الخلطة بها وملابستها لها في كل حال من حالاتها، فلو ~~استدللنا بهذا على ما يقوله من نجاستها لكنا أسعد حالا لما ذكرناه. # الفرع الرابع: وإذا قلنا بطهارتها بعد وقوع النجاسة، فهل تقدر طهارة فيها ~~بمدة أو لا تقدر بمدة؟ # ولا قائل بعدم المدة إلا من قال: إن فاها لا ينجس مطلقا، وهوالشافعي، وقد ~~رددنا عليه، ولأن القول بطهارة فمها عقيب الافتراس لا وجه له لأمرين: # أما أولا: فلا بد من تفرقة بين حال الطهارة، وحالة النجاسة، ولا تفرقة ~~إلا بعد مضي مدة بعد وقوع النجاسة في فمها. # وأما ثانيا: فكيف يقال: بأنه يطهر فوها من غير تقدير مدة؟ ولعل بعض أجزاء ~~الفريسة في فمها وبين أنيابها فكيف يحكم بطهارته من غير مدة تمضي؟ هذا لا ~~وجه له. # وإذا كان لا بد من مدة فكم تكون تلك المدة؟ فيه قولان: # أحدهما: أن تكون المدة ليلة، وهذا هو الذي ذكره المؤيد بالله في كتاب ~~(الزيادات). # ووجهه: هو أن الليلة زمان سكون ودعة واستراحة، ولعابها لا يزال جاريا في ~~هذه المدة، فلهذا كان موجبا لطهارته. # وثانيهما: أن تلك المدة تكون يوما وليلة، وهذا هو الذي ذكره القاضي أبو ~~مضر، تحصيلا لمذهبه(¬1). # ووجهه: أنها في اليوم والليلة لا تصبر عن الماء فيهما أصلا، فإذا شربت ~~أزال الماء تلك العفونة عن فمها، ورحض ذلك التقذير الذي حصل من أجل ~~الافتراس، وكلا التقديرين لا عثار عليه، خلا أن الليلة هي نص الإمام، ~~واليوم والليلة مخرجان على ms367 مذهبه، والنص خير من التخريج وأقوى نفوذا، لكن ~~التخريج مختص بنوع من الحيطة فلهذا كان سائغا. # وهل يكون ما ذكرناه من الليلة على النص، أو على اليوم والليلة تخريجا على ~~مذهبه، تقريبا أو يكون تحديدا؟ # فيه احتمالان: # الاحتمال الأول: أن يكون على جهة التحديد، وفائدته: إن نقص من الليلة ~~ساعة أو من اليوم والليلة تخريجا ساعتان، لم يطهر فمها؛ لأن هذا هو فائدة ~~التحديد بالوقوف على حده من غير نقصان كسائر الأمور المحدودة الشرعية. # الاحتمال الثاني: أن يكون ذلك على جهة التقريب، وفائدته: أنه لو نقص من ~~الليلة أو من اليوم والليلة، ساعة واحدة أو نصف ساعة، فإنه غير ضار في ~~الطهارة. والأجود أن ذلك على جهة PageV01P422 التقريب؛ لأن الريق يجري من فمها من دون ذلك، فيكون موجبا للطهارة، والله أعلم. # الفرع الخامس: وإذا قلنا بطهارة فم الهرة لأجل ما أوردنا من الأدلة ~~الشرعية قولا وفعلا، فهل يقاس عليها غيرها مما يشاركها في العلة التي نبه ~~الشرع فيها على أنها علة طهارتها وهي الطوفان حيث قال: ((بأنها من الطوافين ~~عليكم والطوافات)) في حديث أبي قتادة، أو يكون مقصورا عليها لا يتعداها؟ ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه مقصور عليها لا يتعداها، وهذا المذهب له عندي توجيهان: # التوجيه الأول: أن يكون صادرا من منكري القياس، إما على جهة الإطلاق ~~كداود وطبقته، وإما من جهة من اعترف بأطراف منه وصور قد عددها، ليس هذا ~~منها، كالشيخ أبي هاشم وأبي إسحاق النظام (¬1)، وأبي عبد الله البصري، فإن ~~هؤلاء قد أنكروا القياس كله إلا أطرافا منه، فهؤلاء يمكن أن يقولوا: يجب ~~قصر الخطاب على فم الهرة، ولا يقاس عليه غيره من سائر الأفواه، وقد رددنا ~~عليهم هذه المقالة في الكتب الأصولية، من رده مطلقا ومن اعترف بصور منه، ~~وأوضحنا أنهم لم يصنعوا شيئا في رد القياس وإنكاره، والبحث في الأصول مخالف ~~للأسرار الفقهية، فلا يمزج أحدهما بالآخر. # التوجيه الثاني: أن يكون صادرا من جهة المعترفين بالقياس، لكنهم قالوا: ~~وإن كنا معترفين بالقياس لكن فيه مانعان: ms368 # أحدهما: أنه خارج عن القياس فلا يجوز القياس عليه كما في الخبر إذا خالف ~~القياس، فكان المانع هو خروجه. # وثانيهما: أن يقال: ليس ببدع في المجاري الشرعية، أن يكون ملحوظا بحكم ~~لبس ومصلحة لا PageV01P423 يشاركه فيه غيره ويكون مخصوصا به، وعلى هذا تكون معاني القياس فيه غير ~~معقولة ومسالكه مسدودة ومجاريه منحسمة، كما نقوله في العبادات وغيرها مما ~~لا تعقل فيها مخايل المعاني ولا تجري فيها طرق الأشباه، فمن أجل ذلك يكون ~~مقصورا على محله لأجل الخصوصية التي لا يشاركه فيها غيره، وهذا فاسد فإن ~~الأصل عند المعترفين بالقياس القائلين به: هو جري المعاني المعقولة ~~والأشباه الخاصة على التعدي من محالها إلا لمانع شرعي يمنع من ذلك، ولا ~~مانع هاهنا من قياس الأفواه على فم الهرة بجامع الطوفان فيهم جميعا كما ~~نقول في سائر المعاني الجارية في جميع معاني الشريعة كلها من المعاوضات ~~وغيرها، فهذا تقرير مذهب هؤلاء الذين قصروه على فم الهرة لا غير. # المذهب الثاني: مذهب المعدين له إلى سائر الأفواه، وهذا هو قول المعترفين ~~بالقياس السالكين لطرقه، وهم علماء الشريعة وأهل الحل والعقد من أئمة ~~العترة وأكثر علماء الأمة، فإنهم جازمون بالتعدية في كل معنى من المعاني ~~المخيلة والأوصاف الشبهية، لا يكيعون عن ذلك إلا لمانع شرعي من بعيد تظهر ~~فيه آثار التحكم التي لا يفهم معناها في الأعداد والتقديرات وغيرها مما ~~تنحسم فيه مسالك الأقيسة ولا تكون جارية فيه، وفم الهرة ليس من هذه ~~المجاري، فلهذا وجب القضاء بالتعدية كما أوضحناه، والله أعلم. # ثم نقول: لأي شيء منعتم من قياس سائر الأفواه على فم الهرة؟ هل كان ذلك ~~لعدم فهم المعنى؟ فهذا خطأ فإن الشارع قد أشار إلى العلة في فم الهرة ونبه ~~عليها بقوله: (( إنها من الطوافين عليكم )). وإن كان من جهة أن العلة ~~مفهومة لكن منع من ذلك مانع فهذا خطأ أيضا، فإن المانع لا بد من أن يكون ~~ظاهرا [فأين] ظهوره حتى نتكلم عليه؟ وإلا كان تحكما فاسدا لا يعول عليه، ~~فبطل ما ms369 قالوه ووجب تعديته إلى سائر الأفواه بجامع الطوفان. # الفرع السادس: إذا وجب تعديته إلى سائر الأفواه كما أوضحناه، فهل يكون ~~ذلك من جهة القياس بالجامع الذي ذكرناه أو يكون على جهة التنصيص؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: وهو الذي عليه أكثر العلماء من أئمة العترة وفقهاء الأمة، ~~وهو أن يكون إلحاق ما عداها من الأفواه بالقياس على الهرة بجامع الطوفان، ~~وذلك لأن فهم العلة قد يكون بالتنصيص PageV01P424 كقول الشارع: (( حرمت الخمر لشدتها أو لأجل شدتها)). وقد تكون بالإيماء ~~كقوله عليه السلام: (( إنها من الطوافين عليكم والطوافات)). وقوله: (( ~~القاتل لا يرث))(¬1). وغير ذلك من أنواع التنبيهات على العلل الشرعية، وقد ~~تكون من جهة الاستنباط، فلا تخلو العلة عن إحدى هذه الطرق الثلاث، وطريق ~~تقرير العلة في خبر الهرة قوله : (( إنها ليست بنجس)) ثم علل عدم النجاسة ~~فيها بأنها من الطوافين، فحصل من ذلك أن عدم النجاسة لعلة الطوفان علينا، ~~فمن شاركها في هذه العلة مما يكثر طوفه علينا مثل كثرة تطوافها، فالنجاسة ~~عنه منتفية، وهذا هو الأصل في تقرير كل علة من العلل الشرعية يجري على ما ~~ذكرناه من غير مخالفة، كالصبيان الصغار، فإن أفواههم تطهر في هذه المدة إذا ~~وقع منهم القيء، وكثيرا ما يسنح في حقهم، وهكذا الحال في الفأرة إذا أكلت ~~العذرة فإن هذه الأفواه تطهر بالريق، إما بعد الليلة أو اليوم كما قاله ~~المؤيد بالله، وإما بمجموعهما كما خرجه أبومضر. # نعم.. طهارة هذه الأفواه بالريق مخالف للقياس من جهة أن القياس أن ~~النجاسة لا تطهر بشيء سوى الماء؛ لأنه هو الأصل في إزالتها، وإن جاء شيء ~~على خلاف ذلك فهو مخالف للقياس، كما أن الأصل في طهارة الحدث ألا يكون إلا ~~بالماء، وما خرج عن ذلك فعلى مخالفة القياس وقد مر بيانه، وإنما قضينا ~~بطهارة الأفواه بالريق على جهة الاستحسان لما ذكرناه من الأدلة الشرعية، ~~والاستحسان معمول به عندنا، وهو أخص من القياس وأقوى في الدلالة على الحكم، ~~وحكي عن الشافعي: إنكاره. والقول به هو قول أئمة العترة، ms370 وهو محكي عن أبي ~~حنيفة وأصحابه، وقد أقمنا على صحة القول به البرهان الأصولي، فحصل من مجموع ~~ما ذكرناه هاهنا: أن طهارة الأفواه وإن كان جاريا على مخالفة القياس، لكن ~~أفواه ما عدا الهرة مقيس عليها على جهة الاستحسان. # المذهب الثاني: إلحاق ما عدا فم الهرة من الأفواه ليس على جهة القياس، ~~وذلك يكون على أوجه ثلاثة: # الوجه الأول منها: أن يكون على جهة العموم، وحاصله: دلالة الظهور؛ لأن ~~الحق أن دلالة PageV01P425 العموم ليست إلا من جهة الظاهر دون النص؛ لأن العموم ليس نصا فيما تناوله ~~وإنما هو ظاهر في الدلالة، وتقريره هو أن قوله: (( إنها من الطوافين عليكم ~~والطوافات)). ولفظ: الطوافين، لفظ العموم؛ لأنه مستغرق بدخول اللام عليه ~~كالمؤمنين والمسلمين، وما كان دلالته من جهة العموم الذي يكون ظاهرا فليس ~~دالا من جهة القياس وإنما دلالته لفظية، وليس من المعاني في ورد ولا صدر. # الوجه الثاني: أن تكون دلالته من جهة اللفظ بطريق الأولى، وتقريره: أنه ~~قال في لفظ الخبر: (( إنها من الطوافين)). و[كلمة] من هذه للتبعيض، فكأنه ~~قال: إن الطوافين عليكم أفواههم طاهرة والهرة منهم، فمن أجل ذلك حكمنا أن ~~ما عدا الهرة فأفواههم طاهرة من جهة الأولى؛ لأن ظاهر اللفظ أنهم هم ~~المقصودون به، والهرة إنما دخلت على جهة التبع لا على جهة القصد، وهذا هو ~~مطلوبنا، وما كان داخلا من جهة الأولى فليس حاصلا بالقياس، ولهذا فإنا ~~قلنا: إن تحريم الضرب في قوله:{فلا تقل لهما أف}[الإسراء:23]. ليس قياسا ~~كما هو قول الأكثر من الأصوليين لما كان مفهوما من جهة الأحق والأولى، ~~وهكذا ما قلناه إذا كان غير الهرة مفهوما بالمعنى قبل الهرة، فهو من طريق ~~الأحق والأولى. # الوجه الثالث: أن تكون دلالة العلة وطريق إثباتها من جهة التنصيص، وهو ~~قوله: (( إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم)). لأن من الأصوليين من ~~قال: إن (إن) المكسورة إذا وجهت على جهة التعليل فهي نص في تقرير التعليل، ~~كقوله عليه السلام: (( زملوهم بكلومهم فإنهم يبعثون يوم القيامة))(¬1). فهي ~~في ms371 الخبر دالة على العلة من جهة النصوصية، وما كان هذا حاله في التنصيص على ~~العلة، فقد قال بعض الأصوليين: إنه لا يعد قياسا أصلا؛ لأجل النص على ~~العلة، فحصل من مجموع ما ذكرناه: أن الحكم بطهارة أفواه ما عدا الهرة ليس ~~من جهة القياس، على التلخيص الذي قررناه. # الفرع السابع: في تقرير المختار من هذه الأقاويل، والحق أن الحكم بطهارة ~~أفواه ما عدا الهرة إنما حصل من جهة الدلالة اللفظية، وهي دلالة الظهور من ~~جهة العموم، إما على جهة الاستواء بينها وبين سائر الطوافين كما في مفردات ~~العموم، وإما على أن ما عداها هو أحق بالدلالة منها من جهة أن التقدير في ~~الخبر: ومن كان طائفا عليكم ففوه طاهر والهرة من جملتهم، وكلاهما مدلول ~~عليه من جهة اللفظ كما ترى دون القياس ويتأيد هذا الاختيار بإبطال ما سواه. PageV01P426 # الانتصار لهذه القاعدة: إنما يكون بتزييف ما وراءها. # قالوا: أي مانع من أن يكون تطهير ما عدا فم الهرة إنما هو حاصل بطريق ~~النص على العلة بقوله: (( إنها من الطوافين عليكم )). وما كان نصا على ~~العلة فليس من القياس في شيء؟ # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا نقول: الحق عندنا، وهو قول الجماهير من الأصوليين، أن ~~التنصيص على العلة لا يخرجه عن كونه قياسا؛ لأن حقيقة القياس وفائدته أن ~~يكون حكم المسكوت عنه مفهوما من المنطوق به، وهذا حاصل مع كون العلة منصوصا ~~عليها، ولهذا فإنه لو قال الشارع (صلوات الله عليه وآله(: (( حرمت الخمر)). ~~فإن إلحاق النبيذ بها إنما هو من جهة القياس، وإن كانت العلة منصوصا عليها ~~لما كان أخذ المسكوت عنه من منطوق به، فحصل من هذا أن التنصيص على العلة لا ~~يخرجه عن كونه قياسا لما قررناه. # وأما ثانيا: فلا نسلم أن قوله: (( إنها من الطوافين عليكم والطوافات)). ~~نص في العلة، وإنما هو تنبيه عليها، وقد زعمه بعض الأصوليين [نصا] وليس ~~سببا، بل هو بيان التنبيه على العلة أحق من كونه نصا عليها، فإن النص على ~~العلة ms372 إنما يكون باللام، كقوله: نهيتكم عن هذا لكذا، أو من أجل كذا، أو ~~لأجل كذا، وبالباء كقوله تعالى: {ذلك بأنهم شاقوا الله ~~ورسوله}[الإنفال:13]. فأما ما عدا ذلك فإنه يكون دالا على العلة ومرشدا ~~إليها وليس نصا على العلة، وإنما هو من طريق التنبيه عليها. # قالوا: لم لا يجوز أن تكون العلة حاصلة من جهة التنبيه والإيماء بقوله: ~~(( إنها من الطوافين عليكم ))؟ # قلنا: ما كان طريق إثبات العلة فيه بالإيماء فهو قياس، وقد قررنا من قبل ~~أن طهارة أفواه ما عدا الهرة ليس من جهة القياس، وإنما هو من جهة الظهور ~~بالعموم. # قالوا: فلم لا يجوز أن تكون طريق إثبات العلة إنما كان من جهة الاستنباط ~~كما قاله أكثر العلماء، وقد حكيناه من قبل؟ PageV01P428 # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما كان حاصلا بطريق الاستنباط فهو من فن الأقيسة، وقد ~~أوضحنا أن ذلك ليس مأخوذا من جهة القياس. # وأما ثانيا: فلأنه إنما يصار إلى الاستنباط في الأقيسة إذا انسدت مسالك ~~التنبيهات، وها هنا يمكن أخذ العلة فيه من جهة التنبيه، فلا يجوز التعويل ~~على الاستنباط في ما هذا حاله، فتنخل من مجموع ما ذكرناه أن التعويل في ذلك ~~على العموم والظواهر دون الأقيسة، وهذا الذي اخترناه هو الظاهر من مذهب ~~المؤيد بالله؛ لأنه لم يعول في ذلك على الأقيسة وإنما عول على التنصيص في ~~طهارة ما عدا فم الهرة، فإن كان غرضه بالنصوصية هو الذي أردناه بالظهور من ~~جهة الدلالة اللفظية بطريق العموم فهو المراد، وإن كان غرضه التنصيص على ~~العلة بطريق التعليل فهو من الأقيسة فلا مدخل له هاهنا كما مر تقريره، وإن ~~كان غرضه بالتنصيص أنه منصوص على ذلك بطريق التصريح الذي لا احتمال فيه، ~~فهذا غير حاصل ها هنا فلا يمكن دعواه، والله أعلم. # الفرع الثامن: وإذا افترس الهر حيوانا ثم ولغ في ماء قليل قبل ذهاب اليوم ~~أو الليلة أو مجموعهما، فهل يكون الماء نجسا أم لا؟ فعلى رأي الأكثر من ~~أئمة العترة وهو قول أبي ms373 حنيفة وأصحابه والشافعي: أنه يكون نجسا. # والحجة على ذلك: هو أن الماء القليل ينجس باتصال النجاسة به، وإن لم يكن ~~متغيرا بها. # فأما على رأي الإمام القاسم بن إبراهيم وهو المحكي عن مالك، وهو المختار، ~~فإنه ينظر في حال الماء، فإن تغير بالولوغ فإنه يكون نجسا، وإن لم يتغير ~~بالولوغ فإنه يكون طاهرا. # والحجة على ذلك: قوله عليه السلام (( خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما ~~غير ريحه أو لونه )). وقد قررنا هذه المسألة فيما سبق فأغنى عن التكرير. # مسألة: والبئر إذا وقعت فيها نجاسة نظرت، فإن غيرت النجاسة أوصاف الماء ~~من طعم أو لون أو ريح، كانت نجسة، وإن لم تغير شيئا من أوصافه فهل يكون ~~ماؤها طاهرا أو نجسا؟ فيه تردد بين PageV01P429 العلماء، وحاصل الأمر فيه أنه ينظر فيه، فإن كان الماء قليلا فإنه يكون ~~نجسا وإن كان كثيرا فهل يجب فيه النزح أم لا؟ فيه نزاع، فمنهم من أوجب نزح ~~البئر، ومنهم من لم يوجبه. # التفريع على هذه القاعدة: # واعلم أن ظهور أسرار هذه المسألة وبيان فوائدها لا تحصل إلا ببيان ~~فروعها، ونحن نذكرها ونفصل ما تشتمل عليه: # الفرع الأول منها: أن ماء البئر إذا كان كثيرا وتغيرت أوصافه أو بعضها ~~فإنه يكون نجسا، وهذا نحو أن تقع فيه فأرة فتموت ويتمعط(¬1) شعرها ويتمزق ~~فيه جلدها فيحصل فيه التغير بسبب ذلك. والذي ذهب إليه أئمة العترة وعلماء ~~الأمة وفقهاؤها، أن البئر متى ظهرت عليها النجاسة بتغير أوصاف الماء فإنها ~~تكون نجسة، وإن كان الماء كثيرا غامرا، ولا يعرف فيه خلاف. # والحجة على ذلك: ما روى أبو سعيد الخدري في بئر بضاعة، قال: سمعت رسول ~~الله يقول، وقد قيل له: إنه يستسقى لك من بئر بضاعة، وهي تلقى فيها لحوم ~~الكلاب والمحائض وعذر الناس، والعذر: جمع عذرة، وهو ما يخرج من بطون بني ~~آدم، فقال رسول الله : (( إن الماء طهور لا ينجسه شيء ))(¬2) وسمعت في سنن ~~أبي داود، قال أبو داود (¬3) رحمه الله تعالى: سألت قيم بئر بضاعة: ms374 كم ~~عمقها؟ فقلت له: أكثر ما يكون فيها؟ قال: إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال: ~~إلى العورة. يعني المغلظة من الرجل والمرأة، وذلك أسفل من العانة بقليل. ~~قال أبوداود: وقدرت بئر بضاعة برداء لي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ~~ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه: هل PageV01P430 غير بناؤها عما كانت عليه؟ فقال: لا. ورأيت فيها ماء متغير اللون. وفي حديث ~~آخر: (( خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير ريحه أو طعمه)). وأكثر ~~الأحاديث التي سمعناها ليس فيها ذكر اللون، وقد ذكر في بعضها، فإن ذكر فعلى ~~جهة الإيضاح والبيان، وإن لم يذكر فعلى إرادة التعبد بالقياس، فيكون لا حقا ~~بالطعم والرائحة في حكم التنجيس لكونه في معناها من جهة القياس النظري، كما ~~نقوله في سائر الأشياء المسكوت عنها من أجل ذلك، وما قاله أبوداود في تغير ~~لون بئر بضاعة، إنما كان لطول المكث لا من أجل النجاسة المتصلة بها، فإن ~~ذلك يكون منجسا لها بلا خلاف فيه. # فحصل من مجموع ما ذكرناه: أن جميع الأحاديث الواردة في الماء، فإنها دالة ~~ومشعرة على تنجيسه باتصال النجاسة به مهما غيرت أوصافه أو واحدا منها سواء ~~في ذلك كثيره وقليله، وقد قدمنا في باب المياه ما فيه كفاية، وكلامنا هاهنا ~~إنما هو في تطهير الآبار عند اتصال النجاسة بها. # الفرع الثاني: في كيفية تطهير البئر بنزحها عند تنجسها بوقوع الميتة ~~فيها، فالنزح لمائها مطهر لها لا محالة وهو مشروع، لما روي عن أمير ~~المؤمنين (كرم الله وجهه) أنه أمر بنزح الماء من بئر بضاعة لما وقعت فيها ~~الفأرة. # وحجة أخرى: وهو ما روي عن ابن عباس وابن الزبير (¬1) (رضي الله عنهما) (( ~~أن رجلا حبشيا لما وقع في زمزم فمات فيها فأمرا بنزحها)). ووجوب النزح إنما ~~كان مشروعا من أجل كونه متغيرا بالنجاسة، فأما إذا لم يكن متغيرا فسنقرر ~~الخلاف فيه ونذكر حكمه، ولأن النجاسة إنما تعلقت بالماء لما كان متغيرا ~~فإذا نزح زال ما كان نجسا وخلفه ms375 ماء طاهر، فلأجل ذلك كان النزح مشروعا في ~~الآبار لما يرجى من طهارته بنبوع ماء طاهر غيره، بخلاف غيرها من الأمواء ~~الراكدة كامبرك، فإنها إذا تنجست فلا فائدة في نزحها لطهارتها إذ لا يخلفها ~~ما يطهرها كما في الآبار، ولكن يرجى زوال ذلك عنها بهبوب الريح أو بحصول ~~المكاثرة فيها بالسيول إذا وردت عليها، فالشرط المعتبر في طهارة البئر PageV01P431 بالنزح، هو تكرره بالدلاء والقصاع والكيزان وما شاكلها، حتى يذهب ما ظهر ~~عليه من تلك الأوصاف كلها؛ لأن ذلك هو الأمارة في نجاسته فلابد من نزحه حتى ~~تذهب كلها، فيكون طاهرا بعد ذلك لزوال النجاسة عنه، ويكرر النزح مرة ثانية ~~وثالثة، ولا سبيل إلى الحكم بطهارة البئر ومائها إلا بالنزح المذهب ~~للنجاسة، فإن لم تزل الرائحة، وما في حكمها من اللون والطعم مع بلوغ الغاية ~~والاستقصاء في نزحها، وجب العدول عنها إلى التيمم إذا لم يوجد ماء غيرها؛ ~~لأن النجاسة فيها باقية فلا وجه يبيح استعمالها مع تحقق بقاء النجاسة فيها، ~~ولأن للطهارة بالماء بدلا فلا حاجة إلى التضمخ بهذه النجاسة وبدلها ممكن، ~~ولأنه إذا وجب العدول إلى التيمم مع طهارته فالعدول هاهنا أوجب مع كونه نجسا. # وهل يشترط في طهارة البئر أن يغلب الماء النازح لقوة نبعه أم لا؟ والظاهر ~~من كلام الشيخ علي بن الخليل والقاضي أبي مضر (رحمهما الله تعالى) اشتراطه؛ ~~لأنهما قالا: والبئر إذا ظهر على مائها ما غير ريحه أو لونه أوطعمه لم يطهر ~~إلا بمجموع شرطين: # أحدهما: ذهاب هذه الأوصاف كلها من الريح والطعم واللون. # الثاني: أن يغلب الماء النازح لقوة نبعه. # والمختار: أنه لا يحتاج إلى الشرط الثاني، وأن التعويل إنما هو على الشرط ~~الأول، فبزوال الأوصاف يكون التطهير، وببقائها تكون النجاسة من غير حاجة ~~إلى غيره، وإليه تشير الظواهر الشرعية في نجاسة الماء وطهارته كما قررناه ~~من قبل. # الانتصار: يكون ببيان ضعف ما قالاه، وهو أن النزح واجب لا خلاف فيه بين ~~أئمة العترة وفقهاء الأمة لا خلاف فيه فيما ظهرت عليه النجاسة، ms376 لكن ما ~~ذكراه فيه نظر من جهة المعنى. # فنقول: أما الشرط الأول: وهو النزح حتى تذهب الأوصاف كلها، فهو جيد لا ~~عثار عليه. # وأما الشرط الثاني: وهو أن يغلب الماء النازح لقوة نبعه، فلا فائدة فيه؛ ~~لأن الاعتماد في تطهير البئر إنما هو على ذهاب هذه الأوصاف الثلاثة، فبعد ~~ذلك إما أن تكون زائلة بالنزح كلها، فالبئر تكون PageV01P432 طاهرة، سواء غلب الماء النازح أو لم يغلب، فلا عبرة به، وإما أن تكون باقية ~~فالبئر نجس سواء غلب الماء النازح أو لم يكن غالبا له، فإذا لا تعويل على ~~الشرط الثاني لما ذكرناه، وأيضا فلأنهما قد حققا في آخر كلامهما مع زوال ~~التغير اشتراط غلبة الماء النازح لأنهما قالا: فإن لم تزل الرائحة وما في ~~حكمها فوجب نزح الماء ثانية وثالثة أو أكثر حتى تزول، فإذا زالت وغلب الماء ~~النازح أو لم يغلبه ونزل إلى قرارها ونزح بالقصاع ونحوها، طهرت البئر ~~وجوانبها. # ثم نقول: إذا كنا قد فرضنا أن النجاسة ظاهرة على الماء بتغيير أحد أوصافه ~~أو كلها، فليت شعري ما فائدة اشتراط كون الماء غالبا للنازح أو غير غالب؟ ~~فإذا الاعتماد إنما هو على زوال الأوصاف أو بقائها في تنجيس ماء البئر ~~وتطهيره من غير أمر وراءه، وفي النزح إذا لم تظهر النجاسة على الماء، كلام ~~في اشتراطه وعدم اشتراطه، سنوضحه بعد هذا بمعونة الله تعالى، فإذا زالت ~~الأوصاف بالنزح وتجدد ماء طاهر في البئر وجب الحكم بطهارته؛ لأنه قد عاد ~~إلى أصل الخلقة في التطهير بزوال أثر النجاسة، لقول : (( الماء لا يجنب)). ~~وفي حديث آخر: (( الماء لا ينجس )). إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على ~~طهارة الماء ما لم يتغير شيء من أوصافه، ولا يجب غسل الدلاء والقصاع ~~لانغماسها في الماء الطاهر وزوال أثر الماء النجس عنها، ولا ما لاقى الماء ~~النجس من أطراف الأرشية لزواله بالماء الطاهر، فأما وسط الرشا إذا كان قد ~~أصابه من الماء الأول شيء فإنه يجب غسله، لكونه صار نجسا ولم يخالط الماء ~~الطاهر ms377 لبعده عنه، فأما ما ترشش من رأس البئر من الماء النجس، فقد قال ~~أصحابنا: إنه يجب غسله؛ لأن الماء النجس قد لاقاه، والماء الطاهر لم يصبه، ~~فلهذا توجه غسله، وهذا يجب أن ينظر فيه، فإن كان باقيا على التغير فيما ~~ذكرناه من الأوصاف الثلاثة أو في بعضها، فإنه يجب غسله؛ لأنه باق على ~~النجاسة، وإن كان عند انفصاله من البئر زالت تلك الأوصاف كلها فهو طاهر لا ~~يحتاج إلى غسل؛ لأنه ربما كان التغير لازما له قبل الإنفصال من ماء البئر، ~~فلما انفصل عنها زالت عنه بالكلية، فلهذا كان طاهرا. وقد أسلفنا من قبل أن ~~الماء إذا تنجس بتغير أوصافه ثم زال تغيره بالريح فإنه يكون طاهرا، فهكذا ~~إذا زالت بالانفصال من غير تفرقة بينهما. # الفرع الثالث: في ماء البئر إذا كانت النجاسة غير ظاهرة عليه وكان قليلا، ~~فمتى كان على هذه الصفة، فهل ينجس ويجب نزحه أم لا؟ فيه مذهبان: PageV01P433 # المذهب الأول: أنه يجب نزحه وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة، كزيد بن ~~علي والناصر والهادي، والمنصور بالله، والمؤيد بالله، والسيدين: أبي العباس ~~وأبي طالب، وهو محكي عن أبي حنيفة والشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن الماء إذا كان قليلا في البئر، فالنجاسة إذا وقعت ~~عليه فإنه يصير نجسا لما كان قليلا، ومن مذهب هؤلاء أن القليل من الماء ~~يكون نجسا وإن لم يكن متغيرا كما مر بيانه في المياه، فإذا صار نجسا وجب ~~نزحه لنجاسته كالماء إذا ظهرت عليه النجاسة وغيرت أوصافه، فإذا صار كله ~~نجسا فإن البئر لا تطهر إلا بنزحه، فإن لم يكن الماء غالبا للنازح فإنه يجب ~~النزول إلى قرار البئر لإحصائه لما كان نجسا كله، وإن غلب الماء النازح وجب ~~نزحه حتى يكون الماء غالبا، فصار النزح واجبا عند غلبة الماء النازح، ~~فلتحصل غلبة الظن بإزالة ما كان قد تنجس بوقوع النجاسة فيه، وعند عدم ~~الغلبة أيضا؛ لأنه صار نجسا كله لقلته، والنزح كما هو واجب هاهنا فهو في ~~الأول أوجب من جهة ms378 أن نجاسة البئر إذا لم تظهر على مائها النجاسة مختلف ~~فيه، وإذا ظهرت عليه فهو مجمع على نجاسته، إذ لا قائل بخلاف ذلك. واعتبار ~~كون الماء غالبا للنازح أو غير غالب هاهنا له وجه معقول؛ لأنا فرضنا هاهنا ~~أن الماء قليل فهو نجس، فإن لم يغلب الماء فلابد من إزالته كله؛ لأنه نجس ~~ولا مانع من زواله، وإن غلب فقد طهر ماء البئر بتجدد الماء الطاهر الذي ~~غلب، فلهذا لم يكن بد من اعتبار كون الماء غالبا أو غير غالب؛ إذ لا معيار ~~هاهنا للتطهير والتنجيس إلا النزح وعدمه، بخلاف ما ظهرت عليه آثار النجاسة ~~فإن معيار التطهير والتنجيس فيه هو ظهور الأوصاف وعدمها، من غير حاجة إلى ~~معرفة كون الماء غالبا أو غير غالب، فإذا حصل بالنزح معرفة ذهاب الأوصاف أو ~~ثبوتها كان كافيا، ولا حاجة إلى غيره فافترقا. وكما وجب ما ذكرناه في الماء ~~القليل الذي علمت قلته فهكذا الحال فيما لا يعلم حاله في القلة والكثرة؛ ~~لأن القلة هي الأصل والكثرة لا بد فيها من دليل منفصل، ولأن إلحاق ما التبس ~~حاله بحكم القليل، فيه نوع من الاحتياط، وهو الحكم بنجاسته والامتناع منه، ~~فلهذا جعلوا حكمه حكم القليل. PageV01P434 # المذهب الثاني: أنه طاهر ولا يجب نزحه، وهذا هو المحكي عن الإمام القاسم بن ~~إبراهيم، وهو قول مالك. # والحجة على ذلك: ما حكيناه من ظواهر الأخبار الواردة في المياه كحديث أبي ~~سعيد الخدري بقوله عليه الصلاة السلام: (( خلق الماء طهورا )) وحديث ابن ~~عباس بقوله عليه الصلاة السلام: (( الماء لا يخبث )). وغير ذلك من الأخبار ~~الدالة على أن الماء لا ينجس إلا بأن يكون متغيرا بالنجاسة. وروى محمد بن ~~منصور [المرادي] في جامعه(¬1) قال: حضرت القاسم بن إبراهيم وكان يستسقى له ~~من بئر كان يتوضأ منها، فأصابوا فيها حمامة ميتة. فأعلم بذلك القاسم فقال ~~لغلمانه: انظروا هل تغير منها طعم أو ريح؟ فنظروا فلم يروا تغيرا فتوضأ ~~منها ولم ينزح منها شيئا. # والمختار: ما عول عليه القاسم بن إبراهيم، وهو ms379 متفرع على أن الماء القليل ~~لا ينجس بوقوع النجاسة عليه إلا أن تكون مغيرة له. # والحجة على ذلك: ما أسلفناه من قبل من الأحاديث، فإنها دالة على أن الماء ~~لا يكون نجسا إلى بأن تغيره النجاسة، فإذا كان ماء البئر قليلا أو لا يعلم ~~حاله في القلة والكثرة ولم يكن متغيرا بوقوع النجاسة عليه فإنه يكون طاهرا ~~لا محالة إذ لا وجه يقتضي نجاسته، فإذا كان طاهرا فلا فائدة في نزح البئر؛ ~~لأن النزح إنما يكون لتطهير الماء بزوال ما ينجس من الماء بالتغير، فإذا ~~كان لا تظهر عليه نجاسة فلا فائدة عند ذلك في نزحه، فلا جرم قضينا بطهارته ~~وبطلان نزحه. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوا عليه. # قالوا: قد أسلفنا في باب المياه أن الماء إذا كان قليلا فإنه ينجس بوقوع ~~النجاسة عليه وإن لم يكن متغيرا، وماء البئر منه عند قلته فيجب القضاء ~~بكونه نجسا وإن لم يتغير. # قلنا: وقد تكلمنا على ما ذكرتموه في باب المياه، وقررنا أن الماء لا ينجس ~~إلا بالتغير قليلا كان أو كثيرا، وإليه تشير ظواهر الأخبار، فأغنى عن ~~التكرير والإعادة. PageV01P435 # قالوا: روي عن أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) أنه قال: إذا سقطت الفأرة أو ~~الدابة في البئر فإنك تنزحها حتى يغلبك الماء. # قلنا: هذا محمول على أن الماء قد تغير بوقوع الحيوان فيه، وهو الغالب من ~~حال أمواء الآبار وليس كلامنا فيما ظهرت عليه النجاسة فإنه محل اتفاق، ولكن ~~الخلاف والنزاع فيما لم تظهر عليه نجاسة فإنه لا فائدة في النزح ولا جدوى، ~~وأيضا فإنا نتأول أمره بالنزح على أنه قد بقي من شعر الحيوان المتمعط وجلده ~~المتمزق على ظهر الماء من غير أن يكون مغيرا له، فلهذا أمر بنزحه لإزالته ~~عن البئر وتنزها عن عفونته لا أنه واجب، فإن الوجوب إنما يكون عند نجاسة ~~الماء، وإنما كان ذلك على جهة الاستحباب والتطهير. # قالوا: روي عن ابن الزبير وابن عباس (رضي الله عنهما) أن رجلا حبشيا وقع ~~في بئر زمزم فأمرا بنزح ms380 مائها، فجعل الماء لا ينقطع فنظرا فإذا هي عين تجري ~~من قبل الحجر الأسود. # قلنا: وكذلك نقول، فإنهما إنما أمرا بالنزح وأوجباه لما تغير الماء بوقوع ~~الآدمي عليه، وهذا هو الغالب فإنه إذا وقع [وظل] فيها حتى تقطعت أوصاله ~~بالماء، فإنه يؤثر في تنجيس الماء فلهذا أمرا بنزحه للتطهير مما ظهر عليه ~~من آثار الميتة، فلما تحققا زوال ما ظهر على الماء وأن الماء لا يمكن ~~إزالته بالكلية فقالا: حسبكم، يريدان من النزح، فإن فيه كفاية لما زالت ~~العفونة عن الماء بما قد استوعبوا من نزح مائها. # قالوا: بم تنكرون على من يقول: النزح تعبد لا يعقل معناه من جهة الشرع ~~كسائر التعبدات التي لا تعقل معانيها، فلهذا وجب سواء كان الماء متغيرا أو ~~غير متغير؟ # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الأصل فيما ورد عن الله تعالى أو عن الرسول أن تكون ~~معانيه معقولة، ولهذا ورد التعبد بالقياس في ألفاظهما لما كانت معانيهما ~~معقولة مفهومة المقاصد والأغراض. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا أن ما ذكرتموه من النزح وارد على جهة التعبد ~~الذي لا يعقل معناه، PageV01P436 فليت شعري ماهو الضابط لوجوبه؟ هل كل واقع في البئر؟ فأوجبوه في الحجر ~~والعود، أو كل حيوان؟ فأوجبوه في الزنبور والذبابة والنحلة والخنفساة أو ~~يكون الضابط للنزح: هو ما كان مغيرا للماء فيوجب النزح لإزالة ما لحقه من ~~التغير، فهذا جيد لا عثار عليه وعند هذا يكون معقول المعنى، فلا وجه ~~لقولكم: إنه وارد على جهة التعبد الذي لا يعقل معناه. وعلى هذا يفترق الحال ~~بين كونه مغيرا وغير مغير، فإن كان مغيرا وجب النزح، وإن كان غير مغير فلا ~~فائدة في إيجاب النزح، وفي ذلك صحة ما نقوله من أن الماء إذا كان قليلا لم ~~ينجس ولا يجب نزحه إذا لم يتغير. # الفرع الرابع: في حكم ماء البئر إذا لم تكن النجاسة ظاهرة عليه وكان ~~كثيرا، فهل يجب الحكم بنجاسة ماء البئر إذا كان على هذه الصفة ويجب نزحه أم ~~لا؟ فيه ms381 مذهبان: # المذهب الأول: أنه يكون طاهرا ولا يجب نزحه، وهذا هو رأي الإمام القاسم، ~~والناصر، والهادي، والمنصور بالله، وغيرهم من علماء العترة، وهو الأقوى على ~~رأي المؤيد بالله. # والحجة على ذلك: هو أن الماء إذا كان كثيرا فلا يفترق الحال بين ماء ~~البئر وغيرها من سائر الأمواء من البرك والمدود(¬1) في أنه لا ينجسه إلا ما ~~غير ريحه أو طعمه، وإليه تشير ظواهر الأحاديث التي رويناها. # وهل ينجس المجاور أو لا ينجس؛ وإذا قلنا بنجاسة المجاورة فهل ينجس ~~المجاور الأول والثاني، أو لا يكون [نجسا] إلا المجاور الأول؟ فيه تردد ~~ونزاع بين العلماء وقد قدمناه في باب [المياه]، وقدمنا المختار في ذلك ~~فأغنى عن الإعادة. # المذهب الثاني: أن الماء وإن كان كثيرا في الآبار، فإنه يحكم بنجاسته ~~ويجب نزحه، وهذا هو رأي زيد بن علي، ومحكي عن أبي حنيفة، وحصله بعض فقهاء ~~المؤيد بالله على مذهبه. # والحجة على ذلك: هو أن ماء الآبار مخالف لغيرها مع الكثرة، والأدلة التي ~~دلت على وجوب النزح من جهة الصحابة والتابعين لم تفصل بين أن يكون متغيرا ~~بالنجاسة أو غير متغير، فإنه ينجس PageV01P437 جميعه ويجب نزحه وإن لم تظهر عليه النجاسة، بأحد أمور ثلاثة: # أحدها: أن يكون النجس الواقع عليه مائعا. # وثانيها: أن يكون جامدا خلا أنه تفسخ فيه. # وثالثها: أن يكون جامدا إلا أنه ثقيل يبلغ إلى أسفل البئر كالإنسان ونحوه. # فإن لم يوجد شيء من هذه الأمور الثلاثة وجب أن ينزح شيء من الماء على قدر ~~عظم النجاسة وخفتها، فإن كانت فأرة أو عصفورا أو ما أشبه ذلك مالم يبلغ حد ~~الحمامة والدجاجة، فإنه ينزح منها عشرون دلوا، فإن بلغ حد الحمامة والدجاجة ~~فإنه ينزح منها أربعون .. خمسون .. ستون دلوا، وكذلك ما جاوز قليلا ما لم ~~يبلغ حد الجدي والإنسان، فإن بلغ حد الجدي والإنسان، نزح جميع ماء البئر. ~~ومن أوجب النزح فإنه يوجب نجاسة المجاور الأول دون الثاني أو هما جميعا، ~~ومن لا يوجب النزح، منهم من أوجب تنجيس المجاور ومنهم ms382 من منع ذلك. وقد ~~فصلنا حقيقة الكلام في المجاورة فيما مر. # والمختار: ما عول عليه الجماهير من علماء العترة، من أن الماء إذا كان ~~كثيرا فإنه محكوم عليه بالطهارة وأنه غير مفتقر إلى النزح. # والحجة على ذلك: أما الحكم بطهارته، فلأن تعويل الشرع في ذلك إنما هو على ~~عدم تغيره، وما هذا حاله فليس متغيرا؛ لأن كلامنا إنما هو إذا لم يكن ~~متغيرا بالنجاسة، فلأجل هذا حكمنا عليه بكونه طاهرا، وأما النزح فلأن تعويل ~~الشرع عليه إنما هو لتطهير البئر، ولا شك أن الماء إذا كان غير متغير، فهو ~~طاهر. فإذا لا حاجة إلى النزح، وهذا الذي اخترناه، هو الذي يأتي على أصول ~~المؤيد بالله ويقتضيه مذهبه. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: الظاهر من عمل الصحابة وعلماء التابعين، إيجاب النزح كما حكيناه ~~عن أمير المؤمنين، وابن عمر، وابن الزبير، وليس وجوبه إلا لأجل نجاسة ماء ~~البئر وإن لم يكن متغيرا، وفي هذا دلالة على PageV01P438 صحة ما نقول من الأمرين جميعا، نجاسة الماء وإيجاب النزح. # قلنا: ليس من جهة الصحابة والتابعين تصريح بأنهم نزحوا من غير تغير فيكون ~~حجة لكم، وإنما الظاهر أنهم لا ينزحون إلا لأجل طهارة البئر والماء، وهذا ~~إنما يكون مع نجاسة الماء فيكون النزح مطهرا له، وأقوى أمارة في ذلك أنهم ~~لا محالة يقرع مسامعهم ما ورد من الأحاديث النبوية، على أن الماء لا ينجس ~~إلا مع التغير. فلأجل هذا قضينا بأن إيجابهم النزح إذا كان هناك تغير، فأما ~~إذا كان لا تغير هناك فلا وجه للنزح فبطل ما توهموه. # قالوا: تلك الأمور الثلاثة توجب نجاسة الماء من غير تغير، فلأجل هذا ~~حكمنا بنجاسته وإن لم يكن متغيرا فأوجبنا النزح لذلك. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الحكم على الماء بكونه نجسا مع كثرته وأن النجاسة لم تكن ~~ظاهرة عليه تحكم لا مستند له ولا دلالة عليه، والشرع إنما دل على نجاسة ~~الماء إما بتغيره بالنجاسة إذا كان كثيرا أو قليلا، أو بوقوع ms383 النجاسة فيه ~~مع قلته وإن لم تظهر عليه، فأما إذا كان كثيرا ولم تظهر النجاسة عليه فلا ~~دلالة من جهة الشرع على نجاسته. # وأما ثانيا: فلأنه إذا جاز الحكم على ماء البئر بالنجاسة وإن لم تكن ~~ظاهرة عليه، جاز الحكم على الماء في غير البئر، فيلزم في البحر إذا حصلت ~~فيه أحد هذه الأمور الثلاثة، أن يكون نجسا ولا قائل به. وهكذا القول في ~~البركة العظيمة، لأنكم إذا حكمتم بنجاسة الآبار من غير تغير في مائها لزم ~~في البحر مثله من غير تفرقة بينهما. # قالوا: كيف نحكم على ماء البئر بالطهارة مع وقوع أحد هذه الأمور الثلاثة ~~فيها وكل واحد منها مؤذن بالاختلاط والامتزاج؟ # قلنا: ليس التعجب من هذا، إنما التعجب من الحكم عليه بالنجاسة من غير ~~أمارة، لأن الأمارة PageV01P439 التي أشار إليها الشرع إنما هي(¬1) التغير بالنجاسة، وها هنا لا تغير، أو ~~يكون الماء قليلا فلا يقوى على حمل النجاسة كما قال به أكثر العلماء، فأما ~~الحكم على النجاسة من غير هذين الأمرين فلا وجه له. # قالوا: فإن لم يوجد واحد من هذه الأشياء الثلاثة وجب أن ينزح شيء من ~~الماء على قدر عظم النجاسة وخفتها، فإن كانت فأرة أو عصفورا أو ما أشبه ذلك ~~إلى آخر ما ذكروه من تقديرات الحيوانات الواقعة، كما قررناه عنهم في ~~الاحتجاج لهم. # قلنا: عما ذكروه أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلأن ما ذكروه مبني على وجوب النزح فيما لم يكن متغيرا ~~بالنجاسة، وهذا قد أفسدناه من قبل. # وأما ثانيا: فلأن هذه التقديرات في الدلاء المنزوحة من العشرين والأربعين ~~والخمسين والستين دلوا، ليس يخلو الحال فيها، إما أن توجبوها مع القول ~~بنجاسة الماء، أو مع القول بطهارته، أو مع القول بنجاسة بعضه دون بعض، فإن ~~كان مع القول بنجاسة الماء كله فلا وجه له؛ لأن نجاسة الماء كله إنما تكون ~~مع تلك الأمور الثلاثة التي ذكرتموها وليس هذا منها، وإما أن يكون مع القول ~~بطهارة الماء كله فهو فاسد أيضا، لأن الماء إذا كان ms384 طاهرا فلا حاجة إلى ~~إيجاب النزح منه؛ لأن النزح إنما يجب تطهيرا للماء فإذا كان طاهرا فلا حاجة ~~إلى التطهير، وإما أن يكون مع القول بأن بعضه طاهر دون بعض فهذا الحكم لا ~~أصل له؛ لأنه ماء واحد، فلا وجه لكون بعضه نجسا دون بعض مع ذهاب التغير عنه. # وأما ثالثا: فلأنا لا نرى أكيس من دلوكم هذا، حيث ميز الطاهر عن النجس، ~~فأزال النجس وترك الطاهر، مع أنه ماء واحد في موضع واحد، ثم نقول: معاشر ~~فقهاء الحنفية، أخبرونا عن هذا التقديرات من الدلاء بالعشرين والخمسين ~~والأربعين إلى غير ذلك من العدديات التي اقترحتموها، هل كانت بنص من الله ~~تعالى أو من جهة رسوله؟ فأظهروها حتى نساعدكم عليها، فلا حاجة بنا إلى PageV01P440 مخالفة أمر الله تعالى وأمر رسوله، وإن كانت بنظر في أمارات شرعية فأوضحوا ~~تلك الأمارات لننظر فيها، فإن كانت صحيحة اتبعناها، وإن كانت فاسدة ~~أبطلناها ولم يكن عليها اعتماد، وإن كان ذلك على حسب هذه الحيوانات الواقعة ~~في البئر فهذا فاسد أيضا، فإنكم قدرتم في الفأرة والعصفورة عشرين دلوا، ~~والفأرة أكبر من العصفور وهما في النزح على سواء، ثم قدرتم في الحمامة ~~والدجاجة خمسين أو ستين، وهما مختلفان في الكبر والحجم. ثم إنكم سويتم بين ~~الجدي والإنسان وأحدهما مخالف للآخر في الكبر والصغر، ثم قلتم إنه ينزح ~~معهما ماء البئر كله لكونه صار نجسا بهما من دون تقدير في النزح وهما ~~متقاربان في القدر، ثم نقول: قد أوجبتم النزح بالدلاء واحتكمتم هذا ~~الاحتكام من غير أمارة ولا دلالة شرعية، فأخبرونا عن مقدار هذا الدلو، فإن ~~الدلاء في أنفسها متفاوته وبعضها يسع رطلا من الماء، وبعضها عشرة، وبعضها ~~عشرين وخمسين ومائة، فعلى أيها تعولون وبأيها تقدرون ما قدرتم من النزح؟ ~~فما هذا حاله مع ما فيه من الاحتكام من غير دلالة، فهو رد إلى عماية وجهالة ~~في التقدير لا يعلم حالها. # فحصل من مجموع ما ذكرناه أنهم لم يصنعوا شيئا في هذه التحكمات من غير ~~أمارة يعتمد عليها، ms385 ولا تقرير دلالة يستند إليها، وأعرضوا عما ذكره الشارع ~~، وأشار إليه من تعليق نجاسة الماء بتغيره، وتعليق طهارته بعدم تغيره، ~~فلأجل هذا وقعوا في هذه التحكمات التي ليس عليها دلالة. والله أعلم. # الفرع الخامس: في كيفية طهارة البئر بنضوب الماء عنها، إذا وقعت في البئر ~~نجاسة فلم تزل عنها حتى نضب ماؤها كالبول والخمر والسرقين وغير ذلك من ~~أنواع النجاسات العينية، ثم نبع بعده ماء آخر فهل يفتقر إلى النزح أم لا؟ ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها تفتقر إلى النزح، وهذا شيء يحكى عن أبي يوسف. # والحجة على ذلك: هو أن البئر إذا وقعت فيها نجاسة فقد دل الشرع على أن ~~طهارتها متعلقة بالنزح، ولأن النجاسة قد اتصلت بماء البئر فيجب نزحها كما ~~لو لم ينضب ماؤها، فلا بد من النزح وتصير البئر طاهرة. PageV01P441 # المذهب الثاني: أنها لا تفتقر إلى النزح، وهذا شيء محكي عن محمد بن الحسن ~~الشيباني. # والحجة على ذلك: هو أن طهارة البئر مشروطة بذهاب ما فيها من الماء النجس، ~~فإذا ذهب ذلك بالجفاف صار كأنه ذهب بالنزح. # والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه يكون صالحا لأن يكون مذهبا لأئمة ~~العترة، لما كانت المسألة غير منصوصة لهم، وحاصله أنا نقول: إذا نضب الماء ~~عن البئر وبقيت النجاسة ثم نبع الماء عقيب نضوبها وهي حاصلة في البئر، فليس ~~يخلو الحال عند نبوع الماء، إما أن يتغير بما بقي من النجاسة أو لا يتغير، ~~فإن كان متغيرا فهو نجس لقوله عليه السلام: (( خلق الماء طهورا لا ينجسه ~~إلا ما غير لونه أو ريحه أو طعمه)). وإن كان غير متغير بها فهو طاهر، لقوله ~~عليه السلام: (( خلق الماء طهورا )). وسواء كان الماء قليلا أو كثيرا فإنه ~~طاهر إذا لم يتغير؛ لأن الخبر لم يفصل في ذلك، فأما على رأي من ينجس الماء ~~القليل كما هو رأي الأكثر من أئمة العترة وفقهاء الأمة فإنه ينظر، فإن كان ~~الماء قليلا وبقي أثر النجاسة في البئر فإنه ينجس، وإن لم يكن متغيرا، فأما ms386 ~~على ما اخترناه فهو طاهر مع القلة لظاهر الخبر، وقد ذكرناه غير مرة فأغنى ~~عن الإعادة. # الانتصار: يكون بتزييف ما عدا ما اخترناه مذهبا لنا. # قالوا: طهارة البئر مشروطة بالنزح. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلا نسلم وجوبه على الإطلاق وإنما يكون واجبا إذا كان ماؤها ~~متغيرا. # وأما ثانيا: فلأن النزح إنما يجب إذا كانت النجاسة واقعة فيه فينزحه ~~لتذهب النجاسة. فأما إذا كان الماء جديد النبع فهو طاهر لم تتعلق به نجاسة ~~فافترقا. # قالوا: ولأن النجاسة قد اتصلت بالبئر فيجب نزحها كما لو لم ينضب ماؤها. # قلنا: المعنى في الأصل: اتصاله بالنجاسة فتنجس، بخلاف النابع فإنه ليس ~~متصلا بالنجاسة فلم يفتقر إلى نزح فبطل ما توهموه. PageV01P442 # الفرع السادس: في كيفية طهارة البئر بالمكاثرة بالماء لما فيها من الماء النجس. # اعلم أن الكلام في التطهير بالمكاثرة مترتب على الكلام في التنجيس ~~بالمجاورة، وقبل الخوض فيما نريده من طهارة الأرض بالمكاثرة نذكر مذاهب ~~العلماء في التنجيس بالمجاورة، ولهم في ذلك مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه لا نجاسة بالمجاورة أصلا، فإذا وقعت نجاسة في ماء راكد ~~أو جار، فإنه لا ينجس إلا عين النجاسة، ولا تنجس ما لاصقها من الماء ~~وجاورها إلا أن يكون متغيرا بها، وهذا هو رأي الإمام الناصر، ومحكي عن أبي ~~يوسف والشافعي في أحد قوليه. # والحجة على ذلك: قوله : (( خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير ريحه أو ~~طعمه )). وهذا عام في جميع المواضع كلها. # المذهب الثاني: أنه ينجس موضع النجاسة والمجاور الأول والمجاور الثاني، ~~وهذا هو رأي الإمام المؤيد بالله، والإمام الهادي وأولاده، ومحكي عن السيد ~~أبي العباس. # والحجة على ذلك: قوله : (( إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في ~~الإناء حتى يغسلها ثلاثا)). فإذا كان الشك في النجاسة يشرع في غسلات ثلاث، ~~فهكذا يكون في النجاسات إذا كانت متحققة فلا يطهر المحل إلا بثلاثة أمواء: ~~فالأول: نجس لمجاورته عين النجاسة. والثاني: نجس لمجاورته الأول. والثالث: ~~تكون به الطهارة. فعلى رأي هؤلاء، فالمتنجس ليس إلا ms387 ماءين والثالث طاهر لا ~~تعرف نجاسة في طهارته. # المذهب الثالث: أنه لا ينجس إلا عين النجاسة وما جاورها فقط، وهذا هو رأي ~~الإمام أبي طالب، ومحكي عن أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: هو أن النجاسة ليس لها قوة إلا على ما جاورها دون ما بعد ~~عنها ما لم تغيره، ومع بعدها عنه يكون على أصل الطهارة إلا أن يتغير بها، ~~فمن أجل ذلك قلنا: إنه لا ينجس إلا ما جاورها لاتصاله بها، فهذا تقرير ~~المذاهب بأدلتها الشرعية. PageV01P443 # والمختار: ما عول عليه الإمام الناصر ومن تابعه من علماء الأمة، وهو أنه لا ~~ينجس من الماء إلا نفس النجاسة دون ما جاورها إلا أن يكون متغيرا بها، لما ~~ذكرناه عنه ونزيد ههنا، وهو (( أن النبي، أمر أن يصب على بول الأعرابي ذنوب ~~من ماء)) فلو كان كما زعموه من نجاسة المجاور الأول والثاني، لكان قد أمر ~~بزيادة في النجاسة ومضاعفتها، ولأن الماء باق على أصل التطهير فلا ينجسه ~~إلا ما غيره. # الانتصار على تقرير ما اخترناه بالجواب عن ما يخالفه ممن قال بمجاورين أو ~~بمجاور واحد. # قالوا: إنما قضينا بنجاسة مجاورين لما رويناه من الخبر في حق من قام من ~~نومه، فالأمر بغسلها ثلاثا يدل على نجاسة مجاورين. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه ليس في ظاهر الخبر ما يدل على نجاسة مجاور أول ولا مجاور ~~ثان، وإنما ظاهره بالغسل ثلاث مرات، وليس فيه تعرض لما قلتموه. # وأما ثانيا: فلأنه إنما أمر بغسله ثلاث مرات على جهة التأكيد والاستحباب ~~كما أمر بالغسل من ولوغ الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب على رأي المؤيد ~~بالله، على جهة التأكيد والاستحباب دون الوجوب فهكذا هاهنا، وإلا فالمرة ~~الواحدة كافية كما كان في الصب على بول الأعرابي من غير فرق. # قالوا: إنما أوجبنا نجاسة المجاور الأول من جهة أنه لا قوة لعين النجاسة ~~إلا على ما جاورها دون غيره، فلهذا كان المجاور الأول نجسا دون غيره. # قلنا: وعنه جوابان أيضا: # أما أولا: فلأنه لا قوة للنجاسة ms388 على مجاور واحد، ولا على مجاور ثان من ~~غير تغيير الماء إلا إذا غيرته، فإن الشرع قد دل على غلبتها له مع التغيير، ~~فأما من غير تغيير فلا. # وأما ثانيا: فلأن ما أبطلتم به نجاسة المجاور الثاني على من قال به فهو ~~بعينه مبطل لنجاسة المجاور الأول من غير تفرقة بينهما، ولا مخلص من هذا إلا ~~القول ببطلان المجاورة كلها، والبقاء على حكم التطهير في الماء كله إلا أن ~~يكون متغيرا، فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنرجع إلى بيان كيفية التطهير PageV01P444 بالمكاثرة. # فنقول: أما على رأي السيد أبي طالب وأبي حنيفة، فإذا كان الواقع في البئر ~~هو عين النجاسة وما جاورها أو اختلط المجاور الأول والثاني، فإنه إذا ورد ~~عليه من الماء الطاهر ما هو أكثر منه في المقدار وجب أن يكون طاهرا. # ووجهه: هو أن التطهير إنما يقع بالمكاثرة وهي حاصلة هاهنا، ولأنه ماء ~~طاهر ورد على ماء نجس فكان مطهرا له كالغسالة الثانية على رأي الجميع ممن ~~اعتبر المجاورة في التنجيس. # وأما على طريقة السيد المؤيد بالله ومن وافقه، وهو أن المجاور الأول إذا ~~كان ينجس بملاقاة العين، والثاني ينجس أيضا بملاقاة المجاور الأول، فإذا ~~ورد عليه من الماء الطاهر ضعفان أو أكثر فإنه يعود طاهرا بالمكاثرة له ~~والمغالبة. # والمثال الكاشف عن حقيقة المسألة، وهو أنه لو كان هاهنا رطل من الماء ~~وقعت فيه قطرة من البول أو الخمر، فعلى قول أبي طالب إذا ورد عليه رطلان من ~~الماء كان طاهرا من غير زيادة؛ لأن هذا ماء نجس لمجاورة النجاسة، ولا ينجس ~~عنده إلا المجاور الأول، فإذا كوثر بما يكون غالبا أعاده طاهرا كالغسالة ~~الثانية. # وعلى قول السيد المؤيد بالله بنجاسة المجاور الأول والمجاور الثاني، إذا ~~كان هنا رطل فيه قطرة بول أو خمر فإنه ينجس بمجاورة العين، فإذا زيد عليه ~~رطلان فهما نجسان بمجاورة ما جاور النجاسة، فإذا أريد تطهيرهما فلا بد من ~~ستة أرطال لتكون مكاثرة للثلاثة الأولى، فتصير ثمانية تفريعا على قوله ~~بنجاسة المجاورين. وهذا المثال ms389 هو وارد على جهة التقدير دون التحقيق فإن ~~الأرطال الثلاثة والستة والعشرة والعشرين وما زاد عليها قليلة تنجس بوقوع ~~النجاسة فيها، وإن لم تكن متغيرة على رأي الأكثر من أئمة العترة كما مر ~~تقريره، ولكنهم أرادوا بيان حقيقة المكاثرة على جهة التقدير بما ذكرناه. # وأما على طريقة الناصر: وهو الذي اخترناه، وهو أن الماء لا ينجس ~~بالمجاورة إلا أن يكون متغيرا، فعلى هذا لا تعقل حقيقة التطهير بالمغالبة ~~إلا إذا كانت النجاسة مغيرة للماء، فإذا حصلت المكاثرة فإنها تزيل التغير ~~فيكون طاهرا، فأما إذا كانت النجاسة غير مغيرة للماء كأن تقع في رطل قطرة ~~من بول أو خمر ولم تغيره، فعلى رأي من نجس القليل من الماء من غير تغير ~~يطهر تقديرا إذا ورد عليه من الماء PageV01P445 الطاهر ما هو أكثر منه، ويطهر تحقيقا إذا كان الوارد عليه قلتان على رأي ~~أصحابهما، أو كان كثيرا على رأي من لا يعتبر بهما، فكله كثير يكون مطهرا ~~على جهة التحقيق، فأما ما دون ذلك فهو قليل الورود مثالا على جهة التقدير ~~لا غير، وأما على رأي من لا ينجس الماء إذا كان قليلا من غير تغير، فالقطرة ~~لا تضر الرطل من الماء من خمر أو بول وهو طاهر كما كان فلا يحتاج فيه إلى ~~مكاثرة ولا مغالبة كما مر تقريره في الماء القليل عند اتصال النجاسة به. # الفرع السابع: في قدر المكاثرة. # اعلم: أن المكاثرة على الرأي الذي اخترناه من أن الماء لا ينجس إلا ~~بتغيره بالنجاسة قليلا كان أو كثيرا فلا يتصور التطهير بالمكاثرة إلا فيما ~~كان متغيرا بالنجاسة، وأما إذا كان غير متغير بها فإنها لا تنجسه بحال، وقد ~~مر بيانه. وفي قدر المكاثرة مذهبان: # المذهب الأول: أنها لا تطهر إلا بأن يصب على النجاسة سبعة أضعافها من ~~الماء، وهذا هو المحكي عن الشافعي في أحد قوليه. # والحجة على ذلك: هو أنها نجاسة أريد تطهيرها فاعتبر فيها أضعاف سبعة، ~~دليله: ولوغ الكلب. وقد قال : (( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم ms390 فليغسله سبعا ~~إحداهن بالتراب )). # المذهب الثاني: أن المكاثرة بأن يصب على النجاسة ما يغمرها من الماء ~~ويستهلكها، مما يكون مذهبا لجميع أوصافها من طعم أو ريح أو لون. # والحجة على ذلك: هو أن المقصود إنما هو إزالة النجاسة وإذهاب عينها وهذا ~~حاصل بما ذكرناه، وهذا هو رأي بعض أئمة العترة وهو القول الجديد للشافعي، ~~وهو المختار؛ لأن أصحابنا إنما ذكروا الأرطال الثمانية وغيرها من المقدرات ~~على جهة الفرض والكشف للإبانة لا على جهة الشرط لتحقيق العدد. # والحجة على ذلك: هو أن هذه الأمور العددية، إنما تؤخذ من جهة نص الشارع ~~وتوقيفاته ولا يجوز أخذها بالمقاييس؛ لأن القياس لا مدخل له فيها؛ لأنها ~~معلومة بأمر غيبي من جهة الله أو من جهة رسوله ، ولم يكن من جهة الله تعالى ~~ولا من جهة رسوله فيها نص بأمر مقدر، فلهذا لم يكن عليها PageV01P446 تعويل وإنما التعويل على إذهاب النجاسة من غير تقدير. # الانتصار لهذا المقالة: بإبطال ما سواها. # قالوا: روي عن الرسول في طهارة ولوغ الكلب سبع مرات. # قلنا: هذه المقالة نذكرها في النوع الثاني ونبين كيفية الطهارة من ولوغ ~~الكلب، ونتكلم على ما قالوه من إبطال هذا العدد، وأنه وارد على جهة ~~الاستحباب دون الوجوب، وعلى هذا إذا بال رجلان على أرض وأريد تطهيرها فإنه ~~يكون بالمكاثرة على رأي أئمة العترة، وهو المختار، وحكي عن الشافعي أنه يصب ~~عليه ذنوبان لكل بول رجل ذنوب، والحق ما قلناه؛ لأن ما هذا حاله يؤدي إلى ~~التناقض بأن يطهر البول الكثير من الواحد بذنوب واحد، وما دون ذلك من ~~الاثنين بذنوبين، فلهذا كان التعويل على المكاثرة على قدر البول من واحد أو ~~من اثنين، فهذا هو الكلام في كيفية تطهير الآبار. # مسألة: أولاد ما لا يؤكل لحمه من بني آدم وغيرهم من سائر الحيوانات ما ~~خلا الكلب والخنزير وما تولد منهما، فإنها تكون طاهرة بعد الجفاف من ~~الولادة، عند أئمة العترة وهو قول فقهاء الأمة. # والحجة على ذلك: دليل عام نقرره، وحاصله هو: أن الله ms391 تعالى من لطفه وعظيم ~~رحمته للخلق، جعل الأعيان التي أوجب على الخلق اجتنابها ونهاهم عن التلبس ~~بها، أمورا محصورة مقدرة قد أوضحها في كتابه وعلى لسان رسوله ، وما عداها ~~من جميع الأعيان فإنها طاهرة، وعند هذا نعلم أن الأعيان النجسة منحصرة، وما ~~عداها أمور طاهرة لا تتناهى، وهذا الدليل عام يسترسل على جميع الصور التي ~~لم تدل عليها دلالة معينة إذا التبس الأمر فيها. وأولاد ما لا يؤكل لحمه ~~تعرف طهارتها بما ذكرناه من هذه الدلالة، وإذا كان محكوما عليها بالطهارة ~~لما ذكرناه فبأي شيء تطهر؟ # فالذي ذكره الإمام المنصور بالله، أن طهارتها عقيب خروجها من بطون ~~أمهاتها هو بالجفاف، وهذا جيد لا عثار عليه وهو من جملة أنظاره التي تفرد ~~بها وأسرار فكرته التي لم يزاحم عليها. # والحجة على ذلك: هو أنه لا سبب هنالك يشار إليه بالتطهير سوى ما ذكره، ~~فيجب أن يكون هو السبب في طهارتها، وإنما قلنا: أنه لا سبب هناك يعقل في ~~الطهارات إلا ما ذكره، فلأن الأمور التي PageV01P447 يعقل أن تكون سببا: إما الغسل ولا قائل به، وإما المسح وهو إنما يكون في ~~الأشياء الصقيلة ولا قائل به في غيرها، فإذا بطل هذان الأمران لما قررناه ~~لم يبق إلا الجفاف بعد الولادة، وإذا كان الأمر كما قلناه في طهارتها ~~بالجفاف، فما بعد جفافها من مباشرتها بالرطوبات يكون طاهرا لا محالة، إلا ~~أن يعرض له عارض مما يوجب نجاستها فتكون نجسة، وقبل الجفاف تكون تلك البلة ~~التي حصلت من بطون أمهاتها نجسة لا محالة من البلة والدم، وما يكون من آثار ~~الرحم؛ لأنها مواضع الحدث، فما يخرج منها فهو نجس وما كان متصلا به، فأما ~~أجواف ما يؤكل لحمه فسنذكر كيفية تطهيره في الأطعمة عند ذكر الجلالة بمعونة ~~الله تعالى. وهذا ما أردنا ذكره من النوع الأول في كيفية تطهير ما لا يقبل ~~الغسل وما تعذر غسله للحرج والمشقة، فأما ما لا يغسل فليس فيه إلا مسألة ~~واحدة نذكرها هاهنا. # مسألة: ذهب علماء العترة إلى ms392 أن الميتة من جميع الحيوانات، إذا وقعت في ~~شيء جامد كالسمن والعسل وغير ذلك من الأشياء الجامدة فإنه يقور ما حولها، ~~وإن كانت مائعة أريقت كالزيت والسليط وغير ذلك من المائعات. وهذا هو المحكي ~~عن فقهاء الأمة. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: (( إذا وقع الحيوان في السمن ~~أريق المائع وقور ما حولي الجامد))(¬1). # وإن غسل الجامد جاز ذلك لأنه مما يمكن غسله لجموده، فأما المائع فلا سبيل ~~إلى غسله لأجل ميعانه فلأجل هذا يراق. # وحكي عن الإمام المنصور بالله: جواز غسل بعض المائعات، وهذا نحو السليط ~~والزيت وما كان من طبعه أن يطفو على ظهر الماء، فأما ما كان يرسب فلا يمكن ~~غسله بحال. وكيفية غسله أن يجعل الماء في إجانة أو طشت ثم يصب الزيت أو ~~السليط على الماء فيعلوان جميعا على الماء، يفعل ذلك مرة أو PageV01P448 مرتين أو مرات ثلاثا على حد الاختلاف في إذهاب النجاسة كما سنوضحه، فإن كان ~~ما ينجس به له رائحة وزال بما ذكرناه من هذه الغسلات فإنه يطهر، وإن لم تكن ~~للنجاسة رائحة أو غير ذلك من الصفات فإنه يطهر أيضا. # والحجة على ذلك: هو أن الماء جعل مطهرا للنجاسات كلها مما له أثر من ~~النجاسات ومما ليس له أثر، فإذا أمكن التوصل إلى غسله بما ذكرناه جاز ذلك ~~وطهر كسائر الأشياء النجسة إذا غسلت بالماء. وهكذا الحال فيما يرسب في ~~الماء، فإنه يمكن غسله بالماء بأن يطفو(¬1) فوقه حتى يطهر. وأما ما كان ~~يماع كاللبن والخل فإنه إذا تنجس أريق؛ إذ لا سبيل إلى طهارته بالماء، لأنه ~~يخالطه ويمازجه ولا يمكن انفصاله عنه فيطهر به. # مسألة: قد ذكرنا فيما سلف أن أبوال ما لا يؤكل لحمه نجسة من الآدميين ~~وغيرهم، وأبوال الصبيان أيضا كلها نجسة ذكورا كانوا أوإناثا عند أئمة ~~العترة وفقهاء الأمة، خلافا لداود في بول الصبي إذا لم يطعم، وأقمنا ~~البرهان على ذلك فأغنى عن الإعادة. وإذا تقرر ما قلناه، فلا خلاف بيننا ~~وبين الشافعي في ms393 نجاسة بول الصبي والصبية، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ولكن ~~الخلاف إنما يقع في كيفية التطهير منهما، فالذي عليه أئمة العترة أنهما ~~مستويان في وجوب الغسل منهما ولا يختلفان في ذلك، وهو قول أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: ما قدمناه من حديث عمار، وهو قوله عليه السلام: (( إنما ~~تغسل ثوبك من البول والغائط)). ولم يفصل بين صغير وكبير، ولا فصل في كيفية ~~الغسل، وفي ذلك دلالة على استوائهما في الغسل والإزالة. # ومن وجه آخر: قياسي، وهو أن كل ما وجب غسله من الأنثى وجب غسله من الذكر ~~كالعذرة، ولأنه خارج من سبيلي بني آدم فلا يختلف الحال فيه بين الذكر ~~والأنثى كالشيخ والشيخة. # وعن الشافعي: أنه قال في بول الصبي الذي لم يطعم الطعام، أنه يجزئ في ~~بوله النضح، وهو: أن PageV01P449 يبل موضعه بالماء وإن لم ينزل عنه، وفي بول الصبية وجهان: # أحدهما: أنه مثل الصبي في النضح. # وثانيهما: أنه يغسل بولها غسلا كسائر الأبوال. # والحجة له على ما قاله: هو أن الحسن بن علي بال على ثوب النبي ، فرشه ~~بالماء، فقيل له: ألا تغسل ثوبك؟ فقال: (( إنما يغسل بول الصبية ويرش على ~~بول الغلام)). # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من وجوب غسله دون نضحه. # والحجة على ذلك: ما ذكروه؛ ونزيد هاهنا، وهو أن الصبي كالصبية وأنهما لم ~~يفترقا إلا في الذكورة والأنوثة، وهذا لا مدخل له في التفرقة، فنركب القياس ~~ونقول: صغيران فلا يختلفان في غسل أبوالهما كما قاله الشافعي في إيجاب نية ~~الوضوء بالرد إلى التيمم: طهارتان فكيف يفترقان!. ونقول أيضا: بول آدمي ذكر ~~فلا يختلف حاله في كيفية الغسل كالكبير. # الانتصار: يكون بتزييف ما أوردوه حجة. # قالوا: حديث أمير المؤمنين دال على التفرقة بينهما فلا وجه لإنكاره. # قلنا: إنا لم ننكر ما رواه أمير المؤمنين بل حديثه يوازي ظاهر آية من ~~كتاب الله في الصحة والثبات، ولكنا نقول ليس في ظاهر الحديث ما يدل على ~~كيفية الغسل ولكنه قال: يرش على بول الغلام، والرش هو خفيف ms394 الغسل، وأيضا ~~فإنا لا نمنع من أنهما يغسلان جميعا، ويشتركان في حقيقة الغسل، وإن كان غسل ~~أحدهما أخف من غسل الآخر، ولأن الرش هو صب الماء على الموضع المرشوش وهذا ~~بعينه هو خفيف الغسل. # قالوا: روي عن النبي أنه قال: (( يغسل بول الجارية وينضح بول الغلام )). ~~فصرح بالنضح وليس غسلا، وفي هذا ما نريده من التفرقة بينهما. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV01P450 # أما أولا: فالحديث المشهور إنما ورد بالرش، فأما هذا الحديث بالنضح فعلى ~~ناقله التصحيح. # وأما ثانيا: فالنضح إذا كثر فهو مسيل الماء عنه وليس في ظاهر الحديث ما ~~يشعر بأن الماء لم يسل عنه، فلعله قد سال لما كثر نضحه، وفيه ما نريده من ~~سيلان الماء عنه، وذلك أقل ما يجري في غسل النجاسة. # قالوا: الغلام أمارة بلوغه بأمر طاهر وهو المني، والجارية أمارة بلوغها ~~بشيء نجس وهو الحيض، فلأجل ذلك اختلفا في تطهير بولهما. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن رد البول إلى البول أولى من رده إلى الحيض والمني لما في ~~ذلك من البعد والتفاوت. # وأما ثانيا: فلأنا نقول: أليس قد اتفق الحيض والمني في كونهما أمارة ~~للبلوغ مع اختلافهما في الحقائق والأحكام؟ فلا بد من بلى، فهكذا نقول: يجب ~~اتفاق بول الجارية وبول الغلام في كيفية الغسل، وإن اختلفا فيما وراء ذلك، ~~فبطل ما توهموه. # قالوا: البول يختلف حاله في الإزالة والتطهير، فمنه ما يحتاج في تطهيره ~~إلى ماء كثير وهو بول المحرور(¬1)، فإن بوله ثخين أصفر له رائحة خبيثة فلا ~~يزول إلا بماء كثير. وبول من كانت الرطوبة غالبة عليه والبلغم، أبيض رقيق ~~لا رائحة له يزول بماء قليل، وإذا كان الأمر كما قلناه، فنقول: إن بول ~~الجارية أصفر ثخين، وبول الغلام أبيض رقيق فلأجل هذا اختلفا في الإزالة كما قلناه. # قلنا: الموجب لغسل الثوب شرعا كونه بولا، وجميع الأبوال متفقة في كونها ~~أبوالا، فيجب اتفاقهما في الغسل من غير مخالفة بينهما. # ومن وجه آخر: وهو أن ما ذكرتموه إنما هو تعويل على اختلاف ms395 الأمزجة ~~والأمراض والعلل وليس من الأدلة الشرعية في ورد ولا صدر، وكلامنا إنما هو ~~في ما تناولته الأدلة الشرعية، وتدل عليه وتكون مرشدة إليه، فبطل الالتفات ~~إليها والتعويل عليها. PageV01P451 # ومن وجه ثالث: وهو أنكم إذا زعمتم أن البول إذا اختلف وصفه اختلف غسله، ~~فتقولون: بأن بول المحرور يجب غسله لكونه أخبث وأقذر من بول المرطب، ~~فأوجبوا في بول المرطب النضح والرش كما قلتم في بول الغلام مع بول الجارية ~~لما اختلف حالهما، وأنتم لا تقولون به فبطل ما زعموه. # فهذا ما أردنا ذكره من المسائل الشرعية من النوع الأول، وبالله التوفيق. # النوع الثاني: في بيان كيفية الغسل لما يمكن غسله من النجاسات الشرعية ~~وفيه مسائل: # مسألة: ذهب علماء العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة إلى أن النجاسات إذا ~~كانت غير مرئية فالمشروع في غسلها ثلاث مرات، لما روي عن النبي أنه قال: ~~(( إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا )). ~~فإذا شرع ذلك في حق النجاسة التي يشك فيها، فلأن يشرع في النجاسة المتحققة ~~أولى وأحق، وهل يجب العدد أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه لا بد فيها من رعاية العدد في الثلاث، وهذا هو الذي ~~نصره السيدان المؤيد بالله وأبو العباس وهو المحكي عن المتقدمين من أصحاب ~~أبي حنيفة. فأما أبو حنيفة فالمحكي عنه: أن النجاسة إذا كانت غير مرئية ~~غسلت حتى يغلب على الظن زوالها، لكن التقدير من جهة أصحابه بالثلاث. # والحجة على ذلك: ما روينا من الخبر المتقدم، وهو قوله : (( إذا استيقظ ~~أحدكم من منامه فلا يغمس )). وظاهر النهي للتحريم، ولن يكون الغمس محرما ~~إلا والغسل واجبا ثلاثا لظاهر الحديث، من غير حاجة إلى تأويله، والسبب في ~~ذلك أنهم كانوا ينامون على غير طهارة من البول والغائط، فأمرهم الرسول ~~بغسل الأيدي ثلاثا قبل أن يغمسوها في الإناء، لتكون طاهرة مما عسى أن تمس ~~أيديهم من تلك النجاسة. # المذهب الثاني: أنه لابد من رعاية العدد وهو سبع، وهذا هو المحكي عن ms396 ~~الحسن وأحمد بن حنبل. # والحجة لهما على ذلك: ما روى أبو هريرة عن النبي أنه قال: (( إذا ولغ ~~الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا)). فنص على هذه العدة في حق الكلب، ثم ~~قسنا سائر النجاسات عليها والجامع بينهما، PageV01P452 كونها نجاسة غير مرئية. # المذهب الثالث: أنه لا حاجة هناك إلى اعتبار العدة من ثلاث ولا من سبع، ~~وهذا هو الذي حصله السيد أبو طالب لمذهب الإمامين: القاسم والهادي وهو ~~رأيه، ومحكي عن الشافعي وأصحابه، ومحكي عن متأخري أصحاب أبي حنيفة كالكرخي، ~~والجصاص. # والحجة على ذلك: ما روى ابن عمر رضي الله عنه: أنه كتبت الصلاة خمسين، ~~والغسل من الجنابة سبع مرات، وغسل الثوب من النجاسة سبع مرات، فلم يزل رسول ~~الله يسأل حتى جعلت الصلاة خمسا، والغسل من الجنابة مرة، وغسل الثوب مرة ~~واحدة(¬1). فهذا تقرير هذه المذاهب بأدلتها. # والمختار: ما قاله الإمام أبو طالب من أن رعاية العدد غير معتبرة في ~~النجاسة، ويدل عليه ما قدمناه، ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: هو أن الغرض من التطهير إنما هو إزالة النجاسة وقلعها عن ~~الثوب وغلبه الظن في ذلك، ولا شك أن المرة الواحدة كافية في تحصيل غلبة ~~الظن، فيجب الاعتماد عليها إذ لا دلالة على ما وراءها من جهة الشرع كما ~~سنقرره بعد هذا. # الحجة الثانية: هو أنه تطهير بالماء من نجاسة فلا يعتبر فيه العدد، ~~دليله: ما له عين مرئية. # الانتصار لما قلناه: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا في إيجاب الثلاث: قوله : (( إذا استيقظ...)) الحديث. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فليس في ظاهر الحديث ما يدل على الإيجاب من لفظ ولا غيره، فلا ~~يكون لكم في ظاهره دلالة. # قالوا: فيه النهي وهو دال على التحريم، فإذا كان الغمس محرما كان الغسل ~~الذي هو تركه واجبا. PageV01P453 # قلنا: لا نسلم أن النهي دال على التحريم بل أقل مراتبه الكراهة، وهي أدنى ~~درجات المنع، والتحريم إنما يثبت بدلالة أخرى، كما أن أدنى درجات الأمر ~~الطلب، والوجوب معلوم بدلالة أخرى. # وأما ثانيا: فلأن ms397 الخبر إنما ورد على جهة الاستحباب دون الوجوب، وكلامنا ~~إنما هو في الوجوب، ويدل على الاستحباب أنه قال في آخر الخبر: (( فإنه لا ~~يدري أين باتت يده )). فدل ذلك على أن تعين النجاسة غير حاصل، وهذا مما ~~يؤكد الاستحباب. # قالوا في إيجاب السبع لكل نجاسة: ورد عن النبي أنه أوجب من ولوغ الكلب ~~أن يغسل سبع مرات فتجب في كل نجاسة بجامع النجاسة. # قلنا: عما ذكرتموه جوابان: # أما أولا: فلا نسلم أن الكلب يغسل من ولوغه سبع مرات، وسنقرر عليهم مسألة ~~على حيالها تدل على بطلان العدد فيه بمعونة الله تعالى. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا ذلك في الكلب فلا نسلمه في غيره؛ لأن للكلب ~~زيادة في التقذير الذي ذكرناه فبطل ما توهموه. # مسألة: قد ذكرنا فيما سلف أن الماء المستعمل في إزالة النجاسة بعد الحكم ~~عليه بالطهارة كالغسالة الثانية على رأي الإمام أبي طالب، والغسالة الثالثة ~~على رأي الإمام المؤيد بالله، يكون مستعملا لا محالة، فلا يجوز أن يزال به ~~الحدث، ولا يزال به النجس على رأي الأكثر من علماء العترة، وهو قول أبي ~~حنيفة وأصحابه والشافعي. # فأما على المختار وهو قول المؤيد بالله، فيجوز ذلك في حقه وقد مر الكلام ~~عليه باستيفاء فأغنى عن الإعادة. # والذي نريد ذكره هاهنا، إنما هو الكلام في نجاسة الغسالات وطهارتها وفيه ~~مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن الغسالة الأولى نجسة، وهذا هو رأي الإمام أبي طالب وهو ~~محكي عن أبي حنيفة. PageV01P454 # والحجة لهما على ذلك: هو أن المقصود به(¬1) إزالة النجاسة فلما أزيلت به ~~كانت منتقلة إليه فوجب الحكم عليه بكونه نجسا. # المذهب الثاني: أن الغسالة الأولى والثانية نجستان، وهذا هو رأي الإمام ~~المؤيد بالله. # والحجة له على ذلك: ما في ظاهر الخبر وهو قوله: (( فلا يغمس يده حتى ~~يغسلها ثلاثا)). فلولا أن الأولى والثانية نجستان وإلا لما أمر بالثلاث. # المذهب الثالث: رأي الشافعي، وقد حكي عنه قولان: # أحدهما: أن الغسالة الأولى تكون نجسة، وهو الذي حكاه الأنماطي. # وثانيهما: أنها تكون طاهرة إذا ms398 لم تكن متغيرة بالنجاسة، وهو الصحيح عند ~~أصحابه. # والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه، وحاصله أنا نقول: الغسالة لا يخلو ~~حالها إما أن تكون متغيرة بالنجاسة أو لا، فإن تغيرت بالنجاسة فلا خلاف في ~~كونها نجسة، لقوله عليه السلام: (( خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير ~~ريحه أو طعمه)). ولأنها قد اكتسبت جزءا من النجاسة فيجب أن يكون حالها ~~كحالها في النجاسة. # وإن لم تكن متغيرة بالنجاسة فهي طاهرة كما هو الأصح من قولي الشافعي كما ~~حكيناه عنه، وهو الذي يأتي على رأي الإمام القاسم بن إبراهيم في أن الماء ~~لا ينجس إلا بالتغير، وهذا عام في كل صورة. # والحجة على ذلك: ما قدمناه من الأصل والقاعدة، وهو قوله : (( خلق الماء ~~طهورا لا ينجسه إلا ما غير ريحه أو طعمه)). وهذا لم يتغير شيء من أوصافه ~~فيجب الحكم عليه بالطهارة. # الحجة الثانية: حديث الأعرابي الذي بال في المسجد فأمر الرسول من صب عليه ~~ذنوبا، فلو كانت الغسالة تنجس لكان في ذلك تكثير للنجاسة في المسجد، فدل ~~ذلك على طهارتها. # واعلم بأن كل من قال بنجاسة الماء القليل وإن لم يتغير فإن قياس مذاهبهم: ~~هو نجاسة الغسالة لا PageV01P455 محالة من جهة أن النجاسة قد اتصلت بها وإن لم تكن مغيرة لها، والعجب من ~~الشافعي حيث قال بطهارتها مع أنها قد اتصلت بالنجاسة، وقياس قوله: نجاستها. # الحجة الثالثة: أن من جملة هذه الغسالة: البلل الباقي في الثوب، وهو طاهر ~~إجماعا بعد انفصالها عنه عند الحكم بطهارة المحل، فيجب أن تكون طاهرة أيضا ~~لكونه ماء واحدا. # فحصل من مجموع ما ذكرناه هاهنا أن الواجب غسلة واحدة، وأن ماء الغسالة ~~طاهر إذا لم يتغير بالنجاسة، وأن الغسلات الثلاث إنما هي على جهة الاستحباب ~~وقد قررناها بأدلتها. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم. # قالوا في نجاسة الغسالة الأولى: هو أن المقصود منها إزالة النجاسة، فيجب ~~أن تنتقل إليها فتكون نجسة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكرتموه مجرد دعوى ليس فيه ms399 إشارة إلى دلالة توجب ما ~~ذكرتموه فلا يعرج عليه. # وأما ثانيا: فلأنا نقول: غسالة قصد بها إزالة النجاسة فيجب الحكم عليها ~~بالطهارة كالغسالة الثالثة على جميع الأقوال. # قالوا: ماء غسلت به النجاسة فكان نجسا كما لو انفصل قبل تطهير المحل. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا نسلم ما ذكرتموه، بل ولو انفصل قبل تطهير المحل فإنه يكون ~~طاهرا؛ لأن التعويل في نجاسته إنما يكون على تغيره بالنجاسة، فإذا لم يتغير ~~فهو طاهر بكل حال، سواء انفصل قبل التطهير أو بعده. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا هذا الأصل، فالتفرقة بينهما ظاهرة من جهة أن ~~الباقي في المحل نجس، فلهذا كان المنفصل عنه نجسا بخلاف ما نحن فيه فإن ~~الباقي في المحل طاهر، فلهذا كان المنفصل مثله. PageV01P456 # ووجه ثالث: وهو أن النجاسة إذا لم تظهر عليه صار مغلوبا بالطهارة فلهذا كان ~~طاهرا، وإذا ظهرت عليه صار مغلوبا بالنجاسة، فلهذا كان نجسا. # قالوا: النجاسة لا تخلو من محل فإذا انتقلت من الثوب وجب حصولها في ~~الماء، وفي ذلك كونه نجسا بالاتصال بها. # قلنا: هذا ساقط لأمرين: # أما أولا: فلابد من محل خلا أنه يسقط حكمها بالاستهلاك كما سقط حكم الخمر ~~بالانقلاب(¬1). # وأما ثانيا: فكما لا يخلو الماء من النجاسة على زعمكم، فالمحل المتنجس ~~غير خال عنها أيضا، ثم إنا قد حكمنا بطهارة المحل بعد انفصال الماء عنه ~~فهكذا حال الماء، فبطل ما ظنوه. # مسألة: إذا كانت النجاسة خمرا لها عين مرئية فهل يعتبر في غسلها عدد أم ~~لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجب اعتبار العدد فيها، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو ~~العباس وقرره لمذهب الإمامين: القاسم والهادي، وهو الظاهر من مذهب المؤيد ~~بالله، ومعنى اعتبار العدد فيما عينه مرئية، هو أن غسله حتى تذهب عينه يعد ~~مرة واحدة، ويجب بعد ذلك مرتان اثنتان من جهة أن المرة الأولى لا معنى ~~لاعتبار العدد فيها، بل زوالها بعد مرة واحدة وإن تكرر فيه الغسل مرارا كثيرة. # والحجة على ذلك: ما روي عن ms400 النبي ، أنه لما سألته أسماء بنت عميس (¬2) عن ~~دم الحيض يكون في الثوب، فقال لها: (( حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء ثم ~~لا يضرك بعد ذلك أثره))(¬3). # ووجه الاحتجاج بهذا الخبر: هو أنه أمرها بالحت أولا وهو الفرك باليدين، ~~ثم أمرها ثانيا PageV01P457 بالقرص، والفرصة: قطعة صوف يدلك بها الشيء(¬1)، ثم أمرها ثالثا بالغسل ~~بالماء، وهذه ثلاث دفعات، لأن المعنى: حتيه ثم اقرصيه بالماء ثم اغسليه ~~بالماء، وهذا دليل على ما ذكرناه من اعتبار العدد في الغسلات. # المذهب الثاني: أنه لا يعتبر العدد إنما الاعتبار بزوال العين، فإذا زالت ~~فلا حاجة إلى غسلتين بعده. وهذا هو رأي الإمام أبي طالب، وهو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه والشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: ما في حديث عمار من قوله عليه السلام: (( إنما تغسل ثوبك ~~من الغائط والبول)). ولم يذكر العدد ولا فصل بين ما نجاسته مرئية أو غير ~~مرئية، وفي هذا دلالة على بطلان العدد في النوعين جميعا كما قدمنا. # والمختار: ما عول عليه السيد أبو طالب ومن تابعه من الفقهاء. # والحجة على ذلك: هو أن المقصود من النجاسة المرئية إنما هو عينها، فإذا ~~زالت العين فهي التي يتعلق بها حكم التنجيس، فلهذا قلنا ببطلان شرط العدد. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: حديث أسماء دال على اعتبار العدد. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأنه ليس في ظاهره ما يدل على تكرر الغسلات، وإنما قال: (( ~~حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه )). فالحت عبارة عن الحك باليدين من غير غسل، ~~والقرص عبارة عن استعمال الفرصة من غير غسل، ولم يذكر هناك إلا غسلة بالماء ~~لا غير، فلا حجة لكم في ظاهره على تكرر الغسلات. # وأما ثانيا: فلأنه قال في آخره: (( ثم اغسليه بالماء )). ولم يذكر عددا، ~~فدل ذلك على بطلان العدد. PageV01P458 # قالوا: إزالة النجاسة يتعلق بها حكمان: # أحدهما: إزالة العين. # وثانيهما: إزالة الحكم. فإذا زالت العين فلابد من إزالة الحكم، وليس ذلك ~~إلا بغسلتين، وهذا الذي نريده بإيجاب العدد في غسل النجاسة. # قلنا: عن ms401 هذا جوابان: # أما أولا: فالذي يلزم من النجاسة، هو غسلها للصلاة فإذا كانت مرئية فلا ~~بد من إزالتها وإن كانت غير مرئية فلا بد من غسلها، فمن أين أنها إذا كانت ~~مرئية فلا بد من غسلها بعد إزالة عينها، ولم تدل على ذلك دلالة من جهة ~~الشرع؟ وفيه وقع النزاع. # وأما ثانيا: فلأن المفهوم من عناية الشرع في غسل النجاسة إنما هو بإزالة ~~عينها، ولهذا قال: (( حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء )). يقرر أن المقصود ~~إنما هو الإزالة للعين، فإذا زالت فلا عناية هناك في غسلها، فبطل ما توهموه ~~في ذلك. # مسألة: إذا كانت النجاسة خمرا أو بول مبرسم أو محرور(¬1) أو غير ذلك من ~~النجاسات التي تغسل فتبقى آثارها، فهل يجب إبلاء العذر في إزالتها بشيء غير ~~الماء، من الصابون والأشنان والإذخر والسدر وغير ذلك مما يكون قالعا لأثرها ~~أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن ذلك واجب، وهذا هو رأي أئمة العترة لا يختلفون فيه، وهو ~~الذي نص عليه المؤيد بالله في كتابه (الزيادات)(¬2) وتخريج القاضي زيد ~~للقاسم وحكاه في (الزوائد)(¬3) عن القاسمية. # والحجة: ما رويناه من حديث أسماء، حيث سألته ، عن دم الحيض، فقال لها: (( ~~حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه)). فدل ظاهره على أنه أمرها باستعمال شيء غير ~~الماء مما يكون مزيلا لأثر الدم وهذا هو PageV01P459 مطلوبنا. # المذهب الثاني: لا يجب استعمال غير [الماء]، وهذا هو [الذي] ذكره الناصر ~~والأخوان في الشرحين(¬1) والمنصور بالله. # والحجة على ذلك: ما رواه أبو هريرة أن خولة بنت يسار (¬2) أتت النبي ، ~~فقالت: يا رسول الله ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه فكيف أصنع؟ قال: (( ~~إذا طهرت فاغسليه ثم صلي فيه )). قالت: فإن لم يخرج الدم؟ قال: (( يكفيك ~~الماء ولا يضرك أثره ))(¬3). فهذا نص في عدم الاستعمال في أثر النجاسة. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة. # والحجة عليه: ما تقدم ونزيد ههنا قوله : (( أمطه عنه بإذخرة ))(¬4)، وقد ~~سأله عن أثر من النجاسة. وقوله عليه السلام لمن سألته عن دم الحيض: ms402 (( حكيه ~~بضلع ))(¬5). # ووجه الاحتجاج بما ذكرناه: هو أنه لم يقتصر على الماء بل أشار إلى غيره، ~~وفي هذا دلالة على ما قلناه من استعمال غير الماء مع الماء. # الانتصار: قالوا: حديث خولة بنت يسار فيه دلالة على عدم الاستعمال. PageV01P460 # قلنا: قد وردت أحاديث دالة على استعمال غير الماء، ووردت أحاديث دالة على ~~عدم الاستعمال، فوجب الترجيح عند التعارض إذ لا وجه لإسقاطها مع إمكان ~~الترجيح، ولا شك أن الأخبار الدالة على استعمال غير الماء راجحة لوجهين: # أما أولا: فلأنها مشتملة على زيادة، والزيادة من جهة العدل مقبولة لكونها ~~مفيدة شرعا. # وأما ثانيا: فلأنها آكد في الدلالة على المقصود من الطهارة، من جهة أن ~~المقصود منها حصول المصلي على أحسن هيئة وأنقى ثوب، واستعمال الأمور ~~المزيلة للآثار فيه تأكيد لهذا المقصود الشرعي والغرض الديني، فيجب فعله ~~لما ذكرناه. # فإن غسلت النجاسة من غير استعمال [الماء] في قلع أثرها وبقي لونها لم ~~يحكم بطهارتها، وهو المحكي عن الشافعي وأصحابه، لأن بقاء اللون دال على ~~بقاء عين الخمر، وإن ذهب لونها وبقي ريحها لم يحكم أيضا بطهارته، وهو أحد ~~قولي الشافعي، وله قول آخر أنه يحكم بطهارته. # والحجة على ما قلناه: هو أن الرائحة كاللون، فإذا بقي ريحها فأجزاؤها ~~باقية كما في اللون من غير تفرقة بينهما. # وإن استعمل الصابون في قلعه فلم يزل عفي عنه لما في حديث خولة: (( ولا ~~يضرك بعد ذلك أثره )). ولأنه هو الغاية، وبعد الاستعمال فلا حكم له، ولأنا ~~لو أوجبنا زواله بعد ذلك لم يكن إلا بالقطع، ولم يرد الشرع بالقطع للثياب ~~لبقاء الآثار فيها. وحكي عن ابن عمر أنه كان يستدعي بالجلم فيقطعه. # وإن غسل دم الحيض فزال بالماء لم يجب استعمال غيره عند أئمة العترة وأكثر ~~فقهاء الأمة. وحكي عن داود وطبقته: أنه لا يجزيه ولا يحكم بطهارته إلا ~~باستعمال الحت والقرص، وهذا منهم تعويل على الظواهر من الأحاديث، وهو فاسد؛ ~~فإن التعويل على المعاني أحق، وذلك لأن المقصود هو إزالة النجاسة وقلعها، ~~فإذا حصل ms403 ذلك بالماء فلا حاجة إلى غيره، وإن بقي أثر الحيض بعد استعمال ما PageV01P461 ذكرناه فالمستحب أن يغير لونه، لما روي أن معاذة العدوية (¬1) سألت عائشة ~~عن دم الحيض يبقى في الثوب، فقالت لها: (( اغسليه بالماء فإن لم يذهب ~~فغيريه بالصفرة، فلقد كنت أحيض عند رسول الله ثلاث حيض فيبقى لونه فنلطخه ~~بالحناء)). # وإن غمس الثوب في إجانة أو طشت فيه ماء وفيه نجاسة، نظرت فإن غيرت ~~النجاسة الماء كان ذلك الماء نجسا لتغيره بالنجاسة، وإن لم تغيره النجاسة ~~نظرت فإن كان قليلا إما بأن يكون دون القلتين على قول من يعتبرهما، وإما أن ~~يكون يغلب على الظن استعمال النجاسة به على قول من يعتبره في كونه قليلا ~~كما مضى شرحه، فإنه يكون نجسا وإن لم يتغير ولا يطهر الثوب به، وأما على ~~رأي الإمام القاسم والمختار الذي اخترناه، فإنه إذا كان غير متغير بالنجاسة ~~فإنه يكون طاهرا، ويطهر الثوب. # وإن كان هناك ثوب نجس كله فغسل الغاسل نصفه، ثم عاد إلى ما بقي بعد ذلك ~~فغسله، طهر الثوب عند أئمة العترة، وهو قول الأكثر من أصحاب الشافعي، وحكي ~~عن بعض أصحاب الشافعي أنه لا يطهر. # والحجة على ما قلناه: هو أن الطهارة قد صارت مستولية على جميع أجزاء ~~الثوب، فلهذا كان طاهرا كله. # مسألة: إذا ولغ الكلب في الإناء وجب غسله من ولوغه فيه، والولوغ يكون ~~بلسانه، والكروع أبلغ منه، ويكون بإدخال خرطومه في الماء، وإنما يجب غسله ~~لكونه نجسا، وهل يعتبر فيه العدد أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يعتبر العدد فيه سبعا، وهذا هو رأي أئمة العترة، ~~وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: ما رواه أبو هريرة عن الرسول أنه قال في الكلب يلغ في ~~الإناء ( (يغسل ثلاثا أو خمسا أو سبعا)). PageV01P462 # ووجه الاستدلال بالخبر: هو أنه عليه السلام خير في الغسل بين الثلاث والخمس ~~والسبع، وفي هذا دلالة على أن السبع غير واجبة؛ لأنها لو كانت واجبة حتما ~~لم يكن هناك وجه للتخيير. ms404 # المذهب الثاني: أن العدد فيه يجب اعتباره وهو السبع، وهذا هو رأي الشافعي ~~وأصحابه. # والحجة على ذلك: قوله عليه السلام: (( طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه ~~أن يغسل سبعا إحداهن بالتراب)). # ووجه الاستدلال بذلك: هو أن ظاهر الخبر دال على أن التطهير يتعلق بالسبع، ~~فلا يجوز تعليقه بما دونه؛ لأن في ذلك مخالفة لظاهره من غير حاجة. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة لما ذكروه من الحجة، ونزيد هاهنا حجة ~~قياسية، وحاصلها: هو أنها نجاسة فلا تستحق الغسل سبعا كسائر النجاسات، ~~ولأنها طهارة فلا يكون العدد فيها واجبا كسائر طهارة الحدث، ولأنه حيوان ~~سؤره نجس فلا يشترط في التطهير منه عدد مخصوص كالكافر على رأي من يقول ~~بنجاسة سؤرهما وإن لم يتغير به الماء كما مر تقريره. # الانتصار: يكون بإبطال ما قالوه. # قالوا: حديث أبي هريرة دال بصريحه ونصه على اعتبار الغسلات السبع فلا ~~حاجة إلى تأويله. # قلنا: الكلام على ما أوردتموه من الخبر من أوجه: # أما أولا: فلأن أبا هريرة قد روى خبرا آخر رواه عنه عطا. وهو قوله (ص): ~~(( إذا ولغ الكلب في إناء أهريق وغسل ثلاث مرات)). فهذا الخبر يناقض خبركم ~~فيجب الحكم عليهما بالتعارض والتساقط. أو نقول: خبرنا أرجح؛ لأنه هو الأقل ~~المستيقن فيجب العمل [به]. # وأما ثانيا: فلأنه قد حكي أن أبا هريرة أفتى بالغسل من الكلب ثلاث مرات، ~~وهذا يدل على أنه فهم من الخبر المذكور فيه السبع، الندب والاستحباب، إذ لا ~~يجوز أن يحمل على مخالفة الرسول فيما قاله. PageV01P463 # وأما ثالثا: فلأنا نقول: إن هذا منسوخ لأنه تكلم حين قال: غسل الثوب من ~~البول سبع مرات، والغسل من الجنابة سبع مرات، والصلوات فرضت خمسين، ثم نسخ ~~جميع ذلك وهو من جملتها فلهذا كان منسوخا. # وأما رابعا: فلأن في بعض الأخبار: (( والثامنة بالتراب))(¬1). وقد اتفقنا ~~على أن التعفير في الثامنة غير واجب، فهكذا في السبع يكون على جهة ~~الاستحباب وهذا هو مطلوبنا بكونه مستحبا. # وأما خامسا: فلعل هذا العدد إنما أمر به في ms405 الوقت الذي أمر بقتل الكلاب ~~حين قال: (( اقتلوا كل أسود بهيم))(¬2). فجميع ما ذكرناه من هذه الأوجه ~~كلها، دال على اعتبار بطلان العدد سبعا. # قالوا: إحدى الطهارتين، فجاز أن يعتبر فيها العدد كالطهارة من الحدث. # قلنا: نقلب عليكم ما ذكرتموه من القياس. # إما بأن نقول: فوجب أن لا يعتبر فيها العدد سبعا كالطهارة من الحدث. # وإما بأن نقول: فوجب أن لا يتكرر فيها وجوب الغسل كالطهارة من الحدث. # وإما بأن نقول: فوجب أن يكون الوجوب متعلقا فيها بالمرة الواحدة، ~~كالطهارة من الحدث. # قالوا: حكم شرعي، فوجب أن يكون العدد في السبع واجبا فيه كرمي الجمرة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن رد الطهارة إلى طهارة مثلها أولى من ردها إلى الحج، ~~لاختلافهما وتباين أحكامهما وموضوعهما. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه من الوصف، من الأوصاف الطردية الذي يستوي ثبوت ~~الحكم ونفيه PageV01P464 عليها، ولا يكون لأحدهما مزية على الآخر، وهذه أمارة كون الوصف طردا لا ~~تعويل عليه، ولهذا فإنك لو قلت: حكم فلا يتكرر عدده من جهة الوجوب كالحج. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول منها: إذا ولغت كلاب كثيرة في إناء واحد، أجزأه عندنا أن ~~يغسله مرة واحدة على رأي السيد أبي طالب وهو المختار. # فأما أصحاب الشافعي فلهم قولان: # أحدهما: أنه يغسل لكل كلب سبع مرات. # وثانيهما: وهو الذي ذكره حرملة، أن يغسل للكل منها سبع مرات، والصحيح عند ~~أصحاب الشافعي هو الثاني، لأن الغسلات السبع كافية في الإزالة، كما لو ~~اجتنب مرات كثيرة فإنه يكفيه غسل واحد، وكما لو تنجس الإناء ببول وعذرة ~~وخمر، فإنه يجزيه غسلة واحدة من غير تكرير. # الفرع الثاني: إذا وقع الإناء الذي ولغ فيه الكلب في ماء قليل، تنجس ~~الماء ولم يطهر الإناء على رأي الأكثر من العترة وأكثر الفقهاء، فأما على ~~رأي الإمام القاسم بن إبراهيم، وهو المختار عندنا، فإنه ينظر في الماء، فإن ~~كان متغيرا بالنجاسة كان نجسا ولم يطهر الإناء، وإن كان الماء غير متغير ~~طهر الإناء والماء جميعا؛ لأن ms406 الماء غير نجس، والإناء لا ينجس أيضا. # وإن وقع الإناء في ماء كثير لم يكن الماء نجسا لكونه كثيرا. وكل على رأيه ~~من العلماء في حد القليل والكثير، كما قدمنا تفصيله. وهل يطهر الإناء مع ~~فرض كون الماء كثيرا، فيه خمسة أقوال محكية عن الشافعي. # أولها: أنه طاهر لأنه لو ولغ فيه الكلب وهو في هذه الحالة لم يكن نجسا، ~~فهكذا إذا ولغ فيه من قبل ثم وضع في ماء كثير. # وثانيها: أنه يحتسب ذلك مرة واحدة في طهارة الإناء ولابد من ست مرات بناء ~~على قوله: إنه لا بد من سبع في ولوغ الكلب في الإناء. PageV01P465 # وثالثها: أنه يحتسب بذلك ست مرات؛ لأن ذلك أبلغ من ورود الماء عليه ست مرات ~~ولابد من غسلة سابعة بالتراب. # ورابعها: أنه ينظر فإن أصاب الكلب الإناء نفسه احتسب بذلك غسلة، وإن أصاب ~~الكلب الماء الذي في الإناء نجس الإناء تبعا للماء، احتسب به هاهنا سبعا. # وخامسها: أنه ينظر فإن كان الإناء ضيق الرأس لم يطهر، وإن كان واسعا طهر. # والمختار: هو الأول على رأي أئمة العترة، لأنه إذا كان حاصلا في ماء كثير ~~فقد طهر؛ لأن النجاسة غير ظاهرة فيه فوجب القضاء بطهارته. # الفرع الثالث: إذا ولغ الكلب في إناء فغسل وانفصل الماء إلى إناء آخر وهو ~~غير متغير، فهل يحكم بطهارة الماء أم لا؟ فيه كلام، فعلى ما ذكره الإمام ~~أبو طالب ينجس المجاور الأول، وعلى كلام المؤيد بالله ينجس المجاور الأول ~~والثاني، والمجاور الثالث طاهر باتفاقهما جميعا، فإذا جمعت في إناء واحد ~~وجب الحكم عليه بكونه نجسا؛ لأنه ماء قليل وقد اتصلت به النجاسة فنجسته ~~سواء كان متغيرا أو غير متغير، لأن الماء إذا كان قليلا ثم وقعت فيه نجاسة ~~فإنه يكون نجسا وإن لم يتغير كما مر تقريره. # وأما على رأي الإمام القاسم وهو المختار فإنه ينظر، فإن كانت هذه ~~الغسالات متغيرة بالنجاسة فهي نجسة، وإن كانت غير متغيرة بالنجاسة فهي ~~طاهرة لظواهر الأخبار التي قدمناها. # فأما الشافعي فله ms407 في ذلك ثلاثة أوجه: # أحدها: أن الغسالات السبع في ولوغ الكلب نجسة عند انفصالها. # وثانيها: أنها كلها طاهرة. # وثالثها: أن السابعة طاهرة وما قبلها نجس، وهو الصحيح عند أصحابه، فإذا ~~ضمت السابعة إلى ما قبلها كان الجميع منها نجسا؛ لأن الطاهر مغلوب بالنجس ~~فلهذا كان نجسا. PageV01P466 # الفرع الرابع: في التراب، هل يكون واجبا في الغسل من ولوغ الكلب أم لا؟ ~~والذي عليه علماء العترة: أنه غير واجب، وهو قول أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: هو قياسه على سائر النجاسات بجامع كونها نجسة، ولأنه لا ~~أثر له فيحتاج إلى غير الماء كسائر النجاسات التي لا أثر لها. # وحكي عن الشافعي أنه واجب لقوله ، في حديث الغسل من الكلب: (( إذا ولغ في ~~الإناء اغسلوه سبعا إحداهن بالتراب))، وفي حديث آخر: (( أولاهن بالتراب)). ~~وقد تكلمنا على ضعف الخبر، وإفساد التعلق به في إيجاب السبع فأغنى عن ~~الإعادة. # ثم إنه محمول عندنا على الاستحباب في التنظيف عن ولوغه وتبعيدا عن ~~مخالطته ومخامرته بما ذكرناه من التغليظ في غسل ما ولغ فيه؛ لأنهم كانوا ~~يعتادونها ويألفون مخالطتها في أكثر أحوالهم، كما كان الجاهلية يفعلون، ~~فورد الشرع في أول الإسلام بالبعد منها والتقذير لأحوالها(¬1). # والغسل بالتراب هل يكون أحد السبع على رأي الشافعي، وهل يكون أولا أو ~~آخرا أو وسطا، فالأمر فيه قريب، وحكي عن بعض أصحاب الشافعي أن الأفضل فيه ~~أن يكون قبل السابعة ليرد عليه ما ينظفة(¬2). وحكي عن الحسن البصري وأحمد ~~بن حنبل أن الثامنة تكون بالتراب. # الفرع الخامس: على رأي الشافعي في قدر التراب، وفي قدره وجهان: # أحدهما: ما يقع عليه اسم التراب؛ لأنه أطلق في الحديث من غير تقدير له. # وثانيهما: أنه لا بد من أن يكون مستوعبا لمحل الولوغ؛ لأن النجاسة شاملة ~~له ومتصلة به. # وهل يقوم غير التراب مقامه أم لا؟ فيه عندهم وجهان: # أحدهما: أنه تعبد لا يعقل معناه فلا يقوم مقامه غيره من الصابون ~~والأشنان، وغيرهما من PageV01P467 المنظفات. # وثانيهما: أنه يعقل معناه؛ لأن المقصود به التنظيف عن ms408 تقذير الكلب فيلحق ~~به ما هو مثله أو أبلغ منه. # وإن خلط التراب بغيره فهل يجزي أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يجزي؛ لأنه هو المقصود. # وثانيهما: أنه لا يجزي؛ لأنه غير مطهر. # وإن بال الكلب على الأرض فجرى عليه الماء سبع مرات، فهل يحتاج إلى تراب ~~أم لا؟ فيه وجهان؛ الأصح منها أنه لا يحتاج إلى تراب؛ لأن نفس الأرض كلها تراب. # مسألة: قد ذكرنا فيما سبق نجاسة المني ودللنا عليه، وإذا كان نجسا فهل ~~يجب غسله أو يجزي فيه الفرك؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يطهر إلا بالغسل، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي ~~عن مالك. # والحجة على ذلك: ما قدمناه من خبر عمار، وهو قوله : (( إنما تغسل ثوبك من ~~البول والغائط والمني)). فأخبر أنه يجب غسله كما في غيره من تلك النجاسات ~~التي ذكرها في الخبر. # الحجة الثانية: قياسية، وهي أنه مائع نجس فلا يجزي فيه إلا الغسل كالبول، ~~أو أنه نجس فلا يجزي فيه الفرك كسائر النجاسات، أو نقول: مني فلا يجزي فيه ~~إلا الغسل، كما لو كان رطبا، وعلى [رأي] أبي حنيفة فإنه قال بوجوب غسله إذا ~~كان رطبا. # فأما الشافعي فقد قدمنا أنه عنده طاهر فلا يحتاج إلى طهارة بفرك ولا غسل. # المذهب الثاني: أنه إذا كان رطبا وجب غسله، وإذا كان جافا فتطهيره يكون ~~بالفرك من غير غسل، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: ما في حديث عائشة رضي الله عنها وهو أنها قالت: (( كنت ~~أفرك المني من ثوب PageV01P468 رسول الله وهو في الصلاة))(¬1). # ووجه الاحتجاج بالخبر: هو أنا قد دللنا على نجاسته بما مر تقريره، ولكن ~~الخلاف في كيفية التطهير، فلو كان الغسل فيه واجبا لغسلته؛ لأنه أقرها على ~~تركه ولم ينكره عليها، فدل ذلك على أن التطهير في حقه إنما هو بالفرك لا غير. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من وجوب غسله. # والحجة على ذلك: ما ذكرناه عنهم، ونزيد هاهنا وهو أن البول والمني يخرجان ~~من ms409 مخرج واحد وهو الإحليل، فوجب(¬2) تطهيرهما بالغسل على سواء كالحيض ~~والنفاس، ولأنه إذا تقرر كونه نجسا فالفرك لا ينقي النجاسة كما لا ينقي ~~البول من الثوب ودم الحيض، ولأن الفرك إنما يزيل ما كان غليظا منه، فأما ~~البلة فهي باقية لا يطهرها الفرك، كما أن الفرك في حق العذرة لا يطهرها لما ~~كان لا ينقي إلا غليظها دون بلتها. # الانتصار: قالوا: حديث عائشة صريح في تطهيره بالفرك. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأنه ليس في ظاهر الخبر إلا أنها فركته فمن أين أنها لم تغسله ~~كما يفعل في العادة، فإن من أراد غسل نجاسة غليظة فإنه يبدأ بفركها قبل ~~غسلها تقليلا من نجاستها لا أنه يكتفي بالفرك، فهكذا ما فعلته عائشة من ذلك. # وأما ثانيا: فإنا نقول: أخبرونا عن الفرك حين اشترطتموه في المني، هل هو ~~مزيل لنجاسته أو مخفف لها؟ فإن كان مزيلا لها فيجب أن يزيلها، وإن كان رطبا ~~وأنتم قد أوجبتم غسل ما كان منه PageV01P469 رطبا، وإن كان مقللا للنجاسة حصل مرادنا من بقاء النجاسة، فيجب إزالتها ~~بالغسل؛ لأن قليل ما كان نجسا غير معفو عنه فتجب إزالته كما تجب إزالة كثيره. # قالوا: روي عن رسول الله أنه قال لعائشة: (( إذا رأيت المني يابسا ~~فحتيه، وإن كان رطبا فاغسليه))(¬1). فظاهر الخبر دال على رطبه ويابسه، وفي ~~هذا دلالة على ما قلناه من أنه إذا كان يابسا فحته كاف في تطهيره. # قلنا: المراد من هذا هو تقدمة الحت على الغسل، فمن أين أنها لم تغسله ~~بعد(¬2) حتها له؟ وفيه وقع النزاع، وهكذا إذا رووا عن عائشة أنها قالت: (( ~~أمرني رسول الله أن أغسل المني من ثوبه إذا كان رطبا وأحته إذا كان ~~جافا)). فإن الغرض الجمع بين الحت والغسل، كما روي عن النبي ، أنه سأله رجل ~~عن المني يصيب الثوب. فقال: (( أمطه عنك بإذخرة)). والمراد تقديم الإماطة ~~بالإذخر، ثم يغسله بعد ذلك. # ثم نقول: إنما ذكرتموه من هذه الأحاديث إنما هي واردة في حق الرسول ، ولا ~~يبعد أن ms410 يكون منيه طاهرا، وكلامنا في مني غيره، فلا يلزم من طهارة منيه ~~طهارة سائر المنيات من جميع الحيوانات، وأنها يجب فيها الغسل إذا أصابت ~~الثوب دون الفرك، وهذا من جملة الخصائص والكرامات التي أكرمه الله تعالى ~~بها، ولنشر إلى ما تميز به من بني آدم فيما يختص بالنجاسات وجملتها خمس: # الخاصة الأولى: منيه فإنه طاهر، أشار إلى ذلك الإمام المنصور بالله، فإنه ~~قال: لا يمتنع أن يحكم الله بطهارة مائه حيا وميتا، كما كان له دخول المسجد جنبا. # والحجة على ذلك: ما رويناه من أحاديث عائشة، فإنها دالة على طهارة منيه، ~~ولهذا فإنها قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله . فلو كان نجسا لكان ~~مفسدا للصلاة. # والخاصة الثانية: نجوه، فإنه كان لا يرى على وجه الأرض، ولهذا قال: (( ~~فضلت بخصال، لا يرى PageV01P470 لي نجو، وولدت معذورا))(¬1)..أي مختونا. فلو رؤي فهل يحكم بطهارته أم لا؟ ~~والأقرب هو الحكم بطهارته كالبول. # الخاصة الثالثة: بوله، فإنه طاهر. # والحجة على ذلك: ما روي أن أم أيمن شربت بوله فلم ينكره عليها، وقال لها: ~~(( إذا لا تلج بطنك النار))(¬2) فكان في ذلك دليلان، ترك النكير عليها في ~~شربه، وكونه وقع سببا لنجاتها من النار. # الخاصة الرابعة: دمه، فإنه طاهر. # والحجة على ذلك: ما روي أن أبا طيبة حجم له، ثم شرب دمه، فقال له: (( إذا ~~لا تتجع بطنك))(¬3) ففيه أيضا دليلان: ترك النكير له على شربه، ثم كونه ~~سببا لئلا يتألم لوجع البطن كما قال. # الخاصة الخامسة: مصله وقيحه: فإنهما طاهران منه. # والحجة على ذلك: هو أنهما جاريان مجرى الدم لكونهما مستحيلين منه، فما ~~طهر من الدم أو عفي عنه أو كان نجسا منه فهما كذلك من غير تفرقة بينهما، ~~فإذا تقرر ذلك فجميع ما ذكرناه من هذه الأشياء نجسة من بني آدم ما خلا رسول ~~الله فإنها طاهرة في حقه لأجل الكرامة والخصوصية التي له من الله تعالى. # مسألة: وأهل البلوى نعوذ بالله منها، الذين اتصلت بهم النجاسة فلم ~~تزايلهم، كمن به سلس ms411 البول وسيلان الجرح، وصاحب البواسير. والباسور: داء ~~يحدث في المقعدة وفي الأنف، وهو ورم PageV01P471 يحصل فيهما ثم يعلو فينفجر، ولا يزال يسيل وربما قتل صاحبه وأسقمه، فهؤلاء ~~لا يلزمهم التحرز عن هذه النجاسات ولا غسل أثوابهم ولا أجسامهم عما يصيبها منها. # والحجة على ذلك: ما في حديث فاطمة بنت أبي حبيش (¬1)، وهو أنها لما ~~استحيضت قالت: يا رسول الله إني أستحاض فلا أطهر ولا ينقطع الدم عني، ~~فأمرها أن تدع الصلاة أيام إقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي وإن ~~قطر الدم على الحصير قطرا(¬2)، فصار هذا أصلا لما عداه مما ذكرناه من أهل ~~هذه البلاوي التي ذكرناها، والجامع بينهما هو استرسال الحدث بحيث لا يرجى ~~انقطاعه بحال. # الحجة الثانية: هو أنا لو كلفناهم ذلك لابد من الحرج والمشقة، والله ~~تعالى يقول: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}[الحج:78]. وقال تعالى: {لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها}[البقرة:286]. وقوله عليه السلام: (( بعثت ~~بالحنيفية السمحة )). وقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر}[البقرة:185]. إلى غير ذلك من الأدلة الشرعية الدالة على تخفيف الأمر ~~على من هذه حاله. # ويستحب له أن يتعهد ثوبه بالتطهير والتنقية. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وثيابك فطهر}[المدثر:4]. وقوله عليه ~~السلام: (( إن الله نظيف يحب النظافة وجميل يحب الجمال)). # ويكره له أن يتركه حتى يصير فاحشا. # والحجة على ذلك: هو أن المأخوذ على الإنسان إذا أراد الصلاة أن يكون على ~~أحسن هيئة من الطهارة والنظافة في مكانه وملبسه وطهارة جسمه، وقد نبه الشرع ~~على ذلك باشتراط طهارة هذه الأمور كما سنقرره في شروط الصلاة، فلهذا كره له ~~ما يضاد ذلك ويناقضه، وقد قدره الهادي في (الأحكام) بثلاثة أيام، من جهة أن ~~الثلاث قد صارت عددا متوسطا ليس فيه إفراط ولا تفريط، PageV01P472 وهذه المسألة من الأمور المفوضة إلى رأي أهل الاجتهاد بالآراء الصائبة ~~والأنظار الموفقة في فصل الخصومات الناشئة بين الخصوم، إذ ليس فيها إضرار ~~على الخصمين عند اقتضاء المصلحة الشرعية لتوقيتها. # وهل يكون التقدير بالثلاث في غسل ms412 أثواب هؤلاء بتقريب أو تحديد؟ والأحسن ~~أن يكون على جهة التقريب؛ لأن الحال في ذلك يختلف باختلاف أحوالهم في القلة ~~والكثرة، فربما كان اليومان كالثلاث في استحباب الغسل لأجل كثرته، وربما ~~كان العشر كاليومين في أنه لا يستحب الغسل لأجل قلته. # قال الإمام المؤيد بالله: فإن تعذر كانت الأيام الثلاثة كاليومين، وكانت ~~الأربعة كالثلاثة في أن الإنسان يكون معذورا حتى يتمكن ويزيل من جسمه وثوبه ~~ما أمكنه على قدر طاقته؛ لأنه وإن عذر في المعسور من ذلك فإنه غير معذور في ~~الميسور منه، والميسور لا يسقط بالمعسور، فإن وجد ثوبا طاهرا يعزله للصلاة ~~توجه ذلك عليه، فإذا فرغ من الصلاة غسل ما أصابه؛ لأنه مأخوذ عليه أن لا ~~يصلي إلا في ثوب طاهر على قدر الحال، لقوله تعالى: {وثيابك ~~فطهر}[المدثر:4]. # وعلى الجملة فإن المأخوذ على هؤلاء الذين ذكرناهم من أهل هذه البلية، ~~الاجتهاد فيما كلفوه من أمر الصلاة على ما يمكنهم ويقدرون عليه، لقوله : (( ~~إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم)). فهذا ما أردنا ذكره في بيان أعيان ~~النجاسات، وكيفية التطهير منها. # الفصل الثالث: في بيان حكم الاجتهاد في النجاسات في المسائل الخلافية ~~الفقهية # اعلم أن جميع الآراء الاجتهادية في المسائل الخلافية الواقعة بين علماء ~~العترة وفقهاء الأمة، كلها حق وصواب، وهذه قاعدة - أعني تصويب الآراء في ~~المضطربات الاجتهادية - قد فرغنا منها في الكتب الأصولية، فأظهرنا ما هو ~~الحق منها من التصويب، وذكرنا أن الإجماع منعقد من جهة PageV01P473 الصحابة (رضي الله عنهم) على ذلك من غير نكير منهم فيه، وأنهم ما زالوا ~~مختلفين في الفتاوى والأقضية والأحكام، وكل واحد منهم مصوب لرأي مخالفه في ~~تلك المسألة ولم يسمع من أحد منهم تأثيم ولا تخطئة لصاحبه، ولا إلحاق حرج ~~به فيما خالفه فيه، وما ذاك إلا من أجل فهمهم التصويب وعملهم عليه، ~~وإجماعهم حجة واجبة الاتباع كما مهدناه. # فإذا تقرر هذا الأصل، فنقول: جميع المسائل الخلافية الواقعة في النجاسات ~~كلها حق وصواب إذا كانت صادرة ممن بلغ رتبة الاجتهاد من علماء ms413 العترة ~~وفقهاء الأمة، وكل واحد منهم مذهبه صحيح ومقالته فيما زعمه وذهب إليه صادقة ~~في جميع المسائل كلها مما ليس له فيه دلالة قاطعة. # ونحن الآن نعتبر المسائل التي وقع فيها الخلاف ونبين أنها صحيحة لا مقال ~~فيها وأنها لا تقطع الاقتداء في الصلاة، ولا توجب التحريم في ذلك. # فإذا توضأ القاسمي بما دون القلتين ولم يكن متغيرا بما وقع فيه من ~~النجاسة أو توضأ بركوة قد وقعت فيها قطرة من بول أو خمر لم يغيرها فإنه في ~~اجتهاده طاهر، وهو عند أكثر العترة وفقهاء الأمة نجس. # وهكذا لو توضأ الناصري والمنصوري(¬1) في القلتين فإنهما عندهما طاهرتان ~~وعند الشافعي، وهما نجستان عند الهادي والمؤيد بالله وأبي طالب. وهكذا لو ~~غسل النجاسة التي لا ترى عينها مرة واحدة فإنها تكون طاهرة على رأي الإمام ~~أبي طالب، ولا تكون طاهرة على رأي المؤيد بالله، وغيره من العترة. ثم أيضا ~~من كان إزاره من جلد ميتة قد دبغ أو اتخذ خفا من ذلك، فإنه يكون طاهرا على ~~رأي الإمام الشهيد زيد بن علي، ورأي أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه، ~~وهو نجس على رأي أكثر أئمة العترة، القاسمية والناصرية لا يختلفون فيه. # وهكذا فإنه لو فرك منيا يابسا ثم صلى به من دون غسله فإنه يكون طاهرا على ~~رأي أبي حنيفة وأصحابه، ويكون نجسا على رأي أئمة العترة. ولو صلى وعلى ثوبه ~~مني فإنه يكون طاهرا على رأي PageV01P474 الشافعي، ويكون نجسا على رأي أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وهلم ~~جرا إلى سائر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل القبلة في جميع ما ~~ذكرناه من النجاسات، فكلها حق وصواب، لا تقطع الموالاة فيما بين الأمة، ولا ~~توجب بطلان الاقتداء في الصلاة، ويدل على ما قلناه حجج ثلاث: # الحجة الأولى: هو أن هذه المسائل التي وقع فيها الخلاف لا يخلو حالها إما ~~أن يكون فيها حق معين هو مطلوب لله تعالى، أو لا يكون هناك حق معين، فإن ~~كان الأول فإما أن تكون ms414 عليه دلالة أو لا تكون عليه دلالة، فإن لم ينصب ~~الله عليه دلالة فلا معنى للتكليف به؛ لأن التكليف به من غير دلالة تكون ~~منصوبة عليه يكون تكليفا لما لا يعلم وهو محال، وإما أن تكون هناك عليه ~~دلالة فسواء كانت معلومة أو مظنونة، فلا بد أن تكون معلومة لنا معروفة حتى ~~يمكننا العمل بها. والذي في هذه المسائل ليس من الأدلة القطعية أصلا؛ لأن ~~القطع إنما هو النص المقطوع بأصله، ومعتمدنا في هذه المسائل ليس إلا أخبار ~~آحادية وأقيسة ظنية، كل واحد منها لا ينتهي إلى القطع ولا يترجح بعضها على ~~بعض في مطلق الظن إلا بالإضافة إلى آراء المجتهدين من غير أن تكون هناك ~~دلالة قاطعة، وما هذا حاله فليس فيه مطلوب معين لله تعالى، لاستوائها كلها ~~في كونها مطلوبة لا ترجيح لبعضها على بعض، بالإضافة إلى مراد الله تعالى، ~~وبالإضافة إلى ما كلفنا [به]، فصح بما ذكرناه أنه لا مطلوب لله تعالى في ~~هذه المسائل يكون معينا، وإذا لم يكن هناك مطلوب معين كانت كلها مطلوبة، ~~وهذا هو مرادنا بالتصويب في الآراء الاجتهادية. # الحجة الثانية: لو كان في هذه المسائل حكم معين لله تعالى للزم من ذلك ~~محال، وهو أنه يلزم من ذلك بطلان التولية مع المخالفة في الاجتهاد، ~~والمعلوم أن أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) ولى شريحا القضاء مع مخالفته له ~~في كثير من المسائل، وهكذا سائر الصحابة (رضي الله عنهم) كأبي بكر وعمر ~~وعثمان فإنهم ولوا الولاة مع اختلافهم في هذه المسائل، وكان يلزم التخطئة ~~والتضليل لبعضهم بعضا في هذه المسائل، لأن هناك - على رأي الخصم - حقا لله ~~تعالى معينا، والمعلوم أنه لم يكن شيء من ذلك PageV01P475 بينهم. # الحجة الثالثة: هو أن الإجماع منعقد من جهة الصحابة (رضي الله عنهم) على ~~أن كل مجتهد فإنه مأمور بالعمل على وفق ظنه، ولا معنى للحكم إلا ما أمر ~~الله به، وإذا كان الأمر كما قلناه اتضح أنه لا حق معين في هذه المسائل، ~~وأن كل مجتهد إذا ms415 وفى الاجتهاد حقه فإنه مصيب فيما رآه وظنه، لا يفترق ~~الحال في ذلك بين مجتهد ومجتهد مع حيازة منصب الاجتهاد وإحراز علومه ~~المشترطة فيه. # فإن قال قائل: فهل تفرقون بين من خالف في المسائل القطعية من الإلهية ~~والأصولية وبين من وافق فيها، وتقولون: بأن من خالف في مسألة قطعية فإنه لا ~~يعد من المجتهدين ولا يلتفت إلى خلافه؟ أو تقولون: بأنهم معدودون من الأمة ~~فيعتد بخلافهم، ولا تكون المسألة إجماعية من دونهم؟ # فجوابه: أنا نقول: بأن جميع أهل القبلة سواء في كونهم معدودين من أهل ~~الإجماع إذا كانوا مجتهدين، وأن خلافهم في هذه المسائل الإلهية وغيرها لا ~~يقطع الاجتهاد ولا يبطل كونهم معدودين من أهل الإجماع والاجتهاد في المسألة ~~بعد إحراز منصب الاجتهاد في كل واحد منهم، لأن كفر من كفر عند القائلين ~~بكفره كالمشبهة والمجبرة، إنما كان كفره من جهة تأويله، وأنه تأول فأخطأ، ~~وفسق من فسق كالخوارج، إنما كان فسقه من جهة التأويل، وهو أنه خالف الإمام ~~لشبهة طرأت عليه، فلهذا كان متأولا في فسقه، ومع فسقهم وكفرهم من جهة ~~التأويل لا يبطل ذلك كونهم معدودين من أهل الإجماع، لهم أهلية الاجتهاد لا ~~ينعقد الإجماع من دونهم بحال، وكيف لا، وهم من أهل التوحيد المصلين إلى ~~القبلة، المصدقين بتوحيد الله تعالى، وما جاءت به الرسل (صلوات الله عليهم) ~~ناكحين على السنة، مصدقين بالقرآن، فلهذا وجب كونهم معدودين من أهل ~~الاجتهاد. # نعم.. ظاهر كلام الشيخ عبدالملك الجويني، أن داود وطبقته من أهل الظاهر ~~لا يعدون من علماء الأمة، وينعقد الإجماع من دونهم، وهذا فاسد لا أصل له، ~~والحق أنهم وإن أخطأوا في إنكار القياس كله، فإن خطأهم في هذه المسألة لا ~~يخرجهم عن كونهم من جملة علماء الأمة، ومن جملة المجتهدين فيها، ولا ينعقد ~~إجماع مع مخالفتهم أصلا، وهذا غلو من هذا الشيخ وحدة نظر في كونه مخرجا لهم عن PageV01P476 أن يكونوا من جملة أهل الإجماع مع إحرازهم لعلوم الاجتهاد وكونهم من أهله. ~~وتمام هذه المسألة مذكور في الكتب ms416 الأصولية، وفيما ذكرناه مقنع وكفاية، ~~وبتمامه تم الكلام على الباب الثاني وهو الكلام في الأعيان النجسة. PageV01P477 ### |EDITOR| ENDNOTES PageV01P006: (¬1) في جامع الإمام الهادي بصعدة. إحدى المدارس العلمية التي كانت خاصة بتدريس علوم الفقه في اليمن. PageV01P007: (¬1) الكافل بنيل السؤول في علم الأصول) أصول الفقه لمؤلفه أحمد بن محمد لقمان المتوفى سنة 1039ه. (¬2) مختصر معروف في النحو، عليه أكثر من شرح مثل (الخبيصي) وحاشية السيد المفتي. (¬3) اثنتى عشرة سنة. PageV01P008: (¬1) غاية السؤول) في أصول الفقه للحسين بن القاسم بن محمد المتوفى سنة 1050ه بمدينة ذمار. (¬2) صاحب المسند المشهور في الحديث المعروف ب(مصنف عبدالرزاق). PageV01P009: (¬1) عبارة معروفة يستخدمها المؤلفون في كتب التراث. PageV01P016: (¬1) للمتنبي من قصيدة مطلعها: ملومكما يجل عن الملام ... ووقع فعاله فوق الخصام PageV01P020: (¬1) د: محمد عابد الجابري، ود:حسن حنفي. (¬2) مجلة (اليوم السابع). (¬3) ... في تاريخ الدولة الرسولية) تأليف: علي بن الحسن الخزرجي الطبعة الثانية 1993م في مجلدين. PageV01P021: (¬1) يقدر الباحثون مخطوطات التراث في اليمن ما بين مائة وخمسين إلى مائتين وخمسين ألف مجلد. (¬2) منها ما ذكره الباحث الدكتور حسين العمري في كتابه: (مصادر التراث اليمني في المتحف البريطاني). PageV01P027: (¬1) للمؤرخ اليمني الحسن بن أحمد الهمداني. تحقيق القاضي محمد بن علي الأكوع. PageV01P028: (¬1) المسند) يطلق على النصوص المكتوبة باللغة اليمنيه القديمة، وهو (القلم الحميري) راجع تاريخ آداب العرب للرافعي ج1 ص78. PageV01P032: (¬1) لم نعرف من هو المتوكل هذا؛ إذ ليس هناك أية إشارة يمكن الاعتماد عليها. (¬2) هكذا في الأصل حرصنا أن ننقله كما هو بكل مصطلحاته وأخطائه الإملائية. PageV01P037: (¬1) هذا الكلمة (حي) بفتح الحاء وتضعيف الياء، من مصطلحات اليمنيين في التعبير عن المتوفى وذلك بإضافتها إلى اسمه. كما هي هنا. (¬2) من مصطلحات الألقاب في اليمن، وتطلق (فخر الدين) على من اسمه عبدالله، ومثلها جمال الدين لعلي، وعماد الدين ليحيى...إلخ. (¬3) للعلامة ابن مفتاح على متن الأزهار للإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى. مطبوع في أربعة مجلدات. (¬4) للإمام أحمد بن يحيى سالف الذكر. مطبوع في ستة مجلدات. PageV01P046: (¬1) راجع كتاب تأريخ آداب العرب للرافعي ج1/100 وما بعدها. PageV01P051: (¬1) من أعمال يريم التابعة لمحافظة إب في اليمن ms417 وإليها ينتسب آل الذاري. PageV01P054: (¬1) سبقت الإشارة إلى أن عماد الدين لقب في اليمن يطلق على من اسمه يحيى. (¬2) يقصد الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد مؤسس دولة القاسميه في اليمن عام 1006ه. PageV01P059: (¬1) يقصد والده المهدي عبدالله المتوفى عام 1251ه. والمنصور بالله هنا هو: علي بن المهدي عبدالله. (¬2) إحدى حارات مدينة صنعاء القديمة ولا تزال معروفة بهذا الاسم إلى اليوم. PageV01P061: (¬1) هذا الفهرس طبعته وزارة الأوقاف عام 1984م في أربعة مجلدات. (¬2) فهرس الأوقاف (ج2) ص913 918. (¬3) من أشهر الباحثين في مخطوطات التراث اليمني وأكثرهم تفرغا للبحث، وعددا في البحوث والمخطوطات التي حققها وأخرجها؛ وإلماما بمحتويات المكتبة اليمنيه من المخطوطات. PageV01P063: (¬1) نسبة إلى منهج أصول الفقه في طرق الاستدلال. PageV01P067: (¬1) هذه الأسس مأخوذة من أصول المذهب الزيدي التي وضعها العلامة أحمد بن محمد الشرفي وألحقها العلامة الجنداري بمقدمته لشرح الأزهار ج1 ص46. PageV01P068: (¬1) هذا الأصل منسوب للمؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني، وهو أصل يغاير أصل المذهب في هذه المسألة؛ إذ ينص على أن (يقبل خبر العدل في الصحة وفي الفساد مع الشك). PageV01P069: (¬1) زيد بن علي الكلاري. ترجمته موجودة ضمن تراجم أعلام الكتاب. PageV01P072: (¬1) آخر باب التيمم. (¬2) جاء تاريخ انتهاء المؤلف من تأليف الكتاب، في العشر الوسطى من شهر ذي الحجة سنة 748ه. وتاريخ وفاته في العام التالي 749ه. (¬3) حصن هران) في مدينة (ذمار) التي تبعد 100كم جنوب صنعاء وقد أشار المؤلف في أثناء الكتاب وفي نهايته إلى حالة الحصار التي عاشها في الحصن المذكور. PageV01P073: (¬1) راجع ما كتبه د: أحمد محمود صبحي عن منهج المؤلف في كتابه (الزيديه في اليمن). PageV01P079: (¬1) المؤيد بالله وأبو طالب أحمد ويحيى ابنا الحسين الهاروني. PageV01P080: (¬1) في كتابه (الإمام يحيى بن حمزة وأراؤه الكلامية). PageV01P082: (¬1) راجع كتاب (الخصائص) للعلامة ابن جني، مطبوع في ثلاثة مجلدات. PageV01P085: (¬1) المسمى بالمجموع الفقهي، من حيث أنه تضمن آراء الإمام زيد وتمييزا له عن المجموع الحديثي، وإلا فإنه من كتب الحديث. (¬2) مثل أمالي الإمام أحمد بن عيسى بن زيد، وأمالي أبي طالب، وأمالي المرشد بالله وغيرها. والأمالي لغة: جمع أملية أو إملاءة، ms418 وهي: ما يمليه الشيخ على تلامذته، ثم يجمعه في كتاب. PageV01P086: (¬1) وهذا الكتاب خير مثال، ففيه آلاف الأحاديث من السنة النبويه المطهرة. PageV01P088: (¬1) لمذهبه. PageV01P090: (¬1) أصول المذهب، مقدمة شرح الأزهار ص46. PageV01P092: (¬1) ص185 الطبعة الثانية. PageV01P093: (¬1) المشجرات في اليمن تطلق على تسلسل أنساب الأسر التي تصمم على شكل شجرة تبدأ بالجد الأعلى من الجذع ثم من يليه في شكل فروع وأغصان الشجرة. ومن هنا سميت: مشجرات. (¬2) محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة 1250ه. وكتابه (البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع) طبع في مجلدين عام 1348ه، وطبع عام 1990م. (¬3) طبع في مجلد واحد. (¬4) الزيديه في اليمن) صدر في عدة طبعات أولاها سنة 1984م. PageV01P094: (¬1) ج2/331 (¬2) ومدينة ذمار من أشهر مدارس الزيديه في اليمن. (¬3) غاية الأماني ج2 ص511. (¬4) نفس المصدر. (¬5) نفس المصدر. (¬6) الهادي بن إبراهيم بن علي الوزير المتوفى سنة 822ه. (¬7) التحف شرح الزلف) ص185 الطبعة الثانية. (¬8) ص176 الطبعة الأولى. PageV01P095: (¬1) المصدر السابق. (¬2) المصدر السابق. (¬3) مصادر الفكر الإسلامي في اليمن) ص564 570. (¬4) نفس المصدر. PageV01P097: (¬1) نفس المصدر. (¬2) راجع كتاب الدكتور صبحي (الإمام يحيى وآراؤه الكلامية). (¬3) نفس المصدر. PageV01P103: (¬1) فراغ في الأصل PageV01P127: (¬1) أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي. (¬2) كتاب (العمدة) في الفقه، ستة مجلدات كما جاء في مصادر الحبشي عن (أئمة اليمن) للعلامة زبارة. PageV01P130: (¬1) في الأصل: فهذه. (¬2) الأشعرية: أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، المتوفى سنة 324ه. (راجع الملل والنحل للشهرستاني ج1/94). (¬3) أبو المعالي، عبدالملك بن عبدالله الجويني الأشعري، المعروف بإمام الحرمين، شيخ الأشعرية ومتكلمهم، ولم يكن أشعريا؛ لأنه يقول: فعل العبد بقدرة العبد مستقلة ولا كسب. له مصنفات مشهورة في الأصولين: (البرهان)، و(الورقات) و(المنتخب). وكان له عدد كبير من الطلبة. ا.ه مقدمة الأزهار. (¬4) أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي الأشعري الطوسي(450 - 505ه). ولد في طوس سنة450ه، قرأ على الجويني بطوس حتى توفي الجويني، فانتقل إلى العراق. وله مؤلفات مشهورة منها: (إحياء علوم الدين) و(المستصفى) و(المنتخب) وغيرها، وكان أشعري المذهب ثم انتقل إلى مذهب الزيدية، وصح رجوعه برواية الشيخ محيي الدين الجيلاني، ومثله قال الإمام الشرفي، ويشهد بذلك ms419 كتابه (سر العالمين)، واشتغل آخر عمره بالزهد والعبادة. وتوفي في جمادى الآخرة سنة 505ه. (مقدمة الأزهار - طبقات الشافعية - تهذيب التهذيب). (¬5) هو فخر الدين محمد بن عمر الرازي، أحد العلماء الذين جمعوا بين علمي الأصول والفروع والفلسفة، وله أكثر من ثلاثين مؤلفا، توفي بمدينة هراة (بإيران) سنة 606ه. (¬6) في الأصل: بما. PageV01P131: (¬1) في الأصل: واراه. (¬2) أبو هاشم، عبدالسلام بن محمد بن سلام (مخففا) بن خالد بن أبان بن حمران الجبائي المعتزلي. قال ابن خلكان: هو الإمام في مذهب الاعتزال، المتكلم ابن المتكلم العالم ابن العالم. ولادته سنة246ه، وتوفي يوم الأربعاء اثنتي عشرة بقيت من شعبان سنة321ه، ببغداد ودفن في مغار البستان، وهو من أشهر علماء المعتزلة ومتكلميهم. (مقدمة الأزهار، وفيات الأعيان). ويلحظ المطلع أن تاريخ مولد أبيه هو في العام (235 ه) أي الفارق بين الأب والابن في الميلاد هو: 11 أو 12 سنة فقط، وهذا مثار شك في صحة التاريخ لميلاد أحدهما أو كليهما، إلا أن المراجع التي استندنا إليها أكدت هذا. (¬3) أبو الحسين، محمد بن علي الطيب البصري المعتزلي. قال الإمام يحيى بن حمزة: هو الرجل فيهم. وقال ابن خلكان: كان جيد الكلام، مليح العبارة، غزير المادة، إمام وقته، وله التصانيف الفائقة، منها (المعتمد) في أصول الفقه، ومنه أخذ الرازي كتاب (المحصول)، وله (تصفح الأدلة) في مجلدين و(غرر الأدلة) في مجلد كبير و(شرح الأصول) وكتاب في الإمامة، وله مذهب في علم الكلام منفرد عن البهشمية (أتباع أبي هاشم الجبائي).وله كتاب(الانتصار) في الرد على ابن الراوندي. توفي يوم الثلاثاء خامس شهر ربيع الآخرة سنة 437ه ببغداد (مقدمة الأزهار). (¬4) أبو محمد، محمود بن محمد بن العباس بن رسلان الخوارزمي. أحد علماء المعتزلة، وأعلام علم الكلام. قال في (طبقات الشافعية) عنه: إنه مهر في الأصول، وصار فريد الزمان في انتزاع البرهان من الأصول العقلية والقرآن. ولد بخوارزم في رمضان سنة 492ه، له كتاب (الكافي). توفي في صفر سنة 503ه عن أربعين سنة .ا.ه ملخصا من (طبقات الشافعية ج2/351). PageV01P132: (¬1) في الأصل: الظلم. (¬2) سميت بالمعتزلة؛ ms420 لاعتزال واصل بن عطاء لحلقة الحسن البصري عند الخلاف في الحكم على مرتكب الكبيرة، أمؤمن أم كافر! كما جاء في سؤال أحد الداخلين إلى المسجد على الحسن البصري، وقبل أن يجيب قال واصل: إن صاحب الكبيرة ليس مؤمنا ولا كافرا ولكنه في منزلة بين منزلتين، ثم قام واعتزل الحسن إلى إحدى اسطوانات المسجد فقال الحسن: اعتزلنا واصل، فسمي وأصحابه بالمعتزلة. وأبرز ما يميزهم: قولهم باختيار الإنسان في أفعاله. (¬3) السلوب هنا، ربما قصد المؤلف بها جمع سلب، وهي بمعنى سالبة، أي نقيض: موجبة. PageV01P133: (¬1) المجبرة أو الجبرية: نسبة إلى القول بالجبر، وهو نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الله تعالى. والجبرية أصناف: فالجبرية الخالصة هي القائلة بهذا، والمتوسطة التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة، والجبرية التي تثبت للقدرة الحادثة أثرا في الفعل وتسميه كسبا، وهي الأشعرية. راجع (الملل والنحل) للشهرستاني ج1/85. PageV01P134: (¬1) أبو عبدالله، أحد معتزلة بغداد، وكان في بداية أمره بصريا إلا أن كراهته لأبي هاشم جعلته يرحل إلى بغداد. وقال القاضي عبدالجبار: وله الكثير من التصانيف في علم الكلام، والصيمري في الطبقة التاسعة من طبقات المعتزلة. (¬2) المرجئة: قال الشهرستاني: وقيل: الإرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يقضى عليه بحكم ما في الدنيا من كونه من أهل الجنة أو من أهل النار. ا.ه (الملل والنحل ج1/139). PageV01P135: (¬1) أبو بكر، محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم الباقلاني، متكلم الأشعرية. توفي سنة (403ه). شذرات الذهب. ج3/16، الفلك 217 هامش، ألف أكثر من خمسين كتابا في الفقه وأصول الأشعرية والدفاع عنها والرد على المذاهب الأخرى. منها (التمهيد) و(الأصول الكبيرة) و(هداية المسترشدين) وكتابه المعروف (إعجاز القرآن). PageV01P138: (¬1) أبو علي الحسن بن القاسم الطبري، يعرف بصاحب (الإفصاح) وهو شرح على (المختصر). وله مصنفات في الأصول ومسائل الخلاف والجدل. مات سنة خمسين وثلاثمائة للهجرة. ويعد من فقهاء بغداد كونه تفقه بها. ومن فقهاء طبرستان التي ينسب إليها. (طبقات الشافعية، وطبقات الفقهاء). (¬2) يعني: الرأي لاصاحبه. (¬3) هكذا في الأصل بدون الواو قبل {أقيموا} ولم نجدها ms421 في القرآن الكريم مجردة من الواو. PageV01P139: (¬1) في الأصل: فأما ما. (¬2) سيأتي في محله في كتاب الزكاة. (¬3) سيأتي في محله. (¬4) سيأتي في محله. (¬5) فضخت: قال في اللسان: الفضخ: كسر كل شيء أجوف نحو الرأس والبطيخ.. وانفضخ الدلو: إذا دفق ما فيه من الماء ج3/45 - 46. PageV01P140: (¬1) على الرسول . (¬2) قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي الساعدي صاحب رسول الله وابن صاحبه، سيد وأمير وقائد ووال وعاقل كريم. كان صاحب لواء النبي في بعض مغازيه. شهد فتح مصر، ووليها لعلي، ثم لزم عليا حتى استشهد فبايع الحسن بن علي، ثم رجع بعد الصلح إلى وطنه، ومات في آخر حكم معاوية على الأصح. (در السحابة 664). PageV01P141: (¬1) وهي قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم}. (¬2) الآية: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}. والخبر: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي)). (¬3) ولكن الدلالة في مفهومهما. PageV01P143: (¬1) تمام الآية: {فكان كل فرق كالطود العظيم} وأول الآية: {فأوحينا إلى موسى أن...}. (¬2) تمام الآية: {التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون}. (¬3) هذه الكلمة استبدلنا بها كلمة جاءت في الأصل غير مفهومة، ولكن معناها هو: (غير تام) كما يفهم من السياق. (¬4) هو النعمان بن ثابت التيمي الكوفي فقيه العراق وزعيم أهل الرأي، اشتهر بكنيته. قال عنه ابن المبارك مقولته المشهورة: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة. وقال عنه مالك: رأيت أبا حنيفة لوكلم في سارية من سواري المسجد أنها من ذهب لقام بحجته. وله مناقب كثيرة أفردها الذهبي في جزء خاص. وهو من أوائل من وضعوا أسس الفقه واشتهر مذهبه بالاحتجاج والرأي. ومن أشهر مؤلفاته: مسنده في الحديث. كان زاهدا في سلوكه يتكسب ولا يقبل جوائز السلطان، وقد أبى أن يتولى القضاء فضربه يزيد بن عمر بن هبيرة وسجنه. التقاه الإمام زيد بن علي وقرأ عليه بعضا من مسائله الفقهية ونسب إليه قوله: قرأ علي ms422 زيد فاستفدت منه أكثر مما استفاد مني. وعند خروج زيد وإعلانه الدعوة والثورة أيده أبو حنيفة، وعضده وظل يفتي الناس بالخروج مع زيد. وتلتقي الزيدية والحنفية في الفقه في كثير من مسائله الأصولية وفي الفروع، حتى قال الباحثون: الزيدية أحناف في الفقه. كما تلتقي الفرقتان في كثير من مسائل علم الكلام (أصول الدين) حتى اشتهرت في المدرسة الزيدية مقولة: أكثر علماء المعتزلة أحناف. توفي سنة 150ه. (مقدمة الأزهار، مقدمة البحر، المحقق). PageV01P144: (¬1) أبو عبدالله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن يزيد بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي المكي نزيل مصر. شهرته معروفة بلغت الآفاق علما وفقها واجتهادا ورواية ورأيا. وعرف الإمام الشافعي بالبحث المستمر، وهذا واحد من أسباب شهرته بتعدد الأقوال في المسألة الواحدة، تتلمذ على مالك وحفظ كتابه الموطأ، وبلغ درجة من العلم وهو صبي، وأفتى وهو ابن 15سنة. ويعتبر من الرواد في تقعيد أصول الفقه، وكان واحدا من دعاة الإمام يحيى بن عبدالله بن الحسن المثنى، وقد امتحن بسبب ذلك. ولد عام 150ه ليلة اليوم الذي توفي فيه أبو حنيفة، بمدينة غزة. وتوفي يوم الجمعة آخر شهر رجب سنة 204ه بمصر ودفن بالقرافة الصغرى. (مقدمة الأزهار، تهذيب التهذيب). PageV01P145: (¬1) أبو الحسن عبدالله بن الحسن الكرخي من أعلام فقهاء الحنفية، وإليه انتهت رئاسة العلم في أصحاب أبي حنيفة، وعنه أخذ أبو بكر الرازي وأبو عبدالله البصري، وأبو القاسم التنوخي وغيرهم. (طبقات الشافعية، طبقات الحنفية). (¬2) ومعناه ملخصا: لما وجب الصيام في الاعتكاف بالنذر وجب بغير نذر، كالصلاة، فإنها لما لم تجب فيه بالنذر لم تجب بغير النذر. ا.ه كافل لقمان. ص 89. PageV01P147: (¬1) ينسبون إلى الإمام الشهيد زيد بن علي بن الحسين لاتفاقهم معه في الإمامة والخروج على الظلمة. وهذا المذهب موجود في اليمن ويعرف أتباعه بالاعتدال والتوسط والتزام النص والعقل وحرية الاجتهاد والابتعاد عن التعصب، وهم عدلية في الأصول. راجع طبقات الزيدية للإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، والزيدية في اليمن للدكتور أحمد محمود ms423 صبحي. PageV01P151: (¬1) كثيرا ما تأتي (لئلا) مفكوكة في طريقة قدماء النساخ. وكما جاءت في أصل هذا الكتاب، مفكوكة هنا (لأن لا). والصواب الإدغام كما جاءت في قاعدة المصحف. (¬2) أبو عبدالله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عمرو بن الحارث بن عثمان بن حثيل بن عمرو بن الحارث الأصبحي الحميري المدني الفقيه، أحد أعلام الإسلام إمام دار الهجرة. روى عن جعفر الصادق، ونافع والزهري وآخرين. وروى عنه ابن جريج وشعبة والثوري وغيرهم كثيرون. روي عن الشافعي: مالك حجة الله على خلقه. وقال أبو حاتم: ما ضعفه أحد. كان عالما. قيل عنه المقولة المشهورة: لا يفتى ومالك في المدينة. وكان شديد التمسك بآرائه. ضرب 170سوطا؛ لأنه لا يجيز بيعة الظلمة، وبعدها لزم بيته 20سنة، توفي صبيحة الرابع عشر من ربيع الأول سنة 179ه عن 70سنة. روى له الأئمة والجماعة، وله كتاب (الموطأ) في الحديث. (مقدمة الأزهار - تهذيب التهذيب). (¬3) أبو عبدالله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني بالولاء الفقيه الحنفي صاحب المؤلفات الكثيرة. أصله من قرية بغوطة دمشق. ولد بواسط سنة 135ه، ونشأ بالكوفة، وحضر مجلس أبي حنيفة لعدة سنين، ثم تفقه على أبي يوسف. ومن مصنفاته (الجامع الكبير والصغير). وجمع موطأ مالك، عده المنصور بالله من رجال العدلية، قال: وهو الذي غضب لله في أمر يحيى بن عبدالله لما أراد الرشيد أن ينقض أمانه، فقال: هذا لا ينقض ومن نقضه فعليه لعنة الله، فرماه الرشيد بالدواة فشجه. وكان يقول: أنا على مذهب زيد بن علي مهما أمنت على نفسي فإن خفت فإني على مذهب أبي حنيفة. توفي بالري سنة 189ه في اليوم الذي مات فيه الكسائي، فكان يقول الرشيد: دفن الفقه والعربية في يوم واحد. (مقدمة الأزهار). (¬4) قاضي القضاة عبدالجبار بن أحمد بن عبدالجبار أبو الحسن الأستراباذي، شافعي المذهب، وهو مع ذلك شيخ الاعتزال، ولي قضاء الري حتى وفاته، له مصنفات كثيرة في علم الكلام وأصول الفقه. قال ابن كثير في طبقاته: ومن أجل مصنفاته (دلائل النبوة) في مجلدين، مات في ذي ms424 القعدة سنة 415ه.. (طبقات الشافعية ج1/187). (¬5) أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم التميمي الحنظلي المروزي الإمام الحافظ عالم نيسابور. قال عنه أحمد: لا أعلم لإسحاق في العراق نظيرا، وقال أبو داود: أملى علينا إسحاق من حفظه أحد عشر ألف حديث، ثم قرأها علينا فما زاد حرفا ولا نقص حرفا. ولد سنة 166ه، وقيل: سنة 161ه، ومات ليلة نصف شعبان سنة 238ه. روى عنه أحمد وابن معين والستة سوى ابن ماجة. (¬6) محمد بن عبدالوهاب بن سلام بن خالد بن حمزة أبو علي المشهور في علم الكلام، أخذ العلم عن أبي يوسف يعقوب بن عبدالله الشحام البصري. وابنه أبي هاشم. قال الحاكم: هو الذي سهل علم الكلام وذلله. وله مؤلفات كثيرة منها: شرح على مسند ابن أبي شيبة. وتفسير القرآن في مائة جزء، وقيل: جملة مصنفاته مائة ألف وخمسين ألف ورقة، الورقة نصف كراس، وله مناظرات طويلة في الرد على الفلاسفة والملاحدة وتقرير العدل والتوحيد. ولد سنة 235ه، وتوفي في شعبان سنة 302ه، والجبائي نسبة إلى مدينة جبى في خوزستان. (مقدمة الأزهار). (¬7) أبو الهذيل محمد بن الهذيل بن عبدالله بن مكحول البغدادي العلاف شيخ البصرة من أشهر علماء المعتزلة، سمي بالعلاف لقرب داره من سوق العلف بالبصرة. ولد سنة 131ه، أخذ علم الكلام عن عثمان الطويل، عن واصل، وروى الحديث عن محمد بن طلحة، وأخذ عنه علم الكلام أبو يعقوب الشحام. قال ابن خلكان: له مجالس ومناظرات وهو من موالي عبدالقيس، حسن الجدل، قوي الحجة، كثير الاستعمال للأدلة الإلزامية، قال الحاكم: أسلم على يديه سبعة آلاف نفس. توفي بسر من رأى سنة 235ه. (مقدمة الأزهار - وفيات الأعيان). PageV01P154: (¬1) الشوف هو: الجلو والنظر والتطلع، كما لخصناه من اللسان. وهو هنا، بمعنى: النظر والاختيار. PageV01P159: (¬1) المؤيد بالله أحمد بن الحسين بن هارون بن محمد الحسني الآملي الإمام المؤيد بالله وهو المعني بهذا اللقب عند أن يطلق، يوصف بأنه بحر العلوم وهو إمام علم الكلام وإمام أئمة الفقه، روى عن أبي العباس، وقاضي القضاة، وروى عنه السيد مانكديم، ms425 والقاضي يوسف وغيرهما، من مؤلفاته: (شرح التجريد) من أبرز المراجع، وله كتب أخرى منها: (الإفادة) (وهو غير كتاب الإفادة في التاريخ لأخيه السيد أبي طالب) و(الزيادات) و(التفريعات) و(إعجاز القرآن) في الكلام و(الأمالي الصغرى). ولد بآمل طبرستان 333ه، وبويع له بالخلافة سنة 380ه. وتوفي يوم عرفة 411ه.. (¬2) الظاهر من رأي أئمة وعلماء الزيدية، تحريم بيع أمهات الأولاد، وقد روي إجماعهم على تحريمه في (البحر) عن الإمام يحيى بن حمزة (المؤلف). وجاء ما نصه: فصل. ويحرم بيع الأمة دون ولدها والعكس. إذ يحرم التفريق بينهما في الملك (ي) إجماعا، حتى يستغني بنفسه.ا.ه. ص 317. وجاء في هامش (البحر) ما نصه: ... وعن علي عليه السلام أنه قال: وهب لي رسول الله غلامين أخوين، فبعت أحدهما، فقال لي رسول الله : ((ما صنع غلاماك))؟ فأخبرته. فقال: ((رده، رده)) أخرجه الترمذي. ا.ه. وعن علي عليه السلام أنه فرق بين والدة وولدها، فنهاه رسول الله عن ذلك ورد البيع، أخرجه أبو داود.ا.ه 318. وهذا كما تراه يناقض ما أورده المؤلف هنا من رأي الإمام علي بجواز بيع أمهات الأولاد، ولعله أورده للتمثيل فقط. (¬3) لدى صاحبه. PageV01P160: (¬1) يعني إجراء الحكم طردا مع العلة. PageV01P161: (¬1) الإمام القاسم بن إبراهيم بن اسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أبو محمد ترجمان الدين. ولد سنة 170ه، وروى عن أبيه وآخرين. وكان إمام زمانه ومن رواد تقعيد المسائل الفقهية ومن أوائل الدعاة إلى الاعتماد على العقل في استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها، روى عنه أولاده محمد والحسن والحسين وداود، وكذا محمد بن منصور وجعفر النيروسي وغيرهم. قال في الطبقات: كان مبرزا في أصناف العلوم و(بارعا) في تصنيفها.. وكان عالما مجتهدا دقيقا في انتزاع الأحكام وترتيب الأخبار ومعرفة الرواة والمذاهب والآراء، وبارعا في الكلام واستخلاص حقائقه وإبراز نتائجه. بويع بالإمامة سنة 220ه.، في بيت محمد بن منصور، وكان ممن بايعه أحمد بن عيسى بن زيد، وعبدالله بن موسى، والحسن بن يحيى فقيه الكوفة، ثم سكن جبل الرس شمال المدينة. اعتمد حفيده الهادي ms426 يحيى بن الحسين على الكثير من تراث القاسم الفكري في الاجتهاد والرأي والرواية، وهذا واضح في الجامعين (الأحكام والمنتخب)، لحق القاسم بربه عام 244ه في الرس. (مقدمتا الأزهار والبحر والطبقات). PageV01P162: (¬1) الناصر: الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين السبط، أبو محمد الإمام الناصر (الكبير) المعروف بالأطروش. ولد سنة230ه، وإليه تنسب الناصرية. كان عالما ورعا شجاعا، وكان جامعا لعلم القرآن والكلام والفقه والحديث والأدب والأخبار واللغة جيد الشعر، أسلم على يديه خلق كثير. توفي في شعبان سنة 304ه. (¬2) اليحيوية: أتباع مذهب الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم، أول أئمة الزيدية باليمن ومؤسس مذهبها، خرج إلى اليمن بدعوة من زعمائها عام 283ه، وكان بالرس من أعمال المدينة المنورة وبايعه الناس على الجهاد في سبيل الله وإحياء علوم وأحكام الشريعة، وتمركز بمدينة صعدة ويسمى إمام الأئمة، وهو أشهر أئمة اليمن بدون استثناء قضى حياته في الجهاد والعلم والتعليم، وله مؤلفات أشهرها (الأحكام) و(المنتخب والفنون) مطبوع. ترجم له كل المؤرخين ومؤلفي السير. وحياته ملخصة في كتاب (سيرة الهادي) توفي عام 298ه، وقبره مشهور مزور بمسجده بصعدة. (¬3) هو يحيى بن الحسين بن هارون، أبو طالب، الناطق بالحق أخو المؤيد بالله، له مؤلفات من أشهرها: (التحرير) في الفقه، وله تخريجات على مذهب الهادي، وكان يرى أن مالم يوجد فيه نص للهادي فمذهبه فيه كأبي حنيفة، وله (المجزي) في أصول الفقه، وفي علم الكلام (الدعامة في الإمامة)، وكتاب (الأمالي) المشهور بأمالي أبي طالب، مولده حوالي سنة 340ه . بويع له بعد موت أخيه المؤيد بالله سنة 411ه، وتوفي بآمل بطبرستان سنة 424ه (مقدمتي البحر، والأزهار). (¬4) أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن علي بن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. عالم، زاهد، ورع، قال عنه المنصور بالله عبدالله بن حمزة: هو الفقيه المناضل المحيط بألفاظ العترة أجمع غير منازع، حدث عن أبي زيد عيسى بن محمد العلوي، وعبدالرحمن ms427 بن أبي حامد ويحيى بن محمد بن الهادي، وعليه سمع كتابي الهادي (الإحكام والمنتخب) في الفقه، ومنه اتصل إسناد أهل اليمن، وروى عنه الأخوان (المؤيد بالله وأبو طالب) جميع كتب الزيدية، وله مؤلفات منها: (شرح الأحكام) و(شرح الإبانة) و(المصابيح)، وكان إماميا ثم رجع إلى مذهب الزيدية، وقيل: لم يرجع. توفي سنة 353ه. (¬5) أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الكوفي صاحب أبي حنيفة، قاضي القضاة وهو أول من دعي بهذا اللقب، تفقه على يد أبي حنيفة، قال عنه المزني: أبو يوسف اتبع القوم للحديث. وقال يحيى بن معين: كان أبو يوسف يصلي بعدما ولي القضاء في كل يوم مائة ركعة، وقال: ليس في أصحاب الرأي أكثر حديثا ولا أثبت من أبي يوسف. توفي في بغداد في ربيع الآخر سنة 182ه. (مقدمتي البحر والأزهار). PageV01P163: (¬1) زياد بن أبي زياد الجصاص الواسطي أبو محمد بصري الأصل. محدث مجمع على ضعفه، روى عن الحسن ومعاوية بن قرة. وعنه: هشيم ومحمد بن يزيد وعبدالوهاب الحفاف. قال عنه يحيى بن معين: ليس بشيء وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وتركه النسائي والدار قطني. ا.ه. د. حسين العمري: تراجم، در السحابة للشوكاني. (¬2) الطحاوي أحمد بن محمد بن سلامه الطحاوي الأزدي أبو جعفر، صاحب التصانيف البديعة، كان شافعيا، تفقه على المزني، وانتقل إلى جعفر بن عمران. وانتهت إليه رئاسة الحنفية. وكان ثقة وثبتا وفقيها عاقلا كما وصفه ابن يونس، توفي في مستهل القعدة سنة 321ه. (¬3) يعني: أبا حنيفة. (¬4) يوسف بن يحيى القرشي أبو يعقوب البويطي المصري، قال في طبقات الشافعية: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من أبي يعقوب، وليس أحد من أصحابي أعلم منه. ا.ه . أبى أن يقول بخلق القرآن فسجن وقيد حتى مات سنة 231ه ببغداد. ا.ه . ط. ش. ج1/71 . ط. الشيرازي ص109. (¬5) أبو حفص حرملة بن يحيى بن عبدالله بن حرملة بن عمران التجيببي، أحد الحفاظ المشاهير من أصحاب الشافعي وكبار رواة مذهبه الجديد. قال الشيرازي: كان حافظا للحديث وصنف (المبسوط) و(المختصر)، ولد سنة 166ه، ومات في شوال ms428 سنة ثلاث وقيل: أربع وأربعين ومأتين. والتجيبي: نسبة إلى تجيب بتاء مثناة من أعلى مضمومة وقيل: مفتوحة، ثم جيم مكسورة بعدها مثناة من تحت ثم باء موحدة: وهي قبيلة نزلت مصر. (طبقات الشافعية، طبقات الفقهاء). (¬6) أبو علي الحسين بن علي بن يزيد البغدادي الكرابيسي، كان جامعا بين الحديث والفقه، سمي بالكرابيسي؛ لأنه كان يبيع الكرابيس وهي الثياب الخام (الأقمشة). مات سنة 245ه. (طبقات الفقهاء 191، طبقات الشافعية ج1/63). (¬7) إسماعيل بن يحيى المزني الشافعي أبو إبراهيم البصري، أخذ عن الشافعي وأخذ عنه الطحاوي. كان فقيها عالما، وله مؤلفات كثيرة، ومذهب مستقل، وهو أكبر أصحاب الشافعي، خرج له المرشد بالله، وهو منسوب إلى مزينة. توفي في رمضان سنة264ه. (¬8) مخرجون بالتضعيف من خرج، وهو تخريج الرأي ونسبته إلى صاحبه من مجمل نصوصه. (¬9) أبو بكر محمد بن أحمد بن جعفر الكناني المصري المشهور بابن الحداد، قال عنه صاحب طبقات الشافعية: كان إماما مدققا في العلوم سيما في الفقه، وكان كثير العبادة يصوم يوما ويفطر يوما، ويختم القرآن في كل يوم وليلة، صنف كتاب (الباهر) في الفقه في مائة جزء، وكتاب (الفروع المولدات). مات بمصر لأربع بقين من المحرم سنة أربع وأربعين وثلاثمائة. عن تسع وسبعين سنة، ودفن في سفح جبل المقطم عند أبويه. (طبقات الشافعية). (¬10) أبو نصر عبد السيد بن محمد البغدادي المعروف بابن الصباغ الشافعي، برع في علوم الفقه والحديث حتى اشتهر، وهو ثقة حجة، من مصنفاته كتاب (الشامل)، وهو من أجود وأشهر كتب الشافعية، كف بصره في آخر عمره، وتوفي ببغداد سنة477ه. (¬11) كتاب حديثي فقهي مطبوع في خمسة مجلدات. (¬12) كتاب (الموطأ): مسند مالك، مطبوع في مجلد واحد. (¬13) في الأصل: (لا نقول). PageV01P166: (¬1) في الأصل: (الآخر). (¬2) إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الإمام ركن الدين أبو إسحاق الإسفرائيني المتكلم، الأصولي، الفقيه، شيخ أهل خراسان، له مصنفات كثيرة منها: (جامع الحلي) في أصول الدين خمسة مجلدات، وله مؤلفات أخرى. توفي يوم عاشوراء سنة 418ه. ا.ه ملخصا من طبقات الشافعية برقم 131. (¬3) هو إبراهيم بن علي بن ms429 يوسف، يكنى بأبي إسحاق، ولقبه جمال الدين، ولد سنة 393ه في بلدة فيروز آباد بالقرب من شيراز، وهو من أعلام فقهاء الشافعية، درس في شيراز والبصرة وبغداد حتى برع في علوم الفقه والحديث، وتتلمذ عليه كثيرون من أعيان المذهب الذين تجاوز عددهم أربعين فقيها. من مؤلفاته: (المهذب) في الفروع، و(التنبيه) في الفقه، و(اللمع) وشرحه في أصول الفقه، و(طبقات الفقهاء) في التراجم، توفي سنة 476ه. (ملخصا من طبقات الفقهاء). PageV01P168: (¬1) إبراهيم بن عياش البصري النصيبي المعتزلي (أبو إسحاق) من علماء المعتزلة، قال في (المنية والأمل): كان من الورع والزهد والعلم على حد عظيم وهو من الطبقة العاشرة من المعتزلة، وله كتاب في إمامة الحسنين وكتب أخرى . ا.ه (مقدمة الأزهار). (¬2) صوابه عبيدالله، من تميم، قاض من الفقهاء العلماء بالحديث وهو من البصرة ولي قضاءها وعزل سنة 166ه، وتوفي في هذه السنة. الأعلام 4/192. (¬3) من الأشعرية والإسماعيلية. PageV01P169: (¬1) جعفر بن حرب الهمداني المعتزلي من معتزلة بغداد. قال المتوكل على الله (أحمد بن سليمان): هو من شيعة المعتزلة المفضلين لعلي عليه السلام. ونقل السيد أبو طالب في (الإفادة): إن جعفرا دخل على القاسم بن إبراهيم فجاراه في دقيق الكلام ولطيفه، فلما خرج من عنده قال: أين يتاه بأصحابنا عن هذا الرجل؟ والله ما رأيت مثله. وله مصنفات كثيرة منها: كتاب (الإيضاح) و(نصيحة العامة). توفي سنة 237ه. (¬2) جعفر بن مبشر الثقفي المعتزلي البغدادي، عده المتوكل على الله من شيعة المعتزلة. قال في مقدمة الأزهار: وليس للجعفرين رواية في الحديث ولا ترجمة، وإنما شهرتهما في علم الكلام. توفي سنة 234 ه. (¬3) هو الزبير بن أحمد بن سليمان بن عبدالله بن عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام الأسدي أحد أئمة الشافعية. قال في طبقات الشافعية: كان أعمى، وله مصنفات كثيرة منها: (الكافي) مات قبل سنة 320ه، وأرخ الذهبي وفاته سنة 317ه. ا.ه (طبقات الشافعية ج1/94، وترجم له الشيرازي في طبقاته وابن خلكان في وفيات الأعيان، وغيرهما). PageV01P171: (¬1) أخرج نحوه الترمذي عن أنس مرفوعا: ((ما من عام إلا والذي بعده ms430 شر منه حتى تلقوا ربكم)). PageV01P173: (¬1) وكذا تفيد (إنما) في مصطلح النحاة الحصر والقصر، وهذا ظاهر ما أراده المؤلف من قوله: (لأنها في معنى النفي والإثبات) وكأنه قال: لا يريد الله بهذا إلا ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. (¬2) لم نضع أية ترجمة أو تعريف لأهل الكساء، لكونهم أشهر وأظهر من كل ترجمة أو تعريف. (¬3) هذا من الأحاديث المشهورة والمتواترة. روته أم سلمه (رضي الله عنها) قالت: لما نزلت الآية: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت}.. الآية، دعا النبي فاطمة وعليا والحسن والحسين، فجللهم بكساء وقال: ((اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا)). أخرجه كل أصحاب السنن والصحاح وعامة المحدثين. PageV01P174: (¬1) جاء في (الفلك الدوار) للسيد صارم الدين في تخريج المحقق محمد يحيى سالم عزان لهذا الحديث: أنه روي بألفاظ مختلفة. فممن أخرجه وفيه لفظة (العترة): الإمام زيد بن علي، والإمام علي بن موسى الرضى، والدولابي، والبزار، عن علي عليه السلام. وأخرجه مسلم، والترمذي، وابن خزيمه، والطحاوي، وابن أبي شيبة، وابن عساكر، وغيرهم كثيرون حرصنا على تجاوز المصادر وعدم الاسترسال في ذكر رواة الحديث ومؤلفاتهم التي أوردها المحقق في هذا الكتاب تجنبا للإطالة. راجع (الفلك الدوار ص9). (¬2) أخرجه أحمد بن حنبل، عن علي وعمار، وأخرج معناه الطبراني، والحاكم، ورواه الهادي، والرضي، وأبو طالب، والمرشد بالله، وغيرهم من أئمة وعلماء أهل البيت. قال في (لوامع الأنوار): ورواه صاحب (جواهر العقدين) عن سلمه بن الأكوع، وقال: أخرجه: مسدد، وابن أبي شيبة، وأبو يعلى، والطبري، في (ذخائر العقبى) عن سلمه أيضا، وصاحب الجواهر أيضا عن أنس قال: قال رسول الله ... الحديث ا.ه ملخصا (لوامع ج1/65 للعلامة مجدالدين المؤيدي). (¬3) أخرجه الإمام الهادي في الأحكام والإمام أبو طالب في (الأمالي) والإمام المرشد بالله في (الأمالي الخميسية) وابن المغازلي في (المناقب) والحموئي في (فرائد السمطين) والطبراني في الكبير والحاكم في (المستدرك) عن أبي ذر الغفاري. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه. وأخرجه أبو نعيم في الحلية .ا.ه ملخصا من ms431 الفلك الدوار ص10. (¬4) أورد في (لوامع الأنوار): ما روي في (الشافي)، عن علي عليه السلام، عن الرسول : ((مثل أهل بيتي مثل النجوم كلما مر نجم طلع نجم)). وهو مروي في عدة مصادر باختلاف قليل في اللفظ. قال: وفي (الأمالي): عن نصر بن مزاحم قال: سمعت شعبة يقول: قال رسول الله : ((مثل أهل بيتي..)).. الحديث. (¬5) أخرجه الترمذي والحاكم وقال: صحيح الإسناد عن ابن عباس. ا.ه. (در السحابة 276، تحفة ج10/292، المستدرك ج2/150). (¬6) أخرجه الهادي في الأحكام. PageV01P175: (¬1) أخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد وهو الحديث الثامن عشر من الأربعين والخامس والعشرون من الأربعين للنبهاني ص216. (المراجعات 44). (¬2) أورده في (الاعتصام) وفي (أمالي أبي طالب) بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: حدثتني أم سلمة (رضي الله عنها): أن النبي قال لفاطمة (عليها السلام): ((ائتيني بزوجك وابنيك)). قال: فجاءت بهم فألقى عليهم كساء فدكيا ثم قال: ((اللهم إن هؤلاء آل محمد فاجعل شرائف صلواتك..)).. الحديث. (¬3) أخرجه الناصر في البساط وابن المغازلي في (المناقب) ومحمد بن محمد بن الأشعث الكوفي في الأشعثيات. (¬4) أخرجه الحاكم في (المستدرك) ج4/352، والهيثمي في (مجمع الزوائد) ج7/296. (¬5) أخرجه الملا والطبري عن أنس، وأخرجه الديلمي .ا.ه ج1/73 لوامع. (¬6) وروى نحوه محمد بن سليمان الكوفي في (المناقب) عن أبي سعيد الخدري بلفظ: ((احفظوني في قرابتي)). (¬7) في الأصل ولا قتل. وهو خطأ من الناسخ. (¬8) رواه أحمد في مسنده ج3/153، 247، وفي (مجمع الزوائد) ج10/366. PageV01P176: (¬1) أخرجه أبو طالب في الأمالي، وعلي بن موسى الرضى. (¬2) رواه المنصور بالله عبدالله بن حمزة، بسنده إلى الإمام المرشد بالله، بسنده إلى أبي سعيد الخدري، وأخرجه الطبراني في الكبير والأوسط، وأبو الشيخ في الثواب وأبو نعيم عن أبي سعيد. أفاده في تفريج الكروب. ا.ه ج1/73 لوامع. (¬3) أخرجه الإمام علي الرضا في الصحيفة بسنده، وأخرجه عنه الإمام أبو طالب في الأمالي، وأخرجه ابن عساكر وابن النجار عن علي عليه السلام وأخرجه بلفظ آخر أبو سعيد عن علي.. رواه المحب الطبري انتهى من التفريج. ا.ه. لوامع ج2/611. (¬4) أخرجه الإمام أبو طالب عن علي، ms432 وابن المغازلي والطبراني عن ابن عباس، والكنجي عن أبي ذر والخوارزمي عن بريدة. ا.ه. لوامع ج1/72. (¬5) أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي سعيد الخدري، ورواه الهيثمي في (مجمع الزوائد). ا.ه فلك ص10. وجاء في الاعتصام: وأخرجه أبو يعلى في مسنده، والطبراني في الصغير والأوسط من غير طريق، والفقيمي وأبو نعيم كذلك وأبو يعلى عن أبي ذر. ا.ه ملخصا ج1/159 اعتصام. (¬6) أخرجه محمد بن سليمان الكوفي في المناقب وابن المغازلي، ورواه أبو سعيد الخدري عن أم سلمة ضمن حديث الكساء وقد سبق. PageV01P177: (¬1) روي من عدة طرق وبعدة ألفاظ، وهو إحدى روايات حديث الثقلين المشهور وقد تقدم. PageV01P178: (¬1) جاء في الروض النضير ج5/18: وفي (الجامع الكافي) قال محمد: بلغنا عن النبي أنه قال: ((الأئمة من قريش ما إذا حكموا عدلوا وإذا أقسموا أقسطوا وإذا استرحموا رحموا فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين )). وأورده بزيادة في بعض الروايات من حديث أبي موسى. وقال في (الروض): رواه أحمد، قال الحافظ عبدالعظيم: ورواته ثقات. ورواه البزار والطبراني. PageV01P179: (¬1) لعل الصواب: (إعلاء) تناسبا مع العطف على المصدر المتعدي في: (إعزاز). (¬2) أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني، أحد الأئمة الأربعة اشتغل بجمع الأحاديث وروايتها، وهو في رأي الفقهاء من علماء الرواية، وله مسند يعرف باسمه (مسند أحمد).ا.ه. (طبقات الفقهاء). قال عنه الشافعي: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلا أفضل ولا أعلم ولا أفقه من أحمد بن حنبل، أفرد البيهقي جزءا خاصا لمناقبه. (¬3) أبو عبدالله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أحد الأعلام والعلماء قيل: إنه روى وحفظ ثلاثين ألف حديث، كان زيديا مشددا على أئمة الجور. توفي بالبصرة سنة 161ه. عده السيد صارم الدين في ثقات محدثي الشيعة. وقال الواقدي: كان سفيان زيديا، ذكره الإمام أبو طالب. PageV01P180: (¬1) من الفعل: آل يئول. والمراد هنا من كلمة (إيالية) تأسيس الإمام مالك بعض الأحكام باعتبار ألاء يالة وهي السياسة. PageV01P181: (¬1) أورد الإمام المهدي في مقدمة (الأزهار) مسألة صحة العقائد لدى الأئمة الأربعة فجاء ms433 في شرح الأزهار: (ولم يسمع عن أحد من الناس أنه نقل عن واحد من مجتهديهم - يعني أئمة أهل البيت - ما يخالف العدل والتوحيد، بخلاف الأئمة الأربعة فإنهم وإن كانوا منزهين سيما أباحنيفة والشافعي ومالك، فقد نقل عنهم آحاد من الناس ما يقتضي الخطأ في مسائل أصول الدين، فأشرنا إلى ذلك، بقولنا: وننزههم عما رواه البويطي من أصحاب الشافعي وغيره عن غيرهم، وذلك الغير هو الشافعي وأبوحنيفة ومالك وابن حنبل ..) إلى أن قال: (أما القول بإيجاب القدرة فروي عن أبي حنيفة، وأما تجويز الرؤية فرواه البويطي عن الشافعي، والتجسيم مروي عن ابن حنبل. وأما المصالح فروي عن مالك. قال مولانا عليه السلام: ونحن ننزهم عن هذه الرذائل؛ لأنها تقتضي اختلال الإيمان، ونحن من إسلامهم على يقين فلا ننتقل عن هذا اليقين إلا بيقين. ولا يقين، في مثل ذلك إلا التواتر ولا تواتر عنهم بذلك سيما الثلاثة، لكن قد قيل في المثل: من يسمع يخل).ا.ه. ج1/16. مقدمة الأزهار. (¬2) بضم الميم فثاء مثلثة مفتوحة وتضعيف القاف (المثقل) ويعني القتل بالمثقل من الحجر أو نحوه. ولعل تعليل أبي حنيفة ببطلان القصاص بالمثقل، بأن المثقل ليس من أدوات القتل عادة وعرفا، فتنتفي بذلك نية القتل عن القاتل. (¬3) رواه ابن أبي شيبة ج12/169، وابن حجر في المطالب 4171. (¬4) العجلوني في كشف الخفاء ج2/68. (¬5) أورده السياغي (رحمه الله) في (الروض النضير) ج5/19 عن أبي هريرة بلفظ: (الناس تبع لقريش). دون بقيته. PageV01P182: (¬1) لعلها: (.. من رفع أقدارهم)، وإذا كانت (أقدامهم) فالمراد: درجاتهم. (¬2) أخرجه الكنجي والنسائي من رواية زيد بن أرقم. (¬3) جابر بن عبدالله الأنصاري السلمي (بفتحتين) صحابي جليل من علماء الصحابة، غزا مع رسول الله تسع عشرة غزوة، وتوفي بالمدينة بعد سنة سبعين من الهجرة عن أربع وتسعين سنة. وهو من أكثر الصحابة الذين يروى عنهم الحديث. (¬4) أورده الشوكاني في (در السحابة..) برقم 25 في منا قب علي. قال: وأخرج الطبراني عن جابر: أنه قال: ((إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه وإن الله تعالى جعل ذريتي في صلب ms434 على بن أبي طالب)). PageV01P183: (¬1) أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر بن أبي قحافة. زوج رسول الله تزوجها قبل الهجرة وهي بنت ست، وقيل: سبع، ودخل بها بالمدينة وهي بنت تسع. توفيت بالمدينة سنة 55ه. وقيل: 58ه عن خمس وستين سنة ودفنت بالبقيع. وهي من أكثر الرواة رواية للحديث. (مقدمة الأزهار). (¬2) أبو عبدالرحمن عبدالله بن مسعود الهذلي صحابي جليل، ومن أشهر من يروى عنه الحديث من الصحابه. وروي أن عليا عليه السلام قال عنه: علم القرآن والسنة. وروى يزيد بن عميرة عن معاذ بن جبل لما حضرته الوفاة قيل له: أوصنا. قال: التمسوا العلم عند أربعة وذكر منهم عبدالله بن مسعود، وهو ممن شهد بدرا، ولد لبضع وثلاثين قبل الهجرة، وتوفي بالمدينة سنة 32ه. PageV01P184: (¬1) أبو المنذر أبي بن كعب بن المنذر بن كعب أنصاري من بني النجار، مات سنة 22ه على أصح الأقوال، وهو صحابي جليل عني بحفظ الكتاب والسنة حتى أصبح من أبرز من يروى عنه الحديث، وكانت له مكانة عظيمة لدى الصحابة، وكان يقضي في كثير من القضايا ويفتي في كثير من المسائل التي يرجع إليه فيها. (¬2) النبوة. PageV01P185: (¬1) الذين يتمسكون بظاهر الأدلة، وهم أتباع داود المشهور بالظاهري، ومن أعلامهم: ابن حزم صاحب كتاب (المحلى). PageV01P186: (¬1) أبو عمرو زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري، صحابي غزا مع رسول الله سبع عشرة غزوة، وروى عنه وعن علي وأنس وغيرهم، وهو الذي أنزل الله تصديقه في سورة المنافقين، وشهد صفين مع علي عليه السلام وكان من خواصه. مات بالكوفة أيام المختار سنة 66ه، وقيل: غير هذا. (تهذيب التهذيب 3/341). (¬2) وقد روي نهي الرسول عن بيع العينة. والعينة: بكسر العين وهي أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها منه به، وسميت عينة لحصول النقد لصاحب العين. ا.ه (فتح الغفار) ملخصا ج2/43. PageV01P187: (¬1) الجراثيم: جمع جرثومة، وهي أصل الشيء وأسفله. والمراد ms435 منها هنا: قعر جهنم. (¬2) هو أبو العباس عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب بن هاشم، حبر الأمة، وابن عم رسول الله توفي رسول الله وله ثلاث عشرة سنة، ومات بالطائف سنة 68ه عن إحدى وسبعين سنة. دعا له رسول الله فقال: ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)) فاستوعب الكتاب والسنة تفسيرا وتأويلا ورواية، وكان أعلم الناس بأشعار العرب وأيامها وأمثالها ولغتها، وكان يعود في تفسير القرآن إلى اللغة، وإلى الشعر في توثيق اللغة. وهو القائل: الشعر ديوان العرب، فما التبس علينا من لغتهم رجعنا إلى ديوانهم. روى له السيوطي إجابات مرتجلة في مقام واحد على ثلاثمائة سؤال ألقاها عليه نافع بن الأزرق من غريب القرآن، وكان يستشهد في إجابته عن كل سؤال بالشعر، وهو من أشهر الصحابة رواية للحديث. قال عنه ابن عمر: ترجمان القرآن ابن عباس. (¬3) أبو سعيد وأبو خارجة زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي النجاري المقرئ الفرضي، كاتب الوحي، وأحد فقهاء الصحابة. حين قدم النبي المدينة، كان ابن إحدى عشرة سنة، وكان عالي الذكاء، تعلم العبرية بأمر النبي، وكان يكتب بها وبالعربية، وله كتابات في الفرائض والديات، وكان عمر يستخلفه على المدينة إذا حج، وهو أحد الذين جمعوا القرآن. مات عام 45ه. (در السحابة 663). (¬4) مختصر العلوم ص61 بلفظ: ((والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني)). (¬5) سيأتي في محله. PageV01P188: (¬1) سيأتي في محله. (¬2) أصحاب القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب . PageV01P177: (¬1) جاء في لسان العرب: وجمع الطاهر: أطهار وطهارى والأخيرة نادرة، وثياب طهارى على غير قياس، كأنهم جمعوا طهران. قال امرؤ القيس: ثياب بني عوف طهارى نقية وأوجههم عند المشاهد غران ا.ه لسان ج4/504. وهكذا ورد لفظ البيت في ديوان امرئ القيس، لا كما أورده المؤلف. (¬2) لا يبدو أن (كسالى) من هذا الباب؛ لأنه مضموم الأول، إلا أن الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} قال: قرئ بضم الكاف وفتحها. ms436 ا.ه كشاف. PageV01P178: (¬1) لعله يقصد دون الاستنجاء من الحدث. (¬2) أبو بكر عبدالرحمن بن كيسان الأصم. عده الإمام المرتضى من الطبقة السادسة (طبقات المعتزلة ص56) وقال: وكان من أفصح الناس وأفقههم وأورعهم خلا أنه كان يخطئ عليا عليه السلام في كثير من أفعاله ويصوب معاوية في بعض أفعاله. قال القاضي (عبدالجبار): ويجري منه حيف عظيم على أمير المؤمنين، وكان بعض أصحابه يعتذر له.. وله تفسير عجيب، وكان جليل المقدار يكاتبه السلطان. ا.ه. ملخصا ولم يذكر تاريخ وفاته. PageV01P179: (¬1) عبدالرحمن بن صخر الدوسي، أسلم في فتح خيبر وهو أكثر من روى الحديث من الصحابة حتى زاد عدد الأحاديث التي رواها على خمسة آلاف حديث، وهو من أكثر من روى عنه الستة، شكك في بعض أحاديثه عدد غير قليل من أصحاب المسندات، أخرج الحاكم في المستدرك عن عائشة أنها قالت لأبي هريرة: ما هذه الأحاديث التي تبلغنا أنك تحدث بها عن النبي ؟ هل سمعت إلا ما سمعنا؟ وهل رأيت إلا ما رأينا؟ فقال: يا أمه إنه كان تشغلك المرآة والمكحلة وما كان يشغلني عنه شيء. وقال عن نفسه: حفظت من حديث رسول الله أحاديث لو حدثتكم بحديث منها لرجمتموني بالحجارة، أخرجه الحاكم أيضا. وأنكر عليه ابن عمر حديثا حدث به في فضل من تبع الجنازة فاستشهد أبو هريرة بعائشة على صحة الحديث. (المستدرك، در السحابة). PageV01P180: (¬1) قال في هامش البحر ما لفظه: عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء، فإن توضأنا منه عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ قال رسول الله : ((هو الطهور ماؤه والحل ميتته) أخرجه مالك في (الموطأ) وأبو داود والترمذي والنسائي.ا.ه ج2 ص30. (¬2) سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري (أبو سعيد الخدري) أحد أصحاب رسول الله وأعلام الأنصار، استصغر يوم أحد، وغزا بعد ذلك اثنتي عشرة غزوة، روى عن النبي وعن علي وزيد بن ثابت وأبي قتادة ms437 الأنصاري وجابر وابن عباس وغيرهم. روى عنه ابن عباس وابن عمر وجابر وزيد بن ثابت وغيرهم. قال حنظلة بن أبي سفيان عن أشياخه: لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله أفقه من أبي سعيد. توفي سنة 64ه عن 74سنة على خلاف في تاريخ وفاته. (تهذيب التهذيب). (¬3) هكذا الحديث مروي عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول الله، إنه يستسقى لك من بئر بضاعة وتلقى فيها لحوم الكلاب وخرق المحائض وعذر الناس. فقال رسول الله : ((إن الماء طهور لا ينجسه شيء)). وفي الشفاء: ((خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه)). وفي البحر: إن الذي في المهذب: ((الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه)). قال في المهذب: فنص على الطعم والريح وقسنا عليهما اللون؛ لأنه في معناهما.ا.ه. ونقل في التلخيض: وأما الاستثناء فرواه الدارقطني من حديث ثوبان، وفيه رشد بن سعد وهو متروك، ثم أورد رواية عن البيهقي بلفظ: ((إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه))..إلخ. ا.ه. (¬4) أول البيت: ألا إن في نجد وأكناف بيشة ا.ه . وجرير: هو الشاعر المعروف، جرير بن عطية اليربوعي (640 - 728م). ولد ومات باليمامة. عاش متكسبا بالمدح، واتصل بولاة العراق، وصار شاعر الحجاج الذي وصله بعبدالملك بن مروان، وله مدائح شهيرة فيه، وله النقائض مع الفرزدق. PageV01P181: (¬1) يعني أبا حنيفة وأصحابه وأبا بكر بن داود الأصم. PageV01P182: (¬1) الطهارة بالجفاف، كالأطفال والبهائم، وبالاستحالة كالخمر يستحيل إلى خل، كما جاء في (الأزهار). (¬2) التذكرة في الفقه لأبي طالب (يحيى بن الحسين الهاروني. توفي سنة 424ه) PageV01P183: (¬1) شرح التحرير في الفقه لأبي طالب أيضا. (¬2) زيد بن محمد الكلاري بن الحسن، قال في (الفلك الدوار): (نسبة إلى كلار من بلاد الجيل) بفتح الكاف وتشديد اللام، وفي تراجم رجال (الأزهار) بالتخفيف. قال الجنداري في ترجمته: وهو القاضي زيد المشهور علامة الزيدية وحافظ أقوالهم وفقيههم، قال في (الانتصار): كان من أتباع المؤيد بالله ولم يعاصره. كان القاضي من حفاظ ألفاظ ms438 العترة، وله العناية العظمى في خدمة المذهب الشريف، وهو مؤلف (الشرح) (شرح كتاب التجريد للمؤيد بالله) وإذا أطلق (الشرح) في (المنتزع) فهو شرحه إلا في موضع في السير فشرح أبي طالب. (¬3) الشيخ محمد بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن محمد النجراني، كان فقيها عالما قرأ على الأميرين: بدر الدين وشمس الدين وغيرهما. وعاصر الإمام المهدي أحمد بن الحسين. كان من المجتهدين والمتكلمين. أخذ عنه ولده الشيخ عطية والأمير علي بن الحسين صاحب (اللمع). توفي سنة 603ه. (مقدمة الأزهار). PageV01P187: (¬1) هو أبو نصر إسماعيل الجوهري، ولد في فاراب، من أصل تركستاني في نيسابور حوالي سنة 400ه، وارتحل إلى العراق ودرس اللغة العربية وأخذ عن أئمتها في القرن الرابع. له مؤلفات منها: الصحاح، ومختصره (مختصر الصحاح). ا.ه. الموسوعة الإسلامية ج5/148. (¬2) أي النية. (¬3) عن عمر قال سمعت رسول الله يقول: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)). أخرجه الستة إلا الموطأ. وهذا الحديث أول حديث في كتاب البخاري. ا.ه. بحر. ونقل في الهامش أنه ورد في الموطأ برواية محمد بن الحسن. (¬4) روي عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله : (لا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنة). ذكره في البحر وأشار إلى ذكره في أصول الأحكام والشفاء، وفي التلخيص موقوفا على الحسن البصري مع اختلاف في لفظه، وأورده في الاعتصام عن شرح التجريد بلفظه. (¬5) رواه الطبراني في الكبير، وفي الفوائد للشوكاني، وجاء بلفظ: ((نية المؤمن أبلغ من عمله)) رواه الزبيدي في الإتحاف، وأضاف: ((ونية الفاجر خير من عمله، وعمل الكافر خير من نيته)) وكذا في مجمع الزوائد للهيثمي. PageV01P189: (¬1) حكاه في البحر وفي أصول الأحكام والشفاء، وجاء في رواية عن ابن عباس بلفظ: ((إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة أحجار أو ثلاثة أعواد أو ثلاث حثيات من ms439 تراب)) ا.ه ملخصا من البحر. (¬2) أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي، ذكره الشيرازي في فقهاء بغداد ولقبه مرة بأبي عبدالله ومرة بأبي عبيد. وقال: قال إبراهيم الحربي: كان أبو عبيد كأنه جبل تنفخ فيه الروح يحسن كل شيء، ولي القضاء لطرسوس ومات بمكة سنة 224ه عن سبع وستين سنة. (طبقات الفقهاء). (¬3) داود بن علي بن خلف الظاهري العلامة الفقيه الزاهد. نشأ في بغداد بلغ في الزهد كما روى المرشد بالله: أنه أعطي دراهم كثيرة وردها وكان يأكل في العيد البقل ولا يقبل من أحد شيئا، عده الإمام المهدي من العدلية، توفي ببغداد في ذي القعدة سنة 270ه.، وفي طبقات الشافعية وطبقات الشيرازي أنه ولد سنة 200ه، وتوفي سنة 290ه. (¬4) مكانه باب التيمم. PageV01P190: (¬1) الإداوة: المطهرة، وعن ابن سيده: إناء للماء، وتجمع على أداوي. ا.ه لسان. (¬2) جاء في (التهذيب): المخزومي مولى عمرو بن حريث. وقيل: أبو زائد أو أبو زيد بالشك. روى عن ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ ليلة الجن. وعنه أبو زرارة رشد بن كيسان. قال البخاري: لا يصح حديثه، وقال الحاكم أبو أحمد: لا يوقف على صحة كنيته ولا اسمه ولا له راو غير أبي فزارة، ولم يرو هذا الحديث من وجه ثابت، وأبو زيد مجهول. وقال أبوداود: كان أبو زيد نباذا بالكوفة. وقال الترمذي: مجهول عند أهل الحديث لا تعرف له رواية غير هذا الحديث. قلت: وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: أبو زيد مجهول لا يعرف ولا أعرف كنيته ولا أعرف اسمه.. إلخ. تهذيب التهذيب ج12/113. (¬3) أخرجه الترمذي وكذا أبو داود إلا قوله: فتوضأ منه. ا.ه. البحر: ج2/11. PageV01P192: (¬1) بمعنى: تجب. PageV01P193: (¬1) أبو يعقوب إسحاق بن محمد الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه، ترجم له الشيرازي في (طبقات الفقهاء) ضمن فقهاء خراسان وقال عنه: جمع بين الحديث والفقه والورع، سكن نيسابور ومات بها سنة 238ه. وسئل عنه أحمد بن حنبل. فقال: ومن مثل إسحاق؟ إسحاق يسأل عنه؟ وقال إيضا: إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين. وقال إسحاق: أحفظ سبعين ألف ms440 حديث وأذاكر بمائة ألف حديث، وما سمعت شيئا إلا حفظته ولا حفظت شيئا قط فنسيته. (¬2) أبو الهذيل زفر بن الهذيل بن قيس بن مسلم العنبري، أحد الفقهاء والعباد. قال ابن حبان في الثقات: كان متقنا حافظا لم يسلك مسلك صاحبيه، وكان أقيس أصحابه وأكثرهم رجوعا إلى الحق. ا.ه، وهو أول من قدم من البصرة برأي أبي حنيفة. توفي سنة 158ه.، عن ثمانية وأربعين سنة. (مقدمة البحر). (¬3) أبو عبدالله محمد بن الحسن بن القاسم بن الحسن بن علي بن عبدالرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الإمام المهدي بويع له بالإمامة ثم كاتبه أهل الديلم فوصل إليهم سنة 353ه.، وهو الذي أظهر في الديلم أن كل مجتهد مصيب. وكانت الناصرية تخطئ القاسمية والعكس، فرجعوا إلى قوله بعد مناظرات كثيرة، ولم يزل مجاهدا حتى قبضه الله بهوسم مسموما سنة 360ه. ومن مشائخه في الفقه: أبو الحسن الكرخي، وفي علم الكلام: أبو عبدالله البصري. (مقدمة الأزهار). PageV01P194: (¬1) بمعنى كشف زيف (عدم صحة) ما اعتمدوه. PageV01P195: (¬1) أبو عمرو عبدالرحمن بن عمرو بن محمد الدمشقي الأوزاعي الحافظ شيخ الإسلام وإمام أهل الشام، وقيل عنه: عالم الأمة وإمام عصره، ولد عام 88ه، واشتغل بالعلم ودراسة الفقه والحديث حتى أصبح له مذهب مميز في الشام. سكن آخر عمره ببيروت مرابطا، وتوفي بها ثاني صفر 157ه. (مقدمة البحر). (¬2) أبو رجاء محمد بن أحمد بن الربيع بن سليمان بن أبي مريم الأسواني. قال ابن يونس: كان أديبا فقيها على مذهب الشافعي، وكان فصيحا (وشاعرا) له قصيدة يذكر فيها أخبار العالم وقصص الأنبياء نبيا نبيا، قيل: إنها بلغت ثلاثين ومائة ألف بيت، وأنه قال بعد هذا: بقي علي فيها أشياء احتاج إلى زيادتها، ونظم فيها الفقه وكتاب المزني وكتب في الطب والفلسفة، توفي في ذي الحجة سنة 335ه (طبقات الشافعية). PageV01P196: (¬1) أبو عبدالله الحسن بن صالح بن حي الهمداني الكوفي، الإمام القدوة الفقيه العابد. قال أبو زرعة: اجتمع في الحسن بن حي إتقان وفقه وعبادة وزهد، ms441 وكان عالما وصاحب رأي مستقل وزيديا. وإليه تنسب الصالحية من الزيدية. PageV01P198: (¬1) في الأصل: (يستعمل) استبدلنا (يشتغل) بها لعدم تناسب الأولى مع موضوعها، ولعله خطأ من الناسخ. (¬2) كتاب معروف في الفقه. (وهو تحت الطبع). (¬3) شذوذ هنا، جمع شاذ. وهي صيغة يجتمع فيها المصدر وجمع المذكر المكسر. مثل حضور. PageV01P200: (¬1) موضوعه الدعاء في الصلاة. (¬2) ظاهر الدعاء الشريف أنه استخدم لفظي (البرد والثلج) للمجاز. وهذا قد ينأى بهما عن موضع الاستدلال على جواز التطهر بهما. ثم إنهما ماء تجمد، فأصلهما ماء ولا يمكن التطهر بأيهما إلا بعد أن يعود إلى الماء بتحوله إلى السيولة، من ثم فهما داخلان في حكم الماء وليسا بحاجة إلى حكم واستدلال خاصين بهما. (¬3) ذكره في موسوعة أطراف الحديث للدارقطني في سننه، والبيهقي في السنن الكبرى. ا.ه. وحكاه في البحر عن الانتصار. (¬4) أبو عبدالرحمن عبدالله بن عمر بن الخطاب، القرشي، العدوي، أسلم في مكة مع إسلام أبيه وهو ابن عشر، وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد، وكان زاهدا، عابدا، يروى عنه أنه قال: ما ندمت على شيء مثل ندمي على قتال الفئة الباغية (مع الإمام علي)، مات بمكة سنة 73ه وهو ابن 84 سنة. وهو من أشهر رواة الحديث ومن أصحاب الألوف. روى له الستة. (مقدمة الأزهار، تهذيب التهذيب). (¬5) أبو محمد عبدالله بن عمرو بن العاص السهمي القرشي، عالم، فقيه، أحد المكثرين. قيل: أسلم قبل أبيه. روى عن النبي وعن كثير من الصحابة. وتوفي عن 72 سنة (تراجم در السحابة 791. د. حسين العمري). PageV01P201: (¬1) أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر. قال في الطبقات: كان سيد التابعين من الطراز الأول، حدث عن علي عليه السلام وأبي ذر وسلمان، وروى عن أبي بكر مرسلا، وعن عمر وعثمان وابن عباس وابن عمر وأبي سعيد وأبي هريرة، وعائشة وأسماء بنت عميس، وغيرهم كثير. وعنه ابنه محمد وسالم بن عبدالله والزهري وآخرون. قال قتادة: ما رأيت أحدا قط ms442 أعلم بالحلال والحرام منه، ولما بايع عبدالملك بن مروان لابنيه الوليد وسليمان أبى سعيد أن يبايع فضربه هشام المخزومي ثلاثين سوطا وألبسه ثيابا من شعر وسجنه. توفي سنة 94ه، وقد ناهز الثمانين. (مقدمة الأزهار، تهذيب التهذيب، الطبقات). (¬2) الظاهر من السياق أن الكلام لعبدالله بن عمر، وفي المضمون ما يحتمل أن يكون رواه مرفوعا. (¬3) المعروف أن (التنور) يلفظ مذكرا، كما في قوله تعالى: {وفار التنور}. PageV01P202: (¬1) أي: لقلة المخالط. PageV01P203: (¬1) النورة: الجص. والشب: بشين معجمة مفتوحة فباء موحدة تحتانية مضعفة وهو ملح معدني. والطحلب: الذي يطفو على الماء نتيجة طول مكثه وركوده. والزرنيخ: مادة سامة تختلط مع الكلس وتستخدم لحلق الشعر. (¬2) أورده ابن الأثير في النهاية ج1/451. (¬3) الأشنان: جمع شن. وهو الأديم من جلود الحيوانات. PageV01P204: (¬1) أبو محمد الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة بن سليمان بن علي بن حمزة بن أبي هاشم الحسني القاسمي، ولد بعيشان سنة 561ه ونشأ نشأة عظيمة في العلم والزهد والورع، وله مؤلفات تنوف على الأربعين وأشهرها: (الشافي)، وهو من أشهر المؤلفات. وهو شاعر وأديب، برع في علوم شتى، واشتهر بالشجاعة والفروسية. قال عن نفسه في (الشافي): أنا أحفظ خمسين ألف حديث. بويع له سنة 594ه على خلاف في ذلك. وتوفي محصورا في كوكبان سنة 614ه، ودفن بها ثم نقل إلى ظفار المطل على ذيبين. (مقدمة الأزهار، والبحر). PageV01P205: (¬1) القرض: بفتحتين على القاف والراء، وهو ورق شجر القرض أو الغضا، تدبغ به الجلود. (¬2) في الأصل: لا يحرم تناولها، وهو خطأ واضح لعله من النسخ. PageV01P206: (¬1) الزعفران: مسحوق أحمر كان يخلط به الماء ليزيل منه السموم ويطيب رائحته. جاء في القاموس: الزعفران: م (معرب) وإذا كان في البيت لا يدخله سام أبرص، ومن الحديد صدؤه، جمعه: زعافر. وزعفره: صبغه به. ا.ه. والعصفر: بالضم نبت يهرئ اللحم الغليظ وبزرة القرطم. وعصفر ثوبه: صبغه به فتعصفر. ا.ه. قاموس. PageV01P207: (¬1) والحديث: عن جابر قال: قال رسول الله : ((أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل ms443 من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة )) رواه البخاري ومسلم. وجاء الحديث في مجموع الإمام زيد عن علي عن النبي : ((أعطيت ثلاثا لم يعطهن نبي قبلي: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا..إلخ )). (¬2) محمد بن منصور بن يزيد المرادي الكوفي أبو جعفر مؤرخ محدث مفسر، من فقهاء الزيدية وهو جامع أمالي الإمام أحمد بن عيسى بن زيد المعروف، وله كتاب (الذكر) تحت التحقيق، وله التفسير الكبير والتفسير الصغير، وهو أحد الأئمة الخمسة في الحديث عند الزيدية. تعمر طويلا قيل: 150سنة، ومات سنة 290ه. (انظر طبقات الزيدية (خ)، الجداول (خ)، لوامع الأنوار، فهرست ابن النديم ص244. وغيرها). PageV01P208: (¬1) هكذا في الأصل. (¬2) لا يظهر وجود تشابه بين الملح البحري والثلج من حيث أن أصلهما من الماء؛ لأن الملح يتكون من عدة عناصر توجد في ملوحة الماء تحولت بتفاعلها إلى مادة صلبة لا تذوب بذاتها منفصلة عن الماء، بينما الثلج ماء تجمد يعود إلى السيولة بمجرد ارتفاع درجة الحراة في محيطه، فافترقا. PageV01P209: (¬1) القطران: سائل أسود معروف يستخرج من جذوع بعض الأشجار عند حرقها. وفي لسان العرب: وفي التنزيل العزيز: {سرابيلهم من قطران}. قيل والله أعلم: إنها جعلت من القطران، لأنه يبالغ في اشتعال النار في الجلود. وقرأها ابن عباس {من قطر آن}. والقطر: النحاس. والآني: الذي انتهى حره. والقطران اسم لرجل سمي به، لقوله: أنا القطران والشعراء جربى وفي القطران للجربى هناء انتهى بلفظه. PageV01P210: (¬1) النقم: بضمتين على النون والقاف، شجر يظهر له ثمر كثمر الحنظل إلا أنه أصغر حجما منه. PageV01P211: (¬1) ذيف: خلط، في أحد معانيها كما في اللسان ملخصا. PageV01P212: (¬1) عن ابن عباس قال: اغتسل بعض أزواج النبي في جفنة، فجاء رسول الله ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت: إني كنت جنبا، قال: ((إن الماء لا يجنب)). أخرجه الترمذي. ويجنب: بضم الياء وكسر النون في رواية، وفي أخرى: بفتح الياء وضم النون، ومعناها: لا يصير جنبا. ا.ه بحر. PageV01P213: (¬1) حذيفة بن اليمان ms444 العبسي الأنصاري (حليفهم). أصله من اليمن، أسلم هو وأبوه وهاجرا وشهدا أحدا، وقتل والده يومئذ بأيدي المسلمين خطأ،فقال حذيفة:غفر الله لكم ووهبت دمه. وأسلمت أمه وهاجرت، وكان صاحب رسول الله وأحد الفقهاء وأهل الفتوى. وصاحب رسول الله في المنافقين، أي المختص بتتبع أخبارهم. وله مقامات محمودة في الجهاد أعظمها ليلة الأحزاب.توفي رحمه الله سنة36هبالمدائن، وكان يحث على الخروج مع أمير المؤمنين عليه السلام. PageV01P214: (¬1) الحسن بن سيار البصري، ويعرف بالحسن بن أبي الحسن البصري، علامة التابعين، ورأس الطبقة الثالثة، كان ثقة، حجة، عظيم القدر، حدث عن: أنس، وأبي برزة، وابن عمر. وفي أمالي أبي طالب: أنه أخذ عن علي عليه السلام، وأنكره بعضهم. ولد لسنتين بقتا من خلافة عمر، وتوفي سنة 116ه. (¬2) أبو عبدالله عكرمة بن عبدالله البربري، مولى ابن عباس، أصله من البربر، وهب لابن عباس فاجتهد في تعليمه القرآن والسنة، حدث عن: ابن عباس، وعلي، وابن عمر، وأبي سعيد، وأبي هريرة، والحسن بن علي، وعائشة، وغيرهم، وهو أحد فقهاء المدينة وتابعيها، قال له ابن عباس: افت الناس. وقيل لسعيد بن جبير: هل أحد أعلم منك؟ قال: عكرمة. وقد تكلم فيه بعضهم، ولم يسمع؛ لأن عكرمة احتج به أهل الأسانيد والسنن، ومات ابن عباس وهو على الرق، فباعه علي بن عبدالله بن عباس من خالد بن يزيد بأربعة آلاف. وقال له عكرمة: ما خير لك بعت علم أبيك بأربعة آلاف. فاستقال البيع ورده وأعتقه، توفي سنة 107ه. (مقدمة الأزهار، تهذيب التهذيب). (¬3) أبو عيسى عبدالرحمن بن أبي ليلى واسمه: يسار الأوسي الكوفي ولد لست بقين من خلافة عمر بالمدينة، من رواة الحديث. احتج به الستة، واستعمله الحجاج على القضاء، ثم عزله، ثم ضربه ليسب عليا عليه السلام، خرج مع عبدالرحمن بن الأشعث، وغرق في نهر الدجيل سنة 83ه. (مقدمة الأزهار). (¬4) الإزدي البصري أبو الشعثاء (جابر بن زيد)، تابعي فقيه من أهل البصرة صحب ابن عباس وكان من بحور العلم. وقال عنه أحمد في كتاب الزهد: لما مات جابر بن زيد، قال ms445 قتادة: اليوم مات أعلم أهل العراق. توفي سنة 93ه. ا.ه. الأعلام2/104. PageV01P215: (¬1) نقله في موسوعة الأطراف عن البيهقي والكامل لابن عدي، وعن النسائي في سننه. وجاء بلفظ: ((فلا يضع يده في الوضوء...إلخ)). (¬2) جاء من عدة طرق وبألفاظ مختلفة. وفيه: ((إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء). ونحوه عن ابن عمر: ((... لم يحمل الخبث)). وفي رواية لأبي داود: ((... فإنه... إلخ)). وزاد في الشفاء: ((.. لم يحمل الخبث ولم ينجس)). ا.ه . بحر . بتصرف. PageV01P216: (¬1) الأخوان أو السيدان، حينما تطلق إحداهما، فهي تعني المؤيد بالله وأخاه أبا طالب، كما سبق في الرموز بالمقدمة. (¬2) سعيد بن جبير بن هشام الأسدي، مولى بني والبة (بطن من أسد)، ابن خزيمة، الكوفي، قال في الطبقات: هو أحد أعلام التابعين. وثقه المؤيد بالله، وعده السيد صارم الدين من ثقات محدثي الشيعة. وقال ابن حجر: ثقة، ثبت، فقيه، من الطبقة الثالثة، وروايته عن: عائشة وأبي موسى، ونحوهما مرسلة. وروى عن ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وابن معقل، وعدي بن حاتم، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، والضحاك بن قيس الفهري، وروى عنه: ابناه عبدالملك وعبدالله، ويعلى بن حكيم، ويعلى بن مسلم، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو الزبير المكي، وعطاء بن السائب، وغيرهم كثير. خرج مع ابن الأشعث في جملة القراء فلما هزم ابن الأشعث هرب سعيد إلى مكة فأخذه خالد القسري وبعث به إلى الحجاج فقتله سنة 95ه، وهو ابن تسع وأربعين سنة. وروي أنه دعا عند أن أمر الحجاج بقتله فقال: اللهم لا تسلطه على أحد بعدي، فمات الحجاج بعده بأيام. (مقدمة الأزهار، تهذيب التهذيب). (¬3) أبو الحجاج مجاهد بن جبر المخزومي (مولاهم)، المكي، المقرئ المفسر، الحافظ. قال الذهبي: أجمعت الأمة على إمامته والاحتجاج به، قرأ عليه عبدالله بن كثير، وأبو عمرو بن العلاء، وابن محيسن، وكان يكبر من سورة الضحى. توفي ساجدا، واختلف في وفاته على أقوال منها سنة 100ه. (مقدمة البحر). (¬4) عن أبي هريرة أن النبي قال: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب، أن يغسله سبع مرات ms446 أولاهن بالتراب)). وفي رواية ((.. إحداهن بالتراب)) أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي، وروايات أخر للبخاري. وفي رواية عن عبدالله بن مغفل (مغفل: بضم الميم وفتح الغين المعجمة ثم فاء مشددة) ((.. فاغسلوه سبع مرات وعفروه في الثامنة بالتراب)) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، والنص لمسلم. PageV01P217: (¬1) هذا الحديث فيه روايات عدة بألفاظ مختلفة، منها ما روي عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله يقول: ((نحن الآخرون السابقون.. )) قال: ((ولا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ويغتسل فيه )). رواه البخاري ومسلم. وفي لفظ (( ..ثم يتوضأ منه)) رواه الترمذي. وفي رواية للنسائي ((.. الماء الراكد.. )). (¬2) دالة على وجوب تجنب استعمال الماء إذا ظن أنه سيؤدي إلى مخالطة النجاسة. (¬3) إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي التابعي أبو عمران، من كبار فقهاء التابعين، أدخل على عائشة وهو صغير، وأرسل عن علي عليه السلام، وخرج له الجماعة وأئمة الزيدية. (¬4) جعفر بن محمد بن شعبه النيروسي كان من العلماء الفضلاء، صحب القاسم بن إبراهيم وروى عنه، وله كتاب (مسائل النيروسي). وروى عنه محمد بن منصور المرادي والناصر للحق. ا.ه. (تراجم الأزهار). (¬5) جلب. (¬6) رواه الحاكم في مستدركه، وهو من الأحاديث المشهورة ومروي في كثير من كتب الحديث والفقه. PageV01P219: (¬1) الفعل مسند للمخاطب، كأنه قال: بعد ما هو معروف من حالها أنها...إلخ. (¬2) جمع سنور: وهي القطط. (¬3) في الأصل: في طهارة التي. PageV01P223: (¬1) هكذا في الأصل، والصواب: في حد القلتين. (¬2) الضمير في (هما) عائد على القلتين. والمفرد منه (منا) مقصورا بفتح الميم، وهو الكيل أو الوزن كما جاء في اللسان، والجمع منه: أمناء.. (¬3) أبو عبدالله الزبير بن أحمد بن سليمان بن عبدالله بن عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام البصري، وقد سبقت ترجمته باسم (أبو عبدالله البصري) (¬4) أبو بكر عبدالله بن أحمد بن عبدالله المروزي المعروف بالقفال؛ لأنه كان يصنع الأقفال في ابتداء أمره. قال ابن خلكان: كان وحيد زمانه فقها وحفظا وورعا، وله عناية بالمذهب الشافعي، وله تصانيف نافعة. ا.ه، صار إماما يقتدى به في مذهب الشيخ أبي زيد الفاشاني المروزي، ms447 قيل عنه: لم يكن في زمان القفال أفقه منه. توفي بمرو في جمادى الآخرة سنة417ه، وعمره تسعون سنة. من تصانيفه (شرح التلخيص) مجلدان، و(شرح الفروع)، وكتاب (الفتاوى). راجع (تهذيب التهذيب، الوفيات، طبقات الفقهاء). (¬5) هو أبو عبدالله محمد بن عبد الملك بن المسعود بن أحمد المروزي المعروف بالمسعودي، وفي طبقات الشافعية الكبرى ج4/171: محمد بن عبدالله بن مسعود، ومثله في وفيات الأعيان، كان عالما، فاضلا، تفقه على القفال، وشرح (المختصر) توفي سنة نيف وعشرين وأربعمائة. وهو غير المسعودي صاحب كتاب الإبانة الذي كثيرا ما يشتبه به. والإبانة: كتاب في اللغة. راجع طبقات الشافعية لابن هداية الله الحسيني ص137. PageV01P224: (¬1) قيل: هجر بفتحتين: مدينة بالبحرين، وقيل: قرية قرب المدينة (المنورة). معجم البلدان لياقوت. (¬2) هذا الحديث مروي بعدة ألفاظ منها هاتان الروايتان. ويصفه بعض الرواة ورجال الحديث بالإضطراب في إسناده ومتنه رواه أحمد، والدارقطني، عن ابن عمر. والحاكم، وابن حبان، والدارمي، وغيرهم. (¬3) محمد بن يعقوب الهوسمي الزيدي، قال في تراجم الأزهار: أبو جعفر العلامة الفقيه، له تصانيف منها: (شرح الإبانة) أربعة مجلدات في مذهب الناصر، و(الكافي) مجلدان، وله: (كتاب الديانات) في علم الكلام، ولم أجد لأبي جعفر تاريخ وفاة. ا.ه. ملخصا من تراجم الأزهار. (¬4) إذا أطلق المذهب، فالمراد به هنا، قواعد المذهب الزيدي في الفقه خاصة. PageV01P226: (¬1) لعله: محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبدالله بن عباد القاضي أبو عاصم العبادي الهروي، قال في طبقات الشافعية الكبرى: أحد أعيان الأصحاب.. صنف كتاب (المبسوط) وكتاب (الهادي) وكتاب (المياه) وكتاب (الأطعمة) وكتاب (الزيادات، وزيادات الزيادات) و(طبقات الفقهاء). كان إماما مثبتا مناظرا دقيق النظر، مات في شوال سنة 458ه. ا.ه ملخصا ج1/2 ص237. (¬2) محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام الأسدي، روى عن عميه عبدالله وعروة. وعنه: ابن إسحاق وابن جريج وغيرهما. كان من فقهاء المدينة وقرائها، وذكره البخاري في الأوسط في فصل من مات بين عشر ومائة إلى عشرين ومائة. (تهذيب التهذيب 9/81). (¬3) عبيدالله بن عبدالله بن عمر بن الخطاب القرشي، المدني، العدوي، أبو بكر، ms448 أخو عبدالله، وسالم، وزيد، وحمزة، سمع أباه عبدالله بن عمر، ونافع، وعنه: الزهري. قال ابن سعد: قليل الحديث، مات قبل أخيه سالم، حديثه في الحجازيين. (انظر طبقات الزيدية (خ) ج2/60). PageV01P230: (¬1) في الأصل تنجس الماء. والصواب: المائعات. (¬2) المشعل: المراد به الدلو. والمشعل بميم مكسورة فشين معجمة ساكنة فعين مهملة مفتوحة: شيء من جلود له أربع قوائم ينتبذ فيه. قال ذو الرمة: أضعن مواقت الصلوات عمدا وحالفن المشاعل والجرارا ا . ه لسان. PageV01P231: (¬1) الإمامان: الناصر والمنصور بالله، والأخوان: المؤيد بالله وأبو طالب. PageV01P232: (¬1) المراد: أنه يجب الحكم بنجاسته. PageV01P234: (¬1) أي بتطهيره. PageV01P235: (¬1) هكذا في الأصل. والصواب: أنه لا يطهر. (¬2) أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل الضبي المحاملي البغدادي، أحد أئمة الشافعية، درس الفقه على الشيخ أبي حامد الإسفرائيني، وبرع في المذهب الشافعي، وله مصنفات كثيرة في الخلاف والمذهب، منها: (المقنع)، و(المجرد)، و(المجموع) و( رؤوس المسائل)، ولد سنة 368ه، وتوفي في ربيع الآخر سنة 415ه. (طبقات الشافعية). PageV01P236: (¬1) في الأصل: فيكون قليلا منها. PageV01P237: (¬1) في الأصل: لغيره، ورأينا الصواب: بغيرهما، إشارة إلى حصر القليل بالقلتين. (¬2) المراد بالغرب هنا، القربة الكبيرة. PageV01P240: (¬1) رواه أحمد في مسنده، ونسبه صاحب موسوعة أطراف الحديث إلى الحاوي للسيوطي وتفسيري القرطبي وابن كثير وغيرهما. PageV01P242: (¬1) أبو الحسين الإمام الشهيد زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب إمام الزيدية وعلمها. كان عالما مجتهدا وعابدا زاهدا شجاعا، خرج مجاهدا لرفع راية الحق، وإزالة سلطة الظلم والجبروت، فاستشهد عام 122ه، وقيل: سنة121ه، وعمره 42سنة، قال أخوه الباقر (محمد): والله لقد أوتي أخي علم الدنيا فاسألوه فإنه يعلم ما لا نعلم. وقال الصادق (جعفر بن محمد): كان زيد أفقهنا وأقرأنا وأوصلنا للرحم. وقال أبو إسحاق السبيعي: لم أر مثل زيد أعلم ولا أفضل ولا أفصح في أهل البيت. وقال الشعبي: ما ولدت النساء أفضل من زيد ولا أشجع ولا أزهد. وقال أبوحنيفة: ما رأيت أفقه من زيد ولا أعلم. وقال ابن عنبة: مناقبه أجل من أن تحصى، وفضله أكثر من أن يوصف. روى ms449 عن: أبيه، وأخيه الباقر، وأبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وعبيدالله بن أبي رافع. وروى عنه: ابناه حسين وعيسى وابن أخيه جعفر بن محمد (الصادق)، والزهري، والأعمش، وشعبة، وسعيد بن خثيم، وإسماعيل السدي، وزبيد اليامي، وزكريا بن أبي زائدة، وعبدالرحمن بن الحارث بن عياش، وأبو خالد الواسطي، وابن أبي الزناد، وعدة. بايعه خمسة عشر ألفا، ثم تفرق عنه أصحابه حتى بقي في ثلاثمائة وبضع عشرة وواصل الجهاد حتى رمي في جبينه وفاز بالشهادة فدفنه أصحابه في مجرى ماء، ولكن غلاما دل جيش هشام عليه، فأخرجوه وصلبوه أربع سنين. أعانه أبوحنيفة عند خروجه من ماله وكان يفتي الناس بالخروج معه. له المجموعان: الحديثي والفقهي والأخير عليه شرح (الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير) للعلامة القاضي حسين بن أحمد السياغي وهو مطبوع في خمسة مجلدات. (مقدمة الأزهار تهذيب التهذيب). PageV01P243: (¬1) يظهر أنه بنى العبارة على حذف الموصوف، وهو كلمة (ماء) أي: فلو كانت الغسالة ماء نجسا. إذ يستبعد أن يكون أراد (نجسا) بفتح الجيم؛ لأنها تطلق غالبا على النجس أصلا كالمشرك. (¬2) إبراهيم بن خالد الكلبي، البغدادي، الإمام، الحافظ، المجتهد، يكنى بأبي عبدالله ولقبه أبو ثور. قال ابن حبان في الثقات: كان أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وورعا وفضلا، صنف الكتب، وفرع على السنن، وذب عنها، توفي سنة 240ه. PageV01P244: (¬1) أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبدالله بن شهاب بن عبدالله بن الحارث القرشي، الزهري (نسبة إلى بني زهرة)، أحد فقهاء التابعين، رأى عشرة من الصحابة، وروى عنه: مالك، وابن عيينة، والثوري، وروى عن ابن عمر، وعبدالله بن جعفر، وأنس، وجابر، وأبي أمامة، والحسن وعبدالله ابني محمد بن الحنفية، وآخرين، وشنع عليه أبو حازم الأعرج وغيره لمخالطته هشام بن عبدالملك، ويقال: إنه كان على حراسة خشبة زيد بن علي. ضعفه الإمام المؤيد بالله، واحتج به أكثر الأئمة لتبحره في السنة، وحفظه. توفي لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة 124ه. (مقدمة الأزهار). (¬2) عيسى بن أبان بن صدقة أبو موسى. صحب محمد بن الحسن ms450 الشيباني وتفقه عليه، تولى القضاء بالبصرة حتى مات سنة 221ه. له رسائل كثيرة واحتجاج لمذهب أبي حنيفة. (تاريخ بغداد ج10/175). PageV01P245: (¬1) أبو الحارث الليث بن سعد بن عبدالرحمن المصري، الفهمي (نسبة إلى بطن من بيت قيس غيلان، سكن قرية أسمها فهم في مصر). وقيل: أصله من الفرس من أصبهان. روى عن: عطاء، ونافع، وابن الزبير، وآخرين، نقل عن الشافعي قوله: كان الليث أفقه من مالك، ولكن ضيعه أصحابه. وعن ابن بكير: كان فقيها، عربي اللسان، يحسن القرآن، والنحو، والشعر، والحديث، وقال ابن سعد في (الطبقات): ولد سنة 94ه، وكان ثقة، كثير الحديث، صحيحه، واشتغل بالفتوى في مصر، توفي سنة 6 أو 177ه. عن إحدى وثمانين سنة، وقيل: سنة 175ه على ما في التهذيب. ودفن بمصر وعلى قبره قبة بالقرب من قبر الإمام الشافعي. (تهذيب التهذيب، مقدمة الأزهار، طبقات ابن سعد). (¬2) روي عن الحكم بن عمرو، أن النبي : نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. أخرجه أبو داود، والترمذي، وهو مروي عن أبي هريرة. أورده في البحر وقال: وزاد مسدد (وليغترفا جميعا). (¬3) أفاد في البحر: بأن راوي هذا الحديث ضعيف، وأسنده إلى مجهول وأنه معارض بحديث عائشة (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء بيني وبينه واحد) إلخ. ا.ه. ويؤيد الأول ما روي بأن النبي ، نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. وقد أشار المؤلف إلى ضعف الحديث. وراويه حميد الحميري قال: لقيت رجلا صحب رسول الله أربع سنين كما صحبه أبو هريرة، قال: نهى رسول الله ... الخبر. ا.ه. (¬4) أسلم العدوي (مولاهم)، أبو خالد، ويقال: أبو زيد. قيل: إنه حبشي، وقيل: من سبي عين التمر، مولى عمر بن الخطاب، ابتاعه سنة 11ه، روى عن: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، توفي سنة 70ه، وقيل: سنة 80ه. (تهذيب التهذيب). PageV01P248: (¬1) أبو القاسم عثمان بن سعد بن بشار البغدادي الأنماطي، كان فقيها، أخذ عن المزني، والربيع، وهو السبب في بساط الأخذ بمذهب الشافعي. مات ببغداد سنة 288ه. (طبقات الفقهاء). (¬2) علي بن أحمد بن خيران البغدادي، ms451 أبو الحسين، له كتاب اللطيف يشتمل على ألف ومائتين وتسعة أبواب وهو غير أبي علي بن خيران المعروف بالكبير، وعده صاحب طبقات الشافعية الكبرى من الطبقة السادسة، ولم يذكر تاريخ وفاته. راجع ترجمته برقم 99. (¬3) في الفقه لأبي إسحاق الشيرازي. (¬4) أبو الخير يحيى بن أبي الخير بن سالم بن أسعد بن يحيى العمراني، اليماني، صاحب كتاب (البيان) في الفقه، في نحو عشرة مجلدات، وله كتاب (الزوائد) جزآن، وكتاب (السؤال عن ما في المهذب من الإشكال)، و(مختصر الفتاوى)، و(غرائب الوسيط)، وله في علم الكلام كتاب (الانتصار)، في الرد على القدرية، ولد سنة 489ه، وكان شيخ الشافعية في بلاد اليمن، وكان إماما، زاهدا، عارفا بالفقه وأصوله، والكلام، والنحو، توفي سنة 558ه، وقبره بذي سفال من محافظة إب في اليمن. (مقدمة الأزهار، طبقات الشافعية). (¬5) حميد بن عبدالرحمن الحميري. PageV01P250: (¬1) كأن المؤلف أراد أن يقول بأن عليه أن يتوضأ بما معه من الماء أينما بلغ به، ثم إن كفى المضمضة وأعضاء التيمم، فهو متوضئ وإلا يمم الباقي وهو متيمم، كما هو المختار للمذهب. (¬2) قوله: لأن المحذور...إلخ.. بمعنى: لأن المنع من إحداث قول ثالث إلخ. وإلا لانعكس المعنى وأصبح إحداث قول ثالث مبطلا لما في أيدي المسلمين من الحق، وهذا غير وارد. PageV01P251: (¬1) بمعنى جواب عليه. (¬2) القائل بالمكاثرة، علي خليل كما في الأزهار وصفتها مفصلة فيه. PageV01P252: (¬1) حكاه في أصول الأحكام والشفاء والبحر، وفيه رواية عن عمر. PageV01P254: (¬1) محمد بن أحمد أبو عبدالله الخضري المروزي، أخذ عن أبي بكر الفارسي وكان يضرب به المثل في قوة الحفظ. نقل عنه الرافعي أنه خرج هو وأبو زيد (الفاشاني) قولا: أن النار تؤثر في الطهارة كالشمس والريح، وهو كما قال السبكي في طبقاته ج2/125، الخضري بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين. قال ابن خلكان: توفي سنة 380ه. (¬2) وفيه عن أنس قال: كان النبي يتوضأ لكل صلاة، وكنا نصلي الصلوات بوضوء واحد، وروايات للنسائي والبخاري والترمذي مع زيادة في بعضها. (¬3) أخرجه أبو داود والترمذي. PageV01P255: (¬1) بمعنى تكرر المسح. PageV01P257: (¬1) كلمة (لأجل) هنا، تبدو في غير مكانها، وقد ms452 تركناها كما هي في الأصل، ومعناها: بسبب الشمس. PageV01P258: (¬1) جاء في البحر أن الحديث حكاه صاحب (المهذب) ونحوه في (الشفاء)، وعزاه في (التلخيص) إلى الدار قطني وابن عدي في (الكامل)، وغيرهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وهو من طريق خالد بن إسماعيل الذي روي أن ابن عدي قال فيه: كان يضع الحديث. وأضاف في حاشية البحر ما لفظه إشارة إلى خالد: وتابعه وهب بن وهب أبو البحتري، عن هشام، قال: ووهب شر من خالد، وتابعهما الهيثم بن عدي عن هشام. رواه الدار قطني، والهيثم كذبه يحيى بن معين، وتابعهم محمد بن مروان السدي وهو متروك. أخرجه الطبراني في (الأوسط) من طريقه. (¬2) شريك بن سحماء البلوي الأنصاري (مولاهم) الذي حصلت له قصة اللعان المشهورة. (¬3) وروي أن الصحابة تطهروا بالماء المسخن بين يدي رسول الله ولم ينكر عليهم، أورده في (التلخيص) وفيه روايات من طريق الهيثم بن دريد الراوي له عن أبيه عن الأسلع، قال في حاشية البحر: وهو(يعني الهيثم) وأبواه مجهولان، والعلاء بن الفضل المنقري، راويه عن الهيثم فيه ضعف، وقد روي تسخين الماء على عهد رسول الله عن جماعة من الصحابة فعلوا ذلك، ومنهم عمر بن الخطاب. وروي نحو ذلك عن ابن عمر وابن عباس وسلمة بن الأكوع. رواه الدار قطني وصححه. PageV01P259: (¬1) مكان بين مكة والمدينة وهي ميقات أهل الشام، ومن ورد عليها. (¬2) حكاه في الشفاء. (¬3) أبو الفضل العباس بن عبدالمطلب عم رسول الله كان يكبر النبي بسنتين أو ثلاث، وسئل أنت أكبر أم رسول الله؟ فقال: هو أكبر مني وأنا ولدت قبله. رواه السيد أبو طالب. حضر مع النبي ليلة العقبة لبيعته الأنصار، وخرج إلى بدر مع المشركين فأسر ففادى نفسه وبني أخويه عقيلا ونوفلا ومسلما، وعذره النبي في الإقامة بمكة لأجل سقايته، ولقي النبي في سفر الفتح مهاجرا فرجع معه فكان سببا لحقن الدماء، ثم خرج إلى حنين وثبت حين انهزم الناس وصاح فيهم فرجعوا وانهزم المشركون. وكان النبي يجله والخلفاء من بعده. كان جوادا أعتق ms453 سبعين عبدا. توفي يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من رجب سنة 34ه. وهو ابن ثمان وثمانين سنة وصلى عليه عثمان وقبره بالبقيع. (مقدمة الأزهار). (¬4) أسنده في جواهر الأخبار إلى الانتصار. ج2/37 بحر، وأورده ابن الأثير في النهاية في مادة (بل) دون أن يذكر راويه. (¬5) معمر بن المثنى المعروف بأبي عبيدة. لغوي إخباري ولد ومات بالبصرة بين سنتي 728 / 825م، زار بغداد ودرس على أبي عمرو بن العلاء، ويونس بن حبيب، فصار أحد ثلاثة تعاصروا وتنافسوا، هو وأبو زيد والأصمعي. ألف نحو مأتي رسالة في اللغة والقرآن والحديث والأخبار والأدب والتاريخ، وأخرج أول رسالة في مجاز القرآن. ا.ه. ملخصا من الموسوعة العربية ج1/36. PageV01P260: (¬1) أبو عبدالله جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط عليه السلام، أحد أعلام الحديث والفقه بالمدينة. روى عن أبيه وجده من قبل أمه القاسم بن محمد بن أبي بكر، وعن عطاء ونافع وآخرين، وأخذ عنه مالك والسفيانان (الثوري، وابن عيينه) وآخرون، ووثقه الشافعي وابن معين. وعن أبي حنيفة: ما رأيت أفقه منه. قال أبو حاتم: هو ثقة لا يسأل عن مثله. توفي سنة 148ه عن ثمان وستين سنة ودفن في البقيع في قبة آل البيت . (¬2) الكلام لجعفر الصادق ولعله اجتهاد خاص به. (¬3) من فقهاء الحنفية. (¬4) إلى غير الماء. PageV01P262: (¬1) أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد الشعبي من همدان، كان فقيها، وراوية للحديث، وعالما بالمغازي والسير. قال مكحول: ما رأيت أعلم بسنة ماضية من عامر الشعبي. وقال ابن سيرين لأبي بكر الهذلي: الزم الشعبي، فلقد رأيته يستفتى وأصحاب رسول الله في الكوفة. مات سنة 104ه، وقيل: سنة 107ه. عن 82 سنة. (طبقات الفقهاء 82). (¬2) علقمة بن مراد الحضرمي، محدث، ثقة، ثبت، روى عن سعيد بن عبيدة، وسليمان بن بريدة. وعنه سفيان، وشعبة، توفي آخر ولاية خالد القسري. (راجع طبقات ابن سعد ج6/331، والتقريب ج2/31، والجرح والتعديل ج2/406. ا.ه در السحابة 799). (¬3) مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري الإمام الحافظ صاحب التصانيف والصحيح. خرج له الترمذي ms454 والمرشد بالله وأبو الغنائم الرسي. (طبقات الزيدية (خ) 2/342، تهذيب التهذيب). (¬4) هكذا في الأصل جاءت كلمة (احتداق) غير معجمة والمراد بها امتصاص ملوحة الماء، ولعلها: (اجتداف). PageV01P263: (¬1) رواه البيهقي في سننه والدار قطني في مسنده. وجاء في (مجمع الزوائد) للهيثمي بلفظ: ((النبيذ وضوء لمن لم يجد غيره)). (¬2) أبو زهير الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الخارفي (نسبة إلى خارف في حاشد باليمن) الكوفي، ويقال: الحوتي (بالمثناة من فوق) قال في تهذيب التهذيب: نسبة إلى حوت بطن من همدان. ا.ه. ولعل الصحيح إلى حوث بالثاء المثلثة، مدينة في حاشد. روى عنه الحديث جماعة منهم: الشعبي، وأبو إسحاق السبيعي، وعطاء. وضعفه جماعة من الرواة والفقهاء، ووصفه البعض بالكذب والمغالاة في حبه عليا عليه السلام. توفي سنة 65ه. جاء في ترجمته في تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر ما لفظه: وقال ابن عبدالبر في كتاب (العلم) له، لما حكي عن إبراهيم أنه كذب الحارث أظن الشعبي عوقب بقوله في الحارث: كذاب ولم يبن من الحارث كذبه، وإنما نقم عليه إفراطه في حب علي. وقال ابن سعد: كان له قول سوء وهو ضعيف في رأيه...إلخ. وقال ابن شاهين في (الثقات): قال أحمد بن صالح المصري: الحارث الأعور ثقة ما أحفظه وما أحسن ما روى عن علي، وأثنى عليه. قيل له: فقد قال الشعبي: كان يكذب. قال: لم يكن يكذب في الحديث إنما كان كذبه في رأيه. وقرأت بخط الذهبي في الميزان: والنسائي مع تعنته في الرجال، قد احتج به والجمهور على توهينه مع روايتهم لحديثه في الأبواب، وهذا الشعبي يكذبه ثم يروي عنه، والظاهر أنه يكذب حكاياته لا في الحديث. ا.ه. بلفظه ج2/127. (¬3) هو مزيدة بن جابرالعبدي. روى عن النبي ، وروى عن أبيه وأمه، وعنه: الحكم بن عتيبة، ومحمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، وحجاج بن أرطأة، وغيرهم. ا.ه. (راجع تهذيب التهذيب ج10/92)، وهو مشتبه بآخر اسمه مزيدة بن جابر. PageV01P264: (¬1) التحريم والمنع من الاستعمال. PageV01P265: (¬1) عن ميمونة أن رسول الله سئل عن فأرة وقعت في السمن. فقال: ms455 ((ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم)). أخرجه البخاري. وجاء الحديث بلفظ آخر عن أبي هريرة. ا.ه. (جواهر). PageV01P266: (¬1) رواه أحمد بن حنبل في مسنده والهيثمي في مجمع الزوائد. (¬2) رواه الطبراني في الكبير والهيثمي في مجمع الزائد وغيرهما، وقد جاء بألفاظ مختلفة، منها: ((إن الله يحب أن تقبل رخصه..)) و((إن الله يحب أن تؤتى عزائمه)) و((إن الله يحب أن يؤخذ برخصه..)) رواه البزار والطبراني عن ابن عباس، وكذا أحمد وابن خزيمة عن ابن عمر. PageV01P268: (¬1) وفي لفظ: ((.. إلا بطيب نفس منه)). و((..عن طيب نفس منه)). و((.. من طيب نفس منه)). و((لا يحل مال رجل مسلم لأخيه إلا ما أعطاه)). رواه أحمد في مسنده والبيهقي والدار قطني. (¬2) بقية الحديث ((.. والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمدلله تملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها)). أخرجه مسلم والترمذي عن أبي مالك الأشعري. PageV01P270: (¬1) يقصد المؤلف: بتوضيح زيف أدلتهم، أي بإبطالها. وقد سبقت الإشارة إلى هذا. PageV01P271: (¬1) جملة: كالماء الطاهر، مكانها بعد كلمة: بصفة. حتى لا يفهم المعنى المقصود على عكسه. (¬2) رواه البيهقي بلفظ ((.. فليردها)) ورواه أحمد في مسنده بلفظه. PageV01P272: (¬1) رواه البخاري في الأدب المفرد. (¬2) وفي رواية ((.. في ثلاث...إلخ)). قال في الاعتصام: وهو حديث مشهور تداوله الفقهاء. ولفظه في إحدى الروايات لابن ماجة عن ابن عباس قال: قال رسول الله : ((المسلمون شركاء في ثلاثة))...إلخ. وفي رواية عن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار وثمنه حرام)). ا.ه. ج4/165. PageV01P273: (¬1) أبو الحسن الإمام الهادي علي بن جعفر بن الحسن بن عبيدالله بن علي بن الحسين بن الحسن بن علي بن أحمد بن علي بن الحسين الأصغر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بالحقيني نسبة إلى قرية سكنها يقال لها: حقينة بالقرب من المدينة، وهو الحقيني الصغير، والكبير والده. كان عالما وفقيها متكلما، له المقالات في العلوم والتأليف، قام بأرض الديلم بعد وفاة الناصر الصغير سنة 472ه. ms456 ولم يزل قائما بأمر الله إلى أن وثب عليه رجل حبشي في المسجد فقتله في يوم الاثنين من أيام رجب سنة 490ه. (مقدمة الأزهار). (¬2) محمد بن الحسن بن إبراهيم أبو عبدالله الأستراباذي وقيل: الجرجاني أحد أئمة الشافعية. مولده سنة 311ه. كان عالما بالقراءات ومعاني القرآن وأستاذا في الأدب، وفقيها فاضلا. شرح (التلخيص) لابن القاص في مجلد وصفه ابن قاضي شهبة في الطبقات بأنه شرح جليل عزيز الوجود. توفي سنة 380ه. عن 75 سنة. ا.ه. (طبقات الشافعية ج1/166) له ترجمة في وفيات الأعيان ج3/341. PageV01P276: (¬1) هكذا في الأصل ولم نعثر لها على أصل، وواضح أن المراد بالمرأز أو المراز، الحوض الذي تصب فيه الدلاء من البئر، والله أعلم. وفي القاموس: (رازه روازا، جربه، و.. الرجل ضيعته، أقام عليها وأصلحها، و.. ما عنده بمعنى طلبه وأراده.).ا.ه. PageV01P277: (¬1) في حديث حذيفة الآتي. PageV01P278: (¬1) رواه أبو داود والنسائي. العرق: بفتح العين المهملة وسكون الراء: العظم الذي عليه بقية من لحم. (¬2) عن علي عليه السلام قال: عاد رسول الله وأنا معه رجلا من الأنصار فتطهر للصلاة ثم خرجنا، فإذا بحذيفة فأومأ رسول الله فأقبل إليه، فأهوى رسول الله إلى ذراع حذيفة ليدعم عليها فنجشها حذيفة فأنكر ذلك رسول الله. فقال: ((مالك ياحذيفة))؟ قال: إني جنب، قال: ((أبرز ذراعك فإن المؤمن ليس بنجس)) ثم وضع يده على ذراعه وإنها لرطبة. حكاه في البحر عن أصول الأحكام وهو في الجامع الكافي عن رواية مسلم، ورواه أبو داود والنسائي مع اختلاف في اللفظ. (¬3) سيأتي في باب الحيض. (¬4) أخرجه الستة إلا البخاري. (¬5) سيأتي في باب الحيض. وهو في سنن أبي داود (258)، والبيهقي في السنن الكبرى ج1/313. PageV01P279: (¬1) حكاه في البحر وفي أصول الأحكام. (¬2) لعل في هذا حجة على صاحب هذا القول أكثر مما هو حجة له؛ لأن الحديث حصر نجاستهم على أنفسهم وليس على وجه الأرض منهم شيء. (¬3) أبو ثعلبة الخشني، (الخشني بخاء معجمة مضمومة وشين معجمة مفتوحة) اختلف في اسمه واسم أبيه، فقيل: جرثوم بن عمرو، على الأشهر. صحابي، قيل: كان أقدم ms457 إسلاما من أبي هريرة، روى الحديث عن النبي ، وعن: معاذ، وأبي عبيده. وروى عنه ابن المسيب، وعطاء، ومكحول، ومات في جوف الليل وهو ساجد، واختلف في تاريخ وفاته، فقيل: في أول إمرة معاوية والله أعلم. (تهذيب التهذيب). (¬4) ولفظ متنه: ((إن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها، فإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها)). قال في حاشية البحر: هذه إحدى روايتي الترمذي وأورد رواية للحديث عند أبي داود عن أبي ثعلبة الخشني بلفظ نحوه . PageV01P280: (¬1) صفوان بن أمية بن خلف بن وهب القرشي الجمحي المكي، صحابي من المؤلفة، أسلم بعد الفتح وكان غنيا كثير الأموال، مات أيام قتل عثمان، وقيل: سنة إحدى أو اثنتين وأربعين في أيام معاوية. (¬2) أخرجه البخاري ومسلم في ذكر غزوة تبوك، أن رسول الله أتي بامرأة مشركة معها مزادتان من ماء على بعير فاستنزلوها عن بعيرها ودعا النبي بإناء فأفرغ فيه من أفواه المزادتين ونودي في الناس: اسقوا واستسقوا، فسقى من شاء واستسقى من شاء. الحديث ا. ه. البحر. PageV01P281: (¬1) ثمامة بن أثال بن النعمان الحنفي اليمامي، سيد أهل اليمامة، حاول قتل النبي فمنعه عمه، ثم أسر قرب المدينة وأحضر إلى النبي فسأله: ما عندك يا ثمامه؟ فقال: إن تقتل تقتل ذا ذنب، وإن تعف تعف عن شاكر، وإن ترد المال تعط ما شئت. فعفى عنه. ثم أسلم وحسن إسلامه. ولما ارتد أهل اليمامة ثبت ثمامة، ثم آزر العلاء بن الحضرمي في قتاله المرتدين في البحرين حيث قتل الحطم فقتله قوم الحطم. (در السحابة 717). (¬2) أخرجه البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة. PageV01P282: (¬1) في الأصل: أسوارها. والصواب: آسارها. كما أثبته المؤلف في أول المسألة. PageV01P285: (¬1) تقدم في حديث ((إذا بلغ الماء قلتين)) فيما ينوب الماء من الدواب والسباع، وهذا الحديث جاء في أصول الأحكام والبحر والشفاء. (¬2) في الأصل: أسوارها. والصحيح آسارها كما أثبته المؤلف. (¬3) تقدم. PageV01P286: (¬1) كلمة (الكلاب) هنا، عطف على كلمة (السباع) في الحديث السالف المروي عن جابر. PageV01P287: (¬1) الإكاف: البردعة التي توضع على ظهر الحمار للركوب. (¬2) هذا الحديث حكاه في الاعتصام وفي شرح التجريد ms458 عن كبشة بنت كعب عن أبي قتادة، وحكي عن ابن حجر قوله: أخرجه الأربعة يعني: أبا داود والنسائي والترمذي وابن ماجة، ورواه مالك وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي. وفي البحر ((.. إنها من الطوافين عليكم والطوافات)). PageV01P288: (¬1) ولفظه عن عمار بن ياسر قال: مر بي رسول الله وأنا أسقي راحلتي فتنخمت فأصابتني نخامة فجعلت أغسل ثوبي، فقال رسول الله : ((ما نخامتك ودموع عينيك إلا بمنزلة الماء الذي في ركوتك، إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والدم والقيء والمني)). قال في حاشية البحر: وفي سنده ثابت بن حماد، ضعفه الجماعة، يعني البزار والطبراني وآخرين. PageV01P289: (¬1) بقية الحديث ((.. أو طعمه أو لونه)) وفي لفظ: ((.. إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه)). أخرجه ابن ماجة. وفي لفظ أخرجه البيهقي: ((.. إلا أن يتغير ريحه أو لونه أو طعمه بنجاسة)). PageV01P290: (¬1) في الأصل: ويحكم الحكم، ويبدو أن كلمة (الحكم) لا لزوم لها. (¬2) أبو بكر محمد بن داود بن محمد المروزي المعروف بالصيدلاني نسبة إلى بيع العطر. كان إماما في الفقه والحديث، وله مؤلفات منها شرح على المختصر في جزأين. توفي بعد 430ه، ولم نعثر على تحديد للسنة التي مات فيها. (طبقات الفقهاء 230، طبقات الشافعية برقم 175). PageV01P291: (¬1) كتاب في الحديث والفقه وهو مفقود حتى الآن. (¬2) ولفظه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) أخرجه البخاري ومسلم. وهو من الأحاديث المشهورة. PageV01P292: (¬1) أبو مروان عبدالملك بن عبدالعزيز الماجشون، أكثر ما يعرف ويذكر في كتب الفقه بابن الماجشون، من أعلام مدرسة مالك بن أنس، كان فقيها عالما. قال عنه يحيى بن أكثم: عبدالملك بحر لا تكدره الدلاء. (¬2) رواه البيهقي والحاكم في المستدرك والطبراني والهيثمي في مجمع الزوائد. (¬3) في الأصل: ولا شك. PageV01P293: (¬1) أي: والانتصار على ابن الماجشون. (¬2) قال في حاشية البحر ما لفظه: حكاه في الشفاء، ولم أقف عليه في كتب الحديث لكن قد ورد ms459 فيها ((لا وتران في ليلة، ولا تصلوا صلاة في يوم مرتين)). ا.ه. وأورد ((لا تصلوا صلاة في يوم مرتين)) في الروض النضير، وقال: رواه أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث سليمان بن يسار عن ابن عمر مرفوعا. (¬3) أي بين الحال التي يكون فيها عدد الطاهر أكثر، والتي يكونان فيها مستويين. PageV01P295: (¬1) حكاه في البحر والشفاء، وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)). ثم قرأ: {إن في ذلك لآية للمتوسمين}. أخرجه الترمذي. PageV01P297: (¬1) محمد بن المفضل بن سلمة بن عاصم الضبي البغدادي تفقه على ابن سريج، وكان موصوفا بالذكاء، صنف كتبا عديدة، توفي وهو شاب في المحرم سنة 308ه. (وله تراجم في طبقات الشافعية، وطبقات الفقهاء للشيرازي، ووفيات الأعيان وغيرها). (¬2) القاضي أبو العباس بن عمر بن سريج من فقهاء الشافعية ببغداد وكان يقال له: الباز الأشهب. قيل: إن فهرس كتبه تشتمل على أربعمائة مصنف. (¬3) أحدهما ما جاء في المختار، وهو عدم وجوب الإعادة، والآخر لم يذكره استغناء بما سبق، وهو أن الإعادة لما صلاه بالتيمم لازمة. PageV01P301: (¬1) هكذا في الأصل: والمراد (صلاتهم جميعا) واستخدم المؤلف كلمة (معا) بعد الجمع كما يستخدم التأكيد بكلمة (جميعا) بعد المثنى. وقد جاءت الأخيرة في القرآن الكريم في قوله تعالى: {قال اهبطا منها جميعا} و(معا) في الأولى ربما جاءت باعتبار الطرفين، والله أعلم. PageV01P306: (¬1) علي بن محمد الخليلي الزيدي، الجيلي، الشيخ الجليل، قال في المستطاب: هو من أتباع المؤيد بالله. أخذ عن القاضي يوسف، وله مؤلفات منها: (الجمع بين الإفادة والإفادات)، وله المجموع المشهور (المعروف بمجموع علي خليل). وهو مجلدان، كما روي عن الإمام المهدي، كان في أوائل المائة الخامسة. هكذا جاء في مقدمة الأزهار، ولم نعثر له على تاريخ محدد. (¬2) شريح بن المؤيد القاضي الجيلي أبو مضر، من أتباع المؤيد بالله من أعلام الزيدية، وله مؤلفات في الفقه منها: (أسرار الزيادات). عاش في المائة الخامسة للهجرة. وكتابه (شرح الزيادات) أحد مراجع الأزهار. PageV01P314: (¬1) الخريت، كسكيت: الدليل الحاذق. ا.ه. قاموس. PageV01P315: (¬1) روي عن ms460 جابر قال: بينما أنا عند رسول الله إذ جاءه ناس فقالوا: يا رسول الله إن لنا سفينة انكسرت، وإنا وجدنا ناقة سمينة ميتة، فأردنا أن ندهن بها سفينتنا، وإنما هي عود على الماء،. فقال رسول الله : ((لا تنتفعوا من الميتة بشيء)). هكذا جاء في البحر وفي أصول الأحكام. (¬2) أبو معبد عبدالله بن عكيم الجهني الكوفي، أدرك عهد رسول الله ولم يصحبه كما يفهم من ترجماته. من رواة الأحاديث، روى عن عدد من الصحابة، منهم: أبو بكر، وعمر، وحذيفة، وعائشة. قال البخاري: أدرك زمن النبي ولا يعرف له سماع صحيح، وقال نحو هذا أبو نعيم وابن حبان. قال ابن سعد: كان إمام مسجد جهينة، وأنه مات في ولاية الحجاج (مات الحجاج أميرا على العراق عام 95ه) ولم يذكر الحافظ ابن حجر ولا صاحب الطبقات تاريخا محددا لوفاته. (تهذيب التهذيب 5/283). (¬3) لفظه: عن عبدالله بن عكيم قال: قرئ علينا كتاب رسول الله بأرض جهينة وأنا يومئذ غلام شاب، يقول فيه: ((لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)). وفي رواية: أن رسول الله كتب إلى جهينة قبل موته بشهر وفي نسخة بشهرين: ((أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)). أخرجه أبو داود وللترمذي والنسائي نحوه. ا.ه. جواهر ج2/14، هامش البحر. PageV01P316: (¬1) أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث العامرية، زوج النبي ، تزوجها سنة سبع، روت عن النبي ، وعنها: ابن اختها عبدالله بن العباس، وآخرون. وقيل: كان اسمها برة. فسماها رسول الله ميمونة. توفيت بسرف حيث بنى بها رسول الله ، وهو مكان بين مكة والمدينة سنة 51ه على ما صححه الحافظ ابن حجر، وصلى عليها عبدالله بن العباس. (تهذيب التهذيب ج12/480). (¬2) عن ابن عباس أن رسول الله مر بشاة ميتة، فقال: ((هلا انتفعتم بإهابها))؟ قالوا: إنها ميتة، قال: ((إنما حرم أكلها)). هذه إحدى روايات البخاري ومسلم وله روايات أخر بألفاظ مختلفة. (¬3) أخرجه النسائي. (¬4) قال في الاعتصام: هذا الحديث رده البعض؛ لأن في بعض طرقه عكرمة مولى ابن عباس، وروي عن ابن حنبل أن عكرمة روى أحاديث ms461 منكرة، وقال ابن سعد: ليس بحجة، وربما جاء بالشيء المنكر. PageV01P317: (¬1) روى زيد بن علي، عن آبائه عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله : ((لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب)). فلما كان من الغد خرجت أنا وهو فإذا نحن بسخلة مطروحة على الطريق فقال : ((ما كان على أهل هذه...إلخ)) فقلت: يا رسول الله أين قولك أمس؟ فقال: ((ينتفع منها بالشيء)). رواه في شرح التجريد من طريق محمد بن منصور، عن أحمد بن عيسى، عن حسين بن علوان عن أبي خالد. وكذا في الاعتصام، وفي أصول الأحكام. وجاء في الاعتصام ما لفظه: قد قيل: إن المراد بالشيء الصوف، وقيل: إن المراد أن تذكى قبل أن تموت فينتفع بإهابها.ا.ه. ولا يظهر من الحديث إلا أن المراد هو الإهاب كما جاء بنصه في ((..لو انتفعوا بإهابها)). وقد أورد المؤلف الحديث عن جابر بن عبدالله كما سيأتي. PageV01P318: (¬1) على رأي القائلين بأن الدباغ يطهر جلد الميتة. PageV01P321: (¬1) في الأصل: من المقصود. (¬2) المسلوق ومنه المرق وكل ما طبخ من اللحوم. راجع القاموس ج2/540. (¬3) أي: في الماء الذي يصب في تلك المطهرة أو الحوض. PageV01P322: (¬1) شدة الضرب. ا.ه. قاموس. PageV01P324: (¬1) رواه البخار ي في صحيحه، ومسلم وغيرهما بعدة روايات. (¬2) في الأصل إلى. PageV01P325: (¬1) أم المؤمنين هند بنت حذيفة بن المغيرة المخزومية، تزوجها الرسول سنة 4ه على الصحيح بعد استشهاد زوجها أبي سلمة بن عبدالأسود في أحد، وهي من أشهر أمهات المؤمنين، وأوفرهن فضلا وعلما ورواية للحديث، توفيت في شوال سنة 59ه، وصلى عليها أبو هريرة، كما نقل ابن حجر عن الواقدي. ( التهذيب ج12/483). (¬2) رواه أحمد في مسنده، وجاء في سنن البيهقي وابن ماجة ومصنف عبدالرزاق بلفظ: ((إن الذي شرب)) وفي رواية البخاري ومسلم والموطأ: ((الذي يشرب...إلخ)). قال في حاشية البحر: والجرجرة: صوت وقوع الماء في الجوف. (¬3) أورده ابن منظور في مادة جر، ونسبه إلى الأغلب العجلي يصف هدير الفحل: وهو إذا جرجر بعد الهب ... جرجر في حنجرة كالجب وهامة كالمرجل المنكب ا ه. لسان ج4/131 PageV01P326: (¬1) في الأصل: المال. (¬2) هكذا في ms462 الأصل، وفي هامش الأصل ما لفظه: هو عود الغناء.ا.ه PageV01P327: (¬1) رواه البيهقي في سننه، وفي جامع المسانيد لأبي حنيفة. (¬2) رواه البيهقي في السنن الكبرى. (¬3) عرفجة بن أسعد بن كريب، وقيل: ابن صفوان التميمي، العطاردي، له صحبة، روى عنه ابنه طرفة، وابن ابنه عبدالرحمن بن طرفة، أنه أصيب أنفه يوم الكلاب، وفي إسناد حديثه خلاف. ا.ه. (تهذيب ج7/159). PageV01P328: (¬1) في الاعتصام: في الشفاء خبر: وروي أن رجلا ذهب أنفه فاتخذ أنفا من فضة فأنتن عليه فأمره رسول الله أن يتخذ ذلك من ذهب. وروي أن اسم هذا الرجل عرفجة بن أسعد. قطع أنفه يوم الكلاب. وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن عبدالرحمن بن طرفة أن جده عرفجة بن أسعد قطع أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه فأمره رسول الله فاتخذ أنفا من ذهب. ا.ه. ج4/412. PageV01P329: (¬1) الفأرة. (¬2) عن جابر قال: قال رسول الله : ((إذا استجنح الليل (أو كان جنح الليل) فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من الليل فخلوهم، وأغلق بابك واذكر اسم الله وأطفىء مصباحك واذكر اسم الله، وخمر إناءك واذكر اسم الله، ولو أن تعرض عليه شيئا، فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا، وأطفئوا المصابيح فإن الفويسقة ربما جرت الفتيلة فأحرقت أهل البيت)) أخرجه الستة إلا الموطأ. وعن جابر قال: قال رسول الله : ((غطوا الإناء وأوكوا السقاء فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء)) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود. ا.ه. جواهر. PageV01P331: (¬1) عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي، ثم المذحجي، القحطاني نسبا، المخزومي حلفا وولاء، كان هو وأبوه وأمه سمية من السابقين الأولين إلى الإسلام، المعذبين في الله حتى استشهد أبواه. شهد عمار جميع المشاهد مع رسول الله ، وكان مخصوصا بالبشارة والترحيب، وهو أحد الأربعة الذين تشتاق لهم الجنة. وفي الحديث الشريف: ((اهتدوا بهدي عمار)). وقال له رسول الله : ((تقتلك الفئة الباغية)). ولاه عمر على الكوفة. وشهد صفين ms463 مع أمير المؤمنين واستشهد بها. (مقدمة الأزهار). (¬2) والحديث عن أنس، رواه الدار قطني، وراية أخرى عن ابن عباس مع تقديم وتأخير في اللفظ. رواه البزار والطبراني، وروى أحمد بن حنبل، وابن ماجة، والحاكم عن أبي هريرة مرفوعا: ((أكثر عذاب القبر من البول)). (¬3) حكاه في البحر وجاء في جواهر الأخبار عن أبي السمح قال: كنت أخدم رسول الله فأتي بحسن أوحسين فبال على صدره فجئت أغسله فقال: ((يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام)). أخرجه أبو داود. ا.ه. ونحوه عن لبابة بنت الحارث. وجاء في الروض النضير: وعند الأئمة ومالك وأبي حنيفة أنه لابد من الغسل دون فرق بين الصغير والكبير والذكر والأنثى قياسا على سائر النجاسات وأولوا الحديث بالغسل غير المبالغ فيه.ا.ه ملخصا. PageV01P332: (¬1) وهو مروي عن ابن عباس. أخرجه الستة بروايات متعددة. PageV01P334: (¬1) جاء في الروض: حدثنا إبراهيم بن نافع، عن عمر بن موسى، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام عن النبي قال: ((لا بأس بأبوال الإبل والبقر والغنم وكل شيء يؤكل لحمه إذا أصاب ثوبك)). وهو مروي من عدة طرق. رواه في شرح التجريد وفي أمالي أحمد بن عيسى. (¬2) أبو عمارة البراء بن عازب بن الحارث الأنصاري، صحابي جليل، لم يشهد بدرا لصغر سنه، روى كثيرا من الأحاديث، كان مع علي في الجمل وصفين والنهروان. مات بالكوفة عام 71ه. (در السحابة 756). (¬3) حكاه في البحر وأصول الأحكام والشفاء من حديث جابر ومن حديث البراء بن عازب، وقال في جواهر الأخبار: إنه عزاه في التلخيص إلى الدارقطني ثم قال: وإسناد كل منهما ضعيف جدا. ا.ه. وزاد في الروض: لا تقوم بهما الحجة. (¬4) يظهر أن المقصود هو عبدالله بن الحسن المعروف بالكامل، وهو عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام، من أشهر علماء أهل البيت في عصره، وعرف بلقب الكامل؛ لما اجتمع فيه من صفات الكمال من علم وعبادة وزهد وجود وعقل ورأي، حبسه أبو جعفر المنصور مع إخوته سنة 144ه في سرداب ms464 تحت الأرض حتى توفي سنة 145ه. راجع الفلك الدوار، وطبقات الزيدية، وتاريخ الإسلام، وتاريخ بغداد، ومقاتل الطالبيين. ا.ه. فلك (بتصرف). (¬5) حكاه في البحر والشفاء والاعتصام. PageV01P335: (¬1) أخرجه الستة إلا الموطأ. والرواية: أن أناسا من عرينة اجتووا المدينة بمعنى: استوخموها. وقال في الروض: بأن هذا الحديث مدفوع بأنه محمول على التداوي أو منسوخ بالنهي عن المثلة. PageV01P338: (¬1) أخرجه البخاري والترمذي والنسائي. وجاء في حاشية جواهر الأخبار (للعلامة محمد بن يحيى بهران) ما لفظه: قال في النهاية: إنها ركس، هو تشبيه المعنى بالرجيع، يقال: ركست الشيء وأركسته، إذا رددته وأرجعته.ا.ه. PageV01P340: (¬1) حكاه في الدرر للسيوطي، والمشهور: ((إن الله جميل يحب الجمال)). رواه أحمد بن حنبل، والطبراني، والهيثمي. (¬2) الأرواث اليابسة. PageV01P343: (¬1) أي: كالدم الباقي في العروق بعد الذبح. PageV01P344: (¬1) رواه ابن حبان بلفظ: ((أحل لكم ميتتان ودمان)) وفي سنن الدار قطني بلفظ: ((أحل لنا من الدم دمان...إلخ)). وعزاه في أطراف الحديث إلى تاريخ بغداد للخطيب، والضعفاء للعقيلي بلفظ: ((أحل لنا من الميتة ميتتان...إلخ)). PageV01P346: (¬1) أي: سافحا. (¬2) في جواهر الأخبار ومجموع الإمام زيد والشفاء. PageV01P348: (¬1) الإمام عيسى بن زيدبن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو يحيى، كان وصي إبراهيم قتيل باخمراء، وطلبه أبو جعفر المنصور، فاختفى إلى أن مات، وسمي: مؤتم الأشبال؛ لأنه قتل أسدا وأيتم أشباله. خرج مع محمد بن عبدالله النفس الزكية، ومع أخيه إبراهيم، وكان حامل رايته، واستتر أيام المنصور والمهدي والهادي، ومات في أيامه، وهو والد الإمام أحمد بن عيسى بن زيد صاحب الهادي. قال أبو فرج الأصبهاني: كان عيسى أفضل من بقي من أهل بيته دينا، وعلما، وورعا، ويقينا، وأشدهم في مذهبه، مع علم كثير، ورواية للحديث وطلبه في صغره وكبره، ولد سنة 109ه. (انظر طبقات الزيدية (خ) ج2/190). PageV01P349: (¬1) المهدي العباسي، محمد بن عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس، ثالث خلفاء العباسيين، توفي سنة 169ه. PageV01P353: (¬1) حكاه في البحر وأصول الأحكام. PageV01P354: (¬1) أبو عبدالله سلمان الفارسي، صحابي جليل، اشتهر بهذا الاسم. قال عنه الشوكاني: كان نبيلا، حازما لبيبا، عاقلا، عابدا. توفي في ms465 المدائن، وهو أمير عليها سنة 35ه. وأصله من فارس من أصبهان، استعبده ركب من كليب وباعوه لرجل من بني قريضة فجاء به إلى المدينة فأسلم عندما قدم النبي إليها، وكان أول مشاهده الخندق، وهو الذي نصح رسول الله بحفر الخندق. قال عنه النبي : ((سلمان منا أهل البيت)). ليزيل ما قد يكون علق بنفسه عندما سمع البعض يتفاخرون بقبائلهم وأنسابهم، صحب النبي وخدمه، وحدث عنه. (¬2) وفي رواية: ((إن كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فهو الحلال أكله وشربه ووضوؤه)). حكاه في أصول الأحكام وجواهر الأخبار. (¬3) أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، أحد فقهاء خراسان في القرن الثالث الهجري، قيل عنه: إنه صنف كتبا في اختلاف العلماء وتعدد مذاهبهم لم يصنف أحد مثلها، واحتاج إليها الموافق والمخالف، مات بمكة سنة 310ه. (طبقات الفقهاء). (¬4) أبو بكر أحمد بن علي الرازي، الحنفي، قال المنصور بالله (عبدالله بن حمزة): لم يكن قبله ولا بعده في الفقهاء مثله، ورعا وتصنيفا، وزهدا، وحمل على أن يتولى فأبى من ذلك وتهدد فأبى. وله مصنفات كثيرة، وشرح كتب محمد بن الحسن (الشيباني)، وكان يأمر غيره بكتب كتب الفقه، ويكتب كتب الكلام (أصول الدين)، بخطه، ويقول: أتقرب إلى الله بذلك. ذكره المنصور بالله في طبقات المعتزلة، توفي سنة 370ه (مقدمة الأزهار). PageV01P355: (¬1) روي عن أبي واقد بلفظ: لما قدم رسول الله المدينة وهم يجبون أسنمة الإبل ويقطعون إليات الغنم يأكلون ذلك، فقال رسول الله : ((ما يقطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة لا يؤكل)). أخرجه الترمذي وله روايات أخر. PageV01P356: (¬1) بكسر الميم: القيح. ا.ه. قاموس ج1/636. (¬2) هي من: مكا يمكا. قال في القاموس : ومكيت بدن تمكى مكا: مجلت من العمل. (¬3) جاء الحديث في سؤال علي عليه السلام المقداد أن يسأل رسول الله عن المذي، فقال : ((إن كل فحل يمذي فإذا كان المني ففيه الغسل، وإن كان المذي ففيه الوضوء)). ذكره في شرح التجريد والاعتصام وأصول الأحكام، وجاء الحديث في مسند أحمد ومجمع الزوائد للهيثمي بلفظ: ((كل فحل ms466 يمذي فتغسل فرجك وأنثييك)). وأخرج أبو داود عن عبدالله بن سعد الأنصاري قال: سألت رسول الله عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء؟ فقال : ((ذلك المني وكل فحل...إلخ)). PageV01P358: (¬1) هكذا في الأصل، ولعل الصواب إضافة جملة: (رأي المؤيد بالله). التي يدل عليها الكلام ولعلها سقطت من الناسخ.ا.ه. PageV01P364: (¬1) رواه في جواهر الأخبار عن الانتصار. وأخرج أبو داود عن ابن عمر نحوه. والجبن: بضم الجيم وتسكين الباء الموحدة وبضمها وتضعيف النون، مفرده جبنه وهو الذي يؤكل. ا.ه لسان. PageV01P367: (¬1) عبدالله بن مغفل بن عبد نهم المزني، أبو سعيد، صحابي جليل، من أهل بيعة الرضوان، سكن المدينة، وكان أحد العشرة الذين أرسلهم عمر إلى البصره ليفقهوا الناس بها، وهناك مات سنة 57ه، وقيل: 61ه. وله أحاديث عن النبي ، وعن أبي بكر، وعثمان، وعبدالله بن سالم. (تراجم در السحابة 792 د.العمري). (¬2) أبو جعفر الإمام الباقر محمد بن علي بن الحسين السبط، الثبت، الثقة، أحد أعلام عصره، علما، وعبادة، واجتهادا، وجهادا في الله، لقب بالباقر لأنه بقر العلم بمعنى شقه، وكشف حقائقه، وأبان خفاياه، كونه من الرواد في علمي الأصول، ولد سنة56ه، وتوفي سنة 114ه. عده النسائي وغيره في فقهاء التابعين في المدينة. (¬3) رواه في المهذب والشفاء وجواهر الأخبار. PageV01P368: (¬1) قال في القاموس: وبنو مغالة: قوم.. ا.ه. PageV01P369: (¬1) الإمام المرتضى محمد بن الهادي يحيى بن الحسين الهادي بن القاسم بن إبراهيم. ولد سنة 278ه، وأخذ عن والده الهادي إلى الحق مؤلفاته وغيرهما، وكان عالما بالفقه وأصول الدين، وله من المؤلفات: كتاب (الإيضاح)، وكتاب (النوازل) في الفقه، وغيرها في علم الكلام وغيره. وكان زاهدا، ورعا، قام بالإمامة بعد أبيه، ثم تنحى عنها لأخيه الناصر بعد ستة أشهر، واشتغل بالعلم والعبادة حتى توفي في شهر المحرم سنة 310ه. (مقدمة الأزهار). PageV01P373: (¬1) روي عن أبي سلمة بن عبدالرحمن قال: سمعت أم سلمة قالت: سمعت رسول الله يقول: الحديث. حكاه في أصول الأحكام. ا.ه. جواهر. (¬2) عن ابن عباس أن رسول الله مر بشاة ميتة فقال: ((هلا انتفعتم بإهابها))؟ قال: إنها ميتة؟ قال: ((إنما ms467 حرم أكلها)). قال في جواهر الأخبار: هذه إحدى روايات البخاري ومسلم. ولهما ولأبي داود والترمذي روايات أخر. PageV01P376: (¬1) جمعها: الإذخر، وهو حشيش طيب الريح. ا.ه قاموس. (¬2) جاء في جواهر الأخبار عن التلخيص: فائدة: روى الدار قطني والبيهقي من طريق إسحاق الأزرق عن شريك عن محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس قال: سئل النبي عن المني يصيب الثوب، قال : ((إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق)) وقال: ((إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو إذخرة)).ا.ه. ملخصا. PageV01P378: (¬1) في الأصل: أعقبها بقوله. PageV01P379: (¬1) السرجين والسرقين بكسرهما: الزبل (روث البهائم).ا.ه قاموس. PageV01P382: (¬1) الزبل بكسر الزاي وسكون الباء، السرقين، كما جاء في اللسان، هو: الروث أو السماد الذي يكون من الروث.(الروث: فضلات الحيوانات). (¬2) التخفيف للمذي: بسكون الذال المعجمة وتخفيف الياء. (¬3) هذا الحديث مشهور، رواه جمهور المحدثين وأصحاب الصحاح عن علي عليه السلام، لما أمر المقداد أن يسأل النبي عن المذي؛ لأنه كان يغتسل منه. فقال رسول الله : ((إنما يكفيك أن تنضح فرجك وتتوضأ للصلاة)) وفي رواية: ((لا تفعل إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك)). الحديث وهو مروي بعدة ألفاظ وروايات، ومن طرق شتى. ا.ه. (¬4) الماء هنا: المذي. (¬5) على القائلين بطهارة المني. PageV01P383: (¬1) هذا الاستنتاج يبدو غير مقنع إذ معناه أن النبي أمر بإراقتها لنجاستها فقط، ولو لم تكن نجسة لأبقى عليها، وهذا غير وارد؛ لأن التحريم هو العلة أو السبب الأول لإراقتها، وهو الحكم القطعي بإجماع الأمة. بينما الاستدلال على نجاستها من التحريم فرعي وظني وهو لا يزال موضع الخلاف. وكذلك القول بأنها لو لم تكن نجسة لم يأمر باجتنابها. إذ إن الحكم هنا معكوس. بمعنى أن الدلالة في الآية الكريمة هي واردة في الأصل على نجاسة الخمرة، وأنه يستفاد من الحكم أو يترتب عليه أو يتفرع عنه تحريمها. وهذا ما لم يقصده المؤلف وإن كان يفهم من كلامه، وإلا فلربما لزم أن تكون علة الأمر في قوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور}. هي نجاسة الأوثان وقول الزور، وكذا حال الميسر والأنصاب والأزلام، في آية ms468 الخمر، وغيرها مما ورد فيها الأمر بالاجتناب أو النهي عن الاقتراب. مثل: {ولا تقربوا الفواحش} {ولا تقربوا مال اليتيم} {ولا تقربوا الزنا}. وهو موضوع يحتاج إلى مزيد من التأمل والبحث. PageV01P384: (¬1) ربيعة بن أبي عبدالرحمن فروخ التيمي، المدني، مولى آل المنكدر، إمام، فقيه، مجتهد، بصير بالرأي، ولذلك عرف بربيعة الرأي، مفتي المدينة، سمع السائب، وأنسا، وغيرهما (واسم أبيه فروخ). وهو شيخ مالك، قال ابن حجر: ثقة، فقيه، مشهور، من الطبقة الخامسة. توفي سنة 136ه بالمدينة. (مقدمة الأزهار، تهذيب التهذيب). PageV01P386: (¬1) تتمة الحديث: ((.. اللهم إني لا أحل مسكرا)).. كما أورده في الاعتصام نقلا عن الأحكام عن علي عليه السلام. أخرجه الستة. PageV01P387: (¬1) أخرجه أبو داود والترمذي. وفي حديث آخر عن أبي سعيد قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت المائدة سألت رسول الله عنه، فقلت: إنه ليتيم. فقال: ((أهرقه)). أخرجه الترمذي. (¬2) راجع جواهر الأخبار وفتح الغفار. (¬3) أخرجه الترمذي عن أنس، ولفظه كما جاء في الاعتصام ج4/391 قال: لعن رسول الله في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وواهبها، وآكل ثمنها. وأخرج أبو داود نحوه عن ابن عمر بلفظه، عدى أنه لم يذكر (وواهبها، وآكل ثمنها). PageV01P388: (¬1) قال ابن منظور: واضطبع الشيء: أدخله تحت ضبعيه والاضطباع الذي يؤمر به الطائف بالبيت.. أن تدخل الرداء من تحت إبطك الأيمن وتغطي به الأيسر، كالرجل يريد أن يعالج أمرا فيتهيأ له. ا.ه. لسان. PageV01P389: (¬1) هو زيد بن سهل بن الأسود النجاري الأنصاري، صحابي، من الشجعان الرماة، ولد في المدينة، ومات بها سنة 34ه - 654م. عن سبعين سنة، وهو أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة، شهد بدرا والمشاهد كلها، وكان ردف النبي يوم خيبر، روى عنه: ربيبه أنس بن مالك، وزيد الجهني، وابن عباس. ا.ه. (در السحابة للشوكاني). PageV01P391: (¬1) أخرجه مسلم (1621/ 1622) ورواه أحمد في مسنده ج3/301، والبيهقي في السنن الكبرى ج7/280 . وروي بروايات متفرقة. (¬2) لعل الصواب: فإنها. PageV01P392: (¬1) هذا الحديث نقله المنصور بالله القاسم بن محمد في الاعتصام عن الشفاء بلفظ: ((العائد في هبته كالعائد في قيئه)). ا.ه ms469 ج4/406. وسيأتي في موضعه. (¬2) هكذا في الأصل أسقط الدم وأضاف المذي، بينما في الروايات السالفة كلها في حديث عمار، ذكر الدم مع البول والغائط والقيء والمني دون المذي وقد سلف إثبات نجاسة المذي في حديث علي. ا.ه. PageV01P395: (¬1) حكاه في أصول الأحكام ونسبه في التلخيص إلى الدارقطني والبيهقي في حديث ابن عباس بلفظ: ((الوضوء مما خرج وليس مما يدخل)). ثم ضعف إسناده. ا.ه ج2/86 (بحر، جواهر) (¬2) أورده في الجواهر عن علي عليه السلام قال: قلت: يا رسول الله، الوضوء كتبه الله علينا من الحدث فقط؟ قال: ((لا بل من سبع: من حدث، وبول، ودم سائل، وقيء ذارع، ودسعة تملأ الفم، ونوم مضطجع، وقهقهة في الصلاة)). حكاه في أصول الأحكام والشفاء. ا.ه. ج2/15. PageV01P397: (¬1) كانت السين المهملة في مصطلح القدماء، تعجم بثلاث من تحت، مقابل تثليث الشين المعجمة من فوق كما مر في المقدمة. (¬2) أبو عبدالرحمن الخليل بن أحمد الأزدي الفراهيدي، ويقال: الباهلي، صاحب العروض (بحور الشعر) وكتاب (العين) في اللغة (طبع في ثمانية مجلدات). وهو علم من أعلام اللغة العربية، وأول من وضع علم العروض وله مذهب معروف في اللغة. وروي: أنه كان يرى في الفقه رأي الإباضية حتى من الله عليه بمجالسة أيوب بن المتوكل. قال عنه النضر بن شميل: ما رأيت أحدا يطلب إليه ما عنده أشد تواضعا منه. ونقل الحافظ بن حجر عن إبراهيم بن إسحاق الحربي: أن علماء العربية بالبصرة كانو أصحاب أهواء إلا أربعة كانو أصحاب سنة: أبو عمرو بن العلاء، والخليل، ويونس بن حبيب، والأصمعي. وثقه ابن حبان، ووصفه بالزهد والتقشف، توفي سنة 175ه على الأصح. (تهذيب التهذيب ج3/141). (¬3) سيأتي في باب الصلاة. PageV01P398: (¬1) أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر النجاري، الخزرجي، الأنصاري، صاحب رسول الله ، وخادمه إلى أن قبض، ولد بالمدينة، وأسلم صغيرا، وروى أكثر من 120 حديثا، رواها عنه كثيرون من عدة طرق. رحل إلى دمشق ومنها إلى البصرة حيث مات بها. PageV01P403: (¬1) داس: بمعنى صقل وجلا. ا.ه لسان. PageV01P408: (¬1) في الأصل: عند. (¬2) يعني التطهير. (¬3) الوضوء ms470 والغسل. PageV01P409: (¬1) عن أنس قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ، جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله : مه مه. فقال رسول الله : ((لا تزرموه دعوه)). فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله دعاه فقال له: ((إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر إنما هي للصلاة وذكر الله وقراءة القرآن)). أو كما قال. وأمر رجلا فجاء بدلو من ماء فشنه عليه. أخرجه البخاري ومسلم والنسائي. مه: اسم فعل. بمعنى: اكفف. وزرم الشيء: قطعه. وأراد بها: (لا تقطعوا درة أخيكم). كما جاء في رواية أخرى. (¬2) يقصد: قابلة لوقوع النجاسة عليها. PageV01P412: (¬1) قال في جواهر الأخبار: وفي رواية: ((إذا وطئ الأذى بخفيه فطهورهما التراب)). أخرجه أبو داود. وفي رواية أخرى نحوه عن أبي سعيد من حديث أخرجه أبو داود أيضا. PageV01P413: (¬1) وروى أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي عن عائشة، وروى ابن ماجة عن أبي أمامة عن النبي أنه قال: ((السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)). ورواه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس وزاد: ((ومجلاة للبصر)). ا.ه اعتصام. (¬2) سبقت الإشارة إليه في الحديث السابق، وهو عن أبي سعيد الخدري بلفظه. PageV01P415: (¬1) هكذا في الأصل من غير عجم لحروفها. PageV01P416: (¬1) أخرجه أبو داود والترمذي بلفظ: ((إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين. صبوا عليه سجلا من ماء، أو قال: ذنوبا من ماء)). ا.ه. السجل بفتح السين المهملة وسكون الجيم: الدلو الملأى ماء. والذنوب بفتح الذال المعجمة: الدلو العظيمة. ا.ه. جواهر. PageV01P418: (¬1) في نسخة [و]: فلا نسلمه في غيره. والمعنى واحد. ا.ه. (¬2) روت عن أبي قتادة، وكانت زوجة ابنه عبدالله، في الوضوء من سؤر الهرة، وعنها بنت أختها حميدة بنت عبيد بن رفاعة. (تهذيب التهذيب ج12/475). (¬3) أبو قتادة الأنصاري السلمي، صاحب رسول الله ، واسمه: الحارث بن ربعي، وقيل: النعمان، وقيل: غير هذا، ابن بلدمة بن خناس السلمي المدني. من مشاهير الصحابة، ورواة الحديث. روى إياس بن سلمه عن أبيه أن النبي قال: ((خير فرساننا أبو قتادة)). توفي بالكوفة سنة 54ه. عن 70سنة. (تهذيب التهذيب 12/224). ms471 (¬4) يعني بفضل الهرة أو مما شربت الهرة منه، ولفظه: عن عائشة أن النبي كان يصغي الإناء للهرة ويتوضأ بفضله. حكاه في جواهر الأخبار وفي أصول الأحكام والشفاء .ا.ه. PageV01P421: (¬1) الزعفراني: أبو علي الحسن بن محمد بن الحسين الزعفراني نسبة إلى قرية بقرب بغداد اسمها زعفرانه. كان إماما في اللغة، وهو أثبت رواية القديم للشافعي، وكان راوية له، وهو الذي يتولى القراءة عليه. مات يوم الإثنين من شهر ربيع الآخر سنة259ه. (تهذيب التهذيب ج2/275، طبقات الفقهاء 191). PageV01P422: (¬1) المؤيد بالله. PageV01P423: (¬1) أبو إسحاق النظام: إبراهم بن سيار النظام البصري المعتزلي. قال الإمام المهدي في شرح الملل والنحل: قيل: إنه كان لا يكتب ولا يقرأ وقد حفظ التوارة والإنجيل والزبور مع تفسيرها. قال الجاحظ: ما رأيت أحدا أعلم في الفقه والكلام من النظام. وهو من الطبقة السادسة من المعتزلة. ا.ه وسمي نظاما؛ لأنه كان ينظم الكلام، وقيل: كان ينظم الخرز، توفي سنة بضع وعشرين ومأتين. وهو من ألمع الأعلام الذين يتكرر ذكرهم والاستشهاد بآرائهم في علم الكلام في مؤلفات المعتزلة. PageV01P425: (¬1) سيأتي في المواريث. PageV01P426: (¬1) سيأتي في كتاب الجنائز. PageV01P430: (¬1) معط: بميم وعين مهملة فطاء مهملة، نتف (الشعر). ا.ه قاموس. ملخصا. (¬2) تقدم، ولفظه حكاه المؤيد بالله في (شرح التجريد)، والشافعي وأحمد وأصحاب السنن والحاكم والدارقطني والبيهقي من حديث أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال (ص): ((إن الماء طهور لا ينجسه شيء)). واللفظ للترمذي، وقال: حديث حسن غريب، وجوده أبو أسامة، وصححه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وابن حزم كذا في (التلخيص)، وقال فيه: وقد جزم الشافعي بأن بئر بضاعة كانت لا تتغير بإلقاء النجاسات لكثرة مائها. ا.ه ملخصا من (الروض). (¬3) سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير أبو دأود الأزدي السجستاني، صاحب السنن، عالم في الحديث، رحل وطوف، وجمع وصنف، وكتب عن أمم، ولد سنة 202ه، ومات سنة 275ه. (تاريخ بغداد ج9/75، تهذيب التهذيب). PageV01P431: (¬1) هو عبدالله بن الزبير بن العوام بن خويلد، أول ms472 مولود في الإسلام بعد الهجرة، بويع له بالخلافة في مكة. قال الشيرازي: ولا يبايع على الخلافة إلا فقيه، مجتهد، وكان قد دعا إلى نفسه أيام عبدالملك بن مروان فسلط الحجاج عامله على البصرة فقاتله وقتله وصلبه في مكة سنة 73ه، أمه الصحابية أسماء بنت أبي بكر (ذات النطاقين). PageV01P435: (¬1) مجموع في الحديث والفقه. PageV01P437: (¬1) المد: السيل. وارتفاع النهار... إلخ. ا.ه. قاموس. PageV01P440: (¬1) في الأصل: إنما هو. PageV01P448: (¬1) وفي هذا ما روي عن ميمونة أن رسول الله سئل عن فأرة وقعت في السمن. فقال: ((ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم)). أخرجه البخاري، وفي رواية عن أبي هريرة أن رسول الله ، قال: ((إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه)). أخرجه أبو داود. ا.ه. من (جواهر الأخبار). PageV01P449: (¬1) في الأصل: يصفو. PageV01P451: (¬1) المصاب بالحمى. PageV01P453: (¬1) أخرجه أبو داود، وحكاه في (جواهر الأخبار). PageV01P455: (¬1) أي: بماء الغسالة. PageV01P457: (¬1) يقصد: بالاستحالة. (¬2) أم عبدالله أسماء بنت عميس بن معبد الخثعمية، من أشهر راويات الحديث، وهي زوج جعفر الطيار (ابن أبي طالب)، وهاجرت معه إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وبعد استشهاده في مؤته تزوجها أبو بكر، وبعد وفاته تزوجها الإمام علي، وعاشت بعد استشهاده. حدث عنها: ابنها عبدالله بن جعفر، وسعيد بن المسيب، وعروة، والشعبي. (در السحابة). (¬3) عن أسماء بنت أبي بكر قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله فسألته عن المرأة يصيب ثوبها من دم الحيض؟ فقال: ((تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه)). أخرجه الستة. والحديث كما أورده المؤلف هو بلفظ رواية النسائي أن امرأة استفتت النبي (ص) عن دم الحيض يصيب الثوب، قال: ((حتيه ثم اقرصيه بالماء ثم انضحيه وصلي فيه )). هكذا في (جواهر الإخبار). PageV01P458: (¬1) جاء في هامش الأصل تعليقا على هذا التعريف ما لفظه: الفرصة بالفاء: قطعة صوف تتتبع بها المرأة آثار الحيض، ولا مدخل لذكرها هاهنا، فأما القرص (بالقاف) فهو جمع الثوب بالأصابع وغسله. والله أعلم. ا.ه. PageV01P459: (¬1) البرسام: بالكسر علة يهذى فيها. ا.ه قاموس. والمحرور: المصاب بالحمى، والمعنيان متقاربان. (¬2) في الفقه منه ms473 خمس نسخ مخطوطة بمكتبة الجامع الكبير بصنعاء. (¬3) كتاب في الفقه. PageV01P460: (¬1) شرح التجريد للمؤيد بالله، وشرح التحرير لأبي طالب، منها عدة نسخ مخطوطة بمكتبة الأوقاف. (¬2) خولة بنت يسار صحابية. راوية للحديث. روت عن النبي ، وروى عنها أبو سلمة بن عبدالرحمن كما في الاستيعاب. وهناك شك لدى أصحاب التراجم بأنه قد تكون هي وصحابية أخرى اسمها خولة شخصية واحدة، لأن إسناد حديثهما واحد. قال ابن حجر: لا يلزم من كون الإسناد إليهما واحد مع اختلاف المتن أن تكونا واحدة...إلخ. راجع (الإصابة)، و(الاستيعاب)، و(أعلام النساء). (¬3) قال العلامة ابن بهران في (جواهر الأخبار) بعد أن أورد هذا الحديث: هكذا في (الانتصار)، وأخصر منه في (المهذب) ثم أورد لفظه عن (التلخيص)، ثم قال: رواه أحمد وأبو داود في رواية ابن الأعرابي، والبيهقي من طريقين عن خولة، وفيه ابن لهيعة، قال إبراهيم الحربي: لم نسمع بخولة بنت يسار إلا في هذا الحديث، ورواه الطبراني في الكبير من حديث خولة بنت حكيم وإسناده أضعف من الأول .ا.ه ملخصا. (¬4) عزاه في (جواهر الأخبار) إلى (الانتصار). ثم أورد ما جاء في (التلخيص) بسنده عن ابن عباس قال: سئل النبي عن المني يصيب الثوب. قال: ((إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق)). وقال: ((إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو إذخرة)). وقد روي الحديث عن ابن عباس مرفوعا وموقوفا. ا.ه. (¬5) رواه في مسند الشافعي ج1/155، وأبو داود (393)، وفي مسند أحمد ج6/355 وغيرهم كالبيهقي وابن أبي شيبة وفتح الباري ج1/334 بلفظ: ((حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر)). وفي رواية أحمد: ((حكيه ولو بضلع)). PageV01P462: (¬1) أم الصهباء معاذة بنت عبدالله العدوية، امرأة صلة بن أشيم. روت عن علي عليه السلام وعائشة وغيرهما، وثقها ابن معين، وابن حبان في (الثقات)، وهي موصوفة بالعبادة. وقال ابن الجوزي: توفيت سنة83ه. (تهذيب التهذيب ج12/479). PageV01P464: (¬1) ولفظ الحديث ما رواه المؤيد بالله في شرح التجريد بسنده عن عبدالله بن المغفل أن رسول الله قال: ((إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب)). حكاه في الاعتصام وأصول الأحكام والشفاء. (¬2) رواه أحمد ms474 في مسنده بلفظ: ((اقتلوا الأسود البهيم)). وفيه روايات بألفاظ مختلفة تشمل الأمر بقتل الأسودين: (الكلاب والحيات)، وبقتل الكلاب وبقتل الحيات بالنص على تسميتها. والبهيم: الأسود الخالص. PageV01P467: (¬1) رأينا تقديم جملة (كما كان الجاهلية يفعلون) بعد جملة (في أكثر أحوالهم) لتكون بعيدة عن فهم معناها على عكس حقيقته، كما كانت عند مجيئها بعد جملة: (فورد الشرع في أول الإسلام بالبعد عنها والتقذير لأحوالها).ا.ه. (¬2) أي: على الغسل بالتراب. PageV01P469: (¬1) هذا الحديث جاء في مهذب الشافعية، وفي التلخيص نحوه عن ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي أن عائشة قالت: ربما حتته من ثوب رسول الله وهو يصلي، ورواه ابن حبان عن عائشة، وهناك روايات أخرى عن عائشة بلفظ: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله فيصلي فيه. وهذه الرواية لأبي داود. قال في (جواهر الأخبار) في نهاية استقرائه لروايات من هذا الحديث، ما لفظه (تنبيه): استغرب النووي هذه الرواية ولم يعزها لأحد في شرح المهذب. والله أعلم.ا.ه. (¬2) في نسخة [و]: فيجب. PageV01P470: (¬1) قال ابن الجوزي في (التحقيق): هذا الحديث لا يعرف بهذا السياق وإنما نقل أنها - يعني عائشة - كانت تفعل ذلك. رواه الدارقطني وأبو عوانة في صحيحه وأبو بكر البزار، كلهم من طريق الأوزاعي، عن عمرة عن عائشة. ا.ه . ملخصا من (جواهر الأخبار). (¬2) في نسخة [و]: عقيب. PageV01P471: (¬1) حكاه في (جواهر الأخبار) عن (الانتصار). (¬2) حكاه في (التلخيص) وفي رواية أخرى للحاكم والدارقطني والطبراني وأبي نعيم من حديث أبي مالك النخعي بسنده عن أم أيمن قالت: قام رسول الله من الليل إلى فخارة في جانب البيت، فقمت في الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها وأنا لا أشعر، فلما أصبح النبي قال: ((يا أم أيمن قومي فأهرقي تلك الفخارة)). قلت: قد والله شربت ما فيها، فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: ((أما والله إنه لا تجعن بطنك أبدا)). وفي رواية لعبد الرزاق أن المرأة خادم لأم حبيبة يقال لها بركة. فما مرضت قط حتى ماتت. وقيل: إنهما قضيتان حدثتا لامرأتين.ا.ه. ملخصا من (جواهر الأخبار). أم أيمن هي أم أسامة بن زيد. ms475 (¬3) رواه ابن حبان بسنده عن ابن عباس. وفي رواية أن الرسول قال له بعد ما شرب الدم: ((لا تعد، الدم حرام كله)). وتتجع: تصاب بالوجع.ا.ه قاموس. PageV01P472: (¬1) فاطمة بنت أبي حبيش، واسمه قيس بن المطلب بن أسد بن عبدالعزى، صحابية، مهاجرة، روت عن النبي حديث الاستحاضة، وعنها: عروة بن الزبير، ونقل ابن حجر أنه صلى على جنازتها العباس، وقيل: علي، ا.ه. تهذيب ج12/469. (¬2) حكاه في أصول الأحكام والشفاء وهو مروي عن عائشة، وكذا في الاعتصام عن عروة عن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش...إلخ. PageV01P474: (¬1) الناصري والمنصوري، أتباع مذهب الناصر والمنصور بالله. ms476