######OpenITI# #META#Header#End# ### | بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم قال الشيخ الفقيه الأستاذ الأوحد المتخلص المتصوف المتفني الصالح الأفضل أبو عثمان سعيد بن الشيخ أبي جعفر أحمد بن إبراهيم ابن ليون التجيبي رحمه الله تعالى ورضي عنه آمين الحمد لله الذي جعل الفقر حلية أوليائه وصفوته، ونورهم بأنوار معرفته ورحمته، وفجر ألسنتهم بينابيع حكمه وحكمته، وطهرهم من الأدناس بما اختصهم به من لطفه ونعمته، وحجب بعض الكبراء منهم أن يعرفوا وتلك سنته ولا تبديل لسنته ، والصلاة التامة على سيدنا محمد الذي اختار الفقر وأشاد بمزيته ، وشيد الحنيفية السمحة بخلقه العظيم وسيرته، والرضا عن أصحابه وآله وعترته : وبعد : فهذه إشارة إلى ما يعتمده الفقراء المتجردون من الصوفية في طريقهم اقتطفتها من رسالة الشيخ الصوفي أبي الحسن الششتري رحمه الله لمن رغب ذلك PageV01P039 مني بحفظ طريقهم، وليعد من حزبهم الطاهر وفريقهم، وصححت له الأكثر ما تضمنته الأحاديث النبوية وقربت له ما حوته من الآثار الصوفية وأكثر ذلك من صفوة التصوف للإمام أبي الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي ومن عوارف المعارف للإمام شهاب الدين أبي عبد الله وأبي حفص عمر بن محمد بن عبد الله البكري السهروردي (بضم السين) رحمه الله . على أني لم أخذ من عيون رسالته إلا النواظر ولم أقتطف من حدائق روضاته إلا الأزاهر ، وخالفت ترتيبه في مواضع قصدا للمناسبة والتيسير، وسقت كلامه بلفظه في الأكثر من غير زيادة عليه تحاميا من التطويل والتغيير ، لكن قيدت ضبط بعض الكلام وفسرت معنى لفظ بينهم وكملت في مواضع بعد تثبت معنى لم يتم ورتبت ألفاظ العلم الآخر منها على حروف المعجم ليكون النظر فيها لمن ابتغى لفظه منها أيسر وأحكم، وسميتها الإنالة العلمية من الرسالة العملية في طريقة الفقراء المتجردين من الصوفية . وقد قدمت من التعريف بالمصنف رحمه الله ما يبين رتبته ويبدي سيرته PageV01P040 ### | التعريف بالمصنف رحمه الله هو الإمام الصوفي المتجرد أبو الحسن علي بن عبد الله النميري الششتري الأندلسي ، وششتر بشينين معجمين أولاهما مضمومة والثانية ms01 ساكنة بعدها تاء مثنات فوقية معجمة ثم راء، من عمل واد آش، وزقاق الششتري معلوم بها وششتر أيضا من مدن العراق. جال الآفاق ولقي المشايخ وسكن الرباط وحج حجات ، وآثر التجرد والعبادة واجتمع بالنجم بن إسرائيل الدمشقي الإسرائيلي الفقير ، سنة خمسين وستمائة. قال لقيه وهو على قدم التجرد، وله أشعار وأذواق في طريق القوم . قال وكان من الأمراء وأولاد الامراء فصار من الفقراء وأولاد الفقراء . وذكره القيسي ابو العباس أحمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي الغبريني قاضي بجاية في كتابه : عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة بمدينة بجاية ، فقال : الفقيه الصوفي الصالح لعابد أبو الحسن الششتري من الطلبة المخلصين والفقراء المنقطعين ، PageV01P041 له علم بالحكمة ودراية بطريق الصوفية ، وله تقدم في النظم والنثرعلى طريقة التحقيق، وأشعاره في ذلك وتواشيحه ومقفياته وأزجاله غاية في الانقطاع، وكان كثيرا ما يجود عليه القرآن. وظهرت له كرامات منها أنه نادى يوما يا أحمد وهو مع أصحابه ببرية قابس، فقال أحدهم : من أحمد هذا قال : من تسرون به غدا، فلما ورد بالغد بلدة قابس، وجدوا أحمد قد جاء من الأمس ، فقال : صافحوا أخاكم المنادى بالأمس . ودخل عليه ببجاية أبو الحسن بن علي من أمنائها، وهو يذاكر في العلم فأعجبته طريقته فنوى أن يؤثر الفقراء من ماله بعشرين دينارا، ثم ساق شطرها وحبس الثاني ليزودهم به ، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ومعه أبو بكر وعلى رضي الله عنهما، فقال ادع الله لي يا رسول الله، قال لأبي بكر : اعطه فأعطاه نصف رغيف كان بيده، فقال له الشيخ في الغد : لو أتيت بالكل لأخذت الرغيف كله. وله كتاب العروة الوثقى في بيان السنن وإحصاء العلوم ، وما يجب على المسلم أن يعلمه ويعتقده إلى وفاته. ومنه اختصر رسالته التي اقتضبت الإشارة منها . وله المقاليد الوجودية في أسرار إشارات PageV01P042 الصوفية . وله الرسالة القدسية في توحيد العامة والخاصة . والمراتب الإسلامية والإيمانية والإحسانية . وله غير ذلك. ومن شعره قصيدته التي أولها : أرى ms02 طالبا منا الزيادة لا الحسنى بفكر رمى سهما فعدي به عدنا سبعون بيتا. وقصيدته التي أولها: أيا سعدى قل للقس من داخل الدير أذلك نبراس أم الكأس بالخمر سبعة وثلاثون بيتا. وقصيدته التي أولها: لأخلعن عذارى في محبتكم بحولكم لا بحول لي ولا حيل أحد عشر بيتا . ونظمه في التحقيق كثير . أخذ عن القاضي أبي القاسم محمد بن محمد بن إبراهيم بن الحسين بن سراقة الأنصاري الشاطبي وعن غيره من أصحاب السهروردي صاحب العوارف وغيرهم. وعمدته في طريق التصوف الشيخ عبد الحق بن سبعين. ومن كلام الغبريني وغيره أنه لما وصل للشام ساحل دمياط وهو مريض ، نزل قرية هناك على قرب منها على ساحل البحر الرومي يصطاد فيها السمك، فقال : ما اسم هذه القرية ? . قيل الطينة ، قال : حنت الطينة إلى الطينة ، ووصى أن يدفن مقبرة دمياط لأن الطينة في مفازة بالرمل، ودمياط أقرب المدن إليها، فحمله الفقراء على أعناقهم ، فتوفي بها يوم الثلاثاء سابع عشر صفر الخير عام ثمانية وستين وستمائة، ودفن مقبرة دمياط. PageV01P043 كلام المصنف في صدر الرسالة قال : إني لما رأيت إنكار المباح على الفقراء المتجردين والتسليم فيما لا يجب للكبراء المترفين حتى سبق للجهلة سوء ظن بأرباب الخرقة ومن تزيا بها من المنتحلين من فطعه عن رتبتهم بعد الشقة، ثم رأيت من ضرب لهم بسهم في محبتهم أو أقامه الله في خدمتهم ربما نقصهم، وعنده من هو فيهم من المبغضين وأظهره الشيطان في زي الصالحين وهيئة الناسكين ، فنطقوا فيهم بالزائد والناقص وعمروا الأوقات في ذكرهم بالغيبة والنقل الفاسد، أجليت ما خفي من أمورهم عن المتقدمين ، وأظهرت ما بنوا عليه مناهجهم من السنن كالصبح المبين إذ هم أطوع الناس للسنة والكتاب ، وأبعدهم من الخطأ وأقربهم للصواب، ودللت على ذلك في عشرة أعلام : أ - قي أصل طريقهم. ب - في تجريدهم وظهورهم بالسنة ومكارم الأخلاق وظهور غيرهم بحليتهم وخفائهم عن الناس . ج - في أصل الإنكار عليهم من أين نشأ. د - في الانفصال عما أنكر عليهم. ه- في السماع ولواحقه. و- وفي علومهم ms03 وفي عبادتهم وأين هم من الصوفية. ت - في المشيخة والخدمة والتربية . ص - في آدابهم . ط - في توحيدهم. ي - في الألفاظ الدائرة بينهم. PageV01P044 ### | العلم الأول: في أصل طريقتهم لاخفاء أن الفقراء المتجردين من الصوفية هم الذين ورثوا رتبة أهل الصفة ، في الجلوس في المساجد والرباط والتجرد ، وقلة التسبب. والصفة - بضم الصاد وشد الفاء - سقيفة كانت في مسجده عليه السلام ، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : لقد رأيت سبعين رجلا من أهل الصهة ما منهم رجل عليه رداء اما إزار (أو بردة) وإما كساء قد ربطوه في أعناقهم فمنها : ما يبلغ نصف الساقين ومنها ما يبلغ الكعبين ، فيجمعه بيده كراهة أن ترى عورته. والناس اليو ينكرون على الفقراء هذه الصفة وهي سنة ، لأن السنة في عرف الشرع ما أقره عليه السلام أو علمه أو عمله. وكان عليه السلام يحسن إليهم ويؤنسهم ولم يأمرهم بتكسب، وفي صحيح مسلم عن أنس قال : جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه أن ابعث معنا رجالا يعلمون القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القراء. فيهم خالي حرام ، بحاء مهملة وراء ، يقرأون القرآن ويتدارسون بالليل ويتعلمون، PageV01P045 وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه بالمسجد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة والفقراء، فبعثهم إليهم فعرضوا لهم في الطريق فقاتلوهم قبل أن يبلغوا المكان . فهؤلاء لم ينههم النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا نهى القراء عن خدمتهم ، وفي صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن أبي بكر أن أصحاب الصفة كانوا أناسا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قال : من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ومن كان طعام أربعة فليذهب بخامس أو بسادس أو كما قال، وأن أبا بكر جاء بثلاثة وانطلق النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة فصح أنهم كانوا فقراء متجردين يقرأون في المسجد غير متسببين وهذه صفة الفقراء المتجردين اليوم. وقال أبو طلحة : كنا نأتي المدينة فمن كان له بها عريف نزل عليه وإلا نزل ms04 بالصفة . وكان الراتبون بالصفة نحو أربعمائة رجل منهم أبو هريرة والأعمى بن أم مكتوم وصهيب وسلمان وخباب وبلال رضي الله عنهم . وكان عليه السلام يفضل الفقراء على الأغنياء وكذلك جميع الأنبياء عليهم السلام، وقال :إنهم أكثر أتباع الأنبياء. وروى البخاري في قصة هرقل ملك الروم أنه لما سأل أبا سفيان بن حرب عن الفقراء النبي صلى الله عليه وسلم هل يتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم ? قال : فقلنا بل PageV01P046 ضعفاؤهم. قال : كذلك الأنبياء، فتبعية الفقراء من علامات النبوءة. والمؤمنون به عليه السلام منهم من قام بالجهاد، ومنهم من قام بالزراعة، ومنهم من قام بتقييد العلم، ومنهم من قام بالقراءة، ومنهم من ركن للعبادة وهم أهل الصفة، والكل في عبادة وسنة. ولما كان المهاجرون والانصار لهم قبائل وعشائر انضاف بعضهم إلى بعض، وبقيت طائفة أهل الصفة تراعي القبائل فجعلهم النبي صلى الله عليه وسلم في الصفة وضمهم إليه، إذ كانوا للا يملكون شيئا ولا لهم بيوت يسكنون فيها، ولا قبائل ينضافون إليها، فصاروا كالقبيلة الواحدة ، وكذلك الفقراء إلى اليوم وكانوا ضعفوا عن الجهاد وغيره ، ومنهم الذين قال الله تعالى في حقهم : (تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون)، وفي صحيح البخاري عن عائد بن عمر : أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله فأخذها فقال أبو بكر أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال يا أبا بكر لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، فأتاهم أبو بكر فقال يا هؤلاء أغضبتكم قالوا لا، يغفر الله لك. ولما أتى الأقرع بن حابس وصاحباه النبي صلى الله عليه وسلم و كانوا من المؤلفة قلوبهم أمراء شعراء يتقى من ألسنتهم، قالوا : يا رسول الله اجعل لنا مجلسا ولهؤلاء بحلسا فإنهم يوذوننا برائحة جبابهم، وكرهوا أيضا أن تراهم العرب قعودا معهم لفقرهم، فهم عليه السلام PageV01P047 بذلك فنزل قوله تعالى : (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ms05 بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا، وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). ثم هددهم بالنار لتعديهم الحق. وكان عليه الصلاة والسلام قبل هذا يجلس معهم ويقوم إذ شاء ويتركهم ، فصار لا يقوم حتى يقوم الجالس معه منهم ، وصاروا لا يطيلون الجلوس معه، وكان يقول لهم مرحبا بمن عاتبني ربي فيهم. روي الترمذي عن أبي هريرة أنه عليه السلام أنه قال : يدخل الفقراء من المسلمين قبل الأغنياء الجنة بنصف يوم وهو خمسمائة عام. وقال عليه السلام : اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين. ولو لم يكن فى دعائه عليه السلام إلا أن يحشروا معه لكان لهم فخرا عظيما، فكيف وقد دعا أن يحيا حياتهم ويموت موتهم ويحشر معهم، ودعاءه عليه السلام مستجاب. وقال : اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا وقال لعائشة : ان سرك اللحوق بي فإياك ومجالسة الأغنياء، ولا تستبدلي ثوبا حتى ترقعيه ، إنما يكفيك من الدنيا كزاد الراكب أخرجه الترمذي . وقال تعالى : (يأيها النبي قل PageV01P048 لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكم أجرا عظيما) وقال تعالى : (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا هؤلاء من الله عليهم من بيننا) ونزل في حق ابن أم مكتوم : (عبس وتولى أن جاءه الأعمى) فقد ظهرت صفة أهل الصفة الذين يقتدي بهم الفقراء المتجردون : يا طالبا من الإلاه الزلفة لا تنتمي لغير أهل الصفة وليس القول لهم برأفة فإنهم أهل التقى والألفة PageV01P049 ### | العلم الثاني: في تجريدهم وظهورهم بالسنة وبمكارم الأخلاق، وظهور غيرهم بحليتم وخفائهم عن الناس قال الله تعالى : (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو). وقال : (من كان يريد حرث الآخرة ms06 نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نوته منها وما له في الآخرة من نصيب). وقال تعالى : (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتهم فيه)، وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشيء. وقال صلى الله عليه وسلم: محبة الدنيا رأس كل خطيئة. قالوا : فإذا قطع رأس بدن الخطايا PageV01P050 بالزهد ماتت الخطايا ، فالتجريد ترك الدنيا ، وهو إما بالباطن أو بالظاهر أو بالباطن والظاهر معا. فالتجريد بالباطن طريقة الملامتية من الصوفية . قلت نسبوا إلى الملامة لأنهم يظهرون ما يلامون عليه تسترا لأنفسهم وطلبا للإخلاص، بكسر الميم والتاء في اسمهم مقحمة لأن تاء التأنيث تحذف مع ياء النسب وهي مع فتح الميم على الأصل . وهم لا يملكون غير لباس حسن وقد يطوون الليالي وهم في غاية النظافة. وقد تكون في أيديهم المفاتيح يموهون أنهم أهل مال يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف. ومنهم من لا يقبل شيئا ومنهم من يقبل دون سؤال. وأكثرهم يأكلون عند الأصدقاء وقد يشاركهم الغني الشاكر إذا لم يعلق المال بباطنه ، ولكن المال لا يكاد أحد يسلم من فتنته. وعن أبي سعيد أنه عليه السلام قال :هلك المكثرون إلا ، قالوا : إلا ، من يا رسول الله ؟ قال : هلك المكثرون إلا، قالوا : إلا من يا رسول الله ؟ قال : هلك المكثرون إلا ، قالوا : إلا من يا رسول الله ؟ قال : إلا من أنفق هكذا وهكذا، وقليل ما هم وأشار إلى الانفاق عن يمين وشمال وقدام. والتجريد بالظاهر عدم المال وهو خير للفاضل والشرير ، أما الفاضل فيحف بالفقر شعبه ويهون حسابه. وروى حذيفة أنه عليه السلام قال :إن الله تعالى ليتعاهد وليه بالبلاء كما يتعاهد المريض أهله PageV01P051 بالطعام ، وإن الله ليحي عبد الدنيا كما يحي المريض الطعام . ولهذا قالوا : ومن العصمة ألا تقدر ومن العصمة ألا تجد، وروت عائشة أنه عليه السلام قال : إن عبد الرحمن بن عوف ms07 يدخل الجنة حبوا). قيل إن ذلك لكثرة ماله مع أنه بدري عقبى من العشرة المشهود لهم بالجنة فما ظنك بغيره من أولي المال. وأما الشرير فتقل الا بالفقر استطاعته على الفساد فلا تكثر ذنوبه . والتجريد بالباطن والظاهر معا طريقة رسول الله صلى الله عليه ويسلم وطريقة أصحابه رضي الله عنهم، ومن كان ذا مال كان المال عنده كالعارية . وفي صحيح البخاري عن عمرو بن الحارث قال: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة، وروي أنه قال : خيرت بين أن أكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا، فأشار جبريل عليه السلام ان تواضع. فقلت بل نبيا عبدا أشبع يوما وأجوع يوما. وفي صحيح البخاري عن عقبة بن الحارث قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر فسلم ثم قام مسرعا ، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته فقال : ذكرت شيئا من تمر عندنا فكرهت أن يحبسني فأمرت PageV01P052 بقسمته، وفي رواية : فكرهت أن يمسي أو يبيت عندنا فأمرت بقسمه. وروي أنه لم يكن له قميصان ولم ينحل له طعام، وأنه خرج من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير اختيارا. فالفقير بخير عظيم سواء ترك الدنيا اختيارا أو اضطرارا، والخيرة حقيقة إنما هي لله وحده ، لأن العالم كله مضطر فيما هو فيه حتى الملك في ملكه والفقيه في فقهه والصانع في صنعته، والنهي عن إضاعة المال راجع لاهلاكه فيما لا يجب ، وأما الخروج عنه لله فقوة لا يقدر عليها إلا الصديق رضي الله عنه لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم :ما تركت لعيالك ؟ قال : الله ورسوله. وقال عليه السلام : لو كان لي أحد ذهبا لأنفقته في سبيل الله. ولعلك تحتج علينا بقول مالك بن أنس حين عاتبه يحيى بن يزيد النوفلي في لباسه وأكله وميله ms08 إلى الرفاهية فقال : (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) الآية، ثم عقب ذلك بأن قال : إني افعل ذلك وأستغفر الله وأعلم أن ترك ذلك خير من الدخول فيه، وزينة الله في الحقيقة هي التقوى والطيبات من الرزق هي الحلال . وقوله عليه السلام : أحب الزينة ولو في شراك نعلى يريد النظافة مع التقليل والزهد في الدنيا، وكذلك قول عمر رضى الله عنه : إني ليعجبني القارئ النظيف، يعني العابد ويكون أيضا قارئ القرآن. وجاء عبد الله بن عامر في بزته إلى أبي ذر فسأله عن الزهد فأعرض عنه ، فشكاه لابن PageV01P053 عمر فقال : تأتي أبا ذر في هذه البزة وتسأله عن الزهد، وعيرت بنو إسرائيل عيسى عليه السلام بالفقر فقال : من الغنى أوتيتم . وقيل لابن عمر : مات زيد بن حارنة وترك مائة ألف قال : لكنها لا تتركه. وقال عمر : من دخل إلى الأغنياء خرج وهو ساخط عليه ربه . وقال لسقراط تلميذ له وكان ابن ملك : إني لمغموم بك لفقرك فقال : لو علمت ما الفقر لشغلك غمك بك عن غمك بي. ولما رفع الله تعالى عيسى عليه السلام لم يوجد له إلا خف ومدرعة وخذافة يخذف بها الحيوان المؤذي في سياحته . وقالوا : لا يجتمع الذهب واللب، ولأبي تمام: الضب والنون قد يرجى اجتماعهما وليس يرجى اجتماح اللب والذهب واللب هو العقل، ولما ثقل عبد الملك ابن مروان رأى غسالا يلوي ثوبه بيده فقال : وددت أني كنت غسالا لأعيش بما أكتسب يوما فيوما، فذكر ذلك "أبي حازم فقال : الحمد لله الذي جعلهم يتمنون عند الموت ما نحن فيه ، ولا نتمنوا عند الموت ما هم فيه . ولبعضهم: ياعايب الفقر لا تزدجر عيب الغنى أكثر لو تعتبر إنك تعصي الله تبغي الغنى وليس تعصي الله كي تفتقر ودخل عمر بن سعيد على عمر رضي الله عنه حين رجع إليه من حمص، وليس معه إلا جراب وإداوة وقصعة وعصا، فقال عمر: PageV01P054 الذي أرى سوء حال أو تصنع؟ فقال : يا أمير المؤمنين معي الدنيا ms09 بحذافرها ، صحيح البدن وجراب للزاد واداوة للماء وقصعة لغسل الثوب ، وعصا لدفع المؤذي وما بقي من الدنيا تبع . وجملة الأمر التجرد وقطع العلائق وقلة الادخار وكثرة الإيثار ومكارم الأخلاق . والتجريد مقامات أولها التجريد عن الأوصاف المذمومة بلباس الأوصاف المحمودة ، ثم عن الدنيا بقيام بأمر الآخرة، ثم عن الأكوان برؤية المكون، ثم عن الروية بفناء العبودية ، ثم عن الفناء عنه، ثم عن هذه المقامات بملاحظة الوجود ، ثم عن ذلك كله بالسكينة تحت مجاري الأقدار . وقد يكون التجريد عن الجسم بمطالعة الروح وعن الروح بمطالعة السر ، وعن السر بمطالعة الكلمة العلية ، والتجريد والزهد والتخلي والفقر والترك تترادف على السلوك وعلى المقامات وقلة الركون إليها وغلبة المحبة الجاذبة للعبد، ولا وقوف مع مقام ولا مرتبة . (ما عندكم ينفد وما عند الله باق). فمن عرض ذهب تجريده محك البلوى لقوله تعالى : (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم) فإن كان ابريزا يصلح لخزانة الملك دعاه داعي الرحمة (يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون)(رجال لا تلهيهم تجارة ولا PageV01P055 بيع عن ذكر الله )، الآية. ومن تولع بالمراتب والمقامات وأنس بأهلها وأنسوا به لم يشعر إلا وسفينة عمره مقلعة رائحة. تجرد عن الأغيار بالقول والفعل ولفق شتات الفرع بالجمع للأصل وطهر بيوت الله من كل صورة وما البيت إلا القلب إن كنت ذا عقل ولا تلتفت أهلا وقل لهم امكثوا فشرط اقتباس النار تركك للأهل ### || ظهورهم بالسنة السنة لغة الطريقة، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريقته ترك الدنيا . كان يلبس الصوف ويخصف النعل، ويرقع الثوب ويحلب الشاة ويطحن مع خادمه ويركب الحمار، ولا يأنف أن يردف خلفه، ولا يرد من دعاه، ولا يحقر ما دعى إليه ولا يرد سائلا. وروي أنه ما قال قط لا. ولا يقولها فقير في شيء يملكه، وكان لين الخلق طلق الوجه متواضعا من غير مذلة رقيق القلب دائم الإطراق رحيما بكل مسلم ، يلبس العباء ويجالس المساكين ويمشي في الأسواق ، ويتوسد بيده الكريمة ، ويأكل على الأرض ولم ياكل قط وحده ms10 ولا جلس متربعا، ولا أكل متكئا بل كان يقول : آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد وقال النعمان بن بشير : لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم ما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه ، والدقل بفتح الدال المهملة والقاف رديء الثمر ، وكان يمر به PageV01P056 وبأزواجه الشهر والشهران فلا توقد في بيته نار، وخرج من الدنيا ولم يضع لبنة على أخرى . قال المقدسي : كانت ثيابه عليه السلام إزارا فوق الكعبين وقميصا فوق ذلك ورداء فوق ذلك ، وقي قوت القلوب لأبي طالب المكي ، أنه كان يلبس القطواني الغليظة ، والقطواني بفتح القاف والطاء المهملة وواو وألف ونون وياء النسب ، هو شبه العباءة أبيض قصير الخمل، قال أنس : وكان فميص قطن قصير الكمين، وكانت سعة كمه شبرا وشيئا، وطوله إلى نصف الأصابع . وفي الموطأ عن أنس قال : رأيت عمر وهو أمير المومنين قد رقع بين كتفيه برقاع ثلاث لبد بعضها فوق بعض. وقطع علي رضي الله عنه ما زاد على أصابعيه. فهذه طريقته عليه السلام وطريقة أصحابه رضى الله عنهم، وبها اقتدى الفقراء لقوله تعالى : (فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) فلبسوا الصوف والمرقعات والنعال المخصوفة ، ولم يتكبروا على المشي في الأسواق ولا عن غير ذلك مما روي أنه عليه السلام فعله، ولا اتخذوا مصانع لقوله تعالى : (أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون) . وكان السلف الصالح رضي الله عنهم يغضون أبصارهم عن نقش الحيطان والأبواب وعن تزويقانهما ، ويقولون لو لم ينظر لهذا ما فعل . قال يحيى بن أيمن : مررت مع سفيان الثوري بباب منقوش فنظرت إليه فجذبني. وأول من طبخ الأجر هامان بأمر فرعون. والفقير لا يلتفت لشيء من هذا كله ولا يسأل عن أحوال الناس ولا يقول لأحد أين تذهب ولا من أين أتيت ولا يجاوب بلا، ولا يفرط PageV01P057 في التنظيف، والناس يعترضونهم في الخفاء من أجل المساجد. وأول من يسط المساجد الحجاج الظالم فيعترضون سنة ببدعة ، وهم لا يطيلون الصلاة، قال أنس : ما صليت وراء إمام قط ms11 أخف صلاة ولا أتم لها من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني لأتاخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيته غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال : يأيها الناس إن منكم منفرعن، فأيكم أم الناس فليوجز، فإن من ووائه الكبير والصغير وذا الحاجة، وفي رواية : فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة. وقيل كان الإمام من القراء ، والقراء اليوم يأخذون الأجرة على الإمامة والأذان، وقد تكلم فيهم. قال بشر الحافي : إياك وصحبة القراء فإنهم يذمون غير مذموم . وكان الفضيل بن عياض ينهي عن صحبة القراء ، وقال سفيان الثوري: PageV01P058 الا شىيء أحب إلى من صحبة فتى ولا أبغض إلي من صحبة قارئ يريد لشدة قبول الفتى وكثرة اعتراض القارئ ، فاعتراض الخاصة والعامة على الفقراء في ذلك كله اعتراض سنة ببدعة يرتكبها أكثرهم ؛ كالترف في اللباس والترفع في المشي في الأسواق ، واتخاذ المباني الشامخة ، والإفراط في التنظيف وغير ذلك. ### || ظهورهم بمكارم الأخلاق قال الله تعالى : (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، فالفقراء ينتهون عما نهاهم الله عنه من الركون إلى الدنيا آخذون ما آتاهم من مكارم الأخلاق، عاملون على نيلها ؛ فمن ذلك الميل إلى جانب الله وترك التآنس بالناس والرضى بالفقر، والصبر على الشدائد كالجوع والبرد ومعاناة الأسفار وإذاية الناس ، لأن الناس لا يعبأون بهم مع كثرة الإنكار عليهم ، حتى كان الناس حفظة على أعمالهم، مع أنهم لا يتكلمون في أمور الدنيا وأهلها ولا فيما لا يعني. ومن فعل ذلك طالبوه حتى يتوب ويستغفر، ويسبهم الصغير والكبير واليهودي والنصراني، فلا يكترثون لذلك ويرون انه من عند الله لما حبوه، فيستغفرون ولا يشتكون إلى حاكم، ومن وقف موقف الشكوى فليس بفقير. وقد أفسد أحد السوقة فحبس فقال خلوه، وقرأ: PageV01P059 (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى). ويخرجون عن كل شيء يعجبهم أو يعجب غيرهم، ويقدم كل واحد منهم ms12 أخاه على نفسه. ومن فتح عليه بطريفة حطها في الوسط، ويقول من له فيها خاطر فليقبلها من أجل الله تعالى، وعلى وجود راحة شكر الله تعالى على قبولها. والمالك منهم لا يجوز شيئا ولا يتصرف إلا بأمر الجميع ولا يجد شيئا بالوسط لأنه لا يملكه، ولا يقول أحدهم متاعي ولا ملكي. وآدابهم المراقبة وقول الحق ، لا يبقى لهم صديقا ، وهو أصل التعصب عليهم ، فإنهم يخاطبون الجبابرة والكبراء بما لا يخاطبهم به غيرهم، ولهم الحجج الواضحة بسبب قطع العلائق، فلا يغلب أحدهم بحجة وإن كان أميا. قيل إن فقيها قال الحاتم الأصم وكان أميا، من أين تأكل ؟ قال : من عند الله. قال : ينزل عليك من السماء ؟ قال : لو لم تكن له الأرض لأنزل من السماء كما قال تعالى : (وفي السماء رزقكم). وقال أيضا: (وينزل لكم من السماء رزقا)، قال الفقيه : لا يغلبكم أحد بحجة ، قال : الحق لا يغلبه الباطل . ويسيرون بالليل في الأماكن الخالية PageV01P060 ويقتحمون البراري المهلكة والمعاطس بتوكل وقوة نفس. ويقدمون على السباع شجاعة منهم ويحلمون حتى يسب أحدهم فيضحك ويدعو للذي سبه تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم في قوله كلما آذاه قومه : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وقيل لعيسى عليه السلام وقد سبه رجل فدعا له فقيل : أتدعوا له وقد سبك ؟ قال : كل واحد ينفق بما عنده. ويستحيي أحد أن يرد على أحد جوابه أو يبدأ بسؤال إلا في دينه . ولا يماكسون في بيع ولا في شراء. واما الأخلاق المذمومة كالحسد والكبر والرياء والمكر والخديعة ، فبذهاب الدنيا ذهب الله عنهم ذلك، فإن الأمور المذمومة لا تكون إلا حيلة على الدنيا أعاذنا الله منها. ### || ظهور غيرهم بحليتهم قال الله تعالى (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا). فكل من فر إلى الله فهو لاحق بالفقراء المهاجرين، لأن خطاب القرآن لا ينقطع إلى يوح القيامة. PageV01P061 وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عنه وسلم قال : المسلم من سلم المسلمون ms13 من لسانه ويده ، والمهاجر من هاجر ما نهاه الله عنه. والمدعون لهذا والمتلبسون به أصناف هم عند الناس مشايخ وأولياء وصالحون وليسوا كذلك. ومنهم من ترك المرقعة لما يرى من ذم أكثر الناس لأهلها ثم يتعرض يطلب رضى الناس، ومنهم من كان من المسافرين وترك ذلك لضعفه أو لما يرى من تكالب الناس عليهم ، ويظهر أنه لا حاجة له بالفقر ويبقى يتعرض للناس. ومنهم من يسمع كرامات الرجال فيدخل الفقر على أن تخترق له العادات فإذا لم ير ذلك ترك . ومنهم من يدخل الفقر بنية حسنة فلما لم يطق مشقة الطريق رجع ، ومنهم من ير وقت البسط على الفقراء ويرى الراحة والسماع فيدخل فيهم، فيظن أن كل بيضاء شحمة وكل سوداء تمرة، فإذا رأى القبض تركهم. ومنهم من يفتقر أو يضيقه دين أو طلب لقضية أحدثها فيدخل في الفقراء تسترا بهم، فإذا وجد التنفس من ضيقه تركهم. ومنهم من يلبس المرقعة يوهم أنه من أهلها فيقطع بها الطرق في حوائجه ، فإذا بلغ حوائجه تركها. ومنهم من يلزم مسجدا للأذان والإقامة والخدمة، فإذا كان لاستجلاب القوت فهو ثمن يعبد الله على حرف لياكل بدينه، وإن كان لله فقد اتخذ جهة يعرف بها، والركون للجهة افتقارا لغير الله، وكذلك الذي يعتزل في بيته ويفتح باب الزيارة عليه. ومنهم من يأخذ نفسه بالعبادة والمجاهدة من غير شيخ يبصره بالمقامات والمنازلات ، ويتخذ بعض الأذكار هو ومن دارعليه، ويضع لهم قانونا يتميزون به ويكاتب المشايخ ويستعمل الأسفار لزيارتهم، وتقرأ بين يديه كتب القوم PageV01P062 ويذم المرقعة وأهلها ويحذر منهم، وإذا خرج ميل طيلسانه على عينه ولا يكلم أحدا في الطريق إلا إشارة، ولا يقبل شيئا إلا ممن يدور به، وكل ذلك ليعظمه الناس ويسرعون في قضاء مآربه. ومنهم من يسلك طريق التقشف والزهد ولا يقبل من سلطان ولا رئيس شيئا. والنبي صلى الله عليه وسلم قد قبل هدية كسرى وقيصر والمقوقس وغيرهم من الملوك ، ويأخذ من الضعفاء ويقول هذا حلال لأنه من كد أيديهم، ويسعى في ms14 قضاء حوائجهم عند الكبراء، ويريهم أنه يرفع نفسه عن الأخذ من الملوك والجبابرة، وكل ذلك حيلة لجلب قلوب الناس. ومنهم من يركب ويلبس الرقيق ويأكل الطيب ويهجر السماع ويتكلم في مقامات الرجال وينطق بشيء من ألفاظ القوم ويعترض على الفقراء. وقد حكي أن أحمد بن حنبل سئل عن التصوف فنزع حصيرا كان تحته، وحينئذ تكلم وكان يعظم شيخا كان يحضر مجلسه، فبيض الشيخ حائط داره فهجره أحمد، فتكلم في ذلك فقال : أخذ أنملة من طريق الناس فأزال الشيخ ذلك فعاد أحمد لصحبته. ومنهم من يستولي بمشيخته أو فقهه على قرية أو بلد ويحجر الصدقات ، ويقول إنما هي للمستورين والزمنى ويعطيها لمن يعظمه أو يخاف شره ، ويجهد في منعها من الفقراء، والله تعال يقول : (إنما الصدقات للفقراء)، فقدمهم ، وهؤلاء يستحقونها بثلاث جهات: بالفقر والمسكنة، وأنهم أبناء سبيل، وأما الزمنى كالأعمى والمبطل PageV01P063 وشبههم فدكانهم في أجسامهم، فكل أحد يقصدهم بصدقة. ومنهم من يتطوف بالبلاد ويتطهر باللباس الحسن على طريقة التصوف ويقول أكرمني فلان ، أهدى لي فلان ، ويعظمهم ويثني عليهم في مقامات المشايخ ومجالس أبناء الدنيا، وينسق بحكايات وأمثال، فيتقى لسانه ويعظم ويعطى. ومنهم من يتعبد خارج البلدان ولا يقبل شيئا من أحد فيحسن به الظن إلى أن يخدع بعضهم بالكيماء أو نوارج، فإذا بلغ مراده ترك . ومنهم من يلبس المرقعة ويتفرد وحده ويتقشف ويسب الفقراء ويقول إنه ما تركهم إلا لأنهم ليسوا على شيء، ويخدم وليا أو رئيسا فإذا ورد الفقراء وعظموه سلموا منه، وإلا أطلق عليهم الشناعات ويقول عليهم. ومنهم من يرتب بالخرقة في بلد ويخدم أهله، فإذا ورد الفقراء دخل عليهم بالقيل والقال، ويلوح أنه في حقهم عند الولاة، وأن الناس تكلموا فيهم حتى يفروا. ومنهم من ينحاش للفقراء ولكن لا يزال يقول : رأيت المشايخ منذ كذا سنة ، وصحبت الفقراء الذين كانوا على الحقيقة، وقال لي صاحب البلد وقلت له، فإن زادوا عليه زيادة تركهم وسماهم زنادقة. ومنهم من ينتمي للعلم والزهادة ويعير الفقراء ويقول : يجعلون الرياحين والأنوار والزجاج في ms15 الحضرة تشبيها بالخلاع ، فإذا رأى الخمر عند أهل الدنيا قال أمرنا بالتستر وحسن الظن. ومنهم من يأخذ نفسه بالجوع حتى يختل مزاجه فيتخيل له أن ملائكة تخاطبه، PageV01P064 ويقول كلامه جاهل فلا يقبل بعد ذلك كلاما لأحد من أهل العلم . ومنهم من يتورع ويترك اللحم لأن أهل البهائم لا يتحفظون في كسبها ويترك الحوت لان الشباك على غير وجهها ، ويضيق على نفسه بالجهل، حتى ذكر أن بعضهم كان يشتري القمح بأرض الروم فعيرت الروم المسلمين بذلك. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ما قطع ظهري في الإسلام إلا عابد جاهل يرغب الناس فيما يرون من نسكه. ومنهم من يدق في العبادات ويهجر النوم ويجوع ولا يأكل شيئا عند أحد، وهم المعمقون. وهذه بدع. قال ابن مسعود : يظهر المنكر حتى إذا غير منه شيء قيل له : غيرت سنه. وقي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ابن العاصي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :ألم أخبرأنك تقوم الليل وتصوم النهار ؟ فقلت : إني أفعل ذلك قال : فإنك إذا فعلت ذلك هجعت عيناك وتعبت نفسك، ولكن أعط لعينك حقا ولنفسك حقا ولأهلك حقا، قم ونم وصم وافطر، وأمره أن يصوم صيام داوود، كان يصوم يوما ويفطر يوما، وأن يقرأ القرآن في شهر أو في شهرين أو أسبع، ولا يزيد، وهم يثنون اليوم على من يختم ختمة في اليوم. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة انه عليه السلام نهى عن الوصال فقال رجل من المسلمين وإنك تواصل، فقال :وأيكم مثلي إني أبيت عند ربى يطعمني ويسقين. ومنهم من يرى أن حركاته وسكناته بالله، وأن كل خاطر PageV01P065 يخطر بباله من عند الله، وينكر الشيطان والملك والنفس، فيخرج إلى الاتحاد وهو من أقوال النصارى. ومنهم من يقول الناطق في كل شيء هو الحق ولا أرى إلا الحق ، والأجسام حجاب عليه ، فيخرج إلى الحلول وهو اعتقاد النصارى في المسيح عليه السلام . ومنهم من يرى أن الحق قد سرى في كل شيء وينكر الروح وغيره ، وهو ms16 مذهب فرقة تقول بالحياة السارية في الموجودات. ومنهم من يرى أن العرش والكرسي بما فيهما في جهة والحق تعالى يحرك الكل بلا واسطة فاعتقد التحييز وراء العالم، وهو مذهب المجسمة. ومنهم من يرى ألا فعل للعبد البتة وينكر العبودية والتكليف وهو مذهب الجبرية. ومنهم من يرى أن الحق تعالى هو الظاهر على الإطلاق والباطن على الإطلاق ، وما PageV01P066 سواه عدم محض وهو مذهب فرقة من الصابئة قد تركوا العبودية . ومنهم من يرى أن التكاليف ووظائف العبادات والأعمال على أرباب الدنيا خاصة، ولا يرون بجهاد ولا بذبح حيوان ولا إيلامه ولا يقطعون نباتا، وهو مذهب فلاسفة الهند. فهذه طرق خارجة عن طرق القوم، وأكثرها خارج عن الطريقة السنية التي شرف الله الفقراء باتباعها، فإن قيل اقتصرت بالفقر على المتجردين والله تعالى يقول : (يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله)، قلنا ذكر الله الفقر عاما في هذه الآية وخاصا في قوله تعالى : (للفقراء المهاجرين و(للفقراء الذين أحصروا) ، و(إنما الصدقات للفقراء)، فمن لا يملك مالا أخص بالفقر من جهة الأولوية، والناس فقراء من حيث لا يملكون شيئا ولا يلجثون في أمورهم لغير ربهم، والفقر عن شيء فهو غنى عنه، وكل من زاد احتياجه للأشياء زاد فقره وإن كان غنيا، وكل من كثر استغناؤه عن الأشياء زاد غناه وإن كان فقيرا. ومن هنا قيل الفقير الصابر هو الغني الشاكر ، وكما يعود الفقير غنيا ، فكذلك يعود الغني فقيرا وقال عليه السلام : ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس ، يعني التجريد والزهد ، وقال القناعة كنز لا ينفذ ، فأي PageV01P067 غنى أغنى ممن استغنى عما سوى الله ، وأي فقر أفقر ممن افتقر إلى كل شيء . فإن قيل فقر المتجردين اضطراري ، قلنا العالم كله مضطر لا اختيار فيه لأحد مع الله تعالى، فإن قيل إنما قصد المتجردين بترك الأسباب للراحة ، قلنا لا راحة مع العبادة ومعاناة الفقر والحر والبرد والأسفار وضيق العيش في أكثر الأوقات مع شدة إنكار الناس عليهم ومطالبة بعضهم لبعض. ### || خفاؤهم عن الناس قال عليه السلام ms17 : رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره. ومعلوم أن العصمة لم تثبت إلا للنبيين والرسل عليهم الصلاة والسلام، وأن غيرهم يصيب ويخطيء ويذنب ويتوب، ولكن لما سطرت مناقب الرجال وكراماتهم ولم تذكر سيئاتهم، وقدم العهد بهم، ظن أكثر الخلق أن ليس لهم سيئات ؛ وقد كان لهم في أزمانهم المحب والمبغض والمسلم والمنتقد . يروى ان الزبرقان ابن بدر لما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه وأثني عليه صاحبه قال الزبرقان: إنه يعلم أكثر مما قاله ولكنه حسدني شرفي ، فغضب الرجل وذم الزبرقان فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله رضيت فقلت أحسن ما عملت وسخطت فقلت أقبح ما عملت، ولئن صدقت في الأول ما كذبت في الثانية . فقال عليه السلام : إن من البيان لسحر فمن يرضى يقول أحسن PageV01P068 ما يعلم ومن يسخط يقول أقبح ما يعلم. وقد رأى أولئك في أزمانهم من الأذى والتنقص وإساءة الظن بهم ما كان يقصر عنه صبر غيرهم. وقد أخرج أبو يزيد البسطامى من بسطام مرارا، ووفع الشبلي والخواص والثوري السلطان ، وتستر الجنيد بالفقه حين ضيق عليه الفقراء. وقبض على الحلاج وضرب ومثل به وقتل، على أنه ساحر زنديق . وكان الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يؤذون PageV01P069 ويكذبون ويقتلون كيحيى وزكرياء عليهما السلام قتلا على أنهما أفسدا في شريعة موسى، وفي التنزيل (وكأي من نبي قتل) (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين) ، ولابد للأولياء مما ابتلى به الأنبياء وراثة ، والمنقطع عن الناس ضعيف لأنه إما أن ينقطع ليسلم منهم أو ليسلموا منه ، والأولى الدخول فيهم فمن كان كاملا كمل غيره، ومن كان ناقصا تكمل من مشايخهم وعلمائهم. وقد قال لقمان لابنه : يا بني زاحم العلماء بركبتك ولا تجادلهم فيمقتوك وخذ من الدنيا بلاغك وانفق فضول كسبك لآخرتك، ولا ترفض الدنيا كل الرفض فتكون كلا على الخلق، وصم صوما يكسر شهوتك، ولا تصم صوما يضر بصلاتك، فإن الصلاة أفضل من الصوم، وكن لليتيم كالأب وللأرملة ms18 كالزوج، ولا تجاف الغريب ولا تجالس السفيه، ولا تخالط ذا الوجهين البتة . وخرج عابد من بني إسرائيل عن الناس إلى الصحراء على قدم التوكل وأقسم ألا يطعم حتى يطعمه الله فبقي أياما حتى أشرف على الهلاك فجاءه ملك وقال : إن الله تعالى يقول لك وعزتي وجلالي لا أطعمتك حتى تدخل بين الناس ، أتريد أن أفسد حكمتي في خلقي بتوكلك ؟ ! فتاب ودخل بين الناس . والله سبحانه هو الذي يطعم بين الناس في الفيافي، وفي الخبر : المؤمن ألف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف. وفي الموطأ أنه عليه السلام قال : إن الشيطان يهم بالواحد وبالاثنين فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم . فالانقطاع ضعف، PageV01P070 ومخالطة الناس والصبر عليهم قوة ، والتعمق في الدين منهي عنه ، والتصنع مكروه . وفي الخبر البذاذة من الإيمان وهي التقشف . والولي عند الناس من لا يمزح ولا يضحك ولا يأكل الطيب وهذه بدع ، كان عليه السلام يمرح ويضحك ويأكل الطيب إذا وجده ، روى المقدسي أن رجلا قال : يا رسول الله أحرق بطوننا التمر ، فرقي المنبر ، فقال :والله لو وجدت خبزا أو لحما لأطعمتكموه. فمن أراد أن يعرفهم فليسلك طريقهم ، فلا يعرف الفقير إلا الفقير ، ولا يعرف الولي إلا ولي مع أن فيهم المبتديء والمتوسط والسالك رضي الله عنهم: تجرد إن أردت ترى الرجالا ودع عنك التوهم والمحالا ومارس عصبة التجريد تلقى رغيد العيش عندهم الكمالا ولا تك كالجهول بهم إذا ما رآهم قال سكنوا الجبالا اتقنص المعارف بالبراري من الأوهام لا والله لا لا وما يجدي ركوبك للفيافي إذا تلقى به حجرا وصالا PageV01P071 ### | العلم الثالث: في أصل الإنكار عليهم من أين نشأ أول الإنكار على الضعفاء إنكار قوم نوح عليه السلام في قوله تعالى : (قالوا أنومن لك واتبعك الأرذلون)، أي الفقراء والضعفاء ، ولما طالبوه بطردهم، قال ما حكى الله عنه : (ومن ينصرني من الله إن طردتهم) . وقال : (ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يوتيهم الله خيرا، الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين). وكذلك فعلوا بصالح ms19 وشعيب وعيسى وغيرهم من الرسل عليهم السلام. وقد فعلوا ذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم فنزل : (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي). حسبما تقدم في العلم الأول، وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري أنه عليه السلام قال : (لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم. فأخبر أن ما فعله من قبلنا من الأمم من الإنكار موجود فينا ، فالإنكار PageV01P072 على صفوة الله لايزال يتوارث . ولما اجتمع بباب عمر رضي الله عنه فقراء المهاجرين وأشراف العرب، مثل عيينة بن حصن والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس وغيرهم، خرج إذنه لبلال وصهيب وسلمان فتغيرت وجوه القوم، فقال سهل بن عبد الله : وما لكم تتغير وجوهكم، دعوا ودعينا فاسرعوا وأبطأنا، وإن حسدتموهم على باب عمر فما أعد الله لهم في الجنة أكثر. والمنكرون على الفقراء ثلاثة أصناف : أرباب الدنيا وأتباعهم، والجاحدون من الفروعية وأتباعهم ، والمتعمقون في الأعمال أو المتنمسون وأتباعهم. فأما أرباب الدنيا فإن الفقراء أضداد لهم لرثة ثيابهم وقلة جاههم، والضد يبغض ضده، والدنيا تورث القساوة وطول الأمل ، و(ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) ، وأتباعهم يمشون في مرضاتهم وقالوا :(ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فاضلونا السبيلا) . وأما الجامدون من الفروعية فإنهم يعتقدون الإحاطة بالشريعة وينكرون على من ترك طريقهم وتتبعهم العوام على ذلك. والإحاطة بالشريعة متعذرة، وقد أنصف مالك رحمه الله حين قال له الرشيد : أريد أن أحمل الناس على الموطأ ، فقال : لا ، فإن الصحابة تفرقوا في الأمصار وعند كل واحد منهم علم . والفقه في اللغة الفهم، ولا يكون إلا في القرآن والحديث. وحقيقة الفقه ما أدى إلى ترك الدنيا وطلب الآخرة ، وأما المتعمقون في PageV01P073 الأعمال المتنمسون ففتنهم الشيطان برؤية الأعمال ، وجعلهم يزيدون أعمالا قد نهوا عنها، فعظمهم الناس فهم يبغضون الفقراء لأن الفقراء لا يتصنعون. الفقير إذا عمله أشرك، وإذا رأى أنه قد أخلص احتاج إلى إخلاص يخلصه من شرك نفسه. فمن لم يتحذق في العلوم ولا حفظ الأحاديث النبوية والسنن ms20 المأثورة واشتغل بما لا يعنيه أنكر عليهم ، بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه . وقد ذهب الفقراء والصوفية مذهب أهل القرآن والحديث ، وعلومهم مكارم الأخلاق التي بعث عليه السلام ليكملها ويتممها، وعامة الخلق مطلوبون بها وفي الحديث : بعثت لأتمم مكارم الاخلاق. وليست بالفقير حاجة إلى الفروع إلا قدر ما يعرفه كافة الناس وهو أمر قريب، قال رحمه الله : إن الله جعل الدنيا لتزود الآخرة، فلو أخذ الناس بالعدل فيها ما احتاجوا إلى خصومة وحكم، وشأن الإنسان أن ينكر ما خالف عادته أو طريقته والوقوف مع ذلك حرمان : أرى العوائد قد عظمت على السنن وأخرجت أهلها عن سيرة السنن وينكرون مباحا باشتغالهم وهم يخوضون في بحر من الفتن PageV01P074 ### | العلم الرابع: في الانفصال عما أنكر عليهم كل ما ينكر عليهم فله أصل في الكتاب والسنة والعمل الصالح، وذلك نحو سبعين أمرا، وهي التجرد، والتقشف، وترك الأسباب، والسؤال، والمشي بالزنبيل، وحلق الرأس، والحفا، ولباس الصوف، ولباس الشعر، ولباس المرقعة، ولباس العباء، ولباس الفرجية، ولباس المزند، والشرشوح ، والملحفة ، والإزار على المنكبين ، والعصابة ، والرقاع الملونة ، والخياطة بالخيوط الملونة ، وحمل الإشارة والقضيب ، (حمل العقافة ، وكثرة السفر وترك الوطن ، والتغميز عند التعب والخروج عن المال ، وترك الادخار ، والسكنى في المسجد والنزول فيه ، والنوم في المسجد وعلى القبور ، والاستلقاء على الظهر في المسجد، والأكل في المسجد ، وانشاد الشعر في المسجد ، والرقص في المسجد ، واستماع الغزل من الشعر ، والنظافة والخضاب، والطيب، والسواك، والتبخر بالعود، والخضرة بالرياحين وقنديل الزجاج، وخلطة الشباب ، وقبول الشاب إذا جاء، والاشتراط عليه المزاح : الضحك PageV01P075 البسط مع الصغار ، والبسط بالطعام : خطف الفاكهة ، السباق ، السباحة في الماء ، استعذاب الماء ، أكل الطيبات الحلاوة ، مداومتهم على التريد ، الاتكاء الميل للرخص ، قلب الأسماء القبيحة للحسنة ، مداراة الناس ، قيام بعضهم لبعض ، قسمة شعر المحترمين بينهم ، حط الرأس عند الزيارة سرور،واستغفار الشكرانة شكرانة القدوم ، إلزامهم أكثر من الشكرانة من امتنع منها ، إلترامهم الشيء من لفظ به ، أخذهم الضيافة قهرا من مانعها . استخراج الراحة من كريم أو بخيل . طرح الخرق المطالبة وسببها مطالبة صاحب ms21 الدعوى ، مطالبة من تأول الكلام على الظن ، مطالبة ناقل الكلام ، مطالبة الفقيرين إذا تنافسا ، مطالبة من منع واجبا . القعود في الوسط لأخذ القصاص أو الحق، الاستغفار قائما، قولهم عند الخطأ نستغفر الله، قولهم الفقير أولى بخرقته، قولهم اذا خرجنا عن شيء لا نعود إليه ، قولهم الصلاة عند الاجتماع ، التكبير على من حاد عن الحق ، هجران من لا يوافق من غير عذر ، ضرب من عدل عن الحق ، وصف الرجل بما فيه عند المشورة أو التحذير منه ، القيام للكلام إذا كان الجمع كثيرا ، الكناية في الكلام ، الرمز في الكلام، الإشارة والتعريض في الكلام ، الصلاة في النعال ، الصلاة في الثوب الواحد، تركهم الرقى والتمائم والعزائم والطب، تقليبهم الذهب وشبهه بالعود ، قبول الفتوح من النساء ، زيارة النساء. PageV01P076 فأما التجريد ويقال التجرد فقال تعالى لموسى عليه السلام : (فاخلع نعليك ) ، وفيه إشارة إلى التجرد عن عا لم الخلق وعالم الأمر وقال تعالى : (زين للناس حب الشهوات) الآية، وذكر عن مصعب بن عمير - بالتصغير - أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه وعليه إهاب كبش فقال : انظروا إلى هذا الذي نور الله قلبه لقد رأيته بين أبويه يختال في حلة قد اشتريت له أو اشتراها بمائتي درهم فما زال به حب الله ورسوله حتى صيره لي ما ترون. ورأى عمر رضي الله عنه الشريط قد أثر في جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اضطجع، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي، وكان أهل الصفة في زمانه متجردين: يا حسبي الله ما للناس أكثرهم قد أنكروا الزهد والتجريد والورعا سموا طريق أولي التوفيق صعلكة وسنة لقبوا الأهواء والبدعا وأما التقشف فكان عليه السلام يحب التقشف ويكره السرف. وقال : البذاذة من الإيمان ، وكان ذلك شأن الصحابة كأبي بكر وعمر وعلي وأبي ذر وأبي الدرداء وغيرهم. وقد نعى الله على قوم شهواتهم : (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها). والدنيا الاهتمام بتدبير الجسم وملذاته ، والعمر أعز من أن ينفق في ذلك. ولما كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري أن يقدم عليه ms22 بعماله ويستخلف PageV01P077 من ثقاتهم ، قال الربيع بن زياد : وكنت من عمال أبي موسى، فسألت أي الهيآت أحب إلى أمير المومنين ? فقيل : الخشونة ، فاتخذت خفين مطارقين أي مرقعين ولبست جبة صوف وجعلت عمامة دكناء، فلما دخلنا عليه صفنا بين يديه وجعل يصعد فينا بصره ويصوب فلم تأخذ عينه أحدا غيري فدعاني وقال لي : من أنت ? قلت : الربيع بن زياد الحارثي ، قال : ما تتولى من أعمالنا ؟ قلت : البحرين ، قال : فكم ترزق ? قلت : خمسة دراهم في اليوم ، قال : ما تصنع بها ؟ قلت : أتقوت منها شيئا وأعود بالباقي على قرابة لي، فما فضل فعلى فقراء المسلمين. قال: لا بأس ارجع إلى موضعك ، فرجعت ثم صعد فينا بصره وصوب ثم دعاني فقال : كم سنك ? قلت : ثلاثا وأربعين سنة ، قال : الآن حين استحكمت ، ثم دعاني بالطعام وأصحابي حديث عهد بلين العيش ، وكنت قد تجوعت له فجيء بخبز يابس وأكسار بعير يعني عظاما منه قليلة اللحم، فجعلت آكل وأجبذ وأصحابي يعافون ذلك وهو يلحظني من بينهم، فأمر أبا موسى أن يقرني ويستبدلهم . والتقشف سيرة السلف الصالح . قال الحسن البصري : إن كان يغنيك ما يكفيك فأقل ما في الدنيا يغنيك، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس في الدنيا ما يغنيك . عليك إن شئت أن ترقى إلى العلا بالتقشف فهو البذاذة والزهد وهو أصل التصوف. PageV01P078 وأما ترك الأسباب فقال تعالى : (وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك)، وقال تعالى : (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه)، وفي الصحيحين أن أهل الصفة لم يتسببوا ولا اشتغلوا بغير الذكر والفكر والقعود في المسجد ، وكان القراء يخدمونهم ، والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يطعمونهم، وقال لهم : ابشروا يا الهل الصفة. فترك التسبب طريقة أقرها النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يصح أنه أمرهم بالتسبب وإنما أمر بالتوكل وخير في السبب. والفقراء غابوا عن السبب بالمسبب ثم غابوا عن عالم الخلق بمطالعة الحق . وأما السؤال فقال تعالى : (وأما السائل ms23 فلا تنهر)، وقال عليه السلام : لو كانت الدنيا مرجة دم لكان قوت المؤمن منها حلالا. وفي الموطأ عن زيد بن أسلم أنه عليه السلام قال : أعطوا السائل وإن جاء على فرس، وفيه أنه قال : لا تصح الصدقة لغني إلا لخمسة : لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله ، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فاهدي المسكين للغني. والمسكين هو الفقير ، قال مالك وأصحابه : المسكين أحوج من الفقير لأن الفقير له بلغة من العيش والمسكين لاشيء له ، قال تعالى : (أومسكينا ذا متربة)، وروي ذلك عن ثعلب PageV01P079 والفراء وكذا قال الشافعي والنخعي والزهري وسفيان الثوري وعمرو بن دينار . وروي أيضا عن الأصمعي أن الفقير أحوج من المسكين لقوله تعالى : (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) ، فسماهم مساكين ولهم سفينة ، وقال تعالى : (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) فالفقير والمسكين في الآية صنفان. وقال ابن حبيب: الفقير من له دينار إلى مائة ، لأن الزكاة يعطى منها من له دار وخادم فله بلغة من العيش، والغني من له ألف دينار فأزيد لأن الألف أقصى مراتب الحساب، ومن الألف يرجع الحساب إلى أوله ، والألف هو المال المعدود ، والمتوسط من له نصف الألف ، والمسكين من لا شيء له وقال يونس لأعرابي : افقير أنت ؟ قال : لا بل مسكين . وكان إبراهيم بن أدهم يسأل بعض الأوقات. وأما المشي بالزنبيل فهو طريقة استخرجها المشايخ من السنة ، وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال : شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متكئا على بلال، فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن وقال تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم فقامت امرأة من وسط النساء سفعاء الخدين متغيرتهما بالسواد فقالت لم يا رسول الله فقال: لأنكن تكثرن الشكاية وتكفرن PageV01P080 العشير. فجعلن يتصدقن من حليهن ، يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن . زاد أبو ms24 داوود : فقسمه على فقراء المسلمين . وفي صحيح البخاري في هذا الحديث : أنه عليه السلام أتى النساء فوعظهن وأمرهن بالصدقة وبلال خلفه يأخذ في ثوبه كلما ألقى إليه. فالفقراء اذا يجتمعون في المسجد كأهل الصفة . وخرج فقيران أحدهما يذكر والآخر يأخذ في ثوبه أو في زنبيله ما يعطى، ولا يعطى إلا اللقمة، وما لا كلفة فيه ، ودخل بذلك الخير على الناس . وعلى الفقراء الراحة ، فيأكلون رزقا من غير سؤال، وما يأكله المذكر من ذلك. والأخذ هدية من الفقراء . وقد أكل عليه السلام من اللحم الذي تصدق به على بريرة وقال هو عليها صدقة ولنا هدية . وكيفية المشي بالزنبيل أن يتوضأ المتبرع بذلك ويصلي ركعتين، ثم يشد وسطه بمنطقته، وهي المبارنبد عند العجم ، ومعنى هذا : مملوك مشدود الوسط ، ثم يأخذ الزنبيل بيمينه ويدفعه للذي يكون معه، وهو دونه في الرتبة، بعدما يلقي الشيخ فيه شيئا على سبيل البركة، ثم يمشي ويعظ ويذكر ويحض على الصدقة، ويأخذ الآخر في الزنبيل كلى ما يلقى من خبز أر فضة أو لحم أو غير ذلك ، ولا يمسه بيده ولا يتصرف في شيء منه ، فإذا رجع دفعه لخادم الزاوية. والمتطوع بذلك لا يتركه ؛ لأن أحب الأعمال إلى الله أدومها، فإذا لم يكن في البلد فقراء أطعم به المسجونين والمساكين. ومن سأل لنفسه ناقص عندهم ، إلا بعد أن يبقى ثلاث لا شيء له . والفقراء في السؤال PageV01P081 ثلاثة أصناف : منهم من يسأل ويأخذ ، لما في صحيح مسلم عن قبيصة، بفتح القاف وباء بعدها مكسورة، ابن مخارق ، بضم الميم، الهلالي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجال : من تحمل حمالة حلت له المسألة حتى يقضيها ثم يمسك. ورجل أصابته جائحة أجاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ، أو قال سوادا من عيش. ورجل أصابته فاقة ، حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلانا فاقة ، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو قال ms25 سدادا من عيش. فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتا. ومنهم من لا يسأل ولا يأخذ، لحديث ثوبان وهو أنه عليه السلام قال :من يتقبل لي بواحدة أتقبل له بالجنة. فقال ثوبان : أنا يا رسول الله. قال : ألا تسأل الناس شيئا. فكان ثوبان إذا سقطت علاقة سوطه لا يسأل من يناولها إياه. ومنهم من لا يسأل ويأخذ وهو الأحسن لقوله عليه السلام : ما أتاك من غير مسألة فخذه وأكل الوارد مما يتصدق به عليهم جائز. ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة : قال :كان عليه السلام إذا أوتي بطعام سال عنه : صدقة أم هدية؟ فإن قيل صدقة، قال لأصحابه كلوا ولم يأكل معهم. وسؤال الفقير السلطان والأمراء جائز لما روى أبو داوود عن سمرة بن جندب أنه قال عليه السلام : للسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه يجرحه، فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان PageV01P082 في أمر لا يجد منه بدا، وسئل عثمان رضي الله عنه عن جائزة السلطان فقال لهم : لحم طري ذكي . وقال رجل لعكرمة وقد رأى عمامته متخرقة فقال : ألا نبعث لك بعمامة قال : إنما نقبل من الأمراء وقال رجل لإبراهيم بن أدهم: أقبل مني هذه الجبة ، فقال : إن كنت غنيا قبلت منك وإن كنت فقيرا لم أقبل منك. وقال هشام بن حسان : رأيت على الحسن البصري خميصة أهداها له مسلمة ابن عبد المالك وقبل النبي صلى الله عليه وسلم هدايا الملوك العرب والعجم. وقبل عبد الله بن عمر هدية المختار وكان من أمراء الفتنة . وقبل مالك هدية المنصور والمهدي والرشيد. والفقراء إنما يأخذون من الأغنياء بعض حقوقهم، فإن لهم في الزكاة سبعين سهم، لأنهم فقراء، وسهم لأنهم أبناء سبيل. وقسم زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب أمير افريقية مالا على الفقهاء، فأخذه بعض ولم يأخذه بعض فعض زيادة الله على الآخذين فقال أسد بن الفرات : إنما أخذنا بعض حقوقنا . والفقراء لا يرون الأخذ إلا من الله والأدمي آلة، ms26 والذي يعطي ويمنع هو الله سبحانه . ويرون أن اليد العليا هي يد السائل لا يد المعطي ، لما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه عليه السلام قال: ما تصدق أحد بصدقة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمان بيده بل بيمينه وإن كانت تمرة تربى في كف الرحمان حتى تكون أعظم من الجبل كما يربى أحدكم فلوه ، أو فصيله. ونهى عن السؤال إذا كان عند السائل ما يغنيه ، أو يكون يسأل إلحافا أو يتخذ PageV01P083 السؤال حرفة ، أو يكون قد قبل قدر الحد الذي حدته الشريعة ، أو يكون المسؤول لا شيء له ، أو يكون قد أعطى ويعوزه ما يعطى. وفي الموطأ عن أبي سعيد الخدري : أن ناسا من الأنصار سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم ثم سالوه فأعطاهم ، حتى نفذ ما عنده ثم قال : ما يكون عندي من خير فلم أدخره عنكم، ومن يستعفف منكم يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطى أحد عطاء هو خير وأوسع من الصبر. وأما حلق الرأس ففي التنزيل : (محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون). والسر في حلقه في الحج التذلل وترك الزينة، وهو سيرة الفقراء مع ما في حلقه من ترك المونة ، والخفة في الطهر ، وإزالة المؤذي . وكان أكثر السلف يحلقون رؤوسهم، وحلق علي رضي الله عنه رأسه بالموسى . وفي الإحياء ، لا بأس بحلقه لمن أراد النظافة. وأما الحفا قال تعالى لموسى عليه السلام : (اخلع نعليك) إشارة إلى الحفا . وقال عليه السلام : اخشوشنوا وامشوا حفاة. وكان الصحابة رضي الله عنهم يعشون حفاة في الطين وغيره، ويدخلون المسجد ويصلون ولا يغسلونه . ذكره في المدونة. وقال القضاعي عن وهب بن منبه : أن صالحا عليه السلام كان يمشي حافيا. وكان أهل الصفة يمشون حفاة. وقال عمر : انتعلوا واختلفوا في الحفا ، إشارة إلى رفض الكونين. PageV01P084 وأما لباس الصوف فقال أنس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد ويركب الحمار ويلبس الصوف. وقال عليه السلام ms27 : يوم كلم الله موسى كانت عليه جبة صوف وكمة صوف، ونعلا من جلد حمار غير ذكي ، رواه ابن مسعود . والكمة ، بضم الكاف وتشديد الميم ، القلنسوة المدورة . وعن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال : لو شهدتنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد أصابتنا السماء لحسبت ريحنا ريح الضأن من لبوسنا الصوف . وأما لباس الشعر ففي صحيح مسلم عن عائشة قالت : خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات غداة باردة وعليه مرط مرحل من شعر أسود. ومرحل بالحاء المهملة . أيي فيه صور الرحال ، فجاء الحسن بن علي فأدخله ، حتى جاء الحسين فدخل معه ، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ، ثم جاء علي فأدخله ثم قال : (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا). وأما لباس المرقعة ففي الموطأ عن أنس قال : رأيت عمر بن الخطاب وهو يومئذ أمير المؤمنين وقد رقع بين كتفيه برقاع ثلاث لبد بعضها فوق بعض. وقال سفيان الثوري : كان على عمر إزار فيه اثنتا عشرة رقعة إحداهن من أدم، بفتح الهمزة والدال، أي جلد. وكان عليه السلام يخصف النعل ويرقع الثوب ، وقال لعائشة : لا تستبدلي ثوبا حتى ترقعيه. وفي الجواهر التصريفية أن عليا رضي الله عنه قال: PageV01P085 رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من رقاعها، إلى أن قيل لي ألقها عنك فذو الأتن لا يرضاها لأتنه . وأول من رقع آدم وحواء عليهما السلام . وقال تعالى : (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة). وأما لباس العباءة ففي صحيح مسلم عن حذيفة في حديث له قال: فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها. وقد تحلق أبو بكر في العباءة. وأما لباس الفرجية فروى المسور ابن مخرمة قال : قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم أقبية قسمها بين أصحابه الحديث . والقبا ثوب ضيق مشقوق. وأما لباس المزند وهو ذو الكم الضيق، ولباس المهذب الذي يسمونه الشرشوح وهو ذو الأهذاب، ففي الموطأ عن المغيرة بن شعبة : أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب لحاجته ms28 في غزوة تبوك، قال فذهبت معه بماء في ركوة فجاء فسكبت عليه الماء فغسل وجهه الشريف، ثم ذهب يخرج يديه من كمي الجبة فلم يستطع من ضيق كمي الجبة، أخرجها من تحت الجبة فغسل يديه ومسح برأسه ومسح على الخفين. وخرجه مسلم أيضا عن المغيرة بن شعبة. وورد في لباس ذي المهذب ، أن عليا رضي الله عنه قطع من كم قميص ما فضل على أصابعه وترك هذبه، ورئي به يخطب على منبر الكوفة. PageV01P086 وأما الملحفة والإزار على المنكبين ، فروى البخاري عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بعصابة دسماء ملتحفا بملحفة على منكبيه. وأما الرقاع الملونة فقالت عائشة رضي الله عنها : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أرقع ثوبي برقاع أخلاط. وأما الخياطة بالخيوط الملونة فروى أبو داود عن عبد الله مونى أسماء بنت أبي بكر قال : رأيت عمر في السوق اشترى ثوبا شاميا فرأى فيه خيطا أحمر ، وأتيت أسماء فذكرت لها ذلك فقالت : يا جارية ناولني جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرجت جبة طيالسية مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج وأما حمل الإشارة أو القضيب ، فالإشارة المخطرة ، بكسر الميم وسكون الخاء معجمة وفتح الطاء مهملة ، وهي عود أرق من العصا وأغلظ من القضيب، طوله أربعة أشبار أو نحوها يحملها الفقراء في أيديهم ويحملون أيضا السهم، والأصل فيها السترة في الصلاة. روى أبو بكر بن شيبة أنه عليه السلام قال : ليستتر أحدكم لصلاته ولو بسهم. وكان له عليه السلام مخطرة وقضيب وعصى وعنزة، وهي بفتح العين والنون بعدهما زاي . وكانت العرب تحمل المخاطر تخطب وهي في أيديها ويتخذونها في مجالسهم. مجالسهم حفظ الحديث وقولهم إذا ما قضوا في الأمر رمى المخاطر يصيبون فضل القول في كل خطبة إذا وصلوا إيمانهم بالمخاطر PageV01P087 وقال آخر : فيي كفه خيزران ريحه عابق من كف ان رع في عز لينه شمم يقضي حياء ويقصي من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم ms29 وفقراء المشرق يسمون المخطرة مخروطة ويحاوية نسبة إلى اليحا، بفتح الياء، طائفة من السودان يسكنون أرض عيذاب، وهي عندهم عصى من طلح . وأما حمل العقافة وهي الجنوكان عند العجم ، بضم الجيم ، والمحجن عند العرب ، بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الجيم وهي عصى معوجة الرأس من حيث يجعل اليد . ففي الحديث المرفوع : أنه عليه السلام طاف بالبيت يستلم الركن بمحجنه. وفي حديث أبي بكر: أنه أفاض من جمع وهو يحرش بعير بمحجنه، أي يحركه ليمشي. وأما كثرة السفر وترك الوطن فلقوله عليه السلام : كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك في أصحاب القبور. وقال إن المؤمن يفر بنفسه أي بدينه من شاهق إلى مشاهق ، يريد في آخر الزمان . وكثرة أسفارهم فرار عن اعتراض الناس عليهم. وروى النسائي عن عبد الله بن عمرو ابن العاصي قال : مات رجل بالمدينة ممن ولد بها فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا ليته مات بغير مولده قالوا : ولم ذلك يا رسول الله ؟ قال : إن الرجل إذا مات بغير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة. PageV01P088 وأما التغميز ويسمى التكبيس، فإن عمر رضي الله عنه قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وغلام يغمز ظهره، فقلت : ما شأنك يا رسول الله ؟ قال : إن الناقة اقتحمت. وأما الخروج عن المال فقال تعالى : (ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وخرج أبو بكر عن ماله كله. ففي الموطأ في الوصية للوارث قال مالك : إن الرجل إذا كان صحيحا كان أحق بجميع ماله يصنع فيه ما شاء، إن شاء أن يخرج عن جميعه خرج يتصدق به او يعطيه من شاء . وأما ترك الادخار فقد صح عنه أنه عليه السلام لم يدخر وقال أنس : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد. وعن عائشة رضي الله عنها :أنه عليه السلام قال لبلال : اطعمنا يا بلال ، قال: يا رسول الله ما عندي إلا صبر من ms30 تمر خبأته لك، قال : أما تخشى أن يخسف الله به في نار جهنم ؟ أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش اقلالا. والصبر جمع صبرة من الطعام أو التمر وهو ما يكون منهما في شيء دون وزن وكا كيل . وتقدم حديث عمر بن الحارث في التجريد. وأما السكنى في المسجد والنزول فيه ، ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : أصيب سعد يوم الخندق يعني سعد بن معاذ، فضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب. وفي رواية قال : اللهم إن كان بقي من حرب قريش شيء PageV01P089 فابقني أجاهدهم ، فكيف وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها واجعل موتي فيها، فانفجرت من ليلته فلم يرعهم، وفي المسجد معه خيمة من بني غفار، والدم يسيل إليهم، فقالوا : يأهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم ، فإذا جرحه يغذ ، بكسر الغين المعجمة وبشد الذال معجمة ، أي يسيل ، فمات منها في المسجد. وأنزل عليه السلام وفد تقيف في المسجد وقال : هو أرق لقلوبهم. والمسجد بيت كل نقي. وأما النوم في المسجد وعلى القبور ، ففي صحيح مسلم عن ابن عمر قال : كنت شابا عزبا وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية وكنت أبيت في المسجد. وعن سهل بن سعد في حديث ذكر فيه : إن النبي صلى الله عليه وسلم جاء وعلي في المسجد راقد ومضطجع قد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب، فجعل يمسح عنه ويقول : قم أبا تراب، فم أبا تراب ، فكانت هذه أحب كناة إليه. وروى مالك أن عليا رضي الله عنه يتوسط القبور ويضطجع عليها. وأما الاستلقاء على الظهر في المسجد ففي الموطأ عن عباد ، بباء موحدة ، بن تميم عن عمه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه على الأخرى. وفيه أن عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك. وأما الأكل في المسجد، فقال عبد الله بن الحارث : أكلنا مع النبي وصلى الله ms31 عليه وسلم شواء في المسجد. ونزول ثقيف فيه وأهل الصفة وخيمة سعد بن معاذ وخيمة بني غفار، لاشك أنهم يأكلون فيه، ويسكنون فيه، وينامون. PageV01P090 وعن أبي هريرة أنهم كانوا يأكلون فيه الشواء ويعركون أيديهم بالحصباء ويصلون . وأما انشاد الشعر في المسجد ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة : أن عمر رضي الله عنه مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه فقال : كنت أنشد فيه وفيه خير منك، ثم التفت إلى ابي هريرة فقال : أنشدك الله أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول أجب عني اللهم أيده بروح القدس ، قال : اللهم نعم. واما الرقص في المسجد ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : جاء جيش من الحبشة يزفون في يوم عيد في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعت كفي على منكبه، فجعلت أنظر إلى لعبهم. قال ابن عيينة : الزف : الرقص . وفي رواية والحبشة يلعبون بحرابهم في المسجد . وأما استماع الغزل من الشعر ، فقد سمع أبو هريرة لبيت شعر، وقال : كنا ننشد مثل هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانت العرب تمدح وتتغزل في أشعارها، وتغزل كعب ابن زهير في قصيدته التي مدحه فيها وأولها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يعد مكبول وقال عبد الله بن المغيرة : قلت لسعيد بن المسيب : عندنا رجل من العباد إذا سمعنا ننشد الشعر صاح علينا ، قال نسك نسكا عجيبا . وكانت عائشة رضي الله عنها تروي ألف بيت من الشعر. وأما النظافة ففي التنزيل : (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده. وقال عليه السلام : أحب الزينة ولو في شراك النعل. وقال عمر رضي الله عنه : إني ييعجبني القارئ النظيف ، أي النقي، PageV01P091 والقارئ هو العابد أو قارئ القرآن ، فالنظافة سنة هي غسل البدن والثوب وإزالة الفضلات والأوساخ عن الرأس والأذن والأنف والأسنان والأثاث، وقص الشارب والاأظفار ونتف الإبطين وحلق العانة، ووقت فيها أربعون يوما. وأما الخضاب ففى صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى ms32 الله عليه وسلم قال: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن عثمان بن عبد الله ابن موهوب قال : دخلنا على أم سلمة فاخرجت لنا شعرا من شعر النبي وصلى الله عليه وسلم مخضوبا ، زاد ابن أبي خيثمة ، بالحناء والكتم . وروى ابو الدرداء عن أبي رمثة ، بكسر الراء، قال : انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو ذو وفرة وبها ردع من حناء وعليه بردان أخضران. وروى مسلم عن ابن سيرين قال : سألت أنسا عن الخضاب فقال : كان أبو بكر يخضب بالحناء والكتم ، وكان عمر يخضب بالحناء بحتا ، أي خالصا. وفي الموطأ أن عائشة أخبرت : أن أبا بكر كان يخضب. وأما الطيب والسواك ففي صحيح البخاري عن أنس :أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرد الطيب، وفي سنن ابي داود عن أنس قال : كانت للنبي صلى الله عليه وسلم سكة يتطيب منها، والسكة، بضم السين مهملة وشد الكاف، واحدة السك وهو طيب مجموع يتطيب منه. وقال ابن عمر: PageV01P092 رأيت المسك في مفارق النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الموطأ أنه عليه السلام قال في جمعة من الجمع :يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيدا فاغتسلوا، ومن كان معه طيب فلا يضره أن يمس منه وعليكم بالسواك، وقال : المسك أطيب الطيب. خرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري. وقال : السواك مطهرة للفم ومرضاة للرب. وقال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة. وأما التبخر بالعود ففي صحيح مسلم عن نافع قال :كان ابن عمر إذا استجم استجمر بالألوة غير مطراة بكافور يطرحه مع الألوة ثم قال : هكذا كان يستجمر النبي صلى الله عليه وسلم ويتبخر. والألوة، بفتح الهمزة وضم اللام وشد الواو ، العود الذي يبخر به، ومطراة اسم مفعول ، أي غير مرويات بطيب آخر. والبخور والطيب يزيدان الفقير انشراحا في سره ، لأن الفقراء لهم تطلع لعالم الأمر ، فيتطيبون لأن ذلك مما يليق بالروح . وأما الخضرة بالرياحين والأزهار ، فقال ms33 عليه السلام : النظرة في الخضرة يزيد في البصر ، وقال : من عرض عليه ريحان فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الريح ، خرجه مسلم عن أبي هريرة . وكل ذي ريح طيبة من نبات ريحان . وقال : شموا النرجس ولو في اليوم PageV01P093 مرة ، ولو في الجمعة مرة ، ولو في الشهر مرة، ولو في السنة مرة. وقال : أحب من دنياكم ثلاث : النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة. والخضرة نور وزهرة، وخضرة لها روائح طيبة وألوان عجيبة، فما ينكر في إدخالها المسجد للنظر والاعتبار في صنع الله، وكل إناء بالذي فيه يرشح. وقيل لابن العطار الفاسي ، وكان من العلماء ولحق بالفقراء : تتخذون الخضرة والفقراء يتشبهون فيها بأهل الخلاعة ، فقال: أهل الخلاعة يتشبهون فيها بالفقراء ولذلك أقيم عليهم الحد. وأما قنديل الزجاج فقال الله تعالى : (الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة) الآية. فمثل بنوره الذي ليس كمثله شيء، تقريبا لأفهامنا حتى قال حبيب بن أويس: فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلا من المشكاة والنبراس وفي قنديل الزجاج يقول النجم الاسرائيلي و معيني علي سهادي كأس من زجاج أرق من أشعار كالأخ الخالص المودة لا يكتم عني شيئا من الأسرار والعجب أن قناديل الزجاج لا تزال معلقة في المساجد ثم تنكر موضوعة بين يد الفقراء في الأرض. PageV01P094 وأما خلطة الشباب ففي الموطأ عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله سبحانه بظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابان في الله اجتمعا على ذلك وافترقا، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بمصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. وقال :يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة. وقال: ان الله أرسلني شاهدا ومبشرا ونذيرا فخالطني الشباب ms34 وفارقني الشيوخ. خرجه سلام الباهلي في الأول من الدخائر والأعلاق له. والشاب أقل مكرا وأحسن عشرة، قالوا : وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليه. وأما قبول الشباب إذا جاء، والاشتراط عليه، فخرج المقدسي في كتابه عن أنس قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أهدت له نساء الأنصار كل ما قدرن عليه ، ولم يكن لأم سليم شيء فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا نبي الله إن نساء الأنصار أتحفناك ولم يكن عندي شيء اتحفك به، وهذا ابني انس قد أهديته لك. قال : قد قبلته يا أم سليم على أن لا يظهر من سري شيئا. قالت : ذلك إن شاء الله. قال أنس وقد فعلت ذلك وما زلت أخدمه عشر سنين إلى أن قبض. وأما المزاح وهو البسط ، فقال أنس : كان النبي صلى الله عليه وسلم من أفكه الناس خرجه المقدسي . وقال لأنس : يا ذا الأذنين وقال لرجل PageV01P095 سأله أن يحمله على جمل : أحملك على ولد الناقة فتعجب الرجل فقال له هل تلد الجمال إلا النوق. وكان رجل من أهل البادية يقال له زاهر بن حرام ، بالحاء والراء ، كلما دخل المدينة يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم شيئا ، فوجده النبى صلى الله عليه وسلم في السوق فأتاه من خلفه وضمه إليه وقال : من يشتري منى هذا العبد ؟ فقال زاهر إذا تجدني كاسرا يا رسول الله فقال: لست عند الله بكاسر ثم قال : زاهر باديتنا ونحن حاضرته. وجاء رجل لعلي رضي الله عنه برجل فقال : زعم هذا أنه احتلم البارحة بأمي في نومه ، قال : يوقف للشمس ويضرب ظله الحد. وكان كثير المزاح. وأما الضحك فجده ما يرضي النفوس ولا يخرج عن المباح، وهو مورد جمال ولا يصدر إلا عن الصفاء. قال جابر بن سمرة: كانوا يتحدثون ويأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبتسم معهم. وأما البسط مع الصغار، فروى أبو داود عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لأخيه : يا أبا ms35 عمير ما فعل النغير فكناه. والنغير طائر صغير كان النبي صلى الله عليه وسلم يكنيه به فصغره النبي صلى الله عليه وسلم، وكان إذا جاء يقول له النبي ذلك. وأما البسط بالطعام فروى المقدسي عن عائشة قالت : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بخزيرة طبختها فقلت لسودة والنبي بيني وبينها : كلي فأبت، فقلت كلي فأبت، فقلت لتأكلين أو لألطخن بها وجهك فأبت فوضعت يدي في الخخزيرة فلطخت بها وجهها ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فوضع فخده لها PageV01P096 وقال لسودة : لطخي وجهها، فلطخت بها وجهي، فضحك أيضا، فمر عمر على الباب فنادى، يا عبد الله يا عبد الله، فظن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيدخل فقال : قوما فاغسلا وجوهكما. قالت عائشة : فما زلت أهاب عمر لهيبة النبي صلى الله عليه وسلم. وكانوا يتبادحون بالبطيخ أي يترامون به الخزيرة ، بخاء معجمة ومفتوحة وزاي مكسورة وياء وراء ، العصيدة على مرق اللحم، ويتبادحون بباء واحدة ودال مهملة وحاء مهملة. وأما خطف الفاكهة ونهبها، فروي : أنه عليه السلام لما زوج فاطمة من علي رضي الله تعالى عنهما، أولم عنهما بطبق ثمر فلما وضعه بين أيدي الحاضرين قال : انتهبوا فانتهبوا فصارت سنة، وولد لبعض الأنصار مولود فأتى في عقيقته بسلال مشمش وتمر فقال عليه السلام : ما لكم لا تنتهبون؟ قالوا : نهيتنا عن النهبة قال : إلا في الفاكهة. قال الراوي : فلقد رأيتنا نجرجر النبي صلى الله عليه وسلم ويجرجرنا أي نرده ويردنا. وأما السباق، فروت عائشة : أنه عليه السلام سابقها فسابقته ثم سابقها بعد ذلك فسابقها فقال : هذه بتلك. وفي صحيح مسلم : أن رجلا من الأنصار طلب السباق فقال سلمة بن الأكوع: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ذرني لأسابق قال : إن شئت. وأما السباحة في الماء، وهي العوم ، فروي أن عمر رضى الله عنه طلب من الزبير أن يصبر تحت الماء حتى ينظر أيهما أطول نفسا . وقيل PageV01P097 اأبي هشام الصوفي في أي شيء كنت اليوم قال : في تعلم ما ليس لحيوان عنه غنى ، قيل ms36 :وما ذاك ؟ قال : السباحة . وأما استعذاب الماء، فروى أبو داود عن عائشة : أنه عليه السلام كان يستعذب الماء من بيوت السقيا. قال قتيبة بن سعيد : هي عين بينها وبين المدينة يومان . وأما أكل الطيبات فقال تعالى : (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة. وقال : (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا) الآية، وكان عليه السلام إذا وجد الطيب لا يأكل الدون، وكان يحب لحم الذراع، وذبح له سعد بن عبادة أربعين ذات كبد وأطعمه أطيبهن فلم يعب عليه بل شكر فعله، وكان ابن عمر يأكل الفراخ والدجاج والجنيص. وأما الحلاوة ففي صحيح مسلم عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : فضل عائشة على النساء كفضل التريد على سائر الطعام. وأما الاتكاء ففي سنن أبي داوود عن جابر بن سمرة قال: دخلت على النبي صلى الله عليه ويسلم في بيته فرأيته متكئا على وسادة على يساره وكان أبو سعيد الخدري يجلس على البساط ويتكئ على الوسادة. PageV01P098 وأما الميل للرخص في بعض الأمور المباحة، ومطالبتهم من تنزه عنها، ففي صحيح مسلم عن عائشة قالت : صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا ترخص فيه، فبلغ ذلك أناسا من أصحابه فكأنهم كرهوه وتنزهوا عنه، فبلغه ذلك فقام خطيبا فقال : ما بال رجال يبلغهم عني أمر ترخصت فيه فكرهوه وتنزهوا عنه، فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية. وفي حديث آخر فغضب حتى تبين الغضب في وجهه صلى الله عليه وسلم. وأما قلب الأسماء القبيحة بالحسنة، فكان عليه السلام يفعل ذلك، فسمي حربا سلما، وسمى شعيب الضلالة شعيب الهدى ونحو ذلك، وفي سنن أبي داود من ذلك. وأما مداراة الناس، والجاهل يظنها رياء، ففي الموطأ عن عائشة أنها قالت : استأذن رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه في البيت فقال : بيس ابن العشيرة ثم أذن له، فقالت : فلم أنشب أن سمعت ضحك ms37 رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، فلما خرج الرجل قلت يا رسول الله قلت فيه ما قلت ثم لم تنشب أن ضحكت معه ، فقال : إن من شر الناس من اتقاه الناس لشره. وأما قيام الناس بعضهم لبعض ، ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري : أن أهل قريضة لما نزلوا على حكم سعد بن معاذ ، أرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه على حمار أقمر، يعني أبيض، فلما دنا قال عليه السلام : قوموا إلى سيدكم أو قال إلى خيركم ، PageV01P099 وأما قسمة شعر المحترمين بينهم، ففي صحيح مسلم عن أنس قال : لما رمى النبي صلى الله عليه وسلم الجمرة ونحر نسكه ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه ، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه، ثم أعطاه الشق الأيسر فقال : احلق فحلقه ، فأعطاه أبا طلحة ، فقال : اقسمه بين الناس. وأما حط الرأس عند زيادة سرور أو استغفار ، فهو من نحو سجود شكرالله تعالى عند السرور بلقاء الإخوان ، وزيادة يكتسبها الفقير ، لأنه عليه السلام كان إذا ورد عليه وارد يسره سجد له، وقد سجد عند رؤية رأس أبي جهل. وروى مسلم عن أبي حازم في حديث المنبر قال : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عليه وكبر وكبرنا وراءه وهو على المنبر، ثم نزل فرجع القهقري، فسجد في أصل المسجد ثم دعا، وذلك أول يوم جلس عليه. وكان عمر وغيره إذا ورد عليه فتح من الفتوح سجد، وفعله عند الاستغفار تواضع وأدب للنفس. وأما الشكرانة ففى صحيح البخاري عن كعب بن مالك في حديثه الطويل : قلت يا رسول الله إن من نوبتي أن أخلع مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال عليه السلام : امسك عليك بعض مالك فهو خير لك. وفي الموطأ عن أبي لبابة بن عبد المنذر حين تاب لله قال : يا رسول الله اترك قومي التي أصبت فيها الذنب وأجاورك وانخلع فيها ومالي صدقة لله. فقال : يجزيك من ذلك الثلث. فالفقير إذا أذنب وندم واستغفر PageV01P100 قبل الله توبته : (وهو الذي ms38 يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما يفعلون) فيقدم صدقة إذا تاب من الذنب كما فعل الصحابي، ولا أحد أولى بها من الفقراء، فإن لم يكن ما يخرج أخرج الفقراء عنه ، أو الخادم أو الشيخ أو كبير القوم أو يسمح له . وأما شكرانة القدوم فروى جابر بن عبد الله قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة نحر جازورا أو بقرة. وأما إلزامهم أكثر من الشكرانة لمن امتنع منها فروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده في حديث مانع الزكاة والحديث في الإبل قوله عليه السلام : ومن منعها فأنا آخذها شطر إبله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد منها شيء، قلت : قال الحربي رواية وشطر إبله غلط . وإنما هو : وتشطر إبله ، أي تجعل شطرين ، ويأخذ المصدق من شطرهما عقوبة له ، ذكره الهروي في الحرفيين. وأما إلزامهم الشيء من لفظ به، فروى جابر بن عبد الله فيما روى المقدسي في كتابه قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال : يا جبير ، هؤلاء أعنز إحدى عشر عنز في الدار أحب إليك أم كلمات علمنيهن جبريل آنفا يجمعن لك خير الدنيا والآخرة ؟ قلت : يا رسول الله والله إني لمحتاج وهؤلاء الكلمات أحب إلي فطفق يرددهن حتى حفظتهن ، ثم قال استقهن معك يا جابر. فسقتهن معي الاحدى عشر . PageV01P101 وأما أخذهم الضيافة قهرا من مانعها، ففي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال : قلنا : يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقرءوننا فما ترى فقال : إن نزلتم بقوم فامروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فجزوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم . وأما استخراج الراحة من بخيل أو كريم، ففي صحيح مسلم عن عبد الله عمر قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ينهانا عن النذر ويقول إنه لا يرد شيئا ولكنه يستخرج به من الشحيح ، فالاستخراج من الشحيح خير له. والفقراء يفعلون هذا بطريق حسنة ولا سيما مع من له منهم خرق ms39 مثمنة ولا يتفتى منها بشيء، وكثيرا ما ينكر هذا عليهم. وأما طرح الخرق، ففي صحيح مسلم عن جرير قال :كنا عند نبي صلى الله عليه وسلم صدر النهار فجاءه قوم حفاة عراة محتابي النصار أو العبا متقلدين السيوف ، عامتهم من مضر ، بل كلهم من مضر فتمعض وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بهم من الفاقة، يعني تغير، فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال : يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة إلى : (إن الله كان عليكم رقيبا) . والآية التي في الحشر (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد) . تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره، قال ولو بشق تمرة ، بكسر الشين ، أي بنصفها فجاء رجل من الأنصار PageV01P102 بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد تعجز عنها، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب يعني كدسين، والكوم والكدس، بفتح الكافين، وروى ضمهما ، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة، فقال : من سن سنة في الإسلام حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء. فالقيت الخرق بين يديه صلى الله عليه وسلم الوجود الراحة، وألقيت بين يديه عند النوائب ، لأنه لما رأى يوم أحد جثة عمه حمزة بكى ، ولما رأى ما مثل به شهق، وهو بفتح الهاء، ثم قال : الأكفن فرمى رجل من الأنصار بثوب. وعن أبي سعيد الخدري قال : دخل رجل مسكين المسجد فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرحوا ثيابا، فطرحوا فأمر له بثوبين، ثم حث على الصدقة فجاء الرجل فطرح الثوبين فصاح به فقال له خذ ثوبك. وكان عليه السلام يقبل من أبي بكر لما علم من حاله ، ورد على غيره لما علم من ms40 حاله. وأما المطالبة وسببها ويسمونها النقار، فيقصدون بها إخراج الحقوق ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والصلح بين شخصين أو فئتين. وروى سهل بن سعد الساعدي قال : أوتي النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له : إن بني عوف قد تقاتلوا وتراموا بالحجارة فذهب ليصلح بينهم وحضرت الصلاة فجاء بلال إلى أبي بكر فقال : تصلي بالناس حتى أقيم ، قال : نعم ، فأقام وذكر الحديث. وقد عاب الله تعالى بترك PageV01P103 المطالبة في قوله : (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه) ، وقال عمر في جملة من الصحابة : أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمر ما كنتم صانعين ؟ قالوا : إذا قومناك تقويم القدح، وهو السهم، قال : فأنتم إذا أنتم. وقد أمر الله تعالى بتغيير المنكر، وتغييره باليد فإن لم يقدر فباللسان فإن لم يقدر فبالقلب وذلك أضعف الإيمان . وسبب المطالبة عندهم أن من بغى على أخيه أو هجره طالبوه ليرجع ، لقوله عليه السلام : لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما من بدأ بالسلام. رواه مالك في الموطأ عن أبي أيوب الأنصاري . وقال :تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس ، فيغفر الله لكل عبد مسلم لا يشرك بالله شيئا، إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحنا ، فيقال انظروا هاذين حتى يصطلحا. رواه مالك في الموطأ عن أبي هريرة . والفقراء يحكمون المشايخ فيردون إلى الحق من أباه . وجائز في الشرع أن تحكم الخصمان بينهما من رضياه. وأما مطالبة صاحب الدعوى، فروى أنس قال : بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ استقبله شاب من الأنصار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كيف أصبحت يا حارثة قال : أصبحت بالله مؤمنا حقا، قال : انظر ما تقول فإن لكل قول حقيقة، قال يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا، يعني صرفته ويروى عزفت، بفتح الفاء وسكون التاء، فاسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، PageV01P104 وإلى اهل النار في النار كيف يتحادون (...) فقال : أبصرت ms41 فالزم عبد نور الله قلبه بالإيمان. خرجه المقدسي في كتابه. وأما مطالبة ناقل الكلام ففي صحيح مسلم عن حذيفة أنه عليه السلام قال : لا يدخل الجنة فتات، اي نمام ، وقال : لا يدخل الجنة نمام. وأما مطالبة الفقيري اذا تنافسا ، فلقوله عليه السلام : لا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا. رواه مالك في الموطأ عن أبي هريرة. وأما مطالبة من منع واجبا، فروى أنس:أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة فقال : ما هذا؟ قال : تزوجت امرأة على قدر نواة من ذهب قال : بارك الله لك أو لم ولو بشاة. أخرجه في الصحيحين واللفظ هنا لمسلم. وأما القعود في الوسط ، فالفقير إذا قعد وسط الفقراء لأخذ القصاص والحد ، إذا وقع فيما يوجب الحد، فيتقدم بنفسه أو يقدمه الخادم لذلك ، حتى يقتص منه أو يعفى عنه ، فيكون قعوده مستقبل القبلة ، لقوله عليه السلام :خير المجالس ما استقبل القبلة. وقد PageV01P105 كشف عليه السلام عن بطنه لعكاشة ، وتقدم لأخذ القصاص والحد إذا وقع فيما يوجب الحد منه ، واللائق بالطريق العفو، إلا قي حد من حدود الله فإنه لا يرد إلا بشبهة. وأما الاستغفار قائما، فلأن القيام أقرب إلى الخضوع ، وهو المقدم في قوله تعالى : (الذين يذكرون الله قياما وقعودا) الآية ، وحاصل قيامهم انما هو لله تعالى والمراد به كظم غيظ المجنى عليه حتى يقبل على الجاني ، وقولهم : ربنا ظلمنا أنفسنا ، هو ما حكى الله تعالى أن آدم وحواء عليهما السلام قالاه عند الخطيئة. وأما قولهم عند الخطأ، نستغفر الله، فلقوله تعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم) الآية. وكان عليه السلام يقول : اللهم اجعلني من الذين اذا أحسنوا استبشروا وإذا أساءوا استغفروا وقال ابن مسعود : كان رجوع الأنصار يوم سقيفة بني ساعدة بقول عمر :أنشدكم الله هل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس قالوا : اللهم نعم قال : فأيكم تطيب ms42 نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالوا : كلنا لا تطيب نفسه نستعفر الله. وأما قولهم الفقير أولى بخرقته، فروى جابر بن عبد الله قال : اعتق رجل غلاما ليس له مال غيره فباعه النبي صلى الله عليه وسلم دفع ثمنه إليه، وقال أنت إلى ثمنه أحوج والله غني عنه. ذكره المقدسي. وفي صحيح مسلم عن PageV01P106 أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هلكت يا رسول الله قال : وما أهلكك ؟ قال : وقعت على أهلي في رمضان. قال : هل تجد ما تعتق به رقبتك ؟ قال : لا ، قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا ، قال : فهل تجد ما تطعم به ستين مسكينا ؟ قال : لا ثم جلس فأتى النبي وصلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، والعرق بفتح العين والراء، الزنبيل الكبير ، فقال : تصدق بهذا ، قال : لا أفقر منا ، فما بين آياتيهما يعني الحرتين أهل بيت أحوج منا . فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجده ثم قال : اذهب فاطعمه إليهم. فالفقير على كل حال أولى بخرقته. وأما قولهم ، إذا خرجنا عن شيء لا نعود إليه، ففي الموطأ عن عمر رضي الله عنه قال : حملت على فرس عتيق في سبيل الله وكان الرجل الذي هو عنده قد أضاعه فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برخص فسألت عن ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم فقال : لا تشتريه وإن أعطاكه بدرهم واحد فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه. وأما قولهم الصلاة عند الاجتماع، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال :كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منزلا، منا ما يصلح خباءه ومنا من ينتظل، بظاء معجمة، يعني بالسهام، ومنا من هو في شجرة ، بفتح الجيم والشين ، يعني في رعي دوابه . إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة جامعة، فاجتمعنا فقال : إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان ms43 حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر PageV01P107 ما يعلمه لهم وإن أمتي هذه جعلت عاقبتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، الحديث . وأما التكبير على من حاد عن الحق ، ففي الموطأ : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الناس في قبائلهم (يدعوهم) وأنه ترك قبيلة من القبائل، وأن القبيلة وجدوا في بردعة رجل منهم عقد جزع غلولا - والجزع بفتح الجيم وسكون الزاي، حرز ملون، والبردعة بفتح الباء - فأتاهم فكبر عليهم كما يكبر على الميت. وأما هجران من لا يوافق منهم من غير عذر ، فروى أنس قال : لما خرج المنافقون الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقونه ، قال : لا تكلمون احدا تخلف عنا. وخرجه البخاريي عن كعب بن مالك في حديث طويل قال فيه :ونهى المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. وأما ضرب من عدل عن الحق، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من نبي بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له من أمته حواريون يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن حقا، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن حقا، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة PageV01P108 خردل. فيفهم من هذا تعزير من عدل عن الحق، أي تأديبه. والفقير من ينصف من نفسه ويكون مع الفقراء على نفسه، ومن اشتكى لوال فليس بفقير. وأما وصف الرجل بما فيه عند المشورة فيه ، أو التحذير منه ، والجاهل يظن ذلك غيبة ؛ ففي صحيح مسلم عن فاطمة بنت قيس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها حين خطبها معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد، أما معاوية فرجل ترب لا مال له، وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء، ولكن إنكحي أسامة. وأما القيام للكلام إذا ms44 كان الجمع كثيرا ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال : لما فتح الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ان الله حبس عن مكة الفيل. وأما الكناية في الكلام ففي صحيح مسلم عن أنس قال : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاد حسن الصوت يقال له أنجشة فقال له رويدا يا أنجشة لا تكسر القوارير ، فكنى بالقوارير عن ضعفة النساء ، والقوارير الزجاج. وأما الرمز في الكلام فروت عائشة : أنه عليه السلام قال لنسائه أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا، قالت عائشة : فتوفيت زينب وكانت PageV01P109 امرأة قصيرة فعرفنا حينئذ أنه أراد بطول اليد الصدقة ، لأنها كانت تتصدق في سبيل الله. وأما الإشارة والتعريض في الكلام فقال جابر بن عبد الله : أمر أبي بحزيرة فصنعت له ثم أمرني فأتيت بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما هذا يا جابر ? ألحم ذي ؟ فلما قال جابر ذلك لأبيه . قال عسى أن أشتهى اللحم فصنع أبي له اللحم . والفقراء يعرضون كذلك ويسمونه الحط، ويقولون حططنا على فلان حملنا. وأما الصلاة في النعال، ففي صحيح مسلم عن أبي مسلمة سعيد ابن زيد قال قلت لأنس . أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في النعلين ؟ قال: نعم. وفي سنن أبي داود عن أبى سعيد الخدري قال : ينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعها عن يساره فلما رأى ذلك القوم خلعوا نعالهم ، فلما قضى صلاته قال : ما حملكم على إلقاء نعالكم ؟ قالوا له قد رأيناك قد ألقيت نعليك فألقينا نعالنا فقال : إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما قذوا، وقال عليه السلام :إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصلي فيها. وكان النخعي يقول في الذين يخلعون نعالهم للصلاة وددت لو أن محتاجا أخذها. PageV01P110 وأما الصلاة في الثوب الواحد ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن سائلا سأل النبي صلى الله وسلم وهو يصلي في الثوب الواحد ms45 مشتملا به في بيت أم سلمة واضعا طرفيه على عاتقيه . وفي الموطأ عن أبي هريرة قال: إني لأصلي بثوب واحد وإن ثيابي لعلى المشجب، والمشجب الخشبة التي عليها الثياب ، وكان جابر بن عبد الله يصلي في الثوب الواحد ويكره أن يصلي المصلي في ثوب وليس على عاتقه منه شيء. وأما تركهم الرقى والتمائم والعزائم والطب، فروى عقبة بن عامر الجهني قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : من تعلق تميمة فلا أتم الله له أمره، ومن تعلق وديعة فلا ودع الله له. وفي صحيح مسلم في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة من أمته بغير حساب قال :هم الذين لا يرقون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون. وأما تقليبهم الذهب وشبهه بالعود ولا يمسونه، فروى عوف بن مالك قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه فيء قسمه في يومه فأعطى الأهل حظين والأعزب حظا فدعينا، وكنت ادعى قبل عمار ابن ياسر، فدعيت فأعطاني حظين، ثم دعا كذاعمر بن ياسر فأعطاه حظا واحدا، فسخط حتى عرف ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه ومن حضره، فبقيت قطعة من سلسلة من ذهب فجعل يرفعها بطرف عصاه وتسقط وهو يقول : كيف أنتم يوم يكثر لكم مع هذا، فلم يجبه أحد، فقال عمار وددنا يا رسول PageV01P111 الله لو قد أكثر لنا من هذا. وأما قبول الفتوح من النساء، ففي الموطأ عن أنس قال :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان، وهي خالته من الرضاعة فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت. وعن ابن عباس : أن أم الفضل أرسلت لى رسل الله صلى الله عليه وسلم بلبن فشرب وهو قائم يخطب للناس بعرفة، وبعث عليه السلام إلى أم عطية وهي نسيبة الانصارية بشاة فأرسلت إلى عائشة منها، فقال عليه السلام : أعندكم شيء قالت : لا إلا ما أرسلت به نسيبة من تلك الشاة ، قال : فقربيه فقد بلغت محلها. ونسيبة مصغرة من النسب ms46 بسين مهملة، وروي فيها بفتح النون وكسر، وروى فيها التصغير والسين معجمة. وأما زيارة النساء فروى المقدسي عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور أم سليمة أحيانا فتدركه الصلاة فيصلي على بساط لها ، وهو الحصير فتنضحه بالماء. وقال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما : "انطلق بنا نزور أم أيمن كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزورها ، وهي أم أسامة بن زيد. فهذه مستندات الأمور التي تنكر عليهم على الترتيب الذي ذكرت قبل هذا وبقي شيء يتصل ذكره بعد. PageV01P112 ### | العلم الخامس: في السماع ولواحقه في التنزيل : (فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولائك الذين هداهم الله وأولائك هم أولوا الألباب). وسئل عليه السلام عن الشعر فقال : حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيحه. وقال : إن من الشعر لحكمة. وفي رواية : إن من الشعر لحكما وأن من البيان لسحرا . وقد سمع عليه السلام الشعر وأجاز عليه وأمر أن ينحت لحسان ابن ثابت منبرا ينشد عليه الشعر . وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها :أنه كان ليضع لحسان المنبر في المسجد يقوم عليه قائما يهجو الذين كانوا يهجون النبي صلى الله عليه وسلم وكان يقول : إن روح القدس مع حسان ما دام ينافح وإكرام الموضع له من هذا الحديث لأن المنظور إليه والمسموع منه، وقد أنشد النابغة للنبي صلى الله عليه وسلم: بلغنا السماء ومجدنا وثناؤنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا PageV01P113 فقال : إلى أين يا أبا ليلى ؟ قال : إلى الجنة، فقال : إن شاء الله ثم أنشده : ولا خير في حلم إذا لم تكن له بوادر تحمي صفوه آن يكدرا ولا خير في أمر إذا لم يكن له أديب اذا ما أورد الأمر أصدرا فقال : أحسنت يا أبا ليلى لا يفضض الله فاك. فعاش مائة وثلاثين لم تنفض له ثنية. وقولهم للمسمع أحسنت أصله من هذا الحديث . وفي صحيح مسلم عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: ردفت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هل معك من شعر أمية بن الصلت ms47 شيء ؟ قلت : نعم، قال : هيه ، أي أنشدنيه، فأنشدته بيتا، قال : هيه، حتى أنشدته مائة بيت ، زاد في رواية أخرى أنه عليه السلام قال : فلقد كاد يسلم في شعره. فالاقتراح على المسلم مخرج من هذا الحديث . والشعر ثلاثة أقسام ما كان منه يذكرالآخرة ويزهد في الدنيا أو يخوف ويرجى، أو يذكر ما مضى من صروف الدهر، يحسن للمبتدي والسالك، وقد تقدم سماعه عليه السلام من الغزل. وفي صحيح البخاري عن الربيع ، بالتصغير وكسر الياء مشدودة ، بنت معوذ . بكسر الواو مشدودة وذال معجمة، قالت : دخل النبي صلى الله عليه وسلم غداة علي فجلس عل فراشي كمجلسك مني وجويرات يضربن بالدف يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر ، حتى قالت إحداهن : وفينا نبى يعلم ما في غده، فقال دعي هذا وارجعي إلى ما كنت تقولين. ورد الخطأ على القوال مأخوذ من هذا الحديث. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها PageV01P114 قالت : زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا عائشة أما كان معهم لهو ، فإن الأنصار يعجبهم اللهو. وخرجه البخاري في كتاب النكاح، وفيه دليل على أن البعض أميل للسماع من بعض. وفي الصحيحين عن عائشة :ان أبا بكر رضي الله عنه وعنها، دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان، وفي رواية مسلم تغنيان وتضربان بدفين والنبي صلى الله عليه وسلم مسجى بثوبه، فانتهرهما أبو بكر فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه وقال : دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد. وقد سمع صلى الله عليه وسلم انشاد الحداث بالتلحين. وروى المقدسي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت :كانت عندي جارية تغني والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع، فلما سمعت بحس عمر فرت، فلما دخل عمر وجلس تبسم النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر : ما أضحكك يا رسول الله فقال: ضحكت أن جارية كانت عندي تغني فلما سمعت حسك فرت فقال عمر : لا أبرح حتى أسمع مما يسمع منه رسول الله صلى ms48 الله عليه وسلم فأقبلت تغني وعمر يسمع. قال المقدسي : وترك العناد في السماع أصله من هذا الحديث ، وفي إسناده ضعيف . وفي الصحيحين عن عائشة قالت :دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جوار الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث قالت وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر : أمزمار الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوم عيد، فقال : يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا. وفي رواية جاريتان تلعبان بالدف، وفي أخرى قالت :فأقبل عليه النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P115 وقال : دعهما فلما عقل غمزتهما فخرجتا، وكان يوما يلعب عندنا السودان بالحراب والدرق، فلما سألت النبي صلى الله عليه وسلم قال : تشتهين النظر ؟ قلت : نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده وهو يقول : دونكم يا بني أرفدة ، حتى إذا مللت قال : حسبك ؟ قلت : نعم، قال : فاذهبي . قالت : وكان لعبهم هذا في المسجد. وبنو أرفدة جنس من الحبشة. ولما أنشد سحيم عبد بني الحسحاس عمر رضي الله عنه في قصيدته التي أولها : عميرة ودع ان تجهزت غاديا كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا قال : لو كان شعرك كله مثل هذا لأجزتك، فاستماع الشعر لا ينكره إلا جاهل بالسنة. وقد قال عليه السلام لحسان هيج القطاريف من عبد مناف، والله لشعرك أشد عليهم من وقع السهام في غسق الظلام. وروى المقدسي عن مصعب ابن الزبير قال : حضرنا بحلس مالك فسأله أبو مصعب الزهري ، صاحب المختصر في الفقه عن السماع ، فقال : ما أدري إلا أن أهل العلم ببلدنا لا ينكرون ذلك ولا يقعدون عنه، ولا ينكره إلا غبي جاهل أو ناسك عراقي غليظ الطبع . وقال صالح بن أحمد بن حنبل أنه رأى أباه يتسمع من داره غناء كان في بعض ديار جيرانه، وقيل لسعيد ابن المسيب : هنا قوم نساك يعيبون إنشاد الشعر . قال : نسكوا نسكا عجميا. وقام البراء بن مالك برجليه على حائط وهو يترنم بالشعر، قال PageV01P116 أنس بن مالك : فقلت يا أخي أبعد الإسلام والقرآن ؟ قال : يا أخي الشعر ms49 ديوان العرب . وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على فضل البراء بن مالك في قوله : رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك. رواه أبو موسى الأشعري . فلا ينكرن السماع الا جاهل أو مدعي ، ولكن يحتاج كما قال الجنيد إلى زمان ومكان وإخوان . وقال الشبلي : السماع ظاهره فتنة وباطنه عبرة، فمن عرف الإشارة حل له استماع العبرة، وإلا فقد استدعى الفتنة ، ولأجل هذا قال أبو علي الروذباري : ليتنا خلصنا من السماع لا لنا ولا علينا . وقال ذو النون المصري: السماع وارد حق فمن أصغى إليه بحق تحقق ومن أصغى إليه بنفس تزندق. وأما الرقص والدف والشبابة، فقد تقدم ذكرها لما في صحيح مسلم أن الحبشة رقصوا في مسجده عليه السلام والدف ضرب في بيته وبين يديه، وذكر في الشبابة أن عبد الله بن عمر سمعها أو مثلها، وهي التي يضربها الرعاة والجمالون والأعراب والأعاجم ، فجعل أصبعه في أذنيه وقال لنافع هل تسمع شيئا ؟ قال : نعم ، وكلما قال له نعم لم يزل أصبعيه، وقال لنافع : هكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم. يعني كما فعل هو ولو كانت مكروهة أو محرمة لم يترك نافع يسمعها . قال المصنف : رأيت PageV01P116 فقهاء المشرق بالمشرق يسمعونها ولا ينكرونها ، وأخذهم الكلمة من المسمع يتمثلون بها في المطابق . وفي حالة السماع لما روى المقدسي أن الأعمش من بني مازن قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأنشدته : يا مالك الناس وديان العرب ... الأبيات إلى أن قلت له آخرها وهي : شر غالب لمن غلب. فجعل عليه السلام يتمثل به ويقول : وهن شر غالب لمن غلب. والخلغ على المسمع وتملك المسمع إياه من غير تلفظ بحبة ولا قبول ، لما روى المقدسي عن أبي عمر بن العلاء عن كعب بن زهير في حديث طويل قال : فدخلت المسجد فوقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشدته قصيدتي التي أولها بانت سعاد ومضيت فيها إلى أن انتهيت إلى قولي: إن ms50 الرسول لسيف يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول فقال لي : من أنت ؟ فقلت : أشهد أن لا إلاه إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، أنا كعب بن زهير ، فرمى إلي بردة كانت عليه. فلما كان زمان معاوية بعث معاوية إلى كعب : بعنا بردة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرة آلاف، فوجه إليه : ما كنت لأوثر بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا فلما مات كعب ، بعث معاوية إلى أولاده بعشرين ألفا وأخذ البردة، ولم تزل عند الخلفاء . وتمزيق الخرقة والتصرف فيها لما في صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه قال : أهدي للنبي صلى الله عليه سلم حلة حرير فأرسل بها إلي، فخرجت فيها فقال لي : ما كنت لأكره لنفسي شيئا أرضاه لك فشققتها بين النساء PageV01P118 خمرا. وفي رواية أنه قال اجعلها خمارا بين الفواطم. وقالت عائشة رضي الله عنها : نصبت حجلة فيها رقع تعنى بسحق، فمدها النبي صلى الله عليه سلم حتى شقها، فهذه الحلة والحجلة قد شققت. وعن أنس قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزل عليه جبريل فقال : يا رسول الله فقراء أمتك يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، وهو نصف يوم، ففرح فقال أفيكم من ينشدنا فقال بدوي : نعم يا رسول الله فقال : هات هات أي لا تؤخر ، فأنشد البدوي يقول : لقد لسعت حية الهوى كبدي فلا طبيب لها ولا راقي إلا الحبيب الذي قد شغفت به فعنده رقيتي وترياقي فتواجد عليه السلام وتواجد الأصحاب معه حتى سقط رداؤه عن منكبه، فلما فرغوا آوى كل واحد إلى مكانه فقال معاوية : ما أحسن لعبكم يا رسول الله. قال : مه مهه يا معاوية ليس بكريم من لم يهتز عند ذكر الحبيب ثم اقتسم رداءه من حضرهم بأربعمائة قطعة. ذكر المقدسي هكذا وذكر السهروردي في عوارفه . تكلم الناس في هذا الحديث قال المصنف : وفيه رد على ما زعمه أهل الظاهر من أن تمزيق الخرقة إضاعة الحال لاةسيما وثمن خرقة الفقير ممزقة أكثر من ثمنها ms51 سليمة . PageV01P119 ### || فصل في أحكام الرد قال المقدسي أجمع مشايخنا أن المخروجة أي التي شققت وما اتبعت من الخرق الصحيحة بالموافقة لما يكون ذلك كله لحكم الجمع يفعلون فيه ما يراه المشايخ. وقال أبو إسماعيل عبد الله ابن محمد الأنصاري الهروي صاحب النهروية وهي كتاب منازل السائرين إلى الحق : الخرق المخروجة للفقراء والسليمة للقوالين ، لقوله عليه السلام في الموطأ : من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه. ولكن إن كان القوال من الفقراء فلهم أن يتفتوا عليه ببعض الخلع ، وإن رده للوسط قبل منه، وإن كان متأهلا تفتوا عليه، لأن تفضيل المتأهل واجب وإن كان محبا تخشى معه تمشية الفقير، فإن كان القوال بأجرة لم يوثر بالخلع إلا أن يشترط ذلك كذا. والخلع جمع خلعة ، بكسر الخاء، وهي الثوب الذي يخلعه لابسه ويسمونها الخرق، ويكره سماع المستأجر لأن تأثيره في النفوس ليس كالذي لا يأخذ أجرة، فإن كان الخلع كثيرا أسهم منه للقوال على أي حال كان ، لأنه من صنف المحبين . PageV01P120 والخلع نزع الثوب ولا يقال خلع بضم الخاء، إلا في اختلاع امرأة من زوجها، ومن مزق خرقة حتى لا ينتفع بها ولم يكن محترما أن لا يضيع ثوبه على أي حال كان، طولب لم فعل ذلك، ويستغفر الله لما ضيع على الفقراء ، ومن خرج عن خرقة فقد بانت عنه ، وللفقراء النظر في حاله، ومن أشار بيده أن يخلع بان ما عليه، ومن دخل الطابق بفرجية غير مزرة بانت منه، ومن خلع ما على رأسه بان عنه كل ما عليه، فان الخرق تابعة للتاج ، ومن رقص ويداه تحته بانت عنه خرقه ، ومن عثر في ثوبه أو داسه أو أطفأ به السراج أو أذى به أحدا أو شبه ذلك بان عنه الثوب ، وكذلك الإشارة بالكم، فإن الفقير محفوظ والسقط بائن عنه فيبين عنه ثوبه بأقل شيء ، بخلاف المحب فإنه لا يبين عنه ثوبه إلا باختياره. والعياط الفاحش في السماع يطالب صاحبه، فإن انفصل وإلا استغفر الله ، وكذلك الوقوف الكثير في الطابق ما ms52 لم تشهد له البواطن بالصدق، ولا يزاحم محترم في طابقه ولا يدخل الطابق غير فقير لأنه لا يدري مشرب القوم ، ويحبسه الخادم في موضعه إن غلب عليه وارد. إذا حضر محترم أو شيخ فلا كلام للفقراء في الخرق ولا فيما يرد مدة منظوريته إلا بإذنه، وكل ما يقع في الطابق أو في الوقت من حركات غير موزونة جهل صاحبها أو عرف ولم ينصف فعائدها على من افتتح الطابق ، فإن لم ينصف فعلى الخادم ، فإن لم يكن خادم فعلى الشيخ ، فإن لم يكن شيخ فعلى الفقراء بحضورهم مع غيرهم ، وإذا خيف على فقير من استيلاء الوجد عليه سكت المسمع ، لما تقدم عند ذكر الكناية في الكلام هو قوله عليه السلام لأنجشة :رويدا يا أنجشة لا تكسر القوارير PageV01P121 وفي رواية رويدك رفقا بالقوارير. يعني ضعفة النساء ، ومن الحسن استماع الصوت الحسن ، وسمع عليه السلام قراءة أبي سوسى الأشعري فقال : لقد أوتي هذا من مزامير آل داود . فقد ظهر ثبوت هذه الأمور من السنة. وإنما طمست بصائر الناس العوائد وقلة البحث وتضييق الواسع من رحمة الله التي وسعت كل شيء. PageV01P122 ### | العلم السادس: في علومهم وعبادتهم وأين هم من الصوفية علومهم أنكر أكثر أهل الظاهر أن يكون للفقراء علم يسمى علم الباطن وقالوا : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتم من الرسالة شيئا. ومعظم ما جاء به القرآن العظيم ، وإن كان قد روي أنه عليه السلام قال : أوتيت من الحكمة مثل ما أوتيت من القرآن العظيم خرجه أبو الحاكم بن برجان في كتاب التنبيه له في تفسير عيون من القرآن . وقد بلغ عليه السلام جميع ذلك في التنزيل : (يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته) . واحتج أهل الباطن أنه عليه السلام لا يساوي فهمه في القرآن فهم أصحابه وفهم القرآن العظيم مع فهومنا، ولذلك قال عليه السلام : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا. فهذه إشارة إلى علم خاص به لم يؤمر بتبليغه لأنه أمر ms53 أن يخاطب الناس على PageV01P123 قدر عقولهم ، مع أن القرآن فيه علم كل شيء. قال تعالى : (ما فرطنا في الكتاب من شيء). وقال : (وكل شيء أحصيناه كتابا). وقال: (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين). قال سهل بن عبد الله : لو أعطى العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لما بلغ نهايته، لأنه كلام الله تعالى وصفته العالية ، وكما أنه لا نهاية له تعالى، فلا نهاية لفهم كلامه وكلامه غير مخلوق، فلا تبلغ نهاية فهمه فهوم المخلوقين ، على أن بعضهم يفهم في الآية فهما وبعضهم فهمين وبعضهم ثلاثة وهكذا، وما زاده كل واحد منهم على الآخر فهو علم باطن بالنسبة للذي لم يفهمه . وقال ابن عباس في قوله تعالى : (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن) الآية. لو ذكرت تفسيرها لرجمتموني بالحجارة. قال أبو هريرة : أودعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وطابين، أو قال جرابين من علم، فأما أحدهما بثثته فيكم أو قال، فبينته، بالنون، وأما الآخر لو نبثه فيكم لقطع مني هذا البلعوم . وقال البخاري : البلعوم هو مجرى الطعام والشراب. وقد استكتم عليه السلام سعدا في قوله :من قال لا إلاه إلا الله دخل الجنة. فأخبر بها سعد عند موته. وقال علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون، أو قال أتحبون أن يكذب الله ورسوله ، خرجه البخاري. وقال : إن هنا علوما لو وجدت حملة لها وأشار إلى صدره. وفي خطبته المعروفة بالقطقطانية شيء من ذلك. وقال: لو شئت أوقرت من شرح الفاتحة سبعين بعيرا . أو قال : سبعين حملا . PageV01P124 أو قال : أربعين. وقال علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين بابا من العلم لم يعلم ذلك لأحد غيري . وأسر عليه السلام لحذيفة ابن اليمان العلم بالمنافقين، وكان عمر يسأله ويقول : هل أنا منهم ؟ فيقول له : لا. وقال عليه السلام : إن من أمتي محدثون وإن عمر منهم. فما يختص به القلب من العلم هو العلم الباطن، وما يظهر من العلم على اللسان هو علم الظاهر ، وهو علم الشريعة ms54 ، يجمع الرواية والدراية . وأعمال الظاهر أعمال الجوارح وهي : العبادات والمعاملات مع الحق . واعمال الباطن أعمال القلوب وهي : المقامات والأحوال . ولما مات عمر رضي الله عنه قال ابن مسعود : مات تسعة أعشار العلم ، قيل له : تقول هكذا وفينا جلة الصحابة، قال : لم ارد علم الفتاوى والأحكام ، وإنما أريد العلم بالله. وقال عليه السلام : إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله. وقال له رجل : علمني من كل العلوم ، قال : أتعلم رأس العلم ؟ قال : وما رأس العلم ؟ قال : معرفة الله . وانعقد الإجماع على فضل الصحابة رضي الله عنهم لتقدمهم بعلم الآخرة لا بعلم الأحكام ولا بعلم الفتوى ولا بشبههما، وإن كان بعضهم سمع ما لم يسمع البعض . وجاء في أبى بكر رضي الله عنه ، أنه لم يسبق الناس بكثرة صلاة ولا صيام ولا بكثرة فتوى ، ولكن بشيء وقر في صدره. وكانوا آلافا ولم يتصدر منهم للفتوى إلا ما دون العشرين، وإذا سئل أحدهم أحال على الآخر . وكان ابن عمر إذا سئل يقول : اذهب إلى الأمير الذي تقلد أمور الناس. وإنما كانوا أهل خوف ومجاهدة ومراقبة وطهارة باطن ومكارم أخلاق وإخلاص وتوحيد وجهاد. PageV01P125 والعلم اليوم الاشتغال بالفروع والتعمق فيها والتدقيق إلى غير نهاية. ويسمون البذاذة قذارة والبواطن مشحونة بالمفاسد. وقد توضأ عمر رضي الله عنه من جرة نصرانية ، وكان يمسح يده من الطعام بأخمص قدميه ويقول : مناديل آل الخطاب بطون أقدامهم . كذلك سائر الصحابة. وكانوا يصلون في المساجد على التراب ، ويمشون حفاتا في طين الشوارع ، ويصلون ويقتصرون في الاستنجاء على الحجارة . وقال أبو هريرة : كنا نأكل الشواء في المسجد فقام الصلاة فندخل أصابعنا في الحصباء ثم نعركها بالتراب ونكبر . ولكن لما اتسعت الدنيا على الناس احتيج لكثرة الفروع كما أحتيج لعلم الكلام حين كثرت الشبه في التوحيد ، ولعلم النحو واللغة حين فسد اللسان، وكأن هذه العلوم أدوية لما حدث . فعلومهم علوم الآخرة والإخلاص والأخلاق التي بها كمال النفس ولا يحملها أحد عن أحد. وهي لباب الشريعة وتسمى علم الباطن لخفاياها ms55 ولكونها عند الأقل من الناس ويقصر عنها فهم أكثرهم فهي باطنة للقاصر ظاهرة للكامل. قال مالك : العلم نور يضعه الله حيث يشاء. وأول من تكلم في علم الصوفية علي رضي الله عنه وكذلك في النحو . وأمر أبا الأسود الدؤلي أن يضع فيه شيئا. وقال سهل بن عبد الله : العلوم ثلاثة : علم ظاهر يبذل لأهل الظاهر، وعلم باطن لا يظهر إلا لأهل الباطن، وعلم بينك وبين الله تعالى، ولذلك قال بعض العارفين : إفشاء سر الربوبية كفر . وفي الحديث قيل : يا رسول الله أي الأعمال أفضل ؟ قال : اجتناب المحارم ولا يزال فاك رطب بذكر الله، قيل : فأي الأصحاب خير ؟ قال : إن ذكرت أعانك وإن نسيت ذكرك. قيل: فأي الأصحاب شر ؟ قال : صاحب إن سكت لم يذكرك وإن ذكرت لم PageV01P126 يعنك. قيل : فأي الناس أعلم ؟ قال : أشدهم لله خشية. فجعل العلم خشية الله، فهي رأس الدين. والعالم إما عا لم عامة وهو العالم بالحلال والحرام ، وإما عا لم الخاصة وهو العا لم بالمعرفة والتوحيد . والعلم بالحلال والحرام هين على الفقراء لزهدهم في الدنيا . قال حسان بن سنان : ما من شيء أهون من ورع إذا رابك شيء فدعه. وقد بينت للمظبط الفهم، وأقول لغيره كما قال الشاعر : على سوق المعاني من معادنها وما علي إذا لم تفهم البقر ### || فصل العلوم التي بأيدي أهل الشريعة سبعة : علم القرآن وعلم الحديث وعلم الفقه وعلم أصول الفقه وعلم أصول الدين وعلم الأدب وعلم التصوف. فأما علم القرآن فقراءته وتفسيره، وقراءته ضبط كلماته وتجويدها ومعرفة الخلاف الذي بين الأئمة السبعة ، لتواترها الأربعة عشر ، وأساميهم وكناهم وموالدهم ووفاتهم وبلدانهم، ومعرفة مخارج الحروف وصفاتها ، ومعرفة الأداء ، ولابد أن يقوم به بعض لئلا تضيع القراءة ، ولم يكن في الصحابة من يحفظ القرآن إلا أربعة : علي بن أبي طالب وأبي ابن كعب وزيد بن ثابت وعثمان بن عفان رضي الله عنهم ، لأن الله تعالى لم يكلف إلا التدبر فيه وقال : (أفلا يتدبرون PageV01P127 القرآن). والتفسير على نزول الآية وشأنها ومعانيها والسبب الذي نزلت ms56 فيه. قال السهروردي في عوارفه وساق قوله عليه السلام : ما نزلت آية من القرآن إلا ولها ظاهر وباطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع، أي مصعد وهو الفهم. قال في الظاهر لفظ القرآن والباطن تأويله . وقيل الظاهر صورة القصة من الغضب على قوم أو عقابهم أو نحو ذلك، والباطن شبيه من يقرأ ذلك. وقيل ظاهره تنزيله الذي يجب الإيمان به، وباطنه وجوب العمل بمقتضاه وقيل ظاهره تلاوته وباطنه التدبر، وقوله عليه السلام : لكل حرف حد في التلاوة لا يجاوز المصحف. وفي التفسير بالسماع والآثار والتأويل، وهو صرف الآية إلى ما تحتمله مما يوافق الكتاب والسنة ، والمطلع لأرباب القلوب ، وهو مشهود المتكلم بالآية ، لأنها مستوع وصف من أوصافه فتجدد لهم التجليات بتلاوة الآيات. قال جعفر الصادق: لقد تجلى الله لعباده في كلامه : ولكن لا يبصرون. فالحد حد الكلام والمطلع الترقى عن حد الكلام إلى شهود المتكلم . قال أبو العباس بن العطاء: سكنت قلوب العارفين أول حرف من كتابه وهو الباء من بسم الله ، أي به ظهرت الأشياء وبه PageV01P128 قامت وبه فنيت . وقال الواسطي في اسمه الرحمن : كل اسم من أسمائه يتخلق به إلا اسمه الرحمن والصمد ، فإن الرحمانية لا تكون مطلقة إلا له، ومنها إبراز الموجودات من ظلمة العدم ، وكذلك الصمدانية لا تكون إلا له لاستحاله شبه البشرية في حقه سبحانه. وقال الشبلي في قوله تعالى : (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) أي يغضوا أبصار الرؤوس عن المحارم وأبصار القلوب عما سوى الله تعالى . وأما علم الحديث، فمعرفة أسامي الرواة وكناهم وبلدانهم والثقة والضعيف، فضبطوا موالدهم ووفاتهم والجرح والتعديل ليعرف ما هو من الحديث صحيح وحسن وضعيف وما منه مسند ومرسل وموصول ومقطوع وبلاغ وموقوف وغير ذلك. ولابد من قيام البعض به لتحفظ الأحاديث ويتميز الموضوع منها من غيره ، والفقير في سعة عنه . وقد قالت رابعة : نعم الرجل سفيان لولا أنه يكتب الأحاديث . ورأى رجل من أهل الحديث بعض أصحابه في النوم فقال له : ما فعل الله بك ? فسكت فأعاد عليه فسكت ms57 فقال له : غفر الله لك ؟ قال : لا، قال : لم ؟ فقال : الذنوب كثيرة والمناقشة دقيقة ولكن وعدت بخير قال : فأي الأعمال وجدت أفضل ? قال : قراءة القرآن والصلاة في جوف الليل ، قال : فأيهما أفضل ما كنت تقرأ أو ما كنت تقري ؟ قال : ما كنت أقرأ، قال : فكيف وجدت فلان ثقة ، فلان ضعيف ؟ قال : إن خلصت فيه النية لم يكن لك ولا عليك . وقال بعض العارفين : كنا نترك مجلس شعبة لأنه كان يدخلنا في الغيبة بقوله : فلان ثقة، فلان ضعيف، ولم يتكلم في الجرح والتعديل غير هذه الأمة . PageV01P129 وأما علم الفقه، فهو علم الفروع، فكل علم فقه من جهة اللغة، ولكن للفروعيين استنباط دقيق وبحث في قواعد العبادات والأحكام والحدود والوقائع التي لم يصرح الشرع بأحكامها ولابد من قيام البعض به وما يحتاجه الفقير من ذلك بين عند الجمهور. وأما علم أصول الفقه الذي يميز به الأصل والفرع، والناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والإجماح والقياس، والواجب، والمحرم، والمكروه، والمندوب، والمباح، وغير ذلك. فالفقير في فسحة منه. وأما علم أصول الدين، فمتعلق الشهادتين بطريقة القناعة مستنبطة ما بين المعقول والمنقول مقدمات مشهورات ومقبولات وضعها الأصوليون لما حدثت الشبهة في العقائد ، فاثبتوا حدوث العالم، وقدم الصانع ، وقدم صفته وأنبتوا النبوءة، وردوا على الفلاسفة والفرق بطرق جدلية، والفقير يسعه تركه. وأما علم الأدب، فهو يجمع اللغة والنحو والعروض والتاريخ ومعرفة كلام العرب وأشعارها وخطبها وغير ذلك. ولابد من اللغة لفهم القرآن والحديث، وليس بضروري على الفقير . وأما علم التصوف الذي هو علمهم فيجمع معرفة الإخلاص ودقائقه الرياء والحسد والكبر ومعرفة الزهد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومعرفة أسماء الله تعالى والتخلق بها، ومعرفة النفس والخلق والإيثار والمقامات : كالتوكل والرضى والتسليم والتفويض والرجاء والخوف والذكر والشكر والصبر والحزن والتوبة والندم والحياء ، وسائر PageV01P130 المقامات الإسلامية والإيمانية والإحسانية ، ولتجردهم عن الدنيا لم يبق لهم إلا علم ما يخطر بقلوبهم، فعلمهم باطن، ولهم أسرار في التوحيد وفي أسماء الله تعالى والتخلق بها وفي حروف فواتح السور كاللواميم والطواسيم والحواميم وغير ذلك ms58 ، وجملتها أربعة عشر حرفا ، ولإشاراتهم أسرار بينتها الرسالة المسماة بالمقاليد الوجودية، إذ هي الفاتحة لكل مغلق والقائدة لكل من أراد أن يتحقق . تقال أبو نصر بن الحارث: جميع العلوم تؤدي إلى علم التصوف . وقال الشبلي : أصل التصوف الاقتداء بالسنة، وأكثر حواديث الفقه تقع قليلا، وعلوم التصوف تحتاج في كل لحظة . وكان بعض الفقهاء ينهى عن مجالسة الشبلي والأخذ عنه ، ثم لقيه يوما فقال : يا أبا بكر كم في خمس من الإبل فقال الشبلي : شاة في الواجب، وأما عندنا فكلها، فقال الفقيه : ألك في هذا أصل ؟ قال : نعم أبو بكر الصديق حين أتى بماله كله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لعيالك ؟ قال : الله ورسوله. فمن خرج عن ماله كله وترك الدنيا فإمامه أبو بكر، ومن خرج عن بعض وأمسك بعضا فإمامه عمر، ومن جمع لله ومنع لله وأنفق لله فإمامه عثمان، ومن رقض الدنيا فإمامه علي ، وكل علم لا يؤدي إلى ترك الدنيا فليس بعلم . ### || فصل فأما علوم الفلاسفة فليست من علوم الملة ، وهي : الرياضيات والطبيعيات والإلاهيات . أما الرياضيات وهي لتعليم الحساب والهندسة والهيئة والموسقى فحاصلها الكلام فيما عقل مجرد عن المادة . PageV01P131 وأما الطبيعيات فاختلف فيها أقوالهم وأئمتهم الخواص، وحاصل كلامهم تخمين في صناعة النجوم والطب والآثار العلوية والكون والفساد والسماء والعالم . وقد حكى يحيى الإسكندري عن كبيرهم ، أنه مات ولم يدر هل فلك الزهرة فوق الشمس أو دونها . وأفلاطون قال بحدوث العا لم وخالفه تلميذه أرسطوا. وجالينوس مات ولم يدر هل العالم حادث أو قديم . والإلاهيات لم يحضوا منها بطائل، وكلامهم في النفس غير مخلص والإسلاميون منهم من زمن المأمون العباسي . والمنطق الذي بنوا عليه لم يخلصوا فيه الحدود ، مع أن صورها في النفس الناطقة ، قلت لأن الإنسان يميز الأشياء برؤيته لها تمييزا ذاتيا لا يختلط فيه شيء منها بغيره البتة ، ثم يعجز في الحدود عن التعبير عن أكثر أجناسها القريبة عن فصولها الذاتية المعرفة بها، ولا حاجة للفقير إلى شيء من ذلك كله، مع أن الإنسان ms59 لا يقف على كنه جسمه فضلا عن نفسه ، فكيف على حقيقة العلويات وهي الملكوت الكبير ؟ (وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره). وما أحسن قوله عليه السلام للذي قال له في الإسلام : قل ربي الله ثم استقم. PageV01P132 عبادتهم: الناس يعتقدون الصلاح بالتعمق في الدين وإطالة الجوع والتقبض وتغميض الوجه وتمييل الرأس، والسكينة في المشي . والصلاح قد يكون في البسط وفي القبض ، وفي البشاشة ، وفي الكلام وفي الصمت ، وفي العزلة وفي الألفة، إذا كان كل ذلك بعلم. وكيف يقف على حالة واحدة من تعبد بالرجاء والخوف ? لأن الرجاء المطلق من صفات المرجئة، والخوف المطلق من صفات الوعيدية ، والوقوف على حالة واحدة رياء وجمود لقوله عليه السلام : رحم الله عبدا قال خيرا أو صمت . كيف دعا للمتكلم أولا بالخير ثم للصامت عن الشر ثانيا، فالسنة حال بين حالين، وكذلك ينبغي أن يكون قلبه بين وجهتين. قال الصديق رضي الله عنه : (لو نادى منادي من السماء لن يدخل الجنة إلا رجل واحد لرجوت أن أكون ذلك الرجل، ولو نادى منادي من السماء ، لن يدخل النار إلا رجل واحد لخشيت أن أكون ذلك الرجل) . وقال عمر رضي الله عنه : العبادة ثلاثة : أداء الفرض ، واجتناب المحارم ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) . وقال عثمان رضي الله عنه : لولا أني خشيت أن يتثلم الإسلام فاسد بهذا الحال ما جمعته ، وقد حمل حزمة الحطب على ظهره. وقال علي رضي الله عنه : كل كلام لا يكون في ذكر الله فهو لغو، وكل صمت لا يكون في فكر فهو سهو، وكل نظر لا يكون في عبرة فهو غفلة، وكل حركة لا تكون في عبادة فهي فترة. وقال لعمر : إذا أردت أن تلق صاحبك رقع قميصك واخصف نعلك وقصر أملك، وكل دون الشبع . فقال عمر :لولا علي لهلك عمر. PageV01P133 فالعبادة وضع كل في موضعه، وأعظمها المحافظة على الفرائض وحفظ الجوارح السبع وهي : السمع والبصر واللسان واليد والرجل والبطن والفرج. والأصل ترك الدنيا شأن ms60 الفقراء ، لقوله عليه السلام : محبة الدنيا رأس كل خطيئة . وترك الدنيا شأن الفقراء وقليل ما هم وقليل العمل مع الإخلاص كاف . قال الحسن : من تقبلت منه سجدة في عمره دخل الجنة. والعجب ممن يكثر الصيام والقيام وهو يطلب الدنيا ولا يشعر أنه يسعى في توفية شهواته ولذاته. قال أبو الدرداء : كنت في الجاهلية تاجرا ، فلما أسلمت حاولت أن أجمع بين التجارة والعبادة فلم يجتمعا فآثرت العبادة . وسئلت أم أبي الدرداء عن أفضل عبادته فقالت : التفكر والاعتبار ، وأما القوت فالله قد تكفل به لجميع خلقه . وقول من قال : إن عمر أخذ بيد أعمى وأمره بالتسبب، وأنه أمر بالكسب لمن أمر ليس على الإطلاق ، بل لمن عرف عجزه عن العبادة أو عرف طمعه في الناس، أو أنه يدخر أو غير ذلك، لأن عمر قد رأى أهل الصفة لم يؤمروا بالمعاش ولا بالخروج عن المسجد للتسبب . وفي الموطأ عن طلحة بن عبيد الله قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل نجد تائر الرأس يسمع دوى صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : خمس صلوات في اليوم والليلة قال : هل علي غيرها قال : لا . إلا أن تطوع ، وذكر له الزكاة قال : هل علي غعيرها قال : لا إلا أن تطوع . فأقبل الرجل وهو يقول : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أفلح هذا إن صدق. فشهد PageV01P134 بالفلاح لمن لا يزيد ولا ينقص ، فظهر أن عبادة العارفين المحافظة على الفرائض وحفظ الجوارح والمراقبة والإخلاص والفكر والذكر . ولذكر الله أكبر. وسافر الكتاني وصاحباه أبو بكر الزقاق ومحمد بن إسماعيل الفرغاني نحو عشرين سنة ، فكان الكتاني يقوم اليل ويستقبل الزقاق القبلة ويستلقي الفرغاني بفكر ويصلون الصبح بوضوء العتمة. والولاية القرب من الله بالأعمال الخالصة واستيلاء الحق والتعرض لنفحات الجبروت. ### || أين هم من الصوفية وفيه ثلاث جمل. الأولى في الفقر والتصوف : قيل فيها بمعنى واحد ، لأن ms61 الفقر الاحتياج إلى الله عز وجل، ولا يكون ذلك إلا مع الصفاء عن الكدرات فحيث كان التصوف من المقامات يتبعه الفقر ، حيث كان الفقر يتبعه الصفا . وقيل هما متباينان ولكن التصوف أفضل لأنه غاية الفقر وهذا مذهب صوفية الوقت وسكان الخونك . وقيل الففر أفضل لأنه شامل لكل ما سوى الله تعالى ، لأن الحادث مفتقر لموجود يوجده ثم لممسك يمسكه ثم لمنعم ينعم عليه بما يظهر ، فالفقر يكون قبل التصوف ومعه PageV01P135 وبعده لقوله تعالى :( يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله). فكل مقام لابد أن يكون صاحبه فقيرا، فالفقر أعم من وجه وأخص من وجه، واختلف في لفظ التصوف ملقب هو أم مشتق أم منقول ؟ والأكثر أنه من لباس الصوف ، وقيل من الصفة ، وقيل أن يكون كالصوفة المطروحة لا يكون له مع الله ندبير، وقيل من الصفا وهو الأصح، صوفي فلان أي اختص بالصفاء ، عوفي إذا اختص بالعافية . ولأبي الفتح البوني تنازع الناس في الصوفي واختلفوا وظنوه مشتقا من الصوف ، ولست أنحل هذا الاسم غير فتى صافيا فصوفي ، حتى سمي الصوفي . والصفاء أن يصفو العبد من الأخلاق المذمومة الرديئة بالأخلاق المرضية ، ثم من رؤية الأعمال بملاحظة الإخلاص ، ثم من الملاحظة بترك الحظ الذي تتوهم النفس أنه لها ، فإن ذلك كله فعل الله ليس للنفس فيه شيء. واختلف في ماهيته فقيل التصوف الأخلاق الكريمة قال أبو يزيد. التصوف طرح النفس في العبودية وتعليق القلب بالربوبية . وقال سهل بن عبد الله : التصوف السكون مع الحق والهروب من الخلق . وقال الجنيد : التصوف ترك الاختيار . وقال الشبلي : "التصوف الاقتداء بالسنة" . وقال ابراهيم بن أدهم: التصوف علو الهمم عما تنافست فيه الأمم. وقيل للحلاج وهو على الخشبة مقطوع اليدين والرجلين وقد مثل به: ما التصوف ؟ فقال : أوله ما ترى وآخره ما ترى غدا، يعني قتله، وكان PageV01P136 في صغره قد عاب على كتاب شيخه الذي كان فيه كلامه الخاص، فقال الشيخ : سيقتل به وتقطع يداه ورجلاه فكان ذلك. قلت وذكر السهروردي في عوارفه : أن أقوال المشايخ في ms62 التصوف تزيد على ألف قول ويجمعها ان التصوف لايزال مصفى الأوقات عن الكدرات بتصفية القلب عن شوب النفس ، فكلما ظهرت نفسه بصفة من صفاتها فرت منها إلى ربها . فالصوفي لا يرى في الدارين غير الله تعالى. وأما لفظ الفقير فمشتق من فقار الظهر وهو العظم الذي يقوم به الظهر ، وكذلك العالم كله لا يفارقه الفقر لأنه كله محتاج بالذات . والفقر من حيث الطريق أخلاق فاضلة وسير كريمة محمودة . وقيل الفقر شكر المنعم على كل حال وقيل فقد ما يحتاج إليه. الثانية في الفقراء والصوفية : أما الصوفية فخمسة أصناف : الملامتية والذين يدعون اليوم بالصوفية والمتصوفة والمتميزة والظرفاء ، فالملامتية أحسنهم حالا ، وقد ذكروا في العلم الثاني قبل . والصوفية اليوم سكان الخوانك ، والخانكة الرباط باللسان العربي ، شبه دار يوقفه الناس لله تعالى، وفيه مطبخة وسقاية وشيخ وخادم، وصوفية راتبون وبيت كبير يسمونه الإيوان يجلسون فيه ، بحيث لا يغيب فيه واحد منهم عن الآخر، وكل واحد على سجادته من قطن أو كتان، وعليهم خرق من الفقراء ، ولكن لكل واحد منهم كسوة للحضر وكسوة للسفر ، ويأكلون من أوقاف الخانكة ، ولا يسألون. وإذا خطأ أحدهم قدم قماشة كله للوسط واستغفر ، وإذا أراد أن يسافر واحد منهم أمر الخادم أن يلقي تحت سجادته إشارة السفر ، وهي قليلة قطن أو يطوي طرف السجادة ، فإذا رجع من سفره جلس في دهليز الخانكة مشدود الوسط ، فإذا خرج PageV01P137 الخادم لم يكلمه ولم يسلم عليه ولا على غيره ، حتى يأذن له في الدخول فيدخل والخادم أمامه ، فيجد سجادة في مكانه الذي يصلح به ، فيصلي ركعتين لأن لا يدخل إلا على طهارة، ثم يسلم على الشيخ والأصحاب. ولهم اصطلاح في الدخول والخروج والحضر والسفر والكلام وغير ذلك، ذكر في غير هذا. والمتصوفة يتكلمون في أذواق القوم ويشيرون بإشاراتهم ويلبسون ما وجدوا ويتسببون ولا يرتبون في الربط ، والمتميزة يلبسون الثياب الفاخرة على هيئة معلومة ، ويعيشون بالسؤال وبخدمة أبناء الدنيا. والظرفاء صنف من المتميزة . وأما أصناف الفقراء المتجردين فيسمون اليوم قلندرية وهم أولوا الحفا وكشف ms63 الرأس والتقشف المحض . وفي الخبر أنه عليه السلام وقف على أهل الصفة وقد استتر بعضهم ببعض من العرى وقارئ يقرأ القرآن عليهم وهم يبكون، فصح أنهم كانوا لا يرجعون إلى زرع ولا ضرع. والصوفية لهم بعض قماش، ومن يقول من الصوفية إن المرقعة شهرة ، فجوابه أن سلمان الفارسي سافر في زيارة أبي الدرداء من العراق إلى الشام راجلا وعليه كساء غليظ مضموم ، فقيل له شهرت نفسك فقال : الخير خير الآخرة وإنما أنا عبد ألبس كما يلبس العبد فإذا اعتقت ألبست حلة لا تبلى حواشيها. ولما قال بشر بن الحارث للجمع الذين دخلوا عليه بالمرقعات لزيارته : يا قوم اتقوا الله في هذا اللباس فإنكم تكرمون لأجله، وسكت القوم. قال شاب منهم : الحمد لله الذي نكرم لاجله، والله لا تركناه حتى يكوت الدين كله لله . فقال بشر: أحسنت يا شاب مثلك من يلبس المرقعة . وقال ابن عباس : لأن PageV01P138 أرقع ثوبي وألبسه ويرفعني عند الخالق ويضعني عند المخلوقين أحب إلي من ان ألبس ثوبا يضعني عند الخالق ويرفعتي عند المخلوقين . والمعتمد أن الفقراء والصوفية شيء واحد في المعارف والاذواق مختلفون في اللباس ؛ فالفقراء إذا نوع من الصوفية لكن من خيرهم، والطرق كلها سبل إلى الله تعالى، فمن سلك منها طريقا وصلته إلى الله. وإذا قال الفقير للصوفي لا يصح الصفاء إن لم يكن عن الأغيار كلها حتى لا تجد إلا عبوديتك فأنت فقير إلى تعينها وهو أول باب تدخله من الفقر الخاص . والفقر هو الوصف الذاتي للعالم كله ، مع أن الله تعالى ذكر الفقراء والأبرار والمقربين والصديقين والقانتين والمحسنين والسائحين والعابدين وغير ذلك، ولم يذكر الصوفية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : الفقر أزين بالعبد من العذار الجيد على خد الفرس. فيقول الصوفي : كل مقام لا يصحبه الصفاء فهو باطل، فالصفاء مطلوب في جميع المقامات مع أنه لفظ عربي مفهوم وقد وجد في زمن التابعين . قال الحسن وهو تابعي : وجدت صوفيا في الطواف فأعطيته شيئا فلم يقبل مني. الثالثة في السلوك والجذب : قال ms64 الله تعالى : (الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) . فذكر الإجتباء وهو الاصطفاء دون إنابة تتقدم ، وهذا هو الجذب ، ثم ذكر الإنابة بعد تقدم الهداية، وهي رتبة السلوك والفضل تقدم السالك ، لقوله تعالى : (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) وقوله تعالى : (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا). PageV01P139 وقالوا : من لم يجتهد في العبادات ولم يسلك المقامات حتى يعرف المقام الذي يخرج عنده والذي يدخل فيه والبرزخ الذي بينهما ولم يبصره شيخ بكل منهل يحل فيه وينبهه على زلات الأقدام لم يفتح له باب الملكوت ولا فاز بطائل وفضل قوم المجذوب ، لقوله تعالى : (ليس لك من الأمر شيء). ولقوله تعالى : (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ). وقالوا : العبادة هي نفس المجذوب فمن لم يجذبه الحق للمقامات ويلهمه ويوقظه ، كيف تكون له العبادات ? فالسالك إذا محذوب لأن الإنسان لا يقوم بنفسه، فإن بصره شيخ بإذن الله بصره، وإن تبصر بنفسه فبإذن الله تبصر فالجذب يتقدم السلوك، وهو نور يلقيه الله في القلب به يتحرك العبد لما قدر له من الخير. والعلم اللدني وهو الذي يعلمه الحق دون واسطة الخلق وبه اختص الخضر عليه السلام . قال الله تعالى : (وعلمناه من لدنا علما) ، فإن قيل المجذوب يفتح على باطنه بأذواق القوم دون تعلم ، فلا يدري كيف يعلم غيره لأنه لم يعرف المنازلات ، والسالك صحب المشايخ وسلك المقامات وعلم عللها وتداخلها، فيدري كيف يعلم غيره، فالجواب أن الله تعالى يعلم بواسطة وبغير واسطة والشيخ بعض الوسائط. والحاصل أن السلوك والجذب إذا كانا كاملين تساويا وكانا مما ينال بترادف ويعلم كل واحد من السالك ، والمجذوب ما يعلمه الآخر ويقدر على ما يقدر عليه الآخر والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. PageV01P140 ### | العلم السابع: في المشيخة والخدمة وتربية المشيخة قال الله تعالى : (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين). (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني). فالشيخ داع إلى الله تعالى، قلت وغلب في لسان الصوفية مشايخ ms65 ، كما غلب في لسان المحدثين في جمعه شيوخ ، وفي لسان أشياخ، وفي الموطأ عن مالك أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :ما من داع يدعوا إلى هدى إلا كان له مثل أجر من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، وما من داع يدعوا إلى ضلالة إلا كان عليه مثل أوزارهم ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا). روي عن سهل بن سعد :أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أعطى الراية عليا يوم خيبر، وقال علي : أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا. قال : انفذ على رسلك، أي تؤدة حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب PageV01P141 عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم. فأما مد الأيدي عند المشايخ في التوبة والاشتراط على من تاب أو دخل فيهم، ففي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقول بالحق حيث كنا ولا نخاف في الله لومة لائم. وأما لباس الخرقة من أيدي الناس ، ففي صحيح مسلم عن أم خالد بنت خالد قالت : أتى النبي صلى الله عليه وسلم بثياب فيها خميصة سوداء صغيرة فقال: من ترون نكسوا هذه ؟ فسكت القوم ، فقال : إيتوني بأم خالد فآتي بها تحمد. وفي رواية : أوتي بي فأخذ الخميصة بيده فألبسنيها وقال: أبلي واخلقي الحديث . والخميصة كساء أسود مربع له علمان . وأما إكرام المشايخ فروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض الله له عند كبر سنه من يكرمه. وعن جابر قال : جاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، وكان رأسه ولحيته ثغامة ، والثغامة بفتح الثاء مثلثة ، أبيض الزهر يشبه الشيب، فقال عليه السلام : هلا تركته حتى نكون نحن الذي نأتيه، فقال أبو بكر هو الذي حق أن ms66 يأتيك من أن تأتيه. PageV01P142 وأما حبس الركاب للمشايخ إذا ركبوا، فروى أبو سلمة أن ابن عباس، أخذ بركاب زيد بن ثابت فقال له : تنح يابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنا هكذا نفعل بكبرائنا وعلمائنا. وأما المشي مع ركاب المشايخ فروى جابر بن سمرة قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة فركب فرسا ومشينا حوله. وأما تقديم المشايخ في الكلام ، ففي الموطأ في القسامة في حديث محيصة حين أقبل هو وأخوه حويصة، وحويصة أكبر ، وأراد محيصة أن يتكلم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كبر كبر ، يريد السن ، فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة. وعن جابر قال : قدم وفد جهينة على النبي صلى الله عليه وسلم فقام غلام منهم فقال عليه السلام : فأين الكبراء . وأما سكوت الشبان بحضرة المشايخ ، فروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مثل الؤمن أو المسلم مثل الشجرة الخضراء. فقال بعضهم هي كذا وقال بعضهم هي كذا قال وقد علمت ما يعني وكنت غلاما شابا فاستحييت أن أقول هي النخلة. ففي صحيح مسلم عن سمرة بن جندب قال كنت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم غلاما فكنت أحفظ عنه وما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالا هم أسن مني. وقال ابراهيم بن أدهم : إذا رأيت الحدث يتكلم بين المشيخة فلا ترجوا خيره . وأخذ المصنف المشيخة في الترجمة يعني الصدر. PageV01P143 وأما تقديم المشايخ في العطاء ففي صحيح البخاري عن ابن عمر أنه عليه السلام قال : رأيت في المنام كأني أستاك وعندي رجلان فدفعت السواك إلى أصغرهما فقيل كبر فدفعته إلى أكبرهما. وأما لزوم المشايخ عند الاجتماع فروى عبد الله بن بشر صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قال : كنا نسمع أنه كان يقول : إذا اجتمع عشرون رجلا أو أكثر أو أقل فلم يكن فيهم من يهاب في الله فقد حصر الأمر. وأما صحبة المشايخ، فروى ابن عباس أن النبي ms67 صلى الله عليه وسلم قال : الخير مع أكابركم. ويروى : البركة مع أكابركم. ولم يختلف فيمن لم يصحب المشايخ والفقراء أنه لا يجيء منه خير ، لأن الصحبة ركن ولا ينبغي أن يصحب إلا الأمثل فالأمثل. وأما استناد المشايخ للمخاد فروى جابر بن سمرة قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم متكئا على وسادة على يساره. وعن عتاب البكري أن أبا سعيد الخدري كان يجلس على البساط ويتكئ على الوسادة ونحن حوله . وأما اتخاذ السجادة للشيخ فروى النسائي عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت :كان النبي صلى الله عليه وسلم تبسط له الخمر، بضم الخاء معجمة ، شيء صغير قدر ما يسجد عليه المصلي ينسج من سعف النخل ويرسل بالخيوط PageV01P144 فإن كان أكبر فهو حصير ، وأما ترك الجلوس على سجادة الشيخ أو غيره ففي صحيح مسلم عن أبي مسلم الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يؤم الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه. وأما خدمة الشيخ لمن دونه فروى النسائى عن أبي قتادة الأنصاري قال :قدم وفد النجاشي على النبي صلى الله عليه وسلم فقام يخدمهم فقال الصحابة: نحن نكفيك يا رسول الله فقال : إنهم كانوا لأصحابي مكرمين إني أحب أن أكافيهم. ### || فصل لا يعترض على المشايخ فإن تصرفهم عن إذن وبصيرة، ولا يدخلون تحت جنس العالم الأول وعالم الحجاب الذين لم يتشوفوا إلى عالم الملكوت ولم تفتوا عقولهم إلا بالظواهر خاصة ، فإن للمشايخ دقائق في تصرفاتهم وعبادتهم لا يعرفها إلا من هو منهم. قال رجل لسهل بن عبد الله : صحبتك ستين سنة ولم أر من البدلاء والأولياء الذين أحدهم يدخلون عليك كل يوم. قال له : أوما رأيت صاحب الموعظة والسواك الذي كلمك بالأمس، ذلك منهم . والأولياء منهم ظاهر للناس وخفي إلا عمن يعرفهم ، لأن عادة الله الستر. ومعرفة PageV01P145 الولي هي الولاية فإنه لا يعرف إلا بنور رباني ، فقد تعتقد الولاية فيمن ليس بولي وبالعكس ، وكذلك المشيخة. وقد يعتقد التصريف لشيخ، وهو تأثير ms68 نفساني وبالعكس . وقد تظهر المشيخة فيمن يظهر بالإيثار وإطعام الطعام ويأخذ من هذا ويعطي لهذا وهو في رتبة الخادم لا يعرف المقامات ولا المنازلات ، وهم أكثر المشايخ اليوم . والشيخ من جمع بين الظاهر والباطن مع الزهد والإيثار وأنواع العلم بالمقامات والمنازلات والأحوال والخواطر. وقال الجنيد : من لا يكتب الحديث ويحفظ القرآن لا يقتدى به في هذا الأمر ، ولا يقتدى بمن يوجد في النفس غيره أكبر منه إذ لا ينتفع به ، وإنما يقتدى بالعالم المتجرد عن الدنيا العامل بما يعلم ، والنظر في كتب الصوفية والحكماء والعمل. وأما الاجتهاد دون شيخ لا يوصل، فإن الطريق غويص قليل خطاره. وقد يظن السالك أنه على جادة وهو قد ولى ظهره لموضع توجهه، فإن شيطان هذا الطريق فقيه بمقاماته ونوازله، وحسبك بتمكنه من خليفة الله آدم الذي خلقه بيده ونفخ فيه واسجد له ملائكته واختصه بعلم الأسماء، فزين له حتى أنزله عن مقامه ليقضي الله أمرا كان مفعولا. وقال أبو عمرو الزجاجي : لو أن رجلا كشف له عن الغيب ولا يكون له أستاذ لا يجيء منه شيء ، وقال ابن شيبان : من ليس له أستاذ فهو بطال، وحذف الوسائط اختلال وإثبات الفعل لها ضلال. PageV01P146 ### || فصل يسلم للتلميذ في تعظيم شيخه وغلوه فيه ما لم يخرج بذلك إلى فساد أو تنقيص بالمشايخ أو وقوع فيهم، ولا يعترض على شيخه بباطنه ولا بظاهره، ولا يكتمه ما يطرأ عليه ولا يتوقف فيما يأمره به وإن خفي عليه وجه صلاحه فسيظهر له، فقد دخل أحدهم في التنور لما سمع ذلك من شيخه في حال انحراف الشيخ فنفعه الله بصدقه، ولا يمشي في شيء إلا على أمره ولا يعشي قدامه إلا بإذنه، وقد منع عمر رضي الله عنه ابنه عبد الله المشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان تحته قعود صعب، فكان كلما خرج لمامه رده عمر. ولا يتكلم إلا بإذنه إلا إن سأله، ولا يتفقه في كلامه، ولا يسافر إلا بإذنه، ولا يقيم إلا عن اختياره الخدمة ms69 . في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على الرجل يراه يخدم أصحابه يريد يدعوا له بالخير. وروى أنس قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمنا الصائم والمفطر فنزلنا منزلا في يوم حار شديد الحر ، فمنا من يتقي الشمس بيده وأكثرنا ظلا صاحب الكساء يستظل به، وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب فقال عليه السلام : ذهب المفطرون اليوم بالأجر ففضل الخدمة على الصوم حين نقص الصوم الخدمة. PageV01P147 فأما الرفق بالخادم ، فروي عن أنس قال : خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فوالله ما قال لي أف قط ولم يقل لشيء فعلته لم فعلت هذا ولم ولا لشيء لم أفعل، هلا فعلت هذا. وأما حمل الخادم على رأسه ، فروى عبد الله بن حنظلة أن عبد الله بن سلام، بتخفيف اللام، قربه وعلى رأسه حزمة حطب فقال : ادفع بهذا الكبر فإني سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من الكبر. وأما وقوف الخادم عند أكل الجمع، فروى أنس قال : كنت قائما أسقيهم وأنا أصغرهم سنا إذ جاء رجل فقال : إن الخمر قد حرمت قالوا : اكفئها يا أنس ، فكفأتها. وقد تقدم في خدمة المشايخ لمن دونهم أنه عليه السلام قام يخدم وفد النجاشي. وأما تلقيم الخادم إذا لم يجلس، فروى أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله أكلة أو أكلتين، بضم الهمزة، فإنه ولى طعامك بالملح، فإن في الملح شفاء من سبعين ، وتصغر اللقمة وتجود المضع ويفضل الآكل بين يديه ولا بفضل وجوه الآكلين. PageV01P148 ### | العلم الثامن: في آدابهم ### || أدبهم في الأكل: وفي سنن أبي داود أنه عليه السلام قال : إذا أكل أحدكم فلا يأكل من أعلا الصحفة ولكن ليأكل من أسفلها فإن البركة تنزل من أعلاها. رواه ابن عباس . و في صحيح مسلم عن كعب بن مالك : أنه عليه السلام كان يأكل بثلاثة أصابع ويلعق ms70 يده قبل أن يمسحها. وفي رواية : كان يأكل بثلاثة أصابع فإذا أفرغ لعقها. وقال عليه السلام فيما روى ابن عمر : إذا وضعت المائدة فليأكل أحدكم مما يليه ولا يتناول مما بين يذي جليسه ولا من ذروة القصعة فإنها تأتيها البركة من أعلاها. وفي سنن النسائي عن جابر بن عبد الله أنه عليه السلام قال :إذا أكل أحدكم الطعام فلا يمسح يده حتى يلعقها ولا يدفع الصحفة حتى يلعقها ، فإن آخر الطعام فيه بركة. وعن جابر أنه عليه السلام أمر بلعق القصعة والأصابع وقال : إن أحدكم لا يدري في أي ذلك البركة. ويغمس الذباب فيما وقع فيه ثم يطرح ، لما في صحيح PageV01P149 البخاري عن أبي هريرة أنه عليه السلام قال : إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن أحد جناحيه شفاء والآخر داء. ويكرهون النفخ في الطعام لقوله عليه السلام فيما روت عائشة : إن النفخ في الطعام يذهب البركة. وقال : إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان . رواه مسلم عن أنس . ويخلعون النعال عند الأكل لقوله عليه السلام لأصحابه: اخلعوا نعالكم عند الطعام فإنها سنة جميلة وهو أروح للقدم. رواه أنس . وإذا وضع الخبز لا ينظر غيره ، ويكرمون الخبز لقوله عليه السلام : أكرموا الخبز فإن الله سخر لكم السموات والأرض والحديد والبقر وابن آدم. رواه أبو موسى الأشعري . ويكرهون التصنع في الأكل لأن من يتصنع في الأكل لا يؤمن عليه التصنع في العمل ، ولا يأكلون في وقت معلوم ولا يلقم بعضهم بعضا وإن ألقم لا يرد. قال النخشبي: عرض علي طعام فامتنعت من أكله فعوقبت بالجوع أربعة عشر يوما فاستغثت بالله وتبت . ويتحسون المرق لما رواه ابن عباس : أنه عليه السلام أهدى في حجته مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في ع رأسه برة من فضة، يعني حلقة، فنحر بيده منها أربعين وأمر ببقيتها فنحرت، ثم أمر بكل بدنة منها فيضعه فطبخ، فأكل من اللحم وتحسى من المرق PageV01P150 والبركة في الجمع لقوله عليه السلام ms71 ، فيما روى سلمان : البركة في ثلاثة : في الجماعة والتريد والسحور. وقال الروذباري : إذا اجتمع الفقراء كان أرفق لهم وبذلك يفتح عليهم وتلى قوله تعالى : (قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم) . ويتحلق الجمع الكثير للطعام عشرة عشرة ، فقد روى الترمذي عنه عليه الصلاة والسلام قال :لا يقوم رجل حتى ترفع المائدة، ولا يرفع يده وإن شبع حتى يفرغ القوم وليعذر فإن ذلك يخجل جليسه فيقبض يده وعسى أن تكون له في الطعام حاجة) . ويكرهون الأكل فرادى لما روى وحكى ابن حرب عن أبيه عن جده أنهم قالوا : (يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع قال : لعلكم تفترقون على طعامكم، اجتمعوا واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه. ويكرهون الشبع لما روى الترمذي عن مقدام بن معد كرب أنه عليه السلام قال : ماملأ أدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم لقيمات يقمن بها صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه. ويتخللون بعد الطعام لقوله عليه السلام : تخللوا فإنه نظافة، والنظافة تدعو إلى الايمان، والإيمان مع صاحبه في الجنة. PageV01P151 ويأخذ الأشنان لغسل الأيدي باليمين وكذلك الخلال والأشياء الطاهرة ، ولا يزدرد ما يخرج من الأسنان، ومن أكل ما له عجم، فلا يجمع عجمه في كفه ولا في الطبق ، بل يضعه من فيه على ظهر كفه ويرميه. ويتستحبون الإنصاف في الأكل، قال أبو هريرة : فكان عليه السلام إذا أوتي بالتمر أو بالعجوة فأكلنا قال : يا هؤلاء إني قد قارنت فقارنوا، ونهى أن يقرن أحد بين تمرتين حتى يستأذن أصحابه. ولا بأس بالقسمة لما في الموطأ عن البهزي واسمه زيد بن كعب : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة وهو محرم حتى إذا كان بالروحاء ، إذا حمار وحشي عقير، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال دعوه فإنه يوشك أن يأتي صاحبه، فجاءه البهزي هو وصاحبه فقال يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار ، فأمر عليه السلام أبا بكر فقسمه بين الرفاق. وروى جابر ms72 بن عبد الله": أنه عليه السلام أخذ قرصا فوضعه بين يديه ، ثم أخذ قرصا آخر وضعه بين يدي ثم أخذ الثالث فكسره باثنين فجعل نصفه بين يديه ونصفه بين يدي. ويرفعون للغائب في خدمة الجمع لأنه عليه السلام رد عاصم بن عدي النوفلي يوم بدر وضرب له بسهم مع أصحاب بدر. ويعضلون المتأهل على العازب لما روى عوف بن مالك قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه فيء قسمه من يومه فأعطى الأهل حظين والأعزب حظا واحدا. ويعطون من الهدية من حضرها . روى أبو سعيد الخدري PageV01P152 قال : أهدى ملك الهند إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكان فيما أهدى إليه جرة فيها زنجبيل فأطعم أصحابه قطعة فأطعمني قطعة. وقد يقدمون الطعام على الصلاة لما في الموطأ ، أن ابن عمر كان يقرب إليه عشاءه فيسمع قراءة الإمام وهو في بيته، فلا يعجل عن طعام حتى يقضي حاجته منه. و لا يعيبون طعاما ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة : ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعاما قط، كان إذا اشتهى أكله وإذا كرهه تركه. ويأكلون عند الأصدقاء إذا أخذهم الجوع لما في الموطأ عن مالك أنه بلغه : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فوجد ابا بكر وعمر فسألهما فقالا : أخرجنا الجوع فقال : وأنا أخرجني الجوع ، فذهبوا إلى أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري، فأمر لهم بشعير ، كان عنده يعمل، وقام فذبح لهم شاة ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: نكب عن ذات الدر، فذبح لهم شاة واستعذب ماء فعلق في نخلة، ثم أتوا بذلك الطعام فأكلوا منه وشربوا من ذلك الماء، فقال عليه السلام : لتسألن عن نعيم هذا اليوم. ولابأس بالتصدق في طعام الصديق بغير إذنه إذا علم فرحه بذلك. وقد قصد منزل الثوري فلم يجدوه ففتحوا المنزل وانزلوا السفرة وأكلوا، فدخل سفيان وفرح، وقال ذكرتموني أخلاق السلف. ولا يأتي أحدهم لطعام لم يدع له إلا ان يعلم أن أصحاب الطعام يفرحون ، ويكره الدخول على من هو يأكل. ms73 ومر الحسن بن علي بمساكين من السؤال قد نشروا كسرا على الأرض وهو على بغلة ، فسلم عليهم ، فردوا عليه السلام وقالوا: هلم القرى يابن عم رسول الله، قال : نعم، والله لا يحب المتكبرين، ونزل وأكل معهم. ويقال كن مع الإخوان بالانبساط، ومع أبناء الدنيا PageV01P153 بالأدب ، ومع الفقراء بالإيثار . ويكرهون طعام المباهات والأعراس، ولابد للآكل من احضار قلبه وتذكر المنعم بالنعمة وتعمير الطعام بالذكر . ويستحبون الدعاء قبل الطعام وبعده ، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، واجعل ما رزقتنا مما نحب عونا على ما تحب وما زويت عنا مما تحب فراغا لنا فيما تحب ، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتنزل البركات، اللهم اطعمنا طيبا واستعملنا صالحا. وفي سنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري :أنه عليه السلام كان إذا فرغ من طعامه قال : الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين. وفيه أنه قال في بيت سعد بن عبادة : أفطر عندكم الصائمون وأكلوا طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة. وكان يقول إذا رفعت السفرة :الحمد لله حمدا دائما طيبا كثيرا مباركا فيه غير مودع ولا مستغنى عنه ربنا ، أي يا ربنا. ويقرؤون بعد الطعام (لإيلاف قريش) و(قل هو الله أحد) . ولا يأكلون إلا عن جوع. قال الروذباري : ومن آدابهم المبادرة بالطعام للفقير إذا دخل عليهم وللفقيه بالسؤال، وللقارئ بأن يدلوه على المحراب. ### || وأدب الشرب: # ذكر الله قبله وفي وسطه، والحمد لله في آخره، ولا يتنفس في الإناء ، ويأخذه بيمينه . قال الجنيد : بصفاء الطعام والملبس والمسكن يصلح الأمر كله. PageV01P154 ### || أدبهم في اللباس : # اللباس ضروري كالطعام والشراب، والفقير يلبس بالعلم لا بالشهوة وبحسب ما يجب في الوقت، فلا يتكلف ، إنما يلبس لله ويقصد ما يدفع به إذاية البرد والحر من طاهر حلال . وقال عليه السلام: من اشترى ثوبا بعشرة دراهم وفي ثمنه درهم من حرام لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، أي فريضة ولا نافلة. وورد في ترك ثوب جمال وهو يقدر على لبسه، ألبسه الله من حلل الجنة. ومات أبو ms74 يزيد ولم يترك إلا قميصه الذي كان عليه، وقيل كان عاره فرده إلى صاحبه. قال الجريري وقد تقدم ضبطه : كان في جامع بغداد رجل لا يرى إلا في ثوب واحد شتاء وصيفا فسئل عن ذلك فقال : كنت مولعا بكثرة اللباس فرأيت ليلة كأني دخلت الجنة، فرأيت جماعة من الفقراء على مائدة فجلست لآكل معهم، فقيل لى قم هؤلاء أصحاب ثوب واحد، فنذرت ألا ألبس إلا ثوبا واحدا حتى ألقي الله تعالى . وقيل لبعضهم : ثوبك مخرق قال : لكنه حلال، قيل إنه وسخ قال : لكنه طاهر. ### || أدبهم في الجلوس: قال إبراهيم بن أدهم : تربعت مرة فهتف بي هاتف : هكذا تجالس الملوك ? . وقال أبو يزيد : صليت ليلة فأغفيت فمددت رجلي فهتف بي هاتف : من يجالس الملوك ينبغي أن يجالسهم بالأدب. ### || أدبهم في الجوع: قال يحيى بن معاد: لو كان الجوع سرا، لا يضعه الله عند من يفشيه للعامة . وطعم بعضهم عند شيخ فقال : لم آكل خمس ليال فقال الشيخ : جوعك جوع بخيل لا جوع فقر ، عليك خرق وأنت تجوع. PageV01P155 ### || أدبهم في المرض: قيل لممشاد في مرضه الذي مات فيه : كيف تجدك العلة، قال : لا أدري ولكن سلوا العلة عني كيف تجدني. قالوا : كيف تجد قلبك قال : فقدته منذ ثلاثين سنة . ولا يشتكون إلا لله مناجات قلبية لا غير، ويلزمون الصبر والرضى. ومرض أحدهم ستة أشهر فما أن أنة واحدة والدود في مواضعه من بدنه . وكانت بسهل بن عبد الله علة البواسير، فكان يتوضأ لكل صلاة ولم يعلم أحد بذلك ولا تطبب. وقد يتطببون ويرون الشفاء من الله تعالى ، وأن الطبيب دالة كبعض الأولياء. ### || أدبهم في الموت: قال الجريري المتقدم الضبط : لما حضرت الوفاة الجنيد قال: ارضني للصلاة فرضناه ولم يزل ساجدا حتى فارق الدنيا. PageV01P156 ### | العلم التاسع:في توحيدهم قال الله تعالى : (شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط). والكلمة المترجمة على التوحيد : لا إلاه إلا الله، وهي قاعدة الإسلام والإيمان والإحسان ، والجامعة لمعاني التوحيد وعليها وضعت الملل، وبها جاء ms75 كل رسول وكل كتاب، ولا يقبل كل عمل دونها ، ومعناها : إفراد الذات أبدا وأزلا. وشرحها : قل هو الله أحد، والأحد منبني بنفي العدد ، والواحد منبني بانقطاع النظر . ولما كان الاسم الأعظم قولك الله وهو المترجم عن الذات ، وجميع الأسماء الحسنى شارحة له ، وهو جامع لمعانيها كلها ، قرنت به كلمة التوحيد لتوحده في الوجود ، ولا يصح التوحيد بغيره . فلا يجزي لا إلاه إلا العظيم أو الحليم أو غير ذلك من أسمائه تعالى . والناس في التوحيد ثلاثة أصناف : عامة وخاصة وخاصة الخاصة . فتوحيد العامة : إفراد الذات عن الشريك بالقول المقبول من غير بحث ولا استدلال بمعقول وصناعي، وإلى هذا ذهب أهل القرآن والحديث والفقه احتياطا على الناس وخوفا من تشويش العقائد لقوله PageV01P157 عليه السلام : تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في ذاته. ويقنع من العامي أن يعلم أن الله تعالى لا شريك له . ولا مثل له وأن له الصفات العلى . وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم للخادم السوداء بالإيمان بكونها أقرت بالصانع وأشارت إلى الرفعة والسمو. وتوحيد الخاصة : ما أثبته الأصوليون بالنظر والاستدلال في الذات والصفات والأفعال. وتوحيد خاصة الخاصة : ما رأته الصوفية من العجز عن بلوغ كنه الأمر بعد الوقوف على ما أثبته الأصوليون، في ذلك قال الجنيد : أشرف ما قيل في هذا المقام قول الصديق رضي الله عنه : سبحان من لم يجعل سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته . وقيل لعلي رضي الله عنه : بم عرفت ربك ؟ قال : بما عرفني نفسه . وقال ذوالنون : عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي . وقيل ليزيد : بم عرفت ربك؟ قال : بأني لم أعرفه . قال الهروي : توحيد العامة ما صح بالشواهد ، وتوحيد الخاصة ما ثبت بالحقائق ، وتوحيد خاصة الخاصة أن لا يرى في التوحيد دليلا لشدة ظهوره ، فمن قائل لا إلاه إلا الله ومعناها : نفى الشريك وهو توحيد الجمهور ، ومن قائل لا إلاه إلا الله ومعناها : لا على الحقيقة إلا الله، ومن قائل لا إلاه إلا الله ومعناها : لا فاعل غير الله، وكل ms76 على قدر ذوقه ومعرفته . ومن الزلات قول من قال بالحرية وهي ترك الأعمال إذا حصلت معرفة التوحيد ، وقول من قال الأشياء كلها مباحة ما لم تعتد فترتفع الإباحة بالعدوان، وقول من يزعم أن الكدرات ذهبت عنه فتستوي عنده المرأة والحجر ، وقول من يزعم أن صفات البشر تزول عنه ويتحد، والله الهادي لرحمته. PageV01P158 ### | العلم العاشر: في الألفاظ الدائرة بينهم لأهل كل طريقة وعلم ألفاظ يصطلحون بها على المعاني الموضوعة في تلك الطريقة في ذلك العلم ، وهي تشكل على الغير ، قلت وساق المصنف هنا نحو مائتين وخمسين لفظة رتبت ما اشتهر منها او قارب الشهرة ، على حروف المعجم تفسيرا لطالبها . وسقت باقيها آخرا ليقف عليها من رغب ألا يفوته من تلك الألفاظ شيء. على أن جميع ما وقع لي من نسخ هذا الكتاب كثيرة الخلل والاختلاف بالزيادة والنقص والتغيير لغير الرواية في هذا الفن . ولكن اجتهدت ما استطعت والله الموفق. الاسم : حروف الاستدلال على الذات ، قيل وهو الحاكم على حال العبد في الوقت من الأسماء الإلاهية . الأسماء : علامات الحقائق . الإشارة : تكون مع القرب بحضور غير، وتكون مع البعد. الأثر : كلما ظهر للحواس وورد على القلب. أنا بلا أنا ونحن بلا نحن : يراد بذلك التخلي عن الأفعال أي لا فاعل إلا الله. أنا أنت وأنت أنا : هو ذهاب رسم المحب في محبوبه وغيبته بحضوره ، كان مجنون بني عامر يقول عن ليلى أنا . الأمر : يقال على ما يوجد في النفس من غير سبب وقيل هو السر الوارد على النفس . الأفعال : كل ما سوى الله تعالى . الأزل : يعبر به عن PageV01P159 الماضي والحاضر وقيل الدوام الذي لا انقضاء له . الأبد : الإشارة إلى الآتي الحاضر وقيل القدم الذي لا أول له . الأمد : لحوظ العقل الدهر ، وانقطاعه دونه ، وعجزه عن الإحاطة به . الانزعاج : أثر الوعظ في قلب المؤمن ، وقيل التحرك للوجد والأنس . الاصطلاح : نعت وله يرد على القلب فيسكنه بقوة سلطانه . الاصطناع : الاختصاص ويقال الجذب . الأدب : أدب الشريعة وهو الوقوف عند مرسومها . وأدب الخدمة وهو الفناء عن رؤيتها ms77 مع المبالغة فيها . وأدب الحق وهو موافقة الحق بالمعرفة وقيل أن تعرف ما له وما لك. والأديب من أهل البساط. الأفراد: الرجال الخارجون عن نظر القطب ، أي عن مجاورته . قلت وقد يكون عن قطر ، بالقاف مضمومة وطاء ساكنة ، أي الخارجون عن ناحيته . الأوتاد الأربعة : رجال على أركان العالم الأربعة، وهم قبل البدلاء في الرتبة . الإمامان : رجلان أحدهما عن يمين القطب والآخر عن شماله . وقيل الذي عن يمينه نظره في الملكوت، والذي عن شماله نظره في الملك ، وهو الذي يخلف القطب . الأمناء : هم الملامتية . الأنس بالله: مشاهدة جمال الحضرة الإلاهية ، وقيل الأنس جمال الجلال . الإثبات: إقامة أحكام العبودية . الأمان : السلطان الزاجر . الاتحاد : لغة تصيير الذاتين واحدة . الأنانية : قولك أنا فهي نسبة لها . الريق : محل الاعتدال في الأشياء . الانتباه : إيقاظ الحق للعبد . البادي : ما يبدوا على القلب . البسط : حال الرجاء في الوقت وهو وارد يرد على القلب يشير إلى الرحمة والأنس ويرد إلى تأويل المباحات وما منع منه . القبض : قيل هو ما يسع الأشياء ولا يسعه شيء. البقاء : رؤية العبد قيام الله تعالى على كل PageV01P160 شيء، وقيل هو بقاء روية العبد قيام الله في قيامه لله، وقيل هو اسم لما يبقى بعد فناء الشواهد وسقوطها . البلاء : الاختبار ، وهو ظهور امتحان الحق للعبد. البون : البينونة بلا نفس هو الذي لا تظهر عليه شهوة ولا غضب. البدلاء : سبعة وهم كل من سافر من موضع وترك به خليفة على صورته لا يعرف أنه فقد . البعد : الإقامة على المخالفة . البواده : ما يفجأ القلب من الغيب على سبيل. الوهلة فيجيب فرحا او ترحا. البرزخ : العالم المشهود بين عالم المعاني والأجسام . التواجد : استعداد الوجد ، وقيل اظهار حالة الوجد من غير حضور وجد، وقيل ما يمتزج من اكتساب العبد بالاستعداد للوجد . التحقيق : روية الوجود بالحق . التفرقة والفرق : الإشارة إلى الكون والخلق ، وقيل مشاهدة العبودية . التجريد : إماطة السوى والكون عن القلب والسر ، وهو خلع النعلين ، وقيل الانخلاع عن شهود الشواهد . التفريد : وقوفك بالحق معك ، وهو تفريد الشهود اتصالا . الحسنة : الاتصاف ms78 بمكارم الأخلاق وبصفات الروحانيين . التخلي : بالخاء المعجمة هو قطع العلائق ، وهو قطع ما يعلق به القلب من غير الله ، وقيل اختيار الخلوة والإعراض عن الكونين . التحلي : بالحاء المهملة ، التشبه بالصادقين بالأحوال وإظهار الأعمال . التجلي : ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب . التلوين والتلون : تنقل القلب في أحواله ، وهو عند الأكثر مقام ناقص، وعند المحققين مقام كامل، وحال العبد فيه حال ازدياد . التمكين : التمكن في التلوين ، وقيل التمكين حال أهل الوصول . التلف : ذهاب العبد بملاحظة الوجود . التلبيس : تورية PageV01P161 تشاهد معاني عن موجود قائم ، وهو تلبيس الحق على أهل التفرقة بالكون ، وعلى أهل الجمع بروية . الفناء . التدلي والترقي : نزول المقربين وصعودهم . التلقي والتولي : أخذك ما يرد عليك من الحق ورجوعك إليه منه . التصوف: الوقوف مع الآداب الشرعية والخلق الإلهية ، ويقال بإزاء التخلق بمكارم الأخلاق وتجنب سفهائها . الجمع : الإشارة إلى الحق بلا خلق ، وهو غاية مقامات السالكين . جمع الجمع : الاستهلاك في الله بالكلية ، وفناء الاحساس مما سوى الله تعالى : (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) . الجلال : نعوت القهر من الحضرة الإلاهية . الجمال : نعوت الرحمة والأنس من الحضرة الإلاهية . الجبروت : عالم الأرواح . الجلوة : بالجيم ، خروج العبد من الخلوة بالنعوت الإلاهية. الجرس : اجمال الخطاب بضرب من القهر . الحق بالحق : الله بالله ، وكذلك منه له به من الله لله بالله. الحال : ما يرد على القلب من غير تعمل ولا اجتلاب، وشرطه أن يترك ويعقبه الثقل بعد الثقل إلى أن يصعق وقد يعقبه الصدار الخلاف، ومن قال بدوامه غلط. وقيل الحال تغيرات الأطوار على العبد . الحضور : حضور القلب بالحق عند غيبته عن الخلق ، وقيل مشاهدة الحضرة الإلاهية بعد الغيبة بالحق . الحيرة : وارد يرد بتردد بين البقاء والفناء. الحق : هو الله تعالى، ذلك بأن الله هو الحق، PageV01P162 والحق ما أوجبه الله على نفسه وما وجب على العبد من جانب الله، وقد يطلق على الوجد . الحقيقة : التي تقابل بإزاء الشريعة ، وهي سلب أوصافك عنك بأوصافه، فإنه الفاعل بك منك لا أنت، (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها) . وقيل ms79 الحقيقة مشاهدة الربوبية ، والحقائق في اللغة النسب) . الحس : الرجوع إلى التفرقة . الحجاب : هو السوي وهو في اللغة الستر . حق اليقين : ما حصل من العلم الإلاهي بواسطة الشريعة . الحرية : إقامة حقيقة العبودية ، فيكون العبد حرا عما سوى الله تعالى . الحرف : خطاب الوجود . الحد : حيث منتهى العقل ووقوفه . حجاب العزة : تحير العبد بما يلقى على بصيرته . الخاطر : انبعاث القلب بتحريك السر ، فإذا حطر لا يثبت ويزول بخاطر آخر . وقال ابن العربي : هو ما يرد على القلب والضمير من الخطاب ، ربانيا كان أو ملكيا أو شيطانيا أو نفسانيا، وقيل الرباني من فوق القلب، والملكي من عن يمينه ، والشيطاني من عن شماله ، والنفساني من تحته . الخصوص الذين خصهم الله بالحقائق والأحوال . الخلق : عالم الملك ويقال على كل من وجد عن سبب . الخضر وإلياس : يعبرون بالخضر عن البسط وبإلياس عن القبض . الخلوة : محادثة السر مع الله تعالى . الختم : علامة الحق على القلوب فلا يلتفتون إلى الخلق ، فإن يشأ الله يختم على PageV01P163 قلبك، والختم في حق المبعدين الطبع والغفلة . الدهش : بهتة تقدم عقل المحب من سطوة محبوبه . الدعوى : أن تضيف النفس الفعل إليها الدفن والرمس : الإحاطة بالقلب والاستيلاء عليه بالمحبة حتى يغيب عن كل موجود . الذهاب : مغيب القلب عن حس المحسوسات بالمشاهدة . الذات : الحقيقة الثابتة . الذوق : أول مبادئ التجليات الإلاهية ، عبارة عن البقاء بعقب الذهاب ، وهو في اللغة بقية الحياة. الرسم : ما رسم الله به المخلوقين في سابق علمه، وقيل هو الكون. رؤية القلب والروح : مشاهدة ليس يحضرها غير الشهود. الرمس : ذكر في الدفن. رب حال : يعني صاحب قلب غير أنه لا يثبت له المقام كثبوته لصاحب القلب . الرغبة والرهبة : الرجاء والخوف. الرعونة : الوقوف مع الطبع . أثر الرداد : الظهور بصفة الحق . الرؤية : المشاهدة بالبصر . الزوائد : زيادة الإيمان بالغيب واليقين به. الطوالع : أنوار التوحيد تطلع على قلوب العارفين فتطمس غيرها . الطارق : ما يطرق قلوب العارفين على طريق السمع فيجدد لهم حقائقهم . الطمس : عجز العقل وسد باب العزة في وجهه ، ومحو البيان . الطريق : عبارة عن مرسوم الله وحدوده. ms80 الطبع : ما سبق به القلم في حق كل شخص . الظل : وجود الراحة خلف الحجاب . الكشف : بيان ما تستر عن الفهم فينكشف للعبد كأنه رآه عيانا . الكون : اسم لجامع ما يكون بين الكاف والنون . الكمال : نعت للحضرة الكاملة . الكرسي : موضع الأمر والنهي كلمة الحضرة كن . PageV01P164 اللوائح : ما يلوح للأسرار الظاهرة من الزيادة في الارتقاء والصعود . اللوامع : ما يبدو من أنوار التجلي أو يتبين ، أو قريبا من ذلك، مأخوذ من لمعان البرق عن عالم الحقائق . اللحظ : ملاحظة القلوب ما يلوح لها من زوائد اليقين . اللطيفة : كل إشارة دقيقة المعنى تلوح للفهم لا تسعها العبارة ، وتقال عن النفس الناطقة . اللوح : محل الدوين والتسطير . اللب: ما حبب من العلوم عن القلوب المتعلقة بالكون . المقام : ما يقوم به العبد كالصبر والرضى وغيرهما من أنواع المعاملات والمجاهدات ، وقيل تسمى مقاما لإقامة العبد فيه . المكان : عبارة عن منزلة لا تكون إلا لأهل الكمال الذين تحققوا بالمقامات والأحوال وحازوها ، فلا صفة لهم ولا نعت . المريد : المتجرد عن إرادته . وقال أبو حامد : هو الذي صح له الابتداء ودخل في عباد الله المنقطعين إليه . وقيل الذي صح له الابتداء ولم يرتسم بحال ولا مقام . المراد : المجذوب عن لرادته مع تهييء الأمور فجاز الرسوم والمقامات لا بحاله ولا بعلمه، ولم تبق له إرادة. المسلوب : المأخوذ بالجذب من العالم الأول ، وقيل هو الذي كانت له حالة شريفة فسلب. المأخوذ : كالمسلوب إلا أنه لا يكون إلا صاحب سكر. المشاهدة : رؤية الأشياء بدلائل التوحيد وتطلق على رؤية الحق باللشياء وبإزاء تحقيق رؤية زيادة الحال وبإزاء حقيقة اليقين من غير شك . المشهود: هو الحق تعالى . الموجود : ما خرج من العدم إلى الوجود . المفقود : ما PageV01P165 خرج من الوجود إلى العدم . المناجات : خطاب العبد للحق ، والمصلي يناجي ربه . المنازلات : الرجوع إلى المقامات بعد قطعها للعبارة والترجمة للمريدين ، ومنازلات الأحوال منازعة العوالم القلبية . المحادثة : خطاب الحق للعارفين من عالم الملك والشهادة ، كالنداء من الشجرة لموسى عليه السلام. المسامرة : خطاب الحق للعارفين من عالم الملكوت والأمر. المحو : ذهاب العبودية ms81 لقيام الله عليها بالوجود، وقيل المحو رفع أوصاف العادة ، وقيل ما ستره الحق ونفاه عنك من قبائحك . المقصود : الغاية لكل واقع ورد على القلب . المعدوم : ما خرج بحي الوجود ثم لم يلبث . الملكوت : عالم العقول. قلت وقال أبو حامد في الأجوبة المسكتة عن الأسئلة المبهمة ، عا لم الملكوت ما أوجده الله بالأمر الأزلي بلا تدريج وبقي على حالة واحدة من غير زيادة فيه ولا نقصان منه، وهو الباطن في العقول . وعالم الملك ما ظهر للحواس وتكون بقدرة الله تعا لى على بعضه من بعض وصحبه التغير . وعالم الجبروت فما بين العالمين مما يشبه أن يكون في الظاهر من عالم مجبر بالقدرة الأزلية بما هو من عالم الملكوت ، وكثير من هذه الألفاظ منقول من تلك الأجوبة ومن رسالة أبي القاسم القشيري . المبتدئ : الداخل في طريقة الله المجذوب، الذي أختطف وسير على المقامات . المسافر : الذي عبر عن العدوة الدنيا إلى العدوة القصوى ، أي خرج عن الأوصاف الدنية إلى الأوصاف العلية . ويقال على السالك وهو المسافر بقلبه . الملامتية PageV01P166 الذين لا يبدون على ظواهرهم مما في بواطنهم شيء . المجاهدة : مخالفة الهوى . المحو : ذهاب التركيب تحت القهر . المحاضرة : الوقوف مع الله تعالى . المكاشفة : أتم من المشاهدة وقيل المشاهدة أتم ، لأنها سقوط الحجاب بنا . المكر : حالة المسلوب وهو ارداف النعم مع المخالفة ، وإبقاء الحال مع سوء الأدب، وإظهار الكرامات بلا أحد ولاحد، وقيل المكر في النعم الباطنة والاستدراج في النعم الظاهرة . المطالعات: توقيعات الحق للعارفين . المخدع : موضع ستر القطب من الأفراد الواصلين . المطلع : بشد الطاء ، النظر إلى عالم الكون بعين الحق . المثل: الإنسان ، والمراد صورته التي فطر عليها ، لأنه عالم صغير مثل العالم الكبير . النفس : روح يرسله الله على نار القلب ليطفىء به شررها. نحن بلا نحن : ذكر في أنا بلا أنا . النقباء : الذين يستخرجون خبايا النقوس وهم ثلاثمائة. النجباء : المشغولون بحمل أثقال الخلق، وهم أربعون. النوالة : الخلع التي تخص الأفراد . النون : علم الإجمال والقلم علم التفصيل . النور : كل وارد إلاهي يكشف الأكوان عن القلب ، والظلمة ms82 ضده . ونقل الظلمة على النظر في الذات، فإنها لا ينكشف معها غيرها. الصفاء : خلوص الحقائق . الصحو : رؤية الفعل ، وقيل الرجوع إلى عالم الاحساس بعد الغيبة بوارد قوى . صاحب قلب : هو الوافد العبودية الوثر في الكون . صاحب مقام : هو الذي اشتهر بخرق العادات . الصفات : نعوت القوم . الصعق : الفناء عند التجلي . الصفة : ما أوجب لمحله معنى ، كالعالمية للعالم يوجبها العلم . الضياء : الرؤية بعين الحق . العارض : ما يعرض للقلب من الخواطر المذمومة بإلقاء النفس أو الشيطان . العمل : هو PageV01P167 الذي يقضي بخلع الأكوان وبخلعه هو في الجملة. عالم الملك : هو عالم الجسوم . العبادة : الاجتهاد في أداء الوظائف التكليفية . العبودية : رؤية العبد نفسه بالله . العبودة : مشاهدة العبد نفسه يرؤية العبودية . عين التحكيم : اظهار الولى مرتبته لأمر يراه . علم اليقين : ما أعطاه الدليل . عين اليقين : ما أعطاه المشاهدة والكشف . العلة : تنبيه الحق للعبد بسبب أو بغير سبب . العارف : من أشهده الرب نفسه فظهرت عليه الأحوال ، والمعرفة حاله . العرش : مستوى الأسماء المقيدة . العيد : ما يعود على القلب من التجليات بإعادة الأعمال . الغيبة : غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق ، لشغل الحش بما ورد عليه ، وقيل غيبة العبد بشهود الحق . الغلبة : قوة الهجوم . الغيرة : غيرة في الحق لتعدي الحدود وتطلق بإزاء كتمان الأسرار . الغوث : القطب إذا التجأ الوقت إليه. الغيب والشهادة : الملك والملكوت . الفناء : فناء رؤية العبد لفعله بقيام الله تعالى على ذلك في : (كل من عليها فان) . وقال الهروي: اضمحلال ما دون الحق علما وهو فناء المعرفة في المعروف ، ثم بحد وهو فناء العيان في المعاين ، ثم حقا وهو فناء الطلب في الوجود. الفوائد : ما يرد على القلب من المعارف عقب التوجه . الفصل : التفرقة بين القديم والمحدث، وقيل الفصل : تمييزك عن محبوبك بعد حال الاتحاد . الفرق والتفرقة : المذكورة قبل . الفترة : خمود نار البداية . الفرق: حب العبادة ظاهرا والحلاوة باطنا ووجود المكاشفة . الفوهانية: PageV01P168 خطاب المكافحة الوجودية . الفقر : نهاية التصوف ، وقيل البراءة الملكية . القادح : يكون لأهل الغفلة إذا انقشع عن قلوبهم غيم الغفلة يقدح فيها قادح الذكر ms83 ، مأخوذ من فدح الزناد . القبض : حال الخوف في الوقت، وهو وارد يرد على القلب يشير إلى عتاب، وقد يرد على أهل المعرفة فيمنعهم عن تناول المباحات والأكل والشراب . قطع العلائق: ذكر في التجلي. القطب : أكمل أهل زمانه، وهو موضع نظر الله من العالم . قلت وفي عوارف السهروردي . القطب: أهل زمانه : هو الذي يضاهي الخضر ويجاريه في العلم والأحوال ، وهو رحمة الله في الأرض، وغياث الأمة، والبدل من النبي صلى الله عليه وسلم، والوارث لبحض مقاماته، وبعده الأوتاد الأربعة في نواحي الأرض الأربع بمنزلة الخلفاء الأربعة ، وبعدهم الأبدال الستة باقي العشرة المشهود لهم بالجنة، وبعدهم النقباء الأربعون بمنزلة الأربعين أهل الدار يوم أسلم عمر وظهر الإسلام ، وبعدهم النجباء وهم ثلاثمائة بمنزلة أهل بدر، وبعدهم الصالحون المتفرقون في الأرض ، ومن مات من عددهم خلفه آخر من العدد الذي يليه ، لا يزالون كذلك فإذا أراد الله خراب الدنيا لم يبق منهم أحد . والنقباء والنجباء في هذا الكلام يخالفون ما ذكر المصنف قبل . وقال أبو عبد الله محمد بن مالك فيما روى عن محمد بن العابد عن الخضر : الأولياء ثلاثمائة والنجباء سبعون والأوتاد أربعون والنقباء عشرة والعرفاء سبعة والمختارون تلاثة والغوث واحد من العدد الذي قبله ، ويخلفه الوالى واحد من فضلاء الناس ، وكذلك إلى يوم القيامة) . فذكر أن الأوتاد أربعون وذكر العرفاء عوض البدلاء، ولم يذكر الأفراد ولم PageV01P169 يذكرهم السهروردي . القرب : القيام بالطاعة . القلم : ذكر في النون. القشر : كل علم يصون المحقق . القدم : ما ثبت في علم اليقين. السانح: الوارد الذي يخطر على القلب ولا يثبت. السكر : غيبة بوارد قوي، وهو يشار به إلى سقوط التمالك في الطرب، وهو من مقامات المحبين. السر : المعنى القائم على قلب العبد فلا يعلم به إلا الحق ، وسر السر السبب في رؤية الوسائط . السرمد : الأبد . السالك : هو السابق بقلبه . السائر : هو الذي لا يقول بنهاية وفتح له باب الملأ الأعلى . السفر : توجه القلب للحق . السحق : بمعنى المحق . السمسمة : معرفة لا تسعها العبارة . السوي : بكسر السين ، هو الغير . الشاهد ms84 : ما تعطيه الإشارة المشاهدة بالأثر في القلب المشاهد، فشاهدك ما هو حاضر قلبك، وقيل الشاهد الحق والمشهود الخلق . الشطح : ترجمة اللسان عن وجد يفيض عن معدنه مقرونا بالدعوى . الشفع : وجود العبودية وهو الوسائط ، وقيل الشفع الخلق ، والوتر الحق ، والشريعة الأمر بالتزام العبودية . الشرب : أوسط التجليات وأكملها الري . الشجرة : الإنسان الكامل. الهاجس : الخاطر الأول الرباني وهو لا يخطئ وقد يسمى عند سهل السبب الأول ، وإذا تحقق في النفس سمي إرادة ، فإذا زاد فيسمى هما، فإذا زاد سمي عزما، ويسمى عند التوجه للفعل قصدا، ومع الشروع في الفعل نية. الهجوم : ما يرد على القلب بقوة القلب من غير تصنع، وقيل وارد يرد بقوة طلب في الزيادة وبه يكون فعل صاحبه. الغلبة : الهاجم ، جمع الأخبار لخبر واحد هو بلا هو إشارة إلى التفريد ، PageV01P170 إنه هو ، ولا قائل يقول هو ولا هو بظهور هذين الحرفين الهاء والواو. والهيبة : أثر مشاهدة جلال الله في القلب . الهمة : جمع الهمم بصفاء الإلهام . الهوية : تقال على الحقيقة في عالم الملكوت . الوارد : ما يرد على القلب من القبض والبسط من غير أن يعمله العبد ، ويطلق بإزاء ما يرد من كل اسم على القلب . الواقع : ما يثبت ولا يزول إلا بواقع آخر مثله . الوقت : عبارة عن حالة في زمن الحال لا تعلق بها يالماضي ولا بالمستقبل . الوجد: مصادفة القلب الصفاء بذكر كان بعده. قلت وهو في العوارف ما يرد على الباطن من الله فيكسبه فرحا أو حزنا أو غيره من هيئته . الوصول : خلع الكونين وهو عبارة عن ورود ماء التوحيد . الوسم : ما طبع الله به على قلوب عباده . الوصل : إدراك الفائت . الوطن : بلوغ المقام الذي جذب العبد . الوتر : إشارة إلى جمع بلا ملاحظة الله . الواقف : الذي لم يفتح له باب الملكوت الأعلى وقد يلبس عليه الوصول . الوحدة : جمع الجمع . الواقعة : ما يرد على القلب من خطاب أو مثال من الغيب. اليقظة : الفهم عن الله في زجره. ### || فصل وهذه الألفاظ الباقية أسوقها كما ذكرها المصنف لكن على ترتيب الحروف . الإلهية : كل ms85 اسم مضاف إلى البشر . الآلية : كل اسم مضاف PageV01P171 إلى روحاني . الجسد : كل روح ظهر في جسم ناري أو نوري . الدرة البيضاء : العقل الكلي . الزمردة الخضراء : النفس الكلية . العنقاء : الهباء الذي فتق الله فيه أجسام العالم . العقاب : القلم ، وهو العقل الأول. الغراب : الجسم الكلي . السوابطون : الحق في الخلق وبالعكس . الهواء: الغيب الذي لا يصح في عالم الشهادة شهوده . الورقاء : النفس الكلية . قلت هذه الألفاظ في هذا الفصل ومعظم الألفاظ التي قبلها منقول من شرح الألفاظ ، تتداولها الصوفية، للإمام أبي عبد الله محمد بن العربي الحاتمي الطائي رحمه الله. وهذا آخر ما أثبتته يد الانتقاد والتصحيح وقرره بنظر التهذيب والترجيح، والله يجعله عملا حميدا وقصدا سديدا بمنه وكرمه آمين يا رب العالمين. ### |PARATEXT| كملت الرسالة العلمية بحمد الله وحسن عونه ، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعبده وعلي آله و صحابته. في الرابع والعشرين من شعبان عام 1223م. PageV01P172 ms86