######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011496 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: إعلام الموقعين عن رب العالمين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن القيم #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011496 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11496 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11496 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد عبد السلام إبراهيم #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1411هـ - 1991م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية - ييروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [مقدمة الكتاب] # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلق خلقه أطوارا، وصرفهم في أطوار ~~التخليق كيف شاء عزة واقتدارا، وأرسل الرسل إلى المكلفين إعذارا منه ~~وإنذارا، فأتم بهم على من اتبع سبيلهم نعمته السابغة، وأقام بهم على من ~~خالف مناهجهم حجته البالغة، فنصب الدليل، وأنار السبيل، وأزاح العلل، وقطع ~~المعاذير، وأقام الحجة، وأوضح المحجة، وقال: {هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ~~ولا تتبعوا السبل} [الأنعام: 153] وهؤلاء رسلي {مبشرين ومنذرين لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165] ، فعمهم بالدعوة على ألسنة ~~رسله حجة منه وعدلا، وخص بالهداية من شاء منهم نعمة وفضلا، فقيل: نعمة ~~الهداية من سبقت له سابقة السعادة وتلقاها باليمين، وقال: {رب أوزعني أن ~~أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك ~~في عبادك الصالحين} [النمل: 19] ، وردها من غلبت عليه الشقاوة ولم يرفع بها ~~رأسا بين العالمين، فهذا فضله وعطاؤه {وما كان عطاء ربك محظورا} [الإسراء: ~~20] ولا فضله بممنون، وهذا عدله وقضاؤه فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون ~~فسبحان من أفاض على عباده النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وأودع الكتاب الذي ~~كتبه، إن رحمته تغلب غضبه، وتبارك من له في كل شيء على ربوبيته ووحدانيته ~~وعلمه وحكمته أعدل شاهد، ولو لم يكن إلا أن فاضل بين عباده في مراتب الكمال ~~حتى عدل الآلاف المؤلفة منهم بالرجل الواحد، ذلك ليعلم عباده أنه أنزل ~~التوفيق منازله، ووضع الفضل مواضعه، وأنه {يختص برحمته من يشاء} [آل عمران: ~~74] {وهو العليم الحكيم} [التحريم: 2] ، {وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم} [الحديد: 29] أحمده والتوفيق للحمد من نعمه، وأشكره ~~والشكر كفيل بالمزيد من فضله وكرمه وقسمه، واستغفره وأتوب إليه من الذنوب ~~التي توجب زوال نعمه وحلول نقمه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~كلمة قامت بها الأرض والسموات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها ~~أسست الملة، ونصبت القبلة، ولأجلها جردت سيوف # PageV01P003 # الجهاد، وبها أمر الله سبحانه جميع العباد؛ فهي فطرة الله التي ms0001 فطر الناس ~~عليها، ومفتاح عبوديته التي دعا الأمم على ألسن رسله إليها، وهي كلمة ~~الإسلام؛ ومفتاح دار السلام، وأساس الفرض والسنة، ومن كان آخر كلامه لا إله ~~إلا الله دخل الجنة # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وحجته على عباده، وأمينه على ~~وحيه، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعالمين، ومحجة للسالكين، وحجة على ~~المعاندين، وحسرة على الكافرين، أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة ~~بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وأنعم به على أهل الأرض ~~نعمة لا يستطيعون لها شكورا، فأمده بملائكته المقربين، وأيده بنصره ~~وبالمؤمنين، وأنزل عليه كتابه المبين، الفارق بين الهدى والضلال والغي ~~والرشاد والشك واليقين، فشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل ~~الذلة والصغار على من خالف أمره، وأقسم بحياته في كتابه المبين، وقرن اسمه ~~باسمه فإذا ذكر ذكر معه كما في الخطب والتشهد والتأذين، وافترض على العباد ~~طاعته ومحبته والقيام بحقوقه، وسد الطرق كلها إليه وإلى جنته فلم يفتح لأحد ~~إلا من طريقه؛ فهو الميزان الراجح الذي على أخلاقه وأقواله وأعماله توزن ~~الأخلاق والأقوال والأعمال، والفرقان المبين الذي باتباعه يميز أهل الهدى ~~من أهل الضلال، ولم يزل - صلى الله عليه وآله وسلم - مشمرا في ذات الله ~~تعالى لا يرده عنه راد، صادعا بأمره لا يصده عنه صاد، إلى أن بلغ الرسالة ~~وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق الجهاد، فأشرقت برسالته الأرض ~~بعد ظلماتها، وتألفت به القلوب بعد شتاتها، وامتلأت به الأرض نورا ~~وابتهاجا، ودخل الناس في دين الله أفواجا، فلما أكمل الله تعالى به الدين، ~~وأتم به النعمة على عباده المؤمنين، استأثر به ونقله إلى الرفيق الأعلى، ~~والمحل الأسنى، وقد ترك أمته على المحجة البيضاء، والطريق الواضحة الغراء، ~~فصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله والصالحون من عباده عليه وآله كما وحد ~~الله وعرف به ودعا إليه وسلم تسليما كثيرا # أما بعد فإن أولى ما يتنافس به المتنافسون، وأحرى ما يتسابق في حلبة ~~سباقه المتسابقون، ما كان بسعادة العبد في ms0002 معاشه ومعاده كفيلا، وعلى طريق ~~هذه السعادة دليلا، وذلك العلم النافع والعمل الصالح اللذان لا سعادة للعبد ~~إلا بهما، ولا نجاة له إلا بالتعلق بسببهما، فمن رزقهما فقد فاز وغنم، ومن ~~حرمهما فالخير كله حرم، وهما مورد انقسام العباد إلى مرحوم ومحروم، وبهما ~~يتميز البر من الفاجر والتقي من الغوي والظالم من المظلوم، ولما كان العلم ~~للعمل قرينا وشافعا، وشرفه لشرف معلومه تابعا، كان أشرف العلوم على الإطلاق ~~علم التوحيد، وأنفعها على أحكام أفعال العبيد، ولا سبيل إلى اقتباس # PageV01P004 # هذين النورين، وتلقي هذين العلمين، إلا من مشكاة من قامت الأدلة القاطعة ~~على عصمته، وصرحت الكتب السماوية بوجوب طاعته ومتابعته، وهو الصادق المصدوق ~~الذي لا ينطق عن الهوى؛ إن هو إلا وحي يوحى # ولما كان التلقي عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - على نوعين: نوع بواسطة، ~~ونوع بغير واسطة، وكان التلقي بلا واسطة حظ أصحابه الذين حازوا قصبات ~~السباق، واستولوا على الأمد فلا طمع لأحد من الأمة بعدهم في اللحاق، ولكن ~~المبرز من اتبع صراطهم المستقيم، واقتفى منهاجهم القويم والمتخلف من عدل عن ~~طريقهم ذات اليمين وذات الشمال، فذلك المنقطع التائه في بيداء المهالك ~~والضلال، فأي خصلة خير لم يسبقوا إليها؟ وأي خطة رشد لم يستولوا عليها؟ ~~تالله لقد وردوا رأس الماء من عين الحياة عذبا صافيا زلالا، وأيدوا قواعد ~~الإسلام فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالا، فتحوا القلوب بعدلهم بالقرآن ~~والإيمان، والقرى بالجهاد بالسيف والسنان، وألقوا إلى التابعين ما تلقوه من ~~مشكاة النبوة خالصا صافيا، وكان سندهم فيه عن نبيهم - صلى الله عليه وآله ~~وسلم - عن جبريل عن رب العالمين سندا صحيحا عاليا، وقالوا: هذا عهد نبينا ~~إلينا وقد عهدنا إليكم، وهذه وصية ربنا وفرضه علينا وهي وصيته وفرضه عليكم، ~~فجرى التابعون لهم بإحسان على منهاجهم القويم، واقتفوا على آثارهم صراطهم ~~المستقيم، ثم سلك تابعو التابعين هذا المسلك الرشيد، {وهدوا إلى الطيب من ~~القول وهدوا إلى صراط الحميد} [الحج: 24] ، وكانوا بالنسبة إلى من قبلهم ~~كما قال أصدق القائلين: {ثلة من الأولين} ms0003 [الواقعة: 13] {وقليل من الآخرين} ~~[الواقعة: 14] ثم جاءت الأئمة من القرن الرابع المفضل في إحدى الروايتين، ~~كما ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد وابن مسعود وأبي هريرة وعائشة وعمران ~~بن حصين، فسلكوا على آثارهم اقتصاصا، واقتبسوا هذا الأمر عن مشكاتهم ~~اقتباسا، وكان دين الله سبحانه أجل في صدورهم، وأعظم في نفوسهم، من أن ~~يقدموا عليه رأيا أو معقولا أو تقليدا أو قياسا، فطار لهم الثناء الحسن في ~~العالمين، وجعل الله سبحانه لهم لسان صدق في الآخرين، ثم سار على آثارهم ~~الرعيل الأول من أتباعهم، ودرج على منهاجهم الموفقون من أشياعهم، زاهدين في ~~التعصب للرجال، واقفين مع الحجة والاستدلال، يسيرون مع الحق أين سارت ~~ركائبه، ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه، إذا بدا لهم الدليل بأخذته ~~طاروا # PageV01P005 # إليه زرافات ووحدانا، وإذا دعاهم الرسول إلى أمر انتدبوا إليه ولا ~~يسألونه عما قال برهانا، ونصوصه أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن ~~يقدموا عليها قول أحد من الناس، أو يعارضوها برأي أو قياس # ثم خلف من بعدهم خلوف فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون، ~~وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا وكل إلى ربهم راجعون، جعلوا التعصب للمذاهب ~~ديانتهم التي بها يدينون، ورءوس أموالهم التي بها يتجرون، وآخرون منهم ~~قنعوا بمحض التقليد وقالوا: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون} [الزخرف: 23] ، والفريقان بمعزل عما ينبغي اتباعه من الصواب، ولسان ~~الحق يتلو عليهم: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب} [النساء: 123] ، قال ~~الشافعي قدس الله تعالى روحه: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس، قال ~~أبو عمر وغيره من العلماء: أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودا من أهل ~~العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله، وهذا كما قال أبو عمر - رحمه الله ~~تعالى -: فإن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل، ~~وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد # فقد تضمن هذان الإجماعان إخراج المتعصب ms0004 بالهوى والمقلد الأعمى عن زمرة ~~العلماء، وسقوطهما باستكمال من فوقهما الفروض من ورثة الأنبياء، فإن ~~«العلماء هم ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ~~وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» ، وكيف يكون من ورثة الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - من يجهد ويكدح في رد ما جاء به إلى قول مقلده ~~ومتبوعه، ويضيع ساعات عمره في التعصب والهوى ولا يشعر بتضييعه تالله إنها ~~فتنة عمت فأعمت، ورمت القلوب فأصمت، ربا عليها الصغير، وهرم فيها الكبير، ~~واتخذ لأجلها القرآن مهجورا، وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطورا، ~~ولما عمت بها البلية، وعظمت بسببها الرزية، بحيث لا يعرف أكثر الناس سواها، ~~ولا يعدون العلم إلا إياها، فطالب الحق من مظانه لديهم مفتون، ومؤثره على ~~ما سواه عندهم مغبون، نصبوا لمن # PageV01P006 # خالفهم في طريقهم الحبائل، وبغوا له الغوائل، ورموه عن قوس الجهل والبغي ~~والعناد، وقالوا لإخوانهم: إنا نخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض ~~الفساد # فحقيق بمن لنفسه عنده قدر وقيمة، ألا يلتفت إلى هؤلاء ولا يرضى لها بما ~~لديهم، وإذا رفع له علم السنة النبوية شمر إليه ولم يحبس نفسه عليهم، فما ~~هي إلا ساعة حتى يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، وتتساوى أقدام ~~الخلائق في القيام لله، وينظر كل عبد ما قدمت يداه، ويقع التمييز بين ~~المحقين والمبطلين، ويعلم المعرضون عن كتاب ربهم وسنة نبيهم أنهم كانوا ~~كاذبين ### | [فصل علماء الأمة على ضربين] # ولما كانت الدعوة إلى الله والتبليغ عن رسوله شعار حزبه المفلحين، ~~وأتباعه من العالمين، كما قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على ~~بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} [يوسف: 108] وكان ~~التبليغ عنه من عين تبليغ ألفاظه وما جاء به وتبليغ معانيه كان العلماء من ~~أمته منحصرين في قسمين: # أحدهما: حفاظ الحديث، وجهابذته، والقادة الذين هم أئمة الأنام وزوامل ~~الإسلام، الذين حفظوا على الأئمة معاقد الدين ومعاقله، وحموا من التغيير ~~والتكدير موارده ومناهله، حتى ورد ms0005 من سبقت له من الله الحسنى تلك المناهل ~~صافية من الأدناس لم تشبها الآراء تغييرا، ووردوا فيها {عينا يشرب بها عباد ~~الله يفجرونها تفجيرا} [الإنسان: 6] ، وهم الذين قال فيهم الإمام أحمد بن ~~حنبل في خطبته المشهورة في كتابه في الرد على الزنادقة والجهمية: الحمد لله ~~الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى ~~الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويحيون بكتاب الله تعالى الموتى، ويبصرون ~~بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد ~~هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب ~~الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية ~~البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، ~~مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير ~~علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم؛ ~~فنعوذ بالله من فتنة المضلين # PageV01P007 # فصل [فقهاء الإسلام ومنزلتهم] # القسم الثاني: فقهاء الإسلام، ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، ~~الذين خصوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام؛ فهم في ~~الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس ~~إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة ~~الأمهات والآباء بنص الكتاب، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: ~~59] قال عبد الله بن عباس في إحدى الروايتين عنه وجابر بن عبد الله والحسن ~~البصري وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح والضحاك ومجاهد في إحدى الروايتين ~~عنه: أولو الأمر هم العلماء، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. # وقال أبو هريرة وابن عباس في الرواية الأخرى وزيد بن أسلم والسدي ومقاتل: ~~هم الأمراء، وهو الرواية الثانية عن أحمد [طاعة الأمراء تابعة لطاعة ~~العلماء] # والتحقيق ms0006 أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم؛ فطاعتهم تبع ~~لطاعة العلماء؛ فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن ~~طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء، ولما كان ~~قيام الإسلام بطائفتي العلماء والأمراء، وكان الناس كلهم لهم تبعا، كان ~~صلاح العالم بصلاح هاتين الطائفتين، وفساده بفسادهما، كما قال عبد الله بن ~~المبارك وغيره من السلف: صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد ~~الناس، قيل: من هم؟ قال: الملوك، والعلماء كما قال عبد الله بن المبارك: # رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها # وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها # وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها ### | [فصل ما يشترط فيمن يوقع عن الله ورسوله] # ] ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ، والصدق فيه، لم ~~تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق؛ فيكون ~~عالما بما يبلغ صادقا # PageV01P008 # فيه، ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضي السيرة، عدلا في أقواله وأفعاله، ~~متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله؛ وإذا كان منصب التوقيع عن ~~الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب ~~السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات؟ فحقيق بمن أقيم في هذا ~~المنصب أن يعد له عدته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم ~~فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به؛ فإن الله ناصره وهاديه، ~~وكيف هو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب فقال تعالى: {ويستفتونك في ~~النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب} [النساء: 127] وكفى ~~بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفا وجلالة؛ إذ يقول في كتابه: {يستفتونك قل ~~الله يفتيكم في الكلالة} [النساء: 176] ، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، ~~وليوقن أنه مسئول غدا وموقوف بين يدي الله ### | [فصل أول من وقع عن الله] # هو الرسول] وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين، وإمام المتقين، ~~وخاتم النبيين، ms0007 عبد الله ورسوله، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده؛ ~~فكان يفتي عن الله بوحيه المبين، وكان كما قال له أحكم الحاكمين: {قل ما ~~أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} [ص: 86] فكانت فتاويه - صلى الله ~~عليه وسلم - جوامع الأحكام، ومشتملة على فصل الخطاب، وهي في وجوب اتباعها ~~وتحكيمها والتحاكم إليها ثانية الكتاب، وليس لأحد من المسلمين العدول عنها ~~ما وجد إليها سبيلا، وقد أمر الله عباده بالرد إليها حيث يقول: {فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59] . # فصل [الأصحاب - رضي الله عنهم -] ثم قام بالفتوى بعده برك الإسلام وعصابة ~~الإيمان، وعسكر القرآن، وجند # PageV01P009 # الرحمن، أولئك أصحابه - صلى الله عليه وسلم -، ألين الأمة قلوبا، وأعمقها ~~علما، وأقلها تكلفا، وأحسنها بيانا، وأصدقها إيمانا، وأعمها نصيحة، وأقربها ~~إلى الله وسيلة، وكانوا بين مكثر منها ومقل ومتوسط. # [المكثرون من الصحابة] # والذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة ~~ونيف وثلاثون نفسا، ما بين رجل وامرأة، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن ~~الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد ~~بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر. # وقال أبو محمد بن حزم: ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم سفر ضخم قال: ~~وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد ~~الله بن عباس - رضي الله عنهما - في عشرين كتابا وأبو بكر محمد المذكور أحد ~~أئمة الإسلام في العلم والحديث. # [المتوسطون في الفتيا منهم] # قال أبو محمد: والمتوسطون منهم فيما روي عنهم من الفتيا: أبو بكر الصديق، ~~وأم سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعثمان بن عفان، ~~وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وسعد ~~بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل؛ فهؤلاء ~~ثلاثة عشر يمكن أن ms0008 يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير جدا، ويضاف إليهم: ~~طلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن ~~الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان. # [المقلون] # والباقون منهم مقلون في الفتيا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة ~~والمسألتان، والزيادة اليسيرة على ذلك يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء ~~صغير فقط بعد التقصي والبحث، وهم: أبو الدرداء، وأبو اليسر، وأبو سلمة ~~المخزومي، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد، والحسن والحسين ابنا علي، ~~والنعمان بن بشير، وأبو مسعود، وأبي بن كعب، وأبو أيوب، وأبو طلحة، وأبو ~~ذر، وأم عطية، وصفية أم المؤمنين، وحفصة، وأم حبيبة، وأسامة بن زيد، وجعفر ~~بن أبي طالب، والبراء بن عازب، وقرظة بن كعب، ونافع أخو أبي بكرة لأمه، ~~والمقداد بن الأسود، وأبو السنابل، والجارود، والعبدي، وليلى بنت قانف # PageV01P010 # وأبو محذورة، وأبو شريح الكعبي، وأبو برزة الأسلمي، وأسماء بنت أبي بكر، ~~وأم شريك والحولاء بنت تويت، وأسيد بن الحضير، والضحاك بن قيس، وحبيب بن ~~مسلمة، وعبد الله بن أنيس، وحذيفة بن اليمان، وثمامة بن أثال، وعمار بن ~~ياسر، وعمرو بن العاص، وأبو الغادية السلمي، وأم الدرداء الكبرى، والضحاك ~~بن خليفة المازني، والحكم بن عمرو الغفاري، ووابصة بن معبد الأسدي، وعبد ~~الله بن جعفر البرمكي، وعوف بن مالك وعدي بن حاتم، وعبد الله بن أوفى، وعبد ~~الله بن سلام، وعمرو بن عبسة، وعتاب بن أسيد، وعثمان بن أبي العاص، وعبد ~~الله بن سرجس، وعبد الله بن رواحة، وعقيل بن أبي طالب، وعائذ بن عمرو، وأبو ~~قتادة عبد الله بن معمر العدوي، وعمي بن سعلة، وعبد الله بن أبي بكر ~~الصديق، وعبد الرحمن أخوه، وعاتكة بنت زيد بن عمرو، وعبد الله بن عوف ~~الزهري، وسعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأبو منيب، وقيس بن سعد، وعبد الرحمن ~~بن سهل، وسمرة بن جندب # وسهل بن سعد الساعدي، وعمرو بن مقرن، وسويد بن مقرن، ومعاوية بن الحكم، ~~وسهلة بنت سهيل، وأبو حذيفة بن عتبة، وسلمة ms0009 بن الأكوع، وزيد بن أرقم، وجرير ~~بن عبد الله البجلي، وجابر بن سلمة، وجويرية أم المؤمنين، وحسان بن ثابت، ~~وحبيب بن عدي، وقدامة بن مظعون، وعثمان بن مظعون، وميمونة أم المؤمنين، ~~ومالك بن الحويرث، وأبو أمامة الباهلي، ومحمد بن مسلمة، وخباب بن الأرت، ~~وخالد بن الوليد، وضمرة بن الفيض، وطارق بن شهاب، وظهير بن رافع، ورافع بن ~~خديج، وسيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم ~~-، وفاطمة بنت قيس # وهشام بن حكيم بن حزام، وأبوه حكيم بن حزام، وشرحبيل بن السمط، وأم سلمة، ~~ودحية بن خليفة الكلبي، وثابت بن قيس بن الشماس وثوبان مولى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، والمغيرة بن شعبة، وبريدة بن الحصيب الأسلمي، ورويفع ~~بن ثابت، وأبو حميد، وأبو أسيد، وفضالة بن عبيد. # وأبو محمد روينا عنه وجوب الوتر قلت: أبو محمد هو - مسعود بن أوس ~~الأنصاري نجاري بدري - وزينب بنت أم سلمة، وعتبة بن مسعود، وبلال المؤذن، ~~وعروة بن الحارث، وسياه بن روح أو روح بن سياه، وأبو سعيد المعلى، والعباس ~~بن عبد المطلب، وبشر بن أرطاة، وصهيب بن سنان، وأم أيمن، وأم يوسف، ~~والغامدية، وماعز، وأبو عبد الله البصري. # فهؤلاء من نقلت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وما أدري بأي طريق عد معهم أبو محمد الغامدية وماعزا، ولعله تخيل أن ~~إقدامهما على جواز الإقرار بالزنا من غير # PageV01P011 # استئذان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك هو فتوى لأنفسهما ~~بجواز الإقرار، وقد أقرا عليها، فإن كان تخيل هذا فما أبعده من خيال، أو ~~لعله ظفر عنهما بفتوى في شيء من الأحكام. # فصل [الصحابة سادة أهل الفتوى] # وكما أن الصحابة سادة الأمة وأئمتها وقادتها فهم سادات المفتين والعلماء. # قال الليث عن مجاهد: العلماء أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقال ~~سعيد عن قتادة في قوله تعالى: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ~~ربك هو الحق} [سبأ: 6] قال: أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقال ms0010 يزيد ~~بن عمير: لما حضر معاذ بن جبل الموت قيل: يا أبا عبد الرحمن أوصنا، قال ~~أجلسوني، إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما، يقول ذلك ثلاث ~~مرات، التمس العلم عند أربعة رهط: عند عويمر بن أبي الدرداء، وعند سلمان ~~الفارسي، وعند عبد الله بن مسعود، وعند عبد الله بن سلام. # وقال مالك بن يخامر: لما حضرت معاذا الوفاة بكيت، فقال ما يبكيك؟ قلت: ~~والله ما أبكي على دنيا كنت أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان ~~اللذين كنت أتعلمهما منك، فقال: إن العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما ~~وجدهما، اطلب العلم عند أربعة، فذكر هؤلاء الأربعة، ثم قال: فإن عجز عنه ~~هؤلاء فسائر أهل الأرض عنه أعجز، فعليك بمعلم إبراهيم، قال: فما نزلت بي ~~مسألة عجزت عنها إلا قلت: يا معلم إبراهيم. # وقال أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي إسحاق، قال: قال عبد الله: علماء ~~الأرض ثلاثة، فرجل بالشام، وآخر بالكوفة، وآخر بالمدينة، فأما هذان فيسألان ~~الذي بالمدينة، والذي بالمدينة لا يسألهما عن شيء. # وقال الشعبي: ثلاثة يستفتي بعضهم من بعض: فكان عمر وعبد الله وزيد بن ~~ثابت يستفتي بعضهم من بعض، وكان علي وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري يستفتي ~~بعضهم من بعض، قال الشيباني: فقلت للشعبي: وكان أبو موسى بذاك؟ فقال: ما ~~كان أعلمه، قلت: فأين معاذ؟ فقال: هلك قبل ذلك. # وقال أبو البختري: قيل لعلي بن أبي طالب: حدثنا عن أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، # PageV01P012 # قال: عن أيهم؟ قال: عن عبد الله بن مسعود، قال: قرأ القرآن، وعلم السنة، ~~ثم انتهى، وكفاه بذلك؛ قال: فحدثنا عن حذيفة؛ قال: أعلم أصحاب محمد ~~بالمنافقين، قالوا: فأبو ذر، قال: كنيف مليء علما عجز فيه، قالوا: فعمار، ~~قال: مؤمن نسي إذا ذكرته ذكر، خلط الله الإيمان بلحمه ودمه، ليس للنار فيه ~~نصيب، قالوا: فأبو موسى، قال: صبغ في العلم صبغة، قالوا: فسلمان، قال: علم ~~العلم الأول والآخر، بحر لا ينزح، منا أهل البيت، قالوا: فحدثنا عن نفسك ms0011 يا ~~أمير المؤمنين، قال: إياها أردتم، كنت إذا سئلت أعطيت، وإذا سكت ابتديت ~~وقال مسلم عن مسروق: شاممت أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ فوجدت علمهم ~~ينتهي إلى ستة: إلى علي، وعبد الله، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، ~~وأبي بن كعب، ثم شاممت الستة فوجدت علمهم انتهى إلى علي وعبد الله. # وقال مسروق أيضا: جالست أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فكانوا ~~كالإخاذ: الإخاذة تروي الراكب، والإخاذة تروي الراكبين والإخاذة تروي ~~العشرة، والإخاذة لو نزل بها أهل الأرض لأصدرتهم، وإن عبد الله من تلك ~~الإخاذ. # وقال الشعبي: إذا اختلف الناس في شيء فخذوا بما قال عمر وقال ابن مسعود: ~~إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم وقال أيضا: لو أن علم عمر وضع في كفة ~~الميزان ووضع علم أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر. # وقال حذيفة: كأن علم الناس مع علم عمر دس في حجر. # وقال الشعبي: قضاة هذه الأمة: عمر، وعلي، وزيد، وأبو موسى. # وقال سعيد بن المسيب: كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن ~~«وشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن مسعود بأنه عليم ~~معلم» ، وبدأ به في قوله: «خذوا # PageV01P013 # القرآن من أربعة: من ابن أم عبد، ومن أبي بن كعب، ومن سالم مولى أبي ~~حذيفة، ومن معاذ بن جبل» ولما ورد أهل الكوفة على عمر أجازهم، وفضل أهل ~~الشام عليهم في الجائزة، فقالوا: يا أمير المؤمنين تفضل أهل الشام علينا؟ ~~فقال: يا أهل الكوفة أجزعتم أن فضلت أهل الشام عليكم لبعد شقتهم وقد آثرتكم ~~بابن أم عبد؟ . # وقال عقبة بن عمرو: ما أرى أحدا أعلم بما أنزل على محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - من عبد الله، فقال أبو موسى: إن تقل ذلك فإنه كان يسمع حين لا نسمع، ~~ويدخل حين لا ندخل وقال عبد الله: ما أنزلت سورة إلا وأنا أعلم فيم أنزلت، ~~ولو أني أعلم أن رجلا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته # وقال زيد بن وهب: ms0012 كنت جالسا عند عمر فأقبل عبد الله فدنا منه، فأكب عليه ~~وكلمه بشيء، ثم انصرف، فقال عمر: كنيف مليء علما. # وقال الأعمش عن إبراهيم: إنه كان لا يعدل بقول عمر وعبد الله إذا اجتمعا، ~~فإذا اختلفا كان قول عبد الله أعجب إليه؛ لأنه كان ألطف وقال أبو موسى: ~~لمجلس كنت أجالسه عبد الله أوثق في نفسي من عمل سنة # وقال عبد الله بن بريدة في قوله تعالى: {حتى إذا خرجوا من عندك قالوا ~~للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا} [محمد: 16] قال: هو عبد الله بن مسعود ~~وقيل لمسروق: كانت عائشة تحسن الفرائض؟ قال: والله لقد رأيت الأحبار من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألونها عن الفرائض. # وقال أبو موسى: ما أشكل علينا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - حديث قط ~~فسألناه عائشة إلا وجدنا عندها منه علما وقال ابن سيرين: كانوا يرون أن ~~أعلمهم بالمناسك عثمان بن عفان، ثم ابن عمر بعده. # وقال شهر بن حوشب: كان أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا تحدثوا ~~وفيهم معاذ نظروا إليه هيبة له # PageV01P014 # وقال: علي: أبو ذر أوعى علما ثم أوكى عليه فلم يخرج منه شيئا حتى قبض. # وقال مسروق: قدمت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم وقال ~~الجريري عن أبي تميمة: قدمنا الشام فإذا الناس مجتمعون يطيفون برجل، قال: ~~قلت: من هذا؟ قالوا: هذا أفقه من بقي من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، هذا عمرو البكالي. # وقال سعيد: قال ابن عباس وهو قائم على قبر زيد بن ثابت: هكذا يذهب العلم ~~وكان ميمون بن مهران إذا ذكر ابن عباس وابن عمر عنده يقول: ابن عمر ~~أورعهما، وابن عباس أعلمهما وقال أيضا: ما رأيت أفقه من ابن عمر، ولا أعلم ~~من ابن عباس. # وكان ابن سيرين يقول: " اللهم أبقني ما أبقيت ابن عمر أقتدي به ". # «وقال ابن عباس: ضمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: اللهم علمه ~~الحكمة وقال أيضا: دعاني رسول الله - صلى الله ms0013 عليه وسلم - فمسح على ~~ناصيتي، وقال: اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب» ولما مات ابن عباس قال ~~محمد بن الحنفية: مات رباني هذه الأمة. # وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ما رأيت أحدا أعلم بالسنة، ولا أجلد ~~رأيا، ولا أثقب نظرا حين ينظر مثل ابن عباس، وإن كان عمر بن الخطاب ليقول ~~له: قد طرأت علينا عضل أقضية أنت لها ولأمثالها. # وقال عطاء بن أبي رباح: ما رأيت مجلسا قط أكرم من مجلس ابن عباس أكثر ~~فقها وأعظم، إن أصحاب الفقه عنده أصحاب القرآن وأصحاب الشعر عنده يصدرهم ~~كلهم في واد واسع. # وقال ابن عباس: كان عمر بن الخطاب يسألني مع الأكابر من أصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. # وقال ابن مسعود: لو أن ابن عباس أدرك أسناننا ما عسره منا رجل. # وقال مكحول: قيل لابن عباس: أنى أصبت هذا العلم؟ قال: بلسان سئول وقلب ~~عقول. # وقال مجاهد: كان ابن عباس يسمى البحر من كثرة علمه # PageV01P015 # وقال طاوس: أدركت نحوا من خمسين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إذا ذكر ابن عباس شيئا فخالفوه لم يزل بهم حتى يقررهم. # وقيل لطاوس: أدركت أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم انقطعت إلى ابن ~~عباس، فقال: أدركت سبعين من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا تدارءوا ~~في شيء انتهوا إلى قول ابن عباس. # وقال ابن أبي نجيح: كان أصحاب ابن عباس يقولون: ابن عباس أعلم من عمر ومن ~~علي ومن عبد الله، ويعدون ناسا، فيثب عليهم الناس، فيقولون: لا تعجلوا ~~علينا، إنه لم يكن أحد من هؤلاء إلا وعنده من العلم ما ليس عند صاحبه، وكان ~~ابن عباس قد جمعه كله. # وقال الأعمش: كان ابن عباس إذا رأيته قلت: أجمل الناس فإذا تكلم قلت: ~~أفصح الناس، فإذا حدث قلت: أعلم الناس. # وقال مجاهد: كان ابن عباس إذا فسر الشيء رأيت عليه النور. # فصل. # [عمر بن الخطاب] # قال الشعبي: من سره أن يأخذ بالوثيقة في القضاء فيأخذ بقول ms0014 عمر. # وقال مجاهد: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما صنع عمر فخذوا به. # وقال ابن المسيب: ما أعلم أحدا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أعلم من عمر بن الخطاب وقال أيضا: كان عبد الله يقول: لو سلك الناس واديا ~~وشعبا وسلك عمر واديا وشعبا لسلكت وادي عمر وشعبه. # وقال بعض التابعين: دفعت إلى عمر فإذا الفقهاء عنده مثل الصبيان، قد ~~استعلى عليهم في فقهه وعلمه وقال محمد بن جرير: لم يكن أحد له أصحاب ~~معروفون حرروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود، وكان يترك مذهبه ~~وقوله لقول عمر، وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويرجع من قوله إلى ~~قوله. # وقال الشعبي: كان عبد الله لا يقنت، وقال: ولو قنت عمر لقنت عبد الله # PageV01P016 # فصل: # [عثمان بن عفان] # وكان من المفتين عثمان بن عفان، قال ابن جرير: غير أنه لم يكن له أصحاب ~~يعرفون، والمبلغون عن عمر فتياه ومذاهبه وأحكامه في الدين بعده كانوا أكثر ~~من المبلغين عن عثمان والمؤدين عنه. # [علي بن أبي طالب] # وأما علي بن أبي طالب - عليه السلام - فانتشرت أحكامه وفتاويه، ولكن قاتل ~~الله الشيعة فإنهم أفسدوا كثيرا من علمه بالكذب عليه، ولهذا تجد أصحاب ~~الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتواه إلا ما كان من طريق أهل ~~بيته وأصحاب عبد الله بن مسعود كعبيدة السلماني وشريح وأبي وائل ونحوهم، ~~وكان - رضي الله عنه - وكرم وجهه يشكو عدم حملة العلم الذي أودعه كما قال: ~~إن ههنا علما لو أصبت له حملة ### | [فصل عمن انتشر الدين والفقه] # والدين والفقه والعلم انتشر في الأمة عن أصحاب ابن مسعود، وأصحاب زيد بن ~~ثابت، وأصحاب عبد الله بن عمر، وأصحاب عبد الله بن عباس؛ فعلم الناس عامته ~~عن أصحاب هؤلاء الأربعة؛ فأما أهل المدينة فعلمهم عن أصحاب زيد بن ثابت ~~وعبد الله بن عمر، وأما أهل مكة فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن عباس، وأما ~~أهل العراق فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن ms0015 مسعود. # قال ابن جرير: وقد قيل: إن ابن عمر وجماعة ممن عاش بعده بالمدينة من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما كانوا يفتون بمذاهب زيد بن ~~ثابت وما كانوا أخذوا عنه، مما لم يكونوا حفظوا فيه عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قولا. # وقال ابن وهب: حدثني موسى بن علي اللخمي عن أبيه أن عمر بن الخطاب خطب ~~الناس بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن ~~أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد المال فليأتني. وأما ~~عائشة فكانت مقدمة في العلم والفرائض والأحكام والحلال والحرام، وكان من # PageV01P017 # الآخذين عنها - الذين لا يكادون يتجاوزون قولها، المتفقهين بها - القاسم ~~بن محمد بن أبي بكر ابن أخيها، وعروة بن الزبير ابن أختها أسماء. # قال مسروق: لقد رأيت مشيخة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يسألونها عن الفرائض. # وقال عروة بن الزبير: ما جالست أحدا قط كان أعلم بقضاء ولا بحديث ~~بالجاهلية ولا أروى للشعر ولا أعلم بفريضة ولا طب من عائشة ### | [فصل من صارت إليه الفتوى من التابعين] # ثم صارت الفتوى في أصحاب هؤلاء كسعيد بن المسيب راوية عمر وحامل علمه، ~~قال جعفر بن ربيعة: قلت لعراك بن مالك: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أما ~~أفقههم فقها وأعلمهم بقضايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقضايا أبي ~~بكر وقضايا عمر وقضايا عثمان وأعلمهم بما مضى عليه الناس فسعيد بن المسيب؛ ~~وأما أغزرهم حديثا فعروة بن الزبير، ولا تشاء أن تفجر من عبيد الله بحرا ~~إلا فجرته قال عراك: وأفقههم عندي ابن شهاب؛ لأنه جمع علمهم إلى علمه. # وقال الزهري: كنت أطلب العلم من ثلاثة: سعيد بن المسيب وكان أفقه الناس، ~~وعروة بن الزبير وكان بحرا لا تكدره الدلاء، وكنت لا تشاء أن تجد عند عبيد ~~الله طريقة من علم لا تجدها عند غيره إلا وجدت. # وقال الأعمش: فقهاء المدينة أربعة: سعيد بن المسيب، وعروة، وقبيصة، وعبد ~~الملك. # وقال عبد ms0016 الرحمن بن زيد بن أسلم: لما مات العبادلة - عبد الله بن عباس، ~~وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص -؛ صار الفقه في جميع ~~البلدان إلى الموالي؛ فكان فقيه أهل مكة عطاء بن أبي رباح، وفقيه أهل اليمن ~~طاوس، وفقيه أهل اليمامة يحيى بن أبي كثير، وفقيه أهل الكوفة إبراهيم، ~~وفقيه أهل البصرة الحسن، وفقيه أهل الشام مكحول، وفقيه أهل خراسان عطاء ~~الخراساني، إلا المدينة فإن الله خصها بقرشي، فكان فقيه أهل المدينة سعيد ~~بن المسيب غير مدافع. # وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: مررت بعبد الله بن ~~عمر، فسلمت عليه ومضيت، قال: فالتفت إلى أصحابه فقال: لو رأى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - هذا لسره، فرفع يديه جدا وأشار بيده إلى السماء. وكان ~~سعيد بن المسيب صهر أبي هريرة، زوجه أبو هريرة ابنته، وكان إذا رآه قال: ~~أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة، ولهذا أكثر عنه من الرواية. # PageV01P018 ### | [فصل فقهاء المدينة المنورة] # وكان المفتون بالمدينة من التابعين: ابن المسيب، وعروة بن الزبير، ~~والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام، ~~وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهؤلاء هم ~~الفقهاء، وقد نظمهم القائل فقال: # إذا قيل من في العلم سبعة أبحر ... روايتهم ليست عن العلم خارجه # فقل هم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه # وكان من أهل الفتوى أبان بن عثمان، وسالم، ونافع وأبو سلمة بن عبد الرحمن ~~بن عوف، وعلي بن الحسين. # وبعد هؤلاء أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وابناه محمد وعبد الله، وعبد ~~الله بن عمر بن عثمان وابنه محمد، وعبد الله والحسين ابنا محمد بن الحنفية، ~~وجعفر بن محمد بن علي، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، ومحمد بن ~~المنكدر، ومحمد بن شهاب الزهري، وجمع محمد بن نوح فتاويه في ثلاثة أسفار ~~ضخمة على ms0017 أبواب الفقه، وخلق سوى هؤلاء ### | [فصل فقهاء مكة] # وكان المفتون بمكة عطاء بن أبي رباح، وطاوس بن كيسان، ومجاهد بن جبر، ~~وعبيد بن عمير، وعمرو بن دينار، وعبد الله بن أبي مليكة، وعبد الرحمن بن ~~سابط، وعكرمة. # ثم بعدهم أبو الزبير المكي، وعبد الله بن خالد بن أسيد، وعبد الله بن ~~طاوس. # ثم بعدهم عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وسفيان بن عيينة، وكان أكثر ~~فتواهم في المناسك، وكان يتوقف في الطلاق. # وبعدهم مسلم بن خالد الزنجي، وسعيد بن سالم القداح. # وبعدهما الإمام محمد بن إدريس الشافعي، ثم عبد الله بن الزبير الحميدي، ~~وإبراهيم بن محمد الشافعي ابن عم محمد، وموسى بن أبي الجارود، وغيرهم. # PageV01P019 ### | [فصل فقهاء البصرة] # وكان من المفتين بالبصرة عمرو بن سلمة الجرمي، وأبو مريم الحنفي، وكعب بن ~~سور، والحسن البصري، وأدرك خمس مائة من الصحابة، وقد جمع بعض العلماء ~~فتاويه في سبعة أسفار ضخمة قال أبو محمد بن حزم: وأبو الشعثاء جابر بن زيد، ~~ومحمد بن سيرين، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، ومسلم بن يسار، وأبو ~~العالية، وحميد بن عبد الرحمن، ومطرف بن عبد الله الشخير، وزرارة بن أبي ~~أوفى، وأبو بردة بن أبي موسى. # ثم بعدهم أيوب السختياني، وسليمان التيمي، وعبد الله بن عوف، ويونس بن ~~عبيد، والقاسم بن ربيعة، وخالد بن أبي عمران، وأشعث بن عبد الملك الحمراني، ~~وقتادة، وحفص بن سليمان، وإياس بن معاوية القاضي. # وبعدهم سوار القاضي، وأبو بكر العتكي، وعثمان بن سليمان البتي، وطلحة بن ~~إياس القاضي، وعبيد الله بن الحسن العنبري، وأشعث بن جابر بن زيد. # ثم بعد هؤلاء عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وسعيد بن أبي عروبة، ~~وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وعبد الله بن داود الحرشي، وإسماعيل بن علية، ~~وبشر بن المفضل، ومعاذ بن معاذ العنبري، ومعمر بن راشد، والضحاك بن مخلد، ~~ومحمد بن عبد الله الأنصاري. # فصل. # [فقهاء الكوفة] # وكان من المفتين بالكوفة علقمة بن قيس النخعي، والأسود بن يزيد النخعي ~~وهو ms0018 عم علقمة، وعمرو بن شرحبيل الهمداني، ومسروق بن الأجدع الهمداني، ~~وعبيدة السلماني، وشريح بن الحارث القاضي، وسليمان بن ربيعة الباهلي، وزيد ~~بن صوحان، وسويد بن غفلة، والحارث بن قيس الجعفي، وعبد الرحمن بن يزيد ~~النخعي، وعبد الله بن عتبة بن مسعود القاضي، وخيثمة بن عبد الرحمن، وسلمة ~~بن صهيب، ومالك بن عامر، وعبد الله بن سخبرة، وزر بن حبيش، وخلاس بن عمرو، ~~وعمرو بن ميمون الأودي، وهمام بن الحارث، والحارث بن سويد، ويزيد بن معاوية ~~النخعي، # PageV01P020 # والربيع بن خثيم وعتبة بن فرقد، وصلة بن زفر، وشريك بن حنبل، وأبو وائل ~~شقيق بن سلمة، وعبيد بن نضلة وهؤلاء أصحاب علي وابن مسعود. # وأكابر التابعين كانوا يفتون في الدين، ويستفتيهم الناس، وأكابر الصحابة ~~حاضرون يجوزون لهم ذلك، وأكثرهم أخذ عن عمر وعائشة وعلي، ولقي عمرو بن ~~ميمون الأودي معاذ بن جبل، وصحبه، وأخذ عنه، وأوصاه معاذ عند موته أن يلحق ~~بابن مسعود فيصحبه ويطلب العلم عنده، ففعل ذلك. # ويضاف إلى هؤلاء أبو عبيدة وعبد الرحمن ابنا عبد الله بن مسعود، وعبد ~~الرحمن بن أبي ليلى، وأخذ عن مائة وعشرين من الصحابة، وميسرة، وزاذان، ~~والضحاك. # ثم بعدهم إبراهيم النخعي، وعامر الشعبي، وسعيد بن جبير، والقاسم بن عبد ~~الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وأبو بكر بن أبي موسى، ومحارب بن دثار، ~~والحكم بن عتيبة، وجبلة بن سحيم وصحب ابن عمر. # ثم بعدهم حماد بن أبي سليمان وسليمان بن المعتمر، وسليمان الأعمش، ومسعر ~~بن كدام. # ثم بعدهم محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن شبرمة، وسعيد بن ~~أشوع، وشريك القاضي، والقاسم بن معن، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، والحسن بن ~~صالح بن حي. # ثم بعدهم حفص بن غياث، ووكيع بن الجراح، وأصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ~~القاضي، وزفر بن الهذيل، وحماد بن أبي حنيفة، والحسن بن زياد اللؤلؤي ~~القاضي، ومحمد بن الحسن قاضي الرقة، وعافية القاضي، وأسد بن عمرو، ونوح بن ~~دراج القاضي، وأصحاب سفيان الثوري كالأشجعي والمعافى بن عمران، وصاحبي ~~الحسن ms0019 بن حي الزولي، ويحيى بن آدم. # فصل. # [فقهاء الشام] # وكان من المفتين بالشام أبو إدريس الخولاني، وشرحبيل بن السمط، وعبد الله ~~بن أبي زكريا الخزاعي، وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي، وحبان بن أمية، وسليمان بن ~~حبيب المحاربي، والحارث بن عمير الزبيدي، وخالد بن معدان، وعبد الرحمن بن ~~غنم الأشعري، وجبير بن نفير # PageV01P021 # ثم كان بعدهم عبد الرحمن بن جبير بن نفير، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، ~~ورجاء بن حيوة، وكان عبد الملك بن مروان يعد في المفتين قبل أن يلي ما ولي، ~~وحدير بن كريب. # ثم كان بعدهم يحيى بن حمزة القاضي، وأبو عامر عبد الرحمن بن عمرو ~~الأوزاعي، وإسماعيل بن أبي المهاجر، وسليمان بن موسى الأموي، وسعيد بن عبد ~~العزيز، ثم مخلد بن الحسين، والوليد بن مسلم، والعباس بن يزيد صاحب ~~الأوزاعي، وشعيب بن إسحاق صاحب أبي حنيفة، وأبو إسحاق الفزاري صاحب ابن ~~المبارك. # فصل. # [فقهاء مصر] # في المفتين من أهل مصر: يزيد بن أبي حبيب، وبكير بن عبد الله بن الأشج، ~~وبعدهما عمرو بن الحارث. # وقال ابن وهب: لو عاش لنا عمرو بن الحارث ما احتجنا معه إلى مالك ولا إلى ~~غيره - والليث بن سعد، وعبيد الله بن أبي جعفر. # وبعدهم أصحاب مالك كعبد الله بن وهب، وعثمان بن كنانة، وأشهب، وابن ~~القاسم على غلبة تقليده لمالك إلا في الأقل، ثم أصحاب الشافعي كالمزني ~~والبويطي وابن عبد الحكم، ثم غلب عليهم تقليد مالك وتقليد الشافعي، إلا ~~قوما قليلا لهم اختيارات كمحمد بن علي بن يوسف، وأبي جعفر الطحاوي. # [فقهاء القيروان] # وكان بالقيروان سحنون بن سعيد، وله كثير من الاختيار، وسعيد بن محمد ~~الحداد. # [فقهاء الأندلس] # وكان بالأندلس ممن له شيء من الاختيار يحيى بن يحيى، وعبد الملك بن حبيب، ~~وبقي بن مخلد، وقاسم بن محمد صاحب الوثائق، تحفظ لهم فتاو يسيرة، وكذلك ~~مسلمة بن عبد العزيز القاضي، ومنذر بن سعيد، قال أبو محمد بن حزم: وممن ~~أدركنا من أهل العلم على الصفة التي من بلغها استحق الاعتداد به في ms0020 ~~الاختلاف مسعود بن سليمان، ويوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر # PageV01P022 # فصل. # [فقهاء اليمن] # وكان باليمن مطرف بن مازن قاضي صنعاء، وعبد الرزاق بن همام، وهشام بن ~~يوسف، ومحمد بن ثور، وسماك بن الفضل. # فصل. # [فقهاء بغداد] # وكان بمدينة السلام من المفتين خلق كثير، ولما بناها المنصور أقدم إليها ~~من الأئمة والفقهاء والمحدثين بشرا كثيرا، فكان من أعيان المفتين بها أبو ~~عبيد القاسم بن سلام، وكان جبلا نفخ فيه الروح علما وجلالة ونبلا وأدبا، ~~وكان منهم أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي صاحب الشافعي وكان قد جالس ~~الشافعي وأخذ عنه، وكان أحمد يعظمه ويقول: هو في سلاح الثوري ### | [أصول فتاوى أحمد بن حنبل] # . [الإمام أحمد بن حنبل] # وكان بها إمام أهل السنة على الإطلاق أحمد بن حنبل الذي ملأ الأرض علما ~~وحديثا وسنة، حتى إن أئمة الحديث والسنة بعده هم أتباعه إلى يوم القيامة، ~~وكان - رضي الله عنه - شديد الكراهة لتصنيف الكتب، وكان يحب تجريد الحديث، ~~ويكره أن يكتب كلامه، ويشتد عليه جدا، فعلم الله حسن نيته وقصده فكتب من ~~كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سفرا، ومن الله سبحانه علينا بأكثرها فلم ~~يفتنا منها إلا القليل، وجمع الخلال نصوصه في الجامع الكبير فبلغ نحو عشرين ~~سفرا أو أكثر، ورويت فتاويه ومسائله وحدث بها قرنا بعد قرن فصارت إماما ~~وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم، حتى إن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد ~~والمقلدين لغيره ليعظمون نصوصه وفتاواه، ويعرفون لها حقها وقربها من النصوص ~~وفتاوى الصحابة، ومن تأمل فتاواه وفتاوى الصحابة رأى مطابقة كل منهما على ~~الأخرى، ورأى الجميع كأنها تخرج من مشكاة واحدة، حتى إن الصحابة إذا ~~اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان، وكان تحريه لفتاوى الصحابة ~~كتحري أصحابه لفتاويه ونصوصه، بل أعظم، حتى إنه ليقدم فتاواهم على الحديث ~~المرسل، قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في مسائله: قلت لأبي عبد الله: حديث ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرسل برجال ثبت أحب إليك أو حديث عن ~~الصحابة ms0021 والتابعين متصل برجال ثبت؟ قال أبو عبد الله - رحمه الله -: عن ~~الصحابة أعجب إلي # PageV01P023 # وكان فتاويه مبنية على خمسة أصول: [أصول فتاوى أحمد بن حنبل] أحدها: ~~النصوص، فإذا وجد النص أفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه ~~كائنا من كان، ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المبتوتة لحديث فاطمة بنت ~~قيس، ولا إلى خلافه في التيمم للجنب لحديث عمار بن ياسر، ولا خلاف في ~~استدامة المحرم الطيب الذي تطيب به قبل إحرامه لصحة حديث عائشة في ذلك، ولا ~~خلافه في منع المفرد والقارن من الفسخ إلى التمتع لصحة أحاديث الفسخ، وكذلك ~~لم يلتفت إلى قول علي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأبي بن كعب في الغسل من ~~الإكسال لصحة حديث عائشة أنها فعلته هي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فاغتسلا، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس وإحدى الروايتين عن علي أن عدة ~~المتوفى عنها الحامل أقصى الأجلين؛ لصحة حديث سبيعة الأسلمية، ولم يلتفت ~~إلى قول معاذ ومعاوية في توريث المسلم من الكافر لصحة الحديث المانع من ~~التوارث بينهما، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس في الصرف لصحة الحديث بخلافه، ~~ولا إلى قوله بإباحة لحوم الحمر كذلك، وهذا كثير جدا، ولم يكن يقدم على ~~الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياسا ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف ~~الذي يسميه كثير من الناس إجماعا ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كذب أحمد ~~من ادعى هذا الإجماع، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي ~~أيضا نص في رسالته الجديدة على أن ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له إجماع، ~~ولفظه: ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعا. # وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: ما يدعي فيه الرجل ~~الإجماع فهو كذب، من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ما يدريه، ~~ولم ينته إليه؟ فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي ~~والأصم، ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك، ms0022 هذا لفظه # ونصوص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة ~~الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ ~~لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم مخالفا في حكم مسألة أن يقدم جهله ~~بالمخالف على النصوص؛ فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى ~~الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده # PageV01P024 # فصل. # [الأصل الثاني فتاوى الصحابة] # الأصل الثاني من أصل فتاوى الإمام أحمد: ما أفتى به الصحابة، فإنه إذا ~~وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يعدها إلى غيرها، ولم يقل ~~إن ذلك إجماع، بل من ورعه في العبارة يقول: لا أعلم شيئا يدفعه، أو نحو ~~هذا، كما قال في رواية أبي طالب لا أعلم شيئا يدفع قول ابن عباس وابن عمر ~~وأحد عشر من التابعين عطاء ومجاهد وأهل المدينة على تسري العبد، وهكذا قال ~~أنس بن مالك: لا أعلم أحدا رد شهادة العبد، حكاه عنه الإمام أحمد، وإذا وجد ~~الإمام أحمد هذا النوع عن الصحابة لم يقدم عليه عملا ولا رأيا ولا قياسا. # فصل [الثالث الاختيار من فتاوى الصحابة إذا اختلفوا] # الأصل الثالث من أصوله: إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها ~~إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد ~~الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقول. # قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في مسائله: قيل لأبي عبد الله: يكون الرجل ~~في قومه فيسأل عن الشيء فيه اختلاف، قال: يفتي بما وافق الكتاب والسنة، وما ~~لم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه، قيل له: أفيجاب عليه؟ قيل: لا. # فصل [الرابع المرسل من الحديث] # الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف، إذا لم يكن في الباب شيء ~~يدفعه، وهو الذي رجحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا ~~المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به؛ بل ~~الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من ms0023 أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث ~~إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد ~~في الباب أثرا يدفعه ولا قول صاحب، ولا إجماع على خلافه كان العمل به عنده ~~أولى من القياس # PageV01P025 # وليس أحد من الأئمة إلا وهو موافقه على هذا الأصل من حيث الجملة، فإنه ما ~~منهم أحد إلا وقد قدم الحديث الضعيف على القياس. # فقدم أبو حنيفة حديث القهقهة في الصلاة على محض القياس، وأجمع أهل الحديث ~~على ضعفه، وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر على القياس، وأكثر أهل الحديث ~~يضعفه، وقدم حديث " أكثر الحيض عشرة أيام " وهو ضعيف باتفاقهم على محض ~~القياس؛ فإن الذي تراه في اليوم الثالث عشر مساو في الحد والحقيقة والصفة ~~لدم اليوم العاشر، وقدم حديث «لا مهر أقل من عشرة دراهم» - وأجمعوا على ~~ضعفه، بل بطلانه - على محض القياس، فإن بذل الصداق معاوضة في مقابلة بذل ~~البضع، فما تراضيا عليه جاز قليلا كان أو كثيرا. # وقدم الشافعي خبر تحريم صيد وج مع ضعفه على القياس، وقدم خبر جواز الصلاة ~~بمكة في وقت النهي مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد، وقدم في أحد ~~قوليه حديث «من قاء أو رعف فليتوضأ وليبن على صلاته» على القياس مع ضعف ~~الخبر وإرساله. # وأما مالك فإنه يقدم الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول الصحابي على ~~القياس. # [الخامس القياس للضرورة] # فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص ولا قول الصحابة أو واحد منهم ~~ولا أثر مرسل أو ضعيف عدل إلى الأصل الخامس - وهو القياس - فاستعمله ~~للضرورة، وقد قال في كتاب الخلال، سألت الشافعي عن القياس، فقال: إنما يصار ~~إليه عند الضرورة، أو ما هذا معناه فهذه الأصول الخمسة من أصول فتاويه، ~~وعليها مدارها، وقد يتوقف في الفتوى؛ لتعارض الأدلة عنده، أو لاختلاف ~~الصحابة فيها، أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحد من الصحابة ~~والتابعين # PageV01P026 # وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف، كما قال ~~لبعض أصحابه: إياك ms0024 أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. # وكان يسوغ استفتاء فقهاء الحديث وأصحاب مالك، ويدل عليهم، ويمنع من ~~استفتاء من يعرض عن الحديث، ولا يبني مذهبه عليه، ولا يسوغ العمل بفتواه. # قال ابن هانئ: سألت أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث «أجرؤكم على ~~الفتيا أجرؤكم على النار» قال أبو عبد الله - رحمه الله -: يفتي بما لم ~~يسمع، قال: وسألته عمن أفتى بفتيا يعي فيها قال: فإثمها على من أفتاها، ~~قلت: على أي وجه يفتي حتى يعلم ما فيها؟ قال: يفتي بالبحث، لا يدري أيش ~~أصلها. # وقال أبو داود في مسائله: ما أحصي ما سمعت أحمد سئل عن كثير مما فيه ~~الاختلاف في العلم فيقول: لا أدري، قال: وسمعته يقول: ما رأيت مثل ابن ~~عيينة في الفتوى أحسن فتيا منه، كان أهون عليه أن يقول: لا أدري. # وقال عبد الله بن أحمد في مسائله: سمعت أبي يقول: وقال عبد الرحمن بن ~~مهدي سأل رجل من أهل الغرب مالك بن أنس عن مسألة فقال: لا أدري فقال: يا ~~أبا عبد الله تقول لا أدري؟ قال: نعم، فأبلغ من وراءك أني لا أدري. # وقال عبد الله: كنت أسمع أبي كثيرا يسأل عن المسائل فيقول: لا أدري ويقف ~~إذا كانت مسألة فيها اختلاف، وكثيرا ما كان يقول: سل غيري، فإن قيل له: من ~~نسأل؟ قال: سلوا العلماء، ولا يكاد يسمي رجلا بعينه قال: وسمعت أبي يقول: ~~كان ابن عيينة لا يفتي في الطلاق، ويقول: من يحسن هذا؟ ، ### | [فصل كراهة العلماء التسرع في الفتوى] # ] وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل ~~واحد منهم أن يكفيه إياها غيره: فإذا رأى بها قد تعينت عليه بذل # اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم ~~أفتى. وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبد ~~الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، أراه قال ms0025 في المسجد، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه ~~الحديث، ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا # PageV01P027 # وقال الإمام أحمد: حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ~~ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ما منهم رجل يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه، ولا يحدث حديثا ~~إلا ود أن أخاه كفاه. # وقال مالك عن يحيى بن سعيد إن بكير بن الأشج أخبره عن معاوية بن أبي عياش ~~أنه كان جالسا عند عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر، فجاءهما محمد بن إياس ~~بن البكير فقال: إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا فماذا تريان؟ ~~فقال عبد الله بن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله ~~بن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، ثم ائتنا فأخبرنا، فذهبت فسألتهما فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا ~~أبا هريرة فقد جاءتك معضلة، فقال أبو هريرة: الواحدة تبينها، والثلاث ~~تحرمها حتى تنكح زوجا غيره. # وقال مالك عن يحيى بن سعيد قال: قال ابن عباس: إن كل من أفتى الناس في كل ~~ما يسألونه عنه لمجنون، قال مالك: وبلغني عن ابن مسعود مثل ذلك، رواه ابن ~~وضاح عن يوسف بن عدي عن عبد بن حميد عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله، ورواه ~~حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل عن عبد الله. # وقال سحنون بن سعيد: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما، يكون عند الرجل ~~الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه. # قلت: الجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم ومن غزارته وسعته، فإذا قل ~~علمه أفتى عن كل ما يسأل عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه، ولهذا ~~كان ابن عباس من أوسع الصحابة فتيا، وقد تقدم أن فتاواه جمعت في عشرين ~~سفرا، وكان سعيد بن المسيب أيضا، واسع الفتيا، ms0026 وكانوا يسمونه كما ذكر ابن ~~وهب عن محمد بن سليمان المرادي عن أبي إسحاق قال: كنت أرى الرجل في ذلك ~~الزمان وإنه ليدخل يسأل عن الشيء فيدفعه الناس عن مجلس إلى مجلس حتى يدفع ~~إلى مجلس سعيد بن المسيب كراهية للفتيا، قال: وكانوا يدعونه سعيد بن المسيب ~~الجريء. # وقال سحنون: إني لأحفظ مسائل منها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من ~~العلماء، فكيف ينبغي أن أعجل بالجواب قبل الخبر؟ فلم ألام على حبس الجواب؟ ~~وقال ابن وهب: حدثنا أشهل بن حاتم عن عبد الله بن عون عن ابن سيرين قال: ~~قال حذيفة: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: من يعلم ما نسخ من القرآن، أو أمير ~~لا يجد بدا، أو أحمق متكلف، قال: فربما قال ابن سيرين: فلست بواحد من هذين، ~~ولا أحب أن أكون الثالث # PageV01P028 ### | [المراد بالناسخ والمنسوخ] # قلت: مراده ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة وهو ~~اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة، إما ~~بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتبيينه حتى إنهم يسمون ~~الاستثناء والشرط والصفة نسخا لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، ~~فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه، ~~ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى، وزال عنه به إشكالات أوجبها ~~حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر. # وقال هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: قال حذيفة: إنما يفتي الناس أحد ~~ثلاثة: رجل يعلم ناسخ القرآن ومنسوخه، وأمير لا يجد بدا، وأحمق متكلف، قال ~~ابن سيرين: فأنا لست أحد هذين، وأرجو أن لا أكون أحمق متكلفا. # وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب " جامع فضل العلم ": حدثنا خلف بن ~~القاسم ثنا يحيى بن الربيع ثنا محمد بن حماد المصيصي ثنا إبراهيم بن واقد ~~ثنا المطلب بن زياد قال: حدثني جعفر بن حسين إمامنا قال: رأيت أبا حنيفة في ~~النوم، فقلت: ما فعل الله بك يا ms0027 أبا حنيفة؟ قال: غفر لي، فقلت له: بالعلم؟ ~~فقال: ما أضر الفتيا على أهلها، فقلت: فبم؟ قال: بقول الناس في ما لم يعلم ~~الله أنه مني، قال أبو عمر: وقال سحنون يوما: إنا لله، ما أشقى المفتي ~~والحاكم، ثم قال: ها أنا ذا يتعلم مني ما تضرب به الرقاب وتوطأ به الفروج ~~وتؤخذ به الحقوق، أما كنت عن هذا غنيا، قال أبو عمر: وقال أبو عثمان ~~الحداد: القاضي أيسر مأثما وأقرب إلى السلامة من الفقيه - يريد المفتي؛ لأن ~~الفقيه من شأنه إصدار ما يرد عليه من ساعته بما حصره من القول، والقاضي ~~شأنه الأناة والتثبت ومن تأنى وتثبت تهيأ له من الصواب ما لا يتهيأ لصاحب ~~البديهة، انتهى. # وقال غيره: المفتي أقرب إلى السلامة من القاضي؛ لأنه لا يلزم بفتواه، ~~وإنما يخبر بها من استفتاه، فإن شاء قبل قوله، وإن شاء تركه وأما القاضي ~~فإنه يلزم بقوله، فيشترك هو والمفتي في الإخبار عن الحكم، ويتميز القاضي ~~بالإلزام والقضاء؛ فهو من هذا الوجه خطره أشد ### | [خطر تولي القضاء] # ولهذا جاء في القاضي من الوعيد والتخويف ما لم يأت نظيره في المفتي، كما ~~رواه أبو داود الطيالسي من حديث عائشة - رضي الله عنها - أنها ذكر عندها ~~القضاة فقالت: سمعت # PageV01P029 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة ~~فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط» وروى ~~الشعبي عن مسروق عن عبد الله يرفعه: «ما من حاكم يحكم بين الناس إلا وكل به ~~ملك آخذ بقفاه حتى يقف به على شفير جهنم، فيرفع رأسه إلى الله فإن أمره أن ~~يقذفه قذفه في مهوى أربعين خريفا» وفي السنن من حديث ابن بريدة عن أبيه ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «القضاة ثلاثة، اثنان في النار ~~وواحد في الجنة: رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى بين الناس ~~بالجهل فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار فهو في النار» . # وقال ms0028 عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ويل لديان من في الأرض من ديان من ~~في السماء، يوم يلقونه، إلا من أمر بالعدل، وقضى بالحق، ولم يقض على هوى، ~~ولا على قرابة، ولا على رغب ولا رهب، وجعل كتاب الله مرآة بين عينيه وفي ~~سنن أبي داود من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ~~طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة، ومن غلب جوره ~~عدله فله النار» وفي سنن البيهقي من حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الله مع القاضي ما لم يجر، ~~فإذا جار برئ الله منه ولزمه الشيطان» وفيه من حديث حسين المعلم عن ~~الشيباني عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن ~~الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار وكله إلى نفسه» . # وفي السنن الأربعة من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من قعد قاضيا بين المسلمين فقد ذبح نفسه بغير سكين» وفي سنن البيهقي من ~~حديث أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ويل ~~للأمراء، وويل للعرفاء، وويل للأمناء، ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ~~نواصيهم كانت معلقة بالثريا يتجلجلون بين السماء والأرض، وأنهم لم يلوا ~~عملا» . # [الوعيد على الإفتاء] # وأما المفتي ففي سنن أبي داود من حديث مسلم بن يسار قال: سمعت أبا هريرة ~~يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قال علي ما لم أقل ~~فليتبوأ بيتا في جهنم، ومن أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه ومن أشار ~~على أخيه بأمر يعلم الرشد في غيره فقد خانه» فكل خطر على المفتي فهو على ~~القاضي، وعليه من زيادة الخطر ما يختص به، ولكن خطر المفتي أعظم من جهة ~~أخرى؛ فإن فتواه شريعة عامة تتعلق بالمستفتي وغيره وأما الحاكم فحكمه جزئي ~~خاص لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه وله؛ فالمفتي يفتي ms0029 حكما عاما كليا أن من ~~فعل كذا ترتب عليه كذا، ومن قال كذا لزمه كذا، والقاضي # PageV01P030 # يقضي قضاء معينا على شخص معين، فقضاؤه خاص ملزم، وفتوى العالم عامة غير ~~ملزمة، فكلاهما أجره عظيم، وخطره كبير ### | [فصل المحرمات على أربع مراتب] # وقد حرم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء، وجعله من ~~أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها، فقال تعالى: {قل إنما حرم ~~ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ~~ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33] ~~فرتب المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنى بما هو أشد ~~تحريما منه وهو الإثم والظلم، ثم ثلث بما هو أعظم تحريما منهما وهو الشرك ~~به سبحانه، ثم ربع بما هو أشد تحريما من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم، ~~وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه ~~وشرعه وقال تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ~~لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} [النحل: ~~116] {متاع قليل ولهم عذاب أليم} [النحل: 117] فتقدم إليهم سبحانه بالوعيد ~~على الكذب عليه في أحكامه، وقولهم لما لم يحرمه: هذا حرام، ولما لم يحله: ~~هذا حلال، وهذا بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول: هذا حلال وهذا ~~حرام إلا بما علم أن الله سبحانه أحله وحرمه. # وقال بعض السلف: ليتق أحدكم أن يقول: أحل الله كذا، وحرم كذا، فيقول الله ~~له: كذبت، لم أحل كذا، ولم أحرم كذا؛ فلا ينبغي أن يقول لما لا يعلم ورود ~~الوحي المبين بتحليله وتحريمه أحله الله ورحمه الله لمجرد التقليد أو ~~بالتأويل ### | [النهي عن أن يقال هذا حكم الله] # «وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح أميره بريدة أن ~~ينزل عدوه إذا حاصرهم على حكم الله، وقال: فإنك لا تدري أتصيب حكم الله ~~فيهم ms0030 أم لا، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك» فتأمل كيف فرق بين حكم الله ~~وحكم الأمير المجتهد، ونهى أن يسمى حكم المجتهدين حكم الله. # ومن هذا لما كتب الكاتب بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - # PageV01P031 # حكما حكم به فقال: هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر، فقال: لا تقل هكذا ~~ولكن قل: هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. # وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من ~~سلفنا، ولا أدركت أحدا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال، وهذا حرام، وما ~~كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره كذا، ونرى هذا حسنا؛ ~~فينبغي هذا، ولا نرى هذا، ورواه عنه عتيق بن يعقوب، وزاد: ولا يقولون حلال ~~ولا حرام، أما سمعت قول الله تعالى: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون} [يونس: 59] ~~الحلال: ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله ### | [لفظ الكراهة يطلق على المحرم] # قلت: وقد غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك، ~~حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة، فنفى ~~المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة، ثم سهل عليهم لفظ الكراهة ~~وخفت مؤنته عليهم فحمله بعضهم على التنزيه، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك ~~الأولى، وهذا كثير جدا في تصرفاتهم؛ فحصل بسببه غلط عظيم على الشريعة وعلى ~~الأئمة، وقد قال الإمام أحمد في الجمع بين الأختين بملك اليمين: أكرهه، ولا ~~أقول هو حرام، ومذهبه تحريمه، وإنما تورع عن إطلاق لفظ التحريم لأجل قول ~~عثمان. # وقال أبو القاسم الخرقي فيما نقله عن أبي عبد الله: ويكره أن يتوضأ في ~~آنية الذهب والفضة، ومذهبه أنه لا يجوز، وقال في رواية أبي داود: ويستحب أن ~~لا يدخل الحمام إلا بمئزر له، وهذا استحباب وجوب، وقال في رواية إسحاق بن ~~منصور: إذا كان أكثر مال الرجل حراما ms0031 فلا يعجبني أن يؤكل ماله، وهذا على ~~سبيل التحريم. # وقال في رواية ابنه عبد الله: لا يعجبني أكل ما ذبح للزهرة ولا الكواكب ~~ولا الكنيسة، وكل شيء ذبح لغير الله، قال الله عز وجل: {حرمت عليكم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3] . # فتأمل كيف قال: " لا يعجبني " فيما نص الله سبحانه على تحريمه، واحتج هو ~~أيضا بتحريم الله له في كتابه، وقال في رواية الأثرم: أكره لحوم الجلالة ~~وألبانها، وقد صرح بالتحريم في رواية حنبل وغيره، وقال في رواية ابنه عبد ~~الله: أكره أكل لحم الحية والعقرب؛ لأن الحية لها ناب والعقرب لها حمة ولا ~~يختلف مذهبه # PageV01P032 # في تحريمه، وقال في رواية حرب: إذا صاد الكلب من غير أن يرسل فلا يعجبني؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أرسلت كلبك وسميت» فقد أطلق ~~لفظه " لا يعجبني " على ما هو حرام عنده. # وقال في رواية جعفر بن محمد النسائي: لا يعجبني المكحلة والمرود، يعني من ~~الفضة، وقد صرح بالتحريم في عدة مواضع، وهو مذهبه بلا خلاف؛ وقال جعفر بن ~~محمد أيضا: سمعت أبا عبد الله سئل عن رجل قال لامرأته: كل امرأة أتزوجها أو ~~جارية أشتريها للوطء وأنت حية فالجارية حرة والمرأة طالق، قال: إن تزوج لم ~~آمره أن يفارقها، والعتق أخشى أن يلزمه؛ لأنه مخالف للطلاق، قيل له: يهب له ~~رجل جارية، قال: هذا طريق الحيلة، وكرهه، مع أن مذهبه تحريم الحيل وأنها لا ~~تخلص من الأيمان، ونص على كراهة البطة من جلود الحمر، وقال: تكون ذكية، ولا ~~يختلف مذهبه في التحريم، وسئل عن شعر الخنزير، فقال: لا يعجبني، وهذا على ~~التحريم، وقال: يكره القد من جلود الحمير، ذكيا وغير ذكي؛ لأنه لا يكون ~~ذكيا، وأكرهه لمن يعمل وللمستعمل؛ وسئل عن رجل حلف لا ينتفع بكذا، فباعه ~~واشترى به غيره، فكره ذلك، وهذا عنده لا يجوز؛ وسئل عن ألبان الأتن فكرهه ~~وهو حرام عنده، وسئل عن الخمر يتخذ خلا فقال: لا يعجبني، وهذا على ms0032 التحريم ~~عنده؛ وسئل عن بيع الماء، فكرهه، وهذا في أجوبته أكثر من أن يستقصى، وكذلك ~~غيره من الأئمة. # وقد نص محمد بن الحسن أن كل مكروه فهو حرام، إلا أنه لما لم يجد فيه نصا ~~قاطعا لم يطلق عليه لفظ الحرام؛ وروى محمد أيضا عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه ~~إلى الحرام أقرب؛ وقد قال في الجامع الكبير: يكره الشرب في آنية الذهب ~~والفضة للرجال والنساء، ومراده التحريم؛ وكذلك قال أبو يوسف ومحمد: يكره ~~النوم على فرش الحرير والتوسد على وسائده، ومرادهما التحريم. # وقال أبو حنيفة وصاحباه: يكره أن يلبس الذكور من الصبيان الذهب والحرير، ~~وقد صرح الأصحاب أنه حرام، وقالوا: إن التحريم لما ثبت في حق الذكور، ~~وتحريم اللبس يحرم الإلباس، كالخمر لما حرم شربها حرم سقيها، وكذلك قالوا: ~~يكره منديل الحرير الذي يتمخط فيه ويتمسح من الوضوء، ومرادهم التحريم، ~~وقالوا: يكره بيع العذرة، ومرادهم التحريم؛ وقالوا: يكره الاحتكار في أقوات ~~الآدميين والبهائم إذا أضر بهم وضيق عليهم، ومرادهم التحريم؛ وقالوا: يكره ~~بيع السلاح في أيام # PageV01P033 # الفتنة، ومرادهم التحريم. # وقال أبو حنيفة: يكره بيع أرض مكة، ومرادهم التحريم عندهم؛ قالوا: ويكره ~~اللعب بالشطرنج، وهو حرام عندهم؛ قالوا: ويكره أن يجعل الرجل في عنق عبده ~~أو غيره طوق الحديد الذي يمنعه من التحرك، وهو الغل، وهو حرام؛ وهذا كثير ~~في كلامهم جدا. # وأما أصحاب مالك فالمكروه عندهم مرتبة بين الحرام والمباح، ولا يطلقون ~~عليه اسم الجواز، ويقولون: إن أكل كل ذي ناب من السباع مكروه غير مباح؛ وقد ~~قال مالك في كثير من أجوبته: أكره كذا، وهو حرام؛ فمنها أن مالكا نص على ~~كراهة الشطرنج، وهذا عند أكثر أصحابه على التحريم، وحمله بعضهم على الكراهة ~~التي هي دون التحريم. # وقال الشافعي في اللعب بالشطرنج: إنه لهو شبه الباطل، أكرهه ولا يتبين لي ~~تحريمه فقد نص على كراهته، وتوقف في تحريمه؛ فلا يجوز أن ينسب إليه وإلى ~~مذهبه أن اللعب بها جائز وأنه مباح، فإنه لم يقل هذا ولا ما يدل ms0033 عليه؛ ~~والحق أن يقال: إنه كرهها، وتوقف في تحريمها، فأين هذا من أن يقال: إن ~~مذهبه جواز اللعب بها وإباحته؟ ومن هذا أيضا أنه نص على كراهة تزوج الرجل ~~بنته من ماء الزنا، ولم يقل قط إنه مباح ولا جائز، والذي يليق بجلالته ~~وإمامته ومنصبه الذي أجله الله به من الدين أن هذه الكراهة منه على وجه ~~التحريم، وأطلق لفظ الكراهة لأن الحرام يكرهه الله ورسوله؛ وقد قال تعالى ~~عقيب ذكر ما حرمه من المحرمات من عند قوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا} [الإسراء: 23] إلى قوله: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} ~~[الإسراء: 23] إلى قوله: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31] ~~إلى قوله: {ولا تقربوا الزنا} [الإسراء: 32] إلى قوله: {ولا تقتلوا النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق} [الإسراء: 33] إلى قوله: {ولا تقربوا مال اليتيم} ~~[الإسراء: 34] إلى قوله: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] إلى آخر ~~الآيات؛ ثم قال: {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها} [الإسراء: 38] وفي ~~الصحيح: «إن الله عز وجل كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» . # فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعملت فيه في كلام الله ~~ورسوله، ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم، وتركه ~~أرجح من فعله، ثم حمل من حمل منهم كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث، فغلط ~~في ذلك، وأقبح غلطا منه من حمل لفظ الكراهة أو لفظ " لا ينبغي " في كلام ~~الله ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث، وقد اطرد في كلام الله ورسوله ~~استعمال " لا ينبغي " في المحظور شرعا وقدرا وفي المستحيل الممتنع كقوله ~~تعالى: {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} [مريم: 92] وقوله: {وما علمناه ~~الشعر وما ينبغي له} [يس: 69] وقوله: # PageV01P034 # {وما تنزلت به الشياطين - وما ينبغي لهم} [الشعراء: 210 - 211] «وقوله ~~على لسان نبيه: كذبني ابن آدم وما ينبغي له، وشتمني ابن آدم وما ينبغي له» ~~وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام» ~~وقوله - صلى الله عليه ms0034 وسلم - في لباس الحرير: «لا ينبغي هذا للمتقين» ~~وأمثال ذلك ### | [ما يقوله المفتي فيما اجتهد فيه] # والمقصود أن الله سبحانه حرم القول عليه بلا علم في أسمائه وصفاته ~~وأفعاله وأحكامه، والمفتي يخبر عن الله عز وجل وعن دينه، فإن لم يكن خبره ~~مطابقا لما شرعه كان قائلا عليه بلا علم، ولكن إذا اجتهد واستفرغ وسعه في ~~معرفة الحق وأخطأ لم يلحقه الوعيد، وعفي له عن ما أخطأ به، وأثيب على ~~اجتهاده، ولكن لا يجوز أن يقول لما أداه إليه اجتهاده ولم يظفر فيه بنص عن ~~الله ورسوله: إن الله حرم كذا، وأوجب كذا، وأباح كذا، وإن هذا هو حكم الله؛ ~~قال ابن وضاح: ثنا يوسف بن عدي، ثنا عبيدة بن حميد عن عطاء بن السائب قال: ~~قال الربيع بن خثيم: إياكم أن يقول الرجل لشيء: إن الله حرم هذا أو نهى ~~عنه، فيقول الله: كذبت لم أحرمه ولم أنه عنه، أو يقول: إن الله أحل هذا أو ~~أمر به، فيقول الله: كذبت لم أحله ولم آمر به؛ قال أبو عمر: وقد روي عن ~~مالك أنه قال في بعض ما كان ينزل به فيسأل عنه فيجتهد فيه رأيه: {إن نظن ~~إلا ظنا وما نحن بمستيقنين} [الجاثية: 32] ### | [فصل كلام الأئمة في الفتيا] ### | [أدوات الفتيا] # . فصل في كلام الأئمة في أدوات الفتيا، وشروطها، ومن ينبغي له أن يفتي ~~وأين يسع قول المفتي " لا أدري "؟ . # [أدوات الفتيا] . # قال الإمام أحمد، في رواية ابنه صالح عنه: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على ~~أن يكون عالما بوجوه القرآن، عالما بالأسانيد الصحيحة، عالما بالسنن، وإنما ~~جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها. # وقال في رواية ابنه عبد الله: إذا كان عند الرجل الكتب المصنفة فيها قول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واختلاف الصحابة والتابعين فلا يجوز أن ~~يعمل بما شاء ويتخير فيقضي به ويعمل به حتى يسأل أهل العلم ما يؤخذ به ~~فيكون يعمل ms0035 على أمر صحيح. # وقال في رواية أبي الحارث: لا يجوز الإفتاء إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة # PageV01P035 # وقال في رواية حنبل: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم، وإلا ~~فلا يفتي. # وقال محمد بن عبد الله بن المنادي: سمعت رجلا يسأل أحمد: إذا حفظ الرجل ~~مائة ألف حديث يكون فقيها؟ قال: لا، قال: فمائتي ألف؟ قال: لا، قال: فثلاث ~~مائة ألف؟ قال: لا، قال: فأربع مائة ألف، قال بيده هكذا، وحرك يده. # قال أبو الحسين: وسألت جدي محمد بن عبيد الله، قلت: فكم كان يحفظ أحمد بن ~~حنبل؟ قال: أخذ عن ستمائة ألف. # قال أبو حفص: قال لي أبو إسحاق: لما جلست في جامع المنصور للفتيا ذكرت ~~هذه المسألة فقال لي رجل: فأنت هو ذا لا تحفظ هذا القدر حتى تفتي الناس، ~~فقلت له: عافاك الله إن كنت لا أحفظ هذا المقدار فإني هو ذا أفتي الناس ~~بقول من كان يحفظ هذا المقدار وأكثر منه. # قال القاضي أبو يعلى: وظاهر هذا الكلام أنه لا يكون من أهل الاجتهاد إذا ~~لم يحفظ من الحديث هذا القدر الكثير الذي ذكره، وهذا محمول على الاحتياط ~~والتغليظ في الفتوى، ثم ذكر حكاية أبي إسحاق لما جلس في جامع المنصور، قال: ~~وليس هذا الكلام من أبي إسحاق مما يقتضي أنه كان يقلد أحمد فيما يفتي به، ~~لأنه قد نص في بعض تعاليقه على كتاب العلل على الدلالة على منع الفتوى بغير ~~علم؛ لقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] . # قلت: هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال لأصحاب أحمد: ### | [الفتوى بالتقليد] # . [هل تجوز الفتوى بالتقليد] ؟ . # أحدها: أنه لا يجوز الفتوى بالتقليد؛ لأنه ليس بعلم، والفتوى بغير علم ~~حرام، ولا خلاف بين الناس أن التقليد ليس بعلم، وأن المقلد لا يطلق عليه ~~اسم عالم، وهذا قول أكثر الأصحاب وقول جمهور الشافعية. # والثاني: أن ذلك يجوز فيما يتعلق بنفسه، فيجوز له أن يقلد غيره من ~~العلماء إذا كانت الفتوى لنفسه، ولا يجوز أن يقلد العالم ms0036 فيما يفتي به ~~غيره، وهذا قول ابن بطة وغيره من أصحابنا؛ قال القاضي: ذكر ابن بطة في ~~مكاتباته إلى البرمكي: لا يجوز له أن يفتي بما سمع من يفتي، وإنما يجوز أن ~~يقلد لنفسه، فأما أن يتقلد لغيره ويفتي به فلا. # والقول الثالث: أنه يجوز ذلك عند الحاجة وعدم العالم المجتهد، وهو أصح # PageV01P036 # الأقوال، وعليه العمل، قال القاضي: ذكر أبو حفص في تعاليقه قال: سمعت أبا ~~علي الحسن بن عبد الله النجاد يقول: سمعت أبا الحسين بن بشران يقول: ما ~~أعيب على رجل يحفظ عن أحمد خمس مسائل استند إلى بعض سواري المسجد يفتي بها. ### | [شروط الإفتاء] # [شرط الإفتاء عند الشافعي] # وقال الشافعي فيما رواه عنه الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه له: لا يحل ~~لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلا عارفا بكتاب الله بناسخه ومنسوخه، ~~ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، ويكون بعد ~~ذلك بصيرا بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبالناسخ والمنسوخ، ~~ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيرا باللغة، بصيرا بالشعر ~~وما يحتاج إليه للسنة والقرآن، ويستعمل هذا مع الإنصاف، ويكون بعد هذا ~~مشرفا على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هكذا فله ~~أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي. # وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: ما تقول في الرجل يسأل عن الشيء فيجيب بما ~~في الحديث وليس بعالم في الفقه؟ فقال: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا ~~أن يكون عالما بالسنن، عالما بوجوه القرآن، عالما بالأسانيد الصحيحة، وذكر ~~الكلام المتقدم. # وقال علي بن شقيق: قيل لابن المبارك: متى يفتي الرجل؟ قال: إذا كان عالما ~~بالأثر، بصيرا بالرأي. # وقيل ليحيى بن أكثم: متى يجب للرجل أن يفتي؟ فقال: إذا كان بصيرا بالرأي ~~بصيرا بالأثر. # قلت: يريدان بالرأي القياس الصحيح والمعاني والعلل الصحيحة التي علق ~~الشارع بها الأحكام وجعلها مؤثرة فيها طردا وعكسا ### | [فصل الإفتاء في دين الله ms0037 بالرأي] # . فصل في تحريم الإفتاء في دين الله بالرأي المتضمن لمخالفة النصوص ~~والرأي الذي لم تشهد له النصوص بالقبول. # قال الله: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن ~~اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [القصص: 50] ~~فقسم الأمر إلى # PageV01P037 # أمرين لا ثالث لهما، إما الاستجابة لله والرسول وما جاء به، وإما اتباع ~~الهوى، فكل ما لم يأت به الرسول فهو من الهوى. # وقال تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ~~ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب ~~شديد بما نسوا يوم الحساب} [ص: 26] فقسم سبحانه طريق الحكم بين الناس إلى ~~الحق وهو الوحي الذي أنزله الله على رسوله، وإلى الهوى وهو ما خالفه. # وقال تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر ~~فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} [الجاثية: 18] {إنهم لن يغنوا عنك ~~من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين} [الجاثية: ~~19] فقسم الأمر بين الشريعة التي جعله هو سبحانه عليها وأوحى إليه العمل ~~بها وأمر الأمة بها وبين اتباع أهواء الذين لا يعلمون؛ فأمر بالأول، ونهى ~~عن الثاني. # وقال تعالى {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ~~قليلا ما تذكرون} [الأعراف: 3] فأمر باتباع المنزل منه خاصة: واعلم أن من ~~اتبع غيره فقد اتبع من دونه أولياء. # وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59] فأمر تعالى بطاعته ~~وطاعة رسوله، وأعاد الفعل إعلاما بأن طاعة الرسول تجب استقلالا من غير عرض ~~ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا، سواء كان ما أمر به في ~~الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه أوتي الكتاب ومثله معه، ولم يأمر بطاعة أولي ms0038 ~~الأمر استقلالا، بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول؛ إيذانا ~~بأنهم إنما يطاعون تبعا لطاعة الرسول، فمن أمر منهم بطاعة الرسول وجبت ~~طاعته، ومن أمر بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع له ولا طاعة كما صح عنه - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» وقال: ~~«إنما الطاعة في المعروف» وقال في ولاة الأمور: «من أمركم منهم بمعصية الله ~~فلا سمع له ولا طاعة» . # وقد «أخبر - صلى الله عليه وسلم - عن الذين أرادوا دخول النار لما أمرهم ~~أميرهم بدخولها: إنهم لو دخلوا لما خرجوا منها» مع أنهم إنما كانوا ~~يدخلونها طاعة لأميرهم، وظنا أن ذلك واجب عليهم، ولكن لما قصروا في ~~الاجتهاد وبادروا إلى طاعة من أمر بمعصية الله وحملوا عموم الأمر بالطاعة ~~بما لم يرده الآمر - صلى الله عليه وسلم - وما قد علم من # PageV01P038 # دينه إرادة خلافه، فقصروا في الاجتهاد وأقدموا على تعذيب أنفسهم وإهلاكها ~~من غير تثبت وتبين هل ذلك طاعة لله ورسوله أم لا، فما الظن بمن أطاع غيره ~~في صريح مخالفة ما بعث الله به ورسوله؟ ثم أمر تعالى برد ما تنازع فيه ~~المؤمنون إلى الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأخبرهم أن ذلك خير لهم في ~~العاجل وأحسن تأويلا في العاقبة. # [لم يختلف الصحابة في مسائل الصفات] ؟ . # وقد تضمن هذا أمورا: منها أن أهل الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام ولا ~~يخرجون بذلك عن الإيمان، وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام، وهم ~~سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا، ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة ~~واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به ~~الكتاب والسنة كلمة واحدة، من أولهم إلى آخرهم، لم يسوموها تأويلا، ولم ~~يحرفوها عن مواضعها تبديلا، ولم يبدوا لشيء منها إبطالا، ولا ضربوا لها ~~أمثالا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن ~~حقائقها وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان ~~والتعظيم، وجعلوا الأمر ms0039 فيها كلها أمرا واحدا، وأجروها على سنن واحد، ولم ~~يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع حيث جعلوها عضين، وأقروا ببعضها وأنكروا ~~بعضها من غير فرقان مبين، مع أن اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم فيما أقروا ~~به وأثبتوه. # والمقصود أن أهل الإيمان لا يخرجهم تنازعهم في بعض مسائل الأحكام عن ~~حقيقة الإيمان إذا ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله كما شرطه الله ~~عليهم بقوله: {فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} ~~[النساء: 59] ولا ريب أن الحكم المعلق على شرط ينتفي عند انتفائه. ### | [الأمر بالرد دليل على أن الكتاب والسنة يشتملان على حكم كل شيء] # ومنها: أن قوله: {فإن تنازعتم في شيء} [النساء: 59] نكرة في سياق الشرط ~~تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دقه وجله، جليه وخفيه، ولو لم ~~يكن في كتاب الله ورسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه ولم يكن كافيا لم يأمر ~~بالرد إليه؛ إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد ~~عنده فضل النزاع. # ومنها: أن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، ~~والرد إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى ~~سنته بعد وفاته # PageV01P039 # [الرد إلى الله والرسول من موجبات الإيمان] # ومنها: أنه جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى هذا الرد ~~انتفى الإيمان؛ ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه، ولا سيما التلازم بين ~~هذين الأمرين فإنه من الطرفين، وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر، ثم أخبرهم ~~أن هذا الرد خير لهم، وأن عاقبته أحسن عاقبة، ثم أخبر سبحانه أن من تحاكم ~~أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه، والطاغوت: ~~كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع؛ فطاغوت كل قوم من ~~يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على ~~غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله؛ ms0040 فهذه طواغيت ~~العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم [عدلوا] من عبادة ~~الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى ~~الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم ~~يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة - وهم الصحابة ومن تبعهم - ولا ~~قصدوا قصدهم، بل خالفوهم في الطريق والقصد معا، ثم أخبر تعالى عن هؤلاء ~~بأنهم إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول أعرضوا عن ذلك، ولم ~~يستجيبوا للداعي، ورضوا بحكم غيره، ثم توعدهم بأنهم إذا أصابتهم مصيبة في ~~عقولهم وأديانهم وبصائرهم وأبدانهم وأموالهم بسبب إعراضهم عما جاء به ~~الرسول وتحكيم غيره والتحاكم إليه كما قال تعالى: {فإن تولوا فاعلم أنما ~~يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} [المائدة: 49] اعتذروا بأنهم إنما قصدوا ~~الإحسان والتوفيق، أي بفعل ما يرضي الفريقين ويوفق بينهما كما يفعله من ~~يروم التوفيق بين ما جاء به الرسول وبين ما خالفه، ويزعم أنه بذلك محسن ~~قاصد الإصلاح والتوفيق، والإيمان إنما يقتضي إلقاء الحرب بين ما جاء به ~~الرسول وبين كل ما خالفه من طريقة وحقيقة وعقيدة وسياسة ورأي؛ فرخص الإيمان ~~في هذا الحرب لا في التوفيق، وبالله التوفيق. # ثم أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكموا رسوله في كل ~~ما شجر بينهم من الدقيق والجليل، ولم يكتف في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده ~~حتى ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه، ولم يكتف منهم أيضا بذلك ~~حتى يسلموا تسليما، وينقادوا انقيادا. # وقال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار ~~بعد قضائه وقضاء رسوله، ومن تخير بعد ذلك فقد ضل ضلالا مبينا. # PageV01P040 # معنى التقدم بين يدي الله ورسوله] # وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا ~~الله إن الله سميع عليم} [الحجرات: 1] أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تأمروا ~~حتى يأمر، ms0041 ولا تفتوا حتى يفتي، ولا تقطعوا أمرا حتى يكون هو الذي يحكم فيه ~~ويمضيه، روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: لا تقولوا ~~خلاف الكتاب والسنة، وروى العوفي عنه قال: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه. # والقول الجامع في معنى الآية لا تعجلوا بقول ولا فعل قبل أن يقول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أو يفعل وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن ~~تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} [الحجرات: 2] فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته ~~سببا لحبوط أعمالهم فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم ~~على ما جاء به ورفعها عليه؟ أليس هذا أولى أن يكون محبطا لأعمالهم. # [ينزع العلم بموت العلماء] # وقال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على ~~أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} [النور: 62] فإذا جعل من لوازم الإيمان ~~أنهم لا يذهبون مذهبا إذا كانوا معه إلا باستئذانه فأولى أن يكون من لوازمه ~~أن لا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه، وإذنه يعرف بدلالة ~~ما جاء به على أنه أذن فيه. # وفي صحيح البخاري من حديث أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال: حج علينا ~~عبد الله بن عمرو بن العاص فسمعته يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: «إن الله لا ينزع العلم بعد إذ أعطاكموه انتزاعا، ولكن ينزعه ~~مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم، فيضلون ~~ويضلون» . # وقال وكيع: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ينزع الله العلم من صدور ~~الرجال، ولكن ينزع العلم بموت العلماء، فإذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء ~~جهالا فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا» وفي الصحيحين من حديث عروة بن الزبير ~~قال: قالت عائشة: يا ابن أختي بلغني أن عبد الله بن عمرو مار بنا ms0042 إلى الحج، ~~فالقه فاسأله فإنه قد حمل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - علما كثيرا، ~~قال: فلقيته فسألته عن أشياء يذكرها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~قال عروة: فكان فيما ذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله لا # PageV01P041 # ينزع العلم من الناس انتزاعا، ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم، ويبقى ~~في الناس رءوس جهال يفتونهم بغير علم، فيضلون ويضلون» قال عروة: فلما حدثت ~~عائشة بذلك أعظمت ذلك وأنكرته، قالت: أحدثك أنه سمع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول هذا؟ قال عروة: نعم، حتى إذا كان عام قابل قالت لي: إن ~~ابن عمرو قد قدم فالقه ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في ~~العلم، قال: فلقيته فسألته فذكره لي نحو ما حدثني به في المرة الأولى، قال ~~عروة: فلما أخبرتها بذلك قالت: ما أحسبه إلا وقد صدق، أراه لم يزد فيه شيئا ~~ولم ينقص. # وقال البخاري في بعض طرقه «فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون» وقال: فقالت ~~عائشة: والله لقد حفظ عبد الله؛ وقال نعيم بن حماد: ثنا ابن المبارك ثنا ~~عيسى بن يونس عن جرير بن عثمان الرحبي ثنا عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن ~~أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم، ~~يحرمون به ما أحل الله ويحلون ما حرم الله» قال أبو عمر بن عبد البر: هذا ~~هو القياس على غير أصل، والكلام في الدين بالخرص والظن، ألا ترى إلى قوله ~~في الحديث: «يحلون الحرام ويحرمون الحلال» ومعلوم أن الحلال ما في كتاب ~~الله وسنة رسوله تحليله، والحرام ما في كتاب الله وسنة رسوله تحريمه، فمن ~~جهل ذلك وقال فيما سئل عنه بغير علم، وقاس برأيه ما خرج منه عن السنة؛ فهذا ~~الذي قاس الأمور برأيه فضل وأضل، ومن رد الفروع إلى أصولها فلم يقل برأيه. ### | [الوعيد على القول بالرأي] # وقالت طائفة ms0043 من أهل العلم: من أداه اجتهاده إلى رأي رآه ولم تقم عليه حجة ~~فيه بعد فليس مذموما، بل هو معذور، خالفا كان أو سالفا، ومن قامت عليه ~~الحجة فعاند وتمادى على الفتيا برأي إنسان بعينه فهو الذي يلحقه الوعيد؛ ~~وقد روينا في مسند عبد بن حميد ثنا عبد الرزاق ثنا سفيان الثوري عن عبد ~~الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» # PageV01P042 # فصل. # فيما روي عن صديق الأمة وأعلمها من إنكار الرأي. # [ذم أبي بكر القول بالرأي] # روينا عن عبد بن حميد ثنا أبو أسامة عن نافع عن عمر الجمحي عن ابن أبي ~~مليكة قال: قال أبو بكر - رضي الله عنه -: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن ~~قلت في آية من كتاب الله برأيي، أو بما ولا أعلم. # وذكر الحسن بن علي الحلواني حدثنا عارم عن حماد بن زيد عن سعيد بن أبي ~~صدقة عن ابن سيرين قال: لم يكن أحد أهيب بما لا يعلم من أبي بكر - رضي الله ~~عنه -، ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب بما لا يعلم من عمر - رضي الله عنه -، ~~وأن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله منها أصلا ولا في السنة ~~أثرا فاجتهد برأيه ثم قال: هذا رأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ ~~فمني وأستغفر الله. # فصل. # في المنقول من ذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. # [ذم عمر القول بالرأي] # قال ابن وهب: ثنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - قال وهو على المنبر: يا أيها الناس إن الرأي إنما كان من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - مصيبا، إن الله كان يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف. ~~قلت: مراد عمر - رضي الله عنه - قوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~لتحكم بين الناس بما أراك الله} [النساء: 105] فلم ms0044 يكن له رأي غير ما أراه ~~الله إياه، وأما ما رأى غيره فظن وتكلف. # قال سفيان الثوري: ثنا أبو إسحاق الشيباني عن أبي الضحى عن مسروق قال: ~~كتب كاتب لعمر بن الخطاب " هذا ما رأى الله ورأى عمر " فقال: بئس ما قلت، ~~قل: هذا ما رأى عمر، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن عمر # وقال ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة عن عبد الله بن أبي جعفر قال: قال عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه -: السنة ما سنه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم ~~-، لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة. # قال ابن وهب: وأخبرني ابن لهيعة عن أبي الزناد عن محمد بن إبراهيم التيمي ~~أن # PageV01P043 # عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: أصبح أهل الرأي أعداء السنن، أعيتهم ~~أن يعوها وتفلتت منهم أن يرووها، فاستبقوها بالرأي. # قال ابن وهب: وأخبرني عبد الله بن محمد بن عجلان عن عبيد الله بن عمر أن ~~عمر بن الخطاب قال: اتقوا الرأي في دينكم. # وذكر ابن عجلان عن صدقة بن أبي عبد الله أن عمر بن الخطاب كان يقول: ~~أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم أن ~~يعوها، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، ~~فإياكم وإياهم. # وذكر ابن الهادي عن محمد بن إبراهيم التيمي قال: قال عمر بن الخطاب: ~~إياكم والرأي؛ فإن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يعوها ~~وتفلتت منهم أن يحفظوها، فقالوا في الدين برأيهم. # وقال الشعبي: عن عمرو بن الحارث قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~-: إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، ~~فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا، وأسانيد هذه الآثار عن عمر في غاية الصحة. # وقال محمد بن عبد السلام الخشني: ثنا محمد بن بشار حدثنا يونس بن عبيد ~~العمري ثنا مبارك بن فضالة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر «عن عمر ~~بن الخطاب أنه قال: أيها الناس، اتهموا الرأي في الدين، ms0045 فلقد رأيتني وإني ~~لأرد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأيي فأجتهد ولا آلو، وذلك يوم ~~أبي جندل والكتاب يكتب وقال: اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: يكتب ~~باسمك اللهم، فرضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبيت، فقال: يا عمر ~~تراني قد رضيت وتأبى؟» . # وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن ~~حبيب عن معمر بن أبي حبيبة مولى بنت صفوان عن عبيد بن رفاعة عن أبيه رفاعة ~~بن رافع قال: بينما أنا عند عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذ دخل عليه ~~رجل فقال: يا أمير المؤمنين هذا زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في ~~الغسل من الجنابة، فقال عمر: علي به، فجاء زيد، فلما رآه عمر فقال عمر: أي ~~عدو نفسه قد بلغت أن تفتي الناس برأيك؟ # PageV01P044 # فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما فعلت، ولكن سمعت من أعمامي حديثا فحدثت ~~به من أبي أيوب، ومن أبي بن كعب، ومن رفاعة بن رافع، فقال عمر: علي برفاعة ~~بن رافع، فقال: قد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدكم المرأة فأكسل أن يغتسل، ~~قال: قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأتنا ~~فيه عن الله تحريم، ولم يكن فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء، ~~فقال عمر: ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلم ذلك؟ قال: ما أدري، فأمر ~~عمر بجمع المهاجرين والأنصار، فجمعوا، فشاورهم فشار الناس أن لا غسل، إلا ~~ما كان من معاذ وعلي فإنهما قالا: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل، فقال ~~عمر: هذا وأنتم أصحاب بدر قد اختلفتم، فمن بعدكم أشد اختلافا، فقال علي: يا ~~أمير المؤمنين إنه ليس أحد أعلم بهذا من شأن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من أزواجه، فأرسل إلى حفصة فقالت: لا علم لي، فأرسل إلى عائشة ~~فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فقال: لا أسمع برجل فعل ذلك ~~إلا ms0046 أوجعته ضربا. # [ذم ابن مسعود القول بالرأي] # قول عبد الله بن مسعود - قال البخاري: حدثنا جنيد ثنا يحيى بن زكريا عن ~~مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله قال: لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر ~~من الذي قبله، أما إني لا أقول أمير خير من أمير، ولا عام أخصب من عام. ~~ولكن فقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفا، ويجيء قوم يقيسون الأمور ~~برأيهم. # وقال ابن وهب: ثنا شقيق عن مجالد به، قال: ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم، ثم ~~يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فينهدم الإسلام، ويثلم. # وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو خالد الأحمر عن مجالد عن الشعبي عن ~~مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود: علماؤكم يذهبون، ويتخذ الناس رءوسا ~~جهالا يقيسون الأمور برأيهم. # وقال سعيد بن داود: حدثنا محمد بن فضل عن سالم بن حفصة عن منذر الثوري عن ~~الربيع بن خثيم أنه قال: قال عبد الله: ما علمك الله في كتابه فاحمد الله، ~~وما استأثر به عليك من علم فكله إلى عالمه، ولا تتكلف؛ فإن الله عز وجل ~~يقول لنبيه: {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} [ص: 86] يروى ~~هذا عن الربيع بن خثيم وعن عبد الله. # وقال سعيد بن منصور: حدثنا خلف بن خليفة، ثنا أبو زيد عن الشعبي قال: قال ~~ابن مسعود # PageV01P045 # إياكم وأرأيت أرأيت، فإنما هلك من كان قبلكم بأرأيت أرأيت، ولا تقيسوا ~~شيئا فتزل قدم بعد ثبوتها، وإذا سئل أحدكم عما لا يعلم فليقل: لا أعلم فإنه ~~ثلث العلم. # وصح عنه في المفوضة أنه قال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، ~~وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريء منه. # [ذم عثمان القول بالرأي] # قول عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال محمد بن إسحاق -: حدثني يحيى بن ~~عباد عن عبيد الله بن الزبير قال: وأنا والله مع عثمان بن عفان بالجحفة إذ ~~قال عثمان وذكر له التمتع بالعمرة إلى الحج: أتموا الحج ms0047 وأخلصوه في أشهر ~~الحج، فلو أخرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زورتين كان أفضل؛ فإن ~~الله قد أوسع في الخير، فقال له علي: عمدت إلى سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ورخصة رخص الله للعباد بها في كتابه تضيق عليهم فيها وتنهى ~~عنها، وكانت لذي الحاجة ولنائي الدار، ثم أهل علي بعمرة وحج معا، فأقبل ~~عثمان بن عفان - رضي الله عنه - على الناس فقال: أنهيت عنها؟ إني لم أنه ~~عنها، إنما كان رأيا أشرت به، فمن شاء أخذه ومن شاء تركه. # فهذا عثمان يخبر عن رأيه أنه ليس بلازم للأمة الأخذ به، بل من شاء أخذ به ~~ومن شاء تركه، بخلاف سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه لا يسع ~~أحدا تركها لقول أحد كائنا من كان. # [ذم علي القول بالرأي] # قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال أبو داود -: حدثنا أبو كريب ~~محمد بن العلاء، ثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي إسحاق السبيعي عن عبد ~~خير عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف ~~أولى بالمسح من أعلاه. # [ذم ابن عباس القول بالرأي] # قول عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - قال ابن وهب -: أخبرني بشر بن بكر ~~عن الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن ابن عباس أنه قال: من أحدث رأيا ليس ~~في كتاب الله ولم تمض به سنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يدر ~~على ما هو منه إذا لقي الله عز وجل. # وقال عثمان بن مسلم الصفار: ثنا عبد الرحمن بن زياد، حدثنا الحسن بن عمرو ~~الفقيمي # PageV01P046 # عن أبي فزارة قال: قال ابن عباس: إنما هو كتاب الله وسنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فمن قال بعد ذلك برأيه فلا أدري أفي حسناته يجد ذلك أم في ~~سيئاته. # وقال عبد بن حميد: حدثنا حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن ليث عن بكر عن ~~سعيد بن جبير عن ms0048 ابن عباس قال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من ~~النار. # [سهل بن حنيف يذم القول بالرأي] # قول سهل بن حنيف - رضي الله عنه - قال البخاري -: حدثنا موسى بن إسماعيل، ~~ثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي وائل قال: قال سهل بن حنيف: أيها الناس ~~اتهموا رأيكم على دينكم، لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرددته. # [ابن عمر يذم الرأي] # قول عبد الله بن عمر - رضي الله عنه -، - قال ابن وهب: أخبرني عمرو بن ~~الحارث أن عمرو بن دينار قال: أخبرني طاوس عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا ~~لم يجد في الأمر يسأل عنه شيئا قال: إن شئتم أخبرتكم بالظن. # وقال البخاري: قال لي صدقة عن الفضل بن موسى عن موسى بن عقبة عن الضحاك ~~عن جابر بن زيد قال: لقيني ابن عمر فقال: يا جابر، إنك من فقهاء البصرة ~~وتستفتى فلا تفتين إلا بكتاب ناطق أو سنة ماضية. # وقال مالك عن نافع عنه: العلم ثلاث: كتاب الله الناطق، وسنة ماضية، ولا ~~أدري. # [زيد بن ثابت يذم الرأي] # قول زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال البخاري: حدثنا سنيد بن داود ثنا ~~يحيى بن زكريا مولى ابن أبي زائدة عن إسماعيل بن خالد عن الشعبي، قال: أتى ~~زيد بن ثابت قوم، فسألوه عن أشياء، فأخبرهم بها، فكتبوها ثم قالوا: لو ~~أخبرناه، قال: فأتوه فأخبروه، فقال: أعذرا لعل كل شيء حدثتكم خطأ، إنما ~~أجتهد لكم برأيي. # [معاذ بن جبل يذم الرأي] # قول معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال حماد بن سلمة: ثنا أيوب السختياني ~~عن أبي قلابة عن يزيد بن أبي عميرة عن معاذ بن جبل قال: تكون فتن فيكثر ~~فيها المال، ويفتح القرآن حتى يقرأ الرجل والمرأة والصغير والكبير والمنافق ~~والمؤمن، فيقرأه الرجل فلا يتبع، فيقول: والله لأقرأنه علانية، فيقرأه ~~علانية فلا يتبع، فيتخذ مسجدا، ويبتدع كلاما ليس من # PageV01P047 # كتاب الله ولا من سنة رسول الله ms0049 - صلى الله عليه وسلم -، فإياكم وإياه ~~فإنه بدعة وضلالة، قاله معاذ ثلاث مرات. # [أبو موسى الأشعري يذم الرأي] # قول أبي موسى الأشعري - قال البغوي -: ثنا الحجاج بن المنهال ثنا حماد بن ~~سلمة عن حميد عن أبي رجاء العطاردي قال: قال أبو موسى الأشعري: من كان عنده ~~علم فليعلمه الناس، وإن لم يعلم فلا يقولن ما ليس له به علم فيكون من ~~المتكلفين ويمرق من الدين. # [معاوية يذم الرأي] # قول معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه -، - قال البخاري: حدثنا أبو ~~اليمان ثنا شعيب عن الزهري قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه كان عند ~~معاوية في وفد من قريش، فقام معاوية فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم ~~قال: أما بعد فإنه قد بلغني أن رجالا فيكم يتحدثون بأحاديث ليست في كتاب ~~الله، ولا تؤثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأولئكم جهالكم # فهؤلاء من الصحابة أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن ~~أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وزيد بن ~~ثابت وسهل بن حنيف ومعاذ بن جبل ومعاوية خال المؤمنين وأبو موسى الأشعري - ~~رضي الله عنهم - يخرجون الرأي عن العلم، ويذمونه، ويحذرون منه، وينهون عن ~~الفتيا به، ومن اضطر منهم إليه أخبر أنه ظن، وأنه ليس على ثقة منه، وأنه ~~يجوز أن يكون منه ومن الشيطان، وأن الله ورسوله بريء منه، وأن غايته أن ~~يسوغ الأخذ به عند الضرورة من غير لزوم لاتباعه ولا العمل به، فهل تجد من ~~أحد منهم قط أنه جعل رأي رجل بعينه دينا تترك له السنن الثابتة عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ويبدع ويضلل من خالفه إلى اتباع السنن؟ . # فهؤلاء برك الإسلام، وعصابة الإيمان، وأئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وأنصح ~~الأئمة للأمة، وأعلمهم بالأحكام وأدلتها، وأفقههم في دين الله، وأعمقهم ~~علما، وأقلهم تكلفا، وعليهم دارت الفتيا، وعنهم انتشر العلم، وأصحابهم هم ~~فقهاء الأمة، ومنهم من كان مقيما ms0050 بالكوفة كعلي وابن مسعود، وبالمدينة كعمر ~~بن الخطاب وابنه وزيد بن ثابت، # PageV01P048 # وبالبصرة كأبي موسى الأشعري، وبالشام كمعاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان، ~~وبمكة كعبد الله بن عباس، وبمصر كعبد الله بن عمرو بن العاص، وعن هذه ~~الأمصار انتشر العلم في الآفاق، وأكثر من روي عنه التحذير من الرأي من كان ~~بالكوفة إرهاصا بين يدي ما علم الله سبحانه أنه يحدث فيها بعدهم. ### | [فصل تأويل ما روي عن الصحابة من الأخذ بالرأي] # فصل. # [تأويل ما روي عن الصحابة من الأخذ بالرأي] # قال أهل الرأي: وهؤلاء الصحابة ومن بعدهم من التابعين والأئمة - وإن ذموا ~~الرأي، وحذروا منه، ونهوا عن الفتيا والقضاء به، وأخرجوه من جملة العلم - ~~فقد روي عن كثير منهم الفتيا والقضاء به، والدلالة عليه، والاستدلال به، ~~كقول عبد الله بن مسعود في المفوضة: أقول فيها برأيي، وقول عمر بن الخطاب ~~لكاتبه: قل هذا ما رأى عمر بن الخطاب، وقول عثمان بن عفان في الأمر بإفراد ~~العمرة عن الحج: إنما هو رأي رأيته، وقول علي في أمهات الأولاد: اتفق رأيي ~~ورأي عمر على أن لا يبعن. # وفي كتاب عمر بن الخطاب إلى شريح: إذا وجدت شيئا في كتاب الله فاقض به، ~~ولا تلتفت إلى غيره، وإن أتاك شيء ليس في كتاب الله فاقض بما سن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يسن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فاقض بما أجمع عليه الناس، وإن أتاك ما ليس في كتاب ~~الله ولا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يتكلم فيه أحد قبلك، ~~فإن شئت أن تجتهد رأيك فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر، وما أرى التأخر إلا ~~خيرا لك، ذكره سفيان الثوري عن الشيباني عن الشعبي عن شريح أن عمر كتب ~~إليه. # [طريقة أبي بكر وعمر في الحكم على ما يرد عليهما] # وقال أبو عبيد في كتاب القضاء: ثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن ~~ميمون بن مهران ms0051 قال: كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله ~~تعالى فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإن ~~أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى ~~فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد ~~سنة سنها النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا ~~اجتمع رأيهم على شيء قضى به، وكان عمر يفعل ذلك، فإذا أعياه أن يجد ذلك في ~~الكتاب والسنة سأل: هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء؟ # PageV01P049 # فإن كان لأبي بكر قضاء قضى به، وإلا جمع علماء الناس واستشارهم، فإذا ~~اجتمع رأيهم على شيء قضى به. # [طريقة ابن مسعود] # وقال أبو عبيد: ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة عن عمير عن عبد الرحمن ~~بن يزيد عن ابن مسعود قال: أكثروا عليه ذات يوم فقال: إنه قد أتى علينا ~~زمان ولسنا نقضي، ولسنا هناك، ثم إن الله بلغنا ما ترون، فمن عرض عليه قضاء ~~بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله ولا قضى ~~به نبيه - صلى الله عليه وسلم - فليقض بما قضى به الصالحون فإن جاءه أمر ~~ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولا قضى به ~~الصالحون فليجتهد رأيه، ولا يقل: إني أرى، وإني أخاف؛ فإن الحلال بين ~~والحرام بين، وبين ذلك مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك. # وقال محمد بن جرير الطبري: حدثني يعقوب بن إبراهيم، أنا هشيم، أنا سيار ~~عن الشعبي قال: لما بعث عمر شريحا على قضاء الكوفة قال له: انظر ما يتبين ~~لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا، وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع ~~فيه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0052 -، وما لم يتبين لك فيه السنة ~~فاجتهد فيه رأيك. # [من قياس الصحابة] # وفي كتاب عمر إلى أبي موسى: اعرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور وقايس علي ~~بن أبي طالب وزيد بن ثابت في المكاتب، وقايسه في الجد والإخوة؛ فشبهه علي ~~بسيل انشعبت منه شعبة، ثم انشعبت من الشعبة شعبتان، وقايسه زيد على شجرة ~~انشعب منها غصن، وانشعب من الغصن غصنان، وقولهما في الجد إنه لا يحجب ~~الإخوة، وقاس ابن عباس الأضراس بالأصابع، وقال: أعتبرها بها؛ وسئل علي عن ~~مسيره إلى صفين: هل كان بعهد عهده إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أم رأي رآه؟ قال: بل رأي رأيته. # وقال عبد الله بن مسعود وقد سئل عن المفوضة: أقول برأيي، فإن يكن ثوابا ~~فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريء. # [حال ابن مسعود] # وقال ابن أبي خيثمة: ثنا أبي ثنا محمد بن خازم عن الأعمش عن القاسم بن ~~عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: من عرض له منكم قضاء فليقض ~~بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فليقض بما قضى فيه نبيه - صلى ~~الله عليه وسلم -، فإن جاء أمر ليس في # PageV01P050 # كتاب الله ولم يقض فيه نبيه - صلى الله عليه وسلم - فليقض بما قضى به ~~الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه ولم يقض به ~~الصالحون فليجتهد رأيه، فإن لم يحسن فليقم ولا يستحي. # [حال ابن عباس] # وذكر سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس إذا ~~سئل عن شيء فإن كان في كتاب الله قال به، وإن لم يكن في كتاب الله وكان عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال به، فإن لم يكن في كتاب الله ولا عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان عن أبي بكر وعمر قال به، فإن لم يكن ~~في كتاب الله ولا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا ms0053 عن أبي بكر وعمر ~~اجتهد رأيه. # [حال أبي بن كعب] # وقال ابن أبي خيثمة: حدثني أبي ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن عبد ~~الملك بن أبجر عن الشعبي عن مسروق قال: سألت أبي بن كعب عن شيء فقال: أكان ~~هذا؟ قلت: لا، قال: فأجمنا حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا. # [جملة من أخذ الصحابة بالرأي] # قال أبو عمر بن عبد البر: وروينا عن ابن عباس أنه أرسل إلى زيد بن ثابت: ~~أفي كتاب الله ثلث ما بقي؟ فقال: أنا أقول برأيي وتقول برأيك. # وعن ابن عمر أنه سئل عن شيء فعله: أرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فعل هذا أو شيء رأيته؟ قال: بل شيء رأيته. # وعن أبي هريرة أنه كان إذا قال في شيء برأيه قال: هذه من كيسي، ذكره ابن ~~وهب عن سليمان بن بلال عن كثير بن زيد عن وليد بن رباح عن أبي هريرة. # وكان أبو الدرداء يقول: إياكم وفراسة العلماء، احذروا أن يشهدوا عليكم ~~شهادة تكبكم على وجوهكم في النار، فوالله إنه للحق يقذفه الله في قلوبهم. # قلت: وأصل هذا في الترمذي مرفوعا: «اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور ~~الله، ثم قرأ {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} [الحجر: 75] » # PageV01P051 # وقال أبو عمر: ثنا عبد الوارث بن سفيان ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد ~~السلام الخشني ثنا إبراهيم بن أبي الفياض البرقي الشيخ الصالح ثنا سليمان ~~بن بزيع الإسكندراني ثنا مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن ~~المسيب عن علي، قال: «قلت: يا رسول الله الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه ~~القرآن، ولم تمض فيه منك سنة، قال: اجمعوا له العالمين، أو قال العابدين، ~~من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد» وهذا غريب جدا ~~من حديث مالك، وإبراهيم البرقي وسليمان ليسا ممن يحتج بهما. # وقال عمر لعلي وزيد: لولا رأيكما لاجتمع رأيي ورأي أبي بكر، كيف يكون ~~ابني ولا أكون أباه؟ يعني الجد. # وعن ms0054 عمر أنه لقي رجلا فقال: ما صنعت؟ قال: قضى علي وزيد بكذا، قال: لو ~~كنت أنا لقضيت بكذا، قال: فما منعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب ~~الله أو إلى سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - لفعلت، ولكني أردك إلى رأي، ~~والرأي مشترك، فلم ينقض ما قال علي وزيد. # وذكر الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إن الله اطلع في قلوب ~~العباد فرأى قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - خير قلوب العباد فاختاره ~~لرسالته. ثم اطلع في قلوب العباد بعده فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد ~~فاختارهم لصحبته، فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه ~~المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح. # وقال ابن وهب عن ابن لهيعة: إن عمر بن عبد العزيز استعمل عروة بن محمد ~~السعدي على اليمن، وكان من صالحي عمال عمر، وإنه كتب إلى عمر يسأله عن شيء ~~من أمر القضاء، فكتب إليه عمر: لعمري ما أنا بالنشيط على الفتيا ما وجدت ~~منها بدا، وما جعلتك إلا لتكفيني، وقد حملتك ذلك، فاقض فيه برأيك. # وقال محمد بن سعد: أخبرني روح بن عبادة ثنا حماد بن سلمة عن الجريري أن ~~أبا سلمة بن عبد الرحمن قال للحسن: أرأيت ما تفتي به الناس، أشيء سمعته أم ~~برأيك؟ فقال الحسن: لا والله ما كل ما نفتي به سمعناه، ولكن رأينا لهم خير ~~من رأيهم لأنفسهم. # وقال محمد بن الحسن: من كان عالما بالكتاب والسنة وبقول أصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وبما استحسن فقهاء المسلمين وسعه أن يجتهد برأيه ~~فيما يبتلى به، ويقضي # PageV01P052 # به، ويمضيه في صلاته وصيامه وحجه وجميع ما أمر به ونهي عنه، فإذا اجتهد ~~ونظر وقاس على ما أشبه ولم يأل وسعه العمل بذلك، وإن أخطأ الذي ينبغي أن ~~يقول به. ### | [فصل الرأي على ثلاثة أنواع] # فصل ولا تعارض بحمد الله بين هذه الآثار، عن السادة الأخيار، بل كلها حق، ~~وكل منها له وجه، وهذا إما يتبين بالفرق ms0055 بين الرأي الباطل الذي ليس من ~~الدين والرأي الحق الذي لا مندوحة عنه لأحد من المجتهدين فنقول وبالله ~~المستعان: # [معنى الرأي] # الرأي في الأصل مصدر " رأى الشيء يراه رأيا " ثم غلب استعماله على المرئي ~~نفسه، من باب استعمال المصدر في المفعول، كالهوى في الأصل مصدر هويه يهواه ~~هوى، ثم استعمل في الشيء الذي يهوى؛ فيقال: هذا هوى فلان، والعرب تفرق بين ~~مصادر فعل الرؤية بحسب محالها فتقول: رأى كذا في النوم رؤيا، ورآه في ~~اليقظة رؤية، ورأى كذا - لما يعلم بالقلب ولا يرى بالعين - رأيا، ولكنهم ~~خصوه بما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه ~~الأمارات؛ فلا يقال لمن رأى بقلبه أمرا غائبا عنه مما يحس به أنه رأيه، ولا ~~يقال أيضا للأمر المعقول الذي لا تختلف فيه العقول ولا تتعارض فيه الأمارات ~~إنه رأي، وإن احتاج إلى فكر وتأمل كدقائق الحساب ونحوها. # [الرأي على ثلاثة أنواع] # وإذا عرف هذا فالرأي ثلاثة أقسام: رأي باطل بلا ريب، ورأي صحيح، ورأي هو ~~موضع الاشتباه، والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف، فاستعملوا الرأي ~~الصحيح، وعملوا به وأفتوا به، وسوغوا القول به، وذموا الباطل، ومنعوا من ~~العمل والفتيا والقضاء به، وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله. # والقسم الثالث: سوغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه حيث لا ~~يوجد منه بد، ولم يلزموا أحدا العمل به، ولم يحرموا مخالفته، ولا جعلوا ~~مخالفه مخالفا للدين، بل غايته أنهم خيروا بين قبوله ورده؛ فهو بمنزلة ما ~~أبيح للمضطر من الطعام والشراب الذي يحرم عند عدم الضرورة إليه كما قال ~~الإمام أحمد: سألت الشافعي عن القياس، فقال لي: عند الضرورة، وكان ~~استعمالهم لهذا النوع بقدر الضرورة: لم يفرطوا فيه ويفرعوه ويولدوه ويوسعوه ~~كما صنع المتأخرون بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار، وكان أسهل عليهم من ~~حفظها، كما يوجد كثير من الناس يضبط قواعد الإفتاء لصعوبة النقل عليه وتعسر # PageV01P053 # حفظه، فلم يتعدوا في استعماله قدر الضرورة، ولم يبغوا العدول إليه مع ~~تمكنهم من ms0056 النصوص والآثار؛ كما قال تعالى في المضطر إلى الطعام المحرم: ~~{فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم} [البقرة: 173] ~~فالباغي: الذي يبتغي الميتة مع قدرته على التوصل إلى المذكى، والعادي: الذي ~~يتعدى قدر الحاجة بأكلها. ### | [الرأي الباطل وأنواعه] # فالرأي الباطل أنواع: أحدها: الرأي المخالف للنص، وهذا مما يعلم ~~بالاضطرار من دين الإسلام فساده وبطلانه، ولا تحل الفتيا به ولا القضاء، ~~وإن وقع فيه من وقع بنوع تأويل وتقليد. # النوع الثاني: هو الكلام في الدين بالخرص والظن، مع التفريط والتقصير في ~~معرفة النصوص وفهمها واستنباط الأحكام منها، فإن من جهلها وقاس برأيه فيما ~~سئل عنه بغير علم، بل لمجرد قدر جامع بين الشيئين ألحق أحدهما بالآخر، أو ~~لمجرد قدر فارق يراه بينهما يفرق بينهما في الحكم، من غير نظر إلى النصوص ~~والآثار؛ فقد وقع في الرأي المذموم الباطل. # فصل. # النوع الثالث: الرأي المتضمن تعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله بالمقاييس ~~الباطلة التي وضعها أهل البدع والضلال من الجهمية والمعتزلة والقدرية ومن ~~ضاهاهم، حيث استعمل أهله قياساتهم الفاسدة وآراءهم الباطلة وشبههم الداحضة ~~في رد النصوص الصحيحة الصريحة؛ فردوا لأجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا ~~السبيل إلى تكذيب رواتها وتخطئتهم، ومعاني النصوص التي لم يجدوا إلى رد ~~ألفاظها سبيلا، فقابلوا النوع الأول بالتكذيب، والنوع الثاني بالتحريف ~~والتأويل، فأنكروا لذلك رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وأنكروا كلامه ~~وتكليمه لعباده، وأنكروا مباينته للعالم، واستواءه على عرشه، وعلوه على ~~المخلوقات، وعموم قدرته على كل شيء، بل أخرجوا أفعال عباده من الملائكة ~~والأنبياء والجن والإنس عن تعلق قدرته ومشيئته وتكوينه لها، ونفوا لأجلها ~~حقائق ما أخبر به عن نفسه وأخبر به رسوله من صفات كماله ونعوت جلاله؛ ~~وحرفوا لأجلها النصوص عن مواضعها، وأخرجوها عن معانيها وحقائقها بالرأي ~~المجرد الذي حقيقته أنه ذبالة الأذهان ونخالة الأفكار وعفارة الآراء ووساوس ~~الصدور، فملئوا به الأوراق سوادا، والقلوب شكوكا، والعالم فسادا، وكل من له ~~مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ # PageV01P054 # من تقديم الرأي على ms0057 الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان ~~الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا فسد أمرها أتم فساد، فلا ~~إله إلا الله كم نفي بهذه الآراء من حق، وأثبت بها من باطل، وأميت بها من ~~هدى، وأحيي بها من ضلالة؟ وكم هدم بها من معقل الإيمان، وعمر بها من دين ~~الشيطان؟ وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل، ~~بل هم شر من الحمر، وهم الذين يقولون يوم القيامة: {لو كنا نسمع أو نعقل ما ~~كنا في أصحاب السعير} [الملك: 10] . # النوع الرابع: الرأي الذي أحدثت به البدع، وغيرت به السنن، وعم به ~~البلاء، وتربى عليه الصغير، وهرم فيه الكبير. # فهذه الأنواع الأربعة من الرأي الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه ~~وإخراجه من الدين. # النوع الخامس: ما ذكره أبو عمر بن عبد البر عن جمهور أهل العلم أن الرأي ~~المذموم في هذه الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه ~~والتابعين - رضي الله عنهم - أنه القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان ~~والظنون، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات ورد الفروع بعضها على بعض ~~قياسا، دون ردها على أصولها والنظر في عللها واعتبارها، فاستعمل فيها الرأي ~~قبل أن ينزل، وفرعت وشققت قبل أن تقع، وتكلم فيها قبل أن تكون بالرأي ~~المضارع للظن، قالوا: وفي الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيل السنن، ~~والبعث على جهلها، وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها ومن كتاب الله ~~عز وجل ومعانيه، احتجوا على ما ذهبوا إليه بأشياء، ثم ذكر من طريق أسد بن ~~موسى ثنا شريك عن ليث عن طاوس عن ابن عمر قال: لا تسألوا عما لم يكن؛ فإني ~~سمعت عمر يلعن من يسأل عما لم يكن، ثم ذكر من طريق أبي داود ثنا إبراهيم بن ~~موسى الرازي ثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن عبد الله بن سعد عن الصنابحي ~~عن معاوية «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: نهى عن الأغلوطات» . # وقال أبو بكر بن أبي ms0058 شيبة: ثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي بإسناده مثله؛ ~~وقال: فسره الأوزاعي يعني صعاب المسائل وقال الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن ~~عبد الله بن سعد عن عبادة بن قيس الصنابحي عن معاوية بن أبي سفيان «أنهم ~~ذكروا المسائل عنده، فقال: أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى عن عضل المسائل» . # وقال أبو عمر: واحتجوا أيضا بحديث سهل وغيره «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كره المسائل وعابها، وبأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: إن ~~الله يكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال» # PageV01P055 # وقال ابن خيثمة: ثنا أبي، ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا مالك عن الزهري عن ~~سهل بن سعد قال: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسائل وعابها» ~~قال أبو بكر: هكذا ذكره أحمد بن زهير بهذا الإسناد، وهو خلاف لفظ الموطإ، ~~قال أبو عمر: وفي سماع أشهب: سئل مالك عن قول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «أنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال» فقال: أما كثرة السؤال فلا ~~أدري أهو ما أنتم فيه مما أنهاكم عنه من كثرة المسائل؛ فقد كره رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - المسائل وعابها، وقال الله عز وجل: {لا تسألوا عن ~~أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] فلا أدري أهو هذا أم السؤال في ~~مسألة الناس في الاستعطاء. # وقال الأوزاعي: عن عبدة بن أبي لبابة: وددت أن حظي من أهل هذا الزمان أن ~~لا أسألهم عن شيء ولا يسألوني، يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثر أهل الدراهم ~~بالدراهم. # قال: واحتجوا أيضا بما رواه ابن شهاب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع ~~أباه يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أعظم المسلمين في ~~المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل ~~مسألته» وروى ابن وهب أيضا قال: حدثني ابن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان ~~قبلكم بكثرة ms0059 سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، ~~وإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم» . # وقال سفيان بن عيينة عن عمرو عن طاوس قال: قال عمر بن الخطاب وهو على ~~المنبر: أحرج بالله على كل امرئ سأل عن شيء لم يكن، فإن الله قد بين ما هو ~~كائن. # وقال أبو عمر: وروى جرير بن عبد الحميد ومحمد بن فضيل عن عطاء بن السائب ~~عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض - صلى الله ~~عليه وسلم - كلهن في القرآن: {ويسألونك عن المحيض} [البقرة: 222] ، ~~{يسألونك عن الشهر الحرام} [البقرة: 217] ، {ويسألونك عن اليتامى} [البقرة: ~~220] . ما كانوا يسألونه إلا عما ينفعهم قال أبو عمر: ليس الحديث من الثلاث ~~عشرة مسألة إلا ثلاث. # قلت: ومراد ابن عباس بقوله: " ما سألوه إلا عن ثلاث عشر مسألة " المسائل ~~التي حكاها الله في القرآن عنهم، وإلا فالمسائل التي سألوه عنها وبين لهم ~~أحكامها بالسنة لا تكاد تحصى ولكن إنما كانوا يسألونه عما ينفعهم من ~~الواقعات ولم يكونوا يسألونه عن المقدرات والأغلوطات وعضل المسائل، ولم ~~يكونوا يشتغلون بتفريع المسائل وتوليدها، بل # PageV01P056 # كانت هممهم مقصورة على تنفيذ ما أمرهم به، فإذا وقع بهم أمر سألوا عنه ~~فأجابهم، وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن ~~تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها ~~والله غفور حليم} [المائدة: 101] {قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها ~~كافرين} [المائدة: 102] . # وقد اختلف في هذه الأشياء المسئول عنها: هل هي أحكام قدرية أو أحكام ~~شرعية؟ على قولين، فقيل: إنها أحكام شرعية عفا الله عنها، أي سكت عن ~~تحريمها فيكون سؤالهم عنها سبب تحريمها، ولو لم يسألوا لكانت عفوا، ومنه ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - «وقد سئل عن الحج أفي كل عام؟ فقال: لو قلت ~~نعم لوجبت، ذروني ما تركتكم، فإنما هلك ms0060 من كان قبلكم بكثرة مسائلهم ~~واختلافهم على أنبيائهم» ؛ ويدل على هذا التأويل حديث أبي ثعلبة المذكور ~~«إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما» الحديث ومنه الحديث الآخر: «إن الله ~~فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، ~~وسكت عن أشياء رحمة من غير نسيان فلا تبحثوا عنها» وفسرت بسؤالهم عن أشياء ~~من الأحكام القدرية؛ «كقول عبد الله بن حذافة من أبي يا رسول الله» ؟ وقول ~~آخر: «أين أبي يا رسول الله؟ قال: في النار» . # والتحقيق أن الآية تعم النهي عن النوعين، وعلى هذا فقوله تعالى: {إن تبد ~~لكم تسؤكم} [المائدة: 101] أما في أحكام الخلق والقدر فإنه يسوءهم أن يبدو ~~لهم ما يكرهونه مما سألوا عنه، وأما في أحكام التكليف فإنه يسوءهم أن يبدو ~~لهم ما يشق عليهم تكليفه مما سألوا عنه، وقوله تعالى: {وإن تسألوا عنها حين ~~ينزل القرآن تبد لكم} [المائدة: 101] فيه قولان: # أحدهما: أن القرآن إذا نزل بها ابتداء بغير سؤال فسألتم عن تفصيلها ~~وعلمها أبدى لكم وبين لكم، والمراد بحين النزول زمنه المتصل به، لا الوقت ~~المقارن للنزول، وكأن في هذا إذنا لهم في السؤال عن تفصيل المنزل ومعرفته ~~بعد إنزاله؛ ففيه رفع لتوهم المنع من السؤال عن الأشياء مطلقا، والقول ~~الثاني أنه من باب التهديد والتحذير، أي ما سألتم عنها في وقت نزول الوحي ~~جاءكم بيان ما سألتم عنه بما يسوءكم، والمعنى لا تتعرضوا للسؤال عما يسوءكم ~~بيانه، وإن تعرضتم له في زمن الوحي أبدى لكم. # وقوله: {عفا الله عنها} [المائدة: 101] أي عن بيانها خبرا وأمرا، بل طوي ~~بيانها عنكم رحمة ومغفرة وحلما والله غفور حليم؛ فعلى القول الأول عفا الله ~~عن التكليف بها توسعة عليكم، وعلى القول الثاني عفا الله عن بيانها لئلا ~~يسوءكم بيانها. # وقوله: {قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} [المائدة: 102] ~~أراد نوع تلك المسائل، لا # PageV01P057 # أعيانها، أي قد تعرض قوم من قبلكم لأمثال هذه المسائل، فلما بينت لهم ~~كفروا بها، فاحذروا مشابهتهم والتعرض لما تعرضوا له. ms0061 # ولم ينقطع حكم هذه الآية، بل لا ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال عما إن بدا ~~له ساءه، بل يستعفي ما أمكنه، ويأخذ بعفو الله. ومن ههنا قال عمر بن الخطاب ~~- رضي الله عنه -: يا صاحب الميزاب، لا تخبرنا، لما سأله رفيقه عن مائه ~~أطاهر أم لا، وكذلك لا ينبغي للعبد أن يسأل ربه أن يبدي له من أحواله ~~وعاقبته ما طواه عنه وستره، فلعله يسوءه إن أبدي له، فالسؤال عن جميع ذلك ~~تعرض لما يكرهه الله؛ فإنه سبحانه يكره إبداءها، ولذلك سكت عنها، والله ~~أعلم. # فصل. # قالوا: ومن تدبر الآثار المروية في ذم الرأي وجدها لا تخرج عن هذه ~~الأنواع المذمومة، ونحن نذكر آثار التابعين ومن بعدهم بذلك؛ ليتبين مرادهم: ~~قال الخشني: ثنا محمد بن بشار ثنا يحيى بن سعيد القطان عن مجالد عن الشعبي ~~قال: لعن الله أرأيت # قال يحيى بن سعيد: وثنا صالح بن مسلم قال: سألت الشعبي عن مسألة من ~~النكاح فقال: إن أخبرتك برأيي فبل عليه. # قالوا: فهذا قول الشعبي في رأيه، وهو من كبار التابعين، وقد لقي مائة ~~وعشرين من الصحابة، وأخذ عن جمهورهم. # وقال الطحاوي: ثنا سليمان بن شعيب ثنا عبد الرحمن بن خالد ثنا مالك بن ~~مغول عن الشعبي قال: ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فخذوه وما كان من رأيهم فاطرحوه في الحش. # وقال البخاري: حدثنا سنيد بن داود ثنا حماد بن زيد عن زيد عن عمرو بن ~~دينار قال: قيل لجابر بن زيد: إنهم يكتبون ما يسمعون منك، قال: إنا لله ~~وإنا إليه راجعون، يكتبونه وأنا أرجع عنه غدا. # قال إسحاق بن راهويه: قال سفيان بن عيينة: اجتهاد الرأي هو مشاورة أهل ~~العلم، لا أن يقول هو برأيه. # وقال ابن أبي خيثمة: ثنا الحوطي ثنا إسماعيل بن عياش عن سوادة بن زياد # PageV01P058 # وعمرو بن المهاجر عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الناس: أنه لا رأي ~~لأحد مع سنة سنها رسول الله - صلى الله ms0062 عليه وسلم -. # قال أبو بصيرة: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول للحسن البصري: بلغني ~~أنك تفتي برأيك، فلا تفت برأيك إلا أن يكون سنة عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وقال البخاري: حدثني محمد بن محبوب ثنا عبد الواحد ثنا ابن الزبرقان بن ~~عبد الله الأسيدي أن أبا وائل شقيق بن سلمة قال: إياك ومجالسة من يقول: ~~أرأيت أرأيت. # وقال أبان بن عيسى بن دينار عن أبيه عن ابن القاسم عن مالك عن ابن شهاب ~~قال: دعوا السنة تمضي، لا تعرضوا لها بالرأي. # وقال يونس عن أبي الأسود وهو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل - سمعت عروة بن ~~الزبير يقول: ما زال أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ فيهم المولدون أبناء ~~سبايا الأمم، فأخذوا فيهم بالرأي، فأضلوهم. # وذكر ابن وهب عن ابن شهاب أنه قال، وهو يذكر ما وقع فيه الناس من هذا ~~الرأي وتركهم السنن، فقال: إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي ~~بأيديهم حين اتبعوا الرأي وأخذوا فيه. # وقال ابن وهب: حدثني ابن لهيعة أن رجلا سأل سالم بن عبد الله بن عمر عن ~~شيء، فقال: لم أسمع في هذا شيئا، فقال له الرجل: فأخبرني أصلحك الله برأيك، ~~فقال: لا، ثم أعاد عليه، فقال: إني أرضى برأيك، فقال سالم: إني لعلي إن ~~أخبرتك برأيي ثم تذهب فأرى بعد ذلك رأيا غيره فلا أجدك. # وقال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ثنا مالك بن أنس ~~قال: كان ربيعة يقول لابن شهاب: إن حالي ليس بشبه حالك، أنا أقول برأيي من ~~شاء أخذه وعمل به ومن شاء تركه. # وقال الفريابي: ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: سمعت عبد الرحمن بن ~~مهدي يقول: سمعت حماد بن زيد يقول: قيل لأيوب السختياني: ما لك لا تنظر في ~~الرأي؟ فقال أيوب: قيل للحمار ما لك لا تجتر؟ قال: أكره مضغ الباطل. # وقال الفريابي: ثنا العباس بن الوليد بن مزيد أخبرني أبي قال: سمعت ~~الأوزاعي يقول: عليك بآثار من ms0063 سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن ~~زخرفوا لك القول # PageV01P059 # وقال أبو زرعة: ثنا أبو مسهر قال: كان سعيد بن عبد العزيز إذا سئل لا ~~يجيب حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا الرأي، والرأي يخطئ ويصيب. # وقد روى أبو يوسف والحسن بن زياد كلاهما عن أبي حنيفة أنه قال: علمنا هذا ~~رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه. # وقال الطحاوي: ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ثنا أشهب بن عبد العزيز ~~قال: كنت عند مالك فسئل عن البتة، فأخذت ألواحي لأكتب ما قال، فقال لي ~~مالك: لا تفعل، فعسى في العشي أقول إنها واحدة. # وقال معن بن عيسى القزاز: سمعت مالكا يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، ~~فانظروا في قولي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب ~~والسنة فاتركوه فرضي الله عن أئمة الإسلام، وجزاهم عن نصيحتهم خيرا، ولقد ~~امتثل وصيتهم وسلك سبيلهم أهل العلم والدين من أتباعهم. # [المتعصبون عكسوا القضية] # وأما المتعصبون فإنهم عكسوا القضية، ونظروا في السنة فما وافق أقوالهم ~~منها قبلوه، وما خالفها تحيلوا في رده أو رد دلالته، وإذا جاء نظير ذلك أو ~~أضعف منه سندا ودلالة وكان يوافق قولهم قبلوه، ولم يستجيزوا رده، واعترضوا ~~به على منازعيهم، وأشاحوا وقرروا الاحتجاج بذلك السند ودلالته، فإذا جاء ~~ذلك السند بعينه أو أقوى منه، ودلالته كدلالة ذلك أو أقوى منه في خلاف ~~قولهم؛ دفعوه ولم يقبلوه، وسنذكر من هذا إن شاء الله طرفا عند ذكر غائلة ~~التقليد وفساده، والفرق بينه وبين الاتباع. # وقال بقي بن مخلد: ثنا سحنون والحارث بن مسكين عن ابن القاسم عن مالك أنه ~~كان يكثر أن يقول: {إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين} [الجاثية: 32] . # وقال القعنبي: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه، فسلمت عليه، ~~ثم جلست، فرأيته يبكي، فقلت له: يا أبا عبد الله، ما الذي يبكيك؟ فقال لي: ~~يا ابن قعنب، ومالي لا ms0064 أبكي؟ ومن أحق بالبكاء مني؟ والله لوددت أني ضربت ~~بكل مسألة أفتيت فيها بالرأي سوطا، وقد كانت لي السعة فيما قد سبقت إليه، ~~وليتني لم أفت بالرأي # PageV01P060 # وقال ابن أبي داود: ثنا أحمد بن سنان قال: سمعت الشافعي يقول: مثل الذي ~~ينظر في الرأي ثم يتوب منه مثل المجنون الذي عولج حتى برئ فأعقل ما يكون قد ~~هاج به. # وقال ابن أبي داود: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: ~~لا تكاد ترى أحدا نظر في الرأي إلا وفي قلبه دغل. # وقال عبد الله بن أحمد أيضا: سمعت أبي يقول: الحديث الضعيف أحب إلي من ~~الرأي، فقال عبد الله: سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب ~~حديث لا يعرف صحيحه من سقيمه وأصحاب رأي، فتنزل به النازلة، فقال أبي: يسأل ~~أصحاب الحديث، ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث أقوى من الرأي. # [أبو حنيفة يقدم الحديث الضعيف على الرأي] # وأصحاب أبي حنيفة - رحمه الله - مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف ~~الحديث عنده أولى من القياس والرأي، وعلى ذلك بنى مذهبه، كما قدم حديث ~~القهقهة مع ضعفه على القياس والرأي، وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر ~~مع ضعفه على الرأي والقياس، ومنع قطع السارق بسرقة أقل من عشرة دراهم ~~والحديث فيه ضعيف، وجعل أكثر الحيض عشرة أيام والحديث فيه ضعيف، وشرط في ~~إقامة الجمعة المصر والحديث فيه كذلك، وترك القياس المحض في مسائل الآبار ~~لآثار فيها غير مرفوعة؛ فتقديم الحديث الضعيف وآثار الصحابة على القياس ~~والرأي قوله وقول الإمام أحمد، وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف ~~هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين، بل ما يسميه المتأخرون حسنا قد يسميه ~~المتقدمون ضعيفا كما تقدم بيانه. # والمقصود أن السلف جميعهم على ذم الرأي والقياس المخالف للكتاب والسنة ~~وأنه لا يحل العمل به لا فتيا ولا قضاء، وأن الرأي الذي لا يعلم مخالفته ~~للكتاب والسنة ولا موافقته فغايته أن يسوغ العمل به عند الحاجة ms0065 إليه من غير ~~إلزام ولا إنكار على من خالفه. # قال أبو عمر بن عبد البر: ثنا عبد الرحمن بن يحيى ثنا أحمد بن سعيد بن ~~حزم ثنا عبد الله بن يحيى عن أبيه أنه كان يأتي ابن وهب فيقول له: من أين؟ ~~فيقول له: من عند ابن القاسم، فيقول له ابن وهب: اتق الله؛ فإن أكثر هذه ~~المسائل رأي. # وقال الحافظ أبو محمد: ثنا عبد الرحمن بن سلمة ثنا أحمد بن حنبل ثنا خالد ~~بن سعيد أخبرني محمد بن عمر بن كنانة ثنا أبان بن عيسى بن دينار قال: كان ~~أبي قد أجمع على ترك الفتيا بالرأي، وأحب الفتيا بما روي من الحديث، ~~فأعجلته المنية عن ذلك # PageV01P061 # وقال أبو عمر: وروى الحسن بن واصل أنه قال: إنما هلك من كان قبلكم حين ~~تشعبت بهم السبل، وحادوا عن الطريق، وتركوا الآثار، وقالوا في الدين ~~برأيهم، فضلوا وأضلوا قال أبو عمر: وذكر نعيم بن حماد عن أبي معاوية عن ~~الأعمش عن مسلم عن مسروق: من يرغب برأيه عن أمر الله يضل. # وذكر ابن وهب قال: أخبرني بكر بن نصر عن رجل من قريش أنه سمع ابن شهاب ~~يقول وهو يذكر ما وقع فيه الناس من هذا الرأي وتركهم السنن، فقال: إن ~~اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي كان بأيديهم حين اشتقوا الرأي ~~وأخذوا فيه. # وذكر ابن جرير في كتاب " تهذيب الآثار " له عن مالك قال: قبض رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وقد تم هذا الأمر واستكمل؛ فإنما ينبغي أن تتبع آثار ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تتبع الرأي؛ فإنه من اتبع الرأي جاء ~~رجل آخر أقوى منه في الرأي فاتبعه، فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته. # وقال نعيم بن حماد: ثنا ابن المبارك عن عبد الله بن وهب أن رجلا جاء إلى ~~القاسم بن محمد، فسأله عن شيء، فأجابه، فلما ولى الرجل دعاه فقال له: لا ~~تقل إن القاسم زعم أن هذا هو الحق، ولكن إذا اضطررت إليه ms0066 عملت به. # وقال أبو عمر: قال ابن وهب: قال لي مالك بن أنس وهو ينكر كثرة الجواب ~~للمسائل: يا أبا عبد الله، ما علمته فقل به ودل عليه، وما لم تعلم فاسكت، ~~وإياك أن تتقلد للناس قلادة سوء. # وقال أبو عمر: وذكر محمد بن حارث بن أسد الخشني أنبأنا أبو عبد الله محمد ~~بن عباس النحاس قال: سمعت أبا عثمان سعيد بن محمد الحداد يقول: سمعت سحنون ~~بن سعيد يقول: ما أدري ما هذا الرأي، سفكت به الدماء، واستحلت به الفروج، ~~واستحقت به الحقوق، غير أنا رأينا رجلا صالحا فقلدناه. # وقال سلمة بن شبيب: سمعت أحمد يقول: رأي الشافعي ورأي مالك ورأي أبي ~~حنيفة كله عندي رأي وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار. # وقال أبو عمر بن عبد البر: أنشدني عبد الرحمن بن يحيى أنشدنا أبو علي ~~الحسن بن الخضر الأسيوطي بمكة أنشدنا محمد بن جعفر أنشدنا عبد الله بن أحمد ~~بن حنبل عن أبيه: # PageV01P062 # دين النبي محمد آثار ... نعم المطية للفتى الأخبار # لا تخدعن عن الحديث وأهله ... فالرأي ليل والحديث نهار # ولربما جهل الفتى طرق الهدى ... والشمس طالعة لها أنوار # ولبعض أهل العلم: # العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس خلف فيه # ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين النصوص وبين رأي سفيه # كلا ولا نصب الخلاف جهالة ... بين الرسول وبين رأي فقيه # كلا ولا رد النصوص تعمدا ... حذرا من التجسيم والتشبيه # حاشا النصوص من الذي رميت به ... من فرقة التعطيل والتمويه ### | [فصل في الرأي المحمود وهو أنواع] ### | [النوع الأول من الرأي المحمود] # . فصل في الرأي المحمود، وهو أنواع # [النوع الأول من الرأي المحمود] # النوع الأول: رأي أفقه الأمة، وأبر الأمة قلوبا، وأعمقهم علما، وأقلهم ~~تكلفا، وأصحهم قصودا، وأكملهم فطرة، وأتمهم إدراكا، وأصفاهم أذهانا، الذي ~~شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول؛ فنسبة آرائهم ~~وعلومهم وقصودهم إلى ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - كنسبتهم إلى ~~صحبته؛ والفرق بينهم وبين من بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم ms0067 في الفضل؛ ~~فنسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم. # قال الشافعي - رحمه الله - في رسالته البغدادية التي رواها عنه الحسن بن ~~محمد الزعفراني، وهذا لفظه: وقد أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على ~~لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم ~~الله وهنأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء ~~والصالحين، أدوا إلينا سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وشاهدوه ~~والوحي ينزل عليه فعلموا ما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاما ~~وخاصا وعزما وإرشادا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم ~~واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد، وأولى ~~بنا من رأينا عند أنفسنا، ومن أدركنا ممن يرضى أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا ~~فيما لم يعلموا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه سنة إلى قولهم إن ~~اجتمعوا، أو قول بعضهم إن تفرقوا، وهكذا نقول، ولم نخرج عن أقاويلهم، وإن ~~قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله # PageV01P063 # ولما كان رأي الصحابة عند الشافعي بهذه المثابة قال في الجديد في كتاب ~~الفرائض في ميراث الجد والإخوة: وهذا مذهب تلقيناه عن زيد بن ثابت، وعنه ~~أخذنا أكثر الفرائض وقال: والقياس عندي قتل الراهب لولا ما جاء عن أبي بكر ~~- رضي الله عنه -، فترك صريح القياس لقول الصديق، وقال في رواية الربيع ~~عنه: والبدعة ما خالف كتابا أو سنة أو أثرا عن بعض أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فجعل ما خالف قول الصحابي بدعة، وسيأتي إن شاء الله ~~تعالى إشباع الكلام في هذه المسألة، وذكر نصوص الشافعي عند ذكر تحريم ~~الفتوى بخلاف ما أفتى به الصحابة، ووجوب اتباعهم في فتاويهم، وأن لا يخرج ~~من جملة أقوالهم، وأن الأئمة متفقون على ذلك. # [ليس مثل الصحابة أحد] # والمقصود أن أحدا ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم، وكيف ms0068 يساويهم وقد كان ~~أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته؟ كما رأى عمر في أسارى بدر أن تضرب ~~أعناقهم فنزل القرآن بموافقته، ورأى أن تحجب نساء النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فنزل القرآن بموافقته، ورأى أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى فنزل ~~القرآن بموافقته؛ وقال لنساء النبي - صلى الله عليه وسلم - لما اجتمعن في ~~الغيرة عليه {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات} ~~[التحريم: 5] فنزل القرآن بموافقته، «ولما توفي عبد الله بن أبي قام رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوبه، فقال: يا ~~رسول الله إنه منافق، فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل ~~الله عليه: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} [التوبة: 84] ~~» . # «وقد قال سعد بن معاذ لما حكمه النبي - صلى الله عليه وسلم - في بني ~~قريظة: إني أرى أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذرياتهم، وتغنم أموالهم، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات» ~~. # ولما اختلفوا إلى ابن مسعود شهرا في المفوضة قال: أقول فيها برأيي، فإن ~~يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريء منه، ~~أرى أن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط، ولها الميراث، وعليها العدة، فقام ~~ناس من أشجع فقالوا: نشهد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في ~~امرأة منا يقال لها بروع بنت واشق مثل ما قضيت به، فما فرح ابن مسعود بشيء ~~بعد الإسلام فرحه بذلك. # وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيرا من رأينا ~~لأنفسنا، وكيف لا وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورا وإيمانا وحكمة ~~وعلما ومعرفة وفهما عن الله # PageV01P064 # ورسوله ونصيحة للأمة، وقلوبهم على قلب نبيهم، ولا واسطة بينهم وبينه، وهم ~~ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضا طريا لم يشبه إشكال، ولم يشبه ~~خلاف، ولم تدنسه معارضة، فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس. ### | [فصل النوع ms0069 الثاني من الرأي المحمود] # فصل: # [النوع الثاني من الرأي المحمود] # النوع الثاني من الرأي المحمود: الرأي الذي يفسر النصوص، ويبين وجه ~~الدلالة منها، ويقررها ويوضح محاسنها، ويسهل طريق الاستنباط منها، كما قال ~~عبدان: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: ليكن الذي تعتمد عليه الأثر، وخذ من ~~الرأي ما يفسر لك الحديث، وهذا هو الفهم الذي يختص الله سبحانه به من يشاء ~~من عباده. # ومثال هذا رأي الصحابة - رضي الله عنهم - في العول في الفرائض عند تزاحم ~~الفروض، ورأيهم في مسألة زوج وأبوين وامرأة وأبوين أن للأم ثلث ما بقي بعد ~~فرض الزوجين، ورأيهم في توريث المبتوتة في مرض الموت، ورأيهم في مسألة جر ~~الولاء، ورأيهم في المحرم يقع على أهله بفساد حجه ووجوب المضي فيه والقضاء ~~والهدي من قابل، ورأيهم في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا ~~وقضتا وأطعمتا لكل يوم مسكينا، ورأيهم في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر تصلي ~~المغرب والعشاء، وإن طهرت قبل الغروب صلت الظهر والعصر، ورأيهم في الكلالة، ~~وغير ذلك. # قال الإمام أحمد: ثنا يزيد بن هارون أنا عاصم الأحول عن الشعبي قال: سئل ~~أبو بكر عن الكلالة، فقال: إني سأقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، ~~وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد. # فإن قيل: كيف يجتمع هذا مع ما صح عنه من قوله: " أي سماء تظلني؟ وأي أرض ~~تقلني إن قلت في كتاب الله برأيي "، وكيف يجامع هذا الحديث الذي تقدم «من ~~قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» ؟ . # فالجواب أن الرأي نوعان: # أحدهما: رأي مجرد لا دليل عليه، بل هو خرص وتخمين، فهذا الذي أعاذ الله ~~الصديق والصحابة منه. # والثاني: رأي مستند إلى استدلال واستنباط من النص وحده أو من نص آخر معه، # PageV01P065 # فهذا من ألطف فهم النصوص وأدقه، ومنه رأيه في الكلالة أنها ما عدا الوالد ~~والولد، فإن الله سبحانه ذكر الكلالة في موضعين من القرآن؛ ففي أحد ~~الموضعين ورث معها الأخ والأخت من الأم، ms0070 ولا ريب أن هذه الكلالة ما عدا ~~الوالد والولد، والموضع الثاني ورث معها ولد الأبوين أو الأب النصف أو ~~الثلثين، فاختلف الناس في هذه الكلالة، والصحيح فيها قول الصديق الذي لا ~~قول سواه وهو الموافق للغة العرب كما قال: # ورثتم قناة المجد لا عن كلالة ... عن ابني مناف عبد شمس وهاشم # أي إنما ورثتموها عن الآباء والأجداد، لا عن حواشي النسب، وعلى هذا فلا ~~يرث ولد الأب والأبوين لا مع أب ولا مع جد، كما لم يرثوا مع الابن ولا ~~ابنه، وإنما ورثوا مع البنات؛ لأنهم عصبة فلهم ما فضل عن الفروض. ### | [فصل النوع الثالث من الرأي المحمود] # فصل. # [النوع الثالث من الرأي المحمود] # النوع الثالث من الرأي المحمود: الذي تواطأت عليه الأمة، وتلقاه خلفهم عن ~~سلفهم؛ فإن ما تواطئوا عليه من الرأي لا يكون إلا صوابا، كما تواطئوا عليه ~~من الرواية والرؤيا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه وقد ~~تعددت منهم رؤيا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان: «أرى رؤياكم قد ~~تواطأت في السبع الأواخر» فاعتبر - صلى الله عليه وسلم - تواطؤ رؤيا ~~المؤمنين، فالأمة معصومة فيما تواطأت عليه من روايتها ورؤياها، ولهذا كان ~~من سداد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله، ولا ينفرد به واحد، وقد مدح ~~الله سبحانه المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم، وكانت النازلة إذا نزلت بأمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ليس عنده فيها نص عن الله ولا عن ~~رسوله جمع لها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم جعلها شورى ~~بينهم. # قال البخاري: حدثنا سنيد ثنا يزيد عن العوام بن حوشب عن المسيب بن رافع ~~قال: كان إذا جاءه الشيء من القضاء ليس في الكتاب ولا في السنة سمى صوافي ~~الأمر إليهم فجمع له أهل العلم؛ فإذا اجتمع عليه رأيهم الحق. # وقال محمد بن سليمان الباغندي: ثنا عبد الرحمن بن يونس ثنا عمر بن أيوب ~~أخبرنا عيسى بن المسيب عن عامر عن شريح القاضي قال: قال لي عمر ms0071 بن الخطاب ~~أن أقض بما استبان لك من قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن لم ~~تعلم كل أقضية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقض بما # PageV01P066 # استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين ~~فاجتهد رأيك، واستشر أهل العلم والصلاح. # وقال الحميدي: ثنا سفيان ثنا الشيباني عن الشعبي قال: كتب عمر إلى شريح ~~إذا حضرك أمر لا بد منه فانظر ما في كتاب الله فاقض به، فإن لم يكن ففيما ~~قضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن لم يكن ففيما قضى به ~~الصالحون وأئمة العدل، فإن لم يكن فأنت بالخيار، فإن شئت أن تجتهد رأيك ~~فاجتهد رأيك، وإن شئت أن تؤامرني، ولا أرى مؤامرتك إياي إلا خيرا لك، ~~والسلام. ### | [فصل النوع الرابع من الرأي المحمود] # النوع الرابع من الرأي المحمود: أن يكون بعد طلب علم الواقعة من القرآن، ~~فإن لم يجدها في القرآن ففي السنة، فإن لم يجدها في السنة فبما قضى به ~~الخلفاء الراشدون أو اثنان منهم أو واحد، فإن لم يجده فبما قاله واحد من ~~الصحابة - رضي الله عنهم -، فإن لم يجده اجتهد رأيه ونظر إلى أقرب ذلك من ~~كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأقضية أصحابه؛ فهذا هو الرأي ~~الذي سوغه الصحابة واستعملوه، وأقر بعضهم بعضا عليه. # قال علي بن الجعد: أنبأنا شعبة عن سيار عن الشعبي، قال: أخذ عمر فرسا من ~~رجل على سوم فحمل عليه فعطب، فخاصمه الرجل، فقال عمر: اجعل بيني وبينك ~~رجلا، فقال الرجل: إني أرضى بشريح العراقي، فقال شريح: أخذته صحيحا سليما ~~فأنت له ضامن حتى ترده صحيحا سليما، قال: فكأنه أعجبه فبعثه قاضيا، قال: ما ~~استبان لك من كتاب الله فلا تسأل عنه، فإن لم يستبن في كتاب الله فمن ~~السنة، فإن لم تجده في السنة فاجتهد رأيك. ### | [كتاب عمر في القضاء وشرحه] # [خطاب عمر إلى أبي موسى] # وقال أبو عبيد: ثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان، ms0072 وقال أبو نعيم: عن ~~جعفر بن برقان عن معمر البصري عن أبي العوام، وقال سفيان بن عيينة: ثنا ~~إدريس أبو عبد الله بن إدريس قال: أتيت سعيد بن أبي بردة فسألته عن رسل عمر ~~بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعري، وكان أبو موسى قد أوصى ~~إلى أبي بردة، فأخرج إليه كتبا، فرأيت في كتاب منها، رجعنا إلى حديث أبي ~~العوام، قال: كتب عمر إلى أبي موسى " أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، ~~وسنة متبعة، فافهم إذا أدلى إليك؛ فإنه لا ينفع تكلم بحق لا # PageV01P067 # نفاذ له، آس الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ~~ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، والصلح ~~جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا، ومن ادعى حقا غائبا ~~أو بينة فاضرب له أمدا ينتهي إليه، فإن بينه أعطيته بحقه، وإن أعجزه ذلك ~~استحللت عليه القضية، فإن ذلك هو أبلغ في العذر وأجلى للعماء، ولا يمنعنك ~~قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، ~~فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، ~~والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجربا عليه شهادة زور، أو مجلودا في حد، ~~أو ظنينا في ولاء أو قرابة؛ فإن الله تعالى تولى من العباد السرائر، وستر ~~عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان، ثم الفهم الفهم فيما أدلى إليك مما ~~ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال، ~~ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق، وإياك والغضب والقلق ~~والضجر والتأذي بالناس والتنكر عند الخصومة، أو الخصوم، شك أبو عبيد؛ فإن ~~القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر، ويحسن به الذكر، فمن خلصت ~~نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس ~~في نفسه شانه الله، فإن الله ms0073 تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصا، ~~فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام عليك ورحمة ~~الله " قال أبو عبيد: فقلت لكثير: هل أسنده جعفر؟ قال: لا. # وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، ~~والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه. # [شرح كتاب عمر في القضاء] # وقوله: " القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة " يريد به أن ما يحكم به الحاكم ~~نوعان: # أحدهما: فرض محكم غير منسوخ، كالأحكام الكلية التي أحكمها الله في كتابه. # والثاني: أحكام سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذان النوعان ~~هما المذكوران في حديث عبد الله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«العلم ثلاثة فما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، وسنة قائمة، وفريضة عادلة» ~~رواه ابن وهب عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن رافع عنه. # ورواه بقية عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة؛ أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «دخل المسجد فرأى جمعا من الناس على رجل، فقال: ما هذا؟ قالوا: يا ~~رسول الله، رجل علامة، قال: وما العلامة؟ قالوا: أعلم الناس بأنساب العرب، ~~وأعلم الناس بعربية، وأعلم الناس بشعر، وأعلم الناس بما اختلف فيه العرب، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر» وقال # PageV01P068 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «العلم ثلاثة، وما خلا فهو فضل: علم ~~آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة» . ### | [صحة الفهم وحسن القصد] # [صحة الفهم نعمة] # وقوله: " فافهم إذا أدلى إليك " صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله ~~التي أنعم بها على عبده، بل ما أعطي عبد عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجل ~~منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب ~~عليهم الذين فسد قصدهم وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم ~~عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا أن ~~نسأل الله أن يهدينا ms0074 صراطهم في كل صلاة، وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب ~~العبد، يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي ~~والرشاد، ويمده حسن القصد، وتحري الحق، وتقوى الرب في السر والعلانية، ~~ويقطع مادته اتباع الهوى، وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق، وترك التقوى. # [التمكن بنوعين من الفهم] # ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من ~~الفهم: # أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن ~~والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما. # والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في ~~كتابه أو على لسان قوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر؛ فمن بذل ~~جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا؛ فالعالم من يتوصل بمعرفة ~~الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله، كما توصل شاهد يوسف بشق ~~القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه، وكما توصل سليمان - صلى الله عليه ~~وسلم - بقوله: " ائتوني بالسكين حتى أشق الولد بينكما " إلى معرفة عين ~~الأم، وكما توصل أمير المؤمنين علي - عليه السلام - بقوله للمرأة التي حملت ~~كتاب حاطب ما أنكرته لتخرجن الكتاب أو لأجردنك إلى استخراج الكتاب منها. # وكما توصل الزبير بن العوام بتعذيب أحد ابني أبي الحقيق بأمر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - حتى دلهم على كنز جبى لما ظهر له كذبه في دعوى ذهابه ~~بالإنفاق بقوله: المال كثير والعهد أقرب من ذلك، وكما توصل النعمان بن بشير ~~بضرب المتهمين بالسرقة إلى ظهور المال المسروق عندهم، فإن ظهر وإلا ضرب من ~~اتهمهم كما ضربهم، وأخبر أن هذا حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا، ومن سلك غير هذا أضاع ~~على الناس حقوقهم، ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله # PageV01P069 # وقوله: " فما أدلى إليك " أي ما توصل به إليك من الكلام الذي تحكم به بين ~~الخصوم، ومنه قولهم: أدلى فلان بحجته، وأدلى بنسبه، ومنه قوله تعالى: ms0075 {ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام} [البقرة: 188] أي ~~تضيفوا ذلك إلى الحكام وتتوصلوا بحكمهم إلى أكلها. # فإن قيل: لو أراد هذا المعنى لقيل: " وتدلوا بالحكام إليها " وأما ~~الإدلاء بها إلى الحكام فهو التوصل بالبرطيل بها إليهم فترشوا الحاكم ~~لتتوصلوا برشوته إلى الأكل بالباطل. # قيل: الآية تتناول النوعين، فكل منهما إدلاء إلى الحكام بسببها، فالنهي ~~عنهما معا # . وقوله: " فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له " ولاية الحق: نفوذه، فإذا ~~لم ينفذ كان ذلك عزلا له عن ولايته، فهو بمنزلة الوالي العدل الذي في ~~توليته مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، فإذا عزل عن ولايته لم ينفع ومراد ~~عمر بذلك التحريض على تنفيذ الحق إذا فهمه الحاكم، ولا ينفع تكلمه به إن لم ~~يكن له قوة تنفيذه، فهو تحريض منه على العلم بالحق والقوة على تنفيذه، وقد ~~مدح الله سبحانه أولي القوة في أمره والبصائر في دينه فقال: {واذكر عبادنا ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} [ص: 45] فالأيدي: القوى على ~~تنفيذ أمر الله، والأبصار: البصائر في دينه. ### | [واجب الحاكم] # وقوله: " وآس الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك حتى لا يطمع شريف في حيفك ~~ولا ييأس ضعيف من عدلك " إذا عدل الحاكم في هذا بين الخصمين فهو عنوان عدله ~~في الحكومة؛ فمتى خص أحد الخصمين بالدخول عليه أو القيام له أو بصدر المجلس ~~والإقبال عليه والبشاشة له والنظر إليه كان عنوان حيفه وظلمه، وقد رأيت في ~~بعض التواريخ القديمة أن أحد قضاة العدل في بني إسرائيل أوصاهم إذا دفنوه ~~أن ينبشوا قبره بعد مدة فينظروا هل تغير منه شيء أم لا، وقال: إني لم أجر ~~قط في حكم، ولم أحاب فيه، غير أنه دخل علي خصمان كان أحدهما صديقا لي فجعلت ~~أصغي إليه بأذني أكثر من إصغائي إلى الآخر، ففعلوا ما أوصاهم به، فرأوا ~~أذنه قد أكلها التراب، ولم يتغير جسده؛ وفي تخصيص أحد الخصمين بمجلس أو ~~إقبال أو إكرام مفسدتان إحداهما: طمعه في أن تكون الحكومة له فيقوى قلبه ms0076 ~~وجنانه، والثانية: أن الآخر ييأس من عدله، ويضعف قلبه، وتنكسر حجته. # PageV01P070 # معنى البينة] # وقوله: " البينة على المدعي واليمين على من أنكر " البينة في كلام الله ~~ورسوله وكلام الصحابة اسم لكل ما يبين الحق فهي أعم من البينة في اصطلاح ~~الفقهاء، حيث خصوها بالشاهدين أو الشاهد واليمين، ولا حجر في الاصطلاح ما ~~لم يتضمن حمل كلام الله ورسوله عليه فيقع بذلك الغلط في فهم النصوص وحملها ~~على غير مراد المتكلم منها وقد حصل بذلك للمتأخرين أغلاط شديدة في فهم ~~النصوص، ونذكر من ذلك مثالا واحدا، وهو ما نحن فيه لفظ البينة فإنها في ~~كتاب الله اسم لكل ما يبين الحق كما قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات} [الحديد: 25] وقال: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون - بالبينات} [النحل: 43 - 44] وقال: ~~{وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} [البينة: 4] ~~وقال: {قل إني على بينة من ربي} [الأنعام: 57] وقال: {أفمن كان على بينة من ~~ربه} [هود: 17] وقال: {أم آتيناهم كتابا فهم على بينت منه} [فاطر: 40] وقال ~~{أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى} [طه: 133] وهذا كثير، لم يختص لفظ ~~البينة بالشاهدين، بل ولا استعمل في الكتاب فيهما ألبتة. # إذا عرف هذا فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «للمدعي ألك بينة» وقول ~~عمر " البينة على المدعي " وإن كان هذا قد روي مرفوعا المراد به ألك ما ~~يبين الحق من شهود أو دلالة، فإن الشارع في جميع المواضع يقصد ظهور الحق ~~بما يمكن ظهوره به من البينات التي هي أدلة عليه وشواهد له، ولا يرد حقا قد ~~ظهر بدليله أبدا فيضيع حقوق الله وعباده ويعطلها، ولا يقف ظهور الحق على ~~أمر معين لا فائدة في تخصيصه به مع مساواة غيره في ظهور الحق أو رجحانه ~~عليه ترجيحا لا يمكن جحده ودفعه، كترجيح شاهد الحال على مجرد اليد في صورة ~~من على رأسه عمامة وبيده عمامة وآخر خلفه مكشوف الرأس يعدو أثره، ولا عادة ms0077 ~~له بكشف رأسه، فبينة الحال ودلالته هنا تفيد من ظهور صدق المدعي أضعاف ما ~~يفيد مجرد اليد عند كل أحد؛ فالشارع لا يهمل مثل هذه البينة والدلالة، ~~ويضيع حقا يعلم كل أحد ظهوره وحجته، بل لما ظن هذا من ظنه ضيعوا طريق ~~الحكم، فضاع كثير من الحقوق لتوقف ثبوتها عندهم على طريق معين، وصار الظالم ~~الفاجر ممكنا من ظلمه وفجوره، فيفعل ما يريد، ويقول لا يقوم علي بذلك ~~شاهدان اثنان، فضاعت حقوق كثيرة لله ولعباده، وحينئذ أخرج الله أمر الحكم ~~العلمي عن أيديهم، وأدخل فيه من أمر الإمارة والسياسة ما يحفظ به الحق تارة ~~ويضيع به أخرى، ويحصل به العدوان تارة والعدل أخرى، # PageV01P071 # ولو عرف ما جاء به الرسول على وجهه لكان فيه تمام المصلحة المغنية عن ~~التفريط والعدوان. ### | [نصاب الشهادة] # وقد ذكر الله سبحانه نصاب الشهادة في القرآن في خمسة مواضع؛ فذكر نصاب ~~شهادة الزنا أربعة في سورة النساء وسورة النور، وأما في غير الزنا فذكر ~~شهادة الرجلين والرجل والمرأتين في الأموال؛ فقال في آية الدين: {واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} [البقرة: 282] فهذا في ~~التحمل والوثيقة التي يحفظ بها صاحب المال حقه، لا في طريق الحكم وما يحكم ~~به الحاكم، فإن هذا شيء وهذا شيء، وأمر في الرجعة بشاهدين عدلين، وأمر في ~~الشهادة على الوصية في السفر بإشهاد عدلين من المسلمين أو آخرين من غيرهم، ~~وغير المؤمنين هم الكفار، والآية صريحة في قبول شهادة الكافرين على الوصية ~~في السفر عند عدم الشاهدين المسلمين، وقد حكم به النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - والصحابة بعده ولم يجئ بعدها ما ينسخها فإن المائدة من آخر القرآن ~~نزولا، وليس فيها منسوخ، وليس لهذه الآية معارض ألبتة، ولا يصح أن يكون ~~المراد بقوله: {من غيركم} [المائدة: 106] من غير قبيلتكم، فإن الله سبحانه ~~خاطب بها المؤمنين كافة بقوله: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر ~~أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} [المائدة: ~~106] ولم ms0078 يخاطب بذلك قبيلة معينة حتى يكون قوله: {من غيركم} [المائدة: 106] ~~أيتها القبيلة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفهم هذا من الآية، بل ~~إنما فهم ما هي صريحة فيه، وكذلك أصحابه من بعده، وهو سبحانه ذكر ما يحفظ ~~به الحقوق من الشهود، ولم يذكر أن الحكام لا يحكمون إلا بذلك، فليس في ~~القرآن نفي الحكم بشاهد ويمين، ولا بالنكول، ولا باليمين المردودة، ولا ~~بأيمان القسامة، ولا بأيمان اللعان، وغير ذلك مما يبين الحق ويظهره ويدل ~~عليه. # وقد اتفق المسلمون على أنه يقبل في الأموال رجل وامرأتان، وكذلك توابعها ~~من البيع، والأجل فيه، والخيار فيه، والرهن، والوصية للمعين، وهبته، والوقف ~~عليه، وضمان المال، وإتلافه، ودعوى رق مجهول النسب، وتسمية المهر، وتسمية ~~عوض الخلع يقبل في ذلك رجل وامرأتان. # وتنازعوا في العتق، والوكالة في المال، والإيصاء إليه فيه، ودعوى قتل ~~الكافر لاستحقاق سلبه، ودعوى الأسير الإسلام السابق لمنع رقه، وجناية الخطأ ~~والعمد التي لا # PageV01P072 # قود فيها، والنكاح، والرجعة، هل يقبل فيها رجل وامرأتان أم لا بد من ~~رجلين؟ على قولين وهما روايتان عن أحمد، فالأول قول أبي حنيفة، والثاني قول ~~مالك والشافعي. # والذين قالوا لا يقبل إلا رجلان قالوا: إنما ذكر الله الرجل والمرأتين في ~~الأموال، دون الرجعة، والوصية وما معهما، فقال لهم الآخرون: ولم يذكر ~~سبحانه وصف الإيمان في الرقبة إلا في كفارة القتل، ولم يذكر فيها إطعام ~~ستين مسكينا، وقلتم: نحمل المطلق على المقيد إما بيانا وإما قياسا، وقالوا ~~أيضا: فإنه سبحانه إنما قال: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] وفي الآية ~~الأخرى: {اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] بخلاف آية ~~الدين فإنه قال: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] وفي الموضعين الآخرين لما لم ~~يقل رجلان لم يقل فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان. # فإن قيل: اللفظ مذكر؛ فلا يتناول الإناث. # قيل: قد استقر في عرف الشارع أن الأحكام المذكورة بصيغة المذكرين إذا ~~أطلقت ولم تقترن بالمؤنث فإنها ms0079 تتناول الرجال والنساء؛ لأنه يغلب المذكر ~~عند الاجتماع كقوله: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} [النساء: 11] وقوله: ~~{ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] وقوله: {يا أيها الذين آمنوا ~~كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183] وأمثال ذلك، وعلى هذا فقوله: {وأشهدوا ذوي ~~عدل منكم} [الطلاق: 2] يتناول الصنفين، لكن قد استقرت الشريعة على أن شهادة ~~المرأة نصف شهادة الرجل، فالمرأتان في الشهادة كالرجل الواحد، بل هذا أولى؛ ~~فإن حضور النساء عند الرجعة أيسر من حضورهن عند كتابة الوثائق بالديون، ~~وكذلك حضورهن عند الوصية وقت الموت، فإذا جوز الشارع استشهاد النساء في ~~وثائق الديون التي تكتبها الرجال مع أنها إنما تكتب غالبا في مجامع الرجال ~~فلأن يسوغ ذلك فيما تشهده النساء كثيرا كالوصية والرجعة أولى. # يوضحه أنه قد شرع في الوصية استشهاد آخرين من غير المسلمين عند الحاجة؛ ~~فلأن يجوز استشهاد رجل وامرأتين بطريق الأولى والأحرى، بخلاف الديون فإنه ~~لم يأمر فيها باستشهاد آخرين من غيرنا؛ إذ كانت مداينة المسلمين تكون بينهم ~~وشهودهم حاضرون، والوصية في السفر قد لا يشهدها إلا أهل الذمة، وكذلك الميت ~~قد لا يشهده إلا النساء، وأيضا فإنما أمر في الرجعة باستشهاد ذوي عدل؛ لأن ~~المستشهد هو المشهود عليه بالرجعة وهو الزوج لئلا يكتمها، فأمر بأن يستشهد ~~أكمل النصاب، ولا يلزم إذا لم يشهد هذا الأكمل أن لا يقبل عليه شهادة ~~النصاب الأنقص، فإن طرق الحكم أعم من طرق حفظ # PageV01P073 # الحقوق، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الملتقط أن يشهد عليه ذوي ~~عدل، ولا يكتم، ولا يغيب، ولو شهد عليه باللقطة رجل وامرأتان قبل بالاتفاق، ~~بل يحكم عليه بمجرد وصف صاحبها لها. # وقال تعالى في شهادة المال: {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] وقال ~~في الوصية والرجعة {ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] لأن المستشهد هناك صاحب الحق ~~فهو يأتي بمن يرضاه لحفظ حقه، فإن لم يكن عدلا كان هو المضيع لحقه، وهذا ~~المستشهد يستشهد بحق ثابت عنده، فلا يكفي رضاه به، بل لا بد أن يكون عدلا ~~في نفسه، وأيضا فإن ms0080 الله سبحانه وتعالى قال هناك: {ممن ترضون من الشهداء} ~~[البقرة: 282] لأن صاحب الحق هو الذي يحفظ ماله بمن يرضاه، وإذا قال من ~~عليه الحق: أنا راض بشهادة هذا علي، ففي قبوله نزاع، والآية تدل على أنه ~~يقبل، بخلاف الرجعة والطلاق فإن فيهما حقا لله، وكذلك الوصية فيها حق ~~لغائب. # ومما يوضح ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المرأة: «أليس ~~شهادتهما بنصف شهادة الرجل؟» فأطلق ولم يقيد، ويوضحه أيضا أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال للمدعي لما قال: هذا غصبني أرضي، فقال: «شاهداك أو ~~يمينه» وقد عرف أنه لو أتى برجل وامرأتين حكم له، فعلم أن هذا يقوم مقام ~~الشاهدين، وأن قوله: «شاهداك أو يمينه» إشارة إلى الحجة الشرعية التي ~~شعارها الشاهدان، فإما أن يقال لفظ " شاهدان " معناه دليلان يشهدان، وإما ~~أن يقال رجلان أو ما يقوم مقامهما والمرأتان دليل بمنزلة الشاهد، يوضحه ~~أيضا أنه لو لم يأت المدعي بحجة حلف المدعى عليه، فيمينه كشهادة آخر؛ فصار ~~معه دليلان يشهدان أحدهما البراءة والثاني اليمين، وإن نكل عن اليمين فمن ~~قضى عليه بالنكول قال: النكول إقرار أو بدل، وهذا جيد إذا كان المدعى عليه ~~هو الذي يعرف الحق دون المدعي، قال عثمان لابن عمر: تحلف أنك بعته وما به ~~عيب تعلمه، فلما لم يحلف قضى عليه، وأما الأكثرون فيقولون: إذا نكل ترد ~~اليمين على المدعي فيكون نكول الناكل دليلا، ويمين المدعي ثانيا؛ فصار ~~الحكم بدليلين شاهد ويمين، والشارع إنما جعل الحكم في الخصومة بشاهدين لأن ~~المدعي لا يحكم له بمجرد قوله، والخصم منكر، وقد يحلف أيضا، فكان أحد ~~الشاهدين يقاوم الخصم المنكر؛ فإن إنكاره ويمينه كشاهد، ويبقى الشاهد الآخر ~~خبر عدل لا معارض له؛ فهو حجة شرعية لا معارض لها # PageV01P074 # وفي الرواية إنما يقبل خبر الواحد إذا لم يعارضه أقوى منه، فاطرد القياس ~~والاعتبار في الحكم والرواية يوضحه أيضا أن المقصود بالشهادة أن يعلم بها ~~ثبوت المشهود به، وأنه حق وصدق، فإنها خبر عنه، وهذا لا يختلف بكون ms0081 المشهود ~~مالا أو طلاقا أو عتقا أو وصية، بل من صدق في هذا صدق في هذا، فإذا كان ~~الرجل مع المرأتين كالرجلين يصدقان في الأموال فكذلك صدقهما في هذا؛ وقد ~~ذكر الله سبحانه حكمة تعدد الاثنين في الشهادة، وهي أن المرأة قد تنسى ~~الشهادة وتضل عنها فتذكرها الأخرى، ومعلوم أن تذكيرها لها بالرجعة والطلاق ~~والوصية مثل تذكيرها لها بالدين وأولى، وهو سبحانه أمر بإشهاد امرأتين ~~لتوكيد الحفظ؛ لأن عقل المرأتين وحفظهما يقوم مقام عقل رجل وحفظه، ولهذا ~~جعلت على النصف من الرجل في الميراث والدية والعقيقة والعتق؛ فعتق امرأتين ~~يقوم مقام عتق رجل، كما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أعتق امرأ ~~مسلما أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار، ومن أعتق امرأتين مسلمتين ~~أعتق الله بكل عضو منهما عضوا منه من النار» ولا ريب أن هذه الحكمة في ~~التعدد هي في التحمل، فأما إذا عقلت المرأة وحفظت وكانت ممن يوثق بدينها ~~فإن المقصود حاصل بخبرها كما يحصل بأخبار الديانات، ولهذا تقبل شهادتها ~~وحدها في مواضع، ويحكم بشهادة امرأتين ويمين الطالب في أصح القولين، وهو ~~قول مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد. # قال شيخنا قدس الله روحه: ولو قيل يحكم بشهادة امرأة ويمين الطالب لكان ~~متوجها، قال: لأن المرأتين إنما أقيمتا مقام الرجل في التحمل لئلا تنسى ~~إحداهما، بخلاف الأداء فإنه ليس [في] الكتاب ولا في السنة أنه لا يحكم إلا ~~بشهادة امرأتين، ولا يلزم من الأمر باستشهاد المرأتين وقت التحمل ألا يحكم ~~بأقل منهما؛ فإنه سبحانه أمر باستشهاد رجلين في الديون، فإن لم يكونا رجلين ~~فرجل وامرأتان، ومع هذا فيحكم بشاهد واحد ويمين الطالب، ويحكم بالنكول ~~والرد وغير ذلك. # فالطرق التي يحكم بها الحاكم أوسع عن الطرق التي أرشد الله صاحب الحق إلى ~~أن يحفظ حقه بها، وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه ~~سأله عقبة بن الحارث فقال: إني تزوجت امرأة فجاءت أمة سوداء فقالت: إنها ~~أرضعتنا، فأمره بفراق امرأته، ms0082 فقال: إنها كاذبة، فقال: دعها عنك» ففي هذا ~~قبول شهادة المرأة الواحدة، وإن كانت أمة وشهادتها على فعل نفسها، وهو أصل ~~في شهادة القاسم والخارص والوزان والكيال على فعل نفسه # PageV01P075 # فصل. # وهذا أصل عظيم فيجب أن يعرف، غلط فيه كثير من الناس؛ فإن الله سبحانه أمر ~~بما يحفظ به الحق فلا يحتاج معه إلى يمين صاحبه - وهو الكتاب والشهود - ~~لئلا يجحد الحق أو ينسى، ويحتاج صاحبه إلى تذكير من لم يذكر إما جحودا وإما ~~نسيانا، ولا يلزم من ذلك أنه إذا كان هناك ما يدل على الحق لم يقبل إلا هذه ~~الطريق التي أمره أن يحفظ حقه بها. # فصل. # وإنما أمر الله سبحانه بالعدد في شهود الزنا لأنه مأمور فيه بالستر، ~~ولهذا غلظ فيه النصاب، فإنه ليس هناك حق يضيع، وإنما حد وعقوبة، والعقوبات ~~تدرأ بالشبهات، بخلاف حقوق الله وحقوق عباده التي تضيع إذا لم يقبل فيها ~~قول الصادقين، ومعلوم أن شهادة العدل رجلا كان أو امرأة أقوى من استصحاب ~~الحال، فإن استصحاب الحال من أضعف البينات، ولهذا يدفع بالنكول تارة ~~وباليمين المردودة، وبالشاهد واليمين، ودلالة الحال، وهو نظير رفع استصحاب ~~الحال في الأدلة الشرعية بالعموم والمفهوم والقياس فيرفع بأضعف الأدلة، ~~فهكذا في الأحكام يرفع بأدنى النصاب، ولهذا قدم خبر الواحد في أخبار ~~الديانة على الاستصحاب مع أنه يلزم جميع المكلفين، فكيف لا يقدم عليه فما ~~هو دونه؟ ولهذا كان الصحيح الذي دلت عليه السنة التي لا معارض لها أن ~~اللقطة إذا وصفها واصف صفة تدل على صدقه دفعت إليه بمجرد الوصف، فقام وصفه ~~لها مقام الشاهدين، بل وصفه لها بينة تبين صدقه وصحة دعواه؛ فإن البينة اسم ~~لما يبين الحق وقد اتفق العلماء على أن مواضع الحاجات يقبل فيها من ~~الشهادات ما لا يقبل في غيرها من حيث الجملة، وإن تنازعوا في بعض التفاصيل، ~~وقد أمر الله سبحانه بالعمل بشهادة شاهدين من غير المسلمين عند الحاجة في ~~الوصية في السفر منبها بذلك على نظيره وما هو أولى منه كقبول ms0083 شهادة النساء ~~منفردات في الأعراس والحمامات والمواضع التي تنفرد النساء بالحضور فيها، ~~ولا ريب أن قبول شهادتين هنا أولى من قبول شهادة الكفار على الوصية في ~~السفر، وكذلك عمل الصحابة وفقهاء المدينة بشهادة الصبيان على تجارح بعضهم ~~بعضا، فإن الرجال لا يحضرون معهم في لعبهم، ولو لم تقبل شهادتهم وشهادة ~~النساء منفردات لضاعت الحقوق وتعطلت وأهملت مع غلبة الظن أو القطع بصدقهم، ~~ولا سيما إذا جاءوا مجتمعين قبل تفرقهم ورجوعهم إلى بيوتهم وتواطؤا على خبر ~~واحد، وفرقوا وقت الأداء واتفقت كلمتهم، فإن الظن الحاصل حينئذ من شهادتهم ~~أقوى بكثير من الظن # PageV01P076 # الحاصل من شهادة رجلين، وهذا مما لا يمكن دفعه وجحده، فلا نظن بالشريعة ~~الكاملة الفاضلة المنتظمة لمصالح العباد في المعاش والمعاد أنها تهمل مثل ~~هذا الحق وتضيعه مع ظهور أدلته وقوتها، وتقبله مع الدليل الذي هو دون ذلك. # وقد روى أبو داود في سننه في قضية اليهوديين اللذين زنيا فلما شهد أربعة ~~من اليهود عليهما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - برجمهما، وقد تقدم حكم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بشهادة الأمة الواحدة على فعل نفسها، وهو ~~يتضمن شهادة العبد، وقد حكى الإمام أحمد عن أنس بن مالك إجماع الصحابة على ~~شهادته فقال: ما علمت أحدا رد شهادة العبد، وهذا هو الصواب، فإنه إذا قبلت ~~شهادته على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حكم يلزم الأمة فلأن تقبل ~~شهادته على واحد من الأمة في حكم جزئي أولى وأحرى، وإذا قبلت شهادته على ~~حكم الله ورسوله في الفروج والدماء والأموال في الفتوى فلأن تقبل شهادته ~~على واحد من الناس أولى وأحرى، كيف وهو داخل في قوله: {وأشهدوا ذوي عدل ~~منكم} [الطلاق: 2] ؟ فإنه منا وهو عدل وقد عدله النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لقوله: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» وعدلته الأمة في الرواية عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والفتوى، وهو من رجالنا فيدخل في قوله: ~~{واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] وهو مسلم فيدخل في قول عمر ms0084 بن ~~الخطاب " والمسلمون عدول بعضهم على بعض " وهو صادق فيجب العمل بخبره، وأن ~~لا يرد، فإن الشريعة لا ترد خبر الصادق، بل تعمل به، وليس بفاسق؛ فلا يجب ~~التثبت في خبره وشهادته، وهذا كله من تمام رحمة الله وعنايته بعباده، ~~وإكمال دينهم لهم، وإتمام نعمته عليهم بشريعته؛ لئلا تضيع حقوق الله وحقوق ~~عباده مع ظهور الحق بشهادة الصادق، لكن إذا أمكن حفظ الحقوق بأعلى الطريقين ~~فهو أولى كما أمر بالكتاب والشهود لأنه أبلغ في حفظ الحقوق. # فإن قيل: أمر الأموال أسهل؛ فإنه يحكم فيها بالنكول، وباليمين المردودة، ~~وبالشاهد واليمين، بخلاف الرجعة والطلاق. # قيل: هذا فيه نزاع، والحجة أن تكون بنص أو إجماع، وأما الشاهد واليمين ~~فالحديث الذي في صحيح مسلم عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- «قضى بالشاهد واليمين» ليس فيه أنه في الأموال، وإنما هو قول عمرو بن ~~دينار، ولو كان مرفوعا عن ابن عباس فليس فيه اختصاص الحكم بذلك في الأموال ~~وحدها، فإنه لم يخبر عن شرع عام شرعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~الأموال، وكذلك سائر ما روي من حكمه بذلك إنما هو في قضايا معينة قضى فيها ~~بشاهد ويمين، وهذا كما لا يدل على اختصاص حكمه بتلك القضايا لا يقتضي ~~اختصاصه بالأموال، كما أنه إذا حكم بذلك في الديون لم يدل على أن الأعيان ~~ليست # PageV01P077 # كذلك، بل هذا يحتاج إلى تنقيح المناط، فينظر ما حكم لأجله إن وجد في غير ~~محل حكمه عدي إليه. # وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«أن المرأة إذا أقامت شاهدا واحدا على الطلاق فإن حلف الزوج أنه لم يقض ~~عليه، وإن لم يحلف حلفت المرأة ويقضى عليه» ، وقد احتج الأئمة الأربعة ~~والفقهاء قاطبة تصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولا يعرف في أئمة ~~الفتوى إلا من احتاج إليها واحتج بها، وإنما طعن فيها من لم يتحمل أعباء ~~الفقه والفتوى كأبي حاتم البستي وابن حزم ms0085 وغيرهما؛ وفي هذه الحكومة أنه ~~يقضي في الطلاق بشاهد وما يقوم مقام شاهد آخر من النكول ويمين المرأة، ~~بخلاف ما إذا أقامت شاهدا واحدا وحلف الزوج أنه لم يطلق فيمين الزوج عارضت ~~شهادة الشاهد، وترجح جانبه بكون الأصل معه؛ وأما إذا نكل الزوج فإنه يجعل ~~نكوله مع يمين المرأة كشاهد آخر، ولكن هنا لم يقض بالشاهد ويمين المرأة ~~ابتداء؛ لأن الرجل أعلم بنفسه هل طلق أم لا، وهو أحفظ لما وقع منه، فإذا ~~نكل وقام الشاهد الواحد وحلفت المرأة كان ذلك دليلا ظاهرا جدا على صدق ~~المرأة. # فإن قيل: ففي الأموال إذا قام شاهد وحلف المدعي حكم له، ولا تعرض اليمين ~~على المدعى عليه؛ وفي حديث عمرو بن شعيب «إذا شهد الشاهد الواحد وحلف الزوج ~~أنه لم يطلق لم يحكم عليه» . # قيل: هذا من تمام حكمة هذه الشريعة وجلالتها، أن الزوج لما كان أعلم ~~بنفسه هل طلق أم لا، وكان أحفظ لما وقع منه وأعقل له وأعلم بنيته، وقد يكون ~~قد تكلم بلفظ مجمل أو بلفظ يظنه الشاهد طلاقا وليس بطلاق، والشاهد يشهد بما ~~سمع، والزوج أعلم بقصده ومراده، جعل الشارع يمين الزوج معارضة لشهادة ~~الشاهد الواحد، ويقوي جانبه الأصل واستصحاب النكاح، فكان الظن المستفاد من ~~ذلك أقوى من الظن المستفاد من مجرد الشاهد الواحد، فإذا نكل قوي الأصل في ~~صدق الشاهد، فقاوم ما في جانب الزوج، فقواه الشارع بيمين المرأة، فإذا حلفت ~~مع شاهدها ونكول الزوج قوي جانبها جدا، فلا شيء أحسن ولا أبين ولا أعدل من ~~هذه الحكومة، وأما المال المشهود به فإن المدعي إذا قال: أقرضته أو بعته أو ~~أعرته، أو قال: غصبني أو نحو ذلك، فهذا الأمر لا يختص بمعرفته المطلوب، ولا ~~يتعلق بنيته وقصده، وليس مع المدعى عليه من شواهد صدقه ما مع الزوج من بقاء ~~عصمة النكاح، وإنما معه مجرد براءة الذمة، وقد عهد كثرة اشتغالها ~~بالمعاملات، # PageV01P078 # فقوي الشاهد الواحد والنكول أو يمين الطالب على رفعها، فحكم له، فهذا كله ~~مما يبين حكمة الشارع، ms0086 وأنه يقضي بالبينة التي تبين الحق وهي الدليل الذي ~~يدل عليه، والشاهد الذي يشهد به، بحسب الإمكان، بل الحق أن الشاهد الواحد ~~إذا ظهر صدقه حكم بشهادته وحده، وقد أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~شهادة الشاهد الواحد لأبي قتادة بقتل المشرك ودفع إليه سلبه بشهادته وحده، ~~ولم يحلف أبا قتادة، فجعله بينة تامة، وأجاز شهادة خزيمة بن ثابت وحده ~~بمبايعته للأعرابي، وجعل شهادته بشهادتين لما استندت إلى تصديقه - صلى الله ~~عليه وسلم - بالرسالة المتضمنة تصديقه في كل ما يخبر به، فإذا شهد ~~المسلمون، بأنه صادق في خبره عن الله فبطريق الأولى يشهدون أنه صادق عن رجل ~~من أمته، ولهذا كان من تراجم بعض الأئمة على حديثه " الحكم بشهادة الشاهد ~~الواحد إذا عرف صدقه. ### | [فصل تشرع اليمين من جهة أقوى المتداعيين] # والذي جاءت به الشريعة أن اليمين تشرع من جهة أقوى المتداعيين، فأي ~~الخصمين ترجح جانبه جعلت اليمين من جهته، وهذا مذهب الجمهور كأهل المدينة ~~وفقهاء الحديث كالإمام أحمد والشافعي ومالك وغيرهم؛ وأما أهل العراق فلا ~~يحلفون إلا المدعى عليه وحده، فلا يجعلون اليمين إلا من جانبه فقط، وهذا ~~قول أبي حنيفة وأصحابه؛ والجمهور يقولون: قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قضى بالشاهد واليمين، وثبت عنه أنه عرض الأيمان في القسامة على ~~المدعين أولا، فلما أبوا جعلها من جانب المدعى عليهم، وقد جعل الله سبحانه ~~أيمان اللعان من جانب الزوج أولا، فإذا نكلت المرأة عن معارضة أيمانه ~~بأيمانها وجب عليها العذاب بالحد، وهو العذاب المذكور في قوله: {وليشهد ~~عذابهما طائفة من المؤمنين} [النور: 2] فإن المدعي لما ترجح جانبه بالشاهد ~~الواحد شرعت اليمين من جهته، وكذلك أولياء الدم ترجح جانبهم باللوث فشرعت ~~اليمين من جهتهم وأكدت بالعدد تعظيما لخطر النفس، وكذلك الزوج في اللعان ~~جانبه أرجح من جانب المرأة قطعا، فإن إقدامه على إتلاف فراشه، ورميها ~~بالفاحشة على رءوس الأشهاد، وتعريض نفسه لعقوبة الدنيا والآخرة، وفضيحة ~~أهله ونفسه على رءوس الأشهاد، مما يأباه طباع العقلاء، وتنفر عنه نفوسهم، ms0087 ~~لولا أن الزوجة اضطرته بما رآه وتيقنه منها إلى ذلك؛ فجانبه أقوى من جانب ~~المرأة قطعا، فشرعت اليمين من جانبه، ولهذا كان القتل في القسامة واللعان ~~وهو قول أهل المدينة؛ فأما فقهاء العراق فلا يقتلون لا بهذا ولا بهذا، ~~وأحمد يقتل بالقسامة دون اللعان، # PageV01P079 # والشافعي يقتل باللعان دون القسامة، وليس في شيء من هذا ما يعارض الحديث ~~الصحيح، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ~~قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» فإن هذا إذا لم يكن ~~مع المدعي إلا مجرد الدعوى، فإنه لا يقضي له بمجرد الدعوى، فأما إذا ترجح ~~جانبه بشاهد أو لوث أو غيره لم يقض له بمجرد دعواه، بل بالشاهد المجتمع من ~~ترجيح جانبه ومن اليمين؛ وقد حكم سليمان بن داود - عليه السلام - لإحدى ~~المرأتين بالولد لترجح جانبها بالشفقة على الولد وإيثارها لحياته ورضي ~~الأخرى بقتله، ولم يلتفت إلى إقرارها للأخرى به. # وقوله: " هو ابنها " ولهذا كان من تراجم الأئمة على هذا الحديث " التوسعة ~~للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله أفعل " ليستبين به الحق، ثم ترجم ترجمة ~~أخرى أحسن من هذه وأفقه فقال: " الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم له إذا ~~تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به " فهكذا يكون فهم الأئمة من النصوص ~~واستنباط الأحكام التي تشهد العقول والفطر بها منها؛ ولعمر الله إن هذا ~~العلم النافع لا خرص الآراء وتخمين الظنون. # فإن قيل: ففي القسامة يقبل مجرد أيمان المدعين، ولا تجعل أيمان المدعى ~~عليهم بعد أيمانهم دافعة للقتل؛ وفي اللعان ليس كذلك، بل إذا حلف الزوج ~~مكنت المرأة أن تدفع عن نفسها بأيمانها، ولا تقتل بمجرد أيمان الزوج، فما ~~الفرق؟ قيل: هذا من كمال الشريعة وتمام عدلها ومحاسنها فإن المحلوف عليه في ~~القسامة حق لآدمي، وهو استحقاق الدم، وقد جعلت الأيمان المكررة بينة تامة ~~مع اللوث، فإذا قامت البينة لم يلتفت إلى أيمان المدعى عليه، وفي اللعان ~~المحلوف عليه حق لله وهو حد الزنا، ولم يشهد ms0088 به أربعة شهود، وإنما جعل ~~الزوج أن يحلف أيمانا مكررة ومؤكدة باللعنة أنها جنت على فراشه وأفسدته، ~~فليس له شاهد إلا نفسه، وهي شهادة ضعيفة، فمكنت المرأة أن تعارضها بأيمان ~~مكررة مثلها، فإذا نكلت ولم تعارضها صارت أيمان الزوج مع نكولها بينة قوية ~~لا معارض لها؛ ولهذا كان الأيمان أربعة لتقوم مقام الشهود الأربعة، وأكدت ~~بالخامسة هي الدعاء على نفسه باللعنة إن كان كاذبا، ففي القسامة جعل اللوث ~~وهو الأمارة الظاهرة الدالة على أن المدعى عليهم قتلوه شاهدا، وجعلت ~~الخمسين يمينا شاهدا آخر، وفي اللعان جعلت أيمان الزوج كشاهد ونكولها كشاهد ~~آخر. # [لا يتوقف الحكم على شهادة ذكرين أصلا] . # والمقصود أن الشارع لم يقف الحكم في حفظ الحقوق ألبتة على شهادة ذكرين، ~~لا في الدماء ولا في الأموال ولا في الفروج ولا في الحدود، بل قد حد ~~الخلفاء الراشدون # PageV01P080 # والصحابة - رضي الله عنهم - في الزنا بالحبل، وفي الخمر بالرائحة والقيء، ~~وكذلك إذا وجد المسروق عند السارق كان أولى بالحد من ظهور الحبل والرائحة ~~في الخمر، وكل ما يمكن أن يقال في ظهور المسروق أمكن أن يقال في الحبل ~~والرائحة، بل أولى، فإن الشبهة التي تعرض في الحبل من الإكراه ووطء الشبهة؛ ~~وفي الرائحة لا يعرض مثلها في ظهور العين المسروقة، والخلفاء الراشدون ~~والصحابة - رضي الله عنهم - لم يلتفتوا إلى هذه الشبهة التي تجويز غلط ~~الشاهد ووهمه وكذبه أظهر منها بكثير، فلو عطل الحد بها لكان تعطيله بالشبهة ~~التي تمكن في شهادة الشاهدين أولى، فهذا محض الفقه والاعتبار ومصالح ~~العباد، وهو من أعظم الأدلة على جلالة فقه الصحابة وعظمته ومطابقته لمصالح ~~العباد، وحكمة الرب وشرعه، وأن التفاوت الذي بين أقوالهم وأقوال من بعدهم ~~كالتفاوت الذي بين القائلين. # [لم يرد الشارع خبر العدل] # والمقصود أن الشارع صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله لم يرد خبر العدل ~~قط، لا في رواية ولا في شهادة، بل قبل خبر العدل الواحد في كل موضع أخبر ~~به، كما قبل شهادته لأبي قتادة بالقتيل، وقبل شهادة خزيمة ms0089 وحده، وقبل شهادة ~~الأعرابي وحده على رؤية هلال رمضان، وقبل شهادة الأمة السوداء وحدها على ~~الرضاعة، وقبل خبر تميم وحده وهو خبر عن أمر حسي شاهده ورآه فقبله ورواه ~~عنه، ولا فرق بينه وبين الشهادة فإن كلا منهما عن أمر مستند إلى الحس ~~والمشاهدة، فتميم شهد بما رآه وعاينه، وأخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فصدقه وقبل خبره، فأي فرق بين أن يشهد العدل الواحد على أمر رآه وعاينه ~~يتعلق بمشهود له وعليه وبين أن يخبر بما رآه وعاينه مما يتعلق بالعموم؟ وقد ~~أجمع المسلمون على قبول أذان المؤذن الواحد، وهو شهادة منه بدخول الوقت، ~~وخبر عنه يتعلق بالمخبر وغيره، وكذلك أجمعوا على قبول فتوى المفتي الواحد ~~وهي خبر عن حكم شرعي يعم المستفتي وغيره. # [جانب التحمل غير جانب الثبوت] # وسر المسألة أن لا يلزم من الأمر بالتعدد في جانب التحمل وحفظ الحقوق ~~الأمر بالتعدد في جانب الحكم والثبوت؛ فالخبر الصادق لا تأتي الشريعة برده ~~أبدا، وقد ذم الله في كتابه من كذب بالحق، ورد الخبر الصادق تكذيب بالحق ~~وكذلك الدلالة الظاهرة لا ترد إلا بما هو مثلها أو أقوى منها، والله سبحانه ~~لم يأمر برد خبر الفاسق، بل بالتثبيت والتبيين، فإن ظهرت الأدلة على صدقه ~~قبل خبره، وإن ظهرت الأدلة على كذبه رد خبره، وإن لم يتبين واحد من الأمرين ~~وقف خبره، وقد قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - خبر الدليل المشترك الذي ~~استأجره ليدله # PageV01P081 # على طريق المدينة في هجرته لما ظهر له صدقه وأمانته؛ فعلى المسلم أن يتبع ~~هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في قبول الحق ممن جاء به من ولي وعدو ~~وحبيب وبغيض وبر وفاجر، ويرد الباطل على من قاله كائنا من كان، قال عبد ~~الله بن صالح: ثنا الليث بن سعد عن ابن عجلان عن ابن شهاب أن معاذ بن جبل ~~كان يقول في مجلسه كل يوم قلما يخطئه أن يقول ذلك: الله حكم قسط، هلك ~~المرتابون، إن وراءكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح ms0090 فيها القرآن، حتى يقرأه ~~المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر، فيوشك أحدهم أن يقول: ~~قرأت القرآن فما أظن أن يتبعوني حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإن ~~كل بدعة ضلالة، وإياكم وزيغة الحكيم؛ فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم ~~بكلمة الضلالة، وإن المنافق قد يقول كلمة الحق، فتلقوا الحق عن من جاء به، ~~فإن على الحق نورا، قالوا: وكيف زيغة الحكيم؟ قال: هي الكلمة تروعكم ~~وتنكرونها وتقولون ما هذا، فاحذروا زيغته، ولا يصدنكم عنه، فإنه يوشك أن ~~يفيء وأن يراجع الحق، وإن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة. # والمقصود أن الحاكم بالحجة التي ترجح الحق إذا لم يعارضها مثلها، ~~والمطلوب منه ومن كل من يحكم بين اثنين أن يعلم ما يقع ثم يحكم فيه بما ~~يجب، فالأول مداره على الصدق والثاني مداره على العدل، وتمت كلمات ربك صدقا ~~وعدلا والله عليم حكيم. ### | [صفات الحاكم وما يشترط فيه] # فالبينات والشهادات تظهر لعباده معلومة، وبأمره وشرعه يحكم بين عباده، ~~والحكم إما إبداء وإما إنشاء؛ فالإبداء إخبار وإثبات وهو شهادة، والإنشاء ~~أمر ونهي وتحليل وتحريم، والحاكم فيه ثلاث صفات؛ فمن جهة الإثبات هو شاهد، ~~ومن جهة الأمر والنهي هو مفت، ومن جهة الإلزام بذلك هو ذو سلطان، وأقل ما ~~يشترط فيه صفات الشاهد باتفاق العلماء؛ لأنه يجب عليه الحكم بالعدل، وذلك ~~يستلزم أن يكون عدلا في نفسه؛ فأبو حنيفة لا يعتبر إلا العدالة، والشافعي ~~وطائفة من أصحاب أحمد يعتبرون معها الاجتهاد، وأحمد يوجب تولية الأصلح ~~فالأصلح من الموجودين؛ وكل زمان بحسبه، فيقدم الأدين العدل على الأعلم ~~الفاجر، وقضاة السنة على قضاة الجهمية، وإن كان الجهمي أفقه، ولما سأله ~~المتوكل عن القضاة أرسل إليه درجا مع وزيره يذكر فيه تولية أناس وعزل أناس، ~~وأمسك عن أناس، وقال: لا أعرفهم، وروجع في بعض من سمي لقلة عمله فقال: لو ~~لم يولوه لولوا # PageV01P082 # فلانا، وفي توليته مضرة على المسلمين؛ وكذلك أمر أن يولي على الأموال ~~الدين السني دون الداعي إلى التعطيل؛ لأنه يضر الناس ms0091 في دينهم. # وسئل عن رجلين: أحدهما أنكى في العدو مع شربه الخمر والآخر أدين، فقال: ~~يغزي مع الأنكى في العدو؛ لأنه أنفع للمسلمين؛ وبهذا مضت سنة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فإنه كان يولي الأنفع للمسلمين على من هو أفضل منه، ~~كما ولى خالد بن الوليد من حين أسلم على حروبه لنكايته في العدو، وقدمه على ~~بعض السابقين من المهاجرين والأنصار مثل عبد الرحمن بن عوف وسالم مولى أبي ~~حذيفة وعبد الله بن عمر، وهؤلاء ممن أنفق من قبل الفتح وقاتل، وهم أعظم ~~درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا؛ وخالد وكان ممن أنفق بعد الفتح ~~وقاتل، فإنه أسلم بعد صلح الحديبية هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة ~~الحجبي، ثم إنه فعل مع بني جذيمة ما تبرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - منه ~~حين رفع يديه إلى السماء. # وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» ومع هذا فلم يعزله، وكان أبو ~~ذر من أسبق السابقين وقال له «يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما ~~أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم» وأمر عمرو بن العاص في ~~غزوة ذات السلاسل؛ لأنه كان يقصد أخواله بني عذرة فعلم أنهم يطيعونه ما لا ~~يطيعون غيره للقرابة؛ وأيضا فلحسن سياسة عمرو وخبرته وذكائه ودهائه فإنه ~~كان من أدهى العرب؛ ودهاة العرب أربعة هو أحدهم، ثم أردفه بأبي عبيدة وقال: ~~«تطاوعا ولا تختلفا» فلما تنازعا فيمن يصلي سلم أبو عبيدة لعمرو؛ فكان يصلي ~~بالطائفتين وفيهم أبو بكر؛ وأمر أسامة بن زيد مكان أبيه لأنه مع كونه خليقا ~~للإمارة - أحرص على طلب ثأر أبيه من غيره، وقدم أباه زيدا في الولاية على ~~جعفر بن عمه مع أنه مولى، ولكنه من أسبق الناس إسلاما قبل جعفر، ولم يلتفت ~~إلى طعن الناس في إمارة أسامة وزيد وقال: «إن تطعنوا في إمارة أسامة فقد ~~طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان خليقا للإمارة ومن أحب الناس ~~إلي» ms0092 وأمر خالد بن سعيد بن العاص وإخوته لأنهم من كبراء قريش وساداتهم ومن ~~السابقين الأولين ولم يتول أحد بعده. # والمقصود أن هديه - صلى الله عليه وسلم - تولية الأنفع للمسلمين وإن كان ~~غيره أفضل منه، والحكم بما يظهر الحق ويوضحه إذا لم يكن هناك أقوى منه ~~يعارضه، فسيرته تولية الأنفع والحكم بالأظهر، ولا يستطل هذا الفصل فإنه من ~~أنفع فصول الكتاب. ### | [فصل الصلح بين المسلمين] # فصل # PageV01P083 # الصلح بين المسلمين] # وقوله: " والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا " ~~هذا مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - رواه الترمذي وغيره من حديث عمرو ~~بن عوف المزني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصلح جائز بين ~~المسلمين، إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما، والمسلمون على شروطهم، إلا ~~شرطا حرم حلالا أو أحل حراما» قال الترمذي: هذا حديث صحيح؛ وقد ندب الله ~~سبحانه وتعالى إلى الصلح بين الطائفتين في الدماء فقال: {وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} [الحجرات: 9] وندب الزوجين إلى الصلح عند ~~التنازع في حقوقهما، فقال: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا ~~جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير} [النساء: 128] وقال تعالى: ~~{لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس} ~~[النساء: 114] وأصلح النبي - صلى الله عليه وسلم - بين بني عمرو بن عوف لما ~~وقع بينهم، ولما تنازع كعب بن مالك وابن أبي حدرد في دين على ابن أبي حدرد، ~~أصلح النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن استوضع من دين كعب الشطر و [أمر] ~~غريمه بقضاء الشطر، وقال لرجلين اختصما عنده: «اذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق ~~ثم استهما ثم ليحلل كل منكما صاحبه» وقال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من ~~عرض أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، وإن كان له ~~عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه ~~فحمل عليه» وجوز في ms0093 دم العمد أن يأخذ أولياء القتيل ما صولحوا عليه، ولما ~~«استشهد عبد الله بن حرام الأنصاري، والد جابر، وكان عليه دين، سأل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - غرماءه أن يقبلوا ثمر حائطة ويحللوا أباه» . # وقال عطاء عن ابن عباس: إنه كان لا يرى بأسا بالمخارجة، يعني الصلح في ~~الميراث؛ وسميت المخارجة لأن الوارث يعطى ما يصالح عليه ويخرج نفسه من ~~الميراث، وصولحت امرأة عبد الرحمن بن عوف من نصيبها من ربع الثمن على ~~ثمانين ألفا، وقد روى مسعر عن أزهر عن محارب قال: قال عمر: " ردوا الخصوم ~~حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن ". # وقال عمر أيضا " ردوا الخصوم لعلهم أن يصطلحوا، فإنه آثر للصدق، وأقل ~~للخيانة ". # وقال عمر أيضا: " ردوا الخصوم إذا كانت بينهم قرابة، فإن فصل القضاء يورث ~~بينهم الشنآن " # PageV01P084 # فصل. # [الحقوق ضربان حق الله تعالى وحق عباده] . # والحقوق نوعان: حق الله، وحق الآدمي؛ فحق الله لا مدخل للصلح فيه كالحدود ~~والزكوات والكفارات ونحوها، وإنما الصلح بين العبد وبين ربه في إقامتها، لا ~~في إهمالها، ولهذا لا يقبل بالحدود، وإذا بلغت السلطان فلعن الله الشافع ~~والمشفع. # وأما حقوق الآدميين فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها، ~~والصلح العادل هو الذي أمر الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - كما قال: ~~{فأصلحوا بينهما بالعدل} [الحجرات: 9] والصلح الجائر هو الظلم بعينه، وكثير ~~من الناس لا يعتمد العدل في الصلح، بل يصلح صلحا ظالما جائرا، فيصالح بين ~~الغريمين على دون الطفيف من حق أحدهما، والنبي - صلى الله عليه وسلم - صالح ~~بين كعب وغريمه وصالح أعدل الصلح فأمره أن يأخذ الشطر ويدع الشطر؛ وكذلك ~~لما عزم على طلاق سودة رضيت بأن تهب له ليلتها وتبقى على حقها من النفقة ~~والكسوة، فهذا أعدل الصلح، فإن الله سبحانه أباح للرجل أن يطلق زوجته ~~ويستبدل بها غيرها، فإذا رضيت بترك بعض حقها وأخذ بعضه وأن يمسكها كان هذا ~~من الصلح العادل، وكذلك أرشد الخصمين اللذين كانت بينهما المواريث بأن ~~يتوخيا الحق بحسب الإمكان ms0094 ثم يحلل كل منهما صاحبه؛ وقد أمر الله سبحانه ~~بالإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين أولا فإن بغت إحداهما على الأخرى فحينئذ ~~أمر بقتال الباغية لا بالصلح فإنها ظالمة، ففي الإصلاح مع ظلمها هضم لحق ~~الطائفة المظلومة، وكثير من الظلمة المصلحين يصلح بين القادر الظالم والخصم ~~الضعيف المظلوم بما يرضي به القادر صاحب الجاه، ويكون له فيه الحظ، ويكون ~~الإغماض والحيف فيه على الضعيف، ويظن أنه قد أصلح، ولا يمكن المظلوم من أخذ ~~حقه، وهذا ظلم، بل يمكن المظلوم من استيفاء حقه، ثم يطلب إليه برضاه أن ~~يترك بعض حقه بغير محاباة لصاحب الجاه، ولا يشتبه بالإكراه للآخر بالمحاباة ~~ونحوها. # فصل. # [الصلح إما مردود وإما جائز نافذ] # والصلح الذي يحل الحرام ويحرم الحلال كالصلح الذي يتضمن تحريم بضع حلال، ~~أو إحلال بضع حرام، أو إرقاق حر، أو نقل نسب أو ولاء عن محل إلى محل، أو ~~أكل ربا، أو إسقاط واجب، أو تعطيل حد، أو ظلم ثالث، وما أشبه ذلك؛ فكل هذا ~~صلح جائز مردود # PageV01P085 # فالصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه رضا الله سبحانه ورضا ~~الخصمين؛ فهذا أعدل الصلح وأحقه، وهو يعتمد العلم والعدل؛ فيكون المصلح ~~عالما بالوقائع، عارفا بالواجب، قاصدا للعدل، فدرجة هذا أفضل من درجة ~~الصائم القائم، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أنبئكم بأفضل ~~من درجة الصائم القائم، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين؛ ~~فإن فساد ذات البين الحالقة، أما إني لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين» ~~وقد جاء في أثر: أصلحوا بين الناس، فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم ~~القيامة؛ وقد قال تعالى: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا ~~الله لعلكم ترحمون} [الحجرات: 10] ### | [فصل يؤجل القاضي الحكم بحسب الحاجة] # فصل. # [يؤجل القاضي الحكم بحسب الحاجة] # وقوله: " من ادعى حقا غائبا أو بينة فاضرب له أمدا ينتهي إليه " هذا من ~~تمام العدل، فإن المدعي قد تكون حجته أو بينته غائبة، فلو عجل عليه بالحكم ~~بطل حقه، فإذا سأل أمدا تحضر ms0095 فيه حجته أجيب إليه، ولا يتقيد ذلك بثلاثة ~~أيام، بل بحسب الحاجة، فإن ظهر عناده ومدافعته للحاكم لم يضرب له أمدا، بل ~~يفصل الحكومة، فإن ضرب هذا الأمد إنما كان لتمام العدل، فإذا كان فيه إبطال ~~للعدل لم يجب إليه الخصم. ### | [تغير الحكم بتغير الاجتهاد] # . [قد يتغير الحكم بتغير الاجتهاد] # وقوله: " ولا يمنعنك قضاء قضيت به اليوم فراجعت فيه رأيك وهديت فيه لرشدك ~~أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم، ولا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من ~~التمادي في الباطل " يريد إنك إذا اجتهدت في حكومة ثم وقعت لك مرة أخرى فلا ~~يمنعك الاجتهاد الأول من إعادته، فإن الاجتهاد قد يتغير، ولا يكون الاجتهاد ~~الأول مانعا من العمل بالثاني إذا ظهر أنه الحق، فإن الحق أولى بالإيثار ~~لأنه قديم سابق على الباطل، فإن كان الاجتهاد الأول قد سبق الثاني والثاني ~~هو الحق فهو أسبق من الاجتهاد الأول لأنه قديم سابق على ما سواه، ولا يبطله ~~وقوع الاجتهاد الأول على خلافه، بل الرجوع إليه أولى من التمادي على ~~الاجتهاد الأول. # قال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن سماك بن الفضل عن وهب بن منبه عن الحكم بن ~~مسعود الثقفي قال: قضى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في امرأة توفيت ~~وتركت زوجها وأمها وأخوتها لأبيها وأمها وأخويها لأمها، فأشرك عمر بين ~~الأخوة للأم والأب والإخوة للأم في الثلث، فقال له رجل: إنك لم تشرك بينهم ~~عام كذا وكذا، قال عمر: تلك على ما قضينا # PageV01P086 # يومئذ، وهذه على ما قضينا اليوم؛ فأخذ أمير المؤمنين في كلا الاجتهادين ~~بما ظهر له أنه الحق، ولم يمنعه القضاء الأول من الرجوع إلى الثاني، ولم ~~ينقض الأول بالثاني، فجرى أئمة الإسلام بعده على هذين الأصلين. ### | [من ترد شهادته] # قوله: " والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجربا عليه شهادة زور، أو ~~مجلودا في حد، أو ظنينا في ولاء أو قرابة " لما جعل الله سبحانه هذه الأمة ~~أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس - والوسط: العدل الخيار - كانوا عدولا ~~بعضهم ms0096 على بعض، إلا من قام به مانع الشهادة، وهو أن يكون قد جرب عليه شهادة ~~الزور؛ فلا يوثق بعد ذلك بشهادته، أو من جلد في حد لأن الله سبحانه نهى عن ~~قبول شهادته، أو متهم بأن يجر إلى نفسه نفعا من المشهود له كشهادة السيد ~~لعتيقه بمال أو شهادة العتيق لسيده إذا كان في عياله أو منقطعا إليه يناله ~~نفعه، وكذلك شهادة القريب لقريبه لا تقبل مع التهمة، وتقبل بدونها، هذا هو ~~الصحيح. # [شهادة القريب لقريبه أو عليه] # وقد اختلف الفقهاء في ذلك: فمنهم جوز شهادة القريب لقريبه مطلقا ~~كالأجنبي، ولم يجعل القرابة مانعة من الشهادة بحال، كما يقوله أبو محمد بن ~~حزم وغيره من أهل الظاهر، وهؤلاء يحتجون بالعمومات التي لا تفرق بين أجنبي ~~وقريب، وهؤلاء أسعد بالعمومات، ومنعت طائفة شهادة الأصول للفروع والفروع ~~للأصول خاصة، وجوزت شهادة سائر الأقارب بعضهم لبعض،، وهذا مذهب الشافعي ~~وأحمد، وليس مع هؤلاء نص صريح صحيح بالمنع. # واحتج الشافعي بأنه لو قبلت شهادة الأب لابنه لكانت شهادة منه لنفسه لأنه ~~منه؛ وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما فاطمة بضعة مني يريبني ~~ما رابها، ويؤذيني ما آذاها» قالوا: وكذلك بنو البنات، فقد «قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في الحسن: إن ابني هذا سيد» قال الشافعي فإذا شهد له ~~فإنما يشهد لشيء منه، قال: وبنوه هم منه، فكأنه شهد لبعضه، قالوا: والشهادة ~~ترد بالتهمة، والوالد متهم في ولده فهو ظنين في قرابته، قالوا: وقد قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأولاد «إنكم لتبخلون وتجبنون، وإنكم لمن ~~ريحان الله» وفي أثر آخر «الولد مبخلة مجبنة» قالوا: وقد قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك» فإذا كان مال الابن لأبيه فإذا شهد له ~~الأب بمال كان قد شهد به لنفسه، قالوا: وقد قال أبو عبيد: ثنا جرير عن ~~معاوية عن يزيد الجزري # PageV01P087 # قال: أحسبه يزيد بن سنان، قال الزهري: عن عروة عن عائشة عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «لا ms0097 يجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ظنين في ولاء أو ~~قرابة ولا مجلود» قالوا: ولأن بينهما من البعضية والجزئية ما يمنع قبول ~~الشهادة، كما منع من إعطائه من الزكاة، ومن قتله بالولد، وحده بقذفه؛ ~~قالوا: ولهذا لا يثبت له في ذمته دين عند جماعة من أهل العلم، ولا يطالب ~~به، ولا يحبس من أجله، قالوا: وقد قال تعالى: {ليس على الأعمى حرج ولا على ~~الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت ~~آبائكم أو بيوت أمهاتكم} [النور: 61] ولم يذكر بيوت الأبناء لأنها داخلة في ~~بيوتهم أنفسهم، فاكتفى بذكرها دونها، وإلا فبيوتهم أقرب من بيوت من ذكر في ~~الآية: قالوا: وقد قال تعالى: {وجعلوا له من عباده جزءا} [الزخرف: 15] أي ~~ولدا، فالولد جزء؛ فلا تقبل شهادة الرجل في جزئه. # قالوا: وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، ~~وإن ولده من كسبه» فكيف يشهد الرجل لكسبه؟ قالوا: والإنسان متهم في ولده، ~~مفتون به، كما قال تعالى: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} [التغابن: 15] فكيف ~~تقبل شهادة المرء لمن قد جعل مفتونا به؟ والفتنة محل التهمة. # فصل قال الآخرون: قال الله تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم ~~حتى يبين لهم ما يتقون} [التوبة: 115] وقال تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب ~~تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] وقد قال تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} ~~[الطلاق: 2] وقد قال تعالى {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين ~~فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] وقال: {يا أيها الذين ~~آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم} ~~[المائدة: 106] ولا ريب في دخول الآباء والأبناء والأقارب في هذا اللفظ ~~كدخول الأجانب؛ وتناولها للجميع بتناول واحد، هذا مما لا يمكن دفعه، ولم ~~يستثن الله سبحانه ولا رسوله من ذلك أبا ولا ولدا ولا أخا ولا قرابة، ولا ~~أجمع المسلمون على استثناء أحد من هؤلاء؛ فتلزم الحجة بإجماعهم. # وقد ذكر عبد الرزاق عن أبي ms0098 بكر بن أبي سبرة عن أبي الزناد عن عبد الله بن ~~عامر بن ربيعة قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: تجوز شهادة الوالد ~~لولده، والولد لوالده، والأخ لأخيه، وعن عمرو بن سليم الزرقي عن سعيد بن ~~المسيب مثل هذا # PageV01P088 # وقال ابن وهب: ثنا يونس عن الزهري قال: لم يكن يتهم سلف المسلمين الصالح ~~في شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الزوج ~~لامرأته، ثم دخل الناس بعد ذلك فظهرت منهم أمور حملت الولاة على اتهامهم، ~~فتركت شهادة من يتهم إذا كانت من قرابة، وصار ذلك من الولد والوالد والأخ ~~والزوج والمرأة، لم يتهم إلا هؤلاء في آخر الزمان. # وقال أبو عبيد: حدثني الحسن بن عازب عن جده شبيب بن غرقدة قال: كنت جالسا ~~عند شريح، فأتاه علي بن كاهل وامرأة وخصم، فشهد لها علي بن كاهل وهو زوجها، ~~وشهد لها أبوها، فأجاز شريح شهادتهما، فقال الخصم: هذا أبوها وهذا زوجها، ~~فقال له شريح: أتعلم شيئا تجرح به شهادتهما؟ كل مسلم شهادته جائزة. # وقال عبد الرزاق: ثنا سفيان بن عيينة عن شبيب بن غرقدة قال: سمعت شريحا ~~أجاز لامرأة شهادة أبيها وزوجها، فقال له الرجل: إنه أبوها وزوجها، وقال ~~شريح: فمن يشهد للمرأة إلا أبوها وزوجها؟ وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا ~~شبابة عن ابن أبي ذئب عن سليمان قال: شهدت لأمي عند أبي بكر بن محمد بن ~~عمرو بن حزم، فقضى بشهادتي. # وقال عبد الرزاق: ثنا معمر عن عبد الرحمن بن عبد الله الأنصاري قال: أجاز ~~عمر بن عبد العزيز شهادة الابن لأبيه إذا كان عدلا. # قالوا: فهؤلاء عمر بن الخطاب وجميع السلف وشريح وعمر بن عبد العزيز وأبو ~~بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يجيزون شهادة الابن لأبيه والأب لابنه، قال ابن ~~حزم: وبهذا يقول إياس بن معاوية وعثمان البتي وإسحاق بن راهويه وأبو ثور ~~والمزني وأبو سليمان وجميع أصحابنا، يعني داود بن علي وأصحابه. # وقد ذكر الزهري أن الذين ردوا شهادة ms0099 الابن لأبيه والأخ لأخيه هم ~~المتأخرون، وأن السلف الصالح لم يكونوا يردونها. # قالوا: وأما حجتكم على المنع فمدارها على شيئين: أحدهما: البعضية التي ~~بين الأب وابنه وأنها توجب أن تكون شهادة أحدهما للآخر شهادة لنفسه، وهذه ~~حجة ضعيفة؛ فإن هذه البعضية لا توجب أن تكون كبعضه في الأحكام، # PageV01P089 # لا في أحكام الدنيا، ولا في أحكام الثواب والعقاب؛ فلا يلزم من وجوب شيء ~~على أحدهما أو تحريمه وجوبه على الآخر وتحريمه من جهة كونه بعضه، ولا من ~~وجوب الحد على أحدهما وجوبه على الآخر، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «لا يجني والد على ولده» فلا يجنى عليه، ولا يعاقب بذنبه، ولا يثاب ~~بحسناته، ولا يجب عليه الزكاة ولا الحج بغنى الآخر، ثم قد أجمع الناس على ~~صحة بيعه منه وإجارته ومضاربته ومشاركته، فلو امتنعت شهادته له لكونه جزءاه ~~فيكون شاهدا لنفسه لامتنعت هذه العقود، إذ يكون عاقدا لها مع نفسه. # فإن قلتم: هو متهم بشهادته له، بخلاف هذه العقود؛ فإنه لا يتهم فيها معه. # قيل: هذا عود منكم إلى المأخذ الثاني، وهو مأخذ التهمة فيقال: التهمة ~~وحدها مستقلة بالمنع، سواء كان قريبا أو أجنبيا، ولا ريب أن تهمة الإنسان ~~في صديقه وعشيره ومن يعنيه مودته ومحبته أعظم من تهمته في أبيه وابنه، ~~والواقع شاهد بذلك، وكثير من الناس يحابي صديقه وعشيره وذا وده أعظم مما ~~يحابي أباه وابنه. # فإن قلتم: الاعتبار بالمظنة، وهي التي تنضبط، بخلاف الحكمة؛ فإنها ~~لانتشارها وعدم انضباطها لا يمكن التعليل بها. # قيل: هذا صحيح في الأصناف التي شهد لها الشرع بالاعتبار، وعلق بها ~~الأحكام، دون مظانها، فأين علق الشارع عدم قبول الشهادة بوصف الأبوة أو ~~البنوة أو الأخوة؟ والتابعون إنما نظروا إلى التهمة، فهي الوصف المؤثر في ~~الحكم، فيجب تعليق الحكم به وجودا وعدما، ولا تأثير لخصوص القرابة ولا ~~عمومها، بل قد توجد القرابة حيث لا تهمة، وتوجد التهمة حيث لا قرابة، ~~والشارع إنما علق قبول الشهادة بالعدالة وكون الشاهد مرضيا، وعلق عدم ~~قبولها بالفسق، ms0100 ولم يعلق القبول والرد بأجنبية ولا قرابة. # قالوا: وأما قولكم: " إنه غير متهم معه في تلك العقود " فليس كذلك، بل هو ~~متهم معه في المحاباة، ومع ذلك فلا يوجب ذلك إبطالها، ولهذا لو باعه في مرض ~~موته ولم يحابه لم يبطل البيع، ولو حاباه بطل في قدر المحاباة، فعلق ~~البطلان بالتهمة لا بمظنتها. # قالوا: وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك» فلا يمنع ~~شهادة الابن لأبيه، فإن الأب ليس هو وماله لابنه، ولا يدل الحديث على [عدم] ~~قبول شهادة أحدهما للآخر، والذي دل عليه الحديث أكثر منازعينا لا يقولون ~~به، بل عندهم أن مال الابن له حقيقة وحكما، وأن الأب لا يتملك عليه منه ~~شيئا، والذي لم يدل عليه الحديث حملتموه إياه، والذي دل عليه لم تقولوا به، ~~ونحن نتلقى أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلها بالقبول والتسليم ~~ونستعملها في # PageV01P090 # وجوهها، ولو دل قوله: «أنت ومالك لأبيك» على أن لا تقبل شهادة الولد ~~لوالده ولا الوالد لولده لكنا أول ذاهب إلى ذلك، ولما سبقتمونا إليه، فأين ~~موضع الدلالة؟ واللام في الحديث ليست للملك قطعا، وأكثركم يقول ولا للإباحة ~~إذ لا يباح مال الابن لأبيه، ولهذا فرق بعض السلف فقال: تقبل شهادة الابن ~~لأبيه، ولا تقبل شهادة الأب لابنه، وهو إحدى الروايتين عن الحسن والشعبي، ~~ونص عليه أحمد في رواية عنه، ومن يقول هي للإباحة أسعد بالحديث، وإلا تعطلت ~~فائدته ودلالته، ولا يلزم من إباحة أخذه ما شاء من ماله أن لا تقبل شهادته ~~له بحال، مع القطع أو ظهور انتفاء التهمة، كما لو شهد له بنكاح أو حد أو ما ~~لا تلحقه به تهمة. # قالوا: وأما كونه لا يعطى من زكاته، ولا يقاد به، ولا يحد به، ولا يثبت ~~له في ذمته دين، ولا يحبس به؛ فالاستدلال إنما يكون بما ثبت بنص أو إجماع، ~~وليس معكم شيء من ذلك، فهذه مسائل نزاع لا مسائل إجماع، ولو سلم ثبوت الحكم ~~فيها أو في بعضها لم يلزم منه ms0101 عدم قبول شهادة أحدهما للآخر حيث تنتفي ~~التهمة؛ ولا تلازم بين قبول الشهادة وجريان القصاص وثبوت الدين له في ذمته ~~لا عقلا ولا شرعا، فإن تلك الأحكام اقتضتها الأبوة التي تمنع من مساواته ~~للأجنبي في حده به، وإقادته منه، وحبسه بدينه، فإن منصب أبوته يأبى ذلك، ~~وقبحه مركوز في فطر الناس، وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما ~~رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح وأما الشهادة فهي خبر يعتمد الصدق والعدالة، ~~فإذا كان المخبر به صادقا مبرزا في العدالة غير متهم في الإخبار فليس قبول ~~قوله قبيحا عند المسلمين، ولا تأتي الشريعة برد خبر المخبر به واتهامه. # قالوا: والشريعة مبناها على تصديق الصادق وقبول خبره، وتكذيب الكاذب، ~~والتوقف في خبر الفاسق المتهم؛ فهي لا ترد حقا، ولا تقبل باطلا. # قالوا: وأما حديث عائشة فلو ثبت لم يكن فيه دليل فإنه إنما يدل على عدم ~~قبول شهادة المتهم في قرابته أو ذي ولاية، ونحن لا نقبل شهادته إذا ظهرت ~~تهمته، ثم منازعونا لا يقولون بالحديث، فإنهم لا يردون شهادة كل قرابة، ~~والحديث ليس فيه تخصيص لقرابة الإيلاد بالمنع، وإنما فيه تعليق المنع بتهمة ~~القرابة، فألغيتم وصف التهمة، وخصصتم وصف القرابة بفرد منها؛ فكنا نحن أسعد ~~بالحديث منكم، وبالله التوفيق. # وقد قال محمد بن الحكم: إن أصحاب مالك يجيزون شهادة الأب والابن والأخ ~~والزوج والزوجة على أنه وكل فلانا؛ ولا يجيزون شهادتهم أن فلانا وكله؛ لأن ~~الذي يوكل لا يتهمان عليه في شيء # PageV01P091 # وأما شهادة الأخ لأخيه فالجمهور يجيزونها، وهو الذي في التهذيب من رواية ~~ابن القاسم عن مالك، إلا أن يكون في عياله. # وقال بعض المالكية: لا تجوز إلا على شرط؛ ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم: هو ~~أن يكون مبرزا في العدالة، وقال بعضهم: إذا لم تنله صلته، وقال أشهب: تجوز ~~في اليسير دون الكثير، فإن كان مبرزا جاز في الكثير، وقال بعضهم: تقبل ~~مطلقا إلا فيما تصح فيه التهمة، مثل أن يشهد له بما يكسب به الشاهد شرفا ms0102 ~~وجاها. # والصحيح أنه تقبل شهادة الابن لأبيه والأب لابنه فيما لا تهمة فيه، ونص ~~عليه أحمد؛ فعنه في المسألة ثلاث روايات: المنع، والقبول فيما لا تهمة فيه، ~~والتفريق بين شهادة الابن لأبيه فتقبل وشهادة الأب لابنه فلا تقبل، واختار ~~ابن المنذر القبول كالأجنبي. # وأما شهادة أحدهما على الآخر فنص الإمام أحمد على قبولها، وقد دل عليه ~~القرآن في قوله تعالى: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين} [النساء: 135] . # وقد حكى بعض أصحاب أحمد عنه رواية ثانية أنها لا تقبل؛ قال صاحب المغني: ~~ولم أجد في الجامع، يعني جامع الخلال، خلافا عن أحمد أنها تقبل. # وقال بعض الشافعية: لا تقبل شهادة الابن على أبيه في قصاص ولا حد قذف، ~~قال: لأنه لا يقتل بقتله، ولا يحد بقذفه، وهذا قياس ضعيف جدا، فإن الحد ~~والقتل في صورة المنع لكون المستحق هو الابن، وهنا المستحق أجنبي. # ومما يدل على أن احتمال التهمة بين الولد ووالده لا يمنع قبول الشهادة أن ~~شهادة الوارث لمورثه جائزة بالمال وغيره، ومعلوم أن تطرق التهمة إليه مثل ~~تطرقها إلى الوالد والولد، وكذلك شهادة الابنين على أبيهما بطلاق ضرة أمهما ~~جائزة، مع أنها شهادة للأم، ويتوفر حظها من الميراث، ويخلو لها وجه الزوج، ~~ولم ترد هذه الشهادة باحتمال التهمة؛ فشهادة الوالد لوالده وعكسه بحيث لا ~~تهمة هناك أولى بالقبول، وهذا هو القول الذي ندين الله به، وبالله التوفيق ### | [فصل شاهد الزور] # . فصل: # [شاهد الزور] # وقوله: " إلا مجربا عليه شهادة زور " يدل على أن المرة الواحدة من شهادة ~~الزور تستقل برد الشهادة، وقد قرن الله سبحانه في كتابه بين الإشراك وقول ~~الزور، وقال تعالى: # PageV01P092 # {واجتنبوا قول الزور} [الحج: 30] {حنفاء لله غير مشركين به} [الحج: 31] ~~وفي الصحيحين أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أنبئكم بأكبر ~~الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الشرك بالله، ثم عقوق الوالدين وكان ~~متكئا فجلس، ثم قال: ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، فما زال يكررها حتى ~~قلنا: ليته سكت» ms0103 وفي الصحيحين عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«أكبر الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور» . ### | [الكذب في غير الشهادة] # [الكذب من الكبائر] # ولا خلاف بين المسلمين أن شهادة الزور من الكبائر، واختلف الفقهاء في ~~الكذب في غير الشهادة: هل هو من الصغائر أو من الكبائر؟ على قولين هما ~~روايتان عن الإمام أحمد حكاهما أبو الحسين في تمامه، واحتج من جعله من ~~الكبائر بأن الله سبحانه جعله في كتابه من صفات شر البرية، وهم الكفار ~~والمنافقون، فلم يصف به إلا كافرا أو منافقا، وجعله علم أهل النار وشعارهم ~~وجعل الصدق علم أهل الجنة وشعارهم. # وفي الصحيح من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «عليكم بالصدق؛ فإنه يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ~~ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، ~~وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا» وفي ~~الصحيحين مرفوعا: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ~~اؤتمن خان» . # وقال معمر عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ~~«ما كان خلق أبغض إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الكذب، ولقد كان ~~الرجل يكذب عنده الكذبة فما تزال في نفسه حتى يعلم أنه قد أحدث منها توبة» ~~. # وقال مروان الطاطري: ثنا محمد بن مسلم ثنا أيوب عن ابن أبي مليكة عن ~~عائشة قالت: «ما كان شيء أبغض إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~الكذب، وما جرب على أحد كذبا فرجع إليه ما كان حتى يعرف منه توبة» حديث حسن ~~رواه الحاكم في المستدرك من طريق ابن وهب عن محمد بن مسلم عن أيوب عن ابن ~~سيرين عن عائشة - رضي الله عنها -، وروى عبد الرزاق عن معمر عن موسى بن أبي ~~شيبة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبطل شهادة رجل في كذبة كذبها» وهو ~~مرسل، ms0104 وقد احتج به أحمد في إحدى الروايتين عنه. # وقال قيس بن أبي حازم: سمعت أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - يقول: " ~~إياكم والكذب، فإن الكذب مجانب الإيمان " يروى موقوفا ومرفوعا؛ وروى شعبة ~~عن سلمة بن كهيل عن مصعب بن سعد عن # PageV01P093 # أبيه قال: " المسلم يطبع على كل طبيعة غير الخيانة والكذب "، ويروى ~~مرفوعا أيضا. # وفي المسند والترمذي من حديث خريم بن فاتك الأسدي، «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - صلى صلاة الصبح، فلما انصرف قام قائما قال: عدلت شهادة ~~الزور الشرك بالله ثلاث مرار، ثم تلا هذه الآية: {فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان واجتنبوا قول الزور} [الحج: 30] {حنفاء لله غير مشركين به} [الحج: ~~31] » . # وفي المسند من حديث عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على ~~التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق» . # وقال الحسن بن زياد اللؤلؤي: ثنا أبو حنيفة قال: «كنا عند محارب بن دثار، ~~فتقدم إليه رجلان، فادعى أحدهما على الآخر مالا، فجحده المدعى عليه، فسأله ~~البينة، فجاء رجل فشهد عليه، فقال المشهود عليه: لا والله الذي لا إله إلا ~~هو ما شهد علي بحق، وما علمته إلا رجلا صالحا، غير هذه الزلة فإنه فعل هذا ~~لحقد كان في قلبه علي، وكان محارب متكئا فاستوى جالسا ثم قال: يا ذا الرجل ~~سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ليأتين ~~على الناس يوم تشيب فيه الولدان، وتضع الحوامل ما في بطونها، وتضرب الطير ~~بأذنابها وتضع ما في بطونها من شدة ذلك اليوم، ولا ذنب عليها وإن شاهد ~~الزور لا يقار قدماه على الأرض حتى يقذف به في النار فإن كنت شهدت بحق فاتق ~~الله وأقم على شهادتك، وإن كنت شهدت بباطل فاتق الله وغط رأسك واخرج من ذلك ~~الباب» . # وقال عبد الملك بن عمير: «كنت في مجلس محارب بن دثار وهو في قضائه، حتى ~~تقدم إليه رجلان، فادعى ms0105 أحدهما على الآخر حقا، فأنكره، فقال: ألك بينة؟ ~~فقال: نعم، ادع فلانا، فقال المدعى عليه: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله ~~إن شهد علي ليشهدن بزور، ولئن سألتني عنه لأزكينه؛ فلما جاء الشاهد قال ~~محارب بن دثار: حدثني عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: إن الطير لتضرب بمناقيرها، وتقذف ما في حواصلها، وتحرك أذنابها من هول ~~يوم القيامة، وإن شاهد الزور لا تقار قدماه على الأرض حتى يقذف به في النار ~~ثم قال للرجل: بم تشهد؟ قال: كنت أشهدت على شهادة وقد نسيتها، أرجع ~~فأتذكرها، فانصرف ولم يشهد عليه بشيء» ، ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده ~~فقال: ثنا محمد بن بكار ثنا زافر عن أبي علي قال: «كنت عند محارب بن دثار، ~~فاختصم إليه رجلان، فشهد على أحدهما شاهد، فقال الرجل: لقد شهد علي بزور، ~~ولئن سئلت عنه ليزكين، وكان محارب متكئا فجلس ثم قال: سمعت عبد الله بن عمر ~~يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تزول قدما شاهد الزور من ~~مكانهما حتى يوجب الله له النار» وللحديث طرق إلى محارب. # PageV01P094 ### | [فصل الحكمة في رد شهادة الكذاب] # فصل: # [الحكمة في رد شهادة الكذاب] # وأقوى الأسباب في رد الشهادة والفتيا والرواية الكذب؛ لأنه فساد في نفس ~~آلة الشهادة والفتيا والرواية، فهو بمثابة شهادة الأعمى على رؤية الهلال، ~~وشهادة الأصم الذي لا يسمع على إقرار المقر؛ فإن اللسان الكذوب بمنزلة ~~العضو الذي قد تعطل نفعه، بل هو شر منه، فشر ما في المرء لسان كذوب؛ ولهذا ~~يجعل الله سبحانه شعار الكاذب عليه يوم القيامة وشعار الكاذب على رسوله ~~سواد وجوههم، والكذب له تأثير عظيم في سواد الوجه، ويكسوه برقعا من المقت ~~يراه كل صادق؛ فسيما الكاذب في وجهه ينادى عليه لمن له عينان، والصادق ~~يرزقه الله مهابة وجلالة، فمن رآه هابه وأحبه، والكاذب يرزقه إهانة ومقتا، ~~فمن رآه مقته واحتقره، وبالله التوفيق. ### | [فصل شهادة المجلود في حد القذف] # . فصل # [رد شهادة المجلود في ms0106 حد القذف] # وقول أمير المؤمنين - رضي الله عنه - في كتابه " أو مجلودا في حد " ~~المراد به القاذف إذا حد للقذف لم تقبل شهادته بعد ذلك، وهذا متفق عليه بين ~~الأمة قبل التوبة، والقرآن نص فيه؛ وأما إذا تاب ففي قبول شهادته قولان ~~مشهوران للعلماء: # أحدهما: لا تقبل، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وأهل العراق. # والثاني: تقبل، وهو قول الشافعي وأحمد ومالك. # وقال ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس: شهادة الفاسق لا تجوز وإن ~~تاب، وقال القاضي إسماعيل: ثنا أبو الوليد ثنا قيس عن سالم عن قيس بن عاصم ~~قال: كان أبو بكرة إذا أتاه رجل يشهده قال: أشهد غيري، فإن المسلمين قد ~~فسقوني، وهذا ثابت عن مجاهد وعكرمة والحسن ومسروق والشعبي، في إحدى ~~الروايتين عنهم، وهو قول شريح. # واحتج أرباب هذا القول بأن الله سبحانه أبد المنع من قبول شهادتهم بقوله: ~~{ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} [النور: 4] ، وحكم عليهم بالفسق، ثم استثنى ~~التائبين من الفاسقين، وبقي المنع من قبول الشهادة على إطلاقه وتأبيده. ~~قالوا: وقد روى أبو جعفر الرازي عن آدم بن فائد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ~~محدود في الإسلام ولا محدودة، ولا ذي غمر على أخيه» وله طرق إلى عمرو. # ورواه ابن ماجه من طريق حجاج بن أرطاة عن # PageV01P095 # عمرو، ورواه البيهقي من طريق المثنى بن الصباح عن عمرو قالوا: وروى يزيد ~~بن أبي زياد الدمشقي عن الزهري عن عروة عن عائشة ترفعه «لا تجوز شهادة خائن ~~ولا خائنة، ولا مجلود في حد، ولا ذي غمر لأخيه، ولا مجرب عليه شهادة زور، ~~ولا ظنين في ولاء أو قرابة» . # وروي عن سعيد بن المسيب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا. قالوا: ~~ولأن المنع من قبول شهادته جعل من تمام عقوبته، ولهذا لا يترتب المنع إلا ~~بعد الحد، فلو قذف ولم يحد لم ترد شهادته، ومعلوم أن الحد إنما زاده طهرة ms0107 ~~وخفف عنه إثم القذف أو رفعه، فهو بعد الحد خير منه قبله، ومع هذا فإنما ترد ~~شهادته بعد الحد، فردها من تمام عقوبته وحده وما كان من الحدود ولوازمها ~~فإنه لا يسقط بالتوبة، ولهذا لو تاب القاذف لم تمنع توبته إقامة الحد عليه ~~فكذلك شهادته. # وقال سعيد بن جبير: تقبل توبته فيما بينه وبين الله من العذاب العظيم، ~~ولا تقبل شهادته؛ وقال شريح: لا تجوز شهادته أبدا، وتوبته فيما بينه وبين ~~ربه. وسر المسألة أن رد شهادته جعل عقوبة لهذا الذنب؛ فلا يسقط بالتوبة ~~كالحد. # قال الآخرون، واللفظ للشافعي: والثنيا في سياق الكلام على أول الكلام ~~وآخره في جميع ما يذهب إليه أهل الفقه إلا أن يفرق بين ذلك خبر، وأنبأنا ~~ابن عيينة قال: سمعت الزهري يقول: زعم أهل العراق أن شهادة المحدود لا ~~تجوز، وأشهد لأخبرني فلان أن عمر قال لأبي بكرة: تب أقبل شهادتك، قال ~~سفيان: نسيت اسم الذي حدث الزهري، فلما قمنا سألت من حضر، فقال لي عمرو بن ~~قيس: هو سعيد بن المسيب، فقلت لسفيان: فهل شككت فيما قال لك؟ قال: لا هو ~~سعيد غير شك، قال الشافعي: وكثيرا ما سمعته يحدث فيسمى سعيدا، وكثيرا ما ~~سمعته يقول: عن سعيد إن شاء الله، وأخبرني به من أثق به من أهل المدينة عن ~~ابن شهاب عن ابن المسيب أن عمر لما جلد الثلاثة استتابهم، فرجع اثنان فقبل ~~شهادتهما، وأبى أبو بكرة أن يرجع فرد شهادته، ورواه سليمان بن كثير عن ~~الزهري عن ابن المسيب أن عمر قال لأبي بكرة وشبل ونافع: من تاب منكم قبلت ~~شهادته. # وقال عبد الرزاق: ثنا محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن ابن المسيب أن ~~عمر قال للذين شهدوا على المغيرة: توبوا تقبل شهادتكم، فتاب منهم اثنان ~~وأبى أبو بكرة أن يتوب، فكان عمر لا يقبل شهادته. # قالوا: والاستثناء عائد على جميع ما تقدمه سوى الحد، فإن المسلمين مجمعون ~~على أنه لا يسقط عن القاذف بالتوبة، وقد قال أئمة اللغة: إن ms0108 الاستثناء يرجع ~~إلى ما تقدم كله؛ قال ابن عبيد في كتاب القضاء: وجماعة أهل الحجاز ومكة على ~~قبول شهادته، وأما # PageV01P096 # أهل العراق فيأخذون بالقول الأول أن لا تقبل أبدا، وكلا الفريقين إنما ~~تأولوا القرآن فيما نرى، والذين لا يقبلونها يذهبون إلى أن المعنى انقطع من ~~عند قوله: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} [النور: 4] ثم استأنف فقال: {وأولئك ~~هم الفاسقون} [النور: 4] {إلا الذين تابوا} [النور: 5] فجعلوا الاستثناء من ~~الفسق خاصة دون الشهادة، وأما الآخرون فتأولوا أن الكلام تبع بعضه بعضا على ~~نسق واحد فقال: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} [النور: 4] ~~{إلا الذين تابوا} [النور: 5] فانتظم الاستثناء كل ما كان قبله. قال أبو ~~عبيد: وهذا عندي هو القول المعمول به؛ لأن من قال به أكثر وهو أصح في ~~النظر، ولا يكون القول بالشيء أكثر من الفعل، وليس يختلف المسلمون في ~~الزاني المجلود أن شهادته مقبولة إذا تاب. قالوا: وأما ما ذكرتم عن ابن ~~عباس فقد قال الشافعي: بلغني عن ابن عباس أنه كان يجيز شهادة القاذف إذا ~~تاب. # وقال علي بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} ~~[النور: 4] ثم قال: {إلا الذين تابوا} [النور: 5] فمن تاب وأصلح فشهادته في ~~كتاب الله تقبل، وقال شريك عن أبي حصين عن الشعبي: يقبل الله توبته ولا ~~يقبلون شهادته؟ ، وقال مطرف عنه: إذا فرغ من ضربه فأكذب نفسه ورجع عن قوله ~~قبلت شهادته. # قالوا: وأما تلك الآثار التي رويتموها ففيها ضعف؛ فإن آدم بن فائد غير ~~معروف، ورواته عن عمر قسمان: ثقات، وضعفاء، فالثقات لم يذكر أحد منهم " أو ~~مجلودا في حد " وإنما ذكره الضعفاء كالمثنى بن الصباح وآدم والحجاج، وحديث ~~عائشة فيه يزيد وهو ضعيف، ولو صحت الأحاديث لحملت على غير التائب، فإن ~~التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وقد قبل شهادته بعد التوبة عمر وابن عباس، ~~ولا يعلم لهما في الصحابة مخالف. # قالوا: وأعظم موانع الشهادة الكفر والسحر وقتل النفس وعقوق الوالدين ~~والزنا، ولو تاب ms0109 من هذه الأشياء قبلت شهادته اتفاقا؛ فالتائب من القذف أولى ~~بالقبول. قالوا: وأين جناية قتله من قذفه؟ قالوا: والحد يدرأ عنه عقوبة ~~الآخرة، وهو طهرة له؛ فإن الحدود طهرة لأهلها، فكيف تقبل شهادته إذا لم ~~يتطهر بالحد ويرد أطهر ما يكون؟ فإنه بالحد والتوبة قد يطهر طهرا كاملا. ~~قالوا: ورد الشهادة بالقذف إنما هو مستند إلى العلة التي ذكرها الله عقيب ~~هذا الحكم، وهي الفسق، وقد ارتفع الفسق بالتوبة، وهو سبب الرد؛ فيجب ارتفاع ~~ما ترتب عليه وهو المنع # PageV01P097 # قالوا: والقاذف فاسق بقذفه، حد أو لم يحد، فكيف تقبل شهادته في حال فسقه ~~وترد شهادته بعد زوال فسقه؟ قالوا: ولا عهد لنا في الشريعة بذنب واحد أصلا ~~يتاب منه ويبقى أثره المترتب عليه من رد الشهادة، وهل هذا إلا خلاف المعهود ~~منها، وخلاف قوله - صلى الله عليه وسلم -: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» ~~؟ وعند هذا فيقال: توبته من القذف تنزله منزلة من لم يقذف، فيجب قبول ~~شهادته، أو كما قالوا. قال المانعون: القذف متضمن للجناية على حق الله وحق ~~الآدمي، وهو من أوفى الجرائم، فناسب تغليظ الزجر، ورد الشهادة من أقوى ~~أسباب الزجر، لما فيه من إيلام القلب والنكاية في النفس؛ إذ هو عزل لولاية ~~لسانه الذي استطال به على عرض أخيه، وإبطال لها، ثم هو عقوبة في محل ~~الجناية، فإن الجناية حصلت بلسانه، فكان أولى بالعقوبة فيه، وقد رأينا ~~الشارع قد اعتبر هذا حيث قطع يد السارق، فإنه حد مشروع في محل الجناية؛ ولا ~~ينتقض هذا بأنه لم يجعل عقوبة الزاني بقطع العضو الذي جنى به لوجوه: # أحدها: أنه عضو خفي مستور لا تراه العيون، فلا يحصل الاعتبار المقصود من ~~الحد بقطعه. # الثاني: أن ذلك يفضي إلى إبطال آلات التناسل وانقطاع النوع الإنساني. # الثالث: أن لذة البدن جميعه بالزنا كلذة العضو المخصوص، فالذي نال البدن ~~من اللذة المحرمة مثل ما نال الفرج، ولهذا كان حد الخمر على جميع البدن. # الرابع: أن قطع هذا العضو مفض إلى الهلاك، ms0110 وغير المحصن لا تستوجب جريمته ~~الهلاك، والمحصن إنما يناسب جريمته أشنع القتلات، ولا يناسبها قطع بعض ~~أعضائه فافترقا. # قالوا: وأما قبول شهادته قبل الحد وردها بعده فلما تقدم أن رد الشهادة ~~جعل من تمام الحد وتكملته؛ فهو كالصفة والتتمة للحد؛ فلا يتقدم عليه، ولأن ~~إقامة الحد عليه ينقص عند الناس، وتقل حرمته، وهو قبل إقامة الحد قائم ~~الحرمة غير منتهكها. # قالوا: وأما التائب من الزنا والكفر والقتل فإنما قبلنا شهادته لأن ردها ~~كان نتيجة الفسق، وقد زال، بخلاف مسألتنا فإنا قد بينا أن ردها من تتمة ~~الحد، فافترقا. قال القابلون: تغليظ الزجر لا ضابط له، وقد حصلت مصلحة ~~الزجر بالحد، وكذلك سائر الجرائم جعل الشارع مصلحة الزجر عليها بالحد، وإلا ~~فلا تطلق نساؤه، ولا يؤخذ ماله، ولا يعزل عن منصبه، ولا تسقط روايته، لأنه ~~أغلظ في الزجر، وقد أجمع المسلمون على قبول رواية أبي بكرة - رضي الله عنه ~~-؛ وتغليظ الزجر من الأوصاف المنتشرة التي لا # PageV01P098 # تنضبط، وقد حصل إيلام القلب والبدن والنكاية في النفس بالضرب الذي أخذ من ~~ظهره؛ وأيضا فإن رد الشهادة لا ينزجر به أكثر القاذفين، وإنما يتأثر بذلك ~~وينزجر أعيان الناس، وقل أن يوجد القذف من أحدهم، وإنما يوجد غالبا من ~~الرعاع والسقط ومن لا يبالي برد شهادته وقبولها؛ وأيضا فكم من قاذف انقضى ~~عمره وما أدى شهادة عند حاكم، ومصلحة الزجر إنما تكون بمنع النفوس ما هي ~~محتاجة إليه، وهو كثير الوقوع منها، ثم هذه المناسبة التي ذكرتموها يعارضها ~~ما هو أقوى منها؛ فإن رد الشهادة أبدا تلزم منه مفسدة فوات الحقوق على ~~الغير وتعطيل الشهادة في محل الحاجة إليها، ولا يلزم مثل ذلك في القبول ~~فإنه لا مفسدة فيه في حق الغير من عدل تائب قد أصلح ما بينه وبين الله، ولا ~~ريب أن اعتبار مصلحة يلزم منها مفسدة أولى من اعتبار مصلحة يلزم منها عدة ~~مفاسد في حق الشاهد وحق المشهود له وعليه، والشارع له تطلع إلى حفظ الحقوق ~~على مستحقيها بكل طريق وعدم ms0111 إضاعتها، فكيف يبطل حقا قد شهد به عدل مرضي ~~مقبول الشهادة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى دينه رواية ~~وفتوى؟ # وأما قولكم " إن العقوبة تكون في محل الجناية " فهذا غير لازم، لما تقدم ~~من عقوبة الشارب والزاني، وقد جعل الله سبحانه عقوبة هذه الجريمة على جميع ~~البدن دون اللسان، وإنما جعل عقوبة اللسان بسبب الفسق الذي هو محل التهمة، ~~فإذا زال الفسق بالتوبة فلا وجه للعقوبة بعدها. وأما قولكم: " إن رد ~~الشهادة من تمام الحد " فليس كذلك؛ فإن الحد تم باستيفاء عدده، وسببه نفس ~~القذف؛ وأما رد الشهادة فحكم آخر أوجبه الفسق بالقذف، لا الحد، فالقذف أوجب ~~حكمين: ثبوت الفسق، وحصول الحد، وهما متغايران. ### | [فصل رد الشهادة بالتهمة] # فصل: # [رد الشهادة بالتهمة] # وقوله: " أو ظنينا في ولاء أو قرابة " الظنين: المتهم، والشهادة ترد ~~بالتهمة، ودل هذا على أنها لا ترد بالقرابة كما لا ترد بالولاء، وإنما ترد ~~بتهمتها، وهذا هو الصواب كما تقدم. # وقال أبو عبيد: ثنا حجاج عن ابن جريج قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الله بن ~~أبي سبرة عن أبي الزناد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن عمر بن الخطاب أنه ~~قال: تجوز شهادة الوالد لولده، والولد لوالده، والأخ لأخيه، إذا كانوا ~~عدولا، لم يقل الله حين قال: {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] إلا ~~والدا وولدا وأخا، هذا لفظه؛ وليس في ذلك عن عمر # PageV01P099 # روايتان، بل إنما منع من شهادة المتهم في قرابته وولائه. # وقال أبو عبيد: حدثني يحيى بن بكير عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن ~~عمر بن عبد العزيز كتب أنه تجوز شهادة الولد لوالده، وقال إسحاق بن راهويه: ~~لم تزل قضاة الإسلام على هذا، وإنما قبل قول الشاهد لظن صدقه، فإذا كان ~~متهما عارضت التهمة الظن، فبقيت البراءة الأصلية ليس لها معارض مقاوم ### | [فصل شهادة مستور الحال] # وقوله: " فإن الله تبارك وتعالى تولى من العباد السرائر وستر عليهم ~~الحدود إلا بالبينات " يريد بذلك أن من ظهرت لنا ms0112 منه علانية خير قبلنا ~~شهادته ووكلنا سريرته إلى الله سبحانه فإن الله سبحانه لم يجعل أحكام ~~الدنيا على السرائر، بل على الظواهر، والسرائر تبع لها، وأما أحكام الآخرة ~~فعلى السرائر، والظواهر تبع لها. # وقد احتج بعض أهل العراق بقول عمر هذا على قبول شهادة كل مسلم لم تظهر ~~منه ريبة وإن كان مجهول الحال؛ فإنه قال: " والمسلمون عدول بعضهم على بعض " ~~ثم قال: " فإن الله تعالى تولى من عباده السرائر، وستر عليهم الحدود " ولا ~~يدل كلامه على هذا المذهب، بل قد روى أبو عبيد ثنا الحجاج عن المسعودي عن ~~القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عمر بن الخطاب: لا يوسر أحد في الإسلام ~~بشهداء السوء؛ فإنا لا نقبل إلا العدول وثنا إسحاق بن علي عن مالك بن أنس ~~عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ~~والله لا يوسرن رجل في الإسلام بغير العدول وثنا إسماعيل بن إبراهيم عن ~~الجريري عن أبي نضرة عن أبي فراس أن عمر بن الخطاب قال في خطبته: من أظهر ~~لنا خيرا ظننا به خيرا وأحببناه عليه، ومن أظهر لنا شرا ظننا به شرا ~~وأبغضناه عليه. # وقوله: " وستر عليهم الحدود " يعني المحارم، وهي حدود الله التي نهى عن ~~قربانها، والحد يراد به الذنب تارة والعقوبة أخرى. # وقوله: " إلا بالبينات والأيمان " يريد بالبينات الأدلة والشواهد، فإنه ~~قد صح عنه الحد في الزنا بالحبل، فهو بينة صادقة، بل هو أصدق من الشهود، ~~وكذلك رائحة الخمر بينة على شربها عند الصحابة وفقهاء أهل المدينة وأكثر ~~فقهاء الحديث # PageV01P100 # فصل. # وقوله: " والأيمان " يريد بها أيمان الزوج في اللعان، وأيمان أولياء ~~القتيل في القسامة، وهي قائمة مقام البينة ### | [القول في القياس] # فصل # [القول في القياس] وقوله: " ثم الفهم الفهم فما أدلى إليك مما ورد عليك ~~مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال، ثم اعمد ~~فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق " هذا أحد ما اعتمد عليه ~~القياسون في ms0113 الشريعة، وقالوا: هذا كتاب عمر إلى أبي موسى، ولم ينكره أحد من ~~الصحابة، بل كانوا متفقين على القول بالقياس، وهو أحد أصول الشريعة، ولا ~~يستغني عنه فقيه. # [إشارات القرآن إلى القياس] # وقد أرشد الله تعالى عباده إليه في غير موضع من كتابه، فقاس النشأة ~~الثانية على النشأة الأولى في الإمكان، وجعل النشأة الأولى أصلا والثانية ~~فرعا عليها؛ وقاس حياة الأموات بعد الموت على حياة الأرض بعد موتها ~~بالنبات، وقاس الخلق الجديد الذي أنكره أعداؤه على خلق السموات والأرض، ~~وجعله من قياس الأولى كما جعل قياس النشأة الثانية على الأولى من قياس ~~الأولى؛ وقاس الحياة بعد الموت على اليقظة بعد النوم، وضرب الأمثال، وصرفها ~~في الأنواع المختلفة، وكلها أقيسة عقلية ينبه بها عباده على أن حكم الشيء ~~حكم مثله، فإن الأمثال كلها قياسات يعلم منها حكم الممثل من الممثل به، وقد ~~اشتمل القرآن على بضعة وأربعين مثلا تتضمن تشبيه الشيء بنظيره والتسوية ~~بينهما في الحكم. # وقال تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} ~~[العنكبوت: 43] فالقياس في ضرب الأمثال من خاصة العقل، وقد ركز الله فطر ~~الناس وعقولهم على التسوية بين المتماثلين وإنكار التفريق بينهما، والفرق ~~بين المختلفين وإنكار الجمع بينهما. # قالوا: ومدار الاستدلال جميعه على التسوية بين المتماثلين والفرق بين ~~المختلفين؛ فإنه إما استدلال بمعين على معين أو بمعين على عام، أو بعام على ~~معين، أو بعام على عام؛ فهذه الأربعة هي مجامع ضروب الاستدلال # PageV01P101 # فالاستدلال بالمعين على المعين هو الاستدلال بالملزوم على لازمه، فكل ~~ملزوم دليل على لازمه، فإن كان التلازم من الجانبين كان كل منهما دليلا على ~~الآخر ومدلولا له، وهذا النوع ثلاثة أقسام: # أحدها: الاستدلال بالمؤثر على الأثر. # والثاني: الاستدلال بالأثر على المؤثر. # والثالث: الاستدلال بأحد الأثرين على الآخر. # فالأول كالاستدلال بالنار على الحريق، والثاني كالاستدلال بالحريق على ~~النار، والثالث كالاستدلال بالحريق على الدخان، ومدار ذلك كله على التلازم، ~~فالتسوية بين المتماثلين هو الاستدلال بثبوت أحد الأثرين على الآخر، وقياس ~~الفرق هو الاستدلال بانتفاء أحد الأثرين ms0114 على انتفاء الآخر، أو بانتفاء ~~اللازم على انتفاء ملزومه، فلو جاز التفريق بين المتماثلين لانسدت طرق ~~الاستدلال وغلقت أبوابه. # قالوا: وأما الاستدلال بالمعين على العام فلا يتم إلا بالتسوية بين ~~المتماثلين؛ إذ لو جاز الفرق لما كان هذا المعين دليلا على الأمر العام ~~المشترك بين الأفراد، ومن هذا أدلة القرآن بتعذيب المعينين الذين عذبهم على ~~تكذيب رسله وعصيان أمره على أن هذا الحكم عام شامل على من سلك سبيلهم واتصف ~~بصفتهم، وهو سبحانه قد نبه عباده على نفس هذا الاستدلال، وتعدية هذا الخصوص ~~إلى العموم، كما قال تعالى عقيب إخباره عن عقوبات الأمم المكذبة لرسلهم وما ~~حل بهم {أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر} [القمر: 43] فهذا ~~محض تعدية الحكم إلى من عدا المذكورين بعموم العلة، وإلا فلو لم يكن حكم ~~الشيء حكم مثله لما لزمت التعدية، ولا تمت الحجة، ومثل هذا قوله تعالى عقيب ~~إخباره عن عقوبة قوم عاد حين رأوا العارض في السماء فقالوا: {هذا عارض ~~ممطرنا} [الأحقاف: 24] فقال تعالى: {بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب ~~أليم} [الأحقاف: 24] {تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ~~كذلك نجزي القوم المجرمين} [الأحقاف: 25] ثم قال: {ولقد مكناهم فيما إن ~~مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا ~~أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزئون} [الأحقاف: 26] # فتأمل قوله: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه} [الأحقاف: 26] كيف تجد ~~المعنى أن حكمكم كحكمهم، وأنا إذا كنا قد أهلكناهم بمعصية رسلنا ولم يدفع ~~عنهم ما مكنوا فيه من أسباب العيش فأنتم كذلك تسوية بين المتماثلين، وأن ~~هذا محض عدل الله بين عباده. # ومن ذلك قوله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها} [محمد: 10] فأخبر أن حكم الشيء ~~حكم مثله # PageV01P102 # وكذلك كل موضع أمر الله سبحانه فيه بالسير في الأرض، سواء كان السير ~~الحسي على الأقدام ms0115 والدواب أو السير المعنوي بالتفكر والاعتبار أو كان ~~اللفظ يعمهما وهو الصواب، فإنه يدل على الاعتبار والحذر أن يحل بالمخاطبين ~~ما حل بأولئك، ولهذا أمر سبحانه أولي الأبصار بالاعتبار بما حل بالمكذبين، ~~ولولا أن حكم النظير حكم نظيره حتى تعبر العقول منه إليه لما حصل الاعتبار، ~~وقد نفى الله سبحانه عن حكمه وحكمته التسوية بين المختلفين في الحكم فقال ~~تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} [القلم: 35] {ما لكم كيف تحكمون} ~~[القلم: 36] فأخبر أن هذا حكم باطل في الفطر والعقول، لا تليق نسبته إليه ~~سبحانه، وقال تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} [الجاثية: 21] وقال ~~تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل ~~المتقين كالفجار} [ص: 28] أفلا تراه كيف ذكر العقول ونبه الفطر بما أودع ~~فيها من إعطاء النظير حكم نظيره، وعدم التسوية بين الشيء ومخالفه في الحكم؟ ~~وكل هذا من الميزان الذي أنزله الله مع كتابه وجعله قرينه ووزيره فقال ~~تعالى: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان} [الشورى: 17] وقال: {لقد ~~أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} ~~[الحديد: 25] وقال تعالى: {الرحمن} [الرحمن: 1] {علم القرآن} [الرحمن: 2] ~~فهذا الكتاب، ثم قال: {والسماء رفعها ووضع الميزان} [الرحمن: 7] والميزان ~~يراد به العدل والآلة التي يعرف بها العدل وما يضاده؛ والقياس الصحيح هو ~~الميزان؛ فالأولى تسميته بالاسم الذي سماه الله به، فإنه يدل على العدل، ~~وهو اسم مدح واجب على كل واحد في كل حال بحسب الإمكان، بخلاف اسم القياس ~~فإنه ينقسم إلى حق وباطل، وممدوح ومذموم، ولهذا لم يجئ في القرآن مدحه ولا ~~ذمه، ولا الأمر به ولا النهي عنه، فإنه مورد تقسيم إلى صحيح وفاسد. # والصحيح هو الميزان الذي أنزله مع كتابه. # والفاسد ما يضاده كقياس الذين قاسوا على الربا بجامع ما يشتركان فيه من ~~التراضي بالمعاوضة المالية، وقياس الذين قاسوا الميتة على المذكى في جواز ~~أكلها بجامع ما يشتركان من إزهاق الروح هذا بسبب من الآدميين ms0116 وهذا بفعل ~~الله، ولهذا تجد في كلام السلف ذم القياس وأنه ليس من الدين، وتجد في ~~كلامهم استعماله والاستدلال به، وهذا حق وهذا حق، كما سنبينه إن شاء الله ~~تعالى. # PageV01P103 ### | [أنواع القياس] # والأقيسة المستعملة في الاستدلال ثلاثة: قياس علة، وقياس دلالة، وقياس ~~شبه، وقد وردت كلها في القرآن. # [قياس العلة] # فأما قياس العلة فقد جاء في كتاب الله عز وجل في مواضع، منها قوله تعالى: ~~{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} [آل ~~عمران: 59] فأخبر تعالى أن عيسى نظير آدم في التكوين بجامع ما يشتركان فيه ~~من المعنى الذي تعلق به وجود سائر المخلوقات، وهو مجيئها طوعا لمشيئته ~~وتكوينه، فكيف يستنكر وجود عيسى من غير أب من يقر بوجود آدم من غير أب ولا ~~أم؟ ووجود حواء من غير أم؟ فآدم وعيسى نظيران يجمعهما المعنى الذي يصح ~~تعليق الإيجاد والخلق به، ومنها قوله تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا ~~في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} [آل عمران: 137] أي: قد كان من ~~قبلكم أمم أمثالكم فانظروا إلى عواقبهم السيئة، واعلموا أن سبب ذلك ما كان ~~من تكذيبهم بآيات الله ورسله، وهم الأصل وأنتم الفرع، والعلة الجامعة ~~التكذيب، والحكم الهلاك. # ومنها قوله تعالى: {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ~~ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم ~~فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} [الأنعام: 6] فذكر سبحانه ~~إهلاك من قبلنا من القرون، وبين أن ذلك كان لمعنى القياس، وهو ذنوبهم، فهم ~~الأصل ونحن الفرع، والذنوب العلة الجامعة، والحكم الهلاك؛ فهذا محض قياس ~~العلة، وقد أكده سبحانه بضرب من الأولى، وهو أن من قبلنا كانوا أقوى منا ~~فلم تدفع عنهم قوتهم وشدتهم ما حل بهم، ومنه قوله تعالى: {كالذين من قبلكم ~~كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم ~~بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت ms0117 ~~أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون} [التوبة: 69] . # وقد اختلف في محل هذا الكاف وما يتعلق به، فقيل: هو رفع خبر مبتدأ محذوف، ~~أي أنتم كالذين من قبلكم، وقيل: نصب بفعل محذوف، تقديره فعلتم كفعل الذين ~~من قبلكم، والتشبيه على هذين القولين في أعمال الذين من قبل، وقيل: إن ~~التشبيه في # PageV01P104 # العذاب، ثم قيل: العامل محذوف، أي لعنهم وعذبهم كما لعن الذين من قبل، ~~وقيل: بل العامل ما تقدم، أي وعد الله المنافقين كوعد الذين من قبلكم، ~~ولعنهم كلعنهم، ولهم عذاب مقيم كالعذاب الذي لهم والمقصود أنه سبحانه ~~ألحقهم بهم في الوعيد، وسوى بينهم فيه كما تساووا في الأعمال، وكونهم كانوا ~~أشد منهم قوة وأكثر أموالا وأولادا فرق غير مؤثر، فعلق الحكم بالوصف الجامع ~~المؤثر، وألغى الوصف الفارق، ثم نبه على أن مشاركتهم في الأعمال اقتضت ~~مشاركتهم في الجزاء فقال: {فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع ~~الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا} [التوبة: 69] فهذه هي العلة ~~المؤثرة والوصف الجامع، وقوله: {أولئك حبطت أعمالهم} [التوبة: 69] هو ~~الحكم، والذين من قبل هم الأصل، والمخاطبون الفرع. # قال عبد الرزاق في تفسيره: أخبرنا معمر عن الحسن في قوله: {فاستمتعوا ~~بخلاقهم} [التوبة: 69] قال: بذنبهم، ويروى عن أبي هريرة. # وقال ابن عباس: استمتعوا بنصيبهم من الآخرة في الدنيا، وقال آخرون: ~~بنصيبهم من الدنيا. # وحقيقة الأمر أن الخلاق هو النصيب والحظ، كأنه الذي خلق للإنسان وقدر له، ~~كما يقال قسمه الذي قسم له، ونصيبه الذي نصب له أي أثبت، وقطه الذي قط له ~~أي قطع ومنه قوله تعالى: {وما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 200] وقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له ~~في الآخرة» والآية تتناول ما ذكره السلف كله، فإنه سبحانه قال: {كانوا أشد ~~منكم قوة} [التوبة: 69] فبتلك القوة التي كانت فيهم كانوا يستطيعون أن ~~يعملوا للدنيا والآخرة، وكذلك الأموال والأولاد، وتلك القوة والأموال ~~والأولاد هي الخلاق، فاستمتعوا بقوتهم وأموالهم وأولادهم في الدنيا، ونفس ~~الأعمال التي عملوها ms0118 بهذه القوة من الخلاق الذي استمتعوا به، ولو أرادوا ~~بذلك الله والدار الآخرة لكان لهم خلاق في الآخرة، فتمتعهم بها أخذ حظوظهم ~~العاجلة، وهذا حال من لم يعمل إلا لدنياه، سواء كان عمله من جنس العبادات ~~أو غيرها، ثم ذكر سبحانه حال الفروع فقال: {فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع ~~الذين من قبلكم بخلاقهم} [التوبة: 69] فدل هذا على أن حكمهم حكمهم، وأنه ~~ينالهم ما نالهم؛ لأن حكم النظير حكم نظيره. # ثم قال: {وخضتم كالذي خاضوا} [التوبة: 69] فقيل: الذي صفة لمصدر # PageV01P105 # محذوف، أي كالخوض الذي خاضوا، وقيل: لموصوف محذوف، أي كخوض القوم الذي ~~خاضوا، وهو فاعل الخوض، وقيل: الذي مصدرية كما أي كخوضهم، وقيل: هي موضع ~~الذين # [أصل كل شر البدع واتباع الهوى] # والمقصود أنه سبحانه جمع بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض بالباطل؛ لأن ~~فساد الدين إما أن يقع بالاعتقاد الباطل والتكلم به وهو الخوض، أو يقع في ~~العمل بخلاف الحق والصواب وهو الاستمتاع بالخلاق، فالأول البدع، والثاني ~~اتباع الهوى، وهذان هما أصل كل شر وفتنة وبلاء، وبهما كذبت الرسل، وعصي ~~الرب، ودخلت النار، وحلت العقوبات، فالأول من جهة الشبهات، والثاني من جهة ~~الشهوات، ولهذا كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى فتنته ~~هواه، وصاحب دنيا أعجبته دنياه. # وكانوا يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل؛ فإن فتنتهما ~~فتنة لكل مفتون، فهذا يشبه المغضوب عليهم الذين يعلمون الحق ويعملون ~~بخلافه، وهذا يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم. # وفي صفة الإمام أحمد - رحمه الله -: عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ~~ما كان أشبهه، أتته البدع فنفاها، والدنيا فأباها، وهذه حال أئمة المتقين ~~الذين وصفهم الله في كتابه بقوله: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما ~~صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة: 24] فبالصبر تترك الشهوات، وباليقين ~~تدفع الشبهات، كما قال تعالى: {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر: 3] ~~وقوله تعالى: {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} ~~[ص: 45] . # وفي بعض المراسيل: «إن الله يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات، ويحب ~~العقل الكامل عند حلول الشهوات» . # فقوله ms0119 تعالى: {فاستمتعتم بخلاقكم} [التوبة: 69] إشارة إلى اتباع الشهوات ~~وهو داء العصاة وقوله: {وخضتم كالذي خاضوا} [التوبة: 69] إشارة إلى الشبهات ~~وهو داء المتبدعة وأهل الأهواء والخصومات، وكثيرا ما يجتمعان فقل من تجده ~~فاسد الاعتقاد إلا وفساد اعتقاده يظهر في عمله. # والمقصود أن الله أخبر أن في هذه الأمة من يستمتع بخلاقه كما استمتع ~~الذين من قبله بخلاقهم، ويخوض كخوضهم، وأنهم لهم من الذم والوعيد كما للذين ~~من قبلهم، ثم # PageV01P106 # حضهم على القياس والاعتبار بمن قبلهم فقال: {ألم يأتهم نبأ الذين من ~~قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم ~~بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [التوبة: 70] . # فتأمل صحة هذا القياس وإفادته لمن علق عليه من الحكم، وأن الأصل والفرع ~~قد تساويا في المعنى الذي علق به العقاب، وأكده كما تقدم بضرب من الأولى، ~~وهو شدة القوة وكثرة الأموال والأولاد، فإذا لم يتعذر على الله عقاب الأقوى ~~منهم بذنبه فكيف يتعذر عليه عقاب من هو دونه؟ ومنه قوله تعالى: {وربك الغني ~~ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم ~~آخرين} [الأنعام: 133] فهذا قياس جلي، يقول سبحانه: إن شئت أذهبتكم ~~واستخلفت غيركم كما أذهبت من قبلكم واستخلفتكم فذكر أركان القياس الأربعة: ~~علة الحكم، وهي عموم مشيئته وكمالها، والحكم، وهو إذهابه بهم وإتيانه ~~بغيرهم، والأصل، وهو من كان من قبل، والفرع، وهم المخاطبون. # ومنه قوله تعالى: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك ~~كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} [يونس: 39] فأخبر أن من ~~قبل المكذبين أصل يعتبر به، والفرع نفوسهم، فإذا ساووهم في المعنى ساووهم ~~في العاقبة. # ومنه قوله تعالى: {إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى ~~فرعون رسولا} [المزمل: 15] {فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا} ~~[المزمل: 16] فأخبر سبحانه أنه أرسل محمدا - صلى الله عليه وسلم - إلينا ~~كما أرسل موسى إلى فرعون، وأن فرعون عصى رسوله فأخذه أخذا وبيلا، فهكذا من ~~عصى ms0120 منكم محمدا - صلى الله عليه وسلم -، وهذا في القرآن كثير جدا فقد فتح ~~لك بابه ### | [فصل قياس الدلالة] # وأما قياس الدلالة فهو الجمع بين الأصل والفرع بدليل العلة وملزومها؛ ~~ومنه قوله تعالى: {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء ~~اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير} [فصلت: 39] ~~فدل سبحانه عباده بما أراهم من الإحياء الذي تحققوه وشاهدوه على الإحياء ~~الذي استبعدوه، وذلك قياس إحياء على إحياء، واعتبار الشيء بنظيره؛ والعلة ~~الموجبة هي عموم قدرته سبحانه، وكمال حكمته؛ وإحياء الأرض دليل العلة # PageV01P107 # ومنه قوله تعالى: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض ~~بعد موتها وكذلك تخرجون} [الروم: 19] فدل بالنظير على النظير، وقرب أحدهما ~~من الآخر جدا بلفظ الإخراج، أي يخرجون من الأرض أحياء كما يخرج الحي من ~~الميت ويخرج الميت من الحي. # ومنه قوله تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} [القيامة: 36] {ألم يك ~~نطفة من مني يمنى} [القيامة: 37] {ثم كان علقة فخلق فسوى} [القيامة: 38] ~~{فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى} [القيامة: 39] {أليس ذلك بقادر على أن ~~يحيي الموتى} [القيامة: 40] . # فبين سبحانه كيفية الخلق واختلاف أحوال الماء في الرحم إلى أن صار منه ~~الزوجان الذكر والأنثى، وذلك أمارة وجود صانع قادر على ما يشاء، ونبه ~~سبحانه: عباده بما أحدثه في النطفة المهينة الحقيرة من الأطوار، وسوقها في ~~مراتب الكمال من مرتبة إلى مرتبة أعلى منها، حتى صارت بشرا سويا في أحسن ~~خلق وتقويم - على أنه لا يحسن به أن يترك هذا البشر سدى مهملا معطلا لا ~~يأمره ولا ينهاه ولا يقيمه في عبوديته، وقد ساقه في مراتب الكمال من حين ~~كان نطفة إلى أن صار بشرا سويا، فكذلك يسوقه في مراتب كماله طبقا بعد طبق ~~وحالا بعد حال إلى أن يصير جاره في داره يتمتع بأنواع النعيم، وينظر إلى ~~وجهه، ويسمع كلامه. # ومنه قوله سبحانه: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا ~~أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا ms0121 به الماء فأخرجنا به من كل ~~الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون} [الأعراف: 57] {والبلد الطيب يخرج ~~نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون} ~~[الأعراف: 58] فأخبر سبحانه: أنهما إحياءان، وأن أحدهما معتبر بالآخر مقيس ~~عليه، ثم ذكر قياسا آخر أن من الأرض ما يكون أرضا طيبة فإذا أنزلنا عليها ~~الماء أخرجت نباتها بإذن ربها، ومنها ما تكون أرضا خبيثة لا تخرج نباتها ~~إلا نكدا، أي قليلا غير منتفع به، فهذه إذا أنزل عليها الماء لم تخرج ما ~~أخرجت الأرض الطيبة، فشبه سبحانه الوحي الذي أنزله من السماء على القلوب ~~بالماء الذي أنزله على الأرض بحصول الحياة بهذا وهذا، وشبه القلوب بالأرض ~~إذ هي محل الأعمال كما أن الأرض محل النبات، وأن القلب الذي لا ينتفع ~~بالوحي ولا يزكو عليه ولا يؤمن به كالأرض التي لا تنتفع بالمطر ولا تخرج ~~نباتها به إلا قليلا لا ينفع، وأن القلب الذي آمن بالوحي وزكا عليه وعمل ~~بما فيه كالأرض التي أخرجت نباتها بالمطر؛ فالمؤمن إذا سمع القرآن وعقله ~~وتدبره بان أثره عليه، فشبه بالبلد الطيب الذي يمرع ويخصب ويحسن # PageV01P108 # أثر المطر عليه فينبت من كل زوج كريم، والمعرض عن الوحي عكسه، والله ~~الموفق. # ومنه قوله تعالى: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ~~من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر ~~في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من ~~يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا} [الحج: 5] ~~يقول سبحانه: إن كنتم في ريب من البعث فلستم ترتابون في أنكم مخلوقون، ~~ولستم ترتابون في مبدأ خلقكم من حال إلى حال إلى حين الموت، والبعث الذي ~~وعدتم به نظير النشأة الأولى فهما نظيران في الإمكان والوقوع، فإعادتكم بعد ~~الموت خلقا جديدا كالنشأة الأولى التي لا ترتابون فيها، فكيف تنكرون إحدى ~~النشأتين مع مشاهدتكم ms0122 لنظيرها؟ وقد أعاد سبحانه هذا المعنى وأبداه في كتابه ~~بأوجز العبارات، وأدلها، وأفصحها، وأقطعها للعذر، وألزمها للحجة، كقوله ~~تعالى: {أفرأيتم ما تمنون - أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون - نحن قدرنا ~~بينكم الموت وما نحن بمسبوقين} [الواقعة: 58 - 60] {على أن نبدل أمثالكم ~~وننشئكم في ما لا تعلمون} [الواقعة: 61] {ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا ~~تذكرون} [الواقعة: 62] فدلهم بالنشأة الأولى على الثانية، وأنهم لو تذكروا ~~لعلموا أن لا فرق بينهما في تعلق القدرة بكل واحدة منهما، وقد جمع سبحانه ~~بين النشأتين في قوله: {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى} [النجم: 45] {من ~~نطفة إذا تمنى - وأن عليه النشأة الأخرى} [النجم: 46 - 47] وفي قوله: {ألم ~~يك نطفة من مني يمنى} [القيامة: 37] {ثم كان علقة فخلق فسوى} [القيامة: 38] ~~إلى قوله: {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} [القيامة: 40] وفي قوله: ~~{وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم} [يس: 78] {قل ~~يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} [يس: 79] {الذي جعل لكم من ~~الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون} [يس: 80] {أوليس الذي خلق ~~السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم} [يس: 81] ~~{إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] {فسبحان الذي بيده ~~ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} [يس: 83] فتضمنت هذه الآيات عشرة أدلة: # أحدها قوله: {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة} [يس: 77] فذكره مبدأ ~~خلقه ليدله به على النشأة الثانية، ثم أخبر أن هذا الجاحد لو ذكر خلقه لما ~~ضرب المثل، بل لما نسي خلقه ضرب المثل؛ فتحت قوله: {ونسي خلقه} [يس: 78] ~~ألطف جواب وأبين دليل، وهذا كما تقول لمن جحدك أن تكون قد أعطيته شيئا: ~~فلان جحدني الإحسان إليه ونسي الثياب التي عليه والمال الذي معه والدار ~~التي هو فيها حيث لا يمكنه جحد أن يكون ذلك منك؛ ثم أجيب عن سؤاله بما # PageV01P109 # يتضمن أبلغ الدليل على ثبوت ما جحده فقال: {قل يحييها الذي أنشأها أول ~~مرة} [يس: 79] فهذا جواب واستدلال قاطع، ثم أكد ms0123 هذا المعنى بالإخبار بعموم ~~علمه لجميع الخلق، فإن تعذر الإعادة عليه إنما يكون لقصور علمه أو قصور في ~~قدرته، ولا قصور في علم من هو بكل خلق عليم، ولا قدرة فوق قدرة من خلق ~~السماوات والأرض وإذا أراد شيئا قال له كن فيكون وبيده ملكوت كل شيء، فكيف ~~تعجز قدرته وعلمه عن إحيائكم بعد مماتكم ولم نعجز عن النشأة الأولى ولا عن ~~خلق السموات والأرض؟ ثم أرشد عباده إلى دليل واضح جلي متضمن للجواب عن شبه ~~المنكرين بألطف الوجوه وأبينها وأقربها إلى العقل، فقال: {الذي جعل لكم من ~~الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون} [يس: 80] فإذن هذا دليل على تمام ~~قدرته وإخراج الأموات من قبورهم كما أخرج النار من الشجرة الخضراء. # وفي ذلك جواب عن شبهة من قال من منكري المعاد الموت بارد يابس والحياة ~~طبعها الرطوبة والحرارة، فإذا حل الموت بالجسم لم يمكن أن تحل فيه الحياة ~~بعد ذلك لتضاد ما بينهما، وهذه شبهة تليق بعقول المكذبين الذين لا سمع لهم ~~ولا عقل؛ فإن الحياة لا تجامع الموت في المحل الواحد ليلزم ما قالوا، بل ~~إذا أوجد الله فيه الحياة وطبعها ارتفع الموت وطبعه، وهذا الشجر الأخضر ~~طبعه الرطوبة والبرودة تخرج منه النار الحارة اليابسة، ثم ذكر ما هو أوضح ~~للعقول من كل دليل، وهو خلق السموات والأرض مع عظمها وسمعتها وأنه لا نسبة ~~للخلق الضعيف إليهما، ومن لم تعجز قدرته وعلمه عن هذا الخلق العظيم الذي هو ~~أكبر من خلق الناس كيف تعجز عن إحيائهم بعد موتهم؟ ثم قرر هذا المعنى بذكر ~~وصفين من أوصافه مستلزمين لما أخبر به فقال: {بلى وهو الخلاق العليم} [يس: ~~81] فكونه خلاقا عليما يقتضي أن يخلق ما يشاء، ولا يعجزه ما أراده من ~~الخلق، ثم قرر هذا المعنى بأن عموم إرادته وكمالها لا يقصر عنه ولا عن شيء ~~أبدا، فقال: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] فلا ~~يمكنه الاستعصاء عليه، ولا يتعذر عليه، بل يأتي طائعا منقادا ms0124 لمشيئته ~~وإرادته، ثم زاده تأكيدا وإيضاحا بقوله: {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء} ~~[يس: 83] فنزه نفسه عما نطق به أعداؤه المنكرون للمعاد معظما لها بأن ملك ~~كل شيء بيده يتصرف فيه تصرف المالك الحق في مملوكه الذي لا يمكنه الامتناع ~~عن أي تصرف شاءه فيه، ثم ختم السورة بقوله: {وإليه ترجعون} [يس: 83] كما ~~أنهم ابتدءوا منه هو فكذلك مرجعهم إليه، فمنه المبدأ وإليه المعاد، وهو ~~الأول والآخر؟ وأن إلى ربك المنتهى. # ومنه قوله تعالى: {ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا} [مريم: 66] ~~{أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} [مريم: 67] # PageV01P110 # فتأمل تضمن هذه الكلمات - على اختصارها وإيجازها وبلاغتها - للأصل والفرع ~~والعلة والحكم. # ومنه قوله تعالى: {وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا ~~جديدا} [الإسراء: 49] فرد عليهم سبحانه ردا يتضمن الدليل القاطع على قدرته ~~على إعادتهم خلقا جديدا فقال: {قل كونوا حجارة أو حديدا} [الإسراء: 50] {أو ~~خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة} ~~[الإسراء: 51] فلما استبعدوا أن يعيدهم الله خلقا جديدا بعد أن صاروا عظاما ~~ورفاتا قيل لهم: كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم، سواء ~~كان الموت أو السماء أو الأرض أو أي خلق استعظمتموه وكبر في صدوركم، ومضمون ~~الدليل أنكم مربوبون مخلوقون مقهورون على ما يشاء خالقكم، وأنتم لا تقدرون ~~على تغيير أحوالكم من خلقة إلى خلقة لا تقبل الاضمحلال كالحجارة والحديد، ~~ومع ذلك فلو كنتم على هذه الخلقة من القوة والشدة لنفذت أحكامي وقدرتي ~~ومشيئتي، ولم تسبقوني ولم تفوتوني، كما يقول القائل لمن هو في قبضته: اصعد ~~إلى السماء فإني لاحقك؛ أي لو صعدت إلى السماء لحقتك، وعلى هذا فمعنى الآية ~~لو كنتم حجارة أو حديدا أو أعظم خلقا من ذلك لما أعجزتموني ولما فتموني. # وقيل: المعنى كونوا حجارة أو حديدا عند أنفسكم، أي صوروا أنفسكم وقدروها ~~خلقا لا يضمحل ولا ينحل، فإنا سنميتكم ثم نحييكم ونعيدكم خلقا جديدا، وبين ~~المعنيين فرق لطيف، فإن ms0125 المعنى الأول يقتضي أنكم لو قدرتم على نقل خلقتكم ~~من حالة إلى حالة هي أشد منها وأقوى لنفذت مشيئتنا وقدرتنا فيكم ولم ~~تعجزونا، فكيف وأنتم عاجزون عن ذلك؟ والمعنى الثاني يقتضي أنكم صوروا ~~أنفسكم وأنزلوها هذه المنزلة، ثم انظروا أتفوتونا وتعجزونا أم قدرتنا ~~ومشيئتنا محيطة بكم ولو كنتم كذلك؟ وهذا من أبلغ البراهين القاطعة التي لا ~~تعرض فيها شبهة ألبتة، بل لا تجد العقول السليمة عن الإذعان والانقياد لها ~~بدا، فلما علم القوم صحة هذا البرهان وأنه ضروري انتقلوا إلى المطالبة بمن ~~يعيدهم فقالوا: من يعيدنا؟ وهذا سواء كان سؤالا منهم عن تعيين المعيد أو ~~إنكارا منهم له فهو من أقبح التعنت وأبينه، ولهذا كان جوابه: {قل الذي ~~فطركم أول مرة} [الإسراء: 51] ولما علم القوم أن هذا جواب قاطع انتقلوا إلى ~~باب آخر من التعنت؛ وهو السؤال عن وقت هذه الإعادة، فأنغضوا إليه رءوسهم ~~وقالوا: متى هو؟ فقال تعالى: {قل عسى أن يكون قريبا} [الإسراء: 51] # PageV01P111 # فليتأمل اللبيب لطف موقع هذا الدليل، واستلزامه لمدلوله استلزاما لا محيد ~~عنه، وما تضمنه من السؤالات والجواب عنها أبلغ جواب وأصحه وأوضحه، فلله ما ~~يفوت المعرضين عن تدبر القرآن المتعوضين عنه بزبالة الأذهان ونخالة ~~الأفكار. # ومنه قوله تعالى: {وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ~~وأنبتت من كل زوج بهيج} [الحج: 5] {ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى ~~وأنه على كل شيء قدير} [الحج: 6] {وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله ~~يبعث من في القبور} [الحج: 7] وقوله تعالى: {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ~~فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على ~~كل شيء قدير} [فصلت: 39] جعل الله سبحانه إحياء الأرض بعد موتها نظير إحياء ~~الأموات، وإخراج النبات منها نظير إخراجهم من القبور، ودل بالنظير على ~~نظيره، وجعل ذلك آية ودليلا على خمسة مطالب: # أحدها: وجود الصانع، وأنه الحق المبين، وذلك يستلزم إثبات صفات كماله ~~وقدرته وإرادته وحياته وعلمه وحكمته ورحمته وأفعاله. # الثاني: أنه يحيي الموتى. ms0126 # الثالث: عموم قدرته على كل شيء. # الرابع: إتيان الساعة وأنها لا ريب فيها. # الخامس: أنه يخرج الموتى من القبور كما أخرج النبات من الأرض. # وقد كرر سبحانه ذكر هذا الدليل في كتابه مرارا؛ لصحة مقدماته، ووضوح ~~دلالته، وقرب تناوله، وبعده من كل معارضة وشبهة، وجعله تبصرة وذكرى كما قال ~~تعالى: {والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج} ~~[ق: 7] {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} [ق: 8] فالمنيب إلى ربه يتذكر بذلك، ~~فإذا تذكر تبصر به، فالتذكر قبل التبصر، وإن قدم عليه في اللفظ كما قال ~~تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} ~~[الأعراف: 201] ، والتذكر: تفعل من الذكر، وهو حضور صورة من المذكور في ~~القلب، فإذا استحضره القلب وشاهده على وجهه أوجب له البصيرة، فأبصر ما جعل ~~دليلا عليه، فكان في حقه تبصرة وذكرى، والهدى مداره على هذين الأصلين: ~~التذكر، والتبصر وقد دعا سبحانه الإنسان إلى أن ينظر في مبدأ خلقه ورزقه، ~~ويستدل بذلك على معاده وصدق ما أخبرت به الرسل؛ فقال في الأول: {فلينظر ~~الإنسان مم خلق} [الطارق: 5] {خلق من ماء دافق} [الطارق: 6] {يخرج من بين ~~الصلب والترائب} [الطارق: 7] {إنه على رجعه لقادر} [الطارق: 8] {يوم تبلى ~~السرائر} [الطارق: 9] فالدافق على بابه، ليس فاعلا بمعنى مفعول كما يظنه ~~بعضهم، بل هو بمنزلة ماء جار وواقف وساكن. # ولا خلاف أن المراد بالصلب صلب الرجل، واختلف في # PageV01P112 # الترائب فقيل: المراد بها ترائبه أيضا، وهي عظام الصدر ما بين الترقوة ~~إلى الثندوة، وقيل: المراد ترائب المرأة، والأول أظهر؛ لأنه سبحانه قال: ~~{يخرج من بين الصلب والترائب} [الطارق: 7] ولم يقل يخرج من الصلب والترائب ~~فلا بد أن يكون ماء الرجل خارجا من بين هذين المختلفين كما قال في اللبن: ~~{من بين فرث ودم} [النحل: 66] وأيضا فإنه سبحانه أخبر أنه خلقه من نطفة في ~~غير موضع، والنطفة هي ماء الرجل، كذلك قال أهل اللغة، قال الجوهري: والنطفة ~~الماء الصافي قل أو كثر، والنطفة ماء الرجل، والجمع نطف؛ وأيضا ms0127 فإن الذي ~~يوصف بالدفق والنضح إنما هو ماء الرجل، ولا يقال نضحت المرأة الماء ولا ~~دفقته، والذي أوجب لأصحاب القول الآخر ذلك أنهم رأوا أهل اللغة قالوا: ~~الترائب موضع القلادة من الصدر، قال الزجاج: أهل اللغة مجمعون على ذلك ~~وأنشدوا لامرئ القيس: # مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل # وهذا لا يدل على اختصاص الترائب بالمرأة، بل يطلق على الرجل والمرأة. # قال الجوهري: الترائب عظام الصدر ما بين الترقوة إلى الثندوة. # وقوله: {إنه على رجعه لقادر} [الطارق: 8] الصحيح أن الضمير يرجع على ~~الإنسان، أي إن الله على رده إليه لقادر يوم القيامة، وهو اليوم الذي يبلى ~~فيه السرائر، ومن قال: " إن الضمير يرجع على الماء أي أن الله على رجعه في ~~الإحليل أو في الصدر أو حبسه عن الخروج لقادر " فقد أبعد، وإن كان الله ~~سبحانه قادرا على ذلك، ولكن السياق يأباه، وطريقة القرآن - وهي الاستدلال ~~بالمبدإ والنشأة الأولى على المعاد والرجوع إليه - وأيضا فإنه قيده بالظرف، ~~وهو {يوم تبلى السرائر} [الطارق: 9] والمقصود أنه سبحانه دعا الإنسان أن ~~ينظر في مبدأ خلقه ورزقه، فإن ذلك يدله دلالة ظاهرة على معاده ورجوعه إلى ~~ربه. # وقال تعالى: {فلينظر الإنسان إلى طعامه} [عبس: 24] {أنا صببنا الماء صبا} ~~[عبس: 25] {ثم شققنا الأرض شقا} [عبس: 26] {فأنبتنا فيها حبا} [عبس: 27] ~~{وعنبا وقضبا} [عبس: 28] {وزيتونا ونخلا} [عبس: 29] {وحدائق غلبا} [عبس: ~~30] {وفاكهة وأبا} [عبس: 31] فجعل سبحانه نظره في إخراج طعامه من الأرض ~~دليلا على إخراجه هو منها بعد موته، استدلالا بالنظير على النظير # PageV01P113 # ومن ذلك قوله سبحانه ردا على الذين قالوا: {وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا ~~أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} [الإسراء: 49] {أولم يروا أن الله الذي خلق ~~السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم} [الإسراء: 99] أي مثل هؤلاء ~~المكذبين، والمراد به النشأة الثانية، وهي الخلق الجديد، وهي المثل المذكور ~~في غير موضع، وهم هم بأعيانهم، فلا تنافي في شيء من ذلك، بل هو الحق الذي ~~دل عليه العقل والسمع، ومن لم يفهم ذلك حق فهمه تخبط عليه أمر ms0128 المعاد، وبقي ~~منه في أمر مريج؛ والمقصود أنه دلهم سبحانه بخلق السموات والأرض على ~~الإعادة والبعث، وأكد هذا القياس بضرب من الأولى، وهو أن خلق السموات ~~والأرض أكبر من خلق الناس، فالقادر على خلق ما هو أكبر وأعظم منكم أقدر على ~~خلقكم. # وليس أول الخلق بأهون عليه من إعادته، فليس مع المكذبين بالقيامة إلا ~~مجرد تكذيب الله ورسله، وتعجيز قدرته، ونسبة عمله إلى القصور، والقدح في ~~حكمته؛ ولهذا يخبر الله سبحانه عمن أنكر ذلك بأنه كافر بربه، جاحد له، لم ~~يقر برب العالمين فاطر السموات والأرض كما قال تعالى: {وإن تعجب فعجب قولهم ~~أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم} [الرعد: 5] ~~وقال المؤمن للكافر الذي قال: {وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي ~~لأجدن خيرا منها منقلبا} [الكهف: 36] فقال له: {أكفرت بالذي خلقك من تراب ~~ثم من نطفة ثم سواك رجلا} [الكهف: 37] فمنكر المعاد كافر برب العالمين وإن ~~زعم أنه مقر به. # ومنه قوله تعالى: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ ~~النشأة الآخرة} [العنكبوت: 20] يقول تعالى: انظروا كيف بدأت الخلق؛ ~~فاعتبروا الإعادة بالابتداء. # ومنه قوله تعالى: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض ~~بعد موتها وكذلك تخرجون} [الروم: 19] . وقوله تعالى: {فانظر إلى آثار رحمت ~~الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير} ~~[الروم: 50] . # وقوله: {ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد} [ق: 9] ~~{والنخل باسقات لها طلع نضيد} [ق: 10] {رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا ~~كذلك الخروج} [ق: 11] وقال تعالى: {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما ~~بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا} [الأنبياء: 104] والسجل: الورق المكتوب ~~فيه، والكتاب: نفس المكتوب، واللام بمنزلة # PageV01P114 # على: أي نطوي السماء كطي الدرج على ما فيه من السطور المكتوبة، ثم استدل ~~على النظير بالنظير فقال: {كما بدأنا أول خلق نعيده} [الأنبياء: 104] ### | [فصل قياس الشبه] # وأمثلة له] # وأما قياس الشبه فلم يحكه الله ms0129 سبحانه إلا عن المبطلين؛ فمنه قوله تعالى ~~إخبارا عن إخوة يوسف أنهم قالوا لما وجدوا الصواع في رحل أخيهم: {إن يسرق ~~فقد سرق أخ له من قبل} [يوسف: 77] فلم يجمعوا بين الأصل والفرع بعلة ولا ~~دليلها، وإنما ألحقوا أحدهما بالآخر من غير دليل جامع سوى مجرد الشبه ~~الجامع بينه وبين يوسف، فقالوا: هذا مقيس على أخيه، بينهما شبه من وجوه ~~عديدة، وذاك قد سرق فكذلك هذا، وهذا هو الجمع بالشبه الفارغ، والقياس ~~بالصورة المجردة عن العلة المقتضية للتساوي، وهو قياس فاسد، والتساوي في ~~قرابة الأخوة ليس بعلة للتساوي في السرقة لو كانت حقا، ولا دليل على ~~التساوي فيها؛ فيكون الجمع لنوع شبه خال عن العلة ودليلها. # ومنه قوله تعالى إخبارا عن الكفار أنهم قالوا: {ما نراك إلا بشرا مثلنا} ~~[هود: 27] فاعتبروا صورة مجرد الآدمية وشبه المجانسة فيها، واستدلوا بذلك ~~على أن حكم أحد الشبهين حكم الآخر؛ فكما لا نكون نحن رسلا فكذلك أنتم، فإذا ~~تساوينا في هذا الشبه فأنتم مثلنا لا مزية لكم علينا، وهذا من أبطل القياس؛ ~~فإن الواقع من التخصيص والتفضيل وجعل بعض هذا النوع شريفا وبعضه دنيا، ~~وبعضه مرءوسا وبعضه رئيسا، وبعضه ملكا وبعضه سوقة، يبطل هذا القياس، كما ~~أشار سبحانه إلى ذلك في قوله: {أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا ~~سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون} [الزخرف: 32] . # وأجابت الرسل عن هذا السؤال بقولهم: {إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن ~~على من يشاء من عباده} [إبراهيم: 11] وأجاب الله سبحانه عنه بقوله: {الله ~~أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] وكذلك قوله سبحانه: {وقال الملأ من ~~قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا ~~إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون} [المؤمنون: 33] {ولئن ~~أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون} [المؤمنون: 34] فاعتبروا المساواة في ~~البشرية وما هو من خصائصها من الأكل والشرب، وهذا مجرد قياس شبه وجمع صوري، ~~ونظير ms0130 هذا قوله: {ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر ~~يهدوننا} [التغابن: 6] # PageV01P115 # ومن هذا قياس المشركين الربا على البيع بمجرد الشبه الصوري، ومنه قياسهم ~~الميتة على المذكى في إباحة الأكل بمجرد الشبه. # وبالجملة فلم يجئ هذا القياس في القرآن إلا مردودا مذموما، ومن ذلك قوله ~~تعالى: {إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم ~~إن كنتم صادقين} [الأعراف: 194] {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون ~~بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها} [الأعراف: 195] فبين ~~سبحانه أن هذه الأصنام أشباح وصور خالية عن صفات الإلهية، وأن المعنى ~~المعتبر معدوم فيها، وأنها لو دعيت لم تجب؛ فهي صور خالية عن أوصاف ومعان ~~تقتضي عبادتها، وزاد هذا تقريرا بقوله: {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد ~~يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها} [الأعراف: 195] ~~أي أن جميع ما لهذه الأصنام من الأعضاء التي نحتتها أيديكم إنما هي صور ~~عاطلة عن حقائقها وصفاتها؛ لأن المعنى المراد المختص بالرجل هو مشيها، وهو ~~معدوم في هذه الرجل؛ والمعنى المختص باليد هو بطشها وهو معدوم في هذه اليد؛ ~~والمراد بالعين إبصارها وهو معدوم في هذه العين؛ ومن الأذن سمعها وهو معدوم ~~فيها، والصور في ذلك كله ثابتة موجودة، وكلها فارغة خالية عن الأوصاف ~~والمعاني، فاستوى وجودها وعدمها، وهذا كله مدحض لقياس الشبه الخالي عن ~~العلة المؤثرة والوصف المقتضي للحكم، والله أعلم. # فصل. # [ضرب الأمثال في القرآن والحكمة فيه] # ومن هذا ما وقع في القرآن من الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون؛ فإنها ~~تشبيه شيء بشيء في حكمه، وتقريب المعقول من المحسوس، أو أحد المحسوسين من ~~الآخر، واعتبار أحدها بالآخر، كقوله تعالى في حق المنافقين: {مثلهم كمثل ~~الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا ~~يبصرون} [البقرة: 17] {صم بكم عمي فهم لا يرجعون - أو كصيب من السماء فيه ~~ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت} ms0131 [البقرة: ~~18 - 19] إلى قوله: {إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 20] فضرب للمنافقين ~~بحسب حالهم مثلين: مثلا ناريا، ومثلا مائيا، لما في النار والماء من ~~الإضاءة والإشراق والحياة؛ فإن النار مادة النور، والماء مادة الحياة، وقد ~~جعل الله سبحانه الوحي الذي أنزله من السماء متضمنا لحياة القلوب ~~واستنارتها، ولهذا سماه روحا ونورا، وجعل قابليه أحياء في النور، ومن لم ~~يرفع به رأسا أمواتا في الظلمات، وأخبر عن حال # PageV01P116 # المنافقين بالنسبة إلى حظهم من الوحي وأنهم بمنزلة من استوقد نارا لتضيء ~~له وينتفع بها، وهذا لأنهم دخلوا في الإسلام فاستضاءوا به، وانتفعوا به، ~~وآمنوا به، وخالطوا المسلمين، ولكن لما لم يكن لصحبتهم مادة من قلوبهم من ~~نور الإسلام طفئ عنهم، وذهب الله بنورهم، ولم يقل بنارهم؛ فإن النار فيها ~~الإضاءة والإحراق، فذهب الله بما فيها من الإضاءة، وأبقى عليهم ما فيها من ~~الإحراق، وتركهم في ظلمات لا يبصرون، فهذا حال من أبصر ثم عمي، وعرف ثم ~~أنكر، ودخل في الإسلام ثم فارقه بقلبه، فهو لا يرجع إليه؛ ولهذا قال: {فهم ~~لا يرجعون} [البقرة: 18] ثم ذكر حالهم بالنسبة إلى المثل المائي، فشبههم ~~بأصحاب صيب - وهو المطر الذي يصوب أي ينزل من السماء - فيه ظلمات ورعد ~~وبرق، فلضعف بصائرهم وعقولهم اشتدت عليهم زواجر القرآن ووعيده وتهديده ~~وأوامره ونواهيه وخطابه الذي يشبه الصواعق، فحالهم كحال من أصابه مطر فيه ~~ظلمة ورعد وبرق، فلضعفه وخوره جعل أصبعيه في أذنيه، وغمض عينيه خشية من ~~صاعقة تصيبه، وقد شاهدنا نحن وغيرنا كثيرا من مخانيث تلاميذ الجهمية ~~والمبتدعة إذا سمعوا شيئا من آيات الصفات وأحاديث الصفات المنافية لبدعتهم ~~رأيتهم عنها معرضين، كأنهم حمر مستنفرة، فرت من قسورة. # ويقول مخنثهم: سدوا عنا هذا الباب، واقرءوا شيئا غير هذا، وترى قلوبهم ~~مولية وهم يجمحون لثقل معرفة الرب سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته على عقولهم ~~وقلوبهم، وكذلك المشركون على اختلاف شركهم، إذا جرد لهم التوحيد وتليت ~~عليهم النصوص المبطلة لشركهم اشمأزت قلوبهم، وثقلت عليهم، ولو وجدوا السبيل ~~إلى سد آذانهم لفعلوا، ولذلك ms0132 تجد أعداء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا سمعوا نصوص الثناء على الخلفاء الراشدين وصحابة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ثقل ذلك عليهم جدا، وأنكرته قلوبهم؛ وهذا كله شبه ظاهر، ~~ومثل محقق من إخوانهم من المنافقين في المثل الذي ضربه الله لهم بالماء؛ ~~فإنهم لما تشابهت قلوبهم تشابهت أعمالهم. # فصل # وقد ذكر الله المثلين المائي والناري في سورة الرعد، ولكن في حق ~~المؤمنين؛ فقال تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل ~~السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال} [الرعد: 17] شبه الوحي الذي أنزله ~~لحياة القلوب والأسماع والأبصار بالماء الذي أنزله لحياة الأرض بالنبات، ~~وشبه القلوب بالأودية، فقلب كبير يسع علما عظيما كواد كبير يسع ماء # PageV01P117 # كثيرا وقلب صغير إنما يسع يحسبه كالوادي الصغير، فسالت أودية بقدرها، ~~واحتملت قلوب من الهدى والعمل بقدرها؛ وكما أن السيل إذا خالط الأرض ومر ~~عليها احتمل غثاء وزبدا فكذلك الهدى والعلم إذا خالط القلوب أثار ما فيها ~~من الشهوات والشبهات ليقلعها ويذهبها كما يثير الدواء وقت شربه من البدن ~~أخلاطه فيتكدر بها شاربه، وهي من تمام نفع الدواء، فإنه أثارها ليذهب بها، ~~فإنه لا يجامعها ولا يشاركها؛ وهكذا يضرب الله الحق والباطل، ثم ذكر المثل ~~الناري فقال: {ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله} ~~[الرعد: 17] وهو الخبث الذي يخرج عند سبك الذهب والفضة والنحاس والحديد ~~فتخرجه النار وتميزه وتفصله عن الجوهر الذي ينتفع به فيرمى ويطرح ويذهب ~~جفاء؛ فكذلك الشهوات والشبهات يرميها قلب المؤمن ويطرحها ويجفوها كما يطرح ~~السيل والنار ذلك الزبد والغثاء والخبث، ويستقر في قرار الوادي الماء ~~الصافي الذي يستقي منه الناس ويزرعون ويسقون أنعامهم، كذلك يستقر في قرار ~~القلب وجذره الإيمان الخالص الصافي الذي ينفع صاحبه وينتفع به غيره؛ ومن لم ~~يفقه هذين المثلين ولم يتدبرهما ms0133 ويعرف ما يراد منهما فليس من أهلهما، والله ~~الموفق. # فصل # ومنها قوله تعالى: {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء ~~فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ~~وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها ~~حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون} [يونس: 24] شبه ~~سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزين في عين الناظر فتروقه بزينتها وتعجبه ~~فيميل إليها ويهواها اغترارا منه بها، حتى إذا ظن أنه مالك لها قادر عليها ~~سلبها بغتة أحوج ما كان إليها، وحيل بينه وبينها، فشبهها بالأرض التي ينزل ~~الغيث عليها فتعشب ويحسن نباتها ويروق منظرها للناظر، فيغتر به، ويظن أنه ~~قادر عليها، مالك لها، فيأتيها أمر الله فتدرك نباتها الآفة بغتة، فتصبح ~~كأن لم تكن قبل، فيخيب ظنه، وتصبح يداه صفرا منها: فكذا حال الدنيا والواثق ~~بها سواء؛ وهذا من أبلغ التشبيه والقياس، ولما كانت الدنيا عرضة لهذه ~~الآفات، والجنة سليمة منها قال: {والله يدعو إلى دار السلام} [يونس: 25] ~~فسماها هنا دار السلام لسلامتها من هذه الآفات التي ذكرها في الدنيا، فعم ~~بالدعوة إليها، وخص بالهداية من يشاء، فذاك عدله وهذا فضله # PageV01P118 # فصل. # ومنها قوله تعالى: {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل ~~يستويان مثلا أفلا تذكرون} [هود: 24] فإنه سبحانه ذكر الكفار، ووصفهم بأنهم ~~ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون، ثم ذكر المؤمنين، ووصفهم ~~بالإيمان والعمل الصالح والإخبات إلى ربهم، فوصفهم بعبودية الظاهر والباطن، ~~وجعل أحد الفريقين كالأعمى والأصم من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق أصم ~~عن سماعه؛ فشبهه بمن بصره أعمى عن رؤية الأشياء وسمعه أصم عن سماع الأصوات، ~~والفريق الآخر بصير القلب سميعه، كبصير العين وسميع الأذن؛ فتضمنت الآية ~~قياسين وتمثيلين للفريقين، ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله: {هل يستويان ~~مثلا} [هود: 24] . # ومنها قوله تعالى: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت ~~اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون} [العنكبوت: 41] ~~فذكر ms0134 سبحانه أنهم ضعفاء، وأن الذين اتخذوهم أولياءهم أضعف منهم، فهم في ~~ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت اتخذت بيتا، وهو أوهن البيوت ~~وأضعفها؛ وتحت هذا المثل أن هؤلاء المشركين أضعف ما كانوا حين اتخذوا من ~~دون الله أولياء فلم يستفيدوا بمن اتخذوهم أولياء إلا ضعفا، كما قال تعالى: ~~{واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا} [مريم: 81] {كلا سيكفرون ~~بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} [مريم: 82] وقال تعالى: {واتخذوا من دون الله ~~آلهة لعلهم ينصرون - لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون} [يس: 74 - 75] ~~. # وقال بعد أن ذكر إهلاك الأمم المشركين: {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ~~فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما ~~زادوهم غير تتبيب} [هود: 101] . # فهذه أربعة مواضع في القرآن تدل على أن من اتخذ من دون الله وليا يتعزز ~~به ويتكبر به ويستنصر به لم يحصل له به إلا ضد مقصوده، وفي القرآن أكثر من ~~ذلك، وهذا من أحسن الأمثال وأدلها على بطلان الشرك وخسارة صاحبه وحصوله على ~~ضد مقصوده. # فإن قيل: فهم يعلمون أن أوهن البيوت بيت العنكبوت، فكيف نفى عنهم علم ذلك ~~بقوله: {لو كانوا يعلمون} [العنكبوت: 64] . # فالجواب أنه سبحانه لم ينف عنهم علمهم بوهن بيت العنكبوت، وإنما نفى عنهم # PageV01P119 # علمهم بأن اتخاذهم أولياء من دونه كالعنكبوت اتخذت بيتا فلو علموا ذلك ~~لما فعلوه، ولكن ظنوا أن اتخاذهم الأولياء من دونه يفيدهم عزا، وقدرة، فكان ~~الأمر بخلاف ما ظنوه. # فصل # ومنها قوله تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ~~حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب - ~~أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق ~~بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} ~~[النور: 39 - 40] . # ذكر سبحانه للكافرين مثلين: مثلا بالسراب، ومثلا بالظلمات المتراكمة، ~~وذلك لأن المعرضين عن الهدى والحق نوعان: # أحدهما: ms0135 من يظن أنه على شيء فيتبين له عند انكشاف الحقائق خلاف ما كان ~~يظنه، وهذه حال أهل الجهل وأهل البدع والأهواء الذين يظنون أنهم على هدى ~~وعلم، فإذا انكشفت الحقائق تبين لهم أنهم لم يكونوا على شيء، وأن عقائدهم ~~وأعمالهم التي ترتبت عليها كانت كسراب بقيعة يرى في عين الناظر ماء ولا ~~حقيقة له، وهكذا الأعمال التي لغير الله وعلى غير أمره، يحسبها العامل ~~نافعة له وليست كذلك، وهذه هي الأعمال التي قال الله عز وجل فيها: {وقدمنا ~~إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} [الفرقان: 23] وتأمل جعل الله ~~سبحانه السراب بالقيعة - وهي الأرض القفر الخالية من البناء والشجر والنبات ~~والعالم - فمحل السراب أرض قفر لا شيء بها، والسراب لا حقيقة له، وذلك ~~مطابق لأعمالهم وقلوبهم التي أقفرت من الإيمان والهدى. # وتأمل ما تحت قوله: {يحسبه الظمآن ماء} [النور: 39] والظمآن الذي قد اشتد ~~عطشه فرأى السراب فظنه ماء فتبعه فلم يجده شيئا، بل خانه أحوج ما كان إليه، ~~فكذلك هؤلاء، لما كانت أعمالهم على غير طاعة الرسول، ولغير الله جعلت ~~كالسراب، فرفعت لهم أظمأ ما كانوا وأحوج ما كانوا إليها، فلم يجدوا شيئا، ~~ووجدوا الله سبحانه ثم؛ فجازاهم بأعمالهم ووفاهم حسابهم وفي الصحيح من حديث ~~أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث التجلي يوم ~~القيامة «ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها السراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ ~~فيقولون: كنا نعبد عزير بن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، ~~فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، ثم ~~يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح بن الله، فيقال ~~لهم: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون: فيقولون: نريد أن ~~تسقينا، فيقال لهم: اشربوا، فيتساقطون» وذكر الحديث، وهذه # PageV01P120 # حال كل صاحب باطل، فإنه يخونه باطله أحوج ما كان إليه، فإن الباطل لا ~~حقيقة له، وهو كاسمه باطل؛ فإذا كان الاعتقاد غير مطابق ولا حق كان متعلقه ~~باطلا؛ وكذلك ms0136 إذا كانت غاية العمل باطلة - كالعمل لغير الله، أو على غير ~~أمره - بطل العمل ببطلان غايته، وتضرر عامله ببطلانه، وبحصول ضد ما كان ~~يؤمله، فلم يذهب عليه عمله واعتقاده، لا له ولا عليه، بل صار معذبا بفوات ~~نفعه، وبحصول ضد النفع؛ فلهذا قال تعالى: {ووجد الله عنده فوفاه حسابه ~~والله سريع الحساب} [النور: 39] فهذا مثل الضال الذي يحسب أنه على هدى. # فصل # والنوع الثاني: أصحاب مثل الظلمات المتراكمة، وهم الذين عرفوا الحق ~~والهدى، وآثروا عليه ظلمات الباطل والضلال، فتراكمت عليهم ظلمة الطبع وظلمة ~~النفوس وظلمة الجهل حيث لم يعملوا بعلمهم فصاروا جاهلين، وظلمة اتباع الغي ~~والهوى، فحالهم كحال من كان في بحر لجي لا ساحل له وقد غشيه موج ومن فوق ~~ذلك الموج موج، ومن فوقه سحاب مظلم، فهو في ظلمة البحر وظلمة الموج وظلمة ~~السحاب، وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يخرجه الله منها إلى نور ~~الإيمان، وهذان المثلان بالسراب الذي ظنه مادة الحياة وهو الماء والظلمات ~~المضادة للنور نظير المثلين اللذين ضربهما الله للمنافقين والمؤمنين، وهو ~~المثل المائي والمثل الناري، وجعل حظ المؤمنين منهما الحياة والإشراق وحظ ~~المنافقين منهما الظلمة المضادة للنور والموت المضاد للحياة؛ فكذلك الكفار ~~في هذين المثلين، حظهم من الماء السراب الذي يغر الناظر ولا حقيقة له، ~~وحظهم الظلمات المتراكمة، وهذا يجوز أن يكون المراد به حال كل طائفة من ~~طوائف الكفار، وأنهم عدموا مادة الحياة والإضاءة بإعراضهم عن الوحي؛ فيكون ~~المثلان صفتين لموصوف واحد؛ ويجوز أن يكون المراد به تنويع أحوال الكفار، ~~وأن أصحاب المثل الأول هم الذين عملوا على غير علم ولا بصيرة، بل على جهل ~~وحسن ظن بالأسلاف، فكانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وأصحاب المثل الثاني هم ~~الذين استحبوا الضلالة على الهدى، وآثروا الباطل على الحق، وعموا عنه بعد ~~أن أبصروه، وجحدوه بعد أن عرفوه، فهذا حال المغضوب عليهم، والأول حال ~~الضالين؛ وحال الطائفتين مخالف لحال المنعم عليهم المذكورين في قوله تعالى: ~~{الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة ms0137 فيها مصباح المصباح} [النور: ~~35] إلى قوله: {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من ~~يشاء بغير حساب} [النور: 38] فتضمنت الآيات أوصاف الفرق الثلاثة: المنعم # PageV01P121 # عليهم وهم أهل النور، والضالين وهم أصحاب السراب، والمغضوب عليهم وهم أهل ~~الظلمات المتراكمة، والله أعلم. # فالمثل الأول من المثلين لأصحاب العمل الباطل الذي لا ينفع، والمثل ~~الثاني لأصحاب العلم الذي لا ينفع والاعتقادات الباطلة، وكلاهما مضاد للهدى ~~ودين الحق، ولهذا مثل حال الفريق الثاني في تلاطم أمواج الشكوك والشبهات ~~والعلوم الفاسدة في قلوبهم بتلاطم أمواج البحر فيه، وأنها أمواج متراكمة من ~~فوقها سحاب مظلم، وهكذا أمواج الشكوك والشبه في قلوبهم المظلمة التي قد ~~تراكمت عليها سحب الغي والهوى والباطل، فليتدبر اللبيب أحوال الفريقين، ~~وليطابق بينهما وبين المثلين، يعرف عظمة القرآن وجلالته، وأنه تنزيل من ~~حكيم حميد. # وأخبر سبحانه أن الموجب لذلك أنه لم يجعل لهم نورا، بل تركهم على الظلمة ~~التي خلقوا فيها فلم يخرجهم منها إلى النور؛ فإنه سبحانه ولي الذين آمنوا ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور وفي المسند من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من ~~نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل» فلذلك أقول: جف القلم ~~على علم الله، فالله سبحانه خلق الخلق في ظلمة، فمن أراد هدايته جعل له ~~نورا وجوديا يحيي به قلبه وروحه كما يحيي بدنه بالروح التي ينفخها فيه، ~~فهما حياتان: حياة البدن بالروح، وحياة الروح والقلب بالنور، ولهذا سمى ~~سبحانه الوحي روحا لتوقف الحياة الحقيقية عليه، كما قال تعالى: {ينزل ~~الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده} [النحل: 2] وقال: {يلقي ~~الروح من أمره على من يشاء من عباده} [غافر: 15] وقال تعالى: {وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشاء من عبادنا} [الشورى: 52] فجعل وحيه روحا ونورا، فمن لم ~~يحيه بهذا الروح فهو ميت، ms0138 ومن لم يجعل له نورا منه فهو في الظلمات ما له من ~~نور. # فصل # ومنها قوله تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا ~~كالأنعام بل هم أضل سبيلا} [الفرقان: 44] فشبه أكثر الناس بالأنعام، ~~والجامع بين النوعين التساوي في عدم قبول الهدى والانقياد له، وجعل ~~الأكثرين أضل سبيلا من الأنعام؛ لأن البهيمة يهديها سائقها فتهتدي وتتبع ~~الطريق، فلا تحيد عنها يمينا ولا شمالا، والأكثرون # PageV01P122 # يدعوهم الرسل ويهدونهم السبيل فلا يستجيبون ولا يهتدون ولا يفرقون بين ما ~~يضرهم وبين ما ينفعهم، والأنعام تفرق بين ما يضرها من النبات والطريق ~~فتجتنبه وما ينفعها فتؤثره، والله تعالى لم يخلق للأنعام قلوبا تعقل بها، ~~ولا ألسنة تنطق بها، وأعطى ذلك لهؤلاء ثم لم ينتفعوا بما جعل لهم من العقول ~~والقلوب والألسنة والأسماع والأبصار، فهم أضل من البهائم، فإن من لا يهتدي ~~إلى الرشد وإلى الطريق مع الدليل إليه أضل وأسوأ حالا ممن لا يهتدي حيث لا ~~دليل معه. # فصل # ومنها قوله تعالى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من ~~شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يعقلون} [الروم: 28] وهذا دليل قياس احتج الله سبحانه به على ~~المشركين حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء، فأقام عليهم حجة يعرفون صحتها ~~من نفوسهم، لا يحتاجون فيها إلى غيرهم، ومن أبلغ الحجاج أن يأخذ الإنسان من ~~نفسه، ويحتج عليه بما هو في نفسه، مقرر عندها، معلوم لها، فقال: هل لكم مما ~~ملكت أيمانكم من عبيدكم وإمائكم شركاء في المال والأهل؟ أي هل يشارككم ~~عبيدكم في أموالكم وأهليكم فأنتم وهم في ذلك سواء تخافون أن يقاسموكم ~~أموالكم ويشاطروكم إياها، ويستأثرون ببعضها عليكم، كما يخاف الشريك شريكه؟ ~~وقال ابن عباس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا، والمعنى هل يرضى ~~أحد منكم أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله حتى يساويه في التصرف في ذلك ~~فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأمر يتصرف فيه ms0139 كما يخاف غيره من الشركاء ~~والأحرار؟ فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم فلم عدلتم بي من خلقي من هو مملوك لي؟ ~~فإن كان هذا الحكم باطلا في فطركم وعقولكم - مع أنه جائز عليكم ممكن في ~~حقكم؛ إذ ليس عبيدكم ملكا لكم حقيقة، وإنما هم إخوانكم جعلهم الله تحت ~~أيديكم، وأنتم وهم عبيد لي - فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي، مع أن من ~~جعلتموهم لي شركاء عبيدي وملكي وخلقي؟ فهكذا يكون تفصيل الآيات لأولي ~~العقول ### | [فصل قياس العكس] # فصل [مثل من قياس العكس] # ومنها قوله تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن ~~رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون - وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو ~~كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على ~~صراط مستقيم} [النحل: 75 - 76] # PageV01P123 # هذان مثلان متضمنان قياسين من قياس العكس، وهو نفي الحكم لنفي علته ~~وموجبه، فإن القياس نوعان: قياس طرد يقتضي إثبات الحكم في الفرع لثبوت علة ~~الأصل فيه؛ وقياس عكس يقتضي نفي الحكم عن الفرع لنفي علة الحكم فيه؛ فالمثل ~~الأول ما ضربه الله سبحانه لنفسه وللأوثان، فالله سبحانه هو المالك لكل شيء ~~ينفق كيف يشاء على عبيده سرا وجهرا وليلا ونهارا يمينه ملأى لا يغيضها نفقة ~~سحاء الليل والنهار، والأوثان مملوكة عاجزة لا تقدر على شيء، فكيف يجعلونها ~~شركاء لي ويعبدونها من دوني مع هذا التفاوت العظيم والفرق المبين؟ # هذا قول مجاهد وغيره؛ وقال ابن عباس: هو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، ~~ومثل المؤمن في الخير الذي عنده ثم رزقه منه رزقا حسنا فهو ينفق منه على ~~نفسه وعلى غيره سرا وجهرا، والكافر بمنزلة عبد مملوك عاجز لا يقدر على شيء ~~لأنه لا خير عنده، فهل يستوي الرجلان عند أحد من العقلاء؟ والقول الأول ~~أشبه بالمراد، فإنه أظهر في بطلان الشرك، وأوضح عند المخاطب، وأعظم في ~~إقامة ms0140 الحجة، وأقرب نسبا بقوله: {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا ~~من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون} [النحل: 73] {فلا تضربوا لله ~~الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون} [النحل: 74] ثم قال: {ضرب الله مثلا ~~عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} [النحل: 75] ومن لوازم هذا المثل وأحكامه أن ~~يكون المؤمن الموحد كمن رزقه منه رزقا حسنا، والكافر المشرك كالعبد المملوك ~~الذي لا يقدر على شيء، فهذا مما نبه عليه المثل وأرشد إليه، فذكره ابن عباس ~~منبها على إرادته لا أن الآية اختصت به، فتأمله فإنك تجده كثيرا في كلام ~~ابن عباس وغيره من السلف في فهم القرآن، فيظن أن ذلك هو معنى الآية التي لا ~~معنى لها غيره فيحكيه قوله. # فصل. # وأما المثل الثاني فهو مثل ضربه الله سبحانه وتعالى لنفسه ولما يعبد من ~~دونه أيضا فالصنم الذي يعبد من دونه بمنزلة رجل أبكم لا يعقل ولا ينطق، بل ~~هو أبكم القلب واللسان، قد عدم النطق القلبي واللساني، ومع هذا فهو عاجز لا ~~يقدر على شيء ألبتة، ومع هذا فأينما أرسلته لا يأتيك بخير، ولا يقضي لك ~~حاجة، والله سبحانه حي قادر متكلم، يأمر بالعدل، وهو صراط مستقيم، وهذا وصف ~~له بغاية الكمال والحمد، فإن أمره بالعدل - وهو الحق - يتضمن أنه سبحانه ~~عالم به، معلم له، راض به، آمر لعباده به، محب لأهله، لا # PageV01P124 # يأمر بسواه، بل تنزه عن ضده الذي هو الجور والظلم والسفه والباطل، بل ~~أمره وشرعه عدل كله، وأهل العدل هم أولياؤه وأحباؤه، وهم المجاورون له عن ~~يمينه على منابر من نور، وأمره بالعدل يتناول الأمر الشرعي الديني والأمر ~~القدري الكوني، وكلاهما عدل لا جور فيه بوجه ما، كما في الحديث الصحيح: ~~«اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في ~~قضاؤك» فقضاؤه هو أمره الكوني. # فإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، فلا يأمر إلا بحق وعدل، ~~وقضاؤه وقدره القائم به حق وعدل، وإن كان في المقضي ms0141 المقدر ما هو جور وظلم ~~فالقضاء غير المقضي، والقدر غير المقدر، ثم أخبر سبحانه أنه على صراط ~~مستقيم، وهذا نظير قول رسوله شعيب: {إني توكلت على الله ربي وربكم ما من ~~دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} [هود: 56] فقوله: {ما من ~~دابة إلا هو آخذ بناصيتها} [هود: 56] نظير قوله: «ناصيتي بيدك» وقوله: {إن ~~ربي على صراط مستقيم} [هود: 56] نظير قوله: «عدل في قضاؤك» . # فالأول ملكه، والثاني حمده، وهو سبحانه له الملك وله الحمد، وكونه سبحانه ~~على صراط مستقيم يقتضي أنه لا يقول إلا الحق، ولا يأمر إلا بالعدل، ولا ~~يفعل إلا ما هو مصلحة ورحمة وحكمة وعدل؛ فهو على الحق في أقواله وأفعاله؛ ~~فلا يقضي على العبد بما يكون ظالما له به، ولا يأخذه بغير ذنبه، ولا ينقصه ~~من حسناته شيئا، ولا يحمل عليه من سيئات غيره التي لم يعملها ولم يتسبب ~~إليها شيئا، ولا يؤاخذ أحدا بذنب غيره، ولا يفعل قط ما لا يحمد عليه، ويثنى ~~به عليه، ويكون له فيه العواقب الحميدة، والغايات المطلوبة، فإن كونه على ~~صراط مستقيم يأبى ذلك كله. # قال محمد بن جرير الطبري: وقوله: {إن ربي على صراط مستقيم} [هود: 56] ~~يقول: إن ربي على طريق الحق، يجازي المحسن من خلقه بإحسانه، والمسيء ~~بإساءته، لا يظلم أحدا منهم شيئا، ولا يقبل منهم إلا الإسلام له، والإيمان ~~به، ثم حكى عن مجاهد من طريق شبل بن أبي نجيح عنه: {إن ربي على صراط ~~مستقيم} [هود: 56] قال: الحق، وكذلك رواه ابن جريج عنه. # وقالت فرقة: هي مثل قوله: {إن ربك لبالمرصاد} [الفجر: 14] وهذا اختلاف ~~عبارة، فإن كونه بالمرصاد هو مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. # وقالت فرقة: في الكلام حذف، تقديره: إن ربي يحثكم على صراط مستقيم ويحضكم ~~عليه؛ وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية التي أريد بها فليس كما زعموا، ~~ولا دليل على هذا المقدر، وقد فرق سبحانه بين كونه آمرا بالعدل وبين كونه ~~على صراط # PageV01P125 # مستقيم، وإن أرادوا أن حثه على ms0142 الصراط المستقيم من جملة كونه على صراط ~~مستقيم فقد أصابوا. # وقالت فرقة أخرى: معنى كونه على صراط مستقيم أن مرد العباد والأمور كلها ~~إلى الله لا يفوته شيء منها، وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية فليس ~~كذلك، وإن أرادوا أن هذا من لوازم كونه على صراط مستقيم ومن مقتضاه وموجبه ~~فهو حق. # وقالت فرقة أخرى: معناه كل شيء تحت قدرته وقهره وفي ملكه وقبضته، وهذا ~~وإن كان حقا فليس هو معنى الآية، وقد فرق شعيب بين قوله: {ما من دابة إلا ~~هو آخذ بناصيتها} [هود: 56] وبين قوله: {إن ربي على صراط مستقيم} [هود: 56] ~~فهما معنيان مستقلان # فالقول قول مجاهد، وهو قول أئمة التفسير، ولا تحتمل العربية غيره إلا على ~~استكراه؛ وقال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز: # أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم # وقد قال تعالى: {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} ~~[الأنعام: 39] وإذا كان سبحانه هو الذي جعل رسله وأتباعهم على الصراط ~~المستقيم في أقوالهم وأفعالهم فهو سبحانه أحق بأن يكون على صراط مستقيم في ~~قوله وفعله، وإن كان صراط الرسل وأتباعهم هو موافقة أمره؛ فصراطه الذي هو ~~سبحانه عليه هو ما يقتضيه حمده وكماله ومجده من قول الحق وفعله، وبالله ~~التوفيق. # فصل # وفي الآية قول ثان مثل الآية الأولى سواء، أنه مثل ضربه الله للمؤمن ~~والكافر، وقد تقدم ما في هذا القول، وبالله التوفيق. # فصل # ومنها قوله تعالى في تشبيه من أعرض عن كلامه وتدبره: {فما لهم عن التذكرة ~~معرضين} [المدثر: 49] {كأنهم حمر مستنفرة} [المدثر: 50] {فرت من قسورة} ~~[المدثر: 51] شبههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحمر رأت الأسد أو الرماة ~~ففرت منه، وهذا من بديع القياس والتمثيل، فإن القوم في جهلهم بما بعث الله ~~به رسوله كالحمر، وهي لا تعقل شيئا، فإذا سمعت صوت الأسد أو الرمي نفرت منه ~~أشد النفور، وهذا غاية الذم لهؤلاء، فإنهم نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم ~~وحياتهم كنفور الحمر عن ما يهلكها ويعقرها، وتحت # PageV01P126 # المستنفرة ms0143 معنى أبلغ من النافرة؛ فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضها بعضا ~~وحضه على النفور، فإن في الاستفعال من الطلب قدرا زائدا على الفعل المجرد ~~فكأنها تواصت بالنفور، وتواطأت عليه، ومن قرأها بفتح الفاء فالمعنى أن ~~القسورة استنفرها وحملها على النفور ببأسه وشدته. # فصل. # ومنها قوله تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار ~~يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين} [الجمعة: 5] فقاس من حمله سبحانه كتابه ليؤمن به ويتدبره ويعمل ~~به ويدعو إليه ثم خالف ذلك ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقراءته بغير تدبر ~~ولا تفهم ولا اتباع ولا تحكيم له وعمل بموجبه، كحمار على ظهره زاملة أسفار ~~لا يدري ما فيها، وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا؛ فحظه من كتاب الله كحظ ~~هذا الحمار من الكتب التي على ظهره؛ فهذا المثل وإن كان قد ضرب لليهود فهو ~~متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن فترك العمل به، ولم يؤد حقه، ولم يرعه ~~حق رعايته. # فصل. # ومنها قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ~~فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين - ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى ~~الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك ~~مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} [الأعراف: 175 - ~~176] فشبه سبحانه من آتاه كتابه وعلمه العلم الذي منعه غيره، فترك العمل ~~به، واتبع هواه وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوق على ~~الخالق؛ بالكلب الذي هو من أخبث الحيوانات، وأوضعها قدرا، وأخسها نفسا، ~~وهمته لا تتعدى بطنه، وأشدها شرها وحرصا، ومن حرصه أنه لا يمشي إلا وخطمه ~~في الأرض يتشمم ويستروح حرصا وشرها، ولا يزال يشم دبره دون سائر أجزائه، ~~وإذا رميت إليه بحجر رجع إليه ليعضه من فرط نهمته، وهو من أمهن الحيوانات، ~~وأحملها للهوان، وأرضاها بالدنايا، والجيف القذرة المروحة أحب إليه من ~~اللحم الطري، والعذرة أحب إليه من الحلوى، وإذا ms0144 ظفر بميتة تكفي مائة كلب لم ~~يدع كلبا واحدا يتناول # PageV01P127 # منها شيئا إلا هر عليه وقهره لحرصه وبخله وشرهه، ومن عجيب أمره وحرصه أنه ~~إذا رأى ذا هيئة رثة وثياب دنية وحال زرية نبحه وحمل عليه، كأنه يتصور ~~مشاركته له ومنازعته في قولته، وإذا رأى ذا هيئة حسنة وثياب جميلة ورياسة ~~وضع له خطمه بالأرض، وخضع له، ولم يرفع إليه رأسه. # وفي تشبيه من آثر الدنيا وعاجلها على الله والدار الآخرة مع وفور علمه ~~بالكلب في حال لهثه سر بديع، وهو أن هذا الذي حاله ما ذكره الله من انسلاخه ~~من آياته واتباعه هواه إنما كان لشدة لهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن الله ~~والدار الآخرة فهو شديد اللهف عليها، ولهفه نظير لهف الكلب الدائم في حال ~~إزعاجه وتركه، واللهف واللهث شقيقان وأخوان في اللفظ والمعنى، قال ابن ~~جريج: الكلب منقطع الفؤاد، لا فؤاد له، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، ~~فهو مثل الذي يترك الهدى، لا فؤاد له، إنما فؤاده منقطع؛ قلت: مراده ~~بانقطاع فؤاده أنه ليس له فؤاد يحمله على الصبر وترك اللهث؛ وهكذا الذي ~~انسلخ من آيات الله، لم يبق معه فؤاد يحمله على الصبر عن الدنيا وترك اللهف ~~عليها، فهذا يلهف على الدنيا من قلة صبره عنها، وهذا يلهث من قلة صبره عن ~~الماء، فالكلب من أقل الحيوانات صبرا عن الماء، وإذا عطش أكل الثرى من ~~العطش، وإن كان فيه صبر على الجوع؛ وعلى كل حال فهو من أشد الحيوانات لهثا، ~~يلهث قائما وقاعدا وماشيا وواقفا، وذلك لشدة حرصه؛ فحرارة الحرص في كبده ~~توجب له دوام اللهث، فهكذا مشبهه شدة الحرص وحرارة الشهوة في قلبه توجب له ~~دوام اللهف، فإن حملت عليه الموعظة والنصيحة فهو يلهف، وإن تركته ولم تعظه ~~فهو يلهف، قال مجاهد: وذلك مثل الذي أوتي الكتاب ولم يعمل به. # وقال ابن عباس: إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها، وإن تركته لم يهتد إلى ~~خير، كالكلب إن كان رابضا لهث وإن طرد لهث، ms0145 وقال الحسن: هو المنافق لا يثبت ~~على الحق، دعي أو لم يدع، وعظ أو لم يوعظ، كالكلب يلهث طرد أو ترك. # وقال عطاء: ينبح إن حملت عليه أو لم تحمل عليه، وقال أبو محمد بن قتيبة: ~~كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال ~~وحال الراحة وحال الصحة وحال المرض والعطش، فضربه الله مثلا لمن كذب ~~بآياته، وقال: إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث وإن ~~تركته على حاله لهث، ونظيره قوله سبحانه: {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم ~~سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون} [الأعراف: 193] # PageV01P128 # وتأمل ما في هذا المثل من الحكم والمعنى: فمنها قوله: {آتيناه آياتنا} ~~[الأعراف: 175] فأخبر سبحانه أنه هو الذي آتاه آياته، فإنها نعمة، والله هو ~~الذي أنعم بها عليه، فأضافها إلى نفسه، ثم قال: {فانسلخ منها} [الأعراف: ~~175] أي خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها، وفارقها فراق الجلد يسلخ عن ~~اللحم، ولم يقل فسلخناه منها لأنه هو الذي تسبب إلى انسلاخه منها باتباع ~~هواه. # ومنها قوله سبحانه: {فأتبعه الشيطان} [الأعراف: 175] أي لحقه وأدركه كما ~~قال في قوم فرعون: {فأتبعوهم مشرقين} [الشعراء: 60] وكان محفوظا محروسا ~~بآيات الله، محمي الجانب بها من الشيطان، لا ينال منه شيئا إلا على غرة ~~وخطفة، فلما انسلخ من آيات الله ظفر به الشيطان ظفر الأسد بفريسته، فكان من ~~الغاوين العاملين بخلاف عملهم، الذين يعرفون الحق ويعملون بخلافه، كعلماء ~~السوء، ومنها أنه سبحانه قال: {ولو شئنا لرفعناه بها} [الأعراف: 176] فأخبر ~~سبحانه أن الرفعة عنده ليست بمجرد العلم، فإن هذا كان من العلماء، وإنما هي ~~باتباع الحق وإيثاره وقصد مرضاة الله. # فإن هذا كله من أعلم أهل زمانه، ولم يرفعه الله بعلمه ولم ينفعه به فنعوذ ~~بالله من علم لا ينفع، وأخبر سبحانه أنه هو الذي يرفع عبده إذا شاء بما ~~آتاه من العلم، وإن لم يرفعه الله فهو موضوع لا يرفع أحد به رأسا، فإن ~~الخافض الرافع سبحانه خفضه ms0146 ولم يرفعه، والمعنى لو شئنا فضلناه وشرفناه ~~ورفعنا قدره ومنزلته بالآيات التي آتيناه، قال ابن عباس: ولو شئنا لرفعناه ~~بعمله بها، وقالت طائفة: الضمير في قوله: {لرفعناه} [الأعراف: 176] عائد ~~على الكفر، والمعنى لو شئنا لرفعنا عنه الكفر بما معه من آياتنا، قال مجاهد ~~وعطاء: لرفعنا عنه الكفر بالإيمان وعصمناه؛ وهذا المعنى حق، والأول هو مراد ~~الآية، وهذا من لوازم المراد، وقد تقدم أن السلف كثيرا ما ينبهون على لازم ~~معنى الآية فيظن الظان أن ذلك هو المراد منها: وقوله: {ولكنه أخلد إلى ~~الأرض} [الأعراف: 176] قال سعيد بن جبير: ركن إلى الأرض. # وقال مجاهد: سكن، وقال مقاتل: رضي بالدنيا، وقال أبو عبيدة: لزمها وأبطأ، ~~والمخلد من الرجال: هو الذي يبطئ مشيته، ومن الدواب: التي تبقى ثناياه إلى ~~أن تخرج رباعيته، وقال الزجاج: خلد وأخلد، وأصله من الخلود وهو الدوام ~~والبقاء، ويقال: أخلد فلان بالمكان، إذا أقام به، قال مالك بن نويرة: # بأبناء حي من قبائل مالك ... وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا # قلت: ومنه قوله تعالى: {يطوف عليهم ولدان مخلدون} [الواقعة: 17] أي قد ~~خلقوا للبقاء؛ لذلك لا يتغيرون ولا يكبرون، وهم على سن واحد أبدا؛ وقيل: هم ~~المقرطون في آذانهم والمسورون في أيديهم، وأصحاب هذا القول فسروا اللفظة ~~ببعض # PageV01P129 # لوازمها، وذلك أمارة التخليد على ذلك السن، فلا تنافي بين القولين. # وقوله: {واتبع هواه} [الأعراف: 176] قال الكلبي: اتبع مسافل الأمور وترك ~~معاليها، وقال أبو ورق: اختار الدنيا على الآخرة، وقال عطاء: أراد الدنيا ~~وأطاع شيطانه، وقال ابن دريد: كان هواه مع القوم يعني الذين حاربوا موسى ~~وقومه، وقال يمان: اتبع امرأته لأنها هي التي حملته على ما فعل. # فإن قيل: الاستدراك بلكن يقتضي أن يثبت بعدها ما نفى قبلها، أو ينفي ما ~~أثبت، كما تقول: لو شئت لأعطيته لكني لم أعطه، ولو شئت لما فعلت كذا لكني ~~فعلته؛ فالاستدراك يقتضي ولو شئنا لرفعناه بها ولكنا لم نشأ أو لم نرفع، ~~فكيف استدرك بقوله: {ولكنه أخلد إلى الأرض} [الأعراف: 176] بعد قوله: {ولو ~~شئنا لرفعناه ms0147 بها} [الأعراف: 176] ؟ قيل: هذا من الكلام الملحوظ فيه جانب ~~المعنى المعدول فيه عن مراعاة الألفاظ إلى المعاني، وذلك أن مضمون قوله: ~~{ولو شئنا لرفعناه بها} [الأعراف: 176] أنه لم يتعاط الأسباب التي تقتضي ~~رفعه بالآيات من إيثار الله ومرضاته على هواه، ولكنه آثر الدنيا وأخلد إلى ~~الأرض واتبع هواه # وقال الزمخشري: المعنى ولو لزم آياتنا لرفعناه بها، فذكر المشيئة والمراد ~~ما هي تابعة له ومسببة عنه، كأنه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها، قال: ألا ترى ~~إلى قوله: {ولكنه أخلد} [الأعراف: 176] فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو ~~فعله، فوجب أن يكون {ولو شئنا} [الأعراف: 176] في معنى ما هو فعله، ولو كان ~~الكلام على ظاهره لوجب أن يقال: لو شئنا لرفعناه، ولكنا لم نشأ، فهذا منه ~~شنشنة نعرفها من قدري ناف للمشيئة العامة مبعد للنجعة في جعل كلام الله ~~معتزليا قدريا، فأين قوله: {ولو شئنا} [الأعراف: 176] من قوله: " ولو لزمها ~~" ثم إذا كان اللزوم لها موقوفا على مشيئة الله وهو الحق بطل أصله. # وقوله: " إن مشيئة الله تابعة للزومه الآيات " من أفسد الكلام وأبطله، بل ~~لزومه لآياته تابع لمشيئة الله، فمشيئة الله سبحانه متبوعة، لا تابعة، وسبب ~~لا مسبب، وموجب مقتض لا مقتضى، فما شاء الله وجب وجوده، وما لم يشأ امتنع ~~وجوده ### | [فصل مثل من القياس التمثيلي] # ومنها قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض ~~الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ~~فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم} [الحجرات: 12] وهذا من أحسن ~~القياس التمثيلي فإنه شبه تمزيق عرض الأخ بتمزيق لحمه، ولما كان المغتاب ~~يمزق عرض أخيه في غيبته كان # PageV01P130 # بمنزلة من يقطع لحمه في حال غيبة روحه عنه بالموت، ولما كان المغتاب ~~عاجزا عن دفعه عن نفسه بكونه غائبا عن ذمه كان بمنزلة الميت الذي يقطع لحمه ~~ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه، ولما كان مقتضى الأخوة التراحم والتواصل ~~والتناصر فعلق عليها المغتاب ضد مقتضاها من الذم والعيب ms0148 والطعن كان ذلك ~~نظير تقطيع لحم أخيه، والأخوة تقتضي حفظه وصيانته والذب عنه، ولما كان ~~المغتاب متمتعا بعرض أخيه متفكها بغيبته وذمه متحليا بذلك شبه بآكل لحم ~~أخيه بعد تقطيعه، ولما كان المغتاب محبا لذلك معجبا به شبه بمن يحب أكل لحم ~~أخيه ميتا، ومحبته لذلك قدر زائد على مجرد أكله، كما أن أكله قدر زائد على ~~تمزيقه. # فتأمل هذا التشبيه والتمثيل وحسن موقعه ومطابقة المعقول فيه المحسوس، ~~وتأمل إخباره عنهم بكراهة أكل لحم الأخ ميتا، ووصفهم بذلك في آخر الآية، ~~والإنكار عليهم في أولها أن يحب أحدهم ذلك، فكما أن هذا مكروه في طباعهم ~~فكيف يحبون ما هو مثله ونظيره: فاحتج عليهم بما كرهوه على ما أحبوه، وشبه ~~لهم ما يحبونه بما هو أكره شيء إليهم، وهم أشد شيء نفرة عنه؛ فلهذا يوجب ~~العقل والفطرة والحكمة أن يكونوا أشد شيء نفرة عما هو نظيره ومشبهه، وبالله ~~التوفيق. # فصل # ومنها قوله تعالى: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح ~~في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد} [إبراهيم: ~~18] . # فشبه تعالى أعمال الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرت عليه ~~ريح شديدة في يوم عاصف؛ فشبه سبحانه أعمالهم في حبوطها وذهابها باطلا ~~كالهباء المنثور لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان وكونها لغير الله ~~عز وجل وعلى غير أمره برماد طيرته الريح العاصف فلا يقدر صاحبه على شيء منه ~~وقت شدة حاجته إليه؛ فلذلك قال: {لا يقدرون مما كسبوا على شيء} [إبراهيم: ~~18] لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء، فلا يرون له أثرا ~~من ثواب ولا فائدة نافعة، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا ~~لوجهه، موافقا لشرعه، والأعمال أربعة، فواحد مقبول وثلاثه مردودة؛ فالمقبول ~~الخالص الصواب، فالخالص أن يكون لله لا لغيره، والصواب أن يكون مما شرعه ~~الله على لسان رسوله، والثلاثة المردودة ما خالف ذلك. # وفي تشبيهها بالرماد سر بديع، وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم ms0149 وبين الرماد ~~في إحراق النار وإذهابها لأصل هذا وهذا، فكانت الأعمال التي لغير الله وعلى ~~غير مراده طعمة # PageV01P131 # للنار، وبها تسعر النار على أصحابها، وينشئ الله سبحانه لهم من أعمالهم ~~الباطلة نارا وعذابا، كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقة لأمره ونهيه التي هي ~~خالصة لوجهه من أعمالهم نعيما وروحا، فأثرت النار في أعمال أولئك حتى ~~جعلتها رمادا، فهم وأعمالهم وما يعبدون من دون الله وقود النار. # فصل. # ومنها قوله تعالى: {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ~~ثابت وفرعها في السماء} [إبراهيم: 24] {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب ~~الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون} [إبراهيم: 25] فشبه سبحانه وتعالى ~~الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة؛ لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، ~~والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع. # وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون " الكلمة الطيبة هي شهادة ~~أن لا إله إلا الله " فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة، ~~فكل عمل صالح مرضي لله ثمرة هذه الكلمة. # وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: " كلمة طيبة شهادة أن لا إله ~~إلا الله، كشجرة طيبة وهو المؤمن، أصلها ثابت قول لا إله إلا الله، في قلب ~~المؤمن، وفرعها في السماء يقول يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء ". # وقال الربيع بن أنس: " كلمة طيبة هذا مثل الإيمان؛ فالإيمان الشجرة ~~الطيبة. وأصلها الثابت الذي لا يزول الإخلاص فيه، وفرعه في السماء خشية ~~الله " والتشبيه على هذا القول أصح وأظهر وأحسن؛ فإنه سبحانه شبه شجرة ~~التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل الباسقة الفرع في السماء ~~علوا، التي لا تزال تؤتي ثمرتها كل حين، وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته ~~مطابقا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب، التي فروعها من الأعمال ~~الصالحة صاعدة إلى السماء، ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل ~~وقت؛ بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته ~~بحقيقتها، وقيامه بحقوقها، ومراعاتها حق رعايتها، فمن رسخت هذه الكلمة في ~~قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها واتصف ms0150 قلبه بها وانصبغ بها بصبغة الله التي ~~لا أحسن صبغة منها فعرف حقيقة الإلهية التي يثبتها قلبه لله ويشهد بها ~~لسانه وتصدقها جوارحه، ونفى تلك الحقيقة ولوازمها عن كل ما سوى الله، وواطأ ~~قلبه لسانه في هذا النفي والإثبات، وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية ~~طائعة سالكة سبل ربه ذللا غير ناكبة عنها ولا باغية سواها بدلا كما لا ~~يبتغي القلب سوى معبوده الحق بدلا. # فلا ريب أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتي ثمرتها ~~من العمل الصالح الصاعد إلى الله كل وقت؛ فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت ~~هذا العمل الصالح إلى الرب تعالى، وهذه الكلمة الطيبة # PageV01P132 # تثمر كلما كثيرا طيبا يقارنه عمل صالح فيرفع العمل الصالح الكلم الطيب، ~~كما قال تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] ~~فأخبر سبحانه أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، وأخبر أن الكلمة الطيبة ~~تثمر لقائلها عملا صالحا كل وقت. # [أثر كلمة التوحيد] # والمقصود أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفا بمعناها وحقيقتها ~~نفيا وإثباتا متصفا بموجبها قائما قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته، فهذه ~~الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل من هذا الشاهد، أصلها ثابت راسخ في ~~قلبه، وفروعها متصلة بالسماء، وهي مخرجة لثمرتها كل وقت. # ومن السلف من قال: إن الشجرة الطيبة هي النخلة، ويدل عليه حديث ابن عمر ~~الصحيح، ومنهم من قال: هي المؤمن نفسه كما قال محمد بن سعد: حدثني أبي ~~حدثني عمي حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله: {ألم تر كيف ضرب الله مثلا ~~كلمة طيبة كشجرة طيبة} [إبراهيم: 24] يعني بالشجرة الطيبة المؤمن، ويعني ~~بالأصل الثابت في الأرض والفرع في السماء يكون المؤمن يعمل في الأرض ويتكلم ~~فيبلغ عمله وقوله السماء وهو في الأرض. # وقال عطية العوفي في قوله: {ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة} ~~[إبراهيم: 24] قال: ذلك مثل المؤمن، لا يزال يخرج منه كلام طيب وعمل صالح ~~يصعد إلى الله. # وقال الربيع بن أنس: {أصلها ثابت وفرعها ms0151 في السماء} [إبراهيم: 24] قال: ~~ذلك المؤمن، ضرب مثله في الإخلاص لله وحده وعبادته وحده لا شريك له، أصلها ~~ثابت، قال: أصل عمله ثابت في الأرض، وفرعها في السماء، قال: ذكره في ~~السماء، ولا اختلاف بين القولين، والمقصود بالمثل المؤمن، والنخلة مشبهة به ~~وهو مشبه بها، وإذا كانت النخلة شجرة طيبة فالمؤمن المشبه بها أولى أن يكون ~~كذلك، ومن قال من السلف إنها شجرة في الجنة فالنخلة من أشرف أشجار الجنة. # [بعض أسرار تشبيه المؤمن بالشجرة] # وفي هذا المثل من الأسرار والعلوم والمعارف ما يليق به، ويقتضيه علم الذي ~~تكلم به وحكمته. # فمن ذلك أن الشجرة لا بد لها من عروق وساق وفروع وورق وثمر، فكذلك شجرة ~~الإيمان والإسلام؛ ليطابق المشبه المشبه به، فعروقها العلم والمعرفة ~~واليقين، وساقها الإخلاص، وفروعها الأعمال، وثمرتها ما توجبه الأعمال ~~الصالحة من الآثار الحميدة والصفات # PageV01P133 # الممدوحة والأخلاق الزكية والسمت الصالح والهدي والدل المرضي، فيستدل على ~~غرس هذه الشجرة في القلب وثبوتها فيه بهذه الأمور، فإذا كان العلم صحيحا ~~مطابقا لمعلومه الذي أنزل الله كتابه به والاعتقاد مطابقا لما أخبر به عن ~~نفسه وأخبرت به عنه رسله والإخلاص قائم في القلب والأعمال موافقة للأمر، ~~والهدي والدل والسمت مشابه لهذه الأصول مناسب لها، علم أن شجرة الإيمان في ~~القلب أصلها ثابت وفرعها في السماء، وإذا كان الأمر بالعكس علم أن القائم ~~بالقلب إنما هو الشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. # ومنها: أن الشجرة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها، فإذا قطع عنها ~~السقي أوشك أن تيبس، فهكذا شجرة الإسلام في القلب إن لم يتعاهدها صاحبها ~~بسقيها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح والعود بالتذكر على التفكير ~~والتفكر على التذكر، وإلا أوشك أن تيبس، وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الإيمان يخلق في ~~القلب كما يخلق الثوب فجددوا إيمانكم» وبالجملة فالغرس إن لم يتعاهده صاحبه ~~أوشك أن يهلك، ومن هنا تعلم شدة ms0152 حاجة العباد إلى ما أمر الله به من ~~العبادات على تعاقب الأوقات وعظيم رحمته وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده بأن ~~وظفها عليها وجعلها مادة لسقي غراس التوحيد الذي غرسه في قلوبهم. # ومنها: أن الغرس والزرع النافع قد أجرى الله سبحانه العادة أنه لا بد أن ~~يخالطه دغل ونبت غريب ليس من جنسه، فإن تعاهده ربه ونقاه وقلعه كمل الغرس ~~والزرع، واستوى، وتم نباته، وكان أوفر لثمرته، وأطيب وأزكى، وإن تركه أوشك ~~أن يغلب على الغرس والزرع، ويكون الحكم له، أو يضعف الأصل ويجعل الثمرة ~~ذميمة ناقصة بحسب كثرته وقلته، ومن لم يكن له فقه نفس في هذا ومعرفة به ~~فإنه يفوته ربح كبير وهو لا يشعر؛ فالمؤمن دائما سعيه في شيئين: سقي هذه ~~الشجرة، وتنقية ما حولها، فبسقيها تبقى وتدوم وبتنقية ما حولها تكمل وتتم، ~~والله المستعان وعليه التكلان. # فهذا بعض ما تضمنه هذا المثل العظيم الجليل من الأسرار والحكم، ولعلها ~~قطرة من بحر بحسب أذهاننا الواقفة، وقلوبنا المخطئة، وعلومنا القاصرة، ~~وأعمالنا التي توجب التوبة والاستغفار، وإلا فلو طهرت منا القلوب، وصفت ~~الأذهان وزكت النفوس، وخلصت الأعمال، وتجردت لهم للتلقي عن الله ورسوله؛ ~~لشاهدنا من معاني كلام الله وأسراره وحكمه ما تضمحل عنده العلوم، وتتلاشى ~~عنده معارف الخلق، وبهذا تعرف قدر علوم # PageV01P134 # الصحابة ومعارفهم، وأن التفاوت الذي بين علومهم وعلوم من بعدهم كالتفاوت ~~الذي بينهم في الفضل، والله أعلم حيث يجعل مواقع فضله ومن يختص برحمته. # فصل. # [مثل الكافر] # ثم ذكر سبحانه مثل الكلمة الخبيثة فشبهها بالشجرة الخبيثة التي اجتثت من ~~فوق الأرض ما لها من قرار، فلا عرق ثابت، ولا فرع عال، ولا ثمرة زاكية، فلا ~~ظل، ولا جنى، ولا ساق قائم، ولا عرق في الأرض ثابت، فلا أسفلها مغدق ولا ~~أعلاها مونق، ولا جنى لها، ولا تعلو بل تعلى. # وإذا تأمل اللبيب أكثر كلام هذا الخلق في خطابهم وكسبهم وجده كذلك؛ ~~فالخسران الوقوف معه والاشتغال به عن أفضل الكلام وأنفعه. # قال الضحاك: ضرب الله مثلا للكافر بشجرة اجتثت ms0153 من فوق الأرض ما لها من ~~قرار، يقول: ليس لها أصل ولا فرع، وليس لها ثمرة، ولا فيها منفعة، كذلك ~~الكافر لا يعمل خيرا ولا يقوله، ولا يجعل الله فيه بركة ولا منفعة. # وقال ابن عباس: {ومثل كلمة خبيثة} [إبراهيم: 26]- وهي الشرك - {كشجرة ~~خبيثة} [إبراهيم: 26] يعني الكافر، {اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار} ~~[إبراهيم: 26] ، يقول: الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر ولا برهان، ولا ~~يقبل الله مع الشرك عملا، فلا يقبل عمل المشرك، ولا يصعد إلى الله، فليس له ~~أصل ثابت في الأرض ولا فرع في السماء؛ يقول: ليس له عمل صالح في السماء ولا ~~في الأرض. # وقال الربيع بن أنس: مثل الشجرة الخبيثة مثل الكافر، ليس لقوله ولا لعمله ~~أصل ولا فرع، ولا يستقر قوله ولا عمله على الأرض، ولا يصعد إلى السماء. # وقال سعيد عن قتادة في هذه الآية: أن رجلا لقي رجلا من أهل العلم فقال ~~له: ما تقول في الكلمة الخبيثة؟ قال: ما أعلم لها في الأرض مستقرا ولا في ~~السماء مصعدا، إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها يوم القيامة. # وقوله: {اجتثت} [إبراهيم: 26] أي استؤصلت من فوق الأرض، ثم أخبر سبحانه ~~عن فضله وعدله في الفريقين أصحاب الكلم الطيب والكلم الخبيث، فأخبر أنه ~~يثبت الذين آمنوا بإيمانهم بالقول الثابت أحوج ما يكونون إليه في الدنيا ~~والآخرة، وأنه يضل الظالمين وهم المشركون عن القول الثابت، فأضل هؤلاء ~~بعدله لظلمهم، وثبت المؤمنين بفضله لإيمانهم # PageV01P135 # وتحت قوله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة} [إبراهيم: 27] كنز عظيم من وفق لمظنته وأحسن استخراجه واقتناءه ~~وأنفق منه فقد غنم، ومن حرمه فقد حرم، وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت ~~الله له طرفة عين فإن لم يثبته وإلا زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما، ~~وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه عبده ورسوله: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن ~~إليهم شيئا قليلا} [الإسراء: 74] وقال تعالى لأكرم خلقه: {إذ يوحي ربك إلى ~~الملائكة أني ms0154 معكم فثبتوا الذين آمنوا} [الأنفال: 12] وفي الصحيحين من حديث ~~البجلي قال: «وهو يسألهم ويثبتهم» وقال تعالى لرسوله: {وكلا نقص عليك من ~~أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} [هود: 120] فالخلق كلهم قسمان: موفق ~~بالتثبيت، ومخذول بترك التثبيت، ومادة التثبيت أصله ومنشؤه من القول الثابت ~~وفعل ما أمر به العبد، فبهما يثبت الله عبده، فكل من كان أثبت قولا وأحسن ~~فعلا كان أعظم تثبيتا، قال تعالى: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا ~~لهم وأشد تثبيتا} [النساء: 66] فأثبت الناس قلبا أثبتهم قولا، والقول ~~الثابت هو القول الحق والصدق، وهو ضد القول الباطل الكذب؛ فالقول نوعان: ~~ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له، وأثبت القول كلمة التوحيد ولوازمها، فهي ~~أعظم ما يثبت الله بها عبده في الدنيا والآخرة؛ ولهذا ترى الصادق من أثبت ~~الناس وأشجعهم قلبا، والكاذب من أمهن الناس وأخبثهم وأكثرهم تلوثا وأقلهم ~~ثباتا، وأهل الفراسة يعرفون صدق الصادق من ثبات قلبه وقت الإخبار وشجاعته ~~ومهابته، ويعرفون كذب الكاذب بضد ذلك؛ ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة. # وسئل بعضهم عن كلام سمعه من متكلم به، فقال: والله ما فهمت منه شيئا، إلا ~~أني رأيت لكلامه صولة ليست بصولة مبطل، فما منح العبد منحة أفضل من منحة ~~القول الثابت، ويجد أهل القول الثابت ثمرته أحوج ما يكونون إليه في قبورهم ~~ويوم معادهم، كما في صحيح مسلم من حديث البراء بن عازب «عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر» . # [سؤال القبر والتثبيت فيه] وقد جاء هذا مبينا في أحاديث صحاح؛ فمنها ما ~~في المسند من حديث داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: «كنا مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في جنازة، فقال: يا أيها الناس إن هذه الأمة ~~تبتلى في قبورها، فإذا الإنسان دفن وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك بيده مطراق ~~فأقعده فقال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنا قال: أشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك ms0155 له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول له: صدقت، فيفتح ~~له باب إلى النار فيقال له: هذا # PageV01P136 # منزلك لو كفرت بربك، فأما إذ آمنت فإن الله أبدلك به هذا، ثم يفتح له باب ~~إلى الجنة، فيريد أن ينهض له، فيقال له: اسكن، ثم يفسح له في قبره، وأما ~~الكافر والمنافق فيقال له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، فيقال ~~له: لا دريت ولا اهتديت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا منزلك لو ~~آمنت بربك، فأما إذ كفرت فإن الله أبدلك به هذا، ثم يفتح له باب إلى النار، ~~ثم يقمعه الملك بالمطراق قمعة يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين، قال بعض ~~أصحابه: يا رسول الله، ما منا من أحد يقوم على رأسه ملك بيده مطراق إلا هبل ~~عند ذلك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ~~ما يشاء} [إبراهيم: 27] » . وفي المسند نحوه من حديث البراء بن عازب # ، وروى المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء قال: «قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وذكر قبض روح المؤمن فقال: يأتيه آت، يعني في قبره، ~~فيقول: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي ~~محمد - صلى الله عليه وسلم -، قال: فينتهره فيقول: ما ربك؟ وما دينك؟ وهي ~~آخر فتنة تعرض على المؤمن، فذلك حيث يقول الله: {يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [إبراهيم: 27] . فيقول: ربي ~~الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، فيقال له: صدقت» وهذا حديث صحيح # ؛ وقال حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: «قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ~~في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين} [إبراهيم: 27] قال: إذا ~~قيل له في القبر: من ربك؟ وما دينك؟ فيقول ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي ~~محمد، جاءنا بالبينات ms0156 من عند الله فآمنت به وصدقت، فيقال له: صدقت، على هذا ~~عشت، وعليه مت، وعليه تبعث» . # وقال الأعمش عن المنهال بن عمرو، وعن زاذان عن البراء بن عازب قال: «قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وذكر قبض روح المؤمن، قال: فترجع روحه ~~في جسده، ويبعث إليه ملكان شديدا الانتهار، فيجلسانه وينتهرانه ويقولان: من ~~ربك؟ فيقول: الله، وما دينك: فيقول: الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل أو ~~النبي الذي بعث فيكم؟ فيقول: محمد رسول الله، فيقولان له: وما يدريك؟ قال: ~~فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فذلك قول الله تبارك وتعالى: {يثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [إبراهيم: ~~27] » . ورواه ابن حبان في صحيحه، والإمام أحمد وفي صحيحه أيضا من حديث أبي ~~هريرة يرفعه قال: «إن الميت ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه مدبرين، فإذا ~~كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، وكان الصيام عن يساره، ~~وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس # PageV01P137 # عند رجليه، فيؤتى من عند رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، فيؤتى عن ~~يمينه فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، فيؤتى عن يساره فيقول الصيام: ما قبلي ~~مدخل، فيؤتى من عند رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف ~~والإحسان إلى الناس: ما قبلي مدخل، فيقال له: اجلس، فيجلس قد مثلت له الشمس ~~قد دنت للغروب فيقول له: أخبرنا عن ما نسألك عنه، فيقول: دعوني حتى أصلي، ~~فيقال: إنك ستفعل، فأخبرنا عما نسألك، فيقول: وعم تسألوني؟ فيقال له: أرأيت ~~هذا الرجل الذي كان فيكم، ماذا تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أمحمد ~~- صلى الله عليه وسلم -؟ فيقال: نعم، فيقول: أشهد أنه رسول الله، وأنه جاء ~~بالبينات من عند الله فصدقناه، فيقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، وعلى ~~ذلك تبعث إن شاء الله، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا، وينور له فيه، ثم ~~يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى ما أعد الله ms0157 لك فيها، فيزداد ~~غبطة وسرورا، ثم تجعل نسمته في النسم الطيب، وهي طير خضر تعلق بشجر الجنة، ~~ويعاد الجسد إلى ما بدأ منه من التراب. وذلك قول الله تعالى: {يثبت الله ~~الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [إبراهيم: 27] » ~~ولا تستطيل هذا الفصل المعترض في المفتي والشاهد والحاكم، بل وكل مسلم أشد ~~ضرورة إليه من الطعام والشراب والنفس، وبالله التوفيق # فصل. # ومنها قوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور - ~~حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير ~~أو تهوي به الريح في مكان سحيق} [الحج: 30 - 31] فتأمل هذا المثل ومطابقته ~~لحال من أشرك بالله وتعلق بغيره، ويجوز لك في هذا التشبيه أمران: # أحدهما: أن تجعله تشبيها مركبا، ويكون قد شبه من أشرك بالله وعبد معه ~~غيره برجل قد تسبب إلى هلاك نفسه هلاكا لا يرجى معه نجاة، فصور بصورة حال ~~من خر من السماء فاختطفته الطير في الهوي فتمزق مزقا في حواصلها، أو عصفت ~~به الريح حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة، وعلى هذا لا تنظر إلى كل فرد ~~من أفراد المشبه ومقابله من المشبه به. # والثاني: أن يكون من التشبيه المفرق، فيقابل كل واحد من أجزاء الممثل ~~بالممثل به، وعلى هذا فيكون قد شبه الإيمان والتوحيد في علوه وسعته وشرفه ~~بالسماء التي هي مصعده ومهبطه، فمنها هبط إلى الأرض، وإليها يصعد منها، ~~وشبه تارك الإيمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين من حيث ~~التضييق الشديد والآلام المتراكمة والطير الذي تخطف أعضاءه وتمزقه كل ممزق ~~بالشياطين التي يرسلها الله سبحانه وتعالى عليه وتؤزه أزا وتزعجه وتقلقه ~~إلى مظان هلاكه؛ فكل شيطان له # PageV01P138 # مزعة من دينه وقلبه، كما أن لكل طير مزعة من لحمه وأعضائه، والريح التي ~~تهوي به في مكان سحيق هو هواه الذي حمله على إلقاء نفسه في أسفل مكان ~~وأبعده من السماء. # فصل. # ومنها قوله تعالى: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون ms0158 من ~~دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب} [الحج: 73] {ما قدروا الله حق قدره إن ~~الله لقوي عزيز} [الحج: 74] حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل، ~~ويتدبره حق تدبره، فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه، وذلك أن المعبود أقل ~~درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده وإعدام ما يضره، والآلهة التي ~~يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق الذباب ولو اجتمعوا كلهم ~~لخلقه، فكيف ما هو أكبر منه؟ ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم ~~شيئا مما عليهم من طيب ونحوه فيستنقذوه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب ~~الذي هو من أضعف الحيوانات ولا على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم إياه، ~~فلا أعجز من هذه الآلهة، ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون ~~الله؟ # وهذا المثل من أبلغ ما أنزله الله سبحانه في بطلان الشرك، وتجهيل أهله، ~~وتقبيح عقولهم، والشهادة على أن الشيطان قد تلاعب بهم أعظم من تلاعب ~~الصبيان بالكرة حيث أعطوا الإلهية التي من بعض لوازمها القدرة على جميع ~~المقدورات والإحاطة بجميع المعلومات والغنى عن جميع المخلوقات وأن يصعد إلى ~~الرب في جميع الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإجابة الدعوات، ~~فأعطوها صورا وتماثيل يمتنع عليها القدرة على أقل مخلوقات لآلهة الحق ~~وأذلها وأصغرها وأحقرها، ولو اجتمعوا لذلك وتعاونوا عليه. # وأدل من ذلك على عجزهم وانتفاء إلهيتهم أن هذا الخلق الأقل الأذل العاجز ~~الضعيف لو اختطف منهم شيئا واستلبه فاجتمعوا على أن يستنقذوه منه لعجزوا عن ~~ذلك، ولم يقدروا عليه، ثم سوى بين العابد والمعبود في الضعف والعجز بقوله: ~~{ضعف الطالب والمطلوب} [الحج: 73] قيل: الطالب العابد والمطلوب المعبود، ~~فهو عاجز متعلق بعاجز، وقيل: هو تسوية بين السالب والمسلوب، وهو تسوية بين ~~الإله والذباب في الضعف والعجز؛ وعلى هذا فقيل: الطالب الإله الباطل، ~~والمطلوب الذباب يطلب منه ما استلبه منه، وقيل: الطالب الذباب، والمطلوب ~~الإله، فالذباب يطلب منه ما يأخذه ms0159 مما عليه، والصحيح أن اللفظ يتناول ~~الجميع، فضعف العابد والمعبود والمستلب والمستلب؛ فمن # PageV01P139 # جعل هذا إلها مع القوي العزيز فما قدره حق قدره، ولا عرفه حق معرفته، ولا ~~عظمه حق تعظيمه. # فصل. # ومنها قوله تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا ~~دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون} [البقرة: 171] فتضمن هذا المثل ناعقا ~~أي مصوتا بالغنم وغيرها، ومنعوقا به وهو الدواب، فقيل: الناعق العابد وهو ~~الداعي للصنم، والصنم هو المنعوق به المدعو، وإن حال الكافر في دعائه كحال ~~من ينعق بما لا يسمعه، هذا قول طائفة منهم عبد الرحمن بن زيد وغيره. # واستشكل صاحب الكشاف وجماعة معه هذا القول، وقالوا: قوله: {إلا دعاء ~~ونداء} [البقرة: 171] لا يساعد عليه؛ لأن الأصنام لا تسمع دعاء ولا نداء. # وقد أجيب عن هذا الاستشكال بثلاثة أجوبة: أحدها: أن " إلا " زائدة، ~~والمعنى بما لا يسمع دعاء ونداء، قالوا: وقد ذكر ذلك الأصمعي في قول ~~الشاعر: # حراجيج ما تنفك إلا مناخة # أي ما تنفك مناخة، وهذا جواب فاسد، فإن " إلا " لا تزاد في الكلام. # الجواب الثاني: أن التشبيه وقع في مطلق الدعاء لا في خصوصيات المدعو. # الجواب الثالث: أن المعنى أن مثل هؤلاء في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه ~~دعاءهم كمثل الناعق بغنمه، فلا ينتفع من نعيقه بشيء، غير أنه هو في دعاء ~~ونداء، وكذلك المشرك ليس له من دعائه وعبادته إلا العناء. # وقيل: المعنى ومثل الذين كفروا كالبهائم التي لا تفقه مما يقول الراعي ~~أكثر من الصوت؛ فالراعي هو داعي الكفار، والكفار هم البهائم المنعوق بها. # قال سيبويه: المعنى ومثلك يا محمد ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق ~~به؛ وعلى قوله فيكون المعنى: ومثل الذين كفروا وداعيهم كمثل الغنم والناعق ~~بها # PageV01P140 # ولك أن تجعل هذا من التشبيه المركب، وأن تجعله من التشبيه المفرق، فإن ~~جعلته من المركب كان تشبيها للكفار في عدم فقههم وانتفاعهم بالغنم التي ~~ينعق بها الراعي فلا تفقه من قوله شيئا غير الصوت المجرد هو الدعاء ~~والنداء، ms0160 وإن جعلته من التشبيه المفرق فالذين كفروا بمنزلة البهائم، ودعاء ~~داعيهم إلى الطريق والهدى بمنزلة الذي ينعق بها، ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة ~~النعق، وإدراكهم مجرد الدعاء والنداء كإدراك البهائم مجرد صوت الناعق، ~~والله أعلم # فصل. # ومنها قوله تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة ~~أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع ~~عليم} [البقرة: 261] شبه سبحانه نفقة المنفق في سبيله، سواء كان المراد به ~~الجهاد أو جميع سبل الخير من كل بر، بمن بذر بذرا فأنبتت كل حبة منه سبع ~~سنابل اشتملت كل سنبلة على مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء فوق ذلك بحسب ~~حال المنفق وإيمانه وإخلاصه وإحسانه ونفع نفقته وقدرها ووقوعها موقعها؛ فإن ~~ثواب الإنفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الإيمان والإخلاص والتثبيت عند ~~النفقة، وهو إخراج المال بقلب ثابت قد انشرح صدره بإخراجه، وسمحت به نفسه، ~~وخرج من قلبه خروجه من يده، فهو ثابت القلب عند إخراجه، غير جزع ولا هلع ~~ولا متبعه نفسه ترجف يده وفؤاده، ويتفاوت بحسب نفع الإنفاق ومصارفه ~~بمواقعه، وبحسب طيب المنفق وزكاته وتحت هذا المثل من الفقه أنه سبحانه شبه ~~الإنفاق بالبذر. # فالمنفق ماله الطيب لله لا لغيره باذر ماله في أرض زكية، فمغله بحسب بذره ~~وطيب أرضه وتعاهد البذر بالسقي ونفي الدغل والنبات الغريب عنه، فإذا اجتمعت ~~هذه الأمور ولم تحرق الزرع نار ولا لحقته جائحة جاء أمثال الجبال، وكان ~~مثله كمثل جنة بربوة وهي المكان المرتفع الذي تكون الجنة فيه نصب الشمس ~~والرياح فتتربى الأشجار هناك أتم تربية فنزل عليها من السماء مطر عظيم ~~القطر متتابع فرواها ونماها فآتت أكلها ضعفي ما يؤتيه غيرها بسبب ذلك ~~الوابل، فإن لم يصبها وابل فطل: مطر صغير القطر، يكفيها لكرم منبتها؛ يزكو ~~على الظل وينمي عليه، مع أن في ذكر نوعي الوابل والطل إشارة إلى نوعي ~~الإنفاق الكثير والقليل. # فمن الناس من يكون إنفاقه وابلا ومنهم من يكون إنفاقه طلا، والله لا يضيع ms0161 ~~مثقال ذرة، فإن عرض لهذا العامل ما يغرق أعماله ويبطل حسناته كان بمنزلة ~~رجل له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها # PageV01P141 # الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها ~~إعصار فيه نار فاحترقت، فإذا كان يوم استيفاء الأعمال وإحراز الأجور وجد ~~هذا العامل عمله قد أصابه ما أصاب صاحب هذه الجنة، فحسرته حينئذ أشد من ~~حسرة هذا على جنته. # فهذا مثل ضربه الله سبحانه في الحسرة لسلب النعمة عند شدة الحاجة إليها ~~مع عظم قدرها ومنفعتها، والذي ذهبت عنه قد أصابه الكبر والضعف فهو أحوج ما ~~كان إلى نعمته، ومع هذا فله ذرية ضعفاء لا يقدرون على نفعه والقيام ~~بمصالحه، بل هم في عياله فحاجته إلى نعمته حينئذ أشد ما كانت لضعفه وضعف ~~ذريته، فكيف يكون حال هذا إذا كان له بستان عظيم فيه من جميع الفواكه ~~والثمر، وسلطان ثمره أجل الفواكه وأنفعها، وهو ثمر النخيل والأعناب، فمغله ~~يقوم بكفايته وكفاية ذريته، فأصبح يوما وقد وجده محترقا كله كالصريم، فأي ~~حسرة أعظم من حسرته؟ قال ابن عباس: هذا مثل الذي يختم له بالفساد في آخر ~~عمره. # وقال مجاهد: هذا مثل المفرط في طاعة الله حتى يموت، وقال السدي: هذا مثل ~~المرائي في نفقته الذي ينفق لغير الله، ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليه، ~~وسأل عمر بن الخطاب الصحابة يوما عن هذه الآية، فقالوا: الله أعلم، فغضب ~~عمر، وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا ~~أمير المؤمنين، قال: قل يا ابن أخي ولا تحقر نفسك، قال: ضرب مثلا لعمل، ~~قال: لأي عمل؟ لرجل غني يعمل بالحسنات ثم بعث الله له الشيطان فعمل ~~بالمعاصي حتى أغرق أعماله كلها؛ قال الحسن: هذا مثل قل والله من يعقله من ~~الناس، شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته، وإن أحدكم ~~والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا. # فصل. # [الرياء والمن والأذى تبطل الأعمال] # فإن عرض ms0162 لهذه الأعمال من الصدقات ما يبطلها من المن والأذى والرياء؛ ~~فالرياء يمنع انعقادها سببا للثواب، والمن والأذى يبطل الثواب الذي كانت ~~سببا له، فمثل صاحبها وبطلان عمله كمثل صفوان - وهو الحجر الأملس - عليه ~~تراب فأصابه وابل - وهو المطر الشديد - فتركه صلدا لا شيء عليه، وتأمل ~~أجزاء هذا المثل البليغ، وانطباقها على أجزاء الممثل به، تعرف عظمة القرآن ~~وجلالته، فإن الحجر في مقابلة قلب هذا المرائي والمان والمؤذي، فقلبه في ~~قسوته عن الإيمان والإخلاص والإحسان بمنزلة الحجر، والعمل الذي عمله لغير ~~الله بمنزلة التراب الذي على ذلك الحجر؛ فقسوة ما تحته وصلابته تمنعه من ~~النبات والثبات عند نزول الوابل؛ فليس له مادة متصلة بالذي يقبل الماء ~~وينبت الكلأ، # PageV01P142 # وكذلك قلب المرائي ليس له ثبات عند وابل الأمر والنهي والقضاء والقدر، ~~فإذا نزل عليه وابل الوحي انكشف عنه ذلك التراب اليسير الذي كان عليه، فبرز ~~ما تحته حجرا صلدا لا نبات فيه؛ وهذا مثل ضربه الله سبحانه لعمل المرائي ~~ونفقته، لا يقدر يوم القيامة على ثواب شيء منه أحوج ما كان إليه، وبالله ~~التوفيق # فصل. # ومنها قوله تعالى: {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من ~~الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [آل عمران: 116] {مثل ما ~~ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم ~~فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون} [آل عمران: 117] هذا مثل ضربه ~~الله تعالى لمن أنفق ماله في غير طاعته ومرضاته، فشبه سبحانه ما ينفقه ~~هؤلاء من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر لا يبتغون به ~~وجه الله، وما ينفقونه ليصدوا به عن سبيل الله واتباع رسله، بالزرع الذي ~~زرعه صاحبه يرجو نفعه وخيره فأصابته ريح شديدة البرد جدا، يحرق بردها ما ~~يمر عليه من الزرع والثمار، فأهلكت ذلك الزرع وأيبسته. # واختلف في الصر؛ فقيل: البرد الشديد، وقيل: النار، قاله ابن عباس، قال ~~ابن الأنباري: وإنما وصفت النار بأنها صر لتصريتها عند الالتهاب، وقيل: ~~الصر الصوت ms0163 الذي يصحب الريح من شدة هبوبها، والأقوال الثلاثة متلازمة؛ فهو ~~برد شديد محرق بيبسه للحرث كما تحرقه النار، وفيه صوت شديد. # وفي قوله: {أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم} [آل عمران: 117] تنبيه على أن ~~سبب إصابتها لحرثهم هو ظلمهم؛ فهو الذي سلط عليهم الريح المذكورة حتى أهلكت ~~زرعهم وأيبسته، فظلمهم هو الريح التي أهلكت أعمالهم ونفقاتهم وأتلفتها. # فصل. # ومنها قوله تعالى: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما ~~لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} [الزمر: 29] هذا مثل ~~ضربه الله سبحانه للمشرك والموحد؛ فالمشرك بمنزلة عبد يملكه جماعة متنازعون ~~مختلفون متشاحون، والرجل المتشاكس: الضيق الخلق، فالمشرك، لما كان يعبد ~~آلهة شتى شبه بعبد يملكه جماعة متنافسون في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم ~~أجمعين، والموحد لما كان يعبد الله وحده فمثله كمثل عبد لرجل واحد، قد سلم ~~له، وعلم مقاصده، وعرف # PageV01P143 # الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه، بل هو سالم لمالكه ~~من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته له، وشفقته عليه، وإحسانه ~~إليه، وتوليه لمصالحه، فهل يستوي هذان العبدان؟ وهذا من أبلغ الأمثال؛ فإن ~~الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه والتفاته إليه وقيامه بمصالحه ~~ما لا يستحق صاحب الشركاء المتشاكسين الحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون # فصل. # ومنها قوله تعالى: {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط ~~كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا ~~وقيل ادخلا النار مع الداخلين - وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ ~~قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم ~~الظالمين - ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت ~~بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين} [التحريم: 10 - 12] فاشتملت هذه ~~الآيات على ثلاثة أمثال: مثل للكفار، ومثلين للمؤمنين، فتضمن مثل الكفار أن ~~الكافر يعاقب على كفره وعداوته لله ورسوله وأوليائه، ولا ينفعه مع كفره ما ~~كان بينه ms0164 وبين المؤمنين من لحمة نسب أو صلة صهر أو سبب من أسباب الاتصال. # فإن الأسباب كلها تنقطع يوم القيامة إلا ما كان منها متصلا بالله وحده ~~على أيدي رسله، فلو نفعت وصلة القرابة والمصاهرة أو النكاح مع عدم الإيمان ~~لنفعت الوصلة التي كانت بين لوط ونوح وامرأتيهما، فلما لم يغنيا عنهما من ~~الله شيئا {وقيل ادخلا النار مع الداخلين} [التحريم: 10] قطعت الآية حينئذ ~~طمع من ركب معصية الله وخالف أمره، ورجا أن ينفعه صلاح غيره من قريب أو ~~أجنبي، ولو كان بينهما في الدنيا أشد الاتصال، فلا اتصال فوق اتصال البنوة ~~والأبوة والزوجية، ولم يغن نوح عن ابنه، ولا إبراهيم عن أبيه، ولا نوح ولا ~~لوط عن امرأتيهما من الله شيئا، قال الله تعالى: {لن تنفعكم أرحامكم ولا ~~أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم} [الممتحنة: 3] وقال تعالى: {يوم لا تملك ~~نفس لنفس شيئا} [الانفطار: 19] . # وقال تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} [البقرة: 48] وقال: ~~{واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد ~~الله حق} [لقمان: 33] وهذا كله تكذيب لأطماع المشركين الباطلة أن من تعلقوا ~~به من دون الله من قرابة أو صهر أو نكاح أو صحبة ينفعهم يوم القيامة، أو ~~يجيرهم من عذاب الله، أو # PageV01P144 # هو يشفع لهم عند الله، وهذا أصل ضلال بني آدم وشركهم، وهو الشرك الذي لا ~~يغفره الله، وهو الذي بعث الله جميع رسله وأنزل جميع كتبه بإبطاله، ومحاربة ~~أهله ومعاداتهم. # فصل. # وأما المثلان اللذان للمؤمنين فأحدهما امرأة فرعون، ووجه المثل أن اتصال ~~المؤمن بالكافر لا يضره شيئا إذا فارقه في كفره وعمله، فمعصية الغير لا تضر ~~المؤمن المطيع شيئا في الآخرة، وإن تضرر بها في الدنيا بسبب العقوبة التي ~~تحل بأهل الأرض إذا أضاعوا أمر الله فتأتي عامة، فلم يضر امرأة فرعون ~~اتصالها به وهو من أكفر الكافرين، ولم ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما ~~وهما رسولا رب العالمين. # المثل الثاني للمؤمنين مريم التي لا زوج ms0165 لها، لا مؤمن ولا كافر، فذكر ~~ثلاثة أصناف من النساء: المرأة الكافرة التي لها وصلة بالرجل الصالح ~~والمرأة الصالحة التي لها وصلة بالرجل الكافر، والمرأة العزب التي لا وصلة ~~بينها وبين أحد: فالأولى لا تنفعها وصلتها وسببها، والثانية لا تضرها ~~وصلتها وسببها، والثالثة لا يضرها عدم الوصلة شيئا. # ثم في هذه الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب سياق السورة؛ فإنها سيقت ~~في ذكر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، والتحذير من تظاهرهن عليه، ~~وأنهن إن لم يطعن الله ورسوله ويردن الدار الآخرة لم ينفعهن اتصالهن برسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كما لم ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما، ~~ولهذا إنما ضرب في هذه السورة مثل اتصال النكاح دون القرابة. # قال يحيى بن سلام: ضرب الله المثل الأول يحذر عائشة وحفصة، ثم ضرب لهما ~~المثل الثاني يحرضهما على التمسك بالطاعة. # وفي ضرب المثل للمؤمنين بمريم أيضا اعتبار آخر وهو أنها لم يضرها عند ~~الله شيئا قذف أعداء الله اليهود لها، ونسبتهم إياها وابنها إلى ما برأهما ~~الله عنه، مع كونها الصديقة الكبرى المصطفاة على نساء العالمين؛ فلا يضر ~~الرجل الصالح قدح الفجار والفساق فيه. # وفي هذا تسلية لعائشة أم المؤمنين إن كانت السورة نزلت بعد قصة الإفك، ~~وتوطين نفسها على ما قال فيها الكاذبون إن كانت قبلها، كما في ذكر التمثيل ~~بامرأة نوح ولوط تحذير لها ولحفصة مما اعتمدتاه في حق النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ فتضمنت هذه الأمثال التحذير لهن والتخويف، والتحريض لهن على ~~الطاعة والتوحيد، والتسلية وتوطين النفس لمن أوذي منهن وكذب عليه، وأسرار ~~التنزيل فوق هذا وأجل منه، ولا سيما أسرار الأمثال التي لا يعقلها إلا ~~العالمون. # PageV01P145 # قالوا: فهذا بعض ما اشتمل عليه القرآن من التمثيل والقياس والجمع والفرق، ~~واعتبار العلل والمعاني وارتباطها بأحكامها تأثيرا واستدلالا ### | [السر في ضرب الأمثال] # قالوا: قد ضرب الله سبحانه الأمثال وصرفها قدرا وشرعا ويقظة ومناما، ودل ~~عباده على الاعتبار بذلك، وعبورهم من الشيء إلى نظيره، واستدلالهم بالنظير ~~على النظير، بل هذا ms0166 أهل عبارة الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة ونوع من ~~أنواع الوحي؛ فإنها مبنية على القياس والتمثيل، واعتبار المعقول بالمحسوس، ~~ألا ترى أن الثياب في التأويل كالقمص تدل على الدين، فما كان فيها من طول ~~أو قصر أو نظافة أو دنس فهو في الدين كما أول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~القميص بالدين والعلم، والقدر المشترك بينهما أن كلا منهما يستر صاحبه ~~ويجمله بين الناس؛ فالقميص يستر بدنه والعلم والدين يستر روحه وقلبه ويجمله ~~بين الناس # [الرؤيا الحلمية وتأويلها] ومن هذا تأويل اللبن بالفطرة لما في كل منهما ~~من التغذية الموجبة للحياة وكمال النشأة، وأن الطفل إذا خلي وفطرته لم يعدل ~~عن اللبن؛ فهو مفطور على إيثاره على ما سواه، وكذلك فطرة الإسلام التي فطر ~~الله عليها الناس. # ومن هذا تأويل البقر بأهل الدين والخير الذين بهم عمارة الأرض كما أن ~~البقر كذلك، مع عدم شرها وكثرة خيرها وحاجة الأرض وأهلها إليها؛ ولهذا لما ~~«رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - بقرا تنحر» كان ذلك نحرا في أصحابه. # ومن ذلك تأويل الزرع والحرث بالعمل؛ لأن العامل زارع للخير والشر، ولا بد ~~أن يخرج له ما بذره كما يخرج للباذر زرع ما بذره؛ فالدنيا مزرعة، والأعمال ~~البذر، ويوم القيامة يوم طلوع الزرع للباذر وحصاده. # ومن ذلك تأويل الخشب المقطوع المتساند بالمنافقين، والجامع بينهما أن ~~المنافق لا روح فيه ولا ظل ولا ثمر، فهو بمنزلة الخشب الذي هو كذلك؛ ولهذا ~~شبه الله - تعالى - المنافقين بالخشب المسندة؛ لأنهم أجسام خالية عن ~~الإيمان والخير، وفي كونها مسندة نكتة أخرى، وهي أن الخشب إذا انتفع به جعل ~~في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكا فارغا غير ~~منتفع به جعل مسندا بعضه إلى بعض، فشبه المنافقين بالخشب في الحالة التي لا ~~ينتفع فيها بها. # PageV01P146 # ومن ذلك تأويل النار بالفتنة لإفساد كل منهما ما يمر عليه ويتصل به، فهذه ~~تحرق الأثاث والمتاع والأبدان، وهذه تحرق القلوب والأديان والإيمان. # ومن ذلك تأويل النجوم ms0167 بالعلماء والأشراف؛ لحصول هداية أهل الأرض بكل ~~منهما، ولارتفاع الأشراف بين الناس كارتفاع النجوم. # ومن ذلك تأويل الغيث بالرحمة والعلم والقرآن والحكمة وصلاح حال الناس. # ومن ذلك خروج الدم في التأويل يدل على خروج المال، والقدر المشترك أن ~~قوام البدن بكل واحد منهما. # ومن ذلك الحدث في التأويل يدل على الحدث في الدين؛ فالحدث الأصغر ذنب ~~صغير والأكبر ذنب كبير. # ومن ذلك أن اليهودية والنصرانية في التأويل بدعة في الدين؛ فاليهودية تدل ~~على فساد القصد واتباع غير الحق، والنصرانية تدل على فساد العلم والجهل ~~والضلال. # ومن ذلك الحديد في التأويل وأنواع السلاح يدل على القوة والنصر بحسب جوهر ~~ذلك السلاح ومرتبته. # ومن ذلك الرائحة الطيبة تدل في الثناء الحسن وطيب القول والعمل، والرائحة ~~الخبيثة بالعكس، والميزان يدل على العدل، والجراد يدل على الجنود والعساكر ~~والغوغاء الذين يموج بعضهم في بعض، والنحل يدل على من يأكل طيبا ويعمل ~~صالحا، والديك رجل عالي الهمة بعيد الصيت، والحية عدو أو صاحب بدعة يهلك ~~بسمه، والحشرات أوغاد الناس، والخلد رجل أعمى يتكفف الناس بالسؤال، والذئب ~~رجل غشوم ظلوم غادر فاجر، والثعلب رجل غادر مكار محتال مراوغ عن الحق، ~~والكلب عدو ضعيف كثير الصخب والشر في كلامه وسبابه، أو رجل مبتدع متبع هواه ~~مؤثر له على دينه، والسنور العبد والخادم الذي يطوف على أهل الدار، والفأرة ~~امرأة سوء فاسقة فاجرة، والأسد رجل قاهر مسلط، والكبش الرجل المنيع ~~المتبوع. # ومن كليات التعبير أن كل ما كان وعاء للماء فهو دال على الأثاث، وكل ما ~~كان وعاء للمال كالصندوق والكيس والجراب فهو دال على القلب، وكل مدخول بعضه ~~في بعض وممتزج ومختلط فدال على الاشتراك والتعاون أو النكاح، وكل سقوط ~~وخرور من علو إلى سفل فمذموم، وكل صعود وارتفاع فمحمود إذا لم يجاوز العادة ~~وكان ممن يليق به، وكل ما أحرقته النار فجائحة وليس يرجى صلاحه ولا حياته، ~~وكذلك ما انكسر من الأوعية # PageV01P147 # التي لا ينشعب مثلها؛ وكل ما خطف وسرق من حيث لا يرى خاطفه ولا ms0168 سارقه ~~فإنه ضائع لا يرجى، وما عرف خاطفه أو سارقه أو مكانه أو لم يغب عن عين ~~صاحبه فإنه يرجى عوده، وكل زيادة محمودة في الجسم والقامة واللسان والذكر ~~واللحية واليد والرجل فزيادة خير، وكل زيادة متجاوزة للحد في ذلك فمذمومة ~~وشر وفضيحة. # وكل ما رأى من اللباس في غير موضعه المختص به فمكروه كالعمامة في الرجل ~~والخف في الرأس والعقد في الساق، وكل من استقضى أو استخلف أو أمر أو استوزر ~~أو خطب ممن لا يليق به ذلك نال بلاء من الدنيا وشرا وفضيحة وشهرة قبيحة، ~~وكل ما كان مكروها من الملابس فخلقه أهون على لابسه من جديده، والجوز مال ~~مكنوز، فإن تفقع كان قبيحا وشرا، ومن صار له ريش أو جناح صار له مال، فإن ~~طار سافر، وخروج المريض من داره ساكتا يدل على موته، ومتكلما يدل على ~~حياته، والخروج من الأبواب الضيقة يدل على النجاة والسلامة من شر وضيق هو ~~فيه وعلى توبة، ولا سيما إن كان الخروج إلى فضاء وسعة فهو خير محض، والسفر ~~والنقلة من مكان إلى مكان انتقال من حال إلى حال بحسب حال المكانين. # ومن عاد في المنام إلى حال كان فيها في اليقظة عاد إليه ما فارقه من خير ~~أو شر، وموت الرجل ربما دل على توبته ورجوعه إلى الله؛ لأن الموت رجوع إلى ~~الله، قال - تعالى -: {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق} [الأنعام: 62] ~~والمرهون مأسور بدين أو بحق عليه لله أو لعبيده، ووداع المريض أهله أو ~~توديعهم له دال على موته. # وبالجملة فما تقدم من أمثال القرآن كلها أصول وقواعد لعلم التعبير لمن ~~أحسن الاستدلال بها، وكذلك من فهم القرآن فإنه يعبر به الرؤيا أحسن تعبير. ~~وأصول التعبير الصحيحة إنما أخذت من مشكاة القرآن، فالسفينة تعبر بالنجاة، ~~لقوله تعالى: {فأنجيناه وأصحاب السفينة} [العنكبوت: 15] وتعبر بالتجارة، ~~والخشب بالمنافقين، والحجارة بقساوة القلب، والبيض بالنساء، واللباس أيضا ~~بهن، وشرب الماء بالفتنة، وأكل لحم الرجل بغيبته، والمفاتيح بالكسب ~~والخزائن والأموال، والفتح يعبر مرة بالدعاء ومرة ms0169 بالنصر، وكالملك يرى في ~~محلة لا عادة له بدخولها يعبر بإذلال أهلها وفسادها، والحبل يعبر بالعهد ~~والحق والعضد، والنعاس قد يعبر بالأمن، والبقل والبصل والثوم والعدس يعبر ~~لمن أخذه بأنه قد استبدل شيئا أدنى بما هو خير منه من مال أو رزق أو علم أو ~~زوجة أو دار، والمرض يعبر بالنفاق والشك وشهوة الرياء، والطفل الرضيع يعبر ~~بالعدو، لقوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} [القصص: 8] ~~والنكاح بالبناء، والرماد بالعمل الباطل؛ لقوله تعالى: {مثل الذين كفروا ~~بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح} [إبراهيم: 18] # PageV01P148 # والنور يعبر بالهدى، والظلمة بالضلال. # ومن ها هنا قال عمر بن الخطاب لحابس بن سعد الطائي وقد ولاه القضاء، فقال ~~له: يا أمير المؤمنين إني رأيت الشمس والقمر يقتتلان، والنجوم بينهما ~~نصفين، فقال عمر: مع أيهما كنت؟ قال: مع القمر على الشمس، قال: كنت مع ~~الآية الممحوة، اذهب فلست تعمل لي عملا، ولا تقتل إلا في لبس من الأمر، ~~فقتل يوم صفين، وقيل لعابر: رأيت الشمس والقمر دخلا في جوفي، فقال: تموت، ~~واحتج بقوله - تعالى -: {فإذا برق البصر} [القيامة: 7] {وخسف القمر} ~~[القيامة: 8] {وجمع الشمس والقمر} [القيامة: 9] {يقول الإنسان يومئذ أين ~~المفر} [القيامة: 10] . # وقال رجل لابن سيرين: رأيت معي أربعة أرغفة خبز فطلعت الشمس، فقال: تموت ~~إلى أربعة أيام، ثم قرأ قوله تعالى: {ثم جعلنا الشمس عليه دليلا} [الفرقان: ~~45] {ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا} [الفرقان: 46] . وأخذ هذا التأويل أنه ~~حمل رزقه أربعة أيام، وقال له آخر: رأيت كيسي مملوءا أرضة، فقال: أنت ميت، ~~ثم قرأ: {فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض} [سبأ: ~~14] والنخلة تدل على الرجل المسلم وعلى الكلمة الطيبة، والحنظلة تدل على ضد ~~ذلك، والصنم يدل على العبد السوء الذي لا ينفع، والبستان يدل على العمل، ~~واحتراقه يدل على حبوطه؛ لما تقدم في أمثال القرآن، ومن رأى أنه ينقض غزلا ~~أو ثوبا لعبيده مرة ثانية فإنه ينقض عهدا وينكثه، والمشي سويا في طريق ~~مستقيم يدل على استقامته على الصراط المستقيم، ms0170 والأخذ في بنيات الطريق يدل ~~على عدوله عنه إلى ما خالفه، وإذا عرضت له طريقان ذات يمين وذات شمال فسلك ~~أحدهما فإنه من أهلها، وظهور عورة الإنسان له ذنب يرتكبه ويفتضح به، وهروبه ~~وفراره من شيء نجاة وظفر، وغرقه في الماء فتنة في دينه ودنياه، وتعلقه بحبل ~~بين السماء والأرض تمسكه بكتاب الله وعهده واعتصامه بحبله، فإن انقطع به ~~فارق العصمة إلا أن يكون ولي أمرا فإنه قد يقتل أو يموت. # فالرؤيا أمثال مضروبة يضربها الملك الذي قد وكله الله بالرؤيا ليستدل ~~الرائي بما ضرب به من المثل على نظيره، ويعبر منه إلى شبهه، ولهذا سمي ~~تأويلها تعبيرا، وهو تفعيل من العبور، كما أن الاتعاظ يسمى اعتبارا وعبرة ~~لعبور المتعظ من النظير إلى نظيره، ولولا أن حكم الشيء حكم مثله وحكم ~~النظير حكم نظيره لبطل هذا التعبير والاعتبار، ولما وجد إليه سبيل، وقد ~~أخبر الله - سبحانه - أنه ضرب الأمثال لعباده في غير موضع من كتابه، وأمر ~~باستماع أمثاله، ودعا عباده إلى تعقلها، والتفكير فيها، والاعتبار بها، ~~وهذا هو المقصود بها. ### | [تسوية الأحكام الشرعية بين المتماثلين] # [في الأحكام الشرعية التسوية بين المتماثلين] # وأما أحكامه الأمرية الشرعية فكلها هكذا، تجدها مشتملة على التسوية بين # PageV01P149 # المتماثلين، وإلحاق النظير بنظيره، واعتبار الشيء بمثله، والتفريق بين ~~المختلفين، وعدم تسوية أحدهما بالآخر، وشريعته - سبحانه - منزهة أو تنهى عن ~~شيء لمفسدة فيه، ثم تبيح ما هو مشتمل على تلك المفسدة أو مثلها أو أزيد ~~منها، فمن جوز ذلك على الشريعة فما عرفها حق معرفتها؛ ولا قدرها حق قدرها ~~وكيف يظن بالشريعة أنها تبيح شيئا لحاجة المكلف إليه ومصلحته ثم تحرم ما هو ~~أحوج إليه والمصلحة في إباحته أظهر، وهذا من أمحل المحال؛ ولذلك كان من ~~المستحيل أن يشرع الله ورسوله من الحيل ما يسقط به ما أوجبه، أو يبيح به ما ~~حرمه، ولعن فاعله، وآذنه بحربه وحرب رسوله، وشدد فيه الوعيد؛ لما تضمنه من ~~المفسدة في الدنيا والدين، ثم بعد ذلك يسوغ التوصل إليه بأدنى حيلة، ولو ms0171 أن ~~المريض اعتمد هذا فيما يحميه منه الطبيب ويمنعه منه لكان معينا على نفسه، ~~ساعيا في ضرره، وعد سفيها مفرطا، وقد فطر الله - سبحانه - عباده على أن حكم ~~النظير حكم نظيره، وحكم الشيء حكم مثله، وعلى إنكار التفريق بين ~~المتماثلين، وعلى إنكار الجمع بين المختلفين، والعقل والميزان الذي أنزله ~~الله - سبحانه - شرعا وقدرا يأبى ذلك. # [يكون الجزاء من جنس العمل ومثاله] # ولذلك كان الجزاء مماثلا للعمل من جنسه في الخير والشر، فمن ستر مسلما ~~ستره الله، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن نفس عن ~~مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن أقال ~~نادما أقاله الله عثرته يوم القيامة، ومن تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ~~ومن ضار مسلما ضار الله به، ومن شاق شاق الله عليه، ومن خذل مسلما في موضع ~~يجب نصرته فيه خذله الله في موضع يجب نصرته فيه، ومن سمح سمح الله له، ~~والراحمون يرحمهم الرحمن، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، ومن أنفق أنفق ~~عليه، ومن أوعى أوعى عليه، ومن عفا عن حقه عفا الله له عن حقه، ومن تجاوز ~~تجاوز الله عنه، ومن استقصى استقصى الله عليه؛ فهذا شرع الله وقدره ووحيه ~~وثوابه وعقابه كله قائم بهذا الأصل، وهو إلحاق النظير بالنظير، واعتبار ~~المثل بالمثل، ولهذا يذكر الشارع العلل والأوصاف المؤثرة والمعاني المعتبرة ~~في الأحكام القدرية والشرعية والجزائية ليدل بذلك على تعلق الحكم بها أين ~~وجدت، واقتضائها لأحكامها، وعدم تخلفها عنها إلا لمانع يعارض اقتضاءها ~~ويوجب تخلف أثرها عنها، كقوله - تعالى -: {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} ~~[الأنفال: 13] وقوله: {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به ~~تؤمنوا} [غافر: 12] {ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا} [الجاثية: 35] ~~{ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون} [غافر: 75] # PageV01P150 # {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم - ذلك بأنهم ~~قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر} [محمد: 28 ms0172 - 26] ~~{وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم} [فصلت: 23] . ### | [فصل جاء القرآن بتعليل الأحكام] # [جاء القرآن بتعليل الأحكام] # وقد جاء التعليل في الكتاب العزيز بالباء تارة، وباللام تارة، وبأن تارة، ~~وبمجموعهما تارة، وبكي تارة، ومن أجل تارة، وترتيب الجزاء على الشرط تارة، ~~وبالفاء المؤذنة بالسببية تارة، وترتيب الحكم على الوصف المقتضي له تارة، ~~وبلما تارة، وبأن المشددة تارة، وبلعل تارة، وبالمفعول له تارة؛ فالأول كما ~~تقدم؛ واللام كقوله: {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في ~~الأرض وأن الله بكل شيء عليم} [المائدة: 97] وأن كقوله: {أن تقولوا إنما ~~أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} [الأنعام: 156] ثم قيل: التقدير لئلا ~~تقولوا، وقيل: كراهة أن تقولوا، وأن واللام كقوله: {لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165] وغالب ما يكون هذا النوع في النفي ~~فتأمله. # وكي كقوله: {كي لا يكون دولة} [الحشر: 7] . والشرط والجزاء كقوله: {وإن ~~تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} [آل عمران: 120] والفاء كقوله: {فكذبوه ~~فأهلكناهم} [الشعراء: 139] ، {فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية} [الحاقة: ~~10] ، {فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا} [المزمل: 16] . # وترتيب الحكم على الوصف كقوله: {يهدي به الله من اتبع رضوانه} [المائدة: ~~16] وقوله {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} ~~[المجادلة: 11] وقوله: {إنا لا نضيع أجر المصلحين} [الأعراف: 170] ، {ولا ~~نضيع أجر المحسنين} [يوسف: 56] ، {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} [يوسف: ~~52] . # ولما كقوله: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} [الزخرف: 55] ، {فلما عتوا عن ما ~~نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [الأعراف: 166] وإن المشددة كقوله: ~~{إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين} [الأنبياء: 77] ، {إنهم كانوا قوم ~~سوء فاسقين} [الأنبياء: 74] . # ولعل كقوله: {لعله يتذكر أو يخشى} [طه: 44] ، {لعلكم تعقلون} [البقرة: ~~73] ، {لعلكم تذكرون} [الأنعام: 152] . # والمفعول له كقوله: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} [الليل: 19] {إلا ~~ابتغاء وجه ربه الأعلى} [الليل: 20] {ولسوف يرضى} [الليل: 21] أي لم يفعل ~~ذلك جزاء نعمة أحد من الناس، وإنما فعله ابتغاء وجه ربه الأعلى، ومن أجل ~~كقوله: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل} [المائدة: 32] . # PageV01P151 ### | [ما ورد في ms0173 السنة من تعليل الأحكام] # وقد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - علل الأحكام والأوصاف المؤثرة ~~فيها؛ ليدل على ارتباطها بها، وتعديها بتعدي أوصافها وعللها، كقوله في نبيذ ~~التمر: «، تمرة طيبة وماء طهور» ، وقوله: «إنما جعل الاستئذان من أجل ~~البصر» ، وقوله: «إنما نهيتكم من أجل الدافة» ، وقوله في الهرة: «ليست بنجس ~~إنها من الطوافين عليكم والطوافات» ، ونهيه عن تغطية رأس المحرم الذي وقصته ~~ناقته وتقريبه الطيب وقوله: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» وقوله: «، إنكم ~~إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» ، ذكره تعليلا لنهيه عن نكاح المرأة على ~~عمتها وخالتها، - وقوله تعالى -: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا ~~النساء في المحيض} [البقرة: 222] وقوله في الخمر والميسر: {إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] ، «وقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر: أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا نعم، فنهى ~~عنه.» وقوله: «لا يتناجى اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه» وقوله: «، إذا ~~وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، ~~وإنه يتقي بالجناح الذي فيه الداء» ، وقوله: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن ~~لحوم الحمر فإنها رجس» . # وقال وقد «سئل عن مس الذكر هل ينقض الوضوء فقال: هل هو إلا بضعة منك» ، ~~وقوله في «ابنة حمزة: إنها لا تحل لي؛ إنها ابنة أخي من الرضاعة» ، وقوله ~~في الصدقة: «إنها لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس» . # وقد قرب النبي - صلى الله عليه وسلم - الأحكام إلى أمته بذكر نظائرها ~~وأسبابها، وضرب لها الأمثال، «فقال له عمر: صنعت اليوم يا رسول الله أمرا ~~عظيما، قبلت وأنا صائم، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أرأيت ~~لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ فقلت: لا بأس بذلك، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: فصم» ولولا أن حكم المثل حكم مثله وأن المعاني والعلل مؤثرة ~~في الأحكام نفيا وإثباتا لم يكن لذكر هذا التشبيه معنى، ms0174 فذكره ليدل به على ~~أن حكم النظير حكم مثله، وأن نسبة القبلة التي هي وسيلة إلى الوطء كنسبة ~~وضع الماء في الفم الذي هو وسيلة إلى شربه، فكما أن هذا الأمر لا يضر فكذلك ~~الآخر، «وقد قال - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي سأله فقال: إن أبي ~~أدركه الإسلام وهو شيخ كبير لا يستطيع ركوب الرحل والحج مكتوب عليه، أفأحج ~~عنه؟ قال: أنت أكبر ولده؟ قال: نعم، قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته ~~عنه أكان يجزئ عنه؟ قال: نعم، قال: فحج عنه» ، فقرب الحكم من الحكم، وجعل ~~دين # PageV01P152 # الله - سبحانه - في وجوب القضاء أو في قبوله بمنزلة دين الآدمي، وألحق ~~النظير بالنظير، وأكد هذا المعنى بضرب من الأولى، وهو قوله: «اقضوا الله ~~فالله أحق بالقضاء» ، ومنه الحديث الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله يأتي أحدنا شهوته ~~ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان يكون عليه وزر؟ ~~قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون له أجر» ، وهذا من قياس ~~العكس الجلي البين، وهو إثبات نقيض حكم الأصل في الفرع لثبوت ضد علته فيه، ~~ومنه الحديث الصحيح: «أن أعرابيا أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود، وإني أنكرته. فقال له رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، ~~قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقا، قال: فأنى ترى ذلك جاءها؟ قال: ~~يا رسول الله عرق نزعه، قال: ولعل هذا عرق نزعه» . ولم يرخص له في الانتفاء ~~منه. # ومن تراجم البخاري على هذا الحديث باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد ~~بين الله حكمهما ليفهم السائل. # ثم ذكر بعده حديث ابن عباس «أن امرأة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: نعم ~~حجي ms0175 عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، فقال: اقضوا ~~الله فإن الله أحق بالوفاء» ، وهذا الذي ترجمه البخاري هو فصل النزاع في ~~القياس، لا كما يقوله المفرطون فيه ولا المفرطون، فإن الناس فيه طرفان ~~ووسط، فأحد الطرفين من ينفي العلل والمعاني والأوصاف المؤثرة، ويجوز ورود ~~الشريعة بالفرق بين المتساويين والجمع بين المختلفين، ولا يثبت أن الله - ~~سبحانه - شرع الأحكام لعلل ومصالح، وربطها بأوصاف مؤثرة فيها مقتضية لها ~~طردا وعكسا، وأنه قد يوجب الشيء ويحرم نظيره من كل وجه، ويحرم الشيء ويبيح ~~نظيره من كل وجه، وينهى عن الشيء لا لمفسدة فيه، ويأمر به لا لمصلحة بل ~~لمحض المشيئة المجردة عن الحكمة والمصلحة، وبإزاء هؤلاء قوم أفرطوا فيه، ~~وتوسعوا جدا، وجمعوا بين الشيئين اللذين فرق الله بينهما بأدنى جامع من شبه ~~أو طرد أو وصف يتخيلونه علة يمكن أن يكون علته وأن لا يكون، فيجعلونه هو ~~السبب الذي علق الله ورسوله الحكم بالخرص والظن، وهذا هو الذي أجمع السلف ~~على ذمه كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -. # والمقصود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر في الأحكام العلل ~~والأوصاف المؤثرة فيها طردا وعكسا «كقوله للمستحاضة التي سألته: هل تدع ~~الصلاة زمن استحاضتها؟ فقال: لا، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فأمرها أن تصلي ~~مع هذا الدم، وعلل بأنه دم عرق وليس بدم حيض» وهذا قياس يتضمن الجمع ~~والفرق. # PageV01P153 # فإن قيل: فشرط صحة القياس ذكر الأصل المقيس عليه، ولم يذكر في الحديث. ~~قيل: هذا من حسن الاختصار، والاستغناء بالوصف الذي يستلزم ذكر الأصل المقيس ~~عليه؛ فإن المتكلم قد يعلل بعلة يغني ذكرها عن ذكر الأصل، ويكون تركه لذكر ~~الأصل أبلغ من ذكره، فيعرف السامع الأصل حين يسمع ذكر العلة؛ فلا يشكل ~~عليه، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين علل وجوب الصلاة مع هذا الدم ~~بأنه عرق صار الأصل الذي يرد إليه هذا الكلام معلوما، فإن كل سامع سمع هذا ~~يفهم منه أن دم العرق لا يوجب ترك الصلاة، ms0176 ولو قال: " هو عرق فلا يوجب ترك ~~الصلاة كسائر دم العروق لكان عيا، وعد من الكلام الركيك، ولم يكن لائقا ~~بفصاحته، وإنما يليق هذا بعجرفة المتأخرين وتكلفهم وتطويلهم. # ونظير هذا «قوله - صلى الله عليه وسلم - لمن سأل عن مس ذكره هل إلا بضعة ~~منك» ، فاستغنى بهذا عن تكلف قوله كسائر البضعات. # ومن ذلك «قوله - صلى الله عليه وسلم - للمرأة التي سألته: هل على المرأة ~~من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال: نعم، فقالت أم سليم: أوتحتلم المرأة يا رسول ~~الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنما النساء شقائق الرجال» ، ~~فبين أن النساء والرجال شقيقان ونظيران لا يتفاوتان ولا يتباينان في ذلك، ~~وهذا يدل على أن من المعلوم الثابت في فطرهم أن حكم الشقيقين والنظيرين حكم ~~واحد، سواء كان ذلك تعليلا منه - صلى الله عليه وسلم - للقدر أو للشرع أو ~~لهما؛ فهو دليل على تساوي الشقيقين وتشابه القرينين وإعطاء أحدهما حكم ~~الآخر. ### | [فصل حديث معاذ حين بعثه الرسول إلى اليمن] # وقد أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذا على اجتهاد رأيه فيما لم يجد ~~فيه نصا عن الله ورسوله، فقال شعبة: حدثني أبو عون عن الحارث بن عمرو عن ~~أناس من أصحاب معاذ «عن معاذ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بعثه ~~إلى اليمن قال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: ~~فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: أجتهد رأيي ~~لا آلو، قال: فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدري ثم قال: الحمد ~~لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . ~~فهذا # PageV01P154 # حديث وإن كان عن غير مسمين فهم أصحاب معاذ فلا يضره ذلك؛ لأنه يدل على ~~شهرة الحديث وأن الذي حدث به الحارث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ لا ~~واحد منهم، ms0177 وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم لو سمي، كيف وشهرة ~~أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى؟ ولا يعرف في ~~أصحابه متهم ولا كذاب ولا مجروح، بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا ~~يشك أهل العلم بالنقل في ذلك، كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث؟ وقد قال بعض ~~أئمة الحديث: إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك به، قال أبو بكر ~~الخطيب: وقد قيل إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ، وهذا ~~إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة، على أن أهل العلم قد نقلوه واحتجوا به، ~~فوقفنا بذلك على صحته عندهم، كما وقفنا على صحة قول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا وصية لوارث» ، وقوله في البحر «، هو الطهور ماؤه الحل ~~ميتته» ، وقوله: «إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا ~~وترادا البيع» ، وقوله: «الدية على العاقلة» ، وإن كانت هذه الأحاديث لا ~~تثبت من جهة الإسناد، ولكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم ~~عن طلب الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعا غنوا عن طلب ~~الإسناد له، انتهى كلامه. # وقد جوز النبي - صلى الله عليه وسلم - للحاكم أن يجتهد رأيه وجعل له على ~~خطئه في اجتهاد الرأي أجرا واحدا إذا كان قصده معرفة الحق واتباعه. ### | [فصل كان أصحاب النبي يجتهدون ويقيسون] # فصل: # [كان أصحاب النبي يجتهدون ويقيسون] وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يجتهدون في النوازل، ويقيسون بعض الأحكام على بعض، ويعتبرون ~~النظير بنظيره. # قال أسد بن موسى: ثنا شعبة عن زبيد اليامي عن طلحة بن مصرف عن مرة الطيب ~~عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - في الجنة: كل قوم على بينة من أمرهم ~~ومصلحة من أنفسهم يزرون على من سواهم، ويعرف الحق بالمقايسة عند ذوي ~~الألباب، وقد رواه الخطيب وغيره مرفوعا، ورفعه غير صحيح. # وقد اجتهد الصحابة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كثير من ms0178 ~~الأحكام ولم يعنفهم، كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلوا العصر في بني قريظة، ~~فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق، وقال: لم يرد منا التأخير، وإنما أراد سرعة ~~النهوض، فنظروا إلى المعنى، واجتهد آخرون # PageV01P155 # وأخروها إلى بني قريظة فصلوها ليلا، نظروا إلى اللفظ، وهؤلاء سلف أهل ~~الظاهر، وهؤلاء سلف أصحاب المعاني والقياس. # «ولما كان علي - رضي الله تعالى عنه - باليمن أتاه ثلاثة نفر يختصمون في ~~غلام، فقال كل منهم: هو ابني، فأقرع علي بينهم، فجعل الولد للقارع، وجعل ~~عليه للرجلين ثلثي الدية، فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فضحك حتى بدت ~~نواجذه من قضاء علي - رضي الله عنه -» . # «واجتهد سعد بن معاذ في بني قريظة وحكم فيهم باجتهاده، فصوبه النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وقال: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات» . # «واجتهد الصحابيان اللذان خرجا في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء ~~فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر، فصوبهما، وقال ~~للذي لم يعد أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك وقال للآخر لك الأجر مرتين» . # ولما «قاس مجزز المدلجي وقاف وحكم بقياس وقيافته على أن أقدام زيد وأسامة ~~ابنه بعضها من بعض سر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى برقت ~~أسارير وجهه من صحة هذا القياس وموافقته للحق» ، وكان زيد أبيض وابنه أسامة ~~أسود، فألحق هذا القائف الفرع بنظيره وأصله وألغى وصف السواد والبياض الذي ~~لا تأثير له في الحكم. # وقد تقدم قول الصديق - رضي الله عنه - الكلالة " أقول فيها برأيي، فإن ~~يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد ~~والولد ". # فلما استخلف عمر قال: " إني لأستحيي من الله أن أرد شيئا قاله أبو بكر ". # وقال الشعبي عن شريح قال: قال لي عمر: اقض بما استبان لك من كتاب الله، ~~فإن لم تعلم كل كتاب الله فاقض بما استبان لك من قضاء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0179 - فاقض ~~بما استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين ~~فاجتهد رأيك، واستشر أهل العلم والصلاح. . # وقد اجتهد ابن مسعود في المفوضة وقال: أقول فيها برأيي، ووفقه الله ~~للصواب، وقال سفيان عن عبد الرحمن الأصبهاني عن عكرمة قال: أرسلني ابن عباس ~~إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج وأبوين، فقال: للزوج النصف، وللأم ثلث ما ~~بقي، وللأب بقية المال، فقال: تجده في كتاب الله أو تقوله برأيك؟ قال: ~~أقوله برأيي، ولا أفضل أما على أب. # وقايس علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وزيد بن ثابت في المكاتب، ~~وقايسه في الجد والإخوة. # وقاس ابن عباس الأضراس بالأصابع، وقال: عقلها سواء، اعتبروها بها # PageV01P156 ### | [ما أجمع الفقهاء عليه من مسائل القياس] # قال المزني: الفقهاء من عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا ~~وهلم جرا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم، قال: ~~وأجمعوا بأن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل؛ فلا يجوز لأحد إنكار القياس؛ ~~لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها. # قال أبو عمر بعد حكاية ذلك عنه: ومن القياس المجمع عليه صيد ما عدا ~~المكلب من الجوارح قياسا على الكلاب، بقوله: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} ~~[المائدة: 4] . # وقال - عز وجل -: {والذين يرمون المحصنات} [النور: 4] ، فدخل في ذلك ~~المحصنون قياسا، وكذلك قوله في الإماء: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن ~~نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] ، فدخل في ذلك العبد قياسا ~~عند الجمهور، إلا من شذ ممن لا يكاد قوله خلافا، وقال في جزاء الصيد ~~المقتول في الإحرام: {ومن قتله منكم متعمدا} [المائدة: 95] . فدخل فيه قتل ~~الخطأ قياسا عند الجمهور إلا من شذ؛ وقال: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم ~~المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} ~~[الأحزاب: 49] ، فدخل في ذلك الكتابيات قياسا، وقال في الشهادة في ~~المداينات: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} ~~[البقرة: 282] ، فدخل في معنى {إذا تداينتم بدين ms0180 إلى أجل مسمى} [البقرة: ~~282] ، قياسا المواريث والودائع والغصوب وسائر الأموال. # وأجمعوا على توريث البنتين الثلثين قياسا على الأختين، وقال عمن أعسر بما ~~بقي عليه من الربا: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] ، ~~فدخل في ذلك كل معسر بدين حلال، وثبت ذلك قياسا. # ومن هذا الباب توريث الذكر ضعفي ميراث الأنثى منفردا، وإنما ورد النص في ~~اجتماعهما بقوله: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: ~~11] ، وقال: {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: ~~176] . # ومن هذا الباب أيضا قياس التظاهر بالبنت على التظاهر بالأم، وقياس الرقبة ~~في الظهار على الرقبة في القتل بشرط الإيمان، وقياس تحريم الأختين وسائر ~~القرابات من الإماء على الحرائر في الجمع في التسري، قال: وهذا لو تقصيته ~~لطال به الكتاب. # [جواب نفاة القياس، ورده] # قلت: بعض هذه المسائل فيها نزاع، وبعضها لا يعرف فيها نزاع بين السلف، ~~وقد # PageV01P157 # رام بعض نفاة القياس إدخال هذه المسائل المجمع عليها في العمومات ~~اللفظية؛ فأدخل قذف الرجال في قذف المحصنات، وجعل المحصنات صفة للفروج لا ~~للنساء، وأدخل صيد الجوارح كلها في قوله: {وما علمتم من الجوارح} [المائدة: ~~4] ، وقوله: {مكلبين} [المائدة: 4] ، وإن كان من لفظ الكلب فمعناه مغرين ~~لها على الصيد، قاله مجاهد والحسن، وهو رواية عن ابن عباس. # وقال أبو سليمان الدمشقي: مكلبين معناه معلمين، وإنما قيل لهم مكلبين؛ ~~لأن الغالب من صيدهم إنما يكون بالكلاب وهؤلاء وإن أمكنهم ذلك في بعض ~~المسائل كما جزموا بتحريم أجزاء الخنزير لدخوله في قوله: {فإنه رجس} ~~[الأنعام: 145] ، وأعادوا الضمير إلى المضاف إليه دون المضاف، فلا يمكنهم ~~ذلك في كثير من المواضع، وهم مضطرون فيها - ولا بد - إلى القياس، أو القول ~~بما لم يقل به غيرهم ممن تقدمهم، فلا يعلم أحد من أئمة الفتوى يقول في «قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن فأرة وقعت في سمن ألقوها وما ~~حولها وكلوه» ، إن ذلك مختص بالسمن دون سائر الأدهان والمائعات، هذا مما ~~يقطع بأن الصحابة والتابعين وأئمة الفتيا ms0181 لا يفرقون فيه بين السمن والزيت ~~والشيرج والدبس؛ كما لا يفرق بين الفأرة والهرة في ذلك، وكذلك «نهى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عن بيع الرطب بالتمر» ، لا يفرق عالم يفهم عن الله ~~ورسوله بين ذلك وبين بيع العنب بالزبيب، ومن هذا أن الله - سبحانه - قال في ~~المطلقة ثلاثا {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها ~~فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله} [البقرة: 230] ، أي ~~إن طلقها الثاني فلا جناح عليها وعلى الزوج الأول أن يتراجعا والمراد به ~~تجديد العقد، وليس ذلك مختصا بالصورة التي يطلق فيها الثاني فقط، بل متى ~~تفارقا بموت أو خلع أو فسخ أو طلاق حلت للأول، قياسا على الطلاق. # ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا تأكلوا في آنية الذهب ~~والفضة، ولا تشربوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة» ، ~~وقوله: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» ، ~~وهذا التحريم لا يختص بالأكل والشرب، بل يعم سائر وجوه الانتفاع، فلا يحل ~~له أن يغتسل بها، ولا يتوضأ بها، ولا يدهن فيها، ولا يكتحل منها، وهذا أمر ~~لا يشك فيه عالم؛ ومن ذلك «نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - المحرم عن لبس ~~القميص والسراويل والعمامة والخفين» ، ولا يختص ذلك بهذه الأشياء فقط، بل ~~يتعدى النهي إلى الجباب والدلوق والمبطنات والفراجي والأقبية والعرقشينات، ~~وإلى القبع والطاقية والكوفية والكلوثة والطيلسان والقلنسوة، وإلى الجوربين ~~والجرموقين والزربول ذي الساق، وإلى التبان ونحوه. # PageV01P158 # ومن هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط ~~فليذهب معه بثلاثة أحجار» ، فلو ذهب معه بخرقة وتنظف أكثر من الأحجار أو ~~قطن أو صوف أو خز ونحو ذلك جاز، وليس للشارع غرض في غير التنظيف والإزالة، ~~فما كان أبلغ في ذلك كان مثل الأحجار في الجواز [بل] أولى. # ومن ذلك «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يبيع الرجل على بيع ~~أخيه أو ms0182 يخطب على خطبته» ، ومعلوم أن المفسدة التي نهى عنها في البيع ~~والخطبة موجودة في الإجارة، فلا يحل له أن يؤجر على إجارته، وإن قدر دخول ~~الإجارة في لفظ البيع العام، وهو بيع المنافع، فحقيقتها غير حقيقة البيع، ~~وأحكامها غير أحكامه. # ومن ذلك قوله - سبحانه - في آية التيمم: {وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا صعيدا طيبا} [المائدة: 6] . فألحقت الأمة أنواع الحدث الأصغر على ~~اختلافها في نقضها الغائط، والآية لم تنص من أنواع الحدث الأصغر إلا عليه ~~وعلى اللمس على قول من فسره بما دون الجماع، وألحقت الاحتلام بملامسة ~~النساء، وألحقت واجد ثمن الماء بواجده، وألحقت من خاف على نفسه أو بهائمه ~~من العطش إذا توضأ بالعادم؛ فجوزت له التيمم وهو واجد للماء، وألحقت من خشي ~~المرض وأمثالها في العمومات المعنوية التي لا يستريب من له فهم عن الله ~~ورسوله في قصد عمومها. وتعليق الحكم به وكونه متعلقا بمصلحة العبد أولى من ~~إدخالها في عمومات لفظية بعيدة التناول لها ليست بحرية الفهم مما لا ينكر ~~تناول العمومين لها؛ فمن الناس من يتنبه لهذا، ومنهم من يتنبه لهذا، ومنهم ~~من يتفطن لتناول العمومين لها. # ومن ذلك قوله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} ~~[البقرة: 283] . وقاست الأمة الرهن في الحضر على الرهن في السفر، والرهن مع ~~وجود الكاتب على الرهن مع عدمه، فإن استدل على ذلك بأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - رهن درعه في الحضر؛ فلا عموم في ذلك؛ فإنما رهنها على شعير ~~استقرضه من يهودي، فلا بد من القياس إما على الآية وإما على السنة؛ ومن ذلك ~~أن سمرة بن جندب لما باع خمر أهل الذمة وأخذه في العشور التي عليهم فبلغ ~~عمر فقال: قاتل الله سمرة، أما علم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها» ~~، وهذا محض القياس من ms0183 عمر - رضي الله عنه -؛ فإن تحريم الشحوم على اليهود ~~كتحريم الخمر على المسلمين، وكما يحرم ثمن الشحوم المحرمة فكذلك يحرم ثمن ~~الخمر الحرام. # PageV01P159 # ومن ذلك أن الصحابة - رضي الله عنهم - جعلوا العبد على النصف من الحر في ~~النكاح والطلاق والعدة قياسا على ما نص الله عليه من قوله: {فإذا أحصن فإن ~~أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] ، قال عبد ~~الرزاق: أنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن سليمان ~~بن يسار عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~قال: ينكح العبد اثنتين # وقال عبد الرزاق: أنبأنا سفيان الثوري وابن جريج قالا: ثنا جعفر بن محمد ~~عن أبيه أن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه في الجنة - قال: ينكح العبد ~~اثنتين. وذكر الإمام أحمد عن محمد بن سيرين قال: سأل عمر بن الخطاب الناس: ~~كم يتزوج العبد؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: ثنتين، وطلاقه ثنتان، وهذا كان ~~بمحضر من الصحابة فلم ينكره أحد. # وقال محمد بن عبد السلام الخشني: حدثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الرحمن بن ~~محمد المحاربي عن ليث بن أبي سليم عن عطاء قال: أجمع أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن العبد لا يجمع بين النساء فوق اثنتين. # وروى حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس أن عمر قال: لو أستطيع ~~أن أجعل عدة الأمة حيضة ونصفا لفعلت، فقال رجل: يا أمير المؤمنين فاجعلها ~~شهرا ونصفا، فسكت. # وقال عبد الله بن عتبة عن عمر: عدة الأمة إذا لم تحض شهران كعدتها إذا ~~حاضت حيضتين. وروى ابن عيينة عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن سليمان ~~بن يسار عن عبد الله بن عتبة عن عمر: ينكح العبد امرأتين، ويطلق طلقتين، ~~وتعتد الأمة حيضتين، وإن لم تكن تحيض فشهرين أو شهرا ونصفا، وقال علي: عدة ~~الأمة حيضتان، فإن لم تكن تحيض فشهر ونصف. # والمقصود أن ms0184 الصحابة - رضي الله عنهم - نصفوا ذلك قياسا على تنصيف الله - ~~سبحانه - الحد على الأمة. # ومن ذلك أن الصحابة قدموا الصديق في الخلافة وقالوا: رضيه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا؟ فقاسوا الإمامة الكبرى ~~على إمامة الصلاة، وكذلك اتفاقهم على # PageV01P160 # كتابة المصحف وجمع القرآن فيه، وكذلك اتفاقهم على جمع الناس على مصحف ~~واحد وترتيب واحد وحرف واحد، وكذلك منع عمر وعلي من بيع أمهات الأولاد ~~برأيهما، وكذلك تسوية الصديق بين الناس في العطاء برأيه، وتفضيل عمل برأيه، ~~وكذلك إلحاق عمر حد الخمر بحد القذف برأيه، وأقره الصحابة، وكذلك توريث ~~عثمان بن عفان - رضي الله عنه - المبتوتة في مرض الموت برأيه، ووافقه ~~الصحابة، كذلك قول ابن عباس في «نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ~~الطعام قبل قبضه» ، قال: أحسب كل شيء بمنزلة الطعام، وكذلك عمر وزيد لما ~~ورثا الأم ثلث ما بقي في مسألة زوج وأبوين وامرأة وأبوين قاسا وجود الزوج ~~على ما إذا لم يكن زوج؛ فإنه حينئذ يكون للأب ضعف ما للأم، فقدرا أن الباقي ~~بعد الزوج والزوجة كل المال، وهذا من أحسن القياس؛ فإن قاعدة الفرائض أن ~~الذكر والأنثى إذا اجتمعا وكانا في درجة واحدة فإما أن يأخذ الذكر ضعف ما ~~تأخذه الأنثى كالأولاد وبني الأب، وإما أن تساويه كولد الأم، وأما أن ~~الأنثى تأخذ ضعف ما يأخذ الذكر مع مساواته لها في درجته فلا عهد به في ~~الشريعة، فهذا من أحسن الفهم عن الله ورسوله، وكذلك أخذ الصحابة في الفرائض ~~بالعول وإدخال النقص على جميع ذوي الفروض قياسا على إدخال النقص على ~~الغرماء إذا ضاق مال المفلس عن توفيتهم، وقد «قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - للغرماء: خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك» ، وهذا محض العدل، على ~~أن تخصيص بعض المستحقين بالحرمان وتوفية بعضهم بأخذ نصيبه ليس من العدل. ### | [قياس الصحابة حد الشرب على حد القذف] # وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن أيوب السختياني عن عكرمة أن عمر بن ~~الخطاب - رضي ms0185 الله عنه - شاور الناس في حد الخمر، وقال: إن الناس قد شربوها ~~واجترءوا عليها، فقال له علي - كرم الله وجهه -: إن السكران إذا سكر هذى، ~~وإذا هذى افترى، فاجعله حد الفرية، فجعله عمر حد الفرية ثمانين. # ورواه مالك عن ثور بن زيد الديلي أن عمر شاور الناس، ورواه وكيع: حدثنا ~~ابن أبي خالد عن الشعبي قال: استشارهم عمر، فذكره، ولم ينفرد علي بهذا ~~القياس، بل وافقه عليه الصحابة، قال الزهري: أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن ~~عوف عن وبرة الصلتي قال: بعثني خالد بن الوليد إلى عمر، فأتيته وعنده علي ~~وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف متكئون في المسجد، فقلت له: إن خالد بن ~~الوليد يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن الناس انبسطوا في الخمر، وتحاقروا ~~العقوبة، فما ترى؟ فقال عمر: هم هؤلاء عندك، قال: فقال علي: أراه إذا سكر ~~هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون، فاجتمعوا على ذلك، فقال عمر: ~~بلغ صاحبك ما قالوا، فضرب # PageV01P161 # خالد ثمانين، وضرب عمر ثمانين، قال: وكان عمر إذا أتي بالرجل القوي ~~المنتهك في الشراب ضربه ثمانين، وإذا أتي بالرجل الذي كان منه الزلة الضعيف ~~ضربه أربعين، وجعل ذلك عثمان أربعين وثمانين، وهذه مراسيل ومسندات من وجوه ~~متعددة يقوي بعضها بعضا، وشهرتها تغني عن إسنادها. ### | [قياس الصحابة في الجد مع الإخوة] # [قياس الصحابة في الجد مع الإخوة] وقال عبد الرزاق: حدثنا سفيان الثوري ~~عن عيسى بن أبي عيسى الحناط عن الشعبي قال: كره عمر الكلام في الجد حتى صار ~~جدا، وقال: إنه كان من رأي أبي بكر أن الجد أولى من الأخ، وذكر الحديث، ~~وفيه: فسأل عنها زيد بن ثابت فضرب له مثلا بشجرة خرجت ولها أغصان، قال: ~~فذكر شيئا لا أحفظه، فجعل الثلث. # قال الثوري: وبلغني أنه قال: يا أمير المؤمنين، شجرة نبتت، فانشعب منها ~~غصن، فانشعب من الغصن غصنان، فما جعل الغصن الأول أولى من الغصن الثاني، ~~وقد خرج الغصنان من الغصن الأول؟ قال: ثم سأل عليا، فضرب له مثلا واديا ms0186 سال ~~فيه سيل فجعله أخا فيما بينه وبين ستة، فأعطاه السدس، وبلغني أن عليا - كرم ~~الله وجهه - حين سأله عمر جعله سيلا، قال: فانشعب منه شعبة، ثم انشعبت ~~شعبتان، فقال: أرأيت لو أن هذه الشعبة الوسطى تيبس أما كانت ترجع إلى ~~الشعبتين جميعا؟ قال الشعبي: فكان زيد يجعله أخا حتى يبلغ ثلاثة هو ثالثهم، ~~فإن زادوا على ذلك أعطاه الثلث، وكان علي يجعله أخا ما بينه وبين ستة وهو ~~سادسهم، ويعطيه السدس، فإن زادوا على ستة أعطاه السدس، وصار ما بقي بينهم. # وقال القاضي إسماعيل بن إسحاق: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني عبد ~~الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أن عمر ~~بن الخطاب لما استشار في ميراث الجد والإخوة قال زيد: وكان رأيي يومئذ أن ~~الإخوة أحق بميراث أخيهم من الجد، وعمر بن الخطاب يرى يومئذ أن الجد أولى ~~بميراث ابن ابنه من إخوته، فتحاورت أنا وعمر محاورة شديدة، فضربت له في ذلك ~~مثلا، فقلت: لو أن شجرة تشعب من أصلها غصن ثم تشعب في ذلك الغصن خوطان ذلك ~~الغصن يجمع الخوطين دون الأصل ويغذوهما، ألا ترى يا أمير المؤمنين أن أحد ~~الخوطين أقرب إلى أخيه منه إلى الأصل؟ قال زيد: فأنا أعذله وأضرب له هذه ~~الأمثال وهو يأبى إلا أن الجد أولى من الإخوة، ويقول: والله لو أني قضيته # PageV01P162 # اليوم لبعضهم لقضيت به للجد كله، ولكن لعلي لا أخيب منهم أحدا، ولعلهم أن ~~يكونوا كلهم ذوي حق. # وضرب علي وابن عباس لعمر يومئذ مثلا معناه لو أن سيلا سال فخلج منه خليج، ~~ثم خلج من ذلك الخليج شعبتان. ورأي الصديق أولى من هذا الرأي وأصح في ~~القياس، لعشرة أوجه ليس هذا موضع ذكرها. # والجواب عن هذه الأمثلة: أن المقصود أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا ~~يستعملون القياس في الأحكام، ويعرفونها بالأمثال والأشباه والنظائر ولا ~~يلتفت إلى من يقدح في كل سند من هذه الأسانيد وأثر من هذا الآثار، فهذه في ms0187 ~~تعددها واختلاف وجوهها وطرقها جارية مجرى التواتر المعنوي الذي لا يشك فيه، ~~وإن لم يثبت كل فرد من الإخبار به. # وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج قال: أخبرني عمرو، قال: أخبرني حيي بن ~~يعلى بن أمية أنه سمع أباه يقول، وذكر قصة الذي قتلته امرأة أبيه وخليلها، ~~أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتب إلي أن اقتلهما فلو اشترك فيه أهل ~~صنعاء كلهم لقتلتهم، قال ابن جريج: فأخبرني عبد الكريم وأبو بكر قالا ~~جميعا: إن عمر كان يشك فيها حتى قال له علي: يا أمير المؤمنين أرأيت لو أن ~~نفرا اشتركوا في سرقة جزور، فأخذ هذا عضوا وهذا عضوا، أكنت قاطعهم؟ قال: ~~نعم، قال: وذلك حين استخرج له الرأي. # [بين ابن عباس والخوارج] # وقال عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج عمن حدثه عن ~~ابن عباس قال: أرسلني علي إلى الحرورية لأكلمهم، فلما قالوا: " لا حكم إلا ~~لله " قلت: أجل، صدقتم، لا حكم إلا لله، وإن الله حكم في رجل وامرأته، وحكم ~~في قتل الصيد؛ فالحكم في رجل وامرأته والصيد أفضل أم الحكم في الأمة يرجع ~~بها، ويحقن دماءها، ويلم شعثها؟ # وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا عكرمة بن عمار ثنا سماك الحنفي قال: ~~سمعت ابن عباس يقول: قال علي: لا تقاتلوهم حتى يخرجوا، فإنهم سيخرجون، قال: ~~قلت: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة فإني أريد أن أدخل عليهم فأسمع من ~~كلامهم وأكلمهم، فقال علي: أخشى عليك منهم، قال: وكنت رجلا حسن الخلق لا ~~أوذي أحدا، قال: فلبست أحسن ما يكون من اليمنية وترجلت ثم دخلت عليهم وهم ~~قائلون، فقالوا لي: ما هذا اللباس؟ فتلوت عليهم القرآن: {قل من حرم زينة ~~الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} [الأعراف: 32] # PageV01P163 # ولقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبس أحسن ما يكون من ~~اليمنية، فقالوا لا بأس، فما جاء بك؟ فقلت: أتيتكم من عند صاحبي، وهو ابن ~~عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وختنه، وأصحاب ms0188 رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بالوحي منكم، وعليهم نزل القرآن، أبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم، ~~فما الذي نقمتم؟ فقال بعضهم: إن قريشا قوم خصمون، قال الله - عز وجل -: {بل ~~هم قوم خصمون} [الزخرف: 58] . فقال بعضهم: كلموه، فانتحى لي رجلان منهم أو ~~ثلاثة، فقالوا: إن شئت تكلمت وإن شئت تكلمنا، فقلت: بل تكلموا، فقالوا: ~~ثلاث نقمناهن عليه، جعل الحكم إلى الرجال وقال الله: {إن الحكم إلا لله} ~~[الأنعام: 57] ، فقلت: قد جعل الله الحكم من أمره إلى الرجال في ربع درهم ~~في الأرنب وفي المرأة وزوجها: {فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} ~~[النساء: 35] ، أفخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، قالوا: وأخرى محا نفسه أن يكون ~~أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فأمير الكافرين هو، فقلت لهم: ~~أرأيتم إن قرأت من كتاب الله عليكم وجئتكم به من سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أترجعون؟ قالوا: نعم، قلت: قد سمعتم أو أراه قد بلغكم، أنه لما ~~كان يوم الحديبية جاء سهيل بن عمرو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي: " امح يا علي " أفخرجت من ~~هذه؟ قالوا: نعم، قال: وأما قولكم قتل ولم يسب ولم يغنم أفتسبون أمكم ~~وتستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟ فإن قلتم نعم فقد كفرتم بكتاب الله ~~وخرجتم من الإسلام، فأنتم بين ضلالتين، وكلما جئتهم بشيء من ذلك أقول: ~~أفخرجت منها: فيقولون: نعم، قال: فرجع منهم ألفان وبقي ستة آلاف، وله طرق ~~عن ابن عباس، وقياسه المذكور من أحسن القياس وأوضحه. وقد أنكر ابن عباس على ~~زيد بن ثابت مخالفته للقياس في مسألة الجد والإخوة فقال: ألا يتقي الله ~~زيد؟ يجعل ابن الابن ابنا ولا جعل أب الأب أبا؟ وهذا محض القياس. # ولما خص الصديق أم الأم بالميراث دون أم الأب قال له ms0189 بعض الأنصار: لقد ~~ورثت امرأة من ميت لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأة لو كانت هي ~~الميتة ورث جميع ما تركت، فشرك بينهما. قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة ~~عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال: جاءت جدتان إلى أبي بكر، فأعطى ~~الميراث أم الأم دون أم الأب، فقال له رجل من الأنصار من بني حارثة يقال له ~~عبد الرحمن بن سهل: يا خليفة رسول الله، قد أعطيت الميراث التي لو ماتت لم ~~يرثها، فجعل الميراث بينهما. # PageV01P164 # ولما شهد أبو بكرة وأصحابه على المغيرة بن شعبة بالحد ولم يكملوا النصاب ~~حدهم عمر، قياسا على القاذف، ولم يكونوا قذفة بل شهودا؛ وقال عثمان لعمر: ~~إن نتبع رأيك فرأيك أسد، وإن نتبع رأي من قبلك فلنعم ذو الرأي كان. # وقال علي: اجتمع رأيي ورأي عمر في بيع أمهات الأولاد أن لا يبعن، ثم رأيت ~~بيعهن، فقال له قاضيه عبيدة السلماني: يا أمير المؤمنين رأيك مع رأي عمر في ~~الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة. # ولما أرسل عمر إلى المرأة فأسقطت جنينها استشار الصحابة، فقال له عبد ~~الرحمن بن عوف وعثمان: إنما أنت مؤدب ولا شيء عليك؛ وقال له علي: أما ~~المأثم فأرجو أن يكون محطوطا عنك، وأرى عليك الدية، فقاسه عثمان وعبد ~~الرحمن على مؤدب امرأته وغلامه وولده، وقاسه علي على قاتل الخطأ، فاتبع عمر ~~قياس علي. # ولما احتضر الصديق - رضي الله عنه - أوصى بالخلافة إلى عمر - رضي الله ~~عنه -، وقاس ولايته لمن بعده إذ هو صاحب الحل والعقد على ولاية المسلمين له ~~إذ كانوا هم أهل الحل والعقد، وهذا من أحسن القياس ### | [اختلاف الصحابة في المرأة المخيرة] # [اختلافهم في المرأة المخيرة] # وقال علي - كرم الله وجهه -: سألني أمير المؤمنين عمر عن الخيار، فقلت: ~~إن اختارت زوجها فهي واحدة، وهو أحق بها، وإن اختارت نفسها فهي واحدة ~~بائنة، فقال: ليس كذلك، إن اختارت نفسها فهي واحدة، وهو أحق بها، وإن ~~اختارت زوجها فلا شيء، فاتبعته على ms0190 ذلك، فلما خلص الأمر إلي وعلمت أني أسأل ~~عن الفروج عدت إلى ما كنت أرى، فقال له زاذان: لأمر جامعت عليه أمير ~~المؤمنين وتركت رأيك له أحب إلينا من أمر انفردت به، فضحك وقال: أما إنه قد ~~أرسل إلى زيد بن ثابت وخالفني وإياه، وقال: إن اختارت زوجها فهي واحدة، ~~وزوجها أحق بها، وإن اختارت نفسها فهي ثلاث، وهذا رأي منهم كلهم - رضي الله ~~عنهم -، ورأي عمر - رضي الله عنه - أقوى وأصح. # وقال عمر لعلي: إني قد رأيت في الجد رأيا فاتبعوني، فقال علي - رضي الله ~~عنه -: إن نتبع رأيك فرأيك رشيد، وإن نتبع رأي من قبلك فنعم ذو الرأي كان، ~~وهل مع زيد بن ثابت في مسائل الجد والإخوة والمعادة والأكدرية نص من القرآن ~~أو سنة أو إجماع إلا مجرد الرأي؟ . # ومن ذلك اختلافهم في قول الرجل لامرأته " أنت علي حرام " فقال شيخا ~~الإسلام وبصرا الدين وسمعه أبو بكر وعمر: هو يمين، وتبعهما حبر الأمة ~~وترجمان القرآن ابن عباس. # PageV01P165 # وقال سيف الله علي - كرم الله وجهه - وزيد: هو طلاق ثلاث؛ وقال ابن ~~مسعود: طلقة واحدة، وهذا من الاجتهاد والرأي. ### | [الصحابة فتحوا باب القياس والاجتهاد] # فالصحابة - رضي الله عنهم - مثلوا الوقائع بنظائرها، وشبهوها بأمثالها، ~~وردوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد، ونهجوا لهم ~~طريقه، وبينوا لهم سبيله، وهل يستريب عاقل في أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لما قال «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان» ، إنما كان ذلك؛ لأن ~~الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه، ويمنعه من كمال الفهم، ويحول بينه وبين ~~استيفاء النظر، ويعمي عليه طريق العلم والقصد، فمن قصر النهي على الغضب ~~وحده دون الهم المزعج والخوف المقلق والجوع والظمأ الشديد وشغل القلب ~~المانع من الفهم فقد قل فقهه وفهمه، والتعويل في الحكم على قصد المتكلم، ~~والألفاظ لم تقصد لنفسها وإنما هي مقصودة للمعاني، والتوصل بها إلى معرفة ~~مراد المتكلم، ومراده يظهر من عموم لفظه تارة، ومن عموم المعنى الذي قصده ~~تارة، وقد يكون فهمه ms0191 من المعنى أقوى، وقد يكون من اللفظ أقوى، وقد يتقاربان ~~كما إذا قال الدليل لغيره: لا تسلك الطريق فإن فيها من يقطع الطريق، أو هي ~~معطشة مخوفة علم هو وكل سامع أن قصده أعم من لفظه، وأنه أراد نهيه عن كل ~~طريق هذا شأنها؛ فلو خالفه وسلك طريقا أخرى عطب بها حسن لومه، ونسب إلى ~~مخالفته ومعصيته، ولو قال الطبيب للعليل وعنده لحم ضأن: لا تأكل الضأن فإنه ~~يزيد في مادة المرض، لفهم كل عاقل منه أن لحم الإبل والبقر كذلك، ولو أكل ~~منهما لعد مخالفا، والتحاكم في ذلك إلى فطر الناس وعقولهم، ولو من عليه ~~غيره بإحسانه فقال: والله لا أكلت له لقمة، ولا شربت له ماء، يريد خلاصه من ~~منته عليه، ثم قبل منه الدراهم والذهب والثياب والشاة ونحوها لعده العقلاء ~~واقعا فيما هو أعظم مما حلف عليه، ومرتكبا لذروة سنامه؛ ولو لامه عاقل على ~~كلامه لمن لا يليق به محادثته من امرأة أو صبي فقال: والله لا كلمته، ثم ~~رآه خاليا به يواكله ويشاربه ويعاشره ولا يكلمه لعدوه مرتكبا لأشد مما حلف ~~عليه وأعظمه. # وهذا مما فطر الله عليه عباده؛ ولهذا فهمت الأمة من قوله تعالى: {إن ~~الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} [النساء: 10] ، جميع وجوه الانتفاع من ~~اللبس والركوب والمسكن وغيرها. ### | [العمل بالقياس مركوز في فطر الناس] # وفهمت من قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23] إرادة النهي عن ~~جميع # PageV01P166 # أنواع الأذى بالقول والفعل، وإن لم ترد نصوص أخرى بالنهي عن عموم الأذى، ~~فلو بصق رجل في وجه والديه وضربهما بالنعل وقال: إني لم أقل لهما أف لعده ~~الناس في غاية السخافة والحماقة والجهل من مجرد تفريقه بين التأفيف المنهي ~~عنه وبين هذا الفعل قبل أن يبلغه نهي غيره، ومنع هذا مكابرة للعقل والفهم ~~والفطرة. # فمن عرف مراد المتكلم بدليل من الأدلة وجب اتباع مراده، والألفاظ لم تقصد ~~لذواتها، وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده ووضح ~~بأي طريق كان عمل بمقتضاه، سواء ms0192 كان بإشارة، أو كتابة، أو بإيماءة أو دلالة ~~عقلية، أو قرينة حالية، أو عادة له مطردة لا يخل بها، أو من مقتضى كماله ~~وكمال أسمائه وصفاته وأنه يمتنع منه إرادة ما هو معلوم الفساد وترك إرادة ~~ما هو متيقن مصلحته، وأنه يستدل على إرادته للنظير بإرادة نظيره ومثله ~~وشبهه، وعلى كراهة الشيء بكراهة مثله ونظيره ومشبهه، فيقطع العارف به ~~وبحكمته وأوصافه على أنه يريد هذا ويكره هذا، ويحب هذا ويبغض هذا. # وأنت تجد من له اعتناء شديد بمذهب رجل وأقواله كيف يفهم مراده من تصرفه ~~ومذاهبه؟ ويخبر عنه بأنه يفتي بكذا ويقوله، وأنه لا يقول بكذا ولا يذهب ~~إليه، لما لا يوجد في كلامه صريحا، وجميع أتباع الأئمة مع أئمتهم بهذه ~~المثابة. # [العبرة بإرادة التكلم لا بلفظه] # وهذا أمر يعم أهل الحق والباطل، لا يمكن دفعه فاللفظ الخاص قد ينتقل إلى ~~معنى العموم بالإرادة والعام قد ينتقل إلى الخصوص بالإرادة، فإذا دعي إلى ~~غداء فقال: والله لا أتغدى، أو قيل له: " نم " فقال: والله لا أنام، أو: " ~~اشرب هذا الماء " فقال: والله لا أشرب، فهذه كلها ألفاظ عامة نقلت إلى معنى ~~الخصوص بإرادة المتكلم التي يقطع السامع عند سماعها بأنه لم يرد النفي ~~العام إلى آخر العمر، والألفاظ ليست تعبدية، والعارف يقول: ماذا أراد؟ ~~واللفظي يقول: ماذا قال؟ كما كان الذين لا يفقهون إذا خرجوا من عند النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يقولون: {ماذا قال آنفا} [محمد: 16] ، وقد أنكر الله ~~- سبحانه - عليهم وعلى أمثالهم بقوله: {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ~~حديثا} [النساء: 78] ، فذم من لم يفقه كلامه، والفقه أخص من الفهم، وهو فهم ~~مراد المتكلم من كلامه، وهذا قدر زائد على مجرد فهم وضع اللفظ في اللغة، ~~وبحسب تفاوت مراتب الناس في هذا تتفاوت مراتبهم في الفقه والعلم. # وقد كان الصحابة يستدلون على إذن الرب - تعالى - وإباحته بإقراره وعدم ~~إنكاره عليهم # PageV01P167 # في زمن الوحي، وهذا استدلال على المراد بغير لفظ، بل بما عرف من موجب ~~أسمائه وصفاته وأنه لا ms0193 يقر على باطل حتى يبينه. # وكذلك استدلال الصديقة الكبرى أم المؤمنين خديجة بما عرفته من حكمة الرب ~~- تعالى - وكمال أسمائه وصفاته ورحمته أنه لا يخزي محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ فإنه يصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، ~~وإن من كان بهذه المثابة فإن العزيز الرحيم الذي هو أحكم الحاكمين وإله ~~العالمين لا يخزيه، ولا يسلط عليه الشيطان، وهذا استدلال منها قبل ثبوت ~~النبوة والرسالة، بل استدلال على صحتها وثبوتها في حق من هذا شأنه، فهذا ~~معرفة منها بمراد الرب - تعالى - وما يفعله من أسمائه وصفاته وحكمته ورحمته ~~وإحسانه ومجازاته المحسن بإحسانه، وأنه لا يضيع أجر المحسنين. # وقد كانت الصحابة أفهم الأمة لمراد نبيها وأتبع له، وإنما كانوا يدندنون ~~حول معرفة مراده ومقصوده، ولم يكن أحد منهم يظهر له مراد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ثم يعدل عنه إلى غيره ألبتة. # [بم يعرف مراد المتكلم؟] # والعلم بمراد المتكلم يعرف تارة من عموم لفظه، وتارة من عموم علته، ~~والحوالة على الأول أوضح لأرباب الألفاظ، وعلى الثاني أوضح لأرباب المعاني ~~والفهم والتدبر، وقد يعرض لكل من الفريقين ما يخل بمعرفة مراد المتكلم، ~~فيعرض لأرباب الألفاظ التقصير بها عن عمومها، وهضمها تارة وتحميلها فوق ما ~~أريد بها تارة، ويعرض لأرباب المعاني فيها نظير ما يعرض لأرباب الألفاظ ~~فهذه أربع آفات هي منشأ غلط الفريقين. # ونحن نذكر بعض الأمثلة لذلك ليعتبر به غيره، فنقول: # [بعض الأغلاط التي وقع فيها أهل الألفاظ وأهل المعاني] # قال الله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} [المائدة: 90] ، فلفظ ~~الخمر عام في كل مسكر، فإخراج بعض الأشربة المسكرة عن شمول اسم الخمر لها ~~تقصير به وهضم لعمومه، بل الحق ما قاله صاحب الشرع: كل مسكر خمر، وإخراج ~~بعض أنواع الميسر عن شمول اسمه لها تقصير أيضا به، وهضم لمعناه، فما الذي ~~جعل النرد الخالي عن العوض من الميسر وأخرج الشطرنج عنه، مع أنه من أظهر ms0194 ~~أنواع الميسر كما قال غير واحد من السلف إنه ميسر؟ وقال علي - كرم الله ~~وجهه -: هو ميسر العجم. # وأما تحميل اللفظ فوق ما يحتمله فكما حمل لفظ قوله تعالى: # PageV01P168 # {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ~~عن تراض منكم} [النساء: 29] ، وقوله في آية البقرة: {إلا أن تكون تجارة ~~حاضرة تديرونها بينكم} [البقرة: 282] مسألة العينة التي هي ربا بحيلة ~~وجعلها من التجارة، ولعمر الله إن الربا الصريح تجارة للمرابي وأي تجارة، ~~وكما حمل قوله تعالى: {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: ~~230] على مسألة التحليل وجعل التيس المستعار الملعون على لسان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - داخلا في اسم الزوج، وهذا في التجاوز يقابل الأول في ~~التقصير. # ولهذا كان معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله أصل العلم وقاعدته وأخيته ~~التي يرجع إليها، فلا يخرج شيئا من معاني ألفاظه عنها، ولا يدخل فيها ما ~~ليس منها، بل يعطيها حقها، ويفهم المراد منها. # ومن هذا لفظ الأيمان والحلف، أخرجت طائفة منه الأيمان الالتزامية التي ~~يلتزم صاحبها بها إيجاب شيء أو تحريمه، وأدخلت طائفة فيها التعليق المحض ~~الذي لا يقتضي حضا ولا منعا، والأول نقص من المعنى، والثاني تحميل له فوق ~~معناه. # ومن ذلك لفظ الربا، أدخلت فيه طائفة ما لا دليل على تناول اسم الربا له ~~كبيع الشيرج بالسمسم والدبس بالعنب والزيت بالزيتون، وكل ما استخرج من ربوي ~~وعمل منه بأصله، وإن خرج عن اسمه ومقصوده وحقيقته، وهذا لا دليل عليه يوجب ~~المصير إليه لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا ميزان صحيح، وأدخلت فيه ~~من مسائل مد عجوة ما هو أبعد شيء عن الربا. وأخرجت طائفة أخرى منه ما هو من ~~الربا الصحيح حقيقة قصدا وشرعا كالحيل الربوية التي هي أعظم مفسدة من الربا ~~الصريح، ومفسدة الربا البحت الذي لا يتوصل إليه بالسلاليم أقل بكثير، ~~وأخرجت منه طائفة بيع الرطب بالتمر وإن كان كونه من الربا أخفى من كون ms0195 ~~الحيل الربوية منه، فإن التماثل موجود فيه في الحال دون المآل، وحقيقة ~~الربا في الحيل الربوية أكمل وأتم منها في العقد الربوي الذي لا حيلة فيه. # ومن ذلك لفظ البينة، قصرت بها طائفة، فأخرجت منه الشاهد واليمين وشهادة ~~العبيد العدول الصادقين المقبولي القول على الله ورسوله، وشهادة النساء ~~منفردات في المواضع التي لا يحضرهن فيه الرجال كالأعراس والحمامات، وشهادة ~~الزوج في اللعان إذا نكلت المرأة، وأيمان المدعين الدم إذا ظهر اللوث، ونحو ~~ذلك مما يبين الحق أعظم من بيان الشاهدين، وشهادة القاذف، وشهادة الأعمى ~~على ما يتيقنه، وشهادة أهل الذمة على الوصية في السفر إذا لم يكن هناك ~~مسلم، وشهادة الحال في تداعي الزوجين متاع البيت وتداعي النجار والخياط ~~آلتهما ونحو ذلك. وأدخلت فيه طائفة ما ليس منه كشهادة مجهول الحال # PageV01P169 # الذي لا يعرف بعدالة ولا فسق، وشهادة وجوه الأجر ومعاقد القمط ونحو ذلك. ~~والصواب أن كل ما بين الحق فهو بينة، ولم يعطل الله ولا رسوله حقا بعدما ~~تبين بطريق من الطرق أصلا، بل حكم الله ورسوله الذي لا حكم له سواه أنه متى ~~ظهر الحق ووضح بأي طريق كان وجب تنفيذه ونصره، وحرم تعطيله وإبطاله، وهذا ~~باب يطول استقصاؤه، ويكفي المستبصر التنبيه عليه، وإذا فهم هذا في جانب ~~اللفظ فهم نظيره في جانب المعنى سواء. ### | [القياسون والظاهرية مفرطون] # وأصحاب الرأي والقياس حملوا معاني النصوص فوق ما حملها الشارع، وأصحاب ~~الألفاظ والظواهر قصروا بمعانيها عن مراده، فأولئك قالوا: إذا وقعت قطرة من ~~دم في البحر فالقياس أنه ينجس، ونجسوا بها الماء الكثير مع أنه لم يتغير ~~منه شيء ألبتة بتلك القطرة، وهؤلاء قالوا: إذا بال جرة من بول وصبها في ~~الماء لم تنجسه، وإذا بال في الماء نفسه ولو أدنى شيء نجسه، ونجس أصحاب ~~الرأي والمقاييس القناطير المقنطرة ولو كانت ألف ألف قنطار من سمن أو زيت ~~أو شيرج بمثل رأس الإبرة من البول والدم، والشعرة الواحدة من الكلب ~~والخنزير عند من ينجس شعرهما. وأصحاب الظواهر والألفاظ عندهم لو ms0196 وقع الكلب ~~والخنزير بكماله أو أي ميتة كانت في أي ذائب كان من زيت أو شيرج أو خل أو ~~دبس أو ودك غير السمن ألقيت الميتة فقط، وكان ذلك المائع حلالا طاهرا كله، ~~فإن وقع ما عدا الفأرة في السمن من كلب أو خنزير أو أي نجاسة كانت فهو طاهر ~~حلال ما لم يتغير. # ومن ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تنتقب المرأة ولا تلبس ~~القفازين» يعني في الإحرام، فسوى بين يديها ووجهها في النهي عما صنع على ~~قدر العضو، ولم يمنعها من تغطية وجهها، ولا أمرها بكشفه ألبتة، ونساؤه - ~~صلى الله عليه وسلم - أعلم الأمة بهذه المسألة، وقد كن يسدلن على وجوههن ~~إذا حاذاهن الركبان، فإذا جاوزوهن كشفن وجوههن، وروى وكيع عن شعبة عن يزيد ~~الرشك عن معاذة العدوية قالت: سألت عائشة: ما تلبس المحرمة؟ فقالت: لا ~~تنتقب، ولا تتلثم، وتسدل الثوب على وجهها، فجاوزت طائفة ذلك، ومنعتها من ~~تغطية وجهها جملة، قالوا: وإذا سدلت على وجهها فلا تدع الثوب يمس وجهها، ~~فإن مسه افتدت ولا دليل على هذا ألبتة، وقياس قول هؤلاء أنها إذا غطت يدها ~~افتدت، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى بينهما في النهي وجعلهما كبدن ~~المحرم، فنهى عن لبس القميص والنقاب والقفازين، هذا للبدن وهذا للوجه وهذا ~~لليدين، ولا يحرم ستر البدن، فكيف يحرم ستر الوجه في حق المرأة مع أمر الله ~~لها أن تدني عليها من جلبابها لئلا تعرف ويفتتن بصورتها؟ ولولا «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال في المحرم ولا يخمر رأسه» ، لجاز تغطيته بغير ~~العمامة. # PageV01P170 # وقد روى الإمام أحمد عن خمسة من الصحابة عثمان وابن عباس وعبد الله بن ~~الزبير وزيد بن ثابت وجابر أنهم كانوا يخمرون وجوههم محرمون؛ فإذا كان هذا ~~في حق الرجل وقد أمر بكشف رأسه فالمرأة بطريق الأولى والأحرى. وقصرت طائفة ~~أخرى فلم تمنع المحرمة من البرقع ولا اللثام، قالوا: إلا أن يدخلا في اسم ~~النقاب فتمنع منه، وعذر هؤلاء أن المرجع إلى ms0197 ما نهى عنه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، ودخل في لفظ المنهي عنه فقط، والصواب النهي عما دخل في عموم ~~لفظه وعموم معناه وعلته؛ فإن البرقع واللثام وإن لم يسميا نقابا فلا فرق ~~بينهما وبينه، بل إذا نهيت عن النقاب فالبرقع واللثام أولى؛ ولذلك منعتها ~~أم المؤمنين من اللثام. # ومن ذلك لفظ الفدية، أدخل فيها طائفة خلع الحيلة على فعل المحلوف عليه ~~مما هو ضد الفدية؛ إذ المراد بقاء النكاح بالخلاص من الحنث، وهي إنما شرعت ~~لزوال النكاح عند الحاجة إلى زواله، وأخرجت منه طائفة ما فيه حقيقة الفدية ~~ومعناها، واشترطت له لفظا معينا، وزعمت أنه لا يكون فدية وخلعا إلا به، ~~وأولئك تجاوزوا به، وهؤلاء قصروا به، والصواب أن كل ما دخله المال فهو فدية ~~بأي لفظ كان، والألفاظ لم ترد لذواتها ولا تعبدنا بها، وإنما هي وسائل إلى ~~المعاني؛ فلا فرق قط بين أن تقول: " اخلعني بألف " أو " فادني بألف " لا ~~حقيقة ولا شرعا، ولا لغة ولا عرفا؛ وكلام ابن عباس والإمام أحمد عام في ~~ذلك، لم يقيده أحدهما بلفظ، ولا استثنى لفظا دون لفظ، بل قال ابن عباس: ~~عامة طلاق أهل اليمن الفداء، وقال الإمام أحمد: الخلع فرقة، وليس بطلاق، ~~وقال: الخلع ما كان من جهة النساء، وقال: ما أجازه المال فليس بطلاق، وقال: ~~إذا خالعا بعد تطليقتين فإن شاء راجعها فتكون معه على واحدة. # وقال في رواية أبي طالب: الخلع مثل حديث سهلة إذا كرهت المرأة الرجل ~~وقالت: لا أبر لك قسما، ولا أطيع لك أمرا، ولا أغتسل لك من جنابة، فقد حل ~~له أن يأخذ منها ما أعطاها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أتردين ~~عليه حديقته» ، قلت: وقد قال في الحديث: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» ، ~~وجعل أحمد ذلك فداء. # وقال ابن هانئ: سئل أبو عبد الله عن الخلع: أفسخ أم طلاق هو أم تذهب إلى ~~حديث ابن عباس كان يقول فرقة وليس بطلاق؟ فقال أبو عبد الله: كان ابن عباس ~~يتأول هذه الآية: ms0198 {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم ~~أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ~~ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] ، # PageV01P171 # وكان ابن عباس يقول: هو فداء، قال ابن عباس: ذكر الله الطلاق في أول ~~الآية، والفداء في وسطها، وذكر الطلاق بعد؛ فالفداء ليس هو بطلاق، وإنما هو ~~فداء، فجعل ابن عباس وأحمد الفداء فداء لمعناه لا للفظه، وهذا هو الصواب؛ ~~فإن الحقائق لا تتغير بتغيير الألفاظ، وهذا باب يطول تتبعه. # والمقصود أن الواجب فيما علق عليه الشارع الأحكام من الألفاظ والمعاني أن ~~لا يتجاوز بألفاظها ومعانيها، ولا يقصر بها، ويعطي اللفظ حقه والمعنى حقه؛ ~~وقد مدح الله - تعالى - أهل الاستنباط في كتابه وأخبر أنهم أهل العلم؛ ~~ومعلوم أن الاستنباط إنما هو استنباط المعاني والعلل ونسبة بعضها إلى بعض، ~~فيعتبر ما يصح منها بصحة مثله ومشبهه ونظيره، ويلغى ما لا يصح، هذا الذي ~~يعقله الناس من الاستنباط. قال الجوهري: الاستنباط كالاستخراج، ومعلوم أن ~~ذلك قدر زائد على مجرد فهم اللفظ، فإن ذلك ليس طريقة الاستنباط؛ إذ موضوعات ~~الألفاظ لا تنال بالاستنباط، وإنما تنال به العلل والمعاني والأشباه ~~والنظائر ومقاصد المتكلم، والله - سبحانه - ذم من سمع ظاهرا مجردا فأذاعه ~~وأفشاه، وحمد من استنبط من أول العلم حقيقته ومعناه. # ويوضحه أن الاستنباط استخراج الأمر الذي من شأنه أن يخفى على غير ~~مستنبطه، ومنه استنباط الماء من أرض البئر والعين، ومن هذا قول علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنه - وقد سئل: هل خصكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بشيء دون الناس؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه ~~الله عبدا في كتابه. # ومعلوم أن هذا الفهم قدر زائد على معرفة موضوع اللفظ وعمومه أو خصوصه، ~~فإن هذا قدر مشترك بين سائر من يعرف لغة العرب، وإنما هذا فهم لوازم المعنى ~~ونظائره ومراد المتكلم بكلامه ومعرفة حدود كلامه، بحيث لا يدخل فيها غير ~~المراد، ولا ms0199 يخرج منها شيء من المراد. # وأنت إذا تأملت قوله تعالى: {إنه لقرآن كريم} [الواقعة: 77] {في كتاب ~~مكنون} [الواقعة: 78] {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] ، وجدت الآية ~~من أظهر الأدلة على نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن هذا القرآن جاء ~~من عند الله، وأن الذي جاء به روح مطهر، فما للأرواح الخبيثة عليه سبيل؛ ~~ووجدت الآية أخت قوله: {وما تنزلت به الشياطين} [الشعراء: 210] {وما ينبغي ~~لهم وما يستطيعون} [الشعراء: 211] ، ووجدتها دالة بأحسن الدلالة على أنه لا ~~يمس المصحف إلا طاهر، ووجدتها دالة أيضا بألطف الدلالة على أنه لا يجد ~~حلاوته وطعمه إلا من آمن به وعمل به، كما فهمه # PageV01P172 # البخاري من الآية فقال في صحيحه في باب: {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها} [آل ~~عمران: 93] : " لا يمسه " لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن ولا يحمله ~~بحقه إلا المؤمن لقوله تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل ~~الحمار يحمل أسفارا} [الجمعة: 5] ، وتجد تحته أيضا أنه لا ينال معانيه ~~ويفهمه كما ينبغي إلا القلوب الطاهرة، وأن القلوب النجسة ممنوعة من فهمه ~~مصروفة عنه، فتأمل هذا النسب القريب وعقد هذه الأخوة بين هذه المعاني وبين ~~المعنى الظاهر من الآية واستنباط هذه المعاني كلها من الآية بأحسن وجه ~~وأبينه. # فهذا من الفهم الذي أشار إليه علي - رضي الله عنه -. # وتأمل قوله تعالى لنبيه: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} [الأنفال: 33] ~~كيف يفهم منه أنه إذا كان وجود بدنه وذاته فيهم دفع عنهم العذاب وهم ~~أعداؤه، فكيف وجود سره والإيمان به ومحبته ووجود ما جاء به إذا كان في قوم ~~أو كان في شخص؟ ، أفليس دفعه العذاب عنهم بطريق الأولى والأحرى؟ ،. # وتأمل قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} ~~[النساء: 31] ، كيف تجد تحته بألطف دلالة وأدقها وأحسنها أنه من اجتنب ~~الشرك جميعه كفرت عنه كبائره، وأن نسبة الكبائر إلى الشرك كنسبة الصغائر ~~إلى الكبائر فإذا وقعت الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر فالكبائر تقع مكفرة ~~باجتناب الشرك، وتجد الحديث الصحيح كأنه مشتق ms0200 من هذا المعنى، وهو قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن ربه - تبارك وتعالى -: «ابن آدم إنك لو ~~لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة» ~~، وقوله: «إن الله حرم النار على من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» ، ~~بل محو التوحيد الذي هو توحيد الكبائر أعظم من محو اجتناب الكبائر للصغائر. # وتأمل قوله تعالى: {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون} [الزخرف: 12] ~~{لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان ~~الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين} [الزخرف: 13] {وإنا إلى ربنا ~~لمنقلبون} [الزخرف: 14] ، كيف نبههم بالسفر الحسي على السفر إليه؟ ، وجمع ~~له بين السفرين كما جمع لهم الزادين في قوله: {وتزودوا فإن خير الزاد ~~التقوى} [البقرة: 197] ، فجمع لهم بين زاد سفرهم وزاد معادهم؟ وكما جمع بين ~~اللباسين في قوله: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ~~ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون} [الأعراف: 26] ، فذكر ~~- سبحانه - زينة ظواهرهم وبواطنهم # PageV01P173 # ونبههم بالحسي على المعنوي؛ وفهم هذا القدر زائد على فهم مجرد اللفظ ~~ووضعه في أصل اللسان، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله. ### | [فصل قول نفاة القياس] # قد أتينا على ذكر فصول نافعة وأصول جامعة في تقرير القياس والاحتجاج به ~~لعلك لا تظفر بها في غير هذا الكتاب، ولا بقريب منها، فلنذكر مع ذلك ما ~~قابلها من النصوص والأدلة الدالة على ذم القياس، وأنه ليس من الدين، وحصول ~~الاستغناء عنه والاكتفاء بالوحيين، وها نحن نسوقها مفصلة مبينة بحمد الله. # قال الله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء: 59] ، وأجمع المسلمون على أن الرد إلى ~~الله - سبحانه - هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- هو الرد إليه في حضوره وحياته وإلى سنته في غيبته وبعد ms0201 مماته، والقياس ~~ليس بهذا ولا هذا. # ولا يقال: الرد إلى القياس هو من الرد إلى الله ورسوله، لدلالة كتاب الله ~~وسنة رسوله - عليه السلام - كما تقدم تقريره؛ لأن الله - سبحانه - إنما ~~ردنا إلى كتابه وسنة رسوله ولم يردنا إلى قياس عقولنا وآرائنا قط، بل قال - ~~تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} ~~[المائدة: 49] ، وقال: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما ~~أراك الله} [النساء: 105] ، ولم يقل بما رأيت أنت، وقال: {ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] ، {ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الظالمون} [المائدة: 45] ، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون} [المائدة: 47] ، وقال - تعالى -: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} ~~[الأعراف: 3] ، وقال - تعالى -: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} ~~[النحل: 89] وقال: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ~~ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} [العنكبوت: 51] ، وقال: {قل إن ضللت فإنما ~~أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} [سبأ: 50] ، فلو كان القياس ~~هدى لم ينحصر الهدى في الوحي، وقال: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم} [النساء: 65] ، فنفى الإيمان حتى يوجد تحكيمه وحده، وهو تحكيمه ~~في حال حياته وتحكيم سنته فقط بعد وفاته، وقال - تعالى -: {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} [الحجرات: 1] ، أي لا تقولوا حتى ~~يقول. # PageV01P174 # قال نفاة القياس: والإخبار عنه بأنه حرم ما سكت عنه أو أوجبه قياسا على ~~ما تكلم بتحريمه أو إيجابه تقدم بين يديه؛ فإنه إذا قال: " حرمت عليكم ~~الربا في البر " فقلنا: ونحن نقيس على قولك البلوط، فهذا محض التقدم. # قالوا: وقد حرم - سبحانه - أن نقول عليه ما لا نعلم، فإذا فعلنا ذلك فقد ~~واقعنا هذا المحرم يقينا، فإنا غير عالمين بأنه أراد من تحريم الربا في ~~الذهب والفضة تحريمه في القديد من اللحوم، وهذا قفو منا ما ليس لنا به علم، ~~وتعد لما حد لنا، " ومن يتعد حدود الله ms0202 فقد ظلم نفسه "، والواجب أن نقف عند ~~حدوده، ولا نتجاوزها ولا نقصر بها. # ولا يقال: فإبطال القياس وتحريمه والنهي عنه تقدم بين يدي الله ورسوله، ~~وتحريم لما لم ينص على تحريمه، وقفو منكم ما ليس لكم به [علم] ؛ لأنا نقول: ~~الله - سبحانه وتعالى - أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا، وأنزل علينا ~~كتابه، وأرسل إلينا رسوله يعلمنا الكتاب والحكمة، فما علمناه وبينه لنا فهو ~~من الدين، وما لم يعلمناه ولا بين لنا أنه من الدين فليس من الدين ضرورة، ~~وكل ما ليس من الدين فهو باطل؛ فليس بعد الحق إلا الضلال؛ وقد قال - تعالى ~~-: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] ، فالذي أكمله الله - سبحانه - ~~وبينه وهو ديننا، لا دين لنا سواه، فأين فيما أكمله لنا " قيسوا ما سكت عنه ~~على ما تكلمت بإيجابه أو تحريمه أو إباحته، سواء كان الجامع بينهما علة أو ~~دليل علة أو وصفا شبهيا، فاستعملوا ذلك كله وانسبوه إلي وإلى رسولي وإلى ~~ديني واحكموا به علي ". # قالوا: وقد أخبر - سبحانه -: {إن الظن لا يغني من الحق شيئا} [يونس: 36] ~~، وأخبر رسوله: " إن الظن أكذب الحديث " ونهى عنه، ومن أعظم الظن ظن ~~القياسيين، فإنهم ليسوا على يقين أن الله - سبحانه وتعالى - حرم بيع السمسم ~~بالشيرج والحلوى بالعنب والنشا بالبر، وإنما هي ظنون مجردة لا تغني من الحق ~~شيئا. # قالوا: وإن لم يكن قياس الضراط على " السلام عليكم " من الظن الذي نهينا ~~عن اتباعه وتحكيمه وأخبرنا أنه لا يغني من الحق شيئا فليس في الدنيا ظن ~~باطل، فأين الضراط من " السلام عليكم "؟ وإن لم يكن قياس الماء الذي لاقى ~~الأعضاء الطاهرة الطيبة عند الله في إزالة الحدث على الماء الذي لاقى أخبث ~~العذرات والميتات والنجاسات ظنا فلا ندري ما الظن الذي حرم الله - سبحانه - ~~القول به وذمه في كتابه وسلخه من الحق، وإن لم يكن قياس أعداء الله ورسوله ~~من عباد الصلبان واليهود الذي هم أشد الناس عداوة للمؤمنين على # PageV01P175 # أوليائه وخيار خلقه وسادات الأمة وعلمائها وصلحائها في تكافؤ دمائهم ms0203 ~~وجريان القصاص بينهم فليس في الدنيا ظن يذم اتباعه. # قالوا: ومن العجب أنكم قستم أعداء الله على أوليائه في جريان القصاص ~~بينهم فقتلتم ألف ولي لله قتلوا نصرانيا واحدا يجاهرهم بسب الله ورسوله ~~وكتابه علانية، ولم تقيسوا من ضرب رأس رجل بدبوس فنثر دماغه بين يديه على ~~من طعنه بمسلة فقتله. # قالوا: وسنبين لكم من تناقض أقيستكم واختلافها وشدة اضطرابها ما يبين ~~أنها من عند غير الله. # قالوا: والله - تعالى - لم يكل بيان شريعته إلى آرائنا وأقيستنا ~~واستنباطنا، وإنما وكلها إلى رسوله المبين عنه، فما بينه عنه وجب اتباعه، ~~وما لم يبينه فليس من الدين، ونحن نناشدكم الله: هل اعتمادكم في هذه ~~الأقيسة الشبهية والأوصاف الحدسية التخمينية على بيان الرسول أم على آراء ~~الرجال وظنونهم وحدسهم؟ قال الله - تعالى -: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين ~~للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] ، فأين بين النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أني إذا حرمت شيئا أو أوجبته أو أبحته فاستخرجوا وصفا ما شبهيا جامعا بين ~~ذلك وبين جميع ما سكت عنه فألحقوه به وقيسوا عليه. # قالوا: والله - تعالى - قد نهى عن ضرب الأمثال له، فكما لا تضرب له ~~الأمثال لا تضرب لدينه، وتمثيل ما لم ينص على حكمه بما نص عليه لشبه ما ضرب ~~الأمثال لدينه، وهذا بخلاف ما ضربه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~الأمثال في كثير من الأحكام التي سأل عنها، كما أمرهم بقضاء الصلاة التي ~~ناموا عنها فقالوا: «ألا نصليها لوقتها من الغد؟ فقال: أينهاكم عن الربا ~~ويقبله منكم» ، وكما «قال لعمر وقد سأله عن القبلة للصائم أرأيت لو تمضمضت ~~بماء ثم مججته» ، وكما «قال لمن سألته عن الحج عن أبيها أرأيت لو كان على ~~أبيك دين» ، وكما «قال لمن سأله: هل يثاب على وطء زوجته أرأيتم لو وضعها في ~~الحرام» . # [من الأمثال التي ضربها الله ورسوله] # ومن أحسن هذه الأمثال وأبلغها وأعظمها تقريبا إلى الأفهام ما رواه الإمام ~~أحمد والترمذي من حديث الحارث الأشعري أن النبي - صلى الله عليه وسلم ms0204 - ~~قال: «إن الله - سبحانه - أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات ليعمل بها ويأمر ~~بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنه كاد أن يبطئ بها، فقال عيسى: إن الله أمرك ~~بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم ~~وإما أن آمرهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني أن يخسف بي أو أعذب، # PageV01P176 # فجمع الناس في بيت المقدس، فامتلأ المسجد وقعدوا على الشرف، فقال: إن ~~الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن: أولاهن: أن ~~تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى ~~عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق. فقال: هذه داري وهذا عملي، فاعمل وأد إلي، ~~فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده، فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله ~~أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في ~~صلاته ما لم يلتفت، وأمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة ~~فيها مسك، وكلهم يعجبه ريحها، وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، ~~وأمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأوثقوا يديه إلى عنقه ~~وقدموه ليضربوا عنقه، فقال: أنا أفتدي منكم بكل قليل وكثير، ففدى نفسه ~~منهم، وأمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره ~~سراعا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه ~~من الشيطان إلا بذكر الله، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: وأنا آمركم ~~بخمس الله أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة؛ فإنه من ~~فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه إلا أن يراجع. ومن ادعى ~~دعوى الجاهلية فإنه من جثاء جهنم، قالوا: يا رسول الله وإن صلى وإن صام؟ ~~فقال: وإن صلى وإن صام، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين ~~عباد الله» ، حديث صحيح. # وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0205 - ~~قال: «أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه خمس مرات، هل يبقى من درنه ~~شيء؟ قالوا: لا، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحوا الله بهن الخطايا ومثل ~~- صلى الله عليه وسلم - المؤمن القارئ للقرآن بالأترجة في طيب الطعم ~~والريح، وضده بالحنظلة، والمؤمن الذي لا يقرأ بالتمرة في طيب الطعم وعدم ~~الريح، والفاجر القارئ بالريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المؤمن بالخامة ~~من الزرع لا تزال الرياح تميلها ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل ~~المنافق بشجرة الأرز - وهي الصنوبرة - لا تهتز ولا تميل حتى تقطع مرة ~~واحدة، ومثل المؤمن بالنخلة في كثرة خيرها ومنافعها وحاجة الناس إليها ~~وانتيابهم لها لمنافعهم بها، وشبه أمته بالمطر في نفع أوله وآخره وحياة ~~الوجود به، ومثل أمته والأمتين الكتابيتين قبلها فيما خص الله به أمته ~~وأكرمها به بأجراء عملوا بأجر مسمى لرجل يوما على أن يوفيهم أجورهم، فلم ~~يكملوا بقية يومهم وتركوا العمل من أثناء النهار، فعملت أمته بقية النهار ~~فاستكملوا أجر الفريقين، وضرب له ولأمته جبريل وميكائيل مثل ملك اتخذ دارا، ~~ثم ابتنى فيها بيتا، ثم جعل مائدة، ثم بعث رسولا # PageV01P177 # يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه، فالله هو ~~الملك، والرسول محمد الداعي، والدار الإسلام، والبيت الجنة، فمن أجابه دخل ~~الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل دار الملك وأكل منها، ومن لم يجبه لم يدخل ~~داره ولم يأكل منها» . # ، وفي المسند والترمذي من حديث النواس بن سمعان قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إن الله ضرب مثلا صراطا مستقيما، على كنفي الصراط سوران ~~لهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا ~~أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تعرجوا، وداع يدعو من فوق الصراط فإذا ~~أراد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك، لا تفتحه، فإنك إن تفتحه ~~تلجه، فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، ~~فلا يقع أحد في حد من حدود الله حتى يكشف الستر، والداعي على رأس ms0206 الصراط ~~كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم» فليتأمل ~~العارف قدر هذا المثل، وليتدبره حق تدبره، ويزن به نفسه، وينظر أين هو منه؟ ~~، وبالله التوفيق. # وقال: «مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بني دارا فأكملها وأحسنها إلا ~~موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها، ويقولون لولا موضع تلك ~~اللبنة، فكنت أنا موضع تلك اللبنة» ، رواه مسلم. # وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد عنه - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا، فجعل الدواب والفراش يقعن ~~فيها، فأنا آخذ بحجزكم من النار وأنتم تقتحمون فيها. ومثل من وقع في ~~الشبهات بالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه» . # وقال الحافظ أبو محمد بن خلاد الرامهرمزي: حدثنا أبو سعيد الحراني ثنا ~~يحيى بن عبد الله البابلتي ثنا صفوان بن عمرو قال: ثني سليم بن عامر قال: ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأوتيت جوامع ~~الكلم، وأوتيت الحكمة، وضرب لي من الأمثال مثل القرآن، وإني بينا أنا نائم ~~إذ أتاني ملكان فقام أحدهما عند رأسي وقام الآخر عند رجلي، فقال للذي عند ~~رأسي: اضرب مثلا وأنا أفسره، فقال الذي عند رأسي وأهوى إلي: لتنم عينك ~~ولتسمع أذنك وليع قلبك، قال: فكنت كذلك، أما الأذن فتسمع، وأما القلب فيعي، ~~وأما العين فتنام، قال: فضرب مثلا فقال: بركة فيها شجرة ثابتة، وفي الشجرة ~~غصن خارج، فجاء ضارب فضرب الشجرة، فوقع الغصن ووقع معه ورق كثير، كل ذلك في ~~البركة لم يعدها، ثم ضرب الثانية، فوقع ورق كثير، كل ذلك في البركة لم ~~يعدها، ثم ضرب الثالثة فوقع ورق كثير، لا أدري ما وقع فيها أكثر أو ما خرج ~~منها، قال: ففسر الذي عند رجلي، فقال: أما البركة فهي الجنة، وأما الشجرة ~~فهي الأمة، وأما الغصن فهو النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما الضارب فملك ~~الموت: ضرب الضربة الأولى في القرن # PageV01P178 # الأول فوقع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهل طبقته، وضرب ms0207 الثانية في ~~القرن الثاني، فوقع كل ذلك في الجنة، ثم ضرب الثالثة في القرن الثالث فلا ~~أدري ما وقع فيها أكثر أم ما خرج منها» . # وفي المسند من حديث جابر: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب ~~احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه نذير جيش يقول صبحكم ومساكم، ثم ~~يقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين أصبعه السبابة والوسطى» . # وفي حديث المستورد «بعثت في نفس الساعة سبقتها كما سبقت هذه هذه، وأشار ~~بأصبعيه» ، وفي المسند عنه «، إن مثلي ومثل ما بعثني الله كمثل رجل أتى ~~قومه فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وأنا النذير العريان فالنجاء، ~~فأطاعه طائفة منهم فأدلجوا على مهلهم فنجوا، وكذبته طائفة فأصبحوا مكانهم ~~فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، وكذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به ومثل ~~من عصاني وكذب بما جئت به من الحق» وفي الصحيحين عنه: «مثلي ومثل ما بعثني ~~الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكان منها طائفة قبلت الماء ~~فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها ~~الناس فشربوا وزرعوا وسقوا، وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان لا تمسك ~~ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به ~~فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» . # وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه خطب الناس فقال: «والله ما ~~الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا، فقال ~~رجل: يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر؟ فصمت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ثم قال: كيف قلت؟ فقال: يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر؟ فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الخير لا يأتي إلا بالخير، وإن مما ~~ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم، إلا آكلة الخضر أكلت حتى إذا امتدت ~~خاصرتاها استقبلت فثلطت وبالت ثم اجترت وعادت فأكلت، ms0208 فمن أخذ مالا بحقه ~~يبارك له فيه، ومن أخذ مالا بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع» . # وقالت ميمونة: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن العاص: ~~الدنيا خضرة حلوة، فمن اتقى الله فيها وأصلح، وإلا فهو كالذي يأكل ولا ~~يشبع، وبين الناس في ذلك كبعد الكوكبين أحدهما يطلع في المشرق والآخر يغيب ~~في المغرب، ومثل نفسه - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا براكب مر بأرض ~~فلاة، فرأى شجرة، فاستظل تحتها، ثم راح وتركها» . وفي المسند والترمذي عنه ~~«ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع؟» ، ~~«ومر مع الصحابة بسخلة منبوذة فقال: أترون هذه هانت على أهلها، فوالذي نفسي ~~بيده للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها» . # وقال: «إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم # PageV01P179 # سلكوا مفازة غبراء لا يدرون ما قطعوا منها أكثر أو ما بقي منها، فحسرت ~~ظهورهم، ونفد زادهم، وسقطوا بين ظهري المفازة، فأيقنوا بالهلكة، فبينما هم ~~كذلك إذ خرج عليهم رجل في حلة يقطر رأسه، فقالوا: إن هذا لحديث عهد بريف، ~~فانتهى إليهم، فقال: يا هؤلاء، ما شأنكم؟ فقالوا: ما ترى كيف حسرت ظهورنا ~~ونفذت أزوادنا بين ظهري هذه المفازة لا ندري ما قطعنا منها أكثر أم ما بقي؟ ~~فقال: ما تجعلون لي إن أوردتكم ماء رواء ورياضا خضرا؟ قالوا: حكمك، قال: ~~تعطوني عهودكم ومواثيقكم ألا تعصوني، ففعلوا، فمال بهم فأوردهم ماء رواء ~~ورياضا خضرا، فمكث يسيرا ثم قال: هلموا إلى رياض أعشب من رياضكم هذه وماء ~~أروى من مائكم هذا، فقال جل القوم: ما قدرنا على هذا حتى كدنا أن لا نقدر ~~عليه، وقالت طائفة منهم: ألستم قد جعلتم هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم أن لا ~~تعصوه؟ فقد صدقكم في أول حديثه، فآخر حديثه مثل أوله، فراح وراحوا معه ~~فأوردهم رياضا خضرا، وماء رواء، وأتى الآخرين العدو من ليلتهم فأصبحوا ما ~~بين قتيل وأسير» ، وقال: «مثل المؤمن كمثل النخلة أكلت طيبا ووضعت طيبا، ~~وإن مثل المؤمن ms0209 كمثل القطعة الجيدة من الذهب أدخلت في النار فنفخ عليها ~~فخرجت جيدة» . # وروى ليث عن مجاهد عن ابن عمر يرفعه: «مثل المؤمن مثل النخلة - أو النحلة ~~- إن شاورته نفعك، وإن ماشيته نفعك، وإن شاركته نفعك» ، وقال: «مثل المؤمن ~~والإيمان كمثل الفرس في آخيته يجول ما يجول ثم يرجع إلى أخيته؛ وكذلك ~~المؤمن يفترق ما يفترق ثم يرجع إلى الإيمان» ، وقال: «مثل المؤمنين في ~~توادهم وتراحمهم كمثل الجسد، إذا اشتكى شيء منه تداعى سائره بالسهر والحمى» ~~، وقال: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تكر إلى هذه مرة، ~~وإلى هذه مرة» ، وقال: «مثل القرآن كمثل الإبل المعقلة، إن تعهد صاحبها ~~عقلها أمسكها، وإن أغفلها ذهبت، وإذا قام صاحب القرآن به ذكره، وإذا لم يقم ~~به نسيه» ، وقال موسى بن عبيدة عن ماعز بن سويد العرجي عن علي بن أبي طالب ~~- كرم الله وجهه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مثل المؤمن الذي ~~لا يتم صلاته مثل المرأة التي حملت حتى إذا دنا نفاسها أسقطت، فلا حامل ولا ~~ذات رضاع؛ ومثل المصلي كمثل التاجر لا يخلص له الربح حتى يخلص له رأس المال ~~وكذلك المصلي لا يقبل الله له نافلة حتى يؤدي الفريضة» . # وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أوس بن خالد عن أبي هريرة يرفعه # PageV01P180 # «مثل الذي يسمع الحكمة ولا يحمل إلا شرها كمثل رجل أتى راعيا فقال: آجرني ~~شاة من غنمك، فقال: انطلق فخذ بأذن شاة منها، فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم» ، ~~وقال عبد الله بن المبارك: ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثني أبو هريرة ~~قال: سمعت معاوية يقول على هذا المنبر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: «إنما بقي من الدنيا بلاء وفتنة، وإنما مثل عمل أحدكم كمثل ~~الوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه خبث أسفله» . وفي المسند ~~من حديث عبد الله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أن رجلا كان ~~فيمن كان قبلكم استضاف قوما ms0210 فأضافوه، ولهم كلبة تنبح، قال: فقالت الكلبة: ~~والله لا أنبح ضيف أهلي الليلة، قال: فعوى جراؤها في بطنها فبلغ ذلك نبيا ~~لهم أو قيلا لهم، فقال: مثل هذه مثل أمة تكون بعدكم يقهر سفهاؤها حكماءها ~~ويغلب سفهاؤها علماءها» . # وفي صحيح البخاري من حديث النعمان بن بشير أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، ~~فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من ~~الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من ~~فوقنا، فإن هم تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ~~ونجوا جميعا» . # وفي المعجم الكبير عنه من حديث سهل بن سعد قال: «إياكم ومحقرات الذنوب، ~~فإن مثل ذلك كمثل قوم نزلوا بطن واد، فجاء هذا بعود وهذا بعود، حتى حملوا ~~ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه» # ، وفي المسند من حديث أبي بن كعب يرفعه «إن مطعم بن آدم ضرب مثلا للدنيا، ~~فانظر ما يخرج من ابن آدم وإن فرخه وملحه قد علم إلى ما يصير» . # وقال أبو محمد بن خلاد: ثنا عبد الله بن أحمد بن معدان ثنا يوسف بن مسلم ~~المصيصي ثنا حجاج الأعور عن أبي بكر الهذلي عن الحسن عن أبي بن كعب عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إني ضربت للدنيا مثلا، ولابن آدم عند ~~الموت، مثله مثل رجل له ثلاثة أخلاء، فلما حضره الموت قال لأحدهم: إنك كنت ~~لي خليلا، وكنت أبر الثلاثة عندي، وقد نزل بي من أمر الله ما ترى، فماذا ~~عندك؟ قال: يقول: وماذا عندي؟ وهذا أمر الله قد غلبني، ولا أستطيع أن أنفس ~~كربتك، ولا أفرج غمك، ولا أؤخر ساعتك، ولكن ها أنا ذا بين يديك، فخذني زادا ~~تذهب به معك، فإنه ينفعك، قال: ثم دعا الثاني فقال: إنك كنت لي خليلا، وكنت ~~أبر الثلاثة عندي، وقد نزل بي ms0211 من أمر الله ما ترى، فماذا عندك؟ قال: يقول: ~~وماذا عندي؟ وهذا أمر الله غلبني، ولا أستطيع أن أنفس كربتك، ولا أفرج غمك، ~~ولا أؤخر ساعتك، ولكن سأقوم عليك في مرضك، فإذا مت أنقيت غسلك وجددت كسوتك ~~وسترت جسدك وعورتك قال: ثم دعا الثالث فقال: قد نزل # PageV01P181 # بي من أمر الله ما ترى، وكنت أهون الثلاثة علي، وكنت لك مضيعا، وفيك ~~زاهدا، فما عندك؟ قال: عندي أبي قرينك وحليفك في الدنيا والآخرة، أدخل معك ~~قبرك حين تدخله، وأخرج منه حين تخرج منه، ولا أفارقك أبدا، فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: هذا ماله وأهله وعمله، أما الأول الذي قال خذني زادا ~~فماله، والثاني أهله، والثالث عمله» . # وقد رواه أيضا بسياق آخر من حديث أبي أيضا، ولفظه «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال يوما لأصحابه أتدرون ما مثل أحدكم ومثل ماله وأهله ~~وعمله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: إنما مثل أحدكم ومثل أهله وماله ~~وعمله كمثل رجل له ثلاثة إخوة، فلما حضرته الوفاة دعا بعض إخوته فقال: إنه ~~قد نزل بي من الأمر ما ترى، فمالي عندك؟ وما لديك؟ فقال: لك عندي أن أمرضك ~~ولا أزايلك، وأن أقوم بشأنك، فإذا مت غسلتك وكفنتك وحملتك مع الحاملين، ~~أحملك طورا وأميط عنك طورا، فإذا رجعت أثنيت عليك بخير هنا عند من يسألني ~~عنك، هذا أخوه الذي هو أهله، فما ترونه؟ قالوا: لا نسمع طائلا يا رسول ~~الله، ثم يقول للأخ الآخر: أترى ما قد نزل بي؟ فمالي لديك؟ ومالي عندك؟ ~~فيقول: ليس عندي غناء إلا وأنت في الأحياء، فإذا مت ذهب بك مذهب وذهب بي ~~مذهب، هذا أخوه الذي هو ماله، كيف ترونه؟ قالوا: لا نسمع طائلا يا رسول ~~الله، ثم يقول لأخيه الآخر: أترى ما قد نزل بي وما رد علي أهلي ومالي؟ ~~فمالي عندك؟ وما لي لديك؟ فيقول: أنا صاحبك في لحدك، وأنيسك في وحشتك، ~~وأقعد يوم الوزن في ميزانك فأثقل ميزانك. هذا أخوه الذي هو عمله، كيف ~~ترونه؟ ms0212 قالوا: خير أخ وخير صاحب يا رسول الله قال: فإن الأمر هكذا» . # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مثل الجليس الصالح مثل صاحب ~~المسك، إما أن يحذيك وإما أن يبيعك وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ومثل جليس ~~السوء كمثل صاحب الكير، إن لم يصبك من شرره أصابك من ريحه» ، وفي الصحيح ~~عنه أنه قال: «مثل المنفق والبخيل مثل رجلين عليهما جبتان - أو جنتان - من ~~حديد من لدن ثديهما إلى تراقيهما، فإذا أراد المنفق أن ينفق سبغت عليه حتى ~~يجر بنانه ويعفو أثره، وإذا أراد البخيل أن ينفق قلصت ولزمت كل حلقة موضعها ~~فهو يوسعها ولا تتسع» ، وقال: «مثل الذين يغزون من أمتي ويتعجلون أجورهم ~~كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها» . ### | [فصل فائدة ضرب الأمثال] # قالوا: فهذه وأمثالها من الأمثال التي ضربها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لتقريب المراد، وتفهيم المعنى، وإيصاله إلى ذهن السامع، وإحضاره في ~~نفسه بصورة المثال الذي مثل به، فإنه قد # PageV01P182 # يكون أقرب إلى تعقله وفهمه وضبطه واستحضاره له باستحضار نظيره؛ فإن النفس ~~تأنس بالنظائر والأشباه الأنس التام، وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير؛ ~~ففي الأمثال من تأنيس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من ~~الحق أمر لا يجحده أحد، ولا ينكره، وكلما ظهرت لها الأمثال ازداد المعنى ~~ظهورا ووضوحا، فالأمثال شواهد المعنى المراد، ومزكية له، فهي {كزرع أخرج ~~شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه} [الفتح: 29] ، وهي خاصة العقل ولبه ~~وثمرته. # [فرق بين الأمثال المضروبة من الله ورسوله وبين القياس] # ولكن أين في الأمثال التي ضربها الله ورسوله على هذا الوجه فهمنا أن ~~الصداق لا يكون أقل من ثلاثة دراهم أو عشرة قياسا وتمثيلا على أقل ما يقطع ~~فيه السارق؟ هذا بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالأمثال المضروبة للفهم، كما ~~قال إمام الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في جامعه الصحيح: باب من شبه أصلا ~~معلوما بأصل مبين قد بين الله حكمهما ليفهم السامع، فنحن لا ننكر هذه ~~الأمثال التي ضربها الله ورسوله، ms0213 ولا نجهل ما أريد بها، وإنما ننكر أن ~~يستفاد وجوب الدم على من قطع من جسده أو رأسه ثلاث شعرات أو أربع من قوله ~~تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به ~~أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] ، وأن الآية تدل ~~على ذلك، وأن قوله - صلى الله عليه وسلم - في صدقة الفطر: «صاع من تمر أو ~~صاع من شعير، أو صاع من أقط، أو صاع من بر، أو صاع من زبيب» ، يفهم منه أنه ~~لو أعطى صاعا من إهليلج جاز، وأنه يدل على ذلك بطريق التمثيل والاعتبار، ~~وأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الولد للفراش» ، يستفاد منه ومن دلالته ~~أنه لو قال له الولي بحضرة الحاكم: زوجتك ابنتي - وهو بأقصى الشرق وهي ~~بأقصى الغرب - فقال: قبلت هذا التزويج وهي طالق ثلاثا، ثم جاءت بعد ذلك ~~بولد لأكثر من ستة أشهر أنه ابنه، وقد صارت فراشا بمجرد قوله: " قبلت هذا ~~التزويج " ومع هذا لو كانت له سرية يطؤها ليلا ونهارا لم تكن فراشا له، ولو ~~أتت بولد لم يلحقه نسبه إلا أن يدعيه ويستلحقه، فإن لم يستلحقه فليس بولده. # وأين يفهم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن في قتل الخطأ شبه العمد ~~ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل» ، أنه لو ضربه بحجر المنجنيق أو بكور ~~الحداد أو بمرازب الحديد العظام حتى خلط دماغه بلحمه وعظمه أن هذا خطأ شبه ~~عمد لا يوجب قودا، وأين يفهم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ادرءوا ~~الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن يكن له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام ~~أن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة» ، أن من عقد على أمه أو ~~ابنته أو أخته ووطئها فلا حد عليه، وأن هذا مفهوم من قوله: «ادرءوا الحدود # PageV01P183 # بالشبهات» ، فهذا في معنى الشبهة التي تدرأ بها الحدود، وهي الشبهة في ~~المحل، أو في الفاعل، أو في الاعتقاد، ولو عرض هذا ms0214 على فهم من فرض من ~~العالمين لم يفهمه من هذا اللفظ بوجه من الوجوه، وأن من يطأ خالته أو عمته ~~بملك اليمين فلا حد عليه مع علمه بأنها خالته أو عمته، وتحريم الله لذلك، ~~ويفهم هذا من «، ادرءوا الحدود بالشبهات» ، وأضعاف أضعاف هذا مما لا يكاد ~~ينحصر. # فهذا التمثيل والتشبيه هو الذي ننكره، وننكر أن يكون في كلام الله ورسوله ~~دلالة على فهمه بوجه ما. # قالوا: ومن أين يفهم من قوله تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة} [النحل: ~~66] ، ومن قوله: {فاعتبروا} [الحشر: 2] ، تحريم بيع الكشك باللبن، وبيع ~~الخل بالعنب، ونحو ذلك؟ . # قالوا: وقد قال - تعالى -: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} ~~[الشورى: 10] ، ولم يقل " إلى قياساتكم وآرائكم " ولم يجعل الله أراء ~~الرجال وأقيستها حاكمة بين الأمة أبدا. # وقالوا: وقد قال - تعالى -: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] ، فإنما منعهم من ~~الخيرة عند حكمه وحكم رسوله، لا عند آراء الرجال وأقيستهم وظنونهم، وقد أمر ~~- سبحانه - رسوله باتباع ما أوحاه إليه خاصة وقال: {إن أتبع إلا ما يوحى ~~إلي} [الأنعام: 50] ، وقال: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49] ~~، وقال - تعالى -: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} ~~[الشورى: 21] ، قالوا: فدل هذا النص على أن ما لم يأذن به الله من الدين ~~فهو شرع غيره الباطل. # قالوا: وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ربه - تبارك وتعالى - ~~أن كل ما سكت عن إيجابه أو تحريمه فهو عفو عفا عنه لعباده، يباح إباحة ~~العفو؛ فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه قياسا على ما أوجبه أو حرمه بجامع ~~بينهما؛ فإن ذلك يستلزم رفع هذا القسم بالكلية وإلغاءه؛ إذ المسكوت عنه لا ~~بد أن يكون بينه وبين المحرم شبه ووصف جامع، أو بينه وبين الواجب، فلو جاز ~~إلحاقه به لم يكن هناك قسم قد عفي عنه، ولم يكن ما سكت عنه قد عفا عنه، بل ~~يكون ما سكت ms0215 عنه قد حرمه قياسا على ما حرمه، وهذا لا سبيل إلى دفعه، وحينئذ ~~فيكون تحريم ما سكت عنه تبديلا لحكمه، وقد ذم - تعالى - من بدل غير القول ~~الذي أمر به؛ فمن بدل غير الحكم # PageV01P184 # الذي شرع له فهو أولى بالذم، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن ~~من أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم على الناس ~~من أجل مسألته» فإذا كان هذا فيمن تسبب إلى تحريم الشارع صريحا بمسألته عن ~~حكم ما سكت عنه، فكيف بمن حرم السكوت عنه بقياسه وبرأيه؟ . # يوضحه أن المسكوت عنه لما كان عفوا عفا الله لعباده عنه، وكان البحث عنه ~~سببا لتحريم الله إياه لما فيه من مقتضى التحريم، لا لمجرد السؤال عن حكمه، ~~وكان الله قد عفا عن ذلك وسامح به عباده كما يعفو عما فيه مفسدة من أعمالهم ~~وأقوالهم؛ فمن المعلوم أن سكوته عن ذكر لفظ عام يحرمه يدل على أنه عفو عنه، ~~فمن حرمه بسؤاله عن علة التحريم وقياسه على المحرم بالنص كان أدخل في الذم ~~ممن سأله عن حكمه لحاجته إليه فحرم من أجل مسألته، بل كان الواجب عليه أن ~~لا يبحث عنه، ولا يسأل عن حكمه، اكتفاء بسكوت الله عن عفوه عنه؛ فهكذا ~~الواجب عليه أن لا يحرم المسكوت عنه بغير النص الذي حرم الله أصله الذي ~~يلحق به. # قالوا: وقد دل على هذا كتاب الله حيث يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ~~عفا الله عنها والله غفور حليم} [المائدة: 101] {قد سألها قوم من قبلكم ثم ~~أصبحوا بها كافرين} [المائدة: 102] ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في الحديث الصحيح «، ذروني ما تركتكم، فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة ~~مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا ~~أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» ، فأمرهم أن يتركوه من السؤال ما تركهم، ~~ولا فرق في هذا بين حياته ms0216 وبعد مماته، فنحن مأمورون أن نتركه - صلى الله ~~عليه وسلم - وما نص عليه، فلا نقول له: لم حرمت كذا؟ لنلحق به ما سكت عنه، ~~بل هذا أبلغ في المعصية من أن نسأله عن حكم شيء لم يحكم فيه، فتأمله فإنه ~~واضح. # ويدل عليه قوله في نفس الحديث «وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم ~~بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ، فجعل الأمور ثلاثة، لا رابع لها: مأمور به، ~~فالفرض عليهم فعله بحسب الاستطاعة، ومنهي عنه، فالفرض عليهم اجتنابه ~~بالكلية، ومسكوت عنه؛ فلا يتعرض للسؤال والتفتيش عنه. وهذا حكم لا يختص ~~بحياته فقط، ولا يخص الصحابة دون من بعدهم، بل فرض علينا نحن امتثال أمره ~~بحسب الاستطاعة، واجتناب نهيه، وترك البحث والتفتيش عما سكت عنه، وليس ذلك ~~الترك جهلا وتجهيلا لحكمه، بل إثبات لحكم العفو # PageV01P185 # وهو الإباحة العامة ورفع الحرج عن فاعله، فقد استوعب الحديث أقسام الدين ~~كلها، فإنها إما واجب وإما حرام وإما مباح؛ والمكروه والمستحب فرعان على ~~هذه الثلاثة غير خارجين عن المباح؛ وقد قال - تعالى -: {فإذا قرأناه فاتبع ~~قرآنه} [القيامة: 18] {ثم إن علينا بيانه} [القيامة: 19] ، فوكل بيانه إليه ~~- سبحانه - لا إلى القياسين والأرائيين، وقال - تعالى -: {قل أرأيتم ما ~~أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله ~~تفترون} [يونس: 59] ، فقسم الحكم إلى قسمين: قسم أذن فيه وهو الحق وقسم ~~افتري عليه وهو ما لم يأذن فيه، فأين أذن لنا أن نقيس البلوط على التمر في ~~جريان الربا فيه؟ وأن نقيس القصدير على الذهب والفضة، والخردل على البر؟ ~~فإن كان الله ورسوله وصانا بهذا فسمعا وطاعة لله ورسوله، وإلا فإنا قائلون ~~لمنازعينا: {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا} [الأنعام: 144] فما لم ~~تأتنا به وصية من عند الله على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو عين ~~الباطل، وقد أمرنا الله برد ما تنازعنا فيه إليه وإلى رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ فلم يبح لنا قط أن نرد ذلك إلى رأي ولا قياس ms0217 ولا تقليد إمام ~~ولا منام ولا كشوف ولا إلهام ولا حديث قلب ولا استحسان ولا معقول ولا شريعة ~~الديوان ولا سياسة الملوك، ولا عوائد الناس التي ليس على شرائع المسلمين ~~أضر منها، فكل هذه طواغيت، من تحاكم إليها أو دعا منازعه إلى التحاكم إليها ~~فقد حاكم إلى الطاغوت. # وقال - تعالى -: {فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون} ~~[النحل: 74] ، قالوا: ومن تأمل هذه الآية حق التأمل تبين له أنها نص على ~~إبطال القياس وتحريمه؛ لأن القياس كله ضرب الأمثال للدين، وتمثيل ما لا نص ~~فيه بما فيه نص، ومن مثل ما لم ينص الله على تحريمه أو إيجابه بما حرمه أو ~~أوجبه فقد ضرب لله الأمثال، ولو علم - سبحانه - أن الذي سكت عنه مثل الذي ~~نص عليه لأعلمنا به، ولما أغفله - سبحانه - {وما كان ربك نسيا} [مريم: 64] ~~، وليبين لنا ما نتقي كما أخبر عن نفسه بذلك إذ يقول - سبحانه -: {وما كان ~~الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} [التوبة: 115] ولما ~~وكله إلى آرائنا ومقاييسنا التي ينقض بعضها بعضا، فهذا يقيس ما يذهب إليه ~~على ما يزعم أنه نظيره فيجيء منازعه فيقيس ضد قياسه من كل وجه، ويبدي من ~~الوصف الجامع مثل ما أبداه منازعوه أو أظهر منه، ومحال أن يكون القياسان ~~معا من عند الله، وليس أحدهما أولى من الآخر، فليسا من عنده، وهذا وحده كاف ~~في إبطال القياس. # وقد قال - تعالى -: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} ~~[إبراهيم: 4] ، وقال: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] ، فكل ما ~~بينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعن ربه - سبحانه - بينه بأمره ~~وإذنه، وقد علمنا يقينا وقوع كل اسم في اللغة على مسماه فيها، وأن # PageV01P186 # اسم البر لا يتناول الخردل، واسم التمر لا يتناول البلوط، واسم الذهب ~~والفضة لا يتناول القصدير، وأن تقدير نصاب السرقة لا يدخل فيه تقدير المهر، ~~وأن تحريم أكل الميتة لا يدل على أن المؤمن الطيب عند الله حيا ms0218 وميتا إذا ~~مات صار نجسا خبيثا، وأن هذا عن البيان الذي ولاه الله رسوله وبعثه به أبعد ~~شيء وأشده منافاة له، فليس هو مما بعث به الرسول قطعا، فليس إذا من الدين. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «، ما بعث الله من نبي إلا كان حقا ~~عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم» ، ولو ~~كان الرأي والقياس خيرا لهم لدلهم عليه، وأرشدهم إليه، ولقال لهم: إذا ~~أوجبت عليكم شيئا أو حرمته فقيسوا عليه ما كان بينه وبينه وصف جامع أو ما ~~أشبهه، أو قال ما يدل على ذلك أو يستلزمه، ولما حذرهم من ذلك أشد الحذر كما ~~ستقف عليه - إن شاء الله -، وقد أحكم اللسان كل اسم على مسماه لا على غيره، ~~وإنما بعث الله سبحانه محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالعربية التي يفهمها ~~العرب من لسانها، فإذا نص سبحانه في كتابه أو نص رسوله على اسم من الأسماء ~~وعلق عليه حكما من الأحكام وجب ألا يوقع ذلك الحكم إلا على ما اقتضاه ذلك ~~الاسم، ولا يتعدى به الوضع الذي وضعه الله ورسوله فيه، ولا يخرج عن ذلك ~~الحكم شيء مما يقتضيه الاسم؛ فالزيادة على ذلك زيادة في الدين، والنقص منه ~~نقص في الدين؛ فالأول القياس، والثاني التخصيص الباطل، وكلاهما ليس من ~~الدين، ومن لم يقف مع النصوص فإنه تارة يزيد في النص ما ليس منه ويقول: هذا ~~قياس، ومرة ينقص منه بعض ما يقتضيه ويخرجه عن حكمه ويقول: هذا تخصيص، ومرة ~~يترك النص جملة ويقول: ليس العمل عليه، أو يقول: هذا خلاف القياس، أو خلاف ~~الأصول. # قالوا: ولو كان القياس من الدين لكان أهله أتبع الناس للأحاديث، وكان ~~كلما توغل فيه الرجل [فيه] كان أشد اتباعا للأحاديث والآثار. # قالوا: ونحن نرى أن كلما اشتد توغل الرجل فيه اشتدت مخالفته للسنن، ولا ~~نرى خلاف السنن والأثار إلا عند أصحاب الرأي والقياس، فلله كم من سنة صحيحة ~~صريحة قد عطلت به؟ ، وكم ms0219 من أثر درس حكمه بسببه؟ # فالسنن والآثار عند والأرائيين والقياسيين خاوية على عروشها، معطلة ~~أحكامها، معزولة عن سلطانها وولايتها، لها الاسم ولغيرها الحكم، منها السكة ~~والخطبة ولغيرها الأمر والنهي، وإلا فلماذا ترك حديث العرايا، وحديث قسم ~~الابتداء وأن للزوجة حق العقد سبع ليال إن كانت بكرا وثلاثا إن كانت ثيبا ~~ثم يقسم بالسوية، وحديث تغريب الزاني غير المحصن. # وحديث الاشتراط في الحج وجواز التحلل # PageV01P187 # بالشرط، وحديث المسح على الجوربين، وحديث عمران بن حصين وأبي هريرة في أن ~~كلام الناسي والجاهل لا يبطل الصلاة، وحديث دفع اللقطة إلى من جاء فوصف ~~وعاءها ووكاءها وعفاصها، وحديث المصراة، وحديث القرعة بين العبيد إذا ~~أعتقوا في المرض ولم يحملهم الثلث، وحديث خيار المجلس، وحديث إتمام الصوم ~~لمن أكل ناسيا، وحديث إتمام صلاة الصبح لمن طلعت عليه الشمس وقد صلى منها ~~ركعة، وحديث الصوم عن الميت، وحديث الحج عن المريض المأيوس من برئه، وحديث ~~الحكم بالقافة. # وحديث من وجد متاعه عند رجل قد أفلس وحديث النهي عن بيع الرطب بالتمر، ~~وحديث بيع المدبر، وحديث القضاء بالشاهد مع اليمين، وحديث الولد للفراش إذا ~~كان من أمة وهو سبب الحديث، وحديث تخيير الغلام بين أبويه إذا افترقا، ~~وحديث قطع السارق في ربع دينار وحديث رجم الكتابيين في الزنا، وحديث من ~~تزوج امرأة أبيه أمر بضرب عنقه وأخذ ماله، وحديث " لا يقتل مؤمن بكافر "، ~~وحديث " لعن الله المحلل والمحلل له "، وحديث " لا نكاح إلا بولي ". # وحديث المطلقة ثلاثا لا سكنى لها ولا نفقة، وحديث " أعتق صفية وجعل عتقها ~~صداقها " وحديث أصدقها ولو خاتما من حديد "، وحديث إباحة لحوم الخيل، وحديث ~~" كل مسكر حرام "، وحديث " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة "، وحديث المزارعة ~~والمساقاة، وحديث " ذكاة الجنين ذكاة أمه "، وحديث الرهن مركوب ومحلوب، ~~وحديث النهي عن تخليل الخمر، وحديث قسمة الغنيمة للراجل سهم وللفارس ثلاثة، ~~وحديث " لا تحرم المصة والمصتان "، وأحاديث حرمة المدينة، وحديث إشعار ~~الهدي، وحديث " إذا لم يجد المحرم الإزار فليلبس السراويل "، وحديث منع ~~الرجل من تفضيل ms0220 بعض ولده على بعض وأنه جور لا تجوز الشهادة عليه، وحديث " ~~أنت ومالك لأبيك "، وحديث القسامة، وحديث الوضوء من لحوم الإبل، وأحاديث ~~المسح على العمامة. # وحديث الأمر بإعادة الصلاة لمن صلى خلف الصف وحده، وحديث " من دخل ~~والإمام يخطب يصلي تحية المسجد "، وحديث الصلاة على الغائب، وحديث الجهر ~~بآمين في الصلاة، وحديث جواز رجوع الأب فيما وهبه لولده ولا يرجع غيره، ~~وحديث الكلب الأسود يقطع الصلاة، وحديث الخروج إلى العيد من الغد إذا علم ~~بالعيد بعد الزوال، وحديث نضح بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، وحديث ~~الصلاة على القبر، وحديث من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع ~~شيء وله نفقته. # وحديث بيع جابر بعيره واشتراط ظهره، وحديث النهي عن جلود السباع، وحديث ~~لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره، وحديث أن أحق الشروط أن توفوا ~~به ما استحللتم به الفروج، وحديث من باع عبدا # PageV01P188 # وله مال فماله للبائع، وحديث إذا أسلم وتحته أختان اختار أيتهما شاء، ~~وحديث الوتر على الراحلة، وحديث كل ذي ناب من السباع حرام، وحديث من السنة ~~وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، وحديث لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها ~~صلبه من ركوعه وسجوده، وأحاديث رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع ~~منه، وأحاديث الاستفتاح. # وحديث كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - سكتتان في الصلاة وحديث تحريمها ~~التكبير وتحليلها التسليم، وحديث حمل الصبية في الصلاة، وأحاديث القرعة، ~~وأحاديث العقيقة، وحديث لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذنك، وحديث أيدع يده في ~~فيك تقضمها كما يقضم الفحل، وحديث إن بلالا يؤذن بليل، وحديث النهي عن صوم ~~يوم الجمعة، وحديث النهي عن الذبح بالسن والظفر، وحديث صلاة الكسوف ~~والاستسقاء، وحديث النهي عن عسب الفحل، وحديث المحرم إذا مات لم يخمر رأسه ~~ولم يقرب طيبا، إلى أضعاف ذلك من الأحاديث التي كان تركها من أجل القول ~~بالقياس والرأي؟ . # فلو كان القياس حقا لكان أهله أتبع الأمة للأحاديث ولا حفظ لهم ترك حديث ~~واحد ms0221 إلا لنص ناسخ له، فحيث رأينا كل من كان أشد توغلا في القياس والرأي ~~كان أشد مخالفة للأحاديث الصحيحة الصريحة علمنا أن القياس ليس من الدين، ~~وأن شيئا تترك له السنن لأبين شيء منافاة للدين، فلو كان القياس من عند ~~الله لطابق السنة أعظم مطابقة، ولم يخالف أصحابه حديثا واحدا منها، ولكانوا ~~أسعد بها من أهل الحديث، فليروا أهل الحديث والأثر حديثا واحدا صحيحا قد ~~خالفوه كما أريناهم آنفا ما خالفوه من السنة بجريرة القياس. # قالوا: وقد أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب وعلينا بعدهم أن لا نقول على ~~الله إلا الحق، فلو كانت هذه الأقيسة المتعارضة المتناقضة التي ينقض بعضها ~~بعضا بحيث لا يدري الناظر فيها أيها الصواب حقا لكانت متفقة يصدق بعضها ~~بعضا كالسنة التي يصدق بعضها بعضا، وقال - تعالى -: {ويحق الله الحق ~~بكلماته} [يونس: 82] ، لا بآرائنا ولا مقاييسنا، وقال: {والله يقول الحق ~~وهو يهدي السبيل} [الأحزاب: 4] ، فما لم يقله - سبحانه - ولا هدى إليه فليس ~~من الحق، وقال - تعالى -: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم} ~~[القصص: 50] ، فقسم الأمور إلى قسمين لا ثالث لهما: إتباع لما دعا إليه ~~الرسول، واتباع الهوى. # PageV01P189 ### | [فصل لم يأمر النبي بالقياس بل نهى عنه] # والرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يدع أمته إلى القياس قط، بل قد صح عنه ~~أنه أنكر على عمر وأسامة محض القياس في شأن الحلتين اللتين أرسل بهما ~~إليهما فلبسها أسامة قياسا للبس على التملك والانتفاع والبيع وكسوتها ~~لغيره، وردها عمر قياسا لتملكها على لبسها، فأسامة أباح، وعمر حرم قياسا، ~~فأبطل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل واحد من القياسين، «وقال لعمر: ~~إنما بعثت بها إليك لتستمتع بها» ، «وقال لأسامة إني لم أبعثها إليك ~~لتلبسها، ولكن بعثتها إليك لتشققها خمرا لنسائك» ، والنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إنما تقدم إليهم في الحرير بالنص على تحريم لبسه فقط، فقاسا قياسا ~~أخطأ فيه، فأحدهما قاس اللبس على الملك، وعمر قاس التملك على اللبس، والنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بين أن ms0222 ما حرمه من اللبس لا يتعدى إلى غيره، وما ~~أباحه من التملك لا يتعدى إلى اللبس، وهذا عين إبطال القياس. # وصح عنه ما رواه أبو ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «، إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، ونهى عن ~~أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها» ، ~~وهذا الخطاب كما يعم أوله للصحابة ولمن بعدهم فهكذا آخره؛ فلا يجوز أن نبحث ~~عما سكت عنه ليحرمه أو يوجبه. # وقال عبد الله بن المبارك: ثنا عيسى بن يونس عن جرير بن عثمان عن عبد ~~الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على ~~أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيحلون الحرام، ويحرمون الحلال» . قال قاسم ~~بن أصبغ: ثنا محمد بن إسماعيل الترمذي ثنا نعيم بن حماد ثنا عبد الله، ~~فذكره، وهؤلاء كلهم أئمة ثقات حفاظ إلا جرير بن عثمان فإنه كان منحرفا عن ~~علي، ومع هذا فاحتج به البخاري في صحيحه، وقد روى عنه أنه تبرأ مما نسب ~~إليه من الانحراف عن علي، ونعيم بن حماد إمام جليل، وكان سيفا على الجهمية، ~~روى عنه البخاري في صحيحه. # وقد صح عنه صحة تقرب من التواتر أنه قال «، ذروني ما تركتكم، فإنما هلك ~~الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، ما نهيتكم عنه ~~فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» ، فتضمن هذا الحديث أن ما ~~أمر به أمر إيجاب فهو واجب، وما نهى عنه فهو # PageV01P190 # حرام، وما سكت عنه فهو عفو مباح فبطل ما سوى ذلك، والقياس خارج عن هذه ~~الوجوه الثلاثة؛ فيكون باطلا، والمقيس مسكوت عنه بلا ريب؛ فيكون عفوا بلا ~~ريب، فإلحاقه بالمحرم تحريم لما عفا الله عنه. # ، وفي قوله «، ذروني ما تركتكم» بيان جلي أن ما لا نص فيه فليس بحرام ولا ~~واجب، ودل الحديث على أن ms0223 أوامره على الوجوب حتى يجيء ما يرفع ذلك، أو يبين ~~أن مراده الندب، وأن ما لا نستطيعه فساقط عنا. # وقد روى ابن المغلس ثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ثنا أبو قلابة ~~الرقاشي ثنا أبو الربيع الزهراني ثنا سيف بن هارون البرجمي عن سليمان ~~التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان - رضي الله عنه - قال: «سئل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عن أشياء، فقال: الحلال ما أحل الله، والحرام ما حرم ~~الله وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» ، وهذا إسناد جيد مرفوع، والله ~~المستعان، وعليه التكلان. ### | [فصل نهى الصحابة عن القياس] # فصل [الصحابة نهوا عن القياس أيضا] # وأما الصحابة - رضي الله عنهم - فقد قال أبو هريرة لابن عباس: إذا جاءك ~~الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا تضرب له الأمثال. # وفي صحيح مسلم من حديث سمرة بن جندب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «أحب الكلام إلى الله - عز وجل - أربع» ، فذكر الحديث، وفي آخره «، ~~لا تسمين غلامك يسارا ولا رباحا ولا نجيحا ولا أفلح، فإنك تقول: أثم هو؟ ~~فيقال: لا، إنما هن أربع فلا تزيدن علي» . # قالوا: فلم يجز سمرة أن ينهى عما عدا الأربع قياسا عليها، وجعل ذلك زيادة ~~فلم يزد على الأربع بالقياس التسمية بسعد وفرج وخير وبركة ونحوها، ومقتضى ~~قول القياسيين أن الأسماء التي سكت عنها النص أولى بالنهي؛ فيكون إلحاقها ~~بقياس الأولى أو مثله. # فإن قيل: فلعل قوله «، إنما هن أربع فلا تزيدن علي» ، مرفوع من نفس كلام ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو لعل سمرة أراد بها إنما حفظت هذه الأربع ~~فلا تزيدن علي في الرواية. # قيل: أما السؤال الأول فصريح في إبطال القياس، فإن المعنى واحد، ومع هذا ~~فخص النهي بالأربع، وأما السؤال الثاني فقوله " إنما هن أربع " يقتضي تخصيص ~~الرواية والحكم بها، ونفي الزيادة عليها رواية وحكما؛ فلا تنافي بين ~~الأمرين. # PageV01P191 # وقال شعبة: سمعت سليمان بن عبد الرحمن قال: سمعت عبدة بن فيروز قال: «قلت ms0224 ~~للبراء بن عازب: حدثني ما كره أو نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: أربع لا تجزئ في الأضاحي، فذكر الحديث، قال: فإني أكره أن تكون ناقصة ~~القرن أو الأذن، قال: فما كرهت منه فدعه، ولا تحرمه على أحد» ، ولم يأذن له ~~في القياس على الأربع، ولم يقس عليها هو ولا أحد من الصحابة - رضي الله ~~عنهم -. # وقال عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية ~~يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~وأنزل عليه كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه؛ فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو ~~حرام، وما سكت عنه فهو عفو. # وقال عمر بن الخطاب: قد وضحت الأمور، وتبينت السنة، ولم يترك لأحد منكم ~~متكلم إلا أن يضل عبد. # وقال ابن مسعود: من أتى الأمر على وجهه فقد بين له، وإلا فوالله ما لنا ~~طاقة بكل ما تحدثون، ولو كان القياس من الدين لكان له ولغيره طاقة بقياس كل ~~ما يرد عليهم على نظيره بوصف جامع شبهي، وإذا كان القياسيون لا يعجزون عن ~~ذلك فكيف الصحابة؟ ولو كان القياس من الدين لكان الجميع مبينا، ولما قسم ~~ابن مسعود وغيره ما يرد عليهم إلى ما بينه الله وإلى ما لم يبينه؛ فإن الله ~~على قولكم قد بين الجميع بالنص والقياس. # فإن قيل: فهذا ينقلب عليكم، فإنكم تقولون: إن الله - سبحانه - قد بين ~~الجميع. # قلنا: ما بينه الله - سبحانه - نطقا فقد بين حكمه، وما لم يبينه نطقا بل ~~سكت عنه فقد بين لنا أنه عفو، وأما القياسيون فيقولون: ما سكت عنه فقد بين ~~أن حكمه حكم ما تكلم به، وفرق عظيم بين الأمرين، ونحن أسعد بالبيان النطقي ~~والسكوتي منكم لتعميمنا البيانين وعدم تناقضنا فيهما، وبالله التوفيق. # وقد تقدم قول ابن مسعود: ليس عام إلا والذي بعده شر منه، لا أقول عام ~~أمطر من عام، ولا عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهاب خياركم ~~وعلمائكم، ثم ms0225 يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فينهدم الإسلام وينثلم. # وتقدم قول عمر: العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية، ولا أدري، وقوله ~~لأبي الشعثاء: لا تفتين إلا بكتاب ناطق، أو سنة ماضية. # وقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق الشيباني قال: سمعت عبد الله بن أبي ~~أوفى # PageV01P192 # يقول: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نبيذ الجر الأخضر، قلت: ~~فالأبيض؟ قال: لا أدري» ، ولم يقل وأي فرق بين الأخضر والأبيض كما يبادر ~~إليه القياسيون. # وقال الزهري: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه كان عند معاوية في وفد ~~من قريش، فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فإنه ~~بلغني أن رجالا منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثر عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فأولئك جهالكم. ومعلوم أن القياس خارج عن ~~كليهما. # وتقدم قول معاذ: تكون فتن يكثر فيها المال، ويفتح القرآن، حتى يقرأه ~~الرجل والمرأة والكبير والصغير والمؤمن والمنافق، ويقرأه الرجل فلا يتبع، ~~فيقول: والله لأقرأنه علانية، فيقرأه علانية فلا يتبع، فيتخذ مسجدا ويبتدع، ~~فكل ما ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله فإياكم وإياه فإنها بدعة ~~وضلالة. # وقال عبد العزيز بن المطلب: عن ابن مسعود: إنكم إن عملتم في دينكم ~~بالقياس أحللتم كثيرا مما حرم عليكم وحرمتم كثيرا مما أحل لكم. # وقال الأوزاعي: عن عبدة بن أبي لبابة عن ابن عباس: من أحدث رأيا ليس من ~~كتاب الله ولم تمض به سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يدر على ما ~~هو منه إذا لقي الله - عز وجل -. # وقال أبو حنيفة: حدثنا جرير عن مجاهد أن عمر نهى عن المكايلة، يعني ~~المقايسة. # وقال الأثرم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا جعفر بن غياث عن أبيه عن مجاهد ~~قال: قال عمر: إياك والمكايلة، يعني المقايسة. # وقال الأثرم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن حبيب ~~عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال ms0226 عبد الله: يا أيها الناس إنكم ستحدثون ~~ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثا فعليكم بالأمر الأول. ### | [فصل ذم التابعون للقياس] # فصل [التابعون يصرحون بذم القياس] # وكذلك أئمة التابعين وتابعوهم يصرحون بذم القياس، وإبطاله، والنهي عنه # قال الطحاوي: ثنا ابن علية حدثني عمرو بن أبي عمران ثنا يحيى بن سليمان ~~الطائفي حدثني داود بن أبي هند قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: القياس شؤم، ~~وأول من قاس إبليس فهلك، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس. # PageV01P193 # وقال ابن وهب: أخبرني مسلم بن علي أن شريحا الكندي هو القاضي قال: إن ~~السنة سبقت قياسكم. # وقال ابن أبي حاتم: ثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ثنا وهب بن إسماعيل عن ~~داود الأودي قال: قال لي الشعبي: احفظ عني ثلاثا لها بيان، إذا سئلت عن ~~مسألة فأجبت فيها فلا تتبع مسألتك أرأيت؛ فإن الله قال في كتابه: {أرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه} [الفرقان: 43] ، حتى فرغ من الآية الأولى، والثانية إذا ~~سئلت عن مسألة فلا تقس شيئا بشيء، فربما حرمت حلالا أو حللت حراما، وإذا ~~سئلت عما لا تعلم فقل: لا أعلم، وأنا شريكك. # وقال ابن وهب: أخبرني يحيى بن أيوب عن عيسى بن أبي عيسى عن الشعبي أنه ~~سمعه يقول: إياكم والمقايسة؛ فوالذي نفسي بيده إن أخذتم بالمقايسة لتحلن ~~الحرام ولتحرمن الحلال، ولكن ما بلغكم عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فاحفظوه. # وقال الطحاوي: ثنا يوسف بن يزيد القراطيسي ثنا سعيد بن منصور ثنا جرير بن ~~عبد الحميد عن المغيرة بن مقسم عن الشعبي، قال: السنة لم توضع بالقياس. # وقال الخشني: ثنا محمد بن بشار ثنا يحيى بن سعيد القطان ثنا صالح بن مسلم ~~قال: قال لي عامر الشعبي يوما، وهو آخذ بيدي: إنما هلكتم حين تركتم الآثار ~~وأخذتم بالمقاييس. # وقال عباس بن الفرج الرياشي عن الأصمعي أنه قيل له: إن الخليل بن أحمد ~~يبطل القياس، فقال: أخذ هذا عن إياس بن معاوية. # وقال علي بن عبد العزيز البغوي: ثنا أبو الوليد القرشي أخبرنا محمد بن ms0227 ~~عبد الله بن بكار القرشي ثنا سليمان بن جعفر ثنا محمد بن يحيى الربعي عن ~~ابن شبرمة أن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال لأبي حنيفة: اتق الله ولا ~~تقس فإنا غدا نقف نحن ومن خالفنا بين يدي الله فنقول: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، قال الله، وتقول أنت وأصحابك: رأينا، وقسنا، فيفعل الله ~~بنا وبكم ما يشاء. # وبهذا الإسناد إلى ابن شبرمة قال: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد ~~بن الحنفية، فسلمت عليه وكنت له صديقا، ثم أقبلت على جعفر وقلت له: أمتع ~~الله بك، هذا رجل من أهل العراق، وله فقه وعقل، فقال لي جعفر: لعله الذي ~~يقيس الدين برأيه، ثم أقبل علي فقال: أهو النعمان؟ فقال له أبو حنيفة: نعم، ~~أصلحك الله، فقال له جعفر: اتق الله ولا تقس الدين برأيك، فإن أول من قاس ~~إبليس؛ إذ أمره الله بالسجود لآدم، فقال: {أنا خير منه خلقتني من نار ~~وخلقته من طين} [الأعراف: 12] # PageV01P194 # ثم قال لأبي حنيفة: أخبرني عن كلمة أولها شرك وآخرها إيمان، فقال: لا ~~أدري، قال جعفر: هي لا إله إلا الله، فلو قال " لا إله " ثم أمسك كان ~~مشركا؛ فهذه كلمة أولها شرك وآخرها إيمان، ثم قال له: ويحك، أيهما أعظم عند ~~الله: قتل النفس التي حرم الله، أو الزنا؟ قال: بل قتل النفس، فقال له ~~جعفر: إن الله قد قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا إلا أربعة، ~~فكيف يقوم لك قياس؟ ثم قال: أيهما أعظم عند الله: الصوم، أو الصلاة؟ قال: ~~بل الصلاة، قال: فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة؟ اتق ~~الله يا عبد الله، ولا تقس، فإنا نقف غدا نحن وأنت بين يدي الله فنقول: قال ~~الله - عز وجل -، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتقول أنت ~~وأصحابك: قسنا، ورأينا، فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء. # وقال ابن وهب: سمعت مالك بن أنس يقول: الزم ما قاله رسول الله ms0228 - صلى الله ~~عليه وسلم - في حجة الوداع: «أمران تركتهما فيكم لن تضلوا ما تمسكتم بهما: ~~كتاب الله، وسنة نبيه» . # قال ابن وهب: وقال مالك: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إمام ~~المسلمين، وسيد العالمين، يسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من ~~السماء» ، فإذا كان رسول رب العالمين لا يجيب إلا بالوحي، وإلا لم يجب، فمن ~~الجرأة العظيمة إجابة من أجاب برأيه، أو قياس، أو تقليد من يحسن به الظن، ~~أو عرف، أو عادة، أو سياسة، أو ذوق، أو كشف، أو منام، أو استحسان، أو خرص، ~~والله المستعان وعليه التكلان. # وقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو: ثنا يزيد بن عبد ربه قال: سمعت وكيع ~~بن الجراح يقول ليحيى بن صالح الوحاظي: يا أبا زكريا، احذر الرأي فإني سمعت ~~أبا حنيفة يقول: البول في المسجد أحسن من بعض قياسهم. # وقال عبد الرزاق: قال لي حماد بن أبي حنيفة: قال أبي: من لم يدع القياس ~~في مجلس القضاء لم يفقه. # فهذا أبو حنيفة يقول: إنه لا يفقه من لم يدع القياس في موضع الحاجة إليه، ~~وهو مجلس القضاء، قالوا: فتبا لكل شيء لا يفقه المرء إلا بتركه. # وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن شبرمة: ما عبدت الشمس والقمر إلا ~~بالمقاييس. # وقال داود بن الزبرقان عن مجالد بن سعيد قال: ثنا الشعبي يوما قال: يوشك ~~أن يصير الجهل علما والعلم جهلا، قالوا: وكيف يكون هذا يا أبا عمرو؟ قال: ~~كنا نتبع الآثار وما جاء عن الصحابة - رضي الله عنهم -، فأخذ الناس في غير ~~ذلك وهو القياس. # PageV01P195 # وقال وكيع: حدثنا عيسى الخياط عن الشعبي قال: لأن أتعنى بعنية أحب إلي من ~~أن أقول في مسألة برأي. قلت: رواه أبو محمد بن قتيبة بالعين المهملة، وعنية ~~بوزن غنية، ثم فسره بأن العنية أخلاط تنقع في أبوال الإبل. حينا حتى تطلى ~~بها الإبل من الجرب. # وقال الأثرم: حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن جابر عن الشعبي عن مسروق قال: ~~لا أقيس شيئا بشيء، ms0229 قيل: لم؟ قال: أخشى أن تزل رجلي. وسئل عن مسألة فقال: ~~لا أدري، فقيل له: فقس لنا برأيك، فقال: أخاف أن تزل قدمي. وكان يقول: ~~إياكم والقياس والرأي؛ فإن الرأي قد يزل. # . وكان الشعبي يقول: لا تجالس أصحاب القياس فتحل حراما أو تحرم حلالا. # وقال الخلال: ثنا أبو بكر المروزي قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ~~ينكر على أصحاب القرائن، ويتكلم فيه بكلام شديد. # وقال الأثرم: ثنا محمد بن كناسة ثنا صالح بن مسلم عن الشعبي قال: لقد بغض ~~إلي هؤلاء القوم هذا المسجد، حتى لهو أبغض إلي من كناسة داري، قلت: من هم ~~يا أبا عمرو؟ قال: هؤلاء الأرائيون أرأيت أرأيت. # وقال حماد بن زيد عن مطر الوراق قال: ترك أصحاب الرأي الآثار والله. # وقال محمد بن خاقان: سمعت ابن المبارك في آخر خرجة خرج، فقلنا له: أوصنا، ~~فقال: لا تتخذوا الرأي إماما ### | [فصل القياس يعارض بعضه بعضا] # فصل: # [القياس يعارض بعضه بعضا] # قالوا: ولو كان القياس حجة لما تعارضت الأقيسة، وناقض بعضها بعضا، فترى ~~كل واحد من المتنازعين من أرباب القياس يزعم أن قوله هو القياس، فيبدي ~~منازعه قياسا آخر ويزعم أنه هو القياس، وحجج الله وبيناته لا تتعارض، ولا ~~تتهافت. # قالوا: فلو جاز القول بالقياس في الدين لأفضى إلى وقوع الاختلاف الذي حذر ~~الله منه ورسوله، بل عامة الاختلاف بين الأمة إنما نشأ من جهة القياس، فإنه ~~إذا ظهر لكل واحد # PageV01P196 # من المجتهدين قياس مقتضاه نقيض حكم الآخر اختلف، ولا بد، وهذا يدل على ~~أنه من عند غير الله من ثلاثة أوجه: أحدها صريح قوله تعالى: {ولو كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82] . # الثاني: أن الاختلاف سببه اشتباه الحق وخفاؤه، وهذا لعدم العلم الذي يميز ~~بين الحق والباطل. # الثالث: أن الله - سبحانه - ذم الاختلاف في كتابه، ونهى عن التفرق ~~والتنازع، فقال: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ms0230 ولا تتفرقوا فيه} [الشورى: ~~13] وقال: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} ~~[آل عمران: 105] وقال: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} ~~[الأنعام: 159] وقال: {وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ~~ريحكم} [الأنفال: 46] وقال: {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم ~~فرحون} [المؤمنون: 53] والزبر: الكتب، أي كل فرقة صنفوا كتبا أخذوا بها ~~وعملوا بها ودعوا إليها دون كتب الآخرين كما هو الواقع سواء، وقال: {يوم ~~تبيض وجوه وتسود وجوه} [آل عمران: 106] قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة ~~والائتلاف، وتسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» وقال: ~~«اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا» وكان التنازع ~~والاختلاف أشد شيء على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان إذا رأى من ~~الصحابة اختلافا يسيرا في فهم النصوص يظهر في وجهه حتى كأنما فقئ فيه حب ~~الرمان ويقول: «أبهذا أمرتم» ولم يكن أحد بعده أشد عليه الاختلاف من عمر - ~~رضي الله عنه -، وأما الصديق فصان الله خلافته عن الاختلاف المستقر في حكم ~~واحد من أحكام الدين، وأما خلافة عمر فتنازع الصحابة تنازعا يسيرا في قليل ~~من المسائل جدا، وأقر بعضهم بعضا على اجتهاده من غير ذم ولا طعن، فلما كانت ~~خلافة عثمان اختلفوا في مسائل يسيرة صحب الاختلاف فيها بعض الكلام واللوم، ~~كما لام علي عثمان في أمر المتعة وغيرها، ولامه عمار بن ياسر وعائشة في بعض ~~مسائل قسمة الأموال والولايات، فلما أفضت الخلافة إلى علي - كرم الله وجهه ~~- في الجنة صار الاختلاف بالسيف. # [الاختلاف مهلكة] # والمقصود أن الاختلاف مناف لما بعث الله به رسوله، قال عمر - رضي الله ~~عنه -: لا تختلفوا؛ فإنكم إن اختلفتم كان من بعدكم أشد اختلافا. ولما سمع ~~أبي بن كعب وابن مسعود يختلفان في صلاة الرجل في الثوب الواحد أو الثوبين ~~صعد المنبر وقال: رجلان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - اختلفا، فعن ~~أي فتياكم يصدر المسلمون؟ لا أسمع ms0231 اثنين اختلفا بعد # PageV01P197 # مقامي هذا إلا صنعت وصنعت. # وقال علي - كرم الله وجهه في الجنة - في خلافته لقضاته: اقضوا كما كنتم ~~تقضون، فإني أكره الخلاف، وأرجو أن أموت كما مات أصحابي. # وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هلاك الأمم من قبلنا إنما كان ~~باختلافهم على أنبيائهم، وقال أبو الدرداء وأنس وواثلة بن الأسقع: «خرج ~~علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نتنازع في شيء من الدين، فغضب ~~غضبا شديدا لم يغضب مثله، قال: ثم انتهرنا، قال: يا أمة محمد لا تهيجوا على ~~أنفسكم وهج النار، ثم قال: أبهذا أمرتم؟ أو ليس عن هذا نهيتم؟ إنما هلك من ~~كان قبلكم بهذا» وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن ابني العاص أنهما قالا: ~~«جلسنا مجلسا في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأنه أشد اغتباطا، ~~فإذا رجال عند حجرة عائشة يتراجعون في القدر، فلما رأيناهم اعتزلناهم، ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلف الحجرة يسمع كلامهم، فخرج علينا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مغضبا يعرف في وجهه الغضب، حتى وقف ~~عليهم، وقال: يا قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم ~~الكتاب بعضه ببعض، وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض، ولكن نزل القرآن ~~يصدق بعضه بعضا، ما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به ثم التفت ~~فرآني أنا وأخي جالسين، فغبطنا أنفسنا أن لا يكون رآنا معهم» . قال ~~البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله والحميدي وإسحاق بن إبراهيم ~~يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال أحمد بن صالح: أجمع آل عبد ~~الله على أنها صحيفة عبد الله. # [ليس أحد القياسين أولى من الآخر] ### | [إذا اختلفت الأقيسة في نظر المجتهدين] # قالوا: وأيضا فإذا اختلفت الأقيسة في نظر المجتهدين فإما أن يقال: كل ~~مجتهد مصيب؛ فيلزم أن يكون الشيء وضده صوابا، وإما أن يقال: المصيب واحد، ~~وهو القول الصواب، ولكن ليس أحد القياسين بأولى من الآخر، ولا سيما قياس ~~الشبه ms0232 فإن الفرع قد يكون فيه وصفان شبيهان للشيء وضده، فليس جعل أحدهما ~~صوابا دون الآخر بأولى من العكس. # قالوا: وأيضا فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أوتيت جوامع الكلم، ~~واختصرت لي الحكمة اختصارا» وجوامع الكلم: هي الألفاظ الكلية العامة ~~المتناولة لأفرادها، فإذا انضاف ذلك إلى بيانه الذي هو أعلى رتب البيان لم ~~يعدل عن الكلمة الجامعة التي في غاية البيان لما دلت عليه إلى لفظ أطول ~~منها وأقل بيانا، مع أن الكلمة الجامعة تزيل الوهم وترفع الشك وتبين ~~المراد. # فكان يقول: «لا تبيعوا كل مكيل ولا موزون بمثله إلا سواء بسواء» فهذا ~~أخصر وأبين # PageV01P198 # وأدل وأجمع من أن يذكر ستة أنواع، ويدل بها على ما لا ينحصر من الأنواع، ~~فكمال علمه - صلى الله عليه وسلم - وكمال شفقته ونصحه وكمال فصاحته وبيانه ~~يأبى ذلك. # قالوا: وأيضا فحكم القياس إما أن يكون موافقا للبراءة الأصلية، وإما أن ~~يكون مخالفا لها؛ فإن كان موافقا لم يفد القياس شيئا؛ لأن مقتضاه متحقق ~~بها، وإن كان مخالفا لها امتنع القول به؛ لأنها متيقنة فلا ترفع بأمر لا ~~تتيقن صحته؛ إذ اليقين يمتنع رفعه بغير يقين. # قالوا: وأيضا فإن غالب القياسات التي رأينا القياسيين يستعملونها رجم ~~بالظنون، وليس ذلك من العلم في شيء، ولا مصلحة للأمة في اقتحامهم ورطات ~~الرجم بالظنون حتى يخبطوا فيها خبط عشواء في ظلماء، ويحكموا بها على الله ~~ورسوله. # قالوا: وأيضا فقول القياسي هذا حلال وهذا حرام هو خبر عن الله - سبحانه - ~~أنه أحل كذا وحرمه، وأنه أخبر عنه بأنه حلال أو حرام، فإن حكم الله خبره ~~فكيف يجوز لأحد أن يشهد على الله أنه أخبر بما لم يخبر به هو ولا رسوله، ~~قال الله تعالى: {فإن شهدوا فلا تشهد معهم} [الأنعام: 150] . # قالوا: وأيضا فالقياس لا بد فيه من علة مستنبطة من حكم الأصل، والحكم في ~~الأصل احتمل أن يكون لنا طريق إلى العلم بعلته واحتمل أن لا يكون لنا طريق، ~~وإذا كان لنا طريق احتمل أن يكون معللا وأن يكون غير ms0233 معلل، وإذا كان معللا ~~احتمل أن تكون العلة هي هذه المعينة وأن تكون جزء علة وأن تكون العلة ~~غيرها، وإذا ظهرت العلة احتمل أن لا تكون في الفرع، وإذا كانت فيه احتمل أن ~~يتخلف الحكم عنها لمعارض آخر، وما هذا شأنه كيف يكون من حجج الله وبيناته ~~وأدلة الأحكام التي هدى الله بها عباده؟ # قالوا: وأيضا فلو كان القياس حجة لأفضى ذلك إلى تكافؤ الأدلة الشرعية وهو ~~محال، فإنه قد يتردد فرع بين أصلين أحدهما التحريم والآخر الإباحة، فإذا ~~ظهر في نظر المجتهد شبه الفرع بكل واحد منهما لزم الحكم بالحل والحرمة في ~~شيء واحد، وهو محال. # قالوا: وأيضا فليس قياس الفرع على الأصل في تعدية حكمه إليه أولى من ~~قياسه عليه في عدم ثبوته بغير النص، فحينئذ فنقول: حكم الفرع حكم من أحكام ~~الشرع، فلا يجوز ثبوته بغير النص كحكم الأصل، فما الذي جعل قياسكم أولى من ~~هذا؟ ومعلوم أن هذا أقرب إلى النصوص وأشد موافقة لها من قياسكم، وهذا ظاهر. # قالوا: وأيضا فحكم الله بإيجاب الشيء يتضمن محبته، وإرادته لوجوده، وعلمه ~~بأنه # PageV01P199 # أوجبه، وكلامه الطلبي والخبري، وجعل فعله سببا لمحبته لعبده ورضاه عنه ~~وإثابته عليه، وتركه سببا لضد ذلك، ولا سبيل لنا إلى العلم بهذا إلا من خبر ~~الله عن نفسه أو خبر رسوله عنه، فكيف يعلم ذلك بقياس أو رأي؟ هذا ظاهر ~~الامتناع. ### | [لم يكن القياس حجة في زمن الرسول] # [لم يكن القياس حجة في زمن الرسول] قالوا: ولو كان القياس من حجج الله ~~وأدلة أحكامه لكان حجة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - كسائر الحجج، ~~فلما لم يكن حجة في زمنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن حجة بعده. # وتقرير هذه الحجة بوجهين: # أحدهما أن الصحابة لم يكن أحد منهم يقيس على ما سمع منه - صلى الله عليه ~~وسلم - ما لم يسمع، ولو كان هو معقول النصوص لكان تعدية الحكم به وشمول ~~المعنى كتعدية الحكم باللفظ وشموله لجميع أفراده وذلك لا يختص بزمان دون ~~زمان، ms0234 فلما قلتم لا يكون القياس في زمن النص علم أنه ليس بحجة. # الوجه الثاني: أن تعلق النصوص بالصحابة كتعلقها بمن بعدهم، ووجوب اتباعها ~~على الجميع واحد. # قالوا: ولأنا لسنا على ثقة من عدم تعليق الشارع الحكم بالوصف الذي يبد به ~~القياسيون وأنه إنما علق الحكم بالاسم بحيث يوجد بوجوده وينتفي بانتفائه بل ~~تعليق الحكم بالاسم تعليق بما لنا طريق إلى العلم به طردا وعكسا، بخلاف ~~تعليقه بالوصف الشبهي فإنه خرص وخزر، وما كان هكذا لم ترد به الشريعة. # قالوا: ولأن الأصل عدم العمل بالظنون إلا فيما تيقنا أن الشرع أوجب علينا ~~العمل به؛ للأدلة الدالة على تحريم اتباع الظنون، فمنعه منع يقيني من اتباع ~~الظن، فلا تتركه إلا بيقين يوجب اتباعه. # قالوا: ولأن تشابه الفرع والأصل يقتضي ألا يثبت الفرع إلا بما يثبت به ~~الأصل، فإن كان القياس حقا لزم توقف الفرع في ثبوته على النص كالأصل؛ ~~فالقول بالقياس من أبين الأدلة على بطلان القياس. # قالوا: ولأن الحكم لا يخلو إما أن يتعلق بالاسم وحده، أو بالوصف المشترك ~~وحده، أو بهما، فإن تعلق بالاسم وحده أو بهما بطل القياس، وإن تعلق بالوصف ~~المشترك بينهما لزم أمران محذوران: # أحدهما: إلغاء الاسم الذي اعتبره الشارع، فإن الوصف إذا كان أعم منه وكان ~~هو المستقل بالحكم كان الأخص وهو الاسم عديم التأثير. # الثاني: أنه إذا كان الاسم عديم التأثير لم يكن جعل ما دل عليه أصلا لما ~~سكت عنه أولى من العكس؛ إذ التأثير # PageV01P200 # للوصف وحده، بل يلزم أن لا يكون هناك فرع وأصل، بل تكون الصورتان فردين ~~من أفراد العموم المعنوي، كما يكون أفراد العام لفظا كذلك ليس بعضها أصلا ~~لبعض. # قالوا: ولا ريب أن البيان بالألفاظ العامة أعلى من البيان بالقياس، فكيف ~~يعدل الشارع - مع كمال حكمته - عن البيان الجلي إلى البيان الأخفى؟ قالوا: ~~ونسأل القياسي عن محل القياس، أيجب في الشيئين إذا تشابها من كل وجه، أم ~~إذا اشتبها من بعض الوجوه وإن اختلفا في بعضها؟ فإن قال بالأول ترك ms0235 قوله ~~وادعى محالا، إذ ما من شيئين إلا وبينهما جامع وفارق، وإن قال بالثاني قيل ~~له: فهلا حكمت للفرع بضد حكم الأصل من أجل الوجه الذي خالفه فيه؟ فإن كانت ~~تلك جهة وفاق تدل على الائتلاف فهذه جهة افتراق تدل على الاختلاف؛ فليس ~~إلحاق صور النزاع بموجب الوفاق أولى من إلحاقه بموجب الافتراق. # قالوا: ولا ينفعه الاعتذار بأنه متى وقع الاتفاق في المعنى الذي ثبت ~~الحكم من أجله عديت - الحكم، وإلا فلا. # قيل له: إذا كان في الأصل عدة أوصاف فتعيينك أن هذا الوصف الذي من أجله ~~شرع الحكم قول بلا علم، وقد عارضك فيه منازعوك فادعوا أن الحكم شرع لغير ما ~~ذكرت. # مثاله أن الشارع لما نص على ربا الفضل في الأعيان المذكورة في الحديث ~~فقال قائل: إن المعنى الذي حرم التفاضل لأجله هو الكيل في المكيلات والوزن ~~في الموزونات، قال له منازعه: لا، بل كونها مطعومة فقال آخر: لا، بل هو ~~كونها مقتاتة ومدخرة، فقال آخر: لا، بل كونها تجري فيها الزكاة، فقال آخر: ~~لا بل كونها جنسا واحدا، وكل فريق يزعم أن الصواب ما ادعاه دون منازعة، ~~ويقدح فيما ادعاه الآخر، ولا يتهيأ له قدح في قول منازعه، إلا ويتهيأ ~~لمنازعه مثله أو أكثر منه أو دونه، فلو ظن آخرون فقالوا: العلة كونه مما ~~تنبته الأرض، واحتج بأن الله - سبحانه - امتن على عباده بما تنبته لهم ~~الأرض، وقال: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا ~~لكم من الأرض} [البقرة: 267] وقال: إن من تمام النعمة فيه أن لا يباع بعضه ~~ببعض متفاضلا لكان قوله واحتجاجه من جنس قول الآخرين واحتجاجهم، وما هذا ~~سبيله فكيف يكون من الدين بسبيل؟ ، # قالوا: وأيضا فإذا كان النص في الأصل قد دل على شيئين: ثبوت الحكم فيه ~~نطقا، وتعديته إلى ما في معناه بالعلة، فإذا نسخ الحكم في الأصل هل يبقى ~~الحكم في الفرع أو يزول؟ فإن قلتم " يبقى " فهو محال، وإن قلتم " يزول " ~~تناقضتم؛ إذ من أصلكم أن ms0236 نسخ # PageV01P201 # بعض ما يتناوله النص لا يوجب نسخ جميع ما يتناوله كالعام إذا خص بعض ~~أفراده لم يوجب ذلك تخصيص غيره؛ فإذا كان حكم الأصل قد دل على شيئين فارتفع ~~أحدهما فما الموجب لارتفاع الثاني؟ وإن قلتم " يثبت بالقياس ويرتفع بالقياس ~~" قيل: إنما أثبتموه لوجود العلة الجامعة عندكم، والعلة لم تزل بالنسخ، وهي ~~سبب ثبوته، وما دام السبب قائما فالمسبب كذلك، ولو زالت العلة بالنسخ لأمكن ~~تصحيح قولكم. # فإن قلتم: نسخ حكم الأصل يقتضي نسخ كون العلة علة. # قيل: هذه دعوى لا دليل عليها، فإن النص اقتضى ثبوت حكم الأصل، وكون وصف ~~كذا علة مقتضى التعدية على قولكم، فهما حكمان متغايران؛ فزوال أحدهما لا ~~يستلزم زوال الآخر. # قالوا: ولو كان القياس من الدين لقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لأمته: " إذا أمرتكم بأمر أو نهيتكم عن شيء فقيسوا عليه ما كان مثله أو ~~شبهه " ولكان هذا أكثر شيء في كلامه، وطرق الأدلة عليه متنوعة لشدة الحاجة ~~إليه، ولا سيما عند غلاة القياسيين الذين يقولون: إن النصوص لا تفي بعشر ~~معشار الحوادث، وعلى قول هذا الغالي الجافي عن النصوص فالحاجة إلى القياس ~~أعظم من الحاجة إلى النصوص، فهلا جاءت الوصية باتباعه ومراعاته، والوصية ~~بحفظ حدود ما أنزل الله على رسوله وأن لا تتعدى. # ومعلوم أن الله - سبحانه - حد لعباده حدود الحلال والحرام بكلامه، وذم من ~~لم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله، والذي أنزله هو كلامه، فحدود ما ~~أنزله الله هو الوقوف عند حد الاسم الذي علق عليه الحل والحرمة، فإنه هو ~~المنزل على رسوله وحده بما وضع له لغة أو شرعا، بحيث لا يدخل فيه غير ~~موضوعه، ولا يخرج منه شيء من موضوعه، ومن المعلوم أن حد البر لا يتناول ~~الخردل، وحد التمر لا يدخل فيه البلوط، وحد الذهب لا يتناول القطن؛ ولا ~~يختلف الناس أن حد الشيء ما يمنع دخول غيره فيه، ويمنع خروج بعضه منه. وقد ~~تقدم تقرير هذا وأعدناه لشدة الحاجة إليه، فإن أعلم الخلق بالدين ms0237 أعلمهم ~~بحدود الأسماء التي علق بها الحل والحرمة. # والأسماء التي لها حدود في كلام الله ورسوله ثلاثة أنواع: نوع له حد في ~~اللغة كالشمس والقمر والبر والبحر والليل والنهار، فمن حمل هذه الأسماء على ~~غير مسماها أو خصها ببعضه أو أخرج منها بعضه فقد تعدى حدودها. # ونوع له حد في الشرع كالصلاة والصيام والحج والزكاة والإيمان والإسلام ~~والتقوى ونظائرها، فحكمها في تناولها لمسمياتها الشرعية كحكم النوع الأول ~~في تناوله لمسماه اللغوي. # ونوع له حد في العرف لم يحده الله ورسوله # PageV01P202 # بحد غير المتعارف، ولا حد له في اللغة كالسفر والمرض المبيح للترخص ~~والسفه والجنون الموجب للحجر والشقاق الموجب لبعث الحكمين والنشوز المسوغ ~~لهجر الزوجة وضربها والتراضي المسوغ لحل التجارة والضرار المحرم بين ~~المسلمين، وأمثال ذلك، وهذا النوع في تناوله لمسماه العرفي كالنوعين ~~الآخرين في تناولهما لمسماهما. # ومعرفة حدود هذه الأسماء ومراعاتها مغن عن القياس غير محوج إليه، وإنما ~~يحتاج إلى القياس من قصر [في] هذه الحدود، ولم يحط بها علما، ولم يعطها ~~حقها من الدلالة. # مثاله تقصير طائفة من الفقهاء في معرفة حد الخمر حيث خصوه بنوع خاص من ~~المسكرات، فلما احتاجوا إلى تقرير تحريم كل مسكر سلكوا طريق القياس، وقاسوا ~~ما عدا ذلك النوع في التحريم عليه، فنازعهم الآخرون في هذا القياس، وقالوا: ~~لا يجري في الأسباب، وطال النزاع بينهم، وكثر السؤال والجواب، وكل هذا من ~~تقصيرهم في معرفة حد الخمر؛ فإن صاحب الشرع قد حده بحد يتناول كل فرد من ~~أفراد المسكر فقال: «كل مسكر خمر» فأغنانا هذا الحد عن باب طويل عريض كثير ~~التعب من القياس، وأثبتنا التحريم بنصه لا بالرأي والقياس. # ومن ذلك أيضا تقصير طائفة في لفظ الميسر حيث خصوه بنوع من أنواعه، ثم ~~جاءوا إلى الشطرنج مثلا فراموا تحريمه قياسا عليه، فنازعهم آخرون في هذا ~~القياس وصحته، وطال النزاع، ولو أعطوا لفظ الميسر حقه وعرفوا حده لعلموا أن ~~دخول الشطرنج فيه أولى من دخول غيره، كما صرح به من صرح من الصحابة ~~والتابعين - رضي ms0238 الله عنهم -، وقالوا: الشطرنج من الميسر. # ومن ذلك تقصير طائفة في لفظ السارق حيث أخرجوا منه نباش القبور، ثم راموا ~~قياسه في القطع على السارق، فقال لهم منازعوهم: الحدود والأسماء لا تثبت ~~قياسا، فأطالوا وأعرضوا في الرد عليهم، ولو أعطوا لفظ السارق حده لرأوا أنه ~~لا فرق في حده ومسماه بين سارق الأثمان وسارق الأكفان، وأن إثبات الأحكام ~~في هذه الصور بالنصوص لا بمجرد القياس. # ونحن نقول قولا ندين الله به ونحمد الله على توفيقنا له ونسأله الثبات ~~عليه: إن الشريعة لم تحوجنا إلى قياس قط، وإن فيها غنية وكفاية عن كل رأي ~~وقياس وسياسة واستحسان، ولكن ذلك مشروط بفهم يؤتيه الله عبده فيها، وقد قال ~~تعالى: {ففهمناها سليمان} [الأنبياء: 79] . # وقال علي - كرم الله وجهه -: " إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه " # PageV01P203 # «وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عباس: اللهم فقهه في ~~الدين، وعلمه التأويل» ، وقال أبو سعيد: كان أبو بكر أعلمنا برسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وقال عمر لأبي موسى " الفهم الفهم ". ### | [فصل تناقض أهل القياس دليل فساده] # قالوا: ومما يبين فساد القياس وبطلانه تناقض أهله فيه، واضطرابهم تأصيلا ~~وتفصيلا. # أما التأصيل فمنهم من يحتج بجميع أنواع القياس، وهي: قياس العلة، ~~والدلالة، والشبه، والطرد، وهم غلاتهم كفقهاء ما وراء النهر وغيرهم، ~~فيحتجون في طرائفهم على منازعهم في مسألة المنع من إزالة النجاسة بالمائعات ~~بأنه مائع لا تبنى عليه القناطر ولا تجري فيه السفن؛ فلا تجوز إزالة ~~النجاسة به كالزيت والشيرج، وأمثال ذلك من الأقيسة التي هي إلى التلاعب ~~بالدين أقرب منها إلى تعظيمه. # وطائفة يحتجون بالأقيسة الثلاثة دونه، وتقول: قياس العلة أن يكون الجامع ~~هو العلة التي لأجلها شرع الحكم في الأصل، وقياس الدلالة: أن يجمع بينهما ~~بدليل العلة، وقياس الشبه: أن يتجاذب الحادثة أصلان حاظر ومبيح، ولكل واحد ~~من الأصلين أوصاف، فتلحق الحادثة بأكثر الأصلين شبها بها، مثل أن يكون ~~بالإباحة أشبه بأربعة أوصاف وبالحظر بثلاثة؛ فيلحق بالإباحة. # وقد قال الإمام أحمد في هذا ms0239 النوع في رواية أحمد بن الحسين: القياس أن ~~يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، فأما إذا أشبهه في حال ~~وخالفه في حال فأردت أن تقيس عليه فهذا خطأ، وقد خالفه في بعض أحواله ~~ووافقه في بعضها، فإذا كان مثله في كل أحواله فما أقبلت به وأدبرت به فليس ~~في نفسي منه شيء؛ وبهذا قال أكثر الحنفية والمالكية والحنابلة. وقالت ~~طائفة: لا قياس إلا قياس العلة فقط. وقالت فرقة بذلك، ولكن إذا كانت العلة ~~منصوصة. . # ثم اختلف القياسيون في محل القياس، فقال جمهورهم: يجري في الأسماء ~~والأحكام، وقالت فرقة: لا بل لا تثبت الأسماء قياسا، وإنما محل القياس ~~الأحكام. ثم اختلفوا فأجراه جمهورهم في العبادات واللغات والحدود والأسباب ~~وغيرها، ومنعه طائفة في ذلك، واستثنت طائفة الحدود والكفارات فقط، واستثنت ~~طائفة أخرى معها الأسباب. # PageV01P204 # وكل هؤلاء قسموه إلى ثلاثة أقسام: قياس أولى، وقياس مثل، وقياس أدنى، ثم ~~اضطربوا في تقديمه على العموم أو بالعكس على قولين، واضطربوا في تقديمه على ~~خبر الآحاد الصحيح، فجمهورهم قدم الخبر. # وقال أبو بكر بن الفرج القاضي وأبو بكر الأبهري المالكيان: هو مقدم على ~~خبر الواحد، ولا يمكنهم ولا أحد من الفقهاء طرد هذا القول ألبتة، بل لا بد ~~من تناقضهم، واضطربوا في تقديمه على الخبر المرسل، وعلى قول الصحابي، فمنهم ~~من قدم القياس، ومنهم من قدم المرسل وقول الصحابي، وأكثرهم - بل كلهم - ~~يقدمون هذا تارة، وهذا تارة، فهذا تناقضهم في التأصيل. # وأما تناقضهم في التفصيل فنذكر منه طرفا يسيرا يدل على ما وراءه من ~~قياسهم في المسألة قياسا وتركهم فيها مثله أو ما هو أقوى منه، أو تركهم ~~نظير ذلك القياس أو أقوى منه في مسألة أخرى، لا فرق بينهما ألبتة. # [أمثلة من تناقض القياسيين] فمن ذلك أنهم أجازوا الوضوء بنبيذ التمر ~~وقاسوا في أحد القولين عليه سائر الأنبذة، وفي القول الآخر لم يقيسوا عليه، ~~فإن كان هذا القياس حقا فقد تركوه، وإن كان باطلا فقد استعملوه، ولم يقيسوا ~~عليه الخل ولا ms0240 فرق بينهما، وكيف كان نبيذ التمر تمرة طيبة وماء طهورا، ولم ~~يكن الخل عنبة طيبة وماء طهورا، والمرق لحما طيبا وماء طهورا، ونقيع المشمش ~~والزبيب كذلك؟ فإن ادعوا الإجماع على عدم الوضوء بذلك فليس فيه إجماع. # فقد قال الحسن بن صالح بن حي وحميد بن عبد الرحمن: يجوز الوضوء بالخل، ~~وإن كان الإجماع كما ذكرتم فهلا قستم المنع من الوضوء بالنبيذ على ما ~~أجمعوا عليه من المنع من الوضوء بالخل؟ فإن قلتم: اقتصرنا على موضع النص ~~ولم نقس عليه، قيل لكم: فهلا سلكتم ذلك في جميع نصوصه، واقتصرتم على محالها ~~الخاصة، ولم تقيسوا عليها؟ فإن قلتم: لأن هذا خلاف القياس، قيل لكم: فقد ~~صرحتم أن ما ثبت على خلاف القياس يجوز القياس عليه، ثم هذا يبطل أصل ~~القياس، فإنه إذا جاز ورود الشريعة بخلاف القياس علم أن القياس ليس من ~~الحق، وأنه عين الباطل، فإن الشريعة لا ترد بخلاف الحق أصلا، ثم من قاعدتكم ~~أن خبر الواحد إذا خالف الأصول لم يقبل، وفي أي الأصول وجدتم ما يجوز ~~التطهير به خارج المصر والقرية ولا يجوز التطهير به داخلهما؟ فإن قالوا: ~~اقتصرنا في ذلك على موضع النص، قيل: فهلا اقتصرتم به على خارج مكة فقط حيث ~~جاء الحديث؟ وكيف # PageV01P205 # ساغ لكم قياس الغسل من الجنابة في ذلك على الوضوء دون قياس داخل المصر ~~على خارجه؟ وقياس العنبة الطيبة والماء الطهور واللحم الطيب والماء الطهور ~~والدبس الطيب والماء الطهور على الثمرة الطيبة والماء الطهور، فقستم قياسا، ~~وتركتم مثله، وما هو أولى منه، فهلا اقتصرتم على مورد الحديث ولا عديتموه ~~إلى أشباهه ونظائره؟ # ومن ذلك أنكم قستم على خبر مروي «يا بني المطلب إن الله كره لكم غسالة ~~أيدي الناس» فقستم على ذلك الماء الذي يتوضأ به، وأبحتم لبني المطلب غسالة ~~أيدي الناس التي نص عليها الخبر، وقستم الماء المستعمل في رفع الحدث وهو ~~طاهر لاقى أعضاء طاهرة على الماء الذي لاقى العذرة والدم والميتات، وهذا من ~~أفسد القياس، وتركتم قياسا أصح منه ms0241 وهو قياسه على الماء المستعمل في محل ~~التطهير من عضو إلى عضو ومن محل إلى محل، فأي فرق بين انتقاله من عضو ~~المتطهر الواحد إلى عضوه الآخر وبين انتقاله إلى عضو أخيه المسلم؟ وقد قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد ~~الواحد» ، ولا ريب عند كل عاقل أن قياس جسد المسلم على جسد أخيه أصح من ~~قياسه على العذرة والجيف والميتات والدم. # ومن ذلك أنكم قستم الماء الذي توضأ به الرجل على العبد الذي أعتقه في ~~كفارته والمال الذي أخرجه في زكاته، وهذا من أفسد القياس، وقد تركتم قياسا ~~أصح في العقول والفطر منه، وهو قياس هذا الماء الذي قد أدى به عبادة على ~~الثوب الذي قد صلى فيه، وعلى الحصى الذي رمى به الجمار مرة عند من يجوز ~~منكم الرمي بها ثانية، وعلى الحجر الذي استجمر به مرة إذا غسله أو لم يكن ~~به نجاسة. # ومن ذلك أنكم قستم الماء الذي وردت عليه النجاسة فلم تغير له لونا ولا ~~طعما ولا ريحا على الماء الذي غيرت النجاسة لونه أو طعمه أو ريحه، وهذا من ~~أبعد القياس عن الشرع والحسن. وتركتم قياسا أصح منه، وهو قياسه على الماء ~~الذي ورد على النجاسة، فقياس الوارد على المورود مع استوائهما في الحد ~~والحقيقة والأوصاف أصح من قياس مائة رطل ماء وقع فيه شعرة كلب على مائة رطل ~~خالطها مثلها بولا وعذرة حتى غيرها. # ومن ذلك أنكم فرقتم بين ماء جار بقدر طرف الخنصر تقع فيه النجاسة فلم ~~تغيره وبين الماء العظيم المستبحر إذا وقع فيه مثل رأس الإبرة من البول، ~~فنجستم الثاني دون الأول، # PageV01P206 # وتركتم محض القياس فلم تقيسوا الجانب الشرقي من غدير كبير في غربيه نجاسة ~~على الجانب الشمالي والجنوبي، وكل ذلك مماس لما قد تنجس عندكم مماسة ~~مستوية. # وقاسوا باطن الأنف على ظاهره في غسل الجنابة، فأوجبوا الاستنشاق، ولم ~~يقيسوه عليه في الوضوء الذي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه ~~بالاستنشاق نصا، ms0242 ففرقوا بينهما، وأسقطوا الوجوب في محل الأمر به، وأوجبوه ~~في غيره، والأمر بغسل الوجه في الوضوء كالأمر بغسل البدن في الجنابة سواء. # ومن ذلك أنكم قستم النسيان على العمد في الكلام في الصلاة، وفي فعل ~~المحلوف عليه ناسيا، وفيما يوجب الفدية من محظورات الإحرام كالطيب واللباس ~~والحلق والصيد، وفي حمل النجاسة في الصلاة، ثم فرقتم بين النسيان والعمد في ~~السلام قبل تمام الصلاة، وفي الأكل والشرب في الصوم، وفي ترك التسمية على ~~الذبيحة، وفي غير ذلك من الأحكام، وقستم الجاهل على الناسي في عدة مسائل ~~وفرقتم بينهما في مسائل أخر، ففرقتم بينهما فيمن نسي أنه صائم فأكل أو شرب، ~~لم يبطل صومه ولو جهل فظن وجود الليل فأكل أو شرب فسد صومه، مع أن الشريعة ~~تعذر الجاهل كما تعذر الناسي أو أعظم؟ كما عذر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- المسيء في صلاته بجهله بوجوب الطمأنينة فلم يأمره بإعادة ما مضى، وعذر ~~الحامل المستحاضة بجهلها بوجوب الصلاة والصوم عليها مع الاستحاضة ولم ~~يأمرها بإعادة ما مضى، وعذر عدي بن حاتم بأكله في رمضان حين تبين له ~~الخيطان اللذان جعلهما تحت وسادته ولم يأمره بالإعادة، وعذر أبا ذر بجهله ~~بوجوب الصلاة إذا عدم الماء فأمره بالتيمم ولم يأمره بالإعادة، وعذر الذين ~~تمعكوا في التراب كتمعك الدابة لما سمعوا فرض التيمم ولم يأمرهم بالإعادة، ~~وعذر معاوية بن الحكم بكلامه في الصلاة عامدا لجهله بالتحريم، وعذر أهل ~~قباء بصلاتهم إلى بيت المقدس بعد نسخ استقباله بجهلهم بالناسخ ولم يأمرهم ~~بالإعادة، وعذر الصحابة والأئمة بعدهم من ارتكب محرما جاهلا بتحريمه فلم ~~يحدوه. # وفرقتم بين قليل النجاسة في الماء وقليلها في الثوب والبدن، وطهارة ~~الجميع شرط لصحة الصلاة، وترك الجميع صريح القياس في مسألة الكلب، فطائفة ~~لم تقس عليه غيره، وطائفة قاست عليه الخنزير وحده دون غيره كالذئب الذي هو ~~مثله أو شر منه، وقياس الخنزير على الذئب أصح من قياسه على الكلب، وطائفة ~~قاست عليه البغل والحمار، وقياسهما على الخيل التي هي قرينتهما في الذكر ms0243 ~~وامتنان الله - سبحانه - على عباده لها بركوبها واتخاذها زينة وملامسة ~~الناس لها أصح من قياس البغل على الكلب، فقد علم كل أحد أن # PageV01P207 # الشبه بين البغل والفرس أظهر وأقوى من الشبه بينه وبين الكلب. وقياس ~~البغل والحمار على السنور بشدة ملامستهما والحاجة إليهما وشربهما من آنية ~~البيت أصح من قياسهما على الكلب. # وقستم الخنافس والزنابير والعقارب والصردان على الذباب في أنها لا تنجس ~~بالموت بعدم النفس السائلة لها وقلة الرطوبات والفضلات التي توجب التنجيس ~~فيها، ونجس من نجس منكم العظام بالموت مع تعريها من الرطوبات والفضلات ~~جملة، ومعلوم أن النفس السائلة التي في تلك الحيوانات المقيسة أعظم من ~~النفس السائلة التي في العظام. # وفرقتم بين ما شرب منه الصقر والبازي والحدأة والعقاب والأحناش وسباع ~~الطير وما شرب منه سباع البهائم من غير فرق بينهما، قال أبو يوسف: سألت أبا ~~حنيفة عن الفرق في هذا بين سباع الطيور وسباع ذوات الأربع، فقال: أما في ~~القياس فهما سواء، ولكني أستحسن في هذا. # وتركتم صريح القياس في التسوية بين نبيذ التمر والزبيب والعسل والحنطة ~~ونبيذ العنب، وفرقتم بين المتماثلين، ولا فرق بينهما ألبتة، مع أن النصوص ~~الصحيحة الصريحة قد سوت بين الجميع. # وفرقتم بين من معه إناءان طاهر ونجس فقلتم: يريقهما ويتيمم، ولا يتحرى ~~فيهما، ولو كان معه ثوبان كذلك يتحرى فيهما، والوضوء بالماء النجس كالصلاة ~~في الثوب النجس، ثم قلتم: فلو كانت الآنية ثلاثة تحرى، ففرقتم بين الاثنين ~~والثلاثة، وهو فرق بين متماثلين، وهذا على أصحاب الرأي، وأما أصحاب الشافعي ~~ففرقوا بين الإناء الذي كله بول وبين الإناء الذي نصفه فأكثر بول، فجوزوا ~~الاجتهاد بين الثاني والإناء الطاهر، دون الأول، وتركوا محض القياس في ~~التسوية بينهما. # وقستم القيء على البول، وقلتم: كلاهما طعام أو شراب خرج من الجوف، ولم ~~تقيسوا الجشوة الخبيثة على الفسوة، ولم تقولوا: كلاهما ريح خارجة من الجوف. ~~وقستم الوضوء وغسل الجنابة على الاستنجاء وغسل النجاسة في صحته بلا نية، ~~ولم تقيسوهما على التيمم وهما أشبه به من الاستنجاء، ms0244 ثم تناقضتم فقلتم: لو ~~انغمس جنب في البئر لأخذ الدلو ولم ينو الغسل لم يرتفع حدثه، كما قاله أبو ~~يوسف ونقض أصله في أن مس # PageV01P208 # الماء لبدن الجنب يرفع حدثه وإن لم ينو، وقال محمد: بل يرتفع حدثه ولا ~~يفسد الماء، فنقض أصله في فساد الماء الذي يرفع الحدث. # وقستم التيمم إلى المرفقين على غسل اليدين إليهما، ولم تقيسوا المسح على ~~الخفين إلى الكعبين على غسل الرجلين إليهما، ولا فرق بينهما ألبتة، وأهل ~~الحديث أسعد بالقياس منكم كما هم أسعد بالنص. # وقستم إزالة النجاسة عن الثياب بالمائعات على إزالتها بالماء، ولم تقيسوا ~~إزالتها من القذر بها على الماء، فما الفرق؟ ثم قلتم: تزال من المخرجين بكل ~~مزيل جامد، ولا تزال من سائر البدن إلا بالماء، وقلتم: تزال من المخرجين ~~بالروث اليابس، ولا تزال بالرجيع اليابس، مع تساويهما في النجاسة. # وقستم قليل القيء على كثيره في النجاسة، ولم تقيسوه عليه في كونه حدثا، ~~وقستم نوم المتورك على المضطجع في نقض الوضوء، ولم تقيسوا عليه نوم الساجد. # وتركتم محض القياس المؤيد بالسنة المستفيضة في مسح العمامة - وهي ملبوس ~~معتاد ساتر لمحل الفرض ويشق نزعه على كثير من الناس إما لحنك أو لكلاب أو ~~لبرد - على المسح على الخفين، والسنة قد سوت بينهما في المسح كما هما سواء ~~في القياس ويسقط فرضهما في التيمم. # وقستم مسح الوجه واليدين في التيمم على الوضوء في وجوب الاستيعاب، ولم ~~تقيسوا مسح الرأس في الوضوء على الوجه في وجوب الاستيعاب، والفعل والباء ~~والأمر في الموضعين سواء. # وقستم وجود الماء في الصلاة على وجوده خارجها في بطلان صلاة المتيمم به، ~~ولم تقيسوا القهقهة في الصلاة على القهقهة في خارجها، وفرقتم بين تقديم ~~الزكاة قبل وجوبها فأخرجتموه وبين تقديم الكفارة قبل وجوبها فمنعتموه. # وقستم وجه المرأة في الإحرام على رأس الرجل وتركتم قياس وجهها على يديها ~~أو على بدن الرجل، وهو محض القياس وموجب السنة فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - سوى بين يديها ووجهها وبين يدي الرجل ووجهه ms0245 حيث قال «لا تلبس ~~القفازين ولا النقاب» وكذلك قال «لا يلبس المحرم القميص ولا السراويل ولا ~~تنتقب المرأة» فتركتم محض القياس وموجب السنة. # وقستم المزارعة والمساقاة على الإجارة الباطلة فأبطلتموهما، وتركتم محض ~~القياس وموجب السنة وهو قياسهما على المضاربة والمشاركة فإنهما أشبه بهما ~~منهما بالإجارة، فإن صاحب الأرض والشجر يدفع أرضه وشجره لمن يعمل عليهما ~~وما رزق الله من نماء فهو بينه وبين العامل، وهذا كالمضاربة سواء، فلو لم ~~تأت السنة الصحيحة بجوازها لكان القياس يقتضي جوازها عند القياسيين # PageV01P209 # واشترط أكثر من جوزها كون البذر من رب الأرض، وقاسها على المضاربة في كون ~~المال من واحد والعمل من واحد، وتركوا محض القياس وموجب السنة، فإن الأرض ~~كالمال في المضاربة، والبذر يجري مجرى الماء والعمل فإنه يموت في الأرض، ~~ولهذا لا يجوز أن يرجع إلى ربه مثل بذره ويقتسما الباقي، ولو كان كرأس ~~المال في المضاربة لجاز، بل اشترط أن يرجع إليه مثل بذره كما يرجع إلى رب ~~المال مثل ماله، فتركوا القياس كما تركوا موجب السنة الصحيحة الصريحة وعمل ~~الصحابة كلهم. # وقستم إجارة الحيوان للانتفاع بلبنه على إجارة الخبز للأكل، وهذا من أفسد ~~القياس، وتركتم محض القياس وموجب القرآن، فإن الله - سبحانه - قال: {فإن ~~أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] فقياس الشاة والبقرة والناقة ~~للانتفاع بلبنها على الظئر أصح وأقرب إلى العقل من قياس ذلك على إجارة ~~الخبز للأكل، فإن الأعيان المستخلفة شيئا بعد شيء تجري مجرى المنافع كما ~~جرت مجراها في المنيحة والعارية والضمان بالإتلاف، فتركتم محض القياس. # وقستم على ما لا خفاء بالفرق بينه وبينه، وهو أن الخبز والطعام تذهب ~~جملته بالأكل ولا يخلفه غيره، بخلاف اللبن ونقع البئر، وهذا من أجل القياس. # وقستم الصداق على ما يقطع فيه يد السارق، وتركتم محض القياس وموجب السنة، ~~فإنه عقد معاوضة فيجوز بما يتراضى عليه المتعاوضان ولو خاتما من حديد. # وقستم الرجل يسرق العين ثم يملكها بعد ثبوت القطع على ما إذا ملكها قبل ~~ذلك، وتركتم محض القياس وموجب السنة، فإن ms0246 النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يسقط القطع عن سارق الرداء بعدما وهبه إياه صفوان، وفرقتم بين ذلك وبين ~~الرجل يزني بالأمة ثم يملكها فلم تروا ذلك مسقطا للحد، مع أنه لا فرق ~~بينهما. # وقستم قياسا أبعد من هذا فقلتم: إذا قطع بسرقتها مرة ثم عاد فسرقها لم ~~يقطع بها ثانيا، وتركتم محض القياس على ما إذا زنى بامرأة فحد بها ثم زنى ~~بها ثانية فإن الحد لا يسقط عنه، ولو قذفه فحد ثم قذفه ثانيا لم يسقط عنه ~~الحد. # وقستم نذر صوم يوم العيد في الانعقاد ووجوب الوفاء على نذر صوم اليوم ~~القابل له شرعا، وتركتم محض القياس وموجب السنة، ولم تقيسوه على صوم يوم ~~الحيض، وكلاهما غير محل للصوم شرعا فهو بمنزلة الليل # PageV01P210 # وقستم وجعلتم المحتقن بالخمر كشاربها في الفطر بالقياس، ولم تجعلوه ~~كشاربها في الحد. # وقستم الكافر الذمي والمعاهد على المسلم في قتله به، ولم تقيسوه على ~~الحربي في إسقاط القود. ومن المعلوم قطعا أن الشبه الذي بين المعاهد ~~والحربي أعظم من الشبه الذي بين الكافر والمسلم، والله - سبحانه وتعالى - ~~قد سوى بين الكفار كلهم في إدخالهم نار جهنم، وفي قطع الموالاة بينهم وبين ~~المسلمين، وفي عدم التوارث بينهم وبين المسلمين، وفي منع قبول شهادتهم على ~~المسلمين، وغير ذلك، وقطع المساواة بين المسلمين والكفار، فتركتم محض ~~القياس - وهو التسوية بين ما سوى الله بينه - وسويتم بين ما فرق الله بينه. # ومن العجب أنكم قستم المؤمن على الكافر في جريان القصاص بينهما في النفس ~~والطرف، ولم تقيسوا العبد المؤمن على الحر في جريان القصاص بينهما في ~~الأطراف، فجعلتم حرمة عدو الله الكافر في أطرافه أعظم من حرمة وليه المؤمن، ~~وكأن نقص المؤمن العبودية الموجب للأجرين عند الله أنقص عندكم من نقص ~~الكفر، وقلتم: يقتل الرجل بالمرأة، ثم ناقضتم فقلتم: لا يؤخذ طرفه بطرفها، ~~وقلتم: يقتل العبد بالعبد وإن كانت قيمة أحدهما مائة درهم وقيمة الآخر مائة ~~ألف درهم، ثم ناقضتم فقلتم: لا يؤخذ طرفها بطرفه، إلا أن تتساوى ms0247 قيمتهما، ~~فتركتم محض القياس، فإن الله - سبحانه - ألغى التفاوت بين النفوس والأطراف ~~في الفضل لمصلحة المكلفين، ولعدم ضبط التساوي، فألغيتم ما اعتبره الله - ~~سبحانه - من الحكمة والمصلحة، واعتبرتم ما ألغاه من التفاوت. # وقستم قوله " إن كلمت فلانا أو بايعته فامرأتي طالق وعبدي حر " على ما ~~إذا قال " إن أعطيتني ألفا فأنت طالق " ثم عديتم ذلك إلى قوله " الطلاق ~~يلزمني لا أكلم فلانا " ثم كلمه، ولم تقيسوه على قوله " إن كلمت فلانا فعلي ~~صوم سنة، أو حج إلى بيت الله، أو فمالي صدقة " وقلتم: هذا يمين لا تعليق ~~مقصود، فتركتم محض القياس، فإن قوله " الطلاق يلزمني لا أكلم فلانا " يمين ~~لا تعليق، وقد أجمع الصحابة على أن قصد اليمين في العتق يمنع من وقوعه، ~~وحكى غير واحد إجماع الصحابة أيضا على أن الحالف بالطلاق لا يلزمه الطلاق ~~إذا حنث، وممن حكاه أبو محمد بن حزم، وحكاه أبو القاسم عبد العزيز بن ~~إبراهيم بن أحمد بن علي التميمي المعروف بابن بزيزة في كتابه المسمى بمصالح ~~الأفهام في شرح كتاب الأحكام في باب ترجمته الباب الثالث في حكم اليمين ~~بالطلاق أو الشك فيه. # وقد قدمنا في كتاب الأيمان اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق ~~والشرط وغير ذلك: هل يلزم أم لا؟ فقال علي بن أبي طالب وشريح وطاوس: لا ~~يلزم من ذلك شيء، ولا # PageV01P211 # يقضى بالطلاق على من حلف به فحنث، ولم يعرف لعلي - كرم الله وجهه في ~~الجنة - في ذلك مخالف من الصحابة، قال: وصح عن عطاء فيمن قال لامرأته " أنت ~~طالق إن لم أتزوج عليك " قال: إن لم يتزوج عليها حتى يموت أو تموت فإنهما ~~يتوارثان، وهو قول الحكم بن عتبة، ثم حكي عن عطاء فيمن حلف بطلاق امرأته ~~ليضربن زيدا فمات أحدهما أو ماتا معا فلا حنث عليه ويتوارثان، وهذا صريح في ~~أن يمين الطلاق لا يلزم، ولا تطلق الزوجة بالحنث فيها، ولو حنث قبل موته لم ~~يتوارثا، فحيث أثبت التوارث دل على أنها زوجة عنده، وكذلك عكرمة مولى ابن ms0248 ~~عباس أيضا عنده يمين الطلاق لا يلزم، كما ذكره عنه سنيد بن داود في تفسيره ~~في سورة النور عند قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان} ~~[النور: 21] ومن العجب أنكم قلتم: إذا قال " إن شفى الله مريضي فعلي صوم ~~شهر، أو صدقة، أو حجة " لزمه؛ لأنه قاصد للنذر، فإذا قال: " إن كلمت فلانا ~~فعلي صوم، أو صدقة " لم يلزمه؛ لأنه لجاج وغضب، فهو يمين فيه كفارة اليمين، ~~فجعلتم قصده لعدم الوقوع مانعا من ثلاثة أشياء: إيجاب ما التزم، ووجوبه ~~عليه، ووقوعه. # وقلتم: لو قال: " إن فعلت كذا فعلي الطلاق " وفعله لزمه، ولم يمنع قصد ~~الحلف من وقوعه، وهو أبغض الحلال إلى الله، ومنع من وجوب القربات التي هي ~~أحب شيء إلى الله، فخالفتم صريح القياس والمنقول عن الصحابة والتابعين بأصح ~~إسناد يكون، ثم ناقضتم القياس من وجه آخر فقلتم: إذا قال " الطلاق يلزمني ~~لأفعلن كذا إن شاء الله " ثم لم يفعله لم يحنث؛ لأنه أخرجه مخرج اليمين، ~~وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «من حلف فقال إن شاء الله فإن شاء ~~فعل وإن شاء ترك» فجعلتموه يمينا، ثم قلتم: يلزمه وقوع الطلاق؛ لأنه تعليق ~~فليس بيمين، ثم ناقضتم من وجه آخر فقلتم: لو قال: " الطلاق يلزمني لا ~~أجامعها سنة " فهو مول فيدخل في قوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص ~~أربعة أشهر} [البقرة: 226] والألية والإيلاء والائتلاء هو الحلف بعينه كما ~~في الحديث «تألى على الله أن لا يفعل خيرا» وقال تعالى: {ولا يأتل أولو ~~الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى} [النور: 22] . # وقال الشاعر: # قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن سبقت منه الألية برت # ثم قلتم: وليس بيمين فيدخل في قوله: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} ~~[التحريم: 2] فيالله العجب، ما الذي أحله عاما وحرمه عاما، وجعله يمينا ~~وليس بيمين؟ ثم ناقضتم من وجه آخر فقلتم: إن قال: " إن فعلت كذا فأنا كافر ~~" وفعله لم يكفر؛ لأنه لم يقصد الكفر، وإنما قصد منع نفسه من الفعل بمنعها ~~من ms0249 الكفر، وهذا حق، لكن نقضتموه # PageV01P212 # في الطلاق والعتاق مع أنه لا فرق بينهما ألبتة في هذا المعنى الذي منع من ~~وقوع الكفر، ثم ناقضتم من وجه آخر فقلتم: لو قال: " إن فعلت كذا فعلي أن ~~أطلق امرأتي " فحنث لم يلزمه أن يطلقها، ولو قال: " إن فعلته فالطلاق ~~يلزمني ": فحنث لم يلزمه أن يطلقها، ولو قال: " إن فعلته فالطلاق يلزمني " ~~فحنث وقع عليه الطلاق، ولا تفرق اللغة ولا الشريعة بين المصدر وأن والفعل. # فإن قلتم: الفرق بينهما أنه التزم في الأول التطليق وهو فعله، وفي الثاني ~~وقوع الطلاق وهو أثر فعله. # قيل: هذا الفرق الذي تخيلتموه لا يجدي شيئا، فإن الطلاق هو التطليق ~~بعينه، وإنما أثره كونها طالقا، وهذا غير الطلاق، فههنا ثلاثة أمور مرتبة: # التزام التطليق، وهذا غير الطلاق بلا شك. # والثاني: إيقاع التطليق، وهو الطلاق بعينه الذي قال الله فيه: {الطلاق ~~مرتان} [البقرة: 229] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الطلاق لمن أخذ ~~بالساق» . # الثالث: صيرورة المرأة طالقا وبينونتها، فالقائل " إن فعلت كذا فعلي ~~الطلاق " لم يرد هذا الثالث قطعا، فإنه ليس إليه ولا من فعله، وإنما هو إلى ~~الشارع، والمكلف إنما يلزم ما يدخل تحت مقدرته وهو إنشاء الطلاق، فلا فرق ~~أصلا بين هذا اللفظ وبين قوله: " فعلي أن أطلق " فالتفريق بينهما تفريق بين ~~متساويين، وهو عدول عن محض القياس من غير نص ولا إجماع ولا قول صاحب. # يوضحه أن قوله: " فالطلاق لازم لي " إنما هو فعله الذي يلزمه بالتزامه، ~~وأما كونها طالقا فهذا وصفها، فليس هو لازما له، وإنما هو لازم لها. فلينظر ~~اللبيب المنصف الذي العلم أحب إليه من التقليد إلى مقتضى القياس المحض ~~واتباع الصحابة والتابعين في هذه المسألة، ثم ليختر لنفسه ما شاء، والله ~~الموفق. # ثم ناقضتم أيضا من وجه آخر فقلتم: لو قال: " إن حلفت بطلاقك أو وقع مني ~~يمين بطلاقك " أو لم يقل بطلاقك بل قال: " متى حلفت أو أوقعت يمينا فأنت ~~طالق " ثم قال: " إن كلمت فلانا فأنت طالق " حنث وقد وقع ms0250 عليه الطلاق؛ لأنه ~~قد حلف وأوقع اليمين، فأدخلتم الحلف بالطلاق في اسم اليمين والحلف في كلام ~~المكلف، ولم تدخلوه في اسم اليمين والحلف في كلام الله ورسوله، وزعمتم أنكم ~~اتبعتم في ذلك القياس والإجماع، وقد أريناكم مخالفتكم لصريح القياس مخالفة ~~لا يمكنكم الانفكاك عنها بوجه. ومخالفتكم للمنقول عن الصحابة والتابعين ~~كأصحاب ابن عباس، فظهر عند المنصفين أنا أولى بالقياس والاتباع منكم في هذه ~~المسألة، وبالله التوفيق. # PageV01P213 # وقلتم: لو شهد عليه أربعة بالزنا فصدق الشهود سقط عنه الحد، وإن كذبهم ~~أقيم عليه الحد، وهذا من أفسد قياس في الدنيا، فإن تصديقهم إنما زادهم قوة، ~~وزاد الإمام يقينا وعلما أعظم من العلم الحاصل بالشهادة وتكذيبه. وتفريقكم ~~- بأن البينة لا يعمل بها إلا مع الإنكار فإذا أقر فلا عمل للبينة، ~~والإقرار مرة لا يكفي فيسقط الحد - تفريق باطل، فإن العمل هاهنا بالبينة لا ~~بالإقرار، وهو إنما صدر منه تصديق البينة التي وجب الحكم بها بعد الشهادة، ~~فسواء أقر أم لم يقر، فالعمل إنما هو بالبينة. # وقلتم: لو وجد الرجل امرأة على فراشه فظن أنها امرأته فوطئها حد حد ~~الزنا، ولا يكون هذا شبهة مسقطة للحد، ولو عقد على ابنته أو أمه ووطئها كان ~~ذلك شبهة مسقطة للحد، ولو حبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد وولدت مرة بعد مرة ~~لم تحد، ولو تقايأ الخمر كل يوم لم يحد، فتركتم محض القياس والثابت عن ~~الصحابة ثبوتا لا شك فيه من الحد بالحبل ورائحة الخمر. # وقلتم: لو شهد عليه أربعة بالزنا فطعن في عدالتهم حبس إلا أن تزكى ~~الشهود، ولو شهد عليه اثنان بمال فطعن في عدالتهما لم يحبس قبل التزكية، ~~فتركتم محض القياس، وقستم دعوى المرأتين الولد وإلحاقه بهما وجعلهما أمين ~~له على دعوى الرجلين، وهذا من أفسد القياس، فإن خروج الولد من أمين معلوم ~~الاستحالة، وتخليقه من ماء الرجلين ممكن بل واقع، كما شهد به القائف عند ~~عمر وصدقه. # وقلتم: لو قال لأجنبي " طلق امرأتي " فله أن يطلق في المجلس وبعده، ولو ~~قال ms0251 لامرأته: " طلقي نفسك " فلها أن تطلق نفسها ما دامت في المجلس، ثم ~~فرقتم بينهما بأن " طلقي نفسك " تمليك لا توكيل، لاستحالة أن يكون وكيلا في ~~التصرف لنفسه فيقيد بالمجلس، وأما بالنسبة إلى الأجنبي فتوكيل فلا يتقيد، ~~وهذا الفرق دعوى مجردة ولم تذكروا حجة على أن قوله: " طلقي نفسك " تمليك، ~~وقولكم " الوكيل لا يتصرف لنفسه " جوابه: له أن يتصرف لنفسه ولموكله، ولهذا ~~كان الشريك وكيلا بعد قبض المال والتصرف وإن كان متصرفا لنفسه، فإن تصرفه ~~لا يختص به، ثم ناقضتم هذا الفرق فقلتم: لو قال " أبرئ نفسك من الدين الذي ~~عليك " فإنه لا يتقيد بالمجلس، ويكون توكيلا، مع أنه تصرف مع نفسه، ففرقتم ~~بين " طلقي نفسك " و " أبرئ نفسك مما عليك من الدين " وهو تفريق بين ~~متماثلين، فتركتم محض القياس. # وقالوا: من أقام شهود زور على أن زيدا طلق امرأته فحكم الحاكم بذلك فهي ~~حلال # PageV01P214 # لمن تزوجها من الشهود، وكذلك لو أقام شهود زور على أن فلانة تزوجته بولي ~~ورضا فقضى القاضي بذلك فهي له حلال، وكذلك لو شهدوا عليه بأنه أعتق جاريته ~~هذه فقضى القاضي بذلك فهي حلال لمن تزوجها ممن يدري باطن الأمر، فتركوا محض ~~القياس وقواعد الشريعة، ثم ناقضوا فقالوا: لو شهدوا له زورا بأنه وهب له ~~مملوكته هذه أو باعها منه لم يحل له وطؤها بذلك، ثم ناقضوا بذلك أعظم ~~مناقضة فقالوا: لو شهدا بأنه تزوجها بعد انقضاء عدتها من المطلق وكانا ~~كاذبين فإنها لا تحل وحبسها على زوجها أعظم من حبسها على عدته، فأحلوها في ~~أعظم العصمتين، وحرموها في أدناهما، وحرمة النكاح أعظم من حرمة العدة. # وقلتم: لا يحد الذمي إذا زنا بالمسلمة ولو كانت قرشية علوية أو عباسية ~~ولا بسب الله ورسوله وكتابه ودينه جهرة في أسواقنا ومجامعنا، ولا بتخريب ~~مساجد المسلمين ولو أنها المساجد الثلاثة، ولا ينتقض عهده بذلك، وهو معصوم ~~المال والدم، حتى إذا منع دينارا واحدا مما عليه من الجزية وقال: " لا ~~أعطيكموه " انتقض بذلك عهده، وحل ماله ودمه، ثم ناقضتم من ms0252 وجه آخر فقلتم: ~~لو سرق لمسلم عشرة دراهم لقطعت يده، ولو قذفه حد بقذفه، فيا للقياس الفاسد ~~الباطل المناقض للدين والعقل الموجب لهذه الأقوال التي يكفي في ردها ~~تصورها، كيف استجاز المستجيز تقديمها على السنن والآثار؟ والله المستعان. # وأجزتم شهادة الفاسقين والمحدودين في القذف والأعميين في النكاح، ثم ~~ناقضتم فقلتم: لو شهد فيه عبدان صالحان عالمان يفتيان في الحلال والحرام لم ~~يصح النكاح ولم ينعقد بشهادتهما، فمنعتم انعقاده بشهادة من عدله الله ~~ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وعقدتموه بشهادة من فسقه الله ورسوله ومنع ~~من قبول شهادته. # وقلتم: لو شهد شاهد على زيد أنه غصب عمرا مالا أو شجه أو قذفه وشهد آخر ~~أنه أقر بذلك ولم يتم النصاب لم يقض عليه بشيء، ولو شهد شاهد بأنه طلق ~~امرأته أو أعتق عبده أو باعه وشهد آخر بإقراره بذلك تمت الشهادة وقضي عليه. # وقلتم: لو قال له: " بعتك هذا العبد بألف " فإذا هو جارية أو بالعكس ~~فالبيع باطل، فلو قال: " بعتك هذه النعجة بعشرة " فإذا هي كبش أو بالعكس ~~فالبيع صحيح، ثم فرقتم بأن قلتم: المقصود من الجارية والعبد مختلف، ~~والمقصود من النعجة والكبش متقارب وهو اللحم، وهذا غير صحيح، فإن الدر ~~والنسل المقصود من الأنثى لا يوجد في الذكر، وعسب الفحل وضرابه المقصود منه ~~لا يوجد في الأنثى، ثم ناقضتم أبين مناقضة بأن قلتم: لو قال: # PageV01P215 # بعتك هذا القمح " فإذا هو شعير أو " هذه الألية " فإذا هي شحم لم يصح ~~البيع مع تقارب القصد. # وقلتم: لو باعه ثوبا من ثوبين لم يصح البيع لعدم التعيين، فلو كانت ثلاثة ~~أثواب فقال: " بعتك واحدا منها " صح البيع، فيالله العجب، كيف أبطلتموه مع ~~قلة الجهالة والغرر وصححتموه مع زيادتهما؟ أفترى زيادة الثوب الثالث خففت ~~الغرر ورفعت الجهالة؟ ، وتفريقكم بأن العقد على واحد من اثنين يتضمن ~~الجهالة والتغرير؛ لأنه قد يكون أحدهما مرتفعا والآخر رديئا فيفضي إلى ~~التنازع والاختلاف، فإذا كانت ثلاثة فالثلاثة تتضمن الجيد والرديء والوسط، ~~فكأنه قال: " بعتك أوسطها " وذلك أقل غررا ms0253 من بيعه واحدا من اثنين رديء ~~وجيد، وإذا أمكن حمل كلام المتعاقدين على الصحة فهو أولى من إلغائه، وهذا ~~الفرق ما زاد المسألة إلا غررا وجهالة، فإن النزاع كان يكون في ثوبين فقط ~~وأما الآن فصار في ثلاثة، وإذا قال: " إنما وقع العقد على الوسط " قال ~~الآخر " بل على الأدنى، أو على الأعلى ". # وقلتم: لو اشترى جارية ثم أراد وطأها قبل الاستبراء لم يجز، ولو تيقنا ~~فراغ رحمها بأن كانت بكرا أو كانت بائعتها امرأة معه في الدار بحيث تيقن ~~أنها غير مشغولة الرحم، أو باعها وقد ابتدأت في الحيضة ونحو ذلك، ثم قلتم: ~~لو وطئها السيد البارحة ثم زوجها منه الغد جاز له وطؤها ورحمها مشتغل على ~~ماء الوطء، فتركتم محض القياس والمصلحة وحكمة الشارع لفرق متخيل لا يجدي ~~شيئا، وهو أن النكاح لما صح كان ذلك حكما بفراغ الرحم، فإذا حكم بفراغ ~~رحمها جاز له وطؤها، فيقال: يالله العجب، كيف يحكم بفراغ رحمها وهو حديث ~~عهد بوطئها؟ وهل هذا إلا حكم باطل مخالف للحس والعقل والشرع؟ نعم لو أنكم ~~قلتم: " لا يحل له تزوجها حتى يستبرئها ويحكم بفراغ رحمها " لكان هذا فرقا ~~صحيحا وكلاما متوجها، ويقال حينئذ: لا معنى لاستبراء الزوج، فله أن يطأها ~~عقيب العقد فذا محض القياس، وبالله التوفيق. # وقلتم: من طاف أربعة أشواط من السبع فلم يكمله حتى رجع إلى أهله إنه ~~يجبره بدم وصح حجه، إقامة للأكثر مقام الكل، فخرجتم عن محض القياس؛ لأن ~~الأركان لا مدخل للدم في تركها، وما أمر به الشارع لا يكون المكلف ممتثلا ~~به حتى يأتي بجميعه، ولا يقوم أكثره مقام كله، كما لا يقوم الأكثر مقام ~~الكل في الصلاة والصيام والزكاة والوضوء وغسل الجنابة، فهذا هو القياس ~~الصحيح، والمأمور ما لم يفعل ما أمر به فالخطاب متوجه إليه بعد، وهو في ~~عهدته، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسامح المتوضئ بترك لمعة في محل ~~الفرض لم # PageV01P216 # يصبها الماء، ولا أقام الأكثر مقام الكل، والذي جاءت به الشريعة هو ms0254 ~~الميزان العادل، لا هذا الميزان العائل، وبالله التوفيق. # وقستم الادهان بالخل والزيت في الإحرام على الادهان بالمسك والعنبر في ~~وجوب الفدية، ويا بعد ما بينهما، ولم تقيسوا نبيذ التمر على نبيذ العنب مع ~~قرب الأخوة التي بينهما. # وقلتم: لو أفطر في نهار رمضان فلزمته الكفارة ثم سافر لم تسقط عنه؛ لأن ~~سفره قد يتخذ وسيلة وحيلة إلى إسقاط ما أوجب الشرع، فلا تسقط، وهذا بخلاف ~~ما إذا مرض أو حاضت المرأة فإن الكفارة تسقط؛ لأن الحيض والمرض ليس من ~~فعله، ثم ناقضتم أعظم مناقضة فقلتم: لو احتال لإسقاط الزكاة عند آخر الحول ~~فملك ماله لزوجته لحظة فلما انقضى الحول استرده منها، واعتذاركم بالفرق - ~~بأن هذا تحيل على منع الوجوب، وذاك تحايل على إسقاط الواجب بعد ثبوته، ~~والفرق بينهما ظاهر - اعتذارا لا يجدي شيئا، فإنه كما لا يجوز التحيل ~~لإسقاط ما أوجبه الله ورسوله لا يجوز التحيل لإسقاط أحكامه بعد انعقاد ~~أسبابها ولا تسقط بذلك. # وإذا انعقد سبب الوجود لم يكن للمكلف لإسقاطه بعد ذلك سبيل، وسبب الوجوب ~~هنا قائم وهو الغنى بملك النصاب، وهو لم يخرج عن الغنى بهذا التحيل. ولا ~~يعده الله ولا رسوله ولا أحد من خلقه ولا نفسه فقيرا مسكينا بهذا التحيل ~~يستحق أخذ الزكاة ولا تجب عليه الزكاة. # هذا من أقبح الخداع والمكر، فكيف يروج على من يعلم خفايا الأمور وخبايا ~~الصدور؟ وأين القياس والميزان والعدل الذي بعث الله به رسله من التحيل على ~~المحرمات وإسقاط الواجبات؟ وكيف تخرج الحيلة المفسدة التي في العقود ~~المحرمة في كونها مفسدة؟ أم كيف يقلل بها مصلحة محضة ومن المعلوم أن ~~المفسدة تزيد بالحيلة ولا تزول وتضاعف ولا تضعف؟ فكيف تزول المفسدة العظيمة ~~التي اقتضت لعنة الله ورسوله للمحلل والمحلل له بأن يشترطا ذلك قبل العقد ~~ثم يعقدا بنية ذلك الشرط ولا يشرطاه في صلب العقد؟ فإذا أخليا صلب العقد من ~~التلفظ بشرطه حسب، والله ورسوله والناس وهما يعلمون أن العقد إنما عقد على ~~ذلك، فيالله العجب، أكانت هذه اللعنة ms0255 على مجرد ذكر الشرط في صلب العقد، ~~فإذا تقدم على العقد انقلبت اللعنة رحمة وثوابا؟ وهل الاعتبار في العقود ~~إلا بحقائقها ومقاصدها؟ وهل الألفاظ إلا مقصودة لغيرها قصد الوسائل؟ فكيف ~~يضاع المقصود ويعدل عنه في عقد مساو لغيره من كل وجه لأجل تقديم لفظ أو ~~تأخيره أو إبداله # PageV01P217 # بغيره والحقيقة واحدة؟ هذا مما تنزه عنه الشريعة الكاملة المشتملة على ~~مصالح العباد في دينهم ودنياهم، فأصحاب الحيل تركوا محض القياس، فإن ما ~~احتالوا عليه من العقود المحرمة مساو من كل وجه لها في القصد والحقيقة ~~والمفسدة والفارق أمر صوري أو لفظي لا تأثير له ألبتة، فأي فرق بين أن ~~يبيعه تسعة دراهم بعشرة ولا شيء معها وبين أن يضم إلى أحد العوضين خرقة ~~تساوي فلسا أو عود حطب أو أذن شاة ونحو ذلك؟ فسبحان الله، ما أعجب حال هذه ~~الضميمة الحقيرة التي لا تقصد، كيف جاءت إلى المفسدة التي أذن الله ورسوله ~~بحرب من توسل إليها بعقد الربا فأزالتها ومحتها بالكلية، بل قلبتها مصلحة، ~~وجعلت حرب الله ورسوله سلما ورضا؟ وكيف جاء محلل الربا المستعار الذي هو ~~أخو محلل النكاح إلى تلك المفاسد العظيمة فكشطها كشط الجلد عن اللحم بل ~~قلبها مصالح بإدخال سلعة بين المرابيين تعاقدا عليها صورة ثم أعيدت إلى ~~مالكها؟ ولله ما أفقه ابن عباس في الدين وأعلمه بالقياس والميزان، حيث سئل ~~عما هو أقرب من ذلك بكثير فقال: دراهم بدراهم دخلت بينهما جريرة، فيالله ~~العجب، كيف اهتدت هذه الجريرة لقلب مفسدة الربا مصلحة ولعنة آكله رحمة ~~وتحريمه إذنا وإباحة؟ # ثم أين القياس والميزان في إباحة العينة التي لا غرض للمرابيين في السلعة ~~قط، وإنما غرضهما ما يعلمه الله ورسوله وهما والحاضرون من أخذ مائة حالة ~~وبذل مائة وعشرين مؤجلة، ليس لهما غرض وراء ذلك ألبتة، فكيف يقول الشارع ~~الحكيم: إذا أردتم حل هذا فتحيلوا عليه بإحضار سلعة يشتريها آكل الربا بثمن ~~مؤجل في ذمته ثم يبيعها للمرابي بنقد حاضر فينصرفان على مائة بمائة وعشرين ~~والسلعة حرف جاء ms0256 لمعنى في غيره؟ # وهل هذا إلا عدول عن محض القياس وتفريق بين متماثلين في الحقيقة والقصد ~~والمفسدة من كل وجه؟ بل مفسدة الحيل الربوية أعظم من مفسدة الربا الخالي عن ~~الحيلة، فلو لم تأت الشريعة بتحريم هذه الحيل لكان محض القياس والميزان ~~العادل يوجب تحريمها، ولهذا عاقب الله - سبحانه وتعالى - من احتال على ~~استباحة ما حرمه بما لم يعاقب به من ارتكب ذلك المحرم عاصيا، فهذا من جنس ~~الذنوب التي يتاب منها، وذاك من جنس البدع التي يظن صاحبها أنه من ~~المحسنين. # والمقصود ذكر تناقض أصحاب القياس والرأي فيه، وأنهم يفرقون بين ~~المتماثلين، ويجمعون بين المختلفين، كما فرقتم بين ما لو وكل رجلين معا في ~~الطلاق فقلتم: لأحدهما أن ينفرد بإيقاعه، ولو وكلهما معا في الخلع لم يكن ~~لأحدهما أن ينفرد به، وفرقتهم بين [الأمرين] بما لا يجدي شيئا، وهو أن ~~الخلع كالبيع وليس لأحد الوكيلين الانفراد به؛ لأنه # PageV01P218 # أشرك بينهما في الرأي ولم يرض بانفراد أحدهما، وأما الطلاق فليس المقصود ~~منه المال، وإنما هو تنفيذ قوله وامتثال أمره، فهو كما لو أمرهما بتبليغ ~~الرسالة، وهذا فرق لا تأثير له ألبتة، بل هو باطل فإن احتياج الطلاق ~~ومفارقة الزوجة إلى الرأي والخبرة والمشاورة مثل احتياج الخلع أو أعظم، ~~ولهذا أمر الله - سبحانه - ببعث الحكمين معا، وليس لأحدهما أن ينفرد ~~بالطلاق، مع أنهما وكيلان عند القياسيين، والله تعالى جعلهما حكمين، ولم ~~يجعل لأحدهما الانفراد، فما بال وكيلي الزوج لأحدهما الانفراد؟ وهل هذا إلا ~~خروج عن محض القياس وموجب النص؟ # وقلتم: لو قال لامرأته " طلقي نفسك " ثم نهاها في المجلس ثم طلقت نفسها ~~وقع الطلاق، ولو قال ذلك لأجنبي ثم نهاه في المجلس ثم طلق لم يقع الطلاق: ~~فخرجتم عن موجب القياس، وفرقتم بأن قوله لها تمليك وقوله للأجنبي توكيل، ~~وقد تقدم بطلان هذا الفرق قريبا. # وقلتم: لو وصى إلى عبد غيره فالوصية باطلة وإن أجاز سيده، ولو وكل عبد ~~غيره فالوكالة جائزة وإن ردها السيد ولكن تكره بدون إذنه، وقلتم: إذا ms0257 أوصى ~~بأن يعتق عنه عبدا بعينه فأعتقه الوارث عن نفسه وقع عن الميت، ولو أعتقه ~~الوصي عن نفسه لم يجز عن نفسه ولا عن الميت، وفرقتم بأن تصرف الوارث بحق ~~الملك فنفذ تصرفه وإن خالف الموصي، وتصرف الوصي بحق الوكالة فلا يصح فيما ~~خالف الموصي، وهذا فرق لا يصح، فإن تعيين الموصي للعتق في هذا العبد قطع ~~ملك الوارث له، فهو كما لو أوصى إلى أجنبي بعتقه سواء، وإنما ينتقل إلى ~~الوارث من التركة ما زاد على الدين والوصية اللازمة. # وقلتم: لو قال: " ثلث مالي لفلان وفلان " وأحدهما ميت فالثلث كله للحي ~~ولو قال: " بين فلان وفلان " وأحدهما ميت فللحي نصفه، وهذا تفريق بين ~~متماثلين لفظا ومعنى وقصدا، واقتضاء الواو للتشريك كاقتضاء " بين " ولهذا ~~استويا في الإقرار وفي استحقاق كل واحد منهما النصف لو كانا حيين، وقلتم: ~~لو أوصى له بثلث ماله وليس له من المال شيء، ثم اكتسب مالا فالوصية لازمة ~~في ثلثه، ولو أوصى له بثلث غنمه ولا غنم له ثم اكتسب غنما فالوصية باطلة، ~~فتركتم محض القياس، وفرقتم تفريقا لا تأثير له، ولا يتحصل منه عند التحقيق ~~شيء، والله المستعان وعليه التكلان ### | [فصل مثل مما جمع فيه القياسيون بين المتفرقات] # وجمعتم بين ما فرق الله بينه من الأعضاء الطاهرة والأعضاء النجسة، فنجستم ~~الماء الذي يلاقي هذه وهذه عند رفع الحدث، وفرقتم بين ما جمع الله بينه من ~~الوضوء والتيمم # PageV01P219 # فقلتم: يصح أحدهما بلا نية دون الآخر، وجمعتم بين ما فرق الله بينهما من ~~الشعور والأعضاء فنجستم كليهما بالموت، وفرقتم بين ما جمع الله بينهما من ~~سباع البهائم فنجستم منها الكلب والخنزير دون سائرها، وجمعتم بين ما فرق ~~الله بينه وهو الناسي والعامد والمخطئ والذاكر والعالم والجاهل، فإنه - ~~سبحانه - فرق بينهم في الإثم فجمعتم بينهم في الحكم في كثير من المواضع، ~~كمن صلى بالنجاسة ناسيا أو عامدا. # وكمن فعل المحلوف عليه ناسيا أو عامدا، وكمن تطيب في إحرامه أو قلم ظفره ~~أو حلق شعره ناسيا أو عامدا فسويتم ms0258 بينهما، وفرقتم بين ما جمع الله بينه من ~~الجاهل والناسي فأوجبتم القضاء على من أكل في رمضان جاهلا ببقاء النهار دون ~~الناسي، وفي غير ذلك من المسائل، وفرقتم بين ما جمع الله بينه من عقود ~~الإجارات كاستئجار الرجل لطحن الحب بنصف كر من دقيق واستئجاره لطحنه بنصف ~~كر منه فصححتم الأول دون الثاني، مع استوائهما من جميع الوجوه. # وفرقتم بأن العمل في الأول في العوض الذي استأجره به ليس مستحقا عليه، ~~وفي الثاني العمل مستحق عليه فيكون مستحقا له وعليه، وهذا فرق صوري لا ~~تأثير له ولا تتعلق بوجوده مفسدة قط، لا جهالة ولا ربا ولا غرر ولا تنازع ~~ولا هي مما يمنع صحة العقد بوجه، وأي غرر أو مفسدة أو مضرة للمتعاقدين في ~~أن يدفع إليه غزله ينسجه ثوبا بربعه وزيتونه يعصره زيتا بربعه وحبه يطحنه ~~بربعه؟ وأمثال ذلك مما هو مصلحة محضة للمتعاقدين لا تتم مصلحتهما في كثير ~~من المواضع إلا به، فإنه ليس كل واحد يملك عوضا يستأجر به من يعمل له ذلك، ~~والأجير محتاج إلى جزء من ذلك، والمستأجر محتاج إلى العمل، وقد تراضيا ~~بذلك. # ولم يأت من الله ورسوله نص يمنعه، ولا قياس صحيح، ولا قول صاحب، ولا ~~مصلحة معتبرة ولا مرسلة، ففرقتم بين ما جمع الله بينه، وجمعتم بين ما فرق ~~الله بينه، فقلتم: لو اشترى عنبا ليعصره خمرا أو سلاحا ليقتل به مسلما ونحو ~~ذلك إن البيع صحيح، وهو كما لو اشتراه ليقتل به عدو الله ويجاهد به في ~~سبيله أو اشترى عنبا ليأكله، كلاهما سواء في الصحة، وجمعتم بين ما فرق الله ~~بينه فقلتم: لو استأجر دارا ليتخذها كنيسة يعبد فيها الصليب والنار جاز له ~~كما لو استأجرها ليسكنها، ثم ناقضتم أعظم مناقضة فقلتم: لو استأجرها ~~ليتخذها مسجدا لم تصح الإجارة. # وفرقتم بين ما جمع الله بينه فقلتم: لو استأجر أجيرا بطعامه وكسوته لم ~~يجز، والله - سبحانه - لم يفرق بين ذلك وبين استئجاره بطعام مسمى وثياب ~~معينة، وقد كان الصحابة يؤجر أحدهم ms0259 نفسه في السفر والغزو بطعام بطنه ~~ومركوبه، وهم أفقه الأمة، وفرقتم بين ما جمع الله بينه من عقدين متساويين ~~من كل وجه، وقد صرح المتعاقدان فيهما بالتراضي، وعلم الله - سبحانه - ~~تراضيهما # PageV01P220 # والحاضرون. # فقلتم: هذا عقد باطل لا يفيد الملك ولا الحل حتى صرحا بلفظ بعت واشتريت، ~~ولا يكفيهما أن يقول كل واحد منهما أنا راض بهذا كل الرضا، ولا قد رضيت ~~بهذا عوضا عن هذا، مع كون هذا اللفظ أدل على الرضا الذي جعله الله - سبحانه ~~- شرطا للحل من لفظه بعت واشتريت، فإنه لفظ صريح فيه، وبعت واشتريت إنما ~~يدل عليه باللزوم، وكذلك عقد النكاح، وليس ذلك من العبادات التي تعبدنا ~~الشارع فيها بألفاظ لا يقوم غيرها مقامها كالأذان وقراءة الفاتحة في الصلاة ~~وألفاظ التشهد وتكبيرة الإحرام وغيرها، بل هذه العقود تقع من البر والفاجر ~~والمسلم والكافر، ولم يتعبدنا الشارع فيها بألفاظ معينة، فلا فرق أصلا بين ~~لفظ الإنكاح والتزويج وبين كل لفظ يدل على معناها. # وأفسد من ذلك اشتراط العربية مع وقوع النكاح من العرب والعجم والترك ~~والبربر ومن لا يعرف كلمة عربية، والعجب أنكم اشترطتم تلفظه بلفظ لا يدري ~~ما معناه ألبتة وإنما هو عنده بمنزلة صوت في الهواء فارغ لا معنى تحته، ~~فعقدتم العقد به، وأبطلتموه بتلفظه باللفظ الذي يعرفه ويفهم معناه ويميز ~~بين معناه وغيره، وهذا من أبطل القياس، ولا يقتضي القياس إلا ضد هذا، ~~فجمعتم بين ما فرق الله بينه، وفرقتم بين ما جمع الله بينه. # وبإزاء هذا القياس من يجوز قراءة القرآن بالفارسية، ويجوز انعقاد الصلاة ~~بكل لفظ يدل على التعظيم كسبحان الله، وجل الله، والله العظيم، ونحوه - ~~عربيا كان أو فارسيا ويجوز إبدال لفظ التشهد بما يقوم مقامه، وكل هذا من ~~جنايات الآراء والأقيسة، والصواب اتباع ألفاظ العبادات، والوقوف معها، وأما ~~العقود والمعاملات فإنما يتبع مقاصدها والمراد منها بأي لفظ كان، إذ لم ~~يشرع الله ورسوله لنا التعبد بألفاظ معينة لا نتعداها. # وجمعتم بين ما فرق الله بينه من إيجاب النفقة والسكنى للمبتوتة ms0260 وجعلتموها ~~كالزوجة، وفرقتم بين ما جمع الله ورسوله بينه من ملازمة الرجعية المعتدة ~~والمتوفى عنها زوجها منزلهما حيث يقول تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا ~~يخرجن} [الطلاق: 1] وحيث «أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المتوفى عنها ~~أن تمكث في بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله» ، وجمعتم بين ما فرق الله بينهما ~~من بول الطفل والطفلة الرضيعين فقلتم: يغسلان، وفرقتم بين ما جمعت السنة ~~بينه من وجوب غسل قليل البول وكثيره، وفرقتم بين ما جمع الله ورسوله بينهما ~~من ترتيب أعضاء الوضوء وترتيب أركان الصلاة، فأوجبتم الثاني دون الأول، ولا ~~فرق بينهما لا في المعنى ولا في النقل، والنبي - صلى الله عليه وسلم - هو ~~المبين عن الله - سبحانه - أمره ونهيه، ولم يتوضأ قط إلا مرتبا ولا مرة ~~واحدة في عمره كما لم يصل إلا مرتبا، ومعلوم أن العبادة المنكوسة ليست ~~كالمستقيمة، ويكفي هذا الوضوء اسمه وهو أنه وضوء منكس، فكيف يكون عبادة؟ # PageV01P221 # وجمعتم بين ما فرق الله بينه من إزالة النجاسة ورفع الحدث فسويتم بينهما ~~في صحة كل منهما بغير نية، وفرقتم بين ما جمع الله بينهما من الوضوء ~~والتيمم فاشترطتم النية لأحدهما دون الآخر، وتفريقكم بأن الماء يطهر بطبعه ~~فاستغنى عن النية بخلاف التراب فإنه لا يصير مطهرا إلا بالنية فرق صحيح ~~بالنسبة إلى إزالة النجاسة فإنه مزيل لها بطبعه. وأما رفع الحدث فإنه ليس ~~رافعا له بطبعه، إذ الحدث ليس جسما محسوسا يرفعه الماء بطبعه بخلاف ~~النجاسة، وإنما يرفعه بالنية، فإذا لم تقارنه النية بقي على حاله، فهذا هو ~~القياس المحض. # وجمعتم بين ما فرق الله بينه فسويتم بين بدن أطيب المخلوقات وهو ولي الله ~~المؤمن وبين بدن أخبث المخلوقات وهو عدوه الكافر، فنجستم كليهما بالموت، ثم ~~فرقتم بين ما جمع الله بينه فقلتم: لو غسل المسلم ثم وقع في ماء لم ينجسه، ~~ولو غسل الكافر ثم وقع في ماء نجسه، ثم ناقضتم في الفرق بأن المسلم إنما ~~غسل ليصلى عليه فطهر بالغسل لاستحالة الصلاة عليه وهو نجس بخلاف الكافر، ms0261 ~~وهذا الفرق ينقض ما أصلتموه من أن النجاسة بالموت نجاسة عينية فلا تزول ~~بالغسل؛ لأن سببها قائم وهو الموت، وزوال الحكم مع بقاء سببه ممتنع، فأي ~~القياسين هو المعتد به في هذه المسألة؟ وفرقتم بين ما جمعت السنة والقياس ~~بينهما فقلتم: لو طلعت عليه الشمس وقد صلى من الصبح ركعة بطلت صلاته، ولو ~~غربت عليه الشمس وقد صلى من العصر ركعة صحت صلاته، والسنة الصحيحة الصريحة ~~قد سوت بينهما، وتفريقكم بأنه في الصبح خرج من وقت كامل إلى غير وقت كامل ~~ففسدت صلاته وفي العصر خرج من وقت كامل إلى وقت كامل وهو وقت صلاة فافترقا، ~~ولو لم يكن في هذا القياس إلا مخالفته لصريح السنة لكفى في بطلانه، فكيف ~~وهو قياس فاسد في نفسه؟ ، فإن الوقت الذي خرج إليه في الموضعين ليس وقت ~~الصلاة الأولى، فهو ناقص بالنسبة إليها، ولا ينفع كماله بالنسبة إلى الصلاة ~~التي هو فيها. # فإن قيل: لكنه خرج إلى وقت نهي في الصبح وهو وقت طلوع الشمس، ولم يخرج ~~إلى وقت نهي في المغرب. # قيل: هذا فرق فاسد؛ لأنه ليس بوقت نهي عن هذه الصلاة التي هو فيها بل هو ~~وقت أمر بإتمامها بنص صاحب الشرع حيث يقول: «فليتم صلاته» وإن كان وقت نهي ~~بالنسبة إلى التطوع، فظهر أن الميزان الصحيح مع السنة الصحيحة، وبالله ~~التوفيق. # وجمعتم بين ما فرق الله بينه فقلتم: المختلعة البائنة التي قد ملكت نفسها ~~يلحقها # PageV01P222 # الطلاق، فسويتم بينها وبين الرجعية في ذلك، وقد فرق الله بينهما بأن جعل ~~هذه مفتدية لنفسها مالكة لها كالأجنبية وتلك زوجها أحق بها، ثم فرقتم بين ~~ما جمع الله بينه، فأوقعتم عليها مرسل الطلاق دون معلقه وصريحه دون كنايته، ~~ومن المعلوم أن من ملكه الله أحد الطلاقين ملكه الآخر، ومن لم يملكه هذا لم ~~يملكه هذا. # وجمعتم بين ما فرق الله بينه فمنعتم من أكل الضب وقد أكل على مائدة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ينظر، وقيل له: أحرام هو؟ فقال: لا، ~~فقستموه ms0262 على الأحناش والفئران، وفرقتم بين ما جمعت السنة بينه من لحوم ~~الخيل التي أكلها الصحابة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع ~~لحوم الإبل وأذن الله تعالى فيها، فجمع الله ورسوله بينهما في الحل، وفرق ~~الله ورسوله بين الضب والحنش في التحريم، وجمعتم بين ما فرقت السنة بينه من ~~لحوم الإبل وغيرها حيث قال: «توضؤا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم ~~الغنم» فقلتم لا نتوضأ لا من هذا ولا من هذا، وفرقتم بين ما جمعت الشريعة ~~بينه فقلتم في القيء: إن كان ملء الفم فهو حدث، وإن كان دون ذلك فليس بحدث، ~~ولا يعرف في الشريعة شيء يكون كثيره حدثا دون قليلة، وأما النوم فليس بحدث، ~~وإنما هو مظنته، فاعتبروا ما يكون مظنة وهو الكثير، وفرقتم بين ما جمع الله ~~بينه فقلتم: لو فتح على الإمام في قراءته لم تبطل صلاته، ولكن تكره؛ لأن ~~فتحه قراءة منه، والقراءة خلف الإمام مكروهة، ثم قلتم: فلو فتح على قارئ ~~غير إمامه بطلت صلاته؛ لأن فتحه عليه مخاطبة له فأبطلت الصلاة، ففرقتم بين ~~متماثلين؛ لأن الفتح إن كان مخاطبة في حق غير الإمام فهو مخاطبة في حق ~~الإمام، وإن لم يكن مخاطبة في حق الإمام فليس بمخاطبة في حق غيره، ثم ~~ناقضتم من وجه آخر أعظم مناقضة فقلتم: لما نوى الفتح على غير الإمام خرج عن ~~كونه قارئا إلى كونه مخاطبا بالنية، ولو نوى الربا الصريح والتحليل الصريح ~~وإسقاط الزكاة بالتمليك الذي اتخذه حيلة لم يكن مرابيا ولا مسقطا للزكاة ~~ولا محللا بهذه النية. # فيالله العجب، كيف أثرت نية الفتح والإحسان على القارئ وأخرجته عن كونه ~~قارئا إلى كونه مخاطبا ولم تؤثر نية الربا والتحليل مع إساءته بهما وقصده ~~نفس ما حرمه الله فتجعله مرابيا محللا؟ وهل هذا إلا خروج عن محض القياس ~~وجمع بين ما فرق الشارع بينهما وتفريق بين ما جمع بينهما؟ # وقلتم: لو اقتدى المسافر بالمقيم بعد خروج الوقت لا يصح اقتداؤه، ولو ~~اقتدى المقيم بالمسافر بعد ms0263 خروج الوقت صح اقتداؤه # PageV01P223 # وهذا تفريق بين متماثلين، ولو ذهب ذاهب إلى عكسه لكان من جنس قولكم سواء، ~~ولأمكنه تعليله بنحو ما عللتم به. # ووجهتم الفرق بأن من شرط صحة اقتداء المسافر بالمقيم أن ينتقل فرضه إلى ~~فرض إمامه، وبخروج الوقت استقر الفرض عليه استقرارا لا يتغير بتغير حاله ~~فبقي فرضه ركعتين، فلو جوزنا له اقتداءه بالمقيم بعد خروج الوقت جوزنا ~~اقتداء من فرضه ركعتان بمن فرضه أربع. وهذا لا يصح، كمصلي الفجر إذا اقتدى ~~بمصلي الظهر، وليس كذلك المقيم إذا اقتدى بالمسافر بعد خروج الوقت، إذ ليس ~~من شرط صحة اقتداء المقيم بالمسافر أن ينتقل فرضه إلى فرض إمامه، بدليل أنه ~~لو اقتدى به في الوقت لم ينتقل فرضه إلى فرض إمامه، بخلاف المسافر، فإنه لو ~~اقتدى بالمقيم في الوقت انتقل فرضه إلى فرض إمامه. # ثم ناقضتم وقلتم: إذا كان الإمام مسافرا وخلفه مسافرون ومقيمون فاستخلف ~~الإمام مقيما فإن فرض الإمام لا ينتقل إلى فرض إمامه وهو فرض المقيمين، مع ~~أن الفرق في الأصل مدخول. وذلك أن الصلاتين سواء في الاسم والحكم والوضع ~~والوجوب، وإن اختلفتا في كون الإمام مصليا، فإذا صلى الإمام أربعا وجب على ~~المأموم أن يصلي بصلاته كما لو كان في الوقت، وخروج الوقت لا أثر له في ~~ذلك، فإن الذي فرضه الله عليه في الوقت هو بعينه فرضه بعد الوقت، ولا سيما ~~إذا كان نائما أو ناسيا، فإن وقت اليقظة والذكر هو الوقت الذي شرع الله له ~~الصلاة فيه، وعذر السفر قائم، وارتباط صلاته بصلاة الإمام حاصل، فما الذي ~~فرق بين الصورتين مع اتحاد السبب الجامع وقيام الحكمة المجوزة للقصر ~~والمرجحة لمصلحة الاقتداء عند الانفراد؟ وفرقتم بين ما جمعت الشريعة بينهما ~~- وهو الحيض، والنفاس، فجعلتم أقل الحيض محدودا إما بثلاثة أيام أو بيوم ~~وليلة أو بيوم، ولم تجدوا أقل النفاس، وكلاهما دم خارج من الفرج يمنع أشياء ~~ويوجب أشياء، وليسا اسمين شرعيين لم يعرفا إلا بالشريعة، بل هما اسمان ~~لغويان، رد الشارع أمته فيهما إلى ms0264 ما يتعارفه النساء حيضا ونفاسا، قليلا ~~كان أو كثيرا. وقد ذكرتم هذا بعينه في النفاس، فما الذي فرق بينه وبين ~~الحيض؟ ولم يأت عن الله ولا عن رسوله ولا عن الصحابة تحديد أقل الحيض بحد ~~أبدا، ولا في القياس ما يقتضيه. # والعجب أنكم قلتم: المرجع فيه إلى الوجود حيث لم يحده الشارع، ثم ناقضتم ~~فقلتم: حد أقله يوم وليلة. # وأما أصحاب الثلاث فإنما اعتمدوا على حديث توهموه صحيحا وهو غير صحيح # PageV01P224 # باتفاق أهل الحديث، فهم أعذر من وجه، قال المفرقون: بل فرقنا بينهما ~~بالقياس الصحيح، فإن للقياس علما ظاهرا يدل على خروجه من الرحم وهو تقدم ~~الولد عليه، فاستوى قليله وكثيره، لوجود علمه الدال عليه، وليس مع الحيض ~~علم يدل على خروجه من الرحم، فإذا امتد زمنه صار امتداده علما ودليلا على ~~أنه حيض معتاد، وإذا لم يمتد لم يكن معنا ما يدل عليه أنه حيض فصار كدم ~~الرعاف. # ثم ناقضوا في هذا الفرق نفسه أبين مناقضة، فقال أصحاب الثلاث: لو امتد ~~يومين ونصف يوم دائما لم يكن حيضا حتى يمتد ثلاثة أيام. # وقال أصحاب اليوم: لو امتد من غدوة إلى العصر دائما لم يكن حيضا حتى يمتد ~~إلى غروب الشمس، فخرجوا بالقياس عن محض القياس. # وقلتم: إذا صلى جالسا ثم تشهد في حال القيام سهوا فلا سجود عليه، وإن قرأ ~~في حال التشهد فعليه السجود، وهذا فرق بين متساويين من كل وجه، وقلتم: إذا ~~افتتح الصلاة في المسجد فظن أنه قد سبقه الحدث فانصرف ليتوضأ ثم علم أنه لم ~~يسبقه الحدث وهو في المسجد جاز له المضي على صلاته، وكذلك لو ظن أنه قد أتم ~~صلاته ثم علم أنه لم يتم، ثم قلتم: لو ظن أن على ثوبه نجاسة أو أنه لم يكن ~~متوضئا فانصرف ليتوضأ أو يغسل ثوبه ثم علم أنه كان متوضئا أو طاهر الثوب لم ~~يجز له البناء على صلاته، ففرقتم بين ما لا فرق بينهما وتركتم محض القياس، ~~وفرقتم بأنه لما ظن سبق الحدث فقد ms0265 انصرف من صلاته انصراف استئناف لا انصراف ~~رفض، فإنه لو تحقق ما ظنه جاز له المضي، فلم يصر قاصدا للخروج من الصلاة، ~~فلم يمتنع البناء، وكذلك لو ظن أنه قد أتم صلاته فلم ينصرف انصراف رفض، ~~وإذا لم يقصد الرفض لم تصر الصلاة مرفوضة كما لو سلم ساهيا، وليس كذلك إذا ~~ظن أنه لم يتوضأ أو أن على ثوبه نجاسة؛ لأنه انصرف منها انصراف رفض ونوى ~~الرفض مقارنا لانصرافه، فبطلت كما لو سلم عامدا، وهذا الفرق غير مجد شيئا، ~~بل هو فرق بين ما جمعت الشريعة بينهما، فإنه في الموضعين انصرف انصرافا ~~مأذونا فيه أو مأمورا به، وهو معذور في الموضعين، بل هذا الفرق حقيق ~~باقتضائه ضد ما ذكرتم، فإنه إذا ظن أنه لم يتوضأ فانصرافه مأمور به وهو عاص ~~لله بتركه، بخلاف ما إذا ظن أنه أتم صلاته فإن انصرافه مباح مأذون له فيه، ~~فكيف تصح الصلاة مع هذا الانصراف وتبطل بالانصراف المأمور به؟ ثم إنه أيضا ~~في انصرافه [حين] ظن أنه قد أتم صلاته ينصرف انصراف ترك حقيقة؛ لأنه يظن ~~أنه قد فرغ منها، فتركها ترك من قد أكملها، ومن ظن أنه محدث فإنما تركها ~~ترك قاصد لتكملتها، فهي أولى بالصحة # PageV01P225 # وقلتم: لو قال: " لله علي أن أصلي ركعتين " وقال آخر: " وأنا لله علي ~~أصلي ركعتين " لم يجز لأحدهما أن يأتم بصاحبه؛ لأنهما فرضان بسببين، وهو ~~نذر كل واحد منهما، ولا يؤدى فرض خلف فرض آخر، ثم ناقضتم فقلتم: لو قال ~~الآخر: " وأنا لله علي أن أصلي الركعتين اللتين أوجبت على نفسك " جاز ~~لأحدهما أن يأتم بالآخر؛ لأنه أوجب على نفسه عين ما أوجبه الآخر على نفسه، ~~فصارتا كالظهر الواحدة، وهذا ليس يجدي شيئا، فإن سبب الوجوب مختلف كما في ~~الصورة الأولى سواء، وهو نذر كل واحد منهما على نفسه، وليس الواجب على ~~أحدهما هو عين الواجب على الآخر، بل هو مثله، ولهذا لا يتأدى أحد الواجبين ~~بأداء الآخر، ولا فرق بين المسألتين في ذلك ألبتة، فإن كل ms0266 واحد منهما يجب ~~عليه ركعتان نظير ما وجب على الآخر بنذره، فالسبب مماثل، والواجب مماثل، ~~والتعدد في الجانبين سواء، فالتفريق بينهما تفريق بين متماثلين، وخروج عن ~~محض القياس. # وفرقتم بين ما جمع النص والميزان بينهما، فقلتم: إذا ظفر بركاز فعليه فيه ~~الخمس، ثم يجوز له صرفه إلى أولاده وإلى نفسه إذا احتاج إليه، وإذا وجب ~~عليه عشر الخارج من الأرض لم يكن له صرفه إلى ولده ولا إلى نفسه، وكلاهما ~~واجب عليه إخراجه لحق الله وشكر النعمة بما أنعم عليه من المال، ولكن لما ~~كان الركاز مالا مجموعا لم يكن نماؤه وكماله بفعله فالمؤنة فيه أيسر كان ~~الواجب فيه أكثر، ولما كان الزرع فيه من المؤنة والكلفة والعمل أكثر مما في ~~الركاز كان الواجب فيه نصفه وهو العشر، فإن اشتدت المؤنة بالسقي بالكلفة حط ~~الواجب إلى نصفه وهو نصف العشر، فإن اشتدت المؤنة في المال غيره بالتجارة ~~والبيع والشراء كل وقت وحفظه وكراء مخزنه ونقله خفف إلى شطره وهو ربع ~~العشر، فهذا من كمال حكمة الشارع في اعتبار كثرة الواجب وقلته، فكيف يجوز ~~له أن يعطي الواجب الأكثر الذي هو أقل مؤنة وتعبا وكلفة لأولاده ويمسكه ~~لنفسه وقد أضعفه عليه الشارع أكثر من كل واجب في الزكاة ومخرج الجميع ~~وإيجابه واحد نصا واعتبارا؟ فالتفريق بينهما تفريق بين ما جمعت الشريعة ~~بينهما حيث قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «في الركاز الخمس، وفي الرقة ~~ربع العشر» . # وقلتم: لو أودع من لا يعرفه مالا فغاب عنه سنين ثم عرفه فلا زكاة عليه؛ ~~لأنه لا يقدر على ارتجاعه منه، فهو كما لو دفنه بمغارة فنسيه، ثم ناقضتم ~~فقلتم: لو أودعه من يعرفه فنسيه سنين ثم عرفه فعليه زكاة تلك السنين ~~الماضية كلها، والمال خارج عن قبضته وتصرفه، وهو غير قادر على ارتجاعه في ~~الصورتين، ولا فرق بينهما، وقد صرحتم في مسألة المغارة أنه لو دفنه خفي ~~موضع منها ثم نسيه فلا زكاة عليه إذا عرفه بعد ذلك، ولا فرق في هذا بين ~~المغارة ms0267 # PageV01P226 # وبين المودع بوجه، ثم ناقضتم من وجه آخر وقلتم: لو دفنه في داره وخفي ~~عليه موضعه سنين ثم عرفه وجبت عليه الزكاة لما مضى. # وقلتم: لو وجب عليه أربع شياه فأخرج ثنتين سمينتين تساوي الأربع جاز، ~~فطرد قياسكم هذا أنه لو وجب عليه عشرة أقفزة بر فأخرج خمسة من بر مرتفع ~~يساوي قيمة العشرة التي هي عليه جاز، وطرده لو وجب عليه خمسة أبعرة فأخرج ~~بعيرا يساوي قيمة الخمسة أنه يجوز، ولو وجب عليه صاع في الفطرة فأخرج ربع ~~صاع يساوي الصاع الذي لو أخرجه لتأدى به الواجب أنه يجوز، فإن طردتم هذا ~~القياس فلا يخفى ما فيه من تغيير المقادير الشرعية والعدول عنها، ولزمكم ~~طرده في أن من وجب عليه عتق رقبة فأعتق عشر رقبة تساوي قيمة رقبة غيرها ~~جاز، ومن نذر الصدقة بمائة شاة فتصدق بعشرين تساوي قيمة المائة جاز، ثم ~~ناقضتم فقلتم: لو وجب عليه أضحيتان فذبح واحدا سمينا يساوي وسطين لم يجز، ~~ثم فرقتم بأن قلتم: المقصود في الأضحية الذبح وإراقة الدم، وإراقة دم واحد ~~لا تقوم مقام إراقة دمين، والمقصود في الزكاة سد خلة الفقير وهو يحصل ~~بالأجود الأقل كما يحصل بالأكثر إذا كان دونه، وهذا فرق إن صح لكم في ~~الأضحية لم يصح لكم فيما ذكرناه من الصور، فكيف ولا يصح في الأضحية؟ فإن ~~المقصود في الزكاة أمور عديدة منها سد خلة الفقير، ومنها إقامة عبودية الله ~~بفعل نفس ما أمر به. ومنها شكر نعمته عليه في المال. ومنها إحراز المال ~~وحفظه بإخراج هذا المقدار منه. ومنها المواساة بهذا المقدار لما علم الله ~~فيه من مصلحة رب المال ومصلحة الآخذ. ومنها التعبد بالوقوف عند حدود الله ~~وأن لا ينقص منها ولا يغير، وهذه المقاصد إن لم تكن أعظم من مقصود إراقة ~~الدم في الأضحية فليست بدونه، فكيف يجوز إلغاؤها واعتبار مجرد إراقة الدم؟ ~~ثم إن هذا الفرق ينعكس عليكم من وجه آخر، وهو أن مقصود الشارع من إراقة دم ~~الهدي والأضحية التقرب إلى الله ms0268 - سبحانه - بأجل ما يقدر عليه من ذلك النوع ~~وأعلاه وأغلاه ثمنا وأنفسه عند أهله، فإنه لن يناله - سبحانه - لحومها ولا ~~دماؤها، وإنما يناله تقوى العبد منه، ومحبته له، وإيثاره بالتقرب إليه بأحب ~~شيء إلى العبد وآثره عنده وأنفسه لديه، كما يتقرب المحب إلى محبوبه بأنفس ~~ما يقدر عليه وأفضله عنده. # ولهذا فطر الله العباد على أن من تقرب إلى محبوبه بأفضل هدية يقدر عليها ~~وأجلها وأعلاها كان أحظى لديه، وأحب إليه ممن تقرب إليه بألف واحد رديء من ~~ذلك النوع. # وقد نبه - سبحانه - على هذا بقوله: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ~~ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم ~~بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد} [البقرة: 267] وقال ~~تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ~~وآتى المال على حبه} [البقرة: 177] # PageV01P227 # وقال: {ويطعمون الطعام على حبه} [الإنسان: 8] وسئل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عن أفضل الرقاب فقال: «أغلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها» ونذر عمر أن ~~ينحر نجيبة فأعطي بها نجيبتين، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يأخذهما بها وينحرهما، فقال: «لا، بل انحرها إياها» فاعتبر في الأضحية عين ~~المنذور دون ما يقوم مقامه وإن كان أكثر منه، فلأن يعتبر في الزكاة نفس ~~الواجب دون ما يقوم مقامه ولو كان أكثر منه أولى وأحرى. # وطرد قياسكم أنه لو وجب عليه أربع شياه جياد فأخرج عشرة من أردأ الشياه ~~وأهزلها وقيمتهن قيمة الأربع، أو وجب عليه أربع حقاق جياد فأخرج عشرين ابن ~~لبون من أردأ الإبل وأهزلها أنه يجوز، فإن منعتم ذلك نقضتم القياس، وإن ~~طردتموه تيممتم الخبيث منه تنفقون، وسلطتم رب المال على إخراج رديئه ~~ومعايبه عن جيده، والمرجع في التقويم إلى اجتهاده، وفي هذا من مخالفة ~~الكتاب والميزان ما فيه. # وفرقتم بين ما جمع الشارع بينه وجمعتم بين ما فرق بينه، وأما الأول ~~فقلتم: يصح صوم رمضان بنية من النهار قبل الزوال، ولا يصح صوم الظهار ms0269 ~~وكفارة الوطء في رمضان وكفارة القتل إلا بنية من الليل، وفرقتم بينهما بأن ~~صوم رمضان لما كان معينا بالشرع أجزأ بنية من النهار، بخلاف صوم الكفارة، ~~وبنيتم على ذلك أنه لو قال: " لله علي صوم يوم " فصامه بنية قبل الزوال لم ~~يجزئه، ولو قال: " لله علي أن أصوم غدا " فصامه قبل الزوال جاز، وهذا تفريق ~~بين ما جمع الشارع بينه من صوم الفرض وأخبر أنه لا صيام لمن لم يبيته من ~~الليل، وهذا في صوم الفرض، وأما النفل فصح عنه أنه كان ينشئه بنية من ~~النهار، فسويتم بينهما في إجزائهما بنية من النهار وقد فرق الشارع بينهما. ~~وفرقتم بين بعض الصوم المفروض وبعض في اعتبار النية في الليل وقد سوى ~~الشارع بينهما. والفرق بالتعيين وعدمه عديم التأثير فإنه وإن تعين لم يصر ~~عبادة إلا بالنية، ولهذا لو أمسك عن الأكل والشرب من غير نية لم يكن صائما، ~~فإذا لم تقارن النية جميع أجزاء اليوم فقد خرج بعضه عن أن يكون عبادة، فلم ~~يؤد ما أمر به، وتعيينه لا يزيد وجوبه إلا تأكيدا واقتضاء، فلو قيل: إن ~~المعين أولى بوجوب النية من الليل من غير المعين لكان أصح في القياس، ~~والقياس الصحيح هو الذي جاءت به السنة من الفرق بين الفرض والنفل، فلا يصح ~~الفرض إلا بنية من الليل، والنفل يصح بنية من النهار؛ لأنه يتسامح فيه ما ~~لا يتسامح في الفرض، كما يجوز أن يصلي النفل قاعدا وراكبا على دابته إلى ~~القبلة وغيرها. # وفي ذلك تكثير النفل وتيسير # PageV01P228 # الدخول فيه، والرجل لما كان مخيرا بين الدخول فيه وعدمه ويخير بين الخروج ~~منه وإتمامه خير بين التبييت والنية من النهار، فهذا محض القياس وموجب ~~السنة، ولله الحمد. # وفرقتم بين ما جمع الله بينهما من جماع الصائم والمعتكف فقلتم: لو جامع ~~في الصوم ناسيا لم يفسد صومه، ولو جامع المعتكف ناسيا فسد اعتكافه وفرقتم ~~بينهما بأن الجماع من محظورات الاعتكاف، ولهذا لا يباح ليلا ولا نهارا، ~~وليس من محظورات الصوم؛ لأنه يباح ms0270 ليلا. وهذا فرق فاسد جدا؛ لأن الليل ليس ~~محلا للصوم فلم يحرم فيه الجماع، وهو محل للاعتكاف فحرم فيه الجماع، فنهار ~~الصائم كليل المعتكف في ذلك، ولا فرق بينهما، والجماع محظور في الوقتين، ~~ووزان ليل الصائم اليوم الذي يخرج فيه المعتكف من اعتكافه، فهذا هو القياس ~~المحض، والجمع بين ما جمع الله بينه والتفريق بين ما فرق الله بينه، وبالله ~~التوفيق. # وقلتم: لو دخل عرفة في طلب بعير له أو حاجة ولم ينو الوقوف أجزأه عن ~~الوقوف، ولو دار حول البيت في طلب شيء سقط منه ولم ينو الطواف لم يجزئه، ~~وهذا خروج عن محض القياس. وفرقتم تفريقا فاسدا فقلتم: المقصود الحضور بعرفة ~~في هذا الوقت وقد حصل، بخلاف الطواف، فإن المقصود العبادة ولا تحصل إلا ~~بالنية، فيقال: والمقصود بعرفة العبادة أيضا، فكلاهما ركن مأمور به، ولم ~~ينو المكلف امتثال الأمر لا في هذا ولا في هذا، فما الذي صحح هذا وأبطل ~~هذا؟ ، ولما تنبه بعض القياسيين لفساد هذا الفرق عدل إلى فرق آخر فقال: ~~الوقوف ركن يقع في نفس الإحرام، فنية الحج مشتملة عليه، فلا يفتقر إلى ~~تجديد نية، كأجزاء الصلاة من الركوع والسجود ينسحب عليها نية الصلاة. وأما ~~الطواف فيقع خارج العبادة فلا تشتمل عليه نية الإحرام فافتقر إلى النية، ~~ونحن نقول لأصحاب هذا الفرق: ردونا إلى الأول فإنه أقل فسادا وتناقضا من ~~هذا، فإن الطواف والوقوف كلاهما جزء من أجزاء العبادة، فكيف تضمنت جزءا من ~~أجزاء العبادة لهذا الركن دون هذا؟ وأيضا فإن طواف المعتمر يقع في الإحرام، ~~وأيضا فطواف الزيارة يقع في بقية الإحرام، فإنه إنما حل من إحرامه قبله ~~تحللا أول ناقصا، والتحلل الكامل موقوف على الطواف. # وفرقتم بين ما جمعت السنة والقياس بينهما فقلتم: إذا أحرم الصبي ثم بلغ ~~فجدد إحرامه قبل أن يقف بعرفة أجزأه عن حجة الإسلام، وإذا أحرم العبد ثم ~~عتق فجدد إحرامه لم يجزئه عن حجة الإسلام، والسنة قد سوت بينهما، وكذا ~~القياس، فإن إحرامهما قبل # PageV01P229 # البلوغ والعتق صحيح وهو ms0271 سبب للثواب، وقد صارا من أهل وجوب الحج قبل ~~الوقوف بعرفة فأجزأهما عن حجة الإسلام، كما لو لم يوجد منهما إحرام قبل ~~ذلك، فإن غاية ما وجد منهما من الإحرام أن يكون وجوده كعدمه، فوجود الإحرام ~~السابق على العتق لم يضره شيئا بحيث يكون عدمه أنفع له من وجوده، وتفريقكم ~~بأن إحرام الصبي إحرام تخلق وعادة وبالبلوغ انعدم ذلك فصح منه الإحرام عن ~~حجة الإسلام، وأما العبد فإحرامه إحرام عبادة؛ لأنه مكلف فصح إحرامه موجبا ~~فلا يتأتى له الخروج منه حتى يأتي بموجبه فرق فاسد، فإن الصبي مثاب على ~~إحرامه بالنص، وإحرامه إحرام عبادة - وإن كانت لا تسقط الفرض - كإحرام ~~العبد سواء. # وفرقتم بين ما جمع القياس الصحيح بينه فقلتم: لو قال: " أحجوا فلانا حجة ~~" فله أن يأخذ النفقة ويأكل بها ويشرب ولا يحج، ولو قال: " أحجوه عني " لم ~~يكن له أن يأخذ النفقة إلا بشرط الحج، وفرقتم بأن في المسألة الأولى أخرج ~~كلامه مخرج الإيصاء بالنفقة له، وكأنه أشار عليه بالحج، ولا حق للموصي في ~~الحج الذي يأتي به، فصححنا الوصية بالمال، ولم نلزم الموصى بما لا حق ~~للموصي فيه، وأما في المسألة الثانية فإنما قصد أن يعود نفعه إليه بثواب ~~النفقة في الحج، فإن لم يحصل له غرضه لم تنفذ الوصية، وهذا الفرق نفسه هو ~~المبطل للفرق بين المسألتين، فإنه بتعين الحج قطع ما توهمتموه من دفع المال ~~إليه يفعل به ما يريد، وإنما قصد إعانته على طاعة الله ليكون شريكا له في ~~الثواب، ذاك بالبدن وهذا بالمال، ولهذا عين الحج مصرفا للوصية، فلا يجوز ~~إلغاء ذلك وتمكينه من المال يصرفه في ملاذه وشهواته، هذا من أفسد القياس، ~~وهو كما لو قال: " أعطوا فلانا ألفا ليبني بها مسجدا أو سقاية أو قنطرة " ~~لم يجز أن يأخذ الألف ولا يفعل ما أوصي به، كذلك الحج سواء. # وفرقتم بين ما جمع محض القياس بينهما فقلتم: إذا اشترى عبدا ثم قال له: " ~~أنت حر أمس " عتق عليه، ولو تزوجها ثم قال ms0272 لها: " أنت طالق أمس " لم تطلق، ~~وفرقتم بأن العبد لما كان حرا أمس اقتضى تحريم شرائه واسترقاقه اليوم، وأما ~~الطلاق فكونها مطلقة أمس لا يقتضي تحريم نكاحها اليوم، وهذا فرق صوري لا ~~تأثير له ألبتة، فإن الحكم إن جاز تقديمه على سببه وقع العتق والطلاق في ~~الصورتين، وإن امتنع تقدمه في الموضعين على سببه لم يقع واحد منهما، فما ~~بال أحدهما وقع دون الآخر؟ . # فإن قيل: نحن لم نفرق بينهما في الإنشاء، وإنما فرقنا بينهما في الإقرار ~~والإخبار، فإذا أقر بأن العبد حر بالأمس فقد بطل أن يكون عبدا اليوم، فعتق ~~باعترافه، وإذا أقر بأنها # PageV01P230 # طالق أمس لم يلزم بطلان النكاح اليوم، لجواز أن يكون المطلق الأول قد ~~طلقها أمس قبل الدخول فتزوج هو بها اليوم. # قلنا: إذا كانت المسألة على هذا الوجه فلا بد أن يقول أنت طالق أمس من ~~غيري، أو ينوي ذلك، فينفعه حيث يدين، فأما إذا أطلق فلا فرق بين العتق ~~والطلاق. # فإن قيل: يمكن أن يطلقها بالأمس ثم يتزوجها اليوم. # قيل: هذا يمكن في الطلاق الذي لم يستوف إذا كان مقصوده الإخبار، فأما إذا ~~قال: " أنت طالق أمس ثلاثا " ولم يقل من زوج كان قبلي ولا نواه فلا فرق ~~أصلا بين ذلك وبين قوله للعبد " أنت حر أمس " فهذا التفصيل هو محض القياس، ~~وبالله التوفيق. # وجمعتم بين ما فرقت السنة بينهما فقلتم: يجب على البائن الإحداد كما يجب ~~على المتوفى عنها، والإحداد لم يكن من ذلك لأجل العدة، وإنما كان لأجل موت ~~الزوج، والنبي - صلى الله عليه وسلم - نفى وأثبت وخص الإحداد بالمتوفى عنها ~~زوجها، وقد فارقت المبتوتة في وصف العدة وقدرها وسببها، فإن سببها الموت، ~~وإن لم يكن الزوج دخل بها، وسبب عدة البائن الفراق وإن كان الزوج حيا، ثم ~~فرقتم بين ما جمعت السنة بينهم فقلتم: إن كانت الزوجة ذمية أو غير بالغة ~~فلا إحداد عليها، والسنة تقتضي التسوية كما يقتضيه القياس. # وفرقتم بين ما جمع القياس المحض بينهما فقلتم: لو ذبح المحرم ms0273 صيدا فهو ~~ميتة لا يحل أكله، ولو ذبح الحلال صيدا حرميا فليس بميتة وأكله حلال، ~~وفرقتم بأن المانع في ذبح المحرم فيه، فهو كذبح المجوسي والوثني، فالذابح ~~غير أهل. # وفي المسألة الثانية الذابح أهل، والمذبوح محل للذبح إذا كان حلالا، ~~وإنما منع منه حرمة المكان، ألا ترى أنه لو خرج من الحرم حل ذبحه، وهذا من ~~أفسد فرق، وهو باقتضاء عكس الحكم أولى، فإن المانع في الصيد الحرمي في نفس ~~المذبوح، فهو كذبح ما لا يؤكل، والمانع في ذبح المحرم في الفاعل، فهو كذبح ~~الغاصب. # وقلتم: لو أرسل كلبه على صيد في الحل فطرده حتى أدخله الحرم فأصابه لم ~~يضمنه، ولو أرسل سهمه على صيد في الحل فأطارته الريح حتى قتل صيدا في الحرم ~~ضمنه، وكلاهما تولد القتل فيه عن فعله، وفرقتم بأن الرمي حصل بمباشرته ~~وقوته التي أمدت السهم فهو محض فعله، بخلاف مسألة الكلب فإن الصيد فيه يضاف ~~إلى فعل الكلب، وهذا الفرق لا يصح، فإن إرسال السهم والكلب كلاهما من فعله ~~فالذي تولد # PageV01P231 # منهما تولد عن فعله، وجريان السهم وعدو الكلب كلاهما هو السبب فيه، وكون ~~الكلب له اختيار والسهم لا اختيار له فرق لا تأثير له إذ كان اختيار الكلب ~~بسبب إرسال صاحبه له. # وقلتم: لو رهن أرضا مزروعة أو شجرا مثمرا دخل الزرع والثمر في الرهن، ولو ~~باعهما لم يدخل الزرع والثمرة في البيع، وفرقتم بينهما بأن الرهن متصل ~~بغيره، واتصال الرهن بغيره يمنع صحة الإشاعة، فلو لم يدخل فيه الزرع ~~والثمرة لبطل، بخلاف المبيع، فإن اتصاله بغيره لا يبطله، إذ الإشاعة لا ~~تنافيه، وهذا قياس في غاية الضعف؛ لأن الاتصال هنا اتصال مجاورة، لا إشاعة، ~~فهو كرهن زيت في ظروفه وقماش في أعداله ونحوه. # وقلتم: لو أكره على هبة جاريته لرجل فوهبها له مالكها فأعتقها الموهوب له ~~نفذ عتقه، ولو باعها لم يصح بيعه، وهذا خروج عن محض القياس، وتفريقكم - بأن ~~هذا عتق صدر عن إكراه والإكراه لا يمنع صحة العتق، وذاك بيع صدر ms0274 عن إكراه ~~والإكراه يمنع صحة البيع - لا يصح؛ لأنه إنما أكره على التمليك، ولم يكن ~~للمكره غرض في الإعتاق، والتمليك لم يصح، والعتق لم يكره عليه فلا ينفذ ~~كالبيع سواء. هذا مع أنكم تركتم القياس في مسألة الإكراه على البيع والعتق، ~~فصححتم العتق دون البيع، وفرقتم بأن العتق لا يدخله خيار فصح مع الإكراه ~~كالطلاق، والبيع يدخله الخيار فلم يصح مع الإكراه، وهذا فرق لا تأثير له، ~~وهو فاسد في نفسه، فإن الإقرار والشهادة والإسلام لا يدخلها خيار، ولا تصح ~~مع الإكراه، وإنما امتنعت عقود المكره من النفوذ لعدم الرضا الذي هو مصحح ~~العقد، وهو أمر تستوي فيه عقوده كلها معاوضتها وتبرعاتها وعتقه وطلاقه ~~وخلعه وإقراره، وهذا هو محض القياس والميزان، فإن المكره محمول على ما أكره ~~عليه غير مختار له، فأقواله كأقوال النائم والناسي، فاعتبار بعضها وإلغاء ~~بعضها خروج عن محض القياس، وبالله التوفيق. # وقلتم: لو وقع في الغدير العظيم الذي إذا تحرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف ~~الآخر قطرة دم أو خمر أو بول آدمي نجسه كله، وإذا وقع في آبار الفلوات ~~والأمصار البعر والروث والأخباث لا تنجسها ما لم يأخذ وجه ربع الماء أو ~~ثلثه، وقيل: أن لا يخلو دلو عن شيء منه، ومعلوم أن ذلك الماء أقرب إلى ~~الطيب والطهارة حسا وشرعا من هذا، ومن العجب أنكم نجستم الأدهان والألبان ~~والخل والمائعات بأسرها بالقطرة من البول والدم، وعفوتم عما دون ربع الثوب ~~من النجاسة المخففة، وعما دون قدر الكف من المغلظة. # وقستم العفو عن ربع الثوب على وجوب مسح ربع الرأس ووجوب حلق ربعه في ~~الإحرام، وأين مسح الرأس عن غسل النجاسة؟ ولم يقيسوا الماء والمائع على ~~الثوب مع عدم ظهور أثر النجاسة فيهما # PageV01P232 # ألبتة وظهور عينها ورائحتها في الثوب، ولا سيما عند محمد حيث يعفو عن قدر ~~ذراع في ذراع، وعند أبي يوسف عن قدر شبر في شبر، وبكل حال فالعفو عما هو ~~دون ذلك بكثير مما لا نسبة له إليه في الماء والمائع الذي ms0275 لا يظهر أثر ~~النجاسة فيه بوجه بل يحيلها ويذهب عينها وأثرها أولى وأحرى. # وجمعتم بين ما فرق الشرع والحس بينهما، فقستم المني الذي هو أصل الآدميين ~~على البول والعذرة، وفرقتم بين ما جمع الشرع والحس بينهما ففرقتم بين بعض ~~الأشربة المسكرة وغيرها مع استوائها في الإسكار، فجعلتم بعضها نجسا كالبول ~~وبعضها طاهرا طيبا كاللبن والماء، وقلتم: لو وقع في البئر نجاسة تنجس ماؤها ~~وطينها، فإن نزح منها دلو فترشرش على حيطانها تنجست حيطانها، وكلما نزح ~~منها شيء نبع مكانه شيء فصادف ماء نجسا وطينا نجسا، فإذا وجب نزح أربعين ~~دلوا مثلا فنزح تسعة وثلاثون كان المنزوح والباقي كله نجسا، والحيطان التي ~~أصابها الماء والطين الذي في قرار البئر، حتى إذا نزح الدلو الأربعون قشقش ~~النجاسة كلها، فطهر الطين والماء وحيطان البئر وطهر نفسه، فما رئي أكرم من ~~هذا الدلو ولا أعقل ولا أخير. # فصل # وقالت الحنابلة والشافعية: لو تزوجها على أن يحج بها لم تصح التسمية ووجب ~~مهر المثل، وقاسوا هذه التسمية على ما إذا تزوجها على شيء لا يدري ما هو، ~~ثم قالت الشافعية: لو تزوج الكتابية على أن يعلمها القرآن جاز، وقاسوه على ~~جواز إسماعها إياه، فقاسوا أبعد قياس، وتركوا محض القياس، فإنهم صرحوا بأنه ~~لو استأجرها ليحملها إلى الحج جاز، ونزلت الإجارة على العرف، فكيف صح أن ~~يكون مورد العقد الإجارة ولا يصح أن يكون صداقا؟ ثم ناقضتم أبين مناقضة ~~فقلتم: لو تزوجها على أن يرد عبدها الآبق من مكان كذا وكذا صح مع أنه قد ~~يقدر على رده وقد يعجز عنه؟ فالغرر الذي في هذا الأمر أعظم من الغرر الذي ~~في حملها إلى الحج بكثير، وقلتم: لو تزوجها على أن يعلمها القرآن أو بعضه ~~صح. # وقد تقبل التعليم وقد لا تقبله، وقد يطاوعها لسانها وقد يأبى عليها، ~~وقلتم: لو تزوجها على مهر المثل صحت التسمية مع اختلافه لامتناع من يساويها ~~من كل وجه أو لقربه وإن اتفق من يساويها في النسب فنادر جدا من يساويها في ms0276 ~~الصفات والأحوال التي يقل المهر بسببها ويكثر فالجهالة التي في حجه بها دون ~~هذا بكثير، وقلتم: لو تزوجها على عبد مطلق صح ولها الوسط. # ومعلوم أن في الوسط من التفاوت ما فيه، وقلتم: لو تزوجها # PageV01P233 # على أن يشتري لها عبد زيد صحت التسمية، مع أنه غرر ظاهر، إذ تسليم المهر ~~موقوف على أمر غير مقدور له، وهو رضى زيد ببيعه، ففيه من الخطر ما في رد ~~عبدها الآبق، وكلاهما أعظم خطرا من الحج بها، وقلتم: لو تزوجها على أن يرعى ~~غنمها مدة صح، وليس جهالة حملانها إلى الحج بأعظم من جهالة أوقات الرعي ~~ومكانه، على أن هذه المسألة بعيدة من أصول أحمد ونصوصه ولا تعرف منصوصة ~~عنه، بل نصوصه على خلافها، قال في رواية منها، فيمن تزوج على عبد من عبيده ~~جاز، وإن كانوا عشرة عبيد يعطي من أوسطهم، فإن تشاحا أقرع بينهما، قلت: ~~وتستقيم القرعة في هذا؟ قال: نعم، وقلتم: لو خالعها على كفالة ولدها عشر ~~سنين صح، وإن لم يذكر قدر الطعام والإدام والكسوة، فيا للعجب، أين جهالة ~~هذا من جهالة حملانها إلى الحج؟ # فصل # وقالت الشافعية: له أن يجبر ابنته البالغة المفتية العالمة بدين الله ~~التي تفتي في الحلال والحرام على نكاحها بمن هي أكره الناس له، وأشد الناس ~~عنه نفرة بغير رضاها حتى لو عينت كفؤا شابا جميلا دينا تحبه وعين كفؤا شيخا ~~مشوها دميما كان العبرة بتعيينه دونها، فتركوا محض القياس والمصلحة ومقصود ~~النكاح من الود والرحمة وحسن المعاشرة. وقالوا: لو أراد أن يبيع لها حبلا ~~أو عود أراك من مالها لم يصح إلا برضاها، وله أن يرقها مدة العمر عند من هي ~~أكره شيء فيه بغير رضاها. # قالوا: وكما خرجتم عن محض القياس خرجتم عن صريح السنة، فإن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - «خير جارية بكرا زوجها أبوها وهي كارهة، وخير أخرى ~~ثيبا» . # ومن العجب أنكم قلتم: لو تصرف في حبل من مالها على غير وجه الحظ لها كان ~~مردودا، حتى إذا تصرف ms0277 في بعضها على خلاف حظها كان لازما، ثم قلتم: هو أخبر ~~بحظها منها، وهذا يرده الحس، فإنها أعلم بميلها ونفرتها وحظها ممن تحب أن ~~تعاشره وتكره عشرته، وتعلقتم بما رواه مسلم من حديث ابن عباس يرفعه: «الأيم ~~أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها» . # وهو حجة عليكم، وتركتم ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة يرفعه: «لا تنكح ~~الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن» وفيهما أيضا من حديث عائشة قالت: ~~«قلت: يا رسول الله تستأمر النساء في أبضاعهن؟ قال: نعم، قلت: فإن البكر ~~تستأذن فتستحيي، قال: إذنها صماتها» فنهى أن # PageV01P234 # تنكح بدون استئذانها، وأمر بذلك وأخبر أنه هو شرعه وحكمه، فاتفق على ذلك ~~أمره ونهيه وخبره، وهو محض القياس والميزان. # فصل # وقالت الحنابلة والشافعية والحنفية: لا يصح بيع المقاثي والمباطخ ~~والباذنجان إلا لقطة، ولم يجعلوا المعدوم تبعا للموجود مع شدة الحاجة إلى ~~ذلك، وجعلوا المعدوم منزلا منزلة الموجود في منافع الإجارة للحاجة إلى ذلك. # وهذا مثله من كل وجه؛ لأنه يستخلف كما تستخلف المنافع، وما يقدر من عروض ~~الخطر له فهو مشترك بينه وبين المنافع، وقد جوزوا بيع الثمرة إذا بدا ~~الصلاح في واحدة منها، ومعلوم أن بقية الأجزاء معدومة فجاز بيعها تبعا ~~للموجود، فإن فرقوا بأن هذه أجزاء متصلة وتلك أعيان منفصلة، فهو فرق فاسد ~~من وجهين: # أحدهما: أن هذا لا تأثير له ألبتة. # الثاني: أن من الثمرة التي بدا صلاحها ما يخرج أثمارا متعددة كالتوت ~~والتين فهو كالبطيخ والباذنجان من كل وجه، فالتفريق خروج عن القياس ~~والمصلحة وإلزام بما لا يقدر عليه إلا بأعظم كلفة ومشقة، وفيه مفسدة عظيمة ~~يردها القياس فإن اللقطة لا ضابط لها، فإنه يكون في المقثأة الكبار والصغار ~~وبين ذلك، فالمشتري يريد استقصاءها، والبائع يمنعه من أخذ الصغار، فيقع ~~بينهما من التنازع والاختلاف والتشاحن ما لا تأتي به شريعة، فأين هذه ~~المفسدة العظيمة التي هي منشأ النزاع التي من تأمل مقاصد الشريعة علم قصد ~~الشارع لإبطالها وإعدامها إلى المفسدة اليسيرة ms0278 التي في جعل ما لم يوجد تبعا ~~لما وجد لما فيه من المصلحة؟ وقد اعتبرها الشارع، ولم يأت عنه حرف واحد أنه ~~نهى عن بيع المعدوم، وإنما نهى عن بيع الغرر، والغرر شيء وهذا شيء، ولا ~~يسمى هذا البيع غررا لا لغة ولا عرفا ولا شرعا. ### | [فصل من تناقض القياسيين مراعاة بعض الشروط دون بعضها الآخر] # ] : وقالت الحنفية والمالكية والشافعية: إذا شرطت الزوجة أن لا يخرجها ~~الزوج من بلدها أو دارها أو أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى فهو شرط باطل، ~~فتركوا محض القياس، بل قياس الأولى، فإنهم قالوا: لو شرطت في المهر تأجيلا ~~أو غير نقد البلد أو زيادة على مهر المثل لزم الوفاء بالشرط، فأين المقصود ~~الذي لها في الشرط الأول إلى المقصود الذي في هذا الشرط؟ وأين فواته إلى ~~فواته؟ وكذلك من قال منهم: لو شرط أن تكون جميلة شابة سوية فبانت عجوزا ~~شمطاء قبيحة المنظر أنه لا فسخ لأحدهما بفوات شرطه، حتى إذا فات # PageV01P235 # درهم واحد من الصداق فلها الفسخ بفواته قبل الدخول، فإن استوفى المعقود ~~عليه ودخل بها وقضى وطره منها ثم فات الصداق جميعه ولم تظفر منه بحبة واحدة ~~فلا فسخ لها، وقسم الشرط الذي دخلت عليه على شرط أن لا يؤويها ولا ينفق ~~عليها ولا يطأها أو لا ينفق على أولاده منها ونحو ذلك مما هو من أفسد ~~القياس الذي فرقت الشريعة بين ما هو أحق بالوفاء منه وبين ما لا يجوز ~~الوفاء به، وجمعتم بين ما فرق القياس والشرع بينهما، وألحقتم أحدهما ~~بالآخر، وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الوفاء بشروط النكاح التي ~~يستحل بها الزوج فرج امرأته أولى من الوفاء بسائر الشروط على الإطلاق، ~~فجعلتموها أنتم دون سائر الشروط وأحقها بعدم الوفاء، وجعلتم الوفاء بشرط ~~الواقف المخالف لمقصود الشارع كترك النكاح وكشرط الصلاة في المكان الذي شرط ~~فيه الصلاة وإن كان وحده وإلى جانبه المسجد الأعظم وجماعة المسلمين، وقد ~~ألغى الشارع هذا الشرط في النذر الذي هو قربة محضة وطاعة ms0279 فلا تتعين عنده ~~بقعة عينها الناذر للصلاة إلا المساجد الثلاثة، وقد شرط الناذر في نذره ~~تعينه، فألغاه الشارع لفضيلة غيره عليه أو مساواته له فكيف يكون شرط الواقف ~~الذي غيره أفضل منه وأحب إلى الله ورسوله لازما يجب الوفاء به؟ وتعيين ~~الصلاة في مكان معين لم يرغب الشارع فيه ليس بقربة، وما ليس بقربة لا يجب ~~الوفاء به في النذر، ولا يصح اشتراطه في الوقف. # [هل يعتبر شرط الواقف مطلقا؟] # فإن قلتم: الواقف لم يخرج ماله إلا على وجه معين، فلزم اتباع ما عينه في ~~الوقف من ذلك الوجه، والناذر قصد القربة، والقرب متساوية في المساجد غير ~~الثلاثة، فتعين بعضها لغو. # قيل: هذا الفرق بعينه يوجب عليكم إلغاء ما لا قربة فيه من شروط الواقفين، ~~واعتبار ما فيه قرابة، فإن الواقف إنما مقصوده بالوقف التقرب إلى الله ~~فتقربه بوقفه كتقربه بنذره، فإن العاقل لا يبدل ماله إلا لما فيه مصلحة ~~عاجلة أو آجلة، والمرء في حياته قد يبذل ماله في أغراضه مباحة كانت أو ~~غيرها وقد يبذله فيما يقربه إلى الله، وأما بعد مماته فإنما يبذله فيما يظن ~~أنه يقرب إلى الله، ولو قيل له: " إن هذا المصرف لا يقرب إلى الله - عز وجل ~~- أو إن غيره أفضل وأحب إلى الله منه وأعظم أجرا " لبادر إليه، ولا ريب أن ~~العاقل إذا قيل له: " إذا بذلت مالك في مقابلة هذا الشرط حصل لك أجر واحد، ~~وإن تركته حصل لك أجران " فإنه يختار ما فيه الأجر الزائد، فكيف إذا قيل ~~له: " إن هذا لا أجر فيه ألبتة "؟ فكيف إذا قيل: " إنه مخالف لمقصود الشارع ~~مضاد له يكرهه الله ورسوله "؟ وهذا كشرط العزوبية مثلا وترك النكاح، فإنه # PageV01P236 # شرط لترك واجب أو سنة أفضل من صلاة النافلة وصومها أو سنة دون الصلاة ~~والصوم، فكيف يلزم الوفاء بشرط ترك الواجبات والسنن اتباعا لشرط الواقف ~~وترك شرط الله ورسوله الذي قضاؤه أحق وشرطه أوثق؟ # يوضحه أنه لو شرط في وقفه أن يكون على الأغنياء دون الفقراء ms0280 كان شرطا ~~باطلا عند جمهور الفقهاء، قال أبو المعالي الجويني، هو إمام الحرمين - رضي ~~الله عنه -: ومعظم أصحابنا قطعوا بالبطلان، هذا مع أن وصف الغنى وصف مباح ~~ونعمة من الله، وصاحبه إذا كان شاكرا فهو أفضل من الفقير مع صبره عند طائفة ~~كثيرة من الفقهاء والصوفية، فكيف يلغى هذا الشرط ويصح شرط الترهب في ~~الإسلام الذي أبطله النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «لا رهبانية في ~~الإسلام» ؟ . # يوضحه أن من شرط التعزب فإنما قصد أن تركه أفضل وأحب إلى الله، فقصد أن ~~يتعبد الموقوف عليه بتركه، وهذا هو الذي تبرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~منه بعينه فقال: «من رغب عن سنتي فليس مني» وكان قصد أولئك الصحابة هو قصد ~~هؤلاء الواقفين بعينه سواء، فإنهم قصدوا ترفية أنفسهم على العبادة وترك ~~النكاح الذي يشغلهم، تقربا إلى الله بتركه، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فيهم ما قال، وأخبر أنه من رغب عن سنته فليس منه، وهذا في غاية ~~الظهور، فكيف يحل الإلزام بترك شيء قد أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أن من رغب عنه فليس منه؟ هذا مما لا تحتمله الشريعة بوجه. # [تعرض شروط الواقفين على كتاب الله] # فالصواب الذي لا تسوغ الشريعة غيره عرض شرط الواقفين على كتاب الله - ~~سبحانه - وعلى شرطه، فما وافق كتابه وشرطه فهو صحيح، وما خالفه كان شرطا ~~باطلا مردودا، ولو كان مائة شرط، وليس ذلك بأعظم من رد حكم الحاكم إذا خالف ~~حكم الله ورسوله، ومن رد فتوى المفتي، وقد نص الله - سبحانه - على رد وصية ~~الجانف في وصيته والآثم فيها، مع أن الوصية تصح في غير قربة، وهي أوسع من ~~الوقف، وقد صرح صاحب الشرع برد كل عمل ليس عليه أمره، فهذا الشرط مردود بنص ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يحل لأحد أن يقبله ويعتبره ويصححه. # ثم كيف يوجبون الوفاء بالشروط التي إنما أخرج الواقف ماله لمن قام بها ~~وإن لم تكن # PageV01P237 # قربة ولا للواقفين فيها غرض صحيح، وإنما ms0281 غرضهم ما يقربهم إلى الله، ولا ~~يوجبون الوفاء بالشروط التي إنما بذلت المرأة بضعها للزوج بشرط وفائه لها ~~بها، ولها فيه أصح غرض ومقصود، وهي أحق من كل شرط يجب الوفاء به بنص رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وهل هذا إلا خروج عن محض القياس والسنة؟ # [خطأ القول بأن شرط الواقف كنص الشارع] : ثم من العجب العجاب قول من ~~يقول: إن شروط الواقف كنصوص الشارع، ونحن نبرأ إلى الله من هذا القول، ~~ونعتذر مما جاء به قائله، ولا نعدل بنصوص الشارع غيرها أبدا، وإن أحسن الظن ~~بقائل هذا القول حمل كلامه على أنها كنصوص الشارع في الدلالة، وتخصيص عامها ~~بخاصها، وحمل مطلقها على مقيدها، واعتبار مفهومها كما يعتبر منطوقها، وأما ~~أن تكون كنصوصه في وجوب الاتباع وتأثيم من أخل بشيء منها فلا يظن ذلك بمن ~~له نسبة ما إلى العلم، فإذا كان حكم الحاكم ليس كنص الشارع، بل يرد ما خالف ~~حكم الله ورسوله من ذلك، فشرط الواقف إذا كان كذلك كان أولى بالرد ~~والإبطال، فقد ظهر تناقضهم في شروط الواقفين وشروط الزوجات، وخروجهم فيها ~~عن موجب القياس الصحيح والسنة، وبالله التوفيق. # يوضح ذلك «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قسم يعطي الآهل حظين ~~والعزب حظا، وقال ثلاثة حق على الله عونهم» ذكر منهم الناكح يريد العفاف، ~~ومصححو هذا الشرط عكسوا مقصوده، فقالوا: نعطيه ما دام عزبا، فإذا تزوج لم ~~يستحق شيئا، ولا يحل لنا أن نعينه؛ لأنه ترك القيام بشرط الواقف وإن كان قد ~~فعل ما هو أحب إلى الله ورسوله، فالوفاء بشرط الواقف المتضمن لترك الواجب ~~أو السنة المقدمة على فضل الصوم أو الصلاة لا يحل مخالفته، ومن خالفه كان ~~عاصيا آثما، حتى إذا خالف الأحب إلى الله ورسوله والأرضى له كان بارا مثابا ~~قائما بالواجب عليه، # يوضح بطلان هذا الشرط وأمثاله من الشروط المخالفة لشرع الله ورسوله أنكم ~~قلتم: كل شرط يخالف مقصود العقد فهو باطل، حتى أبطلتم بذلك شرط دار الزوجة ~~أو بلدها، ms0282 وأبطلتم اشتراط البائع الانتفاع بالمبيع مدة معلومة، وأبطلتم ~~اشتراط الخيار فوق ثلاثة، وأبطلتم اشتراط نفع البائع في المبيع ونحو ذلك من ~~الشروط التي صححها النص، والآثار عن الصحابة، والقياس. كما صحح عمر بن ~~الخطاب وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان اشتراط ~~المرأة دارها أو بلدها أو أن لا يتزوج عليها، ودلت # PageV01P238 # السنة على أن الوفاء به أحق من الوفاء بكل شرط، وكما صححت السنة اشتراط ~~انتفاع البائع بالمبيع مدة معلومة، فأبطلتم ذلك، وقلتم: يخالف مقتضى العقد، ~~وصححتم الشروط المخالفة بمقتضى عقد الوقف لعقد الوقف، إذ هو عقد قربة ~~مقتضاه التقرب إلى الله - تعالى - ولا ريب أن شرط ما يخالف القربة يناقضه ~~مناقضة صريحة، فإذا شرط عليه الصلاة في مكان لا يصلي فيه إلا هو وحده أو ~~واحد بعد واحد أو اثنان فعدوله عن الصلاة في المسجد الأعظم الذي يجتمع فيه ~~جماعة المسلمين مع قدمه وكثرة جماعته فيتعداه إلى مكان أقل جماعة وأنقص ~~فضيلة وأقل أجرا اتباعا لشرط الواقف المخالف لمقتضى عقد الوقف خروج عن محض ~~القياس، وبالله التوفيق. # يوضحه أن المسلمين مجمعون على أن العبادة في المسجد من الذكر والصلاة ~~وقراءة القرآن أفضل منها عند القبور، فإذا منعتم فعلها في بيوت الله - ~~سبحانه - وأوجبتم على الموقوف عليه [فعلها] بين المقابر إن أراد أن يتناول ~~الوقف وإلا كان تناوله حراما كنتم قد ألزمتموه بترك الأحب إلى الله الأنفع ~~للعبد، والعدول إلى الأنقص المفضول أو المنهي عنه مع مخالفته لقصد الشارع ~~تفصيلا وقصد الواقف إجمالا فإنه إنما يقصد الأرضى لله والأحب إليه، ولما ~~كان في ظنه أن هذا إرضاء لله اشترطه، فنحن نظرنا إلى مقصوده ومقصود الشارع، ~~وأنتم نظرتم إلى مجرد لفظه سواء وافق رضا الله ورسوله ومقصوده في نفسه أو ~~لا، ثم لا يمكنكم طرد ذلك أبدا، فإنه لو شرط أن يصلي وحده حتى لا يخالط ~~الناس بل يتوفر على الخلوة والذكر، أو شرط أن لا يشتغل بالعلم والفقه ~~ليتوفر على قراءة القرآن وصلاة الليل وصيام ms0283 النهار، أو شرط على الفقهاء ألا ~~يجاهدوا في سبيل الله ولا يصوموا تطوعا ولا يصلوا النوافل وأمثال ذلك، فهل ~~يمكنكم تصحيح هذه الشروط؟ فإن أبطلتموها فعقد النكاح أفضل من بعضها، أو ~~مساو له في أصل القربة، وفعل الصلاة في المسجد الأعظم العتيق الأكثر جماعة ~~أفضل، وذكر الله وقراءة القرآن في المسجد أفضل منه بين القبور، فكيف تلزمون ~~بهذه الشروط المفضولة وتبطلون ذلك؟ فما هو الفارق بين ما يصح من الشروط وما ~~لا يصح؟ # ثم لو شرط المبيت في المكان الموقوف ولم يشترط التعزب فأبحتم له التزوج ~~فطالبته الزوجة بحقها من المبيت وطالبتموه بشرط الواقف منه فكيف تقسمونه ~~بينهما؟ أم ماذا تقدمون: ما أوجبه من الله ورسوله من المبيت والقسم للزوجة ~~مع ما فيه من مصلحة الزوجين وصيانة المرأة وحفظها وحصول الإيواء المطلوب من ~~النكاح، أم ما شرطه الواقف وتجعلون شرطه أحق والوفاء به ألزم؟ أم تمنعونه ~~من النكاح والشارع والواقف لم يمنعاه منه؟ فالحق أن مبيته عند أهله إن كان ~~أحب إلى الله ورسوله جاز له، بل استحب ترك شرط # PageV01P239 # الواقف لأجله، ولم يمنعه فعل ما يحبه الله ورسوله من تناول الوقف، بل ترك ~~ما أوجبه سببا لاستحقاق الوقف، فلا نص ولا قياس ولا مصلحة للواقف ولا ~~للموقوف عليه ولا مرضاة لله ورسوله. # والمقصود بيان بعض ما في الرأي والقياس من التناقض والاختلاف الذي هو من ~~عند غير الله؛ لأن ما كان من عنده فإنه يصدق بعضه بعضا، ولا يخالف بعضه ~~بعضا، وبالله التوفيق. ### | [فصل هل في اللطمة والضربة قصاص] # وقالت الحنفية والشافعية والمالكية ومتأخرو أصحاب أحمد: إنه لا قصاص في ~~اللطمة والضربة، وإنما فيه التعزير، وحكى بعض المتأخرين في ذلك الإجماع، ~~وخرجوا عن محض القياس وموجب النصوص وإجماع الصحابة فإن ضمان النفوس ~~والأموال مبناه على العدل، كما قال - تعالى -: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} ~~[الشورى: 40] وقال: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} ~~[البقرة: 194] وقال: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] ~~فأمر بالمماثلة في العقوبة والقصاص، ms0284 فيجب اعتبارها بحسب الإمكان، والأمثل ~~هو المأمور به، فهذا الملطوم المضروب قد اعتدي عليه، فالواجب أن يفعل ~~بالمعتدي كما فعل به، فإن لم يمكن كان الواجب ما هو الأقرب والأمثل، وسقط ~~ما عجز عنه العبد من المساواة من كل وجه، ولا ريب أن لطمة بلطمة وضربة ~~بضربة في محلهما بالآلة التي لطمه بها، أو بمثلها أقرب إلى المماثلة ~~المأمور بها حسا وشرعا من تعزيره بها بغير جنس اعتدائه وقدره وصفته، وهذا ~~هو هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين ومحض القياس وهو ~~منصوص الإمام أحمد، ومن خالفه في ذلك من أصحابه فقد خرج عن نص مذهبه وأصوله ~~كما خرج عن محض القياس والميزان، قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني في كتابه ~~المترجم له " باب في القصاص من اللطمة والضربة ": حدثني إسماعيل بن سعيد ~~قال: سألت أحمد بن حنبل عن القصاص من اللطمة والضربة، فقال: " عليه القود ~~من اللطمة والضربة " وبه قال أبو داود وأبو خيثمة وابن أبي شيبة. # وقال إبراهيم الجوزجاني " وبه أقول، لما حدثنا شبابة بن سوار ثنا شعبة عن ~~يحيى بن الحصين قال: سمعت طارق بن شهاب يقول: لطم أبو بكر رجلا يوما لطمة، ~~فقال له: اقتص، فعفا الرجل، حدثنا شبابة أنبأ شعبة عن مخارق قال: سمعت ~~طارقا يقول: لطم ابن أخ لخالد بن الوليد # PageV01P240 # رجلا من مراد، فأقاده خالد منه. # حدثنا أبو بهز حدثنا أبو بكر بن عياش قال: سمعت الأعمش عن كميل بن زياد ~~قال: لطمني عثمان ثم أقادني فعفوت، حدثني ابن الأصفهاني حدثنا عبد السلام ~~بن حرب عن ناجية عن عمه يزيد بن عربي قال: رأيت عليا - كرم الله وجهه في ~~الجنة - أقاد من لطمة. # وحدثنا الحميدي ثنا سفيان ثنا عبد الله بن إسماعيل بن زياد ابن أخي عمرو ~~بن دينار أن ابن الزبير أقاد من لطمة، ثنا يزيد بن هارون عن الجريري عن أبي ~~نضرة عن أبي فراس قال: خطبنا عمر فقال: إني لم أبعث عمالي إليكم ليضربوا ~~أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن ms0285 إنما بعثتهم ليبلغوكم دينكم وسنة نبيكم ~~ويقسموا فيكم فيئكم، فمن فعل به غير ذلك فليرفعه إلي فوالذي نفس عمر بيده ~~لأقصنه منه، فقام إليه عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين إن كان رجل من ~~المسلمين على رعية فأدب بعض رعيته لتقصنه منه، فقال عمر: أنا لا أقصه منه ~~وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقص من نفسه؟ # ثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن ابن حرملة قال: تلاحى رجلان فقال ~~أحدهما: ألم أخنقك حتى سلحت؟ فقال: بلى، ولكن لم يكن لي عليك شهود، فاشهدوا ~~على ما قال، ثم رفعه إلى عمر بن عبد العزيز، فأرسل في ذلك إلى سعيد بن ~~المسيب فقال: يخنقه كما خنقه حتى يحدث، أو يفتدي منه، فافتدى منه بأربعين ~~بعيرا، فقال ابن كثير: أحسبه ذكره عن عثمان. # ثنا الحسين بن محمد ثنا ابن أبي ذئب عن المطلب بن السائب أن رجلين من بني ~~ليث اقتتلا، فضرب أحدهما الآخر فكسر أنفه، فانكسر عظم كف الضارب، فأقاد أبو ~~بكر من أنف المضروب ولم يقد من يد الضارب، فقال سعيد بن المسيب: كان لهذا ~~أيضا القود من كفه، قضى عثمان أن كل مقتتلين اقتتلا ضمنا ما بينهما، فأقيد ~~منه، فدخل المسجد وهو يقول: يا عباد الله كسر ابن المسيب يدي، قال ~~الجوزجاني: فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجلة أصحابه فإلى من ~~يركن بعدهم؟ ، أو كيف يجوز خلافهم؟ " # قلت: وفي السنن لأبي داود والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري قال: «بينما ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم قسما أقبل رجل فأكب عليه فطعنه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بعرجون كان معه، فجرح وجهه، فقال له رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: تعال فاستقد، فقال: بل عفوت يا رسول الله» . # وفي سنن النسائي وأبي داود وابن ماجه عن عائشة - رضي الله عنها -، «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقا، فلاحاه رجل في ~~صدقته، فضربه أبو جهم فشجه، فأتوا النبي ms0286 - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: ~~القود يا رسول الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لكم كذا وكذا فلم ~~يرضوا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لكم كذا وكذا فرضوا، فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: إني خاطب العشية على الناس ومخبرهم برضاكم فقالوا: ~~نعم، فخطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن هؤلاء أتوني يريدون ~~القصاص، فعرضت # PageV01P241 # عليهم كذا وكذا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فرضوا، أرضيتم؟ ~~فقالوا: لا، فهم المهاجرون بهم، فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يكفوا عنهم، فكفوا عنهم، ثم دعاهم فزادهم، فقال: أرضيتم؟ فقالوا: نعم، ~~فقال: إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم فقالوا: نعم، فخطب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: أرضيتم؟ قالوا: نعم» . # وهذا صريح في القود في الشجة ولهذا صولحوا من القود مرة بعد مرة حتى ~~رضوا، ولو كان الواجب الأرش فقط لقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ~~طلبوا القود: إنه لا حق لكم فيه، وإنما حقكم في الأرش. # فهذه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا إجماع الصحابة، وهذا ~~ظاهر القرآن، وهذا محض القياس، فعارض المانعون هذا كله بشيء واحد وقالوا: ~~اللطمة والضربة لا يمكن فيهما المماثلة، والقصاص لا يكون إلا مع المماثلة. # ونظر الصحابة أكمل وأصح وأتبع للقياس، كما هو أتبع للكتاب والسنة، فإن ~~المماثلة من كل وجه متعذرة، فلم يبق إلا أحد أمرين: قصاص قريب إلى ~~المماثلة، أو تعزير بعيد منها، والأول أولى؛ لأن التعزير لا يعتبر فيه جنس ~~الجناية ولا قدرها، بل قد يعزر بالسوط والعصا، وقد يكون لطمه، أو ضربه ~~بيده، فأين حرارة السوط ويبسه إلى لين اليد، وقد يزيد وينقص. # وفي العقوبة بجنس ما فعله تحر للمماثلة بحسب الإمكان، وهذا أقرب إلى ~~العدل الذي أمر الله به وأنزل به الكتاب والميزان، فإنه قصاص بمثل ذلك ~~العضو في مثل المحل الذي ضرب فيه بقدره، وقد يساويه، أو يزيد قليلا، أو ~~ينقص قليلا، وذلك عفو لا يدخل تحت التكليف، كما لا يدخل ms0287 تحت التكليف ~~المساواة في الكيل والوزن من كل وجه كما قال تعالى {وأوفوا الكيل والميزان ~~بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها} [الأنعام: 152] فأمر بالعدل المقدور، وعفا ~~عن غير المقدور منه. # وأما التعزير فإنه لا يسمى قصاصا، فإن لفظ القصاص يدل على المماثلة، ومنه ~~قص الأثر إذا اتبعه وقص الحديث إذا أتى به على وجهه، والمقاصة: سقوط أحد ~~الدينين بمثله جنسا وصفة، وإنما هو تقويم للجناية، فهو قيمة لغير المثلي ~~والعدول إليه كالعدول إلى قيمة المتلف، وهو ضرب له بغير تلك الآلة في غير ~~ذلك المحل. وهو إما زائد وإما ناقص، ولا يكون مماثلا ولا قريبا من المثل. # فالأول أقرب إلى القياس، والثاني تقويم للجناية بغير جنسها كبدل المتلف، ~~والنزاع أيضا فيه واقع إذا لم يوجد مثله من كل وجه كالحيوان والعقار ~~والآنية وكثير من المعدودات والمذروعات، فأكثر القياسيين من أتباع الأئمة ~~الأربعة قالوا: الواجب في بدل ذلك عند الإتلاف القيمة، قالوا: لأن المثل في ~~الجنس يتعذر، ثم طرد أصحاب الرأي قياسهم فقالوا: وهذا هو الواجب في الصيد ~~في الحرم والإحرام إنما تجب قيمته لا مثله كما لو كان مملوكا. ثم طردوا هذا ~~القياس في القرض فقالوا: لا يجوز قرض # PageV01P242 # ذلك؛ لأن موجب القرض رد المثل، وهذا لا مثل له. # ومنهم من خرج عن موجب هذا القياس في الصيد لدلالة القرآن والسنة وآثار ~~الصحابة [على أنه] يضمن بمثله من النعم وهو مثل مقيد بحسب الإمكان وإن لم ~~يكن مثلا من كل وجه وهذا قول الجمهور، منهم: مالك والشافعي وأحمد، وهم ~~يجوزون قرض الحيوان أيضا كما دلت عليه السنة الصحيحة، فإنه قد ثبت عنه - ~~صلى الله عليه وسلم - في الصحيح «أنه استسلف بكرا وقضى جملا رباعيا، وقال ~~إن خياركم أحسنكم قضاء» ثم اختلفوا بعد ذلك في موجب قرض الحيوان، هل يجب رد ~~القيمة، أو المثل؟ على قولين، وهما في مذهب أحمد وغيره، والذي دلت عليه سنة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة الصريحة أنه يجب رد المثل، وهذا ~~هو المنصوص عن ms0288 أحمد، ثم اختلفوا في الغصب والإتلاف على ثلاثة أقوال، وهي في ~~مذهب أحمد: # أحدها: يضمن الجميع بالمثل بحسب الإمكان. # والثاني: يضمن الجميع بالقيمة. # والثالث: أن الحيوان يضمن بالمثل وما عداه كالجواهر ونحوها بالقيمة. # واختلفوا في الجدار يهدم، هل يضمن بقيمته، أو يعاد مثله؟ على قولين، وهما ~~للشافعي، والصحيح ما دلت عليه النصوص وهو مقتضى القياس الصحيح، وما عداه ~~فمناقض للنص والقياس؛ لأن الجميع يضمن بالمثل تقريبا، وقد نص الله - سبحانه ~~- على ضمان الصيد بمثله من النعم، ومعلوم أن المماثلة بين بعير وبعير أعظم ~~من المماثلة بين النعامة والبعير وبين شاة وشاة أعظم منها بين طير وشاة، ~~وقد رد النبي - صلى الله عليه وسلم - بدل البعير الذي أقرضه مثله دون قيمته ~~ورد عوض القصعة التي كسرتها بعض أزواجه قصعتها نظيرها، وقال: إناء بإناء ~~وطعام بطعام، فسوى بينهما في الضمان، وهذا عين العدل ومحض القياس وتأويل ~~القرآن. # وقد نص الإمام أحمد على هذا في مسائل إسحاق بن منصور، قال إسحاق: قلت ~~لأحمد: قال سفيان: من كسر شيئا صحيحا فقيمته صحيحا، فقال أحمد: إن كان يوجد ~~مثله فمثله، وإن كان لا يوجد مثله فعليه قيمته، ونص عليه أحمد في رواية ~~إسماعيل بن سعيد فقال: سألت أحمد عن الرجل يكسر قصعة الرجل، أو عصاه، أو ~~يشق ثوبا لرجل، قال: عليه المثل في العصا والقصعة والثوب، فقلت: أرأيت إن ~~كان الشق قليلا؟ فقال: صاحب الثوب مخير في ذلك قليلا كان، أو كثيرا. # وقال في رواية إسحاق بن منصور: من كسر شيئا صحيحا فإن كان يوجد مثله ~~فمثله وإن كان لا يوجد مثله فعليه قيمته، فإذا كسر الذهب فإنه يصلحه إن كان ~~خلخالا، وإن كان # PageV01P243 # دينارا أعطى دينارا آخر مكانه، قال إسحاق كما قال، وقال في رواية موسى بن ~~سعيد: وعليه المثل في العصا والقصعة والقصبة إذا كسر وفي الثوب، ولا أقول ~~في العبد والبهائم والحيوان، وصاحب الثوب مخير إن شاء شق الثوب وإن شاء أخذ ~~مثله، واحتج في رواية ابنه عبد الله بحديث أنس فقال ms0289 حميد عن أنس: «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات ~~المؤمنين بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فأخذ النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى وجعل يجمع فيها الطعام ~~ويقول: غارت أمكم، كلوا، فأكلوا، وحبس الرسول حتى جاءت قصعة التي هو في ~~بيتها فدفع القصعة إلى الرسول، وحبس المكسورة في بيته» والحديث في صحيح ~~البخاري وعند الترمذي فيه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «طعام بطعام ~~وإناء بإناء» وقال: حديث صحيح. # وعند أبي داود والنسائي فيه «قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله ما كفارة ما ~~صنعت؟ قال: إناء مثل إناء وطعام مثل طعام» وهذا هو مذهبه الصحيح عنه عند ~~ابن أبي موسى، قال في إرشاده: ومن استهلك لآدمي ما لا يكال ولا يوزن فعليه ~~مثله إن وجد، وقيل: عليه قيمته، وهو اختيار المحققين من أصحابه. # وقضى عثمان وابن مسعود على من استهلك لرجل فصلانا بفصلان مثلها وبالمثل ~~قضى شريح والعنبري وقال به قتادة وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وهو ~~الحق، وليس مع من، أوجب القيمة نص ولا إجماع ولا قياس، وليس معهم أكثر ولا ~~أكبر من قوله - صلى الله عليه وسلم - «من أعتق شركا له في عبد فكان له من ~~المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط فأعطى شركاءه ~~حصصهم وعتق عليه العبد» قالوا: أوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - في إتلاف ~~نصيب الشريك القيمة لا المثل، فقسنا على هذا كل حيوان، ثم عديناه إلى كل ~~[غير] مثلي، قالوا: ولأن القيمة أضبط وأحصر بخلاف المثل، قال الآخرون: أما ~~الحديث الصحيح فعلى الرأس والعين وسمعا له وطاعة، ولكن فيما دل عليه، وإلا ~~فما لم يدل عليه ولا أريد به فلا ينبغي أن يحمل عليه، وهذا التضمين الذي ~~يضمنه ليس من باب تضمين المتلفات، بل هو من باب تملك مال الغير بقيمته، فإن ~~نصيب الشريك يملكه المعتق ثم يعتق عليه، فلا بد من تقدير ms0290 دخوله في ملكه ~~ليعتق عليه، ولا خلاف بين القائلين بالسراية في ذلك، وأن الولاء له، وإن ~~تنازعوا: هل يسري عقيب عتقه، أو لا يعتق حتى يؤدي القيمة، أو يكون موقوفا ~~فإذا أدى تبين أنه عتق من حين العتق؟ وهي في مذهب الشافعي، والمشهور في ~~مذهبه ومذهب أحمد القول الأول. # وفي مذهب مالك القول الثاني، وعلى هذا الخلاف يبتني ما لو أعتق الشريك ~~نصيبه بعد عتق الأول، فعلى القول الأول لا يعتق، وعلى القول الثاني يعتق ~~عليه ويكون الولاء بينهما، ويبتني على ذلك أيضا إذا قال أحد # PageV01P244 # الشريكين " إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر " فعلى القول الأول لا يصح هذا ~~التعليق ويعتق نصيبه من مال المعتق، وعلى القول الثاني يصح التعليق ويعتق ~~على المعلق، والمقصود أن التضمين ههنا كتضمين الشفيع الثمن إذا أخذ ~~بالشفعة، فإنه ليس من باب ضمان الإتلاف، ولكن من باب التقويم للدخول في ~~الملك، لكن الشفيع أدخل الشارع الشقص في ملكه بالثمن باختياره والشريك ~~المعتق أدخل الشقص في ملكه بالقيمة بغير اختياره، فكلاهما تمليك: هذا ~~بالثمن، وهذا بالقيمة، فهذا شيء وضمان المتلف شيء. # قالوا: وأيضا فلو سلم أنه ضمان إتلاف لم يدل على أن العبد الكامل إذا ~~أتلف يضمن بالقيمة، والفرق بينهما أن الشريكين إذا كان بينهما ما لا يقسم ~~كالعبد والحيوان والجوهرة ونحو ذلك فحق كل واحد منهما في نصف القيمة، فإذا ~~اتفقا على المهايأة جاز، وإن تنازعا وتشاجرا بيعت العين وقسم بينهما ثمنها ~~على قدر ملكيهما كما يقسم المثلي، فحقهما في المثلي في عينه. # وفي المتقوم عند التشاجر والتنازع في قيمته، فلولا أن حقه في القيمة لما ~~أجيب إلى البيع إذا طلبه، وإذا ثبت ذلك فإذا أتلف له نصف عبد فلو ضمناه ~~بمثله لفات حقه من نصف القيمة الواجب له شرعا عند طلب البيع، والشريك إنما ~~حقه في نصف القيمة، وهما لو تقاسماه تقاسماه بالقيمة، فإذا أتلف أحدهما ~~نصيب شريكه ضمنه بالمثل، فهذا هو القياس والميزان الصحيح طردا وعكسا ~~الموافق للنصوص وآثار الصحابة، ومن خالفه فلا بد ms0291 له من أحد أمرين: إما ~~مخالفة السنة الصحيحة وآثار الصحابة إن طرد قياسه، وإما التناقض البين إن ~~لم يطرده ### | [فصل حكومة النبيين الكريمين داود وسليمان] # وعلى هذا الأصل تبتني الحكومة المذكورة في كتاب الله - عز وجل - التي حكم ~~فيها النبيان الكريمان داود وسليمان - صلى الله عليهما وسلم - إذ حكما في ~~الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم، والحرث: هو البستان، وقد روي أنه كان بستان ~~عنب، وهو المسمى بالكرم، والنفش: رعي الغنم ليلا، فحكم داود بقيمة المتلف، ~~فاعتبر الغنم فوجدها بقدر القيمة، فدفعها إلى أصحاب الحرث، إما لأنه لم يكن ~~لهم دراهم، أو تعذر بيعها ورضوا بدفعها ورضي أولئك بأخذها بدلا عن القيمة، ~~وأما سليمان فقضى بالضمان على أصحاب الغنم، وأن يضمنوا ذلك بالمثل بأن ~~يعمروا البستان حتى يعود كما كان، ولم يضيع عليهم مغلة من الإتلاف إلى حين ~~العود، بل أعطى أصحاب البستان ماشية أولئك ليأخذوا من # PageV01P245 # نمائها بقدر نماء البستان فيستوفوا من نماء غنمهم نظير ما فاتهم من نماء ~~حرثهم، وقد اعتبر النماءين فوجدهما سواء وهذا هو العلم الذي خصه الله به ~~وأثنى عليه بإدراكه. # وقد تنازع علماء المسلمين في مثل هذه القضية على أربعة أقوال: أحدها: ~~موافقة الحكم السليماني في ضمان النفش وفي المثل، وهو الحق، وهو أحد ~~القولين في مذهب أحمد، ووجه للشافعية والمالكية، والمشهور عندهم خلافه. # والقول الثاني: موافقته في ضمان النفش دون التضمين بالمثل، وهذا هو ~~المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد. # والثالث: موافقته في التضمين بالمثل دون النفش كما إذا رعاها صاحبها ~~باختياره دون ما إذا تفلتت ولم يشعر بها، وهو قول داود ومن وافقه. # والقول الرابع: أن النفش لا يوجب الضمان بحال، وما وجب من ضمان الراعي ~~بغير النفش فإنه يضمن بالقيمة لا بالمثل، وهذا مذهب أبي حنيفة. # وما حكم به نبي الله سليمان هو الأقرب إلى العدل والقياس، وقد حكم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما ~~أفسدت المواشي بالليل ضمان على أهلها، فصح بحكمه ms0292 ضمان النفش، وصح بالنصوص ~~السابقة والقياس الصحيح وجوب الضمان بالمثل، وصح بنص الكتاب الثناء على ~~سليمان بتفهيم هذا الحكم، فصح أنه الصواب، وبالله التوفيق. ### | [المماثلة في القصاص في الجنايات] # [هل يفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجني عليه؟] # ومن ذلك المماثلة في القصاص في الجنايات الثلاث على النفوس والأموال ~~والأعراض، فهذه ثلاث مسائل: الأولى: هل يفعل بالجاني كما يفعل بالمجني ~~عليه؟ فإن كان الفعل محرما لحق الله كاللواط وتجريعه الخمر لم يفعل به كما ~~فعل اتفاقا، وإن كان غير ذلك كتحريقه بالنار وإلقائه في الماء ورض رأسه ~~بالحجر ومنعه من الطعام والشراب حتى يموت فمالك والشافعي وأحمد في إحدى ~~الروايات عنه يفعلون به كما فعل، ولا فرق بين الجرح المزهق وغيره، وأبو ~~حنيفة وأحمد في رواية عنه يقولان: لا يقتل إلا بالسيف في العنق خاصة وأحمد ~~[في] رواية ثالثة يقول: إن كان الجرح مزهقا فعل به كما فعل، وإلا قتل ~~بالسيف. # وفي رواية رابعة يقول: إن كان مزهقا، أو موجبا للقود بنفسه لو انفرد فعل ~~به كما فعل، وإن كان غير ذلك قتل بالسيف، والكتاب والميزان مع القول الأول، ~~وبه جاءت السنة، فإن «النبي - صلى الله عليه وسلم - رض رأس اليهودي بين ~~حجرين كما فعل بالجارية» ، وليس هذا قتلا لنقضه العهد؛ لأن ناقض العهد إنما ~~يقتل بالسيف في العنق، وفي أثر مرفوع «من حرق # PageV01P246 # حرقناه، ومن غرق غرقناه» وحديث «لا قود إلا بالسيف» قال الإمام أحمد: ليس ~~إسناده بجيد، والثابت عن الصحابة أنه يفعل به كما فعل، فقد اتفق على ذلك ~~الكتاب والسنة والقياس وآثار الصحابة، واسم القصاص يقتضيه؛ لأنه يستلزم ~~المماثلة. # [ضمان إتلاف المال] # المسألة الثانية: إتلاف المال، فإن كان مما له حرمة كالحيوان والعبيد ~~فليس له أن يتلف ماله كما أتلف ماله، وإن لم تكن له حرمة كالثوب يشقه ~~والإناء يكسره فالمشهور أنه ليس له أن يتلف عليه نظير ما أتلفه، بل له ~~القيمة، أو المثل كما تقدم، والقياس يقتضي أن له أن يفعل بنظير ما أتلفه ~~عليه كما ms0293 فعله الجاني به، فيشق ثوبه كما شق ثوبه، ويكسر عصاه كما كسر عصاه ~~إذا كانا متساويين، وهذا من العدل، وليس مع من منعه نص ولا قياس ولا إجماع، ~~فإن هذا ليس بحرام لحق الله، وليست حرمة المال أعظم من حرمة النفوس ~~والأطراف، وإذا مكنه الشارع أن يتلف طرفه بطرفه فتمكينه من إتلاف ماله في ~~مقابلة ماله هو أولى وأحرى، وأن حكمة القصاص من التشفي ودرك الغيظ لا تحصل ~~إلا بذلك، ولأنه قد يكون له غرض في أذاه وإتلاف ثيابه ويعطيه قيمتها، ولا ~~يشق ذلك عليه لكثرة ماله، فيشفي نفسه منه بذلك، ويبقى المجني عليه بغبنه ~~وغيظه، فكيف يقع إعطاؤه القيمة من شفاء غيظه ودرك ثأره وبرد قلبه وإذاقة ~~الجاني من الأذى ما ذاق هو؟ # فحكمة هذه الشريعة الكاملة الباهرة وقياسها معا يأبى ذلك وقوله: {فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] وقوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} ~~[الشورى: 40] وقوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] ~~يقتضي جواز ذلك، وقد صرح الفقهاء بجواز إحراق زروع الكفار وقطع أشجارهم إذا ~~كانوا يفعلون ذلك بنا وهذا عين المسألة، وقد أقر الله - سبحانه - الصحابة ~~على قطع نخل اليهود لما فيه من خزيهم، وهذا يدل على أنه - سبحانه - يحب خزي ~~الجاني الظالم ويشرعه، وإذا جاز تحريق متاع الغال لكونه تعدى على المسلمين ~~في خيانتهم في شيء من الغنيمة فلأن يحرق ماله إذا حرق مال المسلم المعصوم ~~أولى وأحرى، وإذا شرعت العقوبة المالية في حق الله الذي مسامحته به أكثر من ~~استيفائه فلأن تشرع في حق العبد الشحيح أولى وأحرى، ولأن الله - سبحانه - ~~شرع القصاص زجرا للنفوس عن العدوان، وكان من الممكن أن يوجب الدية استدراكا ~~لظلامة المجني عليه بالمال، ولكن ما شرعه أكمل وأصلح للعباد، وأشفى لغيظ ~~المجني عليه، وأحفظ للنفوس والأطراف، وإلا فمن كان في نفسه من الآخر من ~~قتله أو قطع طرفه - قتله أو قطع طرفه وأعطى ديته، والحكمة والرحمة والمصلحة ~~تأبى ذلك، وهذا بعينه موجود في العدوان على المال # PageV01P247 # فإن قيل: ms0294 فهذا ينجبر بأن يعطيه نظير ما أتلفه عليه. # قيل: إذا رضي المجني عليه بذلك فهو كما لو رضي بدية طرفه، فهذا هو محض ~~القياس، وبه قال الأحمدان أحمد بن حنبل وأحمد بن تيمية، قال في رواية موسى ~~بن سعيد: وصاحب الشيء يخير، إن شاء شق الثوب، وإن شاء أخذ مثله. # [كيف يجزى الجاني على العرض؟] # المسألة الثالثة: الجناية على العرض، فإن كان حراما في نفسه كالكذب عليه ~~وقذفه وسب والديه فليس له أن يفعل به كما فعل به اتفاقا، وإن سبه في نفسه، ~~أو سخر به، أو هزأ به، أو بال عليه، أو بصق عليه، أو دعا عليه فله أن يفعل ~~به نظير ما فعل به متحريا للعدل، وكذلك إذا كسعه، أو صفعه فله أن يستوفي ~~منه نظير ما فعل به سواء، وهذا أقرب إلى الكتاب والميزان وآثار الصحابة من ~~التعزير المخالف للجناية جنسا ونوعا وقدرا وصفة، وقد دلت السنة الصحيحة ~~الصريحة على ذلك، فلا عبرة بخلاف من خالفها، ففي صحيح البخاري: «أن نساء ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسلن زينب بنت جحش إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - تكلمه في شأن عائشة، فأتته فأغلظت، وقالت: إن نساءك ينشدنك ~~العدل في بنت ابن أبي قحافة، فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة، ~~فسبتها، حتى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لينظر إلى عائشة هل ~~تتكلم، فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها، قالت: فنظر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى عائشة وقال: إنها بنت أبي بكر» وفي الصحيحين هذه ~~القصة، «قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - زينب بنت ~~جحش زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي التي كانت تساميني في المنزلة ~~عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت الحديث، وقالت: ثم وقعت في، ~~فاستطالت علي، وأنا أرقب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأرقب طرفه: هل ~~يأذن لي فيها؟ قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يكره ms0295 أن أنتصر، فلما وقعت بها لم أنشبها حتى أثخنت عليها، قالت: ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتبسم: إنها ابنة أبي بكر» ، وفي ~~لفظ فيهما «لم أنشبها أن أثخنتها غلبة» . # وقد حكى الله - سبحانه - عن يوسف الصديق أنه قال لإخوته: {أنتم شر مكانا ~~والله أعلم بما تصفون} [يوسف: 77] :] لما قالوا: {إن يسرق فقد سرق أخ له من ~~قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم} [يوسف: 77] ذلك للمصلحة التي اقتضت ~~كتمان الحال، ومن تأمل الأحاديث رأى ذلك فيها كثيرا جدا، وبالله التوفيق. # PageV01P248 ### | [فصل في قوة أدلة الفريقين] # فصل [قوة أدلة الفريقين تحتاج إلى نظر دقيق قالوا: وهذا غيض من فيض، ~~وقطرة من بحر، من تناقض القياسيين الآرائيين وقولهم بالقياس وتركهم لما هو ~~نظيره من كل وجه أو أولى منه وخروجهم في القياس عن موجب القياس، كما أوجب ~~لهم مخالفة السنن والآثار كما تقدم الإشارة إلى بعض ذلك، فليوجدنا ~~القياسيون حديثا واحدا صحيحا صريحا غير منسوخ قد خالفناه لرأي أو قياس أو ~~تقليد رجل، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلا، فإن كان مخالفة القياس دينا فقد ~~أريناهم مخالفته صريحا، ثم نحن أسعد الناس بمخالفته منهم؛ لأنا إنما ~~خالفناه للنصوص، وإن كان حقا فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ # فانظر إلى هذين البحرين اللذين قد تلاطمت أمواجهما، والحزبين اللذين قد ~~ارتفع في معترك الحرب عجاجهما، فجر كل منهما جيشا من الحجج لا تقوم له ~~الجبال، وتتضاءل له شجاعة الأبطال، وأتى كل واحد منهما من الكتاب والسنة ~~والآثار بما خضعت له الرقاب، وذلت له الصعاب، وانقاد له علم كل عالم، ونفذ ~~حكمه كل حاكم، وكان نهاية قدم الفاضل النحرير الراسخ في العلم أن يفهم ~~عنهما ما قالاه، ويحيط علما بما أصلاه وفصلاه؛ فليعرف الناظر في هذا المقام ~~قدره، ولا يتعدى طوره، وليعلم أن وراء سويقته بحارا طامية، وفوق مرتبته في ~~العلم مراتب فوق السهى عالية، فإن وثق من نفسه أنه من فرسان هذا الميدان، ~~وجملة هؤلاء الأقران، فليجلس مجلس الحكم بين الفريقين، ويحكم بما ms0296 يرضي الله ~~ورسوله بين هذين الحزبين، فإن الدين كله لله، وإن الحكم إلا لله، ولا ينفع ~~في هذا المقام: قاعدة المذهب كيت وكيت، وقطع به جمهور من الأصحاب، وتحصل ~~لنا في المسألة كذا وكذا وجها، وصحح هذا القول خمسة عشر، وصحح الآخر سبعة، ~~وإن علا نسب علمه قال " نص عليه " فانقطع النزاع، ولز ذلك النص في قرن ~~الإجماع، والله المستعان وعليه التكلان. # فصل [القول الوسط بين الفريقين] # قال المتوسطون بين الفريقين: قد ثبت أن الله سبحانه قد أنزل الكتاب ~~والميزان، فكلاهما في الإنزال أخوان، وفي معرفة الأحكام شقيقان، وكما لا ~~يتناقض الكتاب في نفسه فالميزان الصحيح لا يتناقض في نفسه ولا يتناقض ~~الكتاب والميزان، فلا تتناقض دلالة # PageV01P249 # النصوص الصحيحة، ولا دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصريح ~~والقياس الصحيح، بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة يصدق بعضها بعضا، ويشهد ~~بعضها لبعض؛ فلا يناقض القياس الصحيح النص الصحيح أبدا، ونصوص الشارع ~~نوعان: أخبار، وأوامر، فكما أن أخباره لا تخالف العقل الصحيح، بل هي نوعان: ~~نوع يوافقه ويشهد على ما يشهد به جملة أو جملة وتفصيلا، ونوع يعجز عن ~~الاستقلال بإدراك تفصيله وإن أدركه من حيث الجملة، فهكذا أوامره - سبحانه - ~~نوعان: نوع يشهد به القياس والميزان، ونوع لا يستقل بالشهادة به ولكن لا ~~يخالفه، وكما أن القسم الثالث في الأخبار محال وهو ورودها بما يرده العقل ~~الصحيح فكذلك الأوامر ليس فيها ما يخالف القياس والميزان الصحيح. ### | [إحاطة الأوامر الشرعية بأفعال المكلفين] # وهذه الجملة إنما تنفصل بعد تمهيد قاعدتين عظيمتين: إحداهما: أن الذكر ~~الأمري محيط بجميع أفعال المكلفين أمرا ونهيا وإذنا وعفوا، كما أن الذكر ~~القدري محيط بجميعها علما وكتابة وقدرا، فعلمه وكتابه وقدره قد أحصى جميع ~~أفعال عباده الواقعة تحت التكليف وغيرها، وأمره ونهيه وإباحته وعفوه قد ~~أحاط بجميع أفعالهم التكليفية، فلا يخرج فعل من أفعالهم عن أحد الحكمين: ~~إما الكوني، وإما الشرعي الأمري، فقد بين الله - سبحانه - على لسان رسوله ~~بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمره به وجميع ما نهى عنه وجميع ms0297 ما أحله وجميع ~~ما حرمه وجميع ما عفا عنه، وبهذا يكون دينه كاملا كما قال تعالى: {اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} [المائدة: 3] ولكن قد يقصر فهم أكثر ~~الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص وعن وجه الدلالة وموقعها، وتفاوت الأمة في ~~مراتب الفهم عن الله ورسوله لا يحصيه إلا الله، ولو كانت الأفهام متساوية ~~لتساوت أقدام العلماء في العلم، ولما خص - سبحانه - سليمان بفهم الحكومة في ~~الحرث، وقد أثنى عليه وعلى داود بالعلم والحكم. وقد قال عمر لأبي موسى في ~~كتابه إليه " الفهم الفهم فيما أدلي إليك ". # وقال علي " إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه "، وقال أبو سعيد: كان أبو ~~بكر أعلمنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ودعا النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لعبد الله بن عباس أن يفقهه في الدين ويعلمه التأويل» والفرق بين ~~الفقه والتأويل أن الفقه هو فهم المعنى المراد، والتأويل إدراك الحقيقة ~~التي يئول إليها المعنى التي هي أخيته وأصله، وليس كل من فقه في الدين عرف ~~التأويل، فمعرفة التأويل يختص به الراسخون في العلم، وليس المراد به تأويل ~~التحريف وتبديل المعنى؛ فإن الراسخين في العلم يعلمون بطلانه والله يعلم ~~بطلانه # PageV01P250 ### | [فصل هل تحيط النصوص بحكم جميع الحوادث] # فصل [اختلفوا هل تحيط النصوص بحكم جميع الحوادث] # والناس انقسموا في هذا الموضع إلى ثلاث فرق: فرقة قالت: إن النصوص لا ~~تحيط بأحكام الحوادث، وغلا بعض هؤلاء حتى قال: ولا بعشر معشارها، قالوا: ~~فالحاجة إلى القياس فوق الحاجة إلى النصوص، ولعمر الله إن هذا مقدار النصوص ~~في فهمه وعلمه ومعرفته لا مقدارها في نفس الأمر، واحتج هذا القائل بأن ~~النصوص متناهية، وحوادث العباد غير متناهية، وإحاطة المتناهي بغير المتناهي ~~ممتنع، وهذا احتجاج فاسد جدا من وجوه: # أحدها أن ما لا تتناهى أفراده لا يمتنع أن يجعل أنواعا، فيحكم لكل نوع ~~منها بحكم واحد فتدخل الأفراد التي لا تتناهى تحت ذلك. # النوع الثاني: أن أنواع الأفعال بل والأعراض كلها متناهية. الثالث: أنه ~~لو قدر عدم ms0298 تناهيها فإن أفعال العباد الموجودة إلى يوم القيامة متناهية، ~~وهذا كما تجعل الأقارب نوعين: نوعا مباحا، وهو بنات العم والعمة وبنات ~~الخال والخالة، وما سوى ذلك حرام، وكذلك يجعل ما ينقض الوضوء محصورا، وما ~~سوى ذلك لا ينقضه؛ وكذلك ما يفسد الصوم، وما يوجب الغسل وما يوجب العدة، ~~وما يمنع منه المحرم، وأمثال ذلك، وإذا كان أرباب المذاهب يضبطون مذاهبهم ~~ويحصرونها بجوامع تحيط بما يحل ويحرم عندهم مع قصور بيانهم فالله ورسوله ~~المبعوث بجوامع الكلم أقدر على ذلك، فإنه - صلى الله عليه وسلم - يأتي ~~بالكلمة الجامعة وهي قاعدة عامة وقضية كلية تجمع أنواعا وأفرادا وتدل ~~دلالتين دلالة طرد ودلالة عكس. # وهذا كما سئل - صلى الله عليه وسلم - عن أنواع من الأشربة كالبتع والمزر، ~~وكان قد أوتي جوامع الكلم فقال «كل مسكر حرام» ، و «كل عمل ليس عليه أمرنا ~~فهو رد» «وكل قرض جر نفعا فهو ربا» «وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» ~~«وكل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» «وكل أحد أحق بماله من ولده ~~ووالده والناس أجمعين» «وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» «وكل معروف صدقة» ~~وسمى النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية جامعة فاذة: {فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 8] ومن ~~هذا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} [المائدة: 90] فدخل في ~~الخمر كل مسكر، جامدا كان أو مائعا من العنب أو من غيره، ودخل في الميسر كل ~~أكل مال بالباطل، وكل عمل محرم يوقع في العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله ~~وعن الصلاة. # ودخل في قوله: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] كل يمين ~~منعقدة، ودخل في قوله: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} ~~[المائدة: 4] # PageV01P251 # كل طيب من المطاعم والمشارب والملابس والفروج، ودخل في قوله: {وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها} [الشورى: 40] ، {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم} [البقرة: 194] ما ms0299 لا تحصى أفراده من الجنايات وعقوباتها حتى اللطمة ~~والضربة والكسعة كما فهم الصحابة. # ودخل في قوله: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم ~~والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33] تحريم كل فاحشة ظاهرة وباطنة، وكل ظلم ~~وعدوان في مال أو نفس أو عرض، وكل شرك بالله وإن دق في قول أو عمل أو إرادة ~~بأن يجعل لله عدلا بغيره في اللفظ أو القصد أو الاعتقاد، وكل قول على الله ~~لم يأت به نص عنه ولا عن رسوله في تحريم أو تحليل أو إيجاب أو إسقاط أو خبر ~~عنه باسم أو صفة نفيا أو إثباتا أو خبرا عن فعله؛ فالقول عليه بلا علم حرام ~~في أفعاله وصفاته ودينه. # ودخل في قوله: {والجروح قصاص} [المائدة: 45] وجوبه في كل جرح يمكن القصاص ~~منه، وليس هذا تخصيصا، بل هو مفهوم من قوله: {قصاص} [المائدة: 45] وهو ~~المماثلة، ودخل في قوله: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] وجوب نفقة ~~الطفل وكسوته ونفقة مرضعته على كل وارث قريب أو بعيد، ودخل في قوله: {ولهن ~~مثل الذي عليهن بالمعروف} [البقرة: 228] جميع الحقوق التي للمرأة وعليها، ~~وأن مرد ذلك إلى ما يتعارفه الناس بينهم ويجعلونه معروفا لا منكرا، والقرآن ~~والسنة كفيلان بهذا أتم كفالة. # فصل # الفرقة الثانية: قابلت هذه الفرقة، وقالت: القياس كله باطل، محرم في ~~الدين، ليس منه، وأنكروا القياس الجلي الظاهر حتى فرقوا بين المتماثلين، ~~وزعموا أن الشارع لم يشرع شيئا لحكمة أصلا، ونفوا تعليل خلقه وأمره، وجوزوا ~~- بل جزموا - بأنه يفرق بين المتماثلين، ويقرن بين المختلفين في القضاء ~~والشرع، وجعلوا كل مقدور فهو عدل، والظلم عندهم هو الممتنع لذاته كالجمع ~~بين النقيضين. # وهذا وإن كان قاله طائفة من أهل الكلام المنتسبين إلى السنة في إثبات ~~القدر، وخالفوا القدرية والنفات، فقد أصابوا في إثبات القدر وتعليق المشيئة ~~الإلهية بأفعال العباد الاختيارية كما تتعلق بذواتهم وصفاتهم، وأصابوا في ~~إثبات تناقض القدرية والنفات، ms0300 ولكن ردوا من الحق المعلوم بالعقل والفطرة ~~والشرع ما سلطوا عليهم به خصومهم، وصاروا ممن رد بدعة ببدعة، وقابل الفاسد ~~بالفاسد، ومكنوا خصومهم بما نفوه من الحق من الرد عليهم، وبيان تناقضهم، ~~ومخالفتهم الشرع والعقل # PageV01P252 # فصل # الفرقة الثالثة: قوم نفوا الحكمة والتعليل والأسباب، وأقروا بالقياس كأبي ~~الحسن الأشعري وأتباعه ومن قال بقوله من الفقهاء أتباع الأئمة، وقالوا: إن ~~علل الشرع إنما هي مجرد أمارات وعلامات محضة كما قالوه في ترك الأسباب ~~وقالوا: إن الدعاء علامة محضة على حصول المطلوب، لا أنه سبب فيه، والأعمال ~~الصالحة والقبيحة علامات محضة ليست سببا في حصول الخير والشر، وكذلك جميع ~~ما وجدوه من الخلق والأمر مقترنا بعضه ببعض قالوا أحدهما دليل على الآخر، ~~مقارن له اقترانا عاديا، وليس بينهما ارتباط سببية ولا علة ولا حكمة، ولا ~~له فيه تأثير بوجه من الوجوه. # وليس عند أكثر الناس غير أقوال هؤلاء الفرق الثلاثة، وطالب الحق إذا رأى ~~ما في هذه الأقوال من الفساد والتناقض والاضطراب ومناقضة بعضها لبعض ~~ومعارضة بعضها لبعض بقي في الحيرة، فتارة يتحيز إلى فرقة منها، له ما لها ~~وعليه ما عليها، وتارة يتردد بين هذه الفرق تميميا مرة وقيسيا أخرى، وتارة ~~يلقي الحرب بينهما ويقف في النظارة، وسبب ذلك خفاء الطريقة المثلى والمذهب ~~الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الأديان، وعليه سلف الأمة وأئمتها ~~والفقهاء المعتبرون من إثبات الحكم والأسباب والغايات المحمودة في خلقه - ~~سبحانه - وأمره، وإثبات لام التعليل وباء السببية في القضاء والشرع كما دلت ~~عليه النصوص مع صريح العقل والفطرة واتفق عليه الكتاب والميزان. # ومن تأمل كلام سلف الأمة وأئمة أهل السنة رآه ينكر قول الطائفتين ~~المنحرفتين عن الوسط، فينكر قول المعتزلة المكذبين بالقدر، وقول الجهمية ~~المنكرين للحكم والأسباب والرحمة، فلا يرضون لأنفسهم بقول القدرية ~~المجوسية، ولا بقول القدرية الجبرية نفاة الحكمة والرحمة والتعليل. وعامة ~~البدع المحدثة في أصول الدين من قول هاتين الطائفتين الجهمية والقدرية. ~~والجهمية رءوس الجبرية وأئمتهم أنكروا حكمة الله ورحمته وإن أقروا بلفظ ~~مجرد فارغ ms0301 عن حقيقة الحكمة والرحمة. والقدرية والنفات أنكروا كمال قدرته ~~ومشيئته، فأولئك أثبتوا نوعا من الملك بلا حمد، وهؤلاء أثبتوا نوعا من ~~الحمد بلا ملك، فأنكر أولئك عموم حمده، وأنكر هؤلاء عموم ملكه، وأثبت له ~~الرسل وأتباعهم عموم الملك وعموم الحمد كما أثبته لنفسه، فله كمال الملك ~~وكمال الحمد، فلا يخرج عين ولا فعل عن قدرته ومشيئته وملكه، وله في كل ذلك ~~حكمة وغاية مطلوبة يستحق عليها الحمد، وهو في عموم قدرته ومشيئته وملكه على ~~صراط مستقيم، وهو حمده الذي يتصرف في ملكه به ولأجله. # والمقصود أنهم كما انقسموا إلى ثلاث فرق في هذا الأصل انقسموا في فرعه - ~~وهو # PageV01P253 # القياس - إلى ثلاث فرق: فرقة أنكرته بالكلية، وفرقة قالت به وأنكرت الحكم ~~والتعليل والمناسبات، والفرقتان أخلت النصوص عن تناولها لجميع أحكام ~~المكلفين وأنها أحالت على القياس، ثم قالت غلاتهم: أحالت عليه أكثر ~~الأحكام، وقال متوسطوهم: بل أحالت عليه كثيرا من الأحكام لا سبيل إلى ~~إثباتها إلا به. # والصواب وراء ما عليه الفرق الثلاث، وهو أن النصوص محيطة بأحكام الحوادث، ~~ولم يحلنا الله ولا رسوله على رأي ولا قياس، بل قد بين الأحكام كلها، ~~والنصوص كافية وافية بها، والقياس الصحيح حق مطابق للنصوص، فهما دليلان: ~~الكتاب والميزان، وقد تخفى دلالة النص أو لا تبلغ العالم فيعدل إلى القياس، ~~ثم قد يظهر موافقا للنص فيكون قياسا صحيحا، وقد يظهر مخالفا له فيكون ~~فاسدا، وفي نفس الأمر لا بد من موافقته أو مخالفته، ولكن عند المجتهد قد ~~تخفى موافقته أو مخالفته. ### | [أخطاء المختلفين في إحاطة النصوص بأحكام الحوادث] ### | [الخطأ الأول والثانى] # فصل [كل فرقة سدت بابا من الحق] # وكل فرقة من هذه الفرق الثلاث سدوا على أنفسهم طريقا من طرق الحق، ~~فاضطروا إلى توسعة طريق أخرى أكثر مما تحتمله، فنفات القياس لما سدوا على ~~نفوسهم باب التمثيل والتعليل واعتبار الحكم والمصالح وهو من الميزان والقسط ~~الذي أنزله الله احتاجوا إلى توسعة الظاهر والاستصحاب، فحملوهما فوق الحاجة ~~ووسعوهما أكثر مما يسعانه، فحيث فهموا من النص حكما ms0302 أثبتوه ولم يبالوا بما ~~وراءه، وحيث لم يفهموا منه نفوه، وحملوا الاستصحاب، وأحسنوا في اعتنائهم ~~بالنصوص ونصرها، والمحافظة عليها، وعدم تقديم غيرها عليها من رأي أو قياس ~~أو تقليد، وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة، وبيانهم تناقض أهلها في نفس ~~القياس وتركهم له، وأخذهم بقياس وتركهم ما هو أولى منه. # ولكن أخطئوا من أربعة أوجه: # أحدها: رد القياس الصحيح، ولا سيما المنصوص على علته التي يجري النص ~~عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ، ولا يتوقف عاقل في أن «قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لما لعن عبد الله حمارا على كثرة شربه للخمر: لا ~~تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله» بمنزلة قوله: لا تلعنوا كل من يحب الله ~~ورسوله، وفي أن قوله: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر # PageV01P254 # فإنها رجس» بمنزلة قوله: ينهيانكم عن كل رجس، وفي أن قوله تعالى: {إلا أن ~~يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس} [الأنعام: 145] نهى عن كل ~~رجس، وفي أن قوله في الهر: «ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات» ~~بمنزلة قوله: كل ما هو من الطوافين عليكم والطوافات فإنه ليس بنجس، ولا ~~يستريب أحد في أن من قال لغيره " لا تأكل من هذا الطعام فإنه مسموم " نهي ~~له عن كل طعام كذلك، وإذا قال: " لا تشرب هذا الشراب فإنه مسكر " نهي له عن ~~كل مسكر، و " لا تتزوج هذه المرأة فإنها فاجرة " وأمثال ذلك. # الخطأ الثاني: تقصيرهم في فهم النصوص، فكم من حكم دل عليه النص ولم ~~يفهموا دلالته عليه، وسبب هذا الخطأ حصرهم الدلالة في مجرد ظاهر اللفظ، دون ~~إيمائه وتنبيهه وإشارته وعرفه عند المخاطبين، فلم يفهموا من قوله: {فلا تقل ~~لهما أف} [الإسراء: 23] ضربا ولا سبا ولا إهانة غير لفظة أف، فقصروا في فهم ~~الكتاب كما قصروا في اعتبار الميزان. ### | [الخطأ الثالث تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه] ### | [الاستصحاب وأقسامه] # الخطأ الثالث: تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه، وجزمهم بموجبه، لعدم علمهم ~~بالناقل، وليس عدم العلم علما بالعدم. # [الاستصحاب وأقسامه] # وقد ms0303 تنازع الناس في الاستصحاب، ونحن نذكر أقسامه ومراتبها فالاستصحاب: ~~استفعال من الصحبة، وهي استدامة إثبات ما كان ثابتا أو نفي ما كان منفيا، ~~وهو ثلاثة أقسام: استصحاب البراءة الأصلية، واستصحاب الوصف المثبت للحكم ~~الشرعي حتى يثبت خلافه، واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع. # [استصحاب البراءة الأصلية] # فأما النوع الأول فقد تنازع الناس فيه: فقالت طائفة من الفقهاء ~~والأصوليين: إنه يصلح للدفع لا للإبقاء، كما قاله بعض الحنفية، ومعنى ذلك ~~أنه يصلح لأن يدفع به من ادعى تغيير الحال لإبقاء الأمر على ما كان، فإن ~~بقاءه على ما كان إنما هو مستند إلى موجب الحكم، لا إلى عدم المغير له، ~~فإذا لم نجد دليلا نافيا ولا مثبتا أمسكنا، لا نثبت الحكم ولا ننفيه، بل ~~ندفع بالاستصحاب دعوى من أثبته، فيكون حال المتمسك [بالاستصحاب] كحال ~~المعترض مع المستدل، فهو يمنعه الدلالة حتى يثبتها، لا أنه يقيم دليلا على ~~نفي ما ادعاه، وهذا غير حال المعارض، فالمعارض لون والمعترض لون، فالمعترض ~~يمنع دلالة # PageV01P255 # الدليل، والمعارض يسلم دلالته ويقيم دليلا على نقيضه. # وذهب الأكثرون من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إلى أنه يصلح لإبقاء ~~الأمر على ما كان عليه، قالوا: لأنه إذا غلب على الظن انتفاء الناقل غلب ~~على الظن بقاء الأمر على ما كان عليه. # [استصحاب الوصف المثبت للحكم] # ثم النوع الثاني استصحاب الوصف المثبت للحكم حتى يثبت خلافه، وهو حجة، ~~كاستصحاب حكم الطهارة وحكم الحدث واستصحاب بقاء النكاح وبقاء الملك وشغل ~~الذمة بما تشغل به حتى يثبت خلاف ذلك، وقد دل الشارع على تعليق الحكم به في ~~قوله في الصيد " وإن وجدته غريقا فلا تأكله، فإنك لا تدري: الماء قتله أو ~~سهمك " وقوله: " وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل، فإنك إنما سميت على ~~كلبك ولم تسم على غيره " لما كان الأصل في الذبائح التحريم وشك هل وجد ~~الشرط المبيح أم لا؟ بقي الصيد على أصله في التحريم، ولما كان الماء طاهرا ~~فالأصل بقاؤه على طهارته ولم يزلها بالشك، ولما كان الأصل ms0304 بقاء المتطهر على ~~طهارته لم يأمره بالوضوء مع الشك في الحدث، بل قال: " لا ينصرف حتى يسمع ~~صوتا أو يجد ريحا "، ولما كان الأصل بقاء الصلاة في ذمته أمر الشاك أن يبني ~~على اليقين ويطرح الشك، ولا يعارض هذا رفعه للنكاح المتيقن بقول الأمة ~~السوداء إنها أرضعت الزوجين، فإن أصل الأبضاع على التحريم، وإنما أبيحت ~~الزوجة بظاهر الحال مع كونها أجنبية، وقد عارض هذا الظاهر ظاهر مثله أو ~~أقوى منه وهو الشهادة، فإذا تعارضا تساقطا وبقي أصل التحريم لا معارض له، ~~فهذا الذي حكم به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو عين الصواب ومحض ~~القياس، وبالله التوفيق. # ولم يتنازع الفقهاء في هذا النوع، وإنما تنازعوا في بعض أحكامه لتجاذب ~~المسألة أصلين متعارضين. # مثاله أن مالكا منع الرجل إذا شك هل أحدث أم لا من الصلاة حتى يتوضأ؛ ~~لأنه وإن كان الأصل بقاء الطهارة فإن الأصل بقاء الصلاة في ذمته، فإن قلتم: ~~لا نخرجه من الطهارة بالشك، قال مالك: ولا ندخله في الصلاة بالشك، فيكون قد ~~خرج منها الشك، فإن قلتم: يقين الحدث قد ارتفع بالوضوء فلا يعود بالشك، قال ~~منازعهم: ويقين البراءة الأصلية قد ارتفع بالوجوب فلا يعود بالشك، قالوا: ~~والحديث الذي تحتجون به من أكبر حججنا، فإنه منع المصلي بعد دخوله في ~~الصلاة بالطهارة المتيقنة أن يخرج منها بالشك، فأين هذا من تجويز الدخول ~~فيها بالشك؟ # ومن ذلك لو شك هل طلق واحدة أو ثلاثا فإن مالكا يلزمه بالثلاث؛ لأنه تيقن ~~طلاقا وشك هل هو مما تزيل أثره الرجعة أم لا؟ وقول الجمهور في هذه المسألة ~~أصح، فإن النكاح متيقن فلا يزول بالشك ولم يعارض يقين # PageV01P256 # النكاح إلا شك محض فلا يزول به، وليس هذا نظير الدخول في الصلاة بالطهارة ~~التي شك في انتقاضها، فإن الأصل هناك شغل الذمة وقد وقع الشك في فراغها، ~~ولا يقال هنا: إن الأصل التحريم بالطلاق وقد شككنا في الحل، فإن التحريم قد ~~زال بنكاح متيقن وقد حصل الشك في ما يرفعه، فهو نظير ms0305 ما لو دخل في الصلاة ~~بوضوء متيقن ثم شك في زواله، فإن قيل: هو متيقن للتحريم بالطلاق شاك في ~~الحل بالرجعة، فكان جانب التحريم أقوى، قيل: ليست الرجعية بمحرمة، وله أن ~~يخلو بها، ولها أن تتزين له وتتعرض له، وله أن يطأها، والوطء رجعة عند ~~الجمهور، وإنما خالف في ذلك الشافعي وحده، وهي زوجته في جميع الأحكام إلا ~~في القسم خاصة، ولو سلم أنها محرمة فقولكم " إنه متيقن للتحريم " إن أردتم ~~به التحريم المطلق فإنه غير متيقن، وإن أردتم به مطلق التحريم لم يستلزم أن ~~يكون بثلاث، فإن مطلق التحريم أعم من أن يكون بواحدة أو يكون بثلاث، ولا ~~يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص، وهذا في غاية الظهور. # فصل [استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع] # القسم الثالث: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع وقد اختلف فيه الفقهاء ~~والأصوليون هل هو حجة؟ على قولين: # أحدهما: أنه حجة، وهو قول المزني والصيرفي وابن شاقلا وابن حامد وأبي عبد ~~الله الرازي. # والثاني: ليس بحجة، وهو قول أبي حامد وأبي الطيب الطبري والقاضي أبي يعلى ~~وابن عقيل وأبي الخطاب والحلواني وابن الزاغوني، وحجة هؤلاء أن الإجماع ~~إنما كان على الصفة التي كانت قبل محل النزاع كالإجماع على صحة الصلاة قبل ~~رؤية الماء في الصلاة، فأما بعد الرؤية فلا إجماع، فليس هناك ما يستصحب، إذ ~~يمتنع دعوى الإجماع في محل النزاع، والاستصحاب إنما يكون لأمر ثابت فيستصحب ~~ثبوته، أو لأمر منتف فيستصحب نفيه، قال الأولون: غاية ما ذكرتم أنه لا ~~إجماع في محل النزاع، وهذا حق، ونحن لم ندع الإجماع في محل النزاع، بل ~~استصحبنا حال المجمع عليه حتى يثبت ما يزيله، قال الآخرون: الحكم إذا كان ~~إنما ثبت بإجماع، وقد زال الإجماع، زال الحكم بزوال دليله، فلو ثبت الحكم ~~بعد ذلك لثبت بغير دليل. # وقال المثبتون: الحكم كان ثابتا، وعلمنا بالإجماع ثبوته، فالإجماع ليس هو ~~علة ثبوته ولا سبب ثبوته في نفس الأمر حتى يلزم من زوال العلة زوال ~~معلولها، ومن زوال السبب ms0306 زوال حكمه، وإنما الإجماع دليل عليه، وهو في نفس ~~الأمر مستند إلى نص أو معنى نص، فنحن نعلم أن الحكم المجمع عليه ثابت في ~~نفس الأمر، والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من انتفاء الإجماع # PageV01P257 # انتفاء الحكم، بل يجوز أن يكون باقيا ويجوز أن يكون منتفيا، لكن الأصل ~~بقاؤه، فإن البقاء لا يفتقر إلى سبب حادث، ولكن يفتقر إلى بقاء سبب ثبوته، ~~وأما الحكم المخالف فيفتقر إلى ما يزيل الحكم الأول، وإلى ما يحدث الثاني، ~~وإلى ما ينفيه، فكان ما يفتقر إليه الحادث أكثر مما يفتقر إليه الباقي، ~~فيكون البقاء أولى من التغير، وهذا مثل استصحاب حال براءة الذمة، فإنها ~~كانت بريئة قبل وجود ما يظن به أنه شاغل، ومع هذا فالأصل البراءة، والتحقيق ~~أن هذا دليل من جنس استصحاب البراءة. # ومن لا يجوز الاستدلال به إلا بعد معرفة المزيل فلا يجوز الاستدلال به ~~لمن لم يعرف الأدلة الناقلة، كما لا يجوز الاستدلال بالاستصحاب لمن يعرف ~~الأدلة الناقلة. # وبالجملة فالاستصحاب لا يجوز الاستدلال به إلا إذا اعتقد انتفاء الناقل، ~~فإن قطع المستدل بانتفاء الناقل قطع بانتفاء الحكم، كما يقطع ببقاء شريعة ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنها غير منسوخة، وإن ظن انتفاء الناقل أو ظن ~~انتفاء دلالته ظن انتفاء النقل، وإن كان الناقل معنى مؤثرا وتبين له عدم ~~اقتضائه تبين له انتفاء النقل، مثل رؤية الماء في الصلاة لا تنقض الوضوء، ~~وإلا فمع تجويزه لكونه ناقضا للوضوء لا يطمئن ببقاء الوضوء، وكذا كل من وقع ~~النزاع في انتقاض وضوئه ووجوب الغسل عليه فإن الأصل بقاء طهارته، كالنزاع ~~في بطلان الوضوء بخروج النجاسات من غير السبيلين، وبالخارج النادر منهما، ~~وبمس النساء بشهوة وغيرها، وبأكل ما مسته النار، وغسل الميت، وغير ذلك، لا ~~يمكنه اعتقاد استصحاب الحال فيه حتى يتيقن له بطلان ما يوجب الانتقال، وإلا ~~بقي شاكا، وإن لم يتبين له صحة الناقل - كما لو أخبره فاسق بخبر - فإنه ~~مأمور بالتبين والتثبت، لم يؤمر بتصديقه ولا بتكذيبه فإن كليهما ممكن منه، ~~وهو ms0307 مع خبره لا يستدل باستصحاب الحال كما كان يستدل به بدون خبره، ولهذا ~~جعل لوثا وشبهة، وإذا شهد مجهول الحال فإنه هناك شاك في حال الشاهد، ويلزم ~~منه الشك في حال المشهود به، فإذا تبين كونه عدلا تم الدليل، وعند شهادة ~~المجهولين تضعف البراءة أعظم مما تضعف عند شهادة الفاسق، فإنه في الشاهد قد ~~يكون دليلا ولكن لا تعرف دلالته، وأما هناك فقد علمنا أنه ليس بدليل، لكن ~~يمكن وجود المدلول عليه في هذه الصورة، فإن صدقه ممكن. # فصل [الدليل على أنه حجة] # ومما يدل على أن استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع حجة أن تبدل حال ~~المحل المجمع على حكمه أولا كتبدل زمانه ومكانه وشخصه، وتبدل هذه الأمور ~~وتغيرها لا # PageV01P258 # يمنع استصحاب ما ثبت له قبل التبدل، فكذلك تبدل وصفه وحاله لا يمنع ~~الاستصحاب حتى يقوم دليل على أن الشارع جعل ذلك الوصف الحادث ناقلا للحكم ~~مثبتا لضده، كما جعل الدباغ ناقلا لحكم نجاسة الجلد، وتخليل الخمر ناقلا ~~للحكم بتحريمها، وحدوث الاحتلام ناقلا لحكم البراءة الأصلية، وحينئذ فلا ~~يبقى التمسك بالاستصحاب صحيحا، وأما مجرد النزاع فإنه لا يوجب سقوط استصحاب ~~حكم الإجماع، والنزاع في رؤية الماء في الصلاة وحدوث العيب عند المشتري ~~واستيلاد الأمة لا يوجب رفع ما كان ثابتا قبل ذلك من الأحكام، فلا يقبل قول ~~المعترض: إنه قد زال حكم الاستصحاب بالنزاع الحادث، فإن النزاع لا يرفع ما ~~ثبت من الحكم، فلا يمكن المعترض رفعه إلا أن يقيم دليلا على أن ذلك الوصف ~~الحادث جعله الشارع دليلا على نقل الحكم، وحينئذ فيكون معارضا في الدليل لا ~~قادحا في الاستصحاب، فتأمله فإنه التحقيق في هذه المسألة. ### | [الخطأ الرابع اعتقاد أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة] # فصل [الأصلي في الشروط الصحة أو الفساد؟] # الخطأ الرابع لهم: اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها ~~على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة شرط ~~أو عقد أو معاملة ms0308 استصحبوا بطلانه، فأفسدوا بذلك كثيرا من معاملات الناس ~~وعقودهم وشروطهم بلا برهان من الله بناء على هذا الأصل. وجمهور الفقهاء على ~~خلافه، وأن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشارع أو نهى عنه، ~~وهذا القول هو الصحيح فإن الحكم ببطلانها حكم بالتحريم والتأثيم، ومعلوم ~~أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا تأثيم إلا ما أثم الله ورسوله به ~~فاعله، كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله، ولا حرام إلا ما حرمه الله، ولا ~~دين إلا ما شرعه، فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، ~~والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم. # والفرق بينهما أن الله - سبحانه - لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله، ~~فإن العبادة حقه على عباده، وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه، وأما العقود ~~والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها، ولهذا نعى الله - سبحانه - على ~~المشركين مخالفة هذين الأصلين - وهو تحريم ما لم يحرمه، والتقرب إليه بما ~~لم يشرعه - وهو - سبحانه - لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفوا لا ~~يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله، فإن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه، ~~وما سكت عنه فهو عفو، فكل شرط وعقد ومعاملة سكت عنها فإنه لا # PageV01P259 # يجوز القول بتحريمها، فإنه سكت عنها رحمة منه من غير نسيان وإهمال، فكيف ~~وقد صرحت النصوص بأنها على الإباحة فيما عدا ما حرمه؟ وقد أمر الله - تعالى ~~- بالوفاء بالعقود والعهود كلها، فقال - تعالى -: {وأوفوا بالعهد} ~~[الإسراء: 34] وقال: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] ~~وقال: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} [المؤمنون: 8] وقال - تعالى -: ~~{والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} [البقرة: 177] وقال - تعالى -: {يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 2] {كبر مقتا عند الله أن ~~تقولوا ما لا تفعلون} [الصف: 3] وقال: {بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله ~~يحب المتقين} [آل عمران: 76] وقال: {إن الله لا يحب الخائنين} [الأنفال: ~~58] وهذا كثير من القرآن. # وفي صحيح مسلم من حديث الأعمش ms0309 عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله ~~بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أربع من كن فيه كان ~~منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، ~~إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر» وفيه من حديث ~~سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من علامات ~~المنافق ثلاث وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، ~~وإذا ائتمن خان» وفي الصحيحين من حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان ~~بن فلان» وفيهما من حديث عقبة بن عامر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إن أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج» وفي سنن أبي داود عن ~~أبي رافع قال: «بعثني قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما ~~رأيته ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، والله إني لا أرجع إليهم ~~أبدا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إني لا أخيس بالعهد، ولا ~~أحبس البرد، ولكن ارجع إليهم، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع ~~قال: فذهبت ثم أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلمت» وفي صحيح مسلم عن ~~«حذيفة قال: ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل فأخذنا كفار ~~قريش فقالوا: إنكم تريدون محمدا فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، ~~فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرناه الخبر، فقال: انصرفا نفي لهم ~~بعهدهم ونستعين الله عليهم» وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عامر قال: ~~«دعتني أمي يوما ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعد في بيتها، فقالت: ~~تعال أعطك، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أردت أن تعطيه؟ ~~فقالت: أعطيه ms0310 تمرا، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما إنك لو ~~لم تعطيه شيئا كتبت عليك كذبة» . # وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: قال الله - عز وجل -: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: # PageV01P260 # رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى ~~منه ولم يعطه أجره» . «وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب أن ~~يوفي بالنذر الذي نذره في الجاهلية من اعتكافه ليلة عند المسجد الحرام وهذا ~~عقد كان قبل الشرع» . # وقال ابن وهب: ثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: وأي المؤمن واجب» قال ابن وهب: وأخبرني إسماعيل بن عياش ~~عن أبي إسحاق «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: ولا تعد أخاك ~~عدة وتخلفه، فإن ذلك يورث بينك وبينه عداوة» قال ابن وهب: وأخبرني الليث بن ~~سعد عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «من قال لصبي تعال هذا لك ثم لم يعطه شيئا فهي كذبة» وفي السنن ~~من حديث كثير بن عبد الله بن زيد بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده يرفعه: ~~«المؤمنون عند شروطهم» وله شاهد من حديث محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن ~~أبيه عن ابن عمر يرفعه «الناس على شروطهم ما وافق الحق» وليست العمدة على ~~هذين الحديثين، بل على ما تقدم. # فصل [أجوبة المانعين] # وأصحاب القول الآخر يجيبون عن هذه الحجج: تارة بنسخها، وتارة بتخصيصها ~~ببعض العهود والشروط، وتارة بالقدح في سند ما يمكنهم القدح فيه، وتارة ~~بمعارضتها بنصوص أخر، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح ~~«ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب ~~الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق» وكقوله ~~«من عمل عملا ليس عليه أمرنا ms0311 فهو رد» وكقوله - تعالى -: {ومن يتعد حدود ~~الله فأولئك هم الظالمون} [البقرة: 229] ونظائر هذه الآية. # قالوا: فصح بهذه النصوص إبطال كل عهد وعقد ووعد وشرط ليس في كتاب الله ~~الأمر به أو النص على إباحته، قالوا: وكل شرط أو عقد ليس في النصوص إيجابه ~~ولا الإذن فيه فإنه لا يخلو من أحد وجوه أربعة: إما أن يكون صاحبه قد التزم ~~فيه إباحة ما حرم الله ورسوله، أو تحريم ما أباحه، أو إسقاط ما أوجبه، أو ~~إيجاب ما أسقطه، ولا خامس لهذه الأقسام ألبتة، فإن ملكتم المشترط والمعاقد ~~والمعاهد جميع ذلك انسلختم من الدين، وإن ملكتموه البعض دون البعض تناقضتم، ~~وسألناكم ما الفرق بين ما يملكه من ذلك وما لا يملكه؟ ولن تجدوا إليه سبيلا # PageV01P261 # فصل [رد الجمهور على أجوبة المانعين] # قال الجمهور: أما دعواكم النسخ فإنها دعوى باطلة تتضمن أن هذه النصوص ~~ليست من دين الله، ولا يحل العمل بها، وتجب مخالفتها، وليس معكم برهان قاطع ~~بذلك، فلا تسمع دعواه، وأين التجاؤكم إلى الاستصحاب والتسبب به ما أمكنكم؟ ~~. # وأما تخصيصها فلا وجه له، وهو يتضمن إبطال ما دلت عليه من العموم، وذلك ~~غير جائز إلا ببرهان من الله ورسوله. # وأما ضعف بعضها من جهة السند فلا يقدح في سائرها، ولا يمنع من الاستشهاد ~~بالضعيف وإن لم يكن عمدة. # وأما معارضتها بما ذكرتم فليس بحمد الله بينها وبينه تعارض، وهذا إنما ~~يعرف بعد معرفة المراد بكتاب الله في قوله: " ما كان من شرط ليس في كتاب ~~الله " ومعلوم أنه ليس المراد به القرآن قطعا، فإن أكثر الشروط الصحيحة ~~ليست في القرآن، بل علمت من السنة، فعلم أن المراد بكتاب الله حكمه كقوله: ~~{كتاب الله عليكم} [النساء: 24] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كتاب ~~الله القصاص في كسر السن» فكتابه - سبحانه - يطلق على كلامه وعلى حكمه الذي ~~حكم به على لسان رسوله، ومعلوم أن كل شرط ليس في حكم الله فهو مخالف له ~~فيكون باطلا، فإذا كان الله ورسوله - صلى الله عليه ms0312 وسلم - قد حكم بأن ~~الولاء للمعتق، فشرط خلاف ذلك يكون شرطا مخالفا لحكم الله، ولكن أين في هذا ~~أن ما سكت عن تحريمه من العقود والشروط يكون باطلا حراما؟ وتعدي حدود الله ~~هو تحريم ما أحله الله أو إباحة ما حرمه أو إسقاط ما أوجبه، لا إباحة ما ~~سكت عنه وعفا عنه، بل تحريمه هو نفي تعدي حدوده. # وأما ما ذكرتم من تضمن الشرط لأحد تلك الأمور الأربعة ففاتكم قسم خامس ~~وهو الحق، وهو ما أباح الله - سبحانه - للمكلف تنويع أحكامه بالأسباب التي ~~ملكه إياها، فيباشر من الأسباب ما يحله له بعد أن كان حراما عليه، أو يحرمه ~~عليه بعد أن كان حلالا له، أو يوجبه بعد أن لم يكن واجبا، أو يسقط [وجوبه] ~~بعد وجوبه، وليس في ذلك تغيير لأحكامه، بل كل ذلك من أحكامه، فهو الذي أحل ~~وحرم وأوجب وأسقط، وإنما إلى العبد الأسباب المقتضية لتلك الأحكام ليس إلا، ~~فكما أن شراء الأمة ونكاح المرأة يحل له ما كان حراما عليه قبله وطلاقها ~~وبيعها بالعكس يحرمها عليه ويسقط عنه ما كان واجبا عليه من حقوقها، كذلك ~~التزامه بالعقد والعهد والنذر والشرط، فإذا ملك تغيير # PageV01P262 # الحكم بالعقد ملكه بالشرط الذي هو تابع له، وقد قال - تعالى -: {إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] فأباح التجارة التي تراضى بها ~~المتبايعان، فإذا تراضيا على شرط لا يخالف حكم الله جاز لهما ذلك، ولا يجوز ~~إلغاؤه وإلزامهما بما لم يلتزماه ولا ألزمهما الله ولا رسوله به، ولا يجوز ~~إلزامهما بما لم يلزمهما الله ورسوله به ولا هما التزماه، ولا إبطال ما ~~شرطاه مما لم يحرم الله ورسوله عليهما شرطه، ومحرم الحلال كمحلل الحرام، ~~فهؤلاء ألغوا من شروط المتعاقدين ما لم يلغه الله ورسوله، وقابلهم آخرون من ~~القياسيين فاعتبروا من شروط الواقفين ما ألغاه الله ورسوله، وكلا القولين ~~خطأ، بل الصواب إلغاء كل شرط خالف حكم الله، واعتبار كل شرط لم يحرمه الله ~~ولم يمنع منه، وبالله التوفيق. ### | [فصل أخطاء القياسيين] # وأما ms0313 أصحاب الرأي والقياس فإنهم لما لم يعتنوا بالنصوص ولم يعتقدوها ~~وافية بالأحكام ولا شاملة لها وغلاتهم على أنها لم تف بعشر معشارها فوسعوا ~~طرق الرأي والقياس، وقالوا بقياس الشبه، وعلقوا الأحكام بأوصاف لا يعلم أن ~~الشارع علقها بها، واستنبطوا عللا لا يعلم أن الشارع شرع الأحكام لأجلها، ~~ثم اضطرهم ذلك إلى أن عارضوا بين كثير من النصوص والقياس، ثم اضطربوا فتارة ~~يقدمون القياس، وتارة يقدمون النص، وتارة يفرقون بين النص المشهور وغير ~~المشهور، واضطرهم ذلك أيضا إلى أن اعتقدوا في كثير من الأحكام أنها شرعت ~~على خلاف القياس، فكان خطؤهم من خمسة أوجه: أحدها: ظنهم قصور النصوص عن ~~بيان جميع الحوادث. # الثاني: معارضة كثير من النصوص بالرأي والقياس. الثالث: اعتقادهم في كثير ~~من أحكام الشريعة أنها على خلاف الميزان والقياس، والميزان هو العدل، فظنوا ~~أن العدل خلاف ما جاءت به من هذه الأحكام. الرابع: اعتبارهم عللا وأوصافا ~~لم يعلم اعتبار الشارع لها وإلغاؤهم عللا وأوصافا اعتبرها الشارع كما تقدم ~~بيانه. الخامس: تناقضهم في نفس القياس كما تقدم أيضا. ### | [فصل في شمول النصوص وإغناؤها عن القياس] ### | [المسألة المشتركة في الفرائض] # ونحن نعقد ههنا ثلاثة فصول: الفصل الأول: في بيان شمول النصوص للأحكام ~~والاكتفاء بها عن الرأي والقياس. # الفصل الثاني: في سقوط الرأي والاجتهاد والقياس، وبطلانها مع وجود النص. ~~الفصل الثالث: في بيان أن أحكام الشرع كلها على وفق القياس الصحيح، وليس ~~فيما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - حكم يخالف الميزان والقياس ~~الصحيح. # PageV01P263 # وهذه الفصول الثلاثة من أهم فصول الكتاب، وبها يتبين للعالم المنصف مقدار ~~الشريعة وجلالتها وهيمنتها وسعتها وفضلها وشرفها على جميع الشرائع، وأن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما هو عام الرسالة إلى كل مكلف فرسالته ~~عامة في كل شيء من الدين أصوله وفروعه ودقيقه وجليله، فكما لا يخرج أحد عن ~~رسالته فكذلك لا يخرج حكم تحتاج إليه الأمة عنها وعن بيانه له، ونحن نعلم ~~أنا لا نوفي هذه حقها ولا نقارب، وأنها أجل من علومنا وفوق ms0314 إدراكنا، ولكن ~~ننبه أدنى تنبيه ونشير أدنى إشارة إلى ما يفتح أبوابها وينهج طرقها، والله ~~المستعان وعليه التكلان. # الفصل الأول: # [شمول النصوص وإغناؤها عن القياس] # في شمول النصوص وإغنائها عن القياس، وهذا يتوقف على بيان مقدمة، وهي أن ~~دلالة النصوص نوعان: حقيقية، وإضافية، فالحقيقية تابعة لقصد المتكلم ~~وإرادته، وهذه الدلالة لا تختلف، والإضافية تابعة لفهم السامع وإدراكه، ~~وجودة فكره وقريحته، وصفاء ذهنه، ومعرفته بالألفاظ ومراتبها، وهذه الدلالة ~~تختلف اختلافا متباينا بحسب تباين السامعين في ذلك، وقد كان أبو هريرة وعبد ~~الله بن عمر أحفظ الصحابة للحديث وأكثرهم رواية له، وكان الصديق وعمر وعلي ~~وابن مسعود وزيد بن ثابت أفقه منهما، بل عبد الله بن عباس أيضا أفقه منهما ~~ومن عبد الله بن عمر، وقد أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على عمر فهمه ~~إتيان البيت الحرام عام الحديبية من إطلاق قوله: " إنك ستأتيه وتطوف به " ~~فإنه لا دلالة في هذا اللفظ على تعيين العام الذي يأتونه فيه، وأنكر على ~~عدي بن حاتم فهمه الخيط الأبيض والخيط الأسود نفس العقالين، وأنكر على من ~~فهم من قوله «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردلة من كبر» شمول ~~لفظه لحسن الثوب وحسن النعل، وأخبرهم أنه " بطر الحق وغمط الناس ". # وأنكر على من فهم من قوله: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره ~~لقاء الله كره الله لقاءه» أنه كراهة الموت، وأخبرهم أن هذا للكافر إذا ~~احتضر وبشر بالعذاب فإنه حينئذ يكره لقاء الله، والله يكره لقاءه، وأن ~~المؤمن إذا احتضر وبشر بكرامة الله أحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه. # وأنكر على عائشة إذ فهمت من قوله تعالى: {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} ~~[الانشقاق: 8] معارضته لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " من نوقش الحساب عذب ~~" وبين لها أن الحساب اليسير هو العرض، أي حساب العرض لا حساب المناقشة. # وأنكر على من فهم قوله تعالى: {من يعمل سوءا يجز به} [النساء: 123] أن ~~هذا الجزاء إنما هو في الآخرة وأنه لا يسلم أحد ms0315 من # PageV01P264 # عمل السوء، وبين أن هذا الجزاء قد يكون في الدنيا بالهم والحزن والمرض ~~والنصب وغير ذلك من مصائبها، وليس في اللفظ تقييد الجزاء بيوم القيامة. # وأنكر على من فهم من قوله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام: 82] أنه ظلم النفس بالمعاصي، وبين ~~أنه الشرك، وذكر قول لقمان لابنه: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] مع أن ~~سياق اللفظ عند إعطائه حقه من التأمل يبين ذلك، فإن الله - سبحانه - لم يقل ~~ولم يظلموا أنفسهم، بل قال: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] ولبس ~~الشيء بالشيء تغطيته له وإحاطته به من جميع جهاته، ولا يغطي الإيمان ويحيط ~~به ويلبسه إلا الكفر، ومن هذا قوله تعالى: {بلى من كسب سيئة وأحاطت به ~~خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 81] فإن الخطيئة لا ~~تحيط بالمؤمن أبدا، فإن إيمانه يمنعه من إحاطة الخطيئة به، ومع أن سياق ~~قوله: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به ~~عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} [الأنعام: 81] ثم ~~حكم الله أعدل حكم وأصدقه أن من آمن ولم يلبس إيمانه بظلم فهو أحق بالأمن ~~والهدى، فدل على أن الظلم الشرك. # «وسأله عمر بن الخطاب عن الكلالة وراجعه فيها مرارا، فقال: تكفيك آية ~~الصيف، واعترف عمر بأنه خفي عليه فهمها وفهمها الصديق» ، وقد «نهى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الحمر الأهلية» ففهم بعض الصحابة من نهيه أنه ~~لكونها لم تخمس وفهم بعضهم أن النهي لكونها كانت حمولة القوم وظهرهم، وفهم ~~بعضهم أنه لكونها كانت جوال القرية، وفهم علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه ~~في الجنة - وكبار الصحابة ما قصده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنهي ~~وصرح بعلته من كونها رجسا. # وفهمت المرأة من قوله تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطارا} [النساء: 20] جواز ~~المغالاة في الصداق فذكرته لعمر فاعترف به، وفهم ابن عباس من قوله تعالى: ~~{وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] مع قوله: {والوالدات يرضعن ms0316 ~~أولادهن حولين كاملين} [البقرة: 233] أن المرأة قد تلد لستة أشهر، ولم ~~يفهمه عثمان فهم برجم امرأة ولدت لها حتى ذكره به ابن عباس فأقر به. # ولم يفهم عمر من قوله «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ~~فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» قتال مانعي الزكاة حتى ~~بين له الصديق فأقر به. # وفهم قدامة بن مظعون من قوله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا} [المائدة: 93] رفع الجناح ~~عن الخمر حتى بين له عمر أنه لا يتناول الخمر، ولو تأمل سياق الآية لفهم ~~المراد منها، فإنه إنما رفع الجناح عنهم فيما طعموه متقين له فيه، وذلك ~~إنما يكون باجتناب ما حرمه من المطاعم، فالآية لا تتناول # PageV01P265 # المحرم بوجه ما، وقد فهم من قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ~~[البقرة: 195] انغماس الرجل في العدو حتى بين له أبو أيوب الأنصاري أن هذا ~~ليس من الإلقاء بيده إلى التهلكة، بل هو من بيع الرجل نفسه ابتغاء مرضات ~~الله، وأن الإلقاء بيده إلى التهلكة هو ترك الجهاد والإقبال على الدنيا ~~وعمارتها. # وقال الصديق - رضي الله عنه -: «أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية ~~وتضعونها على غير مواضعها: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ~~ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] ، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله ~~بالعقاب من عنده» فأخبرهم أنهم يضعونها على غير مواضعها في فهمهم منها خلاف ~~ما أريد بها، وأشكل على ابن عباس أمر الفرقة الساكتة التي لم ترتكب ما نهيت ~~عنه من اليهود: هل عذبوا أو نجوا حتى بين له مولاه عكرمة دخولهم في الناجين ~~دون المعذبين وهذا هو الحق،؛ لأنه - سبحانه - قال عن الساكتين: {وإذ قالت ~~أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا} [الأعراف: 164] ~~فأخبر أنهم أنكروا فعلهم وغضبوا عليهم، وإن لم يواجهوهم بالنهي فقد واجههم ~~به من ms0317 أدى الواجب عنهم، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، ~~فلما قام به أولئك سقط على الباقين، فلم يكونوا ظالمين بسكوتهم، وأيضا فإن ~~الله - سبحانه - إنما عذب الذين نسوا ما ذكروا به وعتوا عما نهوا عنه، وهذا ~~لا يتناول الساكتين قطعا، فلما بين عكرمة لابن عباس أنهم لم يدخلوا في ~~الظالمين المعذبين كساه بردة وفرح به. # وقد قال عمر بن الخطاب للصحابة: ما تقولون في: {إذا جاء نصر الله والفتح} ~~[النصر: 1] السورة؟ قالوا: أمر الله نبيه إذا فتح عليه أن يستغفره، فقال ~~لابن عباس ما تقول أنت؟ قال: هو أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~أعلمه إياه، فقال: ما أعلم منها غير ما تعلم، وهذا من أدق الفهم وألطفه، ~~ولا يدركه كل أحد، فإنه - سبحانه - لن يعلق الاستغفار بعمله، بل علقه بما ~~يحدثه هو - سبحانه - من نعمة فتحه على رسوله ودخول الناس في دينه، وهذا ليس ~~بسبب للاستغفار، فعلم أن سبب الاستغفار غيره، وهو حضور الأجل الذي من تمام ~~نعمة الله على عبده توفيقه للتوبة النصوح والاستغفار بين يديه ليلقى ربه ~~طاهرا مطهرا من كل ذنب فيقدم عليه مسرورا راضيا مرضيا عنه، ويدل عليه أيضا ~~قوله: {فسبح بحمد ربك واستغفره} [النصر: 3] وهو - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يسبح بحمده دائما. فعلم أن المأمور به من ذلك التسبيح بعد الفتح ودخول ~~الناس في هذا الدين أمر أكبر من ذلك المتقدم، وذلك مقدمة بين يدي انتقاله ~~إلى الرفيق الأعلى. وأنه قد بقيت عليه من عبودية التسبيح والاستغفار التي ~~ترقيه إلى ذلك المقام بقية فأمره بتوفيتها، ويدل عليه أيضا أنه - سبحانه - ~~شرع التوبة والاستغفار في خواتيم الأعمال، فشرعها في خاتمة الحج وقيام # PageV01P266 # الليل، «وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سلم من الصلاة استغفر ~~ثلاثا» ، وشرع للمتوضئ بعد كمال وضوئه أن يقول " اللهم اجعلني من التوابين ~~واجعلني من المتطهرين " فعلم أن التوبة مشروعة عقيب الأعمال الصالحة، فأمر ~~رسوله بالاستغفار عقيب توفيته ما عليه من تبليغ الرسالة والجهاد في سبيله ~~حين دخل ms0318 الناس في دينه أفواجا، فكأن التبليغ عبادة قد أكملها وأداها، فشرع ~~له الاستغفار عقيبها. # والمقصود تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص، وأن منهم من يفهم من ~~الآية حكما أو حكمين، ومنهم من يفهم منها عشرة أحكام أو أكثر من ذلك، ومنهم ~~من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه ~~واعتباره، وأخص من هذا وألطف ضمه إلى نص آخر متعلق به فيفهم من اقترانه به ~~قدرا زائدا على ذلك اللفظ بمفرده، وهذا باب عجيب من فهم القرآن لا يتنبه له ~~إلا النادر من أهل العلم، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلقه ~~به. # وهذا كما فهم ابن عباس من قوله: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: ~~15] [مع قوله: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة: 233] أن ~~المرأة قد تلد لستة أشهر، وكما فهم الصديق من آية الفرائض في أول السورة ~~وآخرها أن الكلالة من لا ولد له ولا والد، وأسقط الإخوة بالجد، وقد أرشد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر إلى هذا الفهم حيث سأله عن الكلالة ~~وراجعه السؤال فيها مرارا، فقال: يكفيك آية الصيف، وإنما أشكل على عمر ~~قوله: {قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد} [النساء: 176] ~~فدله النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما يبين له المراد منها وهي الآية ~~الأولى التي نزلت في الصيف، فإنه ورث فيها ولد الأم في الكلالة السدس، ولا ~~ريب أن الكلالة فيها من لا ولد له ولا والد، وإن علا. # ونحن نذكر عدة مسائل مما اختلف فيها السلف ومن بعدهم، وقد بينتها النصوص، ~~ومسائل قد احتج فيها بالقياس وقد بينها النص وأغنى فيها عن القياس. # [المسألة المشتركة في الفرائض] # المسألة الأولى: المشتركة في الفرائض، وقد دل القرآن على اختصاص ولد الأم ~~فيها بالثلث، بقوله - تعالى -: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو ~~أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث} ~~[النساء: 12] وهؤلاء ولد الأم، ms0319 فلو أدخلنا معهم ولد الأبوين لم يكونوا ~~شركاء في الثلث بل يزاحمهم فيه غيرهم، فإن قيل: بل ولد الأبوين منهم، إلغاء ~~لقرابة الأب، قيل: هذا وهم؛ لأن الله - سبحانه - قال في أول الآية: {وله أخ ~~أو أخت فلكل واحد منهما السدس} [النساء: 12] ثم قال: {فإن كانوا أكثر من ~~ذلك فهم شركاء في الثلث} [النساء: 12] فذكر حكم واحدهم وجماعتهم حكما يختص ~~به الجماعة منهم كما # PageV01P267 # يختص به واحدهم، وقال في ولد الأبوين: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت ~~فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما ~~الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} ~~[النساء: 176] فذكر حكم ولد الأب والأبوين واحدهم وجماعتهم، وهو حكم يختص ~~به جماعتهم كما يختص به واحدهم فلا يشاركهم فيه غيرهم، فكذا حكم ولد الأم، ~~وهذا يدل على أن أحد الصنفين غير الآخر، فلا يشارك أحد الصنفين الآخر، وهذا ~~الصنف الثاني هو ولد الأبوين أو الأب بالإجماع، والأول هو ولد الأم ~~بالإجماع، كما فسرته قراءة بعض الصحابة " من أم " وهي تفسير وزيادة إيضاح، ~~وإلا فذلك معلوم من السياق ولهذا ذكر - سبحانه - ولد الأم في آية الزوجين، ~~وهم أصحاب فرض مقدر لا يخرجون عنه، ولا حظ لأحد منهم في التعصيب، ولم يذكر ~~فيها أحدا من العصبة، بخلاف ما ذكر في آية العمودين الآية التي قبلها، فإن ~~لجنسهم حظا في التعصيب، ولهذا قال في آية الإخوة من الأم والزوجين: {غير ~~مضار} [النساء: 12] ولم يقل ذلك في آية العمودين، فإن الإنسان كثيرا ما ~~يقصد ضرار الزوج وولد الأم؛ لأنهم ليسوا من عصبته بخلاف أولاده وآبائه فإنه ~~لا يضارهم في العادة، فإذا كان النص قد أعطى ولد الأم الثلث لم يجز تنقيصهم ~~منه، وأما ولد الأبوين فهم جنس آخر وهم عصبته وقد قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - " ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر " وفي هذه ~~المسألة لم تبق الفرائض شيئا، فلا شيء للعصبة بالنص. # وأما ms0320 قول القائس " هب أن أبانا كان حمارا " فقول باطل حسا وشرعا، فإن ~~الأب لو كان حمارا لكانت الأم أتانا، وإذا قيل: يقدر وجوده كعدمه، قيل: هذا ~~باطل، فإن الموجود لا يكون كالمعدوم، وأما بطلانه شرعا فإن الله - سبحانه - ~~حكم في ولد الأبوين بخلاف حكمه في ولد الأم. # فإن قيل: الأب إن لم ينفعهم لم يضرهم. # قيل: بل قد يضرهم كما ينفعهم، فإن ولد الأم لو كان واحدا وولد الأبوين ~~مائة وفضل نصف سدس انفرد ولد الأم بالسدس، واشترك ولد الأبوين في نصف ~~السدس، فهلا قبلتم قولهم ههنا هب أن أبانا كان حمارا؟ وهلا قدرتم الأب ~~معدوما فخرجتم عن القياس كما خرجتم عن النص؟ وإذا جاز أن ينقصهم الأب جاز ~~أن يحرمهم، وأيضا فالقرابة المتصلة الملتئمة من الذكر والأنثى لا تفرق ~~أحكامها، هذه قاعدة النسب في الفرائض وغيرها، فالأخ من الأبوين لا نجعله ~~كأخ من أب وأخ من أم فنعطيه السدس فرضا بقرابة الأم والباقي تعصيبا بقرابة ~~الأب # PageV01P268 # فإن قيل: فقد فرقتم بين القرابتين، فقلتم في ابني عم أحدهما أخ لأم: يعطى ~~الأخ للأم بقرابة الأم السدس ويقاسم ابن العم بقرابة العمومة. # قيل: نعم هذا قول الجمهور، وهو الصواب، وإن كان شريح ومن قال بقوله أعطى ~~الجميع لابن العم الذي هو أخ لأم، كما لو كان ابن عم لأبوين، والفرق بينهما ~~على قول الجمهور أن كليهما في بنوة العم سواء، وأما الأخوة للأم فمستقلة ~~ليست مقترنة بأبوة حتى يجعل كابن العم للأبوين، فههنا قرابة الأم منفردة عن ~~قرابة العمومة، بخلاف قرابة الأم في مسألتنا فإنها متحدة بقرابة الأب. # ومما يبين أن عدم التشريك هو الصحيح أنه لو كان فيها أخوات لأب لفرض لهن ~~الثلثان وعالت الفريضة، فلو كان معهن أخوهن سقطن به، ويسمى الأخ المشئوم، ~~فلما كن بوجوده يصرن عصبة صار تارة ينفعهن وتارة يضرهن، ولم يجعل وجوده ~~كعدمه في حال الضرار، فكذلك قرابة الأب لما صار الإخوة بها عصبة صار ينفعهم ~~تارة ويضرهم أخرى، وهذا شأن العصبة فإن العصبة تارة ms0321 تحوز المال وتارة تحوز ~~أكثره وتارة تحوز أقله وتارة تخيب، فمن أعطى العصبة مع استغراق الفروض ~~المال خرج عن قياس الأصول وعن موجب النص. # فإن قيل: فهذا استحسان. # قيل: لكنه استحسان يخالف الكتاب والميزان، فإنه ظلم للإخوة من الأم حيث ~~يؤخذ حقهم ويعطاه غيرهم، وإن كانوا يعقلون عن الميت وينفقون عليه لم يلزم ~~من ذلك أن يشاركوا من لا يعقل ولا ينفق في ميراثه، فعاقلة المرأة - من ~~أعمامها وبني عمها وإخوتها - يعقلون عنها، وميراثها لزوجها وولدها كما قضى ~~بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا يمتنع أن يعقل ولد الأبوين ~~ويكون الميراث لولد الأم. ### | [المسألة العمرية] # المسألة الثانية: العمريتان، والقرآن يدل على قول جمهور الصحابة فيها ~~كعمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت إن للأم ثلث ما يبقى بعد فرض ~~الزوجين، وههنا طريقان: أحدهما: بيان عدم دلالته على إعطائها الثلث كاملا ~~مع الزوجين، وهذا أظهر الطريقين. # والثاني: دلالته على إعطائها ثلث الباقي، وهو أدق وأخفى من الأول. # أما الأول فإن الله - سبحانه - إنما أعطاها الثلث كاملا إذا انفرد ~~الأبوان بالميراث، فإن قوله - سبحانه -: {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه ~~فلأمه الثلث} [النساء: 11] شرط أن في # PageV01P269 # استحقاق الثلث عدم الولد وتفردهما بميراثه، فإن قيل: ليس في قوله: {وورثه ~~أبواه} [النساء: 11] ما يدل على أنهما تفردا بميراثه، قيل: لو لم يكن ~~تفردهما شرطا لم يكن في قوله: {وورثه أبواه} [النساء: 11] فائدة، وكان ~~تطويلا يغني عنه قوله: " فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث " فلما قال: {وورثه ~~أبواه} [النساء: 11] علم أن استحقاق الأم الثلث موقوف على الأمرين، وهو - ~~سبحانه - ذكر أحوال الأم كلها نصا وإيماء، فذكر أن لها السدس مع الإخوة وأن ~~لها الثلث كاملا مع عدم الولد وتفرد الأبوين بالميراث، بقي لها حالة ثالثة ~~- وهي مع عدم الولد وعدم تفرد الأبوين بالميراث - وذلك لا يكون إلا مع ~~الزوج والزوجة، فإما أن تعطى في هذه الحال الثلث كاملا وهو خلاف مفهوم ~~القرآن، وإما أن تعطى السدس فإن الله - سبحانه ms0322 - لم يجعله فرضها إلا في ~~موضعين مع الولد ومع الإخوة، وإذا امتنع هذا وهذا كان الباقي بعد فرض ~~الزوجين هو المال الذي يستحقه الأبوان، ولا يشاركهما فيه مشارك، فهو بمنزلة ~~المال كله إذا لم يكن زوج ولا زوجة، فإذا تقاسماه أثلاثا كان الواجب أن ~~يتقاسما الباقي بعد فرض الزوجين كذلك؟ # فإن قيل: فمن أين تأخذون حكمها إذا ورثته الأم [و] من دون الأب كالجد ~~والعم والأخ وابنه؟ # قيل: إذا كانت تأخذ الثلث مع الأب فأخذها له مع من دونه من العصبات أولى، ~~وهذا من باب التنبيه. # فإن قيل: فمن أين أعطيتموها الثلث كاملا إذا كان معها ومع هذه العصبة ~~الذي هو دون الأب زوج أو زوجة، والله - سبحانه - إنما جعل لها الثلث كاملا ~~إذا انفرد الأبوان بميراثه على ما قررتموه فإذا كان جد وأم أو عم وأم أو أخ ~~وأم أو ابن عم أو ابن أخ مع أحد الزوجين، فمن أين أعطيت الثلث كاملا، ولم ~~ينفرد الأبوان بالميراث؟ قيل: بالتنبيه ودلالة الأولى، فإنها إذا أخذت ~~الثلث كاملا مع الأب فلأن تأخذه مع ابن العم أولى، وأما إذا كان أحد ~~الزوجين مع هذه العصبة فإنه ليس له إلا ما بقي بعد الفروض، ولو استوعبت ~~الفروض المال سقط، كأم وزوج وأخ لأم، بخلاف الأب. # فإن قيل: فمن أين تأخذون حكمها إذا كان مع العصبة ذو فرض غير البنات ~~والزوجة؟ قيل: لا يكون ذلك إلا مع ولد الأم أو الأخوات للأبوين أو للأب ~~واحدة أو أكثر، والله - تعالى - قد أعطاها السدس مع الإخوة، فدل على أنها ~~تأخذ الثلث مع الواحد إذ ليس بإخوة. # PageV01P270 # بقي الأختان والأخوان، فهذا مما تنازع فيه الصحابة فجمهورهم أدخلوا ~~الاثنين في لفظ الإخوة، وأبى ذلك ابن عباس ونظره أقرب إلى ظاهر اللفظ، ونظر ~~الصحابة أقرب إلى المعنى وأولى به، فإن الإخوة إنما حجبوها إلى السدس ~~لزيادة ميراثهم على ميراث الواحد، ولهذا لو كانت واحدة أو أخا واحدا لكان ~~لها الثلث معه، فإذا كان الإخوة ولد أم كان فرضهم الثلث ms0323 اثنين كانا أو ~~مائة، فالاثنان والجماعة في ذلك سواء، وكذلك لو كن أخوات لأب أو لأب وأم ~~ففرض الثنتين وما زاد واحد، فحجبها عن الثلث إلى السدس باثنين كحجبها ~~بثلاثة سواء، لا فرق بينهما ألبتة. # وهذا الفهم في غاية اللطف، وهو من أدق فهم القرآن، ثم طرد ذلك في الذكور ~~من ولد الأب والأبوين لمعنى يقتضيه، وهو توفير السدس الذي حجبت عنه لهم ~~لزيادتهم على الواحد نظرا لهم ورعاية لجانبهم، وأيضا فإن قاعدة الفرائض أن ~~كل حكم اختص به الجماعة عن الواحد اشترك فيه الاثنان وما فوقهما كولد الأم ~~والبنات وبنات الابن والأخوات للأبوين أو للأب، والحجب ههنا قد اختص به ~~الجماعة، فيستوي فيه الاثنان وما زاد عليهما، وهذا هو القياس الصحيح ~~والميزان الموافق لدلالة الكتاب وفهم أكابر الصحابة، وأيضا فإن الأمة مجمعة ~~على أن قوله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} [النساء: ~~11] يدخل في حكمه الثنتان، وإن اختلفوا في كيفية دخولهما في الحكم كما ~~سيأتي. # فهكذا دخول الأخوين في الإخوة، وأيضا فإن لفظ الإخوة كلفظ الذكور والإناث ~~والبنات والبنين، وهذا كله قد يطلق ويراد به الجنس الذي جاوز الواحد وإن لم ~~يزد على اثنين، فكل حكم علق بالجمع من ذلك دخل فيه الاثنان كالإقرار ~~والوصية والوقف وغير ذلك، فلفظ الجمع قد يراد به الجنس المتكثر أعم من ~~تكثيره بواحد أو اثنين، كما أن لفظ المثنى قد يراد به المتعدد أعم من أن ~~يكون تعدده بواحد أو أكثر، نحو: {ارجع البصر كرتين} [الملك: 4] ودلالتهما ~~حينئذ على الجنس المتكثر، وأيضا فاستعمال الاثنين في الجمع بقرينة واستعمال ~~الجمع في الاثنين بقرينة جائز بل واقع، وأيضا فإنه - سبحانه - قال: {وإن ~~كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 176] وهذا يتناول ~~الأخ الواحد والأخت الواحدة كما يتناول من فوقهما، ولفظ الإخوة وسائر ألفاظ ~~الجمع قد يعنى به الجنس من غير قصد التعدد، كقوله - تعالى -: {الذين قال ~~لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} [آل عمران: 173] وقد يعنى به ms0324 ~~العدد من غير قصد لعدد معين بل لجنس التعدد، وقد يعنى به الاثنان وما زاد، ~~والثالث يتناول الثلاثة فما زاد عند إطلاقه، وإذا قيد اختص بما قيد به # PageV01P271 # ومما يدل على أن قوله تعالى {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} [النساء: 11] ~~أن المراد به الاثنان فصاعدا أنه - سبحانه - قال: {وإن كان رجل يورث كلالة ~~أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم ~~شركاء في الثلث} [النساء: 12] فقوله: {كانوا} [النساء: 12] ضمير جمع، ثم ~~قال: {فهم شركاء في الثلث} [النساء: 12] فذكرهم بصيغة الجمع المضمر وهو ~~قوله: {فهم} [النساء: 12] والمظهر وهو قوله: {شركاء} [النساء: 12] ولم يذكر ~~قبل ذلك إلا قوله: {وله أخ أو أخت} [النساء: 12] فذكر حكم الواحد وحكم ~~اجتماعه مع غيره، وهو يتناول الاثنين قطعا، فإن قوله: {أكثر من ذلك} ~~[النساء: 12] أي أكثر من أخ أو أخت، ولم يرد أكثر من مجموع الأخت والأخ، بل ~~أكثر من الواحد، فدل على أن صيغة الجمع في الفرائض تتناول العدد الزائد على ~~الواحد مطلقا، ثلاثة كان أو أكثر منه، وهذا نظير قوله: {وإن كانوا إخوة ~~رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 176] ومما يوضح ذلك أن لفظ ~~الجمع قد يختص بالاثنين مع البيان وعدم اللبس، كالجمع المضاف إلى اثنين مما ~~يكون المضاف فيه جزءا من المضاف إليه أو كجزئه، نحو " قلوبهما " و " ~~أيديهما " فكذلك يتناول الاثنين مما فوقهما مع البيان بطريق الأولى. # وله ثلاثة أحوال: أحدها: اختصاصه بالاثنين. الثانية: صلاحيته لهما. ~~الثالثة: اختصاصه بما زاد عليهما، وهذه الحال له عند إطلاقه، وأما عند ~~تقييده فبحسب ما قيد به، وهو حقيقة في الموضعين، فإن اللفظ تختلف دلالته ~~بالإطلاق والتقييد، وهو حقيقة في الاستعمالين، فظهر أن فهم جمهور الصحابة ~~أحسن من فهم ابن عباس في حجب الأم بالاثنين، كما فهمهم في العمريتين أتم من ~~فهمه، وقواعد الفرائض تشهد لقولهم، فإنه إذا اجتمع ذكر وأنثى في طبقة واحدة ~~كالابن والبنت والجد والجدة والأب والأم والأخ والأخت فإما أن يأخذ الذكر ms0325 ~~ضعف ما تأخذه الأنثى أو يساويها، فأما أن تأخذ الأنثى ضعف الذكر فهذا خلاف ~~قاعدة الفرائض التي أوجبها شرع الله وحكمته، وقد عهدنا الله - سبحانه - ~~أعطى الأب ضعف ما أعطى الأم إذا انفرد الأبوان بميراث الولد، وساوى بينهما ~~في وجود الولد، ولم يفضلها عليه في موضع واحد، فكان جعل الباقي بينهما بعد ~~نصيب أحد الزوجين أثلاثا هو الذي يقتضيه الكتاب والميزان، فإن ما يأخذه ~~الزوج أو الزوجة من المال كأنه مأخوذ بدين أو وصية إذ لا قرابة بينهما، وما ~~يأخذه الأبوان يأخذانه بالقرابة، فصارا هما المستقلين بميراث الولد بعد فرض ~~الزوجين، وهما في طبقة واحدة، فقسم الباقي بينهما أثلاثا. # فإن قيل: فههنا سؤالان: أحدهما: أنكم هلا أعطيتموها ثلث جميع المال في ~~مسألة زوجة وأبوين، فإن الزوجة إذا أخذت الربع وأخذت هي الثلث كان الباقي ~~للأب وهو أكثر # PageV01P272 # من الذي أخذته، فوفيتم حينئذ بالقاعدة، وأعطيتموها الثلث كاملا؟ # والثاني: أنكم هلا جعلتم لها ثلث الباقي إذا كان بدل الأب في المسألتين ~~جد؟ # قيل: قد ذهب إلى كل واحد من هذين المذهبين ذاهبون من السلف الطيب، فذهب ~~إلى الأول محمد بن سيرين ومن وافقه، وإلى الثاني عبد الله بن مسعود، ولكن ~~أبى ذلك جمهور الصحابة والأئمة بعدهم، وقولهم أصح في الميزان وأقرب إلى ~~دلالة الكتاب، فإنا لو أعطيناها الثلث كاملا بعد فرض الزوجة كنا قد خرجنا ~~عن قاعدة الفرائض وقياسها، وعن دلالة الكتاب، فإن الأب حينئذ يأخذ ربعا ~~وسدسا، والأم لا تساويه ولا تأخذ شطره، وهي في طبقته، وهذا لم يشرعه الله ~~قط، ودلالة الكتاب لا تقتضيه. # وأما في مسألة الجد فإن الجد أبعد منها، وهو يحجب بالأب، فليس في طبقتها ~~فلا يحجبها عن شيء من حقها، فلا يمكن أن تعطى ثلث الباقي ويفضل الجد عليها ~~بمثل ما تأخذ، فإنها أقرب منه، وليس في درجتها، ولا يمكن أن تعطى السدس، ~~فكان فرضها الثلث كاملا. # وهذا مما فهمه الصحابة - رضي الله عنهم - من النصوص بالاعتبار الذي هو في ~~معنى الأصل، أو بالاعتبار الأولى، أو ms0326 بالاعتبار الذي فيه إلحاق الفرع بأشبه ~~الأصلين به، أو تنبيه اللفظ، أو إشارته وفحواه، أو بدلالة التركيب، وهو ضم ~~نص إلى نص آخر، وهي غير دلالة الاقتران، بل هي ألطف منها وأدق وأصح كما ~~تقدم. # فالقياس المحض والميزان الصحيح أن الأم مع الأب كالبنت مع الابن والأخت ~~مع الأخ؛ لأنهما ذكر وأنثى من جنس واحد، وقد أعطى الله - سبحانه - الزوج ~~ضعف ما أعطى الزوجة تفضلا لجانب الذكورية، وإنما عدل عن هذا في ولد الأم؛ ~~لأنهم يدلون بالرحم المجرد ويدلون بغيرهم وهو الأم، وليس لهم تعصيب، بخلاف ~~الزوجين والأبوين والأولاد، فإنهم يدلون بأنفسهم، وسائر العصبة يدلون بذكر ~~كولد البنين وكالإخوة للأبوين أو للأب، فإعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين معتبر ~~فيمن يدلي بنفسه أو بعصبة، وأما من يدلي بالأمومة كولد الأم فإنه لا يفضل ~~ذكرهم على أنثاهم، وكان الذكر كالأنثى في الأخذ، وليس الذكر كالأنثى في باب ~~الزوجية ولا في باب الأبوة ولا البنوة ولا الأخوة، فهذا هو الاعتبار ~~الصحيح، والكتاب يدل عليه كما تقدم بيانه. # وقد تناظر ابن عباس وزيد بن ثابت في العمريتين، فقال له ابن عباس أين في ~~كتاب الله ثلث ما بقي؟ فقال زيد: وليس في كتاب الله إعطاؤها الثلث كله مع ~~الزوجين، أو كما قال، بل كتاب الله يمنع إعطاءها الثلث مع أحد الزوجين، ~~فإنه لو أعطاها الثلث مع # PageV01P273 # الزوج لقال: فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث، فكانت تستحقه مطلقا، فلما خص ~~الثلث ببعض الأحوال علم أنها لا تستحقه مطلقا، ولو أعطيته مطلقا لكان قوله: ~~{وورثه أبواه} [النساء: 11] زيادة في اللفظ ونقصا في المعنى، وكان ذكره ~~عديم الفائدة، ولا يمكن أن تعطى السدس؛ لأنه إنما جعل لها مع الولد أو ~~الإخوة، فدل القرآن على أنها لا تعطى السدس مع أحد الزوجين ولا تعطى الثلث، ~~وكان قسمة ما بقي بعد فرض الزوجين بين الأبوين مثل قسمة أصل المال بينهما، ~~وليس بينهما فرق أصلا لا في القياس ولا في المعنى. # فإن قيل: فهل هذه دلالة خطابية لفظية أو ms0327 قياسية محضة؟ قيل: هي ذات وجهين: ~~فهي لفظية من جهة دلالة الخطاب، وضم بعضه إلى بعض، واعتبار بعضه ببعض، ~~وقياسية من جهة اعتبار المعنى، والجمع بين المتماثلين والفرق بين ~~المختلفين، وأكثر دلالات النصوص كذلك في قوله: «من أعتق شركا له في عبد» ~~وقوله: «أيما رجل وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به» . وقوله: ~~«من باع شركا له في أرض أو ربعة أو حائط» حيث يتناول الحوانيت، وقوله: {إن ~~الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} [النور: 23] فخص الإناث باللفظ، ~~إذ كن سبب النزول، فنص عليهم بخصوصهن، وهذا أصح من فهم من قال من جهل ~~الظاهر: المراد بالمحصنات الفروج المحصنات، فإن هذا لا يفهمه السامع من هذا ~~اللفظ ولا من قوله: {وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات} [النساء: ~~25] . ولا من قوله: {والمحصنات من النساء} [النساء: 24] ولا من قوله: {إن ~~الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} [النور: 23] بل هذا من عرف ~~الشارع، حيث يعبر باللفظ الخاص عن المعنى العام، وهذا غير باب القياس. # وهذا تارة يكون لكون اللفظ الخاص صار في العرف عاما كقوله: " لا يملكون ~~نقيرا "، و {ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] ، {ولا يظلمون فتيلا} [النساء: ~~49] ونحوه، وتارة لكونه قد علم بالضرورة من خطاب الشارع تعميم المعنى لكل ~~ما كان مماثلا للمذكور، وأن التعيين في اللفظ لا يراد به التخصيص بل ~~التمثيل، أو لحاجة المخاطب إلى تعيينه بالذكر، أو لغير ذلك من الحكم. ### | [فصل ميراث الأخوات مع البنات] # فصل: # [مسألة ميراث الأخوات مع البنات] المسألة الثالثة: ميراث الأخوات مع ~~البنات وأنهن عصبة، فإن القرآن يدل عليه كما أوجبته السنة الصحيحة، فإن ~~الله - سبحانه - قال: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس ~~له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} [النساء: ~~176] # PageV01P274 # وهذا دليل على أن الأخت ترث النصف مع عدم الولد، وأنه هو يرث المال كله ~~مع عدم ولدها، وذلك يقتضي أن الأخت مع الولد لا يكون لها النصف مما ترك، إذ ms0328 ~~لو كان كذلك لكان قوله: {ليس له ولد} [النساء: 176] زيادة في اللفظ، ونقصا ~~في المعنى، وإيهاما لغير المراد، فدل على أنها مع الولد لا ترث النصف، ~~والولد إما ذكر وإما أنثى، فأما الذكر فإنه يسقطها كما يسقط الأخ بطريق ~~الأولى. # ودل قوله: {وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} [النساء: 176] على أن الولد ~~يسقطه كما يسقطها، وأما الأنثى فقد دل القرآن على أنها إنما تأخذ النصف ولا ~~تمنع الأخ عن النصف الباقي إذا كانت بنت وأخ، بل دل القرآن مع السنة ~~والإجماع أن الأخ يفوز بالنصف الباقي، كما قال - تعالى -: {ولكل جعلنا ~~موالي مما ترك الوالدان والأقربون} [النساء: 33] . # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي ~~فلأولى رجل ذكر» وليس في القرآن ما ينفي ميراث الأخت مع إناث الولد بغير ~~جهة الفرض، وإنما صريحه ينفي أن يكون فرضها النصف مع الولد، فبقي ههنا ~~ثلاثة أقسام: # إما أن يفرض لها أقل من النصف، وإما أن تحرم بالكلية، وإما أن تكون عصبة، ~~والأول محال، إذ ليس للأخت فرض مقدر غير النصف، فلو فرضنا لها أقل منه لكان ~~ذلك وضع شرع جديد، فبقي إما الحرمان وإما التعصيب، والحرمان لا سبيل إليه، ~~فإنها وأخاها في درجة واحدة، وهي لا تزاحم البنت، فإذا لم يسقط أخوها ~~بالبنت لم تسقط هي بها أيضا، فإنها لو سقطت بالبنت ولم يسقط أخوها بها لكان ~~أقوى منها وأقرب إلى الميت، وليس كذلك، وأيضا فلو أسقطتها البنت إذا انفردت ~~عن أخيها لأسقطتها مع أخيها، فإن أخاها لا يزيدها قوة، ولا يحصل لها نفعا ~~في موضع واحد، بل لا يكون إلا مضرا لها ضرر نقصان أو ضرر حرمان، كما إذا ~~خلفت زوجا وأما وأخوين لأم وأختا لأب وأم، فإنها يفرض لها النصف عائلا، وإن ~~كان معها أخوها سقطا معا، ولا تنتفع له في الفرائض في موضع واحد، فلو ~~أسقطتها البنت إذا انفردت لأسقطتها بطريق الأولى مع من يضعفها ولا يقويها، ~~وأيضا فإن البنت إذا لم تسقط ابن الأخ ms0329 وابن العم وابن عم الأب والجد وإن ~~بعد فأن لا تسقط الأخت مع قربها بطريق الأولى. # وأيضا فإن قاعدة الفرائض إسقاط البعيد بالقريب، وتقديم الأقرب على ~~الأبعد، وهذا عكس ذلك فإنه يتضمن تقديم الأبعد جدا الذي بينه وبين الميت ~~وسائط كثيرة على الأقرب الذي ليس بينه وبين الميت إلا واسطة الأب وحده، ~~فكيف يرث ابن عم جد الميت مثلا مع البنت وبينه وبين الميت وسائط كثيرة ~~وتحرم الأخت القريبة التي ركضت معه في صلب أبيه ورحم أمه؟ هذا من المحال ~~الممتنع شرعا، فهذا من جهة الميزان. # وأما من جهة فهم النص فإن الله - سبحانه - قال في الأخ: {وهو يرثها إن لم ~~يكن لها ولد} [النساء: 176] ولم يمنع ذلك # PageV01P275 # ميراثه منها إذا كان الولد أنثى، فهكذا قوله: {إن امرؤ هلك ليس له ولد ~~وله أخت فلها نصف ما ترك} [النساء: 176] لا ينفي أن ترث غير النصف مع إناث ~~الولد أو ترث الباقي إذا كان نصفا؛ لأن هذا غير الذي أعطاها إياه، فرضا مع ~~عدم الولد، فتأمله فإنه ظاهر جدا، وأيضا فالأقسام ثلاثة: إما أن يقال يفرض ~~لها النصف مع البنت، أو يقال تسقط معها بالكلية، أو يقال تأخذ ما فضل بعد ~~فرض البنت أو البنات، والأول ممتنع بالنص والقياس، فإن الله - سبحانه - ~~إنما فرض لها النصف مع عدم الولد، فلا يجوز إلغاء هذا الشرط وفرض النصف لها ~~مع وجوده، والله - سبحانه - إنما أعطاها النصف إذا كان الميت كلالة لا ولد ~~له ولا والد، فإذا كان له ولد لم يكن الميت كلالة فلا يفرض لها معه، وأما ~~القياس فإنها لو فرض لها النصف مع وجود البنت لنقصت البنت عن النصف إذا ~~عالت الفريضة كزوجة أو زوج وبنت وأخت وإخوة، والإخوة لا يزاحمون الأولاد لا ~~بفرض ولا تعصيب، فإن الأولاد أولى منهم، فبطل فرض النصف، وبطل سقوطها بما ~~ذكرناه، فتعين القسم الثالث وهو أن تكون عصبة لها ما بقي، وهي أولى به من ~~سائر العصبات الذين هم أبعد منها، وبهذا جاءت السنة الصحيحة ms0330 الصريحة التي ~~قضى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوافق قضاؤه كتاب ربه والميزان ~~الذي أنزله مع كتابه، وبذلك قضى الصحابة بعده كابن مسعود ومعاذ بن جبل ~~وغيرهما. # فإن قيل: لكن خرجتم عن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ألحقوا الفرائض ~~بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر» فإذا أعطينا البنت فرضها وجب أن يعطى ~~الباقي لابن الأخ أو العم أو ابنه دون الأخت، فإنه رجل ذكر، فأنتم عدلتم عن ~~هذا النص وأعطيتموه الأنثى، فكنا أسعد بالنص منكم، وعملنا به وبقضاء رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حيث أعطى البنت النصف وبنت الابن السدس ~~والباقي للأخت إذا لم يكن هناك أولى رجل ذكر، فكانت الأخت عصبة، وهذا توسط ~~بين قولكم وبين قول من أسقط الأخت بالكلية. # وهذا مذهب إسحاق بن راهويه، وهو اختيار أبي محمد بن حزم، وسقوطها بالكلية ~~مذهب ابن عباس كما قال عبد الرزاق، أنبأ معمر عن الزهري عن أبي سلمة: قيل ~~لابن عباس: رجل ترك ابنته، وأخته لأبيه، وأمه، فقال: لابنته النصف ولأمه ~~السدس وليس لأخته مما ترك، وهو لعصبته، فقال له السائل: إن عمر قضى بغير ~~ذلك جعل للبنت النصف، وللأخت النصف، فقال ابن عباس: أأنتم أعلم أم الله؟ ~~قال معمر: فذكرت ذلك لابن طاوس فقال لي: أخبرني أبي أنه سمع ابن عباس يقول: ~~قال الله - عز وجل -: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} ~~[النساء: 176] فقلتم أنتم: لها النصف، وإن كان له ولد. # وقال ابن أبي مليكة عن ابن عباس: أمر ليس في كتاب الله ولا في قضاء رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وستجدونه في الناس كلهم، ميراث الأخت مع ~~البنت. # PageV01P276 # فالجواب أن نصوص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلها حق يصدق بعضها ~~بعضا، ويجب الأخذ بجميعها، ولا يترك له نص إلا بنص آخر ناسخ له، لا يترك ~~بقياس ولا رأي ولا عمل أهل بلد ولا إجماع، ومحال أن تجمع الأمة على خلاف نص ~~له إلا أن يكون له ms0331 نص آخر ينسخه، فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فما أبقت ~~الفرائض فلأولى رجل ذكر» عام قد خص منه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «تحوز ~~المرأة ثلاث مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عليه» وأجمع الناس ~~على أنها عصبة عتيقها، واختلفوا في كونها عصبة لقيطها وولدها المنفي ~~باللعان، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تفصل بين المتنازعين، فإذا ~~خصت منه هذه الصور بالنص وبعضها مجمع عليه خصت منه هذه الصورة لما ذكرناه ~~من الدلالة. # فإن قيل: قوله: «فلأولى رجل ذكر» إنما هو في الأقارب الوارثين بالنسب ~~وهذا لا تخصيص فيه. # قيل فأنتم تقدمون المعتق على الأخت مع البنت، وليس من الأقارب، فخالفتم ~~النصين معا، وهو - صلى الله عليه وسلم - قال: «فلأولى رجل ذكر» فأكده ~~بالذكورة ليبين أن العاصب بنفسه المذكور هو الذكر دون الأنثى وأنه لم يرد ~~بلفظ الرجل ما يتناول الذكر والأنثى كما في قوله: «من وجد متاعه عند رجل قد ~~أفلس» ونحوه مما يذكر فيه لفظ الرجل والحكم يعم النوعين، وهو نظير قوله في ~~حديث الصدقات «فابن لبون ذكر» ليبين أن المراد الذكر دون الأنثى، ولم يتعرض ~~في الحديث للعاصب بغيره، فدل قضاؤه الثابت عنه في إعطاء الأخت مع البنت ~~وبنت البنت ما بقي أن الأخت عصبة بغيرها، فلا تنافي بينه وبين قوله: ~~«فلأولى رجل ذكر» بل هذا إذا لم يكن ثم عصبة بغيره، بل كان العصبة عصبة ~~بأنفسهم، فيكون أولاهم وأقربهم إلى الميت أحقهم بالمال، وأما إذا اجتمع ~~العصبتان فقد دل حديث ابن مسعود الصحيح أن تعصيب الأخت أولى من تعصيب من هو ~~أبعد منها، فإنه أعطاها الباقي ولم يعطه لابن عمه مع القطع، فإن العرب بنو ~~عم بعضهم لبعض، فقريب وبعيد، ولا سيما إن كان ما حكاه ابن مسعود من قضاء ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضاء عاما كليا، فالأمر حينئذ يكون أظهر ~~وأظهر. # فصل # ومما يبين صحة قول الجمهور أن - قوله تعالى -: {ليس له ولد وله أخت فلها ~~نصف ما ترك} [النساء: 176] إنما يدل ms0332 منطوقه على أنها ترث النصف مع عدم ~~الولد، والمفهوم إنما يقتضي أن الحكم في المسكوت ليس مماثلا للحكم في ~~المنطوق، فإذا كان فيه تفصيل حصل بذلك مقصود المخالفة، فلا يجب أن يكون كل ~~صورة من صور المسكوت مخالفة لكل صور # PageV01P277 # المنطوق، ومن توهم ذلك فقد توهم باطلا، فإن المفهوم إنما يدل بطريق ~~التعليل أو بطريق التخصيص، والحكم إذا ثبت لعلة فانتفت في بعض الصور أو ~~جميعها جاز أن يخلفها علة أخرى. # وأما قصد التخصيص فإنه يحصل بالتفصيل، وحينئذ فإذا نفينا إرثها مع ذكور ~~الولد أو نفينا إرثها النصف فرضا مع إناثهم وفينا بدليل الخطاب. # فصل [المراد بأولى رجل ذكر في المواريث] # ومما يبين أن المراد بقوله: «فلأولى رجل ذكر» العصبة بنفسه لا بغيره أنه ~~لو كان بعد الفرائض إخوة وأخوات أو بنون وبنات أو بنات ابن وبنو ابن لم ~~ينفرد الذكر بالباقي دون الإناث بالنص والإجماع، فتعصيب الأخت بالبنت ~~كتعصيبها بأخيها، فإذا لم يكن قوله: «فلأولى رجل ذكر» موجبا لاختصاص أخيها ~~دونها لم يكن موجبا لاختصاص ابن عم الجد بالباقي دونها. # يوضحه أنه لو كان معها أخوها لم تسقط، وكان الباقي بعد فرض البنات بينها ~~وبين أخيها. هذا، وأخوها أقرب إلى الميت من الأعمام وبنيهم، فإذا لم يسقطها ~~الأخ فلأن لا يسقطها ابن عم الجد بطريق الأولى والأحرى، وإذا لم يسقطها ~~ورثت دونه، لكونها أقرب منه، بخلاف الأخ فإنها تشاركه، لاستوائهما في القرب ~~من الميت، فهذا محض القياس والميزان الموافق لدلالة الكتاب ولقضاء النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وعلى هذه الطريق فلا تخصيص في الحديث، بل هو على ~~عمومه، وهذه الطريق أفقه وألطف. # يوضح ذلك أن قاعدة الفرائض أن جنس أهل الفروض فيها مقدمون على جنس ~~العصبة، سواء كان ذا فرض محض أو كان له مع فرضه تعصيب في حال إما بنفسه ~~وإما بغيره، والأخوات من جنس أهل الفرائض، فيجب تقديمهن على من هو أبعد ~~منهن ممن لا يرث إلا بالتعصيب المحض كالأعمام وبنيهم وبني الإخوة، ~~والاستدلال بهذا الحديث على ms0333 حرمانهن مع البنات كالاستدلال على حرمانهن مع ~~إخوتهن وحرمان بنات الابن، بل البنات أنفسهن مع إخوتهن، وهذا باطل بالنص، ~~والإجماع، فكذا الآخر. # ومما يوضحه أنا رأينا قاعدة الفرائض أن البعيد من العصبات يعصب من هو ~~أقرب منه إذا لم يكن له فرض، كما إذا كان بنات وبنات ابن وأسفل منهن ابن ~~ابن ابن فإنه يعصبهن # PageV01P278 # فيحصل لهن الميراث بعد أن كن محرومات، وأما أن البعيد من العصبات يمنع ~~الأقرب من الميراث بعد أن كان وارثا فهذا ممتنع شرعا وعقلا، وهو عكس قاعدة ~~الشريعة، والله الموفق. # وفي الحديث مسلك آخر، وهو أن قوله: «ألحقوا الفرائض بأهلها» المراد به من ~~كان من أهلها في الجملة، وإن لم يكن في هذه الحال من أهلها كما في اللفظ ~~الآخر «اقسموا المال بين أهل الفرائض» وهذا أعم من كونه من أهل الفرائض ~~بالقوة أو بالفعل، فإذا كانوا كلهم من أهل الفرائض بالفعل كان الباقي ~~للعصبة، وإن كان فيهم من هو من أهل الفرائض بالقوة وإن حجب عن الفرض بغيره ~~دخل في اللفظ الأول وإن لم يكن لأولى رجل ذكر معه شيء، وإنما يكون له إذا ~~كان أهل الفرائض مطلقا معدومين، والله أعلم. ### | [فصل ميراث البنات] # المسألة الرابعة: ميراث البنات وقد دل صريح النص على أن للواحدة النصف ~~ولأكثر من اثنتين الثلثين، بقي الثنتان، فأشكل دلالة القرآن على حكمهما على ~~كثير من الناس، فقالوا: إنما أثبتناه بالسنة الصحيحة، وقالت طائفة: ~~بالإجماع، وقالت طائفة: بالقياس على الأختين. # قالوا: والله - سبحانه - نص على الأختين دون الأخوات، ونص على البنات دون ~~البنتين، فأخذنا حكم كل واحدة من الصورتين المسكوت عنها من الأخرى. # وقالت طائفة: بل أخذ من نصوص القرآن، ثم تنوعت طرقهم في الأخذ: فقالت ~~طائفة: أخذناه من قوله: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} ~~[النساء: 11] فإذا أخذ الذكر الثلثين والأنثى الثلث علم قطعا أن حظ ~~الأنثيين الثلثان، وقالت طائفة: إذا كان للواحدة مع الذكر الثلث، لا الربع، ~~فأن يكون لها الثلث مع الأنثى أولى وأحرى، وهذا ms0334 من تنبيه النص بالأدنى على ~~الأعلى. # وقالت طائفة: أخذناه من قوله - سبحانه -: {وإن كانت واحدة فلها النصف} ~~[النساء: 11] فقيد النصف بكونها واحدة، فدل بمفهومه على أنه لا يكون لها ~~إلا في حال وحدتها، فإذا كان معها مثلها فإما أن تنقصها عن النصف وهو محال ~~أو يشتركان فيه وذلك يبطل الفائدة في قوله: {وإن كانت واحدة} [النساء: 11] ~~ويجعل ذلك لغوا موهما خلاف المراد به وهو محال، فتعين القسم الثالث وهو ~~انتقال الفرض من النصف إلى ما فوقه وهو الثلثان. # PageV01P279 # فإن قيل: فأي فائدة في التقييد بقوله: {فوق اثنتين} [النساء: 11] والحكم ~~لا يختص بما فوقهما؟ قيل: حسن ترتيب الكلام وتأليفه ومطابقة مضمره لظاهره ~~أوجب ذلك، فإنه - سبحانه - قال: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} [النساء: 11] فالضمير ~~في: {كن} [النساء: 11] مجموع يطابق الأولاد، فإن كان الأولاد نساء فذكر لفظ ~~الأولاد وهو جمع وضمير: {كن} [النساء: 11] وهو ضمير جمع و: {نساء} [النساء: ~~11] وهو اسم جمع، فلم يكن بد من " فوق اثنتين ". # وفيه نكتة أخرى، وهو أنه - سبحانه - قد ذكر ميراث الواحدة نصا وميراث ~~الاثنين تنبيها كما تقدم، فكان في ذكر العدد الزائد على الاثنتين دلالة على ~~أن الفرض لا يزيد بزيادتهن على الاثنتين كما زاد بزيادة الواحدة على ~~الأخرى. وأيضا فإن ميراث الاثنتين قد علم من النص، فلو قال: {فإن كانتا ~~اثنتين} [النساء: 176] كان تكريرا، ولم يعلم منه حكم ما زاد عليهما، فكان ~~ذكر الجمع في غاية البيان والإيجاز، وتطابق أول الكلام وآخره وحسن تأليفه ~~وتناسبه. # وهذا بخلاف سياق آخر السورة فإنه قال: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت ~~فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما ~~الثلثان مما ترك} [النساء: 176] فلم يتقدم اسم جمع ولا ضمير جمع يقتضي أن ~~يقول فإن كن نساء فوق اثنتين. # وقد ذكر ميراث الواحدة وأنه النصف فلم يكن بد من ذكر ميراث الأختين وأنه ~~الثلثان، لئلا يتوهم أن ms0335 الأخرى إذا انضمت إليها أخذت نصفا آخر، ودل تشريكه ~~بين البنات وإن كثرن في الثلثين على تشريكه بين الأخوات وإن كثرن في ذلك ~~بطريق الأولى، فإن البنات أقرب من الأخوات ويسقطن فرضهن، فجاء بيانه - ~~سبحانه - في كل من الآيتين من أحسن البيان، فإنه لما بين ميراث الابنتين ~~بما تقرر بين ميراث ما زاد عليهما، وفي آية الإخوة والأخوات لما بين ميراث ~~الأخت والأختين لم يحتج أن يبين ميراث ما زاد عليهما، إذ قد علم بيان ~~الزائد على الاثنتين في من هن أولى بالميراث من الأخوات، ثم بين حكم اجتماع ~~ذكورهم وإناثهم، فاستوعب بيانه جميع الأقسام. ### | [فصل ميراث بنت الابن] # المسألة الخامسة: ميراث بنت الابن السدس مع البنت، وسقوطها إذا استكمل ~~البنات الثلثين، دلالة القرآن على هذا أخفى من سائر ما تقدم، وبيانها أنه - ~~تعالى - قال: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء ~~فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} [النساء: 11]] # PageV01P280 # وقد علم أن الخطاب يتناول ولد البنين، دون ولد البنات، وأن قوله: ~~{أولادكم} [النساء: 11] يتناول من ينتسب إلى الميت وهم ولده وولد بنيه، ~~وأنه يتناولهم على الترتيب، فيدخل فيه ولد البنين عند عدم ولد الصلب، فإذا ~~لم يكن إلا بنت فلها النصف، وبقي من نصيب البنات السدس، فإذا كان ابن ابن ~~أخذ الباقي كله بالتعصيب للنص، فإن كان معه أخواته شاركنه في الاستحقاق؛ ~~لأنهن معه عصبة، وهذا أحد ما يدل على أن قوله «فلأولى رجل ذكر» لا يمنع أن ~~تأخذ الأنثى إذا كانت عصبة بغيرها، ولهذا أخذت الأخت مع البنت الباقي ~~بالتعصيب؛ لأنها عصبة بها، وإن لم يكن مع البنت إلا بنات ابن فقد كن بصدد ~~أخذ الثلثين لولا البنت، فإذا أخذت النصف فالسدس الباقي لا مانع لهن من ~~أخذه فيفزن به، ألا ترى أنه إذا استكمل البنات الثلثين لم يكن لهن شيء، ولو ~~لم يكن بنات أخذن جميع الثلثين، فإذا قدمت البنت عليهن بالنصف أخذن بقية ~~الثلثين اللذين كن يفزن بهما جميعا لولا البنت، وهذا حكم ms0336 النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # فإن قيل: فمن أين أعطيتم بنات الابن إذا استكمل البنات الثلثين وكان معهن ~~أخوهن، والنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الباقي لأولى رجل ذكر؟ قيل: قد ~~تقدم بيان مستوفى، وأن هذا حكم كل عصبة مع وارث من جنسه في درجته كالأولاد ~~والإخوة بخلاف الأعمام وبني الإخوة. # فإن قيل: فكيف عصب ابن ابن الابن من فوقه وليس في درجته؟ قيل: إذا كان ~~يعصب من هو في درجته مع أنه أنزل ممن فوقه ولا يسقطه فتعصيبه لمن هو فوقه ~~وأقرب منه إلى الميت بطريق الأولى، فإذا كان الأنزل لا يقوى هو على إسقاطه ~~فكيف يقوى على إسقاط الأعلى؟ على أن عبد الله بن مسعود لا يعصب به من في ~~درجته ولا من فوقه، بل يخصه بالباقي. ووجه قولها أنها لا ترث مفردة فلا ترث ~~مع أخيها، كالمحجوبة برق أو كفر، بخلاف ما إذا كانت وارثة كبنت وبنت ابن ~~معها أخوها فإنه يعصبها اتفاقا؛ لأنها وارثة. # وقول الجمهور أصح، فإنها وارثة في الجملة، وهي ممن يستفيد التعصيب ~~بأخيها. وهنا إنما سقط ميراثها بالفرض لاستكمال من فوقها الثلثين، ولا يلزم ~~من سقوط الميراث بالفرض سقوطه بالتعصيب مع قيام موجبه وهو وجود الأخ، وإذا ~~كان وجود الأخ يجعلها عصبة فيمنعها الميراث بالكلية ولولاه ورثت بالفرض وهو ~~الأخ المشئوم فالعدل يقتضي أن يجعلها عصبة فيورثها إذا لم ترث بالفرض وهو ~~الأخ النافع، فهذا محض القياس والميزان، وقد فهمت دلالة الكتاب عليه. # PageV01P281 # والنزاع في الأخت للأب مع الأخت أو الأخوات للأبوين كبنت الابن مع البنت ~~والبنات سواء، وبالله التوفيق. ### | [فصل ميراث الجد مع الإخوة] # المسألة السادسة: ميراث الجد مع الإخوة والقرآن يدل لقول الصديق ومن معه ~~من الصحابة كأبي موسى وابن عباس وابن الزبير وأربعة عشر منهم - رضي الله ~~عنهم -، ووجه دلالة القرآن على هذا القول قوله تعالى: {يستفتونك قل الله ~~يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو ~~يرثها إن لم يكن لها ms0337 ولد} [النساء: 176] إلى آخر الآية، فلم يجعل للإخوة ~~ميراثا إلا في الكلالة. # وقد اختلف الناس في الكلالة، والكتاب يدل على قول الصديق أنها ما عدا ~~الوالد والولد، فإنه - سبحانه - قال في ميراث ولد الأم: {وإن كان رجل يورث ~~كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس} [النساء: 12] فسوى ~~بين ميراث الإخوة في الكلالة، وإن فرق بينهم في جهة الإرث ومقداره، فإذا ~~كان وجود الجد مع الإخوة للأم لا يدخلهم في الكلالة، بل يمنعهم من صدق اسم ~~الكلالة على الميت أو عليهم أو على القرابة، فكيف أدخل ولد الأب في الكلالة ~~ولم يمنعهم وجوده صدق اسمها؟ وهل هذا إلا تفريق محض بين ما جمع الله بينه؟ # يوضحه الوجه الثاني: وهو أن ولد الولد يمنع الإخوة من الميراث، ويخرج ~~المسألة عن كونها كلالة، لدخوله في قوله: {ليس له ولد} [النساء: 176] ونسبة ~~أب الأب إلى الميت كنسبة ولد ولده إليه، فكما أن الولد وإن نزل يخرج ~~المسألة عن الكلالة فكذلك أب الأب وإن علا، ولا فرق بينهما ألبتة. # يوضحه الوجه الثالث: [وهو] أن نسبة الإخوة إلى الجد كنسبة الأعمام إلى ~~أبي الجد، فإن الأخ ابن الأب والعم ابن الجد، فإذا خلف عمه وأبا جده فهو ~~كما لو خلف أخاه وجده سواء، وقد أجمع المسلمون على تقديم أب الجد على العم، ~~فكذلك يجب تقديم الجد على الأخ، وهذا من أبين القياس وإن لم يكن هذا قياسا ~~جليا فليس في الدنيا قياس جلي، # يوضحه الوجه الرابع: وهو أن نسبة ابن الأخ إلى الأخ كنسبة أب الجد إلى ~~الجد، # PageV01P282 # فإذا قال الأخ: أنا أرث مع الجد لأني ابن أب الميت والجد أبو أبيه فكلانا ~~في القرب إليه سواء، صاح ابن الأخ مع أب الجد وقال: أنا ابن ابن أب الميت ~~فكيف حرمتموني مع أبي أبي أبيه ودرجتنا واحدة؟ وكيف سمعتم قول أبي مع الجد ~~ولم تسمعوا قولي مع أبي الجد؟ فإن قيل: أبو الجد جد وإن علا، وليس ابن الأخ ~~أخا. # قيل: فهذا ms0338 حجة عليكم؛ لأنه إذا كان أبو الأب أبا، و [أبو] الجد جدا، فما ~~للإخوة ميراث مع الأب بحال. # فإن قلتم: نحن نجعل أبا الجد جدا، ولا نجعل أبا الأب أبا. # قيل: هكذا فعلتم، وفرقتم بين المتماثلين، وتناقضتم أبين تناقض، وجعلتموه ~~أبا في موضع وأخرجتموه عن الأبوة في موضع. # يوضحه الوجه الخامس: وهو أن نسبة الجد إلى الأب في العمود الأعلى كنسبة ~~ابن الابن إلى الابن في العمود الأسفل، فهذا أبو أبيه، وهذا ابن ابنه، فهذا ~~يدلي إلى الميت بأب الميت، وهذا يدلي إليه بابنه، فكما كان ابن الابن ابنا ~~فكذلك يجب أن يكون أبو الأب أبا، فهذا هو الاعتبار الصحيح من كل وجه وهذا ~~معنى قول ابن عباس: ألا يتقي الله زيد؟ يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أبا ~~الأب أبا؟ # يوضحه الوجه السادس: [وهو] أن الله - سبحانه - سمى الجد أبا في قوله: ~~{ملة أبيكم إبراهيم} [الحج: 78] وقوله: {كما أخرج أبويكم من الجنة} ~~[الأعراف: 27] وقوله: {أنتم وآباؤكم الأقدمون} [الشعراء: 76] وقول يوسف: ~~{واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} [يوسف: 38] وفي حديث المعراج ~~«هذا أبوك آدم وهذا أبوك إبراهيم» «وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لليهود من أبوكم؟ قالوا: فلان، قال: كذبتم، بل أبوكم فلان قالوا: صدقت» . # وسمى ابن الابن ابنا كما في قوله: {يا بني آدم} [الأعراف: 26] و: {يا بني ~~إسرائيل} [البقرة: 40] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ارموا بني ~~إسماعيل فإن أباكم كان راميا» والأبوة والبنوة من الأمور المتلازمة ~~المتضايفة يمتنع ثبوت أحدهما بدون الآخر، فيمتنع ثبوت البنوة لابن الابن ~~إلا مع ثبوت الأبوة لأب الأب. # يوضحه الوجه السابع: وهو أن الجد لو مات ورثه بنو بنيه دون إخوته باتفاق ~~الناس، فهكذا الأب إذا مات يرثه أبو أبيه دون إخوته، وهذا معنى قول عمر ~~لزيد: كيف يرثني أولاد # PageV01P283 # عبد الله دون إخوتي ولا أرثهم دون إخوتهم؟ ، فهذا هو القياس الجلي ~~والميزان الصحيح الذي لا مغمز فيه ولا تطفيف. # يوضحه الوجه الثامن: [وهو] أن قاعدة الفرائض وأصولها إذا كان قرابة ~~المدلي ms0339 من الواسطة من جنس قرابة الواسطة كان أقوى مما إذا اختلف جنس ~~القرابتين، مثال ذلك أن الميت يدلي إليه ابنه بقرابة البنوة، وأبوه يدلي ~~إليه بقرابة الأبوة، فإذا أدلى إليه واحد ببنوة البنوة وإن بعدت كان أقوى ~~ممن يدلي إليه بقرابة بنوة الأبوة وإن قربت، فكذلك قرابة أبوة الأبوة وإن ~~علت أقوى من قرابة بنوة الأب وإن قربت، وقد ظهر اعتبار هذا في تقديم جد ~~الجد وإن علا على ابن الأخ وإن قرب وعلى العم؛ لأن القرابة التي يدلي بها ~~الجد من جنس واحد وهي الأبوة، والقرابة التي يدلي بها الأخ وبنوه من جنسين ~~وهي بنوة الأبوة، ولهذا قدمت قرابة ابن الأخ على قرابة ابن الجد؛ لأنها ~~قرابة بنوة أب، وتلك قرابة بنوة أبي أب، فبين ابن الأخ فيها وبين الميت جنس ~~واحد وهي الأخوة، فبواسطتها وصل إليه، بخلاف العم فإن بينه وبينه جنسين ~~أحدهما الأبوة والثاني بنوتها، وعلى هذه القاعدة بناء باب العصبات. # يوضحه الوجه التاسع: وهو أن كل بني أب أدنى وإن بعدوا عن الميت يقدمون في ~~التعصيب على بني الأب الأعلى وإن كانوا أقرب إلى الميت، فابن ابن ابن الأخ ~~يقدم على العم القريب، وابن ابن ابن العم وإن نزل يقدم على عم الأب، وهذا ~~مما يبين أن الجنس الواحد يقوم أقصاه مقام أدناه، ويقدم الأقصى على من يقدم ~~عليه الأدنى، فيقدم ابن ابن الابن على من يقدم العم، فما بال أب الأب وحده ~~خرج من هذه القاعدة ولم يقدم على من يقدم عليه الأب؟ # وبهذا يظهر بطلان تمثيل الأخ والجد بالشجرة التي خرج منها غصنان والنهر ~~الذي خرج منه ساقيتان، فإن القرابة التي من جنس واحد أقوى من القرابة ~~المركبة من جنسين، وهذه القرابة البسيطة مقدمة على تلك المركبة بالكتاب ~~والسنة والإجماع والاعتبار الصحيح، ثم قياس القرابة على القرابة والأحكام ~~الشرعية على مثلها أولى من قياس قرابة الآدميين على الأشجار والأنهار مما ~~ليس في الأصل حكما شرعيا، ثم نقول: بل النهر الأعلى أولى بالجدول من الجدول ms0340 ~~التي اشتق منه، وأصل الشجرة أولى بغصنها من الغصن الآخر، فإن هذا صنوه ~~ونظيره الذي لا يحتاج إليه، وذلك أصله وحامله الذي يحتاج إليه، واحتياج ~~الشيء إلى أصله أقوى من احتياجه إلى نظيره، فأصله أولى به من نظيره. # يوضحه الوجه العاشر: [وهو] أن هذا القياس لو كان صحيحا لوجب طرده، ولما # PageV01P284 # انتقض، فإن طرده تقديم الإخوة على الجد، فلما اتفق المسلمون على بطلان ~~طرده علم أنه فاسد في نفسه. # يوضحه الوجه الحادي عشر: [وهو] أن الجد يقوم مقام الأب في التعصيب في كل ~~صورة من صوره، ويقدم على كل عصبة يقدم عليه الأب، فما الذي أوجب استثناء ~~الإخوة خاصة من هذه القاعدة؟ # يوضحه الوجه الثاني عشر: [وهو] أنه إن كان الموجب لاستثنائهم قوتهم وجب ~~تقديمهم عليه، وإن كان مساواتهم له في القرب وجب اعتبارها في بنيهم وآبائه ~~لاشتراكهم في السبب الذي اشترك فيه هو والإخوة، وهذا ما لا جواب لهم عنه. # يوضحه الوجه الثالث عشر: وهو أنه قد اتفق الناس على أن الأخ لا يساوي ~~الجد، فإن لهم قولين: # أحدهما: تقديمه عليه. # والثاني: توريثه معه، والمورثون لا يجعلونه كأخ مطلقا، بل منهم من يقاسم ~~به الإخوة إلى الثلث، ومنهم من يقاسمهم به إلى السدس، فإن نقصته المقاسمة ~~عن ذلك أعطوه إياه فرضا وأدخلوا النقص عليهم أو حرموهم، كزوج وأم وجد وأخ، ~~فلو كان الأخ مساويا للجد وأولى منه كما ادعى المورثون أنه القياس لساواه ~~في هذا السدس وقدم عليه، فعلم أن الجد أقوى، وحينئذ فقد اجتمع عصبتان ~~وأحدهما أقوى من الآخر فيقدم عليه. # يوضحه الوجه الرابع عشر: [وهو] أن المورثين للإخوة لم يقولوا في التوريث ~~قولا يدل عليه نص ولا إجماع ولا قياس مع تناقضهم. # وأما المقدمون له على الإخوة فهم أسعد الناس بالنص والإجماع والقياس وعدم ~~التناقض، فإن من المورثين من يزاحم به إلى الثلث، ومنهم من يزاحم به إلى ~~السدس، وليس في الشريعة من يكون عصبة يقاسم عصبة نظيره إلى حد ثم يفرض له ~~بعد ذلك الحد، فلم ms0341 يجعلوه معهم عصبة مطلقا، ولا ذا فرض مطلقا، ولا قدموه ~~عليهم مطلقا، ولا ساووه بهم مطلقا، ثم فرضوا له سدسا أو ثلثا بغير نص ولا ~~إجماع ولا قياس ثم حسبوا عليه الإخوة من الأب ولم يعطوهم شيئا إذا كان هناك ~~إخوة لأبوين، ثم جعلوا الأخوات معه عصبة إلا في صورة واحدة فرضوا فيها ~~للأخت، ثم لم يهنوها بما فرضوا لها، بل عادوا عليها بالإبطال فأخذوه وأخذوا ~~ما أصابه فقسموه بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ثم أعالوا هذه المسألة خاصة ~~من مسائل الجد والإخوة، ولم يعيلوا غيرها، ثم ردوها بعد العول إلى التعصيب ~~وسلم المقدمون له على الإخوة من هذا كله مع فوزهم بدلالة الكتاب والسنة ~~والقياس ودخولهم في حزب الصديق. # PageV01P285 # يوضحه الوجه الخامس عشر: [وهو] أن الصديق لم يختلف عليه أحد من الصحابة ~~في عهده أنه مقدم على الإخوة، قال البخاري في صحيحه في باب ميراث الجد مع ~~الإخوة: وقال أبو بكر وابن عباس وابن الزبير: الجد أب، وقرأ ابن عباس: {يا ~~بني آدم} [الأعراف: 26] {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} [يوسف: ~~38] ولم يذكر أن أحدا خالف أبا بكر في زمانه، وأصحاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - متوافرون. # وقال ابن عباس: يرثني ابن ابني دون إخوتي ولا أرث أنا ابن ابني؟ ، ويذكر ~~عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت أقاويل مختلفة، انتهى. # وقال عبد الرزاق: ثنا ابن جريج قال: سمعت ابن أبي مليكة يحدث «أن ابن ~~الزبير كتب إلى أهل العراق إن الذي قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~لو كنت متخذا خليلا حتى ألقى الله سوى الله لاتخذت أبا بكر خليلا» كان يجعل ~~الجد أبا. # وقال الدارمي في صحيحه: ثنا سالم بن إبراهيم ثنا وهيب ثنا أيوب عن عكرمة ~~عن ابن عباس «قال: جعله الذي قال: له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو ~~كنت متخذا خليلا لاتخذته خليلا ولكن أخوة الإسلام أفضل» يعني أبا بكر جعله ~~أبا، ثنا محمد بن يوسف عن إسرائيل عن أبي إسحاق ms0342 عن أبي بردة قال: لقيت ~~مروان بن الحكم بالمدينة فقال: يا ابن أبي موسى ألم أخبر أن الجد لا ينزل ~~فيكم منزلة الأب وأنت لا تنكر؟ قال: قلت: لو كنت أنت لم تنكر، قال مروان ~~فأنا أشهد على عثمان بن عفان أنه شهد على أبي بكر أنه جعل الجد أبا إذا لم ~~يكن دونه أب. # ثنا يزيد بن هارون ثنا أشعث عن عروة عن الحسن قال: إن الجد قد مضت فيه ~~سنة، وإن أبا بكر جعل الجد أبا، ولكن الناس تحيروا. # وقال حماد بن سلمة: ثنا هشام بن عروة عن عروة عن مروان قال لي عثمان بن ~~عفان إن عمر قال لي: إني قد رأيت في الجد رأيا، فإن رأيتم أن تتبعوه ~~فاتبعوه، فقال عثمان: إن نتبع رأيك فهو رشد، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك فنعم ~~ذو الرأي كان، قال: وكان أبو بكر يجعله أبا والمورثون للإخوة بعدهم عمر ~~وعثمان وعلي وزيد وابن مسعود، فأما عمر فإن أقواله اضطربت فيه، وكان قد كتب ~~كتابا في ميراثه، فلما طعن دعا به فمحاه. # وقال الخشني: عن محمد بن يسار عن محمد بن أبي عدي عن شعبة عن يحيى بن ~~سعيد عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر حين طعن: إني لم أقض في الجد شيئا. # وقال وكيع: عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: مات ابن لابن عمر بن الخطاب، ~~فدعا زيد بن ثابت فقال: شعب ما كنت تشعب؛ لأني أعلم أني أولى به منهم. # وأما علي - كرم الله وجهه - فقال عبد الرزاق: عن معمر ثنا أيوب عن سعيد ~~بن جبير عن رجل من مراد قال: سمعت عليا يقول: من سره أن يتقحم جراثيم جهنم ~~فليقض بين الجد والإخوة. # وأما عثمان وابن مسعود فقال البغوي: ثنا حجاج بن المنهال ثنا حماد بن ~~سلمة # PageV01P286 # أخبرنا الليث بن أبي سليم عن طاوس أن عثمان وعبد الله بن مسعود قالا: ~~الجد بمنزلة الأب. # فهذه أقوال المورثين كما ترى قد اختلفت في أصل توريثهم معه، ms0343 واضطربت في ~~كيفية التوريث، وخالفت دلالة الكتاب والسنة والقياس الصحيح، بخلاف قول ~~الصديق ومن معه. # يوضحه الوجه السادس عشر: [وهو] أن الناس اليوم قائلان: قائل بقول أبي بكر ~~وقائل بقول زيد، ولكن قول الصديق هو الصواب وقول زيد بخلافه، فإنه يتضمن ~~تعصيب الجد للأخوات وهو تعصيب الرجل جنسا آخر ليسوا من جنسه، وهذا أصل له ~~في الشريعة، إنما يعرف في الشريعة تعصيب الرجال للنساء إذا كانوا من جنس ~~واحد كالبنين والبنات والإخوة والأخوات، ولا ينتقض هذا بالأخوات مع البنات ~~فإن الرجال لم يعصبوهن، وإنما عصبهن البنات، ولما كان تعصيب البنين أقوى ~~كان الميراث لهم دون الأخوات، بخلاف قول من عصب الأخوات بالجد، فإنه عصبهن ~~بجنس آخر أقوى تعصيبا منهن، وهذا لا عهد به في الشريعة ألبتة. # يوضحه الوجه السابع عشر: [وهو] أن الجد والإخوة لو اجتمعوا في التعصيب ~~لكانوا إما من جنس واحد أو من جنسين، وكلاهما باطل، أما الأول فظاهر ~~البطلان لوجهين: أحدهما: اختلاف جهة التعصيب. # والثاني: أنهم لو كانوا من جنس واحد لاستووا في الميراث والحرمان كالإخوة ~~والأعمام وبنيهم إذا انفردوا، وهذا هو التعصيب المعقول في الشريعة، وأما ~~الثاني فبطلانه أظهر، إذ قاعدة الفرائض أن العصبة لا يرثون في المسألة إلا ~~إذا كانوا من جنس واحد، وليس لنا عصبة من جنسين يرثان مجتمعين قط، بل هو ~~محال، فإن العصبة حكمة أن يأخذ ما بقي بعد الفروض، فإذا كان هذا حكم هذا ~~الجنس وجب أن يأخذ دون الآخر، وكذلك الجنس الآخر فيفضي أحدهما إلى ~~حرمانهما، واشتراكهما ممتنع لاختلاف الجنس، وهذا ظاهر جدا. # يوضحه الوجه الثامن عشر: [وهو] أن الجد أب في باب الشهادة وفي باب سقوط ~~القصاص، وأب في باب المنع من دفع الزكاة إليه، وأب في باب وجوب إعتاقه على ~~ولد ولده، وأب في باب سقوط القطع في السرقة، وأب عند الشافعي في باب ~~الإجبار في النكاح، وفي باب الرجوع في الهبة، وفي باب العتق بالملك، وفي ~~باب الإجبار على النفقة، وفي باب إسلام ابن ابنه تبعا لإسلامه، ms0344 وأب عند ~~الجميع في باب الميراث عند عدم # PageV01P287 # الأب فرضا وتعصيبا في غير محل النزاع، فما الذي أخرجه عن أبوته في باب ~~الجد والإخوة؟ فإن اعتبرنا تلك الأبواب فالأمر في أبوته في محل النزاع ~~ظاهر، وإن اعتبرنا باب الميراث فالأمر أظهر وأظهر. # يوضحه الوجه التاسع عشر: [وهو] أن الذين ورثوا الإخوة معه إنما ورثوهم ~~لمساواة تعصيبه لتعصيبهم، ثم نقضوا الأصل: فقدموا تعصيبهم على تعصيبه في ~~باب الولاء وأسقطوه بالإخوة لقوة تعصيبهم عندهم، ثم نقضوا ذلك أيضا فقدموا ~~الجد عليهم في باب ولاية النكاح، وأسقطوا تعصيبهم بتعصيبه، وهذا غاية ~~التناقض والخروج عن القياس لا بنص ولا إجماع. # يوضحه الوجه العشرون: وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألحقوا ~~الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر» فإذا خلفت المرأة زوجها وأمها ~~وأخاها وجدها، فإن كان الأخ أولى رجل ذكر فهو أحق بالباقي، وإن كانا سواء ~~في الأولوية وجب اشتراكهما فيه، وإن كان الجد أولى وهو الحق الذي لا ريب ~~فيه فهو أولى به، وإذا كان الجد أولى رجل ذكر وجب أن ينفرد بالباقي بالنص، ~~وهذا الوجه كاف وبالله التوفيق. # وليس القصد هذه المسألة بعينها، بل بيان دلالة النص والاكتفاء به عما ~~عداه، وأن القياس شاهد وتابع، لا أنه مستقل في إثبات حكم من الأحكام لم تدل ~~عليه النصوص. # ومن ذلك الاكتفاء بقوله: «كل مسكر خمر» عن إثبات التحريم بالقياس في ~~الاسم أو في الحكم كما فعله من لم يحسن الاستدلال بالنص. # ومن ذلك الاكتفاء بقوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: ~~38] عن إثبات قطع النباش بالقياس اسما أو حكما، إذ السارق يعني في لغة ~~العرب وعرف الشارع سارق ثياب الأحياء والأموات. # ومن ذلك الاكتفاء بقوله: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] في ~~تناوله لكل يمين منعقدة يحلف بها المسلمون، من غير تخصيص إلا بنص أو إجماع، ~~وقد بين ذلك - سبحانه - في قوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة: 89] فهذا ~~صريح في أن ms0345 كل يمين منعقدة فهذا كفارتها، وقد أدخلت الصحابة في هذا النص ~~الحلف بالتزام الواجبات والحلف بأحب القرابات المالية إلى الله وهو العتق، ~~كما ثبت ذلك عن سنة منهم ولا مخالف لهم من بقيتهم، وأدخلت فيه الحلف ~~بالبغيض إلى الله وهو الطلاق كما # PageV01P288 # ثبت ذلك عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه في الجنة - ولا مخالف له ~~منهم، فالواجب تحكيم هذا النص العام والعمل بعمومه حتى يثبت إجماع الأمة ~~إجماعا متيقنا على خلافه، فالأمة لا تجمع على خطأ ألبتة. # ومن ذلك الاكتفاء بقوله - صلى الله عليه وسلم - «من عمل عملا ليس عليه ~~أمرنا فهو رد» في إبطال كل عقد نهى الله ورسوله عنه وحرمه، وأنه لغو لا ~~يعتد به، نكاحا كان أو طلاقا أو غيرهما، إلا أن تجمع الأمة إجماعا معلوما ~~على أن بعض ما نهى الله ورسوله عنه وحرمه من العقود صحيح لازم معتد به غير ~~مردود، فهي لا تجمع على خطأ، وبالله التوفيق. # ومن ذلك الاكتفاء لقوله تعالى: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم} [الأنعام: ~~119] مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» فكل ~~ما لم يبين الله ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - تحريمه من المطاعم ~~والمشارب والملابس والعقود والشروط فلا يجوز تحريمها، فإن الله - سبحانه - ~~قد فصل لنا ما حرم علينا، فما كان من هذه الأشياء حراما فلا بد أن يكون ~~تحريمه مفصلا، وكما أنه لا يجوز إباحة ما حرمه الله فكذلك لا يجوز تحريم ما ~~عفا عنه ولم يحرمه، وبالله التوفيق. ### | [فصل ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس] # الفصل الثاني: [ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس] # في بيان أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس وأن ما يظن مخالفته ~~للقياس فأحد الأمرين لازم فيه ولا بد: إما أن يكون القياس فاسدا، أو يكون ~~ذلك الحكم لم يثبت بالنص كونه من الشرع. # وسألت شيخنا - قدس الله روحه - عما يقع في كلام كثير من الفقهاء من قولهم ~~" هذا خلاف ms0346 القياس " لما ثبت بالنص أو قول الصحابة أو بعضهم، وربما كان ~~مجمعا عليه، كقولهم: طهارة الماء إذا وقعت فيه نجاسة [على] خلاف القياس، ~~وتطهير النجاسة على خلاف القياس، والوضوء من لحوم الإبل، والفطر بالحجامة، ~~والسلم، والإجارة، والحوالة، والكتابة، والمضاربة، والمزارعة، والمساقاة، ~~والقرض، وصحة صوم الآكل الناسي، والمضي في الحج الفاسد، كل ذلك على خلاف ~~القياس، فهل ذلك صواب أم لا؟ فقال: ليس في الشريعة ما يخالف القياس، وأنا ~~أذكر ما حصلته من جوابه بخطه ولفظه، وما فتح الله - سبحانه - لي بيمن ~~إرشاده، وبركة تعليمه، وحسن بيانه وتفهيمه # PageV01P289 # [لفظ القياس مجمل] # أصل هذا أن تعلم أن لفظ القياس لفظ مجمل، يدخل فيه القياس الصحيح ~~والفاسد، والصحيح هو الذي وردت به الشريعة، وهو الجمع بين المتماثلين ~~والفرق بين المختلفين، فالأول قياس الطرد، والثاني قياس العكس، وهو من ~~العدل الذي بعث الله به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فالقياس الصحيح مثل ~~أن تكون العلة التي علق بها الحكم في الأصل موجودة في الفرع من غير معارض ~~في الفرع يمنع حكمها، ومثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه قط، وكذلك ~~القياس بإلغاء الفارق، وهو: أن لا يكون بين الصورتين فرق مؤثر في الشرع، ~~فمثل هذا القياس أيضا لا تأتي الشريعة بخلافه، وحيث جاءت الشريعة باختصاص ~~بعض الأحكام بحكم يفارق به نظائره فلا بد أن يختص ذلك النوع بوصف يوجب ~~اختصاصه بالحكم ويمنع مساواته لغيره، لكن الوصف الذي اختص به ذلك النوع قد ~~يظهر لبعض الناس وقد لا يظهر، وليس من شرط القياس الصحيح أن يعلم صحته كل ~~أحد. # فمن رأى شيئا من الشريعة مخالفا للقياس فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد ~~في نفسه، ليس مخالفا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر، وحيث علمنا أن ~~النص ورد بخلاف قياس علمنا قطعا أنه قياس فاسد، بمعنى أن صورة النص امتازت ~~عن تلك الصور التي يظن أنها مثلها بوصف أوجب تخصيص الشارع لها بذلك الحكم، ~~فليس في الشريعة ما يخالف قياسا صحيحا، ولكن يخالف القياس الفاسد، وإن ms0347 كان ~~بعض الناس لا يعلم فساده، ونحن نبين ذلك فيما ذكر في السؤال. # [شبهة من ظن خلاف القياس وردها] # فالذين قالوا: " المضاربة والمساقاة والمزارعة على خلاف القياس " ظنوا أن ~~هذه العقود من جنس الإجارة؛ لأنها عمل بعوض، والإجارة يشترط فيها العلم ~~بالعوض والمعوض، فلما رأوا العمل والربح في هذه العقود غير معلومين قالوا: ~~هي على خلاف القياس، وهذا من غلطهم، فإن هذه العقود من جنس المشاركات، لا ~~من جنس المعاوضات المحضة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، والمشاركات ~~جنس غير جنس المعاوضات، وإن كان فيها شوب المعاوضة، وكذلك المقاسمة جنس غير ~~جنس المعاوضة المحضة، وإن كان فيها شوب المعاوضة حتى ظن بعض الفقهاء أنها ~~بيع يشترط فيها شروط البيع الخاص. # وإيضاح هذا أن العمل الذي يقصد به المال ثلاثة أنواع: # PageV01P290 # العمل المقصود به المال على ثلاثة أنواع] : أحدها: أن يكون العمل مقصودا ~~معلوما مقدورا على تسليمه، فهذه الإجارة اللازمة. # الثاني: أن يكون العمل مقصودا، لكنه مجهول أو غرر، فهذه الجعالة، وهي عقد ~~جائز ليس بلازم، فإذا قال " من رد عبدي الآبق فله مائة " فقد يقدر على رده ~~وقد لا يقدر، وقد يرده من مكان قريب أو بعيد، فلهذا لم تكن لازمة، لكن هي ~~جائزة، فإن عمل العمل استحق الجعل، وإلا فلا، ويجوز أن يكون الجعل فيها إذا ~~حصل بالعمل جزءا شائعا ومجهولا جهالة لا تمنع التسليم، كقول أمير الغزو " ~~من دل على حصن فله ثلث ما فيه " أو يقول للسرية التي يسير بها " لكم خمس ما ~~تغنمون أو ربعه ". # وتنازعوا في السلب: هل هو مستحق بالشرع كقول الشافعي أو بالشرط كقول أبي ~~حنيفة ومالك؟ على قولين، وهما روايتان عن أحمد، فمن جعله مستحقا بالشرط ~~جعله من هذا الباب، ومن ذلك إذا جعل للطبيب جعلا على الشفاء جاز، كما أخذ ~~أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - القطيع من الشاء الذي جعله لهم سيد ~~الحي، فرقاه أحدهم حتى برئ، والجعل كان على الشفاء لا على القراءة، ولو ~~استأجر طبيبا إجارة لازمة على ms0348 الشفاء لم يصح؛ لأن الشفاء غير مقدور له، فقد ~~يشفيه الله وقد لا يشفيه، فهذا ونحوه مما تجوز فيه الجعالة، دون الإجارة ~~اللازمة. # فصل # وأما النوع الثالث فهو: ما لا يقصد فيه العمل، بل المقصود فيه المال، وهو ~~المضاربة، فإن رب المال ليس له قصد في نفس عمل العامل كالمجاعل، والمستأجر ~~له قصد في عمل العامل، ولهذا لو عمل ما عمل ولم يربح شيئا لم يكن له شيء، ~~وإن سمى هذا جعالة بجزء مما يحصل من العمل كان نزاعا لفظيا، بل هذه مشاركة: ~~هذا بنفع ماله، وهذا بنفع بدنه، وما قسم الله من ربح كان بينهما على ~~الإشاعة، ولهذا لا يجوز أن يختص أحدهما بربح مقدر؛ لأن هذا يخرجهما عن ~~العدل الواجب في الشركة، وهذا هو الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- من المزارعة، فإنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها، وهو ما نبت ~~على الماذيانات وأقبال الجداول ونحو ذلك، فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عنه، ولهذا قال الليث بن سعد وغيره: إن الذي نهى عنه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر لو نظر فيه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز، ~~فتبين أن النهي عن ذلك موجب القياس، فإن هذا لو شرط في المضاربة لم يجز، ~~فإن مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين، فإذا خص أحدهما بربح دون الآخر ~~لم # PageV01P291 # يكن ذلك عدلا، بخلاف ما إذا كان لكل منهما جزء شائع فإنهما يشتركان في ~~المغنم والمغرم، فإن حصل ربح اشتركا فيه، وإن لم يحصل شيء اشتركا في ~~المغرم، وذهب نفع بدن هذا كما ذهب نفع مال هذا، ولهذا كانت الوضيعة على ~~المال؛ لأن ذلك في مقابلة ذهاب نفع المال، ولهذا كان الصواب أنه يجب في ~~المضاربة الفاسدة بربح المثل، فيعطى العامل ما جرت العادة أن يعطاه مثله ~~إما نصفه أو ثلثه. # فأما أن يعطى شيئا مقدرا مضمونا في ذمة المالك كما يعطى في الإجارة ~~والجعالة فهذا غلط ممن قاله، وسبب غلطه ظنه أن هذه ms0349 إجارة فأعطاه في فاسدها ~~عوض المثل كما يعطيه في الصحيح المسمى، ومما يبين غلط هذا القول أن العامل ~~قد يعمل عشر سنين أو أكثر، فلو أعطي أجرة المثل أعطي أضعاف رأس المال، وهو ~~في الصحيحة لا يستحق إلا جزءا من الربح إن كان هناك ربح، فكيف يستحق في ~~الفاسدة أضعاف ما يستحقه في الصحيحة؟ # وكذلك الذين أبطلوا المزارعة والمساقاة ظنوا أنهما إجارة بعوض مجهول ~~فأبطلوهما، وبعضهم صحح منهما ما تدعو إليه الحاجة كالمساقاة على الشجر لعدم ~~إمكان إجارتها بخلاف الأرض فإنه يمكن إجارتها، وجوزوا من المزارعة ما يكون ~~تبعا للمساقاة إما مطلقا وإما إذا كان البياض الثلث، وهذا كله بناء على أن ~~مقتضى الدليل بطلان المزارعة، وإنما جوزت للحاجة. # ومن أعطى النظر حقه علم أن المزارعة أبعد عن الظلم والغرر من الإجارة ~~بأجرة مسماة مضمونة في الذمة، فإن المستأجر إنما يقصد الانتفاع بالزرع ~~النابت في الأرض، فإذا لزمته الأجرة ومقصوده من الزرع قد يحصل وقد لا يحصل ~~كان في هذا حصول أحد المعاوضين على مقصوده دون الآخر، فأحدهما غانم ولا بد، ~~والآخر متردد بين المغنم والمغرم، وأما المزارعة فإن حصل الزرع اشتركا فيه، ~~وإن لم يحصل شيء اشتركا في الحرمان، فلا يختص أحدهما بحصول مقصوده دون ~~الآخر، فهذا أقرب إلى العدل وأبعد عن الظلم والغرر من الإجارة. # [الأصل في جميع العقود العدل] # والأصل في العقود كلها إنما هو العدل الذي بعثت به الرسل وأنزلت به ~~الكتب، قال - تعالى -: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد: 25] والشارع نهى عن الربا لما فيه ~~من الظلم، وعن الميسر لما فيه من الظلم، والقرآن جاء بتحريم هذا وهذا، ~~وكلاهما أكل المال بالباطل، وما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~المعاملات - كبيع الغرر، وبيع الثمر قبل بدو صلاحه، وبيع السنين، وبيع حبل ~~الحبلة، وبيع المزابنة، والمحاقلة، وبيع الحصاة، وبيع الملاقيح والمضامين، ~~ونحو ذلك - هي داخلة إما في الربا وإما في الميسر، فالإجارة بالأجرة ~~المجهولة مثل أن يكريه الدار ms0350 بما # PageV01P292 # يكسبه المكتري في حانوته من المال هو من الميسر. # وأما المضاربة والمساقاة والمزارعة فليس فيها شيء من الميسر، بل هي من ~~أقوم العدل، وهو مما يبين لك أن المزارعة التي يكون فيها البذر من العامل ~~أولى بالجواز من المزارعة التي يكون فيها البذر من رب الأرض، ولهذا كان ~~أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يزارعون على هذا الوجه، وكذلك عامل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على ~~أن يعملوها من أموالهم، والذين اشترطوا أن يكون البذر من رب الأرض قاسوا ~~ذلك على المضاربة، فقالوا: المضاربة فيها المال من واحد والعمل من آخر، ~~فكذلك المزارعة ينبغي أن يكون البذر فيها من مالك الأرض، وهذا القياس - مع ~~أنه مخالف للسنة الصحيحة ولأقوال الصحابة - فهو من أفسد القياس، فإن المال ~~في المضاربة يرجع إلى صاحبه، ويقتسمان الربح، فهذا نظير الأرض في المزارعة. # وأما البذر الذي لا يعود نظيره إلى صاحبه بل يذهب كما يذهب نفع الأرض ~~فإلحاقه بالنفع الذاهب أولى من إلحاقه بالأصل الباقي، فالعامل إذا أخرج ~~البذر ذهب عمله وبذره، ورب الأرض يذهب نفع أرضه، وبدن هذا كأرض هذا، فمن ~~جعل البذر كالمال في المضاربة كان ينبغي له أن يعيد مثل هذا البذر إلى ~~صاحبه، كما قال مثل ذلك في المضاربة، فكيف ولو اشترط رب البذر عود نظيره لم ~~يجوزوا ذلك؟ . ### | [فصل الحوالة موافقة للقياس] # ] : وأما الحوالة فالذين قالوا: " إنها على خلاف القياس " قالوا: هي بيع ~~دين بدين، والقياس يأباه، وهذا غلط من وجهين: أحدهما: أن بيع الدين بالدين ~~ليس فيه نص عام ولا إجماع، وإنما ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، ~~والكالئ: هو المؤخر الذي لم يقبض، كما لو أسلم شيئا في شيء في الذمة، ~~وكلاهما مؤخر، فهذا لا يجوز بالاتفاق، وهو بيع كالئ بكالئ. # وأما بيع الدين بالدين فينقسم إلى بيع واجب بواجب كما ذكرنا، وهو ممتنع، ~~وينقسم إلى بيع ساقط بساقط، وساقط بواجب، وواجب بساقط، وهذا فيه نزاع. # قلت: الساقط ms0351 بالساقط في صورة المقاصة، والساقط بالواجب كما لو باعه دينا ~~له في ذمته بدين آخر من غير جنسه، فسقط الدين المبيع ووجب عوضه، وهي بيع ~~الدين ممن هو في ذمته، وأما بيع الواجب بالساقط فكما لو أسلم إليه في كر ~~حنطة بعشرة دراهم في ذمته فقد وجب له عليه دين وسقط له عنه دين غيره، وقد ~~حكي الإجماع على امتناع هذا، ولا # PageV01P293 # إجماع فيه. قاله شيخنا واختار جوازه، وهو الصواب، إذ لا محذور فيه، وليس ~~بيع كالئ بكالئ فيتناوله النهي بلفظه ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى، ~~فإن المنهي عنه قد اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة فإنه لم يتعجل أحدهما ما ~~يأخذه فينتفع بتعجيله وينتفع صاحب المؤخر بربحه، بل كلاهما اشتغلت ذمته ~~بغير فائدة. # وأما ما عداه من الصور الثلاث فلكل منهما غرض صحيح ومنفعة مطلوبة، وذلك ~~ظاهر في مسألة التقاص، فإن ذمتهما تبرأ من أسرها، وبراءة الذمة مطلوب لهما ~~وللشارع، فأما في الصورتين الأخيرتين فأحدهما يعجل براءة ذمته والآخر ينتفع ~~بما يربحه، وإذا جاز أن يشغل أحدهما ذمته والآخر يحصل على الربح - وذلك في ~~بيع العين بالدين - جاز أن يفرغها من دين ويشغلها بغيره، وكأنه شغلها به ~~ابتداء إما بقرض أو بمعاوضة، فكانت ذمته مشغولة بشيء، فانتقلت من شاغل إلى ~~شاغل، وليس هناك بيع كالئ بكالئ، وإن كان بيع دين بدين فلم ينه الشارع عن ~~ذلك لا بلفظه ولا بمعنى لفظه، بل قواعد الشرع تقتضي جوازه، فإن الحوالة ~~اقتضت نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فقد عاوض ~~المحيل المحتال من دينه بدين آخر في ذمة ثالث، فإذا عاوضه من دينه على دين ~~آخر في ذمته كان أولى بالجواز وبالله التوفيق. # رجعنا إلى كلام شيخ الإسلام، قال: الوجه الثاني - يعني مما يبين أن ~~الحوالة على وفق القياس -: أن الحوالة من جنس إيفاء الحق، لا من جنس البيع، ~~فإن صاحب الحق إذا استوفى من المدين ماله كان هذا استيفاء، فإذا أحاله على ~~غيره كان قد استوفى ذلك ms0352 الدين عن الدين الذي في ذمة المحيل، ولهذا ذكر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - الحوالة في معرض الوفاء، فقال في الحديث ~~الصحيح «مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على ملي فليتبع» فأمر المدين ~~بالوفاء، ونهاه عن المطل، وبين أنه ظالم إذا مطل، وأمر الغريم بقبول الوفاء ~~إذا أحيل على ملي، وهذا كقوله - تعالى -: {فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان} [البقرة: 178] أمر المستحق أن يطالب بالمعروف، وأمر المدين أن يؤدي ~~بإحسان، ووفاء الدين ليس هو البيع الخاص وإن كان فيه شوب المعاوضة. # وقد ظن بعض الفقهاء أن الوفاء إنما يحصل باستيفاء الدين بسبب أن الغريم ~~إذا قبض الوفاء صار في ذمة المدين مثله، ثم إنه يقاص ما عليه بماله، وهذا ~~تكلف أنكره جمهور الفقهاء، وقالوا: بل نفس المال الذي قبض يحصل به الوفاء، ~~ولا حاجة أن يقدر في ذمة المستوفى دينا، وأولئك قصدوا أن يكون وفاء دين ~~بدين مطلق، وهذا لا حاجة إليه فإن الدين من جنس المطلق الكلي، والمعين من ~~جنس المعين، فمن ثبت في ذمته دين مطلق كلي فالمقصود منه هو الأعيان ~~الموجودة، وأي معين استوفاه حصل به المقصود من ذلك الدين المطلق # PageV01P294 ### | [فصل القرض على وفق القياس] # وأما القرض فمن قال " إنه على خلاف القياس " فشبهته أنه بيع ربوي بجنسه ~~مع تأخر القبض، وهذا غلط، فإن القرض من جنس التبرع بالمنافع كالعارية، ~~ولهذا سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - منيحة فقال «أو منيحة ذهب أو ~~منيحة ورق» وهذا من باب الإرفاق، لا من باب المعاوضات، فإن باب المعاوضات ~~يعطي كل منهما أصل المال على وجه لا يعود إليه، وباب القرض من جنس باب ~~العارية والمنيحة وإفقار الظهر مما يعطي فيه أصل المال لينتفع بما يستخلف ~~منه ثم يعيده إليه بعينه إن أمكن وإلا فنظيره ومثله، فتارة ينتفع بالمنافع ~~كما في عارية العقار وتارة يمنحه ماشية ليشرب لبنها ثم يعيدها أو شجرة ~~ليأكل ثمرها ثم يعيدها، وتسمى العرية، فإنهم يقولون: أعراه الشجرة، وأعاره ~~المتاع، ومنحه الشاة، وأفقره الظهر، وأقرضه الدراهم. ms0353 # واللبن والثمر لما كان يستخلف شيئا بعد شيء كان بمنزلة المنافع، ولهذا ~~كان في الوقف يجري مجرى المنافع، وليس هذا من باب البيع في شيء، بل هو من ~~باب الإرفاق والتبرع والصدقة، وإن كان المقرض قد ينتفع أيضا بالقرض كما في ~~مسألة السفتجة، ولهذا كرهها من كرهها، والصحيح أنها لا تكره؛ لأن المنفعة ~~لا تخص المقرض، بل ينتفعان بها جميعا. ### | [فصل إزالة النجاسة على وفق القياس] # وأما إزالة النجاسة فمن قال " إنها على خلاف القياس " فقوله من أبطل ~~الأقوال وأفسدها، وشبهته أن الماء إذا لاقى نجاسة تنجس بها، ثم لاقى الثاني ~~والثالث كذلك، وهلم جرا، والنجس لا يزيل نجاسة، وهذا غلط، فإنه يقال: فلم ~~قلتم: إن القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسة نجس؟ فإن قلتم: الحكم في ~~بعض الصور كذلك، قيل: هذا ممنوع عند من يقول: إن الماء لا ينجس إلا ~~بالتغير. # فإن قيل: فيقاس ما لم يتغير على " ما تغير. # قيل: هذا من أبطل القياس حسا وشرعا، وليس جعل الإزالة مخالفة للقياس ~~بأولى من جعل تنجيس الماء مخالفا للقياس " بل يقال: إن القياس يقتضي أن ~~الماء إذا لاقى نجاسة لا ينجس، كما أنه إذا لاقاها حال الإزالة لا ينجس، ~~فهذا القياس أصح من ذلك القياس؛ لأن النجاسة تزول بالماء حسا وشرعا، وذلك ~~معلوم بالضرورة من الدين بالنص # PageV01P295 # والإجماع. # وأما تنجيس الماء بالملاقاة فمورد نزاع، فكيف يجعل مورد النزاع حجة على ~~مواقع الإجماع؟ والقياس يقتضي رد موارد النزاع إلى مواقع الإجماع، وأيضا ~~فالذي تقتضيه العقول أن الماء إذا لم تغيره النجاسة لا ينجس، فإنه باق على ~~أصل خلقته، وهو طيب، فيدخل في قوله: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث} [الأعراف: 157] وهذا هو القياس في المائعات جميعها إذا وقع فيها ~~نجاسة فاستحالت بحيث لم يظهر لها لون ولا طعم ولا ريح. # وقد تنازع الفقهاء: هل القياس يقتضي نجاسة الماء بملاقاة النجاسة إلا ما ~~استثناه الدليل، أو القياس يقتضي أنه لا ينجس إذا لم يتغير؟ على قولين، ~~والأول قول أهل العراق، ms0354 والثاني قول أهل الحجاز، وفقهاء الحديث منهم من ~~يختار هذا ومنهم من يختار هذا. # وقول أهل الحجاز هو الصواب الذي تدل عليه الأصول والنصوص والمعقول، فإن ~~الله - سبحانه - أباح الطيبات وحرم الخبائث، والطيب والخبيث يثبت للمحل ~~باعتبار صفات قائمة به، فما دامت تلك الصفة فالحكم تابع لها، فإذا زالت ~~وخلفتها الصفة الأخرى زال الحكم وخلفه ضده، فهذا هو محض القياس والمعقول، ~~فهذا الماء والطعام كان طيبا لقيام الصفة الموجبة لطيبه، فإذا زالت تلك ~~الصفة وخلفتها صفة الخبث عاد خبيثا، فإذا زالت صفة الخبث عاد إلى ما كان ~~عليه، وهذا كالعصير الطيب إذا تخمر صار خبيثا فإذا عاد إلى ما كان عليه عاد ~~طيبا، والماء الكثير إذا تغير بالنجاسة صار خبيثا فإذا زال التغير عاد ~~طيبا، والرجل المسلم إذا ارتد صار خبيثا فإذا عاد إلى الإسلام عاد طيبا. # والدليل على أنه طيب الحس والشرع: أما الحس فلأن الخبث لم يظهر له فيه ~~أثر بوجه ما، لا في لون ولا طعم ولا رائحة، ومحال صدق المشتق بدون المشتق ~~منه. وأما الشرع فمن وجوه: أحدها أنه كان طيبا قبل ملاقاته لما يتأثر به، ~~والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت رفعه وهذا يتضمن أنواع الاستصحاب ~~الثلاثة المتقدمة: استصحاب براءة الذمة من الإثم بتناوله شربا أو طبخا أو ~~عجنا، وملابسة استصحاب الحكم الثابت وهو الطهارة، واستصحاب حكم الإجماع في ~~محل النزاع. # الثاني: أنه لو شرب هذا الماء الذي قطرت فيه قطرة من خمر مثل رأس الذبابة ~~لم يحد اتفاقا، ولو شربه صبي وقد قطرت فيه قطرة من لبن لم تنشر الحرمة، فلا ~~وجه للحكم بنجاسته لا من كتاب ولا من سنة ولا قياس. # والذين قالوا: " إن الأصل نجاسة الماء بالملاقاة " تناقضوا أعظم تناقض، ~~ولم يمكنهم طرد هذا الأصل: فمنهم من استثنى مقدار القلتين على خلافهم فيها، ~~ومنهم من استثنى ما لا يمكن نزحه، ومنهم من استثنى ما إذا حرك أحد طرفيه لم ~~يتحرك الطرف الآخر، ومنهم # PageV01P296 # من استثنى الجاري خاصة، وفرقوا بين ms0355 ملاقاة الماء في الإزالة إذا ورد على ~~النجاسة وملاقاتها له إذا وردت عليه بفروق: منها أنه وارد على النجاسة فهو ~~فاعل وإذا وردت عليه فهو مورود منفعل وهو أضعف، ومنها أنه إذا كان واردا ~~فهو جار والجاري له قوة، ومنها أنه إذا كان واردا فهو في محل التطهير وما ~~دام في محل التطهير فله عمل وقوة، والصواب أن مقتضى القياس أن الماء لا ~~ينجس إلا بالتغير، وأنه إذا تغير في محل التطهير فهو نجس أيضا، وهو في حال ~~تغيره لم يزلها، وإنما خففها، ولا تحصل الإزالة المطلوبة إلا إذا كان غير ~~متغير، وهذا هو القياس في المائعات كلها: أن يسير النجاسة إذا استحالت في ~~الماء ولم يظهر لها فيه لون ولا طعم ولا رائحة فهي من الطيبات لا من ~~الخبائث. # وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الماء لا ينجس» وصح ~~عنه أنه قال: «إن الماء لا يجنب» وهما نصان صريحان في أن الماء لا ينجس ~~بالملاقاة، ولا يسلب طهوريته استعماله في إزالة الحدث، ومن نجسه بالملاقاة ~~أو سلب طهوريته بالاستعمال فقد جعله ينجس ويجنب، والنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ثبت عنه في صحيح البخاري أنه «سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: ألقوها ~~وما حولها وكلوه» ولم يفصل بين أن يكون جامدا أو مائعا قليلا أو كثيرا، ~~فالماء بطريق الأولى يكون هذا حكمه، وحديث التفريق بين الجامد والمائع حديث ~~معلول، وهو غلط من معمر من عدة وجوه بينها البخاري في صحيحه والترمذي في ~~جامعه وغيرهما، ويكفي أن الزهري الذي روى عنه معمر حديث التفصيل قد روى عنه ~~الناس كلهم خلاف ما روى عنه معمر، وسئل عن هذه المسألة فأفتى بأنها تلقى ~~وما حولها ويؤكل الباقي في الجامد والمائع والقليل والكثير، واستدل ~~بالحديث، فهذه فتياه، وهذا استدلاله، وهذه رواية الأئمة عنه، فقد اتفق على ~~ذلك النص والقياس، ولا يصلح للناس سواه، وما عداه من الأقوال فمتناقض لا ~~يمكن صاحبه طرده كما تقدم، فظهر أن مخالفة القياس فيما ms0356 خالف النص لا فيما ~~جاء به النص. ### | [فصل طهارة الخمر بالاستحالة على وفق القياس] # وعلى هذا الأصل فطهارة الخمر بالاستحالة على وفق القياس، فإنها نجسة لوصف ~~الخبث، فإذا زال الموجب زال الموجب، وهذا أصل الشريعة في مصادرها ومواردها ~~بل وأصل الثواب والعقاب، وعلى هذا فالقياس الصحيح تعدية ذلك إلى سائر ~~النجاسات إذا استحالت، وقد «نبش النبي - صلى الله عليه وسلم - قبور ~~المشركين من موضع مسجده، ولم ينقل التراب» وقد أخبر الله - سبحانه - عن ~~اللبن أنه يخرج من بين فرث ودم، وقد أجمع المسلمون على أن الدابة إذا علفت ~~بالنجاسة ثم حبست وعلفت بالطاهرات حل لبنها ولحمها، وكذلك الزرع # PageV01P297 # والثمار إذا سقيت بالماء النجس ثم سقيت بالطاهر حلت لاستحالة وصف الخبث ~~وتبدله بالطيب، وعكس هذا أن الطيب إذا استحال خبيثا صار نجسا كالماء ~~والطعام إذا استحال بولا وعذرة، فكيف أثرت الاستحالة في انقلاب الطيب خبيثا ~~ولم تؤثر في انقلاب الخبيث طيبا؟ # والله - تعالى - يخرج الطيب من الخبيث والخبيث من الطيب، ولا عبرة ~~بالأصل، بل بوصف الشيء في نفسه، ومن الممتنع بقاء حكم الخبث وقد زال اسمه ~~ووصفه، والحكم تابع للاسم والوصف دائر معه وجودا وعدما، فالنصوص المتناولة ~~لتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر لا تتناول الزروع والثمار والرماد ~~والملح والتراب والخل لا لفظا ولا معنى ولا نصا ولا قياسا. # والمفرقون بين استحالة الخمر وغيرها قالوا: الخمر نجست بالاستحالة فطهرت ~~بالاستحالة، فيقال لهم: وهكذا الدم والبول والعذرة إنما نجست بالاستحالة ~~فتطهر بالاستحالة، فظهر أن القياس مع النصوص وأن مخالفة القياس في الأقوال ~~التي تخالف النصوص. ### | [فصل الوضوء من لحوم الإبل على وفق القياس] # وأما قولهم " إن الوضوء من لحوم الإبل على خلاف القياس؛ لأنها لحم، ~~واللحم لا يتوضأ منه " فجوابه أن الشارع فرق بين اللحمين، كما فرق بين ~~المكانين، وكما فرق بين الراعيين رعاة الإبل ورعاة الغنم فأمر بالصلاة في ~~مرابض الغنم دون أعطان الإبل، وأمر بالتوضؤ من لحوم الإبل دون الغنم، كما ~~فرق بين الربا والبيع والمذكى والميتة، فالقياس الذي يتضمن ms0357 التسوية بين ما ~~فرق الله بينه من أبطل القياس وأفسده، ونحن لا ننكر أن في الشريعة ما يخالف ~~القياس بالباطل، هذا مع أن الفرق بينهما ثابت في نفس الأمر، كما فرق بين ~~أصحاب الإبل وأصحاب الغنم فقال " الفخر والخيلاء في الفدادين أصحاب الإبل، ~~والسكينة في أصحاب الغنم ". وقد جاء أن على ذروة كل بعير شيطان، وجاء أنها ~~جن خلقت من جن، ففيها قوة شيطانية، والغاذي شبيه بالمغتذي، ولهذا حرم كل ذي ~~ناب من السباع ومخلب من الطير؛ لأنها دواب عادية، فالاغتذاء بها يجعل في ~~طبيعة المغتذي من العدوان ما يضره في دينه، فإذا اغتذى من لحوم الإبل وفيها ~~تلك القوة الشيطانية والشيطان خلق من نار والنار تطفأ بالماء، هكذا جاء ~~الحديث، ونظيره الحديث الآخر «إن الغضب من الشيطان، فإذا غضب أحدكم ~~فليتوضأ» فإذا توضأ العبد من لحوم الإبل كان في وضوئه ما يطفئ تلك القوة ~~الشيطانية فتزول تلك المفسدة، ولهذا أمرنا بالوضوء مما مست النار إما ~~إيجابا منسوخا، وإما استحبابا غير منسوخ. # وهذا الثاني أظهر لوجوه: منها أن النسخ # PageV01P298 # لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع بين الحديثين، ومنها أن رواة أحاديث ~~الوضوء بعضهم متأخر الإسلام كأبي هريرة، ومنها أن المعنى الذي أمرنا ~~بالوضوء لأجله منها هو اكتسابها من القوة النارية وهي مادة الشيطان التي ~~خلق منها والنار تطفأ بالماء، وهذا المعنى موجود فيها، وقد ظهر اعتبار ~~نظيره في الأمر بالوضوء من الغضب، ومنها أن أكثر ما مع من ادعى النسخ أنه ~~ثبت في أحاديث صحيحة كثيرة أنه - صلى الله عليه وسلم - «أكل مما مست النار ~~ولم يتوضأ» وهذا إنما يدل على عدم وجوب الوضوء، لا على عدم استحبابه، فلا ~~تنافي بين أمره وفعله، وبالجملة فالنسخ إنما يصار إليه عند التنافي، وتحقق ~~التاريخ، وكلاهما منتف وقد يكون الوضوء من مس الذكر ومس النساء من هذا ~~الباب، لما في ذلك من تحريك الشهوة، فالأمر بالوضوء منهما على وفق القياس، ~~ولما كانت القوة الشيطانية في لحوم الإبل لازمة كان الأمر بالوضوء منها ms0358 لا ~~معارض له من فعل ولا قول، ولما كان في ممسوس النار عارضة صح فيها الأمر ~~والترك، ويدل على هذا أنه فرق بينها وبين لحوم الغنم في الوضوء، وفرق بينها ~~وبين الغنم في مواضع الصلاة، فنهى عن الصلاة في أعطان الإبل وأذن في الصلاة ~~في مرابض الغنم، وهذا يدل على أنه ليس ذلك لأجل الطهارة والنجاسة، كما أنه ~~لما أمر بالوضوء من لحوم الإبل دون لحوم الغنم علم أنه ليس ذلك لكونها مما ~~مسته النار، ولما كانت أعطان الإبل مأوى الشيطان لم تكن مواضع للصلاة ~~كالحشوش، بخلاف مباركها في السفر، فإن الصلاة فيها جائزة؛ لأن الشيطان هناك ~~عارض، وطرد هذا المنع من الصلاة في الحمام؛ لأنه بيت الشيطان. # وفي الوضوء من اللحوم الخبيثة كلحوم السباع إذا أبيحت للضرورة روايتان، ~~والوضوء منها أبلغ من الوضوء من لحوم الإبل، فإذا عقل المعنى لم يكن بد من ~~تعديته، ما لم يمنع منه مانع، والله أعلم. ### | [فصل الفطر بالحجامة على وفق القياس] # أما الفطر بالحجامة فإنما اعتقد من قال: " إنه على خلاف القياس " - ذلك ~~بناء على أن القياس الفطر بما دخل لا بما خرج، وليس كما ظنوه، بل الفطر بها ~~محض القياس، وهذا إنما يتبين بذكر قاعدة، وهي: أن الشارع الحكيم شرع الصوم ~~على أكمل الوجوه وأقومها بالعدل، وأمر فيه بغاية الاعتدال، حتى نهى عن ~~الوصال، وأمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور، وجعل أعدل الصيام وأفضله صيام ~~داود، فكان من تمام الاعتدال في الصوم أن لا يدخل الإنسان ما به قوامه ~~كالطعام والشراب ولا يخرج ما به قوامه كالقيء والاستمناء، # PageV01P299 # وفرق بين ما يمكن الاحتراز منه من ذلك وبين ما لا يمكن، فلم يفطر ~~بالاحتلام ولا بالقيء الذارع كما لا يفطر بغبار الطحين وما يسبق من الماء ~~إلى الجوف عند الوضوء والغسل، وجعل الحيض منافيا للصوم دون الجنابة، لطول ~~زمانه وكثرة خروج الدم وعدم التمكن من التطهير قبل وقته بخلاف الجنابة، ~~وفرق بين دم الحجامة ودم الجرح فجعل الحجامة من جنس القيء والاستمناء ~~والحيض، وخروج ms0359 الدم من الجرح والرعاف من جنس الاستحاضة والاحتلام وذرع ~~القيء، فتناسبت الشريعة وتشابهت تأصيلا وتفصيلا، وظهر أنها على وفق القياس ~~الصحيح والميزان العادل، ولله الحمد. ### | [فصل التيمم جار على وفق القياس] # ومما يظن أنه على خلاف القياس باب التيمم، قالوا: إنه على خلاف القياس من ~~وجهين: أحدهما: أن التراب ملوث لا يزيل درنا ولا وسخا ولا يطهر البدن كما ~~لا يطهر الثوب. # والثاني: أنه شرع في عضوين من أعضاء الوضوء دون بقيتها، وهذا خروج عن ~~القياس الصحيح. # ولعمر الله إنه خروج عن القياس الباطل المضاد للدين، وهو على وفق القياس ~~الصحيح، فإن الله - سبحانه - جعل من الماء كل شيء حي، وخلقنا من التراب، ~~فلنا مادتان: الماء، والتراب، فجعل منهما نشأتنا وأقواتنا، وبهما تطهرنا ~~وتعبدنا، فالتراب أصل ما خلق منه الناس، والماء حياة كل شيء، وهما الأصل في ~~الطبائع التي ركب الله عليهما هذا العالم وجعل قوامه بهما، وكان أصل ما يقع ~~به تطهير الأشياء من الأدناس والأقذار هو الماء في الأمر المعتاد، فلم يجز ~~العدول عنه إلا في حال العدم والعذر بمرض أو نحوه، وكان النقل عنه إلى ~~شقيقه وأخيه التراب أولى من غيره، وإن لوث ظاهرا فإنه يطهر باطنا ثم يقوي ~~طهارة الباطن فيزيل دنس الظاهر أو يخففه، وهذا أمر يشهده من له بصر نافذ ~~بحقائق الأعمال وارتباط الظاهر بالباطن وتأثر كل منهما بالآخر وانفعاله ~~عنه. # فصل الحكمة في كون التيمم على عضوين: # وأما كونه في عضوين ففي غاية الموافقة للقياس والحكمة، فإن وضع التراب ~~على الرءوس مكروه في العادات، وإنما يفعل عند المصائب والنوائب، والرجلان ~~محل ملابسة التراب في أغلب الأحوال، وفي تتريب الوجه من الخضوع والتعظيم ~~لله والذل له والانكسار # PageV01P300 # لله ما هو من أحب العبادات إليه وأنفعها للعبد، ولذلك يستحب للساجد أن ~~يترب وجهه لله، وأن لا يقصد وقاية وجهه من التراب كما قال بعض الصحابة لمن ~~رآه قد سجد وجعل بينه وبين التراب وقاية فقال " ترب وجهك " وهذا المعنى لا ~~يوجد في تتريب الرجلين. # وأيضا ms0360 فموافقة ذلك للقياس من وجه آخر، وهو أن التيمم جعل في العضوين ~~المغسولين، وسقط عن العضوين الممسوحين، فإن الرجلين تمسحان في الخف، والرأس ~~في العمامة، فلما خفف عن المغسولين بالمسح خفف عن الممسوحين بالعفو، إذ لو ~~مسحا بالتراب لم يكن فيه تخفيف عنهما، بل كان فيه انتقال من مسحهما بالماء ~~إلى مسحهما بالتراب، فظهر أن الذي جاءت به الشريعة هو أعدل الأمور وأكملها، ~~وهو الميزان الصحيح. # وأما كون تيمم الجنب كتيمم المحدث فلما سقط مسح الرأس والرجلين بالتراب ~~عن المحدث سقط مسح البدن كله بالتراب عنه بطريق الأولى، إذ في ذلك من ~~المشقة والحرج والعسر ما يناقض رخصة التيمم، ويدخل أكرم المخلوقات على الله ~~في شبه البهائم إذا تمرغ في التراب، فالذي جاءت به الشريعة لا مزيد في ~~الحسن والحكمة والعدل عليه، ولله الحمد. ### | [فصل السلم جار على وفق القياس] # وأما السلم فمن ظن أنه على خلاف القياس توهم دخوله تحت قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «لا تبع ما ليس عندك» فإنه بيع معدوم، والقياس يمنع منه، ~~والصواب أنه على وفق القياس، فإنه بيع مضمون في الذمة موصوف مقدور على ~~تسليمه غالبا، وهو كالمعاوضة على المنافع في الإجارة، وقد تقدم أنه على وفق ~~القياس، وقياس السلم على بيع العين المعدومة التي لا يدري أيقدر على ~~تحصيلها أم لا، والبائع والمشتري منها على غرر، من أفسد القياس صورة ومعنى، ~~وقد فطر الله العقلاء على الفرق بين بيع الإنسان ما لا يملكه ولا هو مقدور ~~له وبين السلم إليه في مغل مضمون في ذمته مقدور في العادة على تسليمه، ~~فالجمع بينهما كالجمع بين الميتة والمذكى والربا والبيع. # وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لحكيم بن حزام «لا تبع ما ليس ~~عندك» فيحمل على معنيين: أحدهما: أن يبيع عينا معينة وهي ليست عنده، بل ملك ~~للغير، فيبيعها ثم يسعى في تحصيلها وتسليمها إلى المشتري. # والثاني: أن يريد بيع ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذمة، وهذا ~~أشبه، فليس عنده ms0361 حسا ولا معنى، فيكون قد باعه شيئا لا يدري هل # PageV01P301 # يحصل له أم لا؟ # وهذا يتناول أمورا: # أحدها: بيع عين معينة ليست عنده. # الثاني: السلم الحال في الذمة إذا لم يكن عنده ما يوفيه. # الثالث: السلم المؤجل إذا لم يكن على ثقة من توفيته [عادة] ، فأما إذا ~~كان على ثقة من توفيته عادة فهو دين من الديون، وهو كالابتياع بثمن مؤجل، ~~فأي فرق بين كون أحد العوضين مؤجلا في الذمة وبين الآخر؟ فهذا محض القياس ~~والمصلحة، وقد قال - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى ~~أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] وهذا يعم الثمن والمثمن، وهذا هو الذي ~~فهمه ترجمان القرآن من القرآن عبد الله بن عباس فقال: أشهد أن السلف ~~المضمون في الذمة حلال في كتاب الله، وقرأ هذه الآية. # فثبت أن إباحة السلم على وفق القياس والمصلحة، وشرع على أكمل الوجوه ~~وأعدلها، فشرط فيه قبض الثمن في الحال، إذ لو تأخر لحصل شغل الذمتين بغير ~~فائدة، ولهذا سمي سلما لتسليم الثمن، فإذا أخر الثمن دخل في حكم الكالئ ~~بالكالئ بل هو نفسه، وكثرت المخاطرة، ودخلت المعاملة في حد الغرر، ولذلك ~~منع الشارع أن يشترط فيه كونه من حائط معين؛ لأنه قد يتخلف فيمتنع التسليم. # والذين شرطوا أن يكون دائم الجنس غير منقطع قصدوا به إبعاده من الغرر ~~بإمكان التسليم، لكن ضيقوا ما وسع الله، وشرطوا ما لم يشرطه، وخرجوا عن ~~موجب القياس والمصلحة. # أما القياس فإنه أحد العوضين، فلم يشترط دوامه ووجوده كالثمن، وأما ~~المصلحة فإن في اشتراط ذلك تعطيل مصالح الناس، إذ الحاجة التي لأجلها شرع ~~الله ورسوله السلم الارتفاق من الجانبين، هذا يرتفق بتعجيل الثمن، وهذا ~~يرتفق برخص الثمن، وهذا قد يكون في منقطع الجنس كما قد يكون في متصله فالذي ~~جاءت به الشريعة أكمل شيء وأقومه بمصالح العباد. ### | [فصل الكتابة تجري على وفق القياس] # وأما الكتابة فمن قال هي على خلاف القياس قال: هي بيع السيد ماله بماله، ~~وهذا غلط، وإنما باع العبد نفسه بمال ms0362 في ذمته، والسيد لا حق له في ذمة ~~العبد وإنما حقه في بدنه، فإن السيد حقه في مالية العبد لا في إنسانيته، ~~وإنما يطالب العبد بما في ذمته بعد عتقه، وحينئذ فلا ملك للسيد عليه، وإذا ~~عرف هذا فالكتابة بيعه نفسه بمال في ذمته، ثم إذا اشترى نفسه كان كسبه له ~~ونفعه له، وهو حادث على ملكه الذي استحقه بعقد الكتابة، ومن تمام حكمة ~~الشارع أنه أخر فيها العتق إلى حين الأداء؛ لأن السيد لم يرض بخروجه # PageV01P302 # عن ملكه إلا بأن يسلم له العوض، فمتى لم يسلم له العوض وعجز العبد عنه ~~كان له الرجوع في البيع، فلو وقع العتق لم يمكن رفعه بعد ذلك، فيحصل السيد ~~على الحرمان، فراعى الشارع مصلحة السيد ومصلحة العبد، وشرع الكتابة على ~~أكمل الوجوه وأشدها مطابقة للقياس الصحيح. # وهذا هو القياس في سائر المعاوضات، وبه جاءت السنة الصحيحة الصريحة الذي ~~لا معارض لها: أن المشتري إذا عجز عن الثمن كان للبائع الرجوع في عين ماله، ~~وسواء حكم الحاكم بفلسه أم لا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشترط حكم ~~الحاكم، ولا أشار إليه، ولا دل عليه بوجه ما، فلا وجه لاشتراطه، وإنما ~~المعنى الموجب للرجوع هو الفلس الذي حال بين البائع وبين الثمن، وهذا ~~المعنى موجود بدون حكم الحاكم، فيجب ترتيب أثره عليه، وهو محض العدل وموجب ~~القياس، فإن المشتري لو اطلع على عيب في السلعة كان له الفسخ بدون حكم ~~حاكم، ومعلوم أن الإعسار عيب في الذمة لو علم به البائع لم يرض بكون ماله ~~في ذمة مفلس، فهذا محض القياس الموافق للنص ومصالح العباد، وبالله التوفيق. # وطرد هذا القياس عجز الزوج عن الصداق، أو عجزه عن الوطء، وعجزه عن النفقة ~~والكسوة، وطرده عجز المرأة عن العوض في الخلع أن للزوج الرجعة، وهذا هو ~~الصواب بلا ريب، فإنه لم يخرج البضع عن ملكه إلا بشرط سلامة العوض، وطرده ~~الصلح عن القصاص إذا لم يحصل له ما يصالح عليه فله العود إلى طلب القصاص، ms0363 ~~فهذا موجب العدل ومقتضى قواعد الشريعة وأصولها، وبالله التوفيق. ### | [فصل بيان أن الإجارة على وفق القياس] # بسم الله الرحمن الرحيم # PageV01P303 # فصل: # [بيان أن الإجارة على وفق القياس] # وأما الإجارة فالذين قالوا: " هي على خلاف القياس " قالوا: هي بيع معدوم؛ ~~لأن المنافع معدومة حين العقد، ثم لما رأوا الكتاب قد دل على جواز إجارة ~~الظئر للرضاع بقوله: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] قالوا: ~~إنها على خلاف القياس من وجهين: # أحدهما: كونها إجارة. # والثاني: أن الإجارة عقد على المنافع، وهذه عقد على الأعيان، ومن العجب ~~أنه ليس في القرآن ذكر إجارة جائزة إلا هذه، وقالوا: هي على خلاف القياس، ~~والحكم إنما يكون على خلاف القياس إذا كان النص قد جاء في موضع يشابهه ~~بنقيض ذلك الحكم، فيقال: هذا خلاف قياس ذلك النص، وليس في القرآن ولا في ~~السنة ذكر فساد إجارة شبه هذه الإجارة، ومنشأ وهمهم ظنهم أن مورد عقد ~~الإجارة لا يكون إلا منافع هي أعراض قائمة بغيرها، لا أعيان قائمة بنفسها، ~~ثم افترق هؤلاء فرقتين: فقالت فرقة: إنما احتملناها على خلاف القياس لورود ~~النص؛ فلا نتعدى محله. # وقالت فرقة: بل نخرجها على ما يوافق القياس، وهو كون المعقود عليه أمرا ~~غير اللبن، بل هو إلقام الصبي الثدي ووضعه في حجر المرضعة، ونحو ذلك من ~~المنافع التي هي مقدمات الرضاع، واللبن يدخل تبعا غير مقصود بالعقد، ثم ~~طردوا ذلك في مثل ماء البئر والعيون التي في الأرض المستأجرة، وقالوا: يدخل ~~ضمنا وتبعا، فإذا وقعت الإجارة على نفس العين والبئر لسقي الزرع والبستان ~~قالوا: إنما وردت الإجارة على مجرد إدلاء الدلو في البئر وإخراجه، وعلى ~~مجرد إجراء العين في أرضه، مما هو قلب الحقائق، وجعل المقصود وسيلة ~~والوسيلة مقصودة؛ إذ من المعلوم أن هذه الأعمال إنما هي وسيلة إلى المقصود ~~بعقد الإجارة، وإلا فهي بمجردها ليست مقصودة، ولا معقودا عليها، ولا قيمة ~~لها أصلا، وإنما هي كفتح الباب وكقود الدابة لمن اكترى دارا أو دابة. # PageV02P003 # ونحن نتكلم على هذين الأصلين الباطلين: ms0364 على أصل من جعل الإجارة على خلاف ~~القياس، وعلى أصل من جعل إجارة الظئر ونحوها على خلاف القياس، فنقول وبالله ~~التوفيق: [ليس للعقود ألفاظ محدودة] # أما الأصل الأول فقولهم: " إن الإجارة بيع معدوم، وبيع المعدوم باطل " ~~دليل مبني على مقدمتين مجملتين غير مفصلتين، قد اختلط في كل منهما الخطأ ~~بالصواب؛ فأما المقدمة الأولى - وهي كون الإجارة بيعا - إن أردتم به البيع ~~الخاص الذي يكون العقد فيه على الأعيان لا على المنافع فهو باطل، وإن أردتم ~~به البيع العام الذي هو معاوضة إما على عين وإما على منفعة فالمقدمة ~~الثانية باطلة؛ فإن بيع المعدوم ينقسم إلى بيع الأعيان وبيع المنافع، ومن ~~سلم بطلان بيع المعدوم فإنما يسلمه في الأعيان، ولما كان لفظ البيع يحتمل ~~هذا وهذا تنازع الفقهاء في الإجارة: هل تنعقد بلفظ البيع؟ على وجهين، ~~والتحقيق أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقدت بأي لفظ من الألفاظ عرف به ~~المتعاقدان مقصودهما، وهذا حكم شامل لجميع العقود، فإن الشارع لم يحد ~~لألفاظ العقود حدا، بل ذكرها مطلقة، فكما تنعقد العقود بما يدل عليها من ~~الألفاظ الفارسية والرومية والتركية فانعقادها بما يدل عليها من الألفاظ ~~العربية أولى وأحرى، ولا فرق بين النكاح وغيره، وهذا قول جمهور العلماء ~~كمالك وأبي حنيفة، وهو أحد القولين في مذهب أحمد. # قال شيخنا: بل نصوص أحمد لا تدل إلا على هذا القول، وأما كونه لا ينعقد ~~إلا بلفظ الإنكاح والتزويج فإنما هو قول ابن حامد والقاضي وأتباعه؛ وأما ~~قدماء أصحاب أحمد فلم يشترط أحد منهم ذلك، وقد نص أحمد على أنه إذا قال: " ~~أعتقت أمتي وجعلت عتقها صداقها " أنه يعقد النكاح، قال ابن عقيل: وهذا يدل ~~على أنه لا يختص النكاح بلفظ؛ وأما ابن حامد فطرد أصله وقال: لا ينعقد حتى ~~يقول مع ذلك: " تزوجتها " وأما القاضي فجعل هذا موضع استحسان خارجا عن ~~القياس؛ فجوز النكاح في هذه الصورة خاصة بدون لفظ الإنكاح والتزويج، وأصول ~~الإمام أحمد ونصوصه تخالف هذا؛ فإن من أصوله أن العقود تنعقد بما يدل ms0365 على ~~مقصودها من قول أو فعل، ولا يرى اختصاصها بالصيغ. # ومن أصوله أن الكناية مع دلالة الحالة كالصريح كما قاله في الطلاق والقذف ~~وغيرهما، والذين اشترطوا لفظ الإنكاح والتزويج قالوا: ما عداهما كناية فلا ~~يثبت حكمها إلا بالنية وهي أمر باطن لا اطلاع للشاهد عليه؛ إذ الشهادة إنما ~~تقع على المسموع، لا على المقاصد والنيات، وهذا إنما يستقيم إذا كانت ألفاظ ~~الصريح والكناية ثابتة بعرف الشرع وفي عرف المتعاقدين، # PageV02P004 # والمقدمتان غير معلومتين؛ أما الأولى فإن الشارع استعمل لفظ التمليك في ~~النكاح فقال: «ملكتكها بما معك من القرآن» «وأعتق صفية وجعل عتقها صداقها» ~~، ولم يأت معه بلفظ إنكاح ولا تزويج، وأباح الله ورسوله النكاح ورد فيه ~~الأمة إلى ما تتعارفه نكاحا بأي لفظ كان، ومعلوم أن تقسيم الألفاظ إلى صريح ~~وكناية تقسيم شرعي، فإن لم يقم عليه دليل شرعي كان باطلا، فما هو الضابط ~~لذلك؟ وأما المقدمة الثانية فكون اللفظ صريحا أو كناية أمر يختلف باختلاف ~~عرف المتكلم والمخاطب والزمان والمكان، فكم من لفظ صريح عند قوم وليس بصريح ~~عند آخرين، وفي مكان دون مكان وزمان دون زمان، فلا يلزم من كونه صريحا في ~~خطاب الشارع أن يكون صريحا عند كل متكلم، وهذا ظاهر. # [جوز الشارع المعاوضة على المعدوم] # والمقصود أن قوله: " إن الإجارة نوع من البيع " إن أراد به البيع الخاص ~~فباطل، وإن أراد به البيع العام فصحيح، ولكن قوله: " إن هذا البيع لا يرد ~~على معدوم " دعوى باطلة؛ فإن الشارع جوز المعاوضة على المعدوم، فإن قستم ~~بيع المنافع على بيع الأعيان فهذا قياس في غاية الفساد؛ فإن المنافع لا ~~يمكن أن يعقد عليها في حال وجودها ألبتة، بخلاف الأعيان، وقد فرق بينها ~~الحس والشرع؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يؤخر العقد على ~~الأعيان التي لم تخلق إلى أن تخلق كما نهى عن بيع السنين وحبل الحبلة ~~والثمر قبل أن يبدو صلاحه والحب حتى يشتد، ونهى عن الملاقيح والمضامين ونحو ~~ذلك، وهذا يمتنع مثله في المنافع؛ فإنه ms0366 لا يمكن أن تباع إلا في حال عدمها، ~~فهاهنا أمران: أحدهما: يمكن إيراد العقد عليه في حال وجوده وحال عدمه، فنهى ~~الشارع عن بيعه حتى يوجد وجوز منه بيع ما لم يوجد تبعا لما وجد إذا دعت ~~الحاجة إليه، وبدون الحاجة لم يجوزه. # والثاني: ما لا يمكن إيراد العقد عليه إلا في حال عدمه كالمنافع؛ فهذا ~~جوز العقد عليه ولم يمنع منه. # فإن قلت: أنا أقيس أحد النوعين على الآخر، وأجعل العلة مجرد كونه معدوما. # قيل: هذا قياس فاسد؛ لأنه يتضمن التسوية بين المختلفين، وقولك: " إن ~~العلة مجرد كونه معدوما " دعوى بغير دليل. # بل دعوى باطلة، فلم لا يجوز أن تكون العلة في الأصل كونه معدوما يمكن ~~تأخير بيعه إلى زمن وجوده؟ وعلى هذا التقدير فالعلة مقيدة بعدم خاص، وأنت ~~لم تبين أن العلة في الأصل مجرد كونه معدوما؛ فقياسك فاسد، وهذا كاف في ~~بيان فساده بالمطالبة، ونحن نبين بطلانه في نفسه، فنقول: ما ذكرناه علة ~~مطردة، وما ذكرته علة منتقضة، فإنك إذا عللت بمجرد العدم ورد عليك النقض ~~بالمنافع كلها وبكثير من # PageV02P005 # الأعيان وما عللنا به لا ينتقض، وأيضا فالقياس المحض وقواعد الشريعة ~~وأصولها ومناسباتها تشهد لهذه العلة؛ فإنه إذا كان له حال وجود وعدم كان في ~~بيعه حال العدم مخاطرة وقمار، وبذلك علل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~المنع حيث قال: «أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير ~~حق؟» وأما ما ليس له إلا حال واحد والغالب فيه السلامة فليس العقد عليه ~~مخاطرة ولا قمارا، وإن كان فيه مخاطرة يسيرة فالحاجة داعية إليه، ومن أصول ~~الشريعة أنه إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قدم أرجحهما، والغرر إنما نهي عنه ~~لما فيه من الضرر بهما أو بأحدهما، وفي المنع مما يحتاجون إليه من البيع ~~ضرر أعظم من ضرر المخاطرة؛ فلا يزيل أدنى الضررين بأعلاهما. # بل قاعدة الشريعة ضد ذلك، وهو دفع أعلى الضررين باحتمال أدناهما؛ ولهذا ~~لما نهاهم عن المزابنة لما فيها من ربا أو مخاطرة أباحها ms0367 لهم في العرايا ~~للحاجة؛ لأن ضرر المنع من ذلك أشد من ضرر المزابنة، ولما حرم عليهم الميتة ~~لما فيها من خبث التغذية أباحها لهم للضرورة، ولما حرم عليهم النظر إلى ~~الأجنبية أباح منه ما تدعو إليه الحاجة للخاطب والمعامل والشاهد والطبيب، ~~فإن قلت: فهذا كله على خلاف القياس. [القياس الفاسد أصل كل شر] # قيل: إن أردت أن الفرع اختص بوصف يوجب الفرق بينه وبين الأصل فكل حكم ~~استند إلى هذا الفرق الصحيح فهو على خلاف القياس الفاسد، وإن أردت أن الأصل ~~والفرع استويا في المقتضي والمانع واختلف حكمهما فهذا باطل قطعا، ليس في ~~الشريعة منه مسألة واحدة، والشيء إذا شابه غيره في وصف وفارقه في وصف كان ~~اختلافهما في الحكم باعتبار الفارق مخالفا لاستوائهما باعتبار الجامع، وهذا ~~هو القياس الصحيح طردا وعكسا، وهو التسوية بين المتماثلين والفرق بين ~~المختلفين. # وأما التسوية بينهما في الحكم مع افتراقهما فيما يقتضي الحكم أو يمنعه ~~فهذا هو القياس الفاسد الذي جاء الشرع دائما بإبطاله، كما أبطل قياس الربا ~~على البيع، وقياس الميتة على المذكى، وقياس المسيح عيسى - صلى الله عليه ~~وسلم - على الأصنام، وبين الفارق بأنه عبد أنعم عليه بعبوديته ورسالته، ~~فكيف يعذبه بعبادة غيره له مع نهيه عن ذلك وعدم رضاه به؟ بخلاف الأصنام؛ ~~فمن قال: " إن الشريعة تأتي بخلاف القياس الذي هو من هذا الجنس " فقد أصاب، ~~وهو من كمالها واشتمالها على العدل والمصلحة والحكمة، ومن سوى بين الشيئين ~~لاشتراكهما في أمر من الأمور يلزمه أن يسوي بين كل موجودين لاشتراكهما في ~~مسمى الوجود، وهذا من أعظم الغلط، والقياس الفاسد الذي ذمه السلف، وقالوا: ~~أول من قاس إبليس، وما عبدت # PageV02P006 # الشمس والقمر إلا بالمقاييس، وهو القياس الذي اعترف أهل النار في النار ~~ببطلانه حيث قالوا: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين} [الشعراء: 97] {إذ نسويكم ~~برب العالمين} [الشعراء: 98] وذم الله أهله بقوله: {ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون} [الأنعام: 1] أي يقيسونه على غيره ويسوون بينه وبين غيره في ~~الإلهية والعبودية، وكل بدعة ومقالة فاسدة ms0368 في أديان الرسل فأصلها من القياس ~~الفاسد، فما أنكرت الجهمية صفات الرب وأفعاله وعلوه على خلقه واستواءه على ~~عرشه وكلامه وتكليمه لعباده ورؤيته في الدار الآخرة إلا من القياس الفاسد، ~~وما أنكرت القدرية عموم قدرته ومشيئته وجعلت في ملكه ما لا يشاء وأنه يشاء ~~ما لا يكون إلا بالقياس الفاسد، وما ضلت الرافضة وعادوا خيار الخلق وكفروا ~~أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وسبوهم إلا بالقياس الفاسد، وما أنكرت ~~الزنادقة والدهرية معاد الأجسام وانشقاق السماوات وطي الدنيا وقالت بقدم ~~العالم إلا بالقياس الفاسد، وما فسد ما فسد من أمر العالم وخرب ما خرب منه ~~إلا بالقياس الفاسد، وأول ذنب عصي الله به القياس الفاسد، وهو الذي جر على ~~آدم وذريته من صاحب هذا القياس ما جر، فأصل شر الدنيا والآخرة جميعه من هذا ~~القياس الفاسد، وهذه الحكمة لا يدريها إلا من له اطلاع على الواجب والواقع ~~وله فقه في الشرع والقدر. ### | [فصل بيع المعدوم في القياس] # فصل. # [منع أن بيع المعدوم لا يجوز من وجهين] : # وأما المقدمة الثانية - وهي أن بيع المعدوم لا يجوز - فالكلام عليها. # أحدهما: منع صحة هذه المقدمة؛ إذ ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ولا في كلام أحد من الصحابة أن بيع المعدوم لا ~~يجوز، لا بلفظ عام ولا بمعنى عام، وإنما في السنة النهي عن بيع بعض الأشياء ~~التي هي معدومة كما فيها النهي عن بيع بعض الأشياء الموجودة؛ فليست العلة ~~في المنع لا العدم ولا الوجود، بل الذي وردت به السنة النهي عن بيع الغرر، ~~وهو ما لا يقدر على تسليمه، سواء كان موجودا أو معدوما كبيع العبد الآبق ~~والبعير الشارد إن كان موجودا؛ إذ موجب البيع تسليم المبيع، فإذا كان ~~البائع عاجزا عن تسلميه فهو غرر ومخاطرة وقمار فإنه لا يباع إلا بوكس، فإن ~~أمكن المشتري تسلمه كان قد قمر البائع، وإن لم يمكنه ذلك قمره البائع، ~~وهكذا المعدوم الذي هو غرر نهي عنه للغرر لا ms0369 للعدم، كما إذا باعه ما تحمل ~~هذه الأمة أو هذه الشجرة؛ فالبيع لا يعرف وجوده ولا قدره ولا صفته؛ وهذا من ~~الميسر الذي حرمه الله ورسوله، ونظير هذا في الإجارة أن يكريه دابة لا # PageV02P007 # يقدر على تسليمها، سواء كانت موجودة أو معدومة، وكذلك في النكاح إذا زوجه ~~أمة لا يملكها أو ابنة لم تولد له، وكذلك سائر عقود المعاوضات، بخلاف ~~الوصية فإنها تبرع محض فلا غرر في تعلقها بالموجود والمعدوم وما يقدر على ~~تسليمه إليه وما لا يقدر، وطرده الهبة؛ إذ لا محذور في ذلك فيها؛ وقد صح عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - هبة المشاع المجهول في قوله لصاحب كبة الشعر ~~حين أخذها من المغنم وسأله أن يهبها له فقال: «أما ما كان لي ولبني عبد ~~المطلب فهو لك» . # الوجه الثاني: أن نقول: بل الشرع صحح بيع المعدوم في بعض المواضع؛ فإنه ~~أجاز بيع الثمر بعد بدو صلاحه والحب بعد اشتداده، ومعلوم أن العقد إنما ورد ~~على الموجود والمعدوم الذي لم يخلق بعد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - نهى ~~عن بيعه قبل بدو صلاحه، وأباحه بعد بدو الصلاح، ومعلوم أنه إذا اشتراه قبل ~~الصلاح بشرط القطع كالحصرم جاز، فإنما نهى عن بيعه إذا كان قصده التبقية ~~إلى الصلاح، ومن جوز بيعه قبل الصلاح وبعده بشرط القطع أو مطلقا وجعل موجب ~~العقد القطع، وحرم بيعه بشرط التبقية أو مطلقا؛ لم يكن عنده لظهور الصلاح ~~فائدة، ولم يكن فرق بين ما نهى عنه من ذلك وما أذن فيه؛ فإنه يقول: موجب ~~العقد التسليم في الحال، فلا يجوز شرط تأخيره سواء بدا صلاحه أو لم يبد، ~~والصواب قول الجمهور الذي دلت عليه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والقياس الصحيح، وقوله: " إن موجب العقد التسليم في الحال " جوابه أن موجب ~~العقد إما أن يكون ما أوجبه الشارع بالعقد أو ما أوجبه المتعاقدان مما يسوغ ~~لهما أن يوجباه، وكلاهما منتف في هذه الدعوى؛ فلا الشارع أوجب أن يكون كل ~~مبيع مستحق التسليم ms0370 عقيب العقد، ولا العاقدان التزما ذلك، بل تارة يعقدان ~~العقد على هذا الوجه، وتارة يشترطان التأخير إما في الثمن وإما في المثمن، ~~وقد يكون للبائع غرض صحيح ومصلحة في تأخير التسليم للمبيع، كما كان لجابر - ~~رضي الله عنه - غرض صحيح في تأخير تسليم بعيره إلى المدينة، فكيف يمنعه ~~الشارع ما فيه مصلحة له ولا ضرر على الآخرة فيها؟ إذ قد رضي بها كما «رضي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - على جابر بتأخير تسليم البعير» ، ولو لم ترد ~~السنة بهذا لكان محض القياس يقتضي جوازه، ويجوز لكل بائع أن يستثني من ~~منفعة المبيع ماله في غرض صحيح، كما إذا باع عقارا واستثنى سكناه مدة أو ~~دابة واستثنى ظهرها، ولا يختص ذلك بالبيع، بل لو وهبه واستثنى نفعه مدة، أو ~~أعتق عبده واستثنى خدمته مدة، أو وقف عينا واستثنى غلتها لنفسه مدة حياته، ~~أو كاتب أمة واستثنى وطئها مدة الكتابة، ونحوه، وهذا كله منصوص أحمد، وبعض ~~أصحابه يقول: إذا استثنى منفعة المبيع فلا بد أن يسلم العين إلى المشتري ثم ~~يأخذها ليستوفي المنفعة، بناء على هذا # PageV02P008 # الأصل الذي قد تبين فساده، وهو أنه لا بد من استحقاق القبض عقيب العقد، ~~وعن هذا الأصل قالوا: لا تصح الإجارة إلا على مدة تلي العقد، وعلى هذا بنوا ~~ما إذا باع العين المؤجرة؛ فمنهم من أبطل البيع لكون المنفعة لا تدخل في ~~البيع فلا يحصل التسليم، ومنهم من قال: هذا مستثنى بالشرع، بخلاف المستثنى ~~بالشرط، وقد اتفق الأئمة على صحة بيع الأمة المزوجة وإن كانت منفعة البضع ~~للزوج ولم تدخل في البيع، واتفقوا على جواز تأخير التسليم إذا كان العرف ~~يقتضيه كما إذا باع مخزنا له فيه متاع كثير لا ينقل في يوم ولا أيام فلا ~~يجب عليه جمع دواب البلد ونقله في ساعة واحدة، بل قالوا: هذا مستثنى ~~بالعرف، فيقال: وهذا من أقوى الحجج عليكم، فإن المستثنى بالشرط أقوى من ~~المستثنى بالعرف، كما أنه أوسع من المستثنى بالشرع؛ فإنه يثبت بالشرط ما لا ~~يثبت ms0371 بالشرع، كما أن الواجب بالنذر أوسع من الواجب بالشرع. # [منع أن موجب العقد التسليم عقيبه] # وأيضا قولكم: " إن موجب العقد استحقاق التسليم عقيبه " أتعنون أن هذا ~~موجب العقد المطلق أو مطلق العقد؟ فإن أردتم الأول فصحيح، وإن أردتم الثاني ~~فممنوع؛ فإن مطلق العقد ينقسم إلى المطلق والمقيد، وموجب العقد المقيد ما ~~قيد به، كما أن موجب العقد المقيد بتأجيل الثمن وثبوت خيار الشرط والرهن ~~والضمين هو ما قيد به، وإن كان موجبه عند إطلاقه خلاف ذلك؛ فموجب العقد ~~المطلق شيء وموجب العقد المقيد شيء، والقبض في الأعيان والمنافع كالقبض في ~~الدين، والنبي - صلى الله عليه وسلم - جوز بيع الثمرة بعد بدو الصلاح ~~مستحقة الإبقاء إلى كمال الصلاح، ولم يجعل موجب العقد القبض في الحال، بل ~~القبض المعتاد عند انتهاء صلاحها، ودخل فيما أذن فيه بيع ما هو معدوم لم ~~يخلق بعد، وقبض ذلك بمنزلة قبض العين المؤجرة، وهو قبض يبيح التصرف في أصح ~~القولين، وإن كان قبضا لا يوجب انتقال الضمان، بل إذا تلف المبيع قبل قبضه ~~المعتاد كان من ضمان البائع كما هو مذهب أهل المدينة وأهل الحديث أهل بلدته ~~وأهل سنته، وهو مذهب الشافعي قطعا؛ فإنه علق القول به على صحة الحديث، وقد ~~صح صحة لا ريب فيها من غير الطريق التي توقف الشافعي فيها؛ فلا يسوغ أن ~~يقال: مذهبه عدم وضع الجوائح، وقد قال: إن صح الحديث قلت به، ورواه من طريق ~~توقف في صحتها، ولم تبلغه الطريق الأخرى التي لا علة لها ولا مطعن فيها، ~~وليس مع المنازع دليل شرعي يدل على أن كل قبض جوز التصرف ينقل الضمان، وما ~~لم يجوز التصرف لا ينقل الضمان، فقبض العين # PageV02P009 # المؤجرة يجوز التصرف ولا ينقل الضمان، وقبض العين المستامة والمستعارة ~~والمغصوبة يوجب الضمان ولا يجوز التصرف. ### | [فصل بيع المقاثي والمباطخ ونحوهما] # فصل: # [بيع المقاثي والمباطخ ونحوهما] # ومن هذا الباب بيع المقاثي والمباطخ والباذنجان؛ فمن منع بيعه إلا لقطة ~~لقطة قال: لأنه معدوم؛ فهو كبيع الثمرة قبل ظهورها، ومن ms0372 جوزه كأهل المدينة ~~وبعض أصحاب أحمد فقولهم أصح؛ فإنه لا يمكن بيعها إلا على هذا الوجه، ولا ~~تتميز اللقطة المبيعة عن غيرها، ولا تقوم المصلحة ببيعها كذلك، ولو كلف ~~الناس به؛ لكان أشق شيء عليهم وأعظمه ضررا؛ والشريعة تأتي به، وقد تقدم أن ~~ما لا يباع إلا على وجه واحد لا ينهى الشارع عن بيعه، وإنما نهى الشارع عن ~~بيع الثمار قبل بدو الصلاح لإمكان تأخير بيعها إلى وقت بدو الصلاح، ونظير ~~ما نهى عنه وأذن فيه سوى بيع المقاثي إذا بدا الصلاح فيها ودخول الأجزاء ~~والأعيان التي لم تخلق بعد كدخول أجزاء الثمار وما يتلاحق في الشجر منها، ~~ولا فرق بينهما ألبتة ### | [فصل ضمان الحدائق والبساتين] # فصل: # [ضمان الحدائق والبساتين] # وبنوا على هذا الأصل الذي لم يدل عليه دليل شرعي، بل دل على خلافه، وهو ~~بيع المعدوم - بطلان ضمان الحدائق والبساتين، وقالوا: هو بيع للثمر قبل ~~ظهوره أو قبل بدو صلاحه؛ ثم منهم من حكى الإجماع على بطلانه، وليس مع ~~المانعين [حجة على ما] ظنوه، فلا النص يتناوله ولا معناه، ولم تجمع الأمة ~~على بطلانه، فلا نص مع المانعين ولا قياس ولا إجماع؛ ونحن نبين انتفاء هذه ~~الأمور الثلاثة: أما الإجماع فقد صح عن عمر بن الخطاب أنه ضمن حديقة أسيد ~~بن حضير ثلاث سنين وتسلف الضمان فقضى به دينا كان على أسيد، وهذا بمشهد من ~~الصحابة، ولم ينكره منهم رجل واحد، ومن جعل مثل هذا إجماعا فقد أجمع ~~الصحابة على جواز ذلك، وأقل درجاته أن يكون قول صحابي، بل قول الخليفة ~~الراشد، ولم ينكره منهم منكر، وهذا حجة # PageV02P010 # عند جمهور العلماء، وقد جوز بعض أصحاب أحمد ضمان البساتين مع الأرض ~~المؤجرة؛ إذ لا يمكن إفراد إحداهما عن الأخرى، واختاره ابن عقيل، وجوز ~~بعضهم ضمان الأشجار مطلقا مع الأرض وبدونها، واختاره شيخنا وأفرد فيه ~~مصنفا؛ ففي مذهب أحمد ثلاثة أقوال، وجوز مالك ذلك تبعا للأرض في قدر الثلث. # قال شيخنا: والصواب ما فعله عمر - رضي الله عنه -؛ فإن الفرق ms0373 بين البيع ~~والضمان هو الفرق بين البيع والإجارة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - نهى ~~عن بيع الحب حتى يشتد ولم ينه عن إجارة الأرض للزراعة مع أن المستأجر ~~مقصوده الحب بعمله فيخدم الأرض ويحرثها ويسقيها ويقوم عليها، وهو نظير ~~مستأجر البستان ليخدم شجره ويسقيه ويقوم عليه، والحب نظير الثمر، والشجر ~~نظير الأرض، والعمل نظير العمل؛ فما الذي حرم هذا وأحل هذا؟ وهذا بخلاف ~~المشتري؛ فإنه يشتري ثمرا وعلى البائع مؤنة الخدمة والسقي والقيام على ~~الشجر؛ فهو بمنزلة الذي يشتري الحب وعلى البائع مؤنة الزرع والقيام عليه؛ ~~فقد ظهر انتفاء القياس والنص، كما ظهر انتفاء الإجماع، بل القياس الصحيح مع ~~المجوزين، كما معهم الإجماع القديم. # فإن قيل: فالثمر أعيان، وعقد الإجارة إنما يكون على المنافع، قيل: ~~الأعيان هنا حصلت بعمله في الأصل المستأجر، كما حصل الحب بعمله في الأرض ~~المستأجرة. # فإن قيل: الفرق أن الحب حصل من بذره، والثمر حصل من شجر المؤجر. # قيل: لا أثر لهذا الفرق في الشرع، بل قد ألغاه الشارع في المساقاة ~~والمزارعة فسوى بينهما؛ والمساقي يستحق جزءا من الثمرة الناشئة من أصل ~~الملك؛ والمزارع يستحق جزءا من الزرع النابت في أرض المالك، وإن كان البذر ~~منه، كما ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة وإجماع الصحابة، فإذا لم يؤثر هذا ~~الفرق في المساقاة والمزارعة التي يكون النماء فيها مشتركا لم يؤثر في ~~الإجارة بطريق الأولى؛ لأن إجارة الأرض لم يختلف فيها كالاختلاف في ~~المزارعة، فإذا كانت إجارتها عندكم أجوز من المزارعة فإجارة الشجر أولى ~~بالجواز من المساقاة عليها، فهذا محض القياس وعمل الصحابة ومصلحة الأمة، ~~وبالله التوفيق. # والذين منعوا ذلك وحرموه توصلوا إلى جوازه بالحيلة الباطلة شرعا وعقلا، ~~فإنهم يؤجرونه الأرض وليست مقصودة له ألبتة، ويساقونه على الشجر من ألف جزء ~~على جزء # PageV02P011 # مساقاة غير مقصودة وإجارة غير مقصودة، فجعلوا ما لم يقصد مقصودا، وما قصد ~~غير مقصود، وحابوا في المساقاة أعظم محاباة، وذلك حرام باطل في الوقف ~~وبستان المولى عليه من يتيم أو سفيه أو مجنون، ومحاباتهم إياه ms0374 في إجارة ~~الأرض لا تسوغ لهم محاباة المستأجر في المساقاة، ولا يسوغ اشتراط أحد ~~العقدين في الآخر، بل كل عقد مستقل بحكمه، فأين هذا من فعل أمير المؤمنين ~~وفقهه؟ وأين القياس من القياس والفقه من الفقه؟ فبينهما في الصحة بعد ما ~~بين المشرقين؟ ### | [فصل إجارة الظئر على وفق القياس الصحيح] # فصل: # [إجارة الظئر على وفق القياس الصحيح] # فهذا الكلام على المقام الأول، وهو كون الإجارة على خلاف القياس، وقد ~~تبين بطلانه. # وأما المقام الثاني - وهو أن الإجارة التي أذن الله فيها في كتابه وهي ~~إجارة الظئر على خلاف القياس - فبناء منهم على هذا الأصل الفاسد، وهو أن ~~المستحق بعقد الإجارة إنما هو المنافع لا الأعيان، وهذا الأصل لم يدل عليه ~~كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، بل الذي دلت عليه الأصول أن الأعيان ~~التي تحدث شيئا فشيئا مع بقاء أصلها حكمها حكم المنافع كالثمر في الشجر ~~واللبن في الحيوان والماء في البئر؛ ولهذا سوى بين النوعين في الوقف، فإن ~~الوقف تحبيس الأصل وتسبيل الفائدة. # فكما يجوز أن تكون فائدة الوقف منفعة كالسكنى وأن تكون ثمرة وأن تكون ~~لبنا كوقف الماشية للانتفاع بلبنها، وكذلك في باب التبرعات كالعارية لمن ~~ينتفع بالمتاع ثم يرده، والعرية لمن يأكل ثمر الشجرة ثم يردها، والمنيحة ~~لمن يشرب لبن الشاة ثم يردها، والقرض لمن ينتفع بالدراهم ثم يرد بدلها ~~القائم مقام عينها؛ فكذلك في الإجارة تارة يكريه العين للمنفعة التي ليست ~~أعيانا، وتارة للعين التي تحدث شيئا من بعد شيء مع بقاء الأصل كلبن الظئر ~~ونفع البئر، فإن هذه الأعيان لما كانت تحدث شيئا بعد شيء مع بقاء الأصل ~~كانت كالمنفعة، والمسوغ للإجارة هو ما بينهما من القدر المشترك، وهو حدوث ~~المقصود بالعقد شيئا فشيئا، سواء كان الحادث عينا أو منفعة، وكونه جسما أو ~~معنى قائما بالجسم، لا أثر له في الجواز والمنع مع اشتراكهما في المقتضي ~~للجواز، بل هذا النوع من الأعيان الحادثة شيئا فشيئا أحق بالجواز؛ فإن ~~الأجسام أكمل من صفاتها، وطرد ms0375 هذا القياس جواز إجارة الحيوان غير الآدمي ~~لرضاعه، فإن الحاجة تدعو إليه كما تدعو إليه في الظئر من الآدميين بطعامها # PageV02P012 # وكسوتها، ويجوز استئجار الظئر من البهائم بعلفها، والماشية إذا عاوض على ~~لبنها، فهو نوعان: أحدهما: أن يشتري اللبن مدة، ويكون العلف والخدمة على ~~البائع، فهذا بيع محض. # والثاني: أن يسلمها ويكون علفها وخدمتها عليه، ولبنها له مدة الإجارة؛ ~~فهذا إجارة وهو كضمان البستان سواء وكالظئر؛ فإن اللبن يستوفى شيئا فشيئا ~~مع بقاء الأصل؛ فهو كاستئجار العين ليسقي بها أرضه، وقد نص مالك على جواز ~~إجارة الحيوان مدة للبنه، ثم من أصحابه من جوز ذلك تبعا لنصه، ومنهم من ~~منعه، ومنهم من شرط فيه شروطا ضيقوا بها مورد النص ولم يدل عليها نصه، ~~والصواب الجواز، وهو موجب القياس المحض؛ فالمجوزون أسعد بالنص من المانعين، ~~وبالله التوفيق ### | [فصل حمل العاقلة الدية عن الجاني طبق القياس] # فصل: # [حمل العاقلة الدية عن الجاني طبق القياس] # ومن هذا الباب قول القائل " حمل العاقلة الدية عن الجاني على خلاف القياس ~~" ولهذا لا تحمل العمد ولا العبد ولا الصلح ولا الاعتراف ولا ما دون الثلث، ~~ولا تحمل جناية الأموال، ولو كانت على وفق القياس لحملت ذلك كله. # والجواب أن يقال: لا ريب أن من أتلف مضمونا كان ضمانه عليه، {ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164] ، ولا تؤخذ نفس بجريرة غيرها؛ وبهذا جاء ~~شرع الله سبحانه وجزاؤه، وحمل العاقلة الدية غير مناقض لشيء من هذا كما ~~سنبينه والناس متنازعون في العقل: هل تحمل العاقلة ابتداء أو تحملا؟ على ~~قولين، كما تنازعوا في صدقة الفطر التي يجب أداؤها عن الغير كالزوجة ~~والولد، هل تجب ابتداء أو تحملا؟ على قولين، وعلى ذلك ينبني ما لو أخرجها ~~من تحملت عنه عن نفسه بغير إذن المتحمل لها؛ فمن قال هي واجبة على الغير ~~تحملا قال: يجزئ في هذه الصورة، ومن قال: هي واجبة عليه ابتداء قال: لا ~~تجزئ، بل هي كأداء الزكاة عن الغير، وكذلك القاتل إذا لم تكن له عاقلة، هل ms0376 ~~تجب الدية في ذمة القاتل أو لا؟ على قولين، بناء على هذا الأصل، والعقل ~~فارق غيره من الحقوق في أسباب اقتضت اختصاصه بالحكم، وذلك أن دية المقتول ~~مال كثير، والعاقلة إنما تحمل الخطأ، ولا تحمل العمد بالاتفاق، ولا شبهة ~~على الصحيح، والخطأ يعذر فيه الإنسان، فإيجاب الدية في ماله فيه ضرر عظيم ~~عليه من غير ذنب تعمده، وإهدار دم المقتول من غير ضمان بالكلية فيه إضرار ~~بأولاده وورثته، فلا بد من إيجاب بدله؛ فكان من محاسن الشريعة وقيامها # PageV02P013 # بمصالح العباد أن أوجب بدله على من عليه موالاة القاتل ونصرته، فأوجب ~~عليهم إعانته على ذلك. # وهذا كإيجاب النفقات على الأقارب وكسوتهم، وكذا مسكنهم وإعفافهم إذا ~~طلبوا النكاح، وكإيجاب فكاك الأسير من بلد العدو؛ فإن هذا أسيف بالدية التي ~~لم يتعمد سبب وجوبها ولا وجبت باختيار مستحقها كالقرض والبيع، وليست قليلة؛ ~~فالقاتل في الغالب لا يقدر على حملها، وهذا بخلاف العمد؛ فإن الجاني ظالم ~~مستحق للعقوبة ليس أهلا أن يحمل عنه بدل القتل؛ وبخلاف شبه العمد؛ لأنه ~~قاصد للجناية متعمد لها، فهو آثم معتد، وبخلاف بدل المتلف من الأموال؛ فإنه ~~قليل في الغالب لا يكاد المتلف يعجز عن حمله، وشأن النفوس غير شأن الأموال؛ ~~ولهذا لا تحمل العاقلة ما دون الثلث عند الإمام أحمد ومالك لقلته واحتمال ~~الجاني حمله، وعند أبي حنيفة لا تحمل ما دون أقل المقدر كأرش الموضحة وتحمل ~~ما فوقه، وعند الشافعي تحمل القليل والكثير طردا للقياس؛ وظهر بهذا كونها ~~لا تحمل العبد فإنه سلعة من السلع ومال من الأموال، فلو حملت بدله لحملت ~~بدل الحيوان والمتاع؛ وأما الصلح والاعتراف فعارض هذه الحكمة فيهما معنى ~~آخر، وهو أن المدعي والمدعى عليه قد يتواطآن على الإقرار بالجناية ويشتركان ~~فيما تحمله العاقلة ويتصالحان على تغريم العاقلة، فلا يسري إقراره ولا ~~صلحه، فلا يجوز إقراره في حق العاقلة، ولا يقبل قوله فيما يجب عليها من ~~الغرامة، وهذا هو القياس الصحيح؛ فإن الصلح والاعتراف يتضمن إقراره ودعواه ~~على العاقلة بوجوب المال عليهم؛ فلا ms0377 يقبل ذلك في حقهم، ويقبل بالنسبة إلى ~~المعترف كنظائره، فتبين أن إيجاب الدية على العاقلة من جنس ما أوجبه الشارع ~~من الإحسان إلى المحتاجين كأبناء السبيل والفقراء والمساكين. # وهذا من تمام الحكمة التي بها قيام مصلحة العالم؛ فإن الله سبحانه قسم ~~خلقه إلى غني وفقير، ولا تتم مصالحهم إلا بسد خلة الفقير، فأوجب سبحانه في ~~فضول أموال الأغنياء ما يسد [به] خلة الفقراء، وحرم الربا الذي يضر ~~بالمحتاج، فكان أمره بالصدقة ونهيه عن الربا أخوين شقيقين؛ ولهذا جمع الله ~~بينهما في قوله: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} [البقرة: 276] وقوله: ~~{وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من ~~زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} [الروم: 39] وذكر الله سبحانه ~~أحكام الناس في الأموال في آخر سورة البقرة، وهي ثلاثة: عدل، وظلم، وفضل؛ ~~فالعدل البيع، والظلم الربا، والفضل الصدقة؛ فمدح المتصدقين وذكر ثوابهم، ~~وذم المرابين وذكر عقابهم، وأباح البيع والتداين إلى أجل مسمى. # والمقصود أن حمل الدية من جنس ما أوجبه من الحقوق لبعض العباد على بعض # PageV02P014 # كحق المملوك والزوجة والأقارب والضيف، ليست من باب عقوبة الإنسان بجناية ~~غيره، فهذا لون، وذاك لون، والله الموفق. ### | [فصل المصراة على وفق القياس] # فصل: # [بيان أن المصراة على وفق القياس] # ومما قيل إنه على خلاف القياس حديث المصراة، قالوا: وهو يخالف القياس من ~~وجوه: منها أنه تضمن رد البيع بلا عيب ولا خلف في صفة، ومنها أن «الخراج ~~بالضمان» ؛ فاللبن الذي يحدث عند المشتري غير مضمون عليه وقد ضمنه إياه، ~~ومنها أن اللبن من ذوات الأمثال وقد ضمنه إياه بغير مثله، ومنها أنه إذا ~~انتقل من التضمين بالمثل فإنما ينتقل إلى القيمة، والتمر لا قيمة ولا مثل، ~~ومنها أن المال المضمون إنما يضمن بقدره في القلة والكثرة، وقد قدر هاهنا ~~الضمان بصاع. # قال أنصار الحديث: كل ما ذكرتموه خطأ، والحديث موافق لأصول الشريعة ~~وقواعدها، ولو خالفها لكان أصلا بنفسه، كما أن غيره أصل بنفسه، وأصول الشرع ~~لا يضرب ms0378 بعضها ببعض، كما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أن يضرب ~~كتاب الله بعضه ببعض، بل يجب اتباعها كلها، ويقر كل منها على أصله وموضعه؛ ~~فإنها كلها من عند الله الذي أتقن شرعه وخلقه، وما عدا هذا فهو الخطأ ~~الصريح. # فاسمعوا الآن هدم الأصول الفاسدة التي يعترض بها على النصوص الصحيحة: أما ~~قولكم: " إنه تضمن الرد من غير عيب ولا فوات صفة " فأين في أصول الشريعة ~~المتلقاة عن صاحب الشرع ما يدل على انحصار الرد بهذين الأمرين؟ وتكفينا هذه ~~المطالبة، ولن تجدوا إلى إقامة الدليل على الحصر سبيلا؛ ثم نقول: بل أصول ~~الشريعة توجب الرد بغير ما ذكرتم، وهو الرد بالتدليس والغش، فإنه هو والخلف ~~في الصفة من باب واحد، بل الرد بالتدليس أولى من الرد بالعيب، فإن البائع ~~يظهر صفة المبيع تارة بقوله وتارة بفعله، فإذا أظهر للمشتري أنه على صفة ~~فبان بخلافها كان قد غشه ودلس عليه، فكان له الخيار بين الإمساك والفسخ، ~~ولو لم تأت الشريعة بذلك لكان هو محض القياس وموجب العدل؛ فإن المشتري إنما ~~بذل ماله في المبيع بناء على الصفة التي أظهرها له البائع، ولو علم أنه على ~~خلافها لم يبذل له فيها ما بذل، فإلزامه للمبيع مع التدليس والغش من أعظم ~~الظلم الذي تتنزه الشريعة عنه، وقد أثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الخيار للركبان إذا تلقوا واشتري منهم قبل أن # PageV02P015 # يهبطوا السوق ويعلموا السعر، وليس هاهنا عيب ولا خلف في صفة، ولكن فيه ~~نوع تدليس وغش. فصل [ «الخراج بالضمان» ] # وأما قولكم: «الخراج بالضمان» فهذا الحديث وإن كان قد روي فحديث المصراة ~~أصح منه باتفاق أهل الحديث قاطبة، فكيف يعارض به مع أنه لا تعارض بينهما ~~بحمد الله؟ فإن الخراج اسم للغلة مثل كسب العبد وأجرة الدابة ونحو ذلك، ~~وأما الولد واللبن فلا يسمى خراجا، وغاية ما في الباب قياسه عليه بجامع ~~كونهما من الفوائد، وهو من أفسد القياس؛ فإن الكسب الحادث والغلة لم يكن ~~موجودا حال البيع، وإنما حدث بعد ms0379 القبض، وأما اللبن هاهنا فإنه كان موجودا ~~حال العقد، فهو جزء من المعقود عليه، والشارع لم يجعل الصاع عوضا عن اللبن ~~الحادث، وإنما هو عوض عن اللبن الموجود وقت العقد في الضرع، فضمانه هو محض ~~العدل والقياس. # وأما تضمينه بغير جنسه ففي غاية العدل؛ فإنه لا يمكن تضمينه بمثله ألبتة، ~~فإن اللبن في الضرع محفوظ غير معرض للفساد، فإذا حلب صار عرضة لحمضه ~~وفساده، فلو ضمن اللبن الذي كان في الضرع بلبن محلوب في الإناء كان ظلما ~~تتنزه الشريعة عنه. # وأيضا فإن اللبن الحادث بعد العقد اختلط باللبن الموجود وقت العقد، فلم ~~يعرف مقداره حتى يوجب نظيره على المشتري، وقد يكون أقل منه أو أكثر فيفضي ~~إلى الربا؛ لأن أقل الأقسام أن تجهل المساواة. [الحكمة في رد التمر بدل ~~اللبن. وأيضا فلو وكلناه إلى تقديرهما أو تقدير أحدهما لكثر النزاع والخصم ~~بينهما، ففصل الشارع الحكيم صلاة الله وسلامه عليه وعلى آله النزاع وقدره ~~بحد لا يتعديانه قطعا للخصومة وفصلا للمنازعة، وكان تقديره بالتمر أقرب ~~الأشياء إلى اللبن، فإنه قوت أهل المدينة كما كان اللبن قوتا لهم، وهو مكيل ~~كما أن اللبن مكيل؛ فكلاهما مطعوم مقتات مكيل، وأيضا فكلاهما يقتات به بلا ~~صنعة ولا علاج، بخلاف الحنطة والشعير والأرز، فالتمر أقرب الأجناس التي ~~كانوا يقتاتون بها إلى اللبن. # فإن قيل: فأنتم توجبون صاع التمر في كل مكان، سواء كان قوتا لهم أو لم ~~يكن. # PageV02P016 # قيل: هذا من مسائل النزاع وموارد الاجتهاد، فمن الناس من يوجب ذلك، ومنهم ~~من يوجب في كل بلد صاعا من قوتهم، ونظير هذا تعيينه - صلى الله عليه وسلم - ~~الأصناف الخمسة في زكاة الفطر وأن كل بلد يخرجون من قوتهم مقدار الصاع، ~~وهذا أرجح وأقرب إلى قواعد الشرع، وإلا فكيف يكلف من قوتهم السمك مثلا أو ~~الأرز أو الدخن إلى التمر، وليس هذا بأول تخصيص قام الدليل عليه، وبالله ~~التوفيق # فصل [أمر الذي صلى فذا بالإعادة] # ومن ذلك ظن بعضهم أن أمره - صلى الله عليه وسلم - لمن صلى ms0380 فذا خلف الصف ~~بالإعادة على خلاف القياس؛ فإن الإمام والمرأة فذان وصلاتهما صحيحة. # وهذا من أفسد القياس وأبطله؛ فإن الإمام يسن في حقه التقدم، وأن يكون ~~وحده، والمأمومون يسن في حقهم الاصطفاف، فقياس أحدهما على الآخر من أفسد ~~القياس، والفرق بينهما أن الإمام إنما جعل ليؤتم به وتشاهد أفعاله ~~وانتقالاته، فإذا كان قدامهم حصل مقصود الإمامة، وإذا كان في الصف لم ~~يشاهده إلا من يليه، ولهذا جاءت السنة بالتقدم، ولو كانوا ثلاثة، محافظة ~~على المقصود بالائتمام، وأما المرأة فإن السنة وقوفها فذة إذا لم يكن هناك ~~امرأة تقف معها؛ لأنها منهية عن مصافة الرجال، فموقفها المشروع أن تكون خلف ~~الصف فذة، وموقف الرجل المشروع أن يكون في الصف، فقياس أحدهما على الآخر من ~~أبطل القياس وأفسده، وهو قياس المشروع على غير المشروع. # فإن قيل: فلو كان معها نساء ووقفت وحدها صحت صلاتها، قيل: هذا غير مسلم، ~~بل إذا كان صف النساء فحكم المرأة بالنسبة إليه في كونها فذة كحكم الرجل ~~بالنسبة إلى صف الرجال، لكن موقف المرأة وحدها خلف صف الرجال يدل على ~~شيئين: أحدهما أن الرجل إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه وتعذر عليه الدخول ~~في الصف ووقف معه فذا صحت صلاته للحاجة، وهذا هو القياس المحض؛ فإن واجبات ~~الصلاة تسقط بالعجز عنها؛ الثاني - وهو طرد هذا القياس - إذا لم يمكنه أن ~~يصلي مع الجماعة إلا قدام الإمام فإنه يصلي قدامه وتصح صلاته، وكلاهما وجه ~~في مذهب أحمد، وهو اختيار شيخنا - رحمه الله -. # وبالجملة فليست المصافة أوجب من غيرها، فإذا سقط ما هو أوجب منها للعذر ~~فهي أولى بالسقوط، ومن قواعد الشرع الكلية أنه: " لا واجب مع عجز، ولا حرام ~~مع ضرورة " # PageV02P017 ### | [فصل الرهن مركوب ومحلوب وعلى من يركب ويحلب النفقة] # ومن ذلك قول بعضهم: إن الحديث الصحيح - وهو قوله: «الرهن مركوب ومحلوب، ~~وعلى الذي يركب ويحلب النفقة» - على خلاف القياس، فإنه جوز لغير المالك أن ~~يركب الدابة وأن يحلبها، وضمنه ذلك بالنفقة لا بالقيمة، فهو مخالف ms0381 للقياس ~~من وجهين. # والصواب ما دل عليه الحديث، وقواعد الشريعة وأصولها لا تقتضي سواه؛ فإن ~~الرهن إذا كان حيوانا فهو محترم في نفسه لحق الله سبحانه، وللمالك فيه حق ~~الملك، وللمرتهن حق الوثيقة، وقد شرع الله سبحانه الرهن مقبوضا بيد ~~المرتهن، فإذا كان بيده فلم يركبه ولم يحلبه ذهب نفعه باطلا، وإن مكن صاحبه ~~من ركوبه خرج عن يده وتوثيقه، وإن كلف صاحبه كل وقت أن يأتي ليأخذ لبنه شق ~~عليه غاية المشقة، ولا سيما مع بعد المسافة، وإن كلف المرتهن بيع اللبن ~~وحفظ ثمنه للراهن شق عليه؛ فكان مقتضى العدل والقياس ومصلحة الراهن ~~والمرتهن والحيوان أن يستوفي المرتهن منفعة الركوب والحلب ويعوض عنهما ~~بالنفقة، ففي هذا جمع بين المصلحتين، وتوفير الحقين، فإن نفقة الحيوان ~~واجبة على صاحبه، والمرتهن إذا أنفق عليه أدى عنه واجبا، وله فيه حق، فله ~~أن يرجع ببدله، ومنفعة الركوب والحلب تصلح أن تكون بدلا، فأخذها خير من أن ~~تهدر على صاحبها باطلا ويلزم بعوض ما أنفق المرتهن. # وإن قيل للمرتهن: " لا رجوع لك " كان في ذلك إضرار به، ولم تسمح نفسه ~~بالنفقة على الحيوان، فكان ما جاءت به الشريعة هو الغاية التي ما فوقها في ~~العدل والحكمة والمصلحة شيء يختار. # فإن قيل: ففي هذا أن من أدى عن غيره واجبا فإنه يرجع ببدله، وهذا خلاف ~~القياس؛ فإنه إلزام له بما لم يلتزمه، ومعاوضة لم يرضى بها. # قيل: وهذا أيضا محض القياس والعدل والمصلحة، وموجب الكتاب، ومذهب أهل ~~المدينة وفقهاء الحديث أهل بلدته وأهل سنته، فلو أدى عنه دينه أو أنفق على ~~من تلزمه نفقته أو افتداه من الأسر ولم ينو التبرع فله الرجوع، وبعض أصحاب ~~أحمد فرق بين قضاء الدين ونفقة القريب؛ فجوز الرجوع في الدين دون نفقة ~~القريب، قال: لأنها لا تصير دينا. # قال شيخنا: والصواب التسوية بين الجميع؟ والمحققون من أصحابه سووا ~~بينهما، ولو افتداه من الأسر كان له مطالبته بالفداء، وليس ذلك دينا عليه، ~~والقرآن يدل على هذا # PageV02P018 # القول، فإن الله تعالى ms0382 قال: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] ~~فأمر بإيتاء الأجر بمجرد الإرضاع، ولم يشترط عقدا ولا إذن الأب. # وكذلك قوله: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] فأوجب ذلك ~~عليه، ولم يشترط عقدا ولا إذنا، ونفقة الحيوان واجبة على مالكه، والمستأجر ~~والمرتهن له فيه حق، فإذا أنفق عليه النفقة الواجبة على ربه كان أحق ~~بالرجوع من الإنفاق على ولده، فإن قال الراهن: أنا لم آذن لك في النفقة، ~~قال: هي واجبة عليك، وأنا أستحق أن أطالبك بها لحفظ المرهون والمستأجر، ~~فإذا رضي المنفق بأن يعتاض بمنفعة الرهن وكانت نظير النفقة كان قد أحسن إلى ~~صاحبه، وذلك خير محض، فلو لم يأت به النص لكان القياس يقتضيه، وطرد هذا ~~القياس، أن المودع والشريك والوكيل إذا أنفق على الحيوان واعتاض عن النفقة ~~بالركوب والحلب جاز ذلك كالمرتهن ### | [فصل رجل وقع على جارية امرأته موافق للقياس] # فصل [الحكم في رجل وقع على جارية امرأته موافق للقياس] # ومما قيل: " إنه من أبعد الأحاديث عن القياس " حديث الحسن عن قبيصة بن ~~حريث عن سلمة بن المحبق «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في رجل ~~وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها فهي حرة، وعليه لسيدتها مثلها، وإن ~~كانت طاوعته فهي له، وعليه لسيدتها مثلها وفي رواية أخرى: وإن كانت طاوعته ~~فهي ومثلها من ماله لسيدتها» رواه أهل السنن، وضعفه بعضهم من قبل إسناده، ~~وهو حديث حسن يحتجون بما هو دونه في القوة، ولكن لإشكاله أقدموا على تضعيفه ~~مع لين في سنده. # قال شيخ الإسلام: وهذا الحديث يستقيم على القياس مع ثلاثة أصول صحيحة كل ~~منها قول طائفة من الفقهاء. [من أتلف مال غيره ضمنه] # أحدها: أن من غير مال غيره بحيث فوت مقصوده عليه فله أن يضمنه بمثله، ~~وهذا كما لو تصرف في المغصوب بما أزال اسمه ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد ~~وغيره: أحدها أنه باق على ملك صاحبه، وعلى الغاصب ضمان ms0383 النقص، ولا شيء عليه ~~في الزيادة كقول الشافعي. # والثاني: يملكه الغاصب بذلك، ويضمنه لصاحبه كقول أبي حنيفة. # والثالث: يخير المالك بين أخذه وتضمين النقص وبين المطالبة بالبدل، وهذا ~~أعدل الأقوال وأقواها؛ فإن فوت صفاته المعنوية - مثل أن ينسيه صناعته، أو ~~يضعف قوته، أو يفسد عقله أو دينه - # PageV02P019 # فهذا أيضا يخير المالك فيه بين تضمين النقص وبين المطالبة بالبدل، ولو ~~قطع ذنب بغلة القاضي فعند مالك يضمنها بالبدل ويملكها لتعذر مقصودها على ~~المالك في العادة؛ أو يخير المالك فصل [المتلفات تضمن بالجنس] # الأصل الثاني: أن جميع المتلفات تضمن بالجنس بحسب الإمكان مع مراعاة ~~القيمة، حتى الحيوان فإنه إذا اقترضه رد مثله كما اقترض النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بكرا ورد خيرا منه، وكذلك المغرور يضمن ولده بمثلهم كما قضت به ~~الصحابة، وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقصة داود وسليمان - عليهما ~~السلام - من هذا الباب؛ فإن الماشية كانت قد أتلفت حرث القوم فقضى داود ~~بالغنم لأصحاب الحرث كأنه ضمنهم ذلك بالقيمة، ولم يكن لهم مال إلا الغنم ~~فأعطاهم الغنم بالقيمة، وأما سليمان فحكم بأن أصحاب الماشية يقومون على ~~الحرث حتى يعود كما كان فضمنهم إياه بالمثل، وأعطاهم الماشية يأخذون ~~منفعتها عوضا عن المنفعة التي فاتت من غلة الحرث إلى أن يعود، وبذلك أفتى ~~الزهري لعمر بن عبد العزيز فيمن أتلف له شجر. فقال الزهري: يغرسه حتى يعود ~~كما كان. # وقال ربيعة وأبو الزناد: عليه القيمة، فغلظ الزهري القول فيهما، وقول ~~الزهري وحكم سليمان هو موجب الأدلة؛ فإن الواجب ضمان المتلف بالمثل بحسب ~~الإمكان كما قال تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] وقال: {فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] وقال: ~~{والحرمات قصاص} [البقرة: 194] وقال: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم ~~به} [النحل: 126] وإن كان مثل الحيوان والآنية والثياب من كل وجه متعذرا ~~فقد دار الأمر بين شيئين: الضمان بالدراهم المخالفة للمثل في الجنس والصفة ~~والمقصود والانتفاع وإن ساوت المضمون في المالية، والضمان بالمثل بحسب ~~الإمكان المساوي للمتلف ms0384 في الجنس والصفة والمالية والمقصود والانتفاع، ولا ~~ريب أن هذا أقرب إلى النصوص والقياس والعدل، ونظير هذا ما ثبت بالسنة ~~واتفاق الصحابة من القصاص في اللطمة والضربة، وهو منصوص أحمد في رواية ~~إسماعيل بن سعيد، وقد تقدم تقرير ذلك، وإذا كانت المماثلة من كل وجه متعذرة ~~حتى في المكيل والموزون فما كان أقرب إلى المماثلة فهو أولى بالصواب، ولا ~~ريب أن الجنس إلى الجنس أقرب مماثلة من الجنس إلى القيمة؛ فهذا هو القياس ~~وموجب النصوص، وبالله التوفيق. # PageV02P020 # من مثل بعبده عتق عليه] # والأصل الثالث: أن من مثل بعبده عتق عليه، وهذا مذهب فقهاء الحديث وقد ~~جاءت بذلك آثار مرفوعة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كعمر بن ~~الخطاب وغيره. # فهذا الحديث موافق لهذه الأصول الثلاثة الثابتة بالأدلة الموافقة للقياس ~~العادل؛ فإذا طاوعته الجارية فقد أفسدها على سيدتها فإنها مع المطاوعة تنقص ~~قيمتها إذ تصير زانية، ولا تمكن سيدتها من استخدامها حق الخدمة، لغيرتها ~~منها وطمعها في السيد، واستشراف السيد إليها، وتتشامخ على سيدتها فلا ~~تطيعها كما كانت تطيعها قبل ذلك، والجاني إذا تصرف في المال بما ينقص قيمته ~~كان لصاحبه المطالبة بالمثل، فقضى الشارع لسيدتها بالمثل، وملكه الجارية؛ ~~إذ لا يجمع لها بين العوض والمعوض، وأيضا فلو رضيت سيدتها أن تبقى الجارية ~~على ملكها وتغرمه ما نقص من قيمتها كان لها ذلك، فإذا لم ترض وعلمت أن ~~الأمة قد فسدت عليها ولم تنتفع بخدمتها كما كانت قبل ذلك كان من أحسن ~~القضاء أن يغرم السيد مثلها ويملكها. # فإن قيل: فاطردوا هذا القياس وقولوا: إن الأجنبي إذا زنى بجارية قوم حتى ~~أفسدها عليهم أن لهم القيمة أو يطالبوه ببدلها. # قيل: نعم هذا موجب القياس إن لم يكن بين الصورتين فرق مؤثر، وإن كان ~~بينهما فرق انقطع الإلحاق؛ فإن الإفساد الذي في وطء الزوج بجارية امرأته ~~بالنسبة إليها أعظم من الإفساد الذي في وطء الأجنبي، وبالجملة فجواب هذا ~~السؤال جواب مركب؛ إذ لا نص فيه ولا إجماع فصل. # وأما إذا استكرهها ms0385 فإن هذا من باب المثلة، فإن الإكراه على الوطء مثلة؛ ~~فإن الوطء يجري مجرى الجناية، ولهذا لا يخلو عن عقر أو عقوبة، ولا يجري ~~مجرى منفعة الخدمة، فهي لما صارت له بإفسادها على سيدتها أوجب عليه مثلها ~~كما في المطاوعة، وأعتقها عليه لكونه مثل بها. # قال شيخنا: ولو استكره عبده على الفاحشة عتق عليه، ولو استكره أمة الغير ~~على الفاحشة عتقت عليه، وضمنها بمثلها، إلا أن يفرق بين أمة امرأته وبين ~~غيرها، فإن كان بينهما فرق شرعي وإلا فموجب القياس التسوية. # وأما قوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا ~~عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} [النور: ~~33] # PageV02P021 # فهذا نهي عن إكراههن على كسب المال بالبغاء، كما قيل: إن عبد الله بن أبي ~~رأس المنافقين كان له إماء يكرههن على البغاء، وليس هذا استكراها للأمة على ~~أن يزني بها هو، فإن هذا بمنزلة التمثيل بها، وذاك إلزام لها بأن تذهب هي ~~فتزني، مع أنه يمكن أن يقال: العتق بالمثلة لم يكن مشروعا عند نزول الآية، ~~ثم شرع بعد ذلك. [ما من نص صحيح إلا وهو موافق للعقل] # قال شيخنا: والكلام على هذا الحديث من أدق الأمور، فإن كان ثابتا فهذا ~~الذي ظهر في توجيهه، وإن لم يكن ثابتا فلا يحتاج إلى الكلام عليه. # قال: وما عرفت حديثا صحيحا إلا ويمكن تخريجه على الأصول الثابتة قال: وقد ~~تدبرت ما أمكنني من أدلة الشرع فما رأيت قياسا صحيحا يخالف حديثا صحيحا، ~~كما أن المعقول الصحيح لا يخالف المنقول الصحيح، بل متى رأيت قياسا يخالف ~~أثرا فلا بد من ضعف أحدهما، لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفى ~~كثير منه على أفاضل العلماء فضلا عمن هو دونهم، فإن إدراك الصفة المؤثرة في ~~الأحكام على وجهها ومعرفة المعاني التي علقت بها الأحكام من أشرف العلوم، ~~فمنه الجلي الذي يعرفه أكثر الناس، ومنه الدقيق الذي لا يعرفه إلا خواصهم؛ ~~فلهذا صارت أقيسة كثير من العلماء تجيء ms0386 مخالفة للنصوص لخفاء القياس الصحيح، ~~كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التي تدل على ~~الأحكام، انتهى. # فإن قيل: فهب أنكم خرجتم ذلك على القياس، فما تصنعون بسقوط الحد عنه وقد ~~وطئ فرجا لا ملك له فيه ولا شبهة ملك؟ قيل: الحديث لم يتعرض بنفي ولا ~~إثبات، وإنما دل على الضمان وكيفيته. # فإن قيل: فكيف تخرجون حديث النعمان بن بشير في ذلك: «أنها إن كانت أحلتها ~~له جلد مائة جلدة، وإن لم تكن أحلتها له رجم بالحجارة» على القياس. # قيل: هو بحمد الله موافق للقياس، مطابق لأصول الشريعة وقواعدها؛ فإن ~~إحلالها شبهة كافية في سقوط الحد عنه، ولكن لما لم يملكها بالإحلال كان ~~الفرج محرما عليه، وكانت المائة تعزيرا له وعقوبة على ارتكاب فرج حرام ~~عليه، وكان إحلال الزوجة له وطأها شبهة دارئة للحد عنه. # فإن قيل: فكيف تخرجون التعزير بالمائة على القياس. # PageV02P022 # قيل: هذا من أسهل الأمور؛ فإن التعزير لا يتقدر بقدر معلوم، بل هو بحسب ~~الجريمة في جنسه وصفتها وكبرها وصغرها، وعمر بن الخطاب قد تنوع تعزيره في ~~الخمر: فتارة بحلق الرأس، وتارة بالنفي، وتارة بزيادة أربعين سوطا على الحد ~~الذي ضربه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر، وتارة بتحريق حانوت ~~الخمار، وكذلك تعزير الغال وقد جاءت السنة بتحريق متاعه، وتعزير مانع ~~الصدقة بأخذها وأخذ شطر ماله معها، وتعزير كاتم الضالة الملتقطة بإضعاف ~~الغرم عليه، وكذلك عقوبة سارق ما لا قطع فيه يضعف عليه الغرم، وكذلك قاتل ~~الذمي عمدا أضعف عليه عمر وعثمان ديته، وذهب إليه أحمد وغيره. # فإن قيل: فما تصنعون بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يضرب فوق ~~عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله» . # قيل: نتلقاه بالقبول والسمع والطاعة، ولا منافاة بينه وبين شيء مما ~~ذكرنا، فإن الحد في لسان الشارع أعم منه في اصطلاح الفقهاء؛ فإنهم يريدون ~~بالحدود عقوبات الجنايات المقدرة بالشرع خاصة، والحد في لسان الشارع أعم من ~~ذلك؟ فإنه يراد به هذه العقوبة ms0387 تارة ويراد به نفس الجناية تارة، كقوله ~~تعالى: {تلك حدود الله فلا تقربوها} [البقرة: 187] وقوله: {تلك حدود الله ~~فلا تعتدوها} [البقرة: 229] فالأول حدود الحرام، والثاني حدود الحلال. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله حد حدودا فلا تعتدوها» وفي ~~حديث النواس بن سمعان الذي تقدم في أول الكتاب والسوران حدود الله، ويراد ~~به تارة جنس العقوبة وإن لم تكن مقدرة، فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله» يريد به الجناية التي هي حق ~~لله. # فإن قيل: فأين تكون العشرة فما دونها إذ كان المراد بالحد الجناية؟ . # قيل: في ضرب الرجل امرأته وعبده وولده وأجيره، للتأديب ونحوه، فإنه لا ~~يجوز أن يزيد على عشرة أسواط؛ فهذا أحسن ما خرج عليه الحديث، وبالله ~~التوفيق ### | [فصل المضي في الحج الفاسد لا يخالف القياس] # وأما المضي في الحج الفاسد فليس مخالفا للقياس؛ فإن الله سبحانه أمر ~~بإتمام الحج والعمرة، فعلى من شرع فيهما أن يمضي فيهما وإن كان متطوعا ~~بالدخول باتفاق الأئمة، وإن تنازعوا فيما سواه من التطوعات: هل تلزم ~~بالشروع أم لا؟ فقد وجب عليه بالإحرام أن يمضي فيه إلى حين يتحلل، ووجب ~~عليه الإمساك عن الوطء، فإذا وطئ فيه لم # PageV02P023 # يسقط وطؤه ما وجب عليه من إتمام النسك، فيكون ارتكابه ما حرمه الله عليه ~~سببا لإسقاط الواجب عليه، ونظير هذا الصائم إذ أفطر عمدا لم يسقط عنه فطره ~~ما وجب عليه من إتمام الإمساك، ولا يقال له: قد بطل صومك فإن شئت أن تأكل ~~فكل، بل يجب عليه المضي فيه وقضاؤه؛ لأن الصائم له حد محدود وهو غروب ~~الشمس. # فإن قيل: فهلا طردتم ذلك في الصلاة إذا أفسدها، وقلتم: يمضي فيها ثم ~~يعيدها. # قيل: من هاهنا ظن من ظن أن المضي في الحج الفاسد على خلاف القياس، والفرق ~~بينهما أن الحج له وقت محدود وهو يوم عرفة كما للصيام وقت محدود وهو ~~الغروب، وللحج مكان مخصوص لا يمكن إحلال المحرم قبل وصوله ms0388 إليه كما لا يمكن ~~فطر الصائم قبل وصوله إلى وقت الفطر، فلا يمكنه فعله ولا فعل الحج ثانيا في ~~وقته، بخلاف الصلاة فإنه يمكنه فعلها ثانيا في وقتها؛ وسر الفرق أن وقت ~~الصيام والحج بقدر فعله لا يسع غيره، ووقت الصلاة أوسع منها فيسع غيرها، ~~فيمكنه تدارك فعلها إذا فسدت في أثناء الوقت، ولا يمكن تدارك الصيام والحج ~~إذا فسدا إلا في وقت آخر نظير الوقت الذي أفسدهما فيه، والله أعلم ### | [فصل العذر بالنسيان على خلاف القياس] # فصل [العذر بالنسيان] # وأما من أكل في صومه ناسيا فمن قال: " عدم فطره ومضيه في صومه على خلاف ~~القياس " ظن أنه من باب ترك المأمور ناسيا، والقياس أنه يلزمه الإتيان بما ~~تركه، كما لو أحدث ونسي حتى صلى، والذين قالوا: " بل هو على وفق القياس " ~~حجتهم أقوى؛ لأن قاعدة الشريعة أن من فعل محظورا ناسيا فلا إثم عليه، كما ~~دل عليه قوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] ~~وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله سبحانه استجاب هذا الدعاء، ~~وقال: قد فعلت؛ وإذا ثبت أنه غير آثم فلم يفعل في صومه محرما فلم يبطل ~~صومه، وهذا محض القياس؛ فإن العبادة إنما تبطل بفعل محظور أو ترك مأمور. # وطرد هذا القياس أن من تكلم في صلاته ناسيا لم تبطل صلاته. # وطرده أيضا أن من جامع في إحرامه أو صيامه ناسيا لم يبطل صيامه ولا ~~إحرامه. # وكذلك من تطيب أو لبس أو غطى رأسه أو حلق رأسه أو قلم ظفره ناسيا فلا ~~فدية عليه، بخلاف قتل الصيد، فإنه من باب ضمان المتلفات فهو كدية القتيل. # وأما اللباس والطيب فمن باب الترفه، وكذلك الحلق والتقليم ليس من باب ~~الإتلاف فإنه لا قيمة له في الشرع ولا في العرف. # وطرد هذا القياس أن من فعل المحلوف # PageV02P024 # عليه ناسيا لم يحنث، سواء حلف بالله أو بالطلاق أو بالعتاق أو غير ذلك؛ ~~لأن القاعدة أن من فعل المنهي عنه ناسيا لم يعد عاصيا، والحنث ms0389 في الأيمان ~~كالمعصية في الإيمان. # فلا يعد حانثا من فعل المحلوف عليه ناسيا. # وطرد هذا أيضا أن من باشر النجاسة في الصلاة ناسيا لم تبطل صلاته، بخلاف ~~من ترك شيئا من فروض الصلاة ناسيا أو ترك الغسل من الجنابة أو الوضوء أو ~~الزكاة أو شيئا من فروض الحج ناسيا فإنه يلزمه الإتيان به؛ لأنه لم يؤد ما ~~أمر به، فهو في عهدة الأمر. # وسر الفرق أن من فعل المحظور ناسيا يجعل وجوده كعدمه، ونسيان ترك المأمور ~~لا يكون عذرا في سقوطه، كما كان فعل المحظور ناسيا عذرا في سقوط الإثم عن ~~فاعله. # فإن قيل: فهذا الفرق حجة عليكم؛ لأن ترك المفطرات في الصوم من باب ~~المأمورات، ولهذا تشترط فيه النية، ولو كان فعل المفطرات من باب المحظور لم ~~يحتج إلى نية كفعل سائر المحظورات. # قيل: لا ريب أن النية في الصوم شرط، ولولاها لما كان عبادة، ولا أثيب ~~عليه؛ لأن الثواب لا يكون إلا بالنية؛ فكانت النية شرطا في كون هذا الترك ~~عبادة، ولا يختص ذلك بالصوم، بل كل ترك لا يكون عبادة ولا يثاب عليه إلا ~~بالنية، ومع ذلك فلو فعله ناسيا لم يأثم به، فإذا نوى تركها لله ثم فعلها ~~ناسيا لم يقدح نسيانه في أجره، بل يثاب على قصد تركها لله، ولا يأثم بفعلها ~~ناسيا، وكذلك الصوم. # وأيضا فإن فعل الناسي غير مضاف إليه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «من أكل أو شرب ناسيا فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه» فأضاف فعله ~~ناسيا إلى الله لكونه لم يرده ولم يتعمده، وما يكون مضافا إلى الله لم يدخل ~~تحت قدرة العبد، فلم يكلف به، فإنه إنما يكلف بفعله، لا بما يفعل فيه، ففعل ~~الناسي كفعل النائم والمجنون والصغير. # وكذلك لو احتلم الصائم في منامه أو ذرعه القيء في اليقظة لم يفطر، ولو ~~استدعى ذلك أفطر به؛ فلو كان ما يوجد بغير قصده كما يوجد بقصده لأفطر بهذا ~~وهذا. [هل هناك فرق بين الناسي والمخطئ؟] . # فإن قيل: ms0390 فأنتم تفطرون المخطئ كمن أكل يظنه ليلا فبان نهارا أفطر. # قيل: هذا فيه نزاع معروف بين السلف والخلف، والذين فرقوا بينهما قالوا: ~~فعل المخطئ يمكن الاحتراز منه، بخلاف الناسي. # PageV02P025 # ونقل عن بعض السلف أنه يفطر في مسألة الغروب دون مسألة الطلوع كما لو ~~استمر الشك. # قال شيخنا: وحجة من قال: لا يفطر في الجميع أقوى، ودلالة الكتاب والسنة ~~على قولهم أظهر؛ فإن الله سبحانه سوى بين الخطإ والنسيان في عدم المؤاخذة؛ ~~ولأن فعل محظورات الحج يستوي فيه المخطئ والناسي؛ ولأن كل واحد منهما غير ~~قاصد للمخالفة، وقد ثبت في الصحيح أنهم أفطروا على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ثم طلعت الشمس، ولم يثبت في الحديث أنهم أمروا بالقضاء، ~~ولكن هشام بن عروة سئل عن ذلك فقال: لا بد من قضاء، وأبوه عروة أعلم منه، ~~وكان يقول: لا قضاء عليهم. # وثبت في الصحيحين أن بعض الصحابة أكلوا حتى ظهر لهم الخيط الأسود من ~~[الخيط] الأبيض ولم يأمر أحدا منهم بقضاء وكانوا مخطئين، وثبت عن عمر بن ~~الخطاب أنه أفطر ثم تبين النهار فقال: لا نقضي؛ لأنا لم نتجانف لإثم، وروي ~~عنه أنه قال: نقضي، وإسناده الأول أثبت، وصح عنه أنه قال: الخطب يسير؛ ~~فتأول ذلك من تأوله على أنه أراد خفة أمر القضاء، واللفظ لا يدل على ذلك. # قال شيخنا: وبالجملة فهذا القول أقوى أثرا ونظرا، وأشبه بدلالة الكتاب ~~والسنة والقياس. # قلت له: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - مر على رجل يحتجم فقال: «أفطر ~~الحاجم والمحجوم» ولم يكونا عالمين بأن الحجامة تفطر، ولم يبلغهما قبل ذلك ~~قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» ولعل الحكم إنما شرع ذلك اليوم. # فأجابني بما مضمونه أن الحديث اقتضى أن ذلك الفعل مفطر، وهذا كما لو رأى ~~إنسانا يأكل أو يشرب فقال: أفطر الآكل والشارب؛ فهذا فيه بيان السبب ~~المقتضي للفطر، ولا تعرض فيه للمانع. # وقد علم أن النسيان مانع من الفطر بدليل خارج، فكذلك الخطأ والجهل، والله ~~أعلم ### | [فصل الحكم في امرأة المفقود على وفق ms0391 القياس] # ومما ظن أنه على خلاف القياس ما حكم به الخلفاء الراشدون في امرأة ~~المفقود؛ فإنه قد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أجل امرأته أربع سنين، وأمرها ~~أن تتزوج، فقدم # PageV02P026 # المفقود بعد ذلك فخيره عمر بين امرأته وبين مهرها؛ فذهب الإمام أحمد إلى ~~ذلك. # وقال: ما أدري من ذهب إلى غير ذلك إلى أي شيء يذهب، وقال أبو داود في ~~مسائله: سمعت أحمد - وقيل له: في نفسك شيء من المفقود؟ - فقال: ما في نفسي ~~منه شيء، هذا خمسة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمروها أن ~~تتربص، قال أحمد: من ضيق علم الرجل أن لا يتكلم في امرأة المفقود. # وقد قال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد: إن مذهب عمر في المفقود يخالف ~~القياس، والقياس أنها زوجة القادم بكل حال، إلا أن نقول: الفرقة تنفذ ظاهرا ~~وباطنا؛ فتكون زوجة الثاني بكل حال، وغلا بعض المخالفين لعمر في ذلك ~~فقالوا: لو حكم حاكم بقول عمر في ذلك لنقض حكمه لبعده عن القياس. # وطائفة ثالثة: أخذت ببعض قول عمر، وتركوا بعضه، فقالوا: إذا تزوجت ودخل ~~بها الثاني فهي زوجته، ولا ترد إلى الأول، وإن لم يدخل بها ردت إلى الأول. ~~[من تصرف في حق غيره هل تصرفه مردود أو موقوف] . # قال شيخنا: من خالف عمر لم يهتد إلى ما اهتدى إليه عمر، ولم يكن له من ~~الخبرة بالقياس الصحيح مثل خبرة عمر، وهذا إنما يتبين بأصل وهو وقف العقود ~~إذا تصرف الرجل في حق الغير بغير إذنه، هل يقع تصرفه مردودا أو موقوفا على ~~إجازته؟ على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد: إحداهما أنها تقف على ~~الإجازة، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، والثانية أنها لا تقف، وهو أشهر قولي ~~الشافعي، وهذا في النكاح والبيع والإجارة، وظاهر مذهب أحمد التفصيل. # وهو أن المتصرف إذا كان معذورا لعدم تمكنه من الاستئذان وكان به حاجة إلى ~~التصرف وقف العقد على الإجارة بلا نزاع عنده، وإن أمكنه الاستئذان أو لم ~~تكن به حاجة إلى ms0392 التصرف ففيه النزاع؛ فالأول مثل من عنده أموال لا يعرف ~~أصحابها كالغصوب والعواري ونحوها فإذا تعذر عليه معرفة أرباب الأموال ويئس ~~منها فإن مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد أنه يتصدق بها عنهم؛ فإن ظهروا بعد ~~ذلك كانوا مخيرين بين الإمضاء وبين التضمين. # وهذا مما جاءت به السنة في اللقطة؛ فإن الملتقط يأخذها بعد التعريف ~~ويتصرف فيها ثم إن جاء صاحبها كان مخيرا بين إمضاء تصرفه وبين المطالبة ~~بها، فهو تصرف موقوف لما تعذر الاستئذان ودعت الحاجة إلى التصرف، وكذلك ~~الموصي بما زاد على الثلث وصيته موقوفة على الإجازة عند الأكثرين، وإنما ~~يخيرون بعد الموت، فالمفقود المنقطع خبره إن قيل: " إن امرأته تبقى إلى أن ~~يعلم خبره " بقيت لا أيما ولا ذات زوج إلى # PageV02P027 # أن تبقى من القواعد أو تموت، والشريعة لا تأتي بمثل هذا، فلما أجلت أربع ~~سنين ولم يكشف خبره حكم بموته ظاهرا. # فإن قيل: يسوغ للإمام أن يفرق بينهما للحاجة، فإنما ذلك بعد اعتقاد موته، ~~وإلا فلو علمت حياته لم يكن مفقودا، وهذا كما ساغ التصرف في الأموال التي ~~تعذر معرفة أصحابها، فإذا قدم الرجل تبينا أنه كان حيا، كما إذا ظهر صاحب ~~المال، والإمام قد تصرف في زوجته بالتفريق، فيبقى هذا التفريق موقوفا على ~~إجازته؛ فإن شاء أجاز ما فعله الإمام وإن شاء رده، وإذا أجازه صار كالتفريق ~~المأذون فيه، ولو أذن للإمام أن يفرق بينهما ففرق وقعت الفرقة بلا ريب، ~~وحينئذ فيكون نكاح الثاني صحيحا، وإن لم يجز ما فعله الإمام كان التفريق ~~باطلا فكانت باقية على نكاحه فتكون زوجته، فكان القادم مخيرا بين إجازة ما ~~فعله الإمام ورده، وإذا أجاز فقد أخرج البضع عن ملكه، وخروج البضع عن ملك ~~الزوج متقوم عند الأكثرين كمالك والشافعي وأحمد في أخص الروايتين، والشافعي ~~يقول: هو مضمون بمهر المثل، والنزاع بينهم فيما إذا شهد شاهدان أنه طلق ~~امرأته ثم رجعا عن الشهادة، فقيل: لا شيء عليهما، بناء على أن خروج البضع ~~من ملك الزوج ليس بمتقوم، وهذا قول أبي ms0393 حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين ~~اختارها متأخرو أصحابه كالقاضي أبي يعلى وأتباعه، وقيل: عليهما مهر المثل، ~~وهو قول الشافعي، وهو وجه في مذهب أحمد، وقيل: عليهما المسمى، وهو مذهب ~~مالك، وهو أشهر في نص أحمد، وقد نص على ذلك فيما إذا أفسد نكاح امرأته ~~برضاع أنه يرجع بالمسمى، والكتاب والسنة يدلان على هذا القول؛ فإن الله ~~تعالى قال: {واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم ~~بينكم والله عليم حكيم} [الممتحنة: 10] {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى ~~الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا} [الممتحنة: 11] ~~وهذا هو المسمى دون مهر المثل؛ ولذلك أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - زوج ~~المختلعة أن يأخذ ما أعطاها دون مهر المثل، وهو سبحانه إنما يأمر في ~~المعاوضات المطلقة بالعدل. # فحكم أمير المؤمنين في المفقود ينبني على هذا الأصل، والقول بوقف العقود ~~عند الحاجة متفق عليه بين الصحابة، ثبت ذلك عنهم في قضايا متعددة، ولم يعلم ~~أن أحدا منهم أنكر ذلك، مثل قضية ابن مسعود في تصدقه عن سيد الجارية التي ~~ابتاعها بالثمن الذي كان له عليه في الذمة لما تعذرت عليه معرفته وكتصدق ~~الغال بالمال المغلول من الغنيمة لما تعذر قسمه بين الجيش، وإقرار معاوية ~~له على ذلك وتصويبه له، وغير ذلك من القضايا، مع أن القول بوقف العقود ~~مطلقا هو الأظهر في الحجة، وهو قول الجمهور، # PageV02P028 # وليس في ذلك ضرر أصلا، بل هو إصلاح بلا إفساد؛ فإن الرجل قد يرى أن يشتري ~~لغيره أو يبيع له أو يؤجر له أو يستأجره له ثم يشاوره، فإن رضي وإلا لم ~~يحصل له ما يضره، وكذلك في تزويج وليته ونحو ذلك، وأما مع الحاجة فالقول به ~~لا بد منه، فمسألة المفقود هي مما يوقف فيها تفريق الإمام على إذن الزوج ~~إذا جاء كما يقف تصرف الملتقط على إذن المالك إذا جاء، والقول برد المهر ~~إلى الزوج بخروج بضع امرأته عن ملكه، ولكن تنازعوا في المهر الذي يرجع به: ~~هل هو ما أعطاها ms0394 هو أو ما أعطاها الثاني، وفيه روايتان عن أحمد: إحداهما ~~يرجع بما مهرها الثاني؛ لأنها هي التي أخذته، والصواب أنه إنما يرجع بما ~~مهرها هو؛ فإنه الذي يستحقه، وأما المهر الذي أصدقها الثاني فلا حق له فيه، ~~وإذا ضمن الثاني للأول المهر فهل يرجع به عليها؟ فيه روايتان عن أحمد: # إحداهما: يرجع؛ لأنها هي التي أخذته. # والثاني: قد أعطاها المهر الذي عليه، فلا يضمن مهرين، بخلاف المرأة فإنها ~~لما اختارت فراق الزوج الأول ونكاح الثاني فعليها أن ترد المهر؛ لأن الفرقة ~~جاءت من جهتها، والثانية لا يرجع؛ لأن المرأة تستحق المهر بما استحل من ~~فرجها، والأول يستحق المهر بخروج البضع عن ملكه، فكان على الثاني، وهذا ~~المأثور عن عمر في مسألة المفقود. # وهو عند طائفة من الفقهاء من أبعد الأقوال عن القياس، حتى قال بعض ~~الأئمة: لو حكم به حاكم نقض حكمه، وهو مع هذا أصح الأقوال وأحراها في ~~القياس، وكل قول قيل سواه فهو خطأ، فمن قال: " إنها تعاد إلى الأول بكل ~~حال، أو تكون مع الثاني بكل حال " فكلا القولين خطأ؛ إذ كيف تعاد إلى الأول ~~وهو لا يختارها ولا يريدها. # وقد فرق بينه وبينها تفريقا سائغا في الشرع، وأجاز هو ذلك التفريق؟ فإنه ~~وإن تبين للإمام أن الأمر بخلاف ما اعتقده فالحق في ذلك للزوج، فإذا أجاز ~~ما فعله الإمام زال المحذور، وأما كونها زوجة الثاني بكل حال مع ظهور زوجها ~~وتبين أن الأمر بخلاف ما فعل الإمام فهو خطأ أيضا؛ فإنه مسلم لم يفارق ~~امرأته، وإنما فرق بينهما بسبب ظهر أنه لم يكن كذلك، وهو يطلب امرأته، فكيف ~~يحال بينه وبينها؟ وهو لو طلب ماله أو بدله رد إليه فكيف لا ترد إليه ~~امرأته وأهله أعز عليه من ماله؟ وإن قيل: " حق الثاني تعلق بها " قيل: حقه ~~سابق على حق الثاني، وقد ظهر انتقاض السبب الذي به استحق الثاني أن تكون ~~زوجة له، وما الموجب لمراعاة حق الثاني دون الأول، فالصواب ما قضى به أمير ~~المؤمنين ms0395 عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. # ولهذا تعجب أحمد ممن خالفه، فإذا ظهر صحة ما قاله الصحابة - رضي الله ~~عنهم - وصوابه في مثل هذه المشكلات التي خالفهم فيها مثل أبي حنيفة ومالك ~~والشافعي فلأن يكون الصواب معهم فيما وافقهم هؤلاء بطريق الأولى. # PageV02P029 # قال شيخنا: وقد تأملت من هذا الباب ما شاء الله فرأيت الصحابة أفقه الأمة ~~وأعلمها، اعتبروا هذا بمسائل الأيمان والنذور والعتق وغير ذلك، ومسائل ~~تعليق الطلاق بالشروط. # فالمنقول فيها عن الصحابة هو أصح الأقوال، وعليه يدل الكتاب والسنة ~~والقياس الجلي، وكل قول سوى ذلك فمخالف للنصوص مناقض للقياس، وكذلك في ~~مسائل غير هذه مثل مسألة ابن الملاعنة ومسألة ميراث المرتد، وما شاء الله ~~من المسائل، لم أجد أجود الأقوال فيها إلا أقوال الصحابة، وإلى ساعتي هذه ~~ما علمت قولا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا كان القياس معه، لكن العلم ~~بصحيح القياس وفاسده من أجل العلوم. # وإنما يعرف ذلك من كان خبيرا بأسرار الشرع ومقاصده، وما اشتملت عليه ~~شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التعداد، وما تضمنته من مصالح العباد ~~في المعاش والمعاد، وما فيها من الحكمة البالغة والنعمة السابغة والعدل ~~التام، والله أعلم، انتهى. ### | [فصل مسألة الزبية] # ومما أشكل على كثير من الفقهاء من قضايا الصحابة وجعلوه من أبعد الأشياء ~~عن القياس مسألة التزاحم، وسقوط المتزاحمين في البئر، وتسمى «مسألة الزبية. ~~وأصلها أن قوما من أهل اليمن حفروا زبية للأسد؛ فاجتمع الناس على رأسها، ~~فهوى فيها واحد، فجذب ثانيا، فجذب الثاني ثالثا، فجذب الثالث رابعا، فقتلهم ~~الأسد، فرفع ذلك إلى أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه في الجنة وهو على ~~اليمن، فقضى للأول بربع الدية، وللثاني بثلثها، وللثالث بنصفها، وللرابع ~~بكمالها، وقال: أجعل الدية على من حضر رأس البئر؛ فرفع ذلك إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: هو كما قال» رواه سعيد بن منصور في سننه، ثنا أبو ~~عوانة وأبو الأحوص عن سماك بن حرب عن حنش الصنعاني عن علي، فقال أبو الخطاب ~~وغيره: ذهب أحمد ms0396 إلى هذا توقيفا على خلاف القياس. # والصواب أنه مقتضى القياس والعدل، وهذا يتبين بأصل، وهو أن الجناية إذا ~~حصلت من فعل مضمون ومهدر سقط ما يقابل المهدر واعتبر ما يقابل المضمون، كما ~~لو قتل عبدا مشتركا بينه وبين غيره، أو أتلف مالا مشتركا أو حيوانا سقط ما ~~يقابل حقه ووجب عليه ما يقابل حق شريكه، وكذلك لو اشترك اثنان في إتلاف مال ~~أحدهما أو قتل عبده أو حيوانه سقط عن المشارك ما يقابل فعله، ووجب على ~~الآخر من الضمان بقسطه، وكذلك لو اشترك هو وأجنبي في قتل نفسه كان على ~~الأجنبي نصف الضمان وكذلك لو رمى ثلاثة # PageV02P030 # بالمنجنيق فأصاب الحجر أحدهم فقتله فالصحيح أن ما قابل فعل المقتول ساقط ~~ويجب ثلثا ديته على عاقلة الآخرين، هذا مذهب الشافعي واختيار صاحب المغني ~~والقاضي أبي يعلى في المجرد، وهو الذي قضى به علي - عليه السلام - في مسألة ~~القارصة والواقصة، قال الشعبي: وذلك أن ثلاث جوار اجتمعن فركبت إحداهن على ~~عنق الأخرى فقرصت الثالثة المركوبة فقمصت فسقطت الراكبة فوقصت أي كسرت ~~عنقها فماتت، فرفع ذلك إلى علي - عليه السلام -، فقضى بالدية أثلاثا على ~~عواقلهن، وألغى الثلث الذي قابل فعل الواقصة؛ لأنها أعانت على قتل نفسها. # وإذا ثبت هذا فلو ماتوا بسقوط بعضهم فوق بعض كان الأول قد هلك بسبب مركب ~~من أربعة أشياء: سقوطه، وسقوط الثاني، والثالث، والرابع. # وسقوط الثلاثة فوقه من فعله وجنايته على نفسه، فسقط ما يقابله وهو ثلاثة ~~أرباع الدية، وبقي الربع الآخر لم يتولد من فعله وإنما تولد من التزاحم فلم ~~يهدر؛ وأما الثاني فلأن هلاكه كان من ثلاثة أشياء: جذب من قبله له، وجذبه ~~هو لثالث، ورابع؛ فسقط ما يقابل جذبه وهو ثلثا الدية، واعتبر ما لا صنع له ~~فيه، وهو الثلث الباقي؛ وأما الثالث فحصل تلفه بشيئين: جذب من قبله له، ~~وجذبه هو للرابع، فسقط فعله دون السبب الآخر؛ فكان لورثته النصف، وأما ~~الرابع فليس منه فعل ألبتة، وإنما هو مجذوب محض، فكان لورثته كمال الدية، ~~وقضى ms0397 بها على عواقل الذين حضروا البئر لتدافعهم وتزاحمهم. # فإن قيل: على هذا سؤالان: أحدهما أنكم لم توجبوا على عاقلة الجاذب شيئا ~~مع أنه مباشر، وأوجبتم على عاقلة من حضر البئر ولم يباشر، وهذا خلاف ~~القياس، الثاني: أن هذا هب أنه يتأتى لكم فيما إذا ماتوا بسقوط بعضهم على ~~بعض، فكيف يتأتى لكم في مسألة الزبية، وإنما ماتوا بقتل الأسد؟ فهو كما لو ~~تجاذبوا فغرقوا في البئر. # قيل: هذان سؤالان قويان؛ وجواب الأول أن الجاذب لم يباشر الإهلاك وإنما ~~تسبب إليه، والحاضرون تسببوا بالتزاحم، وكان تسببهم أقوى من تسبب الجاذب؛ ~~لأنه ألجئ إلى الجذب؛ فهو كما لو ألقى إنسان إنسانا على آخر فنفضه عنه لئلا ~~يقتله فمات فالقاتل هو الملقي. # وأما السؤال الثاني فجوابه أن المباشر للتلف كالأسد والماء والنار، لما ~~لم يمكن الإحالة عليه ألغى فعله، وصار الحكم للسبب؛ ففي مسألة الزبية ليس ~~للرابع فعل ألبتة، وإنما هو مفعول به محض. # فله كمال الدية، والثالث فاعل ومفعول به فألغى ما يقابل فعله واعتبر فعل ~~الغير به، فكان قسطه نصف الدية، والثاني كذلك إلا أنه جاذب لواحد والمجذوب ~~جاذب لآخر؛ فكان الذي حصل عليه من تأثير الغير فيه ثلث السبب لجذب # PageV02P031 # الأول له فله ثلث الدية، وأما الأول فثلاثة أرباع السبب من فعله، وهو ~~سقوط الثلاثة الذين سقطوا بجذبه مباشرة وتسببا، وربعه من وقوعه بتزاحم ~~الحاضرين، فكان حظه ربع الدية، وهذا أولى من تحميل عاقلة القتيل ما يقابل ~~فعله، ويكون لورثته، وهذا هو خلاف القياس؛ لأن الدية شرعت مواساة وجبرا، ~~فإذا كان الرجل هو القاتل لنفسه أو مشاركا في قتله لم يكن فعله بنفسه ~~مضمونا كما لو قطع طرف نفسه أو أتلف مال نفسه؛ فقضاء علي - عليه السلام - ~~أقرب إلى القياس من هذا بكثير، وهو أولى أيضا من أن يحمل فعل المقتول على ~~عواقل الآخرين كما قاله أبو الخطاب في مسألة المنجنيق أنه يلغي فعل المقتول ~~في نفسه وتجب ديته بكمالها على عاقلة الآخرين نصفين، وهذا أبعد عن القياس ~~مما قبله؛ ms0398 إذ كيف تتحمل العاقلة والأجانب جناية الإنسان على نفسه، ولو ~~تحملتها العاقلة لكانت عاقلته أولى بتحملها، وكلا القولين يخالف القياس؛ ~~فالصواب ما قضى به أمير المؤمنين - رضي الله عنه -. # وهو أيضا أحسن من تحميل دية الرابع لعاقلة الثالث، وتحميل دية الثالث ~~لعاقلة الثاني، وتحميل دية الثاني لعاقلة الأول، وإهدار دية الأول بالكلية؛ ~~فإن هذا القول وإن كان له حظ من القياس فإن الأول لم يجن عليه أحد، وهو ~~الجاني على الثاني فديته على عاقلته، والثاني على الثالث، والثالث على ~~الرابع، والرابع لم يجن على أحد فلا شيء عليه؛ فهذا قد توهم أنه في ظاهر ~~القياس أصح من قضاء أمير المؤمنين ولهذا ذهب إليه كثير من الفقهاء من أصحاب ~~أحمد وغيرهم، إلا أن ما قضى به علي أفقه؛ فإن الحاضرين ألجئوا الواقفين ~~بمزاحمتهم لهم فعواقلهم أولى بحمل الدية من عواقل الهالكين، وأقرب إلى ~~العدل من أن يجمع عليهم بين هلاك أوليائهم وحمل دياتهم، فتتضاعف عليهم ~~المصيبة، ويكسروا من حيث ينبغي جبرهم، ومحاسن الشريعة تأبى ذلك، وقد جعل ~~الله سبحانه لكل مصاب حظا من الجبر، وهذا أصل شرع حمل العاقلة الدية جبرا ~~للمصاب وإعانة له. # وأيضا فالثاني والثالث كما هما مجني عليهما فهما جانيان على أنفسهما وعلى ~~من جذباه، فحصل هلاكهم بفعل بعضهم ببعض، فألغى ما قابل فعل كل واحد بنفسه، ~~واعتبر جناية الغير عليه. # وهو أيضا أحسن من تحميل دية الرابع لعواقل الثلاثة، ودية الثالث لعاقلة ~~الثاني والأول، ودية الثاني لعاقلة الأول خاصة، وإن كان له أيضا حظ من قياس ~~تنزيلا لسبب السبب منزلة السبب، وقد اشترك في هلاك الرابع الثلاثة الذين ~~قبله، وفي هلاك الثالث الاثنان، وانفرد بهلاك الثاني الأول، ولكن قول علي - ~~عليه السلام - أدق وأفقه. # PageV02P032 ### | [فصل الحكم في بصير يقود أعمى فيخران معا وفق القياس] # ومما يظن أنه يخالف القياس ما رواه علي بن رباح اللخمي أن رجلا كان يقود ~~أعمى، فوقعا في بئر، فخر البصير، ووقع الأعمى فوقه فقتله، فقضى عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - بعقل ms0399 البصير على الأعمى، فكان الأعمى يدور في ~~الموسم وينشد: # يا أيها الناس لقيت منكرا ... هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا # خرا معا كلاهما تكسرا # وقد اختلف الناس في هذه المسألة؛ فذهب إلى قضاء عمر هذا عبد الله بن ~~الزبير وشريح وإبراهيم النخعي والشافعي وإسحاق وأحمد. # وقال بعض الفقهاء: القياس أنه ليس على الأعمى ضمان البصير؛ لأنه الذي ~~قاده إلى المكان الذي وقعا فيه وكان سبب وقوعه عليه، وكذلك لو فعله قصدا ~~منه لم يضمنه بغير خلاف وكان عليه ضمان الأعمى، ولو لم يكن سببا لم يلزمه ~~ضمان بقصده، قال أبو محمد المقدسي في المغني: لو قيل هذا لكان له وجه، إلا ~~أن يكون مجمعا عليه فلا يجوز مخالفة الإجماع. # والقياس حكم عمر؛ لوجوه: أحدها: أن قوده له مأذون فيه من جهة الأعمى، وما ~~تولد من مأذون فيه لم يضمن كنظائره. # الثاني: قد يكون قوده له مستحبا أو واجبا، ومن فعل ما وجب عليه أو ندب ~~إليه لم يلزمه ضمان ما تولد منه. # الثالث: أنه قد اجتمع على ذلك الإذنان إذن الشارع وإذن الأعمى، فهو محسن ~~بامتثال أمر الشارع محسن إلى الأعمى بقوده له، وما على المحسنين من سبيل، ~~وأما الأعمى فإنه سقط على البصير فقتله، فوجب عليه ضمانه، كما لو سقط إنسان ~~من سطح على آخر فقتله، فهذا هو القياس. # وقولهم: " هو الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه " فهذا لا يوجب الضمان؛ ~~لأن قوده مأذون فيه من جهته ومن جهة الشارع، وقولهم: " وكذلك لو فعله قصدا ~~لم يضمنه " فصحيح؛ لأنه مسيء وغير مأذون له في ذلك، لا من جهة الأعمى ولا ~~من جهة الشارع، فالقياس المحض قول عمر، وبالله التوفيق. # PageV02P033 ### | [فصل حكم علي في جماعة وقعوا على امرأة وفق القياس] # ] . ومما أشكل على جمهور الفقهاء وظنوه في غاية البعد عن القياس الحكم ~~الذي حكم به علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة في الجماعة الذين ~~وقعوا على امرأة في طهر واحد، ثم تنازعوا الولد، فأقرع بينهم فيه. # ونحن ms0400 نذكر هذه الحكومة ونبين مطابقتها للقياس؛ فذكر أبو داود والنسائي من ~~حديث عبد الله بن الخليل عن زيد بن أرقم قال: «كنت جالسا عند النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فجاء رجل من أهل اليمن، فقال: إن ثلاثة نفر من أهل اليمن ~~أتوا عليا يختصمون إليه في ولد قد وقعوا على امرأة في طهر واحد، فقال ~~لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فقالا: لا، ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، ~~فقالا: لا، ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فقالا: لا، فقال: أنتم شركاء ~~متشاكسون، إني مقرع بينكم، فمن قرع فله الولد وعليه لصاحبيه ثلثا الدية، ~~فأقرع بينهم، فجعله لمن قرع له، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ~~بدت أضراسه أو نواجذه» . وفي إسناده يحيى بن عبد الله الكندري الأجلح، ولا ~~يحتج بحديثه. لكن رواه أبو داود والنسائي بإسناد كلهم ثقات إلى عبد خير عن ~~زيد بن أرقم، قال: «أتي علي بثلاثة وهو باليمن وقعوا على امرأة في طهر ~~واحد، فقال لاثنين: أتقران لهذا؟ قالا: لا، حتى سألهم جميعا، فجعل كلما سأل ~~اثنين قالا: لا، فأقرع بينهم، فألحق الولد بالذي صارت له القرعة، وجعل ~~لصاحبيه عليه ثلثي الدية، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فضحك حتى ~~بدت نواجذه» . وقد أعل هذا الحديث بأنه روي عن عبد خير بإسقاط زيد بن أرقم ~~فيكون مرسلا، قال النسائي: وهذا أصوب، قلت: وهذا ليس بعلة، ولا يوجب إرسالا ~~للحديث؛ فإن عبد خير سمع من علي وهو صاحب القصة، فهب أن زيد بن أرقم لا ذكر ~~له في المتن، فمن أين يجيء الإرسال؟ # وبعد، فقد اختلف الفقهاء في حكم هذا الحديث، فذهب إلى القول به إسحاق بن ~~راهويه، وقال: هو السنة في دعوى الولد. # وكان الشافعي يقول به في القديم. # وأما الإمام أحمد فسئل عنه فرجح عليه حديث القافة وقال: حديث القافة أحب ~~إلي. # وهاهنا أمران: أحدهما دخول القرعة في النسب. # والثاني: تغريم من خرجت له القرعة ثلثي دية ولده لصاحبيه، وكل منهما بعيد ~~عن القياس؛ ms0401 فلذلك قالوا: هذا من أبعد شيء عن القياس. # فيقال: القرعة قد تستعمل عند فقدان مرجح سواها من بينة أو إقرار أو قافة، ~~وليس # PageV02P034 # ببعيد تعيين المستحق بالقرعة في هذه الحال؛ إذ هي غاية المقدور عليه من ~~أسباب ترجيح الدعوى، ولها دخول في دعوى الأملاك المرسلة التي لا تثبت ~~بقرينة ولا أمارة، فدخولها في النسب الذي يثبت بمجرد الشبه الخفي المستند ~~إلى قول القائف أولى وأحرى. # وأما أمر الدية فمشكل جدا؛ فإن هذا ليس بقتل يوجب الدية، وإنما هو تفويت ~~نسبه بخروج القرعة له؛ فيمكن أن يقال: وطء كل واحد صالح لجعل الولد له، فقد ~~فوته كل واحد منهم على صاحبه بوطئه، ولكن لم يتحقق من كان له الولد منهم، ~~فلما أخرجته القرعة لأحدهم صار مفوتا لنسبه على صاحبيه فأجرى ذلك مجرى ~~إتلاف الولد، ونزل الثلاثة منزلة أب واحد، فحصة المتلف منه ثلث الدية؛ إذ ~~قد عاد الولد له؛ فيغرم لكل من صاحبيه ما يخصه، وهو ثلث الدية. # ووجه آخر أحسن من هذا: أنه لما أتلفه عليهما بوطئه ولحوق الولد به وجب ~~عليه ضمان قيمته، وقيمة الولد شرعا هي ديته، فلزمه لهما ثلثا قيمته وهي ~~ثلثا الدية، وصار هذا كمن أتلف عبدا بينه وبين شريكين له فإنه يجب عليه ~~ثلثا القيمة لشريكيه؛ فإتلاف الولد الحر عليهما بحكم القرعة كإتلاف الرقيق ~~الذي بينهم، ونظير هذا تضمين الصحابة المغرور بحرية الأمة لما فات رقهم على ~~السيد بحريتهم، وكانوا بصدد أن يكونوا أرقاء له، وهذا من ألطف ما يكون من ~~القياس وأدقه، ولا يهتدي إليه إلا أفهام الراسخين في العلم؛ وقد ظن طائفة ~~أن هذا أيضا على خلاف القياس، وليس كما ظنوا، بل هو محض الفقه، فإن الولد ~~تابع للأم في الحرية والرق، ولهذا ولد الحر من أمة الغير رقيق، وولد العبد ~~من الحرة حر. # قال الإمام أحمد: إذا تزوج الحر بالأمة رق نصفه، وإذا تزوج العبد بالحرة ~~عتق نصفه؛ فولد الأمة المزوجة بهذا المغرور كانوا بصدد أن يكونوا أرقاء ~~لسيدها، ولكن لما دخل ms0402 الزوج على حرية المرأة دخل على أن يكون أولاده ~~أحرارا، والولد يتبع اعتقاد الواطئ، فانعقد ولده أحرارا، وقد فوتهم على ~~السيد، وليس مراعاة أحدهما بأولى من مراعاة الآخر، ولا تفويت حق أحدهما ~~بأولى من حق صاحبه؛ فحفظ الصحابة الحقين وراعوا الجانبين، فحكموا بحرية ~~الأولاد وإن كانت أمهم رقيقة؛ لأن الزوج إنما دخل على حرية أولاده، ولو ~~توهم رقهم لم يدخل على ذلك، ولم يضيعوا حق السيد، بل حكموا على الواطئ ~~بفداء أولاده، وأعطوا العدل حقه؛ فأوجبوا فداءهم بمثلهم تقريبا لا بالقيمة، ~~ثم وفوا العدل بأن مكنوا المغرور من الرجوع بما غرمه على من غره؛ لأن غرمه ~~كان بسبب غروره، والقياس والعدل يقتضي أن من تسبب إلى إتلاف مال شخص أو ~~تغريمه أنه يضمن # PageV02P035 # ما غرمه، كما يضمن ما أتلفه؛ إذ غايته أنه إتلاف بسبب، وإتلاف المتسبب ~~كإتلاف المباشر في أصل الضمان. # فإن قيل: وبعد ذلك كله فهذا خلاف القياس أيضا؛ فإن الولد كما هو بعض الأم ~~وجزء منها فهو بعض الأب، وبعضيته للأب أعظم من بعضيته للأم، ولهذا إنما ~~يذكر الله سبحانه في كتابه تخليقه من ماء الرجل كقوله: {فلينظر الإنسان مم ~~خلق} [الطارق: 5] {خلق من ماء دافق} [الطارق: 6] {يخرج من بين الصلب ~~والترائب} [الطارق: 7] وقوله: {ألم يك نطفة من مني يمنى} [القيامة: 37] ~~ونظائرها من الآيات التي إن لم تختص بماء الرجل فهي فيه أظهر، وإذا كان ~~جزءا من الوطء وجزءا من الأم فكيف كان ملكا لسيد الأم دون سيد الأب؟ ويخالف ~~القياس من وجه آخر، وهو أن الماء بمنزلة البذر، ولو أن رجلا أخذ بذر غيره ~~فزرعه في أرضه كان الزرع لصاحب البذر وإن كان عليه أجرة الأرض. # قيل: لا ريب أن الولد منعقد من ماء الأب كما هو منعقد من ماء الأم، ولكن ~~إنما تكون وصار مالا متقوما في بطن الأم؛ فالأجزاء التي صار بها كذلك من ~~الأم أضعاف أضعاف الجزء الذي من الأب، مع مساواتها له في ذلك الجزء؛ فهو ~~إنما تكون في أحشائها من لحمها ودمها، ms0403 ولما وضعه الأب لم يكن له قيمة أصلا، ~~بل كان كما سماه الله ماء مهينا لا قيمة له، ولهذا لو نزا فحل رجل على رمكة ~~آخر كان الولد لمالك الأم باتفاق المسلمين، وهذا بخلاف البذر فإنه مال ~~متقوم له قيمة قبل وضعه في الأرض يعاوض عليه بالأثمان، وعسب الفحل لا يعاوض ~~عليه، فقياس أحدهما على الآخر من أبطل القياس. # فإن قيل: فهلا طردتم ذلك في النسب، وجعلتموه للأم كما جعلتموه للأب. # قيل: قد اتفق المسلمون على أن النسب للأب، كما اتفقوا على أنه يتبع الأم ~~في الحرية والرق، وهذا هو الذي تقتضيه حكمة الله شرعا وقدرا؛ فإن الأب هو ~~المولود له، والأم وعاء وإن تكون فيها، والله سبحانه جعل الولد خليفة أبيه ~~وشجنته والقائم مقامه، ووضع الأنساب بين عباده؛ فيقال: فلان بن فلان، ولا ~~تتم مصالحهم وتعارفهم ومعاملاتهم إلا بذلك، كما قال تعالى: {يا أيها الناس ~~إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا} [الحجرات: 13] ~~فلولا ثبوت الأنساب من قبل الآباء لما حصل التعارف، ولفسد نظام العباد؛ فإن ~~النساء محتجبات مستورات عن العيون؛ فلا يمكن في الغالب أن # PageV02P036 # تعرف عين الأم فيشهد على نسب الولد منها، فلو جعلت الأنساب للأمهات لضاعت ~~وفسدت، وكان ذلك مناقضا للحكمة والرحمة والمصلحة، ولهذا إنما يدعى الناس ~~يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم. # قال البخاري في صحيحه: باب يدعى الناس بآبائهم يوم القيامة، ثم ذكر حديث: ~~«لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته، يقال: هذه غدرة فلان بن ~~فلان» . # فكان من تمام الحكمة أن جعل الحرية والرق تبعا للأم، والنسب تبعا للأب، ~~والقياس الفاسد إنما يجمع بين ما فرق الله بينه أو يفرق بين ما جمع الله ~~بينه. # فإن قيل: فهلا طردتم ذلك في الولاء، بل جعلتموه لموالي الأم، والولاء ~~لحمة كلحمة النسب. # قيل: لما كان الولاء من آثار الرق وموجباته كان تابعا له في حكمه، فكان ~~لموالي الأم، ولما كان فيه شائبة النسب وهو لحمة كلحمته رجع إلى موالي الأب ~~عند انقطاعه ms0404 عن موالي الأم، فروعي فيه الأمران، ورتب عليه الأثران. # فإن قيل: فهلا جعلتم الولد في الدين تابعا لمن له النسب، بل ألحقتموه ~~بأبيه تارة وبأمه تارة. # قيل: الطفل لا يستقل بنفسه، بل لا يكون إلا تابعا لغيره؛ فجعله الشارع ~~تابعا لخير أبويه في الدين تغليبا لخير الدينين، فإنه إذا لم يكن له بد من ~~التبعية لم يجز أن يتبع من هو على دين الشيطان، وتنقطع تبعيته عمن هو على ~~دين الرحمن؛ فهذا محال في حكمة الله تعالى وشرعه. # فإن قيل: فاجعلوه تابعا لسابيه في الإسلام وإن كان معه أبواه أو أحدهما، ~~فإن تبعيته لأبويه قد انقطعت وصار السابي هو أحق به. # قيل: نعم، وهكذا نقول سواء، وهو قول إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمرو ~~الأوزاعي، ونص عليه أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد أجمع الناس ~~على أنه يحكم بإسلامه تبعا لسابيه إذا سبي وحده، قالوا: لأن تبعيته قد ~~انقطعت عن أبويه وصار تابعا لسابيه، واختلفوا فيما إذا سبي مع أحدهما على ~~ثلاثة مذاهب: أحدها يحكم بإسلامه، نص عليه أحمد في إحدى الروايتين، وهي ~~المشهورة من مذهبه، وهو قول الأوزاعي. # والثاني لا يحكم بإسلامه؛ لأنه لم ينفرد عن أبويه. # والثالث أنه إن سبي مع الأب # PageV02P037 # تبعه في دينه، وإن سبي مع الأم وحدها فهو مسلم، وهو قول مالك، وقول ~~الأوزاعي وفقهاء أهل الثغر أصح وأسلم من التناقض؛ فإن السابي قد صار أحق ~~به، وقد انقطعت تبعيته لأبويه، ولم يبق لهما عليه حكم، فلا فرق بين كونهما ~~في دار الحرب وبين كونهما أسيرين في أيدي المسلمين، بل انقطاع تبعيته لهما ~~في حال أسرهما وقهرهما وإذلالهما واستحقاق قتلهما أولى من انقطاعها حال قوة ~~شوكتهما وخوف معرتهما، فما الذي يسوغ له الكفر بالله والشرك به وأبواه ~~أسيران في أيدي المسلمين ومنعه من ذلك وأبواه في دار الحرب؟ وهل هذا إلا ~~تناقض محض؟ # وأيضا فيقال لهم: إذا سبي الأبوان ثم قتلا فهل يستمر الطفل على كفره ~~عندكم أو تحكمون بإسلامه؟ فمن قولكم إنه ms0405 يستمر على كفره كما لو ماتا فيقال: ~~وأي كتاب أو سنة أو قياس صحيح أو معنى معتبر أو فرق مؤثر بين أن يقتلا في ~~حال الحرب أو بعد الأسر والسبي؟ وهل يكون المعنى الذي حكم بإسلامه لأجله ~~إذا سبي وحده زائلا بسبائهما ثم قتلهما بعد ذلك؟ وهل هذا إلا تفريق بين ~~المتماثلين؟ وأيضا فهل تعتبرون وجود الطفل والأبوين في ملك ساب واحد أو ~~يكون معهما في جملة العسكر؟ # فإن اعتبرتم الأول طولبتم بالدليل على ذلك، وإن اعتبرتم الثاني فمن ~~المعلوم انقطاع تبعيته لهما واستيلائهما عليه، واختصاصه بسابيه، ووجودهما ~~بحيث لا يمكنان منه ومن تربيته وحضانته، واختصاصهما به لا أثر له، وهو ~~كوجودهما في دار الحرب سواء، وأيضا فإن الطفل لما لم يستقل بنفسه لم يكن بد ~~من جعله تابعا لغيره، وقد دار الأمر بين أن يجعل تابعا لمالكه وسابيه ومن ~~هو أحق الناس به وبين أن يجعل تابعا لأبويه ولا حق لهما فيه بوجه، ولا ريب ~~أن الأول أولى وأيضا فإن ولاية الأبوين قد زالت بالكلية، وقد انقطع الميراث ~~وولاية النكاح وسائر الولايات، فما بال ولاية الدين الباطل باقية وحدها؟ # وقد نص الإمام أحمد على منع أهل الذمة أن يشتروا رقيقا من سبي المسلمين، ~~وكتب بذلك عمر بن الخطاب إلى الأمصار، واشتهر ولم ينكره منكر فهو إجماع من ~~الصحابة، وإن نازع فيه بعض الأئمة، وما ذاك إلا أن في تمليكه للكافر ونقله ~~عن يد المسلم قطعا لما كان بصدده من مشاهدة معالم الإسلام وسماعه القرآن، ~~فربما دعاه ذلك إلى اختياره، فلو كان تابعا لأبويه على دينهما لم يمنعا من ~~شراه، وبالله التوفيق. # فإن قيل: فيلزمكم على هذا أنه لو مات الأبوان أن تحكموا بإسلام الطفل ~~لانقطاع تبعيته للأبوين ولا سيما وهو مسلم بأصل الفطرة، وقد زال معارض ~~الإسلام، وهو تهويد الأبوين وتنصيرهما. # قيل: قد نص على ذلك الإمام أحمد في رواية جماعة من أصحابه، واحتج # PageV02P038 # بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، ~~فأبواه يهودانه وينصرانه ms0406 ويمجسانه» فإذا لم يكن له أبوان فهو على أصل ~~الفطرة فيكون مسلما. # فإن قيل: فهل تطردون هذا فيما لو انقطع نسبه عن الأب مثل كونه ولد زنا أو ~~منفيا بلعان؟ قيل: نعم؛ لوجود المقتضي لإسلامه بالفطرة، وعدم المانع وهو ~~وجود الأبوين، ولكن الراجح في الدليل قول الجمهور، وأنه لا يحكم بإسلامه ~~بذلك، وهو الرواية الثانية عنه اختارها شيخ الإسلام. # وعلى هذا فالفرق بين هذه المسألة ومسألة المسبي أن المسبي قد انقطعت ~~تبعيته لمن هو على دينه، وصار تابعا لسابيه المسلم، بخلاف من مات أبواه أو ~~أحدهما فإنه تابع لأقاربه أو وصي أبيه؛ فإن انقطعت تبعيته لأبويه فلم تنقطع ~~لمن يقوم مقامها من أقاربه أو أوصيائه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر ~~عن تهويد الأبوين وتنصيرهما، بناء على الغالب، وهذا لا مفهوم له لوجهين: ~~أحدهما أنه مفهوم لقب، والثاني: أنه خرج مخرج الغالب. # ومما يدل على ذلك العمل المستمر من عهد الصحابة وإلى اليوم بموت أهل ~~الذمة وتركهم الأطفال، ولم يتعرض أحد من الأئمة ولا ولاة الأمور لأطفالهم، ~~ولم يقولوا هؤلاء مسلمون، ومثل هذا لا يهمله الصحابة والتابعون وأئمة ~~المسلمين. # فإن قيل: فهل تطردون هذا الأصل في جعله تبعا للمالك، فتقولون: إذا اشترى ~~المسلم طفلا كافرا يكون مسلما تبعا له، أو تتناقضون فتفرقون بينه وبين ~~السابي؟ وصورة المسألة فيما إذا زوج الذمي عبده الكافر من أمته فجاءت بولد ~~أو تزوج الحر منهم بأمة فأولدها ثم باع السيد هذا الولد لمسلم. # قيل: نعم نطرده ونحكم بإسلامه. # قاله شيخنا قدس الله روحه، ولكن جادة المذهب أنه باق على كفره كما لو سبي ~~مع أبويه وأولى. # والصحيح قول شيخنا؛ لأن تبعيته للأبوين قد زالت، وانقطعت الموالاة ~~والميراث والحضانة بين الطفل والأبوين، وصار المالك أحق به، وهو تابع له؛ ~~فلا يفرد عنه بحكم، فكيف يفرد عنه في دينه؟ وهذا طرد الحكم بإسلامه في ~~مسألة السباء، وبالله التوفيق. ### | [فصل ليس في الشريعة شيء يخالف القياس] # فصل [ليس في الشريعة ما يخالف العقل] # فهذه نبذة يسيرة تطلعك ms0407 على ما وراءها من أنه ليس في الشريعة شيء يخالف ~~القياس، ولا في المنقول عن الصحابة الذي لا يعلم لهم فيه مخالف، وأن القياس ~~الصحيح # PageV02P039 # دائر مع أوامرها ونواهيها وجودا وعدما، كما أن المعقول الصحيح دائر مع ~~أخبارها وجودا وعدما، فلم يخبر الله ولا رسوله بما يناقض صريح العقل، ولم ~~يشرع ما يناقض الميزان والعدل ### | [شبهات لنفات القياس وأمثلة لها] # ولنفات الحكم والتعديل والقياس ها هنا سؤال مشهور، وهو أن الشريعة قد ~~فرقت بين المتماثلين، وجمعت بين المختلفين؛ فإن الشارع فرض الغسل من المني ~~وأبطل الصوم بإنزاله عمدا، وهو طاهر، دون البول والمذي وهو نجس، وأوجب غسل ~~الثوب من بول الصبية والنضح من بول الصبي مع تساويهما، ونقص الشطر من صلاة ~~المسافر الرباعية وأبقى الثلاثية والثنائية على حالهما، وأوجب قضاء الصوم ~~على الحائض دون الصلاة مع أن الصلاة أولى بالمحافظة عليها، وحرم النظر إلى ~~العجوز الشوهاء القبيحة المنظر إذا كانت حرة وجوزه إلى الأمة الشابة ~~البارعة الجمال، وقطع سارق ثلاثة دراهم دون مختلس ألف دينار أو منتهبها أو ~~غاصبها، ثم جعل ديتها خمسمائة دينار؛ فقطعها في ربع دينار، وجعل ديتها هذا ~~القدر الكبير، وأوجب حد الفرية على من قذف غيره بالزنا دون من قذفه بالكفر ~~وهو شر منه، واكتفى في القتل بشاهدين دون الزنا، والقتل أكبر من الزنا، ~~وجلد قاذف الحر الفاسق دون العبد العفيف الصالح، وفرق في العدة بين الموت ~~والطلاق مع استواء حال الرحم فيهما. # وجعل عدة الحرة ثلاث حيض واستبراء الأمة بحيضة والمقصود العلم ببراءة ~~الرحم، وحرم المطلقة ثلاثا على الزوج المطلق ثم أباحها له إذا تزوجت بغيره ~~وحالها في الموضعين واحدة، وأوجب غسل غير الموضع الذي خرجت منه الريح ولم ~~يوجب غسله، ولم يعتبر توبة القاتل وندمه قبل القدرة عليه واعتبر توبة ~~المحارب قبل القدرة عليه، وقبل شهادة العبد والمملوك عليه بأنه - صلى الله ~~عليه وسلم - قال وكذا وكذا ولم يقبل شهادته على آحاد الناس أنه قال: كذا ~~وكذا، وأوجب الصدقة في السوائم وأسقطها عن العوامل، ms0408 وجعل الحرة القبيحة ~~الشوهاء تحصن الرجل والأمة البارعة الجمال لا تحصنه، ونقض الوضوء بمس الذكر ~~دون مس سائر الأعضاء ودون مس العذرة والدم، وأوجب الحد في القطرة الواحدة ~~من الخمر ولم يوجبه بالأرطال الكثيرة من الدم والبول، وقصر عدد المنكوحات ~~على أربع وأطلق ملك اليمين من غير حصر، وأباح للرجل أن يتزوج أربعا ولم يبح ~~للمرأة إلا رجلا واحدا مع وجود الشهوة وقوة الداعي من الجانبين، وجوز للرجل ~~أن يستمتع من أمته بالوطء وغيره ولم يجوز للمرأة أن تستمتع من عبدها لا ~~بوطء ولا غيره، وفرق بين الطلقة الثالثة والثانية في تحريمها على المطلق ~~بالثالثة دون الثانية، وفرق بين لحم الإبل ولحم البقر # PageV02P040 # والغنم والجواميس وغيرها فأوجب الوضوء من لحم الإبل وحده، وفرق بين الكلب ~~الأسود والأبيض في قطع الصلاة بمرور الأسود وحده، وفرق بين الريح الخارجة ~~من الدبر فأوجب بها الوضوء وبين الجشوة الخارجة من الحلق فلم يوجب بها ~~الوضوء، وأوجب الزكاة في خمس من الإبل وأسقطها عن عدة آلاف من الخيل، وأوجب ~~في الذهب والفضة والتجارة ربع العشر وفي الزروع والثمار العشر أو نصفه وفي ~~المعدن الخمس، وأوجب في أول نصاب من الإبل من غير جنسها وفي أول نصاب من ~~البقر والغنم من جنسه، وقطع يد السارق لكونها آلة المعصية فأذهب العضو الذي ~~تعدى به على الناس ولم يقطع اللسان الذي يقذف به المحصنات الغافلات ولا ~~الفرج الذي يرتكب به المحرم، وأوجب على الرقيق نصف حد الحر مع أن حاجته إلى ~~الزجر عن المحارم كحاجة الحر، وجعل للقاذف إسقاط الحد باللعان في الزوجة ~~دون الأجنبية وكلاهما قد ألحق به العار، وجوز للمسافر المترفه في سفره رخصة ~~القصر والفطر دون المقيم المجهود الذي هو في غاية المشقة في سببه، وأوجب ~~على كل من نذر لله طاعة الوفاء بها، وجوز لمن حلف على فعلها أن يتركها ~~ويكفر يمينه، وكلاهما قد التزم فعلها لله، وحرم الذئب والقرد وما له ناب من ~~السباع وأباح الضبع على قول ولها ناب تكسر به، وجعل ms0409 شهادة خزيمة بن ثابت ~~وحده بشهادتين وغيره من الصحابة أفضل منه وشهادته بشهادة، ورخص لأبي بردة ~~بن نيار في التضحية بالعناق وقال: لن تجزئ عن أحد بعدك، وفرق بين صلاة ~~الليل والنهار في السر والجهر ثم شرع الجهر في بعض صلاة النهار كالجمعة ~~والعيدين، وورث ابن ابن العم وإن بعدت درجته دون الخالة التي هي شقيقة ~~الأم، وحرم أخذ مال الغير إلا بطيبة من نفسه وسلطه على أخذ عقاره وأرضه ~~بالشفعة ثم شرع الشفعة فيما يمكن التخلص من ضرر الشركة بقسمته دون ما لا ~~يمكن قسمته كالجوهرة والحيوان وهو أولى بالشفعة، وحرم صوم أول يوم من شوال ~~وفرض صوم آخر يوم من رمضان مع تساوي اليومين، وحرم على الإنسان نكاح بنت ~~أخيه وأخته وأباح له نكاح بنت أخي أبيه وأخت أمه، وحمل العاقلة ضمان جناية ~~الخطإ على النفوس دون الجناية على الأموال، وحرم وطء الحائض لأذى الدم ~~وأباح وطء المستحاضة مع وجود الأذى، ومنع بيع مد حنطة بمد وحفنة، وجوز بيع ~~مد حنطة بصاع فأكثر من الشعير؛ فحرم ربا الفضل في الجنس الواحد دون ~~الجنسين، ومنع المرأة من الإحداد على أبيها وابنها فوق ثلاثة أيام وأوجب ~~عليها أن تحد على الزوج وهو أجنبي أربعة أشهر وعشرا، وسوى بين الرجل ~~والمرأة في العبادات البدنية والمالية كالوضوء والغسل والصلاة والصوم ~~والزكاة والحج وفي العقوبات كالحدود ثم جعلها على النصف من الرجل في الدية ~~والشهادة # PageV02P041 # والميراث والعقيقة، وخص بعض الأزمنة على بعض وبعض الأمكنة على بعض بخصائص ~~مع تساويها؛ فجعل ليلة القدر خيرا من ألف شهر، وجعل شهر رمضان سيد الشهور، ~~ويوم الجمعة سيد الأيام، ويوم عرفة ويوم النحر وأيام منى أفضل الأيام، وجعل ~~مكان البيت أفضل بقاع الأرض. [كيف يمكن القياس مع الفرق بين المتماثلات؟] # قالوا: وإذا كانت الشريعة قد جاءت بالتفريق بين المتماثلات والجمع بين ~~المختلفات - كما جمعت بين الخطإ والعمد في ضمان الأموال، وفي قتل الصيد، ~~وجمعت بين العاقل والمجنون والطفل والبالغ في وجوب الزكاة، وجمعت بين الهرة ~~والفأرة في ms0410 طهارة كل منهما، وجمعت بين الميتة وذبيحة المجوسي في التحريم، ~~وبين ما مات من الصيد أو ذبحه المحرم في ذلك، وبين الماء والتراب في تطهير ~~- بطل القياس، فإن مبدأه على هذين الحرفين، وهما أصل قياس الطرد وقياس ~~العكس. [الجواب عن هذه الشبهة] . # والجواب أن يقال: الآن حمي الوطيس، وحميت أنوف أنصار الله ورسوله لنصر ~~دينه وما بعث به رسوله، وآن لحزب الله أن لا تأخذهم في الله لومة لائم، وأن ~~لا يتحيزوا إلى فئة معينة، وأن ينصروا الله ورسوله بكل قول حق قاله من ~~قاله، ولا يكونوا من الذين يقبلون ما قاله طائفتهم وفريقهم كائنا من كان ~~ويردون ما قاله منازعوهم وغير وطائفتهم كائنا ما كان؛ فهذه طريقة أهل ~~العصبية وحمية أهل الجاهلية، ولعمر الله إن صاحب هذه الطريقة لمضمون له ~~الذم إن أخطأ، وغير ممدوح إن أصاب، وهذا حال لا يرضى بها من نصح نفسه وهدي ~~لرشده، والله الموفق. # وجواب هذا السؤال من طريقين مجمل ومفصل: [الجواب المجمل] # أما المجمل فهو أن ما ذكرتم من الصوم وأضعافها وأضعاف أضعافها فهو من ~~أبين الأدلة على عظم هذه الشريعة وجلالتها، ومجيئها على وفق العقول السليمة ~~والفطر المستقيمة، حيث فرقت بين أحكام هذه الصور المذكورة لافتراقها في ~~الصفات التي اقتضت افتراقها في الأحكام، ولو ساوت بينها في الأحكام لتوجه ~~السؤال، وصعب الانفصال، وقال القائل: قد ساوت بين المختلفات، وقرنت الشيء ~~إلى غير شبيهه في الحكم، وما امتازت صورة من تلك الصور بحكمها دون الصورة ~~الأخرى إلا لمعنى قام بها # PageV02P042 # أوجب اختصاصها بذلك الحكم، ولا اشتركت صورتان في حكم إلا لاشتراكهما في ~~المعنى المقتضي لذلك الحكم، ولا يضر افتراقهما في غيره، كما لا ينفع اشتراك ~~المختلفين في معنى لا يوجب الحكم؛ فالاعتبار في الجمع والفرق إنما هو ~~بالمعاني التي لأجلها شرعت تلك الأحكام وجودا وعدما. # وقد اختلفت أجوبة الأصوليين عن هذا السؤال بحسب أفهامهم ومعرفتهم بأسرار ~~الشريعة؛ فأجاب ابن الخطيب عنه بأن قال: غالب أحكام الشريعة معللة برعاية ~~المصالح المعلومة، والخصم إنما بين ms0411 خلاف ذلك في صور قليلة جدا، وورود ~~الصورة النادرة على خلاف الغالب لا يقدح في حصول الظن، كما أن الغيم الرطب ~~إذا لم يمطر نادرا لا يقدح في نزول المطر منه. # وهذا الجواب لا يسمن ولا يغني من جوع، وهو جواب أبي الحسين البصري بعينه. # وأجاب عنه أبو الحسن الآمدي بأن التفريق بين الصور المذكورة في الأحكام ~~إما لعدم صلاحية ما وقع جامعا، أو لمعارض له في الأصل أو في الفرع، وأما ~~الجمع بين المختلفات فإنما كان لاشتراكهما في معنى جامع صالح للتعليل، أو ~~لاختصاص كل صورة بعلة صالحة للتعليل؛ فإنه لا مانع عند اختلاف الصور وإن ~~اتحد نوع الحكم أن يعلل بعلل مختلفة. # وأجاب عنه أبو بكر الرازي الحنفي بأن قال: لا معنى لهذا السؤال؛ فإنا لم ~~نقل بموجب القياس من حيث اشتبهت المسائل في صورها وأعيانها وأسمائها، ولا ~~أوجبنا المخالفة بينها من حيث اختلفت في الصور والأعيان والأسماء، وإنما ~~يجب القياس بالمعاني التي جعلت أمارات للحكم وبالأسباب الموجبة له، ~~فنعتبرها في مواضعها، ثم لا نبالي باختلافها ولا اتفاقها من وجوه أخر ~~غيرها، مثال ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حرم التفاضل في البر ~~بالبر من جهة الكيل وفي الذهب بالذهب من جهة الوزن استدللنا به على أن ~~الزيادة المحظورة معتبرة من جهة الكيل والوزن مع الجنس؛ فحيث وجدا أوجبنا ~~تحريم التفاضل وإن اختلفت المبيعات من وجوه أخر، كالحمص وهو مكيل فحكمه حكم ~~البر من حيث كونه مكيلا وإن خالفه من وجوه أخر، وكالرصاص وهو موزون فحكمه ~~كحكم الذهب في تحريم التفاضل وإن خالفه في أوصاف أخر، فمتى عقل المعنى الذي ~~به تعلق الحكم وجعل علامة له؛ وجب اعتباره حيث وجد، كما رجم ماعزا لزناه، ~~وحكم بإلقاء الفأرة وما حولها لما ماتت في السمن؛ فعقلنا عموم المعنى لكل ~~زان وعموم المعنى لكل مائع جاور # PageV02P043 # النجاسة، إلا أن المعنى تارة يكون جليا ظاهرا، وتارة يكون خفيا غامضا، ~~فيستدل عليه بالدلائل التي نصبها الله عليه. # وأجاب عنه القاضي أبو ms0412 يعلى بأن قال: العقل إنما يمنع أن يجمع بين الشيئين ~~المختلفين من حيث اختلفا في الصفات النفسية كالسواد والبياض، وأن يفرق بين ~~المثلين فيما تماثلا فيه من صفات النفس كالسوادين والبياضين وما يجري مجرى ~~ذلك وأما ما عدا ذلك فإنه لا يمتنع أن يجمع بين المختلفتين في الحكم ~~الواحد؛ ألا ترى أن السواد والبياض قد اجتمعا في منافاة الحمرة وما يجري ~~مجراها من الألوان؛ فإن القعود في الموضع الواحد قد يكون حسنا إذا كان فيه ~~نفع لا ضرر فيه، وقد يكون قبيحا إذا كان فيه ضرر من غير نفع يوفي عليه وإن ~~كان القعود المقصود في ذلك الموضع متيقنا، وقد يكون القعود في مكانين ~~مجتمعين في الحسن بأن يكون في كل منهما نفع لا ضرر فيه وإن كانا مختلفين، ~~على أن ذلك يؤكد صحة القياس، وذلك أن المثلين في العقليات إنما وجب تساوي ~~حكمهما؛ لأن كل واحد منهما قد ساوى الآخر فيما لأجله قد وجب له الحكم إما ~~لذاته كالسوادين أو لعلة أوجبت ذلك كالأسودين، وهكذا القول في المختلفين، ~~وعلى هذه الطريقة بعينها يجري القياس؛ لأنا إنما نحكم للفرع بحكم الأصل إذا ~~شاركه في علة الحكم، كما أن الله تعالى إنما نص على حكم واحد في الشيئين ~~إذا اشتركا فيما أوجب الحكم فيهما، فقد بان بذلك صحة ما ذكرناه. # وأجاب عنه القاضي عبد الوهاب المالكي بأن قال: دعواكم بأن هذه الصور التي ~~اختلفت أحكامها متماثلة في نفسها دعوى، والأمثلة لا تشهد لها، ألا ترى أنه ~~لا يمتنع أن يتفق الصوم والصلاة في امتناع أدائها من الحائض ويفترقان في ~~وجوب القضاء، والتماثل في العقليات لا يوجب التساوي في الأحكام الشرعيات. # وأيضا فهذا يوجب منع القياس في العقليات. # وأيضا فإن القياس جائز على العلة المنصوص عليها مع وجود المعنى الذي ~~ذكره. ### | [أجوبة مفصلة عما ذكره نفاة القياس] # فهذه أجوبة النظار، ونحن بعون الله وتوفيقه نفرد كل مسألة منها بجواب ~~مفصل، وهو المسلك الثاني الذي وعدنا به. [جواب مفصل (1) لماذا وجب الغسل من ms0413 ~~المني دون البول؟] # أما المسألة الأولى: - وهي إيجاب الشارع - صلى الله عليه وسلم - الغسل من ~~المني دون البول - فهذا من أعظم محاسن الشريعة وما اشتملت عليه من الرحمة ~~والحكمة والمصلحة؛ فإن المني # PageV02P044 # يخرج من جميع البدن، ولهذا سماه الله سبحانه وتعالى: {سلالة} ؛ لأنه يسيل ~~من جميع البدن، وأما البول فإنما هو فضلة الطعام والشراب المستحيلة في ~~المعدة والمثانة؛ فتأثر البدن بخروج المني أعظم من تأثره بخروج البول؛ ~~وأيضا فإن الاغتسال من خروج المني من أنفع شيء للبدن والقلب والروح، بل ~~جميع الأرواح القائمة بالبدن فإنها تقوى بالاغتسال، والغسل يخلف عليه ما ~~تحلل منه بخروج المني، وهذا أمر يعرف بالحس؛ وأيضا فإن الجنابة توجب ثقلا ~~وكسلا والغسل يحدث له نشاطا وخفة، ولهذا قال أبو ذر لما اغتسل من الجنابة: ~~كأنما ألقيت عني حملا، وبالجملة فهذا أمر يدركه كل ذي حس سليم وفطرة صحيحة، ~~ويعلم أن الاغتسال من الجنابة يجري مجرى المصالح التي تلحق بالضروريات ~~للبدن والقلب، مع ما تحدثه الجنابة من بعد القلب والروح عن الأرواح الطيبة، ~~فإذا اغتسل زال ذلك البعد، ولهذا قال غير واحد من الصحابة: إن العبد إذا ~~نام عرجت روحه، فإن كان طاهرا أذن بالسجود، وإن كان جنبا لم يؤذن لها، ~~ولهذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المجنب إذا نام أن يتوضأ. # وقد صرح أفاضل الأطباء بأن الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته، ~~ويخلف عليه ما تحلل منه، وإنه من أنفع شيء للبدن والروح، وتركه مضر، ويكفي ~~شهادة العقل والفطرة بحسنه، وبالله التوفيق. # على أن الشارع لو شرع الاغتسال من البول لكان في ذلك أعظم حرج ومشقة على ~~الأمة تمنعه حكمة الله ورحمته وإحسانه إلى خلقه. ### | [فصل غسل الثوب من بول الصبية ونضحه من بول الصبي] # فصل [ (2) الفرق بين الصبي والصبية] # وأما غسل الثوب من بول الصبية ونضحه من بول الصبي إذا لم يطعما فهذا ~~للفقهاء فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهما يغسلان جميعا. # والثاني: ينضحان. # والثالث: التفرقة، وهو الذي جاءت به السنة، وهذا من محاسن ms0414 الشريعة وتمام ~~حكمتها ومصلحتها. # والفرق بين الصبي والصبية من ثلاثة أوجه: # PageV02P045 # أحدها: كثرة حمل الرجال والنساء للذكر، فتعم البلوى ببوله، فيشق عليه ~~غسله. # والثاني: أن بوله لا ينزل في مكان واحد، بل ينزل متفرقا هاهنا وهاهنا، ~~فيشق غسل ما أصابه كله، بخلاف بول الأنثى. # الثالث: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر، وسببه حرارة الذكر ~~ورطوبة الأنثى؛ فالحرارة تخفف من نتن البول وتذيب منها ما لا يحصل مع ~~الرطوبة، وهذه معان مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق ### | [فصل الفرق بين الصلاة الرباعية وغيرها] # وأما نقصه الشطر من صلاة المسافر الرباعية دون الثلاثية والثنائية ففي ~~غاية المناسبة؛ فإن الرباعية تحتمل الحذف لطولها، بخلاف الثنائية، فلو حذف ~~شطرها لأجحف بها ولزالت حكمة الوتر الذي شرع خاتمة العمل، وأما الثلاثية ~~فلا يمكن شطرها، وحذف ثلثيها مخل بها، وحذف ثلثها يخرجها عن حكمة شرعها ~~وترا، فإنها شرعت ثلاثا لتكون وتر النهار، كما قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «المغرب وتر النهار؛ فأوتروا صلاة الليل» ### | [فصل إيجاب الصوم على الحائض دون الصلاة] # فصل [ (4) لماذا وجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة] # وأما إيجاب الصوم على الحائض دون الصلاة فمن تمام محاسن الشريعة وحكمتها ~~ورعايتها لمصالح المكلفين؛ فإن الحيض لما كان منافيا للعبادة لم يشرع فيه ~~فعلها، وكان في صلاتها أيام الطهر ما يغنيها عن صلاة أيام الحيض، فيحصل لها ~~مصلحة الصلاة في زمن الطهر؛ لتكررها كل يوم، بخلاف الصوم، فإنه لا يتكرر، ~~وهو شهر واحد في العام، فلو سقط عنها فعله بالحيض لم يكن لها سبيل إلى ~~تدارك نظيره، وفاتت عليها مصلحته، فوجب عليها أن تصوم شهرا في طهرها؛ لتحصل ~~مصلحة الصوم التي هي من تمام رحمة الله بعبده وإحسانه إليه بشرعه، وبالله ~~التوفيق ### | [فصل حكم النظر إلى الحرة وإلى الأمة] # وأما تحريم النظر إلى العجوز الحرة الشوهاء القبيحة وإباحته إلى الأمة ~~البارعة الجمال فكذب على الشارع، فأين حرم الله هذا وأباح هذا؟ والله ~~سبحانه إنما قال: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} [النور: 30] # PageV02P046 # لم يطلق ms0415 الله ورسوله للأعين النظر إلى الإماء البارعات الجمال، وإذا خشي ~~الفتنة بالنظر إلى الأمة حرم عليه بلا ريب، وإنما نشأت الشبهة أن الشارع ~~شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب، وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك، ~~لكن هذا في إماء الاستخدام والابتذال، وأما إماء التسري اللاتي جرت العادة ~~بصونهن وحجبهن فأين أباح الله ورسوله لهن أن يكشفن وجوههن في الأسواق ~~والطرقات ومجامع الناس وأذن للرجال في التمتع بالنظر إليهن؟ فهذا غلط محض ~~على الشريعة، وأكد هذا الغلط أن بعض الفقهاء، سمع قولهم: إن الحرة كلها ~~عورة إلا وجهها وكفيها، وعورة الأمة ما لا يظهر غالبا كالبطن والظهر ~~والساق؛ فظن أن ما يظهر غالبا حكمه حكم وجه الرجل، وهذا إنما هو في الصلاة ~~لا في النظر، فإن العورة عورتان: عورة في النظر وعورة في الصلاة، فالحرة ~~لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع ~~الناس كذلك، والله أعلم ### | [فصل الفرق بين السارق والمنتهب] # وأما قطع يد السارق في ثلاثة دراهم، وترك قطع المختلس والمنتهب والغاصب ~~فمن تمام حكمة الشارع أيضا؛ فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه، فإنه ينقب ~~الدور ويهتك الحرز ويكسر القفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ~~ذلك، فلو لم يشرع قطعه لسرق الناس بعضهم بعضا، وعظم الضرر، واشتدت المحنة ~~بالسراق، بخلاف المنتهب والمختلس؛ فإن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة ~~بمرأى من الناس، فيمكنهم أن يأخذوا على يديه، ويخلصوا حق المظلوم، أو ~~يشهدوا له عند الحاكم، وأما المختلس فإنه إنما يأخذ المال على حين غفلة من ~~مالكه وغيره، فلا يخلو من نوع تفريط يمكن به المختلس من اختلاسه، وإلا فمع ~~كمال التحفظ والتيقظ لا يمكنه الاختلاس، فليس كالسارق، بل هو بالخائن أشبه؛ ~~وأيضا فالمختلس إنما يأخذ المال من غير حرز مثله غالبا، فإنه الذي يغافلك ~~ويختلس متاعك في حال تخليك عنه وغفلتك عن حفظه، وهذا يمكن الاحتراز منه ~~غالبا، فهو كالمنتهب؛ وأما الغاصب فالأمر فيه ظاهر، وهو أولى بعدم القطع من ~~المنتهب، ms0416 ولكن يسوغ كف عدوان هؤلاء بالضرب والنكال والسجن الطويل والعقوبة ~~بأخذ المال كما سيأتي. # فإن قيل: فقد وردت السنة بقطع جاحد العارية، وغايته أنه خائن، والمعير ~~سلطه على قبض ماله. # والاحتراز منه ممكن بأن لا يدفع إليه المال؛ فبطل ما ذكرتم من الفرق. # PageV02P047 # قيل: لعمر الله لقد صح الحديث بأن «امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده، ~~فأمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقطعت يدها» ، فاختلف الفقهاء في ~~سبب القطع: هل كان لسرقتها؟ وعرفها الراوي بصفتها؛ لأن المذكور هو سبب ~~القطع كما يقوله الشافعي وأبو حنيفة ومالك أو كان السبب المذكور هو سبب ~~القطع مما يقوله أحمد ومن وافقه؟ ونحن في هذا المقام لا ننتصر لمذهب معين ~~ألبتة، فإن كان الصحيح قول الجمهور اندفع السؤال، وإن كان الصحيح هو القول ~~الآخر فموافقته للقياس والحكمة والمصلحة ظاهر جدا؛ فإن العارية من مصالح ~~بني آدم التي لا بد لهم منها، ولا غنى لهم عنها، وهي واجبة عند حاجة ~~المستعير وضرورته إليها إما بأجرة أو مجانا، ولا يمكن المعير كل وقت أن ~~يشهد على العارية، ولا يمكن الاحتراز بمنع العارية شرعا وعادة وعرفا، ولا ~~فرق في المعنى بين من توصل إلى أخذ متاع غيره بالسرقة وبين من توصل إليه ~~بالعارية وجحدها، وهذا بخلاف جاحد الوديعة؛ فإن صاحب المتاع فرط حيث ~~ائتمنه. ### | [فصل الفرق بين اليد في الدية وفي السرقة] # وأما قطع اليد في ربع دينار وجعل ديتها خمسمائة دينار فمن أعظم المصالح ~~والحكمة؛ فإنه احتاط في الموضعين للأموال والأطراف، فقطعها في ربع دينار ~~حفظا للأموال، وجعل ديتها خمسمائة دينار حفظا لها وصيانة، وقد أورد بعض ~~الزنادقة هذا السؤال وضمنه بيتين، فقال: # يد بخمسمئي من عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار # تناقض ما لنا إلا السكوت له ... ونستجير بمولانا من العار # فأجابه بعض الفقهاء بأنها كانت ثمينة لما كانت أمينة، فلما خانت هانت، ~~وضمنه الناظم قوله: # يد بخمس مئي من عسجد وديت ... لكنها قطعت في ربع دينار # حماية الدم أغلاها وأرخصها ... خيانة المال ms0417 فانظر حكمة الباري # وروي أن الشافعي - رحمه الله - أجاب بقوله: # هناك مظلومة غالت بقيمتها ... وها هنا ظلمت هانت على الباري # PageV02P048 # وأجاب شمس الدين الكردي بقوله: # قل للمعري عار أيما عار ... جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عار # لا تقدحن زناد الشعر عن حكم ... شعائر الشرع لم تقدح بأشعار # فقيمة اليد نصف الألف من ذهب ... فإن تعدت فلا تسوى بدينار ### | [فصل حكمة جعل نصاب السرقة ربع دينار] # وأما تخصيص القطع بهذا القدر فلأنه لا بد من مقدار يجعل ضابطا لوجوب ~~القطع؛ إذ لا يمكن أن يقال: يقطع بسرقة فلس أو حبة حنطة أو تمرة، ولا تأتي ~~الشريعة بهذا، وتنزه حكمة الله ورحمته وإحسانه عن ذلك، فلا بد من ضابط، ~~وكانت الثلاثة دراهم أول مراتب الجمع، وهي مقدار ربع دينار، وقال إبراهيم ~~النخعي وغيره من التابعين: كانوا لا يقطعون في الشيء التافه؛ فإن عادة ~~الناس التسامح في الشيء الحقير من أموالهم، إذ لا يلحقهم ضرر بفقده، وفي ~~التقدير بثلاثة دراهم حكمة ظاهرة؛ فإنها كفاية المقتصد في يومه له ولمن ~~يمونه غالبا، وقوت اليوم للرجل وأهله له خطر عند غالب الناس؛ وفي الأثر ~~المعروف: «من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما ~~حيزت له الدنيا بحذافيرها» ### | [فصل حكمة حد القذف بالزنا دون الكفر] # فصل [ (9) حكمة حد القذف بالزنا دون الكفر] وأما إيجاب حد الفرية على من ~~قذف غيره بالزنا دون الكفر ففي غاية المناسبة؛ فإن القاذف غيره بالزنا لا ~~سبيل للناس إلى العلم بكذبه، فجعل حد الفرية تكذيبا له، وتبرئة لعرض ~~المقذوف، وتعظيما لشأن هذه الفاحشة التي يجلد من رمى بها مسلما؛ وأما من ~~رمى غيره بالكفر فإن شاهد حال المسلم واطلاع المسلمين عليها كاف في تكذيبه، ~~ولا يلحقه من العار بكذبه عليه في ذلك ما يلحقه بكذبه عليه في الرمي ~~بالفاحشة، ولا سيما إن كان المقذوف امرأة؛ فإن العار والمعرة التي تلحقها ~~بقذفه بين أهلها وتشعب ظنون الناس وكونهم بين مصدق ومكذب لا يلحق مثله ~~بالرمي بالكفر # PageV02P049 ### | [فصل ms0418 حكمة الاكتفاء في القتل بشاهدين دون الزنا] # وأما اكتفاؤه في القتل بشاهدين دون الزنا ففي غاية الحكمة والمصلحة؛ فإن ~~الشارع احتاط للقصاص والدماء واحتاط لحد الزنا، فلو لم يقبل في القتل إلا ~~أربعة لضاعت الدماء، وتواثب العادون، وتجرءوا على القتل؛ وأما الزنا فإنه ~~بالغ في ستره كما قدر الله ستره، فاجتمع على ستره شرع الله وقدره، فلم يقبل ~~فيه إلا أربعة يصفون الفعل وصف مشاهدة ينتفي معها الاحتمال؛ وكذلك في ~~الإقرار، لم يكتف بأقل من أربع مرات حرصا على ستر ما قدر الله ستره، وكره ~~إظهاره، والتكلم به، وتوعد من يحب إشاعته في المؤمنين بالعذاب الأليم في ~~الدنيا والآخرة. ### | [فصل الحكمة في جلد قاذف الحر دون العبد] # وأما جلد قاذف الحر دون العبد فتفريق لشرعه بين ما فرق الله بينهما ~~بقدره، فما جعل الله سبحانه العبد كالحر من كل وجه لا قدرا ولا شرعا، وقد ~~ضرب الله سبحانه لعباده الأمثال التي أخبر فيها بالتفاوت بين الحر والعبد، ~~وأنهم لا يرضون أن تساويهم عبيدهم في أرزاقهم، فالله سبحانه وتعالى فضل بعض ~~خلقه على بعض، وفضل الأحرار على العبيد في الملك وأسبابه والقدرة على ~~التصرف، وجعل العبد مملوكا والحر مالكا، ولا يستوي المالك والمملوك. # وأما التسوية بينهما في أحكام الثواب والعقاب فذلك موجب العدل والإحسان؛ ~~فإنه يوم الجزاء لا يبقى هناك عبد وحر ولا مالك ولا مملوك. ### | [فصل الحكمة في التفريق بين عدة الموت والطلاق] # وأما تفريقه في العدة بين الموت والطلاق، وعدة الحرة وعدة الأمة، وبين ~~الاستبراء والعدة، مع أن المقصود العلم ببراءة الرحم في ذلك كله، فهذا إنما ~~يتبين وجهه إذا عرفت الحكمة التي لأجلها شرعت العدة وعرف أجناس العدد ~~وأنواعها. # [الحكم في العدة] # فأما المقام الأول ففي شرع العدة عدة حكم: منها العلم ببراءة الرحم، وأن ~~لا يجتمع ماء الواطئين فأكثر في رحم واحد، فتختلط الأنساب وتفسد وفي ذلك من ~~الفساد ما تمنعه # PageV02P050 # الشريعة والحكمة. # ومنها تعظيم خطر هذا العقد، ورفع قدره، وإظهار شرفه. # ومنها تطويل زمان الرجعة للمطلق؛ ms0419 إذ لعله أن يندم ويفيء فيصادف زمنا ~~يتمكن فيه من الرجعة. # ومنها قضاء حق الزوج، وإظهار تأثير فقده في المنع من التزين والتجمل، ~~ولذلك شرع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الوالد والولد. # ومنها الاحتياط لحق الزوج، ومصلحة الزوجة، وحق الولد، والقيام بحق الله ~~الذي أوجبه؛ ففي العدة أربعة حقوق، وقد أقام الشارع الموت مقام الدخول في ~~استيفاء المعقود عليه؛ فإن النكاح مدته العمر، ولهذا أقيم مقام الدخول في ~~تكميل الصداق، وفي تحريم الربيبة عند جماعة من الصحابة ومن بعدهم كما هو ~~مذهب زيد بن ثابت وأحمد في إحدى الروايتين عنه؛ فليس المقصود من العدة مجرد ~~براءة الرحم، بل ذلك من بعض مقاصدها وحكمها. # [أجناس العدد] # المقام الثاني في أجناسها، وهي أربعة في كتاب الله، وخامس بسنة رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: الجنس الأول: أم باب العدة، {وأولات الأحمال أجلهن ~~أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] الثاني: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] الثالث: {والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] الرابع: {واللائي يئسن من المحيض من ~~نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر} [الطلاق: 4] الخامس: قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرئ بحيضة» ~~ومقدم هذه الأجناس كلها الحاكم عليها كلها وضع الحمل، فإذا وجد فالحكم له، ~~ولا التفات إلى غيره، وقد كان بين السلف نزاع في المتوفى عنها أنها تتربص ~~أبعد الأجلين، ثم حصل الاتفاق على انقضائها بوضع الحمل؛ وأما عدة الوفاة ~~فتجب بالموت، سواء دخل بها أو لم يدخل، كما دل عليه عموم القرآن والسنة ~~الصحيحة واتفاق الناس؛ فإن الموت لما كان انتهاء العقد وانقضاءه استقرت به ~~الأحكام: من التوارث، واستحقاق المهر، وليس المقصود بالعدة ها هنا مجرد ~~استبراء الرحم كما ظنه بعض الفقهاء؛ لوجوبها قبل الدخول، ولحصول الاستبراء ~~بحيضة واحدة، ولاستواء الصغيرة والآيسة وذوات القروء في مدتها، فلما كان ~~الأمر كذلك قالت طائفة: هي تعبد محض لا يعقل معناه، وهذا باطل لوجوه: منها ~~أنه ليس في الشريعة ms0420 حكم واحد إلا وله معنى وحكمة يعقله من عقله ويخفى على ~~من خفي عليه. # ومنها أن العدد ليست من باب العبادات المحضة؛ فإنها تجب في حق الصغيرة ~~والكبيرة والعاقلة والمجنونة والمسلمة والذمية، ولا تفتقر إلى نية. # ومنها أن رعاية حق الزوجين والولد والزوج الثاني ظاهر فيها؛ فالصواب أن ~~يقال: هي # PageV02P051 # حريم لانقضاء النكاح لما كمل، ولهذا تجد فيها رعاية لحق الزوج وحرمة له، ~~ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان من احترامه ورعاية حقوقه ~~تحريم نسائه بعده، ولما كانت نساؤه في الدنيا هن نساؤه في الآخرة قطعا، لم ~~يحل لأحد أن يتزوج بهن بعده، بخلاف غيره؛ فإن هذا ليس معلوما في حقه، فلو ~~حرمت المرأة على غيره لتضررت ضررا محققا بغير نفع معلوم، ولكن لو تأيمت على ~~أولادها كانت محمودة على ذلك. # وقد كانوا في الجاهلية يبالغون في احترام حق الزوج وتعظيم حريم هذا العقد ~~غاية المبالغة من تربص سنة في شر ثيابها وحفش بيتها، فخفف الله عنهم ذلك ~~بشريعته التي جعلها رحمة وحكمة ومصلحة ونعمة، بل هي من أجل نعمه عليهم على ~~الإطلاق، فله الحمد كما هو أهله. # وكانت أربعة أشهر وعشرا على وفق الحكمة والمصلحة؛ إذ لا بد من مدة مضروبة ~~لها، وأولى المدد بذلك المدة التي يعلم فيها بوجود الولد وعدمه؛ فإنه يكون ~~أربعين يوما نطفة، ثم أربعين علقة، ثم أربعين مضغة فهذه أربعة أشهر، ثم ~~ينفخ فيه الروح في الطور الرابع، فقدر بعشرة أيام لتظهر حياته بالحركة إن ~~كان ثم حمل. . ### | [فصل حكمة عدة الطلاق] # وأما عدة الطلاق فلا يمكن تعليلها بذلك؛ لأنها إنما تجب بعد المسيس ~~بالاتفاق، ولا ببراءة الرحم؛ لأنه يحصل بحيضة كالاستبراء، وإن كان براءة ~~الرحم بعض مقاصدها. # ولا يقال: " هي تعبد " لما تقدم، وإنما يتبين حكمها إذا عرف ما فيها من ~~الحقوق؛ ففيها حق الله، وهو امتثال أمره وطلب مرضاته، وحق للزوج المطلق وهو ~~اتساع زمن الرجعة له، وحق للزوجة، وهو استحقاقها للنفقة والسكنى ما دامت في ~~العدة، وحق للولد، ms0421 وهو الاحتياط في ثبوت نسبه وأن لا يختلط بغيره، وحق ~~للزوج الثاني، وهو أن لا يسقي ماءه زرع غيره، ورتب الشارع على كل واحد من ~~هذه الحقوق ما يناسبه من الأحكام؛ فرتب على رعاية حقه هو لزوم المنزل وأنها ~~لا تخرج ولا تخرج، هذا موجب القرآن ومنصوص إمام أهل الحديث وإمام أهل ~~الرأي. # ورتب على حق المطلق تمكينه من الرجعة ما دامت في العدة، وعلى حقها ~~استحقاق النفقة والسكنى، وعلى حق الولد ثبوت نسبه وإلحاقه بأبيه دون غيره، ~~وعلى حق الزوج الثاني دخوله على بصيرة ورحم بريء غير مشغول بولد لغيره؛ ~~فكان في جعلها # PageV02P052 # ثلاثة قروء رعاية لهذه الحقوق، وتكميل لها، وقد دل القرآن على أن العدة ~~حق للزوج عليها بقوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] ~~فهذا دليل على أن العدة للرجل على المرأة بعد المسيس، وقال تعالى: ~~{وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا} [البقرة: 228] فجعل الزوج ~~أحق بردها في العدة؛ فإذا كانت العدة ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر طالت مدة ~~التربص لينظر في أمرها هل يمسكها بمعروف أو يسرحها بإحسان، كما جعل الله ~~سبحانه للمولي تربص أربعة أشهر لينظر في أمره هل يفيء أو يطلق، وكما جعل ~~مدة تسيير الكفار أربعة أشهر لينظروا في أمرهم ويختاروا لأنفسهم. # فإن قيل: هذه العلة باطلة؛ فإن المختلعة والمفسوخ نكاحها بسبب من الأسباب ~~والمطلقة ثلاثا والموطوءة بشبهة والمزني بها تعتد بثلاثة أقراء، ولا رجعة ~~هناك، فقد وجد الحكم بدون علته، وهذا يبطل كونها علة. # [عدة المختلعة] # قيل: شرط النقض أن يكون الحكم في صورة ثابتا بنص أو إجماع، وأما كونه ~~قولا لبعض العلماء فلا يكفي في النقض به، وقد اختلف الناس في عدة المختلعة؛ ~~فذهب إسحاق وأحمد في أصح الروايتين عنه دليلا أنها تعتد بحيضة واحدة، وهو ~~مذهب عثمان بن عفان وعبد الله بن عباس، وقد حكى إجماع الصحابة ولا يعلم ~~لهما مخالف، وقد دلت عليه ms0422 سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة ~~دلالة صريحة، وعذر من خالفها أنها لم تبلغه، أو لم تصح عنده، أو ظن الإجماع ~~على خلاف موجبها، وهذا القول هو الراجح في الأثر والنظر: أما رجحانه أثرا ~~فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر المختلعة قط أن تعتد بثلاث حيض، ~~بل قد روى أهل السنن عنه من «حديث الربيع بنت معوذ أن ثابت بن قيس ضرب ~~امرأة فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي، فأتى أخوها يشتكي إلى ~~رسول الله، فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ثابت، فقال: خذ ~~الذي لها عليك وخل سبيلها قال: نعم، فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها» ؛ وذكر أبو داود والنسائي من حديث ابن ~~عباس «أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها، فأمرها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أو أمرت أن تعتد بحيضة» ، قال الترمذي: الصحيح أنها أمرت أن تعتد ~~بحيضة، وهذه الأحاديث لها طرق يصدق بعضها بعضا، وأعل الحديث بعلتين: ~~أحدهما: إرساله، والثانية: أن الصحيح فيه " أمرت " بحذف الفاعل، والعلتان ~~غير مؤثرتين؛ فإنه قد روي من وجوه متصلة، ولا تعارض بين # PageV02P053 # أمرت وأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ من المحال أن يكون ~~الآمر لها بذلك غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حياته، وإذا كان ~~الحديث قد روي بلفظ محتمل ولفظ صريح يفسر المحتمل ويبينه، فكيف يجعل ~~المحتمل معارضا للمفسر بل مقدما عليه؟ ثم يكفي في ذلك فتاوى أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -؛ قال أبو جعفر النحاس في كتاب الناسخ ~~والمنسوخ: هو إجماع من الصحابة. # وأما اقتضاء النظر له فإن المختلعة لم تبق لزوجها عليها عدة، وقد ملكت ~~نفسها وصارت أحق ببضعها، فلها أن تتزوج بعد براءة رحمها، فصارت العدة في ~~حقها بمجرد براءة الرحم، وقد رأينا الشريعة جاءت في هذا النوع بحيضة واحدة ~~كما جاءت بذلك في المسبية والمملوكة بعقد معاوضة أو تبرع والمهاجرة من دار ms0423 ~~الحرب، ولا ريب أنها جاءت بثلاثة أقراء في الرجعية، والمختلعة فرع متردد ~~بين هذين الأصلين؛ فينبغي إلحاقها بأشبههما بها؛ فنظرنا فإذا هي بذوات ~~الحيضة أشبه. # ومما يبين حكمة الشريعة في ذلك أن الشارع قسم النساء إلى ثلاثة أقسام: ~~أحدها: المفارقة قبل الدخول؛ فلا عدة عليها ولا رجعة لزوجها فيها. # الثاني: المفارقة بعد الدخول إذا كان لزوجها عليها رجعة، فجعل عدتها ~~ثلاثة قروء، ولم يذكر سبحانه العدة بثلاثة قروء إلا في هذا القسم، كما هو ~~مصرح به في القرآن في قوله تعالى {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا ~~يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ~~وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا} [البقرة: 228] وكذا في سورة ~~الطلاق لما ذكر الاعتداد بالأشهر الثلاثة في حق من إذا بلغت أجلها خير ~~زوجها بين إمساك بمعروف أو مفارقتها بإحسان، وهي الرجعية قطعا، فلم يذكر ~~الأقراء أو بدلها في حق بائن ألبتة. # القسم الثالث: من بانت عن زوجها وانقطع حقه عنها بسبي أو هجرة أو خلع؛ ~~فجعل عدتها حيضة للاستبراء، ولم يجعلها ثلاثا؛ إذ لا رجعة للزوج، وهذا في ~~غاية الظهور والمناسبة؛ وأما الزانية والموطوءة، بشبهة فموجب الدليل أنها ~~تستبرأ بحيضة فقط، ونص عليه أحمد في الزانية، واختاره شيخنا في الموطوءة ~~بشبهة، وهو الراجح، وقياسهما على المطلقة الرجعية من أبعد القياس وأفسده. # فإن قيل: فهب أن هذا قد سلم لكم فيما ذكرتم من الصور، فإنه لا يسلم معكم ~~في المطلقة ثلاثا؛ فإن الإجماع منعقد على اعتدادها بثلاثة قروء مع انقطاع ~~حق زوجها من الرجعة، والقصد مجرد استبراء رحمها. [حكمة عدة المطلقة ثلاثا] # قيل: نعم هذا سؤال وارد، وجوابه من وجهين: أحدهما: أنه قد اختلف في ~~عدتها: # PageV02P054 # هل هي بثلاثة قروء أو بقرء واحد؟ فالجمهور - بل الذي لا يعرف الناس سواه ~~- أنها ثلاثة قروء، وعلى هذا فيكون وجهه أن الطلقة الثالثة لما كانت من جنس ~~الأوليين أعطيت حكمهما؛ ليكون باب الطلاق كله بابا واحدا، فلا يختلف حكمه، ms0424 ~~والشارع إذا علق الحكم بوصف لمصلحة عامة لم يكن تخلف تلك المصلحة والحكمة ~~في بعض الصور مانعا من ترتب الحكم، بل هذه قاعدة الشريعة وتصرفها في ~~مصادرها ومواردها. # الوجه الثاني: أن الشارع حرمها عليه حتى تنكح زوجا غيره، عقوبة له، ولعن ~~المحلل والمحلل له لمناقضتهما ما قصده الله سبحانه من عقوبته؛ وكان من تمام ~~هذه العقوبة أن طول مدة تحريمها عليه؛ فكان ذلك أبلغ فيما قصده الشارع من ~~العقوبة، فإنه إذا علم أنها لا تحل له حتى تعتد بثلاثة قروء، ثم يتزوجها ~~آخر بنكاح رغبة مقصود لا تحليل موجب للعنة، ويفارقها، وتعتد من فراقه ثلاثة ~~قروء أخر، طال عليه الانتظار، وعيل صبره، فأمسك عن الطلاق الثلاث، وهذا ~~واقع على وفق الحكمة والمصلحة والزجر؛ فكان التربص بثلاثة قروء في الرجعية ~~نظرا للزوج ومراعاة لمصلحته لما لم يوقع الثالثة المحرمة لها، وها هنا كان ~~تربصها عقوبة له وزجرا لما أوقع الطلاق المحرم لما أحل الله له، وأكدت هذه ~~العقوبة بتحريمها عليه إلا بعد زوج وإصابة وتربص ثان. # وقيل: بل عدتها حيضة واحدة، وهي اختيار أبي الحسين بن اللبان؛ فإن كان ~~مسبوقا بالإجماع فالصواب اتباع الإجماع، وأن لا يلتفت إلى قوله، وإن لم يكن ~~في المسألة إجماع فقوله قوي ظاهر، والله أعلم. # [عدة المخيرة وحكمتها] # فإن قيل: فقد جاءت السنة بأن المخيرة تعتد ثلاث حيض، كما رواه ابن ماجه ~~من حديث «عائشة قالت: أمرت بريرة أن تعتد ثلاث حيض» . # قيل: ما أصرحه من حديث لو ثبت، ولكنه حديث منكر بإسناد مشهور، وكيف يكون ~~عند أم المؤمنين هذا الحديث وهي تقول الأقراء الأطهار؟ فإن صح الحديث وجب ~~القول به، ولم تسع مخالفته، ويكون حكمه حكم المطلقة ثلاثا في اعتدادها ~~بثلاثة قروء ولا رجعة لزوجها عليها؛ فإن الشارع يخصص بعض الأعيان والأفعال ~~والأزمان والأماكن ببعض الأحكام، وإن لم يظهر لنا موجب التخصيص، فكيف وهو ~~ظاهر في مسألة المخيرة، فإنها لو جعلت عدتها حيضة واحدة لبادرت إلى التزوج ~~بعدها، وأيس منها زوجها؟ فإذا جعلت ثلاث حيض ms0425 طال زمن انتظارها وحبسها عن ~~الأزواج، ولعلها تتذكر زوجها فيها وترغب في # PageV02P055 # رجعته، ويزول ما عندها من الوحشة، ولو قيل: " إن اعتداد المختلعة بثلاث ~~حيض لهذا المعنى بعينه " لكان حسنا على وفق حكمة الشارع، ولكن هذا مفقود في ~~المسبية والمهاجرة والزانية والموطوءة بشبهة. [عدة الآيسة والصغيرة ~~وحكمتها] # فإن قيل: فهب أن هذا كله قد سلم لكم، فكيف يسلم لكم في الآيسة والصغيرة ~~التي لا يوطأ مثلها؟ قيل: هذا إنما يرد على من جعل علة العدة مجرد براءة ~~الرحم فقط، ولهذا أجابوا عن هذا السؤال بأن العدة ها هنا شرعت تعبدا محضا ~~غير معقول المعنى، وأما من جعل هذا بعض مقاصد العدة وأن لها مقاصد أخر من ~~تكميل شأن هذا العقد واحترامه وإظهار خطره وشرفه فجعل لهم حريم بعد انقطاعه ~~بموت أو فرقة، فلا فرق في ذلك بين الآيسة وغيرها، ولا بين الصغيرة ~~والكبيرة، مع أن المعنى الذي طولت له العدة في الحائض في الرجعية والمطلقة ~~ثلاثا موجود بعينه في حق الآيسة والصغيرة، وكان مقتضى الحكمة التي تضمنت ~~النظر في مصلحة الزوج في الطلاق الرجعي وعقوبته وزجره في الطلاق المحرم ~~التسوية بين النساء في ذلك، هذا ظاهر جدا، وبالله التوفيق. ### | [فصل حكمة تحريم المرأة بعد الطلاق الثلاث] # فصل # [حكمة تحريم المرأة بعد الطلاق الثلاث] # وأما تحريم المرأة على الزوج بعد الطلاق الثلاث وإباحتها له بعد نكاحها ~~للثاني فلا يعرف حكمته إلا من له معرفة بأسرار الشريعة وما اشتملت عليه من ~~الحكم والمصالح الكلية؛ فنقول وبالله التوفيق: لما كان إباحة فرج المرأة ~~للرجل بعد تحريمه عليه ومنعه منه من أعظم نعم الله عليه وإحسانه إليه كان ~~جديرا بشكر هذه النعمة، ومراعاتها، والقيام بحقوقها، وعدم تعريضها للزوال، ~~وتنوعت الشرائع في ذلك بحسب المصالح التي علمها الله في كل زمان ولكل أمة، ~~فجاءت شريعة التوراة بإباحتها له بعد الطلاق ما لم تتزوج، فإذا تزوجت حرمت ~~عليه، ولم يبق له سبيل إليها. # وفي ذلك من الحكمة والمصلحة ما لا يخفى؛ فإن الزوج إذا علم أنه ms0426 إذا طلق ~~المرأة وصار أمرها بيدها، وأن لها أن تنكح غيره، وأنها إذا نكحت غيره حرمت ~~عليه أبدا، كان تمسكه بها أشد، وحذره من مفارقتها أعظم، وشريعة التوراة ~~جاءت بحسب الأمة الموسوية فيها من الشدة والإصر ما يناسب حالها، ثم جاءت ~~شريعة الإنجيل بالمنع من # PageV02P056 # الطلاق بعد التزوج ألبتة، فإذا تزوج بامرأة فليس له أن يطلقها، ثم جاءت ~~الشريعة الكاملة الفاضلة المحمدية التي هي أكمل شريعة نزلت من السماء على ~~الإطلاق وأجلها وأفضلها وأعلاها وأقومها بمصالح العباد في المعاش والمعاد ~~بأحسن من ذلك كله وأكمله وأوفقه للعقل والمصلحة؛ فإن الله سبحانه أكمل لهذه ~~الأمة دينها، وأتم عليها نعمته، وأباح لها من الطيبات ما لم يبحه لأمة ~~غيرها، فأباح للرجل أن ينكح من أطايب النساء أربعا، وأن يتسرى من الإماء ~~بما شاء، وليس التسري في شريعة أخرى غيرها، ثم أكمل لعبده شرعه، وأتم عليه ~~نعمته، بأن ملكه أن يفارق امرأته ويأخذ غيرها؛ إذ لعل الأولى لا تصلح له ~~ولا توافقه، فلم يجعلها غلا في عنقه، وقيدا في رجله، وإصرا على ظهره، وشرع ~~له فراقها على أكمل الوجوه لها وله، بأن يفارقها واحدة ثم تتربص ثلاثة ~~قروء. # والغالب أنها في ثلاثة أشهر، فإن تاقت نفسه إليها، وكان له فيها رغبة، ~~وصرف مقلب القلوب قلبه إلى محبتها، وجد السبيل إلى ردها ممكنا، والباب ~~مفتوحا، فراجع حبيبته، واستقبل أمره، وعاد إلى يده ما أخرجته يد الغضب ~~ونزغات الشيطان منها، ثم لا يأمن غلبات الطباع ونزغات الشيطان من المعاودة، ~~فمكن من ذلك أيضا مرة ثانية، ولعلها أن تذوق من مرارة الطلاق وخراب البيت ~~ما يمنعها من معاودة ما يغضبه، ويذوق هو من ألم فراقها ما يمنعه من التسرع ~~إلى الطلاق، فإذا جاءت الثالثة جاء ما لا مرد له من أمر الله، وقيل له: قد ~~اندفعت حاجتك بالمرة الأولى والثانية؛ ولم يبق لك عليها بعد الثالثة سبيل، ~~فإذا علم أن الثالثة فراق بينه وبينها وأنها القاضية أمسك عن إيقاعها، فإنه ~~إذا علم أنها بعد الثالثة لا ms0427 تحل له إلا بعد تربص ثلاثة قروء وتزوج بزوج ~~راغب في نكاحها وإمساكها، وأن الأول لا سبيل له إليها حتى يدخل بها الثاني ~~دخولا كاملا يذوق فيه كل واحد منهما عسيلة صاحبه بحيث يمنعهما ذلك من تعجيل ~~الفراق ثم يفارقها بموت أو طلاق أو خلع ثم تعتد من ذلك عدة كاملة تبين له ~~حينئذ يأسه بهذا الطلاق الذي هو من أبغض الحلال إلى الله، وعلم كل واحد ~~منهما أنه لا سبيل له إلى العود بعد الثالثة، لا باختياره ولا باختيارها، ~~وأكد هذا المقصود بأن لعن الزوج الثاني إذا لم ينكح نكاح رغبة يقصد فيه ~~الإمساك، بل نكح نكاح تحليل، ولعن الزوج الأول إذ ردها بهذا النكاح، بل ~~ينكحها الثاني كما نكحها الأول، ويطلقها كما طلقها الأول، وحينئذ فتباح ~~للأول كما تباح لغيره من الأزواج. # وأنت إذا وازنت بين هذا وبين الشريعتين المنسوختين، ووازنت بينه وبين ~~الشريعة المبدلة المبيحة ما لعن الله ورسوله فاعله، تبين لك عظمة هذه ~~الشريعة، وجلالتها، وهيمنتها على سائر الشرائع، وأنها جاءت على أكمل الوجوه ~~وأتمها وأحسنها وأنفعها # PageV02P057 # للخلق، وأن الشريعتين المنسوختين خير من الشريعة المبدلة، فإن الله ~~سبحانه شرعهما في وقت، ولم يشرع المبدلة أصلا. # وهذه الدقائق ونحوها مما يختص الله سبحانه بفهمه من يشاء؛ فمن وصل إليها ~~فليحمد الله، ومن لم يصل إليها فليسلم لأحكم الحاكمين وأعلم العالمين. # وليعلم أن شريعته فوق عقول العقلاء وفق فطر الألباء: # وقل للعيون الرمد لا تتقدمي ... إلى الشمس واستغشي ظلام اللياليا # وسامح ولا تنكر عليها وخلها ... وإن أنكرت حقا فقل خل ذا ليا # غيره: # عاب التفقه قوم لا عقول لهم ... وما عليه إذا عابوه من ضرر # ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة ... أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر. ### | [فصل الحكمة في غسل أعضاء الوضوء] # وأما إيجابه لغسل المواضع التي لم تخرج منها الريح، وإسقاطه غسل الموضع ~~الذي خرجت منه، فما أوفقه للحكمة، وما أشده مطابقة للفطرة؛ فإن حاصل ~~السؤال: لم كان الوضوء في هذه الأعضاء الظاهرة دون ms0428 باطن المقعدة، مع أن ~~باطن المقعدة أولى بالوضوء من الوجه واليدين والرجلين؟ وهذا سؤال معكوس، من ~~قلب منكوس؛ فإن من محاسن الشريعة أن كان الوضوء في الأعضاء الظاهرة ~~المكشوفة، وكان أحقها به إمامها ومقدمها في الذكر والفعل وهو الوجه الذي ~~نظافته ووضاءته عنوان على نظافة القلب، وبعده اليدان، وهما آلة البطش ~~والتناول والأخذ، فهما أحق الأعضاء بالنظافة والنزاهة بعد الوجه، ولما كان ~~الرأس مجمع الحواس وأعلى البدن وأشرفه كان أحق بالنظافة، لكن لو شرع غسله ~~في الوضوء لعظمت المشقة، واشتدت البلية، فشرع مسح جميعه، وأقامه مقام غسله ~~تخفيفا ورحمة، كما أقام المسح على الخفين مقام غسل الرجلين. # ولعل قائلا يقول: وما يجزئ مسح الرأس والرجلين من الغسل والنظافة؟ ولم ~~يعلم هذا القائل أن إمساس العضو بالماء امتثالا لأمر الله وطاعة له وتعبدا ~~يؤثر في نظافته وطهارته ما لا يؤثر غسله بالماء والسدر بدون هذه النية، ~~والتحاكم في هذا إلى الذوق السليم، والطبع المستقيم، كما أن معك الوجه ~~بالتراب امتثالا للآمر وطاعة وعبودية تكسبه وضاءة ونظافة # PageV02P058 # وبهجة تبدو على صفحاته للناظرين؛ ولما كانت الرجلان تمس الأرض غالبا، ~~وتباشر من الأدناس ما لا تباشره بقية الأعضاء كانت أحق بالغسل، ولم يوفق ~~للفهم عن الله ورسوله من اجتزأ بمسحهما من غير حائل. # فهذا وجه اختصاص هذه الأعضاء بالوضوء من بين سائرها من حيث المحسوس، وأما ~~من حيث المعنى فهذه الأعضاء هي آلات الأفعال التي يباشر بها العبد ما يريد ~~فعله، وبها يعصى الله سبحانه ويطاع؛ فاليد تبطش، والرجل تمشي، والعين تنظر، ~~والأذن تسمع، واللسان يتكلم؛ فكان في غسل هذه الأعضاء - امتثالا لأمر الله، ~~وإقامة لمعبوديته - ما يقتضي إزالة ما لحقها من درن المعصية ووسخها. # وقد أشار صاحب الشرع - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا المعنى بعينه حيث ~~قال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن عمرو بن عبسة قال: «قلت: ~~يا رسول الله حدثني عن الوضوء، قال: ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ~~ويستنشق فينثر إلا خرت خطايا وجهه من ms0429 أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه ~~إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح برأسه إلا ~~خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت ~~خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه ~~ومجده بالذي هو أهله - أو هو له أهل - وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته ~~كهيئته يوم ولدته أمه» " وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي هريرة أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «إذا توضأ العبد المسلم - أو المؤمن - فغسل وجهه خرج ~~من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء - فإذا ~~غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء - أو مع آخر قطر ~~الماء - فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء - أو مع آخر ~~قطر الماء - حتى يخرج نقيا من الذنوب» وفي مسند الإمام أحمد عن عقبة بن ~~عامر قال: «سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: رجلان من أمتي يقوم ~~أحدهما من الليل يعالج نفسه إلى الطهور، وعليه عقد، فيتوضأ؛ فإذا وضأ يديه ~~انحلت عقدة، وإذا وضأ وجهه انحلت عقدة، وإذا مسح رأسه انحلت عقدة، وإذا وضأ ~~رجليه انحلت عقدة، فيقول الرب عز وجل للذي وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي ~~هذا يعالج نفسه، ما سألني عبدي هذا فهو له» . # وفيه أيضا عن أبي أمامة يرفعه: «أيما رجل قام إلى وضوئه يريد الصلاة ثم ~~غسل كفيه نزلت خطيئته من كفيه مع أول قطرة، فإذا تمضمض واستنشق واستنثر ~~نزلت خطيئته من لسانه وشفتيه مع أول قطرة، فإذا غسل وجهه نزلت خطيئته من ~~سمعه وبصره مع أول قطرة، فإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين ~~سلم من كل ذنب هو له، ومن كل خطيئة كهيئته يوم ولدته أمه، فإذا قام إلى ~~الصلاة رفع الله بها درجته، وإن قعد قعد سالما» وفيه أن # PageV02P059 # مقصود المضمضة كمقصود غسل الوجه واليدين ms0430 سواء، وأنه حاجة اللسان والشفتين ~~إلى الغسل كحاجة بقية الأعضاء؛ فمن أنكس قلبا وأفسد فطرة وأبطل قياسا ممن ~~يقول: إن غسل باطن المقعدة أولى من غسل هذه الأعضاء، وإن الشارع فرق بين ~~المتماثلين؟ هذا إلى ما في غسل هذه الأعضاء المقارن لنية التعبد لله من ~~انشراح القلب وقوته، واتساع الصدر، وفرح النفس، ونشاط الأعضاء؛ فتميزت عن ~~سائر الأعضاء بما أوجب غسلها دون غيرها، وبالله التوفيق. ### | [فصل توبة المحارب] # فصل # [توبة المحارب] # وأما اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه دون غيره فيقال: أين في نصوص ~~الشارع هذا التفريق؟ بل نصه على اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه إما ~~من باب التنبيه على اعتبار توبة غيره بطريق الأولى؛ فإنه إذا دفعت توبته ~~عنه حد حرابه مع شدة ضررها وتعديه فلأن تدفع التوبة ما دون حد الحراب بطريق ~~الأولى والأحرى، وقد قال الله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ~~ما قد سلف} [الأنفال: 38] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «التائب من ~~الذنب كمن لا ذنب له» والله تعالى جعل الحدود عقوبة لأرباب الجرائم، ورفع ~~العقوبة عن التائب شرعا وقدرا؛ فليس في شرع الله ولا قدره عقوبة تائب ~~ألبتة. # وفي الصحيحين من حديث أنس قال: «كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فجاء رجل فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدا فأقمه علي، قال: ولم يسأله عنه، ~~فحضرت الصلاة فصلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما قضى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - الصلاة قام إليه الرجل فأعاد قوله، قال: أليس قد صليت ~~معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله عز وجل قد غفر لك ذنبك» فهذا لما جاء تائبا ~~بنفسه من غير أن يطلب غفر الله له، ولم يقم عليه الحد الذي اعترف به، وهو ~~أحد القولين في المسألة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصواب. # فإن قيل: فماعز جاء تائبا والغامدية جاءت تائبة، وأقام عليهما الحد. # قيل: لا ريب أنهما جاءا تائبين، ولا ريب أن الحد أقيم عليهما، وبهما احتج ~~أصحاب ms0431 القول الآخر، وسألت شيخنا عن ذلك؛ فأجاب بما مضمونه بأن الحد مطهر، ~~وأن التوبة مطهرة، وهما اختارا التطهير بالحد على التطهير بمجرد التوبة، ~~وأبيا إلا أن يطهرا بالحد، فأجابهما النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك ~~وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على التطهير بالحد، «فقال في حق ماعز: ~~هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه» ولو تعين الحد بعد التوبة لما جاز # PageV02P060 # تركه، بل الإمام مخير بين أن يتركه كما قال لصاحب الحد الذي اعترف به: ~~«اذهب فقد غفر الله لك» وبين أن يقيم كما أقامه على ماعز والغامدية لما ~~اختارا إقامته وأبيا إلا التطهير به، ولذلك ردهما النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مرارا وهما يأبيان إلا إقامته عليهما، وهذا المسلك وسط مسلك من ~~يقول: لا تجوز إقامته بعد التوبة ألبتة، وبين مسلك من يقول: لا أثر للتوبة ~~في إسقاطه ألبتة، وإذا تأملت السنة رأيتها لا تدل إلا على هذا القول الوسط، ~~والله أعلم. ### | [فصل قبول رواية العبد دون شهادته] # وأما قوله: " وقبل شهادة العبد عليه - صلى الله عليه وسلم - بأنه قال: ~~كذا وكذا ولم يقبل شهادته على واحد من الناس بأنه قال: كذا وكذا، فمضمون ~~السؤال أن رواية العبد مقبولة دون شهادته. # والجواب أنه لا يلزم الشارع قول فقيه معين ولا مذهب معين، وهذا المقام لا ~~ينتصر فيه إلا الله ورسوله فقط، وهذا السؤال كذب على الشارع؛ فإنه لم يأت ~~عنه حرف واحد أنه قال لا تقبلوا شهادة العبد، بل ردوها، ولو كان عالما ~~مفتيا فقيها من أولياء الله ومن أصدق الناس لهجة، بل الذي دل عليه كتاب ~~الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والميزان العادل قبول شهادة العبد فيما ~~تقبل فيه شهادة الحر؛ فإنه من رجال المؤمنين فيدخل في قوله تعالى ~~{واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] كما دخل في {ما كان محمد أبا ~~أحد من رجالكم} [الأحزاب: 40] وهو عدل بالنص والإجماع، فيدخل في قوله ~~تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] كما دخل في قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «يحمل هذا ms0432 العلم من كل خلف عدوله» ويدخل في قوله: {وأقيموا ~~الشهادة لله} [الطلاق: 2] وفي قوله: {ولا تكتموا الشهادة} [البقرة: 283] ~~وفي قوله: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} [النساء: ~~135] الآية، كما دخل في جميع ما فيها من الأوامر، ويدخل في قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا» وقال أنس بن مالك: ما علمت ~~أحدا رد شهادة العبد، رواه الإمام أحمد عنه، وهذا أصح من غالب الإجماعات ~~التي يدعيها المتأخرون؛ فالشهادة على الشارع بأنه أبطل شهادة العبد وردها ~~شهادة بلا علم، ولم يأمر الله برد شهادة صادق أبدا، وإنما أمر بالتثبت في ~~شهادة الفاسق. # PageV02P061 ### | [فصل صدقة السائمة وإسقاطها عن العوامل] # وأما إيجاب الشارع الصدقة في السائمة وإسقاطها عن العوامل فقد اختلف في ~~هذه المسألة للاختلاف في الحديث الوارد فيها، وفي الباب حديثان: # أحدهما: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه: «ليس في الإبل العوامل ~~صدقة» رواه الدارقطني من حديث غالب بن عبيد الله عن عمرو. # والثاني: حديث علي بن أبي طالب مرفوعا: «ليس في البقر العوامل شيء» رواه ~~أبو داود. # ثنا النفيلي ثنا زهير ثنا أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة وعن الحارث عن علي، ~~قال زهير: أحسبه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس على العوامل شيء» ~~قال أبو داود: وروى حديث النفيلي شعبة وسفيان وغيرهما عن أبي إسحاق عن عاصم ~~بن ضمرة عن علي لم يرفعوه، ورواه نعيم بن حماد: ثنا أبو بكر بن عياش عن أبي ~~إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي موقوفا: «ليس في الإبل العوامل، ولا في البقر ~~العوامل صدقة» . ورواه الدارقطني من حديث صقر بن حبيب: سمعت أبا رجاء عن ~~ابن عباس عن علي موقوفا، قال ابن حبان: ليس هو من كلام رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وإنما يعرف بإسناد منقطع نقله الصقر عن أبي رجاء، وهو ~~يأتي بالمقلوبات، وروي من حديث جابر وابن عباس مرفوعا وموقوفا، والموقوف ~~أشبه. # وبعد فللعلماء في المسألة قولان: فقال مالك ms0433 في الموطإ: النواضح والبقر ~~السواني وبقر الحرث أني أرى أن يؤخذ من ذلك كله الزكاة إذا وجبت فيه ~~الصدقة، قال ابن عبد البر: وهذا قول الليث بن سعد، ولا أعلم أحدا قال به من ~~فقهاء الأمصار غيرهما. # وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه والأوزاعي وأبو ثور ~~وأحمد وأبو عبيد وإسحاق وداود: لا زكاة في البقر العوامل، ولا الإبل ~~العوامل، وإنما الزكاة في السائمة منها، وروي قولهم ذلك عن طائفة من ~~الصحابة منهم علي وجابر ومعاذ بن جبل. # وكتب عمر بن عبد العزيز أنه ليس في البقر العوامل صدقة، وحجة هؤلاء مع ~~الأثر النظر؛ فإن ما كان من المال معدا لنفع صاحبه به كثياب بذلته وعبيد ~~خدمته وداره التي يسكنها ودابته التي يركبها وكتبه التي ينتفع بها وينفع ~~غيره؛ فليس فيها زكاة؛ ولهذا لم يكن في حلي المرأة التي تلبسه وتعيره زكاة، ~~فطرد هذا أنه لا زكاة في بقر حرثه وإبله التي يعمل فيها بالدولاب وغيره؛ ~~فهذا محض القياس، كما أنه موجب النصوص؛ والفرق بينها وبين السائمة ظاهر؛ ~~فإن هذه مصروفة عن جهة النماء إلى العمل؛ فهي كالثياب والعبيد والدار والله ~~تعالى أعلم. # PageV02P062 ### | [فصل حكمة الله في الفرق بين الحرة والأمة في تحصين الرجل] # وأما قوله: " وجعل الحرة القبيحة الشوهاء تحصن الرجل، والأمة البارعة ~~الجمال لا تحصنه " فتعبير سيء عن معنى صحيح؛ فإن حكمة الشارع اقتضت وجوب حد ~~الزنا على من كملت عليه نعمة الله بالحلال، فيتخطاه إلى الحرام، ولهذا لم ~~يوجب كمال الحد على من لم يحصن، واعتبر للإحصان أكمل أحواله، وهو أن يتزوج ~~بالحرة التي يرغب الناس في مثلها، دون الأمة التي لم يبح الله نكاحها إلا ~~عند الضرورة، فالنعمة بها ليست كاملة، ودون التسري الذي هو في الرتبة دون ~~النكاح؛ فإن الأمة ولو كانت ما عسى أن تكون لا تبلغ رتبة الزوجة، لا شرعا ~~ولا عرفا ولا عادة، بل قد جعل الله لكل منهما رتبة، والأمة لا تراد لما ~~تراد له الزوجة، ولهذا كان له أن يملك ms0434 من لا يجوز له نكاحها، ولا قسم عليه ~~في ملك يمينه، فأمته تجري في الابتذال والامتهان والاستخدام مجرى دابته ~~وغلامه، بخلاف الحرائر، وكان من محاسن الشريعة أن اعتبرت في كمال النعمة ~~على من يجب عليه الحد أن يكون قد عقد على حرة ودخل بها؛ إذ بذلك يقضي كمال ~~وطره، ويعطي شهوته حقها، ويضعها مواضعها، هذا هو الأصل ومنشأ الحكمة. # ولا يعتبر ذلك في كل فرد فرد من أفراد المحصنين، ولا يضر تخلفه في كثير ~~من المواضع؛ إذ شأن الشرائع الكلية أن تراعي الأمور العامة المنضبطة، ولا ~~ينقضها تخلف الحكمة في أفراد الصور، كما هذا شأن الخلق؛ فهو موجب حكمة الله ~~في خلقه وأمره في قضائه وشرعه، وبالله التوفيق. ### | [فصل الحكمة في نقض الوضوء بمس ذكره دون غيره من الأعضاء] # وأما قوله: " ونقض الوضوء بمس الذكر دون سائر الأعضاء، ودون مس العذرة ~~والبول " فلا ريب أنه قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر بالوضوء ~~من مس الذكر، وروي عنه خلافه، وأنه سئل عنه فقال للسائل: «هل هو إلا بضعة ~~منك» وقد قيل: إن هذا الخبر لم يصح، وقيل: بل هو منسوخ، وقيل: بل هو محكم ~~دال على عدم الوجوب، وحديث الأمر دال على الاستحباب؛ فهذه ثلاثة مسالك ~~للناس في ذلك. # وسؤال السائل ينبني على صحة حديث الأمر بالوضوء وإنه للوجوب، ونحن نجيبه ~~على هذا التقدير، فنقول: هذا من كمال الشريعة وتمام محاسنها، فإن مس الذكر ~~بالوطء، وهو في مظنة # PageV02P063 # الانتشار غالبا، والانتشار الصادر عن المس في مظنة خروج المذي ولا يشعر ~~به؛ فأقيمت هذه المظنة مقام الحقيقة لخفائها وكثرة وجودها، كما أقيم النوم ~~مقام الحديث، وكما أقيم لمس المرأة بشهوة مقام الحدث. # وأيضا فإن مس الذكر يوجب انتشار حرارة الشهوة وثورانها في البدن، والوضوء ~~يطفئ تلك الحرارة، وهذا مشاهد بالحس، ولم يكن الوضوء من مسه لكونه نجسا، ~~ولا لكونه مجرى النجاسة حتى يورد السائل مس العذرة والبول، ودعواه بمساواة ~~مس الذكر للأنف من أكذب الدعاوى وأبطل القياس، وبالله التوفيق. ms0435 ### | [فصل الحكمة في إيجاب الحد بشرب قطرة من الخمر] # وأما قوله: " أوجب الحد في القطرة الواحدة من الخمر دون الأرطال الكثيرة ~~من البول " فهذا أيضا من كمال الشريعة، ومطابقتها للعقول والفطر، وقيامها ~~بالمصالح؛ فإن ما جعل الله سبحانه في طباع الخلق النفرة عنه ومجانبته اكتفى ~~بذلك عن الوازع عنه بالحد؛ لأن الوازع الطبيعي كاف في المنع منه. # وأما ما يشتد تقاضي الطباع له فإنه غلظ العقوبة عليه بحسب شدة تقاضي ~~الطبع له، وسد الذريعة إليه من قرب وبعد، وجعل ما حوله حمى، ومنع من ~~قربانه، ولهذا عاقب في الزنا بأشنع القتلات، وفي السرقة بإبانة اليد، وفي ~~الخمر بتوسيع الجلد ضربا بالسوط، ومنع قليل الخمر وإن كان لا يسكر إذ قليله ~~داع إلى كثيره؛ ولهذا كان من أباح من نبيذ التمر المسكر القدر الذي لا يسكر ~~خارجا عن محض القياس والحكمة وموجب النصوص، وأيضا فالمفسدة التي في شرب ~~الخمر والضرر المختص والمتعدي أضعاف الضرر والمفسدة التي في شرب البول وأكل ~~القاذورات، فإن ضررها مختص بمتناولها. ### | [فصل الحكمة في قصر الزوجات على أربع دون السريات] # وأما قوله: " وقصر عدد المنكوحات على أربع، وأباح ملك اليمين بغير حصر " ~~فهذا من تمام نعمته وكمال شريعته، وموافقتها للحكمة والرحمة والمصلحة، فإن ~~النكاح يراد للوطء وقضاء الوطر، ثم من الناس من يغلب عليه سلطان هذه الشهوة ~~فلا تندفع حاجته بواحدة، فأطلق له ثانية وثالثة ورابعة، وكان هذا العدد ~~موافقا لعدد طباعه وأركانه، وعدد فصول سنته، ولرجوعه إلى الواحدة بعد صبر ~~ثلاث عنها، والثلاث أول مراتب الجمع، وقد علق # PageV02P064 # الشارع بها عدة أحكام، ورخص للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه بمكة ثلاثا، ~~وأباح للمسافر أن يمسح على خفيه ثلاثا، وجعل حد الضيافة المستحبة أو ~~الموجبة ثلاثا، وأباح للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثا، فرحم الضرة بأن ~~جعل غاية انقطاع زوجها عنها ثلاثا ثم يعود؛ فهذا محض الرحمة والحكمة ~~والمصلحة. # وأما الإماء فلما كن بمنزلة سائر الأموال من الخيل والعبيد وغيرها لم يكن ~~لقصر المالك على أربعة ms0436 منهن أو غيرها من العدد معنى؛ فكما ليس في حكمة الله ~~ورحمته أن يقصر السيد على أربعة عبيد أو أربع دواب وثياب ونحوها، فليس في ~~حكمته أن يقصره على أربع إماء، وأيضا فللزوجة حق على الزوج اقتضاه عقد ~~النكاح يجب على الزوج القيام به، فإن شاركها غيرها وجب عليه العدل بينهما؛ ~~فقصر الأزواج على عدد يكون العدل فيه أقرب مما زاد عليه، ومع هذا فلا ~~يستطيعون العدل ولو حرصوا عليه، ولا حق لإمائه عليه في ذلك، ولهذا لا يجب ~~لهن قسم، ولهذا قال تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم} [النساء: 3] والله أعلم. ### | [فصل الحكمة في إباحة التعدد للرجل دون المرأة] # وأما قوله: " وإنه أباح للرجل أن يتزوج بأربع زوجات، ولم يبح للمرأة أن ~~تتزوج بأكثر من زوج واحد " فذلك من كمال حكمة الرب تعالى لهم وإحسانه ~~ورحمته بخلقه ورعاية مصالحهم، ويتعالى سبحانه عن خلاف ذلك، وينزه شرعه أن ~~يأتي بغير هذا، ولو أبيح للمرأة أن تكون عند زوجين فأكثر لفسد العالم، ~~وضاعت الأنساب، وقتل الأزواج بعضهم بعضا، وعظمت البلية، واشتدت الفتنة، ~~وقامت سوق الحرب على ساق، وكيف يستقيم حال امرأة فيها شركاء متشاكسون؟ وكيف ~~يستقيم حال الشركاء فيها؟ فمجيء الشريعة بما جاءت به من خلاف هذا من أعظم ~~الأدلة على حكمة الشارع ورحمته وعنايته بخلقه. # فإن قيل: فكيف روعي جانب الرجل، وأطلق له أن يسيم طرفه ويقضي وطره، ~~وينتقل من واحدة إلى واحدة بحسب شهوته وحاجته، وداعي المرأة داعيه، وشهوتها ~~شهوته؟ قيل: لما كانت المرأة من عادتها أن تكون مخبأة من وراء الخدور، ~~ومحجوبة في كن بيتها، وكان مزاجها أبرد من مزاج الرجل، وحركتها الظاهرة ~~والباطنة أقل من حركته، وكان الرجل قد أعطي من القوة والحرارة التي هي ~~سلطان الشهوة أكثر مما أعطيته المرأة، وبلي بما لم تبل به؛ أطلق له من عدد ~~المنكوحات ما لم يطلق للمرأة؛ وهذا مما خص الله به # PageV02P065 # الرجال، وفضلهم به على النساء، كما فضلهم عليهن بالرسالة والنبوة ~~والخلافة والملك والإمارة ms0437 وولاية الحكم والجهاد وغير ذلك، وجعل الرجال ~~قوامين على النساء ساعين في مصالحهن، يدأبون في أسباب معيشتهن، ويركبون ~~الأخطار، يجوبون القفار، ويعرضون أنفسهم لكل بلية ومحنة في مصالح الزوجات، ~~والرب تعالى شكور حليم، فشكر لهم ذلك، وجبرهم بأن مكنهم مما لم يمكن منه ~~الزوجات، وأنت إذا قايست بين تعب الرجال وشقائهم وكدهم ونصبهم في مصالح ~~النساء وبين ما ابتلي به النساء من الغيرة وجدت حظ الرجال من تحمل ذلك ~~التعب والنصب والدأب أكثر من حظ النساء من تحمل الغيرة؛ فهذا من كمال عدل ~~الله وحكمته ورحمته؛ فله الحمد كما هو أهله. # وأما قول القائل: " إن شهوة المرأة تزيد على شهوة الرجل " فليس كما قال، ~~والشهوة منبعها الحرارة، وأين حرارة الأنثى من حرارة الذكر؟ ولكن المرأة - ~~لفراغها وبطالتها وعدم معاناتها لما يشغلها عن أمر شهوتها وقضاء وطرها - ~~يغمرها سلطان الشهوة، ويستولي عليها، ولا يجد عندها ما يعارضه، بل يصادف ~~قلبا فارغا ونفسا خالية فيتمكن منها كل التمكن؛ فيظن الظان أن شهوتها أضعاف ~~شهوة الرجل، وليس كذلك، ومما يدل على هذا أن الرجل إذا جامع امرأته أمكنه ~~أن يجامع غيرها في الحال، «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يطوف على ~~نسائه في الليلة الواحدة» ، وطاف سليمان على تسعين امرأة في ليلة، ومعلوم ~~أن له عند كل امرأة شهوة وحرارة باعثة على الوطء، والمرأة إذا قضى الرجل ~~وطره فترت شهوتها، وانكسرت نفسها، ولم تطلب قضاءها من غيره في ذلك الحين، ~~فتطابقت حكمة القدر والشرع والخلق والأمر، ولله الحمد. ### | [فصل الحكمة في جواز استمتاع السيد بأمته دون العبد بسيدته] # ] وأما قوله: " أباح للرجل أن يستمتع من أمته بملك اليمين بالوطء وغيره، ~~ولم يبح للمرأة أن تستمتع من عبدها لا بوطء ولا غيره " فهذا أيضا من كمال ~~هذه الشريعة وحكمتها، فإن السيد قاهر لمملوكه، حاكم عليه، مالك له، والزوج ~~قاهر لزوجته حاكم عليها، وهي تحت سلطانه وحكمه شبه الأسير؛ ولهذا منع العبد ~~من نكاح سيدته للتنافي بين كونه مملوكها وبعلها، وبين كونها سيدته ~~وموطوءته، وهذا ms0438 أمر مشهور بالفطرة والعقول قبحه، وشريعة أحكم الحاكمين ~~منزهة عن أن تأتي به. # PageV02P066 # فصل # وأما قوله: " وفرق بين الطلقات فجعل بعضها محرما للزوجة وبعضها غير محرم ~~" فقد تقدم من بيان حكمة ذلك ومصلحته ما فيه كفاية فصل # وأما قوله: " وفرق بين لحم الإبل وغيره من اللحوم في الوضوء " فقد تقدم ~~في الفصل الذي قبل هذا جواب هذا السؤال، وأنه على وفق الحكمة ورعاية ~~المصلحة. ### | [فصل الحكمة في التفريق بين الكلب الأسود وغيره في قطع الصلاة] # فصل [الحكمة في التفريق بين الكلب الأسود وغيره] # وأما قوله: " وفرق بين الكلب الأسود وغيره في قطع الصلاة " فهذا سؤال ~~أورده عبد الله بن الصامت على أبي ذر، وأورده أبو ذر على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وأجاب عنه بالفرق البين فقال: «الكلب الأسود شيطان» ، وهذا إن ~~أريد به أن الشيطان يظهر في صورة الكلب الأسود كثيرا كما هو الواقع فظاهر، ~~وليس بمستنكر أن يكون مرور عدو الله بين يدي المصلي قاطعا لصلاته، ويكون ~~مروره قد جعل تلك الصلاة بغيضة إلى الله مكروهة له، فيأمر المصلي بأن ~~يستأنفها، وإن كان المراد به أن الكلب الأسود شيطان الكلاب فإن كل جنس من ~~أجناس الحيوانات فيها شياطين، وهي ماعتا منها وتمرد، كما أن شياطين الإنس ~~عتاتهم ومتمردوهم، والإبل شياطين الأنعام، وعلى ذروة كل بعير شيطان؛ فيكون ~~مرور هذا النوع من الكلاب - وهو من أخبثها وشرها - مبغضا لتلك الصلاة إلى ~~الله تعالى؛ فيجب على المصلي أن يستأنفها، وكيف يستبعد أن يقطع مرور العدو ~~بين الإنسان وبين وليه حكم مناجاته له كما قطعها كلمة من كلام الآدميين أو ~~قهقهة أو ريح أو ألقى عليه الغير نجاسة أو نومه الشيطان فيها؟ وفي الحديث ~~الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن شيطانا تفلت علي ~~البارحة ليقطع علي صلاتي» . # وبالجملة فللشارع في أحكام العبادات أسرار لا تهتدي العقول إلى إدراكها ~~على وجه التفصيل وإن أدركتها جملة # PageV02P067 ### | [فصل الحكمة في التفرقة بين الريح والجشاء في الوضوء] # فصل [الحكمة في التفرقة ms0439 بين الريح والجشاء] # أما قوله: " وفرق بين الريح الخارجة من الدبر وبين الجشوة فأوجب الوضوء ~~من هذه دون هذه " فهذا أيضا من محاسن هذه الشريعة وكمالها، كما فرق بين ~~البلغم الخارج من الفم وبين العذرة في ذلك، ومن سوى بين الريح والجشاء فهو ~~كمن سوى بين البلغم والعذرة، والجشاء من جنس العطاس الذي هو ريح تحتبس في ~~الدماغ ثم تطلب لها منفذا فتخرج من الخياشيم فيحدث العطاس، وكذلك الجشاء ~~ريح تحتبس فوق المعدة فتطلب الصعود، بخلاف الريح التي تحتبس تحت المعدة، ~~ومن سوى بين الجشوة والضرطة في الوصف والحكم فهو فاسد العقل والحس. ### | [فصل الحكمة في التفرقة بين الخيل والإبل في الزكاة] # وأما قوله: " أوجب الزكاة في خمس من الإبل وأسقطها عن آلاف من الخيل " ~~فلعمر الله إنه أوجب الزكاة في هذا الجنس دون هذا كما في سنن أبي داود من ~~حديث عاصم بن ضمرة عن علي كرم الله وجهه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «قد عفوت عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة؛ من كل أربعين ~~درهما درهم، وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم» ~~ورواه سفيان عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي. # وقال بقية: حدثني أبو معاذ الأنصاري عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي ~~هريرة يرفعه: «عفوت لكم عن صدقة الجبهة، والكسعة والنخة» قال بقية: الجبهة: ~~الخيل، والكسعة: البغال والحمير، والنخة: المربيات في البيوت، وفي كتاب ~~عمرو بن حزم: " لا صدقة في الجبهة والكسعة، والكسعة الحمير، والجبهة: الخيل ~~". # وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس ~~على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» # والفرق بين الخيل والإبل أن الخيل تراد لغير ما تراد له الإبل؛ فإن الإبل ~~تراد للدر والنسل والأكل وحمل الأثقال والمتاجر والانتقال عليها من بلد إلى ~~بلد، وأما الخيل فإنما خلقت للكر والفر والطلب والهرب، وإقامة الدين، وجهاد ~~أعدائه. # وللشارع قصد أكيد في # PageV02P068 # اقتنائها وحفظها والقيام عليها، وترغيب النفوس في ذلك ms0440 بكل طريق، ولذلك ~~عفا عن أخذ الصدقة منها؛ ليكون ذلك أرغب للنفوس فيما يحبه الله ورسوله من ~~اقتنائها ورباطها، وقد قال الله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن ~~رباط الخيل} [الأنفال: 60] فرباط الخيل من جنس آلات السلاح والحرب، فلو كان ~~عند الرجل منها ما عساه أن يكون ولم يكن للتجارة لم يكن عليه فيه زكاة، ~~بخلاف ما أعد للنفقة؛ فإن الرجل إذا ملك منه نصابا ففيه الزكاة، وقد أشار ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا بعينه في قوله: «قد عفوت لكم عن صدقة ~~الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة» أفلا تراه كيف فرق بين ما أعد للإنفاق ~~وبين ما أعد لإعلاء كلمة الله ونصر دينه وجهاد أعدائه؟ فهو من جنس السيوف ~~والرماح والسهام، وإسقاط الزكاة في هذا الجنس من محاسن الشريعة وكمالها. ### | [فصل الحكمة في التفريق بين بعض مقادير الزكاة] # وأما قوله: " أوجب في الذهب والفضة والتجارة ربع العشر، وفي الزروع ~~والثمار نصف العشر أو العشر، وفي المعدن الخمس " فهذا أيضا من كمال الشريعة ~~ومراعاتها للمصالح؛ فإن الشارع أوجب الزكاة مواساة للفقراء، وطهرة للمال، ~~وعبودية للرب، وتقربا إليه بإخراج محبوب العبد له وإيثار مرضاته. # ثم فرضها على أكمل الوجوه، وأنفعها للمساكين، وأرفقها بأرباب الأموال؛ ~~ولم يفرضها في كل مال، بل فرضها في الأموال التي تحتمل المواساة، ويكثر ~~فيها الربح والدر والنسل، ولم يفرضها فيما يحتاج العبد إليه من ماله ولا ~~غنى له عنه كعبيده وإمائه ومركوبه وداره وثيابه وسلاحه، بل فرضها في أربعة ~~أجناس من المال: المواشي، والزروع والثمار، والذهب والفضة، وعروض التجارة؛ ~~فإن هذه أكثر أموال الناس الدائرة بينهم، وعامة تصرفهم فيها، وهي التي ~~تحتمل المواساة، دون ما أسقط الزكاة فيه، ثم قسم كل جنس من هذه الأجناس ~~بحسب حاله وإعداده للنماء إلى ما فيه الزكاة وإلى ما لا زكاة فيه، فقسم ~~المواشي إلى قسمين: سائمة ترعى بغير كلفة ولا مشقة ولا خسارة فالنعمة فيها ~~كاملة والمنة بها وافرة والكلفة فيها يسيرة والنماء فيها كثير؛ فخص هذا ms0441 ~~النوع بالزكاة، وإلى معلوفة بالثمن أو عاملة في مصالح أربابها في دواليهم ~~وحروثهم وحمل أمتعتهم؛ فلم يجعل في ذلك زكاة: لكلفة المعلوفة وحاجة ~~المالكين إلى العوامل فهي كثيابهم وعبيدهم وإمائهم وأمتعتهم. # ثم قسم الزروع والثمار إلى قسمين: قسم يجري مجرى السائمة من بهيمة ~~الأنعام # PageV02P069 # في سقيه من ماء السماء بغير كلفة ولا مشقة فأوجب فيه العشر، وقسم يسقى ~~بكلفة ومشقة ولكن كلفته دون كلفة المعلوفة بكثير إذ تلك تحتاج إلى العلف كل ~~يوم فكان مرتبة بين مرتبة السائمة والمعلوفة، فلم يوجب فيه زكاة ما شرب ~~بنفسه، ولم يسقط زكاته جملة واحدة، فأوجب فيه نصف العشر. # ثم قسم الذهب والفضة إلى قسمين: أحدهما ما هو معد للثمنية والتجارة به ~~والتكسب ففيه الزكاة كالنقدين والسبائك ونحوها، وإلى ما هو معد للانتفاع ~~دون الربح والتجارة كحلية المرأة وآلات السلاح التي يجوز استعمال مثلها فلا ~~زكاة فيه. # ثم قسم العروض إلى قسمين: قسم أعد للتجارة ففيه الزكاة، وقسم أعد للقنية ~~والاستعمال فهو مصروف عن جهة النماء فلا زكاة فيه. # ثم لما كان حصول النماء والربح بالتجارة من أشق الأشياء وأكثر معاناة ~~وعملا خففها بأن جعل فيها ربع العشر، ولما كان الربح والنماء بالزروع ~~والثمار التي تسقى بالكلفة أقل كلفة والعمل أيسر ولا يكون في كل السنة جعله ~~ضعفه وهو نصف العشر، ولما كان التعب والعمل فيما يشرب بنفسه أقل والمئونة ~~أيسر جعله ضعف ذلك وهو العشر، واكتفى فيه بزكاة عامة خاصة؛ فلو أقام عنده ~~بعد ذلك عدة أحوال لغير التجارة لم يكن فيه زكاة؛ لأنه قد انقطع نماؤه ~~وزيادته، بخلاف الماشية، وبخلاف ما لو أعد للتجارة؛ فإنه عرضة للنماء، ثم ~~لما كان الركاز مالا مجموعا محصلا وكلفة تحصيله أقل من غيره، ولم يحتج إلى ~~أكثر من استخراجه كان الواجب فيه ضعف ذلك وهو الخمس. # فانظر إلى تناسب هذه الشريعة الكاملة التي بهر العقول حسنها وكمالها، ~~وشهدت الفطر بحكمتها، وأنه لم يطرق العالم شريعة أفضل منها. # ولو اجتمعت عقول العقلاء وفطر الألباء واقترحت شيئا يكون ms0442 أحسن مقترح لم ~~يصل اقتراحها إلى ما جاءت به. # ولما لم يكن كل مال يحتمل المواساة قدر الشارع لما يحتمل المواساة نصبا ~~مقدرة لا تجب الزكاة في أقل منها، ثم لما كانت تلك النصب تنقسم إلى ما لا ~~يجحف المواساة ببعضه أوجب الزكاة منها، وإلى ما يجحف المواساة ببعضه فجعل ~~الواجب من غيره كما دون الخمس والعشرين من الإبل، ثم لما كانت المواساة لا ~~تحتمل كل يوم ولا كل شهر، إذ فيه إجحاف بأرباب الأموال جعلها كل عام مرة ~~كما جعل الصيام كذلك، ولما كانت الصلاة لا يشق فعلها كل يوم وظفها كل يوم ~~وليلة، ولما كان الحج يشق تكرر وجوبه كل عام جعله وظيفة العمر. # PageV02P070 # وإذا تأمل العاقل مقدار ما أوجبه الشارع في الزكاة وجده مما لا يضر ~~المخرج فقده، وينفع الفقير أخذه، ورآه قد راعى في حال صاحب المال وجانبه حق ~~الرعاية، ونفع الآخذ به، وقصد إلى كل جنس من أجناس الأموال فأوجب الزكاة في ~~أعلاه وأشرفه؛ فأوجب زكاة العين في الذهب والورق دون الحديد والرصاص ~~والنحاس ونحوها، وأوجب زكاة السائمة في الإبل والبقر والغنم دون الخيل ~~والبغال والحمير دون ما يقل اقتناؤه كالصيود على اختلاف أنواعها ودون الطير ~~كله، وأوجب زكاة الخارج من الأرض في أشرفه وهو الحبوب والثمار دون البقول ~~والفواكه والمقاثي والمباطخ والأنوار. # وغير خاف تميز ما أوجب فيه الزكاة عما لم يوجبها في جنسه ووصفه ونفعه ~~وشدة الحاجة إليه وكثرة وجوده، وأنه جار مجرى الأموال لما عداه من أجناس ~~الأموال، بحيث لو فقد لأضر فقده بالناس، وتعطل عليهم كثير من مصالحهم، ~~بخلاف ما لم يوجب فيه الزكاة فإنه جار مجرى الفضلات والتتمات التي لو فقدت ~~لم يعظم الضرر بفقدها، وكذلك راعى في المستحقين لها أمرين مهمين: # أحدهما: حاجة الأخذ. # والثاني: نفعه؛ فجعل المستحقين لها نوعين: نوعا يأخذ لحاجته، ونوعا يأخذ ~~لنفعه، وحرمها على من عداهما. ### | [فصل حكمة قطع يد السارق دون لسان القاذف] # مثلا] # وأما قوله: " وقطع يد السارق التي باشر بها الجناية، ولم ms0443 يقطع فرج الزاني ~~وقد باشر به الجناية، ولا لسان القاذف وقد باشر به القذف " فجوابه أن هذا ~~من أدل الدلائل على أن هذه الشريعة منزلة من عند أحكم الحاكمين وأرحم ~~الراحمين. # ونحن نذكر فصلا نافعا في الحدود ومقاديرها، وكمال رتبها على أسبابها، ~~واقتضاء كل جناية لما رتب عليها دون غيرها، وأنه ليس وراء ذلك للعقول ~~اقتراح، ونورد أسئلة لم يوردها هذا السائل، وننفصل عنها بحول الله وقوته ~~أحسن انفصال، والله المستعان وعليه التكلان. # إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه لما خلق العباد وخلق الموت والحياة وجعل ~~ما على الأرض زينة لها ليبلو عباده ويختبرهم أيهم أحسن عملا لم يكن في ~~حكمته بد من تهيئة أسباب الابتلاء في أنفسهم وخارجا عنها، فجعل في أنفسهم ~~العقول الصحيحة والأسماع والأبصار والإرادة والشهوات والقوى والطبائع والحب ~~والبغض والميل والنفور والأخلاق # PageV02P071 # المتضادة المقتضية لآثارها اقتضاء السبب لمسببه والتي في الخارج الأسباب ~~التي تطلب النفوس حصولها فتنافس فيه، وتكره حصوله فتدفعه عنها، ثم أكد ~~أسباب هذا الابتلاء بأن وكل بها قرناء من الأرواح الشريرة الظالمة الخبيثة ~~وقرناء من الأرواح الخيرة العادلة الطيبة، وجعل دواعي القلب وميوله مترددة ~~بينهما؛ فهو إلى داعي الخير مرة وإلى داعي الشر مرة، ليتم الابتلاء في دار ~~الامتحان، وتظهر حكمة الثواب والعقاب في دار الجزاء، وكلاهما من الحق الذي ~~خلق الله السماوات والأرض به ومن أجله، وهما مقتضى ملك الرب وحمده؛ فلا بد ~~أن يظهر ملكه وحمده فيهما كما ظهر في خلق السماوات والأرض وما بينهما، ~~وأوجب ذلك في حكمته ورحمته وعدله بحكم إيجابه على نفسه أن أرسل رسله وأنزل ~~كتبه وشرع شرائعه ليتم ما اقتضته حكمته في خلقه وأمره، وأقام سوق الجهاد ~~لما حصل من المعاداة والمنافرة بين هذه الأخلاق والأعمال والإرادات كما حصل ~~بين من قامت به. # فلم يكن بد من حصول مقتضى الطباع البشرية وما قارنها من الأسباب من ~~التنافس والتحاسد والانقياد لدواعي الشهوة والغضب وتعدي ما حد له والتقصير ~~عن كثير مما تعبد به، وسهل ذلك عليها اغترارها ms0444 بموارد المعصية مع الإعراض ~~من مصادرها، وإيثارها ما تتعجله من يسير اللذة في دنياها على ما تتأجله من ~~عظيم اللذة في أخراها، ونزولها على الحاضر المشاهد، وتجافيها عن الغائب ~~الموعود وذلك موجب ما جبلت عليه من جهلها وظلمها؛ فاقتضت أسماء الرب الحسنى ~~وصفاته العليا وحكمته البالغة ونعمته السابغة ورحمته الشاملة وجوده الواسع ~~أن لا يضرب عن عباده الذكر صفحا، وأن لا يتركهم سدى، ولا يخليهم ودواعي ~~أنفسهم وطبائعهم، بل ركب في فطرهم وعقولهم معرفة الخير والشر والنافع ~~والضار والألم واللذة ومعرفة أسبابها، ولم يكتف بمجرد ذلك حتى عرفهم به ~~مفصلا على ألسنة رسله، وقطع معاذيرهم بأن أقام على صدقهم من الأدلة ~~والبراهين ما لا يبقى معه لهم عليه حجة، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي ~~عن بينة، وإن الله لسميع عليم، وصرف لهم طرق الوعد والوعيد والترغيب ~~والترهيب، وضرب لهم الأمثال وأزال عنهم كل إشكال، ومكنهم من القيام بما ~~أمرهم به وترك ما نهاهم عنه غاية التمكين، وأعانهم عليه بكل سبب، وسلطهم ~~على قهر طباعهم بما يجرهم إلى إيثار العواقب على المبادي ورفض اليسير ~~الفاني من اللذة إلى العظيم الباقي منها، وأرشدهم إلى التفكير والتدبر ~~وإيثار ما تقضي به عقولهم وأخلاقهم من هذين الأمرين، وأكمل لهم دينهم، وأتم ~~عليهم نعمته بما أوصله إليهم على ألسنة رسله من أسباب العقوبة والمثوبة ~~والبشارة والنذارة والرغبة والرهبة، وتحقيق ذلك بالتعجيل لبعضه في دار ~~المحنة ليكون علما وإمارة لتحقيق ما أخره عنهم في دار الجزاء # PageV02P072 # والمثوبة، ويكون العاجل مذكرا بالآجل، والقليل المنقطع بالكثير المتصل، ~~والحاضر الفائت مؤذنا بالغائب الدائم، فتبارك الله رب العالمين وأحكم ~~الحاكمين وأرحم الراحمين، وسبحانه وتعالى عما يظنه به من لم يقدره ممن أنكر ~~أسماءه وصفاته وأمره ونهيه ووعده ووعيده، وظن به ظن السوء فأرداه ظنه فأصبح ~~من الخاسرين. # [من حكمة الله شرع الحدود] # فكان من بعض حكمته سبحانه ورحمته أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة ~~بين الناس بعضهم على بعض، في الرءوس والأبدان والأعراض والأموال، كالقتل ~~والجراح والقذف ms0445 والسرقة؛ فأحكم سبحانه وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجنايات ~~غاية الإحكام، وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر، مع ~~عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع؛ فلم يشرع في الكذب قطع اللسان ~~ولا القتل، ولا في الزنا الخصاء، ولا في السرقة إعدام النفس. # وإنما شرع لهم في ذلك ما هو موجب أسمائه وصفاته من حكمته ورحمته ولطفه ~~وإحسانه وعدله لتزول النوائب، وتنقطع الأطماع عن التظالم والعدوان، ويقتنع ~~كل إنسان بما آتاه مالكه وخالقه؛ فلا يطمع في استلاب غيره حقه. # [تفاوتت الجنايات فتفاوتت العقوبات] # ومعلوم أن لهذه الجنايات الأربع مراتب متباينة في القلة والكثرة، ودرجات ~~متفاوتة في شدة الضرر وخفته، كتفاوت سائر المعاصي في الكبر والصغر وما بين ~~ذلك. # ومن المعلوم أن النظرة المحرمة لا يصلح إلحاقها في العقوبة بعقوبة مرتكب ~~الفاحشة، ولا الخدشة بالعود بالضربة بالسيف، ولا الشتم الخفيف بالقذف ~~بالزنا والقدح في الأنساب؛ ولا سرقة اللقمة والفلس بسرقة المال الخطير ~~العظيم، فلما تفاوتت مراتب الجنايات لم يكن بد من تفاوت مراتب العقوبات، ~~وكان من المعلوم أن الناس لو وكلوا إلى عقولهم في معرفة ذلك وترتيب كل ~~عقوبة على ما يناسبها من الجناية جنسا ووصفا وقدرا لذهبت بهم الآراء كل ~~مذهب، وتشعبت بهم الطرق كل مشعب، ولعظم الاختلاف واشتد الخطب، فكفاهم أرحم ~~الراحمين وأحكم الحاكمين مؤنة ذلك، وأزال عنهم كلفته، وتولى بحكمته وعلمه ~~ورحمته تقديره نوعا وقدرا، ورتب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة ويليق ~~بها من النكال، ثم بلغ من سعة رحمته وجوده أن جعل تلك العقوبات كفارات ~~لأهلها، وطهرة تزيل عنهم المؤاخذة بالجنايات إذا قدموا عليه، ولا سيما إذا ~~كان منهم بعدها التوبة النصوح والإنابة؛ فرحمهم بهذه العقوبات أنواعا من ~~الرحمة في الدنيا # PageV02P073 # والآخرة، وجعل هذه العقوبات دائرة على ستة أصول: قتل، وقطع، وجلد، ونفي، ~~وتغريم مال، وتعزير. # [القتل وموجبه] # فأما القتل فجعله عقوبة أعظم الجنايات، كالجناية على الأنفس؛ فكانت ~~عقوبته من جنسه، وكالجناية على الدين بالطعن فيه والارتداد عنه، وهذه ~~الجناية أولى بالقتل وكف عدوان ms0446 الجاني عليه من كل عقوبة؛ إذ بقاؤه بين أظهر ~~عباده مفسدة لهم، ولا خير يرجى في بقائه ولا مصلحة؛ فإذا حبس شره وأمسك ~~لسانه وكف أذاه والتزم الذل والصغار وجريان أحكام الله ورسوله عليه وأداء ~~الجزية لم يكن في بقائه بين أظهر المسلمين ضرر عليهم، والدنيا بلاغ ومتاع ~~إلى حين، وجعله أيضا عقوبة الجناية على الفروج المحرمة؛ لما فيها من ~~المفاسد العظيمة واختلاط الأنساب والفساد العام. # [القطع وموجبه] # وأما القطع فجعله عقوبة مثله عدلا، وعقوبة السارق؛ فكانت عقوبته به أبلغ ~~وأردع من عقوبته بالجلد، ولم تبلغ جنايته حد العقوبة بالقتل؛ فكان أليق ~~العقوبات به إبانة العضو الذي جعله وسيلة إلى أذى الناس، وأخذ أموالهم، ~~ولما كان ضرر المحارب أشد من ضرر السارق وعدوانه أعظم؛ ضم إلى قطع يده قطع ~~رجله؛ ليكف عدوانه، وشر يده التي بطش بها، ورجله التي سعى بها، وشرع أن ~~يكون ذلك من خلاف لئلا يفوت عليه منفعة الشق بكماله، فكف ضرره وعدوانه، ~~ورحمه بأن أبقى له يدا من شق ورجلا من شق. # [الجلد وموجبه] # وأما الجلد فجعله عقوبة الجناية على الأعراض، وعلى العقول، وعلى الأبضاع، ~~ولم تبلغ هذه الجنايات مبلغا يوجب القتل ولا إبانة طرف، إلا الجناية على ~~الأبضاع فإن مفسدتها قد انتهضت سببا لأشنع القتلات، ولكن عارضها في البكر ~~شدة الداعي وعدم المعوض، فانتهض ذلك المعارض سببا لإسقاط القتل، ولم يكن ~~الجلد وحده كافيا في الزجر فغلظ بالنفي والتغريب؛ ليذوق من ألم الغربة ~~ومفارقة الوطن ومجانبة الأهل والخلطاء ما يزجره عن المعاودة؛ وأما الجناية ~~على العقول بالسكر فكانت مفسدتها لا تتعدى السكران غالبا ولهذا لم يحرم ~~السكر في أول الإسلام كما حرمت الفواحش والظلم والعدوان في كل ملة وعلى ~~لسان كل نبي، وكانت عقوبة هذه الجناية غير مقدرة من الشارع، بل ضرب فيها ~~بالأيدي والنعال وأطراف الثياب والجريد، وضرب فيها أربعين، فلما استخف ~~الناس بأمرها # PageV02P074 # وتتابعوا في ارتكابها غلظها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~- الذي أمرنا باتباع سنته، وسنته من سنة رسول ms0447 الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~فجعلها ثمانين بالسوط، ونفى فيها، وحلق الرأس، وهذا كله من فقه السنة؛ فإن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل الشارب في المرة الرابعة، ولم ينسخ ~~ذلك، ولم يجعله حدا لا بد منه؛ فهو عقوبة ترجع إلى اجتهاد الإمام في ~~المصلحة، فزيادة أربعين والنفي والحلق أسهل من القتل. # فصل [تغريم المال وموجبه] # وأما تغريم المال - وهو العقوبة المالية - فشرعها في مواضع: منها تحريق ~~متاع الغال من الغنيمة، ومنها حرمان سهمه، ومنها إضعاف الغرم على سارق ~~الثمار المعلقة، ومنها إضعافه على كاتم الضالة الملتقطة، ومنها أخذ شطر مال ~~مانع الزكاة، ومنها عزمه - صلى الله عليه وسلم - على تحريق دور من لا يصلي ~~في الجماعة لولا ما منعه من إنفاذه ما عزم عليه من كون الذرية والنساء فيها ~~فتتعدى العقوبة إلى غير الجاني، وذلك لا يجوز كما لا يجوز عقوبة الحامل، ~~ومنها عقوبة من أساء على الأمير في الغزو بحرمان سلب القتيل لمن قتله، حيث ~~شفع فيه هذا المسيء، وأمر الأمير بإعطائه، فحرم المشفوع له عقوبة للشافع ~~الآمر. # [التغريم نوعان مضبوط، وغير مضبوط] # وهذا الجنس من العقوبات نوعان: نوع مضبوط، ونوع غير مضبوط؛ فالمضبوط ما ~~قابل المتلف إما لحق الله سبحانه كإتلاف الصيد في الإحرام أو لحق الآدمي ~~كإتلاف ماله، وقد نبه الله سبحانه على أن تضمين الصيد متضمن للعقوبة بقوله: ~~{ليذوق وبال أمره} [المائدة: 95] ومنه مقابلة الجاني بنقيض قصده من ~~الحرمان، كعقوبة القاتل لمورثه بحرمان ميراثه، وعقوبة المدبر إذا قتل سيده ~~ببطلان تدبيره، وعقوبة الموصى له ببطلان وصيته، ومن هذا الباب عقوبة الزوجة ~~الناشزة بسقوط نفقتها وكسوتها. # وأما النوع الثاني غير المقدر فهذا الذي يدخله اجتهاد الأئمة بحسب ~~المصالح، ولذلك لم تأت فيه الشريعة بأمر عام، وقدر لا يزاد فيه ولا ينقص ~~كالحدود، ولهذا اختلف الفقهاء فيه: هل حكمه منسوخ أو ثابت؟ والصواب أنه ~~يختلف باختلاف المصالح، ويرجع فيه إلى اجتهاد الأئمة في كل زمان ومكان بحسب ~~المصلحة؛ إذ لا دليل على النسخ، وقد فعله الخلفاء ms0448 الراشدون ومن بعدهم من ~~الأئمة. # PageV02P075 # التعزير ومواضعه] # وأما التعزير ففي كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فإن المعاصي ثلاثة ~~أنواع: نوع فيه الحد ولا كفارة فيه، ونوع فيه الكفارة ولا حد فيه، ونوع لا ~~حد فيه ولا كفارة؛ فالأول - كالسرقة والشرب والزنا والقذف، والثاني: - ~~كالوطء في نهار رمضان والوطء في الإحرام، والثالث - كوطء الأمة المشتركة ~~بينه وبين غيره وقبلة الأجنبية والخلوة بها ودخول الحمام بغير مئزر وأكل ~~الميتة والدم ولحم الخنزير، ونحو ذلك؛ فأما النوع الأول: فالحد فيه مغن عن ~~التعزير، وأما النوع الثاني: فهل يجب مع الكفارة فيه تعزير أم لا؟ على ~~قولين: وهما في مذهب أحمد، وأما النوع الثالث: ففيه التعزير قولا واحدا، ~~ولكن هل هو كالحد؛ فلا يجوز للإمام تركه، أو هو راجع إلى اجتهاد الإمام في ~~إقامته، وتركه كما يرجع إلى اجتهاده في قدره؟ على قولين للعلماء، الثاني ~~قول الشافعي، والأول قول الجمهور. # وما كان من المعاصي محرم الجنس كالظلم والفواحش فإن الشارع لم يشرع له ~~كفارة، ولهذا لا كفارة في الزنا وشرب الخمر وقذف المحصنات والسرقة، وطرد ~~هذا أنه لا كفارة في قتل العمد ولا في اليمين الغموس كما يقوله أحمد وأبو ~~حنيفة ومن وافقهما، وليس ذلك تخفيفا عن مرتكبهما، بل لأن الكفارة لا تعمل ~~في هذا الجنس من المعاصي، وإنما عملها فيها فيما كان مباحا في الأصل وحرم ~~لعارض كالوطء في الصيام والإحرام، وطرد هذا وهو الصحيح وجوب الكفارة في وطء ~~الحائض، وهو موجب القياس لو لم تأت الشريعة به، فكيف وقد جاءت به مرفوعة ~~وموقوفة؟ ، وعكس هذا الوطء في الدبر ولا كفارة فيه، ولا يصح قياسه على ~~الوطء في الحيض؛ لأن هذا الجنس لم يبح قط، ولا تعمل فيه الكفارة، ولو وجبت ~~فيه الكفارة لوجبت في الزنا واللواط بطريق الأولى؛ فهذه قاعدة الشارع في ~~الكفارات، وهي في غاية المطابقة للحكمة والمصلحة. ### | [فصل اشتراط الحجة لإيقاع العقوبة] # فصل [من حكمة الله اشتراط الحجة لإيقاع العقوبة] # وكان من تمام حكمته ورحمته أنه لم يأخذ ms0449 الجناة بغير حجة كما لم يعذبهم في ~~الآخرة إلا بعد إقامة الحجة عليهم، وجعل الحجة التي يأخذهم بها إما منهم ~~وهي الإقرار أو ما يقوم مقامه من إقرار الحال، وهو أبلغ وأصدق من إقرار ~~اللسان، فإن من قامت عليه شواهد الحال بالجناية كرائحة الخمر وقيئها وحبل ~~من لا زوج لها ولا سيد ووجود المسروق في دار السارق وتحت ثيابه أولى ~~بالعقوبة ممن قامت عليه شهادة إخباره عن نفسه التي تحتمل # PageV02P076 # الصدق والكذب، وهذا متفق عليه بين الصحابة وإن نازع فيه بعض الفقهاء، ~~وإما أن تكون الحجة من خارج عنهم وهي البينة، واشترط فيها العدالة وعدم ~~التهمة؛ فلا أحسن في العقول والفطر من ذلك، ولو طلب منا الاقتراح لم نقترح ~~أحسن من ذلك ولا أوفق منه للمصلحة. ### | [السر في أن العقوبات لم يطرد جعلها من جنس الذنوب] # فإن قيل: كيف تدعون أن هذه العقوبات لاصقة بالعقول وموافقة للمصالح، ~~وأنتم تعلمون أنه لا شيء بعد الكفر بالله أفظع، ولا أقبح من سفك الدماء، ~~فكيف تردعون عن سفك الدم بسفكه؟ وهل مثال ذلك إلا إزالة نجاسة بنجاسة؟ ثم ~~لو كان ذلك مستحسنا لكان أولى أن يحرق ثوب من حرق ثوب غيره، وأن يذبح حيوان ~~من ذبح حيوان غيره، وأن تخرب دار من خرب دار غيره، وأن يجوز لمن شتم أن ~~يشتم شاتمه، وما الفرق في صريح العقل بين هذا وبين قتل من قتل غيره أو قطع ~~من قطعه؟ ، وإذا كان إراقة الدم الأول مفسدة وقطع الطرف كذلك، فكيف زالت ~~تلك المفسدة بإراقة الدم الثاني وقطع الطرف الثاني؟ ، وهل هذا إلا مضاعفة ~~للمفسدة وتكثير لها؟ ولو كانت المفسدة الأولى تزول بهذه المفسدة الثانية ~~لكان فيه ما فيه؛ إذ كيف تزال مفسدة بمفسدة نظيرها من كل وجه؟ ، فكيف ~~والأولى لا سبيل إلى إزالتها؟ ، وتقرير ذلك بما ذكرناه من عدم إزالة مفسدة ~~تحريق الثياب وذبح المواشي وخراب الدور وقطع الأشجار بمثلها، ثم كيف حسن أن ~~يعاقب السارق بقطع يده التي اكتسب بها السرقة، ولم تحسن عقوبة ms0450 الزاني بقطع ~~فرجه الذي اكتسب به الزنا، ولا القاذف بقطع لسانه، الذي اكتسب به القذف، ~~ولا المزور على الإمام والمسلمين بقطع أنامله التي اكتسب بها التزوير، ولا ~~الناظر إلى ما لا يحل له بقلع عينه التي اكتسب بها الحرام؟ فعلم أن الأمر ~~في هذه العقوبات جنسا وقدرا وسببا ليس بقياس، وإنما هو محض المشيئة، ولله ~~التصرف في خلقه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. # فالجواب - وبالله التوفيق والتأييد - من طريقين: مجمل، ومفصل: أما ~~المجمل: فهو أن من شرع هذه العقوبات ورتبها على أسبابها جنسا وقدرا فهو ~~عالم الغيب والشهادة، وأحكم الحاكمين، وأعلم العالمين، ومن أحاط بكل شيء ~~علما، وعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، وأحاط علمه ~~بوجوه المصالح دقيقها وجليلها وخفيها وظاهرها، ما يمكن اطلاع البشر عليه ~~وما لا يمكنهم، وليست هذه التخصيصات والتقديرات خارجة عن وجوه الحكم ~~والغايات المحمودة، كما أن التخصيصات والتقديرات الواقعة في خلقه كذلك، ~~فهذا في خلقه وذاك في أمره، # PageV02P077 # ومصدرهما جميعا عن كمال علمه وحكمته ووضعه كل شيء في موضعه الذي لا يليق ~~به سواه ولا يتقاضى إلا إياه، كما وضع قوة البصر والنور للباصر في العين، ~~وقوة السمع في الأذن، وقوة الشم في الأنف، وقوة النطق في اللسان والشفتين، ~~وقوة البطش في اليد، وقوة المشي في الرجل، وخص كل حيوان وغيره بما يليق به ~~ويحسن أن يعطاه من أعضائه وهيئاته وصفاته وقدره، فشمل إتقانه وإحكامه لكل ~~ما شمله خلقه كما قال تعالى: {صنع الله الذي أتقن كل شيء} [النمل: 88] وإذا ~~كان سبحانه قد أتقن خلقه غاية الإتقان، وأحكمه غاية الإحكام، فلأن يكون ~~أمره في غاية الإتقان والإحكام أولى وأحرى، ومن لم يعرف ذلك مفصلا لم يسعه ~~أن ينكره مجملا، ولا يكون جهله بحكمة الله في خلقه وأمره وإتقانه كذلك ~~وصدوره عن محض العلم والحكمة مسوغا له إنكاره في نفس الأمر. # وسبحان الله ما أعظم ظلم الإنسان وجهله فإنه لو اعترض على أي صاحب صناعة ~~كانت ممن تقصر ms0451 عنها معرفته وإدراكه على ذلك وسأله عما اختصت به صناعته من ~~الأسباب والآلات والأفعال والمقادير وكيف كان كل شيء من ذلك على الوجه الذي ~~هو عليه لا أكبر ولا أصغر ولا على شكل غير ذلك يسخر منه، ويهزأ به، وعجب من ~~سخف عقله وقلة معرفته. # هذا ما تهيأه بمشاركته له في صناعته ووصوله فيها إلى ما وصل إليه ~~والزيادة عليه والاستدراك عليه فيها، هذا مع أن صاحب تلك الصناعة غير مدفوع ~~عن العجز والقصور وعدم الإحاطة والجهل، بل ذلك عنده عتيد حاضر، ثم لا يسعه ~~إلا التسليم له، والاعتراف بحكمته، وقراره بجهله، وعجزه عما وصل إليه من ~~ذلك، فهلا وسعه ذلك مع أحكم الحاكمين وأعلم العالمين ومن أتقن كل شيء ~~فأحكمه وأوقعه على وفق الحكمة والمصلحة؟ وقد كان هذا الوجه وحده كافيا في ~~دفع كل شبهة وجواب كل سؤال، وهذا غير الطريق التي سلكها نفاة الحكم ~~والتعليل، ولكن مع هذا فنتصدى للجواب المفصل، بحسب الاستعداد وما يناسب ~~علومنا الناقصة وأفهامنا الجامدة وعقولنا الضعيفة وعباراتنا القاصرة، فنقول ~~وبالله التوفيق: [ردع المفسدين مستحسن في العقول] # أما قوله: " كيف تردعون عن سفك الدم بسفكه، وأن ذلك كإزالة النجاسة ~~بالنجاسة " سؤال في غاية الوهن والفساد، وأول ما يقال لسائله: هل تراه ردع ~~المفسدين والجناة عن فسادهم وجناياتهم وكف عدوانهم مستحسنا في العقول ~~موافقا لمصالح العباد أو لا تراه كذلك؟ فإن قال: " لا أراه كذلك " كفانا ~~مؤنة جوابه بإقراره على نفسه بمخالفة جميع طوائف بني آدم على اختلاف مللهم ~~ونحلهم ودياناتهم وآرائهم، ولولا عقوبة الجناة والمفسدين # PageV02P078 # لأهلك الناس بعضهم بعضا، وفسد نظام العالم، وصارت حال الدواب والأنعام ~~والوحوش أحسن من حال بني آدم، وإن قال: " بل لا تتم المصلحة إلا بذلك "؛ ~~قيل له: من المعلوم أن عقوبة الجناة والمفسدين لا تتم إلا بمؤلم يردعهم، ~~ويجعل الجاني نكالا وعظة لمن يريد أن يفعل مثل فعله، وعند هذا فلا بد من ~~إفساد شيء منه بحسب جريمته في الكبر والصغر والقلة والكثرة. # [التسوية في العقوبات مع اختلاف الجرائم ms0452 لا تليق بالحكمة] # ومن المعلوم ببدائه العقول أن التسوية في العقوبات مع تفاوت الجرائم غير ~~مستحسن، بل مناف للحكمة والمصلحة؛ فإنه إن ساوى بينها في أدنى العقوبات لم ~~تحصل مصلحة الزجر، وإن ساوى بينها في أعظمها كان خلاف الرحمة والحكمة؛ إذ ~~لا يليق أن يقتل بالنظرة والقبلة ويقطع بسرقة الحبة والدينار. # وكذلك التفاوت بين العقوبات مع استواء الجرائم قبيح في الفطر والعقول، ~~وكلاهما تأباه حكمة الرب تعالى وعدله وإحسانه إلى خلقه، فأوقع العقوبة تارة ~~بإتلاف النفس إذا انتهت الجناية في عظمها إلى غاية القبح كالجناية على ~~النفس أو الدين أو الجناية التي ضررها عام؛ فالمفسدة التي في هذه العقوبة ~~خاصة، والمصلحة الحاصلة بها أضعاف أضعاف تلك المفسدة، كما قال تعالى: {ولكم ~~في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} [البقرة: 179] فلولا القصاص ~~لفسد العالم، وأهلك الناس بعضهم بعضا ابتداء واستيفاء، فكان في القصاص دفعا ~~لمفسدة التجرؤ على الدماء بالجناية وبالاستيفاء. # وقد قالت العرب في جاهليتها: " القتل أنفى للقتل ". # وبسفك الدماء تحقن الدماء؛ فلم تغسل النجاسة بالنجاسة، بل الجناية نجاسة ~~والقصاص طهرة، وإذا لم يكن بد من موت القاتل ومن استحق القتل فموته بالسيف ~~أنفع له في عاجلته وآجلته، والموت به أسرع الموتات وأوحاها وأقلها ألما، ~~فموته به مصلحة له ولأولياء القتيل ولعموم الناس، وجرى ذلك مجرى إتلاف ~~الحيوان بذبحه لمصلحة الآدمي، فإنه حسن، وإن كان في ذبحه إضرار بالحيوان؛ ~~فالمصالح المرتبة على ذبحه أضعاف أضعاف مفسدة إتلافه، ثم هذا السؤال الفاسد ~~يظهر فساده وبطلانه بالموت الذي ختمه الله على عباده وساوى فيه بين جميعهم، ~~ولولاه لما هنأ العيش، ولا وسعتهم الأرزاق، ولضاقت عليهم المساكن والمدن ~~والأسواق والطرقات، وفي مفارقة البغيض من اللذة والراحة ما في مواصلة ~~الحبيب، والموت مخلص للحي، والموت مريح لكل منهما من صاحبه، ومخرج من دار ~~الابتلاء والامتحان [و] باب للدخول في دار الحيوان. # PageV02P079 # جزى الله عنا الموت خيرا فإنه ... أبر بنا من كل بر وأعطف # يعجل تخليص النفوس من الأذى ... ويدني إلى الدار التي هي أشرف ms0453 # فكم لله سبحانه على عباده الأحياء والأموات في الموت من نعمة لا تحصى، ~~فكيف إذا كان فيه طهرة للمقتول، وحياة للنوع الإنساني، وتشف للمظلوم، وعدل ~~بين القاتل والمقتول؛ فسبحان من تنزهت شريعته عن خلاف ما شرعها عليه من ~~اقتراح العقول الفاسدة والآراء الضالة الجائرة. # وأما قوله: " لو كان ذلك مستحسنا في العقول لاستحسن في تحريق ثوبه وتخريب ~~داره وذبح حيوانه مقابلته بمثله ". [مقابلة الإتلاف بمثله في كل الأحوال ~~شريعة الظالمين] # فالجواب عن هذا أن مفسدة تلك الجنايات تندفع بتغريمه نظير ما أتلفه عليه؛ ~~فإن المثل يسد مسد المثل من كل وجه؛ فتصير المقابلة مفسدة محضة، كما ليس له ~~أن يقتل ابنه أو غلامه مقابلة لقتله هو ابنه أو غلامه، فإن هذا شرع ~~الظالمين المعتدين الذي تنزه عنه شريعة أحكم الحاكمين، على أن للمقابلة في ~~إتلاف المال بمثل فعله مساغا في الاجتهاد، وقد ذهب إليه بعض أهل العلم كما ~~تقدم الإشارة إليه في عقوبة الكفار بإفساد أموالهم إذا كانوا يفعلون ذلك ~~بنا، أو كان يغيظهم، وهذا بخلاف قتل عبده إذا قتل عبده أو قتل فرسه أو عقر ~~فرسه، فإن ذلك ظلم لغير مستحق، ولكن السنة اقتضت التضمين بالمثل، لا إتلاف ~~النظير، كما غرم النبي - صلى الله عليه وسلم - إحدى زوجتيه التي كسرت إناء ~~صاحبتها إناء بدله، وقال: «إناء بإناء» ولا ريب أن هذا أقل فسادا، وأصلح ~~للجهتين؛ لأن المتلف ماله إذا أخذ نظيره صار كمن لم يفت عليه شيء، وانتفع ~~بما أخذه عوض ماله، فإذا مكناه من إتلافه كان زيادة في إضاعة المال، وما ~~يراد من التشفي وإذاقة الجاني ألم الإتلاف فحاصل بالغرم غالبا، ولا التفات ~~إلى الصور النادرة التي لا يتضرر الجاني فيها بالغرم، ولا شك أن هذا أليق ~~بالعقل، وأبلغ في الصلاح، وأوفق للحكمة، وأيضا فإنه لو شرع القصاص في ~~الأموال ردعا للجاني لبقي جانب المجني عليه غير مراعى، بل يبقى متألما ~~موتورا غير مجبور، والشريعة إنما جاءت بجبر هذا وردع هذا. # فإن قيل: فخيروا المجني عليه بين أن ms0454 يغرم الجاني أو يتلف عليه نظير ما ~~أتلفه هو، كما خيرتموه في الجناية على طرفه، وخيرتم أولياء القتيل بين ~~إتلاف الجاني النظير وبين أخذ الدية. # PageV02P080 # حكمة تخيير المجني عليه في بعض الأحوال دون بعض] # قيل: لا مصلحة في ذلك للجاني ولا للمجني عليه ولا لسائر الناس، وإنما هو ~~زيادة فساد، لا مصلحة فيه بمجرد التشفي، ويكفي تغريبه وتعزيره في التشفي، ~~والفرق بين الأموال والدماء في ذلك ظاهر؛ فإن الجناية على النفوس والأعضاء ~~تدخل من الغيظ والحنق والعداوة على المجني عليه وأوليائه ما لا تدخله جناية ~~المال ويدخل عليهم من الغضاضة والعار واحتمال الضيم والحمية والتحرق لأخذ ~~الثأر ما لا يجبره المال أبدا، حتى إن أولادهم وأعقابهم ليعيرون بذلك، ~~ولأولياء القتيل من القصد في القصاص وإذاقة الجاني وأوليائه ما أذاقه ~~للمجني عليه وأوليائه ما ليس لمن حرق ثوبه أو عقرت فرسه، والمجني عليه ~~موتور هو وأولياؤه، فإن لم يوتر الجاني وأولياؤه ويجرعوا من الألم والغيظ ~~ما يجرعه الأول لم يكن عدلا. # وقد كانت العرب في جاهليتها تعيب على من يأخذ الدية ويرضى بها من درك ~~ثأره وشفاء غيظه، كقول قائلهم يهجو من أخذ الدية من الإبل: # وإن الذي أصبحتم تحلبونه ... دم غير أن اللون ليس بأشقرا # وقال جرير يعير من أخذ الدية فاشترى بها نخلا: # ألا أبلغ بني حجر بن وهب ... بأن التمر حلو في الشتاء # وقال آخر: # إذا صب ما في الوطب فاعلم بأنه ... دم الشيخ فاشرب من دم الشيخ أو دع # وقال آخر: # خليلان مختلف شكلنا ... أريد العلاء ويبغي السمن # أريد دماء بني مالك ... ورأي المعلى بياض اللبن # وهذا وإن كانت الشريعة قد أبطلته وجاءت بما هو خير منه وأصلح في المعاش ~~والمعاد من تخيير الأولياء بين إدراك الثأر ونيل التشفي وبين أخذ الدية فإن ~~القصد به أن العرب لم تكن تعير من أخذ بدل ماله، ولم تعده ضعفا ولا عجزا ~~ألبتة، بخلاف من أخذ بدل دم وليه، فما سوى الله بين الأمرين في طبع، ولا ~~عقل ولا شرع، ms0455 والإنسان قد يخرق ثوبه عند الغيظ، ويذبح ماشيته، ويتلف ماله، ~~فلا يلحقه في ذلك من المشقة والغيظ والازدراء به ما يلحق من قتل نفسه أو ~~جدع أنفه أو قلع عينه. # PageV02P081 # فصل [ليس من الحكمة إتلاف كل عضو وقعت به معصية] # وأما معاقبة السارق بقطع يده وترك معاقبة الزاني بقطع فرجه ففي غاية ~~الحكمة والمصلحة، وليس في حكمة الله ومصلحة خلقه وعنايته ورحمته بهم أن ~~يتلف على كل جان كل عضو عصاه به، فيشرع قلع عين من نظر إلى المحرم وقطع أذن ~~من استمع إليه، ولسان من تكلم به، ويد من لطم غيره عدوانا، ولا خفاء بما في ~~هذا من الإسراف والتجاوز في العقوبة وقلب مراتبها؛ وأسماء الرب الحسنى ~~وصفاته العليا وأفعاله الحميدة تأبى ذلك، وليس مقصود الشارع مجرد الأمن من ~~المعاودة ليس إلا، ولو أريد هذا لكان قتل صاحب الجريمة فقط، وإنما المقصود ~~الزجر والنكال والعقوبة على الجريمة، وأن يكون إلى كف عدوانه أقرب، وأن ~~يعتبر به غيره، وأن يحدث له ما يذوقه من الألم توبة نصوحا، وأن يذكره ذلك ~~بعقوبة الآخرة، إلى غير ذلك من الحكم والمصالح. ### | [الحكمة في حد السرقة] # ثم إن في حد السرقة معنى آخر، وهو أن السرقة إنما تقع من فاعلها سرا كما ~~يقتضيه اسمها، ولهذا يقولون: " فلان ينظر إلى فلان مسارقة " إذا كان ينظر ~~إليه نظرا خفيا لا يريد أن يفطن له، والعازم على السرقة مختف كاتم خائف أن ~~يشعر بمكانه فيؤخذ به، ثم هو مستعد للهرب والخلاص بنفسه إذا أخذ الشيء، ~~واليدان للإنسان كالجناحين للطائر في إعانته على الطيران، ولهذا يقال: " ~~وصلت جناح فلان " إذا رأيته يسير منفردا فانضممت إليه لتصحبه، فعوقب السارق ~~بقطع اليد قصا لجناحه، وتسهيلا لأخذه إن عاود السرقة، فإذا فعل به هذا في ~~أول مرة بقي مقصوص أحد الجناحين ضعيفا في العدو، ثم يقطع في الثانية رجله ~~فيزداد ضعفا في عدوه، فلا يكاد يفوت الطالب، ثم تقطع يده الأخرى في الثالثة ~~ورجله الأخرى في الرابعة، فيبقى لحما على وضم، ms0456 فيستريح ويريح. ### | [الحكمة في حد الزنا وتنويعه] # وأما الزاني فإنه يزني بجميع بدنه، والتلذذ بقضاء شهوته يعم البدن، ~~والغالب من فعله وقوعه برضا المزني بها، فهو غير خائف ما يخافه السارق من ~~الطلب، فعوقب بما يعم بدنه من الجلد مرة والقتل بالحجارة مرة؛ ولما كان ~~الزنا من أمهات الجرائم وكبائر المعاصي لما فيه من اختلاف الأنساب الذي ~~يبطل معه التعارف والتناصر على إحياء الدين، وفي هذا هلاك الحرث والنسل ~~فشاكل في معانيه أو في أكثرها القتل الذي فيه هلاك ذلك، # PageV02P082 # فزجر عنه بالقصاص ليرتدع عن مثل فعله من يهم به، فيعود ذلك بعمارة الدنيا ~~وصلاح العالم الموصل إلى إقامة العبادات الموصلة إلى نعيم الآخرة. # ثم إن للزاني حالتين؛ إحداهما: أن يكون محصنا قد تزوج، فعلم ما يقع به من ~~العفاف عن الفروج المحرمة، واستغنى به عنها، وأحرز نفسه عن التعرض لحد ~~الزنا، فزال عذره من جميع الوجوه في تخطي ذلك إلى مواقعة الحرام. # والثانية: أن يكون بكرا، لم يعلم ما علمه المحصن ولا عمل ما عمله؛ فحمل ~~له من العذر بعض ما أوجب له التخفيف؛ فحقن دمه، وزجر بإيلام جميع بدنه ~~بأعلى أنواع الجلد ردعا عن المعاودة للاستمتاع بالحرام، وبعثا له على القنع ~~بما رزقه الله من الحلال. # وهذا في غاية الحكمة والمصلحة، جامع للتخفيف في موضعه والتغليظ في موضعه. # وأين هذا من قطع لسان الشاتم والقاذف وما فيه من الإسراف والعدوان؟ ثم إن ~~قطع فرج الزاني فيه من تعطيل النسل، وقطعه عكس مقصود الرب تعالى من تكثير ~~الذرية وذريتهم فيما جعل لهم من أزواجهم، وفيه من المفاسد أضعاف ما يتوهم ~~فيه من مصلحة الزجر، وفيه إخلاء جميع البدن من العقوبة، وقد حصلت جريمة ~~الزنا بجميع أجزائه؛ فكان من العدل أن تعمه العقوبة، ثم إنه غير متصور في ~~حق المرأة، وكلاهما زان؛ فلا بد أن يستويا في العقوبة، فكان شرع الله ~~سبحانه أكمل من اقتراح المقترحين. ### | [إتلاف النفس عقوبة أفظع أنواع الجرائم] # وتأمل كيف جاء إتلاف النفوس في مقابلة أكبر ms0457 الكبائر وأعظمها ضررا وأشدها ~~فسادا للعالم، وهي الكفر الأصلي والطارئ، والقتل وزنا المحصن، وإذا تأمل ~~العاقل فساد الوجود رآه من هذه الجهات الثلاث، وهذه هي الثلاث التي «أجاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن مسعود بها حيث قال له: يا رسول ~~الله، أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قال: قلت: ثم أي؟ ~~قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني ~~بحليلة جارك» فأنزل الله عز وجل تصديق ذلك: {والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} [الفرقان: 68] ~~الآية. ### | [ترتيب الحد تبعا لترتيب الجرائم] # ثم لما كان سرقة الأموال تلي ذلك في الضرر وهو دونه جعل عقوبته قطع ~~الطرف، ثم لما كان القذف دون سرقة المال في المفسدة جعل عقوبته دون ذلك وهو ~~الجلد، ثم لما كان # PageV02P083 # شرب المسكر أقل مفسدة من ذلك جعل حده دون حد هذه الجنايات كلها، ثم لما ~~كانت مفاسد الجرائم بعد متفاوتة غير منضبطة في الشدة والضعف والقلة والكثرة ~~- وهي ما بين النظرة والخلوة والمعانقة - جعلت عقوباتها راجعة إلى اجتهاد ~~الأئمة وولاة الأمور، بحسب المصلحة في كل زمان ومكان، وبحسب أرباب الجرائم ~~في أنفسهم؛ فمن سوى بين الناس في ذلك وبين الأزمنة والأمكنة والأحوال لم ~~يفقه حكمة الشرع، واختلفت عليه أقوال الصحابة وسيرة الخلفاء الراشدين وكثير ~~من النصوص، ورأى عمر قد زاد في حد الخمر على أربعين والنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إنما جلد أربعين، وعزر بأمور لم يعزر بها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأنفذ على الناس أشياء عفا عنها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فيظن ذلك تعارضا وتناقضا، وإنما أتى من قصور علمه وفهمه، وبالله التوفيق. ### | [فصل سوى الله بين العبد والحر في أحكام وفرق بينهما في أخرى] # وأما قوله: " وجعل حد الرقيق على النصف من حد الحر، وحاجتهما إلى الزجر ~~واحدة " فلا ريب أن الشارع فرق بين الحر والعبد في أحكام ms0458 وسوى بينهما في ~~أحكام؛ فسوى بينهما في الإيمان والإسلام ووجوب العبادات البدنية كالطهارة ~~والصلاة والصوم لاستوائهما في سببهما، وفرق بينهما في العبادات المالية ~~كالحج والزكاة والتكفير بالمال؛ لافتراقهما في سببهما. # وأما الحدود فلما كان وقوع المعصية من الحر أقبح من وقوعها من العبد من ~~جهة كمال نعمة الله تعالى عليه بالحرية، وأن جعله مالكا لا مملوكا، ولم ~~يجعله تحت قهر غيره وتصرفه فيه، ومن جهة تمكنه بأسباب القدرة من الاستغناء ~~عن المعصية بما عوض الله عنها من المباحات، فقابل النعمة التامة بضدها، ~~واستعمل القدرة في المعصية، فاستحق من العقوبة أكثر مما يستحقه من هو أخفض ~~منه رتبة وأنقص منزلة؛ فإن الرجل كلما كملت نعمة الله عليه كانت عقوبته إذا ~~ارتكب الجرائم أتم؛ ولهذا قال تعالى في حق من أتم نعمته عليهن من النساء: ~~{يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك ~~على الله يسيرا} [الأحزاب: 30] {ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا ~~نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما} [الأحزاب: 31] وهذا على وفق ~~قضايا العقول ومستحسناتها؛ فإن العبد كلما كملت نعمة الله عليه ينبغي له أن ~~تكون طاعته له أكمل، وشكره له أتم، ومعصيته له أقبح، وشدة العقوبة تابعة ~~لقبح المعصية؛ ولهذا كان أشد الناس عذابا يوم القيامة عالما لم ينفعه الله ~~بعلمه، فإن نعمة الله عليه بالعلم أعظم من نعمته على الجاهل، وصدور المعصية ~~منه أقبح من صدورها من الجاهل، ولا يستوي عند الملوك # PageV02P084 # والرؤساء من عصاهم من خواصهم وحشمهم ومن هو قريب منهم ومن عصاهم من ~~الأطراف والبعداء؛ فجعل حد العبد أخف من حد الحر، جمعا بين حكمة الزجر ~~وحكمة نقصه، ولهذا كان على النصف منه في النكاح والطلاق والعدة، إظهارا ~~لشرف الحرية وخطرها، وإعطاء لكل مرتبة حقها من الأمر كما أعطاها حقها من ~~القدر، ولا تنتقض هذه الحكمة بإعطاء العبد في الآخرة أجرين، بل هذا محض ~~الحكمة؛ فإن العبد كان عليه في الدنيا حقان حق لله وحق لسيده فأعطي بإزاء ~~قيامه ms0459 بكل حق أجرا، فاتفقت حكمة الشرع والقدر والجزاء، والحمد لله رب ~~العالمين. ### | [فصل حكمة شرع اللعان في حق الزوجة دون غيرها] # وأما قوله: " وجعل للقاذف إسقاط الحد باللعان في الزوجة دون الأجنبية، ~~وكلاهما قد ألحق بهما العار " فهذا من أعظم محاسن الشريعة؛ فإن قاذف ~~الأجنبية مستغن عن قذفها، لا حاجة له إليه ألبتة؛ فإن زناها لا يضره شيئا، ~~ولا يفسد عليه فراشه، ولا يعلق عليه أولادا من غيره، وقذفها عدوان محض، ~~وأذى لمحصنة غافلة مؤمنة، فترتب عليه الحد زجرا له وعقوبة، وأما الزوج فإنه ~~يلحقه بزناها من العار والمسبة وإفساد الفراش وإلحاق ولد غيره به، وانصراف ~~قلبها عنه إلى غيره؛ فهو محتاج إلى قذفها، ونفي النسب الفاسد عنه، وتخلصه ~~من المسبة والعار؛ لكونه زوج بغي فاجرة، ولا يمكن إقامة البينة على زناها ~~في الغالب، وهي لا تقر به، وقول الزوج عليها غير مقبول؛ فلم يبق سوى ~~تحالفها بأغلظ الإيمان، وتأكيدها بدعائه على نفسه باللعنة ودعائها على ~~نفسها بالغضب إن كانا كاذبين. # ثم يفسخ النكاح بينهما؛ إذ لا يمكن أحدهما أن يصفو للآخر أبدا؛ فهذا أحسن ~~حكم يفصل به بينهما في الدنيا، وليس بعده أعدل منه، ولا أحكم، ولا أصلح، ~~ولو جمعت عقول العالمين لم يهتدوا إليه، فتبارك من أبان ربوبيته ووحدانيته ~~وحكمته وعلمه في شرعه وخلقه. ### | [فصل الحكمة في تخصيص المسافر بالرخص] # وأما قوله: " وجوز للمسافر المترفه في سفره رخصة الفطر والقصر، دون ~~المقيم المجهود الذي هو في غاية المشقة " فلا ريب أن الفطر والقصر يختص ~~بالمسافر، ولا يفطر المقيم إلا لمرض، وهذا من كمال حكمة الشارع؛ فإن السفر ~~في نفسه قطعة من العذاب، # PageV02P085 # وهو في نفسه مشقة وجهد، ولو كان المسافر من أرفه الناس فإنه في مشقة وجهد ~~بحسبه، فكان من رحمة الله بعباده وبره بهم أن خفف عنهم شطر الصلاة واكتفى ~~منهم بالشطر، وخفف عنهم أداء فرض الصوم في السفر، واكتفى منهم بأدائه في ~~الحضر، كما شرع مثل ذلك في حق المريض والحائض، فلم يفوت عليهم مصلحة ~~العبادة ms0460 بإسقاطها في السفر جملة، ولم يلزمهم بها في السفر كإلزامهم في ~~الحضر، وأما الإقامة فلا موجب لإسقاط بعض الواجب فيها ولا تأخيره، وما يعرض ~~فيها من المشقة والشغل فأمر لا ينضبط ولا ينحصر؛ فلو جاز لكل مشغول وكل ~~مشقوق عليه الترخص ضاع الواجب واضمحل بالكلية، وإن جوز للبعض دون البعض لم ~~ينضبط؛ فإنه لا وصف يضبط ما تجوز معه الرخصة وما لا تجوز، بخلاف السفر، على ~~أن المشقة قد علق بها من التخفيف ما يناسبها، فإن كانت مشقة مرض وألم يضر ~~به جاز معها الفطر والصلاة قاعدا أو على جنب، وذلك نظير قصر العدد، وإن ~~كانت مشقة تعب فمصالح الدنيا والآخرة منوطة بالتعب، ولا راحة لمن لا تعب ~~له، بل على قدر التعب تكون الراحة، فتناسبت الشريعة في أحكامها ومصالحها ~~بحمد الله ومنه. ### | [فصل الفرق بين نذر الطاعة والحلف بها] # وأما قوله: " وأوجب على من نذر لله طاعة الوفاء بها، وجوز لمن حلف عليها ~~أن يتركها ويكفر يمينه، وكلاهما قد التزم فعلها لله " فهذا السؤال يورد على ~~وجهين: أحدهما: أن يحلف ليفعلنها، نحو أن يقول: والله لأصومن الاثنين ~~والخميس، ولأتصدقن، كما يقول: لله علي أن أفعل ذلك. # والثاني: أن يحلف بها كما يقول: إن كلمت فلانا فلله علي صوم سنة وصدقة ~~ألف. # فإن أورد على الوجه الأول فجوابه أن الملتزم الطاعة لله لا يخرج التزامه ~~لله عن أربعة أقسام؛ أحدها: التزام بيمين مجردة. # الثاني: التزام بنذر مجرد، الثالث: التزام بيمين مؤكدة بنذر، الرابع: ~~التزام بنذر مؤكد بيمين: فالأول نحو قوله: " والله لأتصدقن " والثاني نحو: ~~" لله علي أن أتصدق " والثالث نحو: " والله إن شفى الله مريضي فعلي صدقة ~~كذا "، والرابع نحو: " إن شفى الله مريضي فوالله لأتصدقن " وهذا كقوله ~~تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين} ~~[التوبة: 75] # PageV02P086 # فهذا نذر مؤكد بيمين، وإن لم يقل فيه " فعلي " إذ ليس ذلك من شرط النذر، ~~بل إذا قال: إن سلمني الله تصدقت، أو لأتصدقن، فهو وعد وعده الله ms0461 فعليه أن ~~يفي به، وإلا دخل في قوله: {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما ~~أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} [التوبة: 77] فوعد العبد ربه نذر ~~يجب عليه أن يفي له به؛ فإنه جعله جزاء وشكرا له على نعمته عليه، فجرى مجرى ~~عقود المعاوضات لا عقود التبرعات، وهو أولى باللزوم من أن يقول ابتداء: " ~~لله علي كذا " فإن هذا التزام منه لنفسه أن يفعل ذلك، والأول تعليق بشرط ~~وقد وجد، فيجب فعل المشروط عنده؛ لالتزامه له بوعده. # فإن الالتزام تارة يكون بصريح الإيجاب، وتارة يكون بالوعد، وتارة يكون ~~بالشروع كشروعه في الجهاد والحج والعمرة، والالتزام بالوعد آكد من الالتزام ~~بالشروع، وآكد من الالتزام بصريح الإيجاب؛ فإن الله سبحانه ذم من خالف ما ~~التزمه له بالوعد، وعاقبه بالنفاق في قلبه، ومدح من وفى بما نذره له، وأمر ~~بإتمام ما شرع فيه له من الحج والعمرة، فجاء الالتزام بالوعد آكد الأقسام ~~الثلاثة، وإخلافه يعقب النفاق في القلب، وأما إذا حلف يمينا مجردة ليفعلن ~~كذا فهذا حض منه لنفسه، وحث على فعله باليمين، وليس إيجابا عليها، فإن ~~اليمين لا توجب شيئا ولا تحرمه، ولكن الحالف عقد اليمين بالله ليفعلنه، ~~فأباح الله سبحانه له حل ما عقده بالكفارة، ولهذا سماها الله تحلة، فإنها ~~تحل عقد اليمين، وليست رافعة لإثم الحنث كما يتوهمه بعض الفقهاء، فإن الحنث ~~قد يكون واجبا، وقد يكون مستحبا، فيؤمر به أمر إيجاب أو استحباب، وإن كان ~~مباحا، فالشارع لم يبح سبب الإثم، وإنما شرعها الله حلا لعقد اليمين كما ~~شرع الله الاستثناء مانعا من عقدها؛ فظهر الفرق بين ما التزم لله وبين ما ~~التزم بالله. # فالأول ليس فيه إلا الوفاء، والثاني يخير فيه بين الوفاء وبين الكفارة ~~حيث يسوغ ذلك، وسر هذا أن ما التزم له آكد مما التزم به، فإن الأول متعلق ~~بإلهيته، والثاني بربوبيته؛ فالأول من أحكام {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] ~~والثاني من أحكام {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] وإياك نعبد قسم الله من ~~هاتين الكلمتين، وإياك نستعين قسم ms0462 العبد كما في الحديث الصحيح الإلهي: «هذه ~~بيني وبين عبدي نصفين» وبهذا يخرج الجواب عن إيراد هذا السؤال على الوجه ~~الثاني، وأن ما نذره لله من هذه الطاعات يجب الوفاء به، وما أخرجه مخرج ~~اليمين يخير بين الوفاء به وبين التكفير؛ لأن الأول متعلق بإلهيته. # والثاني بربوبيته، فوجب الوفاء بالقسم الأول، ويخير الحالف في القسم ~~الثاني، وهذا من أسرار الشريعة، وكمالها وعظمها. # ويزيد ذلك وضوحا أن الحالف بالتزام هذه الواجبات قصده ألا تكون، ولكراهته # PageV02P087 # للزومها له حلف بها، فقصده ألا يكون الشرط فيها ولا الجزاء، ولذلك يسمى ~~نذر اللجاج والغضب، فلم يلزمه الشارع به إذا كان غير مريد له ولا متقرب به ~~إلى الله، فلم يعقده لله، وإنما عقده به، فهو يمين محضة، فإلحاقه بنذر ~~القربة إلحاق له بغير شبهة، وقطع له عن الإلحاق بنظيره، وعذر من ألحقه بنذر ~~القربة شبهة به في اللفظ والصورة، ولكن الملحقون له باليمين أفقه وأرعى ~~لجانب المعاني، وقد اتفق الناس على أنه لو قال: " إن فعلت كذا فأنا يهودي ~~أو نصراني " فحنث أن لا يكفر بذلك إن قصد اليمين؛ لأن قصد اليمين منع من ~~الكفر، وبهذا وغيره احتج شيخ الإسلام ابن تيمية على أن الحلف بالطلاق ~~والعتاق كنذر اللجاج والغضب، وكالحلف بقوله: " إن فعلت كذا فأنا يهودي أو ~~نصراني " وحكاه إجماع الصحابة في العتق، وحكاه غيره إجماعا لهم في الحلف ~~بالطلاق على أنه لا يلزم. # قال: لأنه قد صح عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة ولا يعرف له ~~في الصحابة مخالف، ذكره ابن بزيزة في شرح أحكام عبد الحق الإشبيلي، فاجتهد ~~خصومه في الرد عليه بكل ممكن، وكان حاصل ما ردوا به قوله أربعة أشياء: # أحدها: - وهو عمدة القوم - أنه خلاف مرسوم السلطان. # والثاني: أنه خلاف الأئمة الأربعة. # والثالث: أنه خلاف القياس على الشرط والجزاء المقصودين كقوله: " إن ~~أبرأتني فأنت طالق " ففعلت. # والرابع: أن العمل قد استمر على خلاف هذا القول، فلا يلتفت إليه، فنقض ~~حججهم وأقام نحوا من ثلاثين ms0463 دليلا على صحة هذا القول، وصنف في المسألة ~~قريبا من ألف ورقة، ثم مضى لسبيله راجيا من الله أجرا أو أجرين، وهو ~~ومنازعوه يوم القيامة عند ربهم يختصمون. ### | [فصل الحكمة في التفرقة بين الضبع وغيره من ذي الناب] # وأما قولهم: " وحرم كل ذي ناب من السباع وأباح الضبع ولها ناب " فلا ريب ~~أنه حرم كل ذي ناب من السباع، وإن كان بعض العلماء خفي عليه تحريمه فقال ~~بمبلغ علمه: وأما الضبع فروي عنه فيها حديث صححه كثير من أهل العلم بالحديث ~~فذهبوا إليه وجعلوه مخصصا لعموم أحاديث التحريم، كما خصت العرايا لأحاديث ~~المزابنة. # وطائفة لم تصححه وحرموا الضبع؛ لأنها من جملة ذات الأنياب، وقالوا: وقد ~~تواترت الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنهي عن أكل كل ذي ناب من ~~السباع، وصحت صحة لا مطعن فيها من حديث علي، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ~~ثعلبة الخشني، قالوا: وأما حديث الضبع فتفرد به # PageV02P088 # عبد الرحمن بن أبي عمارة، وأحاديث تحريم ذوات الأنياب كلها تخالفه، ~~قالوا: ولفظ الحديث يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون جابر رفع الأكل إلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، وأن يكون إنما رفع إليه كونها صيدا فقط، ولا يلزم ~~من كونها صيدا جواز أكلها، فظن جابر أن كونها صيدا يدل على أكلها، فأفتى به ~~من قوله ورفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما سمعه من كونها صيدا. # ونحن نذكر لفظ الحديث ليتبين ما ذكرناه؛ فروى الترمذي في جامعه من حديث ~~عبيد بن عمير الليثي عن «عبد الرحمن بن أبي عمارة قال: قلت لجابر بن عبد ~~الله: آكل الضبع؟ قال: نعم، قلت: أصيد هي؟ قال: نعم، قلت: أسمعت ذلك من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم» ، قال الترمذي: سألت محمد بن ~~إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هو صحيح، وهذا يحتمل أن المرفوع منه هو كونها ~~صيدا، ويدل على ذلك أن جرير بن حازم قال: عن عبيد بن عمير عن ابن أبي عمارة ~~عن جابر «عن رسول الله ms0464 - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الضبع فقال: هي ~~صيد، وفيها كبش» قالوا: وكذلك حديث إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر يرفعه: ~~«الضبع صيد، فإذا أصابه المحرم ففيه جزاء كبش مسن ويؤكل» قال الحاكم: حديث ~~صحيح، وقوله: " ويؤكل " يحتمل الوقف والرفع، وإذا احتمل ذلك لم تعارض به ~~الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تبلغ مبلغ التواتر في التحريم. # قالوا: ولو كان حديث جابر صريحا في الإباحة لكان فردا، وأحاديث تحريم ~~ذوات الأنياب مستفيضة متعددة ادعى الطحاوي وغيره تواترها، فلا يقدم حديث ~~جابر عليها. # قالوا: والضبع من أخبث الحيوان وأشرهه، وهو مغرى بأكل لحوم الناس ونبش ~~قبور الأموات وإخراجهم وأكلهم، ويأكل الجيف، ويكسر بنابه. # قالوا: والله سبحانه قد حرم علينا الخبائث، وحرم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ذوات الأنياب، والضبع لا يخرج عن هذا وهذا. # وقالوا: وغاية حديث جابر يدل على أنها صيد يفدى في الإحرام، ولا يلزم من ~~ذلك أكلها، وقد قال بكر بن محمد: سئل أبو عبد الله يعني الإمام أحمد عن ~~محرم قتل ثعلبا فقال: عليه الجزاء، هي صيد، ولكن لا يؤكل. # وقال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله سئل عن الثعلب، فقال: الثعلب سبع؛ ~~فقد نص على أنه سبع وأنه يفدى في الإحرام، ولما جعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في الضبع كبشا ظن جابر أنه يؤكل فأفتى به. # والذين صححوا الحديث جعلوه مخصصا لعموم تحريم ذي الناب من غير فرق ~~بينهما، حتى قالوا: ويحرم أكل كل ذي ناب من السباع إلا الضبع، وهذا لا يقع ~~مثله في الشريعة أن يخصص مثلا على مثل من كل وجه من غير فرقان بينهما. # PageV02P089 # وبحمد الله إلى ساعتي هذه ما رأيت في الشريعة مسألة واحدة كذلك، أعني ~~شريعة التنزيل لا شريعة التأويل. # ومن تأمل ألفاظه - صلى الله عليه وسلم - الكريمة تبين له اندفاع هذا ~~السؤال؛ فإنه إنما حرم ما اشتمل على الوصفين: أن يكون له ناب، وأن يكون من ~~السباع العادية بطبعها كالأسد والذئب والنمر والفهد. # وأما الضبع فإنما ms0465 فيها أحد الوصفين، وهو كونها ذات ناب، وليست من السباع ~~العادية. # ولا ريب أن السباع أخص من ذوات الأنياب، والسبع إنما حرم لما فيه من ~~القوة السبعية التي تورث المغتذى بها شبهها؛ فإن الغاذي شبيه بالمغتذى، ولا ~~ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع ~~حتى تجب التسوية بينهما في التحريم، ولا تعد الضبع من السباع لغة ولا عرفا، ~~والله أعلم. ### | [فصل سر تخصيص خزيمة بقبول شهادته وحده] # وأما قوله: " وجعل شهادة خزيمة بن ثابت بشهادتين دون غيره ممن هو أفضل ~~منه " فلا ريب أن هذا من خصائصه، ولو شهد عنده - صلى الله عليه وسلم - أو ~~عند غيره لكان بمنزلة شاهدين اثنين، وهذا التخصيص إنما كان لمخصص اقتضاه، ~~وهو مبادرته دون من حضر من الصحابة إلى الشهادة لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قد بايع الأعرابي، وكان فرض على كل من سمع هذه القصة أن يشهد أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بايع الأعرابي، وذلك من لوازم الإيمان ~~والشهادة بتصديقه - صلى الله عليه وسلم -، وهذا مستقر عند كل مسلم، ولكن ~~خزيمة تفطن لدخول هذه القضية المعينة تحت عموم الشهادة لصدقه في كل ما يخبر ~~به؛ فلا فرق بين ما يخبر به عن الله وبين ما يخبر به عن غيره في صدقه في ~~هذا وهذا، ولا يتم الإيمان إلا بتصديقه في هذا وهذا؛ فلما تفطن خزيمة دون ~~من حضر لذلك استحق أن تجعل شهادته بشهادتين. ### | [فصل سر تخصيص أبي بردة بإجزاء تضحيته بعناق] # فصل [سر تخصيص أبو بردة بإجزاء تضحيته بعناق] # وأما تخصيصه أبا بردة بن نيار بإجزاء التضحية بالعناق دون من بعده فلموجب ~~أيضا، وهو أنه ذبح قبل الصلاة متأولا غير عالم بعدم الإجزاء، فلما أخبره ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تلك ليست بأضحية وإنما هي شاة لحم أراد ~~إعادة الأضحية، فلم يكن عنده إلا عناق هي أحب إليه من شاتي لحم؛ فرخص له في ~~التضحية بها؛ لكونه معذورا وقد تقدم ms0466 منه ذبح تأول فيه، وكان معذورا ~~بتأويله، وذلك كله قبل استقرار الحكم، فلما استقر الحكم لم يكن بعد ذلك ~~يجزئ إلا ما وافق الشرع المستقر، وبالله التوفيق. # PageV02P090 ### | [فصل سر التفرقة في الوصف بين صلاة الليل وصلاة النهار] # وأما التفريق بين صلاة الليل وصلاة النهار في الجهر والإسرار ففي غاية ~~المناسبة والحكمة؛ فإن الليل مظنة هدوء الأصوات وسكون الحركات وفراغ القلوب ~~واجتماع الهمم المشتتة بالنهار، فالنهار محل السبح الطويل بالقلب والبدن، ~~والليل محل مواطأة القلب للسان ومواطأة اللسان للأذن؛ ولهذا كانت السنة ~~تطويل قراءة الفجر على سائر الصلوات، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقرأ فيها بالستين إلى المائة، وكان الصديق يقرأ فيها بالبقرة، وعمر ~~بالنحل وهود وبني إسرائيل ويونس ونحوها من السور؛ لأن القلب أفرغ ما يكون ~~من الشواغل حين انتباهه من النوم، فإذا كان أول ما يقرع سمعه كلام الله ~~الذي فيه الخير كله بحذافيره صادفه خاليا من الشواغل فتمكن فيه من غير ~~مزاحم؛ وأما النهار فلما كان بضد ذلك كانت قراءة صلاته سرية إلا إذا عارض ~~في ذلك معارض أرجح منه، كالمجامع العظام في العيدين والجمعة والاستسقاء ~~والكسوف؛ فإن الجهر حينئذ أحسن وأبلغ في تحصيل المقصود، وأنفع للجمع، وفيه ~~من قراءة كلام الله عليهم وتبليغه في المجامع العظام ما هو من أعظم مقاصد ~~الرسالة، والله أعلم. ### | [فصل سر تقديم العصبة البعداء عن ذوي الأرحام في الميراث] # فصل [سر في تقديم العصبة البعداء عن ذوي الأرحام وإن قربوا] # وأما قوله: " وورث ابن ابن العم وإن بعدت درجته دون الخالة التي هي شقيقة ~~للأم " فنعم، وهذا من كمال الشريعة وجلالتها؛ فإن ابن العم من عصبته ~~القائمين بنصرته وموالاته والذب عنه وحمل العقل عنه، فبنو أبيه هم أولياؤه ~~وعصبته والمحامون دونه، وأما قرابة الأم فإنهم بمنزلة الأجانب، وإنما ~~ينتسبون إلى آبائهم، فهم بمنزلة أقارب البنات كما قال القائل: # بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد # فمن كمال حكمة الشارع أن جعل الميراث لأقارب الأب، وقدمهم على أقارب ~~الأم، وإنما ms0467 ورث معهم من أقارب الأم من ركض الميت معهم في بطن الأم، وهم ~~إخوانه أو من قربت قرابته جدا وهن جداته لقوة إيلادهن وقرب أولادهن منه؛ ~~فإذا عدمت قرابة الأب انتقل الميراث إلى قرابة الأم، وكانوا أولى من ~~الأجانب؛ فهذا الذي جاءت به الشريعة أكمل شيء وأعدله وأحسنه. . # PageV02P091 ### | [فصل الفرق بين الشفعة وأخذ مال الغير] # فصل: # [الفرق بين الشفعة وأخذ مال الغير] # وأما قوله: " وحرم أخذ مال الغير إلا بطيب نفس منه، ثم سلطه على أخذ ~~عقاره وأرضه بالشفعة ثم شرع الشفعة فيما يمكن التخلص من ضرر الشركة فيه ~~بالقسمة دون ما لا يمكن قسمته كالجوهرة والحيوان " فهذا السؤال قد أورده ~~على وجهين: أحدهما: على أصل الشفعة وأن الاستحقاق بها مناف لتحريم أخذ مال ~~الغير إلا بطيب نفس منه. # والثاني: أنه خص بعض المبيع بالشفعة دون بعض مع قيام السبب الموجب ~~للشفعة، وهو ضرر الشركة. # ونحن بحمد الله وعونه نجيب عن الأمرين؛ فنقول: ورود الشرع بالشفعة دليل ~~على الحكمة. # من محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد ورودها بالشفعة، ولا يليق ~~بها غير ذلك؛ فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن، فإن لم ~~يمكن رفعه إلا بضرر أعظم منه بقاه على حاله، وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر ~~دونه رفعه به، ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب فإن الخلطاء يكثر ~~فيهم بغي بعضهم على بعض شرع الله سبحانه رفع هذا الضرر: بالقسمة تارة ~~وانفراد كل من الشريكين بنصيبه، وبالشفعة تارة وانفراد أحد الشريكين ~~بالجملة إذا لم يكن على الآخر ضرر في ذلك؛ فإذا أراد بيع نصيبه وأخذ عوضه ~~كان شريكه أحق به من الأجنبي، وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيهما كان؛ ~~فكان الشريك أحق بدفع العوض من الأجنبي، ويزول عنه ضرر الشركة، ولا يتضرر ~~البائع؛ لأنه يصل إلى حقه من الثمن، وكان هذا من أعظم العدل وأحسن الأحكام ~~المطابقة للعقول والفطر ومصالح العباد. ومن هنا يعلم أن التحيل لإسقاط ~~الشفعة مناقض لهذا المعنى الذي قصده الشارع ms0468 ومضاد له. # ثم اختلفت أفهام العلماء في الضرر الذي قصد الشارع رفعه بالشفعة. # فقالت طائفة: هو الضرر اللاحق بالقسمة؛ لأن كل واحد من الشريكين إذا طالب ~~شريكه بالقسمة كان عليه في ذلك من المؤنة والكلفة والغرامة والضيق في مرافق ~~المنزل ما هو معلوم؛ فإنه قبل القسمة ربما ارتفق بالدار والأرض كلها وبأي ~~موضع شاء منها، فإذا وقعت الحدود ضاقت به الدار وقصر على موضع منها، وفي ~~ذلك من الضرر عليه ما لا خفاء به، فمكنه الشارع بحكمته ورحمته من رفع هذه ~~المضرة عن نفسه: بأن يكون أحق بالمبيع # PageV02P092 # من الأجنبي الذي يريد الدخول عليه، وحرم الشارع على الشريك أن يبيع نصيبه ~~حتى يؤذن شريكه، فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به، وإن أذن في البيع وقال: لا ~~غرض لي فيه - لم يكن له الطلب بعد البيع؛ هذا مقتضى حكم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولا معارض له بوجه، وهو الصواب المقطوع به، وهذه طريقة ~~من يرى أنه لا شفعة إلا فيما يقبل القسمة. # وقالت طائفة أخرى: إنما شرعت الشفعة لرفع الضرر اللاحق بالشركة؛ فإذا ~~كانا شريكين في عين من الأعيان بإرث أو هبة أو وصية أو ابتياع أو نحو ذلك ~~لم يكن رفع ضرر أحدهما بأولى من رفع ضرر الآخر؛ فإذا باع نصيبه كان شريكه ~~أحق به من الأجنبي؛ إذ في ذلك إزالة ضرره مع عدم تضرر صاحبه، فإنه يصل إلى ~~حقه من الثمن، ويصل هذا إلى استبداده بالمبيع، فيزول الضرر عنهما جميعا، ~~وهذا مذهب من يرى الشفعة في الحيوان والثياب والشجر والجواهر والدور الصغار ~~التي لا يمكن قسمتها، وهذا قول أهل مكة وأهل الظاهر، ونص عليه الإمام أحمد ~~في رواية حنبل، قال: قيل لأحمد: فالحيوان دابة تكون بين رجلين أو حمار أو ~~ما كان من نحو ذلك، قال: هذا كله أوكد؛ لأن خليطه الشريك أحق به بالثمن، ~~وهذا لا يمكن قسمته؛ فإذا عرضه على شريكه، وإلا باعه بعد ذلك، وقال إسماعيل ~~بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يعرض ms0469 على شريكه عقارا بينه وبينه أو نخلا، ~~فقال الشريك: لا أريد، فباعه، ثم طلب الشفعة بعد، قال: له الشفعة في ذلك. # واحتج لهذا القول بحديث جابر الصحيح: «قضى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالشفعة في كل ما لم يقسم» وهذا يتناول المنقول والعقار، وفي كتاب " ~~الخراج " عن يحيى بن آدم عن زهير بن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «من كان له شرك في نخل أو ربعة فليس له أن يبيع ~~حتى يؤذن شريكه، فإن رضي أخذ، وإن كره ترك» ، وهذا الإسناد على شرط مسلم؛ ~~وفي الترمذي من حديث عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء» ~~تفرد به أبو حمزة السكري عن عبد العزيز بهذا الإسناد، ورواه أبو الأحوص ~~سلام بن سليم عن عبد العزيز ولم يذكر ابن عباس، ولفظه: «قضى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل شيء الأرض والدار والجارية والخادم» ، ~~وكذلك رواه أبو بكر بن عياش وإسرائيل بن يونس عن عبد العزيز مرسلا؛ فهذا ~~علة هذا الحديث، على أن أبا حمزة السكري ثقة احتج به صاحبا الصحيح، وإن ~~قلنا: " الزيادة من الثقة مقبولة " فرفع الحديث إذا صحيح، وإلا فغايته أن ~~يكون مرسلا قد عضدته الآثار المرفوعة والقياس الجلي. # وقد روى أبو جعفر الطحاوي عن محمد بن خزيمة عن يوسف بن عدي عن عبيد الله ~~بن إدريس عن ابن جريج عن عطاء عن جابر قال: «قضى # PageV02P093 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل شيء» ورواة هذا الحديث ~~ثقات، وهو غريب بهذا الإسناد. # قالوا: ولأن الضرر بالشركة فيما لا ينقسم أبلغ من الضرر بالعقار الذي ~~يقبل القسمة؛ فإذا كان الشارع مريدا لرفع الضرر الأدنى فالأعلى أولى ~~بالرفع، قالوا: ولو كانت الأحاديث مختصة بالعقار والعروض المنقسمة فإثبات ~~الشفعة فيها تنبيه على ثبوتها فيما لا يقبل القسمة. # وقال الآخرون: الأصل عدم انتزاع ms0470 الإنسان مال غيره إلا برضاه، ولكن تركنا ~~ذلك في الأرض والعقار لثبوت هذا النص فيه، وأما الآثار المتضمنة لثبوتها في ~~المنقول فضعيفة معلولة؛ وقوله في الحديث الصحيح: «فإذا وقعت الحدود وصرفت ~~الطرق فلا شفعة» يدل على اختصاصها بذلك، وقول جابر عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الشفعة في كل شرك في أرض أو ربع أو حائط» يقتضي انحصارها في ~~ذلك، قالوا: وقد قال عثمان بن عفان: لا شفعة في بئر ولا فحل، والأرف يقطع ~~كل شفعة، والفحل: النخل، والأرف بوزن الغرف المعالم والحدود. # وقال أحمد: ما أصحه من حديث، قالوا: والفرق بين المنقول وغيره أن الضرر ~~في غير المنقول يتأبد بتأبده، وفي المنقول لا يتأبد؛ فهو ضرر عارض فهو ~~كالمكيل والموزون. قالوا: والضرر في العقار يكثر جدا؛ فإنه يحتاج الشريك ~~إلى إحداث المرافق، وتغيير الأبنية، وتضييق الواسع، وتخريب العامر، وسوء ~~الجوار، وغير ذلك مما يختص بالعقار، فأين ضرر الشركة في العبد والجوهرة ~~والسيف من هذا الضرر؟ قال المثبتون للشفعة: إنما كان الأصل عدم انتزاع ملك ~~الإنسان منه إلا برضاه لما فيه من الظلم له والإضرار به، فأما ما لا يتضمن ~~ظلما ولا إضرارا بل مصلحة له بإعطائه الثمن فلشريكه دفع ضرر الشركة عنه؛ ~~فليس الأصل عدمه، بل هو مقتضى أصول الشريعة، فإن أصول الشريعة توجب ~~المعاوضة للحاجة والمصلحة الراجحة، وإن لم يرض صاحب المال، وترك معاوضته ها ~~هنا لشريكه مع كونه قاصدا للبيع ظلم منه وإضرار بشريكه فلا يمكنه الشارع ~~منه، بل من تأمل مصادر الشريعة ومواردها تبين له أن الشارع لا يمكن هذا ~~الشريك من نقل نصيبه إلى غير شريكه وأن يلحق به من الضرر مثل ما كان عليه ~~أو أزيد منه مع أنه لا مصلحة له في ذلك. # وأما الآثار فقد جاءت بهذا وهذا، ولو قدر عدم صحتها بالشفعة في المنقول ~~فهي لم تنف ذلك، بل نبهت عليه كما ذكرنا؛ وأما تأبد الضرر وعدمه ففرق فاسد، ~~فإن من المنقول ما يكون تأبده كتأبد العقار كالجوهرة والسيف والكتاب ~~والبئر، ms0471 وإن لم يتأبد ضرره مدى الدهر فقد يطول ضرره كالعبد والجارية، ولو ~~بقي ضرره مدة فإن الشارع مريد لدفع الضرر # PageV02P094 # بكل طريق ولو قصرت مدته، وأما تفريقكم بكثرة الضرر في العقار وقلته في ~~المنقول فلعمر الله إن الضرر في العقار يكثر من تلك الجهات، ولكن يمكن رفعه ~~بالقسمة، وأما الضرر في المنقول فإنه لا يمكن رفعه بقسمته، على أن هذا ~~منتقض بالأرض الواسعة التي ليس فيها شيء مما ذكرتم. فصل [رأي القائلين ~~بشفعة الجوار] # وقالت طائفة ثالثة: بل الضرر الذي قصد الشارع رفعه هو ضرر سوء الجوار ~~والشركة في العقار والأرض؛ فإن الجار قد يسيء الجوار غالبا أو كثيرا، فيعلي ~~الجدار، ويتبع العثار، ويمنع الضوء، ويشرف على العورة، ويطلع على العثرة، ~~ويؤذي جاره بأنواع الأذى، ولا يأمن جاره بوائقه، وهذا مما يشهد به الواقع، ~~وأيضا فالجار له من الحرمة والحق والذمام ما جعله الله له في كتابه، ووصى ~~به جبريل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غاية الوصية، وعلق النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - الإيمان بالله واليوم الآخر بإكرامه. # وقال الإمام أحمد: الجيران ثلاثة: جار له حق، وهو الذمي الأجنبي له حق ~~الجوار، وجار له حقان، وهو المسلم الأجنبي له حق الجوار وحق الإسلام، وجار ~~له ثلاثة حقوق، وهو المسلم القريب له حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة؛ ~~ومثل هذا ولو لم يرد في الشريك فأدنى المراتب مساواته به فيما يندفع به ~~الضرر، لا سيما والحكم بالشفعة ثبت في الشركة لإفضائها إلى ضرر المجاورة ~~فإنهما إذا اقتسما تجاورا. # قالوا: ولهذا السبب اختصت بالعقار دون المنقولات؛ إذ المنقولات لا تتأتى ~~فيها المجاورة، فإذا ثبتت في الشركة في العقار لإفضائها إلى المجاورة ~~فحقيقة المجاورة أولى بالثبوت فيها. # قالوا: وهذا معقول النصوص لو لم ترد بالثبوت فيها، فكيف وقد صرحت بالثبوت ~~فيها أعظم من تصريحها بالثبوت للشريك؟ ففي صحيح البخاري من حديث عمرو بن ~~الشريد قال: جاء المسور بن مخرمة فوضع يده على منكبي، فانطلقت معه إلى سعد ~~بن أبي وقاص، فقال أبو ms0472 رافع: ألا تأمر هذا أن يشتري مني بيتي الذي في داره، ~~فقال: لا أزيده على أربعمائة منجمة، فقال: قد أعطيت خمسمائة نقدا فمنعته، ~~ولولا أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الجار أحق بصقبه» ~~ما بعتك، وروى عمرو بن الشريد أيضا عن أبيه الشريد بن سويد الثقفي قال: ~~«قلت: يا رسول الله، أرض ليس لأحد فيها قسم ولا شرك إلا # PageV02P095 # الجوار قال: الجار أحق بسقبه» أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وإسناده ~~صحيح. # وقال البخاري: هو أصح من رواية عمرو عن أبي رافع - يعني المتقدم - وقال ~~أيضا: كلا الحديثين عندي صحيح. # وعن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «جار ~~الدار أولى بالدار» رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، ~~انتهى. # وقد صح سماع الحسن من سمرة، وغاية هذا أنه كتاب، ولم تزل الأمة تعمل ~~بالكتب قديما وحديثا، وأجمع الصحابة على العمل بالكتب، وكذلك الخلفاء ~~بعدهم، وليس اعتماد الناس في العلم إلا على الكتب فإن لم يعمل بما فيها ~~تعطلت الشريعة، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكتب كتبه إلى ~~الآفاق والنواحي فيعمل بها من تصل إليه، ولا يقول: هذا كتاب، وكذلك خلفاؤه ~~بعد، والناس إلى اليوم، فرد السنن بهذا الخيال البارد الفاسد من أبطل ~~الباطل، والحفظ يخون، والكتاب لا يخون. # وروى قتادة عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «جار الدار ~~أحق بالدار» رواه ابن ماجه من طريق عيسى بن يونس عن سعيد عن قتادة، وكلهم ~~أئمة ثقات. # وروى أهل السنن الأربعة من حديث ميزان الكوفة عبد الملك بن أبي سليمان ~~العرزمي عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما ~~واحدا» وهذا حديث صحيح فلا يرد. فإن قيل: قد قال الترمذي: تكلم شعبة في عبد ~~الملك من أجل هذا الحديث. # وقال وكيع عنه: لو أن عبد الملك روى ms0473 حديثا آخر مثل حديث الشفعة لطرحت ~~حديثه، وكذلك قال يحيى القطان. وقال أحمد: هو حديث منكر، وقال يحيى بن ~~معين: هو حديث لم يحدث به إلا عبد الملك، فأنكر الناس عليه، ولكنه ثقة ~~صدوق. فالجواب أن عبد الملك هذا حافظ ثقة صدوق، ولم يتعرض له أحد بجرح ~~ألبتة، وأثنى عليه أئمة زمانه ومن بعدهم،. # وإنما أنكر عليه من أنكر هذا الحديث ظنا منهم أنه مخالف لرواية الزهري عن ~~أبي سلمة عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الشفعة فيما لم يقسم، ~~فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» ولا يحتمل مخالفة العرزمي لمثل ~~الزهري، وقد صح هذا عن جابر من رواية الزهري عن أبي سلمة عنه، ومن رواية ~~ابن جريج عن أبي الزبير عنه، ومن حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه، ~~فخالفهم العرزمي، ولهذا شهد الأئمة بإنكار حديثه، ولم يقدموه على حديث ~~هؤلاء، قال مهنا بن يحيى الشامي: # PageV02P096 # سألت أحمد بن حنبل عن حديث عبد الملك هذا، فقال: قد أنكره شعبة، فقلت: ~~لأي شيء أنكره؟ فقال: حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - خلاف ما قال عبد الملك عن عطاء عن جابر عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وسنبين - إن شاء الله - أن حديث عبد الملك عن جابر لا يناقض ~~حديث أبي سلمة عنه، بل مفهومه يوافق منطوقه، وسائر أحاديث جابر يصدق بعضها ~~بعضا. # وروى جرير بن عبد الحميد عن منصور عن الحكم عن علي وعبد الله قالا: «قضى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة للجوار» وهذا وإن كان منقطعا فإن ~~الثوري رواه عن منصور عن الحكم عمن سمع عليا وعبد الله؛ فهو يصلح للاستشهاد ~~وإن لم يكن عليه وحده الاعتماد. # وفي سنن ابن ماجه من حديث شريك القاضي عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من كان له أرض وأراد بيعها فليعرضها ~~على جاره» ورجال هذا الإسناد محتج بهم في الصحيح. ms0474 # وفي سنن النسائي من حديث أبي الزبير عن جابر قال: «قضى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالشفعة للجوار» رواه عن الفضل بن موسى الشيباني عن ~~الحسين بن واقد عن أبي الزبير، وهو على شرط مسلم. # وقال شعيب بن أيوب الصريفيني: ثنا أبو أمامة عن سعيد بن أبي عروبة ثنا ~~قتادة عن سليمان اليشكري عن جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «من كان له جار في حائط أو شريك فلا يبعه حتى يعرضه عليه» ~~وهؤلاء ثقات كلهم، وعلة هذا الحديث ما ذكره الترمذي قال: سمعت محمدا يعني ~~البخاري - يقول: سليمان اليشكري: يقال إنه مات في حياة جابر بن عبد الله، ~~قال: ولم يسمع منه قتادة ولا أبو بشر، قال: ويقال: إنما يحدث قتادة عن ~~صحيفة سليمان اليشكري، وكان له كتاب عن جابر بن عبد الله. # قلت: وغاية هذا أن يكون كتابا، والأخذ عن الكتب حجة، وقال محمد بن عمران ~~بن أبي ليلى عن أبيه: حدثني ابن أبي ليلى يعني محمد بن عبد الرحمن - عن ~~نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الجار أحق بسقبه ما ~~كان» . # وقال ابن أبي شيبة: ثنا وكيع عن هشام بن المغيرة الثقفي قال: سمعت الشعبي ~~يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الشفيع أولى من الجار، ~~والجار أولى من الجنب» وإسناده إلى الشعبي صحيح، قالوا: ولأن حق الأصيل - ~~وهو الجار - أسبق من حق الدخيل، وكل معنى اقتضى ثبوت الشفعة للشريك فمثله ~~في حق الجار؛ فإن الناس يتفاوتون في الجوار تفاوتا فاحشا، ويتأذى بعضهم ~~ببعض، ويقع بينهم من العداوة ما هو معهود، والضرر بذلك دائم متأبد، ولا ~~يندفع ذلك إلا برضاء الجار: إن شاء أقر الدخيل على جواره له، وإن شاء انتزع ~~الملك بثمنه واستراح من مؤنة المجاورة ومفسدتها. # PageV02P097 # وإذا كان الجار يخاف التأذي بالمجاورة على وجه اللزوم، كان كالشريك يخاف ~~التأذي بشريكه على وجه اللزوم. # قالوا: ولا يرد علينا المستأجر مع المالك؛ فإن منفعة الإجارة ms0475 لا تتأبد ~~عادة. # وأيضا فالملك بالإجارة ملك منفعة، ولا لزوم بين ملك الجار وبين منفعة دار ~~جاره، بخلاف مسألتنا؛ فإن الضرر بسبب اتصال الملك بالملك كما أنه في الشركة ~~حاصل بسبب اتصال الملك بالملك؛ فوجب بحكم عناية الشارع ورعايته لمصالح ~~العباد إزالة الضررين جميعا على وجه لا يضر البائع، وقد أمكن ههنا، فيبعد ~~القول به، فهذا تقرير قول هؤلاء نصا وقياسا. # [رد المبطلين لشفعة الجوار] # قال المبطلون لشفعة الجوار: لا تضر سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بعضها ببعض؛ فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر ~~قال: «إن الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» ~~وفي صحيح مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر قال: «قضى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط، ولا يحل له أن يبيع ~~حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق» قال ~~الشافعي: ثنا سعيد بن سالم ثنا ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا ~~شفعة» وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «إذا قسمت الأرض وحدت فلا شفعة فيها» وفي الموطإ ~~من حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: «قضى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا صرفت الطرق ووقعت الحدود ~~فلا شفعة» . # وقال سعيد بن منصور: ثنا إسماعيل بن زكريا عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن ~~عوف بن عبد الله عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: " إذا ~~صرفت الحدود وعرف الناس حدودهم فلا شفعة بينهم ". # وقال أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عثمان بن عفان: إذا وقعت الحدود ~~في الأرض فلا شفعة ms0476 فيها، وهذا قول ابن العباس. # قالوا: ولا ريب أن الضرر اللاحق بالشركة هو ما توجبه من التزاحم في ~~المرافق والحقوق والإحداث والتغيير والإفضاء إلى التقاسم الموجب لنقص قيمة ~~ملكه عليه. # قالوا: وقد فرق الله بين الشريك والجار شرعا وقدرا؛ ففي الشركة حقوق لا ~~توجد في الجوار؛ فإن الملك في الشركة مختلط وفي الجوار متميز، ولكل من ~~الشريكين على صاحبه # PageV02P098 # مطالبة شرعية ومنع شرعي؛ أما المطالبة ففي القسمة، وأما المنع فمن ~~التصرف؛ فلما كانت الشركة محلا للطلب ومحلا للمنع كانت محلا للاستحقاق، ~~بخلاف الجواب، فلم يجز إلحاق الجار بالشريك وبينهما هذا الاختلاف، # والمعنى الذي وجبت به الشفعة رفع مؤنة المقاسمة، وهي مؤنة كثيرة، والشريك ~~لما باع حصته من غير شريكه فهذا الدخيل قد عرضه لمؤنة عظيمة، فمكنه الشارع ~~من التخلص منها بانتزاع الشقص على وجه لا يضر بالبائع ولا بالمشتري، ولم ~~يمكنه الشارع من الانتزاع قبل البيع؛ لأن شريكه مثله ومساو له في الدرجة، ~~فلا يستحق عليه شيئا إلا ولصاحبه مثل ذلك الحق عليه، فإذا باع صار المشتري ~~دخيلا، والشريك أصيل، فرجح جانبه وثبت له الاستحقاق. # قالوا: وكما أن الشارع يقصد رفع الضرر عن الجار فهو أيضا يقصد رفع الضرر ~~عن المشتري، ولا يزيل ضرر الجار بإدخال الضرر على المشتري؛ فإنه محتاج إلى ~~دار يسكنها هو وعياله، فإذا سلط الجار على إخراجه وانتزاع داره منه أضر به ~~إضرارا بينا، وأي دار اشتراها وله جار فحاله معه هكذا، وتطلبه دارا لا جار ~~لها كالمتعذر عليه أو كالمتعسر؛ فكان من تمام حكمة الشارع أن أسقط الشفعة ~~بوقوع الحدود وتصريف الطرق؛ لئلا يضر الناس بعضهم بعضا، ويتعذر على من أراد ~~شراء دار لها جار أن يتم له مقصوده، وهذا بخلاف الشريك، وإن المشتري لا ~~يمكنه الانتفاع بالحصة التي اشتراها، والشريك يمكنه ذلك بانضمامها إلى ~~ملكه، فليس على المشتري ضرر في انتزاعها منه وإعطائه ما اشتراها به. # قالوا: وحينئذ فتعين حمل أحاديث شفعة الجوار على مثل ما دلت عليه أحاديث ~~شفعة الشركة؛ فيكون لفظ الجار ms0477 فيها مرادا به الشريك، ووجه هذا الإطلاق ~~المعنى والاستعمال، أما المعنى فإن كل جزء من ملك الشريك مجاور لملك صاحبه، ~~فهما جاران حقيقة، وأما الاستعمال فإنهما خليطان متجاوران، ولذا سميت ~~الزوجة جارة كما قال الأعشى: # أجارتنا بيني فإنك طالقه # فتسمية الشريك جارا أولى وأحرى. # وقال حمل بن مالك: كنت بين جارتين لي، هذا إن لم يحتمل إلا إثبات الشفعة، ~~فأما إن كان المراد بالحق فيها حق الجار على جاره فلا حجة فيها على إثبات ~~الشفعة، وأيضا فإنه إنما أثبت له على البائع حق العرض عليه إذا أراد # PageV02P099 # البيع، فأين ثبوت حق الانتزاع من المشتري؟ ولا يلزم من ثبوت هذا الحق ~~ثبوت حق الانتزاع، فهذا منتهى إقدام الطائفتين في هذه المسألة. # والصواب القول الوسط الجامع بين الأدلة الذي لا يحتمل سواه، وهو قول ~~البصريين وغيرهم من فقهاء الحديث، أنه إن كان بين الجارين حق مشترك من حقوق ~~الأملاك من طريق أو ماء أو نحو ذلك ثبتت الشفعة، وإن لم يكن بينهما حق ~~مشترك ألبتة - بل كان كل واحد منهم متميزا ملكه وحقوق ملكه - فلا شفعة، ~~وهذا الذي نص عليه أحمد في رواية أبي طالب، فإنه سأله عن الشفعة: لمن هي؟ ~~فقال: إذا كان طريقهما واحدا، فإذا صرفت الطرق وعرفت الحدود فلا شفعة، وهو ~~قول عمر بن عبد العزيز، وقول القاضيين سوار بن عبيد الله، وعبيد الله بن ~~الحسن العنبري، وقال أحمد في رواية ابن مشيش: أهل البصرة يقولون: إذا كان ~~الطريق واحدا كان بينهم الشفعة مثل دارنا هذه، على معنى حديث جابر الذي ~~يحدثه عبد الملك، انتهى. # فأهل الكوفة يثبتون شفعة الجوار مع تميز الطرق والحقوق، وأهل المدينة ~~يسقطونها مع الاشتراك في الطريق والحقوق، وأهل البصرة يوافقون أهل المدينة ~~إذا صرفت الطرق ولم يكن هناك اشتراك في حق من حقوق الأملاك، ويوافقون أهل ~~الكوفة إذا اشترك الجاران في حق من حقوق الأملاك كالطريق وغيرها، وهذا هو ~~الصواب، وهو أعدل الأقوال، وهو اختيار شيخ الإسلام بن تيمية. # وحديث جابر الذي أنكره من ms0478 أنكره على عبد الملك صريح فيه، فإنه قال: ~~«الجار أحق بسقبه ينتظر به وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا» فأثبت ~~الشفعة بالجوار مع اتحاد الطريق، ونفاها به مع اختلاف الطريق بقوله: «فإذا ~~وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» فمفهوم حديث عبد الملك هو بعينه منطوق ~~حديث أبي سلمة، فأحدهما يصدق الآخر ويوافقه، لا يعارضه ويناقضه، وجابر روى ~~اللفظين؛ فالذي دل عليه حديث أبي سلمة عنه من إسقاط الشفعة عند تصريف الطرق ~~وتمييز الحدود هو بعينه الذي دل عليه حديث عبد الملك عن عطاء عنه بمفهومه، ~~والذي دل عليه حديث عبد الملك بمنطوقه هو الذي دلت عليه سائر أحاديث جابر ~~بمفهومها، فتوافقت السنن بحمد الله وائتلفت، وزال عنها ما يظن بها من ~~التعارض، وحديث أبي رافع الذي رواه البخاري يدل على مثل ما دل عليه حديث ~~عبد الملك؛ فإنه دل على الأخذ بالجوار حالة الشركة في الطريق، فإن البيتين ~~كانا في نفس دار سعد والطريق واحد بلا ريب. # PageV02P100 # والقياس الصحيح يقتضي هذا القول؛ فإن الاشتراك في حقوق الملك شقيق ~~الاشتراك في الملك، والضرر الحاصل بالشركة فيها كالضرر الحاصل بالشركة في ~~الملك أو أقرب إليه، ورفعه مصلحة للشريك من غير مضرة على البائع ولا على ~~المشتري؛ فالمعنى الذي وجبت لأجله شفعة الخلطة في الملك موجود في الخلطة في ~~حقوقه؛ فهذا المذهب أوسط المذاهب، وأجمعها للأدلة، وأقربها إلى العدل، ~~وعليه يحمل الاختلاف عن عمر - رضي الله عنه -؛ فحيث قال: لا شفعة ففيما إذا ~~وقعت الحدود وصرفت الطرق، وحيث أثبتها ففيما إذا لم تصرف الطرق، فإنه قد ~~روي عنه هذا وهذا، وكذلك ما روي عن علي كرم الله وجهه، فإنه قال: " إذا حدث ~~الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " ومن تأمل أحاديث شفعة الجوار رآها صريحة في ~~ذلك، وتبين له بطلان حملها على الشريك وعلى حق الجوار غير الشفعة، وبالله ~~التوفيق. # فإن قيل: بقي عليكم أن في حديث جابر وأبي هريرة: «فإذا وقعت الحدود فلا ~~شفعة» فأسقط الشفعة بمجرد وقوع الحدود، وعند أرباب هذا ms0479 القول إذا حصل ~~الاشتراك في الطريق فالشفعة ثابتة، وإن وقعت الحدود، وهذا خلاف الحديث. # فالجواب من وجهين: # أحدهما أن من الرواة من اختصر أحد اللفظين، ومنهم من جود الحديث فذكرهما، ~~ولا يكون إسقاط من أسقط أحد اللفظين مبطلا لحكم اللفظ الآخر. # الثاني - أن تصريف الطرق داخل في وقوع الحدود؛ فإن الطريق إذا كانت ~~مشتركة لم تكن الحدود كلها واقعة، بل بعضها حاصل، وبعضها منتف؛ فوقوع ~~الحدود من كل وجه يستلزم أو يتضمن تصريف الطرق، والله أعلم. ### | [فصل الحكمة في الفرق بين بعض الأيام وبعضها الآخر] # فصل: # [الحكمة في الفرق بين بعض الأيام وبعضها الآخر] # وأما قوله: " وحرم صوم أول يوم من شوال، وفرض صوم آخر يوم من رمضان مع ~~تساويهما " فالمقدمة الأولى صحيحة، والثانية كاذبة؛ فليس اليومان متساويين ~~وإن اشتركا في طلوع الشمس وغروبها؛ فهذا يوم من شهر الصيام الذي فرضه الله ~~على عباده، وهذا يوم عيدهم وسرورهم الذي جعله الله تعالى شكران صومهم ~~وإتمامه، فهم فيه أضيافه سبحانه، والجواد الكريم يحب من ضيفه أن يقبل قراه، ~~ويكره أن يمتنع من قبول ضيافته بصوم أو غيره، ويكره للضيف أن يصوم إلا بإذن ~~صاحب المنزل؛ فمن أعظم محاسن الشريعة فرض صوم آخر يوم من رمضان فإنه إتمام ~~لما أمر الله به وخاتمة العمل، وتحريم # PageV02P101 # صوم أول يوم من شوال فإنه يوم يكون فيه المسلمون أضياف ربهم تبارك ~~وتعالى، وهم في شكران نعمته عليهم، فأي شيء أبلغ وأحسن من هذا الإيجاب ~~والتحريم؟ ### | [فصل الحكمة في الفرق بين بنت الأخ وبنت العم ونحوها في النكاح] # فصل: # [الحكمة في الفرق بين بنت الأخ وبنت العم ونحوها] # وأما قوله: " وحرم عليه نكاح بنت أخيه وأخته، وأباح له نكاح بنت أخي أبيه ~~وبنت أخت أمه، وهما سواء " فالمقدمة الأولى صادقة، والثانية كاذبة؛ فليستا ~~سواء في نفس الأمر، ولا في العرف، ولا في العقول، ولا في الشريعة، وقد فرق ~~الله سبحانه بين القريب والبعيد شرعا وقدرا وعقلا وفطرة، ولو تساوت القرابة ~~لم يكن فرق بين البنت وبنت ms0480 الخالة وبنت العمة، وهذا من أفسد الأمور، ~~والقرابة البعيدة بمنزلة الأجانب؛ فليس من الحكمة والمصلحة أن تعطى حكم ~~القرابة القريبة، وهذا مما فطر الله عليه العقلاء، وما خالف شرعه في ذلك ~~فهو إما مجوسية تتضمن التسوية بين البنت والأم وبنات الأعمام والخالات في ~~نكاح الجميع، وإما حرج عظيم على العباد في تحريم نكاح بنات أعمامهم وعماتهم ~~وأخوالهم وخالاتهم؛ فإن الناس - ولا سيما العرب - أكثر بنو عم بعضهم لبعض ~~أما بنوة عم دانية أو قاصية، فلو منعوا من ذلك لكان عليهم فيه حرج عظيم ~~وضيق؛ فكان ما جاءت به الشريعة أحسن الأمور وألصقها بالعقول السليمة والفطر ~~المستقيمة، والحمد لله رب العالمين ### | [فصل حمل العاقلة جناية الخطأ على النفوس دون الأموال] # فصل: # وأما قوله: " وحمل العاقلة جناية الخطأ على النفوس دون الأموال " قد تقدم ~~أن هذا من محاسن الشريعة، وذكرنا من الفرق بين الأموال والنفوس ما أغنى عن ~~إعادته. ### | [فصل الحكمة في الفرق بين المستحاضة والحائض في الوطء] # فصل: # [الحكمة في الفرق بين المستحاضة والحائض] # وأما قوله: " وحرم وطء الحائض لأجل الأذى، وأباح وطء المستحاضة مع وجود ~~الأذى، وهما متساويان " فالمقدمة الأولى صادقة، والثانية فيها إجمال؛ فإن ~~أريد أن أذى الاستحاضة مساو لأذى الحيض كذبت المقدمة، وإن أريد أنه نوع آخر ~~من الأذى لم يكن التفريق بينهما تفريقا بين المتساويين، فبطل سؤاله على كلا ~~التقديرين. # ومن حكمة الشارع تفريقه بينهما؛ فإن أذى الحيض أعظم وأدوم وأضر من أذى ~~الاستحاضة، ودم الاستحاضة عرق، وهو في الفرج بمنزله الرعاف في الأنف، ~~وخروجه # PageV02P102 # مضر، وانقطاعه دليل على الصحة، ودم الحيض عكس ذلك، ولا يستوي الدمان ~~حقيقة ولا عرفا ولا حكما ولا سببا؛ فمن كمال الشريعة تفريقها بين الدمين في ~~الحكم كما افترقا في الحقيقة، وبالله التوفيق. ### | [فصل الحكمة في الفرق بين اتحاد الجنس واختلافه في تحريم الربا] # فصل: # [الحكمة في الفرق بين اتحاد الجنس واختلافه في تحريم الربا] # وأما قوله: " وحرم بيع مد حنطة بمد وحفنة، وجوز بيعه بقفيز شعير " فهذا ~~من محاسن الشريعة التي ms0481 لا يهتدي إليها إلا أولو العقول الوافرة، ونحن نشير ~~إلى حكمة ذلك إشارة بحسب عقولنا الضعيفة وعباراتنا القاصرة، وشرع الرب ~~تعالى وحكمته فوق عقولنا وعباراتنا، فنقول: [الربا نوعان جلي وخفي والجلي ~~النسيئة] . الربا نوعان: جلي وخفي، فالجلي حرم لما فيه من الضرر العظيم، ~~والخفي حرم؛ لأنه ذريعة إلى الجلي؛ فتحريم الأول قصدا، وتحريم الثاني ~~وسيلة: فأما الجلي فربا النسيئة، وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، مثل ~~أن يؤخر دينه ويزيده في المال، وكلما أخره زاد في المال، حتى تصير المائة ~~عنده آلافا مؤلفة؛ وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج؛ فإذا رأى أن ~~المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادة يبذلها له تكلف بذلها ليفتدي من ~~أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت، فيشتد ضرره، وتعظم مصيبته، ~~ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده، فيربو المال على المحتاج من غير نفع ~~يحصل له، ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه، فيأكل مال أخيه ~~بالباطل، ويحصل أخوه على غاية الضرر، فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته ~~وإحسانه إلى خلقه أن حرم الربا، ولعن آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه، وآذن من ~~لم يدعه بحربه وحرب رسوله، ولم يجئ مثل هذا الوعيد في كبيرة غيره، ولهذا ~~كان من أكبر الكبائر، وسئل الإمام أحمد عن الربا الذي لا شك فيه فقال: هو ~~أن يكون له دين فيقول له: أتقضي أم تربي؟ فإن لم يقضه زاده في المال وزاده ~~هذا في الأجل؛ وقد جعل الله سبحانه الربا ضد الصدقة، فالمرابي ضد المتصدق، ~~قال الله تعالى: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} [البقرة: 276] وقال: {وما ~~آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة ~~تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} [الروم: 39] وقال: {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون} [آل عمران: ~~130] {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} [آل عمران: 131] # PageV02P103 # ثم ذكر الجنة التي أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء، وهؤلاء ~~ضد المرابين، فنهى سبحانه عن ms0482 الربا الذي هو ظلم للناس، وأمر بالصدقة التي ~~هي إحسان إليهم. # وفي الصحيحين من حديث ابن عباس عن أسامة بن زيد أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «إنما الربا في النسيئة» ومثل هذا يراد به حصر الكمال وأن ~~الربا الكامل إنما هو في النسيئة، كما قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم ~~يتوكلون} [الأنفال: 2] إلى قوله: {أولئك هم المؤمنون حقا} [الأنفال: 4] ~~وكقول ابن مسعود: " إنما العالم الذي يخشى الله ". ### | [فصل ربا الفضل] # فصل: # [ربا الفضل] # وأما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع، كما صرح به في حديث أبي سعيد ~~الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبيعوا ~~الدرهم بالدرهمين؛ فإني أخاف عليكم الرما» والرما هو الربا، فمنعهم من ربا ~~الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة، وذلك أنهم إذا باعوا درهما بدرهمين، ~~ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين - إما في الجودة، وإما في ~~السكة، وإما في الثقل والخفة، وغير ذلك - تدرجوا بالربح المعجل فيها إلى ~~الربح المؤخر، وهو عين ربا النسيئة، وهذه ذريعة قريبة جدا؛ فمن حكمة الشارع ~~أن سد عليهم هذه الذريعة، ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقدا ونسيئة؛ فهذه ~~حكمة معقولة مطابقة للعقول، وهي تسد عليهم باب المفسدة. # [الأجناس التي يحرم فيها ربا الفضل وآراء العلماء في ذلك] # فإذا تبين هذا فنقول: الشارع نص على تحريم ربا الفضل في ستة أعيان، وهي ~~الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، فاتفق الناس على تحريم ~~التفاضل فيها مع اتحاد الجنس، وتنازعوا فيما عداها؛ فطائفة قصرت التحريم ~~عليها، وأقدم من يروى هذا عنه قتادة، وهو مذهب أهل الظاهر، واختيار ابن ~~عقيل في آخر مصنفاته مع قوله بالقياس، قال: لأن علل القياسيين في مسألة ~~الربا علل ضعيفة، وإذا لم تظهر في علة امتنع القياس. # وطائفة حرمته في كل مكيل وموزون بجنسه، وهذا مذهب عمار وأحمد في ظاهر ~~مذهبه وأبي حنيفة، وطائفة خصته بالطعام وإن ms0483 لم يكن مكيلا ولا موزونا، وهو ~~قول الشافعي ورواية عن الإمام أحمد، وطائفة خصته بالطعام إذا كان مكيلا أو ~~موزونا، وهو قول سعيد بن المسيب # PageV02P104 # ورواية عن أحمد وقول للشافعي، وطائفة خصته بالقوت وما يصلحه، وهو قول ~~مالك، وهو أرجح هذه الأقوال كما ستراه. # وأما الدراهم والدنانير، فقالت طائفة: العلة فيهما كونهما موزونين، وهذا ~~مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه ومذهب أبي حنيفة، وطائفة قالت: العلة ~~فيهما الثمنية، وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى، وهذا هو ~~الصحيح بل الصواب، فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس ~~والحديد وغيرهما؛ فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل ~~بدراهم نقدا؛ فإن ما يجري فيه الرد إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون ~~النساء، والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها. # وأيضا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة، فهو طرد محض، بخلاف التعليل ~~بالثمنية، فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي ~~به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودا مضبوطا لا يرتفع ولا ينخفض؛ إذ ~~لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل ~~الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، ~~وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به ~~الأشياء، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره؛ إذ يصير سلعة يرتفع ~~وينخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف، ويشتد الضرر، كما رأيت من فساد ~~معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر ~~وحصل الظلم، ولو جعلت ثمنا واحدا لا يزداد ولا ينقص بل تقوم به الأشياء ولا ~~تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس، فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير - ~~مثل أن يعطي صحاحا ويأخذ مكسرة أو خفافا ويأخذ ثقالا أكثر منها - لصارت ~~متجرا، أو جر ذلك إلى ربا النسيئة فيها ولا بد؛ فالأثمان لا تقصد لأعيانها، ~~بل يقصد التوصل بها إلى ms0484 السلع، فإذا صارت في أنفسها سلعا تقصد لأعيانها فسد ~~أمر الناس، وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات. ### | [فصل حكمة تحريم ربا النساء في المطعوم] # فصل: # [حكمة تحريم ربا النساء في المطعوم] # وأما الأصناف الأربعة المطعومة فحاجة الناس إليها أعظم من حاجتهم إلى ~~غيرها؛ لأنها أقوات العالم، وما يصلحها؛ فمن رعاية # مصالح العباد # أن منعوا من بيع بعضها ببعض إلى أجل، سواء اتحد الجنس أو اختلف، ومنعوا ~~من بيع بعضها ببعض حالا متفاضلا وإن اختلفت صفاتها؛ وجوز لهم التفاضل فيها ~~مع اختلاف أجناسها. # PageV02P105 # وسر ذلك - والله أعلم - أنه لو جوز بيع بعضها ببعض نساء لم يفعل ذلك أحد ~~إلا إذا ربح، وحينئذ تسمح نفسه ببيعها حالة لطمعه في الربح، فيعز الطعام ~~على المحتاج، ويشتد ضرره، وعامة أهل الأرض ليس عندهم دراهم ولا دنانير، لا ~~سيما أهل العمود والبوادي، وإنما يتناقلون الطعام بالطعام؛ فكان من رحمة ~~الشارع بهم وحكمته أن منعهم من ربا النساء فيها كما منعهم من ربا النساء في ~~الأثمان؛ إذ لو جوز لهم النساء فيها لدخلها: " إما أن تقضي وإما أن تربي " ~~فيصير الصاع الواحد لو أخذ قفزانا كثيرة، ففطموا عن النساء، ثم فطموا عن ~~بيعها متفاضلا يدا بيد، إذ تجرهم حلاوة الربح وظفر الكسب إلى التجارة فيها ~~نساء وهو عين المفسدة، وهذا بخلاف الجنسين المتباينين؛ فإن حقائقهما ~~وصفاتهما ومقاصدهما مختلفة؛ ففي إلزامهم المساواة في بيعها إضرار بهم، ولا ~~يفعلونه، وفي تجويز النساء بينها ذريعة إلى: " إما أن تقضي وإما أن تربي " ~~فكان من تمام رعاية مصالحهم أن قصرهم على بيعها يدا بيد كيف شاءوا، فحصلت ~~لهم مصلحة المبادلة، واندفعت عنهم مفسدة: " إما أن تقضي وإما أن تربي ". ~~وهذا بخلاف ما إذا بيعت بالدراهم أو غيرها من الموزونات نساء فإن الحاجة ~~داعية إلى ذلك، فلو منعوا منه لأضر بهم، ولامتنع السلم الذي هو من مصالحهم ~~فيما هم محتاجون إليه أكثر من غيرهم، والشريعة لا تأتي بهذا، وليس بهم حاجة ~~في بيع هذه الأصناف بعضها ببعض ms0485 نساء وهو ذريعة قريبة إلى مفسدة الربا، ~~فأبيح لهم في جميع ذلك ما تدعو إليه حاجتهم وليس بذريعة إلى مفسدة راجحة، ~~ومنعوا مما لا تدعو الحاجة إليه ويتذرع به غالبا إلى مفسدة راجحة. # يوضح ذلك أن من عنده صنف من هذه الأصناف وهو محتاج إلى الصنف الآخر فإنه ~~يحتاج إلى بيعه بالدراهم ليشتري الصنف الآخر، كما قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبا» أو تبيعه بذلك ~~الصنف نفسه بما يساوي، وعلى كلا التقديرين يحتاج إلى بيعه حالا، بخلاف ما ~~إذا مكن من النساء، فإنه حينئذ يبيعه بفضل، ويحتاج أن يشتري الصنف الآخر ~~بفضل؛ لأن صاحب ذلك الصنف يربي عليه كما أربى هو على غيره، فينشأ من النساء ~~تضرر بكل واحد منهما، والنساء ههنا في صنفين، وفي النوع الأول في صنف واحد، ~~وكلاهما منشأ الضرر والفساد. # وإذا تأملت ما حرم فيه النساء رأيته إما صنفا واحدا أو صنفين مقصودهما ~~واحد أو متقارب، كالدراهم والدنانير، والبر والشعير، والتمر والزبيب، فإذا ~~تباعدت المقاصد لم يحرم النساء كالبر والثياب والحديد والزيت. # PageV02P106 # يوضح ذلك أنه لو مكن من بيع مد حنطة بمدين كان ذلك تجارة حاضرة، فتطلب ~~النفوس التجارة المؤخرة للذة الكسب وحلاوته؛ فمنعوا من ذلك حتى منعوا من ~~التفرق قبل القبض إتماما لهذه الحكمة، ورعاية لهذه المصلحة؛ فإن المتعاقدين ~~قد يتعاقدان على الحلول، والعادة جارية بصبر أحدهما على الآخر، وكما يفعل ~~أرباب الحيل: يطلقون العقد وقد تواطئوا على أمر آخر، كما يطلقون عقد النكاح ~~وقد اتفقوا على التحليل، ويطلقون بيع السلعة إلى أجل وقد اتفقوا على أنه ~~يعيدها إليه بدون ذلك الثمن؛ فلو جوز لهم التفرق قبل القبض لأطلقوا البيع ~~حالا وأخروا الطلب لأجل الربح، فيقعوا في نفس المحذور. # وسر المسألة أنهم منعوا من التجارة في الأثمان بجنسها؛ لأن ذلك يفسد ~~عليهم مقصود الأثمان، ومنعوا من التجارة في الأقوات بجنسها؛ لأن ذلك يفسد ~~عليهم مقصود الأقوات، وهذا المعنى بعينه موجود في بيع التبر والعين؛ لأن ~~التبر ليس فيه ms0486 صنعة يقصد لأجلها؛ فهو بمنزلة الدراهم التي قصد الشارع ألا ~~يفاضل بينها، ولهذا قال: " تبرها وعينها سواء " فظهرت حكمة تحريم ربا ~~النساء في الجنس والجنسين، وربا الفضل في الجنس الواحد، وأن تحريم هذا ~~تحريم المقاصد وتحريم الآخر تحريم الوسائل وسد الذرائع، ولهذا لم يبح شيء ~~من ربا النسيئة. ### | [فصل حكمة إباحة العرايا ونحوها] # فصل: # [حكمة إباحة العرايا ونحوها] # وأما ربا الفضل فأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة كالعرايا؛ فإن ما حرم سدا ~~للذريعة أخف مما حرم تحريم المقاصد، وعلى هذا فالمصوغ والحيلة إن كانت ~~صياغته محرمة كالآنية حرم بيعه بجنسه وغير جنسه، وبيع هذا هو الذي أنكره ~~عبادة على معاوية؛ فإنه يتضمن مقابلة الصياغة المحرمة بالأثمان، وهذا لا ~~يجوز كآلات الملاهي. وأما إن كانت الصياغة مباحة - كخاتم الفضة وحلية ~~النساء وما أبيح من حلية السلاح وغيرها - فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من ~~جنسها فإنه سفه وإضاعة للصنعة. والشارع أحكم من أن يلزم الأمة بذلك، ~~فالشريعة لا تأتي به، ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه # لحاجة # الناس إليه؛ فلم يبق إلا أن يقال: لا يجوز بيعها بجنسها ألبتة، بل يبيعها ~~بجنس آخر، وفي هذا من الحرج والعسر والمشقة ما تتقيه الشريعة؛ فإن أكثر ~~الناس ليس عندهم ذهب يشترون به ما يحتاجون إليه من ذلك، والبائع لا يسمح ~~ببيعه ببر وشعير وثياب؛ وتكليف الاستصناع لكل من احتاج # PageV02P107 # إليه إما متعذر أو متعسر، والحيل باطلة في الشرع وقد جوز الشارع بيع ~~الرطب بالتمر لشهوة الرطب، وأين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذي تدعو ~~الحاجة إلى بيعه وشرائه؟ فلم يبق إلا جواز بيعه كما تباع السلع؛ فلو لم يجز ~~بيعه بالدراهم فسدت # مصالح الناس # ، والنصوص الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس فيها ما هو صريح ~~في المنع، وغايتها أن تكون عامة أو مطلقة، ولا ينكر تخصيص العام وتقييد ~~المطلق بالقياس الجلي، وهي بمنزلة نصوص وجوب الزكاة في الذهب والفضة، ~~والجمهور يقولون: لم تدخل في ذلك الحيلة، ولا سيما فإن لفظ ms0487 النصوص في ~~الموضعين قد ذكر تارة بلفظ الدراهم والدنانير كقوله: «الدراهم بالدراهم ~~والدنانير بالدنانير» وفي الزكاة قوله: «في الرقة ربع العشر» والرقة: هي ~~الورق، وهي الدراهم المضروبة، وتارة بلفظ الذهب والفضة؛ فإن حمل المطلق على ~~المقيد كان نهيا عن الربا في النقدين وإيجابا للزكاة فيهما، ولا يقتضي ذلك ~~نفي الحكم عن جملة ما عداهما، بل فيه تفصيل؛ فتجب الزكاة ويجري الربا في ~~بعض صوره لا في كلها، وفي هذا توفية الأدلة حقها، وليس فيه مخالفة بشيء ~~لدليل منها. # يوضحه أن الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع، لا ~~من جنس الأثمان، ولهذا لم تجب فيها الزكاة، فلا يجري الربا بينها وبين ~~الأثمان كما لا يجري بين الأثمان وبين سائر السلع، وإن كانت من غير جنسها، ~~فإن هذه بالصناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان، وأعدت للتجارة، فلا محذور في ~~بيعها بجنسها، ولا يدخلها: " إما أن تقضي وإما أن تربي " إلا كما يدخل في ~~سائر السلع إذا بيعت بالثمن المؤجل، ولا ريب أن هذا قد يقع فيها، لكن لو سد ~~على الناس ذلك لسد عليهم باب الدين، وتضرروا بذلك غاية الضرر. # يوضحه أن الناس على عهد نبيهم - صلى الله عليه وسلم - كانوا يتخذون ~~الحلية، وكان النساء يلبسنها، وكن يتصدقن بها في الأعياد وغيرها؛ ومن ~~المعلوم بالضرورة أنه كان يعطيها للمحاويج، ويعلم أنهم يبيعونها؛ ومعلوم ~~قطعا أنها لا تباع بوزنها فإنه سفه، ومعلوم أن مثل الحلقة والخاتم والفتخة ~~لا تساوي دينارا، ولم يكن عندهم فلوس يتعاملون بها، وهم كانوا أتقى لله ~~وأفقه في دينه وأعلم بمقاصد رسوله من أن يرتكبوا الحيل أو يعلموها الناس. # يوضحه أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة أنه نهى أن يباع الحلي إلا بغير ~~جنسه أو بوزنه، والمنقول عنهم إنما هو في الصرف. # يوضحه أن تحريم ربا الفضل إنما كان سدا للذريعة كما تقدم بيانه، وما حرم ~~سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيحت العرايا من ربا الفضل، وكما ~~أبيحت ذوات # PageV02P108 # الأسباب من الصلاة بعد الفجر ms0488 والعصر، وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد ~~والطبيب والمعامل من جملة النظر المحرم، وكذلك تحريم الذهب والحرير على ~~الرجال حرم لسد ذريعة التشبيه بالنساء الملعون فاعله، وأبيح منه ما تدعو ~~إليه الحاجة، وكذلك ينبغي أن يباح بيع الحلية المصوغة صياغة مباحة بأكثر من ~~وزنها؛ لأن # الحاجة # تدعو إلى ذلك، وتحريم التفاضل إنما كان سدا للذريعة؛ فهذا محض القياس ~~ومقتضى أصول الشرع، ولا تتم مصلحة الناس إلا به أوبالحيل، والحيل باطلة في ~~الشرع، وغاية ما في ذلك جعل الزيادة في مقابلة الصياغة المباحة المتقومة ~~بالأثمان في الغصوب وغيرها، وإذا كان أرباب الحيل يجوزون بيع عشرة بخمسة ~~عشر في خرقة تساوي فلسا، ويقولون: الخمسة في مقابلة الخرقة، فكيف ينكرون ~~بيع الحلية بوزنها وزيادة تساوي الصناعة؟ وكيف تأتي الشريعة الكاملة ~~الفاضلة التي بهرت العقول حكمة وعدلا ورحمة وجلالة بإباحة هذا وتحريم ذلك، ~~وهل هذا إلا عكس للمعقول والفطر والمصلحة؟ والذي يقضي منه العجب مبالغتهم ~~في ربا الفضل أعظم مبالغة، حتى منعوا بيع رطل زيت برطل زيت، وحرموا بيع ~~الكسب بالسمسم، وبيع النشا بالحنطة، وبيع الخل بالزبيب، ونحو ذلك، وحرموا ~~بيع مد حنطة ودرهم بمد ودرهم وجاءوا إلى ربا الفضل النسيئة ففتحوا للتحيل ~~عليه كل باب، فتارة بالعينة، وتارة بالمحلل، وتارة بالشرط المتقدم المتواطأ ~~عليه ثم يطلقون العقد من غير اشتراط، وقد علم الله والكرام الكاتبون ~~والمتعاقدان ومن حضر أنه عقد ربا مقصوده وروحه بيع خمسة عشر مؤجلة بعشرة ~~نقدا ليس إلا، ودخول السلعة كخروجها حرف جاء لمعنى في غيره، فهلا فعلوا ~~ههنا كما فعلوا في مسألة مد عجوة ودرهم بمد ودرهم، وقالوا: قد يجعل وسيلة ~~إلى ربا الفضل بأن يكون المد في أحد الجانبين يساوي بعض مد في الجانب الآخر ~~فيقع التفاضل؟ فيا لله العجب، كيف حرمت هذه الذريعة إلى ربا الفضل وأبيحت ~~تلك الذرائع القريبة الموصلة إلى ربا النسيئة بحتا خالصا؟ وأين مفسدة بيع ~~الحلية بجنسها ومقابلة الصياغة بحظها من الثمن إلى مفسدة الحيل الربوية ~~التي هي أساس كل مفسدة وأصل كل بلية؟ ms0489 وإذا حصحص الحق فليقل المتعصب الجاهل ~~ما شاء، وبالله التوفيق. # [السر في أنه ليس للصفات في البيوع مقابل؟] # فإن قيل: الصفات لا تقابل بالزيادة، ولو قوبلت بها لجاز بيع الفضة الجيدة ~~بأكثر منها من الرديئة، وبيع التمر الجيد بأزيد منه من الرديء، ولما أبطل ~~الشارع ذلك علم أنه منع من مقابلة الصفات بالزيادة. # PageV02P109 # قيل: الفرق بين الصنعة التي هي أثر فعل الآدمي وتقابل بالأثمان ويستحق ~~عليها الأجرة وبين الصفة التي هي مخلوقة لله لا أثر للعبد فيها ولا هي من ~~صنعته؛ فالشارع بحكمته وعدله منع من مقابلة هذه الصفة بزيادة؛ إذ ذلك يفضي ~~إلى نقض ما شرعه من المنع من التفاضل؛ فإن التفاوت في هذه الأجناس ظاهر، ~~والعاقل لا يبيع جنسا بجنسه إلا لما هو بينهما من التفاوت، فإن كانا ~~متساويين من كل وجه لم يفعل ذلك، فلو جوز لهم مقابلة الصفات بالزيادة لم ~~يحرم عليهم ربا الفضل، وهذا بخلاف الصياغة التي جوز لهم المعاوضة عليها ~~معه. # يوضحه أن المعاوضة إذا جازت على هذه الصياغة مفردة جازت عليها مضمومة إلى ~~غير أصلها وجوهرها؛ إذ لا فرق بينهما في ذلك. # يوضحه أن الشارع لا يقول لصاحب هذه الصياغة: بع هذا المصوغ بوزنه واخسر ~~صياغتك، ولا يقول له: لا تعمل هذه الصياغة واتركها، ولا يقول له: تحيل على ~~بيع المصوغ بأكثر من وزنه بأنواع الحيل، ولم يقل قط: لا تبعه إلا بغير ~~جنسه، ولم يحرم على أحد أن يبيع شيئا من الأشياء بجنسه. # فإن قيل: فهب أن هذا قد سلم لكم في المصوغ، فكيف يسلم لكم في الدراهم ~~والدنانير المضروبة إذا بيعت بالسبائك مفاضلا وتكون الزيادة في مقابلة ~~صناعة الضرب؟ قيل: هذا سؤال قوي وارد، وجوابه أن السكة لا تتقوم فيه ~~الصناعة # للمصلحة # العامة المقصودة منها؛ فإن السلطان يضربها لمصلحة الناس العامة، وإن كان ~~الضارب يضربها بأجرة فإن القصد بها أن تكون معيارا للناس لا يتجرون فيها ~~كما تقدم، والسكة فيها غير مقابلة بالزيادة في العرف، ولو قوبلت بالزيادة ~~فسدت المعاملة، وانتقضت ms0490 المصلحة التي ضربت لأجلها، واتخذها الناس سلعة، ~~واحتاجت إلى التقويم بغيرها، ولهذا قام الدرهم مقام الدرهم من كل وجه، وإذا ~~أخذ الرجل الدراهم رد نظيرها، وليس المصوغ كذلك، ألا ترى أن الرجل يأخذ ~~مائة خفافا ويرد خمسين ثقالا بوزنها ولا يأبى ذلك الآخذ ولا القابض ولا يرى ~~أحدهما أنه قد خسر شيئا؟ وهذا بخلاف المصوغ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وخلفاؤه لم يضربوا درهما واحدا، وأول من ضربها في الإسلام عبد الملك بن ~~مروان، وإنما كانوا يتعاملون بضرب الكفار. # فإن قيل: فيلزمكم على هذا أن تجوزوا بيع فروع الأجناس بأصولها متفاضلا؛ ~~فجوزوا بيع الحنطة بالخبز متفاضلا والزيت بالزيتون والسمسم بالشيرج. # PageV02P110 # قيل: هذا سؤال وارد أيضا، وجوابه أن التحريم إنما يثبت بنص أو إجماع أو ~~تكون الصورة المحرمة بالقياس مساوية من كل وجه للمنصوص على تحريمها، ~~والثلاثة منتفية في فروع الأجناس مع أصولها، وقد تقدم أن غير الأصناف ~~الأربعة لا يقوم مقامها ولا يساويها في إلحاقها بها، وأما الأصناف الأربعة ~~ففرعها إن خرج عن كونه قوتا لم يكن من الربويات، وإن كانت قوتا كان جنسا ~~قائما بنفسه، وحرم بيعه بجنسه الذي هو مثله متفاضلا كالدقيق بالدقيق والخبز ~~بالخبز، ولم يحرم بيعه بجنس آخر وإن كان جنسهما واحدا؛ فلا يحرم السمسم ~~بالشيرج ولا الهريسة بالخبز؛ فإن هذه الصناعة لها قيمة؛ فلا تضيع على ~~صاحبها، ولم يحرم بيعها بأصولها في كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، ولا ~~حرام إلا ما حرمه الله كما أنه لا عبادة إلا ما شرعها الله، وتحريم الحلال ~~كتحليل الحرام. ### | [بيع اللحم بالحيوان] # [الخلاف في بيع اللحم بالحيوان] # فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم ببيع اللحم بالحيوان، فإنكم إن منعتموه نقضتم ~~قولكم، وإن جوزتموه خالفتم النص، وإذا كان النص قد منع من بيع اللحم ~~بالحيوان فهو دليل على المنع من بيع الخبز بالبر والزيت بالزيتون وكل ربوي ~~بأصله. # قيل: الكلام في هذا الحديث في مقامين: أحدهما في صحته، والثاني في معناه؛ ~~أما الأول فهو حديث لا يصح موصولا، وإنما ms0491 هو صحيح مرسلا؛ فمن لم يحتج ~~بالمرسل لم يرد عليه، ومن رأى قبول المرسل مطلقا أو مراسيل سعيد بن المسيب ~~فهو حجة عنده، قال أبو عمر: لا أعلم حديث النهي عن بيع اللحم بالحيوان ~~متصلا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجه ثابت، وأحسن أسانيده مرسل ~~سعيد بن المسيب كما ذكره مالك في موطئه، وقد اختلف الفقهاء في القول بهذا ~~الحديث والعمل به والمراد منه؛ فكان مالك يقول: معنى الحديث تحريم التفاضل ~~في الجنس الواحد حيوانه بلحمه، وهو عنده من باب المزابنة والغرر والقمار؛ ~~لأنه لا يدري هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطى أو أقل أو أكثر، وبيع ~~اللحم باللحم لا يجوز متفاضلا، فكان بيع الحيوان باللحم كبيع اللحم المغيب ~~في جلده بلحم إذا كانا من جنس واحد، قال: وإذا اختلف الجنسان فلا خلاف عن ~~مالك وأصحابه أنه جائز حينئذ بيع اللحم بالحيوان. وأما أهل الكوفة كأبي ~~حنيفة وأصحابه فلا يأخذون بهذا الحديث، ويجوزون بيع اللحم بالحيوان مطلقا. ~~وأما أحمد فيمنع بيعه بحيوان من جنسه، ولا يمنع بيعه بغير جنسه، وإن منعه ~~بعض أصحابه، وأما الشافعي فيمنع بيعه بجنسه وبغير جنسه، وروى الشافعي عن ~~ابن عباس أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر الصديق، # PageV02P111 # فقسمت على عشرة أجزاء، فقال رجل: أعطوني جزءا منها بشاة، فقال أبو بكر: ~~لا يصلح هذا. قال الشافعي: ولست أعلم لأبي بكر في ذلك مخالفا من الصحابة. # والصواب في هذا الحديث - إن ثبت - أن المراد به إذا كان الحيوان مقصودا ~~للحم كشاة يقصد لحمها فتباع بلحم؛ فيكون قد باع لحما بلحم أكثر منه من جنس ~~واحد، واللحم قوت موزون فيدخله ربا الفضل. وأما إذا كان الحيوان غير مقصود ~~به اللحم كما إذا كان غير مأكول أو مأكولا لا يقصد لحمه كالفرس تباع بلحم ~~إبل فهذا لا يحرم بيعه به، بقي إذا كان الحيوان مأكولا لا يقصد لحمه وهو من ~~غير جنس اللحم فهذا يشبه المزابنة بين الجنسين كبيع صبرة تمر بصبرة زبيب، ~~وأكثر الفقهاء ms0492 لا يمنعون من ذلك، إذ غايته التفاضل بين الجنسين، والتفاضل ~~المتحقق جائز بينهما فكيف بالمظنون؟ وأحمد في إحدى الروايتين عنه يمنع ذلك، ~~لا لأجل التفاضل، ولكن لأجل المزابنة وشبه القمار، وعلى هذا فيمتنع بيع ~~اللحم بحيوان من غير جنسه، والله أعلم. . ### | [فصل الحكمة في وجوب إحداد المرأة على زوجها أكثر مما تحد على أبيها] # فصل: # [الحكمة في وجوب إحداد المرأة على زوجها أكثر مما تحد على أبيها] # وأما قوله: " ومنع المرأة من الإحداد على أمها وأبيها فوق ثلاث، وأوجبه ~~على زوجها أربعة أشهر وعشرا وهو أجنبي " فيقال: هذا من تمام محاسن هذه ~~الشريعة وحكمتها ورعايتها # لمصالح # العباد على أكمل الوجوه؛ فإن الإحداد على الميت من تعظيم مصيبة الموت ~~التي كان أهل الجاهلية يبالغون فيها أعظم مبالغة، ويضيفون إلى ذلك شق ~~الجيوب، ولطم الخدود، وحلق الشعور، والدعاء بالويل والثبور، وتمكث المرأة ~~سنة في أضيق بيت وأوحشه لا تمس طيبا ولا تدهن ولا تغتسل إلى غير ذلك مما هو ~~تسخط على الرب تعالى وأقداره، فأبطل الله سبحانه برحمته ورأفته سنة ~~الجاهلية، وأبدلنا بها الصبر والحمد والاسترجاع الذي هو أنفع للمصاب في ~~عاجلته وآجلته؛ ولما كانت مصيبة الموت لا بد أن تحدث للمصاب من الجزع ~~والألم والحزن ما تتقاضاه الطباع سمح لها الحكيم الخبير في اليسير من ذلك، ~~وهو ثلاثة أيام تجد بها نوع راحة وتقضي بها وطرا من الحزن، كما رخص للمهاجر ~~أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا، وما زاد على الثلاث فمفسدته راجحة، فمنع ~~منه، بخلاف مفسدة الثلاث فإنها مرجوحة مغمورة بمصلحتها، فإن فطام النفوس عن ~~مألوفاتها بالكلية من أشق الأمور عليها، فأعطيت بعض الشيء ليسهل عليها ترك ~~الباقي، فإن النفس إذا أخذت بعض مرادها قنعت به، فإذا سئلت ترك الباقي كانت ~~إجابتها إليه أقرب من إجابتها لو حرمت بالكلية. # PageV02P112 # ومن تأمل أسرار الشريعة وتدبر حكمها رأى ذلك ظاهرا على صفحات أوامرها ~~ونواهيها، باديا لمن نظره نافذ؛ فإذا حرم عليهم شيئا عوضهم عنه بما هو خير ~~لهم منه وأنفع، وأباح ms0493 لهم منه ما تدعو حاجتهم إليه ليسهل عليهم تركه، كما ~~حرم عليهم بيع الرطب بالتمر، وأباح لهم منه العرايا، وحرم عليهم النظر إلى ~~الأجنبية، وأباح لهم منه نظر الخاطب والمعامل والطبيب، وحرم عليهم أكل ~~المال بالمغالبات الباطلة كالنرد والشطرنج وغيرهما، وأباح لهم أكله ~~بالمغالبات النافعة كالمسابقة والنضال، وحرم عليهم لباس الحرير، وأباح لهم ~~منه اليسير الذي تدعو الحاجة إليه، وحرم عليهم كسب المال بربا النسيئة، ~~وأباح لهم كسبه بالسلم، وحرم عليهم في الصيام وطء نسائهم وعوضهم عن ذلك بأن ~~أباحه لهم ليلا؛ فسهل عليهم تركه بالنهار، وحرم عليهم الزنا وعوضهم بأخذ ~~ثانية وثالثة ورابعة ومن الإماء ما شاءوا؛ فسهل عليهم تركه غاية التسهيل، ~~وحرم عليهم الاستقسام بالأزلام وعوضهم عنه بالاستخارة ودعائها ويا بعد ما ~~بينهما، وحرم عليهم نكاح أقاربهم وأباح لهم منه بنات العم والعمة والخال ~~والخالة، وحرم عليهم وطء الحائض وسمح لهم في مباشرتها وأن يصنعوا بها كل ~~شيء إلا الوطء فسهل عليهم تركه غاية السهولة، وحرم عليهم الكذب وأباح لهم ~~المعاريض التي لا يحتاج من عرفها إلى الكذب معها ألبتة، وأشار إلى هذا - ~~صلى الله عليه وسلم - بقوله: «إن في المعاريض مندوحة عن الكذب» وحرم عليهم ~~الخيلاء بالقول والفعل وأباحها لهم في الحرب لما فيها من # المصلحة الراجحة # الموافقة لمقصود الجهاد، وحرم عليهم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ~~وعوضهم عن ذلك بسائر أنواع الوحوش والطير على اختلاف أجناسها وأنواعها، ~~وبالجملة فما حرم عليهم خبيثا ولا ضارا إلا أباح لهم طيبا بإزائه أنفع لهم ~~منه، ولا أمرهم بأمر إلا وأعانهم عليه فوسعتهم رحمته ووسعهم تكليفه. # والمقصود أنه أباح للنساء - لضعف عقولهن وقلة صبرهن - الإحداد على موتاهن ~~ثلاثة أيام، وأما الإحداد على الزوج فإنه تابع للعدة وهو من مقتضياتها ~~ومكملاتها، فإن المرأة إنما تحتاج إلى التزين والتجمل والتعطر، لتتحبب إلى ~~زوجها، وترد لها نفسه، ويحسن ما بينهما من العشرة، فإذا مات الزوج واعتدت ~~منه وهي لم تصل إلى زوج آخر، فاقتضى تمام حق الأول وتأكيد المنع من ms0494 الثاني ~~قبل بلوغ الكتاب أجله أن تمنع مما تصنعه النساء لأزواجهن، مع ما في ذلك من ~~سد الذريعة إلى طمعها في الرجال وطمعهم فيها بالزينة والخضاب والتطيب، فإذا ~~بلغ الكتاب أجله صارت محتاجة إلى ما يرغب في نكاحها، فأبيح لها من ذلك ما ~~يباح لذات الزوج، فلا شيء أبلغ في الحسن من هذا المنع والإباحة، ولو اقترحت ~~عقول العالمين لم تقترح شيئا أحسن منه. # PageV02P113 ### | [فصل الحكمة في مساواة المرأة للرجل في بعض الأحكام دون بعض] # فصل: # [الحكمة في مساواة المرأة للرجل في بعض الأحكام دون بعض] : وأما قوله: " ~~وسوى بين الرجل والمرأة في العبادات البدنية والحدود، وجعلها على النصف منه ~~في الدية والشهادة والميراث والعقيقة " فهذا أيضا من كمال شريعته وحكمتها ~~ولطفها؛ فإن مصلحة العبادات البدنية ومصلحة العقوبات الرجال والنساء ~~مشتركون فيها، وحاجة أحد الصنفين إليها كحاجة الصنف الآخر؛ فلا يليق ~~التفريق بينهما، نعم فرقت بينهما في أليق المواضع بالتفريق وهو الجمعة ~~والجماعة، فخص وجوبهما بالرجال دون النساء لأنهن لسن من أهل البروز ومخالطة ~~الرجال؛ وكذلك فرقت بينهما في عبادة الجهاد التي ليس الإناث من أهلها، وسوت ~~بينهما في وجوب الحج لاحتياج النوعين إلى مصلحته، وفي وجوب الزكاة والصيام ~~والطهارة؛ وأما الشهادة فإنما جعلت المرأة فيها على النصف من الرجل؛ لحكمه ~~أشار إليها العزيز الحكيم في كتابه، وهي أن المرأة ضعيفة العقل قليلة الضبط ~~لما تحفظه. وقد فضل الله الرجال على النساء في العقول والفهم والحفظ ~~والتمييز؛ فلا تقوم المرأة في ذلك مقام الرجل، وفي منع قبول شهادتها ~~بالكلية إضاعة لكثير من الحقوق وتعطيل لها، فكان من أحسن الأمور وألصقها ~~بالعقول، أن ضم إليها في قبول الشهادة نظيرها لتذكرها إذا نسيت، فتقوم ~~شهادة المرأتين مقام شهادة الرجل، ويقع من العلم أو الظن الغالب بشهادتهما ~~ما يقع بشهادة الرجل الواحد، وأما الدية فلما كانت المرأة أنقص من الرجل، ~~والرجل أنفع منها، ويسد ما لا تسده المرأة من المناصب الدينية والولايات ~~وحفظ الثغور والجهاد وعمارة الأرض وعمل الصنائع التي لا تتم مصالح ms0495 العالم ~~إلا بها والذب عن الدنيا والدين لم تكن قيمتهما مع ذلك متساوية وهي الدية؛ ~~فإن دية الحر جارية مجرى قيمة العبد وغيره من الأموال، فاقتضت حكمة الشارع ~~أن جعل قيمتها على النصف من قيمته لتفاوت ما بينهما. # فإن قيل: لكنكم نقضتم هذا فجعلتم ديتهما سواء فيما دون الثلث. # قيل: لا ريب أن السنة وردت بذلك، كما رواه النسائي من حديث عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عقل المرأة ~~مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها» . # وقال سعيد بن المسيب: إن ذلك [من] السنة، وإن خالف فيه أبو حنيفة ~~والشافعي والليث والثوري وجماعة، وقالوا: هي [على] النصف في القليل ~~والكثير، ولكن السنة أولى، والفرق فيما دون الثلث وما زاد عليه أن ما دونه ~~قليل، فجبرت مصيبة المرأة فيه # PageV02P114 # بمساواتها للرجل، ولهذا استوى الجنين الذكر والأنثى في الدية لقلة ديته، ~~وهي الغرة، فنزل ما دون الثلث منزلة الجنين. # وأما الميراث فحكمة التفضيل فيه ظاهرة؛ فإن الذكر أحوج إلى المال من ~~الأنثى؛ لأن الرجال قوامون على النساء، والذكر أنفع للميت في حياته من ~~الأنثى. وقد أشار سبحانه وتعالى إلى ذلك بقوله بعد أن فرض الفرائض وفاوت ~~بين مقاديرها {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا} [النساء: 11] ~~وإذا كان الذكر أنفع من الأنثى وأحوج كان أحق بالتفضيل. # فإن قيل: فهذا ينتقض بولد الأم. قيل: بل طرد هذه التسوية بين ولد الأم ~~ذكرهم وأنثاهم، فإنهم إنما يرثون بالرحم المجرد، فالقرابة التي يرثون بها ~~قرابة أنثى فقط، وهم فيها سواء؛ فلا معنى لتفضيل ذكرهم على أنثاهم، بخلاف ~~قرابة الأب. وأما العقيقة فأمر التفضيل فيها تابع لشرف الذكر، وما ميزه ~~الله به على الأنثى، ولما كانت النعمة به على الوالد أتم، والسرور والفرحة ~~به أكمل؛ كان الشكران عليه أكثر؛ فإنه كلما كثرت النعمة كان شكرها أكثر، ~~والله أعلم. ### | [فصل الحكمة في التفرقة بين زمان وزمان ومكان ومكان في الفضل] # فصل: # [الحكمة في التفرقة بين زمان ms0496 وزمان ومكان ومكان] # وأما قوله: " وخص بعض الأزمنة والأمكنة، وفضل بعضها على بعض، مع تساويها ~~- إلخ " فالمقدمة الأولى صادقة، والثانية كاذبة. وما فضل بعضها على بعض إلا ~~لخصائص قامت بها اقتضت التخصيص، وما خص سبحانه شيئا إلا بمخصص، ولكنه قد ~~يكون ظاهرا وقد يكون خفيا، واشتراك الأزمنة والأمكنة في مسمى الزمان ~~والمكان كاشتراك الحيوان في مسمى الحيوانية والإنسان في مسمى الإنسانية، بل ~~وسائر الأجناس في المعنى الذي يعمها. # وذلك لا يوجب استواءها في أنفسها، والمختلفات تشترك في أمور كثيرة، ~~والمتفقات تتباين في أمور كثيرة، والله سبحانه أحكم وأعلم من أن يفضل مثلا ~~على مثل من كل وجه بلا صفة تقتضي ترجيحه، هذا مستحيل في خلقه وأمره، كما ~~أنه سبحانه لا يفرق بين المتماثلين من كل وجه؛ فحكمته وعدله تأبى هذا وهذا. # وقد نزه سبحانه نفسه عمن يظن به ذلك، وأنكر عليه زعمه الباطل، وجعله حكما ~~منكرا، ولو جاز عليه ما يقوله هؤلاء لبطلت حججه وأدلته؛ فإن مبناها على أن ~~حكم الشيء حكم مثله، وعلى ألا يسوي بين المختلفين؛ فلا يجعل الأبرار ~~كالفجار، ولا المؤمنين كالكفار، ولا من أطاعه كمن عصاه، # PageV02P115 # ولا العالم كالجاهل وعلى هذا مبنى الجزاء؛ فهو حكمه الكوني والديني، ~~وجزاؤه الذي هو ثوابه وعقابه وبذلك حصل الاعتبار، ولأجله ضربت الأمثال، ~~وقصت علينا أخبار الأنبياء وأممهم، ويكفي في بطلان هذا المذهب المتروك الذي ~~هو من أفسد مذاهب العالم أنه يتضمن لمساواة ذات جبريل لذات إبليس وذات ~~الأنبياء لذات أعدائهم، ومكان البيت العتيق بمكان الحشوش وبيوت الشياطين، ~~وأنه لا فرق بين هذه الذوات في الحقيقة. # وإنما خصت هذه الذات عن هذه الذات بما خصت به لمحض المشيئة المرجحة مثلا ~~على مثل بلا موجب، بل قالوا ذلك في جميع الأجسام، وأنها متماثلة، فجسم ~~المسك عندهم مساو لجسم البول والعذرة، وإنما امتاز عنه بصفة عرضية، وجسم ~~الثلج عندهم مساو لجسم النار في الحقيقة، وهذا مما خرجوا به عن صريح ~~المعقول، وكابروا فيه الحس، وخالفهم فيه جمهور العقلاء من أهل الملل ~~والنحل، وما ms0497 سوى الله بين جسم السماء وجسم الأرض، ولا بين جسم النار وجسم ~~الماء، ولا بين جسم الهواء وجسم الحجر، وليس مع المنازعين في ذلك إلا ~~الاشتراك في أمر عام، وهو قبول الانقسام وقيام الأبعاد الثلاثة والإشارة ~~الحسية، ونحو ذلك مما لا يوجب التشابه فضلا عن التماثل، وبالله التوفيق. ### | [فصل الحكمة في الجمع بين المختلفات في الحكم متى اتفقت في موجبه] # فصل: # [الحكمة في الجمع بين المختلفات في الحكم متى اتفقت في موجبه] # وأما قوله " إن الشريعة جمعت بين المختلفات، كما جمعت بين الخطأ والعمد ~~في ضمان الأموال " فغير منكر في العقول والفطر والشرائع والعادات اشتراك ~~المختلفات في حكم واحد باعتبار اشتراكها في سبب ذلك الحكم؛ فإنه لا مانع من ~~اشتراكها في أمر يكون علة لحكم من الأحكام، بل هذا هو الواقع، وعلى هذا ~~فالخطأ والعمد اشتركا في الإتلاف الذي هو علة للضمان، وإن افترقا في علة ~~الإثم، وربط الضمان بالإتلاف من باب ربط الأحكام بأسبابها، وهو مقتضى العدل ~~الذي لا تتم المصلحة إلا به، كما أوجب على القاتل خطأ دية القتيل؛ ولذلك لا ~~يعتمد التكليف فيضمن الصبي والمجنون والنائم ما أتلفوه من الأموال، وهذا من ~~الشرائع العامة التي لا تتم مصالح الأمة إلا بها؛ فلو لم يضمنوا جنايات ~~أيديهم لأتلف بعضهم أموال بعض، وادعى الخطأ وعدم القصد. وهذا بخلاف أحكام ~~الإثم والعقوبات؛ فإنها تابعة للمخالفة وكسب العبد ومعصيته؛ ففرقت الشريعة ~~فيها بين العامد والمخطئ، وكذلك البر والحنث في الأيمان فإنه نظير الطاعة ~~والعصيان في الأمر والنهي؛ فيفترق الحال فيه بين العامد والمخطئ. # PageV02P116 # وأما جمعها بين المكلف وغيره في الزكاة فهذه مسألة نزاع واجتهاد، وليس عن ~~صاحب الشرع نص بالتسوية ولا بعدمها، والذين سووا بينهما رأوا ذلك من حقوق ~~الأموال التي جعل الله سبحانه الأموال سببا في ثبوتها، وهي حق للفقراء في ~~نفس هذا المال، سواء كان مالكه مكلفا أو غير مكلف، كما جعل في ماله حق ~~الإنفاق على بهائمه ورقيقه وأقاربه؛ فكذلك جعل في ماله حقا للفقراء ~~والمساكين. ### | [فصل الحكمة ms0498 في أن الفأرة كالهرة في الطهارة] # فصل: # [الحكمة في أن الفأرة كالهرة في الطهارة] # وأما جمعها بين الهرة والفأرة في الطهارة فهذا حق، وأي تفاوت في ذلك؟ ~~وكأن السائل رأى أن العداوة التي بينهما توجب اختلافهما في الحكم كالعداوة ~~التي بين الشاة والذئب، وهذا جهل منه؛ فإن هذا أمر لا تعلق له بطهارة ولا ~~نجاسة ولا حل ولا حرمة، والذي جاءت به الشريعة من ذلك في غاية الحكمة # والمصلحة # ؛ فإنها لو جاءت بنجاستهما لكان فيه أعظم حرج ومشقة على الأمة لكثرة ~~طوفانهما على الناس ليلا ونهارا وعلى فرشهم وثيابهم وأطعمتهم، كما أشار ~~إليه - صلى الله عليه وسلم - بقوله في الهرة: «إنها ليست بنجس؛ إنها من ~~الطوافين عليكم والطوافات» . ### | [فصل الحكمة في جعل ذبيحة غير الكتابي مثل الميتة] # فصل: # [الحكمة في جعل ذبيحة غير الكتابي مثل الميتة] # وأما جمعها بين الميتة وذبيحة غير الكتابي في التحريم، وبين ميتة الصيد ~~وذبيحة المحرم له، فأي تفاوت في ذلك؟ وكأن السائل رأى أن الدم لما احتقن في ~~الميتة كان سببا لتحريمها، وما ذبحه المحرم أو الكافر غير الكتابي لم يحتقن ~~دمه؛ فلا وجه لتحريمه، وهذا غلط وجهل؛ فإن علة التحريم لو انحصرت في احتقان ~~الدم لكان للسؤال وجه، فأما إذا تعددت علل التحريم لم يلزم من انتفاء بعضها ~~انتفاء الحكم إذا خلفه علة أخرى، وهذا أمر مطرد في الأسباب والعلل العقلية. # فما الذي ينكر منه في الشرع؟ فإن قيل: أليس قد سوت الشريعة بينهما في ~~كونهما ميتة، وقد اختلفا في سبب الموت، فتضمنت جمعها بين مختلفين وتفريقها ~~بين متماثلين؛ فإن الذبح واحد صورة وحسا وحقيقة؛ فجعلت بعض صوره مخرجا ~~للحيوان عن كونه ميتة وبعض صوره موجبا لكونه ميتة من غير فرق. # PageV02P117 # قيل: الشريعة لم تسو بينهما في اسم الميتة لغة، وإنما سوت بينهما في ~~الاسم الشرعي؛ فصار اسم الميتة في الشرع أعم منه في اللغة، والشارع يتصرف ~~في الأسماء اللغوية بالنقل تارة وبالتعميم تارة وبالتخصيص تارة، وهكذا يفعل ~~أهل العرف؛ فهذا ليس بمنكر شرعا ms0499 ولا عرفا. # وأما الجمع بينهما في التحريم فلأن الله سبحانه حرم علينا الخبائث، ~~والخبث الموجب للتحريم قد يظهر لنا وقد يخفى، فما كان ظاهرا لم ينصب عليه ~~الشارع علامة غير وصفه، وما كان خفيا نصب عليه علامة تدل على خبثه؛ فاحتقان ~~الدم في الميتة سبب ظاهر، وأما ذبيحة المجوسي والمرتد وتارك التسمية ومن ~~أهل بذبيحته لغير الله فنفس ذبيحة هؤلاء أكسبت المذبوح خبثا أوجب تحريمه، ~~ولا ينكر أن يكون ذكر اسم الأوثان والكواكب والجن على الذبيحة يكسبها خبثا، ~~وذكر اسم الله وحده يكسبها طيبا، إلا من قل نصيبه من حقائق العلم والإيمان ~~وذوق الشريعة، وقد جعل الله سبحانه ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح ~~فسقا وهو الخبيث، ولا ريب أن ذكر اسم الله على الذبيحة يطيبها ويطرد ~~الشيطان عن الذابح والمذبوح، فإذا أخل بذكر اسمه لابس الشيطان الذابح ~~والمذبوح، فأثر ذلك خبثا في الحيوان، والشيطان يجري في مجاري الدم من ~~الحيوان، والدم مركبه وحامله، وهو أخبث الخبائث، فإذا ذكر الذابح اسم الله ~~خرج الشيطان مع الدم فطابت الذبيحة، فإذا لم يذكر اسم الله لم يخرج الخبث. # وأما إذا ذكر اسم عدوه من الشياطين والأوثان فإن ذلك يكسب الذبيحة خبثا ~~آخر. # يوضحه أن الذبيحة تجري مجرى العبادة، ولهذا يقرن الله سبحانه بينهما ~~كقوله: {فصل لربك وانحر} [الكوثر: 2] وقوله: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ~~ومماتي لله رب العالمين} [الأنعام: 162] وقال تعالى: {والبدن جعلناها لكم ~~من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها ~~فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون} [الحج: ~~36] {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} [الحج: 37] ~~فأخبر أنه إنما سخرها لمن يذكر اسمه عليها، وأنه إنما يناله التقوى - وهو ~~التقرب إليه بها وذكر اسمه عليها - فإذا لم يذكر اسمه عليها كان ممنوعا من ~~أكلها، وكانت مكروهة لله، فأكسبتها كراهيته لها - حيث لم يذكر عليها اسمه ~~أو ذكر عليها اسم غيره - وصف الخبث فكانت بمنزلة الميتة، وإذا ms0500 كان هذا في ~~متروك التسمية وما ذكر عليه اسم غير الله فما ذبحه عدوه المشرك به الذي هو ~~من أخبث البرية أولى بالتحريم؛ فإن فعل الذابح وقصده وخبثه لا ينكر أن يؤثر ~~في المذبوح، كما أن خبث الناكح ووصفه وقصده يؤثر في المرأة المنكوحة، وهذه ~~أمور إنما يصدق بها من أشرق فيه نور # PageV02P118 # الشريعة وضياؤها، وباشر قلبه بشاشة حكمها وما اشتملت عليه من المصالح في ~~القلوب والأبدان، وتلقاها صافية من مشكاة النبوة، وأحكم العقد بينها وبين ~~الأسماء والصفات التي لم يطمس نور حقائقها ظلمة التأويل والتحريف. ### | [فصل الحكمة في الجمع بين الماء والتراب في حكم التطهير] # فصل: # [الحكمة في الجمع بين الماء والتراب في حكم التطهير] # وأما جمعها بين الماء والتراب في التطهير فالله ما أحسنه من جمع، وألطفه ~~وألصقه بالعقول السليمة والفطر المستقيمة؛ وقد عقد الله سبحانه الإخاء بين ~~الماء والتراب قدرا وشرعا؛ فجمعها الله عز وجل وخلق منهما آدم وذريته، ~~فكانا أبوين اثنين لأبوينا وأولادهما؛ وجعل منهما حياة كل حيوان، وأخرج ~~منهما أقوات الدواب والناس والأنعام، وكانا أعم الأشياء وجودا، وأسهلها ~~تناولا، وكان تعفير الوجه في التراب لله من أحب الأشياء إليه، ولما كان عقد ~~هذه الأخوة بينهما قدرا أحكم عقد وأقواه كان عقد الأخوة بينهما شرعا أحسن ~~عقد وأصحه، {فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين} [الجاثية: 36] ~~{وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} [الجاثية: 37] . ### | [ذم الغضب وتنفيذ الحق والصبر عليه] # فصل # فهذا ما يتعلق بقول أمير المؤمنين - رضي الله عنه -: " واعرف الأشباه ~~والنظائر " وفي لفظ: " واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله ~~وأشبهها بالحق ". فلنرجع إلى شرح باقي كتابه. ثم قال: " وإياك والغضب ~~والقلق والضجر والتأذي بالناس، والتنكر عند الخصومة، أو الخصوم - شك أبو ~~عبيد - فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر، ويحسن به الذخر ~~". # هذا الكلام يتضمن أمرين: [ذم الغضب] . أحدهما: التحذير مما يحول بين ~~الحاكم وبين كمال معرفته بالحق، وتجريد قصده له؛ فإنه لا يكون خير ms0501 الأقسام ~~الثلاثة إلا باجتماع هذين الأمرين فيه، والغضب والقلق والضجر مضاد لهما؛ ~~فإن الغضب غول العقل يغتاله كما تغتاله الخمر، ولهذا «نهى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان» والغضب نوع من الغلق ~~والإغلاق الذي # PageV02P119 # يغلق على صاحبه باب حسن التصور والقصد، وقد نص أحمد على ذلك في رواية ~~حنبل، وترجم عليه أبو بكر في كتابيه الشافي وزاد المسافر، وعقد له بابا، ~~فقال في كتاب الزاد: باب النية في الطلاق والإغلاق، # قال أبو عبد الله في رواية حنبل: عن عائشة سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «لا طلاق ولا عتق في إغلاق» فهذا الغضب، وأوصى بعض ~~العلماء لولي أمر فقال: إياك والغلق والضجر؛ فإن صاحب الغلق لا يقدم عليه ~~صاحب حق، وصاحب الضجر لا يصير على حق. # [الصبر على الحق] . والأمر الثاني: التحريض على تنفيذ الحق، والصبر عليه، ~~وجعل الرضا بتنفيذه في موضع الغضب والصبر في موضع القلق والضجر، والتحلي به ~~واحتساب ثوابه في موضع التأذي؛ فإن هذا دواء ذلك الداء الذي هو من لوازم ~~الطبيعة البشرية وضعفها؛ فما لم يصادفه هذا الدواء فلا سبيل إلى زواله؛ هذا ~~مع ما في التنكر للخصوم من إضعاف نفوسهم، وكسر قلوبهم، وإخراس ألسنتهم عن ~~التكلم بحججهم خشية معرة التنكر، ولا سيما أن يتنكر لأحد الخصمين دون ~~الآخر؛ فإن ذلك الداء العضال. # [لله على كل أحد عبودية بحسب مرتبته] # وقوله: " فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر، ويحسن به ~~الذخر " هذا عبودية الحكام وولاة الأمر التي تراد منهم ولله سبحانه على كل ~~أحد عبودية بحسب مرتبته، سوى العبودية العامة التي سوى بين عباده فيها؛ ~~فعلى العالم من عبوديته نشر السنة والعلم الذي بعث الله به رسوله ما ليس ~~على الجاهل، وعليه من عبودية الصبر على ذلك ما ليس على غيره، وعلى الحاكم ~~من عبودية إقامة الحق وتنفيذه وإلزامه ممن هو عليه به والصبر على ذلك ~~والجهاد عليه ما ليس على المفتي. وعلى الغني من ms0502 عبودية أداء الحقوق التي في ~~ماله ما ليس على الفقير، وعلى القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~بيده ولسانه ما ليس على العاجز عنهما. # وتكلم يحيى بن معاذ الرازي يوما في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، فقالت له امرأة: هذا واجب قد وضع عنا، فقال: هبي أنه قد وضع عنكن ~~سلاح اليد واللسان، فلم يوضع عنكن سلاح القلب، فقالت: صدقت جزاك الله خيرا. # وقد غر إبليس أكثر الخلق بأن حسن لهم القيام بنوع من الذكر والقراءة ~~والصلاة والصيام والزهد في الدنيا والانقطاع، وعطلوا هذه العبوديات، فلم ~~يحدثوا قلوبهم بالقيام # PageV02P120 # بها، وهؤلاء عند ورثة الأنبياء من أقل الناس دينا؛ فإن الدين هو القيام ~~لله بما أمر به، فتارك حقوق الله التي تجب عليه أسوأ حالا عند الله ورسوله ~~من مرتكب المعاصي؛ فإن ترك الأمر أعظم من ارتكاب النهي من أكثر من ثلاثين ~~وجها ذكرها شيخنا - رحمه الله - في بعض تصانيفه؛ ومن له خبرة بما بعث الله ~~به رسوله - صلى الله عليه وسلم - وبما كان عليه هو وأصحابه رأي أن أكثر من ~~يشار إليهم بالدين هم أقل الناس دينا، والله المستعان، وأي دين وأي خير ~~فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضاع ودينه يترك وسنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يرغب عنها وهو بارد القلب ساكت اللسان؟ شيطان أخرس، كما ~~أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق، وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا ~~سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدين؟ ، وخيارهم ~~المتحزن المتلمظ، ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل ~~وتبذل وجد واجتهد، واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه. وهؤلاء - مع ~~سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم - قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم ~~لا يشعرون، وهو موت القلوب؛ فإنه القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ~~ورسوله أقوى، وانتصاره للدين أكمل. # وقد ذكر الإمام أحمد وغيره أثرا «أن الله سبحانه أوحى إلى ملك من ~~الملائكة أن ms0503 اخسف بقرية كذا وكذا، فقال: يا رب كيف وفيهم فلان العابد؟ ~~فقال: به فابدأ؛ فإنه لم يتمعر وجهه في يوما قط» . # وذكر أبو عمر في كتاب التمهيد «أن الله سبحانه أوحى إلى نبي من أنبيائه ~~أن قل لفلان الزاهد: أما زهدك في الدنيا فقد تعجلت به الراحة، وأما انقطاعك ~~إلي فقد اكتسبت به العز، ولكن ماذا عملت فيما لي عليك؟ فقال: يا رب وأي شيء ~~لك علي؟ قال: هل واليت في وليا أو عاديت في عدوا» ؟ ### | [فصل إخلاص النية لله تعالى] # فصل # [إخلاص النية لله تعالى] . قوله: " فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه ~~كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله " هذا شقيق ~~كلام النبوة، وهو جدير بأن يخرج من مشكاة المحدث الملهم، وهاتان الكلمتان ~~من كنوز العلم، ومن أحسن الإنفاق منهما نفع غيره، وانتفع غاية الانتفاع: ~~فأما الكلمة الأولى فهي منبع الخير وأصله، والثانية أصل الشر وفصله؛ فإن ~~العبد إذا خلصت نيته لله تعالى وكان قصده وهمه وعمله لوجهه سبحانه كان الله # PageV02P121 # معه؛ فإنه سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، ورأس التقوى والإحسان ~~خلوص النية لله في إقامة الحق، والله سبحانه لا غالب له، فمن كان معه فمن ~~ذا الذي يغلبه أو يناله بسوء؟ فإن كان الله مع العبد فمن يخاف؟ وإن لم يكن ~~معه فمن يرجو؟ وبمن يثق؟ ومن ينصره من بعده؟ فإذا قام العبد بالحق على غيره ~~وعلى نفسه أولا، وكان قيامه بالله ولله لم يقم له شيء، ولو كادته السماوات ~~والأرض والجبال لكفاه الله مؤنتها، وجعل له فرجا ومخرجا؛ وإنما يؤتى العبد ~~من تفريطه وتقصيره في هذه الأمور الثلاثة، أو في اثنين منها، أو في واحد؛ ~~فمن كان قيامه في باطل لم ينصر، وإن نصر نصرا عارضا فلا عاقبة له وهو مذموم ~~مخذول، وإن قام في حق لكن لم يقم فيه لله وإنما قام لطلب المحمدة والشكور ~~والجزاء من الخلق أو التوصل إلى غرض دنيوي كان هو المقصود ms0504 أولا، والقيام في ~~الحق وسيلة إليه، فهذا لم تضمن له النصرة؛ فإن الله إنما ضمن النصرة لمن ~~جاهد في سبيله، وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا لمن كان قيامه لنفسه ~~ولهواه، فإنه ليس من المتقين ولا من المحسنين، وإن نصر فبحسب ما معه من ~~الحق؛ فإن الله لا ينصر إلا الحق، وإذا كانت الدولة لأهل الباطل فبحسب ما ~~معهم من الصبر، والصبر منصور أبدا؛ فإن كان صاحبه محقا كان منصورا له ~~العاقبة، وإن كان مبطلا لم يكن له عاقبة، وإذا قام العبد في الحق لله ولكن ~~قام بنفسه وقوته ولم يقم بالله مستعينا به متوكلا عليه مفوضا إليه بريا من ~~الحول والقوة إلا به فله من الخذلان وضعف النصرة بحسب ما قام به من ذلك، ~~ونكتة المسألة أن تجريد التوحيدين في أمر الله لا يقوم له شيء ألبتة، ~~وصاحبه مؤيد منصور ولو توالت عليه زمر الأعداء. # قال الإمام أحمد: حدثنا داود أنبأنا شعبة عن واقد بن محمد بن زيد عن ابن ~~أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: من أسخط الناس برضاء الله عز ~~وجل كفاه الله الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله وكله إلى الناس. # [الواجب على من عزم على فعل أمر ما] # والعبد إذا عزم على فعل أمر فعليه أن يعلم أولا هل هو طاعة لله أم لا؟ ~~فإن لم يكن طاعة فلا يفعله إلا أن يكون مباحا يستعين به على الطاعة، وحينئذ ~~يصير طاعة، فإذا بان له أنه طاعة فلا يقدم عليه حتى ينظر هل هو معان عليه ~~أم لا؟ فإن لم يكن معانا عليه فلا يقدم عليه فيذل نفسه، وإن كان معانا عليه ~~بقي عليه نظر آخر، وهو أن يأتيه من بابه؛ فإن أتاه من غير بابه أضاعه أو ~~فرط فيه أو أفسد منه شيئا؛ فهذه الأمور الثلاثة أصل سعادة العبد وفلاحه، ~~وهي معنى قول العبد: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] {اهدنا الصراط ~~المستقيم} [الفاتحة: 6] الفاتحة # PageV02P122 # فأسعد الخلق أهل العبادة والاستعانة والهداية إلى ms0505 المطلوب، وأشقاهم من ~~عدم الأمور الثلاثة، ومنهم من يكون له نصيب من {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] ~~ونصيبه من {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] معدوم أو ضعيف؛ فهذا مخذول مهين ~~محزون، ومنهم من يكون نصيبه من {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] قويا ونصيبه من ~~{إياك نعبد} [الفاتحة: 5] ضعيفا أو مفقودا؛ فهذا له نفوذ وتسلط وقوة، ولكن ~~لا عاقبة له، بل عاقبته أسوأ عاقبة، ومنهم من يكون له نصيب من {إياك نعبد ~~وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] ولكن نصيبه من الهداية إلى المقصود ضعيف جدا، ~~كحال كثير من العباد والزهاد الذين قل علمهم بحقائق ما بعث الله به رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم - من الهدى ودين الحق. # وقول عمر - رضي الله عنه -: " فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه " ~~إشارة إلى أنه لا يكفي قيامه في الحق لله إذا كان على غيره، حتى يكون أول ~~قائم به على نفسه، فحينئذ يقبل قيامه به على غيره، وإلا فكيف يقبل الحق ممن ~~أهمل القيام به على نفسه؟ وخطب عمر بن الخطاب يوما وعليه ثوبان، فقال: أيها ~~الناس ألا تسمعون؟ فقال سلمان: لا نسمع، فقال عمر: ولم يا أبا عبد الله؟ ~~قال: إنك قسمت علينا ثوبا ثوبا وعليك ثوبان، فقال: لا تعجل. يا عبد الله، ~~يا عبد الله، فلم يجبه أحد، فقال: يا عبد الله بن عمر، فقال: لبيك يا أمير ~~المؤمنين، فقال: نشدتك الله الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك؟ قال: نعم، ~~اللهم نعم، فقال سلمان: أما الآن فقل نسمع. ### | [فصل المتزين بما ليس فيه وعقوبته] # فصل # [المتزين بما ليس فيه وعقوبته] # وأما قوله: " ومن تزين بما ليس فيه شانه الله " لما كان المتزين بما ليس ~~فيه ضد المخلص - فإنه يظهر للناس أمرا وهو في الباطن بخلافه - عامله الله ~~بنقيض قصده؛ فإن المعاقبة بنقيض القصد ثابتة شرعا وقدرا، ولما كان المخلص ~~يعجل له من ثواب إخلاصه الحلاوة والمحبة والمهابة في قلوب الناس عجل ~~للمتزين بما ليس فيه من عقوبته أن شانه الله بين الناس؛ لأنه شان باطنه عند ~~الله، وهذا ms0506 موجب أسماء الرب الحسنى وصفاته العليا وحكمته في قضائه وشرعه. # هذا، ولما كان من تزين للناس بما ليس فيه من الخشوع والدين والنسك والعلم ~~وغير ذلك قد نصب نفسه للوازم هذه الأشياء ومقتضياتها فلا بد أن تطلب منه، ~~فإذا لم توجد عنده افتضح، فيشينه ذلك من حيث ظن أنه يزينه، وأيضا فإنه أخفى ~~عن الناس ما أظهر لله خلافه، فأظهر الله من عيوبه للناس ما أخفاه عنهم، ~~جزاء له من جنس عمله، وكان بعض # PageV02P123 # الصحابة يقول: أعوذ بالله من خشوع النفاق، قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: ~~أن ترى الجسد خاشعا والقلب غير خاشع؛ وأساس النفاق وأصله هو التزين للناس ~~بما ليس في الباطن من الإيمان؛ فعلم أن هاتين الكلمتين من كلام أمير ~~المؤمنين مشتقة من كلام النبوة، وهما من أنفع الكلام، وأشفاه للسقام. ### | [فصل أعمال العباد] # فصل # [أعمال العباد أربعة أنواع المقبول منها نوع واحد] # وقوله: " فإن الله لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصا " والأعمال ~~أربعة: واحد مقبول، وثلاثة مردودة؛ فالمقبول ما كان لله خالصا وللسنة ~~موافقا، والمردود ما فقد منه الوصفان أو أحدهما، وذلك أن العمل المقبول هو ~~ما أحبه الله ورضيه، وهو سبحانه إنما يحب ما أمر به وما عمل لوجهه، وما عدا ~~ذلك من الأعمال فإنه لا يحبها، بل يمقتها ويمقت أهلها، قال تعالى: {الذي ~~خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [الملك: 2] . # قال الفضيل بن عياض: هو أخلص العمل وأصوبه، فسئل عن معنى ذلك، فقال: إن ~~العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا ~~لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على ~~السنة، ثم قرأ قوله: {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110] . # فإن قيل: فقد بان بهذا أن العمل لغير الله مردود غير مقبول، والعمل لله ~~وحده مقبول؛ فبقي قسم آخر وهو أن يعمل العمل لله ولغيره، فلا يكون لله محضا ~~ولا ms0507 للناس محضا، فما حكم هذا القسم؟ هل يبطل العمل كله أم يبطل ما كان لغير ~~الله ويصح ما كان لله؟ قيل: هذا القسم تحته أنواع ثلاثة؛ أحدها: أن يكون ~~الباعث الأول على العمل هو الإخلاص، ثم يعرض له الرياء وإرادة غير الله في ~~أثنائه، فهذا المعول فيه على الباعث الأول ما لم يفسخه بإرادة جازمة لغير ~~الله فيكون حكمه حكم قطع النية في أثناء العبادة وفسخها، أعني قطع ترك ~~استصحاب حكمها؛ الثاني: عكس هذا، وهو أن يكون الباعث الأول لغير الله، ثم ~~يعرض له قلب النية لله، فهذا لا يحتسب له بما مضى من العمل، ويحتسب له من ~~حين قلب نيته؛ ثم إن كانت العبادة لا يصح آخرها إلا بصحة أولها وجبت ~~الإعادة، كالصلاة، وإلا لم تجب كمن أحرم لغير الله ثم قلب نيته لله عند ~~الوقوف والطواف؛ # PageV02P124 # الثالث: أن يبتدئها مريدا بها الله والناس، فيريد أداء فرضه والجزاء ~~والشكور من الناس، وهذا كمن يصلي بالأجرة، فهو لو لم يأخذ الأجرة صلى، ~~ولكنه يصلي لله وللأجرة، وكمن يحج ليسقط الفرض عنه ويقال فلان حج، أو يعطي ~~الزكاة كذلك؛ فهذا لا يقبل منه العمل. # وإن كانت النية شرطا في سقوط الفرض وجبت عليه الإعادة، فإن حقيقة الإخلاص ~~التي هي شرط في صحة العمل والثواب عليه لم توجد، والحكم المعلق بالشرط عدم ~~عند عدمه، فإن الإخلاص هو تجريد القصد طاعة للمعبود، ولم يؤمر إلا بهذا. ~~وإذا كان هذا هو المأمور به فلم يأت به بقي في عهدة الأمر؛ وقد دلت السنة ~~الصريحة على ذلك كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «يقول الله عز وجل ~~يوم القيامة: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فهو ~~كله للذي أشرك به» وهذا هو معنى قوله تعالى: {فمن كان يرجوا لقاء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110] . ### | [فصل جزاء المخلص] # فصل # [جزاء المخلص] # وقوله: " فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته " يريد به ~~تعظيم ms0508 جزاء المخلص وأنه رزق عاجل إما للقلب أو للبدن أو لهما. ورحمته مدخرة ~~في خزائنه؛ فإن الله سبحانه يجزي العبد على ما عمل من خير في الدنيا ولا ~~بد، ثم في الآخرة يوفيه أجره، كما قال تعالى: {وإنما توفون أجوركم يوم ~~القيامة} [آل عمران: 185] فما يحصل في الدنيا من الجزاء على الأعمال ~~الصالحة ليس جزاء توفية، وإن كان نوعا آخر كما قال تعالى عن إبراهيم: ~~{وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [العنكبوت: 27] وهذا ~~نظير قوله تعالى: {وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين} ~~[النحل: 122] فأخبر سبحانه أنه آتى خليله أجره في الدنيا من النعم التي ~~أنعم بها عليه في نفسه وقلبه وولده وماله وحياته الطيبة، ولكن ليس ذلك أجر ~~توفية، وقد دل القرآن في غير موضع على أن لكل من عمل خيرا أجرين: عمله في ~~الدنيا ويكمل له أجره في الآخرة كقوله تعالى: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا ~~حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين} [النحل: 30] وفي الآية الأخرى: ~~{والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر ~~الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} [النحل: 41] ، وقال في هذه السورة: {من عمل ~~صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ~~ما كانوا يعملون} [النحل: 97] وقال فيها عن خليله: {وآتيناه في الدنيا حسنة ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [النحل: 122] # PageV02P125 # فقد تكرر هذا المعنى في هذه السورة دون غيرها في أربعة مواضع لسر بديع، ~~فإنها سورة النعم التي عدد الله سبحانه فيها أصول النعم وفروعها، فعرف ~~عباده أن لهم عنده في الآخرة من النعم أضعاف هذه بما لا يدرك تفاوته، وأن ~~هذه من بعض نعمه العاجلة عليهم، وأنهم إن أطاعوه زادهم إلى هذه النعم نعما ~~أخرى، ثم في الآخرة يوفيهم أجور أعمالهم تمام التوفية، وقال تعالى: {وأن ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي ~~فضل فضله} [هود: 3] فلهذا قال أمير المؤمنين: " فما ظنك ms0509 بثواب عند الله في ~~عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام ". # فهذا بعض ما يتعلق بكتاب أمير المؤمنين - رضي الله عنه - من الحكم ~~والفوائد والحمد لله رب العالمين. ### | [الإفتاء في دين الله بغير علم] # ذكر تحريم الإفتاء في دين الله بغير علم وذكر الإجماع على ذلك [إثم القول ~~على الله بغير علم] # قد تقدم قوله تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 169] ~~وأن ذلك يتناول القول على الله بغير علم في أسمائه وصفاته وشرعه ودينه. ~~وتقدم حديث أبي هريرة المرفوع: «من أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من ~~أفتاه» . # وروى الزهري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «سمع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قوما يتمارون في القرآن فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ~~ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا، ولا يكذب ~~بعضه بعضا، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه» فأمر من ~~جهل شيئا من كتاب الله أن يكله إلى عالمه، ولا يتكلف القول بما لا يعلمه. ~~وروى مالك بن مغول عن أبي حصين عن مجاهد عن عائشة أنه لما نزل عذرها قبل ~~أبو بكر رأسها، قالت: فقلت: ألا عذرتني عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت ما لا أعلم،؟ # وروى أيوب عن ابن أبي مليكه قال: سئل أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - عن ~~آية، فقال: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني؟ وأين أذهب؟ وكيف أصنع إذا أنا قلت ~~في كتاب الله بغير ما أراد الله بها؟ # PageV02P126 # وذكر البيهقي من حديث مسلم البطين عن عزة التميمي قال: قال علي بن أبي ~~طالب كرم الله وجهه في الجنة: وأبردها على كبدي، ثلاث مرات، قالوا: يا أمير ~~المؤمنين، وما ذاك؟ قال: أن يسأل الرجل عما لا يعلم فيقول: الله أعلم. [على ~~من لا يعلم أن يقول: لا أدري] # وذكر أيضا عن علي - رضي الله عنه - قال: خمس إذا سافر ms0510 فيهن رجل إلى اليمن ~~كن فيه عوضا من سفره: لا يخشى عبد إلا ربه، ولا يخاف إلا ذنبه، ولا يستحي ~~من لا يعلم أن يتعلم، ولا يستحي من يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله ~~أعلم، والصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد. # وقال الزهري عن خالد بن أسلم وهو أخو زيد بن أسلم: خرجنا مع ابن عمر ~~نمشي، فلحقنا أعرابي فقال: أنت عبد الله بن عمر؟ قال: نعم، قال: سألت عنك ~~فدللت عليك، فأخبرني أترث العمة؟ قال: لا أدري، قال: أنت لا تدري؟ قال: ~~نعم؛ اذهب إلى العلماء بالمدينة فاسألهم؛ فلما أدبر قبل يديه قال: نعما قال ~~أبو عبد الرحمن؛ سئل عما لا يدري فقال: لا أدري. # وقال ابن مسعود: من كان عنده علم فليقل به؛ ومن لم يكن عنده علم فليقل: " ~~الله أعلم " فإن الله قال لنبيه: {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من ~~المتكلفين} [ص: 86] # وصح عن ابن مسعود وابن عباس: من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه فهو ~~مجنون. # وقال ابن شبرمة: سمعت الشعبي إذا سئل عن مسألة شديدة قال: رب ذات وبر لا ~~تنقاد ولا تنساق؛ ولو سئل عنها الصحابة لعضلت بهم. # وقال أبو حصين الأسدي: إن أحدهم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر لجمع ~~لها أهل بدر. # وقال ابن سيرين: لأن يموت الرجل جاهلا خير له من أن يقول ما لا يعلم. # وقال القاسم: من إكرام الرجل نفسه أن لا يقول إلا ما أحاط به علمه، وقال: ~~يا أهل العراق والله لا نعلم كثيرا مما تسألوننا عنه، ولأن يعيش الرجل ~~جاهلا إلا أن يعلم ما فرض الله عليه خير له من أن يقول على الله ورسوله ما ~~لا يعلم. # PageV02P127 # وقال مالك: من فقه العالم أن يقول: " لا أعلم " فإنه عسى أن يتهيأ له ~~الخير. وقال: سمعت ابن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده " ~~لا أدري "، حتى يكون ذلك أصلا في أيديهم يفزعون إليه. # وقال الشعبي: ms0511 " لا أدري " نصف العلم. # وقال ابن جبير: ويل لمن يقول لما لا يعلم: إني أعلم. # وقال الشافعي: سمعت مالكا يقول: سمعت ابن عجلان يقول: إذا أغفل العالم " ~~لا أدري " أصيبت مقاتله، وذكر ابن عجلان عن ابن عباس. # [طريقة السلف الصالح] # وقال عبد الرحمن بن مهدي: جاء رجل إلى مالك، فسأله عن شيء فمكث أياما ما ~~يجيبه، فقال: يا أبا عبد الله إني أريد الخروج، فأطرق طويلا ورفع رأسه ~~فقال: ما شاء الله، يا هذا إني أتكلم فيما أحتسب فيه الخير، ولست أحسن ~~مسألتك هذه. # وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخرق، ~~قال: وكان يقال: التأني من الله والعجلة من الشيطان. وهذا الكلام قد رواه ~~الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن سعد بن سنان عن أنس أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «التأني من الله والعجلة من الشيطان» ، وإسناده ~~جيد. # وقال ابن المنكدر: العالم بين الله وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم. # وقال ابن وهب: قال لي مالك وهو ينكر كثرة الجواب في المسائل: يا عبد الله ~~ما علمت فقل، وإياك أن تقلد الناس قلادة سوء. # وقال مالك: حدثني ربيعة قال: قال لي أبو خلدة وكان نعم القاضي: يا ربيعة، ~~أراك تفتي الناس، فإذا جاءك الرجل يسألك فلا يكن همك أن تتخلص مما سألك ~~عنه. # وكان ابن المسيب لا يكاد يفتي إلا قال: اللهم سلمني وسلم مني. # وقال مالك: ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني: هل تراني موضعا ~~لذلك؟ سألت ربيعة، وسألت يحيى بن سعيد، فأمراني بذلك، فقيل له: يا أبا عبد ~~الله فلو نهوك؟ قال: كنت أنتهي. # وقال ابن عباس لمولاه عكرمة: اذهب فأفت الناس وأنا لك عون، فمن سألك عما ~~يعنيه فأفته، ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته، فإنك تطرح عن نفسك ثلث مؤنة ~~الناس. # PageV02P128 # فوائد تكرير السؤال] # وكان أيوب إذا سأله السائل قال له: أعد، فإن أعاد السؤال كما سأله عنه ~~أولا ms0512 أجابه، وإلا لم يجبه، وهذا من فهمه وفطنته - رحمه الله -، وفي ذلك ~~فوائد عديدة: منها أن المسألة تزداد وضوحا وبيانا بتفهم السؤال، ومنها أن ~~السائل لعله أهمل فيها أمرا يتغير به الحكم فإذا أعادها ربما بينه له، ~~ومنها أن المسئول قد يكون ذاهلا عن السؤال أولا، ثم يحضر ذهنه بعد ذلك، ~~ومنها أنه ربما بان له تعنت السائل وأنه وضع المسألة؛ فإذا غير السؤال وزاد ~~فيه ونقص فربما ظهر له أن المسألة لا حقيقة لها، وأنها من الأغلوطات أو غير ~~الواقعات التي لا يجب الجواب عنها؛ فإن الجواب بالظن إنما يجوز عند ~~الضرورة، فإذا وقعت المسألة صارت حال ضرورة فيكون التوفيق إلى الصواب أقرب، ~~والله أعلم. ### | [القول في التقليد وانقسامه] ### | [أنواع ما يحرم القول به] # ذكر تفصيل القول في التقليد وانقسامه إلى ما يحرم القول فيه والإفتاء به، ~~وإلى ما يجب المصير إليه، وإلى ما يسوغ من غير إيجاب. # [أنواع ما يحرم القول به] # فأما النوع الأول فهو ثلاثة أنواع: أحدها: الإعراض عما أنزل الله وعدم ~~الالتفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء. الثاني: تقليد من لا يعلم المقلد أنه ~~أهل لأن يؤخذ بقوله. الثالث: التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف ~~قول المقلد، والفرق بين هذا وبين النوع الأول أن الأول قلد قبل تمكنه من ~~العلم والحجة، وهذا قلد بعد ظهور الحجة له؛ فهو أولى بالذم ومعصية الله ~~ورسوله. # وقد ذم الله سبحانه هذه الأنواع الثلاثة من التقليد في غير موضع من كتابه ~~كما في قوله تعالى {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ~~ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} [البقرة: ~~170] وقال تعالى: {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال ~~مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23] ~~{قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} [الزخرف: 24] وقال تعالى: ~~{وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا ~~عليه ms0513 آباءنا} [المائدة: 104] وهذا في القرآن كثير يذم فيه من أعرض عما ~~أنزله وقنع بتقليد الآباء. # فإن قيل: إنما ذم من قلد الكفار وآباءه الذين لا يعقلون شيئا ولا يهتدون، ~~ولم يذم من # PageV02P129 # قلد العلماء المهتدين، بل قد أمر بسؤال أهل الذكر، وهم أهل العلم، وذلك ~~تقليدهم، فقال تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] ~~وهذا أمر لمن لا يعلم بتقليد من يعلم. # فالجواب أنه سبحانه ذم من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء، وهذا القدر ~~من التقليد هو مما اتفق السلف والأئمة الأربعة على ذمه وتحريمه، وأما تقليد ~~من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله وخفي عليه بعضه فقلد فيه من هو أعلم منه ~~فهذا محمود غير مذموم، ومأجور غير مأزور، كما سيأتي بيانه عند ذكر التقليد ~~الواجب والسائغ إن شاء الله. # وقال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] والتقليد ليس بعلم ~~باتفاق أهل العلم كما سيأتي، وقال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33] وقال تعالى: ~~{اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} [الأعراف: 3] ~~فأمر باتباع المنزل خاصة، والمقلد ليس له علم أن هذا هو المنزل وإن كان قد ~~تبينت له الدلالة في خلاف قول من قلده فقد علم أن تقليده في خلافه اتباع ~~لغير المنزل، وقال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59] فمنعنا ~~سبحانه من الرد إلى غيره وغير رسوله، وهذا يبطل التقليد. وقال تعالى: {أم ~~حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ~~ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة} [التوبة: 16] ولا وليجة أعظم ممن جعل رجلا ~~بعينه مختارا على كلام الله وكلام رسوله وكلام سائر الأمة، يقدمه على ذلك ~~كله، ويعرض كتاب الله وسنة ms0514 رسوله وإجماع الأمة على قوله فما وافقه منها ~~قبله لموافقته لقوله وما خالفه منها تلطف في رده وتطلب له وجوه الحيل، فإن ~~لم تكن هذه وليجة فلا ندري ما الوليجة، وقال تعالى: {يوم تقلب وجوههم في ~~النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا} [الأحزاب: 66] {وقالوا ~~ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} [الأحزاب: 67] وهذا نص في ~~بطلان التقليد. # فإن قيل: إنما فيه ذم من قلد من أضله السبيل، أما من هداه السبيل فأين ذم ~~الله تقليده؟ قيل: جواب هذا السؤال في نفس السؤال، فإن لا يكون العبد ~~مهتديا حتى يتبع ما أنزل الله على رسوله؛ فهذا المقلد إن كان يعرف ما أنزل ~~الله على رسوله فهو مهتد، وليس # PageV02P130 # بمقلد، وإن كان لم يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو جاهل ضال بإقراره على ~~نفسه، فمن أين يعرف أنه على هدى في تقليده؟ وهذا جواب كل سؤال يوردونه في ~~هذا الباب وأنهم [إن كانوا] إنما يقلدون أهل الهدى فهم في تقليدهم على هدى. # فإن قيل: فأنتم تقرون أن الأئمة المقلدين في الدين على هدى، فمقلدوهم على ~~هدى قطعا؛ لأنهم سالكون خلفهم. # قيل: سلوكهم خلفهم مبطل لتقليدهم لهم قطعا؛ فإن طريقتهم كانت اتباع الحجة ~~والنهي عن تقليدهم كما سنذكره عنهم إن شاء الله، فمن ترك الحجة وارتكب ما ~~نهوا عنه ونهى الله ورسوله عنه قبلهم فليس على طريقتهم وهو من المخالفين ~~لهم. وإنما يكون على طريقتهم من اتبع الحجة، وانقاد للدليل، ولم يتخذ رجلا ~~بعينه سوى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يجعله مختارا على الكتاب والسنة ~~يعرضهما على قوله. وبهذا يظهر بطلان فهم من جعل التقليد اتباعا، وإيهامه ~~وتلبيسه، بل هو مخالف للإتباع. وقد فرق الله ورسوله وأهل العلم بينهما كما ~~فرقت الحقائق بينهما، فإن الاتباع سلوك طريق المتبع والإتيان بمثل ما أتى ~~به. [الفرق بين الاتباع والتقليد] . # قال أبو عمر في الجامع: باب فساد التقليد ونفيه، والفرق بينه وبين ~~الإتباع، قول أبو عمر: قد ذم الله تبارك وتعالى التقليد في ms0515 غير موضع من ~~كتابه فقال: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] ~~روي عن حذيفة وغيره قال: لم يعبدوهم من دون الله، ولكنهم أحلوا لهم وحرموا ~~عليهم فاتبعوهم. # وقال عدي بن حاتم: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي عنقي صليب، ~~فقال: «يا عدي ألق هذا الوثن من عنقك، وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة ~~حتى أتى على هذه الآية: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} ~~[التوبة: 31] قال: فقلت: يا رسول الله إنا لم نتخذهم أربابا، قال: بلى، ~~أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل لكم فتحرمونه؟ ~~فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم» . # قلت: الحديث في المسند والترمذي مطولا. # وقال أبو البختري في قوله عز وجل: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من ~~دون الله} [التوبة: 31] أما إنهم لو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما ~~أطاعوهم، ولكنهم أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله فأطاعوهم ~~فكانت تلك الربوية. # وقال وكيع: ثنا سفيان والأعمش جميعا عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي ثابت عن ~~أبي البختري # PageV02P131 # قال: قيل لحذيفة في قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله} [التوبة: 31] : أكانوا يعبدونهم؟ فقال: لا، ولكن كانوا يحلون لهم ~~الحرام فيحلونه ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه. # وقال تعالى: {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها ~~إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23] {قال أولو ~~جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} [الزخرف: 24] فمنعهم الاقتداء بآبائهم ~~من قبول الاهتداء، فقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون، وفي هؤلاء ومثلهم قال ~~الله عز وجل: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت ~~بهم الأسباب - وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا ~~كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} [البقرة: 166 - 167] وقال تعالى ~~معاتبا لأهل الكفر وذاما لهم: {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} ~~[الأنبياء: 52] {قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} [الأنبياء: 53] وقال ~~{وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا ms0516 فأضلونا السبيلا} [الأحزاب: 67] ~~ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء، وقد احتج العلماء ~~بهذه الآيات في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها؛ لأن ~~التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين ~~المقلدين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجلا فكفر وقلد آخر فأذنب وقلد آخر ~~في مسألة فأخطأ وجهها كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك ~~تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه، وقال الله عز وجل: {وما كان ~~الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} [التوبة: 115] . # قال: فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم ~~لها، وهي الكتاب والسنة وما كان في معناهما بدليل جامع، ثم ساق من طريق ~~كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: «إني لا أخاف على أمتي من بعدي إلا من أعمال ثلاثة، ~~قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: أخاف عليهم زلة العالم، ومن حكم جائر، ~~ومن هوى متبع» وبهذا الإسناد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم -» . ### | [مضار زلة العالم] # قلت: والمصنفون في السنة جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله وبيان زلة ~~العالم ليبينوا بذلك فساد التقليد، وأن العالم قد يزل ولا بد؛ إذ ليس ~~بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما # PageV02P132 # يقوله، وينزل قوله منزلة قول المعصوم؛ فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه ~~الأرض، وحرموه، وذموا أهله وهو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم، فإنهم يقلدون ~~العالم فيما زل فيه وفيما لم يزل فيه، وليس لهم تمييز بين ذلك، فيأخذون ~~الدين بالخطأ - ولا بد - فيحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله ويشرعون ~~ما لم يشرع، ولا بد لهم من ذلك إذ كانت العصمة منتفية عمن قلدوه، والخطأ ~~واقع منه ms0517 ولا بد. وقد ذكر البيهقي وغيره من حديث كثير هذا عن أبيه عن جده ~~مرفوعا: «اتقوا زلة العالم، وانتظروا فيئته» . # وذكر من حديث مسعود بن سعد عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عمر قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أشد ما أتخوف على أمتي ثلاث: زلة ~~عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم» . # ومن المعلوم أن المخوف في زلة العالم تقليده فيها؛ إذ لولا التقليد لم ~~يخف من زلة العالم على غيره. # فإذا عرف أنها زلة لم يجز له أن يتبعه فيها باتفاق المسلمين، فإنه اتباع ~~للخطأ على عمد، ومن لم يعرف أنها زلة فهو أعذر منه، وكلاهما مفرط فيما أمر ~~به، وقال الشعبي: قال عمر: يفسد الزمان ثلاثة: أئمة مضلون، وجدال المنافق ~~بالقرآن، والقرآن حق، وزلة العالم. # وقد تقدم أن معاذا كان لا يجلس مجلسا للذكر إلا قال حين يجلس: الله حكم ~~قسط، هلك المرتابون - الحديث، وفيه: " وأحذركم زيغة الحكيم؛ فإن الشيطان قد ~~يقول الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق ". قلت لمعاذ: ~~ما يدريني رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة وأن المنافق قد يقول ~~كلمة الحق؟ قال لي: اجتنب من كلام الحكيم المشبهات التي يقال ما هذه، ولا ~~يثنيك ذلك عنه، فإنه لعله يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورا. # وذكر البيهقي من حديث حماد بن زيد عن المثنى بن سعيد عن أبي العالية قال: ~~قال ابن عباس: ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: وكيف ذاك يا أبا العباس؟ ~~قال: يقول العالم من قبل رأيه، ثم يسمع الحديث عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فيدع ما كان عليه، وفي لفظ: فيلقى من هو أعلم برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - منه فيخبره فيرجع ويقضي الأتباع بما حكم. # وقال تميم الداري: اتقوا زلة العالم، فسأله عمر: ما زلة العالم؟ قل: يزل ~~بالناس فيؤخذ به، فعسى أن يتوب العالم والناس يأخذون بقوله. # وقال شعبة: عن عمرو بن مرة عن ms0518 عبد الله بن سلمة قال: قال معاذ بن جبل: يا ~~معشر # PageV02P133 # العرب كيف تصنعون بثلاث: دنيا تقطع أعناقكم، وزلة عالم، وجدال منافق ~~بالقرآن، فسكتوا، فقال: أما العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، وإن افتتن ~~فلا تقطعوا منه إياسكم؛ فإن المؤمن يفتتن ثم يتوب، وأما القرآن فله منار ~~كمنار الطريق فلا يخفى على أحد، فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه، وما شككتم ~~فكلوه إلى عالمه، وأما الدنيا فمن جعل الله الغنى في قلبه فقد أفلح، ومن لا ~~فليس بنافعته دنياه. # وذكر أبو عمر من حديث حسين الجعفي عن زائدة عن عطاء بن السائب عن أبي ~~البختري قال: قال سلمان: كيف أنتم عند ثلاث: زلة عالم، وجدال منافق ~~بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم؟ فأما زلة العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، ~~وأما مجادلة المنافق بالقرآن فإن للقرآن منارا كمنار الطريق فلا يخفى على ~~أحد، فما عرفتم منه فخذوه، وما لم تعرفوه فكلوه إلى الله، وأما دنيا تقطع ~~أعناقكم فانظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم. # قال أبو عمر: وتشبه زلة العالم بانكسار السفينة؛ لأنها إذا غرقت غرق معها ~~خلق كثير. # قال أبو عمر: وإذا صح وثبت أن العالم يزل ويخطئ لم يجز لأحد أن يفتي ~~ويدين بقول لا يعرف وجهه. # وقال غير أبي عمر: كما أن القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وواحد في الجنة ~~فالمفتون ثلاثة، ولا فرق بينهما إلا في كون القاضي يلزم بما أفتى به، ~~والمفتي لا يلزم به. # وقال ابن وهب: سمعت سفيان بن عيينة يحدث عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش ~~عن ابن مسعود أنه كان يقول: اغد عالما أو متعلما ولا تغد إمعة فيما بين ~~ذلك. # قال ابن وهب: فسألت سفيان عن الإمعة، فحدثني عن أبي الزناد عن أبي الأحوص ~~عن ابن مسعود قال: كنا ندعو الإمعة في الجاهلية الذي يدعى إلى الطعام فيأتي ~~معه بغيره، وهو فيكم المحقب دينه الرجال. # وقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النصري: ثنا أبو مسهر ms0519 ثنا سعيد بن عبد ~~العزيز عن إسماعيل بن عبيد الله عن السائب بن يزيد ابن أخت نمر أنه سمع عمر ~~بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: إن حديثكم شر الحديث، إن كلامكم شر ~~الكلام؛ فإنكم قد # PageV02P134 # حدثتم الناس حتى قيل: قال فلان وقال فلان، ويترك كتاب الله، من كان منكم ~~قائما فليقم بكتاب الله، وإلا فليجلس؛ فهذا قول عمر لأفضل قرن على وجه ~~الأرض، فكيف لو أدرك ما أصبحنا فيه من ترك كتاب الله وسنة رسوله وأقوال ~~الصحابة لقول فلان وفلان؟ ، فالله المستعان، [كلام علي لكميل بن زياد] # قال أبو عمر: وقال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه في الجنة - لكميل بن ~~زياد النخعي - وهو حديث مشهور عند أهل العلم، يستغني عن الإسناد لشهرته ~~عندهم -: يا كميل، إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها للخير، والناس ~~ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، ~~يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق. ثم ~~قال: آه إن ههنا علما - وأشار بيده إلى صدره - لو أصبت له حملة، بل قد أصبت ~~لقنا غير مأمون، يستعمل آلة الدين الدنيا، ويستظهر بحجج الله على كتابه ~~وبنعمه على معاصيه، أو حامل حق لا بصيرة له في إحيائه، ينقدح الشك في قلبه ~~بأول عارض من شبهة، لا يدري أين الحق، إن قال أخطأ، وإن أخطأ لم يدر، مشغوف ~~بما لا يدري حقيقته، فهو فتنة لمن فتن به، وإن من الخير كله من عرفه الله ~~دينه، وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف دينه. # [نهي الصحابة عن الاستنان بالرجال] # وذكر أبو عمر عن أبي البختري عن علي قال: إياكم والاستنان بالرجال، فإن ~~الرجل يعمل بعمل أهل الجنة ثم ينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل النار، ~~فيموت وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، فينقلب لعلم الله ~~فيه فيعمل بعمل أهل الجنة، فيموت وهو من أهل الجنة، فإن كنتم لا بد فاعلين ~~فبالأموات لا بالأحياء. # وقال ms0520 ابن مسعود: لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر، فإنه ~~لا أسوة في الشر. # قال أبو عمر: وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يذهب ~~العلماء، ثم يتخذ الناس رءوسا جهالا، يسألون فيفتون بغير علم، فيضلون ~~ويضلون» قال أبو عمر: وهذا كله نفي للتقليد، وإبطال له لمن فهمه وهدى ~~لرشده. # PageV02P135 # ثم ذكر من طريق يونس بن عبد الأعلى ثنا سفيان بن عيينة قال: اضطجع ربيعة ~~مقنعا رأسه وبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: رياء ظاهر، وشهوة خفية، والناس ~~عند علمائهم كالصبيان في إمامهم: ما نهوهم عنه انتهوا، وما أمروا به ~~ائتمروا. # وقال عبد الله بن المعتمر: لا فرق بين بهيمة تنقاد وإنسان يقلد. # ثم ساق من حديث جامع بن وهب: أخبرني سعيد بن أبي أيوب عن بكر بن عمر عن ~~عمرو بن أبي نعيمة عن مسلم بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار، ومن ~~استشار أخاه فأشار عليه بغير رشده فقد خانه، ومن أفتى بفتيا بغير ثبت فإنما ~~إثمها على من أفتاه» وقد تقدم هذا الحديث من رواية أبي داود وفيه دليل على ~~تحريم الإفتاء بالتقليد، فإنه إفتاء بغير ثبت؛ فإن الثبت الحجة التي يثبت ~~بها الحكم باتفاق الناس كما قال أبو عمر [الاحتجاج على من أجاز التقليد ~~بحجج نظرية] # وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية ~~عقلية بعد ما تقدم، فأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني، وأنا أورده، قال: ~~يقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حجة فيما حكمت به؟ فإن قال: " نعم " بطل ~~التقليد؛ لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد. وإن قال: " حكمت به بغير ~~حجة " قيل له: فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج وأتلفت الأموال وقد حرم الله ~~ذلك إلا بحجة؟ قال الله عز وجل: {إن عندكم من سلطان بهذا} [يونس: 68] أي من ~~حجة بهذا. فإن قال: ms0521 " أنا أعلم أني قد أصبت وإن لم أعرف الحجة لأني قلدت ~~كبيرا من العلماء وهو لا يقول إلا بحجة خفيت علي " قيل له: إذا جاز تقليد ~~معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك فتقليد معلم معلمك أولى؛ لأنه لا ~~يقول إلا بحجة خفيت على معلمك كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عليك، فإن ~~قال: " نعم " ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه، وكذلك من هو أعلى حتى ~~ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن أبى ذلك نقض ~~قوله، وقيل له: كيف تجوز تقليد من هو أصغر وأقل علما ولا تجوز تقليد من هو ~~أكبر وأكثر علما وهذا تناقض؟ فإن قال: " لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع ~~علم من هو فوقه إلى علمه فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك " قيل له: وكذلك ~~من تعلم من معلمك فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه، فيلزمك تقليده ~~وترك تقليد معلمك، وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك؛ لأنك جمعت علم ~~معلمك وعلم من هو فوقه إلى علمك، فإن قلد قوله جعل الأصغر ومن يحدث من # PageV02P136 # صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع، والتابع من دونه في قياس قوله، ~~والأعلى للأدنى أبدا، وكفى بقول يؤول إلى هذا تناقضا وفسادا. # وقال أبو عمر: قال أهل العلم والنظر حد العلم التبيين وإدراك المعلوم على ~~ما هو به، فمن بان له الشيء فقد علمه، قالوا: والمقلد لا علم له، ولم ~~يختلفوا في ذلك، ومن ههنا والله أعلم قال البختري: # عرف العالمون فضلك بالعلم ... وقال الجهال بالتقليد # وأرى الناس مجمعين ... على فضلك من بين سيد ومسود ### | [التقليد والاتباع في الدين] # [التقليد والاتباع] # وقال أبو عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي: التقليد معناه في الشرع ~~الرجوع إلى قول لا حجة لقائلة عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة، والاتباع: ~~ما ثبت عليه حجة. وقال في موضع آخر ms0522 من كتابه: كل من اتبعت قوله من غير أن ~~يجب عليك قبوله بدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح، ~~وكل من أوجب الدليل عليك اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوغ، ~~والتقليد ممنوع. # وقال: وذكر محمد بن حارث في أخبار سحنون بن سعيد عنه قال: كان مالك وعبد ~~العزيز بن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون إلى ابن ~~هرمز، فكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابهما، وإذا سأله ابن دينار وذووه ~~لا يجيبهم، فتعرض له ابن دينار يوما فقال له: يا أبا بكر لم تستحل مني ما ~~لا يحل لك؟ فقال له: يا ابن أخي، وما ذاك؟ قال: يسألك مالك وعبد العزيز ~~فتجيبهما وأسألك أنا وذوي فلا تجيبنا؟ فقال: أوقع ذلك يا ابن أخي في قلبك؟ ~~قال: نعم، قال: إني قد كبرت سني ودق عظمي، وأنا أخاف أن يكون خالطني في ~~عقلي مثل الذي خالطني في بدني، ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان، إذا سمعا ~~مني حقا قبلاه، وإن سمعا خطأ تركاه، وأنت وذووك ما أجبتكم به قبلتموه. # قال ابن حارث: هذا والله الدين الكامل، والعقل الراجح، لا كمن يأتي ~~بالهذيان، ويريد أن ينزل قوله من العقاب منزلة القرآن، قال أبو عمر: يقال ~~لمن قال بالتقليد: لم قلت به وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم يقلدوا؟ فإن ~~قال: " قلدت لأن كتاب الله لا علم لي بتأويله، وسنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لم # PageV02P137 # أحصها، والذي قلدته قد علم ذلك، فقلدت من هو أعلم مني " قيل له: أما ~~العلماء إذا أجمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية عن سنة رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه، ولكن قد ~~اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض، فما حجتك في تقليد بعضهم دون بعض ~~وكلهم عالم؟ ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه، فإن قال: ~~" قلدته لأني أعلم أنه على صواب " قيل ms0523 له: علمت ذلك بدليل من كتاب الله أو ~~سنة أو إجماع؟ فإن قال: " نعم " أبطل التقليد، وطولب بما ادعاه من الدليل، ~~وإن قال: " قلدته لأنه أعلم مني " قيل له: فقلد كل من هو أعلم منك، فإنك ~~تجد من ذلك خلقا كثيرا، ولا تخص من قلدته إذ علتك فيه أنه أعلم منك، فإن ~~قال: " قلدته لأنه أعلم الناس " قيل له: فإنه إذا أعلم من الصحابة، وكفى ~~بقول مثل هذا قبحا، فإن قال: " أنا أقلد بعض الصحابة " قيل له: فما حجتك في ~~ترك من لم تقلد منهم، ولعل من تركت قوله منهم أفضل ممن أخذت بقوله، على أن ~~القول لا يصح لفضل قائله، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه. # وقد ذكر ابن مزين عن عيسى بن دينار قال: عن القاسم عن مالك قال: ليس كما ~~قال رجل قولا وإن كان له فضل يتبع عليه؛ لقول الله عز وجل: {الذين يستمعون ~~القول فيتبعون أحسنه} [الزمر: 18] . # فإن قال: " قصري وقلة علمي يحملني على التقليد " قيل له: أما من قلد فيما ~~ينزل به من أحكام شريعته عالما يتفق له على علمه فيصدر في ذلك عما يخبره ~~فمعذور؛ لأنه قد أدى ما عليه، وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله، ولا بد له ~~من تقليد عالم فيما جهله؛ لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق بخبره في ~~القبلة؛ لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك. ولكن من كانت هذه حاله هل تجوز له ~~الفتيا في شرائع دين الله فيحمل غيره على إباحة الفروج وإراقة الدماء ~~واسترقاق الرقاب وإزالة الأملاك ويصيرها إلى غير من كانت في يديه بقول لا ~~يعرف صحته ولا قام له الدليل عليه، وهو مقر أن قائله يخطئ ويصيب، وأن ~~مخالفة في ذلك ربما كان المصيب فيما خالفه فيه؟ فإن أجاز الفتوى لمن جهل ~~الأصل والمعنى لحفظه الفروع لزمه أن يجيزه للعامة، وكفى بهذا جهلا وردا ~~للقرآن، وقال الله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] وقال: ~~{أم تقولون على الله ما لا ms0524 تعلمون} [البقرة: 80] وقد أجمع العلماء على أن ~~ما لم يتبين ولم يتيقن فليس بعلم، وإنما هو ظن، والظن لا يغني من الحق ~~شيئا. ثم ذكر حديث ابن عباس: «من أفتى بفتيا وهو يعمى عنها كان إثمها عليه» ~~موقوفا ومرفوعا. # قال وهب عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إياكم والظن فإن الظن أكذب ~~الحديث» . # PageV02P138 # قال: ولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد، ثم ذكر من طريق ابن ~~وهب: أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني أبو عثمان بن مسنة أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «إن العلم بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى ~~للغرباء» ومن طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى ~~للغرباء قيل له: يا رسول الله، وما الغرباء؟ قال: الذين يحيون سنتي ~~ويعلمونها عباد الله» وكان يقال: العلماء غرباء لكثرة الجهال. ثم ذكر عن ~~مالك عن زيد بن أسلم في قوله: {نرفع درجات من نشاء} [الأنعام: 83] قال: ~~بالعلم، وقال ابن عباس في قول الله تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11] قال: يرفع الله الذين أوتوا ~~العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات. # وروى هشام بن سعد عن زيد بن أسلم في قوله: {ولقد فضلنا بعض النبيين على ~~بعض} [الإسراء: 55] قال: بالعلم، وإذا كان المقلد ليس من العلماء باتفاق ~~العلماء لم يدخل في شيء من هذه النصوص، وبالله التوفيق. # فصل [نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم] . # وقد نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم، وذموا من أخذ أقوالهم بغير حجة؛ فقال ~~الشافعي: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل، يحمل حزمة حطب وفيه ~~أفعى تلدغه وهو لا يدري، ذكره البيهقي. # وقال إسماعيل بن يحيى المزني في أول مختصره: اختصرت هذا من علم الشافعي، ~~ومن معنى قوله، لأقربه على من أراده، مع إعلامية نهيه عن تقليده وتقليد ~~غيره لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه. ms0525 # وقال أبو داود: قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبع من مالك؟ قال: لا تقلد دينك ~~أحدا من هؤلاء، ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فخذ به، ثم ~~التابعي بعد الرجل فيه مخير. # وقد فرق أحمد بين التقليد والاتباع فقال أبو داود: سمعته يقول: الاتباع ~~أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه، ثم هو ~~من بعد في التابعين مخير، وقال أيضا: لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الثوري ~~ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا. # وقال: من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال. # PageV02P139 # وقال بشر بن الوليد: قال أبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم ~~من أين قلنا. # وقد صرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه ~~يستتاب، فكيف بمن ترك قول الله ورسوله لقول من هو دون إبراهيم أو مثله؟ ، # وقال جعفر الفريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني الهيثم بن جميل ~~قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله إن عندنا قوما وضعوا كتبا يقول ~~أحدهم: ثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا وكذا وفلان عن إبراهيم ~~بكذا، ويأخذ بقول إبراهيم. # قال مالك: وصح عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول ~~إبراهيم، فقال مالك: هؤلاء يستتابون، والله أعلم. ### | [فصل عقد مجلس مناظرة بين مقلد وبين صاحب حجة] # . فصل في عقد [مناظرة بين مقلد وصاحب حجة] في عقد مجلس مناظرة بين مقلد ~~وبين صاحب حجة منقاد للحق حيث كان. # قال المقلد: نحن معاشر المقلدين ممتثلون قول الله تعالى: {فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] فأمر الله سبحانه من لا علم له أن ~~يسأل من هو أعلم منه، وهذا نص قولنا، وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- من لا يعلم إلى سؤال من يعلم، فقال في «حديث صاحب الشجة: ألا سألوا إذا ~~لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال» . # وقال أبو العسيف الذي زنى بامرأة مستأجره: ms0526 " وإنى سألت أهل العلم ~~فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم " ~~فلم ينكر عليه تقليد من هو أعلم منه، وهذا عالم الأرض عمر قد قلد أبا بكر، ~~فروى شعبة عن عاصم الأحول عن الشعبي أن أبا بكر قال في الكلالة: أقضي فيها، ~~فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله منه بريء، هو ~~ما دون الولد والوالد، فقال عمر بن الخطاب: إني لأستحيي من الله أن أخالف ~~أبا بكر، وصح عنه أنه قال له: رأينا لرأيك تبع. وصح عن ابن مسعود أنه كان ~~يأخذ بقول عمر. # وقال الشعبي عن مسروق: كان ستة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يفتون الناس: ابن مسعود، وعمر بن الخطاب، وعلي، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، ~~وأبو موسى، وكان ثلاثة منهم يدعون قولهم لقول ثلاثة: كان عبد الله يدع قوله ~~لقول عمر، وكان أبو موسى يدع قوله لقول علي، وكان زيد يدع قوله لقول أبي بن ~~كعب. # وقال جندب: ما كنت أدع قول ابن مسعود لقول أحد من الناس، وقد قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إن معاذا قد سن لكم سنة، فكذلك # PageV02P140 # فافعلوا» في شأن الصلاة حيث أخر فصلى ما فاته من الصلاة مع الإمام بعد ~~الفراغ، وكانوا يصلون ما فاتهم أولا ثم يدخلون مع الإمام. # قال المقلد: وقد أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر - وهم ~~العلماء، أو العلماء والأمراء - وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به، فإنه لولا ~~التقليد لم يكن هناك طاعة تختص بهم. # وقال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} [التوبة: 100] وتقليدهم اتباع لهم، ففاعله ~~ممن رضي الله عنهم، ويكفي في ذلك الحديث المشهور: «أصحابي كالنجوم فبأيهم ~~اقتديتم اهتديتم» . # وقال عبد الله بن مسعود: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي ~~لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، ~~وأقلها تكلفا، قوم اختارهم ms0527 الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، ~~وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» وقال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر ~~وعمر واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد» وقد كتب عمر إلى شريح: ~~أن اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فإن لم يكن في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فاقض بما قضى به الصالحون. # وقد منع عمر عن بيع أمهات الأولاد وتبعه الصحابة، وألزم بالطلاق الثلاث ~~وتبعوه أيضا، واحتلم مرة فقال له عمرو بن العاص: خذ ثوبا غير ثوبك، فقال: ~~لو فعلتها صارت سنة. # وقال أبي بن كعب وغيره من الصحابة: ما استبان لك فاعمل به، وما اشتبه ~~عليك فكله إلى عالمه. وقد كان الصحابة يفتون ورسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حي بين أظهرهم، وهذا تقليد لهم قطعا؛ إذ قولهم لا يكون حجة في حياة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} ~~[التوبة: 122] فأوجب عليهم قبول ما أنذروهم به إذا رجعوا إليهم، وهذا تقليد ~~منهم للعلماء. # وصح عن ابن الزبير أنه سئل عن الجد والإخوة، فقال: أما الذي قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا» فإنه ~~أنزله أبا، وهذا # PageV02P141 # ظاهر في تقليده له، وقد أمر الله سبحانه بقبول شهادة الشاهد، وذلك تقليد ~~له، وجاءت الشريعة بقبول قول القائف والخارص والقاسم والمقوم للمتلفات ~~وغيرها والحاكمين بالمثل في جزاء الصيد، وذلك تقليد محض. وأجمعت الأمة على ~~قبول قول المترجم والرسول والمعرف والمعدل وإن اختلفوا في جواز الاكتفاء ~~بواحد، وذلك تقليد محض لهؤلاء. وأجمعوا على جواز شراء اللحمان والثياب ~~والأطعمة وغيرها من غير سؤال عن أسباب حلها وتحريمها اكتفاء بتقليد ~~أربابها، ولو ms0528 كلف الناس كلهم الاجتهاد وأن يكونوا علماء فضلاء لضاعت مصالح ~~العباد، وتعطلت الصنائع والمتاجر، وكان الناس كلهم علماء مجتهدين، وهذا مما ~~لا سبيل إليه شرعا، والقدر قد منع من وقوعه. # وقد أجمع الناس على تقليد الزوج للنساء اللاتي يهدين إليه زوجته وجواز ~~وطئها تقليدا لهن في كونها هي زوجته. # وأجمعوا على أن الأعمى يقلد في القبلة، وعلى تقليد الأئمة في الطهارة ~~وقراءة الفاتحة، وما يصح به الاقتداء. وعلى تقليد الزوجة مسلمة كانت أو ~~ذمية أن حيضها قد انقطع فيباح للزوج وطؤها بالتقليد، ويباح للمولى تزويجها ~~بالتقليد لها في انقضاء عدتها، وعلى جواز تقليد الناس للمؤذنين في دخول ~~أوقات الصلوات، ولا يجب عليهم الاجتهاد ومعرفة ذلك بالدليل. «وقد قالت ~~الأمة السوداء لعقبة بن الحارث: أرضعتك وأرضعت امرأتك، فأمره النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بفراقها وتقليدها فيما أخبرته به من ذلك» . وقد صرح ~~الأئمة بجواز التقليد، فقال حفص بن غياث، سمعت سفيان يقول: إذا رأيت الرجل ~~يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى تحريمه فلا تنهه. # وقال محمد بن الحسن: يجوز للعالم تقليد من هو أعلم منه، ولا يجوز له ~~تقليد من هو مثله. وقد صرح الشافعي بالتقليد فقال: في الضبع بعير، قلته ~~تقليدا لعمر. وقال في مسألة بيع الحيوان بالبراءة من العيوب: قلته تقليدا ~~لعثمان. وقال في مسألة الجد مع الإخوة: إنه يقاسمهم، ثم قال: وإنما قلت ~~بقول زيد، وعنه قبلنا أكثر الفرائض. وقد قال في موضع آخر من كتابه الجديد: ~~قلته تقليدا لعطاء. # PageV02P142 # وهذا أبو حنيفة - رحمه الله - قال في مسائل الآبار: ليس معه فيها إلا ~~تقليد من تقدمه من التابعين فيها. وهذا مالك لا يخرج عن عمل أهل المدينة، ~~ويصرح في موطئه بأنه أدرك العمل على هذا، وهو الذي عليه أهل العلم ببلدنا. ~~ويقول في غير موضع: ما رأيت أحدا أقتدي به يفعله. ولو جمعنا ذلك من كلامه ~~لطال. وقد قال الشافعي في الصحابة: رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا، ونحن ~~نقول ونصدق أن رأي الشافعي والأئمة معه ms0529 لنا خير من رأينا لأنفسنا. وقد جعل ~~الله سبحانه في فطر العباد تقليد المتعلمين للأستاذين والمعلمين، ولا تقوم ~~مصالح الخلق، إلا بهذا، وذلك عام في كل علم وصناعة، وقد فاوت الله سبحانه ~~بين قوى الأذهان كما فاوت بين قوى الأبدان، فلا يحسن في حكمته وعدله ورحمته ~~أن يفرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله والجواب عن معارضه في جميع مسائل ~~الدين دقيقها وجليلها؛ ولو كان كذلك لتساوت أقدام الخلائق في كونهم علماء، ~~بل جعل سبحانه هذا عالما، وهذا متعلما، وهذا متبعا للعالم مؤتما به، بمنزلة ~~المأموم مع الإمام والتابع مع المتبوع، وأين حرم الله تعالى على الجاهل أن ~~يكون متبعا للعالم مؤتما به مقلدا له يسير بسيره وينزل بنزوله؟ وقد علم ~~الله سبحانه أن الحوادث والنوازل كل وقت نازلة بالخلق، فهل فرض على كل منهم ~~فرض عين أن يأخذ حكم نازلته من الأدلة الشرعية بشروطها ولوازمها؟ وهل ذلك ~~في إمكان أحد فضلا عن كونه مشروعا؟ وهؤلاء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فتحوا البلاد، وكان الحديث العهد بالإسلام يسألهم فيفتونه، ولا ~~يقولون له: عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل، ولا يعرف ذلك ~~عن أحد منهم ألبتة، وهل التقليد إلا من لوازم التكليف ولوازم الوجود فهو من ~~لوازم الشرع والقدر. والمنكرون له مضطرون إليه ولا بد، وذلك فيما تقدم ~~بيانه من الأحكام وغيرها. ونقول لمن احتج على إبطاله: كل حجة أثرية ذكرتها ~~فأنت مقلد لحملتها ورواتها؛ إذ لم يقم دليل قطعي على صدقهم، فليس بيدك إلا ~~تقليد الراوي، وليس بيد الحاكم إلا تقليد الشاهد، وكذلك ليس بيد العامي إلا ~~تقليد العالم، فما الذي سوغ لك تقليد الراوي والشاهد ومنعنا من تقليد ~~العالم، وهذا سمع بأذنه ما رواه، وهذا عقل بقلبه ما سمعه، فأدى هذا مسموعه، ~~وأدى هذا معقوله، وفرض على هذا تأدية ما سمعه، وعلى هذا تأدية ما عقله، ~~وعلى من لم يبلغ منزلتهما القول منهما؟ ثم يقال للمانعين من التقليد: أنتم ~~منعتموه خشية وقوع المقلد في ms0530 الخطأ بأن يكون # PageV02P143 # من قلده مخطئا في فتواه، ثم أوجبتم عليه النظر والاستدلال في طلب الحق. ~~ولا ريب أن صوابه في تقليده للعالم أقرب من صوابه في اجتهاده هو لنفسه، ~~وهذا كمن أراد شراء سلعة لا خبرة له بها، فإنه إذا قلد عالما بتلك السلعة ~~خبيرا بها أمينا ناصحا كان صوابه وحصول غرضه أقرب من اجتهاده لنفسه، وهذا ~~متفق عليه بين العقلاء. # قال أصحاب الحجة: عجبا لكم معاشر المقلدين الشاهدين على أنفسهم مع شهادة ~~أهل العلم بأنهم ليسوا من أهله ولا معدودين في زمرة أهله، كيف أبطلتم ~~مذهبكم بنفس دليلكم؟ فما للمقلد وما للاستدلال؟ وأين منصب المقلد من منصب ~~المستدل؟ وهل ما ذكرتم من الأدلة إلا ثيابا استعرتموها من صاحب الحجة ~~فتجملتم بها بين الناس؟ وكنتم في ذلك متشبعين بما لم تعطوه، ناطقين من ~~العلم بما شهدتم على أنفسكم أنكم لم تؤتوه؟ وذلك ثوب زور لبستموه، ومنصب ~~لستم من أهله غصبتموه، فأخبرونا: هل صرتم إلى التقليد لدليل قادكم إليه، ~~وبرهان دلكم عليه، فنزلتم به من الاستدلال أقرب منزل، وكنتم به عن التقليد ~~بمعزل، أم سلكتم سبيله اتفاقا وتخمينا من غير دليل؟ وليس إلى خروجكم عن أحد ~~هذين القسمين سبيل، وأيهما كان فهو بفساد مذهب التقليد حاكم، والرجوع إلى ~~مذهب الحجة منه لازم، ونحن إن خاطبناكم بلسان الحجة قلت: لسنا من أهل هذه ~~السبيل، وإن خاطبناكم بحكم التقليد فلا معنى لما أقمتموه من الدليل. والعجب ~~أن كل طائفة من الطوائف، وكل أمة من الأمم تدعي أنها على حق، حاشا فرقة ~~التقليد فإنهم لا يدعون ذلك، ولو ادعوه لكانوا مبطلين، فإنهم شاهدون على ~~أنفسهم بأنهم لم يعتقدوا تلك الأقوال لدليل قادهم إليه، وبرهان دلهم عليه، ~~وإنما سبيلهم محض التقليد، والمقلد لا يعرف الحق من الباطل، ولا الحالي من ~~العاطل. وأعجب من هذا أن أئمتهم نهوهم عن تقليدهم فعصوهم وخالفوهم، وقالوا: ~~نحن على مذاهبهم، وقد دانوا بخلافهم في أصل المذهب الذي بنوا عليه، فإنهم ~~بنوا على الحجة، ونهوا عن التقليد، وأوصوهم إذا ظهر ms0531 الدليل أن يتركوا ~~أقوالهم ويتبعوه، فخالفوهم في ذلك كله، وقالوا: نحن من أتباعهم، تلك ~~أمانيهم، وما أتباعهم إلا من سلك سبيلهم، واقتفى آثارهم في أصولهم وفروعهم. # وأعجب من هذا أنهم مصرحون في كتبهم ببطلان التقليد وتحريمه، وأنه لا يحل ~~القول به في دين الله، ولو اشترط الإمام على الحاكم أن يحكم بمذهب معين لم ~~يصح شرطه ولا توليته، ومنهم من صحح التولية وأبطل الشرط، وكذلك المفتي يحرم ~~عليه الإفتاء # PageV02P144 # بما لا يعلم صحته باتفاق الناس، والمقلد لا علم له بصحة القول وفساده؛ إذ ~~طريق ذلك مسدودة عليه، ثم كل منهم يعرف من نفسه أنه مقلد لمتبوعه لا يفارق ~~قوله، ويترك له كل ما خالفه من كتاب أو سنة أو قول صاحب أو قول من هو أعلم ~~من متبوعه أو نظيره، وهذا من أعجب العجب. # وأيضا فإنا نعلم بالضرورة أنه لم يكن في عصر الصحابة رجل واحد اتخذ رجلا ~~منهم يقلده في جميع أقواله فلم يسقط منها شيئا، وأسقط أقوال غيره فلم يأخذ ~~منها شيئا. ونعلم بالضرورة أن هذا لم يكن في عصر التابعين ولا تابعي ~~التابعين، فليكذبنا المقلدون برجل واحد سلك سبيلهم الوخيمة في القرون ~~الفضيلة على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما حدثت هذه البدعة ~~في القرن الرابع المذموم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~فالمقلدون لمتبوعهم في جميع ما قالوه يبيحون به الفروج والدماء والأموال، ~~ويحرمونها، ولا يدرون أذلك صواب أم خطأ، على خطر عظيم، ولهم بين يدي الله ~~موقف شديد يعلم فيه من قال على الله ما لا يعلم أنه لم يكن على شيء. وأيضا ~~فنقول لكل من قلد واحدا من الناس دون غيره: ما الذي خص صاحبك أن يكون أولى ~~بالتقليد من غيره؟ فإن قال: " لأنه أعلم أهل عصره " # وربما فضله على من قبله مع جزمه الباطل أنه لم يجئ بعده أعلم منه، قيل ~~له: وما يدريك ولست من أهل العلم بشهادتك على نفسك أنه أعلم الأمة في وقته؟ ~~فإن هذا إنما ms0532 يعرفه من عرف المذاهب وأدلتها وراجحها من مرجوحها فما للأعمى ~~ونقد الدراهم؟ ، وهذا أيضا باب آخر من القول على الله بلا علم، ويقال له ~~ثانيا فأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب ~~ومعاذ بن جبل وعائشة وابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - أعلم من صاحبك ~~بلا شك، فهلا قلدتهم وتركته؟ بل سعيد بن المسيب والشعبي وعطاء وطاوس ~~وأمثالهم أعلم وأفضل بلا شك، فلم تركت تقليد الأعلم الأفضل الأجمع لأدوات ~~الخير والعلم والدين ورغبت عن أقواله ومذاهبه إلى من هو دونه؟ فإن قال: " ~~لأن صاحبي ومن قلدته أعلم به مني، فتقليدي له أوجب علي مخالفة قوله لقول من ~~قلدته؛ لأن وفور علمه ودينه يمنعه من مخالفة من هو فوقه وأعلم منه إلا ~~لدليل صار إليه هو أولى من قول كل واحد من هؤلاء " قيل له: ومن أين علمت أن ~~الدليل الذي صار إليه صاحبك الذي زعمت أنت أنه صاحبك أولى من الدليل الذي ~~صار إليه من هو أعلم منه وخير منه أو هو نظيره؟ وقولان معا متناقضان لا ~~يكونان صوابا، بل أحدهما هو الصواب، ومعلوم أن ظفر الأعلم الأفضل بالصواب ~~أقرب من ظفر من هو دونه. فإن قلت: " علمت ذلك بالدليل " فههنا إذا قد ~~انتقلت # PageV02P145 # عن منصب التقليد إلى منصب الاستدلال، وأبطلت التقليد. ثم يقال لك ثالثا: ~~هذا لا ينفعك شيئا ألبتة فيما اختلف فيه، فإن من قلدته ومن قلده غيرك قد ~~اختلفا، وصار من قلده غيرك إلى موافقة أبي بكر وعمر أو علي وابن عباس أو ~~عائشة وغيرهم دون من قلدته، فهلا نصحت نفسك وهديت لرشدك وقلت: هذان عالمان ~~كبيران، ومع أحدهما من ذكر من الصحابة فهو أولى بتقليدي إياه. ويقال له ~~رابعا إمام بإمام، ويسلم قول الصحابي، فيكون أولى بالتقليد. ويقال خامسا: ~~إذا جاز أن يظفر من قلدته بعلم خفي على عمر بن الخطاب وعلى علي بن أبي طالب ~~وعبد الله بن مسعود وذويهم فأحق وأحق وأجوز وأجوز أن يظفر نظيره ومن ms0533 بعده ~~بعلم خفي عليه هو؛ فإن النسبة بين من قلدته وبين نظيره ومن بعده أقرب بكثير ~~من النسبة بين من قلدته وبين الصحابة والخفاء على من قلدته أقرب من الخفاء ~~على الصحابة. # ويقال سادسا: إذا سوغت لنفسك مخالفة الأفضل الأعلم لقول المفضول فهلا ~~سوغت لها مخالفة المفضول لمن هو أعلم منه؟ وهل كان الذي ينبغي ويجب إلا عكس ~~ما ارتكبت؟ ويقال سابعا: هل أنت في تقليد إمامك وإباحة الفروج والدماء ~~والأموال ونقلها عمن هي بيده إلى غيره موافق لأمر الله أو رسوله أو إجماع ~~أمته أو قول أحد من الصحابة؟ فإن قال: " نعم " قال ما يعلم الله ورسوله ~~وجميع العلماء بطلانه، وإن قال: " لا " فقد كفانا مؤنته، وشهد على نفسه ~~بشهادة الله ورسوله وأهل العلم عليه. # ويقال ثامنا: تقليدك لمتبوعك يحرم عليك تقليده؛ فإنه نهاك عن ذلك، وقال: ~~لا يحل لك أن تقول بقوله حتى تعلم من أين قاله، ونهاك عن تقليده وتقليد ~~غيره من العلماء، فإن كنت مقلدا له في جميع مذهبه فهذا من مذهبه، فهلا ~~اتبعته فيه؟ # ويقال تاسعا: هل أنت على بصيرة في أن من قلدته أولى بالصواب من سائر من ~~رغبت من قوله من الأولين والآخرين أم لست على بصيرة؟ فإن قال: " أنا على ~~بصيرة " قال: ما يعلم بطلانه، وإن قال: " لست على بصيرة " وهو الحق قيل له: ~~فما عذرك غدا بين يدي الله حين لا ينفعك من قلدته بحسنة واحدة، ولا يحمل ~~عنك سيئة واحدة، إذا حكمت وأفتيت بين خلقه بما لست على بصيرة منه، هل هو ~~صواب أم خطأ؟ ويقال عاشرا: هل تدعي عصمة متبوعك أو تجوز عليه الخطأ؟ والأول ~~لا سبيل إليه، بل تقر ببطلانه؛ فتعين الثاني، وإذا جوزت عليه الخطأ فكيف ~~تحلل وتحرم وتوجب وتريق الدماء وتبيح الفروج وتنقل الأموال وتضر الأبشار ~~بقول من أنت مقر بجواز كونه مخطئا. # ويقال حادي عشر: هل تقول إذا أفتيت أو حكمت بقول من قلدته: إن هذا هو دين ~~الله الذي أرسل به رسوله وأنزل به ms0534 كتابه وشرعه لعباده ولا دين له سواه؟ أو ~~تقول: إن دين الله الذي شرعه لعباده خلافه؟ أو تقول: لا أدري؟ ولا بد لك من ~~قول من هذه الأقوال، ولا سبيل لك إلى # PageV02P146 # الأول قطعا؛ فإن دين الله الذي لا دين له سواه لا تسوغ مخالفته، وأقل ~~درجات مخالفه أن يكون من الآثمين، والثاني لا تدعيه، فليس لك ملجأ إلا ~~الثالث، فيا لله العجب، كيف تستباح الفروج والدماء والأموال والحقوق وتحلل ~~وتحرم بأمر أحسن أحواله وأفضلها " لا أدري "؟ فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ~~وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم. # ويقال ثاني عشر: على أي شيء كان الناس قبل أن يولد فلان وفلان وفلان ~~الذين قلدتموهم وجعلتم أقوالهم بمنزلة نصوص الشارع؟ وليتكم اقتصرتم على ~~ذلك، بل جعلتموها أولى بالاتباع من نصوص الشارع، أفكان الناس قبل وجود ~~هؤلاء على هدى أو على ضلالة؟ فلا بد من أن تقروا بأنهم كانوا على هدى، ~~فيقال لهم: فما الذي كانوا عليه غير اتباع القرآن والسنن والآثار، وتقديم ~~قول الله ورسوله وآثار الصحابة على ما يخالفها، والتحاكم إليها دون قول ~~فلان أو رأي فلان، وإذا كان هذا هو الهدى فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى ~~تؤفكون؟ فإن قالت كل فرقة من المقلدين، وكذلك يقولون: صاحبنا هو الذي ثبت ~~على ما مضى عليه السلف، واقتفى مناهجهم، وسلك سبيلهم، قيل لهم: فمن سواه من ~~الأئمة هل شارك صاحبكم في ذلك أو انفرد صاحبكم بالاتباع وحرمه من عداه؟ فلا ~~بد من واحد من الأمرين، فإن قالوا بالثاني فهم أضل سبيلا من الأنعام، وإن ~~قالوا بالأول فيقال: فكيف وفقتم لقبول قول صاحبكم كله، ورد قول من هو مثله ~~أو أعلم منه كله، فلا يرد لهذا قول، ولا يقبل لهذا قول، حتى كأن الصواب وقف ~~على صاحبكم والخطأ وقف على من خالفه، ولهذا أنتم موكلون بنصرته في كل ما ~~قاله، وبالرد على من خالفه في كل ما قاله، وهذه حال الفرقة الأخرى معكم. # ويقال ثالث عشر: فمن قلدتموه من الأئمة قد نهوكم ms0535 عن تقليدهم فأنتم أول ~~مخالف لهم. قال الشافعي: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل، يحمل ~~حزمة حطب، وفيه أفعى تلدغه، وهو لا يدري. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يحل ~~لأحد أن يقول بقولنا، حتى يعلم من أين قلناه. وقال أحمد: لا تقلد دينك ~~أحدا. # ويقال رابع عشر: هل أنتم موقنون بأنكم غدا موقوفون بين يدي الله، وتسألون ~~عما قضيتم به في دماء عباده وفروجهم وأبشارهم وأموالهم، وعما أفتيتم به في ~~دينه محرمين ومحللين وموجبين؟ فمن قولهم: " نحن موقنون بذلك " فيقال لهم: ~~فإذا سألكم: " من أين قلتم ذلك؟ " فماذا جوابكم؟ فإن قلتم: " جوابنا إنا ~~حللنا وحرمنا وقضينا بما في كتاب الأصل لمحمد بن الحسن مما رواه عن أبي ~~حنيفة وأبي يوسف من رأي واختيار، وبما في المدونة # PageV02P147 # من رواية سحنون عن ابن القاسم من رأي واختيار، وبما في الأم من رواية ~~الربيع من رأي واختيار، وبما في جوابات غير هؤلاء من رأي واختيار، وليتكم ~~اقتصرتم على ذلك أو صعدتم إليه أو سمت هممكم نحوه، بل نزلتم عن ذلك طبقات، ~~فإذا سئلتم: هل فعلتم ذلك عن أمري أو أمر رسولي؟ فماذا يكون جوابكم إذا؟ ~~فإن أمكنكم حينئذ أن تقولوا " فعلنا ما أمرتنا به وأمرنا به رسولك " فزتم ~~وتخلصتم، وإن لم يمكنكم ذلك فلا بد أن تقولوا: لم تأمرنا بذلك ولا رسولك ~~ولا أئمتنا، ولا بد من أحد الجوابين، وكأن قد. # ويقال خامس عشر: إذا نزل عيسى ابن مريم إماما عدلا وحكما مقسطا، فبمذهب ~~من يحكم؟ وبرأي من يقضي؟ ومعلوم أنه لا يحكم ولا يقضي إلا بشريعة نبينا - ~~صلى الله عليه وسلم - التي شرعها الله لعباده؛ فذلك الذي يقضي به أحق، ~~وأولى الناس به عيسى ابن مريم هو الذي أوجب عليكم أن تقضوا به وتفتوا، ولا ~~يحل لأحد أن يقضي ولا يفتي بشيء سواه ألبتة. فإن قلتم: نحن وأنتم في هذا ~~السؤال سواء، قيل: أجل، ولكن نفترق في الجواب فنقول: يا ربنا إنك تعلم أنا ~~لم نجعل أحدا من ms0536 الناس عيارا على كلامك وكلام رسولك وكلام أصحاب رسولك، ~~ونرد ما تنازعنا فيه إليه ونتحاكم إلى قوله ونقدم أقواله على كلامك وكلام ~~رسولك وكلام أصحاب رسولك، وكان الخلق عندنا أهون أن نقدم كلامهم وآراءهم ~~على وحيك، بل أفتينا بما وجدناه في كتابك، وبما وصل إلينا من سنة رسولك ~~وبما أفتى به من أصحاب نبيك، وإن عدلنا عن ذلك فخطأ منا لا عمد، ولم نتخذ ~~من دونك ولا دون رسولك ولا المؤمنين وليجة، ولم نفرق ديننا ونكون شيعا، ولم ~~نقطع أمرنا بيننا زبرا. وجعلنا أئمتنا قدوة لنا، ووسائط بيننا وبين رسولك ~~في نقلهم ما بلغوه إلينا عن رسولك فاتبعناهم في ذلك، وقلدناهم فيه، إذ ~~أمرتنا أنت وأمرنا رسولك بأن نسمع منهم، ونقبل ما بلغوه عنك وعن رسولك، ~~فسمعا لك ولرسولك وطاعة، ولم نتخذهم أربابا نتحاكم إلى أقوالهم، ونخاصم ~~بها، ونوالي ونعادي عليها، بل عرضنا أقوالهم على كتابك وسنة رسولك، فما ~~وافقهما قبلناه، وما خالفهما أعرضنا عنه وتركناه، وإن كانوا أعلم منا بك ~~وبرسولك، فمن وافق قوله قول رسولك كان أعلم منهم في تلك المسألة، فهذا ~~جوابنا، ونحن نناشدكم الله: هل أنتم كذلك حتى يمكنكم هذا الجواب بين يدي من ~~لا يبدل القول لديه، ولا يروج الباطل عليه؟ # ويقال سادس عشر: كل طائفة منكم معاشر طوائف المقلدين، قد أنزلت جميع ~~الصحابة من أولهم إلى آخرهم وجميع التابعين من أولهم إلى آخرهم وجميع علماء ~~الأمة من أولهم إلى آخرهم إلا من قلدتموه في مكان من لا يعتد بقوله، ولا ~~ينظر في فتاواه، ولا يشتغل بها، ولا يعتد بها، ولا وجه للنظر فيها إلا ~~للتمحل وإعمال الفكر وكده في الرد عليهم # PageV02P148 # إذا خالف قولهم قول متبوعهم، وهذا هو المسوغ للرد عليهم عندهم، فإذا خالف ~~قول متبوعهم نصا عن الله ورسوله فالواجب التمحل والتكلف في إخراج ذلك النص ~~عن دلالته، والتحيل لدفعه بكل طريق حتى يصح قول متبوعهم، فيا لله لدينه ~~وكتابه وسنة رسوله ولبدعة كادت تثل عرش الإيمان وتهد ركنه لولا أن الله ضمن ms0537 ~~لهذا الدين أن لا يزال فيه من يتكلم بأعلامه ويذب عنه، فمن أسوأ ثناء على ~~الصحابة والتابعين وسائر علماء المسلمين، وأشد استخفافا بحقوقهم، وأقل ~~رعاية لواجبهم، وأعظم استهانة بهم، ممن لا يلتفت إلى قول رجل واحد منهم، ~~ولا إلى فتواه غير صاحبه الذي اتخذه وليجة من دون الله ورسوله؟ ، # ويقال سابع عشر: من أعجب أمركم أيها المقلدون أنكم اعترفتم وأقررتم على ~~أنفسكم بالعجز عن معرفة الحق بدليله من كلام الله وكلام رسوله، مع سهولته ~~وقرب مأخذه، واستيلائه على أقصى غايات البيان، واستحالة التناقض والاختلاف ~~عليه؛ فهو نقل مصدق عن قائل معصوم، وقد نصب الله سبحانه الأدلة الظاهرة على ~~الحق وبين لعباده ما يتقون، فادعيتم العجز عن معرفة ما نصب عليه الأدلة ~~وتولى بيانه، ثم زعمتم أنكم قد عرفتم بالدليل أن صاحبكم أولى بالتقليد من ~~غيره، وأنه أعلم الأمة وأفضلها في زمانه وهلم جرا، وغلاة كل طائفة منكم ~~توجب اتباعه وتحرم اتباع غيره كما هو في كتب أصولهم، فعجبا كل العجب لمن ~~خفي عليه الترجيح فيما نصب الله عليه الأدلة من الحق، ولم يهتد إليها، ~~واهتدى إلى أن متبوعه أحق وأولى بالصواب ممن عداه، ولم ينصب الله على ذلك ~~دليلا واحدا. # ويقال ثامن عشر: أعجب من هذا كله من شأنكم معاشر المقلدين أنكم إذا وجدتم ~~آية من كتاب الله توافق رأي صاحبكم أظهرتم أنكم تأخذون بها، والعمدة في نفس ~~الأمر على ما قاله، لا على الآية، وإذا وجدتم آية نظيرها تخالف قوله لم ~~تأخذوا بها، وتطلبتم لها وجوه التأويل وإخراجها عن ظاهرها حيث لم توافق ~~رأيه، وهكذا تفعلون في نصوص السنة سواء، وإذا وجدتم حديثا صحيحا يوافق قوله ~~أخذتم به، وقلتم: " لنا قوله - صلى الله عليه وسلم - كيت وكيت "، وإذا ~~وجدتم مائة حديث صحيح بل وأكثر تخالف قوله لم تلتفتوا إلى حديث منها، ولم ~~يكن لكم منها حديث واحد فتقولون: لنا قوله - صلى الله عليه وسلم - كذا ~~وكذا، وإذا وجدتم مرسلا قد وافق رأيه أخذتم به وجعلتموه حجة هناك، وإذا ~~وجدتم ms0538 مائة مرسل تخالف رأيه أطرحتموها كلها من أولها إلى آخرها، وقلتم: لا ~~نأخذ بالمرسل. # ويقال تاسع عشر: أعجب من هذا كله أنكم إذا أخذتم بالحديث مرسلا كان أو ~~مسندا موافقته رأي صاحبكم ثم وجدتم فيه حكما يخالف رأيه لم تأخذوا به في ~~ذلك # PageV02P149 # الحكم، وهو حديث واحد، وكأن الحديث حجة فيما وافق رأي من قلدتموه، وليس ~~بحجة فيما خالف رأيه. ولنذكر من هذا طرفا فإنه من عجيب أمرهم. ### | [طرف من تخبط المقلدين في الأخذ ببعض السنة وترك بعضها الآخر] # [طرف من تخبط المقلدين في الأخذ ببعض السنة وترك بعضها الآخر] : فاحتج ~~طائفة منهم في سلب طهورية الماء المستعمل في رفع الحدث بأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة والمرأة بفضل وضوء ~~الرجل» . # وقالوا: الماء المنفصل عن أعضائهما هو فضل وضوئهما. وخالفوا نفس الحديث؛ ~~فجوزوا لكل منهما أن يتوضأ بفضل طهور الآخر، وهو المقصود بالحديث، فإنه نهى ~~أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة إذا خلت بالماء، وليس عندهم للخلوة أثر، ~~ولا لكون الفضلة فضلة امرأة أثر، فخالفوا نفس الحديث الذي احتجوا به، ~~وحملوا الحديث على غير محمله؛ إذ فضل الوضوء بيقين هو الماء الذي فضل منه، ~~ليس هو الماء المتوضأ به، فإن ذلك لا يقال له فضل الوضوء، فاحتجوا به فيما ~~لم يرد به، وأبطلوا الاحتجاج به فيما أريد به. # ومن ذلك احتجاجهم على نجاسة الماء بالملاقاة وإن لم يتغير بنهيه - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يبال في الماء الدائم، ثم قالوا: لو بال في الماء ~~الدائم لم ينجسه حتى ينقص عن قلتين. واحتجوا على نجاسته أيضا بقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى ~~يغسلها ثلاثا» ثم قالوا: لو غمسها قبل غسلها لم ينجس الماء، ولا يجب عليه ~~غسلها، وإن شاء أن يغمسها قبل الغسل فعل. # واحتجوا في هذه المسألة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بحفر الأرض ~~التي بال فيها البائل وإخراج ترابها، ثم ms0539 قالوا: لا يجب حفرها، بل لو تركت ~~حتى يبست بالشمس والريح طهرت. واحتجوا على منع الوضوء بالماء المستعمل ~~بقوله - صلى الله عليه وسلم - «يا بني عبد المطلب إن الله كره لكم غسالة ~~أيدي الناس» يعني الزكاة. # ثم قالوا: لا تحرم الزكاة على بني عبد المطلب. واحتجوا على أن السمك ~~الطافي إذا وقع في الماء لا ينجسه بخلاف غيره من ميتة البر فإنه ينجس الماء ~~«بقوله - صلى الله عليه وسلم - في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته» ثم ~~خالفوا هذا الخبر بعينه وقالوا: لا يحل ما مات في البحر من السمك، ولا يحل ~~شيء مما فيه أصلا غير السمك. واحتج أهل الرأي على نجاسة الكلب وولوغه بقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ولغ الكلب في # PageV02P150 # إناء أحدكم فليغسله سبع مرات» ثم قالوا: لا يجب غسله سبعا، بل يغسل مرة، ~~ومنهم من قال ثلاثا. # واحتجوا على تفريقهم في النجاسة المغلظة بين قدر الدرهم وغيره بحديث لا ~~يصح من طريق غطيف عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة يرفعه: «تعاد الصلاة ~~من قدر الدرهم» . ثم قالوا: لا تعاد الصلاة من قدر الدرهم. # واحتجوا بحديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة في الزكاة في ~~زيادة الإبل على عشرين ومائة أنها ترد إلى أول الفريضة فيكون في كل خمس ~~شاة، وخالفوه في اثني عشر موضعا منه، ثم احتجوا بحديث عمرو بن حزم: «أن ما ~~زاد على مائتي درهم فلا شيء فيه حتى يبلغ أربعين فيكون فيها درهم» وخالفوا ~~الحديث بعينه في نص ما فيه في أكثر من خمسة عشر موضعا. واحتجوا على أن ~~الخيار لا يكون أكثر من ثلاثة أيام بحديث المصراة، وهذا من إحدى العجائب؛ ~~فإنهم من أشد الناس إنكارا له، ولا يقولون به، فإن كان حقا وجب اتباعه، وإن ~~لم يكن صحيحا لم يجز الاحتجاج به في تقدير الثلاث، مع أنه ليس في الحديث ~~تعرض لخيار الشرط؛ فالذي أريد بالحديث ودل عليه خالفوه، والذي احتجوا عليه ~~به لم ms0540 يدل عليه. واحتجوا لهذه المسألة أيضا «بخبر حبان بن منقذ الذي كان ~~يغبن في البيع، فجعل له النبي - صلى الله عليه وسلم - الخيار ثلاثة أيام» . ~~وخالفوا الخبر كله، فلم يثبتوا الخيار بالغبن ولو كان يساوي عشر معشار ما ~~بذله فيه، وسواء قال المشتري: " لا خلابة " أو لم يقل، وسواء غبن قليلا أو ~~كثيرا، لا خيار له في ذلك كله. # واحتجوا في إيجاب الكفارة على من أفطر في نهار رمضان بأن في بعض ألفاظ ~~الحديث أن رجلا أفطر فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكفر، ثم ~~خالفوا هذا اللفظ بعينه فقالوا: إن استف دقيقا أو بلع عجينا أو إهليلجا أو ~~طيبا أفطر، ولا كفارة عليه. واحتجوا على وجوب القضاء على من تعمد القيء ~~بحديث أبي هريرة، ثم خالفوا الحديث بعينه فقالوا: إن تقيأ أقل من ملء فيه ~~فلا قضاء عليه. واحتجوا على تحديد مسافة الفطر والقصر بقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاثة ~~أيام إلا مع زوج أو ذي محرم» وهذا مع أنه لا دليل فيه ألبتة # PageV02P151 # على ما ادعوه فقد خالفوه نفسه فقالوا: يجوز للمملوكة والمكاتبة وأم الولد ~~السفر مع غير زوج ومحرم. واحتجوا على منع المحرم من تغطية وجهه بحديث ابن ~~عباس «في الذي وقصته ناقته وهو محرم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~لا تخمروا رأسه ولا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» وهذا من العجب فإنهم ~~يقولون: إذا مات المحرم جاز تغطية رأسه ووجهه وقد بطل إحرامه. واحتجوا على ~~إيجاب الجزاء على من قتل ضبعا في الإحرام بحديث جابر أنه أفتى بأكلها ~~وبالجزاء على قاتلها، وأسند ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم ~~خالفوا الحديث بعينه فقالوا: لا يحل أكلها. واحتجوا فيمن وجبت عليه ابنة ~~مخاض فأعطى ابنة لبون تساوي ابنة مخاض أو حمارا يساويها أنه يجزئه بحديث ~~أنس الصحيح وفيه: «من وجبت عليه ابنة مخاض وليست عنده، وعنده ابنة لبون؛ ~~فإنها تؤخذ منه، ويرد ms0541 عليه الساعي شاتين أو عشرين درهما» . وهذا من العجب ~~فإنهم لا يقولون بما دل عليه الحديث من تعيين ذلك، ويستدلون به على ما لم ~~يدل عليه بوجه ولا أريد به. واحتجوا على إسقاط الحدود في دار الحرب إذا فعل ~~المسلم أسبابها بحديث: «لا تقطع الأيدي في الغزو» وفي لفظ: " في السفر " ~~ولم يقولوا بالحديث؛ فإن عندهم لا أثر للسفر ولا للغزو في ذلك. واحتجوا في ~~إيجاب الأضحية بحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أمر بالأضحية، وأن ~~يطعم منها الجار والسائل» فقالوا: لا يجب أن يطعم منها جار ولا سائل. # واحتجوا في إباحة ما ذبحه غاصب أو سارق بالخبر الذي فيه أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «دعي إلى الطعام مع رهط من أصحابه، فلما أخذ لقمة ~~قال: إني أجد لحم شاة أخذت بغير حق فقالت المرأة: يا رسول الله، إني أخذتها ~~من امرأة فلان بغير علم زوجها، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~تطعم الأسارى.» وقد خالفوا هذا الحديث، فقالوا: ذبيحة الغاصب حلال، ولا ~~تحرم على المسلمين. واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «جرح العجماء ~~جبار» في إسقاط الضمان بجناية المواشي، ثم خالفوه فيما يدل عليه وأريد به، ~~فقالوا: من ركب دابة أو قادها أو ساقها فهو ضامن لمن عضت بفمها، ولا ضمان ~~عليه فيما أتلفت برجلها. # PageV02P152 # واحتجوا على تأخير القود إلى حين البرء بالحديث المشهور: «أن رجلا طعن ~~آخر في ركبته بقرن، فطلب القود، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حتى يبرأ، فأبى، فأقاده قبل أن يبرأ» الحديث، وخالفوه في القصاص من الطعنة ~~فقالوا: لا يقتص منها. واحتجوا على إسقاط الحد عن الزاني بأمة ابنه أو أم ~~ولده بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك» وخالفوه فيما دل ~~عليه فقالوا: ليس للأب من مال ابنه شيء ألبتة، ولم يبيحوا له من مال ابنه ~~عود أراك فما فوقه، وأوجبوا حبسه في دينه وضمان ما أتلفه عليه. واحتجوا على ~~أن الإمام يكبر إذا قال ms0542 المقيم: " قد قامت الصلاة " بحديث بلال أنه قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسبقني بآمين» وبقول أبي هريرة ~~لمروان: " لا تسبقني بآمين " ثم خالفوا الخبر جهارا فقالوا: لا يؤمن الإمام ~~ولا المأموم. واحتجوا على وجوب مسح ربع الرأس بحديث المغيرة بن شعبة أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مسح بناصيته وعمامته» ثم خالفوه فيما ~~دل عليه فقالوا: لا يجوز المسح على العمامة، ولا أثر للمسح عليها ألبتة؛ ~~فإن الفرض سقط بالناصية، والمسح على العمامة غير واجب ولا مستحب عندهم. ~~واحتجوا لقولهم في استحباب مساواة الإمام بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إنما جعل الإمام ليؤتم به» قالوا: والائتمام به يقتضي أن يفعل مثل فعله ~~سواء. ثم خالفوا الحديث فيما دل عليه، فإن فيه: «فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع ~~فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى ~~جالسا فصلوا جلوسا أجمعون» . # واحتجوا على أن الفاتحة لا تتعين في الصلاة بحديث المسيء في صلاته حيث ~~قال له: «اقرأ ما تيسر معك من القرآن» وخالفوه فيما دل عليه صريحا في قوله: ~~«ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ~~ساجدا» . # وقوله: «ارجع فصل فإنك لم تصل» فقالوا: من ترك الطمأنينة فقد صلى، وليس ~~الأمر بها فرضا لازما، مع أن الأمر بها وبالقراءة سواء في الحديث. واحتجوا ~~على إسقاط جلسة الاستراحة بحديث أبي حميد حيث لم يذكرها فيه، وخالفوه في ~~نفس ما دل عليه من رفع اليدين عند الركوع والرفع منه. # واحتجوا على إسقاط فرض الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، والسلام ~~في الصلاة، بحديث ابن مسعود: «فإذا قلت ذلك فقد تمت صلاتك» ثم خالفوه في ~~نفس ما دل عليه، فقالوا: صلاته تامة قال ذلك أو لم يقله. # PageV02P153 # واحتجوا على جواز الكلام والإمام يخطب على المنبر يوم الجمعة «بقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - للداخل: أصليت يا فلان قبل أن تجلس؟ قال: لا، قال: قم ~~فاركع ركعتين» وخالفوه في نفس ms0543 ما دل عليه، فقالوا: من دخل والإمام يخطب جلس ~~ولم يصل. واحتجوا على كراهية رفع اليدين في الصلاة بقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «ما بالهم رافعي أيديهم كأنها أذناب خيل شمس» ثم خالفوه في نفس ما ~~دل عليه؛ فإن فيه: «إنما يكفي أحدكم أن يسلم على أخيه من عن يمينه وشماله ~~السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله» فقالوا: لا يحتاج إلى ~~ذلك ويكفيه غيره من كل مناف للصلاة. # واحتجوا في استخلاف الإمام إذا أحدث بالخبر الصحيح «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - خرج وأبو بكر يصلي بالناس فتأخر أبو بكر، وتقدم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فصلى بالناس» ، ثم خالفوه في نفس ما دل عليه، فقالوا: ~~من فعل مثل ذلك بطلت صلاته، وأبطلوا صلاة من فعل مثل فعل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأبي بكر ومن حضر من الصحابة، فاحتجوا بالحديث فيما لم يدل ~~عليه، وأبطلوا العمل به في نفس ما دل عليه. # واحتجوا لقولهم إن الإمام إذا صلى جالسا لمرض صلى المأمومون خلفه قياما ~~بالخبر الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنه خرج فوجد أبا بكر ~~يصلي بالناس قائما، فتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وجلس وصلى بالناس؛ ~~وتأخر أبو بكر» ، ثم خالفوا الحديث في نفس ما دل عليه، وقالوا: إن تأخر ~~الإمام لغير حدث، وتقدم الآخر بطلت صلاة الإمامين وصلاة جمع المأمومين. # واحتجوا على بطلان صوم من أكل يظنه ليلا فبان نهارا بقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» ~~ثم خالفوا الحديث في نفس ما دل عليه فقالوا: لا يجوز الأذان للفجر بالليل، ~~لا في رمضان ولا في غيره. ثم خالفوه من جهة أخرى، فإن في نفس الحديث: «وكان ~~ابن مكتوم رجلا أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت» ، وعندهم من أكل في ~~ذلك الوقت بطل صومه. # واحتجوا على المنع من استقبال القبلة واستدبارها بالغائط بقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا تستقبلوا القبلة ms0544 بغائط ولا بول ولا تستدبروها» ~~وخالفوا الحديث نفسه وجوزوا استقبالها واستدبارها بالبول. واحتجوا على عدم ~~شرط الصوم في الاعتكاف بالحديث الصحيح عن عمر «أنه نذر في الجاهلية أن ~~يعتكف ليلة في المسجد الحرام، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يوفي بنذره» ، وهم # PageV02P154 # لا يقولون بالحديث؛ فإن عندهم أن نذر الكافر لا ينعقد، ولا يلزم الوفاء ~~به بعد الإسلام. واحتجوا على الرد بحديث: «تحوز المرأة ثلاث مواريث؛ ~~عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عليه» ولم يقولوا - بالحديث في حيازتها ~~- مال لقيطها، وقد قال به عمر بن الخطاب وإسحاق بن راهويه، وهو الصواب. # واحتجوا في توريث ذوي الأرحام بالخبر الذي فيه: «التمسوا له وارثا أو ذا ~~رحم فلم يجدوا، فقال: أعطوه الكبر من خزاعة» ولم يقولوا به في أن من لا ~~وارث له يعطى ماله للكبر من قبيلته. # واحتجوا في منع القاتل ميراث المقتول بخبر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ~~«لا يرث قاتل، ولا يقتل مؤمن بكافر» فقالوا بأول الحديث دون آخره واحتجوا ~~على جواز التيمم في الحضر مع وجود الماء للجنازة إذا خاف فوتها بحديث أبي ~~جهيم بن الحارث في تيمم النبي - صلى الله عليه وسلم - لرد السلام، ثم ~~خالفوه فيما دل عليه في موضعين: أحدهما أنه تيمم بوجهه وكفيه دون ذراعيه، ~~والثاني أنهم لم يكرهوا رد السلام للمحدث ولم يستحبوا التيمم لرد السلام. # واحتجوا في جواز الاقتصار في الاستنجاء على حجرين بحديث ابن مسعود: «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذهب لحاجته وقال له: ائتني بأحجار، فأتاه ~~بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: هذه ركس» ثم خالفوه فيما ~~هو نص فيه، فأجازوا الاستجمار بالروث، واستدلوا به على ما لا يدل عليه من ~~الاكتفاء بحجرين. # واحتجوا على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء «بصلاة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حاملا أمامة بنت أبي العاص بن الربيع إذا قام حملها وإذا ركع أو سجد ~~وضعها» ، ثم قالوا: من صلى كذلك بطلت صلاته وصلاة من ائتم به. # قال ms0545 بعض أهل العلم: ومن العجب إبطالهم هذه الصلاة وتصحيحهم الصلاة بقراءة ~~{مدهامتان} [الرحمن: 64] بالفارسية ثم يركع قدر نفس، ثم يرفع قدر حد السيف، ~~أو لا يرفع بل يخر كما هو ساجدا، ولا يضع على الأرض يديه ولا رجليه، وإن ~~أمكن أن لا يضع ركبتيه صح ذلك، ولا جبهته، بل يكفيه وضع رأس أنفه كقدر نفس ~~واحد، ثم يجلس مقدار التشهد، ثم يفعل فعلا ينافي الصلاة من فساء أو ضراط أو ~~ضحك أو نحو ذلك. # واحتجوا على تحريم وطء المسبية والمملوكة قبل الاستبراء بقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: # PageV02P155 # «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة» ثم خالفوا صريحه ~~فقالوا: إن أعتقها وزوجها وقد وطئها البارحة حل للزوج أن يطأها الليلة. # واحتجوا في ثبوت الحضانة للخالة «بخبر بنت حمزة وأن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: قضى بها لخالتها» ثم خالفوه فقالوا: لو تزوجت الخالة بغير ~~محرم للبنت كابن عمها سقطت حضانتها. # واحتجوا على المنع من التفريق بين الأخوين بحديث علي في نهيه عن التفريق ~~بينهما، ثم خالفوه فقالوا: لا يرد المبيع إذا وقع كذلك، وفي الحديث الأمر ~~برده. # واحتجوا على جريان القصاص بين المسلم والذمي بخبر روي «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أقاد يهوديا من مسلم لطمه» . ثم خالفوه فقالوا: لا قود في ~~اللطمة والضربة لا بين مسلمين ولا بين مسلم وكافر واحتجوا على أنه لا قصاص ~~بين العبد وسيده بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من لطم عبده فهو حر» ثم ~~خالفوه فقالوا: لا يعتق بذلك، واحتجوا أيضا بالحديث الذي فيه: «من مثل ~~بعبده عتق عليه» فقالوا: لم يوجب عليه القود، ثم قالوا: لا يعتق عليه. # واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب: «في العين نصف الدية» ثم خالفوه في عدة ~~مواضع: منها قوله: «وفي العين القائمة السادة لموضعها ثلث الدية» ، ومنها ~~قوله: «في السن السوداء ثلث الدية» واحتجوا على جواز تفضيل بعض الأولاد على ~~بعض بحديث النعمان بن بشير وفيه: «أشهد على هذا غيري» ثم خالفوه صريحا ms0546 فإن ~~في الحديث نفسه: «إن هذا لا يصلح» وفي لفظ: «إني لا أشهد على جور» فقالوا: ~~بل هذا يصلح وليس بجور، ولكل أحد أن يشهد عليه. # واحتجوا على أن النجاسة تزول بغير الماء من المائعات بحديث: «إذا وطئ ~~أحدكم الأذى بنعليه فإن التراب لهما طهور» ثم خالفوه فقالوا: لو وطئ العذرة ~~بخفيه لم يطهرهما التراب. # واحتجوا على جواز المسح على الجبيرة بحديث صاحب الشجة، ثم خالفوه صريحا # PageV02P156 # فقالوا: لا يجمع بين الماء والتراب، بل إما أن يقتصر على غسل الصحيح إن ~~كان أكثر، ولا يتيمم، وإما أن يقتصر على التيمم إن كان الجريح أكثر، ولا ~~يغسل الصحيح. واحتجوا على جواز تولية أمراء أو حكام أو متولين مرتين واحدا ~~بعد واحد بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أميركم زيد، فإن قتل فعبد ~~الله بن رواحة، فإن قتل فجعفر» ثم خالفوا الحديث نفسه فقالوا: لا يصح تعليق ~~الولاية بالشرط، ونحن نشهد بالله أن هذه الولاية من أصح ولاية على وجه ~~الأرض، وأنها أصح من كل ولاياتهم من أولها إلى آخرها. واحتجوا على تضمين ~~المتلف ما أتلفه ويملك هو ما أتلفه بحديث «القصعة التي كسرتها إحدى أمهات ~~المؤمنين، فرد النبي - صلى الله عليه وسلم - على صاحبة القصعة نظيرتها» ، ~~ثم خالفوه جهارا فقالوا: إنما يضمن بالدراهم والدنانير، ولا يضمن بالمثل. # واحتجوا على ذلك أيضا بخبر الشاة التي ذبحت بغير إذن صاحبها، وأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يردها على صاحبها، ثم خالفوه صريحا، فإن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يملكها الذابح، بل أمر بإطعامها الأسارى. # واحتجوا في سقوط القطع بسرقة الفواكه وما يسرع إليه الفساد بخبر: «لا قطع ~~في ثمر ولا كثر» ثم خالفوا الحديث نفسه في عدة مواضع: أحدها أن فيه: «فإذا ~~آواه إلى الجرين ففيه القطع» وعندهم لا قطع فيه آواه إلى الجرين أو لم ~~يؤوه، الثاني أنه قال: «إذا بلغ ثمن المجن» وفي الصحيح أن ثمن المجن كان ~~ثلاثة دراهم، وعندهم لا يقطع في هذا القدر، الثالث أنهم قالوا: ms0547 ليس الجرين ~~حرزا؛ فلو سرق منه ثمرا يابسا ولم يكن هناك حافظ لم يقطع. # واحتجوا في مسألة الآبق يأتي به الرجل أن له أربعين درهما بخبر فيه «أن ~~من جاء بآبق من خارج الحرم فله عشرة دراهم أو دينار» ، وخالفوه جهرة ~~فأوجبوا أربعين. # واحتجوا على خيار الشفعة على الفور بحديث ابن البيلماني: «الشفعة كحل ~~العقال، ولا شفعة لصغير ولا لغائب، ومن مثل به فهو حر» فخالفوا جميع ذلك ~~إلا قوله: «الشفعة كحل العقال» . # واحتجوا على امتناع القود بين الأب والابن والسيد والعبد بحديث: «لا يقاد ~~والد بولده ولا سيد بعبده» وخالفوا الحديث نفسه فإن تمامه: «ومن مثل بعبده ~~فهو حر» . واحتجوا على أن الولد يلحق بصاحب الفراش دون الزاني بحديث ابن ~~وليدة زمعة # PageV02P157 # وفيه: «الولد للفراش» ثم خالفوا الحديث نفسه صريحا فقالوا: الأمة لا تكون ~~فراشا، وإنما كان هذا القضاء في أمة، ومن العجب أنهم قالوا: إذا عقد على ~~أمه وابنته وأخته ووطئها لم يحد للشبهة، وصارت فراشا بهذا العقد الباطل ~~المحرم، وأم ولده وسريته التي يطؤها ليلا ونهارا ليست فراشا له، ومن ~~العجائب أنهم احتجوا على جواز صوم رمضان بنية ينشئها من النهار قبل الزوال ~~بحديث عائشة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان يدخل عليها فيقول: هل ~~من غداء؟ فتقول: لا، فيقول: فإني صائم» ثم قالوا: لو فعل ذلك في صوم التطوع ~~لم يصح صومه، والحديث إنما هو في التطوع نفسه. # واحتجوا على المنع من بيع المدبر بأنه قد انعقد فيه سبب الحرية، وفي بيعه ~~إبطال لذلك، وأجابوا عن بيع النبي - صلى الله عليه وسلم - المدبر بأنه قد ~~باع خدمته. ثم قالوا: لا يجوز بيع خدمة المدبر أيضا. # واحتجوا على إيجاب الشفعة في الأراضي والأشجار التابعة لها بقوله «قضى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل شرك في ربعة أو حائط» ثم ~~خالفوا نص الحديث نفسه، فإن فيه: «ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن ~~باع ولم يؤذنه فهو أحق به» فقالوا: يحل له ms0548 أن يبيع قبل إذنه، ويحل له أن ~~يتحيل لإسقاط الشفعة، وإن باع بعد إذن شريكه فهو أحق أيضا بالشفعة، ولا أثر ~~للاستئذان ولا لعدمه. # واحتجوا على المنع من بيع الزيت بالزيتون إلا بعد العلم بأن ما في ~~الزيتون من الزيت أقل من الزيت المفرد بالحديث الذي فيه النهي عن بيع اللحم ~~بالحيوان، ثم خالفوه نفسه، فقالوا: يجوز بيع اللحم بالحيوان من نوعه وغير ~~نوعه. # واحتجوا على أن عطية المريض المنجزة كالوصية لا تنفذ إلا في الثلث «بحديث ~~عمران بن حصين أن رجلا أعتق ستة مملوكين عند موته لا مال له سواهم، فجزأهم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق ~~أربعة» . ثم خالفوه في موضعين؛ فقالوا: لا يقرع بينهم ألبتة، ويعتق من كل ~~واحد سدسه. # وهذا كثير جدا، والمقصود أن التقليد حكم عليكم بذلك، وقادكم إليه قهرا، ~~ولو حكمتم الدليل على التقليد لم تقعوا في مثل هذا؛ فإن هذه الأحاديث إن ~~كانت حقا وجب # PageV02P158 # الانقياد لها، والأخذ بما فيها، وإن لم تكن صحيحة لم يؤخذ بشيء مما فيها، ~~فإما أن تصحح ويؤخذ بها فيما وافق قول المتبوع، وتضعف أو ترد إذا خالفت ~~قوله، أو تؤول؛ فهذا من أعظم الخطأ والتناقض. # فإن قلتم: عارض ما خالفناه منها ما هو أقوى منه، ولم يعارض ما وافقناه ~~منها ما يوجب العدول عنه واطراحه. # قيل: لا تخلو هذه الأحاديث وأمثالها أن تكون منسوخة أو محكمة، فإن كانت ~~منسوخة لم يحتج بمنسوخ ألبتة، وإن كانت محكمة لم يجز مخالفة شيء منها ~~ألبتة. # فإن قيل: هي منسوخة فيما خالفناها فيه، ومحكمة فيما وافقناها فيه. # قيل: هذا مع أنه ظاهر البطلان يتضمن ما لا علم لمدعيه به، [فمدعيه] قائل ~~ما لا دليل له عليه، فأقل ما فيه أن معارضا لو قلب عليه هذه الدعوى بمثلها ~~سواء لكانت دعواه من جنس دعواه، ولم يكن بينهما فرق، ولا فرق، وكلاهما مدع ~~ما لا يمكنه إثباته؛ فالواجب اتباع سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وتحكيمها ms0549 والتحاكم إليها حتى يقوم الدليل القاطع على نسخ المنسوخ منها، أو ~~نجمع الأمة على العمل بخلاف شيء منها، وهذا الثاني محال قطعا، فإن الأمة ~~ولله الحمد لم تجمع على ترك العمل بسنة واحدة، إلا سنة ظاهرة النسخ معلوم ~~للأمة ناسخها، وحينئذ يتعين العمل بالناسخ دون المنسوخ، وأما أن تترك السنن ~~لقول أحد من الناس فلا، كائنا من كان، وبالله التوفيق. # [خالف المقلدون أمر الله ورسوله وأئمتهم] # الوجه العشرون: أن فرقة التقليد قد ارتكبت مخالفة أمر الله وأمر رسوله ~~وهدي أصحابه وأحوال أئمتهم، وسلكوا ضد طريق أهل العلم، أما أمر الله فإنه ~~أمر برد ما تنازع فيه المسلمون إليه وإلى رسوله، والمقلدون قالوا: إنما ~~نرده إلى من قلدناه؛ وأما أمر رسوله فإنه - صلى الله عليه وسلم - أمر عند ~~الاختلاف بالأخذ بسنته وسنة خلفائه الراشدين المهديين، وأمر أن يتمسك بها، ~~ويعض عليها بالنواجذ، وقال المقلدون: بل عند الاختلاف نتمسك بقول من ~~قلدناه، ونقدمه على كل ما عداه، وأما هدي الصحابة فمن المعلوم بالضرورة أنه ~~لم يكن فيهم شخص واحد يقلد رجلا واحدا في جميع أقواله، ويخالف من عداه من ~~الصحابة بحيث لا يرد من أقواله شيئا، ولا يقبل من أقوالهم شيئا، وهذا من ~~أعظم البدع وأقبح الحوادث؛ وأما مخالفتهم لأئمتهم فإن الأئمة نهوا عن ~~تقليدهم وحذروا منه كما تقدم ذكر بعض ذلك عنهم. # PageV02P159 # وأما سلوكهم ضد طريق أهل العلم فإن طريقهم طلب أقوال العلماء وضبطها ~~والنظر فيها وعرضها على القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأقوال خلفائه الراشدين، فما وافق ذلك منهم قبلوه، ودانوا الله ~~به، وقضوا به، وأفتوا به، وما خالف ذلك منها لم يلتفتوا إليه، وردوه، وما ~~لم يتبين لهم كان عندهم من مسائل الاجتهاد التي غايتها أن تكون سائغة ~~الاتباع لا واجبة الاتباع، من غير أن يلزموا بها أحدا، ولا يقولوا: إنها ~~الحق دون ما خالفها، هذه طريقة أهل العلم سلفا وخلفا، وأما هؤلاء الخلف ~~فعكسوا الطريق، وقلبوا أوضاع الدين، فزيفوا كتاب الله وسنة رسوله ms0550 وأقوال ~~خلفائه وأصحابه، فعرضوها على أقوال من قلدوه، فما وافقها منها قالوا لنا ~~وانقادوا له مذعنين، وما خالف أقوال متبوعهم منها قالوا: احتج الخصم بكذا ~~وكذا، ولم يقبلوه، ولم يدينوا به. # واحتال فضلاؤهم في ردها بكل ممكن، وتطلبوا لها وجوه الحيل التي تردها، ~~حتى إذا كانت موافقة لمذاهبهم وكانت تلك الوجوه بعينها قائمة فيها شنعوا ~~على منازعهم، وأنكروا عليه ردها بتلك الوجوه بعينها، وقالوا: لا ترد النصوص ~~بمثل هذا، ومن له همة تسمو إلى الله ومرضاته ونصر الحق الذي بعث الله به ~~رسوله أين كان ومع من كان لا يرضى لنفسه بمثل هذا المسلك الوخيم والخلق ~~الذميم. # [ذم الله الذين فرقوا دينهم] # الوجه الحادي والعشرون: إن الله سبحانه ذم الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~{كل حزب بما لديهم فرحون} [المؤمنون: 53] وهؤلاء هم أهل التقليد بأعيانهم، ~~بخلاف أهل العلم؛ فإنهم وإن اختلفوا لم يفرقوا دينهم ولم يكونوا شيعا، بل ~~شيعة واحدة متفقة على طلب الحق، وإيثاره عند ظهوره، وتقديمه على كل ما ~~سواه، فهم طائفة واحدة قد اتفقت مقاصدهم وطريقهم؛ فالطريق واحد، والقصد ~~واحد، والمقلدون بالعكس: مقاصدهم شتى، وطرقهم مختلفة، فليسوا مع الأئمة في ~~القصد ولا في الطريق. # [ذم الله الذين تقطعوا أمرهم زبرا] # الوجه الثاني والعشرون: أن الله سبحانه ذم الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبرا ~~كل حزب بما لديهم فرحون، والزبر: الكتب المصنفة التي رغبوا بها عن كتاب ~~الله وما بعث الله به رسوله، فقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} [المؤمنون: 51] {وإن هذه أمتكم أمة ~~واحدة وأنا ربكم فاتقون} [المؤمنون: 52] {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب ~~بما لديهم فرحون} [المؤمنون: 53] فأمر تعالى الرسل بما أمر به أممهم: أن ~~يأكلوا من # PageV02P160 # الطيبات، وأن يعملوا صالحا، وأن يعبدوه وحده، وأن يطيعوا أمره وحده، وأن ~~لا يتفرقوا في الدين؛ فمضت الرسل وأتباعهم على ذلك، ممتثلين لأمر الله، ~~قابلين لرحمته، حتى نشأت خلوف قطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب مما لديهم ~~فرحون، فمن تدبر هذه الآيات ms0551 ونزلها على الواقع تبين له حقيقة الحال، وعلم ~~من أي الحزبين هو، والله المستعان. # الوجه الثالث والعشرون: أن الله سبحانه قال: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} [آل عمران: ~~104] فخص هؤلاء بالفلاح دون من عداهم، والداعون إلى الخير هم الداعون إلى ~~كتاب الله وسنة رسوله، لا الداعون إلى رأي فلان وفلان. # [ذم الله من أعرض عن التحاكم إليه] # الوجه الرابع والعشرون: أن الله سبحانه ذم من إذا دعي إلى الله ورسوله ~~أعرض ورضي بالتحاكم إلى غيره، وهذا شأن أهل التقليد، قال تعالى: {وإذا قيل ~~لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} ~~[النساء: 61] فكل من أعرض عن الداعي له إلى ما أنزل الله ورسوله إلى غيره ~~فله نصيب من هذا الذم؛ فمستكثر ومستقل. # [الحق في واحد من الأقوال] # الوجه الخامس والعشرون: أن يقال لفرقة التقليد: " دين الله عندكم واحد ~~وهو في القول وضده، فدينه هو الأقوال المختلفة المتضادة التي يناقض بعضها ~~بعضا، ويبطل بعضها بعضا، كلها دين الله "؟ فإن قالوا: " بلى، هذه الأقوال ~~المتضادة المتعارضة التي يناقض بعضها بعضا كلها دين الله " خرجوا عن نصوص ~~أئمتهم؛ فإن جميعهم على أن الحق في واحد من الأقوال، كما أن القبلة في جهة ~~من الجهات، وخرجوا عن نصوص القرآن والسنة والمعقول الصريح، وجعلوا دين الله ~~تابعا لآراء الرجال. # وإن قالوا: " الصواب الذي لا صواب غيره أن دين الله واحد، وهو ما أنزل ~~الله به كتابه وأرسل به رسوله وارتضاه لعباده، كما أن نبيه واحد وقبلته ~~واحدة، فمن وافقه فهو المصيب وله أجران، ومن أخطأه فله أجر واحد على ~~اجتهاده لا على خطئه ". # قيل لهم: فالواجب إذا طلب الحق، وبذل الاجتهاد في الوصول إليه بحسب ~~الإمكان؛ لأن الله سبحانه أوجب على الخلق تقواه بحسب الاستطاعة. # وتقواه: فعل ما أمر # PageV02P161 # به وترك ما نهى عنه؛ فلا بد أن يعرف العبد ما أمر به ليفعله وما نهي عنه ~~ليجتنبه وما أبيح له ليأتيه. ms0552 ومعرفة هذا لا تكون إلا بنوع اجتهاد وطلب وتحر ~~للحق، فإذا لم يأت بذلك فهو في عهدة الأمر، ويلقى الله ولما يقض ما أمره. # [دعوة رسول الله عامة] # الوجه السادس والعشرون: أن دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامة ~~لمن كان في عصره ولمن يأتي بعده إلى يوم القيامة، والواجب على من بعد ~~الصحابة هو الواجب عليهم بعينه، وإن تنوعت صفاته وكيفياته باختلاف الأحوال. # ومن المعلوم بالاضطرار أن الصحابة لم يكونوا يعرضون ما يسمعون منه - صلى ~~الله عليه وسلم - على أقوال علمائهم، بل لم يكن لعلمائهم قول غير قوله، ولم ~~يكن أحد منهم يتوقف في قبول ما سمعه منه على موافقة موافق أو رأي ذي رأي ~~أصلا، وكان هذا هو الواجب الذي لا يتم الإيمان إلا به، وهو بعينه الواجب ~~علينا وعلى سائر المكلفين إلى يوم القيامة. # ومعلوم أن هذا الواجب لم ينسخ بعد موته، ولا هو مختص بالصحابة؛ فمن خرج ~~عن ذلك فقد خرج عن نفس ما أوجبه الله ورسوله. ### | [أقوال العلماء وآراءهم لا تنضبط ولا تنحصر] # [الأقوال لا تنحصر وقائلوها غير معصومين] # الوجه السابع والعشرون: أن أقوال العلماء وآراءهم لا تنضبط ولا تنحصر، ~~ولم تضمن لها العصمة إلا إذا اتفقوا ولم يختلفوا؛ فلا يكون اتفاقهم إلا ~~حقا، ومن المحال أن يحيلنا الله ورسوله على ما لا ينضبط ولا ينحصر، ولم ~~يضمن لنا عصمته من الخطأ، ولم يقم لنا دليلا على أن أحد القائلين أولى بأن ~~نأخذ قوله كله من الآخر، بل يترك قول هذا كله ويؤخذ قول هذا كله. # هذا محال أن يشرعه الله أو يرضى به إلا إذا كان أحد القائلين رسولا ~~والآخر كاذبا على الله فالفرض حينئذ ما يعتمده هؤلاء المقلدون مع متبوعهم ~~ومخالفيهم. # [العلم يقال] # الوجه الثامن والعشرون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «بدأ ~~الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ» وأخبر أن العلم يقل، فلا بد من وقوع ~~ما أخبر به الصادق، ومعلوم أن كتب المقلدين قد طبقت شرق الأرض وغربها، ولم ms0553 ~~تكن في وقت قط أكثر منها في هذا الوقت. # ونحن نراها في كل عام في ازدياد وكثرة، والمقلدون يحفظون منها ما يمكن ~~حفظه بحروفه، وشهرتها في الناس خلاف الغربة، بل هي المعروف الذي لا يعرفون ~~غيره؛ فلو كانت هي العلم الذي بعث الله به رسوله لكان الدين كل وقت في ظهور ~~وزيادة والعلم في شهرة وظهور، وهو خلاف ما أخبر به الصادق. # PageV02P162 # الوجه التاسع والعشرون: أن الاختلاف كثير في كتب المقلدين وأقوالهم، وما ~~كان من عند الله فلا اختلاف فيه، بل هو حق يصدق بعضه بعضا، ويشهد بعضه ~~لبعض، وقد قال تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} ~~[النساء: 82] . # الوجه الثلاثون: أنه لا يجب على العبد أن يقلد زيدا دون عمرو، بل يجوز له ~~الانتقال من تقليد هذا إلى تقليد الآخر عند المقلدين، فإن كان قول من قلده ~~أولا هو الحق لا سواه فقد جوزتم له الانتقال عن الحق إلى خلافه، وهذا محال. # وإن كان الثاني هو الحق وحده فقد جوزتم الإقامة على خلاف الحق. # وإن قلتم: " القولان المتضادان المتناقضان حق " فهو أشد إحالة، ولا بد ~~لكم من قسم من هذه الأقسام الثلاثة. # الوجه الحادي والثلاثون: أن يقال للمقلد: بأي شيء عرفت أن الصواب مع من ~~قلدته دون من لا تقلده؟ فإن قال " عرفته بالدليل " فليس بمقلد، وإن قال: " ~~عرفته تقليدا له؛ فإنه أفتى بهذا القول ودان به وعلمه ودينه وحسن ثناء ~~الأمة عليه يمنعه أن يقول غير الحق " قيل له: أفمعصوم هو عندك أم يجوز عليه ~~الخطأ؟ فإن قال بعصمته أبطل، وإن جوز عليه الخطأ قيل له: فما يؤمنك أن يكون ~~قد أخطأ فيما قلدته فيه وخالف فيه غيره؟ فإن قال: وإن أخطأ فهو مأجور، قيل: ~~أجل هو مأجور لاجتهاده، وأنت غير مأجور لأنك لم تأت بموجب الأجر، بل قد ~~فرطت في الاتباع الواجب فأنت إذا مأزور. # فإن قال: كيف يأجره الله على ما أفتى به ويمدحه عليه ويذم المستفتي على ~~قبوله منه؟ وهل يعقل ms0554 هذا؟ قيل له: المستفتي إن هو قصر وفرط في معرفته الحق ~~مع قدرته عليه لحقه الذم والوعيد، وإن بذل جهده ولم يقصر فيما أمر به واتقى ~~الله ما استطاع فهو مأجور أيضا، وإن بذل جهده ولم يقصر فيما أمر به واتقى ~~الله ما استطاع فهو مأجور أيضا. وأما المتعصب الذي جعل قول متبوعه عيارا ~~على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة يزنها به فما وافق قول متبوعه منها قبله ~~وما خالفه رده، فهذا إلى الذم والعقاب أقرب منه إلى الأجر والصواب؛ وإن قال ~~وهو الواقع: اتبعته وقلدته ولا أدري أعلى صواب هو أم لا، فالعهدة على ~~القائل، وأنا حاك لأقواله، قيل له: فهل تتخلص بهذا من الله عند السؤال لك ~~عما حكمت به بين عباد الله وأفتيتهم به، فوالله إن للحكام والمفتين لموقفا ~~للسؤال لا يتخلص فيه إلا من عرف الحق وحكم به وأفتى به، وأما من عداهما ~~فسيعلم عند انكشاف الحال أنه لم يكن على شيء. ### | [علة إيثار قول على قول] # [ما علة إيثار قول على قول؟] : الوجه الثاني والثلاثون: أن نقول: أخذتم ~~بقول فلان؛ لأن فلانا قاله أو لأن # PageV02P163 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاله؟ فإن قلتم " لأن فلانا قاله " ~~جعلتم قول فلان حجة، وهذا عين الباطل، وإن قلتم: " لأن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قاله " كان هذا أعظم وأقبح؛ فإنه مع تضمنه للكذب على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وتقويلكم عليه ما لم يقله، وهو أيضا كذب على ~~المتبوع فإنه لم يقل هذا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد دار ~~قولكم بين أمرين لا ثالث لهما: إما جعل قول غير المعصوم حجة، وإما تقويل ~~المعصوم ما لم يقله، ولا بد من واحد من الأمرين فإن قلتم: " بل منهما بد، ~~وبقي قسم ثالث، وهو أنا قلنا كذا؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أمرنا أن نتبع من هو أعلم منا، ونسأل أهل الذكر إن كنا لا نعلم، ونرد ما لم ~~نعلمه إلى استنباط أولي ms0555 العلم؛ فنحن في ذلك متبعون ما أمرنا به نبينا " ~~قيل: وهل ندندن إلا حول اتباع أمره - صلى الله عليه وسلم -، فحيهلا ~~بالموافقة على هذا الأصل الذي لا يتم الإيمان والإسلام إلا به، فنناشدكم ~~بالذي أرسله إذا جاء أمره وجاء قول من قلدتموه هل تتركون قوله لأمره - صلى ~~الله عليه وسلم - وتضربون به الحائط وتحرمون الأخذ به والحالة هذه حتى ~~تتحقق المتابعة كما زعمتم، أم تأخذون بقوله وتفوضون أمر الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى الله، وتقولون: هو أعلم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~منا، ولم يخالف هذا الحديث إلا وهو عنده منسوخ أو معارض بما هو أقوى منه أو ~~غير صحيح عنده؟ فتجعلون قول المتبوع محكما وقول الرسول متشابها؛ فلو كنتم ~~قائلين بقوله لكون الرسول أمركم بالأخذ بقوله لقدمتم قول الرسول أين كان. # ثم نقول في الوجه الثالث والثلاثين: وأين أمركم الرسول بأخذ قول واحد من ~~الأمة بعينه، وترك قول نظيره ومن هو أعلم منه وأقرب إلى الرسول؟ وهل هذا ~~إلا نسبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أنه أمر بما لم يأمر به ~~قط؟ يوضحه الوجه الرابع والثلاثون: أن ما ذكرتم بعينه حجة عليكم، فإن الله ~~سبحانه أمر بسؤال أهل الذكر، والذكر هو القرآن والحديث الذي أمر الله نساء ~~نبيه أن يذكرنه بقوله {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} ~~[الأحزاب: 34] فهذا هو الذكر الذي أمرنا الله باتباعه، وأمر من لا علم عنده ~~أن يسأل أهله، وهذا هو الواجب على كل أحد أن يسأل أهل العلم بالذكر الذي ~~أنزله على رسوله ليخبروه به، فإذا أخبروه به لم يسعه غير اتباعه، وهذا كان ~~شأن أئمة أهل العلم لم يكن لهم مقلد معين يتبعونه في كل ما قال؛ فكان عبد ~~الله بن عباس يسأل الصحابة عما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو ~~فعله أو سنه، لا يسألهم عن غير ذلك، وكذلك الصحابة كانوا يسألون أمهات ~~المؤمنين خصوصا عائشة عن فعل رسول الله - صلى الله عليه ms0556 وسلم - في بيته، ~~وكذلك التابعون كانوا يسألون الصحابة عن شأن نبيهم فقط، وكذلك أئمة الفقه ~~كما قال الشافعي لأحمد: يا أبا عبد الله، أنت أعلم بالحديث مني؛ فإذا # PageV02P164 # صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه شاميا كان أو كوفيا أو بصريا، ولم يكن ~~أحد من أهل العلم قط يسأل عن رأي رجل بعينه ومذهبه فيأخذ به وحده ويخالف له ~~ما سواه. # الوجه الخامس والثلاثون: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أرشد ~~المستفتين كصاحب الشجة بالسؤال عن حكمه وسنته، فقال قتلوه قتلهم الله» فدعا ~~عليهم لما أفتوا بغير علم، وفي هذا تحريم الإفتاء بالتقليد؛ فإنه ليس علما ~~باتفاق الناس فإن ما دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فاعله فهو ~~حرام، وذلك أحد أدلة التحريم؛ فما احتج به المقلدون هو من أكبر الحجج عليهم ~~والله الموفق، وكذلك سؤال أبي العسيف الذي زنى بامرأة مستأجره لأهل العلم؛ ~~فإنهم لما اخبروه بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في البكر الزاني ~~أقره على ذلك ولم ينكره؛ فلم يكن سؤالهم عن رأيهم ومذاهبهم. ### | [تقليد الصحابة بعضهم بعضا] # [لم يكن عمر يقلد أبا بكر؟] # الوجه السادس والثلاثون: قولهم: إن عمر قال في الكلالة إني لأستحي من ~~الله أن أخالف أبا بكر، وهذا تقليد منه له، فجوابه من خمسة أوجه؛ أحدها: ~~أنهم اختصروا الحديث وحذفوا منه ما يبطل استدلالهم، ونحن نذكره بتمامه. # قال شعبة عن عاصم الأحول عن الشعبي إن أبا بكر قال في الكلالة " أقضي ~~فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ~~منه بريء، هو ما دون الولد والوالد ". # فقال عمر بن الخطاب: " إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر " فاستحى عمر ~~من مخالفة أبي بكر في اعترافه بجواز الخطأ عليه، وأنه ليس كلامه كله صوابا ~~مأمونا عليه الخطأ، ويدل على ذلك أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أقر ~~عند موته أنه لم يقض في الكلالة بشيء، وقد اعترف أنه لم يفهمها، الوجه ~~الثاني: أن ms0557 خلاف عمر لأبي بكر أشهر من أن يذكر كما خالفه في سبي أهل الردة ~~فسباهم أبو بكر وخالفه عمر وبلغ خلافه إلى أن ردهن حرائر إلى أهلهن إلا من ~~ولدت لسيدها منهن، ونقض حكمه، ومن جملتهن خولة الحنفية أم محمد بن علي، ~~فأين هذا من فعل المقلدين بمتبوعهم؟ ، # وخالفه في أرض العنوة فقسمها أبو بكر ووقفها عمر، وخالفه في المفاضلة في ~~العطاء فرأى أبو بكر التسوية ورأى عمر المفاضلة، ومن ذلك مخالفته له في ~~الاستخلاف وصرح بذلك، فقال: إن أستخلف فقد استخلف أبو بكر، وإن لم أستخلف ~~فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يستخلف. # قال ابن عمر: فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فعلمت أنه لا يعدل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدا، وأنه غير ~~مستخلف؛ فهكذا يفعل أهل العلم حين تتعارض عندهم سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وقول غيره، لا يعدلون بالسنة شيئا سواها، لا كما يصرح به ~~المقلدون صراحا، وخلافه له في الجد والإخوة معلوم أيضا. # PageV02P165 # الثالث: أنه لو قدر تقليد عمر لأبي بكر في كل ما قاله لم يكن في ذلك ~~مستراح لمقلدي من هو بعد الصحابة والتابعين ممن لا يداني الصحابة ولا ~~يقاربهم، فإن كان كما زعمتم لكم أسوة بعمر فقلدوا أبا بكر واتركوا تقليد ~~غيره، والله ورسوله وجميع عباده يحمدونكم على هذا التقليد ما لا يحمدونكم ~~على تقليد غير أبي بكر. # الرابع: أن المقلدين لأئمتهم لم يستحيوا مما استحيا منه عمر؛ لأنهم ~~يخالفون أبا بكر وعمر معه - ولا يستحيون من ذلك - لقول من قلدوه من الأئمة، ~~بل قد صرح بعض غلاتهم في بعض كتبه الأصولية أنه لا يجوز تقليد أبي بكر ~~وعمر، ويجب تقليد الشافعي. # فيا لله العجب الذي أوجب تقليد الشافعي حرم عليكم تقليد أبي بكر وعمر، ~~ونحن نشهد الله علينا شهادة نسأل عنها يوم نلقاه أنه إذا صح عن الخليفتين ~~الراشدين اللذين أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باتباعهما ~~والاقتداء بهما ms0558 قول وأطبق أهل الأرض على خلافه لم يلتفت إلى أحد منهم. ~~ونحمد الله أن عافانا مما ابتلى به من حرم تقليدهما وأوجب تقليد متبوعه من ~~الأئمة. # وبالجملة فلو صح تقليد عمر لأبي بكر لم يكن في ذلك راحة لمقلدي من لم ~~يأمر الله ولا رسوله بتقليده، ولا جعله عيارا على كتابه وسنة نبيه، ولا هو ~~جعل نفسه كذلك. # الخامس: أن غاية هذا أن يكون عمر قد قلد أبا بكر في مسألة واحدة، فهل في ~~هذا دليل على جواز اتخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع لا يلتفت إلى ~~قول من سواه بل ولا إلى نصوص الشارع إلا إذا وافقت نصوص قوله؟ ، فهذا والله ~~هو الذي أجمعت الأمة على أنه محرم في دين الله، ولم يظهر في الأمة إلا بعد ~~انقراض القرون الفاضلة. # الوجه السابع والثلاثون: قولهم: إن عمر قال لأبي بكر: رأينا لرأيك تبع؛ ~~فالظاهر أن المحتج بهذا سمع الناس يقولون كلمة تكفي العاقل فاقتصر من ~~الحديث على هذه الكلمة، واكتفى بها، والحديث من أعظم الأشياء إبطالا لقوله؛ ~~ففي صحيح البخاري عن طارق بن شهاب قال: جاء وفد بزاخة من أسد وغطفان إلى ~~أبي بكر يسألون الصلح، فخيرهم بين الحرب المجلية والسلم المخزية، فقالوا: ~~هذه المجلية قد عرفناها فما المخزية؟ قال: ننزع منكم الحلقة والكراع، ونغنم ~~ما أصبنا لكم، وتردون لنا ما أصبتم منا، وتدون لنا قتلانا، وتكون قتلاكم في ~~النار، وتتركون أقواما يتبعون أذناب الإبل حتى يري الله خليفة رسوله ~~والمهاجرين أمرا يعذرونكم به، فعرض أبو بكر ما قال على القوم، فقام عمر بن ~~الخطاب فقال: قد رأيت رأيا سنشير عليك: أما ما ذكرت من الحرب المجلية ~~والسلم المخزية فنعم ما ذكرت، وما ذكرت من أن نغنم ما أصبنا منكم وتردون ما ~~أصبتم منا فنعم ما ذكرت، وأما ما ذكرت من أن تدون قتلانا وتكون قتلاكم في ~~النار فإن قتلانا قاتلت فقتلت # PageV02P166 # على ما أمر الله أجورها على الله ليس لها ديات، فتتابع القوم على ما قال ~~عمر، فهذا ms0559 هو الحديث الذي في بعض ألفاظه «قد رأيت رأيا ورأينا لرأيك تبع» ~~فأي مستراح في هذا لفرقة التقليد؟ ، # [لم يكن ابن مسعود يقلد عمر] # الوجه الثامن والثلاثون: قولهم إن ابن مسعود كان يأخذ بقول عمر، فخلاف ~~ابن مسعود لعمر أشهر من أن يتكلف إيراده، وإنما كان يوافقه كما يوافق ~~العالم العالم، وحتى لو أخذ بقوله تقليدا لعمر فإنما ذلك في نحو أربع مسائل ~~نعدها، وكان من عماله وكان عمر أمير المؤمنين، وأما مخالفته له ففي نحو ~~مائة مسألة: منها أن ابن مسعود صح عنه أن أم الولد تعتق من نصيب ولدها، ~~ومنها: أنه كان يطبق في الصلاة إلى أن مات، وعمر كان يضع يديه على ركبتيه، ~~ومنها: أن ابن مسعود كان يقول في الحرام: هي يمين، وعمر يقول: طلقة واحدة، ~~ومنها أن ابن مسعود كان يحرم نكاح الزانية على الزاني أبدا، وعمر كان ~~يتوبهما وينكح أحدهما الآخر، ومنها أن ابن مسعود كان يرى بيع الأمة طلاقها، ~~وعمر يقول: لا تطلق بذلك، إلى قضايا كثيرة. # والعجب أن المحتجين بهذا لا يرون تقليد ابن مسعود ولا تقليد عمر، وتقليد ~~مالك وأبي حنيفة والشافعي أحب إليهم وآثر عندهم، ثم كيف ينسب إلى ابن مسعود ~~تقليد الرجال وهو يقول: لقد علم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أني أعلمهم بكتاب الله، ولو أعلم أن أحدا أعلم مني لرحلت إليه. # قال شقيق: فجلست في حلقة من أصحاب رسول الله فما سمعت أحدا يرد ذلك عليه، ~~وكان يقول: والذي لا إله إلا هو ما من كتاب الله سورة إلا وأنا أعلم حيث ~~نزلت، وما من آية إلا وأنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحدا هو أعلم بكتاب ~~الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه. وقال أبو موسى الأشعري: كنا حينا وما نرى ~~ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - من كثرة ~~دخولهم ولزومهم له. # وقال أبو مسعود البدري: وقد قام عبد الله بن مسعود: ما أعلم رسول الله - ~~صلى الله عليه ms0560 وسلم - ترك بعده أعلم بما أنزل الله من هذا القائم، فقال أبو ~~موسى: لقد كان يشهد إذا ما غبنا، ويؤذن له إذا ما حجبنا. # وكتب عمر إلى أهل الكوفة: إني بعثت إليكم عمارا أميرا وعبد الله معلما ~~ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - من أهل بدر، ~~فخذوا عنهما، واقتدوا بهما؛ فإني آثرتكم بعبد الله على نفسي، وقد صح عن ابن ~~عمر أنه استفتى ابن مسعود في " ألبتة " وأخذ بقوله، ولم يكن ذلك تقليدا له، ~~بل لما سمع قوله فيها تبين له أنه الصواب؛ فهذا هو الذي كان يأخذ به ~~الصحابة # PageV02P167 # من أقوال بعضهم بعضا، وقد صح عن ابن مسعود أنه قال: اغد عالما أو متعلما، ~~ولا تكونن إمعة، فأخرج الإمعة - وهو المقلد - من زمرة العلماء والمتعلمين، ~~وهو كما قال - رضي الله عنه -؛ فإنه لا مع العلماء ولا مع المتعلمين للعلم ~~والحجة، كما هو معروف ظاهر لمن تأمله. # [لم يكن الصحابة يقلد بعضهم بعضا] # الوجه التاسع والثلاثون: قولهم إن عبد الله كان يدع قوله لقول عمر، وأبو ~~موسى كان يدع قوله لقول علي، وزيد يدع قوله لقول أبي بن كعب، فجوابه أنهم ~~لم يكونوا يدعون ما يعرفون من السنة تقليدا لهؤلاء الثلاثة كما تفعله فرقة ~~التقليد، بل من تأمل سيرة القوم رأى أنهم كانوا إذا ظهرت لهم السنة لم ~~يكونوا يدعونها لقول أحد كائنا من كان، وكان ابن عمر يدع قول عمر إذا ظهرت ~~له السنة، وابن عباس ينكر على من يعارض ما بلغه من السنة بقوله: قال أبو ~~بكر وعمر، ويقول: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؛ فرحم الله ابن عباس ~~ورضي عنه، فوالله لو شاهد خلفنا هؤلاء الذين إذا قيل لهم: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ قالوا: قال فلان وفلان، لمن لا يداني الصحابة ولا ~~قريبا من قريب، وإنما كانوا يدعون أقوالهم لأقوال هؤلاء؛ لأنهم يقولون ~~القول ويقول ms0561 هؤلاء؛ فيكون الدليل معهم فيرجعون إليهم ويدعون أقوالهم، كما ~~يفعل أهل العلم الذين هو أحب إليهم مما سواه، وهذا عكس طريقة فرقة أهل ~~التقليد من كل وجه، وهذا هو الجواب عن قول مسروق: ما كنت أدع قول ابن مسعود ~~لقول أحد من الناس. # [معنى أمر رسول الله باتباع معاذ] # الوجه الأربعون: قولهم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «قد سن لكم ~~معاذ فاتبعوه» فعجبا لمحتج بهذا على تقليد الرجال في دين الله، وهل صار ما ~~سنه معاذ سنة إلا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " فاتبعوه " كما صار ~~الأذان سنة بقوله - صلى الله عليه وسلم - وإقراره وشرعه، لا بمجرد المنام. # فإن قيل: فما معنى الحديث؟ قيل: معناه أن معاذا فعل فعلا جعله الله لكم ~~سنة، وإنما صار سنة لنا حين أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم -، لا لأن ~~معاذا فعله فقط، وقد صح عن معاذ أنه قال: كيف تصنعون بثلاث: دنيا تقطع ~~أعناقكم، وزلة عالم، وجدال منافق بالقرآن؛ فأما العالم فإن اهتدى فلا ~~تقلدوه دينكم وإن افتتن فلا تقطعوا منه إياسكم فإن المؤمن يفتتن ثم يتوب، ~~وأما القرآن فإن له منارا كمنار الطريق لا يخفى على أحد فما علمتم منه فلا ~~تسألوا عنه أحدا. # وما لم تعلموه فكلوه إلى عالمه، وأما الدنيا فمن جعل الله غناه في قلبه ~~فقد أفلح ومن لا فليست بنافعته دنياه، فصدع # PageV02P168 # - رضي الله عنه - بالحق، ونهى عن التقليد في كل شيء، وأمر باتباع ظاهر ~~القرآن، وأن لا يبالي بمن خالف فيه، وأمر بالتوقف فيما أشكل، وهذا كله خلاف ~~طريقة المقلدين، وبالله التوفيق. ### | [طاعة أولي الأمر] # الوجه الحادي والأربعون: قولكم إن الله سبحانه أمر بطاعة أولي الأمر وهم ~~العلماء، وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به؛ فجوابه أن أولي الأمر قد قيل: هم ~~الأمراء، وقيل: هم العلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد، والتحقيق، أن ~~الآية تتناول الطائفتين، وطاعتهم من طاعة الرسول، لكن خفي على المقلدين ~~أنهم إنما يطاعون في طاعة الله إذا أمروا بأمر الله ورسوله؛ فكان ms0562 العلماء ~~مبلغين لأمر الرسول، والأمراء منفذين له، فحينئذ تجب طاعتهم تبعا لطاعة ~~الله ورسوله، فأين في الآية تقديم آراء الرجال على سنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وإيثار التقليد عليها؟ ، # الوجه الثاني والأربعون: أن هذه الآية من أكبر الحجج عليهم، وأعظمها ~~إبطالا للتقليد، وذلك من وجوه؛ أحدها: الأمر بطاعة الله التي هي امتثال ~~أمره واجتناب نهيه، الثاني: طاعة رسوله، ولا يكون العبد مطيعا لله ورسوله ~~حتى يكون عالما بأمر الله ورسوله، ومن أقر على نفسه بأنه ليس من أهل العلم ~~بأوامر الله ورسوله وإنما هو مقلد فيها لأهل العلم لم يمكنه تحقيق طاعة ~~الله ورسوله ألبتة؛ الثالث: أن أولي الأمر قد نهوا عن تقليدهم كما صح ذلك ~~عن معاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ~~وغيرهم من الصحابة، وذكرناه نصا عن الأئمة الأربعة وغيرهم، وحينئذ فطاعتهم ~~في ذلك إن كانت واجبة بطل التقليد، وإن لم تكن واجبة بطل الاستدلال، ~~الرابع: أنه سبحانه قال في الآية نفسها: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء: 59] وهذا صريح ~~في إبطال التقليد، والمنع من رد المتنازع فيه إلى رأي أو مذهب أو تقليد. # فإن قيل: فما هي طاعتهم المختصة بهم؛ إذ لو كانوا إنما يطاعون فيما ~~يخبرون به عن الله ورسوله كانت الطاعة لله ورسوله لا لهم؟ قيل: وهذا هو ~~الحق، وطاعتهم إنما هي تبع لا استقلال، ولهذا قرنها بطاعة الرسول ولم يعد ~~العامل، وأفرد طاعة الرسول وأعاد العامل لئلا يتوهم أنه إنما يطاع تبعا كما ~~يطاع # PageV02P169 # أولو الأمر تبعا، وليس كذلك، بل طاعته واجبة استقلالا، سواء كان ما أمر ~~به ونهى عنه في القرآن أو لم يكن. # [الثناء على التابعين، ومعنى كونهم تابعين] # الوجه الثالث والأربعون: قولهم: إن الله - سبحانه وتعالى - أثنى على ~~السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وتقليدهم ~~هو اتباعهم بإحسان، فما أصدق المقدمة الأولى، وما أكذب الثانية، بل الآية ~~من أعظم ms0563 الأدلة ردا على فرقة التقليد؛ فإن اتباعهم هو سلوك سبيلهم ~~ومنهاجهم، وقد نهوا عن التقليد وكون الرجل إمعة، وأخبروا أنه ليس من أهل ~~البصيرة، ولم يكن فيهم - ولله الحمد - رجل واحد على مذهب هؤلاء المقلدين، ~~وقد أعاذهم الله وعافاهم مما ابتلى به من يرد النصوص لآراء الرجال ~~وتقليدها؛ فهذا ضد متابعتهم، وهو نفس مخالفتهم؛ فالتابعون لهم بإحسان حقا ~~هم أولو العلم والبصائر الذين لا يقدمون على كتاب الله وسنة رسوله رأيا ولا ~~قياسا ولا معقولا ولا قول أحد من العالمين، ولا يجعلون مذهب أحد عيارا على ~~القرآن والسنن؛ فهؤلاء أتباعهم حقا، جعلنا الله منهم بفضله ورحمته. # [من هم أتباع الأئمة] # يوضحه الوجه الرابع والأربعون: أن أتباعهم لو كانوا هم المقلدين الذين هم ~~مقرون على أنفسهم وجميع أهل العلم أنهم ليسوا من أولي العلم لكان سادات ~~العلماء الدائرون مع الحجة ليسوا من أتباعهم، والجهال أسعد بأتباعهم منهم، ~~وهذا عين المحال، بل من خالف واحدا منهم للحجة فهو المتبع له، دون من أخذ ~~قوله بغير حجة، وهكذا القول في أتباع الأئمة - رضي الله عنهم - معاذ الله ~~أن يكونوا هم المقلدين لهم الذين ينزلون آراءهم منزلة النصوص، بل يتركون ~~لها النصوص؛ فهؤلاء ليسوا من أتباعهم، وإنما أتباعهم من كان على طريقتهم ~~واقتفى منهاجهم. # ولقد أنكر بعض المقلدين على شيخ الإسلام في تدريسه بمدرسة ابن الحنبلي ~~وهي وقف على الحنابلة، والمجتهد ليس منهم، فقال: إنما أتناول ما أتناوله ~~منها على معرفتي بمذهب أحمد، لا على تقليدي له، ومن المحال أن يكون هؤلاء ~~المتأخرون على مذهب الأئمة دون أصحابهم الذين لم يكونوا يقلدونهم، فأتبع ~~الناس لمالك ابن وهب وطبقته ممن يحكم الحجة وينقاد للدليل أين كان، وكذلك ~~أبو يوسف ومحمد أتبع لأبي حنيفة من المقلدين له مع كثرة مخالفتهما له، ~~وكذلك البخاري ومسلم وأبو داود والأثرم وهذه الطبقة # PageV02P170 # من أصحاب أحمد أتبع له من المقلدين المحض المنتسبين إليه، وعلى هذا ~~فالوقف على أتباع الأئمة أهل الحجة والعلم أحق به من المقلدين في نفس ~~الأمر. # [الكلام ms0564 على حديث أصحابي كالنجوم] . # الوجه الخامس والأربعون: قولهم: يكفي في صحة التقليد الحديث المشهور: ~~«أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» جوابه من وجوه: أحدها: أن هذا ~~الحديث قد روي من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ومن حديث سعيد بن ~~المسيب عن ابن عمر ومن طريق حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر، ولا يثبت شيء ~~منها. # قال ابن عبد البر: حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد أن أبا عبد الله بن ~~مفرح حدثهم ثنا محمد بن أيوب الصموت قال: قال لنا البزار: وأما ما يروى عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ~~فهذا الكلام لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # الثاني: أن يقال لهؤلاء المقلدين: فكيف استجزتم ترك تقليد النجوم التي ~~يهتدى بها وقلدتم من هو دونهم بمراتب كثيرة؛ فكان تقليد مالك والشافعي وأبي ~~حنيفة وأحمد آثر عندكم من تقليد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؟ فما دل عليه ~~الحديث خالفتموه صريحا، واستدللتم به على تقليد من لم يتعرض له بوجه. # الثالث: أن هذا يوجب عليكم تقليد من ورث الجد مع الإخوة منهم ومن أسقط ~~الإخوة به معا، وتقليد من قال: الحرام يمين، ومن قال: هو طلاق، وتقليد من ~~حرم الجمع بين الأختين بملك اليمين ومن أباحه، وتقليد من جوز للصائم أكل ~~البرد ومن منع منه، وتقليد من قال: تعتد المتوفى عنها بأقصى الأجلين، ومن ~~قال: بوضع الحمل، وتقليد من قال: يحرم على المحرم استدامة الطيب، وتقليد من ~~أباحه، وتقليد من جوز بيع الدرهم بالدرهمين، وتقليد من حرمه، وتقليد من ~~أوجب الغسل من الإكسال وتقليد من أسقطه، وتقليد من ورث ذوي الأرحام ومن ~~أسقطهم، وتقليد من رأى التحريم برضاع الكبير ومن لم يره، وتقليد من منع ~~تيمم الجنب ومن أوجبه، وتقليد من رأى الطلاق الثلاث واحدا ومن رآه ثلاثا، ~~وتقليد من أوجب فسخ الحج إلى العمرة ومن منع منه، وتقليد من أباح لحوم ~~الحمر الأهلية ومن منع منها، وتقليد من رأى النقض بمس الذكر ms0565 ومن لم يره، ~~وتقليد من رأى بيع الأمة طلاقها ومن لم يره، وتقليد من وقف المولي عند ~~الأجل ومن لم يقفه، وأضعاف أضعاف ذلك مما اختلف فيه أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ فإن سوغتم هذا فلا تحتجوا لقول على قول ومذهب على مذهب، ~~بل اجعلوا الرجل مخيرا في الأخذ بأي قول شاء من أقوالهم، ولا تنكروا على من ~~خالف مذهبكم واتبع قول أحدهم، وإن لم تسوغوه فأنتم أول مبطل لهذا الحديث، ~~ومخالف له، وقائل بضد مقتضاه، وهذا مما لا انفكاك لكم منه. # PageV02P171 # الرابع: أن الاقتداء بهم هو اتباع القرآن والسنة، والقبول من كل من دعا ~~إليهما منهم؛ فإن الاقتداء بهم يحرم عليكم التقليد، ويوجب الاستدلال وتحكيم ~~الدليل، كما كان عليه القوم - رضي الله عنهم -، وحينئذ فالحديث من أقوى ~~الحجج عليكم، وبالله التوفيق. # [الصحابة هم الذين أمرنا بالاستنان بهم] # الوجه السادس والأربعون: قولكم: قال عبد الله بن مسعود من كان مستنا منكم ~~فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد، فهذا من أكبر الحجج عليكم من وجوه: ~~فإنه نهى عن الاستنان بالأحياء، وأنتم تقلدون الأحياء والأموات. # الثاني: أنه عين المستن بهم بأنهم خير الخلق وأبر الأمة وأعلمهم، وهم ~~الصحابة - رضي الله عنهم -، وأنتم - معاشر المقلدين - لا ترون تقليدهم ولا ~~الاستنان بهم، وإنما ترون تقليد فلان وفلان ممن هو دونهم بكثير. # الثالث: أن الاستنان بهم هو الاقتداء بهم، وهو بأن يأتي المقتدي بمثل ما ~~أتوا به، ويفعل كما فعلوا، وهذا يبطل قبول قول أحد بغير حجة كما كان ~~الصحابة عليه. # الرابع: أن ابن مسعود قد صح عنه النهي عن التقليد وأن يكون الرجل إمعة لا ~~بصيرة له؛ فعلم أن الاستنان عنده غير التقليد. # الوجه السابع والأربعون: قولكم قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» وقال: ~~«اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» فهذا من أكبر حججنا عليكم في بطلان ~~ما أنتم عليه من التقليد؛ فإنه خلاف سنتهم، ومن المعلوم بالضرورة ms0566 أن أحدا ~~منهم لم يكن يدع السنة إذا ظهرت لقول غيره كائنا من كان، ولم يكن له معها ~~قول ألبتة، وطريقة فرقة التقليد خلاف ذلك. # يوضحه الوجه الثامن والأربعون: أنه - صلى الله عليه وسلم - قرن سنتهم ~~بسنته في وجوب الاتباع، والأخذ بسنتهم ليس تقليدا لهم، بل اتباع لرسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - كما أن الأخذ بالأذان لم يكن تقليدا لمن رآه في ~~المنام. # والأخذ بقضاء ما فات المسبوق من صلاته بعد سلام الإمام لم يكن تقليدا ~~لمعاذ، بل اتباعا لما أمرنا بالأخذ بذلك، فأين التقليد الذي أنتم عليه من ~~هذا؟ يوضحه الوجه التاسع والأربعون: أنكم أول مخالف لهذين الحديثين؛ فإنكم ~~لا ترون الأخذ بسنتهم ولا الاقتداء بهم واجبا، وليس قولهم عندكم حجة، وقد ~~صرح بعض غلاتكم بأنه لا يجوز تقليدهم، ويجب تقليد الشافعي، فمن العجائب ~~احتجاجكم بشيء أنتم أشد الناس خلافا له، وبالله التوفيق. # يوضحه الوجه الخمسون: أن الحديث بجملته حجة عليكم من كل وجه، فإنه أمر # PageV02P172 # عند كثرة الاختلاف بسنته وسنة خلفائه، وأمرتم أنتم برأي فلان ومذهب فلان. # الثاني: أنه حذر من محدثات الأمور، وأخبر أن كل محدثة بدعة وكل بدعة ~~ضلالة، ومن المعلوم بالاضطرار أن ما أنتم عليه من التقليد الذي ترك له كتاب ~~الله وسنة رسوله ويعرض القرآن والسنة عليه ويجعل معيارا عليهما من أعظم ~~المحدثات والبدع التي برأ الله سبحانه القرون التي فضلها وخيرها على غيرها. # وبالجملة فما سنه الخلفاء الراشدون أو أحدهم للأمة فهو حجة لا يجوز ~~العدول عنها، فأين هذا من قول فرقة التقليد: ليست سنتهم حجة، ولا يجوز ~~تقليدهم فيها؟ . # [أخبر الرسول أنه سيحدث اختلاف كثير] # يوضحه الوجه الحادي والخمسون: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في نفس هذا ~~الحديث: «فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا» وهذا ذم للمختلفين، ~~وتحذير من سلوك سبيلهم، وإنما كثر الاختلاف وتفاقم أمره بسبب التقليد ~~وأهله، وهم الذين فرقوا الدين وصيروا أهله شيعا، كل فرقة تنصر متبوعها، ~~وتدعو إليه، وتذم من خالفها، ولا يرون العمل ms0567 بقولهم حتى كأنهم ملة أخرى ~~سواهم، يدأبون ويكدحون في الرد عليهم، ويقولون: كتبهم، وكتبنا وأئمتهم ~~وأئمتنا، ومذهبهم ومذهبنا. # هذا والنبي واحد والقرآن واحد والدين واحد والرب واحد؛ فالواجب على ~~الجميع أن ينقادوا إلى كلمة سواء بينهم كلهم، وأن لا يطيعوا إلا الرسول، ~~ولا يجعلوا معه من يكون أقواله كنصوصه، ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون ~~الله؛ فلو اتفقت كلمتهم على ذلك وانقاد كل واحد منهم لمن دعاه إلى الله ~~ورسوله وتحاكموا كلهم إلى السنة وآثار الصحابة لقل الاختلاف وإن لم يعدم من ~~الأرض؛ ولهذا تجد أقل الناس اختلافا أهل السنة والحديث؛ فليس على وجه الأرض ~~طائفة أكثر اتفاقا وأقل اختلافا منهم لما بنوا على هذا الأصل، وكلما كانت ~~الفرقة عن الحديث أبعد كان اختلافهم في أنفسهم أشد وأكثر، فإن من رد الحق ~~مرج عليه أمره واختلط عليه والتبس عليه وجه الصواب فلم يدر أين يذهب، كما ~~قال تعالى: {بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج} [ق: 5] . ### | [فصل أمر عمر شريحا بتقديم الكتاب ثم السنة] # [أمر عمر شريحا بتقديم الكتاب ثم السنة] # الوجه الثاني والخمسون: قولكم إن عمر كتب إلى شريح: " أن اقض بما في كتاب ~~الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبما في سنة رسول الله، فإن لم يكن في سنة ~~رسول الله فبما قضى به الصالحون " فهذا من أظهر الحجج عليكم على بطلان ~~التقليد؛ فإنه أمره أن يقدم # PageV02P173 # الحكم بالكتاب على كل ما سواه، فإن لم يجده في الكتاب ووجده في السنة لم ~~يلتفت إلى غيرها، فإن لم يجده في السنة قضى بما قضى به الصحابة. # ونحن نناشد الله فرقة التقليد: هل هم كذلك أو قريبا من ذلك؟ وهل إذا نزلت ~~بهم نازلة حدث أحد منهم نفسه أن يأخذ حكمها من كتاب الله ثم ينفذه، فإن لم ~~يجدها في كتاب الله أخذها من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن لم ~~يجدها في السنة أفتى فيها بما أفتى به الصحابة؟ والله يشهد عليكم وملائكته ms0568 ~~وهم شاهدون على أنفسهم بأنهم إنما يأخذون حكمها من قول من قلدوه، وإن ~~استبان لهم في الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة خلاف ذلك لم يلتفتوا إليه، ~~ولم يأخذوا بشيء منه إلا بقول من قلدوه؛ فكتاب عمر من أبطل الأشياء وأكسرها ~~لقولهم، وهذا كان سير السلف المستقيم وهديهم القويم. # [طريق المتأخرين في أخذ الأحكام] # فلما انتهت النوبة إلى المتأخرين ساروا عكس هذا السير، وقالوا: إذا نزلت ~~النازلة بالمفتي أو الحاكم فعليه أن ينظر أولا: هل فيها اختلاف أم لا؟ فإن ~~لم يكن فيها اختلاف لم ينظر في كتاب ولا في سنة، بل يفتي ويقضي فيها ~~بالإجماع، وإن كان فيها اختلاف اجتهد في أقرب الأقوال إلى الدليل فأفتى به ~~وحكم به. # وهذا خلاف ما دل عليه حديث معاذ وكتاب عمر وأقوال الصحابة. والذي دل عليه ~~الكتاب والسنة وأقوال الصحابة أولى فإنه مقدور مأمور، فإن علم المجتهد بما ~~دل عليه القرآن والسنة أسهل عليه بكثير من علمه باتفاق الناس في شرق الأرض ~~وغربها على الحكم. # وهذا إن لم يكن متعذرا فهو أصعب شيء وأشقه إلا فيما هو من لوازم الإسلام، ~~فكيف يحيلنا الله ورسوله على ما لا وصول لنا إليه ويترك الحوالة على كتابه ~~وسنة رسوله اللذين هدانا بهما، ويسرهما لنا، وجعل لنا إلى معرفتهما طريقا ~~سهلة التناول من قرب؟ ثم ما يدريه فلعل الناس اختلفوا وهو لا يعلم، وليس ~~عدم العلم بالنزاع علما بعدمه، فكيف يقدم عدم العلم على أصل العلم كله؟ ثم ~~كيف يسوغ له ترك الحق المعلوم إلى أمر لا علم له به وغايته أن يكون موهوما، ~~وأحسن أحواله أن يكون مشكوكا فيه شكا متساويا أو راجحا؟ ثم كيف يستقيم هذا ~~على رأي من يقول: انقراض عصر المجمعين شرط في صحة الإجماع؟ فما لم ينقرض ~~عصرهم فلمن نشأ في زمنهم أن يخالفهم، فصاحب هذا السلوك لا يمكنه أن يحتج ~~بالإجماع حتى يعلم أن العصر انقرض ولم ينشأ فيه مخالف لأهله؟ وهل أحال الله ~~الأمة في الاهتداء بكتابه وسنة رسوله ms0569 على ما لا سبيل لهم إليه ولا اطلاع ~~لأفرادهم عليه؟ وترك إحالتهم على ما هو بين أظهرهم حجة عليهم باقية إلى آخر ~~الدهر متمكنون من الاهتداء به ومعرفة الحق منه، وهذا من أمحل المحال، # PageV02P174 # وحين نشأت هذه الطريقة تولد عنها معارضة النصوص بالإجماع المجهول، وانفتح ~~باب دعواه، وصار من لم يعرف الخلاف من المقلدين إذا احتج عليه بالقرآن ~~والسنة قال: هذا خلاف الإجماع. # وهذا هو الذي أنكره أئمة الإسلام، وعابوا من كل ناحية على من ارتكبه، ~~وكذبوا من ادعاه؛ فقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: من ادعى ~~الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصم، ولكن ~~يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغنا. # وقال في رواية المروزي: كيف يجوز للرجل أن يقول: " أجمعوا؟ " إذا سمعتهم ~~يقولون: " أجمعوا " فاتهمهم، لو قال: " إني لم أعلم مخالفا " كان. # وقال في رواية أبي طالب: هذا كذب، ما علمه أن الناس مجمعون؟ ولكن يقول: " ~~ما أعلم فيه اختلافا " فهو أحسن من قوله: إجماع الناس. # وقال في رواية أبي الحارث: لا ينبغي لأحد أن يدعي الإجماع، لعل الناس ~~اختلفوا. # [أئمة الإسلام يقدمون الكتاب والسنة] # ولم يزل أئمة الإسلام على تقديم الكتاب على السنة، والسنة على الإجماع ~~وجعل الإجماع في المرتبة الثالثة، قال الشافعي: الحجة كتاب الله وسنة رسوله ~~واتفاق الأئمة. # وقال في كتاب اختلافه مع مالك: والعلم طبقات، الأولى: الكتاب والسنة ~~الثابتة، ثم الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، الثالثة: أن يقول الصحابي: ~~فلا يعلم له مخالف من الصحابة، الرابعة: اختلاف الصحابة، والخامسة: القياس؛ ~~فقدم النظر في الكتاب والسنة على الإجماع، ثم أخبر أنه إنما يصار إلى ~~الإجماع فيما لم يعلم فيه كتابا ولا سنة، وهذا هو الحق. # وقال أبو حاتم الرازي: العلم عندنا ما كان عن الله تعالى من كتاب ناطق ~~ناسخ غير منسوخ، وما صحت به الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مما لا معارض له، وما جاء عن الألباء من الصحابة ما اتفقوا عليه، ms0570 فإذا ~~اختلفوا لم يخرج من اختلافهم، فإذا خفي ذلك ولم يفهم فعن التابعين، فإذا لم ~~يوجد عن التابعين فعن أئمة الهدى من أتباعهم، مثل أيوب السختياني وحماد بن ~~زيد وحماد بن سلمة وسفيان ومالك والأوزاعي والحسن بن صالح، ثم ما لم يوجد ~~عن أمثالهم فعن مثل عبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن ~~إدريس ويحيى بن آدم وابن عيينة ووكيع بن الجراح، ومن بعدهم محمد بن إدريس ~~الشافعي ويزيد بن هارون والحميدي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي ~~وأبي عبيد القاسم بن سلام # PageV02P175 # انتهى. # فهذا طريق أهل العلم وأئمة الدين، جعل أقوال هؤلاء بدلا عن الكتاب ~~والسنة، وأقوال الصحابة بمنزلة التيمم إنما يصار إليه عند عدم الماء؛ فعدل ~~هؤلاء المتأخرون المقلدون إلى التيمم والماء بين أظهرهم أسهل من التيمم ~~بكثير. # ثم حدثت بعد هؤلاء فرقة هم أعداء العلم وأهله فقالوا: إذا نزلت بالمفتي ~~أو الحاكم نازلة لم يجز أن ينظر فيها في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا أقوال ~~الصحابة بل إلى ما قاله مقلده ومتبوعه ومن جعله عيارا على القرآن والسنة؛ ~~فما وافق قوله أفتى به وحكم به، وما خالفه لم يجز له أن يفتي به ولا يقضي ~~به، وإن فعل ذلك تعرض لعزله عن منصب الفتوى والحكم، واستفتى له: ما تقول ~~السادة والفقهاء فيمن ينتسب إلى مذهب إمام معين يقلده دون غيره، ثم يفتي أو ~~يحكم بخلاف مذهبه، هل يجوز له ذلك أم لا؟ وهل يقدح ذلك فيه أم لا؟ فينغض ~~المقلدون رءوسهم، ويقولون له: لا يجوز ذلك، ويقدح فيه. # ولعل القول الذي عدل إليه هو قول أبي بكر وعمر وابن مسعود وأبي بن كعب ~~ومعاذ بن جبل وأمثالهم؛ فيجيب هذا الذي انتصب للتوقيع عن الله ورسوله بأنه ~~لا يجوز له مخالفة قول متبوعه لأقوال من هو أعلم بالله ورسوله منه، وإن كان ~~مع أقوالهم كتاب الله وسنة رسوله، وهذا من أعظم جنايات فرقة التقليد على ~~الدين، ولو أنهم لزموا حدهم ومرتبتهم وأخبروا ms0571 إخبارا مجردا عما وجدوه من ~~السواد في البياض من أقوال لا علم لهم بصحيحها من باطلها لكان لهم عذر ما ~~عند الله، ولكن هذا مبلغهم من العلم، وهذه معاداتهم لأهله وللقائمين لله ~~بحججه، وبالله التوفيق. # [هل قلد الصحابة عمر؟] # الوجه الثالث والخمسون: قولكم: " منع عمر من بيع أمهات الأولاد وتبعه ~~الصحابة وألزم بالطلاق الثلاث وتبعوه أيضا " جوابه من وجوه: أحدها: أنهم لم ~~يتبعوه تقليدا له، بل أداهم اجتهادهم في ذلك إلى ما أداه إليه اجتهاده، ولم ~~يقل أحد منهم قط: إني رأيت ذلك تقليدا لعمر. # الثاني: أنهم لم يتبعوه كلهم فهذا ابن مسعود يخالفه في أمهات الأولاد، ~~وهذا ابن عباس يخالفه في الإلزام بالطلاق الثلاث، وإذا اختلف الصحابة ~~وغيرهم فالحاكم هو الحجة. # الثالث: أنه ليس في اتباع قول عمر - رضي الله عنه - في هاتين المسألتين ~~وتقليد الصحابة لو فرض له في ذلك ما يسوغ تقليد من هو دونه بكثير في كل ما ~~يقوله وترك قول من هو مثله ومن هو فوقه وأعلم منه، فهذا من أبطل الاستدلال، ~~وهو تعلق ببيت العنكبوت فقلدوا عمر واتركوا تقليد فلان وفلان، فأما وأنتم ~~تصرحون بأن عمر لا يقلد وأبو حنيفة # PageV02P176 # والشافعي ومالك يقلدون فلا يمكنكم الاستدلال بما أنتم مخالفون له، فكيف ~~يجوز للرجل أن يحتج بما لا يقول به؟ . # الوجه الرابع والخمسون: قولكم: " إن عمرو بن العاص قال لعمر لما احتلم: ~~خذ ثوبا غير ثوبك، فقال: لو فعلت صارت سنة " فأين في هذا من الإذن من عمر ~~في تقليده والإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله؟ وغاية هذا أنه تركه لئلا ~~يقتدي به من يراه، ويفعل ذلك، ويقول: لولا أن هذا سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ما فعله عمر؛ فهذا هو الذي خشيه عمر، والناس مقتدون بعلمائهم ~~شاءوا أم أبوا، فهذا هو الواقع وإن كان الواجب فيه تفصيل. # [ما استبان فاعمل به وما اشتبه فكله لعالمه] # الوجه الخامس والخمسون: قولكم: " قد قال أبي: ما اشتبه عليك فكله إلى ~~عالمه " فهذا حق، وهو الواجب ms0572 على من سوى الرسول؛ فإن كل أحد بعد الرسول لا ~~بد أن يشتبه عليه بعض ما جاء به، وكل من اشتبه عليه شيء وجب عليه أن يكله ~~إلى من هو أعلم منه، فإن تبين له صار عالما مثله، وإلا وكله إليه، ولم ~~يتكلف ما لا علم له به؛ فهذا هو الواجب علينا في كتاب ربنا وسنة نبينا ~~وأقوال أصحابه، وقد جعل الله سبحانه فوق كل ذي علم عليما؛ فمن خفي عليه بعض ~~الحق فوكله إلى من هو أعلم منه فقد أصاب، فأي شيء في هذا من الإعراض عن ~~القرآن والسنن وآثار الصحابة واتخاذ رجل بعينه معيارا على ذلك وترك النصوص ~~لقوله وعرضها عليه وقبول كل ما أفتى به ورد كل ما خالفه؟ وهذا الأثر نفسه ~~من أكبر الحجج على بطلان التقليد، فإن أوله: " ما استبان لك فاعمل به، وما ~~اشتبه عليك فكله إلى عالمه " ونحن نناشدكم الله إذا استبانت لكم السنة هل ~~تتركون قول من قلدتموه لها وتعملون بها وتفتون أو تقضون بموجبها، أم ~~تتركونها وتعدلون عنها إلى قوله وتقولون: هو أعلم بها منا؟ فأبي - رضي الله ~~عنه - مع سائر الصحابة على هذه الوصية، وهي مبطلة للتقليد قطعا، وبالله ~~التوفيق. # ثم نقول: هل وكلتم ما اشتبه عليكم من المسائل إلى عالمها من أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ هم أعلم الأمة وأفضلها أم تركتم أقوالهم ~~وعدلتم عنها؟ فإن كان من قلدتموه ممن يوكل ذلك إليه فالصحابة أحق أن يوكل ~~ذلك إليهم. ### | [فصل فتوى الصحابة والرسول حي] # [فتوى الصحابة والرسول حي تبليغ عنه] # الوجه السادس والخمسون: قولكم: " كان الصحابة يفتون ورسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حي بين أظهرهم، وهذا تقليد من المستفتين لهم " وجوابه أن ~~فتواهم إنما كانت تبليغا عن الله # PageV02P177 # ورسوله، وكانوا بمنزلة المخبرين فقط، لم تكن فتواهم تقليدا لرأي فلان ~~وفلان وإن خالفت النصوص؛ فهم لم يكونوا يقلدون في فتواهم، ولا يفتون بغير ~~النصوص، ولم يكن المستفتون لهم يعتمدون إلا على ما يبلغونهم إياه عن نبيهم ms0573 ~~فيقولون: أمر بكذا، وفعل كذا، ونهى عن كذا، هكذا كانت فتواهم؛ فهي حجة على ~~المستفتين كما هي حجة عليهم، ولا فرق بينهم وبين المستفتين لهم في ذلك إلا ~~في الواسطة بينهم وبين الرسول وعدمها، والله ورسوله وسائر أهل العلم يعلمون ~~أنهم وأن مستفتيهم لم يعلموا إلا بما علموه عن نبيهم وشاهدوه وسمعوه منه، ~~هؤلاء بواسطة وهؤلاء بغير واسطة، ولم يكن فيهم من يأخذ قول واحد من الأمة ~~يحلل ما حلله ويحرم ما حرمه ويستبيح ما أباحه، وقد أنكر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - على من أفتى بغير السنة منهم، كما أنكر على أبي السنابل وكذبه، ~~وأنكر على من أفتى برجم الزاني البكر، وأنكر على من أفتى باغتسال الجريح ~~حتى مات، وأنكر على من أفتى بغير علم كمن يفتي بما لا يعلم صحته، وأخبر أن ~~إثم المستفتي عليه، فإفتاء الصحابة في حياته نوعان: أحدهما: كان يبلغه ~~ويقرهم عليه، فهو حجة بإقراره لا بمجرد إفتائهم، الثاني: ما كانوا يفتون به ~~مبلغين له عن نبيهم، فهم فيه رواة لا مقلدون ولا مقلدون. ### | [إنذار من نفر للتفقه في الدين] # [المراد من إيجاب الله قبول إنذار من نفر للتفقه في الدين] # الوجه السابع والخمسون: قولكم: " وقد قال تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} [التوبة: ~~122] فأوجب قبول نذارتهم، وذلك تقليد لهم " جوابه من وجوه: أحدها: أن الله ~~سبحانه إنما أوجب عليهم قبول ما أنذروهم به من الوحي الذي ينزل في غيبتهم ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجهاد، فأين في هذا حجة لفرقة التقليد ~~على تقديم آراء الرجال على الوحي؟ الثاني: أن الآية حجة عليهم ظاهرة؛ فإنه ~~سبحانه نوع عبوديتهم وقيامهم بأمره إلى نوعين: أحدهما: نفير الجهاد، ~~والثاني: التفقه في الدين، وجعل قيام الدين بهذين الفريقين، وهم الأمراء ~~والعلماء أهل الجهاد وأهل العلم؛ فالنافرون يجاهدون عن القاعدين، والقاعدون ~~يحفظون العلم للنافرين، فإذا رجعوا من نفيرهم استدركوا ما فاتهم من العلم ~~بإخبار من سمعه من رسول ms0574 الله - صلى الله عليه وسلم -، وهنا للناس في الآية ~~قولان؛ أحدهما: أن المعنى " فهلا نفر من كل فرقة طائفة تتفقه وتنذر القاعدة ~~" فيكون المعنى في طلب العلم، وهذا قول الشافعي وجماعة من المفسرين، ~~واحتجوا به على قول خبر الواحد؛ لأن الطائفة لا يجب أن تكون عدد التواتر. # والثاني أن المعنى " فلولا نفر من كل فرقة طائفة تجاهد لتتفقه القاعدة ~~وتنذر النافرة للجهاد إذا رجعوا إليهم ويخبرونهم بما نزل بعدهم من الوحي " ~~وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح؛ # PageV02P178 # لأن النفير إنما هو الخروج للجهاد كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«وإذا استنفرتم فانفروا» وأيضا فإن المؤمنين عام في المقيمين مع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - والغائبين عنه، والمقيمون مرادون ولا بد فإنهم سادات ~~المؤمنين، فكيف لا يتناولهم اللفظ؟ وعلى قول أولئك يكون المؤمنون خاصا ~~بالغائبين عنه فقط، والمعنى " وما كان المؤمنون لينفروا إليه كلهم، فلولا ~~نفر إليه من كل فرقة منهم طائفة " وهذا خلاف ظاهر لفظ المؤمنين، وإخراج ~~للفظ النفير عن مفهومه في القرآن والسنة، وعلى كلا القولين فليس في الآية ~~ما يقتضي صحة القول بالتقليد المذموم، بل هي حجة على فساده وبطلانه؛ فإن ~~الإنذار إنما يقوم بالحجة، فمن لم تقم عليه الحجة لم يكن قد أنذر، كما أن ~~النذير من أقام الحجة، فمن لم يأت بحجة فليس بنذير، فإن سميتم ذلك تقليدا ~~فليس الشأن في الأسماء، ونحن لا ننكر التقليد بهذا المعنى، فسموه ما شئتم، ~~وإنما ننكر نصب رجل معين يجعل قوله عيارا على القرآن والسنن؛ فما وافق قوله ~~منها قبل وما خالفه لم يقبل، ويقبل قوله بغير حجة، ويرد قول نظيره أو أعلم ~~منه والحجة معه، فهذا الذي أنكرناه، وكل عالم على وجه الأرض يعلن إنكاره ~~وذمه وذم أهله. # الوجه الثامن والخمسون: قولكم: " إن ابن الزبير سئل عن الجد والإخوة ~~فقال: أما الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو كنت متخذا من أهل ~~الأرض خليلا لاتخذته خليلا - يريد أبا بكر - رضي الله عنه - فإنه أنزله أبا ~~" فأي ms0575 شيء في هذا مما يدل على التقليد بوجه من الوجوه؟ وقد تقدم من الأدلة ~~الشافية التي لا مطمع في دفعها ما يدل على أن قول الصديق في الجد أصح ~~الأقوال على الإطلاق، وابن الزبير لم يخبر بذلك تقليدا، بل أضاف المذهب إلى ~~الصديق لينبه على جلالة قائله، وأنه ممن لا يقاس غيره به، لا ليقبل قوله ~~بغير حجة وتترك الحجة من القرآن والسنة لقوله؛ فابن الزبير وغيره من ~~الصحابة كانوا أتقى لله، وحجج الله وبيناته أحب إليهم من أن يتركوها لآراء ~~الرجال ولقول أحد كائنا من كان، وقول ابن الزبير: " إن الصديق أنزله أبا " ~~متضمن للحكم والدليل معا. ### | [ليس قبول شهادة الشاهد تقليدا] # [ليس قبول شهادة الشاهد تقليدا له] # الوجه التاسع والخمسون: قولكم: " وقد أمر الله بقبول شهادة الشاهد، وذلك ~~تقليد له " فلو لم يكن في آفات التقليد غير هذا الاستدلال لكفى به بطلانا، ~~وهل قبلنا قول الشاهد إلا بنص كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع الأمة على قبول ~~قوله؛ فإن الله سبحانه نصبه حجة يحكم الحاكم بها كما يحكم بالإقرار، وكذلك ~~قول المقر أيضا حجة شرعية، وقبوله تقليد له، كما سميتم قبول شهادة الشاهد ~~تقليدا، فسموه ما شئتم فإن الله سبحانه أمرنا بالحكم بذلك، وجعله دليلا على ~~الأحكام؛ فالحاكم بالشهادة والإقرار منفذ لأمر الله ورسوله، ولو # PageV02P179 # تركنا تقليد الشاهد لم يلزم به حكم، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يقضي بالشاهد وبالإقرار، وذلك حكم بنفس ما أنزل الله لا بالتقليد؛ ~~فالاستدلالة بذلك على التقليد المتضمن للإعراض عن الكتاب والسنة وأقوال ~~الصحابة، وتقديم آراء الرجال عليها، وتقديم قول الرجل على من هو أعلم منه ~~واطراح قول من عداه جملة، من باب قلب الحقائق وانتكاس العقول والأفهام، ~~وبالجملة فنحن إذا قبلنا قول الشاهد لم نقبله لمجرد كونه شهد به، بل لأن ~~الله سبحانه أمرنا بقبول قوله، فأنتم معاشر المقلدين إذا قبلتم قول من ~~قلدتموه قبلتموه لمجرد كونه قاله أو لأن الله أمركم بقبول قوله وطرح قول من ~~سواه. ### | [ليس من التقليد ms0576 قبول قول القائف ونحوه] # الوجه الستون: قولكم: " وقد جاءت الشريعة بقبول قول القائف والخارص ~~والقاسم والمقوم والحاكمين بالمثل في جزاء الصيد، وذلك تقليد محض " أتعنون ~~به أنه تقليد لبعض العلماء في قبول أقوالهم أو تقليد لهم فيما يخبرون به؟ ~~فإن عنيتم الأول فهو باطل، وإن عنيتم الثاني فليس فيه ما تستروحون إليه من ~~التقليد الذي قام الدليل على بطلانه، وقبول قول هؤلاء من باب قبول خبر ~~المخبر والشاهد، لا من باب قبول الفتيا في الدين من غير قيام دليل على ~~صحتها، بل لمجرد إحسان الظن بقائلها مع تجويز الخطأ عليه، فأين قبول ~~الإخبار والشهادات والأقارير إلى التقليد في الفتوى؟ ، والمخبر بهذه الأمور ~~يخبر عن أمر حسي طريق العلم به إدراكه بالحواس والمشاعر الظاهرة والباطنة، ~~وقد أمر الله سبحانه بقبول خبر المخبر به إذا كان ظاهر الصدق والعدالة. ~~وطرد هذا، ونظيره قبول خبر المخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بأنه قال أو فعل، وقبول خبر المخبر عمن أخبر عنه بذلك، وهلم جرا؛ فهذا حق ~~لا ينازع فيه أحد. # وأما تقليد الرجل فيما يخبر به عن ظنه فليس فيه أكثر من العلم بأن ذلك ~~ظنه واجتهاده؛ فتقليدنا له في ذلك بمنزلة تقليدنا له فيما يخبر به عن رؤيته ~~وسماعه وإدراكه، فأين في هذا ما يوجب علينا أو يسوغ لنا أن نفتي بذلك أو ~~نحكم به وندين الله به، ونقول: هذا هو الحق وما خالفه باطل، ونترك له نصوص ~~القرآن والسنة وآثار الصحابة وأقوال من عداه من جميع أهل العلم؟ # ومن هذا الباب تقليد الأعمى في القبلة ودخول الوقت لغيره، وقد كان ابن أم ~~مكتوم لا يؤذن حتى يقلد غيره في طلوع الفجر، ويقال: أصبحت أصبحت، وكذلك ~~تقليد الناس للمؤذن في دخول الوقت، وتقليد من في المطمورة لمن يعلمه بأوقات ~~الصلاة والفطر # PageV02P180 # والصوم وأمثال ذلك، ومن ذلك التقليد في قبول الترجمة في الرسالة والتعريف ~~والتعديل والجرح. # كل هذا من باب الأخبار التي أمر الله بقبول المخبر بها إذا كان عدلا ~~صادقا، ms0577 وقد أجمع الناس على قبول خبر الواحد في الهدية وإدخال الزوجة على ~~زوجها، وقبول خبر المرأة ذمية كانت أو مسلمة في انقطاع دم حيضها لوقته ~~وجواز وطئها وإنكاحها بذلك، وليس هذا تقليدا في الفتيا والحكم، وإذا كان ~~تقليدا لها فإن الله سبحانه شرع لنا أن نقبل قولها ونقلدها فيه، ولم يشرع ~~لنا أن نتلقى أحكامه عن غير رسوله فضلا عن أن نترك سنة رسوله لقول واحد من ~~أهل العلم ونقدم قوله على قول من عداه من الأمة. # الوجه الحادي والستون: قولكم: " وأجمعوا على جواز شراء اللحمان والأطعمة ~~والثياب وغيرها من غير سؤال عن أسباب حلها اكتفاء بتقليد أربابها " جوابه ~~أن هذا ليس تقليدا في حكم من أحكام الله ورسوله من غير دليل، بل هو اكتفاء ~~بقبول قول الذابح والبائع، وهو اقتداء واتباع لأمر الله ورسوله، حتى لو كان ~~الذابح والبائع يهوديا أو نصرانيا أو فاجرا اكتفينا بقوله في ذلك، ولم ~~نسأله عن أسباب الحل، كما «قالت عائشة - رضي الله عنها -: يا رسول الله إن ~~ناسا يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليها أم لا، فقال: سموا أنتم ~~وكلوا» فهل يسوغ لكم تقليد الكفار والفساق في الدين كما تقلدونهم في ~~الذبائح والأطعمة؟ فدعوا هذه الاحتجاجات الباردة وادخلوا معنا في الأدلة ~~الفارقة بين الحق والباطل؛ لنعقد معكم عقد الصلح اللازم على تحكيم كتاب ~~الله وسنة رسوله والتحاكم إليهما وترك أقوال الرجال لهما، وأن ندور مع الحق ~~حيث كان، ولا نتحيز إلى شخص معين غير الرسول: نقبل قوله كله، ونرد قول من ~~خالفه كله، وإلا فاشهدوا بأنا أول منكر لهذه الطريقة وراغب عنها داع إلى ~~خلافها، والله المستعان. ### | [هل كلف الناس كلهم الاجتهاد] # الوجه الثاني والستون: قولكم: " لو كلف الناس كلهم الاجتهاد وأن يكونوا ~~علماء ضاعت مصالح العباد وتعطلت الصنائع والمتاجر وهذا مما لا سبيل إليه ~~شرعا وقدرا " فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن من رحمة الله سبحانه بنا ورأفته ~~أنه لم يكلفنا بالتقليد، فلو كلفنا به لضاعت أمورنا، وفسدت مصالحنا، لأنا ~~لم ms0578 نكن ندري من نقلد من المفتين والفقهاء، وهم عدد فوق المئتين، ولا يدري ~~عددهم في الحقيقة إلا الله، فإن المسلمين قد ملئوا الأرض شرقا وغربا وجنوبا ~~وشمالا، وانتشر الإسلام بحمد الله وفضله وبلغ ما بلغ الليل، فلو كلفنا ~~بالتقليد لوقعنا في أعظم العنت والفساد، ولكلفنا بتحليل الشيء وتحريمه ~~وإيجاب الشيء # PageV02P181 # وإسقاطه معا إن كلفنا بتقليد كل عالم، وإن كلفنا بتقليد الأعلم فالأعلم ~~فمعرفة ما دل عليه القرآن والسنن من الأحكام أسهل بكثير من معرفة الأعلم ~~الذي اجتمعت فيه شروط التقليد، ومعرفة ذلك مشقة على العالم الراسخ فضلا عن ~~المقلد الذي هو كالأعمى. # وإن كلفنا بتقليد البعض وكان جعل ذلك إلى تشهينا واختيارنا صار دين الله ~~تبعا لإرادتنا واختيارنا وشهواتنا، وهو عين المحال؛ فلا بد أن يكون ذلك ~~راجعا إلى من أمر الله باتباع قوله وتلقي الدين من بين شفتيه، وذلك محمد بن ~~عبد الله بن عبد المطلب رسول الله وأمينه على وحيه وحجته على خلقه، ولم ~~يجعل الله هذا المنصب لسواه بعده أبدا. # الثاني: أن بالنظر والاستدلال صلاح الأمور لا ضياعها، وبإهماله وتقليد من ~~يخطئ ويصيب إضاعتها وفسادها كما الواقع شاهد به. # والثالث: أن كل واحد منا مأمور بأن يصدق الرسول فيما أخبر به، ويطيعه ~~فيما أمر، وذلك لا يكون إلا بعد معرفة أمره وخبره. # ولم يوجب الله سبحانه من ذلك على الأمة إلا ما فيه حفظ دينها ودنياها ~~وصلاحها في معاشها ومعادها، وبإهمال ذلك تضيع مصالحها وتفسد أمورها، فما ~~خراب العالم إلا بالجهل، ولا عمارته إلا بالعلم، وإذا ظهر العلم في بلد أو ~~محلة قل الشر في أهلها، وإذا خفى العلم هناك ظهر الشر والفساد. ومن لم يعرف ~~هذا فهو ممن لم يجعل الله له نورا. # قال الإمام أحمد: ولولا العلم كان الناس كالبهائم، وقال: الناس أحوج إلى ~~العلم منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم ~~مرتين أو ثلاثا، والعلم يحتاج إليه كل وقت. # الرابع: أن الواجب على كل عبد أن يعرف ما يخصه من ms0579 الأحكام، ولا يجب عليه ~~أن يعرف ما لا تدعوه الحاجة إلى معرفته، وليس في ذلك إضاعة لمصالح الخلق ~~ولا تعطيل لمعاشهم؛ فقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - قائمين بمصالحهم ~~ومعاشهم وعمارة حروثهم والقيام على مواشيهم والضرب في الأرض لمتاجرهم ~~والصفق بالأسواق، وهم أهدى العلماء الذي لا يشق في العلم غبارهم. # الخامس: أن العلم النافع هو الذي جاء به الرسول دون مقدرات الأذهان ~~ومسائل الخرص والألغاز، وذلك بحمد الله تعالى أيسر شيء على النفوس تحصيله ~~وحفظه وفهمه، فإنه كتاب الله الذي يسره للذكر كما قال تعالى: {ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر} [القمر: 17] قال البخاري في صحيحه: قال مطر ~~الوراق: هل من طالب علم فيعان عليه؟ ولم يقل: فتضيع عليه مصالحه وتتعطل ~~معايشه عليه، وسنة رسوله وهي بحمد الله تعالى مضبوطة محفوظة، وأصول الأحكام ~~التي تدور عليها نحو خمسمائة حديث، وفرشها وتفاصيلها نحو أربعة آلاف حديث ~~وإنما الذي هو في غاية الصعوبة والمشقة مقدرات الأذهان وأغلوطات المسائل ~~والفروع والأصول التي ما أنزل الله بها من # PageV02P182 # سلطان التي كل ما لها في نمو وزيادة وتوليد، والدين كل ما له في غربة ~~ونقصان، والله المستعان. # الوجه الثالث والستون: قولكم: " قد أجمع الناس على تقليد الزوج لمن يهدي ~~إليه زوجته ليلة الدخول، وعلى تقليد الأعمى في القبلة والوقت، وتقليد ~~المؤذنين، وتقليد الأئمة في الطهارة وقراءة الفاتحة، وتقليد الزوجة في ~~انقطاع دمها ووطئها وتزويجها ". ### | [أمور قيل هي تقليد وليست به] # فجوابه ما تقدم أن استدلالكم بهذا من باب المغاليط، وليس هذا من التقليد ~~المذموم على لسان السلف والخلف في شيء، ونحن لم نرجع إلى أقوال هؤلاء ~~لكونهم أخبروا بها، بل لأن الله ورسوله أمر بقبول قولهم وجعله دليلا على ~~ترتب الأحكام؛ فإخبارهم بمنزلة الشهادة والإقرار، فأين في هذا ما يسوغ ~~التقليد في أحكام الدين والإعراض عن القرآن والسنن ونصب رجل بعينه ميزانا ~~على كتاب الله وسنة رسوله؟ # الوجه الرابع والستون: قولكم: «أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عقبة بن ~~الحارث أن يقلد المرأة التي ms0580 أخبرته بأنها أرضعته وزوجته» فيا لله العجب ~~فأنتم لا تقلدونها في ذلك، ولو كانت إحدى أمهات المؤمنين، ولا تأخذون بهذا ~~الحديث، وتتركونه تقليدا لمن قلدتموه دينكم، وأي شيء في هذا مما يدل على ~~التقليد في دين الله؟ وهل هذا إلا بمنزلة قبول خبر المخبر عن أمر حسي يخبر ~~به، وبمنزلة قبول الشاهد؟ وهل كان مفارقة عقبة لها تقليدا لتلك الأمة أو ~~اتباعا لرسول الله حيث أمره بفراقها؟ فمن بركة التقليد أنكم لا تأمرونه ~~بفراقها، وتقولون: هي زوجتك حلال وطؤها، وأما نحن فمن حقوق الدليل علينا أن ~~نأمر من وقعت له هذه الواقعة بمثل ما أمر به رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لعقبة بن الحارث سواء، ولا نترك الحديث تقليدا لأحد. ### | [الرد على دعوى أن الأئمة قالوا بجواز التقليد] # الوجه الخامس والستون: قولكم: " قد صرح الأئمة بجواز التقليد كما قال ~~سفيان: إذا رأيت الرجل يعمل العمل وأنت ترى غيره فلا تنهه، وقال محمد بن ~~الحسن: يجوز للعالم تقليد من هو أعلم منه، ولا يجوز له تقليد مثله، وقال ~~الشافعي في غير موضع: قلته تقليدا لعمر، وقلته تقليدا لعثمان، وقلته تقليدا ~~لعطاء ". # جوابه من وجوه: أحدها: أنكم إن ادعيتم أن جميع العلماء صرحوا بجواز ~~التقليد فدعوى باطلة، فقد ذكرنا من كلام الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام ~~في ذم التقليد وأهله # PageV02P183 # والنهي عنه ما فيه كفاية، وكانوا يسمون المقلد الإمعة ومحقب دينه، كما ~~قال ابن مسعود: الإمعة الذي يحقب دينه الرجال، وكانوا يسمونه الأعمى الذي ~~لا بصيرة له، ويسمون المقلدين أتباع كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم ~~يستضيئوا بنور العلم، ولم يركنوا إلى ركن وثيق، كما قال فيهم أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة، وكما سماه الشافعي حاطب ليل، ونهى ~~عن تقليده وتقليد غيره؛ فجزاه الله عن الإسلام خيرا، لقد نصح لله ورسوله ~~والمسلمين ودعا إلى كتاب الله وسنة رسوله، وأمر باتباعهما دون قوله، وأمرنا ~~بأن نعرض أقواله عليهما فنقبل منها ما وافقهما ونرد ما خالفهما؛ فنحن ms0581 نناشد ~~المقلدين: هل حفظوا في ذلك وصيته وأطاعوه أم عصوه وخالفوه؟ وإن ادعيتم أن ~~من العلماء من جوز التقليد فكان ما رأى. # الثاني: أن هؤلاء الذين حكيتم عنهم أنهم جوزوا التقليد لمن هو أعلم منهم ~~هم من أعظم الناس رغبة عن التقليد واتباعا للحجة ومخالفة لمن هو أعلم منهم، ~~فأنتم مقرون أن أبا حنيفة أعلم من محمد بن الحسن ومن أبي يوسف وخلافهما له ~~معروف، وقد صح عن أبي يوسف أنه قال: لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم ~~من أين قلنا. # الثالث: أنكم منكرون أن يكون من قلدتموه من الأئمة مقلدا لغيره أشد ~~الإنكار، وقمتم وقعدتم في قول الشافعي: قلته تقليدا لعمر، وقلته تقليدا ~~لعثمان، وقلته تقليدا لعطاء، واضطربتم في حمل كلامه على موافقة الاجتهاد ~~أشد الاضطراب، وادعيتم أنه لم يقلد زيدا في الفرائض، وإنما اجتهد فوافق ~~اجتهاده اجتهاده. # ووقع الخاطر على الخاطر، حتى وافق اجتهاده في مسائل المعادة حتى في ~~الأكدرية، وجاء الاجتهاد حذو القذة بالقذة، فكيف نصبتموه مقلدا ههنا؟ ولكن ~~هذا التناقض جاء من بركة التقليد، ولو اتبعتم العلم من حيث هو واقتديتم ~~بالدليل وجعلتم الحجة إماما لما تناقضتم هذا التناقض وأعطيتم كل ذي حق حقه. # الرابع: أن هذا من أكبر الحجج عليكم؛ فإن الشافعي قد صرح بتقليد عمر ~~وعثمان وعطاء مع كونه من أئمة المجتهدين، وأنتم - مع إقراركم بأنسكم من ~~المقلدين - لا ترون تقليد واحد من هؤلاء، بل إذا قال الشافعي وقال عمر ~~وعثمان وابن مسعود - فضلا عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن - تركتم تقليد ~~هؤلاء وقلدتم الشافعي، وهذا عين التناقض؛ فخالفتموه من حيث زعمتم أنكم ~~قلدتموه، فإن قلدتم الشافعي فقلدوا من قلده الشافعي، فإن قلتم: بل قلدناهم ~~فيما قلدهم فيه الشافعي، قيل: لم يكن ذلك تقليدا منكم لهم، بل تقليدا له، ~~وإلا فلو جاء عنهم خلاف قوله لم تلتفتوا إلى أحد منهم، الخامس: أن من ذكرتم ~~من الأئمة لم يقلدوا تقليدكم، ولا سوغوه بتة، بل غاية ما نقل عنهم من ~~التقليد في مسائل يسيرة ms0582 لم يظفروا فيها بنص عن الله ورسوله، ولم يجدوا # PageV02P184 # فيها سوى قول من هو أعلم منهم فقلدوه، وهذا فعل أهل العلم، وهو الواجب؛ ~~فإن التقليد إنما يباح للمضطر، وأما من عدل عن الكتاب والسنة وأقوال ~~الصحابة وعن معرفة الحق بالدليل مع تمكنه منه إلى التقليد فهو كمن عدل إلى ~~الميتة مع قدرته على المذكى؛ فإن الأصل أن لا يقبل قول الغير إلا بدليل إلا ~~عند الضرورة، فجعلتم أنتم حال الضرورة رأس أموالكم. ### | [الفرق بين حال الأئمة وحال المقلدين] # الوجه السادس والستون: قولكم: " قال الشافعي: رأي الصحابة لنا خير من ~~رأينا لأنفسنا ونحن نقول ونصدق: رأي الشافعي والأئمة لنا خير من رأينا ~~لأنفسنا " جوابه من وجوه: أحدها: أنكم أول مخالف لقوله، ولا ترون رأيهم لكم ~~خيرا من رأي الأئمة لأنفسهم، بل تقولون: رأي الأئمة لأنفسهم خير لنا من رأي ~~الصحابة لنا، فإذا جاءت الفتيا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسادات الصحابة ~~وجاءت الفتيا عن الشافعي وأبي حنيفة ومالك تركتم ما جاء عن الصحابة وأخذتم ~~بما أفتى به الأئمة، فهلا كان رأي الصحابة لكم خيرا من رأي الأئمة لكم لو ~~نصحتم أنفسكم. # الثاني: أن هذا لا يوجب صحة تقليد من سوى الصحابة؛ لما خصهم الله به من ~~العلم والفهم والفضل والفقه عن الله ورسولهم وشاهدوا الوحي والتلقي عن ~~الرسول بلا واسطة ونزول الوحي بلغتهم وهي غضة محضة لم تشب، ومراجعتهم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فيما أشكل عليهم من القرآن والسنة حتى يجليه ~~لهم؛ فمن له هذه المزية بعدهم؟ ومن شاركهم في هذه المنزلة حتى يقلد كما ~~يقلدون فضلا عن وجوب تقليده وسقوط تقليدهم أو تحريمه كما صرح به غلاتهم؟ ~~وتالله إن بين علم الصحابة وعلم من قلدتموه من الفضل كما بينهم وبينهم في ~~ذلك. # قال الشافعي، في الرسالة القديمة بعد أن ذكرهم وذكر من تعظيمهم وفضلهم: ~~وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به عليهم، وآراؤهم لنا ~~أحمد وأولى بنا من رأينا. # قال الشافعي: وقد أثنى ms0583 الله على الصحابة في القرآن والتوراة والإنجيل، ~~وسبق لهم من الفضل على لسان نبيهم ما ليس لأحد بعدهم، وفي الصحيحين من حديث ~~عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «خير الناس قرني، ~~ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ~~ويمينه شهادته» ، وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما ~~بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» . # وقال ابن مسعود: إن الله نظر في قلوب عباده فوجد قلب محمد خير قلوب ~~العباد، ثم نظر في قلوب الناس بعده فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد، ~~فاختارهم # PageV02P185 # لصحبته، وجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه، فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند ~~الله حسن، وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح " وقد أمرنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - باتباع سنة خلفائه الراشدين وبالاقتداء بالخليفتين. # وقال أبو سعيد: «كان أبو بكر أعلمنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لابن مسعود بالعلم، ودعا لابن عباس ~~بأن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل، وضمه إليه مرة وقال: اللهم علمه ~~الحكمة» وتأول عمر في المنام القدح الذي شرب منه حتى رأى الذي يخرج من تحت ~~أظفاره وأوله بالعلم، وأخبر أن القوم إن أطاعوا أبا بكر وعمر يرشدوا، وأخبر ~~أنه لو كان بعده نبي لكان عمر، وأخبر أن الله جعل الحق على لسانه وقلبه. # وقال: «رضيت لكم ما رضي ابن أم عبد» ، يعني عبد الله بن مسعود، وفضائلهم ~~ومناقبهم وما خصهم الله به من العمل والفضل، أكثر من أن يذكر، فهل يستوي ~~تقليد هؤلاء وتقليد من بعدهم ممن لا يدانيهم ولا يقاربهم؟ الثالث: أنه لم ~~يختلف المسلمون أنه ليس قول من قلدتموه حجة، وأكثر العلماء بل الذي نص عليه ~~من قلدتموه أن أقوال الصحابة حجة: يجب اتباعها، ويحرم الخروج منها كما ~~سيأتي حكاية ألفاظ الأئمة في ذلك، وأبلغهم ms0584 فيه الشافعي، ونبين أنه لم يختلف ~~مذهبه أن قول الصحابي حجة، ونذكر نصوصه في الجديد على ذلك إن شاء الله، وأن ~~من حكى عنه قولين في ذلك فإنما حكى ذلك بلازم قوله، لا بصريحه، وإن كان قول ~~الصحابي حجة فقبول قوله حجة واجب متعين، وقبول قول من سواه أحسن أحواله أن ~~يكون سائغا، فقياس أحد القائلين على الآخر من أفسد القياس وأبطله. ### | [تقليد الأستاذين لا يستلزم جواز التقليد في الدين] # [ما ركزه الله في فطر عباده من تقليد الأستاذين لا يستلزم جواز التقليد ~~في الدين] : الوجه السابع والستون: قولكم " وقد جعل الله سبحانه في فطر ~~العباد تقليد المتعلمين للمعلمين والأستاذين في جميع الصنائع والعلوم إلى ~~الآخرة فجوابه أن هذا حق لا ينكره عاقل، ولكن كيف يستلزم ذلك صحة التقليد ~~في دين الله، وقبول قول المتبوع بغير حجة توجب قبول قوله، وتقديم قوله على ~~قول من هو أعلم منه، وترك الحجة لقوله، وترك أقوال أهل العلم جميعا من ~~السلف والخلف لقوله؟ فهل جعل الله ذلك في فطرة أحد من العالمين؟ ثم يقال: ~~بل الذي فطر الله عليه عباده طلب الحجة والدليل المثبت لقول المدعي، فركز ~~سبحانه في فطر الناس أنهم لا يقبلون قول من لم يقم الدليل على صحة قوله، ~~ولأجل ذلك أقام الله سبحانه البراهين القاطعة والحجج الساطعة والأدلة ~~الظاهرة والآيات الباهرة على صدق رسله إقامة للحجة وقطعا للمعذرة، هذا وهم ~~أصدق خلقه وأعلمهم وأبرهم وأكملهم، فأتوا بالآيات والحجج والبراهين مع ~~اعتراف أممهم لهم بأنهم أصدق الناس، فكيف يقبل قول # PageV02P186 # من عداهم بغير حجة توجب قبول قوله؟ والله تعالى إنما أوجب قبول قولهم بعد ~~قيام الحجة وظهور الآيات المستلزمة لصحة دعواهم؛ لما جعل الله في فطر عباده ~~من الانقياد للحجة، وقبول قول صاحبها، وهذا أمر مشترك بين جميع أهل الأرض ~~مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم الانقياد للحجة وتعظيم صاحبها، وإن خالفوه ~~عنادا وبغيا فلفوات أغراضهم بالانقياد؛ ولقد أحسن القائل: # أبن وجه قول الحق في قلب سامع ... ودعه فنور الحق يسري ويشرق ms0585 # سيؤنسه رشدا وينسى نفاره ... كما نسي التوثيق من هو مطلق # ففطرة الله وشرعه من أكبر الحجج على فرقة التقليد. ### | [تفاوت الاستعداد لا يستلزم التقليد في كل حكم] # الوجه الثامن والستون: قولكم " إن الله سبحانه فاوت بين قوى الأذهان كما ~~فاوت بين قوى الأبدان، فلا يليق بحكمته وعدله أن يفرض على كل أحد معرفة ~~الحق بدليله في كل مسألة، إلى آخره " فنحن لا ننكر ذلك، ولا ندعي أن الله ~~فرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله في كل مسألة من مسائل الدين دقه وجله ~~وإنما أنكرنا ما أنكره الأئمة ومن تقدمهم من الصحابة والتابعين وما حدث في ~~الإسلام بعد انقضاء القرون الفاضلة في القرن الرابع المذموم على لسان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، من نصب رجل واحد وجعل فتاويه بمنزلة نصوص ~~الشارع، بل تقديمها عليه وتقديم قوله على أقوال من بعد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من جميع علماء أمته، والاكتفاء بتقليده عن تلقي الأحكام ~~من كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة، وأن يضم إلى ذلك أنه لا يقول إلا ~~بما في كتاب الله وسنة رسوله، وهذا مع تضمنه للشهادة بما لا يعلم الشاهد، ~~والقول على الله بلا علم، والإخبار عمن خالفه وإن كان أعلم منه أنه غير ~~مصيب للكتاب والسنة ومتبوعي هو المصيب. # أو يقول: كلاهما مصيب للكتاب والسنة، وقد تعارضت أقوالهما، فيجعل أدلة ~~الكتاب والسنة متعارضة متناقضة، والله ورسوله يحكم بالشيء وضده في وقت ~~واحد، ودينه تبع لآراء الرجال، وليس له في نفس الأمر حكم معين، فهو إما أن ~~يسلك هذا المسلك أو يخطئ من خالف متبوعه، ولا بد له من واحد من الأمرين، ~~وهذا من بركة التقليد عليه. # إذا عرفت هذا فنحن إنما قلنا ونقول: إن الله تعالى أوجب على العباد أن ~~يتقوه بحسب استطاعتهم، وأصل التقوى معرفة ما يتقى ثم العمل به؛ فالواجب على ~~كل عبد أن يبذل جهده في معرفة ما يتقيه مما أمره الله به ونهاه عنه، ثم ~~يلتزم طاعة الله ورسوله، وما ms0586 # PageV02P187 # خفي عليه فهو فيه أسوة أمثاله ممن عدا الرسول؛ فكل أحد سواه قد خفي عليه ~~بعض ما جاء به، ولم يخرجه ذلك عن كونه من أهل العلم، ولم يكلفه الله ما لا ~~يطيق من معرفة الحق واتباعه. # قال أبو عمر: وليس أحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا وقد خفي ~~عليه بعض أمره، فإذا أوجب الله سبحانه على كل أحد ما استطاعه وبلغته قواه ~~من معرفة الحق وعذره فيما خفي عليه منه. # فأخطأ أو قلد فيه غيره كان ذلك هو مقتضى حكمته وعدله ورحمته، بخلاف ما لو ~~فرض على العباد تقليد من شاءوا من العلماء، وأن يختار كل منهم رجلا ينصبه ~~معيارا على وحيه، ويعرض عن أخذ الأحكام واقتباسها من مشكاة الوحي؛ فإن هذا ~~ينافي حكمته ورحمته وإحسانه، ويؤدي إلى ضياع وهجر كتابه وسنة رسوله كما وقع ~~فيه من وقع، وبالله التوفيق. ### | [الفرق بين المقلد والمأموم] # [فرق عظيم بين المقلد والمأموم] # الوجه التاسع والستون: قولكم ": إنكم في تقليدكم بمنزلة المأموم مع ~~الإمام والمتبوع مع التابع فالركب خلف الدليل " جوابه إنا والله حولها ~~ندندن، ولكن الشأن في الإمام والدليل والمتبوع الذي فرض الله على الخلائق ~~أن تأتم به وتتبعه وتسير خلفه، وأقسم سبحانه بعزته أن العباد لو أتوه من كل ~~طريق أو استفتحوا من كل باب لم يفتح لهم حتى يدخلوا خلفه؛ فهذا لعمر الله ~~هو إمام الخلق ودليلهم وقائدهم حقا. # ولم يجعل الله منصب الإمامة بعده إلا لمن دعا إليه، ودل عليه، وأمر الناس ~~أن يقتدوا به، ويأتموا به، ويسيروا خلفه، وأن لا ينصبوا لنفوسهم متبوعا ولا ~~إماما ولا دليلا غيره، بل يكون العلماء مع الناس بمنزلة أئمة الصلاة مع ~~المصلين، كل واحد يصلي طاعة لله وامتثالا لأمره، وهم في الجماعة متعاونون ~~متساعدون بمنزلة الوفد مع الدليل، كلهم يحج طاعة لله وامتثالا لأمره، لا أن ~~المأموم يصلي لأجل كون الإمام يصلي، بل هو يصلي صلى إمامه أو لا. # بخلاف المقلد؛ فإنه إنما ذهب إلى قول متبوعه لأنه قاله، ms0587 لا لأن الرسول ~~قاله، ولو كان كذلك لدار مع قول الرسول أين كان ولم يكن مقلدا. # فاحتجاجهم بإمام الصلاة ودليل الحاج من أظهر الحجج عليهم. # يوضحه الوجه السبعون: أن المأموم قد علم أن هذه الصلاة التي فرضها الله ~~سبحانه على عباده، وأنه وإمامه في وجوبها سواء، وأن هذا البيت هو الذي فرض ~~الله حجه على كل من استطاع إليه سبيلا، وأنه هو والدليل في هذا الفرض سواء، ~~فهو لم يحج تقليدا للدليل، ولم يصل تقليدا للإمام. # وقد استأجر النبي - صلى الله عليه وسلم - دليلا يدله على طريق المدينة ~~لما هاجر الهجرة التي فرضها الله عليه، وصلى خلف عبد الرحمن بن عوف مأموما، ~~والعالم يصلي خلف مثله ومن هو دونه، بل خلف من ليس بعالم، وليس من تقليده ~~في شيء. # PageV02P188 # يوضحه الوجه الحادي والسبعون: أن المأموم يأتي بمثل ما يأتي به الإمام ~~سواء، والركب يأتون بمثل ما يأتي به الدليل، ولو لم يفعلا ذلك لما كان هذا ~~متبعا، فالمتبع للأئمة هو الذي يأتي بمثل ما أتوا به سواء من معرفة الدليل ~~وتقديم الحجة وتحكيمها حيث كانت ومع من كانت؛ فهذا يكون متبعا لهم، وأما مع ~~إعراضه عن الأصل الذي قامت عليه إمامتهم ويسلك غير سبيلهم ثم يدعي أنه مؤتم ~~بهم فتلك أمانيهم، ويقال لهم {هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [البقرة: 111] ~~. ### | [الصحابة كانوا يبلغون الناس حكم الله ورسوله] # الوجه الثاني والسبعون: قولكم: " إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فتحوا البلاد، وكان الناس حديثي عهد بالإسلام، وكانوا يفتونهم، ولم ~~يقولوا لأحد منهم: عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل " جوابه ~~أنهم لم يفتوهم بآرائهم، وإنما بلغوهم ما قاله نبيهم وفعله وأمر به؛ فكان ~~ما أفتوهم به هو الحكم وهو الحجة، وقالوا لهم: هذا عهد نبينا إلينا، وهو ~~عهدنا إليكم، فكان ما يخبرونهم به هو نفس الدليل وهو الحكم؛ فإن كلام رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - هو الحكم وهو دليل الحكم، وكذلك القرآن، وكان ~~الناس إذ ذاك إنما يحرصون ms0588 على معرفة ما قاله نبيهم وفعله وأمر به، وإنما ~~تبلغهم الصحابة ذلك؛ فأين هذا من زمان إنما يحرص أشباه الناس فيه على ما ~~قاله الآخر فالآخر، وكلما تأخر الرجل أخذوا كلامه وهجروا أو كادوا يهجرون ~~كلام من فوقه، حتى تجد أتباع الأئمة أشد الناس هجرا لكلامهم، وأهل كل عصر ~~إنما يقضون ويفتون بقول الأدنى فالأدنى إليهم وكلما بعد العهد ازداد كلام ~~المتقدم هجرا ورغبة عنه، حتى إن كتبه لا تكاد تجد عندهم منها شيئا بحسب ~~تقدم زمانه، ولكن أين قال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~للتابعين: لينصب كل منكم لنفسه رجلا يختاره ويقلده دينه ولا يلتفت إلى ~~غيره، ولا يتلق الأحكام من الكتاب والسنة، بل من تقليد الرجال، فإذا جاءكم ~~عن الله ورسوله شيء وعمن نصبتموه إماما تقلدونه فخذوا بقوله، ودعوا ما ~~بلغكم عن الله ورسوله؛ فوالله لو كشف الغطاء لكم وحقت الحقائق لرأيتم ~~نفوسكم وطريقكم مع الصحابة كما قال الأول: # نزلوا بمكة في قبائل هاشم ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل # وكما قال الثاني: # سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب # PageV02P189 # وكما قال الثالث: # أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان # هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يماني. ### | [ليس التقليد من لوازم الشرع] # [ليس التقليد من لوازم الشرع] : الوجه الثالث والسبعون: قولكم " إن ~~التقليد من لوازم الشرع والقدر، والمنكرون له مضطرون إليه ولا بد كما تقدم ~~بيانه من الأحكام " جوابه أن التقليد المنكر المذموم ليس من لوازم الشرع، ~~وإن كان من لوازم القدر، بل بطلانه وفساده من لوازم الشرع، كما عرف بهذه ~~الوجوه التي ذكرناها وأضعافها، وإنما الذي من لوازم الشرع المتابعة، وهذه ~~المسائل التي ذكرتم أنها من لوازم الشرع ليست تقليدا، وإنما هي متابعة ~~وامتثال للأمر، فإن أبيتم إلا تسميتها تقليدا فالتقليد بهذا الاعتبار حق، ~~وهو من الشرع، ولا يلزم من ذلك أن يكون التقليد الذي وقع النزاع فيه من ~~الشرع، ولا من لوازمه، وإنما بطلانه من لوازمه. # يوضحه الوجه الرابع والسبعون: أن ما ms0589 كان من لوازم الشرع فبطلان ضده من ~~لوازم الشرع؛ فلو كان التقليد الذي وقع فيه النزاع من لوازم الشرع لكان ~~بطلان الاستدلال واتباع الحجة في موضع التقليد من لوازم الشرع؛ فإن ثبوت ~~أحد النقيضين يقتضي انتفاء الآخر، وصحة أحد الضدين يوجب بطلان الآخر، ~~وتحرره دليلا فنقول: لو كان التقليد من الدين لم يجز العدول عنه إلى ~~الاجتهاد والاستدلال؛ لأنه يتضمن بطلانه. # فإن قيل: كلاهما من الدين، أو أحدهما أكمل من الآخر؛ فيجوز العدول عن ~~المفضول إلى الفاضل. # قيل: إذا كان قد انسد باب الاجتهاد عندكم وقطعتم طريقه وصار الغرض هو ~~التقليد فالعدول عنه إلى ما قد سد بابه وقطعت طريقه يكون عندكم معصية ~~وفاعله آثما، وفي هذا من قطع طريق العلم وإبطال حجج الله وبيناته وخلو ~~الأرض من قائم لله بحججه ما يبطل هذا القول ويدحضه، وقد ضمن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق لا يضرهم من خذلهم ~~ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة، وهؤلاء هم أولو العلم والمعرفة بما بعث ~~الله به رسوله؛ فإنهم على بصيرة وبينة، بخلاف الأعمى الذي قد شهد على نفسه ~~بأنه ليس من أولي العلم والبصائر. # والمقصود أن الذي هو من لوازم الشرع المتابعة والاقتداء، وتقديم النصوص ~~على آراء الرجال، وتحكيم الكتاب والسنة في كل ما تنازع فيه العلماء. # وأما الزهد في النصوص # PageV02P190 # والاستغناء عنها بآراء الرجال وتقديمها عليها والإنكار على من جعل كتاب ~~الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة نصب عينيه وعرض أقوال العلماء عليها ولم ~~يتخذ من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة فبطلانه من لوازم الشرع، ~~ولا يتم الدين إلا بإنكاره وإبطاله، فهذا لون والاتباع لون، والله الموفق. ### | [الرواية غير التقليد] # [الرواية غير التقليد] : الوجه الخامس والسبعون: قولكم " كل حجة أثرية ~~احتججتم بها على بطلان التقليد فأنتم مقلدون لحملتها ورواتها، وليس بيد ~~العالم إلا تقليد الراوي، ولا بيد الحاكم إلا تقليد الشاهد، ولا بيد العامي ~~إلا تقليد العالم، إلى آخره ". # جوابه ما تقدم مرارا من ms0590 أن هذا الذي سميتموه تقليدا هو اتباع أمر الله ~~ورسوله ولو كان هذا تقليدا لكان كل عالم على وجه الأرض بعد الصحابة مقلدا، ~~بل كان الصحابة الذين أخذوا عن نظرائهم مقلدين. ومثل هذا الاستدلال لا يصدر ~~إلا من مشاغب أو ملبس يقصد لبس الحق بالباطل، والمقلد لجهله أخذ نوعا صحيحا ~~من أنواع التقليد واستدل به على النوع الباطل منه لوجود القدر المشترك، ~~وغفل عن القدر الفارق، وهذا هو القياس الباطل المتفق على ذمه، وهو أخو هذا ~~التقليد الباطل، كلاهما في البطلان سواء. # وإذا جعل الله سبحانه خبر الصادق حجة وشهادة العدل حجة لم يكن متبع الحجة ~~مقلدا، وإذا قيل: إنه مقلد للحجة فجهلا بهذا التقليد وأهله، وهل تدندن إلا ~~حوله؟ والله المستعان. ### | [ادعاء أن التقليد أسلم من طلب الحجة] # [الجواب على ادعاء أن التقليد أسلم من طلب الحجة] # الوجه السادس والسبعون: قولكم " أنتم منعتم من التقليد خشية وقوع المقلد ~~في الخطأ بأن يكون من قلده مخطئا في فتواه، ثم أوجبتم عليه النظر ~~والاستدلال في طلب الحق، ولا ريب أن صوابه في تقليده لمن هو أعلم منه أقرب ~~من اجتهاده هو لنفسه، كمن أراد شراء سلعة لا خبرة له بها فإنه إذا قلد ~~عالما بتلك السلعة خبيرا بها أمينا ناصحا كان صوابه وحصول غرضه أقرب من ~~اجتهاده لنفسه "، جوابه من وجوه: أحدها: أنا منعنا التقليد طاعة لله ~~ورسوله، والله ورسوله منع منه، وذم أهله في كتابه، وأمر بتحكيمه وتحكيم ~~رسوله ورد ما تنازعت فيه الأمة إليه وإلى رسوله، وأخبر أن الحكم له وحده، ~~ونهى أن يتخذ من دونه ودون رسوله وليجة، وأمر أن يعتصم بكتابه، ونهى أن ~~يتخذ من دونه أولياء وأربابا يحل من اتخذهم ما أحلوه ويحرم ما حرموه، وجعل ~~من لا # PageV02P191 # علم له بما أنزله على رسوله بمنزلة الأنعام، وأمر بطاعة أولي الأمر إذا ~~كانت طاعتهم طاعة لرسوله بأن يكونوا متبعين لأمره مخبرين به، وأقسم بنفسه ~~سبحانه أنا لا نؤمن حتى نحكم الرسول خاصة فيما شجر بيننا لا نحكم ms0591 غيره ثم ~~لا نجد في أنفسنا حرجا مما حكم به كما يجده المقلدون إذا جاء حكمه خلاف قول ~~من قلدوه، وأن نسلم لحكمه تسليما، كما يسلم المقلدون لأقوال من قلدوه، بل ~~تسليما أعظم من تسليمهم وأكمل والله المستعان. # وذم من حاكم إلى غير الرسول، وهذا كما أنه ثابت في حياته فهو ثابت بعد ~~مماته، فلو كان حيا بين أظهرنا وتحاكمنا إلى غيره لكنا من أهل الذم ~~والوعيد؛ فسنته وما جاء به من الهدى ودين الحق لم يمت، وإن فقد من بين ~~الأمة شخصه الكريم فلم يفقد من بيننا سنته ودعوته وهديه، والعلم والإيمان ~~بحمد الله مكانهما، من ابتغاهما وجدهما، وقد ضمن الله سبحانه حفظ الذكر ~~الذي أنزله على رسوله؛ فلا يزال محفوظا بحفظ الله محميا بحمايته لتقوم حجة ~~الله على عباده قرنا بعد قرن؛ إذ كان نبيهم آخر الأنبياء ولا نبي بعده؛ ~~فكان حفظه لدينه وما أنزله على رسوله مغنيا عن رسول آخر بعد خاتم الرسل، ~~والذي أوجبه الله سبحانه وفرضه على الصحابة من تلقي العلم والهدى من القرآن ~~والسنة دون غيرهما هو بعينه واجب على من بعدهم، وهو محكم لم ينسخ ولا يتطرق ~~إليه النسخ حتى ينسخ الله العالم أو يطوي الدنيا، وقد ذم الله تعالى من إذا ~~دعي إلى ما أنزله وإلى رسوله صد وأعرض، وحذره أن تصيبه مصيبة بإعراضه عن ~~ذلك في قلبه ودينه ودنياه، وحذر من خالف عن أمره واتبع غيره أن تصيبه فتنة ~~أو يصيبه عذاب أليم؛ فالفتنة في قلبه، والعذاب الأليم في بدنه وروحه، وهما ~~متلازمان؛ فمن فتن في قلبه بإعراضه عما جاء به ومخالفته له إلى غيره أصيب ~~بالعذاب الأليم ولا بد، وأخبر سبحانه أنه إذا قضى أمرا على لسان رسوله لم ~~يكن لأحد من المؤمنين أن يختار من أمره غير ما قضاه، فلا خيرة بعد قضائه ~~لمؤمن ألبتة، ونحن نسأل المقلدين: هل يمكن أن يخفى قضاء الله ورسوله على من ~~قلدتموه دينكم في كثير من المواضع أم لا؟ ، [مثل مما خفي على ms0592 كبار الصحابة] ~~: فإن قالوا: " لا يمكن أن يخفى عليه ذلك " أنزلوه فوق منزلة أبي بكر وعمر ~~وعثمان وعلي والصحابة كلهم؛ فليس أحد منهم إلا وقد خفي عليه بعض ما قضى ~~الله ورسوله به؛ فهذا الصديق أعلم الأمة به خفي عليه ميراث الجدة حتى أعلمه ~~به محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة، وخفي عليه أن الشهيد لا دية له حتى ~~أعلمه به عمر فرجع إلى قوله. # وخفي على عمر تيمم الجنب فقال: لو بقي شهرا لم يصل حتى يغتسل، وخفي عليه ~~دية الأصابع فقضى في الإبهام والتي تليها بخمس وعشرين حتى أخبر أن في كتاب ~~آل عمرو بن حزم # PageV02P192 # أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى فيها بعشر عشر؛ فترك قوله ورجع ~~إليه، وخفي عليه شأن الاستئذان حتى أخبره به أبو موسى وأبو سعيد الخدري، ~~وخفي عليه توريث المرأة من دية زوجها حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان الكلابي ~~- وهو أعرابي من أهل البادية - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره ~~أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، وخفي عليه حكم إملاص المرأة حتى ~~سأل عنه فوجده عند المغيرة بن شعبة، وخفي عليه أمر المجوس في الجزية حتى ~~أخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذها من ~~مجوس هجر، وخفي عليه سقوط طواف الوداع عن الحائض فكان يردهن حتى يطهرن ثم ~~يطفن حتى بلغه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلاف ذلك فرجع عن قوله، ~~وخفي عليه التسوية بين دية الأصابع وكان يفاضل بينها حتى بلغته السنة في ~~التسوية فرجع إليها، وخفي عليه شأن متعة الحج وكان ينهى عنها حتى وقف على ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بها فترك قوله وأمر بها. # وخفي عليه جواز التسمي بأسماء الأنبياء فنهى عنه حتى أخبره به طلحة أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كناه أبا محمد فأمسك ولم يتماد على النهي، ~~هذا وأبو موسى ومحمد بن مسلمة وأبو أيوب من أشهر الصحابة، ولكن لم ms0593 يمر ~~بباله - رضي الله عنه - أمر هو بين يديه حتى نهى عنه، وكما خفي عليه قوله ~~تعالى {إنك ميت وإنهم ميتون} [الزمر: 30] وقوله {وما محمد إلا رسول قد خلت ~~من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} [آل عمران: 144] حتى ~~قال: والله كأني ما سمعتها قط قبل وقتي هذا، وكما خفي عليه حكم الزيادة في ~~المهر على مهر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وبناته حتى ذكرته تلك ~~المرأة بقوله تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} [النساء: ~~20] فقال: كل أحد أفقه من عمر حتى النساء، وكما خفي عليه أمر الجد والكلالة ~~وبعض أبواب الربا فتمنى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان عهد إليهم ~~فيها عهدا. # وكما خفي عليه يوم الحديبية أن وعد الله لنبيه وأصحابه بدخول مكة مطلق لا ~~يتعين لذاك العام حتى بينه له النبي - صلى الله عليه وسلم -. وكما خفي عليه ~~جواز استدامة الطيب للمحرم وتطيبه بعد النحر وقبل طواف الإفاضة وقد صحت ~~السنة بذلك، وكما خفي عليه أمر القدوم على محل الطاعون والفرار منه حتى ~~أخبر بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا سمعتم به بأرض فلا ~~تدخلوها، فإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها فرارا منه» هذا وهو أعلم ~~الأمة بعد الصديق على الإطلاق. # وهو كما قال ابن مسعود " لو وضع علم عمر في كفة ميزان وجعل علم أهل الأرض ~~في كفة لرجح علم عمر " قال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: والله ~~إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم. # وخفي على عثمان بن عفان أقل مدة الحمل حتى ذكره ابن عباس بقوله تعالى ~~{وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] مع قوله {والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين} [البقرة: 233] # PageV02P193 # فرجع إلى ذلك، وخفي على أبي موسى الأشعري ميراث بنت الابن مع البنت السدس ~~حتى ذكر له أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورثها ذلك. # وخفي على ابن العباس تحريم لحوم الحمر الأهلية حتى ذكر له أن رسول الله - ~~صلى ms0594 الله عليه وسلم - حرمها يوم خيبر، وخفي على ابن مسعود حكم المفوضة ~~وترددوا إليه فيها شهرا فأفتاهم برأيه ثم بلغه النص بمثل ما أفتى به. # وهذا باب واسع لو تتبعناه لجاء سفرا كبيرا، فنسأل حينئذ فرقة التقليد: هل ~~يجوز أن يخفى على من قلدتموه بعض شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما ~~خفي ذلك على سادات الأمة أو لا؟ فإن قالوا " لا يخفى عليه " وقد خفي على ~~الصحابة مع قرب عهدهم بلغوا في الغلو مبلغ مدعي العصمة في الأئمة، وإن ~~قالوا: " بل يجوز أن يخفى عليهم " وهو الواقع وهم مراتب في الخفاء في القلة ~~والكثرة، قلنا: فنحن نناشدكم الله الذي هو عند لسان كل قائل وقلبه، وإذا ~~قضى الله ورسوله أمرا خفي على من قلدتموه هل تبقى لكم الخيرة بين قبول قوله ~~ورده أم تنقطع خيرتكم وتوجبون العمل بما قضاه الله ورسوله عينا لا يجوز ~~سواه؟ فأعدوا لهذا السؤال جوابا، وللجواب صوابا؛ فإن السؤال واقع، والجواب ~~لازم. # والمقصود أن هذا هو الذي منعنا من التقليد، فأين معكم حجة واحدة تقطع ~~العذر وتسوغ لكم ما ارتضيتموه لأنفسكم من التقليد؟ # الوجه الثاني: أن قولكم " صواب المقلد في تقليده لمن هو أعلم منه أقرب من ~~صوابه في اجتهاده " دعوى باطلة؛ فإنه إذا قلد من قد خالفه غيره ممن هو ~~نظيره أو أعلم منه لم يدر على صواب هو من تقليده أو على خطأ، بل هو - كما ~~قال الشافعي - حاطب ليل إما أن يقع بيده عود أو أفعى تلدغه، وأما إذا بذل ~~اجتهاده في معرفة الحق فإنه بين أمرين إما أن يظفر به فله أجران وإما أن ~~يخطئه فله أجر، فهو مصيب للأجر ولا بد، بخلاف المقلد المتعصب فإنه إن أصاب ~~لم يؤجر، وإن أخطأ لم يسلم من الإثم، فأين صواب الأعمى من صواب البصير ~~الباذل جهده؟ # الوجه الثالث: أنه إنما يكون أقرب إلى الصواب إذا عرف أن الصواب مع من ~~قلده دون غيره، وحينئذ فلا يكون مقلدا له، بل متبعا للحجة، وأما ms0595 إذا لم ~~يعرف ذلك ألبتة فمن أين لكم أنه أقرب إلى الصواب من باذل جهده ومستفرغ وسعه ~~في طلب الحق؟ الوجه الرابع: أن الأقرب إلى الصواب عند تنازع العلماء من ~~امتثل أمر الله فرد ما # PageV02P194 # تنازعوا فيه إلى القرآن والسنة، وأما من رد ما تنازعوا فيه إلى قول ~~متبوعه دون غيره فكيف يكون أقرب إلى الصواب؟ ، # الوجه الخامس: أن المثال الذي مثلتم به من أكبر الحجج عليكم؛ فإن من أراد ~~شراء سلعة أو سلوك طريق حين اختلف عليه اثنان أو أكثر، وكل منهم يأمره ~~بخلاف ما يأمره به الآخر، فإنه لا يقدم على تقليد واحد منهم، بل يبقى ~~مترددا طالبا للصواب من أقوالهم؛ فلو أقدم على قبول قول أحدهم مع مساواة ~~الآخر له في المعرفة والنصيحة والديانة أو كونه فوقه في ذلك عد مخاطرا ~~مذموما ولم يمدح إن أصاب، وقد جعل الله في فطر العقلاء في مثل هذا أن يتوقف ~~أحدهم ويطلب ترجيح قول المختلفين عليه من خارج حتى يستبين له الصواب، ولم ~~يجعل في فطرهم الهجم على قبول قول واحد واطراح قول من عداه. # الوجه السابع والسبعون: أن نقول لطائفة المقلدين: هل تسوغون تقليد كل ~~عالم من السلف والخلف أو تقليد بعضهم دون بعض؟ فإن سوغتم تقليد الجميع كان ~~تسويغكم لتقليد من انتميتم إلى مذهبه كتسويغكم لتقليد غيره سواء، فكيف صارت ~~أقوال هذا العالم مذهبا لكم تفتون وتقضون بها وقد سوغتم من تقليد هذا ما ~~سوغتم من تقليد الآخر؟ فكيف صار هذا صاحب مذهبكم دون هذا؟ وكيف استجزتم أن ~~تردوا أقوال هذا وتقبلوا أقوال هذا وكلاهما عالم يسوغ اتباعه؟ فإن كانت ~~أقواله من الدين فكيف ساغ لكم دفع الدين؟ وإن لم تكن أقواله من الدين فكيف ~~سوغتم تقليده؟ وهذا لا جواب لكم عنه. ### | [مجيء روايتين عن أحد الأئمة كمجيء قولين لإمامين] # [مجيء روايتين عن أحد الأئمة كمجيء قولين لإمامين] : يوضحه الوجه الثامن ~~والسبعون: أن من قلدتموه إذا روي عنه قولان وروايتان سوغتم العمل بهما، ~~وقلتم: مجتهد له قولان؛ فيسوغ ms0596 لنا الأخذ بهذا وهذا، وكان القولان جميعا ~~مذهبا لكم، فهلا جعلتم قول نظيره من المجتهدين بمنزلة قوله الآخر وجعلتم ~~القولين جميعا مذهبا لكم، وربما كان قول نظيره ومن هو أعلم منه أرجح من ~~قوله الآخر وأقرب إلى الكتاب والسنة؟ يوضحه الوجه التاسع والسبعون: أنكم ~~معاشر المقلدين إذا قال بعض أصحابكم ممن قلدتموه قولا خلاف قول المتبوع أو ~~خرجه على قوله جعلتموه وجها وقضيتم وأفتيتم به وألزمتم بمقتضاه، فإذا قال ~~الإمام الذي هو نظير متبوعكم أو فوقه قولا يخالفه لم تلتفتوا إليه ولم ~~تعدوه شيئا، ومعلوم أن واحدا من الأئمة الذين هم نظير متبوعكم أجل من جميع ~~أصحابه من أولهم إلى آخرهم، فقدروا أسوأ المقادير أن يكون قوله بمنزلة وجه ~~في # PageV02P195 # مذهبكم. # فيا لله العجب، صار من أفتى أو حكم بقول واحد من مشايخ المذهب أحق ~~بالقبول ممن أفتى بقول الخلفاء الراشدين وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب ~~وأبي الدرداء ومعاذ بن جبل، وهذا من بركة التقليد عليكم. # وتمام ذلك الوجه الثمانون: أنكم إن رمتم التخلص من هذه الخطة، وقلتم: بل ~~يسوغ تقليد بعضهم دون بعض، وقال كل فرقة منكم: يسوغ أو يجب تقليد من قلدناه ~~دون غيره من الأئمة الذين هم مثله أو أعلم منه، كان أقل ما في ذلك معارضة ~~قولكم بقول الفرقة الأخرى في ضرب هذه الأقوال بعضها ببعض. # ثم يقال: ما الذي جعل متبوعكم أولى بالتقليد من متبوع الفرقة الأخرى؟ بأي ~~كتاب أم بأية سنة؟ وهل تقطعت الأمة أمرها بينها زبرا وصار كل حزب بما لديهم ~~فرحون إلا بهذا السبب؟ ، فكل طائفة تدعوا إلى متبوعها وتنأى عن غيره وتنهى ~~عنه، وذلك مفض إلى التفريق بين الأمة، وجعل دين الله تابعا للتشهي والأغراض ~~وعرضة للاضطراب والاختلاف، وهذا كله يدل على أن التقليد ليس من عند الله ~~للاختلاف الكثير الذي فيه، ويكفي في فساد هذا المذهب تناقض أصحابه ومعارضة ~~أقوالهم بعضها ببعض، ولو لم يكن فيه من الشناعة إلا إيجابهم تقليد صاحبهم ~~وتحريمهم تقليد الواحد من أكابر الصحابة ms0597 كما صرحوا به في كتبهم. # الوجه الحادي والثمانون: أن المقلدين حكموا على الله قدرا وشرعا بالحكم ~~الباطل جهارا المخالف لما أخبر به رسوله فأخلوا الأرض من القائمين لله ~~بحججه، وقالوا: لم يبق في الأرض عالم منذ الأعصار المتقدمة؛ فقالت طائفة: ~~ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر بن الهذيل ومحمد بن الحسن ~~والحسن بن زياد اللؤلؤي وهذا قول كثير من الحنفية. # وقال بكر بن العلاء القشيري المالكي: ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من ~~الهجرة، وقال آخرون: ليس لأحد أن يختار بعد الأوزاعي وسفيان الثوري ووكيع ~~بن الجراح وعبد الله بن المبارك، وقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد ~~الشافعي، واختلف المقلدون من أتباعه فيمن يؤخذ بقوله من المنتسبين إليه ~~ويكون له وجه يفتي ويحكم به من ليس كذلك. # وجعلوهم ثلاث مراتب: طائفة أصحاب وجوه كابن سريج والقفال وأبي حامد، ~~وطائفة أصحاب احتمالات لا أصحاب وجوه كأبي المعالي، وطائفة ليسوا أصحاب ~~وجوه ولا احتمالات كأبي حامد وغيره، واختلفوا متى انسد باب الاجتهاد على ~~أقوال كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان، وعند هؤلاء أن الأرض قد خلت من ~~قائم لله بحجة، ولم يبق فيها من يتكلم بالعلم، ولم يحل لأحد بعد أن ينظر في ~~كتاب الله ولا سنة رسوله لأخذ الأحكام منهما، ولا يقضي ويفتي بما فيهما حتى ~~يعرضه على قول مقلده ومتبوعه، فإن وافقه حكم به # PageV02P196 # وأفتى به، وإلا رده ولم يقبله. # وهذه أقوال - كما ترى - قد بلغت من الفساد والبطلان والتناقض، والقول على ~~الله بلا علم، وإبطال حججه، والزهد في كتابه وسنة رسوله، وتلقي الأحكام ~~منهما مبلغها، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ويصدق قول رسوله. # إنه لا تخلو الأرض من قائم لله بحججه، ولن تزال طائفة من أمته على محض ~~الحق الذي بعثه به، وأنه لا يزال يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من ~~يجدد لها دينها، ويكفي في فساد هذه الأقوال أن يقال لأربابها: فإذا لم يكن ~~لأحد أن يختار بعد ms0598 من ذكرتم فمن أين وقع لكم اختيار تقليدهم دون غيرهم؟ ~~وكيف حرمتم على الرجل أن يختار ما يؤديه إليه اجتهاده من القول الموافق ~~لكتاب الله وسنة رسوله، وأبحتم لأنفسكم اختيار قول من قلدتموه، وأوجبتم على ~~الأمة تقليده، وحرمتم تقليد من سواه، ورجحتموه على تقليد من سواه؟ فما الذي ~~سوغ لكم هذا الاختيار الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا ~~قياس ولا قول صاحب، وحرم اختيار ما دل عليه الدليل من الكتاب والسنة وأقوال ~~الصحابة؟ ويقال لكم: فإذا كان لا يجوز الاختيار بعد المائتين عندك ولا عند ~~غيرك فمن أين ساغ لك وأنت لم تولد إلا بعد المائتين بنحو ستين سنة أن تختار ~~قول مالك دون من هو أفضل منه من الصحابة والتابعين أو من هو مثله من فقهاء ~~الأمصار أو ممن جاء بعده؟ وموجب هذا القول أن أشهب وابن الماجشون ومطرف بن ~~عبد الله وأصبغ بن الفرج وسحنون بن سعيد وأحمد بن المعدل ومن في طبقتهم من ~~الفقهاء كان لهم أن يختاروا إلى انسلاخ ذي الحجة من سنة مائتين، فلما استهل ~~هلال المحرم من سنة إحدى ومائتين وغابت الشمس من تلك الليلة حرم عليهم في ~~الوقت بلا مهلة ما كان مطلقا لهم من الاختيار. # ويقال للآخرين: أليس من المصائب وعجائب الدنيا تجويزكم الاختيار ~~والاجتهاد والقول في دين الله بالرأي والقياس لمن ذكرتم من أئمتكم، ثم لا ~~تجيزون الاختيار والاجتهاد لحفاظ الإسلام وأعلم الأمة بكتاب الله وسنة ~~رسوله وأقوال الصحابة وفتاواهم كأحمد بن حنبل والشافعي وإسحاق بن راهويه ~~ومحمد بن إسماعيل البخاري وداود بن علي ونظرائهم على سعة علمهم بالسنن ~~ووقوفهم على الصحيح منها والسقيم وتحريهم في معرفة أقوال الصحابة والتابعين ~~ودقة نظرهم ولطف استخراجهم للدلائل، ومن قال منهم بالقياس فقياسه من أقرب ~~القياس إلى الصواب، وأبعده عن الفساد، وأقربه إلى النصوص، مع شدة ورعهم وما ~~منحهم الله من محبة المؤمنين لهم وتعظيم المسلمين علمائهم وعامتهم لهم، فإن ~~احتج كل فريق منهم بترجيح متبوعه بوجه من وجوه ms0599 التراجيح من تقدم زمان أو ~~زهد أو ورع أو لقاء شيوخ وأئمة لم يلقهم من بعده أو كثرة أتباع لم يكونوا ~~لغيره أمكن الفريق الآخر أن يبدوا لمتبوعهم من الترجيح # PageV02P197 # بذلك أو غيره ما هو مثل هذا أو فوقه، وأمكن غير هؤلاء كلهم أن يقولوا لهم ~~جميعا: نفوذ قولكم هذا إن لم تأنفوا من التناقض يوجب عليكم أن تتركوا قول ~~متبوعكم لقول من هو أقدم منه من الصحابة والتابعين وأعلم وأورع وأزهد وأكثر ~~اتباعا وأجل، فأين أتباع ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل بل ~~أتباع عمر وعلي من أتباع الأئمة المتأخرين في الكثرة والجلالة؟ # وهذا أبو هريرة قال البخاري: حمل العلم عنه ثمانمائة رجل ما بين صاحب ~~وتابع، وهذا زيد بن ثابت من جملة أصحاب عبد الله بن عباس، وأين في أتباع ~~الأئمة مثل عطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وجابر ~~بن زيد؟ وأين في أتباعهم مثل السعيدين والشعبي ومسروق وعلقمة والأسود ~~وشريح؟ وأين في أتباعهم مثل نافع وسالم والقاسم وعروة وخارجة بن زيد ~~وسليمان بن يسار وأبي بكر بن عبد الرحمن؟ فما الذي جعل الأئمة بأتباعهم ~~أسعد من هؤلاء بأتباعهم؟ ولكن أولئك وأتباعهم على قدر عصرهم فعظمهم ~~وجلالتهم وكبرهم منع المتأخرين من الاقتداء بهم، وقالوا بلسان قالهم ~~وحالهم: هؤلاء كبار علينا لسنا من زبونهم، كما صرحوا وشهدوا على أنفسهم؛ ~~فإن أقدارهم تتقاصر عن تلقي العلم من القرآن والسنة، وقالوا: لسنا أهلا ~~لذلك، لا لقصور الكتاب والسنة، ولكن لعجزنا نحن وقصورنا، فاكتفينا بمن هو ~~أعلم بهما منا، فيقال لهم: فلم تنكرون على من اقتدى بهما وحكمهما وتحاكم ~~إليهما وعرض أقوال العلماء عليهما فما وافقهما قبله وما خالفهما رده؟ فهب ~~أنكم لم تصلوا إلى هذا العنقود فلم تنكرون على من وصل إليه وذاق حلاوته؟ ~~وكيف تحجرتم الواسع من فضل الله الذي ليس على قياس عقول العالمين ولا ~~اقتراحاتهم، وهم وإن كانوا في عصركم ونشئوا معكم وبينكم وبينهم نسب قريب ~~فالله يمن على ms0600 من يشاء من عباده. # وقد أنكر الله سبحانه على من رد النبوة بأن الله صرفها عن عظماء القرى ~~ومن رؤسائها وأعطاها لمن ليس كذلك بقوله: {أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا ~~بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم ~~بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون} [الزخرف: 32] وقد قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «مثل أمتي كالمطر، لا يدرى أوله خير أم آخره» وقد أخبر ~~الله سبحانه عن السابقين بأنهم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، وأخبر ~~سبحانه أنه بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، ثم قال: {وآخرين منهم لما ~~يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم} [الجمعة: 3] ثم أخبر أن {ذلك فضل الله يؤتيه ~~من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [الحديد: 21] . # PageV02P198 # وقد أطلنا الكلام في القياس والتقليد، وذكرنا من مآخذهما وحجج أصحابهما ~~وما لهم وعليهم من المنقول والمعقول ما لا يجده الناظر في كتاب من كتب ~~القوم من أولها إلى آخرها، ولا يظفر به في غير هذا الكتاب أبدا، وذلك بحول ~~الله وقوته ومعونته وفتحه؛ فله الحمد والمنة، وما كان فيه من صواب فمن ~~الله، هو المان به، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان، وليس الله ورسوله ~~ودينه في شيء منه، وبالله التوفيق. ### | [فصل الإفتاء والحكم في دين الله بما يخالف النصوص] # فصل في تحريم الإفتاء والحكم في دين الله بما يخالف النصوص، وسقوط ~~الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص، وذكر إجماع العلماء على ذلك. [الدلائل ~~على أن النص لا اجتهاد معه] # قال الله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن ~~يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} ~~[الأحزاب: 36] . وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم} [الحجرات: 1] وقال تعالى: {إنما كان ~~قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن ms0601 يقولوا سمعنا وأطعنا ~~وأولئك هم المفلحون} [النور: 51] وقال تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما} [النساء: ~~105] وقال تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ~~قليلا ما تذكرون} [الأعراف: 3] وقال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ~~ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} [الأنعام: ~~153] وقال تعالى: {إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين} [الأنعام: ~~57] وقال تعالى: {له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ~~ولي ولا يشرك في حكمه أحدا} [الكهف: 26] وقال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون - ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون - ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} [المائدة: 44 - 47] فأكد ~~هذا التأكيد وكرر هذا التقرير في موضع واحد لعظم مفسدة الحكم بغير ما ~~أنزله، وعموم مضرته، وبلية الأمة به، وقال: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33] وأنكر تعالى على ~~من حاج في دينه بما ليس له به علم فقال: # PageV02P199 # {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [آل عمران: 66] ونهى أن يقول أحد هذا حلال ~~وهذا حرام لما لم يحرمه الله ورسوله نصا، وأخبر أن فاعل ذلك مفتر على الله ~~الكذب، فقال: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ~~لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} [النحل: ~~116] {متاع قليل ولهم عذاب أليم} [النحل: 117] والآيات في هذا المعنى ~~كثيرة. # وأما السنة ففي الصحيحين من حديث ابن عباس «أن هلال بن أمية قذف امرأته ~~شريك بن سحماء عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكر حديث اللعان وقول ~~النبي - صلى الله عليه ms0602 وسلم -: أبصروها؛ فإن جاءت به أكحل العينين سابغ ~~الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال ~~بن أمية فجاءت به على النعت المكروه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» يريد - والله ورسوله أعلم - ~~بكتاب الله قوله تعالى {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله} ~~[النور: 8] ويريد بالشأن - والله أعلم - أنه كان يحدها لمشابهة ولدها للرجل ~~الذي رميت به، ولكن كتاب الله فصل الحكومة، وأسقط كل قول وراءه، ولم يبق ~~للاجتهاد بعده موقع. [من أقوال العلماء في ذلك المعنى] # وقال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد عن أبيه ~~قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى شيخ من زهرة كان يسكن دارنا، فذهبت معه إلى ~~عمر - رضي الله عنه -، فسأله عن ولاد من ولاد الجاهلية، فقال: أما الفراش ~~فلفلان، وأما النطفة فلفلان؛ فقال عمر: صدقت، ولكن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «قضى بالفرش» . # قال الشافعي: وأخبرني من لا أتهم عن ابن أبي ذئب قال: أخبرني مخلد بن ~~خفاف قال: ابتعت غلاما، فاستغللته، ثم ظهرت منه على عيب، فخاصمت فيه إلى ~~عمر بن عبد العزيز، فقضى لي برده، وقضى علي برد غلته، فأتيت عروة فأخبرته، ~~فقال: أروح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - " قضى في مثل هذا أن «الخراج بالضمان» فعجلت إلى عمر فأخبرته ~~بما أخبرني به عروة عن عائشة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال ~~عمر: فما أيسر هذا علي من قضاء قضيته، اللهم إنك تعلم أني لم أرد فيه إلا ~~الحق؛ فبلغتني فيه سنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرد قضاء عمر ~~وأنفذ سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فراح إليه عروة؛ فقضى لي أن ~~آخذ الخراج من الذي قضى به علي له. # PageV02P200 # قال الشافعي: وأخبرني من لا أتهم من أهل المدينة عن ابن أبي ذئب قال: ms0603 قضى ~~سعد بن إبراهيم على رجل بقضية برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فأخبرته عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف ما قضى به، فقال سعد لربيعة: هذا ابن ~~أبي ذئب، وهو عندي ثقة يخبرني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف ما ~~قضيت به، فقال له ربيعة: قد اجتهدت ومضى حكمك، فقال سعد: واعجبا، أنفذ قضاء ~~سعد بن أم سعد وأرد قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل أرد قضاء ~~سعد بن أم سعد وأنفذ قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدعا سعد ~~بكتاب القضية فشقه وقضى للمقضي عليه، فليوحشنا المقلدون، ثم أوحش الله ~~منهم. # وقال أبو النضر هاشم بن الرسم: حدثنا محمد بن راشد عن عبدة بن أبي لبابة ~~عن هشام بن يحيى المخزومي أن رجلا من ثقيف أتى عمر بن الخطاب فسأله عن ~~امرأة حاضت وقد كانت زارت البيت يوم النحر، ألها أن تنفر؟ فقال عمر: لا، ~~فقال له الثقفي: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفتاني في مثل هذه ~~المرأة بغير ما أفتيت به، فقام إليه عمر يضربه بالدرة ويقول له: لم ~~تستفتيني في شيء قد أفتى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ورواه أبو ~~داود بنحوه. # وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا صالح بن عبد الله ثنا سفيان بن عامر عن ~~عتاب بن منصور قال: قال عمر بن عبد العزيز: لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقال الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. وتواتر عنه أنه ~~قال: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وصح عنه أنه قال: إذا رويت عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثا ولم آخذ به فاعلموا أن عقلي قد ~~ذهب، وصح عنه أنه قال: لا قول لأحد مع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. # وقال إسرائيل: عن أبي إسحاق ms0604 عن سعد بن إياس عن ابن مسعود أن رجلا سأله عن ~~رجل تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته، فطلق امرأته ليتزوج أمها، فقال: لا بأس، ~~فتزوجها الرجل، وكان عبد الله على بيت المال؛ فكان يبيع نفاية بيت المال ~~يعطي الكثير ويأخذ القليل، حتى قدم المدينة فسأل أصحاب محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -، فقالوا: لا تحل لهذا الرجل هذه المرأة، ولا تصلح الفضة إلا ~~وزنا بوزن، فلما قدم عبد الله انطلق إلى الرجل فلم يجده، ووجد قومه فقال: ~~إن الذي أفتيت به صاحبكم لا يحل، وأتى الصيارفة فقال: يا معشر الصيارفة إن ~~الذي كنت أبايعكم لا يحل، لا تحل الفضة إلا وزنا بوزن. # وفي صحيح مسلم من حديث الليث عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أن أبا ~~هريرة وابن عباس وأبا سلمة بن عبد الرحمن تذاكروا في المتوفى عنها الحامل ~~تضع عند # PageV02P201 # وفاة زوجها، فقال ابن عباس: تعتد آخر الأجلين، فقال أبو سلمة: تحل حين ~~تضع، فقال أبو هريرة: وأنا مع ابن أخي، فأرسلوا إلى أم سلمة فقالت: «قد ~~وضعت سبيعة بعد وفاة زوجها بيسير، فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن تتزوج» . # وقد تقدم من ذكر رجوع عمر - رضي الله عنه - وأبي موسى وابن عباس عن ~~اجتهادهم إلى السنة ما فيه كفاية. # وقال شداد بن حكيم عن زفر بن الهذيل: إنما نأخذ بالرأي ما لم نجد الأثر، ~~فإذا جاء الأثر تركنا الرأي، وأخذنا بالأثر. # وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة: لا قول لأحد مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صح الخبر عنه، وقد كان إمام الأئمة ابن ~~خزيمة - رحمه الله تعالى - له أصحاب ينتحلون مذهبه، ولم يكن مقلدا، بل ~~إماما مستقلا كما ذكر البيهقي في مدخله عن يحيى بن محمد العنبري، قال: ~~طبقات أصحاب الحديث خمسة: المالكية، والشافعية، والحنبلية، والراهوية، ~~والخزيمية أصحاب ابن خزيمة. # وقال الشافعي: إذا حدث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فهو ثابت، ms0605 ولا يترك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حديث أبدا، إلا حديث وجد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخر يخالفه. ~~وقال في كتاب اختلافه مع مالك: ما كان الكتاب والسنة موجودين فالعذر على من ~~سمعهما مقطوع إلا بإتيانهما. # وقال الشافعي: قال لي قائل: دلني على أن عمر عمل شيئا ثم صار إلى غيره ~~لخبر نبوي، قلت له: حدثنا سفيان عن الزهري عن ابن المسيب أن عمر كان يقول: ~~الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إليه أن يورث امرأة الضبابي من ~~ديته» فرجع إليه عمر، وأخبرنا ابن عيينة عن عمرو وابن طاوس أن عمر قال: ~~أذكر الله امرأ سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنين شيئا، فقام ~~«حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين جاريتين لي، فضربت إحداهما الأخرى ~~بمسطح، فألقت جنينا ميتا، فقضى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغرة» ~~، فقال عمر: لو لم نسمع فيه هذا لقضينا فيه بغير هذا، أو قال: إن كدنا ~~لنقضي فيه برأينا، فترك اجتهاده - رضي الله عنه - للنص. ### | [يصار إلى الاجتهاد وإلى القياس عند الضرورة] # [يصار إلى الاجتهاد وإلى القياس عند الضرورة] : وهذا هو الواجب على كل ~~مسلم؛ إذ اجتهاد الرأي إنما يباح للمضطر كما تباح له الميتة والدم عند ~~الضرورة، {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم} ~~[البقرة: 173] . # PageV02P202 # وكذلك القياس إنما يصار إليه عند الضرورة. # قال الإمام أحمد: سألت الشافعي عن القياس، فقال: عند الضرورة، ذكره ~~البيهقي في مدخله. # وكان زيد بن ثابت لا يرى للحائض أن تنفر حتى تطوف طواف الوداع، وتناظر في ~~ذلك هو وعبد الله بن عباس، فقال له ابن عباس: إما لا فسل فلانة الأنصارية، ~~هل أمرها بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فرجع زيد يضحك ويقول: ما ~~أراك إلا قد صدقت، ذكره البخاري في صحيحه بنحوه. # وقال ابن عمر: كنا ms0606 نخابر ولا نرى بذلك بأسا، حتى زعم رافع أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - نهى عنها، فتركناها من أجل ذلك. # وقال ابن عمرو بن دينار: عن سالم بن عبد الله أن عمر بن الخطاب نهى عن ~~الطيب قبل زيارة البيت وبعد الجمرة، فقالت عائشة: طيبت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بيدي لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت، ~~وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق. # قال الشافعي: فترك سالم قول جده لروايتها، قلت: لا كما تصنع فرقة ~~التقليد. # وقال الأصم: أخبرنا الربيع بن سليمان لنعطينك جملة تغنيك إن شاء الله، لا ~~تدع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثا أبدا إلا أن يأتي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - خلافه فتعمل بما قلت لك في الأحاديث إذا ~~اختلفت. # قال الأصم: وسمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي ~~خلاف سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا بسنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ودعوا ما قلت، وقال أبو محمد الجارودي: سمعت الربيع يقول: ~~سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلاف ~~قولي فخذوا بالسنة ودعوا قولي، فإني أقول بها # وقال أحمد بن علي بن عيسى بن ماهان الرازي: سمعت الربيع يقول: سمعت ~~الشافعي يقول: كل مسألة تكلمت فيها صح الخبر فيها عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي. # وقال حرملة بن يحيى: قال الشافعي: ما قلت وقد كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قد قال بخلاف قولي مما يصح فحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أولى، لا تقلدوني؛ وقال الحاكم: سمعت الأصم يقول: سمعت الربيع يقول: سمعت ~~الشافعي يقول: وروى حديثا، فقال له رجل: تأخذ بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال: ~~متى رويت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثا صحيحا فلم آخذ به ~~فأشهدكم أن عقلي قد ذهب، وأشار بيده إلى رءوسهم. ms0607 وقال الحميدي: سأل رجل ~~الشافعي عن مسألة # PageV02P203 # فأفتاه وقال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كذا، فقال الرجل: أتقول ~~بهذا؟ قال: أرأيت في وسطي زنارا؟ أتراني خرجت من الكنيسة؟ أقول قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وتقول لي: أتقول بهذا؟ روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولا أقول به؟ # وقال الحاكم: أنبأني أبو عمرون السماك مشافهة أن أبا سعيد الجصاص حدثهم ~~قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول - وسأله رجل عن مسألة ~~فقال: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال كذا وكذا. فقال له ~~السائل؟ يا أبا عبد الله أتقول بهذا؟ فارتعد الشافعي واصفر وحال لونه - ~~وقال: ويحك، أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا رويت عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - شيئا فلم أقل به؟ نعم على الرأس والعينين، نعم على الرأس ~~والعينين. # قال: وسمعت الشافعي يقول: ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وتعزب عنه، فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - خلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وهو قولي، وجعل يردد هذا الكلام. وقال الربيع: قال ~~الشافعي: لم أسمع أحدا نسبته عامة أو نسب نفسه إلى علم يخالف في أن فرض ~~الله اتباع أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتسليم لحكمه، فإن الله ~~لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وإنه لا يلزم قول رجل قال إلا بكتاب الله أو ~~سنة رسوله، وإن ما سواهما تبع لهما، وإن فرض الله علينا وعلى من بعدنا ~~وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحد لا يختلف ~~فيه الفرض، وواجب قبول الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا فرقة ~~سأصف قولها إن شاء الله. # وقال الشافعي: ثم تفرق أهل الكلام في تثبيت خبر الواحد عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - تفرقا متباينا، وتفرق عنهم ممن نسبته ms0608 العامة إلى ~~الفقه تفرقا أتى بعضهم فيه أكثر من التقليد أو التحقيق من النظر والغفلة ~~والاستعجال بالرياسة. # وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: قال لنا الشافعي: إذا صح لكم الحديث عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقولوا لي حتى أذهب إليه. # وقال الإمام أحمد: كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم ~~يكن عنده قال به وترك قوله، وقال الربيع: قال الشافعي: لا نترك الحديث عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن لا يدخله القياس ولا موضع للقياس ~~لموقع السنة، وقال الربيع: وقد روي «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبي ~~هو وأمي أنه قضى في بروع بنت واشق أنكحت بغير مهر، فمات زوجها، فقضى لها ~~بمهر نسائها؛ وقضى لها بالميراث» ، فإن كان ثبت عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فهو أولى الأمور بنا، ولا حجة في قول أحد دون النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولا في قياس ولا في شيء إلا طاعة الله بالتسليم له، وإن كان لا يثبت ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن لأحد أن يثبت عنه ما لم يثبت، ولم ~~أحفظه من وجه يثبت مثله، هو مرة عن معقل بن يسار ومرة عن معقل بن سنان ومرة ~~عن بعض أشجع لا يسمى. # وقال الربيع: سألت الشافعي عن رفع الأيدي في الصلاة، فقال: يرفع المصلي ~~يديه إذا # PageV02P204 # افتتح الصلاة حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع ~~رفعهما كذلك، ولا يفعل ذلك في السجود، قلت له: فما الحجة في ذلك؟ فقال: ~~أنبأنا ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- مثل قولنا. # قال الربيع: فقلت له: فإنا نقول يرفع في الابتداء ثم لا يعود، قال ~~الشافعي: أنا مالك عن نافع أن ابن عمر كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو ~~منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك. # قال الشافعي: وهو - يعني مالكا - يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه ms0609 كان «إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع ~~رفعهما كذلك» ، ثم خالفتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابن عمر، ~~فقلتم: لا يرفع يديه إلا في ابتداء الصلاة. # وقد رويتم عنهما أنهما رفعاهما في الابتداء وعند الرفع من الركوع، أفيجوز ~~لعالم أن يترك فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعل ابن عمر لرأي نفسه أو ~~فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لرأي ابن عمر، ثم القياس على قول ابن ~~عمر، ثم يأتي موضع آخر يصيب فيه فيترك على ابن عمر ما روى عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -؟ فكيف لم ينهه بعض هذا عن بعض؟ أرأيت إذا جاز له أن يروي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرفع يديه في مرتين أو ثلاث وعن ابن ~~عمر فيه اثنتين أنأخذ بواحدة ونترك واحدة؟ أيجوز لغيره ترك الذي أخذ به ~~وأخذ الذي ترك؟ أو يجوز لغيره ترك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ ~~فقلت له: فإن صاحبنا قال: فما معنى الرفع؟ قال معناه تعظيم لله واتباع لسنة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومعنى الرفع في الأولى معنى الرفع الذي ~~خالفتم فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الركوع وعند رفع الرأس من ~~الركوع، ثم خالفتم فيه روايتكم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وابن عمر ~~معا، ويروي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة عشر رجلا أو أربعة ~~عشر رجلا، وروي عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير وجه، ومن ~~تركه فقد ترك السنة. # قلت: وهذا تصريح من الشافعي بأن تارك رفع اليدين عند الركوع والرفع منه ~~تارك للسنة، ونص أحمد على ذلك أيضا في إحدى الروايتين عنه. # وقال الربيع: سألت الشافعي عن الطيب قبل الإحرام بما يبقى ريحه بعد ~~الإحرام وبعد رمي الجمرة والحلاق وقبل الإفاضة؛ فقال: جائز، وأحبه، ولا ~~أكرهه؛ لثبوت السنة فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والأخبار عن غير ~~واحد من الصحابة، فقلت: وما حجتك فيه؟ ms0610 فذكر الأخبار فيه والآثار، ثم قال: ~~أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم قال: قال عمر: من رمى الجمرة فقد ~~حل له ما حرم عليه إلا النساء والطيب، قال سالم: وقالت عائشة: طيبت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي، سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أحق أن تتبع. # قال الشافعي: وهكذا ينبغي أن يكون الصالحون وأهل العلم، فأما ما تذهبون ~~إليه # PageV02P205 # من ترك السنة وغيرها وترك ذلك لغير شيء بل لرأي أنفسكم فالعلم إذا إليكم ~~تأتون منه ما شئتم وتدعون ما شئتم. # وقال في الكتاب القديم، رواية الزعفراني في مسألة بيع المدبر في جواب من ~~قال له: إن بعض أصحابك قد قال خلاف هذا. # قال الشافعي: فقلت له: من تبع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وافقته، ومن خلط فتركها خالفته، حتى صاحبي: الذي لا أفارق الملازم الثابت ~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن بعد، والذي أفارق من لم يقل بحديث ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن قرب. # وقال في خطبة كتابه إبطال الاستحسان: الحمد لله على جميع نعمه بما هو ~~أهله وكما ينبغي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا ~~عبده ورسوله، بعثه بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد، فهدى بكتابه، ثم على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم ~~- ثم أنعم عليه وأقام الحجة على خلقه لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل، وقال: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة} [النحل: 89] ~~وقال: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] وفرض ~~عليهم اتباع ما أنزل إليهم، وسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم، ~~فقال: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم ~~الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} [الأحزاب: 36] ~~فاعلم أن معصيته في ترك أمره وأمر رسول الله - صلى الله عليه ms0611 وسلم -، ولم ~~يجعل لهم إلا اتباعه، وكذلك قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {ولكن ~~جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} ~~[الشورى: 52] {صراط الله} [الشورى: 53] مع ما علم الله نبيه، ثم فرض اتباع ~~كتابه فقال: {فاستمسك بالذي أوحي إليك} [الزخرف: 43] وقال: {وأن احكم بينهم ~~بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} [المائدة: 49] وأعلمهم أنه أكمل لهم دينهم ~~فقال عز وجل: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا} [المائدة: 3] إلى أن قال: ثم من عليهم بما آتاهم من العلم فأمرهم ~~بالاقتصار عليه، وأن لا يقولوا غيره إلا ما علمهم، فقال لنبيه: {وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} [الشورى: ~~52] وقال لنبيه: {قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} ~~[الأحقاف: 9] وقال لنبيه {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا} [الكهف: 23] ~~{إلا أن يشاء الله} [الكهف: 24] ثم أنزل على نبيه أن غفر له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر، يعني - والله أعلم - ما تقدم من ذنبه قبل الوحي وما تأخر ~~قبل أن يعصمه فلا يذنب، فعلم ما يفعل به من رضاه عنه، وأنه أول شافع ومشفع ~~يوم القيامة، وسيد الخلائق، وقال لنبيه: {ولا تقف ما ليس لك به علم} ~~[الإسراء: 36] وجاءه - صلى الله عليه وسلم - رجل في # PageV02P206 # امرأة رجل رماها بالزنا، فقال له يرجع، فأوحى الله إليه آية اللعان فلاعن ~~بينهما. # وقال: {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله} [النمل: 65] ~~وقال: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام} [لقمان: ~~34] الآية، وقال لنبيه: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} [النازعات: 42] ~~{فيم أنت من ذكراها} [النازعات: 43] فحجب عن نبيه علم الساعة، وكان من عدا ~~ملائكة الله المقربين وأنبياءه المصطفين من عباد الله أقصر علما من ملائكته ~~وأنبيائه، والله عز وجل فرض على خلقه طاعة نبيه، ولم يجعل لهم من الأمر ~~شيئا # وقد صنف الإمام أحمد - رضي الله ms0612 عنه - كتابا في طاعة الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - رد فيه على من احتج بظاهر القرآن في معارضة سنن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وترك الاحتجاج بها، فقال في أثناء خطبته: إن الله جل ~~ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو ~~كره المشركون، وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه، وجعل رسوله الدال ~~على ما أراد من ظاهره وباطنه وخاصه وعامه وناسخه ومنسوخه وما قصد له ~~الكتاب. # فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المعبر عن كتاب الله الدال على ~~معانيه، شاهده في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم الله لنبيه واصطفاهم له، ونقلوا ~~ذلك عنه، فكانوا أعلم الناس برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبما أراد ~~الله من كتابه بمشاهدتهم وما قصد له الكتاب، فكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # قال جابر: ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا عليه ينزل ~~القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به، ثم ساق الآيات الدالة ~~على طاعة الرسول. # فقال جل ثناؤه في أول آل عمران: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} [آل ~~عمران: 131] {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} [آل عمران: 132] وقال: ~~{قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين} [آل عمران: ~~32] وقال في النساء {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] وقال: {ومن ~~يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} [النساء: 69] . # وقال: {وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا} [النساء: 79] {من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا} [النساء: 80] ، ~~وقال: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59] وقال: {ومن يطع الله ورسوله ~~يدخله جنات ms0613 تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم} [النساء: ~~13] {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب ~~مهين} [النساء: 14] # PageV02P207 # وقال: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا ~~تكن للخائنين خصيما} [النساء: 105] . # وقال في المائدة: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم ~~فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} [المائدة: 92] وقال: {يسألونك عن ~~الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا ~~الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} [الأنفال: 1] وقال: {يا أيها الذين آمنوا ~~استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه وأنه إليه تحشرون} [الأنفال: 24] . # وقال: {وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن ~~الله مع الصابرين} [الأنفال: 46] وقال: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا ~~إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون} ~~[النور: 51] {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} ~~[النور: 52] وقال: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ~~ترحمون} [النور: 56] وقال: {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما ~~عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين} [النور: 54] وقال: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ~~قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63] وقال: {إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن ~~الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم ~~فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم} [النور: 62] وقال: ~~{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} [الأحزاب: 70] {يصلح ~~لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} ~~[الأحزاب: 71] وقال: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن ~~يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ms0614 ضل ضلالا مبينا} ~~[الأحزاب: 36] وقال: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو ~~الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} [الأحزاب: 21] وقال: {يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] . # وقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله ~~إن الله سميع عليم} [الحجرات: 1] فكان الحسن يقول: لا تذبحوا قبل ذبحه {يا ~~أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول ~~كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون - إن الذين يغضون أصواتهم ~~عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم} ~~[الحجرات: 2 - 3] {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} ~~[الحجرات: 4] {ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور ~~رحيم} [الحجرات: 5] # PageV02P208 # وقال: {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول ~~يعذبه عذابا أليما} [الفتح: 17] وقال: {والنجم إذا هوى} [النجم: 1] {ما ضل ~~صاحبكم وما غوى} [النجم: 2] {وما ينطق عن الهوى} [النجم: 3] {إن هو إلا وحي ~~يوحى} [النجم: 4] {علمه شديد القوى} [النجم: 5] وقال: {وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب} [الحشر: 7] ~~وقال: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ ~~المبين} [التغابن: 12] وقال: {فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد ~~أنزل الله إليكم ذكرا - رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور} [الطلاق: 10 - 11] وقال: {إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} [الفتح: 8] {لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه ~~وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا} [الفتح: 9] . # وقال: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} [هود: 17] . قال ابن ~~عباس: هو جبريل، وقاله مجاهد {ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون ~~به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ~~ربك} [هود: 17] قال سعيد بن جبير: الأحزاب الملل، ثم ذكر حديث يعلى بن ~~أمية: ms0615 طفت مع عمر، فلما بلغنا الركن الغربي الذي يلي الأسود جررت بيده ~~ليستلم، فقال: ما شأنك؟ فقلت: ألا تستلم؟ فقال: ألم تطف مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -؟ فقلت: بلى، قال: أفرأيته يستلم هذين الركنين الغربيين؟ ~~قال: لا، قال: أليس لك فيه أسوة حسنة؟ قلت: بلى، قال: فانفذ عنك، قال: وجعل ~~معاوية يستلم الأركان كلها، فقال له ابن عباس: لم تستلم هذين الركنين ولم ~~يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستلمهما؟ فقال معاوية: ليس شيء من ~~البيت مهجورا، فقال ابن عباس: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} ~~[الأحزاب: 21] فقال معاوية: صدقت. # ثم ذكر أحمد الاحتجاج على إبطال قول من عارض السنن بظاهر القرآن وردها ~~بذلك، وهذا فعل الذين يستمسكون بالمتشابه في رد المحكم، فإن لم يجدوا لفظا ~~متشابها غير المحكم يردونه به استخرجوا من المحكم وصفا متشابها وردوه به، ~~فلهم طريقان في رد السنن؛ أحدهما: ردها بالمتشابه من القرآن أو من السنن، ~~الثاني: جعلهم المحكم متشابها ليعطلوا دلالته، وأما طريقة الصحابة ~~والتابعين وأئمة الحديث كالشافعي والإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة وأبي يوسف ~~والبخاري وإسحاق فعكس هذه الطريق، وهي أنهم # PageV02P209 # يردون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه ~~ويبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوص بعضها بعضا، ~~ويصدق بعضها بعضا، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله فلا اختلاف ~~فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره. ### | [أمثلة لمن أبطل السنن بظاهر من القرآن] # ولنذكر لهذا الأصل أمثلة لشدة حاجة كل مسلم إليه أعظم من حاجته إلى ~~الطعام والشراب. # المثال الأول: # رد الجهمية النصوص المحكمة غاية الإحكام المبينة بأقصى غاية البيان أن ~~الله موصوف بصفات الكمال من العلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام والسمع ~~والبصر والوجه واليدين والغضب والرضا والفرح والضحك والرحمة والحكمة، ~~وبالأفعال كالمجيء والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا ونحو ذلك، والعلم ~~بمجيء الرسول بذلك وإخباره به عن ربه إن لم يكن فوق العلم بوجوب الصلاة ~~والصيام ms0616 والحج والزكاة وتحريم الظلم والفواحش والكذب فليس يقصر عنه، فالعلم ~~الضروري حاصل بأن الرسول أخبر عن الله بذلك، وفرض على الأمة تصديقه فيه، ~~فرضا لا يتم أصل الإيمان إلا به، فرد الجهمية ذلك بالمتشابه من قوله {ليس ~~كمثله شيء} [الشورى: 11] ومن قوله {هل تعلم له سميا} [مريم: 65] ومن قوله ~~{قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ثم استخرجوا من هذه النصوص المحكمة المبينة ~~احتمالات وتحريفات جعلوها به من قسم المتشابه. # المثال الثاني: # ردهم المحكم المعلوم بالضرورة أن الرسل جاءوا به من إثبات علو الله على ~~خلقه واستوائه على عرشه بمتشابه قول الله تعالى: {وهو معكم أين ما كنتم} ~~[الحديد: 4] وقوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: 16] وقوله: {ما ~~يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ~~ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا} [المجادلة: 7] ونحو ذلك، ثم تحيلوا ~~وتمحلوا حتى ردوا نصوص العلو والفوقية بمتشابهه. ### | [رد النصوص المحكمة في قدرة الله على خلقه] # المثال الثالث: # رد القدرية النصوص الصريحة المحكمة في قدرة الله على خلقه، وأنه ما شاء ~~كان وما لم يشأ لم يكن، بالمتشابه من قوله {ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] ~~{وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46] {إنما تجزون ما كنتم تعملون} [الطور: ~~16] # PageV02P210 # ثم استخرجوا لتلك النصوص المحكمة، وجوها أخر أخرجوها من قسم المحكم ~~وأدخلوها في المتشابه. ### | [رد النصوص المحكمة في إثبات كون العبد قادرا مختارا فاعلا بمشيئته] # المثال الرابع: # رد الجبرية النصوص المحكمة في إثبات كون العبد قادرا مختارا فاعلا ~~بمشيئته بمتشابه قوله {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} [الإنسان: 30] {وما ~~يذكرون إلا أن يشاء الله} [المدثر: 56] وقوله: {من يشأ الله يضلله ومن يشأ ~~يجعله على صراط مستقيم} [الأنعام: 39] وأمثال ذلك، ثم استخرجوا لتلك النصوص ~~من الاحتمالات التي يقطع السامع أن المتكلم لم يردها ما صيروها به متشابهة. ### | [رد النصوص المحكمة في ثبوت الشفاعة للعصاة وخروجهم من النار] # المثال الخامس: # رد الخوارج والمعتزلة النصوص الصريحة المحكمة غاية الإحكام في ثبوت ~~الشفاعة ms0617 للعصاة وخروجهم من النار بالمتشابه من قوله: {فما تنفعهم شفاعة ~~الشافعين} [المدثر: 48] وقوله: {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} [آل ~~عمران: 192] وقوله: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا ~~فيها} [النساء: 14] ونحو ذلك، وفعلوا فيها فعل من ذكرناه سواء. ### | [رد النصوص المحكمة في رؤية المؤمنين ربهم في عرصات القيامة وفي الجنة] # المثال السادس: # رد الجهمية النصوص المحكمة التي قد بلغت في صراحتها وصحتها إلى أعلى ~~الدرجات في رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى في عرصات القيامة وفي الجنة ~~بالمتشابه من قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} [الأنعام: 103] ~~وقوله لموسى {لن تراني} [الأعراف: 143] وقوله: {وما كان لبشر أن يكلمه الله ~~إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} [الشورى: 51] ~~ونحوها، ثم أحالوا المحكم متشابها وردوا الجميع. ### | [رد النصوص الصريحة التي تفوت العدد على ثبوت الأفعال الاختيارية للرب سبحانه وقيامها به] # المثال السابع: # رد النصوص الصريحة التي تفوت العدد على ثبوت الأفعال الاختيارية للرب ~~سبحانه وقيامها به كقوله: {كل يوم هو في شأن} [الرحمن: 29] وقوله: {فسيرى ~~الله عملكم ورسوله} [التوبة: 105] وقوله: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون} [يس: 82] وقوله: {فلما جاءها نودي} [النمل: 8] وقوله: {فلما ~~تجلى ربه للجبل جعله دكا} [الأعراف: 143] وقوله: {وإذا أردنا أن نهلك قرية ~~أمرنا مترفيها ففسقوا فيها} [الإسراء: 16] وقوله: {قد سمع الله قول التي ~~تجادلك في زوجها} [المجادلة: 1] وقوله: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن ~~الله فقير ونحن أغنياء} [آل عمران: 181] وقوله: «ينزل ربنا كل ليلة إلى ~~السماء الدنيا» وقوله: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك} ~~[الأنعام: 158] . # وقوله: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم # PageV02P211 # يغضب الله قبله مثله ولم يغضب بعده مثله» وقوله: «إذا قال العبد الحمد ~~لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي» الحديث، وأضعاف أضعاف ذلك من النصوص ~~التي تزيد على الألف، فردوا هذا كله مع إحكامه بمتشابه قوله: {لا أحب ~~الآفلين} [الأنعام: 76] . ### | [رد النصوص المحكمة على أن الرب ms0618 سبحانه إنما يفعل ما يفعله لحكمة وغاية محمودة] # المثال الثامن: # رد النصوص المحكمة الصريحة التي في غاية الصحة والكثرة على أن الرب ~~سبحانه إنما يفعل ما يفعله لحكمة وغاية محمودة، وجودها خير من عدمها، ودخول ~~لام التعليل في شرعه وقدره أكثر من أن يعد، فردوها بالمتشابه من قوله: {لا ~~يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 23] ثم جعلوها كلها متشابهة. ### | [رد النصوص الدالة على ثبوت الأسباب] # المثال التاسع: # رد النصوص الصحيحة الصريحة الكثيرة الدالة على ثبوت الأسباب شرعا وقدرا ~~كقوله: {بما كنتم تعملون} [المائدة: 105] {بما كنتم تكسبون} [الأعراف: 39] ~~{بما قدمت أيديكم} [آل عمران: 182] {بما قدمت يداك} [الحج: 10] {بما كنتم ~~تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} [الأنعام: 93] {ذلك ~~بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة - ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ~~فأحبط أعمالهم} [محمد: 107 - 9] {ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا} ~~[الجاثية: 35] وقوله: {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} [المائدة: ~~16] {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} [البقرة: 26] وقوله: {ونزلنا من السماء ~~ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد} [ق: 9] وقوله: {فأنزلنا به الماء ~~فأخرجنا به من كل الثمرات} [الأعراف: 57] وقوله: {فأنشأنا لكم به جنات من ~~نخيل وأعناب} [المؤمنون: 19] وقوله: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} ~~[التوبة: 14] وقوله في العسل: {فيه شفاء للناس} [النحل: 69] وقوله في ~~القرآن: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} [الإسراء: 82] إلى ~~أضعاف أضعاف ذلك من النصوص المثبتة للسببية، فردوا ذلك كله بالمتشابه من ~~قوله: {هل من خالق غير الله} [فاطر: 3] وقوله: {فلم تقتلوهم ولكن الله ~~قتلهم} [الأنفال: 17] {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [الأنفال: 17] وقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «ما أنا حملتكم، ولكن الله حملكم» ونحو ذلك. # وقوله: «إني لا أعطي أحدا ولا أمنعه» وقوله للذي سأله عن العزل عن أمته ~~«اعزل عنها فسيأتيها ما قدر لها» وقوله: «لا عدوى ولا طيرة» وقوله: «فمن ~~أعدى الأول» وقوله: «أرأيت إن منع الله الثمرة» ولم يقل: منعها البرد ~~والآفة التي تصيب الثمار، ونحو ذلك من ms0619 المتشابه الذي إنما يدل على أن مالك ~~السبب وخالقه يتصرف فيه: بأن يسلبه سببيته # PageV02P212 # إن شاء، ويبقيها عليه إن شاء، كما سلب النار قوة الإحراق عن الخليل، ~~وبالله العجب، أترى من أثبت الأسباب وقال إن الله خالقها أثبت خالقا غير ~~الله؟ ، # وأما قوله: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى} [الأنفال: 17] فغاب عنهم فقه الآية وفهمها، والآية من أكبر معجزات ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، والخطاب بها خاص لأهل بدر. وكذلك القبضة ~~التي رمى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فأوصلها الله سبحانه إلى جميع ~~وجوه المشركين، وذلك خارج عن قدرته - صلى الله عليه وسلم -، وهو الرمي الذي ~~نفاه عنه، وأثبت له الرمي الذي هو في محل قدرته وهو الخذف، وكذلك القتل ~~الذي نفاه عنهم هو قتل لم تباشره أيديهم، وإنما باشرته أيدي الملائكة، فكان ~~أحدهم يشتد في أثر الفارس وإذا برأسه قد وقع أمامه من ضربة الملك، ولو كان ~~المراد ما فهمه هؤلاء الذين لا فقه لهم في فهم النصوص لم يكن فرق بين ذلك ~~وبين كل قتل وكل فعل من شرب أو زنا أو سرقة أو ظلم فإن الله خالق الجميع، ~~وكلام الله ينزه عن هذا. وكذلك قوله «ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم» لم ~~يرد أن الله حملهم بالقدر، وإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - متصرفا ~~بأمر الله منفذا له، فالله سبحانه أمره بحملهم فنفذ أوامره، فكأن الله هو ~~الذي حملهم، وهذا معنى قوله «والله إني لا أعطي أحدا شيئا ولا أمنعه» ولهذا ~~قال: «وإنما أنا قاسم» فالله سبحانه هو المعطي على لسانه، وهو يقسم ما قسمه ~~بأمره، وكذلك قوله في العزل «فسيأتيها ما قدر لها» ليس فيه إسقاط الأسباب؛ ~~فإن الله سبحانه إذا قدر خلق الولد سبق من الماء ما يخلق منه الولد ولو كان ~~أقل شيء فليس من كل الماء يكون الولد، ولكن أين في السنة أن الوطء لا تأثير ~~له في الولد ألبتة وليس سببا له، وأن الزوج ms0620 أو السيد إن وطئ أو لم يطأ فكلا ~~الأمرين بالنسبة إلى حصول الولد وعدمه على حد سواء كما يقوله منكرو ~~الأسباب؟ # وكذلك قوله «لا عدوى ولا طيرة» ولو كان المراد به نفي السبب كما زعمتم لم ~~يدل على نفي كل سبب، وإنما غايته أن هذين الأمرين ليسا من أسباب الشر، كيف ~~والحديث لا يدل على ذلك؟ وإنما ينفي ما كان المشركون يثبتونه من سببية ~~مستمرة على طريقة واحدة لا يمكن إبطالها ولا صرفها عن محلها ولا معارضتها ~~بما هو أقوى منها، لا كما يقوله من قصر علمه: إنهم كانوا يرون ذلك فاعلا ~~مستقلا بنفسه. # [مذاهب الناس في الأسباب] # فالناس في الأسباب لهم ثلاث طرق: إبطالها بالكلية، وإثباتها على وجه لا ~~يتغير ولا يقبل سلب سببيتها ولا معارضتها بمثلها أو أقوى منها كما يقوله ~~الطبائعية والمنجمون والدهرية، والثالث ما جاءت به الرسل ودل عليه الحس ~~والعقل والفطرة: إثباتها أسبابا، # PageV02P213 # وجوازا، بل وقوع سلب سببيتها عنها إذا شاء الله ودفعها بأمور أخرى نظيرها ~~أو أقوى منها، مع بقاء مقتضى السببية فيها، كما تصرف كثير من أسباب الشر ~~بالتوكل والدعاء والصدقة والذكر والاستغفار والعتق والصلة، وتصرف كثير من ~~أسباب الخير بعد انعقادها بضد ذلك، فلله كم من خير انعقد سببه ثم صرف عن ~~العبد بأسباب أحدثها منعت حصوله وهو يشاهد السبب حتى كأنه أخذ باليد؟ وكم ~~من شر انعقد سببه ثم صرف عن العبد بأسباب أحدثها منعت حصوله؟ ، ومن لا فقه ~~له في هذه المسألة فلا انتفاع له بنفسه ولا بعلمه، والله المستعان وعليه ~~التكلان. ### | [رد النصوص المحكمة التي تفوت العد على أن الله سبحانه تكلم ويتكلم] # المثال العاشر: # رد الجهمية النصوص المحكمة الصريحة التي تفوت العد على أن الله سبحانه ~~تكلم ويتكلم، وكلم ويكلم، وقال ويقول: وأخبر ويخبر، ونبأ وأمر ويأمر، ونهى ~~وينهى، ورضي ويرضى، ويعطي ويبشر وينذر ويحذر، ويوصل لعباده القول ويبين لهم ~~ما يتقون، ونادى وينادي، وناجى ويناجي، ووعد وأوعد، ويسأل عباده يوم ~~القيامة ويخاطبهم ويكلم كلا منهم ليس بينه ms0621 وبينه ترجمان ولا حاجب ويراجعه ~~عبده مراجعة، وهذه كلها أنواع للكلام والتكليم، وثبوتها بدون ثبوت صفة ~~التكلم له ممتنع، فردها الجهمية مع إحكامها وصراحتها وتعيينها للمراد منها ~~بحيث لا تحتمل غيره بالمتشابه من قوله {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] . ### | [رد محكم قوله ألا له الخلق والأمر] # المثال الحادي عشر: # ردوا محكم قوله {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54] وقوله {ولكن حق ~~القول مني} [السجدة: 13] وقوله {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} [النحل: ~~102] وقوله: {وكلم الله موسى تكليما} [النساء: 164] وقوله {اصطفيتك على ~~الناس برسالاتي وبكلامي} [الأعراف: 144] وغيرها من النصوص المحكمة ~~بالمتشابه من قوله: {خالق كل شيء} [الأنعام: 102] : وقوله {إنه لقول رسول ~~كريم} [الحاقة: 40] والآيتان حجة عليهم؛ فإن صفات الله جل جلاله داخلة في ~~مسمى اسمه؛ فليس " الله " اسما لذات لا سمع لها ولا بصر لها ولا حياة لها ~~ولا كلام لها ولا علم، وليس هذا رب العالمين، وكلامه تعالى وعلمه وحياته ~~وقدرته ومشيئته ورحمته داخلة في مسمى اسمه؛ فهو سبحانه بصفاته وكلامه ~~الخالق، وكل ما سواه مخلوق، وأما إضافة القرآن إلى الرسول فإضافة تبليغ ~~محض، لا إنشاء. # والرسالة تستلزم تبليغ كلام المرسل، ولو لم يكن للمرسل كلام يبلغه الرسول ~~لم يكن رسولا؛ ولهذا قال غير واحد من السلف؛ من أنكر أن يكون الله متكلما ~~فقد أنكر رسالة رسله فإن حقيقة رسالتهم تبليغ كلام من أرسلهم؛ فالجهمية ~~وإخوانهم ردوا تلك النصوص المحكمة بالمتشابه، ثم صيروا الكل متشابها، ثم ~~ردوا الجميع، فلم يثبتوا لله فعلا # PageV02P214 # يقوم به يكون به فاعلا كما لم يثبتوا له كلاما يقوم به يكون به متكلما؛ ~~فلا كلام له عندهم ولا أفعال، بل كلامه وفعله عندهم مخلوق منفصل عنه، وذلك ~~لا يكون صفة له؛ لأنه سبحانه إنما يوصف بما قام به لا بما لم يقم به. ### | [رد النصوص المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه وكونه فوق عباده] # المثال الثاني عشر: وقد تقدم ذكره مجملا فنذكره ههنا مفصلا - رد الجهمية ~~النصوص المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه وكونه فوق ms0622 عباده من ثمانية ~~عشر نوعا: أحدها: التصريح بالفوقية مقرونة بأداة " من " المعينة لفوقية ~~الذات نحو: {يخافون ربهم من فوقهم} [النحل: 50] الثاني: ذكرها مجردة عن ~~الأداة كقوله {وهو القاهر فوق عباده} [الأنعام: 18] الثالث: التصريح ~~بالعروج إليه نحو {تعرج الملائكة والروح إليه} [المعارج: 4] وقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم» . # الرابع: التصريح بالصعود إليه كقوله {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر: 10] ~~الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه كقوله {بل رفعه الله إليه} ~~[النساء: 158] وقوله {إني متوفيك ورافعك إلي} [آل عمران: 55] السادس: ~~التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتا وقدرا وشرفا، ~~كقوله: {وهو العلي العظيم} [البقرة: 255] {وهو العلي الكبير} [سبأ: 23] ~~{إنه علي حكيم} [الشورى: 51] السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله: ~~{تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم - تنزيل من حكيم حميد - قل نزله روح ~~القدس من ربك بالحق} [النحل: 1 - 102] وهذا يدل على شيئين: على أن القرآن ~~ظهر منه لا من غيره، وأنه الذي تكلم به لا غيره، الثاني: على علوه على خلقه ~~وأن كلامه نزل به الروح الأمين من عنده من أعلى مكان إلى رسوله. # الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه ~~من بعض، كقوله: {إن الذين عند ربك} [الأعراف: 206] وقوله: {وله من في ~~السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون} [الأنبياء: ~~19] ففرق بين من له عموما ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصا، وقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على نفسه «إنه عنده ~~على العرش» التاسع: التصريح بأنه سبحانه في السماء، وهذا عند أهل السنة على ~~أحد وجهين: إما أن تكون " في " بمعنى " على "، وإما أن يراد بالسماء العلو، ~~لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز حمل النص على غيره؛ العاشر: التصريح بالاستواء ~~مقرونا بأداة " على " مختصا بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات مصاحبا في ~~الأكثر لأداة " ثم " الدالة على الترتيب والمهلة، وهو بهذا السياق صريح في ~~معناه الذي لا يفهم المخاطبون غيره من العلو والارتفاع، ms0623 ولا يحتمل غيره ~~ألبتة؛ الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله سبحانه # PageV02P215 # كقوله - صلى الله عليه وسلم - «إن الله يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه ~~أن يردهما صفرا» . # الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، والنزول المعقول ~~عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى أسفل. الثالث عشر: الإشارة إليه حسا ~~إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم به وما يجب له ويمتنع عليه من أفراخ ~~الجهمية والمعتزلة والفلاسفة في أعظم مجمع على وجه الأرض يرفع أصبعه إلى ~~السماء، ويقول: اللهم اشهد، ليشهد الجميع أن الرب الذي أرسله ودعا إليه ~~واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه؛ الرابع عشر: التصريح بلفظ " الأين ~~" الذي هو عند الجهمية بمنزلة " متى " في الاستحالة، ولا فرق بين اللفظين ~~عندهم ألبتة، فالقائل " أين الله " و " متى كان الله " عندهم سواء، كقول ~~أعلم الخلق به، وأنصحهم لأمته، وأعظمهم بيانا عن المعنى الصحيح بلفظ لا ~~يوهم باطلا بوجه " أين الله " في غير موضع. الخامس عشر: شهادته التي هي ~~أصدق شهادة عند الله وملائكته وجميع المؤمنين لمن قال " إن ربه في السماء " ~~بالإيمان، وشهد عليه أفراخ جهم بالكفر، وصرح الشافعي بأن هذا الذي وصفته من ~~أن ربها في السماء إيمان فقال في كتابه في باب عتق الرقبة المؤمنة وذكر ~~حديث الأمة السوداء التي سودت وجوه الجهمية وبيضت وجوه المحمدية، فلما وصفت ~~الإيمان قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» وهي إنما وصفت كون ربها في السماء، وأن ~~محمدا عبده ورسوله؛ فقرنت بينهما في الذكر؛ فجعل الصادق المصدوق مجموعهما ~~هو الإيمان. # السادس عشر: # إخباره سبحانه عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطلع إلى إله موسى ~~فيكذبه فيما أخبر به من أنه سبحانه فوق السماوات، فقال: {يا هامان ابن لي ~~صرحا لعلي أبلغ الأسباب - أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه ~~كاذبا} [غافر: 36 - 37] فكذب فرعون موسى في إخباره إياه بأن ربه فوق ~~السماء، وعند الجهمية لا فرق بين الإخبار بذلك وبين الإخبار بأنه يأكل ~~ويشرب. وعلى ms0624 زعمهم يكون فرعون قد نزه الرب عما لا يليق به وكذب موسى في ~~إخباره بذلك؛ إذ من قال عندهم: إن ربه فوق السماوات فهو كاذب، فهم في هذا ~~التكذيب موافقون لفرعون مخالفون لموسى ولجميع الأنبياء، ولذلك سماهم أئمة ~~السنة " فرعونية " قالوا: وهم شر من الجهمية؛ فإن الجهمية يقولون: إن الله ~~في كل مكان بذاته، وهؤلاء عطلوه بالكلية، وأوقعوا عليه الوصف المطابق للعدم ~~المحض، فأي طائفة من طوائف بني آدم أثبتت الصانع على أي وجه كان قولهم خيرا ~~من قولهم. # السابع عشر: # إخباره - صلى الله عليه وسلم - «أنه تردد بين موسى وبين الله ويقول له ~~موسى: ارجع إلى ربك فسله التخفيف، فيرجع إليه ثم ينزل إلى موسى فيأمره ~~بالرجوع إليه سبحانه، فيصعد إليه سبحانه ثم ينزل من عنده إلى موسى» ، عدة ~~مرار. # الثامن عشر: إخباره تعالى عن نفسه # PageV02P216 # وإخبار رسوله عنه أن المؤمنين يرونه عيانا جهرة كرؤية الشمس في الظهيرة ~~والقمر ليلة البدر، والذي تفهمه الأمم على اختلاف لغاتها وأوهامها من هذه ~~الرؤية رؤية المقابلة والمواجهة التي تكون بين الرائي والمرئي فيها مسافة ~~محدودة غير مفرطة في البعد فتمتنع الرؤية ولا في القرب فلا تمكن الرؤية، لا ~~تعقل الأمم غير هذا، فإما أن يروه سبحانه من تحتهم - تعالى الله - أو من ~~خلفهم أو من أمامهم أو عن أيمانهم أو عن شمائلهم أو من فوقهم، ولا بد من ~~قسم من هذه الأقسام إن كانت الرؤية حقا، وكلها باطل سوى رؤيتهم له من فوقهم ~~كما في حديث جابر الذي في المسند وغيره «بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع ~~لهم نور، فرفعوا رءوسهم، فإذا الجبار قد أشرف عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل ~~الجنة سلام عليكم ثم قرأ قوله: {سلام قولا من رب رحيم} [يس: 58] ثم يتوارى ~~عنهم، وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم» ، ولا يتم إنكار الفوقية إلا ~~بإنكار الرؤية، ولهذا طرد الجهمية أصلهم وصرحوا بذلك، وركبوا النفيين معا، ~~وصدق أهل السنة بالأمرين معا، وأقروا بهما، وصار من أثبت الرؤية ونفى علو ms0625 ~~الرب على خلقه واستواءه على عرشه مذبذبا بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء. # فهذه أنواع من الأدلة السمعية المحكمة إذا بسطت أفرادها كانت ألف دليل ~~على علو الرب على خلقه واستوائه على عرشه؛ فترك الجهمية ذلك كله وردوه ~~بالمتشابه من قوله: {وهو معكم أين ما كنتم} [الحديد: 4] ورده زعيمهم ~~المتأخر بقوله: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] وبقوله: {ليس كمثله شيء} ~~[الشورى: 11] . ثم ردوا تلك الأنواع كلها متشابهة، فسلطوا المتشابه على ~~المحكم وردوه به، ثم ردوا المحكم متشابها؛ فتارة يحتجون به على الباطل، ~~وتارة يدفعون به الحق، ومن له أدنى بصيرة يعلم أنه لا شيء في النصوص أظهر ~~ولا أبين دلالة من مضمون هذه النصوص؛ فإذا كانت متشابهة فالشريعة كلها ~~متشابهة، وليس فيها شيء محكم ألبتة، ولازم هذا القول لزوما لا محيد عنه إن ~~ترك الناس بدونها خير لهم من إنزالها إليهم، فإنها أوهمتهم وأفهمتهم غير ~~المراد، وأوقعتهم في اعتقاد الباطل، ولم يتبين لهم ما هو الحق في نفسه، بل ~~أحيلوا فيه على ما يستخرجونه بعقولهم وأفكارهم ومقايسهم، فنسأل الله - مثبت ~~القلوب تبارك وتعالى - أن يثبت قلوبنا على دينه وما بعث به رسوله من الهدى ~~ودين الحق، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا؛ إنه قريب مجيب. ### | [رد النصوص في مدح الصحابة والثناء عليهم] # المثال الثالث عشر: # رد الرافضة النصوص الصريحة المحكمة المعلومة عند خاص الأمة وعامتها ~~بالضرورة في مدح الصحابة والثناء عليهم ورضاء الله عنهم ومغفرته لهم ~~وتجاوزه عن سيئاتهم ووجوب محبة الأمة واتباعهم لهم واستغفارهم لهم ~~واقتدائهم بهم # PageV02P217 # بالمتشابه من قوله «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» ونحوه. ~~كما ردوا المحكم الصريح من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم، ~~كفعل إخوانهم من الخوارج حين ردوا النصوص الصحيحة المحكمة في موالاة ~~المؤمنين ومحبتهم وإن ارتكبوا بعض الذنوب التي تقع مكفرة بالتوبة النصوح، ~~والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ودعاء المسلمين لهم في ~~حياتهم وبعد موتهم، وبالامتحان في البرزخ وفي موقف القيامة، وبشفاعة من ~~يأذن الله له في ms0626 الشفاعة، وبصدق التوحيد، وبرحمة أرحم الراحمين؛ فهذه عشرة ~~أسباب تمحق أثر الذنوب، فإن عجزت هذه الأسباب عنها فلا بد من دخول النار، ~~ثم يخرجون منها؛ فتركوا ذلك كله بالمتشابه من نصوص الوعيد، وردوا المحكم من ~~أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم التي يحتمل أن يكونوا قصدوا ~~بها طاعة الله فاجتهدوا فأداهم اجتهادهم إلى ذلك فحصلوا فيه على الأجر ~~المفرد، وكان حظ أعدائهم منه تكفيرهم واست " حلال دمائهم وأموالهم، وإن لم ~~يكونوا قصدوا ذلك كان غايتهم أن يكونوا قد أذنبوا، ولهم من الحسنات والتوبة ~~وغيرها ما يرفع موجب الذنب، فاشتركوا هم والرافضة في رد المحكم من النصوص ~~وأفعال المؤمنين بالمتشابه منها؛ فكفروهم وخرجوا عليهم بالسيف يقتلون أهل ~~الإيمان ويدعون أهل الأوثان، ففساد الدنيا والدين من تقديم المتشابه على ~~المحكم، وتقديم الرأي على الشرع والهوى على الهدى، وبالله التوفيق. ### | [رد المحكم من النصوص في وجوب الطمأنينة وتوقف أجزاء الصلاة وصحتها عليه] # المثال الرابع عشر: # رد المحكم الصريح الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا من وجوب الطمأنينة وتوقف ~~أجزاء الصلاة وصحتها عليه، كقوله: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه ~~في ركوعه وسجوده» وقوله لمن تركها: «صل فإنك لم تصل» وقوله: «ثم اركع حتى ~~تطمئن راكعا» فنفى إجزاءها بدون الطمأنينة، ونفى مسماها الشرعي بدونها، ~~وأمر بالإتيان بها، فرد هذا المحكم الصريح بالمتشابه من قوله: {اركعوا ~~واسجدوا} [الحج: 77] . ### | [رد المحكم الصريح في النصوص من تعيين التكبير للدخول في الصلاة] # المثال الخامس عشر: # رد المحكم الصريح من تعيين التكبير للدخول في الصلاة بقوله: «إذا قمت إلى ~~الصلاة فكبر» وقوله: «تحريمها التكبير» وقوله: «لا يقبل الله صلاة أحدكم ~~حتى يضع الوضوء مواضعه ثم يستقبل القبلة ويقول: الله أكبر» وهي نصوص في ~~غاية الصحة فردت بالمتشابه من قوله: {وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: 15] . ### | [رد النصوص المحكمة في تعيين قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة] # المثال السادس عشر: # رد النصوص المحكمة الصريحة الصحيحة في تعيين قراءة فاتحة الكتاب فرضا ~~بالمتشابه من قوله: {فاقرءوا ما تيسر منه} [المزمل: 20] وليس ms0627 ذلك في ~~الصلاة، وإنما هو بدل عن قيام الليل، وبقوله للأعرابي: «ثم اقرأ ما تيسر ~~معك من # PageV02P218 # القرآن» وهذا يحتمل أن يكون قبل تعيين الفاتحة للصلاة، وأن يكون الأعرابي ~~لا يحسنها، وأن يكون لم يسئ في قراءتها، فأمره أن يقرأ معها ما تيسر من ~~القرآن، وأن يكون أمره بالاكتفاء بما تيسر عنها؛ فهو متشابه يحتمل هذه ~~الوجوه؛ فلا يترك له المحكم الصريح. ### | [رد المحكم الصريح من توقف الخروج من الصلاة على التسليم] # المثال السابع عشر: # رد المحكم الصريح من توقف الخروج من الصلاة على التسليم كما في قوله: ~~«تحليلها التسليم» وقوله: «إنما يكفي أحدكم أن يسلم على أخيه من عن يمينه ~~وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله» فأخبر أنه ~~لا يكفي غير ذلك، فرد بالمتشابه من قول ابن مسعود: " فإذا قلت هذا فقد قضيت ~~صلاتك " وبالمتشابه من عدم أمره للأعرابي بالسلام. ### | [زيادة السنة على القرآن] # [زيادة السنة على القرآن وحكمها] : المثال الثامن عشر: # رد المحكم الصريح في اشتراط النية لعبادة الوضوء والغسل كما في قوله: ~~{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} [البينة: 5] وقوله: ~~«وإنما لكل امرئ ما نوى» وهذا لم ينو رفع الحدث فلا يكون له بالنص؛ فردوا ~~هذا بالمتشابه من قوله: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] ~~ولم يأمر بالنية، قالوا: فلو أوجبناها بالسنة لكان زيادة على نص القرآن ~~فيكون نسخا، والسنة لا تنسخ القرآن؛ فهذه ثلاثه مقدمات: إحداها أن القرآن ~~لم يوجب النية، الثانية أن إيجاب السنة لها نسخ القرآن. الثالثة: أن نسخ ~~القرآن بالسنة لا يجوز. وبنوا على هذه المقدمات إسقاط كثير مما صرحت السنة ~~بإيجابه كقراءة الفاتحة والطمأنينة وتعيين التكبير للدخول في الصلاة ~~والتسليم للخروج منها. ولا يتصور صدق المقدمات الثلاث في موضع واحد أصلا، ~~بل إما أن تكون كلها كاذبة أو بعضها؛ فأما آية الوضوء فالقرآن قد نبه على ~~أنه لم يكتف من طاعات عباده إلا بما أخلصوا له فيه الدين، فمن لم ينو ~~التقرب إليه جملة ms0628 لم يكن ما أتى به طاعة ألبتة؛ فلا يكون معتدا به، مع أن ~~قوله: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] إنما يفهم ~~المخاطب منه غسل الوجه وما بعده لأجل الصلاة كما يفهم من قوله: «إذا واجهت ~~الأمير فترجل، وإذا دخل الشتاء فاشتر الفرو» ونحو ذلك؛ فإن لم يكن القرآن ~~قد دل على النية ودلت عليها السنة لم يكن وجوبها ناسخا للقرآن وإن كان ~~زائدا عليه. # ولو كان كل ما أوجبته السنة ولم يوجبه القرآن نسخا له لبطلت أكثر سنن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودفع في صدورها وأعجازها. وقال القائل: ~~هذه زيادة على ما في كتاب الله فلا تقبل ولا يعمل بها، وهذا بعينه هو الذي ~~أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سيقع وحذر منه كما في السنن من ~~حديث المقدام بن معدي كرب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ألا ~~إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على # PageV02P219 # أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم ~~فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من ~~السباع، ولا لقطة مال المعاهد» وفي لفظ: «يوشك أن يقعد الرجل على أريكته ~~فيحدث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا ~~استحللناه، وما وجدناه فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كما حرم الله» قال الترمذي: حديث حسن، وقال البيهقي: إسناده ~~صحيح. وقال صالح بن موسى عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إني قد خلفت فيكم شيئين لن ~~تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض» فلا يجوز ~~التفريق بين ما جمع الله بينهما ويرد أحدهما بالآخر، بل سكوته عما نطق به ~~ولا يمكن أحدا أن يطرد ذلك ولا الذين أصلوا هذا الأصل، بل قد نقضوه في أكثر ~~من ثلاثمائة موضع ms0629 منها ما هو مجمع عليه ومنها ما هو مختلف فيه. ### | [السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه] # والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه؛ ~~فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها. ~~الثاني: أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له. الثالث: أن تكون موجبة ~~لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرمة لما سكت عن تحريمه، ولا تخرج عن هذه ~~الأقسام، فلا تعارض القرآن بوجه ما، فما كان منها زائدا على القرآن فهو ~~تشريع مبتدأ من النبي - صلى الله عليه وسلم -: تجب طاعته فيه، ولا تحل ~~معصيته، وليس هذا تقديما لها على كتاب الله، بل امتثال لما أمر الله به من ~~طاعة رسوله، ولو كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يطاع في هذا ~~القسم لم يكن لطاعته معنى، وسقطت طاعته المختصة به، وإنه إذا لم تجب طاعته ~~إلا فيما وافق القرآن لا فيما زاد عليه لم يكن له طاعة خاصة تختص به، وقد ~~قال الله تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء: 80] وكيف يمكن ~~أحدا من أهل العلم أن لا يقبل حديثا زائدا على كتاب الله؛ فلا يقبل حديث ~~تحريم المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما ~~يحرم من النسب، ولا حديث خيار الشرط، ولا أحاديث الشفعة، ولا حديث الرهن في ~~الحضر مع أنه زائد على ما في القرآن، ولا حديث ميراث الجدة، ولا حديث تخيير ~~الأمة إذا أعتقت تحت زوجها، ولا حديث منع الحائض من الصوم والصلاة، ولا ~~حديث وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان، ولا أحاديث إحداد المتوفى ~~عنها زوجها مع زيادتها على ما في القرآن من العدة، فهلا قلتم: إنها نسخ ~~للقرآن وهو لا ينسخ بالسنة، وكيف أوجبتم الوتر مع أنه زيادة محضة على ~~القرآن بخبر مختلف فيه؟ وكيف زدتم على كتاب الله فجوزتم الوضوء # PageV02P220 # بنبيذ التمر بخبر ضعيف؟ وكيف زدتم على كتاب الله فشرطتم في الصداق ms0630 أن ~~يكون أقله عشرة دراهم بخبر لا يصلح ألبتة وهو زيادة محضة على القرآن؟ . # وقد أخذ الناس بحديث: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» وهو زائد ~~على القرآن، وأخذوا كلهم بحديث توريثه - صلى الله عليه وسلم - بنت الابن ~~السدس مع البنت وهو زائد على ما في القرآن، وأخذ الناس كلهم بحديث استبراء ~~المسبية بحيضة، وهو زائد على ما في كتاب الله، وأخذوا بحديث: «من قتل قتيلا ~~فله سلبه» وهو زائد على ما في القرآن من قسمة الغنائم، وأخذوا كلهم بقضائه ~~- صلى الله عليه وسلم - الزائد على ما في القرآن من أن أعيان بني الأبوين ~~يتوارثون دون بني العلات، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه، ولو ~~تتبعنا هذا لطال جدا؛ فسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجل في صدورنا ~~وأعظم وأفرض علينا أن لا نقبلها إذا كانت زائدة على ما في القرآن، بل على ~~الرأس والعينين، وكذلك فرض على الأمة الأخذ بحديث القضاء بالشاهد واليمين ~~وإن كان زائدا على ما في القرآن، وقد أخذ به أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وجمهور التابعين والأئمة، والعجب ممن يرده؛ لأنه زائد على ما ~~في كتاب الله ثم يقضي بالنكول ومعاقد القمط ووجوه الآجر في الحائط وليست في ~~كتاب الله ولا سنة رسوله، وأخذتم أنتم وجمهور الأمة بحديث: «لا يقاد الوالد ~~بالولد» مع ضعفه وهو زائد على ما في القرآن، وأخذتم أنتم والناس بحديث أخذ ~~الجزية من المجوس وهو زائد على ما في القرآن، وأخذتم مع سائر الناس بقطع ~~رجل السارق في المرة الثانية مع زيادته على ما في القرآن، وأخذتم أنتم ~~والناس بحديث النهي عن الاقتصاص من الجرح قبل الاندمال وهو زائد على ما في ~~القرآن، وأخذت الأمة بأحاديث الحضانة وليست في القرآن، وأخذتم أنتم ~~والجمهور باعتداد المتوفى عنها في منزلها وهو زائد على ما في القرآن، ~~وأخذتم مع الناس بأحاديث البلوغ بالسن والإنبات وهي زائدة على ما في ~~القرآن؛ إذ ليس فيه إلا الاحتلام، وأخذتم مع الناس ms0631 بحديث: «الخراج بالضمان» ~~مع ضعفه، وهو زائد على ما في القرآن، وبحديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ ~~وهو زائد على ما في القرآن، وأضعاف أضعاف ما ذكرنا، بل أحكام السنة التي ~~ليست في القرآن إن لم تكن أكثر منها لم تنقص عنها؛ فلو ساغ لنا رد كل سنة ~~زائدة كانت على نص القرآن لبطلت سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلها ~~إلا سنة دل عليها القرآن، وهذا هو الذي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بأنه سيقع ولا بد من وقوع خبره. ### | [أنواع دلالة السنة الزائدة عن القرآن] # فإن قيل: السنن الزائدة على ما دل عليه القرآن تارة تكون بيانا له، وتارة ~~تكون منشئة لحكم لم يتعرض القرآن له، وتارة تكون مغيرة لحكمه، وليس نزاعنا ~~في القسمين الأولين # PageV02P221 # فإنهما حجة باتفاق، ولكن النزاع في القسم الثالث وهو الذي ترجمته بمسألة ~~الزيادة على النص وقد ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخي وجماعة كثيرة من أصحاب ~~أبي حنيفة إلى أنها نسخ، ومن ههنا جعلوا إيجاب التغريب مع الجلد نسخا كما ~~لو زاد عشرين صوتا على الثمانين في حد القذف، وذهب أبو بكر الرازي إلى أن ~~الزيادة إن وردت بعد استقرار حكم النص منفردة عنه كانت ناسخة، وإن وردت ~~متصلة بالنص قبل استقرار حكمه لم تكن ناسخة، وإن وردت ولا يعلم تاريخها فإن ~~وردت من جهة يثبت النص بمثلها فإن شهدت الأصول من عمل السلف أو النظر على ~~ثبوتهما معا أثبتناهما، وإن شهدت بالنص منفردا عنها أثبتناه دونها، وإن لم ~~يكن في الأصول دلالة على أحدهما فالواجب أن يحكم بورودهما معا، ويكونان ~~بمنزلة الخاص والعام إذا لم يعلم تاريخهما ولم يكن في الأصول دلالة على ~~وجوب القضاء بأحدهما على الآخر فإنهما يستعملان معا، وإن كان ورود النص من ~~جهة توجب العلم كالكتاب والخبر المستفيض وورود الزيادة من جهة أخبار الآحاد ~~لم يجز إلحاقها بالنص ولا العمل بها. # وذهب بعض أصحابنا إلى أن الزيادة إن غيرت حكم المزيد عليه تغييرا شرعيا ~~بحيث إنه لو ms0632 فعل على حد ما كان يفعل قبلها لم يكن معتدا به، بل يجب ~~استئنافه، كان نسخا، نحو ضم ركعة إلى ركعتي الفجر، وإن لم يغير حكم المزيد ~~عليه بحيث لو فعل على حد ما كان يفعل قبلها كان معتدا به ولا يجب استئنافه ~~لم يكن نسخا، ولم يجعلوا إيجاب التغريب مع الجلد نسخا، وإيجاب عشرين جلدة ~~مع الثمانين نسخا، وكذلك إيجاب شرط منفصل عن العبادة لا يكون نسخا كإيجاب ~~الوضوء بعد فرض الصلاة، ولم يختلفوا أن إيجاب زيادة عبادة على عبادة كإيجاب ~~الزكاة بعد إيجاب الصلاة لا يكون نسخا، ولم يختلفوا أيضا أن إيجاب صلاة ~~سادسة على الصلوات الخمس لا يكون نسخا. # فالكلام معكم في الزيادة المغيرة في ثلاثة مواضع: في المعنى، والاسم، ~~والحكم، أما المعنى فإنها تفيد معنى النسخ؛ لأنه الإزالة، والزيادة تزيل ~~حكم الاعتداد بالمزيد عليه وتوجب استئنافه بدونها، وتخرجه عن كونه جميع ~~الواجب، وتجعله بعضه، وتوجب التأثيم على المقتصر عليه بعد أن لم يكن إثما، ~~وهذا معنى النسخ، وعليه ترتب الاسم، فإنه تابع للمعنى؛ فإن الكلام في زيادة ~~شرعية مغيرة للحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عن المزيد عليه، فإن اختل وصف ~~من هذه الأوصاف لم يكن نسخا، فإن لم تغير حكما شرعيا بل رفعت حكم البراءة ~~الأصلية لم تكن نسخا كإيجاب عبادة بعد أخرى، وإن كانت الزيادة مقارنة ~~للمزيد عليه لم تكن نسخا، وإن غيرته، بل تكون تقييدا أو تخصيصا. # PageV02P222 # وأما الحكم فإن كان النص المزيد عليه ثابتا بالكتاب أو السنة المتواترة ~~لم يقبل خبر الواحد بالزيادة عليه، وإن كان ثابتا بخبر الواحد قبلت ~~الزيادة، فإن اتفقت الأمة على قبول خبر الواحد في القسم الأول علمنا أنه ~~ورد مقارنا للمزيد عليه فيكون تخصيصا لا نسخا، قالوا: وإنما لم يقبل خبر ~~الواحد بالزيادة على النص؛ لأن الزيادة لو كانت موجودة معه لنقلها إلينا من ~~نقل النص؛ إذ غير جائز أن يكون المراد إثبات النص معقودا بالزيادة فيقتصر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - على إبلاغ النص منفردا عنها؛ فواجب ms0633 إذا أن ~~يذكرها معه، ولو ذكرها لنقلها إلينا من نقل النص. # فإن كان النص مذكورا في القرآن والزيادة واردة من جهة السنة فغير جائز أن ~~يقتصر النبي - صلى الله عليه وسلم - على تلاوة الحكم المنزل في القرآن دون ~~أن يعقبها بذكر الزيادة؛ لأن حصول الفراغ من النص الذي يمكننا استعماله ~~بنفسه يلزمنا اعتقاد مقتضاه من حكمه، كقوله: {الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] فإن كان الحد هو الجلد والتغريب فغير ~~جائز أن يتلو النبي - صلى الله عليه وسلم - الآية على الناس عارية من ذكر ~~النفي عقبها؛ لأن سكوته عن ذكر الزيادة معها يلزمنا اعتقاد موجبها وأن ~~الجلد هو كمال الحد؛ فلو كان معه تغريب لكان بعض الحد لا كماله، فإذا أخلى ~~التلاوة من ذكر النفي عقيبها فقد أراد منا اعتقاد أن الجلد المذكور في ~~الآية هو تمام الحد وكماله؛ فغير جائز إلحاق الزيادة معه إلا على وجه ~~النسخ، ولهذا كان قوله: «واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» ~~ناسخا لحديث عبادة بن الصامت: «الثيب بالثيب جلد مائة والرجم» وكذلك لما ~~رجم ماعزا ولم يجلده، كذلك يجب أن يكون قوله: {الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] ناسخا لحكم التغريب في قوله: «البكر ~~بالبكر جلد مائة وتغريب عام» . # والمقصود أن هذه الزيادة لو كانت ثابتة مع النص لذكرها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عقيب التلاوة، ولنقلها إلينا من نقل المزيد عليه؛ إذ غير جائز ~~عليهم أن يعلموا أن الحد مجموع الأمرين وينقلوا بعضه دون بعض، وقد سمعوا ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - يذكر الأمرين، فامتنع حينئذ العمل بالزيادة ~~إلا من الجهة التي ورد منها الأصل، فإذا وردت من جهة الآحاد فإن كانت قبل ~~النص فقد نسخها النص المطلق عاريا من ذكرها، وإن كانت بعده فهذا يوجب نسخ ~~الآية بخبر الواحد وهو ممتنع، فإن كان المزيد عليه ثابتا بخبر الواحد جاز ~~إلحاق الزيادة بخبر الواحد على الوجه الذي يجوز نسخه به، فإن كانت واردة مع ms0634 ~~النص في خطاب واحد لم تكن نسخا وكانت بيانا. # فالجواب من وجوه؛ أحدها: أنكم أول من نقض هذا الأصل الذي أصلتموه، فإنكم ~~قبلتم خبر الوضوء بنبيذ التمر وهو زائد على ما في كتاب الله مغير لحكمه؛ ~~فإن الله سبحانه # PageV02P223 # جعل حكم عادم الماء التيمم، والخبر يقتضي أن يكون حكمه الوضوء بالنبيذ؛ ~~فهذه الزيادة بهذا الخبر الذي لا يثبت رافعة لحكم شرعي غير مقارنة له ولا ~~مقاومة بوجه، وقبلتم خبر الأمر بالوتر مع رفعه لحكم شرعي، وهو اعتقاد كون ~~الصلوات الخمس هي جميع الواجب ورفع التأثيم بالاقتصار عليها وإجزاء الإتيان ~~في التعبد بفريضة الصلاة، والذي قال هذه الزيادة هو الذي قال سائر الأحاديث ~~الزائدة على ما في القرآن، والذي نقلها إلينا هو الذي نقل تلك بعينه أو ~~أوثق منه أو نظيره، والذي فرض علينا طاعة رسوله وقبول قوله في تلك الزيادة ~~هو الذي فرض علينا طاعته وقبول قوله في هذه، والذي قال لنا: {وما آتاكم ~~الرسول فخذوه} [الحشر: 7] هو الذي شرع لنا هذه الزيادة على لسانه، والله ~~سبحانه ولاه منصب التشريع عنه ابتداء، كما ولاه منصب البيان لما أراده ~~بكلامه، بل كلامه كله بيان عن الله، والزيادة بجميع وجوهها لا تخرج عن ~~البيان بوجه من الوجوه، بل كان السلف الصالح الطيب إذا سمعوا الحديث عنه ~~وجدوا تصديقه في القرآن، ولم يقل أحد منهم قط في حديث واحد أبدا: إن هذا ~~زيادة على القرآن فلا نقبله ولا نسمعه ولا نعمل به، ورسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أجل في صدورهم وسنته أعظم عندهم من ذلك وأكبر. # ولا فرق أصلا بين مجيء السنة بعدد الطواف وعدد ركعات الصلاة ومجيئها بفرض ~~الطمأنينة وتعيين الفاتحة والنية؛ فإن الجميع بيان لمراد الله أنه أوجب هذه ~~العبادات على عباده على هذا الوجه، فهذا الوجه هو المراد، فجاءت السنة ~~بيانا للمراد في جميع وجوهها، حتى في التشريع المبتدأ، فإنها بيان لمراد ~~الله من عموم الأمر بطاعته وطاعة رسوله، فلا فرق بين بيان هذا المراد وبين ~~بيان المراد من ms0635 الصلاة والزكاة والحج والطواف وغيرها، بل هذا بيان المراد ~~من شيء وذاك بيان المراد من أعم منه؛ فالتغريب بيان محض للمراد من قوله: ~~{أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: 15] وقد صرح النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بأن التغريب بيان لهذا السبيل المذكور في القرآن: فكيف يجوز رده بأنه ~~مخالف للقرآن معارض له؟ ويقال: لو قبلناه لأبطلنا به حكم القرآن؟ وهل هذا ~~إلا قلب للحقائق؟ فإن حكم القرآن العام والخاص يوجب علينا قبوله فرضا لا ~~يسعنا مخالفته؛ فلو خالفناه لخالفنا القرآن ولخرجنا عن حكمه ولا بد، ولكان ~~في ذلك مخالفة للقرآن والحديث معا. # يوضحه الوجه الثاني: أن الله سبحانه نصب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- منصب المبلغ المبين عنه، فكل ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن الله أن هذا ~~شرعه ودينه، ولا فرق بين ما يبلغه عنه من كلامه المتلو ومن وحيه الذي هو ~~نظير كلامه في وجوب الاتباع، ومخالفة هذا كمخالفة هذا. # PageV02P224 # يوضحه الوجه الثالث: أن الله سبحانه أمرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~وحج البيت وصوم رمضان، وجاء البيان عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~بمقادير ذلك وصفاته وشروطه؛ فوجب على الأمة قبوله، إذ هو تفصيل لما أمر ~~الله به، كما يجب علينا قبول الأصل المفصل، وهكذا أمر الله سبحانه بطاعته ~~وطاعة رسوله؛ فإذا أمر الرسول بأمر كان تفصيلا وبيانا للطاعة المأمور بها، ~~وكان فرض قبوله كفرض قبول الأصل المفصل، ولا فرق بينهما. ### | [بيان الرسول على أنواع] # يوضحه الوجه الرابع: أن البيان من النبي - صلى الله عليه وسلم - أقسام؛ ~~أحدها: بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيا. الثاني: بيان ~~معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك كما بين أن الظلم المذكور في قوله: {ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] هو الشرك، وأن الحساب اليسير هو العرض، ~~وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض النهار وسواد الليل، وأن الذي رآه نزلة ~~أخرى عند سدرة المنتهى هو جبريل، كما فسر قوله: {أو يأتي بعض آيات ربك} ~~[الأنعام: 158] أنه طلوع الشمس ms0636 من مغربها وكما فسر قوله: {مثلا كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة} [إبراهيم: 24] بأنها النخلة، وكما فسر قوله: {يثبت الله الذين ~~آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [إبراهيم: 27] أن ذلك في ~~القبر حين يسأل من ربك وما دينك، وكما فسر الرعد بأنه ملك من الملائكة موكل ~~بالسحاب، وكما فسر اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~بأن ذلك باستحلال ما أحلوه لهم من الحرام وتحريم ما حرموه من الحلال، وكما ~~فسر القوة التي أمر الله أن نعدها لأعدائه بالرمي، وكما فسر قوله: {من يعمل ~~سوءا يجز به} [النساء: 123] بأنه ما يجزى به العبد في الدنيا من النصب ~~والهم والخوف واللأواء، وكما فسر الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله الكريم، ~~وكما فسر الدعاء في قوله: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] بأنه ~~العبادة، وكما فسر أدبار النجوم بأنه الركعتان قبل الفجر، وأدبار السجود ~~بالركعتين بعد المغرب، ونظائر ذلك. الثالث: بيانه بالفعل كما بين أوقات ~~الصلاة للسائل بفعله. الرابع: بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في ~~القرآن فنزل القرآن ببيانها، كما سئل عن قذف الزوجة فجاء القرآن باللعان ~~ونظائره. الخامس: بيان ما سئل عنه بالوحي وإن لم يكن قرآنا، كما سئل عن رجل ~~أحرم في جبة بعدما تضمخ بالخلوق، فجاء الوحي بأن ينزع عنه الجبة ويغسل أثر ~~الخلوق. السادس: بيانه للأحكام بالسنة ابتداء من غير سؤال، كما حرم عليهم ~~لحوم الحمر والمتعة وصيد المدينة ونكاح المرأة على عمتها وخالتها وأمثال ~~ذلك. السابع: بيانه للأمة جواز الشيء بفعله هو له وعدم نهيهم عن التأسي به. # الثامن: بيانه جواز # PageV02P225 # الشيء بإقراره لهم على فعله وهو يشاهده أو يعلمهم يفعلونه. التاسع: بيانه ~~إباحة الشيء عفوا بالسكوت عن تحريمه وإن لم يأذن فيه نطقا. العاشر: أن يحكم ~~القرآن بإيجاب شيء أو تحريمه أو إباحته، ويكون لذلك الحكم شروط وموانع ~~وقيود وأوقات مخصوصة وأحوال وأوصاف، فيحيل الرب سبحانه وتعالى على رسوله في ~~بيانها كقوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] فالحل موقوف ms0637 على ~~شروط النكاح وانتقاء موانعه وحضور وقته وأهلية المحل، فإذا جاءت السنة ~~ببيان ذلك كله لم يكن الشيء منه زائدا على النص فيكون نسخا له، وإن كان ~~رفعا لظاهر إطلاقه. # فهكذا كل حكم منه - صلى الله عليه وسلم - زائد على القرآن، هذا سبيله ~~سواء بسواء، وقد قال تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين} [النساء: 11] ثم جاءت السنة بأن القاتل والكافر والرقيق لا يرث، ~~ولم يكن نسخا للقرآن مع أنه زائد عليه قطعا، أعني في موجبات الميراث؛ فإن ~~القرآن أوجبه بالولادة وحدها، فزادت السنة مع وصف الولادة اتحاد الدين وعدم ~~الرق والقتل، فهلا قلتم: إن هذه زيادة على النص فيكون نسخا والقرآن لا ينسخ ~~بالسنة؟ كما قلتم ذلك في كل موضع تركتم فيه الحديث؛ لأنه زائد على القرآن. # الوجه الخامس: أن تسميتكم للزيادة المذكورة نسخا لا توجب بل لا تجوز ~~مخالفتها، فإن تسمية ذلك نسخا اصطلاح منكم، والأسماء المتواضع عليها ~~التابعة للاصطلاح لا توجب رفع أحكام النصوص، فأين سمى الله ورسوله ذلك ~~نسخا؟ وأين قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جاءكم حديثي زائدا ~~على ما في كتاب الله فردوه ولا تقبلوه فإنه يكون نسخا لكتاب الله؟ وأين قال ~~الله: إذا قال رسولي قولا زائدا على القرآن فلا تقبلوه ولا تعملوا به ~~وردوه؟ ، وكيف يسوغ رد سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقواعد ~~قعدتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان؟ # [المراد بالنسخ في السنة الزائدة على القرآن] : الوجه السادس: أن يقال: ~~ما تعنون بالنسخ الذي تضمنته الزيادة بزعمكم؟ أتعنون أن حكم المزيد عليه من ~~الإيجاب والتحريم والإباحة بطل بالكلية، أم تعنون به تغير وصفه بزيادة شيء ~~عليه من شرط أو قيد أو حال أو مانع أو ما هو أعم من ذلك؟ فإن عنيتم الأول ~~فلا ريب أن الزيادة لا تتضمن ذلك فلا تكون ناسخة، وإن عنيتم الثاني فهو حق، ~~ولكن لا يلزم منها بطلان حكم المزيد عليه ولا رفعه ولا معارضته، بل غايتها ~~مع ms0638 المزيد عليه كالشروط والموانع والقيود والمخصصات، وشيء من ذلك لا يكون ~~نسخا يوجب إبطال # PageV02P226 # الأول ورفعه رأسا، وإن كان نسخا بالمعنى العام الذي يسميه السلف نسخا وهو ~~رفع الظاهر بتخصيص أو تقييد أو شرط أو مانع؛ فهذا كثير من السلف يسميه ~~نسخا. حتى سمى الاستثناء نسخا، فإن أردتم هذا المعنى فلا مشاحة في الاسم، ~~ولكن ذلك لا يسوغ رد السنن الناسخة للقرآن بهذا المعنى، ولا ينكر أحد نسخ ~~القرآن بالسنة بهذا المعنى بل هو متفق عليه بين الناس، وإنما تنازعوا في ~~جواز نسخه بالسنة النسخ الخاص الذي هو رفع أصل الحكم وجملته بحيث يبقى ~~بمنزلة ما لم يشرع ألبتة، وإن أردتم بالنسخ ما هو أعم من القسمين - وهو رفع ~~الحكم بجملته تارة وتقييد مطلقه وتخصيص عامه وزيادة شرط أو مانع تارة - ~~كنتم قد أدرجتم في كلامكم قسمين مقبولا ومردودا كما تبين؛ فليس الشأن في ~~الألفاظ فسموا الزيادة ما شئتم، فإبطال السنن بهذا الاسم مما لا سبيل إليه. # يوضحه الوجه السابع: أن الزيادة لو كانت ناسخة لما جاز اقترانها بالمزيد؛ ~~لأن الناسخ لا يقارن المنسوخ، وقد جوزتم اقترانها به، وقلتم: تكون بيانا أو ~~تخصيصا، فهلا كان حكمها مع التأخر كذلك، والبيان لا يجب اقترانه بالمبين، ~~بل يجوز تأخيره إلى وقت حضور العمل؟ وما ذكرتموه من إيهام اعتقاد خلاف الحق ~~فهو منتقض بجواز بل وجوب تأخير الناسخ وعدم الإشعار بأنه سينسخه، ولا محذور ~~في اعتقاد موجب النص ما لم يأت ما يرفعه أو يرفع ظاهره؛ فحينئذ يعتقد موجبه ~~كذلك، فكان كل من الاعتقادين في وقته هو المأمور به؛ إذ لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها. # يوضحه الوجه الثامن: أن المكلف إنما يعتقده على إطلاقه وعمومه مقيدا بعدم ~~ورود ما يرفع ظاهره، كما يعتقد المنسوخ مؤبدا اعتقادا مقيدا بعدم ورود ما ~~يبطله، وهذا هو الواجب عليه الذي لا يمكنه سواه. # الوجه التاسع: أن إيجاب الشرط الملحق بالعبادة بعدها لا يكون نسخا وإن ~~تضمن رفع الإجزاء بدونه، كما صرح بذلك بعض أصحابكم وهو الحق؛ ms0639 فكذلك إيجاب ~~كل زيادة، بل أولى أن لا تكون نسخا؛ فإن إيجاب الشرط يرفع إجزاء المشروط عن ~~نفسه وعن غيره، وإيجاب الزيادة إنما يرفع إجزاء المزيد عن نفسه خاصة. # الوجه العاشر: أن الناس متفقون على أن إيجاب عبادة مستقلة بعد الثانية لا ~~يكون نسخا، وذلك أن الأحكام لم تشرع جملة واحدة، وإنما شرعها أحكم الحاكمين ~~شيئا بعد شيء، وكل منها زائد على ما قبله، وكان ما قبله جميع الواجب، ~~والإثم محطوط عمن اقتصر عليه، وبالزيادة تغير هذان الحكمان؛ فلم يبق الأول ~~جميع الواجب، ولم يحط الإثم # PageV02P227 # عمن اقتصر عليه، ومع ذلك فليس الزائد ناسخا للمزيد عليه؛ إذ حكمه من ~~الوجوب وغيره باق؛ فهذه الزيادة المتعلقة بالمزيد لا تكون ناسخا له، حيث لم ~~ترفع حكمه، بل هو باق على حكمه وقد ضم إليه غيره. # يوضحه الوجه الحادي عشر: أن الزيادة إن رفعت حكما خطابيا كانت نسخا، ~~وزيادة التغريب وشروط الحكم وموانعه وجزاؤه لا ترفع حكم الخطاب، وإن رفع ~~حكم الاستصحاب. # يوضحه الوجه الثاني عشر: أن ما ذكروه من كون الأول جميع الواجب وكونه ~~مجزئا وحده وكون الإثم محطوطا عمن اقتصر عليه إنما هو من أحكام البراءة ~~الأصلية؛ فهو حكم استصحابي لم نستفده من لفظ الأمر الأول، ولا أريد به؛ فإن ~~معنى كون العبادة مجزئة أن الذمة بريئة بعد الإتيان بها، وحط الذم عن ~~فاعلها معناه أنه قد خرج من عهدة الأمر فلا يلحقه ذم، والزيادة وإن رفعت ~~هذه الأحكام لم ترفع حكما دل عليه لفظ المزيد. ### | [تخصيص القرآن بالسنة] # [تخصيص القرآن بالسنة جائز] # يوضحه الوجه الثالث عشر: أن تخصيص القرآن بالسنة جائز كما أجمعت الأمة ~~على تخصيص قوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] بقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» وعموم قوله تعالى: ~~{يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~يرث المسلم الكافر» وعموم قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ~~[المائدة: 38] بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا قطع في ثمر ms0640 ولا كثر» ~~ونظائر ذلك كثيرة؛ فإذا جاز التخصيص - وهو رفع بعض ما تناوله اللفظ، وهو ~~نقصان من معناه فلأن تجوز الزيادة التي لا تتضمن رفع شيء من مدلوله ولا ~~نقصانه بطريق الأولى والأحرى. # الوجه الرابع عشر: أن الزيادة لا توجب رفع المزيد لغة ولا شرعا ولا عرفا ~~ولا عقلا، ولا تقول العقلاء لمن ازداد خيره أو ماله أو جاهه أو علمه أو ~~ولده إنه قد ارتفع شيء مما في الكيس، بل تقول في: الوجه الخامس عشر: إن ~~الزيادة قررت حكم المزيد وزادته بيانا وتأكيدا؛ فهي كزيادة العلم والهدى ~~والإيمان، قال تعالى: {وقل رب زدني علما} [طه: 114] وقال # PageV02P228 # : {وما زادهم إلا إيمانا وتسليما} [الأحزاب: 22] وقال: {وزدناهم هدى} ~~[الكهف: 13] وقال {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} [مريم: 76] فكذلك زيادة ~~الواجب على الواجب إنما يزيده قوة وتأكيدا وثبوتا، فإن كانت متصلة به اتصال ~~الجزاء والشرط كان ذلك أقوى له وأثبت وآكد، ولا ريب أن هذا أقرب إلى ~~المعقول والمنقول والفطرة من جعل الزيادة مبطلة للمزيد عليه ناسخة له. # الوجه السادس عشر: أن الزيادة لم تتضمن النهي عن المزيد ولا المنع منه، ~~وذلك حقيقة النسخ، وإذا انتفت حقيقة النسخ استحال ثبوته. # الوجه السابع عشر: أنه لا بد في النسخ من تنافي الناسخ والمنسوخ، وامتناع ~~اجتماعهما، والزيادة غير منافية للمزيد عليه ولا اجتماعهما ممتنع. # الوجه الثامن عشر: أن الزيادة لو كانت نسخا لكانت إما نسخا بانفرادها عن ~~المزيد أو بانضمامها إليه، والقسمان محال؛ فلا يكون نسخا: أما الأول فظاهر؛ ~~لأنها لا حكم لها بمفردها ألبتة؛ فإنها تابعة للمزيد عليه في حكمه، وأما ~~الثاني فكذلك أيضا؛ لأنها إذا كانت ناسخة بانضمامها إلى المزيد كان الشيء ~~ناسخا لنفسه ومبطلا لحقيقته، وهذا غير معقول، وأجاب بعضهم عن هذا بأن النسخ ~~يقع على حكم الفعل دون نفسه وصورته، وهذا الجواب لا يجدي عليهم شيئا، ~~والإلزام قائم بعينه؛ فإنه يوجب أن يكون المزيد عليه قد نسخ حكم نفسه وجعل ~~نفسه إذا انفرد عن الزيادة غير مجزئ بعد أن كان مجزئا. # الوجه ms0641 التاسع عشر: أن النقصان من العبادة لا يكون نسخا لما بقي منها، ~~فكذلك الزيادة عليها لا تكون نسخا لها، بل أولى؛ لما تقدم. # الوجه العشرون: أن نسخ الزيادة للمزيد عليه: إما أن يكون نسخا لوجوبه أو ~~لإجزائه، أو لعدم وجوب غيره، أو لأمر رابع، وهذا كزيادة التغريب مثلا على ~~المائة جلدة، لا يجوز أن تكون ناسخة لوجوبها فإن الوجوب بحاله، ولا ~~لإجزائها؛ لأنها مجزئة عن نفسها، ولا لعدم وجوب الزائد لأنه رفع لحكم عقلي ~~وهو البراءة الأصلية؛ فلو كان رفعها نسخا كان كلما أوجب الله شيئا بعد ~~الشهادتين قد نسخ به ما قبله، والأمر الرابع غير متصور ولا معقول فلا يحكم ~~عليه. # فإن قيل: بل ههنا أمر رابع معقول، وهو الاقتصار على الأول؛ فإنه نسخ ~~بالزيادة، وهذا غير الأقسام الثلاثة. # PageV02P229 # فالجواب أنه لا معنى للاقتصار غير عدم وجوب غيره، وكونه جميع الواجب، ~~وهذا هو القسم الثالث بعينه غيرتم التعبير عنه وكسوتموه عبارة أخرى. # الوجه الحادي والعشرون: أن الناسخ والمنسوخ لا بد أن يتواردا على محل ~~واحد يقتضي المنسوخ ثبوته والناسخ رفعه، أو بالعكس، وهذا غير متحقق في ~~الزيادة على النص. # الوجه الثاني والعشرون: أن كل واحد من الزائد والمزيد عليه دليل قائم ~~بنفسه مستقل بإفادة حكمه، وقد أمكن العمل بالدليلين؛ فلا يجوز إلغاء أحدهما ~~وإبطاله وإلقاء الحرب بينه وبين شقيقه وصاحبه؛ فإن كل ما جاء من عند الله ~~فهو حق يجب اتباعه والعمل به، ولا يجوز إلغاؤه وإبطاله إلا حيث أبطله الله ~~ورسوله بنص آخر ناسخ له لا يمكن الجمع بينه وبين المنسوخ، وهذا بحمد الله ~~منتف في مسألتنا؛ فإن العمل بالدليلين ممكن، ولا تعارض بينهما ولا تناقض ~~بوجه؛ فلا يسوغ لنا إلغاء ما اعتبره الله ورسوله، كما لا يسوغ لنا اعتبار ~~ما ألغاه، وبالله التوفيق. # الوجه الثالث والعشرون: أنه إن كان القضاء بالشاهد واليمين ناسخا للقرآن ~~وإثبات التغريب ناسخا للقرآن فالوضوء بالنبيذ أيضا ناسخ للقرآن، ولا فرق ~~بينهما ألبتة، بل القضاء بالنكول ومعاقد القمط يكون ناسخا للقرآن، وحينئذ ~~فنسخ ms0642 كتاب الله بالسنة الصحيحة الصريحة التي لا مطعن فيها أولى من نسخه ~~بالرأي والقياس والحديث الذي لا يثبت، وإن لم يكن ناسخا للقرآن لم يكن هذا ~~نسخا له، وأما أن يكون هذا نسخا وذاك ليس بنسخ فتحكم باطل وتفريق بين ~~متماثلين. # الوجه الرابع والعشرون: أن ما خالفتموه من الأحاديث التي زعمتم أنها ~~زيادة على نص القرآن إن كانت تستلزم نسخه فقطع رجل السارق في المرة الثانية ~~نسخ؛ لأنه زيادة على القرآن، وإن لم يكن هذا نسخا فليس ذلك نسخا. # الوجه الخامس والعشرون: أنكم قلتم لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم، وذلك ~~زيادة على ما في القرآن؛ فإن الله سبحانه أباح استحلال البضع بكل ما يسمى ~~مالا، وذلك يتناول القليل والكثير، فزدتم على القرآن بقياس في غاية الضعف، ~~وبخبر في غاية البطلان؛ فإن جاز نسخ القرآن بذلك فلم لا يجوز نسخه بالسنة ~~الصحيحة الصريحة؟ وإن كان هذا ليس بنسخ لم يكن الآخر نسخا. # الوجه السادس والعشرون: أنكم أوجبتم الطهارة للطواف بقوله: «الطواف ~~بالبيت # PageV02P230 # صلاة» وذلك زيادة على القرآن؛ فإن الله إنما أمر بالطواف ولم يأمر ~~بالطهارة، فكيف لم تجعلوا ذلك نسخا للقرآن وجعلتم القضاء بالشاهد واليمين ~~والتغريب في حد الزنا نسخا للقرآن؟ الوجه السابع والعشرون: أنكم مع الناس ~~أوجبتم الاستبراء في جواز وطء المسبية بحديث - ورد - زائد على كتاب الله، ~~ولم تجعلوا ذلك نسخا له، وهو الصواب بلا شك، فهلا فعلتم ذلك في سائر ~~الأحاديث الزائدة على القرآن؟ الوجه الثامن والعشرون: أنكم وافقتم على ~~تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها بخبر الواحد، وهو زائد ~~على كتاب الله تعالى قطعا، ولم يكن ذلك نسخا، فهلا فعلتم ذلك في خبر القضاء ~~بالشاهد واليمين والتغريب ولم تعدوه نسخا؟ وكل ما تقولونه في محل الوفاق ~~يقوله لكم منازعوكم في محل النزاع حرفا بحرف. # الوجه التاسع والعشرون: أنكم قلتم: لا يفطر المسافر ولا يقصر في أقل من ~~ثلاثة أيام، والله تعالى قال: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر} ms0643 [البقرة: 184] وهذا يتناول الثلاثة وما دونها، فأخذتم بقياس ضعيف أو ~~أثر لا يثبت في التحديد بالثلاث، وهو زيادة على القرآن، ولم تجعلوا ذلك ~~نسخا، فكذلك الباقي. # الوجه الثلاثون: أنكم منعتم قطع من سرق ما يسرع إليه الفساد من الأموال ~~مع أنه سارق حقيقة ولغة وشرعا؛ لقوله: «لا قطع في ثمر ولا كثر» ولا يجعلوا ~~ذلك نسخا للقرآن وهو زائد عليه. # الوجه الحادي والثلاثون: أنكم رددتم السنن الثابتة عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في المسح على العمامة، وقلتم: إنها زائدة على نص الكتاب ~~فتكون ناسخة له فلا تقبل، ثم ناقضتم فأخذتم بأحاديث المسح على الخفين وهي ~~زائدة على القرآن، ولا فرق بينهما، واعتذرتم بالفرق بأن أحاديث المسح على ~~الخفين متواترة بخلاف المسح على العمامة، وهو اعتذار فاسد، فإن من له اطلاع ~~على الحديث لا يشك في شهرة كل منها وتعدد طرقها واختلاف مخارجها وثبوتها عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قولا وفعلا. # الوجه الثاني والثلاثون: أنكم قبلتم شهادة المرأة الواحدة على الرضاع ~~والولادة وعيوب النساء، مع أنه زائد على ما في القرآن، ولم يصح الحديث به ~~صحته بالشاهد واليمين، ورددتم هذا ونحوه بأنه زائد على القرآن. # الوجه الثالث والثلاثون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في أنه لا يحرم # PageV02P231 # أقل من خمس رضعات، ولا تحرم الرضعة والرضعتان، وقلتم: هي زائدة على ~~القرآن، ثم أخذتم بخبر لا يصح بوجه ما في أنه لا قطع في أقل من عشرة دراهم ~~أو ما يساويها، ولم تروه زيادة على القرآن، وقلتم: هذا بيان للفظ السارق؛ ~~فإنه مجمل والرسول بينه بقوله: «لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم» فيا ~~لله العجب، كيف كان هذا بيانا ولم يكن حديث التحريم بخمس رضعات بيانا لمجمل ~~قوله: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} [النساء: 23] ولا تأتون بعذر في آية القطع ~~إلا كان مثله أو أولى منه في آية الرضاع سواء بسواء. # الوجه الرابع والثلاثون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله - صلى ~~الله عليه ms0644 وسلم - بالمسح على الجوربين، وقلتم: هي زائدة على القرآن، وجوزتم ~~الوضوء بالخمر المحرمة من نبيذ التمر المسكر بخبر لا يثبت وهو خلاف القرآن. # الوجه الخامس والثلاثون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في الصوم عن الميت والحج عنه، وقلتم: هو زائد على قوله ~~تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 39] ثم جوزتم أن تعمل أعمال ~~الحج كلها عن المغمى عليه، ولم تروه زائدا على قوله: {وأن ليس للإنسان إلا ~~ما سعى} [النجم: 39] وأخذتم بالسنة الصحيحة وأصبتم في حمل العاقلة الدية عن ~~القاتل خطأ ولم تقولوا هو زائد على قوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ~~[الأنعام: 164] {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} [الأنعام: 164] واعتذاركم بأن ~~الإجماع ألجأكم إلى ذلك لا يفيد؛ لأن عثمان البتي - وهو من فقهاء التابعين ~~- يرى أن الدية على القاتل، وليس على العاقلة منها شيء، ثم هذا حجة عليكم ~~أن تجمع الأمة على الأخذ بالخبر وإن كان زائدا على القرآن. # الوجه السادس والثلاثون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في اشتراط المحرم أن يحل حيث حبس، وقلتم: هو زائد على ~~القرآن، فإن الله أمر بإتمام الحج والعمرة، والإحلال خلاف الإتمام، ثم ~~أخذتم وأصبتم بحديث تحريم لبن الفحل، وهو زائد على ما في القرآن قطعا. # الوجه السابع والثلاثون: ردكم السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بالوضوء من مس الفرج وأكل لحوم الإبل، وقلتم: ذلك زيادة على ~~القرآن؛ لأن الله تعالى إنما ذكر الغائط، ثم أخذتم بحديث ضعيف في إيجاب ~~الوضوء من القهقهة وخبر ضعيف في إيجابه من القيء، ولم يكن إذ ذاك زائدا على ~~ما في القرآن إذ هو قول متبوعكم؛ فمن العجب إذا قال من قلدتموه قولا زائدا ~~على ما في القرآن قبلتموه وقلتم: ما قاله إلا بدليل، وسهل عليكم # PageV02P232 # مخالفة ظاهر القرآن حينئذ، وإذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قولا زائدا على ما في القرآن قلتم: هذا زيادة على النص، وهو ms0645 نسخ، والقرآن ~~لا ينسخ بالسنة، فلم تأخذوا به، واستصعبتم خلاف ظاهر القرآن، فهان خلافه ~~إذا وافق قول من قلدتموه، وصعب خلافه إذا وافق قول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. # الوجه الثامن والثلاثون: أنكم أخذتم بخبر ضعيف لا يثبت في إيجاب المضمضة ~~والاستنشاق في الغسل من الجنابة، ولم تروه زائدا على القرآن، ورددتم السنة ~~الصحيحة الصريحة في أمر المتوضئ بالاستنشاق، وقلتم: هو زائد على القرآن، ~~فهاتوا لنا الفرق بين ما يقبل من السنن الصحيحة، وما رد منها، فإما أن ~~تقبلوها كلها، وإن زادت على القرآن، وإما أن تردوها كلها إذا كانت زائدة ~~على القرآن، وأما التحكم في قبول ما شئتم منها ورد ما شئتم منها، فما لم ~~يأذن به الله ولا رسوله، ونحن نشهد الله شهادة يسألنا عنها يوم نلقاه أنا ~~لا نرد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة واحدة صحيحة أبدا إلا بسنة ~~صحيحة مثلها نعلم أنها ناسخة لها. # الوجه التاسع والثلاثون: أنكم رددتم السنة الصحيحة عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في القسم للبكر سبعا يفضلها بها على من عنده من النساء ~~وللثيب ثلاثا إذا أعرس بهما وقلتم: هذا زائد على العدل المأمور به في ~~القرآن ومخالف له، فلو قبلناه كنا قد نسخنا به القرآن، ثم أخذتم بقياس فاسد ~~واه لا يصح في جواز نكاح الأمة لواجد الطول غير خائف العنت إذا لم تكن تحته ~~حرة، وهو خلاف ظاهر القرآن وزائد عليه قطعا. # الوجه الأربعون: ردكم السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بإسقاط نفقة المبتوتة وسكناها، وقلتم: هو مخالف للقرآن، فلو قبلناه كان ~~نسخا للقرآن به، ثم أخذتم بخبر ضعيف لا يصح أن عدة الأمة قرءان وطلاقها ~~طلقتان مع كونه زائدا على ما في القرآن قطعا. # الوجه الحادي والأربعون: ردكم السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في تخيير ولي الدم بين الدية أو القود أو العفو بقولكم: إنها ~~زائدة على ما في القرآن، ثم أخذتم بقياس من أفسد القياس أنه ms0646 لو ضربه بأعظم ~~دبوس يوجد حتى ينثر دماغه على الأرض فلا قود عليه، ولم تروا ذلك مخالفا ~~لظاهر القرآن، والله تعالى يقول: {النفس بالنفس} [المائدة: 45] ويقول: {فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] . # الوجه الثاني والأربعون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بقوله: «لا يقتل مسلم بكافر» وقوله: «المؤمنون تتكافأ ~~دماؤهم» وقلتم: هذا خلاف ظاهر القرآن؛ لأن الله تعالى يقول: {النفس بالنفس} ~~[المائدة: 45] وأخذتم بخبر لا يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بأنه # PageV02P233 # «لا قود إلا بالسيف» وهو مخالف لظاهر القرآن؛ فإنه سبحانه قال: {وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] وقال: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ~~ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] . # الوجه الثالث والأربعون: أنكم أخذتم بخبر لا يصح عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في أنه «لا جمعة إلا في مصر جامع» وهو مخالف لظاهر القرآن قطعا ~~وزائدة عليه، ورددتم الخبر الصحيح الذي لا شك في صحته عند أحد من أهل العلم ~~في أن كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يتفرقا، وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن في ~~وجوب الوفاء بالعقد. # الوجه الرابع والأربعون: أنكم أخذتم بخبر ضعيف «لا تقطع الأيدي في الغزو» ~~وهو زائد على القرآن، وعديتموه إلى سقوط الحدود على من فعل أسبابها في دار ~~الحرب، وتركتم الخبر الصحيح الذي لا ريب في صحته في المصراة، وقلتم: هو ~~خلاف ظاهر القرآن من عدة أوجه. # الوجه الخامس والأربعون: أنكم أخذتم بخبر ضعيف - بل باطل - في أنه لا ~~يؤكل الطافي من السمك، وهو خلاف ظاهر القرآن؛ إذ يقول تعالى: {أحل لكم صيد ~~البحر وطعامه} [المائدة: 96] فصيده ما صيد منه حيا وطعامه قال أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: هو ما مات فيه، صح ذلك عن الصديق وابن عباس ~~وغيرهما، ثم تركتم الخبر الصحيح المصرح بأن ميتته حلال مع موافقته لظاهر ~~القرآن. # الوجه السادس والأربعون: أنكم أخذتم وأصبتم بحديث تحريم كل ذي ناب من ~~السباع ومخلب من الطير، وهو زائد ms0647 على ما في القرآن، ولم تروه ناسخا، ثم ~~تركتم حديث حل لحوم الخيل الصحيح الصريح، وقلتم: هو مخالف لما في القرآن ~~زائد عليه، وليس كذلك. # الوجه السابع والأربعون: أنكم أخذتم بحديث المنع من توريث القاتل مع أنه ~~زائد على القرآن، وحديث عدم القود على قاتل ولده وهو زائد على ما في ~~القرآن، مع أن الحديثين ليسا في الصحة بذاك، وتركتم الأخذ بحديث إعتاق ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لصفية وجعل عتقها صداقها فصارت بذلك زوجة، ~~وقلتم: هذا خلاف ظاهر القرآن، والحديث في غاية الصحة. # الوجه الثامن والأربعون: أنكم أخذتم بالحديث الضعيف الزائد على ما في ~~القرآن، وهو «كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه» فقلتم: هذا يدل على وقوع طلاق ~~المكره # PageV02P234 # والسكران، وتركتم السنة الصحيحة التي لا ريب في صحتها فيمن وجد متاعه ~~بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به، وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن بقوله: {لا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [النساء: 29] والعجب أن ظاهر القرآن مع ~~الحديث متوافقان متطابقان؛ فإن منع البائع من الوصول إلى الثمن وإلى عين ~~ماله إطعام له بالباطل الغرماء؛ فخالفتم ظاهر القرآن مع السنة الصحيحة ~~الصريحة. # الوجه التاسع والأربعون: أنكم أخذتم بالحديث الضعيف وهو «من كان له إمام ~~فقراءة الإمام قراءة له» ولم تقولوا: هو زائد على القرآن في قوله: {وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 39] وتركتم الحديث الصحيح في بقاء الإحرام بعد ~~الموت وأنه لا ينقطع به، وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن في قوله: {هل تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون} [النمل: 90] وخلاف ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله إلا من ثلاث» . # الوجه الخمسون: رد السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~وجوب الموالاة، حيث أمر الذي ترك لمعة من قدمه بأن يعيد الوضوء والصلاة، ~~وقالوا: هو زائد على كتاب الله، ثم أخذوا بالحديث الضعيف الزائد على كتاب ~~الله في أن «أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة» . # الوجه الحادي والخمسون: رد الحديث الثابت عن ms0648 رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في أنه «لا نكاح إلا بولي» ، وأن من أنكحت نفسها فنكاحها باطل، ~~وقالوا: هو زائد على كتاب الله؛ فإن الله تعالى يقول: {فلا تعضلوهن أن ~~ينكحن أزواجهن} [البقرة: 232] وقال: {فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما ~~فعلن في أنفسهن بالمعروف} [البقرة: 234] ثم أخذوا بالحديث الضعيف الزائد ~~على القرآن قطعا في اشتراط الشهادة في صحة النكاح. والعجب أنهم استدلوا على ~~ذلك بقوله: «لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل» ثم قالوا: لا يفتقر إلى ~~حضور الولي ولا عدالة الشاهدين. # فهذا طرف من بيان تناقض من رد السنن بكونها زائدة على القرآن فتكون ناسخة ~~فلا تقبل. # الوجه الثاني والخمسون: أنكم تجوزون الزيادة على القرآن بالقياس الذي ~~أحسن أحواله أن يكون للأمة فيه قولان: أحدهما أنه باطل مناف للدين، والثاني ~~أنه صحيح مؤخر عن الكتاب والسنة؛ فهو في المرتبة الأخيرة، ولا تختلفون في ~~جواز إثبات حكم زائد على القرآن به، فهلا قلتم: إن ذلك يتضمن نسخ الكتاب ~~بالقياس. # PageV02P235 # فإن قيل: قد دل القرآن على صحة القياس واعتباره وإثبات الأحكام به، فما ~~خرجنا عن موجب القرآن، ولا زدنا على ما في القرآن إلا بما دلنا عليه ~~القرآن. # قيل: فهلا قلتم مثل هذا سواء في السنة الزائدة على القرآن، وكان قولكم ~~ذلك في السنة أسعد وأصلح من القياس الذي هو محل آراء المجتهدين وعرضة ~~للخطأ، بخلاف قول من ضمنت لنا العصمة في أقواله، وفرض الله علينا اتباعه ~~وطاعته. # فإن قيل: القياس بيان لمراد الله ورسوله من النصوص، وأنه أريد بها إثبات ~~الحكم في المذكور في نظيره، وليس ذلك زائدا على القرآن، بل تفسير له ~~وتبيين. # قيل: فهلا قلتم: إن السنة بيان لمراد الله من القرآن، تفصيلا لما أجمله، ~~وتبيينا لما سكت عنه، وتفسيرا لما أبهمه، فإن الله سبحانه أمر بالعدل ~~والإحسان والبر والتقوى، ونهى عن الظلم والفواحش والعدوان والإثم، وأباح ~~لنا الطيبات، وحرم علينا الخبائث؛ فكل ما جاءت به السنة فإنها تفصيل لهذا ~~المأمور به والمنهي عنه، والذي أحل ms0649 لنا هو الذي حرم علينا. # وهذا تبيين بالمثال التاسع عشر: وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ~~في حديث النعمان بن بشير أن يعدل بين الأولاد في العطية فقال «اتقوا الله ~~واعدلوا بين أولادكم» . وفي الحديث: «إني لا أشهد على جور» فسماه جورا، ~~وقال «إن هذا لا يصلح» وقال «أشهد على هذا غيري» تهديدا له، وإلا فمن الذي ~~يطيب قلبه من المسلمين أن يشهد على ما حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بأنه جور وأنه لا يصلح وأنه على خلاف تقوى الله وأنه خلاف العدل؟ وهذا ~~الحديث من تفاصيل العدل الذي أمر الله به في كتابه، وقامت به السماوات ~~والأرض، وأسست عليه الشريعة؛ فهو أشد موافقة للقرآن من كل قياس على وجه ~~الأرض، وهو محكم الدلالة غاية الإحكام، فرد بالمتشابه من قوله «كل أحد أحق ~~بماله من ولده، ووالده والناس أجمعين» فكونه أحق به يقتضي جواز تصرفه فيه ~~كما يشاء وبقياس متشابه على إعطاء الأجانب، ومن المعلوم بالضرورة أن هذا ~~المتشابه من العموم، والقياس لا يقاوم هذا المحكم المبين غاية البيان. ### | [رد المحكم في مسألة المصراة] # المثال العشرون: رد المحكم الصحيح الصريح في مسألة المصراة بالمتشابه من ~~القياس، وزعمهم أن هذا حديث يخالف الأصول فلا يقبل؛ فيقال: الأصول كتاب ~~الله وسنة رسوله وإجماع أمته والقياس الصحيح الموافق للكتاب والسنة؛ ~~فالحديث الصحيح أصل بنفسه، فكيف يقال: الأصل يخالف نفسه؟ هذا من أبطل ~~الباطل، والأصول في الحقيقة اثنان لا ثالث لهما: كلام الله، وكلام رسوله، ~~وما عداهما فمردود إليهما؛ فالسنة أصل قائم # PageV02P236 # بنفسه، والقياس فرع، فكيف يرد الأصل بالفرع؟ قال الإمام أحمد: إنما ~~القياس أن تقيس على أصل، فأما أن تجيء إلى الأصل فتهدمه، ثم تقيس، فعلى أي ~~شيء تقيس؟ وقد تقدم بيان موافقة حديث المصراة للقياس، وإبطال قول من زعم ~~أنه خلاف القياس، وأنه ليس في الشريعة حكم يخالف القياس الصحيح، وأما ~~القياس الباطل فالشريعة كلها مخالفة له، ويا لله العجب، كيف وافق الوضوء ~~بالنبيذ المشتد للأصول حتى قبل وخالف ms0650 خبر المصراة للأصول حتى رد، ### | [رد السنة الصحيحة في العرايا] # المثال الحادي والعشرون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في العرايا ~~بالمتشابه من قوله «التمر بالتمر مثلا بمثل سواء بسواء» فإن هذا لا يتناول ~~الرطب بالتمر. # فإن قيل: فأنتم رددتم خبر النهي عن بيع الرطب بالتمر مع أنه محكم صريح ~~صحيح بحديث العرايا وهو متشابه. # قيل: فإذا كان عندكم محكما صحيحا فكيف رددتموه بالمتشابه من اشتراط ~~المساواة بين التمر والتمر؟ فلا بحديث النهي أخذتم، ولا بحديث العرايا، بل ~~خالفتم الحديثين معا، وأما نحن فأخذنا بالسنن الثلاثة، وتركنا كل سنة على ~~وجهها ومقتضاها، ولم نضرب بعضها ببعض، ولم نخالف شيئا منها؛ فأخذنا بحديث ~~النهي عن بيع التمر بالتمر متفاضلا، وأخذنا بحديث النهي عن بيع الرطب ~~بالتمر مطلقا، وأخذنا بحديث العرايا وخصصنا به عموم حديث النهي عن بيع ~~الرطب بالتمر؛ اتباعا لسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلها، وإعمالا ~~لأدلة الشرع جميعها، فإنها كلها حق، ولا يجوز ضرب الحق بعضه ببعض وإبطال ~~بعضه ببعض، والله الموفق. ### | [رد حديث القسامة] # المثال الثاني والعشرون: رد حديث القسامة الصحيح الصريح المحكم بالمتشابه ~~من قوله «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال وأموالهم، ولكن ~~اليمين على المدعى عليه» والذي شرع الحكم بالقسامة هو الذي شرع أن لا يعطى ~~أحد بدعواه المجردة، وكلا الأمرين حق من عند الله، لا اختلاف فيه، ولم يعط ~~في القسامة بمجرد الدعوى، وكيف يليق بمن بهرت حكمة شرعه العقول أن لا يعطي ~~المدعي بمجرد دعواه عودا من أراك ثم يعطيه بدعوى مجردة دم أخيه المسلم؟ ~~وإنما أعطاه ذلك بالدليل الظاهر الذي يغلب على الظن صدقه فوق تغليب ~~الشاهدين، وهو اللوث والعداوة والقرينة الظاهرة من وجود العدو مقتولا في ~~بيت عدوه، فقوى الشارع الحكيم هذا السبب باستحلاف خمسين من أولياء القتيل ~~الذين يبعد أو يستحيل اتفاقهم كلهم على رمي البريء بذم ليس منه # PageV02P237 # بسبيل ولا يكون فيهم رجل رشيد يراقب الله؟ ولو عرض على جميع العقلاء هذا ~~الحكم والحكم بتحليف العدو الذي ms0651 وجد القتيل في داره بأنه ما قتله لرأوا أن ~~ما بينهما من العدل كما بين السماء والأرض، ولو سئل كل سليم الحاسة عن قاتل ~~هذا لقال من وجد في داره، والذي يقضي منه العجب أن يرى قتيل يتشحط في دمه ~~وعدوه هارب بسكين ملطخة بالدم ويقال: القول قوله، فيستحلفه بالله ما قتله ~~ويخلي سبيله، ويقدم ذلك على أحسن الأحكام وأعدلها وألصقها بالعقول والفطر، ~~الذي لو اتفقت العقلاء لم يهتدوا لأحسن منه، بل ولا لمثله. وأين ما تضمنه ~~الحكم بالقسامة من حفظ الدماء إلى ما تضمنه تحليف من لا يشك مع القرائن ~~التي تفيد القطع أنه الجاني؟ . # ونظير هذا إذا رأينا رجلا من أشراف الناس حاسر الرأس بغير عمامة وآخر ~~أمامه يشتد عدوا وفي يده عمامة وعلى رأسه أخرى؛ فإنا ندفع العمامة التي ~~بيده إلى حاسر الرأس ونقبل قوله، ولا نقول لصاحب اليد: القول قولك مع ~~يمينك. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعطى الناس بدعواهم» لا يعارض القسامة ~~بوجه؛ فإنه إنما نفى الإعطاء بدعوى مجردة. وقوله: «ولكن اليمين على المدعى ~~عليه» هو في مثل هذه الصورة حيث لا تكون مع المدعي إلا مجرد الدعوى، وقد دل ~~القرآن على رجم المرأة بلعان الزوج إذا نكلت، وليس ذلك إقامة للحد بمجرد ~~أيمان الزوج، بل بها وبنكولها، وهكذا في القسامة إنما يقبل فيها باللوث ~~الظاهر والأيمان المتعددة المغلظة، وهاتان بينتا هذين الموضعين، والبينات ~~تختلف بحسب حال المشهود به كما تقدم بأربعة شهود، وثلاثة، بالنص وإن خالفه ~~من خالفه في بينة الإعسار، واثنان، وواحد ويمين، ورجل وامرأتان، ورجل واحد، ~~وامرأة واحدة، وأربعة أيمان، وخمسون يمينا، ونكول وشهادة الحال، ووصف ~~المالك اللقطة، وقيام القرائن، والشبه الذي يخبر به القائف، ومعاقد القمط، ~~ووجوه الآجر في الحائط، وكونه معقودا ببناء أحدهما عند من يقول بذلك؛ ~~فالقسامة مع اللوث أقوى البينات. ### | [رد السنة المحكمة في النهي عن بيع الرطب بالتمر] # المثال الثالث والعشرون: رد السنة الثابتة المحكمة في النهي عن بيع الرطب ~~بالتمر بالمتشابه من قوله: {وأحل الله ms0652 البيع} [البقرة: 275] وبالمتشابه من ~~قياس في غاية الفساد، وهو قولهم: الرطب والتمر إما أن يكونا جنسين وإما أن ~~يكون جنسا واحدا، وعلى التقديرين فلا يمنع بيع أحدهما بالآخر، وأنت إذا ~~نظرت إلى هذا القياس رأيته مصادما للسنة أعظم مصادمة، ومع أنه فاسد في ~~نفسه، بل هما جنس واحد أحدهما أزيد من الآخر قطعا بلينته فهو أزيد أجزاء من ~~الآخر بزيادة لا يمكن فصلها وتمييزها، ولا يمكن أن يجعل في مقابلة تلك ~~الأجزاء من الرطب ما يتساويان به عند الكمال؛ إذ هو ظن وحسبان، فكان # PageV02P238 # المنع من بيع أحدهما بالآخر محض القياس لو لم تأت به سنة، وحتى لو لم يكن ~~ربا ولا القياس يقتضيه لكان أصلا قائما بنفسه يجب التسليم والانقياد له كما ~~يجب التسليم لسائر نصوصه المحكمة، ومن العجب رد هذه السنة بدعوى أنها ~~مخالفة للقياس والأصول وتحريم بيع الكسب بالسمسم ودعوى أن ذلك موافق ~~للأصول، فكل أحد يعلم أن جريان الربا بين التمر والرطب أقرب إلى الربا نصا ~~وقياسا ومعقولا من جريانه بين الكسب والسمسم. ### | [رد المحكم من السنة بالإقراع بين الأعبد الستة الموصى بعتقهم] # المثال الرابع والعشرون: رد المحكم الصريح الصحيح من السنة بالإقراع بين ~~الأعبد الستة الموصى بعتقهم، وقالوا: هذا خلاف الأصول، بالمتشابه من رأي ~~فاسد قياس باطل، بأنهم إما أن يكون كل واحد منهم قد استحق العتق فلا يجوز ~~نقله عنه إلى غيره أو لم يستحقه فلا يجوز أن يعتق منهم أحد، وهذا الرأي ~~الباطل كما أنه في مصادمة السنة فهو فاسد في نفسه؛ فإن العتق إنما استحق في ~~ثلث ماله ليس إلا، والقياس والأصول تقتضي جمع الثلث في محل واحد، كما إذا ~~أوصى بثلاثة دراهم وهي كل ماله، فلم يجز الورثة، فإنا ندفع إلى الموصى له ~~درهما ولا نجعله شريكا بثلث كل درهم، ونظائر ذلك؛ فهذا المعتق لعبيده كأنه ~~أوصى بعتق ثلثهم؛ إذ هذا هو الذي يملكه، وفيه صحت الوصية؛ فالحكم بجمع ~~الثلث في اثنين منهم أحسن عقلا وشرعا وفطرة من جعل الثلث شائعا ms0653 في كل واحد ~~منهم، فحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه المسألة خير من حكم ~~غيره بالرأي المحض. ### | [رد السنة المحكمة في تحريم الرجوع في الهبة] # المثال الخامس والعشرون: رد السنة الصريحة المحكمة في تحريم الرجوع في ~~الهبة لكل أحد إلا للوالد برأي متشابه فاسد اقتضى عكس السنة وأنه يجوز ~~الرجوع في الهبة لكل أحد إلا لوالد أو لذي رحم محرم أو لزوج أو زوجة أو ~~يكون الواهب قد أثيب منها، ففي هذه المواضع الأربعة يمتنع الرجوع، وفرقوا ~~بين الأجنبي والرحم بأن هبة القريب صلة، ولا يجوز قطعها، وهبة الأجنبي ~~تبرع، وله أن يمضيه وأن لا يمضيه، وهذا مع كونه مصادما للسنة مصادمة محضة ~~فهو فاسد؛ لأن الموهوب له حين قبض العين الموهوبة دخلت في ملكه، وجاز له ~~التصرف فيها؛ فرجوع الواهب فيها انتزاع لملكه منه بغير رضاه، وهذا باطل ~~شرعا وعقلا، وأما الوالد فولده جزء منه، وهو وماله لأبيه، وبينهما من ~~البعضية ما يوجب شدة الاتصال، بخلاف الأجنبي. # فإن قيل: لم نخالفه إلا بنص محكم صريح صحيح، وهو حديث سالم عن أبيه عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها» ~~قال البيهقي: قال لنا أبو عبد الله - # PageV02P239 # يعني الحاكم - هذا حديث صحيح، إلا أن يكون الحمل فيه على شيخنا، يريد ~~أحمد بن إسحاق بن محمد بن خالد الهاشمي، ورواه الحاكم من حديث عمرو بن ~~دينار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الواهب ~~أحق بهبته ما لم يثب» ، وفي كتاب الدارقطني من حديث حماد بن سلمة عن قتادة ~~عن الحسن عن سمرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا كانت الهبة ~~لذي رحم محرم لم يرجع فيها» وفي الغيلانيات: ثنا محمد بن إبراهيم بن يحيى ~~عن محمد بن عبد الله عن عطاء عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من وهب هبة فارتجع بها فهو أحق بها ما لم يثب منها، ولكنه ms0654 كالكلب يعود في ~~قيئه» . # فالجواب أن هذه الأحاديث لا تثبت، ولو ثبتت لم تحل مخالفتها ووجب العمل ~~بها وبحديث «لا يحل لواهب أن يرجع في هبته» ولا يبطل أحدهما بالآخر، ويكون ~~الواهب الذي لا يحل له الرجوع من وهب تبرعا محضا لا لأجل العوض، والواهب ~~الذي له الرجوع من وهب ليتعوض من هبته ويثاب منها، فلم يفعل المتهب، ~~وتستعمل سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلها، ولا يضرب بعضها ببعض، ~~أما حديث ابن عمر فقال الدارقطني: لا يثبت مرفوعا، والصواب عن ابن عمر عن ~~عمر قوله، وقال البيهقي: ورواه علي بن سهل بن المغيرة عن عبيد الله بن موسى ~~ثنا حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله، فذكره، وهو غير محفوظ ~~بهذا الإسناد، وإنما يروى عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وإبراهيم ضعيف، ~~انتهى. # وقال الدارقطني: غلط فيه علي بن سهل، انتهى. وإبراهيم بن إسماعيل هذا قال ~~أبو نعيم: لا يساوي حديثه فلسين، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، وقال ~~يحيى بن معين: إبراهيم بن إسماعيل المكي ليس بشيء، وقال البيهقي: والمحفوظ ~~عن عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه عن عمر: " # «من وهب هبة فلم يثب منها فهو أحق بها إلا لذي رحم محرم» قال البخاري: ~~هذا أصح. وأما حديث عبيد الله بن موسى عن حنظلة فلا أراه إلا وهما، وأما ~~حديث حماد بن سلمة فمن رواية عبد الله بن جعفر الرقي عن ابن المبارك، وعبد ~~الله هذا ضعيف عندهم. وأما حديث ابن عباس فمحمد بن عبد الله فيه هو ~~العزرمي، ولا تقوم به حجة، قال الفلاس والنسائي: هو متروك الحديث، وفيه ~~إبراهيم بن يحيى. # قال مالك ويحيى بن سعيد وابن معين: هو كذاب، وقال الدارقطني: متروك ~~الحديث، فإن لم تصح هذه الأحاديث لم يلتفت إليها، وإن صحت وجب حملها على من ~~وهب للعوض، وبالله التوفيق. # PageV02P240 ### | [رد السنة المحكمة في القضاء بالقافة] # المثال السادس والعشرون: رد السنة المحكمة في القضاء بالقافة وقالوا: هو ~~خلاف ms0655 الأصول، ثم قالوا: لو ادعاه اثنان ألحقناه بهما، وكان هذا مقتضى ~~الأصول. # ونظير هذا المثال السابع والعشرون: رد السنة المحكمة الثابتة في جعل ~~الأمة فراشا وإلحاق الولد بالسيد وإن لم يدعه، وقالوا: هو خلاف الأصول، ~~والأمة لا تكون فراشا، ثم قالوا: لو تزوجها وهو بأقصى بقعة من المشرق وهي ~~بأقصى بقعة من المغرب وأتت بولد لستة أشهر لحقه، وإن علمنا بأنهما لم ~~يتلاقيا قط، وهي فراش بالعقد، فأمته التي يطؤها ليلا ونهارا ليست بفراش، ~~وهذه فراش، وهذا مقتضى الأصول، وحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلاف ~~الأصول على لازم قولهم، ونظير هذا قياس الحدث على السلام في الخروج من ~~الصلاة بكل واحد منهما، ودعوى أن ذلك موجب الأصول، مع بعد ما بين الحدث ~~والسلام، وترك قياس نبيذ التمر المسكر على عصير العنب المسكر في تحريم قليل ~~كل منهما مع شدة الأخوة بينهما، ودعوى أن ذلك خلاف الأصول. # ونظيره أن الذمي لو منع دينارا واحدا من الجزية انتقض عهده، وحل ماله ~~ودمه، ولو حرق الكعبة البيت الحرام ومسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وجاهر بسب الله ورسوله أقبح سب على رءوس المسلمين فعهده باق ودمه معصوم، ~~وعدم النقض بذلك مقتضى الأصول، والنقض بمنع الدينار مقتضى الأصول. # ونظيره أيضا إباحة قراءة القرآن بالعجمية، وأنه مقتضى الأصول، ومنع رواية ~~الحديث بالمعنى، وهو خلاف الأصول. # ونظيره إسقاط الحد عمن استأجر امرأة ليزني بها أو تغسل ثيابه فزنى بها، ~~وأن هذا مقتضى الأصول، وإيجاب الحد على الأعمى إذا وجد على فراشه امرأة ~~فظنها زوجته فبانت أجنبية. # ونظيره أيضا منع المصلي من الصلاة بالوضوء من ماء يبلغ قناطير مقنطرة ~~وقعت فيه قطرة دم أو بول، وإباحتهم له أن يصلي في ثوب ربعه متلطخ بالبول، ~~وإن كان عذرة فقدر راحة الكف. # ونظيره دعواهم أن الإيمان واحد، والناس فيه سواء، وهو مجرد التصديق، ~~وليست الأعمال داخلة في ماهيته، وأن من مات ولم يصل صلاة قط في عمره مع ~~قدرته وصحة # PageV02P241 # جسمه وفراغه فهو مؤمن، وتكفيرهم من ms0656 يقول مسيجد أو فقيه بالتصغير أو يقول ~~للخمر أو للسماع المحرم: ما أطيبه وألذه. # ونظير ذلك أنه لو شهد عليه أربعة بالزنا فقال: " صدقوا " سقط عنه الحد ~~بتصديقهم، ولو قال: " كذبوا علي " حد. # ونظيره أنه لا يصح استئجار دار تجعل مسجدا يصلي فيه المسلمون، وتصح ~~إجارتها كنيسة يعبد فيها الصليب والنار. # ونظيره أنه لو قهقه في صلاته بطل وضوءه، ولو غنى في صلاته أو قذف ~~المحصنات أو شهد بالزور فوضوءه بحاله. # ونظيره أنه لو وقع في البئر فأرة تنجست البئر؛ فإذا نزع منها دلو فالدلو ~~والماء نجسان، ثم هكذا إلى تمام كذا وكذا دلوا، فإذا نزع الدلو الذي قبل ~~الأخير فرشرش على حيطان البئر نجسها كلها، فإذا جاءت النوبة إلى الدلو ~~الأخير قشقش النجاسة كلها من البئر وحيطانها وطينها بعد أن كانت نجسة. # ونظيره إنكار كون القرعة التي ثبت فيها ستة أحاديث عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وفيها آيتان من كتاب الله طريقا للأحكام الشرعية، وإثبات ~~حل الوطء بشهادة الزور التي يعلم المقدوح أنها شهادة زور، وبها فرق ~~الشاهدان بين الرجل والمرأة. # ونظير هذا إيجاب الاستبراء على السيد إذا ملك امرأة بكرا لا يوطأ مثلها، ~~مع القطع ببراءة رحمها، وإسقاطه عمن أراد وطء الأمة التي وطئها سيدها ~~البارحة ثم اشتراها هو فملكها لغيره ثم وكله في تزويجها منه، فقالوا: يحل ~~له وطؤها، وليس بين وطء بائعها ووطئه هو إلا ساعة من نهار. # ونظير هذا في التناقض إباحة نكاح المخلوقة من ماء الزاني مع كونها بعضه، ~~مع تحريم المرضعة من لبن امرأته لكون اللبن ثاب بوطئه فقد صار فيه جزء منه. ~~فيا لله العجب، كيف انتهض هذا الجزء اليسير سببا للتحريم ثم يباح له وطؤها ~~وهي جزؤه الحقيقي وسلالته؟ وأين تشنيعكم وإنكاركم لاستمناء الرجل بيده عند ~~الحاجة خوفا من العنت ثم تجوزون له وطء بنته المخلوقة من مائه حقيقة. # ونظير هذا لو ادعى على ذمي حقا وأقام به شاهدين عبدين عالمين صالحين ~~مقبولة شهادتهما على رسول الله - صلى الله ms0657 عليه وسلم - لم تقبل شهادتهما ~~عليه، فإن أقام به شاهدين كافرين حرين قبلت شهادتهما عليه مع كونهما من ~~أكذب الخلق على الله وأنبيائه ودينه. # PageV02P242 # ونظير هذا لو تداعيا حائطا لأحدهما عليه خشبتان، وللآخر عليه ثلاث خشبات ~~ولا بينة فهو كله لصاحب الخشبات الثلاث؛ فلو كان لأحدهما ثلاث خشبات وللآخر ~~مائه خشبة فهو بينهما نصفين. # ونظير هذا لو اغتصب نصراني رجلا على ابنته أو امرأته أو حرمته وزنى بها ~~ثم شدخ رأسها بحجر أو رمى بها من أعلى شاهق حتى ماتت فلا حد عليه ولا قصاص؛ ~~فلو قتله المسلم صاحب الحرمة بقصبة محددة قتل به. # ونظير هذا أنه لو أكره على قتل ألف مسلم أو أكثر بسجن شهر وأخذ شيء من ~~ماله فقتلهم فلا قود عليه ولا دية، حتى إذا أكره بالقتل على عتق أمته أو ~~طلاق زوجته لزمه حكم العتق والطلاق، ولم يكن الإكراه مانعا من نفوذ حكمنا ~~عليه، مع أن الله سبحانه أباح التكلم بكلمة الكفر مع الإكراه، ولم يبح قتل ~~المسلم بالإكراه أبدا. # ونظير هذا إبطال الصلاة بتسبيح من نابه شيء في صلاته، وقد أمر به النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وتصحيح صلاة من ركع ثم خر ساجدا من غير أن يقيم ~~صلبه، وقد أبطلها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «لا تجزئ صلاة لا ~~يقيم الرجل فيها صلبه في ركوعه وسجوده» ودعوى أن ذلك مقتضى الأصول. # ونظيره أيضا إبطال الصلاة بالإشارة لرد السلام أو غيره، وقد أشار النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في صلاته برد السلام، وأشار الصحابة برءوسهم تارة ~~وبأكفهم تارة، وتصحيحها مع ترك الطمأنينة وقد أمر بها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ونفى الصلاة بدونها، وأخبر أن صلاة النقر صلاة المنافقين، ~~وأخبر حذيفة أن من صلى كذلك لقي الله على غير الفطرة التي فطر الله عليها ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من ~~لا يتم ركوعه ولا سجوده أسوأ الناس سرقة، وهذا يدل على أنه أسوأ حالا عند ~~الله ms0658 من سراق الأموال. # ونظير هذا قولهم: لو أن رجلا مسلما طاهر البدن عليه جنابة غمس يده في بئر ~~بنية رفع الحدث صارت البئر كلها نجسة، يحرم شرب مائها والوضوء منه والطبخ ~~به؛ فلو اغتسل فيها مائة نصراني قلف عابدو الصليب أو مائه يهودي فماؤها باق ~~على حاله طاهر مطهر يجوز الوضوء منه وشربه والطبخ به. # ونظيره لو ماتت فأرة في ماء فصب ذلك الماء في بئر لم ينزح منها إلا عشرون ~~دلوا فقط، وتطهر بذلك، ولو توضأ رجل مسلم طاهر الأعضاء بماء فسقط ذلك الماء ~~في البئر فلا بد أن تنزح كلها. # PageV02P243 # ونظير هذا قولهم: لو عقد على أمه أو أخته أو بنته ووطئها وهو يعلم أن ~~الله حرم ذلك فلا حد عليه؛ لأن صورة العقد شبهة، ولو رأى امرأة في الظلمة ~~ظنها امرأته فوطئها فعليه الحد ولم يكن ذلك شبهة. # ونظيره قولهم: لو أنه رشا شاهدين فشهدا بالزور المحض أن فلانا طلق امرأته ~~ففرق الحاكم بينهما جاز له أن يتزوجها ويطأها حلالا، بل ويجوز لأحد ~~الشاهدين ذلك؛ فلو حكم حاكم بصحة هذا العقد لم يجز نقض حكمه، ولو حكم حاكم ~~بالشاهد واليمين لنقض حكمه وقد حكم به النبي - صلى الله عليه وسلم -،. # ونظير ذلك قولهم: لو تزوج امرأة فخرجت مجنونة برصاء من قرنها إلى قدمها ~~مجذومة عمياء مقطوعة الأطراف فلا خيار له، وكذلك إذا وجدت هي الزوج كذلك ~~فلا خيار لها، وإن خرج الزوج من خيار عباد الله وأغناهم وأجملهم وأعلمهم ~~وليس له أبوان في الإسلام وللزوجة أبوان في الإسلام فلها الفسخ بذلك. # ونظيره قولهم: يصح نكاح الشغار، ويجب فيه مهر المثل، وقد صح نهي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عنه وتحريمه إياه، ولا يصح نكاح من أعتق أمة ~~وجعل عتقها صداقها وقد فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ونظيره قولهم: يصح نكاح التحليل، وقد صح لعنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لمن فعله من رواية عبد الله بن مسعود وأبي هريرة وعلي بن أبي طالب ms0659 ~~كرم الله وجهه في الجنة، ولا يصح نكاح الأمة لمضطر خائف العنت عادم الطول ~~إذا كانت تحته حرة ولو كانت عجوزا شوهاء لا تعفه. # ونظيره قولهم: يجوز بيع الكلب، وقد منع منه النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وتحريم بيع المدبر وقد باعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ونظيره قولهم: للجار أن يمنع جاره أن يغرز خشبة هو محتاج إلى غرزها في ~~حائطه وقد نهاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن منعه، وتسليطهم إياه ~~على انتزاع داره كلها منه بالشفعة بعد وقوع الحدود وتصريف الطرق وقد أبطلها ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ونظيره قولهم: لا يحكم بالقسامة لأنها خلاف الأصول، ثم قالوا: يحلف الذين ~~وجدوا القتيل في محلتهم ودارهم خمسين يمينا ثم يقضى عليهم بالدية، فيا لله ~~العجب، كيف كان هذا وفق الأصول وحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلاف ~~الأصول؟ # PageV02P244 # ونظيره قولهم: لو تزوج امرأة فقالت له امرأة أخرى: أنا أرضعتك وزوجتك، أو ~~قال له رجل: هذه أختك من الرضاعة، جاز له تكذيبها ووطء الزوجة، مع أن هذه ~~هي الواقعة التي «أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقبة بن الحارث ~~بفراق امرأته لأجل قول الأمة السوداء أنها أرضعتهما» . ولو اشترى طعاما أو ~~ماء فقال له رجل: هذا ذبيحة مجوسي أو نجس لم يسعه أن يتناوله، مع أن الأصل ~~في الطعام والماء الحل، والأصل في الأبضاع التحريم، ثم قالوا: لو قال ~~المخبر: " هذا الطعام والشراب لفلان سرقه أو غصبه منه فلان " وسعه أن ~~يتناوله. # ونظير هذا قولهم: لو أسلم وتحته أختان وخيرتاه فطلق إحداهما كانت هي ~~المختارة، والتي أمسكها هي المفارقة، قالوا: لأن الطلاق لا يكون إلا في ~~زوجة، وأصحاب أبي حنيفة تخلصوا من هذا بأنه إن عقد على الأختين في عقد واحد ~~فسد نكاحهما واستأنف نكاح من شاء منهما، وإن تزوج واحدة بعد واحدة فنكاح ~~الأولى هو الصحيح، ونكاح الثانية فاسد. # ولكن لزمهم نظيره في مسألة العبد إذا تزوج بدون إذن سيده كان موقوفا على ~~إجازته، ms0660 فلو قال له: " طلقها طلاقا رجعيا " كان ذلك إجازة منه للنكاح، فلو ~~قال له: " طلقها " ولم يقل: " رجعيا " لم يكن إجازة للنكاح مع أن الطلاق في ~~هذا النكاح لا يكون رجعيا إلا بعد الإجازة وقبل الدخول، وأما قبل الإجازة ~~والدخول فلا ينقسم إلى بائن ورجعي. ### | [رد السنة الصحيحة في من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس] # [من أدرك ركعة من الصبح] # المثال الثامن والعشرون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في أن من أدرك ~~ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، بكونها خلاف الأصول ~~بالمتشابه من نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة وقت طلوع الشمس، ~~قالوا: والعام عندنا يعارض الخاص؛ فقد تعارض حاظر ومبيح، فقدمنا الحاظر ~~احتياطا؛ فإنه يوجب عليه إعادة الصلاة، وحديث الإتمام يجوز له المضي فيها، ~~وإذا تعارضا صرنا إلى النص الذي يوجب الإعادة لتتيقن براءة الذمة، فيقال: ~~لا ريب أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن ~~تغرب الشمس فليتم صلاته، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم ~~صلاته» حديث واحد، قاله - صلى الله عليه وسلم - في وقت واحد، وقد وجبت ~~طاعته في شطره؛ فتجب طاعته في الشطر الآخر، وهو محكم خاص لا يحتمل إلا وجها ~~واحدا، لا يحتمل غيره ألبتة، وحديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي عام ~~مجمل قد خص منه عصر يومه بالإجماع، وخص منه قضاء الفائتة والمنسية بالنص، ~~وخص منه ذوات الأسباب بالسنة كما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة ~~الظهر بعد العصر، وأقر من قضى سنة الفجر بعد صلاة الفجر، وقد أعلمه أنها ~~سنة الفجر، وأمر من # PageV02P245 # صلى في رحله ثم جاء مسجد جماعة أن يصلي معهم وتكون له نافلة، وقاله في ~~صلاة الفجر، وهي سبب الحديث، وأمر الداخل والإمام يخطب أن يصلي تحية المسجد ~~قبل أن يجلس. # [فرق بين الابتداء والدوام] # وأيضا فإن الأمر بإتمام الصلاة وقد طلعت الشمس فيها أمر بإتمام لا ~~بابتداء، والنهي عن الصلاة ms0661 في ذلك الوقت نهي عن ابتدائها لا عن استدامتها؛ ~~فإنه لم يقل: " لا تتموا الصلاة في ذلك الوقت، وإنما قال: لا تصلوا ". # وأين أحكام الابتداء من الدوام وقد فرق النص والإجماع والقياس بينهما؟ ~~فلا تؤخذ أحكام الدوام من أحكام الابتداء ولا أحكام الابتداء من أحكام ~~الدوام في عامة مسائل الشريعة؛ فالإحرام ينافي ابتداء النكاح والطيب دون ~~استدامتهما، والنكاح ينافي قيام العدة والردة دون استدامتها، والحدث ينافي ~~ابتداء المسح على الخفين دون استدامته، وزوال خوف العنت ينافي ابتداء ~~النكاح على الأمة دون استدامته عند الجمهور، والزنا من المرأة ينافي ابتداء ~~عقد النكاح دون استدامته عند الإمام أحمد ومن وافقه، والذهول عن نية ~~العبادة ينافي ابتداءها دون استدامتها، وفقد الكفاءة ينافي لزوم النكاح في ~~الابتداء دون الدوام، وحصول الغنى ينافي جواز الأخذ من الزكاة ابتداء ولا ~~ينافيه دواما. # وحصول الحجر بالسفه والجنون ينافي ابتداء العقد من المحجور عليه ولا ~~ينافي دوامه، وطريان ما يمنع الشهادة من الفسق والكفر والعداوة بعد الحكم ~~بها لا يمنع العمل بها على الدوام ويمنعه في الابتداء، والقدرة على التكفير ~~بالمال تمنع التكفير بالصوم ابتداء لا دواما، والقدرة على هدي التمتع تمنع ~~الانتقال إلى الصوم ابتداء لا دواما، والقدرة على الماء ابتداء التيمم ~~اتفاقا، وفي منعه لاستدامة الصلاة بالتيمم خلاف بين أهل العلم، ولا يجوز ~~إجارة العين المغصوبة ممن لا يقدر على تخليصها، ولو غصبها بعد العقد من لا ~~يقدر المستأجر على تخليصها منه لم تنفسخ الإجارة وخير المستأجر بين فسخ ~~العقد وإمضائه، ويمنع أهل الذمة من ابتداء إحداث كنيسة في دار الإسلام ولا ~~يمنعون من استدامتها، ولو حلف لا يتزوج ولا يتطيب أو لا يتطهر فاستدام ذلك ~~لم يحنث وإن ابتدأه حنث، وأضعاف أضعاف ذلك من الأحكام التي يفرق فيها بين ~~الابتداء والدوام؛ فيحتاج في ابتدائها إلى ما لا يحتاج إليه في دوامها، ~~وذلك لقوة الدوام وثبوته واستقرار حكمه، وأيضا فهو مستصحب بالأصل، وأيضا ~~فالدافع أسهل من الرافع، وأيضا فأحكام التبع يثبت فيها ما لا يثبت في ms0662 ~~المتبوعات، والمستدام تابع لأصله الثابت؛ فلو لم يكن في المسألة نص لكان ~~القياس يقتضي صحة ما ورد به النص، فكيف وقد توارد عليه النص والقياس؟ # PageV02P246 # فقد تبين أنه لم يتعارض في هذه المسألة عام وخاص ولا نص وقياس، بل النص ~~فيها والقياس متفقان، والنص العام لا يتناول مورد الخاص ولا هو داخل تحت ~~لفظه، ولو قدر صلاحية لفظه له فالخاص بيان لعدم إرادته، فلا يجوز تعطيل ~~حكمه وإبطاله، بل يتعين إعماله واعتباره، ولا تضرب أحاديث رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بعضها ببعض، وهذه القاعدة أولى من القاعدة التي تتضمن ~~إبطال إحدى السنتين وإلغاء أحد الدليلين، والله الموفق. # ثم نقول: الصورة التي أبطلتم فيها الصلاة - وهي حالة طلوع الشمس - ~~وخالفتم السنة أولى بالصحة من الصورة التي وافقتم فيها السنة؛ فإنه إذا ~~ابتدأ العصر قبل الغروب فقد ابتدأها في وقت نهي، وهو وقت ناقص، بل هو أولى ~~الأوقات بالنقصان، كما جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت صلاة ~~المنافقين حين تصير الشمس بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، وإنما ~~كان النهي عن الصلاة قبل ذلك الوقت حريما له وسدا للذريعة، وهذا بخلاف من ~~ابتدأ الصلاة قبل طلوع الشمس؛ فإن الكفار حينئذ لا يسجدون لها، بل ينتظرون ~~بسجودهم طلوعها فكيف يقال: تبطل صلاة من ابتدأها في وقت تام لا يسجد فيه ~~الكفار للشمس وتصح صلاة من ابتدأها وقت سجود الكفار للشمس سواء، وهو الوقت ~~الذي تكون فيه بين قرني الشيطان فإنه حينئذ يقارنها ليقع السجود له كما ~~يقارنها وقت الطلوع ليقع السجود له؟ فإذا كان ابتداؤها وقت مقارنة الشيطان ~~لها غير مانع من صحتها فلأن تكون استدامتها وقت مقارنة الشيطان غير مانع من ~~الصحة بطريق الأولى والأحرى، فإن كان في الدنيا قياس صحيح فهذا من أصحه؛ ~~فقد تبين أن الصورة التي خالفتم فيها النص أولى بالجواز قياسا من الصورة ~~التي وافقتموه فيها. # وهذا مما حصلته عن شيخ الإسلام - قدس الله روحه - وقت القراءة عليه، وهذه ~~كانت طريقته، وإنما يقرر أن القياس ms0663 الصحيح هو ما دل عليه النص، وأن من خالف ~~النص للقياس فقد وقع في مخالف القياس والنص معا، وبالله التوفيق. # ومن العجب أنهم قالوا: لو صلى ركعة من العصر ثم غربت الشمس صحت صلاته ~~وكان مدركا لها؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أدرك ركعة من ~~العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» وهذا شطر الحديث، وشطره الثاني: ~~«ومن أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر» . ### | [رد السنة الثابتة في دفع اللقطة إلى من وصف عفاصها ووعاءها ووكاءها] # [دفع اللقطة إلى الذي يصفها] # المثال التاسع والعشرون: رد السنة الثابتة المحكمة الصريحة في دفع اللقطة ~~إلى من # PageV02P247 # وصف عفاصها ووعاءها ووكاءها، وقالوا: هو مخالف للأصول، فكيف يعطي المدعي ~~بدعواه من غير بينة؟ ، ثم لم ينشبوا أن قالوا: من ادعى لقيطا عند غيره ثم ~~وصف علامات في بدنه فإنه يقضى له به بغير بينة، ولم يروا ذلك خلاف الأصول، ~~وقالوا: من ادعى خصيا ومعاقد قمطه من جهته قضي له به ولم يكن ذلك خلاف ~~الأصول، ومن ادعى حائطا ووجوه الآجر من جهته قضي له به، ولم يكن ذلك خلاف ~~الأصول، ومن ادعى مالا على غيره فأنكر ونكل عن اليمين قضى له بدعواه ولم ~~يكن ذلك خلاف الأصول، وإذا ادعى الزوجان ما في البيت قضي لكل واحد منهما ~~بما يناسبه، ولم يكن ذلك خلاف الأصول. # ونحن نقول: ليس في الأصول ما يبطل الحكم بدفع اللقطة إلى واصفها ألبتة، ~~بل هو مقتضى الأصول؛ فإن الظن المستفاد بوصفه أعظم من الظن المستفاد بمجرد ~~النكول، بل وبالشاهدين، فوصفه بينة ظاهرة على صحة دعواه، لا سيما ولم ~~يعارضه معارض؛ فلا يجوز إلغاء دليل صدقه مع عدم معارض أقوى منه؛ فهذا خلاف ~~الأصول حقا لا موجب السنة. ### | [رد السنة الثابتة المحكمة في صلاة من تكلم فيها جاهلا أو ناسيا] # [صلاة من تكلم في الصلاة ناسيا] # المثل الثلاثون: رد السنة الثابتة المحكمة الصريحة في صحة صلاة من تكلم ~~فيها جاهلا أو ناسيا، ms0664 بأنها خلاف الأصول، ثم قالوا: من أكل في رمضان أو شرب ~~ناسيا صح صومه، مع اعترافهم بأن ذلك على خلاف الأصول والقياس، لكن تبعنا ~~فيه السنة، فما الذي منعكم من تقديم السنة الأخرى على القياس والأصول كما ~~قدمتم خبر القهقهة في الصلاة والوضوء بنبيذ التمر وآثار الآبار على القياس ~~والأصول؟ . ### | [رد السنة المحكمة في اشتراط البائع منفعة المبيع مدة معلومة] # [اشتراط البائع منفعة المبيع مدة] # المثال الحادي والثلاثون: رد السنة الثابتة المحكمة في اشتراط البائع ~~منفعة المبيع مدة معلومة بأنها خلاف الأصول، ثم قالوا: يجوز بيع الثمرة قبل ~~بدو صلاحها بشرط القطع في الحال مع العلم بأنها لو قطعت لم تكن مالا ينتفع ~~به ولا يساوي شيئا ألبتة، ثم لهما أن يتفقا على بقائها إلى حين الكمال، ~~ودعوى أن ذلك موافق للأصول، وهو عين ما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. ### | [رد السنة الصحيحة في تخيير الولد بين أبويه] # [تخيير الولد بين أبويه] # المثال الثاني والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تخيير ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - الولد بين أبويه، وقالوا: هو خلاف الأصول، ثم ~~قالوا: إذا زوج الولي - غير الأب - الصغيرة صح وكان النكاح لازما، فإذا ~~بلغت انقلب جائزا وثبت لها الخيار بين الفسخ والإمضاء، # PageV02P248 # وهذا وفق الأصول، فيا للعجب، أين في الأصول التي هي كتاب الله وسنة رسوله ~~وإجماع الأمة المستند إلى الكتاب والسنة موافقة هذا الحكم للأصول ومخالفة ~~حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتخيير بين الأبوين للأصول؟ . ### | [رد السنة الثابتة في رجم الزانيين الكتابيين] # [رجم الكتابيين] . # المثال الثالث والثلاثون: رد السنة الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في ~~رجم الزانيين الكتابيين، بأنها خلاف الأصول، وسقوط الحد عمن عقد على أمه ~~ووطئها، وأن هذا هو مقتضى الأصول، فيا عجبا لهذه الأصول التي منعت إقامة ~~الحد على من أقامه عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأسقطته عمن لم ~~يسقطه عنه، فإنه ثبت عنه «أنه أرسل البراء بن عازب إلى رجل تزوج امرأة أبيه ~~أن يضرب عنقه ms0665 ويأخذ ماله» فوالله ما رضي له بحد الزاني حتى حكم عليه بضرب ~~العنق وأخذ المال، وهذا هو الحق المحض؛ فإن جريمته أعظم من جريمة من زنى ~~بامرأة أبيه من غير عقد، فإن هذا ارتكب محظورا واحدا، والعاقد عليها ضم إلى ~~جريمة الوطء جريمة العقد الذي حرمه الله، فانتهك حرمة شرعه بالعقد، وحرمة ~~أمه بالوطء، ثم يقال: الأصول تقتضي سقوط الحد عنه، وكذلك حكم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - برجم اليهوديين هو من أعظم الأصول، فكيف رد هذا الأصل ~~العظيم بالرأي الفاسد ويقال: إنه مقتضى الأصول؟ فإن قيل: إنما حكم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بالرجم بما في التوراة إلزاما لهما بما اعتقدا ~~صحته. # قيل: هب أن الأمر كذلك، أفحكم بحق يجب اتباعه وموافقته وتحرم مخالفته أم ~~بغير ذلك؟ فاختاروا أحد الجوابين ثم اذهبوا إلى ما شئتم. ### | [رد السنة الصحيحة في وجوب الوفاء بالشروط في النكاح] # [الوفاء بالشروط في النكاح وفي البيع] # المثال الرابع والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وجوب ~~الوفاء بالشروط في النكاح، وأنها أحق الشروط بالوفاء على الإطلاق، بأنها ~~خلاف الأصول، والأخذ بحديث النهي عن بيع وشرط الذي لا يعلم له إسناد يصح، ~~مع مخالفته للسنة الصحيحة والقياس ولانعقاد الإجماع على خلافه، ودعوى أنه ~~موافق للأصول؛ أما مخالفته للسنة الصحيحة فإن جابرا باع بعيره وشرط ركوبه ~~إلى المدينة والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من باع عبدا وله مال ~~فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع» فجعله للمشتري بالشرط الزائد على عقد ~~البيع، وقال: «من باع ثمرة قد أبرت فهي للبائع إلا أن يشترطها المبتاع» ~~فهذا بيع وشرط # PageV02P249 # ثابت بالسنة الصحيحة الصريحة، وأما مخالفته للإجماع فالأمة مجمعة على ~~جواز اشتراط الرهن والكفيل والضمين والتأجيل والخيار ثلاثة أيام ونقد غير ~~نقد البلد فهذا بيع وشرط متفق عليه، فكيف يجعل النهي عن بيع وشرط موافقا ~~للأصول وشروط النكاح التي هي أحق الشروط بالوفاء مخالف للأصول؟ . ### | [رد السنة الصحيحة في دفع الأرض بالثلث والربع مزارعة] # [المزارعة] # المثال الخامس والثلاثون: ms0666 رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في دفع الأرض ~~بالثلث والربع مزارعة، بأنها خلاف الأصول، والأخذ بالحديث الذي لا يثبت ~~بوجه أنه «نهى عن قفيز الطحان» وهو: أن يدفع حنطة إلى من يطحنها بقفيز ~~منها، أو غزله إلى من ينسجه ثوبا بجزء منه أو زيتونه إلى من يعصره بجزء منه ~~ونحو ذلك مما لا غرر فيه ولا خطر ولا قمار ولا جهالة ولا أكل مال بالباطل، ~~بل هو نظير دفع ماله إلى من يتجر فيه بجزء من الربح، بل أولى؛ فإنه قد لا ~~يربح المال فيذهب عمله مجانا، وهذا لا يذهب عمله مجانا؛ فإنه يطحن الحب ~~ويعصر الزيتون ويحصل على جزء منه يكون به شريكا لمالكه، فهو أولى بالجواز ~~من المضاربة، فكيف يكون المنع منه موافقا للأصول والمزارعة التي فعلها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه الراشدون خلاف الأصول؟ . ### | [رد السنة الصحيحة في صيد المدينة] # [صيد المدينة] # المثال السادس والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة التي رواها ~~بضعة وعشرون صحابيا في أن المدينة حرم يحرم صيدها، ودعوى أن ذلك خلاف ~~الأصول، ومعارضتها بالمتشابه من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «يا أبا ~~عمير، ما فعل النغير» ويا لله العجب، أي الأصول التي خالفتها هذه السنن، ~~وهي من أعظم الأصول؟ فهلا رد حديث أبي عمير لمخالفته هذه الأصول؟ ونحن ~~نقول: معاذ الله أن نرد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة صحيحة غير ~~معلومة النسخ أبدا، وحديث أبي عمير يحتمل أربعة أوجه قد ذهب إلى كل منها ~~طائفة؛ أحدها: أن يكون متقدما على أحاديث تحريم المدينة فيكون منسوخا، ~~الثاني: أن يكون متأخرا عنها معارضا لها فيكون ناسخا، الثالث: أن يكون ~~النغير مما صيد خارج المدينة ثم أدخل المدينة كما هو الغالب من الصيود، ~~الرابع: أن يكون رخصة لذلك الصغير دون غيره، كما رخص لأبي بردة في التضحية ~~بالعناق دون غيره؛ فهو متشابه كما ترى، فكيف يجعل أصلا يقدم على تلك النصوص ~~الكثيرة المحكمة الصريحة التي لا تحتمل إلا وجها واحدا؟ # PageV02P250 ### | [رد السنة ms0667 الصحيحة في تقدير نصاب المعشرات] # نصاب المعشرات] # المثال السابع والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تقدير ~~نصاب المعشرات بخمسة أوسق بالمتشابه من قوله: «فيما سقت السماء العشر، وما ~~سقي بنضح أو غرب فنصف العشر» . # قالوا: وهذا يعم القليل والكثير، وقد عارضه الخاص، ودلالة العام قطعية ~~كالخاص، وإذا تعارضتا قدم الأحوط وهو الوجوب؛ فيقال: يجب العمل بكلا ~~الحديثين، ولا يجوز معارضة أحدهما بالآخر وإلغاء أحدهما بالكلية؛ فإن طاعة ~~الرسول فرض في هذا وفي هذا. # ولا تعارض بينهما بحمد الله بوجه من الوجوه؛ فإن قوله: «فيما سقت السماء ~~العشر» إنما أريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر وما يجب فيه نصفه، فذكر ~~النوعين مفرقا بينهما في مقدار الواجب، وأما مقدار النصاب فسكت عنه في هذا ~~الحديث، وبينه نصا في الحديث الآخر، فكيف يجوز العدول عن النص الصحيح ~~المحكم الذي لا يحتمل غير ما دل عليه ألبتة إلى المجمل المتشابه الذي غايته ~~أن يتعلق فيه بعموم لم يقصد. # وبيانه بالخاص المحكم المبين كبيان سائر العمومات بما يخصها من النصوص؟ ~~ويالله العجب، كيف يخصون عموم القرآن والسنة بالقياس الذي أحسن أحواله أن ~~يكون مختلفا في الاحتجاج به وهو محل اشتباه واضطراب؟ إذ ما من قياس إلا ~~وتمكن معارضته بقياس مثله أو دونه أو أقوى منه، بخلاف السنة الصحيحة ~~الصريحة فإنها لا يعارضها إلا سنة ناسخة معلومة التأخر والمخالفة، ثم يقال: ~~إذا خصصتم عموم قوله: «فيما سقت السماء العشر» بالقصب والحشيش ولا ذكر لهما ~~في النص فهلا خصصتموه بقوله: «لا زكاة في حب ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق» . # وإذا كنتم تخصون العموم بالقياس فهلا خصصتم هذا العام بالقياس الجلي الذي ~~هو من أجلى القياس وأصحه على سائر أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة؟ فإن ~~الزكاة الخاصة لم يشرعها الله ورسوله في مال إلا وجعل له نصابا كالمواشي ~~والذهب والفضة؟ # ويقال أيضا: فهلا أوجبتم الزكاة في قليل كل مال وكثيره عملا بقوله تعالى: ~~{خذ من أموالهم صدقة} [التوبة: 103] وبقوله - صلى الله عليه وسلم ms0668 -: «ما من ~~صاحب إبل ولا بقر لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر» ~~وبقوله: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا صفحت له يوم القيامة ~~صفائح من نار» وهلا كان هذا العموم عندكم مقدما على أحاديث النصب الخاصة؟ ~~وهلا قلتم: هناك تعارض مسقط وموجب فقدمنا الموجب احتياطا؟ وهذا في غاية ~~الوضوح، وبالله التوفيق. ### | [رد السنة الصحيحة في جواز النكاح بما قل من المهر] # [أقل المهر] # المثال الثامن والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في جواز ~~النكاح بما # PageV02P251 # قل من المهر ولو خاتما من حديد مع موافقتها لعموم القرآن في قوله: {أن ~~تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24] وللقياس في جواز التراضي بالمعاوضة على ~~القليل والكثير، بأثر لا يثبت وقياس من أفسد القياس على قطع يد السارق، ~~وأين النكاح من اللصوصية؟ وأين استباحة الفرج به من قطع اليد في السرقة؟ ~~وقد تقدم مرارا أن أصح الناس قياسا أهل الحديث، وكلما كان الرجل إلى الحديث ~~أقرب كان قياسه أصح، وكلما كان عن الحديث أبعد كان قياسه أفسد. ### | [رد السنة الصحيحة فيمن أسلم وتحته أختان] # [من أسلم وتحته أختان] # المثال التاسع والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة فيمن أسلم ~~وتحته أختان أن يخير في إمساك من شاء منهما وترك الأخرى، بأنه خلاف الأصول، ~~وقالوا: قياس الأصول يقتضي أنه إن نكح واحدة، بعد واحدة فنكاح الثانية هو ~~المردود، ونكاح الأولى هو الصحيح من غير تخيير، وإن نكحهما معا فنكاحهما ~~باطل، ولا تخيير، وكذلك حديث من أسلم على عشر نسوة، وربما أولوا التخيير ~~بتخييره في ابتداء العقد على من شاء من المنكوحات. # ولفظ الحديث يأبى هذا التأويل أشد الإباء؛ فإنه قال: «أمسك أربعا وفارق ~~سائرهن» رواه معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن غيلان أسلم فذكره. # قال مسلم: هكذا روى معمر هذا الحديث بالبصرة، فإن رواه عنه ثقة خارج ~~البصريين حكمنا له بالصحة أو قال: صار الحديث صحيحا وإلا فالإرسال أولى. # قال البيهقي: فوجدنا سفيان بن سعيد الثوري وعبد الرحمن بن ms0669 محمد المحاربي ~~وعيسى بن يونس - وثلاثتهم كوفيون - حدثوا به عن معمر متصلا، وهكذا روي عن ~~يحيى بن أبي كثير وهو يماني وعن الفضل بن موسى وهو خراساني عن معمر متصلا ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فصح الحديث بذلك. وقد روي عن أيوب ~~السختياني عن نافع وسالم عن ابن عمر متصلا. # قال أبو علي الحافظ: تفرد به سوار بن محيشر عن أيوب، وسوار بصري ثقة، قال ~~الحاكم: رواة هذا الحديث كلهم ثقات تقوم الحجة بروايتهم. # وقد روى أبو داود عن فيروز الديلمي قال: «قلت: يا رسول الله إني أسلمت ~~وتحتي أختان، قال: طلق أيتهما شئت» . # فهذان الحديثان هما الأصول التي نرد ما خالفها من القياس، أما أن نقعد ~~قاعدا ونقول هذا هو الأصل ثم نرد السنة لأجل مخالفة تلك القاعد فلعمر الله ~~لهدم ألف قاعدة لم يؤصلها الله ورسوله أفرض علينا من رد حديث واحد، وهذه ~~القاعدة معلومة البطلان من الدين؛ فإن أنكحة الكفار لم يتعرض لها النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كيف وقعت وهل صادفت الشروط المعتبرة في الإسلام فتصح ~~أم لم تصادفها فتبطل، وإنما اعتبر حالها وقت إسلام الزوج؛ فإن كان ممن يجوز ~~له المقام مع امرأته # PageV02P252 # أقرهما. # ولو كان في الجاهلي قد وقع على غير شرطه من الولي والشهود وغير ذلك، وإن ~~لم يكن الآن ممن يجوز له الاستمرار لم يقر عليه كما لو أسلم وتحته ذات رحم ~~محرم أو أختان أو أكثر من أربع؛ فهذا هو الأصل الذي أصلته سنة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وما خالفه فلا يلتفت إليه، والله الموفق. ### | [رد السنة الصحيحة في التفريق بين الذي يسلم وبين امرأته] # [التفريق بين الذي يسلم وبين امرأته] # المثال الأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لم يكن يفرق بين من أسلم وبين امرأته إذا لم تسلم معه، ~~بلى متى أسلم الآخر فالنكاح بحاله ما لم تتزوج» هذه سنته المعلومة. # قال الشافعي: أسلم أبو سفيان بن حرب بمر الظهران، ms0670 وهي دار خزاعة، وخزاعة ~~مسلمون قبل الفتح ودار الإسلام، ورجع إلى مكة، وهند بنت عتبة مقيمة على غير ~~الإسلام، فأخذت بلحيته وقالت: اقتلوا الشيخ الضال، ثم أسلمت هند بعد إسلام ~~أبي سفيان بأيام كثيرة، وقد كانت كافرة مقيمة بدار ليست بدار الإسلام، وأبو ~~سفيان بها مسلم وهند كافرة، ثم أسلمت قبل انقضاء العدة واستقرا على النكاح؛ ~~لأن عدتها لم تنقض حتى أسلمت، وكان كذلك حكيم بن حزام وإسلامه، وأسلمت ~~امرأة صفوان بن أمية وامرأة عكرمة بن أبي جهل بمكة، وصارت دارهما دار ~~الإسلام وظهر حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة، وهرب عكرمة إلى ~~اليمن وهي دار حرب، وصفوان يريد اليمن وهي دار حرب، ثم رجع صفوان إلى مكة ~~وهي دار الإسلام وشهد حنينا وهو كافر ثم أسلم فاستقرت عنده امرأته بالنكاح ~~الأول، وذلك أنه لم تتقض عدتها، وقد حفظ أهل العلم بالمغازي أن امرأة من ~~الأنصار كانت عند رجل بمكة فأسلمت وهاجرت إلى المدينة، فقدم زوجها وهي في ~~العدة، فاستقرا على النكاح، قال الزهري: لم يبلغني أن امرأة هاجرت إلى الله ~~ورسوله وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها إلا ~~أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها، وإنه لم يبلغنا أن امرأة فرق ~~بينها وبين زوجها إذا قدم وهي في عدتها. # وفي صحيح البخاري «عن ابن عباس قال: كان المشركون على منزلتين من النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، وأهل عهد لا يقاتلهم ولا ~~يقاتلونه؛ فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا ~~طهرت حل لها النكاح، فإن هاجرت قبل أن تنكح ردت إليه» ، وفي سنن أبي داود ~~عن ابن عباس قال: «رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زينب ابنته على أبي ~~العاص بن الربيع بالنكاح الأول، ولم يحدث شيئا بعد ست سنين» وفي لفظ لأحمد: ~~«ولم يحدث شهادة ولا صداقا» ، وعند الترمذي: «ولم يحدث نكاحا» ، وقال ~~الترمذي: هذا حديث حسن ليس بإسناده بأس، ms0671 وقد روي بإسناد ضعيف عن عمرو بن ~~شعيب عن أبيه # PageV02P253 # عن جده «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ردها على أبي العاص بنكاح ~~جديد» . # قال الترمذي: في إسناده مقال، وقال الإمام أحمد: وهذا حديث ضعيف، والصحيح ~~أنه أقرهما على النكاح الأول، وقال الدارقطني: هذا حديث لا يثبت، والصواب ~~حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ردها بالنكاح الأول، وقال ~~الترمذي في كتاب العلل له: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: حديث ~~ابن عباس في هذا الباب أصح من حديث عمرو بن شعيب، فكيف تجعل هذا الحديث ~~الضعيف أصلا ترد به السنة الصحيحة المعلومة ويجعل خلاف الأصول؟ فإن قيل: ~~إنما جعلناها خلاف الأصول لقوله تعالى: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} ~~[الممتحنة: 10] وقوله: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من ~~مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك} ~~[البقرة: 221] وقوله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10] ولأن ~~اختلاف الدين مانع من ابتداء النكاح؛ فكان مانعا من دوامه كالرضاع. # قيل: لا تخالف السنة شيئا من هذه الأصول، إلا هذا القياس الفاسد؛ فإن هذه ~~الأصول إنما دلت على تحريم نكاح الكافر ابتداء والكافرة غير الكتابيين، ~~وهذا حق لا خلاف فيه بين الأمة، ولكن أين في هذه الأصول ما يوجب تعجيل ~~الفرقة بالإسلام وأن لا تتوقف على انقضاء العدة؟ ومعلوم أن افتراقهما في ~~الدين سبب لافتراقهما في النكاح، ولكن توقف السبب على وجود شرطه وانتفاء ~~مانعه لا يخرجه عن السببية، فإذا وجد الشرط وانتفى المانع عمل عمله واقتضى ~~أثره، والقرآن إنما دل على السببية، والسنة دلت على شرط السبب ومانعه كسائر ~~الأسباب التي فصلت السنة شروطها وموانعها، كقوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ~~[النساء: 24] وقوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] وقوله: ~~{فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] وقوله: {والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا} [المائدة: 38] ونظائر ذلك؛ فلا ~~يجوز أن يجعل بيان الشروط والموانع معارضة ms0672 لبيان الأسباب والموجبات فتعود ~~السنة كلها أو أكثرها معارضة للقرآن، وهذا محال. ### | [رد السنة الصحيحة بأن ذكاة الجنين ذكاة أمه] # [ذكاة الجنين] # المثال الحادي والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة بأن ذكاة ~~الجنين ذكاة أمه، بأنها خلاف الأصول وهو تحريم الميتة، فيقال: الذي جاء على ~~لسانه تحريم الميتة هو الذي أباح الأجنة المذكورة؛ فلو قدر أنها ميتة لكان ~~استثناؤها بمنزلة استثناء السمك # PageV02P254 # والجراد من الميتة، فكيف وليست بميتة؟ فإنها جزء من أجزاء الأم والذكاة ~~قد أتت على جميع أجزائها، فلا يحتاج أن يفرد كل جزء منها بذكاة، والجنين ~~تابع للأم جزء منها؛ فهذا هو مقتضى الأصول الصحيحة، ولو لم ترد السنة ~~بالإباحة، فكيف وقد وردت بالإباحة الموافقة للقياس والأصول؟ فإن قيل: ~~فالحديث حجة عليكم؛ فإنه قال: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» والمراد التشبيه، أي ~~ذكاته كذكاة أمه، وهذا يدل على أنه لا يباح إلا بذكاة تشبه ذكاة الأم. # قيل: هذا السؤال شقيق قول القائل: " " كلمة تكفي العاقل " فلو تأملتم ~~الحديث لم تستحسنوا إيراد هذا السؤال؛ فإن لفظ الحديث هكذا: عن أبي سعيد ~~قال: «قلنا: يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة وفي بطنها ~~الجنين أنلقيه أم نأكله؟ قال: كلوه إن شئتم؛ فإن ذكاته ذكاة أمه» فأباح لهم ~~أكله معللا بأن ذكاة الأم ذكاة له؛ فقد اتفق النص والأصل والقياس، ولله ~~الحمد. ### | [رد السنة الصحيحة في إشعار الهدي] # [إشعار الهدي] # المثال الثاني والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في إشعار ~~الهدي، بأنها خلاف الأصول؛ إذ الإشعار مثلة، ولعمر الله إن هذه السنة خلاف ~~الأصول الباطلة، وما ضرها ذلك شيئا، والمثلة المحرمة هي العدوان الذي لا ~~يكون عقوبة ولا تعظيما لشعائر الله؛ فأما شق صفحة سنام البعير المستحب أو ~~الواجب ذبحه ليسيل دمه قليلا فيظهر شعار الإسلام وإقامة هذه السنة التي هي ~~من أحب الأشياء إلى الله فعلى وفق الأصول، وأي كتاب أو سنة حرم ذلك حتى ~~يكون خلافا للأصول؟ وقياس الإشعار على المثلة المحرمة من أفسد قياس على وجه ~~الأرض؛ فإنه ms0673 قياس ما يحبه الله ويرضاه على ما يبغضه ويسخطه وينهى عنه، ولو ~~لم يكن في حكمة الإشعار إلا تعظيم شعائر الله وإظهارها وعلم الناس بأن هذه ~~قرابين الله عز وجل تساق إلى بيته تذبح له ويتقرب بها إليه عند بيته كما ~~يتقرب إليه بالصلاة إلى بيته عكس ما عليه أعداؤه المشركون الذين يذبحون ~~لأربابهم ويصلون لها؛ فشرع لأوليائه وأهل توحيده أن يكون نسكهم وصلاتهم لله ~~وحده، وأن يظهروا شعائر توحيده غاية الإظهار ليعلوا دينه على كل دين؛ فهذه ~~هي الأصول الصحيحة التي جاءت السنة بالإشعار على وفقها، ولله الحمد. ### | [رد السنة الصحيحة في من اطلع على قوم فأتلفوا عينه] # [لا دية لمن اطلع على قوم فأتلفوا عينه] # المثال الثالث والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال # PageV02P255 # «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك ~~جناح» متفق عليه، وفي أفراد مسلم: «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل ~~لهم أن يفقئوا عينه» وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد: «اطلع رجل من جحر في ~~حجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومعه مدرى يحك بها رأسه، فقال: لو ~~أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل النظر» وفي ~~صحيح مسلم عن أنس: " أن رجلا «اطلع من بعض حجر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقام إليه بمشقص، أو بمشاقص. # قال: وكأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يختله ليطعنه» ، ~~وفي سنن البيهقي بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «من اطلع على قوم بغير إذنهم فرموه فأصابوا عينه فلا دية له ~~ولا قصاص» فردت هذه السنن بأنها خلاف الأصول؛ فإن الله إنما أباح قلع العين ~~بالعين، لا بجناية النظر، ولهذا لو جنى عليه بلسانه لم يقطع، ولو استمع ~~عليه بإذنه لم يجز أن يقطع أذنه، فيقال: بل هذه السنن من أعظم الأصول؛ فما ~~خالفهما فهو ms0674 خلاف الأصول، وقولكم: " إنما شرع الله سبحانه أخذ العين بالعين ~~" فهذا حق في القصاص، وأما العضو الجاني المتعدي الذي لا يمكن دفع ضرره ~~وعدوانه إلا برميه، فإن الآية لا تتناوله نفيا ولا إثباتا، والسنة جاءت ~~ببيان حكمه بيانا ابتدائيا لما سكت عنه القرآن، لا مخالفا لما حكم به ~~القرآن، وهذا اسم آخر غير فقء العين قصاصا، وغير دفع الصائل الذي يدفع ~~بالأسهل فالأسهل؛ إذ المقصود دفع ضرر صياله، فإذا اندفع بالعصا لم يدفع ~~بالسيف. # وأما هذا المتعدي بالنظر المحرم الذي لا يمكن الاحتراز منه، فإنه إنما ~~يقع على وجه الاختفاء والختل؛ فهو قسم آخر غير الجاني وغير الصائل الذي لم ~~يتحقق عدوانه، ولا يقع هذا غالبا إلا على وجه الاختفاء وعدم مشاهدة غير ~~الناظر إليه؛ فلو كلف المنظور إليه إقامة البينة على جنايته لتعذرت عليه، ~~ولو أمر بدفعه بالأسهل فالأسهل ذهبت جناية عدوانه بالنظر إليه وإلى حريمه ~~هدرا، والشريعة الكاملة تأبى هذا وهذا؛ فكان أحسن ما يمكن وأصلحه وأكفه لنا ~~وللجاني ما جاءت به السنة التي لا معارض لها ولا دافع لصحتها من حذف ما ~~هنالك، وإن لم يكن هناك بصر عاد لم يضر خذف الحصاة، وإن كان هنالك بصر عاد ~~لا يلومن إلا نفسه؛ فهو الذي عرضه صاحبه للتلف، فأدناه إلى الهلاك، والخاذف ~~ليس بظالم له، والناظر خائن ظالم، والشريعة أكمل وأجل من أن تضيع حق هذا ~~الذي قد هتكت حرمته وتحيله في الانتصار على التعزير بعد إقامة البينة؛ فحكم ~~الله فيه بما شرعه على لسان رسوله، {ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} ~~[المائدة: 50] . # PageV02P256 ### | [رد السنة الصحيحة في وضع الجوائح] # الكلام عن وضع الجوائح] # المثال الرابع والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وضع ~~الجوائح، بأنها خلاف الأصول كما في صحيح مسلم عن جابر يرفعه: «لو بعت من ~~أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك ~~بغير حق؟» وروى سفيان بن عيينة عن حميد عن سليمان عن جابر «أن رسول الله ms0675 - ~~صلى الله عليه وسلم -: نهى عن بيع السنين، وأمر بوضع الجوائح» فقالوا: هذه ~~خلاف الأصول؛ فإن المشتري قد ملك الثمرة وملك التصرف فيها، وثم نقل الملك ~~إليه، ولو ربح فيها كان الربح له، فكيف تكون من ضمان البائع؟ وفي صحيح مسلم ~~عن أبي سعيد قال: «أصيب رجل في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تصدقوا ~~عليه فتصدقوا عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك» وروى مالك عن أبي الرجال عن ~~أمه عمرة «أنه سمعها تقول: ابتاع رجل ثمر حائط في زمن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فعالجه، وأقام عليه حتى تبين له النقصان، فسأل رب الحائط أن ~~يضع عنه، فحلف لا يفعل، فذهبت أم المشتري إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فذكرت له ذلك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تألى أن لا ~~يفعل خيرا فسمع بذلك رب المال، فأتى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: يا رسول الله هو له» . # والجواب أن وضع الجوائح لا يخالف شيئا من الأصول الصحيحة، بل هو مقتضى ~~أصول الشريعة، ونحن بحمد الله نبين هذا بمقامين؛ أما الأول فحديث وضع ~~الجوائح لا يخالف كتابا ولا سنة ولا إجماعا، وهو أصل بنفسه؛ فيجب قبوله، ~~وأما ما ذكرتم من القياس فيكفي في فساده شهادة النص له بالإهدار، كيف وهو ~~فاسد في نفسه؟ # وهذا يتبين بالمقام الثاني، وهو أن وضع الجوائح كما هو موافق للسنة ~~الصحيحة الصريحة فهو مقتضى القياس الصحيح؛ فإن المشتري لم يتسلم الثمرة ولم ~~يقبضها القبض التام الذي يوجب نقل الضمان إليه؛ فإن قبض كل شيء بحسبه، وقبض ~~الثمار إنما يكون عند كمال إدراكها شيئا فشيئا فهو كقبض المنافع في ~~الإجارة، وتسليم الشجرة إليه كتسليم العين المؤجرة من الأرض والعقار ~~والحيوان، وعلق البائع لم تنقطع عن المبيع، فإن له سقي الأصل وتعاهده، كما ms0676 ~~لم تنقطع علق المؤجر عن العين المستأجرة، والمشتري لم يتسلم التسليم التام ~~كما لم يتسلم المستأجر التسليم التام، فإذا جاء أمر غالب اجتاح الثمرة من ~~غير تفريط من المشتري لم يحل للبائع إلزامه بثمن ما أتلفه الله سبحانه منها ~~قبل تمكنه من قبضها القبض المعتاد. # وهذا معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أرأيت إن منع الله الثمرة؟ ~~فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟» فذكر الحكم وهو قوله: «فلا يحل له أن ~~يأخذ منه شيئا» وعلة الحكم وهو قوله: «أرأيت إن # PageV02P257 # منع الله الثمرة» إلى آخرة. # وهذا الحكم نص لا يحتمل التأويل، والتعليل وصف مناسب لا يقبل الإلغاء ولا ~~المعارضة. وقياس الأصول لا يقتضي غير ذلك، ولهذا لو تمكن من القبض المعتاد ~~في وقته ثم أخره لتفريط منه أو لانتظار غلاء السعر كان التلف من ضمانه ولم ~~توضع عنه الجائحة. وأما معارضة هذه السنة بحديث الذي أصيب في ثمار ابتاعها ~~فمن باب رد المحكم بالمتشابه؛ فإنه ليس فيه أنه أصيب فيها بجائحة، فليس في ~~الحديث أنها كانت جائحة عامة، بل لعله أصيب فيها بانحطاط سعرها. # وإن قدر أن المصيبة كانت جائحة فليس في الحديث أنها كانت جائحة عامة، بل ~~لعلها جائحة خاصة كسرقة اللصوص التي يمكن الاحتراز منها، ومثل هذا لا يكون ~~جائحة تسقط الثمن عن المشتري، بخلاف نهب الجيوش والتلف بآفة سماوية، وإن ~~قدر أن الجائحة عامة فليس في الحديث ما يبين أن التلف لم يكن بتفريطه في ~~التأخير، ولو قدر أن التلف لم يكن بتفريطه فليس فيه أنه طلب الفسخ وأن توضع ~~عند الجائحة، بل لعله رضي بالمبيع ولم يطلب الوضع، والحق في ذلك له: إن شاء ~~طلبه، وإن شاء تركه، فأين في الحديث أنه طلب ذلك، وأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - منع منه؟ # ولا يتم الدليل إلا بثبوت المقدمتين، فكيف يعارض نص قوله الصحيح الصريح ~~المحكم الذي لا يحتمل غير معنى واحد وهو نص فيه بهذا الحديث المتشابه؟ ثم ~~قوله فيه: «ليس لكم فيه إلا ms0677 ذلك» دليل على أنه لم يبق لبائعي الثمار من ذمة ~~المشتري غير ما أخذه، وعندكم المال كله في ذمته؛ فالحديث حجة عليكم. # وأما المعارضة بخبر مالك فمن أبطل المعارضات وأفسدها، فأين فيه أنه ~~أصابته جائحة بوجه ما؟ وإنما فيه أنه عالجه وأقام عليه حتى تبين له ~~النقصان، ومثل هذا لا يكون سببا لوضع الثمن، وبالله التوفيق. ### | [رد السنة الصحيحة في الإعادة على من صلى خلف الصف وحده] # [صلاة من صلى خلف الصف وحده] . المثال الخامس والأربعون: رد السنة ~~الصحيحة الصريحة المحكمة في وجوب الإعادة على من صلى خلف الصف وحده كما في ~~المسند بإسناد صحيح وصحيحي ابن حبان وابن خزيمة عن علي بن شيبان: «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يصلي خلف الصف، فوقف حتى انصرف ~~الرجل، فقال له: استقبل صلاتك فلا صلاة لفرد خلف الصف» . # وفي السنن وصحيحي ابن حبان وابن خزيمة عن وابصة بن معبد: أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - «رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد صلاته» ~~. # وفي مسند الإمام أحمد «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل صلى ~~وحده خلف الصف قال: يعيد صلاته» فردت هذه السنن المحكمة بأنها خلاف الأصول، ~~ولعمر الله إنها هي محض الأصول، وما خالفها فهو خلاف الأصول، وردت ~~بالمتشابه من حديث ابن عباس حديث «أحرم عن يسار النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، فأداره # PageV02P258 # إلى يمينه، ولم يأمره باستقبال الصلاة» . # وهذا من أفسد الرد؛ فإنه لا يشترط أن تكون تكبيرة الإحرام من المأمومين ~~في حال واحد، بل لو كبر أحدهم وحده ثم كبر الآخر بعده صحت القدوة ولم يكن ~~السابق فذا، وإن أحرم وحده فالاعتبار بالمصافة فيما تدرك به الركعة وهو ~~الركوع، وأفسد من هذا الرد رد الحديث بأن الإمام يقف فذا، وسنة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أجل وأعظم في صدور أهلها إن تعارض بهذا وأمثاله، ~~وأقبح من هذه المعارضة معارضتها بأن المرأة تقف خلف الصف وحدها؛ فإن هذا هو ~~موقفها ms0678 المشروع بل الواجب، كما أن موقف الإمام المشروع أن يكون وحده أمام ~~الصف. # أما موقف الفذ خلف الصف فلم يشرعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ألبتة، بل شرع الأمر بإعادة الصلاة لمن وقف فيه، وأخبر أنه لا صلاة له. فإن ~~قيل: فهب أن هذه المعارضات لم يسلم منها شيء، فما تصنعون بحديث أبي بكرة ~~حين ركع دون الصف ثم مشى راكعا حتى دخل في الصف، فقال له النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «زادك الله حرصا ولا تعد» ولم يأمره بإعادة الصلاة وقد وقعت ~~منه تلك الركعة فذا؟ # قيل: نقبله على الرأس والعينين، ونمسك قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا ~~تعد " فلو فعل أحد ذلك غير عالم بالنهي لقلنا له كما قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - سواء، فإن عاد بعد علمه بالنهي فإما أن يجتمع مع الإمام ~~في الركوع وهو في الصف أولا، فإن جامعه في الركوع وهو في الصف صحت صلاته؛ ~~لأنه أدرك الركعة وهو غير فذ كما لو أدركها قائما، وإن رفع الإمام رأسه من ~~الركوع قبل أن يدخل في الصف. # فقد قيل: تصح صلاته، وقيل: لا تصح له تلك الركعة ويكون فذا فيها ~~والطائفتان احتجوا بحديث أبي بكرة، والتحقيق أنه قضية عين: يحتمل دخوله في ~~الصف قبل رفع الإمام، ويحتمل أنه لم يدخل فيه حتى رفع الإمام. # وحكاية الفعل لا عموم لها؛ فلا يمكن أن يحتج بها على الصورتين، فهي إذا ~~مجملة متشابهة، فلا يترك لها النص المحكم الصريح، فهذا مقتضى الأصول نصا ~~وقياسا، وبالله التوفيق. ### | [رد السنة الصحيحة في الأذان للفجر قبل دخول وقتها] # [الأذان للفجر قبل دخول وقتها] # المثال السادس والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في جواز ~~الأذان للفجر قبل دخول وقتها كما في الصحيحين من حديث سالم بن عبد الله عن ~~أبيه «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا ~~واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم» وفي صحيح مسلم عن سمرة عن النبي - ~~صلى الله ms0679 عليه وسلم -: «لا يغرنكم نداء بلال، ولا هذا البياض حتى ينفجر ~~الفجر» وهو في الصحيحين من حديث ابن مسعود ولفظه: «لا يمنعن أحدكم أذان ~~بلال من سحوره؛ فإنه يؤذن - أو قال ينادي - بليل ليرجع قائمكم وينتبه ~~نائمكم» قال مالك: # PageV02P259 # لم تزل الصبح ينادى لها قبل الفجر، فردت هذه السنة لمخالفتها الأصول ~~والقياس على سائر الصلوات، وبحديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن ~~عمر: «أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يرجع فينادي: ألا إن العبد نام، ألا إن العبد نام فرجع فنادى: ألا إن العبد ~~نام» ولا ترد السنة الصحيحة بمثل ذلك؛ فإنها أصل بنفسها، وقياس وقت الفجر ~~على غيره من الأوقات لو لم يكن فيه إلا مصادمته للسنة لكفى في رده، فكيف ~~والفرق قد أشار إليه - صلى الله عليه وسلم -، وهو ما في النداء قبل الوقت ~~من المصلحة والحكمة التي لا تكون في غير الفجر؟ وإذا اختص وقتها بأمر لا ~~يكون في سائر الصلوات امتنع الإلحاق. وأما حديث حماد عن أيوب فحديث معلول ~~عند أئمة الحديث لا تقوم به حجة. # قال أبو داود: لم يروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة. وقال إسحاق بن إبراهيم ~~بن حبيب: سألت عليا وهو ابن المديني - عن حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر «أن ~~بلالا أذن بليل فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ارجع فناد إن العبد ~~نام» فقال: هو عندي خطأ، لم يتابع حماد بن سلمة على هذا، إنما روي أن بلالا ~~كان ينادي بليل. # قال البيهقي: قد تابعه سعيد بن رزين وهو ضعيف. وأما حماد بن سلمة فإنه ~~أحد أئمة المسلمين حتى قال الإمام أحمد: إذا رأيت الرجل يغمز حماد بن سلمة ~~فاتهمه، فإنه كان شديدا على أهل البدع. # قال البيهقي: إلا أنه لما طعن في السن ساء حفظه، فلذلك ترك البخاري ~~الاحتجاج بحديثه، وأما مسلم فاجتهد في أمره وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع ~~منه قبل تغيره، وما ms0680 سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ أكثر من اثني عشر حديثا ~~أخرجها في الشواهد دون الاحتجاج به. # وإذا كان الأمر كذلك فالاحتياط لمن راقب الله عز وجل أن لا يحتج بما يجد ~~من حديثه مخالفا لأحاديث الثقات الأثبات، وهذا الحديث من جملتها، ثم ذكر من ~~طريق الدارقطني عن معمر عن أيوب قال: أذن بلال مرة بليل، قال الدارقطني: ~~هذا مرسل، ثم ذكر من طريق إبراهيم وعبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة ~~عن عبد العزيز بن أبي رواد عن ابن عمر «أن بلالا قال له النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: ما حملك على ذلك؟ قال: استيقظت وأنا وسنان، فظننت أن الفجر قد ~~طلع، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينادي في المدينة: ألا إن ~~العبد قد نام، وأقعده إلى جانبه حتى طلع الفجر» . ثم قال: هكذا رواه ~~إبراهيم عن عبد العزيز، وخالفه شعيب بن حرب، فقال: عن عبد العزيز عن نافع ~~عن مؤذن لعمر يقال له مسروح أنه أذن قبل الصبح، فأمره عمر أن ينادي: ألا إن ~~العبد قد نام. # قال أبو داود: ورواه حماد بن زيد عن عبيد الله بن عمر عن نافع أو غيره أن ~~مؤذنا لعمر يقال له مسروح أو غيره، ورواه الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن ~~نافع عن ابن عمر: كان لعمر مؤذن يقال له مسعود، فذكر نحوه، قال أبو داود: ~~وهذا أصح # PageV02P260 # من ذلك، يعني حديث عمر أصح. # قال البيهقي: وروي من وجه آخر عن عبد العزيز موصولا، ولا يصح، رواه عامر ~~بن مدرك عنه عن نافع عن ابن عمر: «أن بلالا أذن قبل الفجر، فغضب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وأمره أن ينادي: إن العبد نام، فوجد بلالا وجدا ~~شديدا» ، قال الدارقطني: وهم فيه عامر بن مدرك. # والصواب عن شعيب بن حرب عن عبد العزيز عن نافع عن مؤذن عمر عن عمر من ~~قوله، وروي عن أنس بن مالك، ولا يصح، وروي عن أبي يوسف القاضي عن ابن أبي ~~عروبة ms0681 عن قتادة عن أنس: «أن بلالا أذن قبل الفجر، فأمره رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يصعد فينادي: ألا إن العبد نام، ففعل، وقال: ليت بلالا ~~لم تلده أمه، وابتل من نضح جبينه» . # قال الدارقطني: تفرد به أبو يوسف عن سعيد، يعني موصولا، وغيره يرسله عن ~~سعيد عن قتادة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمرسل أصح، ورواه ~~الدارقطني من طريق محمد بن القاسم الأسدي: ثنا الربيع بن صبيح عن الحسن عن ~~أنس، ثم قال: محمد بن القاسم الأسدي ضعيف جدا، وقال البخاري: كذبه الإمام ~~أحمد، وروي عن حميد بن هلال «أن بلالا أذن ليلة بسواد، فأمره النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يرجع إلى مقامه فينادي: إن العبد نام» ، ورواه إسماعيل ~~بن مسلم عن حميد عن أبي قتادة، وحميد لم يلق أبا قتادة؛ فهو مرسل بكل حال. ~~وروي عن شداد مولى عياض قال: «جاء بلال إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو يتسحر فقال: لا تؤذن حتى يطلع الفجر» ، وهذا مرسل. # قال أبو داود: شداد مولى عياض لم يدرك بلالا. # وروى الحسن بن عمارة عن طلحة بن مصرف عن سويد بن غفلة عن بلال قال: ~~«أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا أؤذن حتى يطلع الفجر» ، وعن ~~الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال مثله، ولم يروه هكذا غير الحسن بن ~~عمارة، وهو متروك، ورواه الحجاج بن أرطاة عن طلحة وزبيد عن سويد بن غفلة ~~«أن بلالا لم يؤذن حتى ينشق الفجر» ، هكذا رواه، لم يذكر فيه أمر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وكلاهما ضعيفان. # وروي عن سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لبلال: لا تؤذن - وجمع سفيان أصابعه الثلاث - لا تؤذن حتى يقول ~~الفجر هكذا» - وصف سفيان بين السبابتين ثم فرق بينهما - قال: وروينا عن ~~سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود ما دل على أذان بلال بليل، ~~وأن رسول الله - صلى الله عليه ms0682 وسلم - ذكر معاني تأذينه بالليل، وذلك أولى ~~بالقبول لأنه موصول وهذا مرسل، وروي عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق ~~عن الأسود قال: «قالت لي عائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~أوتر من الليل رجع إلى فراشه، فإذا أذن بلال قام؛ فكان بلال يؤذن إذا طلع ~~الفجر، فإن كان جنبا اغتسل، وإن لم يكن توضأ ثم صلى ركعتين» ، وروى الثوري ~~عن أبي إسحاق في هذا الحديث قال: ما كان المؤذن يؤذن حتى يطلع الفجر، وروى ~~شعبة عن أبي إسحاق عن # PageV02P261 # الأسود: «سألت عائشة عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالليل، ~~قالت: كان ينام أول الليل، فإذا كان السحر أوى، ثم يأتي فراشه فإن كانت له ~~حاجة إلى أهله ألم بهم، ثم ينام، فإذا سمع النداء - وربما قالت الأذان - ~~وثب، وربما قالت قام، فإذا كان جنبا أفاض عليه الماء، وربما قالت: اغتسل، ~~وإن لم يكن جنبا توضأ ثم خرج للصلاة» ، وقال زهير بن معاوية: عن أبي إسحاق ~~في هذا الحديث: فإذا كان عند النداء الأول وثب. # قال البيهقي: وفي روايته ورواية شعبة كالدليل على أن هذا النداء كان قبل ~~طلوع الفجر، وهي موافقة لرواية القاسم عن عائشة، وذلك أولى من رواية من ~~خالفها، وروي عن عبد الكريم عن نافع عن ابن عمر عن حفصة قالت: «كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أذن المؤذن صلى الركعتين، ثم خرج إلى ~~المسجد وحرم الطعام، وكان لا يؤذن إلا بعد الفجر» . # قال البيهقي: هكذا في هذه الرواية، وهو محمول إن صح على الأذان الثاني، ~~والصحيح عن نافع بغير هذا اللفظ، ورواه مالك عن نافع عن ابن عمر عن حفصة ~~زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها أخبرته «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح صلى ركعتين خفيفتين ~~قبل أن تقام الصلاة» والحديث في الصحيحين. # فإن قيل: عمدتكم في هذا إنما هو على حديث بلال، ولا يمكن الاحتجاج به؛ ~~فإنه ms0683 قد اضطرب الرواة فيه هل كان المؤذن بلالا أو ابن أم مكتوم، وليست إحدى ~~الروايتين أولى من الأخرى، فتتساقطان، فروى شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن ~~قال: سمعت عمتي أنيسة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن ابن أم ~~مكتوم ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال» رواه البيهقي وابن حبان ~~في صحيحه. فالجواب أن هذا الحديث قد رواه ابن عمر وعائشة وابن مسعود وسمرة ~~بن جندب عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أن بلالا يؤذن بليل» وهذا الذي ~~رواه صاحبا الصحيح، ولم يختلف عليهم في ذلك، وأما حديث أنيسة فاختلف عليها ~~في ثلاثة أوجه؛ أحدها: كذلك رواه محمد بن أيوب عن أبي الوليد وابن عمر عن ~~شعبة، الثاني: كحديث عائشة وابن عمر: «أن بلالا يؤذن بليل» هكذا رواه محمد ~~بن يونس الكديمي عن أبي الوليد عن شعبة، وكذلك رواه أبو داود الطيالسي ~~وعمرو بن مرزوق عن شعبة؛ الثالث: روي على الشك: «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا ~~واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» أو قال: «ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا ~~واشربوا حتى يؤذن بلال» كذلك رواه سليمان بن حرب وجماعة، والصواب رواية أبي ~~داود الطيالسي وعمرو بن مرزوق لموافقتها لحديث ابن عمر وعائشة، وأما رواية ~~أبي الوليد وابن عمر فمما انقلب فيها لفظ الحديث، وقد عارضها رواية الشك ~~ورواية الجزم بأن المؤذن # PageV02P262 # بليل هو بلال، وهو الصواب بلا شك، فإن ابن أم مكتوم كان ضرير البصر، ولم ~~يكن له علم بالفجر؛ فكان إذا قيل له: " طلع الفجر " أذن، وأما ما ادعاه بعض ~~الناس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الأذان نوبا بين بلال وابن أم ~~مكتوم، وكان كل منهما في نوبته يؤذن بليل، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- الناس أن يأكلوا ويشربوا حتى يؤذن الآخر؛ فهذا كلام باطل على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، ولم يجئ في ذلك أثر قط، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا ~~مرسل ولا متصل، ولكن هذه طريقة من يجعل ms0684 غلط الرواة شريعة ويحملها على ~~السنة، وخبر ابن مسعود وابن عمر وعائشة وسمرة الذي لم يختلف عليهم فيه أولى ~~بالصحة، والله أعلم. ### | [رد السنة الصحيحة في الصلاة على القبر] # [الصلاة على القبر] # المثال السابع والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المستفيضة عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في الصلاة على القبر، ما في الصحيحين من حديث ابن ~~عباس: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قبر منبوذ، فصفهم وتقدم ~~فكبر عليه أربعا» وفيهما من حديث أبي هريرة: «أنه صلى على قبر امرأة سوداء ~~كانت تقم المسجد» وفي صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «صلى على قبر امرأة بعدما دفنت» وفي سنن البيهقي والدارقطني عن ابن عباس ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: صلى على قبر بعد شهر» وفيهما عنه: «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على ميت بعد ثلاث» وفي جامع الترمذي: «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على أم سعد بعد شهر» فردت هذه السنن ~~المحكمة بالمتشابه من قوله: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» وهذا ~~حديث صحيح والذي قاله هو النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي صلى على القبر؛ ~~فهذا قوله وهذا فعله، ولا يناقض أحدهما الآخر؛ فإن الصلاة المنهي عنها إلى ~~القبر غير الصلاة التي على القبر؛ فهذه صلاة الجنازة على الميت التي لا ~~تختص بمكان، بل فعلها في غير المسجد أفضل من فعلها فيه؛ فالصلاة عليه على ~~قبره من جنس الصلاة عليه على نعشه فإنه المقصود بالصلاة في الموضعين، ولا ~~فرق بين كونه على النعش وعلى الأرض وبين كونه في بطنها، بخلاف سائر ~~الصلوات؛ فإنها لم تشرع في القبور ولا إليها؛ لأنها ذريعة إلى اتخاذها ~~مساجد، وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فعل ذلك، فأين ما لعن ~~فاعله وحذر منه وأخبر أن أهله شرار الخلق كما قال: «إن من شرار الخلق من ~~تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» إلى ما فعله - صلى ~~الله ms0685 عليه وسلم - مرارا متكررا؟ وبالله التوفيق ### | [رد السنة الصحيحة في الجلوس على فراش الحرير] # [الجلوس على فراش الحرير] . المثال الثامن والأربعون: رد السنة الصحيحة ~~الصريحة المحكمة في النهي عن # PageV02P263 # الجلوس على فراش الحرير، كما في صحيح البخاري من حديث حذيفة: «نهانا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، ~~وعن الحرير والديباج، وأن نجلس عليه، وقال: هو لهم في الدنيا ولنا في ~~الآخرة» ولو لم يأت هذا النص لكان النهي عن لبسه متناولا لافتراشه كما هو ~~متناول للالتحاف به، وذلك لبس لغة وشرعا كما قال أنس: قمت إلى حصير لنا قد ~~اسود من طول ما لبس، ولو لم يأت اللفظ العام المتناول لافتراشه بالنهي لكان ~~القياس المحض موجبا لتحريمه، إما قياس المثل أو قياس الأولى؛ فقد دل على ~~تحريم الافتراض النص الخاص واللفظ العام والقياس الصحيح، ولا يجوز رد ذلك ~~كله بالمتشابه من قوله: {خلق لكم ما في الأرض جميعا} [البقرة: 29] ومن ~~القياس على ما إذا كان الحرير بطانة الفراش دون ظهارته؛ فإن الحكم في ذلك ~~التحريم على أصح القولين، والفرق على القول الآخر مباشرة الحرير وعدمها ~~كحشو الفراش به؛ فإن صح الفرق بطل القياس، وإن بطل الفرق منع الحكم، وقد ~~تمسك بعموم النهي عن افتراش الحرير طائفة من الفقهاء فحرموه على الرجال ~~والنساء، وهذه طريقة الخراسانيين من أصحاب الشافعي، وقابلهم من أباحه ~~للنوعين، والصواب التفصيل وأن من أبيح له لبسه أبيح له افتراشه ومن حرم ~~عليه حرم عليه، وهذا قول الأكثرين، وهي طريقة العراقيين من الشافعية. ### | [رد السنة الصحيحة في خرص الثمار في الزكاة والعرايا وغيرها إذا بدا صلاحها] # [خرص الثمار في الزكاة والعرايا] : المثال التاسع والأربعون: رد السنة ~~الصحيحة الصريحة المحكمة في خرص الثمار في الزكاة والعرايا وغيرها إذا بدا ~~صلاحها كما رواه الشافعي عن عبد الله بن نافع عن محمد بن صالح التمار عن ~~الزهري عن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم ms0686 - قال في زكاة الكرم يخرص كما يخرص النخل، ثم تؤدى زكاته زبيبا كما ~~تؤدى زكاة النخل تمرا» وبهذا الإسناد بعينه أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «كان يبعث من يخرص على الناس كرومهم وثمارهم» وقال أبو داود ~~الطيالسي: ثنا شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن قال: سمعت عبد الرحمن بن مسعود ~~بن نيار يقول: أتانا سهل بن أبي حثمة إلى مجلسنا فحدثنا أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «إذا خرصتم فدعوا الثلث؛ فإن لم تدعوا الثلث فدعوا ~~الربع» قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ورواه أبو داود في السنن، وروى ~~فيها أيضا عن عائشة «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبعث عبد الله بن ~~رواحة إلى يهود فيخرص النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه، ثم يخبر يهود ~~فيأخذونه بذلك الخرص أم يدفعونه إليهم بذلك الخرص، لكي تحصى الزكاة قبل أن ~~تؤكل الثمار وتفرق» وروى الشافعي عن مالك عن ابن شهاب # PageV02P264 # عن سعيد بن المسيب «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ليهود خيبر ~~أقركم على ما أقركم الله، على أن التمر بيننا وبينكم» قال: وكان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص عليهم ثم يقول: إن ~~شئتم فلكم، وإن شئتم فلي، وكانوا يأخذونه. # وفي الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «خرص حديقة المرأة وهو ~~ذاهب إلى تبوك» وقال لأصحابه: اخرصوها، فخرصوها بعشرة أوسق، فلما قفل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - سألوا المرأة عن الحديقة، فقالت: بلغ عشرة ~~أوسق، وفي الصحيحين من حديث زيد بن ثابت «رخص رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها تمرا» وصح عن عمر بن الخطاب أنه بعث ~~سهل بن أبي حثمة على خرص التمر، وقال: " إذا أتيت أرضا فاخرصها ودع لهم قدر ~~ما يأكلون " فردت هذه السنن كلها بقوله تعالى: {إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} [المائدة: 90] قالوا: ~~الخرص من باب القمار والميسر؛ فيكون تحريمه ms0687 ناسخا لهذه الآثار، وهذا من ~~أبطل الباطل؛ فإن الفرق بين القمار والميسر والخرص المشروع، كالفرق بين ~~البيع والربا والميتة والمذكى، وقد نزه الله رسوله وأصحابه عن تعاطي القمار ~~وعن شرعه وعن إدخاله في الدين. ويا لله العجب، أكان المسلمون يقامرون إلى ~~زمن خيبر، ثم استمروا على ذلك إلى عهد الخلفاء الراشدين، ثم انقضى عصر ~~الصحابة وعصر التابعين على القمار ولا يعرفون أن الخرص قمار حتى بينه بعض ~~فقهاء الكوفة؟ وهذا والله الباطل حقا، والله الموفق. ### | [رد السنة الصحيحة في صفة صلاة الكسوف] # [صفة صلاة الكسوف] : المثال الخمسون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة ~~في صفة صلاة الكسوف وتكرار الركوع في كل ركعة كحديث عائشة وابن عباس وجابر ~~وأبي بن كعب وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري، كلهم روى عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - تكرار الركوع في الركعة الواحدة، فردت هذه ~~السنن المحكمة بالمتشابه من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: «كنت يوما أرمي ~~بأسهم وأنا بالمدينة، فانكسفت الشمس، فجمعت أسهمي وقلت: لأنظرن ماذا أحدث ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كسوف الشمس؛ فكنت خلف ظهره فجعل يسبح ~~ويكبر ويدعو حتى حسر عنها فصلى ركعتين وقرأ بسورتين» رواه مسلم في صحيحه. # وفي صحيح البخاري عن أبي بكرة قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فصلى ركعتين» ، وهذا لا يناقض رواية من روى أنه ركع ~~في كل ركعة ركوعين فهي ركعتان وتعدد ركوعهما كما يسميان سجدتين مع تعدد ~~سجودهما، كما قال ابن عمر: حفظت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعدها، وكثيرا ما يجيء في السنن إطلاق # PageV02P265 # السجدتين على الركعتين؛ فسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصدق ~~بعضها بعضا، لا سيما والذين رووا تكرار الركوع أكثر عددا وأجل وأخص برسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من الذين لم يذكروه. # فإن قيل: ففي حديث أبي بكرة «فصلى ركعتين نحوا مما تصلون» وهذا صريح في ~~إفراد الركوع. قيل: هذا الحديث ms0688 رواه شعبة عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أبي ~~بكرة دون الزيادة المذكورة، وهو الذي رواه البخاري في صحيحه، وزاد إسماعيل ~~بن علية هذه الزيادة؛ فإن رجحنا بالحفظ والإتقان فشعبة شعبة. وإن قبلنا ~~الزيادة فرواية من زاد في كل ركعة ركوعا آخر زائدة على رواية من روى ركوعا ~~واحدا فتكون أولى. فإن قيل: فما تصنعون بالسنة المحكمة الصريحة من رواية ~~سمرة بن جندب والنعمان بن بشير وعبد الله بن عمرو أنه صلاها ركعتين كل ركعة ~~بركوع واحد، وبحديث قبيصة الهلالي عنه - صلى الله عليه وسلم - «وإذا رأيتم ~~ذلك فصلوها كإحدى صلاة صليتموها من المكتوبة» ؟ وهذه الأحاديث في المسند ~~وسنن النسائي وغيرهما. قيل: الجواب من ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن أحاديث تكرار ~~الركوع أصح إسنادا وأسلم من العلة والاضطراب، لا سيما حديث عبد الله بن ~~عمرو؛ فإن الذي في الصحيحين عنه أنه قال: «كسفت الشمس على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فنودي أن الصلاة جامعة، فركع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ركعتين في سجدة ثم قام فركع ركعتين في سجدة، ثم جلس حتى جلي عن ~~الشمس» . فهذا أصح وأصرح من حديث كل ركعة بركوع؛ فلم يبق إلا حديث سمرة بن ~~جندب والنعمان بن بشير، وليس منهما شيء في الصحيح. الثاني: أن رواتها من ~~الصحابة أكبر وأكثر وأحفظ وأجل من سمرة والنعمان بن بشير؛ فلا ترد روايتهم ~~بها، الثالث: أنها متضمنة لزيادة فيجب الأخذ بها، وبالله التوفيق. ### | [رد السنة الصحيحة في الجهر في صلاة الكسوف] # [الجهر في صلاة الكسوف] # المثال الحادي والخمسون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الجهر في ~~صلاة الكسوف، كما في صحيح البخاري من حديث الأوزاعي عن الزهري أخبرني عروة ~~بن الزبير عن عائشة «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قرأ قراءة طويلة ~~يجهر بها في صلاة الكسوف» . # قال البخاري: تابعه سليمان بن كثير وسفيان بن حسين عن الزهري - قلت: أما ~~حديث سليمان بن كثير ففي مسند أبي داود الطيالسي حدثنا سليمان بن كثير عن ~~الزهري ms0689 عن عروة عن عائشة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جهر بالقراءة في ~~صلاة الكسوف» . # وقد تابعه عبد الرحمن بن نمر عن # PageV02P266 # الزهري، وهو في الصحيحين، أنه سمع ابن شهاب يحدث عن عروة عن عائشة: «كسفت ~~الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبعث رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - مناديا أن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فتقدم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فكبر وافتتح القرآن وقرأ قراءة طويلة يجهر بها» فذكر ~~الحديث. # قال البخاري: حديث عائشة في الجهر أصح من حديث سمرة - قلت: يريد قول ~~سمرة: «صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كسوف لم نسمع له صوتا» # وهو أصرح منه بلا شك، وقد تضمن زيادة الجهر؛ فهذه ثلاث ترجيحات، والذي ~~ردت به هذه السنة المحكمة هو المتشابه من قول ابن عباس: «أنه صلى الكسوف ~~فقرأ نحوا من سورة البقرة» قالوا: فلو سمع ما قرأ لم يقدره بسورة البقرة. # وهذا يحتمل وجوها؛ أحدها: أنه لم يجهر، الثاني: أنه جهر ولم يسمعه ابن ~~عباس، الثالث: أنه سمع ولم يحفظ ما قرأ به فقدره بسورة البقرة؛ فإن ابن ~~عباس لم يجمع القرآن في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما جمعه ~~بعده، الرابع: أن يكون نسي ما قرأ به وحفظ قدر قراءته، فقدرها بالبقرة، ~~ونحن نرى الرجل ينسى ما قرأ به الإمام في صلاة يومه، فكيف يقدم هذا اللفظ ~~المجمل على الصريح المحكم الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا؟ ومن العجب أن أنسا ~~روى ترك جهر النبي - صلى الله عليه وسلم - ببسم الله الرحمن الرحيم، ولم ~~يصح عن صحابي خلافه، فقلتم: كان صغيرا يصلي خلف الصفوف فلم يسمع البسملة، ~~وابن عباس أصغر سنا منه بلا شك وقدمتم عدم سماعه للجهر على من سمعه صريحا، ~~فهلا قلتم، كان صغيرا فلعله صلى خلف الصف فلم يسمعه جهر؟ # وأعجب من هذا قولكم: أن أنسا كان صغيرا لم يسمع تلبية رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لبيك حجا وعمرة» وقدمتم قول ms0690 ابن عمر عليه أنه أفرد ~~الحج، وأنس إذ ذاك له عشرون سنة، وابن عمر لم يستكملها وهو بسن أنس، وقوله: ~~" أفرد الحج " مجمل، وقول أنس: " سمعته يقول «لبيك عمرة وحجا» محكم مبين ~~صريح لا يحتمل غير ما يدل عليه، وقد قال ابن عمر: «تمتع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالعمرة إلى الحج وبدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج» ، ~~فقدمتم على حديث أنس الصحيح الصريح المحكم الذي لم يختلف عليه فيه حديثا ~~ليس مثله في الصراحة والبيان، ولم يذكر رواية لفظ النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وقد اختلف عليه فيه. ### | [رد السنة الصحيحة في الاكتفاء بالنضح في بول الغلام] # [الاكتفاء بالنضح في بول الغلام] : المثال الثاني والخمسون: رد السنة ~~الصحيحة الصريحة المحكمة في الاكتفاء في بول الغلام الذي لم يطعم بالنضح ~~دون الغسل، كما في الصحيحين عن أم قيس: «أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل ~~الطعام، فأجلسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجره، فبال عليه، فدعا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بماء فنضحه ولم يغسله» . # PageV02P267 # وفي الصحيحين أيضا عن عائشة «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كان ~~يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم، فأتي بصبي فبال عليه، فدعا بماء فأتبعه ~~ولم يغسله» وفي سنن أبي داود عن أمامة بنت الحارث قالت: «كان الحسين بن علي ~~- عليهما السلام - في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فبال عليه، فقالت ~~البس ثوبا وأعطني إزارك حتى أغسله، فقال: إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح ~~من بول الذكر» وفي المسند وغيره عن علي - عليه السلام - قال: «قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: بول الغلام الرضيع ينضح، وبول الجارية يغسل» ~~قال قتادة: هذا ما لم يطعما، فإذا طعما غسلا جميعا. # قال الحاكم أبو عبد الله: هذا حديث صحيح الإسناد، فإن أبا الأسود الدؤلي ~~صح سماعه عن علي - عليه السلام -، وقال الترمذي: حديث حسن، وفي سنن أبي ~~داود من حديث أبي السمح خادم النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «قال رسول ~~الله ms0691 - صلى الله عليه وسلم -: يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام» . ~~وفي المسند من حديث أم كرز الخزاعية قالت: «أتي النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بغلام فبال عليه فأمر به فنضح، وأتي بجارية فبالت عليه، فأمر به فغسل» ، ~~وعند ابن ماجه عن أم كرز الخزاعية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل» وصح الإفتاء بذلك عن علي بن أبي طالب ~~كرم الله وجهه في الجنة وأم سلمة، ولم يأت عن صحابي خلافهما، فردت هذه ~~السنن بقياس متشابه على بول الشيخ، وبعموم لم يرد به هذا الخاص وهو قوله: " ~~«إنما يغسل الثوب من أربع من البول والغائط والمني والدم والقيء» والحديث ~~لا يثبت؛ فإنه من رواية علي بن زيد بن جدعان عن ثابت بن حماد. # قال ابن عدي: لا أعلم رواه عن علي بن زيد غير ثابت بن حماد، وأحاديثه ~~مناكير ومعلولات، ولو صح وجب العمل بالحديثين، ولا يضرب أحدهما بالآخر، ~~ويكون البول فيه مخصوصا ببول الصبي، كما خص منه بول ما يؤكل لحمه بأحاديث ~~دون هذه في الصحة والشهرة. ### | [رد السنة الصحيحة في الوتر بواحدة مفصولة] # [جواز إفراد ركعة الوتر] : المثال الثالث والخمسون: رد السنة الثابتة ~~الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر بواحدة مفصولة كما في الصحيحين عن ابن ~~عمر أنه «سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الليل فقال: مثنى ~~مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى» . # وفي الصحيحين أيضا من حديث عائشة: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم من ~~كل ركعتين، ويوتر بواحدة» وفي صحيح مسلم عن # PageV02P268 # أبي مجلز قال: «سألت ابن عباس عن الوتر، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: ركعة من آخر الليل» . # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة القاعد على النصف من صلاة ~~القائم» فإذا صلى القاعد ركعتين وجب بهذا النص ms0692 أن تعدل صلاة القائم ركعة، ~~فلو لم تصح لكانت صلاة القاعد أتم من صلاة القائم، والاعتماد على الأحاديث ~~المتقدمة، وصح الوتر بواحدة مفصولة عن عثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وعبد ~~الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأبي أيوب ومعاوية بن أبي سفيان. # وقال الحاكم أبو عبد الله: ثنا عبد الله بن سليمان ثنا أحمد بن صالح ثنا ~~عبد الله بن وهب عن سليمان بن بلال عن صالح بن كيسان عن عبد الله بن الفضل ~~عن الأعرج عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا توتروا بثلاث تشبهوا بالمغرب، أوتروا بخمس أو سبع» رواه ابن ~~حبان والحاكم في صحيحيهما، وقال الحاكم: رواته كلهم ثقات، وله شاهد آخر ~~بإسناد صحيح: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا طاهر بن عمرو بن الربيع بن ~~طارق ثنا ابن أبي الليث ثنا يزيد بن أبي حبيب عن عراك بن مالك عن أبي ~~هريرة، فذكر مثله سواء، وزاد: «أوتروا بخمس أو سبع أو تسع أو بإحدى عشرة ~~ركعة أو أكثر من ذلك» . # فردت هذه السنن بحديثين باطلين وقياس فاسد؛ أحدهما: «نهى عن البتراء» ~~وهذا لا يعرف له إسناد لا صحيح ولا ضعيف، وليس في شيء من كتب الحديث ~~المعتمد عليها، ولو صح فالبتراء صفة للصلاة التي قد بتر ركوعها وسجودها فلم ~~يطمأن فيها، الثاني حديث يروى عن ابن مسعود مرفوعا: «وتر الليل ثلاث كوتر ~~النهار صلاة المغرب» . وهذا الحديث وإن كان أصح من الأول فإنه في سنن ~~الدارقطني، فهو من رواية يحيى بن زكريا. # قال الدارقطني: يقال له ابن أبي الحواجب، ضعيف، ولم يروه عن الأعمش ~~مرفوعا غيره، ورواه الثوري في الجامع وغيره عن الأعمش موقوفا على ابن ~~مسعود، وهو الصواب. # وأما القياس الفاسد فهو أن قالوا: رأينا المغرب وتر النهار، وصلاة الوتر ~~وتر الليل، وقد شرع الله سبحانه وتر النهار موصولا فهكذا وتر الليل، وقد ~~صحت السنة بالفرق بين الوترين من وجوه كثيرة؛ أحدها: الجمع ms0693 بين الجهر والسر ~~في وتر النهار دون وتر الليل، الثاني: وجوب الجماعة أو مشروعيتها فيه دون ~~وتر الليل، الثالث: أنه - صلى الله عليه وسلم - فعل وتر الليل على الراحلة ~~دون وتر النهار، الرابع: أنه قال في وتر الليل أنه ركعة واحدة دون وتر ~~النهار، الخامس: أنه أوتر بتسع وسبع وخمس موصولة دون وتر النهار، السادس: ~~أنه نهى عن تشبيه وتر الليل بوتر النهار كما تقدم، السابع: أن وتر الليل ~~اسم للركعة وحدها، ووتر النهار اسم لمجموع صلاة المغرب كما في صحيح مسلم من ~~حديث ابن عمر وابن عباس أنهما سمعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~«الوتر ركعة من آخر الليل» الثامن: أن وتر النهار فرض # PageV02P269 # ووتر الليل ليس بفرض باتفاق الناس، التاسع: أن وتر النهار يقضى بالاتفاق ~~وأما وتر الليل فلم يقم على قضائه دليل؛ فإن المقصود منه قد فات فهو كتحية ~~المسجد ورفع اليدين في محل الرفع والقنوت إذا فات، وقد توقف الإمام أحمد في ~~قضاء الوتر، وقال شيخنا: لا يقضى؛ لفوات المقصود منه بفوات وقته، قال: وقد ~~ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا منعه من قيام الليل نوم ~~أو وجع صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة، ولم يذكر الوتر، العاشر: أن المقصود ~~من وتر الليل جعل ما تقدمه من الأشفاع كلها وترا، وليس المقصود منه إيتار ~~الشفع الذي يليه خاصة، وكان الأقيس ما جاءت به السنة أن يكون ركعة مفردة ~~توتر جميع ما قبلها، وبالله التوفيق. ### | [رد السنة الصحيحة في التنفل إذا أقيمت صلاة الفرض] # [التنفل بعد الإقامة للصلاة المكتوبة] # المثال الرابع والخمسون: رد السنة الصحيحة الصريحة أنه لا يجوز التنفل ~~إذا أقيمت صلاة الفرض كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» وقال ~~الإمام أحمد في روايته: «إلا التي أقيمت» وفي الصحيحين عن عبد الله بن مالك ~~بن بحينة «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى ms0694 رجلا وقد أقيمت الصلاة ~~يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاث به الناس ~~وقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الصبح أربعا؟ الصبح أربعا؟» وفي ~~صحيح مسلم عن عبد الله بن سرجس قال: «دخل رجل المسجد ورسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في صلاة الصبح، فصلى ركعتين قبل أن يصل إلى الصف، فلما انصرف ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: يا فلان بأي صلاتيك اعتددت؟ ~~بالتي صليت وحدك أو بالتي صليت معنا؟» وفي الصحيحين «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مر برجل، فكلمه بشيء لا ندري ما هو، فلما انصرف أحطنا به ~~نقول: ماذا قال لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: قال لي: يوشك أن ~~يصلي أحدكم الصبح أربعا» وعند مسلم: «أقيمت صلاة الصبح، فرأى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - رجلا يصلي والمؤذن يقيم الصلاة، فقال: أتصلي الصبح ~~أربعا؟» وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: ثنا أبو عامر الخراز عن ابن أبي ~~مليكة عن ابن عباس قال: «كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: أتصلي الصبح أربعا» وكان عمر بن الخطاب إذا رأى ~~رجلا يصلي وهو يسمع الإقامة ضربه. # وقال حماد بن سلمة: عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه أبصر رجلا يصلي ~~الركعتين والمؤذن يقيم، فحصبه وقال: أتصلي الصبح أربعا؟ فردت هذه السنن ~~كلها بما رواه حجاج بن نصير المتروك عن عباد بن كثير الهالك عن ليث عن عطاء ~~عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أقيمت الصلاة ~~فلا صلاة إلا المكتوبة» وزاد: «إلا ركعتي الصبح» فهذه الزيادة كاسمها زيادة ~~في الحديث لا أصل لها. # PageV02P270 # فإن قيل: فقد كان أبو الدرداء يدخل المسجد والناس صفوف في صلاة الفجر ~~فيصلي الركعتين في ناحية المسجد، ثم يدخل مع القوم في الصلاة، وكان ابن ~~مسعود يخرج من داره لصلاة الفجر ثم يأتي الصلاة فيصلي ركعتين في ناحية ~~المسجد ثم ms0695 يدخل معهم في الصلاة. قيل: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله في ~~مقابلة أبي الدرداء وابن مسعود، والسنة سالمة لا معارض لها، ومعها أصح قياس ~~يكون؛ فإن وقتها يضيق بالإقامة فلم يقبل غيرها بحيث لا يجوز لمن حضر أن ~~يؤخرها ويصليها بعد ذلك، والله الموفق. ### | [رد السنة الصحيحة في صلاة النساء جماعة] # [صلاة النساء جماعة] : المثال الخامس والخمسون: رد السنة الصحيحة المحكمة ~~في استحباب صلاة النساء جماعة لا منفردات، كما في المسند والسنن من حديث ~~عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث: «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذنا كان يؤذن لها، ~~وأمرها أن تؤم أهل دارها» قال عبد الرحمن: فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيرا؛ ~~وقال الوليد بن جميع: حدثتني جدتي عن أم ورقة «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أمرها، أو أذن لها، أن تؤم أهل دارها، وكانت قد قرأت القرآن على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» وقال الإمام أحمد: ثنا وكيع ثنا سفيان ~~عن ميسرة أبي حازم عن رائطة الحنفية أن عائشة أمت نسوة في المكتوبة، فأمتهن ~~بينهن وسطا، تابعه ليث عن عطاء عن عائشة، وروى الشافعي عن أم سلمة أنها أمت ~~نساء فقامت وسطهن، ولو لم يكن في المسألة إلا عموم قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» لكفى. # وروى البيهقي من حديث يحيى بن يحيى أنا ابن لهيعة عن الوليد بن أبي ~~الوليد عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «لا خير في جماعة النساء إلا في صلاة أو جنازة» والاعتماد على ما ~~تقدم، فردت هذه السنن بالمتشابه من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لن يفلح ~~قوم ولوا أمرهم امرأة» وهذا إنما # [ورد] في الولاية والإمامة العظمى والقضاء، وأما الرواية والشهادة ~~والفتيا والإمامة فلا تدخل في هذا. ومن العجب أن من خالف هذه السنة جوز ~~للمرأة أن تكون ms0696 قاضية تلي أمور المسلمين، فكيف أفلحوا وهي حاكمة عليهم ولم ~~يفلح أخواتها من النساء إذا أمتهن؟ . ### | [رد السنة الصحيحة في التسليم من الصلاة مرة أومرتين] # [التسليم من الصلاة مرة أومرتين] : المثال السادس والخمسون: رد السنة ~~الصحيحة الصريحة المحكمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV02P271 # التي رواها عنه خمسة عشر نفسا من الصحابة: «أنه كان يسلم في الصلاة عن ~~يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله» منهم ~~عبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص وجابر بن سمرة وأبو موسى الأشعري وعمار ~~بن ياسر وعبد الله بن عمر والبراء بن عازب ووائل بن حجر وأبو مالك الأشعري ~~وعدي بن عميرة الضمري وطلق بن علي وأوس بن أوس وأبو رمثة، والأحاديث بذلك ~~ما بين صحيح وحسن، فرد ذلك بخمسة أحاديث مختلف في صحتها؛ أحدها: حديث هشام ~~بن عروة عن أبيه عن عائشة «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كان يسلم ~~تسليمة واحدة» رواه الترمذي، والثاني: حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي ~~عن مصعب بن ثابت عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن سعد «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: كان يسلم في آخر الصلاة تسليمة واحدة: السلام عليكم» ~~الثالث: حديث عبد المهيمن بن عباس عن أبيه عن جده: «أنه سمع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يسلم تسليمة واحدة لا يزيد عليها» رواه الدارقطني، ~~الرابع: حديث عطاء بن أبي ميمونة عن أبيه عن الحسن عن سمرة بن جندب: «كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم مرة واحدة في الصلاة قبل وجهه؛ فإذا ~~سلم عن يمينه سلم عن يساره» رواه الدارقطني، الخامس: حديث يحيى بن راشد عن ~~يزيد مولى سلمة بن الأكوع قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يسلم مرة واحدة» . وهذه الأحاديث لا تقاوم تلك ولا تقاربها حتى تعارض بها. ~~أما حديث عائشة فحديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث. # قال البخاري: زهير بن محمد من أهل الشام يروي مناكير، وقال يحيى: ms0697 ضعيف، ~~والحديث من رواية عمرو بن أبي سلمة عنه. # قال الطحاوي: هو وإن كان ثقة فإن رواية عمرو بن أبي سلمة عنه تضعف جدا. ~~وهكذا قال يحيى بن معين فيما حكى لي عنه غير واحد من أصحابنا منهم علي بن ~~عبد الرحمن بن المغيرة، وزعم أن فيها تخليطا كثيرا قال: والحديث أصله موقوف ~~على عائشة، هكذا رواه الحافظ. # فإن قيل: فإذا ثبت ذلك عن عائشة فبمن نعارضها في ذلك من أصحاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -؟ قيل له: بأبي بكر وعمر وعلي بن أبي طالب - عليهم ~~السلام - وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وسهل بن سعد الساعدي، وذكر ~~الأسانيد عنهم بذلك، ثم قال: فهؤلاء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعمار ومن ذكرنا معهم يسلمون عن أيمانهم ~~وعن شمائلهم، ولا ينكر ذلك عليهم غيرهم، على قرب عهدهم برؤية رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وحفظهم لأفعاله، فما ينبغي لأحد خلافه لو لم يكن روى ~~في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكيف وقد روى عنه ما يوافق فعلهم؟ # PageV02P272 # وأما حديث سعد بن أبي وقاص فحديث معلول، بل باطل، والدليل على بطلانه أن ~~الذي رواه هكذا الدراوردي خاصة، وقد خالف في ذلك جميع من رواه عن مصعب بن ~~ثابت كعبد الله بن المبارك ومحمد بن عمرو، ثم قد رواه إسماعيل بن محمد عن ~~عامر بن سعد عن سعد كما رواه الناس. # «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده، ~~وعن يساره حتى يرى بياض خده» رواه مسلم في صحيحه؛ فقد صح رواية سعد «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلم تسليمتين» ومعه من ذكرنا من الصحابة، ~~وبان بذلك بطلان رواية الدراوردي. وأما حديث عبد المهيمن بن عباس بن سهل عن ~~أبيه عن جده فقال الدارقطني: عبد المهيمن ليس بالقوي، وقال ابن حبان: بطل ~~الاحتجاج به. وأما حديث عطاء بن أبي ميمونة عن أبيه عن الحسن ms0698 فمن رواية روح ~~ابنه عنه. # قال الإمام أحمد: منكر الحديث، وتركه يحيى. وأما حديث يحيى بن راشد عن ~~يزيد مولى سلمة فقال يحيى بن معين: يحيى بن راشد ليس بشيء، وقال النسائي: ~~ضعيف # ، وقال أبو عمر بن عبد البر: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~«كان يسلم تسليمة واحدة» من حديث سعد بن أبي وقاص، ومن حديث عائشة، ومن ~~حديث أنس، إلا أنها معلولة لا يصححها أهل العلم بالحديث؛ لأن حديث سعد أخطأ ~~فيه الدراوردي، فرواه على غير ما رواه الناس بتسليمة واحدة، وغيره يروي فيه ~~بتسليمتين، ثم ذكر حديثه عن مصعب بن ثابت أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة» ثم قال: وهذا وهم عندهم وغلط، ~~وإنما الحديث كما رواه ابن المبارك وغيره عن مصعب بن ثابت عن إسماعيل بن ~~محمد عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه «كان يسلم عن يمينه وعن يساره» ~~وقد روي هذا الحديث بالتسليمتين من طريق مصعب، ثم ساق طرقه بالتسليمتين عن ~~سعد، ثم ساق من طريق ابن المبارك عن مصعب عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن ~~سعد عن أبيه قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم عن يمينه ~~وعن شماله، وكأني أنظر إلى صفحة خده» فقال الزهري: ما سمعنا هذا من حديث ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له إسماعيل بن محمد: أكل حديث رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - سمعت؟ قال: لا، قال: فنصفه؟ قال: لا، قال: ~~فاجعل هذا في النصف الذي لم تسمع قال: وأما حديث عائشة - رضي الله عنها - ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يسلم تسليمة واحدة» فلم يرفعه أحد ~~إلا زهير بن محمد وحده عن هشام بن عروة، رواه عنه عمرو بن أبي سلمة، # PageV02P273 # وزهير بن محمد ضعيف عند الجميع كثير الخطأ لا يحتج به، وذكر يحيى بن معين ~~هذا الحديث فقال: عمرو بن أبي سلمة وزهير ضعيفان لا حجة فيهما. # وأما حديث ms0699 أنس فلم يأت إلا من طريق أيوب السختياني عن أنس، ولم يسمع أيوب ~~من أنس عندهم شيئا. قال: وقد روي عن الحسن مرسلا «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأبا بكر وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة» ذكره وكيع عن الربيع عنه، ~~قال: والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة، وهو عمل قد توارثه أهل ~~المدينة كابرا عن كابر، ومثله يصح فيه الاحتجاج بالعمل في كل بلد، لأنه لا ~~يخفى؛ لوقوعه في كل يوم مرارا. ### | [عمل أهل المدينة] ### | [أنواع السنن] # [الكلام على عمل أهل المدينة] : قلت: وهذا أصل قد نازعهم فيه الجمهور، ~~وقالوا: عمل أهل المدينة كعمل غيرهم من أهل الأمصار، ولا فرق بين عملهم ~~وعمل أهل الحجاز والعراق والشام؛ فمن كانت السنة معهم فهم أهل العمل ~~المتبع، وإذا اختلف علماء المسلمين لم يكن عمل بعضهم حجة على بعض، وإنما ~~الحجة اتباع السنة، ولا تترك السنة لكون عمل بعض المسلمين على خلافها أو ~~عمل بها غيرهم، ولو ساغ ترك السنة لعمل بعض الأمة على خلافها لتركت السنن ~~وصارت تبعا لغيرها؛ فإن عمل بها ذلك الغير عمل بها وإلا فلا، والسنة هي ~~العيار على العمل، وليس العمل عيارا على السنة، ولم تضمن لنا العصمة قط في ~~عمل مصر من الأمصار دون سائرها، والجدران والمساكن والبقاع لا تأثير لها في ~~ترجيح الأقوال، وإنما التأثير لأهلها وسكانها. # ومعلوم أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاهدوا التنزيل، ~~وعرفوا التأويل، وظفروا من العلم بما لم يظفر به من بعدهم؛ فهم المقدمون في ~~العلم على من سواهم، كما هم المقدمون في الفضل والدين، وعملهم هو العمل ~~الذي لا يخالف، وقد انتقل أكثرهم عن المدينة، وتفرقوا في الأمصار، بل أكثر ~~علمائهم صاروا إلى الكوفة والبصرة والشام مثل علي بن أبي طالب كرم الله ~~وجهه وأبي موسى وعبد الله بن مسعود وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء وعمرو بن ~~العاص ومعاوية بن أبي سفيان ومعاذ بن جبل، وانتقل إلى الكوفة والبصرة نحو ~~ثلاثمائة صحابي ونيف، وإلى الشام ومصر نحوهم، فكيف ms0700 يكون عمل هؤلاء معتبرا ~~ما داموا في المدينة، فإذا خالفوا غيرهم لم يكن عمل من خالفوه معتبرا، فإذا ~~فارقوا جدران المدينة كان عمل من بقي فيها هو المعتبر، ولم يكن خلاف ما ~~انتقل عنها معتبرا؟ ، هذا من الممتنع. # وليس جعل عمل الباقين معتبرا أولى من جعل عمل # PageV02P274 # المفارقين معتبرا؛ فإن الوحي قد انقطع بعد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، ولم يبق إلا كتاب الله وسنة رسوله، فمن كانت السنة معه فعمله هو ~~العمل المعتبر حقا، فكيف تترك السنة المعصومة لعمل غير معصوم؟ ثم يقال: ~~أرأيتم لو استمر عمل أهل مصر من الأمصار التي انتقل إليها الصحابة على ما ~~أداه إليهم من صار إليهم من الصحابة، ما الفرق بينه وبين عمل أهل المدينة ~~المستمر على ما أداه إليهم من بها من الصحابة، والعمل إنما استند إلى قول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعله؟ فكيف يكون قوله وفعله الذي أداه ~~من بالمدينة موجبا للعمل دون قوله وفعله الذي أداه غيرهم؟ هذا إذا كان النص ~~مع عمل أهل المدينة، فكيف إذا كان مع غيرهم النص، وليس معهم نص يعارضه، ~~وليس معهم إلا مجرد العمل؟ ومن المعلوم أن العمل لا يقابل النص، بل يقابل ~~العمل بالعمل، ويسلم النص عن المعارض. # وأيضا فنقول: هل يجوز أن يخفى على أهل المدينة بعد مفارقة جمهور الصحابة ~~لها سنة من سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويكون علمها عند من ~~فارقها أم لا؟ فإن قلتم " لا يجوز " أبطلتم أكثر السنن التي لم يروها أهل ~~المدينة، وإن كانت من رواية إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، ومن رواية أهل ~~بيت علي عنه، ومن رواية أصحاب معاذ عنه، ومن رواية أصحاب أبي موسى عنه، ومن ~~رواية أصحاب عمرو بن العاص وابنه عبد الله وأبي الدرداء ومعاوية وأنس بن ~~مالك وعمار بن ياسر وأضعاف هؤلاء، وهذا مما لا سبيل إليه. # وإن قلتم " يجوز أن يخفى على من بقي في المدينة بعض السنن ويكون علمها ~~عند غيرهم " فكيف تترك ms0701 السنن لعمل من قد اعترفتم بأن السنة قد تخفى عليهم؟ ~~. # وأيضا فإن عمر بن الخطاب كان إذا كتب إليه بعض الأعراب بسنة عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - عمل بها، ولو لم يكن معمولا بها بالمدينة، كما كتب ~~إليه الضحاك بن سفيان الكلابي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورث ~~امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها» فقضى به عمر. # وأيضا فإن هذه السنة التي لم يعمل بها أهل المدينة لو جاء من رواها إلى ~~المدينة وعمل بها لم يكن عمل من خالفه حجة عليه، فكيف يكون حجة عليه إذا ~~خرج من المدينة؟ # وأيضا فإن هذا يوجب أن يكون جميع أهل الأمصار تبعا للمدينة فيما يعملون ~~به، وأنه لا يجوز لهم مخالفتهم في شيء، فإن عملهم إذا قدم على السنة فلأن ~~يقدم على عمل غيرهم أولى، وإن قيل إن عملهم نفسه سنة لم يحل لأحد مخالفتهم، ~~ولكن عمر بن الخطاب # PageV02P275 # ومن بعده من الخلفاء لم يأمر أحد منهم أهل الأمصار أن لا يعملوا بما ~~عرفوه من السنة وعلمهم إياه الصحابة إذا خالف عمل أهل المدينة، وأنهم لا ~~يعملون إلا بعمل أهل المدينة، بل مالك نفسه منع الرشيد من ذلك وقد عزم ~~عليه، وقال له: قد تفرق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في البلاد، ~~وصار عند كل طائفة منهم علم ليس عند غيرهم، وهذا يدل على أن عمل أهل ~~المدينة ليس عنده حجة لازمة لجميع الأمة، وإنما هو اختيار منه لما رأى عليه ~~العمل، ولم يقل قط في موطئه ولا غيره لا يجوز العمل بغيره، بل يخبر إخبارا ~~مجردا أن هذا عمل أهل بلده؛ فإنه - رضي الله عنه - وجزاه عن الإسلام خيرا ~~ادعى إجماع أهل المدينة في نيف وأربعين مسألة. # ثم هي ثلاثة أنواع: # أحدها: لا يعلم أن أهل المدينة خالفهم فيه غيرهم. # والثاني: ما خالف فيه أهل المدينة غيرهم وإن لم يعلم اختلافهم فيه، ~~والثالث: ما فيه الخلاف بين أهل المدينة أنفسهم، ومن ورعه - رضي الله عنه ms0702 - ~~لم يقل إن هذا إجماع الأمة الذي لا يحل خلافه. وعند هذا فنقول: ما عليه ~~العمل إما أن يراد به القسم الأول، أو هو والثاني، أو هما والثالث؛ فإن ~~أريد الأول فلا ريب أنه حجة يجب اتباعه، وإن أريد الثاني والثالث فأين ~~دليله؟ # وأيضا فأحق عمل أهل المدينة أن يكون حجة العمل القديم الذي كان في زمن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وزمن خلفائه الراشدين، وهذا ~~كعملهم الذي كأنه مشاهد بالحس ورأي عين من إعطائهم أموالهم التي قسمها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على من شهد معه خيبر فأعطوها اليهود على أن ~~يعملوها بأنفسهم وأموالهم والثمرة بينهم وبين المسلمين، يقرونهم ما أقرهم ~~الله ويخرجونهم متى شاءوا، واستمر هذا العمل كذلك بلا ريب إلى أن استأثر ~~الله بنبيه - صلى الله عليه وسلم -[مدة] أربعة أعوام، ثم استمر مدة خلافة ~~الصديق، وكلهم على ذلك، ثم استمر مدة خلافة عمر - رضي الله عنهم -، إلى أن ~~أجلاهم قبل أن يستشهد بعام؛ فهذا هو العمل حقا. # فكيف ساغ خلافه وتركه لعمل حادث؟ ومن ذلك عمل الصحابة مع نبيهم - صلى ~~الله عليه وسلم - على الاشتراك في الهدي، البدنة عن عشرة والبقرة عن سبعة، ~~فيا له من عمل ما أحقه وأولاه بالاتباع، فكيف يخالف إلى عمل حادث بعده ~~مخالف له؟ ومن ذلك عمل أهل المدينة الذي كأنه رأي عين في سجودهم في {إذا ~~السماء انشقت} [الانشقاق: 1] مع نبيهم - صلى الله عليه وسلم - ومعهم أبو ~~هريرة. # وإنما صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أعوام وبعض الرابع، وقد ~~أخبر عن عمل الصحابة مع نبيهم في آخر أمره، فهذا والله هو # PageV02P276 # العمل، فكيف يقدم عليه عمل من بعدهم بما شاء الله من السنين ويقال: العمل ~~على ترك السجود؟ ومن ذلك عمل الصحابة مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقد ~~قرأ السجدة على المنبر في خطبته يوم الجمعة ثم نزل عن المنبر فسجد، وسجد ~~معه أهل المسجد، ثم صعد، فهذا العمل حق، فكيف يقال: العمل على خلافه ms0703 ويقدم ~~العمل الذي يخالف ذلك عليه؟ # ومن ذلك عمل الصحابة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في اقتدائهم به وهو ~~جالس، وهذا كأنه رأي عين، سواء كانت صلاتهم خلفه قعودا أو قياما، فهذا عمل ~~في غاية الظهور والصحة، فمن العجب أن يقدم عليه رواية جابر الجعفي عن ~~الشعبي - وهما كوفيان - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يؤمن ~~أحد بعدي جالسا» ؟ وهذه من أسقط روايات أهل الكوفة. # ومن ذلك أن سليمان بن عبد الملك عام حج جمع ناسا من أهل العلم فيهم عمر ~~بن عبد العزيز وخارجة بن زيد بن ثابت والقاسم بن محمد وسالم وعبيد الله ~~ابنا عبد الله بن عمر ومحمد بن شهاب الزهري وأبو بكر بن عبد الرحمن بن ~~الحارث بن هشام، فسألهم عن الطيب قبل الإفاضة، فكلهم أمره بالطيب، وقال ~~القاسم: أخبرتني «عائشة أنها طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحرمه ~~حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت» . ولم يختلف عليه أحد منهم، إلا أن عبد ~~الله بن عبيد الله قال: كان عبد الله رجلا جادا مجدا، كان يرمي الجمرة ثم ~~يذبح ثم يحلق ثم يركب فيفيض قبل أن يأتي منزله، قال سالم: صدق، ذكره ~~النسائي # ، فهذا عمل أهل المدينة وفتياهم، فأي عمل بعد ذلك يخالفه يستحق التقديم ~~عليه؟ ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن قاسم بن مسلم عن أبي جعفر قال: ~~ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع، وزارع علي وسعد بن ~~مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد وعروة بن ~~الزبير وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين، وعامل عمر بن الخطاب الناس ~~على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا ~~وكذا. فهذا والله هو العمل الذي يستحق تقديمه على كل عمل خالفه، والذي من ~~جعله بينه وبين الله فقد استوثق. # فيا لله العجب، أي عمل بعد هذا يقدم عليه؟ وهل يكون ms0704 عمل يمكن أن يقال إنه ~~إجماع أظهر من هذا وأصح منه؟ # PageV02P277 # أنواع السنن وأمثلة لكل نوع منها] # وأيضا فالعمل نوعان: نوع لم يعارضه نص ولا عمل قبله ولا عمل مصر آخر ~~غيره، وعمل عارضه واحد من هذه الثلاثة؛ فإن سويتم بين أقسام هذا العمل كلها ~~فهي تسوية بين المختلفات التي فرق النص والعقل بينها، وإن فرقتم بينها فلا ~~بد من دليل فارق بين ما هو معتبر منها وما هو غير معتبر، ولا تذكرون دليلا ~~قط إلا كان دليل من قدم النص أقوى، وكان به أسعد. وأيضا فإنا نقسم عليكم ~~هذا العمل من وجه آخر ليتبين به المقبول من المردود فنقول: عمل أهل المدينة ~~وإجماعهم نوعان؛ أحدهما: ما كان من طريق النقل والحكاية، والثاني: ما كان ~~من طريق الاجتهاد والاستدلال؛ فالأول على ثلاثة أضرب؛ أحدها: نقل الشرع ~~مبتدأ من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو أربعة أنواع؛ أحدها: نقل ~~قوله، والثاني: نقل فعله، والثالث: نقل تقريره لهم على أمر شاهدهم عليه أو ~~أخبرهم به، الرابع: نقلهم لترك شيء قام سبب وجوده ولم يفعله. الثاني: نقل ~~العمل المتصل زمنا بعد زمن من عهده - صلى الله عليه وسلم -. الثالث: نقل ~~لأماكن وأعيان ومقادير لم تتغير عن حالها. # [نقل القول وطريقة البخاري في ترتيب صحيحه] : # ونحن نذكر أمثلة هذه الأنواع؛ فأما نقل قوله فظاهر، وهو الأحاديث المدنية ~~التي هي أم الأحاديث النبوية، وهي أشرف أحاديث أهل الأمصار، ومن تأمل أبواب ~~البخاري وجده أول ما يبدأ في الباب بها ما وجدها، ثم يتبعها بأحاديث أهل ~~الأمصار، وهذه كمالك عن نافع عن أبيه عمر، وابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن ~~أبي هريرة، ومالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وأبي الزناد عن الأعرج ~~عن أبي هريرة، وأبي شهاب عن سالم عن أبيه، وابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن ~~عن أبي هريرة، ويحيى بن سعيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وابن شهاب عن عبيد ~~الله بن عبد الله بن عتبة عن ms0705 ابن عباس، ومالك عن موسى بن عقبة عن كريب عن ~~أسامة بن زيد، والزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب، وأمثال ذلك. # [نقل الفعل] # أما نقل فعله فكنقلهم أنه توضأ من بئر بضاعة، وأنه كان يخرج كل عيد إلى ~~المصلى فيصلي به العيد هو والناس، وأنه كان يخطبهم قائما على المنبر وظهره ~~إلى القبلة ووجهه # PageV02P278 # إليهم، وأنه كان يزور قباء كل سبت ماشيا وراكبا، وأنه كان يزورهم في ~~دورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم ونحو ذلك. # [نقل التقرير] # وأما نقل التقرير فكنقلهم إقراره لهم على تلقيح النخل، وعلى تجاراتهم ~~التي كانوا يتجرونها، وهي على ثلاثة أنواع: تجارة الضرب في الأرض، وتجارة ~~الإدارة، وتجارة السلم فلم ينكر عليهم منها تجارة واحدة، وإنما حرم عليهم ~~فيها الربا الصريح ووسائله المفضية إليه أو التوسل بتلك المتاجر إلى الحرام ~~كبيع السلاح لمن يقاتل به المسلم وبيع العصير لمن يعصره خمرا وبيع الحرير ~~لمن يلبسه من الرجال ونحو ذلك مما هو معاونة على الإثم والعدوان. # وكإقرارهم على صنائعهم المختلفة من تجارة وخياطة وصياغة وفلاحة، وإنما ~~حرم عليهم فيها الغش والتوسل بها إلى المحرمات، وكإقرارهم على إنشاد ~~الأشعار المباحة وذكر أيام الجاهلية والمسابقة على الأقدام، وكإقرارهم على ~~المهادنة في السفر، وكإقرارهم على الخيلاء في الحرب ولبس الحرير فيه وإعلام ~~الشجاع منهم بعينه بعلامة من ريشة أو غيرها. وكإقرارهم على لبس ما نسجه ~~الكفار من الثياب، وعلى إنفاق ما ضربوه من الدراهم، وربما كان عليها صور ~~ملوكهم، ولم يضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا خلفاؤه مدة حياتهم ~~دينارا ولا درهما، وإنما كانوا يتعاملون بضرب الكفار. وكإقراره لهم بحضرته ~~على المزاح المباح، وعلى الشبع في الأكل، وعلى النوم في المسجد، وعلى شركة ~~الأبدان، وهذا كثير من أنواع السنن احتج به الصحابة وأئمة الإسلام كلهم. # وقد احتج به جابر في تقرير الرب في زمن الوحي كقوله: " كنا نعزل والقرآن ~~ينزل، فلو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن " وهذا من كمال فقه الصحابة ~~وعلمهم، واستيلائهم على ms0706 معرفة طرق الأحكام ومداركها، وهو يدل على أمرين: ~~أحدهما: أن أصل الأفعال الإباحة، ولا يحرم منها إلا ما حرمه الله على لسان ~~رسوله، الثاني: أن علم الرب تعالى بما يفعلون في زمن شرع الشرائع ونزول ~~الوحي وإقراره لهم عليه دليل على عفوه عنه، والفرق بين هذا الوجه والوجه ~~الذي قبله أنه في الوجه الأول يكون معفوا عنه استصحابا، وفي الثاني يكون ~~العفو عنه تقريرا لحكم الاستصحاب، ومن هذا النوع تقريره لهم على أكل الزروع ~~التي تداس بالبقر، من غير أمر لهم بغسلها، وقد علم - صلى الله عليه وسلم - ~~أنها لا بد أن تبول وقت الدياس، ومن ذلك تقريره لهم على الوقود في بيوتهم ~~وعلى أطعمتهم بأرواث الإبل وأخثاء البقر وأبعار الغنم، وقد علم أن دخانها ~~ورمادها يصيب ثيابهم وأوانيهم، ولم يأمرهم باجتناب ذلك، وهو دليل على أحد ~~أمرين ولا بد: طهارة ذلك، أو أن دخان النجاسة ورمادها ليس بنجس. # ومن ذلك تقريرهم # PageV02P279 # على سجود أحدهم على ثوبه إذا اشتد الحر، ولا يقال في ذلك أنه ربما لم ~~يعلمه؛ لأن الله قد علمه وأقرهم عليه ولم يأمر رسوله بإنكاره عليهم، فتأمل ~~هذا الموضع. # ومن ذلك تقريرهم على الأنكحة التي عقدوها في حال الشرك ولم يتعرض لكيفية ~~وقوعها، وإنما أنكر منها ما لا مساغ له في الإسلام حين الدخول فيه. ومن ذلك ~~تقريرهم على ما بأيديهم من الأموال التي اكتسبوها قبل الإسلام بربا أو ~~غيره، ولم يأمر بردها، بل جعل لهم بالتوبة ما سلف من ذلك؛ ومنه تقرير ~~الحبشة باللعب في المسجد بالحراب، وتقريره عائشة على النظر إليهم، وهو ~~كتقريره النساء على الخروج والمشي في الطرقات وحضور المساجد وسماع الخطب ~~التي كان ينادي بالاجتماع لها، وتقريره الرجال على استخدامهن في الطحن ~~والغسل والطبخ والعجن وعلف الفرس والقيام بمصالح البيت، ولم يقل للرجال قط: ~~لا يحل لكم ذلك إلا بمعاونتهن أو استرضائهن حتى يتركن الأجرة، وتقريره لهم ~~على الإنفاق عليهن بالمعروف من غير تقدير فرض ولا حب ولا خبز، ولم يقل لهم: ~~لا ms0707 تبرأ ذممكم من الإنفاق الواجب إلا بمعاوضة الزوجات من ذلك على الحب ~~الواجب لهن مع فساد المعاوضة من وجوه عديدة أو بإسقاط الزوجات حقهن من ~~الحب، بل أقرهم على ما كانوا يعتادون نفقته قبل الإسلام وبعده، وقرر وجوبه ~~بالمعروف، وجعله نظير نفقة الرقيق في ذلك ومنه تقريرهم على التطوع بين أذان ~~المغرب والصلاة وهو يراهم ولا ينهاهم. ومنه تقريرهم على بقاء الوضوء وقد ~~خفقت رءوسهم من النوم في انتظار الصلاة ولم يأمرهم بإعادته، وتطرق احتمال ~~كونه لم يعلم ذلك مردود بعلم الله به، وبأن القوم أجل وأعرف بالله ورسوله ~~أن لا يخبروه بذلك، وبأن خفاء مثل ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وهو يراهم ويشاهدهم خارجا إلى الصلاة ممتنع. # ومنه تقريرهم على جلوسهم في المسجد وهم مجنبون إذا توضئوا. # ومنه تقريرهم على مبايعة عميانهم على مبايعتهم وشرائهم بأنفسهم من غير ~~نهي لهم عن ذلك يوما ما، وهو يعلم أن حاجة الأعمى إلى ذلك كحاجة البصير. # ومنه تقريرهم على قبول الهدية التي يخبرهم بها الصبي والعبد والأمة، ~~وتقريرهم على الدخول بالمرأة التي يخبرهم بها النساء أنها امرأته، بل ~~الاكتفاء بمجرد الإهداء من غير إخبار. ومنه تقريرهم على قول الشعر وإن تغزل ~~أحدهم فيه بمحبوبته وإن قال فيه ما لو أقر به في غيره لأخذ به كتغزل كعب بن ~~زهير بسعاد، وتغزل حسان في شعره وقوله فيه: # كأن خبيثة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء # ثم ذكر وصف الشراب، إلى أن قال: # ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا لا ينهنهنا اللقاء # PageV02P280 # فأقرهم على قول ذلك وسماعه؛ لعلمه ببر قلوبهم ونزاهتهم وبعدهم عن كل دنس ~~وعيب، وأن هذا إذا وقع مقدمة بين يدي ما يحبه الله ورسوله من مدح الإسلام ~~وأهله وذم الشرك وأهله والتحريض على الجهاد والكرم والشجاعة فمفسدته مغمورة ~~جدا في جنب هذه المصلحة، مع ما فيه من مصلحة هز النفوس واستمالة إصغائها ~~وإقبالها على المقصود بعده، وعلى هذا جرت عادة الشعراء بالتغزل بين يدي ~~الأغراض التي يريدونها بالقصيد. ومنه ms0708 تقريرهم على رفع الصوت بالذكر بعد ~~السلام، بحيث كان من هو خارج المسجد يعرف انقضاء الصلاة بذلك، ولا ينكره ~~عليهم. # فصل # [نقل الترك] # وأما نقلهم لتركه - صلى الله عليه وسلم - فهو نوعان، وكلاهما سنة؛ ~~أحدهما: تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقوله في شهداء أحد: «ولم ~~يغسلهم ولم يصل عليهم» وقوله في صلاة العيد «لم يكن أذان ولا إقامة ولا ~~نداء» وقوله في جمعه بين الصلاتين «ولم يسبح بينهما ولا على أثر واحدة ~~منهما» ونظائره. # والثاني: عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد ~~منهم على نقله؛ فحيث لم ينقله واحد منهم ألبتة ولا حدث به في مجمع أبدا علم ~~أنه لم يكن، وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة، وتركه الدعاء ~~بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه دائما بعد الصبح والعصر ~~أو في جميع الصلوات، وتركه رفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من ~~ركوع الثانية، وقوله: «اللهم اهدنا فيمن هديت» يجهر بها ويقول المأمومون ~~كلهم " آمين ". # ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغير ولا كبير ولا رجل ولا امرأة ~~ألبتة وهو مواظب عليه هذه المواظبة لا يخل به يوما واحدا، وتركه الاغتسال ~~للمبيت بمزدلفة ولرمي الجمار ولطواف الزيارة ولصلاة الاستسقاء والكسوف، ومن ~~ها هنا يعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة؛ فإن تركه - صلى الله عليه ~~وسلم - سنة كما أن فعله سنة، فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ~~ترك ما فعله، ولا فرق. # فإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ فهذا ~~سؤال بعيد جدا عن معرفة هديه وسنته، وما كان عليه، ولو صح هذا السؤال وقبل ~~لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب ~~لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا ~~مستحب # PageV02P281 # آخر النداء بعد الأذان للصلاة يرحمكم الله، ورفع بها صوته، وقال: ms0709 من أين ~~لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا آخر لبس السواد والطرحة للخطيب، وخروجه ~~بالشاويش يصيح بين يديه ورفع المؤذنين أصواتهم كلما ذكر اسم الله واسم ~~رسوله جماعة وفرادى، وقال: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ واستحب لنا آخر صلاة ~~ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب، وقال: من أين لكم أن ~~إحياءهما لم ينقل؟ وانفتح باب البدعة، وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم ~~أن هذا لم ينقل؟ ومن هذا ترى أخذ الزكاة من الخضراوات والمباطخ وهم ~~يزرعونها بجواره بالمدينة كل سنة؛ فلا يطالبهم بزكاة، ولا هم يؤدونها إليه. # فصل # [نقل الأعيان] # وأما نقل الأعيان وتعيين الأماكن فكنقلهم الصاع والمد وتعيين موضع المنبر ~~وموقفه للصلاة والقبر والحجرة ومسجد قباء وتعيين الروضة والبقيع والمصلى ~~ونحو ذلك، ونقل هذا جار مجرى نقل مواضع المناسك كالصفا والمروة ومنى ومواضع ~~الجمرات ومزدلفة وعرفة ومواضع الإحرام كذي الحليفة والجحفة وغيرهما. # فصل # [نقل العمل المستمر] # وأما نقل العمل المستمر فكنقل الوقوف والمزارعة، والأذان على المكان ~~المرتفع، والأذان للصبح قبل الفجر، وتثنية الأذان وإفراد الإقامة، والخطبة ~~بالقرآن وبالسنن دون الخطبة الصناعية بالتسجيع والترجيع التي لا تسمن ولا ~~تغني من جوع؛ فهذا النقل وهذا العمل حجة يجب اتباعها، وسنة متلقاة بالقبول ~~على الرأس والعينين، وإذا ظفر العالم بذلك قرت به عينه، واطمأنت إليه نفسه. ### | [فصل العمل الذي طريقه الاجتهاد والاستدلال] # فصل # [العمل الذي طريقه الاجتهاد] # وأما العمل الذي طريقه الاجتهاد والاستدلال فهو معترك النزال ومحل ~~الجدال. # قال القاضي عبد الوهاب: وقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه: أحدها: ~~أنه ليس بحجة أصلا، وأن الحجة هي إجماع أهل المدينة من طريق النقل، # PageV02P282 # ولا يرجح به أيضا أحد الاجتهادين على الآخر، وهذا قول أبي بكر وأبي يعقوب ~~الرازي والقاضي أبي بكر بن منتاب والطيالسي والقاضي أبي الفرج والشيخ أبي ~~بكر الأبهري، وأنكروا أن يكون هذا مذهبا لمالك أو لأحد من معتمدي أصحابه. # والوجه الثاني: أنه وإن لم يكن حجة فإنه يرجح به اجتهادهم ms0710 على اجتهاد ~~غيرهم، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. والثالث: أن إجماعهم من طريق الاجتهاد ~~حجة وإن لم يحرم خلافه، كإجماعهم من طريق النقل، وهذا مذهب قوم من أصحابنا، ~~وهو الذي عليه كلام أحمد بن المعدل وأبي بكر وغيرهما، وذكر الشيخ أن في ~~رسالة مالك إلى الليث بن سعد ما يدل عليه، وقد ذكر أبو مصعب في مختصره مثل ~~ذلك، والذي صرح به القاضي أبو الحسين بن أبي عمر في مسألته التي صنفها على ~~أبي بكر الصيرفي نقضا لكلامه على أصحابنا في إجماع أهل المدينة، وإلى هذا ~~يذهب جل أصحابنا المغاربة أو جميعهم. # فأما حال الأخبار من طريق الآحاد فلا تخلو من ثلاثة أمور: إما أن يكون ~~صحبها عمل أهل المدينة مطابقا لها، أو أن يكون عملهم بخلافها، أو أن لا ~~يكون منهم عمل أصلا لا بخلاف ولا بوفاق؛ فإن كان عملهم موافقا لها كان ذلك ~~آكد في صحتها ووجوب العمل بها، إذا كان العمل من طريق النقل، وإن كان من ~~طريق الاجتهاد كان مرجحا للخبر على ما ذكرنا من الخلاف، وإن كان عملهم ~~بخلافه نظر: فإن كان العمل المذكور على الصفة التي ذكرناها فإن الخبر يترك ~~للعمل عندنا، لا خلاف بين أصحابنا في ذلك، وهذا أكبر الغرض بالكلام في هذه ~~المسألة، وهذا كما نقوله في الصاع والمد وزكاة الخضراوات وغير ذلك. # وإن كان العمل منهم اجتهادا فالخبر أولى منه عند جمهور أصحابنا، إلا من ~~قال منهم: إن الإجماع من طريق الاجتهاد حجة وإن لم يكن بالمدينة عمل يوافق ~~موجب الخبر أو يخالفه فالواجب المصير إلى الخبر؛ فإنه دليل منفرد عن مسقط ~~أو معارض. # هذا جملة قول أصحابنا في هذه المسألة، وقد تضمن ما حكاه أن عملهم الجاري ~~مجرى النقل حجة، فإذا أجمعوا عليه فهو مقدم على غيره من أخبار الآحاد، وعلى ~~هذا الحرف بنى المسألة وقررها، وقال: والذي يدل على ما قلناه أنهم إذا ~~أجمعوا على شيء نقلا أو عملا متصلا فإن ذلك الأمر معلوم بالنقل المتواتر ~~الذي يحصل العلم ms0711 به، وينقطع العذر فيه، ويجب ترك أخبار الآحاد له؛ لأن ~~المدينة بلدة جمعت من الصحابة من يقع العلم بخبرهم فيما أجمعوا على نقله، ~~فما هذا سبيله إذا ورد خبر واحد بخلافه كان حجة على # PageV02P283 # ذلك الخبر وترك له، كما لو روي لنا خبر واحد فيما تواتر به نقل جميع ~~الأمة لوجب ترك الخبر للنقل المتواتر من جميعهم، فيقال: من المحال عادة أن ~~يجمعوا على شيء نقلا أو عملا متصلا من عندهم إلى زمن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه وتكون السنة الصحيحة الثابتة قد خالفته، هذا من أبين ~~الباطل؛ وإن وقع ذلك فيما أجمعوا عليه من طريق الاجتهاد فإن العصمة لم تضمن ~~لاجتهادهم، فلم يجمعوا من طريق النقل ولا العمل المستمر على هذه الشريطة ~~على بطلان خيار المجلس، ولا على التسليمة الواحدة، ولا على القنوت في الفجر ~~قبل الركوع، ولا على ترك الرفع عند الركوع والرفع منه، ولا على ترك السجود ~~في المفصل، ولا على ترك الاستفتاح والاستعاذة قبل الفاتحة، ونظائر ذلك، كيف ~~وقدماؤهم الذين نقلوا العلم الصحيح الثابت الذي كأنه رأي عين عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بخلاف ذلك؟ فكيف يقال: إن تركه عمل مستمر من ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الآن؟ هذا من المحال، بل نقلهم ~~للصاع والمد والوقوف والأخاير وترك زكاة الخضراوات حق، ولم يأت عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - سنة تخالفه ألبتة، ولهذا رجع أبو يوسف إلى ذلك ~~كله بحضرة الرشيد لما ناظره مالك وتبين له الحق؛ فلا يلحق بهذا عملهم من ~~طريق الاجتهاد، ويجعل ذلك نقلا متصلا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وتترك له السنن الثابتة، فهذا لون وذلك لون، وبهذا التمييز والتفصيل يزول ~~الاشتباه ويظهر الصواب. # ومن المعلوم أن العمل بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين والصحابة بالمدينة ~~كان بحسب من فيها من المفتين والأمراء والمحتسبين على الأسواق، ولم تكن ~~الرعية تخالف هؤلاء، فإذا أفتى المفتون نفذه الوالي، وعمل به المحتسب، وصار ~~عملا، فهذا هو ms0712 الذي لا يلتفت إليه في مخالفة السنن، لا عمل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وخلفائه والصحابة فذاك هو السنة، فلا يخلط أحدهما بالآخر، ~~فنحن لهذا العمل أشد تحكيما، وللعمل الآخر إذا خالف السنة أشد تركا، وبالله ~~التوفيق. # وقد كان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يفتي وسليمان بن بلال المحتسب ينفذ ~~فتواه فتعمل الرعية بفتوى هذا وتنفيذ هذا، كما يطرد العمل في بلد أو إقليم ~~ليس فيه إلا قول مالك على قوله وفتواه، ولا يجوزون العمل هناك بقول غيره من ~~أئمة الإسلام، فلو عمل به أحد لاشتد نكيرهم عليه، وكذلك كل بلد أو إقليم لم ~~يظهر فيه إلا مذهب أبي حنيفة فإن العمل المستمر عندهم على قوله، وكل طائفة ~~اطرد عندهم عمل من وصل إليهم قوله ومذهبه ولم يألفوا غيره. ولا فرق في هذا ~~العمل بين بلد وبلد، والعمل الصحيح ما وافق السنة. وإذا أردت وضوح ذلك ~~فانظر العمل في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - # PageV02P284 # في جهره بالاستفتاح في الفرض في مصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمل ~~الصحابة به، ثم العمل في زمن مالك بوصل التكبير بالقراءة من غير استفتاح ~~ولا تعوذ. وانظر العمل في زمن الصحابة كعبد الله بن عمر في اعتبار خيار ~~المجلس ومفارقته لمكان التبايع ليلزم العقد ولا يخالفه في ذلك صحابي، ثم ~~العمل به في زمن التابعين وإمامهم وعالمهم سعيد بن المسيب يعمل به ويفتي به ~~ولا ينكره عليه منكر، ثم صار العمل في زمن ربيعة وسليمان بن بلال بخلاف ~~ذلك. # وانظر إلى العمل في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة خلفه ~~وهم يرفعون أيديهم في الصلاة في الركوع والرفع منه، ثم العمل في زمن ~~الصحابة بعده حتى كان عبد الله بن عمر إذا رأى من لا يرفع يديه حصبه، وهو ~~عمل كأنه رأي عين، وجمهور التابعين يعمل به بالمدينة وغيرها من الأمصار كما ~~حكاه البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما عنهم، ثم صار العمل بخلافه. ~~وانظر إلى العمل ms0713 الذي كأنه رأي عين من صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- على ابني بيضاء سهيل وأخيه في المسجد والصحابة معه، وصلت عائشة على سعد ~~بن أبي وقاص في المسجد، وصلى على عمر بن الخطاب في المسجد، ذكره مالك عن ~~نافع عن عبد الله. # قال الشافعي: ولا نرى أحدا من الصحابة حضر موته فتخلف عن جنازته، فهذا ~~عمل مجمع عليه عندكم، قاله لبعض المالكية، وروى هشام عن أبيه أن أبا بكر ~~صلى عليه في المسجد، فهذا العمل حق، ولو تركت السنن للعمل لتعطلت سنن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ودرست رسومها وعفت آثارها، وكم من عمل قد اطرد ~~بخلاف السنة الصريحة على تقادم الزمان وإلى الآن، وكل وقت تترك سنة ويعمل ~~بخلافها ويستمر عليها العمل فتجد يسيرا من السنة معمولا به على نوع تقصير. ~~وخذ بلا حساب ما شاء الله من سنن قد أهملت وعطل العمل بها جملة؛ فلو عمل ~~بها من يعرفها لقال الناس: تركت السنة؛ فقد تقرر أن كل عمل خالف السنة ~~الصحيحة لم يقع من طريق النقل ألبتة، وإنما يقع من طريق الاجتهاد، ~~والاجتهاد إذا خالف السنة كان مردودا، وكل عمل طريقه النقل فإنه لا يخالف ~~سنة صحيحة ألبتة. ### | [ترك السنة الصحيحة في الجهر بآمين في الصلاة] # فلنرجع إلى الأمثلة التي ترك فيها المحكم للمتشابه، فنقول: # [الجهر بآمين] # المثال السابع والخمسون: ترك السنة المحكمة الصحيحة في الجهر بآمين في ~~الصلاة كقوله في الصحيحين: «إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه ~~تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» ولولا جهره بالتأمين لما أمكن ~~المأموم أن يؤمن معه ويوافقه في التأمين، # PageV02P285 # وأصرح من هذا حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل ~~بن حجر قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قال ولا الضالين ~~قال آمين، ورفع بها صوته» . # وفي لفظ: «وطول بها» رواه الترمذي وغيره، وإسناده صحيح. وقد خالف شعبة ~~سفيان في هذا الحديث فقال: «وخفض بها صوته» ms0714 وحكم أئمة الحديث وحفاظه في هذا ~~لسفيان فقال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث سفيان الثوري عن ~~سلمة بن كهيل في هذا الباب أصح من حديث شعبة، أخطأ شعبة في هذا الحديث في ~~مواضع، فقال: " عن حجر أبي العنبس " وإنما كنيته أبو السكن، وزاد فيه علقمة ~~بن وائل، وإنما هو حجر بن عنبس عن وائل بن حجر، ليس فيه علقمة، وقال: «وخفض ~~بها صوته» والصحيح أنه جهر بها. # قال الترمذي: وسألت أبا زرعة عن حديث سفيان وشعبة هذا، فقال: حديث سفيان ~~أصح من حديث شعبة، وقد روى العلاء بن صالح عن سلمة بن كهيل نحو رواية ~~سفيان، وقال الدارقطني: كذا قال شعبة: «وأخفى بها صوته» ويقال: إنه وهم ~~فيه؛ لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة فقالوا: ~~«ورفع صوته بآمين» وهو الصواب. وقال البيهقي: لا أعلم اختلافا بين أهل ~~العلم بالحديث أن سفيان وشعبة إذا اختلفا فالقول قول سفيان، وقال يحيى بن ~~سعيد: ليس أحد أحب إلي من شعبة، ولا يعدله عندي أحد، وإذا خالفه سفيان أخذت ~~بقول سفيان، وقال شعبة: سفيان أحفظ مني؛ فهذا ترجيح لرواية سفيان، وترجيح ~~ثان: وهو متابعة العلاء بن صالح ومحمد بن سلمة بن كهيل له، وترجيح ثالث: ~~وهو أن أبا الوليد الطيالسي - وحسبك به رواه عن شعبة بوفاق الثوري في متنه، ~~فقد اختلف على شعبة كما ترى. # قال البيهقي: فيحتمل أن يكون تنبه لذلك فعاد إلى الصواب في متنه، وترك ~~ذكر ذلك علقمة في إسناده، وترجيح رابع: وهو أن الروايتين لو تقاومتا لكانت ~~رواية الرفع متضمنة لزيادة وكانت أولى بالقبول، وترجيح خامس: وهو موافقتها ~~وتفسيرها لحديث أبي هريرة: «وإذا أمن الإمام فأمنوا، فإن الإمام يقول آمين ~~والملائكة تقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له» . وترجيح ~~سادس: وهو ما رواه الحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته بآمين» ولأبي ~~داود بمعناه، وزاد ms0715 بيانا فقال: «قال آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول» ~~وفي رواية عنه: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قال: {غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 7] قال: آمين يرفع بها صوته، ويأمر بذلك.» # وذكر البيهقي عن علي كرم الله وجهه قال: «سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: آمين إذا قرأ: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 7] ~~» وعنه أيضا - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان إذا ~~قرأ ولا الضالين # PageV02P286 # رفع صوته بآمين» وعند أبي داود عن «بلال أنه قال للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: لا تسبقني بآمين» . # قال الربيع: سئل الشافعي عن الإمام: هل يرفع صوته بآمين؟ قال: نعم، ويرفع ~~بها من خلفه أصواتهم، فقلت: وما الحجة؟ فقال: أنبأنا مالك، وذكر حديث أبي ~~هريرة المتفق على صحته، ثم قال: ففي قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إذا أمن الإمام فأمنوا» دلالة على أنه أمر الإمام أن يجهر بآمين؛ لأن من ~~خلفه لا يعرفون وقت تأمينه إلا بأن يسمع تأمينه، ثم بينه ابن شهاب فقال: ~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: آمين» ، فقلت للشافعي: فإنا ~~نكره للإمام أن يرفع صوته بآمين، فقال: هذا خلاف ما روى صاحبنا وصاحبكم عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو لم يكن عندنا وعندهم علم إلا هذا ~~الحديث الذي ذكرناه عن مالك فينبغي أن يستدل بأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يجهر بآمين، وأنه أمر الإمام أن يجهر بها، فكيف ولم يزل أهل ~~العلم عليه؟ وروى وائل بن حجر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان يقول ~~آمين يرفع بها صوته» ويحكي مده إياها. # وكان أبو هريرة يقول للإمام: لا تسبقني بآمين، وكان يؤذن له، أنبأنا مسلم ~~بن خالد عن ابن جريج عن عطاء: كنت أسمع الأئمة ابن الزبير ومن بعده يقولون: ~~آمين ومن خلفهم آمين، حتى إن للمسجد للجة. # وقوله: «كان أبو هريرة يقول للإمام لا تسبقني بآمين» يريد ما ذكره ~~البيهقي بإسناده ms0716 عن أبي رافع أن أبا هريرة كان يؤذن لمروان بن الحكم، ~~فاشترط عليه أن لا يسبقه بالضالين، حتى يعلم أنه قد وصل إلى الصف، فكان ~~مروان إذا قال: {ولا الضالين} [الفاتحة: 7] قال أبو هريرة: (آمين) يمد بها ~~صوته، وقال: إذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل السماء غفر لهم. وقال ~~عطاء: أدركت مائتين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا ~~المسجد إذا قال الإمام: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 7] سمعت ~~لهم رجة بآمين. فرد هذا كله بقوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا} [الأعراف: 204] والذي أنزلت عليه هذه الآية هو الذي رفع صوته ~~بالتأمين، والذين أمروا بها رفعوا به أصواتهم، ولا معارضة بين الآية والسنة ~~بوجه ما. ### | [ترك القول بالسنة الصحيحة في الصلاة الوسطى] # [بيان صلاة الوسطى] # المثال الثامن والخمسون: ترك القول بالسنة الصحيحة الصريحة المحكمة في أن ~~الصلاة الوسطى صلاة العصر، بالمتشابه من قوله: {وقوموا لله قانتين} ~~[البقرة: 238] وهذا عجب من العجب، وأعجب منه تركها بأن في مصحف عائشة: ~~وصلاة العصر وأعجب منهما تركها بأن صلاة الظهر تقام في شدة الحر وهي في وسط ~~النهار، فأكدها الله تعالى بقوله: {والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] وأعجب من ~~ذلك تركها بأن المغرب # PageV02P287 # وسطى بين الثنائية والرباعية؛ فهي أحق بهذا الاسم من غيرها، وأعجب منه ~~تركها بأن صلاة العشاء قبلها صلاة آخر النهار، وبعدها صلاة أول النهار، وهي ~~وسطى بينهما، فهي أحق بهذا الاسم من غيرها، وقول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ونصه الصريح المحكم الذي لا يحتمل إلا ما دل عليه أولى بالاتباع، ~~والله الموفق. ### | [ترك السنة الصحيحة في قول الإمام ربنا ولك الحمد] # [ما يقول الإمام في الرفع من الركوع] # المثال التاسع والخمسون: ترك السنة الصحيحة الصريحة في قول الإمام: " ~~ربنا ولك الحمد " كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا قال سمع الله لمن حمده قال: اللهم ربنا ولك الحمد» ~~وفيهما أيضا عنه: «كان رسول الله - صلى الله ms0717 عليه وسلم - يكبر حين يقوم، ثم ~~يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم ~~يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد» وفي صحيح مسلم عن ابن عمر «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده ~~اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد» وعن ~~أبي سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كان إذا رفع رأسه من ~~الركوع قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض ~~وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد - وكلنا لك ~~عبد - لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» ~~فردت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله: «إذا قال الإمام سمع الله لمن ~~حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد» . ### | [رد السنة الصحيحة في إشارة المصلي في التشهد بأصبعه] # [إشارة المتشهد بأصبعه] # المثال الستون: رد السنة الصحيحة المحكمة في إشارة المصلي في التشهد ~~بأصبعه كقول ابن عمر: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جلس في ~~الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها، وأشار بأصبعه ~~التي تلي الإبهام» رواه مسلم، وعنده أيضا عنه: «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ووضع أصبعه التي ~~تلي الإبهام فدعا بها» وعنده أيضا عن عبد الله بن الزبير «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: كان إذا قعد في الصلاة وضع يديه على ركبتيه وأشار ~~بأصبعه» ورواه خفاف بن إيماء بن رحضة ووائل بن حجر وعبادة بن الصامت ومالك ~~بن بهز الخزاعي عن أبيه كلهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل ذلك، ~~وسئل ابن عباس عنه فقال: هو الإخلاص، فردوا ذلك كله بحديث لا يصح، وهو ما ~~رواه محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن أبي غطفان المري ms0718 عن أبي هريرة ~~مرفوعا: # PageV02P288 # «التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء، ومن أشار في صلاته إشارة تفهم عنه ~~فليعدها» قال الدارقطني: قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان هذا مجهول، وآخر ~~الحديث زيادة في الحديث، ولعله من قول ابن إسحاق، والصحيح عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه كان يشير في الصلاة. ### | [رد السنة الصحيحة في شعر المرأة الميتة] # [ما يصنع بشعر المرأة الميتة] # المثال الحادي والستون: رد السنة الصحيحة الصريحة في ضفر رأس المرأة ~~الميتة ثلاث ضفائر، كقوله في الصحيحين في غسل ابنته: «اجعلن رأسها ثلاثة ~~قرون» قالت أم عطية: ضفرنا رأسها وناصيتها وقرنيها ثلاثة قرون وألقيناه من ~~خلفها، فرد ذلك بأنه يشبه زينة الدنيا، وإنما يرسل شعرها شقين على ثدييها، ~~وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق بالإتباع. ### | [ترك السنة الصحيحة في وضع اليدين في الصلاة] # [وضع اليدين في الصلاة] # المثال الثاني والستون: ترك السنة الصحيحة الصريحة التي رواها الجماعة عن ~~سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال: «صليت مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره» . # ولم يقل: «على صدره» غير مؤمل بن إسماعيل، وفي صحيح مسلم عنه أنه: " رأى ~~«النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه حين دخل في الصلاة ثم كبر، ثم ~~التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه ~~ثم رفعهما وكبر فرفع، فلما قال سمع الله لمن حمده رفع يديه، فلما سجد سجد ~~بين كفيه» . # وزاد أحمد وأبو داود: «ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد» ~~وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد ~~اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» . # قال أبو حازم: ولا أعلمه إلا ينهي ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وفي السنن عن «ابن مسعود أنه كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فوضع يده اليمنى على ms0719 اليسرى» ، وقال علي: «من ~~السنة في الصلاة وضع الكف على الكف تحت السرة» . رواه أحمد، وقال مالك في ~~موطئه: وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة، ثم ذكر حديث سهل بن سعد. ~~وذكر عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري أنه قال: من كلام النبوة: «إذا ~~لم تستح فافعل ما شئت» ووضع إحدى اليدين على الأخرى في الصلاة يضع اليمنى ~~على اليسرى، وتعجيل الفطر، والاستيناء بالسحور. وذكر أبو عمر في كتابه «من ~~حديث الحارث بن غطيف أو غطيف بن الحارث قال: مهما رأيت شيئا فنسيته فإني لم ~~أنس أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضعا يده اليمنى على # PageV02P289 # اليسرى في الصلاة» . # وعن قبيصة بن ثابت عن أبيه قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~واضعا يمينه على شماله في الصلاة» ، وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ~~«من السنة وضع اليمين على الشمال في الصلاة» ، وعنه أيضا أنه «كان إذا قام ~~إلى الصلاة وضع يمينه على رسغه، فلا يزال كذلك حتى يركع، إلا أن يصلح ثوبه ~~أو يحك جسده» . # وقال علي - عليه السلام - في قوله تعالى: {فصل لربك وانحر} [الكوثر: 2] : ~~إنه وضع اليمين على الشمال في الصلاة تحت صدره، وذكر ابن أبي شيبة عن أبي ~~بكر الصديق أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال هكذا، ووضع اليمنى على اليسرى ~~في الصلاة، وقال أبو الدرداء: من أخلاق النبيين وضع اليمين على الشمال في ~~الصلاة. # وقال ابن الزبير: صف القدمين ووضع اليد على اليد من السنة، ذكر هذه ~~الآثار أبو عمر بأسانيدها، وقال: هي آثار ثابتة، وقال وهب بن بقية: ثنا ~~محمد بن المطلب عن أبان بن بشير المعلم ثنا يحيى بن أبي كثير ثنا أبو سلمة ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث من النبوة: ~~تعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة» . # وقال سعيد بن منصور: ثنا هشيم عن منصور بن زاذان عن محمد بن أبان ~~الأنصاري عن عائشة ms0720 قالت: «ثلاث من النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ~~ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة» ، فردت هذه الآثار برواية ابن القاسم عن ~~مالك قال: تركه أحب إلي، ولا أعلم شيئا قط ردت به سواه ### | [رد السنة المحكمة في تعجيل الفجر] # [التعجيل بصلاة الفجر] # المثال الثالث والستون: رد السنة المحكمة الصريحة في تعجيل الفجر «وأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان يقرأ فيها بالستين إلى المائة، ثم ينصرف ~~منها والنساء لا يعرفن من الغلس، وإن صلاته كانت التغليس حتى توفاه الله، ~~وإنه إنما أسفر بها مرة واحدة، وكان بين سحوره وصلاته قدر خمسين آية» فرد ~~ذلك بمجمل حديث رافع بن خديج: «أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر» وهذا بعد ~~ثبوته إنما المراد به الإسفار بها دواما، لا ابتداء، فيدخل فيها مغلسا ~~ويخرج منها مسفرا كما كان يفعله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقوله موافق ~~لفعله، لا مناقض له، وكيف يظن به المواظبة على فعل ما الأجر الأعظم في ~~خلافه. ### | [رد السنة الثابتة في وقت المغرب] # [وقت المغرب] . المثال الرابع والستون: رد السنة الثابتة المحكمة الصريحة ~~في امتداد وقت المغرب إلى سقوط الشفق كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن ~~عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وقت صلاة الظهر ما لم تحضر صلاة ~~العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس، # PageV02P290 # ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط نور الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل، ~~ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس» وفي صحيحه أيضا عن أبي موسى «أن سائلا ~~سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المواقيت فذكر الحديث، وفيه: ثم ~~أمره فأقام المغرب حين وجبت الشمس، فلما كان في اليوم الثاني قال: ثم أخر ~~المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، وفي لفظ: فصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، ~~ثم قال: الوقت ما بين هذين» ، وهذا متأخر عن حديث جبريل؛ لأنه كان بمكة، ~~وهذا قول، وذلك فعل، وهذا يدل على الجواز، وذلك يدل على الاستحباب، وهذا في ~~الصحيح، وذلك ms0721 في السنن، وهذا يوافق قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وقت كل ~~صلاة ما لم يدخل وقت التي بعدها» وإنما خص منه الفجر بالإجماع؛ فما عداها ~~من الصلوات داخل في عمومه، والفعل إنما يدل على الاستحباب فلا يعارض العام ~~ولا الخاص. ### | [رد السنة الثابتة في وقت العصر] # [وقت العصر] # المثال الخامس والستون: رد السنة الصريحة المحكمة الثابتة في وقت العصر، ~~وأنه إذا صار ظل كل شيء مثله، وأنهم كانوا يصلونها مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ثم يذهب أحدهم إلى العوالي قدر أربعة أميال والشمس مرتفعة، ~~وقال أنس: «صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر، فأتاه رجل من ~~بني سلمة فقال: يا رسول الله إنا نريد أن ننحر جزورا لنا، وإنا نحب أن ~~تحضرها، قال: نعم، فانطلق وانطلقنا معه، فوجد الجزور لم تنحر، فنحرت ثم ~~قطعت ثم طبخ منها ثم أكلنا منها قبل أن تغيب الشمس» ، ومحال أن يكون هذا ~~بعد المثلين؛ وفي صحيح مسلم عنه: «وقت صلاة الظهر ما لم تحضر العصر» ولا ~~معارض لهذه السنن، لا في الصحة ولا في الصراحة والبيان، فردت هذه السنن ~~بالمجمل من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مثلكم ومثل أهل الكتاب قبلكم ~~كمثل رجل استأجر أجراء فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت ~~اليهود، ثم قال: من يعمل لي إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم ~~قال: من يعمل لي إلى أن تغيب الشمس على قيراطين، فعملتم أنتم، فغضبت اليهود ~~والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل أجرا، فقال: هل ظلمتكم من أجركم ~~شيئا؟ قالوا: لا، قال: فذلكم فضلي أوتيه من أشاء» ويا لله العجب، أي دلالة ~~في هذا على أنه لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل مثلين بنوع من أنواع ~~الدلالة؟ وإنما يدل على أن صلاة العصر إلى غروب الشمس أقصر من نصف النهار ~~إلى وقت العصر، وهذا لا ريب فيه. # PageV02P291 ### | [رد السنة الصحيحة في تخليل الخمر] # تخليل الخمر] # المثال السادس والستون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة ms0722 في المنع من ~~تخليل الخمر، كما في صحيح مسلم عن أنس: «سئل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن الخمر تتخذ خلا، قال: لا» وفي المسند وغيره من حديث أنس قال: ~~«جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي حجره يتيم، وكان عنده خمر ~~حين حرمت الخمر، فقال: يا رسول الله أصنعها خلا؟ قال: لا، فصبها حتى سال ~~الوادي» وقال أحمد: ثنا وكيع ثنا سفيان عن السدي عن أبي هريرة عن أنس: «أن ~~أبا طلحة سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أيتام ورثوا خمرا، فقال: ~~أهرقها، فقال: أفلا نجعلها خلا؟ قال: لا» وروى الحاكم والبيهقي من حديث أنس ~~أيضا قال: «كان في حجر أبي طلحة يتامى، فاشترى لهم خمرا، فلما أنزل الله ~~تحريم الخمر أتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكر ذلك له، فقال: أأجعله ~~خلا؟ قال: فأهرقه» وفي الباب عن أبي الزبير عن جابر، وصح ذلك عن عمر بن ~~الخطاب، ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف، فردت بحديث مجمل لا يثبت، وهو ما ~~رواه الفرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن أم سلمة «أنها كانت لها ~~شاة تحلبها، ففقدها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ما فعلت بشاتك؟ ~~فقلت: ماتت، قال: أفلا انتفعتم بإهابها، قلت: إنها ميتة، قال: فإن دباغها ~~يحل كما يحل الخل الخمر» . # قال الحاكم: تفرد به الفرج بن فضالة عن يحيى، والفرج ممن لا يحتج بحديثه، ~~ولم يصح تحليل خل الخمر من وجه، وقد فسر رواية الفرج فقال: يعني أن الخمر ~~إذا تغيرت فصارت خلا حلت؛ فعلى هذا التفسير الذي فسره راوي الحديث يرتفع ~~الخلاف. وقد قال الدارقطني: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن فرج بن ~~فضالة، ويقول: حدث عن يحيى بن سعيد الأنصاري أحاديث مقلوبة منكرة، وقال ~~البخاري: الفرج بن فضالة منكر الحديث. # وردت بحديث واه من رواية مغيرة بن زياد عن أبي الزبير عن جابر يرفعه: ~~«خير خلكم خل خمركم» ومغيرة هذا يقال له أبو هشام المكفوف ms0723 صاحب مناكير ~~عندهم، ويقال: إنه حدث عن عطاء بن أبي رباح وأبي الزبير بجملة من المناكير، ~~وقد حدث عن عبادة بن نسي بحديث غريب موضوع، فكيف يعارض بمثل هذه الرواية ~~الأحاديث الصحيحة المحفوظة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النهي ~~عن تخليل الخمر؟ ولم يزل أهل مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ينكرون ذلك. # قال الحاكم: سمعت أبا الحسن علي بن عيسى الحيري يقول: سمعت محمد بن إسحاق ~~يقول: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: قدمت المدينة أيام مالك، فتقدمت إلى قاض ~~فقلت: عندك خل خمر؟ فقال: سبحان الله، في حرم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؟ قال: ثم قدمت بعد موت مالك، فذكرت ذلك لهم، فلم ينكر علي. وأما ما ~~روي عن علي من اصطباغه بخل # PageV02P292 # الخمر، وعن عائشة أنه لا بأس به؛ فهو خل الخمر الذي تخللت بنفسها لا ~~باتخاذها ### | [رد السنة الصحيحة في تسبيح المصلي إذا نابه شيء في صلاته] # [تسبيح من نابه شيء في صلاته] . المثال السابع والستون: رد السنة الصحيحة ~~الصريحة في تسبيح المصلي إذا نابه شيء في صلاته، كما في الصحيحين من حديث ~~أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «التسبيح في ~~الصلاة للرجال، والتصفيق للنساء» وفي الصحيحين أيضا عن سهل بن سعد الساعدي: ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم ~~فذكر الحديث وقال في آخره: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: مالي أراكم ~~أكثرتم التصفيق؟ من نابه شيء في صلاته فليسبح؛ فإنه إذا سبح التفت إليه، ~~وإنما التصفيق للنساء» وذكر البيهقي من حديث إبراهيم بن طهمان عن الأعمش عن ~~ذكوان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ~~استؤذن على الرجل وهو يصلي فإذنه التسبيح، وإذا استؤذن على المرأة وهي تصلي ~~فإذنها التصفيق» قال البيهقي: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات؛ فردت هذه ~~السنن بأنها معارضة لأحاديث تحريم الكلام في الصلاة، وقد تعارض مبيح وحاظر، ms0724 ~~فيقدم الحاظر. والصواب أنه لا تعارض بين سنن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بوجه، وكل منها له وجه، والذي حرم الكلام في الصلاة ومنع منه هو ~~الذي شرع التسبيح المذكور، وتحريم الكلام كان قبل الهجرة، وأحاديث التسبيح ~~بعد ذلك؛ فدعوى نسخها بأحاديث تحريم الكلام محال، ولا تعارض بينهما بوجه ~~ما؛ فإن: " سبحان الله " ليس من الكلام الذي منع منه المصلي، بل هو مما أمر ~~به أمر إيجاب أو استحباب، فكيف يسوى بين المأمور والمحظور؟ وهل هذا إلا من ~~أفسد قياس واعتبار؟ ### | [رد السنة في سجدات المفصل وسجدة الحج] # [سجدات المفصل والحج] # المثال الثامن والستون: رد السنة الثابتة في إثبات سجدات المفصل، والسجدة ~~الأخيرة من سورة الحج، كما روى أبو داود في السنن: حدثنا محمد بن عبد ~~الرحيم البرقي ثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا نافع بن يزيد عن الحارث بن سعيد ~~العتقي عن عبد الله بن منير «عن عمرو بن العاص: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج ~~سجدتان» . # تابعه محمد بن إسماعيل السلمي عن سعيد بن أبي مريم، وقال ابن وهب: ثنا ~~ابن لهيعة عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «فضلت سورة الحج بسجدتين، فمن لم يسجد فيهما فلا يقرأهما» . # وحديث ابن لهيعة يحتج منه بما رواه عنه العبادلة كعبد الله بن وهب وعبد ~~الله بن المبارك # PageV02P293 # وعبد الله بن يزيد المقري. # قال أبو زرعة: ابن لهيعة كان ابن المبارك وابن وهب يتبعان أصوله، وقال ~~عمرو بن علي: من كتب عنه قبل احتراق كتبه مثل ابن المبارك وابن المقري أصح ~~ممن كتب عنه بعد احتراقها. وقال ابن وهب: كان ابن لهيعة صادقا، وقد انتقى ~~النسائي هذا الحديث من جملة حديثه، وأخرجه، واعتمده، وقال: ما أخرجت من ~~حديث ابن لهيعة قط إلا حديثا واحدا أخبرناه هلال بن العلاء ثنا معافى بن ~~سليمان عن موسى بن أعين عن ms0725 عمرو بن الحارث عن ابن لهيعة، فذكره. وقال ابن ~~وهب: حدثني الصادق البار والله عبد الله بن لهيعة، وقال الإمام أحمد: من ~~كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه؟ وقال ابن عيينة: كان ~~عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ما ~~كان محدث مصر إلا ابن لهيعة، وقال أحمد بن صالح الحافظ: كان ابن لهيعة صحيح ~~الكتاب طالبا للعلم. وقال ابن حبان: كان صالحا لكنه يدلس عن الضعفاء، ثم ~~احترقت كتبه، وكان أصحابنا يقولون: سماع من سمع منه قبل احتراق كتبه مثل ~~العبادلة ابن وهب وابن المبارك والمقري والقعنبي فسماعهم صحيح. # وقد صح عن «أبي هريرة أنه سجد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في: {إذا ~~السماء انشقت} [الانشقاق: 1] وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سجد في ~~النجم» ذكره البخاري. # فردت هذه السنن برأي فاسد وحديث ضعيف: أما الرأي فهو أن آخر الحج السجود ~~فيها سجود الصلاة لاقترانه بالركوع، بخلاف الأولى؛ فإن السجود فيها مجرد عن ~~ذكر الركوع، ولهذا لم يكن قوله تعالى: {يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي ~~مع الراكعين} [آل عمران: 43] من مواضع السجدات بالاتفاق. # وأما الحديث الضعيف فما رواه أبو داود: ثنا محمد بن رافع ثنا أزهر بن ~~القاسم ثنا أبو قدامة عن مطر الوراق عن عكرمة عن ابن عباس «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة» . # فأما الرأي فيدل على فساده وجوه: # منها أنه مردود بالنص، ومنها أن اقتران الركوع بالسجود في هذا الموضع لا ~~يخرجه عن كونه موضع سجدة، كما أن أقترانه بالعبادة التي هي أعم من الركوع ~~لا يخرجه عن كونه سجدة، وقد صح سجوده - صلى الله عليه وسلم - في النجم، وقد ~~قرن السجود فيها بالعبادة كما قرنه بالعبادة في سورة الحج، والركوع لم يزده ~~إلا تأكيدا، ومنها أن أكثر السجدات المذكورة في القرآن متناولة لسجود ~~الصلاة؛ فإن قوله تعالى: {ولله يسجد من في السماوات والأرض ms0726 طوعا وكرها} ~~[الرعد: 15] يدخل فيه سجود المصلين قطعا، # PageV02P294 # وكيف لا وهو أجل السجود وأفرضه؟ # وكيف لا يدخل هو في قوله: {فاسجدوا لله واعبدوا} [النجم: 62] وفي قوله: ~~{كلا لا تطعه واسجد واقترب} [العلق: 19] وقد قال قبل: {أرأيت الذي ينهى} ~~[العلق: 9] {عبدا إذا صلى} [العلق: 10] ثم قال: {كلا لا تطعه واسجد واقترب} ~~[العلق: 19] فأمره بأن يفعل هذا الذي نهاه عنه عدو الله، فإرادة سجود ~~الصلاة بآية السجدة لا تمنع كونها سجدة، بل تؤكدها وتقويها. # يوضحه أن مواضع السجدات في القرآن نوعان: إخبار، وأمر؛ فالإخبار خبر من ~~الله تعالى عن سجود مخلوقاته له عموما أو خصوصا، فسن للتالي والسامع وجوبا ~~أو استحبابا أن يتشبه بهم عند تلاوة آية السجدة أو سماعها، وآيات الأوامر ~~بطريق الأولى. وهذا لا فرق فيه بين أمر وأمر، فكيف يكون الأمر بقوله: ~~{فاسجدوا لله واعبدوا} [النجم: 62] : مقتضيا للسجود دون الأمر بقوله: {يا ~~أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} [الحج: 77] فالساجد إما متشبه بمن أخبر ~~عنه، أو ممتثل لما أمر به، وعلى التقديرين يسن له السجود في آخر الحج كما ~~يسن له السجود في أولها؛ فلما سوت السنة بينهما سوى القياس الصحيح ~~والاعتبار الحق بينهما. # وهذا السجود شرعه الله ورسوله عبودية عند تلاوة هذه الآيات واستماعها، ~~وقربة إليه، وخضوعا لعظمته، وتذللا بين يديه، واقتران الركوع ببعض آياته ~~مما يؤكد ذلك، ويقويه، لا يضعفه ويوهيه، والله المستعان. # وأما قوله تعالى: {يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} [آل ~~عمران: 43] فإنما لم يكن موضع سجدة لأنه خبر خاص عن قول الملائكة لامرأة ~~بعينها أن تديم العبادة لربها بالقنوت وتصلي له بالركوع والسجود؛ فهو خبر ~~عن قول الملائكة لها ذلك، وإعلام من الله تعالى لنا أن الملائكة قالت ذلك ~~لمريم. # فسياق ذلك غير سياق آيات السجدات. # وأما الحديث الضعيف فإنه من رواية أبي قدامة - واسمه الحارث بن عبيد - ~~قال الإمام أحمد - رضي الله عنه -: هو مضطرب الحديث، وقال يحيى: ليس بشيء، ~~وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الأزدي: ضعيف، وقال ابن حبان: لا يحتج ms0727 به ~~إذا انفرد، قلت: وقد أنكر عليه هذا الحديث وهو موضع الإنكار؛ فإن أبا هريرة ~~- رضي الله عنه - شهد سجوده - صلى الله عليه وسلم - في المفصل في: {إذا ~~السماء انشقت} [الانشقاق: 1] و {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] . ذكره ~~مسلم في صحيحه، وسجد معه، حتى لو صح خبر أبي قدامة هذا لوجب تقديم خبر أبي ~~هريرة عليه؛ لأنه مثبت فمعه زيادة علم، والله أعلم. # PageV02P295 ### | [رد السنة الصحيحة في سجود الشكر] # سجود الشكر] # المثال التاسع والستون: رد السنة الثابتة الصحيحة في سجود الشكر، كحديث ~~عبد الرحمن بن عوف «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: خرج نحو أحد فخر ~~ساجدا فأطال السجود، ثم قال: إن جبريل أتاني وبشرني فقال: إن الله تعالى ~~يقول لك: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله تعالى ~~شاكرا» . # وكحديث سعد بن أبي وقاص في «سجوده - صلى الله عليه وسلم - شاكرا لربه لما ~~أعطاه ثلث أمته، ثم سجد ثانية فأعطاه الثلث الآخر ثم سجد ثالثة فأعطاه ~~الثلث الباقي» ، وكحديث أبي بكر «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كان ~~إذا جاءه أمر يسر به خر ساجدا شكرا لله تعالى، وأتاه بشير يبشره بظفر جند ~~له على عدوهم، فقام وخر ساجدا» . # وسجد كعب بن مالك لما بشر بتوبة الله عليه، وسجد أبو بكر حين جاءه قتل ~~مسيلمة الكذاب، وسجد علي كرم الله وجهه حين وجد ذا الثدية في الخوارج الذين ~~قتلهم، ولا أعلم شيئا يدفع هذه السنن والآثار مع صحتها وكثرتها غير رأي ~~فاسد، وهو أن نعم الله سبحانه وتعالى لا تزال واصلة إلى عبده، فلا معنى ~~لتخصيص بعضها بالسجود. # وهذا من أفسد رأي وأبطله؛ فإن النعم نوعان: مستمرة، ومتجددة، فالمستمرة ~~شكرها بالعبادات والطاعات، والمتجددة شرع لها سجود الشكر؛ شكرا لله عليها، ~~وخضوعا له وذلا، في مقابلة فرحة النعم وانبساط النفس لها، وذلك من أكبر ~~أدوائها؛ فإن الله سبحانه لا يحب الفرحين ولا الأشرين؛ فكان دواء هذا الداء ~~الخضوع والذل والانكسار لرب العالمين، ms0728 وكان في سجود الشكر من تحصيل هذا ~~المقصود ما ليس في غيره، ونظير هذا السجود عند الآيات التي يخوف الله بها ~~عباده كما في الحديث: «إذا رأيتم آية فاسجدوا» . # وقد فزع النبي - صلى الله عليه وسلم - عند رؤية انكساف الشمس إلى الصلاة، ~~وأمر بالفزع إلى ذكره، ومعلوم أن آياته تعالى لم تزل مشاهدة معلومة بالحس ~~والعقل، ولكن تجددها يحدث للنفس من الرهبة والفزع إلى الله ما لا تحدثه ~~الآيات المستمرة، فتجدد هذه النعم في اقتضائها لسجود الشكر كتجدد تلك ~~الآيات في اقتضائها للفزع إلى السجود والصلوات. # ولهذا لما بلغ فقيه الأمة وترجمان القرآن «عبد الله بن عباس موت ميمونة ~~زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - خر ساجدا، فقيل له: أتسجد لذلك؟ فقال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا رأيتم آية فاسجدوا» . # وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من بين أظهرنا؟ ~~فلو لم تأت النصوص بالسجود عند تجدد النعم لكان هو محض القياس، ومقتضى ~~عبودية الرغبة، كما أن السجود عند الآيات مقتضى عبودية الرهبة، وقد أثنى ~~الله سبحانه على الذين يسارعون في الخيرات ويدعونه رغبا ورهبا. # ولهذا فرق الفقهاء بين صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء بأن هذه صلاة رهبة ~~وهذه # PageV02P296 # صلاة رغبة، فصلوات الله وسلامه على من جاءت سنته وشريعته بأكمل ما جاءت ~~به شرائع الرسل وسننهم وعلى آله. ### | [رد السنة الصحيحة بجواز انتفاع المرتهن بالمرهون] # [انتفاع المرتهن بالمرهون] # المثال السبعون: رد السنة الثابتة الصحيحة بجواز ركوب المرتهن للدابة ~~المرهونة وشربه لبنها بنفقته عليه، كما روى البخاري في صحيحه: ثنا محمد بن ~~مقاتل أنا عبد الله أنا زكريا عن الشعبي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب ~~بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» وهذا الحكم من أحسن ~~الأحكام وأعدلها، ولا أصلح للراهن منه، وما عداه ففساده ظاهر؛ فإن الراهن ~~قد يغيب ويتعذر على المرتهن مطالبته بالنفقة التي تحفظ الرهن، ms0729 ويشق عليه أو ~~يتعذر رفعه إلى الحاكم وإثبات الرهن وإثبات غيبة الراهن وإثبات أن قدر ~~نفقته عليه هي قدر حلبه وركوبه وطلبه منه الحكم له بذلك، وفي هذا من العسر ~~والحرج والمشقة ما ينافي الحنيفية السمحة؛ فشرع الشارع الحكيم القيم بمصالح ~~العباد للمرتهن أن يشرب لبن الرهن ويركب ظهره وعليه نفقته، وهذا محض القياس ~~لو لم تأت به السنة الصحيحة، وهو يخرج على أصلين؛ أحدهما: أنه إذا أنفق على ~~الرهن صارت النفقة دينا على الراهن؛ لأنه واجب أداه عنه، ويتعسر عليه ~~الإشهاد على ذلك كل وقت واستئذان الحاكم، فجوز له الشارع استيفاء دينه من ~~ظهر الرهن ودره، وهذا مصلحة محضة لهما، وهي بلا شك أولى من تعطيل منفعة ~~ظهره وإراقة لبنه أو تركه يفسد في الحيوان أو يفسده حيث يتعذر الرفع إلى ~~الحاكم، لا سيما ورهن الشاة ونحوها إنما يقع غالبا بين أهل البوادي حيث لا ~~حاكم، ولو كان فلم يول الله ولا رسوله الحاكم هذا الأمر. # الأصل الثاني: أن ذلك معاوضة في غيبة أحد المعاوضين للحاجة والمصلحة ~~الراجحة، وذلك أولى من الأخذ بالشفعة بغير رضا المشتري لأن الضرر في ترك ~~هذه المعاوضة أعظم من الضرر في ترك الأخذ بالشفعة، وأيضا فإن المرتهن يريد ~~حفظ الوثيقة لئلا يذهب ماله، وذلك إنما يحصل ببقاء الحيوان، والطريق إلى ~~ذلك إما النفقة عليه، وذلك مأذون فيه عرفا كما هو مأذون فيه شرعا. ### | [العرف يجري مجرى النطق] # [العرف يجري مجرى النطق] . وقد جرى العرف مجرى النطق في أكثر من مائة ~~موضع منها نقد البلد في المعاملات، وتقديم الطعام إلى الضيف، وجواز تناول ~~اليسير مما يسقط من الناس من مأكول وغيره، والشرب من خوابي السيل ومصانعه ~~في الطرق، ودخول الحمام وإن لم يعقد # PageV02P297 # عقد الإجارة مع الحمامي لفظا، وضرب الدابة المستأجرة إذا حرنت في السير ~~وإيداعها في الخان إذا قدم بلدة أو ذهب في حاجة، ودفع الوديعة إلى من جرت ~~العادة بدفعها إليه من امرأة أو خادم أو ولد، وتوكيل الوكيل لما لا يباشره ~~مثله ms0730 بنفسه، وجواز التخلي في دار من أذن له بالدخول إلى داره والشرب من ~~مائه والاتكاء على الوسادة المنصوبة، وأكل الثمرة الساقطة من الغصن الذي ~~على الطريق، وإذن المستأجر للدار لمن شاء من أصحابه أو أضيافه في الدخول ~~والمبيت والثوى عنده والانتفاع بالدار وإن لم يتضمنهم عقد الإجارة لفظا ~~اعتمادا على الإذن العرفي، وغسل القميص الذي استأجره للبس مدة يحتاج فيها ~~إلى الغسل، ولو وكل غائبا أو حاضرا في بيع شيء والعرف قبض ثمنه ملك ذلك، ~~ولو اجتاز بحرث غيره في الطريق ودعته الحاجة إلى التخلي فيه فله ذلك إن لم ~~يجد موضعا سواه إما لضيق الطريق أو لتتابع المارين فيها، فكيف بالصلاة فيه ~~والتيمم بترابه؟ ومنها لو رأى شاة غيره تموت فذبحها حفظا لماليتها عليه كان ~~ذلك أولى من تركها تذهب ضياعا، وإن كان من جامدي الفقهاء من يمنع من ذلك ~~ويقول: هذا تصرف في ملك الغير، ولم يعلم هذا اليابس أن التصرف في ملك الغير ~~إنما حرمه الله لما فيه من الإضرار به وترك التصرف ها هنا هو الإضرار. # ومنها لو استأجر غلاما فوقعت الأكلة في طرفه فتيقن أنه إن لم يقطعه سرت ~~إلى نفسه فمات جاز له قطعه ولا ضمان عليه. # ومنها لو رأى السيل يمر بدار جاره فبادر ونقب حائطه وأخرج متاعه فحفظه ~~عليه جاز ذلك، ولم يضمن نقب الحائط ومنها لو قصد العدو مال جاره فصالحه ~~ببعضه دفعا عن بقيته جاز له، ولم يضمن ما دفعه إليه. ومنها لو وقعت النار ~~في دار جاره فهدم جانبا منها على النار لئلا تسري إلى بقيتها لم يضمن. ~~ومنها لو باعه صبرة عظيمة أو حطبا أو حجارة ونحو ذلك جاز له أن يدخل ملكه ~~من الدواب والرجال ما ينقلها به، وإن لم يأذن له في ذلك لفظا. ومنها لو جذ ~~ثماره أو حصد زرعه ثم بقي من ذلك ما يرغب عنه عادة جاز لغيره التقاطه ~~وأخذه، وإن لم يأذن فيه لفظا. ومنها لو وجد هديا مشعرا منحورا ليس عنده ms0731 أحد ~~جاز له أن يقتطع منه ويأكل منه. # ومنها لو أتى إلى دار رجل جاز له طرق حلقة الباب عليه، وإن كان تصرف في ~~باب لم يأذن له فيه لفظا. # ومنها الاستناد إلى جداره والاستظلال به. ومنها الاستمداد من محبرته، وقد ~~أنكر الإمام أحمد على من استأذنه في ذلك. # وهذا أكثر من أن يحصر، وعليه يخرج حديث عروة بن الجعد البارقي حيث «أعطاه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - دينارا يشتري له به شاة، فاشترى شاتين ~~بدينار، فباع إحداهما بدينار، وجاءه # PageV02P298 # بالدينار والشاة الأخرى» فباع وأقبض وقبض بغير إذن لفظي اعتمادا منه على ~~الإذن العرفي الذي هو أقوى من اللفظي في أكثر المواضع، ولا إشكال بحمد الله ~~في هذا الحديث بوجه ما، وإنما الإشكال في استشكاله؛ فإنه جار على محض ~~القواعد كما عرفته. # PageV02P299 ### | [فصل الشرط العرفي كالشرط اللفظي] # ] ومن هذا الشرط العرفي كاللفظي، وذلك كوجوب نقد البلد عند الإطلاق، ~~ووجوب الحلول حتى كأنه مشترط لفظا فانصرف العقد بإطلاقه إليه، وإن لم يقتضه ~~لفظه، ومنها السلامة من العيوب حتى يسوغ له الرد بوجود العيب تنزيلا ~~لاشتراط سلامة المبيع عرفا منزلة اشتراطها لفظا. ومنها وجوب وفاء المسلم ~~فيه في مكان العقد وإن لم يشترطه لفظا بناء على الشرط العرفي. ومنها لو دفع ~~ثوبه إلى من يعرف أنه يغسل أو يخيط بالأجرة أو عجينه لمن يخبزه أو لحما لمن ~~يطبخه أو حبا لمن يطحنه أو متاعا لمن يحمله ونحو ذلك ممن نصب نفسه للأجرة ~~على ذلك وجب له أجرة مثله، وإن لم يشترط معه ذلك لفظا عند جمهور أهل العلم. # حتى عند المنكرين لذلك؛ فإنهم ينكرونه بألسنتهم ولا يمكنهم العمل إلا به، ~~بل ليس يقف الإذن فيما يفعله الواحد من هؤلاء وغيرهم على صاحب المال خاصة؛ ~~لأن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض في الشفقة والنصيحة والحفظ والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولهذا جاز لأحدهم ضم اللقطة ورد الآبق وحفظ ~~الضالة، حتى إنه يحسب ما ينفقه على الضالة والآبق واللقطة وينزل إنفاقه ~~عليها منزلة إنفاقه ms0732 لحاجة نفسه لما كان حفظا لمال أخيه وإحسانا إليه؛ فلو ~~علم المتصرف لحفظ مال أخيه أن نفقته تضيع وأن إحسانه يذهب باطلا في حكم ~~الشرع لما أقدم على ذلك، ولضاعت مصالح الناس، ورغبوا عن حفظ أموال بعضهم ~~بعضا، وتعطلت حقوق كثيرة، وفسدت أموال عظيمة، ومعلوم أن شريعة من بهرت ~~شريعته العقول وفاقت كل شريعة واشتملت على كل مصلحة وعطلت كل مفسدة تأبى ~~ذلك كل الإباء، وأين هذا من إجازة أبي حنيفة تصرف الفضولي ووقف العقود ~~تحصيلا لمصلحة المالك ومنع المرتهن من الركوب والحلب بنفقته؟ فيا لله ~~العجب، يكون هذا الإحسان للراهن وللحيوان ولنفسه بحفظ الرهن حراما لا ~~اعتبارا به شرعا مع إذن الشارع فيه لفظا وإذن المالك عرفا وتصرف الفضولي ~~معتبرا، مرتبا عليه حكمه؟ هذا ومن المعلوم أنا في إبراء الذمم أحوج منا إلى ~~العقود على أولاد الناس وبناتهم وإمائهم وعبيدهم ودورهم وأموالهم؛ فالمرتهن ~~محسن بإبراء ذمة المالك من الإنفاق على الحيوان مؤد لحق الله فيه ولحق ~~مالكه ولحق الحيوان ولحق # PageV03P003 # نفسه متناول ما أذن له فيه الشارع من العوض بالدر والظهر، وقد أوجب الله ~~سبحانه وتعالى على الآباء إيتاء المراضع أجرهن بمجرد الإرضاع، وإن لم ~~يعقدوا معهن عقد إجارة؛ فقال تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} ~~[الطلاق: 6] . # فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بما لو كان الرهن دارا فخرب بعضها فعمرها ~~ليحفظ الرهن؛ فإنه لا يستحق السكنى عندكم بهذه العمارة، ولا يرجع بها. # قيل: ليس كذلك، بل يحتسب له بما أنفقه؛ لأن فيه إصلاح الرهن، ذكره القاضي ~~وابنه وغيرهما. وقد نص الإمام أحمد في رواية أبي حرب الجرجاني في رجل عمل ~~في قناة رجل بغير إذنه، فاستخرج الماء، لهذا الذي عمل أجر في نفقته إذا عمل ~~ما يكون منفعة لصاحب القناة، هذا مع أن الفرق بين الحيوان والدار ظاهر؛ ~~لحاجة الحيوان إلى الإنفاق ووجوبه على مالكه، بخلاف عمارة الدار، فإن صح ~~الفرق بطل السؤال، وإن بطل الفرق ثبت الاستواء في الحكم. # فإن قيل: في هذا مخالفة للأصول من وجهين؛ أحدهما: ms0733 أنه إذا أدى عن غيره ~~واجبا بغير إذنه كان متبرعا، ولم يلزمه القيام له بما أداه عنه. الثاني: ~~أنه لو لزمه عوضه فإنما يلزمه نظير ما أداه، فأما أن يعارض عليه بغير جنس ~~ما أداه بغير اختياره فأصول الشرع تأبى ذلك. # قيل: هذا هو الذي ردت به هذه السنة، ولأجله تأولها من تأولها على أن ~~المراد بها أن النفقة على المالك فإنه الذي يركب ويشرب، وجعل الحديث دليلا ~~على جواز تصرف الراهن في الرهن بالركوب والحلب وغيره، ونحن نبين ما في هذين ~~الأصلين من حق وباطل. # فأما الأصل الأول فقد دل في فساده القرآن والسنة وآثار الصحابة والقياس ~~الصحيح ومصالح العباد، أما القرآن فقوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن ~~أجورهن} [الطلاق: 6] وقد تقدم تقرير الدلالة منه، وقد اعترض بعضهم على هذا ~~الاستدلال بأن المراد به أجورهن المسماة فإنه أمر لهم بوفائها، لا أمر لهم ~~بإيتاء ما لم يسموه من الأجرة ويدل عليه قوله تعالى: {وإن تعاسرتم فسترضع ~~له أخرى} [الطلاق: 6] وهذا التعاسر إنما يكون حال العقد بسبب طلبها الشطط ~~من الأجر أو حطها عن أجرة المثل، وهذا اعتراض فاسد؛ فإنه ليس في الآية ذكر ~~التسمية، ولا يدل عليها بدلالة من الدلالات الثلاث، أما اللفظيتان فظاهر، ~~وأما اللزومية فلانفكاك التلازم بين الأمر بإيتاء الأجر وبين تقدم # PageV03P004 # تسميته، وقد سمى الله سبحانه وتعالى ما يؤتيه العامل على عمله أجرا وإن ~~لم يتقدم له تسمية كما قال تعالى عن خليله - عليه السلام -: {وآتيناه أجره ~~في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [العنكبوت: 27] وقال تعالى: {ومن ~~يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين} [الأحزاب: 31] ومعلوم ~~أن الأجر ما يعود إلى العامل عوضا عن عمله؛ فهو كالثواب الذي يثوب إليه: أي ~~يرجع من عمله، وهذا ثابت سواء سمي أو لم يسم، وقد نص الإمام أحمد - رضي ~~الله عنه - على أنه إذا افتدي الأسير رجع عليه بما غرمه عليه ولم يختلف ~~قوله فيه. واختلف قوله فيمن أدى دين غيره عنه بغير إذنه؛ فنص في ms0734 موضع على ~~أنه يرجع عليه، فقيل له: هو متبرع بالضمان، فقال: وإن كان متبرعا بالضمان، ~~ونص في موضع آخر على أنه يرجع، فإنه قال: إذا لم يقل اقض عني ديني كان ~~متبرعا، ونص على أنه يرجع على السيد بنفقة عبده الآبق إذا رده، وقد كتب عمر ~~بن الخطاب إلى عامله في سبي العرب ورقيقهم، وقد كان التجار اشتروه فكتب ~~إليه: أيما حر اشتراه التجار فاردد عليهم رءوس أموالهم، وقد قيل: إن جميع ~~الفرق تقول بهذه المسألة وإن تناقضوا ولم يطردوها؛ فأبو حنيفة يقول: إذا ~~قضى بعض الورثة دين الميت ليتوصل بذلك إلى أخذ حقه من التركة بالقسمة فإنه ~~يرجع على التركة بما قضاه، وهذا واجب قد أداه عن غيره بغير إذنه، وقد رجع ~~به، ويقول: إذا بنى صاحب العلو السفل بغير إذن المالك لزم الآخر غرامة ما ~~يخصه، وإذا أنفق المرتهن على الرهن في غيبة الراهن رجع بما أنفق، وإذا ~~اشترى اثنان من واحد عبدا بألف فغاب أحدهما فأدى الحاضر جميع الثمن ليستلم ~~العبد كان له الرجوع. والشافعي يقول: إذا أعار عبد الرجل ليرهنه فرهنه ثم ~~إن صاحب الرهن قضى الدين بغير إذن المستعير وافتك الرهن رجع بالحق، وإذا ~~استأجر جمالا ليركبها فهرب الجمال فأنفق المستأجر على الجمال رجع بما أنفق. # وإذا ساقى رجلا على نخله فهرب العامل فاستأجر صاحب النخل من يقوم مقامة ~~رجع عليه به، واللقيط إذا أنفق عليه أهل المحلة ثم استفاد مالا رجعوا عليه. ~~وإن أذن له في الضمان فضمن ثم أدى الحق بغير إذنه رجع عليه. وأما المالكية ~~والحنابلة فهم أعظم الناس قولا بهذا الأصل، والمالكية أشد قولا به ومما ~~يوضح ذلك أن الحنفية قالوا في هذه المسائل: إن هذه الصور كلها أحوجته إلى ~~استيفاء حقه أو حفظ ماله؛ فلولا عمارة السفل لم يثبت العلو، ولو لم يقض ~~الوارث الغرماء لم يتمكن من أخذ حقه من التركة بالقسمة، ولو لم يحفظ الرهن ~~بالعلف لتلف محل الوثيقة، ولو لم يستأجر على الشجر من يقوم مقام العامل ms0735 ~~لتعطلت الثمرة، وحقه متعلق بذلك كله، فإذا أنفق كانت نفقته # PageV03P005 # ليتوصل إلى حقه، بخلاف من أدى دين غيره فإنه لا حق له هناك يتوصل إلى ~~استيفائه بالأداء؛ فافترقا؛ وتبين أن هذه القاعدة لا تلزمنا، وأن من أدى عن ~~غيره واجبا من دين أو نفقة على قريب أو زوجة فهو إما فضولي وهو جدير بأن ~~يفوت عليه ما فوته على نفسه، أو متفضل فحوالته على الله دون من تفضل عليه؛ ~~فلا يستحق مطالبته، وزادت الشافعية وقالت: لما ضمن له المؤجر تحصيل منافع ~~الجمال، ومعلوم أنه لا يمكنه استيفاء تلك المنافع إلا بالعلف؛ دخل في ضمانه ~~لتلك المنافع إذنه له في تحصيلها بالإنفاق عليها ضمنا وتبعا، فصار ذلك ~~مستحقا عليه بحكم ضمانه عن نفسه لا بحكم ضمان الغير عنه. # يوضحه أن المؤجر والمساقي قد علما أنه لا بد للحي من قوام، ولا بد للنخيل ~~من سقي وعمل عليها؛ فكأنه قد حصل الإذن فيها في الإنفاق عرفا، والإذن ~~العرفي يجري مجرى الإذن اللفظي، وشاهده ما ذكرتم من المسائل؛ فيقال: هذا من ~~أقوى الحجج عليكم في مسألة علف المرتهن للرهن، واستحقاقه للرجوع بما غرمه، ~~وهذا نصف المسافة، وبقي نصفها الثاني، وهو المعاوضة عليها بركوبه وشربه، ~~وهي أسهل المسافتين وأقربهما؛ إذ غايتها تسليط الشارع له على هذه المعاوضة ~~التي هي من مصلحة الراهن والمرتهن والحيوان، وهي أولى من تسليط الشفيع على ~~المعاوضة عن الشقص المشفوع لتكميل ملكه وانفراده به، وهي أولى من المعاوضة ~~في مسألة الظفر بغير اختيار من عليه الحق؛ فإن سبب الحق فيها ليس ثابتا، ~~والآخذ ظالم في الظاهر، ولهذا منعه النبي من الأخذ وسماه خائنا بقوله: «أد ~~الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» وأما ههنا فسبب الحق ظاهر، وقد ~~أذن في المعاوضة للمصلحة التي فيها، فكيف تمنع هذه المعاوضة التي سبب الحق ~~فيها ظاهر وقد أذن فيها الشارع وتجوز تلك المعاوضة التي سبب الحق فيها غير ~~ظاهر وقد منع منها الشارع؟ فلا نص ولا قياس. # ومما يدل على أن من ms0736 أدى عن غيره واجبا أنه يرجع عليه به قوله تعالى: {هل ~~جزاء الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن: 60] وليس من جزاء هذا المحسن بتخليص من ~~أحسن إليه بأداء دينه وفك أسره منه وحل وثاقه أن يضيع عليه معروفه وإحسانه، ~~وأن يكون جزاؤه منه بإضاعة ماله ومكافأته عليه بالإساءة. وقد قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «من أسدى إليكم معروفا فكافئوه» وأي معروف فوق معروف ~~هذا الذي افتك أخاه من أسر الدين؟ وأي مكافأة أقبح من إضاعة ماله عليه ~~وذهابه؟ وإذا كانت الهدية التي هي تبرع محض قد شرعت المكافأة عليها وهي من ~~أخلاق المؤمنين، فكيف يشرع جواز ترك المكافآت على ما هو من أعظم المعروف؟ ~~وقد عقد الله سبحانه وتعالى الموالاة بين المؤمنين وجعل # PageV03P006 # بعضهم أولياء بعض، فمن أدى عن وليه واجبا كان نائبه فيه بمنزلة وكيله ~~وولى من أقامه الشرع للنظر في مصالحه لضعفه أو عجزه. # ومما يوضح ذلك أن الأجنبي لو أقرض رب الدين قدر دينه وأحاله به على ~~المدين مالك ذلك، وأي فرق شرعي أو معنوي بين أن يوفيه ويرجع به على المدين ~~أو يقرضه ويحتال به على المدين؟ وهل تفرق الشريعة المشتملة على مصالح ~~العباد بين الأمرين؟ ولو تعين عليه ذبح هدي أو أضحية فذبحها عنه أجنبي بغير ~~إذنه أجزأت وتأدى الواجب بذلك، ولم تكن ذبيحة غاصب، وما ذاك إلا لكون الذبح ~~قد وجب عليه فأدى هذا الواجب غيره وقام مقام تأديته هو بحكم النيابة عنه ~~شرعا، وليس الشأن في هذه المسألة لوضوحها واقتضاء أصول الشرع وفروعه لها، ~~وإنما الشأن فيمن عمل في مال غيره عملا بغير إذنه ليتوصل بذلك العمل إلى ~~حقه أو فعله حفظا لمال المالك واحترازا له من الضياع؛ فالصواب أنه يرجع ~~عليه بأجرة عمله. وقد نص عليه الإمام أحمد - رضي الله عنه - في عدة مواضع: ~~منها أنه إذا حصد زرعه في غيبته فإنه نص على أنه يرجع عليه بالأجرة، وهذا ~~من أحسن الفقه، فإنه إذا مرض أو حبس أو غاب فلو ترك زرعه بلا ms0737 حصاد لهلك ~~وضاع، فإذا علم من يحصده له أنه يذهب عليه عمله نفقته ضياعا لم يقدم على ~~ذلك، وفي ذلك من إضاعة المال وإلحاق الضرر بالمالك ما تأباه الشريعة ~~الكاملة؛ فكان من أعظم محاسنها أن أذنت للأجنبي في حصاده والرجوع على مالكه ~~بما أنفق عليه حفظا لماله ومال المحسن إليه، وفي خلاف ذلك إضاعة لماليهما ~~أو مال أحدهما، ومنها ما نص عليه فيمن عمل في قناة رجل بغير إذنه فاستخرج ~~الماء، قال: لهذا الذي عمل نفقته، ومنها لو انكسرت سفينته فوقع متاعه في ~~البحر فخلصه رجل فإنه لصاحبه، وله عليه أجرة مثله، وهذا أحسن من أن يقال: ~~لا أجرة له؛ فلا تطيب نفسه بالتعرض للتلف والمشقة الشديدة ويذهب عمله باطلا ~~أو يذهب مال الآخر ضائعا، وكل منهما فساد محض، والمصلحة في خلافه ظاهرة. ~~والمؤمنون يرون قبيحا أن يذهب عمل مثل هذا ضائعا ومال هذا ضائعا، ويرون من ~~أحسن الحسن أن يسلم مال هذا وينجح سعي هذا، والله الموفق. ### | [رد السنة الثابتة في ضمان دين الميت الذي لم يخلف وفاء] # [ضمان دين الميت الذي لم يترك وفاء] # المثال الحادي والسبعون: رد السنة الثابتة الصريحة المحكمة في صحة ضمان ~~دين الميت الذي لم يخلف وفاء، كما في الصحيحين عن أبي قتادة قال: «أتي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بجنازة ليصلي عليها، فقال: أعليه دين؟ فقالوا: ~~نعم. ديناران، فقال: أترك لهما وفاء؟ # PageV03P007 # قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: هما علي يا رسول الله، ~~فصلى عليه» فردت هذه السنة برأي لا يقاومها، وهو أن الميت قد خربت ذمته؛ ~~فلا يصح ضمان شيء خراب في محل خراب، بخلاف الحي القادر فإن ذمته بصدد ~~العمارة في ضمان دينه، وإن لم يكن له وفاء في الحال، وأما إذا خلف وفاء ~~فإنه يصح الضمان في الحال تنزيلا لذمته بما خلفه من الوفاء منزلة الحي ~~القادر. # قالوا: وأما الحديث فإنما هو إخبار عن ضمان متقدم على الموت؛ فهو إخبار ~~منه بالتزام سابق، لا إنشاء للالتزام ms0738 حينئذ، وليس في ذلك ما ترد به السنة ~~الصريحة، ولا يصح حملها على الأخبار لوجوه؛ أحدها: أن في بعض ألفاظ الحديث: ~~«فقال أبو قتادة: أنا الكفيل به يا رسول الله، فصلى عليه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -» رواه النسائي بإسناد صحيح. الثاني: أن في بعض طرق ~~البخاري «فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعلي دينه» فقوله: «وعلي ~~دينه» كالصريح في الالتزام أو صريح فيه؛ فإن هذه الواو للاستئناف، وليس ~~قبلها ما يصح أن يعطف ما بعدها عليه، كما لو قال: صل عليه وأنا ألتزم ما ~~عليه أو وأنا ملتزم ما عليه، الثالث: أن الحكم لو اختلف لقال له النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: هل ضمنت ذلك في حياته أو بعد موته؟ ولا سيما فإن ~~الظاهر منه الإنشاء، وأدنى الأحوال أن يحتملهما على السواء، فإن كان أحدهما ~~باطلا في الشرع والآخر صحيحا فكيف يقره على قول محتمل لحق وباطل ولم ~~يستفصله عن مراده به؟ الرابع: أن القياس يقتضي صحة الضمان وإن لم يخلف ~~وفاء، فإن من صح ضمان دينه إذا خلف وفاء صح ضمانه وإن لم يكن له مال كالحي، ~~وأيضا فمن صح ضمان دينه حيا صح ضمان دينه ميتا، وأيضا فإن الضمان لا يوجب ~~الرجوع، وإنما يوجب مطالبة رب الدين للضامن فلا فرق بين أن يخلف الميت وفاء ~~أو لم يخلفه، وأيضا فالميت أحوج إلى ضمان دينه الحي لحاجته إلى تبريد جلده ~~ببراءة ذمته وتخليصه من ارتهانه بالدين، وأيضا فإن ذمة الميت وإن خربت من ~~وجه - وهو تعذر مطالبته - لم تخرب من جهة بقاء الحق فيها، وقد قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «ليس من ميت يموت إلا وهو مرتهن بدينه» ولا يكون ~~مرتهنا وقد خربت ذمته، وأيضا فإنه لو خربت ذمته لبطل الضمان بموته؛ فإن ~~الضامن فرعه، وقد خربت ذمة الأصل، فلما استديم الضمان ولم يبطل بالموت علم ~~أن الضمان لا ينافي الموت؛ فإنه لو نافاه ابتداء لنافاه استدامة؛ فإن هذا ~~من الأحكام التي لا يفرق ms0739 فيها بين الدوام والابتداء لاتحاد سبب الابتداء ~~والدوام فيها؛ فظهر أن القياس المحض مع السنة الصحيحة، والله الموفق. ### | [ترك السنة الصحيحة في جمع التقديم والتأخير بين الصلاتين للعذر] # [الجمع بين الصلاتين] # المثال الثاني والسبعون: ترك السنة الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في ~~جمع # PageV03P008 # التقديم والتأخير بين الصلاتين للعذر، كحديث أنس: «كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم ~~نزل فجمع بينهما» وفي لفظ له: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل وقت العصر، ثم يجمع ~~بينهما» وهو في الصحيحين، وكقول معاذ بن جبل: «كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمع ~~مع العصر فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ~~ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ~~ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب» وهو في السنن والمسند، ~~وإسناده صحيح، وعلته واهية، وكقول ابن عباس: «كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا زاغت الشمس وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، ~~وإذا لم تزغ في منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، ~~وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينه وبين العشاء، وإذا لم تحن في منزله ~~ركب حتى إذا كان العشاء نزل فجمع بينهما» وهذا متابع لحديث معاذ، وفي بعض ~~طرق هذا الحديث: «وإذا سافر قبل أن تزول الشمس أخر الظهر حتى يجمع بينها ~~وبين العصر في وقت العصر» وكقول ابن عمر وقد أخر المغرب حتى غاب الشفق ثم ~~نزل فجمع بينهما ثم أخبر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كان يفعل ~~ذلك إذا جد به السير» كانت هذه سنن في غاية الصحة والصراحة، ولا معارض لها؛ ~~فردت بأنها أخبار آحاد # ، وأوقات الصلاة ثابتة بالتواتر، ms0740 كحديث إمامة جبريل للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وصلاته به كل صلاة في وقتها ثم قال: «الوقت ما بين هذين» فهذا ~~في أول الأمر بمكة، وهكذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسائل في ~~المدينة سواء صلى به كل صلاة في أول وقتها وآخره وقال: «الوقت ما بين هذين» ~~وقال في حديث عبد الله بن عمرو: «وقت صلاة الظهر ما لم تحضر العصر، ووقت ~~صلاة العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط نور الشفق، ووقت ~~صلاة العشاء إلى نصف الليل» وقال: «وقت كل صلاة ما لم يدخل وقت التي تليها» ~~ويكفي للسائل وقد سأله عن المواقيت ثم بينها له بفعله: «الوقت فيما بين ~~هذين» فهذا بيان بالقول والفعل، وهذه أحاديث محكمة صحيحة صريحة في تفصيل ~~الأوقات مجمع عليها بين الأمة. # وجميعهم احتجوا بها في أوقات الصلاة، فقدمتم عليها أحاديث مجملة محتملة ~~في الجمع غير صريحة فيه؛ لجواز أن يكون المراد بها الجمع في الفعل، وأن ~~يراد بها الجمع في الوقت، فكيف يترك الصريح المبين للمجمل المحتمل؟ وهل هذا ~~إلا ترك للمحكم وأخذ بالمتشابه، وهو عين ما أنكرتموه في هذه الأمثلة؟ # PageV03P009 # فالجواب أن يقال: الجميع حق؛ فإنه من عند الله، وما كان من عند الله فإنه ~~لا يختلف، فالذي وقت هذه المواقيت وبينها بقوله وفعله هو الذي شرع الجمع ~~بقوله وفعله؛ فلا يؤخذ ببعض السنة ويترك بعضها. # والأوقات التي بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله وفعله نوعان ~~بحسب حال أربابها: أوقات السعة والرفاهية، وأوقات العذر والضرورة. ولكل ~~منها أحكام تخصها، وكما أن واجبات الصلاة وشروطها تختلف باختلاف القدرة ~~والعجز فهكذا أوقاتها، وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت النائم ~~والذاكر حين يستيقظ ويذكر، أي وقت كان، وهذا غير الأوقات الخمسة. وكذلك جعل ~~أوقات المعذورين ثلاثة: وقتين مشتركين، ووقتا مختصا؛ فالوقتان المشتركان ~~لأرباب الأعذار هما أربعة لأرباب الرفاهية، ولهذا جاءت الأوقات في كتاب ~~الله نوعين خمسة وثلاثة في نحو عشر آيات من القرآن، فالخمسة لأهل الرفاهية ms0741 ~~والسعة، والثلاثة لأرباب الأعذار، وجاءت السنة بتفصيل ذلك وبيانه وبيان ~~أسبابه، فتوافقت دلالة القرآن والسنة والاعتبار الصحيح الذي هو مقتضى حكمة ~~الشريعة وما اشتملت عليه من المصالح. # فأحاديث الجمع مع أحاديث الإفراد بمنزلة أحاديث الأعذار والضرورات مع ~~أحاديث الشروط والواجبات؛ فالسنة يبين بعضها بعضا، لا يرد بعضها ببعض ومن ~~تأمل أحاديث الجمع وجدها كلها صريحة في جمع الوقت لا في جمع الفعل، وعلم أن ~~جمع الفعل أشق وأصعب من الإفراد بكثير؛ فإنه ينتظر بالرخصة أن يبقى من وقت ~~الأولى قدر فعلها فقط، بحيث إذا سلم منها دخل وقت الثانية فأوقع كل واحدة ~~منهما في وقتها، وهذا أمر في غاية العسر والحرج والمشقة، وهو مناف لمقصود ~~الجمع، وألفاظ السنة الصحيحة الصريحة ترده كما تقدم، وبالله التوفيق. ### | [رد السنة الصحيحة في الوتر بخمس متصلة وسبع متصلة] # [الوتر مع الاتصال] # المثال الثالث والسبعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر بخمس ~~متصلة وسبع متصلة كحديث أم سلمة: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام» رواه الإمام أحمد، وكقول ~~عائشة - رضي الله عنها -: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي من ~~الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس إلا في آخرهن» متفق عليه، ~~وكحديث عائشة - رضي الله عنها - أنه - صلى الله عليه وسلم -: «كان يصلي من ~~الليل تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ~~ينهض، ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ~~ثم يسلم تسليما يسمعناه، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى ~~عشرة ركعة، فلما أسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذه اللحم أوتر ~~بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنعه في الأولى» وفي لفظ # PageV03P010 # عنها: «فلما أسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذه اللحم أوتر بسبع ~~ركعات لم يجلس إلا في السادسة والسابعة، لم يسلم إلا في السابعة» وفي لفظ: ~~«صلى سبع ركعات لا يقعد ms0742 إلا في آخرهن» وكلها أحاديث صحاح صريحة لا معارض ~~لها؛ فردت هذه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة الليل مثنى مثنى» وهو ~~حديث صحيح، ولكن الذي قاله هو الذي أوتر بالتسع والسبع والخمس، وسننه كلها ~~حق يصدق بعضها بعضا؛ فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أجاب السائل له عن صلاة ~~الليل بأنها مثنى مثنى، ولم يسأله عن الوتر، وأما السبع والخمس والتسع ~~والواحدة فهي صلاة الوتر، والوتر اسم للواحدة المنفصلة مما قبلها، وللخمس ~~والسبع والتسع المتصلة، كالمغرب اسم للثلاث المتصلة، فإن انفصلت الخمس ~~والسبع والتسع بسلامين كالإحدى عشرة كان الوتر اسما للركعة المفصولة وحدها، ~~كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة الليل مثنى، فإذا خشي الصبح ~~أوتر بواحدة توتر له ما صلى.» فاتفق فعله - صلى الله عليه وسلم - وقوله، ~~وصدق بعضه بعضا، وكذلك يكون ليس إلا، وإن حصل تناقض فلا بد من أحد أمرين؛ ~~إما أن يكون أحد الحديثين ناسخا للآخر، أو ليس من كلام رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فإن كان الحديثان من كلامه وليس أحدهما منسوخا فلا تناقض ~~ولا تضاد هناك ألبتة، وإنما يؤتي من يؤتي هناك من قبل فهمه وتحكيمه آراء ~~الرجال وقواعد المذهب على السنة؛ فيقع الاضطراب والتناقض والاختلاف، والله ~~المستعان ### | [تغيير الفتوى واختلافها] ### | [الشريعة مبنية على مصالح العباد] # فصل في تغيير الفتوى، واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال ~~والنيات والعوائد # الشريعة مبنية على مصالح العباد # هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من ~~الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في ~~أعلى رتب المصالح لا تأتي به؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح ~~العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة ~~كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن ~~المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى البعث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت ~~فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، ms0743 وظله في ~~أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - أتم دلالة ~~وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، ~~وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه ~~فقد استقام # PageV03P011 # على سواء السبيل. # فهي قرة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح؛ فهي بها الحياة والغذاء ~~والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، ~~وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت ~~الدنيا وطوي العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك الله ~~السموات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله سبحانه وتعالى خراب الدنيا وطي ~~العالم رفع إليه ما بقي من رسومها؛ فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي ~~عمود العالم، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة. # ونحن نذكر تفصيل ما أجملناه في هذا الفصل بحول الله وتوفيقه ومعونته ~~بأمثلة صحيحة. ### | [إنكار المنكر وشروطه] # المثال الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرع لأمته إيجاب إنكار ~~المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار ~~المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، ~~وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج ~~عليهم؛ فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، «وقد استأذن الصحابة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن ~~وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: لا، ما أقاموا الصلاة» وقال: «من رأى ~~من أميره ما يكرهه فليصبر ولا ينزعن يدا من طاعته» ومن تأمل ما جرى على ~~الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على ~~منكر؛ فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه؛ فقد كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله ~~مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم، ومنعه ms0744 من ~~ذلك - مع قدرته عليه - خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك ~~لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار على ~~الأمراء باليد؛ لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء. # [إنكار المنكر أربع درجات] # فإنكار المنكر أربع درجات؛ الأولى: أن يزول ويخلفه ضده، الثانية: أن يقل ~~وإن لم يزل بجملته، الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله، الرابعة: أن يخلفه ما هو ~~شر منه؛ فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة ~~محرمة؛ فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من ~~عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى # PageV03P012 # ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك، وإذا رأيت ~~الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى ~~طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيرا من أن تفرغهم لما هو ~~أعظم من ذلك فكان ما هم فيه شاغلا لهم عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلا ~~بكتب المجون ونحوها وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال ~~والسحر فدعه وكتبه الأولى، وهذا باب واسع؛ وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس ~~الله روحه ونور ضريحه يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم ~~يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم ~~الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل ~~النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم. ### | [فصل قطع الأيدي في الغزو] # فصل # [النهي عن قطع الأيدي في الغزو] # المثال الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نهى أن تقطع الأيدي في ~~الغزو» رواه أبو داود، فهذا حد من حدود الله تعالى، وقد نهى عن إقامته في ~~الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق ~~صاحبه بالمشركين حمية وغضبا كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة ms0745 وغيرهم، وقد ~~نص أحمد وإسحاق بن راهويه والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود ~~لا تقام في أرض العدو، وذكرها أبو القاسم الخرقي في مختصره فقال: لا يقام ~~الحد على مسلم في أرض العدو، وقد «أتى بشر بن أرطاة برجل من الغزاة قد سرق ~~مجنه فقال: لولا أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا تقطع ~~الأيدي في الغزو لقطعت يدك» ، رواه أبو داود، وقال أبو محمد المقدسي: وهو ~~إجماع الصحابة، روى سعيد بن منصور في سننه بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن ~~أبيه عن عمر كتب إلى الناس أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجل من ~~المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق ~~بالكفار. وعن أبي الدرداء مثل ذلك. # وقال علقمة: كنا في جيش في أرض الروم، ومعنا حذيفة بن اليمان، وعلينا ~~الوليد بن عقبة، فشرب الخمر، فأردنا أن نحده، فقال حذيفة: أتحدون أميركم ~~وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم؟ . # وأتى سعد بن أبي وقاص بأبي محجن يوم القادسية وقد شرب الخمر، فأمر به إلى ~~القيد، فلما التقى الناس قال أبو محجن: # PageV03P013 # كفى حزنا أن تطرد الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا علي وثاقيا # فقال لابنة حفصة امرأة سعد: أطلقيني ولك والله علي إن سلمني الله أن أرجع ~~حتى أضع رجلي في القيد، فإن قتلت استرحتم مني، قال: فحلته حتى التقى الناس ~~وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس، قال: وصعدوا به فوق العذيب ~~ينظر إلى الناس، واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة، فوثب أبو محجن على فرس ~~لسعد يقال لها البلقاء، ثم أخذ رمحا ثم خرج فجعل لا يحمل على ناحية من ~~العدو إلا هزمهم، وجعل الناس يقولون: هذا ملك، لما يرونه يصنع، وجعل سعد ~~يقول: الصبر صبر البلقاء، والظفر ظفر أبي محجن، وأبو محجن في القيد، فلما ~~هزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجليه في القيد، فأخبرت ابنة حفصة سعدا بما ~~كان من أمره، فقال سعد: ms0746 لا والله لا أضرب اليوم رجلا أبلى للمسلمين ما ~~أبلاهم، فخلى سبيله، فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر ~~منها، فأما إذ بهرجتني فوالله لا أشربها أبدا؛ وقوله: " إذ بهرجتني " أي ~~أهدرتني بإسقاط الحد عني، ومنه " بهرج دم ابن الحارث " أي أبطله، وليس في ~~هذا ما يخالف نصا ولا قياسا ولا قاعدة من قواعد الشرع ولا إجماعا، بل لو ~~ادعى أنه إجماع الصحابة كان أصوب. # قال الشيخ في المغني: وهذا اتفاق لم يظهر خلافه. قلت: وأكثر ما فيه تأخير ~~الحد لمصلحة راجحة إما من حاجة المسلمين إليه أو من خوف ارتداده ولحوقه ~~بالكفار، وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل ~~والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض؛ فهذا تأخير لمصلحة المحدود؛ فتأخيره ~~لمصلحة الإسلام أولى. فإن قيل: فما تصنعون بقول سعد: " والله لا أضرب اليوم ~~رجلا أبلى للمسلمين ما أبلاهم " فأسقط عنه الحد؟ قيل: قد يتمسك بهذا من ~~يقول: لا حد على مسلم في دار الحرب " كما يقول أبو حنيفة، ولا حجة فيه، ~~والظاهر أن سعدا - رضي الله عنه - اتبع في ذلك سنة الله تعالى؛ فإنه لما ~~رأى تأثير أبي محجن في الدين وجهاده وبذله نفسه لله ما رأى درأ عنه الحد؛ ~~لأن ما أتى به من الحسنات غمرت هذه السيئة الواحدة وجعلتها كقطرة بحاسة ~~وقعت في بحر، ولا سيما وقد شام منه مخايل التوبة النصوح وقت القتال؛ إذ لا ~~يظن مسلم إصراره في ذلك الوقت # PageV03P014 # الذي هو مظنة القدوم على الله وهو يرى الموت، وأيضا فإنه بتسليم نفسه ~~ووضع رجله في القيد اختيارا قد استحق أن يوهب له حده كما «قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - للرجل الذي قال له: يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي، ~~فقال: هل صليت معنا هذه الصلاة؟ قال: نعم، قال: اذهب فإن الله قد غفر لك ~~حدك» وظهرت بركة هذا العفو والإسقاط في صدق توبته، فقال: والله لا أشربها ~~أبدا، وفي رواية «أبد الأبد» وفي رواية ms0747 «قد كنت آنف أن أتركها من أجل ~~جلداتكم، فأما إذ تركتموني فوالله لا أشربها أبدا» وقد برئ النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - مما صنع خالد ببني جذيمة، وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما ~~صنع خالد» ولم يؤاخذه به لحسن بلائه ونصره للإسلام. # [سقوط الحد عن التائب] # ومن تأمل المطابقة بين الأمر والنهي والعقاب وارتباط أحدهما بالآخر علم ~~فقه هذا الباب، وإذا كان الله لا يعذب تائبا فهكذا الحدود لا تقام على ~~تائب، وقد نص الله على سقوط الحد عن المحاربين بالتوبة التي وقعت قبل ~~القدرة عليهم مع عظيم جرمهم، وذلك تنبيه على سقوط ما دون الحراب بالتوبة ~~الصحيحة بطريق الأولى، وقد روينا في سنن النسائي من حديث سماك عن علقمة بن ~~وائل عن أبيه «أن امرأة وقع عليها في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد ~~بمكروه على نفسها، فاستغاثت برجل مر عليها، وفر صاحبها، ثم مر عليها ذوو ~~عدد، فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه، وسبقهم ~~الآخر، فجاءوا يقودونه إليها، فقال: أنا الذي أغثتك، وقد ذهب الآخر قال: ~~فأتوا به نبي الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخبرته أنه الذي وقع عليها، ~~وأخبر القوم أنهم أدركوه يشتد، فقال: إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني ~~هؤلاء فأخذوني، فقالت: كذب، هو الذي وقع علي، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وآله وسلم -: انطلقوا به فارجموه فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه ~~وارجموني، فأنا الذي فعلت بها الفعل، فاعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: الذي وقع عليها، والذي أغاثها، والمرأة، فقال: أما ~~أنت فقد غفر لك وقال للذي أغاثها قولا حسنا، فقال عمر: ارجم الذي اعترف ~~بالزنى، فأبى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -؛ فقال: لأنه قد تاب ~~إلى الله» رواه عن محمد بن يحيى بن كثير الحراني: ثنا عمرو بن حماد بن طلحة ~~حدثنا أسباط بن نصر عن سماك، وليس فيه بحمد الله إشكال. # فإن قيل: فكيف أمر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم ms0748 - برجم المغيث من ~~غير بينة ولا إقرار؟ # PageV03P015 # اعتبار القرائن وشواهد الأحوال] قيل: هذا من أدل الدلائل على اعتبار ~~القرائن والأخذ بشواهد الأحوال في التهم، وهذا يشبه إقامة الحدود بالرائحة ~~والقيء كما اتفق عليه الصحابة، وإقامة حد الزنا بالحبل كما نص عليه عمر ~~وذهب إليه فقهاء أهل المدينة وأحمد في ظاهر مذهبه، وكذلك الصحيح أنه يقام ~~الحد على المتهم بالسرقة إذا وجد المسروق عنده، فهذا الرجل لما أدرك وهو ~~يشتد هربا وقالت المرأة: هذا هو الذي فعل بي، وقد تعترف بأنه دنا منها وأتى ~~إليها وادعى أنه كان مغيثا لا مريبا، ولم ير أولئك الجماعة غيره، كان في ~~هذا أظهر الأدلة على أنه صاحبها، وكان الظن المستفاد من ذلك لا يقصر عن ~~الظن المستفاد من شهادة البينة، واحتمال الغلط وعداوة الشهود كاحتمال الغلط ~~أو عداوة المرأة ههنا، بل ظن عداوة المرأة في هذا الموضع في غاية ~~الاستبعاد؛ فنهاية الأمر أن هذا ظاهر لا يستبعد ثبوت الحد بمثله شرعا كما ~~يقتل في القسامة باللوث الذي لعله دون هذا في كثير من المواضع؛ فهذا الحكم ~~من أحسن الأحكام وأجراها على قواعد الشرع، والأحكام الظاهرة تابعة للأدلة ~~الظاهرة من البينات والأقارير وشواهد الأحوال، وكونها في نفس الأمر قد تقع ~~غير مطابقة ولا تنضبط أمر لا يقدح في كونها طرقا وأسبابا للأحكام، والبينة ~~لم تكن موجبة بذاتها للحد، وإنما ارتباط الحد بها ارتباط المدلول بدليله، ~~فإن كان هناك دليل يقاومها أو أقوى منها لم يلغه الشارع، وظهور الأمر ~~بخلافه لا يقدح في كونه دليلا كالبينة والإقرار. # وأما سقوط الحد عن المعترف فإذا لم يتسع له نطاق أمير المؤمنين عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - فأحرى أن لا يتسع له نطاق كثير من الفقهاء، ولكن ~~اتسع له نطاق الرءوف الرحيم، فقال: إنه قد تاب إلى الله، وأبى أن يحده، ولا ~~ريب أن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعا واختيارا خشية من الله وحده، ~~وإنقاذا لرجل مسلم من الهلاك، وتقديم حياة أخيه على حياته واستسلامه للقتل ms0749 ~~أكبر من السيئة التي فعلها، فقاوم هذا الدواء لذلك الداء، وكانت القوة ~~صالحة، فزال المرض، وعاد القلب إلى حال الصحة، فقيل: لا حاجة لنا بحدك، ~~وإنما جعلناه طهرة ودواء؛ فإذا تطهرت بغيره فعفونا يسعك، فأي حكم أحسن من ~~هذا الحكم وأشد مطابقة للرحمة والحكمة والمصلحة؟ وبالله التوفيق. # وقد روينا في سنن النسائي من حديث الأوزاعي: ثنا أبو عمار شداد قال: ~~حدثني أبو أمامة «أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول ~~الله أصبت حدا فأقمه علي، فأعرض عنه، ثم قال: إني أصبت حدا فأقمه علي، ~~فأعرض عنه، ثم قال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي، فأعرض عنه، ~~فأقيمت الصلاة، فلما سلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يا رسول ~~الله إني # PageV03P016 # أصبت حدا فأقمه علي، قال: هل توضأت حين أقبلت؟ قال: نعم، قال: هل صليت ~~معنا حين صلينا؟ قال نعم، قال: اذهب فإن الله قد عفا عنك» ، وفي لفظ «إن ~~الله قد غفر لك ذنبك، أو حدك» ، ومن تراجم النسائي على هذا الحديث " من ~~اعترف بحد ولم يسمه " وللناس فيه ثلاث مسالك، هذا أحدها، والثاني أنه خاص ~~بذلك الرجل، والثالث سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة عليه، وهذا أصح المسالك. ### | [فصل سقوط الحد عام المجاعة] # فصل # [من أسباب سقوط الحد عام المجاعة] # المثال الثالث: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أسقط القطع عن السارق ~~في عام المجاعة، قال السعدي: حدثنا هارون بن إسماعيل الخزاز ثنا علي بن ~~المبارك ثنا يحيى بن أبي كثير حدثني حسان بن زاهر أن ابن حدير حدثه عن عمر ~~قال: لا تقطع اليد في عذق ولا عام سنة. # قال السعدي: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: العذق النخلة، وعام ~~سنة: المجاعة، فقلت لأحمد: تقول به؟ فقال: إي لعمري، قلت: إن سرق في مجاعة ~~لا تقطعه؟ فقال: لا، إذا حملته الحاجة على ذلك والناس في مجاعة وشدة. # قال السعدي: وهذا على نحو قضية عمر في غلمان حاطب، ثنا أبو ms0750 النعمان عارم ~~ثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن حاطب أن غلمة لحاطب بن ~~أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتى بهم عمر، فأقروا، فأرسل إلى عبد ~~الرحمن بن حاطب فجاء فقال له: إن غلمان حاطب سرقوا ناقة رجل من مزينة ~~وأقروا على أنفسهم، فقال عمر: يا كثير بن الصلت اذهب فاقطع أيديهم، فلما ~~ولى بهم ردهم عمر ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم ~~وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له لقطعت أيديهم، وايم ~~الله إذا لم أفعل لأغرمنك غرامة توجعك، ثم قال: يا مزني بكم أريدت منك ~~ناقتك؟ قال: بأربع مائة، قال عمر: اذهب فأعطه ثماني مائة. # وذهب أحمد إلى موافقة عمر في الفصلين جميعا؛ في مسائل إسماعيل بن سعيد ~~الشالنجي التي شرحها السعدي بكتاب سماه المترجم، قال: سألت أحمد بن حنبل عن ~~الرجل يحمل الثمر من أكمامه، فقال: فيه الثمن مرتين وشرب نكال، وقال: وكل ~~من درأنا عنه الحد والقود أضعفنا عليه الغرم، وقد وافق أحمد على سقوط القطع ~~في المجاعة الأوزاعي، وهذا محض القياس، ومقتضى قواعد الشرع؛ فإن السنة إذا ~~كانت سنة مجاعة وشدة غلب على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم السارق ~~من ضرورة تدعوه إلى ما # PageV03P017 # يسد به رمقه، ويجب على صاحب المال بذل ذلك له، إما بالثمن أو مجانا، على ~~الخلاف في ذلك؛ والصحيح وجوب بذله مجانا؛ لوجوب المواساة وإحياء النفوس مع ~~القدرة على ذلك والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج، وهذه شبهة قوية تدرأ ~~القطع عن المحتاج، وهي أقوى من كثير من الشبه التي يذكرها كثير من الفقهاء، ~~بل إذا وازنت بين هذه الشبهة وبين ما يذكرونه ظهر لك التفاوت، فأين شبهة ~~كون المسروق مما يسرع إليه الفساد، وكون أصله على الإباحة كالماء، وشبهة ~~القطع به مرة، وشبهة دعوى ملكه بلا بينة، وشبهة إتلافه في الحرز بأكل أو ~~احتلاب من الضرع، وشبهة نقصان ماليته في الحرز بذبح أو تحريق ثم ms0751 إخراجه، ~~وغير ذلك من الشبه الضعيفة جدا إلى هذه الشبهة القوية؟ لا سيما وهو مأذون ~~له في مغالبة صاحب المال على أخذ ما يسد رمقه. # وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون، ولا يتميز المستغني منهم ~~والسارق لغير حاجة من غيره، فاشتبه من يجب عليه الحد بمن لا يجب عليه، ~~فدرئ. نعم إذا بان أن السارق لا حاجة به وهو مستغن عن السرقة قطع. ### | [فصل صدقة الفطر لا تتعين في أنواع] # فصل # [صدقة الفطر لا تتعين في أنواع] # المثال الرابع: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرض صدقة الفطر صاعا من ~~تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب أو صاعا من أقط» وهذه كانت غالب ~~أقواتهم بالمدينة، فأما أهل بلد أو محلة قوتهم غير ذلك فإنما عليهم صاع من ~~قوتهم، كمن قوتهم الذرة والأرز أو التين أو غير ذلك من الحبوب، فإن كان ~~قوتهم من غير الحبوب كاللبن واللحم والسمك أخرجوا فطرتهم من قوتهم كائنا ما ~~كان، هذا قول جمهور العلماء، وهو الصواب الذي لا يقال بغيره؛ إذ المقصود سد ~~خلة المساكين يوم العيد ومواساتهم من جنس ما يقتاته أهل بلدهم، وعلى هذا ~~فيجزئ إخراج الدقيق وإن لم يصح فيه الحديث، وأما إخراج الخبز والطعام فإنه ~~وإن كان أنفع للمساكين لقلة المؤنة والكلفة فيه فقد يكون الحب أنفع لهم ~~لطول بقائه وأنه يتأتى منه ما لا يتأتى من الخبز والطعام، ولا سيما إذا كثر ~~الخبز والطعام عند المسكين فإنه يفسد ولا يمكنه حفظه، وقد يقال: لا اعتبار ~~بهذا، فإن المقصود إغناؤهم في ذلك اليوم العظيم عن التعرض للسؤال، كما قال ~~النبي: «أغنوهم في هذا اليوم عن المسألة» وإنما نص على تلك الأنواع المخرجة ~~لأن القوم لم يكونوا يعتادون اتخاذ الأطعمة يوم العيد، بل كان قوتهم يوم ~~العيد كقوتهم سائر السنة؛ ولهذا لما كان قوتهم يوم عيد النحر من لحوم ~~الأضاحي # PageV03P018 # أمروا أن يطعموا منها القانع والمعتر؛ فإذا كان أهل بلد أو محلة عادتهم ~~اتخاذ الأطعمة يوم العيد جاز لهم، ms0752 بل يشرع لهم أن يواسوا المساكين من ~~أطعمتهم، فهذا محتمل يسوغ القول به، والله أعلم. ### | [فصل رد صاع من تمر بدل المصراة] # فصل # [هل يجب في المصراة رد صاع من تمر؟] # المثال الخامس: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص في المصراة على رد ~~صاع من تمر بدل اللبن» ، فقيل: هذا حكم عام في جميع الأمصار، حتى في المصر ~~الذي لم يسمع أهله بالتمر قط ولا رأوه؛ فيجب إخراج قيمة الصاع في موضع ~~التمر، ولا يجزئهم إخراج صاع من قوتهم، وهذا قول أكثر الشافعية والحنابلة، ~~وجعل هؤلاء التمر في المصراة كالتمر في زكاة التمر لا يجزئ سواه، فجعلوه ~~تعبدا، فعينوه اتباعا للفظ النص، وخالفهم آخرون، فقالوا: بل يخرج في كل ~~موضع صاعا من قوت ذلك البلد الغالب؛ فيخرج في البلاد التي قوتهم البر صاعا ~~من بر، وإن كان قوتهم الأرز فصاعا من أرز، وإن كان الزبيب والتين عندهم ~~كالتمر في موضعه أجزأ صاع منه، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار أبي المحاسن ~~الروياني وبعض أصحاب أحمد، وهو الذي ذكره أصحاب مالك. # قال القاضي أبو الوليد: روى ابن القاسم أن الصاع يكون من غالب قوت البلد، ~~قال صاحب الجواهر، بعد حكاية ذلك: ووجهه أنه ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث ~~صاعا من طعام؛ فيحمل تعيين صاع التمر في الرواية المشهورة على أنه غالب قوت ~~ذلك البلد. انتهى. # ولا ريب أن هذا أقرب إلى مقصود الشارع ومصلحة المتعاقدين من إيجاب قيمة ~~صاع من التمر في موضعه، والله أعلم. # وكذلك حكم ما نص عليه الشارع من الأعيان التي يقوم غيرها مقامها من كل ~~وجه أو يكون أولى منها كنصه على الأحجار في الاستجمار، ومن المعلوم أن ~~الخرق والقطن والصوف أولى منها بالجواز، وكذلك نصه على التراب في الغسل من ~~ولوغ الكلب والأشنان أولى منه، هذا فيما علم مقصود الشارع منه، وحصول ذلك ~~المقصود على أتم الوجوه بنظيره وما هو أولى منه. ### | [فصل طواف الحائض بالبيت] # فصل # [طواف الحائض بالبيت] # المثال السادس: «أن النبي - صلى ms0753 الله عليه وسلم - منع الحائض من الطواف ~~بالبيت حتى تطهر، وقال: # PageV03P019 # اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» فظن من ظن أن هذا حكم عام ~~في جميع الأحوال والأزمان، ولم يفرق بين حال القدرة والعجز، ولا بين زمن ~~إمكان الاحتباس لها حتى تطهر وتطوف وبين الزمن الذي لا يمكن فيه ذلك، وتمسك ~~بظاهر النص، ورأى منافاة الحيض للطواف كمنافاته للصلاة والصيام؛ إذ نهي ~~الحائض عن الجميع سواء، ومنافاة الحيض لعبادة الطواف كمنافاته لعبادة ~~الصلاة، ونازعهم في ذلك فريقان؛ أحدهما: صحح الطواف مع الحيض، ولم يجعلوا ~~الحيض مانعا من صحته، بل جعلوا الطهارة واجبة تجبر بالدم ويصح الطواف ~~بدونها كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهي ~~أنصهما عنه، وهؤلاء لم يجعلوا ارتباط الطهارة بالطواف كارتباطها بالصلاة ~~ارتباط الشرط بالمشروط، بل جعلوها واجبة من واجباته، وارتباطها به كارتباط ~~واجبات الحج به يصح فعله مع الإخلال بها ويجبرها الدم، والفريق الثاني ~~جعلوا وجوب الطهارة للطواف واشتراطها بمنزلة وجوب السترة واشتراطها، بل ~~بمنزلة سائر شروط الصلاة وواجباتها التي تجب وتشترط مع القدرة وتسقط مع ~~العجز، قالوا: وليس اشتراط الطهارة للطواف أو وجوبها له أعظم من اشتراطها ~~للصلاة، فإذا سقطت بالعجز عنها فسقوطها في الطواف بالعجز عنها أولى وأحرى، ~~قالوا: وقد كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين ~~تحتبس أمراء الحج للحيض حتى يطهرن ويطفن، ولهذا «قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في شأن صفية وقد حاضت أحابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت، قال ~~فلتنفر إذا» وحينئذ كانت الطهارة مقدورة لها يمكنها الطواف بها، فأما في ~~هذه الأزمان التي يتعذر إقامة الركب لأجل الحيض فلا تخلو من ثمانية أقسام؛ ~~أحدها أن يقال لها: أقيمي بمكة وإن رحل الركب حتى تطهري وتطوفي، وفي هذا من ~~الفساد وتعريضها للمقام وحدها في بلد الغربة مع لحوق غاية الضرر لها ما ~~فيه؛ الثاني أن يقال: يسقط طواف الإفاضة للعجز عن شرطه. # الثالث: أن يقال: إذا علمت أو خشيت مجيء الحيض ms0754 في وقته جاز لها تقديمه ~~على وقته؛ الرابع أن يقال: إذا كانت تعلم بالعادة أن حيضها يأتي في أيام ~~الحج وأنها إذا حجت أصابها الحيض هناك سقط عنها فرضه حتى تصير آيسة وينقطع ~~حيضها بالكلية، الخامس أن يقال: بل تحج فإذا حاضت ولم يمكنها الطواف ولا ~~المقام رجعت وهي على إحرامها تمتنع من النكاح ووطء الزوج حتى تعود إلى ~~البيت فتطوف وهي طاهرة، ولو كان بينها وبينه مسافة سنين، ثم إذا أصابها ~~الحيض في سنة العود رجعت كما هي، ولا تزال كذلك كل عام حتى يصادفها عام ~~تطهر فيه؛ السادس أن يقال: بل تتحلل إذا عجزت عن المقام حتى تطهر كما يتحلل ~~المحصر، مع بقاء الحج في ذمتها، فمتى قدرت على الحج لزمها؛ ثم إذا أصابها # PageV03P020 # ذلك أيضا تحللت، وهكذا أبدا حتى يمكنها الطواف طاهرا؛ السابع أن يقال: ~~يجب عليها أن تستنيب من يحج عنها كالمعضوب، وقد أجزأ عنها الحج، وإن انقطع ~~حيضها بعد ذلك؛ الثامن أن يقال: بل تفعل ما تقدر عليه من مناسك الحج. # ويسقط عنها ما تعجز عنه من الشروط والواجبات كما يسقط عنها طواف الوداع ~~بالنص، وكما يسقط عنها فرض السترة إذا شلحتها العبيد أو غيرهم، وكما يسقط ~~عنها فرض طهارة الجنب إذا عجزت عنها لعدم الماء أو مرض بها، وكما يسقط فرض ~~اشتراط طهارة مكان الطواف والسعي إذا عرض فيه نجاسة تتعذر إزالتها، وكما ~~يسقط شرط استقبال القبلة في الصلاة إذا عجز عنه، وكما يسقط فرض القيام ~~والقراءة والركوع والسجود إذا عجز عنه المصلي، وكما يسقط فرض الصوم عن ~~العاجز عنه إلى بدله وهو الإطعام، ونظائر ذلك من الواجبات والشروط التي ~~تسقط بالعجز عنها إما إلى بدل أو مطلقا؛ فهذه ثمانية أقسام لا مزيد عليها، ~~ومن المعلوم أن الشريعة لا تأتي بسوى هذا القسم الثامن؛ فإن القسم الأول ~~وإن قاله من قال من الفقهاء فلا يتوجه ههنا؛ لأن هذا الذي قالوه متوجه فيمن ~~أمكنها الطواف ولم تطف، والكلام في امرأة لا يمكنها الطواف ولا المقام ms0755 ~~لأجله، وكلام الأئمة والفقهاء هو مطلق كما يتكلمون في نظائره، ولم يتعرضوا ~~لمثل هذه الصور التي عمت بها البلوى، ولم يكن ذلك في زمن الأئمة، بل قد ~~ذكروا أن المكري يلزمه المقام والاحتباس عليها لتطهر ثم تطوف، فإنه كان ~~ممكنا بل واقعا في زمنهم، فأفتوا، بأنها لا تطوف حتى تطهر لتمكنها من ذلك، ~~وهذا لا نزاع فيه ولا إشكال، فأما في هذه الأزمان فغير ممكن. # وإيجاب سفرين كاملين في الحج من غير تفريط من الحاج ولا سبب صدر منه ~~يتضمن إيجاب حجتين إلى البيت، والله تعالى إنما أوجب حجة واحدة، بخلاف من ~~أفسد الحج فإنه قد فرط بفعل المحظور، وبخلاف من ترك طواف الزيارة أو الوقوف ~~بعرفة فإنه لم يفعل ما يتم حجته، وأما هذه فلم تفرط ولم تترك ما أمرت به ~~فإنها لم تؤمر بما لا تقدر عليه، وقد فعلت ما تقدر عليه؛ فهي بمنزلة الجنب ~~إذا عجز عن الطهارة الأصلية والبدلية وصلى على حسب حاله، فإنه لا إعادة ~~عليه في أصح الأقوال، وأيضا فهذه قد لا يمكنها السفر مرة ثانية فإذا قيل ~~إنها تبقى محرمة إلى أن تموت، فهذا ضرر لا يكون مثله في دين الإسلام، بل ~~يعلم بالضرورة أن الشريعة لا تأتي به. # فصل # وأما التقدير الثاني - وهو سقوط طواف الإفاضة - فهذا مع أنه لا قائل به ~~فلا يمكن القول به؛ فإنه ركن الحج الأعظم، وهو الركن المقصود لذاته، ~~والوقوف بعرفة وتوابعه مقدمات له. # PageV03P021 # فصل # وأما التقدير الثالث - وهو أن تقدم طواف الإفاضة على وقته إذا خشيت الحيض ~~في وقته - فهذا لا يعلم به قائل، والقول به كالقول بتقديم الوقوف بعرفة على ~~يوم عرفة، وكلاهما مما لا سبيل إليه. # فصل # وأما التقدير الرابع - وهو أن يقال يسقط عنها فرض الحج إذا خشيت ذلك - ~~فهذا وإن كان أفقه مما قبله من التقديرات فإن الحج يسقط لما هو دون هذا من ~~الضرر - كما لو كان بالطريق أو بمكة خوف، أو أخذ خفارة مجحفة أو غير مجحفة ~~على أحد القولين، ms0756 أو لم يكن لها محرم - ولكنه ممتنع لوجهين؛ أحدهما: أن ~~لازمه سقوط الحج عن كثير من النساء أو أكثرهن؛ فإنهن يخفن من الحيض وخروج ~~الركب قبل الطهر، وهذا باطل؛ فإن العبادات لا تسقط بالعجز عن بعض شرائطها ~~ولا عن بعض أركانها، وغاية هذه أن تكون قد عجزت عن شرط أو ركن، وهذا لا ~~يسقط المقدور عليه، قال الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: ~~16] وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ~~ولهذا وجبت الصلاة بحسب الإمكان، وما عجز عنه من فروضها أو شروطها سقط عنه؛ ~~والطواف والسعي إذا عجز عنه ماشيا فعله راكبا اتفاقا، والصبي يفعل عنه وليه ~~ما يعجز عنه. # الوجه الثاني: أن يقال في الكلام فيمن تكلفت وحجت وأصابها هذا العذر: فما ~~يقول صاحب هذا التقدير حينئذ؟ فإما أن يقول: تبقى محرمة حتى تعود إلى ~~البيت، أو يقول: تتحلل كالمحصر وبالجملة فالقول بعدم وجوب الحج على من تخاف ~~الحيض لا يعلم به قائل، ولا تقتضيه الشريعة؛ فإنها لا تسقط مصلحة الحج التي ~~هي من أعظم المصالح لأجل العجز عن أمر غايته أن يكون واجبا في الحج أو شرطا ~~فيه؛ فأصول الشريعة تبطل هذا القول. # فصل # وأما التقدير الخامس - وهي أن ترجع وهي على إحرامها ممتنعة من النكاح ~~والوطء إلى أن تعود في العام المقبل، ثم إذا أصابها الحيض رجعت كذلك، وهكذا ~~كل عام - فمما ترده أصول الشريعة وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة ~~والمصلحة والإحسان؛ فإن الله لم يجعل على الأمة على مثل هذا الحرج، ولا ما ~~هو قريب منه. # فصل # وأما التقدير السادس - وهو أنها تتحلل كما يتحلل المحصر - فهذا أفقه من ~~التقدير # PageV03P022 # الذي قبله؛ فإن هذه منعها خوف المقام إتمام النسك، فهي كمن منعها عدو عن ~~الطواف بالبيت بعد التعريف، ولكن هذا التقدير ضعيف، فإن الإحصار أمر عارض ~~للحاج بمنعه من الوصول إلى البيت في وقت الحج، وهذه متمكنة من البيت ومن ~~الحج من غير عدو ولا مرض ولا ذهاب نفقة، ms0757 وإذا جعلت هذه كالمحصر أوجبنا ~~عليها الحج مرة ثانية مع خوف وقوع الحيض منها، والعذر الموجب بالإحصار إذا ~~كان قائما به منع من فرض الحج بنداء كإحاطة العدو بالبيت وتعذر النفقة، ~~وهذه عذرها لا يسقط فرض الحج علي ابتداء؛ فلا يكون عروضه موجبا للتحلل ~~كالإحصار؛ فلازم هذا التقدير أنها إذا علمت أن هذا العذر يصيبها أو غلب على ~~ظنها أن يسقط عنها فرض الحج فهو رجوع إلى التقدير الرابع # فصل # وأما التقدير السابع - وهو أن يقال: يجب عليها أن تستنيب من يحج عنها إذا ~~خافت الحيض، وتكون كالمعضوب العاجز عن الحج بنفسه فما أحسنه من تقدير لو ~~عرف به قائل؛ فإن هذه عاجزة عن إتمام نسكها، ولكن هو باطل أيضا؛ فإن ~~المعضوب الذي يجب عليه الاستنابة هو الذي يكون آيسا من زوال عذره، فلو كان ~~يرجو زوال عذره كالمرض العارض والحبس لم يكن له أن يستنيب، وهذه لا تيأس من ~~زوال عذرها؛ لجواز أن تبقى إلى زمن اليأس وانقطاع الدم أو أن دمها ينقطع ~~قبل سن اليأس لعارض يفعلها أو يغير فعلها؛ فليست كالمعضوب حقيقة ولا حكما. # فصل # فإذا بطلت هذه التقديرات تعين التقدير الثامن، وهو أن يقال: تطوف بالبيت ~~والحالة هذه، وتكون هذه ضرورة مقتضية لدخول المسجد مع الحيض والطواف معه ~~وليس في هذا ما يخالف قواعد الشريعة، بل يوافق كما تقدم؛ إذ غايته سقوط ~~الواجب أو الشرط بالعجز عنه، ولا واجب في الشريعة مع عجز، ولا حرام مع ~~ضرورة. # فإن قيل: في ذلك محذوران؛ أحدهما: دخول الحائض المسجد وقد قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» فكيف بأفضل المساجد؟ # الثاني: طوافها في حال الحيض وقد منعها الشارع منه كما منعها من الصلاة، ~~فقال: «اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» فالذي منعها من الصلاة ~~مع الحيض هو الذي منعها من الطواف معه. # فالجواب عن الأول من أربعة أوجه: # PageV03P023 # أحدها: أن الضرورة تبيح دخول المسجد للحائض والجنب؛ فإنها لو خافت العدو ~~أو ms0758 من يستكرهها عن الفاحشة أو أخذ مالها ولم تجد ملجأ إلا دخول المسجد جاز ~~لها دخوله مع الحيض، وهذه تخاف ما هو قريب من ذلك؛ فإنها تخاف إن أقامت ~~بمكة أن يؤخذ مالها إن كان لها مال، وإلا أقامت بغربة ضرورة، وقد تخاف في ~~إقامتها ممن يتعرض لها، وليس لها من يدفع عنها. # الجواب الثاني: أن طوافها بمنزلة مرورها في المسجد، ويجوز للحائض المرور ~~فيه إذا أمنت التلويث، وهي في دورانها حول البيت بمنزلة مرورها ودخولها من ~~باب وخروجها من آخر؛ فإذا جاز مرورها للحاجة فطوافها للحاجة التي هي أعظم ~~من حاجة المرور أولى بالجواز. # يوضحه الوجه الثالث: أن دم الحيض في تلويثه المسجد كدم الاستحاضة، ~~والمستحاضة يجوز لها دخول المسجد للطواف إذا تلجمت اتفاقا، وذلك لأجل ~~الحاجة، وحاجة هذه أولى. # يوضحه الوجه الرابع: أن منعها من دخول المسجد للطواف كمنع الجنب؛ فإن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى بينهما في تحريم المسجد عليهما، وكلاهما ~~يجوز له الدخول عند الحاجة وسر المسألة أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «لا تطوفي بالبيت» هل ذلك لأن الحائض ممنوعة من المسجد والطواف لا يكون ~~إلا في المسجد، أو أن عبادة الطواف لا تصح مع الحيض كالصلاة، أو لمجموع ~~الأمرين، أو لكل واحد من الأمرين؟ فهذه أربعة تقادير، فإن قيل بالمعنى ~~الأول لم يمنع صحة الطواف مع الحيض كما قاله أبو حنيفة ومن وافقه وكما هو ~~إحدى الروايتين عن أحمد، وعلى هذا فلا يمتنع الإذن لها في دخول المسجد لهذه ~~الحاجة التي تلتحق بالضرورة، ويقيد بها مطلق نهي النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وليس بأول مطلق قيد بأصول الشريعة وقواعدها، وإن قيل بالمعنى ~~الثاني فغايته أن تكون الطهارة شرطا من شروط الطواف، فإذا عجزت عنها سقط ~~اشتراطها كما لو انقطع دمها وتعذر عليها الاغتسال والتيمم فإنها تطوف على ~~حسب حالها كما تصلي بغير طهور. # فصل # وأما المحذور الثاني - وهو طوافها مع الحيض والطواف كالصلاة - فجوابه من ~~وجوه؛ أحدها: أن يقال: لا ريب أن ms0759 الطواف تجب فيه الطهارة وستر العورة كما ~~ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا يطوف بالبيت عريان» وقال ~~الله تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31] # PageV03P024 # وفي السنن مرفوعا وموقوفا «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه ~~الكلام، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير» ولا ريب أن وجوب الطهارة وستر ~~العورة في الصلاة آكد من وجوبها في الطواف؛ فإن الصلاة بلا طهارة مع القدرة ~~باطلة بالاتفاق، وكذلك صلاة العريان، وأما طواف الجنب والحائض والمحدث ~~والعريان بغير عذر ففي صحته قولان مشهوران وإن حصل الاتفاق على أنه منهي ~~عنه في هذا الحال، بل وكذلك أركان الصلاة وواجباتها آكد من أركان الحج ~~وواجباته، فإن واجبات الحج إذا تركها عمدا لم يبطل حجه، وواجبات الصلاة إذا ~~تركها عمدا بطلت صلاته، وإذا نقص من الصلاة ركعة عمدا لم تصح، ولو طاف ستة ~~أشواط صح ووجب عليه دم عند أبي حنيفة وغيره، ولو نكس الصلاة لم تصح، ولو ~~نكس الطواف ففيه خلاف، ولو صلى محدثا لم تصح صلاته، ولو طاف محدثا أو جنبا ~~صح في أحد القولين، وغاية الطواف أن يشبه بالصلاة. # وإذا تبين هذا فغاية هذه إذا طافت مع الحيض للضرورة أن تكون بمنزلة من ~~طافت عريانة للضرورة؛ فإن نهي الشارع صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله عن ~~الأمرين واحد، بل الستارة في الطواف آكد من وجوه؛ أحدها: أن طواف العريان ~~منهي عنه بالقرآن والسنة وطواف الحائض منهي عنه بالسنة وحدها؛ الثاني أن ~~كشف العورة حرام في الطواف وخارجه؛ الثالث: أن طواف العريان أقبح شرعا ~~وعقلا وفطرة من طواف الحائض والجنب؛ فإذا صح طوافها مع العري للحاجة فصحة ~~طوافها مع الحيض للحاجة أولى وأحرى، ولا يقال " فيلزمكم على هذا أن تصح ~~صلاتها وصومها مع الحيض للحاجة " لأنا نقول: هذا سؤال فاسد؛ فإن الحاجة لا ~~تدعوها إلى ذلك بوجه من الوجوه، وقد جعل الله سبحانه صلاتها زمن الطهر ~~مغنية لها عن صلاتها في الحيض وكذلك صيامها، وهذه لا يمكنها [أن] ms0760 تتعوض في ~~حال طهرها بغير البيت، وهذا يبين سر المسألة وفقهها، وهو أن الشارع قسم ~~العبادات بالنسبة إلى الحائض إلى قسمين: قسم يمكنها التعوض عنه في زمن ~~الطهر فلم يوجبه عليها في الحيض، بل أسقطه إما مطلقا كالصلاة وإما إلى بدله ~~زمن الطهر كالصوم. وقسم لا يمكن التعوض عنه ولا تأخيره إلى زمن الطهر فشرعه ~~لها مع الحيض أيضا كالإحرام والوقوف بعرفة وتوابعه، ومن هذا جواز قراءة ~~القرآن لها وهي حائض؛ إذ لا يمكنها التعوض عنها زمن الطهر؛ لأن الحيض قد ~~يمتد بها غالبه أو أكثره، فلو منعت من القراءة لفاتت عليها مصلحتها، وربما ~~نسيت ما حفظته زمن طهرها، وهذا مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أحمد وأحد ~~قولي الشافعي. # والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يمنع الحائض من قراءة القرآن، وحديث ~~«لا تقرأ الحائض والجنب شيئا من القرآن» لم يصح؛ فإنه حديث معلول باتفاق ~~أهل العلم بالحديث، فإنه من # PageV03P025 # رواية إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر. # قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة، ~~وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: إن إسماعيل بن عياش يروي عن أهل الحجاز وأهل ~~العراق أحاديث مناكير، كأنه يضعف روايته عنهم فيما ينفرد به، وقال: إنما هو ~~حديث إسماعيل بن عياش عن أهل الشام، انتهى. # وقال البخاري أيضا: إذا حدث عن أهل بلده فصحيح، وإذا حدث عن غيرهم ففيه ~~نظر، وقال علي بن المديني: ما كان أحد أعلم بحديث أهل الشام من إسماعيل بن ~~عياش لو ثبت في حديث أهل الشام، ولكنه خلط في حديث أهل العراق، وحدثنا عنه ~~عبد الرحمن ثم ضرب على حديثه؛ فإسماعيل عندي ضعيف، وقال عبد الله بن أحمد: ~~عرضت على أبي حديثا حدثناه الفضل بن زياد الضبي حدثنا ابن عياش عن موسى بن ~~عقبة عن نافع عن ابن عمر مرفوعا «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن» ~~فقال أبي: هذا باطل، يعني أن إسماعيل وهم. # وإذا لم يصح ms0761 الحديث لم يبق مع المانعين حجة إلا القياس على الجنب، والفرق ~~الصحيح بينها وبين الجنب مانع من الإلحاق، وذلك من وجوه؛ أحدها: أن الجنب ~~يمكنه التطهر متى شاء بالماء أو بالتراب فليس له عذر في القراءة مع الجنابة ~~بخلاف الحائض، والثاني: أن الحائض يشرع لها الإحرام والوقوف بعرفة وتوابعه ~~مع الحيض بخلاف الجنب، الثالث: أن الحائض يشرع لها أن تشهد العيد مع ~~المسلمين وتعتزل المصلى بخلاف الجنب. # وقد تنازع من حرم عليها القراءة: هل يباح لها أن تقرأ بعد انقطاع الدم ~~وقبل الاغتسال؟ على ثلاثه أقوال؛ أحدها: المنع مطلقا وهو المشهور من مذهب ~~الشافعي وأبي حنيفة وأحمد؛ لأنها بعد انقطاع الدم تصير كالجنب؛ الثاني: ~~الجواز مطلقا وهو اختيار القاضي أبي يعلى، قال: وهو ظاهر كلام أحمد؛ ~~والثالث: إباحته للنفساء وتحريمه على الحائض، وهو اختيار الخلال؛ فالأقوال ~~الثلاثة في مذهب أحمد، فإذا لم تمنع الحائض من قراءة القرآن لحاجتها إليه ~~فعدم منعها في هذه الصورة عن الطواف الذي هي أشد حاجة إليه بطريق الأولى ~~والأحرى # فصل # هذا إذا كان المنع من طوافها لأجل المنع من دخول المسجد أو لأجل الحيض ~~ومنافاته للطواف، فإن قيل بالتقدير الثالث وهو أنه لمجموع الأمرين بحيث إذا ~~انفرد # PageV03P026 # أحدهما لم يستقل بالتحريم، أو بالتقدير الرابع وهو أن كلا منهما علة ~~مستقلة كان الكلام على هذين التقديرين كالكلام على التقديرين الأولين، ~~وبالجملة فلا يمتنع تخصيص العلة لفوات شرط أو لقيام مانع، وسواء قيل: إن ~~وجود الشرط وعدم المانع من أجزاء العلة أو هو أمر خارج عنها؛ فالنزاع لفظي ~~فإن أريد بالعلة التامة فهما من أجزائها، وإن أريد منها المقتضية كانا ~~خارجين عنها. # فإن قيل: الطواف كالصلاة، ولهذا تشترط له الطهارة من الحدث، وقد أشار إلى ~~هذا بقوله في الحديث «الطواف بالبيت صلاة» والصلاة لا تشرع ولا تصح مع ~~الحيض، فهكذا شقيقها ومشبهها، لأنها عبادة متعلقة بالبيت فلم تصح مع الحيض ~~كالصلاة، وعكسه الوقوف بعرفة وتوابعه. # فالجواب أن القول باشتراط طهارة الحدث للطواف لم يدل عليه نص ولا ms0762 إجماع، ~~بل فيه النزاع قديما وحديثا؛ فأبو حنيفة وأصحابه لا يشترطون ذلك، وكذلك ~~أحمد في إحدى الروايتين عنه. # قال أبو بكر في الشافي: باب في الطواف بالبيت غير طاهر، قال أبو عبد الله ~~في رواية أبي طالب: لا يطوف أحد بالبيت إلا طاهرا، والتطوع أيسر، ولا يقف ~~مشاهد الحج إلا طاهرا، وقال في رواية محمد بن الحكم: إذا طاف طواف الزيارة ~~وهو ناس لطهارته حتى رجع فإنه لا شيء عليه، واختار له أن يطوف وهو طاهر، ~~وقد نص أحمد في إحدى الروايتين عنه على أن الرجل إذا طاف جنبا ناسيا صح ~~طوافه ولا دم عليه، وعنه رواية أخرى عليه دم وثالثة أنه لا يجزيه الطواف. # وقد ظن بعض أصحابه أن هذا الخلاف عنه إنما هو في المحدث والجنب، فأما ~~الحائض فلا يصح طوافها قولا واحدا؛ قال شيخنا: وليس كذلك، بل صرح غير واحد ~~من أصحابنا بأن الخلاف عنه في الحيض والجنابة. # قال: وكلام أحمد يدل على ذلك، ويبين أنه كان متوقفا في طواف الحائض وفي ~~طواف الجنب، قال عبد الملك الميموني في مسائله: قلت لأحمد: من طاف طواف ~~الواجب على غير وضوء وهو ناس ثم واقع أهله، قال: أخبرك مسألة فيها وهم ~~مختلفون، وذكر قول عطاء والحسن، قلت: ما تقول أنت؟ قال: دعها، أو كلمة ~~تشبهها. # وقال الميموني في مسائله أيضا: قلت له: من سعى وطاف على غير طهارة ثم ~~واقع أهله، فقال لي: مسألة الناس فيها مختلفون، وذكر قول ابن عمر، وما يقول ~~عطاء مما يسهل فيها، وما يقول الحسن، وأن عائشة قال لها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حين حاضت «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» ثم قال ~~لي: إلا أن هذا أمر بليت به نزل عليها ليس من قبلها، قلت: فمن الناس من ~~يقول عليها الحج من قابل، فقال لي: نعم كذا أكبر علمي، قلت: ومنهم من يذهب ~~إلى أن عليها دما، # PageV03P027 # فذكر تسهيل عطاء فيها خاصة، وقال لي أبو عبد الله أولا وآخرا: ms0763 هي مسألة ~~مشتبهة فيها موضع نظر، فدعني حتى أنظر فيها، قال ذلك غير مرة، ومن الناس من ~~يقول: وإن رجع إلى بلده يرجع حتى يطوف، قلت: والنسيان، قال: النسيان أهون ~~حكما بكثير، يريد أهون ممن يطوف على غير طهارة متعمدا، هذا لفظ الميموني ~~قلت: وأشار أحمد إلى تسهيل عطاء إلى فتواه أن امرأة إذا حاضت في أثناء ~~الطواف فإنها تتم طوافها، وهذا تصريح منه أن الطهارة ليست شرطا في صحة ~~الطواف، وقد قال إسماعيل بن منصور: ثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن عطاء قال: ~~حاضت امرأة وهي تطوف مع عائشة أم المؤمنين، فحاضت في الطواف، فأتمت بها ~~عائشة بقية طوافها هذا، والناس إنما تلقوا منع الحائض من الطواف من حديث ~~عائشة، وقد دلت أحكام الشريعة على أن الحائض أولى بالعذر، وتحصيل مصلحة ~~العبادة التي تفوتها إذا تركتها مع الحيض من الجنب، وهكذا إذا حاضت في صوم ~~شهري التتابع لم ينقطع تتابعها بالاتفاق، وكذلك تقضي المناسك كلها من أولها ~~إلى آخرها مع الحيض بلا كراهة بالاتفاق سوى الطواف؛ وكذلك تشهد العيد مع ~~المسلمين بلا كراهة، بالنص. وكذلك تقرأ القرآن إما مطلقا وإما عند خوف ~~النسيان؛ وإذا حاضت وهي معتكفة لم يبطل اعتكافها بل تتمه في رحبة المسجد. # وسر المسألة ما أشار إليه صاحب الشرع بقوله: «إن هذا أمر كتبه الله على ~~بنات آدم» وكذلك قال الإمام أحمد: هذا أمر بليت به نزل عليها ليس من قبلها، ~~والشريعة قد فرقت بينها وبين الجنب كما ذكرناه؛ فهي أحق بأن تعذر من الجنب ~~الذي طاف مع الجنابة ناسيا أو ذاكرا؛ فإذا كان فيه النزاع المذكور فهي أحق ~~بالجواز منه؛ فإن الجنب يمكنه الطهارة وهي لا يمكنها، فعذرها بالعجز ~~والضرورة أولى من عذره بالنسيان، فإن الناسي لما أمر به من الطهارة والصلاة ~~يؤمر بفعله إذا ذكره، بخلاف العاجز عن الشرط والركن فإنه لا يؤمر بإعادة ~~العبادة معه إذا قدر عليه؛ فهذه إذا لم يمكنها إلا الطواف على غير طهارة ~~وجب عليها ما تقدر عليه ms0764 وسقط عنها ما تعجز عنه، كما قال تعالى: {فاتقوا ~~الله ما استطعتم} [التغابن: 16] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا ~~أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» وهذه لا تستطيع إلا هذا، وقد اتقت الله ~~ما استطاعت؛ فليس عليها غير ذلك بالنص وقواعد الشريعة، والمطلق يقيد بدون ~~هذا بكثير، ونصوص أحمد وغيره من العلماء صريحة في أن الطواف ليس كالصلاة في ~~اشتراط الطهارة، وقد ذكرنا نصه في رواية محمد بن الحكم إذا طاف طواف ~~الزيارة وهو ناس لطهارته حتى رجع فلا شيء عليه، وأختار له أن يطوف وهو ~~طاهر، وإن وطئ فحجه ماض ولا شيء عليه، وقد تقدم قول عطاء، ومذهب أبي حنيفة ~~صحة الطواف بلا طهارة # PageV03P028 # وأيضا فإن الفوارق بين الطواف والصلاة أكثر من الجوامع، فإنه يباح فيه ~~الكلام والأكل والشرب والعمل الكثير، وليس فيه تحريم ولا تحليل ولا ركوع ~~ولا سجود ولا قراءة ولا تشهد، ولا تجب له جماعة، وإنما اجتمع هو والصلاة في ~~عموم كونه طاعة وقربة، وخصوص كونه متعلقا بالبيت، وهذا لا يعطيه شروط ~~الصلاة كما لا يعطيه واجباتها وأركانها. # وأيضا فيقال: لا نسلم أن العلة في الأصل كونها عبادة متعلقة بالبيت ولم ~~يذكروا على ذلك حجة واحدة، والقياس الصحيح ما تبين فيه أن الوصف المشترك ~~بين الأصل والفرع هو علة الحكم في الأصل أو دليل العلة؛ فالأول قياس العلة، ~~والثاني قياس الدلالة. # وأيضا فالطهارة إنما وجبت لكونها صلاة، سواء تعلقت بالبيت أو لم تتعلق، ~~ولهذا وجبت النافلة في السفر إلى غير القبلة، ووجبت حين كانت مشروعة إلى ~~بيت المقدس، ووجبت لصلاة الخوف إذا لم يمكن الاستقبال. # وأيضا فهذا القياس ينتقض بالنظر إلى البيت؛ فإنه عبادة متعلقة بالبيت، ~~وأيضا فهذا قياس معارض بمثله، وهو أن يقال: عبادة من شرطها المسجد، فلم تكن ~~الطهارة شرطا فيها كالاعتكاف، وقد قال الله تعالى: {أن طهرا بيتي للطائفين ~~والعاكفين والركع السجود} [البقرة: 125] وليس إلحاق الطائفين بالركع السجود ~~أولى من إلحاقهم بالعاكفين، بل إلحاقهم بالعاكفين أشبه؛ فإن المسجد شرط في ~~كل منهما ms0765 بخلاف الركع السجود. # فإن قيل: الطائف لا بد أن يصلي ركعتي الطواف، والصلاة لا تكون إلا ~~بطهارة. # قيل: وجوب ركعتي الطواف فيه نزاع، وإذا قيل بوجوبهما لم تجب الموالاة ~~بينهما وبين الطواف، وليس اتصالهما بأعظم من اتصال الصلاة بالخطبة يوم ~~الجمعة، ولو خطب محدثا ثم توضأ وصلى الجمعة جاز؛ فجواز طوافه محدثا ثم ~~يتوضأ ويصلي ركعتي الطواف أولى بالجواز، وقد نص أحمد على أنه إذا خطب جنبا ~~جاز. # فصل [حكم الطهارة للطواف] # وإذا ظهر أن الطهارة ليست شرطا في الطواف، فإما أن تكون واجبة وإما أن ~~تكون سنة، وهما قولان للسلف والخلف، ولكن من يقول هي سنة من أصحاب أبي ~~حنيفة يقول: عليها دم، وأحمد يقول: ليس عليها دم ولا غيره، كما صرح به فيمن ~~طاف جنبا وهو ناس، # PageV03P029 # قال شيخنا: فإذا طافت حائضا مع عدم العذر توجه القول بوجوب الدم عليها، ~~وأما مع العجز فهنا غاية ما يقال عليها دم؛ والأشبه أنه لا يجب الدم؛ لأن ~~الطهارة واجب يؤمر به مع القدرة لا مع العجز، فإن لزوم الدم إنما يكون مع ~~ترك المأمور أو مع فعل المحظور، وهذه لم تترك مأمورا في هذه الحال ولا فعلت ~~محظورا، فإنها إذا رمت الجمرة وقصرت حل لها ما كان محظورا عليها بالإحرام ~~غير النكاح؛ فلم يبق بعد التحلل الأول محظور يجب بفعله دم، وليست الطهارة ~~مأمورا بها مع العجز فيجب بتركها دم. # فإن قيل: لو كان طوافها مع الحيض ممكنا أمرت بطواف القدوم وطواف الوداع، ~~فلما سقط عنها طواف القدوم والوداع على أن طوافها مع الحيض غير ممكن. # قيل: لا ريب «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسقط طواف القدوم عن ~~الحائض، وأمر عائشة لما قدمت وهي متمتعة فحاضت أن تدع أفعال العمرة وتحرم ~~بالحج» فعلم أن الطواف مع الحيض محظور لحرمة المسجد أو للطواف أو لهما، ~~والمحظورات لا تباح إلا في حالة الضرورة، ولا ضرورة بها إلى طواف القدوم؛ ~~لأنه سنة بمنزلة تحية المسجد، ولا إلى طواف الوداع؛ فإنه ليس من ms0766 تمام الحج، ~~ولهذا لا يودع المقيم بمكة، وإنما يودع المسافر عنها فيكون آخر عهده ~~بالبيت، فهذان الطوافان أمر بهما القادر عليهما إما أمر إيجاب فيهما أو في ~~أحدهما أو استحباب كما هي أقوال معروفة، وليس واحد منهما ركنا يقف صحة الحج ~~عليه، بخلاف طواف الفرض فإنها مضطرة إليه. # وهذا كما يباح لها الدخول إلى المسجد واللبث فيه للضرورة، ولا يباح لها ~~الصلاة، ولا الاعتكاف فيه وإن كان منذورا، ولو حاضت المعتكفة خرجت من ~~المسجد إلى فنائه فأتمت اعتكافها ولم يبطل، وهذا يدل على أن منع الحائض من ~~الطواف كمنعها من الاعتكاف، وإنما هو لحرمة المسجد لا لمنافاة الحيض لعبادة ~~الطواف والاعتكاف، ولما كان الاعتكاف يمكن أن يفعل في رحبة المسجد وفنائه ~~جوز لها إتمامه فيها لحاجتها، والطواف لا يمكن إلا في المسجد، وحاجتها في ~~هذه الصورة إليه أعظم من حاجتها إلى الاعتكاف، بل لعل حاجتها إلى ذلك أعظم ~~من حاجتها إلى دخول المسجد واللبث فيه لبرد ومطر أو نحوه. # وبالجملة فالكلام في هذه الحادثة في فصلين؛ أحدهما: في اقتضاء قواعد ~~الشريعة لها لا لمنافاتها، وقد تبين ذلك بما فيه كفاية، والثاني: في أن ~~كلام الأئمة وفتاويهم في الاشتراط والوجوب إنما هو في حال القدرة والسعة لا ~~في حال الضرورة والعجز؛ فالإفتاء بها لا ينافي نص الشارع، ولا قول الأئمة، ~~وغاية المفتي بها أنه يقيد مطلق كلام الشارع بقواعد # PageV03P030 # شريعته وأصولها، ومطلق كلام الأئمة بقواعدهم وأصولهم، فالمفتي بها موافق ~~لأصول الشرع وقواعده، ولقواعد الأئمة، وبالله التوفيق. ### | [فصل جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد] # فصل [حكم جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد] # المثال السابع: أن المطلق في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وزمن ~~خليفته أبي بكر وصدرا من خلافة عمر كان إذا جمع الطلقات الثلاث بفم واحد ~~جعلت واحدة، كما ثبت ذلك في الصحيح عن ابن عباس؛ فروى مسلم في صحيحه عن ابن ~~طاوس عن أبيه عن ابن عباس: «كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر ~~وسنتين من خلافة عمر طلاق ms0767 الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد ~~استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم» ، ~~وفي صحيحه أيضا عن طاوس أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم تعلم «أن الثلاث ~~كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وثلاثا ~~من إمارة عمر» ؟ فقال ابن عباس: نعم " وفي صحيحه أيضا أن أبا الصهباء قال ~~لابن عباس: هات من هناتك، «ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأبي بكر واحدة، فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر ~~تتابع الناس في الطلاق، فأجازه عليهم» . # وفي سنن أبي داود عن طاوس أن رجلا يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال ~~لابن عباس، فقال: أما علمت «أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل ~~بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا ~~من إمارة عمر - رضي الله عنه -؟ قال ابن عباس: بلى كان الرجل إذا طلق ~~امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله وأبي بكر ~~وصدرا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أجيزوهن عليهم» . # وفي مستدرك الحاكم من حديث عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكة أن أبا ~~الجوزاء أتى ابن عباس، فقال: أتعلم «أن الثلاث كن يرددن على عهد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إلى واحدة» ؟ قال: نعم. # قال الحاكم: هذا حديث صحيح، وهذه غير طريق طاوس عن أبي الصهباء، وقال ~~الإمام أحمد في مسنده: ثنا سعد بن إبراهيم، ثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال: ~~حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس، قال: «طلق ركانة ~~بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا ~~شديدا، قال: فسأله رسول الله: كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثا، قال: فقال: ~~في مجلس واحد؟ قال: نعم، قال: فإنما تلك # PageV03P031 # واحدة، فأرجعها ms0768 إن شئت، قال: فراجعها» . فكان ابن عباس يرى إنما الطلاق ~~عند كل طهر، وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسنه فقال في حديث عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد ابنته على ابن ~~أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد» : هذا حديث ضعيف، أو قال: واه لم يسمعه ~~الحجاج من عمرو بن شعيب، وإنما سمعه من محمد بن عبد الله العزرمي، والعزرمي ~~لا يساوي حديثه شيئا، والحديث الذي رواه «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أقرهما على النكاح الأول» وإسناده عنده هو إسناد حديث ركانة بن عبد يزيد. ~~هذا وقد قال الترمذي فيه: ليس بإسناده بأس، فهذا إسناد صحيح عند أحمد، وليس ~~به بأس عند الترمذي؛ فهو حجة ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، فكيف إذا عضده ~~ما هو نظيره أو أقوى منه؟ وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح ثنا عبد ~~الرزاق أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: «طلق عبد يزيد ~~أبو ركانة وإخوته أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها ~~من رأسها، ففرق بيني وبينه، فأخذت النبي - صلى الله عليه وسلم - حمية فدعا ~~بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: أترون فلانا يشبه كذا وكذا من عبد يزيد ~~وفلانا منه كذا وكذا؟ قالوا: نعم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد ~~يزيد: طلقها ففعل، فقال: راجع امرأتك أم ركانة وإخوته، فقال: إني طلقتها ~~ثلاثا يا رسول الله قال: قد علمت، راجعها، وتلا: {يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] » . # وقال أبو داود: حديث نافع بن جبير وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن ~~أبيه عن جده «أن ركانة طلق امرأته فردها إليه النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-» أصح، لأنهم ولد الرجل وأهله وأعلم به، ms0769 «وأن ركانة إنما طلق امرأته ~~ألبتة، فجعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - واحدة» . # قال شيخنا - رضي الله عنه -: وأبو داود لما لم يرو في سننه الحديث الذي ~~في مسند أحمد - يعني الذي ذكرناه آنفا - فقال: حديث ألبتة أصح من حديث ابن ~~جريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثا، لأنهم أهل بيته، ولكن الأئمة الأكابر ~~العارفون بعلل الحديث والفقه كالإمام أحمد وأبي عبيد والبخاري ضعفوا حديث ~~ألبتة، وبينوا أنه رواية قوم مجاهيل لم تعرف عدالتهم وضبطهم، وأحمد أثبت ~~حديث الثلاث، وبين أنه الصواب، وقال: حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته ~~ألبتة، وفي رواية عنه: حديث ركانة في البتة ليس بشيء؛ لأن ابن إسحاق يرويه ~~عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن ركانة طلق ~~امرأته ثلاثا، وأهل المدينة يسمون الثلاث ألبتة، قال الأثرم: قلت لأحمد: ~~حديث ركانة في البتة، فضعفه. # والمقصود أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لم يخف عليه أن هذا هو ~~السنة، وأنه # PageV03P032 # توسعة من الله لعباده؛ إذ جعل الطلاق مرة بعد مرة، وما كان مرة بعد مرة ~~لم يملك المكلف إيقاع مراته كلها جملة واحدة كاللعان، فإنه لو قال: " أشهد ~~بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين " كان مرة واحدة، ولو حلف في القسامة ~~وقال: " أقسم بالله خمسين يمينا أن هذا قاتله " كان ذلك يمينا واحدة، ولو ~~قال المقر بالزنا: " أنا أقر أربع مرات أني زنيت " كان مرة واحدة؛ فمن ~~يعتبر الأربع لا يجعل ذلك إلا إقرارا واحدا، وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من قال في يومه سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه ولو ~~كانت مثل زبد البحر» فلو قال: «سبحان الله وبحمده مائة مرة» لم يحصل له هذا ~~الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة، وكذلك قوله: «من سبح الله دبر كل صلاة ~~ثلاثا وثلاثين، وحمده ثلاثا وثلاثين، وكبره ثلاثا وثلاثين» الحديث؛ لا يكون ~~عاملا به حتى يقول ذلك مرة بعد مرة، ولا يجمع الكل بلفظ واحد، وكذلك قوله: ~~«من ms0770 قال في يومه لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شيء قدير مائة مرة كانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي» لا ~~يحصل هذا إلا بقولها مرة بعد مرة، وهكذا قوله: {يا أيها الذين آمنوا ~~ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات} ~~[النور: 58] وهكذا قوله في الحديث: «الاستئذان ثلاث مرات، فإن أذن لك وإلا ~~فارجع» لو قال الرجل ثلاث مرات هكذا كانت مرة واحدة حتى يستأذن مرة بعد ~~مرة، وهذا كما أنه في الأقوال والألفاظ فكذلك هو في الأفعال سواء، كقوله ~~تعالى: {سنعذبهم مرتين} [التوبة: 101] إنما هو مرة بعد مرة، وكذلك قول ابن ~~عباس " رأى محمد ربه بفؤاده مرتين " إنما هو مرة بعد مرة، وكذلك قول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» فهذا المعقول من ~~اللغة والعرف في الأحاديث المذكورة، وهذه النصوص المذكورة وقوله تعالى: ~~{الطلاق مرتان} [البقرة: 229] كلها من باب واحد ومشكاة واحدة، والأحاديث ~~المذكورة تفسر المراد من قوله: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] كما أن حديث ~~اللعان تفسير لقوله لقوله تعالى: {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: ~~6] . # فهذا كتاب الله، وهذه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذه لغة ~~العرب، وهذا عرف التخاطب، وهذا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والصحابة كلهم معه في عصره وثلاث سنين من عصر عمر على هذا المذهب؛ فلو عدهم ~~العاد بأسمائهم واحدا واحدا لوجد أنهم كانوا يرون الثلاث واحدة إما بفتوى ~~وإما بإقرار عليها، ولو فرض فيهم من لم يكن يرى ذلك فإنه لم يكن منكرا ~~للفتوى به، بل كانوا ما بين مفت ومقر بفتيا وساكت غير منكر. # وهذا حال كل صحابي من عهد الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر، وهم يزيدون ~~على الألف قطعا كما ذكره يونس بن # PageV03P033 # بكير عن أبي إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير ~~قال: استشهد من المسلمين في وقعة اليمامة ألف ms0771 ومائتا رجل منهم سبعون من ~~القراء كلهم قد قرءوا القرآن، وتوفي في خلافة الصديق فاطمة بنت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وعبد الله بن أبي بكر قال محمد بن إسحاق: فلما أصيب ~~المسلمون من المهاجرين والأنصار باليمامة وأصيب فيهم عامة فقهاء المسلمين ~~وقرائهم فزع أبو بكر إلى القرآن، وخاف أن يهلك منه طائفة، وكل صحابي من لدن ~~خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر كان على أن الثلاث واحدة فتوى أو ~~إقرارا أو سكوتا، ولهذا ادعى بعض أهل العلم أن هذا إجماع قديم، ولم تجمع ~~الأمة ولله الحمد على خلافه، بل لم يزل فيهم من يفتي به قرنا بعد قرن، وإلى ~~يومنا هذا، فأفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس كما رواه ~~حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: " إذا قال أنت طالق ثلاثا بفم ~~واحدة فهي واحدة " وأفتى أيضا بالثلاث، أفتى بهذا وهذا. # وأفتى بأنها واحدة الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف، حكاه عنهما ابن ~~وضاح، وعن علي كرم الله وجهه وابن مسعود روايتان كما عن ابن عباس، وأما ~~التابعون فأفتى به عكرمة، رواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عنه، وأفتى به ~~طاوس، وأما تابعو التابعين فأفتى به محمد بن إسحاق، حكاه الإمام أحمد وغيره ~~عنه، وأفتى به خلاس بن عمرو والحارث العكلي، وأما أتباع تابعي التابعين ~~فأفتى به داود بن علي وأكثر أصحابه، حكاه عنهم أبو المفلس وابن حزم ~~وغيرهما، وأفتى به بعض أصحاب مالك، حكاه التلمساني في شرح تفريع ابن الجلاب ~~قولا لبعض المالكية. # وأفتى به بعض الحنفية، حكاه أبو بكر الرازي عن محمد بن مقاتل، وأفتى به ~~بعض أصحاب أحمد، حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عنه، قال: وكان الجد يفتي به ~~أحيانا. # وأما الإمام أحمد نفسه فقد قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن ~~عباس: «كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي ~~بكر وعمر واحدة» بأي شيء تدفعه؟ قال: برواية ms0772 الناس عن ابن عباس من وجوه ~~خلافه، ثم ذكر عن عدة عن ابن عباس أنها ثلاث؛ فقد صرح بأنه إنما ترك القول ~~به لمخالفة رواية له، وأصل مذهبه وقاعدته التي بنى عليها أن الحديث إذا صح ~~لم يرده لمخالفة رواية له، بل الأخذ بما رواه، كما فعل في رواية ابن عباس ~~وفتواه في بيع الأمة فأخذ بروايته أنه لا يكون طلاقا، وترك رأيه، وعلى أصله ~~يخرج له قول إن الثلاث واحدة؛ فإنه إذا صرح بأنه إنما ترك الحديث لمخالفة ~~الراوي وصرح في عدة مواضع أن مخالفة الراوي لا توجب ترك الحديث خرج له في ~~المسألة قولان، وأصحابه يخرجونه على مذهبه أقوالا دون ذلك بكثير. # والمقصود أن هذا القول قد دل عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع ~~القديم، ولم # PageV03P034 # يأت بعده إجماع يبطله، ولكن رأى أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - أن ~~الناس قد استهانوا بأمر الطلاق، وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة؛ فرأى من ~~المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم؛ ليعلموا أن أحدهم إذا أوقعه جملة بانت منه ~~المرأة وحرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره نكاح رغبة يراد للدوام لا نكاح ~~تحليل، فإنه كان من أشد الناس فيه، فإذا علموا ذلك كفوا عن الطلاق المحرم، ~~فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه. # ورأى أن ما كانوا عليه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد الصديق ~~وصدرا من خلافته كان الأليق بهم؛ لأنهم لم يتتابعوا فيه، وكانوا يتقون الله ~~في الطلاق، وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجا، فلما تركوا تقوى الله ~~وتلاعبوا بكتاب الله وطلقوا على غير ما شرعه الله ألزمهم بما التزموه عقوبة ~~لهم؛ فإن الله تعالى إنما شرع الطلاق مرة بعد مرة، ولم يشرعه كله مرة ~~واحدة، فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدى حدود الله، وظلم نفسه، ولعب ~~بكتاب الله، فهو حقيق أن يعاقب، ويلزم بما التزمه، ولا يقر على رخصة الله ~~وسعته، وقد صعبها على نفسه، ولم يتق الله ولم يطلق كما أمره الله وشرعه له، ~~بل ms0773 استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه رحمة منه وإحسانا، ولبس على نفسه ~~واختار الأغلظ والأشد؛ فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان، وعلم ~~الصحابة - رضي الله عنهم - حسن سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك فوافقوه ~~على ما ألزم به، وصرحوا لمن استفتاهم بذلك فقال عبد الله بن مسعود: من أتى ~~الأمر على وجهه فقد بين له، ومن لبس على نفسه جعلنا عليه لبسه، والله لا ~~تلبسون على أنفسكم ونتحمله منكم، هو كما تقولون. # فلو كان وقوع الثلاث ثلاثا في كتاب الله وسنة رسوله لكان المطلق قد أتى ~~الأمر على وجهه، ولما كان قد لبس على نفسه، ولما قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لمن فعل ذلك «تلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم» ؟ # ولما توقف عبد الله بن الزبير في الإيقاع وقال للسائل: إن هذا الأمر ما ~~لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة، فلما جاء إليهما قال ~~ابن عباس لأبي هريرة: أفته فقد جاءتك معضلة، ثم أفتياه بالوقوع. # فالصحابة - رضي الله عنهم - ومقدمهم عمر بن الخطاب لما رأوا الناس قد ~~استهانوا بأمر الطلاق وأرسلوا ما بأيديهم منه ولبسوا على أنفسهم ولم يتقوا ~~الله في التطليق الذي شرعه لهم وأخذوا بالتشديد على أنفسهم ولم يقفوا على ~~ما حد لهم ألزموهم بما التزموه، وأمضوا عليهم ما اختاروه لأنفسهم من ~~التشديد الذي وسع الله عليهم ما شرعه لهم بخلافه، ولا ريب أن من فعل هذا ~~حقيق بالعقوبة بأن ينفذ عليه ما أنفذه على نفسه؛ إذ لم يقبل رخصة الله ~~وتيسيره ومهلته، ولهذا قال ابن عباس لمن طلق مائة: عصيت ربك وبانت منك ~~امرأتك؛ إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا، ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ~~وأتاه رجل فقال: إن عمي طلق ثلاثا، فقال: إن عمك عصى الله فأندمه، وأطاع ~~الشيطان فلم يجعل له مخرجا، فقال: أفلا تحللها له؟ فقال: من يخادع الله ~~يخدعه. # PageV03P035 # فليتدبر العالم الذي قصده معرفة الحق واتباعه من الشرع والقدر في قبول ~~الصحابة هذه ms0774 الرخصة والتيسير على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وتقواهم ربهم تبارك وتعالى في التطليق، فجرت عليهم رخصة الله وتيسيره شرعا ~~وقدرا، فلما ركب الناس الأحموقة، وتركوا تقوى الله، ولبسوا على أنفسهم، ~~وطلقوا على غير ما شرعه الله لهم، أجرى الله على لسان الخليفة الراشد ~~والصحابة معه شرعا وقدر إلزامهم بذلك، وإنفاذه عليهم، وإبقاء الإصر الذي ~~جعلوه هم في أعناقهم كما جعلوه، وهذه أسرار من أسرار الشرع والقدر لا تناسب ~~عقول أبناء الزمن، فجاء أئمة الإسلام، فمضوا على آثار الصحابة سالكين ~~مسلكهم، قاصدين رضاء الله ورسوله وإنفاذ دينه. # فمنهم من ترك القول بحديث ابن عباس لظنه أنه منسوخ، وهذه طريقة الشافعي. # قال: فإن كان معنى قول ابن عباس إن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - واحدة بمعنى أنه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فالذي يشبه أن يكون ابن عباس قد علم شيئا فنسخ. # فإن قيل: فما دل على ما وصفت؟ قيل: لا يشبه أن يكون ابن عباس قد يروي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا ثم يخالفه بشيء ولم يعلمه كان من النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فيه خلاف. # فإن قيل: فلعل هذا شيء روي عن عمر فقال فيه ابن عباس بقول عمر. قيل: قد ~~علمنا أن ابن عباس يخالف عمر في نكاح المتعة، وبيع الدينار بالدينارين، ~~وبيع أمهات الأولاد، فكيف يوافقه في شيء روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- خلافه؟ # فصل [فتوى الصحابي على خلاف ما رواه] # قال المانعون من لزوم الثلاث: النسخ لا يثبت بالاحتمال، ولا ترك الحديث ~~الصحيح المعصوم لمخالفة راويه له؛ فإن مخالفته ليست معصومة، وقد قدم ~~الشافعي رواية ابن عباس في شأن بريرة على فتواه التي تخالفها في كون بيع ~~الأمة طلاقها، وأخذ هو وأحمد وغيرهما بحديث أبي هريرة «من استقاء فعليه ~~القضاء» وقد خالفه أبو هريرة وأفتى بأنه لا قضاء عليه، وأخذوا برواية ابن ~~عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه أن يرملوا ms0775 الأشواط ~~الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين» وصح عنه أنه قال: ليس الرمل بسنة، وأخذوا ~~برواية عائشة في منع الحائض من الطواف، وقد صح عنها أن امرأة حاضت وهي تطوف ~~معها فأتمت بها عائشة بقية طوافها، رواه سعيد بن منصور: ثنا أبو عوانة عن ~~أبي بشر عن عطاء، فذكره، وأخذوا برواية ابن عباس في تقديم الرمي والحلق ~~والنحر بعضها على بعض، وأنه لا حرج في # PageV03P036 # ذلك، وقد أفتى ابن عباس أن فيه دما، فلم يلتفتوا إلى قوله وأخذوا ~~بروايته، وأخذت الحنفية بحديث ابن عباس «كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه» ~~قالوا: وهذا صريح في طلاق المكره، وقد صح عن ابن عباس: ليس لمكره ولا ~~لمضطهد طلاق، وأخذوا هم والناس بحديث ابن عمر أنه اشترى جملا شاردا بأصح ~~سند يكون، وأخذ الحنفية والحنابلة بحديث علي كرم الله وجهه وابن عباس «صلاة ~~الوسطى صلاة العصر» وقد ثبت عن علي كرم الله وجهه وابن عباس أنها صلاة ~~الصبح، وأخذ الأئمة الأربعة وغيرهم بخبر عائشة في التحريم بلبن الفحل، وقد ~~صح عنها خلافه، وأنه كان يدخل عليها من أرضعته بنات إخوتها، ولا يدخل عليها ~~من أرضعته نساء إخوتها، وأخذ الحنفية برواية عائشة «فرضت الصلاة ركعتين ~~ركعتين» وصح عنها أنها أتمت الصلاة في السفر، فلم يدعوا روايتها لرأيها، ~~واحتجوا بحديث جابر وأبي موسى في الأمر بالوضوء من الضحك في الصلاة، وقد صح ~~عنهما أنهما قالا: لا وضوء من ذلك، وأخذ الناس بحديث عائشة في ترك إيجاب ~~الوضوء مما مست النار، وقد صح عن عائشة بأصح إسناد إيجاب الوضوء للصلاة من ~~أكل كل ما مست النار، وأخذ الناس بأحاديث عائشة وابن عباس وأبي هريرة في ~~المسح على الخفين، وقد صح عن ثلاثتهم المنع من المسح جملة؛ فأخذوا بروايتهم ~~وتركوا رأيهم. # واحتجوا في إسقاط القصاص عن الأب بحديث عمر «لا يقتص لولد من والده» وقد ~~قال عمر: لأقصن للولد من الوالد؛ فلم يأخذوا برأيه بل بروايته، واحتجت ~~الحنفية والمالكية في أن الخلع طلاق بحديثين لا يصحان عن ابن ms0776 عباس، وقد صح ~~عن ابن عباس بأصح إسناد يكون «أن الخلع فسخ لا طلاق» وأخذت الحنفية بحديث ~~لا يصح بل هو من وضع حزام بن عثمان ومبشر بن عبيد الحلبي، وهو حديث جابر ~~«لا يكون صداق أقل من عشرة دراهم» وقد صح عن جابر جواز النكاح بما قل أو ~~كثر، واحتجوا هم وغيرهم على المنع من بيع أمهات الأولاد بحديث ابن عباس ~~المرفوع، وقد صح عنه جواز بيعهن؛ فقدموا روايته التي لم تثبت على فتواه ~~الصحيحة عنه، وأخذت الحنابلة وغيرهم بخبر سعيد بن المسيب عن عمر أنه ألحق ~~الولد بأبوين، وقد خالفه سعيد بن المسيب؛ فلم يعتدوا بخلافه، وقد صح عن عمر ~~وعثمان ومعاوية «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمتع بالعمرة إلى ~~الحج» ، وصح عنهم النهي عن التمتع، فأخذ الناس بروايتهم وتركوا رأيهم، وأخذ ~~الناس بحديث أبي هريرة في البحر «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وقد روى سعيد ~~بن منصور في سننه عن أبي هريرة أنه قال: ماءان لا يجزئان في غسل الجنابة ~~ماء البحر وماء الحمام، وأخذت الحنابلة والشافعية بحديث أبي هريرة في الأمر ~~بغسل الإناء من ولوغ الكلب، وقد صح عن أبي هريرة ما رواه سعيد بن منصور في # PageV03P037 # سننه أن أبا هريرة سئل عن الحوض يلغ فيه الكلب ويشرب منه الحمار، فقال: ~~لا يحرم الماء شيء، وأخذت الحنفية بحديث علي كرم الله وجهه «لا زكاة فيما ~~زاد على المائتي درهم حتى يبلغ أربعين درهما» مع ضعف الحديث بالحسن بن ~~عمارة، وقد صح عن علي كرم الله وجهه أن ما زاد على المائتين ففيه الزكاة ~~بحسابه، رواه عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق السبيعي عن عاصم بن ضمرة ~~عنه. # وهذا باب يطول تتبعه، وترى كثيرا من الناس إذا جاء الحديث يوافق قول من ~~قلده وقد خالفه رواية يقول: الحجة فيما روى، لا في قوله، فإذا جاء قول ~~الراوي موافقا لقول من قلده والحديث بخلافه قال: لم يكن الراوي يخالف ما ~~رواه إلا وقد صح عنده ms0777 نسخه، وإلا كان قدحا في عدالته، فيجمعون في كلامهم ~~بين هذا وهذا، بل قد رأينا في الباب الواحد، وهذا من أقبح التناقض، والذي ~~ندين لله به ولا يسعنا غيره وهو القصد في هذا الباب أن الحديث إذا صح عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض ~~علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من ~~الناس كائنا من كان لا رواية ولا غيره؛ إذ من الممكن أن ينسى الراوي ~~الحديث، أو لا يحضره وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة، أو ~~يتأول فيه تأويلا مرجوحا، أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا في نفس ~~الأمر، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه وأنه إنما ~~خالفه لما هو أقوى منه، ولو قدر انتفاء ذلك كله، ولا سبيل إلى العلم ~~بانتفائه ولا ظنه، لم يكن الراوي معصوما، ولم توجب مخالفته لما رواه سقوط ~~عدالته حتى تغلب سيئاته حسناته، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك. # فصل [وجه تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأحوال] # إذا عرف هذا فهذه المسألة مما تغيرت الفتوى بها بحسب الأزمنة كما عرفت؛ ~~لما رأته الصحابة من المصلحة؛ لأنهم رأوا مفسدة تتابع الناس في إيقاع ~~الثلاث لا تندفع إلا بإمضائها عليهم، فرأوا مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة ~~الوقوع، ولم يكن باب التحليل الذي لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فاعله مفتوحا بوجه ما، بل كانوا أشد خلق الله في المنع منه، وتوعد عمر ~~فاعله بالرجم، وكانوا عالمين بالطلاق المأذون فيه وغيره، وأما في هذه ~~الأزمان التي قد شكت الفروج فيها إلى ربها من مفسدة التحليل، وقبح ما ~~يرتكبه المحللون مما هو رمد بل عمى في عين الدين وشجى في حلوق المؤمنين: من ~~قبائح تشمت أعداء الدين به # PageV03P038 # وتمنع كثيرا ممن يريد الدخول فيه بسببه، بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطاب، ~~ولا يحصرها كتاب، يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح، ويعدونها ms0778 من أعظم ~~الفضائح، قد قلبت من الدين رسمه، وغيرت منه اسمه، وضمخ التيس المستعار فيها ~~المطلقة بنجاسة التحليل، وقد زعم أنه قد طيبها للحليل، فيا لله العجب، أي ~~طيب أعارها هذا التيس الملعون؟ وأي مصلحة حصلت لها ولمطلقها بهذا الفعل ~~الدون؟ أترون وقوف الزوج المطلق أو الولي على الباب والتيس الملعون قد حل ~~إزارها وكشف النقاب وأخذ في ذلك المرتع والزوج أو الولي يناديه: لم يقدم ~~إليك هذا الطعام لتشبع، فقد علمت أنت والزوجة ونحن والشهود والحاضرون ~~والملائكة الكاتبون ورب العالمين أنك لست معدودا من الأزواج، ولا للمرأة أو ~~أوليائها بك رضا ولا فرح ولا ابتهاج، وإنما أنت بمنزلة التيس المستعار ~~للضراب، الذي لولا هذه البلوى لما رضينا وقوفك على الباب؛ فالناس يظهرون ~~النكاح ويعلنونه فرحا وسرورا، ونحن نتواصى بكتمان هذا الداء العضال ونجعله ~~أمرا مستورا؛ بلا نثار ولا دف ولا خوان ولا إعلان، بل التواصي بهس ومس ~~والإخفاء والكتمان؛ فالمرأة تنكح لدينها وحسبها ومالها وجمالها، والتيس ~~المستعار لا يسأل عن شيء من ذلك، فإنه لا يمسك بعصمتها، بل قد دخل على ~~زوالها، والله تعالى قد جعل كل واحد من الزوجين سكنا لصاحبه، وجعل بينهما ~~مودة ورحمة ليحصل بذلك مقصود هذا العقد العظيم، وتتم بذلك المصلحة التي ~~شرعه لأجلها العزيز الحكيم، فسل التيس المستعار: هل له من ذلك نصيب، أو هو ~~من حكمة هذا العقد ومقصوده ومصلحته أجنبي غريب؟ # وسله: هل اتخذ هذه المصابة حليلة وفراشا يأوي إليه؟ ثم سلها: هل رضيت به ~~قط زوجا وبعلا تعول في نوائبها عليه؟ وسل أولي التمييز والعقول: هل تزوجت ~~فلانة بفلان؟ وهل يعد هذا نكاحا في شرع أو عقل أو فطرة إنسان؟ وكيف يلعن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا من أمته نكح نكاحا شرعيا صحيحا، ولم ~~يرتكب في عقده محرما ولا قبيحا؟ وكيف يشبهه بالتيس المستعار، وهو من جملة ~~المحسنين الأبرار؟ وكيف تعير به المرأة طول دهرها بين أهلها والجيران؛ وتظل ~~ناكسة رأسها إذا ذكر ذلك التيس بين النسوان؟ وسل التيس ms0779 المستعار: هل حدث ~~نفسه وقت هذا العقد الذي هو شقيق النفاق، بنفقة أو كسوة أو وزن صداق؟ وهل ~~طمعت المصابة منه في شيء من ذلك، أو حدثت نفسها به هنالك؟ وهل طلب منها ~~ولدا نجيبا واتخذته عشيرا وحبيبا؟ وسل عقول العالمين وفطرهم: هل كان خير ~~هذه الأمة أكثرهم تحليلا، أو كان المحلل الذي لعنه الله ورسوله أهداهم ~~سبيلا؟ # وسل التيس المستعار ومن ابتليت به: هل تجمل أحد منهما بصاحبه كما يتجمل ~~الرجال بالنساء والنساء بالرجال، أو كان لأحدهما # PageV03P039 # رغبة في صاحبه بحسب أو مال أو جمال؟ وسل المرأة: هل تكره أن يتزوج عليها ~~هذا التيس المستعار أو يتسرى، أو تكره أن تكون تحته امرأة غيرها أخرى، أو ~~تسأله عن ماله وصنعته أو حسن عشرته وسعة نفقته؟ وسل التيس المستعار: هل سأل ~~قط عما يسأله عنه من قصد حقيقة النكاح، أو يتوسل إلى بيت أحمائه بالهدية ~~والحمولة والنقد الذي يتوسل به خاطب الملاح؟ وسله: هل هو أبو يأخذ أو أبو ~~يعطي؟ وهل قوله عند قراءة أبي جاد هذا العقد: خذي نفقة هذا العرس أو حطي؟ # وسله: هل تحمل من كلفة هذا العقد خذي نفقة هذا العرس أو حطي؟] وسله عن ~~وليمة عرسه: هل أولم ولو بشاة؟ وهل دعا إليها أحدا من أصحابه فقضى حقه ~~وأتاه؟ وسله: هل تحمل من كلفة هذا العقد ما يتحمله المتزوجون، أم جاءه كما ~~جرت به عادة الناس الأصحاب والمهنئون؟ وهل قيل له بارك الله لكما وعليكما ~~وجمع بينكما في خير وعافية، أم لعن الله المحلل والمحلل له لعنة تامة ~~وافية؟ . # فصل # ثم سل من له أدنى اطلاع على أحوال الناس: كم من حرة مصونة أنشب فيها ~~المحلل مخالب إرادته فصارت له بعد الطلاق من الأخدان وكان بعلها منفردا ~~بوطئها فإذا هو والمحلل فيها ببركة التحليل شريكان؟ فلعمر الله كم أخرج ~~التحليل مخدرة من سترها إلى البغاء، وألقاها بين براثن العشراء والحرفاء؟ ~~ولولا التحليل لكان منال الثريا دون منالها، والتدرع بالأكفان دون التدرع ~~بجمالها، وعناق القنا دون ms0780 عناقها، والأخذ بذراع الأسد دون الأخذ بساقها، ~~وسل أهل الخبرة: كم عقد المحلل على أم وابنتها؟ وكم جمع ماءه في أرحام ما ~~زاد على الأربع وفي رحم الأختين؟ وذلك محرم باطل في المذهبين، وهذه المفسدة ~~في كتب مفاسد التحليل لا ينبغي أن تفرد بالذكر وهي كموجة واحدة من الأمواج، ~~ومن يستطيع عد أمواج البحر؟ ، وكم من امرأة كانت قاصرة الطرف على بعلها، ~~فلما ذاقت عسيلة المحلل خرجت على وجهها فلم يجتمع شمل الإحصان والعفة بعد ~~ذلك بشملها، وما كان هذا سبيله فكيف يحتمل أكمل الشرائع وأحكمها تحليله؟ ~~فصلوات الله وسلامه على من صرح بلعنته، وسماه بالتيس المستعار من بين فساق ~~أمته، كما شهد به علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وعبد الله بن مسعود وأبو ~~هريرة وجابر بن عبد الله وعقبة بن عامر وعبد الله بن عباس وأخبر عبد الله ~~بن عمر أنهم كانوا يعدونه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سفاحا. # أما ابن مسعود ففي مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وجامع الترمذي عنه قال: ~~«لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المحلل والمحلل له» قال الترمذي: ~~حديث حسن صحيح، وقال سفيان # PageV03P040 # الثوري: حدثني أبو قيس الأودي عن هزيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود ~~قال: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الواشمة والمستوشمة، والواصلة ~~والموصولة، والمحلل والمحلل له، وآكل الربا وموكله» ورواه النسائي والإمام ~~أحمد، وروى الترمذي عنه «لعن المحلل» وصححه، ثم قال: والعمل عليه عند أهل ~~العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن ~~عفان وعبد الله بن عمر، وهو قول الفقهاء من التابعين، ورواه الإمام أحمد من ~~حديث أبي الواصل عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «لعن المحلل ~~والمحلل له» ، وفي مسند الإمام أحمد والنسائي من حديث الأعمش عن عبد الله ~~بن مرة عن الحارث عن ابن مسعود قال: «آكل الربا وموكله وشاهداه وكاتبه إذا ~~علموا به، والواصلة والمستوشمة، ولاوي الصدقة والمعتدي فيها، ms0781 والمرتد على ~~عقبيه أعرابيا بعد هجرته، ملعونون على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~يوم القيامة» . وأما حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ففي المسند وسنن ~~أبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث الشعبي عن الحارث عن علي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «أنه لعن المحلل والمحلل له» . # وأما حديث أبي هريرة ففي المسند للإمام أحمد ومسند أبي بكر بن أبي شيبة ~~من حديث عثمان بن الأخنسي عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله المحلل والمحلل له» قال يحيى بن معين: ~~عثمان بن الأخنسي ثقة، والذي رواه عنه عبد الله بن جعفر المخرمي ثقة من ~~رجال مسلم، وثقه أحمد ويحيى وعلي وغيرهم؛ فالإسناد جيد، وفي كتاب العلل ~~للترمذي: ثنا محمد بن يحيى ثنا معلى بن منصور عن عبد الله بن جعفر المخرمي ~~عن عثمان بن محمد الأخنسي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - «لعن المحلل والمحلل له» قال الترمذي: سألت أبا عبد الله ~~محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وعبد الله بن ~~جعفر المخرمي صدوق، وعثمان بن محمد الأخنسي ثقة، وكنت أظن أن عثمان لم يسمع ~~من سعيد المقبري، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا إسناد جيد. وأما حديث ~~جابر بن عبد الله ففي جامع الترمذي من حديث مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد ~~الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لعن المحلل والمحلل له» ومجالد ~~وإن كان غيره أقوى منه فحديثه شاهد ومقو. وأما حديث عقبة بن عامر ففي سنن ~~ابن ماجه عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أخبركم ~~بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هو المحلل، لعن الله ~~المحلل والمحلل له» رواه الحاكم في صحيحه من حديث الليث بن # PageV03P041 # سعد عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر، فذكره، وقد أعل هذا الحديث بثلاث ~~علل؛ إحداها: أن ms0782 أبا حاتم البستي ضعف مشرح بن هاعان. # ، والعلة الثانية ما حكاه الترمذي في كتاب العلل عن البخاري فقال: سألت ~~أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن حديث عبد الله بن صالح حدثني ~~الليث عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «ألا أخبركم بالتيس المستعار، هو المحلل والمحلل له، ولعن الله ~~المحلل والمحلل له» فقال: عبد الله بن صالح لم يكن أخرجه في أيامنا، ما أرى ~~الليث سمعه من مشرح بن هاعان؛ لأن حيوة يروي عن بكر بن عمرو عن مشرح. # والعلة الثالثة: ما ذكرها الجوزجاني في ترجمته فقال: كانوا ينكرون على ~~عثمان هذا الحديث إنكارا شديدا؛ فأما العلة الأولى فقال محمد بن عبد الواحد ~~المقدسي: مشرح قد وثقه يحيى بن معين في رواية عثمان بن سعيد، وابن معين ~~أعلم بالرجال من ابن حبان، قلت: وهو صدوق عند الحفاظ، لم يتهمه أحد ألبتة، ~~ولا أطلق عليه أحد من أهل الحديث قط أنه ضعيف، ولا ضعفه ابن حبان، وإنما ~~يقال: يروي عن عقبة بن عامر مناكير لا يتابع عليها؛ فالصواب ترك ما انفرد ~~به، وانفرد ابن حبان من بين أهل الحديث بهذا القول فيه، وأما العلة الثانية ~~فعبد الله بن صالح قد صرح بأنه سمعه من الليث، وكونه لم يخرجه وقت اجتماع ~~البخاري به لا يضره شيئا؛ وأما قوله: " إن حيوة يروي عن بكر بن عمرو بن ~~شريح المصري عن مشرح " فإنه يريد [به] أن حيوة من أقران الليث أو أكبر منه، ~~وإنما روى عن بكر بن عمرو عن مشرح، وهذا تعليل قوي، ويؤكده أن الليث قال " ~~قال مشرح " ولم يقل حدثنا، وليس بلازم؛ فإن الليث كان معاصرا لمشرح وهو في ~~بلده، وطلب الليث العلم وجمعه لم يمنعه أن لا يسمع من مشرح حديثه عن عقبة ~~بن عامر وهو معه في البلد. وأما التعليل الثالث فقال شيخ الإسلام: إنكار من ~~أنكر هذا الحديث على عثمان غير جيد، وإنما هو لتوهم انفراده به ms0783 عن الليث ~~وظنهم أنه لعله أخطأ فيه حيث لم يبلغهم عن غيره من أصحاب الليث، كما قد ~~يتوهم بعض من يكتب الحديث أن الحديث إذا انفرد به عن الرجل من ليس بالمشهور ~~من أصحابه كان ذلك شذوذا فيه وعلة قادحة، وهذا لا يتوجه ههنا لوجهين: ~~أحدهما: أنه قد تابعه عليه أبو صالح كاتب الليث عنه، رويناه من حديث أبي ~~بكر القطيعي ثنا جعفر بن محمد الفريابي حدثني العباس المعروف بأبي فريق ثنا ~~أبو صالح حدثني الليث به، فذكره، ورواه أيضا الدارقطني في سننه: ثنا أبو ~~بكر الشافعي ثنا إبراهيم بن الهيثم أخبرنا أبو صالح، فذكره. الثاني: أن ~~عثمان بن صالح هذا المصري نفسه روى عنه البخاري في صحيحه، وروى عنه ابن ~~معين وأبو حاتم الرازي، وقال: هو شيخ صالح سليم التأدية، قيل # PageV03P042 # له: كان يلقن؟ قال: لا، ومن كان بهذه المثابة كان ما ينفرد به حجة، وإنما ~~الشاذ ما خالف به الثقات، لا ما انفرد به عنهم، فكيف إذا تابعه مثل أبي ~~صالح وهو كاتب الليث وأكثر الناس حديثا عنه؟ وهو ثقة أيضا، وإن كان قد وقع ~~في بعض حديثه غلط، ومشرح بن هاعان قال فيه ابن معين: ثقة، وقال فيه الإمام ~~أحمد: هو معروف؛ فثبت أن هذا الحديث حديث جيد وإسناده حسن، انتهى. # قال الشافعي: ليس الشاذ أن ينفرد الثقة عن الناس بحديث، إنما الشاذ أن ~~يخالف ما رواه الثقات. # وأما حديث عبد الله بن عباس فرواه ابن ماجه في سننه عنه قال: «لعن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - المحلل والمحلل له» وفي إسناده زمعة بن صالح، ~~وقد ضعفه قوم، ووثقه آخرون، وأخرج له مسلم في صحيحه مقرونا بآخر، وعن ابن ~~معين فيه روايتان. # وأما حديث عبد الله بن عمر ففي صحيح الحاكم من حديث ابن أبي مريم، حدثنا ~~أبو غسان عن عمرو بن نافع عن أبيه قال: «جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن رجل ~~طلق امرأته ثلاثا، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة بينه ليحلها لأخيه: ms0784 هل تحل ~~للأول؟ قال: لا، إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -» ، قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال سعيد في ~~سننه: ثنا محمد بن نشيط البصري قال: قال بكر بن عبد الله المزني: لعن ~~المحلل والمحلل له، وكان يسمى في الجاهلية التيس المستعار وعن الحسن البصري ~~قال: كان المسلمون يقولون: هذا التيس المستعار. # فصل # فسل هذا التيس: هل دخل في قوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} [الروم: 21] وهل دخل في قوله ~~تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء ~~يغنهم الله من فضله} [النور: 32] وهل دخل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج» وهل دخل في ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم ~~يوم القيامة» وهل دخل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أربع من سنن ~~المرسلين: النكاح، والتعطر، والختان، وذكر الرابعة» وهل دخل في قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «النكاح سنتي؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني» وهل دخل في قول ~~ابن عباس: خير هذه الأمة أكثرها نساء؟ وهل له نصيب من قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد ~~الأداء» وذكر الثالث، أم حق على الله لعنته تصديقا لرسوله فيما أخبر عنه؟ ~~وسله: هل يلعن الله ورسوله من يفعل مستحبا أو جائزا أو مكروها أو صغيرة، أم ~~لعنته مختصة بمن ارتكب كبيرة أو ما هو # PageV03P043 # أعظم منها؟ كما قال ابن عباس: كل ذنب ختم بلعنة أو غضب أو عذاب أو نار ~~فهو كبيرة، وسله: هل كان في الصحابة محلل واحد أو أقر رجل منهم على ~~التحليل؟ وسله لأي شيء قال عمر بن الخطاب: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا ~~رجمتهما. # وسله: كيف تكون المتعة حراما نصا مع أن المستمتع له غرض في نكاح ms0785 الزوجة ~~إلى وقت لكن لما كان غير داخل على النكاح المؤبد كان مرتكبا للمحرم؟ فكيف ~~يكون نكاح المحلل الذي إنما قصده أن يمسكها ساعة من زمان أو دونها، ولا غرض ~~له في النكاح ألبتة؟ بل قد شرط انقطاعه وزواله إذا أخبثها بالتحليل، فكيف ~~يجتمع في عقل أو شرع تحليل هذا وتحريم المتعة؟ هذا مع أن المتعة أبيحت في ~~أول الإسلام، وفعلها الصحابة، وأفتى بها بعضهم بعد موت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، ونكاح المحلل لم يبح في ملة من الملل قط ولم يفعله أحد من ~~الصحابة، ولا أفتى به واحد منهم؟ وليس الغرض بيان تحريم هذا العقد وبطلانه ~~وذكر مفاسده وشره، فإنه يستدعي سفرا ضخما نختصر فيه الكلام، وإنما المقصود ~~أن هذا شأن التحليل عند الله ورسوله وأصحاب رسوله، فألزمهم عمر بالطلاق ~~الثلاث إذا جمعوها ليكفوا عنه إذا علموا أن المرأة تحرم به، وأنه لا سبيل ~~إلى عودها بالتحليل، فلما تغير الزمان، وبعد العهد بالسنة وآثار القوم، ~~وقامت سوق التحليل ونفقت في الناس؛ فالواجب أن يرد الأمر إلى ما كان عليه ~~في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخليفته من الإفتاء بما يعطل سوق ~~التحليل أو يقللها ويخفف شرها، وإذا عرض على من وفقه الله وبصره بالهدى ~~وفقهه في دينه مسألة كون الثلاث واحدة ومسألة التحليل ووازن بينهما تبين له ~~التفاوت، وعلم أي المسألتين أولى بالدين وأصلح للمسلمين. # فهذه حجج المسألتين قد عرضت عليك، وقد أهديت إن قبلتها إليك، وما أظن عمى ~~التقليد إلا يزيد الأمر على ما هو عليه، ولا يدع التوفيق يقودك اختيارا ~~إليه، وإنما أشرنا إلى المسألتين إشارة تطلع العالم على ما وراءها، وبالله ~~التوفيق. # فصل # فقد تبين لك أمر مسألة من المسائل التي تمنع التحليل، أفتى بها المفتي، ~~وقد قال بها بعض أهل العلم؛ فهي خير من التحليل، حتى لو أفتى المفتي بحلها ~~بمجرد العقد من غير وطء، لكان أعذر عند الله من أصحاب التحليل، وإن اشترك ~~كل منهما في مخالفة النص؛ فإن النصوص المانعة من ms0786 التحليل المصرحة بلعن ~~فاعله كثيرة جدا، والصحابة والسلف مجمعون عليها، والنصوص المشترطة للدخول ~~لا تبلغ مبلغها، وقد اختلف فيها التابعون؛ # PageV03P044 # فمخالفتها أسهل من مخالفة أحاديث التحليل، والحق موافقة جميع النصوص، وأن ~~لا يترك منها شيء، وتأمل كيف كان الأمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وعهد أبي بكر الصديق من كون الثلاث واحدة والتحليل ممنوع منه، ثم ~~صار في بقية خلافة عمر الثلاث ثلاث والتحليل ممنوع منه، وعمر من أشد ~~الصحابة فيه، وكلهم على مثل قوله فيه، ثم صار في هذه الأزمنة التحليل كثيرا ~~مشهورا والثلاث ثلاثا. # وعلى هذا فيمتنع في هذه الأزمنة معاقبة الناس بما عاقبهم به عمر من ~~وجهين: أحدهما: أن أكثرهم لا يعلم أن جمع الثلاث حرام، لا سيما وكثير من ~~الفقهاء لا يرى تحريمه، فكيف يعاقب من لم يرتكب محرما عند نفسه؟ الثاني: أن ~~عقوبتهم بذلك تفتح عليهم باب التحليل الذي كان مسدودا على عهد الصحابة، ~~والعقوبة إذا تضمنت مفسدة أكثر من الفعل المعاقب عليه كان تركها أحب إلى ~~الله ورسوله، ولو فرضنا أن التحليل مما أباحته الشريعة ومعاذ الله لكان ~~المنع منه إذا وصل إلى هذا الحد الذي قد تفاحش قبحه من باب سد الذرائع، ~~وتعين على المفتين والقضاة المنع منه جملة، وإن فرض أن بعض أفراده جائز؛ إذ ~~لا يستريب أحد في أن الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة في عهد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وأبي بكر الصديق وصدر من خلافة عمر أولى من الرجوع إلى ~~التحليل، والله الموفق. ### | [فصل موجبات الأيمان والإقرار والنذور وغيرها] # فصل [موجبات الأيمان والأقارير والنذور] # المثال الثامن: مما تتغير به الفتوى لتغير العرف والعادة: موجبات الأيمان ~~والإقرار والنذور وغيرها؛ فمن ذلك أن الحالف إذا حلف " لا ركبت دابة " وكان ~~في بلد عرفهم في لفظ الدابة الحمار خاصة اختصت يمينه به، ولا يحنث بركوب ~~الفرس ولا الجمل، وإن كان عرفهم في لفظ الدابة الفرس خاصة حملت يمينه عليها ~~دون الحمار، وكذلك إن كان الحال ممن عادته ركوب ms0787 نوع خاص من الدواب كالأمراء ~~ومن جرى مجراهم حملت يمينه على ما اعتاده من ركوب الدواب؛ فيفتى في كل بلد ~~بحسب عرف أهله. # ويفتى كل أحد بحسب عادته، وكذلك إذا حلف " لا أكلت رأسا " في بلد عادتهم ~~أكل رءوس الضأن خاصة لم يحنث بأكل رءوس الطير والسمك ونحوها، وإن كان ~~عادتهم أكل رءوس السمك حنث بأكل رءوسها، وكذلك إذا حلف لا اشتريت كذا ولا ~~بعته ولا حرثت هذه الأرض ولا زرعتها ونحو ذلك، وعادته أن لا يباشر ذلك ~~بنفسه كالملوك حنث قطعا بالإذن والتوكيل فيه، فإنه # PageV03P045 # نفس ما حلف عليه. # وإن كان عادته مباشرة ذلك بنفسه كآحاد الناس فإن قصد منع نفسه من ~~المباشرة لم يحنث بالتوكيل، وإن قصد عدم الفعل والمنع منه جملة حنث ~~بالتوكيل، وإن أطلق اعتبر سبب اليمين وبساطها وما هيجها، وعلى هذا إذا أقر ~~الملك أو أغنى أهل البلد لرجل بمال كثير لم يقبل تفسيره بالدرهم والرغيف ~~ونحوه مما يتمول، فإن أقر به فقير يعد عنده الدرهم والرغيف كثيرا قبل منه، ~~وعلى هذا إذا قيل له: جاريتك أو عبدك يرتكبان الفاحشة، فقال: ليس كذلك، بل ~~هما حران لا أعلم عليهما فاحشة؛ فالحق المقطوع به أنهما لا يعتقان بذلك، لا ~~في الحكم ولا فيما بينه وبين الله تعالى؛ فإنه لم يرد ذلك قطعا. # واللفظ مع القرائن المذكورة ليس صريحا في العتق ولا ظاهرا فيه، بل ولا ~~محتملا له، فإخراج عبده أو أمته عن ملكه بذلك غير جائز، ومن ذلك ما أخبرني ~~به بعض أصحابنا أنه قال لامرأته: إن أذنت لك في الخروج إلى الحمام فأنت ~~طالق، فتهيأت للخروج إلى الحمام، فقال لها: اخرجي وابصري، فاستفتى بعض ~~الناس، فأفتوه بأنها قد طلقت منه، فقال للمفتي: بأي شيء أوقعت علي الطلاق؟ ~~قال: بقولك لها اخرجي، فقال: إني لم أقل لها ذلك إذنا، وإنما قلته تهديدا، ~~أي: إنك لا يمكنك الخروج. # وهذا كقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير} [فصلت: 40] فهل ~~هذا إذن لهم أن يعملوا ما شاءوا؟ ms0788 فقال: لا أدري، أنت لفظت بالإذن، فقال له: ~~ما أردت الإذن، فلم يفقه المفتي هذا، وغلظ حجابه عن إدراكه، وفرق بينه وبين ~~امرأته بما لم يأذن به الله ورسوله ولا أحد من أئمة الإسلام. # وليت شعري هل يقول هذا المفتي: إن قوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر} [الكهف: 29] إذن له في الكفر؟ وهؤلاء أبعد الناس عن الفهم عن الله ~~ورسوله وعن المطلقين مقاصدهم. # ومن هذا إذا قال العبد لسيده، وقد استعمله في عمل يشق عليه: أعتقني من ~~هذا العمل، فقال: أعتقتك، ولم ينو إزالة ملكه عنه، لم يعتق بذلك، وكذلك إذا ~~قال عن امرأته: هذه أختي، ونوى أختي في الدين، لم تحرم بذلك، ولم يكن ~~مظاهرا. والصريح لم يكن موجبا لحكمه لذاته. # وإنما أوجبه لأنا نستدل على قصد المتكلم به لمعناه؛ لجريان اللفظ على ~~لسانه اختيارا؛ فإذا ظهر قصده بخلاف معناه لم يجز أن يلزم بما لم يرده، ولا ~~التزمه، ولا خطر بباله، بل إلزامه بذلك جناية على الشرع وعلى المكلف، والله ~~سبحانه وتعالى رفع المؤاخذة عن المتكلم بكلمة الكفر مكرها لما لم يقصد ~~معناها ولا نواها، فكذلك المتكلم بالطلاق والعتاق والوقف واليمين والنذر ~~مكرها لا يلزمه شيء من ذلك؛ لعدم نيته وقصده؛ وقد أتى باللفظ الصريح؛ فعلم ~~أن اللفظ إنما يوجب معناه لقصد المتكلم به، والله تعالى رفع المؤاخذة عمن ~~حدث نفسه بأمر بغير تلفظ أو # PageV03P046 # عمل، كما رفعها عمن تلفظ باللفظ من غير قصد لمعناه ولا إرادة، ولهذا لا ~~يكفر من جرى على لسانه لفظ الكفر سبقا من غير قصد لفرح أو دهش وغير ذلك، ~~كما في حديث الفرح الإلهي بتوبة العبد، وضرب مثل ذلك بمن فقد راحلته عليها ~~طعامه وشرابه في الأرض المهلكة، فأيس منها ثم وجدها فقال: اللهم أنت عبدي ~~وأنا ربك: " أخطأ من شدة الفرح " ولم يؤاخذ بذلك، وكذلك إذا أخطأ من شدة ~~الغضب لم يؤاخذ بذلك، ومن هذا قوله تعالى: {ولو يعجل الله للناس الشر ~~استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم} [يونس: 11] قال ms0789 السلف: هو دعاء الإنسان ~~على نفسه وولده وأهله في حال الغضب، ولو استجابه الله تعالى لأهلكه وأهلك ~~من يدعو عليه، ولكنه لا يستجيبه لعلمه بأن الداعي لم يقصده. ### | [فصل الطلاق حال الغضب] # [حكم الطلاق حال الغضب] # ومن هذا رفعه - صلى الله عليه وسلم - حكم الطلاق عمن طلق في إغلاق، وقال ~~الإمام أحمد في رواية حنبل: هو الغضب، وكذلك فسره أبو داود، وهو قول القاضي ~~إسماعيل بن إسحاق أحد أئمة المالكية ومقدم فقهاء أهل العراق منهم، وهي عنده ~~من لغو اليمين أيضا، فأدخل يمين الغضبان في لغو اليمين وفي يمين الإغلاق، ~~وحكاه شارح أحكام عبد الحق عنه، وهو ابن بزيزة الأندلسي، قال: وهذا قول علي ~~وابن عباس وغيرهما من الصحابة إن الأيمان المنعقدة كلها في حال الغضب لا ~~تلزم، وفي سنن الدارقطني بإسناد فيه لين من حديث ابن عباس يرفعه: «لا يمين ~~في غضب ولا عتاق فيما لا يملك» وهو وإن لم يثبت رفعه فهو قول ابن عباس، وقد ~~فسر الشافعي: «لا طلاق في إغلاق» بالغضب، وفسره به مسروق؛ فهذا مسروق ~~والشافعي وأحمد وأبو داود والقاضي إسماعيل، كلهم فسروا الإغلاق بالغضب، وهو ~~من أحسن التفسير؛ لأن الغضبان قد أغلق عليه باب القصد بشدة غضبه، وهو ~~كالمكره، بل الغضبان أولى بالإغلاق من المكره؛ لأن المكره قد قصد رفع الشر ~~الكثير بالشر القليل الذي هو دونه، فهو قاصد حقيقة، ومن هنا أوقع عليه ~~الطلاق من أوقعه، وأما الغضبان فإن انغلاق باب القصد والعلم عنه كانغلاقه ~~عن السكران والمجنون، فإن الغضب غول العقل يغتاله كما يغتاله الخمر، بل ~~أشد، وهو شعبة من الجنون، ولا يشك فقيه النفس في أن هذا لا يقع طلاقه؛ ~~ولهذا قال حبر الأمة الذي دعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالفقه ~~في الدين: إنما الطلاق عن وطر، ذكره البخاري في صحيحه، أي عن غرض من المطلق ~~في وقوعه، وهذا من كمال فقهه - رضي الله عنه - وإجابة الله دعاء رسوله له، ~~إذا الألفاظ إنما يترتب عليها موجباتها لقصد اللافظ ms0790 بها، ولهذا لم يؤاخذنا ~~الله باللغو في أيماننا، ومن اللغو ما قالته أم المؤمنين عائشة وجمهور ~~السلف أنه قول الحالف: لا والله، وبلى والله، في عرض كلامه # PageV03P047 # من غير عقد اليمين. # وكذلك لا يؤاخذ الله باللغو في أيمان الطلاق، كقول الحالف في عرض كلامه: ~~علي الطلاق لا أفعل، والطلاق يلزمني لا أفعل، من غير قصد لعقد اليمين، بل ~~إذا كان اسم الرب جل جلاله لا ينعقد به يمين اللغو فيمين الطلاق أولى ألا ~~ينعقد ولا يكون أعظم حرمة من الحلف بالله، وهذا أحد القولين من مذهب أحمد، ~~وهو الصواب، وتخريجه على نص أحمد صحيح؛ فإنه نص على اعتبار الاستثناء في ~~يمين الطلاق لأنها عنده يمين، ونص على أن اللغو أن يقول: لا والله وبلى ~~والله، من غير قصد لعقد اليمين، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن ~~الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم» وصح عنه أنه قال: «أفلح وأبيه إن صدق» ولا ~~تعارض بينهما، ولم يعقد النبي - صلى الله عليه وسلم - اليمين بغير الله قط، ~~وقد «قال حمزة للنبي - صلى الله عليه وسلم -: هل أنتم إلا عبيد لأبي، وكان ~~نشوانا من الخمر، فلم يكفره بذلك» ، وكذلك الصحابي الذي قرأ: (قل يا أيها ~~الكافرون أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون) وكان ذلك قبل تحريم الخمر، ~~ولم يعد بذلك كافرا؛ لعدم القصد، وجريان اللفظ على اللسان من غير إرادة ~~لمعناه، فإياك أن تهمل قصد المتكلم ونيته وعرفه، فتجني عليه وعلى الشريعة، ~~وتنسب إليها ما هي بريئة منه، وتلزم الحالف والمقر والناذر والعاقد ما لم ~~يلزمه الله ورسوله به؛ ففقيه النفس يقول: ما أردت، ونصف الفقيه يقول: ما ~~قلت؛ فاللغو في الأقوال نظير الخطأ والنسيان في الأفعال، وقد رفع الله ~~المؤاخذة بهذا وهذا كما قال المؤمنون: " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا " فقال ربهم تبارك وتعالى: قد فعلت. ### | [فصل اليمين بالطلاق والعتاق] # فصل [اليمين بالطلاق وتعليق الطلاق على الشرط] # ومن هذا الباب اليمين بالطلاق والعتاق؛ فإن إلزام الحالف بهما إذا حنث ms0791 ~~بطلاق زوجته وعتق عبده مما حدث الإفتاء به بعد انقراض عصر الصحابة؛ فلا ~~يحفظ عن صحابي في صيغة القسم إلزام الطلاق به أبدا، وإنما المحفوظ إلزام ~~الطلاق بصيغة الشرط والجزاء الذي قصد به الطلاق عند وجود الشرط كما في صحيح ~~البخاري عن نافع قال: طلق رجل امرأته ألبتة إن خرجت، فقال ابن عمر: إن خرجت ~~فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء؛ فهذا لا ينازع فيه إلا من يمنع وقوع ~~الطلاق المعلق بالشرط مطلقا، وأما من يفصل بين القسم المحض والتعليق الذي ~~يقصد به الوقوع فإنه يقول بالآثار المروية عن الصحابة كلها في هذا الباب؛ ~~فإنهم صح عنهم الإفتاء بالوقوع في صور، وصح عنهم عدم الوقوع في صور، ~~والصواب ما أفتوا به في النوعين، ولا يؤخذ ببعض فتاويهم ويترك بعضها، فأما # PageV03P048 # الوقوع فالمحفوظ عنهم ما ذكره البخاري عن ابن عمر وما رواه الثوري عن ~~الزبير بن عربي عن إبراهيم عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في رجل قال ~~لامرأته: إن فعلت كذا وكذا فهي طالق، ففعلته، قال: هي واحدة، وهو أحق بها، ~~على أنه منقطع، وكذلك ما ذكره البيهقي وغيره عن ابن عباس في رجل قال ~~لامرأته: هي طالق إلى سنة، قال: يستمتع بها إلى سنة، ومن هذا قول أبي ذر ~~لامرأته وقد ألحت عليه في سؤاله عن ليلة القدر، فقال: إن عدت سألتني فأنت ~~طالق. # وههنا نكتة لطيفة يحسن التنبيه عليها، وهي «أن أبا ذر سأل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن ليلة القدر وألح عليه، حتى قال له النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في آخر مسألته: التمسوها في العشر الأواخر، ولا تسألني عن شيء ~~بعد هذا ثم حدث النبي - صلى الله عليه وسلم - وحدث، قال: فاهتبلت غفلته ~~فقلت: أقسمت عليك يا رسول الله بحقي عليك لتحدثني في أي العشر هي، قال: ~~فغضب علي غضبا ما غضب علي من قبل ولا من بعد، ثم قال: التمسوها في السبع ~~الأواخر، ولا تسألني عن شيء بعد» ذكره النسائي والبيهقي، فأصاب ms0792 أبا ذر من ~~امرأته وإلحاحها عليه ما أوجب غضبه وقال: إن عدت سألتني فأنت طالق. # فهذه جميع الآثار المحفوظة عن الصحابة في وقوع الطلاق المعلق. # وأما الآثار عنهم في خلافه فصح عن عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة فيمن ~~حلفت بأن كل مملوك لها حر إن لم تفرق بين عبدها وبين امرأته، أنها تكفر عن ~~يمينها ولا تفرق بينهما، قال الأثرم في سننه: ثنا عارم بن الفضل ثنا معمر ~~بن سليمان قال: قال أبي: ثنا بكر بن عبد الله قال أخبرني أبو رافع قال: ~~قالت مولاتي ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها محرر، وكل مال لها هدي، وهي ~~يهودية وهي نصرانية إن لم تطلق امرأتك أو تفرق بينك وبين امرأتك، قال: ~~فأتيت زينب بنت أم سلمة، وكانت إذا ذكرت امرأة بالمدينة فقيهة ذكرت زينب، ~~قال: فأتيتها فجاءت معي إليها فقالت في البيت هاروت وماروت فقالت: يا زينب، ~~جعلني الله فداك إنها قالت: إن كل مملوك لها محرر وكل مال لها هدي، وهي ~~يهودية وهي نصرانية. فقالت: يهودية ونصرانية خل بين الرجل وامرأته، فأتيت ~~حفصة أم المؤمنين فأرسلت إليها فأتتها فقالت: يا أم المؤمنين جعلني الله ~~فداك إنها قالت: كل مملوك لها محرر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية، ~~فقالت: يهودية ونصرانية، خل بين الرجل وامرأته، قالت: فأتيت عبد الله بن ~~عمر، فجاء معي إليها، فقام معي على الباب فسلم، فقالت: بيبى أنت وبيبى ~~أبوك، فقال: أمن حجارة أنت أم من حديد أنت أم أي # PageV03P049 # شيء أنت؟ أفتتك زينب وأفتتك أم المؤمنين فلم تقبلي فتياهما، فقالت: يا ~~أبا عبد الرحمن جعلني الله فداك، إنها قالت: كل مملوك لها حر، وكل مال لها ~~هدي، وهي يهودية وهي نصرانية، فقال: يهودية ونصرانية كفري عن يمينك، وخلي ~~بين الرجل وامرأته. # وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني في المترجم له: ثنا صفوان بن صالح ثنا ~~عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي قال: حدثني حسن بن الحسن، قال: حدثني بكر بن ~~عبد الله المزني قال: حدثني ms0793 رفيع قال: كنت أنا وامرأتي مملوكين لامرأة من ~~الأنصار، فحلفت بالهدي والعتاقة أن تفرق بيننا، فأتيت امرأة من أزواج النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، فذكرت لها ذلك، فأرسلت إليها أن كفري عن يمينك، ~~فأبت، ثم أتيت زينب وأم سلمة، فذكرت ذلك لهما، فأرسلتا إليها أن كفري عن ~~يمينك، فأبت، فأتيت ابن عمر، فذكرت ذلك له، فأرسل إليها ابن عمر: أن كفري ~~عن يمينك، فأبت، فقام ابن عمر فأتاها فقال: أرسلت إليك فلانة زوجة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وزينب أن تكفري عن يمينك فأبيت، قالت: يا أبا عبد ~~الرحمن إني حلفت بالهدي والعتاقة، قال: وإن كنت قد حلفت بهما. # وقال الدارقطني: ثنا أبو بكر النيسابوري ثنا محمد بن يحيى بن عبد الله ~~الأنصاري ثنا أشعث ثنا بكر بن عبد الله المزني عن أبي رافع أن مولاة له ~~أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته فقالت: هي يوما يهودية ويوما نصرانية وكل ~~مملوك لها حر إن لم تفرق بينهما، فسألت عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة - ~~رضي الله عنهم -، فكلهم قالوا لها: أتريدين أن تكفري مثل هاروت وماروت؟ ~~فأمروها أن تكفر عن يمينها وتخلي بينهما. # وقد رواه البيهقي من طريق الأنصاري: ثنا أشعث ثنا بكر عن أبي رافع أن ~~مولاته أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته، فقالت: هي يوما يهودية ويوما ~~نصرانية وكل مملوك لها حر وكل مال لها في سبيل الله وعليها المشي إلى بيت ~~الله إن لم تفرق بينهما، فسألت عائشة وابن عمر وابن عباس وحفصة وأم سلمة، ~~فكلهم قالوا لها: أتريدين أن تكفري مثل هاروت وماروت؟ وأمروها أن تكفر عن ~~يمينها وتخلي بينهما. رواه روح والأنصاري واللفظ له، وحديث روح مختصر، وقال ~~النضر بن شميل: ثنا أشعث عن بكر بن عبد الله عن أبي رافع عن ابن عمر وعائشة ~~وأم سلمة في هذه القصة قالوا: تكفر يمينها، وقال يحيى بن سعيد القطان عن ~~سليمان التيمي ثنا بكر بن عبد الله عن أبي رافع أن ليلى بنت العجماء مولاته ~~قالت: ms0794 هي يهودية، وهي نصرانية، وكل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي إن لم ~~يطلق امرأته إن لم تفرق بينهما، فذكر القصة، وقال: فأتيت ابن عمر فجاء معي ~~فقام بالباب، فلما سلم قالت: بأبي أنت وأبوك، فقال: أمن حجارة أنت أم من ~~حديد؟ أتتك زينب وأرسلت # PageV03P050 # إليك حفصة، قالت: قد حلفت بكذا وكذا، قال: كفري عن يمينك وخلي بين الرجل ~~وامرأته. # فقد تبين بسياق هذه الطرق انتفاء العلة التي أعل بها حديث ليلى هذا، وهي ~~تفرد التيمي فيه بذكر العتق، كذا قال الإمام أحمد: " لم يقل: وكل مملوك لها ~~حر إلا التيمي " وبرئ التيمي من عهدة التفرد، وقاعدة الإمام أحمد أن ما ~~أفتى به الصحابة لا يخرج عنه إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه؛ فعلى أصله ~~الذي بنى مذهبه عليه يلزمه القول بهذا الأثر لصحته وانتفاء علته. # فإن قيل: للحديث علة أخرى، وهي التي منعت الإمام أحمد من القول به، وقد ~~أشار إليها في رواية الأثرم، فقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول في حديث ~~ليلى بنت العجماء حين حلفت بكذا وكذا وكل مملوك لها حر، فأفتيت بكفارة ~~يمين، فاحتج بحديث ابن عمر وابن عباس حين أفتيا فيمن حلف بعتق جاريته ~~وأيمان فقال: أما الجارية فتعتق. # قلت: يريد بهما ما رواه معمر عن إسماعيل بن أمية عن عثمان بن أبي حاضر، ~~قال: حلفت امرأة من آل ذي أصبح فقالت مالها في سبيل الله وجاريتها حرة إن ~~لم تفعل كذا وكذا، لشيء يكرهه زوجها، فحلف زوجها أن لا تفعله، فسأل عن ذلك ~~ابن عباس وابن عمر، فقالا: أما الجارية فتعتق، وأما قولها: " مالي في سبيل ~~الله " فتتصدق بزكاة مالها؛ فقيل: لا ريب أنه قد روي عن ابن عمر وابن عباس ~~ذلك، ولكنه أثر معلول تفرد به عثمان، هذا وحديث ليلى بنت العجماء أشهر ~~إسنادا وأصح من حديث عثمان، فإن رواته حفاظ أئمة، وقد خالفوا عثمان، وأما ~~ابن عباس فقد روي عنه خلاف ما رواه عثمان فيمن حلف بصدقة ماله، قال: ms0795 يكفر ~~يمينه، وغاية هذا الأثر إن صح أن يكون عن ابن عمر روايتان، ولم يختلف على ~~عائشة وزينب وحفصة وأم سلمة، قال أبو محمد بن حزم: وصح عن ابن عمر وعائشة ~~وأم سلمة أمي المؤمنين وعن ابن عمر أنهم جعلوا في قول ليلى بنت العجماء: " ~~كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق امرأتك " ~~كفارة يمين واحدة، فإذا صح هذا عن الصحابة لم يعلم لهم مخالف سوى هذا الأثر ~~المعلول أثر عثمان بن أبي حاضر] في قول الحالف عبده حر إن فعل أنه يجزيه ~~كفارة يمين، وإن لم يلزموه بالعتق المحبوب إلى الله تعالى فأن لا يلزموه ~~بالطلاق البغيض إلى الله أولى وأحرى، كيف وقد أفتى أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب - عليه السلام - الحالف بالطلاق أنه لا شيء عليه، ولم يعرف له في ~~الصحابة مخالف؟ قاله عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التيمي المعروف ~~بابن بزيزة في شرحه لأحكام عبد الحق. # PageV03P051 ### | [حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه] # الباب الثالث في حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه # وقد قدمنا في كتاب الأيمان اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق ~~والمشي وغير ذلك: هل يلزم أم لا؟ فقال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ~~وشريح وطاوس: لا يلزم من ذلك شيء، ولا يقضي بالطلاق على من حلف به بحنث، ~~ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة، هذا لفظه بعينه؛ فهذه فتوى أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحلف بالعتق والطلاق، وقد قدمنا ~~فتاويهم في وقوع الطلاق المعلق بالشرط، ولا تعارض بين ذلك؛ فإن الحالف لم ~~يقصد وقوع الطلاق. # وإنما قصد منع نفسه بالحلف مما لا يريد وقوعه، فهو كما لو خص منع نفسه ~~بالتزام التطليق والإعتاق والحج والصوم وصدقة المال، وكما لو قصد منع نفسه ~~بالتزام ما يكرهه من الكفر، فإن كراهته لذلك كله وإخراجه مخرج اليمين بما ~~لا يريد وقوعه منع من ثبوت حكمه، وهذه علة صحيحة فيجب طردها في ms0796 الحلف ~~بالعتق والطلاق إذ لا فرق ألبتة، والعلة متى تخصصت بدون فوات شرط أو وجود ~~مانع دل ذلك على فسادها، كيف والمعنى الذي منع لزوم الحج والصدقة والصوم بل ~~لزوم الإعتاق والتطليق بل لزوم اليهودية والنصرانية هو في الحلف بالطلاق ~~أولى؟ # أما العبادات المالية والبدنية فإذا منع لزومها قصد اليمين وعدم قصد ~~وقوعها فالطلاق أولى، وكل ما يقال في الطلاق فهو بعينه في صور الإلزام سواء ~~بسواء، وأما الحلف بالتزام التطليق والإعتاق فإذا كان قصد اليمين قد منع ~~ثلاثة أشياء وهي وجوب التطليق وفعله وحصول أثره وهو الطلاق فلأن يقوى على ~~منع واحد من الثلاثة وهو وقوع الطلاق وحده أولى وأحرى، وأما الحلف بالتزام ~~الكفر الذي يحصل بالنية تارة وبالفعل تارة وبالقول تارة وبالشك تارة ومع ~~هذا فقصد اليمين منع من وقوعه، فلأن يمنع من وقوع الطلاق أولى وأحرى، وإذا ~~كان العتق الذي هو أحب الأشياء إلى الله ويسري في ملك الغير وله من القوة ~~وسرعة النفوذ ما ليس لغيره ويحصل بالملك والفعل قد منع قصد اليمين من وقوعه ~~كما أفتى به الصحابة فالطلاق أولى وأحرى بعدم الوقوع، وإذا كانت اليمين ~~بالطلاق قد دخلت في قول المكلف: " أيمان المسلمين تلزمني " عند من ألزمه ~~بالطلاق فدخولها في قول رب العالمين: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} ~~[التحريم: 2] أولى وأحرى، وإذا دخلت في قول الحالف: " إن حلفت يمينا فعبدي ~~حر ". # فدخولها في # PageV03P052 # قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا ~~منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير» أولى وأحرى، وإذا دخلت في قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف فقال إن شاء الله فإن شاء فعل وإن ~~شاء ترك» فدخولها في قوله «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت ~~الذي هو خير وليكفر عن يمينه» أولى وأحرى فإن الحديث أصح وأصرح، وإذا دخلت ~~في قوله: «من حلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو ~~عليه غضبان» فدخولها في قوله ms0797 تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ~~ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة: 89] ~~أولى وأحرى بالدخول أو مثله، وإذا دخلت في قوله تعالى: {للذين يؤلون من ~~نسائهم تربص أربعة أشهر} [البقرة: 226] فلو حلف بالطلاق كان موليا فدخولها ~~في نصوص الأيمان أولى وأحرى لأن الإيلاء نوع من اليمين؛ فإذا دخل الحلف ~~بالطلاق في النوع فدخوله في الجنس سابق عليه، فإن النوع مستلزم الحبس، ولا ~~ينعكس، وإذا دخلت في قوله: «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» فكيف لا تدخل في ~~بقية نصوص الأيمان؟ وما الذي أوجب هذا التخصيص من غير مخصص؟ وإذا دخلت في ~~قوله: «إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق» فهلا دخلت في غيره ~~من نصوص اليمين وما الفرق المؤثر شرعا أو عقلا أو لغة؟ # وإذا دخلت في قوله: {واحفظوا أيمانكم} [المائدة: 89] فهلا دخلت في قوله: ~~{ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} [المائدة: 89] وإذا دخلت في قول الحالف " ~~أيمان البيعة تلزمني " وهي الأيمان التي رتبها الحجاج فلم لا تكون أولى ~~بالدخول في لفظ الأيمان في كلام الله تعالى ورسوله؟ فإن كانت يمين الطلاق ~~يمينا شرعية بمعنى أن الشرع اعتبرها وجب أن تعطى حكم الأيمان، وإن لم تكن ~~يمينا شرعية كانت باطلة في الشرع، فلا يلزم الحالف بها شيء كما صح عن طاوس ~~من رواية عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عنه: " ليس الحلف بالطلاق شيئا " ~~وصح عن عكرمة من رواية سنيد بن داود بن علي في تفسيره عنه أنها من خطوات ~~الشيطان لا يلزم بها شيء، وصح عن شريح قاضي أمير المؤمنين علي وابن مسعود ~~أنها لا يلزم بها طلاق، وهو مذهب داود بن علي وجميع أصحابه، وهو قول بعض ~~أصحاب مالك في بعض الصور فيما إذا حلف عليها بالطلاق على شيء لا تفعله هي ~~كقوله: إن كلمت فلانا فأنت طالق، فقال: لا تطلق إن كلمته؛ لأن الطلاق لا ~~يكون بيدها إن شاءت طلقت وإن شاءت أمسكت، وهو قول بعض الشافعية في بعض ~~الصور، ms0798 كقوله: الطلاق يلزمني أو لازم لي لا أفعل كذا وكذا، فإن لهم فيه ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه إن نوى وقوع الطلاق بذلك لزمه، وإلا فلا يلزمه، وجعله هؤلاء ~~كناية، والطلاق يقع بالكناية مع النية. # PageV03P053 # الوجه الثاني: أنه صريح، فلا يحتاج إلى نيته، وهذا اختيار الروياني، ~~ووجهه أن هذا اللفظ قد غلب في إرادة الطلاق فلا يحتاج إلى نية. # الوجه الثالث: أنه ليس بصريح ولا كناية، ولا يقع به طلاق وإن نواه، وهذا ~~اختيار القفال في فتاويه، ووجهه أن الطلاق لا بد فيه من إضافته إلى المرأة ~~كقوله: أنت طالق، أو طلقتك، أو قد طلقتك، أو يقول: امرأتي طالق، أو فلانة ~~طالق، ونحو هذا، ولم توجد هذه الإضافة في قوله: الطلاق يلزمني، ولهذا قال ~~ابن عباس فيمن قال لامرأته طلقي نفسك فقالت أنت طالق فإنه لا يقع بذلك ~~طلاق، وقال: خطأ الله نوأها، وتبعه على ذلك الأئمة، فإذا قال " الطلاق ~~يلزمني " لم يكن لازما له إلا أن يضيفه إلى محله، ولم يضفه فلا يقع، ~~والموقعون يقولون: إذا التزمه فقد لزمه، ومن ضرورة لزومه إضافته إلى المحل، ~~فجاءت الإضافة من ضرورة اللزوم، ولمن نصر قول القفال أن يقول: إما أن يكون ~~قائل هذا اللفظ قد التزم التطليق أو وقوع الطلاق الذي هو أثره، فإن كان ~~الأول لم يلزمه لأنه نذر أن يطلق، ولا تطلق المرأة بذلك، وإن كان قد التزم ~~الوقوع فالتزامه بدون سبب الوقوع ممتنع، وقوله: " الطلاق يلزمني " التزام ~~لحكمه عند وقوع سببه، وهذا حق، فأين في هذا اللفظ وجود سبب الطلاق؟ وقوله: ~~" الطلاق يلزمني " لا يصلح أن يكون سببا؛ إذ لم يضف فيه الطلاق إلى محله، ~~فهو كما لو قال: " العتق يلزمني "، ولم يضف فيه العتق إلى محله بوجه، ونظير ~~هذا أن يقول له: بعني أو آجرني، فيقول: البيع يلزمني، أو الإجارة تلزمني، ~~فإنه لا يكون بذلك موجبا لعقد البيع أو الإجارة، حتى يضيفهما إلى محلهما، ~~وكذلك لو قال: " الظهار يلزمني " لم يكن بذلك مظاهرا حتى يضيفه إلى محله. # وهذا ms0799 بخلاف ما لو قال: " الصوم يلزمني، أو الحج، أو الصدقة " فإن محله ~~الذمة وقد أضافه إليها. # فإن قيل: وههنا محل الطلاق والعتاق الذمة. [محل الطلاق الزوجة] : قيل: ~~هذا غلط، بل محل الطلاق والعتاق نفس الزوجة والعبد، وإنما الذمة محل وجوب ~~ذلك وهو التطليق والإعتاق، وحينئذ فيعود الالتزام إلى التطليق والإعتاق، ~~وذلك لا يوجب الوقوع، والذي يوضح هذا أنه لو قال: " أنا منك طالق " لم تطلق ~~بذلك لإضافة الطلاق إلى غير محله، وقيل: تطلق إذا نوى طلاقها هي بذلك، ~~تنزيلا لهذا اللفظ منزلة الكنايات، فهذا كشف سر هذه المسألة؛ وممن ذكر هذه ~~الأوجه الثلاثة أبو القاسم بن يونس في شرح التنبيه، وأكثر أيمان الطلاق ~~بهذه الصيغة، فكيف يحل لمن يؤمن بأنه موقوف بين # PageV03P054 # يدي الله ومسئول أن يكفر أو يجهل من يفتي بهذه المسألة ويسعى في قتله ~~وحبسه ويلبس على الملوك والأمراء والعامة أن المسألة مسألة إجماع، ولم ~~يخالف فيها أحد من المسلمين، وهذه أقوال أئمة المسلمين من الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم؟ وقد علم الله ورسوله وملائكته وعباده أن هذه المسألة ~~لم ترد بغير الشكاوى إلى الملوك، ودعوى الإجماع الكاذب، والله المستعان، ~~وهو عند كل لسان قائل: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ~~وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} [التوبة: 105] . ### | [فصل اعتبار النية والألفاظ في الطلاق] # فصل [لا بد من اعتبار النية والمقاصد في الألفاظ] # وهذا الذي قلناه من اعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ، وأنها لا تلزم ~~بها أحكامها حتى يكون المتكلم بها قاصدا لها مريدا لموجباتها، كما أنه لا ~~بد أن يكون قاصدا للتكلم باللفظ مريدا له، فلا بد من إرادتين: إرادة التكلم ~~باللفظ اختيارا، وإرادة موجبه ومقتضاه، بل إرادة المعنى آكد من إرادة ~~اللفظ؛ فإنه المقصود واللفظ وسيلة، هو قول أئمة الفتوى من علماء الإسلام، ~~وقال مالك وأحمد فيمن قال " أنت طالق ألبتة " وهو يريد أن يحلف على شيء ثم ~~بدا له فترك اليمين: لا يلزمه شيء؛ لأنه لم يرد أن يطلقها، وكذلك قال أصحاب ms0800 ~~أحمد؛ وقال أبو حنيفة: من أراد أن يقول كلاما فسبق لسانه فقال " أنت حرة " ~~لم تكن بذلك حرة. # ، وقال أصحاب أحمد لو قال الأعجمي لامرأته أنت طالق وهو لا يفهم معنى هذه ~~اللفظة لم تطلق؛ لأنه ليس مختارا للطلاق، فلم يقع طلاقه كالمكره، قالوا: ~~فلو نوى موجبه عند أهل العربية لم يقع أيضا؛ لأنه لا يصح منه اختيار ما لا ~~يعلمه، وكذلك لو نطق بكلمة الكفر من لا يعلم معناها لم يكفر، وفي مصنف وكيع ~~أن عمر بن الخطاب قضى في امرأة قالت لزوجها سمني فسماها الطيبة، فقالت: لا، ~~فقال لها: ما تريدين أن أسميك؟ قالت: سمني خلية طالق فقال لها: فأنت خلية ~~طالق فأتت عمر بن الخطاب، فقالت: إن زوجي طلقني، فجاء زوجها فقص عليه ~~القصة، فأوجع عمر رأسها، وقال لزوجها خذ بيدها وأوجع رأسها، وهذا هو الفقه ~~الحي الذي يدخل على القلوب بغير استئذان، وإن تلفظ بصريح الطلاق، وقد تقدم ~~أن الذي قال لما وجد راحلته: " اللهم أنت عبدي وأنا ربك " أخطأ من شدة ~~الفرح؛ لم يكفر بذلك وإن أتى بصريح الكفر؛ لكونه لم يرده، والمكره على كلمة ~~الكفر أتى بصريح كلمته ولم يكفر لعدم إرادته، بخلاف المستهزئ والهازل؛ فإنه ~~يلزمه # PageV03P055 # الطلاق والكفر وإن كان هازلا لأنه قاصد للتكلم باللفظ وهزله لا يكون عذرا ~~له، بخلاف المكره والمخطئ والناسي فإنه معذور مأمور بما يقوله أو مأذون له ~~فيه، والهازل غير مأذون له في الهزل بكلمة الكفر والعقود؛ فهو متكلم باللفظ ~~مريد له ولم يصرفه عن معناه إكراه ولا خطأ ولا نسيان ولا جهل، والهزل لم ~~يجعله الله ورسوله عذرا صارفا، بل صاحبه أحق بالعقوبة، ألا ترى أن الله ~~تعالى عذر المكره في تكلمه بكلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان، ولم ~~يعذر الهازل بل قال: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله ~~وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} [التوبة: 65] {لا تعتذروا قد كفرتم بعد ~~إيمانكم} [التوبة: 66] وكذلك رفع المؤاخذة عن المخطئ والناسي. ### | [فصل تعليق الطلاق بشرط مضمر] # فصل ms0801 # [تعليق الطلاق بشرط مضمر] # ومن ذلك أنه لو قال: " أنت طالق " وقال: أردت إن كلمت رجلا أو خرجت من ~~داري، لم يقع به الطلاق في أحد الوجهين لأصحاب أحمد والشافعي، وكذلك لو ~~قال: أردت إن شاء الله، ففيه وجهان لهم، ونص الشافعي فيما لو قال: " إن ~~كلمت زيدا فأنت طالق " ثم قال: أردت به إلى شهر، فكلمه بعد شهر، لم تطلق ~~باطنا، ولا فرق بين هذه الصورة والصورتين اللتين قبلها، فإن التقييد ~~بالغاية المنوية كالتقييد بالمشيئة المنوية، وهو أولى بالجواز من تخصيص ~~العام بالنية، كما إذا قال: " نسائي طوالق " واستثنى بقلبه واحدة منهن، ~~فإنه إذا صح الاستثناء بالنية في إخراج ما يتناوله اللفظ صح التقييد بالنية ~~بطريق الأولى؛ فإن اللفظ لا دلالة له بوضعه على عموم الأحوال والأزمان، ولو ~~دل عليها بعمومه فإخراج بعضها تخصيص للعام، وهذا ظاهر جدا، وغايته استعمال ~~العام في الخاص أو المطلق في المقيد، وذلك غير بدع لغة وشرعا وعرفا، وقد ~~قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «أما معاوية فصعلوك لا مال له، ~~وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» فالصواب قبول مثل هذا فيما بينه ~~وبين الله وفي الحكم أيضا. ### | [فصل الحلف بالطلاق وبالحرام له صيغتان] # فصل # [للحلف بالطلاق وبالحرام صيغتان] # قد عرف أن الحلف بالطلاق له صيغتان؛ إحداهما: إن فعلت كذا وكذا فأنت ~~طالق، والثانية الطلاق يلزمني لا أفعل كذا، وأن الخلاف في الصيغتين قديما ~~وحديثا، وهكذا # PageV03P056 # الحلف بالحرام له صيغتان؛ إحداهما: إن فعلت كذا فأنت علي حرام، أو ما أحل ~~الله علي حرام، والثانية: الحرام يلزمني لا أفعل كذا، فمن قال في " الطلاق ~~يلزمني " إنه ليس بصريح ولا كناية ولا يقع به شيء ففي قوله " الحرام يلزمني ~~" أولى، ومن قال إنه كناية إن نوى به الطلاق كان طلاقا وإلا فلا فهكذا يقول ~~في " الحرام يلزمني " إن نوى به التحريم كان كما لو نوى بالطلاق التطليق، ~~فكأنه التزم أن يحرم كما التزم ذلك أن يطلق؛ فهذا التزام للتحريم وذلك ~~التزام للتطليق، وإن ms0802 نوى به ما حرم الله علي يلزمني تحريمه لم يكن يمينا ~~ولا تحريما ولا طلاقا ولا ظهارا، ولا يجوز أن يفرق بين المسلم وبين امرأته ~~بغير لفظ لم يوضع للطلاق ولا نواه، وتلزمه كفارة يمين حرمة لشدة اليمين؛ إذ ~~ليست كالحلف بالمخلوق التي لا تنعقد ولا هي من لغو اليمين وهي يمين منعقدة ~~ففيها كفارة يمين. # وبهذا أفتى ابن عباس ورفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فصح عنه ~~بأصح إسناد «الحرام يمين يكفرها» ثم قال: لقد كان لكم في رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أسوة حسنة. # وهكذا حكم قوله: " إن فعلت كذا فأنت علي حرام " وهذا أولى بكفارة يمين من ~~قوله: " أنت علي حرام ". وفي قوله: " أنت علي حرام " أو: " ما أحل الله علي ~~حرام " أو: " أنت علي حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير " مذاهب: # أحدها: أنه لغو وباطل لا يترتب عليه شيء، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ~~وبه قال مسروق وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعطاء والشعبي وداود وجميع أهل ~~الظاهر وأكثر أصحاب الحديث، وهو أحد قولي المالكية اختاره أصبغ بن الفرج. # وفي الصحيح عن سعيد بن جبير أنه «سمع ابن عباس يقول: إذا حرم امرأته فليس ~~بشيء، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» ، وصح عن مسروق أنه قال: ما ~~أبالي أحرمت امرأتي أو قصعة من ثريد، وصح عن الشعبي في تحريم المرأة: لهو ~~أهون علي من نعلي. # وقال أبو سلمة: ما أبالي أحرمت امرأتي أو حرمت ماء النهر. # وقال الحجاج بن منهال: إن رجلا جعل امرأته عليه حراما، فسأل عن ذلك حميد ~~بن عبد الرحمن، فقال له حميد: قال الله تعالى: {فإذا فرغت فانصب} [الشرح: ~~7] {وإلى ربك فارغب} [الشرح: 8] وأنت رجل تلعب فاذهب فالعب. # PageV03P057 # فصل # المذهب الثاني: أنها ثلاث تطليقات، وهو قول علي بن أبي طالب كرم الله ~~وجهه وزيد بن ثابت وابن عمر والحسن البصري ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ~~ليلى، وقضى فيها أمير المؤمنين علي بالثلاث في عدي بن قيس الكلابي ms0803 وقال له: ~~والذي نفسي بيده لئن مسستها قبل أن تتزوج غيرك لأرجمنك، وحجة هذا القول ~~أنها لا تحرم عليه إلا بالثلاث، فكان وقوع الثلاث من ضرورة كونها حراما ~~عليه. # المذهب الثالث: أنها بهذا القول حرام عليه، صح أيضا عن أبي هريرة والحسن ~~وخلاس بن عمرو وجابر بن زيد وقتادة، ولم يذكر هؤلاء طلاقا، بل أمروه ~~باجتنابها فقط. # وصح ذلك أيضا عن علي - عليه السلام -، فإما أن يكون عنه روايتان، أو يكون ~~أراد تحريم الثلاث، وحجة هذا القول أن لفظه إنما اقتضى التحريم ولم يتعرض ~~لعدد الطلاق؛ فحرمت عليه بمقتضى تحريمه. # المذهب الرابع: الوقف فيها، صح ذلك عن أمير المؤمنين علي أيضا، وهو قول ~~الشعبي، قال: يقول رجال في " الحلال حرام " إنها حرام حتى تنكح زوجا غيره، ~~وينسبونه إلى علي، والله ما قال ذلك علي، إنما قال: ما أنا بمحلها ولا ~~بمحرمها عليك، إن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر. وحجة هؤلاء أن التحريم ليس ~~بطلاق، وهو لا يملك تحريم الحلال، وإنما يملك إنشاء السبب الذي يحرم به وهو ~~الطلاق، وهذا ليس بصريح في الطلاق، ولا هو مما ثبت له عرف الشرع في تحريم ~~الزوجة، فاشتبه الأمر فيه. # المذهب الخامس: إن نوى به الطلاق فهو طلاق، وإلا فهو يمين، وهذا قول طاوس ~~والزهري والشافعي ورواية عن الحسن، وحجة هذا القول أنه كناية في الطلاق، ~~فإن نواه به كان طلاقا، وإن لم ينوه كان يمينا لقوله تعالى: {يا أيها النبي ~~لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] إلى قوله: {تحلة أيمانكم} [التحريم: ~~2] . # المذهب السادس: أنه إن نوى بها الثلاث فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة ~~بائنة، وإن نوى يمينا فهو يمين، وإن لم ينو شيئا فهي كذبة لا شيء فيها، ~~قاله سفيان وحكاه النخعي عن أصحابه، وحجة هذا القول أن اللفظ يحتمل لما ~~نواه من ذلك فيتبع نيته. # المذهب السابع: مثل هذا، إلا أنه إن لم ينو شيئا فهو يمين يكفرها، وهو ~~قول الأوزاعي، وحجة هذا القول ظاهر قوله تعالى: {قد فرض الله لكم ms0804 تحلة ~~أيمانكم} [التحريم: 2] فإذا نوى به الطلاق لم يكن يمينا، فإذا طلق ولم ينو ~~الطلاق كان يمينا. # PageV03P058 # المذهب الثامن: مثل هذا أيضا، إلا أنه إن لم ينو شيئا فواحدة بائنة ~~إعمالا للفظ التحريم. # المذهب التاسع: أن فيه كفارة الظهار، وصح ذلك عن ابن عباس أيضا وأبي ~~قلابة وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وعثمان التيمي، وهو إحدى الروايات عن ~~الإمام أحمد، وحجة هذا القول أن الله تعالى جعل تشبيه المرأة بأمه المحرمة ~~عليه ظهارا، وجعله منكرا من القول وزورا، فإذا كان التشبيه بالمحرمة يجعله ~~مظاهرا فإذا صرح بتحريمها كان أولى بالظهار. # وهذا أقيس الأقوال وأفقهها، ويؤيده أن الله لم يجعل للمكلف التحريم ~~والتحليل، وإنما ذلك إليه تعالى، وإنما جعل له مباشرة الأفعال والأقوال ~~التي يترتب عليها التحريم والتحليل، فالسبب إلى العبد، وحكمه إلى الله ~~تعالى؛ فإذا قال " أنت علي كظهر أمي " أو قال " أنت علي حرام " فقد قال ~~المنكر من القول والزور، وكذب فإن الله لم يجعلها كظهر أمه، ولا جعلها عليه ~~حراما، فأوجب عليه بهذا القول من المنكر والزور أغلظ الكفارتين، وهي كفارة ~~الظهار. # المذهب العاشر: أنها تطليقة واحدة، وهي إحدى الروايتين عن عمر بن الخطاب، ~~وقول حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، وحجة هذا القول أن تطليق التحريم ~~لا يقتضي التحريم بالثلاث، بل يصدق بأقله، والواحدة متيقنة؛ فحمل اللفظ ~~عليها لأنها اليقين؛ فهو نظير التحريم بانقضاء العدة. # المذهب الحادي عشر: أنه ينوي ما أراده من ذلك في إرادة أصل الطلاق وعدده، ~~وإن نوى تحريما بغير طلاق فيمين مكفرة، وهو قول الشافعي، وحجة هذا القول أن ~~اللفظ صالح لذلك كله؛ فلا يتعين واحد منها إلا بالنية، فإن نوى تحريما ~~مجردا كان امتناعا منها بالتحريم كامتناعه باليمين، ولا تحرم عليه في ~~الموضعين. # المذهب الثاني عشر: أنه ينوي أيضا في أصل الطلاق وعدده، إلا أنه إن نوى ~~واحدة كانت بائنة، وإن لم ينو طلاقا فهو مول، وإن نوى الكذب فليس بشيء، وهو ~~قول أبي حنيفة وأصحابه، وحجة هذا القول احتمال ms0805 اللفظ لما ذكره، إلا أنه إن ~~نوى واحدة كانت بائنة؛ لاقتضاء التحريم للبينونة وهي صغرى وكبرى، والصغرى ~~هي المتحققة فاعتبرت دون # PageV03P059 # الكبرى، وعنه رواية أخرى إن نوى الكذب دين ولم يقبل في الحكم، بل يكون ~~موليا، ولا يكون مظاهرا عنده نواه أو لم ينوه، ولو صرح به فقال " أعني به ~~الظهار " لم يكن مظاهرا. # المذهب الثالث عشر: أنه يمين يكفره ما يكفر اليمين على كل حال، صح ذلك ~~أيضا عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن عباس وعائشة وزيد بن ثابت وابن ~~مسعود وعبد الله بن عمر وعكرمة وعطاء ومكحول وقتادة والحسن والشعبي وسعيد ~~بن المسيب وسليمان بن يسار وجابر بن زيد وسعيد بن جبير ونافع والأوزاعي ~~وأبي ثور وخلق سواهم، وحجة هذا القول ظاهر القرآن؛ فإن الله تعالى ذكر فرض ~~تحلة الأيمان عقب تحريم الحلال، فلا بد أن يتناوله يقينا؛ فلا يجوز جعل ~~تحلة الأيمان لغير المذكور قبلها ويخرج المذكور عن حكم التحلة التي قصد ~~ذكرها لأجله. # المذهب الرابع عشر: أنه يمين مغلظة يتعين فيها عتق رقبة، صح ذلك أيضا عن ~~ابن عباس وأبي بكر وعمر وابن مسعود وجماعة من التابعين، وحجة هذا القول أنه ~~لما كان يمينا مغلظة غلظت كفارتها بتحتم العتق، ووجه تغليظها تضمنها تحريم ~~ما أحل الله وليس إلى العبد، وقول المنكر والزور إن أراد الخبر فهو كاذب في ~~إخباره معتد في إقسامه؛ فغلظت كفارته بتحتم العتق كما غلظت كفارة الظهار به ~~أو بصيام شهرين أو بإطعام ستين مسكينا. # المذهب الخامس عشر: أنه طلاق، ثم إنها إن كانت غير مدخول بها فهو ما نواه ~~من الواحدة وما فوقها، وإن كانت مدخولا بها فهو ثلاث، وإن نوى أقل منها، ~~وهو إحدى الروايتين عن مالك، وحجة هذا القول أن اللفظ لما اقتضى التحريم ~~وجب أن يترتب عليه حكمه، وغير المدخول بها تحرم بواحدة، والمدخول بها لا ~~تحرم إلا بالثلاث. # [أقوال المالكية في المسألة] # وبعد ففي مذهب مالك خمسة أقوال، هذا أحدها، وهو مشهورها، والثاني أنه ~~ثلاث بكل ms0806 حال نوى الثلاث أو لم ينوها، اختارها عبد الملك في مبسوطه، ~~والثالث أنه واحدة بائنة مطلقا، حكاه ابن خويز منداد رواية عن مالك، الرابع ~~أنه واحدة رجعية، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة، الخامس أنه ما نواه من ~~ذلك مطلقا، سواء قبل الدخول وبعده، وقد عرفت توجيه هذه الأقوال. # PageV03P060 # فصل # [تحرير مذهب الشافعي في المسألة] : # وأما تحرير مذهب الشافعي فإنه إن نوى به الظهار كان ظهارا، وإن نوى به ~~التحريم كان تحريما لا يترتب عليه إلا تقدم الكفارة، وإن نوى الطلاق كان ~~طلاقا وكان ما نواه، وإن أطلق فلأصحابه فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه صريح في ~~إيجاب الكفارة، والثاني: لا يتعلق به شيء، والثالث: أنه في حق الأمة صريح ~~في التحريم الموجب للكفارة وفي حق الحرة كناية، قالوا: لأن أصل الآية إنما ~~وردت في الأمة، قالوا: فلو قال " أنت علي حرام " وقال " أردت بها الظهار ~~والطلاق " فقال ابن الحداد: يقال له عين أحد الأمرين؛ لأن اللفظة الواحدة ~~لا تصلح للظهار والطلاق معا، وقيل: يلزمه ما بدأ به منهما، قالوا: ولو ادعى ~~رجل على رجل حقا فأنكره فقال " الحل عليك حرام، والنية نيتي لا نيتك، ما لي ~~عليك شيء " فقال: الحل علي حرام والنية في ذلك نيتك ما لك عندي شيء، كانت ~~النية نية الحالف لا المحلف؛ لأن النية إنما تكون ممن إليه الإيقاع. # فصل # [تحرير مذهب الإمام أحمد في المسألة] # وأما تحريم مذهب الإمام أحمد فهو أنه ظهار بمطلقه وإن لم ينوه، إلا أن ~~ينوي به الطلاق أو اليمين فيلزمه ما نواه، وعنه رواية ثانية أنه يمين ~~بمطلقه إلا أن ينوي به الطلاق أو الظهار فيلزمه ما نواه، وعنه رواية ثالثة ~~أنه ظهار بكل حال، ولو نوى به الطلاق أو اليمين لم يكن يمينا ولا طلاقا، ~~كما لو نوى الطلاق أو اليمين بقوله " أنت علي كظهر أمي " فإن اللفظين ~~صريحان في الظهار، فعلى هذه الرواية لو وصله بقوله " أعني به الطلاق " فهل ~~يكون طلاقا أو ظهارا؟ على روايتين: إحداهما: ms0807 يكون ظهارا كما لو قال أنت علي ~~كظهر أمي أعني به الطلاق أو التحريم؛ إذ التحريم صريح في الظهار، والثانية ~~أنه طلاق لأنه قد صرح بإرادته بلفظ يحتمله، وغايته أنه كناية فيه، فعلى هذه ~~الرواية إن قال " أعني به طلاقا " طلقت واحدة، وإن قال " أعني به الطلاق " ~~فهل تطلق ثلاثا أو واحدة؟ على روايتين مأخذهما حمل اللازم على الجنس أو ~~العموم، هذا تحرير مذهبه وتقريره. # [مذهب ابن تيمية في المسألة] # وفي المسألة مذهب آخر وراء هذا كله، وهو أنه إن أوقع التحريم كان ظهارا ~~ولو نوى به الطلاق، وإن حلف به كان يمينا مكفرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ~~ابن تيمية، وعليه يدل # PageV03P061 # النص والقياس؛ فإنه إذا أوقعه كان قد أتى منكرا من القول وزورا، وكان ~~أولى بكفارة الظهار ممن شبه امرأته بالمحرمة، وإذا حلف به كان يمينا من ~~الأيمان كما لو حلف بالتزام العتق والحج والصدقة، وهذا محض القياس والفقه، ~~ألا ترى أنه إذا قال: " لله علي أن أعتق، أو أحج، أو أصوم " لزمه، ولو قال: ~~" إن كلمت فلانا فلله علي ذلك " على وجه اليمين فهو يمين، وكذلك لو قال: " ~~هو يهودي، أو نصراني " كفر بذلك، ولو قال: " إن فعلت كذا فهو يهودي أو ~~نصراني " كان يمينا، وطرد هذا - بل نظيره من كل وجه - أنه إذا قال: " أنت ~~علي كظهر أمي " كان ظهارا؛ فلو قال: " إن فعلت كذا فأنت علي كظهر أمي " كان ~~يمينا، وطرد هذا أيضا إذا قال: " أنت طالق " كان طلاقا، وإن قال: " إن فعلت ~~كذا فأنت طالق " كان يمينه، فهذه هي الأصول الصحيحة المطردة المأخوذة من ~~الكتاب والسنة والميزان، وبالله التوفيق. ### | [منشأ أيمان البيعة] # ومن هذه الالتزامات التي لم يلزم بها الله ولا رسوله لمن حلف بها الأيمان ~~التي رتبها الفاجر الظالم الحجاج بن يوسف، وهي أيمان البيعة # «وكانت البيعة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمصافحة، ~~وبيعة النساء بالكلام، وما مست يده الكريمة - صلى الله عليه وسلم - يد ~~امرأة لا يملكها، فيقول لمن يبايعه: ms0808 بايعتك، أو أبايعك، على السمع والطاعة ~~في العسر واليسر والمنشط والمكره» ، كما في الصحيحين عن ابن عمر «كنا نبايع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة، فيقول: فيما استطعت» ~~وفي صحيح مسلم عن جابر «كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة، فبايعناه وعمر ~~آخذ بيده تحت الشجرة، بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت» . # [كيف كانت بيعة النبي للناس؟] # وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال «بايعنا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة ~~علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا ~~تأخذنا في الله لومة لائم» . # وفي الصحيحين أيضا عن «جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت ~~وهو مريض، فقلنا: حدثنا أصلحك الله بحديث ننتفع به سمعته من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، قال: دعانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فبايعناه، وكان فيما أخذ علينا أن بايعناه على السمع والطاعة في منشطنا ~~ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال إلا أن ~~تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» . # PageV03P062 # وفي الصحيحين عن عائشة قالت: «كان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يمتحنهن بقول الله تعالى: {يا أيها النبي إذا جاءك ~~المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا ~~يقتلن أولادهن} [الممتحنة: 12] إلى آخر الآية. # قالت عائشة: فمن أقرت بهذا من المؤمنات فقد أقرت بالمحنة، وكان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - انطلقن فقد بايعتكن ولا والله ما مست يد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يد امرأة قط، غير أنه يبايعهن بالكلام» . # «قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على النساء ~~قط إلا بما أمره الله، وما مست كف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كف ~~امرأة ms0809 قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن قد بايعتكن كلاما» . # فهذه هي البيعة النبوية التي قال الله عز وجل فيها: {إن الذين يبايعونك ~~إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن ~~أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما} [الفتح: 10] وقال فيها: {لقد ~~رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} [الفتح: 18] . # [أيمان البيعة التي أحدثها الحجاج الثقفي] # فأحدث الحجاج في الإسلام بيعة غير هذه تتضمن اليمين بالله تعالى والطلاق ~~والعتاق وصدقة المال والحج؛ فاختلف علماء الإسلام في ذلك على عدة أقوال، ~~ونحن نذكر تحرير هذه المسألة وكشفها؛ فإن كان مراد الحالف بقوله " أيمان ~~البيعة تلزمني " البيعة النبوية التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يبايع عليها أصحابه لم يلزمه الطلاق والإعتاق ولا شيء مما رتبه الحجاج، وإن ~~لم ينو تلك البيعة ونوى البيعة الحجاجية فلا يخلو: إما أن يذكر في لفظه ~~طلاقا أو عتاقا أو حجا أو صدقة أو يمينا بالله أو لا يذكر شيئا من ذلك؛ فإن ~~لم يذكر في لفظه شيئا فلا يخلو: إما أن يكون عارفا بمضمونها أو لا؛ وعلى ~~التقديرين فإما أن ينوي مضمونها كله أو بعض ما فيها أو لا ينوي شيئا من ~~ذلك، فهذه تقاسيم هذه المسألة. # [رأي الشافعي وأصحابه] # فقال الشافعي وأصحابه: إن لم يذكر في لفظه طلاقها أو عتاقها أو حجها أو ~~صدقتها لم يلزمه شيء نواه أو لم ينوه، إلا أن ينوي طلاقها أو عتاقها فاختلف ~~أصحابه؛ فقال العراقيون: يلزمه الطلاق والعتاق؛ فإن اليمين بهما تنعقد ~~بالكناية مع النية. وقال صاحب التتمة: لا يلزمه ذلك وإن نواه ما لم يتلفظ ~~به؛ لأن الصريح لم يوجد، والكناية إنما يترتب عليها الحكم فيما يتضمن ~~الإيقاع، فأما الالتزام فلا، ولهذا لم يجعل الشافعي الإقرار # PageV03P063 # بالكناية مع النية إقرارا لأنه التزام، ومن ههنا قال من قال من الفقهاء ~~كالقفال وغيره: إذا قال " الطلاق يلزمني لا أفعل " لم يقع به الطلاق وإن ~~نواه؛ لأنه كناية والكناية إنما يترتب ms0810 عليها الحكم في غير الالتزامات، ~~ولهذا لا تنعقد اليمين بالله بالكناية مع النية. # [مذهب أصحاب الإمام أحمد] # وأما أصحاب أحمد فقد قال أبو عبد الله بن بطة: كنت عند أبي القاسم الخرقي ~~وقد سأله رجل عن أيمان البيعة، فقال: لست أفتي فيها بشيء، ولا رأيت أحدا من ~~شيوخنا يفتي فيها بشيء، قال: وكان أبي - رحمه الله - يعني أبا علي - يهاب ~~الكلام فيها، ثم قال أبو القاسم: إلا أن يلتزم الحالف بها جميع ما فيها من ~~الأيمان، فقال له السائل: عرفها أم لم يعرفها؟ قال: نعم، ووجه هذا القول ~~أنه بالتزامه لموجبها صار ناويا له مع التلفظ، وذلك مقتضى اللزوم، ومتى وجد ~~سبب اللزوم والوجوب ثبت موجبه وإن لم يعرفه، كما لو قال: إن شفى الله مريضي ~~فثلث مالي صدقة، أو أوصى به ولم يعرفه، أو قال: أنا مقر بما في هذا الكتاب، ~~وإن لم يعرفه، أو قال: ما أعطيت فلانا فأنا ضامن له، أو مالك عليه فأنا ~~ضامنه، صح ولزمه وإن لم يعرفه، أو قال " ضمان عهدة هذا المبيع علي " صح ~~ولزمه وإن لم يعرفه. # وقال أكثر أصحابنا منهم صاحب المغني وغيره: إن لم يعرفها لم تنعقد يمينه ~~بشيء مما فيها؛ لأنها ليست بصريحة في القسم، والكناية لا يترتب عليها ~~مقتضاها إلا بالنية، فمن لم يعرف شيئا لم يصح أن ينويه، قالوا: وإن عرفها ~~ولم ينو عقد اليمين بما فيها لم تصح أيضا؛ لأنها كناية فلا يلزم حكمها إلا ~~بالنية، وإن عرفها ونوى اليمين بما فيها صح في الطلاق والعتاق؛ لأن اليمين ~~بهما تنعقد بالكناية، دون غيرهما؛ لأنها لا تنعقد بالكناية. # وقال طائفة من أصحابنا: تنعقد في الطلاق والعتاق وصدقة المال دون اليمين ~~بالله تعالى، فإن الكفارة إنما وجبت فيها لما اشتملت عليه من حرمة الاسم ~~المعظم الذي تعظيمه من لوازم الإيمان، وهذا لا يوجد فيما عداه من الأيمان. # فصل # [مذهب المالكية] # وأما أصحاب مالك فليس عن مالك ولا عن أحد من قدماء أصحابه فيها قول؛ ~~واختلف المتأخرون، فقال أبو ms0811 بكر بن العربي: أجمع هؤلاء المتأخرون على أنه ~~يحنث فيها بالطلاق في جميع نسائه والعتق في جميع عبيده وإن لم يكن له رقيق ~~فعليه عتق رقبة واحدة، # PageV03P064 # والمشي إلى مكة والحج ولو من أقصى المغرب والتصدق بثلث جميع أمواله وصيام ~~شهرين متتابعين، ثم قال جل الأندلسيين: إن كل امرأة له تطلق ثلاثا ثلاثا، ~~وقال القرويون: إنما تطلق واحدة واحدة، وألزمه بعضهم صوم سنة إذا كان ~~معتادا للحلف بذلك، فتأمل هذا التفاوت العظيم بين هذا القول وقول أصحاب ~~الشافعي. ### | [فصل الحلف بأيمان المسلمين أو بالأيمان اللازمة] # فصل # [الحلف بأيمان المسلمين] # وهذا اختلافهم فيما لو حلف بأيمان المسلمين أو بالأيمان اللازمة، أو قال: ~~جميع الأيمان تلزمني، أو حلف بأشد ما أخذ أحد على أحد، قالت المالكية إنما ~~ألزمناه بهذه المذكورات دون غيرها من كسوة العريان وإطعام الجياع والاعتكاف ~~وبناء الثغور ونحوها ملاحظة لما غلب الحلف به عرفا، فألزمناه به، لأنه ~~المسمى العرفي، فيقدم على المسمى اللغوي، واختص حلفه بهذه المذكورات دون ~~غيرها لأنها هي المشتهرة، ولفظ الحلف واليمين إنما يستعمل فيها دون غيرها ~~وليس المدرك أن عادتهم أنهم يفعلون مسمياتها، وأنهم يصومون شهرين متتابعين، ~~أو يحجون، بل غلبة استعمال الألفاظ في هذه المعاني دون غيرها، قالوا: وقد ~~صرح الأصحاب بأنه من كثرت عادته بالحلف بصوم سنة لزمه صوم سنة، فجعلوا ~~المدرك الحلف اللفظي دون العرفي النقلي، قالوا: وعلى هذا لو اتفق في وقت ~~آخر أنه اشتهر حلفهم ونذرهم بالاعتكاف والرباط وإطعام الجائع وكسوة العريان ~~وبناء المساجد دون هذه الحقائق المتقدم ذكرها لكان اللازم لهذا الحالف إذا ~~حنث الاعتكاف وما ذكر معه، دون ما هو مذكور قبلها؛ لأن الأحكام المترتبة ~~على القرائن تدور معها كيفما دارت، وتبطل معها إذا بطلت، كالعقود في ~~المعاملات والعيوب في الأعواض في المبايعات ونحو ذلك، فلو تغيرت العادة في ~~النقد والسكة إلى سكة أخرى لحمل الثمن من المبيع عند الإطلاق على السكة ~~والنقد المتجدد دون ما قبله، وكذلك إذا كان الشيء عيبا في العادة رد به ~~المبيع، فإن ms0812 تغيرت العادة بحيث لم يعد عيبا لم يرد به المبيع، قالوا: وبهذا ~~تعتبر جميع الأحكام المترتبة على العوائد، وهذا مجمع عليه بين العلماء، لا ~~خلاف فيه، وإن وقع الخلاف في تحقيقه: هل وجد أم لا؟ قالوا: وعلى هذا فليس ~~في عرفنا اليوم الحلف بصوم شهرين متتابعين، فلا تكاد تجد أحدا يحلف، فلا ~~تسوغ الفتيا بإلزامه. # [قول المالكية في العرف وما ينبني عليه] : # قالوا: وعلى هذا أبدا تجيء الفتاوى في طول الأيام، فمهما تجدد في العرف # PageV03P065 # فاعتبره، ومهما سقط فألغه، ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك، بل ~~إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك، وسله عن عرف ~~بلده فأجره عليه وأفته به، دون عرف بلدك والمذكور في كتبك، قالوا: فهذا هو ~~الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء ~~المسلمين والسلف الماضين، قالوا: وعلى هذه القاعدة تخرج أيمان الطلاق ~~والعتاق وصيغ الصرائح والكنايات؛ فقد يصير الصريح كناية يفتقر إلى النية، ~~وقد تصير الكناية صريحا تستغني عن النية، قالوا: وعلى هذه القاعدة فإذا قال ~~" أيمان البيعة تلزمني " خرج ما يلزمه على ذلك. وما جرت به العادة في الحلف ~~عند الملوك المعاصرة إذا لم يكن له نية، فأي شيء جرت به عادة ملوك الوقت في ~~التحليف به في بيعتهم واشتهر ذلك عند الناس بحيث صار عرفا متبادرا إلى ~~الذهن من غير قرينة حملت يمينه عليه، فإن لم يكن شيء من ذلك اعتبرت نيته أو ~~بساط يمينه، فإن لم يكن شيء من ذلك فلا شيء عليه، انتهى. # وهذا محض الفقه، ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم ~~وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت ~~جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم ~~وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا ~~الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضر ما على أديان الناس وأبدانهم والله ~~المستعان. # ولم يكن الحلف بالأيمان ms0813 اللازمة معتادا على عهد السلف الطيب، بل هي من ~~الأيمان الحادثة المبتدعة التي أحدثها الجهلة الأول؛ ولهذا قال جماعة من ~~أهل العلم: إنها من الأيمان اللاغية التي لا يلزم بها شيء ألبتة، أفتى بذلك ~~جماعة من العلماء، ومن متأخري من أفتى بها تاج الدين أبو عبد الله الأرموي ~~صاحب كتاب الحاصل قال ابن بزيزة في شرح الأحكام: سأله عنها بعض أصحابنا، ~~فكتب له بخطه تحت الاستفتاء: هذه يمين لاغية، لا يلزم فيها شيء ألبتة، وكتب ~~محمد الأرموي، قال ابن بزيزة: وقفت على ذلك بخطه، وثبت عندي أنه خطه، ثم ~~قال: وقال جماعة من العلماء: لا يلزم فيها شيء سوى كفارة اليمين بالله ~~تعالى، بناء على أن لفظ اليمين لا ينطلق إلا على اليمين بالله تعالى، وما ~~عداه التزامات لا أيمان. # قال: والدليل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من كان حالفا فليحلف ~~بالله أو ليصمت» والقائلون بأن فيها كفارة يمين اختلفوا: هل تتعدد فيها ~~كفارة اليمين بناء على أقل الجمع أو ليس عليه إلا كفارة واحدة لأنها إنما ~~خرجت مخرج اليمين الواحدة كما أفتى به أبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن ~~حزم؟ وقد كان أبو عمر يفتي بأنه لا شيء فيها ألبتة، حكاه عنه القاضي أبو ~~الوليد الباجي، وعاب عليه ذلك. # قال: ومن العلماء من رأى أنه # PageV03P066 # يختلف بحسب اختلاف الأحوال والمقاصد والبلاد، فمن حلف بها قاصدا للطلاق ~~أو العتاق لزمه ما ألزمه نفسه، ومن لم يعلم مقتضى ذلك ولم يقصده ولم يقيده ~~العرف الغالب الجاري لزمه فيها كفارة ثلاثة أيمان بالله، بناء على أن أقل ~~الجمع ثلاثة، وبه كان يفتي أبو بكر الطرطوشي ومن بعده من شيوخنا الذين ~~حملنا عنهم، ومن شيوخ عصرنا من كان يفتي بها بالطلاق الثلاث بناء على أنه ~~العرف المستمر الجاري الذي يحصل علمه والقصد إليه عند كل حالف بها، ثم ذكر ~~اختلاف المغاربة: هل يلزم فيها الطلاق الثلاث أو الواحدة؟ ثم قال: والمعتمد ~~عليه فيها الرجوع إلى عرف الناس وما هو المعلوم ms0814 عندهم في هذه الأيمان، فإذا ~~ثبت فيها عندهم شيء وقصدوه وعرفوه واشتهر بينهم وجب أن يحملوه عليه، ومع ~~الاحتمال يرجع إلى الأصل الذي هو اليمين: بالله؛ إذ لا يسمى غير ذلك يمينا، ~~فيلزم الحالف بها كفارة ثلاثة أيمان، قال: وعلى هذا كان يقول أهل التحقيق ~~والإنصاف من شيوخنا. # قلت: ولإجزاء الكفارة الواحدة فيها مدرك آخر أفقه من هذا، وعليه تدل ~~فتاوى الصحابة - رضي الله عنهم - صريحا في حديث ليلى بنت العجماء المتقدم، ~~وهذه الالتزامات الخارجة مخرج اليمين إنما فيها كفارة يمين بالنص والقياس ~~واتفاق الصحابة كما تقدم، فموجبها كلها شيء واحد ولو تعدد المحلوف به، وصار ~~هذا نظير ما لو حلف بكل سورة من القرآن على شيء واحد فعليه كفارة يمين ~~لاتحاد الموجب وإن تعدد السبب، ونظيره ما لو حلف بأسماء الرب تعالى وصفاته ~~فكفارة واحدة فإذا حلف بأيمان المسلمين أو الأيمان كلها أو الأيمان اللازمة ~~أو أيمان البيعة أو بما يحلف به المسلمون لم يكن ذلك بأعظم مما لو حلف بكل ~~كتاب أنزله الله أو بكل اسم من أسماء الله أو صفة من صفات الله، فإذا أجزأ ~~في هذه كفارة يمين مع حرمة هذه اليمين وتأكدها فلأن تجزئ الكفارة في هذه ~~الأيمان بطريق الأولى والأحرى، ولا يليق بهذه الشريعة الكاملة الحكيمة التي ~~لم يطرق العالم شريعة أكمل منها غير ذلك، وكذلك أفتى به أفقه الأمة وأعلمهم ~~بمقاصد الرسول ودينه وهم الصحابة، واختلف الفقهاء بعدهم؛ فمنهم من يلزم ~~الحالف بما التزمه من جميع الالتزامات كائنا ما كان، ومنهم من لا يلزمه ~~بشيء منها ألبتة لأنها أيمان غير شرعية، ومنهم من يلزمه الطلاق والعتاق ~~ويخيره في الباقي بين التكفير والالتزام، ومنهم من يحتم عليه التكفير، ~~ومنهم من يلزمه بالطلاق وحده دون ما عداه، ومنهم من يلزمه بشرط كون الصيغة ~~شرطا فإن كانت صيغة التزام فيمين كقوله " الطلاق يلزمني " لم يلزمه بذلك، ~~ومنهم من يتوقف في ذلك ولا يفتي فيه بشيء؛ فالأول قول مالك وإحدى الروايتين ~~عن أبي حنيفة. # PageV03P067 # والثاني قول أهل ms0815 الظاهر وجماعة من السلف، والثالث قول أحمد بن حنبل ~~والشافعي في ظاهر مذهبه وأبي حنيفة في إحدى الروايتين عنه ومحمد بن الحسن. ~~والرابع قول بعض أصحاب الشافعي، ويذكر قولا له ورواية عن أحمد. والخامس قول ~~أبي ثور إبراهيم بن خالد. والسادس قول القفال من الشافعية وبعض أصحاب أبي ~~حنيفة ويحكى عنه نفسه. # والسابع قول جماعة من أهل الحديث. وقول أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أصح وأفقه وأقرب هذه الأقوال إلى الكتاب والسنة، وبالله التوفيق. ### | [فصل أقوال العلماء في تأجيل بعض المهر وحكم المؤجل] # فصل # [أقوال العلماء في تأجيل بعض المهر وحكم المؤجل] # المثال التاسع: الإلزام بالصداق الذي اتفق الزوجان على تأخير المطالبة ~~به، وإن لم يسميا أجلا، بل قال الزوج: مائة مقدمة ومائة مؤخرة، فإن المؤخر ~~لا يستحق المطالبة به إلا بموت أو فرقة، هذا هو الصحيح، وهو منصوص أحمد، ~~فإنه قال في رواية جماعة من أصحابه: إذا تزوجها على العاجل والآجل لا يحل ~~الآجل إلا بموت أو فرقة، واختاره قدماء شيوخ المذهب والقاضي أبو يعلى، وهو ~~اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قول النخعي والشعبي والليث بن سعد، وله ~~فيه رسالة كتبها إلى مالك ينكر عليه خلاف هذا القول سنذكرها بإسنادها ~~ولفظها، وقال الحسن وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وسفيان الثوري وأبو ~~عبيدة: يبطل الآجل لجهالة محله، ويكون حالا، وقال إياس بن معاوية: يصح ~~الآجل، ولا يحل الصداق إلا أن يفارقها أو يتزوج عليها أو يخرجها من بلدها؛ ~~فلها حينئذ المطالبة به، وقال مكحول والأوزاعي: يحل بعد سنة من وقت الدخول، ~~وقال الشافعي وأبو الخطاب: تفسد التسمية ويجب مهر المثل لجهالة العوض ~~بجهالة أجله فترجع إلى مهر المثل، وأما مذهب مالك فقال عبد الملك: كان مالك ~~وأصحابه يكرهون أن يكون شيء من المهر مؤخرا وكان مالك يقول: إنما الصداق ~~فيما مضى ناجز كله، فإن وقع منه شيء مؤخرا فلا أحب أن يطول الأجل في ذلك، ~~وحكى عن ابن القاسم تأخيره إلى السنتين والأربع، وعن ابن وهب ms0816 إلى السنة، ~~وعنه إن زاد الأجل على أكثر من عشرين سنة فسخ، وعن ابن القاسم إذا جاوز ~~الأربعين فسخ، وعنه إلى الخمسين والستين، حكى ذلك كله فضل بن سلمة عن ابن ~~المواز، ثم قال: لأن الأجل الطويل مثل ما لو تزوجها إلى موت أو فراق. # قال عبد الملك: وقد أخبرني أصبغ أنه شهد ابن وهب وابن القاسم تذاكرا ~~الأجل في ذلك، فقال ابن وهب: أرى فيه العشرين فدون فما جاوز ذلك فمفسوخ، ~~فقال له ابن القاسم: وأنا معك على هذا، فأقام ابن وهب على رأيه، ورجع ابن ~~القاسم فقال: لا أفسخه إلى أربعين وأفسخه فيما فوق ذلك، فقال أصبغ: وبه أخذ ~~ولا أحب ذلك ندبا إلى # PageV03P068 # العشر ونحوها، وقد شهدت أشهب زوج ابنته وجعل مؤخر مهرها إلى اثنتي عشرة ~~سنة. # قال عبد الملك: وما قصر من الأجل فهو أفضل، وإن بعد لم أفسخه إلا أن ~~يجاوز ما قال ابن القاسم، وإن كانت الأربعون في ذلك كثيرة جدا. # قال عبد الملك: وإن كان بعض الصداق مؤخرا إلى غير أجل فإن مالكا كان ~~يفسخه قبل البناء ويمضيه بعده، ويرد المرأة إلى صداق مثلها معجلا كله، إلا ~~أن يكون صداق مثلها أقل من المعجل فلا ينقص منه، أو أكثر من المعجل والمؤجل ~~فيوفي تمام ذلك، إلا أن يرضى الناكح بأن يجعل المؤخر معجلا كله مع النقد ~~فيمضي النكاح ولا يفسخ لا قبل البناء ولا بعده، ولا ترد المرأة إلى صداق ~~مثلها، ثم أطالوا بذكر فروع تتعلق بذلك. # [فتاوى الصحابة في هذه المسألة] : والصحيح ما عليه أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من صحة التسمية وعدم تمكين المرأة من المطالبة به إلا ~~بموت أو فرقة، حكاه الليث إجماعا منهم، وهو محض القياس والفقه، فإن المطلق ~~من العقود ينصرف إلى العرف والعادة عند المتعاقدين كما في النقد والسكة ~~والصفة والوزن، والعادة جارية بين الأزواج بترك المطالبة بالصداق إلا ~~بالموت أو الفراق، فجرت العادة مجرى الشرط كما تقدم ذكر الأمثلة بذلك، ~~وأيضا فإن عقد النكاح ms0817 يخالف سائر العقود، ولهذا نافاه التوقيت المشترط في ~~غيره من العقود على المنافع، بل كانت جهالة مدة بقائه غير مؤثرة في صحته، ~~والصداق عوضه ومقابله؛ فكانت جهالة مدته غير مؤثرة في صحته، فهذا محض ~~القياس، ونظير هذا لو أجره كل شهر بدرهم فإنه يصح وإن كانت جملة الأجرة غير ~~معلومة تبعا لمدة الإجارة؛ فقد صح عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم ~~الله وجهه في الجنة أنه أجر نفسه كل دلو بتمرة، «وأكل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من ذلك التمر» ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«المسلمون على شروطهم، إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا» وهذا لا يتضمن ~~واحدا من الأمرين، فإن ما أحل الحرام وحرم الحلال لو فعلاه بدون الشرط لما ~~جاز، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن أحق الشرط أن توفوا به ما ~~استحللتم به الفروج» وأما تلك التقديرات المذكورة فيكفي في عدم اعتبارها ~~عدم دليل واحد يدل عليها، ثم ليس تقدير منها بأولى من تقدير أزيد عليه أو ~~أنقص منه، وما كان هذا سبيله فهو غير معتبر. # وقال الحافظ أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي في كتاب التاريخ والمعرفة ~~له، وهو كتاب جليل غزير العلم جم الفوائد حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير ~~المخزومي قال: هذه رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس. # [رسالة من الليث بن سعد إلى مالك بن أنس] : سلام عليك، فإني أحمد إليك ~~الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد - عافانا الله وإياك، # PageV03P069 # وأحسن لنا العاقبة في الدنيا والآخرة - قد بلغني كتابك تذكر فيه من صلاح ~~حالكم الذي يسرني، فأدام الله ذلك لكم وأتمه بالعون على شكره والزيادة من ~~إحسانه، وذكرت نظرك في الكتب التي بعثت بها إليك وإقامتك إياها وختمك عليها ~~بخاتمك، وقد أتتنا فجزاك الله عما قدمت منها خيرا، فإنها كتب انتهت إلينا ~~عنك فأحببت أن أبلغ حقيقتها بنظرك فيها، وذكرت أنه قد أنشطك ما كتبت إليك ~~فيه من تقويم ما أتاني عنك ms0818 إلى ابتدائي بالنصيحة، ورجوت أن يكون لها عندي ~~موضع، وأنه لم يمنعك من ذلك فيما خلا إلا أن يكون رأيك فينا جميلا إلا لأني ~~لم أذاكرك مثل هذا، وأنه بلغك أني أفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس ~~عندكم، وأني يحق علي الخوف على نفسي لاعتماد من قبلي على ما أفتيتهم به، ~~وأن الناس تبع لأهل المدينة التي إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن، وقد ~~أصبت بالذي كتب به من ذلك إن شاء الله تعالى، ووقع مني بالموقع الذي تحب، ~~وما أجد أحدا ينسب إليه العلم أكره لشواذ الفتيا ولا أشد تفضيلا لعلماء أهل ~~المدينة الذين مضوا ولا آخذ لفتياهم فيما اتفقوا عليه مني والحمد لله رب ~~العالمين لا شريك له، وأما ما ذكرت من مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بالمدينة ونزول القرآن بها عليه بين ظهري أصحابه وما علمهم الله منه وأن ~~الناس صاروا به تبعا لهم فيه فكما ذكرت، وأما ما ذكرت من قول الله تعالى: ~~{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك ~~الفوز العظيم} [التوبة: 100] فإن كثيرا من أولئك السابقين الأولين خرجوا ~~إلى الجهاد في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله فجندوا الأجناد واجتمع إليهم ~~الناس فأظهروا بين ظهرانيهم كتاب الله وسنة نبيه ولم يكتموهم شيئا علموه. # وكان في كل جند منهم طائفة يعلمون كتاب الله وسنة نبيه ويجتهدون برأيهم ~~فيما لم يفسره لهم القرآن والسنة، وتقدمهم عليه أبو بكر وعمر وعثمان الذين ~~اختارهم المسلمون لأنفسهم، ولم يكن أولئك الثلاثة مضيعين لأجناد المسلمين ~~ولا غافلين عنهم، بل كانوا يكتبون في الأمر اليسير لإقامة الدين والحذر من ~~الاختلاف بكتاب الله وسنة نبيه، فلم يتركوا أمرا فسره القرآن أو عمل به ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ائتمروا فيه بعده إلا علموهموه، فإذا جاء ~~أمر عمل فيه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمصر والشام والعراق ~~على عهد أبي بكر وعمر ms0819 وعثمان ولم يزالوا عليه حتى قبضوا لم يأمروهم بغيره، ~~فلا نراه يجوز لأجناد المسلمين أن يحدثوا اليوم أمرا لم يعمل به سلفهم من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعين لهم، مع أن أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قد اختلفوا بعد في الفتيا في أشياء كثيرة، ~~ولولا أني قد عرفت أن قد علمتها كتبت بها إليك، ثم اختلف التابعون في أشياء ~~بعد أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سعيد بن المسيب ونظراؤه أشد ~~الاختلاف، ثم اختلف الذين كانوا بعدهم فحضرتهم بالمدينة وغيرها ورأسهم ~~يومئذ # PageV03P070 # ابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن وكان من خلاف ربيعة لبعض ما قد مضى ما ~~قد عرفت وحضرت، وسمعت قولك فيه وقول ذوي الرأي من أهل المدينة يحيى بن سعيد ~~وعبيد الله بن عمر وكثير بن فرقد وغير كثير ممن هو أسن منه حتى اضطرك ما ~~كرهت من ذلك إلى فراق مجلسه. وذاكرتك أنت وعبد العزيز بن عبيد الله بعض ما ~~نعيب على ربيعة من ذلك، فكنتما من الموافقين فيما أنكرت، تكرهان منه ما ~~أكرهه، ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير، وعقل أصيل ولسان بليغ، وفضل ~~مستبين، وطريقة حسنة في الإسلام، ومودة لإخوانه عامة ولنا خاصة - رحمه الله ~~- وغفر له وجزاه بأحسن من عمله. وكان يكون من ابن شهاب اختلاف كثير إذا ~~لقيناه، وإذا كاتبه بعضنا فربما كتب إليه في الشيء الواحد على فضل رأيه ~~وعلمه بثلاثة أنواع ينقض بعضها بعضا، ولا يشعر بالذي مضى من رأيه في ذلك، ~~فهذا الذي يدعوني إلى ترك ما أنكرت تركي إياه. # وقد عرفت أيضا عيب إنكاري إياه أن يجمع أحد من أجناد المسلمين بين ~~الصلاتين ليلة المطر، ومطر الشام أكثر من مطر المدينة بما لا يعلمه إلا ~~الله لم يجمع منهم إمام قط في ليلة مطر، وفيهم أبو عبيدة بن الجراح وخالد ~~بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاذ بن جبل، وقد بلغنا أن ~~رسول الله - صلى الله عليه ms0820 وسلم - قال: «أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن ~~جبل» وقال: «يأتي معاذ يوم القيامة بين يدي العلماء برتوة» وشرحبيل بن حسنة ~~وأبو الدرداء وبلال بن رباح، وكان أبو ذر بمصر والزبير بن العوام وسعد بن ~~أبي وقاص، وبحمص سبعون من أهل بدر، وبأجناد المسلمين كلها وبالعراق ابن ~~مسعود وحذيفة بن اليمان وعمران بن حصين، ونزلها أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب كرم الله وجهه في الجنة سنين، وكان معه من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -[كثير] فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قط. # ومن ذلك القضاء بشهادة شاهد ويمين صاحب الحق، وقد عرفت أنه لم يزل يقضي ~~بالمدينة به، ولم يقض به أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشام ~~وبحمص ولا بمصر ولا بالعراق، ولم يكتب به إليهم الخلفاء الراشدون أبو بكر ~~وعمر وعثمان وعلي، ثم ولي عمر بن عبد العزيز وكان كما قد علمت في إحياء ~~السنن والجد في إقامة الدين والإصابة في الرأي والعلم بما مضى من أمر ~~الناس، فكتب إليه رزيق بن الحكم: إنك كنت تقضي بالمدينة بشهادة الشاهد ~~الواحد ويمين صاحب الحق، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: إنا كنا نقضي بذلك ~~بالمدينة، فوجدنا أهل الشام على غير ذلك؛ فلا نقضي إلا بشهادة رجلين عدلين ~~أو # PageV03P071 # رجل وامرأتين؛ ولم يجمع بين العشاء والمغرب قط ليلة المطر، والمطر يسكب ~~عليه في منزله الذي كان فيه بخناصرة ساكنا. # ومن ذلك أن أهل المدينة يقضون في صدقات النساء أنها متى شاءت أن تتكلم في ~~مؤخر صداقها تكلمت فدفع إليها، وقد وافق أهل العراق أهل المدينة على ذلك ~~وأهل الشام وأهل مصر، ولم يقض أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ولا من بعدهم لامرأة بصداقها المؤخر إلا أن يفرق بينهما موت أو طلاق ~~فتقوم على حقها. # ومن ذلك قولهم في الإيلاء إنه لا يكون عليه طلاق حتى يوقف وإن مرت ~~الأربعة الأشهر، وقد حدثني نافع عن عبد الله بن عمر - وهو الذي كان يروى ~~عنه ذلك ms0821 التوقيف بعد الأشهر - أنه كان يقول في الإيلاء الذي ذكر الله في ~~كتابه: لا يحل للمولي إذا بلغ الأجل إلا أن يفيء كما أمر الله أو يعزم ~~الطلاق، وأنتم تقولون: إن لبث بعد الأشهر التي سمى الله في كتابه ولم يوقف ~~لم يكن عليه طلاق، وقد بلغنا أن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وقبيصة بن ذؤيب ~~وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قالوا في الإيلاء: إذا مضت الأربعة الأشهر ~~فهي تطليقة بائنة، وقال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ~~بن هشام وابن شهاب: إذا مضت الأربعة الأشهر فهي تطليقة، وله الرجعة في ~~العدة. # ومن ذلك أن زيد بن ثابت كان يقول: إذا ملك الرجل امرأته فاختارت زوجها ~~فهي تطليقة، وإن طلقت نفسها ثلاثا فهي تطليقة، وقضى بذلك عبد الملك بن ~~مروان، وكان ربيعة بن عبد الرحمن يقوله، وقد كاد الناس يجتمعون على أنها إن ~~اختارت زوجها لم يكن فيه طلاق، وإن اختارت نفسها واحدة أو اثنتين كانت له ~~عليها الرجعة، وإن طلقت نفسها ثلاثا بانت منه ولم تحل له حتى تنكح زوجا ~~غيره فيدخل بها ثم يموت أو يطلقها، إلا أن يرد عليها في مجلسه فيقول: إنما ~~ملكتك واحدة، فيستحلف ويخلى بينه وبين امرأته. # ومن ذلك أن عبد الله بن مسعود كان يقول: أيما رجل تزوج أمة ثم اشتراها ~~زوجها فاشتراؤه إياها ثلاث تطليقات، وكان ربيعة يقول ذلك، وإن تزوجت المرأة ~~الحرة عبدا فاشترته فمثل ذلك. # وقد بلغنا عنكم شيئا من الفتيا مستكرها، وقد كنت كتبت إليك في بعضها فلم ~~تجبني في كتابي، فتخوفت أن تكون استثقلت ذلك، فتركت الكتاب إليك في شيء مما ~~أنكره وفيما أوردت فيه على رأيك، وذلك أنه بلغني أنك أمرت زفر بن عاصم ~~الهلالي - حين أراد أن # PageV03P072 # يستسقي - أن يقدم الصلاة قبل الخطبة، فأعظمت ذلك؛ لأن الخطبة والاستسقاء ~~كهيئة يوم الجمعة إلا أن الإمام إذا دنا من فراغه من الخطبة فدعا حول رداءه ~~ثم نزل فصلى، وقد استسقى عمر ms0822 بن عبد العزيز وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن ~~حزم وغيرهما، فكلهم يقدم الخطبة والدعاء قبل الصلاة، فاستهتر الناس كلهم ~~فعل زفر بن عاصم من ذلك واستنكروه. # ومن ذلك أنه بلغني أنك تقول في الخليطين في المال: إنه لا تجب عليهما ~~الصدقة حتى يكون لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة، وفي كتاب عمر بن الخطاب ~~أنه يجب عليهما الصدقة ويترادان بالسوية، وقد كان ذلك يعمل به في ولاية عمر ~~بن عبد العزيز قبلكم وغيره، والذي حدثنا به يحيى بن سعيد ولم يكن بدون ~~أفاضل العلماء في زمانه فرحمه الله وغفر له وجعل الجنة مصيره ابن سعيد ومن ~~ذلك أنه بلغني أنك تقول: إذا أفلس الرجل وقد باعه رجل سلعة فتقاضى طائفة من ~~ثمنها أو أنفق المشتري طائفة منها أنه يأخذ ما وجد من متاعه، وكان الناس ~~على أن البائع إذا تقاضى من ثمنها شيئا أو أنفق المشتري منها شيئا فليست ~~بعينها. # ومن ذلك أنك تذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعط الزبير بن ~~العوام إلا لفرس واحد، والناس كلهم يحدثون أنه أعطاه أربعة أسهم لفرسين ~~ومنعه الفرس الثالث، والأمة كلهم على هذا الحديث أهل الشام وأهل مصر وأهل ~~العراق وأهل إفريقية، لا يختلف فيه اثنان؛ فلم يكن ينبغي لك - وإن كنت ~~سمعته من رجل مرضي - أن تخالف الأمة أجمعين. # وقد تركت أشياء كثيرة من أشباه هذا، وأنا أحب توفيق الله إياك وطول ~~بقائك؛ لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك ~~مع استئناسي بمكانك، وإن نأت الدار؛ فهذه منزلتك عندي ورأيي فيك فاستيقنه، ~~ولا تترك الكتاب إلي بخبرك وحالك وحال ولدك وأهلك وحاجة إن كانت لك أو لأحد ~~يوصل بك، فإني أسر بذلك، كتبت إليك ونحن صالحون معافون والحمد لله، نسأل ~~الله أن يرزقنا وإياكم شكر ما أولانا وتمام ما أنعم به علينا، والسلام عليك ~~ورحمة الله. # [عود إلى القول في تأجيل بعض المهر] # فإن قيل: فما تقولون فيما لو ms0823 تجملوا وجعلوه حالا، وقد اتفقوا في الباطن ~~على تأخيره كصدقات النساء في هذه الأزمنة في الغالب: هل للمرأة أن تطالب به ~~قبل الفرقة أو الموت؟ . ### | [مهر السر ومهر العلن] # قيل: هذا ينبني على أصل، وهو إذا اتفقا في السر على مهر وسموا في ~~العلانية أكثر # PageV03P073 # منه: هل يؤخذ بالسر أو بالعلانية؟ فهذه المسألة مما اضطربت فيها أقوال ~~المتأخرين؛ لعدم إحاطتهم بمقاصد الأئمة، ولا بد من كشف غطائها، ولها في ~~الأصل صورتان: إحداهما: أن يعقدوه في العلانية بألفين مثلا، وقد اتفقوا قبل ~~ذلك أن المهر ألف وأن الزيادة سمعة، من غير أن يعقدوه في العلانية بالأقل؛ ~~فالذي عليه القاضي ومن بعده من أصحاب أحمد أن المهر هو المسمى في العقد، ~~ولا اعتبار بما اتفقوا عليه قبل ذلك، وإن قامت به البينة أو تصادقوا عليه، ~~وسواء كان مهر العلانية من جنس مهر السر أو من جنس غيره أو أقل منه أو ~~أكثر، قالوا: وهو ظاهر كلام أحمد في مواضع. # قال في رواية ابن بدينا في الرجل يصدق صداقا في السر وفي العلانية شيئا ~~آخر؛ يؤخذ بالعلانية، وقال في رواية ابن الحارث: إذا تزوجها في العلانية ~~على شيء وأسر غير ذلك أخذنا بالعلانية وإن كان قد أشهد في السر بغير ذلك، ~~وقال في رواية الأثرم في رجل أصدق صداقا سرا وصداقا علانية: يؤخذ بالعلانية ~~إذا كان قد أقر به، قيل له: فقد أشهد شهودا في السر بغيره؟ قال: وإن، أليس ~~قد أقر بهذا أيضا عند شهود؟ يؤخذ بالعلانية. # قال شيخنا: ومعنى قوله " أقر به " أي رضي به والتزمه لقوله تعالى: ~~{أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري} [آل عمران: 81] وهذا يعم التسمية في العقد ~~والاعتراف بعده، ويقال: أقر بالجزية، وأقر للسلطان بالطاعة، وهذا كثير في ~~كلامهم، وقال في رواية صالح في الرجل يعلن مهرا ويخفي آخر؛ آخذ بما يعلن؛ ~~لأن العلانية قد أشهد # [بها] على نفسه، وينبغي لهم أن يفوا له بما كان أسره، وقال في رواية ابن ~~منصور: إذا تزوج امرأة في السر بمهر ms0824 وأعلنوا مهرا آخر ينبغي لهم أن يفوا، ~~وأما هو فيؤخذ بالعلانية. # قال القاضي وغيره: فقد أطلق القول بمهر العلانية، وإنما قال: ينبغي لهم ~~أن يفوا بما أسروا، على طريق الاختيار؛ لئلا يحصل منهم غرور له في ذلك، ~~وهذا القول هو قول الشعبي وأبي قلابة وابن أبي ليلى وابن شبرمة والأوزاعي، ~~وهو قول الشافعي المشهور عنه، وقد نص في موضع آخر أنه يؤخذ بمهر السر، ~~فقيل: في هذه المسألة قولان، وقيل: بل ذلك في الصورة الثانية كما سيأتي، ~~وقال كثير من أهل العلم أو أكثرهم: إذا علم الشهود أن المهر الذي يظهره ~~سمعة وأن أصل المهر كذا وكذا ثم تزوج وأعلن الذي قال فالمهر هو السر، ~~والسمعة باطلة، وهذا هو قول الزهري والحكم بن عتيبة ومالك والثوري والليث ~~وأبي حنيفة وأصحابه وإسحاق، وعن شريح والحسن كالقولين، وذكر القاضي عن أبي ~~حنيفة أنه يبطل المهر ويجب مهر المثل، وهو خلاف ما حكاه عنه أصحابه وغيرهم، ~~وقد نقل عن أحمد ما يقتضي أن الاعتبار بالسر إذا ثبت أن العلانية تلجئة، ~~فقال: إذا كان رجل قد أظهر صداقا # PageV03P074 # وأسر غير ذلك نظر في البينات والشهود، وكأن الظاهر أوكد، إلا أن تقوم ~~بينة تدفع العلانية، قال القاضي: وقد تأول أبو حفص العكبري هذا على أن بينة ~~السر عدول وبينة العلانية غير عدول، فحكم بالعدول، قال القاضي: وظاهر هذا ~~أنه يحكم بمهر السر إذا لم تقم بينة عادلة بمهر العلانية. # وقال أبو حفص: إذا تكافأت البينات وقد شرطوا في السر أن الذي يظهر في ~~العلانية الرياء والسمعة فينبغي لهم أن يفوا له بهذا الشرط ولا يطالبوه ~~بالظاهر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «المؤمنون على شروطهم» قال ~~القاضي: وظاهر هذا الكلام من أبي حفص أنه قد جعل للسر حكما، قال: والمذهب ~~على ما ذكرناه، قال شيخنا: كلام أبي حفص الأول فيما إذا قامت البينة بأن ~~النكاح عقد في السر بالمهر القليل، ولم يثبت نكاح العلانية، وكلامه الثاني ~~فيما إذا ثبت نكاح العلانية، ولكن تشارطوا أن ما ms0825 يظهرون من الزيادة على ما ~~اتفقوا عليه للرياء والسمعة، قال شيخنا: وهذا الذي ذكره أبو حفص أشبه بكلام ~~الإمام أحمد وأصوله؛ فإن عامة كلامه في هذه المسألة إنما هو إذا اختلف ~~الزوج والمرأة ولم تثبت بينة ولا اعتراف أن مهر العلانية سمعة، بل شهدت ~~البينة أنه تزوجها بالأكثر وادعى عليه ذلك فإنه يجب أن يؤخذ بما أقر به ~~إنشاء أو إخبارا؛ فإذا أقام شهودا يشهدون أنهم تراضوا بدون ذلك البينة ~~الأولى؛ لأن التراضي بالأقل في وقت لا يمنع التراضي بما زاد عليه في وقت ~~آخر، ألا ترى أنه قال: آخذ بالعلانية لأنه قد أشهد على نفسه، وينبغي لهم أن ~~يفوا بما كان أسره؛ فقوله " لأنه قد أشهد على نفسه " دليل على أنه إنما ~~يلزمه في الحكم فقط، وإلا فما يجب بينه وبين الله لا يعلل بالإشهاد، وكذلك ~~قوله " ينبغي لهم أن يفوا له، وأما هو فيؤخذ بالعلانية " دليل على أنه يحكم ~~عليه به وأن أولئك يجب عليهم الوفاء، وقوله " ينبغي " يستعمل في الواجب ~~أكثر مما يستعمل في المستحب، ويدل على ذلك أنه قد قال أيضا في امرأة تزوجت ~~في العلانية على ألف وفي السر على خمسمائة فاختلفوا في ذلك: فإن كانت ~~البينة في السر والعلانية سواء أخذ بالعلانية لأنه أحوط وهو فرج يؤخذ ~~بالأكثر، وقيدت المسألة بأنهم اختلفوا وأن كليهما قامت به بينة عادلة. # وإنما يظهر ذلك بالكلام في الصورة الثانية، وهو ما إذا تزوجها في السر ~~بألف، ثم تزوجها في العلانية بألفين مع بقاء النكاح الأول، فهنا قال القاضي ~~في المجرد والجامع: إن تصادقا على نكاح السر لزم نكاح السر بمهر السر؛ لأن ~~النكاح المتقدم قد صح ولزم، # PageV03P075 # والنكاح المتأخر عنه لا يتعلق به حكم، ويحمل مطلق كلام أحمد والخرقي على ~~مثل هذه الصورة، وهذا مذهب الشافعي، وقال الخرقي: إذا تزوجها على صداقين سر ~~وعلانية أخذ بالعلانية وإن كان السر قد انعقد النكاح به، وهذا منصوص كلام ~~أحمد في قوله: إن تزوجت في العلانية على ألف وفي السر على ms0826 خمسمائة، وعموم ~~كلامه المتقدم يشمل هذه الصورة والتي قبلها، وهذا هو الذي ذكره القاضي في ~~خلافه، وعليه أكثر الأصحاب، ثم طريقته وطريقة جماعة في ذلك أن ما أظهراه ~~زيادة في المهر، والزيادة فيه بعد لزومه لازمة، وعلى هذا فلو كان السر هو ~~الأكثر أخذ به أيضا، وهو معنى قول الإمام أحمد " آخذ بالعلانية " أي يؤخذ ~~بالأكثر، ولهذا القول طريقة ثانية، وهو أن نكاح السر إنما يصح إذا لم ~~يكتموه على إحدى الروايتين بل أنصتهما؛ فإذا تواصوا بكتمان النكاح الأول ~~كانت العبرة إنما هي بالنكاح الثاني. # فقد تحرر أن الأصحاب مختلفون: هل يؤخذ بصداق العلانية ظاهرا وباطنا أو ~~ظاهرا فقط؟ فيما إذا كان السر تواطؤا من غير عقد، وإن كان السر عقدا فهل هي ~~كالتي قبلها أو يؤخذ هنا بالسر في الباطن بلا تردد؟ على وجهين؛ فمن قال إنه ~~يؤخذ به ظاهرا فقط وإنهم في الباطن لا ينبغي لهم أن يأخذوا إلا بما اتفقوا ~~عليه لم يرد نقضا، وهذا قول له شواهد كثيرة، ومن قال إنه يؤخذ به ظاهرا ~~وباطنا بنى ذلك على أن المهر من توابع النكاح وصفاته فيكون ذكره سمعة كذكره ~~هزلا والنكاح جده وهزله سواء فكذلك ذكر ما هو فيه، يحقق ذلك أن حل البضع ~~مشروط بالشهادة على العقد، والشهادة وقعت على ما أظهره؛ فيكون وجوب المشهود ~~به شرطا في الحل. # هذا كلام شيخ الإسلام في مسألة مهر السر والعلانية في كتاب إبطال التحليل ~~نقلته بلفظه. # ولهذه المسألة عدة صور هذه إحداها. الثانية: أن يتفقا في السر على أن ثمن ~~المبيع ألف ويظهرا في العلانية أن ثمنه ألفان، فقال القاضي في التعليق ~~القديم والشريف أبو جعفر وغيرهما: الثمن ما أظهراه، على قياس المشهور عنه ~~في المهر أن العبرة بما أظهراه وهو الأكثر، وقال القاضي في التعليق الجديد ~~وأبو الخطاب وأبو الحسين وغيرهم من أصحاب القاضي: الثمن ما أسراه، والزيادة ~~سمعة ورياء، بخلاف المهر، وإلحاقا للعوض في البيع بنفس البيع، وإلحاقا ~~للمهر بالنكاح، وجعلا الزيادة فيه بمنزلة الزيادة بعد ms0827 العقد وهي غير لاحقة، ~~وقال أبو حنيفة عكس هذا، بناء على أن تسمية العوض شرط في صحة البيع دون ~~النكاح، وقال صاحباه: العبرة في الجميع بما أسراه. # PageV03P076 # الصورة الثالثة: أن يتفقا في عقد البيع على أن يتبايعا شيئا بثمن ذكراه ~~على أنه بيع تلجئة لا حقيقة له تخلصا من ظالم يريد أخذه؛ فهذا عقد باطل؛ ~~وإن لم يقولا في صلب العقد " قد تبايعناه تلجئة " قال القاضي: هذا قياس قول ~~أحمد؛ لأنه قال فيمن تزوج امرأة واعتقد أنه يحلها للأول: لم يصح هذا ~~النكاح، وكذلك إذا باع عنبا ممن يعتقد أنه يعصره خمرا، قال: وقد قال أحمد ~~في رواية ابن منصور: إنه إذا أقر لامرأة بدين في مرضه ثم تزوجها ومات وهي ~~وارثة فهذه قد أقر لها وليست بزوجة، يجوز ذلك، إلا أن يكون أراد تلجئة ~~فيرد، ونحو هذا نقل إسحاق بن إبراهيم والمروزي، وهذا قول أبي يوسف ومحمد، ~~وهو قياس قول مالك. # وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يكون تلجئة حتى يقولا في العقد " قد تبايعنا ~~هذا العقد تلجئة " ومأخذ من أبطله أنهما لم يقصدا العقد حقيقة، والقصد ~~معتبر في صحته، ومأخذ من يصححه أن هذا شرط مقدم على العقد، والمؤثر في ~~العقد إنما هو الشرط المقارن. # والأولون منهم من يمنع المقدمة الأولى ويقول: لا فرق بين الشرط المتقدم ~~والمقارن، ومنهم من يقول: إنما ذلك في الشرط الزائد على العقد، بخلاف ~~الرافع له فإن الشارط هنا يجعل العقد غير مقصود، وهناك هو مقصود، وقد أطلق ~~عن شرط مقارن. # الصورة الرابعة: أن يظهرا نكاحا تلجئة لا حقيقة له؛ فاختلف الفقهاء في ~~ذلك؛ فقال القاضي وغيره من الأصحاب: إنه صحيح كنكاح الهازل؛ لأن أكثر ما ~~فيه أنه غير قاصد للعقد، بل هازل به، ونكاح الهازل صحيح. # قال شيخنا: ويؤيد هذا أن المشهور عندنا أنه لو شرط في العقد رفع موجبه ~~مثل أن يشترط أنه لا يطؤها أو أنها لا تحل له أو أنه لا ينفق عليها ونحو ~~ذلك - صح العقد دون الشرط؛ فالاتفاق ms0828 على التلجئة حقيقته أنهما اتفقا على أن ~~يعقدا عقدا لا يقتضي موجبه، وهذا لا يبطله. # قال شيخنا: ويتخرج في نكاح التلجئة أنه باطل لأن الاتفاق الموجود قبل ~~العقد بمنزلة المشروط في العقد في أظهر الطريقين لأصحابنا، ولو شرطا في ~~العقد أنه نكاح تلجئة لا حقيقة لكان نكاحا باطلا، وإن قيل إن فيه خلافا فإن ~~أسوأ الأحوال أن يكون كما لو شرطا أنها لا تحل له، وهذا الشرط يفسد العقد ~~على الخلاف المشهور. # الصورة الخامسة: أن يتفقا على أن العقد عقد تحليل، لا نكاح رغبة، وأنه ~~متى دخل بها طلقها أو فهي طالق، أو أنها متى اعترفت بأنه وصل إليها فهي ~~طالق ثم يعقداه مطلقا وهو في الباطن نكاح تحليل لا نكاح رغبة، فهذا محرم ~~باطل، لا تحل به الزوجة للمطلق، وهو داخل تحت اللعنة، مع تضمن زيادة الخداع ~~كما سماه السلف بذلك، وجعلوا فاعله # PageV03P077 # مخادعا لله، وقالوا: من يخادع الله يخدعه، وعلى بطلان هذا النكاح نحو ~~ستين دليلا. # والمقصود أن المتعاقدين وإن أظهرا خلاف ما اتفقا عليه في الباطن فالعبرة ~~لما أضمراه واتفقا عليه وقصداه بالعقد، وقد أشهدا الله على ما في قلوبهما ~~فلا ينفعهما ترك التكلم به حالة العقد، وهو مطلوبهما ومقصودهما. # الصورة السادسة: أن يحلف الرجل في شيء في الظاهر، وقصده ونيته خلاف ما ~~حلف عليه، وهو غير مظلوم؛ فهذا لا ينفعه ظاهر لفظه، ويكون يمينه على ما ~~يصدقه عليه صاحبه اعتبارا بمقصده ونيته. # الصورة السابعة: إذا اشترى أو استأجر مكرها لم يصح، وإن كان في الظاهر قد ~~حصل صورة العقد؛ لعدم قصده وإرادته؛ فدل على أن القصد روح العقد ومصححه ~~ومبطله، فاعتبار المقصود في العقود أولى من اعتبار الألفاظ؛ فإن الألفاظ ~~مقصودة لغيرها، ومقاصد العقود هي التي تراد لأجلها، فإذا ألغيت واعتبرت ~~الألفاظ التي لا تراد لنفسها كان هذا إلغاء لما يجب اعتباره واعتبارا لما ~~قد يسوغ إلغاؤه، وكيف يقدم اعتبار اللفظ الذي قد ظهر كل الظهور أن المراد ~~خلافه؟ بل قد يقطع بذلك على المعنى الذي ms0829 قد ظهر بل قد يتيقن أنه المراد، ~~وكيف ينكر على أهل الظاهر من يسلك هذا؟ وهل ذلك إلا من إيراد الظاهرية؟ فإن ~~أهل الظاهر تمسكوا بألفاظ النصوص وأجروها على ظواهرها حيث لا يحصل القطع ~~بأن المراد خلافها، وأنتم تمسكتم بظواهر ألفاظ غير المعصومين حيث يقع القطع ~~بأن المراد خلافها، فأهل الظاهر أعذر منكم بكثير، وكل شبهة تمسكتم بها في ~~تسويغ ذلك فأدلة الظاهرية في تمسكهم بظواهر النصوص أقوى وأصح، والله تعالى ~~يحب الإنصاف، بل هو أفضل حلية تحلى بها الرجل، خصوصا من نصب نفسه حكما بين ~~الأقوال والمذاهب، وقد قال الله تعالى لرسوله: {وأمرت لأعدل بينكم} ~~[الشورى: 15] فورثة الرسول منصبهم العدل بين الطوائف وألا يميل أحدهم مع ~~قريبه وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه، بل يكون الحق مطلوبه، يسير بسيره وينزل ~~بنزوله، يدين دين العدل والإنصاف ويحكم الحجة، وما كان عليه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فهو العلم الذي قد شمر إليه، ومطلوبه الذي يحوم بطلبه ~~عليه، لا يثني عنانه عنه عذل عاذل، ولا تأخذه فيه لومة لائم، ولا يصده عنه ~~قول قائل. ### | [الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها] # [العبرة بالقصد لا بالألفاظ] # ومن تدبر مصادر الشرع وموارده تبين له أن الشارع ألغى الألفاظ التي لم ~~يقصد المتكلم بها معانيها، بل جرت على غير قصد منه كالنائم والناسي ~~والسكران والجاهل # PageV03P078 # والمكره والمخطئ من شدة الفرح أو الغضب أو المرض ونحوهم، ولم يكفر من قال ~~من شدة فرحه براحلته بعد يأسه منها: اللهم أنت عبدي وأنا ربك " فكيف يعتبر ~~الألفاظ التي يقطع بأن مراد قائلها خلافها؟ ولهذا المعنى رد شهادة ~~المنافقين ووصفهم بالخداع والكذب والاستهزاء، وذمهم على أنهم يقولون ~~بأفواههم ما ليس في قلوبهم وأن بواطنهم تخالف ظواهرهم، وذم تعالى من يقول ~~ما لا يفعل، وأخبر أن ذلك من أكبر المقت عنده، ولعن اليهود إذ توسلوا بصورة ~~عقد البيع على ما حرمه عليهم إلى أكل ثمنه، وجعل أكل ثمنه لما كان هو ~~المقصود بمنزلة أكله في نفسه. # وقد «لعن رسول الله ms0830 - صلى الله عليه وسلم - في الخمر عاصرها ومعتصرها» ، ~~ومن المعلوم أن العاصر إنما عصر عنبا، ولكن لما كانت نيته إنما هي تحصيل ~~الخمر لم ينفعه ظاهر عصره، ولم يعصمه من اللعنة لباطن قصده ومراده، فعلم أن ~~الاعتبار في العقود والأفعال بحقائقها ومقاصدها دون ظواهر ألفاظها ~~وأفعالها. ومن لم يراع القصود في العقود وجرى مع ظواهرها يلزمه أن لا يلعن ~~العاصر، وأن يجوز له عصر العنب لكل أحد وإن ظهر له أن قصده الخمر، وأن يقضي ~~له بالأجرة لعدم تأثير القصد في العقد عنده، ولقد صرحوا بذلك، وجوزوا له ~~العصر، وقضوا له بالأجرة، وقد روي في أثر مرفوع من حديث ابن بريدة عن أبيه ~~«من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو من يتخذه خمرا ~~فقد تقحم النار على بصيرة» ذكره عبد الله ابن بطة. # ومن لم يراع القصد في العقد لم ير بذلك بأسا، وقاعدة الشريعة التي لا ~~يجوز هدمها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات كما هي ~~معتبرة في التقربات والعبادات؛ فالقصد والنية والاعتقاد يجعل الشيء حلالا ~~أو حراما، وصحيحا أو فاسدا، وطاعة أو معصية، كما أن القصد في العبادة ~~يجعلها واجبة أو مستحبة أو محرمة أو صحيحة أو فاسدة. ودلائل هذه القاعدة ~~تفوت الحصر، فمنها قوله تعالى في حق الأزواج إذا طلقوا أزواجهم طلاقا ~~رجعيا: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا} [البقرة: 228] وقوله: ~~{ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} [البقرة: 231] وذلك نص في أن الرجعة إنما ~~ملكها الله تعالى لمن قصد الصلاح دون من قصد الضرار. وقوله في الخلع: {فإن ~~خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] ~~وقوله: {فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله} ~~[البقرة: 230] فبين تعالى أن الخلع المأذون فيه والنكاح المأذون فيه إنما ~~يباح إذا ظنا أن يقيما حدود الله. وقال تعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو ~~دين غير مضار} [النساء: 12] فإنما قدم الله الوصية على الميراث إذا ms0831 لم يقصد ~~بها الموصي الضرار؛ فإن قصده فللورثة إبطالها وعدم تنفيذها، وكذلك قوله: # PageV03P079 # {فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه} [البقرة: 182] ~~فرفع الإثم عمن أبطل الجنف والإثم من وصية الموصي، ولم يجعلها بمنزلة نص ~~الشارع الذي تحرم مخالفته. ### | [شروط الواقفين] # وكذلك الإثم مرفوع عمن أبطل من شروط الواقفين ما لم يكن إصلاحا، وما كان ~~فيه جنف أو إثم، ولا يحل لأحد أن يجعل هذا الشرط الباطل المخالف لكتاب الله ~~بمنزلة نص الشارع، ولم يقل هذا أحد من أئمة الإسلام، بل قد قال إمام ~~الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو ~~باطل وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق» فإنما ينفذ من شروط ~~الواقفين ما كان لله طاعة، وللمكلف مصلحة، وأما ما كان بضد ذلك لا حرمة له ~~كشرط التعزب والترهب المضاد لشرع الله ودينه؛ فإنه تعالى فتح للأمة باب ~~النكاح بكل طريق، وسد عنهم باب السفاح بكل طريق، وهذا الشرط باطل لذلك؛ ~~فإنه يسد على من التزمه باب النكاح، ويفتح له باب الفجور، فإن لوازم ~~البشرية تتقاضاها الطباع أتم تقاض، فإذا سد عنها مشروعها فتحت له ممنوعها ~~ولا بد. # والمقصود أن الله تعالى رفع الإثم عمن أبطل الوصية الجانفة الآثمة، وكذلك ~~هو مرفوع عمن أبطل شروط الواقفين التي هي كذلك، فإذا شرط الواقف القراءة ~~على القبر كانت القراءة في المسجد أولى وأحب إلى الله ورسوله وأنفع للميت، ~~فلا يجوز تعطيل الأحب إلى الله، الأنفع لعبده واعتبار ضده، وقد رام بعضهم ~~الانفصال عن هذا بأنه قد يكون قصد الواقف حصول الأجر له باستماعه للقرآن في ~~قبره، وهذا غلط؛ فإن ثواب الاستماع مشروط بالحياة فإنه عمل اختياري وقد ~~انقطع بموته، ومن ذلك اشتراطه أن يصلي الصلوات الخمس في المسجد الذي بناه ~~على قبره، فإنه شرط باطل لا يجب بل لا يحل الوفاء به، وصلاته في المسجد ~~الذي لم يوضع على قبره أحب إلى الله ورسوله، فكيف يفتي ms0832 أو يقضي بتعطيل ~~الأحب إلى الله والقيام بالأكره إليه اتباعا لشرط الواقف الجانف الآثم؟ ومن ~~ذلك أن يشرط عليه إيقاد قنديل على قبره أو بناء مسجد عليه؛ فإنه لا يحل ~~تنفيذ هذا الشرط ولا العمل به، فكيف ينقله شرط لعن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فاعله؟ . ### | [أنواع شروط الواقفين وحكمها] # وبالجملة فشروط الواقفين أربعة أقسام: شروط محرمة في الشرع، وشروط مكروهة ~~لله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وشروط تتضمن ترك ما هو أحب إلى ~~الله ورسوله، وشروط تتضمن # PageV03P080 # فعل ما هو أحب إلى الله تعالى ورسوله؛ فالأقسام الثلاثة الأول لا حرمة ~~لها ولا اعتبار، والقسم الرابع هو الشرط المتبع الواجب الاعتبار، وبالله ~~التوفيق. # وقد أبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الشروط كلها بقوله: «من عمل ~~عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» وما رده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يجز لأحد اعتباره ولا الإلزام به وتنفيذه، ومن تفطن لتفاصيل هذه الجملة ~~التي هي من لوازم الإيمان تخلص بها من آصار وأغلال في الدنيا، وإثم وعقوبة ~~ونقص ثواب في الآخرة، وبالله التوفيق. ### | [فصل اعتبار الشرع قصد المكلف دون الصورة] # فصل # [من فروع اعتبار الشرع قصد المكلف دون الصورة] # وتأمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ~~ما لم تصيدوه أو يصد لكم» كيف حرم على المحرم الأكل مما صاده الحلال إذا ~~كان قد صاده لأجله؟ فانظر كيف أثر القصد في التحريم ولم يرفعه ظاهر الفعل، ~~ومن ذلك الأثر المرفوع من حديث أبي هريرة «من تزوج امرأة بصداق ينوي أن لا ~~يؤديه إليها فهو زان، ومن ادان دينا ينوي أن لا يقضيه فهو سارق» ذكره أبو ~~حفص بإسناده فجعل المشتري والناكح إذا قصدا أن لا يؤديا العوض بمنزلة من ~~استحل الفرج والمال بغير عوض، فيكون كالزاني والسارق في المعنى وإن خالفهما ~~في الصورة، ويؤيد ذلك ما في صحيح البخاري مرفوعا «من أخذ أموال الناس يريد ~~أداءها أداها الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها ms0833 أتلفها الله» . # فهذه النصوص وأضعافها تدل على أن المقاصد تغير أحكام التصرفات من العقود ~~وغيرها، وأحكام الشريعة تقتضي ذلك أيضا؛ فإن الرجل إذا اشترى أو استأجر أو ~~اقترض أو نكح ونوى أن ذلك لموكله أو لموليه كان له وإن لم يتكلم به في ~~العقد، وإن لم ينوه له وقع الملك للعاقد، وكذلك لو تملك المباحات من الصيد ~~والحشيش وغيرها ونواه لموكله وقع الملك له عند جمهور الفقهاء، نعم لا بد في ~~النكاح من تسمية الموكل؛ لأنه معقود عليه، فهو بمنزلة السلعة في البيع، ~~فافتقر العقد إلى تعيينه لذلك، لا أنه معقود له، وإذا كان القول والفعل ~~الواحد يوجب الملك لمالكين مختلفين عند تغير النية ثبت أن للنية تأثيرا في ~~العقود والتصرفات. # ومن ذلك أنه لو قضى عن غيره دينا أو أنفق عليه نفقة واجبة أو نحو ذلك ~~ينوي التبرع والهبة لم يملك الرجوع بالبدل، وإن لم ينو فله الرجوع إن كان ~~بإذنه اتفاقا، وإن كان بغير إذنه ففيه النزاع المعروف؛ فصورة العقد واحدة، ~~وإنما اختلف الحكم بالنية والقصد، ومن ذلك أن الله تعالى حرم أن يدفع الرجل ~~إلى غيره مالا ربويا بمثله على وجه البيع إلا أن # PageV03P081 # يتقابضا، وجوز دفعه بمثله على وجه القرض، وقد اشتركا في أن كلا منهما ~~يدفع ربويا ويأخذ نظيره، وإنما فرق بينهما القصد؛ فإن مقصود المقرض إرفاق ~~المقترض ونفعه، وليس مقصوده المعاوضة والربح، ولهذا كان القرض شقيق العارية ~~كما سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - " منيحة الورق " فكأنه أعاره ~~الدراهم ثم استرجعها منه، لكن لم يمكن استرجاع العين فاسترجع المثل، وكذلك ~~لو باعه درهما بدرهمين كان ربا صريحا، ولو باعه إياه بدرهم ثم وهبه درهما ~~آخر جاز، والصورة واحدة وإنما فرق بينهما القصد، فكيف يمكن أحدا أن يلغي ~~القصود في العقود ولا يجعل لها اعتبارا؟ . ### | [فصل الأحكام تجري على الظواهر] # فصل # [اعتراض بأن الأحكام تجري على الظواهر] # فإن قيل: قد أطلتم الكلام في مسألة القصود في العقود، ونحن نحاكمكم إلى ~~القرآن والسنة وأقوال الأئمة، قال ms0834 الله تعالى حكاية عن نبيه نوح: {ولا أقول ~~للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا ~~لمن الظالمين} [هود: 31] فرتب الحكيم على ظاهر إيمانهم، ورد علم ما في ~~أنفسهم إلى العالم بالسرائر تعالى المنفرد بعلم ذات الصدور وعلم ما في ~~النفوس من علم الغيب، وقد قال تعالى لرسوله: {ولا أقول لكم عندي خزائن الله ~~ولا أعلم الغيب} [هود: 31] وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إني لم أومر ~~أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم» وقد قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق ~~الإسلام وحسابهم على الله» فاكتفى منهم بالظاهر، ووكل سرائرهم إلى الله، ~~وكذلك فعل بالذين تخلفوا عنه واعتذروا إليه، قبل منهم علانيتهم، ووكل ~~سرائرهم إلى الله عز وجل، وكذلك كانت سيرته في المنافقين: قبول ظاهر ~~إسلامهم، ويكل سرائرهم إلى الله عز وجل، وقال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به ~~علم} [الإسراء: 36] ولم يجعل لنا علما بالنيات والمقاصد تتعلق الأحكام ~~الدنيوية بها، فقولنا لا علم لنا به. # قال الشافعي: فرض الله تعالى على خلقه طاعة نبيه، ولم يجعل لهم من الأمر ~~شيئا، فأولى ألا يتعاطوا حكما على غيب أحد بدلالة ولا ظن؛ لقصور علمهم من ~~علوم أنبيائه الذين فرض عليهم الوقوف عما ورد عليهم حتى يأتيهم أمره؛ فإنه ~~تعالى ظاهر عليهم الحجج، فما جعل إليهم الحكم في الدنيا إلا بما ظهر من ~~المحكوم عليه، ففرض على نبيه أن يقاتل أهل الأوثان حتى يسلموا فتحقن دماؤهم ~~إذا أظهروا الإسلام، وأعلم أنه لا يعلم صدقهم بالإسلام إلا الله؛ ثم أطلع ~~الله رسوله على قوم يظهرون الإسلام ويسرون # PageV03P082 # غيره فلم يجعل له أن يحكم عليهم بخلاف حكم الإسلام، ولم يجعل له أن يقضي ~~عليهم في الدنيا بخلاف ما أظهروا؛ فقال لنبيه: {قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} [الحجرات: 14] يعني أسلمنا بالقول مخافة القتل ~~والسبي، ثم أخبرهم أنه يجزيهم إن أطاعوا ms0835 الله ورسوله، يعني إن أحدثوا طاعة ~~الله ورسوله، وقال في المنافقين وهم صنف ثان: {إذا جاءك المنافقون} ~~[المنافقون: 1] إلى قوله: {اتخذوا أيمانهم جنة} [المنافقون: 2] يعني جنة من ~~القتل، وقال: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم} [التوبة: 95] فأمر ~~بقبول ما أظهروا، ولم يجعل لنبيه أن يحكم عليهم بخلاف حكم الإيمان، وقد ~~أعلم الله نبيه أنهم في الدرك الأسفل من النار؛ فجعل حكمه تعالى عليهم على ~~سرائرهم، وحكم نبيه عليهم في الدنيا على علانيتهم بإظهار التوبة وما قامت ~~عليه بينة من المسلمين وبما أقروا بقوله وما جحدوا من قول الكفر ما لم ~~يقروا به ولم يقم به بينة عليهم، وقد كذبهم في قولهم في كل ذلك، وكذلك أخبر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الله، أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عطاء بن ~~يزيد عن عبيد الله بن يزيد عن عدي بن الخيار: أن «رجلا سار النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فلم يدر ما ساره حتى جهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فإذا هو يشاوره في قتل رجل من المنافقين، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولا شهادة له، فقال: أليس ~~يصلي؟ قال: بلى، ولا صلاة له، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أولئك ~~الذين نهاني الله عن قتلهم» ثم ذكر حديث: «أمرت أن أقاتل الناس» ثم قال: ~~فحسابهم على الله بصدقهم وكذبهم، وسرائرهم إلى الله العالم بسرائرهم ~~المتولي الحكم عليهم دون أنبيائه وحكام خلقه. # وبذلك مضت أحكام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بين العباد من ~~الحدود وجميع الحقوق، أعلمهم أن جميع أحكامه على ما يظهرون، والله يدين ~~بالسرائر، ثم ذكر حديث «عويمر العجلاني في لعانه امرأته، ثم قال: فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا: لولا ما قضى الله لكان لي فيها ~~قضاء غيره» يعني لولا ما قضى الله من ألا يحكم على أحد إلا باعتراف على ~~نفسه أو بينة، ولم يعرض لشريك ولا للمرأة، وأنفذ الحكم وهو ms0836 يعلم أن أحدهما ~~كاذب، ثم علم بعد أن الزوج هو الصادق. # ثم ذكر «حديث ركانة أنه طلق امرأته ألبتة، وأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - استحلفه ما أردت إلا واحدة، فحلف له فردها إليه» ، قال: وفي ذلك ~~وغيره دليل على أن حراما على الحاكم أن يقضي أبدا على أحد من عباد الله إلا ~~بأحسن ما يظهر، وإن احتمل ما يظهر غير أحسنه وكانت عليه دلالة على ما يخالف ~~أحسنه. ومن قوله: بلى لما حكم الله في الأعراب الذين # PageV03P083 # قالوا آمنا وعلم الله أن الإيمان لم يدخل في قلوبهم لما أظهروا من ~~الإسلام ولما حكم في المنافقين الذين علم أنهم آمنوا ثم كفروا وأنهم كاذبون ~~بما أظهروا من الإيمان بحكم الإسلام، «وقال في المتلاعنين: أبصروها، فإن ~~جاءت به كذا وكذا فلا أراه إلا قد صدق عليها فجاءت به كذلك، ولم يجعل له ~~إليها سبيلا؛ إذ لم تقر ولم تقم عليها بينة» . وأبطل في حكم الدنيا عنهما ~~استعمال الدلالة التي لا توجد في الدنيا دلالة بعد دلالة الله على ~~المنافقين والأعراب أقوى مما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~قوله في امرأة العجلاني على أن يكون، ثم كان كما أخبر به النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، والأغلب على من «سمع الفزاري يقول للنبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: إن امرأتي ولدت غلاما أسود وعرض بالقذف أنه يريد القذف ثم لم يحده النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -» إذ لم يكن التعريض ظاهر قذف، فلم يحكم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بحكم القذف، والأغلب على من سمع قول ركانة لامرأته: " أنت ~~طالق ألبتة " أنه قد أوقع الطلاق بقوله أنت طالق وأن ألبتة إرادة شيء غير ~~الأول أنه أراد الإبتات بثلاث، ولكنه لما كان ظاهرا في قوله واحتمل غيره لم ~~يحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بظاهر الطلاق واحدة. # فمن حكم على الناس بخلاف ما ظهر عليهم استدلالا على أن ما أظهروا خلاف ما ~~أبطنوا بدلالة منهم أو غير دلالة لم يسلم ms0837 عندي من خلاف التنزيل والسنة، ~~وذلك مثل أن يقول قائل: من رجع عن الإسلام ممن ولد عليه قتلته ولم أستتبه، ~~ومن رجع عنه ممن لم يولد عليه أستتبه، ولم يحكم الله على عباده إلا حكما ~~واحدا، ومثله أن يقول: من رجع عن الإسلام ممن أظهر نصرانية أو يهودية أو ~~دينا يظهره كالمجوسية أستتبه فإن أظهر التوبة قبلت منه، ومن رجع إلى دين ~~خفية لم أستتبه، وكل قد بدل دين الحق ورجع إلى الكفر، فكيف يستتاب بعضهم ~~ولا يستتاب بعض؟ فإن قال: لا أعرف توبة الذي يسر دينه؟ قيل: ولا يعرفها إلا ~~الله، وهذا - مع خلافه حكم الله ثم رسوله - كلام محال، يسأل من قال هذا: هل ~~تدري لعل الذي كان أخفى الشرك يصدق بالتوبة والذي كان أظهر الشرك يكذب ~~بالتوبة؟ فإن قال: نعم، قيل: فتدري لعلك قتلت المؤمن الصادق الإيمان ~~واستحييت الكاذب بإظهار الإيمان؟ فإن قال: ليس علي إلا الظاهر، قيل: ~~فالظاهر فيهما واحد وقد جعلته اثنين بعلة محالة، والمنافقون على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لم يظهروا يهودية ولا نصرانية ولا مجوسية بل ~~كانوا يستسرون بدينهم فيقبل منهم ما يظهرون من الإيمان، فلو كان قائل هذا ~~القول حين خالف السنة أحسن أن يقول شيئا له وجه، ولكنه يخالفها ويعتل بما ~~لا وجه له، كأنه يرى أن اليهودية والنصرانية لا تكون إلا بإتيان الكنائس، ~~أرأيت إن كانوا ببلاد لا كنائس فيها إما يصلون في بيوتهم فتخفى صلاتهم على ~~غيرهم؟ قال: وما وصفت من حكم الله ثم حكم # PageV03P084 # رسوله في المتلاعنين يبطل حكم الدلالة التي هي أقوى من الذرائع، فإذا بطل ~~الأقوى من الدلائل بطل الأضعف من الذرائع كلها، وبطل الحد في التعريض ~~بالقذف. # فإن من الناس من يقول: إذا تشاتم الرجلان فقال أحدهما: " ما أنا بزان ولا ~~أمي بزانية " حد؛ لأنه إذا قاله على المشاتمة فالأغلب أنه إنما يريد به قذف ~~الذي يشاتم وأمه، وإن قاله على غير المشاتمة لم أحده إذا قال: " لم أرد ~~القذف " مع إبطال ms0838 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكم التعريض في حديث ~~الفزاري الذي ولدت امرأته غلاما أسود، فإن قال قائل: فإن عمر حد في التعريض ~~في مثل هذا، قيل: استشار أصحابه، فخالفه بعضهم، ومع من خالفه ما وصفنا من ~~الدلالة. # ويبطل مثله قول الرجل لامرأته: " أنت طالق ألبتة " لأن الطلاق إيقاع طلاق ~~ظاهر، وألبتة تحتمل زيادة في عدد الطلاق وغير زيادة والقول قوله في الذي ~~يحتمل غير الظاهر، حتى لا يحكم عليه أبدا إلا بظاهر، ويجعل القول قوله في ~~الذي يحتمل غير الظاهر؛ فهذا يدل على أنه لا يفسد عقد إلا بالعقد نفسه، ولا ~~يفسد بشيء تقدمه ولا تأخره، ولا بتوهم، ولا بالأغلب، وكذلك كل شيء لا يفسد ~~إلا بعقده. ولا يفسد البيوع بأن يقول: هذه ذريعة، وهذه نية سوء، ولو كان أن ~~يبطل البيوع بأن تكون ذريعة إلى الربا كان اليقين في البيوع بعقد ما لا يحل ~~أولى أن يريد به من الظن، ألا ترى أن رجلا لو اشترى سيفا ونوى بشرائه أن ~~يقتل به مسلما كان الشراء حلالا، وكانت النية بالقتل غير جائزة، ولم يبطل ~~بها البيع، وكذلك لو باع سيفا من رجل يريد أن يقتل به رجلا كان هذا هكذا. # ولو أن رجلا شريفا نكح دنية أعجمية أو شريفة نكحت دنيا أعجميا فتصادقا في ~~الوجهين على إن لم ينو واحد منهما أن يثبت على النكاح أكثر من ليلة لم يحرم ~~النكاح بهذه النية؛ لأن ظاهر عقده كان صحيحا إن شاء الزوج حبسها وإن شاء ~~طلقها. # فإذا دل الكتاب ثم السنة ثم عامة حكم الإسلام على أن العقود إنما تثبت ~~بظاهر عقدها لا تفسدها نية العاقدين كانت العقود إذا عقدت في الظاهر صحيحة، ~~ولا تفسد بتوهم غير عاقدها على عاقدها، ولا سيما إذا كان توهما ضعيفا، ~~انتهى كلام الشافعي. # وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الهازل بالنكاح والطلاق والرجعة ~~كالجاد بها، مع أنه لم يقصد حقائق هذه العقود، وأبلغ من هذا قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إنما أقضي ms0839 بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه ~~فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه يحكم بالظاهر وإن كان في نفس الأمر لا يحل للمحكوم له ما حكم له به، ~~وفي هذا كله دلالة على إلغاء المقاصد والنيات في العقود، وإبطال سد ~~الذرائع، واتباع ظواهر عقود الناس وألفاظهم، وبالله التوفيق. # PageV03P085 # [القول الفصل في هذه المسألة] # فانظر ملتقى البحرين، ومعترك الفريقين، فقد أبرز كل منهما حجته، وخاض بحر ~~العلم فبلغ منه لجته، وأدلى من الحجج والبراهين بما لا يدفع، وقال ما هو ~~حقيق بأن يقول له أهل العلم قل يسمع، وحجج الله لا تتعارض، وأدلة الشرع لا ~~تتناقض، والحق يصدق بعضه بعضا، ولا يقبل معارضة ولا نقصا، وحرام على المقلد ~~المتعصب أن يكون من أهل هذا الطراز الأول، أو يكون على قوله وبحثه إذا حقت ~~الحقائق المعول، فليجرب المدعي ما ليس له والمدعي في قوم ليس منهم نفسه ~~وعلمه وما حصله في الحكم بين الفريقين، والقضاء للفصل بين المتغالبين، ~~وليبطل الحجج والأدلة من أحد الجانبين، ليسلم له قول إحدى الطائفتين، وإلا ~~فيلزم حده، ولا يتعدى طوره، ولا يمد إلى العلم الموروث عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - باعا يقصر عن الوصول إليه، ولا يتجر بنقد زائف لا يروج ~~عليه، ولا يتمكن من الفصل بين المقالين إلا من تجرد لله مسافرا بعزمه وهمته ~~إلى مطلع الوحي، منزلا نفسه منزلة من يتلقاه غضا طريا من في رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يعرض عليه آراء الرجال ولا يعرضه عليها، ويحاكمها ~~إليه ولا يحاكمه إليها، فنقول وبالله التوفيق: # [وضعت الألفاظ لتعريف ما في النفس] # إن الله تعالى وضع الألفاظ بين عباده تعريفا ودلالة على ما في نفوسهم، ~~فإذا أراد أحدهم من الآخر شيئا عرفه بمراده وما في نفسه بلفظه، ورتب على ~~تلك الإرادات والمقاصد أحكامها بواسطة الألفاظ، ولم يرتب تلك الأحكام على ~~مجرد ما في النفوس من غير دلالة فعل أو قول، ولا ms0840 على مجرد ألفاظ مع العلم ~~بأن المتكلم بها لم يرد معانيها ولم يحط بها علما، بل تجاوز للأمة عما حدثت ~~به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم به، وتجاوز لها عما تكلمت به مخطئة أو ~~ناسية أو مكرهة أو غير عالمة به إذا لم تكن مريدة لمعنى ما تكلمت به أو ~~قاصدة إليه، فإذا اجتمع القصد والدلالة القولية أو الفعلية ترتب الحكم. هذه ~~قاعدة الشريعة، وهي من مقتضيات عدل الله وحكمته ورحمته، فإن خواطر القلوب ~~وإرادة النفوس لا تدخل تحت الاختيار، فلو ترتبت عليها الأحكام لكان في ذلك ~~أعظم حرج ومشقة على الأمة، ورحمة الله تعالى وحكمته تأبى ذلك، والغلط ~~والنسيان والسهو وسبق اللسان بما لا يريده العبد بل يريد خلافه والتكلم به ~~مكرها وغير عارف لمقتضاه من لوازم البشرية لا يكاد ينفك الإنسان من شيء ~~منه؛ فلو رتب عليه الحكم لحرجت الأمة وأصابها غاية التعب والمشقة؛ فرفع ~~عنها المؤاخذة بذلك كله حتى الخطأ في اللفظ من شدة الفرح والغضب والسكر كما ~~تقدمت شواهده # PageV03P086 ### | [الأشياء التي لا يؤاخذ الله المكلف بها] # وكذلك الخطأ والنسيان والإكراه والجهل بالمعنى وسبق اللسان بما لم يرده ~~والتكلم في الإغلاق ولغو اليمين؛ فهذه عشرة أشياء لا يؤاخذ الله بها عبده ~~بالتكلم في حال منها؛ لعدم قصده وعقد قلبه الذي يؤاخذه به. # أما الخطأ من شدة الفرح فكما في الحديث الصحيح حديث «فرح الرب بتوبة عبده ~~وقول الرجل: أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح» . # وأما الخطأ من شدة الغضب فكما في قوله تعالى: {ولو يعجل الله للناس الشر ~~استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم} [يونس: 11] قال السلف: هو دعاء الإنسان ~~على نفسه وولده وأهله حال الغضب، لو أجابه الله تعالى لأهلك الداعي ومن دعى ~~عليه، فقضي إليهم أجلهم، وقد قال جماعة من الأئمة: الإغلاق الذي منع النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - من وقوع الطلاق والعتاق فيه هو الغضب. وهذا كما ~~قالوه؛ فإن للغضب سكرا كسكر الخمر أو أشد. # وأما السكران فقد قال الله تعالى: ms0841 {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] فلم يرتب على كلام السكران ~~حكما حتى يكون عالما بما يقول؛ ولذلك «أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رجلا يشكك المقر بالزنا ليعلم هل هو عالم بما يقول أو غير عالم بما يقول، ~~ولم يؤاخذ حمزة بقوله في حال السكر: هل أنتم إلا عبيد لأبي ولم يكفر من قرأ ~~في حال سكره في الصلاة: أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون» . # وأما الخطأ والنسيان فقد قال تعالى حكاية عن المؤمنين: {ربنا لا تؤاخذنا ~~إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] وقال الله تعالى: " قد فعلت " وقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله قد تجاوز لي عن أمتي الخطأ ~~والنسيان وما استكرهوا عليه» . # وأما المكره فقد قال الله: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106] والإكراه داخل في حكم الإغلاق. # وأما اللغو فقد رفع الله تعالى المؤاخذة به حتى يحصل عقد القلب. # وأما سبق اللسان بما لم يرده المتكلم فهو دائر بين الخطأ في اللفظ والخطأ ~~في القصد؛ فهو أولى أن لا يؤاخذ به من لغو اليمين، وقد نص الأئمة على مسائل ~~من ذلك تقدم ذكر بعضها. # PageV03P087 # وأما الإغلاق فقد نص عليه صاحب الشرع، والواجب حمل كلامه فيه على عمومه ~~اللفظي والمعنوي؛ فكل من أغلق عليه باب قصده وعلمه كالمجنون والسكران ~~والمكره والغضبان فقد تكلم في الإغلاق، ومن فسره بالجنون أو بالسكر أو ~~بالغضب أو بالإكراه فإنما قصد التمثيل لا التخصيص، ولو قدر أن اللفظ يختص ~~بنوع من هذه الأنواع لوجب تعميم الحكم بعموم العلة؛ فإن الحكم إذا ثبت لعلة ~~تعدى بتعديها وانتفى بانتفائها. ### | [فصل الألفاظ بالنسبة إلى مقاصد المتكلمين ثلاثة أقسام] # فصل # [الألفاظ على ثلاثة أقسام] # فإن تمهدت هذه القاعدة فنقول: الألفاظ بالنسبة إلى مقاصد المتكلمين ~~ونياتهم وإرادتهم لمعانيها ثلاثة أقسام: أحدها: أن تظهر مطابقة القصد للفظ، ~~وللظهور مراتب تنتهي إلى اليقين والقطع بمراد المتكلم بحسب الكلام في نفسه ~~وما يقترن ms0842 به من القرائن الحالية واللفظية وحال المتكلم به وغير ذلك، كما ~~إذا سمع العاقل والعارف باللغة قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنكم سترون ~~ربكم عيانا، كما ترون القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب، وكما ترون الشمس في ~~الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب، لا تضارون في رؤيته إلا كما تضارون في ~~رؤيتها» فإنها لا يستريب ولا يشك في مراد المتكلم وأنه رؤية البصر حقيقة، ~~وليس في الممكن عبارة أوضح ولا أنص من هذه. ولو اقترح على أبلغ الناس أن ~~يعبر عن هذا المعنى بعبارة لا تحتمل غيره لم يقدر على عبارة أوضح ولا أنص ~~من هذه، وعامة كلام الله ورسوله من هذا القبيل؛ فإنه مستول على الأمد ~~الأقصى من البيان. # فصل # القسم الثاني: ما يظهر بأن المتكلم لم يرد معناه، وقد ينتهي هذا الظهور ~~إلى حد اليقين بحيث لا يشك السامع فيه، وهذا القسم نوعان؛ أحدهما: أن لا ~~يكون مريدا لمقتضاه ولا لغيره، والثاني: أن يكون مريدا لمعنى يخالفه؛ ~~فالأول كالمكره والنائم والمجنون ومن اشتد به الغضب والسكران، والثاني: ~~كالمعرض والموري والملغز والمتأول. # فصل # القسم الثالث: ما هو ظاهر في معناه ويحتمل إرادة المتكلم له ويحتمل ~~إرادته غيره، # PageV03P088 # ولا دلالة على واحد من الأمرين، واللفظ دال على المعنى الموضوع له، وقد ~~أتى به اختيارا. # [متى يحمل الكلام على ظاهره؟] # فهذه أقسام الألفاظ بالنسبة إلى إرادة معانيها ومقاصد المتكلم بها، وعند ~~هذا يقال: إذا ظهر قصد المتكلم لمعنى الكلام أو لم يظهر قصد يخالف كلامه ~~وجب حمل كلامه على ظاهره، والأدلة التي ذكرها الشافعي - رضي الله عنه - ~~وأضعافها كلها إنما تدل على ذلك، وهذا حق لا ينازع فيه عالم، والنزاع إنما ~~هو في غيره. # إذا عرف هذا فالواجب حمل كلام الله تعالى ورسوله وحمل كلام المكلف على ~~ظاهره الذي هو ظاهره، وهو الذي يقصد من اللفظ عند التخاطب، ولا يتم التفهيم ~~والفهم إلا بذلك. ومدعي غير ذلك على المتكلم القاصد للبيان والتفهيم كاذب ~~عليه. # قال الشافعي: وحديث رسول الله - صلى الله عليه ms0843 وآله وسلم - على ظاهره بت، ~~ومن ادعى أنه لا طريق لنا إلى اليقين بمراد المتكلم لأن العلم بمراده موقوف ~~على العلم بانتفاء عشرة أشياء فهو ملبوس عليه ملبس على الناس؛ فإن هذا لو ~~صح لم يحصل لأحد العلم بكلام المتكلم قط، وبطلت فائدة التخاطب، وانتفت ~~خاصية الإنسان، وصار الناس كالبهائم، بل أسوأ حالا، ولما علم عرض هذا ~~المصنف من تصنيفه، وهذا باطل بضرورة الحس والعقل، وبطلانه من أكثر من ~~ثلاثين وجها مذكورة في غير هذا الموضع، ولكن حمل كلام المتكلمين على ظاهره ~~لا ينبغي صرفه عن ذلك لدلالة تدل عليه كالتعريض ولحن الخطاب والتورية وغير ~~ذلك، وهذا أيضا مما لا ينازع فيه العقلاء. # [متى يحمل الكلام على غير ظاهره] ؟ # وإنما النزاع في الحمل على الظاهر حكما بعد ظهور مراد المتكلم والفاعل ~~بخلاف ما أظهره؛ فهذا هو الذي وقع فيه النزاع، وهو: هل الاعتبار بظواهر ~~الألفاظ والعقود وإن ظهرت المقاصد والنيات بخلافها أم للقصود والنيات تأثير ~~يوجب الالتفات إليها ومراعاة جانبها؟ وقد تظاهرت أدلة الشرع وقواعده على أن ~~القصود في العقود معتبرة، وأنها تؤثر في صحة العقد وفساده وفي حله وحرمته، ~~بل أبلغ من ذلك، وهي أنها تؤثر في صحة العقد وفساده وفي حله وحرمته، بل ~~أبلغ من ذلك، وهي أنها تؤثر في الفعل الذي ليس بعقد تحليلا وتحريما فيصير ~~حلالا تارة وحراما تارة باختلاف النية والقصد، كما يصير صحيحا تارة وفاسدا ~~تارة باختلافها، وهذا كالذبح فإن الحيوان يحل إذا ذبح لأجل الأكل ويحرم إذا # PageV03P089 # ذبح لغير الله، وكذلك الحلال يصيد الصيد للمحرم فيحرم عليه ويصيده للحلال ~~فلا يحرم على المحرم، وكذلك الرجل يشتري الجارية ينوي أن تكون لموكله فتحرم ~~على المشتري وينوي أنها له فتحل له، وصورة العقد واحدة، وإنما اختلفت النية ~~والقصد، وكذلك صورة القرض وبيع الدرهم بالدرهم إلى أجل صورتهما واحدة وهذا ~~قربة صحيحة وهذا معصية باطلة بالقصد، وكذلك عصر العنب بنية أن يكون خمرا ~~معصية ملعون فاعله على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعصره بنية ms0844 ~~أن يكون خلا أو دبسا جائز وصورة الفعل واحدة، وكذلك السلاح يبيعه الرجل لمن ~~يعرف أنه يقتل به مسلما حرام باطل لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان ~~وإذا باعه لمن يعرف أنه يجاهد به في سبيل الله فهو طاعة وقربة، وكذلك عقد ~~النذر المعلق على شرط ينوي به التقرب والطاعة فيلزمه الوفاء بما نذره وينوي ~~به الحلف والامتناع فيكون يمينا مكفرة، وكذلك تعليق الكفر بالشرط ينوي به ~~اليمين والامتناع فلا يكفر بذلك وينوي به وقوع الشرط فيكفر عند وجود الشرط # [ولا يكفر إن نوى به اليمين] # وصورة اللفظ واحدة، وكذلك ألفاظ الطلاق صريحها وكنايتها ينوي بها الطلاق ~~فيكون ما نواه وينوي به غيره فلا تطلق، وكذلك قوله: " أنت عندي مثل أمي " ~~ينوي بها الظهار فتحرم عليه وينوي به أنها مثلها في الكرامة فلا تحرم عليه، ~~وكذلك من أدى عن غيره واجبا ينوي به الرجوع ملكه وإن نوى به التبرع لم ~~يرجع. # وهذا كما أنها أحكام الرب تعالى في العقود فهي أحكامه تعالى في العبادات ~~والمثوبات والعقوبات؛ فقد اطردت سنته بذلك في شرعه وقدره، أما العبادات ~~فتأثير النيات في صحتها وفسادها أظهر من أن يحتاج إلى ذكره؛ فإن القربات ~~كلها مبناها على النيات، ولا يكون الفعل عبادة إلا بالنية والقصد، ولهذا لو ~~وقع في الماء ولم ينو الغسل أو دخل الحمام للتنظيف أو سبح للتبرد لم يكن ~~غسله قربة ولا عبادة بالاتفاق، فإنه لم ينو العبادة فلم تحصل له، وإنما ~~لامرئ ما نوى، ولو أمسك عن المفطرات عادة واشتغالا ولم ينو القربة لم يكن ~~صائما، ولو دار حول البيت يلتمس شيئا سقط منه لم يكن طائفا، ولو أعطى ~~الفقير هبة أو هدية ولم ينو الزكاة لم يحسب زكاة، ولو جلس في المسجد ولم ~~ينو الاعتكاف لم يحصل له. # وهذا كما أنه ثابت في الإجزاء والامتثال فهو ثابت في الثواب والعقاب؛ ~~ولهذا لو جامع أجنبية يظنها زوجته أو أمته لم يأثم بذلك وقد يثاب بنيته، ~~ولو جامع في ظلمة من يظنها ms0845 أجنبية فبانت زوجته أو أمته أثم على ذلك بقصده ~~ونيته للحرام، ولو أكل طعاما حراما يظنه حلالا لم يأثم به، ولو أكله وهو ~~حلال يظنه حراما وقد أقدم عليه أثم بنيته، وكذلك لو قتل من # PageV03P090 # يظنه مسلما معصوما فبان كافرا حربيا أثم بنيته، ولو رمى صيدا فأصاب ~~معصوما لم يأثم، ولو رمى معصوما فأخطأه وأصاب صيدا أثم، ولهذا كان القاتل ~~والمقتول من المسلمين في النار لنية كل واحد منهما قتل صاحبه. # [النية روح العمل ولبه] # فالنية روح العمل ولبه وقوامه، وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها، ~~والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال كلمتين كفتا وشفتا وتحتهما كنوز ~~العلم وهما قوله: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» فبين في ~~الجملة الأولى أن العمل لا يقع إلا بالنية، ولهذا لا يكون عمل إلا بنية، ثم ~~بين في الجملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه وهذا يعم ~~العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال، وهذا دليل ~~على أن من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا، ولا يعصمه من ذلك صورة ~~البيع، وأن من نوى بعقد النكاح التحليل كان محللا، ولا يخرجه من ذلك صورة ~~عقد النكاح؛ لأنه قد نوى ذلك، وإنما لامرئ ما نوى؛ فالمقدمة الأولى معلومة ~~بالوجدان، والثانية معلومة بالنص، وعلى هذا فإذا نوى بالعصر حصول الخمر كان ~~له ما نواه، ولذلك استحق اللعنة، وإذا نوى بالفعل التحيل على ما حرمه الله ~~ورسوله كان له ما نواه؛ فإنه قصد المحرم وفعل مقدوره في تحصيله، ولا فرق في ~~التحيل على المحرم بين الفعل الموضوع له وبين الفعل الموضوع لغيره إذا جعل ~~ذريعة له، لا في عقل ولا في شرع؛ ولهذا لو نهى الطبيب المريض عما يؤذيه ~~وحماه منه فتحيل على تناوله عد متناولا لنفس ما نهى عنه، ولهذا مسخ الله ~~اليهود قردة لما تحيلوا على فعل ما حرمه الله، ولم يعصمهم من عقوبته إظهار ~~الفعل المباح لما توسلوا به إلى ارتكاب محارمه، ولهذا عاقب ms0846 أصحاب الجنة بأن ~~حرمهم ثمارها لما توسلوا بجذاذها مصبحين إلى إسقاط نصيب المساكين، ولهذا ~~لعن اليهود لما أكلوا ثمن ما حرم الله عليهم أكله، ولم يعصمهم التوسل إلى ~~ذلك بصورة البيع. وأيضا فإن اليهود لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها ~~بإذابتها فإنها بعد الإذابة يفارقها الاسم وتنتقل إلى اسم الودك، فلما ~~تحيلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك. ### | [تحريم الحيل] # [الدلالة على تحريم الحيل] # قال الخطابي: في هذا في الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوسل إلى ~~المحرم؛ فإنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه. # قال شيخنا - رضي الله عنه -: ووجه الدلالة ما أشار إليه أحمد أن اليهود ~~لما حرم الله # PageV03P091 # عليهم الشحوم أرادوا الاحتيال على الانتفاع بها على وجه لا يقال في ~~الظاهر إنهم انتفعوا بالشحم فجملوه وقصدوا بذلك أن يزول عنه اسم الشحم، ثم ~~انتفعوا بثمنه بعد ذلك لئلا يكون الانتفاع في الظاهر بعين المحرم، ثم مع ~~كونهم احتالوا بحيلة خرجوا بها في زعمهم من ظاهر التحريم من هذين الوجهين ~~لعنهم الله على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذا الاستحلال، ~~نظرا إلى المقصود، وأن حكمة التحريم لا تختلف سواء كان جامدا أو مائعا، ~~وبدل الشيء يقوم مقامه ويسد مسده، فإذا حرم الله الانتفاع بشيء حرم ~~الاعتياض عن تلك المنفعة، وأما ما أبيح الانتفاع به من وجه دون وجه كالخمر ~~مثلا فإنه يجوز بيعها لمنفعة الظهر المباحة لا لمنفعة اللحم المحرمة، وهذا ~~معنى حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود وصححه الحاكم وغيره «لعن الله ~~اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على ~~قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه» يعني ثمنه المقابل لمنفعة الأكل، فإذا كان فيه ~~منفعة أخرى وكان الثمن في مقابلتها لم يدخل في هذا. # إذا تبين هذا فمعلوم أنه لو كان التحريم معلقا بمجرد اللفظ وبظاهر من ~~القول دون مراعاة المقصود للشيء المحرم ومعناه وكيفيته لم يستحقوا اللعنة ~~لوجهين: أحدهما: أن الشحم خرج بجمله عن أن يكون ms0847 شحما، وصار ودكا، كما يخرج ~~الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى أن يصير بيعا عند من يستحل ذلك؛ فإن ~~من أراد أن يبيع مائة بمائة وعشرين إلى أجل فأعطى سلعة بالثمن المؤجل ثم ~~اشتراها بالثمن الحال، ولا غرض لواحد منهما في السلعة بوجه ما، وإنما هي ~~كما قال فقيه الأمة دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة؛ فلا فرق بين ذلك وبين ~~مائة بمائة وعشرين درهما بلا حيلة ألبتة، لا في شرع ولا في عقل ولا عرف، بل ~~المفسدة التي لأجلها حرم الربا بعينها قائمة مع الاحتيال أو أزيد منها، ~~فإنها تضاعفت بالاحتيال لم تذهب ولم تنقص؛ فمن المستحيل على شريعة أحكم ~~الحاكمين أن يحرم ما فيه مفسدة ويلعن فاعله ويؤذنه بحرب منه ورسوله ويوعده ~~أشد الوعيد ثم يبيح التحيل على حصول ذلك بعينه سواء مع قيام تلك المفسدة ~~وزيادتها بتعب الاحتيال في معصية ومخادعة الله ورسوله. هذا لا يأتي به شرع؛ ~~فإن الربا على الأرض أسهل وأقل مفسدة من الربا بسلم طويل صعب التراقي ~~يترابى المترابيان على رأسه # فيا لله العجب، أي مفسدة من مفاسد الربا زالت بهذا الاحتيال والخداع؟ فهل ~~صار هذا الذنب العظيم عند الله هو من أكبر الكبائر حسنة وطاعة بالخداع ~~والاحتيال؟ ويا لله، كيف قلب الخداع والاحتيال حقيقته من الخبيث إلى الطيب ~~ومن المفسدة إلى المصلحة وجعله محبوبا للرب تعالى بعد أن كان مسخوطا له؟ ~~ولئن كان هذا الاحتيال يبلغ هذا المبلغ # PageV03P092 # فإنه عند الله ورسوله بمكان ومنزلة عظيمة وإنه من أقوى دعائم الدين وأوثق ~~عراه وأجل أصوله. # ويا لله العجب، كيف تزول مفسدة التحليل الذي أشار رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بلعن فاعله مرة بعد أخرى بتسبيق شرطه وتقديمه على صلب العقد ~~وخلاء صلب العقد من لفظه وقد وقع التواطؤ والتوافق عليه؟ وأي غرض للشارع؟ ~~وأي حكمة في تقديم الشرط وتسبيقه حتى تزول به اللعنة وتنقلب به خمرة هذا ~~العقد خلا؟ وهل كان عقد التحليل مسخوطا لله ورسوله لحقيقته ومعناه، أم لعدم ~~مقارنة الشرط ms0848 له وحصول صورة نكاح الرغبة مع القطع بانتفاء حقيقته وحصول ~~حقيقة نكاح التحليل؟ وهكذا الحيل الربوية؛ فإن الربا لم يكن حراما لصورته ~~ولفظه، وإنما كان حراما لحقيقته التي امتاز بها عن حقيقة البيع؛ فتلك ~~الحقيقة حيث وجدت وجد التحريم في أي صورة ركبت وبأي لفظ عبر عنها؛ فليس ~~الشأن في الأسماء وصور العقود، وإنما الشأن في حقائقها ومقاصدها وما عقدت ~~له. # الوجه الثاني: أن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم، وإنما انتفعوا بثمنه، ~~ويلزم من راعى الصور والظواهر والألفاظ دون الحقائق والمقاصد أن لا يحرم ~~ذلك، فلما لعنوا على استحلال الثمن - وإن لم ينص لهم على تحريمه - علم أن ~~الواجب النظر إلى الحقيقة والمقصود لا إلى مجرد الصورة، ونظير هذا أن يقال ~~لرجل: لا تقرب مال اليتيم، فيبيعه ويأخذ عوضه ويقول: لم أقرب ماله، وكمن ~~يقول لرجل: لا تشرب من هذا النهر، فيأخذ بيديه ويشرب بكفيه ويقول: لم أشرب ~~منه، وبمنزلة من يقول: لا تضرب زيدا، فيضربه فوق ثيابه ويقول: إنما ضربت ~~ثيابه، وبمنزلة من يقول: لا تأكل مال هذا الرجل فإنه حرام، فيشتري به سلعة ~~ولا يعينه ثم ينقده للبائع ويقول: لم آكل ماله إنما أكلت ما اشتريته وقد ~~ملكت ظاهرا وباطنا، وأمثال هذه الأمور التي لو استعملها الطبيب في معالجة ~~المرضى لزاد مرضهم، ولو استعملها المريض كان مرتكبا لنفس ما نهاه عنه ~~الطبيب، كمن يقول له الطبيب: لا تأكل اللحم فإنه يزيد في مواد المرض، فيدقه ~~ويعمل منه هريسة ويقول: لم آكل اللحم، وهذا المثال مطابق لعامة الحيل ~~الباطلة في الدين. # ويا لله العجب، أي فرق بين بيع مائة بمائة وعشرين درهما صريحا وبين إدخال ~~سلعة لم تقصد أصلا بل دخولها كخروجها؟ ولهذا لا يسأل العاقد عن جنسها ولا ~~صفتها ولا قيمتها ولا عيب فيها ولا يبالي بذلك ألبتة حتى لو كانت خرقة ~~مقطعة أو أذن شاة أو عودا من حطب أدخلوه محللا للربا، ولما تفطن المحتالون ~~أن هذه السلعة لا اعتبار بها في نفس الأمر، # PageV03P093 # وأنها ليست مقصودة ms0849 بوجه، وأن دخولها كخروجها - تهاونوا بها، ولم يبالوا ~~بكونها مما يتمول عادة أو لا يتمول، ولم يبال بعضهم بكونها مملوكة للبائع ~~أو غير مملوكة، بل لم يبال بعضهم بكونها مما يباع أو مما لا يباع كالمسجد ~~والمنارة والقلعة، وكل هذا وقع من أرباب الحيل، وهذا لما علموا أن المشتري ~~لا غرض له في السلعة فقالوا: أي سلعة اتفق حضورها حصل بهذا التحليل، كأي ~~تيس اتفق في باب محلل النكاح. # [مثل من وقف مع الظواهر] # وما مثل من وقف مع الظواهر والألفاظ ولم يراع المقاصد والمعاني إلا كمثل ~~رجل قيل له: لا تسلم على صاحب بدعة، فقبل يده ورجله ولم يسلم عليه، أو قيل ~~له: اذهب فاملأ هذه الجرة، فذهب فملأها ثم تركها على الحوض وقال: لم تقل ~~ايتني بها، وكمن قال لوكيله: بع هذه السلعة، فباعها بدرهم وهي تساوي مائة، ~~ويلزم من وقف مع الظواهر أن يصحح هذا البيع ويلزم به الموكل، وإن نظر إلى ~~المقاصد تناقض حيث ألقاها في غير موضع. وكمن أعطاه رجل ثوبا فقال: والله لا ~~ألبسه لما [له] فيه من المنة، فباعه وأعطاه ثمنه فقبله، وكمن قال: والله لا ~~أشرب هذا الشراب، فجعله عقيدا أو ثرد فيه خبزا وأكله، ويلزم من وقف مع ~~الظواهر والألفاظ أن لا يحد من فعل ذلك بالخمر، وقد أشار النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى أن من الأمة من يتناول المحرم ويسميه بغير اسمه فقال: ~~«ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رءوسهم بالمعازف ~~والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير» رواه أحمد ~~وأبو داود. # وفي مسند الإمام أحمد مرفوعا «يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير ~~اسمها» وفيه عن عبادة بن الصامت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «يشرب ناس ~~من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه» وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي أمامة ~~يرفعه «لا تذهب الليالي والأيام حتى تشرب طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير ~~اسمها» قال شيخنا - رضي الله عنه -: وقد جاء ms0850 حديث آخر يوافق هذا مرفوعا ~~وموقوفا من حديث ابن عباس «يأتي على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء بخمسة ~~أشياء: يستحلون الخمر باسم يسمونها إياه، والسحت بالهدية، والقتل بالرهبة، ~~والزنا بالنكاح، والربا بالبيع» وهذا حق؛ فإن استحلال الربا باسم البيع ~~ظاهر كالحيل الربوية التي صورتها صورة البيع وحقيقتها حقيقة الربا، ومعلوم ~~أن الربا إنما حرم لحقيقته ومفسدته لا لصورته واسمه، فهب أن المرابي لم ~~يسمه ربا وسماه بيعا فذلك لا يخرج حقيقته وماهيته عن نفسها، وأما استحلال ~~الخمر باسم آخر فكما استحل من استحل المسكر من غير عصير العنب وقال: لا ~~أسميه خمرا وإنما هو نبيذ، وكما يستحلها طائفة من المجان إذا مزجت ويقولون: ~~خرجت عن اسم # PageV03P094 # الخمر، كما يخرج الماء بمخالطة غيره له عن اسم الماء المطلق، وكما ~~يستحلها من يستحلها إذا اتخذت عقيدا ويقول: هذه عقيد لا خمر، ومعلوم أن ~~التحريم تابع للحقيقة والمفسدة لا للاسم والصورة؛ فإن إيقاع العداوة ~~والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة لا تزول بتبديل الأسماء والصور عن ~~ذلك، وهل هذا إلا من سوء الفهم وعدم الفقه عن الله ورسوله؟ وأما استحلال ~~السحت باسم الهدية وهو أظهر من أن يذكر - كرشوة الحاكم والوالي وغيرهما، ~~فإن المرتشي ملعون هو والراشي؛ لما في ذلك من المفسدة، ومعلوم قطعا أنهما ~~لا يخرجان عن الحقيقة وحقيقة الرشوة بمجرد اسم الهدية، وقد علمنا وعلم الله ~~وملائكته ومن له اطلاع إلى الحيل أنها رشوة. وأما استحلال القتل باسم ~~الإرهاب الذي تسميه ولاة الجور سياسة وهيبة وناموسا وحرمة للملك فهو أظهر ~~من أن يذكر. وأما استحلال الزنا باسم النكاح فهو الزنا بالمرأة التي لا غرض ~~له أن يقيم معها ولا أن تكون زوجته، وإنما غرضه أن يقضي منها وطره أو يأخذ ~~جعلا على الفساد بها ويتوصل إلى ذلك باسم النكاح وإظهار صورته، وقد علم ~~الله ورسوله والملائكة والزوج والمرأة أنه محلل لا ناكح، وأنه ليس بزوج، ~~وإنما هو تيس مستعار للضراب بمنزلة حمار العشريين. # فيا لله العجب، أي فرق في ms0851 نفس الأمر بين الزنا وبين هذا؟ نعم هذا زنا ~~بشهود من البشر وذلك زنا بشهود من الكرام الكاتبين كما صرح به أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: لا يزالان زانيين وإن مكثا عشرين سنة ~~إذا علم الله أنه إنما يريد أن يحللها، والمقصود أن هذا المحلل إذا قيل له: ~~هذا زنا، قال: ليس بزنا بل نكاح، كما أن المرابي إذا قيل له: هذا ربا، قال: ~~بل هو بيع، وكذلك كل من استحل محرما بتغيير اسمه وصورته كمن يستحل الحشيشة ~~باسم لقيمة الراحة، ويستحل المعازف كالطنبور والعود والبربط باسم يسميها ~~به، وكما يسمي بعضهم المغني بالحادي والمطرب والقوال، وكما يسمي الديوث ~~بالمصلح والموفق والمحسن، ورأيت من يسجد لغير الله من الأحياء والأموات ~~ويسمي ذلك وضع الرأس للشيخ؛ قال: ولا أقول هذا سجود، وهكذا الحيل سواء؛ فإن ~~أصحابها يعمدون إلى الأحكام فيعلقونها بمجرد اللفظ، ويزعمون أن الذي ~~يستحلونه ليس بداخل في لفظ الشيء المحرم، مع القطع بأن معناه معنى الشيء ~~المحرم؛ فإن الرجل إذا قال لمن له عليه ألف: اجعلها ألفا ومائة إلى سنة ~~بإدخال هذه الخرقة وإخراجها صورة لا معنى، لم يكن فرق بين توسطها وعدمه، ~~وكذلك إذا قال: مكنيني من نفسك أقض منك وطرا يوما أو ساعة بكذا وكذا، لم ~~يكن فرق بين إدخال شاهدين في هذا أو عدم إدخالهما وقد تواطئا على قضاء وطر ~~ساعة من زمان. # PageV03P095 # [ذكر أسماء ما أنزل الله بها من سلطان] : # ولو أوجب تبديل الأسماء والصور تبدل الأحكام والحقائق لفسدت الديانات، ~~وبدلت الشرائع، واضمحل الإسلام، وأي شيء نفع المشركين تسميتهم أصنامهم آلهة ~~وليس فيها شيء من صفات الإلهية وحقيقتها؟ وأي شيء نفعهم تسمية الإشراك ~~بالله تقربا إلى الله؟ وأي شيء نفع المعطلين لحقائق أسماء الله وصفاته ~~تسمية ذلك تنزيها؟ وأي شيء نفع الغلاة من البشر واتخاذهم طواغيت يعبدونها ~~من دون الله تسمية ذلك تعظيما واحتراما؟ وأي شيء نفع نفاة القدر المخرجين ~~لأشرف ما في مملكة الرب تعالى من طاعات أنبيائه ورسله وملائكته وعباده ms0852 عن ~~قدرته تسمية ذلك عدلا؟ وأي شيء نفعهم نفيهم لصفات كماله تسمية ذلك توحيدا؟ ~~وأي شيء نفع أعداء الرسل من الفلاسفة القائلين بأن الله لم يخلق السموات ~~والأرض في ستة أيام ولا يحيي الموتى ولا يبعث من في القبور ولا يعلم شيئا ~~من الموجودات ولا أرسل إلى الناس رسلا يأمرونهم بطاعته تسمية ذلك حكمة؟ وأي ~~شيء نفع أهل النفاق تسمية نفاقهم عقلا معيشيا وقدحهم في عقل من لم ينافق ~~نفاقهم ويداهن في دين الله؟ وأي شيء نفع المكسة تسمية ما يأخذونه ظلما ~~وعدوانا حقوقا سلطانية وتسمية أوضاعهم الجائرة الظالمة المناقضة لشرع الله ~~ودينه شرع الديوان؟ وأي شيء نفع أهل البدع والضلال تسمية شبههم الداحضة عند ~~ربهم وعند أهل العلم والدين والإيمان عقليات وبراهين؟ وتسمية كثير من ~~المتصوفة الخيالات الفاسدة والشطحات حقائق؟ فهؤلاء كلهم حقيق أن يتلى ~~عليهم: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان} ~~[النجم: 23] . ### | [فصل صيغ العقود] # فصل # [صيغ العقود إخبار عما في النفس من المعنى الذي أراده الشارع] # ومما يوضح ما ذكرناه - من أن القصود في العقود معتبرة دون الألفاظ ~~المجردة التي لم تقصد بها معانيها وحقائقها أو قصد غيرها - أن صيغ العقود ~~كبعت واشتريت وتزوجت وأجرت إما إخبارات وإما إنشاءات، وإما أنها متضمنة ~~للأمرين فهي إخبارات عما في النفس من المعاني التي تدل على العقود وإنشاءات ~~لحصول العقود في الخارج؛ فلفظها موجب لمعناها في الخارج؛ وهي إخبار عما في ~~النفس من تلك المعاني، ولا بد في صحتها من # PageV03P096 # مطابقة خبرها لمخبرها، فإذا لم تكن تلك المعاني في النفس كانت خبرا ~~كاذبا، وكانت بمنزلة قول المنافق: أشهد أن محمدا رسول الله، وبمنزلة قوله: ~~آمنت بالله وباليوم الآخر، وكذلك المحلل إذا قال " تزوجت " وهو لا يقصد ~~بلفظ التزوج المعنى الذي جعله الله في الشرع كان إخبارا كاذبا وإنشاء ~~باطلا؛ فإنا نعلم أن هذه اللفظة لم توضع في الشرع ولا في العرف ولا في ~~اللغة لمن قصد رد المطلقة إلى زوجها، وليس له قصد ms0853 في النكاح الذي وضعه الله ~~بين عباده وجعله سببا للمودة والرحمة بين الزوجين، وليس له قصد في توابعه ~~حقيقة ولا حكما، فمن ليس له قصد في الصحبة ولا في العشرة ولا في المصاهرة ~~ولا في الولد ولا في المواصلة ولا المعاشرة ولا الإيواء، بل قصده أن يفارق ~~لتعود إلى غيره؛ فالله جعل النكاح سببا للمواصلة والمصاحبة والمحلل جعله ~~سببا للمفارقة، فإنه تزوج ليطلق؛ فهو مناقض لشرع الله ودينه وحكمته، فهو ~~كاذب في قوله " تزوجت " بإظهاره خلاف ما في قلبه، وبمنزلة من قال لغيره ~~وكلتك أو شاركتك أو ضاربتك أو ساقيتك وهو يقصد رفع هذه العقود وفسخها. # وقد تقدم أن صيغ العقود إخبارات عما في النفس من المعاني التي هي أصل ~~العقود ومبدأ الحقيقة التي بها يصير اللفظ كلاما معتبرا؛ فإنها لا تصير ~~كلاما معتبرا إلا إذا قرنت بمعانيها، فتصير إنشاء للعقود والتصرفات من حيث ~~إنها هي التي أثبتت الحكم وبها وجد، وإخبارات من حيث دلالتها على المعاني ~~التي في النفس؛ فهي تشبه في اللفظ أحببت أو أبغضت وكرهت، وتشبه في المعنى ~~قم واقعد، وهذه الأقوال إنما تفيد الأحكام إذا قصد المتكلم بها حقيقة أو ~~حكما - ما جعلت له، وإذا لم يقصد بها ما يناقض معناها، وهذا فيما بينه وبين ~~الله تعالى؛ فأما في الظاهر فالأمر محمول على الصحة، إلا لما تم عقد ولا ~~تصرف، فإذا قال بعت أو تزوجت كان هذا اللفظ دليلا على أنه قصد معناه ~~المقصود به، وجعله الشارع بمنزلة القاصد وإن كان هازلا، وباللفظ والمعنى ~~جميعا يتم الحكم؛ فكل منهما جزء السبب، وهما مجموعه، وإن كانت العبرة في ~~الحقيقة بالمعنى، واللفظ دليل؛ ولهذا يصار إلى غيره عند تعذره، وهذا شأن ~~عامة أنواع الكلام فإنه محمول على معناه المفهوم منه عند الإطلاق، لا سيما ~~الأحكام الشرعية التي علق الشارع بها أحكامها، فإن المتكلم عليه أن يقصد ~~بتلك الألفاظ معانيها، والمستمع عليه أن يحملها على تلك المعاني، فإن لم ~~يقصد المتكلم به معانيها بل تكلم بها غير قاصد لمعانيها ms0854 أو قاصدا لغيرها # PageV03P097 # أبطل الشارع عليه قصده، فإن كان هازلا أو لاعبا لم يقصد المعنى ألزمه ~~الشارع المعنى كمن هزل بالكفر والطلاق والنكاح والرجعة، بل لو تكلم الكافر ~~بكلمة الإسلام هازلا ألزم به وجرت عليه أحكاما ظاهرا، وإن تكلم بها مخادعا ~~ماكرا محتالا مظهرا خلاف ما أبطن لم يعطه الشارع مقصوده كالمحلل والمرابي ~~بعقد العينة وكل من احتال على إسقاط واجب أو فعل محرم بعقد أو قول أظهره ~~وأبطن الأمر الباطل. وبهذا يخرج الجواب عن الإلزام بنكاح الهازل وطلاقه ~~ورجعته وإن لم يقصد حقائق هذه الصيغ ومعانيها. # [تقسيم جامع يبين حقيقة صيغ العقود] # ونحن نذكر تقسيما جامعا نافعا في هذا الباب نبين به حقيقة الأمر فنقول: ~~المتكلم بصيغ العقود إما أن يكون قاصدا للتكلم بها أو لا يكون قاصدا؛ فإن ~~لم يقصد التكلم بها كالمكره والنائم والمجنون والسكران والمغلوب على عقله ~~لم يترتب عليها شيء، وإن كان في بعض ذلك نزاع وتفصيل فالصواب أن أقوال ~~هؤلاء كلها هدر كما دل عليه الكتاب والسنة والميزان وأقوال الصحابة، وإن ~~كان قاصدا التكلم بها فإما أن يكون عالما بغاياتها متصورا لها أو لا يدري ~~معانيها ألبتة بل هي عنده كأصوات ينعق بها؛ فإن لم يكن عالما بمعناها ولا ~~متصورا له لم يترتب عليه أحكامها أيضا، ولا نزاع بين أئمة الإسلام في ذلك، ~~وإن كان متصورا لمعانيها عالما بمدلولها فإما أن يكون قاصدا لها أو لا؛ فإن ~~كان قاصدا لها ترتبت أحكامها في حقه ولزمته، وإن لم يكن قاصدا لها فإما أن ~~يقصد خلافها أو لا يقصد لا معناها ولا غير معناها؛ فإن لم يقصد غير التكلم ~~بها فهو الهازل ونذكر حكمه، وإن قصد غير معناها فإما أن يقصد ما يجوز له ~~قصده أو لا؛ فإن قصد ما يجوز له قصده نحو أن يقصد بقوله " أنت طالق " من ~~زوج كان قبلي، أو يقصد بقوله " أمتي - أو عبدي حر " أنه عفيف عن الفاحشة، ~~أو يقصد بقوله " امرأتي عندي مثل أمي " في الكرامة والمنزلة، ونحو ذلك، ms0855 لم ~~تلزمه أحكام هذه الصيغ فيما بينه وبين الله تعالى. # وأما في الحكم فإن اقترن بكلامه قرينة تدل على ذلك لم يلزمه أيضا؛ لأن ~~السياق والقرينة بينة تدل على صدقه، وإن لم يقترن بكلامه قرينة أصلا وادعى ~~ذلك دعوى مجردة لم تقبل منه، وإن قصد بها ما لا يجوز قصده، كالتكلم بنكحت ~~وتزوجت بقصد التحليل، وبعت واشتريت بقصد الربا، وبخالعتها بقصد الحيلة على ~~فعل المحلوف عليه، وبملكت بقصد الحيلة على إسقاط الزكاة أو الشفعة، وما ~~أشبه ذلك؛ فهذا لا يحصل له مقصوده الذي قصده وجعل ظاهر اللفظ والفعل وسيلة ~~إليه؛ فإن في تحصيل مقصوده تنفيذا للمحرم، وإسقاطا للواجب، وإعانة على ~~معصية الله ومناقضة لدينه وشرعه، فإعانته على ذلك إعانة على الإثم ~~والعدوان، ولا فرق بين إعانته على ذلك بالطريق التي # PageV03P098 # وضعت مفضية إليه وبين إعانته على ذلك بالطريق التي وضعت مفضية إلى غيره؛ ~~فالمقصود إذا كان واحدا لم يكن اختلاف الطرق الموصلة إليه بموجب لاختلاف ~~حكمه فيحرم من طريق ويحل بعينه من طريق أخرى، والطرق وسائل وهي مقصودة ~~لغيرها، فأي فرق بين التوسل إلى الحرام بطريق الاحتيال والمكر والخداع ~~والتوسل إليه بطريق المجاهرة التي يوافق فيها السر الإعلان والظاهر الباطن ~~والقصد اللفظ، بل سالك هذه الطريقة قد تكون عاقبته أسلم وخطره أقل من سالك ~~تلك من وجوه كثيرة، كما أن سالك طريق الخداع والمكر عند الناس أمقت وفي ~~قلوبهم أوضع وهم عنه أشد نفرة ممن أتى الأمر على وجهه ودخله من بابه؛ ولهذا ~~قال أيوب السختياني - وهو من كبار التابعين وساداتهم وأئمتهم - في هؤلاء: ~~يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل عليهم. ### | [فصل الكلام على المكره] # فصل # [الكلام على المكره] # إذا عرف هذا فنقول: المكره قد أتى باللفظ المقتضي للحكم، ولم يثبت عليه ~~حكمه؛ لكونه غير قاصد له، وإنما قصد دفع الأذى عن نفسه، فانتفى الحكم ~~لانتفاء قصده وإرادته لموجب اللفظ؛ فعلم أن نفس اللفظ ليس مقتضيا للحكم ~~اقتضاء الفعل لأثره، فإنه لو قتل أو ms0856 غصب أو أتلف أو نجس المائع مكرها لم ~~يمكن أن يقال: إن ذلك القتل أو الإتلاف أو التنجيس فاسد وباطل، كما لو أكل ~~أو شرب أو سكر لم يقل: إن ذلك فاسد، بخلاف ما لو حلف أو نذر أو طلق أو عقد ~~عقدا حكميا، وهكذا المحتال الماكر المخادع؛ فإنه لم يقصد الحكم المقصود ~~بذلك اللفظ الذي احتال به، وإنما قصد معنى آخر فقصد الربا بالبيع والتحليل ~~بالنكاح والحنث بالخلع، بل المكره قد قصد دفع الظلم عن نفسه، وهذا قصده ~~التوسل إلى غرض رديء؛ فالمحتال والمكره يشتركان في أنهما لم يقصدا بالسبب ~~حكمه ولا باللفظ معناه، وإنما قصدا التوسل بذلك اللفظ وبظاهر ذلك السبب إلى ~~شيء آخر غير حكم السبب، لكن أحدهما راهب قصده دفع الضرر عن نفسه، ولهذا ~~يحمد أو يعذر على ذلك، والآخر راغب قصده إبطال حق وإيثار باطل، ولهذا يذم ~~على ذلك؛ فالمكره يبطل حكم السبب فيما عليه وفيما له لأنه لم يقصد واحدا ~~منهما، والمحتال يبطل حكم السبب فيما احتال عليه، وأما فيما سواه فيجب فيه ~~التفصيل. # وههنا أمر لا بد منه، وهو أن من ظهر لنا أنه محتال فكمن ظهر لنا أنه ~~مكره، ومن ادعى # PageV03P099 # أنه إنما قصد الاحتيال فكمن ادعى أنه مكره، وإن كان ظهور أمر المكره أبين ~~من ظهور أمر المحتال. ### | [فصل حقيقة الهازل وحكم عقوده] # فصل # [حقيقة الهازل وحكم عقوده] # وأما الهازل فهو الذي يتكلم بالكلام من غير قصد لموجبه وحقيقته، بل على ~~وجه للعب ونقيضه الجاد فاعل من الجد بكسر الجيم وهو نقيض الهزل، وهو مأخوذ ~~من " جد فلان " إذا عظم واستغنى وصار ذا حظ، والهزل: من هزل إذا ضعف وضؤل، ~~نزل الكلام الذي يراد معناه وحقيقته بمنزلة صاحب الحظ والبخت والغنى، والذي ~~لم يرد معناه وحقيقته بمنزلة الخالي من ذلك؛ إذ قوام الكلام بمعناه، وقوام ~~الرجل بحظه وماله، وقد جاء فيه حديث أبي هريرة المشهور عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة» رواه أهل ms0857 ~~السنن وحسنه الترمذي. # وفي مراسيل الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «من نكح لاعبا أو طلق ~~لاعبا أو أعتق لاعبا فقد جاز» . وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أربع ~~جائزات إذا تكلم بهن: الطلاق، والعتاق، والنكاح، والنذر. وقال أمير ~~المؤمنين علي كرم الله وجهه: ثلاث لا لعب فيهم: الطلاق، والعتاق، والنكاح. # وقال أبو الدرداء: ثلاث اللعب فيهن كالجد: الطلاق، والعتاق، والنكاح. # وقال ابن مسعود: النكاح جده ولعبه سواء، ذكر ذلك أبو حفص العكبري. # فصل # [أقوال الفقهاء والحكمة في نفاذ حكم العقود على الهازل] # فأما طلاق الهازل فيقع عند الجمهور، وكذلك نكاحه صحيح كما صرح به النص، ~~وهذا هو المحفوظ عن الصحابة والتابعين، وهو قول الجمهور، وحكاه أبو حفص ~~أيضا عن أحمد، وهو قول أصحابه، وقول طائفة من أصحاب الشافعي، وذكر بعضهم أن ~~الشافعي نص على أن نكاح الهازل لا يصح بخلاف طلاقه، ومذهب مالك الذي رواه ~~ابن القاسم عنه وعليه العمل عند أصحابه أن هزل النكاح والطلاق لازم، بخلاف ~~البيع، وروى عنه علي بن زياد أن نكاح الهازل لا يجوز. # قال بعض أصحابه: فإن قام دليل الهزل لم يلزمه عتق ولا نكاح ولا طلاق، ولا ~~شيء عليه من الصداق، وأما بيع الهازل وتصرفاته المالية فإنه لا يصح عند ~~القاضي أبي يعلى وأكثر أصحابه، وهو قول الحنفية والمالكية. وقال أبو الخطاب ~~في # PageV03P100 # انتصاره: يصح بيعه كطلاقه، وخرجها بعض الشافعية على وجهين، ومن قال ~~بالصحة قاس سائر التصرفات على النكاح والطلاق والرجعة. # والفقه فيه أن الهازل أتى بالقول غير ملزم لحكمه، وترتيب الأحكام على ~~الأسباب للشارع لا للعاقد، فإذا أتى بالسبب لزمه حكمه شاء أم أبى؛ لأن ذلك ~~لا يقف على اختياره، وذلك أن الهازل قاصد للقول مريد له مع علمه بمعناه ~~وموجبه، وقصد اللفظ المتضمن للمعنى قصد لذلك للمعنى لتلازمهما، إلا أن ~~يعارضه قصد آخر كالمكره والمخادع المحتال؛ فإنهما قصدا شيئا آخر غير معنى ~~القول وموجبه، ألا ترى أن المكره قصد دفع العذاب عن نفسه ولم يقصد السبب ~~ابتداء، ms0858 والمحلل قصد إعادتها إلى المطلق، وذلك مناف لقصده موجب السبب، وأما ~~الهازل فقصد السبب ولم يقصد حكمه ولا ما ينافي حكمه فترتب عليه أثره. # فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بلغو اليمين فإنه لا يترتب عليه حكمه. # قيل: اللاغي لم يقصد السب، وإنما جرى على لسانه من غير قصده؛ فهو بمنزلة ~~كلام النائم والمغلوب على عقله، وأيضا فالهزل أمر باطن لا يعرف إلا من جهة ~~الهازل، فلا يقبل قوله في إبطال حق العاقد الآخر، ومن فرق بين البيع وبابه ~~والنكاح وبابه قال: الحديث والآثار تدل على أن من العقود ما يكون جده وهزله ~~سواء، ومنها ما لا يكون كذلك، وإلا لقال العقود كلها أو الكلام كله جده ~~وهزله سواء، وأما من جهة المعنى فإن النكاح والطلاق والرجعة والعتق فيها حق ~~الله تعالى. # أما العتق فظاهر، وأما الطلاق فإنه يوجب تحريم البضع، ولهذا تجب إقامة ~~الشهادة فيه وإن لم تطلبها الزوجة، وكذلك في النكاح فإنه يفيد حل ما كان ~~حراما وحرمة ما كان حلالا وهو التحريم الثابت بالمصاهرة؛ ولهذا لا يستباح ~~إلا بالمهر، وإذا كان كذلك لم يكن للعبد - مع تعاطي السبب الموجب لهذه ~~الأحكام - أن لا يرتب عليها موجباتها، كما ليس له ذلك في كلمات الكفر إذا ~~هزل بها كما صرح به القرآن؛ فإن الكلام المتضمن لحق الله لا يمكن قوله مع ~~رفع ذلك الحق؛ إذ ليس للعبد أن يهزل مع ربه ولا يستهزئ بآياته ولا يتلاعب ~~بحدوده. # وفي حديث أبي موسى «ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ويستهزئون بآياته» ~~وذلك في الهازلين، يعني - والله أعلم - يقولونها لعبا غير ملتزمين لأحكامها ~~وحكمها لازم لهم، وهذا بخلاف البيع وبابه؛ فإنه تصرف في المال الذي هو محض ~~حق الآدمي، ولهذا يملك بذله بعوض وغير عوض، والإنسان قد يلعب مع الإنسان ~~وينبسط معه، فإذا تكلم على هذا الوجه لم يلزمه حكم الجاد؛ لأن المزاح معه ~~جائز. # PageV03P101 # وحاصل الأمر أن اللعب والهزل والمزاح في حقوق الله تعالى غير جائز، فيكون ~~جد القول وهزله سواء، بخلاف ms0859 جانب العباد، ألا ترى أن «النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يمزح مع الصحابة ويباسطهم» . # وأما مع ربه تعالى فيجد كل الجد، ولهذا «قال للأعرابي يمازحه: من يشتري ~~مني العبد؟ فقال: تجدني رخيصا يا رسول الله؟ فقال: بل أنت عند الله غال» ~~وقصد - صلى الله عليه وسلم - أنه عبد الله، والصيغة صيغة استفهام، وهو - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يمزح ولا يقول إلا حقا، ولو أن رجلا قال: " من ~~يتزوج أمي أو أختي " لكان من أقبح الكلام، وقد كان عمر - رضي الله عنه - ~~يضرب من يدعو امرأته أخته، وقد جاء في ذلك حديث مرفوع رواه أبو داود «أن ~~رجلا قال لامرأته: يا أخته، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أختك هي؟ ~~إنما جعل إبراهيم ذلك حاجة لا مزاحا» . # ومما يوضحه أن عقد النكاح يشبه العبادات في نفسه، بل هو مقدم على نقلها، ~~ولهذا يستحب عقده في المساجد، وينهى عن البيع فيها، ومن يشترط له لفظا ~~بالعربية راعى فيه ذلك إلحاقا له بالأذكار المشروعة، ومثل هذا لا يجوز ~~الهزل به، فإذا تكلم به رتب الشارع عليه حكمه وإن لم يقصده، بحكم ولاية ~~الشارع على العبد، فالمكلف قصد السبب، والشارع قصد الحكم، فصارا مقصودين ~~كلاهما. ### | [فصل ما جاء به الرسول هو أكمل ما تأتي به شريعة] # فصل # [ما جاء به الرسول هو أكمل ما تأتي به شريعة] # وقد ظهر بهذا أن ما جاء به الرسول هو أكمل ما تأتي به شريعة فإنه - صلى ~~الله عليه وسلم - أمر أن يقاتل الناس حتى يدخلوا في الإسلام ويلتزموا طاعة ~~الله ورسوله، ولم يؤمر أن ينقب عن قلوبهم ولا أن يشق بطونهم، بل يجري عليهم ~~أحكام الله في الدنيا إذا دخلوا في دينه، ويجري أحكامه في الآخرة على ~~قلوبهم ونياتهم، فأحكام الدنيا على الإسلام، وأحكام الآخرة على الإيمان، ~~ولهذا قبل إسلام الأعراب، ونفى عنهم أن يكونوا مؤمنين، وأخبر أنه لا ينقصهم ~~مع ذلك من ثواب طاعتهم لله ورسوله شيئا، وقبل إسلام المنافقين ظاهرا، وأخبر ~~أنه لا ms0860 ينفعهم يوم القيامة شيئا، وأنهم في الدرك الأسفل من النار. # فأحكام الرب تعالى جارية على ما يظهر للعباد، ما لم يقم دليل على أن ما ~~أظهروه خلاف ما أبطنوه كما تقدم تفصيله، وأما قصة الملاعن فالنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «إنما قال بعد أن ولدت الغلام على شبه الذي رميت به لولا ~~ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» فهذا - والله أعلم - إنما أراد به ~~لولا حكم الله بينهما باللعان لكان أشبه الولد بمن رميت به يقتضي حكما آخر ~~غيره، ولكن حكم الله باللعان ألغى حكم هذا الشبه، فإنهما دليلان وأحدهما ~~أقوى من # PageV03P102 # الآخر؛ فكان العمل به واجبا، وهذا كما لو تعارض دليل الفراش ودليل الشبه، ~~فإنا نعمل دليل الفراش ولا نلتفت إلى الشبه بالنص والإجماع، فأين في هذا ما ~~يبطل المقاصد والنيات والقرائن التي لا معارض لها؟ وهل يلزم من بطلان الحكم ~~بقرينة قد عارضها ما هو أقوى منها بطلان الحكم بجميع القرائن؟ وسيأتي دلالة ~~الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وجمهور الأئمة على العمل بالقرائن واعتبارها ~~في الأحكام # وأما إنفاذه للحكم وهو يعلم أن أحدهما كاذب فليس في الممكن شرعا غير هذا، ~~وهذا شأن عامة المتداعين، لا بد أن يكون أحدهما محقا والآخر مبطلا، وينفذ ~~حكم الله عليهما تارة بإثبات حق المحق وإبطال باطل المبطل، وتارة بغير ذلك ~~إذا لم يكن مع المحق دليل. # وأما حديث ركانة لما طلق امرأته ألبتة وأحلفه النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه إنما أراد واحدة فمن أعظم الأدلة على صحة هذه القاعدة، وأن الاعتبار ~~في العقود بنيات أصحابها ومقاصدهم وإن خالفت ظواهر ألفاظهم؛ فإن لفظ ألبتة ~~يقتضي أنها قد بانت منه وانقطع التواصل الذي كان بينهما بالنكاح، وأنه لم ~~يبق له عليها رجعة، بل بانت منه ألبتة كما يدل عليه لفظ ألبتة لغة وعرفا، ~~ومع هذا فردها عليه، وقبل قوله أنها واحدة مع مخالفة الظواهر اعتمادا على ~~قصده ونيته، فلولا اعتبار القصود في العقود لما نفعه قصده الذي يخالف ظاهر ~~لفظه مخالفة ms0861 ظاهرة بينة؛ فهذا الحديث أصل لهذه القاعدة، وقد قبل منه في ~~الحكم، ودينه فيما بينه وبين الله، فلم يقض عليه بما أظهر من لفظه لما ~~أخبره بأن نيته وقصده كان خلاف ذلك. # وأما قوله: " إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبطل في حكم الدنيا ~~استعمال الدلالة التي لا يوجد أقوى منها " يعني دلالة الشبه فإنما أبطلها ~~بدلالة أقوى منها وهي اللعان، كما أبطلها مع قيام دلالة الفراش، واعتبرها ~~حيث لم يعارضها مثلها ولا أقوى منها في إلحاق الولد بالقافة وهي دلالة ~~الشبه، فأين في هذا إلغاء الدلالات والقرائن مطلقا؟ ### | [فصل أحكام الدنيا تجري على الأسباب] # [أحكام الدنيا تجري على الأسباب] # وأما قوله: " إنه لم يحكم في المنافقين بحكم الكفر مع الدلالة التي لا ~~أقوى منها وهي خبر الله تعالى عنهم وشهادته عليهم # فجوابه: أن الله تعالى لم يجر أحكام الدنيا على علمه في عباده، وإنما ~~أجراها على الأسباب التي نصبها أدلة عليها وإن علم سبحانه وتعالى أنهم ~~مبطلون فيها مظهرون لخلاف ما يبطنون، وإذا أطلع الله رسوله على ذلك لم يكن ~~ذلك مناقضا لحكمه الذي شرعه ورتبه # PageV03P103 # على تلك الأسباب كما رتب على المتكلم بالشهادتين حكمه وأطلع رسوله وعباده ~~المؤمنين على أحوال كثير من المنافقين وأنهم لم يطابق قولهم اعتقادهم. # وهذا كما أجرى حكمه على المتلاعنين ظاهرا ثم أطلع رسوله والمؤمنين على ~~حال المرأة بشبه الولد لمن رميت به، وكما قال: «إنما أقضي بنحو ما أسمع، ~~فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار» . # وقد يطلعه الله على حال آخذ ما لا يحل له أخذه، ولا يمنعه ذلك من إنفاذ ~~الحكم. وأما الذي قال: " يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاما أسود " فليس ~~فيه ما يدل على القذف لا صريحا ولا كناية، وإنما أخبره بالواقع مستفتيا عن ~~حكم هذا الولد: أيستلحقه مع مخالفة لونه للونه أم ينفيه فأفتاه النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وقرب له الحكم بالشبه الذي ذكره؛ ليكون أذعن لقبوله، ~~وانشراح الصدر له، ms0862 ولا يقبله على إغماض. # فأين في هذا ما يبطل حد القذف بقول من يشاتم غيره: أما أنا فلست بزان، ~~وليست أمي بزانية. ونحو هذا من التعريض الذي هو أوجع وأنكى من التصريح، ~~وأبلغ في الأذى، وظهوره عند كل سامع بمنزلة ظهور الصريح، فهذا لون وذلك ~~لون، وقد حد عمر بالتعريض في القذف، ووافقه الصحابة - رضي الله عنهم - ~~أجمعين. # وأما قوله - رحمه الله - " إنه استشار الصحابة فخالفه بعضهم " فإنه يريد ~~ما رواه عن مالك عن أبي الرجال عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أن رجلين استبا ~~في زمن عمر بن الخطاب، فقال أحدهما للآخر: والله ما أنا بزان ولا أمي ~~بزانية، فاستشار في ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. فقال قائل: مدح ~~أباه وأمه، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا، نرى أن تجلده الحد، ~~فجلده عمر الحد ثمانين، وهذا لا يدل على أن القائل الأول خالف عمر؛ فإنه ~~لما قيل له إنه قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا فهم أنه أراد القذف فسكت، ~~وهذا إلى الموافقة أقرب منه إلى المخالفة. # وقد صح عن عمر من وجوه أنه حد في التعريض، فروى معمر عن الزهري عن سالم ~~عن أبيه أن عمر كان يحد في التعريض بالفاحشة، وروى ابن جريج عن ابن أبي ~~مليكة عن صفوان وأيوب عن عمر أنه حد في التعريض. # وذكر أبو عمر أن عثمان كان يحد في التعريض وذكره ابن أبي شيبة، وكان عمر ~~بن عبد العزيز يرى الحد في التعريض، وهو قول أهل المدينة والأوزاعي وهو محض ~~القياس، كما يقع الطلاق والعتق والوقف والظهار بالصريح والكناية، واللفظ ~~إنما وضع لدلالته على المعنى؛ فإذا ظهر المعنى غاية الظهور لم يكن في تغيير ~~اللفظ كثير فائدة. # وأما قوله: " من حكم على الناس بخلاف ما ظهر عليهم لم يسلم من خلاف ~~التنزيل والسنة " فإنه يشير بذلك إلى قبول توبة الزنديق، وحقن دمه بإسلامه ~~وقبول توبة المرتد وإن # PageV03P104 # ولد على الإسلام، وهاتان مسألتان فيهما نزاع بين الأمة ms0863 مشهور، وقد ذكر ~~الشافعي الحجة على قبول توبتهما، ومن لم يقبل توبتهما يقول: إنه لا سبيل ~~إلى العلم بها؛ فإن الزنديق قد علم أنه لم يزل مظهرا للإسلام، فلم يتجدد له ~~بإسلامه الثاني حال مخالفة لما كان عليه، بخلاف الكافر الأصلي؛ فإنه إذا ~~أسلم فقد تجدد له بالإسلام حال لم يكن عليها، والزنديق إنما رجع إلى إظهار ~~الإسلام، وأيضا فالكافر كان معلنا لكفره غير مستتر به ولا مخف له، فإذا ~~أسلم تيقنا أنه أتى بالإسلام رغبة فيه لا خوفا من القتل، والزنديق بالعكس ~~فإنه كان مخفيا لكفره مستترا به، فلم نؤاخذه بما في قلبه إذا لم يظهر عليه ~~فإذا ظهر على لسانه وآخذناه به فإذا رجع عنه لم يرجع عن أمر كان مظهرا له ~~غير خائف من إظهاره وإنما رجع خوفا من القتل، وأيضا فإن الله تعالى سن في ~~عباده أنهم إذا رأوا بأسه لم ينفعهم الإسلام، وهذا إنما أسلم عند معاينة ~~البأس، ولهذا لو جاء من تلقاء نفسه وأقر بأنه قال كذا وكذا وهو تائب منه ~~قبلنا توبته ولم نقتله. # وأيضا فإن الله تعالى سن في المحاربين أنهم إن تابوا من قبل القدرة عليهم ~~قبلت توبتهم، ولا تنفعهم التوبة بعد القدرة عليهم، ومحاربة الزنديق للإسلام ~~بلسانه أعظم من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه؛ فإن فتنة هذا في الأموال ~~والأبدان وفتنة الزنديق في القلوب والإيمان، فهو أولى ألا تقبل توبته بعد ~~القدرة عليه، وهذا بخلاف الكافر الأصلي؛ فإن أمره كان معلوما، وكان مظهرا ~~لكفره غير كاتم له، والمسلمون قد أخذوا حذرهم منه، وجاهروه بالعداوة ~~والمحاربة، وأيضا فإن الزنديق هذا دأبه دائما، فلو قبلت توبته لكان تسليطا ~~له على بقاء نفسه بالزندقة والإلحاد وكلما قدر عليه أظهر الإسلام وعاد إلى ~~ما كان عليه، ولا سيما وقد علم أنه أمن بإظهار الإسلام من القتل، فلا يزعه ~~خوفه من المجاهرة بالزندقة والطعن في الدين ومسبة الله ورسوله فلا ينكف ~~عدوانه عن الإسلام، إلا بقتله، وأيضا فإن من سب الله ورسوله فقد حارب الله ms0864 ~~ورسوله وسعى في الأرض فسادا، فجزاؤه القتل حدا، والحدود لا تسقط بالتوبة ~~بعد القدرة اتفاقا، ولا ريب أن محاربة هذا الزنديق لله ورسوله وإفساده في ~~الأرض أعظم محاربة وإفسادا، فكيف تأتي الشريعة بقتل من صال على عشرة دراهم ~~لذمي أو على بدنه ولا تقبل توبته ولا تأتي بقتل من دأبه الصول على كتاب ~~الله وسنة رسوله والطعن في دينه وتقبل توبته بعد القدرة عليه؟ وأيضا ~~فالحدود بحسب الجرائم والمفاسد، وجريمة هذا أغلظ الجرائم، ومفسدة بقائه بين ~~أظهر المسلمين من أعظم المفاسد. ### | [متى يعمل بالظاهر] # [قاعدة في بيان متى يعمل بالظاهر] # وها هنا قاعدة يجب التنبيه عليها لعموم الحاجة إليها، وهي أن الشارع إنما ~~قبل توبة # PageV03P105 # الكافر الأصلي من كفره بالإسلام لأنه ظاهر لم يعارضه ما هو أقوى منه، ~~فيجب العمل به؛ لأنه مقتض لحقن الدم والمعارض منتف، فأما الزنديق فإنه قد ~~أظهر ما يبيح دمه، فإظهاره بعد القدرة عليه للتوبة والإسلام لا يدل على ~~زوال ذلك الكفر المبيح لدمه دلالة قطعية ولا ظنية، أما انتفاء القطع فظاهر، ~~وأما انتفاء الظن فلأن الظاهر إنما يكون دليلا صحيحا إذا لم يثبت أن الباطن ~~بخلافه، فإذا قام دليل على الباطن لم يلتفت إلى ظاهر قد علم أن الباطن ~~بخلافه، ولهذا اتفق الناس على أنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بخلاف علمه، وإن ~~شهد عنده بذلك العدول، وإنما يحكم بشهادتهم إذا لم يعلم خلافها، وكذلك لو ~~أقر إقرارا علم أنه كاذب فيه مثل أن يقول لمن هو أسن منه " هذا ابني " لم ~~يثبت نسبه ولا ميراثه اتفاقا، وكذلك الأدلة الشرعية مثل خبر الواحد العدل ~~والأمر والنهي والعموم والقياس إنما يجب اتباعها إذا لم يقم دليل أقوى منها ~~يخالف ظاهرها. # وإذا عرف هذا فهذا الزنديق قد قام الدليل على فساد عقيدته، وتكذيبه ~~واستهانته بالدين، وقدحه فيه؛ فإظهاره الإقرار والتوبة بعد القدرة عليه ليس ~~فيه أكثر مما كان يظهره قبل هذا، وهذا القدر قد بطلت دلالته بما أظهره من ~~الزندقة؛ فلا يجوز الاعتماد عليه لتضمنه إلغاء ms0865 الدليل القوي وإعمال الدليل ~~الضعيف الذي قد ظهر بطلان دلالته، ولا يخفى على المنصف قوة هذا النظر وصحة ~~هذا المأخذ، وهذا مذهب أهل المدينة ومالك وأصحابه والليث بن سعد، وهو ~~المنصور من الروايتين عن أبي حنيفة، وهو إحدى الروايات عن أحمد نصرها كثير ~~من أصحابه، بل هي أنص الروايات عنه، وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يستتاب، وهو ~~قول الشافعي، وعن أبي يوسف روايتان؛ إحداهما: أنه يستتاب، وهي الرواية ~~الأولى عنه، ثم قال آخرا: أقتله من غير استتابة، لكن إن تاب قبل أن يقدر ~~عليه قبلت توبته، وهذا هو الرواية الثالثة عن أحمد # ويا لله العجب، كيف يقاوم دليل إظهاره للإسلام بلسانه بعد القدرة عليه ~~أدلة زندقته وتكررها منه مرة بعد مرة وإظهاره كل وقت للاستهانة بالإسلام ~~والقدح في الدين والطعن فيه في كل مجمع؟ مع استهانته بحرمات الله واستخفافه ~~بالفرائض وغير ذلك من الأدلة؟ ولا ينبغي لعالم قط أن يتوقف في قتل مثل هذا، ~~ولا تترك الأدلة القطعية لظاهر قد تبين عدم دلالته وبطلانها، ولا تسقط ~~الحدود عن أرباب الجرائم بغير موجب. # نعم لو أنه قبل رفعه إلى السلطان ظهر منه من الأقوال والأعمال ما يدل على ~~حسن الإسلام وعلى التوبة النصوحة، وتكرر ذلك منه، لم يقتل كما قاله أبو ~~يوسف وأحمد في إحدى الروايات وهذا التفصيل أحسن الأقوال في المسألة. # PageV03P106 # ومما يدل على أن توبة الزنديق بعد القدرة لا تعصم دمه قوله تعالى: {قل هل ~~تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ~~أو بأيدينا} [التوبة: 52] قال السلف في هذه الآية: {أو بأيدينا} [التوبة: ~~52] بالقتل إن أظهرتم ما في قلوبكم، وهو كما قالوا؛ لأن العذاب على ما ~~يبطنونه من الكفر بأيدي المؤمنين لا يكون إلا بالقتل؛ فلو قبلت توبتهم بعد ~~ما ظهرت زندقتهم لم يمكن المؤمنين أن يتربصوا بالزنادقة أن يصيبهم الله ~~بأيديهم؛ لأنهم كلما أرادوا أن يعذبوهم على ذلك أظهروا الإسلام فلم يصابوا ~~بأيديهم قط، والأدلة على ذلك كثيرة جدا، وعند هذا ms0866 فأصحاب هذا القول يقولون: ~~نحن أسعد بالتنزيل والسنة من مخالفينا في هذه المسألة المشنعين علينا ~~بخلافها، وبالله التوفيق. ### | [فصل الشرط المتقدم والمقارن في العقود] # [الشرط المتقدم والمقارن] : وأما قوله: " ولا يفسد عقد إلا بالعقد نفسه، ~~ولا يفسد بشيء تقدمه ولا تأخره، ولا بتوهم، ولا أمارة عليه " يريد أن الشرط ~~المتقدم لا يفسد العقد إذا عرى صلب العقد عن مقارنته، وهذا أصل قد خالفه ~~فيه جمهور أهل العلم، وقالوا: لا فرق بين الشرط المتقدم والمقارن؛ إذ مفسدة ~~الشرط المتقدم لم تزل بتقدمه وإسلافه، بل مفسدته مقارنا كمفسدته متقدما، ~~وأي مفسدة زالت بتقدم الشرط إذا كانا قد علما وعلم الله تعالى والحاضرون ~~أنهما إنما عقدا على ذلك الشرط الباطل المحرم وأظهرا صورة العقد مطلقا؟ وهو ~~مقيد في نفس الأمر بذلك الشرط المحرم؟ فإذا اشترطا قبل العقد أن النكاح ~~نكاح تحليل أو متعة أو شغار، وتعاهدا على ذلك، وتواطآ عليه، ثم عقدا على ما ~~اتفقا عليه، وسكتا عن إعادة الشرط في صلب العقد اعتمادا على تقدم ذكره ~~والتزامه، لم يخرج العقد بذلك عن كونه عقد تحليل ومتعة وشغار حقيقة. وكيف ~~يعجز المتعاقدان اللذان يريدان عقدا قد حرمه الله ورسوله لوصف أن يشترطا ~~قبل العقد إرادة ذلك الوصف وأنه هو المقصود ثم يسكتا عن ذكره في صلب العقد ~~ليتم غرضهما؟ وهل إتمام غرضهما إلا عين تفويت مقصود الشارع؟ وهل هذه ~~القاعدة وهي أن الشرط المتقدم لا يؤثر شيئا - إلا فتح لباب الحيل؟ بل هي ~~أصل الحيل وأساسها، وكيف تفرق الشريعة بين متماثلين من كل وجه لافتراقهما ~~في تقدم لفظ وتأخره مع استواء العقدين في الحقيقة والمعنى والقصد؟ وهل هذا ~~إلا من أقرب الوسائل والذرائع إلى حصول ما قصد الشارع عدمه وإبطاله؟ وأين ~~هذه القاعدة من قاعدة سد الذرائع إلى المحرمات؟ ولهذا صرح أصحابها ببطلان ~~سد الذرائع لما علموا أنها مناقضة لتلك؛ فالشارع سد الذرائع إلى المحرمات ~~بكل طريق، وهذه القاعدة توسع الطرق إليها وتنهجها. # وإذا تأمل اللبيب هذه القاعدة وجدها ترفع التحريم أو الوجوب ms0867 مع قيام ~~المعنى المقتضي # PageV03P107 # لهما حقيقة، وفي ذلك تأكيد للتحريم من وجهين: من جهة أن فيها فعل المحرم ~~وترك الواجب، ومن جهة اشتمالها على التدليس والمكر والخداع والتوسل بشرع ~~الله الذي أحبه ورضيه لعباده إلى نفس ما حرمه ونهى عنه، ومعلوم أنه لا بد ~~أن يكون بين الحلال والحرام فرق بين في الحقيقة، بحيث يظهر للعقول مضادة ~~أحدهما للآخر، والفرق في الصورة غير معتبر ولا مؤثر؛ إذ الاعتبار بالمعاني ~~والمقاصد في الأقوال والأفعال، فإن الألفاظ إذا اختلفت عباراتها أو مواضعها ~~بالتقدم والتأخر والمعنى واحد كان حكمها واحدا، ولو اتفقت ألفاظها واختلفت ~~معانيها كان حكمها مختلفا، وكذلك الأعمال، ومن تأمل الشريعة حق التأمل علم ~~صحة هذا بالاضطرار؛ فالأمر المحتال عليه بتقدم الشرط دون مقارنة صورته صورة ~~الحلال المشروع ومقصوده مقصود الحرام الباطل، فلا تراعى الصورة وتلغى ~~الحقيقة والمقصود، بل مشاركة هذا للحرام صورة ومعنى وإلحاقه به لاشتراكهما ~~في القصد والحقيقة أولى من إلحاقه بالحلال المأذون فيه بمشاركته له في مجرد ~~الصورة. ### | [فصل في سد الذرائع] # فصل # وقوله: " ولا تفسد العقود بأن يقال: هذه ذريعة وهذه نية سوء - إلى آخره " ~~فإشارة منه إلى قاعدتين: إحداهما أن لا اعتبار بالذرائع ولا يراعى سدها، ~~والثانية: أن القصود غير معتبرة في العقود، والقاعدة المتقدمة أن الشرط ~~المتقدم لا يؤثر، وإنما التأثير للشرط الواقع في صلب العقد، وهذه القواعد ~~متلازمة؛ فمن سد الذرائع اعتبر المقاصد وقال: يؤثر الشرط متقدما ومقارنا، ~~ومن لم يسد الذرائع لم يعتبر المقاصد ولا الشروط المتقدمة، ولا يمكن إبطال ~~واحدة منها إلا بإبطال جميعها، ونحن نذكر قاعدة سد الذرائع ودلالة الكتاب ~~والسنة وأقوال الصحابة والميزان الصحيح عليها # فصل في سد الذرائع # [للوسائل حكم المقاصد] # لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها ~~وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها ~~والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات ~~والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها؛ فوسيلة المقصود ~~تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، ms0868 لكنه # PageV03P108 # مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل؛ فإذا حرم الرب تعالى شيئا ~~وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقا لتحريمه، وتثبيتا ~~له، ومنعا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك ~~نقضا للتحريم، وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء، ~~بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك؛ فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل ~~بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعد ~~متناقضا، ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده. وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم ~~الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما ~~يرومون إصلاحه. فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات ~~الحكمة والمصلحة والكمال؟ ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ~~ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها، والذريعة: ما ~~كان وسيلة وطريقا إلى الشيء # ولا بد من تحرير هذا الموضع قبل تقريره ليزول الالتباس فيه، فنقول # [أنواع الوسائل وحكم كل نوع منها] # الفعل أو القول المفضي إلى المفسدة قسمان؛ أحدهما: أن يكون وضعه للإفضاء ~~إليها كشرب المسكر المفضي إلى مفسدة السكر، وكالقذف المفضي إلى مفسدة ~~الفرية، والزنا المفضي إلى اختلاط المياه وفساد الفراش، ونحو ذلك؛ فهذه ~~أفعال وأقوال وضعت مفضية لهذه المفاسد وليس لها ظاهر غيرها، والثاني: أن ~~تكون موضوعة للإفضاء إلى أمر جائز أو مستحب، فيتخذ وسيلة إلى المحرم إما ~~بقصده أو بغير قصد منه؛ فالأول كمن يعقد النكاح قاصدا به التحليل، أو يعقد ~~البيع قاصدا به الربا، أو يخالع قاصدا به الحنث، ونحو ذلك، والثاني كمن ~~يصلي تطوعا بغير سبب في أوقات النهي، أو يسب أرباب المشركين بين أظهرهم، أو ~~يصلي بين يدي القبر لله، ونحو ذلك. ثم هذا القسم من الذرائع نوعان؛ أحدهما: ~~أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته، والثاني: أن تكون مفسدته راجحة على ~~مصلحته؛ فهاهنا أربعة أقسام الأول وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة، ~~الثاني: وسيلة موضوعة للمباح ms0869 قصد بها التوسل إلى المفسدة، الثالث: وسيلة ~~موضوعة للمباح لم يقصد بها التوسل إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالبا ~~ومفسدتها أرجح من مصلحتها، الرابع: وسيلة موضوعة للمباح وقد تفضي إلى ~~المفسدة ومصلحتها أرجح من مفسدتها، فمثال القسم الأول والثاني قد تقدم، ~~ومثال الثالث الصلاة في أوقات النهي ومسبة آلهة المشركين بين ظهرانيهم، ~~وتزين المتوفى عنها في زمن عدتها، وأمثال ذلك، ومثال الرابع # PageV03P109 # النظر إلى المخطوبة والمستامة والمشهود عليها ومن يطؤها ويعاملها، وفعل ~~ذوات الأسباب في أوقات النهي وكلمة الحق عند ذي سلطان جائر ونحو ذلك؛ ~~فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم أو استحبابه أو إيجابه بحسب درجاته في ~~المصلحة، وجاءت بالمنع من القسم الأول كراهة أو تحريما بحسب درجاته في ~~المفسدة، بقي النظر في القسمين الوسط: هل هما مما جاءت الشريعة بإباحتهما ~~أو المنع منهما؟ فنقول: ### | [فصل الأدلة على المنع من فعل ما يؤدي إلى الحرام] # [الأدلة على المنع من فعل ما يؤدي إلى الحرام ولو كان جائزا في نفسه] # الدلالة على المنع من وجوه: الوجه الأول: قوله تعالى: {ولا تسبوا الذين ~~يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} [الأنعام: 108] فحرم الله ~~تعالى سب آلهة المشركين - مع كون السب غيظا وحمية لله وإهانة لآلهتهم - ~~لكونه ذريعة إلى سبهم الله تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من ~~مصلحة سبنا لآلهتهم، وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا ~~يكون سببا في فعل ما لا يجوز. # الوجه الثاني: قوله تعالى: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} ~~[النور: 31] فمنعهن من الضرب بالأرجل وإن كان جائزا في نفسه لئلا يكون سببا ~~إلى سمع الرجال صوت الخلخال فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن. # الوجه الثالث: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات} [النور: 58] الآية - أمر ~~تعالى مماليك المؤمنين ومن لم يبلغ منهم الحلم أن يستأذنوا عليهم في هذه ~~الأوقات الثلاثة لئلا يكون دخولهم هجما بغير استئذان فيها ذريعة إلى ~~اطلاعهم ms0870 على عوراتهم وقت إلقاء ثيابهم عند القائلة والنوم واليقظة، ولم ~~يأمرهم بالاستئذان في غيرها وإن أمكن في تركه هذه المفسدة لندورها وقلة ~~الإفضاء إليها فجعلت كالمقدمة. # الوجه الرابع: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} ~~[البقرة: 104] نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة - مع قصدهم بها الخير - ~~لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود في أقوالهم وخطابهم؛ فإنهم كانوا ~~يخاطبون بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقصدون بها السب، ويقصدون فاعلا ~~من الرعونة، فنهى المسلمون عن قولها؛ سدا لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ~~ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي - صلى الله عليه وسلم - تشبها بالمسلمين ~~يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون. # PageV03P110 # الوجه الخامس: قوله تعالى لكليمه موسى وأخيه هارون: {اذهبا إلى فرعون إنه ~~طغى} [طه: 43] {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} [طه: 44] فأمر ~~تعالى أن يلينا القول لأعظم أعدائه وأشدهم كفرا وأعتاهم عليه؛ لئلا يكون ~~إغلاظ القول له مع أنه حقيق به ذريعة إلى تنفيره وعدم صبره لقيام الحجة، ~~فنهاهما عن الجائز لئلا يترتب عليه ما هو أكره إليه تعالى. # الوجه السادس: أنه تعالى نهى المؤمنين في مكة عن الانتصار باليد، وأمرهم ~~بالعفو والصفح؛ لئلا يكون انتصارهم ذريعة إلى وقوع ما هو أعظم مفسدة من ~~مفسدة الإغضاء واحتمال الضيم، ومصلحة حفظ نفوسهم ودينهم وذريتهم راجحة على ~~مصلحة الانتصار والمقابلة. # الوجه السابع: أنه تعالى نهى عن البيع وقت نداء الجمعة لئلا يتخذ ذريعة ~~إلى التشاغل بالتجارة عن حضورها. # الوجه الثامن: ما رواه حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من الكبائر شتم الرجل والديه قالوا: يا ~~رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب ~~أمه فيسب أمه» متفق عليه. # ولفظ البخاري: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول ~~الله كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب ~~أمه» فجعل رسول الله - صلى الله ms0871 عليه وسلم - سابا لاعنا لأبويه بتسببه إلى ~~ذلك وتوسله إليه وإن لم يقصده. # الوجه التاسع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكف عن قتل المنافقين ~~- مع كونه مصلحة - لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس عنه، وقولهم: إن محمدا ~~يقتل أصحابه، فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه ومن لم ~~يدخل فيه، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم من ~~مصلحة القتل. # الوجه العاشر: أن الله تعالى حرم الخمر لما فيها من المفاسد الكثيرة ~~المترتبة على زوال العقل، وهذا ليس مما نحن فيه، لكن حرم القطرة الواحدة ~~منها، وحرم إمساكها للتخليل ونجسها، لئلا تتخذ القطرة ذريعة إلى الحسوة ~~ويتخذ إمساكها للتخليل ذريعة إلى إمساكها للشرب، ثم بالغ في سد الذريعة ~~فنهى عن الخليطين، وعن شرب العصير بعد ثلاث، وعن الانتباذ في الأوعية التي ~~قد يتخمر النبيذ فيها ولا يعلم به، حسما لمادة قربان المسكر، وقد صرح - صلى ~~الله عليه وسلم - بالعلة في تحريم القليل فقال: «لو رخصت لكم في هذه لأوشك ~~أن تجعلوها مثل هذه» # PageV03P111 # الوجه الحادي عشر: أنه - صلى الله عليه وسلم - حرم الخلوة بالأجنبية ولو ~~في إقراء القرآن، والسفر بها ولو في الحج وزيارة الوالدين، سدا لذريعة ما ~~يحاذر من الفتنة وغلبات الطباع. # الوجه الثاني عشر: أن الله تعالى أمر بغض البصر - وإن كان إنما يقع على ~~محاسن الخلقة والتفكر في صنع الله - سدا لذريعة الإرادة والشهوة المفضية ~~إلى المحظور. # الوجه الثالث عشر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بناء المساجد ~~على القبور، ولعن من فعل ذلك، ونهى عن تجصيص القبور، وتشريفها، واتخاذها ~~مساجد، وعن الصلاة إليها وعندها، وعن إيقاد المصابيح عليها، وأمر بتسويتها، ~~ونهى عن اتخاذها عيدا، وعن شد الرحال إليها، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى ~~اتخاذها أوثانا والإشراك بها، وحرم ذلك على من قصده ومن لم يقصده بل قصد ~~خلافه سدا للذريعة. # الوجه الرابع عشر: أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة عند طلوع ~~الشمس وعند غروبها، ms0872 وكان من حكمة ذلك أنهما وقت سجود المشركين للشمس، وكان ~~النهي عن الصلاة لله في ذلك الوقت سدا لذريعة المشابهة الظاهرة، التي هي ~~ذريعة إلى المشابهة في القصد مع بعد هذه الذريعة، فكيف بالذرائع القريبة؟ # الوجه الخامس عشر: أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التشبه بأهل الكتاب ~~في أحاديث كثيرة، كقوله: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» وقوله: ~~«إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفوهم» وقوله في عاشوراء: «خالفوا اليهود ~~صوموا يوما قبله ويوما بعده» وقوله: «لا تشبهوا بالأعاجم» وروى الترمذي ~~عنه: «ليس منا من تشبه بغيرنا» وروى الإمام أحمد عنه: «من تشبه بقوم فهو ~~منهم» وسر ذلك أن المشابهة في الهدي الظاهر ذريعة إلى الموافقة في القصد ~~والعمل. # الوجه السادس عشر: أنه - صلى الله عليه وسلم - حرم الجمع بين المرأة ~~وعمتها والمرأة وخالتها وقال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» حتى لو ~~رضيت المرأة بذلك لم يجز؛ لأن ذلك ذريعة إلى القطيعة المحرمة كما علل به ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. # الوجه السابع عشر: أنه حرم نكاح أكثر من أربع لأن ذلك ذريعة إلى الجور، ~~وقيل: العلة فيه أنه ذريعة إلى كثرة المؤنة المفضية إلى أكل الحرام، وعلى ~~التقديرين فهو من باب # PageV03P112 # سد الذرائع. وأباح الأربع - وإن كان لا يؤمن الجور في اجتماعهن - لأن ~~حاجته قد لا تندفع بما دونهن؛ فكانت مصلحة الإباحة أرجح من مفسدة الجور ~~المتوقعة. # الوجه الثامن عشر: أن الله تعالى حرم خطبة المعتدة صريحا، حتى حرم ذلك في ~~عدة الوفاء وإن كان المرجع في انقضائها ليس إلى المرأة؛ فإن إباحة الخطبة ~~قد تكون ذريعة إلى استعجال المرأة بالإجابة والكذب في انقضاء عدتها. # الوجه التاسع عشر: أن الله تعالى حرم عقد النكاح في حال العدة وفي ~~الإحرام، وإن تأخر الوطء إلى وقت الحل لئلا يتخذ العقد ذريعة إلى الوطء، ~~ولا ينتقض هذا بالصيام؛ فإن زمنه قريب جدا، فليس عليه كلفة في صبره بعض يوم ~~إلى الليل. # الوجه العشرون: أن الشارع حرم الطيب على المحرم لكونه ms0873 من أسباب دواعي ~~الوطء، فتحريمه من باب سد الذريعة. # الوجه الحادي والعشرون: أن الشارع اشترط للنكاح شروطا زائدة على العقد ~~تقطع عنه شبه السفاح، كالإعلام، والولي، ومنع امرأة أن تليه بنفسها، وندب ~~إلى إظهاره حتى استحب فيه الدف والصوت والوليمة؛ لأن في الإخلال بذلك ذريعة ~~إلى وقوع السفاح بصورة النكاح، وزوال بعض مقاصد النكاح من جحد الفراش، ثم ~~أكد ذلك بأن جعل للنكاح حريما من العدة تزيد على مقدار الاستبراء، وأثبت له ~~أحكاما من المصاهرة وحرمتها ومن الموارثة زائدة على مجرد الاستمتاع؛ فعلم ~~أن الشارع جعله سببا ووصلة بين الناس بمنزلة الرحم كما جمع بينهما في قوله: ~~{فجعله نسبا وصهرا} [الفرقان: 54] وهذه المقاصد تمنع شبهه بالسفاح، وتبين ~~أن نكاح المحلل بالسفاح أشبه منه بالنكاح. # الوجه الثاني والعشرون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نهى أن يجمع ~~الرجل بين سلف وبيع» ومعلوم أنه لو أفرد أحدهما عن الآخر صح، وإنما ذاك لأن ~~اقتران أحدهما بالآخر ذريعة إلى أن يقرضه ألفا ويبيعه سلعة تساوي ثمانمائة ~~بألف أخرى؛ فيكون قد أعطاه ألفا وسلعة بثمانمائة ليأخذ منه ألفين، وهذا هو ~~معنى الربا، فانظر إلى حمايته الذريعة إلى ذلك بكل طريق، وقد احتج بعض ~~المانعين لمسألة مد عجوة بأن قال: إن من جوزها يجوز أن يبيع الرجل دينارا ~~في منديل بألف وخمسمائة مفردة، قال: وهذا ذريعة إلى الربا، ثم قال: يجوز أن ~~يقرضه ألفا ويبيعه المنديل بخمسمائة، وهذا هو بعينه الذي نهى عنه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، وهو من أقرب الذرائع إلى الربا، ويلزم من لم يسد ~~الذرائع أن يخالف النصوص ويجيز ذلك، فكيف يترك أمرا ويرتكب نظيره من كل ~~وجه؟ # PageV03P113 # الوجه الثالث والعشرون: أن الآثار المتظاهرة في تحريم العينة عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابة تدل على المنع من عود السلعة إلى البائع ~~إن لم يتواطآ على الربا، وما ذاك إلا سدا للذريعة. # الوجه الرابع والعشرون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - منع المقرض من ~~قبول الهدية، وكذلك أصحابه، حتى ms0874 يحسبها من دينه، وما ذاك إلا لئلا يتخذ ذلك ~~ذريعة إلى تأخير الدين لأجل الهدية فيكون ربا؛ فإنه يعود إليه ماله وأخذ ~~الفضل الذي استفاده بسبب القرض. # الوجه الخامس والعشرون: أن الوالي والقاضي والشافع ممنوع من قبول الهدية، ~~وهو أصل فساد العالم، وإسناد الأمر إلى غير أهله، وتولية الخونة والضعفاء ~~والعاجزين، وقد دخل بذلك من الفساد ما لا يحصيه إلا الله، وما ذاك إلا لأن ~~قبول الهدية ممن لم تجر عادته بمهاداته ذريعة إلى قضاء حاجته، وحبك الشيء ~~يعمي ويصم، فيقوم عنده شهوة لقضاء حاجته مكافأة له مقرونة بشره وإغماض عن ~~كونه لا يصلح. # الوجه السادس والعشرون: أن السنة مضت بأنه ليس للقاتل من الميراث شيء: ~~إما عمدا كما قال مالك، وإما مباشرة كما قال أبو حنيفة وإما قتلا مضمونا ~~بقصاص أو دية أو كفارة، وإما قتلا بغير حق، وإما قتلا مطلقا كما هي أقوال ~~في مذهب الشافعي وأحمد، والمذهب الأول، وسواء قصد القاتل أن يتعجل الميراث ~~أو لم يقصده فإن رعاية هذا القصد غير معتبرة في المنع وفاقا، وما ذاك إلا ~~لأن توريث القاتل ذريعة إلى وقوع هذا الفعل؛ فسد الشارع الذريعة بالمنع. # الوجه السابع والعشرون: أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ورثوا ~~المطلقة المبتوتة في مرض الموت حيث يتهم بقصد حرمانها الميراث بلا تردد وإن ~~لم يقصد الحرمان لأن الطلاق ذريعة، وأما إذا لم يتهم ففيه خلاف معروف مأخذه ~~أن المرض أوجب تعلق حقها بماله؛ فلا يمكن من قطعه أو سدا للذريعة بالكلية ~~وإن كان في أصل المسألة خلاف متأخر عن إجماع السابقين. # الوجه الثامن والعشرون: أن الصحابة وعامة الفقهاء اتفقوا على قتل الجميع ~~بالواحد وإن كان أصل القصاص يمنع ذلك؛ لئلا يكون عدم القصاص ذريعة إلى ~~التعاون على سفك الدماء. # الوجه التاسع والعشرون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تقطع ~~الأيدي في الغزو لئلا يكون ذريعة إلى إلحاق المحدود بالكفار، ولهذا لا تقام ~~الحدود في الغزو كما تقدم. # PageV03P114 # الوجه الثلاثون: أن النبي - صلى الله عليه ms0875 وسلم - نهى عن تقدم رمضان بصوم ~~يوم أو يومين، إلا أن تكون له عادة توافق ذلك اليوم، ونهى عن صوم يوم الشك، ~~وما ذاك إلا لئلا يتخذ ذريعة إلى أن يلحق بالفرض ما ليس منه، وكذلك حرم صوم ~~يوم العيد تمييزا لوقت العبادة عن غيره لئلا يكون ذريعة إلى الزيادة في ~~الواجب كما فعلت النصارى، ثم أكد هذا الغرض باستحباب تعجيل الفطر وتأخير ~~السحور، واستحباب تعجيل الفطر في يوم العيد قبل الصلاة، وكذلك ندب إلى ~~تمييز فرض الصلاة عن نفلها؛ فكره للإمام أن يتطوع في مكانه، وأن يستديم ~~جلوسه مستقبل القبلة، كل هذا سدا للباب المفضي إلى أن يزاد في الفرض ما ليس ~~منه. # الوجه الحادي والثلاثون: أنه - صلى الله عليه وسلم - كره الصلاة إلى ما ~~قد عبد من دون الله تعالى، وأحب لمن صلى إلى عود أو عمود أو شجرة أو نحو ~~ذلك أن يجعله على أحد جانبيه، ولا يصمد إليه صمدا، قطعا لذريعة التشبه ~~بالسجود إلى غير الله تعالى. # الوجه الثاني والثلاثون: أنه شرع الشفعة وسلط الشريك على انتزاع الشقص من ~~يد المشتري سدا لذريعة المفسدة المتعلقة بالشركة والقسمة. # الوجه الثالث والثلاثون: أن الحاكم منهي عن رفع أحد الخصمين على الآخر ~~وعن الإقبال عليه دونه، وعن مشاورته والقيام له دون خصمه، لئلا يكون ذريعة ~~إلى انكسار قلب الآخر وضعفه عن القيام بحجته وثقل لسانه بها. # الوجه الرابع والثلاثون: أنه ممنوع من الحكم بعلمه؛ لئلا يكون ذلك ذريعة ~~إلى حكمه بالباطل ويقول: حكمت بعلمي. # الوجه الخامس والثلاثون: أن الشريعة منعت من قبول شهادة العدو على عدوه ~~لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى بلوغ غرضه من عدوه بالشهادة الباطلة. # الوجه السادس والثلاثون: أن الله تعالى منع رسوله حيث كان بمكة من الجهر ~~بالقرآن حيث كان المشركون يسمعونه فيسبون القرآن ومن أنزله ومن جاء به ومن ~~أنزل عليه. # الوجه السابع والثلاثون: أن الله تعالى أوجب الحدود على مرتكبي الجرائم ~~التي تتقاضاها الطباع وليس عليها وازع طبعي، والحدود عقوبات لأرباب الجرائم ~~في الدنيا ms0876 كما جعلت عقوبتهم في الآخرة بالنار إذا لم يتوبوا، ثم إنه تعالى ~~جعل التائب من الذنب كمن لا ذنب له؛ فمن لقيه تائبا توبة نصوحا لم يعذبه ~~مما تاب منه، وهكذا في أحكام الدنيا إذا تاب توبة نصوحا قبل رفعه إلى ~~الإمام سقط عنه الحد في أصح قولي العلماء، فإذا رفع إلى الإمام لم تسقط ~~توبته عنه الحد لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى تعطيل حدود الله؛ إذ لا يعجز كل من # PageV03P115 # وجب عليه الحد أن يظهر التوبة ليتخلص من العقوبة وإن تاب توبة نصوحا سدا ~~لذريعة السكوت بالكلية. # الوجه الثامن والثلاثون: أن الشارع أمر بالاجتماع على إمام واحد في ~~الإمامة الكبرى، وفي الجمعة والعيدين والاستسقاء وصلاة الخوف، مع كون صلاة ~~الخوف بإمامين أقرب إلى حصول صلاة الأمن، وذلك سدا لذريعة التفريق ~~والاختلاف والتنازع، وطلبا لاجتماع القلوب وتألف الكلمة، وهذا من أعظم ~~مقاصد الشرع، وقد سد الذريعة إلى ما يناقضه بكل طريق، حتى في تسوية الصف في ~~الصلاة؛ لئلا تختلف القلوب، وشواهد ذلك أكثر من أن تذكر. # الوجه التاسع والثلاثون: أن السنة مضت بكراهة إفراد رجب بالصوم، وكراهة ~~إفراد يوم الجمعة بالصوم وليلتها بالقيام، سدا لذريعة اتخاذ شرع لم يأذن به ~~الله من تخصيص زمان أو مكان بما لم يخصه به؛ ففي ذلك وقوع فيما وقع فيه أهل ~~الكتاب. # الوجه الأربعون: أن الشروط المضروبة على أهل الذمة تضمنت تمييزهم عن ~~المسلمين في اللباس والشعور والمراكب وغيرها لئلا تفضي مشابهتهم إلى أن ~~يعامل الكافر معاملة المسلم، فسدت هذه الذريعة بإلزامهم التميز عن ~~المسلمين. # الوجه الحادي والأربعون: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ناجية بن ~~كعب الأسلمي وقد أرسل معه هدي إذا عطب منه شيء دون المحل أن ينحره ويصبغ ~~نعله التي قلده بها في دمه ويخلي بينه وبين الناس، ونهاه أن يأكل منه هو أو ~~أحد من أهل رفقته» ، قالوا: وما ذاك إلا لأنه لو جاز أن يأكل منه أو يطعم ~~أهل رفقته قبل بلوغ المحل فربما دعاه ذلك إلى أن ms0877 يقصر في علفها وحفظها ~~لحصول غرضه من عطبها دون المحل كحصوله بعد بلوغ المحل من أكله هو ورفقته ~~وإهدائهم إلى أصحابهم، فإذا أيس من حصول غرضه في عطبها كان ذلك أدعى إلى ~~حفظها حتى تبلغ محلها وأحسم لمادة هذا الفساد، وهذا من ألطف أنواع سد ~~الذرائع. # الوجه الثاني والأربعون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الملتقط أن ~~يشهد على اللقطة، وقد علم أنه أمين، وما ذاك إلا سد لذريعة الطمع والكتمان، ~~فإذا بادر وأشهد كان أحسم لمادة الطمع والكتمان، وهذا أيضا من ألطف ~~أنواعها. # الوجه الثالث والأربعون: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تقولوا ما ~~شاء الله وشاء محمد» وذم الخطيب الذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن ~~عصاهما فقد غوى، سدا لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ، وحسما ~~لمادة الشرك حتى في اللفظ، ولهذا قال # PageV03P116 # للذي قال له: «ما شاء الله وشئت: أجعلتني لله ندا» ؟ فحسم مادة الشرك وسد ~~الذريعة إليه في اللفظ كما سدها في الفعل والقصد، فصلاة الله وسلامه عليه ~~وعلى آله أكمل صلاة وأتمها وأزكاها [وأعمها] # الوجه الرابع والأربعون: أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر المأمومين أن ~~يصلوا قعودا إذا صلى إمامهم قاعدا وقد تواتر عنه ذلك، ولم يجئ عنه ما ~~ينسخه، وما ذاك إلا سدا لذريعة مشابهة الكفار حيث يقومون على ملوكهم وهم ~~قعود كما علله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وهذا التعليل منه يبطل قول ~~من قال: إنه منسوخ، مع أن ذلك دعوى لا دليل عليها. # الوجه الخامس والأربعون: أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر المصلي بالليل ~~إذا نعس أن يذهب فليرقد، وقال: لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه، فأمره بالنوم ~~لئلا تكون صلاته في تلك الحال ذريعة إلى سبه لنفسه، وهو لا يشعر لغلبة ~~النوم. # الوجه السادس والأربعون: أن الشارع صلوات الله عليه نهى أن يخطب الرجل ~~على خطبة أخيه أو يستام على سوم أخيه أو يبيع على بيع أخيه، وما ذاك إلا ~~أنه ذريعة إلى التباغض والتعادي؛ ms0878 فقياس هذا أنه لا يستأجر على إجارته ولا ~~يخطب ولاية ولا منصبا على خطبته، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى وقوع العداوة ~~والبغضاء بينه وبين أخيه. # الوجه السابع والأربعون: أنه نهى عن البول في الجحر، وما ذاك إلا لأنه قد ~~يكون ذريعة إلى خروج حيوان يؤذيه، وقد يكون من مساكن الجن فيؤذيهم بالبول، ~~فربما آذوه. # الوجه الثامن والأربعون: أنه نهى عن البراز في قارعة الطريق والظل ~~والموارد؛ لأنه ذريعة لاستجلاب اللعن كما علل به - صلى الله عليه وسلم - ~~بقوله: «اتقوا الملاعن الثلاث» وفي لفظ: «اتقوا اللاعنين، قالوا: وما ~~اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس، وفي ظلهم» . # الوجه التاسع والأربعون: أنه نهاهم إذا أقيمت الصلاة أن يقوموا حتى يروه ~~قد خرج؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى قيامهم لغير الله، ولو كانوا إنما يقصدون ~~القيام للصلاة، لكن قيامهم قبل خروج الإمام ذريعة ولا مصلحة فيها فنهوا ~~عنه. # الوجه الخمسون: أنه نهى أن توصل صلاة بصلاة الجمعة حتى يتكلم أو يخرج ~~لئلا يتخذ ذريعة إلى تغيير الفرض، وأن يزاد فيه ما ليس منه. # قال السائب بن يزيد: صليت الجمعة في المقصورة، فلما سلم الإمام قمت في ~~مقامي فصليت، فلما دخل معاوية أرسل إلي، فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت ~~الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أمر بذلك ألا توصل الصلاة حتى يتكلم أو يخرج # PageV03P117 # الوجه الحادي والخمسون: أنه أمر من صلى في رحله ثم جاء إلى المسجد أن ~~يصلي مع الإمام وتكون له نافلة؛ لئلا يتخذ قعوده والناس يصلون ذريعة إلى ~~إساءة الظن به، وأنه ليس من المصلين. # الوجه الثاني والخمسون: أنه نهى أن يسمر بعد العشاء الآخرة إلا لمصل أو ~~مسافر، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وما ذاك إلا لأن النوم قبلها ~~ذريعة إلى تفويتها، والسمر بعدها ذريعة إلى تفويت قيام الليل، فإن عارضه ~~مصلحة راجحة كالسمر في العلم ومصالح المسلمين لم يكره. # الوجه الثالث والخمسون: أنه نهى ms0879 النساء إذا صلين مع الرجال أن يرفعن ~~رءوسهن قبل الرجال؛ لئلا يكون ذريعة منهن إلى رؤية عورات الرجال من وراء ~~الأزر كما جاء التعليل بذلك في الحديث # الوجه الرابع والخمسون: أنه نهى الرجل أن يتخطى المسجد الذي يليه إلى ~~غيره، كما رواه بقية عن المجاشع بن عمرو عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليصل أحدكم في المسجد الذي يليه، ولا ~~يتخطاه إلى غيره» وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى هجر المسجد الذي يليه وإيحاش ~~صدر الإمام وإن كان الإمام لا يتم الصلاة أو يرمى ببدعة أو يلعن بفجور فلا ~~بأس بتخطيه إلى غيره. # الوجه الخامس والخمسون: أنه نهى الرجل بعد الأذان أن يخرج من المسجد حتى ~~يصلي؛ لئلا يكون خروجه ذريعة إلى اشتغاله عن الصلاة جماعة كما قال عمار ~~لرجل رآه قد خرج بعد الأذان: " أما هذا فقد عصى أبا القاسم ". # الوجه السادس والخمسون: أنه نهى عن الاحتباء يوم الجمعة كما رواه أحمد في ~~مسنده من حديث سهل بن معاذ عن أبيه: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن الاحتباء يوم الجمعة» وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى النوم. # الوجه السابع والخمسون: أنه نهى المرأة إذا خرجت إلى المسجد أن تتطيب أو ~~تصيب بخورا، وذلك لأنه ذريعة إلى ميل الرجال وتشوفهم إليها، فإن رائحتها ~~وزينتها وصورتها وإبداء محاسنها تدعو إليها؛ فأمرها أن تخرج تفلة، وأن لا ~~تتطيب، وأن تقف خلف الرجال، وأن لا تسبح في الصلاة إذا نابها شيء، بل تصفق ~~ببطن كفها على ظهر الأخرى، كل ذلك سدا للذريعة وحماية عن المفسدة. # الوجه الثامن والخمسون: أنه نهى أن تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ~~ينظر # PageV03P118 # إليها ولا يخفى أن ذلك سد للذريعة وحماية عن مفسدة وقوعها في قلبه وميله ~~إليها بحضور صورتها في نفسه، وكم ممن أحب غيره بالوصف قبل الرؤية. # الوجه التاسع والخمسون: أنه «نهى عن الجلوس بالطرقات، وما ذاك إلا لأنه ~~ذريعة إلى النظر إلى المحرم، فلما أخبروه ms0880 أنه لا بد لهم من ذلك، قال أعطوا ~~الطريق حقه، قالوا: وما حقه؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام» # الوجه الستون: أنه نهى أن يبيت الرجل عند امرأة إلا أن يكون ناكحا أو ذا ~~رحم محرم، وما ذاك إلا لأن المبيت عند الأجنبية ذريعة إلى المحرم. # الوجه الحادي والستون: أنه نهى أن تباع السلع حيث تباع حتى تنقل عن ~~مكانها، وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى جحد البائع البيع وعدم إتمامه إذا رأى ~~المشتري قد ربح فيها، فيغره الطمع، وتشح نفسه بالتسليم كما هو الواقع. وأكد ~~هذا المعنى بالنهي عن ربح ما لم يضمن، وهذا من محاسن الشريعة وألطف باب لسد ~~الذرائع. # الوجه الثاني والستون: أنه نهى عن بيعتين في بيعة، وهو الشرطان في البيع ~~في الحديث الآخر، وهو الذي لعاقدة أوكس البيعتين أو الربا في الحديث ~~الثالث، وذلك سد لذريعة الربا؛ فإنه إذا باعه السلعة بمائة مؤجلة ثم ~~اشتراها منه بمائتين حالة فقد باع بيعتين في بيعة، فإن أخذ بالثمن الزائد ~~أخذ بالربا، وإن أخذ بالناقص أخذ بأوكسهما، وهذا من أعظم الذرائع إلى ~~الربا، وأبعد كل البعد من حمل الحديث على البيع بمائة مؤجلة أو خمسين حالة، ~~وليس هاهنا ربا ولا جهالة ولا غرر ولا قمار ولا شيء من المفاسد؛ فإنه خيره ~~بين أي الثمنين شاء، وليس هذا بأبعد من تخييره بعد البيع بين الأخذ ~~والإمضاء ثلاثة أيام، وأيضا فإنه فرق بين عقدين كل منهما ذريعة ظاهرة جدا ~~إلى الربا - وهما السلف والبيع، والشرطان في البيع - وهذان العقدان بينهما ~~من النسب والإخاء والتوسل بهما إلى أكل الربا ما يقتضي الجمع بينهما في ~~التحريم، فصلوات الله وسلامه على من كلامه الشفاء والعصمة والهدى والنور. # الوجه الثالث والستون: أنه أمر أن يفرق بين الأولاد في المضاجع، وأن لا ~~يترك الذكر ينام مع الأنثى في فراش واحد؛ لأن ذلك قد يكون ذريعة إلى نسج ~~الشيطان بينهما المواصلة المحرمة بواسطة اتحاد الفراش ولا سيما مع الطول، ~~والرجل قد يعبث في نومه بالمرأة ms0881 في نومها إلى جانبه وهو لا يشعر، وهذا أيضا ~~من ألطف سد الذرائع. # الوجه الرابع والستون: أنه نهى أن يقول الرجل: خبثت نفسي، ولكن ليقل، ~~لقست # PageV03P119 # نفسي، سدا لذريعة اعتياد اللسان للكلام الفاحش، وسدا لذريعة اتصاف النفس ~~بمعنى هذا اللفظ؛ فإن الألفاظ تتقاضى معانيها وتطلبها بالمشاكلة والمناسبة ~~التي بين اللفظ والمعنى، ولهذا قل من تجده يعتاد لفظا إلا ومعناه غالب ~~عليه، فسد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذريعة الخبث لفظا ومعنى، وهذا ~~أيضا ألطف الباب. # الوجه الخامس والستون: أنه نهى الرجل أن يقول لغلامه وجاريته: عبدي ~~وأمتي، ولكن يقول: فتاي وفتاتي، ونهى أن يقول لغلامه: وضئ ربك، أطعم ربك، ~~سدا لذريعة الشرك في اللفظ والمعنى، وإن كان الرب هاهنا هو المالك كرب ~~الدار ورب الإبل؛ فعدل عن لفظ العبد والأمة إلى لفظ الفتى والفتاة، ومنع من ~~إطلاق لفظ الرب على السيد، حماية لجانب التوحيد وسدا لذريعة الشرك. # الوجه السادس والستون: أنه نهى المرأة أن تسافر بغير محرم، وما ذلك إلا ~~أن سفرها بغير محرم قد يكون ذريعة إلى الطمع فيها والفجور بها. # الوجه السابع والستون: أنه نهى عن تصديق أهل الكتاب وتكذيبهم فيما يحدثون ~~به؛ لأن تصديقهم قد يكون ذريعة إلى التصديق بالباطل وتكذيبهم قد يكون ذريعة ~~إلى التكذيب بالحق، كما علل به في نفس الحديث. # الوجه الثامن والستون: أنه نهى أن يسمي عبده بأفلح ونافع ورباح ويسار، ~~لأن ذلك قد يكون ذريعة إلى ما يكره من الطيرة بأن يقال: ليس هاهنا يسار، ~~ولا رباح، ولا أفلح، وإن كان قصد اسم الغلام، ولكن سدا لذريعة اللفظ ~~المكروه الذي يستوحش منه السامع. # الوجه التاسع والستون: أنه نهى الرجال عن الدخول على النساء لأنه ذريعة ~~ظاهرة. الوجه السبعون: أنه نهى أن يسمى باسم برة؛ لأنه ذريعة إلى تزكية ~~النفس بهذا الاسم، وإن كان إنما قصد العلمية. # الوجه الحادي والسبعون: أنه نهى عن التداوي بالخمر وإن كانت مصلحة ~~التداوي راجحة على مفسدة ملابستها، سدا لذريعة قربانها واقتنائها ومحبة ~~النفوس لها، فحسم ms0882 عليها المادة حتى في تناولها على وجه التداوي، وهذا من ~~أبلغ سد الذرائع. # الوجه الثاني والسبعون: أنه نهى أن يتناجى اثنان دون الثالث؛ لأن ذلك ~~ذريعة إلى حزنه وكسر قلبه وظنه السوء. # الوجه الثالث والسبعون: أن الله حرم نكاح الأمة على القادر على نكاح ~~الحرة إذا لم # PageV03P120 # يخش العنت؛ لأن ذلك ذريعة إلى إرقاق ولده، حتى لو كانت الأمة من الآيسات ~~من الحبل والولادة لم تحل له سدا للذريعة، ولهذا منع الإمام أحمد الأسير ~~والتاجر أن يتزوج في دار الحرب خشية تعريض ولده للرق، وعلله بعلة أخرى، وهي ~~أنه قد لا يمكنه منع العدو من مشاركته في زوجته. # الوجه الرابع والسبعون: أنه نهى أن يورد ممرض على مصح: لأن ذلك قد يكون ~~ذريعة إما إلى إعدائه وإما إلى تأذيه بالتوهم والخوف، وذلك سبب إلى إصابة ~~المكروه له. # الوجه الخامس والسبعون: أنه نهى أصحابه عن دخول ديار ثمود إلا أن يكونوا ~~باكين خشية أن يصيبهم مثل ما أصابهم، فجعل الدخول من غير بكاء ذريعة إلى ~~إصابة المكروه. # الوجه السادس والسبعون: أنه نهى الرجل أن ينظر إلى من فضل عليه في المال ~~واللباس؛ فإنه ذريعة إلى ازدرائه نعمة الله عليه واحتقاره بها، وذلك سبب ~~الهلاك. # الوجه السابع والسبعون: أنه نهى عن إنزاء الحمر على الخيل؛ لأن ذلك ذريعة ~~إلى قطع نسل الخيل أو تقليلها، ومن هذا نهيه عن أكل لحومها إن صح الحديث ~~فيه إنما كان لأنه ذريعة إلى تقليلها، كما نهاهم في بعض الغزوات عن نحر ~~ظهورهم لما كان ذريعة إلى لحوق الضرر بهم بفقد الظهر. # الوجه الثامن والسبعون: أنه نهى من رأى رؤيا يكرهها أن يتحدث بها؛ فإنه ~~ذريعة إلى انتقالها من مرتبة الوجود اللفظي إلى مرتبة الوجود الخارجي كما ~~انتقلت من الوجود الذهني إلى اللفظي، وهكذا عامة الأمور تكون في الذهن أولا ~~ثم تنتقل إلى الذكر ثم تنتقل إلى الحس، وهذا من ألطف سد الذرائع وأنفعها، ~~ومن تأمل عامة الشر رآه متنقلا في درجات الظهور طبقا بعد طبق من ms0883 الذهن إلى ~~اللفظ إلى الخارج. # الوجه التاسع والسبعون: أنه سأل عن الخمر تتخذ خلا، فقال: لا، مع إذنه في ~~خل الخمر الذي حصل بغير التخليل، وما ذاك إلا سدا لذريعة إمساكها بكل طريق، ~~إذ لو أذن في تخليلها لحبسها أصحابها لذلك وكان ذريعة إلى المحذور. # الوجه الثمانون: أنه نهى أن يتعاطى السيف مسلولا، وما ذاك إلا أنه ذريعة ~~إلى الإصابة بمكروه، ولعل الشيطان يعينه وينزع في يده فيقع المحذور ويقرب ~~منه. # الوجه الحادي والثمانون: أنه أمر المار في المسجد بنبال أن يمسك على ~~نصلها بيده لئلا يكون ذريعة إلى تأذي رجل مسلم بالنصال. # PageV03P121 # الوجه الثاني والثمانون: أنه حرم الشياع، وهو المفاخرة بالجماع؛ لأنه ~~ذريعة إلى تحريك النفوس والتشبه، وقد لا يكون عند الرجل من يغنيه من الحلال ~~فيتخطى إلى الحرام، ومن هذا كان المجاهرون خارجين من عافية الله، وهم ~~المتحدثون بما فعلوه من المعاصي؛ فإن السامع تتحرك نفسه إلى التشبه، وفي ~~ذلك من الفساد المنتشر ما لا يعلمه إلا الله. # الوجه الثالث والثمانون: أنه نهى عن البول في الماء الدائم، وما ذاك إلا ~~أن تواتر البول فيه ذريعة إلى تنجيسه، وعلى هذا فلا فرق بين القليل والكثير ~~وبول الواحد والعدد، وهذا أولى من تفسير بما دون القلتين أو بما يمكن نزحه؛ ~~فإن الشارع الحكيم لا يأذن للناس أن يبولوا في المياه الدائمة إذا جاوزت ~~القلتين أو لم يمكن نزحها، فإن في ذلك [من] إفساد مياه الناس ومواردهم ما ~~لا تأتي به شريعة، فحكمة شريعته اقتضت المنع من البول فيه قل أو كثر سدا ~~لذريعة إفساده. # الوجه الرابع والثمانون: أنه نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ فإنه ~~ذريعة إلى أن تناله أيديهم كما علل به في نفس الحديث. # الوجه الخامس والثمانون: أنه نهى عن الاحتكار، وقال: " لا يحتكر إلا خاطئ ~~" فإنه ذريعة إلى أن يضيق على الناس أقواتهم، ولهذا لا يمنع من احتكار ما ~~لا يضر الناس. # الوجه السادس والثمانون: أنه نهى عن منع فضل الماء؛ لئلا يكون ذريعة إلى ms0884 ~~منع فضل الكلأ كما علل به في نفس الحديث، فجعله بمنعه من الماء مانعا من ~~الكلأ؛ لأن صاحب المواشي إذا لم يمكنه الشرب من ذلك الماء لم يتمكن من ~~المرعى الذي حوله. # الوجه السابع والثمانون: أنه نهى عن إقامة حد الزنا على الحامل حتى تضع، ~~لئلا يكون ذلك ذريعة إلى قتل ما في بطنها، كما قال في الحديث الآخر: «لولا ~~ما في البيوت من النساء والذرية لأمرت فتياني أن يحملوا معهم حزما من حطب ~~فأخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة في الجماعة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» ~~فمنعه من تحريق بيوتهم التي عصوا الله فيها بتخلفهم عن الجماعة كون ذلك ~~ذريعة إلى عقوبة من لم يجب عليه حضور الجماعة من النساء والأطفال. # الوجه الثامن والثمانون: أنه نهى عن إدامة النظر إلى المجذومين، وهذا ~~والله أعلم لأنه ذريعة إلى أن يصابوا بإيذائهم، وهي من ألطف الذرائع، وأهل ~~الطبيعة يعترفون به، وهو جار على قاعدة الأسباب، وأخبرني رجل من علمائهم ~~أنه جلس قرابة له يكحل الناس فرمد # PageV03P122 # ثم برئ، فجلس يكحلهم فرمد مرارا، قال: فعلمت أن الطبيعة تنتقل، وأنه من ~~كثرة ما يفتح عينيه في أعين الرمد نقلت الطبيعة الرمد إلى عينيه، وهذا لا ~~بد معه من نوع استعداد، وقد جبلت الطبيعة والنفس على التشبه والمحاكاة. # الوجه التاسع والثمانون: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى الرجل أن ~~ينحني للرجل إذا لقيه» كما يفعله كثير من المنتسبين إلى العلم ممن لا علم ~~له بالسنة، بل يبالغون إلى أقصى حد الانحناء مبالغة في خلاف السنة جهلا حتى ~~يصير أحدهم بصورة الراكع لأخيه ثم يرفع رأسه من الركوع كما يفعل إخوانهم من ~~السجود بين يدي شيوخهم الأحياء والأموات؛ فهؤلاء أخذوا من الصلاة سجودها، ~~وأولئك ركوعها، وطائفة ثالثة قيامها يقوم عليهم الناس وهم قعود كما يقومون ~~في الصلاة، فتقاسمت الفرق الثلاث أجزاء الصلاة، والمقصود أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى عن انحناء الرجل لأخيه سدا لذريعة الشرك، كما نهى عن ~~السجود لغير الله، وكما نهاهم ms0885 أن يقوموا في الصلاة على رأس الإمام وهو جالس ~~مع أن قيامهم عبادة لله تعالى، فما الظن إذا كان القيام تعظيما للمخلوق ~~وعبودية له؟ فالله المستعان. # الوجه التسعون: أنه حرم التفريق في الصرف وبيع الربوي بمثله قبل القبض؛ ~~لئلا يتخذ ذريعة إلى التأجيل الذي هو أصل باب الربا، فحماهم من قربانه ~~باشتراط التقابض في الحال، ثم أوجب عليهم فيهم التماثل، وأن لا يزيد أحد ~~العوضين على الآخر إذا كانا من جنس واحد حتى لا يباع مد جيد بمدين رديئين ~~وإن كانا يساويانه، سدا لذريعة ربا النساء الذي هو حقيقة الربا، وأنه إذا ~~منعهم من الزيادة مع الحلول حيث تكون الزيادة في مقابلة جودة أو صفة أو سكة ~~أو نحوهما، فمنعهم منها حيث لا مقابل لها إلا مجرد الأجل أولى؛ فهذه هي ~~حكمة تحريم ربا الفضل التي خفيت على كثير من الناس، حتى قال بعض المتأخرين: ~~لا يتبين لي حكمة تحريم ربا الفضل، وقد ذكر الشارع هذه الحكمة بعينها؛ فإنه ~~حرمه سدا لذريعة ربا النساء، فقال في حديث تحريم ربا الفضل: «فإني أخاف ~~عليكم الرما» والرما هو الربا، فتحريم الربا نوعان: نوع حرم لما فيه من ~~المفسدة وهو ربا النسيئة، ونوع حرم تحريم الوسائل وسدا للذرائع؛ فظهرت حكمة ~~الشارع الحكيم وكمال شريعته الباهرة في تحريم النوعين، ويلزم من لم يعتبر ~~الذرائع ولم يأمر بسدها أن يجعل تحريم ربا الفضل تعبدا محضا لا يعقل معناه ~~كما صرح بذلك كثير منهم. # الوجه الحادي والتسعون: أنه أبطل أنواعا من النكاح الذي يتراضى به ~~الزوجان سدا لذريعة الزنا؛ فمنها النكاح بلا ولي؛ فإنه أبطله سدا لذريعة ~~الزنا؛ فإن الزاني لا يعجز أن # PageV03P123 # يقول للمرأة: " أنكحيني نفسك بعشرة دراهم " ويشهد عليها رجلين من أصحابه ~~أو غيرهم، فمنعها من ذلك سدا لذريعة الزنا، ومن هذا تحريم نكاح التحليل ~~الذي لا رغبة للنفس فيه في إمساك المرأة واتخاذها زوجة بل له وطر فيما ~~يقضيه بمنزلة الزاني في الحقيقة وإن اختلفت الصورة، ومن ذلك تحريم نكاح ~~المتعة الذي يعقد ms0886 فيه المتمتع على المرأة مدة يقضي وطره منها فيها؛ فحرم ~~هذه الأنواع كلها سدا لذريعة السفاح، ولم يبح إلا عقدا مؤبدا يقصد فيه كل ~~من الزوجين المقام مع صاحبه ويكون بإذن الولي وحضور الشاهدين أو ما يقوم ~~مقامهما من الإعلان؛ فإذا تدبرت حكمة الشريعة وتأملتها حق التأمل رأيت ~~تحريم هذه الأنواع من باب سد الذرائع، هي من محاسن الشريعة وكمالها. # الوجه الثاني والتسعون: أنه منع المتصدق من شراء صدقته ولو وجدها تباع في ~~السوق سدا لذريعة العود فيما خرج عنه لله ولو بعوضه؛ فإن المتصدق إذا منع ~~من تملك صدقته بعوضها فتملكه إياها بغير عوض أشد منعا وأفطم للنفوس عن ~~تعلقها بما خرجت عنه لله، والصواب ما حكم به النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~من المنع من شرائها مطلقا، ولا ريب أن في تجويز ذلك ذريعة إلى التحيل على ~~الفقير بأن يدفع إليه صدقة ماله ثم يشتريها منه بأقل من قيمتها، ويرى ~~المسكين أنه قد حصل له شيء - مع حاجته - فتسمح نفسه بالبيع، والله عالم ~~بالأسرار، فمن محاسن هذه الشريعة الكاملة سد الذريعة ومنع المتصدق من شراء ~~صدقته، وبالله التوفيق. # الوجه الثالث والتسعون: أنه نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، لئلا يكون ~~ذريعة إلى أكل مال المشتري بغير حق إذا كانت معرضة للتلف، وقد يمنعها الله، ~~وأكد هذا الغرض بأن حكم للمشتري بالجائحة إذا تلفت بعد الشراء الجائز، كل ~~هذا لئلا يظلم المشتري ويؤكل ماله بغير حق. # الوجه الرابع والتسعون: أنه نهى الرجل بعد إصابة ما قدر له أن يقول: لو ~~أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، وأخبر أن ذلك ذريعة إلى عمل الشيطان، فإنه لا ~~يجدي عليه إلا الحزن والندم وضيقة الصدر والسخط على المقدور واعتقاد أنه ~~كان يمكنه دفع المقدور لو فعل ذلك، وذلك يضعف رضاه وتسليمه وتفويضه وتصديقه ~~بالمقدور وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وإذا أعرض القلب عن هذا ~~انفتح له عمل الشيطان، وما ذاك لمجرد لفظ " لو " بل لما قارنها ms0887 من الأمور ~~القائمة بقلبه المنافية لكمال الإيمان الفاتحة لعمل الشيطان، بل أرشد العبد ~~في هذه الحال إلى ما هو أنفع له وهو الإيمان بالقدر والتفويض والتسليم ~~للمشيئة الإلهية وأنه ما شاء الله كان ولا بد؛ فمن رضي فله الرضى ومن سخط ~~فله السخط، فصلوات # PageV03P124 # الله وسلامه على من كلامه شفاء للصدور ونور للبصائر وحياة للقلوب وغذاء ~~للأرواح، وعلى آله؛ فلقد أنعم به على عباده أتم نعمة، ومن عليهم به أعظم ~~منة؛ فلله النعمة وله المنة وله الفضل وله الثناء الحسن. # الوجه الخامس والتسعون: «أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن طعام ~~المتباريين» ، وهما الرجلان يقصد كل منهما مباراة الآخر ومباهاته، إما في ~~التبرعات كالرجلين يصنع كل منهما دعوة يفتخر بها على الآخر ويباريه بها، ~~وأما في المعاوضات كالبائعين يرخص كل منهما سلعته لمنع الناس من الشراء من ~~صاحبه، ونص الإمام أحمد على كراهية الشراء من هؤلاء، وهذا النهي يتضمن سد ~~الذريعة من وجهين؛ أحدهما: أن تسليط النفوس على الشراء منهما وأكل طعامهما ~~تفريج لهما وتقوية لقلوبهما وإغراء لهما على فعل ما كرهه الله ورسوله، ~~والثاني: أن ترك الأكل من طعامهما ذريعة إلى امتناعهما وكفهما عن ذلك. # الوجه السادس والتسعون: أنه تعالى عاقب الذين حفروا الحفائر يوم الجمعة ~~فوقع فيها السمك يوم السبت فأخذوه يوم الأحد ومسخهم الله قردة وخنازير، ~~وقيل: إنهم نصبوا الشباك يوم الجمعة وأخذوا الصيد يوم الأحد، وصورة الفعل ~~الذي فعلوه مخالف لما نهوا عنه، ولكنهم لما جعلوا الشباك والحفائر ذريعة ~~إلى أخذ ما يقع فيها من الصيد يوم السبت نزلوا منزلة من اصطاد فيه؛ إذ صورة ~~الفعل لا اعتبار بها، بل بحقيقته وقصد فاعله، ويلزم من لم يسد الذرائع أن ~~لا يحرم مثل هذا كما صرحوا به في نظيره سواء، وهو ولو نصب قبل الإحرام شبكة ~~فوقع فيها صيد وهو محرم جاز له أخذه بعد الحل، وهذا جار على قواعد من لم ~~يعتبر المقاصد ولم يسد الذرائع. # الوجه السابع والتسعون: قال الإمام أحمد: نهى رسول الله - صلى ms0888 الله عليه ~~وسلم - عن بيع السلاح في الفتنة، ولا ريب أن هذا سدا لذريعة الإعانة على ~~المعصية، ويلزم من لم يسد الذرائع أن يجوز هذا البيع كما صرحوا به، ومن ~~المعلوم أن هذا البيع يتضمن الإعانة على الإثم والعدوان، وفي معنى هذا كل ~~بيع أو إجارة أو معاوضة تعين على معصية الله كبيع السلاح للكفار والبغاة ~~وقطاع الطريق، وبيع الرقيق لمن يفسق به أو يؤاجره لذلك، أو إجارة داره أو ~~حانوته أو خانه لمن يقيم فيها سوق المعصية، وبيع الشمع أو إجارته لمن يعصي ~~الله عليه، ونحو ذلك مما هو إعانة على ما يبغضه الله ويسخطه، ومن هذا عصر ~~العنب لمن يتخذه خمرا وقد لعنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو ~~والمعتصر معا، ويلزم من لم يسد الذرائع أن لا يلعن العاصر، وأن يجوز له أن ~~يعصر العنب لكل أحد، ويقول: القصد غير معتبر في العقد، # PageV03P125 # والذرائع غير معتبرة، ونحن مطالبون في الظواهر، والله يتولى السرائر، وقد ~~صرحوا بهذا، ولا ريب في التنافي بين هذا وبين سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. # الوجه الثامن والتسعون: نهيه عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة - وإن ~~ظلموا أو جاروا ما أقاموا الصلاة، سدا لذريعة الفساد العظيم والشر الكثير ~~بقتالهم كما هو الواقع؛ فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم أضعاف أضعاف ما ~~هم عليه، والأمة في بقايا تلك الشرور إلى الآن، وقال: «إذا بويع الخليفتان ~~فاقتلوا الآخر منهما» سدا لذريعة الفتنة. # الوجه التاسع والتسعون: جمع عثمان المصحف على حرف واحد من الأحرف السبعة ~~لئلا يكون ذريعة إلى اختلافهم في القرآن، ووافقه على ذلك الصحابة - رضي ~~الله عنهم -. # ولنقتصر على هذا العدد من الأمثلة الموافق لأسماء الله الحسنى التي من ~~أحصاها دخل الجنة، تفاؤلا بأنه من أحصى هذه الوجوه وعلم أنها من الدين وعمل ~~بها دخل الجنة؛ إذ قد يكون قد اجتمع له معرفة أسماء الرب تعالى ومعرفة ~~أحكامه، ولله وراء ذلك أسماء وأحكام. # وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف؛ فإنه أمر ونهي، ms0889 والأمر نوعان؛ ~~أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان؛ أحدهما: ~~ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة؛ ~~فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين. ### | [فصل تجويز الحيل يناقض سد الذريعة] # فصل # [تجويز الحيل يناقض سد الذريعة] # وتجويز الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة؛ فإن الشارع يسد الطريق إلى ~~المفاسد بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلة، فأين من يمنع من ~~الجائز خشية الوقوع في المحرم إلى من يعمل الحيلة في التوصل إليه؟ فهذه ~~الوجوه التي ذكرناها وأضعافها تدل على تحريم الحيل والعمل بها والإفتاء بها ~~في دين الله. # ومن تأمل أحاديث اللعن وجد عامتها لمن استحل محارم الله، وأسقط فرائضه ~~بالحيل، كقوله: «لعن الله المحلل والمحلل له» «لعن الله اليهود، حرمت عليهم ~~الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها» . # «لعن الله الراشي والمرتشي» «لعن الله آكل الربا وموكله # PageV03P126 # وكاتبه وشاهده» . # ومعلوم أن الكاتب والشاهد إنما يكتب ويشهد على الربا المحتال عليه ليتمكن ~~من الكتابة والشهادة بخلاف ربا المجاهرة الظاهر، ولعن في الخمر عشرة: ~~عاصرها ومعتصرها، ومعلوم أنه إنما عصر عنبا، «ولعن الواصلة والمستوصلة ~~والواشمة والمستوشمة» . # وقرن بينهما وبين آكل الربا وموكله، والمحلل والمحلل له، في حديث ابن ~~مسعود، وذلك للقدر المشترك بين هؤلاء الأصناف وهو التدليس والتلبيس؛ فإن ~~هذه تظهر من الخلقة ما ليس فيها، والمحلل يظهر من الرغبة ما ليس عنده، وآكل ~~الربا يستحله بالتدليس والمخادعة فيظهر من عقد التبايع ما ليس له حقيقة، ~~فهذا يستحل الربا بالبيع، وذاك يستحل الزنا باسم النكاح، فهذا يفسد ~~الأموال، وذاك يفسد الأنساب، وابن مسعود هو راوي هذا الحديث وهو راوي حديث: ~~«ما ظهر الزنا والربا في قوم إلا أحلوا بأنفسهم العقاب» . # " والله تعالى مسخ الذين استحلوا محارمه بالحيل قردة وخنازير جزاء من جنس ~~عملهم؛ فإنهم لما مسخوا شرعه وغيروه عن وجهه مسخ وجوههم وغيرها عن خلقتها، ~~والله تعالى ذم أهل الخداع والمكر، ومن يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وأخبر ~~أن المنافقين يخادعون الله ms0890 وهو خادعهم، وأخبر عنهم بمخالفة ظواهرهم ~~لبواطنهم وسرائرهم لعلانيتهم وأقوالهم لأفعالهم. # وهذا شأن أرباب الحيل المحرمة، وهذه الأوصاف منطبقة عليهم؛ فإن المخادعة ~~هي الاحتيال والمراوغة بإظهار أمر جائز ليتوصل به إلى أمر محرم يبطنه، ~~ولهذا يقال: " طريق خيدع " إذا كان مخالفا للقصد لا يفطن له، ويقال للسراب: ~~" الخيدع " لأنه يخدع من يراه ويغره وظاهره خلاف باطنه، ويقال للضب: " خادع ~~" وفي المثل: " أخدع من ضب " لمراوغته. # وقال: " سوق خادعة " أي متلونة، وأصله الاختفاء والستر، ومنه " المخدع " ~~في البيت؛ فوازن بين قول القائل: آمنا بالله وباليوم الآخر وأشهد أن محمدا ~~رسول الله؛ إنشاء للإيمان وإخبارا به، وهو غير مبطن لحقيقة هذه الكلمة ولا ~~قاصد له ولا مطمئن به، وإنما قاله، متوسلا به إلى أمنه وحقن دمه أو نيل غرض ~~دنيوي، وبين قول المرابي: بعتك هذه السلعة بمائة. # وليس لواحد منهما غرض فيها بوجه من الوجوه، وليس مبطنا لحقيقة هذه ~~اللفظة، ولا قاصدا له ولا مطمئنا به، وإنما تكلم بها متوسلا إلى الربا، ~~وكذلك قول المحلل: تزوجت هذه المرأة، أو قبلت هذا النكاح، وهو غير مبطن ~~لحقيقة النكاح، ولا قاصد له ولا مريد أن تكون زوجته بوجه، ولا هي مريدة ~~لذلك ولا الولي، هل تجد بينهما فرقا في الحقيقة أو العرف؟ فكيف يسمى أحدهما ~~مخادعا دون الآخر، مع أن قوله بعت واشتريت واقترضت وأنكحت وتزوجت غير قاصد ~~به انتقال الملك الذي وضعت # PageV03P127 # له هذه الصيغة ولا ينوي النكاح الذي جعلت له هذه الكلمة بل قصده ما ينافي ~~مقصود العقد أو أمر آخر خارج عن أحكام العقد وهو عود المرأة إلى زوجها ~~المطلق. # وعود السلعة إلى البائع بأكثر من ذلك الثمن بمباشرته لهذه الكلمات التي ~~جعلت لها حقائق ومقاصد مظهرا لإرادة حقائقها ومقاصدها ومبطنا لخلافه؛ ~~فالأول نفاق في أصل الدين، وهذا نفاق في فروعه، يوضح ذلك ما ثبت عن ابن ~~عباس أنه جاءه رجل فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا، أيحلها له رجل؟ فقال: من ~~يخادع الله يخدعه. # وصح عن أنس وعن ابن عباس ms0891 أنهما سئلا عن العينة، فقالا: إن الله لا يخدع، ~~هذا مما حرم الله ورسوله فسميا ذلك خداعا، كما سمى عثمان وابن عمر نكاح ~~المحلل نكاح دلسة، وقال أيوب السختياني في أهل الحيل: يخادعون الله كأنما ~~يخادعون الصبيان، فلو أتوا الأمر عيانا كان أهون علي، وقال شريك بن عبد ~~الله القاضي في كتاب الحيل: هو كتاب المخادعة. ### | [دليل تحريم الحيل وأنواعها] # [دليل تحريم الحيل] # وتلخيص هذا أن الحيل المحرمة مخادعة لله، ومخادعة الله حرام: أما المقدمة ~~الأولى فإن الصحابة والتابعين - وهم أعلم الأمة بكلام الله ورسوله ومعانيه ~~- سموا ذلك خداعا، وأما الثانية فإن الله ذم أهل الخداع، وأخبر أن خداعهم ~~إنما هو لأنفسهم، وأن في قلوبهم مرضا، وأنه تعالى خادعهم، فكل هذا عقوبة ~~لهم، ومدار الخداع على أصلين؛ أحدهما: إظهار فعل لغير مقصوده الذي جعل له، ~~الثاني: إظهار قول لغير مقصوده الذي وضع له، وهذا منطبق على الحيل المحرمة، ~~وقد عاقب الله تعالى المتحيلين على إسقاط نصيب المساكين وقت الجداد بجد ~~جنتهم عليهم وإهلاك ثمارهم، فكيف بالمتحيل على إسقاط فرائض الله وحقوق ~~خلقه؟ ولعن أصحاب السبت ومسخهم قردة وخنازير على احتيالهم على فعل ما حرمه ~~عليهم. # قال الحسن البصري في قوله تعالى: {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في ~~السبت} [البقرة: 65] قال: رموا الحيتان في السبت، ثم أرجئوها في الماء، ~~فاستخرجوها بعد ذلك، فطبخوها فأكلوها، والله أوخم أكلة أكلة أسرعت في ~~الدنيا عقوبة وأسرعت عذابا في الآخرة، والله ما كانت لحوم الحيتان تلك ~~بأعظم عند الله من دماء قوم مسلمين، إلا أنه عجل لهؤلاء وأخر لهؤلاء. # وقوله: " رموها في السبت " يعني احتالوا على وقوعها في الماء يوم السبت ~~كما بين غيره أنهم حفروا لها حياضا ثم فتحوها عشية الجمعة، ولم يرد أنهم ~~باشروا رميها يوم # PageV03P128 # السبت؛ إذ لو اجترءوا على ذلك لاستخرجوها، قال شيخنا: وهؤلاء لم يكفروا ~~بالتوراة وبموسى، وإنما فعلوا ذلك تأويلا واحتيالا ظاهره ظاهر الاتقاء ~~وحقيقته حقيقة الاعتداء، ولهذا والله أعلم - مسخوا قردة لأن صورة القرد ~~فيها شبه من صورة ms0892 الإنسان، وفي بعض ما يذكر من أوصافه شبه منه، وهو مخالف ~~له في الحد والحقيقة، فلما مسخ أولئك المعتدون دين الله بحيث لم يتمسكوا ~~إلا بما يشبه الدين في بعض ظاهره دون حقيقته مسخهم الله قردة تشبه الإنسان ~~في بعض ظاهره دون الحقيقة، جزاء وفاقا. # ويقوي ذلك أن بني إسرائيل أكلوا الربا وأموال الناس بالباطل، وهو أعظم من ~~أكل الصيد في يوم بعينه، ولم يعاقب أولئك بالمسخ كما عوقب به من استحل ~~الحرام بالحيلة؛ لأن هؤلاء لما كانوا أعظم جرما كانت عقوبتهم أعظم، فإنهم ~~بمنزلة المنافقين يفعلون ما يفعلون ولا يعترفون بالذنب بل قد فسدت عقيدتهم ~~وأعمالهم، بخلاف من أكل الربا وأموال الناس بالباطل والصيد المحرم عالما ~~بتحريمه فإنه يقترن بمعصيته اعترافه بالتحريم وخشيته لله واستغفاره وتوبته ~~يوما ما، واعترافه بأنه مذنب عاص، وانكسار قلبه من ذل المعصية، وازدراؤه ~~على نفسه، ورجاؤه لمغفرة ربه له، وعد نفسه من المذنبين الخاطئين، وهذا كله ~~إيمان يفضي بصاحبه إلى خير، بخلاف الماكر المخادع المحتال على قلب دين ~~الله، ولهذا حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته من ارتكاب الحيل فقال: ~~«لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» وقد أخبر ~~الله تعالى أنه جعل هذه القرية أو هذه الفعلة التي فعلها بأهلها نكالا لما ~~بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين. # فحقيق بمن اتقى الله وخاف نكاله أن يحذر استحلال محارم الله بأنواع المكر ~~والاحتيال، وأن يعلم أنه لا يخلصه من الله ما أظهره مكرا وخديعة من الأقوال ~~والأفعال، وأن يعلم أن لله يوما تكع فيه الرجال، وتنسف فيه الجبال، وتترادف ~~فيه الأهوال، وتشهد فيه الجوارح والأوصال، وتبلى فيه السرائر، وتظهر فيه ~~الضمائر، ويصير الباطل فيه ظاهرا، والسر علانية، والمستور مكشوفا، والمجهول ~~معروفا، ويحصل ويبدو ما في الصدور، كما يبعثر ويخرج ما في القبور، وتجري ~~أحكام الرب تعالى هنالك على القصود والنيات، كما جرت أحكامه في هذه الدار ~~على ظواهر الأقوال والحركات، يوم تبيض وجوه بما في قلوب أصحابها من النصيحة ~~لله ms0893 ورسوله وكتابه وما فيها من البر والصدق والإخلاص للكبير المتعال، وتسود ~~وجوه بما في قلوب أصحابها من الخديعة والغش والكذب والمكر والاحتيال، هنالك ~~يعلم المخادعون أنهم لأنفسهم كانوا يخدعون، وبدينهم كانوا يلعبون، وما ~~يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون. # PageV03P129 # [الأعمال تابعة لمقاصد عاملها] # وقد فصل قوله: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى» الأمر في هذه ~~الحيل وأنواعها. # فأخبر أن الأعمال تابعة لمقاصدها ونياتها، وأنه ليس للعبد من ظاهر قوله ~~وعمله إلا ما نواه وأبطنه لا ما أعلنه وأظهره، وهذا نص في أن من نوى ~~التحليل كان محللا، ومن نوى الربا بعقد التبايع كان رابيا، ومن نوى المكر ~~والخداع كان ماكرا مخادعا. # ويكفي هذا الحديث وحده في إبطال الحيل، ولهذا صدر به حافظ الأمة محمد بن ~~إسماعيل البخاري إبطال الحيل، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أبطل ظاهر ~~هجرة مهاجر أم قيس بما أبطنه ونواه من إرادة أم قيس، وقد قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «البيعان بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ~~ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله» . # " فاستدل به الإمام أحمد وقال: فيه إبطال الحيل، وقد أشكل هذا على كثير ~~من الفقهاء بفعل ابن عمر؛ فإنه كان إذا أراد أن يلزم البيع مشى خطوات، ولا ~~إشكال بحمد الله في الحديث، وهو من أظهر الأدلة على بطلان التحيل لإسقاط حق ~~من له حق؛ فإن الشارع صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله أثبت خيار المجلس في ~~البيع حكمة ومصلحة للمتعاقدين، وليحصل تمام الرضى الذي شرطه تعالى فيه؛ فإن ~~العقد قد يقع بغتة من غير ترو ولا نظر في القيمة، فاقتضت محاسن هذه الشريعة ~~الكاملة أن يجعل للعقد حريما يتروى فيه المتبايعان، ويعيدان النظر، ويستدرك ~~كل واحد منهما عيبا كان خفيا. # فلا أحسن من هذا الحكم، ولا أرفق لمصلحة الخلق؛ فلو مكن أحد المتعاقدين ~~الغابن للآخر من النهوض في الحال والمبادرة إلى التفرق لفاتت مصلحة الآخر، ~~ومقصود الخيار بالنسبة إليه، وهب أنك أنت اخترت إمضاء البيع فصاحبك لم يتسع ms0894 ~~له وقت ينظر فيه ويتروى، فنهوضك حيلة على إسقاط حقه من الخيار، فلا يجوز ~~حتى يخيره؛ فلو فارق المجلس لغير هذه الحاجة أو صلاة أو غير ذلك ولم يقصد ~~إبطال حق الآخر من الخيار لم يدخل في هذا التحريم، ولا يقال: هو ذريعة إلى ~~إسقاط حق الآخر من الخيار؛ لأن باب سد الذرائع متى فاتت به مصلحة راجحة أو ~~تضمن مفسدة راجحة لم يلتفت إليه. # فلو منع العاقد من التفرق حتى يقوم الآخر لكان في ذلك إضرار به ومفسدة ~~راجحة؛ فالذي جاءت به الشريعة في ذلك أكمل شيء وأوفقه للمصلحة والحكمة ولله ~~الحمد. # PageV03P130 # وتأمل قوله: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى ~~الحيل» . # أي أسهلها وأقربها، وإنما ذكر أدنى الحيل لأن المطلق ثلاثا مثلا من أسهل ~~الحيل عليه أن يعطي بعض التيوس المستعارة عشرة دراهم ويستعيره لينزو على ~~امرأته نزوة وقد طيبها له، بخلاف الطريق الشرعي التي هي نكاح الرغبة فإنها ~~يصعب معها عودها إلى الأول جدا، وكذلك من أراد أن يقرض ألفا بألف وخمسمائة، ~~فمن أدنى الحيل أن يعطيه ألفا إلا درهما باسم القرض ويبيعه خرقة تساوي ~~درهما بخمسمائة، ولو أراد ذلك بالطريق الشرعي لتعذر عليه، وكذلك حيلة ~~اليهود بنصب الشباك يوم الجمعة وأخذ ما وقع فيها يوم السبت من أسهل الحيل. # وكذلك إذابتهم الشحم وبيعه وأكل ثمنه. # وقال الإمام أحمد في مسنده: ثنا أسود بن عامر ثنا أبو بكر عن الأعمش عن ~~عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب ~~البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله؛ أنزل الله عليهم بلاء فلا يرفعه حتى ~~يراجعوا دينهم» . # ورواه أبو داود بإسناد صحيح إلى حيوة بن شريح المصري عن إسحاق بن عبد ~~الرحمن الخراساني أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعا حدثه عن ابن عمر. # قال شيخنا - رضي الله عنه -: وهذان إسنادان حسنان؛ أحدهما يشد الآخر ~~ويقويه، فأما رجال الأول فأئمة مشاهير، ولكن ms0895 يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه ~~من عطاء أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر؛ فالإسناد الثاني يبين أن للحديث ~~أصلا محفوظا عن ابن عمر؛ فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور، وحيوة بن شريح كذلك ~~وأفضل. وأما إسحاق بن عبد الرحمن فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثل حيوة بن ~~شريح والليث بن سعد ويحيى بن أيوب وغيرهم. # قال: فقد روينا من طريق ثالث من حديث السري بن سهل الجنيد سابوري بإسناد ~~مشهور إليه: ثنا عبد الله بن رشيد ثنا عبد الرحمن عن ليث عن عطاء عن ابن ~~عمر قال: لقد أتى علينا زمان وما منا رجل يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من ~~أخيه المسلم. ولقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا ضن ~~الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتركوا الجهاد، واتبعوا أذناب ~~البقر؛ أدخل الله عليهم ذلا لا ينزعه عنهم حتى يتوبوا ويراجعوا دينهم» # وهذا يبين أن للحديث أصلا عن عطاء، وروى محمد بن عبد الله الحافظ المعروف ~~بمطين في كتاب البيوع له عن أنس أنه سئل عن العينة، فقال: إن الله لا يخدع، ~~هذا مما حرم الله ورسوله. # وروى أيضا في كتابه عن ابن عباس قال: اتقوا هذه العينة، لا تبع دراهم ~~بدراهم وبينهما حريرة، وفي رواية أن رجلا باع من رجل حريرة بمائة، ثم ~~اشتراها بخمسين، فسأل ابن عباس عن ذلك، فقال: دراهم بدراهم متفاضلة دخلت ~~بينهما # PageV03P131 # حريرة. # وسئل ابن عباس عن العينة - يعني بيع الحريرة - فقال: إن الله لا يخدع، ~~هذا مما حرم الله ورسوله، وروى ابن بطة بإسناده إلى الأوزاعي قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع» ~~. # يعني العينة، وهذا المرسل صالح للاعتضاد به والاستشهاد، وإن لم يكن عليه ~~وحده الاعتماد. # قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن ~~امرأته: " أنها دخلت على عائشة هي وأم ولد زيد بن أرقم وامرأة أخرى فقالت ~~لها أم ولد زيد: إني بعت من ms0896 زيد غلاما بثمان مائة نسيئة، واشتريته بست مائة ~~نقدا، فقالت: أبلغي زيدا أن قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، إلا أن يتوب، بئسما شريت، وبئسما اشتريت ". # رواه الإمام أحمد وعمل به، وهذا حديث فيه شعبة، وإذا كان شعبة في حديث ~~فاشدد يديك به، فمن جعل شعبة بينه وبين الله فقد استوثق لدينه. # وأيضا فهذه امرأة أبي إسحاق وهو أحد أئمة الإسلام الكبار وهو أعلم ~~بامرأته وبعدالتها، فلم يكن ليروي عنها سنة يحرم بها على الأمة وهي عنده ~~غير ثقة ولا يتكلم فيها بكلمة، بل يحابيها في دين الله، هذا لا يظن بمن هو ~~دون أبي إسحاق، وأيضا فإن هذه امرأة من التابعين قد دخلت على عائشة وسمعت ~~منها وروت عنها، ولا يعرف أحد قدح فيها بكلمة، وأيضا فإن الكذب والفسق لم ~~يكن ظاهرا في التابعين بحيث ترد به روايتهم. وأيضا فإن هذه المرأة معروفة، ~~واسمها العالية، وهي جدة إسرائيل، كما رواه حرب من حديث إسرائيل: حدثني أبو ~~إسحاق عن جدته العالية يعني جدة إسرائيل؛ فإنه إسرائيل بن يونس بن أبي ~~إسحاق، والعالية امرأة أبي إسحاق وجدة يونس، وقد حملا عنها هذه السنة - ~~وإسرائيل أعلم بجدته وأبو إسحاق أعلم بامرأته. وأيضا فلم يعرف أحد قط من ~~التابعين أنكر على العالية هذا الحديث ولا قدح فيها من أجله، ويستحيل في ~~العادة أن تروي حديثا باطلا ويشتهر في الأمة ولا ينكره عليها منكر وأيضا ~~فلو لم يأت في هذه المسألة أثر لكان محض القياس ومصالح العباد وحكمة ~~الشريعة تحريمها أعظم من تحريم الربا؛ فإنها ربا مستحل بأدنى الحيل. # PageV03P132 # وأيضا فإن في الحديث قصة، وعند الحفاظ إذا كان فيه قصة دلهم على أنه ~~محفوظ. # قال أبو إسحاق: حدثتني امرأتي العالية، قالت: دخلت على عائشة في نسوة، ~~فقالت: ما حاجتكن؟ فكان أول من سألها أم محبة، فقالت: يا أم المؤمنين هل ~~تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم، قالت: فإني بعته جارية لي بثمانمائة درهم ~~إلى العطاء، وإنه أراد بيعها فابتعتها منه ms0897 بستمائة درهم نقدا، فأقبلت عليها ~~وهي غضبى، فقالت: بئسما شريت، وبئسما اشتريت، أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده ~~إلا أن يتوب، وأفحمت صاحبتنا فلم تكلم طويلا، ثم إنها سهل عليها فقالت: يا ~~أم المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فتلت عليها: {فمن جاءه موعظة من ~~ربه فانتهى فله ما سلف} [البقرة: 275] # وأيضا فهذا الحديث إذا انضم إلى تلك الأحاديث والآثار أفادت بمجموعها ~~الظن الغالب إن لم تفد اليقين. # وأيضا فإن آثار الصحابة كما تقدم موافقة لهذا الحديث، مشتقة منه، مفسرة ~~له. # وأيضا فكيف يليق بالشريعة الكاملة التي لعنت آكل الربا وموكله، وبالغت في ~~تحريمه، وآذنت صاحبه بحرب من الله ورسوله، أن تبيحه بأدنى الحيل مع استواء ~~المفسدة؟ ولولا أن عند أم المؤمنين - رضي الله عنها - علما من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لا تستريب فيه ولا تشك بتحريم مسألة العينة لما أقدمت ~~على الحكم بإبطال جهاد رجل من الصحابة باجتهادها، لا سيما إن كانت قصدت أن ~~العمل يبطل بالردة، واستحلال الربا ردة، ولكن عذر زيد أنه لم يعلم أن هذا ~~محرم، كما عذر ابن عباس بإباحته بيع الدرهم بالدرهمين، وإن لم يكن قصدها ~~هذا، بل قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد ويصير بمنزلة ~~من عمل حسنة وسيئة بقدرها فكأنه لم يعمل شيئا، ولو كان هذا اجتهادا منها لم ~~تمنع زيدا منه، ولم تحكم ببطلان جهاده، ولم تدعه إلى التوبة؛ فإن الاجتهاد ~~لا يحرم الاجتهاد، ولا يحكم ببطلان عمل المسلم المجتهد بمخالفته لاجتهاد ~~نظيره، والصحابة - ولا سيما أم المؤمنين - أعلم بالله ورسوله، وأفقه في ~~دينه من ذلك. # وأيضا فإن الصحابة كعائشة وابن عباس وأنس أفتوا بتحريم مسألة العينة، ~~وغلظوا فيها هذا التغليظ في أوقات ووقائع مختلفة؛ فلم يجئ عن واحد من ~~الصحابة ولا التابعين الرخصة في ذلك، فيكون إجماعا. # PageV03P133 # فإن قيل: فزيد بن أرقم قد خالف عائشة ومن ذكرتم، فغاية الأمر أنها مسألة ~~ذات قولين للصحابة، وهي مما يسوغ فيها الاجتهاد. # قيل: لم يقل ms0898 زيد قط إن هذا حلال، ولا أفتى بها يوما ما، ومذهب الرجل لا ~~يؤخذ من فعله؛ إذ لعله فعله ناسيا أو ذاهلا أو غير متأمل ولا ناظر أو ~~متأولا أو ذنبا يستغفر الله منه ويتوب أو يصر عليه وله حسنات تقاومه، فلا ~~يؤثر شيئا. # قال بعض السلف: العلم علم الرواية، يعني أن يقول: رأيت فلانا يفعل كذا ~~وكذا؛ إذ لعله قد فعله ساهيا، وقال إياس بن معاوية: لا تنظر إلى عمل ~~الفقيه، ولكن سله يصدقك، ولم يذكر عن زيد أنه أقام على هذه المسألة بعد ~~إنكار عائشة، وكثيرا ما يفعل الرجل الكبير الشيء مع ذهوله عما في ضمنه من ~~مفسدة فإذا نبه انتبه، وإذا كان الفعل محتملا لهذه الوجوه وغيرها لم يجز أن ~~يقدم على الحكم، ولم يجز أن يقال: مذهب زيد بن أرقم جواز العينة، لا سيما ~~وأم ولده قد دخلت على عائشة تستفتيها فأفتتها بأخذ رأس مالها، وهذا كله يدل ~~على أنهما لم يكونا جازمين بصحة العقد وجوازه، وأنه مما أباحه الله ورسوله. # وأيضا فبيع العينة إنما يقع غالبا من مضطر إليها، وإلا فالمستغني عنها لا ~~يشغل ذمته بألف وخمسمائة في مقابلة ألف بلا ضرورة وحاجة تدعو إلى ذلك، وقد ~~روى أبو داود من حديث علي: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ~~المضطر، وبيع الغرر، وبيع الثمرة قبل أن تدرك» . # وفي مسند الإمام أحمد عنه قال: " سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر ~~على ما في يديه، ولم يؤثر بذلك قال الله تعالى: {ولا تنسوا الفضل بينكم} ~~[البقرة: 237] وينهر الأشرار، ويستذل الأخيار، ويبايع المضطرون، وقد «نهى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع المضطر، وعن بيع الغرر، وبيع ~~الثمر قبل أن يطعم» . # وله شاهد من حديث حذيفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - رواه سعيد عن ~~هشيم عن كوثر بن حكيم عن مكحول: بلغني عن حذيفة أنه حدث عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إن بعد زمانكم هذا زمانا عضوضا، يعض الموسر على ms0899 ما في ~~يديه، ولم يؤمر بذلك قال الله تعالى: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير ~~الرازقين} [سبأ: 39] وينهد شرار خلق الله، يبايعون كل مضطر، ألا أن بيع ~~المضطر حرام، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخونه، إن كان عندك خير فعد ~~به على أخيك ولا تزده هلاكا إلى هلاكه» وهذا من دلائل النبوة، فإن عامة ~~العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نفقة يضن بها عليه الموسر بالقرض حتى يربح ~~عليه في المائة ما أحب، وهذا المضطر إن أعاد السلعة # PageV03P134 # إلى بائعها فهي العينة، وإن باعها لغيره فهو التورق، وإن رجعت إلى ثالث ~~يدخل بينهما فهو محلل الربا، والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون، وأخفها ~~التورق، وقد كرهه عمر بن عبد العزيز، وقال: هو أخية الربا وعن أحمد فيه ~~روايتان، وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطر، وهذا من فقهه - رضي الله ~~عنه -، قال: فإن هذا لا يدخل فيه إلا مضطر، وكان شيخنا - رحمه الله - يمنع ~~من مسألة التورق، وروجع فيها مرارا وأنا حاضر، فلم يرخص فيها، وقال: المعنى ~~الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة ~~وبيعها والخسارة فيها؛ فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه ~~قد تقدم الاستدلال على تحريم العينة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل ~~سلف وبيع، ولا شرطان في بيع» وبقوله: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما ~~أو الربا» وأن ذلك لا يمكن وقوعه إلا على العينة. # [مما يدل على تحريم الحيل] # ومما يدل على تحريم الحيل قوله - صلى الله عليه وسلم -: «صيد البر لكم ~~حلال، ما لم تصيدوه أو يصد لكم» رواه أهل السنن، ومما يدل على تحريمها ما ~~رواه ابن ماجه في سننه عن «يحيى بن أبي إسحاق قال: سألت أنس بن مالك: الرجل ~~منا يقرض أخاه المال فيهدي إليه، فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدي إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا ~~يقبله إلا أن ms0900 يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك» رواه من حديث إسماعيل بن عياش ~~عن عتبة بن حميد الضبي عن يحيى. # قال شيخنا - رضي الله عنه -: وهذا يحيى بن يزيد الهنائي من رجال مسلم، ~~وعتبة بن حميد معروف بالرواية عن الهنائي. # قال أبو حاتم مع تشدده: هو صالح الحديث، وقال أحمد: ليس بالقوي، وإسماعيل ~~بن عياش ثقة في حديثه عن الشاميين # ، ورواه سعيد في سننه عن إسماعيل بن عياش، لكن قال: عن يزيد بن أبي إسحاق ~~الهنائي عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك رواه البخاري في ~~تاريخه عن يزيد بن أبي يحيى الهنائي عن أنس يرفعه: «إذا أقرض أحدكم فلا ~~يأخذ هدية» قال شيخنا: وأظنه هو ذاك انقلب اسمه. وفي صحيح البخاري عن أبي ~~بردة بن أبي موسى قال: قدمت المدينة، فلقيت عبد الله بن سلام، فقال لي: إنك ~~بأرض الربا فيها فاش، فإذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك # PageV03P135 # حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا، وفي سنن سعيد هذا ~~المعنى عن أبي بن كعب، وجاء عن ابن مسعود أيضا وأتى رجل عبد الله بن عمر ~~فقال: إني أقرضت رجلا بغير معرفة فأهدى إلي هدية جزلة، فقال: رد إليه هديته ~~أو احسبها له، وقال سالم بن أبي الجعد: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني ~~أقرضت رجلا يبيع السمك عشرين درهما، فأهدى إلي سمكة قومتها بثلاثة عشر ~~درهما، فقال: خذ منه سبعة دراهم، ذكرهما سعيد، وذكر حرب عن ابن عباس: إذا ~~أسلفت رجلا سلفا فلا تأخذ منه هدية ولا عارية ركوب دابة؛ فنهى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - هو وأصحابه المقرض عن قبول هدية المقترض قبل الوفاء؛ فإن ~~المقصود بالهدية أن يؤجر الاقتضاء - وإن كان لم يشترط ذلك - سدا لذريعة ~~الربا، فكيف تجوز الحيلة على الربا؟ ومن لم يسد الذرائع ولم يراع المقاصد ~~ولم يحرم الحيل يبيح ذلك كله، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهدي ~~أصحابه أحق أن يتبع، وقد ms0901 تقدم تحريم السلف والبيع لأنه يتخذ حيلة إلى ~~الربا. # [دليل آخر على تحريم الحيل] # ويدل على تحريم الحيل الحديث الصحيح، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة» وهذا نص في تحريم ~~الحيلة المفضية إلى إسقاط الزكاة أو تنقيصها بسبب الجمع والتفريق، فإذا باع ~~بعض النصاب قبل تمام الحول تحيلا على إسقاط الزكاة فقد فرق بين المجتمع، ~~فلا تسقط الزكاة عنه بالفرار منها، ومما يدل على تحريمها قوله تعالى: {ولا ~~تمنن تستكثر} [المدثر: 6] قال المفسرون من السلف ومن بعدهم: لا تعط عطاء ~~تطلب أكثر منه، وهو أن تهدي ليهدى إليك أكثر من هديتك. # وهذا كله يدل على أن صور العقود غير كافية في حلها وحصول أحكامها إلا إذا ~~لم يقصد بها قصدا فاسدا، وكل ما لو شرطه في العقد كان حراما فاسدا فقصده ~~حرام فاسد، واشتراطه إعلان إظهار للفساد، وقصده ونيته غش وخداع ومكر؛ فقد ~~يكون أشد فسادا من الاشتراط ظاهرا من هذه الجهة، والاشتراط الظاهر أشد ~~فسادا منه من جهة إعلان المحرم وإظهاره. # [مما يدل على تحريم الحيل أيضا] # ومما يدل على التحريم أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجمعوا ~~على تحريم هذه الحيل # PageV03P136 # وإبطالها، وإجماعهم حجة قاطعة، بل هي من أقوى الحجج وآكدها، ومن جعلهم ~~بينه وبين الله فقد استوثق لدينه. # بيان المقدمة الأولى أن عمر بن الخطاب خطب الناس على منبر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وقال: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما، وأقره ~~سائر الصحابة على ذلك، وأفتى عثمان وعلي وابن عباس وابن عمر أن المرأة لا ~~تحل بنكاح التحليل، وقد تقدم عن غير واحد من أعيانهم كأبي وابن مسعود وعبد ~~الله بن سلام وابن عمر وابن عباس أنهم نهوا المقرض عن قبول هدية المقترض، ~~وجعلوا قبولها ربا. وقد تقدم عن عائشة وابن عباس وأنس تحريم مسألة العينة، ~~والتغليظ فيها، وأفتى عمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وغيرهم من الصحابة أن ~~المبثوثة في ms0902 مرض الموت ترث، ووافقهم سائر المهاجرين والأنصار من أهل بدر ~~وبيعة الرضوان ومن عداهم. # وهذه وقائع متعددة لأشخاص متعددة في أزمان متعددة، والعادة توجب اشتهارها ~~وظهورها بينهم، لا سيما وهؤلاء أعيان المفتين من الصحابة الذين كانت تضبط ~~أقوالهم، وتنتهي إليهم فتاويهم، والناس عنق واحد إليهم متلقون لفتاويهم، ~~ومع هذا فلم يحفظ عن أحد منهم الإنكار ولا إباحة الحيل مع تباعد الأوقات ~~وزوال أسباب السكوت، وإذا كان هذا قولهم في التحليل والعينة وهدية المقترض ~~إلى المقرض فماذا يقولون في التحيل لإسقاط حقوق المسلمين، بل لإسقاط حقوق ~~رب العالمين، وإخراج الأبضاع والأموال عن ملك أربابها، وتصحيح العقود ~~الفاسدة والتلاعب بالدين؟ وقد صانهم الله تعالى أن يروا في وقتهم من يفعل ~~ذلك أو يفتي به، كما صانهم عن رؤية الجهمية والمعتزلة والحلولية والاتحادية ~~وأضرابهم، وإذا ثبت هذا عنهم فيما ذكرنا من الحيل فهو دليل على قولهم فيما ~~هو أعظم منها. # وأما المقدمة الثانية فكل من له معرفة بالآثار وأصول الفقه ومسائله ثم ~~أنصف لم يشك أن تقرير هذا الإجماع منهم على تحريم الحيل وإبطالها ومنافاتها ~~للدين أقوى من تقرير إجماعهم على العمل بالقياس وغير ذلك مما يدعى فيه ~~إجماعهم، كدعوى إجماعهم على عدم وجوب غسل الجمعة، وعلى المنع من بيع أمهات ~~الأولاد، وعلى الإلزام بالطلاق الثلاث بكلمة واحدة، وأمثال ذلك. # فإذا وازنت بين هذا الإجماع وتلك الإجماعات ظهر لك التفاوت، وانضم إلى ~~هذا أن التابعين موافقون لهم على ذلك؛ فإن الفقهاء السبعة وغيرهم من فقهاء ~~المدينة الذين # PageV03P137 # أخذوا عن زيد بن ثابت وغيره متفقون على إبطال الحيل، وكذلك أصحاب عبد ~~الله بن مسعود من أهل الكوفة، وكذلك أصحاب فقهاء البصرة كأيوب وأبي الشعثاء ~~والحسن وابن سيرين، وكذلك أصحاب ابن عباس. وهذا في غاية القوة من ~~الاستدلال، فإنه انضم إلى كثرة فتاويهم بالتحريم في أفراد هذا الأصل ~~وانتشارها أن عصرهم انصرم، وبقع الإسلام متسعة، وقد دخل الناس في دين الله ~~أفواجا، وقد اتسعت الدنيا على المسلمين أعظم اتساع، وكثر من كان يتعدى ~~الحدود، وكان ms0903 المقتضي لوجود هذه الحيل موجودا فلم يحفظ عن رجل واحد منهم ~~أنه أفتى بحيلة واحدة منها أو أمر بها أو دل عليها، بل المحفوظ عنهم النهي ~~والزجر عنها؛ فلو كانت هذه الحيل مما يسوغ فيها الاجتهاد لأفتى بجوازها رجل ~~منهم، ولكانت مسألة نزاع كغيرها، بل أقوالهم وأعمالهم وأحوالهم متفقة على ~~تحريمها والمنع منها، ومضى على أثرهم أئمة الحديث والسنة في الإنكار. # قال الإمام أحمد في رواية موسى بن سعيد الديداني: لا يجوز شيء في الحيل، ~~وقال في رواية الميموني وقد سأله عمن حلف على يمين ثم احتال لإبطالها، ~~فقال: نحن لا نرى الحيلة، وقال في رواية بكر بن محمد: إذا حلف على شيء ثم ~~احتال بحيلة فصار إليها فقد صار إلى ذلك الذي حلف عليه بعينه، وقال: من ~~احتال بحيلة فهو حانث، وقال في رواية صالح وأبي الحارث وقد ذكر قول أصحاب ~~الحيل فأنكره، وقال في رواية إسماعيل بن سعيد وقد سأل عمن احتال في إبطال ~~الشفعة، فقال: لا يجوز شيء من الحيل في إبطال حق امرئ مسلم، وقال في رواية ~~أبي طالب وغيره في الرجل يحلف وينوي غير ذلك: فاليمين على نية ما يحلفه ~~عليه صاحبه إذا لم يكن مظلوما، فإذا كان مظلوما حلف على نيته، ولم يكن عليه ~~من نية الذي حلفه شيء، وقال في رواية عبد الخالق بن منصور: من كان عنده ~~كتاب الحيل في بيته يفتي به فهو كافر بما أنزل الله على محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - # [من ذكروا الحيل لم يذكروا أن كلها جائز] # قلت: والذين ذكروا الحيل لم يقولوا إنها كلها جائز، وإنما أخبروا أن كذا ~~حيلة وطريق إلى كذا، ثم قد تكون الطريق محرمة، وقد تكون مكروهة، وقد يختلف ~~فيها، فإذا قالوا: الحيلة في فسخ المرأة النكاح أن ترتد ثم تسلم، والحيلة ~~في سقوط القصاص عمن قتل أم امرأته أن يقتل امرأته إذا كان لها ولد منه، ~~والحيلة في سقوط الكفارة عمن أراد الوطء # PageV03P138 # في رمضان أن يتغدى ثم يطأ بعد الغداء، ms0904 والحيلة لمن أرادت أن تفسخ نكاح ~~زوجها أن تمكن ابنه من الوقوع عليها، والحيلة لمن أراد أن يفسخ نكاح امرأته ~~ويحرمها عليه على التأبيد أن يطأ حماته أو يقبلها، والحيلة لمن أراد سقوط ~~حد الزنا عنه أن يسكر ثم يزني، والحيلة لمن أراد سقوط الحج عنه مع قدرته ~~عليه أن يملك ماله لابنه أو زوجته عند خروج الركب فإذا بعد استرد ماله، ~~والحيلة لمن أراد حرمان وارثه ميراثه أن يقر بماله كله لغيره عند الموت ~~والحيلة لمن أراد إبطال الزكاة وإسقاط فرضها عنه بالكلية أن يملك ماله عند ~~الحول لابنه أو امرأته أو أجنبي ساعة من زمان ثم يسترده منه، ويفعل هكذا كل ~~عام، فيبطل فرض الزكاة عنه أبدا، والحيلة لمن أراد أن يملك مال غيره بغير ~~رضاه أن يفسده عليه أو يغير صورته فيملكه، فيذبح شاته، ويشق قميصه، ويطحن ~~حبه ويخبزه، ونحو ذلك. # والحيلة لمن أراد قتل غيره ولا يقتل به أن يضربه بدبوس أو مرزبة حديد ~~ينثر دماغه فلا يجب عليه قصاص، والحيلة لمن أراد أن يزني بامرأة فلا يجب ~~عليه الحد أن يستأجرها لكنس بيته أو لطي ثيابه أو لغسلها أو لنقل متاع من ~~مكان إلى مكان ثم يزني بها ما شاء مجانا بلا حد ولا غرامة، أو يستأجرها ~~لنفس الزنا، والحيلة لمن أراد أن يسقط عنه حد السرقة أن يدعي أن المال له ~~وأن له فيه شركة فيسقط عنه القطع بمجرد دعواه، أو ينقب الدار ثم يدع غلامه ~~أو ابنه أو شريكه يدخل ويخرج متاعه أو يدعه على ظهر دابة تخرج به، ونحو ~~ذلك. # والحيلة لمن أراد سقوط حد الزنا عنه بعد أن يشهد به عليه أربعة عدول غير ~~متهمين أن يصدقهم فيسقط عنه الحد بمجرد تصديقهم، والحيلة لمن أراد قطع يد ~~غيره، ولا يقطع بها أن يمسك هو وآخر السكين أو السيف ويقطعانها معا، ~~والحيلة لمن أرادت التخلف عن زوجها في السفر أن تقر لغيره بدين، والحيلة ~~لمن أراد الصيد في الإحرام أن ينصب الشباك ms0905 قبل أن يحرم ثم يأخذ ما وقع فيها ~~حال إحرامه بعد أن يحل. # فهذه الحيل وأمثالها لا يحل لمسلم أن يفتي بها في دين الله تعالى، ومن ~~استحل الفتوى بهذه فهو الذي كفره الإمام أحمد وغيره من الأئمة، حتى قالوا: ~~إن من أفتى بهذه الحيل فقد قلب الإسلام ظهرا لبطن، ونقض عرى الإسلام عروة ~~عروة، وقال بعض أهل الحيل: ما نقموا علينا من أنا عمدنا إلى أشياء كانت ~~حراما عليهم فاحتلنا فيها حتى صارت حلالا، وقال آخر منهم: إنا نحتال للناس ~~منذ كذا وكذا سنة في تحليل ما حرم الله عليهم. # قال أحمد بن زهير بن مروان: كانت امرأة هاهنا بمرو أرادت أن تختلع من ~~زوجها، فأبى زوجها عليها، فقيل لها: لو ارتددت عن الإسلام لبنت منه، ففعلت، ~~فذكرت ذلك لعبد الله بن المبارك، فقال: من وضع هذا الكتاب فهو كافر، ومن ~~سمع به ورضي به فهو # PageV03P139 # كافر، ومن حمله من كورة إلى كورة فهو كافر، ومن كان عنده فرضي به فهو ~~كافر، وقال إسحاق بن راهويه عن شقيق بن عبد الملك: إن ابن المبارك قال في ~~قصة بنت أبي روح حيث أمرت بالارتداد، وذلك في أيام أبي غسان، فذكر شيئا، ثم ~~قال ابن المبارك وهو مغضب: أحدثوا في الإسلام، ومن كان أمر بهذا فهو كافر، ~~ومن كان هذا الكتاب عنده أو في بيته ليأمر به أو هويه ولم يأمر به فهو ~~كافر، ثم قال ابن المبارك: ما رأى الشيطان كان يحسن مثل هذا، حتى جاء هؤلاء ~~فأفادها منهم فأشاعها حينئذ، أو كان يحسنها ولم يجد من يمضيها فيهم حتى جاء ~~هؤلاء. # وقال إسحاق الطالقاني: قيل يا أبا عبد الرحمن إن هذا الكتاب وضعه إبليس، ~~قال: إبليس من الأبالسة، وقال النضر بن شميل: في كتاب الحيل ثلاثمائة ~~وعشرون أو ثلاثون مسألة كلها كفر، وقال أبو حاتم الرازي: قال شريك يعني ابن ~~عبد الله قاضي الكوفة وذكر له كتاب الحيل، فقال: من يخادع الله يخدعه، وقال ~~حفص بن غياث: ينبغي أن ms0906 يكتب عليه كتاب الفجور، وقال إسماعيل بن حماد: قال ~~القاسم بن معن يعني ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قاضي الكوفة: ~~كتابكم هذا الذي كتبتموه في الحيل كتاب الفجور، وقال حماد بن زيد: سمعت ~~أيوب يقول: ويلهم، من يخدعون؟ يعني أصحاب الحيل، وقال عبد الرحمن الدارمي: ~~سمعت يزيد بن هارون يقول: لقد أفتى أصحاب الحيل بشيء لو أفتى به اليهودي ~~والنصراني كان قبيحا، فقال: إني حلفت أني لا أطلق امرأتي بوجه من الوجوه، ~~وإنهم قد بذلوا لي مالا كثيرا، فقال له: قبل أمها، فقال يزيد بن هارون: ~~ويله، يأمره أن يقبل امرأة أجنبية؟ وقال حبيش بن مبشر: سئل أبو عبد الله ~~يعني الإمام أحمد عن الرجل يشتري جارية ثم يعتقها من يومه ويتزوجها، أيطؤها ~~من يومه؟ فقال: كيف يطؤها من يومه وقد وطئها ذلك بالأمس؟ هذا من طريق ~~الحيلة، وغضب، وقال: هذا أخبث قول، وقال رجل للفضيل بن عياض: يا أبا علي ~~استفتيت رجلا في يمين حلفت بها فقال لي: إن فعلت كذا حنثت، وأنا أحتال لك ~~حتى تفعل ولا تحنث، فقال له الفضيل: تعرف الرجل؟ قال: نعم، قال: ارجع إليه ~~فاستثبته فإني أحسبه شيطانا شبه لك في صورة إنسان. # وإنما قال هؤلاء الأئمة وأمثالهم هذا الكلام في هذه الحيل لأن فيها ~~الاحتيال على تأخير صوم رمضان، وإسقاط فرائض الله تعالى من الحج والزكاة، ~~وإسقاط حقوق المسلمين، واستحلال ما حرم الله من الربا والزنا، وأخذ أموال ~~الناس وسفك دمائهم، # PageV03P140 # وفسخ العقود اللازمة، والكذب وشهادة الزور وإباحة الكفر، وهذه الحيل ~~دائرة بين الكفر والفسوق، ولا يجوز أن تنسب هذه الحيل إلى أحد من الأئمة، ~~ومن نسبها إلى أحد منهم فهو جاهل بأصولهم ومقاديرهم ومنزلتهم من الإسلام، ~~وإن كان بعض هذه الحيل قد تنفذ على أصول إمام بحيث إذا فعلها المتحيل نفذ ~~حكمها عنده، ولكن هذا أمر غير الإذن فيها وإباحتها وتعليمها فإن إباحتها ~~شيء ونفوذها إذا فعلت شيء، ولا يلزم من كون الفقيه والمفتي لا يبطلها أن ~~يبيحها ويأذن ms0907 فيها، وكثير من العقود يحرمها الفقيه ثم ينفذها ولا يبطلها، ~~ولكن الذي ندين الله به تحريمها وإبطالها وعدم تنفيذها، ومقابلة أربابها ~~بنقيض مقصودهم موافقة لشرع الله تعالى وحكمته وقدرته. # [لا يجوز أن ينسب القول بجواز الحيل إلى إمام] : والمقصود أن هذه الحيل ~~لا تجوز أن تنسب إلى إمام؛ فإن ذلك قدح في إمامته، وذلك يتضمن القدح في ~~الأمة حيث ائتمت بمن لا يصلح للإمامة، وهذا غير جائز، ولو فرض أنه حكي عن ~~واحد من الأئمة بعض هذه الحيل المجمع على تحريمها فإما أن تكون الحكاية ~~باطلة، أو يكون الحاكي لم يضبط لفظه فاشتبه عليه فتواه بنفوذها بفتواه ~~بإباحتها مع بعد ما بينهما، ولو فرض وقوعها منه في وقت ما فلا بد أن يكون ~~قد رجع عن ذلك وإن لم يحمل الأمر على ذلك لزم القدح في الإمام وفي جماعة ~~المسلمين المؤتمين به، وكلاهما غير جائز، ولا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز ~~الإذن في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض، إلا المكره إذا اطمأن قلبه ~~بالإيمان. # ثم إن هذا على مذهب أبي حنيفة وأصحابه أشد؛ فإنهم لا يأذنون في كلمات ~~وأفعال دون ذلك بكثير، ويقولون: إنها كفر، حتى قالوا: لو قال الكافر لرجل: ~~" إني أريد أن أسلم " فقال له: " اصبر ساعة " فقد كفر، فكيف بالأمر بإنشاء ~~الكفر؟ وقالوا: لو قال: " مسيجد " أو صغر لفظ المصحف كفر. # فعلمت أن هؤلاء المحتالين الذين يفتون بالحيل التي هي كفر أو حرام ليسوا ~~مقتدين بمذهب أحد من الأئمة، وأن الأئمة أعلم بالله ورسوله ودينه وأتقى له ~~من أن يفتوا بهذه الحيل، وقد قال أبو داود في مسائله: سمعت أحمد وذكر أصحاب ~~الحيل: يحتالون لنقض سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال في رواية ~~أبي الحارث الصانع: هذه الحيل التي وضعوها عمدوا إلى السنن واحتالوا ~~لنقضها، والشيء الذي قيل لهم إنه حرام احتالوا فيه حتى أحلوه، قالوا: الرهن ~~لا يحل أن يستعمل، ثم قالوا: يحتال له حتى يستعمل، فكيف يحل بحيلة ما حرم # PageV03P141 # الله ms0908 ورسوله؟ وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله اليهود حرمت عليهم ~~الشحوم فأذابوها فباعوها وأكلوا أثمانها» أذابوها حتى أزالوا عنها اسم ~~الشحم، وقد «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المحلل والمحلل له» . # وقال في رواية ابنه صالح: عجبت مما يقول أرباب الحيل في الحيل في ~~الأيمان، يبطلون الأيمان بالحيل وقد قال الله تعالى: {ولا تنقضوا الأيمان ~~بعد توكيدها} [النحل: 91] وقال: {يوفون بالنذر} [الإنسان: 7] وكان ابن ~~عيينة يشتد عليه أمر هذه الحيل، وقال في رواية الميموني وقد سأله: إنهم ~~يقولون في رجل حلف على امرأته وهي على درجة إن صعدت أو نزلت فأنت طالق، " ~~قالوا: تحمل حملا، فقال: هذا هو الحنث بعينه، ليست هذه حيلة، هذا هو الحنث، ~~وقالوا: إذا حلف لا يطأ بساطا يطأ بساطين، وإذا حلف لا يدخل دارا يحمل، ~~فأقبل أبو عبد الله يعجب، وقال أبو طالب: سمعت أبا عبد الله قال له رجل: في ~~كتاب الحيل إذا اشترى الرجل الأمة فأراد أن يقنع بها يعتقها ثم يتزوجها، ~~فقال أبو عبد الله: سبحان الله، ما أعجب هذا، أبطلوا كتاب الله والسنة، جعل ~~الله على الحرائر العدة من أجل الحمل، فليس من امرأة تطلق أو يموت زوجها ~~إلا تعتد من أجل الحمل، ففرج يوطأ يشتريه ثم يعتقه على المكان فيتزوجها ~~فيطؤها. # فإن كانت حاملا كيف يصنع؟ يطؤها رجل اليوم ويطؤها الآخر غدا؟ هذا نقض ~~للكتاب والسنة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا توطأ الحامل حتى ~~تضع، ولا غير الحامل حتى تحيض» ولا يدري [هل] هي حامل أم لا] سبحان الله، ~~ما أسمج هذا، وقال محمد بن الهيثم: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل - ~~يحكي عن مقاتل بن محمد قال: شهدت هشاما وهو يقرئ كتابا، فانتهى بيده إلى ~~مسألة فجازها، فقيل له في ذلك، فقال: دعوه، وكره مكاني، فتطلعت في الكتاب، ~~فإذا فيه: لو أن رجلا لف على ذكره حريرة في شهر رمضان ثم جامع امرأته نهارا ~~فلا قضاء عليه ولا كفارة. # فصل # [من الأدلة على ms0909 تحريم الحيل] : ومما يدل على بطلان الحيل وتحريمها أن ~~الله تعالى إنما أوجب الواجبات وحرم المحرمات لما تتضمن من مصالح عباده في ~~معاشهم ومعادهم؛ فالشريعة لقلوبهم بمنزلة الغذاء الذي لا بد لهم منه ~~والدواء الذي لا يندفع الداء إلا به، فإذا احتال العبد على تحليل ما حرم ~~الله وإسقاط ما فرض الله وتعطيل ما شرع الله كان ساعيا في دين الله بالفساد ~~من وجوه: # PageV03P142 # أحدها: إبطالها ما في الأمر المحتال عليه من حكمة الشارع ونقض حكمته فيه ~~ومناقضته له. # والثاني: أن الأمر المحتال به ليس له عنده حقيقة، ولا هو مقصوده، بل هو ~~ظاهر المشروع؛ فالمشروع ليس مقصودا له، والمقصود له هو المحرم نفسه، وهذا ~~ظاهر كل الظهور فيما يقصد الشارع؛ فإن المرابي مثلا مقصوده الربا المحرم، ~~وصورة البيع الجائز غير مقصودة له، وكذلك المتحيل على إسقاط الفرائض بتمليك ~~ماله لمن لا يهبه درهما واحدا حقيقة مقصوده إسقاط الفرض، وظاهر الهبة ~~المشروعة غير مقصودة له. # الثالث: نسبته ذلك إلى الشارع الحكيم وإلى شريعته التي هي غذاء القلوب ~~ودواؤها وشفاؤها، ولو أن رجلا تحيل حتى قلب الغذاء والدواء إلى ضده، فجعل ~~الغذاء دواء والدواء غذاء، إما بتغيير اسمه أو صورته مع بقاء حقيقته؛ لأهلك ~~الناس، فمن عمد إلى الأدوية المسهلة فغير صورتها أو أسماءها وجعلها غذاء ~~للناس، أو عمد إلى السموم القاتلة فغير أسماءها وصورتها وجعلها أدوية، أو ~~إلى الأغذية الصالحة فغير أسماءها وصورها؛ كان ساعيا بالفساد في الطبيعة، ~~كما أن هذا ساع بالفساد في الشريعة؛ فإن الشريعة للقلوب بمنزلة الغذاء ~~والدواء للأبدان، وإنما ذلك بحقائقها لا بأسمائها وصورها. # وبيان ذلك على وجه الإشارة أن الله سبحانه وتعالى حرم الربا والزنا ~~وتوابعهما ووسائلهما؛ لما في ذلك من الفساد، وأباح البيع والنكاح ~~وتوابعهما؛ لأن ذلك مصلحة محضة، ولا بد أن يكون بين الحلال والحرام فرق في ~~الحقيقة، وإلا لكان البيع مثل الربا والنكاح مثل الزنا، ومعلوم أن الفرق في ~~الصورة دون الحقيقة ملغى عند الله ورسوله في فطر عباده؛ فإن الاعتبار ~~بالمقاصد ms0910 والمعاني في الأقوال والأفعال، فإن الألفاظ إذا اختلفت ومعناها ~~واحد كان حكمها واحدا، فإذا اتفقت الألفاظ واختلفت المعاني كان حكمها ~~مختلفا، وكذلك الأعمال إذا اختلفت صورها واتفقت مقاصدها، وعلى هذه القاعدة ~~يبنى الأمر والنهي والثواب والعقاب، ومن تأمل الشريعة علم بالاضطرار صحة ~~هذا؛ فالأمر المحتال به على المحرم صورته صورة الحلال، وحقيقته ومقصوده ~~حقيقة الحرام؛ فلا يكون حلالا فلا يترتب عليه أحكام الحلال فيقع باطلا، ~~والأمر المحتال عليه حقيقته حقيقة الأمر الحرام وإن لم تكن صورته صورته، ~~فيجب أن يكون حراما لمشاركته للحرام في الحقيقة. # PageV03P143 # ويا لله العجب، أين القياس والنظر في المعاني المؤثرة وغير المؤثرة فرقا ~~وجمعا؟ والكلام في المناسبات ورعاية المصالح وتحقيق المناط وتنقيحه وتخريجه ~~وإبطال قول من علق الأحكام بالأوصاف الطردية التي لا مناسبة بينها وبين ~~الحكم، فكيف يعلقه بالأوصاف المناسبة لضد الحكم؟ وكيف يعلق الأحكام على ~~مجرد الألفاظ والصور الظاهرة التي لا مناسبة بينها وبينها ويدع المعاني ~~المناسبة المفضية لها التي ارتباطها بها كارتباط العلل العقلية بمعلولاتها؟ ~~والعجب منه كيف ينكر مع ذلك على أهل الظاهر المتمسكين بظواهر كتاب ربهم ~~وسنة نبيهم حيث لا يقوم دليل يخالف الظاهر ثم يتمسك بظواهر أفعال المكلفين ~~وأقوالهم حيث يعلم أن الباطن والقصد بخلاف ذلك؟ ويعلم لو تأمل حق التأمل أن ~~مقصود الشارع غير ذلك، كما يقطع بأن مقصوده من إيجاب الزكاة سد خلة ~~المساكين وذوي الحاجات وحصول المصالح التي أرادها بتخصيص هذه الأوصاف من ~~حماية المسلمين والذب عن حوزة الإسلام، فإذا أسقطها بالتحيل فقد خالف مقصود ~~الشارع وحصل مقصود المتحيل، والواجب الذي لا يجوز غيره أن يحصل مقصود الله ~~ورسوله ويبطل مقاصد المتحيلين المخادعين، وكذلك يعلم قطعا أنه # [إنما] حرم الربا لمن فيه من الضرر بالمحاويج، وأن مقصوده إزالة هذه ~~المفسدة؛ فإذا أبيح التحيل على ذلك كان سعيا في إبطال مقصود الشارع وتحصيلا ~~لمقصود المرابي، وهذه سبيل جميع الحيل المتوسل بها إلى تحليل الحرام وإسقاط ~~الواجب، وبهذه الطريق تبطل جميعا، ألا ترى أن المتحيل لإسقاط الاستبراء ~~مبطل لمقصود الشارع ms0911 من حكمة الاستبراء ومصلحته؛ فالمعين [له] على ذلك مفوت ~~لمقصود الشارع محصل لمقصود المتحيل، وكذلك التحيل على إبطال حقوق المسلمين ~~التي ملكهم إياها الشارع وجعلهم أحق بها من غيرهم إزالة لضررهم وتحصيلا ~~لمصالحهم؛ فلو أباح التحيل لإسقاطها لكان عدم إثباتها للمستحقين أولى وأقل ~~ضررا من أن يثبتها ويوصي بها ويبالغ في تحصيلها ثم يشرع التحيل لإبطالها ~~وإسقاطها، وهل ذلك إلا بمنزلة من بنى بناء مشيدا وبالغ في إحكامه وإتقانه، ~~ثم عاد فنقضه، وبمنزلة من أمر بإكرام رجل والمبالغة في بره والإحسان إليه ~~وأداء حقوقه، ثم أباح لمن أمره أن يتحيل بأنواع الحيل لإهانته وترك حقوقه، ~~ولهذا يسيء الكفار والمنافقون ومن في قلوبهم المرض الظن بالإسلام والشرع ~~الذي بعث الله به رسوله حيث ظنوا أن هذه الحيل مما جاء به الرسول وعلموا ~~مناقضتها للمصالح مناقضة ظاهرة ومنافاتها لحكمة الرب وعدله ورحمته وحمايته ~~وصيانته لعباده؛ فإنه نهاهم عما نهاهم عنه حمية وصيانة، فكيف يبيح لهم ~~الحيل على ما حماهم عنه؟ وكيف يبيح لهم التحيل على إسقاط ما فرضه عليهم ~~وعلى إضاعة الحقوق التي أحقها # PageV03P144 # عليهم لبعضهم بعضا لقيام مصالح النوع الإنساني التي لا تتم إلا بما شرعه؟ # فهذه الشريعة شرعها الذي علم ما في ضمنها من المصالح والحكم والغايات ~~المحمودة وما في خلافها من ضد ذلك، وهذا أمر ثابت لها لذاتها وبائن من أمر ~~الرب تبارك وتعالى بها ونهيه عنها، فالمأمور به مصلحة وحسن في نفسه، واكتسى ~~بأمر الرب تعالى مصلحة وحسنا آخر، فازداد حسنا بالأمر ومحبة الرب وطلبه له ~~إلى حسنه في نفسه، وكذلك المنهي عنه مفسدة وقبيح في نفسه، وازداد بنهي الرب ~~تعالى عنه وبغضه له وكراهيته له قبحا إلى قبحه، وما كان هكذا لم يجز أن ~~ينقلب حسنه قبحا بتغير الاسم والصورة مع بقاء الماهية والحقيقة، ألا ترى أن ~~الشارع صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله حرم بيع الثمار قبل بدو صلاحها لما ~~فيه من مفسدة التشاحن والتشاجر، ولما يؤدي إليه - إن منع الله الثمرة - من ~~أكل مال أخيه ms0912 بغير حق ظلما وعدوانا، ومعلوم قطعا أن هذه المفسدة لا تزول ~~بالتحيل على البيع قبل بدو الصلاح؛ فإن الحيلة لا تؤثر في زوال هذه ~~المفسدة، ولا في تخفيفها، ولا في زوال ذرة منها؛ فمفسدة هذا العقد أمر ثابت ~~له لنفسه، فالحيلة إن لم تزده فسادا لم تزل فسادا، وكذلك شرع الله تعالى ~~الاستبراء لإزالة مفسدة اختلاط المياه وفساد الأنساب وسقي الإنسان بمائه ~~زرع غيره، وفي ذلك من المفاسد ما توجب العقول تحريمه لو لم تأت به شريعة، ~~ولهذا فطر الله الناس على استهجانه واستقباحه، ويرون من أعظم الهجن أن يقوم ~~هذا عن المرأة ويخلفه الآخر عليها، ولهذا حرم نكاح الزانية وأوجب العدد ~~والاستبراء، ومن المعلوم قطعا أن هذه المفسدة لا تزول بالحيلة على إسقاط ~~الاستبراء، ولا تخف، وكذلك شرع الحج إلى بيته لأنه قوام للناس في معاشهم ~~ومعادهم، ولو عطل البيت الحرام عاما واحدا عن الحج لما أمهل الناس، ~~ولعوجلوا بالعقوبة، وتوعد من ملك الزاد والراحلة ولم يحج بالموت على غير ~~الإسلام، ومعلوم أن التحيل لإسقاطه لا يزيل مفسدة الترك، ولو أن الناس كلهم ~~تحيلوا لترك الحج والزكاة لبطلت فائدة هذين الفرضين العظيمين، وارتفع من ~~الأرض حكمهما بالكلية، وقيل للناس: إن شئتم كلكم أن تتحيلوا لإسقاطهما ~~فافعلوا، فليتصور العبد ما في إسقاطهما من الفساد المضاد لشرع الله وإحسانه ~~وحكمته. # وكذلك الحدود جعلها الله تعالى زواجر للنفوس وعقوبة ونكالا وتطهيرا، ~~فشرعها من أعظم مصالح العباد في المعاش والمعاد، بل لا تتم سياسة ملك من ~~ملوك الأرض إلا بزواجر وعقوبات لأرباب الجرائم، ومعلوم ما في التحيل ~~لإسقاطها من منافاة هذا الغرض وإبطاله وتسليط النفوس الشريرة على تلك ~~الجنايات إذا علمت أن لها طريقا إلى إبطال عقوباتها فيها، وأنها تسقط تلك ~~العقوبات بأدنى الحيل؛ فإنه لا فرق عندها ألبتة بين أن تعلم أنه لا عقوبة ~~عليها فيها وبين أن تعلم أن # PageV03P145 # لها عقوبة وأن لها إسقاطها بأدنى الحيل، ولهذا احتاج البلد الذي تظهر فيه ~~هذه الحيل إلى سياسة وال أو أمير يأخذ على ms0913 يد الجناة ويكف شرهم عن الناس ~~إذا لم يمكن أرباب الحيل أن يقوموا بذلك، وهذا بخلاف الأزمنة والأمكنة التي ~~قام الناس فيها بحقائق ما بعث الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنهم ~~لم يحتاجوا معها إلى سياسة أمير ولا وال، كما كان أهل المدينة في زمن ~~الصحابة والتابعين وتابعيهم، فإنهم كانوا يحدون بالرائحة وبالقيء وبالحبل ~~وبظهور المسروق عند السارق، ويقتلون في القسامة، ويعاقبون أهل التهم، ولا ~~يقبلون الدعوى التي تكذبها العادة والعرف، ولا يرون الحيل في شيء من الدين ~~ويعاقبون أربابها، ويحبسون في التهم حتى يتبين حال المتهم، فإن ظهرت براءته ~~خلوا سبيله، وإن ظهر فجوره قرروه بالعقوبة اقتداء بسنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في عقوبة المتهمين وحبسهم؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حبس في تهمة وعاقب في تهمة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى من ذكر ذلك ~~عنه وعن أصحابه ما فيه شفاء وكفاية وبيان لإغناء ما جاء به عن كل وال ~~وسائس، وأن شريعته التي هي شريعته لا يحتاج معها إلى غيرها، وإنما يحتاج ~~إلى غيرها من لم يحط بها علما أو لم يقم به عملا. # والمقصود أن ما في ضمن المحرمات من المفاسد والمأمورات من المصالح يمنع ~~أن يشرع إليها التحيل بما يبيحها ويسقطها، وأن ذلك مناقضة ظاهرة، ألا ترى ~~أنه بالغ في لعن المحلل للمفاسد الظاهرة والباطنة التي في التحليل التي ~~يعجز البشر عن الإحاطة بتفاصيلها؛ فالتحيل على صحة هذا النكاح بتقديم ~~اشتراط التحليل عليه وإخلاء صلبه عنه إن لم يزد مفسدته فإنه لا يزيلها ولا ~~يخففها، وليس تحريمه والمبالغة في لعن فاعله تعبدا لا يعقل معناه، بل هو ~~معقول المعنى من محاسن الشريعة، بل لا يمكن شريعة الإسلام ولا غيرها من ~~شرائع الأنبياء أن تأتي بحيلة؛ فالتحيل على وقوعه وصحته إبطال لغرض الشارع ~~وتصحيح لغرض المتحيل المخادع. # وكذلك الشارع حرم الصيد في الإحرام وتوعد بالانتقام على من عاد إليه بعد ~~التحريم، لما فيه من المفسدة الموجبة لتحريمه وانتقام الرب من ms0914 فاعله، ~~ومعلوم قطعا أن هذه المفسدة لا تزول بنصب الشباك له قبل الإحرام بلحظة، ~~فإذا وقع فيها حال الإحرام أخذه بعد الحل بلحظة، فإباحته لمن فعل هذا إبطال ~~لغرض الشارع الحكيم وتصحيح لغرض المخادع. # وكذلك إيجاب الشارع الكفارة على من وطئ في نهار رمضان فيه من المصلحة جبر ~~وهن الصوم، وزجر الواطئ، وتكفير جرمه، واستدراك فرطه، وغير ذلك من المصالح # PageV03P146 # التي علمها من شرع الكفارة وأحبها ورضيها، فإباحة التحيل لإسقاطها بأن ~~يتعدى قبل الجماع ثم يجامع نقض لغرض الشارع، وإبطال له، وإعمال لغرض الجاني ~~المتحيل وتصحيح له، ثم إن ذلك جناية على حق الله وحق العبيد؛ فهو إضاعة ~~للحقين وتفويت لهما. # وكذلك الشارع شرع حدود الجرائم التي تتقاضاها أشد تقاض لما في إهمال ~~عقوباتها من مفاسد الدنيا والآخرة، بحيث لا يمكن سياسة ملك ما من الملوك أن ~~يخلو عن عقوباتها ألبتة، ولا يقوم ملكه بذلك، فالإذن في التحيل لإسقاطها ~~بصورة العقد وغيره مع وجود تلك المفاسد بعينها أو أعظم منها نقض وإبطال ~~لمقصود الشارع، وتصحيح لمقصود الجاني، وإغراء بالمفاسد، وتسليط للنفوس على ~~الشر. # ويا لله العجب، كيف يجتمع في الشريعة تحريم الزنا والمبالغة في المنع منه ~~وقتل فاعله شر القتلات وأقبحها وأشنعها وأشهرها ثم يسقط بالتحيل عليه بأن ~~يستأجرها لذلك أو لغيره ثم يقضي غرضه منها؟ وهل يعجز عن ذلك زان أبدا؟ وهل ~~في طباع ولاة الأمر أن يقبلوا قول الزاني: أنا استأجرتها للزنا، أو ~~استأجرتها لتطوي ثيابي ثم قضيت غرضي منها، فلا يحل لك أن تقيم علي الحد؟ ~~وهل ركب الله في فطر الناس سقوط الحد عن هذه الجريمة التي هي من أعظم ~~الجرائم إفسادا للفراش والأنساب بمثل هذا؟ وهل يسقط الشارع الحكيم الحد عمن ~~أراد أن ينكح أمه أو بنته أو أخته بأن يعقد عليها العقد ثم يطأها بعد ذلك؟ ~~وهل زاده صورة العقد المحرم إلا فجورا وإثما واستهزاء بدين الله وشرعه ~~ولعبا بآياته؟ فهل يليق به مع ذلك رفع هذه العقوبة عنه وإسقاطها بالحيلة ~~التي فعلها مضمومة ms0915 إلى فعل الفاحشة بأمه وابنته؟ فأين القياس وذكر ~~المناسبات والعلل المؤثرة والإنكار على الظاهرية؟ فهل بلغوا بالتمسك ~~بالظاهر عشر معشار هذا؟ والذي يقضي منه العجب أن يقال: لا يعتد بخلاف ~~المتمسكين بظاهر القرآن والسنة، ويعتد بخلاف هؤلاء، والله ورسوله منزه عن ~~هذا الحكم. # ويا لله العجب، كيف يسقط القطع عمن اعتاد سرقة أموال الناس وكلما أمسك ~~معه المال المسروق قال: هذا ملكي، والدار التي دخلتها داري، والرجل الذي ~~دخلت داره عبدي؟ قال أرباب الحيل: فيسقط عنه الحد بدعوى ذلك، فهل تأتي بهذا ~~سياسة قط جائرة أو عادلة، فضلا عن شريعة نبي من الأنبياء، فضلا عن الشريعة ~~التي هي أكمل شريعة طرقت العالم؟ . # PageV03P147 # وكذلك الشارع أوجب الإنفاق على الأقارب؛ لما في ذلك من قيام مصالحهم ~~ومصالح المنفق، ولما في تركهم من إضاعتهم؛ فالتحيل لإسقاط الواجب بالتمليك ~~في الصورة مناقضة لغرض الشارع وتتميم لغرض الماكر المحتال، وعود إلى نفس ~~الفساد الذي قصد الشارع إعدامه بأقرب الطرق، ولو تحيل هذا المخادع على ~~إسقاط نفقة دوابه لهلكوا، وكذلك ما فرضه الله تعالى للوارث من الميراث هو ~~حق له جعله أولى من سائر الناس به، فإباحة التحيل لإسقاطه بالإقرار بماله ~~كله للأجنبي وإخراج الوارث مضادة لشرع الله ودينه ونقض لغرضه وإتمام لغرض ~~المحتال، وكذلك تعليم المرأة أن تقر بدين لأجنبي إذا أراد زوجها السفر بها. ### | [فصل أكثر الحيل يناقض أصول الأئمة] # فصل # [أكثر الحيل يناقض أصول الأئمة] # وأكثر هذه الحيل لا تمشي على أصول الأئمة، بل تناقضها أعظم مناقضة. ~~وبيانه أن الشافعي - رضي الله عنه - يحرم مسألة مد عجوة ودرهم بمدين ~~ودرهمين، ويبالغ في تحريمها بكل طريق خوفا أن يتخذ حيلة على نوع ما من ربا ~~الفضل، فتحريمه للحيل الصريحة التي يتوصل بهما إلى ربا النساء أولى من ~~تحريم مد عجوة بكثير؛ فإن التحيل بمد ودرهم من الطرفين على ربا الفضل أخف ~~من التحيل بالعينة على ربا النساء، وأين مفسدة هذه من مفسدة تلك؟ # وأين حقيقة الربا في هذه من حقيقته في تلك؟ وأبو حنيفة ms0916 يحرم مسألة ~~العينة، وتحريمه لها يوجب تحريمه للحيلة في مسألة مد عجوة بأن يبيعه خمسة ~~عشر درهما بعشرة في خرقة؛ فالشافعي يبالغ في تحريم مسألة مد عجوة ويبيح ~~العينة، وأبو حنيفة يبالغ في تحريم العينة ويبيح مسائل مد عجوة، ويتوسع ~~فيها، وأصل كل من الإمامين - رضي الله عنهما - في أحد البابين يستلزم إبطال ~~الحيلة في الباب الآخر، وهذا من أقوى التخريج على أصولهم ونصوصهم، وكثير من ~~الأقوال المخرجة دون هذا؛ فقد ظهر أن الحيل المحرمة في الدين تقتضي رفع ~~التحريم مع قيام موجبه ومقتضيه وإسقاط الوجوب مع قيام سببه، وذلك حرام من ~~وجوه: # أحدها: استلزامها فعل المحرم وترك الواجب. # والثاني: ما يتضمن من المكر والخداع والتلبيس، والثالث: الإغراء بها ~~والدلالة عليها وتعليمها من لا يحسنها. # والرابع: إضافتها إلى الشارع وأن أصول شرعه ودينه تقتضيها. # والخامس: أن صاحبها لا يتوب منها ولا يعدها ذنبا، والسادس: أنه يخادع ~~الله كما يخادع المخلوق، والسابع: أنه # PageV03P148 # يسلط أعداء الدين على القدح فيه وسوء الظن به وبمن شرعه، والثامن: أنه ~~يعمل فكره واجتهاده في نقض ما أبرمه الرسول وإبطال ما أوجبه وتحليل ما ~~حرمه، والتاسع: أنه إعانة ظاهرة على الإثم والعدوان، وإنما اختلفت الطريق؛ ~~فهذا يعين عليه بحيلة ظاهرها صحيح مشروع يتوصل بها إليه، وذاك يعين عليه ~~بطريقه المفضية إليه بنفسها، فكيف كان هذا معينا على الإثم والعدوان ~~والمتحيل المخادع يعين على البر والتقوى؟ العاشر: أن هذا ظلم في حق الله ~~وحق رسوله وحق دينه وحق نفسه وحق العبد المعين وحقوق عموم المؤمنين؛ فإنه ~~يغري به ويعلمه ويدل عليه، والمتوصل إليه بطريق المعصية لا يظلم إلا نفسه. ~~ومن تعلق به ظلمه من المعينين فإنه لا يزعم أن ذلك دين وشرع ولا يقتدي به ~~الناس، فأين فساد أحدهما من الآخر وضرره من ضرره؟ وبالله التوفيق. ### | [فصل حجج الذين جوزوا الحيل] # فصل # [حجج الذين جوزوا الحيل] : قال أرباب الحيل: قد أكثرتم من ذم الحيل، ~~وأجلبتم بخيل الأدلة ورجلها وسمينها ومهزولها، فاستمعوا الآن تقريرها ~~واشتقاقها من الكتاب والسنة ms0917 وأقوال الصحابة وأئمة الإسلام، وأنه لا يمكن ~~أحدا إنكارها. # قال الله تعالى لنبيه أيوب: {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} [ص: 44] ~~فأذن لنبيه أيوب أن يتحلل من يمينه بالضرب بالضغث، وقد كان نذر أن يضربها ~~ضربات معدودة، وهي في المتعارف الظاهر إنما تكون متفرقة؛ فأرشده تعالى إلى ~~الحيلة في خروجه من اليمين، فنقيس عليه سائر الباب، ونسميه وجوه المخارج من ~~المضائق، ولا تسميه بالحيل التي ينفر الناس من اسمها. # وأخبر تعالى عن نبيه يوسف - عليه السلام - أنه جعل صواعه في رحل أخيه ~~يتوصل بذلك إلى أخذه من إخوته، ومدحه بذلك، وأخبر أنه برضاه وإذنه، كما ~~قال: {كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله ~~نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم} [يوسف: 76] فأخبر أن هذا كيده ~~لنبيه وأنه بمشيئته، وأنه يرفع درجة عبده بلطيف العلم ودقيقه الذي لا يهتدي ~~إليه سواه، وأن ذلك من علمه وحكمته. # وقال تعالى: {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون} [النمل: 50] فأخبر ~~تعالى أنه مكر بمن مكر بأنبيائه ورسله، وكثير من الحيل هذا شأنها، يمكر بها ~~على الظالم # PageV03P149 # والفاجر ومن يعسر تخليص الحق منه؛ فتكون وسيلة إلى نصر مظلوم وقهر ظالم ~~ونصر حق وإبطال باطل. # والله تعالى قادر على أخذهم بغير وجه المكر الحسن. ولكن جازاهم بجنس ~~عملهم، وليعلم عباده أن المكر الذي يتوصل به إلى إظهار الحق ويكون عقوبة ~~للماكر ليس قبيحا. # وكذلك قوله: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء: 142] ~~وخداعه لهم أن يظهر لهم أمرا ويبطن لهم خلافه. فما تنكرون على أرباب الحيل ~~الذين يظهرون أمرا يتوصلون به إلى باطن غيره اقتداء بفعل الله تعالى؟ وقد ~~روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - استعمل رجلا على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال: أكل تمر ~~خيبر هكذا؟ قال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاث، فقال: ~~لا تفعل، بع الجميع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم ms0918 جنيبا» وقال في الميزان مثل ~~ذلك، فأرشده إلى الحيلة على التخلص من الربا بتوسط العقد الآخر، وهذا أصل ~~في جواز العينة. # وهل الحيل إلا معاريض في الفعل على وزان المعاريض في القول؟ وإذا كان في ~~المعاريض مندوحة عن الكذب ففي معاريض الفعل مندوحة عن المحرمات وتخلص من ~~المضايق. # «وقد لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - طائفة من المشركين وهو في نفر من ~~أصحابه، فقال المشركون: ممن أنتم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~نحن من ماء فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: أحياء اليمن كثير، فلعلهم منهم، ~~وانصرفوا» . # «وقد جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: احملني، فقال: ما ~~عندي إلا ولد ناقة فقال: ما أصنع بولد الناقة؟ فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: وهل يلد الإبل إلا النوق؟» . # وقد «رأت امرأة عبد الله بن رواحة عبد الله على جارية له، فذهبت وجاءت ~~بسكين، فصادفته وقد قضى حاجته، فقالت: لو وجدتك على الحال التي كنت عليها ~~لوجأتك، فأنكر، فقالت: فاقرأ إن كنت صادقا، فقال: # شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا # PageV03P150 # وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا # وتحمله ملائكة كرام ... ملائكة الإله مسومينا # فقالت: آمنت بكتاب الله وكذبت بصري، فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فضحك ولم ينكر عليه» ، وهذا تحيل منه بإظهار القراءة لما أوهم أنه قرآن ~~ليتخلص به من مكروه الغيرة. # وكان بعض السلف إذا أراد أن لا يطعم طعاما لرجل قال: أصبحت صائما، يريد ~~أنه أصبح فيما سلف صائما قبل ذلك اليوم، وكان محمد بن سيرين إذا اقتضاه بعض ~~غرمائه وليس عنده ما يعطيه قال: أعطيك في أحد اليومين إن شاء الله، يريد ~~بذلك يومي الدنيا والآخرة، وسأل رجل عن المروزي وهو في دار أحمد بن حنبل، ~~فكره الخروج إليه، فوضع أحمد إصبعه في كفه، فقال: ليس المروزي هاهنا، وما ~~يصنع المروزي هاهنا؟ وحضر سفيان الثوري مجلسا، فلما أراد النهوض منعوه، ~~فحلف أنه يعود، ثم خرج وترك نعله كالناسي لها، ms0919 فلما خرج عاد وأخذها وانصرف. # وقد كان لشريح في هذا الباب فقه دقيق كما أعجب رجلا فرسه وأراد أخذها ~~منه، فقال له شريح: إنها إذا أربضت لم تقم حتى تقام، فقال الرجل: أف أف، ~~وإنما أراد شريح أن الله هو الذي يقيمها. وباع من رجل ناقة، فقال له ~~المشتري: كم تحمل؟ فقال: احمل على الحائط ما شئت، فقال: كم تحلب؟ قال: احلب ~~في أي إناء شئت، فقال: كيف سيرها؟ قال: الريح لا تلحق، فلما قبضها المشتري ~~لم يجد شيئا من ذلك، فجاء إليه وقال: ما وجدت شيئا من ذلك، فقال: ما كذبتك. # قالوا: ومن المعلوم أن الشارع جعل العقود وسائل وطرقا إلى إسقاط الحدود ~~والمأثم، ولهذا لو وطئ الإنسان امرأة أجنبية من غير عقد ولا شبهة لزمه ~~الحد، فإذا عقد عليها عقد النكاح ثم وطئها لم يلزمه الحد، وكان العقد حيلة ~~على إسقاط الحد، بل قد جعل الله تعالى الأكل والشرب واللباس حيلة على دفع ~~أذى الجوع والعطش والبرد، والاكتفاء حيلة إلى دفع الصائل من الحيوان وغيره، ~~وعقد التبايع حيلة على حصول الانتفاع بملك الغير، وسائر العقود حيلة على ~~التوصل إلى ما لا يباح إلا بها، وشرع الرهن حيلة على رجوع صاحب الدين في ~~ماله من عين الرهن إذا أفلس الراهن أو تعذر الاستيفاء منه. # وقد روى سلمة بن صالح عن يزيد الواسطي عن عبد الكريم عن عبد الله بن ~~بريدة قال: «سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أعظم آية في كتاب ~~الله، فقال: لا أخرج من المسجد حتى أخبرك، فقام رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من مجلسه، فلما أخرج إحدى رجليه أخبره بالآية قبل أن يخرج # PageV03P151 # رجله الأخرى» ، وقد بنى الخصاف كتابه في الحيل على هذا الحديث، ووجه ~~الاستدلال به أن من حلف أن لا يفعل شيئا فأراد التخلص من الحنث بفعل بعضه ~~لم يكن حانثا، فإذا حلف لا يأكل هذا الرغيف ولا يأخذ هذا المتاع فليدع بعضه ~~ويأخذ الباقي ولا يحنث، وهذا أصل في بابه ms0920 في التخلص من الأيمان. # وهذا السلف الطيب قد فتحوا لنا هذا الباب، ونهجوا لنا هذا الطريق، فروى ~~قيس بن الربيع عن الأعمش عن إبراهيم في رجل أخذه رجل فقال: إن لي معك حقا، ~~فقال: لا، فقال: احلف لي بالمشي إلى بيت الله، فقال: يحلف له بالمشي إلى ~~بيت الله، ويعني به مسجد حيه، وبهذا الإسناد أنه قال له رجل: إن فلانا ~~أمرني أن آتي مكان كذا وكذا، وأنا لا أقدر على ذلك المكان، فكيف الحيلة؟ ~~قال: يقول والله ما أبصر إلا ما سددني غيري. # وذكر عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال: جعل حذيفة يحلف لعثمان ~~بن عفان على أشياء بالله ما قالها، وقد سمعناه يقولها، فقلنا: يا أبا عبد ~~الله، سمعناك تحلف لعثمان على أشياء ما قلتها، وقد سمعناك قلتها، فقال: إني ~~أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله، وذكر قيس بن الربيع عن الأعمش عن ~~إبراهيم أن رجلا قال له: إني أنال من رجل شيئا فيبلغه عني، فكيف أعتذر له؟ ~~فقال له إبراهيم: قل والله إن الله ليعلم ما قلت من ذلك من شيء، وكان ~~إبراهيم يقول لأصحابه إذا خرجوا من عنده وهو مستخف من الحجاج: إن سئلتم عني ~~فاحلفوا بالله لا تدرون أين أنا، ولا في أي موضع أنا، واعنوا لا تدرون أين ~~أنا من البيت، وفي أي موضع منه، وأنتم صادقون. وقال مجاهد عن ابن عباس: ما ~~يسرني بمعاريض الكلام حمر النعم. # وقد ثبت في الصحيح من حديث حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم ~~بنت عقبة بن أبي معيط - وكانت من المهاجرات الأول - «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: رخص في الكذب في ثلاث: في الرجل يصلح بين الناس، والرجل ~~يكذب لامرأته، والكذب في الحرب» . # وقال معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه: حدثني نعيم بن أبي هند عن سويد بن ~~غفلة أن عليا كرم الله وجهه في الجنة لما قتل الزنادقة نظر في الأرض، ثم ~~رفع رأسه إلى ms0921 السماء، ثم قال: صدق الله ورسوله، ثم قام فدخل بيته، فأكثر ~~الناس في ذلك، فدخلت عليه فقلت: يا أمير المؤمنين أشيء عهد إليك رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أم شيء رأيته؟ فقال: هل علي من بأس أن أنظر إلى ~~السماء؟ قلت: لا، قال: فهل علي من بأس أن أنظر إلى الأرض؟ قلت: # PageV03P152 # لا، قال فهل علي من بأس أن أقول صدق الله ورسوله؟ قلت: لا، قال: فإني رجل ~~مكائد. # وقال حجاج بن منهال: ثنا أبو عوانة عن أبي مسكين قال: كنت عند إبراهيم ~~وامرأته تعاتبه في جاريته وبيدها مروحة، فقال: أشهدكم بأنها لها، فلما ~~خرجنا قال: علام شهدتم؟ قلنا: أشهدتنا أنك جعلت الجارية لها، قال: أما ~~رأيتموني أشير إلى المروحة؟ . # وقال محمد بن الحسن عن عمرو بن دينار عن الشعبي؛ لا بأس بالحيل فيما يحل ~~ويجوز، وإنما الحيل شيء يتخلص به الرجل من الحرام، ويخرج به إلى الحلال، ~~فما كان من هذا ونحوه فلا بأس به، وإنما يكره من ذلك أن يحتال الرجل في حق ~~الرجل حتى يبطله، أو يحتال في باطل حتى يوهم أنه حق، أو يحتال في شيء حتى ~~يدخل فيه شبهة، وأما ما كان على السبيل الذي قلنا فلا بأس بذلك. # قالوا: وقد قال الله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] ~~قال غير واحد من المفسرين: مخرجا مما ضاق على الناس، ولا ريب أن هذه الحيل ~~مخارج مما ضاق على الناس، ألا ترى أن الحالف يضيق عليه إلزام ما حلف عليه، ~~فيكون له بالحيلة مخرج منه، وكذلك الرجل تشتد به الضرورة إلى نفقة ولا يجد ~~من يقرضه فيكون له من هذا الضيق مخرج بالعينة والتورق ونحوهما، فلو لم يفعل ~~ذلك لهلك ولهلكت عياله، والله تعالى لا يشرع ذلك، ولا يضيق عليه شرعه الذي ~~وسع جميع خلقه؛ فقد دار أمره بين ثلاثة لا بد له من واحد منها: إما إضاعة ~~نفسه وعياله، وإما الربا صريحا، وإما المخرج من هذا الضيق بهذه الحيلة، ~~فأوجدونا أمرا رابعا ms0922 نصير إليه. # وكذلك الرجل ينزعه الشيطان فيقع به الطلاق فيضيق عليه جدا مفارقة امرأته ~~وأولاده وخراب بيته، فكيف ينكر في حكمة الله ورحمته أن نتحيل له بحيلة ~~تخرجه من هذا الإصر والغل؟ وهل الساعي في ذلك إلا مأجور غير مأزور كما قاله ~~إمام الظاهرية في وقته أبو محمد بن حزم وأبو ثور وبعض أصحاب أبي حنيفة، ~~وحملوا أحاديث التحريم على ما إذا شرط في صلب العقد أنه نكاح تحليل؟ قالوا: ~~وقد روى عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: أرسلت امرأة إلى ~~رجل، فزوجته نفسها ليحلها لزوجها، فأمره عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن ~~يقيم معها ولا يطلقها، وأوعده أن يعاقبه إن طلقها، فهذا أمير المؤمنين قد ~~صحح نكاحه، ولم يأمره باستئنافه، وهو حجة في صحة نكاح المحلل والنكاح بلا ~~ولي. # PageV03P153 # وذكر عبد الرزاق عن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان لا يرى بأسا ~~بالتحليل، إذا لم يعلم أحد الزوجين. # قال ابن حزم: وهو قول سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد. وصح عن عطاء ~~فيمن نكح امرأة محللا ثم رغب فيها فأمسكها، قال: لا بأس بذلك. # وقال الشعبي: لا بأس بالتحليل إذا لم يأمر به الزوج. # وقال الليث بن سعد: إن تزوجها ثم فارقها لترجع إلى زوجها ولم يعلم المطلق ~~ولا هي بذلك وإنما كان ذلك إحسانا منه فلا بأس أن ترجع إلى الأول، فإن بين ~~الثاني ذلك للأول بعد دخوله بها لم يضره. وقال الشافعي وأبو ثور: المحلل ~~الذي يفسد نكاحه هو الذي يعقد عليه في نفس عقد النكاح أنه إنما يتزوجها ثم ~~يطلقها، فأما من لم يشترط ذلك في عقد النكاح فعقده صحيح لا داخلة فيه، سواء ~~شرط ذلك عليه قبل العقد أو لم يشرط، نوى ذلك أو لم ينوه، قال أبو ثور: وهو ~~مأجور. # وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف وعن أبي حنيفة [مثل هذا سواء. وروى أيضا ~~محمد وأبو يوسف عن أبي حنيفة] : إذا نوى الثاني ms0923 وهي تحليلها للأول لم تحل ~~له بذلك. وروى الحسن بن زياد عن زفر وأبي حنيفة: أنه إن اشترط عليه في نفس ~~العقد أنه إنما تزوجها ليحلها للأول فإنه نكاح صحيح، ويبطل الشرط، وله أن ~~يقيم معها؛ فهذه ثلاث روايات عن أبي حنيفة. # قالوا: وقد قال الله تعالى: {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} ~~[البقرة: 230] وهذا زوج، وقد عقد بمهر وولي ورضاها وخلوها من الموانع ~~الشرعية، وهو راغب في ردها إلى الأول؛ فيدخل في حديث ابن عباس أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «لا نكاح إلا نكاح رغبة» وهذا نكاح رغبة في ~~تحليلها للمسلم كما أمر الله تعالى بقوله: {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: ~~230] والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما شرط في عودها إلى الأول مجرد ذوق ~~العسيلة بينهما، وغيا الحل بذلك فقال: «لا، حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها» ~~فإذا تذاوقا العسيلة حلت له بالنص. # PageV03P154 # قالوا: وأما نكاح الدلسة فنعم هو باطل، ولكن ما هو نكاح الدلسة؟ فلعله ~~أراد به أن تدلس له المرأة بغيرها، أو تدلس له أنها انقضت عدتها ولم تنقض ~~لتستعجل عودها إلى الأول. # وأما لعنه للمحلل فلا ريب أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يرد كل محلل ~~ومحلل له؛ فإن الولي محلل لما كان حراما قبل العقد، والحاكم المزوج محلل ~~بهذا الاعتبار، والبائع لأمته محلل للمشتري وطأها، فإن قلنا: " العام إذا ~~خص صار مجملا " بطل الاحتجاج بالحديث، وإن قلنا: " هو حجة فيما عدا محل ~~التخصيص " فذلك مشروط ببيان المراد منه، ولسنا ندري المحلل المراد من هذا ~~النص، أهو الذي نوى التحليل أو شرطه قبل العقد أو شرطه في صلب العقد؟ أو ~~الذي أحل ما حرمه الله ورسوله؟ ووجدنا كل من تزوج مطلقة ثلاثا فإنه محلل، ~~ولو لم يشترط التحليل ولم ينوه؛ فإن الحل حصل بوطئه وعقده؟ ومعلوم قطعا أنه ~~لم يدخل في النص، فعلم أن النص إنما أراد به من أحل الحرام بفعله أو عقده، ~~ونحن وكل مسلم لا نشك في أنه ms0924 أهل للعنة الله، أما من قصد الإحسان إلى أخيه ~~المسلم ورغب في جمع شمله بزوجته، ولم شعثه وشعث أولاده وعياله؛ فهو محسن، ~~وما على المحسنين من سبيل، فضلا عن أن تلحقهم لعنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. # ثم قواعد الفقه وأدلته لا تحرم مثل ذلك؛ فإن هذه العقود التي لم يشترط ~~المحرم في صلبها عقود صدرت من أهلها في محلها مقرونة بشروطها، فيجب الحكم ~~بصحتها؛ لأن السبب هو الإيجاب والقبول وهما تامان، وأهلية العاقد لا نزاع ~~فيها، ومحلية العقد قابلة، فلم يبق إلا القصد المقرون بالعقد، ولا تأثير له ~~في بطلان الأسباب الظاهرة، لوجوه؛ أحدها: أن المحتال مثلا إنما قصد الربح ~~الذي وضعت له التجارة، وإنما لكل امرئ ما نوى، فإذا حصل له الربح حصل له ~~مقصوده، وقد سلك الطريق المفضية إليه في ظاهر الشرع، والمحلل غايته أنه قصد ~~الطلاق ونواه إذا وطئ المرأة، وهو مما ملكه الشارع إياه، فهو كما لو نوى ~~المشتري إخراج المبيع عن ملكه إذا اشتراه، وسر ذلك أن السبب مقتض لتأبد ~~الملك، والنية لا تغير موجب السبب حتى يقال: إن النية توجب تأقيت العقد، ~~وليست هي منافية لموجب العقد، فإن له أن يطلق. ولو نوى بعقد الشراء إتلاف ~~المبيع وإحراقه أو إغراقه لم يقدح في صحة البيع، فنية الطلاق أولى، وأيضا ~~فالقصد لا يقدح في اقتضاء السبب لحكمه؛ لأنه خارج عما يتم به العقد، ولهذا ~~لو اشترى عصيرا ومن نيته أن يتخذه # PageV03P155 # خمرا أو جارية ومن نيته أن يكرهها على البغاء أو يجعلها مغنية أو سلاحا ~~ومن نيته أن يقتل به معصوما فكل ذلك لا أثر له في صحة البيع من جهة أنه ~~منقطع عن السبب؛ فلا يخرج السبب عن اقتضاء حكمه. # وقد ظهر بهذا الفرق بين هذا القصد وبين الإكراه؛ فإن الرضا شرط في صحة ~~العقد، والإكراه ينافي الرضا، وظهر أيضا الفرق بينه وبين الشرط المقارن؛ ~~فإن الشرط المقارن يقدح في مقصود العقد؛ فغاية الأمر أن العاقد قصد محرما، ~~لكن ذلك لا يمنع ms0925 ثبوت الملك، كما لو تزوجها ليضار بها امرأة له أخرى، ومما ~~يؤيد ما ذكرناه أن النية إنما تعمل في اللفظ المحتمل للمنوي وغيره، مثل ~~الكنايات، ومثل أن يقول: اشتريت كذا؛ فإنه يحتمل أن يشتريه لنفسه ولموكله، ~~فإذا نوى أحدهما صح، فإذا كان السبب ظاهرا متعينا لمسببه لم يكن للنية ~~الباطنة أثر في تغيير حكمه. # يوضحه أن النية لا تؤثر في اقتضاء الأسباب الحسية والعقلية المستلزمة ~~لمسبباتها ولا تؤثر النية في تغييرها، يوضحه أن النية إما أن تكون بمنزلة ~~الشرط أو لا تكون، فإن كانت بمنزلة الشرط لزم أنه إذا نوى أن لا يبيع ما ~~اشتراه ولا يهبه ولا يتصرف فيه، أو نوى أن يخرجه عن ملكه، أو نوى أن لا ~~يطلق الزوجة أو يبيت عندها كل ليلة أو لا يسافر عنها، بمنزلة أن يشترط ذلك ~~في العقد، وهو خلاف الإجماع، وإن لم تكن بمنزلة الشرط فلا تأثير له حينئذ. # وأيضا فنحن لنا ظواهر الأمور، وإلى الله سرائرها وبواطنها؛ ولهذا يقول ~~الرسل لربهم تعالى يوم القيامة إذا سألهم: {ماذا أجبتم} [المائدة: 109] ~~فيقولون: {لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} [المائدة: 109] كان لنا ~~ظواهرهم، وأما ما انطوت عليه ضمائرهم وقلوبهم فأنت العالم به. # قالوا: فقد ظهر عذرنا، وقامت حجتنا، فتبين أنا لم نخرج فيما أصلناه - من ~~اعتبار الظاهر، وعدم الالتفات إلى القصود في العقود، وإلغاء الشروط ~~المتقدمة الخالي عنها العقد، والتحيل على التخلص من مضايق الأيمان وما حرمه ~~الله ورسوله من الربا وغيره - عن كتاب ربنا وسنة نبينا وأقوال السلف الطيب. # ولنا بهذه الأصول رهن عند كل طائفة من الطوائف المنكرة علينا. # [ادعاء أن في مذاهب الأئمة فروعا ينبني عليها تجويز الحيل] : قلنا عند ~~الشافعية رهون كثيرة في عدة مواضع، وقد سلموا لنا أن الشرط المتقدم على ~~العقد ملغى، وسلموا لنا أن القصود غير معتبرة في العقود، وسلموا لنا جواز ~~التحيل على # PageV03P156 # إسقاط الشفعة، وقالوا: يجوز التحيل على بيع المعدوم من الثمار فضلا عما ~~لم يبد صلاحه بأن يؤجره الأرض ويساقيه على ms0926 الثمر من كل ألف جزء على جزء، ~~وهذا نفس الحيلة على بيع الثمار قبل وجودها، فكيف تنكرون علينا التحيل على ~~بيعها قبل بدو صلاحها؟ وهل مسألة العينة إلا ملك باب الحيل؟ وهم يبطلون ~~الشركة بالعروض ثم يقولون: الحيلة في جوازها أن يبيع كل منهما نصف عرضه ~~لصاحبه، فيصيران شريكين حينئذ بالفعل ويقولون: لا يصح تعليق الوكالة ~~بالشرط، والحيلة على جوازها أن يوكله الآن ويعلق تصرفه بالشرط. # وقولهم في الحيل على عدم الحنث بالمسألة السريجية معروف، وكل حيلة سواه ~~محلل بالنسبة إليه؛ فإن هذه المسألة حيلة على أن يحلف دائما بالطلاق ويحنث ~~ولا يقع عليه الطلاق أبدا. # وأما المالكية فهم من أشد الناس إنكارا علينا للحيل، وأصولهم تخالف ~~أصولنا في ذلك؛ إذ عندهم أن الشرط المتقدم كالمقارن، والشرط العرفي ~~كاللفظي، والقصود في العقود معتبرة، والذرائع يجب سدها، والتغرير الفعلي ~~كالتغرير القولي، وهذه الأصول تسد باب الحيل سدا محكما. ولكن قد علقنا لهم ~~برهون نطالبهم بفكاكها أو بموافقتهم لنا على ما أنكروه علينا، فجوزوا ~~التحيل على إسقاط الشفعة، وقالوا: لو تزوجها ومن نيته أن يقيم معها سنة صح ~~النكاح، ولم تعمل هذه النية في فساده. # وأما الحنابلة فبيننا وبينهم معترك النزال في هذه المسائل؛ فإنهم هم ~~الذين شنوا علينا الغارات، ورمونا بكل سلاح من الأثر والنظر، ولم يراعوا ~~لنا حرمة، ولم يرقبوا فينا إلا ولا ذمة. # وقالوا: لو نصب شباكا للصيد قبل الإحرام ثم أخذ ما وقع فيها حال الإحرام ~~بعد الحل جاز. ويا لله العجب، أي فرق بين هذه الحيلة وحيلة أصحاب السبت على ~~الحيتان؟ وقالوا: لو نوى الزوج الثاني أن يحلها للأول ولم يشترط ذلك جاز ~~وحلت له، لأنه لم يشترط ذلك في العقد، وهذا تصريح بأن النية لا تؤثر في ~~العقد. وقالوا: لو تزوجها ومن نيته أن يقيم معها شهرا ثم يطلقها صح العقد، ~~ولم تكن نية التوقيت مؤثرة فيه، وكلامهم في باب المخارج من الأيمان بأنواع ~~الحيل معروف، وعنا تلقوه، ومنا أخذوه. وقالوا: لو حلف أن لا يشتري ms0927 منه ثوبا ~~فاتهبه منه وشرط له العوض لا يحنث. وقالوا بجواز مسألة التورق. # وهي شقيقة مسألة العينة؛ فأي فرق بين مصير السلعة إلى البائع وبين مصيرها ~~إلى غيره؟ بل قد يكون عودها إلى البائع أرفق بالمشتري وأقل كلفة عليه وأرفع ~~لخسارته وتعنيه. # فكيف # PageV03P157 # تحرمون الضرر اليسير وتبيحون ما هو أعظم منه والحقيقة في الموضعين واحدة ~~وهي عشرة بخمسة عشر وبينهما حريرة رجعت في إحدى الصورتين إلى مالكها وفي ~~الثانية إلى غيره؟ # وقالوا: لو حلف بالطلاق لا يزوج عبده بأمته أبدا ثم أراد تزويجه بها ولا ~~يحنث فإنه يبيع العبد والجارية من رجل ثم يزوجهما المشتري ثم يستردهما منه. # قال القاضي: وهذا غير ممتنع على أصلنا؛ لأن عقد النكاح قد وجد في حال ~~زوال ملكه عنهما، ولا يتعلق الحنث باستدامة العقد بعد أن ملكهما؛ لأن ~~التزويج عبارة عن العقد وقد انقضى وإنما بقي حكمه فلم يحنث باستدامة حكمه. # وقالوا: لو كان له عليه مال وهو محتاج فأحب أن يدعه له من زكاته فالحيلة ~~أن يتصدق عليه بذلك القدر ثم يقبضه منه، ثم قالوا: فإن كان له شريك فيه ~~فخاف أن يخاصمه فيه فالحيلة أن يهب المطلوب للطالب مالا بقدر حصة الطالب ~~مما له عليه ويقبضه منه للطالب ثم يتصدق الطالب على المطلوب بما وهبه له ~~ويحتسب بذلك من زكاته ثم يهب المطلوب ماله عليه من الدين ولا يضمن الطالب ~~لشريكه شيئا؛ لأن هبة الدين لمن في ذمته براءة. # وإذا أبرأ أحد الشريكين الغريم من نصيبه لم يضمن لشريكه شيئا، وإنما يضمن ~~إذا حصل الدين في ضمانه. # وقالوا: لو أجره الأرض بأجرة معلومة وشرط عليه أن يؤدي خراجها لم يجز؛ ~~لأن الخراج على المالك لا على المستأجر، والحيلة في جوازه أن يؤجره إياها ~~بمبلغ يكون زيادته بقدر الخراج ثم يأذن له أن يدفع في خراجها ذلك القدر ~~الزائد على أجرتها. # قالوا: لأنه متى زاد مقدار الخراج على الأجرة حصل ذلك دينا على المستأجر، ~~وقد أمره أن يدفعه إلى مستحق الخراج وهو جائز. ms0928 # وقالوا: ونظير هذا أن يؤجره دابة ويشترط علفها على المستأجر لم يجز ~~والحيلة في جوازه هكذا سواء، يزيد في الأجرة ويوكله أن يعلف الدابة بذلك ~~القدر الزائد. # وقالوا: لا يصح استئجار الشجرة للثمرة، والحيلة في ذلك أن يؤجره الأرض ~~ويساقيه على الثمرة من كل ألف جزء جزء مثلا. # وقالوا: لو وكله أن يشتري له جارية معينة بثمن معين دفعه إليه، فلما رآها ~~أراد شراءها لنفسه، وخاف أن يحلفه أنه إنما اشتراها بمال الموكل له، وهو ~~وكيله، فالوجه أن يعزل نفسه عن الوكالة، ثم يشتريها بثمن في ذمته، ثم ينقد ~~ما معه من الثمن، ويصير لموكله في ذمته نظيره. # PageV03P158 # قالوا: وأما نحن فلا تأتي هذه الحيلة على أصولنا؛ لأن الوكيل لا يملك عزل ~~نفسه إلا بحضرة موكله. # قالوا: وقد قالت الحنابلة أيضا: لو أراد إجارة أرض له فيها زرع لم يجز، ~~والحيلة في جوازه أن يبيعه الزرع ثم يؤجره الأرض، فإن أراد بعد ذلك أن ~~يشتري منه الزرع جاز. # وقالوا: لو شرط رب المال على المضارب ضمان مال المضاربة لم يصح، والحيلة ~~في صحته أن يقرضه المال في ذمته ثم يقبضه المضارب منه، فإذا قبضه دفعه إلى ~~مالكه الأول مضاربة ثم يدفعه رب المال إلى المضارب بضاعة فإن توى. # فهو من ضمان المضارب؛ لأنه قد صار مضمونا عليه بالقرض فتسليمه إلى رب ~~المال مضاربة كتسليم مال له آخر. وحيلة أخرى، وهي أن يقرض رب المال المضارب ~~ما يريد دفعه إليه، ثم يخرج من عنده درهما واحدا، فيشاركه على أن يعملا ~~بالمالين جميعا على أن ما رزقه الله فهو بينهما نصفين، فإن عمل أحدهما ~~بالمال بإذن صاحبه فربح كان الربح بينهما على ما شرطاه، وإن خسر كان ~~الخسران على قدر المالين، على رب المال بقدر الدرهم وعلى المضارب بقدر رأس ~~المال، وإنما جاز ذلك لأن المضارب، والملزم نفسه الضمان بدخوله في القرض. # وقالوا: لا تجوز المضاربة على العرض، فإن كان عنده عرض فأراد أن يضارب ~~عليه فالحيلة في جوازه أن يبيعه العرض ms0929 ويقبض ثمنه فيدفعه إليه مضاربة ثم ~~يشتري المضارب ذلك المتاع بالمال. # وقالوا: لو حلفته امرأته أن كل جارية يشتريها فهي حرة، فالحيلة في جواز ~~الشراء ولا تعتق أن يعني بالجارية السفينة ولا تعتق، وإن لم تحضره هذه ~~النية وقت اليمين فالحيلة أن يشتريها صاحبه ويهبه إياها ثم يهبه نظير ~~الثمن. # وقالوا: لو حلفته أن كل امرأة يتزوجها عليها فهي طالق، وخاف من هذه ~~اليمين عند من يصحح هذا التعليق فالحيلة أن ينوي كل امرأة أتزوجها على ~~طلاقك: أي يكون طلاقك صداقها، أو كل امرأة أتزوجها على رقبتك: أي تكون ~~رقبتك صداقها، فهي طالق، فلا يحنث بالتزويج على غير هذه الصفة. # وقالوا: لو أراد أن يصرف دنانير بدراهم ولم يكن عند الصيرفي مبلغ الدراهم ~~وأراد أن # PageV03P159 # يصبر عليه بالباقي لم يجز، والحيلة فيه أن يأخذ ما عنده من الدراهم بقدر ~~صرفه ثم يقرضه إياها فيصرف بها الباقي، فإن لم يوف فعل ذلك مرارا حتى ~~يستوفي صرفه، ويصير ما أقرضه دينا عليه، لا أنه عوض الصرف. # وقالوا: لو أراد أن يبيعه دراهم بدنانير إلى أجل لم يجز، والحيلة في ذلك ~~أن يشتري منه متاعا وينقده ثمنه ويقبض المتاع، ثم يشتري البائع منه ذلك ~~المتاع بدنانير إلى أجل، والتأجيل جائز في ثمن المتاع. # وقالوا: لو مات رب المال بعد أن قبض المضارب المال انتقل إلى ورثته، فلو ~~اشترى المضارب به بعد ذلك متاعا ضمن؛ لأنه تصرف بعد بطلان الشركة. والحيلة ~~في تخلص المضارب من ذلك أن يشهد رب المال أن حصته من المال الذي دفعه إليه ~~مضاربة لولده، وأنه مقارض إلى هذا الشريك بجميع ما تركه، وأمره أن يشتري ~~لولده ما أحب في حياته، وبعد وفاته. فيجوز ذلك؛ لأن المانع منه كونه متصرفا ~~في ملك الغير بغير وكالة ولا ولاية، فإذا أذن له في التصرف برئ من الضمان، ~~وإن كانت هذه الحيلة إنما تتم إذا كان الورثة أولادا صغارا. # وقالوا: لو صالح عن المؤجل ببعضه حالا لم يصح، والحيلة في تصحيحه أن ~~يفسخا ms0930 العقد الذي وقع على المؤجل ويجعلاه بذلك القدر الحال. # وقالوا: لو لبس المتوضئ أحد الخفين قبل غسل الرجل الأخرى ثم غسل الأخرى ~~ولبس عليها لم يجز المسح؛ لأنه لم يلبس على كمال الطهارة، والحيلة في جواز ~~المسح أن يخلع هذه الفردة الثانية ثم يلبسها. # قالوا: ولو أوصى لرجل بخدمة عبده أو بما في بطن أمته جاز، فلو أراد ~~الورثة شراء خدمة العبد أو ما في بطن الأمة من الموصى له لم يجز، والحيلة ~~في جوازه أن يصالحوه عن الموصى به على ما يبذلونه له فيجوز، وإن لم يجز ~~البيع فإن الصلح يجوز فيه ما لا يجوز في البيع. # قالوا: ولا تجوز الشركة بالعروض، فإن كان لأحدهما عرض يساوي خمسة آلاف ~~درهم، وللآخر عرض يساوي ألفا فأحبا أن يشتركا في العرضين، فالحيلة أن يشتري ~~صاحب العرض الذي قيمته خمسة آلاف من الآخر خمسة أسداس عرضه بسدس عرضه هو؛ ~~فيصير للذي يساوي عرضه ألفا سدس جميع المال، وللآخر خمسة أسداسه؛ لأن جميع ~~ماليهما # PageV03P160 # ستة آلاف، وقد حصل كل واحد من العرضين بهذه الشركة بينهما أسداسا، خمسة ~~أسداسه لأحدهما وسدسه للآخر، فإذا هلك أحدهما هلك على الشركة. # قالوا: ولا تقبل شهادة الموكل لموكله فيما هو وكيله فيه، فلو لم يكن له ~~شاهد غيره وخاف ضياع حقه فالحيلة أن يعزله حتى يشهد له ثم يوكله بعد ذلك إن ~~أراد. # قالوا: ولو أعتق عبده في مرضه، وثلثه يحتمله، وخاف عليه من الورثة أن ~~يجحدوا المال ويرثوا ثلثيه؛ فالحيلة أن يدفع إليه مالا يشتري نفسه منه ~~بحضرة شهود، ويشهدون أنه قد أقبضه المال، وصار العبد حرا. # قالوا: وكذلك الحيلة لو كان لأحد الورثة دين على الموروث، وليست له به ~~بينة، فأراد بيعه العبد بدينه الذي له عليه فعل مثل ذلك سواء. # قالوا: ولو قال: " أوصيت إلى فلان، وإن لم يقبل فإلى فلان " وخاف أن تبطل ~~الوصية على مذهب من لا يرى جواز تعليق الولاية بالشرط، فالحيلة أن يقول: " ~~فلان وفلان وصيان، فإن لم يقبل أحدهما وقبل ms0931 الآخر فالذي قبل هو الوصي " ~~فيجوز على قول الجميع؛ لأنه لم يعلق الولاية بالشرط. # قالوا: ولو أراد ذمي أن يسلم وعنده خمر كثير، فخاف أن يذهب عليه ~~بالإسلام؛ فالحيلة أن يبادر ببيعها من ذمي آخر ثم يسلم، فإنه يملك تقاضيه ~~بعد الإسلام، فإن بادر الآخر وأسلم لم يسقط عنه ذلك. # وقد نص عليه الإمام أحمد في مجوسي باع مجوسيا خمرا ثم أسلما يأخذ الثمن، ~~قد وجب له يوم باعه. # قال أرباب الحيل: فهذا رهن، الفرق عندنا بأنهم قالوا بالحيل وأفتوا بها، ~~فماذا تنكرون علينا بعد ذلك وتشنعون؟ ومثالنا ومثالهم في ذلك كقوم وجدوا ~~كنزا فأصاب كل منهم طائفة منه في يديه، فمستقل ومستكثر، ثم أقبل بعض ~~الآخذين ينقم على بقيتهم، وما أخذه من الكنز في يديه، فليرم مما أخذ منه ثم ~~لينكر على الباقين. ### | [جواب الذين أبطلوا الحيل] # قال المبطلون للحيل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله ~~أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فسبحان الله الذي فرض ~~الفرائض وحرم المحارم وأوجب الحقوق رعاية لمصالح العباد في المعاش والمعاد، ~~وجعل شريعته الكاملة قياما للناس وغذاء لحفظ حياتهم، ودواء لدفع أدوائهم، ~~وظله الظليل الذي من استظل به أمن من الحرور، وحصنه الحصين الذي من دخله ~~نجا من الشرور، فتعالى شارع هذه الشريعة # PageV03P161 # الفائقة لكل شريعة أن يشرع فيها الحيل التي تسقط فرائضه، وتحل محارمه، ~~وتبطل حقوق عباده، ويفتح للناس أبواب الاحتيال، وأنواع المكر والخداع، وأن ~~يبيح التوصل بالأسباب المشروعة، إلى الأمور المحرمة الممنوعة، وأن يجعلها ~~مضغة لأفواه المحتالين، عرضة لأغراض المخادعين الذين يقولون ما لا يفعلون، ~~ويظهرون خلاف ما يبطنون، ويرتكبون العبث الذي لا فائدة فيه سوى ضحكة ~~الضاحكين وسخرية الساخرين. # فيخادعون الله كما يخادعون الصبيان، ويتلاعبون بحدوده كتلاعب المجان، ~~فيحرمون الشيء ثم يستحلونه إياه بعينه بأدنى الحيل، ويسلكون إليه نفسه ~~طريقا توهم أن المراد غيره، وقد علموا أنه هو المراد لا غيره، ويسقطون ~~الحقوق التي وصى الله بحفظها وأدائها بأدنى شيء، ويفرقون بين متماثلين من ms0932 ~~كل وجه لاختلافهما في الصورة أو الاسم أو الطريق الموصل إليهما، ويستحلون ~~بالحيل ما هو أعظم فسادا مما يحرمونه ويسقطون بها ما هو أعظم وجوبا مما ~~يوجبونه. والحمد لله الذي نزه شريعته عن هذا التناقض والفساد، وجعلها كفيلة ~~وافية بمصالح خلقه في المعاش والمعاد، وجعلها من أعظم آياته الدالة عليه، ~~ونصبها طريقا مرشدا لمن سلكه إليه؛ فهو نوره المبين، وحصنه الحصين، وظله ~~الظليل، وميزانه الذي لا يعول، لقد تعرف بها إلى ألباء عباده غاية التعرف، ~~وتحبب بها إليهم غاية التحبب، فأنسوا بها من حكمته البالغة، وتمت بها عليهم ~~منه نعمه السابغة، ولا إله إلا الله الذي في شرعه أعظم آية تدل على تفرده ~~بالإلهية وتوحده بالربوبية، وأنه الموصوف بصفات الكمال، المستحق لنعوت ~~الجلال، الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى وله المثل الأعلى، فلا يدخل ~~السوء في أسمائه ولا النقص والعيب في صفاته، ولا العبث ولا الجور في ~~أفعاله، بل هو منزه في ذاته وأوصافه وأفعاله وأسمائه عما يضاد كماله بوجه ~~من الوجوه. تبارك اسمه، وتعالى جده، وبهرت حكمته، وتمت نعمته، وقامت على ~~عباده حجته، والله أكبر كبيرا أن يكون في شرعه تناقض واختلاف، فلو كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا # بل هي شريعة مؤتلفة النظام، متعادلة الأقسام، مبرأة من كل نقص، مطهرة من ~~كل دنس مسلمة لا شية فيها، مؤسسة على العدل والحكمة، والمصلحة والرحمة، ~~قواعدها ومبانيها، إذا حرمت فسادا حرمت ما هو أولى منه أو نظيره، وإذا رعت ~~صلاحا رعت ما هو فوقه أو شبهه؛ فهي صراطه المستقيم الذي لا أمت فيه ولا ~~عوج، وملته الحنيفية السمحة التي لا ضيق فيها ولا حرج، بل هي حنيفية ~~التوحيد سمحة العمل، لم تأمر بشيء فيقول العقل لو نهت عنه لكان أوفق، ولم ~~تنه عن شيء فيقول الحجا لو أباحته لكان أرفق، بل أمرت بكل صلاح، ونهت عن كل ~~فساد، وأباحت كل طيب، وحرمت كل خبيث، فأوامرها # PageV03P162 # غذاء ودواء، ونواهيها حمية وصيانة، وظاهرها زينة لباطنها، وباطنها أجمل ~~من ظاهرها، ms0933 شعارها الصدق، وقوامها الحق، وميزانها العدل، وحكمها الفصل، لا ~~حاجة بها ألبتة إلى أن تكمل بسياسة ملك أو رأي ذي رأي أو قياس فقيه أو ذوق ~~ذي رياضة أو منام ذي دين وصلاح، بل لهؤلاء كلهم أعظم الحاجة إليها، ومن وفق ~~للصواب فلاعتماده وتعويله عليها. # لقد أكملها الذي أتم نعمته علينا بشرعها قبل سياسات الملوك، وحيل ~~المتحيلين، وأقيسة القياسيين، وطرائق الخلافيين، وأين كانت هذه الحيل ~~والأقيسة والقواعد المتناقضة والطرائق القدد وقت نزول قوله {اليوم أكملت ~~لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] ؟ وأين ~~كانت يوم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لقد تركتكم على المحجة البيضاء ~~ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» . # ويوم قوله - صلى الله عليه وسلم - «ما تركت من شيء يقربكم من الجنة ~~ويباعدكم عن النار إلا أعلمتكموه» # ؟ وأين كانت عند قول أبي ذر: لقد توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما. # وعند قول القائل لسلمان: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، فقال: أجل؟ ~~فأين علمهم الحيل والمخادعة والمكر وأرشدهم إليه ودلهم عليه؟ كلا والله، بل ~~حذرهم أشد التحذير، وأوعدهم عليه أشد الوعيد، وجعله منافيا للإيمان، وأخبر ~~عن لعنة اليهود لما ارتكبوه، وقال لأمته: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود ~~فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل» ، وأغلق أبواب المكر والاحتيال، ~~وسد الذرائع، وفصل الحلال من الحرام، وبين الحدود، وقسم شريعته إلى حلال ~~بين وحرام بين، وبرزخ بينهما؛ فأباح الأول، وحرم الثاني، وحض الأمة على ~~اتقاء الثالث خشية الوقوع في الحرام، وقد أخبر الله تعالى عن عقوبة ~~المحتالين على حل ما حرمه عليهم وإسقاط ما فرضه عليهم في غير موضع من ~~كتابه. # قال أبو بكر الآجري: وقد ذكر بعض الحيل الربوية التي يفعلها الناس: لقد ~~مسخ اليهود قردة بدون هذا، وصدق والله لآكل حوت صيد يوم السبت أهون عند ~~الله وأقل جرما من آكل الربا الذي حرمه الله بالحيل والمخادعة، ولكن كما ~~قال الحسن: ms0934 عجل لأولئك عقوبة تلك الأكلة الوخيمة وأرجئت عقوبة هؤلاء. وقال ~~الإمام أبو يعقوب الجوزجاني: وهل أصاب الطائفة من بني إسرائيل المسخ إلا ~~باحتيالهم على أمر الله بأن حفروا الحفائر على الحيتان في يوم سبتهم ~~فمنعوها الانتشار يومها # PageV03P163 # إلى الأحد فأخذوها. وكذلك السلسلة التي كانت تأخذ بعنق الظالم فاحتال لها ~~صاحب الدرة إذ صيرها في قصبة ثم دفع القصبة إلى خصمه وتقدم إلى السلسلة ~~ليأخذها فرفعت. # وقال بعض الأئمة: في هذه القصة مزجرة عظيمة للمتعاطين الحيل على المناهي ~~الشرعية ممن تلبس بعلم الفقه وليس بفقيه؛ إذ الفقيه من يخشى الله عز وجل في ~~الربويات، واستعارة التيس الملعون لتحليل المطلقات، وغير ذلك من العظائم ~~والمصائب الفاضحات، التي لو اعتمدها مخلوق مع مخلوق لكان في نهاية القبح، ~~فكيف بمن يعلم السر وأخفى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟ # وقال: وإذا وازن اللبيب بين حيلة أصحاب السبت، والحيل التي يتعاطاها ~~أرباب الحيل في كثير من الأبواب ظهر له التفاوت ومراتب المفسدة التي بينها ~~وبين هذه الحيل، فإذا عرف قدر الشرع، وعظمة الشارع وحكمته وما اشتمل عليه ~~شرعه من رعاية مصالح العباد تبين له حقيقة الحال، وقطع بأن الله تعالى ~~يتنزه ويتعالى أن يشرع لعباده نقض شرعه وحكمته بأنواع الخداع والاحتيال. ### | [فصل الجواب على شبه الذين جوزوا الحيل] # تفصيلا] # قالوا: ونحن نذكر ما تمسكتم به في تقرير الحيل والعمل بها، ونبين ما فيه، ~~متحرين للعدل والإنصاف، منزهين لشريعة الله وكتابه وسنة رسوله عن المنكر ~~والخداع والاحتيال المحرم، ونبين انقسام الحيل والطرق إلى ما هو كفر محض، ~~وفسق ظاهر، ومكروه، وجائز، ومستحب، وواجب عقلا أو شرعا، ثم نذكر فصلا نبين ~~فيه التعويض بالطرق الشرعية عن الحيل الباطلة، فنقول وبالله التوفيق وهو ~~المستعان وعليه التكلان: [الكلام على قصة أيوب] # أما قوله تعالى لنبيه أيوب - عليه السلام -: {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا ~~تحنث} [ص: 44] فقال شيخنا: الجواب أن هذا ليس مما نحن فيه؛ فإن للفقهاء في ~~موجب هذه اليمين في شرعنا قولين، يعني إذا حلف ليضربن ms0935 عبده أو امرأته مائة ~~ضربة، أحدهما: قول من يقول: موجبها الضرب مجموعا أو مفرقا، ثم منهم من ~~يشترط مع الجمع الوصول إلى المضروب؛ فعلى هذا تكون هذه الفتيا موجب هذا ~~اللفظ عند الإطلاق، وليس هذا بحيلة، إنما الحيلة أن يصرف اللفظ عن موجبه ~~عند الإطلاق، والقول الثاني: أن موجبه الضرب # PageV03P164 # المعروف، وإذا كان هذا موجبه في شرعنا لم يصح الاحتجاج علينا بما يخالف ~~شرعنا من شرائع من قبلنا؛ لأنا إن قلنا: " ليس شرعا لنا مطلقا " فظاهر، وإن ~~قلنا: " هو شرع لنا " فهو مشروط بعدم مخالفته لشرعنا، وقد انتفى الشرط. # وأيضا؛ فمن تأمل الآية علم أن هذه الفتيا خاصة الحكم؛ فإنها لو كانت عامة ~~الحكم في حق كل أحد لم يخف على نبي كريم موجب يمينه، ولم يكن في اقتصاصها ~~علينا كبير عبرة؛ فإنما يقص ما خرج عن نظائره لنعتبر به ونستدل به على حكمة ~~الله فيما قصه علينا، أما ما كان هو مقتضى العادة والقياس فلا يقص، ويدل ~~على الاختصاص قوله تعالى: {إنا وجدناه صابرا} [ص: 44] . # وهذه الجملة خرجت مخرج التعليل كما في نظائرها؛ فعلم أن الله سبحانه ~~وتعالى إنما أفتاه بهذا جزاء له على صبره، وتخفيفا عن امرأته، ورحمة بها، ~~لا أن هذا موجب هذه اليمين. # وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى إنما أفتاه بهذه الفتيا لئلا يحنث، كما ~~أخبر تعالى. # فصل [متى شرعت كفارة اليمين؟] # وهذا يدل على أن كفارة الأيمان لم تكن مشروعة بتلك الشريعة، بل ليس في ~~اليمين إلا البر والحنث، كما هو ثابت في نذر التبرر في شريعتنا؛ وكما كان ~~في أول الإسلام، قالت عائشة - رضي الله عنها -: لم يكن أبو بكر يحنث في ~~يمين، حتى أنزل الله كفارة اليمين، فدل على أنها لم تكن مشروعة في أول ~~الإسلام، وإذا كان كذلك صار كأنه قد نذر ضربها، وهو نذر لا يجب الوفاء به؛ ~~لما فيه من الضرر عليه، ولا يغني عنه كفارة يمين؛ لأن تكفير النذر فرع عن ~~تكفير اليمين، فإذا لم تكن كفارة النذر إذ ms0936 ذاك مشروعة فكفارة اليمين أولى، ~~وقد علم أن الواجب بالنذر يحتذى به حذو الواجب بالشرع، وإذا كان الضرب ~~الواجب بالشرع يجب تفريقه إذا كان المضروب صحيحا ويجوز جمعه إذا كان ~~المضروب مريضا ميئوسا منه عند الكل أو مريضا على الإطلاق عند بعضهم، كما ~~ثبتت بذلك السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاز أن يقام الواجب ~~بالنذر مقام ذلك عند العذر، وقد كانت امرأة أيوب - عليه السلام - ضعيفة عن ~~احتمال مائة الضربة التي حلف أن يضربها إياها، وكانت كريمة على ربها، فخفف ~~عنها برحمته الواجب باليمين بأن أفتاه بجمع الضربات بالضغث كما خفف عن ~~المريض. # ألا ترى أن السنة قد جاءت فيمن نذر الصدقة بجميع ماله أنه يجزيه الثلث، ~~فأقام الثلث في النذر مقام الجميع رحمة بالناذر وتخفيفا عنه، كما أقيم ~~مقامه في # PageV03P165 # الوصية رحمة بالوارث ونظرا له، وجاءت السنة فيمن نذرت الحج ماشية أن تركب ~~وتهدي، إقامة لترك بعض الواجب بالنذر مقام ترك الواجب بالشرع في المناسك ~~عند العجز عنه كطواف الوداع عن الحائض. # وأفتى ابن عباس وغيره من نذر ذبح ابنه بشاة، إقامة لذبح الشاة مقام ذبح ~~الابن كما شرع ذلك للخليل، وأفتى أيضا من نذر أن يطوف على أربع بأن يطوف ~~أسبوعين، إقامة لأحد الأسبوعين مقام طواف اليدين. وأفتى أيضا هو وغيره من ~~الصحابة - رضي الله عنهم - المريض الميئوس منه والشيخ الكبير الذي لا ~~يستطيع الصوم بأن يفطرا ويطعما كل يوم مسكينا، إقامة للإطعام مقام الصيام ~~وأفتى أيضا هو وغيره من الصحابة: الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أن ~~تفطرا وتطعما كل يوم مسكينا، إقامة للإطعام مقام الصيام، وهذا كثير جدا، ~~وغير مستنكر في واجبات الشريعة أن يخفف الله تعالى الشيء منها عند المشقة ~~بفعل ما يشبهه من بعض الوجوه كما في الأبدال وغيرها # ولكن مثل قصة أيوب لا يحتاج إليها في شرعنا؛ لأن الرجل لو حلف ليضربن ~~أمته أو امرأته مائة ضربة أمكنه أن يكفر عن يمينه من غير احتياج إلى حيلة ~~وتخفيف الضرب بجمعه، ms0937 ولو نذر ذلك فهو نذر معصية فلا شيء عليه عند الطائفة، ~~وعند طائفة عليه كفارة يمين، وأيضا فإن المطلق من كلام الآدميين محمول على ~~ما فسر به المطلق من كلام الشارع خصوصا في الأيمان؛ فإن الرجوع فيها إلى ~~عرف الخطاب شرعا أو عادة أولى من الرجوع إلى موجب اللفظ في أصل اللغة، ~~والله سبحانه وتعالى قد قال: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة ~~جلدة} [النور: 2] ، وقال: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] . # وفهم الصحابة والتابعون ومن بعدهم من ذلك أنه ضربات متعددة متفرقة لا ~~مجموعة، إلا أن يكون المضروب معذورا عذرا لا يرجى زواله؛ فإنه يضرب ضربا ~~مجموعا، وإن كان يرجى زواله فهل يؤخر إلى الزوال، أو يقام عليه مجموعا؟ فيه ~~خلاف بين الفقهاء، فكيف يقال: إن الحالف ليضربن موجب يمينه هو الضرب ~~المجموع مع صحة المضروب وقوته؟ فهذه الآية هي أقوى ما يعتمد عليه أرباب ~~الحيل، وعليها بنوا حيلهم، وقد ظهر بحمد الله أنه لا متمسك لهم فيها ألبتة. # فصل [الكلام على قصة يوسف وجعله الصواع في رحل أخيه] # وأما إخباره سبحانه وتعالى عن يوسف - عليه السلام - أنه جعل صواعه في رحل ~~أخيه ليتوصل بذلك إلى أخذه وكيد إخوته، فنقول لأرباب الحيل: # PageV03P166 # أولا: هل تجوزون أنتم مثل هذا حتى يكون حجة لكم؟ وإلا فكيف تحتجون بما لا ~~تجوزون فعله؟ ، فإن قلتم: فقد كان جائزا في شريعته، قلنا: وما ينفعكم إذا ~~لم يكن جائزا في شرعنا؟ # قال شيخنا - رضي الله عنه -: مما قد يظن أنه من جنس الحيل التي بينا ~~تحريمها وليس من جنسها قصة يوسف حين كاد الله له في أخذ أخيه كما قص ذلك ~~تعالى في كتابه، فإن فيه ضروبا من الحيل الحسنة: أحدها: قوله لفتيانه: ~~{اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم ~~يرجعون} [يوسف: 62] فإنه تسبب بذلك إلى رجوعهم، وقد ذكروا في ذلك معاني: # منها أنه تخوف أن لا يكون عندهم ورق يرجعون بها، ومنها أنه ms0938 خشي أن يضر ~~أخذ الثمن بهم، ومنها أنه رأى لو ما أخذ الثمن منهم، ومنها أنه أراهم كرمه ~~في رد البضاعة ليكون أدعى لهم إلى العود، ومنها أنه علم أن أمانتهم تحوجهم ~~إلى العود ليردوها إليه؛ فهذا المحتال به عمل صالح، والمقصود رجوعهم ومجيء ~~أخيه، وذلك أمر فيه منفعة لهم ولأبيهم وله، وهو مقصود صالح، وإنما لم ~~يعرفهم نفسه لأسباب أخر فيها أيضا منفعة لهم وله ولأبيهم وتمام لما أراده ~~الله بهم من الخير في البلاء. # الضرب الثاني: أنه في المرة الثانية لما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في ~~رحل أخيه، وهذا القدر تضمن إيهام أن أخاه سارق، وقد ذكروا أن هذا كان ~~بمواطأة من أخيه ورضا منه بذلك، والحق له في ذلك، وقد دل على ذلك قوله ~~تعالى: {ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما ~~كانوا يعملون} [يوسف: 69] وفيه قولان: أحدهما: أنه عرفه أنه يوسف ووطنه على ~~عدم الابتئاس بالحيلة التي فعلها في أخذه منهم، والثاني: أنه لم يصرح له ~~بأنه يوسف، وإنما أراد إني مكان أخيك المفقود فلا تبتئس بما يعاملك به ~~إخوتك من الجفاء. # ومن قال هذا قال: إنه وضع السقاية في رحل أخيه والأخ لا يشعر، ولكن هذا ~~خلاف المفهوم من القرآن وخلاف ما عليه الأكثرون، وفيه ترويع لمن لم يستوجب ~~الترويع. وأما على القول الأول فقد قال كعب وغيره: لما قال له إني أنا ~~أخوك، قال: فأنا لا أفارقك. # قال يوسف: فقد علمت اغتمام والدي بي، فإذا حبستك ازداد غمه، ولا يمكنني ~~هذا إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع وأنسبك إلى ما لا يحتمل، قال: لا أبالي. ~~فافعل ما بدا لك فإني لا # PageV03P167 # أفارقك، قال: فإني أدس صواعي. # هذا في رحلك، ثم أنادي عليك بالسرقة ليتهيأ لي ردك، قال: فافعل؛ وعلى هذا ~~فهذا التصرف إنما كان بإذن الأخ ورضاه. # ومثل هذا النوع ما ذكر أهل السير عن عدي بن حاتم أنه لما هم قومه بالردة ~~بعد رسول الله - صلى ms0939 الله عليه وسلم - كفهم عن ذلك، وأمرهم بالتربص، وكان ~~يأمر ابنه إذا رعى إبل الصدقة أن يبعد، فإذا جاء خاصمه بين يدي قومه وهم ~~بضربه، فيقومون فيشفعون إليه فيه؛ ويأمره كل ليلة أن يزداد بعدا، فلما كان ~~ذات ليلة أمره أن يبعد بها جدا، وجعل ينتظره بعدما دخل الليل وهو يلوم قومه ~~على شفاعتهم ومنعهم إياه من ضربه، وهم يعتذرون عن ابنه، ولا ينكرون إبطاءه، ~~حتى إذا انهار الليل ركب في طلبه فلحقه، واستاق الإبل حتى قدم بها على أبي ~~بكر - رضي الله عنهما -؛ فكانت صدقات طيئ مما استعان بها أبو بكر في قتال ~~أهل الردة. # وكذلك في الحديث الصحيح أن عديا قال لعمر - رضي الله عنه -: أما تعرفني ~~يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى، أعرفك، أسلمت إذ كفروا، ووفيت إذ غدروا، ~~وأقبلت إذ أدبروا، وعرفت إذ أنكروا. # ومثل هذا ما أذن فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - للوفد الذين أرادوا ~~قتل كعب بن الأشرف أن يقولوا، وأذن للحجاج بن علاط عام خيبر أن يقول، وهذا ~~كله من الاحتيال المباح؛ لكون صاحب الحق قد أذن فيه ورضي به، والأمر ~~المحتال عليه طاعة لله وأمر مباح. # الضرب الثالث: أنه أذن مؤذن: {أيتها العير إنكم لسارقون} [يوسف: 70] ~~{قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون} [يوسف: 71] {قالوا نفقد صواع الملك ولمن ~~جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} [يوسف: 72] إلى قوله: {فما جزاؤه إن كنتم ~~كاذبين} [يوسف: 74] {قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي ~~الظالمين - فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك ~~كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله} [يوسف: 75 - ~~76] وقد ذكروا في تسميتهم سارقين وجهين: # أحدهما: أنه من باب المعاريض وأن يوسف نوى بذلك أنهم سرقوه من أبيه حيث ~~غيبوه عنه بالحيلة التي احتالوا عليه، وخانوه فيه، والخائن يسمى سارقا، وهو ~~من الكلام المرموز، ولهذا يسمى خونة الدواوين لصوصا. الثاني: أن المنادي هو ~~الذي قال ذلك من غير أمر يوسف. # قال ms0940 القاضي أبو يعلى وغيره: أمر يوسف بعض أصحابه أن يجعل الصواع في رحل ~~أخيه، ثم قال بعض الموكلين وقد فقدوه ولم يدر من أخذه: {أيتها العير إنكم ~~لسارقون} [يوسف: 70] # PageV03P168 # على ظن منهم أنهم كذلك، من غير أمر يوسف لهم بذلك، أو لعل يوسف قد قال ~~للمنادي: هؤلاء سرقوا، وعنى أنهم سرقوه من أبيه، والمنادي فهم سرقة الصواع ~~فصدق يوسف في قوله، وصدق المنادي، وتأمل حذف المفعول في قوله: {إنكم ~~لسارقون} [يوسف: 70] ليصح أن يضمن سرقتهم ليوسف فيتم التعريض، ويكون الكلام ~~صدقا، وذكر المفعول في قوله: {نفقد صواع الملك} [يوسف: 72] وهو صادق في ~~ذلك، فصدق في الجملتين معا تعريضا وتصريحا، وتأمل قول يوسف: {معاذ الله أن ~~نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده} [يوسف: 79] ولم يقل إلا من سرق، وهو أخصر ~~لفظا، تحريا للصدق، فإن الأخ لم يكن سارقا بوجه، وكان المتاع عنده حقا؛ ~~فالكلام من أحسن المعاريض وأصدقها. # ومثل هذا قول الملكين لداود - عليه السلام -: {خصمان بغى بعضنا على بعض} ~~[ص: 22] إلى قوله: {وعزني في الخطاب} [ص: 23] أي غلبني في الخطاب، ولكن ~~تخريج هذا الكلام على المعاريض لا يكاد يتأتى، وإنما وجهه أنه كلام خرج على ~~ضرب المثال: أي إذا كان كذلك فكيف الحكم بيننا. # ونظير هذا قول الملك للثلاثة الذين أراد الله أن يبتليهم: " مسكين وغريب ~~وعابر سبيل، وقد تقطعت بي الحبال، ولا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، ~~فأسألك بالذي أعطاك هذا المال بعيرا أتبلغ به في سفري هذا " وهذا ليس ~~بتعريض، وإنما هو تصريح على وجه ضرب المثال وإيهام أني أنا صاحب هذه القضية ~~كما أوهم الملكان داود أنهما صاحبا القصة ليتم الامتحان. # ولهذا قال نصر بن حاجب: سئل ابن عيينة عن الرجل يعتذر إلى أخيه من الشيء ~~الذي قد فعله، ويحرف القول فيه ليرضيه، لم يأثم في ذلك؟ فقال: ألم تسمع ~~قوله: «ليس بكاذب من أصلح بين الناس يكذب فيه» فإذا أصلح بينه وبين أخيه ~~المسلم خير من أن يصلح بين الناس بعضهم من بعض، وذلك ms0941 إذا أراد به مرضاة ~~الله، وكره أذى المؤمن، ويندم على ما كان منه، ويدفع شره عن نفسه، ولا يريد ~~بالكذب اتخاذ المنزلة عندهم ولا طمعا في شيء يصيب منهم؛ فإنه لم يرخص في ~~ذلك، ورخص له إذا كره موجدتهم وخاف عداوتهم. قال حذيفة: إني أشتري ديني ~~بعضه ببعض مخافة أن أقدم على ما هو أعظم منه. # قال سفيان وقال الملكان: {خصمان بغى بعضنا على بعض} [ص: 22] أراد معنى ~~شيء # PageV03P169 # ولم يكونا خصمين فلم يصيرا بذلك كاذبين، وقال إبراهيم: {إني سقيم} ~~[الصافات: 89] وقال: {بل فعله كبيرهم هذا} [الأنبياء: 63] ، وقال يوسف: ~~{إنكم لسارقون} [يوسف: 70] فبين سفيان أن هذا من المعاريض المباحة. # فصل [استنباط من قصة يوسف وتعقيب عليه] . # وقد احتج بعض الفقهاء بقصة يوسف على أنه جائز للإنسان التوصل إلى أخذ حقه ~~من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق. # قال شيخنا - رضي الله عنه -: وهذه الحجة ضعيفة؛ فإن يوسف لم يكن يملك حبس ~~أخيه عنده بغير رضاه، ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم يوسف حتى يقال إنه قد اقتص ~~منه، وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا قد فعلوا ذلك، نعم تخلفه عنده كان ~~يؤذيهم من أجل تأذي أبيهم والميثاق الذي أخذه عليهم، وقد استثنى في الميثاق ~~بقوله: {إلا أن يحاط بكم} [يوسف: 66] وقد أحيط بهم، ولم يكن قصد يوسف ~~باحتباس أخيه الانتقام من إخوته؛ فإنه كان أكرم من هذا، وكان في ذلك من ~~الإيذاء لأبيه. # أعظم مما فيه من إيذاء إخوته، وإنما هو أمر أمره الله به ليبلغ الكتاب ~~أجله ويتم البلاء الذي استحق به يعقوب ويوسف كمال الجزاء، وتبلغ حكمة الله ~~التي قضاها لهم نهايتها. # ولو كان يوسف قصد القصاص منهم بذلك فليس هذا موضع الخلاف بين العلماء؛ ~~فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به، وإنما موضع الخلاف: هل يجوز له أن ~~يسرق أو يخون من سرقه أو خانه مثل ما سرق منه أو خانه إياه؟ وقصة يوسف لم ~~تكن من هذا الضرب. نعم، لو ms0942 كان يوسف أخذ أخاه بغير أمره لكان لهذا المحتج ~~شبهة، مع أنه لا دلالة في ذلك على هذا التقدير أيضا؛ فإن مثل هذا لا يجوز ~~في شرعنا بالاتفاق، وهو أن يحبس رجل بريء، ويعتقل للانتقام من غيره من غير ~~أن يكون له جرم، ولو قدر أن ذلك وقع من يوسف فلا بد أن يكون بوحي من الله ~~ابتلاء منه لذلك المعتقل، كما ابتلى إبراهيم بذبح ابنه، فيكون المبيح له ~~على هذا التقدير وحيا خاصا كالوحي الذي جاء إبراهيم بذبح ابنه، وتكون حكمته ~~في حق المبتلى امتحانه وابتلاؤه لينال درجة الصبر على حكم الله والرضا ~~بقضائه، وتكون حاله في هذا كحال أبيه يعقوب في احتباس يوسف عنه، وهذا معلوم ~~من فقه القصة وسياقها ومن حال يوسف. # ولهذا قال تعالى: {كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا ~~أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم} [يوسف: 76] # PageV03P170 # فنسب الله تعالى هذا الكيد إلى نفسه كما نسبه إلى نفسه في قوله: {إنهم ~~يكيدون كيدا} [الطارق: 15] {وأكيد كيدا} [الطارق: 16] ، وفي قوله: {ومكروا ~~مكرا ومكرنا مكرا} [النمل: 50] ، وفي قوله: {ويمكرون ويمكر الله والله خير ~~الماكرين} [الأنفال: 30] . # وقد قيل: إن تسمية ذلك مكرا وكيدا واستهزاء وخداعا من باب الاستعارة ~~ومجاز المقابلة نحو: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] ، ونحو قوله: ~~{فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] وقيل ~~وهو أصوب: بل تسميته بذلك حقيقة على بابه؛ فإن المكر إيصال الشيء إلى الغير ~~بطريق خفي، وكذلك الكيد والمخادعة، ولكنه نوعان: قبيح وهو إيصال ذلك لمن لا ~~يستحقه، وحسن وهو إيصاله إلى مستحقه عقوبة له؛ فالأول مذموم والثاني ممدوح، ~~والرب تعالى إنما يفعل من ذلك ما يحمد عليه عدلا منه وحكمة، وهو تعالى يأخذ ~~الظالم والفاجر من حيث لا يحتسب لا كما يفعل الظلمة بعباده. # وأما السيئة فهي فيعلة مما يسوء، ولا ريب أن العقوبة تسوء صاحبها؛ فهي ~~سيئة له حسنة من الحكم العدل، وإذا عرفت ذلك فيوسف الصديق ms0943 كان قد كيد غير ~~مرة: أولها أن إخوته كادوا به كيدا حيث احتالوا به في التفريق بينه وبين ~~أبيه، ثم إن امرأة العزيز كادته بما أظهرت أنه راودها عن نفسها ثم أودع ~~السجن، ثم إن النسوة كادوه حتى استعاذ. # بالله من كيدهن فصرفه عنه، وقال له يعقوب: {لا تقصص رؤياك على إخوتك ~~فيكيدوا لك كيدا} [يوسف: 5] وقال الشاهد لامرأة العزيز: {إنه من كيدكن إن ~~كيدكن عظيم} [يوسف: 28] . وقال: {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي ~~قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم} [يوسف: 50] فكاد الله له أحسن كيد وألطفه ~~وأعدله، بأن جمع بينه وبين أخيه، وأخرجه من أيدي إخوته بغير اختيارهم كما ~~أخرجوا يوسف من يد أبيه بغير اختياره، وكاد له عوض كيد المرأة بأن أخرجه من ~~ضيق السجن إلى فضاء الملك، ومكنه في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، وكان له في ~~تصديق النسوة اللاتي كذبنه وراودنه حتى شهدن ببراءته وعفته، وكاد له في ~~تكذيب امرأة العزيز لنفسها واعترافها بأنها هي التي راودته وأنه من ~~الصادقين؛ فهذه عاقبة من صبر على كيد الكائد له بغيا وعدوانا. # PageV03P171 # فصل # [مكر الله تعالى على ضربين] # وكيد الله تعالى لا يخرج عن نوعين؛ أحدهما وهو الأغلب: أن يفعل تعالى ~~فعلا خارجا عن قدرة العبد الذي كاد له؛ فيكون الكيد قدرا [زائدا] محضا ليس ~~هو من باب لا يسوغ، كما كاد أعداء الرسل بانتقامه منهم بأنواع العقوبات، ~~وكذلك كانت قصة يوسف؛ فإن أكثر ما أمكنه أن يفعل أن ألقى الصواع، في رحل ~~أخيه، وأن أذن مؤذن بسرقتهم، فلما أنكروا قال: {فما جزاؤه إن كنتم كاذبين} ~~[يوسف: 74] أي جزاء السارق أو جزاء السرق: {قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو ~~جزاؤه} [يوسف: 75] أي جزاؤه نفس السارق، يستعبده المسروق منه إما مطلقا ~~وإما إلى مدة، وهذه كانت شريعة آل يعقوب. # [إعراب جملة في قصة يوسف] # ثم في إعراب هذا الكلام وجهان؛ أحدهما: أن قوله: {جزاؤه من وجد في رحله} ~~[يوسف: 75] جملة مستقلة قائمة من مبتدأ وخبر، وقوله: ms0944 {فهو جزاؤه} [يوسف: ~~75] جملة ثانية كذلك مؤكدة للأولى مقررة لها، والفرق بين الجملتين أن ~~الأولى إخبار عن استحقاق المسروق لرقبة السارق، والثانية إخبار أن هذا ~~جزاؤه في شرعنا وحكمنا؛ فالأولى إخبار عن المحكوم عليه، والثانية إخبار عن ~~الحكم، وإن كانا متلازمين، وإن أفادت الثانية معنى الحصر فإنه لا جزاء له ~~غيره. والقول الثاني: أن {جزاؤه} [يوسف: 74] الأول مبتدأ وخبره الجملة ~~الشرطية، والمعنى جزاء السارق أن من وجد المسروق في رحله كان هو الجزاء، ~~كما تقول: جزاء السرقة من سرق قطعت يده # وجزاء الأعمال من عمل حسنة فبعشر أو سيئة فبواحدة، ونظائره. # قال شيخنا - رضي الله عنه -: وإنما احتمل الوجهين ` لأن الجزاء قد يراد ~~به نفس الحكم باستحقاق العقوبة، وقد يراد به نفس فعل العقوبة، وقد يراد به ~~نفس الألم الواصل إلى المعاقب؛ والمقصود أن إلهام الله لهم هذا الكلام كيد ~~كاده ليوسف خارج عن قدرته؛ إذ قد كان يمكنهم أن يقولوا: لا جزاء عليه حتى ~~يثبت أنه هو الذي سرق؛ فإن مجرد وجوده في رحله لا يوجب ثبوت السرقة، وقد ~~كان يوسف عادلا لا يأخذهم بغير حجة، وقد كان يمكنهم أن يقولوا: يفعل به ما ~~يفعل بالسراق في دينكم، وقد كان في دين ملك مصر - كما قاله أهل التفسير - ~~أن يضرب السارق ويغرم قيمة المسروق مرتين، ولو قالوا ذلك لم يمكنه أن ~~يلزمهم بما لا يلزم به غيرهم، ولهذا قال تعالى: {كذلك كدنا ليوسف ما كان ~~ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله} [يوسف: 76] # PageV03P172 # أي ما كان يمكنه أخذه في دين ملك مصر؛ إذ لم يكن في دينه طريق له إلى ~~أخذه، وعلى هذا فقوله: {إلا أن يشاء الله} [يوسف: 76] استثناء منقطع، أي ~~لكن إن شاء الله أخذه بطريق آخر، أو يكون متصلا على بابه، أي إلا أن يشاء ~~الله ذلك فيهيئ له سببا يؤخذ به في دين الملك من الأسباب التي كان الرجل ~~يعتقل بها، فإذا كان المراد من الكيد فعلا من الله - بأن ييسر لعبده المؤمن ms0945 ~~المظلوم المتوكل عليه أمورا يحصل بها مقصوده من الانتقام من الظالم - كان ~~هذا خارجا عن الحيل الفقهية؛ فإن كلامنا في الحيل التي يفعلها العبد، لا ~~فيما يفعله الله تعالى، بما في قصة يوسف. # تنبيه على بطلان الحيل وأن من كاد كيدا محرما؛ فإن الله يكيده ويعامله ~~بنقيض قصده وبمثل عمله، وهذه سنة الله في أرباب الحيل المحرمة أنه لا يبارك ~~لهم فيما نالوه بهذه الحيل، ويهيئ لهم كيدا على يد من يشاء من خلقه يجزون ~~به من جنس كيدهم وحيلهم. # [ما تدل عليه قصة يوسف] # وفيها تنبيه على أن المؤمن المتوكل على الله إذا كاده الخلق فإن الله ~~يكيد له وينتصر له بغير حول منه ولا قوة. # وفيها دليل على أن وجود المسروق بيد السارق كاف في إقامة الحد عليه، بل ~~هو بمنزلة إقراره، وهو أقوى من البينة، وغاية البينة أن يستفاد منها ظن، ~~وأما وجود المسروق بيد السارق فيستفاد منه اليقين وبهذا جاءت السنة في وجوب ~~الحد بالحبل والرائحة في الخمر كما اتفق عليه الصحابة، والاحتجاج بقصة يوسف ~~على هذا أحسن وأوضح من الاحتجاج بها على الحيل. # وفيها تنبيه على أن العلم الخفي الذي يتوصل به إلى المقاصد الحسنة مما ~~يرفع الله به درجات العبد؛ لقوله بعد ذلك: {نرفع درجات من نشاء} [يوسف: 76] ~~قال زيد بن أسلم وغيره: بالعلم، وقد أخبر تعالى عن رفعه درجات أهل العلم في ~~ثلاثة مواضع من كتابه، أحدها: قوله: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ~~نرفع درجات من نشاء} [الأنعام: 83] فأخبر أنه يرفع درجات من يشاء بعلم ~~الحجة. وقال في قصة يوسف: {كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ~~إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء} [يوسف: 76] فأخبر أنه يرفع درجات من ~~يشاء بالعلم الخفي الذي يتوصل به صاحبه إلى المقاصد المحمودة، وقال: {يا ~~أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم ~~وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات} ms0946 [المجادلة: 11] فأخبر أنه يرفع درجات أهل العلم والإيمان. # PageV03P173 # فصل [النوع الثاني من كيد الله تعالى لعبده] # النوع الثاني من كيده لعبده المؤمن: هو أن يلهمه تعالى أمرا مباحا أو ~~مستحبا أو واجبا يوصله به إلى المقصود الحسن؛ فيكون على هذا إلهامه ليوسف ~~أن يفعل ما فعل هو من كيده تعالى أيضا، وقد دل على ذلك قوله: {نرفع درجات ~~من نشاء} [يوسف: 76] فإن فيها تنبيها على أن العلم الدقيق الموصل إلى ~~المقصود الشرعي صفة مدح، كما أن العلم الذي يخصم به المبطل صفة مدح؛ وعلى ~~هذا فيكون من الكيد ما هو مشروع، لكن لا يجوز أن يراد به الكيد الذي تستحل ~~به المحرمات أو تسقط به الواجبات؛ فإن هذا كيد لله، والله هو الذي يكيد ~~الكائد، ومحال أن يشرع الله تعالى أن يكاد دينه، وأيضا فإن هذا الكيد لا ~~يتم إلا بفعل يقصد به غير مقصوده الشرعي، ومحال أن يشرع الله لعبده أن يقصد ~~بفعله ما لم يشرع الله ذلك الفعل له. # فهذا هو الجواب عن احتجاج المتحيلين بقصة يوسف - عليه الصلاة والسلام -، ~~وقد تبين أنها من أعظم الحجج عليهم، وبالله التوفيق. # فصل [الجواب عن حديث أبو هريرة في تمر خيبر من صور النزاع] # وأما حديث أبي هريرة وأبي سعيد: «بع الجميع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم ~~جنيبا» فما أصحه من حديث، ونحن نتلقاه بالقبول والتسليم، والكلام معكم فيه ~~من مقامين: # أحدهما: إبطال استدلالكم به على جواز الحيل، وثانيهما: بيان دلالته على ~~نقيض مطلوبكم؛ إذ هذا شأن كل دليل صحيح احتج به محتج على باطل؛ فإنه لا بد ~~أن يكون فيه ما يدل على بطلان قوله ظاهرا أو إيماء، مع عدم دلالته على ~~قوله. # [بحث في دلالة المطلق والفرق بينه وبين العام] # فأما المقام الأول فنقول: غاية ما دل الحديث عليه «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمره أن يبيع سلعته الأولى بثمن ثم يبتاع بثمنها تمرا آخر» ، ~~ومعلوم قطعا أن ذلك إنما يقتضي البيع الصحيح؛ فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم ms0947 - لا يأذن في العقد الباطل؛ فلا بد أن يكون العقد الذي أذن فيه صحيحا، # PageV03P174 # والشأن كل الشأن في العقد المتنازع فيه؛ فلو سلم لكم المنازع صحته ~~لاستغنيتم عن الاستدلال بالحديث، ولا يمكن الاستدلال بالحديث على صحته؛ ~~لأنه ليس بعام؛ فإن قوله: " بع " مطلق لا عام؛ فهذا البيع لو كان صحيحا ~~متفقا على صحته لم يكن هناك لفظ عام يحتج به على تناوله، فكيف هذا البيع ~~مما قد دلت السنة الصحيحة وأقوال الصحابة والقياس الصحيح على بطلانه كما ~~تقدم؟ ولو اختلف رجلان في بيع هل هو صحيح أو فاسد، وأراد كل واحد منهما ~~إدخاله في هذا اللفظ؛ لم يمكنه ذلك حتى يثبت أنه بيع صحيح، ومتى أثبت أنه ~~بيع صحيح لم يحتج إلى الاستدلال بهذا المطلق؛ فتبين أنه لا حجة فيه على ~~صورة من صور النزاع ألبتة. # ونكتة الجواب أن يقال: الأمر المطلق بالبيع إنما يقتضي البيع الصحيح، ومن ~~سلم لكم أن هذه الصورة التي تواطأ فيها البائع والمشتري على الربا وجعل ~~السلعة الدخيلة محللا له غير مقصودة بالبيع بيع صحيح، وإذا كان الحديث ليس ~~فيه عموم، وإنما هو مطلق، والأمر بالحقيقة المطلق ليس أمرا بشيء من صورها؛ ~~لأن الحقيقة مشتركة بين الأفراد، والقدر المشترك ليس هو مما يميز به كل ~~واحد من الأفراد عن الآخر، ولا هو مستلزما له؛ فلا يكون الأمر بالمشترك ~~أمرا بالمميز بحال، وإن كان مستلزما لبعض تلك القيود لا بعينه، فيكون عاما ~~لها على سبيل البدل، لكن ذلك لا يقتضي العموم للأفراد على سبيل الجمع، وهو ~~المطلق في قوله: «بع هذا الثوب» لا يقتضي الأمر ببيعه من زيد أو عمرو، ولا ~~بكذا أو كذا، ولا بهذه السوق أو هذه؛ فإن اللفظ لا دلالة له على شيء من شيء ~~من ذلك، إذا أتى بالمسمى حصل ممتثلا من جهة وجود تلك الحقيقة، لا من جهة ~~تلك القيود، وهذا الأمر لا خلاف فيه، لكن بعض الناس يعتقد أن عدم الأمر ~~بالقيود يستلزم عدم الإجزاء إذا أتى بها إلا بقرينة ms0948 وهو خطأ، والصواب أن ~~القيود لا تنافي الأمر ولا تستلزمه، وإن كان لزوم بعضها لزوما عقليا ضرورة ~~وقوع القدر المشترك في ضمن قيد من تلك القيود، وإذا تبين هذا فليس في ~~الحديث أمره أن يبيع التمر لبائع النوع الآخر ولا لغيره ولا بحلول ولا ~~تأجيل ولا بنقد البلد ولا غيره ولا بثمن المثل أو غيره، وكل هذه القيود ~~خارجة عن مفهوم اللفظ، ولو زعم زاعم أن اللفظ يعم هذا كله كان مبطلا، لكن ~~اللفظ لا يمنع الإجزاء إذا أتى بها، وإنما استفيد عدم الامتثال إذا بيع ~~بدون ثمن المثل أو بثمن مؤجل أو بغير نقد البلد من العرف الذي ثبت للبيع ~~المطلق، وكذلك ليس في اللفظ ما يدل على أنه يبيعه من البائع بعينه ولا ~~غيره، كما ليس فيه ما يمنعه، بل كل واحد من الطرفين يحتاج إلى دليل خارج عن ~~اللفظ المطلق؛ فما قام الدليل على إباحته أبيح فعله بالدليل الدال على ~~جوازه لا بهذا اللفظ، وما قام دليل على المنع منه لم يعارض دليل المنع بهذا # PageV03P175 # اللفظ المطلق حتى يطلب الترجيح، بل يكون دليل المنع سالما عن المعارضة ~~بهذا، فإن عورض بلفظ عام متناول لإباحته بوضع اللفظ له أو بدليل خاص صحت ~~المعارضة؛ فتأمل هذا الموضع الذي كثيرا ما يغلط فيه الناظر والمناظر، ~~وبالله التوفيق. # وقد ظهر بهذا جواب من قال: " لو كان الابتياع من المشتري حراما لنهى عنه ~~" فإن مقصوده - صلى الله عليه وسلم - إنما كان لبيان الطريق التي بها يحصل ~~اشتراء التمر الجيد لمن عنده رديء، وهو أن يبيع الرديء بثمن ثم يبتاع ~~بالثمن جيدا، ولم يتعرض لشروط البيع وموانعه؛ لأن المقصود ذكر الحكم على ~~وجه الجملة، أو لأن المخاطب أحيل على فهمه وعلمه بأنه إنما أذن له في بيع ~~يتعارفه الناس، وهو البيع المقصود في نفسه، ولم يؤذن له في بيع يكون وسيلة ~~وذريعة ظاهرة إلى ما هو ربا صريح، وكان القوم أعلم بالله ورسوله وشريعته من ~~أن يفهموا عنه أنه أذن لهم في الحيل ms0949 الربوية التي ظاهرها بيع وباطنها ربا، ~~ونحن نشهد بالله أنه كما لم يأذن فيها بوجه لم يفهمها عنه أصحابه بخطابه ~~بوجه، وما نظير هذا الاستدلال إلا استدلال بعضهم على جواز أكل ذي الناب ~~والمخلب بقوله: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود} [البقرة: 187] واستدلال آخر بقوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ~~[النساء: 24] على جواز نكاح الزانية المصرة على الزنا، واستدلال آخر على ~~ذلك بقوله: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم} [النور: 32] ، ~~واستدلال غيره به على صحة نكاح التحليل بذلك، وعلى صحة نكاح المتعة، ~~واستدلال آخر على جواز نكاح المخلوقة من مائه إذا كان زانيا، ولو أن رجلا ~~استدل بذلك على جواز نكاح المرأة على عمتها وخالتها وأخذ يعارض به السنة لم ~~يكن فرق بينه وبين هذا الاستدلال، بل لو استدل به على كل نكاح حرمته السنة ~~لم يكن فرق بينه وبين هذا الاستدلال، وكذلك قوله: «بع الجميع» لو استدل به ~~مستدل على بيع من البيوع المتنازع فيها لم يكن فيه حجة، وليس بالغالب أن ~~بائع التمر بدراهم يبتاع بها من المشتري حتى يقال: هذه الصورة غالبة فيحمل ~~اللفظ عليها، ولا هو المتعارف عند الإطلاق عرفا وشرعا. # وبالجملة فإرادة هذه الصورة وحدها من اللفظ ممتنع، وإرادتها مع غيرها فرع ~~على عمومه، ولا عموم له، وإرادة القدر المشترك بين أفراد البيع إنما تنصرف ~~إلى البيع المعهود عرفا وشرعا، وعلى التقديرات كلها لا تدخل هذه الصورة. # ومما يدل على ذلك أن هذه الصورة لا تدخل في أمر الرجل لعبده وولده ووكيله ~~أن يشتري له كذا، فلو قال: " بع هذه الحنطة العتيقة واشتر لنا جديدة " لم ~~يفهم السامع إلا بيعا مقصودا، أو شراء مقصودا، فثبت أن الحديث ليس فيه ~~إشعار بالحيلة الربوية ألبتة. # PageV03P176 # يوضحه أن قوله: " بع كذا، واشتر كذا " أو " بعت، واشتريت " لا يفهم منه ~~إلا البيع الذي يقصد به نقل ملك المبيع نقلا مستقرا؛ ولهذا لا يفهم منه بيع ~~الهازل ولا المكره، ولا بيع الحيلة، ولا بيع العينة، ولا ms0950 يعد الناس من اتخذ ~~خرزة أو عرضا يحلل به الربا ويبيعه ويشتريه صورة خالية عن حقيقة البيع ~~ومقصوده تاجرا، وإنما يسمونه مرابيا ومتحيلا، فكيف يدخل هذا تحت لفظ النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -؟ يزيده إيضاحا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا» ونهى عن بيعتين في ~~بيعة، ومعلوم أنهما متى تواطئا على أن يبيعه بالثمن ثم يبتاع به منه فهو ~~بيعتان في بيعة، فلا يكون ما نهى عنه داخلا تحت ما أذن فيه. # يوضحه أيضا أنه قال: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع» وتواطؤهما على ~~أن يبيعه السلعة بثمن ثم يشتري منه غيرها بذلك الثمن منطبق على لفظ الحديث؛ ~~فلا يدخل ما أخبر أنه لا يحل تحت ما أذن فيه. # يوضحه أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «بع الجميع بالدراهم ثم ~~ابتع بالدراهم جنيبا» وهذا يقتضي بيعا ينشئه ويبتدئه بعد انقضائه البيع ~~الأول، ومتى واطأه في أول الأمر على أن أبيعك وأبتاع منك فقد اتفقا على ~~العقدين معا؛ فلا يكون الثاني عقدا مستقلا مبتدأ، بل هو من تتمة العقد ~~الأول عندهما وفي اتفاقهما، وظاهر الحديث أنه أمر بعقدين مستقلين لا يرتبط ~~أحدهما بالآخر ولا ينبني عليه. # ولو نزلنا عن ذلك كله وسلمنا أن الحديث عام عموما لفظيا يدخل تحته صورة ~~الحيلة فهو لا ريب مخصوص بصور كثيرة؛ فنخص منه هذه الصورة المذكورة بالأدلة ~~المتقدمة على بطلان الحيل وأضعافها، والعام يخص بدون مثلها بكثير، فكم قد ~~خص العموم بالمفهوم وخبر الواحد والقياس وغير ذلك، فتخصيصه - لو فرض عمومه ~~- بالنصوص والأقيسة وإجماع الصحابة على تحريم الحيل أولى وأحرى، بل واحد من ~~تلك الأدلة التي ذكرناها على المنع من الحيل وتحريمها كاف في التخصيص، وإذا ~~كنتم قد خصصتم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله المحلل والمحلل له» ~~مع أنه عام عموما لفظيا فخصصتموه بصورة واحدة وهي ما اشترطا في صلب العقد ~~أنه إنما تزوجها ليحلها ومتى أحلها فهي طالق، ms0951 مع أن هذه الصورة نادرة جدا ~~لا يفعلها المحلل، والصور الواقعة في التحليل أضعاف هذه، # PageV03P177 # فحملتم اللفظ العام عموما لفظيا ومعنويا على أندر صورة تكون لو قدر ~~وقوعها، وأخليتموه عن الصور الواقعة المستعملة بين المحللين؛ فقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «بع الجميع بالدراهم» أولى بالتقييد بالنصوص الكثيرة ~~والآثار والأقيسة الصحيحة التي هي في معنى الأصل وحمله على البيع المتعارف ~~المعهود عرفا وشرعا، وهذا بحمد الله تعالى في غاية الوضوح، ولا يخفى على ~~منصف يريد الله ورسوله والدار الآخرة، وبالله التوفيق. # فصل [حكمة مشروعية البيع تمنع من صورة الحيلة] : ومما يوضح فساد حمل ~~الحديث على صورة الحيلة وأن كلام الرسول ومنصبه العالي منزه عن ذلك أن ~~المقصود الذي شرع الله تعالى له البيع وأحله لأجله هو أن يحصل ملك الثمن ~~للبائع ويحصل ملك المبيع للمشتري؛ فيكون كل منهما قد حصل له مقصوده بالبيع، ~~هذا ينتفع بالثمن وهذا بالسلعة، وهذا إنما يكون إذا قصد المشتري نفس السلعة ~~للانتفاع بها أو التجارة فيها وقصد البائع نفس الثمن، ولهذا يحتاط كل واحد ~~منهما فيما يصير إليه من العرض هذا في وزن الثمن ونقده ورواجه وهذا في ~~سلامة السلعة من العيب وأنها تساوي الثمن الذي بذله فيها، فإذا كان مقصود ~~كل منهما ذلك فقد قصدا بالسبب ما شرعه الله له، وأتى بالسبب حقيقة وحكما، ~~وسواء حصل مقصوده بعقد أو توقف على عقود مثل أن يكون بيده سلعة وهو يريد أن ~~يبتاع سلعة أخرى لا تباع سلعته [بها] لمانع شرعي أو عرفي أو غيرهما فيبيع ~~سلعته ليملك ثمنها وهذا بيع مقصود وعوضه مقصود ثم يبتاع بالثمن سلعة أخرى ~~وهذه قصة بلال في تمر خيبر سواء، فإنه إذا باع الجميع بالدراهم فقد أراد ~~بالبيع ملك الثمن، وهذا مقصود مشروع، ثم إذا ابتاع بالدراهم جنيبا فقد عقد ~~عقدا مقصودا مشروعا؛ فلما كان بائعا قصد تملك الثمن حقيقة، ولما كان مبتاعا ~~قصد تملك السلعة حقيقة، فإن ابتاع بالثمن من غير المشتري منه فهذا لا محذور ~~فيه؛ إذ كل من ms0952 العقدين مقصود مشروع، ولهذا يستوفيان حكم العقد الأول من ~~النقد والقبض وغيرهما. # وأما إذا ابتاع بالثمن من مبتاعه من جنس ما باعه فهذا يخشى منه أن لا ~~يكون العقد الأول مقصودا لهما، بل قصدهما بيع السلعة الأولى بالثانية فيكون ~~ربا بعينه، ويظهر هذا القصد بأنهما يتفقان على صاع بصاعين أولا ثم يتوصلان ~~إلى ذلك ببيع الصاع بدرهم ويشتري به صاعين ولا يبالي البائع بنقد ذلك الثمن ~~ولا بقبضه ولا بعيب فيه ولا بعدم رواجه ولا يحتاط لنفسه فيه احتياط من قصده ~~تملك الثمن؛ إذ قد علم هو والآخر أن الثمن بعينه خارج منه عائد إليه، فنقده # PageV03P178 # وقبضه والاحتياط فيه يكون عبثا، وتأمل حال باعة الحلي عنه. # كيف يخرج كل حلقة من غير جنسه أو قطعة ما ويبيعك إياها بذلك الثمن ثم ~~يبتاعها منك؟ فكيف لا تسأل عن قيمتها ولا عن وزنها ولا مساواتها للثمن؟ بل ~~قد تساوي أضعافه وقد تساوي بعضه؛ إذ ليست هي القصد، وإنما القصد أمر وراءها ~~وجعلت هي محللا لذلك المقصود، وإذا عرف هذا فهو إنما عقد معه العقد الأول ~~ليعيد إليه الثمن بعينه ويأخذ العوض الآخر، وهذا تواطؤ منهما حين عقداه على ~~فسخه، والعقد إذا قصد به فسخه لم يكن مقصودا، وإذا لم يكن مقصودا كان وجوده ~~كعدمه، وكان توسطه عبثا. # ومما يوضح الأمر في ذلك أنه إذا جاءه بتمر أو زبيب أو حنطة ليبتاعه به من ~~جنسه فإنهما يتشارطان ويتراضيان على سعر أحدهما من الآخر، وأنه مد بمد ونصف ~~مثلا، ثم بعد ذلك يقول: بعتك هذا بكذا وكذا درهما، ثم يقول: بعني بهذه ~~الدراهم كذا وكذا صاعا من النوع الآخر، وكذلك في الصرف، وليس للبائع ولا ~~للمشتري غرض في الدراهم، والغرض معروف، فأين من يبيعه السلعة بثمن ليشتري ~~به منه من جنسها إلى من يبيعه إياها بثمن له غرض في تملكه وقبضه؟ وتوسط ~~الثمن في الأول عبث محض لا فائدة فيه، فكيف يأمر به الشارع الحكيم مع زيادة ~~التعب والكلفة فيه؟ ولو كان هذا سائغا ms0953 لم يكن في تحريم الربا حكمة سوى ~~تضييع الزمان وإتعاب النفوس بلا فائدة؛ فإنه لا يشاء أحد أن يبتاع ربويا ~~بأكثر منه من جنسه الأول إلا قال: بعتك هذا بكذا، وابتعت منك هذا بهذا ~~الثمن؛ فلا يعجز أحد عن استحلال ما حرمه الله قط بأدنى الحيل. # يوضحه أن الربا نوعان: ربا الفضل، وربا النسيئة، فأما ربا الفضل فيمكنه ~~في كل مال ربوي أن يقول: بعتك هذا المال بكذا، ويسمي ما شاء، ثم يقول: ~~اشتريت منك هذا للذي هو من جنسه - بذلك الذي سماه، ولا حقيقة له مقصودة، ~~وأما ربا النسيئة فيمكنه أن يقول: بعتك هذه الحريرة بألف درهم أو عشرين ~~صاعا إلى سنة، وابتعتها منك بخمسمائة حالة أو خمسة عشر صاعا، ويمكنه ربا ~~الفضل، فلا يشاء مراب إلا أقرضه ثم حاباه في بيع أو إجارة أو غيرهما، ويحصل ~~مقصوده من الزيادة، فيا سبحان الله، أيعود الربا - الذي قد عظم الله شأنه ~~في القرآن، وأوجب محاربة مستحله، ولعن آكله وموكله وشاهديه وكاتبه، وجاء ~~فيه من الوعيد ما لم يجئ في غيره - إلى أن يستحل نوعاه بأدنى حيلة لا كلفة ~~فيها أصلا إلا بصورة عقد هي عبث ولعب يضحك منها ويستهزأ بها؟ فكيف يستحسن ~~أن ينسب # PageV03P179 # إلى نبي من الأنبياء فضلا عن سيد الأنبياء، بل أن ينسب رب العالمين إلى ~~أن يحرم هذه المحرمات العظيمة ويوعد عليها بأغلظ العقوبات وأنواع الوعيد، ~~ثم يبيحها بضرب من الحيل والعبث والخداع الذي ليس له حقيقة مقصودة ألبتة في ~~نفسه للمتعاقدين؟ وترى كثيرا من المرابين - لما علم أن هذا العقد ليس له ~~حقيقة مقصودة ألبتة - قد جعل عنده خرزة ذهب، فكل من جاءه يريد أن يبيعه ~~جنسا بجنسه أكثر منه أو أقل ابتاع منه ذلك الجنس بتلك الخرزة، ثم ابتاع ~~الخرزة بالجنس الذي يريد أن يعطيه إياه، أفيستجيز عاقل أن يقول: إن الذي ~~حرم بيع الفضة بالفضة متفاضلا أحلها بهذه الخرزة؟ # وكذلك كثير من الفجار قد أعد سلعة لتحليل ربا النساء، فإذا جاءه من يريد ~~ألفا ms0954 بألف ومائتين أدخل تلك السلعة محللا، ولهذا كانت أكثر حيل الربا في ~~بابها أغلظ من حيل التحليل، ولهذا حرمها أو بعضها من لم يحرم التحليل؛ لأن ~~القصد في البيع معتبر في فطر الناس، ولأن الاحتيال في الربا غالبا إنما يتم ~~بالمواطأة اللفظية أو العرفية، ولا يفتقر إلى شهادة، ولكن يتعاقدان ثم ~~يشهدان أن له في ذمته دينا، ولهذا إنما لعن شاهداه إذا علما به، والتحليل ~~لا يمكن إظهاره وقت العقد؛ لكون الشهادة شرطا فيه، والشروط المتقدمة تؤثر ~~كالمقارنة كما تقدم تقريره؛ إذ تقديم الشرط ومقارنته لا يخرجه عن كونه عقد ~~تحليل ويدخله في نكاح الرغبة، والقصود معتبرة في العقود. # فصل # وجماع الأمر أنه إذا باعه ربويا بثمن وهو يريد أن يشتري منه بثمنه من ~~جنسه، فإما أن يواطئه على الشراء منه لفظا، أو يكون العرف بينهما قد جرى ~~بذلك، أو لا يكون، فإن كان الأول فهو باطل كما تقدم تقريره؛ فإن هذا لم ~~يقصد ملك الثمن ولا قصد هذا تمليكه، وإنما قصد تمليك المثمن بالمثمن، وجعلا ~~تسمية الثمن تلبيسا وخداعا ووسيلة إلى الربا؛ فهو في هذا العقد بمنزلة ~~التيس الملعون في عقد التحليل، وإن لم تجر بينهما مواطأة لكن قد علم ~~المشتري أن البائع يريد أن يشتري منه ربويا بربوي فكذلك؛ لأن علمه بذلك ضرب ~~من المواطأة، وهو يمنع قصد الثمن الذي يخرجان به عن قصد الربا، وإن قصد ~~البائع الشراء منه بعد البيع ولم يعلم المشتري؛ فقد قال الإمام أحمد: هاهنا ~~لو باع من رجل دنانير بدراهم لم يجز أن يشتري بالدراهم منه ذهبا إلا أن ~~يمضي ويبتاع بالورق من غيره ذهبا فلا يستقيم، فيجوز أن يرجع إلى الذي ابتاع ~~منه الدنانير فيشتري منه ذهبا، وكذلك كره مالك أن تصرف دراهمك من رجل ~~بدنانير، ثم تبتاع منه بتلك الدنانير دراهم غير دراهمك في الوقت أو بعد يوم ~~أو يومين. # قال ابن القاسم: فإن طال الزمان وصح أمرهما فلا بأس به؛ فوجه ما منعه # PageV03P180 # الإمام أحمد - رضي الله عنه - أنه ms0955 متى قصد المشتري منه تلك الدنانير لم ~~يقصد تملك الثمن، ولهذا لا يحتاط في النقد والوزن، ولهذا يقول: إنه متى بدا ~~له بعد القبض والمفارقة أن يشتري منه - بأن يطلب من غيره فلا يجد - لم يكن ~~في العقد الأول خلل، والمتقدمون من أصحابه حملوا هذا المنع منه على ~~التحريم. # وقال القاضي وابن عقيل وغيرهما: إذا لم يكن شرط ومواطأة بينهما لم يحرم، ~~وقد أومأ إليه الإمام أحمد في رواية حرب؛ فإنه قال؛ قلت لأحمد: أشتري من ~~رجل ذهبا ثم أبتاعه منه، قال: بيعه من غيره أحب إلي، وذكر ابن عقيل أن أحمد ~~لم يكرهه في رواية أخرى. # وكره ابن سيرين للرجل أن يبتاع من الرجل الدراهم بالدنانير ثم يشتري منه ~~بالدراهم دنانير، وهذه المسألة في ربا الفضل كمسائل العينة في ربا النساء، ~~ولهذا عدها من الربا الفقهاء السبعة وأكثر العلماء، وهو قول أهل المدينة ~~كمالك وأصحابه، وأهل الحديث كأحمد وأصحابه، وهو مأثور عن ابن عمر؛ ففي هذه ~~المسألة قد عاد الثمن إلى المشتري، وحصلا على ربا الفضل أو النساء، وفي ~~العينة قد عاد المبيع إلى البائع وأفضى إلى ربا الفضل والنساء جميعا، ثم إن ~~كان في الموضعين لم يقصد الثمن ولا المبيع، وإنما جعل وصلة إلى الربا؛ فهذا ~~الذي لا ريب في تحريمه، والعقد الأول هاهنا باطل بلا توقف عند من يبطل ~~الحيل. # وقد صرح به القاضي في مسألة العينة في غير موضع، وحكى أبو الخطاب في صحته ~~وجهين: # قال شيخنا: والأول هو الصواب، وإنما تردد من تردد من الأصحاب في العقد ~~الأول في مسألة العينة؛ لأن هذه المسألة إنما ينسب الخلاف فيها في العقد ~~الثاني بناء على أن الأول صحيح، وعلى هذا التقدير فليست من مسائل الحيل، ~~وإنما هي من مسائل الذرائع، ولها مأخذ آخر يقتضي التحريم عند أبي حنيفة ~~وأصحابه؛ فإنهم لا يحرمون الحيل ويحرمون مسألة العينة، وهو أن الثمن إذا لم ~~يستوف لم يتم العقد الأول؛ فيصير الثاني مبنيا عليه، وهذا تعليل خارج عن ~~قاعدة الحيل والذرائع، ms0956 فصار للمسألة ثلاثة مآخذ، فلما لم يتمحص تحريمها على ~~قاعدة الحيل توقف في العقد الأول من توقف. # قال شيخنا: والتحقيق أنها إذا كانت من الحيل أعطيت حكم الحيل، وإلا اعتبر ~~فيها المأخذان الآخران، هذا إذا لم يقصد العقد الأول، فإن قصد حقيقته فهو ~~صحيح، لكن ما دام الثمن في ذمة المشتري لم يجز أن يشتري منه المبيع بأقل ~~منه من جنسه، ولا يجوز أن يبتاع منه الثمن ربويا لا يباع بالأول نساء؛ لأن ~~أحكام العقد الأول لا تتم إلا بالتقابض؛ فإذا لم يحصل كان ذريعة إلى الربا، ~~وإن تقابضا وكان العقد مقصودا فله أن يشتري منه كما يشتري من غيره، وإذا ~~كان الطريق إلى الحلال هي العقود المقصودة المشروعة التي لا خداع فيها ولا ~~تحريم # PageV03P181 # لم يصح أن تلحق بها صورة عقد لم تقصد حقيقته، وإنما قصد التوصل به إلى ~~استحلال ما حرمه الله، والله الموفق. # وإنما أطلنا الكلام على هذه الحجة لأنها عمدة أرباب الحيل من السنة، كما ~~[أن] عمدتهم من الكتاب: {وخذ بيدك ضغثا} [ص: 44] . # فصل [دلالة حديث أبو هريرة على تحريم الحيل] : فهذا تمام الكلام على ~~المقام الأول، وهو عدم دلالة الحديث على الحيل الربوية بوجه من الوجوه. # وأما المقام الثاني - وهو دلالته على تحريمها وفسادها - فلأنه - صلى الله ~~عليه وسلم - نهاه أن يشتري الصاع بالصاعين، ومن المعلوم أن الصفة التي في ~~الحيل مقصودة يرتفع سعره لأجلها، والعاقل لا يخرج صاعين ويأخذ صاعا إلا ~~لتميز ما يأخذه بصفة، أو لغرض له في المأخوذ ليس في المبذول، والشارع حكيم ~~لا يمنع المكلف مما هو # مصلحة له # ويحتاج إليه إلا لتضمنه أو لاستلزامه مفسدة أرجح من تلك المصلحة، وقد ~~خفيت هذه المفسدة على كثير من الناس حتى قال بعض المتأخرين: لا يتبين لي ما ~~وجه تحريم ربا الفضل والحكمة فيه، وقد تقدم أن هذا من أعظم حكمة الشريعة ~~ومراعاة مصالح الخلق، وأن الربا نوعان: # " ربا نسيئة، وتحريمه تحريم المقاصد، وربا فضل، وتحريمه تحريم الذرائع ~~والوسائل، فإن النفوس متى ذاقت ms0957 الربح فيه عاجلا تسورت منه إلى الربح الآجل، ~~فسدت عليها بالذريعة وحمي جانب الحمى، وأي حكمة وحكم أحسن من ذلك؟ وإذا كان ~~كذلك فالنبي - صلى الله عليه وسلم - منع بلالا من أخذ مد بمدين لئلا يقع في ~~الربا، ومعلوم أنه لو جوز له ذلك بحيلة لم يكن في منعه من بيع مدين بمد ~~فائدة أصلا، بل كان بيعه كذلك أسهل وأقل مفسدة من توسط الحيلة الباردة التي ~~لا تغني من المفسدة شيئا، وقد نبه على هذا بقوله في الحديث: «لا تفعل أوه ~~عين الربا» فنهاه عن الفعل، والنهي يقتضي المنع بحيلة أو غير حيلة؛ لأن ~~المنهي عنه لا بد أن يشتمل على مفسدة لأجلها ينهى عنه، وتلك المفسدة لا ~~تزول بالتحيل عليها، بل تزيد، وأشار إلى المنع بقوله: «أوه عين الربا» فدل ~~على أن المنع إنما كان لوجود حقيقة الربا وعينه، وأنه لا تأثير للصورة ~~المجردة مع قيام الحقيقة؛ فلا يهمل قوله: «عين الربا» فتحت هذه اللفظة ما ~~يشير إلى أن الاعتبار بالحقائق، وأنها هي التي عليها المعول، وهي محل ~~التحليل والتحريم، والله تعالى لا ينظر إلى صورها وعباراتها التي يكسوها ~~إياها العبد، وإنما ينظر إلى حقائقها وذواتها، والله الموفق. # PageV03P182 # فصل [الجواب عن قولهم إن الحيل معاريض فعلية] : وأما تمسكهم بجواز ~~المعاريض وقولهم: " إن الحيل معاريض فعلية على وزان المعاريض القولية " ~~فالجواب من وجوه: أحدها: أن يقال ومن سلم لكم أن المعاريض إذا تضمنت ~~استباحة الحرام وإسقاط الواجبات وإبطال الحقوق كانت جائزة؟ بل هي من الحيل ~~القولية، وإنما تجوز المعاريض إذا كان فيه تخلص من ظالم، كما عرض الخليل ~~بقوله: " هذه أختي " فإذا تضمنت نصر حق أو إبطال باطل كما عرض الخليل ~~بقوله: {إني سقيم} [الصافات: 89] ، وقوله: {بل فعله كبيرهم هذا} [الأنبياء: ~~63] وكما عرض الملكان لداود بما ضرباه له من المثال الذي نسباه إلى ~~أنفسهما، وكما عرض النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «نحن من ماء» وكما ~~كان يوري عن الغزوة بغيرها لمصلحة الإسلام والمسلمين، إذا لم تتضمن مفسدة ~~في ms0958 دين ولا دنيا، كما عرض - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «إنا حاملوك على ~~ولد الناقة» وبقوله: «إن الجنة لا تدخلها العجز» وبقوله: «من يشتري مني هذا ~~العبد» يريد عبد الله، وبقوله لتلك المرأة: «زوجك الذي في عينيه بياض» ~~وإنما أراد به البياض الذي خلقه الله في عيون بني آدم، وهذه المعاريض ~~ونحوها من أصدق الكلام، فأين في جواز هذه ما يدل على جواز الحيل المذكورة؟ ~~. # وقال شيخنا - رضي الله عنه -: والذي قيست عليه الحيل الربوية وليست مثله ~~نوعان؛ أحدهما: المعاريض، وهي: أن يتكلم الرجل بكلام جائز يقصد به معنى ~~صحيحا، ويوهم غيره أنه يقصد به معنى آخر؛ فيكون سبب ذلك الوهم كون اللفظ ~~مشتركا بين حقيقتين لغويتين أو عرفيتين أو شرعيتين أو لغوية مع إحداهما أو ~~عرفية مع إحداهما أو شرعية مع إحداهما، فيعني أحد معنييه ويوهم السامع له ~~أنه إنما عنى الآخر: إما لكونه لم يعرف إلا ذلك، وإما لكون دلالة الحال ~~تقتضيه، وإما لقرينة حالية أو مقالية يضمها إلى اللفظ، أو يكون سبب التوهم ~~كون اللفظ ظاهرا في معنى فيعني به معنى يحتمله باطنا: بأن ينوي مجاز اللفظ ~~دون حقيقته، أو ينوي بالعام الخاص أو بالمطلق المقيد، أو يكون سبب التوهم ~~كون المخاطب إنما يفهم من اللفظ غير حقيقته لعرف خاص به أو غفلة منه أو جهل ~~أو غير ذلك من الأسباب، مع كون المتكلم إنما قصد حقيقته؛ فهذا كله إذا كان ~~المقصود به رفع ضرر غير مستحق فهو جائز، كقول الخليل: " هذه أختي " وقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نحن من ماء» وقول الصديق - رضي الله عنه -: ~~" هاد يهديني السبيل " ومنه قول عبد الله بن رواحة: # PageV03P183 # شهدت بأن وعد الله حق # الأبيات أوهم امرأته0 القرآن، وقد يكون واجبا إذا تضمن دفع ضرر يجب دفعه ~~ولا يندفع إلا بذلك. # وهذا الضرب وإن كان نوع حيلة في الخطاب لكنه يفارق الحيل المحرمة من ~~الوجه المحتال عليه والوجه المحتال به؛ أما الأول فلكونه دفع ضرر غير ~~مستحق، فلو تضمن كتمان ms0959 ما يجب إظهاره من شهادة أو إقرار أو علم أو نصيحة ~~مسلم أو التعريف بصفة معقود عليه في بيع أو نكاح أو إجارة فإنه غش محرم ~~بالنص. # قال مثنى الأنباري: قلت لأحمد بن حنبل: كيف الحديث الذي جاء في المعاريض؟ ~~فقال: المعاريض لا تكون في الشراء والبيع، تكون في الرجل يصلح بين الناس أو ~~نحو هذا. # قال شيخنا: والضابط أن كل ما وجب بيانه فالتعريض فيه حرام؛ لأنه كتمان ~~وتدليس، ويدخل في هذا الإقرار بالحق، والتعريض في الحلف عليه، والشهادة على ~~العقود، ووصف المعقود عليه، والفتيا والحديث والقضاء، وكل ما حرم بيانه ~~فالتعريض فيه جائز، بل واجب إذا أمكن ووجب الخطاب، كالتعريض لسائل عن مال ~~معصوم أو نفسه يريد أن يعتدي عليه، وإن كان بيانه جائزا أو كتمانه جائزا؛ ~~فإما أن تكون المصلحة في كتمانه أو في إظهاره أو كلاهما متضمن للمصلحة؛ فإن ~~كان الأول فالتعريض مستحب كتورية الغازي عن الوجه الذي يريده، وتورية ~~الممتنع عن الخروج والاجتماع بمن يصده عن طاعة أو مصلحة راجحة كتورية أحمد ~~عن المروزي، وتورية الحالف لظالم له أو لمن استحلفه يمينا لا تجب عليه ونحو ~~ذلك # وإن كان الثاني فالتورية فيه مكروهة، والإظهار مستحب، وهذا في كل موضع ~~يكون البيان فيه مستحبا، وإن تساوى الأمران وكان كل منهما طريقا إلى ~~المقصود لكون ذلك المخاطب التعريض والتصريح بالنسبة إليه سواء جاز الأمران، ~~كما لو كان يعرف بعدة ألسن وخطابه بكل لسان منها يحصل مقصوده، ومثل هذا ما ~~لو كان له غرض مباح في التعريض ولا حذر عليه في التصريح، والمخاطب لا يفهم ~~مقصوده، وفي هذا ثلاثة أقوال للفقهاء وهي في مذهب الإمام أحمد، أحدها: له ~~التعريض؛ إذ لا يتضمن كتمان حق ولا إضرارا بغير مستحق. # والثاني: ليس له ذلك، فإنه إيهام للمخاطب من غير حاجة إليه، وذلك تغرير، ~~وربما أوقع السامع في الخبر الكاذب، وقد يترتب عليه ضرر به. # والثالث له التعريض في غير اليمين. # PageV03P184 # وقال الفضيل بن زياد: سألت أحمد عن الرجل يعارض في ms0960 كلامه يسألني عن الشيء ~~أكره أن أخبره به، قال: إذا لم يكن يمينا فلا بأس، في المعاريض مندوحة عن ~~الكذب، وهذا عند الحاجة إلى الجواب، فأما الابتداء فالمنع فيه ظاهر، كما دل ~~عليه حديث أم كلثوم أنه لم يرخص فيما يقول الناس إنه كذب إلا في ثلاث، ~~وكلها مما يحتاج إليه المتكلم، وبكل حال فغاية هذا القسم تجهيل السامع بأن ~~يوقعه المتكلم في اعتقاد ما لم يرده بكلامه، وهذا التجهيل قد تكون مصلحته ~~أرجح من مفسدته، وقد تكون مفسدته أرجح من مصلحته، وقد يتعارض الأمران، ولا ~~ريب أن من كان علمه بالشيء يحمله على ما يكرهه الله ورسوله كان تجهيله به ~~وكتمانه عنه أصلح له وللمتكلم، وكذلك ما كان في علمه مضرة على القائل أن ~~تفوت عليه مصلحة هي أرجح من مصلحة البيان فله أن يكتمه عن السامع؛ فإن أبى ~~إلا استنطاقه فله أن يعرض له. # فالمقصود بالمعاريض فعل واجب أو مستحب أو مباح أباح الشارع السعي في ~~حصوله ونصب له سببا يفضي إليه؛ فلا يقاس بهذه الحيل التي تتضمن سقوط ما ~~أوجبه الشارع وتحليل ما حرمه، فأين أحد البابين من الآخر؟ وهل هذا إلا من ~~أفسد القياس؟ وهو كقياس الربا على البيع والميتة على المذكى. # فصل فهذا الفرق من جهة المحتال عليه، وأما الفرق من جهة المحتال به فإن ~~المعرض إنما تكلم بحق، ونطق بصدق فيما بينه وبين الله، لا سيما إن لم ينو ~~باللفظ خلاف ظاهره في نفسه، وإنما كان عدم الظهور من ضعف فهم السامع وقصوره ~~في فهم دلالة اللفظ، ومعاريض النبي - صلى الله عليه وسلم - ومزاحه كانت من ~~هذا النوع، كقوله: «نحن من ماء» وقوله: «إنا حاملوك على ولد الناقة» «ولا ~~يدخل الجنة العجز» «وزوجك الذي في عينيه بياض» وأكثر معاريض السلف كانت من ~~هذا، ومن هذا الباب التدليس في الإسناد، لكن هذا مكروه لتعلقه بالدين وكون ~~البيان في العلم واجبا، بخلاف ما قصد به دفع ظالم أو دفع ضرر عن المتكلم. # [المعاريض على نوعين] # والمعاريض ms0961 نوعان؛ أحدهما: أن يستعمل اللفظ في حقيقته وما وضع له فلا يخرج ~~به عن ظاهره، ويقصد فردا من أفراد حقيقته، فيتوهم السامع أنه قصد غيره: إما ~~لقصور فهمه، وإما لظهور ذلك الفرد عنده أكثر من غيره، وإما لشاهد الحال ~~عنده، وإما لكيفية # PageV03P185 # المخبر وقت التكلم من ضحك أو غضب أو إشارة ونحو ذلك، وإذا تأملت المعاريض ~~النبوية والسلفية وجدت عامتها من هذا النوع، والثاني: أن يستعمل العام في ~~الخاص والمطلق في المقيد، وهو الذي يسميه المتأخرون الحقيقة والمجاز، وليس ~~يفهم أكثر من المطلق والمقيد؛ فإن لفظ الأسد والبحر والشمس عند الإطلاق له ~~معنى، وعند التقييد له معنى يسمونه المجاز، ولم يفرقوا بين مقيد ومقيد ولا ~~بين قيد وقيد، فإن قالوا: " كل مقيد مجاز " لزمهم أن يكون كل كلام مركب ~~مجازا؛ فإن التركيب يقيده بقيود زائدة على اللفظ المطلق، وإن قالوا: " بعض ~~القيود يجعله مجازا دون بعض " سئلوا عن الضابط ما هو، ولن يجدوا إليه ~~سبيلا، وإن قالوا: " يعتبر اللفظ المفرد من حيث هو مفرد قبل التركيب، وهناك ~~يحكم عليه بالحقيقة والمجاز ". قيل لهم: هذا أبعد وأشد فسادا؛ فإن اللفظ ~~قبل العقد والتركيب بمنزلة الأصوات التي ينعق بها ولا تفيد شيئا، وإنما ~~إفادتها بعد تركيبها، وأنتم قلتم: الحقيقة هي اللفظ المستعمل، وأكثركم ~~يقول: استعمال اللفظ فيما وضع له أولا، والمجاز بالعكس؛ فلا بد في الحقيقة ~~والمجاز من استعمال اللفظ فيما وضع له، وهو إنما يستعمل بعد تركيبه، وحينئذ ~~فتركيبه بعده بقيود يفهم منها مراد المتكلم، فما الذي جعله مع بعض تلك ~~القيود حقيقة ومع بعضها مجازا؟ # وليس الغرض إبطال هذا التقسيم الحادث المبتدع المتناقض فإنه باطل من أكثر ~~من أربعين وجها، وإنما الغرض التنبيه على نوعي التعريض، وأنه تارة يكون مع ~~استعمال اللفظ في ظاهره وتارة يكون بإخراجه عن ظاهره، ولا يذكر المعرض ~~قرينة تبين مراده، ومن هذا النوع عامة التعريض في الأيمان والطلاق، كقوله: ~~" كل امرأة له فهي طالق " وينوي في بلد كذا وكذا، أو ينوي فلانة، أو قوله: ~~" أنت ms0962 طالق " وينوي من زوج كان قبله ونحو ذلك؛ فهذا القسم شيء والذي قبله ~~شيء، فأين هذا من قصد المحتال بلفظ العقد أو صورته ما. # لم يجعله الشارع مقتضيا له بوجه بل جعله مقتضيا لضده؟ ولا يلزم من صلاحية ~~اللفظ له إخبارا صلاحيته له إنشاء؛ فإنه لو قال: " تزوجت " في المعاريض ~~وعنى نكاحا فاسدا كان صادقا كما لو بينه، ولو قال: " تزوجت " إنشاء وكان ~~فاسدا لم ينعقد، وكذلك في جميع الحيل؛ فإن الشارع لم يشرع القرض إلا لمن ~~قصد أن يسترجع مثل قرضه، ولم يشرعه لمن قصد أن يأخذ أكثر منه لا بحيلة ولا ~~بغيرها، وكذلك إنما شرع البيع لمن له غرض في تمليك الثمن وتمليك السلعة، ~~ولم يشرعه قط لمن قصد به ربا الفضل أو النساء ولا غرض له في الثمن ولا في ~~المثمن ولا في # PageV03P186 # السلعة، وإنما غرضهما الربا، وكذلك النكاح لم يشرعه إلا لراغب في المرأة، ~~لم يشرعه للمحلل، وكذلك الخلع لم يشرعه إلا للمفتدية نفسها من الزوج تتخلص ~~منه من سوء العشرة، ولم يشرعه للتحيل على الحنث قط. # وكذلك التمليك لم يشرعه الله سبحانه وتعالى إلا لمن قصد نفع الغير ~~والإحسان إليه بتمليكه سواء كان محتاجا أو غير محتاج، ولم يشرعه لإسقاط فرض ~~من زكاة أو حج أو غيرهما قط، وكذلك المعاريض لم يشرعها إلا لمحتاج إليها أو ~~لمن لا يسقط بها حقا ولا يضر بها أحدا، ولم يشرعها إذا تضمنت إسقاط حق أو ~~إضرارا لغير مستحق. # [متى تباح المعاريض] ؟ فثبت أن التعريض المباح ليس من المخادعة لله في ~~شيء، وغايته أنه مخادعة لمخلوق أباح الشارع مخادعته لظلمه، ولا يلزم من ~~جواز مخادعة الظالم المبطل جواز مخادعة المحق؛ فما كان من التعريض مخالفا ~~لظاهر اللفظ كان قبيحا إلا عند الحاجة وما لم يكن منها مخالفا لظاهر اللفظ ~~كان جائزا إلا عند تضمن مفسدة. # والمعاريض كما تكون بالقول تكون بالفعل، وتكون بالقول والفعل معا، مثال ~~ذلك أن يظهر المحارب أنه يريد وجها من الوجوه ويسافر إليه ليحسب العدو ms0963 أنه ~~لا يريده ثم يكر عليه وهو آمن من قصده، أو يستطرد المبارز بين يدي خصمه ~~ليظن هزيمته ثم يعطف عليه، وهذا من خداعات الحرب. # فصل [النوع الثاني من المعاريض] : فهذا أحد النوعين الذي قيست عليه الحيل ~~المحرمة، والنوع الثاني: الكيد الذي شرعه الله للمظلوم أن يكيد به ظالمه ~~ويخدعه به، إما للتوصل إلى أخذ حقه منه، أو عقوبة له، أو لكف شره وعدوانه ~~عنه، كما روى الإمام أحمد في مسنده: «أن رجلا شكا إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من جاره أنه يؤذيه، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يطرح متاعه في الطريق، ففعل، فجعل كل من مر عليه يسأل عن شأن المتاع، فيخبر ~~بأن جار صاحبه يؤذيه، فيسبه ويلعنه، فجاء إليه وقال: رد متاعك إلى مكانه ~~فوالله لا أؤذيك بعد ذلك أبدا» . # فهذا من أحسن المعاريض الفعلية، وألطف الحيل التي يتوصل بها إلى دفع ظلم ~~الظالم. # ونحن لا ننكر هذا الجنس، وإنما الكلام في الحيل على استحلال محارم الله، # PageV03P187 # وإسقاط فرائضه، وإبطال حقوق عباده؛ فهذا النوع هو الذي يفوت أفراد الأدلة ~~على تحريمه الحصر. # فصل [الجواب على أن العقود حيل] : وأما قولكم: " جعل العقود حيلا على ~~التوصل إلى ما لا يباح إلا بها - إلى آخره " فهذا موضع الكلام في الحيل، ~~وانقسامها إلى أحكامها الخمسة، فنقول: ليس كل ما يسمى حيلة حراما، قال الله ~~تعالى: {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا ~~يهتدون سبيلا} [النساء: 98] أراد بالحيلة التحيل على التخلص من بين الكفار، ~~وهذه حيلة محمودة يثاب عليها، وكذلك الحيلة على هزيمة الكفار، كما فعل نعيم ~~بن مسعود يوم الخندق، أو على تخليص ماله منهم كما فعل الحجاج بن علاط ~~بامرأته، وكذلك الحيلة على قتل رأس من رءوس أعداء الله كما فعل الذين قتلوا ~~ابن أبي الحقيق اليهودي. وكعب بن الأشرف وأبا رافع وغيرهم؛ فكل هذه حيل ~~محمودة محبوبة لله ومرضية له. ### | [فصل اشتقاق الحيلة وبيان معناها] # [اشتقاق الحيلة وبيان معناها] # والحيلة: مشتقة ms0964 من التحول، وهي النوع والحالة كالجلسة والقعدة والركبة ~~فإنها بالكسر للحالة، وبالفتح للمرة، كما قيل: الفعلة للمرة، والفعلة ~~للحالة، والمفعل للموضع، والمفعل للآلة، وهي من ذوات الواو، فإنها من ~~التحول من حال يحول، وإنما انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وهو قلب ~~مقيس مطرد في كلامهم، نحو ميزان وميقات وميعاد؛ فإنها مفعال من الوزن ~~والوقت والوعد، فالحيلة هي نوع مخصوص من التصرف والعمل الذي يتحول به فاعله ~~من حال إلى حال، ثم غلب عليها بالعرف استعمالها في سلوك الطرق الخفية التي ~~يتوصل بها الرجل إلى حصول غرضه، بحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء ~~والفطنة؛ فهذا أخص من موضوعها في أصل اللغة، وسواء كان المقصود أمرا جائزا ~~أو محرما، وأخص من هذا استعمالها في التوصل إلى الغرض الممنوع منه شرعا أو ~~عقلا أو عادة فهذا هو الغالب عليها في عرف الناس؛ فإنهم يقولون: فلان من ~~أرباب الحيل، ولا تعاملوه فإنه متحيل، وفلان يعلم الناس الحيل، وهذا من ~~استعمال المطلق في بعض أنواعه كالدابة والحيوان وغيرهما. # PageV03P188 ### | [فصل انقسام الحيلة إلى الأحكام الخمسة وأمثلتها] # انقسام الحيلة إلى الأحكام الخمسة وأمثلتها] # وإذا قسمت باعتبارها لغة انقسمت إلى الأحكام الخمسة؛ فإن مباشرة الأسباب ~~الواجبة حيلة على حصول مسبباتها؛ فالأكل والشرب واللبس والسفر الواجب حيلة ~~على المقصود منه، والعقود الشرعية واجبها ومستحبها ومباحها كلها حيلة على ~~حصول المعقود عليه، والأسباب المحرمة كلها حيلة على حصول مقاصدها منها، ~~وليس كلامنا في الحيلة بهذا الاعتبار العام الذي هو مورد التقسيم إلى مباح ~~ومحظور؛ فالحيلة جنس تحته التوصل إلى فعل الواجب، وترك المحرم، وتخليص ~~الحق، ونصر المظلوم، وقهر الظالم، وعقوبة المعتدي، وتحته التوصل إلى ~~استحلال المحرم، وإبطال الحقوق، وإسقاط الواجبات، ولما قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى ~~الحيل» غلب استعمال الحيل في عرف الفقهاء على النوع المذموم، وكما يذم ~~الناس أرباب الحيل فهم يذمون أيضا العاجز الذي لا حيلة عنده لعجزه وجهله ~~بطرق تحصيل مصالحه، فالأول ماكر مخادع، ms0965 والثاني عاجز مفرط، والممدوح ~~غيرهما، وهو من له خبرة بطرق الخير والشر خفيها وظاهرها فيحسن التوصل إلى ~~مقاصده المحمودة التي يحبها الله ورسوله بأنواع الحيل، ويعرف طرق الشر ~~الظاهرة والخفية التي يتوصل بها إلى خداعه والمكر به فيحترز منها ولا ~~يفعلها ولا يدل عليها، وهذه كانت حال سادات الصحابة - رضي الله عنهم -، ~~فإنهم كانوا أبر الناس قلوبا، وأعلم الخلق بطرق الشر ووجوه الخداع، وأتقى ~~لله من أن يرتكبوا منها شيئا أو يدخلوه في الدين، كما قال عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه -: لست بخب ولا يخدعني الخب، وكان حذيفة أعلم الناس بالشر ~~والفتن، وكان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير، ~~وكان هو يسأله عن الشر، والقلب السليم ليس هو الجاهل بالشر الذي لا يعرفه، ~~بل الذي يعرفه ولا يريده، بل يريد الخير والبر، والنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قد سمى الحرب خدعة، ولا ريب في انقسام الخداع إلى ما يحبه الله ~~ورسوله وإلى ما يبغضه وينهى عنه، وكذلك المكر ينقسم إلى قسمين: محمود، ~~ومذموم؛ فالحيلة والمكر والخديعة تنقسم إلى محمود ومذموم. # فالحيل المحرمة منها ما هو كفر، ومنها ما هو كبيرة، ومنها ما هو صغيرة، ~~وغير المحرمة منها ما هو مكروه، ومنها ما هو جائز، ومنها ما هو مستحب، ~~ومنها ما هو واجب؛ فالحيلة بالردة على فسخ النكاح كفر، ثم إنها لا تتأتى ~~إلا على قول من يقول بتعجيل الفسخ بالردة، فأما من وقفه على انقضاء العدة ~~فإنها لا يتم لها غرضها حتى تنقضي عدتها؛ فإنها متى علم بردتها قتلت إلا ~~على قول من يقول: لا تقتل المرتدة، بل يحبسها حتى تسلم أو تموت، وكذلك ~~التحيل بالردة على حرمان الوارث كفر، والإفتاء بها كفر، # PageV03P189 # ولا تتم إلا على قول من يرى أن مال المرتد لبيت المال، فأما على القول ~~الراجح أنه لورثته من المسلمين فلا تتم الحيلة، وهذا القول هو الصواب. # فإن ارتداده أعظم من مرض الموت المخوف، وهو في هذه الحال قد تعلق حق ~~الورثة ms0966 بماله، فليس له أن يسقط هذا التعلق بتبرع، فهكذا المرتد بردته تعلق ~~حق الورثة بماله إذ صار مستحقا للقتل. ### | [فصل الحيل التي تعد من الكبائر] # ] : وأما الحيل التي هي من الكبائر فمثل قتل امرأته إذا قتل حماته وله من ~~امرأته ولد، والصواب أن هذه الحيلة لا تسقط عنه القود، وقولهم: " إنه ورث ~~ابنه بعض دم أبيه فسقط عنه القود " ممنوع؛ فإن القود وجب عليه أولا بقتل أم ~~المرأة، وكان لها أن تستوفيه، ولها أن تسقطه، فلما قتلها قام وليها في هذه ~~الحال مقامها بالنسبة إليها وبالنسبة إلى أمها، ولو كان ابن القاتل؛ فإنه ~~لم يدل كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا ميزان عادل على أن الولد لا يستوفي ~~القصاص من والده لغيره. # وغاية ما يدل عليه الحديث أنه لا يقاد الوالد بولده، على ما فيه من الضعف ~~وفي حكمه من النزاع، ولم يدل على أنه لا يقاد بالأجنبي إذا كان الولد هو ~~مستحق القود، والفرق بينهما ظاهر؛ فإنه في مسألة المنع قد أقيد بابنه، وفي ~~هذه الصورة إنما أقيد بالأجنبي، وكيف تأتي شريعة أو سياسة عادلة بوجوب ~~القود على من قتل نفسا بغير حق فإن عاد فقتل نفسا أخرى بغير حق وتضاعف إثمه ~~وجرمه سقط عنه القود، بل لو قيل بتحتم قتله ولا بد إذا قصد هذا كان أقرب ~~إلى العقول والقياس. # فصل ومن الحيل المحرمة التي يكفر من أفتى بها تمكين المرأة ابن زوجها من ~~نفسها لينفسخ نكاحها حيث صارت موطوءة ابنه، وكذا بالعكس، أو وطأه حماته ~~لينفسخ نكاح امرأته، مع أن هذه الحيلة لا تتمشى إلا على قول من يرى أن حرمة ~~المصاهرة تثبت بالزنا كما تثبت بالنكاح كما يقوله أبو حنيفة وأحمد في ~~المشهور من مذهبه. # والقول الراجح أن ذلك لا يحرم كما هو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن ~~مالك؛ فإن التحريم بذلك موقوف على الدليل، ولا دليل من كتاب ولا سنة ولا ~~إجماع ولا قياس صحيح، وقياس السفاح على النكاح في ذلك لا يصح لما بينهما ms0967 من ~~الفروق، والله تعالى جعل الصهر قسيم النسب، وجعل ذلك من نعمه التي امتن بها ~~على عباده، فكلاهما من نعمه وإحسانه؛ فلا يكون الصهر من آثار الحرام ~~وموجباته كما لا يكون النسب من آثاره، بل إذا كان النسب الذي هو # PageV03P190 # أصل لا يحصل بوطء الحرام فالصهر الذي هو فرع عليه ومشبه به أولى ألا يحصل ~~بوطء الحرام، وأيضا فإنه لو ثبت تحريم المصاهرة لا تثبت المحرمية التي هي ~~من أحكامه، فإذا لم تثبت المحرمية لم تثبت الحرمة، وأيضا فإن الله تعالى ~~إنما قال: {وحلائل أبنائكم} [النساء: 23] ومن زنى بها الابن لا تسمى حليلة ~~لغة ولا شرعا ولا عرفا، وكذلك قوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ~~إلا ما قد سلف} [النساء: 22] إنما المراد به النكاح الذي هو ضد السفاح، ولم ~~يأت في القرآن النكاح المراد به الزنا قط، ولا الوطء المجرد عن عقد. # وقد تناظر الشافعي هو وبعض العراقيين في هذه المسألة ونحن نذكر مناظرته ~~بلفظها. # [مناظرة بين الشافعي ومن قال إن الزنا موجب حرمة المصاهرة] : قال ~~الشافعي: الزنا لا يحرم الحلال، وقال به ابن عباس. # قال الشافعي: لأن الحرام ضد الحلال، ولا يقاس شيء على ضده، فقال لي قائل: ~~ما تقول لو قبلت امرأة الرجل ابنه بشهوة حرمت على زوجها أبدا؟ فقلت: لم قلت ~~ذا والله تعالى إنما حرم أمهات نسائكم ونحو هذا بالنكاح فلم يجز أن يقاس ~~الحرام بالحلال؟ فقال: أجد جماعا وجماعا، قلت: جماعا حمدت به وأحصنت وجماعا ~~رجمت به، أحدهما نقمة والآخر نعمة، وجعله الله نسبا وصهرا وأوجب به حقوقا، ~~وجعلك محرما لأم امرأتك وابنتها تسافر بهما، وجعل على الزنا نقمة في الدنيا ~~بالحد وفي الآخرة بالنار، إلا أن يعفو الله، فتقيس الحرام الذي هو نقمة على ~~الحلال الذي هو نعمة؟ وقلت له: فلو قال لك وجدت المطلقة ثلاثا تحل بجماع ~~زوج وإصابة فأحلها بالزنا لأنه جماع كجماع، قال: إذا أخطئ؛ لأن الله تعالى ~~أحلها بنكاح زوج، قلت: وكذلك ما حرم الله في كتابه بنكاح ms0968 زوج وإصابة زوج، ~~قال: أفيكون شيء يحرمه الحلال ولا يحرمه الحرام أقول به؟ قلت: نعم ينكح ~~أربعا فيحرم عليه أن ينكح من النساء خامسة، أفيحرم عليه إذا زنى بأربع شيء ~~من النساء؟ قال: لا يمنعه الحرام مما يمنعه الحلال، قال: فقد ترتد فتحرم ~~على زوجها، قلت: نعم، وعلى جميع الخلق، وأقتلها وأجعل مالها فيئا، قال: فقد ~~نجد الحرام يحرم الحلال، قلت: أما في مثل ما اختلفنا فيه من أمر النساء ~~فلا، انتهى. # ومما يدل على صحة هذا القول أن أحكام النكاح التي رتبها الله تعالى عليه ~~من العدة والإحداد والميراث والحل والحرمة ولحوق النسب، ووجوب النفقة ~~والمهر وصحة الخلع والطلاق والظهار والإيلاء والقصر على أربع ووجوب القسم ~~والعدل بين الزوجات وملك الرجعة وثبوت الإحصان والإحلال للزوج الأول وغير ~~ذلك من الأحكام لا يتعلق شيء منها # PageV03P191 # بالزنا، وإن اختلف في العدة والمهر. # والصواب أنه لا مهر لبغي كما دلت عليه سنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وكما فطر الله عقول الناس على استقباحه، فكيف يثبت تحريم المصاهرة ~~من بين هذه الأحكام؟ والمقصود أن هذه الحيلة باطلة شرعا كما هي محرمة في ~~الدين. ### | [إبطال الحيلة على إسقاط حد السرقة] # [إبطال حيلة لإسقاط حد السرقة] : وكذلك الحيلة على إسقاط حد السرقة بقول ~~السارق: هذا ملكي، وهذه داري، وصاحبها عبدي، من الحيل التي هي إلى المضحكة ~~والسخرية والاستهزاء بها أقرب منها إلى الشرع، ونحن نقول: معاذ الله أن ~~يجعل في فطر الناس وعقولهم قبول مثل هذا الهذيان البارد المناقض للعقول ~~والمصالح، فضلا عن أن يشرع لهم قبوله، وكيف يظن بالله وشرعه ظن السوء أنه ~~شرع رد الحق بالباطل الذي يقطع كل أحد ببطلانه، وبالبهتان الذي يجزم كل ~~حاضر ببهتانه. # ومتى كان البهتان والوقاحة والمجاهرة بالزور والكذب مقبولا في دين من ~~الأديان أو شريعة من الشرائع أو سياسة أحد من الناس؟ ومن له مسكة من عقل ~~وإن بلي بالسرقة فإنه لا يرضى لنفسه بدعوى هذا البهت والزور، ويا لله ويا ~~للعقول، أيعجز سارق قط ms0969 عن التكلم بهذا البهتان ويتخلص من قطع اليد؟ فما ~~معنى شرع قطع يد السارق ثم إسقاطه بهذا الزور والبهتان؟ ،. ### | [إبطال حيلة لإسقاط اليمين عن الغاصب] # وكذلك إذا غصب شيئا فادعاه للمغصوب منه، فأنكر، فطلب تحليفه، قالوا: ~~فالحيلة في إسقاط اليمين عنه أن يقر به لولده الصغير فيسقط عنه اليمين ~~ويفوز المغصوب، وهذه حيلة باطلة في الشرع كما هي محرمة في الدين، بل المقر ~~له إن كان كبيرا صار هو الخصم في ذلك، وتوجهت عليه اليمين، وإن كان صغيرا ~~توجهت اليمين على المدعى عليه فإن نكل قضي به للمدعي، وغرم قيمته لمن أقر ~~له به؛ لأنه بنكوله قد فوته عليه. # وكذلك إذا جرح رجلا، فخشي أن يموت من الجرح، فدفع عليه دواء مسموما ~~فقتله. # [إبطال حيلة لإسقاط القصاص] # قال أرباب الحيل: يسقط عنه القصاص، وهذا خطأ عظيم، بل يجب عليه القصاص ~~بقتله بالسم، كما يجب عليه بقتله بالسيف، ولو أسقط الشارع القتل عمن قتل ~~بالسم لما عجز قاتل عن قتل من يريد قتله به آمنا؛ إذ قد علم أنه لا يجب ~~عليه القود، وفي هذا من فساد العالم ما لا تأتي به شريعة. # PageV03P192 ### | [إبطال حيلة لإخراج الزوجة من الميراث] # وكذلك إذا أراد إخراج زوجته من الميراث في مرضه، وخاف أن الحاكم يورث ~~المبتوتة، قالوا: فالحيلة أن يقر أنه كان طلقها ثلاثا، وهذه حيلة محرمة ~~باطلة لا يحل تعليمها، ويفسق من علمها المريض، ويستحق عقوبة الله، ومع ذلك ~~فلا تنفذ، فإنه كما هو متهم بطلاقها فهو متهم بالإقرار بتقدم الطلاق على ~~المرض، وإذا كان الطلاق لا يمنع الميراث للتهمة فالإقرار لا يمنعه للتهمة، ~~ولا فرق بينهما؛ فالحيلة باطلة محرمة. ### | [إبطال حيلة لإسقاط الزكاة] # وكذلك إذا كان في يده نصاب فباعه أو وهبه قبل الحول، ثم استرده، قال ~~أرباب الحيل تسقط عنه الزكاة، بل لو ادعى ذلك لم يأخذ العامل زكاته، وهذه ~~حيلة محرمة باطلة، ولا يسقط ذلك عنه فرض الله الذي فرضه وأوعد بالعقوبة ~~الشديدة من ضيعه وأهمله، فلو جاز إبطاله بالحيلة ms0970 التي هي مكر وخداع لم يكن ~~في إيجابه والوعيد على تركه فائدة. # وقد استقرت سنة الله في خلقه شرعا وقدرا على معاقبة العبد بنقيض قصده، ~~كما حرم القاتل الميراث، وورث المطلقة في مرض الموت، وكذلك الفار من الزكاة ~~لا يسقطها عنه فراره ولا يعان على قصده الباطل فيتم مقصوده ويسقط مقصود ~~الرب تعالى، وكذلك عامة الحيل إنما يساعد فيها المتحيل على بلوغ غرضه ويبطل ~~غرض الشارع. ### | [إبطال حيلة لإسقاط كفارة المجامع في نهار رمضان] # [إبطال حيلة لإسقاط الكفارة] # وكذلك المجامع في نهار رمضان إذا تغدى أو شرب الخمر أولا ثم جامع، قالوا: ~~لا تجب عليه الكفارة، وهذا ليس بصحيح؛ فإن إضمامه إلى إثم الجماع إثم الأكل ~~والشرب لا يناسب التخفيف عنه، بل يناسب تغليظ الكفارة عليه، ولو كان هذا ~~يسقط الكفارة لم تجب كفارة على واطئ اهتدى لجرعة ماء أو ابتلاع لبابة أو ~~أكل زبيبة، فسبحان الله، هل أوجب الشارع الكفارة لكون الوطء لم يتقدمه مفطر ~~قبله أو للجناية على زمن الصوم الذي لم يجعله الله محلا للوطء؟ أفترى ~~بالأكل والشرب قبله صار الزمان محلا للوطء فانقلبت كراهة الشارع له محبة ~~ومنعه إذنا؟ هذا من المحال، وأفسد من هذا قولهم: إن الحيلة في إسقاط ~~الكفارة أن ينوي قبل الجماع قطع الصوم، فإذا أتى بهذه النية فليجامع آمنا ~~من وجوب الكفارة، ولازم هذا القول الباطل أنه لا تجب كفارة على مجامع أبدا، ~~وإبطال هذه الشريعة رأسا؛ فإن المجامع لا بد أن يعزم على الجماع قبل فعله، ~~وإذا عزم # PageV03P193 # على الجماع فقد تضمنت نيته قطع الصوم فأفطر قبل الفعل بالنية الجازمة ~~للإفطار، فصادفه الجماع وهو مفطر بنية الإفطار السابقة على الفعل، فلم يفطر ~~به، فلا تجب الكفارة، فتأمل كيف تتضمن الحيل المحرمة مناقضة الدين وإبطال ~~الشرائع؟ ### | [إبطال حيلة لإسقاط وجوب قضاء الحج] # وكذلك قالوا: لو أن محرما خاف الفوت وخشي القضاء من قابل فالحيلة في ~~إسقاط القضاء أن يكفر بالله ورسوله في حال إحرامه فيبطل إحرامه، فإذا عاد ~~إلى الإسلام لم يلزمه ms0971 القضاء من قابل، بناء على أن المرتد كالكافر الأصلي، ~~فقد أسلم إسلاما مستأنفا لا يجب عليه فيه قضاء ما مضى، ومن له مسكة من علم ~~ودين يعلم أن هذه الحيلة مناقضة لدين الإسلام أشد مناقضة، فهو في شق ~~والإسلام في شق. ### | [إبطال حيلة لإسقاط حق صاحب الحق] # وكذلك لو وكل رجلا في استيفاء حقه فرفعه إلى الحاكم فأراد أن يحلفه ~~بالطلاق أنه لا حق لوكيله قبله، فالحيلة في حلفه صادقا أن يحضر الموكل إلى ~~منزله ويدفع إليه حقه ثم يغلق عليه الباب ويمضي مع الوكيل، فإذا حلف أنه لا ~~حق لوكيله قبله حلف صادقا، فإذا رجع إلى البيت فشأنه وشأن صاحب الحق. # وهذه شر من حيلة اليهود أصحاب الحيتان، وهذه وأمثالها إنما هي من حيل ~~اللصوص وقطاع الطريق، فما لدين الله ورسوله وإدخالها فيه؟ ولا يجدي عليه ~~هذا الفعل في بره باليمين شيئا، بل هو حانث كل الحنث؛ إذ لم يتمكن صاحب ~~الحق من الظفر بحقه فهو في ذمة الحالف كما هو؟ وإنما يبرأ منه إذا تمكن ~~صاحبه من قبضه وعد نفسه مستوفيا لحقه. ### | [إبطال حيلة لإسقاط زكاة عروض التجارة] # وكذلك لو كان له عروض للتجارة فأراد أن يسقط زكاتها، قالوا: فالحيلة أن ~~ينوي بها القنية. # في آخر الحول يوما أو أقل، ثم ينقض هذه النية ويعيدها للتجارة، فيستأنف ~~بها حولا، ثم يفعل هكذا في آخر كل حول، فلا تجب عليه زكاتها أبدا. # فيا لله العجب، أيروج هذا الخداع والمكر والتلبيس على أحكم الحاكمين الذي ~~يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟ ثم إن هذه الحيلة كما هي مخادعة لله، ~~ومكر بدين # PageV03P194 # الإسلام، فهي باطلة في نفسها، فإنها إنما تصير للقنية إذا لم يكن من نيته ~~إعادتها للتجارة، فأما وهو يعلم أنه لا يقتنيها ألبتة ولا له حاجة ~~باقتنائها، وإنما أعدها للتجارة، فكيف تتصور منه النية الجازمة للقنية وهو ~~يعلم قطعا أنه لا يقتنيها ولا يريد اقتناءها، وإنما هو مجرد حديث النفس أو ~~خاطر أجراه على قلبه بمنزلة من يقول بلسانه ms0972 " أعددتها للقنية " وليس ذلك في ~~قلبه؟ أفلا يستحيي من الله من يسقط فرائضه بهذا الهوس وحديث النفس؟ . ### | [إبطال حيلة أخرى لإبطال الزكاة] # [إبطال حيلة أخرى لإبطال الزكاة] : وأعجب من هذا أنه لو كان عنده عين من ~~الذهب والفضة فأراد إسقاط زكاتها في جميع عمره، فالحيلة أن يدفعها إلى ~~محتال مثله أو غيره في آخر الحول ويأخذ منه نظيرها فيستأنف له الحول، ثم في ~~آخره يعود فيستبدل بها مثلها، فإذا هو فعل مثل ذلك لم تجب عليه زكاته ما ~~عاش، وأعظم من هذه البلية إضافة هذا المكر والخداع إلى الرسول، وأن هذا من ~~الدين الذي جاء به. # ومثل هذا وأمثاله منع كثيرا من أهل الكتاب من الدخول في الإسلام، وقالوا: ~~كيف يأتي رسول بمثل هذه الحيل؟ وأساءوا ظنهم به وبدينه، وتواصوا بالتمسك ~~بما هم عليه، وظنوا أن هذا هو الشرع الذي جاء به، وقالوا: كيف تأتي بهذا ~~شريعة أو تقوم به مصلحة أو يكون من عند الله؟ ولو أن ملكا من الملوك ساس ~~رعيته بهذه السياسة لقدح ذلك في ملكه، قالوا: وكيف يشرع الحكيم الشيء لما ~~في شرعه من المصلحة ويحرم لما في فعله من المفسدة ثم يبيح إبطال ذلك بأدنى ~~حيلة تكون؟ وترى الواحد منهم إذا ناظره المسلم في صحة دين الإسلام إنما ~~يحتج عليه بهذه الحيل، كما هو في كتبهم وكما نسمعه من لفظهم عند المناظرة، ~~فالله المستعان. # وكذلك قالوا: لو كان له نصاب من السائمة فأراد إسقاط زكاتها فالحيلة في ~~ذلك أن يعلفها يوما واحدا ثم تعود إلى السوم، وكذلك يفعل في كل حول، وهذه ~~حيلة باطلة لا تسقط عنه وجوب الزكاة، بل وكذلك كل حيلة يتحيل بها على إسقاط ~~فرض من فرائض الله أو حق من حقوق عباده لا يزيد ذلك الفرض إلا تأكيدا وذلك ~~الحق إلا إثباتا. ### | [إبطال حيلة لإبطال الشهادة] # وكذلك قالوا: إذا علم أن شاهدين يشهدان عليه فأراد أن يبطل شهادتهما ~~فليخاصمهما قبل الرفع إلى الحاكم، وهذه الحيلة حسنة إذا كانا يشهدان عليه ~~بالباطل، ms0973 فإذا علم أنهما يشهدان بحق لم تحل له مخاصمتهما، ولا تسقط هذه ~~المخاصمة شهادتهما. # PageV03P195 ### | [إبطال حيلة لضمان البساتين] # وكذلك قالوا: لا يجوز ضمان البساتين، والحيلة على ذلك أن يؤجره الأرض ~~ويساقيه على الثمر من كل ألف جزء على جزء، وهذه الحيلة لا تتم إذا كان ~~البستان وقفا وهو ناظره أو كان ليتيم، فإن هذه المحاباة في المساقاة تقدح ~~في نظره ووصيته. # فإن قيل: إنها تغتفر لأجل العقد الآخر وما فيه من محاباة المستأجر له، ~~فهذا لا يجوز له أن يحابي في المساقاة لما حصل للوقف واليتيم من محاباة ~~أخرى، وهو نظير أن يبيع له سلعة بربح ثم يشتري له سلعة بخسارة توازن ذلك ~~الربح، هذا إذا لم يبن أحد العقدين على الآخر، فإن بنى عليه كانا عقدين في ~~عقد، وكانا بمنزلة سلف وبيع، وشرطين في بيع، وإن شرط أحد العقدين في الآخر ~~فسدا، مع أن هذه الحيلة لا تتم إلا على أصل لم ير جواز المساقاة أو خصها ~~بالتحيل وحده، ثم فيها مفسدة أخرى، وهي أن المساقاة عقد جائز، فمتى أراد ~~أحدهما فسخها فسخها وتضرر الآخر، ومفسدة ثانية، وهي أنه يجب عليه تسليم هذا ~~الجزء من ألف جزء من جميع ثمرة البستان من كل نوع من أنواعه. # وقد يتعذر عليه ذلك أو يتعسر، إما بأن يأكل الثمرة أو يهديها كلها أو ~~يبيعها على أصولها، فلا يمكنه تسليم ذلك الجزء، وهكذا يقع سواء، ثم قد يكون ~~ذلك الجزء من الألف يسيرا جدا، فلا يطالب به عادة، فيبقى في ذمته لليتيم ~~وجهة الوقف، إلى غير ذلك من المفاسد التي في هذه الحيلة، وأصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - كانوا أفقه من ذلك، وأعمق علما، وأقل تكلفا، وأبر ~~قلوبا، فكانوا يرون ضمان الحدائق بدون هذه الحيلة، كما فعله عمر بن الخطاب ~~- رضي الله عنه - بحديقة أسيد بن حضير، ووافقه عليه جميع الصحابة، فلم ~~ينكره منهم رجل واحد، وضمان البساتين كما هو إجماع الصحابة فهو مقتضى ~~القياس الصحيح، كما تضمن الأرض لمغل الزرع ms0974 فكذلك تضمن الشجر لمغل الثمر، ~~ولا فرق بينهما ألبتة؛ إذ الأصل هنا كالأرض هناك، والمغل يحصل بخدمة ~~المستأجر والقيام على الشجر كما يحصل بخدمته والقيام على الأرض، ولو استأجر ~~أرضا ليحرثها ويسقيها ويستغل ما ينبته الله تعالى فيها من غير بذر منه كان ~~بمنزلة استئجار الشجر من كل وجه، لا فرق بينهما ألبتة، فهذا أفقه من هذه ~~الحيلة، وأبعد من الفساد، وأصلح للناس، وأوفق للقياس، وهو اختيار أبي ~~الوفاء ابن عقيل وشيخ الإسلام بن تيمية - رضي الله عنهما -، وهو الصواب. # PageV03P196 ### | [الحيلة السريجية لعدم وقوع الطلاق أصلا] # ) : ومن هذا الباب الحيلة السريجية التي حدثت في الإسلام بعد المائة ~~الثالثة، وهي تمنع الرجل من القدرة على الطلاق ألبتة، بل تسد عليه باب ~~الطلاق بكل وجه، فلا يبقى له سبيل إلى التخلص منها، ولا يمكنه مخالعتها عند ~~من يجعل الخلع طلاقا، وهي نظير سد الإنسان على نفسه باب النكاح بقوله: كل ~~امرأة أتزوجها فهي طالق، فهذا لو صح تعليقه لم يمكنه في الإسلام أن يتزوج ~~امرأة ما عاش، وذلك لو صح شرعه لم يمكنه أن يطلق امرأة أبدا. # وصورة هذه الحيلة أن يقول: كلما طلقتك - أو كلما وقع عليك طلاقي - فأنت ~~طالق قبله ثلاثا، قالوا: فلا يتصور وقوع الطلاق بعد ذلك؛ إذ لو وقع لزم ~~وقوع ما علق به وهو الثلاث، وإذا وقعت الثلاث امتنع وقوع هذا المنجز، ~~فوقوعه يفضي إلى عدم وقوعه، وما أفضى وجوده إلى عدم وجوده لم يوجد، هذا ~~اختيار أبي العباس بن سريج، ووافقه عليه جماعة من أصحاب الشافعي، وأبى ذلك ~~جمهور الفقهاء من المالكية والحنفية والحنبلية وكثير من الشافعية، ثم ~~اختلفوا في وجه إبطال هذا التعليق؛ فقال الأكثرون: هذا التعليق لغو وباطل ~~من القول؛ فإنه يتضمن المحال، وهو وقوع طلقة مسبوقة بثلاث، وهذا محال، فما ~~تضمنه فهو باطل من القول، فهو بمنزلة قوله: إذا وقع عليك طلاقي لم يقع، ~~وإذا طلقتك لم يقع عليك طلاقي، ونحو هذا من الكلام الباطل، بل قوله: " إذا ~~وقع عليك طلاقي فأنت طالق ms0975 قبله ثلاثا " أدخل في الإحالة والتناقض؛ فإنه في ~~الكلام الأول جعل وقوع الطلاق مانعا من وقوعه مع قيام الطلاق، وهنا جعل ~~وقوعه مانعا من وقوعه مع زيادة محال عقلا وعادة، فالمتكلم به يتكلم بالمحال ~~قاصدا للمحال، فوجود هذا التعليق وعدمه سواء، فإذا طلقها بعد ذلك نفذ ~~طلاقها ولم يمنع منه مانع، وهذا اختيار أبي الوفاء ابن عقيل وغيره من أصحاب ~~أحمد وأبي العباس بن القاص من أصحاب الشافعي. # وقالت فرقة أخرى: بل المحال إنما جاء من تعليق الثلاث على المنجز، وهذا ~~محال أن يقع المنجز ويقع جميع ما علق به؛ فالصواب أن يقع المنجز ويقع جميع ~~ما علق به أو تمام الثلاث من المعلق، وهذا اختيار القاضي وأبي بكر وبعض ~~الشافعية. # ومذهب أبي حنيفة والذين منعوا وقوع الطلاق جملة قالوا: هو ظاهر كلام ~~الشافعي، فهذا تلخيص الأقوال في هذا التعليق. # قال المصححون للتعليق: صدر من هذا الزوج طلاقان منجز ومعلق، والمحل # PageV03P197 # قابل، وهو ممن يملك التنجيز والتعليق، والجمع بينهما ممتنع، ولا مزية ~~لأحدهما على الآخر، فتمانعا وتساقطا، وبقيت الزوجية بحالها، وصار كما لو ~~تزوج أختين في عقد واحد فإنه يبطل نكاحهما لهذا الدليل بعينه. # وكذلك إذا أعتق أمته في مرض موته وزوجها عبده ولم يدخل بها وقيمتها مائة ~~ومهرها مائة وباقي التركة مائة لم يثبت لها الخيار؛ لأن إثبات الخيار يقتضي ~~سقوط المهر، وسقوط المهر يقتضي نفي الخيار، والجمع بينهما لا يمكن، وليس ~~أحدهما أولى من الآخر، لأن طريق ثبوتهما الشرع، فأبقينا النكاح ورفضنا ~~الخيار ولم يسقط المهر، وكل ما أفضى وقوعه إلى عدم وقوعه فهذه سبيله. ~~ومثاله في الحس إذا تشاح اثنان في دخول دار، وهما سواء في القوة، وليس ~~لأحدهما على الآخر مزية توجب تقديمه؛ فإنهما يتمانعان فلا يدخل واحد منهما، ~~وهذا مشتق من دليل التمانع على التوحيد، وهو أنه يستحيل أن يكون للعالم ~~فاعلان مستقلان بالفعل؛ فإن استقلال كل منهما ينفي استقلال الآخر، ~~فاستقلالهما يمنع استقلالهما، ووازنه في هذه المسألة أن وقوعهما يمنع ~~وقوعهما. # [مسائل عديدة من ms0976 الدور الحكمي] # قالوا: وغاية ما في هذا الباب استلزام هذا التعليق لدور حكمي يمنع وقوع ~~المعلق والمنجز، ونحن نريكم من مسائل الدور التي يفضي وقوعها إلى عدم ~~وقوعها كثيرا، منها ما ذكرناه، ومنها ما لو وجد من أحدهما ريح وشك كل واحد ~~منهما هل هي منه أو من صاحبه، لم يجز اقتداء أحدهما بالآخر؛ لأن اقتداءه به ~~يبطل اقتداءه، وكذلك لو كان معهما إناءان أحدهما نجس فأدى اجتهاد كل منهما ~~إلى إناء لم تجز القدوة بينهما؛ لأنها تفضي إلى إبطال القدوة، وكذلك إذا ~~اجتهدا في الثوبين والمكانين، ومنها لو زوج عبده حرة وضمن السيد مهرها ثم ~~باعه لزوجه قبل الدخول بها فالبيع باطل؛ لأن صحته تؤدي إلى فساده، إذ لو صح ~~لبطل النكاح؛ لأنها إذا ملكت زوجها بطل نكاحها، وإذا بطل سقط مهرها؛ لأن ~~الفرقة من جهتها، وإذا سقط مهرها وهو الثمن بطل البيع والعتق ألبتة، بل إما ~~أن يصح البيع ولا يقع العتق إذ لو وقع العتق لبطل البيع، وإذا بطل بطل ~~العتق؛ فوقوعه يؤدي إلى عدم وقوعه. # وهذا قول المزني وقال ابن سريج: لا يصح بيعه؛ لأنه لو صح لوقع العتق ~~قبله، ووقوع العتق قبله يمنع صحة البيع، فصحة البيع تمنع صحته، وكذلك لو ~~قال له: " إذا رهنتك فأنت حر قبله بساعة " وكذلك لو قال لعبيده ولا مال له ~~سواهم وقد أفلس: " إن حجر الحاكم علي فأنتم أحرار قبل الحجر بيوم " لم يصح ~~الحجر؛ لأن صحته تمنع صحته، ومثاله لو قال # PageV03P198 # لعبده: " متى صالحت عليك فأنت حر قبل الصلح " ومثله لو قال لامرأته: " إن ~~صالحت فلانا وأنت امرأتي فأنت طالق قبله بساعة " لم يصح الصلح؛ لأن صحته ~~تمنع صحته # ومثله لو قال لعبده: " متى ضمنت عنك صداق امرأتك فأنت حر قبله إن كنت في ~~حال الضمان مملوكي " ثم ضمن عنه الصداق لم يصح؛ لأنه لو صح لعتق قبله، وإذا ~~عتق قبله لم يصادف الضمان شرطه، وهو كونه مملوكه وقت الضمان، وكذلك لا يقع ~~العتق؛ لأن وقوعه يؤدي إلى ms0977 أن لا يصح الضمان عنه، وإذا لم يصح الضمان عنه ~~لم يصح العتق، فكل من الضمان والعتق تؤدي صحته إلى بطلانه؛ فلا يصح واحد ~~منهما، ومثله ما لو قال: " إن شاركني في هذا العبد شريك فهو حر قبله بساعة ~~" لم تصح الشركة فيه بعد ذلك؛ لأنها لو صحت لعتق العبد وبطلت الشركة، ~~فصحتها تفضي إلى بطلانها، ومثله لو قال: " إن وكلت إنسانا ببيع هذا العبد ~~أو رهنه أو هبته وكالة صحيحة فهو قبلها بساعة حر " لم تصح الوكالة؛ لأن ~~صحتها تؤدي إلى بطلانها. # ومثله ما لو قال لامرأته: " إن وكلت وكيلا في طلاقك فأنت طالق قبله أو ~~معه ثلاثا " لم يصح توكيله في طلاقها؛ إذ لو صحت الوكالة لطلقت في حال ~~الوكالة أو قبلها، فتبطل الوكالة، فصحتها تؤدي إلى بطلانها، وكذلك لو خلف ~~الميت ابنا، فأقر بابن آخر للميت، فقال المقر به: " أنا ابنه، وأما أنت ~~فلست بابنه " لم يقبل إنكار المقر به؛ لأن قبول قوله يبطل قوله، ومن هاهنا ~~قال الشافعي: لو ترك أخا لأب وأم فأقر الأخ بابن للميت ثبت نسبه ولم يرث؛ ~~لأنه لو ورث لخرج المقر عن أن يكون وارثا، وإذا لم يكن وارثا لم يقبل ~~إقراره بوارث آخر، فتوريث الابن يفضي إلى عدم توريثه، ونازعه الجمهور في ~~ذلك، وقالوا: إذا ثبت نسبه ترتب عليه أحكام النسب، ومنها الميراث، ولا يفضي ~~توريثه إلى عدم توريثه؛ لأنه بمجرد الإقرار يثبت النسب ويترتب عليه الميراث ~~والأخ كان وارثا في الظاهر، فحين أقر كان هو كل الورثة، وإنما خرج عن ~~الميراث بعد الإقرار وثبوت النسب؛ فلم يكن توريث الابن مبطلا لكون المقر ~~وارثا حين الإقرار، وإن بطل كونه وارثا بعد الإقرار وثبوت النسب، وأيضا ~~فالميراث تابع لثبوت النسب، والتابع أضعف من المتبوع، فإذا ثبت المتبوع ~~الأقوى فالتابع أولى. ألا ترى أن النساء تقبل شهادتهن منفردات في الولادة ~~ثم في النسب، ونظائر ذلك كثيرة. # ومن المسائل التي يفضي ثبوتها إلى إبطالها لو أعتقت المرأة في مرضها عبدا ~~فتزوجها وقيمته تخرج ms0978 من الثلث صح النكاح ولا ميراث له؛ إذ لو ورثها لبطل ~~تبرعها له بالعتق؛ لأنه يكون تبرعا لوارث، وإذا بطل العتق بطل النكاح، وإذا ~~بطل بطل الميراث، وكان توريثه يؤدي إلى إبطال توريثه، وهذا على أصل ~~الشافعي، وأما على قول الجمهور فلا يبطل ميراثه ولا # PageV03P199 # عتقه ولا نكاحه؛ لأنه حين العتق لم يكن وارثا، فالتبرع نزل في غير وارث، ~~والعتق المنجز يتنجز من حينه، ثم صار وارثا بعد ثبوت عتقه، وذلك لا يضره ~~شيئا. # ومن ذلك لو أوصى له بابنه، فمات قبل قبول الوصية، وخلف إخوة لأبيه، ~~فقبلوا الوصية، عتق على الموصى له ولم يصح ميراثه منه؛ إذ لو ورث لأسقط ~~ميراث الإخوة، وإذا سقط ميراثهم بطل قبولهم للوصية، فيبطل عتقه، لأنه مرتب ~~على القبول، وكان توريثه مفضيا إلى عدم توريثه. # والصواب قول الجمهور أنه يرث، ولا دور؛ لأن العتق حصل حال القبول وهم ~~ورثة، ثم ترتب على العتق تابعه وهو الميراث، وذلك بعد القبول، فلم يكن ~~الميراث مع القبول ليلزم الدور، وإنما ترتب على القبول العتق وعلى العتق ~~الميراث؛ فهو مترتب عليه بدرجتين # ومن المسائل التي يفضي ثبوتها إلى بطلانها لو زوج عبده امرأة وجعل رقبته ~~صداقها لم يصح؛ إذ لو صح لملكته وانفسخ النكاح. ومنها لو قال لأمته: " متى ~~أكرهتك فأنت حرة حال النكاح أو قبله " فأكرهها على النكاح لم يصح؛ إذ لو صح ~~النكاح عتقت، ولو عتقت بطل إكراهها، فيبطل نكاحها. # ومنها لو قال لامرأته قبل الدخول: " متى استقر مهرك علي فأنت طالق قبله ~~ثلاثا " ثم وطئها لم يستقر مهرها بالوطء؛ لأنه لو استقر لبطل النكاح قبله، ~~ولو بطل النكاح قبله لكان المستقر نصف المهر لا جميعه؛ فاستقراره يؤدي إلى ~~بطلان استقراره، هذا على قول ابن سريج، وأما على قول المزني فإنه يستقر ~~المهر بالوطء، ولا يقع الطلاق؛ لأنه معلق على صفة تقتضي حكما مستحيلا. # فصل # ومن المسائل التي يؤدي ثبوتها إلى نفيها لو قال لامرأته: " إن لم أطلقك ~~اليوم فأنت طالق اليوم " ومضى اليوم ولم يطلقها ms0979 لم تطلق؛ إذ لو طلقت بمضي ~~اليوم لكان طلاقها مستندا إلى وجود الصفة وهي عدم طلاقها اليوم، وإذا مضى ~~اليوم ولم يطلقها لم يقع الطلاق المعلق باليوم. # ومنها؛ لو تزوج أمة ثم قال لها: " إن مات مولاك وورثتك فأنت طالق " أو ~~قال: " إن ملكتك فأنت طالق " ثم ورثها أو ملكها بغير إرث لا يقع الطلاق؛ إذ ~~لو وقع لم تكن الزوجة في حال وقوعه ملكا له؛ لاستحالة وقوع الطلاق في ملكه، ~~فكان وقوعه مفضيا إلى عدم وقوعه. # PageV03P200 # ومنها: لو كان العبد بين موسرين فقال كل منهما لصاحبه: " متى أعتقت نصيبك ~~فنصيبي حر قبل ذلك " فأعتق أحدهما نصيبه لم ينفذ عتقه؛ لأنه لو نفذ لوجب ~~عتق نصيب صاحبه قبله، وذلك يوجب السراية إلى نصيبه، فلا يصادف إعتاقه محلا، ~~فنفوذ عتقه يؤدي إلى عدم نفوذه. والصواب في هذه المسألة بطلان هذا التعليق ~~لتضمنه المحال، وأيهما عتق نصيبه صح وسرى إلى نصيب شريكه. # ومنها لو قال لعبده: " إن دبرتك فأنت حر قبله " ثم دبره صح التدبير ولم ~~يقع العتق؛ لأن وقوعه يمنع صحة التدبير، وعدم صحته يمنع وقوع العتق، وكانت ~~صحته تفضي إلى بطلانه، هذا على قول المزني، وعلى قول ابن سريج لا يصح ~~التدبير؛ لأنه لو صح لوقع العتق قبله، وذلك يمنع التدبير، وكان وقوعه يمنع ~~وقوعه. # ونظيره أن يقول لمدبره: " متى أبطلت تدبيرك فأنت حر قبله " ثم أبطله بطل ~~ولم يقع العتق على قول المزني؛ إذ لو وقع لم يصادف إبطال التدبير محلا، ~~وعلى قول ابن سريج لا يصح إبطال التدبير؛ لأنه لو صح إبطاله لوقع العتق، ~~ولو وقع العتق لم يصح إبطال التدبير ومثله لو قال لمدبره: " إن بعتك فأنت ~~حر قبله " ومثله لو قال لعبده: " إن كاتبتك غدا فأنت اليوم حر " ثم كاتبه ~~من الغد. # ومثله لو قال لمكاتبه: " إن عجزت عن كتابتك فأنت حر قبله " ومثله لو قال: ~~" متى زنيت أو سرقت أو وجب عليك حد وأنت مملوك فأنت حر قبله " ثم وجد الوصف ~~وجب الحد ولم يقع ms0980 العتق المعلق به؛ إذ لو وقع لم توجد الصفة، فلم يصح، وكان ~~مستلزما لعدم وقوعه. ومثله أن يقول له: " متى جنيت جناية وأنت مملوكي فأنت ~~حر قبله " ثم جنى لم يعتق. ومثله أن يقول له: " متى بعتك وتم البيع فأنت حر ~~قبله " ثم باعه، فعلى قول المزني يصح البيع ولا يقع العتق؛ لأن وقوعه ~~يستلزم عدم وقوعه، وعلى قول ابن سريج لا يصح البيع؛ لأنه يعتق قبله وعتقه ~~يمنع صحة بيعه. ومثله لو قال لأمته: " إن صليت ركعتين مكشوفة الرأس فأنت ~~حرة قبل ذلك " فصلت مكشوفة الرأس. فعلى قول المزني تصح الصلاة دون العتق، ~~وعلى قول ابن سريج لا تصح الصلاة لأنها لو صحت عتقت قبل ذلك، وإذا عتقت ~~بطلت صلاتها، وكانت صحة صلاتها مستلزمة لبطلانها. # ومنها لو زوج أمته بحر، وادعى عليه مهرها قبل الدخول، وادعى الزوج ~~الإعسار، وادعى سيد الأمة يساره قبل نكاحه الأمة بميراث أو غيره، لم تسمع ~~دعواه؛ إذ لو ثبتت دعواه لبطل النكاح؛ لأنه لا يصح نكاح الأمة مع وجود ~~الطول، وإذا بطل النكاح بطل دعوى المهر. # وكذلك لو تزوج بأمة فادعت أن الزوج عنين لم تسمع دعواها؛ إذ لو ثبتت ~~دعواها # PageV03P201 # لزال خوف العنت الذي هو شرط في نكاح الأمة، وذلك يبطل النكاح، وبطلانه ~~يوجب بطلان الدعوى منها، فلما كانت صحة دعواها تؤدي إلى إفسادها أفسدناها. # وكذلك المرأة إذا ادعت على سيد زوجها أنه باعه إياها بمهرها قبل الدخول ~~لم تصح دعواها؛ لأنها لو صحت لسقط نصف المهر وبطل البيع في العبد. # وكذلك لو شهد شاهدان على عتق عبد فحكم بعتقه، ثم ادعى العبد بعد الحكم ~~بحريته على أحد الشاهدين أنه مملوكه؛ لم تسمع دعواه؛ لأن تحقيقها يؤدي إلى ~~بطلان الشهادة على العتق، فتبطل دعوى ملكه للشاهد. # وكذلك لو سبي مراهق من أهل الحرب ولم يعلم بلوغه، فأنكر البلوغ، لم ~~يستحلف؛ لأن إحلافه يؤدي إلى إبطال استحلافه، فإنا لو حلفناه لحكمنا بصغره ~~والحكم بالصغر يمنع الاستحلاف. # ونظيره لو ادعى على أم مراهق ما يوجب ms0981 القصاص أو قذفا يوجب الحد أو مالا ~~من مبايعة أو ضمان أو غير ذلك، وادعى أنه بالغ، وأنه يلزمه الحكم بذلك ~~فأنكر الغلام ذلك، فالقول قوله، ولا يمين عليه؛ إذ لو حلفناه لحكمنا بصغره، ~~والحكم بالصغر يسقط اليمين عنه، وإذا لم يكن هنا يمين لم يكن رد يمين؛ لأن ~~رد اليمين إنما يكون عند نكول من هو من أهلها. # وكذلك لو أعتق المريض جارية له قيمتها مائة، وتزوج بها في مرض موته، ~~ومهرها مائة، وترك مائتي درهم، فالنكاح صحيح، ولا مهر لها، ولا ميراث، أما ~~الميراث فلأنها لو ورثت لبطلت الوصية بعتقها؛ لأن العتق في المرض وصية، وفي ~~بطلان الوصية بطلان الحرية، وفيه بطلان الميراث. # وأما سقوط المهر فلأنه لو ثبت لركب السيد دين، ولم تخرج قيمتها من الثلث، ~~فيبطل عتقها كلها، فلم يكن للزوج أن ينكحها وبعضها رقيق، فيبطل المهر، فكان ~~ثبوت المهر مؤديا إلى بطلانه. # فالحكم بإبطالها مستفاد من قوله تعالى: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من ~~بعد قوة أنكاثا} [النحل: 92] فعير تعالى من نقض شيئا بعد أن أثبته؛ فدل على ~~أن كل ما كان إثباته مؤديا إلى نفيه وإبطاله كان باطلا، فهذا ما احتج به ~~السريجيون. # [الرد على المسألة السريجية قال الآخرون لقد أطلتم الخطب في هذه المسألة، ~~ولم تأتوا بطائل، وقلتم ولكن تركتم مقالا لقائل، وتأبى قواعد اللغة والشرع ~~والعقل لهذه المسائل تصحيحا، والميزان العادل لها عند الوزن ترجيحا، وهيهات ~~أن تكون شريعتنا في هذه المسألة مشابهة لشريعة # PageV03P202 # أهل الكتاب؛ إذ يستحيل وقوع الطلاق وتسد دونه الأبواب. # وهل هذا إلا تغيير لما علم بالضرورة من الشريعة. # وإلزام لها بالأقوال الشنيعة؟ وهذا أشنع من سد باب النكاح بتصحيح تعليق ~~الطلاق لكل من تزوجها في مدة عمره؛ فإنه وإن كان نظير سد باب الطلاق، لكن ~~قد ذهب إليه بعض السلف، وأما هذه المسألة فمما حدث في الإسلام بعد انقراض ~~الأعصار المفضلة. # ونحن نبين مناقضة هذه المسألة للشرع واللغة والعقل، ثم نجيب عن شبهكم ~~شبهة شبهة. # أما مناقضتها للشرع ms0982 فإن الله تعالى شرع للأزواج - إذا أرادوا استبدال زوج ~~مكان زوج والتخلص من المرأة - الطلاق، وجعله بحكمته ثلاثا توسعة على الزوج؛ ~~إذ لعله يبدو له ويندم فيراجعها، وهذا من تمام حكمته ورأفته ورحمته بهذه ~~الأمة، ولم يجعل أنكحتهم كأنكحة النصارى تكون المرأة غلا في عنق الرجل إلى ~~الموت، ولا يخفى ما بين الشريعتين من التفاوت، وأن هذه المسألة منافية ~~لإحداهما منافاة ظاهرة، ومشتقة من الأخرى اشتقاقا ظاهرا، ويكفي هذا الوجه ~~وحده في إبطالها. # وأما مناقضتها للغة فإنها تضمنت كلاما ينقض بعضه بعضا، ومضمونه إذا وجد ~~الشيء لم يوجد، وإذا وجد الشيء اليوم فهو موجود قبل اليوم، وإذا فعلت الشيء ~~اليوم فقد وقع مني قبل اليوم، ونحو هذا من الكلام المتناقض في نفسه الذي هو ~~إلى المحال أقرب منه إلى الصحيح من المقال. # وأما مناقضتها لقضايا العقول فلأن الشرط يستحيل أن يتأخر وجوده عن وجود ~~المشروط، ويتقدم المشروط عليه في الوجود، هذا مما لا يغفل عنه أحد من ~~العقلاء؛ فإن رتبة الشرط التقدم أو المقارنة، والفقهاء وسائر العقلاء معهم ~~مجمعون على ذلك؛ فلو صح تعليق المشروط بشرط متأخر بعده لكان ذلك إخراجا له ~~عن كونه شرطا أو جزء شرط أو علة أو سببا؛ فإن الحكم لا يسبق شرطه ولا سببه ~~ولا علته؛ إذ في ذلك إخراج الشروط والأسباب والعلل عن حقائقها وأحكامها، ~~ولو جاز تقديم الحكم على شرطه لجاز تقديم وقوع الطلاق على إيقاعه؛ فإن ~~الإيقاع سبب، والأسباب تتقدم مسبباتها، كما أن الشروط رتبتها التقدم؛ فإذا ~~جاز إخراج هذا عن رتبته جاز إخراج الآخر عن رتبته، فجوزوا حينئذ تقدم ~~الطلاق على التطليق والعتق على الإعتاق والملك على البيع، وحل المنكوحة على # PageV03P203 # عقد النكاح. # وهل هذا في الشرعيات إلا بمنزلة تقدم الانكسار على الكسر والسيل على ~~المطر والشبع على الأكل والولد على الوطء وأمثال ذلك؟ ولا سيما على أصل من ~~يجعل هذه العلل والأسباب علامات محضة، ولا تأثير لها، بل هي معرفات، ~~والمعرف يجوز تأخيره عن المعرف. # وبهذا يخرج الجواب عن قولكم: ms0983 إن الشروط الشرعية معروفات وأمارات وعلامات، ~~والعلامة يجوز تأخرها؛ فإن هذا وهم وإيهام من وجهين: أحدهما: أن الفقهاء ~~مجمعون على أن الشرائط الشرعية لا يجوز تأخرها عن المشروط، ولو تأخرت لم ~~تكن شروطا. # [بحث في الشروط وأنواعها وحكم كل نوع منها] # الثاني: أن هذا شرط لغوي كقوله: " إن كلمت زيدا فأنت طالق " ونحو ذلك: " ~~وإن خرجت بغير إذني فأنت طالق " ونحو ذلك، والشروط اللغوية أسباب وعلل ~~مقتضية لأحكامها اقتضاء المسببات لأسبابها، ألا ترى أن قوله: " إن دخلت ~~الدار فأنت طالق " سبب ومسبب ومؤثر وأثر، ولهذا يقع جوابا عن العلة، فإذا ~~قال: " لم أطلقها؟ " قال: لوجود الشرط الذي علقت عليه الطلاق، فلولا أن ~~وجوده مؤثر في الإيقاع لما صح هذا الجواب، ولهذا يصح أن يخرجه بصيغة القسم ~~فيقول: الطلاق يلزمني لا تدخلين الدار؛ فيجعل إلزامه للطلاق في المستقبل ~~مسببا عن دخولها الدار بالقسم والشرط، وقد غلط في هذا طائفة من الناس حيث ~~قسموا الشرط إلى شرعي ولغوي وعقلي، ثم حكموا عليه بحكم شامل فقالوا: الشرط ~~يجب تقديمه على المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود المشروط، ويلزم من انتفائه ~~انتفاء المشروط كالطهارة للصلاة والحياة للعلم. # ثم أوردوا على أنفسهم الشرط اللغوي؛ فإنه يلزم من وجوده وجود المشروط، ~~ولا يلزم من انتفائه انتفاؤه؛ لجواز وقوعه بسبب آخر، ولم يجيبوا عن هذا ~~الإيراد بطائل، والتحقيق أن الشروط اللغوية أسباب عقلية، والسبب إذا تم لزم ~~من وجوده وجود مسببه، وإذا انتفى لم يلزم نفي المسبب مطلقا؛ لجواز خلف سبب ~~آخر، بل يلزم انتفاء السبب المعين عن هذا المسبب. # وأما قولكم: " إنه صدر من هذا الزوج طلاقان منجز ومعلق، والمحل قابل لهما ~~" فجوابه بالمنع، فإن المحل ليس بقابل للمعلق؛ فإنه يتضمن المحال، والمحل ~~لا يقبل المحال، نعم هو قابل للمنجز وحده، فلا مانع من وقوعه، وكيف تصح ~~دعواكم أن المحل # PageV03P204 # قابل للمعلق، ومنازعكم إنما نازعكم فيه، وقال: ليس المحل بقابل للمعلق، ~~فجعلتم نفس الدعوى مقدمة في الدليل. # وقولكم: " إن الزوج ممن يملك التنجيز والتعليق " جوابه أنه ms0984 إنما يملك ~~التعليق الممكن، فأما التعليق المستحيل فلم يملكه شرعا ولا عرفا ولا عادة، ~~وقولكم: " لا مزية لأحدهما على الآخر " باطل، بل المزية كل المزية لأحدهما ~~على الآخر؛ فإن المنجز له مزية الإمكان في نفسه، والمعلق له مزية الاستحالة ~~والامتناع، فلم يتمانعا ولم يتساقطا، فلم يمنع من وقوع المنجز مانع، وقولكم ~~" إنه نظير ما لو تزوج أختين في عقد " جوابه أنه تنظير باطل؛ فإنه ليس نكاح ~~إحداهما شرطا في نكاح الأخرى، بخلاف مسألتنا، فإن المنجز شرط في وقوع ~~المعلق، وذلك عين المحال. # وقولكم: " إنه لا مزية لأحد الطلاقين على الآخر " باطل، بل للمنجز مزية ~~من عدة وجوه؛ أحدها: قوة التنجيز على التعليق، الثاني: أن التنجيز لا خلاف ~~في وقوع الطلاق به، وأما التعليق ففيه نزاع مشهور بين الفقهاء. # والموقعون لم يقيموا على المانعين حجة توجب المصير إليها مع تناقضهم فيما ~~يقبل التعليق وما لا يقبله، فمنازعوهم يقولون: الطلاق لا يقبل التعليق كما ~~قلتم أنتم في الإسقاط والوقف والنكاح والبيع، ولم يفرق هؤلاء بفرق صحيح، ~~وليس الغرض ذكر تناقضهم، بل الغرض أن للمنجز مزية على المعلق، الثالث: أن ~~المشروط هو المقصود لذاته والشرط تابع ووسيلة، الرابع: أن المنجز لا مانع ~~من وقوعه لأهلية الفاعل وقبول المحل، والتعليق المحال لا يصلح أن يكون ~~مانعا من اقتضاء السبب الصحيح أثره. # الخامس: أن صحة التعليق فرع على ملك التنجيز، فإذا انتفى ملكه للمنجز في ~~هذه المسألة انتفى صحة التعليق، فصحة التعليق تمنع من صحته، وهذه معارضة ~~صحيحة في أصل المسألة فتأملها. # السادس: أنه لو قال في مرضه: " إذا أعتقت سالما فغانم حر ثم أعتق سالما ~~ولا يخرجان من الثلث قدم عتق المنجز على المعلق لقوته. # يوضحه الوجه السابع: أنه لو قال لغيره: " ادخل الدار فإذا دخلت أخرجتك " ~~وهو نظيره في القوة؛ فإذا دخل لم يمكنه إخراجه، وهذا المثال وزان مسألتنا، ~~فإن المعلق هو الإخراج والمنجز هو الدخول. # الثامن: أن المنجز في حيز الإمكان والمعلق قد قارنه ما جعله مستحيلا. # التاسع: أن وقوع المنجز يتوقف ms0985 على أمر واحد وهو التكلم باللفظ، ووجود ~~الشرط، ما توقف على شيء واحد أقرب وجودا مما توقف على أمرين. # العاشر: أن وقوع المنجز موافق لتصرف الشارع وملك المالك، ووقوع المعلق ~~بخلافه؛ لأن الزوج لم يملكه # PageV03P205 # الشارع ذلك، فهذه عشرة أوجه تدل على مزية المنجز وتبطل قولكم إنه لا مزية ~~له، والله أعلم. # فصل # وأما سائر الصور التي ذكرتموها من صور الدور التي يفضي ثبوتها إلى ~~إبطالها فمنها ما هو ممنوع الحكم لا يسلمه لكم منازعكم، وإنما هي مسائل ~~مذهبية يحتج لها ولا يحتج بها، وهم يفكون الدور تارة بوقوع الحكمين معا ~~وعدم إبطال أحدهما للآخر ويجعلونهما معلولي علة واحدة ولا دور، وتارة يسبق ~~أحد الحكمين للآخر سبق السبب لمسببه ثم يترتب الآخر عليه. # ومنها ما هو مسلم الحكم وثبوت الشيء فيه يقتضي إبطاله. # ولكن هذا حجة لهم في إبطال هذا التعليق؛ فإنه لو صح لأفضى ثبوته إلى ~~بطلانه، فإنه لو صح لزم منه وقوع طلقة مسبوقة بثلاث، وسبقها بثلاث يمنع ~~وقوعها، فبطل التعليق من أصله للزوم المحال؛ فهذه الصور التي استشهدتم بها ~~من أقوى حججهم عليكم على بطلان التعليق. # وأدلتكم في هذه المسألة نوعان: # أدلة صحيحة وهي إنما تقتضي بطلان التعليق. # وأما الأدلة التي تقتضي بطلان المنجز فليس منها دليل صحيح؛ فإنه طلاق صدر ~~من أهله في محله؛ فوجب الحكم بوقوعه؛ أما أهلية المطلق فلأنه زوج مكلف ~~مختار، وأما محلية المطلقة فلأنها زوجة والنكاح صحيح فيدخل في قوله تعالى: ~~{فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] وفي سائر ~~نصوص الطلاق؛ إذ لو لم يلحقها طلاق لزم واحد من ثلاثة، وكلها منتفية: إما ~~عدم أهلية المطلق، وإما عدم قبول المحل، وإما قيام مانع يمنع من نفوذ ~~الطلاق، والمانع مفقود؛ إذ ليس مع مدعي قيامه إلا التعليق المحال الباطل ~~شرعا وعقلا، وذلك لا يصح أن يكون مانعا. # يوضحه أن المانع من اقتضاء السبب لمسببه إنما هو وصف ثابت يعارض سببيته ~~فيوقفها عن اقتضائها، فأما المستحيل فلا يصح ms0986 أن يكون مانعا معارضا للوصف ~~الثابت، وهذا في غاية الوضوح، ولله الحمد. # PageV03P206 # فصل # [جواب من قال بالمسألة السريجية] # قال السريجيون: لقد ارتقيتم مرتقى صعبا، وأسأتم الظن بمن قال بهذه ~~المسألة وهم أئمة علماء لا يشق غبارهم، ولا تغمز قناتهم، كيف وقد أخذوها من ~~نص الشافعي - رحمه الله تعالى -، وبنوها على أصوله، ونظروا لها النظائر، ~~وأتوا لها بالشواهد؟ فنص الشافعي على أنه إذا قال: " أنت طالق قبل موتي ~~بشهر " ثم مات لأكثر من شهر بعد هذا التعليق؛ وقع الطلاق قبل موته بشهر ~~وهذا إيقاع طلاق في زمن ماض سابق لوجود الشرط وهو موته، فإذا وجد الشرط ~~تبينا وقوع الطلاق قبله، وإيضاح ذلك بإخراج الكلام مخرج الشرط، كقوله: " إن ~~مت - أو إذا مت - فأنت طالق قبل موتي بشهر " ونحن نلزمكم بهذه المسألة على ~~هذا الأصل، فإنكم موافقون عليه، وكذا قوله قبل دخوله: " أنت طالق طلقة ~~قبلها طلقة " فإنه يقع بها طلقتان، وإحداهما وقعت في زمن ماض سابق على ~~التطليق، وبهذا خرج الجواب عن قوله: " إن الوقوع كما لم يسبق الإيقاع فلا ~~يسبق الطلاق التطليق فكذا لا يسبق شرطه فإن الحكم لا يتقدم عليه، ويجوز ~~تقدمه على شرطه وأحد سببيه أو أسبابه " فإن الشرط معرف، محض ولا يمتنع ~~تقديم المعرف عليه، وأما تقديمه على أحد سببيه فكتقديم الكفارة على الحنث ~~بعد اليمين، وتقديم الزكاة على الحول بعد ملك النصاب، وتقديم الكفارة على ~~الجرح قبل الزهوق، ونظائره. # وأما قولكم: " إن الشرط يجب تقديمه على المشروط " فممنوع بل مقتضى الشرع ~~توقف المشروط على وجوده، وأنه لا يوجد بدونه، وليس مقتضاه تأخر المشروط ~~عنه، وهذا يتعلق باللغة والعقل والشرع، ولا سبيل لكم إلى نص عن أهل اللغة ~~في ذلك ولا إلى دليل شرعي ولا عقلي، فدعواه غير مسموعة، ونحن لا ننكر أن من ~~الشروط ما يتقدم مشروطه، ولكن دعوى أن ذلك حقيقة الشرط وأنه إن لم يتقدم ~~خرج عن أن يكون شرطا دعوى لا دليل عليها، وحتى لو جاء عن أهل اللغة ذلك لم ~~يلزم مثله ms0987 في الأحكام الشرعية؛ لأن الشروط في كلامهم تتعلق بالأفعال كقوله: ~~" إن زرتني أكرمتك " " وإذا طلعت الشمس جئتك " فيقتضي الشرط ارتباطا بين ~~الأول والثاني: فلا يتقدم المتأخر ولا يتأخر المتقدم، وأما الأحكام فتقبل ~~التقدم والتأخر والانتقال، كما لو قال: " إذا مت فأنت طالق قبل موتي بشهر " ~~ومعلوم أنه لو قال مثل هذا في الحسيات كان محالا، فلو قال: " إذا زرتني ~~أكرمتك قبل أن تزورني بشهر " كان محالا، إلا أن يحمل كلامه على معنى صحيح، ~~وهو إذا أردت أو عزمت على زيارتي أكرمتك قبلها. # PageV03P207 # وسر المسألة أن نقل الحقائق عن مواضعها ممتنع، والأحكام قابلة للنقل ~~والتحويل والتقديم والتأخير، ولهذا لو قال: " أعتق عبدك عني " ففعل؛ وقع ~~العتق عن القائل، وجعل الملك متقدما على العتق حكما، وإن لم يتقدم عليه ~~حقيقة. # وقولكم: " يلزمنا تجويز تقديم الطلاق على التطليق " فذلك غير لازم؛ فإنه ~~إنما يقع بإيقاعه؛ فلا يسبق إيقاعه، بخلاف الشرط، فإنه لا يوجب وجود ~~المشروط، وإنما يرتبط به، والارتباط أعم من السابق والمقارن والمتأخر، ~~والأعم لا يستلزم الأخص. # ونكتة الفرق أن الإيقاع موجب للوقوع؛ فلا يجوز أن يسبقه أثره وموجبه، ~~والشرط علامة على المشروط؛ فيجوز أن يكون قبله وبعده، فوزان الشرط وزان ~~الدليل، ووزان الإيقاع وزان العلة، فافترقا. # وأما قولكم: " إن هذا التعليق يتضمن المحال إلى آخره " فجوابه أن هذا ~~التعليق تضمن شرطا ومشروطا، وقد تعقد القضية الشرطية في ذلك للوقوع، وقد ~~تعقد للإبطال؛ فلا يوجد فيها الشرط ولا الجزاء، بل تعليق ممتنع بممتنع، ~~فتصدق الشرطية وإن انتفى كل من جزأيها، كما تقول: " لو كان مع الله إله آخر ~~لفسد العالم " وكما في قوله: {إن كنت قلته فقد علمته} [المائدة: 116] ~~ومعلوم أنه لم يقله ولم يعلمه الله، وهكذا قوله: " إن وقع عليك طلاقي فأنت ~~طالق قبله ثلاثا " فقضية عقدت لامتناع وقوع طرفيها، وهما المنجز والمعلق. # ثم نذكر في ذلك قياسا [آخر] حرره الشيخ أبو إسحاق - رحمه الله تعالى -، ~~فقال: طلاقان متعارضان يسبق أحدهما الآخر؛ فوجب أن ينفي السابق منهما ~~المتأخر. # نظيره أن يقول ms0988 لامرأته: إن قدم زيد فأنت طالق ثلاثا، وإن قدم عمرو فأنت ~~طالق طلقة، فقدم زيد بكرة، وعمرو عشية # ونكتة المسألة أنا لو أوقعنا الطلاق المباشر لزمنا أن نوقع قبله ثلاثا، ~~ولو أوقعنا قبله ثلاثا لامتنع وقوعه في نفسه؛ فقد أدى الحكم بوقوعه إلى ~~الحكم بعدم وقوعه، فلا يقع. # وقولكم: " إن هذه اليمين تفضي إلى سد باب الطلاق، وذلك تغيير لشرع الله؛ ~~فإن الله ملك الزوج الطلاق رحمة به - إلى آخره " جوابه أن هذا ليس فيه ~~تغيير للشرع، وإنما هو إتيان بالسبب الذي ضيق به على نفسه ما وسعه الله ~~عليه، وهو هذه اليمين، وهذا ليس تغييرا للشرع. # ألا ترى أن الله تعالى وسع عليه أمر الطلاق فجعله واحدة بعد واحدة ثلاث ~~مرات لئلا يندم، فإذا ضيق على نفسه وأوقعها بفم واحد حصر نفسه وضيق عليها ~~ومنعها ما كان حلالا لها، وربما لم يبق له سبيل إلى عودها إليه، ولذلك جعل ~~الله تعالى الطلاق إلى # PageV03P208 # الرجال، ولم يجعل للنساء فيه حظا؛ لنقصان عقولهن وأديانهن، فلو جعله ~~إليهن لكان فيه فساد كبير تأباه حكمة الرب تعالى ورحمته بعباده، فكانت ~~المرأة لا تشاء أن تستبدل بالزوج إلا استبدلت به، بخلاف الرجال؛ فإنهم أكمل ~~عقولا وأثبت، فلا يستبدل بالزوجة إلا إذا عيل صبره، ثم إن الزوج قد يجعل ~~طلاق امرأته بيدها، بأن يملكها ذلك أو يحلف عليها أن لا تفعل كذا، فتختار ~~طلاقه متى شاءت، ويبقى الطلاق بيدها، وليس في هذا تغيير للشرع؛ لأنه هو ~~الذي ألزم نفسه هذا الحرج بيمينه وتمليكه، ونظير هذا ما قاله فقهاء الكوفة ~~قديما وحديثا: أنه لو قال: " كل امرأة أتزوجها فهي طالق " لم يمكنه أن ~~يتزوج بعد ذلك امرأة، حتى قيل: إن أهل الكوفة أطبقوا على هذا القول، ولم ~~يكن في ذلك تغيير للشريعة؛ فإنه هو الذي ضيق على نفسه ما وسع الله عليه، ~~ونظير هذا لو قال: " كل عبد وأمة أملكهما فهما حران " لم يكن له سبيل بعد ~~هذا إلى ملك رقيق أصلا، وليس في هذا تغيير ms0989 للشرع، بل هو المضيق على نفسه، ~~والضيق والحرج الذي يدخله المكلف على نفسه لا يلزم أن يكون الشارع قد شرعه ~~له، وإن ألزمه به بعد أن ألزم نفسه، ألا ترى أن من كان معه ألف دينار ~~فاشترى بها جارية فأولدها ثم ساءت العشرة بينهما لم يبق له طريق إلى ~~الاستبدال بها، وعليه ضرر في إعتاقها أو تزويجها أو إمساكها ولا بد له من ~~أحدها. # ثم نقول في معارضة ما ذكرتم: بل يكون في هذه اليمين مصلحة له وغرض صحيح، ~~بأن يكون محبا لزوجته شديد الإلف بها، وهو مشفق من أن ينزغ الشيطان بينهما ~~فيقع منه طلاقها من غضبة أو موجدة، أو يحلف يمينا بالطلاق أو يبلى بمن ~~يستحلفه بالطلاق ويضطر إلى الحنث، أو يبلى بظالم يكرهه على الطلاق ويرفعه ~~إلى حاكم ينفذه، أو يبلى بشاهدي زور يشهدان عليه بالطلاق، وفي ذلك ضرر عظيم ~~به، وكان من محاسن الشريعة أن يجعل له طريقا إلى الأمن من ذلك كله، ولا ~~طريق أحسن من هذه؛ فلا ينكر من محاسن هذه الشريعة الكاملة أن تأتي بمثل ~~ذلك، ونحن لا ننكر أن في ذلك نوع ضرر عليه، لكن رأي احتماله لدفع ضرر ~~الفراق الذي هو أعظم من ضرر البقاء، وما ينكر في الشريعة من دفع أعلى ~~الضررين باحتمال أدناهما؟ . # فصل # [الجواب على شبه أصحاب الحيلة السريجية] # قال الموقعون: لقد دعوتم الشبه الجفلى إلى وليمة هذه المسألة، فلم تدعوا ~~منها داعيا ولا مجيبا، واجتهدتم في تقريرها ظانين إصابة الاجتهاد، وليس كل ~~مجتهد مصيبا. # PageV03P209 # ونثرتم عليها ما لا يصلح مثله للنثار، وزينتموها بأنواع الحلي، ولكنه حلي ~~مستعار؛ فإذا استردت العارة زال الالتباس والاشتباه، وهناك تسمع بالمعيدي ~~خير من أن تراه. # فأما قولكم: " إنا ارتقينا مرتقى صعبا، وأسأنا الظن بمن قال بهذه المسألة ~~" فإن أردتم بإساءة الظن بهم تأثيما أو تبديعا فمعاذ الله، بل أنتم أسأتم ~~بنا الظن، وإن أردتم بإساءة الظن أنا لم نصوبهم في هذه المسألة، ورأينا ~~الصواب في خلافهم فيها؛ فهذا قدر مشترك بيننا وبينكم ms0990 في كل ما تنازعنا فيه، ~~بل سائر المتنازعين بهذه المثابة، وقد صرح الأربعة الأئمة بأن الحق في واحد ~~من الأقوال المختلفة، وليست كلها صوابا. # وأما قولكم: " إن هذه المسألة مأخوذة من نص الشافعي " فجوابه من وجهين: ~~أحدهما: أنها لو كانت منصوصة له فقوله بمنزلة قول غيره من الأئمة يحتج له ~~ولا يحتج به، وقد نازعه الجمهور فيها، والحجة تفصل ما بين المتنازعين. # الثاني: أن الشافعي - رضي الله تعالى عنه - لم ينص عليها ولا على ما ~~يستلزمها. # وغاية ما ذكرتم نصه على صحة قوله: " أنت طالق قبل موتي بشهر " فإذا مات ~~لأكثر من شهر من وقت هذا التعليق تبينا وقوع الطلاق. # وهذا قد وافقه عليه من يبطل هذه المسألة، وليس فيه ما يدل على صحة هذه ~~المسألة ولا هو نظيرها. # وليس فيه سبق الطلاق لشرطه، ولا هو متضمن للمحال؛ إذ حقيقته إذا بقي من ~~حياتي شهر فأنت طالق. # وهذا الكلام معقول غير متناقض ليس فيه تقديم الطلاق على زمن التطليق ولا ~~على شرط وقوعه، وإنما نظير المسألة المتنازع فيها أن يقول: " إذا مت فأنت ~~طالق قبل موتي بشهر " وهذا المحال بعينه، وهو نظير قوله: " إذا وقع عليك ~~طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا " أو يقول: " أنت طالق عام الأول " فمسألة ~~الشافعي شيء ومسألة ابن سريج شيء، ويدل عليه أن الشافعي إنما أوقع عليه ~~الطلاق إذا مات لأكثر من شهر من حين التعليق؛ فلو مات عقيب اليمين لم تطلق، ~~وكانت بمنزلة قوله: " أنت طالق في الشهر الماضي " وبمنزلة قوله: " أنت طالق ~~قبل أن أنكحك " فإن كلا الوقتين ليس بقابل للطلاق؛ لأنها في أحدهما لم تكن ~~محلا، وفي الثاني لم تكن فيه طالقا قطعا، فقوله: " أنت طالق في وقت قد مضى ~~" ولم تكن فيه طالقا إما إخبار كاذب أو إنشاء باطل، وقد قيل يقع عليه ~~الطلاق ويلغو قوله: " أمس " لأنه أتى بلفظ الطلاق ثم وصل به ما يمنع وقوعه ~~أو يرفعه فلا يصلح ويقع لغوا، وكذلك قوله: " أنت طالق طلقة قبلها طلقة " ~~ليس فيه ms0991 إيقاع الطلقة الموصوفة بالقبلية في الزمن الماضي ولا تقدمها على ~~الإيقاع، وإنما فيه إيقاع طلقتين إحداهما قبل الأخرى؛ فمن ضرورة قوله: # PageV03P210 # قبلها طلقة " إيقاع هذه السابقة أولا ثم إيقاع الثانية بعدها؛ فالطلقتان ~~إنما وقعتا بقوله: " أنت طالق " لم تتقدم إحداهما على زمن الإيقاع، وإن ~~تقدمت على الأخرى تقديرا، فأين هذا من التعليق المستحيل؟ # فإن أبيتم وقلتم: قد وصل الطلقة المنجزة بتقدم مثلها عليها، والسبب هو ~~قوله أنت طالق؛ فقد تقدم وقوع الطلقة المعلقة بالقبلية على المنجزة، ولما ~~كان هذا نكاحا صح، وهكذا قوله: " إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا ~~" أكثر ما فيه تقدم الطلاق السابق على المنجز، ولكن المحل لا يحتملهما؛ ~~فتدافعا وبقيت الزوجة بحالها ولهذا لو قال: " إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق ~~قبله واحدة " صح لاحتمال المحل لهما. # فالجواب أنه أوقع طلقتين واحدة قبل واحدة، ولم تسبق إحداهما إيقاعه، ولم ~~يتقدم شرط الإيقاع؛ فلا محذور، وهو كما لو قال: " بعدها طلقة، أو معها طلقة ~~" وكأنه قال: " أنت طالق طلقتين معا، أو واحدة بعد واحدة " ويلزم من تأخر ~~واحد عن الأخرى سبق إحداهما للأخرى، فلا إحالة، أما وقوع طلقة مسبوقة بثلاث ~~فهو محال وقصده باطل، والتعبير عنه إن كان خبرا فهو كذب، وإن كان إنشاء فهو ~~منكر؛ فالتكلم به منكر من القول وزور في إخباره، منكر في إنشائه. # وأما كون المعلق تمام الثلاث فهاهنا لمنازعيكم قولان تقدم حكايتهما، وهما ~~وجهان في مذهب أحمد والشافعي. # أحدهما: يصح هذا التعلق ويقع المنجز والمعلق، وتصير المسألة على وزان ما ~~نص عليه الشافعي من قوله: " إذا مات زيد فأنت طالق قبله بشهر " فمات بعد ~~شهر، فهكذا إذا قال: " إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله واحدة " ثم مضى ~~زمن تمكن فيه القبلية ثم طلقها تبينا وقوع المعلق في ذلك الزمان، وهو متأخر ~~عن الإيقاع؛ فكأنه قال: " أنت طالق في الوقت السابق على تنجيز الطلاق أو ~~وقوعه معلقا " فهو تطليق في زمن متأخر. # والقول الثاني: أن هذا محال أيضا، ولا يقع المعلق؛ ms0992 إذ حقيقته أنت طالق في ~~الزمن السابق على تطليقك تنجيزا أو تعليقا فيعود إلى سبق الطلاق للتطليق، ~~وسبق الوقوع للإيقاع، وهو حكم بتقديم المعلول على علته. # يوضحه أن قوله: " إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله " إما أن يريد طالق ~~قبله بهذا الإيقاع أو بإيقاع متقدم. # والثاني ممتنع؛ لأنه لم يسبق هذا الكلام منه شيء. # والثاني كذلك لأنه لا يتضمن: " أنت طالق قبل أن أطلقك " وهذا عين المحال. # فهذا كشف حجاب هذه المسألة وسر مأخذها، وقد تبين أن مسألة الشافعي لون ~~وهذه لون آخر. # PageV03P211 # وأما قولكم: " إن الحكم لا يجوز تقدمه على علته، ويجوز تقدمه على شرطه ~~كما يجوز تقدمه على أحد سببيه - إلى آخره " فجوابه أن الشرط إما أن يوجد ~~جزءا من المقتضى أو يوجد خارجا عنه، وهما قولان للنظار، والنزاع لفظي؛ فإن ~~أريد بالمقتضى التام فالشرط جزء منه، وإن أريد به المقتضى الذي يتوقف ~~اقتضاؤه على وجود شرطه وعدم مانعه فالشرط ليس جزءا منه، ولكن اقتضاؤه يتوقف ~~عليه، والطريقة الثانية طريقة القائلين بتخصيص العلة، والأولى طريقة ~~المانعين من التخصيص، وعلى التقديرين فيمتنع تأخر الشرط عن وقوع المشروط؛ ~~لأن يستلزم وقوع الحكم بدون سببه التام؛ فإن الشرط إن كان جزءا من المقتضى ~~فظاهر، وإن كان شرطا لاقتضائه فالمعلق على الشرط لا يوجد عند عدمه، وإلا لم ~~يكن شرطا؛ فإنه لو كان يوجد بدونه لم يكن شرطا، فلو ثبت الحكم قبله لثبت ~~بدون سببه التام، فإن سببه لا يتم إلا بالشرط، فعاد الأمر إلى سبق الأثر ~~لمؤثره والمعلول لعلته، وهذا محال، ولهذا لما لم يكن لكم حيلة في دفعه ~~وعلمتم لزومه فررتم إلى ما لا يجدي عليكم شيئا. # وهو جعل الشرط مجرد علامة ودليل ومعرف، وهذا إخراج للشرط عن كونه شرطا ~~وإبطال لحقيقته؛ فإن العلامة والدليل [و] المعرف ليست شروطا في المدلول ~~المعرف، ولا يلزم من نفيها نفيه، فإن الشيء يثبت بدون علامة ومعرف له، ~~والمشروط ينتفي لانتفاء شرطه وإن لم يوجد لوجوده. # وكل العقلاء متفقون على الفرق بين الشرط ms0993 والأمارة المحضة وأن حقيقة ~~أحدهما وحكمه دون حقيقة الآخر وحكمه. # وإن كان قد يقال: إن العلامة شرط في العلم بالمعلم والدليل شرط في العلم ~~بالمدلول، فذاك أمر وراء الشرط في الوجود الخارجي، فهذا شيء وذلك شيء آخر، ~~وهذا حق، ولهذا ينتفي العلم بالمدلول عند انتفاء دليله، ولكن هل يقول أحد: ~~إن المدلول ينتفي وانتفاء دليله؟ فإن قيل: نعم، قد قاله غير واحد، وهو ~~انتفاء الحكم الشرعي لانتفاء دليله. # قيل: نعم فإن الحكم الشرعي لا يثبت بدون دليله، فدليله موجب لثبوته، فإذا ~~انتفى الموجب انتفى الموجب، ولهذا يقال: لا موجب فلا موجب، أما شرط اقتضاء ~~السبب لحكمة فلا يجوز اقتضاؤه بدون شرطه، ولو تأخر الشرط عنه لكان مقتضيا ~~بدون شرطه، وذلك يستلزم إخراج الشرط عن حقيقته، وهو محال. # وأما تقديم الحكم على أحد سببيه في الصورة التي ذكرتموها على إحدى ~~الطريقتين، أو تقديمه على شرط بعد وجود سببه على الطريقة الأخرى؛ فالتنظير ~~به مغلطة؛ فإن الحكم لم يتقدم على سببه ولا شرطه، وهذا محال. # وإن وقع تسامح في عبارة الفقهاء، فإن القضاء الحول مثلا والحنث والموت ~~بعد الجرح شرط للوجوب، ونحن لم نقدم الوجوب على # PageV03P212 # شرط ولا سببه، وإنما قدمنا فعل الواجب. # والفرق بين تقدم الحكم بالوجوب، وبين تقدم أداء الواجب، فظهر أن هذا وهم ~~أو إيهام، وقد ظهر أن تقديم شرط علة الحكم وموجبه على الحكم أمر ثابت عقلا ~~وشرعا، ونحن لم نأخذ ذلك عن نص أهل اللغة حتى تطالبونا بنقله، بل ذلك أمر ~~ثابت لذات الشرط وحكم من أحكامه. # وليس ذلك متلقى من اللغة، بل هو ثابت في نفس الأمر لا يختلف بتقدم لفظ ~~ولا تأخره، حتى لو قال: " أنت طالق إن دخلت الدار " أو قال: " يبعثك الله ~~إذا مت " أو: " تجب عليك الصلاة إذا دخل وقتها " ونحو ذلك فالشرط متقدم ~~عقلا وطبعا وشرعا وإن تأخر لفظا. # وأما قولكم: " إن الأحكام تقبل النقل عن مواضعها فتتقدم وتتأخر " فتطويل ~~بلا تحصيل، وتهويل بلا تفضيل، فهل تقبل النقل عن ترتيبها على ms0994 أسبابها ~~وموجباتها بحيث يثبت الحكم بدون سببه ومقتضيه؟ نعم قد يتقدم ويتأخر وينتقل ~~لقيام سبب آخر يقتضي ذلك فيكون مرتبا على سببه الثاني بعد انتقاله كما كان ~~مرتبا على الأول قبل انتقاله، وفي كل من الموضعين هو مرتب على سببه هذا في ~~حكمه وذاك في محله، وأما تنظيركم بنقل الأحكام وتقدمها على أسبابها بقوله: ~~" أنت طالق قبل موتي بشهر " وقولكم: " إن نظيره في الحسيات أن تقول: إن ~~زرتني أكرمتك قبل زيارتك بشهر " فوهم أيضا أو إيهام، فإن قوله: " أنت طالق ~~قبل موتي بشهر " إنما تطلق إذا مضى شهر بعد هذه اليمين حتى يتبين وقوع ~~الطلاق بعد إيقاعه فلو مات قبل مضي شهر لم تطلق على الصحيح؛ لأنه يصير ~~بمنزلة أنت طالق عام الأول؛ ليس كذلك قوله: " إن زرتني أكرمتك قبله بشهر " ~~فإن الطلاق حكم يمكن تقدير وقوعه قبل الموت، والإكرام فعل حسي لا يكون ~~إكراما بالتقدير، وإنما يكون إكراما بالوقوع، وأما استشهادكم بقوله: " أعتق ~~عبدك عني " فهو حجة عليكم؛ فإنه يستلزم تقدم الملك التقديري على العتق الذي ~~هو أثره وموجبه، والملك شرطه، ولو جاز تأخر الشرط لقدر الملك له بعد العتق، ~~وهذا محال؛ فعلم أن الأسباب والشروط يجب تقدمها، سواء كانت محققة أو مقدرة. # وقولكم: " إن هذا التعليق يتضمن شرطا ومشروطا، والقضية الشرطية قد تعقد ~~للوقوع وقد تعقد لنفي الشرط والجزء - إلى آخره " فجوابه أيضا أن هذا من ~~الوهم أو الإيهام؛ فإن القضية الشرطية هي التي يصح الارتباط بين جزأيها، ~~سواء كانا ممكنين أو ممتنعين، ولا يلزم من صدقها شرطية صدق جزأيها جملتين؛ ~~فالاعتبار إنما هو بصدقها في نفسها؛ ولهذا كان قوله تعالى {لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] من أصدق الكلام وجزء الشرطية ~~ممتنعان، لكن أحدهما ملزوم للآخر، فقامت القضية الشرطية من # PageV03P213 # التلازم الذي بينهما؛ فإن تعدد الآلهة مستلزم لفساد السموات والأرض، ~~فوجود آلهة مع الله ملزوم لفساد السموات والأرض، والفساد لازم، فإذا انتفى ~~اللازم انتفى ملزومه، فصدقت الشرطية دون مفرديها، وأما الشرطية في مسألتنا ~~فهي كاذبة ms0995 في نفسها؛ لأنها عقدت للتلازم بين وقوع الطلاق المنجز وسبق ~~الطلاق الثلاث عليه، وهذا كذب في الإخبار باطل في الإنشاء؛ فالشرطية نفسها ~~باطلة لا تصح بوجه؛ فظهر أن تنظيرها بالشرطية الصادقة الممتنعة الجزأين وهم ~~أو إيهام ظاهر لا خفاء به. # وأما قياسكم المحرر، وهو قولكم: " طلاقان متعارضان يسبق أحدهما الآخر، ~~فوجب أن ينفي السابق منهما المتأخر. # كقوله: إن قدم زيد - إلى آخره " فجوابه أنه لما قدم زيد طلقت ثلاثا، فقدم ~~عمرو بعده وهي أجنبية، فلم يصادف الطلاق الثاني محلا، فهذا معقول شرعا ولغة ~~وعرفا، فأين هذا من تعلق مستحيل شرعا وعرفا؟ ولقد وهنت كل الوهن مسألة إلى ~~مثل هذا القياس استنادها، وعليه اعتمادها. # وأما قولكم: " نكتة المسألة أنا لو أوقعنا المنجز لزمنا أن نوقع قبله ~~ثلاثا - إلى آخره " فجوابه أن يقال: هذا كلام باطل في نفسه، فلا يلزم من ~~إيقاع المنجز إيقاع الثلاث قبله، لا لغة ولا عقلا ولا شرعا ولا عرفا، فإن ~~قلتم: لأنه شرط للمعلق قبله، فقد تبين فساد المعلق بما فيه كفاية. # ثم نقلب عليكم هذه النكتة قلبا أصح منها شرعا وعقلا ولغة، فنقول: إذا ~~أوقعنا المنجز لم يمكنا أن نوقع قبله ثلاثا قطعا، وقد وجد سبب وقوع المنجز ~~وهو الإيقاع، فيستلزم موجبه وهو الوقوع، وإذا وقع موجبه استحال وقوع ~~الثلاث؛ فهذه النكتة أصح وأقرب إلى الشرع والعقل واللغة، وبالله التوفيق. # وأما قولكم: " إن المكلف أتى بالسبب الذي ضيق به على نفسه فألزمناه حكمه ~~- إلى آخره " فجوابه أن هذا إنما يصح فيما يملكه من الأسباب شرعا، فلا بد ~~أن يكون السبب مقدورا ومشروعا، وهذا السبب الذي أتى به غير مقدور ولا ~~مشروع؛ فإن الله تعالى لم يملكه طلاقا ينجزه تسبقه ثلاث قبله، ولا ذلك ~~مقدور له؛ فالسبب لا مقدور ولا مأمور، بل هو كلام متناقض فاسد؛ فلا يترتب ~~عليه تغيير أحكام الشرع، وبهذا خرج الجواب عما نظرتم به من المسائل: # أما المسألة الأولى - وهي إذا طلق امرأته ثلاثا جملة - فهذه مما يحتج ~~لها، ولا يحتج بها، وللناس ms0996 فيها أربعة أقوال، أحدها: الإلزام بها، والثاني: ~~إلغاؤها جملة وإن كان هذا إنما يعرف عن الفقهاء الشيعة، والثالث: أنها ~~واحدة، وهذا قول أبي بكر الصديق وجميع الصحابة في زمانه وإحدى الروايتين عن ~~ابن عباس واختيار أعلم الناس # PageV03P214 # بسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - محمد بن إسحاق والحارث العكلي وغيره، ~~وهو أحد القولين في مذهب مالك حكاه التلمساني في شرح تفريع ابن الجلاب، ~~وأحد القولين في مذهب أحمد اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. # والرابع: أنها واحدة في حق التي لم يدخل بها، وثلاث في حق المدخول بها، ~~وهذا مذهب إمام أهل خراسان في وقته إسحاق بن راهويه نظير الإمام أحمد ~~والشافعي ومذهب جماعة من السلف، وفيها مذهب خامس، وهو أنها إن كانت منجزة ~~وقعت، وإن كانت معلقة لم تقع، وهو مذهب حافظ الغرب وإمام أهل الظاهر في ~~وقته أبو محمد بن حزم، ولو طولبتم بإبطال هذه الأقوال وتصحيح قولكم بالدليل ~~الذي يركن إليه العالم لم يمكنكم ذلك، والمقصود أنكم تستدلون بما يحتاج إلى ~~إقامة الدليل عليه، والذين يسلمون لكم وقوع الثلاث جملة واحدة فريقان: فريق ~~يقول بجواز إيقاع الثلاث فقد أتى المكلف عنده بالسبب المشروع المقدور فترتب ~~عليه سببه، وفريق يقول: تقع وإن كان إيقاعها محرما كما يقع الطلاق في الحيض ~~والطهر الذي أصابها فيه، وإن كان محرما لأنه ممكن، بخلاف وقوع طلقة مسبوقة ~~بثلاث فإنه محال، فأين أحدهما من الآخر؟ فصل # وأما نقضكم الثاني بتمليك الرجل امرأته الطلاق وتضييقه على نفسه بما وسع ~~الله عليه من جعله بيده، فجوابه من وجوه: # أحدها: أنه بالتمليك لم يخرج الطلاق عن يده، بل هو في يده كما هو، هذا إن ~~قيل إنه تمليك، وإن قيل إنه توكيل فله عزلها متى شاء. # الثاني: أن هذه المسألة فيها نزاع معروف بين السلف والخلف؛ فمنهم من قال: ~~لا يصح تمليك المرأة الطلاق ولا توكيلها فيه، ولا يقع الطلاق إلا ممن أخذ ~~بالساق. # وهذا مذهب أهل الظاهر، وهو مأثور عن بعض السلف؛ فالنقض بهذه الصورة ~~يستلزم إقامة ms0997 الدليل عليها، والأول لا يكون دليلا. # ومن هنا قال بعض أصحاب مالك: إنه إذا علق اليمين بفعل الزوجة لم تطلق إذا ~~حنث. # قال: لأن الله تعالى ملك الزوج الطلاق، وجعله بيده رحمة منه، ولم يجعله ~~إلى المرأة؛ فلو وقع الطلاق بفعلها لكان إليها إن شاءت أن تفارقه وإن شاءت ~~أن تقيم معه، وهذا خلاف شرع الله، وهذا أحد الأقوال في مسألة تعليق الطلاق ~~بالشرط كما تقدم. # والثاني: أنه لغو وباطل، وهذا اختيار أبي عبد الرحمن ابن بنت الشافعي ~~ومذهب أهل الظاهر. # PageV03P215 # والثالث: أنه موجب لوقوع الطلاق عند وقوع الصفة، سواء كان يمينا أو ~~تعليقا محضا، وهذا المشهور عند الأئمة الأربعة وأتباعهم. # والرابع: أنه إن كان بصيغة التعليق لزم، وإن كان بصيغة القسم والالتزام ~~لم يلزم إلا أن ينويه، وهذا اختيار أبي المحاسن الروياني وغيره. # والخامس: أنه إن كان بصيغة التعليق وقع، وإن كان بصيغة القسم والالتزام ~~لم يقع وإن نواه، وهذا اختيار القفال في فتاويه. # والسادس: أنه إن كان الشرط والجزاء مقصودين وقع، وإن كانا غير مقصودين - ~~وإنما حل به قاصدا منع الشرط والجزاء - لم يقع، ولا كفارة فيه، وهذا اختيار ~~بعض أصحاب أحمد. # والسابع: كذلك، إلا أن فيه الكفارة إذا خرج مخرج اليمين، وهذا اختيار شيخ ~~الإسلام ابن تيمية، والذي قبله اختيار أخيه. # وقد تقدم حكاية قول من حكى إجماع الصحابة أنه إذا حنث فيه لم يلزمه ~~الطلاق، وحكينا لفظه. # والمقصود الجواب عن النقض بتمليك المرأة الطلاق أو توكيلها فيه. # وأما قولكم في النقض الثالث: " إن فقهاء الكوفة صححوا تعليق الطلاق ~~بالنكاح، وهو يسد باب النكاح " فهذا القول مما أنكره عليهم سائر الفقهاء، ~~وقالوا: هو سد لباب النكاح، حتى قال الشافعي نفسه: أنكره عليهم بذلك وبغيره ~~من الأدلة. # ومن العجب أنكم قلتم في الرد عليهم: لا يصح هذا التعليق؛ لأنه لم يصادف ~~محلا، وهو لا يملك الطلاق المنجز فلا يملك المعلق؛ إذ كلاهما مستدع لقيام ~~محله، ولا محل، فهلا قبلتم منهم احتجاجهم عليكم في المسألة السريجية بمثل ~~هذه الحجة، ms0998 وهي أن المحل غير قابل لطلقة مسبوقة بثلاث، وكان هذا الكلام ~~لغوا وباطلا فلا ينعقد، كما قلتم أنتم في تعليق النكاح بالطلاق: إنه لغو ~~وباطل فلا ينعقد # فصل [إذا علق عتق عبده على ملكه] # وأما النقض الرابع بقوله: " كل عبد أو أمة أملكه فهو حر " فهذا للفقهاء ~~فيه قولان، وهما روايتان عن الإمام أحمد: إحداهما: أنه لا يصح كتعليق ~~الطلاق. # PageV03P216 # والثاني: أنه يصح والفرق بينه وبين تعليق الطلاق أن ملك العبد قد شرع ~~طريقا إلى زوال ملكه عنه بالعتق، إما بنفس الملك كمن ملك ذا رحم محرم، وإما ~~باختيار الإعتاق كمن اشترى عبدا ليعتقه عن كفارته أو ليتقرب به إلى الله، ~~ولم يشرع الله النكاح طريقا إلى زوال ملك البضع ووقوع الطلاق، بل هذا يترتب ~~عليه ضد مقصوده شرعا وعقلا وعرفا، والعتق المترتب على الشراء ترتيب لمقصوده ~~عليه شرعا وعرفا، فأين أحدهما من الآخر؟ وكونه قد سد على نفسه باب ملك ~~الرقيق فلا يخلو إما أن يعلق ذلك تعليقا مقصودا أو تعليقا قسميا؛ فإن كان ~~مقصودا فهو قد قصد التقرب إلى الله بذلك، فهو كما لو التزم صوم الدهر وسد ~~على نفسه باب الفطر. # وإن كان تعليقا قسميا فله سعة بما وسع الله عليه من الكفارة كما أفتى به ~~الصحابة - رضي الله عنهم - وقد تقدم. # فصل # وأما النقض الخامس بمن معه ألف دينار فاشترى بها جارية وأولدها، فهذا ~~أيضا نقض فاسد؛ فإنه بمنزلة من أنفقها في شهواته وملاذه، وقعد ملوما ~~محسورا، أو تزوج بها امرأة وقضى وطره منها ونحو ذلك. # فأين هذا من سد باب الطلاق وبقاء المرأة كالغل في عنقه إلى أن يموت ~~أحدهما؟ # فصل [لم تبن الشرائع على الصور النادرة] . # وقولكم: " قد يكون له في هذه اليمين مصلحة وغرض صحيح، بأن يكون محبا ~~لزوجته ويخشى وقوع الطلاق بالحلف أو غيره فيسرحها " جوابه أن الشرائع ~~العامة لم تبن على الصور النادرة، ولو كان لعموم المطلقين في هذا مصلحة ~~لكانت حكمة أحكم الحاكمين تمنع الرجال من الطلاق بالكلية، وتجعل الزوج ms0999 في ~~ذلك بمنزلة المرأة لا تتمكن من فراق زوجها. # ولكن حكمته تعالى أولى وأليق من مراعاة هذه المصلحة الجزئية التي في ~~مراعاتها تعطيل مصلحة أكبر منها وأهم، وقاعدة الشرع والقدر تحصيل أعلى ~~المصلحتين وإن فات أدناهما، ودفع أعلى المفسدتين وإن وقع أدناهما، وهكذا ما ~~نحن فيه سواء؛ فإن مصلحة تمليك الرجال الطلاق أعلى وأكبر من مصلحة سده ~~عليهم، ومفسدة سده عليهم أكبر من مفسدة فتحه لهم المفضية إلى ما ذكرتم. # وشرائع الرب تعالى كلها حكم ومصالح وعدل ورحمة، وإنما العبث والجور ~~والشدة في خلافها، وبالله التوفيق. # PageV03P217 # وإنما أطلنا الكلام في هذه المسألة لأنها من أمهات الحيل وقواعدها، ~~والمقصود بيان بطلان الحيل؛ فإنها لا تتمشى على قواعد الشريعة ولا أصول ~~الأئمة، وكثير منها - بل أكثرها - من توليدات المنتسبين إلا الأئمة ~~وتفريعهم، الأئمة براء منها. ### | [فصل بطلان الحيلة بالخلع لفعل المحلوف عليه] # فصل # [بطلان الحيلة بالخلع لفعل المحلوف عليه] # ومن الحيل الباطلة الحيلة على التخلص من الحنث بالخلع، ثم يفعل المحلوف ~~عليه في حال البينونة، ثم يعود إلى النكاح، وهذه الحيلة باطلة شرعا، وباطلة ~~على أصول أئمة الأمصار: أما بطلانها شرعا فإن هذا خلع لم يشرعه الله ولا ~~رسوله، وهو تعالى لم يمكن الزوج من فسخ النكاح متى شاء؛ فإنه لازم، وإنما ~~مكنه من الطلاق، ولم يجعل له فسخه إلا عند التشاجر والتباغض إذا خافا أن لا ~~يقيما حدود الله، فشرع لهما التخلص بالافتداء؛ وبذلك جاءت السنة، ولم يقع ~~في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا زمن أصحابه قط خلع حيلة، ولا ~~في زمن التابعين ولا تابعيهم، ولا نص عليه أحد من الأئمة الأربعة وجعله ~~طريقا للتخلص من الحنث، وهذا من كمال فقههم - رضي الله عنهم - فإن الخلع ~~إنما جعله الشارع مقتضيا للبينونة ليحصل مقصود المرأة من الافتداء من ~~زوجها، وإنما يكون ذلك مقصودها إذا قصدت أن تفارقه على وجه لا يكون له ~~عليها سبيل، فإذا حصل هذا ثم فعل المحلوف عليه وقع وليست زوجته فلا يحنث، ~~وهذا إنما حصل ms1000 تبعا للبينونة التابعة لقصدهما، فإذا خالعها ليفعل المحلوف ~~عليه لم يكن قصدهما البينونة، بل حل اليمين، وحل اليمين إنما يحصل تبعا ~~للبينونة لا أنه المقصود بالخلع الذي شرعه الله ورسوله، وأما خلع الحيلة ~~فجاءت البينونة فيه لأجل [حل] اليمين، وحل اليمين جاء لأجل البينونة؛ فليس ~~عقد الخلع بمقصود في نفسه للرجل ولا للمرأة، والله تعالى لا يشرع عقدا لا ~~يقصد واحد من المتعاقدين حقيقته، وإنما يقصدان به ضد ما شرعه الله له؛ فإنه ~~شرع لتخلص المرأة من الزوج، والمتحيل يفعله لبقاء النكاح؛ فالشارع شرعه ~~لقطع النكاح، والمتحيل يفعله لدوام النكاح. ### | [فصل المتأخرون هم الذين أحدثوا الحيل] # . فصل # [المتأخرون هم الذين أحدثوا الحيل ونسبوها إلى الأئمة] # والمتأخرون أحدثوا حيلا لم يصح القول بها عن أحد من الأئمة، ونسبوها إلى ~~الأئمة، وهم مخطئون في نسبتها إليهم، ولهم مع الأئمة موقف بين يدي الله. # ومن عرف سيرة الشافعي وفضله ومكانه من الإسلام علم أنه لم يكن معروفا ~~بفعل الحيل، ولا بالدلالة # PageV03P218 # عليها، ولا كان يشير على مسلم بها. # وأكثر الحيل التي ذكرها المتأخرون المنتسبون إلى مذهبه من تصرفاتهم، ~~تلقوها عن المشرقيين، وأدخلوها في مذهبه، وإن كان - رحمه الله تعالى - يجري ~~العقود على ظاهرها، ولا ينظر إلى قصد العاقد ونيته، كما تقدم حكاية كلامه، ~~فحاشاه ثم حاشاه أن يأمر الناس بالكذب والخداع والمكر والاحتيال وما لا ~~حقيقة له، بل ما يتيقن أن باطنه خلاف ظاهره، ولا يظن بمن دون الشافعي من ~~أهل العلم والدين أنه يأمر أو يبيح ذلك؛ فالفرق [ظاهر] بين أن لا يعتبر ~~القصد في العقد ويجريه على ظاهره وبين أن يسوغ عقدا قد علم بناؤه على المكر ~~والخداع وقد علم أن باطنه خلاف ظاهره. # فوالله ما سوغ الشافعي ولا إمام من الأئمة هذا العقد قط، ومن نسب ذلك ~~إليه فهم خصماؤه عند الله؛ فالذي سوغه الأئمة بمنزلة الحاكم يجري الأحكام ~~على ظاهر عدالة الشهود وإن كانوا في الباطن شهود زور، والذي سوغه أصحاب ~~الحيل بمنزلة الحاكم يعلم أنهم في الباطن شهود ms1001 زور كذبة وأن ما شهدوا به لا ~~حقيقة له ثم يحكم بظاهر عدالتهم. # وهكذا في مسألة العينة: إنما جوز الشافعي أن يبيع السلعة ممن اشتراها منه ~~جريا على ظاهر عقود المسلمين وسلامتها من المكر والخداع، ولو قيل للشافعي: ~~" إن المتعاقدين قد تواطآ على ألف بألف ومائتين، وتراوضا على ذلك، وجعلا ~~السلعة محللا للربا " لم يجوز ذلك، ولأنكره غاية الإنكار. # ولقد كان الأئمة من أصحاب الشافعي ينكرون على من يحكى عنه الإفتاء ~~بالحيل، قال الإمام أبو عبد الله بن بطة: سألت أبا بكر الآجري وأنا وهو ~~بمنزله بمكة عن هذا الخلع الذي يفتي به الناس، وهو أن يحلف رجل أن لا يفعل ~~شيئا، ولا بد له من فعله، فيقال له: اخلع زوجتك وافعل ما حلفت عليه ثم ~~راجعها، واليمين بالطلاق ثلاثا، وقلت له: إن قوما يفتون هذا الرجل الذي يحل ~~بأيمان البيعة ويحنث أن لا شيء عليه، ويذكرون الشافعي لم ير على من حلف ~~بأيمان البيعة شيئا، فجعل أبو بكر يعجب من سؤالي عن هاتين المسألتين في وقت ~~واحد، ثم قال لي: منذ كتبت العلم وجلست للكلام فيه وللفتوى ما أفتيت في ~~هاتين المسألتين بحرف، ولقد سألت أبا عبد الله الزبيري عن هاتين المسألتين ~~كما سألتني عن التعجب ممن يقدم على الفتوى فيهما، فأجابني فيهما بجواب ~~كتبته عنه، ثم قام فأخرج لي كتاب أحكام الرجعة والنشوز من كتاب الشافعي، ~~وإذا مكتوب على ظهره بخط أبي بكر: # سألت أبا عبد الله الزبيري، فقلت له: الرجل يحلف بالطلاق ثلاثا أن لا ~~يفعل شيئا، ثم يريد أن يفعله، وقلت له: إن أصحاب الشافعي يفتون فيها ~~بالخلع، يخالع ثم يفعل، فقال الزبيري: ما أعرف هذا من قول الشافعي، ولا ~~بلغني أن له في هذا قولا # PageV03P219 # معروفا، ولا أرى من يذكر هذا عنه إلا محيلا. والزبيري أحد الأئمة الكبار ~~من الشافعية، فإذا كان هذا قوله وتنزيهه للشافعي عن خلع اليمين فكيف بحيل ~~الربا الصريح وحيل التحليل وحيل إسقاط الزكاة والحقوق وغيرها من الحيل ~~المحرمة؟ # فصل # ولا ms1002 بد من أمرين أحدهما أعظم من الآخر، وهو النصيحة لله ولرسوله وكتابه ~~ودينه، وتنزيهه عن الأقوال الباطلة المناقضة لما بعث الله به رسوله من ~~الهدى والبينات، التي هي خلاف الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل، وبيان نفيها ~~عن الدين وإخراجها منه، وإن أدخلها فيه من أدخلها بنوع تأويل. # [من فضل الأئمة] # والثاني: معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وأن فضلهم ~~وعلمهم ونصحهم لله ورسوله لا يوجب قبول كل ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من ~~المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول فقالوا بمبلغ علمهم والحق في ~~خلافها لا يوجب إطراح أقوالهم جملة وتنقصهم والوقيعة فيهم؛ فهذان طرفان ~~جائران عن القصد، وقصد السبيل بينهما، فلا نؤثم ولا نعصم، ولا نسلك بهم ~~مسلك الرافضة في علي ولا مسلكهم في الشيخين، بل نسلك مسلكهم أنفسهم فيمن ~~قبلهم من الصحابة، فإنهم لا يؤثمونهم ولا يعصمونهم، ولا يقبلون كل أقوالهم ~~ولا يهدرونها. # فكيف ينكرون علينا في الأئمة الأربعة مسلكا يسلكونه هم في الخلفاء ~~الأربعة وسائر الصحابة؟ ولا منافاة بين هذين الأمرين لمن شرح الله صدره ~~للإسلام، وإنما يتنافيان عند أحد رجلين: جاهل بمقدار الأئمة وفضلهم، أو ~~جاهل بحقيقة الشريعة التي بعث الله بها رسوله، ومن له علم بالشرع والواقع ~~يعلم قطعا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من ~~الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل ومأجور ~~لاجتهاده؛ فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته ~~من قلوب المسلمين. # قال عبد الله بن المبارك: كنت بالكوفة فناظروني في النبيذ المختلف فيه، ~~فقلت لهم: تعالوا فليحتج المحتج منكم عمن شاء من أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بالرخصة، فإن لم يبين الرد عليه عن ذلك الرجل بسند صحت عنه، ~~فاحتجوا فما جاءوا عن أحد برخصة إلا جئناهم بسند، فلما لم يبق في يد أحد ~~منهم إلا عبد الله بن مسعود، وليس احتجاجهم عنه في شدة النبيذ بشيء يصح ~~عنه، إنما ms1003 يصح عنه أنه لم ينتبذ له في الجر الأخضر. # قال ابن المبارك: # PageV03P220 # فقلت للمحتج عنه في الرخصة: يا أحمق، عد إن ابن مسعود لو كان هاهنا جالسا ~~فقال: هو لك حلال، وما وصفنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في ~~الشدة كان ينبغي لك أن تحذر وتخشى. فقال قائل: يا أبا عبد الرحمن فالنخعي ~~والشعبي - وسمى عدة معهما - كانوا يشربون الحرام؟ فقلت لهم: دعوا عند ~~المناظرة تسمية الرجال، فرب رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا، وعسى أن تكون ~~منه زلة، أفيجوز لأحد أن يحتج بها؟ فإن أبيتم فما قولكم في عطاء وطاوس ~~وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة؟ قالوا: كانوا خيارا، قلت: فما قولكم في ~~الدرهم بالدرهمين يدا بيد؟ قالوا: حرام، فقلت: إن هؤلاء رأوه حلالا، ~~أفماتوا وهم يأكلون الحرام؟ فبهتوا وانقطعت حجتهم. # قال ابن المبارك: ولقد أخبرني المعتمر بن سليمان قال: رآني أبي وأنا أنشد ~~الشعر، فقال: يا بني لا تنشد الشعر، فقلت: يا أبت كان الحسن ينشد الشعر، ~~وكان ابن سيرين ينشد، فقال: أي بني إن أخذت بشر ما في الحسن وبشر ما في ابن ~~سيرين اجتمع فيك الشر كله، قال شيخ الإسلام: وهذا الذي ذكره ابن المبارك ~~متفق عليه بين العلماء، فإنه ما من أحد من أعيان الأئمة من السابقين ~~الأولين ومن بعدهم إلا وله أقوال وأفعال خفي عليهم فيها السنة. # قلت: وقد قال أبو عمر بن عبد البر في أول استذكاره. # قال شيخ الإسلام: وهذا باب واسع لا يحصى، مع أن ذلك لا يغض من أقدارهم، ~~ولا يسوغ اتباعهم فيها، قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول} [النساء: 59] قال مجاهد والحكم بن عتيبة ومالك وغيرهم: ليس أحد من ~~خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال ~~سليمان التيمي: إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله، قال ابن عبد ~~البر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ms1004 ~~- وأصحابه في هذا المعنى ما ينبغي تأمله. # فروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إني لأخاف على أمتي من بعدي من ~~أعمال ثلاثة، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: إني أخاف عليهم من زلة ~~العالم، ومن حكم الجائر، ومن هوى متبع» . # وقال زياد بن حدير: قال عمر: ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق ~~بالقرآن، وأئمة مضلون. # PageV03P221 # وقال الحسن: قال أبو الدرداء: إن مما أخشى عليكم زلة العالم وجدال ~~المنافق بالقرآن، والقرآن حق، وعلى القرآن منار كأعلام الطريق. # وكان معاذ بن جبل يقول في خطبته كل يوم، قلما يخطئه أن يقول ذلك، الله ~~حكم قسط، هلك المرتابون، إن وراءكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها ~~القرآن، حتى يقرأه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر، فيوشك ~~أحدهم أن يقول: قد قرأت القرآن فما أظن أن يتبعوني حتى أبتدع لهم غيره، ~~فإياكم وما ابتدع، فإن كل بدعة ضلالة وإياكم وزيغة الحكيم فإن الشيطان قد ~~يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وإن المنافق قد يقول كلمة الحق، ~~فتلقوا الحق عمن جاء به، فإن على الحق نورا، قالوا: كيف زيغة الحكيم؟ قال: ~~هي كلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذه، فاحذروا زيغته، ولا تصدنكم عنه، ~~فإنه يوشك أن يفيء ويراجع الحق، وإن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم ~~القيامة، فمن ابتغاهما وجدهما. # وقال سلمان الفارسي: كيف أنتم عند ثلاث: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ~~ودنيا تقطع أعناقكم؟ فأما زلة العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم وتقولون ~~نصنع مثل ما يصنع فلان، وإن أخطأ فلا تقطعوا إياسكم منه فتعينوا عليه ~~الشيطان وأما مجادلة منافق بالقرآن فإن للقرآن منارا كمنار الطريق، فما ~~عرفتم منه فخذوا وما لم تعرفوا فكلوه إلى الله تعالى. وأما دنيا تقطع ~~أعناقكم فانظروا إلى من هو دونكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم. # وعن ابن عباس: ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: كيف ذلك؟ قال: يقول ~~العالم ms1005 شيئا برأيه ثم يجد من هو أعلم منه برسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فيترك قوله ثم يمضي الأتباع، ذكر أبو عمر هذه الآثار كلها وغيره. # فإن كنا قد حذرنا زلة العالم وقيل لنا: إنها من أخوف ما يخاف علينا، ~~وأمرنا مع ذلك أن لا نرجع عنه، فالواجب على من شرح الله صدره للإسلام إذا ~~بلغته مقالة ضعيفة عن بعض الأئمة أن لا يحكيها لمن يتقلدها، بل يسكت عن ~~ذكرها إن تيقن صحتها، وإلا توقف في قبولها؛ فكثيرا ما يحكى عن الأئمة ما لا ~~حقيقة له، وكثير من المسائل يخرجها بعض الأتباع على قاعدة متبوعه مع أن ذلك ~~الإمام لو رأى أنها تفضي إلى ذلك لما التزمها، وأيضا فلازم المذهب ليس ~~بمذهب، وإن كان لازم النص حقا؛ لأن الشارع لا يجوز عليه التناقض، فلازم ~~قوله حق، وأما من عداه فلا يمتنع عليه أن يقول الشيء ويخفى عليه لازمه، ولو ~~علم أن هذا لازمه لما قاله؛ فلا يجوز أن يقال: هذا مذهبه، ويقول ما لم ~~يقله، وكل من # PageV03P222 # له علم بالشريعة وقدرها وبفضل الأئمة ومقاديرهم وعلمهم وورعهم ونصيحتهم ~~للدين تيقن أنهم لو شاهدوا أمر هذه الحيل وما - أفضت إليه من التلاعب ~~بالدين لقطعوا بتحريمها. # ومما يوضح ذلك أن الذين أفتوا من العلماء ببعض مسائل الحيل وأخذوا ذلك من ~~بعض قواعدهم لو بلغهم ما جاء في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه لرجعوا عن ذلك يقينا، فإنهم كانوا في غاية الإنصاف، وكان أحدهم ~~يرجع عن رأيه بدون ذلك، وقد صرح بذلك غير واحد منهم وإن كانوا كلهم مجمعين ~~على ذلك. # قال الشافعي: إذا صح الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاضربوا ~~بقولي الحائط، وهذا وإن كان لسان الشافعي فإنه لسان الجماعة كلهم، ومن ~~الأصول التي اتفق عليها الأئمة أن أقوال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - المنتشرة لا تترك إلا بمثلها. يوضح ذلك أن القول بتحريم الحيل قطعي ~~ليس من مسالك الاجتهاد؛ إذ لو كان من مسالك ms1006 الاجتهاد لم يتكلم الصحابة ~~والتابعون والأئمة في أرباب الحيل بذلك الكلام الغليظ الذي ذكرنا منه ~~اليسير من الكثير، وقد اتفق السلف على أنها بدعة محدثة؛ فلا يجوز تقليد من ~~يفتي بها، ويجب نقض حكمه، ولا يجوز الدلالة للمقلد على من يفتي بها، وقد نص ~~الإمام أحمد على ذلك كله، ولا خلاف في ذلك بين الأئمة، كما أن المكيين ~~والكوفيين لا يجوز تقليدهم في مسألة المتعة والصرف والنبيذ، ولا يجوز تقليد ~~بعض المدنيين في مسألة الحشوش وإتيان النساء في أدبارهن بل عند فقهاء ~~الحديث أن من شرب النبيذ المختلف فيه حد، وهذا فوق الإنكار باللسان، بل عند ~~فقهاء أهل المدينة يفسق، ولا تقبل شهادته، وهذا يرد قول من قال: لا إنكار ~~في المسائل المختلف فيها، وهذا خلاف إجماع الأئمة، ولا يعلم إمام من أئمة ~~الإسلام قال ذلك، وقد نص الإمام أحمد على أن من تزوج ابنته من الزنا يقتل، ~~والشافعي وأحمد ومالك لا يرون خلاف أبي حنيفة فيمن تزوج أمه وابنته أنه ~~يدرأ عنه الحد بشبهة دراءة للحد، بل عند الإمام أحمد - رضي الله عنه - ~~يقتل، وعند الشافعي ومالك يحد حد الزنا في هذا، مع أن القائلين بالمتعة ~~والصرف معهم سنة وإن كانت منسوخة، وأرباب الحيل ليس معهم سنة، ولا أثر عن ~~صاحب، ولا قياس صحيح. # [خطأ قول من قال لا إنكار في المسائل الخلافية] # وقولهم: " إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها " ليس بصحيح؛ فإن الإنكار إما ~~أن يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل، أما الأول فإذا كان القول يخالف سنة ~~أو إجماعا شائعا وجب # PageV03P223 # إنكاره اتفاقا، وإن لم يكن كذلك فإن بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار ~~مثله، وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات ~~الإنكار، وكيف يقول فقيه لا إنكار في المسائل المختلف فيها والفقهاء من ~~سائر الطوائف قد صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتابا أو سنة وإن كان قد ~~وافق فيه بعض العلماء؟ وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع ms1007 وللاجتهاد ~~فيها مساغ لم تنكر على من عمل بها مجتهدا أو مقلدا. # وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل ~~الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم. # والصواب ما عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل ~~به وجوبا ظاهرا مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ فيها - إذا عدم ~~فيها الدليل الظاهر الذي يجب العمل به - الاجتهاد لتعارض الأدلة أو لخفاء ~~الأدلة فيها، وليس في قول العالم: " إن هذه المسألة قطعية أو يقينية، ولا ~~يسوغ فيها الاجتهاد " طعن على من خالفها، ولا نسبة له إلى تعمد خلاف الصواب ~~والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها ~~كثير مثل كون الحامل تعتد بوضع الحمل، وأن إصابة الزوج الثاني شرط في حلها ~~للأول، وأن الغسل يجب بمجرد الإيلاج وإن لم ينزل، وأن ربا الفضل حرام، وأن ~~المتعة حرام، وأن النبيذ المسكر حرام، وأن المسلم لا يقتل بكافر، وأن المسح ~~على الخفين جائز حضرا وسفرا، وأن السنة في الركوع وضع اليدين على الركبتين ~~دون التطبيق، وأن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه سنة، وأن الشفعة ثابتة ~~في الأرض والعقار وأن الوقت صحيح لازم، وأن دية الأصابع سواء، وأن يد ~~السارق تقطع في ثلاثة دراهم، وأن الخاتم من حديد يجوز أن يكون صداقا، وأن ~~التيمم إلى الكوعين بضربة واحدة جائز، وأن صيام الولي عن الميت يجزئ عنه، ~~وأن الحاج يلبي حتى يرمي جمرة العقبة، وأن المحرم له استدامة الطيب دون ~~ابتدائه، وأن السنة أن يسلم في الصلاة عن يمينه وعن يساره السلام عليكم ~~ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله. # وأن خيار المجلس ثابت في البيع، وأن المصراة يرد معها عوض اللبن صاعا من ~~تمر، وأن صلاة الكسوف بركوعين في كل ركعة، وأن القضاء جائز بشاهد ويمين، ~~إلى أضعاف أضعاف ذلك من المسائل، ولهذا صرح الأئمة بنقض حكم من حكم بخلاف ~~كثير ms1008 من هذه المسائل، من غير طعن منهم على من قال بها. # وعلى كل حال فلا عذر عند الله يوم القيامة لمن بلغه ما في المسألة من هذا ~~الباب # PageV03P224 # وغيره من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها إذا نبذها وراء ظهره، وقلد ~~من نهاه عن تقليده، وقال له لا يحل لك أن تقول بقولي إذا خالف السنة، وإذا ~~صح الحديث فلا تعبأ بقولي، وحتى لو لم يقل له ذلك كان هذا هو الواجب عليه ~~وجوبا لا فسحة له فيه، وحتى لو قال له خلاف ذلك لم يسعه إلا اتباع الحجة، ~~ولو لم يكن في هذا الباب شيء من الأحاديث والآثار ألبتة فإن المؤمن يعلم ~~بالاضطرار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعلم أصحابه هذه ~~الحيل، ولا يدلهم عليها، ولو بلغه عن أحد فعل شيئا منها لأنكر عليه، ولم ~~يكن أحد من أصحابه يفتي بها ولا يعلمها، وذلك مما يقطع به كل من له أدنى ~~اطلاع على أحوال القوم وسيرتهم وفتاويهم، هذا القدر لا يحتاج إلى دليل أكثر ~~من معرفة حقيقة الدين الذي بعث الله به رسوله. ### | [فصل إبطال حيلة لتصحيح وقف الإنسان على نفسه] # فصل # فلنرجع إلى المقصود، وهو بيان بطلان هذه الحيل على التفصيل، وأنها لا ~~تتمشى لا على قواعد الشرع ومصالحه وحكمه ولا على أصول الأئمة [إبطال حيلة ~~لتصحيح وقف الإنسان على نفسه] # قال شيخنا: ومن الحيل الجديدة التي لا أعلم بين فقهاء الطوائف خلافا في ~~تحريمها أن يريد الرجل أن يقف على نفسه بعد موته على جهات متصلة، فيقول له ~~أرباب الحيل: أقر أن هذا المكان الذي بيدك وقف عليك من غيرك، ويعلمونه ~~الشروط التي يريد إنشاءها، فيجعلها إقرارا؛ فيعلمونه الكذب في الإقرار، ~~ويشهدون على الكذب وهم يعلمون، ويحكمون بصحته، ولا يستريب مسلم في أن هذا ~~حرام؛ فإن الإقرار شهادة من الإنسان على نفسه، فكيف يلقن شهادة الزور ويشهد ~~عليه بصحتها؟ ثم إن كان وقف الإنسان على نفسه باطلا في دين الله فقد ~~علمتموه حقيقة ms1009 الباطل؛ فإن الله تعالى قد علم أن هذا لم يكن وقفا قبل ~~الإقرار، ولا صار وقفا بالإقرار الكاذب، فيصير المال حراما على من يتناوله ~~إلى يوم القيامة، وإن كان وقف الإنسان على نفسه صحيحا فقد أغنى الله تعالى ~~عن تكلف الكذب. # قلت: ولو قيل إنه مسألة خلاف يسوغ فيها الاجتهاد فإذا وقفه على نفسه كان ~~لصحته مساغ لما فيه من الاختلاف لساغ، وأما الإقرار بوقفه من غير إنشاء ~~متقدم فكذب بحت، ولا يجعله ذلك وقفا اتفاقا، إذ أخذ الإقرار على حقيقته، ~~ومعلوم قطعا أن تقليد الإنسان لمن يفتي بهذا القول ويذهب إليه أقرب إلى ~~الشرع والعقل من توصله إليه بالكذب والزور # PageV03P225 # والإقرار الباطل؛ فتقليد عالم من علماء المسلمين أعذر عند الله من تلقين ~~الكذب والشهادة عليه. # فصل # ولهم حيلة أخرى - وهي أن الذي يريد الوقف يملكه لبعض من يثق به ثم يقفه ~~ذلك المملك عليه بحسب اقتراحه - وهذا لا شك في قبحه وبطلانه؛ فإن التمليك ~~المشروع المعقول أن يرضى المملك بنقل الملك إلى المملك بحيث يتصرف فيه بما ~~يجب من وجوه التصرفات، وهنا قد علم الله تعالى والحفظة الموكلون بالعبد ومن ~~يشاهدهم من بني آدم من هذا المملك أنه لم يرض بنقل الملك إلى هذا، ولا خطر ~~له على بال، ولو سأله درهما واحدا فلعله كان لم يسمح به عليه، ولم يرض ~~بتصرفه فيه إلا بوقفه على المملك خاصة، بل قد ملكه إياه بشرط أن يتبرع عليه ~~به وقفا إما بشرط مذكور وإما بشرط معهود متواطأ عليه، وهذا تمليك فاسد ~~قطعا، وليس بهبة ولا صدقة ولا هدية ولا وصية ولا إباحة، وليس هذا بمنزلة ~~العمرى والرقبى المشروط فيها العود إلى المعمر، فإن هناك ملكه التصرف فيه، ~~وشرط العود، وهنا لم يملكه شيئا، وإنما تكلم بلفظ التمليك غير قاصد معناه، ~~والموهوب له يصدقه أنهما لم يقصدا حقيقة الملك، بل هو استهزاء بآيات الله ~~وتلاعب بحدوده، وسنذكر إن شاء الله في الفصل الذي بعد هذا الطريق الشرعية ~~المغنية عن هذه الحيلة الباطلة. ms1010 ### | [فصل إبطال حيلة لتأجير الوقف مدة طويلة] # فصل # [إبطال حيلة لتأجير الوقف مدة طويلة] # ومن الحيل الباطلة: تحيلهم على إيجار الوقف مائة سنة مثلا، وقد شرط ~~الواقف ألا يؤجر أكثر من سنتين أو ثلاثا؛ فيؤجره المدة الطويلة في عقود ~~متفرقة في مجلس واحد، وهذه الحيلة باطلة قطعا، فإنه إنما قصد بذلك دفع ~~المفاسد المترتبة على طول مدة الإجارة، فإنها مفاسد كثيرة جدا، وكم قد ملك ~~من الوقوف بهذه الطرق وخرج عن الوقفية بطول المدة واستيلاء المستأجر فيها ~~على الوقف هو وذريته وورثته سنين بعد سنين؟ وكم فات البطون اللواحق من ~~منفعة الوقف بالإيجار الطويل؟ وكم أوجر الوقف بدون إجارة مثله لطول المدة ~~وقبض الأجرة؟ وكم زادت أجرة الأرض أو العقار أضعاف ما كانت ولم يتمكن ~~الموقوف عليه من استيفائها؟ وبالجملة فمفاسد هذه الإجارة تفوت العد، ~~والواقف إنما قصد دفعها، وخشي منها بالإجارة الطويلة، فصرح بأنه لا يؤجر ~~أكثر من تلك المدة التي شرطها، # PageV03P226 # فإيجاره أكثر منها سواء كان في عقد أو عقود مخالفة صريحة لشرطه، مع ما ~~فيها من المفسدة بل المفاسد العظيمة. # ويا لله العجب، هل تزول هذه المفاسد بتعدد العقود في مجلس واحد؟ وأي غرض ~~للعاقل أن يمنع الإجارة لأكثر من تلك المدة ثم يجوزها في ساعة واحدة، في ~~عقود متفرقة؟ وإذا أجره في عقود متفرقة أكثر من ثلاث سنين، أيصح أن يقال: ~~وفى بشرط الواقف ولم يخالفه؟ هذا من أبطل الباطل وأقبح الحيل، وهو مخالف ~~لشرط الواقف ومصلحة الموقوف عليه، وتعريض لإبطال هذه الصدقة، وأن لا يستمر ~~نفعها، وألا يصل إلى من بعد الطبقة الأولى وما قاربها، فلا يحل لمفت أن ~~يفتي بذلك، ولا لحاكم أن يحكم به، ومتى حكم به نقض حكمه، اللهم إلا أن يكون ~~فيه مصلحة الوقف، بأن يخرب ويتعطل نفعه فتدعو الحاجة إلى إيجاره مدة طويلة ~~يعمر فيها بتلك الأجرة، فهنا يتعين مخالفة شرط الواقف تصحيحا لوقفه ~~واستمرارا لصدقته، وقد يكون هذا خيرا من بيعه والاستبدال به، وقد يكون ~~البيع أو الاستبدال خيرا ms1011 من الأجرة، والله يعلم المفسد من المصلح. # والذي يقضي منه العجب التحيل على مخالفة شرط الواقف وقصده الذي يقطع بأنه ~~قصده مع ظهور المفسدة، والوقوف مع ظاهر شرطه ولفظه المخالف لقصده والكتاب ~~والسنة ومصلحة الموقوف عليه، بحيث يكون مرضاة الله ورسوله ومصلحة الواقف ~~وزيادة أجره ومصلحة الموقوف عليه وحصول الرفق به مع كون العمل أحب إلى الله ~~ورسوله، لا يغير شرط الواقف، ويجري مع ظاهر لفظه، وإن ظهر قصده بخلافه. # وهل هذا إلا من قلة الفقه؟ بل من عدمه، فإذا تحيلتم على إبطال مقصود ~~الواقف حيث يتضمن المفاسد العظيمة فهلا تحيلتم على مقصوده ومقصود الشارع ~~حيث يتضمن المصالح الراجحة بتخصيص لفظه أو تقييده أو تقديم شرط الله عليه؟ ~~فإن شرط الله أحق وأوثق، بل يقولون ها هنا: نصوص الواقف كنصوص الشارع، وهذه ~~جملة من أبطل الكلام، وليس لنصوص الشارع نظير من كلام غيره أبدا، بل نصوص ~~الواقف يتطرق إليها التناقض والاختلاف، ويجب إبطالها إذا خالفت نصوص الشارع ~~وإلغاؤها، ولا حرمة لها حينئذ ألبتة، ويجوز - بل يترجح - مخالفتها إلى ما ~~هو أحب إلى الله ورسوله منها وأنفع للواقف والموقوف عليه، ويجوز اعتبارها ~~والعدول عنها مع تساوي الأمرين، ولا يتعين الوقوف معها، وسنذكر إن شاء الله ~~فيما بعد، ونبين ما يحل الإفتاء به وما لا يحل من شروط الواقفين؛ إذ القصد ~~بيان بطلان هذه الحيلة شرعا وعرفا ولغة. # PageV03P227 ### | [فصل إبطال حيلة لإبرار من حلف ألا يفعل ما لا يفعله بنفسه] # فصل # [إبطال حيلة لإبرار من حلف ألا يفعل ما لا يفعله بنفسه عادة] : ومن الحيل ~~الباطلة ما لو حلف أن لا يفعل شيئا، ومثله لا يفعله بنفسه أصلا، كما لو حلف ~~السلطان أن لا يبيع كذا، ولا يحرث هذه الأرض ولا يزرعها، ولا يخرج هذا من ~~بلده، ونحو ذلك، فالحيلة أن يأمر غيره أن يفعل ذلك، ويبر في يمينه، إذا لم ~~يفعله بنفسه، وهذا من أبرد الحيل وأسمجها وأقبحها، وفعل ذلك هو الحنث الذي ~~حلف عليه بعينه، ولا يشك في أنه حانث، ms1012 ولا أحد من العقلاء، وقد علم الله ~~ورسوله والحفظة - بل والحالف نفسه - أنه إنما حلف على نفي الأمر والتمكين ~~من ذلك، لا على مباشرته، والحيل إذا أفضت إلى مثل هذا سمجت غاية السماجة، ~~ويلزم أرباب الحيل والظاهر أنهم يقولون إنه إذا حلف أن لا يكتب لفلان ~~توقيعا ولا عهدا ثم أمر كتابه أن يكتبوه له، فإنه لا يحنث، سواء كان أميا ~~أو كاتبا، وكذلك إذا حلف أن لا يحفر هذا البئر، ولا يكري هذا النهر، فأمر ~~غيره بحفره وإكرائه أنه لا يحنث. ### | [فصل إبطال حيلة لمن حلف لا يفعل شيئا ففعل بعضه] # فصل # [إبطال حيلة لمن حلف لا يفعل شيئا ففعل بعضه] # ومن الحيل الباطلة لو حلف لا يأكل هذا الرغيف، أو لا يسكن في الدار هذه ~~السنة، أو لا يأكل هذا الطعام، قالوا: يأكل الرغيف ويدع منه لقمة واحدة، ~~ويسكن السنة كلها إلا يوما واحدا، ويأكل الطعام كله إلا القدر اليسير منه ~~ولو أنه لقمة. # وهذه حيلة باطلة باردة، ومتى فعل ذلك فقد أتى بحقيقة الحنث، وفعل نفس ما ~~حلف عليه، وهذه الحيلة لا تتأتى على قول من يقول: يحنث بفعل [بعض] المحلوف ~~[عليه] ولا على قول من يقول لا يحنث، لأنه لم يرد مثل هذه الصورة قطعا، ~~وإنما أراد به إذا أكل لقمة مثلا من الطعام الذمي حلف أنه لا يأكله أو حبة ~~من القطف الذي حلف على تركه، ولم يرد أنه يأكل القطف إلا حبة واحدة منه، ~~وعالم لا يقول هذا. # ثم يلزم هذا المتحيل أن يجوز للمكلف فعل كل ما نهى الشارع عن جملته ~~فيفعله إلا القدر اليسير منه، فإن البر والحنث في الأيمان نظير الطاعة ~~والمعصية في الأمر والنهي، ولذلك لا يبر إلا بفعل المحلوف عليه جميعه، لا ~~بفعل بعضه، كما لا يكون مطيعا إلا بفعله جميعه، ويحنث بفعل بعضه كما يعصي ~~بفعل بعضه، فيلزم هذا القائل أن يجوز للمحرم # PageV03P228 # في الإحرام حلق تسعة أعشار رأسه، بل وتسعة أعشار العشر الباقي؛ لأن الله ~~تعالى إنما ms1013 نهاه عن حلق رأسه كله، لا عن بعضه، كما يفتي لمن حلف لا يحلق ~~رأسه أن يحلقه إلا القدر اليسير منه. # وتأمل لو فعل المريض هذا فيما نهاه الطبيب عن تناوله، هل يعد قابلا منه؟ ~~أو لو فعل مملوك الرجل أو زوجته أو ولده ذلك فيما نهاهم عنه، هل يكونون ~~مطيعين له أم مخالفين؟ وإذا تحيل أحدهم على نقض غرض الآمر وإبطاله بأدنى ~~الحيل، هل كان يقبل ذلك منه ويحمده عليه أو يعذره؟ وهل يعذر أحدا من الناس ~~يعامله بهذه الحيل؟ فكيف يعامل هو بهذا من لا تخفى عليه خافية؟ ### | [فصل إبطال حيلة لإسقاط حق الحضانة] # فصل # [إبطال حيلة لإسقاط حق الحضانة] : ومن الحيل الباطلة المحرمة ما لو أراد ~~الأب إسقاط حضانة الأم أن يسافر إلى غير بلدها، فيتبعه الولد. # وهذه الحيلة مناقضة لما قصده الشارع؛ فإنه جعل الأم أحق بالولد من الأب ~~مع قرب الدار وإمكان اللقاء كل وقت لو قضى به للأب، وقضى أن لا توله والدة ~~على ولدها، وأخبر أن من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم ~~القيامة، ومنع أن تباع الأم دون ولدها والولد دونها، وإن كانا في بلد واحد، ~~فكيف يجوز مع هذا التحيل على التفريق بينها وبين ولدها تفريقا تعز معه ~~رؤيته ولقاؤه ويعز عليها الصبر عنه وفقده؟ وهذا من أمحل المحال، بل قضاء ~~الله ورسوله أحق أن الولد للأم: سافر الأب أو أقام، والنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال للأم: «أنت أحق به ما لم تنكحي» فكيف يقال: أنت أحق به ما لم ~~يسافر الأب؟ وأين هذا في كتاب الله أو في سنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أو فتاوى أصحابه أو القياس الصحيح؟ فلا نص ولا قياس ولا مصلحة. ### | [فصل إبطال حيلة لجعل تصرفات المريض نافذة] # فصل # (إبطال حيلة لجعل تصرفات المريض نافذة) : ومن الحيل الباطلة المحرمة إذا ~~أراد حرمان امرأته [من] الميراث، أو كانت تركته كلها عبيدا وإماء فأراد جعل ~~تدبيرهم من رأس المال، أن يقول ms1014 في الصورة الأولى: إذا مت # PageV03P229 # من مرضي هذا فأنت طالق قبل مرضي بساعة ثلاثا، ويقول في الصورة الثانية: ~~إذا مت في مرضي هذا فأنتم عتقاء قبله بساعة، وحينئذ فيقع الطلاق والعتق في ~~الصحة. # وهذه حيلة باطلة؛ فإن التعليق إنما وقع منه في حال مرض موته، ولم يقارنه ~~أثره، وهو في هذه الحال لو نجز العتق والطلاق لكان العتق من الثلث والطلاق ~~غير مانع للميراث، مع مقارنة أثره له، وقوة المنجز وضعف المعلق، وأيضا ~~فالشرط هو موته في مرضه، والجزاء المعلق عليه هو العتق والطلاق، والجزاء ~~يستحيل أن يسبق شرطه؛ إذ في ذلك إخراج الشرط عن حقيقته وحكمه، وقد تقدم ~~تقرير ذلك في الحيلة السريجية. ### | [فصل إبطال حيلة لتأخير رأس مال السلم] # فصل # [إبطال حيلة لتأخير رأس مال السلم] : ومن الحيل الباطلة المحرمة إذا كان ~~مع أحدهما دينار رديء ومع الآخر نصف دينار جيد، فأراد بيع أحدهما بالآخر، ~~قال أرباب الحيل: الحيلة أن يبيعه دينارا بدينار في الذمة، ثم يأخذ البائع ~~الدينار الذي يريد شراءه بالنصف، فيريد الآخر دينارا عوضه، فيدفع إليه نصف ~~الدينار وفاء، ثم يستقرضه منه، فيبقى له في ذمته نصف دينار، ثم يعيده إليه ~~وفاء عن قرضه، فيبرأ منه، ويفوز كل منهما بما كان مع الآخر. # ومثل هذه الحيلة لو أراد أن يجعل بعض رأس مال السلم دينارا يوفيه إياه في ~~وقت آخر، بأن يكون معه نصف دينار ويريد أن يسلم إليه دينارا في كر حنطة، ~~فالحيلة أن يسلم إليه دينارا غير معين، ثم يوفيه نصف الدينار، ثم يعود ~~فيستقرضه منه، ثم يوفيه إياه عما له عليه من الدين، فيتفرقان وقد بقي له في ~~ذمته نصف دينار. # وهذه الحيلة من أقبح الحيل؛ فإنهما لا يخرجان بها عن بيع دينار بنصف ~~دينار، ولا عن تأخير رأس مال السلم عن مجلس العقد، ولكن توصلا إلى ذلك ~~بالقرض الذي جعلا صورته مبيحة لصريح الربا، ولتأخير قبض رأس مال السلم، ~~وهذا غير القرض الذي جاءت به الشريعة، وهو قرض لم يشرعه الله، ms1015 وإنما اتخذه ~~المتعاقدان تلاعبا بحدود الله وأحكامه، واتخاذا لآياته هزوا، وإذا كان ~~القرض الذي يجر النفع ربا عند صاحب الشرع، فكيف بالقرض الذي يجر صريح الربا ~~وتأخير قبض رأس مال السلم؟ . # PageV03P230 ### | [فصل إبطال حيلة لإسقاط حق الشفعة] # فصل # [إبطال حيلة لإسقاط حق الشفعة] # ومن الحيل الباطلة المحرمة التحيل على إسقاط ما جعله الله حقا للشريك على ~~شريكه من استحقاق الشفعة دفعا للضرر، والتحيل لإبطالها مناقض لهذا الغرض، ~~وإبطال لهذا الحكم بطريق التحيل. # وقد ذكروا وجوها من الحيل. # منها: أن يتفقا على مقدار الثمن، ثم عند العقد يصبره صبرة غير موزونة، ~~فلا يعرف الشفيع ما يدفع، فإذا فعلا ذلك فللشفيع أن يستحلف المشتري أنه لا ~~يعرف قدر الثمن، فإن نكل قضى عليه بنكوله، وإن حلف فللشفيع أخذ الشقص ~~بقيمته. # ومنها: أن يهب الشقص للمشتري، ثم يهبه المشتري ما يرضيه، وهذا لا يسقط ~~الشفعة، وهذا بيع وإن لم يتلفظا به، فله أن يأخذ الشقص بنظير الموهوب. # ومنها: أن يشتري الشقص، ويضم إليه سكينا أو منديلا بألف درهم، فيصير حصة ~~الشقص من الثمن مجهولة. # وهذا لا يسقط الشفعة، بل يأخذ الشفيع الشقص بقيمته كما لو استحق أحد ~~العوضين وأراد المشتري أخذ الآخر، فإنه يأخذ [ه] بحصته من الثمن إن انقسم ~~الثمن عليهما بالأجزاء، وإلا فبقيمته. # وهذا الشقص مستحق شرعا؛ فإن الشارع جعل الشفيع أحق به من المشتري بثمن، ~~فلا يسقط حقه منه بالحيلة والمكر والخداع. # ومنها: أن يشتري الشقص بألف دينار، ثم يصارفه عن كل دينار بدرهمين فإذا ~~أراد أخذه أخذه بالثمن الذي وقع عليه العقد. # وهذه الحيلة لا تسقط الشفعة، وإذا أراد أخذه أخذه بالثمن الذي استقر عليه ~~العقد وتواطأ عليه البائع والمشتري؛ فإنه هو الذي انعقد به العقد، ولا عبرة ~~بما أظهراه من الكذب والزور والبهتان الذي لا حقيقة له؛ ولهذا لو استحق ~~المبيع فإن المشتري لا يرجع على البائع بألف دينار، وإنما يرجع عليه بالثمن ~~الذي تواطأ عليه واستقر عليه العقد؛ فالذي يرجع به عند الاستحقاق هو الذي ~~يدفعه الشفيع ms1016 عند الأخذ. # هذا محض العدل الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه ولا تحتمل الشريعة ~~سواه. # ومنها: أن يشتري بائع الشقص من المشتري عبدا قيمته مائة درهم بألف درهم ~~في ذمته، ثم يبيعه الشقص بالألف. # وهذه الحيلة لا تبطل الشفعة، ويأخذ الشفيع الشقص بالثمن الذي يرجع به ~~المشتري على البائع إذا استحق المبيع، وهو قيمة العبد. # PageV03P231 # ومنها: أن يشتري الشقص بألف وهو يساوي مائة، ثم يبرئه البائع من تسع ~~مائة. # وهذا لا يسقط الشفعة، ويأخذه الشفيع بما بقي من الثمن بعد الإسقاط، وهو ~~الذي يرجع به إذا استحق المبيع. # ومنها: أن يشتري جزءا من الشقص بالثمن كله، ثم يهب له بقية الشقص. # وهذا لا يسقطها، ويأخذ الشفيع الشقص كله بالثمن؛ فإن هذه الهبة لا حقيقة ~~لها، والموهوب هو المبيع بعينه، ولا تغير حقائق العقود وأحكامها التي شرعت ~~فيها بتغير العبارة. # وليس للمكلف أن يغير حكم العقد بتغيير عبارته فقط مع قيام حقيقته، وهذا ~~لو أراد من البائع أن يهبه جزءا من ألف جزء من الشقص بغير عوض لما سمحت ~~نفسه بذلك ألبتة، فكيف يهبه ما يساوي مائة ألف بلا عوض؟ وكيف يشتري منه. # الآخر مائة درهم بمائة ألف؟ وهل هذا إلا سفه يقدح في صحة العقد؟ قال ~~الإمام أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، وقد سأله عن الحيلة في إبطال ~~الشفعة، فقال: لا يجوز شيء من الحيل في ذلك، ولا في إبطال حق مسلم. # وقال عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - في هذه الحيل وأشباهها: من يخدع ~~الله يخدعه، والحيلة خديعة. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحل الخديعة لمسلم» والله ~~تعالى ذم المخادعين، والمتحيل مخادع؛ لأن الشفعة شرعت لدفع الضرر، فلو شرع ~~التحيل لإبطالها لكان عودا على مقصود الشريعة بالإبطال، وللحق الضرر الذي ~~قصد إبطاله. ### | [فصل التحيل على إبطال القسمة] # فصل # [إبطال حيلة لتفويت حق القسمة] # ومن الحيل الباطلة التحيل على إبطال القسمة في الأرض القابلة لها، بأن ~~يقف الشريك منها سهما من مائة ألف ms1017 سهم مثلا على من يريد، فيصير الشريك ~~شريكا في الوقف، والقسمة بيع؛ فتبطل. # وهذه حيلة فاسدة باردة لا تبطل حق الشريك من القسمة، وتجوز القسمة ولو ~~وقف حصته كلها؛ فإن القسمة إفراز حق وإن تضمنت معاوضة، وهي غير البيع حقيقة ~~واسما وحكما وعرفا، ولا يسمى القاسم بائعا لا لغة ولا شرعا ولا عرفا، ولا ~~يقال للشريكين إذا # PageV03P232 # تقاسما تبايعا، ولا يقال لواحد منهما إنه قد باع ملكه، ولا يدخل ~~المتقاسمان تحت نص واحد من النصوص المتناولة للبيع، ولا يقال لناظر الوقف ~~إذا أفرز الوقف وقسمه من غيره إنه قد باع الوقف، وللآخر إنه قد اشترى ~~الوقف، وكيف ينعقد البيع بلفظ القسمة ولو كانت بيعا لوجبت فيها الشفعة؟ ولو ~~كانت بيعا لما أجبر الشريك عليها إذا طلبها شريكه؛ فإن أحدا لا يجبر على ~~بيع ماله، ويلزم إخراج القرعة، بخلاف البيع، ويتقدر أحد النصيبين فيها بقدر ~~النصيب الآخر إذا تساويا، وبالجملة فهي منفردة عن البيع باسمها وحقيقتها ~~وحكمها. ### | [فصل التحيل على تصحيح المزارعة لمن يعتقد فسادها] # فصل # [إبطال حيلة لتصحيح المزارعة مع القول بفسادها] : ومن الحيل الباطلة ~~التحيل على تصحيح المزارعة لمن يعتقد فسادها، بأن يدفع الأرض إلى المزارع ~~ويؤجره نصفها مشاعا مدة معلومة يزرعها ببذره على أن يزرع للمؤجر النصف ~~الآخر ببذره تلك المدة، ويحفظه ويسقيه ويحصده ويذريه، فإذا فعلا ذلك أخرج ~~البذر منهما نصفين نصفا من المالك ونصفا من المزارع، ثم خلطاه، فتكون الغلة ~~بينهما نصفين، فإن أراد صاحب الأرض أن يعود إليه ثلثا الغلة آجره ثلث الأرض ~~مدة معلومة على أن يزرع له مدة الإجارة ثلثي الأرض ويخرجان البذر منهما ~~أثلاثا ويخلطانه، وإن أراد المزارع أن يكون له ثلثا البذر استأجر ثلثي ~~الأرض بزرع الثلث الآخر كما تقدم. # فتأمل هذه الحيلة الطويلة الباردة المتعبة، وترك الطريق المشروعة التي ~~فعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كأنها رأي عين، واتفق عليها ~~الصحابة، وصح فعلها عن الخلفاء الراشدين صحة لا يشك فيها، كما حكاه البخاري ~~في صحيحه، فما مثل هذا ms1018 العدول عن طريقة القوم إلى هذه الحيلة الطويلة ~~السمجة إلا بمنزلة من أراد الحج من المدينة على الطريق التي حج فيها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فقيل له: هذه الطريق مسدودة، وإذا ~~أردت أن تحج فاذهب إلى الشام ثم منها إلى العراق، ثم حج على درب العراق وقد ~~وصلت. # فيا لله العجب، كيف تسد عليه الطريق القريبة السهلة القليلة الخطر التي ~~سلكها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ويدل على الطرق الطويلة ~~الصعبة المشقة الخطرة التي لم يسلكها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا ~~أحد من أصحابه؟ # فلله العظيم عظيم حمد ... كما أهدى لنا نعما غزارا # وهذا شأن جميع الحيل إذ كانت صحيحة جائزة، وأما إذا كانت باطلة محرمة ~~فتلك لها شأن آخر، وهي طريق إلى مقصد آخر غير الكعبة البيت الحرام وبالله ~~التوفيق. # PageV03P233 ### | [فصل إبطال حيلة لإسقاط حق الأب في الرجوع في الهبة] # فصل # [إبطال حيلة لإسقاط حق الأب في الرجوع في الهبة ونحو ذلك] : ومن الحيل ~~الباطلة التي لا تسقط الحق إذا أراد الابن منع الأب الرجوع فيما وهبه إياه ~~أن يبيعه لغيره، ثم يستقيله إياه، وكذلك المرأة إذا أرادت منع الزوج من ~~الرجوع في نصف الصداق باعته ثم استقالته. # وهذا لا يمنع الرجوع فإن المحذور إبطال حق لغير من العين، وهذا لا يبطل ~~للغير حقا، والزائل العائد كالذي لم يزل، ولا سيما إذا كان زواله إنما جعل ~~ذريعة وصورة إلى إبطال حق الغير؛ فإنه لا يبطل بذلك. # يوضحه أن الحق كان متعلقا بالعين تعلقا قدم الشارع مستحقه على المالك ~~لقوته، ولا يكون صورة إخراجه عن يد المالك إخراجا لا حقيقة له أقوى من ~~الاستحقاق الذي أثبت الشارع به انتزاعه من يد المالك، بل لو كان الإخراج ~~حقيقة ثم عاد لعاد حق الأول من الأخذ لوجود مقتضيه وزوال مانعه، والحكم إذا ~~كان له مقتض فمنع مانع من إعماله ثم زال المانع اقتضى المقتضي عمله. ### | [فصل إبطال حيلة لتجويز الوصية للوارث] # فصل # [إبطال حيلة لتجويز ms1019 الوصية للوارث] # ومن الحيل الباطلة المحرمة إذا أراد أن يخص بعض ورثته ببعض الميراث، وقد ~~علم أن الوصية لا تجوز، وأن عطيته في مرضه وصية؛ فالحيلة أن يقول: كنت وهبت ~~له كذا وكذا في صحتي، أو يقر له بدين، فيتقدم به. # وهذا باطل، والإقرار للوارث في مرض الموت لا يصح للتهمة عند الجمهور، بل ~~مالك يرده للأجنبي إذا ظهرت التهمة، وقوله هو الصحيح، وأما إقراره أنه كان ~~وهبه إياه في صحته فلا يقبل أيضا كما لا يقبل إقراره له بالدين، ولا فرق ~~بين إقراره له بالدين أو بالعين، وأيضا فهذا المريض لا يملك إنشاء عقد ~~التبرع المذكور؛ فلا يملك الإقرار به، لاتحاد المعنى الموجب لبطلان ~~الإنشاء، فإنه بعينه قائم في الإقرار، وبهذا يزول النقض بالصور التي يملك ~~فيها الإقراء دون الإنشاء، فإن المعنى الذي منع من الإنشاء هناك لم يوجد في ~~الإقرار، فتأمل هذا الفرق. # PageV03P234 # فصل ومن الحيل الباطلة المحرمة # إذا أراد أن يحابي وارثه في مرضه أن يبيع أجنبيا شفيعه وارثه شقصا بدون ~~ثمنه، ليأخذه وارثه بالشفعة. # فمتى قصد ذلك حرمت المحاباة المذكورة، وكان للورثة إبطالها إذا كانت حيلة ~~على محاباة الوارث، وهذا كما يبطل الإقرار له؛ لأنه قد يتخذ حيلة لتخصيصه. # وقال أصحابنا: له الأخذ بالشفعة، وهذا لا يستقيم على أصول المذهب، إلا ~~إذا لم يكن حيلة، فأما إذا كان حيلة فأصول المذهب تقتضي ما ذكرناه، ومن ~~اعتبر سد الذرائع فأصله يقتضي عدم الأخذ بها وإن لم يقصد الحيلة، فإن قصد ~~التحيل امتنع الأخذ لذلك، وإن لم يقصده امتنع سدا للذريعة. ### | [فصل إبطال حيلة لإسقاط أرش الجنايات] # فصل # [إبطال حيلة لإسقاط أرش الجنايات] : ومن الحيل الباطلة المحرمة إذا أوضح ~~رأسه في موضعين وجب عليه عشرة أبعرة من الإبل، فإذا أراد جعلها خمسة ~~فليوضحه ثالثة تخرق ما بينهما. # وهذه الحيلة مع أنها محرمة فإنهما لا تسقط ما وجب عليه، فإن العشر لا يجب ~~عليه إلا بالاندمال، فإذا فعل ذلك بعد الاندمال فهي موضحة ثالثة، وعليه ~~ديتها، فإن كان قبل ms1020 الاندمال ولم يستقر أرش الموضحتين الأوليين حتى صار ~~الكل واحدة من جان واحد فهو كما لو سرت الجناية حتى خرقت ما بينهما فإنها ~~تصير واحدة. # وهكذا لو قطع أصبعا بعد أصبع من امرأة حتى قطع أربعا؛ فإنه يجب عشرون، ~~ولو اقتصر على الثلاث وجب ثلاثون، وهذا بخلاف ما لو قطع الرابعة بعد ~~الاندمال؛ فإنه يجب فيها عشرة، كما لو تعدد الجاني فإنه يجب على كل واحد ~~أرش جنايته قبل الاندمال وبعده، وكذلك لو قطع أطراف رجل وجب عليه ديات، فإن ~~اندملت ثم قتله بعد ذلك فعليه مع تلك الديات دية النفس، ولو قتله قبل ~~الاندمال فدية واحدة، كما لو قطعه عضوا عضوا حتى مات. # PageV03P235 ### | [فصل إبطال حيل لإسقاط حد السرقة] # فصل # [إبطال حيل لإسقاط حد السرقة] : ومن الحيل الباطلة الحيل التي فتحت ~~للسراق واللصوص التي لو صحت لم تقطع يد سارق أبدا، ولعم الفساد، وتتابع ~~السراق في السرقة. # فمنها: أن ينقب أحدهما السطح ولا يدخل، ثم يدخل عبده أو شريكه فيخرج ~~المتاع من السطح. # ومنها: أن ينزل أحدهما من السطح، فيفتح الباب من داخل، ويدخل الآخر فيخرج ~~المتاع. # ومنها: أن يدعي أنه ملكه، وأن رب البيت عبده، فبمجرد ما يدعي ذلك يسقط ~~عنه القطع، ولو كان رب البيت معروف النسب، والناس تعرف أن المال ماله، ~~وأبلغ من هذا أنه لو ادعى العبد السارق أن المسروق لسيده وكذبه السيد، ~~قالوا: فلا قطع عليه، بل يسقط عنه القطع بهذه الدعوى. # ومنها: أن يبلع الجوهرة أو الدنانير ويخرج بها. # ومنها: أن يغير هيئة المسروق بالحرز ثم يخرج به. # ومنها: أن يدعي أن رب الدار أدخله داره، وفتح له باب داره، فيسقط عنه ~~القطع وإن كذبه، إلى أمثال ذلك من الأقوال التي حقيقتها أنه لا يجب القطع ~~على سارق ألبتة. # وكل هذه حيل باطلة لا تسقط القطع، ولا تثير أدنى شبهة، ومحال أن تأتي ~~شريعة بإسقاط عقوبة هذه الجريمة بها، بل ولا سياسة عادلة؛ فإن الشرائع ~~مبنية على مصالح العباد، وفي هذه الحيل أعظم ms1021 الفساد، ولو أن ملكا من الملوك ~~وضع عقوبة على جريمة من الجرائم لمصلحة رعيته، ثم أسقطها بأمثال هذه الحيل ~~عد متلاعبا. ### | [فصل إبطال حيلة لإسقاط حد الزنا] # فصل # [إبطال حيلة لإسقاط حد الزنا] : ومن الحيل الباطلة الحيلة التي تتضمن ~~إسقاط حد الزنا بالكلية، وترفع هذه الشريعة من الأرض، بأن يستأجر المرأة ~~لتطوي له ثيابه، أو تحول له متاعا من جانب الدار إلى جانب آخر، أو يستأجرها ~~لنفس الزنا، ثم يزني بها؛ فلا يجب عليه الحد. # PageV03P236 # وأعظم من هذا كله أنه إذا أراد أن يزني بأمه أو أخته أو ابنته أو خالته ~~أو عمته ولا يجب عليه الحد فليعقد عليها عقد النكاح بشهادة فاسقين، ثم ~~يطؤها ولا حد عليه. # وأعظم من ذلك أن الرجل المحصن إذا أراد أن يزني ولا يحد فليرتد ثم يسلم ~~فإنه إذا زنى بعد ذلك فلا حد عليه أبدا حتى يستأنف نكاحا أو وطئا جديدا. # وأعظم من هذا كله أنه إذا زنى بأمه وخاف من إقامة الحد عليه فليقتلها، ~~فإذا فعل ذلك سقط عنه الحد، وإذا شهد عليه الشهود بالزنا ولم يمكنه القدح ~~فيهم فليصدقهم. # فإذا صدقهم سقط عنه الحد. # ولا يخفى أمر هذه الحيل ونسبتها إلى دين الإسلام، وهل هي نسبة موافقة أو ~~هي نسبة مناقضة؟ . ### | [فصل إبطال حيلة لإبرار من حلف لا يأكل شيئا] # فصل # [إبطال حيلة لإبرار من حلف لا يأكل شيئا ثم غيره عن حاله الأول] : ومن ~~الحيل الباطلة أنه إذا حلف لا يأكل من هذا القمح، فالحيلة أن يطحنه ويعجنه ~~ويأكله خبزا، وطرد هذه الحيلة الباردة أنه إذا حلف لا يأكل هذه الشاة ~~فليذبحها وليطبخها ثم يأكلها، وإذا حلف أنه لا يأكل هذه النخلة فليجذ ثمرها ~~ثم يأكلها، فإن طردوا ذلك فمن الفضائح الشنيعة، وإن فرقوا تناقضوا، فإن ~~قالوا: " الحنطة يمكن أكلها صحاحا بخلاف الشاة والنخلة، فإنه لا يمكن فيها ~~ذلك " قيل: والعادة أن الحنطة لا يأكلها صحاحا إلا الدواب والطير، وإنما ~~تؤكل خبزا، فكلاهما سواء عند الحالف وكل عاقل. ### | [فصل من ms1022 الحيل الباطلة لو حلف أنه لا يأكل هذا الشحم] # فصل # ومن الحيل الباطلة المحرمة المضاهية للحيلة اليهودية ما لو حلف أنه لا ~~يأكل هذا الشحم فالحيلة أن يذيبه ثم يأكل. # وهذا كله تصديق لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لتتبعن سنن من ~~كان قبلكم حذو القذة بالقذة، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» # وتصديق قوله: «لتأخذن أمتي ما أخذ الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع، ~~حتى لو كان منهم من أتى علانية لكان فيهم من يفعله» . # PageV03P237 # وهذه الحيلة في الشحوم هي حيلة اليهود بعينها، بل أبلغ منها، فإن أولئك ~~لم يأكلوا الشحم بعد إذابته وإنما أكلوا ثمنه. ### | [فصل إبطال حيلة لتجويز نكاح الأمة مع الطول] # فصل # [إبطال حيلة لتجويز نكاح الأمة مع الطول] : ومن الحيل الباطلة المحرمة ~~لمن أراد أن يتزوج بأمة وهو قادر على نكاح حرة أن يملك ماله لولده ثم يعقد ~~على الأمة ثم يسترد المال منه. # وهذه الحيلة لا ترفع المفسدة التي حرم لأجلها نكاح الأمة، ولا تخففها، ~~ولا تجعله عادما للطول؛ فلا تدخل في قوله: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات} [النساء: 25] وهذه الحيلة حيلة على استباحة نفس ما حرم ~~الله تعالى. ### | [فصل الحيلة فيما إذا على كافر بناءه على مسلم] # فصل # ومنها لو على كافر بناءه على مسلم منع من ذلك، فالحيلة على جوازه أن ~~يعليها مسلم ما شاء ثم يشتريها الكافر منه فيسكنها. # وهذه الحيلة وإن ذكرها بعض الأصحاب فهي مما أدخلت في المذهب غلطا محضا، ~~ولا توافق أصوله ولا فروعه؛ فالصواب المقطوع به عدم تمكينه من سكناها؛ فإن ~~المفسدة لم تكن في نفس البناء، وإنما كانت في ترفعه على المسلمين. # ومعلوم قطعا أن هذه المفسدة في الموضعين واحدة. ### | [فصل إسقاط حيلة لإبراء الغاصب من الضمان] # فصل # [إسقاط حيلة لإبراء الغاصب من الضمان] # ومن الحيل الباطلة إذا غصبه طعاما ثم أراد أن يبرأ منه ولا يعلمه به، ~~فليدعه إلى داره، ثم يقدم له ذلك الطعام، فإذا أكله برئ الغاصب. # وهذه الحيلة ms1023 باطلة، فإنه لم يملكه إياه، ولا مكنه من التصرف فيه، فلم يكن ~~بذلك رادا لعين ماله إليه. # فإن قيل: فما تقولون لو أهداه إليه فقبله وتصرف فيه وهو لا يعلم أنه ~~ماله؟ قيل: إن خاف من إعلامه به ضررا يلحقه منه برئ بذلك، وإن لم يخف ضررا ~~وإنما أراد المنة عليه ونحو ذلك لم يبرأ، ولا سيما إن كافأه على الهدية ~~فقبل، فهذا لا يبرأ قطعا. # PageV03P238 ### | [فصل إبطال حيل في الأيمان] # فصل # [إبطال حيل في الأيمان] # من الحيل الباطلة بلا شك الحيل التي يفتي بها من حلف لا يفعل الشيء ثم ~~حلف ليفعلنه، فيتحيل له حتى يفعله بلا حنث، وذكروا لها صورا: أحدها: أن ~~يحلف لا يأكل هذا الطعام، ثم يحلف هو أو غيره ليأكلنه، فالحيلة أن يأكله ~~إلا لقمة منه، فلا يحنث. # ومنها: لو حلف أن لا يأكل هذا الجبن، ثم حلف ليأكلنه، قالوا: فالحيلة أن ~~يأكله بالخبز، ويبر ولا يحنث. # ومنها: لو حلف لا يلبس هذا الثوب، ثم حلف هو أو غيره ليلبسنه، فالحيلة أن ~~يقطع منه شيئا يسيرا ثم يلبسه، فلا يحنث. # وطرد قولهم أن ينسل منه خيطا ثم يلبسه. # ولا يخفى أمر هذه الحيلة وبطلانها، وأنها من أقبح الخداع وأسمجه، ولا ~~يتمشى على قواعد الفقه ولا فروعه ولا أصول الأئمة؛ فإنه إن كان بترك البعض ~~لا يعد آكلا ولا لابسا فإنه لا يبرأ بالحلف ليفعلن فإنه إن عد فاعلا وجب أن ~~يحنث في جانب النفي، وإن لم يعد فاعلا وجب أن يحنث في جانب الثبوت، فأما أن ~~يعد فاعلا بالنسبة إلى الثبوت وغير فاعل بالنسبة إلى النفي فتلاعب. ### | [فصل إبطال حيل في الظهار والإيلاء ونحوهما] # فصل # [إبطال حيل في الظهار والإيلاء ونحوهما] # ومنها الحيل التي تبطل الظهار والإيلاء والطلاق والعتق بالكلية، وهي ~~مشتقة من الحيلة السريجية، كقوله: إن تظاهرت منك أو آليت منك فأنت طالق ~~قبله ثلاثا، فلا يمكنه بعد ذلك ظهار ولا إيلاء، وكذلك يقول: إن أعتقتك فأنت ~~حر قبل الإعتاق، وكذلك لو قال: إن ms1024 بعتك فأنت حر قبل البيع، وقد تقدم بطلان ~~هذه الحيل كلها. ### | [فصل إبطال حيلة لحسبان الدين من الزكاة] # فصل # [إبطال حيلة لحسبان الدين من الزكاة] # ومن الحيل الباطلة المحرمة أن يكون له على رجل مال، وقد أفلس غريمه وأيس ~~من # PageV03P239 # أخذه منه، وأراد أن يحسبه من الزكاة، فالحيلة أن يعطيه من الزكاة بقدر ما ~~عليه، فيصير مالكا للوفاء، فيطالبه حينئذ بالوفاء، فإذا أوفاه برئ وسقطت ~~الزكاة عن الدافع. # وهذه حيلة باطلة، سواء شرط عليه الوفاء أو منعه من التصرف فيما دفعه إليه ~~أو ملكه إياه بنية أن يستوفيه من دينه، فكل هذا لا يسقط عنه الزكاة، ولا ~~يعد مخرجا لها لا شرعا ولا عرفا كما لو أسقط دينه وحسبه من الزكاة. # قال مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل له على رجل دين برهن، وليس عنده ~~قضاؤه، ولهذا الرجل زكاة مال، قال: يفرقه على المساكين، فيدفع إليه رهنه، ~~ويقول له: الدين الذي لي عليك هو لك، ويحسبه من زكاة ماله، قال: لا يجزئه ~~ذلك؟ فقلت له: فيدفع إليه زكاته فإن رده إليه قضى مما أخذه من ماله؟ قال: ~~نعم؛ وقال في موضع آخر - وقيل له: فإن أعطاه ثم رده إليه؟ - قال: إذا كان ~~بحيلة فلا يعجبني، قيل له: فإن استقرض الذي عليه الدين دراهم فقضاه إياها ~~ثم ردها عليه وحسبها من الزكاة؟ قال: إذا أراد بهذا إحياء ماله فلا يجوز، ~~ومطلق كلامه ينصرف إلى هذا المقيد؛ فيحصل من مذهبه أن دفع الزكاة إلى ~~الغريم جائز، سواء دفعها ابتداء أو استوفى حقه ثم دفع ما استوفاه إليه، إلا ~~أنه متى قصد بالدفع إحياء ماله واستيفاء دينه لم يجز؛ لأن الزكاة حق لله ~~وللمستحق، فلا يجوز صرفها إلى الدافع، يفوز بنفعها العاجل. # ومما يوضح ذلك أن الشارع منعه من أخذها من المستحق بعوضها، فقال: " لا ~~تشترها ولا تعد في صدقتك " فجعله بشرائها منه بثمنها عائدا فيها، فكيف إذا ~~دفعها إليه بنية أخذها منه؟ قال جابر بن عبد الله: إذا جاء المصدق فادفع ms1025 ~~إليه صدقتك، ولا تشترها، فإنهم كانوا يقولون: " ابتعها " فأقول: إنما هي ~~لله. # وقال ابن عمر: لا تشتر طهور مالك. # وللمنع من شرائه علتان؛ إحداهما: أنه يتخذ ذريعة وحيلة إلى استرجاع شيء ~~منها؛ لأن الفقير يستحي منه فلا يماكسه في ثمنها، وربما أرخصها ليطمع أن ~~يدفع إليه صدقة أخرى، وربما علم أو توهم أنه إن لم يبعه إياها استرجعها منه ~~فيقول: ظفري بهذا الثمن خير من الحرمان. # العلة الثانية: قطع طمع نفسه عن العود في شيء أخرجه لله بكل طريق، فإن ~~النفس متى طمعت في عوده بوجه ما فآمالها بعد متعلقة به، فلم تطب به نفسا ~~لله وهي متعلقة به، فقطع عليها طمعها في العود، ولو بالثمن، ليتمحص الإخراج ~~لله، وهذا شأن النفوس الشريفة ذوات الأقدار والهمم، أنها إذا أعطت عطاء لم ~~تسمح بالعود فيه بوجه لا بشراء ولا # PageV03P240 # بغيره، وتعد ذلك دناءة، ولهذا مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - العائد ~~في هبته بالكلب يعود في قيئه لخسته ودناءة نفسه وشحه بما قاءه أن يفوته. # فمن محاسن الشريعة منع المتصدق من شراء صدقته، ولهذا منع من سكنى بلاده ~~التي هاجر منها لله وإن صارت بعد ذلك دار إسلام، كما «منع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - المهاجرين بعد الفتح من الإقامة بمكة فوق ثلاثة أيام، لأنهم ~~خرجوا عن ديارهم لله؛ فلا ينبغي أن يعودوا في شيء تركوه لله» ، وإن زال ~~المعنى الذي تركوها لأجله. # فإن قيل: فأنتم تجوزون له أن يقضي بها دين المدين، إذا كان المستحق له ~~غيره، فما الفرق بين أن يكون الدين له أو لغيره؟ ويحصل للغريم براءة ذمته ~~وراحة من ثقل الدين في الدنيا ومن حمله في الآخرة؟ فمنفعته ببراءة ذمته خير ~~له من منفعة الأكل والشرب واللباس؟ فقد انتفع هو بخلاصه من رق الدين، ~~وانتفع رب المال بتوصله إلى أخذ حقه، وصار هذا كما لو أقرضه مالا ليعمل فيه ~~ويوفيه دينه من كسبه. # قيل: هذه المسألة فيها روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد - رحمه الله -؛ ~~إحداهما: أنه لا ms1026 يجوز له أن يقضي دينه من زكاته، بل يدفع إليه الزكاة ~~ويؤديها هو عن نفسه، والثانية: يجوز له أن يقضي دينه من الزكاة قال أبو ~~الحارث: قلت للإمام أحمد: رجل عليه ألف، وكان على رجل زكاة ماله ألف، ~~فأداها عن هذا الذي عليه الدين، يجوز هذا من زكاته؟ قال: نعم، ما أرى بذلك ~~بأسا، وعلى هذا فالفرق ظاهر؛ لأن الدافع لم ينتفع هاهنا بما دفعه إلى ~~الغريم، ولم يرجع إليه، بخلاف ما إذا دفعه إليه ليستوفيه منه؛ فإنه قد أحيا ~~ماله بماله، ووجه القول بالمنع أنه قد يتخذ ذريعة إلى انتفاعه بالقضاء، مثل ~~أن يكون الدين لولده أو لامرأته أو لمن يلزمه نفقته فيستغني عن الإنفاق ~~عليه؛ فلهذا قال الإمام أحمد: أحب إلي أن يدفعه إليه حتى يقضي هو عن نفسه، ~~قيل: هو محتاج يخاف أن يدفع إليه فيأكله ولا يقضي دينه # قال: فقل له يوكله حتى يقضيه، والمقصود أنه متى فعل ذلك حيلة لم تسقط عنه ~~الزكاة بما دفعه؛ فإنه لا يحل له مطالبة المعسر، وقد أسقط الله عنه ~~المطالبة، فإذا توصل إلى وجوبها بما يدفعه إليه فقد دفع إليه شيئا ثم أخذه، ~~فلم يخرج منه شيء، فإنه لو أراد الآخذ التصرف في المأخوذ وسد خلته منه لما ~~مكنه، فهذا هو الذي لا تسقط عنه الزكاة، فأما لو أعطاه عطاء قطع طمعه من ~~عوده إليه وملكه ظاهرا وباطنا ثم دفع إليه الآخذ دينه من الزكاة فهذا جائز ~~كما لو أخذ الزكاة من غيره ثم دفعها إليه، والله أعلم. # PageV03P241 ### | [فصل إبطال حيلة لتجويز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها] # فصل # [إبطال حيلة لتجويز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها] : ومن الحيل الباطلة ~~التحيل على نفس ما نهى عنه الشارع من بيع الثمرة قبل بدو صلاحها والحب قبل ~~اشتداده، بأن يبيعه ولا يذكر تبقيته ثم يخليه إلى وقت كماله فيصح البيع ~~ويأخذه وقت إدراكه، وهذا هو نفس ما نهى عنه الشارع إن لم يكن فعله بأدنى ~~الحيل، ووجه هذه الحيلة أن موجب العقد ms1027 القطع، فيصح وينصرف إلى موجبه، كما ~~لو باعها بشرط القطع، ثم القطع حق لهما لا يعدوهما، فإذا اتفقا على تركه ~~جاز، ووجه بطلان هذه الحيلة أن هذا هو الذي نهى عنه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بعينه للمفسدة التي يفضي إليها من التشاجر والتشاحن، فإن ~~الثمار تصيبها العاهات كثيرا، فيفضي بيعها قبل كمالها إلى أكل مال المشتري ~~بالباطل، كما علل به صاحب الشرع، ومن المعلوم قطعا أن هذه الحيلة لا ترفع ~~المفسدة، ولا تزيل بعضها، وأيضا فإن الله وملائكته والناس قد علموا أن من ~~اشترى الثمار وهي شيص لم يمكن أحدا أن يأكل منها، فإنه لا يشتريها للقطع، ~~ولو اشتراها لهذا الغرض لكان سفها وبيعه مردود، وكذلك الجوز والخوخ والإجاص ~~وما أشبهها من الثمار التي لا ينتفع بها قبل إدراكها، لا يشتريها أحد إلا ~~بشرط التبقية، وإن سكت عن ذكر الشرط بلسانه فهو قائم بقلبه وقلب البائع، ~~وفي هذا تعطيل للنص وللحكمة التي نهى الشارع لأجلها؛ أما تعطيل الحكمة ~~فظاهر، وأما تعطيل النص فإنه إنما يحمله على ما إذا باعها بشرط التبقية ~~لفظا، فلو سكت عن التلفظ بذلك وهو مراده ومراد البائع جاز، وهذا تعطيل لما ~~دل عليه النص وإسقاط لحكمته. ### | [فصل إبطال حيلة لتجويز بيع شيء حلف ألا يبيعه] # فصل # [إبطال حيلة لتجويز بيع شيء حلف ألا يبيعه] # ومن الحيل الباطلة أنه إذا حلف لا يبيعه هذه الجارية، ثم أراد أن يبيعها ~~منه فليبعه منها تسعمائة وتسعة وتسعين سهما، ثم يهبه السهم الباقي، وقد ~~تقدم نظير هذه الحيلة الباطلة، وكذلك لو حلف لا يبيعه ولا يهبه إياها ففعل ~~ذلك لم يحنث. # ولو وقعت هذه الحيلة في جارية قد وطئها الحالف اليوم فأراد المالك أن ~~يطأها بلا استبراء فله حيلتان على إسقاط الاستبراء؛ إحداهما: أن يعتقها ثم ~~يتزوجها، والثانية: أن يملكها لرجل ثم يزوجه إياها، فإذا قضى وطره منها ثم ~~أراد بيعها أو وطأها بملك اليمين فليشترها من المملك فينفسخ نكاحه، فإن شاء ~~باعها وإن شاء أقام على وطئها. ms1028 # PageV03P242 # ، وتقدم أن نظير هذه الحيلة لو حلف أن لا يلبس هذا الثوب فلينسل منه خيطا ~~ثم يلبسه، أو لا يأكل هذا الرغيف فليخرج منه لبابة ثم يأكله. # قال غير واحد من السلف: لو فعل المحلوف عليه على وجه لكان أخف وأسهل من ~~هذا الخداع، ولو قابل العبد أمر الله ونهيه بهذه المقابلة لعد عاصيا ~~مخادعا، بل لو قابل أحد الرعية أمر الملك ونهيه أو العبد أمر سيده ونهيه أو ~~المريض أمر الطبيب ونهيه بهذه المقابلة لما عذره أحد قط، ولعده كل أحد ~~عاصيا، وإذا تدبر العالم في الشريعة أمر هذه الحيل لم يخف عليه نسبتها ~~إليها ومحلها منها، والله المستعان. ### | [فصل إبطال حيلة في الإيمان] # فصل # [إبطال حيلة في الأيمان] : ومن الحيل الباطلة: لو حلف لا يبيع هذه السلعة ~~بمائة دينار أو زاد عليها؛ فلم يجد من يشتريها بذلك فليبعها بتسعة وتسعين ~~دينارا، أو مائة جزء من دينار، أو أقل من ذلك، أو يبعها بدراهم تساوي ذلك، ~~أو يبعها بتسعين دينارا ومنديلا أو ثوبا أو نحو ذلك. # وكل هذه حيل باطلة، فإنها تتضمن نفس مخالفته لما نواه وقصده وعقد قلبه ~~عليه، وإذا كانت يمين الحالف على ما يصدقه عليه صاحبه، - كما قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فيمينه على ما يعلمه الله من قلبه كائنا ما. # كان؛ فليقل ما شاء، وليتحيل ما شاء، فليست يمينه إلا على ما علمه الله من ~~قلبه. # قال الله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما ~~كسبت قلوبكم} [البقرة: 225] فأخبر تعالى أنه إنما يعتبر في الأيمان قصد ~~القلب وكسبه، لا مجرد اللفظ الذي لم يقصده أو لم يقصد معناه؛ على التفسيرين ~~في اللغو، فكيف إذا كان قاصدا لصد ما يتحيل عليه؟ ### | [فصل إبطال حيلة لتجويز بيع أم الولد] # فصل # [إبطال حيلة لتجويز بيع أم الولد] : # ومن الحيل الباطلة على أن يطأ أمته وإذا حبلت منه لم تصر أم ولد، فله ~~بيعها: أن يملكها لولده الصغير، ثم يتزوجها ويطأها، فإذا ولدت منه عتق ms1029 ~~الأولاد على الولد؛ لأنهم إخوته، ومن ملك أخاه عتق عليه. # PageV03P243 # قالوا: فإن خاف أن لا تتمشى هذه الحيلة على قول الجمهور الذين لا يجوزون ~~للرجل أن يتزوج بجارية ابنه - وهو قول الإمام أحمد ومالك والشافعي - ~~فالحيلة أن يملكها لذي رحم محرم منه، ثم يزوجه إياها، فإذا ولدت عتق الولد ~~على ملك ذي الرحم؛ فإذا أراد بيع الجارية فليهبها له، فينفسخ النكاح، وإن ~~لم يكن له ذو رحم محرم فليملكها أجنبيا، ثم يزوجها به، فإن خاف من رق الولد ~~فليعلق الأجنبي عتقهم بشرط الولادة، فيقول: كل ولد تلدينه فهو حر، فيكون ~~الأولاد كلهم أحرارا؛ فإذا أراد بيعها بعد ذلك فليتهبها من الأجنبي ثم ~~يبعها. # وهذه الحيلة أيضا باطلة؛ فإن حقيقة التمليك لم توجد، إذ حقيقته نقل الملك ~~إلى المملك يتصرف فيه كما أحب. # هذا هو الملك المشروع المعقول المتعارف، فأما تمليك لا يتمكن فيه المملك ~~من التصرف إلا بالتزويج وحده؛ فهو تلبيس لا تمليك؛ فإن المملك لو أراد ~~وطأها أو الخلوة بها أو النظر إليها بشهوة أو التصرف فيها كما يتصرف المالك ~~في مملوكه لما أمكنه ذلك؛ فإن هذا تمليك تلبيس وخداع ومكر، لا تمليك حقيقة، ~~بل قد علم الله والمملك والمملك أن الجارية لسيدها ظاهرا وباطنا، وأنه لم ~~يطب قلبه بإخراجها عن ملكه بوجه من الوجوه، وهذا التمليك بمنزلة تمليك ~~الأجنبي ماله كله ليسقط عنه زكاته ثم يسترده منه، ومعلوم قطعا أنه لا حقيقة ~~لهذا التمليك عرفا ولا شرعا، ولا يعد المملك له على هذا الوجه غنيا به، ولا ~~يجب عليه به الحج والزكاة والنفقة وأداء الديون، ولا يكون به واجدا للطول ~~معدودا في جملة الأغنياء؛ فهذا هو الحقيقة، لا التمليك الباطل الذي هو مكر ~~وخداع وتلبيس. ### | [فصل إبطال حيلة للتمكن من رجعة البائن بغير علمها] # فصل # [إبطال حيلة للتمكن من رجعة البائن بغير علمها] : ومن الحيل الباطلة ~~التحيل على رد امرأته بعد أن بانت منه وهي لا تشعر بذلك، وقد ذكر أرباب ~~الحيل وجوها كلها باطلة؛ فمنها أن يقول ms1030 لها: حلفت يمينا واستفتيت فقيل لي ~~جدد نكاحك؛ فإن كان الطلاق قد وقع وإلا لم يضرك، فإذا أجابته قال: اجعلي ~~الأمر إلي في تزويجك، ثم يحضر الولي والشهود ويتزوجها، فتصير امرأته بعد ~~البينونة وهي لا تشعر؛ فإن لم يتمكن من هذا الوجه فلينتقل إلى وجه ثان، وهو ~~أن يظهر أنه يريد سفرا ويقول: لا آمن الموت وأنا أريد أن أكتب لك هذه الدار ~~وأجعل لك هذا المتاع صداقا بحيث لا يمكن إبطاله وأريد أن أشهد على ذلك، ~~فاجعلي أمرك إلي حتى أجعله صداقا؛ فإذا # PageV03P244 # فعلت عقد نكاحها على ذلك وتم الأمر؛ فإن لم يرد السفر فليظهر أنه مريض، ~~ثم يقول لها: أريد أن أجعل لك ذلك، وأخاف أن أقر لك به فلا يقبل؛ فاجعلي ~~أمرك إلي أجعله صداقا، فإذا فعلت أحضر وليها وتزوجها؛ فإن حذرت المرأة من ~~ذلك كله ولم يتمكن منه لم يبق له إلا حيلة واحدة، وهي أن يحلف بطلاقها، أو ~~يقول: قد حلفت بطلاقك أني أتزوج عليك في هذا اليوم أو هذا الأسبوع، أو ~~أسافر بك، وأنا أريد أن أتمسك بك ولا أدخل عليك ضرة ولا تسافرين، فاجعلي ~~أمرك إلي حتى أخالعك وأردك بعد انقضاء اليوم وتتخلصي من الضرة والسفر، فإذا ~~فعلت أحضر الشهود والولي ثم يردها. # وهذه الحيلة باطلة؛ فإن المرأة إذا بانت صارت أجنبية منه؛ فلا يجوز ~~نكاحها إلا بإذنها ورضاها، وهي لم تأذن في هذا النكاح الثاني، ولا رضيت به، ~~ولو علمت أنها قد ملكت نفسها وبانت منه فلعلها لا ترغب في نكاحه، فليس له ~~أن يخدعها على نفسها ويجعلها له زوجة بغير رضاها. # فإن قيل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جعل جد النكاح كهزله، وغاية ~~هذا أنه هازل. # قيل: هذا ليس بصحيح، وليس هذا كالهازل؛ فإن الهازل لم يظهر أمرا يريد ~~خلافه، بل تكلم باللفظ قاصدا أنه لا يلزمه موجبه، وذلك ليس إليه، بل إلى ~~الشارع، وأما هذا فماكر مخادع للمرأة على نفسها، مظهر أنها زوجته وأن ~~الزوجية بينهما باقية وهي ms1031 أجنبية محضة؛ فهو يمكر بها ويخادعها بإظهار أنها ~~زوجته وهي في الباطن أجنبية؛ فهو كمن يمكر برجل يخادعه على أخذ ماله بإظهار ~~أنه يحفظه له ويصونه ممن يذهب به، بل هذا أفحش؛ لأن حرمة البضع أعظم من ~~حرمة المال، والمخادعة عليه أعظم من المخادعة على المال، والله أعلم. ### | [فصل الحيلة على وطء مكاتبته] # فصل # [إبطال حيلة لوطء المكاتبة] # ومن الحيل الباطلة الحيلة على وطء مكاتبته بعد عقد الكتابة، قال أرباب ~~الحيل: الحيلة في ذلك أن يهبها لولده الصغير، ثم يتزوجها وهي على ملك ابنه ~~ثم يكاتبها لابنه، ثم يطأها بحكم النكاح، فإن أتت بولد كانوا أحرارا؛ إذ ~~ولده قد ملكهم، فإن عجزت عن الكتابة عادت قنا لولده والنكاح بحاله. # وهذه الحيلة باطلة على قول الجمهور، وهي باطلة في نفسها؛ لأنه لم يملكها ~~لولده تمليكا حقيقيا، ولا كاتبها له حقيقة، بل خداعا ومكرا، وهو يعلم أنها ~~أمته ومكاتبته في # PageV03P245 # الباطن، وحقيقة الأمر، وإنما أظهر خلاف ذلك توصلا إلى وطء الفرج الذي حرم ~~عليه بعقد الكتابة. # فأظهر تمليكا لا حقيقة له، وكتابة عن غيره، وفي الحقيقة إنما هي عن نفسه، ~~والله يعلم ما تخفي الصدور. ### | [فصل حيلة العقارب وإبطالها] # فصل # [بيان حيلة العقارب وإبطالها] # ومن الحيل المحرمة الباطلة الحيل التي تسمى حيلة العقارب، ولها صور؛ ~~منها: أن يوقف داره أو أرضه ويشهد على وقفها ويكتمه ثم يبيعها، فإذا علم أن ~~المشتري قد سكنها أو استغلها بمقدار ثمنها أظهر كتاب الوقف وادعى على ~~المشتري بأجرة المنفعة، فإذا قال له المشتري: أنا وزنت الثمن، قال: وانتفعت ~~بالدار والأرض فلا تذهب المنفعة مجانا، ومنها: أن يملكها لولده أو امرأته، ~~ويكتم ذلك، ثم يبيعها، ثم يدعي بعد ذلك من ملكها على المشتري، ويعامله تلك ~~المعاملة وضمنه المنافع تضمين الغاصب. # ومنها: أن يؤجرها لولده أو امرأته، ويكتم ذلك، ثم يؤجرها من شخص آخر، فإن ~~ارتفع الكري أخرج الإجارة الأولى، وفسخ إجارة الثاني، وإن نقص الكري أو ~~استمر أبقاها؛ ومنها: أن يرهن داره أو أرضه، ثم يبيعها ويأخذ ms1032 الثمن فينتفع ~~به مدة، فمتى أراد فسخ البيع واسترجاع المبيع أظهر كتاب الرهن. # وأمثال هذه العقارب التي يأكل بها أشباه العقارب أموال الناس بالباطل، ~~ويمشيها لهم من رق علمه ودينه ولم يراقب الله ولم يخف مقامه تقليدا لمن قلد ~~قوله في تضمين المقبوض بالعقد الفاسد تضمين الغاصب؛ فيجعل قوله إعانة لهذا ~~الظالم المعتدي على الإثم والعدوان، ولا يجعل القول الذي قاله غيره إعانة ~~للمظلوم على البر والتقوى، وكأنه أخذ بشق الحديث وهو: «انصر أخاك ظالما أو ~~مظلوما» . # واكتفى بهذه الكلمة دون ما بعدها، وقد أعاذ الله أحدا من الأئمة من تجويز ~~الإعانة على الإثم والعدوان، ونصر الظالم، وإضاعة حق المظلوم جهارا. # وذلك الإمام وإن قال: " إن المقبوض بالعقد الفاسد يضمن ضمان المغصوب " ~~فإنه لم يقل: إن المقبوض به على هذا الوجه - الذي هو حيلة ومكر وخداع وظلم ~~محض للمشتري وغرور له - يوجب تضمينه وضياع حقه وأخذ ماله كله وإيداعه في ~~الحبس على ما بقي وإخراج الملك من يده، فإن الرجل قد يشتري الأرض أو العقار ~~وتبقى في يده مدة طويلة تزيد أجرتها على ثمنها أضعافا مضاعفة، فيؤخذ منه ~~العقار، ويحسب عليه ثمنه من الأجرة، ويبقي الباقي بقدر الثمن مرارا، فربما ~~أخذ ما فوقه وما تحته وفضلت # PageV03P246 # عليه فضلة، فيجتاح الظالم الماكر ماله ويدعه على الأرض الخالية، فحاشا ~~إماما واحدا من أئمة الإسلام أن يكون عونا لهذا العقرب الخبيث على هذا ~~الظلم والعدوان، والواجب عقوبة مثل هذا العقوبة التي تردعه عن لدغ الناس ~~والتحيل على استهلال أموال الناس، وأن لا يمكن من طلب عوض المنفعة. # أما على أصل من لا يضمن منافع الغصب - وهم الجمهور كأبي حنيفة ومالك ~~وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهي أصحهما دليلا - فظاهر، وأما من يضمن ~~الغاصب كالشافعي وأحمد في الرواية الثانية فلا يتأتى تضمين هذا على قاعدته؛ ~~فإنه ليس بغاصب، وإنما استوفى المنفعة بحكم العقد، فإذا تبين أن العقد باطل ~~وأن البائع غره لم يجب عليه ضمان، فإنه إنما دخل على أن ينتفع بلا عوض، وأن ms1033 ~~يضمن المبيع بثمنه لا بقيمته؛ فإذا تلف المبيع بعد القبض تلف من ضمانه ~~بثمنه، فإذا انتفع به انتفع بلا عوض؛ لأنه على ذلك دخل، ولو قدر وجوب ~~الضمان فإن الغار هو الذي يضمن؛ لأنه تسبب إلى إتلاف مال الغير بغروره، وكل ~~من أتلف مال غيره بمباشرة أو سبب فإنه يضمنه ولا بد. # ولا يقال: المشتري هو الذي باشر الإتلاف، وقد وجد متسبب ومباشر، فيحال ~~الحكم على المباشر؛ فإن هذا غلط محض هاهنا؛ فإن المضمون هو مال المشتري ~~الذي تلف عليه بالتضمين، وإنما تلف بتسبب الغار، وليس هاهنا مباشر يحال ~~عليه الضمان. # فإن قيل: فهذا إنما يدل على أنا إذا ضمنا المغرور فهو يرجع على الغار، ~~ولا يدل على تضمين الغار ابتداء. # قيل: هذا فيه قولان للسلف والخلف، وقد نص الإمام أحمد على أن من اشترى ~~أرضا فبنى فيها أو غرس ثم استحقت فللمستحق قلع ذلك، ثم يرجع المشتري على ~~البائع بما نقص، ونص في موضع آخر أنه ليس للمستحق قلعه إلا أن يضمن نقصه ثم ~~يرجع به على البائع، وهذا أفقه النصين وأقربهما إلى العدل؛ فإن المشتري غرس ~~وبنى غراسا وبناء مأذونا فيه، وليس ظالما به، فالعرق ليس بظالم، فلا يجوز ~~للمستحق قلعه حتى يضمن له نقصه، والبائع هو الذي ظلم المستحق ببيعه ماله ~~وغر المشتري ببنائه وغراسه؛ فإذا أراد المستحق الرجوع في عين ماله ضمن ~~للمغرور ما نقص بقلعه ثم يرجع به على الظالم، وكان تضمينه له أولى من تضمين ~~المغرور ثم تمكينه من الرجوع على الغار. # ونظير هذه المسألة ما لو قبض مغصوبا من غاصب ببيع أو عارية أو اتهاب أو ~~إجارة وهو يظن أنه مالك لذلك أو مأذون له فيه ففيه قولان؛ أحدهما: أن ~~المالك مخير بين تضمين أيهما شاء، وهذا # PageV03P247 # المشهور عند أصحاب الشافعي وأحمد، ثم قال أصحاب الشافعي: إن ضمن المشتري ~~وكان عالما بالغصب لم يرجع بما ضمن على الغاصب، وإن لم يعلم نظرت فيما ضمن ~~فإن التزم ضمانه بالعقد كبدل العين وما نقص منها ms1034 لم يرجع به على الغاصب؛ ~~لأن الغاصب لم يغره، بل دخل معه على أن يضمنه. # وهذا التعليل يوجب أن يرجع بما زاد على ثمن المبيع إذا ضمنه؛ لأنه إنما ~~التزم ضمانه بالثمن لا بالقيمة، فإذا ضمنه إياه بقيمته رجع بما بينهما من ~~التفاوت. # قالوا: وإن لم يلتزم ضمانه نظرت؛ فإن لم يحصل له في مقابلته منفعة كقيمة ~~الولد ونقصان الجارية بالولادة رجع به على الغاصب لأنه غره ودخل معه على ~~أنه لا يضمنه، وإن حصلت له به في مقابلته منفعة كالأجرة والمهر وأرش ~~البكارة ففيه قولان؛ أحدهما: يرجع به؛ لأنه غره ولم يدخل معه على أن يضمنه. # والثاني: لا يرجع؛ لأنه حصل له في مقابلته منفعة، وهذا التعليل أيضا يوجب ~~على هذا القول أن يرجع بالتفاوت الذي بين المسمى ومهر المثل وأجرة المثل ~~اللذين ضمنهما؛ فإنه إنما دخل على الضمان بالمسمى، لا بعوض المثل، والمنفعة ~~التي حصلت له إنما هي بما التزمه من المسمى، ومذهب الإمام أحمد وأصحابه نحو ~~ذلك. # وعقد الباب عندهم أنه يرجع إذا غره على الغاصب بما لم يلتزم ضمانه خاصة، ~~فإذا غرم وهو مودع أو متهب قيمة العين والمنفعة رجع بهما؛ لأنه لم يلتزم ~~ضمانا، وإن ضمن وهو مستأجر قيمة العين والمنفعة رجع بقيمة العين والقدر ~~الزائد على ما بذله من عوض المنفعة. # وقال أصحابنا: لا يرجع بما ضمنه من عوض المنفعة؛ لأنه دخل على ضمانه، ~~فيقال لهم؛ نعم دخل على ضمانه بالمسمى لا بعوض المثل، وإن كان مشتريا، وضمن ~~قيمة العين والمنفعة؟ فقالوا: يرجع بقيمة المنفعة دون قيمة العين؛ لأنه ~~التزم ضمان العين ودخل على استيفاء المنفعة بلا عوض. # والصحيح أنه يرجع بما زاد من قيمة العين على الثمن الذي بذله، وإن كان ~~مستعيرا وضمن قيمة العين والمنفعة رجع بما غرمه من ضمان المنفعة؛ لأنه دخل ~~على استيفائها مجانا، ولم يرجع بما ضمنه من قيمة العين؛ لأنه دخل على ~~ضمانها بقيمتها. # وعن الإمام أحمد رواية أخرى أن ما حصل له منفعة تقابل ما غرم كالمهر ms1035 ~~والأجرة في المبيع وفي الهبة وفي العارية، وكقيمة الطعام إذا قدم له أو وهب ~~منه فأكله فإنه لا يرجع به؛ لأنه استوفى العوض، فإذا غرم عوضه لم يرجع به، ~~والصحيح قوله الأول؛ لأنه لم يدخل على استيفائه بعوض، ولو علم أنه يستوفيه ~~بعوضه لم يدخل على ذلك، ولو علم الضيف أن صاحب البيت أو غيره يغرمه الطعام ~~لم يأكله، ولو ضمن المالك ذلك كله للغاصب جاز، # PageV03P248 # ولم يرجع على القابض إلا بما يرجع له عليه، فيرجع عليه إذا كان مستأجرا ~~بما غرمه من الأجرة. # وعلى القول الذي اخترناه إنما يرجع عليه بما التزمه من الأجرة خاصة، ~~ويرجع عليه إذا كان مشتريا بما غرمه من قيمة العين، وعلى القول الآخر إنما ~~يرجع عليه بما بذله من الثمن، ويرجع عليه إذا كان مستعيرا بما غرمه من قيمة ~~العين؛ إذ لا مسمى هناك، وإذا كان متهبا أو مودعا لم يرجع عليه بشيء، فإن ~~كان القابض من الغاصب هو المالك فلا شيء له بما استقر عليه لو كان أجنبيا، ~~وما سواه فعلى الغاصب؛ لأنه لا يجب له على نفسه شيء، وأما ما لا يستقر عليه ~~لو كان أجنبيا بل يكون قراره على الغاصب فهو على الغاصب أيضا هاهنا. # والقول الثاني: أنه ليس للمالك مطالبة المغرور ابتداء، كما ليس له ~~مطالبته قرارا، وهذا هو الصحيح، ونص عليه الإمام أحمد في المودع إذا أودعها ~~- يعني الوديعة - عند غيره من غير حاجة فتلفت فإنه لا يضمن الثاني إذا لم ~~يعلم، وذلك لأنه مغرور. # وطرد هذا النص أنه لا يطالب المغرور في جميع هذه الصور، وهو الصحيح؛ فإنه ~~مغرور ولم يدخل على أنه مطالب، فلا هو التزم المطالبة ولا الشارع ألزمه ~~بها، وكيف يطالب المظلوم المغرور ويترك الظالم الغار؟ ولا سيما إن كان ~~محسنا بأخذه الوديعة، وما على المحسنين من سبيل إنما السبيل على الذين ~~يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق وهذا شأن الغار الظالم. # وقد قضى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن المشتري المغرور بالأمة ms1036 إذا ~~وطئها ثم خرجت مستحقة، وأخذ منه سيدها المهر، رجع به على البائع لأنه غره. # وقضى علي كرم الله وجهه أنه لا يرجع به لأنه استوفى عوضه. # وهاتان الروايتان عن الصحابة هما قولان للشافعي وروايتان عن الإمام أحمد، ~~ومالك أخذ بقول عمر، وأبو حنيفة أخذ بقول علي كرم الله وجهه. # وقول عمر أفقه لأنه لم يدخل على أنه يستمتع بالمهر، وإنما دخل على ~~الاستمتاع بالثمن وقد بذله، وأيضا فالبائع ضمن له بعقد البيع سلامة الوطء ~~كما ضمن له سلامة الولد. # فكما يرجع عليه بقيمة الولد يرجع عليه بالمهر. # فإن قيل: فما تقولون في أجرة الاستخدام إذا ضمنه إياها المستحق، هل يرجع ~~بها على الغار؟ . # قلنا: نعم يرجع بها، وقد صرح بذلك القاضي وأصحابه، وقد قضى أمير المؤمنين # PageV03P249 # علي كرم الله وجهه أيضا بأن الرجل إذا وجد امرأته برصاء أو عمياء أو ~~مجنونة فدخل بها فلها الصداق، ويرجع به على من غره. # وهذا محض القياس والميزان الصحيح؛ لأن الولي لما لم يعلمه وأتلف عليه ~~المهر لزمه غرمه. # فإن قيل: هو الذي أتلفه على نفسه بالدخول. # قيل: لو علم أنها كذلك لم يدخل بها، وإنما دخل بها بناء على السلامة التي ~~غره بها الولي، ولهذا لو علم العيب ورضي به ودخل بها لم يكن هناك فسخ ولا ~~رجوع، ولو كانت المرأة هي التي غرته سقط مهرها. # ونكتة المسألة أن المغرور إما محسن، وإما معذور، وكلاهما لا سبيل عليه، ~~بل ما يلزم المغرور باستلزامه لا يسقط عنه كالثمن في المبيع والأجرة في عقد ~~الإجارة. # فإن قيل: فالمهر قد التزمه، فكيف يرجع به؟ قيل: إنما التزمه في محل سليم، ~~ولم يلتزمه في معيبة ولا أمة مستحقة؛ فلا يجوز أن يلزم به. # فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بالنكاح الفاسد؛ فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ألزمه فيه بالصداق بما استحل من فرجها، وهو لم يلتزمه إلا في نكاح ~~صحيح. # قيل: لما أقدم على الباطل لم يكن هناك من غره، بل كان هو الغار لنفسه، ~~فلا ms1037 يذهب استيفاء المنفعة فيه مجانا، وليس هناك من يرجع عليه، بل لو فسد ~~النكاح بغرور المرأة سقط مهرها، أو بغرور الولي رجع عليه. ### | [فصل التحيل على جواز مسألة العينة] # فصل # [إبطال حيل لتجويز العينة] : ومن الحيل المحرمة الباطلة التحيل على جواز ~~مسألة العينة، مع أنها حيلة في نفسها على الربا، وجمهور الأئمة على ~~تحريمها. # وقد ذكر أرباب الحيل لاستباحتها عدة حيل، منها: أن يحدث المشتري في ~~السلعة حدثا ما تنقص به أو تتعيب؛ فحينئذ يجوز لبائعها أن يشتريها بأقل مما ~~باعها، ومنها: أن تكون السلعة قابلة للتجزؤ فيمسك منها جزءا ما ويبيعه ~~بقيتها، ومنها: أن يضم البائع إلى السلعة سكينا أو منديلا أو حلقة حديدا أو ~~نحو ذلك، فيملكه المشتري ويبيعه السلعة بما يتفقان عليه من الثمن، ومنها: ~~أن يهبها المشتري لولده أو زوجته أو من يثق به، فيبيعها # PageV03P250 # الموهوب له من بائعها، فإذا قبض الثمن أعطاه للواهب، ومنها: أن يبيعه ~~إياها نفسه من غير إحداث شيء ولا هبة لغيره، لكن يضم إلى ثمنها خاتما من ~~حديد أو منديلا أو سكينا ونحو ذلك. # ولا ريب أن العينة على وجهها أسهل من هذا التكلف، وأقل مفسدة، وإن كان ~~الشارع قد حرم مسألة العينة لمفسدة فيها فإن المفسدة لا تزول بهذه الحيلة، ~~بل هي بحالها، وانضم إليها مفسدة أخرى أعظم منها، وهي مفسدة المكر والخداع ~~واتخاذ أحكام الله هزوا وهي أعظم المفسدتين. # وكذلك سائر الحيل، لا تزيل المفسدة التي حرم لأجلها، وإنما يضم إليها ~~مفسدة الخداع والمكر، وإن كانت العينة لا مفسدة فيها فلا حاجة إلى الاحتيال ~~عليها. ثم إن العينة في نفسها من أدنى الحيل إلى الربا، فإذا تحيل عليها ~~المحتال صارت حيلا متضاعفة، ومفاسد متنوعة، والحقيقة والقصد معلومان لله ~~وللملائكة وللمتعاقدين ولمن حضرهما من الناس، فليضع أرباب الحيل ما شاءوا، ~~وليسلكوا أية طريق سلكوا؛ فإنهم لا يخرجون بذلك عن بيع مائة بمائة وخمسين ~~إلى سنة، فليدخلوا محلل الربا أو يخرجوه فليس هو المقصود، والمقصود معلوم، ~~والله لا يخادع ولا تروج ms1038 عليه الحيل ولا تلبس عليه الأمور. ### | [فصل من الحيل المحرمة إذا أراد أن يبيع سلعة بالبراءة من كل عيب] # فصل # ومن الحيل المحرمة الباطلة - إذا أراد أن يبيع سلعة بالبراءة من كل عيب، ~~ولم يأمن أن يردها عليه المشتري، ويقول: لم يعين لي عيب كذا وكذا؛ أن يوكل ~~رجلا غريبا لا يعرف في بيعها، ويضمن للمشتري درك المبيع، فإذا باعها قبض ~~منه رب السلعة الثمن، فلا يجد المشتري من يرد عليه السلعة. # وهذا غش حرام، وحيلة لا تسقط المأتم، فإن علم المشتري بصورة الحال فله ~~الرد، وإن لم يعلم فهو المفرط، حيث لم يضمن الدرك المعروف [الذي] يتمكن من ~~مخاصمته، فالتفريط من هذا والمكر والخداع من ذلك. ### | [فصل إبطال حيلة لإسقاط الاستبراء] # فصل # [إبطال حيلة لإسقاط الاستبراء] # ومن الحيل المحرمة الباطلة أن يشتري جارية ويريد وطأها بملك اليمين في ~~الحال من غير استبراء فله عدة حيل، منها: أن يزوجه إياها البائع قبل أن ~~يبيعها منه، فتصير زوجته، ثم يبيعه إياها فينفسخ النكاح، ولا يجب عليه ~~استبراء؛ لأنه ملك زوجته، وقد كان # PageV03P251 # وطؤها حلالا له بعقد النكاح؛ فصار حلالا بملك اليمين. # ومنها: أن يزوجها غيره، ثم يبيعها من الرجل الذي يريد شراءها، فيملكها ~~مزوجة وفرجها عليه حرام؛ فيؤمر الزوج بطلاقها، فإذا فعل حلت للمشتري. # ومنها: أن مشتريها لا يقبضها حتى يزوجها من عبده أو غيره، ثم يقبضها بعد ~~التزويج، فإذا قبضها طلقها الزوج، فيطؤها سيده بلا استبراء. # قالوا: فإن خاف المشتري أن لا يطلقها الزوج استوثق بأن يجعل الزوج أمرها ~~بيد السيد، فإذا فعل طلقها هو ثم وطئها بلا استبراء. # ولا يخفى نسبة هذه الحيل إلى الشرع، ومحلها منه، وتضمنها أن بائعها يطؤها ~~بكرة ويطؤها المشتري عشية، وأن هذا مناقض لما قصده الشارع من الاستبراء، ~~ومبطل لفائدة الاستبراء بالكلية. # ثم إن هذه الحيل كما هي محرمة فهي باطلة قطعا؛ فإن السيد لا يحل له أن ~~يزوج موطوءته حتى يستبرئها، وإلا فكيف يزوجها لمن يطؤها ورحمها مشغول ~~بمائه؟ وكذلك إن أراد بيعها ms1039 وجب عليه استبراؤها على أصح القولين، صيانة ~~لمائه، ولا سيما إن لم يأمن من وطء المشتري لها بلا استبراء، فهاهنا يتعين ~~عليه الاستبراء قطعا، فإذا أراد زوجها حيلة على إسقاط حكم الله وتعطيل أمره ~~كان نكاحا باطلا لإسقاط ما أوجبه الله من الاستبراء، وإذا طلقها الزوج بناء ~~على صحة هذا النكاح الذي هو مكر وخداع واتخاذ لآيات الله هزوا لم يحل للسيد ~~أن يطأها بدون الاستبراء؛ فإن الاستبراء وجب عليه بحكم الملك المتجدد، ~~والنكاح العارض حال بينه وبينه، لأنه لم يكن يحل له وطؤها، فإذا زال المانع ~~عمل المقتضي عمله، وزوال المانع لا يزيل اقتضاء المقتضي مع قيام سبب ~~الاقتضاء منه. # وأيضا فلا يجوز تعطيل الوصف عن موجبه ومقتضاه من غير فوات شرط أو قيام ~~مانع. # وبالجملة فالمفسدة التي منع الشارع المشتري لأجلها من الوطء بدون ~~الاستبراء لم تزل بالتحيل والمكر، بل انضم إليها مفاسد المكر والخداع ~~والتحيل. # فيا لله العجب من شيء حرم لمفسدة فإذا انضم إليه مفسدة أخرى هي أكبر من ~~مفسدته بكثير صار حلالا، فهو بمنزلة لحم الخنزير إذا ذبح كان حراما، فإن ~~مات حتف أنفه أو خنق حتى يموت صار حلالا؛ لأنه لم يذبح. # قال الإمام أحمد: هو حرام من وجهين، وهكذا هذه المحرمات إذا احتيل عليها ~~صارت حراما من وجهين وتأكد تحريمها. # والذي يقضي منه العجب أنهم يجمعون بين سقوط الاستبراء بهذه الحيل وبين # PageV03P252 # وجوب استبراء الصغيرة التي لم توطأ ولا يوطأ مثلها، وبين استبراء البكر ~~التي لم يقرعها. # فحل، واستبراء العجوز الهرمة التي قد أيست من الحبل والولادة، واستبراء ~~الأمة التي يقطع ببراءة رحمها، ثم يسقطون مع العلم بأن رحمها مشغول، ~~فأوجبتموه حيث لم يوجبه الشارع، وأسقطتموه حيث أوجبه. # قالوا: وليس هذا بعجيب من تناقضكم، بل وأعجب منه إنكار كون القرعة طريقا ~~لإثبات الحكم مع ورود السنة الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن ~~أصحابه بها، وإثبات حل الوطء بشهادة شاهدي زور يعلم الزوج الواطئ أنهما ~~شهدا بالزور على طلاقها حتى يجوز لأحد ms1040 الشاهدين أن يتزوجها فيثبت الحل ~~بشهادتهما. # وأعجب من ذلك أنه لو كان له أمة هي سرية يطؤها كل وقت لم تكن فراشا له، ~~ولو ولدت [ولدا] لم يلحقه الولد، ولو تزوج امرأة ثم قال بحضرة الحاكم ~~والشهود في مجلس العقد " هي طالق ثلاثا " وكانت بأقصى المشرق وهو بأقصى ~~المغرب صارت فراشا بالعقد؛ فلو أتت بعد ذلك بولد لأكثر من ستة أشهر لحقه ~~نسبه. # وأعجب من ذلك قولكم: لو منع الذمي دينارا واحدا ول. # " لا أؤديه " انتقض عهده وحل ماله ودمه، ولو سب الله ورسوله وكتابه على ~~رءوسنا أقبح سب وحرق أفضل المساجد على الإطلاق واستهان بالمصحف بين أيدينا ~~أعظم استهانة وبذل ذلك الدينار فعهده باق ودمه معصوم. # ومن العجيب تجويز قراءة القرآن بالفارسية، ومنع رواية الحديث بالمعنى ومن ~~العجب إخراج الأعمال عن مسمى الإيمان وأنه مجرد التصديق، والناس فيه سواء، ~~وتكفير من يقول مسيجد أو فقيه، أو يصلي بلا وضوء، أو يلتذ بآلات الملاهي، ~~ونحو ذلك. # ومن العجب إسقاط الحد عمن استأجر امرأة للزنا أو لكنس بيته فزنى بها، ~~وإيجابه على من وجد امرأة أجنبية على فراشه في الظلمة فجامعها يظنها ~~امرأته. # ومن العجب التشديد في المياه حتى تنجس القناطير المقنطرة منها بقطرة بول ~~أو قطرة دم، وتجويز الصلاة في ثوب ربعه مضمخ بالنجاسة، فإن كانت مغلظة ~~فبقدر راحة الكف. # PageV03P253 # ومن العجب أنه لو شهد عليه أربعة بالزنا فكذب الشهود حد، وإن صدقهم سقط ~~عنه الحد. # ومن العجب أنه لا يصح استئجار دار لتتخذ مسجدا يعبد الله فيه، ويصح ~~استئجارها [كي] تجعل كنيسة يعبد فيها الصليب أو بيت نار تعبد فيها النار. # ومن العجب أنه لو ضحك في صلاة فقهقه بطل وضوءه، ولو غنى في صلاته أو قذف ~~المحصنات أو شهد الزور ونحو ذلك فوضوءه بحاله. # ومن العجب أنه لو وقع في البئر نجاسة نزح منها أدلاء معدودة، فإذا حصل ~~الدلو في البئر تنجس وغرف الماء نجسا، وما أصاب حيطان البئر من ذلك الماء ~~نجسها، وكذلك ما بعده من الدلاء ms1041 إلى أن تنتهي النوبة إلى الدلو الأخير فإنه ~~ينزل نجسا ثم يصعد طاهرا فيقشقش النجاسة كلها من قعر البئر إلى رأسه. # قال بعض المتكلمين: ما رأيت أكرم من هذا الدلو ولا أعقل. # ومن العجب أنه لو حلف أنه لا يأكل فاكهة حنث بأكل الجوز واللوز والفستق، ~~ولو كان يابسا قد أتت عليه السنون، ولا يحنث بأكل الرطب والعنب والرمان. # وأعجب من ذلك تعليل هذا بأن هذه الثلاثة من خيار الفاكهة وأعلى أنواعها، ~~فلا تدخل في الاسم المطلق. # ومن العجب أنه لو حلف أن لا يشرب من النيل أو الفرات أو دجلة فشرب بكفه ~~أو بكوز أو دلو من هذه الأنهار لم يحنث، فإذا شرب بفيه مثل البهائم حنث. # ومن العجب أنه لو نام في المسجد وأغلقت عليه الأبواب ودعته الضرورة إلى ~~الخلاء فطاق القبلة ومحراب المسجد أولى بذلك من مؤخر المسجد. # ومن العجب أمر هذه الحيل التي لا يزداد بها المنهي عنه إلا فسادا مضاعفا، ~~كيف تباح مع تلك المفسدة الزائدة بالمكر والخداع وتحرم بدونها؟ وكيف تنقلب ~~مفاسدها بالحيل صلاحا، وتصير خمرتها خلا، وخبثها طيبا؟ قالوا: فهذا فصل في ~~الإشارة إلى بيان فساد هذه الحيل على وجه التفصيل، كما # PageV03P254 # تقدم الإشارة إلى فسادها وتحريمها على وجه الإجمال، ولو تتبعناها حيلة ~~حيلة لطال الكتاب، ولكن هذه أمثلة يحتذى عليها، والله الموفق للصواب ### | [أقسام الحيل ومراتبها] ### | [القسم الأول من الحيل] # فصل قال أرباب الحيل: قال الله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} ~~[الطلاق: 2] والحيل مخارج من المضائق. # والجواب إنما يتبين بذكر قاعدة في أقسام الحيل ومراتبها، فنقول وبالله ~~التوفيق هي أقسام. # [القسم الأول من الحيل طرق يتوصل بها إلى ما هو حرام] # القسم الأول: الطرق الخفية التي يتوصل بها إلى ما هو محرم في نفسه، بحيث ~~لا يحل بمثل ذلك السبب بحال، فمتى كان المقصود بها محرم في نفسه فهي حرام ~~باتفاق المسلمين، وذلك كالحيل على أخذ أموال الناس وظلمهم في نفوسهم وسفك ~~دمائهم وإبطال حقوقهم وإفساد ذات بينهم، وهي من ms1042 جنس حيل الشياطين على إغواء ~~بني آدم بكل طريق، وهم يتحيلون عليهم ليوقعوهم في واحدة من ستة ولا بد؛ ~~فيتحيلون عليهم بكل طريق أن يوقعوهم في الكفر والنفاق على اختلاف أنواعه، ~~فإذا عملت حيلهم في ذلك قرت عيونهم، فإن عجزت حيلهم عن من صحت فطرته وتلاها ~~شاهد الإيمان من ربه بالوحي الذي أنزله على رسوله أعملوا الحيلة في إلقائه ~~في البدعة على اختلاف أنواعها وقبول القلب لها وتهيئته واستعداده. # فإن تمت حيلهم كان ذلك أحب إليهم من المعصية، وإن كانت كبيرة، ثم ينظرون ~~في حال من استجاب لهم إلى البدعة؛ فإن كان مطاعا متبوعا في الناس أمروه ~~بالزهد والتعبد ومحاسن الأخلاق والشيم، ثم أطاروا له الثناء بين الناس ~~ليصطادوا عليه الجهال ومن لا علم عنده بالسنة، وإن لم يكن كذلك جعلوا بدعته ~~عونا له على ظلمه أهل السنة وأذاهم والنيل منهم، وزينوا له أن هذا انتصار ~~لما هم عليه من الحق، فإن أعجزتهم هذه الحيلة ومن الله على العبد بتحكيم ~~السنة ومعرفتها والتمييز بينها وبين البدعة ألقوه في الكبائر، وزينوا له ~~فعلها بكل طريق، وقالوا له: أنت على السنة، وفساق أهل السنة أولياء الله، ~~وعباد أهل البدعة أعداء الله، وقبور فساق أهل السنة روضة من رياض الجنة، ~~وقبور عباد أهل البدع حفرة من حفر النار، والتمسك بالسنة يكفر الكبائر، كما ~~أن مخالفة السنة تحبط الحسنات، وأهل السنة إن قعدت بهم أعمالهم قامت بهم ~~عقائدهم، وأهل البدع إذا قامت بهم أعمالهم قعدت بهم عقائدهم، وأهل السنة هم ~~الذين أحسنوا # PageV03P255 # الظن بربهم إذ وصفوه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ووصفوه بكل كمال ~~وجلال ونزهوه عن كل نقص، والله تعالى عند ظن عبده به، وأهل البدع هم الذين ~~يظنون بربهم ظن السوء؛ إذ يعطلونه عن صفات كماله وينزهونه عنها، وإذا عطلوه ~~عنها لزم اتصافه بأضدادها ضرورة؛ ولهذا قال الله تعالى في حق من أنكر صفة ~~واحدة من صفاته وهي صفة العلم ببعض الجزئيات: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ~~أرداكم فأصبحتم من ms1043 الخاسرين} [فصلت: 23] وأخبرهم عن الظانين بالله ظن السوء ~~أن عليهم دائرة السوء، وغضب الله عليهم، ولعنهم، وأعد لهم جهنم وساءت ~~مصيرا، فلم يتوعد بالعقاب أحدا أعظم ممن ظن به ظن السوء، وأنت لا تظن به ظن ~~السوء، فما لك وللعقاب؟ وأمثال هذا من الحق الذي يجعلونه وصلة لهم، وحيلة ~~إلى الاستهانة بالكبائر، وأخذه الأمن لنفسه. # وهذه حيلة لا ينجو منها إلا الراسخ في العلم، العارف بأسماء الله وصفاته، ~~فإنه كلما كان بالله أعرف كان له أشد خشية، وكلما كان به أجهل كان أشد ~~غرورا به وأقل خشية. # فإن أعجزتهم هذه الحيلة وعظم وقار الله في قلب العبد هونوا عليه الصغائر، ~~وقالوا له: إنها تقع مكفرة باجتناب الكبائر حتى كأنها لم تكن، وربما منوه ~~أنه إذا تاب منها - كبائر كانت أو صغائر - كتب له مكان كل سيئة حسنة، ~~فيقولون له: كثر منها ما استطعت، ثم اربح مكان كل سيئة حسنة بالتوبة، ولو ~~قبل الموت بساعة؛ فإن أعجزتهم هذه الحيلة وخلص الله عبده منها نقلوه إلى ~~الفضول من أنواع المباحات والتوسع فيها، وقالوا له: قد كان لداود مائة ~~امرأة إلا واحدة ثم أراد تكميلها بالمائة، وكان لسليمان ابنه مائة امرأة، ~~وكان للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان من الأموال ما هو ~~معروف، وكان لعبد الله بن المبارك والليث بن سعد من الدنيا وسعة المال ما ~~لا يجهل، وينسوه ما كان لهؤلاء من الفضل، وأنهم لم ينقطعوا عن الله ~~بدنياهم، بل ساروا بها إليه، فكانت طريقا لهم إلى الله. # فإن أعجزتهم هذه الحيلة - بأن تفتح بصيرة قلب العبد حتى كأنه يشاهد بها ~~الآخرة وما أعد الله فيها لأهل طاعته وأهل معصيته، فأخذ حذره، وتأهب للقاء ~~ربه، واستقصر مدة هذه الحياة الدنيا في جنب الحياة الباقية الدائمة - نقلوه ~~إلى الطاعات المفضولة الصغيرة الثواب ليشغلوه بها عن الطاعات الفاضلة ~~الكثيرة الثواب، فيعمل حيلته في تركه كل طاعة كبيرة إلى ما هو دونها، فيعمل ~~حيلته في تفويت الفضيلة عليه؛ فإن أعجزتهم هذه ms1044 الحيلة - وهيهات - لم يبق ~~لهم إلا حيلة واحدة، وهي تسليط أهل الباطل والبدع والظلمة عليه يؤذونه، ~~وينفرون الناس عنه، ويمنعونهم من الاقتداء به؛ ليفوتوا عليه مصلحة الدعوة ~~إلى الله وعليهم مصلحة الإجابة. # PageV03P256 # فهذه مجامع أنواع حيل الشيطان، ولا يحصي أفرادها إلا الله، ومن له مسكة ~~من العقل يعرف الحيلة التي تمت عليه من هذه الحيل، فإن كانت له همة إلى ~~التخلص منها، وإلا فيسأل من تمت عليه، والله المستعان. # [من حيل شياطين الإنس] # وهذه الحيل من شياطين الجن نظير حيل شياطين الإنس المجادلين بالباطل ~~ليدحضوا به الحق ويتوصلوا به إلى أغراضهم الفاسدة في الأمور الدينية ~~والدنيوية وذلك كحيل القرامطة الباطنية على إفساد الشرائع، وحيل الرهبان ~~على أشباه الحمير من عابد الصليب بما يموهون به عليهم من المخاريق والحيل ~~كالنور المصنوع وغيره مما هو معروف عند الناس، وكحيل أرباب الإشارات من ~~الإذن والتسيير والتغيير وإمساك الحيات ودخول النار في الدنيا قبل الآخرة، ~~وأمثال ذلك من حيل أشباه النصارى التي تروج على أشباه الأنعام، وكحيل أرباب ~~الدك وخفة اليد التي تخفى على الناظرين أسبابها ولا يتفطنون لها، وكحيل ~~السحرة على اختلاف أنواع السحر؛ فإن سحر البيان هو من أنواع التحيل: إما ~~لكونه بلغ من اللطف والحسن إلى حد استمالة القلوب فأشبه السحر من هذا ~~الوجه، وإما لكون القادر على البيان يكون قادرا على تحسين القبيح وتقبيح ~~الحسن فهو أيضا يشبه السحر من هذا الوجه أيضا. # وكذلك سحر الوهم أيضا هو حيلة وهمية، والواقع شاهد بتأثير الوهم ~~والإيهام، ألا ترى أن الخشبة التي يتمكن الإنسان من المشي عليها إذا كانت ~~قريبة من الأرض لا يمكن المشي عليها إذا كانت على مهواة بعيدة القعر؟ ~~والأطباء تنهى صاحب الرعاف عن النظر إلى الشيء الأحمر، وتنهى المصروع عن ~~النظر إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، فإن النفوس خلقت مطية ~~الأوهام، والطبيعة فعالة، والأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية. # وكذلك السحر بالاستعانة بالأرواح الخبيثة إنما هو بالتحيل على استخدامها ~~بالإشراك بها والاتصاف بهيئاتها الخبيثة؛ ولهذا لا يعمل السحر ms1045 إلا مع ~~الأنفس الخبيثة المناسبة لتلك الأرواح، وكلما كانت النفس أخبث كان سحرها ~~أقوى، وكذلك سحر التمزيجات - وهو أقوى ما يكون من السحر - أن يمزج بين ~~القوى النفسانية الخبيثة الفعالة والقوى الطبيعية المنفعلة، والمقصود أن ~~السحر من أعظم أنواع الحيل التي # PageV03P257 # ينال بها الساحر غرضه، وحيل الساحر من أضعف الحيل وأقواها، ولكن لا تؤثر ~~تأثيرا مستقرا إلا في الأنفس الباطلة المنفعلة للشهوات الضعيفة تعلقها ~~بفاطر الأرض والسموات المنقطعة عن التوجه إليه والإقبال عليه؛ فهذه النفوس ~~محل تأثير السحر، وكحيل أرباب الملاهي والطرب على استمالة النفوس إلى محبة ~~الصور والوصول إلى الالتذاذ بها؛ فحيلة السماع الشيطاني على ذلك من أدنى ~~الحيل عليه، حتى قيل: أول ما وقع الزنا في العالم فإنما كان بحيلة اليراع ~~والغناء، لما أراد الشيطان ذلك لم يجد عليه حيلة أدنى من الملاهي. # وكحيل اللصوص والسراق على أخذ أموال الناس، وهم أنواع لا تحصى؛ فمنهم ~~السراق بأيديهم، ومنهم السراق بأقلامهم، ومنهم السراق بأمانتهم، ومنهم ~~السراق بما يظهرونه من الدين والفقر والصلاح والزهد وهم في الباطن بخلافه، ~~ومنهم السراق بمكرهم وخداعهم وغشهم، وبالجملة فحيل هذا الضرب من الناس من ~~أكثر الحيل، وتليها حيل عشاق الصور على الوصول إلى أغراضهم فإنها تقع في ~~الغالب خفية، وإنما تتم غالبا على النفوس القابلة المنفعلة الشهوانية، ~~وكحيل التتار التي ملكوا بها البلاد وقهروا بها العباد وسفكوا بها الدماء ~~واستباحوا بها الأموال، وكحيل اليهود وإخوانهم من الرافضة فإنهم بيت المكر ~~والاحتيال، ولهذا ضربت على الطائفتين الذلة، وهذه سنة الله في كل مخادع ~~محتال بالباطل. # [أرباب الحيل نوعان] # ثم أرباب هذه الحيل نوعان: نوع يقصد به حصول مقصوده، ولا يظهر أنه حلال، ~~كحيل اللصوص وعشاق الصور المحرمة ونحوهما، ونوع يظهر صاحبه أن مقصوده خير ~~وصلاح ويبطن خلافه. # وأرباب النوع الأول أسلم عاقبة من هؤلاء؛ فإنهم أتوا البيوت من أبوابها ~~والأمر من طريقه ووجهه، وأما هؤلاء فقلبوا موضوع الشرع والدين، ولما كان ~~أرباب هذا النوع إنما يباشرون الأسباب الجائزة ولا يظهرون مقاصدهم أعضل ~~أمرهم، وعظم الخطب ms1046 بهم، وصعب الاحتراز منهم، وعز على العالم استنقاذ ~~قتلاهم، فاستبيحت بحيلهم الفروج، وأخذت بها الأموال من أربابها فأعطيت لغير ~~أهلها، وعطلت بها الواجبات، وضيعت بها الحقوق، وعجت الفروج والأموال ~~والحقوق إلى ربها عجيجا، وضجت مما حل بها إليه ضجيجا، ولا يختلف المسلمون ~~أن تعليم هذه الحيل حرام، والإفتاء بها حرام، والشهادة على مضمونها حرام، ~~والحكم بها مع العلم بحالها حرام، والذي جوزوا منها ما جوزوا من # PageV03P258 # الأئمة لا يجوز أن يظن بهم أنهم جوزوه على وجه الحيلة إلى المحرم، وإنما ~~جوزوا صورة ذلك الفعل. # ثم إن المتحيل المخادع المكار أخذ صورة ما أفتوا به فتوسل به إلى ما ~~منعوا منه، وركب ذلك على أقوالهم وفتاواهم، وهذا فيه الكذب عليهم وعلى ~~الشارع، مثاله أن الشافعي - رحمه الله تعالى - يجوز إقرار المريض لوارثه؛ ~~فيتخذه من يريد أن يوصي لوارثه وسيلة إلى الوصية له بصورة الإقرار. # ويقول: هذا جائز عند الشافعي، وهذا كذب على الشافعي؛ فإنه لا يجوز الوصية ~~للوارث بالتحيل عليها بالإقرار؛ فكذلك الشافعي يجوز للرجل إذا اشترى من ~~غيره سلعة بثمن أن يبيعه إياها بأقل مما اشتراها منه بناء على ظاهر ~~السلامة. ولا يجوز ذلك حيلة على بيع مائة بمائة وخمسين إلى سنة؛ فالذي يسد ~~الذرائع يمنع ذلك ويقول: هو يتخذ حيلة إلى ما حرمه الله ورسوله، فلا يقبل ~~إقرار المريض لوارثه، ولا يصح هذا البيع. ولا سيما فإن إقرار المرء شهادة ~~على نفسه، فإذا تطرق إليها التهمة بطلت كالشهادة على غيره. والشافعي يقول: ~~أقبل إقراره إحسانا للظن بالمقر، وحملا لإقراره على السلامة، ولا سيما عند ~~الخاتمة. # ومن هذا الباب احتيال المرأة على فسخ نكاح الزوج بما يعلمه إياها أرباب ~~المكر والاحتيال، بأن تنكر أن تكون أذنت للولي، أو بأن النكاح لم يصح؛ لأن ~~الولي أو الشهود جلسوا وقت العقد على فراش حرير، أو استندوا إلى وسادة ~~حرير. # وقد رأيت من يستعمل هذه الحيلة إذا طلق الزوج امرأته ثلاثا، وأراد تخليصه ~~من عار التحليل وشناره أرشده إلى القدح في صحة النكاح ms1047 بفسق الولي أو ~~الشهود، فلا يصح الطلاق في النكاح الفاسد. وقد كان النكاح صحيحا لما كان ~~مقيما معها عدة سنين، فلما أوقع الطلاق الثلاث فسد النكاح. # ومن هذا احتيال البائع على فسخ البيع بدعواه أنه لم يكن بالغا وقت العقد، ~~أو لم يكن رشيدا، أو كان محجورا عليه، أو لم يكن المبيع ملكا له ولا مأذونا ~~له في بيعه # فهذه الحيل وأمثالها لا يستريب مسلم في أنها من كبائر الإثم وأقبح ~~المحرمات، وهي من التلاعب بدين الله، واتخاذ آياته هزوا، وهي حرام من جهتها ~~في نفسها لكونها كذبا وزورا، وحرام من جهة المقصود بها، وهو إبطال حق ~~وإثبات باطل؛ فهذه ثلاثة أقسام: # [الحيل المحرمة على ثلاثة أنواع] # أحدها: أن تكون الحيلة محرمة ويقصد بها المحرم. # الثاني: أن تكون مباحة في نفسها ويقصد بها المحرم؛ فيصير حراما تحريم ~~الوسائل كالسفر لقطع الطريق وقتل النفس المعصومة. # PageV03P259 # وهذان القسمان تكون الحيلة فيهما موضوعة للمقصود الباطل المحرم، ومفضية ~~إليه، كما هي موضوعة للمقصود الصحيح الجائز ومفضية إليه؛ فإن السفر طريق ~~صالح لهذا وهذا. # الثالث: أن تكون الطريق لم توضع للإفضاء إلى المحرم، وإنما وضعت مفضية ~~إلى المشروع كالإقرار والبيع والنكاح والهبة ونحو ذلك، فيتخذها المتحيل ~~سلما وطريقا إلى الحرام، وهذا معترك الكلام في هذا الباب، وهو الذي قصدنا ~~الكلام فيه بالقصد الأول. # [نوع رابع من الحيل ينقسم إلى ثلاثة أقسام يقصد بها أخذ حق] # القسم الرابع: أن يقصد بالحيلة أخذ حق أو دفع باطل، وهذا القسم ينقسم إلى ~~ثلاثة أقسام أيضا: # أحدها: أن يكون الطريق محرما في نفسه، وإن كان المقصود به حقا، مثل أن ~~يكون له على رجل حق فيجحده، ولا يبينه له، فيقيم صاحبه شاهدي زور يشهدان ~~به، ولا يعلمان ثبوت ذلك الحق، ومثل أن يطلق الرجل امرأته ثلاثا، ويجحد ~~الطلاق، ولا يبينه لها، فتقيم شاهدين يشهدان أنه طلقها، ولم يسمعا الطلاق ~~منه، ومثل أن يكون له على رجل دين، وله عنده وديعة، فيجحد الوديعة، فيجحد ~~هو الدين، أو بالعكس، ويحلف ما ms1048 له عندي حق، أو ما أودعني شيئا، وإن كان ~~يجيز هذا من يجيز مسألة الظفر. # ومثل أن تدعي عليه المرأة كسوة أو نفقة ماضية كذبا وباطلا، فينكر أن تكون ~~مكنته من نفسها أو سلمت نفسها إليه، أو يقيم شاهدي زور أنها كانت ناشزا؛ ~~فلا نفقة لها ولا كسوة، ومثل أن يقتل رجل وليه فيقيم شاهدي زور ولم يشهدا ~~القتل فيشهدا أنه قتله، ومثل أن يموت موروثه فيقيم شاهدي زور أنه مات وأنه ~~وارثه، وهما لا يعلمان ذلك، ونظائره ممن له حق لا شاهد له به فيقيم شاهدي ~~زور يشهدان له به؛ فهذا يأثم على الوسيلة دون المقصود، وفي مثل هذا جاء ~~الحديث: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» . ### | [فصل القسم الثاني من أنواع الحيل] # فصل القسم الثاني: أن يكون الطريق مشروعة، وما يفضي إليه مشروع، وهذه هي ~~الأسباب التي نصبها الشارع مفضية إلى مسبباتها كالبيع والإجارة والمساقاة ~~والمزارعة والوكالة، بل الأسباب محل حكم الله ورسوله، وهي في اقتضائها ~~لمسبباتها شرعا على وزان الأسباب الحسية في اقتضائها لمسبباتها قدرا؛ فهذا ~~شرع الرب تعالى وذلك قدره، # PageV03P260 # وهما خلقه وأمره، والله له الخلق والأمر، ولا تبديل لخلق الله، ولا تغيير ~~لحكمه، فكما لا يخالف سبحانه بالأسباب القدرية أحكامها بل يجريها على ~~أسبابها وما خلقت له؛ فهكذا الأسباب الشرعية لا يخرجها عن سببها وما شرعت ~~له، بل هذه سنته شرعا وأمرا، وتلك سنته قضاء وقدرا، وسنته الأمرية قد تبدل ~~وتتغير كما يعصى أمره ويخالف، وأما سنته القدرية فلن تجد لسنة الله تبديلا ~~ولن تجد لسنة الله تحويلا، كما لا يعصى أمره الكوني القدري. # ويدخل في هذا القسم التحيل على جلب المنافع وعلى دفع المضار، وقد ألهم ~~الله تعالى ذلك لكل حيوان؛ فلأنواع الحيوانات من أنواع الحيل والمكر ما لا ~~يهتدي إليه بنو آدم. # وليس كلامنا ولا كلام السلف في ذم الحيل متناولا لهذا القسم. بل العاجز ~~من عجز عنه، والكيس من كان به أفطن وعليه أقدر، ولا سيما في الحرب فإنها ms1049 ~~خدعة. والعجز كل العجز ترك هذه الحيلة. والإنسان مندوب إلى استعاذته بالله ~~تعالى من العجز والكسل؛ فالعجز عدم القدرة على الحيلة النافعة. والكسل عدم ~~الإرادة لفعلها؛ فالعاجز لا يستطيع الحيلة، والكسلان لا يريدها. ومن لم ~~يحتل وقد أمكنته هذه الحيلة أضاع فرصته وفرط في مصالحه، كما قال: # إذا المرء لم يحتل وقد جد جده ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر # وفي هذا قال بعض السلف: الأمر أمران: أمر فيه حيلة فلا يعجز عنه، وأمر لا ~~حيلة فيه فلا يجزع منه. ### | [فصل القسم الثالث من أنواع الحيل] ### | [المثال الأول استأجر منه دارا مدة سنين بأجرة معلومة فخاف أن يغدر به المكري في آخر المدة] # فصل [الاحتيال على الوصول إلى الحق بطريق مباحة لكنها لم تشرع له] . # القسم الثالث: أن يحتال على التوصل إلى حق أو على دفع الظلم بطريق مباحة ~~لم توضع موصلة إلى ذلك، بل وضعت لغيره، فيتخذها هو طريقا إلى هذا المقصود ~~الصحيح، أو قد يكون قد وضعت له لكن تكون خفية ولا يفطن لها، والفرق بين هذا ~~القسم والذي قبله أن الطريق في الذي قبله نصبت مفضية إلى مقصودها ظاهرا، ~~فسالكها سالك للطريق المعهود، والطريق في هذا القسم نصبت مفضية إلى غيره ~~فيتوصل بها إلى ما لم توضع له؛ فهي في الفعال كالتعريض الجائز في المقال، ~~أو تكون مفضية إليه لكن بخفاء، ونذكر لذلك أمثلة ينتفع بها في هذا الباب. # PageV03P261 # المثال الأول: إذا استأجر منه دارا مدة سنين بأجرة معلومة، فخاف أن يغدر ~~به المكري في آخر المدة ويتسبب إلى فسخ الإجارة بأن يظهر أنه لم تكن له ~~ولاية الإيجار أو أن المؤجر ملك لابنه أو امرأته أو أنه كان مؤجرا قبل ~~إيجاره، ويتبين أن المقبوض أجرة المثل لما استوفاه من المدة وينتزع المؤجر ~~له منه؛ فالحيلة في التخلص من هذه الحيلة أن يضمنه المستأجر درك العين ~~المؤجرة له أو لغيره، فإذا استحقت أو ظهرت الإجارة فاسدة رجع عليه بما قبضه ~~منه، أو يأخذ إقرار من يخاف منه بأنه ms1050 لا حق له في العين وأن كل دعوى يدعيها ~~بسببها فهي باطلة، أو يستأجرها منه بمائة دينار مثلا ثم يصارفه كل دينار ~~بعشرة دراهم، فإذا طالبه بأجرة المثل طالبه هو بالدنانير التي وقع عليها ~~العقد، فإنه لم يخف من ذلك، ولكن يخاف أن يغدر به في آخر المدة، فليقسط ~~[مبلغ] الأجرة على عدد السنين، ويجعل معظمها للسنة التي يخشى غدره فيها. # وكذلك إذا خاف المؤجر أن يغدر المستأجر ويرحل في آخر المدة، فليجعل معظم ~~الأجرة على المدة التي يأمن فيها من رحيله، والقدر اليسير منها لآخر المدة ### | [المثال الثاني خوف رب الدار غيبة المستأجر ويحتاج إلى داره] # المثال الثاني: أن يخاف رب الدار غيبة المستأجر، ويحتاج إلى داره فلا ~~يسلمها أهله إليه، فالحيلة في التخلص من ذلك أن يؤجرها ربها من امرأة ~~المستأجر، ويضمن الزوج أن ترد إليه المرأة الدار وتفرغها متى انقضت المدة، ~~أو تضمن المرأة ذلك إذا استأجر الزوج؛ فمتى استأجر أحدهما وضمن الآخر الرد ~~لم يتمكن أحدهما من الامتناع، وكذلك إن مات المستأجر فجحد ورثته الإجارة ~~وادعوا أن الدار لهم نفع رب الدار كفالة الورثة وضمانهم رد الدار إلى ~~المؤجر، فإن خاف المؤجر إفلاس المستأجر وعدم تمكنه من قبض الأجرة؛ فالحيلة ~~أن يأخذ منه كفيلا بأجرة ما سكن أبدا، ويسمي أجرة كل شهر للضمين، ويشهد ~~عليه بضمانه ### | [المثال الثالث أذن رب الدار للمستأجر أن يكون في الدار ما يحتاج إليه وخاف أن لا يحتسب من الأجرة] # المثال الثالث: أن يأذن رب الدار للمستأجر أن يكون في الدار ما يحتاج ~~إليه أو يعلف الدابة بقدر حاجتها، وخاف أن لا يحتسب له ذلك من الأجرة؛ ~~فالحيلة في اعتداده به عليه أن يقدر ما يحتاج إليه الدابة أو الدار، ويسمي ~~له قدرا معلوما، ويحسبه من الأجرة، ويشهد على المؤجر أنه قد وكله في صرف ~~ذلك القدر فيما تحتاج إليه الدار أو الدابة. # فإن قيل: فهل تجوزون لمن له دين على رجل أن يوكله في المضاربة به أو ~~الصدقة به أو ms1051 إبراء نفسه منه أو أن يشتري له شيئا، ويبرأ المدين إذا فعل ~~ذلك؟ # قيل: هذا مما اختلف فيه وفي صورة المضاربة بالدين قولان في مذهب الإمام ~~أحمد. # PageV03P262 # أحدهما: أنه لا يجوز ذلك، وهو المشهور؛ لأنه يتضمن قبض الإنسان من نفسه ~~وإبرائه لنفسه من دين الغريم بفعل نفسه؛ لأنه متى أخرج الدين وضارب به فقد ~~صار المال أمانة وبرئ منه؛ وكذلك إذا اشترى به شيئا أو تصدق به. # والقول الثاني: أنه لا يجوز، وهو الراجح في الدليل، وليس في الأدلة ~~الشرعية ما يمنع من جواز ذلك، ولا يقتضي تجويزه مخالفة قاعدة من قواعد ~~الشرع، ولا وقوعا في محظور من ربا ولا قمار ولا بيع غرر، ولا مفسدة في ذلك ~~بوجه ما؛ فلا يليق بمحاسن الشريعة المنع منه، وتجويزه من محاسنها ومقتضاها. # وقولهم: " إنه يتضمن إبراء الإنسان لنفسه بفعل نفسه " كلام فيه إجمال ~~يوهم أنه هو المستقل بإبراء نفسه، وبالفعل الذي به يبرأ، وهذا إيهام؛ فإنه ~~إنما برئ بما أذن له رب الدين من مباشرة الفعل الذي تضمن براءته من الدين، ~~فأي محذور في أن يفعل فعلا أذن له فيه رب الدين، ومستحقه يتضمن براءته؟ ~~فكيف ينكر أن يقع في الأحكام الضمنية التبعية ما لا يقع مثله في المتبوعات، ~~ونظائر ذلك أكثر من أن تذكر؟ حتى لو وكله أو أذن له أن يبرئ نفسه من الدين ~~جاز وملك ذلك، كما لو وكل المرأة أن تطلق نفسها؛ فأي فرق بين أن يقول طلقي ~~نفسك إن شئت، أو يقول لغريمه: أبري نفسك إن شئت، وقد قالوا: لو أذن لعبده ~~في التكفير بالمال ملك ذلك على الصحيح، فلو أذن له في الإعتاق ملكه، فلو ~~أعتق نفسه صح على أحد القولين، والقول الآخر لا يصح لمانع آخر، وهو أن ~~الولاء للمعتق، والعبد ليس من أهل الولاء، نعم المحذور أن يملك إبراء نفسه ~~من الدين بغير رضا ربه وبغير إذنه؛ فهذا هو المخالف لقواعد الشرع. # فإن قيل: فالدين لا يتعين، بل هو مطلق كلي ثابت في الذمة، ms1052 فإذا أخرج مالا ~~واشترى به أو تصدق به لم يتعين أن يكون هو الدين، ورب الدين لم يعينه، فهو ~~باق على إطلاقه. # قيل: هو في الذمة مطلق، وكل فرد من أفراده طابقه صح أن يعين عنه ويجزئ، ~~وهذا كإيجاب الرب تعالى الرقبة المطلقة في الكفارة فإنها غير معينة، ولكن ~~أي رقبة عينها المكلف وكانت مطابقة لذلك المطلق تأدى بها الواجب. # ونظيره هاهنا أن أي فرد عينه وكان مطابقا لما في الذمة تعين وتأدى به ~~الواجب. # وهذا كما يتعين عند الأداء إلى ربه، وكما يتعين عند التوكيل في قبضه؛ ~~فهكذا يتعين عند توكيله لمن هو في ذمته أن يعينه ثم يضارب به أو يتصدق أو ~~يشتري به شيئا؛ وهذا محض الفقه وموجب القياس، وإلا فما الفرق بين تعينه إذا ~~وكل الغير في قبضه والشراء أو التصدق به وبين تعيينه إذا وكل من هو في ذمته ~~أن # PageV03P263 # يعينه ويضارب أو يتصدق به؟ فهل يوجب التفريق فقه أو مصلحة لهما أو ~~لأحدهما أو حكمة للشارع فيجب مراعاتها؟ # فإن قيل: تجوزوا على هذا أن يقول له: اجعل الدين عليك رأس مال السلم في ~~كذا وكذا. # قيل: شرط صحة النقض أمران؛ أحدهما أن تكون الصورة التي تنقض بها مساوية ~~لسائر الصور في المعنى الموجب للحكم، الثاني: أن يكون الحكم فيها معلوما ~~بنص أو إجماع، وكلا الأمرين منتف هاهنا، فلا إجماع معلوم في المسألة وإن ~~كان قد حكي وليس مما نحن فيه؛ فإن المانع من جوازها رأى أنها من باب بيع ~~الدين بالدين، بخلاف ما نحن فيه، والمجوز لها يقول: ليس عن الشارع نص عام ~~في المنع من بيع الدين بالدين، وغاية ما ورد فيه حديث وفيه ما فيه: «أنه ~~نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» والكالئ: هو المؤخر، وهذا كما إذا كان رأس مال ~~السلم دينا في ذمة المسلم، فهذا هو الممنوع منه بالاتفاق؛ لأنه يتضمن شغل ~~الذمتين بغير مصلحة لهما، وأما إذا كان الدين في ذمة المسلم إليه فاشترى به ~~شيئا في ذمته فقد سقط ms1053 الدين من ذمته وخلفه دين آخر واجب فهذا من باب بيع ~~الساقط بالواجب، فيجوز كما يجوز بيع الساقط بالساقط في باب المقاصة، فإن ~~بنى المستأجر أو أنفق على الدابة، وقال: أنفقت كذا وكذا، وأنكر المؤجر، ~~فالقول قول المؤجر؛ لأن المستأجر يدعي براءة نفسه من الحق الثابت عليه، ~~والقول قول المنكر. # فإن قيل: فهل ينفعه إشهاد رب الدار أو الدابة على نفسه أنه مصدق فيما ~~يدعي إنفاقه؟ . # قيل: لا ينفعه ذلك، وليس بشيء، ولا يصدق أنه أنفق شيئا إلا ببينة؛ لأن ~~مقتضى العقد ألا يقبل قوله في الإنفاق، ولكن ينتفع بعد الإنفاق بإشهاد ~~المؤجر أنه صادق فيما يدعي أنه أنفقه، والفرق بين الموضعين أنه بعد الإنفاق ~~مدع، فإذا صدقه المدعى عليه نفعه ذلك، وقبل الإنفاق ليس مدعيا، ولا ينفعه ~~إشهاد المؤجر بتصديقه فيما سوف يدعيه في المستقبل؛ فهذا شيء وذاك شيء آخر. # فإن قيل: فما الحيلة على أن يصدق المؤجر المستأجر فيما يدعيه من النفقة؟ # قيل: الحيلة أن يسلف المستأجر رب الدار أو الحيوان من الأجرة ما يعلم أنه ~~بقدر الحاجة، ويشهد عليه بقبضه، ثم يدفع رب الدار إلى المستأجر ذلك الذي ~~قبضه منه، ويوكله في الإنفاق على داره أو دابته، فيصير أمينه فيصدقه على ما ~~يدعيه إذا كان ذلك نفقة # PageV03P264 # مثله عرفا، فإن خرج عن العادة لم يصدق به، وهذه حيلة لا يدفع بها حقا، ~~ولا يتوصل بها لمحرم، ولا يقيم بها باطلا. ### | [المثال الرابع خوف رب الدار من أن يؤخر المستأجر تسليمها] # [خوف رب الدار من أن يؤخر المستأجر تسليمها] # المثال الرابع: إذا خاف رب الدار أو الدابة أن يعوقها عليه المستأجر بعد ~~المدة، فالحيلة في أمنه من ذلك أن يقول: متى حبستها بعد انقضاء المدة ~~فأجرتها كل يوم كذا وكذا، فإنه يخاف من حبسها أن يلزمه بذلك. ### | [المثال الخامس استئجار الشمع ليشعله] # [استئجار الشمع ليشعله] # المثال الخامس: لا يجوز استئجار الشمع ليشعله، لذهاب عين المستأجر، ~~والحيلة في تجويز هذا العقد أن يبيعه من الشمعة أواقي معلومة، ثم يؤجره ms1054 ~~إياها، فإن كان الذي أشعل منها ذلك القدر، وإلا احتسب له بما أذهبه منها، ~~وأحسن من هذه الحيلة أن يقول: بعتك من هذه الشمعة كل أوقية منها بدرهم، قل ~~المأخوذ منها أو كثر، وهذا جائز على أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، ~~واختاره شيخنا، وهو الصواب المقطوع به، وهو مخرج على نص الإمام أحمد في ~~جواز إجارة الدار كل شهر بدرهم، وقد أجر علي كرم الله وجهه في الجنة نفسه ~~كل دلو بتمرة، ولا محذور في هذا أصلا، ولا يفضي إلى تنازع ولا تشاحن، بل ~~عمل الناس في أكثر بياعاتهم عليه، ولا يضره جهالة كمية المعقود عليه عند ~~البيع؛ لأن الجهالة المانعة من صحة العقد هي التي تؤدي إلى القمار والغرر، ~~ولا يدري العاقد على أي شيء يدخل، وهذه لا تؤدي إلى شيء من ذلك، بل إن أراد ~~قليلا أخذ والبائع راض، وإن أراد كثيرا أخذ والبائع راض، والشريعة لا تحرم ~~مثل هذا ولا تمنع منه، بل هي أسمح من ذلك وأحكم. # فإن قيل: لكن في العقد على هذا الوجه محذوران؛ أحدهما: تضمنه للجمع بين ~~البيع والإجارة، والثاني: أن مورد عقد الإجارة يذهب عينه أو بعضه بالإشعال. # قيل: لا محذور في الجمع بين عقدين كل منهما جائز بمفرده، كما لو باعه ~~سلعة وأجره داره شهرا بمائة درهم، وأما مذهب إجزاء المستأجر بالانتفاع ~~فإنما لم يجز؛ لأنه لم يتعوض عنه المؤجر، وعقد الإجارة يقتضي رد العين بعد ~~الانتفاع، وأما هذا العقد فهو عقد بيع يقتضي ضمان المتلف بثمنه الذي قدر له ~~وأجرة انتفاعه بالعين قبل الإتلاف، فالأجرة في مقابلة انتفاعه بها مدة ~~بقائها، والثمن في مقابلة ما أذهب منها، فدعونا من تقليد آراء الرجال، ما ~~الذي حرم هذا؟ وأين هو في كتاب الله وسنة رسوله أو أقوال الصحابة أو القياس # PageV03P265 # الصحيح الذي يكون فيه الفرع مساويا للأصل ويكون حكم الأصل ثابتا بالكتاب ~~أو السنة أو الإجماع؟ وليس كلامنا في هذا الكتاب مع المقلد المتعصب المقر ~~على نفسه بما شهد عليه به ms1055 جميع أهل العلم أنه ليس من جملتهم فذاك وما اختار ~~لنفسه، وبالله التوفيق. ### | [المثال السادس اشتراط الزوجة دارها أو بلدها ونحو ذلك] # [اشتراط الزوجة دارها أو بلدها ونحو ذلك] # المثال السادس: أن تشترط المرأة دارها أو بلدها أو أن لا يتزوج عليها، ~~ولا يكون هناك حاكم يصحح هذا الشرط، أو تخاف أن يرفعها إلى حاكم يبطله، ~~فالحيلة في تصحيحه أن تلزمه عند العقد بأن يقول: إن تزوجت عليك امرأة فهي ~~طالق. # وهذا الشرط يصح وإن قلنا: " لا يصح تعليق الطلاق بالنكاح " نص عليه أحمد؛ ~~لأن هذا الشرط لما وجب الوفاء به من منع التزويج بحيث لو تزوج فلها الخيار ~~بين المقام معه ومفارقته جاز اشتراط طلاق من يتزوجها عليها، كما جاز اشتراط ~~عدم نكاحها، فإن لم تتم لها هذه الحيلة فلتأخذ شرطه أنه إن تزوج عليها ~~فأمرها بيدها، أو أمر الضرة بيدها، ويصح تعليق ذلك بالشرط؛ لأنه توكيل على ~~الصحيح، ويصح تعليق الوكالة على الشرط على الصحيح من قولي العلماء، وهو قول ~~الجمهور ومالك وأبي حنيفة وأحمد، كما يصح تعليق الولاية على الشرط بالسنة ~~الصحيحة الصريحة. # ولو قيل: " لا يصح تعليق الوكالة بالشرط " لصح تعليق هذا التوكيل الخاص؛ ~~لأنه يتضمن الإسقاط، فهو كتعليق الطلاق والعتق بالشرط، ولا ينتقض هذا ~~بالبراءة فإنه يصح تعليقها بالشرط، وقد فعله الإمام أحمد، وأصوله تقتضي ~~صحته، وليس عنه نص بالمنع، ولو سلم أنه تمليك لم يمنع تعليقه بالشرط كما ~~تعلق الوصية، وأولى بالجواز؛ فإن الوصية تمليك مال وهذا ليس كذلك؛ فإن لم ~~تتم لها هذه الحيلة فليتزوجها على مهر مسمى على أنه إن أخرجها من دارها ~~فلها مهر مثلها وهو أضعاف ذلك المسمى، ويقر الزوج بأنه مهر مثلها، وهذا ~~الشرط صحيح؛ لأنها لم ترض بالمسمى إلا بناء على إقرارها في دارها، فإذا لم ~~يسلم لها ذلك وقد شرطت في مقابلته زيادة جاز، وتكون تلك الزيادة في مقابلة ~~ما فاتها من الغرض الذي إنما أرخصت المهر ليسلم لها، فإذا لم يسلم لها ~~انتقلت إلى المهر الزائد. ms1056 # وقد صرح أصحاب أبي حنيفة بجواز مثل ذلك مع قولهم بأنه لا يصح اشتراط ~~دارها ولا أن لا يتزوج عليها، وقد أغنى الله عن هذه الحيلة بوجوب الوفاء ~~بهذا الشرط الذي هو أحق الشروط أن يوفى به وهو مقتضى الشرع والعقل والقياس ~~الصحيح، فإن المرأة لم ترض ببذل بضعها للزوج إلا على هذا الشرط، ولو لم يجب ~~الوفاء به لم يكن العقد عن تراض، وكان إلزاما لها بما لم تلتزمه وبما لم ~~يلزمها الله تعالى ورسوله به، فلا نص ولا قياس والله الموفق # PageV03P266 ### | [المثال السابع تزوج المرأة بشرط ألا يتزوج عليها] # تزوج المرأة بشرط ألا يتزوج عليها] المثال السابع: إذا خاصمته امرأته ~~وقالت: قل " كل جارية أشتريها فهي حرة، وكل امرأة أتزوجها فهي طالق " ~~فالحيلة في خلاصه أن يقول ذلك ويعني بالجارية السفينة لقوله: {إنا لما طغى ~~الماء حملناكم في الجارية} [الحاقة: 11] ويمسك بيده حصاة أو خرقة ويقول: " ~~فهي طالق " فيرد الكناية إليها، فإن تفقهت عليه الزوجة وقالت: قل: " كل ~~رقيقة أو أمة " فليقل ذلك وليعن فهي حرة الخصال غير فاجرة، فإنه لو قال ذلك ~~لم تعتق كما لو قال له رجل: " غلامك فاجر زان " فقال: ما أعرفه إلا حرا ~~عفيفا، ولم يرد العتق، لم يعتق. # وإن تفقهت عليه وقالت: قل: " فهي عتيقة " فليقل ذلك ولينو ضد الجديدة، أي ~~عتيقة في الرق، فإن تفقهت وقالت: قل: " فهي معتوقة " و: " قد أعتقتها إن ~~ملكتها " فليرد الكناية إلى حصاة في يده أو خرقة، فإن لم تدعه أن يمسك شيئا ~~فليردها إلى نفسه، ويعني أن قد أعتقها من النار بالإسلام، أو فهي حرة ليست ~~رقيقة لأحد، ويجعل الكلام جملتين، فإن حضرته وقالت: قل: " فالجارية التي ~~أشتريها معتوقة " فليقيد ذلك بزمن معين، أو مكان معين في نيته، ولا يحنث ~~بغيره، فإن حضرته وقالت: من غير تورية ولا كناية ولا نية تخالف قولي، وهذا ~~آخر التشديد، فلا يمنعه ذلك من التورية والكناية. # وإن قال بلسانه: " لا أوري ولا أكني " والتورية والكناية في قلبه، كما لو ms1057 ~~قال: " لا أستثني " بلسانه ومن نيته الاستثناء، ثم استثنى فإنه ينفعه، حتى ~~لو لم ينو الاستثناء ثم عزم عليه واستثنى نفعه ذلك بالسنة الصحيحة الصريحة ~~التي لا معارض لها بوجه في غير حديث، كقول الملك لسليمان: قل إن شاء الله، ~~وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إلا الإذخر» بعد أن ذكره به العباس، ~~وقوله: «إن شاء الله» بعد أن قال: «لأغزون قريشا، ثلاث مرات» ثم قال بعد ~~الثالثة وسكوته: «إن شاء الله» . # والقرآن صريح في نفع الاستثناء إذا نسيه ولم ينوه في أول كلامه ولا ~~أثناءه في قوله تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا - إلا أن يشاء ~~الله واذكر ربك إذا نسيت} [الكهف: 23 - 24] ، وهذا إما أن يختص بالاستثناء ~~إذا نسيه كما فسره به جمهور المفسرين، أو يعمه ويعم غيره وهو الصواب؛ فأما ~~أن يخرج منه الاستثناء الذي سيق الكلام لأجله ويرد إلى غيره فلا يجوز، ولأن ~~الكلام الواحد لا يعتبر في صحته نية كل جملة من جمله وبعض من أبعاضه؛ فالنص ~~والقياس يقتضي نفع الاستثناء، وإن خطر له بعد انقضاء الكلام، وهذا هو ~~الصواب المقطوع به. ### | [المثال الثامن إجارة الأرض المشغولة بالزرع] # [إجارة الأرض المشغولة بالزرع] # المثال الثامن: لا تصح إجارة الأرض المشغولة بالزرع، فإن أراد ذلك فله ~~حيلتان # PageV03P267 # جائزتان، إحداهما: أن يبيعه الزرع ثم يؤجره الأرض، فتكون الأرض مشغولة ~~بملك المستأجر، فلا يقدح في صحة الإجارة، فإن لم يتمكن من هذه الحيلة لكون ~~الزرع لم يشتد أو كان زرعا للغير انتقل إلى الحيلة الثانية، وهي أن يؤجره ~~إياها لمدة تكون بعد أخذ الزرع، ويصح هذا بناء على صحة الإجارة المضافة. ### | [المثال التاسع استئجار الأرض بخراجها مع الأجرة] # [استئجار الأرض بخراجها مع الأجرة] # المثال التاسع: لا تصح إجارة الأرض على أن يقوم المستأجر بالخراج مع ~~الأجرة، أو يكون قيامه به هو أجرتها، ذكره القاضي؛ لأن الخراج مؤنة تلزم ~~المالك بسبب تمكنه من الانتفاع؛ فلا يجوز نقله إلى المستأجر. والحيلة في ~~جوازه أن يسمي مقدار الخراج، ويضيفه إلى ms1058 الأجرة - قلت: ولا يمنع أن يؤجره ~~الأرض بما عليها من الخراج إذا كان مقدارا معلوما لا جهالة فيه - فيقول: ~~أجرتكها بخراجها تقوم به عني، فلا محذور في ذلك، ولا جهالة، ولا غرر، وأي ~~فرق بين أن يقول آجرتك كل سنة بمائة أو بالمائة التي عليها كل سنة خراجا؟ ~~فإن قيل: الأجرة تدفع إلى المؤجر والخراج إلى السلطان. # قيل: بل تدفع الأجرة إلى المؤجر أو إلى من أذن له بالدفع إليه، فيصير ~~وكيله في الدفع. ### | [المثال العاشر استئجار الدابة بعلفها] # [استئجار الدابة بعلفها] # المثال العاشر: لا يصح أن يستأجر الدابة بعلفها؛ لأنه مجهول. والحيلة في ~~جوازه أن يسمي ما يعلم أنها تحتاج إليه من العلف فيجعله أجرة ثم يوكله في ~~إنفاق ذلك عليها. وهذه الحيلة غير محتاج إليها على أصلنا؛ فإنا نجوز أن ~~يستأجر الظئر بطعامها وكسوتها والأجير بطعامه وكسوته، فكذلك إجارة الدابة ~~بعلفها وسقيها. # فإن قيل: علف الدابة على مالكها، فإذا شرطه على المستأجر فقد شرط ما ~~ينافي مقتضى العقد، فأشبه ما لو شرط في عقد النكاح أن تكون نفقة الزوجة على ~~نفسها. # قيل: هذا من أفسد القياس؛ لأن العلف قد جعل في مقابلة الانتفاع فهو نفسه ~~أجرة مغتفرة جهالتها اليسيرة للحاجة، بل الحاجة إلى ذلك أعظم من حاجة ~~استئجار الأجير بطعامه وكسوته؛ إذ يمكن الأجير أن يشتري له بالأجرة ذلك، ~~فأما الدابة فإن كلف ربها أن يصحبها ليعلفها شق عليه ذلك فتدعو الحاجة إلى ~~قيام المستأجر عليها، ولا يظن به تفريطه في علفها لحاجته إلى ظهرها، فهو ~~يعلفها لحاجته وإن لم يمكنها مخاصمته # PageV03P268 ### | [المثال الحادي عشر الإجارة مع عدم معرفة المدة] # الإجارة مع عدم معرفة المدة] # المثال الحادي عشر: إذا أراد أن يستأجر دارا أو حانوتا، ولا يدري مدة ~~مقامه، فإن استأجره سنة فقد يحتاج إلى التحول قبلها. فالحيلة أن يستأجر كل ~~شهر بكذا وكذا، فتصح الإجارة وتلزم في الشهر الأول، وتصير جائزة فيما بعده ~~من الشهور، فلكل واحد منهما الفسخ عقيب كل شهر إلى تمام يوم، وهذا قول ms1059 أبي ~~حنيفة، وقال الشافعي: الإجارة فاسدة، وعن أحمد نحوه، والصحيح الأول؛ فإذا ~~خاف المستأجر أن يتحول قبل تمام الشهر الثاني فيلزمه أجرته فالحيلة أن ~~يستأجرها كل أسبوع بكذا، فإن خاف التحول قبل الأسبوع استأجرها كل يوم بكذا، ~~ويصح ويكون حكم اليوم كحكم الشهر. ### | [المثال الثاني عشر شراء الوكيل ما وكل فيه لنفسه] # [شراء الوكيل ما وكل فيه لنفسه] # المثال الثاني عشر: لو وكله أن يشتري له جارية معينة، فلما رآها الوكيل ~~أعجبته وأراد شراءها لنفسه من غير إثم يدخل عليه ولا غدر بالموكل جاز ذلك؛ ~~لأن شراءه إياها لنفسه عزل لنفسه وإخراج لها من الوكالة، والوكيل يملك عزل ~~نفسه في حضور الموكل وغيبته، وإذا عزل [نفسه] واشترى الجارية لنفسه بماله ~~ملكها، وليس في ذلك بيع على بيع أخيه أو شراء على شراء أخيه، إلا أن يكون ~~سيدها قد ركن إلى الموكل وعزم على إمضاء البيع له؛ فيكون شراء الوكيل لنفسه ~~حينئذ حراما؛ لأنه شراء على شراء أخيه، ولا يقال: " العقد لم يتم والشراء ~~على شرائه هو أن يطلب من البائع فسخ العقد في مدة الخيار ويعقد معه هو " ~~لعدة أوجه: # أحدها: أن هذا حمل للحديث على الصورة النادرة، والأكثر خلافها. # الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرن ذلك بخطبته على خطبة أخيه، ~~وذلك إنما يكون قبل عقد النكاح. # الثالث: أنه «نهي أن يسوم على سوم أخيه» ، وذلك أيضا قبل العقد. # الرابع: أن المعنى الذي حرم الشارع لأجله ذلك لا يختص بحالة الخيار، بل ~~هو قائم بعد الركون والتراضي وإن لم يعقداه كما هو قائم بعد العقد. # الخامس: أن هذا تخصيص لعموم الحديث بلا موجب، فيكون فاسدا، فإن شراءه على ~~شراء أخيه متناول لحال الشراء وما بعده، والذي غر من خصه بحالة الخيار ظنه ~~أن هذا اللفظ إنما يصدق على من اشترى بعد شراء أخيه، وليس كذلك، بل اللفظ ~~صادق على القسمين. # السادس: أنه لو اختص اللفظ بما بعد الشراء لوجب تعديته بتعدية علته إلى ~~حالة السوم. # أما على أصل ms1060 أبي حنيفة فلا يتأتى ذلك؛ لأن الوكيل لا يملك عزل نفسه في ~~غيبة الموكل، فلو اشتراها لنفسه لكان عزلا لنفسه في غيبة موكله، وهو لا ~~يملكه. # PageV03P269 # قالوا: فالحيلة في شرائها لنفسه أن يشتريها بغير جنس الثمن الذي وكل أن ~~يشتري به، وحينئذ فيملكها؛ لأن هذا العقد غير الذي وكل فيه، فهو بمنزلة ما ~~لو وكله في شراء شاة فاشترى فرسا؛ فإن العقد يكون للوكيل دون الموكل؛ فإن ~~أراد الموكل الاحتراز من هذه الحيلة وأن لا يمكن الوكيل من شرائها لنفسه ~~فليشهد عليه أنه متى اشتراها لنفسه فهي حرة؛ فإن وكل الوكيل من يشتريها له ~~انبنى ذلك على أصلين: # أحدهما: أن الوكيل هل له أن يوكل أم لا؟ # والثاني: أن من حلف لا يفعل شيئا؛ فوكل في فعله هل يحنث أم لا؟ # وفي الأصلين نزاع معروف، فإن وكله رجل في بيع جارية ووكله آخر في شرائها، ~~وأراد هو شراءها لنفسه فالحكم على ما تقدم، غير أن هاهنا أصلا آخر، وهو أن ~~الوكيل في بيع الشيء هل يملك بيعه لنفسه؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد؛ ~~إحداهما: لا يملك ذلك سدا للذريعة؛ لأنه لا يستقصي في الثمن، والثانية: ~~يجوز إذا زاد على ثمنها في النداء لتزول التهمة؛ فعلى هذه الرواية يفعل ذلك ~~من غير حاجة إلى حيلة، والثانية لا يجوز فعل هذا، وهل يجوز له التحيل على ~~ذلك؟ فقيل: له أن يتحيل عليه بأن يدفع إلى غيره دراهم ويقول له: اشترها ~~لنفسك، ثم يتملكها منه، والذي تقتضيه قواعد المذهب أن هذا لا يجوز؛ لأنه ~~تحيل على التوصل إلى فعل محرم، ولأن ذلك ذريعة إلى عدم استقصائه واحتياطه ~~في البيع، بل يسامح في ذلك لعلمه أنها تصير إليه، وأنه هو الذي يزن الثمن، ~~ولأنه يعرض نفسه للتهمة، ولأن الناس يرون ذلك نوع غدر ومكر؛ فمحاسن الشريعة ~~تأبى الجواز. # فإن قيل: فلو وكله أحدهما في بيعها والآخر في شرائها ولم يرد أن يشتريها ~~لنفسه؛ فهل يجوز ذلك؟ . # قيل: هذا ينبني على شراء الوكيل في البيع ms1061 لنفسه؛ فإن أجزناه هناك جاز ~~هاهنا بطريق الأولى، وإن منعناه هناك، فقال القاضي: لا يجوز أيضا هاهنا؛ ~~لتضاد الغرضين؛ لأن وكيل البيع يستقصي في زيادة الثمن، ووكيل الشراء يستقصي ~~في نقصانه؛ فيتضادان، ولم يذكر غير ذلك، ويتخرج الجواز - وإن منعنا الوكيل ~~من الشراء لنفسه من نص أحمد - على جواز كون الوكيل في النكاح وكيلا من ~~الطرفين، وكونه أيضا وليا من الطرفين، وأنه يلي بذلك على إيجاب العقد ~~وقبوله، ولا ريب أن التهمة التي تلحقه في الشراء لنفسه أظهر من التهمة التي ~~تلحقه في الشراء لموكله. # والحيلة الصحيحة في ذلك كله أن يبيعها بيعا بتاتا ظاهرا لأجنبي يثق به، ~~ثم يشتريها منه شراء مستقلا؛ فهذا لا بأس به، والله أعلم # PageV03P270 ### | [المثال الثالث عشر الحيلة في التخلص من طلاق امرأته] # حيلة في التخلص من طلاق امرأته] # المثال الثالث عشر: إذا قال الرجل لامرأته: " الطلاق يلزمني لا تقولين لي ~~شيئا إلا قلت لك مثله " فقالت له: أنت طالق ثلاثا. # فالحيلة في التخلص من أن يقول لها مثل ذلك أن يقول لها: قلت لي: أنت طالق ~~ثلاثا. # قال أصحاب الشافعي: وفي هذه الحيلة نظر لا يخفى؛ لأنه لم يقل لها مثل ما ~~قالت له، وإنما حكى كلامها من غير أن يقول لها نظيره. ولو أن رجلا سب رجلا ~~فقال له المسبوب: " أنت قلت لي كذا وكذا " لم يكن قد رد عليه عند أحد، لا ~~لغة ولا عرفا؛ فهذه الحيلة ليست بشيء. # وقالت طائفة أخرى: الحيلة أن يقول لها: " أنت طالق ثلاثا " - بفتح التاء ~~- فلا تطلق، وهذا نظير ما قالت له سواء، وهذه وإن كانت أقرب من الأولى؛ فإن ~~المفهوم المتعارف لغة وعقلا وعرفا من الرد على المرأة أن يخاطبها خطاب ~~المؤنث، فإذا خاطبها خطاب المذكر لم يكن ذلك ردا ولا جوابا، ولو فرض أنه رد ~~لم يمنع وقوع الطلاق بالمواجهة وإن فتح التاء، كأنه قال: أيها الشخص أو ~~الإنسان. # وقالت طائفة أخرى: الحيلة في ذلك أن يقول: أنت طالق ثلاثا إن شاء الله، ~~أو ms1062 إن كلمت السلطان، أو إن سافرت، ونحو ذلك؛ فيكون قد قال لها نظير ما ~~قالت، ولا يضره زيادة الشرط، وهذه الحيلة أقرب من التي قبلها، ولكن في كون ~~المتكلم بها رادا أو مجيبا نظر لا يخفى؛ لأن الشرط وإن تضمن زيادة في ~~الكلام لكنه يخرجه عن كونه نظيرا لكلامها، ومثلا له، وهو إنما حلف أن يقول ~~لها مثل ما قالت له، والجملة الشرطية ليست مثل الجملة الخبرية، بل الشرط ~~يدخل على الكلام التام فيصيره ناقصا يحتاج إلى الجواب، ويدخل على الخبر ~~فيقلبه إنشاء، ويغير صورة الجملة الخبرية ومعناها، ولو قال رجل لغيره: " ~~لعنك الله "، فقال له: " لعنك الله إن بدلت دينك أو ارتددت عن الإسلام " لم ~~يكن سابا له. # ولو قال له: " يا زان " فقال: " بل أنت زان إن وطئت فرجا حراما " لم يكن ~~الثاني قاذفا له. ولو بذلت له مالا على أن يطلقها، فقال: أنت طالق إن كلمت ~~السلطان، لم يستحق المال، ولم يكن مطلقا. # وقالت طائفة أخرى: لا حاجة إلى شيء من ذلك، والحالف لم تدخل هذه الصورة ~~في عموم كلامه، وإن دخلت فهي من المخصوص بالعرف والعادة والعقل؛ فإنه لم ~~يرد هذه الصورة قطعا، ولا خطرت بباله، ولا تناولها لفظه؛ فإنه إنما تناول ~~لفظه القول الذي يصح # PageV03P271 # أن يقال له، وقولها: " أنت طالق ثلاثا " ليس من القول الذي يصح أن يواجه ~~به؛ فهو لغو محض وباطل، وهو بمنزلة قولها " أنت امرأتي " وبمنزلة قول الأمة ~~لسيدها: " أنت أمتي وجاريتي " ونحو هذا من الكلام اللغو الذي لم يدخل تحت ~~لفظ الحالف ولا إرادته، أما عدم دخوله تحت إرادته فلا إشكال فيه، وأما عدم ~~تناول لفظه له؛ فإن اللفظ العام إنما يكون عاما فيما يصلح له وفيما سيق ~~لأجله. # وهذا أقوى من جميع ما تقدم، وغايته تخصيص العام بالعرف والعادة، وهذا ~~أقرب لغة وعرفا وعقلا وشرعا من جعل ما تقدم مطابقا ومماثلا لكلامها مثله، ~~فتأمله، والله الموفق. ### | [المثال الرابع عشر الإحرام وقد ضاق الوقت] # [الإحرام وقد ضاق الوقت] # المثال الرابع ms1063 عشر: إذا خاف الرجل لضيق الوقت أن يحرم بالحج فيفوته ~~فيلزمه القضاء ودم الفوات؛ فالحيلة أن يحرم إحراما مطلقا ولا يعينه؛ فإن ~~اتسع له الوقت جعله حجا أو قرانا أو تمتعا، وإن ضاق عليه الوقت جعله عمرة، ~~ولا يلزمه غيرها. ### | [المثال الخامس عشر من جاوز الميقات غير محرم] # [من جاوز الميقات غير محرم] # المثال الخامس عشر: إذا جاوز الميقات غير محرم لزمه الإحرام ودم لمجاوزته ~~للميقات غير محرم، فالحيلة في سقوط الدم عنه أن لا يحرم من موضعه، بل يرجع ~~إلى الميقات فيحرم منه؛ فإن أحرم من موضعه لزمه الدم، ولا يسقط برجوعه إلى ~~الميقات. ### | [المثال السادس عشر الحيلة للبر في يمين] # [حيلة للبر في يمين] # المثال السادس عشر: إذا سرق له متاع، فقال لامرأته: إن لم تخبريني من ~~أخذه فأنت طالق ثلاثا، والمرأة لا تعلم من أخذه. # فالحيلة في التخلص من هذه اليمين أن تذكر الأشخاص التي لا يخرج المأخوذ ~~عنهم، ثم تفرد كل واحد واحد، وتقول: هو أخذه؛ فإنها تكون مخبرة عن الآخذ ~~وعن غيره فيبر في يمينه ولا تطلق. ### | [المثال السابع عشر ادعاء المرأة نفقة ماضية] # [ادعاء المرأة نفقة ماضية] # المثال السابع عشر: إذا ادعت المرأة النفقة والكسوة لمدة ماضية، فقد ~~اختلف في قبول دعواها، فمالك وأبو حنيفة لا يقبلان دعواها، ثم اختلفا في ~~مأخذ الرد؛ فأبو حنيفة يسقطها بمضي الزمان، كما يقوله منازعوه في نفقة ~~القريب، ومالك لا يسمع الدعوى التي يكذبها العرف والعادة، ولا يحلف عنده ~~فيها، ولا يقبل فيها بينة، كما لو كان رجل حائزا # PageV03P272 # دارا متصرفا فيها مدة السنين الطويلة بالبناء والهدم والإجارة والعمارة ~~وينسبها إلى نفسه ويضيفها إلى ملكه وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها ~~طول هذه المدة، ومع ذلك لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له فيها حقا، ولا مانع ~~يمنعه من خوف أو شركة في ميراث، ونحو ذلك، ثم جاء بعد تلك المدة فادعاها ~~لنفسه، فدعواه غير مسموعة فضلا عن إقامة بينته. قالوا: وكذلك إذا كانت ~~المرأة مع الزوج مدة ms1064 سنين يشاهده الناس والجيران داخلا بيته بالطعام ~~والفاكهة واللحم والخبز، ثم ادعت بعد ذلك أنه لم ينفق عليها في هذه المدة؛ ~~فدعواها غير مسموعة، فضلا عن أن يحلف لها، أو يسمع لها بينة. قالوا: وكل ~~دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة. # وهذا المذهب هو الذي ندين الله به، ولا يليق بهذه الشريعة الكاملة سواه، ~~وكيف يليق بالشريعة أن تسمع مثل هذه الدعوى التي قد علم الله وملائكته ~~والناس أنها كذب وزور؟ وكيف تدعي المرأة أنها أقامت مع الزوج ستين سنة أو ~~أكثر لم ينفق عليها فيها يوما واحدا ولا كساها فيها ثوبا، ويقبل قولها ~~عليه، ويلزم بذلك كله؟ ويقال: الأصل معها وكيف يعتمد على أصل يكذبه العرف ~~والعادة والظاهر الذي بلغ في القوة إلى حد القطع؟ والمسائل التي يقدم فيها ~~الظاهر القوي على الأصل أكثر من أن تحصى، ومثل هذا المذهب في القوة مذهب ~~أبي حنيفة، وهو سقوطها بمضي الزمان؛ فإن البينة قد قامت بدونها؛ فهي كحق ~~المبيت والوطء. # ولا يعرف أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أنهم أئمة ~~الناس في الورع والتخلص من الحقوق والمظالم - قضى لامرأة بنفقة ماضية، أو ~~استحل امرأة منها، ولا أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك امرأة واحدة ~~منهن، ولا قال لها: ما مضى من النفقة حق لك عند الزوج؛ فإن شئت فطالبيه، ~~وإن شئت حللتيه، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يتعذر عليه نفقة أهله ~~أياما حتى سألته إياها، ولم يقل لهن: هي باقية في ذمتي حتى يوسع الله ~~وأقضيكن، ولما وسع الله عليه لم يقض لامرأة منهن ذلك، ولا قال لها: هذا عوض ~~عما فاتك من الإنفاق، ولا سمع الصحابة لهذه المسألة خبرا؛ وقول عمر - رضي ~~الله عنه - للغياب: " إما أن تطلقوا وإما أن تبعثوا بنفقة ما مضى " في ~~ثبوته نظر، فإن قال ابن المنذر: " ثبت عن عمر " فإن في إسناده ما يمنع ~~ثبوته. ولو قدر صحته فهو حجة عليهم، ودليل على أنهم إذا طلقوا ms1065 لم يلزمهم ~~بنفقة ما مضى. # فإن قيل: وحجة عليكم في إلزامه لهم بها، وأنتم لا تقولون بذلك. # قيل: بل نقول به، وإن الأزواج إذا امتنعوا من الواجب عليهم مع قدرتهم ~~عليه لم # PageV03P273 # يسقط بالامتناع ولزمهم ذلك. وأما المعذور العاجز فلا يحفظ عن أحد من ~~الصحابة أنه جعل النفقة دينا في ذمته أبدا. وهذا التفصيل هو أحسن ما يقال ~~في هذه المسألة. # والمقصود أن على هذين المذهبين لا تسمع هذه الدعوى، ويسمعها الشافعي ~~وأحمد بناء على قاعدة الدعاوى، وأن الحق قد ثبت ومستحقه ينكر قبضه فلا يقبل ~~قول الدافع عليه إلا ببينة؛ فعلى قولهما يحتاج الزوج إلى طريق تخلصه من هذه ~~الدعوى، ولا ينفعه دعوى النشور، فإن القول فيه قول المرأة، ولا يخلصه دعوى ~~عدم التسليم الموجب للإنفاق لتمكن المرأة من إقامة البينة عليه؛ فله ~~حيلتان؛ إحداهما: أن يقيم البينة على نفقته وكسوته لتلك المدة، وللبينة أن ~~تشهد على ذلك بناء على ما علمته وتحققته بالاستفاضة والقرائن المفيدة ~~للقطع؛ فإن الشاهد يشهد بما علمه بأي طريق علمه، وليس على الحاكم أن يسأل ~~البينة عن مستند التحمل، ولا يجب على الشاهد أن يبين مستنده في الشهادة # والحيلة الثانية: أن ينكر التمكين الموجب لثبوت المدعى به في ذمته، ويكون ~~صادقا في هذا الإنكار؛ فإن التمكين الماضي لا يوجب عليه ما ادعت به الزوجة ~~إذا كان قد أداه إليها. والتمكين الذي يوجب ما ادعت به لا حقيقة له؛ فهو ~~صادق في إنكاره. ### | [المثال الثامن عشر شراء معيب ثم تعيبه عند المشتري] # [شراء معيب ثم تعيبه عند المشتري] : المثال الثامن عشر: إذا اشترى ربويا ~~بمثله فتعيب عنده ثم وجد به عيبا، فإنه لا يمكنه رده للعيب الحادث، ولا ~~يمكنه أخذ الأرش لدخول التفاضل فالحيلة في استدراك ظلامته أن يدفع إلى ~~البائع ربويا معيبا بنظير العيب الذي وجده بالمبيع ثم يسترجع منه الذي دفعه ~~إليه فإن استهلكه استرد منه نظيره، وهذه الحيلة على أصل الشافعي. # وأما على أصل أبي حنيفة فالحيلة في الاستدراك أن يأخذ عوض ms1066 العيب من غير ~~جنسه، بناء على أصله في تجويز مسألة مد عجوة، وأما على أصل الإمام أحمد فإن ~~كان البائع علم بالعيب فكتمه لم يمنع العيب الحادث عند المشتري رده عليه، ~~بل لو تلف جميعه رجع عليه بالثمن عنده. # وإن لم يكن من البائع تدليس فإنه يرد عليه المبيع ومعه أرش العيب الحادث ~~عنده، ويسترد العوض، وليس في ذلك محذور، فإنه يبطل العقد؛ فالزيادة ليست ~~زيادة في عوض، فلا يكون ربا. ### | [المثال التاسع عشر إبراء الغريم في مرض الموت] # [إبراء الغريم في مرض الموت] # المثال التاسع عشر: إذا أبرأ الغريم من دينه في مرض موته ودينه يخرج من ~~الثلث وهو غير وارث فخاف المبرأ أن تقول الورثة: " لم يخلف مالا سوى الدين ~~" ويطالبون بثلثيه، # PageV03P274 # فالحيلة أن يخرج المريض إلى الغريم مالا بقدر دينه فيهبه إياه، ثم ~~يستوفيه منه من دينه، فإن عجز عن ذلك [ولم تغب عنه الورثة] فالحيلة أن يقر ~~بأنه شريكه بقدر الدين الذي عليه. # فإن عجز عن ذلك فالحيلة أن يقر بأنه كان قبضه منه أو أبرأه منه في صحته، ~~فإن خاف أن يتعذر عليه مطالبته به إذا توفي فالحيلة أن يشهد عليه أنه إن ~~ادعى عليه أو أي وقت ادعى عليه أو متى ادعى عليه بكذا وكذا فهو صادق في ~~دعواه، فإن لم يدع عليه بذلك لم يلزمه، وليس لوارثه بعده أن يدعي به، فإنه ~~إنما صدق الموروث إن ادعى، ولم تحصل دعواه، وإنما ينتقل إلى الورثة ما ادعى ~~به الموروث وصدقه المدعى عليه، ولم يتحقق ذلك. ### | [المثال العشرون الحيلة لنفاذ عتق عبده مع خوفه جحد الورثة] # [حيلة لنفاذ عتق عبده مع خوفه جحد الورثة] # المثال العشرون: إذا أراد أن يعتق عبده وخاف أن يجحد الورثة المال ويرقوا ~~ثلثيه، فالحيلة أن يبيعه لأجنبي، ويقبض ثمنه منه، ثم يهب الثمن للمشتري، ~~ويسأله إعتاق العبد. ولا ينفعه أن يأخذ إقرار الورثة أن العبد يخرج من ~~الثلث؛ لأن الثلث إنما يعتبر عند الموت لا قبله، فإن لم يرد تنجيز ms1067 عتقه ~~وأحب تدبيره وخاف عليه من ذلك فالحيلة أن يملكه لرجل يثق به، ويعلق المشتري ~~عتقه بموت السيد المملك، فلا يجد الورثة إليه سبيلا ### | [المثال الحادي والعشرون إذا كان لأحد الورثة دين على الموروث وأحب أن يوفيه إياه ولا بينة له به] # ، فإن أقر له به أبطلنا إقراره، وإن أعطاه عوضه كان تبرعا في الظاهر ~~فلباقي الورثة رده، فالحيلة في خلاصه من دينه أن يقبض الوارث ماله عليه في ~~السر، ثم يبيعه سلعة أو دارا أو عبدا بذلك الثمن، فيسترد منه المال، ويدفع ~~إليه تلك السلعة التي هي بقدر دينه. # فإن قيل: وأي حاجة [له] إلى ذلك إذا أمكنه أن يعطيه ما له عليه في السر؟ # قيل: بل في ذلك خلاص الوارث من دعوى بقية الورثة واتهامهم له وشكواهم ~~إياه أنه استولى على مال موروثنا أو صار إليه بغير الحق، فإذا لم يخرج ~~المال الذي عاينوه عند الموروث عن التركة سلم من تطرق التهمة والأذى ~~والشكوى ### | [المثال الثاني والعشرون إذا زوج عبده من ابنته] # صح، فإن خاف من انفساخ النكاح بموته حيث تملكه أو بعضه، فالحيلة في إبقاء ~~النكاح أن يبيعه من أجنبي ويقبض ثمنه أو يهبه إياه، فإن مات بعد ذلك هو أو ~~الأجنبي لم ينفسخ النكاح ### | [المثال الثالث والعشرون إذا كان موليه سفيها إن زوجه طلق وإن سراه أعتق وإن أهمله فسق] # ، فالحيلة أن يشتري جارية من مال نفسه ويزوجه إياها فإن أعتقها لم ينفذ ~~عتقه وإن طلقها رجعت إلى سيدها فلا يطالبه بمهرها # PageV03P275 ### | [المثال الرابع والعشرون تزويج عبده جارية بعد أن حلف لا يزوجه إياها] # تزويج عبده جارية بعد أن حلف لا يزوجه إياها] # المثال الرابع والعشرون: إذا طلب عبده منه أن يزوجه جاريته فحلف بالطلاق ~~ألا يزوجه إياها، فالحيلة على جواز تزويجه بها ولا يحنث أن يبيعهما جميعا ~~أو يملكهما لمن يثق به، ثم يزوجهما المشتري، فإذا فعل ذلك استردهما ولا ~~يحنث؛ لأنه لم يزوج أحدهما الآخر، وإنما فعل ذلك غيره، وقال القاضي أبو ~~يعلى: وهذا ms1068 غير ممتنع على أصلنا؛ لأن الصفة قد وجدت في حال زوال ملكه، فلا ~~يتعلق به حنث ولا يتعلق الحنث باستدامة العقد بعد أن ملكهما؛ لأن التزويج ~~عبارة عن العقد وقد تقضى، وإنما بقي حكمه فلم يحنث باستدامته، قال: ويفارق ~~هذا إذا حلف على عبده لا أدخل هذه الدار فباعه ودخلها ثم ملكه ودخلها بعد ~~ذلك فإنه يحنث؛ لأن الدخول عبارة عن الكون، وذلك موجود بعد الملك كما كان ~~موجودا في الملك الأول. # قال: وقد علق أحمد القول في رواية مهنا في رجل قال لامرأته: " أنت طالق ~~إن رهنت كذا وكذا " فإذا هي قد رهنته قبل اليمين، فقال: أخاف أن يكون قد ~~حنث، قال: وهذا محمول على أنه قال: " إن كنت رهنتيه " فيحنث؛ لأنه حلف على ~~ماض. # ولا يخفى ما في هذا الحمل من مخالفة ظاهر كلام السائل وكلام الإمام أحمد؛ ~~أما كلام السائل فظاهر في أنه إنما أراد رهنا تنشئه بعد اليمين فإن أداة ~~الشرط تخلص الفعل الماضي للاستقبال، فهذا الفعل مستقبل بوضع اللغة والعرف ~~والاستعمال. # وأما كلام الإمام أحمد فإنه لو فهم من السائل ما حمله عليه القاضي لجزم ~~بالحنث، ولم يقل: " أخاف " فهو إنما يطلق هذه اللفظة فيما عنده فيه نوع ~~توقف. واستقراء أجوبته يدل على ذلك. # وإنما وجه هذا أنه جعل استدامة الرهن رهنا كاستدامة اللبس والركوب ~~والسكنى والجماع والأكل والشرب ونحو ذلك. # ولما كان لها شبه بهذا وشبه باستدامة النكاح والطيب ونحوهما لم يجزم ~~بالحنث، بل قال: أخاف أن يكون قد حنث، والله أعلم. ### | [المثال الخامس والعشرون الشركة بالعروض والفلوس هل تصح] # [الشركة بالعروض والفلوس] # المثال الخامس والعشرون: هل تصح الشركة بالعروض والفلوس إن قلنا هي عروض ~~والنقود المغشوشة؟ على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد، فإن جوزنا الشركة ~~بها لم يحتج إلى حيلة، بل يكون رأس المال قيمتها وقت العقد، وإن لم تجوز ~~الشركة بها فالحيلة على أن يصيرا شريكين فيها أن يبيع كل واحد منهما صاحبه ~~نصف عرضه بنصف عرضه مشاعا، فيصير كل منهما ms1069 شريكا لصاحبه في عرضه، ويصير عرض ~~كل واحد منهما بينهما نصفين، ثم يأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف. هذا ~~إذا كان قيمة العرضين سواء، فإذا كانا متفاوتين - بأن يساوي أحدهما مائة ~~والآخر مائتين - فالحيلة أن يبيع صاحب # PageV03P276 # العرض الأدنى ثلثي عرضه بثلث عرض صاحبه كما تقدم، فيكون العرضان بينهما ~~أثلاثا، والربح على قدر الملكين عند الشافعي وعند أحمد على ما شرطاه، ولا ~~تمتنع هذه الحيلة على أصلنا فإنها لا تبطل حقا، ولا تثبت باطلا، ولا توقع ~~في محرم. ### | [المثال السادس والعشرون الصلح عن الدين ببعضه] # [الصلح عن الدين ببعضه] # المثال السادس والعشرون: إذا كان له عليه ألف درهم فأراد أن يصالحه على ~~بعضها فلها ثمان صور؛ فإنه إما يكون مقرا أو منكرا، وعلى التقديرين فإما أن ~~تكون حالة أو مؤجلة، ثم الحلول والتأجيل إما أن يقع في المصالح عنه أو في ~~المصالح به، وإنما تتبين أحكام هذه المسائل بذكر صورها وأصولها. # الصورة الأولى أن يصالحه عن ألف حالة قد أقر بها على خمسمائة حالة؛ فهذا ~~صلح على الإقرار، وهو صحيح على أحد القولين، باطل على القول الآخر؛ فإن ~~الشافعي لا يصحح الصلح إلا على الإقرار، والخرقي ومن وافقه من أصحاب الإمام ~~أحمد لا يصححه إلا على الإنكار، وابن أبي موسى وغيره يصححونه على الإقرار ~~والإنكار، وهو ظاهر النص، وهو الصحيح؛ فالمبطلون له مع الإقرار يقولون: هو ~~هضم للحق؛ لأنه إذا أقر له فقد لزمه ما أقر به، فإذا بذل له دونه فقد هضمه ~~حقه، بخلاف المنكر فإنه يقول: إنما افتديت يميني والدعوى علي بما بذلته، ~~والآخذ يقول: أخذت بعض حقي، والمصححون له يقولون: إنما يمكن الصلح مع ~~الإقرار لثبوت الحق به؛ فتمكن المصالحة على بعضه، وأما مع الإنكار فأي شيء ~~ثبت حتى يصالح عليه؟ # فإن قلتم: " صالحه عن الدعوى واليمين وتوابعهما، فإن هذا لا تجوز ~~المعارضة عليه، ولا هو مما يقابل بالأعواض، فهذا أصل، والصواب جواز الأمرين ~~للنص والقياس والمصلحة؛ فإن الله تعالى أمرنا بالوفاء بالعقود ومراعاة ~~العهود، وأخبر ms1070 النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن المسلمين على شروطهم» ، ~~وأخبر أن: «الصلح بين المسلمين جائز إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا» ، ~~وقول من منع الصلح على الإقرار: " إنه هضم للحق " ليس كذلك، وإنما الهضم أن ~~يقول: لا أقر لك حتى تهب لي كذا وتضع عني كذا وأما إذا أقر له ثم صالحه ~~ببعض ما أقر به فأي هضم هناك؟ # وقول من منع الصلح على الإنكار: " إنه يتضمن المعاوضة عما لا تصح ~~المعاوضة عليه " فجوابه أنه افتداء لنفسه من الدعوى واليمين وتكليف إقامة ~~البينة كما تفتدي المرأة نفسها من الزوج بما تبذله له، وليس هذا بمخالف ~~لقواعد الشرع، بل حكمة الشرع وأصوله وقواعده ومصالح المكلفين تقتضي ذلك. # فهاتان صورتان: صلح عن الدين الحال ببعضه حالا مع الإقرار ومع الإنكار. # PageV03P277 # الصورة الثالثة أن يصالح عنه ببعضه مؤجلا مع الإقرار والإنكار، فهاتان ~~صورتان أيضا، فإن كان مع الإنكار ثبت التأجيل، ولم تكن له المطالبة به قبل ~~الأجل؛ لأنه لم يثبت له قبله دين حال فيقال: لا يقبل التأجيل، وإن كان مع ~~الإقرار ففيه ثلاثه أقوال للعلماء، وهي في مذهب الإمام أحمد، أحدها: لا يصح ~~الإسقاط ولا التأجيل، بناء على أن الصلح لا يصح مع الإقرار وعلى أن الحال ~~لا يتأجل. والثاني: أنه يصح الإسقاط دون التأجيل، بناء على صحة الصلح مع ~~الإقرار. والثالث: أنه يصح الإسقاط والتأجيل، وهو الصواب، بناء على تأجيل ~~القرض والعارية، وهو مذهب أهل المدينة، واختيار شيخنا. # وإن كان الدين مؤجلا فتارة يصالحه على بعضه مؤجلا مع الإقرار والإنكار، ~~فحكمه ما تقدم. وتارة يصالحه ببعضه حالا مع الإقرار والإنكار، فهذا للناس ~~فيه ثلاثة أقوال أيضا: أحدها: أنه لا يصح مطلقا، وهو المشهور عن مالك؛ لأنه ~~يتضمن بيع المؤجل ببعضه حالا، وهو عين الربا، وفي الإنكار المدعي يقول: هذه ~~المائة الحالة عوض عن مائتين مؤجلة، وذلك لا يجوز، وهذا قول ابن عمر. ~~والقول الثاني أنه يجوز، وهو قول ابن عباس، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد ~~حكاها ابن أبي موسى وغيره، ms1071 واختاره شيخنا؛ لأن هذا عكس الربا؛ فإن الربا ~~يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل، وهذا يتضمن براءة ذمته من ~~بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل، فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل، ~~فانتفع به كل واحد منهما، ولم يكن هنا ربا لا حقيقة ولا لغة ولا عرفا، فإن ~~الربا الزيادة وهي منتفية ههنا، والذين حرموا ذلك إنما قاسوه على الربا، ~~ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله: " إما أن تربي وإما أن تقضي " وبين قوله: ~~عجل لي وأهب لك مائة، فأين أحدهما من الآخر؟ فلا نص في تحريم ذلك ولا إجماع ~~ولا قياس صحيح. # والقول الثالث: يجوز ذلك في دين الكتابة، ولا يجوز في غيره، وهو قول ~~الشافعي وأبي حنيفة. قالوا: لأن ذلك يتضمن تعجيل العتق المحبوب إلى الله، ~~والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ولا ربا بين العبد وبين سيده؛ فالمكاتب ~~وكسبه للسيد، فكأنه أخذ بعض كسبه وترك له بعضه، ثم تناقضوا فقالوا: لا يجوز ~~أن يبيعه درهما بدرهمين؛ لأنه في المعاملات معه كالأجنبي سواء. # فيا لله العجب، ما الذي جعله معه كالأجنبي في هذا الباب من أبواب الربا ~~وجعله معه بمنزلة العبد القن في الباب الآخر؟ # PageV03P278 # فهذه صورة هذه المسائل وأصولها ومذاهب العلماء فيها، وقد تبين أن الصواب ~~جوازها كلها؛ فالحيلة على التوصل إليها حيلة على أمر جائز ليست على حرام. ### | [فصل فالحيلة على الصلح على الإنكار] # فصل # فالحيلة على الصلح على الإنكار عند من يمنعه أن يجيء رجل أجنبي فيقول ~~للمدعي: أنا أعلم أن ما في يد المدعى عليه لك، وهو يعلم أنك صادق في دعواك، ~~وأنا وكيله، فصالحني على كذا، فينقلب حينئذ صلحا على الإنكار. # ثم ينظر فإن كان فعل ذلك بإذن المدعى عليه رجع بما دفعه أي المدعي، وإن ~~كان بغير إذنه لم يرجع عليه. # وإن دفع المدعى عليه المال إلى الأجنبي وقال: " صالح عني بذلك " جاز ~~أيضا. ### | [فصل الحيلة في جواز الصلح على الإقرار] # فصل # والحيلة في جواز الصلح على الإقرار عند ms1072 من يمنعه أن يبيعه سلعة ويحابيه ~~فيها بالقدر الذي اتفقا على إسقاطه بالصلح. ### | [فصل الحيلة في الصلح عن الحال ببعضه مؤجلا] # فصل # والحيلة في الصلح عن الحال ببعضه مؤجلا حتى يلزمه التأجيل أن يبرئه من ~~الحال، ويقر أنه لا يستحق عليه إلا المؤجل، والحيلة في الصلح عن المؤجل ~~ببعضه حالا أن يتفاسخا العقد الأول، ثم يجعلانه بذلك القدر الحال، فإذا ~~اشترى منه سلعة أو استأجر منه دابة أو خالفته على عوض مؤجل فسخا العقد ثم ~~جعلا عوضه ذلك القدر الحال، فإن لم يكن فيه الفسخ كالدية وغيرها فالحيلة في ~~جواز ذلك أن يعاوض على الدين بسلعة أو بشيء غير جنسه، وذلك جائز؛ لأن غاية ~~ما فيه بيع الدين ممن هو في ذمته، فإن أتلف له مثليا لزمه مثله دينا عليه، ~~فإن صالح عليه بأكثر من جنسه لم يجز؛ لأنه ربا، وإن كان المتلف متقوما لزمه ~~قيمته، فإن صالح عليه بأكثر من قيمته فإن كان من جنسها لم يجز ذلك، وإن كان ~~من غير جنسها جاز؛ إذ هو بيع للقيمة، وهي دين بذلك العوض، وهو جائز ### | [المثال السابع والعشرون اختلاف الوكيل والموكل في ثمن ما وكله في شرائه] # [اختلاف الوكيل والموكل في ثمن ما وكله في شرائه] # المثال السابع والعشرون: إذا وكله في شراء جارية بألف، فاشتراها الوكيل، ~~وقال: أذنت لي في شرائها بألفين وقد فعلت، فالقول قول الوكيل، ولا يلزمه ~~الألفان، ولا يملك الجارية والوكيل مقر أنها للموكل؛ فإنه لا يحل له وطؤها، ~~والألف الزائدة دين عليه، ولا يمكن الوكيل بيعها ولا التصرف فيها؛ لأنه ~~معترف أنها ملك للموكل، وأن الألف # PageV03P279 # الأخرى في ذمته والوكيل ضامن لها، فالحيلة في ملك الوكيل لها أن يقول له ~~الموكل: إن كنت أذنت لك في شرائها بألفين فقد بعتكها بالألفين. # فيقول: قد اشتريتها منك، فيملكها حينئذ، ويتصرف فيها، وهذا قول المزني ~~وأكثر أصحاب الشافعي، ولا يضر تعليق البيع بصورة الشرط؛ فإنه لا يملك صحته ~~إلا على هذا الشرط، فهو كما لو قال: " إن كانت ms1073 ملكي فقد بعتكها بألفين " ~~ولا يلتفت إلى نصف فقيه يقول: هذا تعليق للبيع بالشرط فيبطل، كما لو قال: ~~إن قدم زيد فقد بعتك كذا بكذا، بل هذا نظير قوله: إن كنت جائز التصرف فقد ~~بعتك كذا، وإن أعطيتني ثمن هذا المبيع فقد بعتكه، ونحو ذلك. ### | [المثال الثامن والعشرون الحيلة في سقوط الضمان عن المودع] # [الحيلة في سقوط الضمان عن المودع] : المثال الثامن والعشرون: إذا أودعه ~~وديعة وأشهد عليها فتلفت من غير تفريطه لم يضمن، فإن ادعى عليه قبض الوديعة ~~فأنكر فأقام البينة عليه ضمن، فإن ادعى التلف بعد ذلك لم يقبل منه؛ لأنه ~~معترف أنه غير أمين له، وقد قامت البينة على قبضه ماله فيضمنه، ولا ينفعه ~~تكذيب البينة، فالحيلة في سقوط الضمان أن يقول: ما لك عندي شيء، فإن حلفه ~~حلف حلفا صادقا، فإن أقام البينة الوديعة فليصدق البينة، ويقول: صدقت فيما ~~شهدت به، ويدعي التلف بغير تفريط؛ فإن كذب البينة لزمه الضمان، ولا ينفعه ~~دعوى التلف. ### | [المثال التاسع والعشرون الحيلة في تضمين الراهن تلف المرهون] # [الحيلة في تضمين الراهن تلف المرهون] : المثال التاسع والعشرون: إذا رهن ~~عنده رهنا، ولم يثق بأمانته، وخاف أن يدعي هلاكه ويذهب به، فالحيلة في أن ~~يجعله مضمونا عليه أن يعيره إياه أولا، فإذا قبضه رهنه منه بعد ذلك؛ فإذا ~~تلف كان في ضمانه؛ لأن طريان الرهن على العارية لا يبطل حكمها؛ لأن المرتهن ~~يجوز له الانتفاع بها بعد الرهن كما كان ينتفع بها قبله، ولو بطل لم يجز له ~~الانتفاع. ### | [المثال الثلاثون الحيلة في سقوط ضمان المستعير عند من يقول به] # [الحيلة في سقوط ضمان المستعير عند من يقول به] : المثال الثلاثون: اختلف ~~الناس في العارية: هل توجب الضمان إذا لم يفرط المستعير؟ على أربعة أقوال: # أحدها يوجب الضمان مطلقا، وهو قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه # الثاني: لا يوجب الضمان، ويد المستعير يد أمانة، وهو قول أبي حنيفة # الثالث: أنه إن كان التلف بأمر ظاهر كالحريق وأخذ السيل وموت الحيوان ~~وخراب الدار ms1074 لم يضمن، وإن كان بأمر لا يطلع عليه كدعوى سرقة الجوهرة ~~والمنديل والسكين ونحو ذلك ضمن، وهو قول مالك. # الرابع: أنه إن شرط نفي ضمانها لم يضمن، وإن أطلق ضمن، # PageV03P280 # وهذا إحدى الروايتين عن أحمد والقول بعدم الضمان قوي متجه، وإن كنا لا ~~نقبل قوله في دعوى التلف؛ لأنه ليس بأمينه، لكن إذا صدقه المالك في التلف ~~بأمر لا ينسب فيه إلى تفريط فعدم التضمين أقوى. # فالحيلة في سقوط الضمان أن يشترط نفيه، فإن خاف أن لا يفي له بالشرط فله ~~حيلة أخرى وهي أن يشهد عليه أنه متى ادعى عليه بسبب هذه العين ما يوجب ~~الضمان فدعواك باطلة. فإن لم تصعد معه هذه الحيلة أو خاف من ورثته بعده ~~الدعوى فله حيلة ثالثة، وهي أن يستأجر العين منه بأقل شيء للمدة التي يريد ~~الانتفاع بها، أو يستأجرها منه بأجرة مثلها ويشهد عليه أنه قبض الأجرة أو ~~أبرأه منها، فإن تلفت بعد ذلك لم يضمنها، وليست هذه الحيلة مما تحلل حراما ~~أو تحرم حلالا ### | [المثال الحادي والثلاثون اختلف الناس في تأجيل القرض والعارية إذا أجلها] # ؛ فقال الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه وأبو حنيفة: لا يتأجل شيء من ذلك ~~بالتأجيل، وله المطالبة به متى شاء، وقال مالك: يتأجل بالتأجيل، فإن أطلق ~~ولم يؤجل ضرب له أجل مثله، وهذا هو الصحيح لأدلة كثيرة مذكورة من موضعها. # [الحيلة في لزوم تأجيل القرض والعارية] : وعلى هذا القول فالمستقرض ~~والمستعير آمن من غدر المقرض غني عن الحيلة للزوم الأجل، وعلى القول الأول ~~فالحيلة في لزوم التأجيل أن يشهد عليه أنه لا يستحق ما عليه من الدين إلى ~~مدة كذا وكذا، ولا يستحق المطالبة بتسليم العين إلى مدة كذا وكذا، فإن أراد ~~حيلة غير هذه فليستأجر منه العين إلى تلك المدة ثم يبرئه من الأجرة كما ~~تقدم، وأما القرض فالحيلة في تأجيله أن يشتري من المقرض شيئا ما بمبلغ ~~القرض ثم يكتبه مؤجلا من ثمن مبيع قبضه المشتري؛ فإنه لا يتمكن من المطالبة ~~به قبل الأجل، ms1075 وهذه حيلة على أمر جائز لا يبطل بها حق فلا تكره. ### | [المثال الثاني والثلاثون الحيلة في جواز بيع الرهن عند حلول الأجل] # [حيلة في جواز بيع الرهن عند حلول الأجل] # المثال الثاني والثلاثون: إذا رهنه رهنا بدين، وقال: " إن وفيتك الدين ~~إلى كذا وكذا، وإلا فالرهن لك بما عليه " صح ذلك، وفعله الإمام أحمد، وقال ~~أصحابنا: لا يصح، وهو المشهور من مذاهب الأئمة الثلاثة، واحتجوا بقوله: ألا ~~يغلق الرهن " ولا حجة لهم فيه؛ فإن هذا كان موجبه في الجاهلية أن المرتهن ~~يتملك الرهن بغير إذن المالك إذا لم يوفه؛ فهذا هو غلق الرهن الذي أبطله ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما بيعه للمرتهن بما عليه عند # PageV03P281 # الحلول فلم يبطله كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح ولا مفسدة ظاهرة، ~~وغاية ما فيه أنه بيع علق على شرط، ونعم فكان ماذا؟ وقد تدعو الحاجة ~~والمصلحة إلى هذا من المرتهنين، ولا يحرم عليهما ما لم يحرمه الله ورسوله، ~~ولا ريب أن هذا خير للراهن والمرتهن من تكليفه الرفع إلى الحاكم، وإثباته ~~الرهن، واستئذانه في بيعه والتعب الطويل الذي لا مصلحة فيه سوى الخسارة ~~والمشقة، فإذا اتفقا على أنه له بالدين عند الحلول كان أصلح لهما وأنفع ~~وأبعد من الضرر والمشقة والخسارة، فالحيلة في جواز ذلك بحيث لا يحتاج إلى ~~حاكم أو يملكه العين التي يريد أن يرهنها منه، ثم يشتريها منه بالمبلغ الذي ~~يريد استدانته، ثم يقول: إن وفيتك الثمن إلى كذا وكذا وإلا فلا بيع بيننا، ~~فإن وفاه وإلا انفسخ البيع وعادت السلعة إلى ملكه، وهذه حيلة حسنة مخلصة ~~لغرضهما من غير مفسدة ولا تضمن لتحريم ما أحل الله، ولا لتحليل ما حرم ~~الله. ### | [المثال الثالث والثلاثون الإقرار بالدين المؤجل] # [الإقرار بالدين المؤجل] # المثال الثالث والثلاثون: إذا كان عليه دين مؤجل فادعى به صاحبه وأقر به ~~فالصحيح المقطوع به أنه لا يؤاخذ به قبل أجله؛ لأنه إنما أقر به على هذه ~~الصفة فإلزامه به على غير ما أقر به إلزام ms1076 بما لم يقر به، وقال بعض أصحاب ~~أحمد والشافعي: يكون مقرا بالحق مدعيا لتأجيله، فيؤاخذ بما أقر به، ولا ~~تسمع منه دعواه الأجل إلا ببينة، وهذا في غاية الضعف، فإنه إنما أقر به ~~إقرارا مقيدا لا مطلقا؛ فلا يجوز أن يلغي التقييد ويحكم عليه بحكم الإقرار ~~المطلق كما لو قال: له علي ألف إلا خمسين أو له علي ألف من ثمن مبيع لم ~~أقبضه، أو له علي ألف من نقد كذا وكذا أو معاملة كذا وكذا؛ فيلزمهم في هذا ~~ونحوه أن يبطلوا هذه التقييدات كلها ويلزموه بألف كاملة من النقد الغالب، ~~ولا يقبل قوله: إنها من ثمن مبيع لم أقبضه، ومما يبين بطلان هذا القول أن ~~إقرار المرء على نفسه شهادة منه على نفسه كما قال تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} [النساء: 135] . # ولو شهد عليه شاهدان بألف مؤجلة لم يحكم عليه بها قبل الأجل اتفاقا، ~~فهكذا إذا أقر بها مؤجلة فالحيلة في خلاصه من الإلزام بهذا القول الباطل أن ~~يقول: لا يلزمني توفية ما تدعي علي أداءه إليك إلى مدة كذا وكذا، ولا يزيد ~~على هذا، فإن ألح عليه وقال: " لي عليك كذا أم ليس لي عليك شيء؟ " ولا بد ~~من أن يجيب بأحد الجوابين، فالحيلة في خلاصه أن يقول: إن ادعيتها مؤجلة ~~فأنا مقر بها، وإن ادعيتها حالة فأنا منكر. # وكذلك لو كان قد قضاه الدين وخاف أن يقول: كان له علي وقضيته، فيجعله ~~الحاكم مقرا بالحق مدعيا لقضائه؛ فالحيلة أن يقول: ليس له علي شيء، ولا ~~يلزمني أداء ما يدعيه، # PageV03P282 # فإن ألح عليه لم يكن له جواب غير هذا، على أن القول الصحيح أنه لا يكون ~~مقرا بالحق مدعيا لقضائه، بل منكرا الآن لثبوته في ذمته فكيف يلزم به؟ فإن ~~قيل: هو أقر بثبوت سابق وادعى قضاء طارئا عليه. # قيل: لم يقر بثبوت مطلق بل بثبوت مقيد بقيد وهو الزمن الماضي، ولم يقر ~~بأنه ثابت الآن في ذمته؛ فلا يجوز ms1077 إلزامه به الآن استنادا إلى إقراره به في ~~الزمن الماضي؛ لأنه غير منكر ثبوته في الماضي، وإنما هو منكر لثبوته الآن، ~~فكيف يجعل مقرا بما هو منكر له؟ وقياسهم هذا الإقرار على قوله: " له علي ~~ألف لا يلزمني أو لا يثبت في ذمتي " قياس باطل، فإنه كلام متناقض لا يعقل، ~~وأما هذا فكلام معقول، وصدقه فيه ممكن، ولم يقر بشغل ذمته الآن بالمدعى به، ~~فلا يجوز شغل ذمته به بناء على إقراره بشغلها في الماضي، وما نظير هذا إلا ~~قول الزوج: " كنت طلقت امرأتي وراجعتها " فهل يجعل بهذا الكلام مطلقا الآن؟ ~~وقول القائل: كنت فيما مضى كافرا ثم أسلمت، فهل يجعل بهذا الكلام كافرا ~~الآن؟ . # وقول القائل: كنت عبدا فأعتقني مولاي، هل يجعل بهذا الكلام رقيقا؟ فإن ~~طردوا الحكم في هذا كله وطلقوا الزوج وكفروا المعترف بنعمة الله عليه وأنه ~~كان كافرا فهداه الله وأمروه أن يجدد إسلامه وجعلوا هذا قنا. # قيل لهم: فاطردوا ذلك فيمن قال: كانت هذه الدار أو هذا البستان أو هذه ~~الأرض أو هذه الدابة لفلان ثم اشتريتها منه، فأخرجوها من ملكه بهذا الكلام، ~~وقولوا: قد أقر بها لفلان ثم ادعى [أنه] اشتراها فيقبل إقراره ولا تقبل ~~دعواه فمن جرت هذه الكلمة على لسانه وقال الواقع فأخرجوا ملكه من يده، ~~وكذلك إذا قالت المرأة: كنت مزوجة بفلان ثم طلقني، اجعلوها بمجرد هذا ~~الكلام زوجته، والكلام بآخره، فلا يجوز أن يؤخذ منه بعضه ويلغى بعضه، ويقال ~~قد لزمك حكم ذلك البعض، وليس علينا من بقية كلامك؛ فإن هذا يرفع حكم ~~الاستثناء والتقييدات جميعها، وهذا لا يخفى فساده. # ثم إن هذا على أصل من لا يقبل الجواب إلا على وفق الدعوى يحول بين الرجل ~~وبين التخلص من ظلم المدعي، ويلجئه إلى أن يقر له بما يتوصل به الإضرار به ~~وظلمه، أو إلى أن يكذب بيانه أنه إذا استدان منه ووفاه، فإن قال: " ليس له ~~علي شيء " لم يقبلوا منه؛ لأنه لم يجب على نفي الدعوى، وإن قال: " كنت ms1078 ~~استدنت منه ووفيته " لم تسمعوا منه آخر كلامه وسمعتم منه أوله، وإن قال: " ~~لم أستدن منه " وكان كاذبا فقد ألجأتموه إلى أن يظلم أو يكذب ولا بد؛ ~~فالحيلة لمن بلي بهذا القول أن يستعمل التورية، ويحلف ما استدان منه، وينوي ~~أن تكون ما موصولة، فإذا قال: " والله إني ما استدنت منه " أي إني الذي ~~استدنت منه، وينفعه تأويله بالاتفاق إذا كان مظلوما، كما لا ينفعه إذا كان ~~ظالما بالاتفاق # PageV03P283 ### | [المثال الرابع والثلاثون الحيلة في تأجيل الدين على المعسر] # حيلة في تأجيل الدين على المعسر] # المثال الرابع والثلاثون: إذا كان عليه دين فأعسر به فادعى عليه به، فإن ~~أنكره كان كاذبا، وإن أقر له به ألزمه إياه، وإن جحده أقام به البينة، فإن ~~ادعى الإعسار بعد ذلك فإن المدعي قد ظهر للحاكم كذبه في جحده الحق فهكذا هو ~~كاذب في دعوى الإعسار؛ فالحيلة في تخليصه أن يقول: لا يلزمني توفية ما ~~يدعيه علي ولا أداؤه، فإن طالبه الحاكم بجواب يطابق السؤال فله أن يوري كما ~~تقدم، ويحلف على ذلك، فإن خشي من إقامة البينة فهنا تعز عليه الحيلة، ولم ~~يبق له إلا تحليف المدعي أنه لا يعلم عجزه عن الوفاء أو إقامة البينة بأنه ~~عاجز عن الوفاء، فإن حلف المدعي ولم تقم له بينة بالعجز لم يبق له حيلة غير ~~الصبر. ### | [المثال الخامس والثلاثون الحيلة في تقديم بينة الخارج] # [حيلة في تقديم بينة الخارج] # المثال الخامس والثلاثون: إذا تداعيا عينا هي في يد أحدهما فهي لصاحب ~~اليد، فإن أقام الآخر بينة حكم له ببينته؛ فإن أقام كل واحد منهما بينة؛ ~~فقال الشافعي: بينة صاحب اليد أولى؛ لأن البينتين قد تعارضتا، وسلمت اليد ~~عن معارض، وقال الإمام أحمد في ظاهر مذهبه: بينة الخارج أول؛ لأن معها ~~زيادة علم خفيت على بينة صاحب اليد فإنها تستند إلى ظاهر اليد، وبينة ~~الخارج تستند أيضا إلى سبب خفي على بينة الداخل فتكون أولى، فالحيلة في ~~تقديم بينة الخارج عند من يقدم بينة الداخل أن يدعي ms1079 الخارج أنه في يد ~~الداخل غصبا أو عارية أو وديعة أو ببيع فاسد، ثم تشهد البينة على وفق ما ~~ادعاه، فحينئذ تقدم بينة الخارج على الصحيح عندهم. ### | [المثال السادس والثلاثون الحيلة المخلصة من لدغ المخادع] # [حيلة في التخلص من لدغ المخادع] # المثال السادس والثلاثون: الحيلة المخلصة من لدغ العقارب، وذلك إذا اشترى ~~الماكر المخادع من رجل دارا أو بستانا أو سلعة، وأشهد عليه بالبيع، ثم مضى ~~إلى البيت أو الحانوت ليأتيه بالثمن، فأقر بجميع ما في يده لولده أو ~~لامرأته، فلا يصل البائع إلى أخذ الثمن، فالحيلة له أن يبيعه بحضرة الحاكم ~~أو يمضي بعد البيع معه إليه ليثبت له التبايع، ثم يسأله قبل مفارقته أن ~~يحجر على المشتري في ماله، ويقفه حتى يسلم إليه الثمن؛ لئلا يتلف ماله أو ~~يتبرع به فيتعذر عليه الوصول إلى حقه. ويلزم الحاكم إجابته إذا خشي ذلك من ~~المشتري؛ لأن فيه إعانة لصاحب الحق على التوصل إلى حقه، فإن تعذرت عليه هذه # PageV03P284 # الحيلة ولدغته العقرب وادعى الإعسار عند الجمهور سأل الحاكم الحجر عليه، ~~فإن فعل ذلك رجع عليه في عين ماله. فإن كانت العقرب داهية بأن غير العين ~~المبيعة أو ملكها لولده أو زوجته أو كان الحاكم لا يرى رجوع البائع في عين ~~المبيع إذا أفلس المشتري؛ فالحيلة أن يتوصل إلى إبطال العقد بإقرار سابق ~~على المبيع لولده أو لزوجته أو يرهنه أو يبيعه لمن يثق به، ويقدم تاريخ ذلك ~~على بيع العقرب، وله أن يتوصل بهذه الحيلة وإن كانت مكرا وخداعا؛ فإن المكر ~~والخداع حسن إذا كان على وجه المقابلة لا على وجه الظلم، كما قال تعالى: ~~{ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون} [النمل: 50] وقال: {ومكروا ومكر ~~الله والله خير الماكرين} [آل عمران: 54] وقال: {إن المنافقين يخادعون الله ~~وهو خادعهم} [النساء: 142] وأخبر تعالى أنه كاد ليوسف في مقابلة كيد إخوته ~~وقد تقدم ذلك. ### | [المثال السابع والثلاثون الحيلة في عدم سقوط نفقة القريب بمضي الزمان] # [حيلة في عدم سقوط نفقة القريب بمضي الزمان] ms1080 # المثال السابع والثلاثون: إذا تحيل المكار المخادع على سقوط نفقة القريب ~~بالمماطلة وقال: إنها تسقط بمضي الزمان فلا يبقى دينا علي، فتركها آمنا من ~~إلزامه بها لما مضى، فالحيلة للمنفق عليه أن يرفعه إلى الحاكم ليفرضها ~~عليه، ثم يستأذنه في الاستدانة عليه بقدرها، فإذا فعل ألزمه الحاكم بقضاء ~~ما استدانه المنفق عليه، فإن فرضها عليه ولم يستأذنه في الاستدانة ومضى ~~الزمان فهل تستقر عليه بذلك؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي، والأكثرون منهم ~~صرحوا بسقوطها مطلقا فرضت أو لم تفرض، ومنهم من قال: إن فرضت لم تسقط، فإن ~~لم يمكنه الرفع إلى الحاكم فليقل له: اشفع لي إلى فلان لينفق علي أو يعطيني ~~ما أحتاج إليه، فإذا فعل فقد لزم الشافع؛ لأن ذلك حق أداه إلى المشفوع عنده ~~عن الشفيع بإذنه، فإن أنفق عليه الغير بغير إذنه ناويا للرجوع فله الرجوع ~~في أصح المذهبين، وهو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين. # وهكذا كل من أدى عن غيره واجبا بغير إذنه بشرط أن يكون واجبا على المنصوص ~~من مذهب مالك وأحمد، فإن أحمد نص في رواية الجوزجاني على رجوع من عمر قناة ~~غيره بغير إذنه، وهو مذهب مالك، ولو أن القريب استدان وأنفق على نفسه ثم ~~أحال بالدين على من تلزمه نفقته لزمه أن يقوم له به؛ لأنه أحال على من له ~~عليه حق، ولا يقال: قد سقطت بمضي الزمان فلم تصادف الحوالة محلا؛ لأنها ~~إنما تسقط بمضي الزمان إذا لم يكن المنفق عليه قد استدان على المنفق، بل ~~تبرع له غيره أو تكلف أو صبر، فأما إذا استدان عليه بقدر نفقته الواجبة ~~عليه فهنا لا وجه لسقوطها، وإن كان الأصحاب وغيرهم قد أطلقوا السقوط ~~فتعليلهم يدل على ما قلناه، فتأمله # PageV03P285 ### | [المثال الثامن والثلاثون الحيلة في جواز بيع الماء] # حيلة في جواز بيع الماء] # المثال الثامن والثلاثون: إذا استنبط في ملكه أو أرض استأجرها عين ماء ~~ملكه ولم يملك بيعه لمن يسوقه إلى أرضه أو يسقي به بهائمه، بل يكون أولى به ~~من ms1081 كل أحد، وما فضل منه لزمه بذله لبهائم غيره وزرعه، فالحيلة على جواز ~~المعاوضة أن يبيعه نصف العين أو ثلثها أو يؤجره ذلك؛ فيكون الماء بينه ~~وبينه على حسب ذلك، ويدخل الماء تبعا لملك العين أو منفعتها، ولا تدخل هذه ~~الحيلة تحت النهي عن بيع الماء، فإنه لم يبعه، وإنما باع العين، ودخل الماء ~~تبعا، والشيء قد يستتبع ما لا يجوز أن يفرد وحده ### | [المثال التاسع والثلاثون الحيلة في عدم تسويغ بيع المشتري إلا لمن باعه] # [حيلة في عدم تسويغ بيع المشتري إلا لمن باعه] # المثال التاسع والثلاثون: إذا باع عبده من رجل وله غرض أن لا يكون إلا ~~عنده أو عند بائعه، فالحيلة في ذلك أن يشهد عليه أنه إن باعه فهو أحق به ~~بالثمن، وهذا يجوز على نص أحمد، وهو قول عبد الله بن مسعود، ولا محذور في ~~ذلك، وقول المانعين: " إنه يخالف مقتضى العقد " فنعم يخالف مقتضى العقد ~~المطلق، وجميع الشروط اللازمة تخالف مقتضى العقد المطلق، ولا تخالف مقتضى ~~العقد المقيد، بل هي مقتضاه، فإن لم تسعد معه هذه الحيلة فله حيلة أخرى، ~~وهي أن يقول له في مدة الخيار: إما أن تقول: " متى بعته فهو حر " وإلا فسخت ~~البيع، فإذا قال ذلك فمتى باعه عتق عليه بمجرد الإيجاب قبل قبول المشتري ~~على ظاهر المذهب؛ فإن الذي علق عليه العتق هو الذي يملكه البائع وهو ~~الإيجاب، وذلك بيع حقيقة، ولهذا يقال: " بعته العبد فاشتراه " فكما أن ~~الشراء هو قبول المشتري، فكذلك البيع هو إيجاب البائع، ولهذا يقال: البائع ~~والمشتري، قال الشاعر: # وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري # هذا منصوص أحمد، فإن لم تسعد معه هذه الحيلة فليقل له في مدة الخيار: " ~~إما أن تقول متى بعتك فأنت حر قبله بساعة، وإما أن أفسخ " فمتى قال ذلك لم ~~يمكنه بيعه ألبتة. ### | [المثال الأربعون الحيلة في تجويز شهادة الوكيل لموكله] # [حيلة في تجويز شهادة الوكيل لموكله] # المثال الأربعون: إذا كان للموكل عند وكيله شهادة تتعلق بما ms1082 هو وكيله فيه ~~لم تقبل، فإن أراد قبولها فليعزله أو ليعزل نفسه قبل الخصومة ثم يقيم ~~الشهادة، فإذا تمت عاد توكله به، وليس في هذه الحيلة محذور؛ فلا تكون ~~محرمة. ### | [المثال الحادي والأربعون الحيلة في تجويز المسح على الخفين] # [حيلة في تجويز المسح على الخفين] # المثال الحادي والأربعون: إذا توضأ ولبس إحدى خفيه قبل غسل رجله الأخرى، ~~ثم # PageV03P286 # غسل رجله الأخرى وأدخلها في الخف، جاز له المسح على أصح القولين، وفيه ~~قول آخر أنه لا يجوز؛ لأنه لم يلبس الأولى على طهارة كاملة؛ فالحيلة في ~~جواز المسح أن ينزع خف الرجل الأولى ثم يلبسه، وهذا نوع عبث لا غرض للشارع ~~فيه، ولا مصلحة للمكلف؛ فالشرع لا يأمره به. ### | [المثال الثاني والأربعون الحيلة في عدم حنث الحالف] # [حيلة في عدم حنث الحالف] # المثال الثاني والأربعون: إذا استحلف على شيء، فأحب أن يحلف ولا يحنث؛ ~~فالحيلة أن يحرك لسانه بقول: " إن شاء الله " وهل يشترط أن يسمعها نفسه؟ ~~فقيل: لا بد أن يسمع نفسه، وقال شيخنا: هذا لا دليل عليه، بل متى حرك لسانه ~~بذلك كان متكلما، وإن لم يسمع نفسه، وهكذا حكم الأقوال الواجبة والقراءة ~~الواجبة، قلت: وكان بعض السلف يطبق شفتيه ويحرك لسانه بلا إله إلا الله ~~ذاكرا، وإن لم يسمع نفسه؛ فإنه لا حظ للشفتين في حروف هذه الكلمة، بل كلها ~~حلقية لسانية؛ فيمكن الذاكر أن يحرك لسانه بها ولا يسمع نفسه ولا أحدا من ~~الناس، ولا تراه العين يتكلم، وهكذا التكلم يقول: " إن شاء الله " يمكن مع ~~إطباق الفم؛ فلا يسمعه أحد ولا يراه، وإن أطبق أسنانه وفتح شفتيه أدنى شيء ~~سمعته أذناه بجملته. ### | [المثال الثالث والأربعون الحيلة في سقوط القصاص عمن قتل زوجته التي لاعنها أو قتل ولدها] # [حيلة في سقوط القصاص عمن قتل زوجته التي لاعنها أو قتل ولدها] # المثال الثالث والأربعون: إذا لاعن امرأته وانتفى من ولدها، ثم قتل الولد ~~لزمه القصاص، وكذلك إن قتلها فلولدها القصاص إذا بلغ؛ فإن أراد إسقاط ~~القصاص عن نفسه؛ ms1083 فالحيلة أن يكذب نفسه، ويقر بأنه ابنه؛ فيسقط القصاص في ~~الموضعين، وفي جواز هذه الحيلة نظر. ### | [المثال الرابع والأربعون كان له عليه حق وقد أبرأه منه ولا بينة له بالإبراء ثم عاد فادعاه] # [حيلة في التخلص من المطالبة بدين كان أداه] # المثال الرابع والأربعون: إذا كان له عليه حق وقد أبرأه منه ولا بينة له ~~بالإبراء ثم عاد فادعاه؛ فإن قال: " قد أبرأني منه " لم يكن مقرا به كما لو ~~قال: " كان له علي وقضيته " وعلى القول الآخر يكون مقرا به مدعيا للإبراء؛ ~~فيكلف البينة؛ فالحيلة على التخلص أن يقول: قد أبرأتني من هذه الدعوى؛ فإذا ~~قال ذلك لم يكن مقرا بالمدعى به؛ فإذا سأل إحلاف خصمه أنه لم يبرئه من ~~الدعوى ملك ذلك؛ فإن لم يحلف صرفهما الحاكم، وإن حلف طولب بالجواب، ولا ~~يسمع منه بعد ذلك أنه أبرأه من الدعوى فإن قال: " أبرأتني من الحق " ففيه ~~الخلاف المذكور، وإن قال: " لا شيء عندي " اكتفى منه بهذا الجواب عند # PageV03P287 # الجمهور؛ فإن طالبه الحاكم بالجواب على وفق الدعوى فالحيلة أن يجيب ويوري ~~كما تقدم. ### | [المثال الخامس والأربعون الحيلة في المضاربة] # [حيلة في المضاربة] # المثال الخامس والأربعون: إذا خاف المضارب أن يسترجع رب المال منه المال ~~فقال: " قد ربحت ألفا " لم يكن له الاسترجاع؛ لأنه قد صار شريكا؛ فإن قال: ~~" ذلك حيلة، ولم يربح " فقال بعد ذلك: " كذبت " لم يسمع منه؛ فالحيلة في ~~تخلصه أن يدعي خسارتها بعد ذلك أو تلفها فيقبل قوله مع يمينه. ### | [المثال السادس والأربعون الحيلة في تجويز نظر الواقف على وقفه] # [حيلة في تجويز نظر الواقف على وقفه] # المثال السادس والأربعون: إذا وقف وقفا وجعل النظر فيه لنفسه مدة حياته ~~ثم من بعده لغيره، صح ذلك عند الجمهور، وهو اتفاق من الصحابة؛ فإن عمر - ~~رضي الله عنه - كان يلي صدقته، وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة، ~~«والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما أشار على عمر بوقف أرضه لم يقل له لا ~~يصح ذلك حتى تخرجها عن يدك ms1084 ولا تلي نظرها» وأي غرض للشارع في ذلك؟ وأي ~~مصلحة للواقف أو للموقوف عليه؟ بل المصلحة خلاف ذلك؛ لأنه أخبر بماله، ~~وأقوم بعمارته ومصالحه وحفظه من الغريب الذي ليست خبرته وشفقته كخبرة صاحبه ~~وشفقته، ويكفي في صحة الوقف إخراجه عن ملكه، وثبوت نظره ويده عليه كثبوت ~~نظر الأجنبي ويده، ولا سيما إن كان متبرعا، فأي مصلحة في أن يقال له: " لا ~~يصح وقفك حتى تجعله في يد من لست على ثقة من حفظه والقيام بمصالحه وإخراج ~~نظرك عنه؟ " # فإن قيل: إخراجه لله يقتضي رفع يده عنه بالكلية كالعتق. # قيل: بالعتق خرج العبد عن أن يكون مالا، وصار محررا محضا، فلا تثبت عليه ~~يد أحد. وأما الوقف فإنه لا بد من ثبوت اليد عليه لحفظه والقيام بمصالحه، ~~وأحق ما يثبت عليه يد أشفق الناس عليه وأقومهم بمصالحه، وثبوت يده ونظره لا ~~ينافي وقفه لله، فإنه وقفه لله وجعل نظره عليه ويده لله فكلاهما قربة ~~وطاعة، فكيف يحرم ثواب هذه القربة ويقال له: لا يصح لك قربة الوقف إلا ~~بحرمان قربة النظر والقيام بمصالح الوقف؟ فأي نص وأي قياس وأي مصلحة وأي ~~غرض للشارع أوجب ذلك؟ بل أي صاحب قال ذلك؟ فإن احتاج الواقف إلى ذلك في ~~موضع لا يحكم فيه إلا بقول من يبطل الوقف إذا لم يخرجه عن يده وإذا شرط ~~النظر بنفسه، فالحيلة في ذلك أن يفوض النظر إلى من يثق به ويجعل إليه تفويض ~~النظر لمن شاء، فيقبل الناظر ذلك، ويصح الوقف ويلزم، ثم يفوضه الناظر إليه، ~~فإنه قد صار أجنبيا # PageV03P288 # بمنزلة سائر الناس، فهذه حيلة صحيحة يتوصل بها إلى حق، فهي جائزة، وكذلك ~~لو جعل النظر فيه للحاكم ثم فوضه الحاكم إليه، فإن خاف أن لا يفوضه الحاكم ~~إليه فليملكه لمن يثق به، ويقفه ذلك على ما يريد المملك، ويشترط أن يكون ~~نظره له، وأن يكون تحت يده. ### | [المثال السابع والأربعون الحيلة لتجويز وقف الإنسان على نفسه] # [حيلة لتجويز وقف الإنسان على نفسه] # المثال السابع والأربعون: إذا ms1085 وقف على نفسه ثم على غيره صح في إحدى ~~الروايتين عن الإمام أحمد، وهو قول أبي يوسف، وعليه عمل الحنفية، وقول بعض ~~الشافعية، وممن اختاره أبو عبد الله الزبيري، وعند الفقهاء الثلاثة لا يصح. # والمانعون من صحته قالوا: يمتنع كون الإنسان معطيا من نفسه لنفسه؛ ولهذا ~~لا يصح أن يبيع نفسه ولا يهب نفسه ولا يؤجر ماله من نفسه، فكذا لا يصح وقفه ~~على نفسه. # قال المجوزون: الوقف شبيه العتق والتحرير من حيث إنه يمتنع نقل الملك في ~~رقبته، ولهذا لا يفتقر إلى قبول إذا كان على غير معين اتفاقا، ولا إذا كان ~~على معين على أحد القولين، وأشبه شيء به أم الولد. # وإذا كان مثل التحرير لم يكن الواقف مملكا لنفسه، بل يكون مخرجا للملك عن ~~نفسه ومانعا لها من التصرف في رقبته مع انتفاعه بالعين كأم الولد. وهذا إذا ~~قلنا بانتقال رقبة الوقف إلى الله تعالى ظاهر؛ فإن الواقف أخرج رقبة الوقف ~~لله وجعل نفسه أحد المستحقين للمنفعة مدة حياته فإن لم يكن أولى من البطون ~~المرتبة فلا يكون دون بعضهم، فهذا محض القياس. # وإن قلنا: الوقف ينتقل إلى الموقوف عليهم بطنا بعد بطن يتلقونه من الواقف ~~فالطبقة الأولى أحد الموقوف عليهم، ومعلوم أن أحد الشريكين إذا اشترى لنفسه ~~أو باع من مال الشركة جاز على المختار لاختلاف حكم الملكين، فلأن يجوز أن ~~ينقل ملكه المختص إلى طبقات موقوف عليها هو أحدها أولى؛ لأنه في كلا ~~الموضعين نقل ملكه المختص إلى ملك مشترك له فيه نصيب، بل في الشركة الملك ~~الثاني من جنس الأول يملك به التصرف في الرقبة، وفي الوقف ليس من جنسه ~~فيكون أولى بالجواز. # يؤيده أنه لو وقف على جهة عامة جاز أن يكون كواحد من تلك الجهة، كما وقف ~~عثمان بئر رومة وجعل دلوه فيها كدلاء المسلمين، وكما يصلي المرء في المسجد ~~الذي وقفه، ويشرب # PageV03P289 # من السقاية التي وقفها، ويدفن في المقبرة التي سبلها، أو يمر في الطريق ~~التي فتحها، وينتفع بالكتاب الذي وقفه، ms1086 ويجلس على البساط والحصير اللذين ~~وقفهما، وأمثال ذلك، فإذا جاز للواقف أن يكون موقوفا عليه في الجهة العامة ~~جاز مثله في الجهة الخاصة، لاتفاقهما في المعنى، بل الجواز هنا أولى من حيث ~~إنه موقوف عليه بالتعيين، وهناك دخل في الوقف بشمول الاسم له. # وتقليد هذا القول خير من الحيلة الباردة التي يملك الرجل فيها ماله لمن ~~لا تطيب له نفسه أن يعطيه درهما ثم يقفه ذلك المملك على المملك؛ فإن هذه ~~الحيلة تضمنت أمرين، أحدهما: لا حقيقة له، وهو انتقال الملك إلى المملك. ~~والثاني: اشتراطه عليه أن يقف على هذا الوجه، أو إذنه له فيه، وهذا في ~~المعنى توكيل [له] في الوقف، كما أن اشتراطه حجر عليه في التصرف بغير ~~الوقف؛ فصار وجود هذا التمليك وعدمه سواء لم يملكه المملك ولا يمكنه وجود ~~التصرف فيه، ولو مات قبل وقفه لم يحل لورثته أخذه، ولو أنه أخذه ولم يقفه ~~على صاحبه ولم يرده إليه عد ظالما غاصبا، ولو تصرف فيه صاحبه بعد هذا ~~التمليك لكان تصرفه فيه نافذا كنفوذه قبله، هذا فيما بينه وبين الله تعالى ~~وكذلك في الحكم إن قامت بينة بأنهما تواطآ على ذلك وأنه إنما وهبه إياه ~~بشرط أن يقفه عليه أو أقر له بذلك. # فإن قيل: فهل عندكم أحسن من هذه الحيلة؟ # قيل: نعم، أن يقفه على الجهات التي يريد؛ ويستثني غلته ومنفعته لنفسه مدة ~~حياته أو مدة معلومة، وهذا جائز بالسنة الصحيحة والقياس الصحيح، وهو مذهب ~~فقهاء أهل الحديث؛ فإنهم يجوزون أن يبيع الرجل الشيء أو يهبه أو يعتق العبد ~~ويستثني بعض منفعة ذلك مدة. ويجوزون أن يقف الشيء على غيره ويستثني بعض ~~منفعته مدة معلومة أو إلى حين موته. ويستدلون بحديث جابر، وبحديث عتق أم ~~سلمة سفينة، وبحديث عتق صفية، وبآثار صحاح كثيرة عن الصحابة لم يعلم فيهم ~~من خالفها، ولهذا القول قوة في القياس. # فإن قيل: فلو عدل إلى الحيلة الأولى فما حكمها في نفس الأمر؟ وما حكم ~~الموقوف عليه إذا علم بالحال، هل ms1087 يطيب له تناول الوقف أم لا؟ # قيل: لا يمنع ذلك صحة الوقف ونفوذه، ويطيب للموقوف عليه تناول الوقف؛ فإن ~~المقصود مقصود صحيح شرعي وإن كانت الطريق إليه غير مشروعة وهذا كما إذا ~~أعتق العبد أو طلق المرأة وجحد ذلك فأقام العبد أو المرأة شاهدين لم يعلما ~~ذلك فشهدا به وسع العبد أن يتصرف لنفسه والمرأة أن تتزوج، وفقه المسألة أن ~~هذا الإذن والتوكيل في الوقف وإن # PageV03P290 # حصل في ضمن عقد فاسد فإنه لا يفسد بفساد العقد، كما لو فسدت الشركة أو ~~المضاربة لم يفسد تصرف الشريك والعامل لما تضمنه العقد الفاسد من الإذن، بل ~~هذا أولى من وجهين؛ أحدهما: أن الاتفاق يلزمه قبل التمليك إذن صحيح ووكالة ~~صحيحة في الباطن لم يرد بعدها ما ينافيها، وأيضا فإنما بطل عقد الهبة لكونه ~~شرط على الموهوب له أن لا يتصرف فيه إلا بالوقف على الواهب، ومعلوم أن ~~التصرف في العين لا يتوقف على الملك بل يصح بالوكالة وبطريق الولاية؛ فلا ~~يلزم من إبطال الملك بطلان الإذن الذي تضمنه الشرط؛ لأن الإذن مستند غير ~~الملك. # فإن قيل: فإذا بطل الملك ينبغي أن يبطل التصرف الذي هو من توابعه. # قيل: لا يلزم ذلك؛ لأن التصرف في مثل هذه الصورة ليس من توابع الملك ~~الحقيقي، وإنما هو من توابع الإذن والتوكيل. # يوضحه أن هذه الحيل التي لا حقيقة لها يجب أن تسلب الأسماء التي أعيرتها ~~وتعطى الأسماء الحقيقية، كما سلب منها ما يسمى بيعا ونكاحا وهدية هذه ~~الأسماء وأعطي اسم الربا والسفاح والرشوة؛ فكذلك هذه الهبة تسلب اسم الهبة ~~وتسمى إذنا وتوكيلا، ولا سيما فإن صحة الوكالة لا يتوقف على لفظ مخصوص، بل ~~تصح بكل لفظ يدل على الوكالة؛ فهذه الحيلة في الحقيقة توكيل للغير في أن ~~يقف على الموكل؛ فمن اعتقد صحة وقف الإنسان على نفسه اعتقد جواز هذا الوقف، ~~ومن اعتقد بطلانه وبطلان الحيل المفضية إلى الباطل فإنه عنده يكون منقطع ~~الابتداء، وفيه من الخلاف ما هو مشهور، فمن أبطله رأى أن الطبقة ms1088 الثانية ~~ومن بعدها تبع للأولى، فإذا لم يصح في المتبوع ففي التابع أولى أن لا يصح، ~~ولأن الواقف لم يرض أن تصير الثانية إلا بعد الأولى، فلا يجوز أن يلزم بما ~~لم يرض به؛ إذ لا بد في صحة التصرف من رضا المتصرف وموافقة الشرع؛ فعلى هذا ~~هو باق على ملك الواقف. # فإذا مات فهل يصح الوقف حينئذ؟ يحتمل وجهين. ويكون مأخذهما ذلك، كما لو ~~قال: " هو وقف بعد موتي " فيصح، أو أنه وقف معلق على شرط، وفيه وجهان: فإن ~~قيل بصحته كان من الثلث وفي الزائد يقف على إجازة الورثة، وإن قيل ببطلانه ~~كان ميراثا، ومن رأى صحته قال: قد أمكن تصحيح تصرف العاقل الرشيد بأن يصحح ~~الوقف ويصرفه في الحال إلى جهته التي يصح الوقف عليها، وتلغى الجهة التي لا ~~تصح فتجعل كالمعدومة. وقيل على هذا القول: بل تصرف مصرف الوقف المنقطع، ~~فإذا مات الواقف صرف مصرف الجهة الصحيحة. # PageV03P291 # فإن قيل: فما تقولون لو سلك حيلة غير هذا كله، وأسهل منه وأقرب؟ وهي أن ~~يقر أن ما في يده من العقار وقف عليه انتقل إليه من جائز الملك جائز الوقف، ~~ثم بعده على كذا وكذا، فما حكم هذه الحيلة في الباطن، وحكم من علم بها من ~~الموقوف عليهم؟ . # قيل: هذه الحيلة إنما قصد المتكلم بها إنشاء الوقف، وإن أظهر أنه قصد بها ~~الإخبار؛ فهي إنشاء في الباطن إخبار في الظاهر، فهي كمن أقر ببطلان أو عتاق ~~ينوي به الإنشاء، والوقف ينعقد بالصريح وبالكناية مع النية وبالفعل مع ~~النية عند الأكثرين، وإذا كان مقصوده الوقف على نفسه وتكلم بقوله: " هذا ~~وقف علي " وميزه بفعله عن ملكه صار وقفا؛ فإن الإقرار يصح أن يكون كناية عن ~~الإنشاء مع النية، فإذا قصده به صح كما أن لفظ الإنشاء يجوز أن يقصد به ~~الإخبار، وإذا أراد به الإخبار دين، فكل من الأمرين صالح لاستعماله في ~~الآخر، فقد يقصد بالإقرار الإخبار عما مضى، وقد يقصد به الإنشاء، وإنما ذكر ~~بصيغة الإخبار لغرض من ms1089 الأغراض. # يوضح ذلك أن صيغ العقود قد قيل: هي إنشاءات، وقيل: إخبارات؛ والتحقيق ~~أنها متضمنة للأمرين؛ فهي إخبار عن المعاني التي في القلب، وقصد تلك ~~المعاني إنشاء؛ فاللفظ خبر والمعنى إنشاء، فإذا أخبر أن هذا وقف عليه وهو ~~يعلم أن غيره لم يقفه عليه وإنما مقصوده أن يصير وقفا بهذا الإخبار فقد ~~اجتمع لفظ الإخبار وإرادة الإنشاء، فلو كان أخبر عن هذه الإرادة لم يكن ~~هناك ريب أنه أنشأ الوقف، لكن لما كان لفظه إخبارا عن غير ما عناه، والذي ~~عناه لم ينشئ له لفظا صارت المسألة محتملة، ونشأت الشبهة؛ ولكن هذه النية ~~مع هذا اللفظ الصالح للكناية مع الفعل الدال على الوقف يقوم مقام التكلم ~~باللفظ الذي ينشأ به الوقف، والله أعلم. ### | [المثال الثامن والأربعون الحيلة في بيع الشيء مع استثناء منفعته مدة] # [بيع الشيء مع استثناء منفعته مدة] : المثال الثامن والأربعون: لو باع ~~غيره دارا أو عبدا أو سلعة؛ واستثنى منفعة المبيع مدة معلومة جاز كما دلت ~~عليه النصوص والآثار والمصلحة والقياس الصحيح؛ فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم ~~يرى بطلان هذا الشرط فيبطله عليه؛ فالحيلة في تخليصه من ذلك أن يواطئه قبل ~~البيع على أن يؤجره إياه تلك المدة بمبلغ معين؛ ويقر بقبض الأجرة، ثم يبيعه ~~إياه، ثم يستأجره كما اتفقا عليه، ويقر له بقبض الأجرة، وهذه حيلة صحيحة ~~جائزة لا تتضمن تحليل حرام ولا تحريم حلال. # PageV03P292 ### | [المثال التاسع والأربعون الحيلة في إسقاط نفقة المطلقة البائنة] # حيلة في إسقاط نفقة المطلقة البائنة] # المثال التاسع والأربعون: المطلقة البائنة لا نفقة لها ولا سكنى بسنة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها، بل ~~هي موافقة لكتاب الله، وهي مقتضى القياس، وهي مذهب فقهاء أهل الحديث، فإن ~~خاف المطلق أن ترفعه إلى حاكم يرى وجوب النفقة والسكنى أو السكنى وحدها ~~فالحيلة في تخليصه أن يعلق طلاقها على البراءة الصحيحة من ذلك، فيقول: إن ~~صحت براءتك لي من النفقة والسكنى أو من دعوى ذلك فأنت طالق؛ ms1090 فلا يمكنها بعد ~~ذلك أن تدعي بهما ألبتة. وله حيلة أخرى وهي أن يخالعها على نظير ما يعلم ~~أنه يفرض عليه للنفقة والسكنى أو أكثر منه، فإذا ادعت بذلك وفرضه عليه ~~الحاكم صار لها عليه مثل الذي له عليها، فإما أن يأخذ منها ويعطيها وإما أن ~~يتقاصا. ### | [المثال الخمسون الحيلة في الشراء] # [حيلة في الشراء] : المثال الخمسون: إذا اشترى سلعة من رجل غريب فخاف أن ~~تستحق أو تظهر معيبة ولا يعرفه فالحيلة أن يقيم له وكيلا يخاصمه إن ظهر ~~ذلك، فإن خاف أن يعزل البائع الوكيل فالحيلة أن يشتريها من الوكيل نفسه ~~ويضمنه درك المبيع. ### | [المثال الحادي والخمسون الحيلة في الوكالة الوديعة] # [حيلة في الوكالة الوديعة] # المثال الحادي والخمسون: إذا دفع إليه مالا يشتري به متاعا من [بلد] غير ~~بلده فاشتراه وأراد تسليمه إليه وإقامته في تلك البلدة فإن أودعه غيره ضمن؛ ~~لأنه لم يأذن له ربه، وإن وكل غيره في دفعه إليه ضمن أيضا، وإن استأجر من ~~يوصله إليه ضمن؛ لأنه لم يكن يأمن غيره عليه؛ فالحيلة في إيصاله إلى ربه أن ~~يشهد عليه قبل الشراء أو بعده أن يعمل في المال برأيه، وأن يوكل فيه أو أن ~~يودع إذا رأى المصلحة في ذلك كله، فإن أبى ذلك الموكل وقال: " لا يوافيني ~~به غيرك " فقد ضاقت عليه الحيلة، فليخرج نفسه من الوكالة، فتصير يده يد ~~مودع، فلا يلزمه مؤنة رد الوديعة، بل مؤنة ردها على صاحبها، فإن أحب أخذ ~~ماله أرسل من يأخذه أو جاء هو في طلبه. # فإن قيل: فلو لم يعزل نفسه كان مؤنة الرد عليه؟ # قيل: لما دخل معه في عقد الوكالة فقد التزم له أن يسلم إليه المال، ~~فيلزمه ما التزم به، فإذا أخرج نفسه من الوكالة بقي كالمودع المحض، فإن كان ~~وكيلا بجعل فهو كالأجير فمؤنة الرد عليه، ولا يملك إخراج نفسه من الوكالة ~~قبل توفية العمل كالأجير. # PageV03P293 ### | [المثال الثاني والخمسون إسلام ذمي وعنده خمر] # إسلام ذمي وعنده خمر] # الفصل الثاني والخمسون: إذا أراد ms1091 الذمي أن يسلم وعنده خمر، فخاف إن أسلم، ~~يجب عليه إراقتها ولا يجوز له بيعها، فالحيلة أن يبيعها من ذمي آخر بثمن ~~معين أو في ذمته، ثم يسلم، ويتقاضاه الثمن، ولا حرج عليه في ذلك؛ فإن ~~تحريمها عليه بالإسلام كتحريمها بالكتاب بعد أن لم تكن حراما، وفي الحديث: ~~«إن الله يعرض بالخمر، فمن كان عنده منها شيء فليبعه» . # فإن قيل: فلو أسلم من اشتراها ولم يؤد ثمنها هل يسقط عنه؟ # قيل: لا يسقط؛ لثبوته في ذمته قبل الإسلام. # فإن قيل: فلو أسلم إليه في خمر ثم أسلما أو أحدهما. # قيل: ينفسخ العقد، ويرد إليه رأس ماله. # فإن قيل: فلو أراد أن يشتري خمرا ثم عزم على الإسلام، وخاف أن يلزمه ~~بثمنها، فهل له حيلة في التخلص من ذلك؟ # قيل: الحيلة أن لا يملكها بالشراء، بل بالقرض، فإذا اقترضها منه ثم أسلما ~~أو أحدهما لم يجب عليه رد بدل القرض؛ فإن موجب القرض رد المثل، وقد تعذر ~~بالإسلام. ### | [المثال الثالث والخمسون الحيل في الشفعة] # [حيل في الشفعة] # المثال الثالث والخمسون: إذا اشترى دارا أو أرضا وقد وقعت الحدود وصرفت ~~الطرق بينه وبين جاره فلا شفعة فيها، وإن كانت الحدود لم تقع ولم تصرف ~~الطرق بل طريقها واحدة ففيها الشفعة، هذا أصح الأقوال في شفعة الجوار، وهو ~~مذهب أهل البصرة، وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ~~وغيره، فإن خاف المشتري أن يرفعه الجار إلى حاكم يرى الشفعة وإن صرفت الطرق ~~فله التحيل على إبطالها بضروب من الحيل؛ أحدها: أن يشتريها منه بألف دينار ~~ويكاتبه على ذلك، ثم يعطيه عوض كل دينار درهمين أو نحو ذلك، وثانيها: أن ~~يهب منه الدار والأرض ثم يهبه ثمنها، وثالثها: أن يقول المشتري للشفيع إن ~~شئت بعتكها بما اشتريتها به أو بأقل من ذلك أو أصبر عليك بالثمن، فيجيبه ~~إلى ذلك فتسقط شفعته، ورابعها: أن يتصادق البائع والمشتري على شرط أو صفة ~~تفسد البيع كأجل مجهول أو خيار مجهول أو إكراه أو تلجئة ونحو ms1092 ذلك، ثم يقرها ~~البائع في يد المشتري، ولا يكون للشفيع سبيل عليها، وخامسها: أن يشترط ~~الخيار مدة # PageV03P294 # طويلة، فإن صح لم يكن له أن يأخذ قبل انقضائه، وإن بطل لم يكن له أن يأخذ ~~ببيع فاسد، وسادسها: أن يهب له تسعة أعشار الدار أو الأرض، ويبيعه العشر ~~الباقي بجميع الثمن، وسابعها: أن يوكل الشفيع في بيع داره أو أرضه، فيقبل ~~الوكالة فيبيع، أو يوكله المشتري في الشراء له، وثامنها: أن يزن له الثمن ~~الذي اتفقا عليه سرا ثم يجعله صبرة غير معلومة ويبيعه الدار بها، وتاسعها: ~~أن يقر البائع بسهم من ألف سهم للمشتري فيصير شريكه ثم يبيعه باقي الدار، ~~فلا يجد جاره إليها سبيلا؛ لأن حق الشريك مقدم على حق الجار. # وعاشرها: أن يتصدق عليه ببيت من الدار، ثم يبيعه باقيها بجميع الثمن، ~~فيصير شريكا، فلا شفعة لجاره، وحادي عشرها: أن يأمر غريبا أو مسافرا ~~بشرائها، فإذا فعل دفعها إليه ثم وكله بحفظها، ثم يشهد على الدفع إليه ~~وتوكيله حتى لا يخاصمه الشفيع، وثاني عشرها: أن يجيء المشتري إلى الجار قبل ~~البيع فيشتري منه داره ويرغبه في الثمن أضعاف ما تساوي، ويشترط الخيار ~~لنفسه ثلاثة أيام، ثم في مدة الخيار يمضي ويشتري تلك الدار التي يريد ~~شراءها، فإذا تم العقد بينهما فسخ البيع الأول، ولا يستحق جاره عليه شفعة؛ ~~لأنه حين البيع لم يكن جارا، وإنما طرأ له الجوار بعد البيع، وثالث عشرها: ~~أن يؤجر المشتري لبائع الدار عبده أو ثوبه شهرا بسهم من الدار، فيصير ~~شريكه، ثم بعد يومين أو ثلاثة يشتري منه بقيتها؛ فلا يكون لجاره عليه سبيل، ~~ورابع عشرها: أن يشتريها بثمن مؤجل أضعاف ما تساوي، فإن الجار لا يأخذها ~~بذلك الثمن، فإذا رغب عنها صالحه من ذلك الثمن على ما يساويه حالا من غير ~~جنسه. # [رد شبهة واردة على جواز ذلك] # فإن قيل: فأنتم قد بالغتم من الإنكار على من احتال ببعض هذه الوجوه على ~~إسقاط الشفعة، وذكرتم تلك الآثار، فنكيل لكم بالكيل الذي كلتم ms1093 به لنا. # قلنا: لا سواء نحن وأنتم في ذلك؛ فإنا ذكرنا هذه الوجوه تحيلا على ~~[إبطال] ما أبطله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «فإذا وقعت ~~الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» فلما أبطل الشفعة تحيلنا على تنفيذ حكمه ~~وأمره بكل طريق؛ فكنا في هذه الحيل منفذين لأمره، وأما أنتم فأبطلتم بها ما ~~أثبته بحكمه وقضائه بالشفعة فيما لم يقسم، وأنه لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن ~~شريكه، فإذا حرم عليه البيع قبل استئذانه فما الظن بالتحيل على إسقاط ~~شفعته؟ فتوصلتم أنتم بهذه الحيل إلى إسقاط ما أثبته، وتوصلنا نحن بها إلى ~~إسقاط ما أسقطه وأبطله، فأي الفريقين أحق بالصواب، وأتبع لمقصود الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم -؟ والله المستعان. # PageV03P295 ### | [المثال الرابع والخمسون الحيلة في جواز تعليق الوكالة بالشرط] # حيلة في جواز تعليق الوكالة بالشرط] : المثال الرابع والخمسون: يصح تعليق ~~الوكالة بالشرط، كما يصح تعليق الولاية بالشرط، كما صحت به السنة، بل تعليق ~~الوكالة أولى بالجواز؛ فإن الولي وكيل وكالة عامة، فإنه إنما يتصرف نيابة ~~عن المولي، فوكالته أعم من وكالة الوكيل في الشيء المعين، فإذا صح تعليقها ~~فتعليق الوكالة الخاصة أولى بالصحة، وقال الشافعي: لا تصح؛ فإذا دعت الحاجة ~~إلى ذلك فالحيلة في جوازه أو يوكله مطلقا ثم يعلق التصرف على شرط فيصح، ولا ~~يظهر فرق فقهي بين امتناع هذا وجواز هذا، والمقصود من التوكيل التصرف، ~~والتوكيل وسيلة إليه؛ فإذا صح تعليق الغاية فتعليق الوسيلة أولى بالصحة. ### | [المثال الخامس والخمسون الحيلة في إبطال الشهادة على الزنى] # [حيلة في إبطال الشهادة على الزنى] # المثال الخامس والخمسون: إذا رفع إلى الإمام وادعى عليه أنه زنى، فخاف إن ~~أنكر أن تقوم عليه البينة فيحد؛ فالحيلة في إبطال شهادتهم أن يقر إذا سئل ~~مرة واحدة، ولا يزيد عليها؛ فلا تسمع البينة مع الإقرار، وليس للحاكم ولا ~~للإمام أن يقرره تمام النصاب، بل إذا سكت لم يتعرض له؛ فإن كان الإمام ممن ~~يرى وجوب الحد بالمرة الواحدة؛ فالحيلة أن يرجع عن إقراره فيسقط عنه ms1094 الحد؛ ~~فإذا خاف من إقامة البينة عليه أقر أيضا ثم رجع، وهكذا أبدا، وهذه الحيلة ~~جائزة؛ فإنه يجوز له دفع الحد عن نفسه، وأن يخلد إلى التوبة، كما قال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - للصحابة لما فر ماعز من الحد: «هلا تركتموه يتوب ~~فيتوب الله عليه» فإذا فر من الحد إلى التوبة فقد أحسن. ### | [المثال السادس والخمسون الحيلة في الخلاص من الحنث] # [حيلة في الخلاص من الحنث] # المثال السادس والخمسون: إذا حلف لغادر أو جاسوس أو سارق أن لا يخبر به ~~أحدا، ولا يدل عليه؛ فأراد التخلص من هذه اليمين وأن لا يخفيه؛ فالحيلة أن ~~يسأل عن أقوام هو من جملتهم؛ فإذا سئل عن غيره قال: لا، فإذا انتهت التوبة ~~إليه سكت؛ فإنه لا يحنث ولا يأثم بالستر عليه وإيوائه، وسئل أبو حنيفة - ~~رحمه الله - عن هذه المسألة بعينها، قال له السائل: نزل بي اللصوص؛ فأخذوا ~~مالي واستحلفوني بالطلاق ألا أخبر أحدا بهم؛ فخرجت فرأيتهم يبيعون متاعي في ~~السوق جهرة، فقال له: اذهب إلى الوالي فقل له يجمع أهل المحلة أو السكة ~~الذين هم فيه ثم يحضرهم ثم يسألك عنهم واحدا واحدا؛ فإذا سألك عمن ليس ~~منهم، فقل: ليس منهم، وإذا سألك عمن هو منهم فاسكت؛ ففعل الرجل؛ # PageV03P296 # فأخذ الوالي متاعه منهم، وسلمه إليه؛ فلو عملت هذه الحيلة مع مظلوم لم ~~تنفع، وحنث الحالف؛ فإن المقصود الدفع عنه، وبالسكوت قد أعان عليه، ولم ~~يدفع عنه. ### | [المثال السابع والخمسون الحيلة في بر زوج وزوجته حلف كل منهما] # [حيلة في بر زوج وزوجته حلف كل منهما] # المثال السابع والخمسون: ما سئل عنه أبو حنيفة - رحمه الله - عن امرأة ~~قال لها زوجها: أنت طالق إذا سألتيني الخلع إن لم أخلعك، وقالت المرأة: كل ~~مملوك لي حر إن لم أسألك الخلع اليوم؛ فجاء الزوج إلى أبي حنيفة فقال: أحضر ~~المرأة؛ فأحضرها، فقال لها أبو حنيفة: سليه الخلع، فقالت: سألتك أن تخلعني، ~~فقال له أبو حنيفة: قل لها قد خلعتك على ألف درهم تعطينيها، فقال ms1095 لها ذلك، ~~فقال لها قولي: لا أقبل، فقالت: لا أقبل، فقال: قومي مع زوجك فقد بر كل ~~واحد منكما ولم يحنث في شيء، ذكرها محمد بن الحسن في كتاب الحيل له. # وإنما تتم هذه الحيلة على الوجه الذي ذكره؛ فلو قالت له: " أسألك الخلع ~~على ألف درهم حالة، أو إلى شهر " فقال: " قد خلعتك على ذلك " وقع الخلع؛ ~~بخلاف ما إذا قالت له: " اخلعني " قال: " خلعتك على ألف " فإن هذا لا يكون ~~خلعا حتى تقبل وترضى، وهي لم ترض بالألف؛ فلا يقع الخلع. # [فإن قيل: فكيف إذا لم يقع الخلع؟] # قيل: هو إنما حلف على فعله لا على قبولها؛ فإذا قال: " قد خلعتك على ألف ~~" فقد وجد الخلع من جهته؛ فانحلت يمينه، ولم يقف حل اليمين على قبولها، كما ~~إذا حلف لا يبيع، فباع، ولم يقبل المشتري، ولا بينة له؛ فإنه يحنث. ### | [المثال الثامن والخمسون أخوان زفت لكل منهما زوجة الآخر] # [أخوان زفت لكل منهما زوجة الآخر] # المثال الثامن والخمسون: ما ذكره محمد في كتابه أيضا عنه أتاه أخوان قد ~~تزوجا بأختين؛ فزفت كل امرأة منهما إلى زوج أختها؛ فدخل بها ولم يعلم، ثم ~~علم الحال لما أصبحا؛ فذكرا له ذلك، وسألاه المخرج، فقال لهما: كل منكما ~~راض بالتي دخل بها؟ فقالا: نعم، فقال: ليطلق كل منكما امرأته التي عقد ~~عليها تطليقة؛ ففعلا، فقال: ليعقد كل منكما على المرأة التي دخل بها، ~~ففعلا، فقال: ليمض كل منكما إلى أهله، وهذه الحيلة في غاية اللطف؛ فإن ~~المرأة التي دخل بها كل منهما قد وطئها بشبهة؛ فله أن ينكحها في عدتها؛ ~~فإنه لا يصان ماؤه عن مائه، وأمره أن يطلق واحدة فإنه لم يدخل بالتي طلقها ~~فالواحدة تبينها، ولا عدة عليها منه، فللآخر أن يتزوجها. # PageV03P297 ### | [المثال التاسع والخمسون الحيلة في تخلص المرأة من الزوج الذي لا ترضى به] # حيلة في تخلص المرأة من الزوج الذي لا ترضى به] # المثال التاسع والخمسون: إذا تزوجت المرأة وخافت أن يسافر عنها الزوج ~~ويدعها أو يسافر ms1096 بها ولا تريد الخروج من دارها أو أن يتزوج عليها أو يتسرى ~~أو يشرب المسكر أو يضربها من غير جرم أو يتبين فقيرا وقد ظنته غنيا أو ~~معيبا وقد ظنته سليما أو أميا وقد ظنته قارئا أو جاهلا وقد ظنته عالما أو ~~نحو ذلك، فلا يمكنها التخلص، فالحيلة لها في ذلك كله أن تشترط عليه أنه متى ~~وجد شيء من ذلك فأمرها بيدها، إن شاءت أقامت معه وإن شاءت فارقته، وتشهد ~~عليه بذلك، فإن خافت أن لا تشترط ذلك بعد لزوم العقد فلا يمكنها إلزامه ~~بالشرط فلا تأذن لوليها أن يزوجها منه إلا على هذا الشرط، فيقول: زوجتكما ~~على أن أمرها بيدها إن كان الأمر كيت وكيت؛ فمتى كان الأمر كذلك ملكت تطليق ~~نفسها، ولا بأس بهذه الحيلة، فإن المرأة تتخلص بها من نكاح من لم ترض ~~بنكاحه، وتستغني بها عن رفع أمرها إلى الحاكم ليفسخ نكاحها بالغيبة ~~والإعسار ونحوهما. ### | [المثال الستون ضمان ما لا يجب] # [ضمان ما لا يجب] # المثال الستون: يصح ضمان ما لا يجب كقوله: " ما أعطيت لفلان فهو علي " ~~عند الأكثرين، كما دل عليه القرآن في قول مؤذن يوسف: {ولمن جاء به حمل بعير ~~وأنا به زعيم} [يوسف: 72] والمصلحة تقتضي ذلك، بل قد تدعو إليه الحاجة أو ~~الضرورة، وعند الشافعي لا يجوز، وسلم جوازه إذا تبين سبب وجوبه كدرك ~~المبيع. # والحيلة في جوازه على هذا القول أنه إذا رضي بأن يلتزم عنه مقدارا له لم ~~يجب عليه بعد أن يقر المضمون عنه به للدافع ثم يضمنه عنه الضامن، فإن خشي ~~المقر أن يطالبه المقر له بذلك ولا يدفعه إليه فالحيلة أن يقول: هو علي من ~~ثمن مبيع لم أقبضه، فإن تحرج من الإخبار بالكذب فالحيلة أن يبيعه ما يريد ~~أخذه منه بالمبلغ الذي التزم الضامن أداءه، فإذا صار في ذمته ضمنه عنه، ~~وهذا الحكم إذا زوج ابنه أو عبده أو أجيره وضمن للمرأة نفقتها وكسوتها ~~فالصحيح في هذا كله جواز الضمان، والحاجة تدعو إليه، ولا محذور ms1097 فيه، وليس ~~بعقد معاوضة فتؤثر فيه الجهالة، وعقود الالتزام لا تؤثر فيها الجهالة ~~كالنذر، ثم يمكن رفع الجهالة بأن يحد له حدا فيقول: من درهم إلى كذا وكذا. # فإن قيل: ما بين الدرهم والغاية مجهول لا يدري كم يلزمه منه. # قيل: لا يقدح ذلك في جواز الالتزام؛ لأنه يتبين في الآخر كم هو الواجب ~~منه، ثم لو أقر بذلك فقال: " له علي ما بين درهم إلى ألف " صح؛ فهكذا إذا ~~قال: " ضمنت عنه ما بين درهم إلى ألف ". # PageV03P298 # فإن قيل: الضامن فرع على المضمون عنه، فإذا كان الأصل لم يثبت في ذمته ~~شيء فعلى أي شيء ينبني الضمان ويتفرع؟ قيل: إنما يصير ضامنا إذا ثبت في ذمة ~~المضمون عنه، وإلا في الحال فليس هو ضامنا. وإن صح أن يقال: " هو ضامن ~~بالقوة " ففي الحقيقة هو ضمان معلق على شرط، وذلك جائز، والله أعلم. ### | [المثال الحادي والستون الحيلة في الخلاص مما سبق به اللسان] # [حيلة في الخلاص مما سبق به اللسان] # المثال الحادي والستون: إذا سبق لسانه بما يؤاخذ به في الظاهر ولم يرد ~~معناه، أو أراده ثم رجع عنه وتاب منه، أو خاف أن يشهد عليه به شهود زور ولم ~~يتكلم به، فرفع إلى الحاكم وادعي عليه به، فإن أنكر شهدوا عليه، وإن أقر ~~حكم عليه، ولا سيما إن كان لا يرى قبول التوبة من ذلك، فالحيلة في الخلاص ~~أن لا يقر به ولا ينكر، فيشهد عليه الشهود، بل يكفيه في الجواب أن يقول: " ~~إن كنت قلته فقد رجعت عنه، وأنا تائب إلى الله منه " وليس للحاكم بعد ذلك ~~أن يقول: لا أكتفي منك بهذا الجواب، بل لا بد من الإقرار أو الإنكار، فإن ~~هذا جواب كاف في مثل هذه الدعوى، وتكليفه بعد ذلك خطة الخسف بالإقرار - وقد ~~يكون كاذبا فيه، أو الإنكار وقد تاب منه بينه وبين الله تعالى، فيشهد عليه ~~الشهود - ظلم وباطل؛ فلا يحل للحاكم أن يسأله بعد هذا هل وقع منك ذلك أو لم ~~يقع؟ بل ms1098 أبلغ من هذا لو شهد عليه بالردة فقال: " لم أزل أشهد أن لا إله لا ~~الله وأن محمدا رسول الله منذ عقلت وإلى الآن " لم يستكشف عن شيء، ولم يسأل ~~لا هو ولا الشهود عن سبب ردته، كما ذكره الخرقي في مختصره وغيره من أصحاب ~~الشافعي، فإذا ادعى عليه بأنه قال كذا وكذا فقال: " إن كنت قلته فأنا تائب ~~إلى الله منه " أو " قد تبت منه " فقد اكتفي منه بهذا الجواب، ولم يكشف عن ~~شيء منه بعد ذلك. # [هل تعلق التوبة بالشرط؟] # فإن قيل: هذا تعليق للتوبة أو الإسلام بالشرط، ولا يصح تعليقه بشرط. # قيل: هذا من قلة فقه مورده؛ فإن التوبة لا تصح إلا على هذا الشرط، تلفظ ~~به أو لم يتلفظ به، وكذلك تجديد الإسلام لا يصح إلا بشرط أن يوجد ما يناقضه ~~فتلفظه بالشرط تأكيد لمقتضى عقد التوبة والإسلام، وهذا كما إذا قال: " إن ~~كان هذا ملكي فقد بعتك إياه " فهل يقول أحد: إن هذا بيع معلق بشرط فلا يصح؟ ~~وكذلك إذا قال: " إن كانت هذه امرأتي فهي طالق " لا يقول أحد: إنه طلاق ~~معلق، ونظائره أكثر من أن تذكر، وقد شرع الله لعباده # PageV03P299 # التعليق بالشروط في كل موضع يحتاج إليه العبد، حتى بينه وبين ربه كما ~~«قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لضباعة بنت الزبير وقد شكت إليه وقت ~~الإحرام، فقال: حجي واشترطي على ربك فقولي: إن حبسني حابس فمحلي حيث ~~حبستني، فإن لك ما اشترطت على ربك» فهذا شرع مع الله في العبادة، وقد شرعه ~~على لسان رسوله لحاجة الأمة إليه، ويفيد شيئين: جواز التحلل، وسقوط الهدي، ~~وكذلك الداعي بالخيرة يشترط على ربه في دعائه، فيقول: اللهم إن كان هذا ~~الأمر خيرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري عاجله وآجله فاقدره لي ويسره لي، ~~فيعلق طلب الإجابة بالشرط لحاجته إلى ذلك لخفاء المصلحة عليه. # وكذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترط على ربه أيما رجل سبه أو لعنه ~~وليس لذلك بأهل أن يجعلها كفارة له ms1099 وقربة يقربه بها إليه، وهذا تعليق ~~للمدعو به بشرط الاستحقاق. وكذلك المصلي على الميت شرع له تعليق الدعاء ~~بالشرط، فيقول: اللهم أنت أعلم بسره وعلانيته، إن كان محسنا فتقبل حسناته، ~~وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته؛ فهذا طلب للتجاوز عنه بشرط، فكيف يمنع ~~تعليق التوبة بالشرط؟ # وقال شيخنا: كان يشكل علي أحيانا حال من أصلي عليه الجنائز، هل هو مؤمن ~~أو منافق؟ فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام فسألته عن ~~مسائل عديدة منها هذه المسألة، فقال: يا أحمد الشرط الشرط، أو قال: علق ~~الدعاء بالشرط، وكذلك أرشد أمته - صلى الله عليه وسلم - إلى تعليق الدعاء ~~بالحياة والموت بالشرط فقال: «لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، ولكن ليقل: ~~اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي» . ~~وكذلك قوله في الحديث الآخر: «وإذا أردت بعبادك فتنة فتوفني إليك غير ~~مفتون» وقال: «المسلمون عند شروطهم، إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا» . # وتعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات وغيرها بالشروط أمر قد تدعو ~~إليه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة؛ فلا يستغني عنه المكلف، وقد صح تعليق ~~النظر بالشرط بالإجماع ونص الكتاب، وتعليق الضمان بالشرط بنص القرآن، ~~وتعليق النكاح بالشرط في تزويج موسى بابنة صاحب مدين وهو [من] أصح نكاح على ~~وجه الأرض، ولم يأت في شريعتنا ما ينسخه، بل أتت مقررة له كقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج " فهذا ~~صريح في أن حل الفروج بالنكاح قد يعلق على شرط، ونص الإمام أحمد على جواز ~~تعليق النكاح بالشرط، وهذا هو الصحيح، كما يعلق الطلاق والجعالة والنذر ~~وغيرها من العقود، وعلق أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - عقد المزارعة ~~بالشرط، فكان يدفع أرضه إلى من يعمل عليها على أنه إن جاء عمر بالبذر فله ~~كذا وإن جاء العامل بالبذر فله كذا، ذكره البخاري، ولم يخالفه صاحب، ونص ~~الإمام أحمد على جواز تعليق البيع # PageV03P300 # بالشرط في قوله: إن بعت ms1100 هذه الجارية فأنا أحق بها بالثمن، واحتج بأنه قول ~~ابن مسعود، ورهن الإمام أحمد نعله وقال للمرتهن: إن جئتك بالحق إلى كذا ~~وإلا فهو لك، وهذا بيع بشرط، فقد فعله وأفتى به. # وكذلك تعليق الإبراء بالشرط، نص على جوازه فعلا منه، فقال لمن اغتابه ثم ~~استحله: " أنت في حل إن لم تعد " فقال له الميموني: قد اغتابك وتحلله؟ ~~فقال: ألم ترني قد اشترطت عليه أن لا يعود؟ والمتأخرون من أصحابه يقولون: ~~لا يصح تعليق الإبراء بالشرط وليس ذلك موافقا لنصوصه ولا لأصوله، وقد علق ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ولاية الإمارة بالشرط، وهذا تنبيه على تعليق ~~الحكم في كل ولاية، وعلى تعليق الوكالة الخاصة والعامة، وقد علق أبو بكر ~~تولية عمر - رضي الله عنه - بالشرط، ووافقه عليه سائر الصحابة فلم ينكره ~~منهم رجل واحد، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من باع نخلا قد أبرت ~~فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع» فهذا الشرط خلاف مقتضى العقد ~~المطلق، وقد جوزه الشارع، وقال: «من باع عبدا وله مال فماله للبائع، إلا أن ~~يشترطه المبتاع» وفي السنن عنه: «من أعتق عبدا وله مال فمال العبد له إلا ~~أن يشترطه السيد» وفي المسند والسنن عن سفينة قال: «كنت مملوكا لأم سلمة، ~~فقالت: أعتقتك، واشترطت عليك أن تخدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ~~عشت، فقلت: ولو لم تشترطي علي ما فارقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ما عشت، فأعتقتني واشترطت علي» ، وذكر البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - قال: مقاطع الحقوق عند الشروط ولك ما شرطت. # ، وقال البخاري في باب الشروط في القرض: وقال ابن عمر وعطاء: إذا أحله في ~~القرض جاز، وقال في باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار والشروط ~~التي يتعارفها الناس بينهم: وقال ابن عوف عن ابن سيرين قال قال رجل لكريه: ~~ارحل ركابك فإن لم أرحل معك في يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج، فقال ~~شريح: من شرط على نفسه ms1101 طائعا غير مكره فهو عليه. # وقال أيوب عن ابن سيرين: إن رجلا باع طعاما فقال: إن لم آتك الأربعاء ~~فليس بيني وبينك بيع، فقال للمشتري: أنت أخلفته، فقضى عليه. # وقال في باب الشروط في المهر: وقال المسور: «سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ذكر صهرا له فأثنى عليه في مصاهرته فأحسن، فقال: حدثني فصدقني، ~~ووعدني فوفاني» ثم ذكر فيه حديث: «أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به ~~الفروج» . # وقال في كتاب الحرث: وعامل عمر الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده ~~فلهم الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا. وهذا صريح في جواز: " إن خطته ~~اليوم فلك كذا، وإن خطته غدا فلك كذا " وفي جواز: " بعتكه بعشرة نقدا أو ~~بعشرين نسيئة " فالصواب جواز هذا كله للنص والآثار والقياس. # وقال جابر: «بعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعيرا، واشترطت حملانه ~~إلى أهلي» . وروى # PageV03P301 # سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن فروخ عن نافع بن عبد ~~الحارث عامل عمر على مكة أنه اشترى من صفوان بن أمية دارا لعمر بن الخطاب ~~بأربعة آلاف درهم، واشترط عليه نافع إن رضي عمر فالبيع له، وإن لم يرض ~~فلصفوان أربع مائة درهم، ومن هاهنا قال الإمام أحمد: لا بأس ببيع العربون؛ ~~لأن عمر فعله، وأجاز هذا البيع والشرط فيه مجاهد ومحمد بن سيرين وزيد بن ~~أسلم ونافع بن عبد الحارث، وقال أبو عمر: وكان زيد بن أسلم يقول: أجازه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذكر الإمام أحمد أن محمد بن مسلمة ~~الأنصاري اشترى من نبطي حزمة حطب، واشترط عليه حملها إلى قصر سعد، واشترى ~~عبد الله بن مسعود جارية من امرأته وشرطت عليه أنه إن باعها فهي لها ~~بالثمن، وفي ذلك اتفاقهما على صحة البيع والشرط، ذكره الإمام أحمد وأفتى ~~به. # [للشروط عند الشارع شأن] # والمقصود أن للشروط عند الشارع شأنا ليس عند كثير من الفقهاء؛ فإنهم ~~يلغون شروطا لم يلغها الشارع، ويفسدون بها العقد من ms1102 غير مفسدة تقتضي فساده، ~~وهم متناقضون فيما يقبل التعليق بالشروط من العقود وما لا يقبله؛ فليس لهم ~~ضابط مطرد منعكس يقوم عليه دليل؛ فالصواب الضابط الشرعي الذي دل عليه النص ~~أن كل شرط خالف حكم الله وكتابه، فهو باطل، ما لم يخالفه حكمه فهو لازم. # يوضحه أن الالتزام بالشرط كالالتزام بالنذر، والنذر لا يبطل منه إلا ما ~~خالف حكم الله وكتابه، بل الشروط في حقوق العباد أوسع من النذر في حق الله، ~~والالتزام به أوفى من الالتزام بالنذر. # وإنما بسطت القول في هذا؛ لأن باب الشروط يدفع حيل أكثر المتحيلين، ويجعل ~~للرجل مخرجا مما يخاف منه ومما يضيق عليه؛ فالشرط الجائز بمنزلة العقد، بل ~~هو عقد وعهد، وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} ~~[المائدة: 1] وقال: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} [البقرة: 177] . # [الشرط اللازم والشرط الباطل] # وهاهنا قضيتان كليتان من قضايا الشرع الذي بعث الله به رسوله، إحداهما: ~~أن كل شرط خالف حكم الله وناقض كتابه فهو باطل كائنا ما كان، والثانية: أن ~~كل شرط لا يخالف حكمه ولا يناقض كتابه وهو ما يجوز تركه وفعله بدون الشرط - ~~فهو لازم بالشرط، ولا يستثنى من هاتين القضيتين شيء، وقد دل عليهما كتاب ~~الله وسنة رسوله واتفاق الصحابة، # PageV03P302 # ولا تعبأ بالنقض بالمسائل المذهبية والأقوال الأرائية فإنها لا تهدم ~~قاعدة من قواعد الشرع؛ فالشروط في حق المكلفين كالنذر في حقوق رب العالمين، ~~فكل طاعة جاز فعلها قبل النذر لزمت بالنذر، وكذلك كل شرط قد جاز بذله بدون ~~الاشتراط لزم بالشرط، فمقاطع الحقوق عند الشروط. وإذا كان من علامات النفاق ~~إخلاف الوعد وليس بمشروط فكيف الوعد المؤكد بالشرط؟ بل ترك الوفاء بالشرط ~~يدخل في الكذب والخلف والخيانة والغدر، وبالله التوفيق. ### | [المثال الثاني والستون البيع بشرط البراءة من العيوب] # [البيع بشرط البراءة من العيوب] # المثال الثاني والستون: إذا باعه جارية معيبة وخاف ردها عليه بالعيب ~~فليبين له من عيبها ويشهد أنه دخل عليه، فإن خاف ردها بعيب آخر لا يعلمه ~~البائع فليعين له ms1103 عيوبا يدخل في جملتها وأنه رضي بها كذلك فإن كان العيب ~~غير متصور ولا داخل في جملة تلك العيوب فليقل: " وأنك رضيت بها بجملة ما ~~فيها من العيوب التي توجب الرد " مقتصرا على ذلك. ولا يقل: " وأنك أسقطت ~~حقك من الرد " ولا: " أبرأتني من كل دعوى توجب الرد " ولا يبيعها بشرط ~~البراءة من كل عيب؛ فإن هذا لا يسقط الرد عند كثير من الفقهاء، وهي مسألة ~~البيع بالبراءة من العيوب. # وللشافعي فيها ثلاثة أقوال؛ أحدها: صحة البيع والشرط، والثاني: صحة البيع ~~وفساد الشرط وأنه لا يبرأ من شيء من العيوب، والثالث: أنه يبرأ من العيوب ~~الباطنة في الحيوان خاصة دون غيرها. والمشهور من مذهب مالك جواز العقد ~~والشرط وأنه يبرأ من جميع العيوب. وهل يعم ذلك جميع المبيعات أو يخص بعضها؟ ~~فذكر ابن حبيب عن مالك وابن وهب أنه يعم جميع المبيعات عرضا كان المبيع أو ~~حيوانا. وعنه أنه يختص ببعض المبيعات. واختلف عنه في تعيينه فالذي في ~~الموطإ عنه أنه يختص بالحيوان ناطقا كان أو بهيما. والذي في التهذيب ~~اختصاصه بناطق الحيوان. # قالوا: وعلى [هذا] المذهب في صحة ذلك مطلقا، فبيع السلطان وبيع الميراث ~~إذا علم أنه ميراث جار مجرى بيع البراءة وإن لم يشترط، وعلى هذا فإذا قال: ~~أبيعك بيع الميراث لا قيام بعيب صح ذلك ويكون بيع براءة؛ وفي الميراث لا ~~يحتاج إلى ذكره. # قالوا: وإذا قلنا إن البراءة تنفع فإنما منفعتها [في] امتناع الرد بعيب ~~لم يعلم به البائع؛ وأما ما علم به البائع فإن شرط البراءة لا يمنع رد ~~المشتري به إذا لم يكن عالما به وقت العقد؛ فإذا ادعى المشتري علم البائع ~~فأقر أو نكل بعد توجه اليمين عليه توجه الرد عليه. # قالوا: ولو ملك شيئا ثم باعه قبل أن يستعمله بشرط البراءة لم ينفعه ذلك ~~حتى يستعمله ويستبرئه ثم يبيعه بشرط البراءة. # قال في التهذيب في: التجار يقدمون بالرقيق # PageV03P303 # فيبيعونه بالبراءة ولم تطل إقامة الرقيق عندهم: هؤلاء يريدون أن يذهبوا ~~بأموال الناس باطلا، ms1104 لا تنفعهم البراءة. وقال عبد الملك وغيره: لا يشترط ~~استعماله، ولا طول مقامه عنده، بل تنفعه البراءة كما تنفعه مع الطول ~~والاستعمال. # قالوا: وإذا كان في المبيع عيب يعلمه البائع بعينه فأدخله في جملة عيوب ~~ليست موجودة، وتبرأ منها كلها، لم يبرأ منه حتى يفرده بالبراءة ويعين موضعه ~~وجنسه ومقداره بحيث لا يبقى للمبتاع فيه قول. # قالوا: وكذلك لو أراه العيب وشاهده لم يبرأ منه إذا كان ظاهره لا يستلزم ~~الإحاطة بباطنه وباطنه فيه فساد آخر كما إذا أراه دبرة البعير وشاهدها وهي ~~منغلة مفسدة فلم يذكر له ما فيها من نغل وغيره، ونظائر ذلك. # قالوا: وكذلك لو أخبره أن به إباقا أو سرقة وهو إباق بعبد أو سرقة عظيمة ~~والمشتري يظنه يسيرا لم يبرأ حتى يبين له ذلك، قال أبو القاسم بن الكاتب: ~~لا يختلف قول مالك في أن بيع السلطان بيع براءة على المفلس أو لقضاء ديون ~~من تركة ميت بيع براءة أيضا وإن لم يشترطها، قال: وإنما كان كذلك؛ لأنه حكم ~~منه بالمبيع وبيع البراءة مختلف فيه، فإذا حكم السلطان بأحد أقوال العلماء ~~لم ترد قضيته عند من يرى خلاف رأيه فيما حكم به، ورد ذلك عليه المازري ~~وغيره، وقالوا: السلطان لم يتعرض في البيع إلى خلاف ولا وفاق، ولا قصد إلى ~~حكم به يرفع النزاع، وقد حكى بعض الشيوخ الخلاف في بيع البراءة ولو تولاه ~~السلطان بنفسه، قال: وذلك؛ لأن سحنونا قال: وكان قول مالك القديم أن بيع ~~السلطان وبيع الوارث لا قيام فيه بعيب ولا بعهدة، قال: وهذا يدل على أن له ~~قولا آخر خلاف هذا، قال: ويدل عليه أن ابن القاسم قال: إذا بيع عبد على ~~مفلس فإن للمشتري أن يرده بالعيب، قال: فالصواب أن بيع السلطان وبيع الورثة ~~كغيرهما. # قال المازري: أما بيع الورثة لقضاء ديونه وتنفيذ وصاياه فإن فيه الخلاف ~~المشهور، قال: وأما ما باعوه لأنفسهم للانفصال من شركة بعضهم لبعض فملتحق ~~ببيع الرجل مال نفسه بالبراءة، وكذلك من باع للإنفاق على ms1105 من في ولايته. # قلت: وقول المازري: " إن بيع السلطان لا تعرض فيه لحكم " مبني على أصل، ~~وهو أن الحاكم إذا عقد بنفسه عقدا مختلفا فيه هل يكون بمنزلة حكمه به ~~[فيسوغ تنفيذه، ولا يسوغ رده أو لا يكون حكما منه به] فيسوغ لحاكم آخر ~~خلافه؟ وفي هذا الأصل قولان للفقهاء، وهما في مذهب الإمام أحمد وغيره، فهذا ~~تقرير مذهب مالك في هذه المسألة. # وأما مذهب أبي حنيفة: فإنه يصحح البيع والشرط، ولا يمكن المشتري من الرد ~~بعد اشتراط البراءة العامة، سواء علم البائع العيب أو لم يعلمه، حيوانا كان ~~المبيع أو غيره، # PageV03P304 # وتناظر في هذه المسألة أبو حنيفة وابن أبي ليلى، فقال ابن أبي ليلى: لا ~~يبرأ إلا من عيب أشار إليه ووضع يده عليه، فقال أبو حنيفة: فلو أن امرأة من ~~قريش باعت عبدا زنجيا على ذكره عيب أفتضع أصبعها على ذكره؟ فسكت ابن أبي ~~ليلى. # وأما مذهب الإمام أحمد فعنه ثلاث روايات؛ إحداهن: أنه لا يبرأ بذلك ولا ~~يسقط حق المشتري من الرد بالعيب إلا من عيب عينه وعلم به المشتري. ~~والثانية: أنه يبرأ مطلقا. والثالثة: أنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه، ولا ~~يبرأ من كل عيب علمه حتى يعلم به المشتري. # فإن صححنا البيع والشرط فلا إشكال، وإن أبطلنا الشرط فهل يبطل البيع أو ~~يصح، ويثبت الرد فيه؟ وجهان، فإذا أثبتنا الرد وأبطلنا الشرط فللبائع ~~الرجوع بالتفاوت الذي نقص من ثمن السلعة بالشرط الذي لم يسلم له؛ فإنه إنما ~~باعها بذلك الثمن بناء على أن المشتري لا يردها عليه بعيب، ولو علم أن ~~المشتري يتمكن من ردها لم يبعها بذلك الثمن؛ فله الرجوع بالتفاوت، وهذا هو ~~العدل وقياس أصول الشريعة؛ فإن المشتري كما يرجع بالأرش عند فوات غرضه من ~~سلامة المبيع فهكذا البائع يرجع بالتفاوت عند فوات غرضه من الشرط الذي ~~أبطلناه عليه. # [بحث في النكول ورد اليمين] # والصحيح في هذه المسألة ما جاء عن الصحابة؛ فإن عبد الله بن عمر باع زيد ~~بن ثابت عبدا ms1106 بشرط البراءة بثمان مائة درهم، فأصاب به زيد عيبا، فأراد رده ~~على ابن عمر، فلم يقبله، فترافعا إلى عثمان، فقال عثمان لابن عمر: تحلف أنك ~~لم تعلم بهذا العيب، فقال: لا، فرده عليه، فباعه ابن عمر بألف درهم، ذكره ~~الإمام أحمد وغيره، وهذا اتفاق منهم على صحة البيع وجواز شرط البراءة، ~~واتفاق من عثمان وزيد على أن البائع إذا علم بالعيب لم ينفعه شرط البراءة، ~~وعلى أن المدعى عليه متى نكل عن اليمين قضي عليه بالنكول، ولم ترد اليمين ~~على المدعي، لكن هذا فيما إذا كان المدعى عليه منفردا بمعرفة الحال، فإذا ~~لم يحلف مع كونه عالما بصورة الحال قضي عليه بالنكول، وأما إذا كان المدعي ~~هو المنفرد بالعلم بالحال أو كان مما لا يخفى عليه علمها ردت عليه اليمين؛ ~~فمثال الأول قضية ابن عمر هذه، فإنه هو العالم بأنه هل كان يعلم العيب أو ~~لا يعلمه، بخلاف زيد بن ثابت، فإنه لا يعلم علم ابن عمر بذلك، ولا عدم ~~علمه، فلا يشرع رد اليمين عليه. # ومثال الثاني: إذا ادعى على وارث ميت أنه أقرض مورثه مائة درهم أو باعه ~~سلعة ولم يقبضه # PageV03P305 # ثمنها أو أودعه وديعة والوارث غائب لا يعلم ذلك، وسأل إحلافه، فنكل عن ~~اليمين، لم يقض عليه بالنكول، وردت اليمين على المدعي؛ لأنه منفرد بعلم ~~ذلك، فإذا لم يحلف لم يقض له. ومثال الثالث: إذا ادعى عليه أنه باعه أو ~~أجره فنكل عن اليمين، حلف المدعي وقضي له، فإن لم يحلف لم يقض له بنكول ~~المدعى عليه؛ لأنه عالم بصحة ما ادعاه، فإذا لم يحلف ولم يقم له بينة لم ~~يكن مجرد نكول خصمه مصححا لدعواه. # فهذا التحقيق أحسن ما قيل في مسألة النكول ورد اليمين، وعليه تدل آثار ~~الصحابة ويزول عنها الاختلاف، ويكون هذا في موضعه وهذا في موضعه. # وعرف حذيفة جملا له فادعاه، فنكل المدعى عليه، وتوجهت اليمين على حذيفة، ~~فقال: أتراني أترك جملي؟ فحلف بالله أنه ما باع ولا وهب. # [متى يكون تحليف المدعي؟] ms1107 # فقد ثبت تحليف المدعي إذا أقام شاهدا واحدا، والشاهد أقوى من النكول، ~~فتحليفه مع النكول أولى، وقد شرع الله ورسوله تحليف المدعي في أيمان ~~القسامة؛ لقوة جانبه باللوث، فتحليفه مع النكول أولى، وكذلك شرع تحليف ~~الزوج في اللعان، وكذلك شرع تحليف المدعي إذا كان شاهد الحال يصدقه كما إذا ~~تداعيا متاع البيت أو تداعى النجار والخياط آلة كل منهما فإنه يقضى لمن تدل ~~الحال على صحة دعواه مع يمينه، وقد روي في حديث مرفوع أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «رد اليمين على طالب الحق» ، ذكره الدارقطني وغيره، وهذا محض ~~الفقه والقياس؛ فإنه إذا نكل قوي جانب المدعي فظن صدقه، فشرع اليمين في ~~حقه؛ فإن اليمين إنما شرعت في جانب المدعى عليه لقوة جانبه بالأصل. # فإذا شهد الشاهد الواحد ضعف هذا الأصل ولم يتمكن قوته من الاستقلال، وقوي ~~جانب المدعي باليمين، وهكذا إذا نكل ضعف أصل البراءة، ولم يكن النكول ~~مستقلا بإثبات الدعوى؛ لجواز أن يكون لجهله بالحال، أو لتورعه عن اليمين، ~~أو للخوف من عاقبة اليمين، أو لموافقة قضاء وقدر؛ فيظن الظان أنه بسبب ~~اليمين، أو لترفعه عن ابتذاله باستحلاف خصمه له مع علمه بأنه لو حلف كان ~~صادقا، وإذا احتمل نكوله هذه الوجوه لم يكن مستقلا؛ بل غايته أن يكون مقويا ~~لجنبة المدعي فترد اليمين عليه، ولم تكن هذه المسألة مقصودة، وإنما جر ~~إليها الكلام في أثر ابن عمر وزيد في مسألة البراءة. # وقد علم حكم هذا الشرط، وأين ينتفع به البار، وأين لا ينتفع به. # PageV03P306 # وإن قيل: فهل ينفعه أن يشترط على المشتري أنه متى رده فهو حر أم لا ينفعه ~~وإذا خاف توكيله في الرد استوثق منه بقوله: " متى رددته أو وكلت في رده " ~~فإن خاف من رد الحاكم عليه حيث يرده بالشرع فلا يكون المشتري هو الراد ولا ~~وكيله بل الحاكم المنفذ للشرع فاستوثق منه بقوله: " إذا ادعيت رده فهو حر " ~~فهنا تصعب الحيلة على الرد، إلا على مذهب أبي ثور وأحد الوجهين من مذهب ms1108 ~~الإمام أحمد، وهو إجماع الصحابة أن تعليق العتق متى قصد به الحض أو المنع ~~فهو يمين حكمه حكم اليمين بالحج والصوم والصدقة، وحكم ما لو قال: " إن ~~رددته فعلي أن أعتقه " بل أولى بعدم العتق، فإن هذا نذر قربة، ولكن إخراجه ~~مخرج اليمين منع لزوم الوفاء به، مع أن الالتزام به أكثر من الالتزام ~~بقوله: " فهو حر " فكل ما في التزام قوله: " فهو حر " فهو داخل في التزام: ~~" فعلي أن أعتقه " ولا ينعكس، فإن قوله: " فعلي أن أعتقه " يتضمن وجوب ~~الإعتاق وفعل العتق ووقوع الحرية. # فإذا منع قصد الحض أو المنع وقوع ثلاثة أشياء فلأن يمنع وقوع واحد منها ~~أولى وأحرى، وهذا لا جواب عنه، وهو مما يبين فضل فقه الصحابة، وأن بين ~~فقههم وفقه من بعدهم كما بينه وبينهم، وحتى لو لم يصح ذلك عنهم لكان هذا ~~محض القياس ومقتضى قواعد الشرع وأصوله من أكثر من عشرين وجها لا تخفى على ~~متبحر تتبعها، ويكفي قول فقيه الأمة وحبرها وترجمان القرآن ابن عباس: " ~~العتق ما ابتغي به وجه الله، والطلاق ما كان عن وطر " فتأمل هاتين الكلمتين ~~الشريفتين الصادرتين عن علم قد رسخ أسفله وبسق أعلاه وأينعت ثمرته وذللت ~~للطالب قطوفه ثم احكم بالكلمتين على أيمان الحالفين بالعتق والطلاق، هل تجد ~~الحالف بهذا ممن يبتغي به وجه الله والتقرب إليه بإعتاق هذا العبد؟ وهل تجد ~~الحالف بالطلاق ممن له وطر في طلاق زوجته؟ فرضي الله عن حبر هذه الأمة لقد ~~شفت كلمتاه هاتان الصدور، وطبقتا المفصل، وأصابتا المحز، وكانت برهانا على ~~استجابة دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعلمه الله التأويل ~~ويفقهه في الدين. # ولا يوحشنك من قد أقر على نفسه هو وجميع أهل العلم أنه ليس من أولي ~~العلم، فإذا ظفرت برجل واحد من أولي العلم طالب للدليل محكم له متبع للحق ~~حيث كان وأين كان ومع من كان زالت الوحشة وحصلت الألفة، ولو خالفك فإنه ~~يخالفك ويعذرك، والجاهل الظالم يخالفك بلا حجة ويكفرك أو يبدعك بلا ms1109 حجة، ~~وذنبك رغبتك عن طريقته الوخيمة، وسيرته الذميمة، فلا تغتر بكثرة هذا الضرب، ~~فإن الآلاف المؤلفة منهم لا يعدلون بشخص واحد من أهل العلم، والواحد من أهل ~~العلم يعدل بملء الأرض منهم. # PageV03P307 # [من هو العالم صاحب الحق؟] # واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق، وإن كان ~~وحده، وإن خالفه أهل الأرض، قال عمرو بن ميمون الأودي: صحبت معاذا باليمن، ~~فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت من بعده أفقه الناس عبد ~~الله بن مسعود فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، ثم ~~سمعته يوما من الأيام وهو يقول: سيولى عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن ~~مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها؛ فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم ~~نافلة، قال: قلت يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدثون، قال: وما ذاك؟ قلت: ~~تأمرني بالجماعة وتحضني عليها ثم تقول لي: صل الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصل ~~مع الجماعة وهي نافلة قال: يا عمرو بن ميمون قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه ~~القرية، أتدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: إن جمهور الجماعة هم الذين فارقوا ~~الجماعة، الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك، وفي لفظ آخر: فضرب على فخذي ~~وقال: ويحك، إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله ~~تعالى. # وقال نعيم بن حماد: إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن ~~تفسد، وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ، ذكرها البيهقي وغيره. # وقال بعض أئمة الحديث وقد ذكر له السواد الأعظم، فقال: أتدري ما السواد ~~الأعظم؟ هو محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه. فمسخ المختلفون الذين جعلوا ~~السواد الأعظم والحجة والجماعة هم الجمهور وجعلوهم عيارا على السنة، وجعلوا ~~السنة بدعة، والمعروف منكرا لقلة أهله وتفردهم في الأعصار والأمصار، ~~وقالوا: من شذ شذ الله به في النار، وما عرف المختلفون أن الشاذ ما خالف ~~الحق وإن كان الناس كلهم عليه إلا واحدا منهم فهم الشاذون. # وقد شذ الناس كلهم زمن أحمد بن حنبل إلا ms1110 نفرا يسيرا؛ فكانوا هم الجماعة، ~~وكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة وأتباعه كلهم هم الشاذون، وكان ~~الإمام أحمد وحده هو الجماعة، ولما لم يتحمل هذا عقول الناس قالوا للخليفة: ~~يا أمير المؤمنين أتكون أنت وقضاتك وولاتك والفقهاء والمفتون كلهم على ~~الباطل وأحمد وحده هو على الحق؟ فلم يتسع علمه لذلك؛ فأخذه بالسياط ~~والعقوبة بعد الحبس الطويل؛ فلا إله إلا الله، ما أشبه الليلة بالبارحة، ~~وهي السبيل المهيع لأهل السنة والجماعة حتى يلقوا ربهم، # PageV03P308 # مضى عليها سلفهم، وينتظرها خلفهم: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا ~~الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} [الأحزاب: ~~23] ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ### | [المثال الثالث والستون نفقة المبتوتة وسكناها] # [نفقة المبتوتة وسكناها] # المثال الثالث والستون: إذا وقعت الفرقة البائنة بين الزوجين لم تجب لها ~~عليه نفقة ولا سكنى بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة ~~الصريحة، فإن خاف أن ترفعه إلى حاكم يرى وجوب ذلك عليه فالحيلة أن يتغيب ~~مدة العدة، فإذا رفعته بعد ذلك لم يحكم بها عليه؛ لأنها تسقط عنه بمضي ~~الزمان، كما يقول الأكثرون في نفقة القريب، وكما هو متفق عليه في نفقة ~~العبد والحيوان البهيم، ولا كراهة في هذه الحيلة؛ لأنها وسيلة إلى إسقاط ما ~~أسقطه الله ورسوله، بخلاف الحيلة على إسقاط ما أوجبه الله ورسوله، فهذه لون ~~وتلك لون، فإن لم تمكنه الغيبة وأمكنه أن يرفعها إلى حاكم يحكم بسقوط ذلك ~~فعل. # والحيلة في أن يتوصل إلى حكم حاكم بذلك أن ينشئ الطلاق أو يقر به بحضرته ~~ثم يسأله الحكم بما يراه من سقوط النفقة والسكنى بهذه الفرقة، مع علمه ~~باختلاف العلماء في ذلك، فإن بدرته إلى حاكم يرى وجوبها فقد ضاقت عليه وجوه ~~الحيل، ولم يبق له إلا حيلة واحدة، وهي دعواه أنها [كانت] بانت منه قبل ذلك ~~بمدة تزيد على انقضاء عدتها وأنه نسي سبب البينونة. وهذه الحيلة تدخل في ~~قسم التوصل إلى الجائز بالمحظور كما تقدم نظائره. ### | [المثال الرابع والستون ms1111 الضمان وأثره] # [الضمان وأثره] # المثال الرابع والستون: اختلف الفقهاء في الضمان، هل هو تعدد لمحل الحق ~~وقيام للضمين مقام المضمون عنه أو هو استيثاق بمنزلة الرهن؟ على قولين، ~~وهما روايتان عن مالك، يظهر أثرهما في مطالبة الضامن مع التمكن من مطالبة ~~المضمون عنه، فمن قال بالقول الأول - وهم الجمهور - قالوا: لصاحب الحق ~~مطالبة من شاء منهما على السواء، ومن قال بالقول الثاني قال: ليس له مطالبة ~~الضامن إلا إذا تعذر عليه مطالبة المضمون عنه، واحتج هؤلاء بثلاث حجج؛ ~~إحداها: أن الضامن فرع، والمضمون عنه أصل، وقاعدة الشريعة أن الفروع ~~والأبدال لا يصار إليها إلا عند تعذر الأصول كالتراب في الطهارة والصوم في ~~كفارة اليمين، وشاهد الفرع مع شاهد الأصل. وقد اطرد هذا في ولاية النكاح ~~واستحقاق الميراث، لا يلي فرع مع أصله ولا يرث معه. الحجة الثانية: أن ~~الكفالة توثقة # PageV03P309 # وحفظ للحق، فهي جارية مجرى الرهن، ولكن ذاك رهن عين وهي رهن ذمة أقامها ~~الشارع مقام رهن الأعيان للحاجة إليها واستدعاء المصلحة لها، والرهن لا ~~يستوفى منه إلا مع تعذر الاستيفاء من الراهن، فكذا الضمين. ولهذا كثيرا ما ~~يقترن الرهن والضمين لتواخيهما وتشابههما وحصول الاستيثاق بكل منهما. # الحجة الثالثة: أن الضامن في الأصل لم يوضع لتعدد محل الحق كما لم يوضع ~~لنقله، وإنما وضع ليحفظ صاحب الحق حقه من التوى والهلاك، ويكون له محل يرجع ~~إليه عند تعذر الاستيفاء من محله الأصلي، ولم ينصب الضامن نفسه لأن يطالبه ~~المضمون له مع وجود الأصيل ويسرته والتمكن من مطالبته. # والناس يستقبحون هذا، ويعدون فاعله متعديا، ولا يعذرونه بالمطالبة، حتى ~~إذا تعذر عليه مطالبة الأصيل عذروه بمطالبة الضامن وكانوا عونا له عليه، ~~وهذا أمر مستقر في فطر الناس ومعاملاتهم بحيث لو طالب الضامن والمضمون عنه ~~إلى جانبه والدراهم في كمه وهو متمكن من مطالبته لاستقبحوا ذلك غاية ~~الاستقباح. # وهذا القول في القوة كما ترى، وهو رواية ابن القاسم في الكتاب عن مالك. # ولا ينافي هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الزعيم غارم» ms1112 فإنه لا ~~عموم له، ولا يدل على أنه غارم في جميع الأحوال، ولهذا لو أدى الأصيل لم ~~يكن غارما، ولحديث أبي قتادة في ضمان دين الميت لتعذر مطالبة الأصيل، ولا ~~يصح الاحتجاج بأن الضمان مشتق من الضم فاقتضى لفظه ضم إحدى الذمتين إلى ~~الأخرى لوجهين؛ أحدهما: أن الضم من المضاعف، والضمان من الضمين، فمادتهما ~~مختلفة ومعناهما مختلف وإن تشابها لفظا ومعنى في بعض الأمور. الثاني: أنه ~~لو كان مشتقا من الضم فالضم قدر مشترك بين ضم يطالب معه استقلالا وبدلا، ~~والأعم لا يستلزم الأخص. # [تعليق الضمان بالشرط] # وإذا عرف هذا وأراد الضامن الدخول عليه فالحيلة أن يعلق الضمان بالشرط ~~فيقول: إن توي المال على الأصيل فأنا ضامن له، ولا يمنع تعليق الضمان ~~بالشرط وقد صرح القرآن بتعليقه بالشرط، وهو محض القياس؛ فإنه التزام، فجاز ~~تعليقه بالشرط كالنذور، والمؤمنون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم ~~حلالا وهذا ليس واحدا منهما، ومقاطع الحقوق عند الشروط، فإن خاف من قاصر في ~~الفقه غير راسخ في حقائقه فليقل: " ضمنت لك هذا الدين عند تعذر استيفائه ~~ممن هو عليه " فهذا ضمان مخصوص بحالة مخصوصة فلا يجوز إلزامه به في غيرها، ~~كما لو ضمن الحال مؤجلا أو ضمنه في مكان دون مكان، فإن خاف من # PageV03P310 # إفساد هذا أيضا فليشهد عليه أنه لا يستحق المطالبة له به إلا عند تعذر ~~مطالبة الأصيل، وأنه متى طالبه أو ادعى عليه به مع قدرته على الأصيل كانت ~~دعواه باطلة، والله أعلم. ### | [المثال الخامس والستون هل يجوز إبهام الإجارة] # [هل يجوز إبهام الإجارة؟] # المثال الخامس والستون: قد تدعو الحاجة إلى أن يكون عقد الإجارة مبهما ~~غير معين، فمثاله أن يقول له: إن ركبت هذه الدابة إلى أرض كذا فلك عشرة وإن ~~ركبتها إلى أرض كذا فلك خمسة عشر، أو يقول: إن خطت هذا القميص اليوم فلك ~~درهم، وإن خطته غدا فنصف درهم، وإن زرعت هذه الأرض حنطة فأجرتها مائة، أو ~~شعيرا فأجرتها خمسون، ونحو ذلك؛ فهذا كله جائز صحيح، ms1113 لا يدل على بطلانه ~~كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، بل هذه الأدلة تقتضي صحته، وإن كان فيه ~~نزاع متأخر، فالثابت عن الصحابة الذي لا يعلم عنهم فيه نزاع جوازه كما ذكره ~~البخاري في صحيحه عن عمر أنه دفع أرضه إلى من يزرعها وقال: إن جاء عمر ~~بالبذر من عنده فله كذا، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا، ولم يخالفه صحابي ~~واحد، ولا محذور في ذلك، ولا خطر، ولا غرر، ولا أكل مال بالباطل، ولا جهالة ~~تعود إلى العمل ولا إلى العوض، فإنه لا يقع إلا معينا، والخيرة إلى الأجير؛ ~~أي ذلك أحب أن يستوفي فعل، فهو كما لو قال [له] أي ثوب أخذته من هذه الثياب ~~فقيمته كذا، أو أي دابة ركبتها فأجرتها كذا، أو أجرة هذه الفرس كذا [وأجرة ~~هذا الحمار كذا] ، فأيها شئت فخذه، أو ثمن هذا الثوب مائة وثمن هذا مائتان، ~~ونحو ذلك مما ليس فيه غرر ولا جهالة ولا ربا ولا ظلم، فكيف تأتي الشريعة ~~بتحريمه؟ # وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة على فعله، وكثير من المتأخرين من أتباع ~~الأئمة يبطل هذا العقد، فالحيلة على جوازه أن يقول: استأجرتك لتخيطه اليوم ~~بدرهم، فإن خطته غدا فلك أجرة مثله نصف درهم، وكذا يقول: آجرتك هذه الدابة ~~إلى أرض كذا بعشرة، فإن ركبتها إلى أرض كذا وكذا فعليك أجرة مثلها كذا ~~وكذا، فإن خاف أن يكون يده يد عدوان ضمنه فليقل: فإذا انقضت المسافة الأولى ~~فهي أمانة عندك، هذا عند من لم يصحح الإجارة المضافة، ومن صححها فالحيلة ~~عنده أن يقول: فإذا قطعت هذه المسافة فقد آجرتكها إلى مسافة كذا وكذا، فإذا ~~انتهت آجرتكها إلى مسافة كذا وكذا، فإن خشي المستأجر أن ينقضي شغله قبل ذلك ~~فيبقى عقد الإجارة لازما له وقد فرغ شغله فالحيلة أن يقول: إذا انقضت ~~المسافة أو المدة فقد وكلتك في إجارتها لمن شئت، فليؤجرها لغيره ثم ~~يستأجرها منه، فإن خاف أن لا تتم هذه الحيلة على أصل من لا يجوز تعليق ~~الوكالة ms1114 بالشرط فليوكله في الحال وكالة غير معلقة، ثم يعلق تصرفه بالشرط، ~~فيقول: أنت وكيلي في إجارتها، فإذا انقضت المدة فقد أذنت لك في إجارتها. # PageV03P311 # وقال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال الحيل: إن احتال في إجازة هذا الشرط ~~فقال: استأجرها إلى دمشق بكذا، ومن دمشق إلى الرملة بكذا، ومن الرملة إلى ~~مصر بكذا، جاز له؛ لأنه إذا سمى لكل من المسافتين أجرة معلومة فكل واحدة ~~منهما كالمعقود عليه على حاله، فلا يمنع صحة العقد. # قلت: ولكن لا تنفعه هذه الحيلة إذا انقضى غرضه عند المسافة الأولى، ويبقى ~~عقد الإجارة لازما له فيما وراءها، فتصير كما لو استأجرها إلى مصر فانقضى ~~غرضه في الرملة، فما الذي أفاده تعدد العقود، فوجود هذه الحيلة وعدمها ~~سواء، فالوجه ما ذكرناه، والله أعلم. # [بيع المقاثي وما يخرج شيئا فشيئا] : المثال الخامس والستون: يجوز بيع ~~المقاثي والباذنجان ونحوها بعد أن يبدو صلاحها كما تباع الثمار في رءوس ~~الأشجار، ولا يمنع من صحة البيع تلاحق المبيع شيئا بعد شيء، كما لم يمنع ~~ذلك صحة بيع التوت والتين وسائر ما يخرج شيئا بعد شيء، هذا محض القياس، ~~وعليه تقوم مصالح بني آدم، ولا بد لهم منه، ومن منع بيع ذلك إلا لقطة لقطة ~~فمع أن ذلك متعذر في الغالب لا سبيل إليه إذ هو في غاية الحرج والعسر فهو ~~مجهول لا ينضبط ولا ما هي اللقطة المبيعة أهي الكبار أو الصغار أو المتوسط ~~أو بعض ذلك؟ وتكون المقثأة كبيرة جدا لا يمكن أخذ اللقطة الواحدة إلا في ~~أيام متعددة فيحدث كل يوم لقطة أخرى تختلط بالمبيع ولا يمكن تميزها منه ولا ~~سبيل إلى الاحتراز من ذلك إلا أن يجمع دواب المصر كلها في يوم واحد، ومن ~~أمكنه من القطافين ثم يقطع الجميع في يوم واحد ويعرضه للتلف والضياع، وحاشا ~~كل الشرائع - بل غيرها من الشرائع - أن تأتي بمثل هذا، وإنما هذا من ~~الأغلاط الواقعة بالاجتهاد، وأين حرم الله ورسوله على الأمة ما هم أحوج ~~الناس إليه ثم أباح ms1115 لهم نظيره؟ فإن كان هذا غررا فبيع الثمار المتلاحقة ~~الأجزاء غرر، وإن لم يكن ذلك غررا فهذا مثله، والصواب أن كليهما ليس غررا ~~لا لغة ولا عرفا ولا شرعا؛ ودعوى أن ذلك غرر دعوى بلا برهان، فإن ادعى ذلك ~~على اللغة طولب بالنقل، ولن يجد إليه سبيلا، وإن ادعى ذلك على العرف فالعرف ~~شاهد بخلافه، وأهل العرف لا يعدون ذلك غررا، وإن ادعاه على الشرع طولب ~~بالدليل الشرعي، فإن بلي بمن يقول هكذا في # PageV03P312 # الكتاب وهكذا قالوا: فالحيلة في الجواز أن يشتري ذلك بعروقه، فإذا استوفى ~~ثمرته تصرف في العروق بما يريد. والمانعون يجوزون هذه الحيلة، ومن المعلوم ~~أن العروق غير مقصودة، وإنما المقصود الثمرة، فإن امتنع البيع لأجل الغرر ~~فالغرر لم يزل بملك العروق، وهذا في غاية الظهور، وبيع ذلك كبيع الثمار، ~~وهو قول أهل المدينة، وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، واختاره شيخنا. # PageV03P313 ### | [المثال السادس والستون قسمة الدين المشترك] # قسمة الدين المشترك] المثال السادس والستون: تجوز قسمة الدين المشترك ~~بميراث أو عقد أو إتلاف فينفرد كل من الشريكين بحصته، ويختص بما قبضه، سواء ~~كان في ذمة واحدة أو في ذمم متعددة؛ فإن الحق لهما، فيجوز أن يتفقا على ~~قسمته أو على بقائه مشتركا، ولا محذور في ذلك، بل هذه أولى بالجواز من قسمة ~~المنافع بالمهايأة بالزمان أو بالمكان، ولا سيما فإن المهايأة بالزمان تقدم ~~أحدهما على الآخر، وقد تسلم المنفعة إلى نوبة الشريك، وقد تتوى. # والدين في الذمة يقوم مقام العين، ولهذا تصح المعاوضة عليه من الغريم ~~وغيره، وتجب على صاحبه زكاته إذا تمكن من قبضه، ويجب عليه الإنفاق على أهله ~~وولده ورقيقه منه، ولا يعد فقيرا معدما، فاقتسامه يجري مجرى اقتسام الأعيان ~~والمنافع؛ فإذا رضي كل من الشريكين أن يختص بما يخصه من الدين فينفرد هذا ~~برجل يطالبه، وهذا برجل يطالبه، أو ينفرد هذا بالمطالبة بحصته، وهذا ~~بالمطالبة بحصته، لم يهدما بذلك قاعدة من قواعد الشريعة، ولا استحلا ما حرم ~~الله، ولا خالفا نص كتاب الله، ولا ms1116 سنة رسوله، ولا قول صاحب، ولا قياسا شهد ~~له الشرع بالاعتبار، وغاية ما يقدر عدم تكافؤ الذمم، ووقوع التفاوت فيها، ~~وأن ما في الذمة لم يتعين فلا يمكن قسمته،، وهذا لا يمنع تراضيهما بالقسمة ~~مع التفاوت؛ فإن الحق لا يعدوهما. # وعدم تعين ما في الذمة لا يمنع القسمة فإنه يتعين تقديرا، ويكفي في إمكان ~~القسمة التعين بوجه؛ فهو معين تقديرا، ويتعين بالقبض تحقيقا، وأما قول أبي ~~الوفاء بن عقيل: " لا تختلف الرواية عن أحمد في عدم جواز قسمة الدين في ~~الذمة الواحدة. # واختلفت الرواية عنه في جواز قسمته إذا كان في الذمتين، فعنه فيه روايتان ~~" فليس كذلك، بل عنه في كل من الصورتين روايتان، وليس في أصوله ما يمنع ~~جواز القسمة، كما ليس في أصول الشريعة ما يمنعها، وعلى هذا فلا يحتاج إلى ~~حيلة على الجواز، وأما من منع من القسمة فقد تشتد الحاجة إليها، فيحتاج إلى ~~التحيل عليها، فالحيلة أن يأذن لشريكه أن يقبض من الغريم ما يخصه، فإذا فعل ~~لم يكن لشريكه أن يخاصمه فيه بعد الإذن، على # PageV04P003 # الصحيح من المذهب كما صرح به الأصحاب. # وكذلك لو قبض حصته ثم استهلكها قبل المحاصة لم يضعن لشريكه شيئا، وكان ~~المقبوض من ضمانه خاصة، وذلك أنه لما أذن لشريكه في قبض ما يخصه فقد أسقط ~~حقه من المحاصة، فيختص الشريك بالمقبوض، وأما إذا استهلك الشريك ما قبضه ~~فإنه لا يضمن لشريكه حصته منه من قبل المحاصة؛ لأنه لم يدخل في ملكه، ولم ~~يتعين له بمجرد قبض الشريك له؛ ولهذا لو وفى شريكه نظيره لم يقل انتقل إلى ~~القابض الأول ما كان ملكا للشريك، فدل على أنه إنما يصير ملكا له بالمحاصة ~~لا بمجرد قبض الشريك. # ومن الأصحاب من فرق بين كون الدين بعقد، وبين كونه إتلافا أو إرثا، ووجه ~~الفرق أنه إذا كان بعقد فكأنه عقد مع الشريكين، فلكل منهما أن يطالب بما ~~يخصه، بخلاف دين الإرث والإتلاف، والله أعلم. ### | [المثال السابع والستون بيع المغيبات في الأرض] # [بيع المغيبات في ms1117 الأرض] المثال السابع والستون: اختلف الفقهاء في جواز ~~بيع المغيبات في الأرض من البصل والثوم والجزر واللفت والفجل والقلقاس، ~~ونحوها على قولين: أحدهما: المنع من بيعه كذلك؛ لأنه مجهول غير مشاهد، ~~والورق لا يدل على باطنه، بخلاف ظاهر الصبرة. # وعند أصحاب هذا القول لا يباع حتى يقلع، والقول الثاني: يجوز بيعه كذلك ~~ما جرت به عادة أصحاب الحقول. # وهذا قول أهل المدينة، وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، اختاره ~~شيخنا، وهو الصواب المقطوع به فإن في المنع من بيع ذلك حتى يقلع أعظم الضرر ~~والحرج والمشقة مع ما فيه من الفساد الذي لا تأتي به شريعة؛ فإنه إن قلعه ~~كله في وقت واحد تعرض للتلف والفساد. # وإن قيل: " كلما أردت بيع شيء منه فاقلعه " كان فيه من الحرج والعسر ما ~~هو معلوم، وإن قيل: " اتركه في الأرض حتى يفسد، ولا تبعه فيها " فهذا لا ~~تأتي به شريعة، وبالجملة فالمفتون بهذا القول لو بلوا بذلك في حقولهم أو ما ~~هو وقف عليهم، ونحو ذلك لم يمكنهم إلا بيعه في الأرض، ولا بد، أو إتلافه ~~وعدم الانتفاع به، وقول القائل: " إن هذا غرر ومجهول " فهذا ليس حظ الفقيه، ~~ولا هو من شأنه، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك. # فإن عدوه قمارا أو غررا فهم أعلم بذلك، وإنما حظ الفقيه يحل كذا؛ لأن ~~الله أباحه ويحرم كذا؛ لأن الله حرمه، وقال الله وقال رسوله، وقال الصحابة. # وأما أن يرى هذا خطرا وقمارا أو غررا فليس من شأنه بل أربابه أخبر بهذا ~~منه، والمرجع إليهم فيه، كما يرجع # PageV04P004 # إليهم في كون هذا الوصف عيبا أم لا، وكون هذا البيع مربحا أم لا، وكون ~~هذه السلعة نافقة في وقت كذا وبلد كذا، ونحو ذلك من الأوصاف الحسية، ~~والأمور العرفية، فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها مثلهم بالنسبة إلى ما في ~~الأحكام الشرعية. # فإن بليت بمن يقول: هكذا في الكتاب، وهكذا قالوا فالحيلة في الجواز أن ~~تستأجر منه الأرض المشغولة بذلك مدة يعلم فراغه منها، ويقر ms1118 له إقرارا ~~مشهودا له به أن ما في باطن الأرض له لا حق للمؤجر فيه، ولكن عكس هذه ~~الحيلة لو أصابته آفة لم يتمكن من وضع الجائحة عنه، بخلاف ما إذا اشتراه ~~بعد بدو صلاحه، فإنه كالثمرة على رءوس الشجر إن أصابته آفة، وضعت عنه ~~الجائحة، وهذا هو الصواب في المسألتين: جواز بيعه، ووضع الجوائح فيه، والله ~~أعلم. ### | [المثال الثامن والستون المبايعة يوميا والقبض عند رأس الشهر] # [المبايعة يوميا والقبض عند رأس الشهر] # المثال الثامن والستون: اختلفت الفقهاء في جواز البيع بما ينقطع به السعر ~~من غير تقدير الثمن وقت العقد، وصورتها: البيع ممن يعامله من خباز أو لحام ~~أو سمان أو غيرهم، يأخذ منه كل يوم شيئا معلوما ثم يحاسبه عند رأس الشهر أو ~~السنة على الجميع، ويعطيه ثمنه؛ فمنعه الأكثرون، وجعلوا القبض به غير ناقل ~~للملك، وهو قبض فاسد يجري مجرى المقبوض بالغصب؛ لأنه مقبوض بعقد فاسد. # هذا وكلهم إلا من شدد على نفسه يفعل ذلك، ولا يجد منه بدا، وهو يفتي ~~ببطلانه، وأنه باق على ملك البائع، ولا يمكنه التخلص من ذلك إلا بمساومته ~~له عند كل حاجة يأخذها قل ثمنها أو كثر، وإن كان ممن شرط الإيجاب والقبول ~~لفظا؛ فلا بد مع المساومة أن يقرن بها الإيجاب والقبول لفظا. # والقول الثاني -: وهو الصواب المقطوع به، وهو عمل الناس في كل عصر ومصر - ~~جواز البيع بما ينقطع به السعر، وهو منصوص الإمام أحمد، واختاره شيخنا، ~~وسمعته يقول: هو أطيب لقلب المشتري من المساومة، يقول: لي أسوة بالناس آخذ ~~بما يأخذ به غيري، قال: والذين يمنعون من ذلك لا يمكنهم تركه، بل هم واقعون ~~فيه، وليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا إجماع الأمة، ولا قول صاحب، ~~ولا قياس صحيح ما يحرمه، وقد أجمعت الأمة على صحة النكاح بمهر المثل، ~~وأكثرهم يجوزون عقد الإجارة بأجرة المثل كالنكاح والغسال، والخباز والملاح، ~~وقيم الحمام والمكاري، والبيع بثمن المثل كبيع ماء الحمام؛ فغاية البيع ~~بالسعر أن يكون بيعه بثمن المثل؛ ms1119 فيجوز، كما تجوز المعاوضة بثمن المثل في ~~هذه الصورة وغيرها؛ فهذا هو القياس الصحيح، ولا تقوم مصالح الناس إلا به. # PageV04P005 # فإن بليت بالقائل هكذا في الكتاب، وهكذا قالوا؛ فالحيلة في الجواز أن ~~يأخذ ذلك قرضا في ذمته؛ فيجب عليه للدافع مثله، ثم يعاوضه عليه بثمن معلوم؛ ~~فإنه بيع للدين من الغريم وهو جائز. # ولكن في هذه الحيلة آفة، وهو أنه قد يرتفع السعر فيطالبه بالمثل فيتضرر ~~الآخذ، وقد ينخفض فيعطيه المثل فيتضرر الأول؛ فالطريق الشرعية التي لم ~~يحرمها الله ورسوله أولى بهما، والله أعلم. ### | [المثال التاسع والستون توكيل الدائن في استيفاء الدين من غلة الوقف] # [توكيل الدائن في استيفاء الدين من غلة الوقف] # المثال التاسع والستون: إذا كان له عليه دين، وله وقف من غلة دار أو ~~بستان، فوكل صاحب الدين أن يستوفي ذلك من دينه جاز؛ فإن خاف أن يحتال عليه ~~ويعزله عن الوكالة؛ فليجعلها حوالة على من في ذمته عوض ذلك المغل؛ فإن لم ~~يكن قد آجر الدار أو الأرض لأحد؛ فالحيلة أن يستأجرها منه صاحب الدين بعوض ~~في ذمته، ثم يعاوضه بدينه من ذلك العوض؛ فإن أراد أن يكون هو وكيله في ~~استيفاء دينه من تلك المنافع لا بطريق الإجارة، ولا بطريق الحوالة، بل ~~بطريق الوكالة في قبض ما يصير إليه من غلة ذلك الوقف، وخاف عزله؛ فالحيلة ~~أن يأخذ إقراره أن الواقف شرط أن يقضي ما عليه من الدين أولا، ثم يصرف إليه ~~بعد الدين كذا وكذا، وأنه وجب لفلان - وهو الغريم - عليه من الدين كذا ~~وكذا، وأنه يستحقه من مغل هذا الوقف مقدما به على سائر مصارف الوقف، وأنه ~~لا ينتقل من الموقوف شيء قبل قضاء الدين، وأن ولاية أمر هذا الوقف إلى فلان ~~حتى يستوفي دينه؛ فإذا استوفاه فلا ولاية له عليه، وإن حكم حاكم بذلك كان ~~أوفق. ### | [المثال السبعون تعليق الإبراء بالشرط] # [تعليق الإبراء بالشرط] # المثال السبعون: إذا كان له عليه دين فقال: " إن مت قبلي فأنت في حل، وإن ~~مت قبلك فأنت ms1120 في حل " صح وبرئ في الصورتين؛ فإن إحداهما وصية، والأخرى ~~إبراء معلق بالشرط، ويصح تعليق الإبراء بالشرط؛ لأنه إسقاط، كما يصح تعليق ~~العتق والطلاق، وقد نص عليه الإمام أحمد في الإحلال من العرض، والمال مثله. # وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي: إذا قال: " إن مت قبلك فأنت في حل " هو ~~إبراء صحيح؛ لأنه وصية، وإن قال: " إن مت قبلي فأنت في حل " لم يصح؛ لأنه ~~تعليق للإبراء بالشرط، ولم يقيموا شبهة فضلا عن دليل صحيح على امتناع تعليق ~~الإبراء بالشرط، ولا يدفعه نص، ولا قياس، ولا قول صاحب؛ فالصواب صحة ~~الإبراء في الموضعين؛ وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة؛ فإن بلي بمن يقول هكذا ~~في الكتاب وهكذا قالوا؛ فالحيلة أن يشهد # PageV04P006 # عليه أنه لا يستحق عليه شيئا بعد موته من هذا الدين، ولا في تركته، وإن ~~شاء كتب الفصلين في سجل واحد، وضمنه الوصية له به إن مات رب الدين، وإن مات ~~المدين فلا حق له به قبله، فيصح حينئذ مستندا إلى ظاهر الإقرار، وهو إبراء ~~في المعنى. ### | [المثال الحادي والسبعون استدراك الأمين لما غلط فيه] # [استدراك الأمين لما غلط فيه] # المثال الحادي والسبعون: لو غلط المضارب أو الشريك وقال: " ربحت ألفا " ~~ثم أراد الرجوع لم يقبل منه؛ لأنه إنكار بعد إقرار، ولو أقام بينة على ~~الغلط فالصحيح أنها تقبل، وقيل: لا تقبل؛ لأنه مكذب لها؛ فالحيلة في ~~استدراكه ما غلط فيه بحيث تقبل منه أن يقول: خسرتها بعد أن ربحتها، فالقول ~~قوله في ذلك، ولا يلزمه الألف، وهكذا الحيلة في استدراك كل أمين لظلامته ~~كالمودع إذا رد الوديعة التي دفعت إليه ببينة، ولم يشهد على ردها، فهل يقبل ~~قوله في الرد؟ فيه قولان هما روايتان عن الإمام أحمد، فإذا خاف أن لا يقبل ~~قوله فالحيلة في تخلصه أن يدعي تلفها من غير تفريط، فإن حلفه على ذلك ~~فليحلف موريا متأولا أن تلفها من عنده خروجها من تحت يده ونظائر ذلك، والله ~~أعلم. ### | [المثال الثاني والسبعون تصرف المدين الذي استغرقت] # [تصرف المدين ms1121 الذي استغرقت الديون ماله] # المثال الثاني والسبعون: إن استغرقت الديون ماله لم يصح تبرعه بما يضر ~~بأرباب الديون، سواء حجر عليه الحاكم، أو لم يحجر عليه، هذا مذهب مالك، ~~واختيار شيخنا، وعند الثلاثة يصح تصرفه في ماله قبل الحجر بأنواع التصرف، ~~والصحيح هو القول الأول. # وهو الذي لا يليق بأصول المذهب غيره، بل هو مقتضى أصول الشرع وقواعده؛ ~~لأن حق الغرماء قد تعلق بماله؛ ولهذا يحجر عليه الحاكم، ولولا تعلق حق ~~الغرماء بماله، لم يسع الحاكم الحجر عليه، فصار كالمريض مرض الموت؛ لما ~~تعلق حق الورثة بماله منعه الشارع من التبرع بما زاد على الثلث، فإن في ~~تمكينه من التبرع بماله إبطال حق الورثة منه. # وفي تمكين هذا المديان من التبرع إبطال حقوق الغرماء، والشريعة لا تأتي ~~بمثل هذا؛ فإنها إنما جاءت بحفظ حقوق أرباب الحقوق بكل طريق، وسد الطرق ~~المفضية إلى إضاعتها، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أخذ أموال ~~الناس يريد أداءها أداها الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» . # ولا ريب أن هذا التبرع إتلاف لها، فكيف ينفذ تبرع [من] دعا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - على فاعله؟ ، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه ~~الله - يحكي عن بعض علماء عصره من أصحاب أحمد أنه كان ينكر هذا المذهب ~~ويضعفه، قال: إلى أن بلي بغريم تبرع قبل الحجر عليه، فقال: والله مذهب مالك ~~هو الحق في هذه المسألة، وتبويب البخاري وترجمته واستدلاله يدل على اختياره ~~هذا المذهب، فإنه قال في باب من رد أمر السفيه والضعيف # PageV04P007 # وإن لم يكن حجر عليه الإمام: ويذكر عن جابر أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - رد على المتصدق قبل النهي ثم نهاه، فتأمل هذا الاستدلال. # قال عبد الحق: أراد به - والله أعلم - حديث جابر في بيع المدبر، ثم قال ~~البخاري في هذا الباب نفسه: وقال مالك: إذا كان لرجل على رجل مال، وله عبد ~~لا شيء له غيره فأعتقه لم يجز عتقه، ثم ذكر حديث: «من أخذ أموال الناس ms1122 يريد ~~أداءها أداها الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» ، وهذا الذي ~~حكاه عن مالك هو في كتب أصحابه، وقال ابن الجلاب: ولا تجوز هبة المفلس، ولا ~~عتقه، ولا صدقته إلا بإذن غرمائه، وكذلك المديان الذي لم يفلسه غرماؤه في ~~عتقه وهبته وصدقته، وهذا القول هو الذي لا يختار غيره، وعلى هذا فالحيلة ~~لمن تبرع غريمه بهبة أو صدقة أو وقف أو عتق، وليس في ماله سعة له ولدائنه؛ ~~أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلان هذا التبرع، ويسأله الحكم ببطلانه، فإن لم يكن ~~في بلده حاكم يحكم بذلك، فالحيلة أن يأخذ عليه إذا خاف منه ذلك الضمين أو ~~الرهن، فإن بادر الغريم وتبرع قبل ذلك فقد ضاقت الحيلة على صاحب الحق، ولم ~~يبق له غير أمر واحد، وهو التوصل إلى إقراره بأن ما في يده أعيان أموال ~~الغرماء، فيمتنع التبرع بعد الإقرار، فإن قدم تاريخ الإقرار بطل التبرع ~~المتقدم أيضا، وليست هذه حيلة على إبطال حق، ولا تحقيق باطل، بل على إبطال ~~جور وظلم؛ فلا بأس بها، والله أعلم. ### | [المثال الثالث والسبعون خوف الدائن من جحد المدين] # [خوف الدائن من جحد المدين] # المثال الثالث والسبعون: إذا كان له [عليه] دين، ولا بينة له به، وخاف أن ~~يجحده، أو له بينة به، ويخاف أن يمطله، فالحيلة أن يستدين منه بقدر دينه إن ~~أمكن، ولا يضره أن يعطيه به رهنا أو كفيلا، فإذا ثبت له في ذمته نظير دينه ~~قاصه به، وإن لم يرض على أصح المذاهب، فإن حذر غريمه من ذلك، وأمكنه أن ~~يشتري منه سلعة، ولا يعين الثمن، ويخرج النقد فيضعه بين يديه فإذا قبض ~~السلعة وطلب منه الثمن قاصه بالدين الذي عليه، وبكل حال فطريق الحيلة أن ~~يجعل له عليه من الدين نظير ماله. ### | [المثال الرابع والسبعون خوف زوج الأمة من رق أولاده] # [خوف زوج الأمة من رق أولاده] # المثال الرابع والسبعون: إذا خاف العنت، ولم يجد طول حرة وكره رق أولاده، ~~فالحيلة في عتقهم أن يشترط على ms1123 السيد أن ما ولدته زوجته منه من الولد فهم ~~أحرار، فكل ولد تلده بعد ذلك منه فهو حر، ويصح تعليق العتق بالولادة لو قال ~~لأمته: كل ولد تلدينه فهو حر، قال ابن المنذر: ولا أحفظ فيه خلافا. # PageV04P008 # فإن قيل: فهل تجوزون نكاح الأمة بدون الشرطين إذا أمن رق ولده بهذا ~~التعليق؟ قيل: هذا محل اجتهاد، ولا تأباه أصول الشريعة، وليس فيه إلا أن ~~الولد يثبت عليه الولاء للسيد، وهو شعبة من الرق، ومثل هذا هل ينتهض سببا؛ ~~لتحريم نكاح الأمة؟ أو يقال - وهو أظهر -: إن الله تعالى منع من نكاح ~~الإماء؛ لأنهن في الغالب لا يحجبن حجب الحرائر، وهن في مهنة ساداتهن ~~وحوائجهن، وهن برزات لا مخدرات؟ ، وهذه كانت عادة العرب في إمائهن، وإلى ~~اليوم، فصان الله تعالى الأزواج أن تكون زوجاتهم بهذه المثابة، مع ما يتبع ~~ذلك من رق الولد، وأباحه لهم عند الضرورة إليه كما أباح الميتة والدم، ولحم ~~الخنزير عند المخمصة، وكل هذا منع منه تعالى كنكاح غير المحصنة، ولهذا شرط ~~تعالى في نكاحهن أن يكن محصنات غير مسافحات، ولا متخذات أخدان، أي: غير ~~زانية مع من كان، ولا زانية مع خدينها وعشيقها دون غيره، فلم يبح لهم نكاح ~~الإماء إلا بأربعة شروط: عدم الطول، وخوف العنت، وإذن سيدها، وأن تكون ~~عفيفة غير فاجرة فجورا عاما، ولا خاصا، والله أعلم. # المثال الخامس والسبعون: إذا لم تمكنه أمته من نفسها حتى يعتقها ~~ويتزوجها، وهو لا يريد إخراجها عن ملكه، ولا تصبر نفسه عنها؛ فالحيلة أن ~~يبيعها أو يهبها لمن يثق به، ويشهد عليه من حيث لا تعلم هي، والبيع أجود؛ ~~لأنه لا يحتاج إلى قبض، ثم يعتقها، ثم يتزوجها، فإذا فعل استردها من ~~المشتري من حيث لا تعلم الجارية، فانفسخ النكاح، فيطؤها بملك اليمين، ولا ~~عدة عليها. # [الحيلة في الخلاص من بيع جاريته] # المثال السادس والسبعون: إذا أراده من لا يملك رده على بيع جاريته منه ~~فالحيلة في خلاصه أن يفعل ما ذكرناه سواء، ويشهد على عتقها أو ms1124 نكاحها، ثم ~~يستقيله البيع، فيطؤها بملك اليمين في الباطن، وهي زوجته في الظاهر، ويجوز ~~هذا؛ لأنه يدفع به عن نفسه، ولا يسقط به حق ذي حق، وإن شاء احتال بحيلة ~~أخرى، وهي إقراره بأنها وضعت منه ما يتبين به خلق الإنسان فصارت بذلك أم ~~ولد لا يمكن نقل الملك فيها، فإن أحب دفع التهمة عنه، وأنه قصد بذلك التحيل ~~فليبعها لمن يثق به، ثم يواطئ المشتري على أن يدعي عليه أنها وضعت في ملكه ~~ما فيه صورة إنسان. # ويقر بذلك فينفسخ البيع، ويكتب بذلك محضرا فإنه يمتنع بيعها بعد ذلك. # PageV04P009 # المثال السابع والسبعون: إذا أراد أن يبيع الجارية من رجل بعينه، ولم تطب ~~نفسه بأن تكون عند غيره، فله في ذلك أنواع من الحيل: # إحداها: أن يشترط عليه أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن، كما اشترطت ذلك ~~امرأة عبد الله بن مسعود عليه،، ونص الإمام أحمد على جواز البيع والشرط في ~~رواية علي بن سعيد، وهو الصحيح، فإن لم تتم له هذه الحيلة؛ لعدم من ينفذها ~~له فليشترط عليه أنك إن بعتها لغيري فهي حرة، ويصح هذا الشرط، وتعتق عليه ~~إن باعها لغيره، إما بمجرد الإيجاب عند صاحب المغني وغيره، وإما بالقبول ~~فيقع العتق عقيبه، وينفسخ البيع عند صاحب المحرر، وهذه طريقة القاضي. # قال في كتاب إبطال الحيل: إذا قال: " إن بعتك هذا العبد فهو حر "، وقال ~~المشتري: " إن اشتريته فهو حر " فباعه عتق على البائع؛ لأنه ليس له عند ~~دخوله في ملك الآخر حال استقرار حتى يعتق عليه بنيته التابعة؛ لأن خيار ~~المجلس ثابت للبائع، فملك المشتري غير مستقر، وقول صاحب المحرر: " وانفسخ ~~البيع " تقرير لهذه الطريقة، وأنه إنما يعتق بالقبول، ويعتق في مدة الخيار ~~على أحد الوجوه الثلاثة؛ فإن لم تتم له هذه الحيلة عند من لا يصحح هذا ~~التعليق، ويقول إذا اشتراها ملكها، ولا تعتق بالشرط في ملك الغير كما يقوله ~~أبو حنيفة فله حيلة أخرى، وهي أن يقول: إذا بعتها فهي حرة قبل البيع، فيصح ms1125 ~~هذا التعليق، فإذا باعها حكمنا بوقوع العتق قبل البيع على أحد الوجهين في ~~مذهب الشافعي وأحمد - رضي الله عنهما - فإذا لم تتم له هذه الحيلة عند من ~~لا يصحح هذا التعليق فله حيلة أخرى، وهي أن يقول: إذا اشتريتها فهي مدبرة، ~~فيصح هذا التعليق، ويمتنع بيعها عند أبي حنيفة، فإن التدبير عنده جار مجرى ~~العتق المعلق بصفة، فإذا اشتراها صارت مدبرة، ولم يمكنه بيعها عنده. # فإن لم تتم له هذه الحيلة على قول من لا يجوز تعليق التدبير بصفة فالحيلة ~~أن يأخذ البائع قرار المشتري بأنه دبر هذه الجارية بعد ما اشتراها، وأنه ~~جعلها حرة بعد موته، فإن لم تتم له هذه الحيلة على قول من يجوز بيع المدبر ~~- وهو الإمام أحمد، ومن قال بقوله - فالحيلة أن يشهد عليه قبل أن يبيعها ~~منه أنه كان قد تزوجها من سيدها تزويجا صحيحا، وأنها ولدت منه ولدا ثم ~~اشتراها بعد ذلك فصارت أم ولده، فلا يمكنه بيعها. # فإن لم تتم له هذه الحيلة على قول من يعتبر في كونها أم ولد أن تحمل وتضع ~~في ملكه، ولا يكفي أن تلد منه في غير ملكه - كما هو ظاهر مذهب أحمد ~~والشافعي - فقد ضاقت عليه وجوه الحيل، ولم يبق له إلا حيلة واحدة، وهي أن ~~يتراضى سيد الجارية والمشتري برجل ثقة عدل بينهما فيبيعها هذا العدل بطريق ~~الوكالة عن سيدها بزيادة على ثمنها الذي اتفقا عليه، ويزيد ما شاء، ويقبض ~~منه الثمن الذي اتفقا عليه، فإن أراد المشتري بيعها طالبه بباقي الثمن الذي ~~أظهره، ولو لم يدخلا بينهما ثالثا بل # PageV04P010 # اتفقا على ذلك فقال: " أبيعكها بمائة دينار، وآخذ منك أربعين، فإن بعتها ~~طالبتك بباقي الثمن، وإن لم تبعها لم أطالبك " جاز، لكن في توسط العدل الذي ~~يثق به المشتري كأبيه وصاحبه تطييب لقلبه، وأمان له من مطالبة البائع له ~~بالثمن الكثير. ### | [المثال الثامن والسبعون حيلة في تعليق الطلاق قبل التزوج] # [حيلة في تعليق الطلاق قبل التزوج] # المثال الثامن والسبعون: إذا طلب منه ولده أو ms1126 عبده أن يزوجه، وخاف أن ~~يلحقه ضرر بالزوجة ويأمره بطلاقها فلا يقبل، فالحيلة أن يقول له: لا أزوجك ~~إلا أن تجعل أمر الزوجة بيدي، فإن وثق منه بذلك الوعد قال له بعد التزويج: ~~أمرها بيدك، وإن لم يثق منه به، وخاف أنه إذا قبل العقد لا يفي له التزويج: ~~أمرها بيدك، وإن لم يثق منه به، وخاف أنه إذا قبل العقد لا يفي له بما ~~وعده، فالحيلة أن لا يأذن له حتى يعلق ذلك بالنكاح، فيقول: إن تزوجتها ~~فأمرها بيدك، ويصح هذا التعليق على مذهب أهل المدينة، وأهل العراق، فإن ~~أراد أن يكون ذلك مجمعا عليه فليكتب في كتاب الصداق: "، وأقر الزوج المذكور ~~أن أمر الزوجة المذكورة بيد السيد أو الأب " فإذا وقع ما يحذره منها تمكن ~~حينئذ من التطليق عليه، والله أعلم، لكن قد يخرجه عن الوكالة بعد ذلك فلا ~~يتم مراده، فالحيلة أن يشترط عليه أنه متى أخرجه عن الوكالة فهي طالق. ### | [المثال التاسع والسبعون حيلة في جواز بيع المدبر] # [حيلة في جواز بيع المدبر] # المثال التاسع والسبعون: إذا دبر عبده أو أمته جاز له بيعه، ويبطل ~~تدبيره، فإن خاف أن يرفعه العبد إلى حاكم لا يرى بيع المدبر فيحكم عليه ~~بالمنع من بيعه، فالحيلة أن يقول: إن مت، وأنت في ملكي فأنت حر بعد موتي، ~~فإذا قال ذلك تم له الأمر كما أراد، فإن أراد بيعه ما دام حيا فله ذلك، وإن ~~مات، وهو في ملكه عتق عليه، والفرق بين أن يقول: " أنت حر بعد موتي " وبين ~~أن يقول: " إن مت، وأنت في ملكي فأنت حر بعد موتي " أن هذا تعليق للعتق ~~بصفة، وذلك لا يمنع بيع العبد كما لو قال: " إن دخلت الدار فأنت حر " فله ~~بيعه قبل وجود الصفة، بخلاف قوله: " أنت حر بعد موتي " فإنه جزم بحريته في ~~ذلك الوقت، ونظير هذا أنه لو قال له: " إن مت قبلي فأنت في حل من الدين ~~الذي عليك " فهو إبراء معلق بصفة، ولو قال له: " أنت ms1127 في حل بعد موتي " صح، ~~ولم يكن تعليقا للإبراء بالشرط، ونظيره لو قال: " إن مت فداري وقف " فإنه ~~تعليق للوقف بالشرط، ولو قال: " هي وقف بعد موتي " صح، والله أعلم. ### | [المثال الثمانون براءة أحد الضامنين بتسليم الآخر] # [براءة أحد الضامنين بتسليم الآخر] # المثال الثمانون: لو أن رجلين ضمنا رجلا بنفسه، فدفعه أحدهما إلى الطالب، ~~برئ الذي # PageV04P011 # لم يدفع، وهذا بمنزلة رجلين ضمنا لرجل مالا فدفعه إليه أحدهما فإنهما ~~يبرآن جميعا؛ لأن المضمون هو إحضار واحد، فإذا سلمه أحدهما فقد وجد الإحضار ~~المضمون فبرئا جميعا. # قال القاضي: وربما ألزمه بعض القضاة الضمان بنفس المطلوب، ولا يجعل دفع ~~الآخر براءة للذي لم يدفع؛ فالحيلة أن يضمنا للطالب هذا الرجل بنفسه، على ~~أنه إذا دفعه أحدهما فهما جميعا بريئان، فيتخلص على قول الكل، أو يشهدا أن ~~كل واحد منهما وكيل صاحبه في دفع هذا الرجل إلى الطالب والتبرؤ إليه، فإذا ~~دفعه أحدهما برئا جميعا منه؛ لأنه إذا كان كل منهما وكيل صاحبه كان تسليمه ~~كتسليم موكله. ### | [المثال الحادي والثمانون زواج أحد دائني المرأة إياها بنصيبه من الدين] # [زواج أحد دائني المرأة إياها بنصيبه من الدين] # المثال الحادي والثمانون: قال القاضي في كتاب إبطال الحيل: إذا كان ~~لرجلين على امرأة مال، وهما شريكان، فتزوجها أحدهما على نصيبه من المال ~~الذي عليها، لم يضمن لصاحبه شيئا من المهر؛ لأنه لم يجعل نصيبه في ضمانه، ~~فصار كما لو أبرأه، وربما ضمنه بعض الفقهاء؛ فالحيلة فيه أن يهب لها نصيبه ~~مما عليها ثم يتزوجها بعد ذلك على مقدار ما وهبها، ثم تهب المرأة للزوج ~~المهر الذي تزوجها عليه؛ لأن أحد الشريكين إذا وهب نصيبه من المال المشترك ~~لا يضمن؛ لكونه متبرعا، فإذا تزوجها بعد ذلك على مهر، ووهبته له حصل ~~مقصوده، وتخلص من أقاويل المختلفين. ### | [المثال الثاني والثمانون حيلة في عدم الحنث في يمين] # [حيلة في عدم الحنث في يمين] # المثال الثاني والثمانون: لو حلف رجل بالطلاق أنه لا يضمن عن أحد شيئا ~~فحلف آخر بالطلاق أن ms1128 لا بد أن تضمن عني؛ فالحيلة في أن يضمن عنه، ولا يحنث، ~~أن يشاركه ويشتري متاعا بينه وبين شريكه. # قال القاضي: فإنه يضمن عن شريكه نصف الثمن، ولا يحنث الحالف في يمينه؛ ~~لأن المحلوف عليه عقد الضمان، وما يلزمه في مسألتنا لا يلزمه بعقد الضمان، ~~وإنما يلزمه بالوكالة؛ لأن كل واحد من الشريكين وكيل صاحبه فيما يشتريه، ~~فلهذا لم يحنث في يمينه، فإن كانت بحالها، ولم يكن بينه وبين المحلوف عليه ~~شركة، لكنه وكله المحلوف عليه فاشتراها لم يحنث أيضا لما بينا. ### | [المثال الثالث والثمانون الحيلة في ضمان شريكين] # [حيلة في ضمان شريكين] # المثال الثالث والثمانون: شريكان شركة عنان ضمنا عن رجل مالا بأمره على ~~أنه إن أدى المال أحد الشريكين رجع به على شريكه، وإن أداه الآخر فشريكه ~~منه بريء. # PageV04P012 # وللمسألة أربع صور: إحداها: أن يقولا أينا أداه رجع به على شريكه، ~~الثانية: عكسه، الثالثة: أن يقول إن أديته أنا رجعت به عليك، ولا ترجع به ~~علي إن أديته، الرابعة: عكسه، فالصورة الأولى والثانية لا تحتاج إلى حيلة، ~~وأما الثالثة والرابعة فالحيلة في جوازهما أن يضمن أحد الشريكين عن المدين ~~ما عليه لصاحبه، ثم يجيء شريكه فيضمن ما لصاحب الحق عليهما، فإذا أدى هذا ~~الشريك المال رجع به على شريكه والأصيل، وإذا أداه شريكه والأصيل لم يرجع ~~على الشريك بشيء؛ لأن شريكه قد صار صاحب الأصل هاهنا، فلو رجع عليه لرجع هو ~~عليه، فمن حيث يثبت يسقط، فلا معنى للرجوع عليه. ### | [المثال الرابع والثمانون تحيل المظلوم على مسبة الناس للظالم] # [تحيل المظلوم على مسبة الناس للظالم] # المثال الرابع والثمانون: لا بأس للمظلوم أن يتحيل على مسبة الناس ~~لظالمه، والدعاء عليه والأخذ من عرضه، وإن لم يفعل ذلك بنفسه؛ إذ لعل ذلك ~~يردعه، ويمنعه من الإقامة على ظلمه، وهذا كما لو أخذ ماله فلبس أرث الثياب ~~بعد أحسنها، وأظهر البكاء والنحيب والتأوه، أو آذاه في جواره فخرج من داره، ~~وطرح متاعه على الطريق، أو أخذ دابته فطرح حمله على الطريق ms1129 وجلس يبكي، ونحو ~~ذلك، فكل هذا مما يدعو الناس إلى لعن الظالم له وسبه والدعاء عليه، وقد ~~أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - المظلوم بأذى جاره له إلى نحو ذلك، ففي ~~السنن ومسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة: «أن رجلا شكا إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - من جاره، فقال: اذهب فاصبر، فأتاه مرتين أو ثلاثا، فقال: ~~اذهب فاطرح متاعك في الطريق، فطرح متاعه في الطريق، فجعل الناس يسألونه ~~فيخبرهم خبره، فجعل الناس يلعنونه: فعل الله به وفعل، فجاء إليه جاره فقال ~~له: ارجع لا ترى مني شيئا تكرهه» هذا لفظ أبي داود. ### | [المثال الخامس والثمانون من لطائف حيل أبي حنيفة] # [من لطائف حيل أبي حنيفة] # المثال الخامس والثمانون: ما ذكر في مناقب أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ~~أن رجلا أتاه بالليل فقال: أدركني قبل الفجر، وإلا طلقت امرأتي، فقال: وما ~~ذاك؟ قال: تركت الليلة كلامي، فقلت لها: إن طلع الفجر، ولم تكلميني فأنت ~~طالق ثلاثا، وقد توسلت إليها بكل أمر أن تكلمني فلم تفعل، فقال له: اذهب ~~فمر مؤذن المسجد أن ينزل فيؤذن قبل الفجر، فلعلها إذا سمعته أن تكلمك، ~~واذهب إليها وناشدها أن تكلمك قبل أن يؤذن المؤذن، ففعل الرجل، وجلس ~~يناشدها، وأذن المؤذن، فقالت: قد طلع الفجر وتخلصت منك، فقال: قد كلمتني ~~قبل الفجر وتخلصت من اليمين، وهذا من أحسن الحيل. # PageV04P013 # حيلة أخرى له] # المثال السادس والثمانون: قال بشر بن الوليد: كان في جوار أبي حنيفة فتى ~~يغشى مجلسه، فقال له يوما: إني أريد التزوج بامرأة، وقد طلبوا مني من المهر ~~فوق طاقتي، وقد تعلقت بالمرأة، فقال له: أعطهم ما طلبوا منك، ففعل، فلما ~~عقد العقد جاء إليه فقال: قد طلبوا مني المهر، فقال: احتل واقترض وأعطهم ~~ففعل، فلما دخل بأهله قال: إني أخاف المطالبين بالدين، وليس عندي ما ~~أوفيهم، فقال: أظهر أنك تريد سفرا بعيدا، وأنك تريد الخروج بأهلك، ففعل، ~~واكترى جمالا، فاشتد ذلك على المرأة، وأوليائها، فجاءوا إلى أبي حنيفة - ~~رحمه الله -، فسألوه، فقال: ms1130 له أن يذهب بأهله حيث شاء، فقالوا: نحن نرضيه ~~ونرد إليه ما أخذناه منه، ولا يسافر، فلما سمع الزوج طمع فقال: لا والله ~~حتى يزيدوني، فقال له: إن رضيت بهذا، وإلا أقرت المرأة أن عليها دينا لرجل، ~~فلا يمكنك أن تخرجها حتى توفيه فقال: بالله لا يسمع أهل المرأة ذلك منك، ~~أنا أرضى بالذي أعطيتهم. ### | [المثال السابع والثمانون تعليق الفسخ والبراءة بالشروط] # [تعليق الفسخ والبراءة بالشروط] # المثال السابع والثمانون: قال القاضي أبو يعلى: إذا كان لرجل على رجل ألف ~~درهم فصالحه منها على مائة درهم يؤديها إليه في شهر كذا فإن لم يفعل، ~~وأخرها إلى شهر آخر فعليه مائتان، فهو جائز، وقد أبطله قوم آخرون، قال: أما ~~جواز الصلح من ألف على مائة فالوجه فيه أن التسعمائة لا يستفيدها بعقد ~~الصلح، وإنما استفادها بعقد المداينة، وهو العقد السابق؛ فعلم أنها ليست ~~مأخوذة على وجه المعاوضة، وإنما هي على طريق الإبراء عن بعض حقه، قال: ~~ويفارق هذا إذا كانت له ألف مؤجلة فصالحه على تسعمائة حالة أنه لا يجوز؛ ~~لأنه استفاد هذه التسعمائة بعقد الصلح؛ لأنه لم يكن مالكا لها حالة، وإنما ~~كان يملكها مؤجلة، فلهذا لم يصح. # وأما جوازه على الشرط المذكور، وهو أنه إن لم يفعل فعليه مائتان - فلأن ~~المصالح إنما علق فسخ البراءة بالشرط، والفسخ يجوز تعليقه بالشرط؛ وإن لم ~~يجز تعليق البراءة بالشرط، ألا ترى أنه لو قال: " أبيعك هذا الثوب بشرط أن ~~تنقدني الثمن اليوم، فإن لم تنقدني الثمن اليوم فلا بيع بيننا " إذا لم ~~ينقد الثمن في يومه انفسخ العقد بينهما، كذلك هاهنا، ومن لم يجز ذلك يقول: ~~هذا تعليق براءة المال بالشرط، وذلك لا يجوز، قال: والوجه في جواز هذا ~~الصلح على مذهب الجميع أن يعجل رب المال حط ثمانمائة يحطها على كل حال، ثم ~~يصالح المطلوب من المائتين الباقيتين على مائة يؤديها إليه في شهر كذا على ~~أنه إن # PageV04P014 # أخرها عن هذا الوقت فلا صلح بينهما، فإذا فعل هذا فقد استوثق في قول ms1131 ~~الجميع؛ لأنه متى صالحه على مائتين، وقد حط عنه الباقي يصير كأنه لم يكن ~~عليه من الدين إلا مائتا درهم، ثم صالحه عن المائتين الباقيتين على مائة ~~يؤديها إليه في شهر كذا فإن أخرها فلا صلح بينهما، فيكون على قول الجميع ~~فسخ العقد معلقا بترك النقد، وذلك جائز على ما بيناه في البيع. # فإن أراد أن يكاتب عبده على ألف درهم يؤديها إليه في سنتين فإن لم يفعل ~~فعليه ألف أخرى، فهي كتابة فاسدة؛ لأنه علق إيجاب المال بخطر، وتعليق المال ~~بالأخطار لا يجوز، والحيلة في جوازه أن يكاتبه على ألفي درهم، ويكتب عليه ~~بذلك كتابا، ثم يصالحه بعد ذلك على ألف درهم يؤديها إليه في سنتين فإن لم ~~يفعل فلا صلح بينهما، فيكون تعليقا للفسخ بخطر، وذلك جائز على ما قدمناه من ~~مسألة البيع؛ فإن كان السيد كاتب عبده على ألفي درهم إلى سنتين فأراد العبد ~~أن يصالح سيده على النصف يعجلها له؛ فإن ذلك جائز عندنا، ويبطله غيرنا، ~~انتهى كلامه. ### | [المثال الثامن والثمانون صلح الشفيع من الشفعة] # [صلح الشفيع من الشفعة] # المثال الثامن والثمانون: قال القاضي: إذا اشترى رجل من رجل دارا بألف ~~درهم؛ فجاء الشفيع يطلب الشفعة؛ فصالحه المشتري على أن أعطاه نصف الدار ~~بنصف الثمن، جاز؛ لأن الشفيع صالح على بعض حقه، وذلك جائز كما لو صالح من ~~ألف على خمسمائة؛ فإن صالحه على بيت من الدار بحصته من الثمن لم يجز؛ لأنه ~~صالح على شيء مجهول؛ لأن ما يأخذه الشفيع يأخذه على وجه المعاوضة، وحصة ~~المبيع من الثمن مجهولة، وجهالة العوض تمنع صحة العقد؛ فالحيلة حتى يسلم ~~البيت للشفيع والدار للمشتري أن يشتري الشفيع هذا البيت من المشتري بثمن ~~مسمى، ثم يسلم الشفيع للمشتري ما بقي من الدار، وشراء الشفيع لهذا البيت ~~تسليم للشفعة، ومساومته بالبيت تسليم للشفعة؛ لأنه إذا اشتراه بثمن مسمى ~~كان عوض البيت معلوما، ودخوله في شراء البيت تسليم للشفعة فيما بقي من ~~الدار، وذلك جائز؛ فالحيلة أن يأخذ البيت بهذا الثمن ms1132 المسمى من غير أن يكون ~~مسلما للشفعة حتى يجب له البيت أن يبدأ المشتري فيقول للشفيع: هذا البيت ~~ابتعته لك بكذا وكذا درهما، فيقول الشفيع: قد رضيت واستوجبت؛ لأن المشتري ~~متى ابتدأ بقوله: " هذا البيت لك بكذا " لم يكن الشفيع مسلما للشفعة. ### | [المثال التاسع والثمانون مشاركة العامل للمالك وأنواعها] # [مشاركة العامل للمالك، وأنواعها] # المثال التاسع والثمانون: تجوز المغارسة عندنا على شجر الجوز وغيره، بأن ~~يدفع # PageV04P015 # إليه أرضه ويقول: اغرسها من الأشجار كذا وكذا، والغرس بيننا نصفان، وهذا ~~كما يجوز أن يدفع إليه ماله يتجر فيه، والربح بينهما نصفان، وكما يدفع إليه ~~أرضه يزرعها، والزرع بينهما، وكما يدفع إليه شجرة يقوم عليه، والثمر ~~بينهما، وكما يدفع إليه بقره أو غنمه أو إبله يقوم عليها، والدر والنسل ~~بينهما، وكما يدفع إليه زيتونه يعصره، والزيت بينهما، وكما يدفع إليه دابته ~~يعمل عليها، والأجرة بينهما، وكما يدفع إليه فرسه يغزو عليها، وسهمها ~~بينهما، وكما يدفع إليه قناة يستنبط ماءها، والماء بينهما، ونظائر ذلك؛ فكل ~~ذلك شركة صحيحة قد دل على جوازها النص والقياس واتفاق الصحابة ومصالح ~~الناس، وليس فيها ما يوجب تحريمها من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس، ~~ولا مصلحة، ولا معنى صحيح يوجب فسادها. # والذين منعوا ذلك عذرهم أنهم ظنوا ذلك كله من باب الإجارة، فالعوض مجهول ~~فيفسد، ثم منهم من أجاز المساقاة والمزارعة للنص الوارد فيها، والمضاربة ~~للإجماع دون ما عدا ذلك، ومنهم من خص الجواز بالمضاربة، ومنهم من جوز بعض ~~أنواع المساقاة والمزارعة، ومنهم من منع الجواز فيما إذا كان بعض الأصل ~~يرجع إلى العامل كقفيز الطحان، وجوزه فيما إذا رجعت إليه الثمرة مع بقاء ~~الأصل كالدر والنسل. # والصواب جواز ذلك كله، وهو مقتضى أصول الشريعة وقواعدها؛ فإنه من باب ~~المشاركة التي يكون العامل فيها شريك المالك هذا بماله، وهذا بعمله، وما ~~رزق الله فهو بينهما، وهذا عند طائفة من أصحابنا أولى، بالجواز من الإجارة، ~~حتى قال شيخ الإسلام: هذه المشاركات أحل من الإجارة، قال: لأن المستأجر ~~يدفع ماله، ms1133 وقد يحصل له مقصوده، وقد لا يحصل، فيفوز المؤجر بالمال ~~والمستأجر على الخطر، إذ قد يكمل الزرع. # وقد لا يكمل، بخلاف المشاركة؛ فإن الشريكين في الفوز وعدمه على السواء، ~~إن رزق الله الفائدة كانت بينهما، وإن منعها استويا في الحرمان، وهذا غاية ~~العدل؛ فلا تأتي الشريعة بحل الإجارة وتحريم هذه المشاركات. # وقد أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - المضاربة على ما كانت عليه قبل ~~الإسلام، فضارب أصحابه في حياته وبعد موته، وأجمعت عليها الأمة، ودفع خيبر ~~إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من ثمر أو ~~زرع، وهذا كأنه رأي عين، ثم لم ينسخه، ولم ينه عنه، ولا امتنع منه خلفاؤه ~~الراشدون، وأصحابه بعده، بل كانوا يفعلون ذلك بأراضيهم، وأموالهم يدفعونها ~~إلى من يقوم عليها بجزء مما يخرج منها، وهم مشغولون بالجهاد وغيره. # ولم ينقل عن رجل واحد منهم المنع إلا فيما منع منه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وهو ما قال الليث بن سعد: إذا نظر ذو البصر بالحلال والحرام علم ~~أنه لا يجوز، ولو لم تأت هذه النصوص والآثار؛ فلا حرام إلا ما حرمه الله ~~ورسوله، والله ورسوله لم يحرم شيئا من ذلك. # PageV04P016 # وكثير من الفقهاء يمنعون ذلك فإذا بلي الرجل بمن يحتج في التحريم بأنه ~~هكذا في الكتاب، وهكذا قالوا، ولا بد له من فعل ذلك؛ إذ لا تقوم مصلحة ~~الأمة إلا به؛ فله أن يحتال على ذلك بكل حيلة تؤدي إليه، فإنها حيل تؤدي ~~إلى فعل ما أباحه الله ورسوله، ولم يحرمه على الأمة، وقد تقدم ذكر الحيلة ~~على جواز المساقاة والمزارعة، ونظيرها في الاحتيال على المغارسة أن يؤجره ~~الأرض يغرس فيها ما شاء من الأشجار لمدة كذا وكذا سنة بخدمتها، وغرس كذا ~~وكذا من الأشجار فيها؛ فإن اتفقا بعد ذلك أن يجعلا لكل منها غراسا معينا ~~مقررا جاز، وإن أحب أن يكون الجميع شائعا بينهما؛ فالحيلة أن يقر كل منهما ~~للآخر أن جميع ما في هذه الأرض من الغراس فهو بينهما ms1134 نصفين، أو غير ذلك، ~~والحيلة في جواز المشاركة على البقر والغنم بجزء من درها ونسلها أن يستأجره ~~للقيام عليها كذا وكذا سنة للمدة التي يتفقان عليها بنصف الماشية أو ثلثها، ~~على حسب ما يجعل له من الدر والنسل، ويقر له بأن هذه الماشية بينهما نصفين ~~أو أثلاثا، فيصير درها ونسلها بينهما على حسب ملكهما، فإن خاف رب الماشية ~~أن يدعي عليه العامل بملك نصفها حيث أقر له به فالحيلة أن يبيعه ذلك النصف ~~بثمن في ذمته، ثم يسترهنه على ذلك الثمن، فإن ادعى الملك بعد هذا طالبه ~~بالثمن، فإن ادعى الإعسار اقتضاه من الرهن. # والحيلة في جواز قفيز الطحان أن يملكه جزءا من الحب أو الزيتون، إما ربعه ~~أو ثلثه أو نصفه، فيصير شريكه فيه، ثم يطحنه أو يعصره فيكون بينهما على حسب ~~ملكيهما فيه، فإن خاف أن يملكه ذلك فيملكه عليه، ولا يحدث فيه عملا؛ ~~فالحيلة أن يبيعه إياه بثمن في ذمته، فيصير شريكه فيه، فإذا عمل فيه سلم ~~إليه حصته أو أبرأه من الثمن، فإن خاف الأجير أن يطالبه بالثمن ويتسلم ~~الجميع، ولا يعطيه أجرته؛ فالحيلة في أمنه من ذلك أن يشهد عليه أن الأصل ~~مشترك بينهما قبل العمل، فإذا أحدث فيه العمل فهو على الشركة، وهكذا الحيلة ~~في جميع هذا الباب، وهي حيلة جائزة؛ فإنها لا تتضمن إسقاط حق، ولا تحريم ~~حلال، ولا تحليل حرام. ### | [المثال التسعون حيلة في إسقاط المحلل في السباق] # [حيلة في إسقاط المحلل في السباق] # المثال التسعون: إذا خرج المتسابقان في النضال معا جاز في أصح القولين،، ~~والمشهور من مذهب مالك أنه لا يجوز، وعلى القول بجوازه فأصح القولين أنه لا ~~يحتاج إلى محلل كما هو مقتضى المنقول عن الصديق وأبي عبيدة بن الجراح، ~~واختيار شيخنا وغيره، والمشهور من أقوال الأئمة الثلاثة أنه لا يجوز إلا ~~بمحلل، على تفاصيل لهم في المحلل وحكمه، وقد ذكرناها في كتابنا الكبير في ~~الفروسية الشرعية، وذكرنا فيه وفي كتاب: " بيان الاستدلال، # PageV04P017 # على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال ms1135 " بيان بطلانه من أكثر من خمسين ~~وجها، وبينا ضعف الحديث الذي احتج به من اشترطه، وكلام الأئمة في ضعفه، ~~وعدم الدلالة منه على تقدير صحته. # والمقصود هنا بيان وجه الحيلة على الاستغناء عنه عند من يقنع بهذا قالوا ~~وهكذا في الكتاب؛ فالحيلة على تخلص المتسابقين المخرجين منه أن يملكا ~~العوضين لثالث يثقان به، ويقول الثالث: أيكما سبق فالعوضان له، وإن جئتما ~~معا فالعوضان بينكما؛ فيجوز هذا العقد، وهذه الحيلة ليست حيلة على جواز أمر ~~محرم، ولا تتضمن إسقاط حق، ولا تدخل في مأثم؛ فلا بأس بها، والله أعلم. ### | [المثال الحادي والتسعون حيلة في اشتراط الخيار لأكثر من ثلاثة أيام] # [اشتراط الخيار لأكثر من ثلاثة أيام] # المثال الحادي والتسعون: يجوز اشتراط الخيار في البيع فوق ثلاث على أصح ~~قول العلماء، وهو مذهب الإمام أحمد ومالك على تفاصيل عند مالك، وقال ~~الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز، وقد تدعو الحاجة إلى جوازه؛ لكون المبيع لا ~~يمكنه استعلامه في ثلاثة أيام؛ أو لغيبة من يشاوره ويثق برأيه، أو لغير ~~ذلك، والقياس المحض جوازه كما يجوز تأجيل الثمن فوق ثلاث، والشارع لم يمنع ~~من الزيادة على الثلاثة، ولم يجعلها حدا فاصلا بين ما يجوز من المدة، وما ~~لا يجوز، وإنما ذكرها في حديث حبان بن منقذ وجعلها له بمجرد البيع، وإن لم ~~يشترطه؛ لأنه كان يغلب في البيوع، فجعل له ثلاثا في كل سلعة يشتريها، سواء ~~شرط ذلك أو لم يشترطه، هذا ظاهر الحديث، فلم يتعرض للمنع من الزيادة على ~~الثلاثة بوجه من الوجوه؛ فإن أراد الجواز على قول الجميع؛ فالمخرج أن يشترط ~~الخيار ثلاثا، فإذا قارب انقضاء الأجل فسخه ثم اشترط ثلاثا، وهكذا حتى ~~تنقضي المدة التي اتفقا عليها، وليست هذه الحيلة محرمة؛ لأنها لا تدخل في ~~باطل، ولا تخرج من حق، وهذا بخلاف الحيلة على إيجار الوقف مائة سنة، وقد ~~شرط الواقف أن لا يؤجر أكثر من سنة واحدة فتحيل على إيجاره أكثر منها بعقود ~~متفرقة في ساعة واحدة كما تقدم. ### | [المثال الثاني ms1136 والتسعون حيلة في الرهن] # [حيل في الرهن] # المثال الثاني والتسعون: إذا أراد أن يقرض رجلا مالا ويأخذ منه رهنا، ~~فخاف أن يهلك الرهن فيسقط من دينه بقدره عند حاكم يرى ذلك، فالمخرج له أن ~~يشتري العين التي يريد ارتهانها بالمال الذي يقرضه، ويشهد عليه أنه لم ~~يقبضه، فإن وثق بكونه عند البائع تركه عنده، فإن تلف تلف من ضمانه، وإن بقي ~~تمكن من أخذه منه متى شاء، وإن رد عليه المال أقاله البائع. # PageV04P018 # وأحسن من هذه الحيلة أن يستودع العين قبل القرض، ثم يقرضه، وهي عنده؛ فهي ~~في الظاهر وديعة، وفي الباطن رهن، فإن تلفت لم يسقط بهلاكها شيء من حقه. # فإن خاف الراهن أنه إذا وفاه حقه لم يقله البيع، فالمخرج له أن يشترط ~~عليه الخيار إلى المدة التي يعلم أنه يوفيه فيها على قول أبي يوسف ومحمد ~~ومالك وأحمد. # فإن خاف المرتهن أن يستحق الرهن أو بعضه، فالمخرج له أن يضمن درك الرهن ~~غير الراهن، أو يشهد على من يخشى دعواه الاستحقاق بأنه متى ادعاه كانت ~~دعواه باطلة، أو يضمنه الدرك لنفسه. ### | [المثال الثالث والتسعون بيع الثمر وقد بدا صلاح بعضه دون بعضه الآخر] # [بيع الثمر، وقد بدا صلاح بعضه دون بعضه الآخر] # المثال الثالث والتسعون: إذا بدا الصلاح في بعض الشجرة جاز بيع جميعها، ~~وكذلك يجوز بيع ذلك النوع كله في البستان، وقال شيخنا: يجوز بيع البستان ~~كله تبعا لما بدا صلاحه، سواء كان من نوعه أو لم يكن، تقارب إدراكه وتلاحق ~~أم تباعد، وهو مذهب الليث بن سعد، وعلى هذا فلا حاجة إلى الاحتيال على ~~الجواز، وقالت الحنفية: إذا خرج بعض الثمرة دون بقيتها أو خرج الجميع وبعضه ~~قد بدا صلاحه دون بعض لا يجوز البيع؛ للجمع بين الموجود والمعدوم والمتقوم ~~وغيره، فتصير حصة الموجود المتقوم مجهولة فيفسد البيع، وبعض الشيوخ كان ~~يفتي بجوازه في الثمار والباذنجان ونحوهما، جعلا المعدوم تبعا للموجود. # وأفتى محمد بن الحسن بجوازه في الورد لسرعة تلاحقه، قال شمس الأئمة ~~السرخسي: والأصح ms1137 المنع. # قالوا: فالحيلة في الجواز أن يشتري الأصول، وهذا قد لا يتأتى غالبا، ~~قالوا: فالحيلة أيضا أن يشتري الموجود الذي بدا صلاحه بجميع الثمن، ويشهد ~~عليه أنه قد أباح له ما يحدث من بعد، وهذه الحيلة أيضا قد تتعذر؛ إذ قد ~~يرجع في الإباحة، وإن جعلت هبة فهبة المعدوم لا تصح، وإن ساقاه على الثمرة ~~من كل ألف جزء على جزء - مثلا - لم تصح المساقاة عندهم، وتصح عند أبي يوسف ~~ومحمد، وإن آجره الشجرة؛ لأخذ ثمرتها لم تصح الإجارة عندهم، وعند غيرهم؛ ~~فالحيلة إذا أن يبيعه الثمرة الموجودة ويشهد عليه أن ما يحدث بعدها فهو ~~حادث على ملك المشتري، لا حق للبائع فيه، ولا يذكر سبب الحدوث، ولهم حيلة ~~أخرى فيما إذا بدت الثمار أن يشتريها بشرط القطع، أو يشتريها ويطلق، ويكون ~~القطع [هو] موجب العقد، ثم يتفقان على التبقية إلى وقت الكمال، ولا ريب أن ~~المخرج ببيعها إذا بدا صلاح بعضها أو بإجارة الشجر أو بالمساقاة أقرب إلى ~~النص والقياس وقواعد الشرع من ذلك كما تقدم تقريره. # PageV04P019 ### | [المثال الرابع والتسعون حيلة في بيع الوكيل لموكله] # حيلة في بيع الوكيل لموكله] # المثال الرابع والتسعون: إذا وكله أن يشتري له بضاعة، وتلك البضاعة عند ~~الوكيل، وهي رخيصة تساوي أكثر مما اشتراها به، ولا تسمح نفسه أن يبيعها بما ~~اشتراها به فالحيلة أن يبيعها بما تساويه بيعا تاما صحيحا لأجنبي، ثم إن ~~شاء اشتراها من الأجنبي لموكله، ولكن تدخل هذه الحيلة سدا للذرائع؛ إذ قد ~~يتخذ ذلك ذريعة إلى أن يبيعها بأكثر مما تساوي فيكون قد غش الموكل، ويظهر ~~هذا إذا اشتراها بعينها دون غيرها؛ فيكون قد غر الموكل، فإن كان الموكل لو ~~اطلع على الحال لم يكره ذلك، ولم يره غرورا فلا بأس به، وإن كان لو اطلع ~~عليه لم يرضه لم يجز، والله أعلم. ### | [المثال الخامس والتسعون: مقابلة المكر بالمكر] # [مقابلة المكر بالمكر] # المثال الخامس والتسعون: إذا اشترى منه دارا، وخاف احتيال البائع عليه ~~بأن يكون قد ملكها لبعض ولده ms1138 فيتركها في يده مدة ثم يدعيها عليه ويحسب ~~سكناها بثمنها كما يفعله المخادعون الماكرون فالحيلة أن يحتال لنفسه بأنواع ~~من الحيل، منها أن يضمن من يخاف منه الدرك، ومنها: أن يشهد عليه أنه إن ~~ادعى هو أو وكيله في الدار كانت دعوى باطلة، وكل بينة يقيمها زور، ومنها: ~~أن يضمن الدرك لرجل معروف يتمكن من مطالبته. # ومنها: أن يجعل ثمنها أضعاف ما اشتراها به، فإن استحقت رجع عليه بالثمن ~~الذي أشهد به، مثاله: أن يتفقا على أن الثمن ألف فيشتريها بعشرة آلاف ثم ~~يبيعه بالعشرة آلاف سلعة ثم يشتريها منه بالألف، وهي الثمن، فيأخذ الألف، ~~ويشهد عليه أن الثمن عشرة آلاف، وأنه قبضه، وبرئ منه المشتري، فإن استحقت ~~رجع عليه بالعشرة آلاف، وبالجملة فمقابلة الفاسد بالفاسد والمكر بالمكر ~~والخداع بالخداع قد يكون حسنا، بل مأمورا به، وأقل درجاته أن يكون جائزا ~~كما تقدم بيانه. ### | [السادس والتسعون حيلة في شراء العبد نفسه من سيده] # [حيلة في شراء العبد نفسه من سيده] # المثال السادس والتسعون: إذا اشترى العبد نفسه من سيده بمال يؤديه إليه، ~~فأدى إليه معظمه، ثم جحد السيد أن يكون باعه نفسه، وللسيد في يد العبد مال ~~أذن له في التجارة به، فالحيلة أن يشهد العبد في السر أن المال الذي في يده ~~لرجل أجنبي، فإن وفى له سيده بما عاهده عليه وفى له العبد، وسلمه ماله، وإن ~~غدر به تمكن العبد من الغدر به، وإخراج المال عن يده، وهذه الحيلة لا تتأتى ~~على أصل من يمنع مسألة الظفر، ولا على قول من يجيزها، فإن السيد إذا ظلمه ~~بجحده حقه لم يكن له أن يظلمه بمنعه ماله، وأن يحول بينه وبينه فيقابل ~~الظلم بالظلم، ولا يرجع إليه منه فائدة، ولكن فائدة هذه الحيلة أن السيد ~~متى # PageV04P020 # علم بصورة الحال، وأنه متى جحده البيع حال بينه وبين ماله بالإقرار الذي ~~يظهره منعه ذلك من جحود البيع فيكون بمنزلة رجل أمسك ولد غيره؛ ليقتله فظفر ~~هو بولده قبل القتل فأمسكه، وأراه أنه ms1139 إن قتل ولده قتل هو ولده أيضا، ~~ونظائر ذلك. # وكذلك إن كان السيد هو الذي يخاف من العبد أن لا يقر له بالمال ويقر به ~~لغيره يتواطآن عليه فالحيلة أن يبدأ السيد فيبيع العبد لأجنبي في السر، ~~ويشهد على بيعه، ثم يبيع العبد من نفسه، فإذا قبض المال فأظهر العبد إقرارا ~~بأن ما في يده لأجنبي أظهر السيد أن بيعه لنفسه كان باطلا، وأن فلانا ~~الأجنبي قد اشتراه، فإذا علم العبد أن عتقه يبطل، ولا يحصل مقصوده امتنع من ~~التحيل على إخراج مال السيد عنه إلى أجنبي. # ونظير هذه الحيلة إذا أراد ظالم أخذ داره بشراء أو غيره فالحيلة أن ~~يملكها لمن يثق به، ثم يشهد على ذلك، وأنها خرجت عن ملكه، ثم يظهر أنه ~~وقفها على الفقراء والمساكين، ولو كان في بلده حاكم يرى صحة وقف الإنسان ~~على نفسه، وصحة استثناء الغلة له وحده مدة حياته، وصحة وقفه لها بعد موته ~~فحكم له بذلك استغنى عن هذه الحيلة. ### | [الحيل على ثلاثة أنواع] # وحيل هذا الباب ثلاثة أنواع: حيلة على دفع الظلم والمكر حتى لا يقع، ~~وحيلة على رفعه بعد وقوعه، وحيلة على مقابلته بمثله حيث لا يمكن رفعه؛ ~~فالنوعان الأولان جائزان، وفي الثالث تفصيل، فلا يمكن القول بجوازه على ~~الإطلاق، ولا بالمنع منه على الإطلاق، بل إن كان المتحيل به حراما لحق الله ~~لم يجز مقابلته بمثله، كما لو جرعه الخمر أو زنى بحرمته، وإن كان حراما؛ ~~لكونه ظلما له في ماله، وقدر على ظلمه بمثل ذلك فهي مسألة الظفر، وقد توسع ~~فيها قوم حتى أفرطوا وجوزوا قلع الباب، ونقب الحائط وخرق السقف، ونحو ذلك؛ ~~لمقابلته بأخذ نظير ماله، ومنعها قوم بالكلية، وقالوا: لو كان عنده وديعة ~~أو له عليه دين لم يجز له أن يستوفي منه قدر حقه إلا بإعلامه به، وتوسط ~~آخرون وقالوا: إن كان سبب الحق ظاهرا كالزوجية والأبوة والبنوة وملك اليمين ~~الموجب للإنفاق فله أن يأخذ قدر حقه من غير إعلامه، وإن لم يكن ظاهرا ms1140 ~~كالقرض وثمن المبيع، ونحو ذلك لم يكن له الأخذ إلا بإعلامه، وهذا أعدل ~~الأقوال في المسألة، وعليه تدل السنة دلالة صريحة؛ والقائلون به أسعد بها، ~~وبالله التوفيق. # وإن كان بهتا له وكذبا عليه أو قذفا له أو شهادة عليه بالزور لم يجز له ~~مقابلته بمثله، وإن # PageV04P021 # كان دعاء عليه أو لعنا أو مسبة فله مقابلته بمثله على أصح القولين، وإن ~~منعه كثير من الناس، وإن كان إتلاف مال له فإن كان محترما كالعبد والحيوان ~~لم يجز له مقابلته بمثله، وإن كان غير محترم فإن خاف تعديه فيه لم يجز له ~~مقابلته بمثله كما لو حرق داره لم يجز له أن يحرق داره، وإن لم يتعد فيه - ~~بل كان يفعل به نظير ما فعل به سواء كما لو قطع شجرته أو كسر إناءه أو فتح ~~قفصا عن طائره أو حل وكاء مائع له أو أرسل الماء على مسطاحه فذهب بما فيه ~~ونحو ذلك، وأمكنه مقابلته بمثل ما فعل سواء - فهذا محل اجتهاد لم يدل على ~~المنع منه كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس صحيح، بل الأدلة المذكورة ~~تقتضي جوازه كما تقدم بيانه في أول الكتاب. # وكان شيخنا - رضي الله عنه - يرجح هذا ويقول: هو أولى بالجواز من إتلاف ~~طرفه بطرفه، والله أعلم. ### | [المثال السابع والتسعون الضمان والكفالة من العقود اللازمة] # [في الضمان والكفالة] # المثال السابع والتسعون: الضمان والكفالة من العقود اللازمة، ولا يمكن ~~الضامن والكفيل أن يتخلص متى شاء، ولا سيما عند من يقول: إن الكفالة توجب ~~ضمان المال إذا تعذر إحضار المكفول به مع بقائه، كما هو مذهب الإمام أحمد ~~ومن وافقه. # وطريق التخلص من وجوه، أحدهما: أن يوقتها بمدة فيقول: ضمنته، أو تكفلت به ~~شهرا أو جمعة، ونحو ذلك، فيصح. # الثاني: أن يقيدها بمكان دون مكان فيقول: ضمنته أو تكفلت به ما دام في ~~هذا البلد أو في هذا السوق. # الثالث: أن يعلقها على شرط فيقول: ضمنت أو كفلت إن رضي فلان، أو يقول: ~~ضمنت ما عليه إن ms1141 كفل فلان بوجهه، ونحو ذلك. # الرابع: أن يشترط في الضمان أنه لا يطالبه حتى يتعذر مطالبة الأصيل، ~~فيجوز هذا الشرط، بل هو حكم الضمان في أشهر الروايتين عن مالك؛ فلا يطالب ~~الضامن حتى يتعذر مطالبة الأصيل، وإن لم يشترطه، حتى لو شرط أن يأخذ من ~~أيهما شاء كان الشرط باطلا عند ابن القاسم وأصبغ. # الخامس: أن يقول: كفلت بوجهه على أني بريء مما عليه، فلا يلزمه ما عليه ~~إذا لم يحضره بل يلزم بإحضاره إذا تمكن منه. # السادس: أن يطالب المضمون عنه بأداء المال إلى ربه؛ ليبرأ هو من الضمان ~~إذا كان قد ضمن بإذنه، ويكون خصما في المطالبة، وهذا مذهب مالك، فإن ضمنه ~~بغير إذنه لم يكن له [عليه] مطالبته بأداء المال إلى ربه، فإن أداه عنه فله ~~مطالبته به حينئذ. # PageV04P022 ### | [المثال الثامن والتسعون تعليق البيع وغيره بالشرط] # تعليق البيع وغيره بالشرط] # المثال الثامن والتسعون: إذا كان له داران فاشترى منه إحداهما على أنه إن ~~استحقت فالدار الأخرى له بالثمن، فهذا جائز؛ إذ غايته تعليق البيع بالشرط، ~~وليس في شيء من الأدلة الشرعية ما يمنع صحته، وقد نص الإمام أحمد على جوازه ~~فيمن باع جارية، وشرط على المشتري أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن، وفعله ~~بنفسه كما رهن نعله، وشرط للمرتهن أنه إن جاءه بفكاكها إلى وقت كذا، وإلا ~~فهي له بما عليها، ونص على جواز تعليق النكاح بالشرط فالبيع أولى، ونص على ~~جواز تعليق التولية بالشرط كما نص عليه صاحب الشرع نصا لا يجوز مخالفته،، ~~وقد تقدم تقرير ذلك. # وكثير من الفقهاء يبطل البيع المذكور فالحيلة في جوازه عند الكل أن يشتري ~~منه المشتري الدار الأخرى التي لا يريد شراءها، ويقبضها منه، ثم يشتري بها ~~الدار التي يريد شراءها ويسلمها إليه، ويتسلم داره، فإن استحقت هذه الدار ~~عليه رجع في ثمنها، وهو الدار الأخرى، وهذه حيلة لطيفة جائزة لا تتضمن ~~إبطال حق، ولا دخولا في باطل، وهي مثال لما كان من جنسها من هذا النوع مما ~~يخاف ms1142 استحقاقه، ويشترط على البائع أخذ ما يقابله من حيوان أو رقيق أو غير ~~ذلك. ### | [المثال التاسع والتسعون: رجل أراد أن يشتري جارية أو سلعة من رجل غريب] # ، فلم يأمن أن تستحق أو تخرج معيبة فلا يمكنه الرجوع، ولا الرد، فإن قال ~~له البائع ": أنا أوكل من تعرفه فيما تدعي به من عيب أو رجوع " لم يأمن أن ~~يحتال عليه ويعزله فيذهب حقه، فالحيلة في التوثق أن يكون الوكيل هو الذي ~~يتولى البيع بنفسه، ويضمن له صاحب السلعة الدرك، ويكون وكيلا لهذا الذي ~~تولى البيع، فيمكن للمشتري حينئذ مطالبة هذا الذي تولى البيع بنفسه ويأمن ~~ما يحذره. ### | [المثال الموفي المائة رجل قال لغيره اشتر هذه الدار من فلان بكذا وكذا وأنا أربحك فيها كذا وكذا] # المثال الموفي المائة: رجل قال لغيره: " اشتر هذه الدار - أو هذه السلعة ~~من فلان - بكذا وكذا، وأنا أربحك فيها كذا وكذا " فخاف إن اشتراها أن يبدو ~~للآمر فلا يريدها، ولا يتمكن من الرد، فالحيلة أن يشتريها على أنه بالخيار ~~ثلاثة أيام أو أكثر، ثم يقول للآمر: قد اشتريتها بما ذكرت، فإن أخذها منه، ~~وإلا تمكن من ردها على البائع بالخيار، فإن لم يشترها الآمر إلا بالخيار ~~فالحيلة أن يشترط له خيارا أو نقص من مدة الخيار التي اشترطها هو على ~~البائع؛ ليتسع له زمن الرد إن ردت عليه. ### | [المثال الحادي بعد المائة اشترى منه جارية ثم اطلع على عيب بها فخاف إن ادعى أنه اشتراها بكذا] # المثال الحادي بعد المائة: إذا اشترى منه جارية أو سلعة ثم اطلع على عيب ~~بها فخاف إن ادعى أنه اشتراها بكذا وكذا أن ينكر البائع قبض الثمن، ويسأل ~~الحاكم الحكم عليه بإقراره أو ينكر البيع ويسأله تسليم الجارية إليه، ~~فالحيلة التي تخلصه أن يردها عليه أولا # PageV04P023 # فيما بينه وبينه، ثم يدعي عليه عند الحاكم باستحقاق ثمنها، ولا يعين ~~السبب، فإن أقر فلا إشكال، وإن أنكر لم يلزم المشتري الثمن، فإما أن يقيم ~~عليه بينة أو يحلفه ### | [المثال الثاني بعد المائة: ms1143 له مال حال فأبى أن يقر له به حتى يصالحه على بعضه أو يؤجله] # المثال الثاني بعد المائة: إذا كان له عليه مال حال فأبى أن يقر له به ~~حتى يصالحه على بعضه أو يؤجله، ولا بينة له، فأراد حيلة يتوسل بها إلى أخذ ~~ماله كله حالا، ويبطل الصلح والتأجيل فالحيلة له أن يواطئ رجلا يدعي عليه ~~بالمال الذي له على فلان عند حاكم، فيقر له به، ويصح إقراره بالدين الذي له ~~على الغير، فإنه قد يكون المال مضاربة فيصير ديونا على الناس، فلو لم يصح ~~إقراره به له لضاع ماله. # وأما قول أبي عبد الله بن أحمد إن في الرعاية ولو قال: ديني الذي على زيد ~~لعمرو احتمل الصحة، والبطلان أظهر؛ فهذا إنما هو فيما إذا أضاف الدين إليه ~~ثم قال: هو لعمرو، فيصير نظير ما لو قال: ملكي كله لعمرو، أو داري هذه له، ~~فإن هذا لا يصح إقرارا على أحد الوجهين للتناقض ويصح هبة، فأما إذا قال: " ~~هذا الدين الذي على زيد لعمرو يستحقه دوني " صح ذلك قولا واحدا، كما لو قال ~~": هذه الدار له، أو هذا الثوب له " على أن الصحيح صحة الإقرار، ولو أضاف ~~الدين أو العين إلى نفسه، ولا تناقض؛ لأن الإضافة تصدق مع كونه ملكا للمقر ~~له. # فإنه يصح أن يقال: هذه دار فلان، إذا كان ساكنها بالأجرة، ويقول المضارب: ~~ديني على فلان، وهذا الدين لفلان، يعني أنه يستحق المطالبة به، والمخاصمة ~~فيه، فالإضافة تصدق بدون هذا، ثم يأتي صاحب المال إلى من هو في ذمته ~~فيصالحه على بعضه أو يؤجله ثم يجيء المقر له فيدعي على من عليه المال ~~بجملته حالا، فإذا أظهر كتاب الصلح والتأجيل قال المقر له: هذا باطل، فإنه ~~تصرف فيما لا يملك المصالح، فإن كان الغريم إنما أقر باستحقاق غريمه الدين ~~مؤجلا أو بذلك القدر منه فقط بطلت هذه الحيلة. ### | [الحيلة في إيداع الشهادة] # [إيداع الشهادة] # ونظير هذه الحيلة حيلة إيداع الشهادة وصورتها أن يقول له الخصم: لا ms1144 أقر ~~لك حتى تبرئني من نصف الدين أو ثلثه، وأشهد عليك أنك لا تستحق علي بعد ذلك ~~شيئا، فيأتي صاحب الحق إلى رجلين فيقول: اشهدا أني على طلب حقي كله من ~~فلان، وأني لم أبرئه من شيء منه، وأني أريد أن أظهر مصالحته على بعضه؛ ~~لأتوصل بالصلح إلى أخذ بعض حقي، وأني إذا أشهدت أني لا أستحق عليه سوى ما ~~صالحني عليه فهو إشهاد باطل، وأني إنما أشهدت على ذلك توصلا إلى أخذ بعض ~~حقي؛ فهذه تعرف بمسألة إيداع الشهادة؛ فإذا فعل ذلك جاز له أن يدعي بقاءه ~~على حقه، ويقيم الشهادة بذلك، هذا مذهب مالك، وهو مطرد على قياس مذهب أحمد ~~وجار على أصوله. # فإن له التوصل إلى حقه بكل # PageV04P024 # طريق جائز، بل لا يقتضي المذهب غير ذلك، فإن هذا مظلوم توصل إلى أخذ حقه ~~بطريق لم يسقط بها حقا لأحد، ولم يأخذ بها ما لا يحل له أخذه؛ فلا خرج بها ~~من حق، ولا دخل بها في باطل. # ونظير هذا أن يكون للمرأة على رجل حق، فيجحده ويأبى أن يقر به حتى تقر له ~~بالزوجية، فطريق الحيلة أن تشهد على نفسها أنها ليست امرأة فلان، وأني أريد ~~أن أقر له بالزوجية إقرارا كاذبا لا حقيقة له؛ لأتوصل بذلك إلى أخذ مالي ~~عنده، فاشهدوا أن إقراري بالزوجية باطل أتوصل به إلى أخذ حقي. # ونظيره أيضا أن ينكر نسب أخيه، ويأبى أن يقر له به حتى يشهد أنه لا يستحق ~~في تركة أبيه شيئا، وأنه قد أبرأه من جميع ما له في ذمته منها، أو أنه وهب ~~له جميع ما يخصه منها، أو أنه قبضه أو اعتاض عنه أو نحو ذلك، فيودع الشهادة ~~عدلين أنه باق على حقه، وأنه يظهر ذلك الإقرار توصلا إلى إقرار أخيه بنسبه، ~~وأنه لم يأخذ من ميراث أبيه شيئا، ولا أبرأ أخاه، ولا عاوضه، ولا وهبه. ### | [الحيلة في إقرار المضطهد] # [إقرار المضطهد] # وهذا يشبه إقرار المضطهد الذي قد اضطهد ودفع عن حقه حتى يسقط حقا ms1145 آخر، ~~والسلف كانوا يسمون مثل هذا مضطهدا، كما قال حماد بن سلمة: حدثنا حميد عن ~~الحسن أن رجلا تزوج امرأة، وأراد سفرا، فأخذه أهلها، فجعلها طالقا إن لم ~~يبعث بنفقتها إلى شهر، فجاء الأجل، ولم يبعث إليها بشيء، فلما قدم خاصموه ~~إلى أمير المؤمنين علي - كرم الله وجهه - فقال: اضطهدتموه حتى جعلها طالقا، ~~فردها عليه. # ومعلوم أنه لم يكن هناك إكراه بضرب، ولا أخذ مال، وإنما طالبوه بما يجب ~~عليه من نفقتها، وذلك ليس بإكراه، ولكن لما تعنتوه باليمين جعله مضطهدا؛ ~~لأنه عقد اليمين؛ ليتوصل إلى قصده من السفر، فلم يكن حلفه عن اختيار، بل هو ~~كالمحمول عليه. # [الفرق بين المضطهد والمكره] والفرق بينه وبين المكره أن المكره قاصد ~~لدفع الضرر باحتمال ما أكره عليه، وهذا قاصد للوصول إلى حقه بالتزام ما طلب ~~منه، وكلاهما غير راض، ولا مؤثرا لما التزمه، وليس له وطر فيه. # فتأمل هذا، ونزله على قواعد الشرع ومقاصده، وهذا ظاهر جدا في أن أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - لم يكن يرى الحلف بالطلاق ~~موقعا للطلاق إذا حنث به # PageV04P025 # وهو قول شريح وطاوس وعكرمة، وأهل الظاهر وأبي عبد الرحمن الشافعي، وهو ~~أجل أصحابه على الإطلاق، قال بعض الحفاظ: ولا يعلم لعلي مخالف من الصحابة، ~~وسيأتي الكلام في المسألة، إن شاء الله، إذ المقصود أن من أقر أو حلف أو ~~وهب أو صالح لا عن رضا منه، ولكن منع حقه إلا بذلك، فهو بالمكره أشبه منه ~~بالمختار، ومثل هذا لا يلزمه ما عقده من هذه العقود. # ومن له قدم راسخ في الشريعة، ومعرفة بمصادرها ومواردها، وكان الإنصاف أحب ~~إليه من التعصب والهوى، والعلم والحجة آثر عنده من التقليد، ولم يكد يخفى ~~عليه وجه الصواب، والله الموفق، وهذه المسألة من نفائس هذا الكتاب، والجاهل ~~الظالم لا يرى الإحسان إلا إساءة، ولا الهدى إلا الضلالة. # فقل للعيون الرمد للشمس أعين ... سواك تراها في مغيب ومطلع # وسامح نفوسا بالقشور قد ارتضت ... وليس لها للب من متطلع ### | [المثال ms1146 الثالث بعد المائة حبس العين على ثمنها وأجرتها] # [حبس العين على ثمنها وأجرتها] المثال الثالث بعد المائة: اختلف الفقهاء ~~هل يملك البائع حبس السلعة على ثمنها؟ وهل يملك المستأجر حبس العين بعد ~~العمل على الأجرة؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: يملكه في الموضعين، وهو قول ~~مالك وأبي حنيفة، وهو المختار، والثاني: لا يملكه في الموضعين، وهو المشهور ~~من مذهب أحمد عند أصحابه، والثالث: يملك حبس العين المستأجرة على عملها، ~~ولا يملك حبس المبيع على ثمنه، والفرق بينهما أن العمل يجري مجرى الأعيان، ~~ولهذا يقابل بالعوض؛ فصار كأنه شريك لمالك العين بعمله، فأثر عمله قائم ~~بالعين؛ فلا يجب عليه تسليمه قبل أن يأخذ عوضه، بخلاف المبيع؛ فإنه قد دخل ~~في ملك المشتري، وصار الثمن في ذمته، ولم يبق للبائع تعلق بالعين، ومن سوى ~~بينهما قال: الأجرة قد صارت في الذمة، ولم يشترط رهن العين عليها، فلا يملك ~~حبسها. # وعلى هذا فالحيلة في الحبس في الموضعين حتى يصل إلى حقه أن يشترط عليه ~~رهن العين المستأجرة على أجرتها، فيقول: رهنتك هذا الثوب على أجرته، وهي ~~كذا وكذا، وهكذا في المبيع يشترط على المشتري رهنه على ثمنه حتى يسلمه ~~إليه، ولا محذور في ذلك أصلا، ولا معنى، ولا مأخذا قويا يمنع صحة هذا الشرط ~~والرهن، وقد اتفقوا أنه لو شرط عليه رهن عين أخرى على الثمن جاز، فما الذي ~~يمنع جواز رهن المبيع على ثمنه؟ . # PageV04P026 # ولا فرق بين أن يقبضه أو لا يقبضه على أصح القولين، وقد نص الإمام أحمد ~~على جواز اشتراط رهن المبيع على ثمنه، وهو الصواب ومقتضى قواعد الشرع ~~وأصوله، وقال القاضي، وأصحابه: لا يصح، وعلله ابن عقيل بأن المشتري رهن ما ~~لا يملك، فلم يصح، كما لو شرط أن يرهنه عبدا لغيره يشتريه ويرهنه، وهذا ~~تعليل باطل؛ فإنه إنما حصل الرهن بعد ملكه، واشتراطه قبل الملك لا يكون ~~بمنزلة رهن الملك. # والفرق بين هذه المسألة وبين اشتراط رهن عبد زيد أن اشتراط رهن عبد زيد ~~[غرر] قد يمكن، وقد لا ms1147 يمكن، بخلاف اشتراط رهن المبيع على ثمنه، فإنه إن تم ~~العقد صار المبيع رهنا، وإن لم يتم تبينا أنه لا ثمن يحبس عليه الرهن، فلا ~~غرر ألبتة؛ فالمنصوص أفقه، وأصح، وهذا على أصل من يقول " للبائع حبس المبيع ~~على ثمنه " ألزم، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، وبعض أصحاب ~~الإمام أحمد، وهو الصحيح، وإن كان خلاف منصوص أحمد. # لأن عقد البيع يقتضي استواءهما في التسلم والتسليم، ففي إجبار البائع على ~~التسليم قبل حضور الثمن، وتمكينه من قبضه إضرار به، فإذا [كان] ملك حبسه ~~على ثمنه من غير شرط فلأن يملكه مع الشرط أولى وأحرى، فقول القاضي، وأصحابه ~~مخالف لنص أحمد والقياس، فإن شرط أن يقبض المشتري المبيع ثم يرهنه على ثمنه ~~عند بائعه فأولى بالصحة. # وقال ابن عقيل في الفصول: والرهن أيضا باطل؛ لأنهما شرطا رهنه قبل ملكه، ~~وقد عرفت ما فيه، وعلله أيضا بتعليل آخر فقال: إطلاق البيع يقتضي تسليم ~~الثمن من غير المبيع، والرهن يقتضي استيفاءه من عينه إن كان عينا أو ثمنه ~~إن كان عرضا فيتضادا، وهذا التعليل أقوى من الأول، وهو الذي أوجب له القول ~~ببطلان الرهن قبل القبض وبعده، فيقال: المحذور من التضاد إنما هو التدافع ~~بحيث يدفع كل من المتضادين المتنافيين الآخر، فأما إذا لم يدفع أحدهما ~~الآخر فلا محذور، والبائع إنما يستحق ثمن المبيع، وللمشتري أن يؤديه إياه ~~من عين المبيع، ومن غيره، فإن له أن يبيعه ويقبضه ثمنه منه. # وغاية عقد الرهن أن يوجب ذلك، فأي تدافع، وأي تناف هنا؟ : وأما قوله " ~~إطلاق العقد يقتضي التسليم للثمن من غير المبيع " فيقال: بل إطلاقه يقتضي ~~تسليم الثمن من أي جهة شاء المشتري، حتى لو باعه قفيز حنطة بقفيز حنطة، ~~وسلمه إليه ملك أن يوفيه إياه ثمنا كما استوفاه مبيعا، كما لو اقترض منه ~~ذلك ثم وفاه إياه بعينه. # PageV04P027 # ثم قال ابن عقيل: وقد قال الإمام أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه: إذا ~~حبس السلعة ببقية الثمن فهو غاصب، ولا ms1148 يكون رهنا إلا أن يكون شرط عليه في ~~نفس البيع الرهن، فظاهر هذا إن شرط كون المبيع رهنا [في حال العقد أصح، ~~قال: وليس هذا الكلام على ظاهره، ومعناه إلا أن يشترط عليه في نفس البيع ~~رهنا] غير المبيع؛ لأن اشتراط رهن البيع اشتراط تعويق التسليم في المبيع. # قلت: ولا يخفى منافاة ما قاله لظاهر كلام الإمام أحمد، فإن كلام أحمد ~~المستثنى والمستثنى منه في صورة حبس المبيع على ثمنه، فقال: " هو غاصب إلا ~~أن يكون شرط عليه في نفس البيع الرهن " أي: فلا يكون غاصبا بحبس السلعة ~~بمقتضى شرطه، ولو كان المراد ما حمله عليه لكان معنى الكلام إذا حبس السلعة ~~ببقية الثمن فهو غاصب إلا أن يكون قد شرط له رهنا آخر غير المبيع يسلمه ~~إليه، وهذا كلام لا يرتبط أوله بآخره، ولا يتعلق به، فضلا عن أن يدخل في ~~الأول ثم يستثنى منه، ولهذا جعله أبو البركات ابن تيمية نصا في صحة هذا ~~الشرط، ثم قال: وقال القاضي: لا يصح. # وأما قوله " إن اشتراط رهن المبيع تعويق للتسليم في المبيع " فيقال: ~~واشتراط التعويق إذا كان لمصلحة البائع، وله فيه غرض صحيح، وقد قدم عليه ~~المشتري فأي محذور فيه؟ ثم هذا يبطل باشتراط الخيار؛ فإن فيه تعويقا ~~للمشتري عن التصرف في المبيع، وباشتراط المشتري تأجيل الثمن؛ فإن فيه ~~تعويقا للبائع عن تسلمه أيضا، ويبطل على أصل الإمام أحمد، وأصحابه باشتراط ~~البائع انتفاعه بالمبيع مدة يستثنيها؛ فإن فيه تعويقا للتسليم، ويبطل أيضا ~~ببيع العين المؤجرة. # فإن قيل: إذا اشترط أن يكون رهنا قبل قبضه تدافع موجب البيع والرهن، فإن ~~موجب الرهن أن يكون تلفه من ضمان مالكه؛ لأنه أمانة في يد المرتهن، وموجب ~~البيع أن يكون تلفه قبل التمكين من قبضه من ضمان البائع، فإذا تلف هذا ~~الرهن قبل التمكن من قبضه، فمن ضمان أيهما يكون؟ قيل: هذا السؤال أقوى من ~~السؤالين المتقدمين، والتدافع فيه أظهر من التدافع في التعليل الثاني، ~~وجواب هذا السؤال أن الضمان قبل التمكن من ms1149 القبض كان على البائع كما كان، ~~ولا يزيل هذا الضمان إلا تمكن المشتري من القبض، فإذا لم يتمكن من قبضه فهو # PageV04P028 # مضمون على البائع كما كان، وحبسه إياه على ثمنه لا يدخله في ضمان المشتري ~~ويجعله مقبوضا له كما لو حبسه بغير شرط. # فإن قيل: فأحمد - رحمه الله تعالى - قد قال: " إنه إذا حبسه على ثمنه كان ~~غاصبا إلا أن يشترط عليه الرهن "، وهذا يدل على أنه قد فرق في ضمانه بين أن ~~يحبسه بشرط أو يحبسه بغير شرط، وعندكم هو مضمون عليه في الحالين، وهو خلاف ~~النص. # فالجواب أن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - إنما جعله غاصبا بالحبس، ~~والغاصب عنده يضمن العين بقيمتها أو مثلها، ثم يستوفي الثمن أو بقيته من ~~المشتري، وأما إذا تلف قبل قبضه فهو من ضمان البائع، بمعنى أنه ينفسخ العقد ~~فيه، ولا يملك مطالبة المشتري بالثمن، وإن كان قد قبضه منه أعاده إليه، ~~فهذا الضمان شيء، وضمان الغاصب شيء آخر. # فإن قيل: فكيف يكون رهنا وضمانه على المرتهن؟ قيل: لم يضمنه المرتهن من ~~حيث هو رهن، وإنما ضمنه من حيث كونه مبيعا لم يتمكن مشتريه من قبضه، فحق ~~توفيته بعد على بائعه. # فإن قيل: فما تقولون لو حبس البائع السلعة؛ لاستيفاء حقه منها، وهذا يكون ~~في صور: إحداها: أن يبيعه دارا له فيها متاع لا يمكن نقله في وقت واحد. # والثانية: أن يستثني البائع الانتفاع بالمبيع مدة معلومة على أصلكم، أو ~~نحو ذلك، فإذا تلفت في يد البائع قبل تمكن المشتري من القبض في هاتين ~~الصورتين هل تكون من ضمانة أو من ضمان البائع؟ . # الثالثة: أن يشترط الخيار ويمنعه من تسليم المبيع قبل انقضاء الخيار، ~~قيل: الضمان في هذا كله على البائع؛ لأنه لم يدخل تحت يد المشتري، ولم ~~يتمكن من قبضه، فلا يكون مضمونا عليه. # فإن قيل: فهل يكون من ضمانه بالثمن أو بالقيمة؟ قيل: بل يكون مضمونا عليه ~~بالثمن، بمعنى أن العقد ينفسخ بتلفه؛ فلا يلزم المشتري تسليم الثمن. ### | [المثال الرابع بعد ms1150 المائة إقرار المريض بدين لوارثه] # [إقرار المريض بدين لوارثه] المثال الرابع بعد المائة: إقرار المريض ~~لوارثه بدين باطل عند الجمهور؛ للتهمة، فلو كان له عليه دين ويريد أن تبرأ ~~ذمته منه قبل الموت، وقد علم أن إقراره له باطل، فكيف الحيلة في براءة ذمته ~~ووصل صاحب الدين إلى ماله؟ فههنا وجوه: أحدها: أن يأخذ إقرار باقي الورثة # PageV04P029 # بأن هذا الدين على الميت؛ فإن الإقرار إنما بطل؛ لحقهم، فإذا أقروا به ~~لزمهم، فإن لم تتم له هذه الحيلة فله وجه ثان، وهو أن يأتي برجل أجنبي يثق ~~به يقر له بالمال فيدفعه الأجنبي إلى ربه. # فإن لم تتم له هذه الحيلة فله وجه ثالث، وهو أن يشتري منه سلعة بقدر ~~دينه، ويقر المريض بقبض الثمن منه، أو يقبض منه الثمن بمحضر الشهود ثم ~~يدفعه إليه سرا، فإن لم تتم له هذه الحيلة فليجعل الثمن وديعة عنده فيكون ~~أمانة فيقبل قوله في تلفه، ويتأول أو يدعي رده إليه، والقول قوله. # وله وجه آخر، وهو أن يحضر الوارث شيئا ثم يبيعه من موروثه بحضرة الشهود ~~ويسلمه إليه فيقبضه ويصير ماله، ثم يهبه الموروث لأجنبي ويقبضه منه، ثم ~~يهبه الأجنبي للوارث، فإذا فعلت هذه الحيلة؛ ليصل المريض إلى براءة ذمته، ~~والوارث إلى أخذ دينه جاز ذلك، وإلا فلا. ### | [المثال الخامس بعد المائة الإحالة بالدين وخوف هلاك المحال به] # [الإحالة بالدين وخوف هلاك المحال به] # المثال الخامس بعد المائة: إذا أحاله بدينه على رجل فخاف أن يتوى ماله ~~على المحال عليه، فلا يتمكن من الرجوع على المحيل؛ لأن الحوالة تحول الحق ~~وتنقله، فله ثلاث حيل. # إحداها: أن يقول: أنا لا أحتال، ولكن أكون وكيلا لك في قبضه، فإذا قبضه ~~فإن استنفقه ثبت له ذلك في ذمة الوكيل، وله في ذمة الموكل نظيره فيتقاصان، ~~فإن خاف الموكل أن يدعي الوكيل ضياع المال من غير تفريط فيعود يطالبه بحقه ~~فالحيلة له أن يأخذ إقراره بأنه متى ثبت قبضه منه فلا شيء له على الموكل، ~~وما يدعي عليه ms1151 بسبب هذا الحق أو من جهته فدعواه باطلة، وليس هذا إبراء ~~معلقا بشرط حتى يتوصل إلى إبطاله، بل هو إقرار بأنه لا يستحق عليه شيئا في ~~هذه الحالة. # الحيلة الثانية: أن يشترط عليه أنه إن توى المال رجع عليه، ويصح هذا ~~الشرط على قياس المذهب؛ فإن المحتال إنما قبل الحوالة على هذا الشرط، فلا ~~يجوز أن يلزم بها بدون الشرط، كما لو قبل عقد البيع بشرط الرهن أو الضمين ~~أو التأجيل أو الخيار، أو قبل عقد الإجارة بشرط الضمين للأجرة أو تأجيلها، ~~أو قبل عقد النكاح بشرط تأجيل الصداق، أو قبل عقد الضمان بشرط تأجيل الدين ~~الحال على المضمون عنه، أو قبل عقد الكفالة # PageV04P030 # بشرط أن لا يلزمه من المال الذي عليه شيء، أو قبل عقد الحوالة بشرط ملاءة ~~المحال عليه وكونه غير محجور، ولا مماطل، وأضعاف أضعاف ذلك من الشروط التي ~~لا تحل حراما، ولا تحرم حلالا، فإنها جائز اشتراطها لازم الوفاء بها كما ~~تقدم تقريره نصا وقياسا. # وقد صرح أصحاب أبي حنيفة بصحة هذا الشرط في الحوالة، فقالوا، واللفظ ~~للخصاف: يجوز أن يحتال الطالب بالمال على غريم المطلوب على أن هذا الغريم ~~إن لم يوف الطالب هذا المال إلى كذا وكذا فالمطلوب ضامن لهذا المال على ~~حاله، وللطالب أخذه بذلك، وتقع الحوالة على هذا الشرط، فإن وفاه الغريم إلى ~~الأجل الذي يشترطه، وإلا رجع إلى المطلوب، وأخذه بالمال، ثم حكى عن شيخه ~~قال: قلت: وهذا جائز؟ قال: نعم. # الحيلة الثالثة: أن يقول طالب الحق للمحال عليه: اضمن لي هذا الدين الذي ~~على غريمي، ويرضى منه بذلك بدل الحوالة، فإذا ضمنه تمكن من مطالبة أيهما ~~شاء، وهذه من أحسن الحيل، وألطفها. ### | [المثال السادس بعد المائة حيلة في لزوم تأجيل الدين الحال] # [حيلة في لزوم تأجيل الدين الحال] # المثال السادس بعد المائة: إذا كان له عليه دين حال، فاتفقا على تأجيله، ~~وخاف من عليه الدين أن لا يفي له بالتأجيل؛ فالحيلة في لزومه أن يفسخ العقد ~~الذي هو سبب الدين ms1152 الحال، ثم يعقده عليه مؤجلا، فإن كان عن ضمان أو كان بدل ~~متلف أو عن دية، وقد حلت أو نحو ذلك فالحيلة في لزوم التأجيل أن يبيعه سلعة ~~بمقدار هذا الدين، ويؤجل عليه ثمنها، ثم يبيعه المدين تلك السلعة بالدين ~~الذي أجله عليه أولا، فيبرأ منه، ويثبت في ذمته نظيره مؤجلا، فإن خاف صاحب ~~الحق أن لا يفي له من عليه بأدائه عند كل نجم كما أجله فالحيلة أن يشترط ~~عليه أنه إن حل نجم، ولم يؤده قسطه فجميع المال عليه حال، فإذا نجمه على ~~هذا الشرط جاز، وتمكن من مطالبته به حالا ومنجما عند من يرى لزوم تأجيل ~~الحال ومن لا يراه، أما من لا يراه فظاهر، وأما من يراه فإنه يجوز تأجيله؛ ~~لهذا الشرط كما صرح به أصحاب أبي حنيفة، والله أعلم. ### | [المثال السابع بعد المائة وصية المريض الذي لا وارث له بجميع ماله في البر] # [وصية المريض الذي لا وارث له بجميع ماله في البر] # المثال السابع بعد المائة: إذا أراد المريض الذي لا وارث له أن يوصي ~~بجميع أمواله في أبواب البر، فهل له ذلك؟ على قولين: أصحهما: أنه يملك ذلك؛ ~~لأنه إنما منعه الشارع # PageV04P031 # ما زاد على الثلث وكان له ورثة، فمن لا وارث له لا يعترض عليه فيما صنع ~~في ماله، فإن خاف أن يبطل ذلك حاكم لا يراه فالحيلة له أن يقر لإنسان يثق ~~بدينه، وأمانته بدين يحيط بماله كله، ثم يوصيه إذا أخذ ذلك المال أن يضعه ~~في الجهات التي يريد، فإن خاف المقر له أن يلزم بيمين باستحقاقه لما أقر له ~~به المريض اشترى منه المريض عرضا من العروض بماله كله، ويسلم العرض فإذا ~~حلف المقر له حلف بارا، فإن خاف المريض أن يصح فيأخذه البائع بثمن العرض ~~فالحيلة أن يشتريه بشرط الخيار سنة، فإن مات بطل الخيار، وإن عاش فسخ ~~العقد، فإن كان المال أرضا أو عقارا أو أراد أن يوقفه جميعه على قوم ~~يستغلونه، ولا يمكن إبطاله فالحيلة أن ms1153 يقر أن واقفا وقف ذلك جميعه عليه، ~~ومن بعده على الجهات التي يعينها، ويشهد على إقراره بأن هذا العقار في يده ~~على جهة الوقف من واقف كان ذلك العقار ملكا له إلى حين الوقف، أو يقر بأن ~~واقفا معينا وقفه على تلك الجهات، وجعله ناظرا عليه، فهو في يده على هذا ~~الوجه. # وكذلك الحيلة إذا كان له بنت أو أم أو وارث بالفرض لا يستغرق ماله، ولا ~~عصبة له، ويريد أن لا يتعرض له السلطان فله أنواع من المخارج: منها: أن ~~يبيع الوارث تلك الأعيان، ويقر بقبض الثمن منه، وإن أمكنه أن يشهد على قبضه ~~بأن يحضر الوارث مالا يقبضه إياه، ثم يعيده إليه سرا، فهو أولى، ومنها: أن ~~يشتري المريض من الوارث سلعة بمقدار التركة من الثمن ويشهد على الشراء، ثم ~~يعيد إليه تلك السلعة، ويرهنه المال كله على الثمن، فإذا أراد السلطان ~~مشاركته قال: وفوني حقي، وخذوا ما فضل. # ومنها: أن يبيع ذلك لأجنبي يثق به، ويقر بقبض الثمن منه، أو يقبضه بحضرة ~~الشهود، ثم يأذن للأجنبي في تمليكه للوارث أو وقفه عليه، ومنها: أن يقر ~~لأجنبي يثق به بما يريد، ثم يأمره بدفع ذلك إلى الوارث. # ولكن في هذه الحيل، وأمثالها أمران مخوفان: أحدهما: أنه قد يصح فيحال ~~بينه وبين ماله، والثاني: أن الأجنبي قد يدعي ذلك لنفسه، ولا يسلمه إلى ~~الوارث، فلا خلاص من ذلك إلا بوجه واحد، وهو أن يأخذ إقرار الأجنبي، ويشهد ~~عليه في مكتوب ثان أنه متى ادعى لنفسه أو لمن يخاف أن يواطئه على المريض أو ~~وارثه هذا المال أو شيئا منه أو حقا من حقوقه كانت دعواه باطلة. # وإن أقام به بينة فهي بينة زور، وأنه لا حق له قبل فلان بن فلان، ولا ~~وارثه بوجه ما، ويمسك الكتاب عنده، فيأمن هو والوارث ادعاء ذلك لنفسه، ~~والله أعلم. ### | [المثال الثامن بعد المائة اقتضاء الدين وتواري المدين] # [اقتضاء الدين وتواري المدين] # المثال الثامن بعد المائة: رجل يكون له الدين، ويكون عليه الدين، ms1154 فيوكل ~~وكيلا في اقتضاء ديونه، ثم يتوارى عن غريمه، فلا يمكنه اقتضاء دينه منه، ~~فأراد الغريم ممن له الدين # PageV04P032 # على هذا الرجل حيلة يقتضي بها دينه منه، ولا يضره تواري من عليه الدين. # فالحيلة أن يأتي هذا الذي له الدين إلى من عليه الدين فيقول له: وكلتك ~~بقبض مالي على فلان وبالخصومة فيه، ووكلتك أن تجعل ماله عليك قصاصا بمالي ~~عليه، وأجزت أمرك في ذلك، وما عملت فيه من شيء، فيقبل الوكيل، ويشهد على ~~الوكالة على هذا الوجه شهودا، ثم يشهدهم الوكيل أنه قد جعل الألف درهم التي ~~لفلان عليه قصاصا بالألف التي لموكله على فلان، فيصير الألف قصاصا، ويتحول ~~ما كان للرجل المتواري على هذا الوكيل للرجل الذي وكله. # وهذه الحيلة جائزة؛ لأن الموكل أقام الوكيل مقام نفسه، والوكيل يقول: ~~مطالبتي لك بهذا الدين كمطالبة موكلي به، فأنا أطالبك بألف، وأنت تطالبني ~~به، فاجعل الألف الذي تطالبني به عوضا عن الألف الذي أطالبك به، ولو كانت ~~الألف لي لحصلت المقاصة، إذ لا معنى لقبضك للألف مني أم أدائها إلي، وهذا ~~بعينه فيما إذا طالبتك بها لموكلي؛ أنا أستحق عليك أن تدفع إلي الألف، وأنت ~~تستحق علي أن أدفع إليك ألفا، فنتقاص في الألفين. ### | [المثال التاسع بعد المائة إثبات الدين على الغائب] # [إثبات الدين على الغائب] # المثال التاسع بعد المائة: رجل له على رجل مال، فغاب الذي عليه المال، ~~فأراد الرجل أن يثبت ماله عليه، حتى يحكم له الحاكم عليه، وهو غائب، ~~فليرفعه إلى حاكم يرى الحكم على الغائب، فإن كان حكم البلد لا يرى الحكم ~~على الغائب فالحيلة أن يجيء رجل فيضمن لهذا الذي له المال جميع ماله على ~~الرجل الغائب، ويسميه وينسبه، ولا يذكر مبلغ المال، بل يقول: ضمنت له جميع ~~ما صح له في ذمته، ويشهد على ذلك، ثم يقدمه إلى القاضي، فيقر الضامن ~~بالضمان، ويقول: لا أعرف له على فلان شيئا. # فيسأل القاضي المضمون له: هل لك بينة؟ فيقول: نعم، فيأمره بإقامتها، فإذا ~~شهدت ثبت الحق ms1155 على الغائب، وحكم على الضمين بالمال، ويجعله خصما عن الغائب؛ ~~لأنه قد ضمن ما عليه، ولا ينفذ حكمه على الضامن بثبوت المال على وجه الضمان ~~حتى يحكم على الغائب المضمون عنه بالثبوت؛ لأنه هو الأصل، والضامن فرعه، ~~وثبوت الفرع بدون أصله ممتنع، وهو جائز على أصل أهل العراق، حيث يجوزون ~~الحكم على الغائب إذا اتصل القضاء بحاضر محكوم عليه كوكيل الغائب، وكما لو ~~ادعى أنه اشترى من غائب ما فيه شفعة فإنه يقضي عليه بالبيع وبالشفعة على ~~المدعي، وكهذه المسألة ما لو ادعت زوجة غائب أن له عند فلان وديعة، فإنه ~~يفرض لها مما في يديه. # PageV04P033 ### | [المثال العاشر بعد المائة انتفاع المرتهن بالرهن] # انتفاع المرتهن بالرهن] # المثال العاشر بعد المائة: ليس للمرتهن أن ينتفع بالرهن إلا بإذن الراهن، ~~فإن أذن له كان إباحة أو عارية له الرجوع فيها متى شاء، ويقضي له بالأجرة ~~من حين الرجوع في أحد الوجهين؛ فالحيلة في انتفاع المرتهن بالرهن آمنا من ~~الرجوع ومن الأجرة أن يستأجره منه للمدة التي يريد الانتفاع به فيها، ثم ~~يبرئه من الأجرة، أو يقر بقبضها، ويجوز أن يرد عقد الإجارة على عقد الرهن، ~~ولا يبطله، كما يجوز أن يرهنه ما استأجره، فيرد كل من العقدين على الآخر، ~~وهو في يده أمانة في الموضعين، وحقه متعلق به فيهما، إلا أن الانتفاع ~~بالمرهون مع الإجارة، والرهن بحاله. ### | [المثال الحادي عشر بعد المائة استيثاق كل من الراهن والدائن بماله] # [استيثاق كل من الراهن والدائن بماله] # المثال الحادي عشر بعد المائة: إذا كان له على رجل مال، وبالمال رهن، ~~فادعى صاحب الرهن به عند الحاكم، فخاف المرتهن أن يقر بالرهن، فيقول ~~الراهن: قد أقررت بأن لي رهنا في يدك، وادعيت الدين، فينزعه من يده، ولا ~~يقر له بالدين، فقد ذكروا له حيلة تحرز حقه، وهي أن لا يقر به حتى يقر له ~~صاحبه بالدين، فإن ادعاه، وسأل إحلافه أنكر وحلف، وعرض في يمينه، بأن ينوي ~~أن هذا ليس له قبل ملكه أو إذا باعه، ms1156 أو ليس له عاريا عن تعلق الحق به، ~~ونحو ذلك. # وأحسن من هذه الحيلة أن يفصل في جواب الدعوى فيقول: إن ادعيته رهنا في ~~يدي على ألف لي عليك فأنا مقر به، وإن ادعيته على غير هذا الوجه فلا أقر ~~لك، وينفعه هذا الجواب، كما قالوا فيما إذا ادعى عليه ألفا، فقال: إن ~~ادعيتها من ثمن مبيع لم أقبضه منك فأنا مقر، وإلا فلا، وهذا مثله سواء. # فإن كان الغريم هو المدعي للمال فخاف الراهن أن يقر بالمال فيجحد المرتهن ~~الرهن فيلزم الراهن المال، ويذهب رهنه، فالحيلة في أمنه من ذلك أن يقول: إن ~~ادعيت هذا المال، وأنك تستحقه من غير رهن لي عندك فلا أقر به، وإن ادعيته ~~مع كوني رهنتك به كذا وكذا فأنا مقر به، ولا يزيد على هذا. # وقالت الحنفية: الحيلة أن يقر منه بدرهم فيقول: لك علي درهم، ولي عندك ~~رهن كذا وكذا، فإذا سأل الحاكم المدعي عن الرهن، فإما أن يقر به، وإما أن ~~ينكر، فإن أقر به فليقر له خصمه بباقي دينه، وإن أنكره وحلف عليه وسع الآخر ~~أن يجحد باقي الدين ويحلف عليه إن كان الرهن بقدر الدين أو أكثر منه، وإن ~~كان أقل منه لزمه أن يعطيه ما زاد # PageV04P034 # على قيمة الرهن من حقه، قالوا: لأن الرهن إن كان قد تلف بغير تفريطه سقط ~~ما يقابله من الدين، وإن كان قد فرط فيه صارت قيمته دينا عليه، فيكون قصاصا ~~بالدين الذي له. # وهذا بناء على أصلين لهم: أحدهما: أن الرهن مضمون على المرتهن بأقل ~~الأمرين من قيمته أو قدر الدين، والثاني: جواز الاستيفاء في مسألة الظفر. ### | [المثال الثاني عشر بعد المائة حيلة في إبرار زوج وزوجة] # [حيلة في إبرار زوج وزوجة] # المثال الثاني عشر بعد المائة: إذا قال لامرأته " إن لم أطأك الليلة فأنت ~~طالق ثلاثا " فقالت " إن وطئتني الليلة فأمتي حرة " فالمخلص من ذلك أن ~~تبيعه الجارية فإذا وطئها بعد ذلك لم تعتق؟ ؛ لأنها خرجت من ملكها ثم ~~تستردها. # فإن ms1157 خافت أن يطأ الجارية على قول من لا يرى على الرجل استبراء الأمة التي ~~يشتريها من امرأته كما ذهب إليه بعض الشافعية والمالكية. # فالحيلة أن تشتريها منه عقيب الوطء فإن خافت أن لا يرد إليها الجارية ~~ويقيم على ملكها فلا تصل إليها، فالحيلة لها أن تشترط عليه أنه إن لم يرد ~~الجارية إليها عقيب الوطء فهي حرة. # فإن خافت أن يملكها لغيره تلجئة فلا يصح تعليق عتقها، فالحيلة لها أن ~~تشترط عليه أنه إن لم يردها إليها عقيب الوطء فهي طالق، فهنا تضيق عليه ~~الحيلة في استدامة ملكها، ولم يجد بدا من مفارقة إحداهما. ### | [المثال الثالث عشر بعد المائة حيلة في المخالفة على نفقتها وسكناها قبل وجوبهما] # [حيلة في المخالفة على نفقتها وسكناها قبل وجوبهما] # المثال الثالث عشر بعد المائة: إذا أراد الرجل أن يخالع امرأته الحامل ~~على سكناها ونفقتها جاز ذلك، وبرئ منهما، هذا منصوص أحمد، وقال الشافعي: لا ~~يصح الخلع، ويجب مهر المثل، واحتج له بأن النفقة لم تجب بعد فإنها إنما تجب ~~بعد الإبانة، وقد خالعها بمعدوم، فلا يصح، كما لو خالعها على عوض شيء يتلفه ~~عليها، وهذا اختيار أبي بكر عبد العزيز، وقال أصحاب أبي حنيفة: إذا خالعها ~~على أن لا سكنى لها، ولا نفقة فلا نفقة لها، وتستحق عليه السكنى، قالوا: ~~لأن النفقة حق لها، وقد أسقطته، والسكنى حق الشارع فلا تسقط بإسقاطها، ~~فيلزم إسكانها. # قالوا: فالحيلة على سقوط الأجرة عنه أن يشترط الزوج في الخلع أن لا يكون ~~عليه مؤنة السكنى، وأن مؤنتها تلزم المرأة في مالها، وتجب أجرة المسكن ~~عليها. # فإن قيل: لو أبرأت المرأة زوجها عن النفقة قبل أن تصير دينا في ذمته لم ~~تصح، ولو شرط في عقد الخلع براءة الزوج عن النفقة صح. # PageV04P035 # قيل: الفرق بينهما أن الإبراء إذا شرط في الخلع كان إبراء بعوض، فالإبراء ~~بعوض استيفاء لما وقعت البراءة عنه؛ لأن العوض قائم مقام ما وقعت البراءة ~~عنه، والاستيفاء يجوز قبل الوجوب بدليل ما لو تسلفت نفقة شهر ms1158 جملة، وأما ~~الإبراء من النفقة في غير خلع قبل ثبوتها فهو إسقاط لما لم يجب فلا يسقط، ~~كما لو أسقطت حقها من القسم فإن لها أن ترجع فيه متى شاءت، وأما قول صاحب ~~المحرر " وقيل: إن أوجبنا نفقة الزوجة بالعقد صح، وإلا فهو خلع بمعدوم، وقد ~~بينا حكمه " يعني إن قلنا: إن نفقة الحامل نفقة زوجة، وإن النفقة لها من ~~أجل الحمل، وإنها تجب بالعقد فيكون خلعا بشيء ثابت، وإن قلنا: إن النفقة ~~إنما تجب بالتمكين فقد زال التمكين بالخلع، وصارت النفقة نفقة قريب، فالخلع ~~بنفقة الزوجة حينئذ خلع بمعدوم، هذا أقرب ما يتوجه به كلامه، وفيه ما فيه، ~~والله أعلم. ### | [المثال الرابع عشر بعد المائة حيلة في التحليل من الطلاق بعد الثلاث] # [للتحليل بعد الطلاق الثلاث] # المثال الرابع عشر بعد المائة: إذا وقع الطلاق الثلاث بالمرأة، وكان ~~دينها ودين وليها وزوجها المطلق أعز عليهم من التعرض للعنة الله ومقته ~~بالتحليل الذي لا يحلها، ولا يطيبها بل يزيدها خبثا فلو أنها أخرجت من ~~مالها ثمن مملوك فوهبته لبعض من تثق به فاشترى به مملوكا ثم خطبها على ~~مملوكه فزوجها منه فدخل بها المملوك ثم وهبها إياه انفسخ النكاح، ولم يكن ~~هناك تحليل مشروط، ولا منوي ممن تؤثر نيته وشرطه، وهو الزوج؛ فإنه لا أثر ~~لنية الزوجة، ولا الولي، وإنما التأثير لنية الزوج الثاني، فإنه إذا نوى ~~التحليل كان محللا فيستحق اللعنة ثم يستحقها الزوج المطلق إذا رجعت إليه ~~بهذا النكاح الباطل، فأما إذا لم يعلم الزوج الثاني، ولا الأول بما في قلب ~~المرأة أو وليها من نية التحليل لم يضر ذلك العقد شيئا. # وقد علم النبي - صلى الله عليه وسلم - من امرأة رفاعة أنها كانت تريد أن ~~ترجع إليه، ولم يجعل ذلك مانعا من رجوعها إليه، وإنما جعل المانع عدم وطء ~~الثاني فقال: «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» . # وقد صرح أصحابنا بأن ذلك يحلها، فقال صاحب المغني فيه: فإن تزوجها مملوك ~~ووطئها أحلها، وبذلك قال عطاء ومالك والشافعي، وأصحاب الرأي، ms1159 ولا نعلم لهم ~~مخالفا. قلت: هذه الصورة غير الصورة التي منع منها الإمام أحمد، فإنه منع ~~من حلها إذا كان الزوج المطلق قد اشترى العبد وزوجه بها بإذن وليها ليحلها، ~~فهذه حيلة لا تجوز عنده، وأما هذه المسألة فليس للزوج الأول، ولا للثاني ~~فيها نية، ومع هذا فيكره؛ لأنها نوع حيلة. # PageV04P036 ### | [المثال الخامس عشر بعد المائة الإبرار من حلف بالطلاق] # الإبرار من حلف بالطلاق] # المثال الخامس عشر بعد المائة: قال عبد الله بن أحمد في مسائله: سألت أبي ~~عن رجل قال لامرأته: أنت طالق إن لم أجامعك اليوم، وأنت طالق إن اغتسلت منك ~~اليوم، فقال: يصلي العصر ثم يجامعها، فإذا غابت الشمس اغتسل إن لم يكن أراد ~~بقوله " اغتسلت " المجامعة. # ونظير هذا أيضا ما نص عليه في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن لم أطأك في ~~رمضان، فسافر مسيرة أربعة أيام أو ثلاثة ثم وطئها، فقال: لا يعجبني؛ لأنها ~~حيلة، ولا يعجبني الحيلة في هذا، ولا في غيره. # وقال القاضي: إنما كره الإمام أحمد هذا؛ لأن السفر الذي يبيح الفطر لا بد ~~أن يكون سفرا مقصودا مباحا، وهذا لا يقصد به غير حل اليمين. # قال الشيخ أبو محمد المقدسي: والصحيح أن هذا تنحل به اليمين، ويباح له ~~الفطر فيه؛ لأنه سفر بعيد مباح؛ لقصد صحيح، وإرادة حل يمينه من المقاصد ~~الصحيحة. # وقد أبحنا لمن له طريقان قصيرة لا يقصر فيها وبعيدة أن يسلك البعيدة؛ ~~ليقصر فيها الصلاة ويفطر، مع أنه لا قصد له سوى الترخص، فهاهنا أولى. # قلت: ويؤيد اختيار الشيخ قدس الله روحه ما رواه الخطيب في كتاب الفقيه ~~والمتفقه أنبأ الأزهري أنبأ سهيل بن أحمد ثنا محمد بن محمد الأشعث الكوفي ~~حدثني موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ~~أبي طالب - صلوات الله عليهم - ثنا أبي عن أبيه عن جده جعفر بن محمد عن ~~أبيه علي - عليه السلام - في رجل حلف فقال: امرأته طالق ثلاثا إن لم يطأها ~~في ms1160 شهر رمضان نهارا، قال: يسافر ثم يجامعها نهارا. ### | [المثال السادس عشر بعد المائة المخارج من التحليل في الطلاق] # [المخارج من التحليل في الطلاق] # المثال السادس عشر بعد المائة: في المخارج من الوقوع في التحليل الذي لعن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير وجه فاعله والمطلق المحلل له، فأي ~~قول من أقوال المسلمين خرج به من لعنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كان أعذر عند الله ورسوله وملائكته وعباده المؤمنين من ارتكابه لما يلعن ~~عليه، ومباءته باللعنة؛ فإن هذه المخارج التي نذكرها دائرة بين ما دل عليه ~~الكتاب والسنة أو أحدهما أو أفتى به الصحابة، بحيث لا يعرف عنهم فيه خلاف، ~~أو أفتى به بعضهم، أو هو خارج عن أقوالهم، أو هو قول جمهور الأمة أو بعضهم ~~أو إمام من الأئمة الأربعة، أو أتباعهم أو غيرهم من علماء الإسلام، ولا ~~تخرج هذه القاعدة التي نذكرها عن # PageV04P037 # ذلك، فلا يكاد يوصل إلى التحليل بعد مجاوزة جميعها إلا في أندر النادر، ~~ولا ريب أن من نصح لله ورسوله وكتابه ودينه، ونصح نفسه ونصح عباده أن أيا ~~منها ارتكب فهو أولى من التحليل. # [الأول: أن يكون زائل العقل] # المخرج الأول: أن يكون المطلق أو الحالف زائل العقل إما بجنون أو إغماء ~~أو شرب دواء أو شرب مسكر يعذر به أو لا يعذر أو وسوسة، وهذا المخلص مجمع ~~عليه بين الأمة إلا في شرب مسكر لا يعذر به، فإن المتأخرين من الفقهاء ~~اختلفوا فيه، والثابت عن الصحابة الذي لا يعلم فيه خلاف بينهم أنه لا يقع ~~طلاقه. # [طلاق السكران والمكره] # قال البخاري في صحيحه: باب الطلاق في الإغلاق والمكره والسكران والمجنون، ~~وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى» وتلا الشعبي {ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] وما لا يجوز من إقرار الموسوس، «، وقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي أقر على نفسه: أبك جنون» وقال «علي: بقر ~~حمزة خواصر ms1161 شارفي فطفق النبي - صلى الله عليه وسلم - يلوم حمزة، فإذا حمزة ~~قد ثمل محمرة عيناه ثم قال حمزة: هل أنتم إلا عبيد لآبائي؟ فعرف النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قد ثمل، فخرج وخرجنا معه» . # قال عثمان: ليس لمجنون، ولا لسكران طلاق. # وقال ابن عباس: طلاق السكران والمستكره ليس بجائز. # وقال عقبة بن عامر: لا يجوز طلاق الموسوس، هذا لفظ الترجمة، ثم ساق بقية ~~الباب، ولا يعرف عن رجل من الصحابة أنه خالف عثمان وابن عباس في ذلك، ولذلك ~~رجع الإمام أحمد إلى هذا القول بعد أن كان يفتي بنفوذ طلاقه. # فقال أبو بكر عبد العزيز في كتاب الشافي والزاد: قال أبو عبد الله في ~~رواية الميموني: قد كنت أقول بأن طلاق السكران يجوز، حتى تبينته، فغلب علي ~~أنه لا يجوز طلاقه؛ لأنه لو أقر لم يلزمه، ولو باع لم يجز بيعه. # قال: وألزمه الجناية، وما كان من غير ذلك فلا يلزمه، قال أبو بكر: وبهذا ~~أقول، وفي مسائل الميموني: سألت أبا عبد الله عن طلاق السكران، فقال: أكثر ~~ما عندي فيه أنه لا # PageV04P038 # يلزمه الطلاق، قلت: أليس كنت مرة تخاف أن يلزمه؟ قال: بلى ولكن أكثر ما ~~عندي فيه أنه لا يلزمه الطلاق؛ لأني رأيته ممن لا يعقل، قلت: السكر شيء ~~أدخله على نفسه، فلذلك يلزمه، قال: قد يشرب رجل البنج أو الدواء فيذهب ~~عقله، قلت: فبيعه وشراؤه، وإقراره؟ قال: لا يجوز، وقال في رواية أبي ~~الحارث: أرفع شيء فيه حديث الزهري عن أبان بن عثمان عن عثمان " ليس لمجنون، ~~ولا سكران طلاق ". # وقال في رواية أبي طالب: والذي لا يأمر بالطلاق فإنما أتى خصلة واحدة، ~~والذي يأمر بالطلاق قد أتى خصلتين حرمها عليه، وأحلها لغيره، فهذا خير من ~~هذا، وأنا اتقي جميعها. # وممن ذهب إلى القول بعدم نفوذ طلاق السكران من الحنفية أبو جعفر الطحاوي ~~وأبو الحسن الكرخي، وحكاه صاحب النهاية عن أبي يوسف وزفر. # ومن الشافعية المزني وابن سريج وجماعة ممن اتبعهما. # وهو الذي اختاره الجويني في ms1162 النهاية، والشافعي نص على وقوع طلاقه، ونص في ~~أحد قوليه على أنه لا يصح ظهاره، فمن أتباعه من نقل عن الظهار قولا إلى ~~الطلاق، وجعل المسألة على قولين، ومنهم من قرر حكم النصين، ولم يفرق بطائل. # والصحيح أنه لا عبرة بأقواله من طلاق، ولا عتاق، ولا بيع، ولا هبة، ولا ~~وقف، ولا إسلام، ولا ردة، ولا إقرار؛ لبضعة عشر دليلا ليس هذا موضع ذكرها، ~~ويكفي منها قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~باستنكاه ماعز لما أقر بالزنا بين يديه، وعدم أمر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حمزة بتجديد إسلامه لما قال في سكره " أنتم عبيد لآبائي " وفتوى ~~عثمان وابن عباس، ولم يخالفهما أحد من الصحابة، والقياس الصحيح المحض على ~~زائل العقل بدواء أو بنج أو مسكر هو فيه معذور بمقتضى قواعد الشريعة؛ فإن ~~السكران لا قصد له؛ فهو أولى بعدم المؤاخذة من اللاغي، ومن جرى اللفظ على ~~لسانه من غير قصد له، وقد صرح أصحاب أبي حنيفة بأنه لا يقع طلاق الموسوس، ~~وقالوا: لا يقع طلاق المعتوه، وهو من كان قليل الفهم مختلط الكلام فاسد ~~التدبير، إلا أنه لا يضرب، ولا يشتم كما يفعل المجنون. # PageV04P039 # فصل: # [المخرج الثاني ويشتمل على القول في طلاق الغضبان] # المخرج الثاني: أن يطلق أو يحلف في حال غضب شديد قد حال بينه وبين كمال ~~قصده وتصوره؛ فهذا لا يقع طلاقه، ولا عتقه، ولا وقفه، ولو بدرت منه كلمة ~~الكفر في هذا الحال لم يكفر، وهذا نوع من الغلق والإغلاق الذي منع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وقوع الطلاق والعتاق فيه، نص على ذلك الإمام ~~أحمد وغيره. # قال أبو بكر بن عبد العزيز في كتاب زاد المسافر له: باب في الإغلاق في ~~الطلاق، قال أحمد في رواية حنبل: وحديث عائشة - رضي الله عنها - أنها سمعت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول «لا طلاق، ولا عتاق في إغلاق» يعني ~~الغضب، ms1163 وبذلك فسره أبو داود في سننه عقب ذكره الحديث، فقال: والإغلاق أظنه ~~الغضب. # وقسم شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه الغضب إلى ثلاثة أقسام: قسم ~~يزيل العقل كالسكر، فهذا لا يقع معه طلاق بلا ريب. # وقسم يكون في مبادئه بحيث لا يمنعه من تصور ما يقول وقصده، فهذا يقع معه ~~الطلاق. # وقسم يشتد بصاحبه، ولا يبلغ به زوال عقله، بل يمنعه من التثبت والتروي ~~ويخرجه عن حال اعتداله، فهذا محل اجتهاد. # والتحقيق أن الغلق يتناول كل من انغلق عليه طريق قصده وتصوره كالسكران ~~والمجنون والمبرسم والمكره والغضبان، فحال هؤلاء كلهم حال إغلاق، والطلاق ~~إنما يكون عن وطر؛ فيكون عن قصد المطلق وتصور لما يقصده، فإن تخلف أحدهما ~~لم يقع طلاق، وقد نص مالك والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه فيمن قال ~~لامرأته ": أنت طالق ثلاثا " ثم قال: أردت أن أقول إن كلمت فلانا، أو خرجت ~~من بيتي بغير إذني، ثم بدا لي فتركت اليمين، ولم أرد التنجيز في الحال، إنه ~~لا تطلق عليه، وهذا هو الفقه بعينه؛ لأنه لم يرد التنجيز، ولم يتم اليمين. # وكذلك لو أراد أن يقول " أنت طاهر " فسبق لسانه فقال " أنت طالق " لم يقع ~~طلاقه، لا في الحكم الظاهر، ولا فيما بينه وبين الله تعالى، نص عليه الإمام ~~أحمد في إحدى الروايتين، والثانية لا يقع فيما بينه وبين الله، ويقع في ~~الحكم، وهذا إحدى الروايتين عن أبي يوسف، وقال ابن أبي شيبة: ثنا محمد بن ~~مروان عن عمارة سئل جابر بن زيد عن رجل غلط بطلاق امرأته، فقال: ليس على ~~المؤمن غلط، ثنا وكيع عن إسرائيل عن عامر في رجل أراد أن يتكلم في شيء ~~فغلط، فقال الشعبي: ليس بشيء. # PageV04P040 # فصل: # [المخرج الثالث ويشتمل على القول في طلاق المكره] # المخرج الثالث: أن يكون مكرها على الطلاق أو الحلف به عند جمهور الأمة من ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو قول أحمد ومالك والشافعي وجميع أصحابهم، ~~على اختلاف بينهم في حقيقة الإكراه وشروطه، قال الإمام أحمد في ms1164 رواية أبي ~~طالب: يمين المستكره إذا ضرب. # ابن عمر وابن الزبير لم يرياه شيئا، وقال في رواية أبي الحارث: إذا طلق ~~المكره لم يلزمه الطلاق، فإذا فعل به كما فعل بثابت بن الأحنف فهو مكره؛ ~~لأن ثابتا عصروا رجله حتى طلق، فأتى ابن عمر وابن الزبير فلم يريا ذلك ~~شيئا، وكذا قال الله تعالى {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: ~~106] وقال الشافعي: قال عز وجل: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} ~~[النحل: 106] وللكفر أحكام، فلما وضعها الله تعالى عنه سقطت أحكام الإكراه ~~عن القول كله؛ لأن الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه. # وفي سنن ابن ماجه وسنن البيهقي من حديث بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عطاء ~~عن عبيد بن عمير عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن الله وضع ~~عن أمتي» وقال البيهقي «تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا ~~عليه» وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله: - صلى الله عليه ~~وسلم - «إن الله تجاوز لأمتي ما توسوس به صدورها، ما لم تعمل به أو تتكلم ~~به» . # زاد ابن ماجه: «وما استكرهوا عليه» . # وقال الشافعي: روى حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن عليا كرم الله وجهه ~~قال: لا طلاق لمكره، وذكر الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير وابن عباس: لم يجز ~~طلاق المكره، وذكر أبو عبيد عن علي وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعطاء ~~وعبد الله بن عمير أنهم كانوا يرون طلاقه غير جائز. # وقال ابن أبي شيبة: ثنا عبد الله بن أبي طلحة عن أبي يزيد المديني عن ابن ~~عباس قال: ليس على المكروه، ولا المضطهد طلاق. # وحدثنا أبو معاوية عن عبد الله بن عمير عن ثابت مولى أهل المدينة عن ابن ~~عمر وابن الزبير كانا لا يريان طلاق المكره شيئا، ثنا وكيع عن الأوزاعي عن ~~رجل عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه لم يره شيئا. # قلت: قد اختلف على عمر، ms1165 فقال إسماعيل بن أبي أويس: حدثني عبد الملك بن ~~قدامة بن إبراهيم الجمحي عن أبيه أن رجلا تدلى يشتار عسلا في زمن عمر - رضي ~~الله عنه -، فجاءته امرأته فوقفت على الحبل، فحلفت لتقطعنه أو لتطلقني ~~ثلاثا، فذكرها الله والإسلام، فأبت إلا ذلك، فطلقها ثلاثا. فلما ظهر أتى ~~عمر فذكر له ما كان منها إليه ومنه إليها، فقال: ارجع إلى أهلك فليس هذا ~~بطلاق، تابعه عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الملك # PageV04P041 # وهو المشهور عن عمر، وقال أبو عبيد: حدثني يزيد عن عبد الملك بن قدامة عن ~~أبيه عن عمر بهذا، ولكنه قال: فرفع إلى عمر فأبانها منه. # قال أبو عبيد: وقد روي عن عمر خلافه، ولم يصح عن أحد من الصحابة تنفيذ ~~طلاق المكره سوى هذا الأثر عن عمر، وقد اختلف فيه عنه، والمشهور أنه ردها ~~إليه، ولو صح إبانتها منه لم يكن صريحا في الوقوع، بل لعله رأى من المصلحة ~~التفريق بينهما، وأنهما لا يتصافيان بعد ذلك، فألزمه بإبانتها. # ولكن الشعبي وشريحا وإبراهيم يجيزون طلاق المكره حتى قال إبراهيم: لو وضع ~~السيف على مفرقه ثم طلق لأجزت طلاقه. # وفي المسألة مذهب ثالث: قال ابن شيبة: ثنا ابن إدريس عن حصين عن الشعبي ~~في الرجل يكره على أمر من أمر العتاق أو الطلاق، فقال: إذا أكرهه السلطان ~~جاز، وإذا أكرهه اللصوص لم يجز، ولهذا القول غور وفقه دقيق لمن تأمله. # فصل: # واختلفوا في المكره يظن أن الطلاق يقع به فينويه، هل يلزمه؟ على قولين ~~وهما وجهان للشافعية، فمن ألزمه رأى أن النية قد قارنت اللفظ، وهو لم يكره ~~على النية، فقد أتى بالطلاق المنوي اختيارا فلزمه، ومن لم يلزمه به رأى أن ~~لفظ المكره لغو لا عبرة به، فلم يبق إلا مجرد النية، وهي لا تستقل بوقوع ~~الطلاق. # فصل: # واختلف في ما لو أمكنه التورية فلم يور، والصحيح أنه لا يقع به الطلاق، ~~وإن تركها؛ فإن الله تعالى لم يوجب التورية على من أكره على كلمة الكفر، ~~وقلبه مطمئن بالإيمان، ms1166 مع أن التورية هناك أولى، ولكن المكره إنما لم يعتبر ~~لفظه؛ لأنه غير قاصد لمعناه، ولا مريد لموجبه، وإنما تكلم به فداء لنفسه من ~~ضرر الإكراه، فصار تكلمه باللفظ لغوا بمنزلة كلام المجنون والنائم ومن لا ~~قصد له، سواء ورى أو لم يور. # وأيضا فاشتراط التورية إبطال لرخصة التكلم مع الإكراه، ورجوع إلى القول ~~بنفوذ طلاق المكره؛ فإنه لو ورى بغير إكراه لم يقع طلاقه، والتأثير إذا ~~إنما هو للتورية لا للإكراه، وهذا باطل، وأيضا فإن الموري إنما لم يقع ~~طلاقه مع قصده للتكلم باللفظ؛ لأنه لم يقصد مدلوله، وهذا المعنى بعينه ثابت ~~في الإكراه، فالمعنى الذي منع من النفوذ في التورية هو الذي منع النفوذ في ~~الإكراه. # PageV04P042 ### | [فصل حكم الاستثناء في الطلاق] # فصل: [المخرج الرابع ويشتمل على حكم الاستثناء في الطلاق] # المخرج الرابع: أن يستثني في يمينه أو طلاقه، وهذا موضع اختلف فيه ~~الفقهاء؛ فقال الشافعي وأبو حنيفة: يصح الاستثناء في الإيقاع والحلف، فإذا ~~قال: " أنت طالق إن شاء الله " أو " أنت حرة إن شاء الله " أو " إن كلمت ~~فلانا فأنت طالق إن شاء الله " أو " الطلاق يلزمني لأفعلن كذا إن شاء الله ~~" أو " أنت علي حرام أو الحرام يلزمني إن شاء الله " نفعه الاستثناء، ولم ~~يقع به طلاق في ذلك كله. # ثم اختلفا في الموضع [الذي] يعتبر فيه الاستثناء، فاشترط أصحاب أبي حنيفة ~~اتصاله بالكلام فقط، سواء نواه من أوله أو قبل الفراغ من كلامه أو بعده. # وقال أصحاب الشافعي: إن عقد اليمين ثم عن له الاستثناء لم يصح، وإن عن له ~~الاستثناء في أثناء اليمين فوجهان؛ أحدهما: يصح، والثاني لا يصح، وإن نوى ~~الاستثناء مع عقد اليمين صح وجها واحدا، وقد ثبت بالسنة الصحيحة «أن سليمان ~~بن داود - عليهما الصلاة والسلام - قال: لأطوفن الليلة على كذا وكذا امرأة ~~تحمل كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك الموكل به: قل ~~إن شاء الله، فلم يقل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - والذي نفسي بيده ms1167 ~~لو قالها لقاتلوا في سبيل الله فرسانا أجمعون» ، وهذا صريح في نفع ~~الاستثناء المقصود بعد عقد اليمين. # وثبت في السنن عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «والله لأغزون قريشا، ~~والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا، ثم سكت قليلا ثم قال: إن شاء الله ~~ثم لم يغزهم» رواه أبو داود. # وفي جامع الترمذي من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه» ~~، وقد قال تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا - إلا أن يشاء الله ~~واذكر ربك إذا نسيت} [الكهف: 23 - 24] فهذه النصوص الصحيحة لم يشترط في شيء ~~منها [ألبتة] في صحة الاستثناء ونفعه أن ينويه مع الشروع في اليمين، ولا ~~قبلها، بل حديث سليمان صريح في خلافه، وكذلك حديث " لأغزون قريشا "، وحديث ~~ابن عمر متناول لكل من قال إن شاء الله بعد يمينه، سواء نوى الاستثناء قبل ~~الفراغ أو لم ينوه، والآية دالة على نفع الاستثناء مع النسيان أظهر دلالة. # ومن شرط النية قبل الفراغ لم يكن لذكر الاستثناء بعد النسيان عنده تأثير، ~~وأيضا فالكلام بآخره، وهو كلام واحد متصل بعضه ببعض،، ولا معنى لاشتراط ~~النية في أجزائه، وأبعاضه، وأيضا فإن الرجل قد يستحضر بعد فراغه من الجملة ~~ما يرفع بعضها، ولا يذكر ذلك في حال تكلمه بها، فيقول: لزيد عندي ألف درهم، ~~ثم في الحال يذكر أنه قضاه منها مائة فيقول: إلا مائة، فلو اشترط نية ~~الاستثناء قبل الفراغ لتعذر # PageV04P043 # عليه استدراك ذلك وألجئ إلى الإقرار بما لا يلزمه والكذب فيه. # وإذا كان هذا في الإخبار فمثله في الإنشاء سواء؛ فإن الحالف قد يبدو له ~~فيعلق اليمين بمشيئة الله، وقد يذهل في أول كلامه عن قصد الاستثناء، أو ~~يشغله شاغل عن نيته، فلو لم ينفعه الاستثناء حتى يكون ناويا له من أول ~~يمينه لفات مقصود الاستثناء، وحصل الحرج الذي رفعه الله تعالى عن الأمة به، ~~ولما قال لرسوله إذا نسيه ms1168 {واذكر ربك إذا نسيت} [الكهف: 24] وهذا متناول ~~لذكره إذا نسي الاستثناء قطعا، فإنه سبب النزول، ولا يجوز إخراجه وتخصيصه؛ ~~لأنه مراد قطعا، وأيضا فإن صاحب هذا القول إن طرده لزمه ألا يصح مخصص من ~~صفة أو بدل أو غاية أو استثناء بإلا ونحوها حتى ينويه المتكلم من أول ~~كلامه؛ فإذا قال ": له علي ألف مؤجلة إلى سنة " هل يقول عالم: إنه لا يصح ~~وصفها بالتأجيل حتى يكون منويا من أول الكلام؟ . # وكذلك إذا قال " بعتك هذا بعشرة " فقال " اشتريته على أن لي الخيار ثلاثة ~~أيام " يصح هذا الشرط، وإن لم ينوه من أول كلامه، بل عن له الاشتراط عقيب ~~القبول. # ومثله لو قال ": وقفت داري على أولادي أو غيرهم بشرط كونهم فقراء مسلمين، ~~أو متأهلين، وعلى أنه من مات منهم فنصيبه لولده أو للباقين " صح ذلك، وإن ~~عن له ذكر هذه الشروط بعد تلفظه بالوقف. # ولم يقل أحد: لا تقبل منه هذه الشروط إلا أن يكون قد نواها قبل الوقف أو ~~معه، ولم يقع في زمن من الأزمنة قط سؤال الواقفين عن ذلك، وكذلك لو قال " ~~له علي مائة درهم إلا عشرة " فإنه يصح الاستثناء، وينفعه، ولا يقول له ~~الحاكم: إن كنت نويت الاستثناء من أول كلامك لزمك تسعون، وإن كنت إنما ~~نويته بعد الفراغ لزمك مائة، ولو اختلف الحال لبين له الحاكم ذلك، ولساغ له ~~أن يسأله بل يحلفه أنه نوى ذلك قبل الفراغ إذا طلب المقر له ذلك، وكذلك لو ~~ادعى عليه أنه باعه أرضا فقال: نعم بعته هذه الأرض إلا هذه البقعة، لم يقل ~~أحد: إنه قد أقر بيع الأرض جميعها إلا أن يكون قد نوى استثناء البقعة في ~~أول كلامه، وقد «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مكة: إنه لا يختلى ~~خلاها فقال له العباس: إلا الإذخر فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~ثم قال: إلا الإذخر» وقال في أسرى بدر: «لا ينفلت أحد منهم إلا بفداء أو ~~ضربة عنق فقال له ابن مسعود: ms1169 إلا سهيل بن بيضاء، فقال: إلا سهيل بن بيضاء.» ~~ومعلوم أنه لم ينو واحدا من هذين الاستثناءين في أول كلامه، بل استثناه لما ~~ذكر به، كما أخبر عن سليمان بن داود صلى الله عليهما أنه لو أنشأه بعد أن ~~ذكره به الملك نفعه ذلك. # PageV04P044 # وشبهة من اشترط ذلك أنه إذا لم ينو الاستثناء من أول كلامه فقد لزمه موجب ~~كلامه، فلا يقبل منع رفعه، ولا رفع بعضه بعد لزومه، وهذه الشبهة لو صحت لما ~~نفع الاستثناء في طلاق، ولا عتاق، ولا إقرار ألبتة، نواه أو لم ينوه؛ لأنه ~~إذا لزمه موجب كلامه لم يقبل منه رفعه، ولا رفع بعضه بالاستثناء، وقد طرد ~~هذا بعض الفقهاء فقالوا: لا يصح الاستثناء في الطلاق؛ توهما لصحة هذه ~~الشبهة. # وجوابها: أنه إنما يلزمه موجب كلامه إذا اقتصر عليه، فأما إذا وصله ~~بالاستثناء أو الشرط، ولم يقتصر على ما دونه فإن موجب كلامه ما دل عليه ~~سياقه وتمامه، من تقييد باستثناء أو صفة أو شرط، أو بدل أو غاية، فتكليفه ~~نية ذلك التقييد من أول الكلام، وإلغاؤه إن لم ينوه أولا تكليف ما لا يكلفه ~~الله به، ولا رسوله، ولا يتوقف صحة الكلام عليه، وبالله التوفيق. ### | [فصل هل يصح الاستثناء في وقوع الطلاق والعتاق] # فصل: وقال مالك: لا يصح الاستثناء في إيقاعهما، ولا الحلف بهما، ولا ~~الظهار، ولا الحلف به، ولا النذر، ولا في شيء من الأيمان، إلا في اليمين ~~بالله تعالى وحده، وأما الإمام أحمد فقال أبو القاسم الخرقي: وإذا استثنى ~~في العتاق والطلاق فأكثر الروايات عن أبي عبد الله أنه توقف عن الجواب، وقد ~~قطع في مواضع أخر أنه لا ينفعه الاستثناء، فقال في رواية ابن منصور: من حلف ~~فقال " إن شاء الله " لم يحنث، وليس له استثناء في الطلاق والعتاق، وقال في ~~رواية أبي طالب إذا قال ": أنت طالق إن شاء الله " لم تطلق، وقال في رواية ~~الحارث: إذا قال لامرأته " أنت طالق إن شاء الله ": الاستثناء إنما يكون في ~~الأيمان. # قال ms1170 الحسن وقتادة وسعيد بن المسيب: ليس له ثنيا في الطلاق. # وقال قتادة: وقوله: " إن شاء الله " قد شاء الله الطلاق حين أذن فيه، ~~وقال في رواية حنبل: من حلف فقال " إن شاء الله " لم يحنث، وليس له استثناء ~~في الطلاق والعتاق. # قال حنبل: لأنهما ليسا من الأيمان، وقال صاحب المغني وغيره: وعنه ما يدل ~~على أن الطلاق لا يقع، وكذلك العتاق؛ فعلى هذا يكون عنه في المسألة ثلاث ~~روايات: الوقوع، وعدمه، والتوقف فيه، وقد قال في رواية الميموني: إذا قال ~~لامرأة " أنت طالق يوم أتزوج بك إن شاء الله " ثم تزوجها لم يلزمه شيء. # ولو قال لأمة " أنت حرة يوم أشتريك إن شاء الله " صارت حرة، فلعل أبا ~~حامد الإسفراييني وغيره ممن حكى عن أحمد الفرق بين " أنت طالق إن شاء الله ~~" فلا تطلق "، وأنت حرة إن شاء الله " فتعتق استند إلى هذا النص، وهذا من ~~غلطه على أحمد، بل # PageV04P045 # هذا تفريق منه بين صحة تعليق العتق على الملك وعدم صحة تعليق الطلاق على ~~النكاح، وهذا قاعدة مذهبه، والفرق عنده أن الملك قد شرع سببا؛ لحصول العتق ~~كملك ذي الرحم المحرم، وقد يعقد البيع سببا لحصول العتق اختيارا كشراء من ~~يريد عتقه في كفارة أو قربة أو فداء كشراء قريبه، ولم يشرع الله النكاح ~~سببا لإزالته ألبتة؛ فهذا فقهه وفرقه، فقد أطلق القول بأنه لا ينفع ~~الاستثناء في إيقاع الطلاق والعتاق، وتوقف في أكثر الروايات عنه، فتخرج ~~المسألة على وجهين صرح بهما الأصحاب، وذكروا وجها ثالثا، وهو أنه إن قصد ~~التعليق وجهل استحالة العلم بالمشيئة لم تطلق، وإن قصد التبرك أو التأدب ~~طلقت، وقيل عن أحمد: يقع العتق دون الطلاق، ولا يصح هذا التفريق عنه، بل هو ~~خطأ عليه. # قال شيخنا: وقد روي في الفرق حديث موضوع على معاذ بن جبل يرفعه: فلو علق ~~الطلاق على فعل يقصد به الحض أو المنع كقوله " أنت طالق إن كلمت فلانا إن ~~شاء الله " فروايتان منصوصتان عن الإمام أحمد: إحداهما: ينفعه الاستثناء، ~~ولا ms1171 تطلق إن كلمت فلانا، وهو قول أبي عبيدة؛ لأنه بهذا التعليق قد صار ~~حالفا، وصار تعليقه يمينا باتفاق الفقهاء، فصح استثناؤه فيها؛ لعموم النصوص ~~المتناولة للاستثناء في الحلف واليمين. # والثانية: لا يصح الاستثناء، وهو قول مالك كما تقدم؛ لأن الاستثناء إنما ~~ينفع في الأيمان المكفرة، فالتكفير والاستثناء متلازمان، ويمين الطلاق ~~والعتاق لا يكفران، فلا ينفع فيهما الاستثناء، ومن هنا خرج شيخنا على ~~المذهب إجزاء التكفير فيهما؛ لأن أحمد - رضي الله عنه - نص على أن ~~الاستثناء إنما يكون في اليمين المكفرة، ونص على أن الاستثناء ينفع في ~~اليمين بالطلاق والعتاق، فيخرج من نصه إجزاء الكفارة في اليمين بهما، وهذا ~~تخريج في غاية الظهور والصحة، ونص أحمد على الوقوع لا يبطل صحة هذا ~~التخريج، كسائر نصوصه، ونصوص غيره من الأئمة التي يخرج منها على مذهبه خلاف ~~ما نص عليه. # وهذا أكثر، وأشهر من أن يذكر، ومن أصحابه من قال: إن أعاد الاستثناء إلى ~~الفعل نفعه قولا واحدا، وإن أعاده إلى الطلاق فعلى روايتين، ومنهم من جعل ~~الروايتين على اختلاف حالين، فإن أعاده إلى الفعل نفعه، وإن أعاده إلى قوله ~~" أنت طالق " لم ينفعه. # وإيضاح ذلك أنه إذا قال: " إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله " فإنه ~~تارة يريد " فأنت طالق إن شاء الله طلاقك " وتارة يريد " إن شاء الله تعليق ~~اليمين بمشيئة الله " أي: إن شاء الله عقد هذه اليمين فهي معقودة، فيصير ~~كقوله ": والله لأقومن إن شاء الله " فإذا قام علمنا أن الله قد شاء ~~القيام، وإن لم يقم علمنا أن الله لم يشأ قيامه، فما شاء الله كان، وما لم ~~يشأ لم يكن. # فلم يوجد الشرط فلم يحنث، فينقل هذا بعينه إلى الحلف بالطلاق؛ فإنه إذا ~~قال # PageV04P046 # الطلاق يلزمني لأقومن إن شاء الله القيام " فلم يقم لم يشأ الله له ~~القيام، فلم يوجد الشرط فلم يحنث، فهذا الفقه بعينه. ### | [فصل قال أنت طالق إلا أن يشاء الله] # فصل: # فإن قال: " أنت طالق إلا أن يشاء الله " فاختلف الذين يصححون ms1172 الاستثناء ~~في قوله " أنت طالق إن شاء الله " هاهنا: هل ينفعه الاستثناء، ويمنع وقوع ~~الطلاق أو لا ينفعه؟ على قولين، وهما وجهان لأصحاب الشافعي، والصحيح عندهم: ~~أنه لا ينفعه الاستثناء ويقع الطلاق، والثاني: ينفعه الاستثناء، ولا تطلق، ~~وهو قول أصحاب أبي حنيفة، والذين لم يصححوا الاستثناء احتجوا بأنه أوقع ~~الطلاق وعلق رفعه بمشيئة لم تعلم؛ إذ المعنى قد وقع عليك الطلاق إلا أن ~~يشاء الله رفعه، وهذا يقتضي وقوعا منجزا ورفعا معلقا بالشرط، والذين صححوا ~~الاستثناء قولهم أفقه؛ فإنه لم يوقع طلاقا منجزا، وإنما أوقع طلاقا معلقا ~~على المشيئة. # فإن معنى كلامه أنت طالق إن شاء الله طلاقك، فإن شاء عدمه لم تطلقي، بل ~~لا تطلقين إلا بمشيئته، فهو داخل في الاستثناء من قوله إن شاء الله، فإنه ~~جعل مشيئة الله لطلاقها شرطا فيه، وهاهنا أضاف إلى ذلك جعله عدم مشيئته ~~مانعا من طلاقها. # والتحقيق أن كل واحد من الأمرين يستلزم الآخر؛ فقوله: " إن شاء الله " ~~يدل على الوقوع عند وجود المشيئة صريحا، وعلى انتفاء الوقوع عند انتفائها ~~لزوما، وقوله ": إلا أن يشاء الله " يدل على عدم الوقوع عند عدم المشيئة ~~صريحا، وعلى الوقوع عندها لزوما فتأمله. # فالصورتان سواء كما سوى بينهما أصحاب أبي حنيفة وغيرهم من الشافعية، ~~وقولهم ": إنه أوقع الطلاق وعلق رفعه بمشيئة لم تعلم " فهذا بعينه يحتج به ~~عليهم من قال: إن الاستثناء لا ينفع في الإيقاع بحال؛ فإن صحت هذه الحجة ~~بطل الاستثناء في الإيقاع جملة، وإن لم يصح لم يصح الفرق، وهو لم يوقعه ~~مطلقا، وإنما علقه بالمشيئة نفيا، وإثباتا كما قررناه؛ فالطلاق مع ~~الاستثناء ليس بإيقاع. # وعلى هذا فإذا قال: " إن شاء الله "، وهو لا يعلم معناها أصلا، فهل ينفعه ~~هذا الاستثناء؟ قال أصحاب أبي حنيفة: إذا قال " أنت طالق إن شاء الله "، ~~ولا يدري أي شيء " إن شاء الله " لا يقع الطلاق، قالوا: لأن الطلاق مع ~~الاستثناء ليس بإيقاع، فعلمه وجهله سواء، قالوا: ولهذا لما كان سكوت البكر ~~رضا استوى فيه العلم والجهل، ms1173 حتى لو زوجها أبوها فسكتت، وهي لا تعلم أن ~~السكوت رضا صح النكاح، ولم يعتبر جهلها. # PageV04P047 # ثم قالوا: فلو قال لها " أنت طالق " فجرى على لسانه من غير قصد " إن شاء ~~الله " وكان قصده إيقاع الطلاق لم يقع الطلاق؛ لأن الاستثناء قد وجد حقيقة، ~~والكلام مع الاستثناء لا يكون إيقاعا، وهذا القول في طرف وقول من يشترط نية ~~الاستثناء في أول الكلام أو قبل الفراغ منه في طرف آخر، وبينهما أكثر من ~~بعد المشرقين. # فلو قال: " أنت طالق إن لم يشأ الله، أو ما لم يشأ الله " فهل يقع الطلاق ~~في الحال أو لا يقع؟ على قولين، وهما وجهان في مذهب أحمد، فمن أوقعه احتج ~~بأن كلامه تضمن أمرين: محالا، وممكنا، فالممكن التطليق، والمحال وقوعه على ~~هذه الصفة، وهو إذا لم يشأ الله، فإن ما شاء الله وجب وقوعه، فيلغو هذا ~~التقييد المستحيل، ويسلم أصل الطلاق فينفذ. # الوجه الثاني: لا يقع، ولهذا القول مأخذان: أحدهما: أن تعليق الطلاق على ~~الشرط المحال يمنع من وقوعه؛ كما لو قال: " أنت طالق إن جمعت بين الضدين " ~~أو " إن شربت ماء الكوز "، ولا ماء فيه؛ لعدم وقوع شرطه، فهكذا إذا قال: " ~~أنت طالق إن لم يشأ الله " فهو تعليق للطلاق على شرط مستحيل، وهو عدم مشيئة ~~الله، فلو طلقت لطلقت بمشيئته، وشرط وقوع الطلاق عدم مشيئته. # والمأخذ الثاني: - وهو أفقه - أنه استثناء في المعنى، وتعليق على ~~المشيئة، والمعنى إن لم يشأ الله عدم طلاقك؛ فهو كقوله " إلا أن يشأ الله " ~~سواء كما تقدم بيانه. ### | [فصل شبه القائلين بعدم جواز الاستثناء في الطلاق] # فصل: [شبه الذين لا يجوزون الاستثناء] # قال الموقعون: قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: ثنا خالد بن يزيد بن أسد ~~القسري: ثنا جميع بن عبد الحميد الجعفي عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ~~وابن عمر قال: كنا معاشر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نرى ~~الاستثناء جائزا في كل شيء إلا في الطلاق والعتاق، قالوا: وروى أبو حفص بن ~~شاهين بإسناده ms1174 عن ابن عباس قال: إذا قال الرجل لامرأته: " أنت طالق إن شاء ~~الله " فهي طالق، وكذلك روي عن أبي بردة، قالوا: ولأنه استثناء يرفع جملة ~~الطلاق فلم يصح، كقوله " أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا ". # قالوا: ولأنه إنشاء حكم في محل، فلم يرتفع بالمشيئة كالبيع والنكاح، ~~قالوا: ولأنه إزالة ملك فلم يصح تعليقه على مشيئة الله تعالى كما لو قال: ~~أبرأتك إن شاء الله، قالوا: ولأنه تعليق على ما لا سبيل إلى العلم به، فلم ~~يمنع وقوع الطلاق، كما لو قال: أنت طالق إن شاءت السموات والأرض، قالوا: ~~وإن كان لنا سبيل إلى العلم بالشرط صح الطلاق لوجود شرطه. # ويكون # PageV04P048 # الطلاق حينئذ معلقا على شرط تحقق وجوده بمباشرة الآدمي سببه، قال قتادة: ~~قد شاء الله حينئذ أن تطلق، قالوا: ولأن الله تعالى وضع لإيقاع الطلاق هذه ~~اللفظة شرعا، وقدرا؛ فإذا أتى بها المكلف فقد أتى بما شاءه الله؛ فإنه لا ~~يكون شيء قط إلا بمشيئة الله عز وجل، والله شاء الأمور بأسبابها؛ فإذا شاء ~~تكوين شيء، وإيجاده شاء سببه؛ فإذا أتى المكلف بسببه فقد أتى به بمشيئة ~~الله، ومشيئة السبب مشيئة للمسبب، فإنه لو لم يشأ وقوع الطلاق لم يمكن ~~المكلف أن يأتي به؛ فإن ما لم يشأ الله يمتنع وجوده كما أن ما شاءه وجب ~~وجوده. # قالوا: وهذا في القول نظير المشيئة في الفعل، فلو قال: " أنا أفعل كذا إن ~~شاء الله تعالى " وهو متلبس بالفعل صح ذلك، ومعنى كلامه أن فعلي هذا إنما ~~هو بمشيئة الله، كما لو قال حال دخوله الدار " أنا أدخلها إن شاء الله " أو ~~قال من تخلص من شر: " تخلصت إن شاء الله "، وقد قال يوسف لأبيه، وإخوته: ~~{ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} [يوسف: 99] في حال دخولهم، والمشيئة راجعة ~~إلى الدخول المقيد بصيغة الأمر؛ فالمشيئة متناولة لهما جميعا، قالوا: ولو ~~أتى بالشهادتين ثم قال عقيبهما: " إن شاء الله " أو قال: " أنا مسلم إن شاء ~~الله " فإن ذلك لا يؤثر في صحة إسلامه شيئا، ولا ms1175 يجعله إسلاما معلقا على ~~شرط. # قالوا: ومن المعلوم قطعا أن الله قد شاء تكلمه بالطلاق، فقوله بعد ذلك: " ~~إن شاء الله " تحقيق لما قد علم قطعا أن الله شاءه، فهو بمنزلة قوله: " أنت ~~طالق إن كان الله أباح الطلاق، وأذن فيه "، ولا فرق بينهما، وهذا بخلاف ~~قوله: " أنت طالق إن كلمت فلانا " فإنه شرط في طلاقها ما يمكن وجوده وعدمه؛ ~~فإذا وجد الشرط وقع ما علق به، ووجود الشرط في مسألة المشيئة إنما يعلم ~~بمباشرة العبد سببه؛ فإذا باشره علم أن الله قد شاءه، قالوا: وأيضا ~~فالكفارة أقوى من الاستثناء؛ لأنها ترفع حكم اليمين، والاستثناء يمنع ~~عقدها، والرافع أقوى من المانع، وأيضا فإنها تؤثر متصلة ومنفصلة، ~~والاستثناء لا يؤثر مع الانفصال، ثم الكفارة مع قوتها لا تؤثر في الطلاق ~~والعتاق؛ فأن لا يؤثر فيه الاستثناء أولى وأحرى، قالوا: وأيضا فقوله: " إن ~~شاء الله " إن كان استثناء فهو رافع لجملة المستثنى منه، فلا يرتفع، وإن ~~كان شرطا فإما أن يكون معناه إن كان الله قد شاء طلاقك، أو إن شاء الله أن ~~أوقع عليك في المستقبل طلاقا غير هذا؛ فإن كان المراد هو الأول فقد شاء ~~الله طلاقها بمشيئته لسببه، وإن كان المراد هو الثاني فلا سبيل للمكلف إلى ~~العلم بمشيئته تعالى، فقد علق الطلاق بمشيئة من لا سبيل إلى العلم بمشيئته؛ ~~فيلغو التعليق، ويبقى أصل الطلاق فينفذ. # قالوا: ولأنه علق الطلاق بما لا يخرج عنه كائن، فوجب نفوذه، كما لو قال: ~~" أنت طالق إن علم الله " أو " إن قدر الله " أو " إن سمع " أو " إن رأى ". # PageV04P049 # يوضحه: أنه حذف مفعول المشيئة، ولم ينو مفعولا معينا؛ فحقيقة لفظه: أنت ~~طالق إن كان لله مشيئة، أو إن شاء أي شيء كان، ولو كان نيته إن شاء الله ~~هذا الحادث المعين، وهو الطلاق لم يمنع جعل المشيئة المطلقة إلى هذا الحادث ~~فردا من أفرادها شرطا في الوقوع، ولهذا لو سئل المستثني عما أراد لم يفصح ~~بالمشيئة الخاصة، بل لعلها لا تخطر بباله، وإنما ms1176 تكلم بهذا اللفظ بناء على ~~ما اعتاده الناس من قول هذه الكلمة عند اليمين والنذر والوعد. # قالوا: ولأن الاستثناء إنما بابه الأيمان، كقوله: " من حلف فقال: إن شاء ~~الله فإن شاء فعل، وإن شاء ترك " وليس له دخول في الإخبار، ولا في ~~الإنشاءات، فلا يقال: " قام زيد إن شاء الله "، ولا: " قم إن شاء الله "، ~~ولا: " لا تقم إن شاء الله "، ولا: " بعت، ولا قبلت إن شاء الله ". # وإيقاع الطلاق والعتاق من إنشاء العقود التي لا تعلق على الاستثناء؛ فإن ~~زمن الإنشاء مقارن له؛ فعقود الإنشاءات تقارنها أزمنتها؛ فلهذا لا تعلق ~~بالشروط. # قالوا: والذي يكشف سر المسألة أن هذا الطلاق المعلق على المشيئة إما أن ~~يريد به طلاقا ماضيا أو مقارنا للتكلم به أو مستقبلا؛ فإن أراد الماضي أو ~~المقارن وقع؛ لأنه لا يعلق على الشرط. # وإن أراد المستقبل - ومعنى كلامه إن شاء الله أن تكوني في المستقبل طالقا ~~فأنت طالق - وقع أيضا؛ لأن مشيئة الله بطلاقها الآن يوجب طلاقها في ~~المستقبل؛ فيعود معنى الكلام إلى أني إن طلقتك الآن بمشيئة الله فأنت طالق، ~~وقد طلقها بمشيئته، فتطلق؛ فهاهنا ثلاث دعاوى: إحداها: أنه طلقها، ~~والثانية: أن الله شاء ذلك، والثالثة: أنها قد طلقت؛ فإن صحت الدعوى الأولى ~~صحت الأخريان، وبيان صحتها أنه تكلم بلفظ صالح للطلاق، فيكون طلاقا، وبيان ~~الثانية: أنه حادث؛ فيكون بمشيئة الله، فقد شاء الله طلاقها فتطلق؛ فهذا ~~غاية ما تمسك به الموقعون. # [جواب المانعين] # قال المانعون: أنتم معاشر الموقعين قد ساعدتمونا على صحة تعليق الطلاق ~~بالشرط، ولستم ممن يبطله كالظاهرية وغيرهم كأبي عبد الرحمن الشافعي، فقد ~~كفيتمونا نصف المؤنة، وحملتم عنا كلفة الاحتجاج لذلك، فبقي الكلام معكم في ~~صحة هذا التعليق المعين، هل هو صحيح أم لا؟ فإن ساعدتمونا على صحة التعليق ~~قرب الأمر وقطعنا نصف المسافة الباقية. # ولا ريب أن هذا التعليق صحيح؛ إذ لو كان محالا لما صح تعليق اليمين ~~والوعد، والنذر وغيرهما بالمشيئة، ولكان ذلك لغوا لا يفيد، وهذا بين ~~البطلان عند جميع ms1177 الأمة، فصح التعليق حينئذ، فبقي بيننا وبينكم منزلة أخرى، ~~وهي أنه هل وجود هذا # PageV04P050 # الشرط ممكن أم لا؟ فإن ساعدتمونا على الإمكان، ولا ريب في هذه المساعدة ~~قربت المسافة جدا، وحصلت المساعدة على أنه طلاق معلق صح تعليقه على شرط ~~ممكن، فبقيت منزلة أخرى، وهي أن تأثير الشرط وعمله يتوقف على الاستقبال أم ~~لا يتوقف عليه بل يجوز تأثيره في الماضي، والحال والاستقبال؟ . # فإن ساعدتمونا على توقف تأثيره على الاستقبال، وأنه لا يصح تعلقه بماض، ~~ولا حال - وأنتم بحمد الله على ذلك مساعدون - بقي بيننا وبينكم منزلة ~~واحدة، وهي أنه هل لنا سبيل إلى العلم بوقوع هذا الشرط فيترتب المشروط عليه ~~عند وقوعه أم لا سبيل لنا إلى ذلك ألبتة فيكون التعليق عليه تعليقا على ما ~~لم يجعل الله لنا طريقا إلى العلم به؟ فهاهنا معترك النزال، ودعوة الأبطال، ~~فنزال نزال. # فنقول: من أقبح القبائح، وأبين الفضائح، التي تشمئز منها قلوب المؤمنين، ~~وتنكرها فطر العالمين، ما تمسك به بعضكم، وهذا لفظه بل حروفه، قال: لنا إنه ~~علق الطلاق بما لا سبيل لنا إليه فوجب أن يقع؛ لأن أصله الصفات المستحيلة، ~~مثل قوله: " أنت طالق إن شاء الحجر " أو " إن شاء الميت ": أو " إن شاء هذا ~~المجنون المطبق الآن " فيا لك من قياس ما أفسده، وعن طريق الصواب ما أبعده، ~~وهل يستوي في عقل أو رأي أو نظر أو قياس مشيئة الرب جل جلاله ومشيئة الحجر ~~والميت والمجنون عند أحد من عقلاء الناس؟ . # وأقبح من هذا والله المستعان، وعليه التكلان وعياذا به من الخذلان، ~~ونزغات الشيطان تمسك بعضهم بقوله علق الطلاق بمشيئة من لا تعلم مشيئته فلم ~~يصح التعليق، كما لو قال ": أنت طالق إن شاء إبليس " فسبحانك اللهم وبحمدك، ~~وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وعياذا بوجهك الكريم، من هذا ~~الخذلان العظيم، ويا سبحان الله، لقد كان لكم في نصرة هذا القول غنى عن هذه ~~الشبهة الملعونة في ضروب الأقيسة، وأنواع المعاني والإلزامات فسحة ومتسع، ~~ولله شرف نفوس الأئمة ms1178 الذين رفع الله قدرهم، وشاد في العالمين ذكرهم، حيث ~~يأنفون لنفوسهم، ويرغبون بها عن أمثال هذه الهذيانات التي تسود بها الوجوه ~~قبل الأوراق، وتحل بقمر الإيمان المحاق. # وعند هذا فنقول: علق الطلاق بمشيئة من جميع الحوادث مستندة إلى مشيئته، ~~وتعلم مشيئته عند وجود كل حادث أنه إنما وقع بمشيئته، فهذا التعليق من أصح ~~التعليقات، فإذا أنشأ المعلق طلاقا في المستقبل تبينا وجود الشرط بإنشائه ~~فوقع؛ فهذا أمر معقول شرعا وفطرة وقدرا، وتعليق مقبول. # يبينه أن قوله: إن شاء الله لا يريد به إن شاء الله طلاقها ماضيا قطعا، ~~بل إما أن يريد به هذا الطلاق الذي تلفظ به أو طلاقا مستقبلا غيره، فلا يصح ~~أن يراد به هذا الملفوظ؛ فإنه لا # PageV04P051 # يصح تعليقه بالشرط؛ إذ الشرط إنما يؤثر في الاستقبال، فحقيقة هذا التعليق ~~أنت طالق إن شاء الله طلاقك في المستقبل، ولو صرح بهذا لم تطلق حتى ينشأ ~~لها طلاقا آخر. # ونقرره بلفظ آخر فنقول: علقه بمشيئة من له مشيئة صحيحة معتبرة، فهو أولى ~~بالصحة من تعليقه بمشيئة آحاد الناس، يبينه أنه لو علقه بمشيئة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في حياته لم يقع في الحال، ومعلوم أن ما شاءه الله ~~فقد شاءه رسوله؛ فلو كان التعليق بمشيئة الله موجبا للوقوع في الحال لكان ~~التعليق بمشيئة رسوله في حياته كذلك، وبهذا يبطل ما عولتم عليه. # وأما قولكم: " إن الله تعالى قد شاء الطلاق حين تكلم المكلف به " فنعم ~~إذا؛ لكن شاء الطلاق المطلق أو المعلق؟ ومعلوم أنه لم يقع منه طلاق مطلق، ~~بل الواقع منه طلاق معلق على شرط، فمشيئة الله تعالى لا تكون مشيئة للطلاق ~~المطلق، فإذا طلقها بعد هذا علمنا أن الشرط قد وجد، وأن الله قد شاء طلاقها ~~فطلقت. # وعند هذا فنقول: لو شاء الله أن ينطق العبد لأنطقه بالطلاق مطلقا من غير ~~تعليق، ولا استثناء، فلما أنطقه به مقيدا بالتعليق والاستثناء علمنا أنه لم ~~يشأ له الطلاق المنجز، فإن ما شاء الله كان، وما لم ms1179 يشأ لم يكن. # ومما يوضح هذا الأمر أن مشيئة اللفظ لا تكون مشيئة للحكم حتى يكون اللفظ ~~صالحا للحكم، ولهذا لو تلفظ المكره أو زائل العقل أو الصبي أو المجنون ~~بالطلاق فقد شاء الله منهم وقوع هذا اللفظ، ولم يشأ وقوع الحكم، فإنه لم ~~يرتب على ألفاظ هؤلاء أحكامها؛ لعدم إرادتهم لأحكامها، فهكذا المعلق طلاقه ~~بمشيئة الله يريد أن لا يقع طلاقه، وإن كان الله قد شاء له التلفظ بالطلاق، ~~وهذا في غاية الظهور لمن أنصف. # ويزيده وضوحا أن المعنى الذي منع الاستثناء عقد اليمين لأجله؛ هو بعينه ~~في الطلاق والعتاق؛ فإنه إذا قال: " والله لأفعلن اليوم كذا إن شاء الله " ~~فقد التزم فعله في اليوم إن شاء الله له ذلك، فإن فعله فقد علمنا مشيئة ~~الله له، وإن لم يفعله علمنا أن الله لم يشأه؛ إذ لو شاءه لوقع، ولا بد، ~~ولا يكفي في وقوع الفعل مشيئة الله للعبد إن شاءه فقط، فإن العبد قد يشاء ~~الفعل، ولا يقع، فإن مشيئته ليست موجبة، ولا تلزمه، بل لا بد من مشيئة الله ~~له أن يفعل، وقد قال تعالى في المشيئة الأولى {وما تشاءون إلا أن يشاء الله ~~إن الله كان عليما حكيما} [الإنسان: 30] {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب ~~العالمين} [التكوير: 29] وقال في المشيئة الثانية: {كلا إنه تذكرة} ~~[المدثر: 54] {فمن شاء ذكره} [المدثر: 55] {وما يذكرون إلا أن يشاء الله} ~~[المدثر: 56] وإذا كان تعليق الحلف بمشيئته تعالى يمنع من انعقاد اليمين، ~~وكذلك تعليق الوعد، فإذا قال: " أفعل إن شاء الله "، ولم يفعل لم يكن ~~مخلفا، كما لا يكون في اليمين # PageV04P052 # حانثا. # وهكذا إذا قال: " أنت طالق إن شاء الله " فإن طلقها بعد ذلك علمنا أن ~~الله قد شاء الطلاق فوقع، وإن لم يطلقها تبينا أن الله لم يشأ الطلاق فلا ~~تطلق، فلا فرق في هذا بين اليمين والإيقاع، فإن كلا منهما إنشاء، وإلزام ~~معلق بالمشيئة. # قالوا: وأما الأثران اللذان ذكرتموهما عن الصحابة فما أحسنهما لو ثبتا، ~~ولكن كيف بثبوتهما وعطية ms1180 ضعيف، وجميع بن عبد الحميد مجهول، وخالد بن يزيد ~~ضعيف؟ قال ابن عدي: أحاديثه لا يتابع عليها، وأثر ابن عباس لا يعلم حال ~~إسناده حتى يقبل أو يرد. # على أن هذه الآثار مقابلة بآثار أخر لا تثبت أيضا، فمنها: ما رواه ~~البيهقي في سننه من حديث إسماعيل بن عياش عن حميد بن مالك عن مكحول عن ~~«معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا معاذ، ما ~~خلق الله شيئا على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق، وما خلق الله شيئا على ~~وجه الأرض أحب إليه من العتاق، فإذا قال الرجل لمملوكه: أنت حر إن شاء ~~الله، فهو حر، ولا استثناء له، وإذا قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، ~~فله استثناؤه، ولا طلاق عليه» ثم ساقه من طريق محمد بن مصفى: ثنا معاوية بن ~~حفص عن حميد عن مالك اللخمي حدثني مكحول «عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - ~~أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل قال لامرأته: أنت طالق إن ~~شاء الله، فقال: له استثناؤه فقال رجل: يا رسول الله، وإن قال لغلامه: أنت ~~حر إن شاء الله تعالى؟ قال: يعتق؛ لأن الله يشاء العتق، ولا يشاء الطلاق» . # ثم ساق من طريق إسحاق بن أبي نجيح عن عبد العزيز بن أبي رواد عن ابن جريج ~~عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قال ~~لامرأته أنت طالق إن شاء الله، أو لغلامه أنت حر إن شاء الله، أو عليه ~~المشي إلى بيت الله الحرام إن شاء الله؛ فلا شيء عليه» ثم ساق من طريق ~~الجارود بن يزيد عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا في الطلاق وحده أنه ~~لا يقع، ولو كنا ممن يفرح بالباطل ككثير من المصنفين الذين يفرح أحدهم بما ~~وجده مؤيدا لقوله لفرحنا بهذه الآثار، ولكن ليس فيها غنية؛ فإنها كلها آثار ~~باطلة موضوعة على رسول الله - صلى الله عليه ms1181 وسلم -. أما الحديث الأول ففيه ~~عدة بلايا: إحداها: حميد بن مالك، ضعفه أبو زرعة وغيره. الثانية: أن مكحولا ~~لم يلق معاذا. # قال أبو زرعة: مكحول عن معاذ منقطع. الثالثة: أنه قد اضطرب فيه حميد هذا ~~الضعيف؛ فمرة يقول: عن مكحول عن معاذ، ومرة يقول: عن مكحول عن خالد بن ~~معدان # PageV04P053 # عن معاذ، وهو منقطع أيضا، وقيل: مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ. # قال البيهقي: ولم يصح. الرابعة: أن إسماعيل بن عياش ليس ممن يقبل تفرده ~~بمثل هذا؛ ولهذا لم يذهب أحد من الفقهاء إلى هذا الحديث، وما حكاه أبو حامد ~~الإسفراييني عن أحمد من القول به فباطل عنه لا يصح ألبتة، وكل ما حكاه عن ~~أحمد فمستنده حكاية أبي حامد الإسفراييني أو من تلقاها عنه. # وأما الأثر الثاني، فإسناده ظلمات بعضها فوق بعض حتى انتهى أمره إلى ~~الكذاب إسحاق بن نجيح الملطي. # وأما الأثر الثالث؛ فالجارود بن يزيد قد ارتقى من حد الضعف إلى حد الترك، ~~والمقصود أن الآثار من الطرفين لا مستراح فيها. ### | [فصل القول بأن الاستثناء يرفع جملة الطلاق] # فصل: # وأما قولكم: " إنه استثناء يرفع جملة الطلاق فلم يصح، كقوله: أنت طالق ~~ثلاثا إلا ثلاثا " فما أبردها من حجة؛ فإن الاستثناء لم يرفع حكم الطلاق ~~بعد وقوعه، وإنما منع من انعقاده منجزا، بل انعقد معلقا، كقوله: " أنت طالق ~~إن شاء فلان " فلم يشأ فلان؛ فإنها لا تطلق، ولا يقال: إن هذا الاستثناء ~~رفع جملة الطلاق. # وأما قولكم ": إنه من إنشاء حكم في محل، فلم يرتفع بالمشيئة كالبيع ~~والنكاح " فأبرد من الحجة التي قبلها؛ فإن البيع والنكاح لا يصح تعليقهما ~~بالشرط، بخلاف الطلاق. # وأما قولكم: " إزالة ملك؛ فلا يصح تعليقه على مشيئة الله كالإبراء " ~~فكذلك أيضا؛ فإن الإبراء لا يصح تعليقه على الشرط مطلقا عندكم، سواء كان ~~الشرط مشيئة الله أو غيرها، فلو قال: " أبرأتك إن شاء زيد " لم يصح، ولو ~~قال: " أنت طالق إن شاء زيد " صح. # وأما قولكم: " إنه تعليق على ما لا سبيل إلى العلم ms1182 به " فليس كذلك، بل هو ~~تعليق على ما لنا سبيل إلى علمه؛ فإنه إذا أوقعه في المستقبل علمنا وجود ~~الشرط قطعا، وأن الله قد شاءه. # وأما قولكم " إن الله قد شاءه بتكلم المطلق به " فالذي شاءه الله إنما هو ~~طلاق معلق، والطلاق المنجز لم يشأه الله؛ إذ لو شاءه لوقع، ولا بد، فما ~~شاءه الله لا يوجب وقوع الطلاق في الحال، وما يوجب وقوعه في الحال لم يشأه ~~الله. # وأما قولكم: " إن الله تعالى وضع لإيقاع الطلاق هذه اللفظة شرعا وقدرا " ~~فنعم وضع تعالى المنجز لإيقاع المنجز، والمعلق لوقوعه عند وقوع ما علق به. # PageV04P054 # وأما قولكم: " لو لم يشأ الطلاق لم يأذن للمكلف في التكلم به " فنعم شاء ~~المعلق، وأذن فيه، والكلام في غيره، وقولكم: " إن هذا نظير قوله، وهو متلبس ~~بالفعل: أنا أفعل إن شاء الله " فهذا فصل النزاع في المسألة، فإذا أراد ~~بقوله: " أنت طالق إن شاء الله هذا التطليق الذي صدر مني " لزمه الطلاق ~~قطعا؛ لوجود الشرط، وليس كلامنا فيه، وإنما كلامنا فيما إذا أراد " إن شاء ~~الله طلاقا مستقبلا " أو أطلق، ولم يكن له نية، فلا ينبغي النزاع في القسم ~~الأول، ولا يظن أن أحدا من الأئمة ينازع فيه؛ فإنه تعليق على شرط مستقبل ~~ممكن فلا يجوز إلغاؤه، كما لو صرح به فقال: " إن شاء الله أن أطلقك غدا ~~فأنت طالق " إلا أن يستروح إلى ذلك المسلك الوخيم أنه علق الطلاق بالمستحيل ~~فلغا التعليق كمشيئة الحجر والميت. # وأما إذا أطلق، ولم يكن له نية فيحمل مطلق كلامه على مقتضى الشرط لغة ~~وشرعا وعرفا، وهو اقتضاؤه للوقوع في المستقبل. # وأما استدلالكم بقول يوسف لأبيه، وإخوته: {ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} ~~[يوسف: 99] فلا حجة فيه؛ فإن الاستثناء إن عاد إلى الأمر المطلوب دوامه ~~واستمراره فظاهر، وإن عاد إلى الدخول المقيد به فمن أين لكم أنه قال لهم ~~هذه المقالة حال الدخول أو بعده؟ ولعله إنما قالها عند تلقيه لهم، ويكون ~~دخولهم عليه في منزل اللقاء فقال لهم ms1183 حينئذ {ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} ~~[يوسف: 99] فهذا محتمل. # وإن كان إنما قال لهم ذلك بعد دخولهم عليه في دار مملكته فالمعنى ادخلوها ~~دخول استيطان واستقرار آمنين إن شاء الله. # وأما قولكم: " إنه لو أتى بالشهادتين ثم قال إن شاء الله أو قال أنا مسلم ~~إن شاء الله صح إسلامه في الحال " فنعم إذا؛ فإن الإسلام لا يقبل التعليق ~~بالشرط، فإذا علقه بالشرط تنجز، كما لو علق الردة بالشرط فإنها تنجز، وأما ~~الطلاق فإنه يصح تعليقه بالشرط. # وأما قولكم: " إنه من المعلوم قطعا أن الله قد شاء تكلمه بالطلاق، فقوله ~~بعد ذلك إن شاء الله تحقيق لما علم أن الله قد شاءه " فقد تقدم جوابه، وهو ~~أن الله إنما شاء الطلاق المعلق، فمن أين لكم أنه شاء المنجز؟ ، ولم تذكروا ~~عليه دليلا. # وقولكم: " إنه بمنزلة قوله أنت طالق إن كان الله أذن في الطلاق أو أباحه، ~~ولا فرق بينهما " فما أعظم الفرق بينهما، وأبينه حقيقة ولغة،، وذلك ظاهر عن ~~تكلف بيانه؛ فإن بيان الواضحات نوع من العي، بل نظير ذلك أن يقول: أنت طالق ~~إن كان الله قد شاء تلفظي بهذا اللفظ؛ فهذا يقع قطعا. # PageV04P055 # وأما قولكم: " إن الكفارة أقوى من الاستثناء؛ لأنها ترفع حكم اليمين، ~~والاستثناء يمنع عقدها، وإذا لم تدخل الكفارة في الطلاق والعتاق فالاستثناء ~~أولى " فما أوهنها من شبهة، وهي عند التحقيق لا شيء؛ فإن الطلاق والعتاق ~~إذا وقعا لم تؤثر فيهما الكفارة شيئا، ولا يمكن حلهما بالكفارة، بخلاف ~~الأيمان فإن حلها بالكفارة ممكن، وهذا تشريع شرعه شارع الأحكام هكذا، فلا ~~يمكن تغييره؛ فالطلاق والعتاق لا يقبل الكفارة كما لم تقبلها سائر العقود ~~كالوقف والبيع والهبة والإجارة والخلع، فالكفارة مختصة بالأيمان، وهي من ~~أحكامها التي لا تكون لغيرها، وأما الاستثناء فيشرع في أعم من اليمين ~~كالوعد والوعيد، والخبر عن المستقبل، كقول النبي: - صلى الله عليه وسلم - ~~«وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» وقوله عن أمية بن خلف: «بل أنا أقتله إن شاء ~~الله» ، وكذا الخبر عن ms1184 الحال نحو " أنا مؤمن إن شاء الله "، ولا تدخل ~~الكفارة في شيء من ذلك فليس بين الاستثناء والتكفير تلازم. # بل تكون الكفارة حيث لا استثناء، والاستثناء حيث لا كفارة، والكفارة شرعت ~~تحلة لليمين بعد عقدها، والاستثناء شرع لمعنى آخر، وهو تأكيد التوحيد، ~~وتعليق الأمور بمشيئة من لا يكون شيء إلا بمشيئته؛ فشرع للعبد أن يفوض ~~الأمر الذي عزم عليه، وحلف على فعله أو تركه إلى مشيئة الله؛ ويعقد نطقه ~~بذلك، فهذا شيء، والكفارة شيء آخر. # وأما قولكم: " إن الاستثناء إن كان رافعا فهو رافع لجملة المستثنى منه ~~فلا يرتفع " فهذا كلام عار عن التحقيق؛ فإن هذا ليس باستثناء بأداة إلا، ~~وأخواتها التي يخرج بها بعض المذكور، ويبقى بعضه حتى يلزم ما ذكرتم، وإنما ~~هو شرط ينتفي المشروط عند انتفائه كسائر الشروط، ثم كيف يقول هذا القائل في ~~قوله: " أنت طالق إن شاء زيد اليوم "، ولم يشأ؟ فموجب دليله أن هذا لا يصح. # فإن قيل: فلو أخرجه بأداة إلا فقال " أنت طالق إلا أن يشاء الله " كان ~~رفعا لجملة المستثنى منه، قيل: هذه مغلطة ظاهرة؛ فإن الاستثناء هاهنا ليس ~~إخراج جملة ما تناوله المذكور؛ ليلزم ما ذكرت، وإنما هو تقييد لمطلق الكلام ~~الأول بجملة أخرى مخصصة لبعض أحوالها، أي: أنت طالق في كل حالة إلا حالة ~~واحدة، وهي حالة لا يشاء الله فيها الطلاق، فإذا لم يقع منه طلاق بعد هذا ~~علمنا بعدم وقوعه أن الله تعالى لم يشأ الطلاق؛ إذ لو شاءه لوقع. # ثم ينتقض هذا بقوله " إلا أن يشاء زيد " و " إلا أن تقومي " ونحو ذلك؛ ~~فإن الطلاق لا يقع إذا لم يشأه زيد، وإذا لم تقم، وسمى هذا التعليق بمشيئة ~~الله تعالى استثناء في لغة الشارع كقوله تعالى: {إذ أقسموا ليصرمنها ~~مصبحين} [القلم: 17] {ولا يستثنون} [القلم: 18] أي: لم # PageV04P056 # يقولوا إن شاء الله؛ فمن حلف فقال إن شاء الله فقد استثنى؛ فإن الاستثناء ~~استفعال من ثنيت الشيء، كأن المستثني بإلا قد عاد على كلامه فثنى آخره على ~~أوله بإخراج ms1185 ما أدخله أولا في لفظه، وهكذا التقيد بالشرط سواء؛ فإن المتكلم ~~به قد ثنى آخر كلامه على أوله فقيد به ما أطلقه أولا، وأما تخصيص الاستثناء ~~بإلا، وأخواتها فعرف خاص للنحاة. # وقولكم: " إن كان شرطا، ويراد به إن كان الله قد شاء طلاقك في المستقبل ~~فينفذ لمشيئة الله بمشيئته لسببه، وهو الطلاق المذكور، وإن أراد به إن شاء ~~الله أن أطلقك في المستقبل فقد علقه بما لا سبيل إلى العلم به فيلغو ~~التعليق ويبقى أصل الطلاق " فهذا هو أكبر عمدة الموقعين، ولا ريب أنه إن ~~أراد بقوله أنت طالق إن كان الله قد شاء تكلمي بهذا اللفظ أو شاء طلاقك ~~بهذا اللفظ طلقت، ولكن المستثني لم يرد هذا، بل، ولا خطر على باله، فبقي ~~القسم الآخر، وهو أن يريد إن شاء الله وقوع الطلاق عليك فيما يأتي، فهذا ~~تعليق صحيح معقول يمكن العلم بوجود ما علق عليه بوجود سببه كما تقدم بيانه. # وأما قولكم: " إنه علق الطلاق بما لا يخرج عنه كائن، فوجب نفوذه، كما لو ~~قال: أنت طالق إن علم الله، أو إن قدر الله، أو سمع الله - إلى آخره " فما ~~أبطلها من حجة، فإنها لو صحت لبطل حكم الاستثناء في الأيمان لما ذكرتموه ~~بعينه، ولا نفع الاستثناء في موضع واحد، ومعلوم أن المستثني لم يخطر هذا ~~على باله، وإنما أراد تفويض الأمر إلى مشيئة الله وتعليقه به، وأنه إن شاءه ~~نفذ، وإن لم يشأه لم يقع، ولذلك كان مستثنيا، أي: وإن كنت قد التزمت اليمين ~~أو الطلاق أو العتاق فإنما التزمه بعد مشيئة الله وتبعا لها، فإن شاءه فهو ~~تعالى ينفذه بما يحدثه من الأسباب، ولم يرد المستثني إن كان لله مشيئة أو ~~علم أو سمع أو بصر فأنت طالق، ولم يخطر ذلك بباله ألبتة. # يوضحه: أن هذا مما لا يقبل التعليق، ولا سيما بأداة " إن " التي للجائز ~~الوجود والعدم، ولو شك في هذا لكان ضالا، بخلاف المشيئة الخاصة، فإنها يمكن ~~أن تتعلق بالطلاق، وأن لا تتعلق به، ms1186 وهو شاك فيها كما يشك العبد فيما يمكن ~~أن يفعله الله به، وأن لا يفعله هل شاءه أم لا؟ فهذا هو المعقول الذي في ~~فطر الحالفين والمستثنين، وحذف مفعول المشيئة لم يكن لما ذكرتم، وهو عدم ~~إرادة مفعول معين، بل للعلم به، ودلالة الكلام عليه وتعين إرادته؛ إذ ~~المعنى إن شاء الله طلاقك فأنت طالق. # كما لو قال: " والله لأسافرن إن شاء الله " أي: إن شاء الله سفري، وليس ~~مراده إن كان لله صفة هي المشيئة؛ فالذي قدرتموه من المشيئة المطلقة هو ~~الذي لم يخطر ببال الحالف والمطلق، وإنما الذي لم يخطر بباله سواء هو ~~المشيئة المعينة الخاصة. # PageV04P057 # وقولكم: " إن المستثني لو سئل عما أراد لم يفصح بالمشيئة الخاصة، بل تكلم ~~بلفظ الاستثناء بناء على ما اعتاده الناس من التكلم بهذا اللفظ " كلام غير ~~سديد، فإنه لو صح لما نفع الاستثناء في يمين قط، ولهذا نقول: إن قصد ~~التحقيق والتأكيد بذكر المشيئة ينجز الطلاق، ولم يكن ذلك استثناء. # وأما قولكم " إن الاستثناء بابه الأيمان " إن أردتم به اختصاص الأيمان به ~~فلم تذكروا على ذلك دليلا، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف فقال إن ~~شاء الله فقد استثنى» ، وفي لفظ آخر «من حلف فقال إن شاء الله فهو بالخيار؛ ~~فإن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل» فحديث حسن، ولكن لا يوجب اختصاص الاستثناء ~~بالمشيئة باليمين، وقد قال الله تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا} ~~[الكهف: 23] {إلا أن يشاء الله} [الكهف: 24] وهذا ليس بيمين، ويشرع ~~الاستثناء في الوعد والوعيد والخبر عن المستقبل، كقوله: غدا أفعل إن شاء ~~الله، وقد عتب الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال لمن سأله من ~~أهل الكتاب عن أشياء " غدا أخبركم "، ولم يقل إن شاء الله، فاحتبس الوحي ~~عنه شهرا، ثم نزل عليه: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا - إلا أن يشاء ~~الله واذكر ربك إذا نسيت} [الكهف: 23 - 24] أي: إذا نسيت ذلك الاستثناء ~~عقيب كلامك فاذكره به إذا ذكرت، هذا ms1187 معنى الآية، وهو الذي أراده ابن عباس ~~بصحة الاستثناء المتراخي، ولم يقل ابن عباس قط، ولا من هو دونه: إن الرجل ~~إذا قال لامرأته: " أنت طالق " أو لعبده: " أنت حر " ثم قال بعد سنة " إن ~~شاء الله " إنها لا تطلق، ولا يعتق العبد، وأخطأ من نقل ذلك عن ابن عباس، ~~أو عن أحد من أهل العلم ألبتة، ولم يفهموا مراد ابن عباس، والمقصود أن ~~الاستثناء لا يختص باليمين لا شرعا، ولا عرفا، ولا لغة، وإن أردتم بكون ~~بابه الأيمان كثرته فيها؛ فهذا لا ينفي دخوله في غيرها. # وقولكم: " إنه لا يدخل في الإخبارات، ولا في الإنشاءات، فلا يقال: قام ~~زيد إن شاء الله، ولا قم إن شاء الله [ولا بعت إن شاء الله] فكذا لا يدخل ~~في قوله: أنت طالق إن شاء الله " فليس هذا بتمثيل صحيح، والفرق بين البابين ~~أن الأمور الماضية قد علم أنها وقعت بمشيئة الله، والشرط إنما يؤثر في ~~الاستقبال، فلا يصح أن يقول: قمت أمس إن شاء الله، فلو أراد الإخبار عن ~~وقوعها بمشيئة الله أتى بغير صيغة الشرط، فيقول: فعلت كذا بمشيئة الله ~~وعونه وتأييده، ونحو ذلك، بخلاف قوله: غدا أفعل إن شاء الله، وأما قوله: " ~~قم إن شاء الله " و " لا تقم إن شاء الله " فلا فائدة في هذا الكلام؛ إذ قد ~~علم أنه لا يفعل إلا بمشيئة الله، فأي معنى لقوله: إن شاء الله لك القيام ~~فقم، وإن لم يشأه فلا تقم؟ . # نعم لو أراد بقوله قم أو لا تقم الخبر، وأخرجه مخرج الطلب تأكيدا، أي: ~~تقوم إن شاء الله، صح ذلك، كما إذا قال: # PageV04P058 # مت على الإسلام إن شاء الله، ولا تمت إلا على توبة إن شاء الله، ونحو ~~ذلك، وكذا إن أراد بقوله " قم إن شاء الله " رد المشيئة إلى معنى خبري، أي: ~~ولا تقوم إلا أن يشاء الله؛ فهذا صحيح مستقيم لفظا ومعنى، وأما " بعت إن ~~شاء الله، واشتريت إن شاء الله " فإن أراد به التحقيق صح وانعقد العقد، ms1188 وإن ~~أراد به التعليق لم يكن المذكور إنشاء، وتنافى الإنشاء والتعليق؛ إذ زمن ~~الإنشاء يقارن وجود معناه، وزمن وقوع المعلق يتأخر عن التعليق، فتنافيا. # وأما قولكم: " إن هذا الطلاق المعلق على المشيئة إما أن يريد طلاقا ماضيا ~~أو مقارنا أو مستقبلا - إلى آخره " فجوابه ما قد تقدم مرارا أنه إن أراد به ~~المشيئة إلى هذا اللفظ المذكور، وأن الله إن كان قد شاءه فأنت طالق طلقت، ~~ولا ريب أن المستثني لم يرد هذا، وإنما أراد ألا يقع الطلاق، فرده إلى ~~مشيئة الله، وأن الله إن شاءه بعد هذا وقع، فكأنه قال: لا أريد طلاقك، ولا ~~أرب لي فيه إلا أن يشاء الله ذلك فينفذ رضيت أم سخطت، كما قال نبي الله ~~شعيب - عليه السلام -: {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} ~~[الأعراف: 89] أي: نحن لا نعود في ملتكم، ولا نختار ذلك، إلا أن يشاء الله ~~ربنا شيئا فينفذ ما شاءه، وكذلك قال إبراهيم: {ولا أخاف ما تشركون به إلا ~~أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما} [الأنعام: 80] أي: لا يقع بي مخوف ~~من جهة آلهتكم أبدا، إلا أن يشاء ربي شيئا فينفذ ما شاءه. # فرد الأنبياء ما أخبروا ألا يكون إلى مشيئة الرب تعالى وإلى علمه ~~استدراكا واستثناء، أي: لا يكون ذلك أبدا، ولكن إن شاءه الله تعالى كان، ~~فإنه تعالى عالم بما لا نعلمه نحن من الأمور التي تقتضيها حكمته وحده. ### | [فصل التحقيق في موضوع الاستثناء] # فصل: # [التحقيق في موضوع الاستثناء] # فالتحقيق في المسألة أن المستثني إما أن يقصد بقوله: " إن شاء الله " ~~التحقيق أو التعليق؛ فإن قصد به التحقيق والتأكيد وقع الطلاق، وإن قصد به ~~التعليق وعدم الوقوع في الحال لم تطلق، هذا هو الصواب في المسألة، وهو ~~اختيار شيخنا وغيره من الأصحاب، وقال أبو عبد الله بن حمدان في رعايته: ~~قلت: إن قصد التأكيد والتبرك وقع، وإن قصد التعليق وجهل استحالة العلم ~~بالمشيئة فلا، وهذا قول آخر غير الأقوال الأربعة المحكية ms1189 في المسألة، وهو ~~أنه إنما ينفعه الاستثناء إذا قصد التعليق، وكان جاهلا باستحالة العلم ~~بمشيئة الله تعالى فلو علم استحالة العلم بمشيئته تعالى لم ينعقد ~~الاستثناء. # والفرق بين علمه بالاستحالة وجهله بها أنه إذا جهل استحالة العلم ~~بالمشيئة فقد علق الطلاق بما هو ممكن # PageV04P059 # في ظنه فيصح تعليقه، وإذا لم يجهل استحالة العلم بالمشيئة فقد علقه على ~~محال يعلم استحالته فلا يصح التعليق، وهذا أحد الأقوال في تعليقه بالمحال. # قلت: وقولهم: " إن العلم بمشيئة الرب محال " خطأ محض، فإن مشيئة الرب ~~تعلم بوقوع الأسباب التي تقتضي مسبباتها؛ فإن مشيئة المسبب مشيئة لحكمه، ~~فإذا أوقع عليها بعد ذلك طلاقا علمنا أن الله قد شاء طلاقها. # فهذا تقرير الاحتجاج من الجانبين، ولا يخفى ما تضمنه من رجحان أحد ~~القولين، والله أعلم. # فصل: # [الكلام على نية الاستثناء ومتى تعتمد؟] # وقد قدمنا اختلاف الفقهاء في اشتراط نية الاستثناء وزمنها، وأن أضيق ~~الأقوال قول من يشترط النية من أول الكلام، وأوسع منه قول من يشترطها قبل ~~فراغه، وأوسع منه قول من يجوز إنشاءها بعد الفراغ من الكلام، كما يقوله ~~أصحاب أحمد وغيرهم. # وأوسع منه قول من يجوزه بالقرب، ولا يشترط اتصاله بالكلام، كما نص عليه ~~أحمد في رواية المروزي فقال: حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال: إن شاء ~~الله» إذ هو استثناء بالقرب، ولم يخلط كلامه بغيره، وقال إسماعيل بن سعيد ~~الشالنجي: سئل أحمد بن حنبل عن الاستثناء في اليمين، فقال: من استثنى بعد ~~اليمين فهو جائز، على مثل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ قال: «والله ~~لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال: إن شاء الله» ولم يبطل ذلك، قال: ولا أقول فيه ~~بقول هؤلاء، يعني من لم ير ذلك إلا متصلا، هذا لفظ الشالنجي في مسائله. # وأوسع من ذلك قول من قال: ينفعه الاستثناء، ويصح ما دام في المجلس، نص ~~عليه الإمام أحمد في إحدى الروايات عنه، وهو قول ms1190 الأوزاعي كما سنذكره. # وأوسع منه من وجه قول من لا يشترط النية بحال، كما صرح به أصحاب أبي ~~حنيفة، وقال صاحب الذخيرة في كتاب الطلاق في الفصل السادس عشر منه: ولو قال ~~لها: " أنت طالق إن شاء الله " ولا يدري أي شيء شاء الله لا يقع الطلاق؛ ~~لأن الطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع، فعلمه وجهله يكون سواء، ولو قال لها: ~~" أنت طالق " فجرى على لسانه من غير قصد " إن شاء الله "، وكان قصده إيقاع ~~الطلاق لا يقع الطلاق؛ لأن الاستثناء قد وجد حقيقة، والكلام مع الاستثناء ~~لا يكون إيقاعا. # وقال الجوزجاني في مترجمه: حدثني صفوان ثنا عمر قال: سئل الأوزاعي - رحمه ~~الله - عن رجل حلف: والله لأفعلن # PageV04P060 # كذا وكذا، ثم سكت ساعة لا يتكلم ولا يحدث نفسه بالاستثناء، فيقول له ~~إنسان إلى جانبه: قل إن شاء الله، فقال: إن شاء الله، أيكفر عن يمينه؟ ~~فقال: أراه قد استثنى. # وبهذا الإسناد عن الأوزاعي أنه سئل عن رجل وصله قريبه بدراهم فقال: والله ~~لا آخذها، فقال قريبه: والله لتأخذنها، فلما سمعه قال: " والله لتأخذنها " ~~استثنى في نفسه فقال: إن شاء الله، وليس بين قوله والله لا آخذها وبين قوله ~~إن شاء الله كلام إلا انتظاره ما يقول قريبه، أيكفر عن يمينه إن هو أخذها؟ ~~فقال: لم يحنث؛ لأنه قد استثنى. # ولا ريب أن هذا أفقه وأصح من قول من اشترط نيته مع الشروع في اليمين؛ فإن ~~هذا القول موافق للسنة الصحيحة فعلا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وحكاية عن أخيه سليمان أنه لو قال: " إن شاء الله " بعدما حلف وذكره ذلك ~~كان نافعا له، وموافقا للقياس ومصالح العباد ومقتضى الحنيفية السمحة، ولو ~~اعتبر ما ذكر من اشتراط النية في أول الكلام والاتصال الشديد لزالت رخصة ~~الاستثناء، وقل من انتفع بها إلا من قد درس على هذا القول وجعله منه على ~~بال. # وقد ضيق بعض المالكية في ذلك فقال: لا يكون الاستثناء نافعا إلا وقد ~~أراده صاحبه قبل أن يتمم اليمين كما ms1191 قال بعض الشافعية. # وقال ابن المواز: شرط نفعه أن يكون مقارنا، ولو لآخر حرف من حروف اليمين، ~~ولم يشترط مالك شيئا من ذلك، بل قال في موطئه، وهذا لفظ روايته: قال عبد ~~الله بن يوسف: أحسن ما سمعت في الثنيا في اليمين أنها لصاحبها ما لم يقطع ~~كلامه، وما كان نسقا يتبع بعضه بعضا قبل أن يسكت، فإذا سكت وقطع كلامه فلا ~~ثنيا له، انتهى. # ولم أر عن أحد من الأئمة قط اشتراط النية مع الشروع ولا قبل الفراغ، ~~وإنما هذا من تصرف الأتباع. # فصل: # [هل يشترط في الاستثناء النطق به؟] # وهل من شرط الاستثناء أن يتكلم به، أو ينفع إذا كان في قلبه، وإن لم ~~يتلفظ به؟ فالمشهور من مذاهب الفقهاء أنه لا ينفعه حتى يتلفظ به، ونص عليه ~~أحمد فقال في رواية ابن منصور: لا يجوز له أن يستثني # في نفسه حتى يتكلم به، وقد قال أصحاب أحمد وغيرهم: لو قال: " نسائي طوالق ~~"، واستثنى بقلبه " إلا فلانة " صح استثناؤه، ولم تطلق، ولو قال ": نسائي ~~الأربع طوالق "، واستثنى بقلبه إلا فلانة لم ينفعه. # وفرقوا بينهما بأن الأول ليس نصا في الأربع، فجاز تخصيصه بالنية، بخلاف ~~الثاني، ويلزمهم على هذا الفرق أن يصح تقييده بالشرط بالنية؛ لأن غايته أنه ~~تقييد مطلق؛ فعمل النية فيه أولى من عملها في # PageV04P061 # تخصيص العام؛ لأن العام متناول للأفراد وضعا، والمطلق لا يتناول جميع ~~الأحوال بالوضع، فتقييده بالنية أولى من تخصيص العام بالنية، وقد قال صاحب ~~المغني وغيره: إذا قال: " أنت طالق " ونوى بقلبه من غير نطق إن دخلت الدار ~~أو بعد شهر أنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى، وهل يقبل في الحكم؟ على ~~روايتين، وقد قال الإمام أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم فيمن حلف لا يدخل ~~الدار وقال: " نويت شهرا: " قبل منه، أو قال: " إذا دخلت دار فلان فأنت ~~طالق " ونوى تلك الساعة، أو ذلك اليوم قبلت نيته، قال: والرواية الأخرى لا ~~تقبل؛ فإنه قال: إذا قال لامرأته ": أنت طالق "، ونوى في ms1192 نفسه إلى سنة ~~تطلق، ليس ينظر إلى نيته، وقال: إذا قال: " أنت طالق " وقال: نويت إن دخلت ~~الدار، لا يصدق، قال الشيخ: ويمكن أن يجمع بين هاتين الروايتين بأن يحمل ~~قوله في القبول على أنه يدين، وقوله في عدم القبول على الحكم؛ فلا يكون ~~بينهما اختلاف. # قال: والفرق بين هذه الصورة والتي قبلها - يعني مسألة نسائي طوالق وأراد ~~بعضهن - أن إرادة الخاص بالعام شائع كثير، وإرادة الشرط من غير ذكره غير ~~شائع، وهو قريب من الاستثناء، ويمكن أن يقال: هذه كلمة من جملة التخصيص، ~~انتهى كلامه. # وقد تضمن أن الحالف إذا أراد الشرط دين وقبل في الحكم في إحدى الروايتين، ~~ولا يفرق فقيه ولا محصل بين الشرط بمشيئة الله حيث يصح وينفع وبين غيره من ~~الشروط، وقد قال الإمام أحمد في رواية حرب: إن كان مظلوما فاستثنى في نفسه ~~رجوت أنه يجوز إذا خاف على نفسه، ولم ينص على خلاف هذا في المظلوم، وإنما ~~أطلق القول، وخاص كلامه ومقيده يقضي على مطلقه وعامه؛ فهذا مذهبه. # فصل: # [هل يشترط في الاستثناء أن يسمع نفسه؟] # وهل يشترط أن يسمع نفسه أو يكفي تحرك لسانه بالاستثناء، وإن كان بحيث لا ~~يسمعه؟ فاشترط أصحاب أحمد وغيرهم أنه لا بد وأن يكون بحيث يسمعه هو أو ~~غيره، ولا دليل على هذا من لغة ولا عرف ولا شرع، وليس في المسألة إجماع. # قال أصحاب أبي حنيفة، واللفظ لصاحب الذخيرة: وشرط الاستثناء أن يتكلم ~~بالحروف، سواء كان مسموعا أو لم يكن عند الشيخ أبي الحسن الكرخي. # وكان الفقيه أبو جعفر يقول: لا بد وأن يسمع نفسه، وبه كان يفتي الشيخ أبو ~~بكر محمد بن الفضل، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يميل إلى هذا القول، وبالله ~~التوفيق، وهذا بعض ما يتعلق بمخرج الاستثناء، ولعلك لا تظفر به في غير هذا ~~الكتاب. # PageV04P062 ### | [فصل فعل المحلوف عليه مع الذهول] # فصل: # [المخرج الخامس فعل المحلوف عليه مع الذهول ونحوه] # المخرج الخامس: أن يفعل المحلوف عليه ذاهلا، أو ناسيا، أو مخطئا، أو ms1193 ~~جاهلا، أو مكرها، أو متأولا، أو معتقدا أنه لا يحنث به تقليدا لمن أفتاه ~~بذلك، أو مغلوبا على عقله، أو ظنا منه أن امرأته طلقت فيفعل المحلوف عليه ~~بناء على أن المرأة أجنبية فلا يؤثر فعل المحلوف عليه في طلاقها شيئا. # [الذهول والفرق بينه وبين النسيان] # فمثال الذهول أن يحلف أنه لا يفعل شيئا هو معتاد لفعله فيغلب عليه الذهول ~~والغفلة فيفعله. # والفرق بين هذا وبين الناسي أن الناسي يكون قد غاب عنه اليمين بالكلية ~~فيفعل المحلوف عليه ذاكرا له عامدا لفعله، ثم يتذكر أنه كان قد حلف على ~~تركه، وأما الغافل والذاهل واللاهي فليس بناس ليمينه، ولكنه لها عنها أو ~~ذهل كما يذهل الرجل عن الشيء في يده أو حجره بحديث أو نظر إلى شيء أو نحوه ~~كما قال تعالى: {وأما من جاءك يسعى - وهو يخشى - فأنت عنه تلهى} [عبس: 8 - ~~10] . # يقال: لهي عن الشيء يلهى كغشي يغشى إذا غفل، ولها به يلهو، إذا لعب؛ وفي ~~الحديث «فلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء كان في يديه» أي اشتغل ~~به، ومنه الحديث الآخر «إذا استأثر الله بشيء فاله عنه» . # وسئل الحسن عما يجده الرجل من البلة بعد الوضوء والاستنجاء، فقال " اله ~~عنه "، وكان ابن الزبير إذا سمع صوت الرعد لها عن حديثه، وقال عمر - رضي ~~الله عنه - لرجل بعثه بمال إلى أبي عبيدة ثم قال للرسول: " تله عنه ثم انظر ~~ماذا يصنع به ". # ومنه قول كعب بن زهير: # وقال كل صديق كنت آمله ... لا ألهينك إني عنك مشغول # أي لا أشغلك عن شأنك وأمرك، وفي المسند «سألت ربي أن لا يعذب اللاهين من ~~أمتي» وهم البله الغافلون الذين لم يتعمدوا الذنوب، وقيل: هم الأطفال الذين ~~لم يقترفوا ذنبا. # فصل: # [النسيان ضربان] # وأما الناسي فهو ضربان: ناس لليمين، وناس للمحلوف عليه، فالأول ظاهر، ~~والثاني: كما إذا حلف على شيء وفعله، وهو ذاكر ليمينه، لكن نسي أن هذا هو ~~المحلوف عليه بعينه، وهذا كما لو حلف لا يأكل طعام كذا ms1194 وكذا، فنسيه، ثم ~~أكله، وهو ذاكر ليمينه، ثم ذكر أن هذا # PageV04P063 # هو الذي حلف عليه؛ فهذا إذا كان يعتقد أنه غير المحلوف عليه ثم بان أنه ~~هو فهو خطأ. # فإن لم يخطر بباله كونه المحلوف عليه ولا غيره فهو نسيان، والفرق بين ~~الجاهل بالمحلوف عليه ولا غيره فهو نسيان، والفرق بين الجاهل بالمحلوف عليه ~~والمخطئ أن الجاهل قصد الفعل ولم يظنه المحلوف عليه، والمخطئ لم يقصده كما ~~لو رمى طائرا فأصاب إنسانا. # [المكره نوعان] # والمكره نوعان: # أحدهما: له فعل اختياري لكن محمول عليه، والثاني: ملجأ لا فعل له، بل هو ~~آلة محضة. # [المتأول] # والمتأول كمن يحلف أنه لا يكلم زيدا وكاتبه يعتقد أن مكاتبته ليست ~~تكليما، وكمن حلف أنه لا يشرب خمرا فشرب نبيذا مختلفا فيه متأولا، وكمن حلف ~~لا يرابي فباع بالعينة، أو لا يطأ فرجا حراما فوطئ في نكاح تحليل مختلف فيه ~~ونحو ذلك. # والتأويل ثلاث درجات: قريب وبعيد ومتوسط، ولا تنحصر أفراده، والمعتقد أنه ~~لا يحنث بفعله تقليدا سواء كان المفتي مصيبا أو مخطئا كمن قال لامرأته: إن ~~خرجت من بيتي فأنت طالق، أو الطلاق يلزمني لا تخرجين من بيتي، فأفتاه مفت ~~بأن هذه اليمين لا يلزم بها الطلاق بناء على أن الطلاق المعلق لغو كما ~~يقوله بعض أصحاب الشافعي كأبي عبد الرحمن الشافعي وبعض أهل الظاهر كما صرح ~~به صاحب المحلى، فقال: والطلاق بالصفة عندنا كالطلاق باليمين كل ذلك لا ~~يلزم. # [المغلوب على عقله] # والمغلوب على عقله كمن يفعل المحلوف عليه في حال سكر أو جنون أو زوال عقل ~~بشرب دواء أو بنج أو غضب شديد ونحو ذلك. # [ظن الطلاق] # والذي يظن أن امرأته طلقت فيفعل المحلوف عليه بناء على أنه لا يؤثر في ~~الحنث، كما إذا قال: إن كلمت فلانا فأنت طالق ثلاثا، ثم قال: إن فعلت كذا ~~فامرأتي طالق ثلاثا، فقيل له: إن امرأتك قد كلمت فلانا، فاعتقد صدق القائل، ~~وأنها قد بانت منه، ففعل المحلوف عليه بناء على أن العصمة قد انقطعت، ثم ms1195 ~~بان له أن المخبر كاذب. # وكذلك لو قيل له: قد كلمت فلانا، فقال: طلقت مني ثلاثا، ثم بان له أنها ~~لم # PageV04P064 # تكلمه، ومثل ذلك لو قيل له: إن امرأتك قد مسكت تشرب الخمر مع فلان، فقال: ~~هي طالق ثلاثا، ثم ظهر كذب المخبر، وأن ذلك لم يكن منه شيء فاختلف الفقهاء ~~في ذلك اختلافا لا ينضبط. # فنذكر أقوال من أفتى بعدم الحنث في ذلك؛ إذ هو الصواب بلا ريب، وعليه تدل ~~الأدلة الشرعية؛ ألفاظها وأقيستها واعتبارها، وهو مقتضى قواعد الشريعة؛ فإن ~~البر والحنث في اليمين نظير الطاعة والمعصية في الأمر والنهي، وإن فعل ~~المكلف ذلك في أمر الشارع ونهيه لم يكن عاصيا، فأولى في باب اليمين أن لا ~~يكون حانثا. # ويوضحه أنه إنما عقد يمينه على فعل ما يملكه، والنسيان والجهل والخطأ ~~والإكراه غير داخل تحت قدرته، فما فعله في تلك الأحوال لم يتناوله يمينه، ~~ولم يقصد منع نفسه منه. # يوضحه أن الله تعالى قد رفع المؤاخذة عن المخطئ والناسي والمكره، فإلزامه ~~بالحنث أعظم مؤاخذة لما تجاوز الله عن المؤاخذة به، كما أنه تعالى لما ~~تجاوز للأمة عما حدثت به أنفسها لم تتعلق به المؤاخذة في الأحكام. # يوضحه أن فعل الناسي والمخطئ بمنزلة فعل النائم في عدم التكليف به، ولهذا ~~هو عفو لا يكون به مطيعا ولا عاصيا. # يوضحه أن الله تعالى إنما رتب الأحكام على الألفاظ؛ لدلاتها على قصد ~~المتكلم بها، وإرادته، فإذا تيقنا أنه قصد كلامها، ولم يقصد معانيها، ولم ~~يقصد مخالفة ما التزمه ولا الحنث فإن الشارع لا يلزمه بما لم يقصده، بل قد ~~رفع المؤاخذة عنه بما لم يقصده من ذلك. # يوضحه أن اللفظ دليل على القصد، فاعتبر؛ لدلالته عليه، فإذا علمنا يقينا ~~خلاف المدلول لم يجز أن نجعله دليلا على ما تيقنا خلافه. # وقد رفع الله المؤاخذة عن قتل المسلم المعصوم بيده مباشرة إذا لم يقصد ~~قتله بل قتله خطأ، ولم يلزمه شيئا من ديته، بل حملها غيره، فكيف يؤاخذه ~~بالخطأ والنسيان في باب الأيمان؟ ms1196 هذا من الممتنع على الشارع. # وقد رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - المؤاخذة عمن أكل وشرب في نهار ~~رمضان ناسيا لصومه، مع أن أكله وشربه فعل لا يمكن تداركه، فكيف يؤاخذه بفعل ~~المحلوف عليه ناسيا ويطلق عليه امرأته ويخرب بيته ويشتت شمله وشمل أولاده، ~~وأهله وقد عفا له عن الأكل والشرب في نهار الصوم ناسيا؟ # PageV04P065 # وقد عفا عمن أكل أو شرب في نهار الصوم عمدا غير ناس لما تأول الخيط ~~الأبيض والخيط الأسود بالحبلين المعروفين، فجعل يأكل حتى تبينا له وقد طلع ~~النهار، وعفا له عن ذلك، ولم يأمره بالقضاء، لتأويله، فما بال الحالف ~~المتأول لا يعفى له عن الحنث بل يخرب بيته، ويفرق بينه وبين حبيبته ويشتت ~~شمله كل مشتت؟ وقد عفا عن المتكلم في صلاته عمدا، ولم يأمره بالإعادة لما ~~كان جاهلا بالتحريم لم يتعمد مخالفة حكمه، فألغى كلامه، ولم يجعله مبطلا ~~للصلاة، فكيف لا يقتدى به ويلغى قول الجاهل وفعله في باب الأيمان ولا يحنثه ~~كما لم يؤثمه الشارع؟ وإذا كان قد عفا عمن قدم شيئا أو أخره من أعمال ~~المناسك من الحلق والرمي والنحر نسيانا أو جهلا فلم يؤاخذه بترك ترتيبها ~~نسيانا، فكيف يحنث أن قدم ما حلف على تأخيره أو أخر ما حلف على تقديمه ~~ناسيا أو جاهلا؟ ، وإذا كان قد عفا عمن حمل القذر في الصلاة ناسيا أو جاهلا ~~به، فكيف يؤاخذ الحالف ويحنث به؟ وكيف تكون أوامر الرب تعالى ونواهيه دون ~~ما التزمه الحالف بالطلاق والعتاق؟ وكيف يحنث من لم يتعمد الحنث؟ وهل هذا ~~إلا بمنزلة تأثيمه من لم يتعمد الإثم وتكفيره من لم يتعمد الكفر؟ وكيف يطلق ~~أو يعتق على من لم يتعمد الطلاق والعتاق، ولم يطلق على الهازل إلا لتعمده ~~فإنه تعمد الهزل، ولم يرد حكمه، وذلك ليس إليه بل إلى الشارع، فليس الهازل ~~معذورا، بخلاف الجاهل والمخطئ والناسي. # وبالجملة فقواعد الشريعة وأصولها تقتضي ألا يحنث الحالف في جميع ما ذكرنا ~~ولا يطرد على القياس ويسلم من التناقض إلا هذا القول. ms1197 # وأما تحنيثه في جميع ذلك فإن صاحبه وإن سلم من التناقض لكن قوله مخالف ~~لأصول الشريعة وقواعدها، وأدلتها. # ومن حنث في بعض ذلك دون بعض تناقض، ولم يطرد له قول، ولم يسلم له دليل عن ~~المعارضة. # وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في ذلك؛ ففيه ثلاث روايات، إحداها: ~~أنه لا يحنث في شيء من الأيمان بالنسيان ولا الجهل بفعل المحلوف عليه مع ~~النسيان سواء كانت من الأيمان المكفرة أو غيرها، وعلى هذه الرواية فيمينه ~~باقية لم تنحل بفعل المحلوف عليه # PageV04P066 # مع النسيان والجهل؛ لأن اليمين كما لم يتناول حالة الجهل والنسيان ~~بالنسبة إلى الحنث لم يتناولها بالنسبة إلى البر؛ إذ لو كان فاعلا للمحلوف ~~عليه بالنسبة إلى البر لكان فاعلا له بالنسبة إلى الحنث. # وهذه الرواية اختيار شيخ الإسلام وغيره، وهي أصح قولي الشافعي اختاره ~~جماعة من أصحابه، والثانية: يحنث في الجميع، وهي مذهب أبي حنيفة ومالك ~~والثالثة: يحنث في اليمين التي لا تكفر كالطلاق والعتاق، ولا يحنث في ~~اليمين المكفرة، وهي اختيار القاضي، وأصحابه. والذين حنثوه مطلقا نظروا إلى ~~صورة الفعل، وقالوا: قد وجدت المخالفة. والذين فرقوا قالوا: الحلف بالطلاق ~~والعتاق من باب التعليق على الشرط، فإذا وجد الشرط وجد المشروط، سواء كان ~~مختارا لوجوده أو لم يكن. # كما لو قال: " إن قدم زيد فأنت طالق " ففعل المحلوف عليه في حال جنونه، ~~فهل هو كالنائم فلا يحنث أو كالناسي فيجري فيه الخلاف؟ على وجهين في مذهب ~~الإمام أحمد والشافعي،، وأصحهما أنه كالنائم لأنه غير مكلف. # ولو حلف على من يقصد منعه كعبده وزوجته وولده، وأجيره ففعل المحلوف عليه ~~ناسيا أو جاهلا فهو كما لو حلف على فعل نفسه ففعله ناسيا أو جاهلا، هو على ~~الروايات الثلاث، وكذلك هو على القولين في مذهب الشافعي، فإن منعه لمن ~~يمتنع بيمينه كمنعه لنفسه؛ فلو حلف لا يسلم على زيد فسلم على جماعة هو ~~فيهم، ولم يعلم فإن لم نحنث الناسي فهذا أولى بعدم الحنث لأنه لم يقصده، ~~والناسي قد قصد التسليم عليه، ms1198 وإن حنثنا الناسي هل يحنث هذا؟ على روايتين، ~~إحداهما: يحنث لأنه بمنزلة الناسي؛ إذ هو جاهل بكونه معهم. # والثانية: - وهي أصح - أنه لا يحنث، قاله أبو البركات وغيره، وهذا يدل ~~على أن الجاهل أعذر من الناسي، وأولى بعدم الحنث. # وصرح به أصحاب الشافعي في الأيمان، ولكن تناقضوا كلهم في جعل الناسي في ~~الصوم أولى بالعذر من الجاهل، ففطروا الجاهل دون الناسي، وسوى شيخنا ~~بينهما، وقال: الجاهل أولى بعدم الفطر من الناسي، فسلم من التناقض. # وقد سووا بين الجاهل والناسي فيمن حمل النجاسة في الصلاة ناسيا أو جاهلا، ~~ولم يعلم حتى فرغ منها، فجعلوا الروايتين والقولين في الصورتين سواء، وقد ~~سوى الله تعالى بين المخطئ والناسي في عدم المؤاخذة، وسوى بينهم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في قوله: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان» ~~فالصواب التسوية بينهما. # فصل: # [فعل المحلوف عليه مكرها] # وأما إذا فعل المحلوف عليه مكرها فعن أحمد روايتان منصوصتان، إحداهما: ~~يحنث # PageV04P067 # في الجميع، والثانية: لا يحنث في الجميع، وهما قولان للشافعي وخرج أبو ~~البركات رواية ثالثة أنه يحنث باليمين بالطلاق والعتاق دون غيرهما من ~~الأيمان من نصه على الفرق في صورة الجاهل والناسي، فإن ألجئ أو حمل أو فتح ~~فمه وأوجر ما حلف أنه لا يشربه فإن لم يقدر على الامتناع لم يحنث، وإن قدر ~~على الامتناع فوجهان، وإذا لم يحنث فاستدام ما ألجئ عليه كما لو ألجئ إلى ~~دخول دار حلف أنه لا يدخلها، فهل يحنث؟ فيه وجهان، ولو حلف على غيره ممن ~~يقصد منعه على ترك فعل ففعله مكرها أو ملجأ فهو على هذا الخلاف سواء. # فصل: # [حكم المتأول] # أما المتأول فالصواب أنه لا يحنث كما لم يأثم في الأمر والنهي، وقد صرح ~~به الأصحاب فيما لو حلف أنه لا يفارق غريمه حتى يقبض حقه فأحاله به ففارقه ~~يظن أن ذلك قبض، وأنه بر في يمينه، فحكوا فيه الروايات الثلاث، وطرد هذا كل ~~متأول ظن أنه لا يحنث بما فعله؛ فإن غايته أن يكون ms1199 جاهلا بالحنث، وفي ~~الجاهل الروايات الثلاث. # وإذا ثبت هذا في حق المتأول فكذلك في حق المقلد أولى، فإذا حلف بالطلاق ~~ألا يكلم فلانا أو لا يدخل داره فأفتاه مفت بعدم وقوع الطلاق في هذه ~~اليمين، اعتقادا لقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وطاوس وشريح، أو ~~اعتقادا لقول أبي حنيفة والقفال في صيغة الالتزام دون صيغة الشرط، أو ~~اعتقادا لقول أشهب -، وهو أجل أصحاب مالك - أنه إذا علق الطلاق بفعل الزوجة ~~أنه لم يحنث بفعلها، أو اعتقادا لقول أبي عبد الرحمن الشافعي أجل أصحاب ~~الشافعي إن الطلاق المعلق لا يصح كما لا يصح النكاح والبيع والوقف المعلق، ~~وهو مذهب جماعة من أهل الظاهر، لم يحنث في ذلك كله، ولم يقع الطلاق، ولو ~~فرض فساد هذه الأقوال كلها فإنه إنما فعل المحلوف عليه متأولا مقلدا ظانا ~~أنه لا يحنث به، فهو أولى بعدم الحنث من الجاهل والناسي، وغاية ما يقال في ~~الجاهل إنه مفرط حيث لم يستقص، ولم يسأل غير من أفتاه، وهذا بعينه يقال في ~~الجاهل إنه مفرط حيث لم يبحث، ولم يسأل عن المحلوف عليه، فلو صح هذا الفرق ~~لبطل عذر الجاهل ألبتة، فكيف والمتأول مطيع لله مأجور إما أجرا واحدا أو ~~أجرين؟ والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤاخذ خالدا في تأويله حين قتل ~~بني جذيمة بعد إسلامهم، ولم يؤاخذ أسامة حين قتل من قال لا إله إلا الله ~~لأجل # PageV04P068 # التأويل، ولم يؤاخذ من أكل نهارا في الصوم عمدا لأجل التأويل، ولم يؤاخذ ~~أصحابه حين قتلوا من سلم عليهم، وأخذوا غنيمته لأجل التأويل، ولم يؤاخذ ~~المستحاضة بتركها الصوم والصلاة لأجل التأويل، ولم يؤاخذ عمر - رضي الله ~~عنه - حين ترك الصلاة لما أجنب في السفر، ولم يجد ماء، ولم يؤاخذ من تمعك ~~في التراب كتمعك الدابة وصلى لأجل التأويل، وهذا أكثر من أن يستقصى. # وأجمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن كل مال أو دم أصيب ~~بتأويل القرآن فهو هدر في قتالهم في الفتنة، قال ms1200 الزهري: وقعت الفتنة، ~~وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم متوافرون، فأجمعوا على أن كل ~~مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فهو هدر، أنزلوهم منزلة الجاهلية، ولم يؤاخذ ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين رمى حاطب ~~بن أبي بلتعة المؤمن البدري بالنفاق لأجل التأويل، ولم يؤاخذ أسيد بن حضير ~~بقوله لسعد سيد الخزرج: " إنك منافق تجادل عن المنافقين " لأجل التأويل، ~~ولم يؤاخذ من قال عن مالك بن الدخشم: " ذلك المنافق نرى وجهه وحديثه إلى ~~المنافقين " لأجل التأويل، ولم يؤاخذ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين ~~ضرب صدر أبي هريرة حتى وقع على الأرض وقد ذهب للتبليغ عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بأمره فمنعه عمر وضربه وقال: " ارجع "، وأقره رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - على فعله، ولم يؤاخذه لأجل التأويل. # وكما رفع مؤاخذة التأثيم في هذه الأمور وغيرها رفع مؤاخذة الضمان في ~~الأموال والقضاء في العبادات، فلا يحل لأحد أن يفرق بين رجل وامرأته لأمر ~~يخالف مذهبه وقوله الذي قلد فيه بغير حجة؛ فإذا كان الرجل قد تأول وقلد من ~~أفتاه بعدم الحنث فلا يحل له أن يحكم عليه بأنه حانث في حكم الله ورسوله، ~~ولم يتعمد الحنث، بل هذه فرية على الله ورسوله وعلى الحالف، وإذا وصل الهوى ~~إلى هذا الحد فصاحبه تحت الدرك، وله مقام، وأي مقام بين يدي الله يوم لا ~~ينفعه شيخه ولا مذهبه ومن قلده، والله المستعان. # وإذا قال الرجل لامرأته: " أنت طالق ثلاثا لأجل كلامك لزيد وخروجك من ~~بيتي " فبان أنها لم تكلمه، ولم تخرج من بيته لم تطلق، صرح به الأصحاب قال ~~ابن أبي موسى في الإرشاد فإن قال: " أنت طالق إن دخلت الدار " بنصب الألف، ~~والحالف من أهل اللسان، فإن كان تقدم لها دخول إلى تلك الدار قبل اليمين ~~طلقت في الحال؛ لأن ذلك للماضي من الفعل دون المستقبل، وإن كانت لم تدخلها ~~قبل اليمين بحال لم تطلق، وإن دخلت الدار بعد ms1201 اليمين إذا كان الحالف قصد ~~بيمينه الفعل الماضي دون المستقبل، لأن معنى ذلك إن كنت دخلت الدار فأنت ~~طالق، وإن كان الحالف جاهلا باللسان، وإنما أراد باليمين الدخول # PageV04P069 # المستقبل فمتى دخلت الدار بعد اليمين طلقت بما حلف به قولا واحدا، وإن ~~كان تقدم لها دخول الدار قبل اليمين فهل يحنث بالدخول الماضي أم لا؟ على ~~وجهين أصحهما لا يحنث. # والمقصود أنه إذا علل الطلاق بعلة ثم تبين انتفاؤها فمذهب أحمد أنه لا ~~يقع بها الطلاق، وعند شيخنا لا يشترط ذكر التعليل بلفظه، ولا فرق عنده بين ~~أن يطلقها لعلة مذكورة في اللفظ أو غير مذكورة، فإذا تبين انتفاؤها لم يقع ~~الطلاق، وهذا هو الذي لا يليق بالمذهب غيره، ولا تقتضي قواعد الأئمة غيره، ~~فإذا قيل له: امرأتك قد شربت مع فلان أو باتت عنده، فقال: اشهدوا علي أنها ~~طالق ثلاثا، ثم علم أنها كانت تلك الليلة في بيتها قائمة تصلي فإن هذا ~~الطلاق لا يقع به قطعا، وليس بين هذا وبين قوله: " إن كان الأمر كذلك فهي ~~طالق ثلاثا " فرق ألبتة، لا عند الحالف ولا في العرف ولا في الشرع، فإيقاع ~~الطلاق بهذا وهم محض؛ إذ يقطع بأنه لم يرد طلاق من ليست كذلك، وإنما أراد ~~طلاق من فعلت ذلك، وقد أفتى جماعة من الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد ~~والشافعي - منهم الغزالي والقفال وغيرهما الرجل يمر على المكاس برقيق له ~~فيطالبه بمكسهم فيقول: " هم أحرار " ليتخلص من ظلمه، ولا غرض له في عتقهم، ~~أنهم لا يعتقون، وبهذا أفتينا نحن تجار اليمن لما قدموا منها ومروا على ~~المكاسين فقالوا لهم ذلك، وقد صرح به أصحاب الشافعي في باب الكتابة بما إذا ~~دفع إليه العوض فقال: " اذهب فأنت حر " بناء على أنه قد سلم له العوض فظهر ~~العوض مستحقا ورجع به على صاحبه أنه لا يعتق، وهذا هو الفقه بعينه، وصرحوا ~~أن الرجل لو علق طلاق امرأته بشرط فظن أن الشرط قد وقع فقال: " اذهبي فأنت ~~طالق "، وهو يظن أن الطلاق قد ms1202 وقع بوجود الشرط فبان أن الشرط لم يوجد لم ~~يقع الطلاق، ونص على ذلك شيخنا قدس الله روحه، ومن هذا القبيل ما لو قال " ~~حلفت بطلاق امرأتي ثلاثا ألا أفعل كذا "، وكان كاذبا ثم فعله لم يحنث، ولم ~~تطلق عليه امرأته. # قال الشيخ في المغني: إذا قال: حلفت، ولم يكن حلف فقال الإمام أحمد: هي ~~كذبة ليس عليه يمين، وعنه عليه الكفارة؛ لأنه أقر على نفسه، والأول هو ~~المذهب لأنه حكم فيما بينه وبين الله تعالى فإنه كذب في الخبر به كما لو ~~قال: " ما صليت " وقد صلى. # قلت: قال أبو بكر عبد العزيز: باب القول في إخبار الإنسان بالطلاق ~~واليمين كاذبا، قال في رواية الميموني: إذا قال: " حلفت بيمين "، ولم يكن ~~حلف فعليه كفارة يمين، فإن قال: " قد حلفت بالطلاق "، ولم يكن حلف بها ~~يلزمه الطلاق، ويرجع إلى نيته في الواحدة والثلاث، وقال في رواية محمد بن ~~الحكم في الرجل يقول: قد حلفت، ولم يكن حلف: فهي # PageV04P070 # كذبة ليس عليه يمين، فاختلف أصحابنا على ثلاث طرق، إحداها: أن المسألة ~~على روايتين، والثانية -: وهي طريقة أبي بكر - قال عقيب حكاية الروايتين: ~~قال عبد العزيز في الطلاق: يلزمه وفيما لا يكون من الأيمان: لا يلزمه، ~~والطريقة الثالثة: أنه حيث ألزمه أراد به في الحكم، وحيث لم يلزمه بقي فيما ~~بينه وبين الله، وهذه الطريقة أفقه، وأطرد على أصول مذهبه، والله أعلم # فصل: # وأما مذهب مالك في هذا الفصل فالمشهور فيه التفريق بين النسيان والجهل ~~والخطإ وبين الإكراه والعجز، ونحن نذكر كلام أصحابه في ذلك. # قالوا: من حلف ألا يفعل حنث بحصول الفعل، عمدا أو سهوا أو خطأ، واختار ~~أبو القاسم السيوري ومن تبعه من محققي الأشياخ أنه لا يحنث إذا نسي اليمين، ~~وهذا اختيار القاضي أبي بكر بن العربي، قالوا: ولو أكره لم يحنث. # فصل: # في تعذر فعل المحلوف عليه وعجز الحالف عنه. # قال أصحاب مالك: من حلف على شيء ليفعلنه فحيل بينه وبين فعله، فإن أجل ~~أجلا فامتنع الفعل لعدم ms1203 المحل وذهابه كموت العبد المحلوف على ضربه أو ~~الحمامة المحلوف على ذبحها فلا حنث عليه بلا خلاف منصوص، وإن امتنع الفعل ~~لسبب منع الشرع كمن حلف ليطأن زوجته أو أمته فوجدها حائضا فقيل: لا شيء ~~عليه. # قلت: وهذا هو الصواب، لأنه إنما حلف على وطء يملكه، ولم يقصد الوطء الذي ~~لم يملكه الشارع إياه، فإن قصده حنث، وهذا هو الصواب: لأنه إنما حلف على ~~وطء يملكه، وهكذا في صورة العجز الصواب أنه لا يحنث؛ فإنه إنما حلف على شيء ~~يدخل تحت قدرته، ولم يلتزم فعل ما لا يقدر عليه، فلا تدخل حالة العجز تحت ~~يمينه، وهذا بعينه قد قالوه في المكره والناسي والمخطئ، والتفريق تناقض ~~ظاهر؛ فالذي يليق بقواعد أحمد وأصوله أنه لا يحنث في صورة العجز، سواء كان ~~العجز لمنع شرعي أو منع كوني قدري، كما هو قوله فيما لو كان العجز لإكراه ~~مكره، ونصه على خلاف ذلك لا يمنع أن يكون عنده رواية مخرجة من أصوله ~~المذكورة، وهذا من أظهر التخريج، فلو وطئ مع الحيض وعصى فهل يتخلص من ~~الحنث؟ فيه وجهان في مذهب مالك وأحمد، أحدهما: يتخلص، وإن أثم بالوطء كما ~~لو حلف بالطلاق ليشربن هذه الخمر فشربها فإنه لا تطلق عليه زوجته، والثاني # PageV04P071 # لا يبر؛ لأنه إنما حلف على فعل وطء مباح، فلا تتناول يمينه المحرم، ~~فيقال: إذا كان إنما حلف على وطء مأذون فيه شرعا لم تتناول يمينه المحرم ~~فلا يحنث بتركه بعين ما ذكرتم من الدليل، وهذا ظاهر، وحرف المسألة أن يمينه ~~لم تتناول المعجوز عنه لا شرعا ولا قدرا فلا يحنث بتركه، وإن كان الامتناع ~~بمنع ظالم كالغاصب والسارق أو غير ظالم كالمستحق فهل يحنث أم لا؟ قال أشهب: ~~لا يحنث، وهو الصواب؛ لما ذكر، وقال غيره من أصحاب مالك: يحنث؛ لأن المحل ~~باق، وإنما حيل بينه وبين الفعل فيه، وللشافعي في هذا الأصل قولان. # قال أبو محمد الجويني: ولو حلف ليشربن ما في هذه الإداوة غدا فأريق قبل ~~الغد بغير اختياره فعلى ms1204 قولي الإكراه، قال: والأولى أن لا يحنث، وإن حنثنا ~~المكره لعجزه عن الشرب وقدرة المكره على الامتناع، فجعل الشيخ أبو محمد ~~العاجز أولى بالعذر من المكره، وسوى غيره بينهما، ولا ريب أن قواعد الشريعة ~~وأصولها تشهد بهذا القول؛ فإن الأمر والنهي من الشارع نظير الحض والمنع في ~~اليمين، وكما أن أمره ونهيه منوط بالقدرة فلا واجب مع عجز ولا حرام مع ~~ضرورة فكذلك الحض والمنع في اليمين إنما هو مقيد بالقدرة. # يوضحه أن الحالف يعلم أن سر نفسه أنه لم يلتزم فعل المحلوف عليه مع العجز ~~عنه، وإنما التزمه مع قدرته عليه، ولهذا لم يحنث المغلوب على الفعل بنسيان ~~أو إكراه، ولا من لا قصد له إليه كالمغمى عليه وزائل العقل، وهذا قول جمهور ~~الفقهاء من المالكية والشافعية والحنفية، وهو مقتضى أصول الإمام أحمد، وإن ~~كان المنصوص عنه خلافه، فإنه قال في رواية ابنه صالح: إذا حلف أن يشرب هذا ~~الماء الذي في هذا الإناء فانصب فقد حنث، ولو حلف أن يأكل رغيفا فجاء كلب ~~فأكله فقد حنث؛ لأن هذا لا يقدر عليه، وقال في رواية جعفر بن محمد: إذا حلف ~~الرجل على غريمه أن لا يفارقه حتى يستوفي منه ماله فهرب منه مخاتلة فإنه ~~يحنث، وهذا، وأمثاله من نصوصه مبني على قوله في المكره والناسي والجاهل " ~~إنه يحنث " كما نص عليه، فإنه قال في رواية أبي الحارث: إذا حلف أن لا يدخل ~~الدار فحمل كرها فأدخل فإنه لا يحنث، وكذلك نص على حنث الناسي والجاهل فقد ~~جعل الناسي والجاهل والمكره والعاجز بمنزلة، ونص في رواية أبي طالب: إذا ~~حلف أن لا يدخل الدار فحمل كرها فأدخل فلا شيء عليه، وقد قال في رواية أحمد ~~بن القاسم: والذباب يدخل حلق الصائم والرجل يرمي بالشيء فيدخل حلق الآخر ~~وكل أمر غلب عليه فليس عليه قضاء ولا غيره، وتواترت نصوصه فيمن أكل في ~~رمضان أو شرب ناسيا فلا قضاء # PageV04P072 # عليه؛ فقد سوى بين الناسي والمغلوب، وهذا محض القياس والفقه، ومقتضى ذلك ~~التسوية ms1205 بينهما في باب الأيمان كما نص عليه في المكره، فتخرج مسألة العاجز ~~والمغلوب على الروايتين، بل المغلوب والعاجز أولى بعدم الحنث من الناسي ~~والجاهل، كما تقدم بيانه، وبالله التوفيق. ### | [فصل حكم التزام الطلاق] # فصل: # [حكم التزام الطلاق] # المخرج السادس: أخذه بقول من يقول إن التزام الطلاق لا يلزم، ولا يقع به ~~طلاق ولا حنث، وهذا إذا أخرجه بصيغة الالتزام، كقوله: " الطلاق يلزمني، أو ~~لازم لي، أو ثابت علي، أو حق علي، أو واجب علي، أو متعين علي إن فعلت، أو ~~إن لم أفعله "، وهذا مذهب أبي حنيفة، وبه أفتى جماعة من مشايخ مذهبه، وبه ~~أفتى القفال في قوله: " الطلاق يلزمني " ونحن نذكر كلامهم بحروفه. # [كلام الحنفية] # قال صاحب الذخيرة من الحنفية: لو قال لها: " طلاقك علي واجب، أو لازم، أو ~~فرض، أو ثابت " ذكر أبو الليث خلافا بين المتأخرين؛ فمنهم من قال: يقع ~~واحدة رجعية نوى أو لم ينو، ومنهم من قال: لا يقع نوى أو لم ينو، ومنهم من ~~قال: في قوله: " واجب " يقع بدون النية، وفي قوله: " لازم " لا يقع، وإن ~~نوى، وعلى هذا الخلاف إذا قال: " إن فعلت كذا فطلاقك علي واجب، أو قال ~~لازم، أو ثابت " ففعلت، وذكر القدوري في شرحه أن على قول أبي حنيفة لا يقع ~~الطلاق في الكل، وعند أبي يوسف إن نوى الطلاق يقع في الكل، وعن محمد أنه ~~يقع في قوله لازم ولا يقع في قوله واجب، ثم ذكر من اختار من المشايخ الوقوع ~~ومن اختار عدمه، فقال: وكان الإمام ظهير الدين المرغيناني يفتي بعدم الوقوع ~~في الكل. # [كلام الشافعية] # وقال القفال في فتاويه: إذا قال: " الطلاق يلزمني " فليس بصريح ولا ~~كناية، حتى لا يقع به، وإن نواه، ولهذا القول مأخذان؛ أحدهما: أن الطلاق لا ~~بد فيه من الإضافة إلى المرأة، ولم تتحقق الإضافة هاهنا، ولهذا لو قال: " ~~أنا منك طالق " لم تطلق، ولو قال لها: " طلقي نفسك " فقالت: " أنت طالق " ~~لم تطلق، والمأخذ الثاني -، وهو مأخذ أصحاب أبي حنيفة -: أنه ms1206 التزام لحكم ~~الطلاق، وحكمه لا يلزمه إلا بعد وقوعه، وكأنه قال: " فعلي أن # PageV04P073 # أطلقك "، وهو لو صرح بهذا لم تطلق بغير خلاف؛ فهكذا المصدر، وسر المسألة ~~أن ذلك التزام لأن يطلق أو التزام لطلاق واقع؛ فإن كان التزاما لأن يطلق لم ~~تطلق، وإن كان التزاما لطلاق واقع فكأنه قال: " إن فعلت كذا فأنت طالق ~~طلاقا يلزمني " طلقت إذا وجد الشرط، ولمن رجح هذا أن يحيل فيه على العرف؛ ~~فإن الحالف لا يقصد إلا هذا، ولا يقصد التزام التطليق، وعلى هذا فيظهر أن ~~يقال: إن نوى بذلك التزام التطليق لم تطلق، وإن نوى وقوع الطلاق طلقت، وهذا ~~قول أبي يوسف وقول جمهور أصحاب الشافعي، ومن جعله صريحا في وقوع الطلاق حكم ~~فيه بالعرف وغلبة استعمال هذا اللفظ في وقوع الطلاق، وهذا قول أبي المحاسن ~~الروياني، والوجوه الثلاثة في مذهب الشافعي، حكاها شارح التنبيه وغيره. # [قولان آخران للحنفية] # وفي المسألة قولان آخران، وهما للحنفية: أحدهما: أنه إن قال: " فالطلاق ~~علي واجب " يقع نواه أو لم ينوه، وإن قال: " فالطلاق لي لازم " لا يقع نواه ~~أو لم ينوه، ووجه هذا الفرق أن قوله " لازم " التزام لأن يطلق؛ فلا تطلق ~~بذلك، وقوله " واجب " إخبار عن وجوبه عليه، ولا يكون واجبا إلا وقد وقع ~~ولمن سوى بينهما أن يقول: هو إيجاب للتطليق، وإخبار عن وقوع الطلاق، ولا ~~ريب أن اللفظ محتمل لهما كاحتمال قوله: " الطلاق يلزمني " سواء، وهذا هو ~~الصواب، والفرق تحكم. # والثاني: قول محمد بن الحسن، وهو عكس هذا القول، أن الطلاق يقع بقوله: " ~~الطلاق لي لازم، أو يلزمني " ولا يقع بقوله: " هو علي واجب " وعلى هذا ~~الخلاف قوله: " إن فعلت كذا فالعتق يلزمني، أو فعلي العتق، أو فالعتق لازم ~~لي، أو واجب علي ". ### | [فصل الطلاق المعلق] # فصل: # [المخرج السابع وفيه البحث في الطلاق المعلق يراد به الحض أو المنع] # المخرج السابع: أخذه بقول أشهب من أصحاب مالك، بل هو أفقههم على الإطلاق، ~~فإنه قال: إذا قال الرجل لامرأته: " إن كلمت زيدا، أو خرجت ms1207 من بيتي بغير ~~إذني " ونحو ذلك مما يكون من فعلها " فأنت طالق " وكلمت زيدا أو خرجت من ~~بيته تقصد أن يقع عليها الطلاق لم تطلق، حكاه أبو الوليد بن رشد في كتاب ~~الطلاق من كتاب المقدمات له، وهذا القول هو الفقه بعينه، ولا سيما على أصول ~~مالك وأحمد في مقابلة العبد بنقيض قصده كحرمان القاتل ميراثه من المقتول، ~~وحرمان الموصى له وصية من قتله بعد الوصية، وتوريث امرأة من طلقها في مرض ~~موته فرارا من ميراثها، وكما يقوله مالك وأحمد في إحدى # PageV04P074 # الروايتين عنهما، وقبلهما عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فيمن تزوج في ~~العدة، وهو يعلم: يفرق بينهما، ولا تحل له أبدا، ونظائر ذلك كثيرة؛ فمعاقبة ~~المرأة هاهنا بنقيض قصدها هو محض القياس والفقه، ولا ينتقض هذا على أشهب ~~بمسألة المخيرة ومن جعل طلاقها بيدها؛ لأن الزوج قد ملكها ذلك وجعله بيدها ~~بخلاف الحالف فإنه لم يقصد طلاقها بنفسه، ولا جعله بيدها باليمين، حتى لو ~~قصد ذلك فقال: " إن أعطيتني ألفا فأنت طالق " أو " إن أبرأتني من جميع ~~حقوقك فأنت طالق " فأعطته أو أبرأته طلقت. # ولا ريب أن هذا الذي قال أشهب أفقه من القول بوقوع الطلاق؛ فإن الزوج ~~إنما قصد حضها ومنعها، ولم يقصد تفويض الطلاق إليها، ولا خطر ذلك بقلبه، ~~ولا قصد وقوع الطلاق عند المخالفة، ومكان أشهب من العلم والإمامة غير ~~مجهول؛ فذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الانتقاء عن محمد بن عبد الله بن ~~عبد الحي قال: أشهب أفقه منكم ومن ابن القاسم مائة مرة، وأنكر ابن كنانة ~~ذلك، قال: ليس عندنا كما قال محمد، وإنما قاله لأن أشهب شيخه ومعلمه، قال ~~أبو عمر: أشهب شيخه ومعلمه، وابن القاسم شيخه، وهو أعلم بهما لكثرة مجالسته ~~لهما، وأخذه عنهما. ### | [فصل هل الحلف بالطلاق يمين أو لا] # فصل: # [هل الحلف بالطلاق يمين أو لا؟] # المخرج الثامن: أخذه بقول من يقول إن الحلف بالطلاق لا يلزم، ولا يقع على ~~الحانث به طلاق، ولا يلزمه كفارة ولا ms1208 غيرها، وهذا مذهب خلق من السلف ~~والخلف، صح ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. قال بعض ~~الفقهاء المالكية، وأهل الظاهر: ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة، ~~هذا لفظ أبي القاسم التيمي في شرح أحكام عبد الحق، وقاله قبله أبو محمد بن ~~حزم، وصح ذلك عن طاوس أجل أصحاب ابن عباس - رضي الله عنه -، وأفقههم على ~~الإطلاق. # قال عبد الرزاق في مصنفه: أنبأنا ابن جريج قال: أخبرني ابن طاوس عن أبيه ~~أنه كان يقول: الحلف بالطلاق ليس شيئا، قلت: أكان يراه يمينا؟ قال: لا ~~أدري، وهذا أصح إسناد عمن هو من أجل التابعين، وأفقههم، وقد وافقه أكثر من ~~أربعمائة عالم ممن بنى فقهه على نصوص الكتاب والسنة دون القياس، ومن آخرهم ~~أبو محمد بن حزم. # قال في كتابه المحلى: مسألة اليمين بالطلاق لا يلزم، سواء بر أو حنث، لا ~~يقع به طلاق، ولا طلاق إلا كما أمر الله تعالى، ولا يمين إلا كما شرع الله ~~تعالى على لسان رسوله، ثم قرر # PageV04P075 # ذلك، وساق اختلاف الناس في ذلك، ثم قال: فهؤلاء علي بن أبي طالب كرم الله ~~وجهه، وشريح وطاوس لا يقضون بالطلاق على من حلف به فحنث، ولا يعرف في ذلك ~~لعلي كرم الله وجهه مخالف من الصحابة - رضي الله عنهم -. # قلت: أما أثر علي - رضي الله عنه - فرواه حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن ~~أن رجلا تزوج امرأة، وأراد سفرا، فأخذه أهل امرأته، فجعلها طالقا إن لم ~~يبعث بنفقتها إلى شهر، فجاء الأجل، ولم يبعث إليها بشيء، فلما قدم خاصموه ~~إلى علي، فقال علي كرم الله وجهه: اضطهدتموه حتى جعلها طالقا، فردها عليه، ~~ولا متعلق لهم بقوله " اضطهدتموه " لأنه لم يكن هناك إكراه، فإنهم إنما ~~طالبوه بحق نفقتها فقط، ومعلوم أن ذلك ليس بإكراه على الطلاق ولا على ~~اليمين، وليس في القصة أنهم أكرهوه بالقتل أو بالضرب أو بالحبس أو أخذ ~~المال على اليمين حتى يكون يمين مكره، والسائلون لم يقولوا لعلي ms1209 شيئا من ~~ذلك ألبتة، وإنما خاصموه في حكم اليمين فقط، فنزل علي كرم الله وجهه ذلك ~~منزلة المضطهد حيث لم يرد طلاق امرأته، وإنما أراد التخلص إلى سفره بالحلف، ~~فالحالف والمضطهد كل منهما لم يرد طلاق امرأته، فالمضطهد محمول على الطلاق ~~تكلم به ليتخلص من ضرر الإكراه، والحالف حلف به ليتوصل إلى غرضه من الحض أو ~~المنع أو التصديق أو التكذيب ولو اختلف حال الحالف بين أن يكون مكرها أو ~~مختارا لسأله علي كرم الله وجهه عن الإكراه وشروطه وحقيقته، وبأي شيء أكره، ~~وهذا ظاهر بحمد الله، فارض للمقلد بما رضي لنفسه. # وأما أثر شريح ففي مصنف عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن ~~شريح أنه خوصم إليه في رجل طلق امرأته إن أحدث في الإسلام حدثا، فاكترى ~~بغلا إلى حمام أعين، فتعدى به إلى أصبهان فباعه واشترى به خمرا، فقال شريح: ~~إن شئتم شهدتم عليه أنه طلقها، فجعلوا يرددون عليه القصة ويردد عليهم، فلم ~~يره حدثا، ولا متعلق لقول الراوي - إما محمد، وإما هشام - فلم يره حدثا، ~~فإنما ذلك ظن منه. # قال أبو محمد: وأي حدث أعظم ممن تعدى من حمام أعين، وهو على مسيرة أميال ~~يسيرة من الكوفة إلى أصبهان ثم باع بغل مسلم ظلما واشترى به خمرا؟ . # قلت: والظاهر أن شريحا لما ردت عليه المرأة ظن من شاهد القصة أنه لم ير ~~ذلك حدثا؛ إذ لو رآه حدثا لأوقع عليها الطلاق، وشريح إنما ردها لأنه علم ~~أنه لم يقصد طلاق امرأته، وإنما قصد اليمين فقط، فلم يلزمه بالطلاق، فقال ~~الراوي فيهم: فلم ير ذلك حدثا، وشريح أفقه في دين الله أن لا يرى مثل هذا ~~حدثا. # PageV04P076 # وممن روى عنه عدم وقوع الطلاق على الحالف إذا حنث عكرمة مولى ابن عباس، ~~كما ذكره سنيد بن داود في تفسيره في أول سورة النور عنه بإسناده أنه سئل عن ~~رجل حلف بالطلاق أنه لا يكلم أخاه، فكلمه، فلم ير ذلك طلاقا، ثم قرأ: {ولا ~~تتبعوا خطوات ms1210 الشيطان} [البقرة: 168] . # ومن تأمل المنقول عن السلف في ذلك وجده أربعة أنواع: صريح في عدم الوقوع، ~~وصريح في الوقوع، وظاهر في عدم الوقوع، وتوقف عن الطرفين، فالمنقول عن طاوس ~~وعكرمة صريح في عدم الوقوع، وعن علي - عليه السلام - وشريح ظاهر في ذلك، ~~وعن ابن عيينة صريح في التوقف. # وأما التصريح بالوقوع فلا يؤثر عن صحابي واحد إلا فيما هو محتمل لإرادة ~~الوقوع عند الشرط، كالمنقول عن أبي ذر، بل الثابت عن الصحابة عدم الوقوع في ~~صورة العتق الذي هو أولى بالنفوذ من الطلاق، ولهذا ذهب إليه أبو ثور وقال: ~~القياس أن الطلاق مثله، إلا أن تجمع الأمة عليه، فتوقف في الطلاق لتوهم ~~الإجماع. # وهذا عذر أكثر الموقعين للطلاق، وهو ظنهم أن الإجماع على الوقوع، مع ~~اعترافهم أنه ليس في الكتاب والسنة والقياس الصحيح ما يقتضي الوقوع، وإذا ~~تبين أنه ليس في المسألة إجماع تبين أن لا دليل أصلا يدل على الوقوع، ~~والأدلة الدالة على عدم الوقوع في غاية القوة والكثرة، وكثير منها لا سبيل ~~إلى دفعه، فكيف يجوز معارضتها بدعوى إجماع قد علم بطلانه قطعا؟ فليس بأيدي ~~الموقعين آية من كتاب أو سنة ولا أثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ولا عن أصحابه ولا قياس صحيح، والقائلون بعدم الوقوع لو لم يكن معهم إلا ~~الاستصحاب الذي لا يجوز الانتقال عنه إلا لما هو أقوى منه لكان كافيا، فكيف ~~ومعهم الأقيسة التي أكثرها من باب قياس الأولى؟ # والباقي من القياس المساوي، وهو قياس النظير على نظيره، والآثار ~~والعمومات والمعاني الصحيحة والحكم والمناسبات التي شهد لها الشرع ~~بالاعتبار ما لم يدفعهم منازعوهم عنهم بحجة أصلا؟ وقولهم وسط بين قولين ~~متباينين غاية التباين: # أحدهما قول من يعتبر التعليق فيوقع به الطلاق على كل حال، سواء كان ~~تعليقا قسميا يقصد به الحالف منع الشرط والجزاء أو تعليقا شرطيا يقصد به ~~حصول الجزاء عند حصول الشرط، والثاني قول من يقول: إن هذا التعليق كله لغو ~~لا يصح بوجه ما، ولا يقع الطلاق به ms1211 ألبتة، كما سنذكره في المخرج الذي بعد ~~هذا إن شاء الله، فهؤلاء توسطوا بين الفريقين، وقالوا: يقع الطلاق في صورة ~~التعليق المقصود به وقوع الجزاء، ولا يقع في صورة التعليق القسمي، وحجتهم ~~قائمة على الفريقين، وليس لأحد منهما حجة صحيحة عليهم، بل كل حجة صحيحة ~~احتج بها الموقعون فإنما تدل على الوقوع في صورة التعليق المقصود. # وكل # PageV04P077 # حجة احتج بها المانعون صحيحة فإنما تدل على عدم الوقوع في صورة التعليق ~~القسمي، فهم قائلون بمجموع حجج الطائفتين، وجامعون للحق الذي مع الفريقين، ~~ومعارضون قول كل من الفريقين، وحججهم # [بقول الفريق الآخر وحججهم] . ### | [فصل الطلاق المعلق بالشرط] # فصل: # [المخرج التاسع وفيه حكم الطلاق المعلق بالشرط] # المخرج التاسع: أخذه بقول من يقول: إن الطلاق المعلق بالشرط لا يقع، ولا ~~يصح تعليق الطلاق، كما لا يصح تعليق النكاح، وهذا اختيار أبي عبد الرحمن ~~أحمد بن يحيى بن عبد العزيز الشافعي أحد أصحاب الشافعي الأجلة أو أجلهم، ~~وكان الشافعي يجله ويكرمه ويكنيه ويعظمه، وأبو ثور، وكانا يكرمانه، وكان ~~بصره ضعيفا، فكان الشافعي يقول: لا تدفعوا إلى أبي عبد الرحمن الكتاب يعارض ~~به فإنه يخطئ، وذكره أبو إسحاق الشيرازي في طبقات أصحاب الشافعي، ومحل ~~الرجل من العلم والتضلع منه لا يدفع، وهو في العلم بمنزلة أبي ثور وتلك ~~الطبقة، وكان رفيق أبي ثور، وهو أجل من جميع أصحاب الوجوه من المنتسبين إلى ~~الشافعي، فإذا نزل بطبقته إلى طبقة أصحاب الوجوه كان قوله وجها، وهو أقل ~~درجاته. # وهذا مذهب لم ينفرد به، بل قد قال به غيره من أهل العلم، قال أبو محمد بن ~~حزم في المحلى: والطلاق بالصفة عندنا كما هو الطلاق باليمين، كل ذلك لا ~~يلزم وبالله التوفيق، ولا يكون طلاقا إلا كما أمر الله تعالى وعلمه، وما ~~عداه فباطل وتعد لحدود الله تعالى. # وهذا القول، وإن لم يكن قويا في النظر فإن الموقعين للطلاق لا يمكنهم ~~إبطاله ألبتة لتناقضهم، وكان أصحابه يقولون لهم: قولنا في تعليق الطلاق ~~بالشرط كقولكم في تعليق الإبراء أو الهبة ms1212 والوقف والبيع والنكاح سواء، فلا ~~يمكنكم ألبتة أن تفرقوا بين ما صح تعليقه من عقود التبرعات والمعاوضات ~~والإسقاطات بالشروط وما لا يصح تعليقه، فلا تبطلوا قول منازعيكم في صحة ~~تعليق الطلاق بالشرط بشيء إلا كان هو بعينه حجة عليكم في إبطال قولكم في ~~منع صحة تعليق الإبراء والهبة والوقف والنكاح، فما الذي أوجب إلغاء هذا ~~التعليق وصحة ذلك التعليق؟ فإن فرقتم بالمعاوضة وقلتم: " إن عقود المعاوضات ~~لا تقبل التعليق بخلاف غيرها " انتقض عليكم طردا بالجعالة وعكسا بالهبة ~~والوقف؛ فانتقض عليكم الفرق طردا وعكسا، وإن فرقتم بالتمليك والإسقاط ~~فقلتم: " عقود التمليك لا تقبل # PageV04P078 # التعليق، بخلاف عقود الإسقاط " انتقض أيضا طرده بالوصية، وعكسه بالإبراء؛ ~~فلا طرد ولا عكس، وإن فرقتم بالإدخال في ملكه والإخراج عن ملكه فصححتم ~~التعليق في الثاني دون الأول انتقض أيضا فرقكم؛ فإن الهبة والإبراء إخراج ~~عن ملكه ولا يصح تعليقهما عندكم، وإن فرقتم بما يحتمل الغرر وما لا يحتمله، ~~فما يحتمل الغرر والأخطار يصح تعليقه بالشرط كالطلاق والعتق والوصية، وما ~~لا يحتمله لا يصح تعليقه كالبيع والنكاح والإجارة، انتقض عليكم بالوكالة ~~فإنها لا تقبل التعليق عندكم وتحتمل الخطر؛ ولهذا يصح أن يوكله في شراء ~~عبد، ولا يذكر قدره ولا وصفه ولا سنه ولا ثمنه، بل يكفي ذكر جنسه فقط، أو ~~أن يوكله في شراء دار، ويكتفي بذكر محلها وسكنها فقط، وأن يوكله في التزوج ~~بامرأة فقط، ولا يزيد على كونها امرأة، ولا يذكر له جنس مهرها ولا قدره ولا ~~وصفه، وأي خطر فوق هذا؟ ومع ذلك منعتم من تعليقها بالشرط، وطرد هذا الفرق ~~يوجب عليكم صحة تعليق النكاح بالشرط، فإنه يحتمل من الخطر ما لا يحتمل غيره ~~من العقود، فلا يشترط فيه رؤية الزوجة، ولا صفتها، ولا تعيين العوض جنسا ~~ولا قدرا ولا وصفا، ويصح مع جهالته، وجهالة المرأة، ولا يعلم عقد يحتمل من ~~الخطر ما يحتمله؛ فهو أولى بصحة التعليق من الطلاق والعتاق إن صح هذا ~~الفرق. # وقد نص الشافعي على صحة تعليقه فيما لو قال: " إن ms1213 كانت جاريتي ولدت بنتا ~~فقد زوجتكها "، وهذا، وإن لم يكن تعليقا على شرط مستقبل فليس بمنزلة قوله: ~~" متى ولدت جارية فقد زوجتكها " لأن هذا فيه خطر ليس في صورة النص، وهذا ~~فرق صحيح، ولكن لم يوفوه حقه، ولم يطرد فقهه، فلو قال: " إن كان أبي مات ~~وورثت منه هذا المتاع فقد بعتكه " أبطلتموه، وقلتم: هو بيع معلق على شرط، ~~والبطلان هاهنا في غاية البعد من الفقه، ولا معنى تحته، ولا خطر هناك ولا ~~غرر ألبتة، وقد نص الإمام أحمد على صحة تعليق النكاح على الشرط. # قال صاحب المستوعب: وأما إذا علق انعقاد النكاح على شرط مثل أن يقول: " ~~زوجتك إذا جاء رأس الشهر، أو إذا رضيت أمها " ففيه روايتان: إحداهما يبطل ~~النكاح من أصله، والأخرى يصح. # وذكر في هذا الفصل أنه إذا تزوجها بشرط الخيار، وإن جاءها بالمهر إلى وقت ~~كذا، وإلا فلا نكاح بينهما ففيه روايتان؛ إحداهما: يبطل النكاح من أصله، ~~والثانية: يبطل الشرط ويصح العقد، نص عليه في رواية الأثرم، وقد ذكر القاضي ~~رواية عنه أنه إذا تزوجها بشرط الخيار يصح العقد والشرط جميعا؛ فصار عنه ~~ثلاث روايات: صحة العقد والشرط، وبطلانهما، وصحة العقد وفساد الشرط، لكن ~~هذا فيما إذا شرط الخيار أو إن جاءها بالمهر إلى وقت كذا، وإلا فلا نكاح ~~بينهما. # وأما إذا قال: # PageV04P079 # زوجتك إن رضيت أمها " فنص على صحة العقد إذا رضيت أمها. # [وقال: هو نكاح] وقال في رواية عبد الله وصالح وحنبل: نكاح المتعة حرام، ~~وكل نكاح فيه وقت أو شرط فاسد. # والمقصود أن المفرقين بين ما يقبل التعليق بالشروط وما لا يقبل إلى الآن ~~لم يستقر لهم ضابط في الفرق، فمن قال من أهل الظاهر وغيرهم إن الطلاق لا ~~يصح تعليقه بالشرط لم يتمكن من الرد عليه من قوله مضطرب فيما يعلق وما لا ~~يعلق، ولا يرد عليه بشيء إلا تمكن من رده عليهم بمثله أو أقوى منه، وإن ~~ردوا عليه بمخالفته لآثار الصحابة رد عليهم بمخالفة النصوص المرفوعة في صور ~~عديدة ms1214 قد تقدم ذكر بعضها، وإن فرقوا طالبهم بضابط ذلك أولا وبتأثير الفرق ~~شرعا ثانيا، فإن الوصف الفارق لا بد أن يكون مؤثرا كالوصف الجامع؛ فإنه لا ~~يصح تعليق الأحكام جمعا وفرقا بالأوصاف التي لا يعلم أن الشارع اعتبرها، ~~فإنه وضع شرع لم يأذن به الله، وبالجملة فليس بطلان هذا القول أظهر في ~~الشريعة من بطلان التحليل، بل العلم بفساد نكاح التحليل أظهر من العلم ~~بفساد هذا القول، فإذا جاز التقرير على التحليل وترك إنكاره مع ما فيه من ~~النصوص والآثار التي اتفق عليها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~على المنع منه ولعن فاعله وذمه فالتقرير على هذا القول أجود، وأجوز. # هذا ما لا يستريب فيه عالم منصف، وإن كان الصواب في خلاف القولين جميعا، ~~ولكن أحدهما أقل خطأ، وأقرب إلى الصواب، والله أعلم. ### | [فصل زوال سبب اليمين] # فصل: # [المخرج العاشر زوال سبب اليمين] # المخرج العاشر: # مخرج زوال السبب، وقد كان الأولى تقديمه على هذا المخرج لقوته وصحته، فإن ~~الحكم يدور مع علته وسببه وجودا وعدما، ولهذا إذا علق الشارع حكما بسبب أو ~~علة زال ذلك الحكم بزوالهما كالخمر علق بها حكم التنجيس ووجوب الحد لوصف ~~الإسكار، فإذا زال عنها وصارت خلا زال الحكم، وكذلك وصف الفسق علق عليه ~~المنع من قبول الشهادة والرواية، فإذا زال الوصف زال الحكم الذي علق عليه، ~~وكذلك السفه والصغر والجنون والإغماء تزول الأحكام المعلقة عليها بزوالها، ~~والشريعة مبنية على هذه القاعدة، فهكذا الحالف إذا حلف على أمر لا يفعله ~~لسبب فزال السبب لم يحنث بفعله؛ لأن يمينه تعلقت به لذلك الوصف، فإذا زال ~~الوصف زال تعلق اليمين فإذا دعي إلى شراب مسكر ليشربه فحلف أن لا يشربه، ~~فانقلب خلا فشربه لم يحنث، فإن منع نفسه منه نظير منع # PageV04P080 # الشارع، فإذا زال منع الشارع بانقلابه خلا وجب أن يزول منع نفسه بذلك، ~~والتفريق بين الأمرين تحكم محض لا وجه له؛ فإذا كان التحريم والتنجيس ووجوب ~~الإراقة ووجوب الحد وثبوت الفسق قد زال بزوال سببه ms1215 فما الموجب لبقاء المنع ~~في صورة اليمين وقد زال سببه؟ # وهل يقتضي محض الفقه إلا زوال حكم اليمين؟ يوضحه أن الحالف يعلم من نفسه ~~أنه لم يمنعها من شرب غير المسكر، ولم يخطر بباله، فإلزامه ببقاء " حكم ~~اليمين وقد زال سببها إلزام بما لم يلتزمه هو، ولا ألزمه به الشارع، وكذلك ~~لو حلف على رجل أن لا يقبل له قولا ولا شهادة لما يعلم من فسقه، ثم تاب ~~وصار من خيار الناس؛ فإنه يزول حكم المنع باليمين كما يزول حكم المنع من ~~ذلك بالشرع، وكذلك إذا حلف أن لا يأكل هذا الطعام أو لا يلبس هذا الثوب أو ~~لا يكلم هذه المرأة ولا يطأها لكونه لا يحل له ذلك، فملك الطعام والثوب ~~وتزوج المرأة فأكل الطعام ولبس الثوب ووطئ المرأة لم يحنث؛ لأن المنع ~~بيمينه كالمنع بمنع الشارع، ومنع الشارع يزول بزوال الأسباب التي ترتب ~~عليها المنع؛ فكذلك منع الحالف، وكذلك إذا حلف لا دخلت هذه الدار. # وكان سبب يمينه أنها تعمل فيها المعاصي وتشرب الخمر؛ فزال ذلك وعادت ~~مجمعا للصالحين وقراءة القرآن والحديث، أو قال: " لا أدخل هذا المكان " ~~لأجل ما رأى فيه من المنكر، فصار بيتا من بيوت الله تقام فيه الصلوات لم ~~يحنث بدخوله، وكذلك إذا حلف لا يأكل لفلان طعاما، وكان سبب اليمين أنه يأكل ~~الربا، ويأكل أموال الناس بالباطل؛ فتاب وخرج من المظالم وصار طعامه من كسب ~~يده أو تجارة مباحة لم يحنث بأكل طعامه، ويزول حكم منع اليمين كما يزول حكم ~~منع الشارع، وكذلك لو حلف لا بايعت فلانا، وسبب يمينه كونه مفلسا أو سفيها؛ ~~فزال الإفلاس والسفه؛ فبايعه لم يحنث، وأضعاف أضعاف هذه المسائل، كما إذا ~~اتهم بصحبة مريب فحلف لا أصاحبه فزالت الريبة وخلفها ضدها فصاحبه لم يحنث، ~~وكذلك لو حلف المريض لا يأكل لحما أو طعاما وسبب يمينه كونه يزيد في مرضه ~~فصح وصار الطعام نافعا له لم يحنث بأكله. # وقد صرح الفقهاء بمسائل من هذا الجنس، فمنها: لو حلف لوال ms1216 أن لا أفارق ~~البلد إلا بإذنك فعزل ففارق البلد بغير إذنه لم يحنث، ومنها: لو حلف على ~~زوجته لا تخرجين من بيتي إلا بإذني، أو على عبده لا يخرج إلا بإذنه، ثم طلق ~~الزوجة، وأعتق العبد فخرجا بغير إذنه لم يحنث، ذكره أصحاب الإمام أحمد. # قال صاحب المغني: لأن قرينة الحال تنقل حكم الكلام إلى نفسها، وهو يملك ~~منع الزوجة والعبد مع ولايته عليهما؛ فكأنه قال: ما دمتما في ملكي، ولأن ~~السبب يدل على النية في الخصوص كدلالته عليها في العموم، وكذلك لو حلف لقاض ~~أن لا أرى منكرا إلا # PageV04P081 # رفعته إليك فعزل لم يحنث بعدم الرفع إليه بعد العزل، وكذلك إذا حلف ~~لامرأته ألا أبيت خارج بيتك أو خارج هذه الدار فماتت أو طلقها لم يحنث إذا ~~بات خارجها، وكذلك إذا حلف على ابنه ألا يبيت خارج البيت لخوفه عليه من ~~الفساق؛ لكونه أمرد، فالتحى وصار شيخا لم يحنث بمبيته خارج الدار، وهذا كله ~~مذهب مالك وأحمد؛ فإنهما يعتبران النية في الأيمان وبساط اليمين وسببها وما ~~هيجها؛ فيحملان اليمين على ذلك. # [قف على اعتبارهم بساط اليمين] # وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب الأيمان من كتابه الكافي في مذهب مالك: ~~والأصل في هذا الباب مراعاة ما نواه الحالف؛ فإن لم تكن له نية نظر إلى ~~بساط قصته، وما أثاره على الحلف، ثم حكم عليه بالأغلب من ذلك في نفوس أهل ~~وقته. # وقال صاحب الجواهر: المقتضيات للبر والحنث أمور؛ الأول: النية إذا كانت ~~مما يصلح أن يراد اللفظ بها، سواء كانت مطابقة له أو زائدة فيه أو ناقصة ~~عنه بتقييد مطلقه وتخصيص عامه، الثاني: السبب المثير لليمين يتعرف منه، ~~ويعبر عنه بالبساط أيضا، وذلك أن القاصد لليمين لا بد أن تكون له نية، ~~وإنما يذكرها في بعض الأوقات وينساها في بعضها؛ فيكون المحرك على اليمين -، ~~وهو البساط - دليلا عليها، لكن قد يظهر مقتضى المحرك ظهورا لا إشكال فيه، ~~وقد يخفى في بعض الحالات، وقد يكون ظهوره وخفاؤه بالإضافة. # وكذلك ms1217 أصحاب الإمام أحمد صرحوا باعتبار النية وحمل اليمين على مقتضاها، ~~فإن عدمت رجع إلى سبب اليمين وما هيجها فحمل اللفظ عليه؛ لأنه دليل على ~~النية. حتى صرح أصحاب مالك فيمن دفن مالا ونسي مكانه فبحث عنه فلم يجده ~~فحلف على زوجته أنها هي التي أخذته ثم وجده لم يحنث، قالوا: لأن قصده ونيته ~~إنما هو إن كان المال قد ذهب فأنت التي أخذته؛ فتأمل كيف جعلوا القصد ~~والنية في قوة الشرط، وهذا هو محض الفقه. # ونظير هذا ما لو دعي إلى طعام فظنه حراما فحلف لا أطعمه ثم ظهر أنه حلال ~~لا شبهة فيه فإنه لا يحنث بأكله؛ لأن يمينه إنما تعلقت به إن كان حراما ~~وذلك قصده. # ومثله لو مر به رجل فسلم عليه فحلف لا يرد عليه السلام لظنه أنه مبتدع أو ~~ظالم أو فاجر، فظهر أنه غير ذلك الذي ظنه لم يحنث بالرد عليه. # PageV04P082 # ومثله لو قدمت له دابة ليركبها فظنها قطوفا أو جموحا أو متعسرة الركوب ~~فحلف لا يركبها فظهرت له بخلاف ذلك لم يحنث بركوبها. # وقال أبو القاسم الخرقي في مختصره: ويرجع في الأيمان إلى النية؛ فإن لم ~~ينو شيئا رجع إلى سبب اليمين وما هيجها. # وقال أصحاب الإمام أحمد: إذا دعي إلى غداء فحلف أن لا يتغدى أو قيل له ~~اقعد فحلف أن لا يقعد اختصت يمينه بذلك الغداء وبالقعود في ذلك الوقت؛ لأن ~~عاقلا لا يقصد أن لا يتغدى أبدا ولا يقعد أبدا. # ثم قال صاحب المغني: إن كان له نية فيمينه على ما نوى، وإن لم تكن له ~~نية؛ فكلام أحمد يقتضي روايتين؛ إحداهما: أن اليمين محمولة على العموم؛ لأن ~~أحمد سئل عن رجل حلف أن لا يدخل بلدا لظلم رآه فيه فزال الظلم، قال أحمد: ~~النذر يوفى به، يعني لا يدخله، ووجه ذلك أن لفظ الشارع إذا كان عاما لسبب ~~خاص وجب الأخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب، كذلك يمين الحالف. # ونازعه في ذلك شيخنا، فقال: إنما منعه أحمد من دخول ms1218 البلد بعد زوال ~~الظلم؛ لأنه نذر لله ألا يدخلها، وأكد نذره باليمين، والنذر قربة، فقد نذر ~~التقرب إلى الله بهجران ذلك البلد؛ فلزمه الوفاء بما نذره. # هذا هو الذي فهمه الإمام أحمد، وأجاب به السائل حيث قال: النذر يوفى به؛ ~~ولهذا منع النبي - صلى الله عليه وسلم - المهاجرين من الإقامة بمكة بعد ~~قضاء نسكهم فوق ثلاثة أيام؛ لأنهم تركوا ديارهم لله، فلم يكن لهم العود ~~فيها، وإن زال السبب الذي تركوها لأجله، وذلك نظير مسألة ترك البلد للظلم ~~والفواحش التي فيه إذا نذره الناذر؛ فهذا سر جوابه، وإلا فمذهبه الذي عليه ~~نصوصه وأصوله اعتبار النية والسبب في اليمين وحمل كلام الحالفين على ذلك، ~~وهذا في نصوصه أكثر من أن يذكر فلينظر فيها. # وأما مذهب أصحاب أبي حنيفة فقال في كتاب الذخائر في كتاب الأيمان: # الفصل السادس في تقييد الأيمان المطلقة بالدلالة، إذا أرادت المرأة ~~الخروج من الدار فقال الزوج " إن خرجت من الدار فأنت طالق " فجلست ساعة ثم ~~خرجت لا تطلق، وكذلك لو أراد رجل أن يضربه فحلف آخر أن لا يضربه، فهذا على ~~تلك الضربة، حي لو مكث ساعة ثم ضربه لا يحنث، ويسمى هذا يمين الفور، وهذا ~~لأن الخرجة التي قصد والضربة التي قصد هي المقصودة بالمنع منها عرفا وعادة؛ ~~فيتعين ذلك بالعرف والعادة، وإذا دخل الرجل على الرجل فقال: تعالى تغد معي، ~~فقال: والله لا أتغدى، فذهب إلى بيته وتغدى مع أهله لا يحنث، وكذلك إذا قال ~~الرجل لغيره: كل مع فلان، فقال: والله لا آكل، ثم ذكر تقرير ذلك # PageV04P083 # بأنه جواب لقول الآمر له، والجواب كالمعاد في السؤال؛ فإنه يتضمن ما فيه، ~~قال: وليس كابتداء اليمين؛ لأن كلامه لم يخرج جوابا بالتقييد، بل خرج ~~ابتداء، هو مطلق عن القيد فينصرف إلى كل غداء، قال: وإذا قال لغيره: كلم لي ~~زيدا اليوم في كذا، فقال: والله لا أكلمه، فهذا يختص باليوم؛ لأنه خرج ~~جوابا عن الكلام السابق، وعلى هذا إذا قال: ائتني اليوم، فقال: امرأته طالق ~~إن ms1219 أتاك، وقد صرح أصحاب أبي حنيفة بأن النية تعمل في اللفظ لتعيين ما ~~احتمله اللفظ؛ فإذا تعين باللفظ، ولم يكن اللفظ محتملا لما نوى لم تؤثر ~~النية فيه؛ فإنه حينئذ يكون الاعتبار بمجرد النية، ومجرد النية لا أثر لها ~~في إثبات الحكم؛ فإذا احتملها اللفظ فعينت بعض محتملاته أثرت حينئذ، قالوا: ~~ولهذا لو قال: " إن لبست ثوبا أو أكلت طعاما أو شربت شرابا أو كلمت امرأة ~~فامرأته طالق " ونوى ثوبا أو طعاما أو شرابا أو امرأة معينا دين فيما بينه ~~وبين الله، وقبلت نيته بغير خلاف، ولو حذف المفعول واقتصر على الفعل؛ فكذلك ~~عند أبي يوسف في رواية عنه والخصاف، وهو قول الشافعي وأحمد ومالك. # والمقصود أن النية تؤثر في اليمين تخصيصا وتعميما، وإطلاقا وتقييدا، ~~والسبب يقوم مقامها عند عدمها، ويدل عليها، فيؤثر ما يؤثره، وهذا هو الذي ~~يتعين الإفتاء به، ولا يحمل الناس على ما يقطع أنهم لم يريدوه بأيمانهم، ~~فكيف إذا علم قطعا أنهم أرادوا خلافه؟ والله أعلم. # [التعليل كالشرط] # والتعليل يجري مجرى الشرط، فإذا قال: " أنت طالق لأجل خروجك من الدار " ~~فبان أنها لم تخرج لم تطلق قطعا، صرح به صاحب الإرشاد فقال: وإن قال: " أنت ~~طالق إن دخلت الدار " بنصب الألف والحالف من أهل اللسان، ولم يتقدم لها ~~دخول قبل اليمين بحال، لم تطلق، ولم يذكر فيه خلافا، وقد قال الأصحاب ~~وغيرهم: إنه إذا قال " أنت طالق " وقال أردت الشرط دين؛ فكذلك إذا قال: " ~~لأجل كلامك زيدا، أو خروجك من داري بغير إذني " فإنه يدين، ثم إن تبين أنها ~~لم تفعل لم يقع الطلاق، ومن أفتى بغير هذا فقد وهم على المذهب، والله أعلم. ### | [فصل خلع اليمين] # فصل: [الخلع] # المخرج الحادي عشر: خلع اليمين عند من يجوزه كأصحاب الشافعي وغيرهم، وهذا ~~وإن كان غير جائز على قول أهل المدينة وقول الإمام أحمد، وأصحابه كلهم فإذا ~~دعت # PageV04P084 # الحاجة إليه أو إلى التحليل كان أولى من التحليل من وجوه عديدة؛ أحدها: ~~أن الله تعالى شرع الخلع رفعا لمفسدة ms1220 المشاقة الواقعة بين الزوجين، وتخلص ~~كل منهما من صاحبه؛ فإذا شرع الخلع رفعا لهذه المفسدة التي هي بالنسبة إلى ~~مفسدة التحليل كتفلة في بحر فتسويغه لدفع مفسدة التحليل أولى. # يوضحه الوجه الثاني أن الحيل المحرمة إنما منع منها لما تتضمنه من الفساد ~~الذي اشتملت عليه تلك المحرمات التي يتحيل عليها بهذه الحيل، وأما حيلة ~~ترفع مفسدة هي من أعظم المفاسد فإن الشارع لا يحرمها. # يوضحه الوجه الثالث أن هذه الحيلة تتضمن مصلحة بقاء النكاح المطلوب ~~للشارع بقاؤه، ودفع مفسدة التحليل التي بالغ الشارع كل المبالغة في دفعه ~~والمنع منه ولعن أصحابه، فحيلة تحصل المصلحة المطلوب إيجادها وتدفع المفسدة ~~المطلوب إعدامها لا يكون ممنوعا منها. # الوجه الرابع: أن ما حرمه الشارع فإنما حرمه لما يتضمنه من المفسدة ~~الخالصة أو الراجحة، فإذا كانت مصلحة خاصة أو راجحة لم يحرمه ألبتة، وهذا ~~الخلع مصلحته أرجح من مفسدته. # الوجه الخامس: أن غاية ما في [هذا] الخلع اتفاق الزوجين ورضاهما بفسخ ~~النكاح بغير شقاق واقع بينهما، وإذا وقع الخلع من غير شقاق صح، وكان غايته ~~الكراهية؛ لما فيه من مفسدة المفارقة، وهذا الخلع أريد له لم شعث النكاح ~~بحصول عقد بعده يتمكن الزوجان فيه من المعاشرة بالمعروف، وبدونه لا يتمكنان ~~من ذلك، بل إما خراب البيت وفراق الأهل، وإما التعرض للعنة من لا يقوم ~~للعنته شيء، وإما التزام ما حلف عليه، وإن كان فيه فساد دنياه وأخراه كما ~~إذا حلف ليقتلن ولده اليوم، أو ليشربن هذا الخمر، أو ليطأن هذا الفرج ~~الحرام، أو حلف أنه لا يأكل ولا يشرب ولا يستظل بسقف ولا يعطي فلانا حقه، ~~ونحو ذلك، فإذا دار الأمر بين مفسدة التزام المحلوف عليه أو مفسدة الطلاق ~~وخراب البيت وشتات الشمل أو مفسدة التزام لعنة الله بارتكاب التحليل وبين ~~ارتكاب الخلع المخلص من ذلك جميعه لم يخف على العاقل أي ذلك أولى. # الوجه السادس: أنهما لو اتفقا على أن يطلقها من غير شقاق بينهما، بل ~~ليأخذ غيرها، لم يمنع من ذلك، فإذا اتفقا ms1221 على الخلع ليكون سببا إلى دوام ~~اتصالهما كان أولى، وأحرى. # PageV04P085 # ويوضحه الوجه السابع: أن الخلع إن قيل " إنه طلاق " فقد اتفقا على الطلاق ~~بعوض لمصلحة لهما في ذلك، فما الذي يحرمه؟ وإن قيل " إنه فسخ " فلا ريب أن ~~النكاح من العقود اللازمة، والعقد اللازم إذا اتفق المتعاقدان على فسخه ~~ورفعه لم يمنعا من ذلك، إلا أن يكون العقد حقا لله، والنكاح محض حقهما، فلا ~~يمنعان من الاتفاق على فسخه. # الوجه الثامن: أن الآية اقتضت جواز الخلع إذا خاف الزوجان ألا يقيما حدود ~~الله، فكان الخلع طريقا إلى تمكنهما من إقامة حدود الله، وهي حقوقه الواجبة ~~عليهما في النكاح، فإذا كان الخلع مع استقامة الحال طريقا إلى تمكنهما من ~~إقامة حدوده التي تعطل ولا بد بدون الخلع تعين الخلع حينئذ طريقا إلى ~~إقامتها. # فإن قيل: لا يتعين الخلع طريقا، بل هاهنا طريقان آخران، أحدهما: ~~مفارقتهما، والثاني: عدم إلزام الطلاق بالحنث إذا أخرجه مخرج اليمين إما ~~بكفارة أو بدونها، كما هي ثلاثة أقوال للسلف معروفة صرح بها أبو محمد بن ~~حزم وغيره. # قيل: نعم هذان طريقان، ولكن إذا أحكم سدهما غاية الإحكام، لم يمكنه سلوك ~~أحدهما، وأيهما سلك ترتب عليه غاية الضرر في دينه ودنياه لم يحرم عليه - ~~والحالة هذه - سلوك طريق الخلع، وتعين في حقه طريقان: إما طريق الخلع، وإما ~~سلوك طريق أرباب اللعنة. # وهذه المواضع وأمثالها لا تحتملها إلا العقول الواسعة التي لها إشراف على ~~أسرار الشريعة ومقاصدها وحكمها، وأما عقل لا يتسع لغير تقليد من اتفق له ~~تقليده وترك جميع أقوال أهل العلم لقوله فليس الكلام معه. # الوجه التاسع: أن غاية ما منع المانعون من صحة هذا الخلع أنه حيلة، ~~والحيل باطلة؛ ومنازعوهم ينازعونهم في كلتا المقدمتين، فيقولون: الاعتبار ~~في العقود بصورها دون نياتها ومقاصدها، فليس لنا أن نسأل الزوج إذا أراد ~~خلع امرأته: ما أردت بالخلع؟ وما السبب الذي حملك عليه؟ هل هو المشاقة أو ~~التخلص من اليمين؟ بل نجري حكم التخالع على ظاهره، ونكل سرائر الزوجين إلى ms1222 ~~الله، قالوا: ولو ظهر لنا قصد الحيلة فالشأن في المقدمة الثانية، فليس كل ~~حيلة باطلة محرمة، وهل هذا الفصل الطويل الذي نحن فيه إلا في أقسام الحيل؟ ~~والحيلة المحرمة الباطلة هي التي تتضمن تحليل ما حرمه الله أو تحريم ما ~~أحله الله أو إسقاط ما أوجبه؟ وأما حيلة تتضمن الخلاص من الآصار والأغلال # PageV04P086 # والتخلص من لعنة الكبير المتعال فأهلا بها من حيلة وبأمثالها {والله يعلم ~~المفسد من المصلح} [البقرة: 220] والمقصود تنفيذ أمر الله ورسوله بحسب ~~الإمكان والله المستعان. # الوجه العاشر: أنه ليس القول ببطلان خلع اليمين أولى من القول بلزوم ~~الطلاق للحالف به غير القاصد له، فهلم نحاكمكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، ~~وأقوال الصحابة - رضي الله عنهم - وقواعد الشريعة المطهرة، وإذا وقع ~~التحاكم تبين أن القول بعدم لزوم الطلاق للحالف به أقوى أدلة، وأصح أصولا، ~~وأطرد قياسا، وأوفق لقواعد الشرع، وأنتم معترفون بهذا شئتم أم أبيتم، فإذا ~~ساغ لكم العدول عنه إلى القول المتناقض المخالف للقياس ولما أفتى به ~~الصحابة ولما تقتضيه [قواعد] الشريعة وأصولها فلأن يسوغ لنا العدول عن ~~قولكم ببطلان خلع اليمين إلى ضده تحصيلا لمصلحة الزوجين ولما لشعث النكاح ~~وتعطيلا لمفسدة التحليل وتخلصا لأمرأين مسلمين من لعنة الله ورسوله أولى ~~وأحرى، والله أعلم. ### | [فصل دخول الكفارة يمين الطلاق] # فصل: # [المخرج الثاني عشر وفيه بحث أن يمين الطلاق من الأيمان المكفرة] # المخرج الثاني عشر: أخذه بقول من يقول " الحلف بالطلاق من الأيمان ~~الشرعية التي تدخلها " الكفارة " وهذا أحد الأقوال في المسألة، حكاه أبو ~~محمد بن حزم في كتاب " مراتب الإجماع " له، فقال: واختلفوا فيمن حلف بشيء ~~غير أسماء الله أو بنحر ولده أو هديه أو أجنبي أو بالمصحف أو بالقرآن أو ~~بنذر أخرجه مخرج اليمين أو بأنه مخالف لدين المسلمين أو بطلاق أو بظهار أو ~~تحريم شيء من ماله، ثم ذكر صورا أخرى، ثم قال: فاختلفوا في جميع هذه ~~الأمور، أفيها كفارة أم لا؟ ثم قال: واختلفوا في اليمين بالطلاق، أهو طلاق ~~فيلزم، أم هو يمين فلا ms1223 يلزم؟ حكى في كونه طلاقا فيلزم أو يمينا لا يلزم ~~قولين] وحكى قبل ذلك هل فيه كفارة أم لا؟ على قولين، واختار هو ألا يلزم، ~~ولا كفارة فيه، وهذا اختيار شيخنا أبي محمد بن تيمية أخي شيخ الإسلام. # قال شيخ الإسلام: والقول بأنه يمين مكفرة هو مقتضى المنقول عن الصحابة في ~~الحلف بالعتق، بل بطريق الأولى؛ فإنهم إذا أفتوا من قال: " إن لم أفعل كذا ~~فكل مملوك لي حر " بأنه يمين تكفر فالحالف بالطلاق أولى، قال: وقد علق ~~القول به أبو ثور، فقال: إن لم تجمع الأمة على لزومه فهو يمين تكفر، وقد ~~تبين أن الأمة لم تجمع على لزومه، وحكاه # PageV04P087 # شيخ الإسلام عن جماعة من العلماء الذين سمت هممهم وشرفت نفوسهم فارتفعت ~~عن حضيض التقليد المحض إلى أوج النظر والاستدلال، ولم يكن مع خصومه ما ~~يردون به عليه أقوى من الشكاية إلى السلطان، فلم يكن له برد هذه الحجة قبل، ~~وأما ما سواها فبين فساد جميع حججهم، ونقضها أبلغ نقض، وصنف في المسألة ما ~~بين مطول ومتوسط ومختصر ما يقارب ألفي ورقة، وبلغت الوجوه التي استدل بها ~~عليها من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والقياس وقواعد إمامه خاصة وغيره ~~من الأئمة زهاء أربعين دليلا، وصار إلى ربه، وهو مقيم عليها، داع إليها، ~~مباهل لمنازعيه، باذل نفسه وعرضه، وأوقاته لمستفتيه؛ فكان يفتي في الساعة ~~الواحدة فيها بقلمه ولسانه أكثر من أربعين فتيا؛ فعطلت لفتاواه مصانع ~~التحليل، وهدمت صوامعه وبيعه، وكسدت سوقه، وتقشعت سحائب اللعنة على ~~المحللين والمحلل لهم من المطلقين، وقامت سوق الاستدلال بالكتاب والسنة ~~والآثار السلفية، وانتشرت مذاهب الصحابة والتابعين وغيرهم من أئمة الإسلام ~~للطالبين، وخرج من حبس تقليد المذهب المعين به من كرمت عليه نفسه من ~~المستبصرين، فقامت قيامة أعدائه وحساده ومن لا يتجاوز ذكر أكثرهم باب داره ~~أو محلته، وهجنوا ما ذهب إليه بحسب المستجيبين لهم غاية التهجين، فمن ~~استخفوه من الطغام، وأشباه الأنعام قالوا: هذا قد رفع الطلاق بين المسلمين، ~~وكثر أولاد الزنا في العالمين، ومن صادفوا ms1224 عنده مسكة عقل ولب قالوا: هذا قد ~~أبطل الطلاق المعلق بالشرط، وقالوا لمن تعلقوا به من الملوك والولاة: هذا ~~قد حل بيعة السلطان من أعناق الحالفين، ونسوا أنهم هم الذين حلوها بخلع ~~اليمين. # وأما هو فصرح في كتبه أن أيمان الحالفين لا تغير شرائع الدين، فلا يحل ~~لمسلم حل بيعة السلطان بفتوى أحد من المفتين، ومن أفتى بذلك كان من ~~الكاذبين المفترين على شريعة أحكم الحاكمين، ولعمر الله لقد مني من هذا بما ~~مني به من سلف من الأئمة المرضيين، فما أشبه الليلة بالبارحة للناظرين، ~~فهذا مالك بن أنس توصل أعداؤه إلى ضربه بأن قالوا للسلطان: إنه يحل عليك ~~أيمان البيعة بفتواه أن يمين المكره لا تنعقد، وهم يحلفون مكرهين غير ~~طائعين، فمنعه السلطان، فلم يمتنع لما أخذه الله من الميثاق على من آتاه ~~الله علما أن يبينه للمسترشدين، ثم تلاه على أثره محمد بن إدريس الشافعي ~~فوشى به أعداؤه إلى الرشيد أنه يحل أيمان البيعة بفتواه أن اليمين بالطلاق ~~قبل النكاح لا تنعقد ولا تطلق إن تزوجها الحالف، وكانوا يحلفونهم في جملة ~~الأيمان " وإن كل امرأة أتزوجها فهي طالق " وتلاهما على آثارهما شيخ ~~الإسلام فقال حساده: هذا ينقض عليكم أيمان البيعة، فما فت ذلك في عضد أئمة ~~الإسلام، ولا ثنى عزماتهم في الله وهمهم، ولا صدهم ذلك عما أوجب # PageV04P088 # الله عليهم اعتقاده والعمل به من الحق الذي أداهم إليه اجتهادهم، بل مضوا ~~لسبيلهم، وصارت أقوالهم أعلاما يهتدي بها المهتدون، تحقيقا لقوله تعالى: ~~{وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة: ~~24] . # فصل: # [الصحابة والتابعون ومن بعدهم أفتوا بذلك] # ومن له اطلاع وخبرة وعناية بأقوال العلماء يعلم أنه لم يزل في الإسلام من ~~عصر الصحابة من يفتي في هذه المسألة بعدم اللزوم، وإلى الآن. # فأما الصحابة فقد ذكرنا فتاواهم في الحالف بالعتق بعدم اللزوم، وأن ~~الطلاق أولى منه، وذكرنا فتوى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بعدم لزوم ~~اليمين بالطلاق، وأنه لا مخالف له من الصحابة. # وأما ms1225 التابعون فذكرنا فتوى طاوس بأصح إسناد عنه، وهو من أجل التابعين، ~~وأفتى عكرمة، وهو من أغزر أصحاب ابن عباس علما على ما أفتى به طاوس سواء ~~قال سنيد بن داود في تفسيره المشهور في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء ~~والمنكر} [النور: 21] حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن سليمان التيمي عن أبي ~~مجلز في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن ~~يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر} [النور: 21] قال: النذور ~~في المعاصي، حدثنا عباد بن المهلبي عن عاصم الأحول عن عكرمة في رجل قال ~~لغلامه " إن لم أجلدك مائة سوط فامرأته طالق " قال: لا يجلد غلامه ولا تطلق ~~امرأته، هذا من خطوات الشيطان. # وأما من بعد التابعين فقد حكى المعتنون بمذاهب العلماء كأبي محمد بن حزم ~~وغيره ثلاثة أقوال في ذلك للعلماء،، وأهل الظاهر لم يزالوا متوافرين على ~~عدم لزوم الطلاق للحالف به، ولم يزل منهم الأئمة والفقهاء والمصنفون ~~والمقلدون لهم، وعندنا بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها عن جماعة من أهل العلم ~~الذين هم أهله في عصرنا وقبله أنهم كانوا يفتون بها أحيانا، فأخبرني صاحبنا ~~الصادق محمد بن شهوان قال: أخبرني شيخنا الذي قرأت عليه القرآن -، وكان من ~~أصدق الناس - الشيخ محمد بن المحلي قال: أخبرني شيخنا # PageV04P089 # الإمام خطيب جامع دمشق عز الدين الفاروقي قال: كان والدي يرى هذه ~~المسألة، ويفتي بها ببغداد. # وأما أهل المغرب فتواتر عمن يعتني بالحديث ومذاهب السلف منهم أنه كان ~~يفتي بها، وأوذي بعضهم على ذلك وضرب، وقد ذكرنا فتوى القفال في قوله: " ~~الطلاق يلزمني " أنه لا يقع به طلاق، وإن نواه، وذكرنا فتاوى أصحاب أبي ~~حنيفة في ذلك، وحكايتهم إياه عن الإمام نصا، وذكرنا فتوى أشهب من المالكية ~~فيمن قال لامرأته " إن خرجت من داري أو كلمت فلانا - ونحو ذلك - فأنت طالق ~~" ففعلت لم تطلق، ولا يختلف عالمان متحليان بالإنصاف أن اختيارات شيخ ~~الإسلام لا تتقاصر عن اختيارات ابن ms1226 عقيل وأبي الخطاب بل وشيخهما أبي يعلى، ~~فإذا كانت اختيارات هؤلاء، وأمثالهم وجوها يفتى بها في الإسلام ويحكم بها ~~الحاكم فلاختيارات شيخ الإسلام أسوة بها إن لم ترجح عليها، والله المستعان ~~وعليه التكلان. ### | [فصل الفتوى بالآثار السلفية والفتاوى الصحابية] # فصل: # [القول في جواز الفتوى بالآثار السلفية] # في جواز الفتوى بالآثار السلفية والفتاوي الصحابية، وأنها أولى بالأخذ ~~بها من آراء المتأخرين وفتاويهم، وأن قربها إلى الصواب بحسب قرب أهلها من ~~عصر الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وأن فتاوى الصحابة أولى أن ~~يؤخذ بها من فتاوى التابعين، وفتاوى التابعين أولى من فتاوى تابعي ~~التابعين، وهلم جرا وكلما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب، وهذا ~~حكم بحسب الجنس لا بحسب كل فرد فرد من المسائل، كما أن عصر التابعين، وإن ~~كان أفضل من عصر تابعيهم فإنما هو بحسب الجنس لا بحسب كل شخص شخص، ولكن ~~المفضلون في العصر المتقدم أكثر من المفضلين في العصر المتأخر، وهكذا ~~الصواب في أقوالهم أكثر من الصواب في أقوال من بعدهم؛ فإن التفاوت بين علوم ~~المتقدمين والمتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين، ولعله لا يسع ~~المفتي والحاكم عند الله أن يفتي ويحكم بقول فلان وفلان من المتأخرين من ~~مقلدي الأئمة ويأخذ برأيه وترجيحه ويترك الفتوى والحكم بقول البخاري، ~~وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني ومحمد بن نصر المروزي، وأمثالهم، بل يترك ~~قول ابن المبارك والأوزاعي وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وحماد بن زيد ~~وحماد بن سلمة، وأمثالهم، بل لا يلتفت إلى قول # PageV04P090 # ابن أبي ذئب والزهري والليث بن سعد، وأمثالهم، بل لا يعد قول سعيد بن ~~المسيب والحسن والقاسم وسالم وعطاء وطاوس وجابر بن زيد وشريح، وأبي وائل ~~وجعفر بن محمد، وأضرابهم مما يسوغ الأخذ به، بل يرى تقديم قول المتأخرين من ~~أتباع من قلده على فتوى أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود # [وأبي بن كعب] ، وأبي الدرداء وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس وعبد الله ~~بن عمر وعبد الله بن ms1227 الزبير وعبادة بن الصامت، وأبي موسى الأشعري، ~~وأضرابهم، فلا يدري ما عذره غدا عند الله إذا سوى بين أقوال أولئك ~~وفتاويهم، وأقوال هؤلاء وفتاويهم، فكيف إذا رجحها عليها؟ فكيف إذا عين ~~الأخذ بها حكما، وإفتاء، ومنع الأخذ بقول الصحابة، واستجاز عقوبة من خالف ~~المتأخرين لها، وشهد عليه بالبدعة والضلالة ومخالفة أهل العلم، وأنه يكيد ~~الإسلام؟ تالله لقد أخذ بالمثل المشهور " رمتني بدائها وانسلت " وسمي ورثة ~~الرسول باسمه هو، وكساهم أثوابه، ورماهم بدائه، وكثير من هؤلاء يصرخ ويصيح ~~ويقول ويعلن أنه يجب على الأمة كلهم الأخذ بقول من قلدناه ديننا، ولا يجوز ~~الأخذ بقول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة. # وهذا كلام من أخذ به وتقلده ولاه الله ما تولى، ويجزيه عليه يوم القيامة ~~الجزاء الأوفى، والذي ندين الله به ضد هذا القول، والرد عليه فنقول: # [ترتيب الأخذ بفتاوى الصحابة والتابعين] إذا قال الصحابي قولا فإما أن ~~يخالفه صحابي آخر أو لا يخالفه، فإن خالفه مثله لم يكن قول أحدهما حجة على ~~الآخر، وإن خالفه أعلم منه كما إذا خالف الخلفاء الراشدون أو بعضهم غيرهم ~~من الصحابة في حكم، فهل يكون الشق الذي فيه الخلفاء الراشدون أو بعضهم حجة ~~على الآخرين؟ فيه قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد، والصحيح أن ~~الشق الذي فيه الخلفاء أو بعضهم أرجح، وأولى أن يؤخذ به من الشق الآخر، فإن ~~كان الأربعة في شق فلا شك أنه الصواب، وإن كان أكثرهم في شق فالصواب فيه ~~أغلب، وإن كانوا اثنين واثنين فشق أبي بكر وعمر أقرب إلى الصواب، فإن اختلف ~~أبو بكر وعمر فالصواب مع أبي بكر. # وهذه جملة لا يعرف تفصيلها إلا من له خبرة واطلاع على ما اختلف فيه ~~الصحابة وعلى الراجح من أقوالهم، ويكفي في ذلك معرفة رجحان قول الصديق في ~~الجد والإخوة، وكون الطلاق الثلاث بفم واحد مرة واحدة، وإن تلفظ فيه ~~بالثلاث، وجواز بيع أمهات الأولاد، وإذا نظر العالم المنصف في أدلة هذه ~~المسائل من الجانبين تبين له أن ms1228 جانب الصديق أرجح، وقد تقدم بعض ذلك في ~~مسألة الجد والطلاق الثلاث بفم واحد، # PageV04P091 # ولا يحفظ للصديق خلاف نص واحد أبدا، ولا يحفظ له فتوى ولا حكم مأخذها ~~ضعيف أبدا، وهو تحقيق لكون خلافته خلافة نبوة. # فصل: # [رأي الشافعي في أقوال الصحابة] # وإن لم يخالف الصحابي صحابيا آخر فإما أن يشتهر قوله في الصحابة أو لا ~~يشتهر، فإن اشتهر فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء أنه إجماع وحجة، ~~وقالت طائفة منهم: هو حجة وليس بإجماع، وقالت شرذمة من المتكلمين وبعض ~~الفقهاء المتأخرين: لا يكون إجماعا ولا حجة، وإن لم يشتهر قوله أو لم يعلم ~~هل اشتهر أم لا فاختلف الناس: هل يكون حجة أم لا؟ فالذي عليه جمهور الأمة ~~أنه حجة هذا قول جمهور الحنفية، صرح به محمد بن الحسن، وذكر عن أبي حنيفة ~~نصا، وهو مذهب مالك، وأصحابه، وتصرفه في موطئه دليل عليه، وهو قول إسحاق بن ~~راهويه وأبي عبيد، وهو منصوص الإمام أحمد في غير موضع عنه واختيار جمهور ~~أصحابه، وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد، أما القديم فأصحابه مقرون ~~به، وأما الجديد فكثير منهم يحكى عنه فيه أنه ليس بحجة، وفي هذه الحكاية ~~عنه نظر ظاهر جدا؛ فإنه لا يحفظ له في الجديد حرف واحد أن قول الصحابي ليس ~~بحجة، وغاية ما يتعلق به من نقل ذلك أنه يحكي أقوالا للصحابة في الجديد ثم ~~يخالفها، ولو كانت عنده حجة لم يخالفها، وهذا تعلق ضعيف جدا، فإن مخالفة ~~المجتهد الدليل المعين لما هو أقوى في نظره منه لا يدل على أنه لا يراه ~~دليلا من حيث الجملة، بل خالف دليلا لدليل أرجح عنده منه، وقد تعلق بعضهم ~~بأنه يراه في الجديد إذا ذكر أقوال الصحابة موافقا لها لا يعتمد عليها ~~وحدها كما يفعل بالنصوص، بل يعضدها بضروب من الأقيسة؛ فهو تارة يذكرها ~~ويصرح بخلافها، وتارة يوافقها ولا يعتمد عليها بل يعضدها بدليل آخر، وهذا ~~أيضا تعلق أضعف من الذي قبله؛ فإن تظافر الأدلة وتعاضدها وتناصرها من عادة ~~أهل ms1229 العلم قديما وحديثا، ولا يدل ذكرهم دليلا ثانيا وثالثا على أن ما ذكروه ~~قبله ليس بدليل. # وقد صرح الشافعي في الجديد من رواية الربيع عنه بأن قول الصحابة حجة يجب ~~المصير إليه، فقال: المحدثات من الأمور ضربان، أحدهما: ما أحدث يخالف كتابا ~~أو سنة أو إجماعا أو أثرا فهذه البدعة الضلالة، والربيع إنما أخذ عنه بمصر، ~~وقد جعل مخالفة الأثر الذي ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ضلالة، وهذا فوق ~~كونه حجة، وقال البيهقي في كتاب مدخل السنن له: باب ذكر أقاويل الصحابة إذا ~~تفرقوا. # قال الشافعي: أقاويل الصحابة إذا تفرقوا فيها تصير إلى ما وافق الكتاب ~~والسنة أو الإجماع إذا كان أصح في القياس، وإذا قال الواحد # PageV04P092 # منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم فيه له موافقة ولا خلاف صرت إلى اتباع ~~قوله إذا لم أجد كتابا ولا سنة ولا إجماعا ولا شيئا في معناه يحكم له بحكمه ~~أو وجد معه قياس. # قال البيهقي وقال في كتاب اختلافه مع مالك: ما كان الكتاب والسنة موجودين ~~فالعذر على من سمعه مقطوع إلا بإتيانه، فإن لم يكن ذلك صرنا إلى أقاويل ~~الصحابة أو واحد منهم، ثم كان قول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان إذا صرنا إلى ~~التقليد أحب إلينا، وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب ~~الاختلاف من الكتاب والسنة فنتبع القول الذي معه الدلالة؛ لأن قول الإمام ~~مشهور بأنه يلزم الناس ومن لزم قوله الناس كان أشهر ممن يفتي الرجل أو ~~النفر وقد يأخذ بفتياه ويدعها، وأكثر المفتين يفتون الخاصة في بيوتهم ~~ومجالسهم ولا يعتني العامة بما قالوا عنايتهم بما قال الإمام، وقد وجدنا ~~الأئمة ينتدبون فيسألون عن العلم من الكتاب والسنة فيما أرادوا أن يقولوا ~~فيه ويقولون فيخبرون بخلاف قولهم، فيقبلون من المخبر، ولا يستنكفون عن أن ~~يرجعوا لتقواهم الله وفضلهم، فإذا لم يوجد عن الأئمة فأصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في الدين في موضع الأمانة أخذنا بقولهم، وكان اتباعهم ~~أولى بنا من اتباع ms1230 من بعدهم. # قال الشافعي - رضي الله عنه -: والعلم طبقات، الأولى: الكتاب والسنة، ~~الثانية: الإجماع فيما ليس كتابا ولا سنة، الثالثة: أن يقول صحابي فلا يعلم ~~له مخالف من الصحابة، الرابعة: اختلاف الصحابة، الخامسة: القياس، هذا كله ~~كلامه في الجديد. # قال البيهقي بعد أن ذكر هذا: وفي الرسالة القديمة للشافعي - بعد ذكر ~~الصحابة وتعظيمهم - قال: وهو فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل، وأمر ~~استدرك به علم، وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من رأينا، ومن أدركنا ممن ترضى ~~أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا ~~أو قول بعضهم إن تفرقوا، وكذا نقول، ولم نخرج من أقوالهم كلهم. # قال: وإذا قال الرجلان منهم في شيء قولين نظرت، فإن كان قول أحدهما أشبه ~~بالكتاب والسنة أخذت به، لأن معه شيئا قويا؛ فإن لم يكن على واحد من ~~القولين دلالة بما وصفت كان قول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان أرجح عندنا من ~~واحد لو خالفهم غير إمام. # قال البيهقي: وقال في موضع آخر: فإن لم يكن على القول دلالة من كتاب ولا ~~سنة كان قول أبي بكر وعمر وعثمان أحب إلي من قول غيرهم، فإن اختلفوا صرنا ~~إلى القول الذي عليه دلالة، وقلما يخلو اختلافهم من ذلك، وإن اختلفوا بلا ~~دلالة نظرنا إلى الأكثر، فإن تكافئوا نظرنا أحسن أقاويلهم مخرجا عندنا، وإن ~~وجدنا للمفتين في زماننا أو قبله إجماعا في شيء تبعناه، فإذا نزلت نازلة لم ~~نجد فيها واحدة من هذه الأمور فليس إلا إجهاد الرأي، فهذا كلام الشافعي - ~~رحمه الله - ورضي عنه بنصه، ونحن نشهد بالله أنه لم # PageV04P093 # يرجع عنه، بل كلامه في الجديد مطابق لهذا موافق له كما تقدم ذكر لفظه، ~~وقد قال في الجديد في قتل الراهب: إنه القياس عنده، ولكن أتركه لقول أبي ~~بكر الصديق - رضي الله عنه -. فقد أخبرنا أنه ترك القياس الذي هو دليل عنده ~~لقول الصاحب، فكيف يترك موجب الدليل لغير دليل؟ وقال: في الضلع بعير، قلته ~~تقليدا لعمر، ms1231 وقال في موضع آخر: قلته تقليدا لعثمان، وقال في الفرائض: هذا ~~مذهب تلقيناه عن زيد. ولا تستوحش من لفظة التقليد في كلامه، وتظن أنها تنفي ~~كون قوله حجة بناء على ما تلقيته من اصطلاح المتأخرين أن التقليد قبول قول ~~الغير بغير حجة، فهذا اصطلاح حادث، وقد صرح الشافعي في موضع من كلامه ~~بتقليد خبر الواحد فقال: قلت هذا تقليدا للخبر، وأئمة الإسلام كلهم على ~~قبول قول الصحابي. # قال نعيم بن حماد: ثنا ابن المبارك قال: سمعت أبا حنيفة يقول: إذا جاء عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة ~~نختار من قولهم، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم. # وذهب بعض المتأخرين من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة، وأكثر ~~المتكلمين إلى أنه ليس بحجة، وذهب بعض الفقهاء إلى أنه إن خالف القياس فهو ~~حجة، وإلا فلا، قالوا: لأنه إذا خالف القياس لم يكن إلا عن توقيف وعلى هذا ~~فهو حجة، وإن خالفه صحابي آخر، والذين قالوا " ليس بحجة " قالوا: لأن ~~الصحابي مجتهد من المجتهدين يجوز عليه الخطأ فلا يجب تقليده، ولا يكون قوله ~~حجة كسائر المجتهدين، ولأن الأدلة الدالة على بطلان التقليد تعم تقليد ~~الصحابة ومن دونهم، ولأن التابعي إذا أدرك عصر الصحابة اعتد بخلافه عند ~~أكثر الناس، فكيف يكون قول الواحد حجة عليه؟ ولأن الأدلة قد انحصرت في ~~الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب، وقول الصحابي ليس واحدا منها، ~~ولأن امتيازه بكونه أفضل، وأعلم وأتقى لا يوجب وجوب اتباعه على مجتهد آخر ~~من علماء التابعين بالنسبة إلى من بعدهم. # فنقول: الكلام في مقامين، أحدهما: في الأدلة الدالة على وجوب اتباع ~~الصحابة، الثاني في الجواب عن شبه النفات. # [الأدلة على وجوب اتباع الصحابة] # فأما الأول فمن وجوه، أحدها: ما احتج به مالك، وهو قوله تعالى {والسابقون ~~الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} ~~[التوبة: 100] فوجه الدلالة أن الله تعالى أثنى على من ms1232 اتبعهم، فإذا قالوا ~~قولا فاتبعهم متبع عليه قبل # PageV04P094 # أن يعرف صحته فهو متبع لهم، فيجب أن يكون محمودا على ذلك، وأن يستحق ~~الرضوان، ولو كان اتباعهم تقليدا محضا كتقليد بعض المفتين لم يستحق من ~~اتبعهم الرضوان إلا أن يكون عاميا، فأما العلماء المجتهدون فلا يجوز لهم ~~اتباعهم حينئذ. # فإن قيل: اتباعهم هو أن يقول ما قالوا بالدليل، وهو سلوك سبيل الاجتهاد؛ ~~لأنهم إنما قالوا بالاجتهاد، والدليل عليه قوله {بإحسان} [التوبة: 100] ومن ~~قلدهم لم يتبعهم بإحسان لأنه لو كان مطلق الاتباع محمودا لم يفرق بين ~~الاتباع بإحسان أو بغير إحسان، وأيضا فيجوز أن يراد به اتباعهم في أصول ~~الدين، وقوله {بإحسان} [التوبة: 100] أي بالتزام الفرائض واجتناب المحارم، ~~ويكون المقصود أن السابقين قد وجب لهم الرضوان، وإن أساءوا؛ لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - «وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما ~~شئتم فقد غفرت لكم» ، وأيضا فالثناء على من اتبعهم كلهم، وذلك اتباعهم فيما ~~أجمعوا عليه، وأيضا فالثناء على من اتبعهم لا يقتضي وجوبه، وإنما يدل على ~~جواز تقليدهم، وذلك دليل جواز تقليد العالم كما هو مذهب طائفة من العلماء، ~~أو تقليد الأعلم كقول طائفة أخرى. # أما الدليل على وجوب اتباعهم فليس في الآية ما يقتضيه. فالجواب من وجوه: ~~أحدها: أن الاتباع لا يستلزم الاجتهاد لوجوه، أحدها: أن الاتباع المأمور به ~~في القرآن كقوله {فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] {واتبعوه لعلكم ~~تهتدون} [الأعراف: 158] {ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] ونحوه لا ~~يتوقف على الاستدلال على صحة القول مع الاستغناء عن القائل؛ الثاني: أنه لو ~~كان المراد اتباعهم في الاستدلال والاجتهاد لم يكن فرق بين السابقين وبين ~~جميع الخلائق؛ لأن اتباع موجب الدليل يجب أن يتبع فيه كل أحد، فمن قال قولا ~~بدليل صحيح وجب موافقته فيه؛ الثالث: أنه إما أن تجوز مخالفتهم في قولهم ~~بعد الاستدلال أو لا تجوز، فإن لم تجز فهو المطلوب، وإن جازت مخالفتهم فقد ~~خولفوا في خصوص الحكم واتبعوا في أحسن الاستدلال، فليس جعل من ms1233 فعل ذلك ~~متبعا لموافقتهم في الاستدلال بأولى من جعله مخالفا لمخالفته في عين الحكم؛ ~~الرابع: أن من خالفهم في الحكم الذي أفتوا به لا يكون متبعا لهم أصلا، ~~بدليل أن من خالف مجتهدا من المجتهدين في مسألة بعد اجتهاد لا يصح أن يقال ~~" اتبعه "، وإن أطلق ذلك فلا بد من تقييده بأن يقال اتبعه في الاستدلال أو ~~الاجتهاد. الخامس: أن الاتباع افتعال من اتبع، وكون الإنسان تابعا لغيره ~~نوع افتقار إليه ومشي خلفه، وكل واحد # PageV04P095 # من المجتهدين المستدلين ليس تبعا للآخر ولا مفتقرا إليه بمجرد ذلك حتى ~~يستشعر موافقته والانقياد له، ولهذا لا يصح أن يقال لمن وافق رجلا في ~~اجتهاده أو فتواه اتفاقا إنه متبع له. السادس: أن الآية قصد بها مدح ~~السابقين والثناء عليهم، وبيان استحقاقهم أن يكونوا أئمة متبوعين، وبتقدير ~~ألا يكون قولهم موجبا للموافقة ولا مانعا من المخالفة - بل إنما يتبع ~~القياس مثلا - لا يكون لهم هذا المنصب، ولا يستحقون هذا المدح والثناء؛ ~~السابع: أن من خالفهم في خصوص الحكم فلم يتبعهم في ذلك الحكم ولا فيما ~~استدلوا به على ذلك الحكم فلا يكون متبعا لهم بمجرد مشاركتهم في صفة عامة، ~~وهي مطلق الاستدلال والاجتهاد، ولا سيما وتلك الصفة العامة لا اختصاص لها ~~به؛ لأن ما ينفي الاتباع أخص مما يثبته. # وإذا وجد الفارق الأخص والجامع الأعم - وكلاهما مؤثر - كان التفريق رعاية ~~للفارق أولى من الجمع رعاية للجامع، وأما قوله: {بإحسان} [التوبة: 100] ~~فليس المراد به أن يجتهد، وافق أو خالف؛ لأنه إذا خالف لم يتبعهم فضلا عن ~~أن يكون بإحسان، ولأن مطلق الاجتهاد ليس فيه اتباع لهم، لكن الاتباع لهم ~~اسم يدخل فيه كل من وافقهم في الاعتقاد والقول، فلا بد مع ذلك أن يكون ~~المتبع محسنا بأداء الفرائض واجتناب المحارم؛ لئلا يقع الاغترار بمجرد ~~الموافقة قولا، وأيضا فلا بد أن يحسن المتبع لهم القول فيهم، ولا يقدح ~~فيهم، اشترط الله ذلك لعلمه بأن سيكون أقوام ينالون منهم. # وهذا مثل قوله تعالى بعد أن ذكر المهاجرين ms1234 والأنصار {والذين جاءوا من ~~بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في ~~قلوبنا غلا للذين آمنوا} [الحشر: 10] وأما تخصيص اتباعهم بأصول الدين دون ~~فروعه فلا يصح؛ لأن الاتباع عام، ولأن من اتبعهم في أصول الدين فقط لو كان ~~متبعا لهم على الإطلاق لكنا متبعين للمؤمنين من أهل الكتاب، ولم يكن فرق ~~بين اتباع السابقين من هذه الأمة وغيرها. # وأيضا فإنه إذا قيل " فلان يتبع فلانا، واتبع فلانا، وأنا متبع فلانا "، ~~ولم يقيد ذلك بقرينة لفظية ولا حالية فإنه يقتضي اتباعه في كل الأمور التي ~~يتأتى فيها الاتباع؛ لأن من اتبعه في حال وخالفه في أخرى لم يكن وصفه بأنه ~~متبع أولى من وصفه بأنه مخالف؛ ولأن الرضوان حكم تعلق باتباعهم، فيكون ~~الاتباع سببا له؛ لأن الحكم المعلق بما هو مشتق يقتضي أن ما منه الاشتقاق ~~سبب، وإذا كان اتباعهم سببا للرضوان اقتضى الحكم في جميع موارده، ولا ~~اختصاص للاتباع بحال دون حال، ولأن الاتباع يؤذن بكون الإنسان تبعا لغيره ~~وفرعا عليه، وأصول الدين ليست كذلك ولأن الآية تضمنت الثناء عليهم وجعلهم ~~أئمة لمن بعدهم، فلو لم يتناول إلا اتباعهم في أصول الدين دون الشرائع لم ~~يكونوا أئمة في ذلك لأن ذلك معلوم مع قطع النظر عن اتباعهم. # PageV04P096 # فصل: # وأما قولهم " إن الثناء على من اتبعهم كلهم " فنقول: الآية اقتضت الثناء ~~على من يتبع كل واحد منهم، كما أن قوله {والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم} [التوبة: 100] يقتضي حصول الرضوان لكل واحد من ~~السابقين والذين اتبعوهم في قوله {رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات ~~تجري} [التوبة: 100] وكذلك في قوله {اتبعوهم} [التوبة: 100] لأنه حكم علق ~~عليهم في هذه الآية، فقد تناولهم مجتمعين ومنفردين. # وأيضا فإن الأصل في الأحكام المعلقة بأسماء عامة ثبوتها لكل فرد فرد من ~~تلك المسميات كقوله {أقيموا الصلاة} [الأنعام: 72] وقوله {لقد رضي الله عن ~~المؤمنين} [الفتح: 18] وقوله تعالى {اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} ~~[التوبة: 119] وأيضا فإن الأحكام المعلقة على المجموع يؤتى فيها ms1235 باسم ~~يتناول المجموع دون الأفراد كقوله {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] ~~وقوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] وقوله {ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين} [النساء: 115] فإن لفظ الأمة ولفظ سبيل المؤمنين لا يمكن توزيعه ~~على أفراد الأمة، وأفراد المؤمنين، بخلاف لفظ السابقين فإنه يتناول كل فرد ~~من السابقين. # وأيضا فالآية تعم اتباعهم مجتمعين ومنفردين في كل ممكن؛ فمن اتبع جماعتهم ~~إذا اجتمعوا واتبع آحادهم فيما وجد عنهم مما لم يخالفه فيه غيره منهم فقد ~~صدق عليه أنه اتبع السابقين، أما من خالف بعض السابقين فلا يصح أن يقال " ~~اتبع السابقين " لوجود مخالفته لبعضهم، لا سيما إذا خالف هذا مرة، وهذا ~~مرة، وبهذا يظهر الجواب عن اتباعهم إذا اختلفوا؛ فإن اتباعهم هناك قول بعض ~~تلك الأقوال باجتهاد واستدلال، إذ هم مجتمعون على تسوية كل واحد من تلك ~~الأقوال لمن أدى اجتهاده إليه، فقد قصد اتباعهم أيضا، أما إذا قال الرجل ~~قولا، ولم يخالفه غيره فلا يعلم أن السابقين سوغوا خلاف ذلك القول، وأيضا ~~فالآية تقتضي اتباعهم مطلقا. # فلو فرضنا أن الطالب وقف على نص يخالف قول الواحد منهم فقد علمنا أنه لو ~~ظفر بذلك النص لم يعدل عنه، أما إذا رأينا رأيا فقد يجوز أن يخالف ذلك ~~الرأي، وأيضا فلو لم يكن اتباعهم إلا فيما أجمعوا عليه كلهم لم يحصل ~~اتباعهم إلا فيما قد علم أنه من دين الإسلام بالاضطرار؛ لأن السابقين ~~الأولين خلق عظيم، ولم يعلم أنهم أجمعوا إلا على ذلك؛ فيكون هذا الوجه هو ~~الذي قبله، وقد تقدم بطلانه؛ إذ الاتباع في ذلك غير مؤثر، وأيضا فجميع ~~السابقين قد مات منهم أناس في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وحينئذ فلا يحتاج في ذلك الوقت إلى اتباعهم للاستغناء عنه بقول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ثم لو فرضنا أحدا يتبعهم إذ ذاك لكان من السابقين، ~~فحاصله أن التابعين لا يمكنهم اتباع جميع # PageV04P097 # السابقين، وأيضا فإن معرفة قول جميع السابقين كالمتعذر، فكيف يتبعون كلهم ~~في شيء لا يكاد ms1236 يعلم؟ # وأيضا فإنهم إنما استحقوا منصب الإمامة والاقتداء بهم بكونهم هم ~~السابقين، وهذه صفة موجودة في كل واحد منهم، فوجب أن يكون كل منهم إماما ~~للمتقين كما استوجب الرضوان والجنة. # فصل: # وأما قوله " ليس فيها ما يوجب اتباعهم " فنقول: الآية تقتضي الرضوان عمن ~~اتبعهم بإحسان، وقد قام الدليل على أن القول في الدين بغير علم حرام؛ فلا ~~يكون اتباعهم قولا بغير علم، بل قولا بعلم، وهذا هو المقصود، وحينئذ فسواء ~~يسمى تقليدا أو اجتهادا، وأيضا فإن كان تقليد العالم للعالم حراما كما هو ~~قول الشافعية والحنابلة فاتباعهم ليس بتقليد لأنه مرضي، وإن كان تقليدهم ~~جائزا أو كان تقليدهم مستثنى من التقليد المحرم فلم يقل أحد إن تقليد ~~العلماء من موجبات الرضوان؛ فعلم أن تقليدهم خارج عن هذا، لأن تقليد ~~العالم، وإن كان جائزا فتركه إلى قول غيره أو إلى اجتهاد جائز أيضا ~~بالاتفاق، والشيء المباح لا يستحق به الرضوان، وأيضا فإن رضوان الله غاية ~~المطالب التي لا تنال إلا بأفضل الأعمال، ومعلوم أن التقليد الذي يجوز ~~خلافه ليس بأفضل الأعمال، بل الاجتهاد أفضل منه، فعلم أن اتباعهم هو أفضل ~~ما يكون في مسألة اختلفوا فيها هم ومن بعدهم، وأن اتباعهم دون من بعدهم هو ~~الموجب لرضوان الله؛ فلا ريب أن رجحان أحد القولين يوجب اتباعه. # [وقولهم أرجح] بلا شك، ومسائل الاجتهاد لا يتخير الرجل فيها بين القولين، ~~وأيضا فإن الله أثنى على الذين اتبعوهم بإحسان، والتقليد وظيفة العامة، ~~فأما العلماء فإما أن يكون مباحا لهم أو محرما؛ إذ الاجتهاد أفضل منه لهم ~~بغير خلاف، وهو واجب عليهم، فلو أريد باتباعهم التقليد الذي يجوز خلافه ~~لكان للعامة في ذلك النصيب الأوفى، وكان حظ علماء الأمة من هذه الآية أبخس ~~الحظوظ، ومعلوم أن هذا فاسد، وأيضا فالرضوان عمن اتبعهم دليل على أن ~~اتباعهم صواب ليس بخطإ؛ فإنه لو كان خطأ لكان غاية صاحبه أن يعفى له عنه، ~~فإن المخطئ إلى أن يعفى عنه أقرب منه إلى أن يرضى عنه، وإذا كان صوابا ms1237 وجب ~~اتباعه؛ لأن خلاف الصواب خطأ، والخطأ يحرم اتباعه إذا علم أنه خطأ، وقد علم ~~أنه خطأ يكون الصواب خلافه، وأيضا فإذا كان اتباعهم موجب الرضوان لم يكن ~~ترك اتباعهم موجب الرضوان؛ لأن الجزاء لا يقتضيه وجود الشيء وضده ولا وجوده ~~وعدمه؛ لأنه يبقى عديم الأثر في ذلك الجزاء، وإذا كان في المسألة قولان ~~أحدهما يوجب الرضوان والآخر لا يوجبه كان الحق ما يوجبه، وهذا هو المطلوب، ~~وأيضا فإن طلب رضوان الله واجب؛ لأنه إذا لم # PageV04P098 # يوجد رضوانه فإما سخطه أو عفوه، والعفو إنما يكون مع انعقاد سبب الخطيئة، ~~وذلك لا تباح مباشرته إلا بالنص، وإذا كان رضوانه إنما هو في اتباعهم، ~~واتباع رضوانه واجب، كان اتباعهم واجبا، وأيضا فإنه إنما أثنى على المتبع ~~بالرضوان، ولم يصرح بالوجوب؛ لأن إيجاب الاتباع يدخل في الاتباع في ~~الأفعال، ويقتضي تحريم مخالفتهم مطلقا، فيقتضي ذم المخطئ، وليس كذلك، أما ~~الأقوال فلا وجه لمخالفتهم فيها بعدما ثبت أن فيها رضا الله تعالى وأيضا ~~فإن القول إذا ثبت أن فيه رضا الله لم يكن رضا الله في ضده، بخلاف الأفعال ~~فقد يكون رضا الله في الأفعال المختلفة وفي الفعل والترك بحسب قصدين ~~وحالين، أما الاعتقادات والأقوال فليست كذلك، فإذا ثبت أن في قولهم رضوان ~~الله تعالى لم يكن الحق والصواب إلا هو؛ فوجب اتباعه. # فإن قيل: السابقون هم الذين صلوا إلى القبلتين، أو هم أهل بيعة الرضوان ~~ومن قبلهم، فما الدليل على اتباع من أسلم بعد ذلك؟ قيل: إذا ثبت وجوب اتباع ~~أهل بيعة الرضوان فهو أكبر المقصود، على أنه لا قائل بالفرق، وكل الصحابة ~~سابق بالنسبة إلى من بعدهم. # فصل: # [عود إلى أدلة اتباع أقوال الصحابة] # الوجه الثاني: قوله تعالى: {اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون} [يس: ~~21] هذا قصه الله سبحانه وتعالى عن صاحب ياسين، على سبيل الرضاء بهذه ~~المقالة، والثناء على قائلها، والإقرار له عليها، وكل واحد من الصحابة لم ~~يسألنا أجرا، وهم مهتدون، بدليل قوله تعالى خطابا لهم: {وكنتم على شفا ms1238 حفرة ~~من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} [آل عمران: ~~103] و " لعل " من الله واجب وقوله تعالى: {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا ~~خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله ~~على قلوبهم واتبعوا أهواءهم} [محمد: 16] {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم ~~تقواهم} [محمد: 17] وقوله تعالى: {والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل ~~أعمالهم - سيهديهم} [محمد: 4 - 5] وقوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا ~~لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] وكل منهم قاتل في سبيل الله وجاهد إما بيده ~~أو بلسانه، فيكون الله قد هداهم، وكل من هداه فهو مهتد فيجب اتباعه بالآية. # PageV04P099 # الوجه الثالث: قوله تعالى: {واتبع سبيل من أناب إلي} [لقمان: 15] وكل من ~~الصحابة منيب إلى الله فيجب اتباع سبيله، وأقواله واعتقاداته من أكبر ~~سبيله، والدليل على أنهم منيبون إلى الله تعالى أن الله تعالى قد هداهم وقد ~~قال: {ويهدي إليه من ينيب} [الشورى: 13] . # الوجه الرابع: قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ~~ومن اتبعني} [يوسف: 108] فأخبر تعالى أن من اتبع الرسول يدعو إلى الله، ومن ~~دعا إلى الله على بصيرة وجب اتباعه؛ لقوله تعالى فيما حكاه عن الجن ورضيه: ~~{يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به} [الأحقاف: 31] ولأن من دعا إلى الله ~~على بصيرة فقد دعا إلى الحق عالما به، والدعاء إلى أحكام الله دعاء إلى ~~الله؛ لأنه دعاء إلى طاعته فيما أمر ونهى، وإذا فالصحابة - رضوان الله ~~عليهم - قد اتبعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيجب اتباعهم إذا دعوا ~~إلى الله. # الوجه الخامس: قوله تعالى {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} ~~[النمل: 59] قال ابن عباس في رواية أبي مالك: هم أصحاب محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -، والدليل عليه قوله تعالى {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من ~~عبادنا} [فاطر: 32] وحقيقة الاصطفاء: افتعال من التصفية، فيكون قد صفاهم من ~~الأكدار، والخطأ من الأكدار، فيكونون مصفين منه، ولا ينتقض هذا بما إذا ~~اختلفوا لأن الحق لم يعدهم، فلا يكون ms1239 قول بعضهم كدرا؛ لأن مخالفته الكدر، ~~وبيانه يزيل كونه كدرا بخلاف ما إذا قال بعضهم قولا ولا يخالف فيه فلو كان ~~قولا باطلا، ولم يرده راد لكان حقيقة الكدر، وهذا لأن خلاف بعضهم لبعض ~~بمنزلة متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض أموره، فإنها لا تخرجه ~~عن حقيقة الاصطفاء. # الوجه السادس: أن الله تعالى شهد لهم بأنهم أوتوا العلم بقوله: {ويرى ~~الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} [سبأ: 6] وقوله: {حتى ~~إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا} [محمد: 16] ~~وقوله: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: ~~11] واللام في " العلم " ليست للاستغراق، وإنما هي للعهد، أي العلم الذي ~~بعث الله به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وإذا كانوا أوتوا هذا العلم كان ~~اتباعهم واجبا. # الوجه السابع: قوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [آل عمران: 110] شهد لهم الله تعالى بأنهم ~~يأمرون # PageV04P100 # بكل معروف، وينهون عن كل منكر، فلو كانت الحادثة في زمانهم لم يفت فيها ~~إلا من أخطأ منهم لم يكن أحد منهم قد أمر فيها بمعروف ولا نهى فيها عن ~~منكر؛ إذ الصواب معروف بلا شك، والخطأ منكر من بعض الوجوه، ولولا ذلك لما ~~صح التمسك بهذه الآية على كون الإجماع حجة، وإذا كان هذا باطلا علم أن خطأ ~~من يعلم منهم في العلم إذا لم يخالفه غيره ممتنع، وذلك يقتضي أن قوله حجة. # الوجه الثامن: قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع ~~الصادقين} [التوبة: 119] قال غير واحد من السلف: هم أصحاب محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -، ولا ريب أنهم أئمة الصادقين، وكل صادق بعدهم فيهم يأتم في ~~صدقه، بل حقيقة صدقه اتباعه لهم وكونه معهم، ومعلوم أن من خالفهم في شيء ~~وإن وافقهم في غيره لم يكن معهم فيما خالفهم فيه، وحينئذ فيصدق عليه أنه ~~ليس معهم، فتنتفي عنه المعية المطلقة، وإن ثبت له قسط من المعية ms1240 وفيما ~~وافقهم فيه، فلا يصدق عليه أنه معهم بهذا القسط، وهذا كما نفى الله ورسوله ~~الإيمان المطلق عن الزاني والشارب والسارق والمنتهب بحيث لا يستحق اسم ~~المؤمن، وإن لم ينتف عنه مطلق الاسم الذي يستحق لأجله أن يقال: معه شيء من ~~الإيمان، وهذا كما أن اسم الفقيه والعالم عند الإطلاق لا يقال لمن معه ~~مسألة أو مسألتان من فقه وعلم، وإن قيل: معه شيء من العلم، ففرق بين المعية ~~المطلقة ومطلق المعية، ومعلوم أن المأمور به الأول لا الثاني، فإن الله ~~تعالى لم يرد منا أن نكون معهم في شيء من الأشياء، وأن نحصل من المعية ما ~~يطلق عليه الاسم، وهذا غلط عظيم في فهم مراد الرب تعالى من أوامره؛ فإذا ~~أمرنا بالتقوى والبر والصدق والعفة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~والجهاد ونحو ذلك لم يرد منا أن نأتي من ذلك بأقل ما يطلق عليه الاسم، وهو ~~مطلق الماهية المأمور بها بحيث نكون ممتثلين لأمره إذا أتينا بذلك، وتمام ~~تقرير هذا الوجه بما تقدم في تقرير الأمر بمتابعتهم سواء. # الوجه التاسع: قوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] ووجه الاستدلال بالآية أنه ~~تعالى أخبر أنه جعلهم أمة خيارا عدولا، هذا حقيقة الوسط، فهم خير الأمم، ~~وأعدلها في أقوالهم، وأعمالهم، وإرادتهم ونياتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا ~~شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة، والله # PageV04P101 # تعالى يقبل شهادتهم عليهم، فهم شهداؤه، ولهذا نوه بهم ورفع ذكرهم، وأثنى ~~عليهم؛ لأنه تعالى لما اتخذهم شهداء أعلم خلقه من الملائكة وغيرهم بحال ~~هؤلاء الشهداء، وأمر ملائكته أن تصلي عليهم وتدعو لهم وتستغفر لهم، والشاهد ~~المقبول عند الله هو الذي يشهد بعلم وصدق فيخبر بالحق مستندا إلى علمه به ~~كما قال تعالى {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86] فقد يخبر ~~الإنسان بالحق اتفاقا من غير علمه به، وقد يعلمه ولا يخبر به؛ فالشاهد ~~المقبول عند الله هو الذي يخبر به عن علم؛ فلو كان علمهم أن يفتي أحدهم ms1241 ~~بفتوى وتكون خطأ مخالفة لحكم الله ورسوله ولا يفتي غيره بالحق الذي هو حكم ~~الله ورسوله إما مع اشتهار فتوى الأول أو بدون اشتهارها كانت هذه الأمة ~~العدل الخيار قد أطبقت على خلاف الحق، بل انقسموا قسمين قسما أفتى بالباطل ~~وقسما سكت عن الحق، وهذا من المستحيل فإن الحق لا يعدوهم ويخرج عنهم إلى من ~~بعدهم قطعا، ونحن نقول لمن خالف أقوالهم: لو كان خيرا ما سبقونا إليه. # الوجه العاشر: أن قوله تعالى {وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي ~~هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس} [الحج: 78] فأخبر ~~تعالى أنه اجتباهم، والاجتباء كالاصطفاء، وهو افتعال من " اجتبى الشيء ~~يجتبيه " إذا ضمه إليه وحازه إلى نفسه، فهم المجتبون الذين اجتباهم الله ~~إليه وجعلهم أهله وخاصته وصفوته من خلقه بعد النبيين والمرسلين، ولهذا ~~أمرهم تعالى أن يجاهدوا فيه حق جهاده، فيبذلوا له أنفسهم، ويفردوه بالمحبة ~~والعبودية، ويختاروه وحده إلها معبودا محبوبا على كل ما سواه كما اختارهم ~~على من سواهم، فيتخذونه وحده إلههم ومعبودهم الذي يتقربون إليه بألسنتهم ~~وجوارحهم وقلوبهم ومحبتهم، وإرادتهم، فيؤثرونه في كل حال على من سواه، كما ~~اتخذهم عبيده، وأولياءه، وأحباءه وآثرهم بذلك على من سواهم، ثم أخبرهم ~~تعالى أن يسر عليهم دينه غاية التيسير، ولم يجعل عليهم فيه من حرج ألبتة ~~لكمال محبته لهم ورأفته ورحمته وحنانه بهم، ثم أمرهم بلزوم ملة إمام ~~الحنفاء أبيهم إبراهيم، وهي إفراده تعالى وحده بالعبودية والتعظيم والحب ~~والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والتفويض والاستسلام؛ فيكون تعلق ذلك من ~~قلوبهم به وحده لا بغيره، ثم أخبر تعالى أنه نوه بهم وسماهم كذلك بعد أن ~~أوجدهم اعتناء بهم ورفعة لشأنهم، وإعلاء لقدرهم، ثم أخبر تعالى أنه فعل ذلك ~~ليشهد عليهم رسوله ويشهدوا هم على الناس؛ فيكونون مشهودا لهم بشهادة الرسول ~~شاهدين على الأمم بقيام حجة الله عليهم، فكان هذا التنويه، وإشارة الذكر ~~لهذين الأمرين الجليلين ولهاتين ms1242 # PageV04P102 # الحكمتين العظيمتين، والمقصود أنهم إذا كانوا بهذه المنزلة عنده تعالى ~~فمن المحال أن يحرمهم كلهم الصواب في مسألة فيفتي فيها بعضهم بالخطأ، ولا ~~يفتي فيها غيره بالصواب، ويظفر فيها بالهدى من بعدهم، والله المستعان. # الوجه الحادي عشر: قوله تعالى {ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم} ~~[آل عمران: 101] ووجه الاستدلال بالآية أنه تعالى أخبر عن المعتصمين به ~~بأنهم قد هدوا إلى الحق؛ فنقول: الصحابة - رضوان الله عليهم - معتصمون ~~بالله فهم مهتدون، فاتباعهم واجب، أما المقدمة الأولى فتقريرها من وجوه، ~~أحدها: قوله تعالى: {واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} ~~[الحج: 78] ومعلوم كمال تولي الله تعالى لهم ونصره إياهم أتم نصرة، وهذا ~~يدل على أنهم اعتصموا به أتم اعتصام، فهم مهديون بشهادة الرب لهم بلا شك، ~~واتباع المهدي واجب شرعا وعقلا وفطرة بلا شك، وما يرد على هذا الوجه من أن ~~المتابعة لا تستلزم المتابعة في جميع أمورهم فقد تقدم جوابه. # الوجه الثاني عشر: قوله تعالى عن أصحاب موسى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون ~~بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة: 24] فأخبر تعالى أنه ~~جعلهم أئمة يأتم بهم من بعدهم لصبرهم ويقينهم؛ إذ بالصبر واليقين تنال ~~الإمامة في الدين فإن الداعي إلى الله تعالى لا يتم له أمره إلا بيقينه ~~للحق الذي يدعو إليه وبصيرته به وصبره على تنفيذ الدعوة إلى الله باحتمال ~~مشاق الدعوة وكف النفس عما يوهن عزمه ويضعف إرادته، فمن كان بهذه المثابة ~~كان من الأئمة الذين يهدون بأمره تعالى ومن المعلوم أن أصحاب محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - أحق، وأولى بهذا الوصف من أصحاب موسى، فهم أكمل يقينا، ~~وأعظم صبرا من جميع الأمم، فهم أولى بمنصب هذه الإمامة، وهذا أمر ثابت بلا ~~شك بشهادة الله لهم وثنائه عليهم، وشهادة الرسول لهم بأنهم خير القرون، ~~وأنهم خيرة الله وصفوته، ومن المحال على من هذا شأنهم أن يخطئوا كلهم الحق، ~~ويظفر به المتأخرون، ولو كان هذا ممكنا لانقلبت الحقائق، وكان المتأخرون ~~أئمة لهم يجب عليهم الرجوع إلى فتاويهم، ms1243 وأقوالهم، وهذا كما أنه محال حسا ~~وعقلا فهو محال شرعا، وبالله التوفيق. # الوجه الثالث عشر: قوله تعالى {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا ~~وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما} [الفرقان: 74] ، وإمام بمعنى ~~قدوة، وهو يصلح للواحد والجمع كالأمة والأسوة، وقد قيل: هو جمع آمم كصاحب ~~وصحاب وراجل ورجال وتاجر وتجار، وقيل: هو مصدر كقتال وضراب، أي ذوي إمام، ~~والصواب الوجه الأول، فكل من كان من المتقين وجب عليه أن يأتم بهم، والتقوى ~~واجبة، والائتمام بهم واجب، ومخالفتهم # PageV04P103 # فيما أفتوا به مخالف للائتمام بهم، وإن قيل " نحن نأتم بهم في الاستدلال ~~وأصول الدين " فقد تقدم من جواب هذا ما فيه كفاية. # الوجه الرابع عشر: ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح من ~~وجوه متعددة أنه قال: «خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ~~ثم الذين يلونهم» فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن خير القرون قرنه ~~مطلقا، وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، إلا لو كانوا خيرا من ~~بعض الوجوه، فلا يكونون خير القرون مطلقا، فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في ~~حكم وسائرهم لم يفتوا بالصواب -، وإنما ظفر بالصواب من بعدهم، وأخطئوا هم - ~~لزم أن يكون ذلك القرن خيرا منهم من ذلك الوجه؛ لأن القرن المشتمل على ~~الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن، ثم هذا يتعدد في مسائل ~~عديدة؛ لأن من يقول " قول الصحابي ليس بحجة " يجوز عنده أن يكون من بعدهم ~~أصاب في كل مسألة قال فيها الصحابي قولا، ولم يخالفه صحابي آخر، وفات هذا ~~الصواب الصحابة، ومعلوم أن هذا يأتي في مسائل كثيرة تفوق العد والإحصاء، ~~فكيف يكونون خيرا ممن بعدهم وقد امتاز القرن الذي بعدهم بالصواب فيما يفوق ~~العد والإحصاء مما أخطئوا فيه؟ ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل ~~الفضائل، وأشرفها، فيا سبحان الله، أي وصمة أعظم من أن يكون الصديق أو ~~الفاروق أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو سلمان الفارسي ms1244 أو عبادة بن ~~الصامت، وأضرابهم - رضي الله عنهم - قد أخبر عن حكم الله أنه كيت وكيت في ~~مسائل كثيرة، وأخطأ في ذلك، ولم يشتمل قرنهم على ناطق بالصواب في تلك ~~المسائل حتى تبع من بعدهم فعرفوا حكم الله الذي جهله أولئك السادة، وأصابوا ~~الحق الذي أخطأه أولئك الأئمة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم،. # الوجه الخامس عشر: ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري قال: ~~«صلينا المغرب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: لو جلسنا حتى ~~نصلي معه العشاء، فجلسنا، فخرج علينا فقال: ما زلتم هاهنا؟ فقلنا: يا رسول ~~الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال: أحسنتم، ~~وأصبتم ورفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال ~~النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة ~~لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب ~~أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه ~~إلى من # PageV04P104 # بعدهم كنسبته إلى أصحابه، وكنسبة النجوم إلى السماء، ومن المعلوم أن هذا ~~التشبيه يعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم - صلى ~~الله عليه وسلم - ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم، وأيضا فإنه جعل بقاءهم ~~بين الأمة أمنة لهم، وحرزا من الشر وأسبابه، فلو جاز أن يخطئوا فيما أفتوا ~~به ويظفر به من بعدهم لكان الظافرون بالحق أمنة للصحابة وحرزا لهم، وهذا من ~~المحال. # الوجه السادس عشر: ما رواه أبو عبد الله بن بطة من حديث الحسن عن أنس # [أنه] قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن مثل أصحابي في ~~أمتي كمثل الملح في الطعام، لا يصلح الطعام إلا بالملح» قال الحسن: قد ذهب ~~ملحنا فكيف نصلح؟ وروى ابن بطة أيضا بإسنادين إلى عبد الرزاق أخبرنا معمر ~~عمن سمع الحسن يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مثل أصحابي في ~~الناس كمثل الملح في الطعام» ثم يقول الحسن: هيهات، ms1245 ذهب ملح القوم، وقال ~~الإمام أحمد: حدثنا حسين بن علي الجعفي عن أبي موسى يعني إسرائيل - عن ~~الحسن قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «مثل أصحابي كمثل الملح ~~في الطعام» قال: يقول الحسن: هل يطيب الطعام إلا بالملح؟ ويقول الحسن: فكيف ~~بقوم ذهب ملحهم؟ ووجه الاستدلال أنه شبه أصحابه في صلاح دين الأمة بهم ~~بالملح الذي صلاح الطعام به، فلو جاز أن يفتوا بالخطأ ولا يكون في عصرهم من ~~يفتي بالصواب ويظفر به من بعدهم لكان من بعدهم ملحا لهم، وهذا محال. يوضحه ~~أن الملح كما أن به صلاح الطعام؛ فالصواب به صلاح الأنام، فلو أخطئوا فيما ~~أفتوا به لاحتاج ذلك إلى ملح يصلحه، فإذا أفتى من بعدهم بالحق كان قد أصلح ~~خطأهم فكان ملحا لهم. # الوجه السابع عشر: ما روى البخاري في صحيحه من حديث الأعمش قال: سمعت أبا ~~صالح يحدث عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» ~~وفي لفظ " فوالذي نفسي بيده "، وهذا خطاب منه لخالد بن الوليد ولأقرانه من ~~مسلمة الحديبية والفتح، فإذا كان مد أحد أصحابه أو نصيفه أفضل عند الله من ~~مثل أحد ذهبا من مثل خالد، وأضرابه من أصحابه فكيف يجوز أن يحرمهم الله ~~الصواب في الفتاوى ويظفر به من بعدهم؟ هذا من أبين المحال. # الوجه الثامن عشر: ما روى الحميدي ثنا محمد بن طلحة قال: حدثني عبد ~~الرحمن بن سالم بن عبد الرحمن بن عويلم بن ساعدة عن أبيه عن جده أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: # PageV04P105 # «إن الله اختارني، واختار لي أصحابا، فجعل لي منهم وزراء، وأنصارا، ~~وأصهارا» الحديث، ومن المحال أن يحرم الله الصواب من اختارهم لرسوله وجعلهم ~~وزراءه، وأنصاره، وأصهاره ويعطيه من بعدهم في شيء من الأشياء. # الوجه التاسع عشر: ما روى أبو داود الطيالسي ثنا المسعودي عن عاصم عن أبي ~~وائل عن ابن مسعود - رضي الله ms1246 عنه - قال: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد ~~قلب محمد خير قلوب العباد، فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب ~~محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبة نبيه ونصرة دينه، ~~فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند ~~الله قبيح، ومن المحال أن يخطئ الحق في حكم الله خير قلوب العباد بعد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ويظفر به من بعدهم، وأيضا فإن ما أفتى به ~~أحدهم وسكت عنه الباقون كلهم فإما أن يكونوا قد رأوه حسنا أو يكونوا قد ~~رأوه قبيحا، فإن كانوا قد رأوه حسنا فهو حسن عند الله، وإن كانوا قد رأوه ~~قبيحا، ولم ينكروه لم تكن قلوبهم من خير قلوب العباد، وكان من أنكره بعدهم ~~خيرا منهم وأعلم، وهذا من أبين المحال. # الوجه العشرون: ما رواه الإمام أحمد وغيره عن ابن مسعود - رضي الله عنه - ~~قال: من كان متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنهم ~~كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، ~~وأحسنها حالا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه فاعرفوا لهم ~~فضلهم، واتبعوا آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم، ومن المحال أن ~~يحرم الله أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا ~~الصواب في أحكامه ويوفق له من بعدهم. # الوجه الحادي والعشرون: ما رواه الطبراني، وأبو نعيم وغيرهما عن حذيفة بن ~~اليمان أنه قال: يا معشر القراء، خذوا طريق من كان قبلكم، فوالله لئن ~~استقمتم لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن تركتموه يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا ~~بعيدا. # ومن المحال أن يكون الصواب، في غير طريق من سبق إلى كل خير على الإطلاق. # الوجه الثاني والعشرون: ما قاله جندب بن عبد الله لفرقة دخلت عليه من ~~الخوارج، فقالوا: ندعوك إلى كتاب الله، فقال: أنتم؟ قالوا: نحن، قال: أنتم؟ ~~قالوا: نحن، فقال: يا أخابيث خلق الله في اتباعنا تختارون الضلالة، أم في ~~غير سنتنا تلتمسون ms1247 الهدى؟ اخرجوا عني، ومن المعلوم أن من جوز أن تكون ~~الصحابة أخطئوا في فتاويهم فمن بعدهم وخالفهم # PageV04P106 # فيها فقد اتبع الحق في غير سنتهم، وقد دعاه إلى كتاب الله؛ فإن كتاب الله ~~إنما يدعو إلى الحق، وكفى ذلك إزراء على نفوسهم وعلى الصحابة. # الوجه الثالث والعشرون: ما رواه الترمذي من حديث «العرباض بن سارية قال: ~~وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ~~ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع، فماذا تعهد ~~إلينا؟ فقال: عليكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه ~~زبيبة، وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، ~~وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ~~ضلالة» ، وهذا حديث حسن، إسناده لا بأس به، فقرن سنة خلفائه بسنته، وأمر ~~باتباعها كما أمر باتباع سنته، وبالغ في الأمر بها حتى أمر بأن يعض عليها ~~بالنواجذ، وهذا يتناول ما أفتوا به وسنوه للأمة، وإن لم يتقدم من نبيهم فيه ~~شيء، وإلا كان ذلك سنته، ويتناول ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم ~~لأنه علق ذلك بما سنه الخلفاء الراشدون، ومعلوم أنهم لم يسنوا ذلك # [وهم خلفاء] في آن واحد، فعلم أن ما سنه كل واحد منهم في وقته فهو من سنة ~~الخلفاء الراشدين. رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الرحمن بن مهدي ~~عن معاوية بن صالح عن ضمرة بن حبيب عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي سمع ~~العرباض بن سارية، فذكر نحوه. # الوجه الرابع والعشرون: ما رواه الترمذي من حديث الثوري عن عبد الملك بن ~~عمير عن هلال مولى ربعي بن حراش عن ربعي عن حذيفة قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي ~~عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد» قال الترمذي: هذا حديث حسن، ووجه الاستدلال ~~به ما تقدم في تقرير المتابعة. # الوجه الخامس والعشرون: ما رواه مسلم في صحيحه ms1248 من حديث عبد الله بن رباح ~~عن أبي قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «إن يطع القوم أبا بكر ~~وعمر يرشدوا» ، وهو في حديث الميضأة الطويل، فجعل الرشد معلقا بطاعتهما، ~~فلو أفتوا بالخطأ في حكم، وأصابه من بعدهم لكان الرشد في خلافهما. # الوجه السادس والعشرون: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكر ~~وعمر في شأن تأمير القعقاع بن حكيم والأقرع بن حابس لو اتفقتما على شيء لم ~~أخالفكما» فهذا رسول # PageV04P107 # الله - صلى الله عليه وسلم - يخبر أنه لا يخالفهما لو اتفقا، ومن يقول ~~قولهما ليس بحجة يجوز مخالفتهما، وبعض غلاتهم يقول: لا يجوز الأخذ بقولهما ~~ويجب الأخذ بقول إمامنا الذي قلدناه، وذلك موجود في كتبهم. # الوجه السابع والعشرون: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نظر إلى أبي ~~بكر وعمر فقال هذان السمع والبصر» أي هما مني بمنزلة السمع والبصر، أو هما ~~من الدين بمنزلة السمع والبصر، ومن المحال أن يحرم سمع الدين وبصره الصواب ~~ويظفر به من بعدهما. # الوجه الثامن والعشرون: ما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن إسحاق عن ~~مكحول عن غضيف بن الحارث عن أبي ذر قال: «مر فتى على عمر - رضي الله عنه -، ~~فقال عمر: نعم الفتى، قال: فتبعه أبو ذر، فقال: يا فتى استغفر لي، فقال: يا ~~أبا ذر أستغفر لك، وأنت صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: ~~استغفر لي، قال: لا أو تخبرني، قال: إنك مررت على عمر فقال: نعم الفتى، ~~وإني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول إن الله جعل الحق على لسان ~~عمر وقلبه» ومن المحال أن يكون الخطأ في مسألة أفتى بها من جعل الله الحق ~~على لسانه وقلبه حظه ولا ينكره عليه أحد من الصحابة، ويكون الصواب فيها حظ ~~من بعده، هذا من أبين المحال. # الوجه التاسع والعشرون: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة - رضي الله ~~عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قد كان فيمن خلا من ms1249 ~~الأمم أناس محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فهو عمر» ، وهو في المسند والترمذي ~~وغيرهما من حديث أبي هريرة والمحدث: هو المتكلم الذي يلقي الله في روعه ~~الصواب يحدثه به الملك عن الله، ومن المحال أن يختلف هذا ومن بعده في مسألة ~~ويكون الصواب فيها مع المتأخر دونه؛ فإن ذلك يستلزم أن يكون ذلك الغير هو ~~المحدث بالنسبة إلى هذا الحكم دون أمير المؤمنين - رضي الله عنه -، وهذا، ~~وإن أمكن في أقرانه من الصحابة فإنه لا يخلو عصرهم من الحق إما على لسان ~~عمر، وإما على لسان غيره منهم، وإنما الحال أن يفتي أمير المؤمنين المحدث ~~بفتوى أو يحكم بحكم ولا يقول أحد من الصحابة غيره ويكون خطأ ثم يوفق له من ~~بعدهم فيصيب الحق ويخطئه الصحابة. # الوجه الثلاثون: ما رواه الترمذي من حديث بكر بن عمرو عن مشرح بن هاعان ~~عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «لو كان ~~بعدي نبي لكان عمر» وفي لفظ «لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر» قال الترمذي: ~~حديث حسن، ومن المحال أن يختلف من # PageV04P108 # هذا شأنه ومن بعده من المتأخرين في حكم من أحكام الدين ويكون حظ عمر منه ~~الخطأ وحظ ذلك المتأخر منه الصواب. # الوجه الحادي والثلاثون: ما روى إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أن عليا ~~كرم الله وجهه قال: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر، ومن المحال ~~أن يكون من بعده من المتأخرين أسعد بالصواب منه في أحكام الله تعالى ورواه ~~عمرو بن ميمون عن زر عن علي. # الوجه الثاني والثلاثون: ما رواه واصل الأحدب عن أبي وائل عن ابن مسعود - ~~رضي الله عنه - قال: ما رأيت عمر إلا وكأن بين عينيه ملكا يسدده. ومعلوم ~~قطعا أن هذا أولى بالصواب ممن ليس بهذه المثابة. # الوجه الثالث والثلاثون: ما رواه الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله: ~~والله لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان وجعل علم أهل الأرض في ms1250 كفة لرجح علم ~~عمر، فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: قال عبد الله: والله إني لأحسب عمر ~~ذهب بتسعة أعشار العلم، ومن أبعد الأمور أن يكون المخالف لعمر بعد انقراض ~~عصر الصحابة أولى بالصواب منه في شيء من الأشياء. # الوجه الرابع والثلاثون: ما رواه ابن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد قال: ~~كان ابن عباس إذا سئل عن شيء، وكان في القرآن أو السنة قال به، وإلا قال ~~بما قال به أبو بكر وعمر، فإن لم يكن قال برأيه، فهذا ابن عباس - واتباعه ~~للدليل وتحكيمه للحجة معروف، حتى إنه يخالف لما قام عنده من الدليل أكابر ~~الصحابة - يجعل قول أبي بكر وعمر حجة يؤخذ بها بعد قول الله ورسوله، ولم ~~يخالفه في ذلك أحد من الصحابة. # الوجه الخامس والثلاثون: ما رواه منصور عن زيد بن وهب عن عبد الله قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد» ~~كذا رواه يحيى بن يعلى المحاربي عن زيد عن منصور، والصواب ما رواه إسرائيل ~~وسفيان عن منصور عن القاسم بن عبد الرحمن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مرسلا، ولكن قد روى جعفر بن عوف عن المسعودي عن جعفر بن عمرو بن حريث عن ~~أبيه قال: «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن مسعود اقرأ علي ~~قال: أقرأ وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فافتتح سورة النساء ~~حتى إذا بلغ {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} ~~[النساء: 41] فاضت عينا # PageV04P109 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسلم وكف عبد الله بن مسعود، فقام رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وتكلم فحمد الله، وأثنى عليه في أول كلامه، ~~وأثنى على الله، وصلى على نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وشهد شهادة الحق، ~~وقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا ورضيت لكم ما رضي لكم ابن أم عبد» ~~ومن قال ليس قوله بحجة، وإذا خالفه غيره ممن بعده يجوز ms1251 أن يكون الصواب في ~~قول المخالف له لم يرض للأمة ما رضيه لهم ابن أم عبد ولا ما رضيه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. # الوجه السادس والثلاثون: ما رواه أبو إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: كتب ~~عمر - رضي الله عنه - إلى أهل الكوفة " قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرا، ~~وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - من أهل بدر، فاقتدوا بهما، واسمعوا قولهما، وقد آثرتكم ~~بعبد الله على نفسي " فهذا عمر قد أمر أهل الكوفة أن يقتدوا بعمار وابن ~~مسعود ويسمعوا قولهما، ومن لم يجعل قولهما حجة يقول: لا يجب الاقتداء بهما ~~ولا سماع أقوالهما إلا فيما أجمعت عليه الأمة، ومعلوم أن ذلك لا اختصاص ~~لهما به، بل لا فرق فيه بينهما وبين غيرهما من سائر الأمة. # الوجه السابع والثلاثون: ما قاله عبادة بن الصامت وغيره: بايعنا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على أن نقول بالحق حيث كنا، ولا نخاف في الله ~~لومة لائم ونحن نشهد [بالله] أنهم وفوا بهذه البيعة، وقالوا بالحق، وصدعوا ~~به، ولم تأخذهم في الله لومة لائم، ولم يكتموا شيئا منه مخافة سوط ولا عصا ~~ولا أمير ولا وال كما هو معلوم لمن تأمله من هديهم وسيرتهم، فقد أنكر أبو ~~سعيد على مروان، وهو أمير على المدينة، وأنكر عبادة بن الصامت على معاوية، ~~وهو خليفة، وأنكر ابن عمر على الحجاج مع سطوته وبأسه، وأنكر على عمرو بن ~~سعيد، وهو أمير على المدينة، وهذا كثير جدا من إنكارهم على الأمراء والولاة ~~إذا خرجوا عن العدل لم يخافوا سوطهم ولا عقوبتهم، ومن بعدهم لم تكن لهم هذه ~~المنزلة، بل كانوا يتركوه كثيرا من الحق خوفا من ولاة الظلم وأمراء الجور، ~~فمن المحال أن يوفق هؤلاء للصواب ويحرمه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # الوجه الثامن والثلاثون: ما ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ رقي المنبر ms1252 فقال: إن عبدا خيره الله بين ~~الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله فبكى أبو بكر وقال: بل نفديك ~~بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا لبكائه أن يخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~رجل خير فكان المخير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان أبو بكر ~~أعلمنا به» ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن أمن الناس علينا في ~~صحبته وذات يده أبو بكر، ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت # PageV04P110 # أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقى في المسجد باب إلا سد ~~إلا باب أبي بكر» ومن المعلوم أن فوت الصواب في الفتوى لأعلم الأمة برسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ولجميع الصحابة معه وظفر فلان وفلان من ~~المتأخرين بهذا من أمحل المحال، ومن لم يجعل قوله حجة يجوز ذلك، بل يحكم ~~بوقوعه، والله المستعان. # الوجه التاسع والثلاثون: ما رواه زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله قال: ~~لما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال الأنصار: منا أمير ومنكم ~~أمير، فأتاهم عمر، قال: ألستم تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟ قالوا: بلى، قال: فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا ~~بكر؟ فقالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر؛ ونحن نقول لجميع المفتين: أيكم ~~تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر إذا أفتى بفتوى، وأفتى من قلدتموه بغيرها؟ ولا ~~سيما من قال من زعمائكم: إنه يجب تقليد من قلدناه ديننا، ولا يجوز تقليد ~~أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، اللهم إنا نشهدك أن أنفسنا لا تطيب بذلك، ~~ونعوذ بك أن نطيب به نفسا. # الوجه الأربعون: ما ثبت في الصحيح من حديث الزهري، عن حمزة بن عبد الله ~~عن أبيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «بينما أنا نائم إذا أتيت ~~بقدح لبن، فقيل لي: اشرب، فشربت منه، حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري، ثم ~~أعطيت فضلتي عمر، قالوا: فما أولت ذلك؟ قال: العلم» . # ومن أبعد الأشياء ms1253 أن يكون الصواب مع من خالفه في فتيا أو حكم لا يعلم أن ~~أحدا من الصحابة خالفه فيه، وقد شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بهذه الشهادة # الوجه الحادي والأربعون: ما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن أبي يزيد ~~عن ابن عباس - رضي الله عنهما - «أنه وضع للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وضوءا، فقال: من وضع هذا؟ قالوا: ابن عباس، فقال: اللهم فقهه في الدين» ~~وقال عكرمة: «ضمني إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال اللهم علمه ~~الحكمة» . # ومن المستبعد جدا بل الممتنع أن يفتي حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعا ~~له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدعوة مستجابة قطعا أن يفقهه في الدين ~~ويعلمه الحكمة ولا يخالفه فيها أحد من الصحابة ويكون فيها على خطأ ويفتي ~~واحد من المتأخرين بعده بخلاف فتواه ويكون الصواب معه، فيظفر به هو ~~ومقلدوه، ويحرمه ابن عباس والصحابة. # الوجه الثاني والأربعون: أن صورة المسألة ما إذا لم يكن في الواقعة حديث ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا اختلاف بين الصحابة - رضي الله عنهم ~~-، وإنما قال بعضهم فيها قولا، وأفتى بفتيا # PageV04P111 # ولم يعلم أن قوله وفتياه أشهر في الباقين ولا أنهم خالفوه، وحينئذ فنقول: ~~من تأمل المسائل الفقهية، والحوادث الفرعية، وتدرب بمسالكها، وتصرف في ~~مداركها، وسلك سبلها ذللا، وارتوى من مواردها عللا ونهلا، علم قطعا أن ~~كثيرا منها قد تشتبه فيها وجوه الرأي بحيث لا يوثق فيها بظاهر مراد، أو ~~قياس صحيح ينشرح له الصدر ويثلج له الفؤاد، بل تتعارض فيها الظواهر ~~والأقيسة على وجه يقف المجتهد في أكثر المواضع حتى لا يبقى للظن رجحان بين، ~~لا سيما إذا اختلف الفقهاء؛ فإن عقولهم من أكمل العقول، وأوفرها فإذا ~~تلددوا وتوقفوا، ولم يتقدموا، ولم يتأخروا لم يكن ذلك في المسألة طريقة ~~واضحة ولا حجة لائحة؛ فإذا وجد فيها قول لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ورضي الله عنهم والذين هم سادات الأمة، وقدوة الأئمة، وأعلم الناس ~~بكتاب ربهم ms1254 تعالى وسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، وقد شاهدوا التنزيل ~~وعرفوا التأويل ونسبة من بعدهم في العلم إليهم كنسبتهم إليهم في الفضل ~~والدين كان الظن والحالة هذه بأن الصواب في جهتهم والحق في جانبهم من أقوى ~~الظنون، وهو أقوى من الظن المستفاد من كثير من الأقيسة، هذا ما لا يمتري ~~فيه عاقل منصف. # وكان الرأي الذي يوافق رأيهم هو الرأي السداد الذي لا رأي سواه، وإذا كان ~~المطلوب في الحادثة إنما هو ظن راجح ولو استند إلى استصحاب أو قياس علة أو ~~دلالة أو شبه أو عموم مخصوص أو محفوظ مطلق أو وارد على سبب؛ فلا شك أن الظن ~~الذي يحصل لنا بقول الصحابي الذي لم يخالف أرجح من كثير من الظنون كحصول ~~الأمور الوجدانية، ولا يخفى على العالم أمثلة ذلك. # الوجه الثالث والأربعون: أن الصحابي إذا قال قولا أو حكم بحكم أو أفتى ~~بفتيا فله مدارك ينفرد بها عنا، ومدارك نشاركه فيها، فأما ما يختص به فيجوز ~~أن يكون سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - شفاها أو من صحابي آخر عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من ~~أن يحاط به، فلم يرو كل منهم كل ما سمع، وأين ما سمعه الصديق - رضي الله ~~عنه - والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة - رضي الله عنهم - إلى ما رووه؟ ~~فلم يرو عنه صديق الأمة مائة حديث، وهو لم يغب عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في شيء من مشاهده، بل صحبه من حين بعث بل قبل البعث إلى أن توفي، ~~وكان أعلم الأمة به - صلى الله عليه وسلم - بقوله وفعله وهديه وسيرته، ~~وكذلك أجلة الصحابة روايتهم قليلة جدا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم، ~~وشاهدوه، ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافا ~~مضاعفة، فإنه إنما صحبه نحو أربع سنين، وقد روى عنه الكثير، فقول القائل " ~~لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة شيء عن النبي - صلى الله عليه ms1255 وسلم - ~~لذكره " قول من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم، فإنهم كانوا يهابون الرواية ~~عن # PageV04P112 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعظمونها ويقللونها خوف الزيادة ~~والنقص، ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من النبي - صلى الله عليه وسلم - مرارا، ~~ولا يصرحون بالسماع، ولا يقولون قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # فتلك الفتوى التي يفتي بها أحدهم لا تخرج عن ستة أوجه، أحدها: أن يكون ~~سمعها من النبي - صلى الله عليه وسلم -، الثاني: أن يكون سمعها ممن سمعها ~~منه، الثالث: أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فهما خفي علينا، الرابع: ~~أن يكون قد اتفق عليها ملؤهم، ولم ينقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده، ~~الخامس: أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به ~~عنا، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب، أو لمجموع أمور فهموها على طول ~~الزمان من رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ومشاهدة أفعاله، وأحواله ~~وسيرته وسماع كلامه والعلم بمقاصده وشهود تنزيل الوحي ومشاهدة تأويله ~~بالفعل، فيكون فهم ما لا نفهمه نحن، وعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه ~~حجة يجب اتباعها، السادس: أن يكون فهم ما لم يرده الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأخطأ في فهمه، والمراد غير ما فهمه، وعلى هذا التقدير لا يكون ~~قوله حجة، ومعلوم قطعا أن وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع ~~احتمال واحد معين، هذا ما لا يشك فيه عاقل، وذلك يفيد ظنا غالبا قويا على ~~أن الصواب في قوله دون ما خالفه من أقوال من بعده، وليس المطلوب إلا الظن ~~الغالب، والعمل به متعين، ويكفي العارف هذا الوجه. # فصل: # [من وجوه فضل الصحابة] هذا فيما انفردوا به عنا، أما المدارك التي ~~شاركناهم فيها من دلالات الألفاظ والأقيسة فلا ريب أنهم كانوا أبر قلوبا، ~~وأعمق علما، وأقل تكلفا، وأقرب إلى أن يوفقوا فيها لما لم نوفق له نحن؛ لما ~~خصهم الله تعالى به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة ~~الأخذ، وحسن الإدراك وسرعته، وقلة المعارض أو ms1256 عدمه، وحسن القصد، وتقوى الرب ~~تعالى؛ فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم ~~وعقولهم، ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث ~~والجرح والتعديل، ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين، بل قد ~~غنوا عن ذلك كله، فليس في حقهم إلا أمران: أحدهما: قال الله تعالى كذا، ~~وقال رسوله كذا، والثاني: معناه كذا وكذا، وهم أسعد الناس بهاتين ~~المقدمتين، وأحظى الأمة بهما، فقواهم متوفرة مجتمعة # PageV04P113 # عليهما، وأما المتأخرون فقواهم متفرقة، وهممهم متشعبة، فالعربية وتوابعها ~~قد أخذت من قوى أذهانهم شعبة، والأصول وقواعدها قد أخذت منها شعبة، وعلم ~~الإسناد وأحوال الرواة قد أخذ منها شعبة، وفكرهم في كلام مصنفيهم وشيوخهم ~~على اختلافهم، وما أرادوا به قد أخذ منها شعبة، إلى غير ذلك من الأمور، ~~فإذا وصلوا إلى النصوص النبوية إن كان لهم همم تسافر إليها وصلوا إليها ~~بقلوب وأذهان قد كلت من السير في غيرها. # وأوهن قواهم مواصلة السرى في سواها، فأدركوا من النصوص ومعانيها بحسب تلك ~~القوة، وهذا أمر يحس به الناظر في مسألة إذا استعمل قوى ذهنه في غيرها، ثم ~~صار إليها وافاها بذهن كال وقوة ضعيفة، وهذا شأن من استفرغ قواه في الأعمال ~~غير المشروعة تضعف قوته عند العمل المشروع، كمن استفرغ قوته في السماع ~~الشيطاني فإذا جاء قيام الليل قام إلى ورده بقوة كالة وعزيمة باردة، وكذلك ~~من صرف قوى حبه، وإرادته إلى الصور أو المال أو الجاه، فإذا طالب قلبه ~~بمحبة الله فإن انجذب معه انجذب بقوة ضعيفة قد استفرغها في محبة غيره، فمن ~~استفرغ قوى فكره في كلام الناس، فإذا جاء إلى كلام الله ورسوله جاء بفكرة ~~كالة فأعطى بحسب ذلك. # والمقصود أن الصحابة أغناهم الله تعالى عن ذلك كله، فاجتمعت قواهم على ~~تينك المقدمتين فقط، هذا إلى ما خصوا به من قوى الأذهان وصفائها، وصحتها ~~وقوة إدراكها، وكماله، وكثرة المعاون، وقلة الصارف، وقرب العهد بنور ~~النبوة، والتلقي من تلك المشكاة النبوية، فإذا كان هذا حالنا وحالهم فيما ~~تميزوا به ms1257 علينا، وما شاركناهم فيه فكيف نكون نحن أو شيوخنا أو شيوخهم أو ~~من قلدناه أسعد بالصواب منهم في مسألة من المسائل؟ ومن حدث نفسه بهذا ~~فليعزلها من الدين والعمل، والله المستعان. # الوجه الرابع والأربعون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «لا تزال ~~طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» وقال علي كرم الله وجهه ورضي عنه: لن تخلو ~~الأرض من قائم لله بحجة لكي لا تبطل حجج الله وبيناته، فلو جاز أن يخطئ ~~الصحابي في حكم، ولا يكون في ذلك العصر ناطق بالصواب في ذلك الحكم لم يكن ~~في الأمة قائم بالحق في ذلك الحكم؛ لأنهم بين ساكت ومخطئ، ولم يكن في الأرض ~~قائم لله بحجة في ذلك الأمر، ولا من يأمر فيه بمعروف أو ينهى فيه عن منكر، ~~حتى نبغت نابغة فقامت بالحجة وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر، وهذا خلاف ما ~~دل عليه الكتاب والسنة والإجماع. # PageV04P114 # الوجه الخامس والأربعون: إنهم إذا قالوا قولا أو بعضهم ثم خالفهم مخالف ~~من غيرهم كان مبتدئا لذلك القول ومبتدعا له، وقد قال النبي: - صلى الله ~~عليه وسلم - «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا ~~بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» ~~وقول من جاء بعدهم يخالفهم من محدثات الأمور فلا يجوز اتباعهم. # وقال عبد الله بن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم، فإن كل محدثة ~~بدعة وكل بدعة ضلالة، وقال أيضا: إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ~~ولن نضل ما تمسكنا بالأثر. وقال أيضا: إياكم والتبدع، وإياكم والتنطع، ~~وإياكم والتعمق، وعليكم بالدين العتيق وقال أيضا: أنا لغير الدجال أخوف ~~عليكم من الدجال، أمور تكون من كبرائكم، فأيما مرية أو رجيل أدرك ذلك ~~الزمان فالسمت الأول، فالسمت الأول، فأنا اليوم على السنة. وقال أيضا: ~~وإياكم والمحدثات؛ فإن شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وقال أيضا: ~~اتبع ولا تبتدع، فإنك لن تضل ما أخذت بالأثر، وقال ابن عباس: كان يقال ~~عليكم بالاستقامة والأثر، وإياكم والتبدع، وقال شريح: إنما ms1258 أقتفي الأثر، ~~فما وجدت قد سبقنا إليه غيركم حدثتكم به. # وقال إبراهيم النخعي: لو بلغني عنهم يعني الصحابة أنهم لم يجاوزوا ~~بالوضوء ظفرا ما جاوزته به، وكفى على قوم وزرا أن تخالف أعمالهم أعمال ~~أصحاب نبيهم - صلى الله عليه وسلم -. # وقال عمر بن عبد العزيز: إنه لم يبتدع الناس بدعة إلا وقد مضى فيها ما هو ~~دليل وعبرة منها، والسنة ما استنها إلا من علم ما في خلافها من الخطأ ~~والزلل والحمق والتعمق، فارض لنفسك ما رضي القوم. وقال أيضا: قف حيث وقف ~~القوم، وقل كما قالوا، واسكت كما سكتوا؛ فإنهم عن علم وقفوا، وببصر ناقد ~~كفوا، وهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى. أي فلئن كان ~~الهدى ما أنتم عليه فلقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم حدث بعدهم فما أحدثه إلا ~~من سلك غير سب يلهم ورغب بنفسه عنهم، وإنهم لهم السابقون، ولقد تكلموا منه ~~بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم مقصر، ولا فوقهم مجسر، ولقد قصر ~~عنهم قوم فجفوا، وطمح آخرون عنهم فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى ~~مستقيم. وقال أيضا كلاما كان مالك بن أنس وغيره من الأئمة يستحسنونه ~~ويحدثون به دائما، قال: سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لولاة الأمر ~~بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعته وقوة على دينه، ليس ~~لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي من # PageV04P115 # خالفها، فمن اقتدى بما سنوا فقد اهتدى، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها ~~واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا؛ ومن ~~هنا أخذ الشافعي الاحتجاج بهذه الآية على أن الإجماع حجة. # وقال الشعبي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن ~~زخرفوها لك بالقول، وقال أيضا: ما حدثوك به عن أصحاب محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - فخذه وما حدثوك به عن رأيهم فانبذه في الحش. # قال الأوزاعي: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، واسلك سبيل سلفك ~~الصالح، فإنه ms1259 يسعك ما وسعهم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا، ولو كان هذا ~~خيرا ما خصصتم به دون أسلافكم؛ فإنهم لم يدخر عنهم خير خبئ لكم دونهم لفضل ~~عندكم، وهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين اختارهم له وبعثه ~~فيهم ووصفهم قال: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء ~~بينهم} [الفتح: 29] الآية. # الوجه السادس والأربعون: أنه لم يزل أهل العلم في كل عصر ومصر يحتجون بما ~~هذا سبيله من فتاوى الصحابة وأقوالهم، ولا ينكره منكر منهم، وتصانيف ~~العلماء شاهدة بذلك، ومناظراتهم ناطقة به. # قال بعض علماء المالكية: أهل الأعصار مجمعون على الاحتجاج بما هذا سبيله، ~~وذلك مشهور في رواياتهم وكتبهم ومناظراتهم واستدلالاته م، ويمتنع والحالة ~~هذه إطباق هؤلاء كلهم على الاحتجاج بما لم يشرع الله ورسوله الاحتجاج به ~~ولا نصبه دليلا للأمة، فأي كتاب شئت من كتب السلف والخلف المتضمنة للحكم ~~والدليل وجدت فيه الاستدلال بأقوال الصحابة، ووجدت ذلك طرازها وزينتها، ولم ~~تجد فيها قط ليس قول أبي بكر وعمر حجة، ولا يحتج بأقوال أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وفتاويهم، ولا ما يدل على ذلك، وكيف يطيب قلب عالم ~~يقدم على أقوال من وافق ربه تعالى في غير حكم فقال وأفتى بحضرة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ونزل القرآن بموافقة ما قال لفظا ومعنى قول متأخر ~~بعده ليس له هذه الرتبة ولا يدانيها؟ وكيف يظن أحد أن الظن المستفاد من ~~آراء المتأخرين أرجح من الظن المستفاد من فتاوى السابقين الأولين الذين ~~شاهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا التأويل وكان الوحي ينزل خلال بيوتهم وينزل ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بين أظهرهم؟ . # قال جابر: والقرآن ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يعرف ~~تأويله، فما عمل به من شيء # PageV04P116 # عملنا به، في حديث حجة الوداع، فمستندهم في معرفة مراد الرب تعالى من ~~كلامه ما يشاهدونه من فعل رسوله وهديه الذي هو يفصل القرآن ويفسره، فكيف ~~يكون أحد من الأمة بعدهم أولى بالصواب ms1260 منهم في شيء من الأشياء؟ هذا عين ~~المحال. ### | [فصل حجية أقوال الصحابة في تفسير القرآن] # فإن قيل: فإذا كان هذا حكم أقوالهم في أحكام الحوادث، فما تقولون في ~~أقوالهم في تفسير القرآن؟ هل هي حجة يجب المصير إليها؟ . [أقوال الصحابة في ~~تفسير القرآن] # قيل: لا ريب أن أقوالهم في التفسير أصوب من أقوال من بعدهم، وقد ذهب بعض ~~أهل العلم إلى أن تفسيرهم في حكم المرفوع، قال أبو عبد الله الحاكم في ~~مستدركه: وتفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع، ومراده أنه في حكمه في ~~الاستدلال به والاحتجاج، لا أنه إذا قال الصحابي في الآية قولا فلنا أن ~~نقول هذا القول قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وله وجه آخر. # وهو أن يكون في حكم المرفوع بمعنى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بين لهم معاني القرآن وفسره لهم كما وصفه تعالى بقوله: {لتبين للناس ما نزل ~~إليهم} [النحل: 44] فبين لهم القرآن بيانا شافيا كافيا، وكان إذا أشكل على ~~أحد منهم معنى سأله عنه فأوضحه له، كما سأله الصديق عن قوله تعالى {من يعمل ~~سوءا يجز به} [النساء: 123] فبين له المراد، وكما سأله الصحابة عن قوله ~~تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] فبين لهم ~~معناها، وكما سألته أم سلمة عن قوله تعالى {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} ~~[الانشقاق: 8] فبين لها أنه العرض، وكما سأله عمر عن الكلالة فأحاله على ~~آية الصيف التي في آخر السورة، وهذا كثير جدا، فإذا نقلوا لنا تفسير القرآن ~~فتارة ينقلونه عنه بلفظه، وتارة بمعناه، فيكون ما فسروا بألفاظهم من باب ~~الرواية بالمعنى، كما يروون عنه السنة تارة بلفظها، وتارة بمعناها، وهذا ~~أحسن الوجهين، والله أعلم. # فإن قيل: فنحن نجد لبعضهم أقوالا في التفسير تخالف الأحاديث المرفوعة ~~الصحاح، وهذا كثير، كما فسر ابن مسعود الدخان بأنه الأثر الذي حصل عن الجوع ~~الشديد والقحط، وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه دخان يأتي قبل ~~يوم ms1261 القيامة يكون من أشراط الساعة مع الدابة والدجال وطلوع الشمس من ~~مغربها. # وفسر عمر بن الخطاب قوله تعالى {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} [الطلاق: ~~6] بأنها للبائنة والرجعية، حتى قال: # PageV04P117 # لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة، مع أن السنة الصحيحة في البائن تخالف هذا ~~التفسير، وفسر علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قوله تعالى {والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] أنها ~~عامة في الحامل والحائل، فقال: تعتد أبعد الأجلين والسنة الصحيحة بخلافه. # وفسر ابن مسعود قوله تعالى {وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من ~~نسائكم اللاتي دخلتم بهن} [النساء: 23] بأن الصفة لنسائكم الأولى والثانية؛ ~~فلا تحرم أم المرأة حتى يدخل بها، والصحيح خلاف قوله، وأن [أم] المرأة تحرم ~~بمجرد العقد على ابنتها، والصفة راجعة إلى قوله: {وربائبكم اللاتي في ~~حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} [النساء: 23] وهو قول جمهور الصحابة. # وفسر ابن عباس السجل بأنه كاتب النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمى السجل، ~~وذلك وهم وإنما السجل الصحيفة المكتوبة، واللام مثلها في قوله تعالى {وتله ~~للجبين} [الصافات: 103] ، وفي قول الشاعر: # فخر صريعا لليدين وللفم # أي يطوي السماء كما يطوي السجل على ما فيه من الكتاب، وهذا كثير جدا، ~~فكيف يكون تفسير الصحابي حجة في حكم المرفوع؟ قيل: الكلام في تفسيره ~~كالكلام في فتواه سواء، وصورة المسألة هنا كصورتها هناك سواء بسواء، ~~وصورتها أن لا يكون في المسألة نص يخالفه، ويقول في الآية قولا لا يخالفه ~~فيه أحد من الصحابة، سواء علم لاشتهاره أو لم يعلم، وما ذكر من هذه الأمثلة ~~فقد فقد فيه الأمران، وهو نظير ما روي عن بعضهم من الفتاوى التي تخالف النص ~~وهم مختلفون فيها سواء. # فإن قيل: لو كان قوله حجة بنفسه لما أخطأ، ولكان معصوما؛ لتقوم الحجة ~~بقوله، فإذا كان يفتي بالصواب تارة وبغيره أخرى، وكذلك تفسيره فمن أين لكم ~~أن هذه الفتوى المعينة والتفسير المعين من قسم الصواب؟ إذ صورة المسألة أنه ~~لم يقم على المسألة دليل غير ms1262 قوله، وقوله ينقسم، فما الدليل على أن هذا ~~القول المعين من أحد القسمين ولا بد؟ قيل: الأدلة المتقدمة تدل على انحصار ~~الصواب في قوله في الصورة المفروضة الواقعة، وهو أن من الممتنع أن يقولوا ~~في كتاب الله الخطأ المحض ويمسك الباقون عن الصواب فلا يتكلمون به، وهذه ~~الصورة المذكورة وأمثالها قد تكلم فيها غيرهم بالصواب، # PageV04P118 # والمحظور إنما هو خلو عصرهم عن ناطق بالصواب واشتماله على ناطق بغيره ~~فقط؛ فهذا هو المحال. # وبهذا خرج الجواب عن قولكم: لو كان قول الواحد منهم حجة لما جاز عليه ~~الخطأ، فإن قوله لم يكن بمجرده حجة، بل بما انضاف إليه مما تقدم ذكره من ~~القرائن. ### | [منزلة قول التابعي وتفسيره] # فإن قيل: فبعض ما ذكرتم من الأدلة يقتضي أن التابعي إذا قال قولا ولم ~~يخالفه صحابي ولا تابعي أن يكون قوله حجة. # فالجواب: أن التابعين انتشروا انتشارا لا ينضبط لكثرتهم، وانتشرت المسائل ~~في عصرهم؛ فلا يكاد يغلب على الظن عدم المخالف لما أفتى به الواحد منهم، ~~فإن فرض ذلك فقد اختلف السلف في ذلك، فمنهم من يقول: يجب اتباع التابعي ~~فيما أفتى به ولم يخالفه فيه صحابي ولا تابعي، وهذا قول بعض الحنابلة ~~والشافعية. # وقد صرح الشافعي في موضع بأنه قاله تقليدا لعطاء، وهذا من كمال علمه ~~وفقهه - رضي الله عنه -، فإنه لم يجد في المسألة غير قول عطاء، فكان قوله ~~عنده أقوى ما وجد في المسألة، وقال في موضع آخر: وهذا يخرج على معنى قول ~~عطاء، والأكثرون يفرقون بين الصحابي والتابعي، ولا يخفى ما بينهما من ~~الفروق، على أن في الاحتجاج بتفسير التابعي عن الإمام أحمد روايتين، ومن ~~تأمل كتب الأئمة ومن بعدهم وجدها مشحونة بالاحتجاج بتفسير التابعي. ### | [قول الصحابي إذا خالف القياس] # [حكم قول الصحابي إذا خالف القياس] # فإن قيل: فما تقولون في قوله إذا خالف القياس؟ قيل: من يقول بأن قوله ليس ~~بحجة فلهم قولان فيما إذا خالف القياس. # أحدهما: أنه أولى أن لا يكون حجة؛ لأنه قد خالف حجة شرعية، وهو ms1263 ليس بحجة ~~في نفسه، والثاني: أنه حجة في هذه الحال، ويحمل على أنه قاله توقيفا، ويكون ~~بمنزلة المرسل الذي عمل به مرسله. # وأما من يقول إنه حجة فلهم أيضا قولان، أحدهما: أنه حجة، وإن خالف ~~القياس، بل هو مقدم على القياس، والنص مقدم عليه، فترتب الأدلة عندهم: ~~القرآن، ثم السنة، ثم قول الصحابة، ثم القياس، والثاني: ليس بحجة؛ لأنه قد ~~خالفه دليل شرعي، وهو القياس؛ فإنه لا يكون حجة إلا عند عدم المعارض، ~~والأولون يقولون: قول الصحابي أقوى من المعارض الذي خالفه من القياس؛ لوجوه ~~عديدة، والأخذ بأقوى الدليلين متعين، وبالله التوفيق. # PageV04P119 ### | [فصل أسئلة السائلين أربعة أنواع] # فصل: # [أنواع الأسئلة] # ولنختم الكتاب بفوائد تتعلق بالفتوى. # الفائدة الأولى: # أسئلة السائلين لا تخرج عن أربعة أنواع لا خامس لها: # الأول: أن يسأل عن الحكم فيقول؛ ما حكم كذا وكذا. # الثاني: أن يسأل عن دليل الحكم. # الثالث: أن يسأل عن وجه دلالته. # الرابع: أن يسأل عن الجواب عن معارضه. # [موقف المفتي أمام كل نوع من الأسئلة] # فإن سأل عن الحكم فللمسئول حالتان، إحداهما: أن يكون عالما به، والثانية ~~أن يكون جاهلا به، فإن كان جاهلا به حرم عليه الإفتاء بلا علم، فإن فعل ~~فعليه إثمه وإثم المستفتي، فإن كان يعرف في المسألة ما قاله الناس ولم ~~يتبين له الصواب من أقوالهم فله أن يذكر له ذلك، فيقول: فيها اختلاف بين ~~العلماء، ويحكيه إن أمكنه للسائل. # وإن كان عالما بالحكم فللسائل حالتان، إحداهما: أن يكون قد حضره وقت ~~العمل وقد احتاج إلى السؤال، فيجب على المفتي المبادرة على الفور إلى ~~جوابه، فلا يجوز له تأخير بيان الحكم له عن وقت الحاجة. # والحالة الثانية: أن يكون قد سأل عن الحادثة قبل وقوعها، فهذا لا يجب على ~~المفتي أن يجيبه عنها، وقد كان السلف الطيب إذا سئل أحدهم عن مسألة يقول ~~للسائل: هل كانت أو وقعت؟ فإن قال " لا " لم يجبه، وقال: دعنا في عافية؛ ~~وهذا لأن الفتوى بالرأي لا تجوز إلا عند الضرورة؛ فالضرورة تبيحه ms1264 كما تبيح ~~الميتة عند الاضطرار، وهذا إنما هو في مسألة لا نص فيها ولا إجماع، فإن كان ~~فيها نص أو إجماع فعليه تبليغه بحسب الإمكان، فمن سئل عن علم فكتمه ألجمه ~~الله يوم القيامة بلجام من نار، هذا إذا أمن المفتي غائلة الفتوى، فإن لم ~~يأمن غائلتها وخاف من ترتب شر أكثر من الإمساك عنها أمسك عنها، ترجيحا لدفع ~~أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما. # وقد أمسك النبي - صلى الله عليه وسلم - عن نقض الكعبة وإعادتها على قواعد ~~إبراهيم؛ لأجل حدثان عهد قريش بالإسلام وأن ذلك ربما نفرهم عنه بعد الدخول ~~فيه، وكذلك إن كان عقل السائل لا يحتمل الجواب عما سأل عنه، وخاف المسئول ~~أن يكون فتنة له، أمسك عن جوابه، قال ابن عباس - رضي الله عنه - لرجل سأله ~~عن تفسير آية: وما يؤمنك أني لو أخبرتك بتفسيرها كفرت به؟ أي جحدته وأنكرته ~~وكفرت به، ولم يرد أنك تكفر بالله ورسوله. # PageV04P120 ### | [عدول المفتي عن السؤال إلى ما هو أنفع] # للمفتي العدول عن السؤال إلى ما هو أنفع] الفائدة الثانية: # يجوز للمفتي أن يعدل عن جواب المستفتي عما سأله عنه إلى ما هو أنفع له ~~منه، ولا سيما إذا تضمن ذلك بيان ما سأل عنه، وذلك من كمال علم المفتي ~~وفقهه ونصحه، وقد قال تعالى: {يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير ~~فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن ~~الله به عليم} [البقرة: 215] فسألوه عن المنفق فأجابهم بذكر المصرف؛ إذ هو ~~أهم مما سألوه عنه، ونبههم عليه بالسياق، مع ذكره لهم في موضع آخر، وهو ~~قوله تعالى {قل العفو} [البقرة: 219] وهو ما سهل عليهم إنفاقه ولا يضرهم ~~إخراجه. # وقد ظن بعضهم أن من ذلك قوله تعالى {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت ~~للناس والحج} [البقرة: 189] فسألوه عن سبب ظهور الهلال خفيا ثم لا يزال ~~يتزايد فيه النور على التدريج حتى يكمل ثم يأخذ في النقصان، فأجابهم عن ~~حكمة ذلك من ظهور مواقيت الناس التي بها تمام مصالحهم ms1265 في أحوالهم ومعاشهم ~~ومواقيت أكبر عبادتهم وهو الحج، وإن كانوا قد سألوا عن السبب فقد أجيبوا ~~بما هو أنفع لهم مما سألوا عنه، وإن كانوا إنما سألوا عن حكمة ذلك فقد ~~أجيبوا عن عين ما سألوا عنه، ولفظ سؤالهم محتمل؛ فإنهم قالوا: ما بال ~~الهلال يبدو دقيقا ثم يأخذ في الزيادة حتى يتم ثم يأخذ في النقص؟ . ### | [جواب المفتي بأكثر من السؤال] # [جواب المفتي بأكثر من السؤال] الفائدة الثالثة: يجوز للمفتي أن يجيب ~~السائل بأكثر مما سأله عنه، وهو من كمال نصحه وعلمه وإرشاده، ومن عاب ذلك ~~فلقلة علمه وضيق عطنه وضعف نصحه، وقد ترجم البخاري لذلك في صحيحه فقال: باب ~~من أجاب السائل بأكثر مما سأل عنه، ثم ذكر حديث «ابن عمر - رضي الله عنهما ~~- ما يلبس المحرم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يلبس القمص، ~~ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا الخفاف، إلا أن لا يجد نعلين فليلبس ~~الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين» فسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عما يلبس المحرم، فأجاب عما لا يلبس، وتضمن ذلك الجواب عما يلبس؛ فإن ما لا ~~يلبس محصور، وما يلبسه غير محصور، فذكر لهم النوعين، وبين لهم حكم لبس الخف ~~عند عدم النعل، وقد سألوه عن الوضوء بماء البحر، فقال لهم «هو الطهور ماؤه ~~الحل ميتته» . ### | [منع المفتي المستفتي من محظور دل على مباح] # [إذا منع المفتي من محظور دل على مباح] الفائدة الرابعة: # من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه، # PageV04P121 # وكانت حاجته تدعوه إليه، أن يدله على ما هو عوض له منه، فيسد عليه باب ~~المحظور، ويفتح له باب المباح، وهذا لا يتأتى إلا من عالم ناصح مشفق قد ~~تاجر الله وعامله بعلمه. # فمثاله في العلماء مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء يحمي العليل عما ~~يضره، ويصف له ما ينفعه، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان، وفي الصحيح عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا ms1266 ~~عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم» . # وهذا شأن خلق الرسل وورثتهم من بعدهم، ورأيت شيخنا قدس الله روحه يتحرى ~~ذلك في فتاويه مهما أمكنه، ومن تأمل فتاويه وجد ذلك ظاهرا فيها، «وقد منع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالا أن يشتري صاعا من التمر الجيد بصاعين ~~من الرديء، ثم دله على الطريق المباح، فقال بع الجميع بالدراهم، ثم اشتر ~~بالدراهم جنيبا» فمنعه من الطريق المحرم، وأرشده إلى الطريق المباح. # ولما سأله عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث والفضل بن عباس أن يستعملهما في ~~جباية الزكاة؛ ليصيبا ما يتزوجان به منعهما من ذلك، وأمر محمية بن جزو - ~~وكان على الخمس - أن يعطيهما ما ينكحان به، فمنعهما من الطريق المحرم، وفتح ~~لهم الطريق المباح، وهذا اقتداء منه بربه تبارك وتعالى فإنه يسأله عبده ~~الحاجة فيمنعه إياها، ويعطيه ما هو أصلح له وأنفع منها، وهذا غاية الكرم ~~والحكمة. # [ينبغي للمفتي أن ينبه السائل إلى الاحتراز عن الموهم] الفائدة الخامسة: # إذا أفتى المفتي للسائل بشيء ينبغي له أن ينبهه على وجه الاحتراز مما قد ~~يذهب إليه الوهم منه من خلاف الصواب، وهذا باب لطيف من أبواب العلم والنصح ~~والإرشاد. # ومثال هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد ~~في عهده» فتأمل كيف أتبع الجملة الأولى بالثانية؛ رفعا لتوهم إهدار دماء ~~الكفار مطلقا وإن كانوا في عهدهم؛ فإنه لما قال «لا يقتل مؤمن بكافر» فربما ~~ذهب الوهم إلى أن دماءهم هدر، ولهذا لو قتل أحدهم مسلم لم يقتل به، فرفع ~~هذا التوهم بقوله «ولا ذو عهد في عهده» ولقد خفيت هذه اللطيفة الحسنة على ~~من قال: يقتل المسلم بالكافر المعاهد، وقدر في الحديث: ولا ذو عهد في عهده ~~بكافر، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا ~~إليها» فلما كان نهيه عن الجلوس عليها نوع تعظيم لها عقبه بالنهي عن ~~المبالغة في تعظيمها حتى تجعل قبلة. # وهذا ms1267 بعينه مشتق من القرآن، كقوله تعالى لنساء نبيه: {يا نساء النبي لستن ~~كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن ~~قولا معروفا} [الأحزاب: 32] فنهاهن عن الخضوع بالقول، فربما ذهب الوهم إلى ~~الإذن في الإغلاظ في القول والتجاوز، فرفع هذا التوهم بقوله: {وقلن قولا ~~معروفا} [الأحزاب: 32] ومن ذلك قوله تعالى # PageV04P122 # {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من ~~عملهم من شيء} [الطور: 21] لما أخبر سبحانه بإلحاق الذرية ولا عمل لهم ~~بآبائهم في الدرجة فربما توهم متوهم أن يحط الآباء إلى درجة الذرية، فرفع ~~هذا التوهم بقوله: {وما ألتناهم من عملهم من شيء} [الطور: 21] أي ما نقصنا ~~من الآباء شيئا من أجور أعمالهم، بل رفعنا ذريتهم إلى درجتهم، ولم نحطهم ~~إلى درجتهم بنقص أجورهم. # ولما كان الوهم قد يذهب إلى أنه يفعل ذلك بأهل النار كما يفعله بأهل ~~الجنة قطع هذا الوهم بقوله تعالى {كل امرئ بما كسب رهين} [الطور: 21] ومن ~~هذا قوله تعالى {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء} ~~[النمل: 91] فلما كان ذكر ربوبيته البلدة الحرام قد يوهم الاختصاص عقبه ~~بقوله: {وله كل شيء} [النمل: 91] ومن ذلك قوله تعالى {ومن يتوكل على الله ~~فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا} [الطلاق: 3] فلما ~~ذكر كفايته للمتوكل عليه فربما أوهم ذلك تعجيل الكفاية وقت التوكل فعقبه ~~بقوله: {قد جعل الله لكل شيء قدرا} [الطلاق: 3] أي وقتا لا يتعداه فهو ~~يسوقه إلى وقته الذي قدره له. # فلا يستعجل المتوكل ويقول: قد توكلت، ودعوت فلم أر شيئا ولم تحصل لي ~~الكفاية، فالله بالغ أمره في وقته الذي قدره له، وهذا كثير جدا في القرآن ~~والسنة، وهو باب لطيف من أبواب فهم النصوص. ### | [ذكر المفتي دليل الحكم الذي أفتى به ومأخذه] # [مما ينبغي للمفتي أن يذكر الحكم بدليله] الفائدة السادسة: # ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه من ذلك، ولا يلقيه إلى ~~المستفتي ساذجا ms1268 مجردا عن دليله ومأخذه؛ فهذا لضيق عطنه وقلة بضاعته من ~~العلم، ومن تأمل فتاوى النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي قوله حجة بنفسه ~~رآها مشتملة على التنبيه على حكمة الحكم ونظيره، ووجه مشروعيته، وهذا كما ~~«سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم، فزجر عنه» ~~، ومن المعلوم أنه كان يعلم نقصانه بالجفاف، ولكن نبههم على علة التحريم ~~وسببه. # ومن هذا «قوله لعمر وقد سأله عن قبلة امرأته وهو صائم، فقال: أرأيت لو ~~تمضمضت ثم مججته، أكان يضر شيئا؟ قال: لا» ، فنبه على أن مقدمة المحظور لا ~~يلزم أن تكون محظورة؛ فإن غاية القبلة أنها مقدمة الجماع، فلا يلزم من ~~تحريمه تحريم مقدمته، كما أن وضع الماء في الفم مقدمة شربه، وليست المقدمة ~~محرمة. # ومن هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على ~~خالتها، فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم # PageV04P123 # أرحامكم» ؛ فذكر لهم الحكم، ونبههم على علة التحريم. # ومن ذلك «قوله لأبي النعمان بن بشير وقد خص بعض ولده بغلام نحله إياه، ~~فقال: أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم، قال فاتقوا الله واعدلوا ~~بين أولادكم» وفي لفظ «إن هذا لا يصلح» وفي لفظ «إني لا أشهد على جور» وفي ~~لفظ «أشهد على هذا غيري» تهديدا، لا إذنا، فإنه لا يأذن في الجور قطعا، وفي ~~لفظ: رده، والمقصود أنه نبهه على علة الحكم. # ومن هذا «قوله - صلى الله عليه وسلم - لرافع بن خديج وقد قال: له إنا ~~لاقو العدو غدا، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ فقال ما أنهر الدم وذكر اسم ~~الله عليه فكل ليس السن والظفر، وسأحدثك عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر ~~فمدى الحبشة» فنبه على علة المنع من التذكية بهما بكون أحدهما عظما، وهذا ~~تنبيه على عدم التذكية بالعظام؛ إما لنجاسة بعضها؛ وإما لتنجيسه على مؤمني ~~الجن، ولكون الآخر مدى الحبشة، ففي التذكية بها تشبه بالكفار. # ومن ذلك قوله: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الإنسية، ms1269 فإنها ~~رجس» ومن ذلك «قوله في الثمرة تصيبها الجائحة: أرأيت إن منع الله الثمرة، ~~فبم يأكل أحدكم مال أخيه بغير حق؟ .» وهذا التعليل بعينه ينطبق على من ~~استأجر أرضا للزراعة فأصاب الزرع آفة سماوية لفظا ومعنى، فيقال للمؤجر: ~~أرأيت إن منع الله الزرع فبم تأكل مال أخيك بغير حق؟ ، وهذا هو الصواب الذي ~~ندين الله به في المسألة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. # والمقصود أن الشارع مع كون قوله حجة بنفسه يرشد الأمة إلى علل الأحكام ~~ومداركها وحكمها، فورثته من بعده كذلك. # ومن ذلك «نهيه عن الخذف وقال إنه يفقأ العين ويكسر السن» ومن ذلك إفتاؤه ~~للعاض يد غيره بإهدار دية ثنيته لما سقطت بانتزاع المعضوض يده من فيه، ونبه ~~على العلة بقوله «أيدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل» وهذا من أحسن ~~التعليل وأبينه؛ فإن العاض لما صال على المعضوض جاز له أن يرد صياله عنه ~~بانتزاع يده من فمه، فإذا أدى ذلك إلى إسقاط ثناياه كان سقوطها بفعل مأذون ~~فيه من الشارع فلا يقابل بالدية، وهذا كثير جدا في السنة. # فينبغي للمفتي أن ينبه السائل على علة الحكم ومأخذه إن عرف ذلك، وإلا حرم ~~عليه أن يفتي بلا علم. # وكذلك أحكام القرآن يرشد سبحانه فيها إلى مداركها وعللها، كقوله: ~~{ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة: 222] # PageV04P124 # فأمر سبحانه نبيه أن يذكر لهم علة الحكم قبل الحكم، وكذلك قوله: {ما أفاء ~~الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} [الحشر: 7] . # وكذلك قوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من ~~الله والله عزيز حكيم} [المائدة: 38] وقال في جزاء الصيد: {ليذوق وبال ~~أمره} [المائدة: 95] . ### | [تمهيد المفتى للحكم المستغرب] # [من أدب المفتي أن يمهد للحكم المستغرب] الفائدة السابعة: (إذا كان الحكم ~~مستغربا جدا مما لا تألفه النفوس وإنما ألفت خلافه فينبغي للمفتي أن يوطئ ~~قبله ما يكون مؤذنا به) كالدليل عليه ms1270 والمقدمة بين يديه، فتأمل ذكره سبحانه ~~قصة زكريا وإخراج الولد منه بعد انصرام عصر الشبيبة وبلوغه السن الذي لا ~~يولد [فيه] لمثله في العادة، فذكر قصته مقدمة بين يدي قصة المسيح وولادته ~~من غير أب؛ فإن النفوس لما آنست بولد من بين شيخين كبيرين لا يولد لهما ~~عادة سهل عليها التصديق بولادة ولد من غير أب، وكذلك ذكر سبحانه قبل قصة ~~المسيح موافاة مريم رزقها في غير وقته وغير إبانه. # وهذا الذي شجع نفس زكريا وحركها لطلب الولد وإن كان في غير إبانه، وتأمل ~~قصة نسخ القبلة لما كانت شديدة على النفوس جدا كيف وطأ سبحانه قبلها عدة ~~موطئات: منها: ذكر النسخ، ومنها: أنه يأتي بخير من المنسوخ أو مثله، ومنها: ~~أنه على كل شيء قدير، وأنه بكل شيء عليم؛ فعموم قدرته وعلمه صالح لهذا ~~الأمر الثاني كما كان صالحا للأول. # ومنها: تحذيرهم الاعتراض على رسوله كما اعترض من قبلهم على موسى، بل ~~أمرهم بالتسليم والانقياد. # ومنها: تحذيرهم بالإصغاء إلى اليهود، وأن لا تستخفهم شبههم، فإنهم يودون ~~أن يردوهم كفارا من بعد ما تبين لهم الحق. # ومنها: إخباره أن دخول الجنة ليس بالتهود ولا بالتنصر، وإنما هو بإسلام ~~الوجه والقصد والعمل والنية لله مع متابعة أمره. # ومنها: إخباره سبحانه عن سعته، وأنه حيث ولى المصلي وجهه فثم وجهه تعالى، ~~فإنه واسع عليم، فذكر الإحاطتين الذاتية والعلمية، فلا يتوهمون أنهم في ~~القبلة الأولى لم يكونوا مستقبلين وجهه تبارك وتعالى ولا في الثانية، بل ~~حيثما توجهوا فثم وجهه تعالى. # ومنها: أنه سبحانه وتعالى حذر نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن اتباع ~~أهواء الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، بل أمر أن يتبع هو وأمته ما أوحي إليه ~~فيستقبلونه بقلوبهم وحده. # ومنها: أنه ذكر عظمة بيته الحرام، وعظمة بانيه وملته، وسفه من يرغب عنها، ~~وأمر باتباعها، فنوه بالبيت وبانيه وملته، وكل هذا توطئة بين يدي التحويل، ~~مع ما في ضمنه من المقاصد الجليلة والمطالب السنية. # PageV04P125 # ثم ذكر فضل هذه الأمة وأنهم الأمة الوسط العدل ms1271 الخيار، فاقتضى ذلك أن ~~يكون نبيهم - صلى الله عليه وسلم - أوسط الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ~~وخيارهم، وكتابهم كذلك، ودينهم كذلك، وقبلتهم التي يستقبلونها كذلك، فظهرت ~~المناسبة شرعا وقدرا في أحكامه تعالى الأمرية والقدرية، وظهرت حكمته ~~الباهرة، وتجلت للعقول الزكية المستنيرة بنور ربها تبارك وتعالى. # والمقصود أن المفتي جدير أن يذكر بين يدي الحكم الغريب الذي لم يؤلف ~~مقدمات تؤنس به، وتدل عليه، وتكون توطئة بين يديه، وبالله التوفيق. ### | [حلف المفتى على ثبوت الحكم] # [يجوز للمفتي أن يحلف على ثبوت الحكم] الفائدة الثامنة: # يجوز للمفتي والمناظر أن يحلف على ثبوت الحكم عنده، وإن لم يكن حلفه ~~موجبا لثبوته عند السائل والمنازع؛ ليشعر السائل والمنازع له أنه على ثقة ~~ويقين مما قال له، وأنه غير شاك فيه، فقد تناظر رجلان في مسألة؛ فحلف ~~أحدهما على ما يعتقده، فقال له منازعه: لا يثبت الحكم بحلفك، فقال: إني لم ~~أحلف ليثبت الحكم عندك، ولكن؛ لأعلمك أني على يقين وبصيرة من قولي، وأن ~~شبهتك لا تغير عندي في وجه يقيني ما أنا جازم به. # وقد أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يحلف على ثبوت الحق الذي ~~جاء به في ثلاثة مواضع من كتابه، أحدها: {ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه ~~لحق} [يونس: 53] والثاني: قوله تعالى {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة ~~قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب} [سبأ: 3] والثالث: قوله تعالى {زعم الذين ~~كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن} [التغابن: 7] . # وقد أقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما أخبر به من الحق في أكثر ~~من ثمانين موضعا، وهي موجودة في الصحاح والمسانيد، وقد كان الصحابة - رضي ~~الله عنهم - يحلفون على الفتاوى والرواية، «فقال علي بن أبي طالب كرم الله ~~وجهه لابن عباس في متعة النساء: إنك امرؤ تائه، فانظر ما تفتي به في متعة ~~النساء، فوالله وأشهد بالله لقد نهى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-» . # ولما ولي عمر - رضي الله عنه - حمد الله وأثنى عليه ثم ms1272 قال: يا أيها ~~الناس إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحل المتعة ثلاثا، ثم حرمها ~~ثلاثا، فأنا أقسم بالله قسما لا أجد أحدا من المسلمين متمتعا إلا رجمته، ~~إلا أن يأتي بأربعة من المسلمين يشهدون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أحلها بعد أن حرمها. # وقد حلف الشافعي في بعض أجوبته، فقال محمد بن الحكم: سألت الشافعي - رضي ~~الله عنه - عن المتعة كان يكون فيها طلاق أو ميراث أو نفقة أو شهادة؟ فقال: ~~لا والله ما أدري. # وقال يزيد بن هارون: من قال القرآن مخلوق أو شيء منه مخلوق فهو والله ~~عندي زنديق # PageV04P126 # وسئل عن حديث جرير في الرؤية، فقال: والله الذي لا إله إلا هو من كذب به ~~ما هم إلا زنادقة، وأما الإمام أحمد رحمة الله عليه ورضوانه فإنه حلف على ~~عدة مسائل من فتاويه. # قيل: أيزيد الرجل في الوضوء على ثلاث مرات؟ فقال: لا والله، إلا رجل ~~مبتلى، يعني بالوسواس. # وسئل عن تخلل الرجل لحيته إذا توضأ، فقال: إي والله. # وسئل يكون الرجل في الجهاد بين الصفين يبارز علجا بغير إذن الإمام، فقال: ~~لا والله. # وقيل له: أتكره الصلاة في المقصورة؟ فقال: إي والله، قلت: وهذا لما كانت ~~المقصورة تحمى للأمراء وأتباعهم. # وسئل: أيؤجر الرجل على بغض من خالف حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-؟ فقال: إي والله. # وسئل: من قال القرآن مخلوق كافر؟ فقال: إي والله، وسئل: هل صح عندك في ~~النبيذ حديث؟ فقال: والله ما صح عندي حديث واحد إلا على التحريم. # وسئل: أيكره الخضاب بالسواد؟ فقال: إي والله، وسئل عن الرجل يؤم أباه ~~ويصلي الأب خلفه، فقال: إي والله. # وسئل: هل يكره النفخ في الصلاة؟ فقال: إي والله. # وسئل عن تزوج الرجل المسلم الأمة من أهل الكتاب، فقال: لا والله. # وسئل عن المرأة تستلقي على قفاها وتنام، يكره ذلك؟ فقال: إي والله. # وسئل عن الرجل يرهن جاريته فيطؤها وهي مرهونة، فقال: لا والله. # وسئل عن حديث عمر بن الخطاب - رضي الله ms1273 عنه - أنه قضى في رجل استسقى ~~قوما، وهو عطشان فلم يسقوه فمات فأغرمهم عمر الدية، تقول أنت كذا؟ قال: إي ~~والله. # وسئل عن الرجل إذا حد في القذف ثم قذف زوجته يلاعنها؟ فقال: إي والله. # وسئل [أ] يضرب الرجل رقيقه؟ فقال: إي والله، ذكر هذه المسائل القاضي أبو ~~علي الشريف. # وقال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح: والله لقد أعطيت المجهود من نفسي، ~~ولوددت أني أنجو من هذا الأمر كفافا لا علي ولا لي، وقال في روايته أيضا: ~~والله لقد تمنيت الموت في الأمر الذي كان، وإنه لأتمنى الموت في هذا، وهذا ~~فتنة الدنيا. # وقال إسحاق بن منصور لأحمد: يكره الخاتم من ذهب أو حديد؟ فقال: إي والله. # وقال إسحاق أيضا: قلت لأحمد: يؤجر الرجل يأتي أهله وليس له شهوة في ~~النساء؟ فقال: إي والله، يحتسب الولد، وإن لم يرد الولد، إلا أنه يقول: هذه ~~امرأة شابة. # وقال له محمد بن عون: يا أبا عبد الله يقولون: إنك وقفت على عثمان، فقال: ~~كذبوا والله علي، وإنما حدثتهم بحديث ابن عمر «كنا نفاضل بين أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، نقول: أبو بكر ثم # PageV04P127 # عمر ثم عثمان ثم علي، فيبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم ~~ينكره، ولم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تخايروا بعد هؤلاء، فمن ~~وقف على عثمان ولم يربع بعلي - عليه السلام - فهو على غير السنة» . # وسئل أحمد: هل المقام بالثغر أفضل من المقام بمكة؟ فقال: إي والله. # وذكر أبو أحمد بن عدي في الكامل: أن أيوب بن إسحاق بن سافري قال: سألت ~~أحمد بن حنبل فقلت: يا أبا عبد الله ابن إسحاق إذا انفرد بحديث تقبله؟ ~~فقال: لا والله، إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث، ولا يفصل كلام ذا من ~~كلام ذا. # وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: تقتل الحية والعقرب في الصلاة؟ فقال: إي ~~والله، وقال أيضا: قلت لأبي: تجهر بآمين؟ فقال: إي والله الإمام وغير ~~الإمام، وقال أيضا: قلت لأبي: يفتح ms1274 على الإمام؟ قال: إي والله. # وقال الميموني: قلت لأحمد: ونحن نحتاج في رمضان أن نبيت الصوم من الليل؟ ~~فقال: إي والله، وقال الميموني أيضا: تباع الفرس الحبيس إذا عطبت وإذا ~~فسدت؟ فقال: إي والله، وقال الميموني أيضا: قلت لأحمد: هل ثبت عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في العقيقة شيء؟ فأملى علي أبي: إي والله، وفي غير ~~حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن ~~الجارية شاة ". # وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء؟ قال: ~~إي والله، وقال الكوسج أيضا: قلت لأحمد: قال سفيان: تجزئه تكبيرة إذا نوى ~~بها افتتاح الصلاة؟ قال أحمد: إي والله تجزئه إذا نوى، ابن عمر وزيد، وقال ~~أيضا: قلت لأحمد: المؤذن يجعل أصبعيه في أذنيه؟ قال: إي والله، وقال أيضا: ~~قلت لأحمد: سئل سفيان عن امرأة ماتت وفي بطنها ولد يتحرك، ما أرى بأسا أن ~~يشق بطنها، قال أحمد: بئس والله ما قال، يردد ذلك سبحان الله، بئس ما قال. # وقال أيضا: قلت لأحمد: تجوز شهادة رجل وامرأتين في الطلاق؟ قال: لا ~~والله، وقال أيضا: قلت لأحمد: المرجئ إذا كان داعيا، قال: إي والله يجفى ~~ويقصى. # وقال أبو طالب: قلت لأحمد: رجل قال القرآن كلام الله ليس بمخلوق، ولكن ~~لفظي هذا به مخلوق، قال: من قال هذا فقد جاء بالأمر كله، إنما هو كلام الله ~~على كل حال، والحجة فيه حديث أبي بكر {الم} [الروم: 1] {غلبت الروم} ~~[الروم: 2] فقيل له: هذا مما جاء به # PageV04P128 # صاحبك؟ فقال: لا والله، ولكنه كلام الله، هذا وغيره، وإنما هو كلام الله، ~~قلت: بسم الله الرحمن الرحيم {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} [الأنعام: 1] هذا الذي قرأت ~~الساعة كلام الله؟ قال: إي والله هو كلام الله. # ومن قال " لفظي بالقرآن مخلوق " فقد جاء بالأمر كله، وقال الفضل بن زياد: ~~سألت أبا عبد الله عن حديث ابن شبرمة عن الشعبي في رجل نذر أن يطلق امرأته، ms1275 ~~فقال له الشعبي: أوف بنذرك، أترى ذلك؟ فقال: لا والله، وقال الفضل أيضا: ~~سمعت أبا عبد الله وذكر يحيى بن سعيد القطان، فقال: لا والله، ما أدركنا ~~مثله. # وذكر أحمد في رسالته إلى مسدد: ولا عين نظرت بعد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - خيرا من أبي بكر، ولا بعد أبي بكر عين نظرت خيرا من عمر، ولا بعد ~~عمر عين نظرت خيرا من عثمان، ولا بعد عثمان عين نظرت خيرا من علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنهم -، ثم قال أحمد: هم والله الخلفاء الراشدون المهديون. # وقال الميموني: قلت لأحمد: جابر الجعفي، قال: كان يرى التشيع، قلت: قد ~~يتهم في حديثه بالكذب؟ قال: إي والله. # قال القاضي: فإن قيل: كيف استجاز الإمام أحمد أن يحلف في مسائل مختلف ~~فيها؟ قيل: أما مسائل الأصول فلا يسوغ فيها اختلاف فهي إجماع، وأما مسائل ~~الفروع فإنه لما غلب على ظنه صحة ذلك حلف عليه، كما لو وجد في دفتر أبيه أن ~~له على فلان دينا جاز له أن يدعيه لغلبة الظن بصدقه، قلت: ويحلف عليه، قال: ~~فإن قيل أليس قد امتنع من اليمين على إسقاط الشفعة بالجوار، قيل: لأن ~~اليمين هناك عند الحاكم، والنية فيه للخصم، قلت: ولم يمنع أحمد اليمين ~~لهذا، بل شفعة الجوار عنده مما يسوغ القول بها، وفيها أحاديث صحاح لا ترد، ~~ولهذا اختلف قوله فيها، فمرة نفاها، ومرة أثبتها، ومرة فصل بين أن يشتركا ~~في حقوق الملك كالطريق والماء وغيره، وبين ألا يشتركا في شيء من ذلك فلا ~~يثبت. # وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه، وبه تجتمع الأحاديث، وهو اختيار شيخ ~~الإسلام، ومذهب فقهاء البصرة، ولا يختار غيره، وقد روى أحمد عن جماعة من ~~الصحابة والتابعين أنهم حلفوا في الرواية والفتوى وغيرها تحقيقا وتأكيدا ~~للخير لا إثباتا له باليمين، وقد قال تعالى: {فورب السماء والأرض إنه لحق ~~مثل ما أنكم تنطقون} [الذاريات: 23] وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: 65] الآية، وقال تعالى: {فوربك ms1276 لنسألنهم ~~أجمعين} [الحجر: 92] {عما كانوا يعملون} [الحجر: 93] ، وكذلك أقسم بكلامه ~~كقوله تعالى: {يس} [يس: 1] {والقرآن الحكيم} [يس: 2] # PageV04P129 # {ق والقرآن المجيد} [ق: 1] {ص والقرآن ذي الذكر} [ص: 1] ، وأما إقسامه ~~بمخلوقاته التي هي آيات دالة عليه فكثير جدا. # [من أدب المفتي أن يفتي بلفظ النصوص] الفائدة التاسعة: # ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النص مهما أمكنه؛ فإنه يتضمن الحكم والدليل مع ~~البيان التام، فهو حكم مضمون له الصواب، متضمن للدليل عليه في أحسن بيان، ~~وقول الفقيه المعين ليس كذلك، وقد كان الصحابة والتابعون والأئمة الذين ~~سلكوا على منهاجهم يتحرون ذلك غاية التحري، حتى خلفت من بعدهم خلوف رغبوا ~~عن النصوص، واشتقوا لهم ألفاظا غير ألفاظ النصوص، فأوجب ذلك هجر النصوص، ~~ومعلوم أن تلك الألفاظ لا تفي بما تفي به النصوص من الحكم والدليل وحسن ~~البيان، فتولد من هجران ألفاظ النصوص والإقبال على الحادثة وتعليق الأحكام ~~بها على الأمة من الفساد ما لا يعلمه إلا الله. # فألفاظ النصوص عصمة وحجة بريئة من الخطأ والتناقض والتعقيد والاضطراب، ~~ولما كانت هي عصمة عهدة الصحابة وأصولهم التي إليها يرجعون كانت علومهم أصح ~~من علوم من بعدهم، وخطؤهم فيما اختلفوا فيه أقل من خطأ من بعدهم، ثم ~~التابعون بالنسبة إلى من بعدهم كذلك، وهلم جرا، ولما استحكم هجران النصوص ~~عند أكثر أهل الأهواء والبدع كانت علومهم في مسائلهم وأدلتهم في غاية ~~الفساد والاضطراب والتناقض. # وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سئلوا عن مسألة ~~يقولون: قال الله كذا، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا، أو فعل ~~[رسول] الله كذا، ولا يعدلون عن ذلك ما وجدوا إليه سبيلا قط، فمن تأمل ~~أجوبتهم وجدها شفاء لما في الصدور، فلما طال العهد وبعد الناس من نور ~~النبوة صار هذا عيبا عند المتأخرين أن يذكروا في أصول دينهم وفروعه قال ~~الله، وقال رسول الله. # أما أصول دينهم فصرحوا في كتبهم أن قول الله ورسوله لا يفيد اليقين في ~~مسائل أصول الدين، وإنما يحتج بكلام الله ورسوله فيها ms1277 الحشوية والمجسمة ~~والمشبهة، وأما فروعهم فقنعوا بتقليد من اختصر لهم بعض المختصرات التي لا ~~يذكر فيها نص عن الله ولا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن ~~الإمام الذي زعموا أنهم قلدوه دينهم، بل عمدتهم فيما يفتون ويقضون به ~~وينقلون به الحقوق ويبيحون به الفروج والدماء والأموال على قول ذلك المصنف، ~~وأجلهم عند نفسه وزعيمهم عند بني جنسه من يستحضر لفظ الكتاب، ويقول: هكذا ~~قال، وهذا لفظه؛ فالحلال ما أحله ذلك الكتاب، والحرام ما حرمه، والواجب ما ~~أوجبه، والباطل ما أبطله، والصحيح ما صححه. # هذا، وأنى لنا بهؤلاء في مثل هذه الأزمان، فقد دفعنا إلى أمر تضج منه ~~الحقوق إلى الله ضجيجا، وتعج منه الفروج والأموال # PageV04P130 # والدماء إلى ربها عجيجا، تبدل فيه الأحكام، ويقلب فيه الحلال والحرام، ~~ويجعل المعروف فيه أعلى مراتب المنكرات، والذي لم يشرعه الله ورسوله من ~~أفضل القربات، الحق فيه غريب، وأغرب منه من يعرفه، وأغرب منهما من يدعو ~~إليه، وينصح به نفسه والناس، قد فلق بهم فالق الإصباح صبحه عن غياهب ~~الظلمات، وأبان طريقه المستقيم من بين تلك الطرق الجائرات، وأراه بعين قلبه ~~ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مع ما عليه أكثر ~~الخلق من البدع المضلات، رفع له علم الهداية فشمر إليه، ووضح له الصراط ~~المستقيم فقام، واستقام عليه، وطوبى له من وحيد على كثرة السكان، غريب على ~~كثرة الجيران، بين أقوام رؤيتهم قذى العيون، وشجى الحلوق، وكرب النفوس، ~~وحمى الأرواح وغم الصدور، ومرض القلوب. # وإن أنصفتهم لم تقبل طبيعتهم الإنصاف، وإن طلبته منهم فأين الثريا من يد ~~الملتمس، قد انتكست قلوبهم، وعمي عليهم مطلوبهم، رضوا بالأماني، وابتلوا ~~بالحظوظ، وحصلوا على الحرمان، وخاضوا بحار العلم لكن بالدعاوى الباطلة ~~وشقاشق الهذيان، ولا والله ما ابتلت من وشله أقدامهم، ولا زكت به عقولهم ~~وأحلامهم، ولا ابيضت به لياليهم وأشرقت بنوره أيامهم، ولا ضحكت بالهدى ~~والحق منه وجوه الدفاتر إذ بلت بمداده أقلامهم، أنفقوا في غير شيء نفائس ~~الأنفاس، وأتعبوا أنفسهم وحيروا ms1278 من خلفهم من الناس، ضيعوا الأصول فحرموا ~~الوصول، وأعرضوا عن الرسالة، فوقعوا في مهامه الحيرة وبيداء الضلالة. # والمقصود أن العصمة مضمونة في ألفاظ النصوص ومعانيها في أتم بيان وأحسن ~~تفسير، ومن رام إدراك الهدى، ودين الحق من غير مشكاتها فهو عليه عسير غير ~~يسير. ### | [فصل من أدب المفتي أن يتوجه لله ليلهمه الصواب] # فصل: # [من أدب المفتي أن يتوجه لله ليلهمه الصواب] الفائدة العاشرة: # ينبغي للمفتي الموفق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقار ~~الحقيقي [الحالي] لا العلمي المجرد إلى ملهم الصواب، ومعلم الخير، وهادي ~~القلوب، أن يلهمه الصواب، ويفتح له طريق السداد، ويدله على حكمه الذي شرعه ~~لعباده في هذه المسألة، فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق، وما أجدر ~~من أمل فضل ربه أن لا يحرمه إياه، فإذا وجد من قلبه هذه الهمة فهي طلائع ~~بشرى التوفيق، فعليه أن يوجه # PageV04P131 # وجهه ويحدق نظره إلى منبع الهدى ومعدن الصواب ومطلع الرشد، وهو النصوص من ~~القرآن والسنة وآثار الصحابة، فيستفرغ وسعه في تعرف حكم تلك النازلة منها، ~~فإن ظفر بذلك أخبر به، وإن اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار، ~~والإكثار من ذكر الله، فإن العلم نور الله يقذفه في قلب عبده، والهوى ~~والمعصية رياح عاصفة تطفئ ذلك النور أو تكاد، ولا بد أن تضعفه. # وشهدت شيخ الإسلام قدس الله روحه إذا أعيته المسائل واستصعبت عليه فر ~~منها إلى التوبة والاستغفار، والاستغاثة بالله واللجأ إليه، واستنزال ~~الصواب من عنده، والاستفتاح من خزائن رحمته، فقلما يلبث المدد الإلهي أن ~~يتتابع عليه مدا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهن يبدأ، ولا ريب أن من ~~وفق هذا الافتقار علما وحالا، وسار قلبه في ميادينه بحقيقة وقصد فقد أعطي ~~حظه من التوفيق، ومن حرمه فقد منع الطريق والرفيق، فمتى أعين مع هذا ~~الافتقار ببذل الجهد في درك الحق فقد سلك به الصراط المستقيم، وذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ### | [فصل لا يفتي ولا يحكم إلا بما يكون عالما بالحق ms1279 فيه] # [لا يفتي ولا يحكم إلا بما يكون عالما بالحق فيه] الفائدة الحادية عشرة: # إذا نزلت بالحاكم أو المفتي النازلة فإما أن يكون عالما بالحق فيها أو ~~غالبا على ظنه بحيث قد استفرغ وسعه في طلبه ومعرفته، أو لا، فإن لم يكن ~~عالما بالحق فيها ولا غلب على ظنه لم يحل له أن يفتي، ولا يقضي بما لا ~~يعلم، ومتى أقدم على ذلك فقد تعرض لعقوبة الله، ودخل تحت قوله تعالى {قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن ~~تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ~~[الأعراف: 33] فجعل القول عليه بلا علم أعظم المحرمات الأربع التي لا تباح ~~بحال؛ ولهذا حصر التحريم فيها بصيغة الحصر. # ودخل تحت قوله تعالى {ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} ~~[البقرة: 168] {إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون} [البقرة: 169] ودخل في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «من أفتى ~~بغير علم فإنما إثمه على من أفتاه» وكان أحد القضاة الثلاثة الذين ثلثاهم ~~في النار، وإن كان قد عرف الحق في المسألة علما أو ظنا غالبا لم يحل له أن ~~يفتي ولا يقضي بغيره بالإجماع المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، وهو أحد ~~القضاة الثلاثة والمفتين الثلاثة والشهود الثلاثة، وإذا كان من أفتى أو حكم ~~أو شهد بغير علم مرتكبا لأعظم الكبائر، فكيف من أفتى # PageV04P132 # أو حكم أو شهد بما يعلم خلافه؟ . # فالحاكم والمفتي والشاهد كل منهم مخبر عن حكم الله؛ فالحاكم مخبر منفذ، ~~والمفتي مخبر غير منفذ، والشاهد مخبر عن الحكم الكوني القدري المطابق للحكم ~~الديني الأمري؛ فمن أخبر منهم عما يعلم خلافه فهو كاذب على الله عمدا {ويوم ~~القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة} [الزمر: 60] ، ولا أظلم ~~ممن كذب على الله وعلى دينه، وإن أخبروا بما لم يعلموا فقد كذبوا على الله ~~جهلا، وإن أصابوا في الباطن، وأخبروا بما لم يأذن الله لهم ms1280 في الإخبار به. # وهم أسوأ حالا من القاذف إذا رأى الفاحشة وحده فأخبر بها فإنه كاذب عند ~~الله، وإن أخبر بالواقع؛ فإن الله لم يأذن له في الإخبار بها إلا إذا كان ~~رابع أربعة، فإن كان كاذبا عند الله في خبر مطابق لمخبره حيث لم يأذن له في ~~الإخبار به فكيف بمن أخبر عن حكمه بما لم يعلم أن الله حكم به، ولم يأذن له ~~في الإخبار به؟ قال الله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون} [النحل: 116] {متاع قليل ولهم عذاب أليم} [النحل: 117] ، وقال ~~تعالى: {فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه} [الزمر: 32] ~~والكذب على الله يستلزم التكذيب بالحق والصدق، وقال تعالى: {ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين ~~كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} [هود: 18] . # وهذه الآيات وإن كانت في حق المشركين والكفار فإنها متناولة لمن كذب على ~~الله في توحيده ودينه وأسمائه وصفاته وأفعاله، ولا تتناول المخطئ المأجور ~~إذا بذل جهده واستفرغ وسعه في إصابة حكم الله وشرعه، فإن هذا هو الذي فرضه ~~الله عليه، فلا يتناول المطيع لله وإن أخطأ، وبالله التوفيق. ### | [الواجب على الراوي والمفتي والحاكم والشاهد] # [الواجب على الراوي والمفتي والحاكم والشاهد] الفائدة الثانية عشر [ة] # حكم الله ورسوله يظهر على أربعة ألسنة: لسان الراوي، ولسان المفتي، ولسان ~~الحاكم، ولسان الشاهد؛ فالراوي يظهر على لسانه لفظ حكم الله ورسوله، ~~والمفتي يظهر على لسانه معناه وما استنبطه من لفظه، والحاكم يظهر على لسانه ~~الإخبار بحكم الله وتنفيذه، والشاهد يظهر على لسانه الإخبار بالسبب الذي ~~يثبت حكم الشارع. # والواجب على هؤلاء الأربعة أن يخبروا بالصدق المستند إلى العلم، فيكونون ~~عالمين لما يخبرون به، صادقين في الإخبار به، وآفة أحدهم الكذب والكتمان، ~~فمتى كتم # PageV04P133 # الحق أو كذب فيه فقد حاد الله في شرعه ودينه، وقد أجرى الله سنته ms1281 أن يمحق ~~عليه بركة علمه ودينه ودنياه إذا فعل ذلك، كما أجرى عادته سبحانه في ~~المتبايعين إذا كتما وكذبا أن يمحق بركة بيعهما، ومن التزم الصدق والبيان ~~منهم في مرتبته بورك له في علمه ووقته ودينه ودنياه، وكان مع النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، ذلك الفضل من الله وكفى ~~بالله عليما، فبالكتمان يعزل الحق عن سلطانه، وبالكذب يقلبه عن وجهه، ~~والجزاء من جنس العمل، فجزاء أحدهم أن يعزله الله عن سلطان المهابة ~~والكرامة والمحبة والتعظيم الذي يلبسه أهل الصدق والبيان، ويلبسه ثوب ~~الهوان والمقت والخزي بين عباده، فإذا كان يوم القيامة جازى الله سبحانه من ~~يشاء من الكاذبين الكاتمين بطمس الوجوه وردها على أدبارها كما طمسوا وجه ~~الحق وقلبوه عن وجهه جزاء وفاقا {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46] . ### | [من أدب المفتي ألا ينسب الحكم إلى الله إلا بنص] # [من أدب المفتي ألا ينسب الحكم إلى الله إلا بنص] الفائدة الثالثة عشرة: # (لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحل كذا أو حرمه أو أوجبه ~~أو كرهه إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نص الله ورسوله على إباحته أو ~~تحريمه أو إيجابه أو كراهته) . # (وأما ما وجده في كتابه الذي تلقاه عمن قلده دينه فليس له أن يشهد على ~~الله ورسوله به) ، ويغر الناس بذلك، ولا علم له بحكم الله ورسوله. # قال غير واحد من السلف: ليحذر أحدكم أن يقول: أحل الله كذا، أو حرم الله ~~كذا، فيقول الله له: كذبت، لم أحل كذا، ولم أحرمه. # وثبت في صحيح مسلم من حديث بريدة بن الحصيب أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «وإذا حاصرت حصنا فسألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله فلا ~~تنزلهم على حكم الله ورسوله، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا، ولكن ~~أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك» . # وسمعت شيخ الإسلام يقول: حضرت مجلسا فيه القضاة وغيرهم، فجرت حكومة حكم ~~فيها أحدهم بقول زفر، فقلت له: ما هذه الحكومة؟ ms1282 فقال: هذا حكم الله، فقلت ~~له: صار قول زفر هو حكم الله الذي حكم به وألزم به الأمة؟ ، قل: هذا حكم ~~زفر، ولا تقل هذا حكم الله، أو نحو هذا من الكلام. ### | [حال المفتي مع المستفتي] # [حال المفتي مع المستفتي على ثلاثة أوجه] الفائدة الرابعة عشرة: # المفتي إذا سئل عن مسألة فإما أن يكون قصد السائل فيها معرفة حكم الله ~~ورسوله ليس إلا، وإما أن يكون قصده معرفة ما قاله الإمام الذي شهر # PageV04P134 # المفتي نفسه باتباعه وتقليده دون غيره من الأئمة، وإما أن يكون مقصوده ~~معرفة ما ترجح عند ذلك المفتي، وما يعتقده فيها؛ لاعتقاده علمه ودينه ~~وأمانته، فهو يرضى تقليده [هو] ، وليس له غرض في قول إمام بعينه؛ فهذه ~~أجناس الفتيا التي ترد على المفتين. # ففرض المفتي في القسم الأول أن يجيب بحكم الله ورسوله إذا عرفه وتيقنه، ~~لا يسعه غير ذلك، وأما في القسم الثاني فإذا عرف قول الإمام نفسه وسعه أن ~~يخبر به، ولا يحل له أن ينسب إليه القول ويطلق عليه أنه قوله بمجرد ما يراه ~~في بعض الكتب التي حفظها أو طالعها من كلام المنتسبين إليه؛ فإنه قد اختلطت ~~أقوال الأئمة وفتاويهم بأقوال المنتسبين إليهم واختياراتهم؛ فليس كل ما في ~~كتبهم منصوصا عن الأئمة، بل كثير منه يخالف نصوصهم، وكثير منه لا نص لهم ~~فيه، وكثير منه يخرج على فتاويهم، وكثير منه أفتوا به بلفظه أو بمعناه، فلا ~~يحل لأحد أن يقول " هذا قول فلان ومذهبه " إلا أن يعلم يقينا أنه قوله ~~ومذهبه، فما أعظم خطر المفتي وأصعب مقامه بين يدي الله تعالى،. # وأما القسم الثالث: فإنه يسعه أن يخبر المستفتي بما عنده في ذلك مما يغلب ~~على ظنه أنه الصواب، بعد بذل جهده واستفراغ وسعه، ومع هذا فلا يلزم ~~المستفتي الأخذ بقوله، وغايته أنه يسوغ له الأخذ به، فلينزل المفتي نفسه في ~~منزلة من هذه المنازل الثلاث، وليقم بواجبها؛ فإن الدين دين الله والله ~~سبحانه ولا بد سائله عن كل ما أفتى به، وهو ms1283 موقرة عليه، ومحاسب ولا بد، ~~والله المستعان. ### | [فتوى المفتي بما خالف مذهبه] # [يفتي المفتي بما يعتقد أنه الصواب وإن كان خلاف مذهبه] الفائدة الخامسة ~~عشر [ة] # ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي الله سبحانه أن يفتي السائل بمذهبه ~~الذي يقلده، وهو يعلم أن مذهب غيره في تلك المسألة أرجح من مذهبه وأصح ~~دليلا، فتحمله الرياسة على أن يقتحم الفتوى بما يغلب على ظنه أن الصواب في ~~خلافه؛ فيكون خائنا لله ورسوله وللسائل وغاشا له، والله لا يهدي كيد ~~الخائنين، وحرم الجنة على من لقيه وهو غاش للإسلام وأهله، والدين النصيحة، ~~والغش مضاد للدين كمضادة الكذب للصدق والباطل للحق، وكثيرا ما ترد المسألة ~~نعتقد فيها خلاف المذهب # PageV04P135 # فلا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده فنحكي المذهب الراجح ونرجحه، ونقول: ~~هذا هو الصواب، وهو أولى أن يؤخذ به، وبالله التوفيق. ### | [لا يجوز للمفتي إلقاء المستفتي في الحيرة] # [لا يجوز للمفتي إلقاء المستفتي في الحيرة] الفائدة السادسة عشرة: لا ~~يجوز للمفتي الترويج وتخيير السائل وإلقاؤه في الإشكال والحيرة، بل عليه أن ~~يبين بيانا مزيلا للإشكال، متضمنا لفصل الخطاب، كافيا في حصول المقصود، لا ~~يحتاج معه إلى غيره، ولا يكون كالمفتي الذي سئل عن مسألة في المواريث فقال: ~~يقسم بين الورثة على فرائض الله عز وجل وكتبه فلان. # وسئل آخر عن صلاة الكسوف فقال: تصلى على حديث عائشة، وإن كان هذا أعلم من ~~الأول. # وسئل آخر عن مسألة من الزكاة فقال: أما أهل الإيثار فيخرجون المال كله، ~~وأما غيرهم فيخرج القدر الواجب عليه، أو كما قال. # وسئل آخر عن مسألة فقال: فيها قولان، ولم يزد. # قال أبو محمد بن حزم: وكان عندنا مفت إذا سئل عن مسألة لا يفتي فيها حتى ~~يتقدمه من يكتب، فيكتب هو: جوابي فيها مثل جواب الشيخ، فقدر أن مفتيين ~~اختلفا في جواب، فكتب تحت جوابهما: جوابي مثل جواب الشيخين، فقيل له: إنهما ~~قد تناقضا، فقال: وأنا أتناقض كما تناقضا، وكان في زماننا رجل مشار إليه ~~بالفتوى، وهو مقدم ms1284 في مذهبه، وكان نائب السلطان يرسل إليه في الفتاوى ~~فيكتب: يجوز كذا، أو يصح كذا، أو ينعقد بشرطه، فأرسل إليه يقول له: تأتينا ~~فتاوى منك فيها يجوز أو ينعقد أو يصح بشرطه، ونحن لا نعلم شرطه، فإما أن ~~تبين شرطه، وإما أن لا تكتب ذلك. # وسمعت شيخنا يقول: كل أحد يحسن أن يفتي بهذا الشرط، فإن أي مسألة وردت ~~عليه يكتب فيها يجوز بشرطه أو يصح بشرطه أو يقبل بشرطه ونحو ذلك، وهذا ليس ~~بعلم، ولا يفيد فائدة أصلا سوى حيرة السائل وتبلده، وكذلك قول بعضهم في ~~فتاويه: يرجع في ذلك إلى رأي الحاكم، فيا سبحان الله، والله لو كان الحاكم ~~شريحا وأشباهه لما كان مرد أحكام الله ورسوله إلى رأيه فضلا عن حكام زماننا ~~فالله المستعان. # وسئل بعضهم عن مسألة فقال: فيها خلاف، فقيل له: كيف يعمل المفتي؟ فقال: ~~يختار له القاضي أحد المذهبين. # قال أبو عمرو بن الصلاح: كنت عند أبي السعادات بن الأثير الجزري، فحكى لي ~~عن بعض المفتين أنه سئل عن مسألة فقال: فيها قولان، فأخذ يزري عليه، وقال: ~~هذا حيد عن الفتوى، ولم يخلص السائل من عمايته، ولم يأت بالمطلوب قلت: وهذا ~~فيه تفصيل؛ فإن المفتي المتمكن من العلم # PageV04P136 # المضطلع به قد يتوقف في الصواب في المسألة المتنازع فيها فلا يقدم على ~~الجزم بغير علم، وغاية ما يمكنه أن يذكر الخلاف فيها للسائل. # وكثيرا ما يسأل الإمام أحمد رضي الله عليه وغيره من الأئمة عن مسألة ~~فيقول: فيها قولان، أو قد اختلفوا فيها، وهذا كثير في أجوبة الإمام أحمد ~~لسعة علمه وورعه، وهو كثير في كلام الإمام الشافعي - رضي الله عنه -، يذكر ~~المسألة ثم يقول: فيها قولان. # وقد اختلف أصحابه هل يضاف القولان اللذان يحكيهما إلى مذهبه وينسبان إليه ~~أم لا؟ على طريقين، وإذا اختلف علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وزيد ~~وأبي وغيرهم من الصحابة - رضي الله عنهم - ولم يتبين للمفتي القول الراجح ~~من أقوالهم فقال: هذه مسألة اختلف فيها فلان وفلان من ms1285 الصحابة، فقد انتهى ~~إلى ما يقدر عليه من العلم. # قال أبو إسحاق الشيرازي: سمعت شيخنا أبا الطيب الطبري يقول: سمعت أبا ~~العباس الحضرمي يقول: كنت جالسا عند أبي بكر بن داود الظاهري، فجاءته امرأة ~~فقالت: ما تقول في رجل له زوجة لا هو ممسكها ولا هو مطلقها، فقال لها: ~~اختلف في ذلك أهل العلم، فقال قائلون: تؤمر بالصبر والاحتساب، ويبعث على ~~التطلب والاكتساب، وقال قائلون: يؤمر بالإنفاق ولا يحمل على الطلاق، فلم ~~تفهم المرأة قوله، فأعادت المسألة، فقال: يا هذه أجبتك عن مسألتك، وأرشدتك ~~إلى طلبتك، ولست بسلطان فأمضي، ولا قاض فأقضي، ولا زوج فأرضي، فانصرفي. ### | [الإفتاء في شروط الواقفين] # [الإفتاء في شروط الواقفين] الفائدة السابعة عشرة: # إذا سئل عن مسألة فيها شرط واقف لم يحل له أن يلزم بالعمل به، بل ولا ~~يسوغه على الإطلاق، حتى ينظر في ذلك الشرط، فإن كان يخالف حكم الله ورسوله ~~فلا حرمة له، ولا يحل له تنفيذه، ولا يسوغ تنفيذه، وإن لم يخالف حكم الله ~~ورسوله فلينظر: هل فيه قربة أو رجحان عند الشارع أم لا؟ فإن لم يكن فيه ~~قربة، ولا رجحان لم يجب التزامه، ولم يحرم، فلا تضر مخالفته، وإن كان فيه ~~قربة وهو راجح على خلافه فلينظر: هل يفوت بالتزامه والتقييد به ما هو أحب ~~إلى الله ورسوله وأرضى له وأنفع للمكلف وأعظم تحصيلا لمقصود الواقف من ~~الأجر؟ فإن فات ذلك بالتزامه لم يجب التزامه ولا التقييد به قطعا، وجاز ~~العدول بل يستحب إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله وأنفع للمكلف وأكثر تحصيلا ~~لمقصود الواقف، وفي جواز التزام شرط الواقف في هذه الصورة تفصيل سنذكره إن ~~شاء الله. # وإن كان في قربة وطاعة ولم يفت بالتزامه ما هو أحب إلى الله ورسوله منه ~~وتساوى هو وغيره في تلك القربة، ويحصل غرض الواقف بحيث يكون هو وغيره ~~طريقين موصلين إلى مقصوده ومقصود الشارع من كل وجه ولم يتعين عليه التزام ~~الشرط، # PageV04P137 # بل له العدول عنه إلى ما هو أسهل عليه، ms1286 وأرفق به، وإن ترجح موجب الشرط ~~وكان قصد القربة والطاعة فيه أظهر وجب التزامه. # فهذا هو القول الكلي في شروط الواقفين، وما يجب التزامه منها، وما يسوغ، ~~وما لا يجب، ومن سلك غير هذا المسلك تناقض أظهر تناقض، ولم يثبت له قدم ~~يعتمد عليه. # فإذا شرط الواقف أن يصلي الموقوف عليه في هذا المكان المعين الصلوات ~~الخمس ولو كان وحده، وإلى جانبه المسجد الأعظم وجماعة المسلمين لم يجب عليه ~~الوفاء بهذا الشرط، بل ولا يحل له التزامه إذا فاتته الجماعة؛ فإن الجماعة ~~إما شرط لا تصح الصلاة بدونها، وإما واجبة يستحق تاركها العقوبة، وإن صحت ~~صلاته، وإما سنة مؤكدة يقاتل تاركها، وعلى كل تقدير فلا يصح التزام شرط يخل ~~بها. # وكذلك إذا شرط الواقف العزوبية، وترك التأهل لم يجب الوفاء بهذا الشرط بل ~~ولا التزامه، بل من التزمه رغبة عن السنة فليس من الله ورسوله في شيء؛ فإن ~~النكاح عند الحاجة إليه إما فرض يعصي تاركه، وإما سنة الاشتغال بها أفضل من ~~صيام النهار وقيام الليل وسائر أوراد التطوعات، وإما سنة يثاب فاعلها كما ~~يثاب فاعل السنن والمندوبات، وعلى كل تقدير فلا يجوز اشتراط تعطيله أو ~~تركه؛ إذ يصير مضمون هذا الشرط أنه لا يستحق تناول الوقف إلا من عطل ما فرض ~~الله عليه وخالف سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ومن فعل ما فرضه الله عليه وقام بالسنة لم يحل له أن يتناول من هذا الوقف ~~شيئا، ولا يخفى ما في التزام هذا الشرط والإلزام به من مضادة الله ورسوله، ~~وهو أقبح من اشتراطه ترك الوتر والسنن الراتبة، وصيام الخميس والاثنين ~~والتطوع بالليل، بل أقبح من اشتراطه ترك ذكر الله بكرة وعشيا ونحو ذلك، ومن ~~هذا اشتراطه أن يصلي الصلوات في التربة المدفون بها ويدع المسجد، وهذا أيضا ~~مضاد لدين الإسلام أعظم مضادة؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن ~~المتخذين قبور أنبيائهم مساجد، فالصلاة في المقبرة معصية لله ورسوله، باطلة ~~عند كثير من أهل العلم لا ms1287 يقبلها الله ولا تبرأ الذمة بفعلها، فكيف يجوز ~~التزام شرط الواقف لها، وتعطيل شرط الله ورسوله؟ فهذا تغيير الدين لولا أن ~~الله سبحانه يقيم له من يبين أعلامه ويدعو إليه. # ومن ذلك اشتراط إيقاد سراج أو قنديل على القبر؛ فلا يحل للواقف اشتراط ~~ذلك، ولا للحاكم تنفيذه، ولا للمفتي تسويغه، ولا للموقوف عليه فعله ~~والتزامه، فقد لعن رسول # PageV04P138 # الله - صلى الله عليه وسلم - المتخذين السرج على القبور، فكيف يحل للمسلم ~~أن يلزم أو يسوغ فعل ما لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعله؟ وحضرت ~~بعض قضاة الإسلام يوما وقد جاءه كتاب وقف على تربة؛ ليثبته، وفيه: " وأنه ~~يوقد على القبر كل ليلة قنديل " فقلت له: كيف يحل لك أن تثبت هذا الكتاب ~~وتحكم بصحته مع علمك بلعنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمتخذين ~~السرج على القبور؟ فأمسك عن إثباته وقال: الأمر كما قلت، أو كما قال. # ومن ذلك أن يشترط القراءة عند قبره دون البيوت التي أذن الله أن ترفع ~~ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال، والناس لهم قولان: أحدهما: ~~أن القراءة لا تصل إلى الميت، فلا فرق بين أن يقرأ عند القبر أو بعيدا منه ~~عند هؤلاء، والثاني: أنها تصل ووصولها فرع حصول الصواب للقارئ، ثم ينتقل ~~منه إلى الميت، فإذا كانت قراءة القارئ ومجيئه إلى القبر إنما هو لأجل ~~الجعل [و] لم يقصد به التقرب إلى الله لم يحصل له ثواب، فكيف ينتقل عنه إلى ~~الميت وهو فرعه؟ فما زاد بمجيئه إلى التربة إلا العناء والتعب، بخلاف ما ~~إذا قرأ لله في المسجد أو غيره في مكان يكون أسهل عليه وأعظم لإخلاصه ثم ~~جعل ثواب ذلك للميت وصل إليه. # وذاكرت مرة بهذا المعنى بعض الفضلاء، فاعترف به، وقال: لكن بقي شيء آخر، ~~وهو أن الواقف قد يكون قصد انتفاعه بسماع القرآن على قبره، ووصول بركة ذلك ~~إليه، فقلت له: انتفاعه بسماع القرآن مشروط بحياته، فلما مات انقطع عمله ~~كله. # واستماع القرآن من أفضل الأعمال ms1288 الصالحة، وقد انقطع بموته، ولو كان ذلك ~~ممكنا لكان السلف الطيب من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم أولى بهذا الحظ ~~العظيم؛ لمسارعتهم إلى الخير وحرصهم عليه، ولو كان خيرا لسبقونا إليه فالذي ~~لا شك فيه أنه لا يجب حضور التربة، ولا تتعين القراءة عند القبر. # ونظير هذا ما لو وقف وقفا يتصدق به عند القبر كما يفعل كثير من الجهال؛ ~~فإن في ذلك من تعنية الفقير وإتعابه وإزعاجه من موضعه إلى الجبانة في حال ~~الحر والبرد والضعف حتى يأخذ تلك الصدقة عند القبر مما لعله أن يحبط أجرها، ~~ويمنع انعقاده بالكلية. # ومن هذا لو شرط واقف الخانقاه وغيرها على أهلها أن لا يشتغلوا بكتابة ~~العلم وسماع الحديث والاشتغال بالفقه؛ فإن هذا شرط باطل مضاد لدين الإسلام، ~~لا يحل تنفيذه ولا التزامه، ولا يستحق من قام به شيئا من هذا الوقف؛ فإن ~~مضمون هذا الشرط أن الوقف # PageV04P139 # المعين إنما يستحقه من ترك ما يجب عليه من العلم النافع، وجهل أمر الله ~~ورسوله ودينه، وجهل أسماءه وصفاته وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأحكام ~~الثواب والعقاب، ولا ريب أن هذا الصنف من شرار خلق الله، وأمقتهم عند الله ~~ورسوله، وهم خاصة الشيطان وأولياؤه وحزبه {ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون} ~~[المجادلة: 19] # ومن ذلك أن يشترط الواقف أن لا يقرأ في ذلك المكان شيء من آيات الصفات ~~وأحاديث الصفات، كما أمر به بعض أعداء الله من الجهمية لبعض الملوك، وقد ~~وقف مسجدا لله تعالى، ومضمون هذا الشرط المضاد لما بعث الله به رسوله أن ~~يعطل أكثر آيات القرآن عن التلاوة والتدبر والتفهم، وكثيرا من السنة أو ~~أكثرها عن أن تذكر أو تروى أو تسمع أو يهتدى بها، ويقام سوق التجهم والكلام ~~المبتدع المذموم الذي هو كفيل بالبدع والضلالة والشك والحيرة. # ومن ذلك أيضا أن يقف مكانا أو مسجدا أو مدرسة أو رباطا على طائفة معينة ~~من الناس دون غيرهم، كالعجم مثلا أو الروم أو الترك أو غيرهم، وهذا من أبطل ~~الشروط؛ فإن مضمونه أن ms1289 أقارب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذرية ~~المهاجرين والأنصار لا يحل لهم أن يصلوا في هذا المسجد، ولا ينزلوا في هذا ~~الرباط أو المدرسة أو الخانقاه، بل لو أمكن أن يكون أبو بكر وعمر وأهل بدر ~~وأهل بيعة الرضوان - رضي الله عنهم - بين أظهرنا حرم عليهم النزول بهذا ~~المكان الموقوف. # وهذه الشروط والاشتغال بها والاعتداد بها من أسمج الهذيان، ولا تصدر من ~~قلب طاهر، ولا ينفذها من شم روائح العلم الذي بعث الله به رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وكذلك لو شرط أن يكون المقيمون بهذه الأمكنة طائفة من أهل البدع كالشيعة ~~والخوارج والمعتزلة والجهمية والمبتدعين في أعمالهم كأصحاب الإشارات والإذن ~~والشير والعنبر وأكل الحيات وأصحاب النار، وأشباه الذئاب المشتغلين بالأكل ~~والشرب والرقص، ولم يصح هذا الشرط، وكان غيرهم أحق بالمكان منهم، وشروط ~~الله أحق. # فهذه الشروط وأضعافها وأضعاف أضعافها من باب التعاون على الإثم والعدوان، ~~والله تعالى إنما أمر بالتعاون على البر والتقوى، وهو ما شرعه على لسان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، دون ما لم يشرعه، فكيف بما شرع خلافه، ~~والوقف إنما يصح على القرب والطاعات، ولا فرق في ذلك بين مصرفه وجهته ~~وشرطه؛ فإن الشرط صفة وحال في الجهة والمصرف، فإذا اشترط أن يكون المصرف ~~قربة وطاعة فالشرط كذلك، ولا يقتضي الفقه إلا هذا، ولا يمكن # PageV04P140 # أحد أن ينقل عن أئمة الإسلام الذين لهم في الأمة لسان صدق ما يخالف ذلك ~~ألبتة، بل نشهد بالله والله أن الأئمة لا تخالف ما ذكرناه، وأن هذا نفس ~~قولهم، وقد أعاذهم الله من غيره، وإنما يقع الغلط من كثير من المنتسبين ~~إليهم في فهم أقوالهم، كما وقع لبعض من نصب نفسه للفتوى من أهل عصرنا. # ما تقول السادة الفقهاء في رجل وقف وقفا على أهل الذمة، هل يصح ويتقيد ~~الاستحقاق بكونه منهم؟ فأجاب بصحة الوقف، وتقييد الاستحقاق بذلك الوصف، ~~وقال: هكذا قال أصحابنا، ويصح الوقف على أهل الذمة، فأنكر ذلك شيخنا عليه ~~غاية الإنكار، وقال: مقصود الفقهاء بذلك ms1290 أن كونه من أهل الذمة ليس مانعا من ~~صحة الوقف عليه بالقرابة أو بالتعيين، وليس مقصودهم أن الكفر بالله ورسوله ~~أو عبادة الصليب، وقولهم إن المسيح ابن الله شرط لاستحقاق الوقف، حتى إن من ~~آمن بالله ورسوله واتبع دين الإسلام ولم يحل له أن يتناول بعد ذلك من ~~الوقف، فيكون حل تناوله مشروطا بتكذيب الله ورسوله، والكفر بدين الإسلام، ~~ففرق بين كون وصف الذمة مانعا من صحة الوقف، وبين كونه مقتضيا؛ فغلظ طبع ~~هذا الفتى، وكثف فهمه، وغلظ حجابه عن ذلك ولم يميز. # ونظير هذا أن يقف على الأغنياء، فهذا يصح إذا كان الموقوف عليه غنيا أو ~~ذا قرابة فلا يكون الغنى مانعا، ولا يصح أن يكون جهة الاستحقاق هو الغنى، ~~فيستحق ما دام غنيا، فإذا افتقر واضطر إلى ما يقيم أوده حرم عليه تناول ~~الوقف، فهذا لا يقوله إلا من حرم التوفيق وصحبه الخذلان، ولو رأى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أحدا من الأئمة يفعل ذلك لاشتد إنكاره وغضبه عليه، ~~ولما أقره ألبتة، وكذلك لو رأى رجلا من أمته قد وقف على من يكون من الرجال ~~عزبا غير متأهل، فإذا تأهل حرم عليه تناول الوقف لاشتد غضبه ونكيره عليه، ~~بل دينه يخالف هذا، فإنه كان إذا جاءه مال أعطى العزب حظا، وأعطى الآهل ~~حظين، وأخبر أن ثلاثة على الله عونهم، فذكر منهم الناكح يريد العفاف، ~~وملتزم هذا الشرط حق عليه عدم إعانة الناكح. # ومن هذا أن يشترط أنه لا يستحق الوقف إلا من ترك الواجب عليه من طلب ~~النصوص ومعرفتها، والتفقه في متونها، والتمسك بها، إلى الأخذ بقول فقيه ~~معين يترك لقوله قول من سواه، بل يترك النصوص لقوله، فهذا شرط من أبطل ~~الشروط، وقد صرح أصحاب الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى بأن الإمام إذا شرط ~~على القاضي أن لا يقضي إلا بمذهب معين بطل الشرط ولم يجز له التزامه. # وفي بطلان التولية قولان مبنيان على بطلان العقود بالشروط الفاسدة، وطرد ~~هذا أن المفتي من شرط عليه ألا ms1291 يفتي إلا بمذهب معين بطل الشرط، # PageV04P141 # وطرده أيضا أن الواقف متى شرط على الفقيه أن لا ينظر ولا يشتغل إلا بمذهب ~~معين بحيث يهجر له كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وفتاوى ~~الصحابة ومذاهب العلماء؛ لم يصح هذا الشرط قطعا، ولا يجب التزامه، بل ولا ~~يسوغ. # وعقد هذا الباب وضابطه أن المقصود إنما هو التعاون على البر والتقوى، وأن ~~يطاع الله ورسوله بحسب الإمكان، وأن يقدم من قدمه الله ورسوله، ويؤخر من ~~أخره الله ورسوله، [ويعتبر ما اعتبره الله ورسوله، ويلغى ما ألغاه الله ~~ورسوله] ، وشروط الواقفين لا تزيد على نذر الناذرين، فكما أنه لا يوفي من ~~النذور إلا بما كان طاعة لله ورسوله فلا يلزم من شروط الواقفين إلا ما كان ~~طاعة الله ورسوله. # فإن قيل: الواقف إنما نقل ماله لمن قام بهذه الصفة، فهو الذي رضي بنقل ~~ماله إليه، ولم يرض بنقله إلى غيره، وإن كان أفضل منه، فالوقف يجري مجرى ~~الجعالة، فإذا بذل الجاعل ماله لمن يعمل عملا لم يستحقه من عمل غيره، وإن ~~كان بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض. # قيل: هذا منشأ الوهم والإيهام في هذه المسألة، وهو الذي قام بقلوب ضعفة ~~المتفقهين، فالتزموا، وألزموا من الشروط بما غيره أحب إلى الله، وأرضى له ~~منه بإجماع الأمة بالضرورة المعلومة من الدين. # وجواب هذا الوهم أن الجاعل يبذل ماله في غرضه الذي يريده، إما محرما أو ~~مكروها أو مباحا أو مستحبا أو واجبا؛ لينال غرضه الذي بذل فيه ماله، وأما ~~الواقف فإنما يبذل ماله فيما يقربه إلى الله وثوابه، فهو لما علم أنه لم ~~يبق له تمكن من بذل ماله في أغراضه أحب أن يبذله فيما يقربه إلى الله وما ~~هو أنفع له في الدار الآخرة، ولا يشك عاقل أن هذا غرض الواقفين، بل ولا يشك ~~واقف أن هذا غرضه، والله سبحانه وتعالى ملكه المال؛ لينتفع به في حياته، ~~وأذن له أن يحبسه؛ لينتفع به بعد وفاته، فلم يملكه أن يفعل به بعد ms1292 موته ما ~~كان يفعل به في حياته، بل حجر عليه فيه، وملكه ثلثه يوصي به بما يجوز ويسوغ ~~أن يوصي به، حتى إن حاف أو جار أو أثم في وصيته جاز بل وجب على الوصي ~~والورثة رد ذلك الجور والحيف والإثم، ورفع سبحانه الإثم عمن يرد ذلك الحيف ~~والإثم، من الورثة والأوصياء، فهو سبحانه لم يملكه أن يتصرف في تحبيس ماله ~~بعده إلا على وجه يقربه إليه، ويدنيه من رضاه، لا على أي وجه أراد، ولم ~~يأذن الله ولا رسوله للمكلف أن يتصرف في تحبيس ماله بعده على أي وجه أراده ~~أبدا. # فأين في كلام الله ورسوله أو أحد من الصحابة ما يدل على أن # PageV04P142 # لصاحب المال أن يقف ما أراد على من أراد، ويشرط ما أراد، ويجب على الحكام ~~والمفتين أن ينفذوا وقفه، ويلزموا بشروطه، وأما ما قد لهج به بعضهم من قوله ~~" شروط الواقف كنصوص الشارع " فهذا يراد به معنى صحيح ومعنى باطل، فإن أريد ~~أنها كنصوص الشارع في الفهم والدلالة وتقييد مطلقها بمقيدها وتقديم خاصها ~~على عامها، والأخذ فيها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فهذا حق من حيث ~~الجملة، وإن أريد أنها كنصوص الشارع في وجوب مراعاتها والتزامها وتنفيذها ~~فهذا من أبطل الباطل، بل يبطل منها ما لم يكن طاعة لله ورسوله، وما غيره ~~أحب إلى الله وأرضى له ولرسوله منه، وينفذ منها ما كان قربة وطاعة كما ~~تقدم. # ولما نذر أبو إسرائيل أن يصوم ويقوم في الشمس، ولا يجلس، ولا يتكلم، أمره ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجلس في الظل ويتكلم ويتم صومه، فألزمه ~~بالوفاء بالطاعة، ونهاه عن الوفاء بما ليس بطاعة. # وهكذا أخت عقبة بن عامر لما نذرت الحج ماشية مكشوفة الرأس أمرها أن تختمر ~~وتركب وتحج وتهدي بدنة، فهكذا الواجب على أتباع الرسول صلوات الله وسلامه ~~عليه وعلى آله أن يعتمدوا في شروط الواقفين، وبالله التوفيق. ### | [لا يطلق المفتي الجواب إذا كان في المسألة تفصيل] # [لا يطلق المفتي الجواب إذا كان في المسألة ms1293 تفصيل] الفائدة الثامنة عشرة: # ليس للمفتي أن يطلق الجواب في مسألة فيها تفصيل إلا إذا علم أن السائل ~~إنما سأل عن أحد تلك الأنواع، بل إذا كانت المسألة تحتاج إلى التفصيل ~~استفصله، كما استفصل النبي - صلى الله عليه وسلم - ماعزا لما أقر بالزنا: ~~هل وجد منه مقدماته أو حقيقته؟ فلما أجابه عن الحقيقة استفصله: هل به جنون، ~~فيكون إقراره غير معتبر أم هو عاقل؟ فلما علم عقله استفصله: بأن أمر ~~باستنكاهه؛ ليعلم هل هو سكران أم صاح؟ فلما علم أنه صاح استفصله: هل أحصن ~~أم لا؟ فلما علم أنه قد أحصن أقام عليه الحد. # ومن هذا «قوله لمن سألته: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال نعم ~~إذا رأت الماء» فتضمن هذا الجواب الاستفصال بأنها يجب عليها الغسل في حال، ~~ولا يجب عليها في حال. # ومن ذلك «أن أبا النعمان بن بشير سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يشهد على غلام نحله ابنه، # PageV04P143 # فاستفصله، وقال: أكل ولدك نحلته كذلك؟ فقال: لا، فأبى أن يشهد» . # وتحت هذا الاستفصال: أن ولدك إن كانوا اشتركوا في النحل صح ذلك، وإلا لم ~~يصح، ومن ذلك «أن ابن أم مكتوم استفتاه: هل يجد له رخصة أن يصلي في بيته؟ ~~فقال هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال فأجب» فاستفصله بين أن يسمع النداء أو ~~لا يسمعه. # ومن ذلك أنه «لما استفتي عن رجل وقع على جارية امرأته فقال إن كان ~~استكرهها فهي حرة وعليه مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له، وعليه لسيدتها ~~مثلها» وهذا كثير في فتاويه - صلى الله عليه وسلم -. # فإذا سئل المفتي عن رجل دفع ثوبه إلى قصار يقصره، فأنكر القصار الثوب ثم ~~أقر به، هل يستحق الأجرة على القصارة أم لا؟ فالجواب بالإطلاق خطأ نفيا ~~وإثباتا، والصواب التفصيل، فإن كان قصره قبل الجحود فله أجرة القصارة؛ لأنه ~~قصره لصاحبه، وإن كان قصره بعد جحوده فلا أجرة له لأنه قصره لنفسه. # وكذلك إذا سئل عن رجل حلف لا يفعل كذا ms1294 وكذا، ففعله، لم يجز له أن يفتي ~~بحنثه حتى يستفصله: هل كان ثابت العقل وقت فعله أم لا؟ وإذا كان ثابت العقل ~~فهل كان مختارا في يمينه أم لا؟ وإذا كان مختارا فهل استثنى عقيب يمينه أم ~~لا؟ وإذا لم يستثن فهل فعل المحلوف عليه عالما ذاكرا مختارا أم كان ناسيا ~~أو جاهلا أو مكرها؟ وإذا كان عالما مختارا فهل كان المحلوف عليه داخلا في ~~قصده ونيته أو قصد عدم دخوله فخصصه بنيته أو لم يقصد دخوله ولا نوى تخصيصه؟ ~~فإن الحنث يختلف باختلاف ذلك كله. # ورأينا من مفتي العصر من بادر إلى التحنيث، فاستفصلناه، فوجده غير حانث ~~في مذهب من أفتاه، وقع ذلك مرارا؛ فخطر المفتي عظيم، فإنه موقع عن الله ~~ورسوله، زاعم أن الله أمر بكذا وحرم كذا أو أوجب كذا. # ومن ذلك أن يستفتيه عن الجمع بين الظهر والعصر مثلا: هل يجوز له أن يفرق ~~بينهما؟ فجوابه بتفصيل المسألتين، وأن الجمع إن كان في وقت الأولى لم يجز ~~التفريق، وإن كان في وقت الثانية جاز. # ومن ذلك أنه لو قال له " إن لم تحرق هذا المتاع أو تهدم هذه الدار أو ~~تتلف هذا المال، وإلا قتلتك " ففعل: هل يضمن أم لا؟ جوابه بالتفصيل، فإن ~~كان المال المكره على إتلافه للمكره لم يضمن، وإن كان لغيره ضمنه. # PageV04P144 # وكذلك لو سأله المظاهر إذا وطئ في أثناء الكفارة: هل يلزمه الاستئناف أو ~~يبني؟ فجوابه بالتفصيل أنه إن كان كفر بالصيام فوطئ في أثنائه لزمه ~~الاستئناف، وإن كفر بالإطعام لم يلزمه الاستئناف، وله البناء؛ فإن حكم ~~تتابع الصوم، وكونه قبل المسيس قد انقطع بخلاف الإطعام. # وكذلك لو سأله عن المكفر بالعتق إذا أعتق عبدا مقطوعة أصبعه، فجوابه ~~بالتفصيل، إن كان إبهاما لم يجزه، وإلا أجزأه، فلو قال له: مقطوع الأصبعين ~~- وهما الخنصر والبنصر فجوابه بالتفصيل أيضا: إن كانا من يد واحدة لم يجزه، ~~وإن كانت كل أصبع من يد أجزأه. # وكذلك لو سأله عن فاسق التقط لقطة أو لقيطا، هل يقر ms1295 في يده؟ فجوابه ~~بالتفصيل، تقر اللقطة دون اللقيط؛ لأنها كسب فلا يمنع منه الملتقط، وثبوت ~~يده على اللقيط ولاية، وليس من أهلها. # ولو قال له " اشتريت سمكة فوجدت في جوفها مالا ما أصنع به "؟ فجوابه إن ~~كان لؤلؤة أو جوهرة فهو للصياد؛ لأنه ملكه بالاصطياد، ولم تطب نفسه لك به، ~~وإن كان خاتما أو دينارا فهو لقطة يجب تعريفها كغيرها. # وكذلك لو قال له ": اشتريت حيوانا فوجدت في جوفه جوهرة " فجوابه إن كانت ~~شاة فهي لقطة للمشتري يلزمه تعريفها حولا ثم هي له بعده، وإن كان سمكة أو ~~غيرها من دواب البحر فهي ملك للصياد، والفرق واضح. # ومن ذلك لو سأله عن عبد التقط لقطة فأنفقها: هل تتعلق بذمته أو برقبته؟ ~~فجوابه أنه إن أنفقها قبل التعريف حولا فهي في رقبته، وإن أنفقها بعد حول ~~التعريف فهي في ذمته يتبع بها بعد العتق، نص عليها الإمام أحمد مفرقا ~~بينهما؛ لأنه قبل الحول ممنوع منها فإنفاقه لها جناية منه عليها، وبعد ~~الحول غير ممنوع منها بالنسبة إلى مالكها، فإذا أنفقها في هذه الحال فكأنه ~~أنفقها بإذن مالكها فتتعلق بذمته كديونه. # ومن ذلك لو سأله عن رجل جعل جعلا لمن رد عليه لقطته، فهل يستحقه من ردها؟ ~~فجوابه إن التقطها قبل بلوغ قول الجاعل لم يستحقه؛ لأنه لم يلتقطها لأجل ~~الجعل، وقد وجب عليه ردها بظهور مالكها، وإن التقطها بعد أن بلغه الجعل ~~استحقه، ومن ذلك أن يسأل فيقول: هل يجوز للوالدين أن يتملكا مال ولدهما أو ~~يرجعان فيما وهباه؟ فالجواب أن ذلك للأب، دون الأم. # PageV04P145 # وكذلك إذا شهد له اثنان من ورثته غير الأب والابن بالجرح، فالجواب فيه ~~تفصيل، فإن شهدا قبل الاندمال لم يقبلا للتهمة، وإن شهدا بعده قبلت؛ لعدم ~~التهمة، ومن ذلك إذا سئل عن رجل ادعى نكاح امرأة فأقرت له، هل يقبل إقرارها ~~أم لا؟ جوابه بالتفصيل، إن ادعى زوجيتها وحده قبل إقرارها، وإن ادعاها معه ~~آخر لم يقبل. # ومن ذلك لو سئل عن رجل مات فادعى ورثته ms1296 شيئا من تركته، وأقاموا شاهدا، ~~حلف كل منهم يمينا مع الشاهد، فإن حلف بعضهم استحق قدر نصيبه من المدعى، ~~وهل يشاركه من لم يحلف في قدر حصته التي انتزعها بيمينه أو لا يشاركه؟ ~~فالجواب فيه تفصيل، إن كان المدعى دينا لم يشاركه وينفرد الحالف بقدر حصته، ~~وإن كان عينا شاركه من لم يحلف؛ لأن الدين غير متعين، فمن حلف فإنما ثبت ~~بيمينه مقدار حصته من الدين لا غيره، ومن لم يحلف لم يثبت له حق، وأما ~~العين فكل واحد من الورثة يقر أن كل جزء منها مشترك بين جماعتهم، وحقوقهم ~~متعلقة بعينه، فالمخلص مشترك بين جماعتهم، والباقي غصب على جماعتهم. # ومن ذلك إذا سئل عن رجل استعدى على خصمه ولم يحرر الدعوى، هل يحضره ~~الحاكم؟ الجواب بالتفصيل، إن استعدى على حاضر في البلد أحضره؛ لعدم المشقة، ~~وإن كان غائبا لم يحضره حتى يحررها. # ومن ذلك لو سئل عن رجل قطع عضوا من صيد وأفلت، هل يحل أكل العضو؟ الجواب ~~بالتفصيل، إن كان صيدا بحريا حل أكله، وإن كان بريا لم يحل. # ومن ذلك لو سئل عن تاجر أهل الذمة، هل يؤخذ منه العشر؟ فالجواب بالتفصيل، ~~إن كان رجلا أخذ منه [العشر] ، وإن كانت امرأة ففيها تفصيل، إن اتجرت إلى ~~أرض الحجاز أخذ منها العشر، وإن اتجرت إلى غيرها لم يؤخذ منها شيء؛ لأنها ~~تقر في غير أرض الحجاز بلا جزية. # ومن ذلك لو سئل عن ميت مات فطلب الأب ميراثه، ولم يعلم من الورثة غيره، ~~كم يعطى الأب؟ فالجواب بالتفصيل، إن كان الميت ذكرا أعطي الأب أربعة من ~~سبعة وعشرين سهما؛ لأن غاية ما يمكن أن يقدر معه زوجة وأم وابنتان، فله ~~أربعة بلا شك من سبعة وعشرين، وإن كان الميت أنثى فله سهمان من خمسة عشر ~~قطعا؛ لأن أكثر ما يمكن أن يقدر زوج [وأم] وابنتان، فله سهمان من خمسة عشر ~~قطعا. # فإن قال السائل: مات ميت وترك ثلاث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض، مع ~~العليا # PageV04P146 # جدها، قال ms1297 المفتي: إن كان الميت ذكرا فالمسألة محال؛ لأن جد العليا نفس ~~الميت، وإن كان الميت أنثى فجد العليا إما أن يكون زوج الميت أو لا يكون ~~كذلك، فإن كان زوجها فله الربع، وللعليا النصف، وللوسطى السدس تكملة ~~الثلثين، والباقي للعصبة. # فلو قال السائل: ميت خلف ابنتين وأبوين، ولم تقسم التركة حتى ماتت ~~إحداهما وخلفت من خلفت، قال المفتي: إن كان الميت ذكرا فمسألته من ستة، ~~للأبوين سهمان، ولكل بنت سهمان، فلما ماتت إحداهما خلفت جدة وجدا وأختا لأب ~~فمسألتها من ستة، وتصح من ثمانية عشر، وتركتها سهمان توافق مسألتها بالنصف ~~فترد إلى تسعة، ثم تضربها في ستة تكون أربعة وخمسين ومنها تصح، وإن كان ~~الميت أنثى ففريضتها أيضا من ستة، ثم ماتت إحدى البنتين عن سهمين، وخلفت ~~جدة وجدا من أم وأختا لأب؛ فلا شيء للجد، وللجدة السدس، وللأخت النصف، ~~والباقي للعصبة، فمسألتها من ستة، وسهامها اثنان فاضرب ثلاثة في المسألة ~~الأولى تكن ثمانية عشر، والمقصود التنبيه على وجوب التفصيل إذا كان يجد ~~السؤال محتملا، وبالله التوفيق. # فكثيرا ما يقع غلط المفتي في هذا القسم، فالمفتي ترد إليه المسائل في ~~قوالب متنوعة جدا، فإن لم يتفطن لحقيقة السؤال وإلا هلك وأهلك، فتارة تورد ~~عليه المسألتان صورتهما واحدة وحكمهما مختلف؛ فصورة الصحيح والجائز صورة ~~الباطل والمحرم ويختلفان بالحقيقة، فيذهل بالصورة عن الحقيقة، فيجمع بين ما ~~فرق الله ورسوله بينه، وتارة تورد عليه المسألتان صورتهما مختلفة وحقيقتهما ~~واحدة وحكمهما واحد، فيذهل باختلاف الصورة عن تساويهما في الحقيقة، فيفرق ~~بين ما جمع الله بينه، وتارة تورد عليه المسألة مجملة تحتها عدة أنواع، ~~فيذهب وهمه إلى واحد منها، ويذهل عن المسئول عنه منها، فيجيب بغير الصواب، ~~وتارة تورد عليه المسألة الباطلة في دين الله في قالب مزخرف ولفظ حسن، ~~فيتبادر إلى تسويغها وهي من أبطل الباطل، وتارة بالعكس؛ فلا إله إلا الله، ~~كم ههنا من مزلة أقدام، ومجال أوهام، وما دعي محق إلى حق إلا أخرجه الشيطان ~~على لسان أخيه، ووليه من الإنس في ms1298 قالب تنفر عنه خفافيش البصائر وضعفاء ~~العقول وهم أكثر الناس، وما حذر أحد من باطل إلا أخرجه الشيطان على لسان ~~وليه من الإنس في قالب مزخرف يستخف به عقول ذلك الضرب من الناس فيستجيبون ~~له، وأكثر الناس نظرهم قاصر على الصور لا يتجاوزونها إلى الحقائق، فهم ~~محبوسون في سجن الألفاظ، مقيدون بقيود العبارات، كما قال تعالى: {وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون - ولتصغى إليه أفئدة الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} [الأنعام: 112 - 113] . # PageV04P147 # وأذكر لك من هذا مثالا وقع في زماننا، وهو أن السلطان أمر أن يلزم أهل ~~الذمة بتغيير عمائهم، وأن تكون خلاف ألوان عمائم المسلمين، فقامت لذلك ~~قيامتهم، وعظم عليهم، وكان في ذلك من المصالح، وإعزاز الإسلام وإذلال ~~الكفرة ما قرت به عيون المسلمين، فألقى الشيطان على ألسنة أوليائه وإخوانه ~~أن صوروا فتيا يتوصلون بها إلى إزالة هذا الغبار، وهي: ما تقول السادة ~~العلماء في قوم من أهل الذمة ألزموا بلباس غير لباسهم المعتاد وزي غير زيهم ~~المألوف فحصل لهم بذلك ضرر عظيم في الطرقات والفلوات وتجرأ عليهم بسببه ~~السفهاء والرعاة وآذوهم غاية الأذى، فطمع بذلك في إهانتهم، والتعدي عليهم، ~~فهل يسوغ للإمام ردهم إلى زيهم الأول، وإعادتهم إلى ما كانوا عليه مع حصول ~~التميز بعلامة يعرفون بها؟ وهل في ذلك مخالفة للشرع أم لا؟ فأجابهم من منع ~~التوفيق وصد عن الطريق بجواز ذلك، وأن للإمام إعادتهم إلى ما كانوا عليه. # قال شيخنا: فجاءتني الفتوى، فقلت: لا تجوز إعادتهم، ويجب إبقاؤهم على ~~الزي الذي يتميزون به عن المسلمين، فذهبوا ثم غيروا الفتوى، ثم جاءوا بها ~~في قالب آخر، فقلت: لا تجوز إعادتهم، فذهبوا ثم أتوا بها في قالب آخر، ~~فقلت: هي المسألة المعينة، وإن خرجت في عدة قوالب، ثم ذهب إلى السلطان ~~وتكلم عنده بكلام عجب منه الحاضرون، فأطبق القوم على إبقائهم، ولله الحمد. # ونظائر هذه الحادثة أكثر ms1299 من أن تحصى؛ فقد ألقى الشيطان على ألسنة أوليائه ~~أن صوروا فتوى فيما يحدث ليلة النصف في الجامع، وأخرجوها في قالب حسن؛ حتى ~~استخفوا عقل بعض المفتين، فأفتاهم بجوازه وسبحان الله، كم توصل بهذه الطرق ~~إلى إبطال حق وإثبات باطل، وأكثر الناس إنما هم أهل ظواهر في الكلام ~~واللباس والأفعال، وأهل النقد منهم الذين يعبرون من الظاهر إلى حقيقته ~~وباطنه، لا يبلغون عشر معشار غيرهم ولا قريبا من ذلك، فالله المستعان. ### | [على المفتي ألا يفصل إلا حيث يجب التفصيل] # [على المفتي ألا يفصل إلا حيث يجب التفصيل] الفائدة التاسعة عشرة: # إذا سئل عن مسألة من الفرائض لم يجب عليه أن يذكر موانع الإرث فيقول: ~~بشرط ألا يكون كافرا ولا رقيقا ولا قاتلا، وإذا سئل عن فريضة فيها أخ وجب ~~عليه أن يقول: إن كان لأب فله كذا، وإن كان لأم فله كذا، وكذلك إذا سئل عن ~~الأعمام وبنيهم وبني الإخوة وعن الجد والجدة فلا بد من التفصيل. # والفرق بين الموضعين أن # PageV04P148 # السؤال المطلق في الصورة الأولى يدل على الوارث الذي لم يقم به مانع من ~~الميراث، كما لو سئل عن رجل باع أو آجر أو تزوج أو أقر لم يجب عليه أن يذكر ~~موانع الصحة من الجنون والإكراه ونحوهما إلا حيث يكون الاحتمال متساويا. # ومن تأمل أجوبة النبي - صلى الله عليه وسلم - رآه يستفصل حيث تدعو الحاجة ~~إلى الاستفصال ويتركه حيث لا يحتاج إليه، ويحيل فيه مرة على ما علم من شرعه ~~ودينه من شروط الحكم وتوابعه، بل هذا كثير من القرآن كقوله تعالى: {وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] وقوله: {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره} [البقرة: 230] وقوله تعالى {والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] . # ولا يجب على المتكلم والمفتي أن يستوعب شرائط الحكم وموانعه كلها عند ذكر ~~حكم المسألة، ولا ينفع السائل والمتكلم والمتعلم قوله " بشرطه، وعدم موانعه ~~" ونحو ذلك، فلا بيان أتم من بيان الله ورسوله، ولا هدي أكمل ms1300 من هدي ~~الصحابة والتابعين، وبالله التوفيق. ### | [هل للمقلد أن يفتي] # [هل يجوز للمقلد أن يفتي؟] الفائدة العشرون: لا يجوز للمقلد أن يفتي في ~~دين الله بما هو مقلد فيه وليس على بصيرة فيه سوى أنه قول من قلده دينه، ~~هذا إجماع من السلف كلهم، وصرح به الإمام أحمد والشافعي - رضي الله عنهما - ~~وغيرهما. # قال أبو عمرو بن الصلاح: قطع أبو عبد الله الحليمي إمام الشافعيين بما ~~وراء النهر والقاضي أبو المحاسن الروياني صاحب بحر المذهب وغيرهما بأنه لا ~~يجوز للمقلد أن يفتي بما هو مقلد فيه. # وقال: وذكر الشيخ أبو محمد الجويني في شرحه لرسالة الشافعي عن شيخه أبي ~~بكر القفال المروزي أنه يجوز لمن حفظ كلام صاحب مذهب، ونصوصه أن يفتي به ~~وإن لم يكن عارفا بغوامضه وحقائقه، وخالفه الشيخ أبو محمد وقال: لا يجوز أن ~~يفتي بمذهب غيره إذا لم يكن متبحرا فيه عالما بغوامضه وحقائقه، كما لا يجوز ~~للعامي الذي جمع فتاوى المفتين أن يفتي بها، وإذا كان متبحرا فيه جاز أن ~~يفتي به. # وقال أبو عمرو: من قال " لا يجوز له أن يفتي بذلك " معناه لا يذكره في ~~صورة ما يقوله من عند نفسه، بل يضيفه إلى غيره، ويحكيه عن إمامه الذي قلده. # فعلى هذا من عددناه في أصناف المفتين المقلدين ليسوا على الحقيقة من ~~المفتين، ولكنهم قاموا مقام المفتين، # PageV04P149 # وادعوا عنهم فعدوا منهم، وسبيلهم في ذلك أن يقولوا مثلا: مذهب الشافعي ~~كذا وكذا، ومقتضى مذهبه كذا وكذا، وما أشبه ذلك، ومن ترك منهم إضافة ذلك ~~إلى إمامه فإن كان ذلك اكتفاء منه بالمعلوم عن الصريح فلا بأس. # قلت: ما ذكره أبو عمرو حسن، إلا أن صاحب هذه المرتبة يحرم عليه أن يقول " ~~مذهب الشافعي " لما لا يعلم أنه نصه الذي أفتى به، أو يكون شهرته بين أهل ~~المذهب شهرة لا يحتاج معها إلى الوقوف على نصه، كشهرة مذهبه في الجهر ~~بالبسملة، والقنوت في الفجر، ووجوب تبييت النية للصوم في الفرض من الليل، ~~ونحو ذلك، فأما ms1301 مجرد ما يجد في كتب من انتسب إلى مذهبه من الفروع فلا يسعه ~~أن يضيفها إلى نصه ومذهبه بمجرد وجودها في كتبهم، فكم فيها من مسألة لا نص ~~له فيها ألبتة ولا ما يدل عليه؟ وكم فيها من مسألة نصه على خلافها؟ وكم ~~فيها من مسألة اختلف المنتسبون إليه في إضافتها إلى مقتضى نصه ومذهبه؟ فهذا ~~يضيف إلى مذهبه إثباتها، وهذا يضيف إليه نفيها، فلا ندري كيف يسع المفتي ~~عند الله أن يقول: هذا مذهب الشافعي، وهذا مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة؟ . # وأما قول الشيخ أبي عمرو " إن لهذا المفتي أن يقول هذا مقتضى مذهب ~~الشافعي مثلا " فلعمر الله لا يقبل ذلك من كل من نصب نفسه للفتيا حتى يكون ~~عالما بمأخذ صاحب المذهب ومداركه وقواعده جمعا وفرقا، ويعلم أن ذلك الحكم ~~مطابق لأصوله وقواعده بعد استفراغ وسعه في معرفة ذلك فيها إذا أخبر أن هذا ~~مقتضى مذهبه كان له حكم أمثاله ممن قال بمبلغ علمه، ولا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها. # وبالجملة فالمفتي مخبر عن الحكم الشرعي، وهو إما مخبر عما فهمه عن الله ~~ورسوله، وإما مخبر عما فهمه من كتابه أو نصوص من قلده دينه، وهذا لون وهذا ~~لون، فكما لا يسع الأول أن يخبر عن الله ورسوله إلا بما علمه فكذا لا يسع ~~الثاني أن يخبر عن إمامه الذي قلده دينه إلا بما يعلمه، وبالله التوفيق. ### | [فتوى القاصر عن معرفة الكتاب والسنة] # [هل يجوز أن يقلد الفتوى المتفقه القاصر عن معرفة الكتاب والسنة] الفائدة ~~الحادية والعشرون: # إذا تفقه الرجل وقرأ كتابا من كتب الفقه أو أكثر، وهو مع ذلك قاصر في ~~معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف، والاستنباط والترجيح فهل يسوغ تقليده في ~~الفتوى؟ فيه للناس أربعة أقوال: الجواز مطلقا، والمنع مطلقا، والجواز عند ~~عدم المجتهد، ولا يجوز مع وجوده، والجواز إن كان مطلعا على مأخذ من يفتي ~~بقولهم، والمنع إن لم يكن مطلعا. # PageV04P150 # والصواب فيه التفصيل، وهو أنه إن كان السائل يمكنه التوصل إلى عالم يهديه ~~السبيل ms1302 لم يحل له استفتاء مثل هذا، ولا يحل لهذا أن ينسب نفسه للفتوى مع ~~وجود هذا العالم، وإن لم يكن في بلده أو ناحيته غيره بحيث لا يجد المستفتي ~~من يسأله سواه فلا ريب أن رجوعه إليه أولى من أن يقدم على العمل بلا علم، ~~أو يبقى مرتبكا في حيرته مترددا في عماه وجهالته، بل هذا هو المستطاع من ~~تقواه المأمور بها. # ونظير هذه المسألة إذا لم يجد السلطان من يوليه إلا قاضيا عاريا من شروط ~~القضاء لم يعطل البلد عن قاض، وولى الأمثل فالأمثل، ونظير هذا لو كان الفسق ~~هو الغالب على أهل تلك البلد، وإن لم تقبل شهادة بعضهم على بعض، وشهادته له ~~تعطلت الحقوق وضاعت قبل شهادة الأمثل فالأمثل. # ونظيرها لو غلب الحرام المحض أو الشبهة حتى لم يجد الحلال المحض فإنه ~~بتناول الأمثل بالأمثل، ونظير هذا لو شهد بعض النساء على بعض بحق في بدن أو ~~عرض أو مال، وهن منفردات، بحيث لا رجل معهن كالحمامات والأعراس، قبلت شهادة ~~الأمثل فالأمثل منهن قطعا، ولا يضيع الله ورسوله حق المظلوم، ولا يعطل ~~إقامة دينه في مثل هذه الصورة أبدا، بل قد نبه الله تعالى على القبول في ~~مثل هذه الصورة بقبول شهادة الكفار على المسلمين في السفر في الوصية في آخر ~~سورة أنزلت في القرآن، ولم ينسخها شيء ألبتة، ولا نسخ هذا الحكم كتاب ولا ~~سنة ولا أجمعت الأمة على خلافه، ولا يليق بالشريعة سواه. # فالشريعة شرعت لتحصيل مصالح العباد بحسب الإمكان، وأي مصلحة لهم في تعطيل ~~حقوقهم إذا لم يحضر أسباب تلك الحقوق شاهدان حران ذكران عدلان؟ بل إذا ~~قلتم: تقبل شهادة الفساق حيث لا عدل، وينفذ حكم الجاهل والفاسق إذا خلا ~~الزمان عن قاض عالم عادل، فكيف لا تقبل شهادة النساء إذا خلا جمعهن عن رجل، ~~أو شهادة العبيد إذا خلا جمعهم عن حر، أو شهادة الكفار بعضهم على بعض إذا ~~خلا جمعهم عن مسلم؟ وقد قبل ابن الزبير شهادة الصبيان بعضهم على بعض في ms1303 ~~تجارحهم، ولم ينكره عليه أحد من الصحابة، وقد قال به مالك والإمام أحمد ~~رحمهما الله تعالى في إحدى الروايتين عنه حيث يغلب على الظن صدقهم بأن ~~يجيبوا قبل أن يجتنبوا أو يتفرقوا إلى بيوتهم، وهذا هو الصواب، وبالله ~~التوفيق. # وكلام أصحاب أحمد في ذلك يخرج على وجهين؛ فقد منع كثير منهم الفتوى # PageV04P151 # والحكم بالتقليد، وجوزه بعضهم لكن على وجه الحكاية لقول المجتهد كما قال ~~أبو إسحاق بن شاقلا - وقد جلس في جامع المنصور فذكر قول أحمد أن المفتي ~~ينبغي له أن يحفظ أربعمائة ألف حديث ثم يفتي - فقال له الرجل: أنت تحفظ ~~هذا؟ فقال: إن لم أحفظ هذا فأنا أفتي بقول من كان يحفظه، وقال [أبو الحسن ~~بن بشار من كبار أصحابنا: ما ضر رجلا عنده ثلاث مسائل أو أربع من فتاوى ~~الإمام أحمد يستند إلى هذه السارية ويقول: قال أحمد بن حنبل. ### | [فتوى العامي في مسألة علم حكمها] # [هل للعامي إذا علم مسألة أن يفتي فيها؟] الفائدة الثانية والعشرون: # إذا عرف العامي حكم حادثة بدليلها فهل له أن يفتي به، ويسوغ لغيره تقليده ~~فيه؟ ففيه ثلاثة أوجه للشافعية وغيرهم، أحدها: الجواز؛ لأنه قد حصل له ~~العلم بحكم تلك الحادثة عن دليلها كما حصل للعالم، وإن تميز العالم عنه ~~بقوة يتمكن بها من تقرير الدليل ودفع المعارض له، فهذا قدر زائد على معرفة ~~الحق بدليله. # والثاني: لا يجوز له ذلك مطلقا؛ لعدم أهليته للاستدلال، وعدم علمه ~~بشروطه، وما يعارضه، ولعله يظن دليلا ما ليس بدليل. # والثالث: إن كان الدليل كتابا أو سنة جاز له الإفتاء، وإن كان غيرهما لم ~~يجز؛ لأن القرآن والسنة خطاب لجميع المكلفين، فيجب على المكلف أن يعمل بما ~~وصل إليه من كتاب ربه تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ويجوز له أن ~~يرشد غيره إليه ويدله عليه. # [خصال يجب تحققها فيمن ينصب نفسه للفتيا] الفائدة الثالثة والعشرون: ذكر ~~أبو عبد الله بن بطة في كتابه في الخلع عن الإمام أحمد أنه قال: (لا ينبغي ~~للرجل ms1304 أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال) ، أولها: أن تكون له ~~نية، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور. # والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة. # الثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته. # الرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس. # الخامسة: معرفة الناس، وهذا مما يدل على جلالة أحمد ومحله من العلم ~~والمعرفة؛ فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى، وأي شيء نقص منها ظهر الخلل في ~~المفتي بحسبه. # [النية ومنزلتها] فأما النية فهي رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي ~~عليه يبنى؛ فإنها روح العمل وقائده وسائقه، والعمل تابع لها يبنى عليها، ~~يصح بصحتها ويفسد بفسادها وبها يستجلب التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان، ~~وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة، فكم # PageV04P152 # بين مريد بالفتوى وجه الله ورضاه والقرب منه وما عنده، ومريد بها وجه ~~المخلوق ورجاء منفعته وما يناله منه تخويفا أو طمعا، فيفتي الرجلان بالفتوى ~~الواحدة وبينهما في الفضل والثواب أعظم مما بين المشرق والمغرب. # هذا يفتي لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر ورسوله هو المطاع، ~~وهذا يفتي ليكون قوله هو المسموع وهو المشار إليه وجاهه هو القائم سواء ~~وافق الكتاب والسنة أو خالفهما، فالله المستعان. # وقد جرت عادة الله التي لا تبدل وسنته التي لا تحول أن يلبس المخلص من ~~المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق وإقبال قلوبهم إليه ما هو بحسب ~~إخلاصه ونيته ومعاملته لربه، ويلبس المرائي اللابس ثوبي الزور من المقت ~~والمهانة والبغضة ما هو اللائق به؛ فالمخلص له المهابة والمحبة، وللآخر ~~المقت والبغضاء. # [العلم والحلم والوقار والسكينة] وأما قوله: " أن يكون له حلم ووقار ~~وسكينة " فليس صاحب العلم والفتيا إلى شيء أحوج منه إلى الحلم والسكينة ~~والوقار؛ فإنها كسوة علمه وجماله، وإذا فقدها كان علمه كالبدن العاري من ~~اللباس، وقال بعض السلف: ما قرن شيء إلى شيء أحسن من علم إلى حلم. # والناس ههنا أربعة أقسام، فخيارهم من أوتي الحلم والعلم، وشرارهم من ~~عدمهما، الثالث: من ms1305 أوتي علما بلا حلم، الرابع: عكسه فالحلم زينة العلم ~~وبهاؤه وجماله. # وضد الطيش والعجلة والحدة والتسرع وعدم الثبات؛ فالحليم لا يستفزه ~~البدوات، ولا يستخفه الذين لا يعلمون، ولا يقلقه أهل الطيش والخفة والجهل. # بل هو وقور ثابت ذو أناة يملك نفسه عند ورود أوائل الأمور عليه ولا تملكه ~~أوائلها، وملاحظته للعواقب تمنعه من أن تستخفه دواعي الغضب والشهوة؛ ~~فبالعلم تنكشف له مواقع الخير والشر والصلاح والفساد، وبالحلم يتمكن من ~~تثبيت نفسه عند الخير فيؤثره ويصير عليه وعند الشر فيصبر عنه؛ فالعلم يعرفه ~~رشده والحلم يثبته عليه، وإذا شئت أن ترى بصيرا بالخير والشر لا صبر له على ~~هذا ولا عن هذا رأيته، وإذا شئت أن ترى صابرا على المشاق لا بصيرة له ~~رأيته، وإذا شئت أن ترى من لا صبر له ولا بصيرة رأيته، وإذا شئت أن ترى ~~بصيرا صابرا لم تكد، فإذا رأيته فقد رأيت إمام هدى حقا فاستمسك بغرزه. # والوقار والسكينة ثمرة الحلم ونتيجته. # ولشدة الحاجة إلى السكينة وحقيقتها وتفاصيلها وأقسامها نشير إلى ذلك بحسب ~~علومنا القاصرة، وأذهاننا الجامدة، وعباراتنا الناقصة، ولكن نحن أبناء ~~الزمان، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، ولكل زمان دولة ورجال. # PageV04P153 # حقيقة السكينة] فالسكينة فعيلة من السكون، وهو طمأنينة القلب واستقراره، ~~وأصلها في القلب، ويظهر أثرها على الجوارح، وهي عامة وخاصة. # فسكينة الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - أخص مراتبها وأعلى أقسامها ~~كالسكينة التي حصلت لإبراهيم الخليل وقد ألقي في المنجنيق مسافرا إلى ما ~~أضرم له أعداء الله من النار، فلله تلك السكينة التي كانت في قلبه حين ذلك ~~السفر، وكذلك السكينة التي حصلت لموسى وقد غشيه فرعون وجنوده من ورائهم ~~والبحر أمامهم وقد استغاث بنو إسرائيل: يا موسى إلى أين تذهب بنا؟ هذا ~~البحر أمامنا وهذا فرعون خلفنا، وكذلك السكينة التي حصلت له وقت تكليم الله ~~له نداء ونجاء كلاما حقيقة سمعه حقيقة بأذنه، وكذلك السكينة التي حصلت له ~~وقد رأى العصا ثعبانا مبينا، وكذلك السكينة التي نزلت عليه وقد رأى حبال ~~القوم وعصيهم كأنها ms1306 تسعى فأوجس في نفسه خيفة، وكذلك السكينة التي حصلت ~~لنبينا - صلى الله عليه وسلم - وقد أشرف عليه وعلى صاحبه عدوهما وهما في ~~الغار فلو نظر أحدهم إلى تحت قدميه لرآهما، وكذلك السكينة التي نزلت عليه ~~في مواقفه العظيمة وأعداء الله قد أحاطوا به كيوم بدر ويوم حنين ويوم ~~الخندق وغيره؛ فهذه السكينة أمر فوق عقول البشر، وهي من أعظم معجزاته عند ~~أرباب البصائر، فإن الكذاب - ولا سيما على الله - أقلق ما يكون وأخوف ما ~~يكون وأشده اضطرابا في مثل هذه المواطن؛ فلو لم يكن للرسل - صلوات الله ~~وسلامه عليهم - من الآيات إلا هذه وحدها لكفتهم. # [السكينة الخاصة] وأما الخاصة فتكون لأتباع الرسل بحسب متابعتهم، وهي ~~سكينة الإيمان، وهي سكينة تسكن القلوب عن الريب والشك، ولهذا أنزلها الله ~~على المؤمنين في أصعب المواطن أحوج ما كانوا إليها {هو الذي أنزل السكينة ~~في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض ~~وكان الله عليما حكيما} [الفتح: 4] فذكر نعمته عليهم بالجنود الخارجة عنهم ~~والجنود الداخلة فيهم، وهي السكينة عند القلق والاضطراب الذي لم يصبر عليه ~~مثل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وذلك يوم الحديبية، قال الله - سبحانه ~~وتعالى - يذكر نعمته عليهم بإنزالها أحوج ما كانوا إليها: {لقد رضي الله عن ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ~~وأثابهم فتحا قريبا} [الفتح: 18] لما علم الله - سبحانه وتعالى - ما في ~~قلوبهم من القلق والاضطراب لما منعهم # PageV04P154 # كفار قريش من دخول بيت الله، وحبسوا الهدي عن محله، واشترطوا عليهم تلك ~~الشروط الجائرة الظالمة، فاضطربت قلوبهم، وقلقت ولم تطق الصبر، فعلم - ~~تعالى - ما فيها، فثبتها بالسكينة رحمة منه ورأفة ولطفا، وهو اللطيف ~~الخبير، وتحتمل الآية وجها آخر، وهو أنه - سبحانه - علم ما في قلوبهم من ~~الإيمان والخير ومحبته ومحبة رسوله فثبتها بالسكينة وقت قلقها واضطرابها، ~~والظاهر أن الآية تعم الأمرين، وهو أنه علم ما في قلوبهم مما يحتاجون معه ~~إلى إنزال السكينة وما في قلوبهم من الخير الذي هو ms1307 سبب إنزالها، ثم قال بعد ~~ذلك: {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله ~~سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ~~وكان الله بكل شيء عليما} [الفتح: 26] لما كانت حمية الجاهلية توجب من ~~الأقوال والأعمال ما يناسبها جعل الله في قلوب أوليائه سكينة تقابل حمية ~~الجاهلية، وفي ألسنتهم كلمة التقوى مقابلة لما توجبه حمية الجاهلية من كلمة ~~الفجور، فكان حظ، المؤمنين السكينة في قلوبهم، وكلمة التقوى على ألسنتهم، ~~وحظ أعدائهم حمية الجاهلية في قلوبهم، وكلمة الفجور والعدوان على ألسنتهم؛ ~~فكانت هذه السكينة وهذه الكلمة جندا من جند الله أيد بها الله رسوله ~~والمؤمنين في مقابلة جند الشيطان الذي في قلوب أوليائه وألسنتهم. # وثمرة هذه السكينة الطمأنينة للخير تصديقا وإيقانا وللأمر تسليما ~~وإذعانا، فلا تدع شبهة تعارض الخير ولا إرادة تعارض الأمر، فلا تمر معارضات ~~السوء بالقلب إلا وهي مجتازة من مرور الوساوس الشيطانية التي يبتلى بها ~~العبد ليقوى إيمانه، ويعلو عند الله ميزانه، بمدافعتها وردها وعدم السكون ~~إليها، فلا يظن المؤمن أنها لنقص درجته عند الله. # فصل: # [السكينة عند القيام بوظائف العبودية] ومنها السكينة عند القيام بوظائف ~~العبودية، وهي التي تورث الخضوع والخشوع وغض الطرف وجمعية القلب على الله - ~~تعالى - بحيث يؤدي عبوديته بقلبه وبدنه، والخشوع نتيجة هذه السكينة ~~وثمرتها، وخشوع الجوارح نتيجة خشوع القلب، وقد رأى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - رجلا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» . # فإن قلت: قد ذكرت أقسامها ونتيجتها وثمرتها وعلامتها، فما أسبابها ~~الجالبة لها؟ [أسباب السكينة] قلت: سببها استيلاء مراقبة العبد لربه جل ~~جلاله حتى كأنه يراه، وكلما اشتدت هذه # PageV04P155 # المراقبة أوجبت له من الحياء والسكينة والمحبة والخضوع والخشوع والخوف ~~والرجاء ما لا يحصل بدونها، فالمراقبة أساس الأعمال القلبية كلها وعمودها ~~الذي قيامها به، ولقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - أصول أعمال القلب، ~~وفروعها كلها في كلمة واحدة، وهي قوله في الإحسان «أن تعبد الله كأنك تراه» ~~فتأمل كل ms1308 مقام من مقامات الدين، وكل عمل من أعمال القلوب، كيف تجد هذا أصله ~~ومنبعه؟ . # والمقصود أن العبد محتاج إلى السكينة عند الوساوس المعترضة في أصل ~~الإيمان ليثبت قلبه ولا يزيغ، وعند الوساوس والخطرات القادحة في أعمال ~~الإيمان لئلا تقوى وتصير هموما وغموما وإرادات ينقص بها إيمانه، وعند أسباب ~~المخاوف على اختلافها ليثبت قلبه ويسكن جأشه، وعند أسباب الفرح لئلا يطمح ~~به مركبه فيجاوز الحد الذي لا يعبر فينقلب ترحا وحزنا، وكم ممن أنعم الله ~~عليه بما يفرحه فجمح به مركب الفرح وتجاوز الحد فانقلب ترحا عاجلا، ولو ~~أعين بسكينة تعدل فرحه لأريد به الخير، وبالله التوفيق، وعند هجوم الأسباب ~~المؤلمة على اختلافها الظاهرة والباطنة، فما أحوجه إلى السكينة حينئذ، وما ~~أنفعها له، وأجداها عليه، وأحسن عاقبتها،. # والسكينة في هذه المواطن علامة على الظفر، وحصول المحبوب، واندفاع ~~المكروه، وفقدها علامة على ضد ذلك، لا يخطئ هذا ولا هذا، والله المستعان. # [الاضطلاع بالعلم] وأما قوله " أن يكون قويا على ما هو فيه، وعلى معرفته ~~" أي مستظهرا مضطلعا بالعلم متمكنا منه، غير ضعيف فيه؛ فإنه إذا كان ضعيفا ~~قليل البضاعة غير مضطلع به أحجم عن الحق في موضع ينبغي فيه الإقدام لقلة ~~علمه بمواضع الإقدام والإحجام، فهو يقدم في غير موضعه، ويحجم في غير موضعه، ~~ولا بصيرة له بالحق، ولا قوة له على تنفيذه؛ فالمفتي محتاج إلى قوة في ~~العلم وقوة في التنفيذ، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. # [الكفاية] وأما قوله " الرابعة الكفاية وإلا مضغه الناس " فإنه إذا لم ~~يكن له كفاية احتاج إلى الناس وإلى الأخذ مما في أيديهم، فلا يأكل منهم ~~شيئا إلا أكلوا من لحمه وعرضه أضعافه، وقد كان لسفيان الثوري شيء من مال، ~~وكان لا يتروى في بذله ويقول: لولا ذلك لتمندل # PageV04P156 # بنا هؤلاء؛ فالعالم إذا منح غناء فقد أعين على تنفيذ علمه، وإذا احتاج ~~إلى الناس فقد مات علمه وهو ينظر. # [معرفة الناس] وأما قوله " الخامسة معرفة الناس " فهذا أصل عظيم يحتاج ~~إليه المفتي والحاكم، ms1309 فإن لم يكن فقيها فيه فقيها في الأمر والنهي ثم يطبق ~~أحدهما على الآخر، وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فإنه إذا لم يكن فقيها ~~في الأمر له معرفة بالناس تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمحق ~~بصورة المبطل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال، وتصور له الزنديق ~~في صورة الصديق، والكاذب في صورة الصادق، ولبس كل مبطل ثوب زور تحتها الإثم ~~والكذب والفجور، وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يميز هذا ~~من هذا، بل ينبغي له أن يكون فقيها في معرفة مكر الناس وخداعهم واحتيالهم ~~وعوائدهم وعرفياتهم، فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد ~~والأحوال، وذلك كله من دين الله كما تقدم بيانه، وبالله التوفيق ### | [الصفات التي تلزم المفتي] # [كلمات حفظت عن الإمام أحمد تتضمن الصفات التي تلزم المفتي] الفائدة ~~الرابعة والعشرون: في كلمات حفظت عن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى ورضي ~~عنه - في أمر الفتيا، سوى ما تقدم آنفا. # قال في رواية ابنه صالح: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون ~~عالما بوجوه القرآن، عالما بالأسانيد الصحيحة، عالما بالسنن. # وقال في رواية أبي الحارث: لا تجوز الفتيا إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة. # وقال في رواية حنبل: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم، وإلا ~~فلا يفتي. # وقال في رواية يوسف بن موسى: أحب أن يتعلم الرجل كل ما تكلم فيه الناس. # وقال في رواية ابنه عبد الله، وقد سأله عن الرجل يريد أن يسأله عن أمر ~~دينه مما يبتلى به من الأيمان في الطلاق وغيره، وفي مصره من أصحاب الرأي، ~~وأصحاب الحديث لا يحفظون، ولا يعرفون الحديث الضعيف ولا الإسناد القوي، ~~فلمن يسأل؟ لهؤلاء أو لأصحاب الحديث على قلة معرفتهم؟ فقال: يسأل أصحاب ~~الحديث، ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث خير من الرأي. # وقال في رواية محمد بن عبيد الله بن المنادي، وقد سمع رجلا يسأله: إذا ~~حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيها؟ قال: لا، قال: فمائتي ألف؟ قال: لا، ~~قال: ms1310 فثلاثمائة ألف؟ قال: لا، قال: # PageV04P157 # فأربعمائة ألف؟ قال بيده هكذا، وحركها، قال حفيده أحمد بن جعفر بن محمد: ~~فقلت لجدي: كم كان يحفظ أحمد؟ فقال أجاب عن ستمائة ألف. # وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الرجل يكون عنده الكتب المصنفة فيها ~~قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعين، وليس للرجل بصر ~~بالحديث الضعيف المتروك، ولا الإسناد القوي من الضعيف، فيجوز أن يعمل بما ~~شاء ويتخير منها فيفتي به ويعمل به، قال: لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها ~~فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم. # وقال أبو داود: سمعت أحمد وسئل عن مسألة، فقال: دعنا من هذه المسائل ~~المحدثة، وما أحصي ما سمعت أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلاف من العلم ~~فيقول: لا أدري، وسمعته يقول: ما رأيت مثل ابن عيينة في الفتيا أحسن فتيا ~~منه، كان أهون عليه أن يقول " لا أدري " من يحسن مثل هذا؟ سل العلماء. # وقال أبو داود: قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبع من مالك، فقال: لا تقلد دينك ~~أحدا من هؤلاء، ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فخذ به، ثم ~~التابعين بعد الرجل فيه مخير. # وقال إسحاق بن هانئ: سألت أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث «أجرؤكم ~~على الفتيا أجرؤكم على النار» فقال: يفتي بما لم يسمع. # وقال أيضا: قلت لأبي عبد الله: يطلب الرجل الحديث بقدر ما يظن أنه قد ~~انتفع به، قال: العلم لا يعدله شيء، وجاءه رجل يسأل عن شيء فقال: لا أجيبك ~~في شيء، ثم قال: قال عبد الله بن مسعود: إن كل من يفتي الناس في كل ما ~~يستفتونه لمجنون. # قال الأعمش: فذكرت ذلك للحاكم، فقال: لو حدثتني به قبل اليوم ما أفتيت في ~~كثير مما كنت أفتي به، قال ابن هانئ: وقيل لأبي عبد الله: يكون الرجل في ~~قرية فيسأل عن الشيء الذي فيه اختلاف، قال: يفتي بما وافق الكتاب والسنة، ~~وما لم يوافق الكتاب ms1311 والسنة أمسك عنه، قيل له: أفتخاف عليه؟ قال: لا، قيل ~~له: ما كان من كلام إسحاق بن راهويه وما كان وضع في الكتاب وكلام أبي عبيد ~~ومالك ترى النظر فيه؟ فقال: كل كتاب ابتدع فهو بدعة، أو كل كتاب محدث فهو ~~بدعة، وأما ما كان عن مناظرة يخبر الرجل بما عنده، وما يسمع من الفتيا فلا ~~أرى به بأسا، قيل له: فكتاب أبي عبيد غريب الحديث؟ قال: ذلك شيء حكاه عن ~~قوم أعراب، قيل له: فهذه الفوائد التي فيها المناكير ترى أن تكتب؟ قال: ~~المنكر أبدا منكر. # PageV04P158 ### | [دلالة العالم للمستفتي على غيره] # ] الفائدة الخامسة والعشرون: في دلالة العالم للمستفتي على غيره، وهو ~~موضع خطر جدا، فلينظر الرجل ما يحدث من ذلك فإنه متسبب بدلالته إما إلى ~~الكذب على الله ورسوله في أحكامه أو القول عليه بلا علم، فهو معين على ~~الإثم والعدوان وإما معين على البر والتقوى، فلينظر الإنسان إلى من يدل ~~عليه، وليتق الله ربه فكان شيخنا - قدس الله روحه - شديد التجنب لذلك، ~~ودللت مرة بحضرته على مفت أو مذهب، فانتهرني وقال: ما لك وله؟ دعه، ففهمت ~~من كلامه أنك لتبوء بما عساه يحصل له من الإثم ولمن أفتاه، ثم رأيت هذه ~~المسألة بعينها منصوصة عن الإمام أحمد. # قال أبو داود في مسائله: قلت لأحمد: الرجل يسأل عن المسألة فأدله على ~~إنسان يسأله؟ فقال: إذا كان - يعني الذي أرشدته إليه - متبعا ويفتي بالسنة، ~~فقيل لأحمد: إنه يريد الاتباع وليس كل قوله يصيب، فقال أحمد: ومن يصيب في ~~كل شيء؟ قلت له: فرأي مالك، فقال: لا تتقلد في مثل هذا بشيء، قلت: وأحمد ~~كان يدل على أهل المدينة ويدل على الشافعي ويدل على إسحاق ولا خلاف عنه في ~~استفتاء هؤلاء، ولا خلاف عنه في أنه لا يستفتي أهل الرأي المخالفون لسنة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبالله التوفيق، ولا سيما كثير من ~~المنتسبين إلى الفتوى في هذا الزمان وغيره، وقد رأى رجل ربيعة بن أبي عبد ~~الرحمن يبكي، فقال: ms1312 ما يبكيك؟ فقال استفتى من لا علم له، وظهر في الإسلام ~~أمر عظيم، قال: ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق. # قال بعض العلماء: فكيف لو رأى ربيعة زماننا، وإقدام من لا علم عنده على ~~الفتيا، وتوثبه عليها، ومد باع التكلف إليها، وتسلقه بالجهل والجرأة عليها ~~مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة، وهو من بين أهل العلم منكر أو ~~غريب، فليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب، ولا يبدي جوابا ~~بإحسان، وإن ساعد القدر فتواه كذلك يقول فلان بن فلان. # يمدون للإفتاء باعا قصيرة وأكثرهم عند الفتاوى يكذلك وكثير منهم نصيبهم ~~مثل ما حكاه أبو محمد بن حزم، قال: كان عندنا مفت قليل البضاعة، فكان لا ~~يفتي حتى يتقدمه من يكتب الجواب فيكتب تحته: جوابي مثل جواب الشيخ، فقدر أن ~~اختلف مفتيان في جواب، فكتب تحتهما: جوابي مثل جواب الشيخين، فقيل له: ~~إنهما قد تناقضا، فقال: وأنا أيضا تناقضت كما تناقضا، وقد أقام الله - ~~سبحانه - لكل # PageV04P159 # عالم ورئيس وفاضل من يظهر مماثلته، ويرى الجهال وهم الأكثرون مساجلته ~~ومشاكلته، وأنه يجري معه في الميدان، وأنهما عند المسابقة كفرسي رهان، ولا ~~سيما إذا طول الأردان، وأرخى الذوائب الطويلة وراءه كذنب الأتان، وهدر ~~باللسان، وخلا له الميدان الطويل من الفرسان. # فلو لبس الحمار ثياب خز لقال الناس: يا لك من حمار وهذا الضرب إنما ~~يستفتون بالشكل لا بالفضل، وبالمناصب لا بالأهلية، قد غرهم عكوف من لا علم ~~عنده عليهم، ومسارعة من أجهل منهم إليهم، تعج منهم الحقوق إلى الله - تعالى ~~- عجيجا، وتضج منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجا. # فمن أقدم بالجرأة على ما ليس له بأهل من فتيا أو قضاء أو تدريس، استحق ~~اسم الذم، ولم يحل قبول فتياه ولا قضائه، هذا حكم دين الإسلام. # وإن رغمت أنوف من أناس فقل: يا رب لا ترغم سواها # [كذلكة المفتي] الفائدة السادسة والعشرون: في حكم كذلكة المفتي، ولا يخلو ~~من حالين إما أن يعلم صواب جواب من تقدمه بالفتيا أو لا ms1313 يعلم، فإن علم صواب ~~جوابه فله أن يكذلك، وهل الأولى له الكذلكة أو الجواب المستقل؟ فيه تفصيل، ~~فلا يخلو المبتدئ إما أن يكون أهلا أو متسلقا متعاطيا ما ليس له بأهل، فإن ~~كان الثاني فتركه الكذلكة أولى مطلقا؛ إذ في كذلكته تقرير له على الإفتاء، ~~وهو كالشهادة له بالأهلية، وكان بعض أهل العلم يضرب على فتوى من كتب وليس ~~بأهل، فإن لم يتمكن من ذلك خوف الفتنة منه فقد قيل: لا يكتب معه في الورقة، ~~ويرد السائل، وهذا نوع تحامل. # والصواب أنه يكتب في الورقة الجواب، ولا يأنف من الإخبار بدين الله الذي ~~يجب عليه الإخبار به لكتابة من ليس بأهل؛ فإن هذا ليس عذرا عند الله ورسوله ~~وأهل العلم في كتمان الحق، بل هذا نوع رياسة وكبر، والحق لله عز وجل، فكيف ~~يجوز أن يعطل حق الله ويكتم دينه لأجل كتابة من ليس بأهل؟ وقد نص الإمام ~~أحمد على أن الرجل إذا شهد الجنازة فرأى فيها منكرا لا يقدر على إزالته أنه ~~لا يرجع، ونص على أنه إذا دعي إلى وليمة عرس فرأى فيها منكرا لا يقدر على ~~إزالته أنه يرجع، فسألت شيخنا عن الفرق فقال: لأن الحق في الجنازة للميت، ~~فلا يترك حقه لما فعله الحي من المنكر، والحق في الوليمة لصاحب البيت، فإذا ~~أتى فيها بالمنكر فقد أسقط حقه من الإجابة، وإن كان المبتدي بالجواب أهلا ~~للإفتاء فلا يخلو إما أن يعلم المكذلك صواب # PageV04P160 # جوابه أو لا يعلم، فإن لم يعلم صوابه لم يجز له أن يكذلك تقليدا له؛ إذ ~~لعله أن يكون قد غلط، ولو نبه لرجع، وهو معذور، وليس المكذلك معذورا، بل ~~مفت بغير علم، ومن أفتى بغير علم فإثمه على من أفتاه، وهو أحد المفتين ~~الثلاثة الذين ثلثاهم في النار، وإن علم أنه قد أصاب فلا يخلو إما أن تكون ~~المسألة ظاهرة لا يخفى وجه الصواب فيها بحيث لا يظن بالمكذلك أنه قلده فيما ~~لا يعلم أو تكون خفية، فإن كانت ظاهرة فالأولى الكذلكة ms1314 لأنه إعانة على البر ~~والتقوى، وشهادة للمفتي بالصواب، وبراءة من الكبر والحمية، وإن كانت خفية ~~بحيث يظن بالمكذلك أنه وافقه تقليدا محضا فإن أمكنه إيضاح ما أشكله الأول ~~وزيادة بيان أو ذكر قيد أو تنبيه على أمر أغفله فالجواب المستقل أولى، وإن ~~لم يمكنه ذلك فإن شاء كذلك، وإن شاء أجاب استقلالا. # فإن قيل: ما الذي يمنعه من الكذلكة إذا لم يعلم صوابه تقليدا له كما قلد ~~المبتدي من فوقه؟ فإذا أفتى الأول بالتقليد المحض فما الذي يمنع المكذلك من ~~تقليده؟ قيل: الجواب من وجوه، أحدها: أن الكلام في المفتي الأول أيضا، فقد ~~نص الإمام الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة على أنه لا يحل للرجل أن يفتي ~~بغير علم، حكي في ذلك الإجماع، وقد تقدم ذكر ذلك مستوفى. # الثاني: أن هذا الأول وإن جاز له التقليد للضرورة فهذا المكذلك المتكلف ~~لا ضرورة له إلى تقليده، بل هذا من بناء الضعيف على الضعيف، وذلك لا يسوغ، ~~كما لا تسوغ الشهادة على الشهادة، وكما لا يجوز المسح على الخفين على طهارة ~~التيمم، ونظائر ذلك كثيرة. # الثالث: أن هذا لو ساغ لصار الناس كلهم مفتين؛ إذ ليس هذا بجواز تقليد ~~المفتي أولى من غيره، وبالله التوفيق. ### | [فتوى المفتى لمن لا تجوز شهادته له] # [للمفتي أن يفتي من لا تجوز شهادته له] الفائدة السابعة والعشرون: يجوز ~~للمفتي أن يفتي أباه وابنه وشريكه ومن لا تقبل شهادته له، وإن لم يجز أن ~~يشهد له، ولا يقضي له، والفرق بينهما أن الإفتاء يجري مجرى الرواية، فكأنه ~~حكم عام، بخلاف الشهادة والحكم فإنه يخص المشهود له والمحكوم له، ولهذا ~~يدخل الراوي في حكم الحديث الذي يرويه، ويدخل في حكم الفتوى التي يفتي بها، ~~ولكن لا يجوز له أن يحابي من يفتيه فيفتي أباه أو ابنه أو صديقه بشيء ويفتي ~~غيرهم بضده محاباة، بل هذا يقدح في عدالته، إلا أن يكون ثم سبب يقتضي ~~التخصيص غير المحاباة، ومثال هذا: أن يكون في المسألة قولان قول بالمنع ~~وقول بالإباحة، ms1315 فيفتي ابنه وصديقه بقول الإباحة والأجنبي بقول المنع. # PageV04P161 # فإن قيل: هل يجوز له أن يفتي نفسه؟ . # قيل: نعم، إذا كان له أن يفتي غيره، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «استفت قلبك وإن أفتاك المفتون» فيجوز له أن يفتي نفسه بما يفتي غيره ~~به، ولا يجوز له أن يفتي نفسه بالرخصة وغيره بالمنع، ولا يجوز له إذا كان ~~في المسألة قولان قول بالجواز وقول بالمنع أن يختار لنفسه قول الجواز ~~ولغيره قول المنع، وسمعت شيخنا يقول: سمعت بعض الأمراء يقول عن بعض المفتين ~~من أهل زمانه يكون عندهم في المسألة ثلاثة أقوال أحدها الجواز والثاني ~~المنع والثالث التفصيل فالجواز لهم والمنع لغيرهم وعليه العمل. ### | [الفتيا بالتشهي والتخير] # [لا تجوز الفتيا بالتشهي والتخير] الفائدة الثامنة والعشرون: لا يجوز ~~للمفتي أن يعمل بما يشاء من الأقوال والوجوه من غير نظر من الترجيح ولا ~~يعتد به، بل يكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولا قاله إمام أو وجها ذهب إليه ~~جماعة فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال حيث رأى القول وفق إرادته وغرضه ~~عمل به، فإرادته وغرضه هو المعيار وبها الترجيح، وهذا حرام باتفاق الأمة، ~~وهذا مثل ما حكى القاضي أبو الوليد الباجي عن بعض أهل زمانه ممن نصب نفسه ~~للفتوى أنه كان يقول: إن الذي لصديقي علي إذا وقعت له حكومة أو فتيا أن ~~أفتيه بالرواية التي توافقه، وقال: وأخبرني من أثق به أنه وقعت له واقعة ~~فأفتاه جماعة من المفتيين بما يضره، وأنه كان غائبا فلما حضر سألهم بنفسه، ~~فقالوا: لم نعلم أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافقه، قال: وهذا ~~مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد بهم في الإجماع أنه لا يجوز، وقد قال ~~مالك - رحمه الله - في اختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - مخطئ ومصيب فعليك ~~بالاجتهاد. # وبالجملة فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهي والتخير وموافقة ~~الغرض فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه فيعمل به، ويفتي به، ~~ويحكم به، ويحكم على عدوه ويفتيه بضده، ms1316 وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر، ~~والله المستعان. ### | [أقسام المفتين] # [أقسام المفتين أربعة] الفائدة التاسعة والعشرون: المفتون الذين نصبوا ~~أنفسهم للفتوى أربعة أقسام: أحدهم العالم بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال ~~الصحابة؛ فهو المجتهد في أحكام النوازل، يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية ~~حيث كانت، ولا ينافي اجتهاده تقليده لغيره أحيانا، فلا تجد أحدا من الأئمة ~~إلا وهو مقلد من هو أعلم منه في بعض الأحكام، وقد قال # PageV04P162 # الشافعي - رحمه الله ورضي عنه - في موضع من الحج: قلته تقليدا لعطاء؛ ~~فهذا النوع الذي يسوغ لهم الإفتاء، ويسوغ استفتاؤهم ويتأدى بهم فرض ~~الاجتهاد، وهم الذين قال فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يبعث ~~لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» وهم غرس الله الذين لا ~~يزال يغرسهم في دينه، وهم الذين قال فيهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ~~لن تخلو الأرض من قائم لله بحجته. # فصل: # النوع الثاني: مجتهد مقيد في مذهب من ائتم به؛ فهو مجتهد في معرفة فتاويه ~~وأقواله ومأخذه وأصوله، عارف بها، متمكن من التخريج عليها وقياس ما لم ينص ~~من ائتم به عليه على منصوصه من غير أن يكون مقلدا لإمامه لا في الحكم ولا ~~في الدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا ودعا إلى مذهبه ورتبه وقرره، ~~فهو موافق له في مقصده وطريقه معا. # وقد ادعي هذه المرتبة من الحنابلة القاضي أبو يعلى والقاضي أبو علي بن ~~أبي موسى في شرح الإرشاد الذي له، ومن الشافعية خلق كثيرة، وقد اختلف ~~الحنفية في أبي يوسف ومحمد وزفر بن الهذيل، والشافعية في المزني وابن سريج ~~وابن المنذر ومحمد بن نصر المروزي، والمالكية في أشهب وابن عبد الحكم وابن ~~القاسم وابن وهب، والحنابلة في أبي حامد والقاضي: هل كان هؤلاء مستقلين ~~بالاجتهاد أو متقيدين بمذاهب أئمتهم؟ على قولين، ومن تأمل أحوال هؤلاء ~~وفتاويهم واختياراتهم علم أنهم لم يكونوا مقلدين لأئمتهم في كل ما قالوه، ~~وخلافهم لهم أظهر من أن ينكر، وإن كان منهم ms1317 المستقل والمستكثر، ورتبة هؤلاء ~~دون رتبة الأئمة في الاستقلال بالاجتهاد. # فصل: # النوع الثالث: من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه، مقرر له بالدليل، متقن ~~لفتاويه، عالم بها، لكن لا يتعدى أقواله وفتاويه ولا يخالفها، وإذا وجد نص ~~إمامه لم يعدل عنه إلى غيره ألبتة، وهذا شأن أكثر المصنفين في مذاهب ~~أئمتهم، وهو حال أكثر علماء الطوائف، وكثير منهم يظن أنه لا حاجة به إلى ~~معرفة الكتاب والسنة والعربية لكونه مجتزيا بنصوص إمامه، فهي عنده كنصوص ~~الشارع، قد اكتفى بها من كلفة التعب والمشقة، وقد كفاه الإمام استنباط ~~الأحكام ومؤنة استخراجها من النصوص، وقد يرى إمامه ذكر حكما بدليله؛ فيكتفي ~~هو بذلك الدليل من غير بحث عن معارض له. # PageV04P163 # وهذا شأن كثير من أصحاب الوجوه والطرق والكتب المطولة والمختصرة، وهؤلاء ~~لا يدعون الاجتهاد، ولا يقرون بالتقليد، وكثير منهم يقول: اجتهدنا في ~~المذاهب فرأينا أقربها إلى الحق مذهب إمامنا، وكل منهم يقول ذلك عن إمامه، ~~ويزعم أنه أولى بالاتباع من غيره، ومنهم من يغلو فيوجب اتباعه، ويمنع من ~~اتباع غيره. # فيا لله العجب من اجتهاد نهض بهم إلى كون متبوعهم ومقلدهم أعلم من غيره، ~~أحق بالاتباع من سواه، وأن مذهبه هو الراجح، والصواب دائما معه، وقعد بهم ~~عن الاجتهاد في كلام الله ورسوله، واستنباط الأحكام منه، وترجيح ما يشهد له ~~النص، مع استيلاء كلام الله ورسوله على غاية البيان، وتضمنه لجوامع الكلم، ~~وفصله للخطاب، وبراءته من التناقض والاختلاف والاضطراب، فقعدت بهم هممهم ~~واجتهادهم عن الاجتهاد فيه، ونهضت بهم إلى الاجتهاد في كون إمامهم أعلم ~~الأمة وأولاها بالصواب، وأقواله في غاية القوة وموافقة السنة والكتاب، ~~والله المستعان. # فصل: # النوع الرابع: طائفة تفقهت في مذاهب من انتسبت إليه، وحفظت فتاويه ~~وفروعه، وأقرت على أنفسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه، فإن ذكروا الكتاب ~~والسنة يوما ما في مسألة فعلى وجه التبرك والفضيلة لا على وجه الاحتجاج ~~والعمل، وإذا رأوا حديثا صحيحا مخالفا لقول من انتسبوا إليه أخذوا بقوله ~~وتركوا الحديث، وإذا رأوا أبا بكر ms1318 وعمر وعثمان وعليا وغيرهم من الصحابة - ~~رضي الله عنهم - قد أفتوا بفتيا، ووجدوا لإمامهم فتيا تخالفها أخذوا بفتيا ~~إمامهم وتركوا فتاوى الصحابة، قائلين: الإمام أعلم بذلك منا، ونحن قد ~~قلدناه فلا نتعداه ولا نتخطاه، بل هو أعلم بما ذهب إليه منا، ومن عدا هؤلاء ~~فمتكلف متخلف قد دنا بنفسه عن رتبة المشتغلين وقصر عن درجة المحصلين، فهو ~~مكذلك مع المكذلكين، وإن ساعد القدر، واستقل بالجواب قال: يجوز بشرطه، ويصح ~~بشرطه، ويجوز ما لم يمنع منه مانع شرعي، ويرجع في ذلك إلى رأي الحاكم، ونحو ~~ذلك من الأجوبة التي يستحسنها كل جاهل، ويستحيي منها كل فاضل. # [منزلة كل نوع من المفتين] ففتاوى القسم الأول من جنس توقيعات الملوك ~~وعلمائهم، وفتاوى النوع الثاني من # PageV04P164 # جنس توقيعات نوابهم وخلفائهم، وفتاوى النوع الثالث والرابع من جنس ~~توقيعات خلفاء نوابهم، ومن عداهم فمتشبع بما لم يعط، متشبه بالعلماء، محاك ~~للفضلاء، وفي كل طائفة من الطوائف متحقق بغيه ومحاك له متشبه به، والله ~~المستعان. ### | [فتوى مجتهد المذهب بقول الإمام] # [هل للمجتهد في المذهب أن يفتي بقول الإمام؟] الفائدة الثلاثون: إذا كان ~~الرجل مجتهدا في مذهب إمام، ولم يكن مستقلا بالاجتهاد، فهل له أن يفتي بقول ~~ذلك الإمام؟ على قولين، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وأحمد. # أحدهما: الجواز، ويكون متبعه مقلدا للميت، لا له، وإنما له مجرد النقل عن ~~الإمام. # والثاني: لا يجوز له أن يفتي؛ لأن السائل مقلد له، لا للميت، وهو لم ~~يجتهد له، والسائل يقول له: أنا أقلدك فيما تفتيني به. # والتحقيق أن هذا فيه تفصيل؛ فإن قال له السائل: " أريد حكم الله - تعالى ~~- في هذه المسألة، وأريد الحق فيما يخلصني " ونحو ذلك لم يسعه إلا أن يجتهد ~~له في الحق، ولا يسعه أن يفتيه بمجرد تقليد غيره من غير معرفة بأنه حق أو ~~باطل، وإن قال له: " أريد أن أعرف في هذه النازلة قول الإمام ومذهبه " ساغ ~~له الإخبار به، ويكون ناقلا له، ويبقى الدرك على السائل؛ فالدرك في الوجه ~~الأول على المفتي، وفي ms1319 الثاني على المستفتي ### | [هل للحي أن يقلد الميت من غير نظر للدليل] # [هل للحي أن يقلد الميت من غير نظر للدليل] الفائدة الحادية والثلاثون: ~~هل يجوز للحي تقليد الميت والعمل بفتواه من غير اعتبارها بالدليل الموجب ~~لصحة العمل بها؟ فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد والشافعي؛ فمن منعه قال: ~~يجوز تغيير اجتهاده لو كان حيا؛ فإنه كان يجدد النظر عند نزول هذه النازلة ~~إما وجوبا وإما استحبابا، على النزاع المشهور، ولعله لو جدد النظر لرجع عن ~~قوله الأول. # والثاني: الجواز، وعليه عمل جميع المقلدين في أقطار الأرض، وخيار ما ~~بأيديهم من التقليد تقليد الأموات، ومن منع منهم تقليد الميت فإنما هو شيء ~~يقوله بلسانه، وعمله في فتاويه وأحكامه بخلافه، والأقوال لا تموت بموت ~~قائله، كما لا تموت الأخبار بموت رواتها وناقليها # PageV04P165 ### | [هل للمجتهد في نوع من العلم أن يفتي فيه] # ؟] الفائدة الثانية والثلاثون: الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام، ~~فيكون الرجل مجتهدا في نوع من العلم مقلدا في غيره، أو في باب من أبوابه، ~~كمن استفرغ وسعه في نوع العلم بالفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب ~~والسنة دون غيرها من العلوم، أو في باب الجهاد أو الحج، أو غير ذلك؛ فهذا ~~ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه، ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مسوغة له ~~الإفتاء بما لا يعلم في غيره، وهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه؟ فيه ~~ثلاثة أوجه: أصحها الجواز، بل هو الصواب المقطوع به. # والثاني: المنع. # والثالث: الجواز في الفرائض دون غيرها. # فحجة الجواز أنه قد عرف الحق بدليله، وقد بذل جهده في معرفة الصواب؛ ~~فحكمه في ذلك حكم المجتهد المطلق في سائر الأنواع. # وحجة المنع تعلق أبواب الشرع وأحكامه بعضها ببعض، فالجهل ببعضها مظنة ~~للتقصير في الباب والنوع الذي قد عرفه، ولا يخفى الارتباط بين كتاب النكاح ~~والطلاق والعدة وكتاب الفرائض، وكذلك الارتباط بين كتاب الجهاد وما يتعلق ~~به، وكتاب الحدود والأقضية والأحكام، وكذلك عامة أبواب الفقه. # ومن فرق بين الفرائض وغيرها رأى انقطاع أحكام ms1320 قسمة المواريث ومعرفة ~~الفروض ومعرفة مستحقها عن كتاب البيوع والإجارات والرهون والنضال وغيرها، ~~وعدم تعلقاتها، وأيضا فإن عامة أحكام المواريث قطعية، وهي منصوص عليها في ~~الكتاب والسنة. # فإن قيل: فما تقولون فيمن بذل جهده في معرفة مسألة أو مسألتين، هل له أن ~~يفتي بهما؟ قيل: نعم يجوز في أصح القولين، وهما وجهان لأصحاب الإمام أحمد، ~~وهل هذا إلا من التبليغ عن الله وعن رسوله، وجزى الله من أعان الإسلام ولو ~~بشطر كلمة خيرا، ومنع هذا من الإفتاء بما علم خطأ محض، وبالله التوفيق. # [من تصدر للفتوى من غير أهلها أثم] الفائدة الثالثة والثلاثون: من أفتى ~~الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص، ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو ~~آثم أيضا. # قال أبو الفرج بن الجوزي - رحمه الله -: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل ~~بنو أمية، # PageV04P166 # وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب، وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي ~~يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هو ~~أسوأ حالا من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب ~~من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة، ولم يتفقه في الدين؟ . # وكان شيخنا - رضي الله عنه - شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال ~~لي بعض هؤلاء: أجعلت محتسبا على الفتوى؟ فقلت له: يكون على الخبازين ~~والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب؟ وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرفوعا: «من أفتى بغير علم كان إثم ذلك ~~على الذي أفتاه» وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي ~~الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أن الله لا يقبض العلم ~~انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق ~~عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا؛ فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» وفي ~~أثر مرفوع ذكره أبو الفرج وغيره: «من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة ~~السماء وملائكة ms1321 الأرض» . # وكان مالك - رحمه الله - يقول: من سئل عن مسألة فينبغي له قبل أن يجيب ~~فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب ~~فيها. # وسئل عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة، فغضب، ~~وقال: ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قول الله عز وجل: {إنا سنلقي عليك ~~قولا ثقيلا} [المزمل: 5] فالعلم كله ثقيل، وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة ~~وقال: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك، وقال: لا ينبغي لرجل أن يرى ~~نفسه أهلا لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه، وما أفتيت حتى سألت ربيعة ويحيى ~~بن سعيد، فأمراني بذلك، ولو نهياني انتهيت، قال: وإذا كان أصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - تصعب عليهم المسائل، ولا يجيب أحد منهم عن مسألة ~~حتى يأخذ رأي صاحبه مع ما رزقوا من السداد والتوفيق والطهارة، فكيف بنا ~~الذين غطت الذنوب والخطايا قلوبنا؟ وكان - رحمه الله - إذا سئل عن مسألة ~~فكأنه واقف بين الجنة والنار. # وقال عطاء بن أبي رباح: أدركت أقواما إن كان أحدهم ليسأل عن شيء فيتكلم ~~وإنه ليرعد. # وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أي البلاد شر؟ فقال: لا أدري حتى ~~أسأل جبريل فسأله فقال: أسواقها» وقال الإمام أحمد: من عرض نفسه للفتيا فقد ~~عرضها لأمر عظيم، إلا أنه قد تلجئ الضرورة. # وسئل الشعبي عن مسألة، فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تستحيي من قولك لا # PageV04P167 # أدري وأنت فقيه أهل العراق؟ فقال: لكن الملائكة لم تستحي حين قالوا: {لا ~~علم لنا إلا ما علمتنا} [البقرة: 32] . # وقال بعض أهل العلم: تعلم لا أدري فإنك إن قلت لا أدري علموك حتى تدري، ~~وإن قلت: أدري سألوك حتى لا تدري. # وقال عتبة بن مسلم: صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرا، فكان كثيرا ما يسأل ~~فيقول: لا أدري. # وكان سعيد بن المسيب لا يكاد يفتي فتيا ولا يقول شيئا إلا قال: اللهم ~~سلمني وسلم مني. # وسئل الشافعي عن مسألة، ms1322 فسكت، فقيل: ألا تجيب؟ فقال: حتى أدري الفضل في ~~سكوتي أو في الجواب، وقال ابن أبي ليلى: أدركت مائة وعشرين من الأنصار من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا ~~إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول، وما منهم من أحد يحدث بحديث أو ~~يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه. # وقال أبو الحسين الأزدي: إن أحدهم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن ~~الخطاب لجمع لها أهل بدر. # وسئل القاسم بن محمد عن شيء، فقال: إني لا أحسنه، فقال له السائل: إني ~~جئتك لا أعرف غيرك، فقال له القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس ~~حولي، والله ما أحسنه، فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها، ~~فوالله ما رأيناك في مجلس أنبل منك اليوم، فقال القاسم: والله لأن يقطع ~~لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا علم لي به. # وكتب سلمان إلى أبي الدرداء - رضي الله عنهما - وكان بينهما مؤاخاة: ~~بلغني أنك قعدت طبيبا فاحذر أن تكون متطببا أو تقتل مسلما، فكان ربما جاءه ~~الخصمان فيحكم بينهما ثم يقول: ردوهما علي، متطبب والله، أعيدا علي ~~قضيتكما. ### | [حكم العامي الذي لا يجد من يفتيه] # [حكم العامي الذي لا يجد من يفتيه] الفائدة الرابعة والثلاثون: (إذا نزلت ~~بالعامي نازلة وهو في مكان لا يجد من يسأله) عن حكمها ففيه طريقان للناس، ~~أحدهما: أن له حكم ما قبل الشرع، على الخلاف في الحظر والإباحة والوقف؛ لأن ~~عدم المرشد في حقه بمنزلة عدم المرشد بالنسبة إلى الأمة. # والطريقة الثانية: أنه يخرج على الخلاف في مسألة تعارض الأدلة عند ~~المجتهد، هل يعمل بالأخف أو بالأشد أو يتخير؟ والصواب أنه يجب عليه أن يتقي ~~الله ما استطاع، ويتحرى الحق بجهده ومعرفة مثله، وقد نصب الله تعالى على ~~الحق أمارات كثيرة، ولم يسو الله سبحانه وتعالى بين ما يحبه وبين ما يسخطه ~~من كل وجه بحيث لا يتميز هذا من ms1323 هذا، ولا بد أن تكون الفطر السليمة؛ مائلة ~~إلى الحق، مؤثرة له، ولا بد أن يقوم لها عليه بعض الأمارات المرجحة ولو ~~بمنام أو بإلهام، فإن قدر ارتفاع ذلك كله وعدمت في حقه جميع الأمارات فهنا ~~يسقط التكليف عنه في حكم هذه النازلة، ويصير بالنسبة إليها كمن لم تبلغه ~~الدعوة، وإن # PageV04P168 # كان مكلفا بالنسبة إلى غيره؛ فأحكام التكليف تتفاوت بحسب التمكن من العلم ~~والقدرة، والله أعلم. ### | [من تجوز له الفتيا ومن لا تجوز له] # [من تجوز له الفتيا ومن لا تجوز له] الفائدة الخامسة والثلاثون: الفتيا ~~أوسع من الحكم والشهادة، فيجوز فتيا العبد والحر، والمرأة والرجل، والقريب ~~والبعيد والأجنبي، والأمي والقارئ، والأخرس بكتابته والناطق، والعدو ~~والصديق، وفيه وجه أنه لا تقبل فتيا العدو ولا من لا تقبل شهادته له ~~كالشهادة، والوجهان في الفتيا كالوجهين في الحكم، وإن كان الخلاف في الحاكم ~~أشهر، وأما فتيا الفاسق فإن أفتى غيره لم تقبل فتواه، وليس للمستفتي أن ~~يستفتيه، وله أن يعمل بفتوى نفسه، ولا يجب عليه أن يفتي غيره، وفي جواز ~~استفتاء مستور الحال وجهان، والصواب جواز استفتائه وإفتائه. # قلت: وكذلك الفاسق إلا أن يكون معلنا بفسقه داعيا إلى بدعته، فحكم ~~استفتائه حكم إمامته وشهادته، وهذا يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة والقدرة ~~والعجز؛ فالواجب شيء والواقع شيء والفقيه من يطبق بين الواقع والواجب وينفذ ~~الواجب بحسب استطاعته، لا من يلقى العداوة بين الواجب والواقع، فلكل زمان ~~حكم، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، وإذا عم الفسوق وغلب على أهل الأرض ~~فلو منعت إمامة الفساق وشهاداتهم وأحكامهم وفتاويهم وولاياتهم لعطلت ~~الأحكام، وفسد نظام الخلق، وبطلت أكثر الحقوق، ومع هذا فالواجب اعتبار ~~الأصلح فالأصلح، وهذا عند القدرة والاختيار، وأما عند الضرورة والغلبة ~~بالباطل فليس إلا الاصطبار، والقيام بأضعف مراتب الإنكار. ### | [هل للقاضي أن يفتي] # [هل يجوز للقاضي أن يفتي؟] الفائدة السادسة والثلاثون: (لا فرق بين ~~القاضي وغيره في جواز الإفتاء بما تجوز الفتيا به) ، ووجوبها إذا تعينت، ~~ولم يزل أمر السلف والخلف على هذا فإن منصب الفتيا ms1324 داخل في ضمن منصب القضاء ~~عند الجمهور، والذين لا يجوزون قضاء الجاهل فالقاضي مفت ومثبت ومنفذ لما ~~أفتى به، وذهب بعض الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد والشافعي إلى أنه يكره ~~للقاضي أن يفتي في مسائل الأحكام المتعلقة به، دون الطهارة والصلاة والزكاة ~~ونحوها، واحتج أرباب هذا القول بأن فتياه تصير كالحكم منه على الخصم، ولا ~~يمكن نقضه وقت المحاكمة، قالوا: ولأنه قد يتغير اجتهاده وقت الحكومة أو ~~تظهر له قرائن لم تظهر له عند الإفتاء، فإن أصر على فتياه والحكم بموجبها ~~حكم بخلاف ما يعتقد صحته، # PageV04P169 # وإن حكم بخلافها طرق الخصم إلى تهمته والتشنيع عليه بأنه يحكم بخلاف ما ~~يعتقده ويفتي به، ولهذا قال شريح: أنا أقضي لكم ولا أفتي، حكاه ابن المنذر، ~~واختار كراهية الفتوى في مسائل الأحكام، وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: ~~لأصحابنا في فتواه في مسائل الأحكام جوابان، أحدهما: أنه ليس له أن يفتي ~~فيها؛ لأن لكلام الناس عليه مجالا ولأحد الخصمين عليه مقالا، والثاني: له ~~ذلك؛ لأنه أهل له. ### | [فتيا الحاكم وحكمها] # [فتيا الحاكم وحكمها] الفائدة السابعة والثلاثون: (فتيا الحاكم ليست حكما ~~منه) ، ولو حكم غيره بخلاف ما أفتى به لم يكن نقضا لحكمه، ولا هي كالحكم، ~~ولهذا يجوز أن يفتي الحاضر والغائب ومن يجوز حكمه له ومن لا يجوز، ولهذا لم ~~يكن في حديث هند دليل على الحكم على الغائب لأنه - صلى الله عليه وسلم - ~~إنما أفتاها فتوى مجردة، ولم يكن ذلك حكما على الغائب؛ فإنه لم يكن غائبا ~~عن البلد، وكانت مراسلته وإحضاره ممكنة، ولا طلب البينة على صحة دعواها، ~~وهذا ظاهر بحمد الله. ### | [فتوى المفتي عما لم يقع] # [هل يجيب المفتي عما لم يقع؟] الفائدة الثامنة والثلاثون: إذا سأل ~~المستفتي عن مسألة لم تقع، فهل تستحب إجابته أو تكره أو تخير؟ فيه ثلاثة ~~أقوال، وقد حكي عن كثير من السلف أنه كان لا يتكلم فيما لم يقع، وكان بعض ~~السلف إذا سأله الرجل عن مسألة قال: هل كان ذلك؟ فإن قال: نعم تكلف ms1325 له ~~الجواب، وإلا قال: دعنا في عافية. # وقال الإمام أحمد لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. # والحق التفصيل، فإن كان في المسألة نص من كتاب الله أو سنة عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أو أثر عن الصحابة لم يكره الكلام فيها، وإن لم يكن ~~فيها نص ولا أثر فإن كانت بعيدة الوقوع أو مقدرة لا تقع لم يستحب له الكلام ~~فيها، وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد، وغرض السائل الإحاطة بعلمها ~~ليكون منها على بصيرة إذا وقعت استحب له الجواب بما يعلم، لا سيما إن كان ~~السائل يتفقه بذلك ويعتبر بها نظائرها، ويقرع عليها، فحيث كانت مصلحة ~~الجواب راجحة كان هو الأولى، والله أعلم. ### | [لا يجوز للمفتي تتبع الحيل] # [لا يجوز للمفتي تتبع الحيل] الفائدة التاسعة والثلاثون: لا يجوز للمفتي ~~تتبع الحيل المحرمة والمكروهة، ولا # PageV04P170 # تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإن تتبع ذلك فسق، وحرم استفتاؤه، فإن حسن ~~قصده في حيلة جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة لتخليص المستفتي بها من حرج جاز ~~ذلك، بل استحب، وقد أرشد الله - تعالى - نبيه أيوب - عليه السلام - إلى ~~التخلص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثا فيضرب به المرأة ضربة واحدة. # «وأرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالا إلى بيع التمر بدراهم ثم ~~يشتري بالدراهم تمرا آخر فيتخلص من الربا» فأحسن المخارج ما خلص من المآثم، ~~وأقبح الحيل ما أوقع في المحارم، أو أسقط ما أوجبه الله ورسوله من الحق ~~اللازم، وقد ذكرنا من النوعين ما لعلك لا تظفر بجملته في غير هذا الكتاب، ~~والله الموفق للصواب. ### | [رجوع المفتي عن فتواه] # [حكم رجوع المفتي عن فتواه] الفائدة الأربعون: في حكم رجوع المفتي عن ~~فتياه، إذا أفتى المفتي بشيء ثم رجع عنه فإن علم المستفتي برجوعه ولم يكن ~~عمل بالأول فقيل: يحرم عليه العمل به، وعندي في المسألة تفصيل، وأنه لا ~~يحرم عليه الأول بمجرد رجوع المفتي، بل يتوقف حتى يسأل غيره، فإن أفتاه ~~بموافقة الأول استمر ms1326 على العمل به، وإن أفتاه بموافقة الثاني، ولم يفته أحد ~~بخلافه؛ حرم عليه العمل بالأول، وإن لم يكن في البلد إلا مفت واحد سأله عن ~~رجوعه عما أفتاه به، فإن رجع إلى اختيار خلافه مع تسويغه لم يحرم عليه، وإن ~~رجع لخطأ بان له وأن ما أفتاه به لم يكن صوابا حرم عليه العمل بالأول، هذا ~~إذا كان رجوعه لمخالفة دليل شرعي، فإن كان رجوعه لمجرد ما بان له أن ما ~~أفتى به خلاف مذهبه لم يحرم على المستفتي ما أفتاه به أولا إلا أن تكون ~~المسألة إجماعية. # فلو تزوج بفتواه ودخل ثم رجع المفتي لم يحرم عليه إمساك امرأته إلا بدليل ~~شرعي يقتضي تحريمها، ولا يجب عليه مفارقتها بمجرد رجوعه، ولا سيما إن كان ~~إنما رجع لكونه تبين له أن ما أفتى به خلاف مذهبه وإن وافق مذهب غيره، هذا ~~هو الصواب. # وأطلق بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي وجوب مفارقتها عليه، وحكوا في ذلك ~~وجهين، ورجحوا وجوب المفارقة، قالوا: لأن الرجوع عنه ليس مذهبا له كما لو ~~تغير اجتهاد من قلده في القبلة في أثناء الصلاة فإنه يتحول مع الإمام في ~~الأصح. # فيقال لهم: المستفتي قد دخل بامرأته دخولا صحيحا سائغا، ولم يفهم ما يوجب ~~مفارقته لها من نص ولا إجماع، فلا يجب عليه مفارقتها بمجرد تغير اجتهاد ~~المفتي، وقد رجع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن القول بالتشريك وأفتى ~~بخلافه ولم يأخذ المال من الذين شرك بينهم أولا، وأما قياسكم ذلك على من ~~تغير اجتهاده في معرفة القبلة فهو حجة # PageV04P171 # عليكم؛ فإنه لا يبطل ما فعله المأموم بالاجتهاد الأول، ويلزمه التحول ~~ثانيا؛ لأنه مأمور بمتابعة الإمام. بل نظير مسألتنا ما لو تغير اجتهاده بعد ~~الفراغ من الصلاة؛ فإنه لا تلزمه الإعادة، ويصلي الثانية بالاجتهاد الثاني. ~~وأما قول أبي عمرو بن الصلاح وأبي عبد الله بن حمدان من أصحابنا: " إذا كان ~~المفتي إنما يفتي على مذهب إمام معين فإذا رجع لكونه بان له قطعا أنه خالف ~~في فتواه نص ms1327 مذهب إمامه فإنه يجب نقضه، وإن كان ذلك في محل الاجتهاد؛ لأن ~~نص مذهب إمامه في حقه كنص الشارع في حق المفتي المجتهد المستقل " فليس كما ~~قالا، ولم ينص على هذه المسألة أحد من الأئمة، ولا تقتضيها أصول الشريعة، ~~ولو كان نص إمامه بمنزلة نص الشارع لحرم عليه وعلى غيره مخالفته وفسق ~~بخلافه. # ولم يوجب أحد من الأئمة نقض حكم الحاكم ولا إبطال فتوى المفتي بكونه خلاف ~~قول زيد أو عمرو، ولا يعلم أحد سوغ النقض بذلك من الأئمة والمتقدمين من ~~أتباعهم، وإنما قالوا: ينقض من حكم الحاكم ما خالف نص كتاب أو سنة أو إجماع ~~الأمة، ولم يقل أحد: ينقض من حكمه ما خالف قول فلان أو فلان، وينقض من فتوى ~~المفتي ما ينقض من حكم الحاكم، فكيف يسوغ نقض أحكام الحكام وفتاوى أهل ~~العلم بكونها خالفت قول واحد من الأئمة؟ ولا سيما إذا وافقت نصا عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أو فتاوى الصحابة يسوغ نقضها لمخالفة قول فلان ~~وحده، ولم يجعل الله تعالى ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من ~~الأئمة قول فقيه من الأمة بمنزلة نص الله ورسوله بحيث يجب اتباعه ويحرم ~~خلافه. # فإذا بان للمفتي أنه خالف إمامه ووافق قول الأئمة الثلاثة لم يجب على ~~الزوج أن يفارق امرأته ويخرب بيته ويشتت شمله وشمل أولاده بمجرد كون المفتي ~~ظهر له أن ما أفتى به خلاف نص إمامه، ولا يحل له أن يقول له: " فارق أهلك " ~~بمجرد ذلك، ولا سيما إن كان النص مع قول الثلاثة. وبالجملة فبطلان هذا ~~القول أظهر من أن نتكلف بيانه. # فإن قيل: فما تقولون لو تغير اجتهاد المفتي، فهل يلزمه إعلام المستفتي؟ ~~قيل: اختلف في ذلك؛ فقيل: لا يلزمه إعلامه، فإنه عمل أولا بما يسوغ له، ~~فإذا لم يعلم بطلانه لم يكن آثما فهو في سعة من استمراره، وقيل: بل يلزمه ~~إعلامه؛ لأن ما رجع عنه قد اعتقد بطلانه، وبان له أن ما أفتاه به ليس من ~~الدين، ms1328 فيجب عليه إعلامه، كما جرى لعبد الله بن مسعود حين أفتى رجلا بحل أم ~~امرأته التي فارقها قبل الدخول، ثم سافر إلى المدينة وتبين له خلاف هذا ~~القول، فرجع إلى الكوفة، وطلب هذا الرجل، وفرق بينه وبين أهله، # PageV04P172 # وكما جرى للحسن بن زياد اللؤلؤي لما استفتي في مسألة فأخطأ فيها، ولم ~~يعرف الذي أفتاه به، فاستأجر مناديا ينادي أن الحسن بن زياد استفتي في يوم ~~كذا وكذا في مسألة فأخطأ فمن كان أفتاه الحسن بن زياد بشيء فليرجع إليه، ثم ~~لبث أياما لا يفتي حتى جاء صاحب الفتوى فأعلمه أنه قد أخطأ، وأن الصواب ~~خلاف ما أفتاه به. # قال القاضي أبو يعلى في كفايته: من أفتى بالاجتهاد ثم تغير اجتهاده لم ~~يلزمه إعلام المستفتي بذلك إن كان قد عمل به، وإلا أعلمه. # والصواب التفصيل، فإن كان المفتي ظهر له الخطأ قطعا لكونه خالف نص الكتاب ~~أو السنة التي لا معارض لها أو خالف إجماع الأمة فعليه إعلام المستفتي، وإن ~~كان إنما ظهر له أنه خالف مجرد مذهبه أو نص إمامه لم يجب عليه إعلام ~~المستفتي. # وعلى هذا تخرج قصة ابن مسعود - رضي الله عنه - فإنه لما ناظر الصحابة في ~~تلك المسألة، بينوا له أن صريح الكتاب يحرمها لكون الله تعالى أبهمها فقال ~~تعالى: {وأمهات نسائكم} [النساء: 23] وظن عبد الله أن قوله: {اللاتي دخلتم ~~بهن} [النساء: 23] راجع إلى الأول والثاني، فبينوا له أنه إنما يرجع إلى ~~أمهات الربائب خاصة، فعرف أنه الحق، وأن القول بحلها خلاف كتاب الله - ~~تعالى، ففرق بين الزوجين، ولم يفرق بينهما بكونه تبين له أن ذلك خلاف قول ~~زيد أو عمرو، والله أعلم. ### | [هل يضمن المفتي المال أو النفس فيما بان خطؤه] # [هل يضمن المفتي المال أو النفس؟] الفائدة الحادية والأربعون: (إذا عمل ~~المستفتي بفتيا مفت في إتلاف نفس أو مال ثم بان خطؤه) . # قال أبو إسحاق الإسفراييني من الشافعية: يضمن المفتي إن كان أهلا للفتوى ~~وخالف القاطع، وإن لم يكن أهلا فلا ضمان عليه؛ لأن المستفتي ms1329 قصر في ~~استفتائه وتقليده، ووافقه على ذلك أبو عبد الله بن حمدان في كتاب: آداب ~~المفتي والمستفتي " له، ولم أعرف هذا لأحد قبله من الأصحاب ثم حكى وجها آخر ~~في تضمين من ليس بأهل قال: لأنه تصدى لما ليس له بأهل وغر من استفتاه ~~بتصديه لذلك. # قلت: خطأ المفتي كخطأ الحاكم والشاهد، وقد اختلفت الرواية في خطأ الحاكم ~~في النفس أو الطرف، فعن الإمام أحمد في ذلك روايتان، إحداهما: أنه في بيت ~~المال؛ لأنه يكثر منه ذلك الحكم، فلو حملته العاقلة لكان ذلك إضرارا عظيما ~~بهم، والثانية: أنه على عاقلته كما لو كان الخطأ بسبب غير الحاكم، وأما ~~خطؤه في المال فإذا حكم بحق ثم بان كفر الشهود أو فسقهم نقض حكمه، ثم رجع ~~المحكوم عليه ببدل المال على المحكوم له، وكذلك إذا كان الحكم بقود رجع ~~أولياء المقتول ببدله على المحكوم له. # وكذلك إن كان # PageV04P173 # الحكم بحق الله بإتلاف مباشر أو بالسراية ففيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن ~~الضمان على المزكين؛ لأن الحكم إنما وجب بتزكيتهم، والثاني: يضمنه الحاكم؛ ~~لأنه لم يتثبت، بل فرط في المبادرة إلى الحكم وترك البحث والسؤال، والثالث: ~~أن للمستحق تضمين أيهما شاء، والقرار على المزكين؛ لأنهم ألجئوا الحاكم إلى ~~الحكم، فعلى هذا إن لم يكن ثم تزكية فعلى الحاكم. # وعن أحمد رواية أخرى أنه لا ينقض بفسقهم، فعلى هذا لا ضمان. # وعلى هذا إذا استفتى الإمام أو الوالي مفتيا فأفتاه ثم بان له خطؤه فحكم ~~المفتي مع الإمام حكم المزكين مع الحاكم، وإن عمل المستفتي بفتواه من غير ~~حكم حاكم ولا إمام فأتلف نفسا أو مالا: فإن كان المفتي أهلا فلا ضمان عليه، ~~والضمان على المستفتي، وإن لم يكن أهلا فعليه الضمان؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من تطبب ولم يعرف منه طب فهو ضامن» وهذا يدل على أنه ~~إذا عرف منه طب وأخطأ لم يضمن، والمفتي أولى بعدم الضمان من الحاكم ~~والإمام؛ لأن المستفتي مخير بين قبول فتواه وردها، فإن قوله لا يلزم، ms1330 بخلاف ~~حكم الحاكم والإمام، وأما خطأ الشاهد فإما أن يكونوا شهودا بمال أو طلاق أو ~~عتق أو حد أو قود، فإن بان خطؤهم قبل الحكم لم يحكم بذلك، وإن بان بعد ~~الحكم باستيفاء القود وقبل استيفائه لم يستوف قطعا، وإن بان بعد استيفائه ~~فعليهم دية ما تلف، ويتقسط الغرم على عددهم وإن بان خطؤهم قبل الحكم بالمال ~~لغت شهادتهم ولم يضمنوا، وإن بان بعد الحكم به نقض حكمه، كما لو شهدوا بموت ~~رجل باستفاضة فحكم الحاكم بقسم ميراثه ثم بانت حياته فإنه ينقض حكمه، وإن ~~بان خطؤهم في شهادة الطلاق من غير جهتهم كما لو شهدوا أنه طلق يوم كذا وكذا ~~وظهر للحاكم أنه في ذلك اليوم كان محبوسا لا يصل إليه أحد أو كان مغمى عليه ~~فحكم ذلك حكم ما لو بان كفرهم أو فسقهم فإنه ينقض حكمه وترد المرأة إلى ~~الزوج ولو تزوجت بغيره، بخلاف ما إذا قالوا: " رجعنا عن الشهادة " فإن ~~رجوعهم إن كان قبل الدخول ضمنوا نصف المسمى؛ لأنهم قرروه عليه، ولا تعود ~~إليه الزوجة إذا كان الحاكم قد حكم بالفرقة، وإن رجعوا بعد الدخول ففيه ~~روايتان، إحداهما: أنهم لا يغرمون شيئا؛ لأن الزوج استوفى المنفعة بالدخول ~~فاستقر عليه عوضها، والثانية: يغرمون المسمى كله؛ لأنهم فوتوا عليه البضع ~~بشهادتهم، وأصلهما أن خروج البضع من يد الزوج هل هو متقوم أو لا؟ وأما شهود ~~العتق فإن بان خطؤهم تبينا أنه لا عتق، وإن قالوا: رجعنا غرموا للسيد قيمة ~~العبد. ### | [أحوال ليس للمفتي أن يفتي فيها] # [أحوال ليس للمفتي أن يفتي فيها] الفائدة الثانية والأربعون: (ليس للمفتي ~~الفتوى في حال غضب شديد أو جوع مفرط) # PageV04P174 # أو هم مقلق أو خوف مزعج أو نعاس غالب أو شغل قلب مستول عليه أو حال ~~مدافعة الأخبثين، بل متى أحس من نفسه شيئا من ذلك يخرجه عن حال اعتداله ~~وكمال تثبته وتبينه أمسك عن الفتوى، فإن أفتى في هذه الحالة بالصواب صحت ~~فتياه. # ولو حكم في مثال هذه الحالة فهل ينفذ حكمه ms1331 أو لا ينفذ؟ فيه ثلاثة أقوال: ~~النفوذ، وعدمه، والفرق بين أن يعرض له الغضب بعد فهم الحكومة فينفذ وبين أن ~~يكون سابقا على فهم الحكومة فلا ينفذ، والثلاثة في مذهب الإمام أحمد رحمه ~~الله تعالى. ### | [على المفتي أن يرجع إلى العرف في مسائل] # [على المفتي أن يرجع إلى العرف في مسائل] الفائدة الثالثة والأربعون: لا ~~يجوز له أن يفتي في الإقرار والأيمان والوصايا وغيرها مما يتعلق باللفظ بما ~~اعتاده هو من فهم تلك الألفاظ دون أن يعرف عرف أهلها والمتكلمين بها ~~فيحملها على ما اعتادوه وعرفوه، وإن كان مخالفا لحقائقها الأصلية، فمتى لم ~~يفعل ذلك ضل وأضل؛ فلفظ الدينار عند طائفة اسم لثمانية دراهم، وعند طائفة ~~اسم لاثني عشر درهما، والدرهم عند غالب البلاد اليوم اسم للمغشوش، فإذا أقر ~~له بدراهم أو حلف ليعطينه إياها أو أصدقها امرأة لم يجز للمفتي ولا للحاكم ~~أن يلزمه بالخالصة، فلو كان في بلد إنما يعرفون الخالصة لم يجز له أن يلزم ~~المستحق بالمغشوشة، وكذلك في ألفاظ الطلاق والعتاق، فلو جرى عرف أهل بلد أو ~~طائفة في استعمالهم لفظ الحرية في العفة دون العتق، فإذا قال أحدهم عن ~~مملوكه: " إنه حر " أو عن جاريته: " إنها حرة "، وعادته استعمال ذلك في ~~العفة لم يخطر بباله غيرها لم يعتق بذلك قطعا، وإن كان اللفظ صريحا عند من ~~ألف استعماله في العتق، وكذلك إذا جرى عرف طائفة في الطلاق بلفظ التسميح ~~بحيث لا يعرفون لهذا المعنى غيره، فإذا قالت: " اسمح لي " فقال: " سمحت لك ~~" فهذا صريح في الطلاق عندهم، وقد تقدم الكلام في هذا الفصل مشبعا وأنه لا ~~يسوغ أن يقبل تفسير من قال: " لفلان علي مال جليل، أو عظيم " بدانق أو ~~درهم، ونحو ذلك، ولا سيما إن كان المقر من الأغنياء المكثرين أو الملوك، ~~وكذلك لو أوصى له بقوس في محلة لا يعرفون إلا أقواس البندق أو الأقواس ~~العربية أو أقواس الرجل، أو حلف لا يشم الريحان في محل لا يعرفون الريحان ~~إلا هذا الفارسي، أو ms1332 حلف لا يركب دابة في موضع عرفهم بلفظ الدابة الحمار أو ~~الفرس، أو حلف لا يأكل ثمرا في بلد عرفهم في الثمار نوع واحد منها لا ~~يعرفون غيره، أو حلف لا يلبس ثوبا في بلد عرفهم في الثياب القمص وحدها دون ~~الأردية والأزر والجباب ونحوها، تقيدت يمينه بذلك وحده في جميع هذه الصور، ~~واختصت بعرفه دون موضوع اللفظ لغة أو في عرف غيره، بل لو قالت المرأة ~~لزوجها الذي لا يعرف التكلم بالعربية ولا # PageV04P175 # يفهمها: " قل لي: أنت طالق ثلاثا "، وهو لا يعلم موضوع هذه الكلمة، فقال ~~لها، لم تطلق قطعا في حكم الله تعالى ورسوله، وكذلك لو قال الرجل لآخر: " ~~أنا عبدك ومملوكك " على جهة الخضوع له كما يقوله الناس لم يستبح ملك رقبته ~~بذلك، ومن لم يراع المقاصد والنيات العرف في الكلام فإنه يلزمه أن يجوز له ~~بيع هذا القائل وملك رقبته بمجرد هذا اللفظ. ### | [لا يعين المفتي على التحايل ولا على المكر] # [لا يعين المفتي على التحايل ولا على المكر] وهذا باب عظيم يقع فيه ~~المفتي الجاهل، فيغر الناس، ويكذب على الله ورسوله، ويغير دينه، ويحرم ما ~~لم يحرمه الله، ويوجب ما لم يوجبه الله، والله المستعان. # الفائدة الرابعة والأربعون: (يحرم عليه إذا جاءته مسألة فيها تحيل على ~~إسقاط واجب أو تحليل محرم أو مكر أو خداع أن يعين المستفتي فيها) ، ويرشده ~~إلى مطلوبه، أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصل به إلى مقصوده، بل ينبغي له أن ~~يكون بصيرا بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم، ~~بل يكون حذرا فطنا فقيها بأحوال الناس وأمورهم، يوازره فقهه في الشرع، وإن ~~لم يكن كذلك زاغ وأزاغ، وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل، وباطنها مكر وخداع ~~وظلم؟ فالغر ينظر إلى ظاهرها ويقضي بجوازه، وذو البصيرة ينقد مقصدها ~~وباطنها؛ فالأول يروج عليه زغل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زغل ~~الدراهم، والثاني يخرج زيفها كما يخرج الناقد زيف النقود. # وكم من باطل يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه ms1333 في صورة حق؟ وكم من ~~حق يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل؟ ومن له أدنى فطنة وخبرة لا ~~يخفى عليه ذلك، بل هذا أغلب أحوال الناس، ولكثرته وشهرته يستغنى عن ~~الأمثلة. # بل من تأمل المقالات الباطلة والبدع كلها وجدها قد أخرجها أصحابها في ~~قوالب مستحسنة وكسوها ألفاظا بها من لم يعرف حقيقتها، ولقد أحسن القائل: # تقول هذا جناء النحل تمدحه ... وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير # مدحا وذما وما جاوزت وصفهما ... والحق قد يعتريه سوء تعبير # ورأى بعض الملوك كأن أسنانه قد سقطت، فعبرها له معبر بموت أهله وأقاربه، ~~فأقصاه وطرده، واستدعى آخر فقال له: لا عليك، تكون أطول أهلك عمرا، فأعطاه ~~وأكرمه وقربه، فاستوفى المعنى، وغير له العبارة، وأخرج المعنى في قالب حسن. # PageV04P176 # والمقصود أنه لا يحل له أن يفتي بالحيل المحرمة، ولا يعين عليها، ولا يدل ~~عليها؛ فيضاد الله في أمره، قال الله تعالى: {ومكروا ومكر الله والله خير ~~الماكرين} [آل عمران: 54] وقال تعالى: {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا ~~يشعرون} [النمل: 50] {فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم ~~أجمعين} [النمل: 51] وقال تعالى: {يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون ~~إلا أنفسهم وما يشعرون} [البقرة: 9] وقال تعالى: {ويمكرون ويمكر الله والله ~~خير الماكرين} [الأنفال: 30] وقال تعالى: {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} ~~[فاطر: 43] وقال تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء: ~~142] وقال تعالى: {وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون} [الأنعام: 123] وقال ~~تعالى في حق أرباب الحيل المحرمة: {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ~~فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] {فجعلناها نكالا لما بين يديها ~~وما خلفها وموعظة للمتقين} [البقرة: 66] وفي صحيح مسلم عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «ملعون من ضار مسلما أو مكر به» وقال: «لا ترتكبوا ما ~~ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» وقال: «المكر والخديعة في ~~النار» وفي سنن ابن ماجه وغيره عنه - صلى الله عليه وسلم -: «ما بال أقوام ~~يلعبون بحدود الله ويستهزئون بآياته، طلقتك راجعتك، طلقتك راجعتك؟ ms1334 وفي لفظ: ~~خلعتك راجعتك خلعتك راجعتك» وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم -: «لعن ~~الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها» وقال أيوب ~~السختياني: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، وقال ابن عباس: من يخادع ~~الله يخدعه، وقال بعض السلف: ثلاث من كن فيه كن عليه المكر والبغي والنكث. # وقال تعالى: {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} [فاطر: 43] وقال تعالى ~~{إنما بغيكم على أنفسكم} [يونس: 23] وقال تعالى: {فمن نكث فإنما ينكث على ~~نفسه} [الفتح: 10] وقال الإمام أحمد: هذه الحيل التي وضعها هؤلاء، عمدوا ~~إلى السنن فاحتالوا في نقضها أتوا إلى الذي قيل لهم إنه حرام فاحتالوا فيه ~~حتى حللوه، وقال: ما أخبثهم، - يعني أصحاب الحيل - يحتالون لنقض سنن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقال: من احتال بحيلة فهو حانث. # وقال: إذا حلف على شيء ثم احتال بحيلة فصار إليها فقد صار إلى الذي حلف ~~عليه بعينه. # وقد تقدم بسط الكلام في هذه المسألة مستوفى فلا حاجة إلى إعادته. # PageV04P177 ### | [حكم أخذ المفتي أجرة أو هدية] # ] الفائدة الخامسة والأربعون: في أخذ الأجرة والهدية والرزق على الفتوى، ~~فيه ثلاث صور مختلفة السبب والحكم. # فأما أخذه الأجرة فلا يجوز له؛ لأن الفتيا منصب تبليغ عن الله ورسوله، ~~فلا تجوز المعاوضة عليه، كما لو قال له: لا أعلمك الإسلام أو الوضوء أو ~~الصلاة إلا بأجرة، أو سئل عن حلال أو حرام فقال للسائل: لا أجيبك عنه إلا ~~بأجرة، فهذا حرام قطعا، ويلزمه رد العوض، ولا يملكه. # وقال بعض المتأخرين: إن أجاب بالخط فله أن يقول للسائل: لا يلزمني أن ~~أكتب لك خطي إلا بأجرة، وله أخذ الأجرة، وجعله بمنزلة أجرة الناسخ؛ فإنه ~~يأخذ الأجرة على خطه، ولا على جوابه، وخطه قدر زائد على جوابه. # والصحيح خلاف ذلك، وأنه يلزمه الجواب مجانا لله بلفظه وخطه، ولكن لا ~~يلزمه الورق ولا الحبر. # وأما الهدية ففيها تفصيل، فإن كانت بغير سبب الفتوى كمن عادته يهاديه أو ~~من لا يعرف أنه مفت فلا بأس بقبولها، والأولى أن ms1335 يكافئ عليها، وإن كانت ~~بسبب الفتوى، فإن كانت سببا إلى أن يفتيه بما لا يفتي به غيره ممن لا يهدي ~~له لم يجز له قبول هديته، وإن كان لا فرق بينه وبين غيره عنده في الفتيا، ~~بل يفتيه بما يفتي به الناس، كره له قبول الهدية؛ لأنها تشبه المعاوضة على ~~الإفتاء. # وأما أخذ الرزق من بيت المال فإن كان محتاجا إليه جاز له ذلك، وإن كان ~~غنيا عنه ففيه وجهان، وهذا فرع متردد بين عامل الزكاة وعامل اليتيم، فمن ~~ألحقه بعامل الزكاة قال: النفع فيه عام، فله الأخذ، ومن ألحقه بعامل اليتيم ~~منعه من الأخذ، وحكم القاضي في ذلك حكم المفتي، بل القاضي أولى بالمنع، ~~والله أعلم. # [ما يصنع المفتي إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى] الفائدة السادسة ~~والأربعون: إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى، فإن ذكرها وذكر ~~مستندها، ولم يتجدد له ما يوجب تغير اجتهاده أفتى بها من غير نظر ولا ~~اجتهاد، وإن ذكرها ونسي مستندها فهل له أن يفتي بها دون تجديد نظر واجتهاد؟ ~~فيه وجهان لأصحاب # PageV04P178 # الإمام أحمد والشافعي، أحدهما: أن يلزمه تجديد النظر؛ لاحتمال تغير ~~اجتهاده وظهور ما كان خافيا عنه، والثاني: لا يلزمه تجديد النظر؛ لأن الأصل ~~بقاء ما كان على ما كان، وإن ظهر له ما يغير اجتهاده لم يجز له البقاء على ~~القول الأول، ولا يجب عليه نقضه، ولا يكون اختلافه مع نفسه فادحا في علمه، ~~بل هذا من كمال علمه وورعه، ولأجل هذا خرج عن الأئمة في المسألة قولان ~~فأكثر، وسمعت شيخنا - رحمه الله تعالى - يقول: حضرت عقد مجلس عند نائب ~~السلطان في وقف أفتى فيه قاضي البلد بجوابين مختلفين، فقرأ جوابه الموافق ~~للحق، فأخرج بعض الحاضرين جوابه الأول، وقال: هذا جوابك بضد هذا فكيف تكتب ~~جوابين متناقضين في واقعة واحدة؟ فوجم الحاكم، فقلت: هذا من علمه ودينه، ~~أفتى أولا بشيء، ثم تبين له الصواب فرجع إليه، كما يفتي إمامه بقول ثم ~~يتبين له خلافه فيرجع ms1336 إليه، ولا يقدح ذلك في علمه ولا دينه، وكذلك سائر ~~الأئمة، فسر بذلك وسري عنه. # [كل الأئمة يذهبون إلى الحديث ومتى صح فهو مذهبهم] الفائدة السابعة ~~والأربعون: قول الشافعي - رحمه الله تعالى -: " إذا وجدتم في كتابي خلاف ~~سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا بسنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ودعوا ما قلته " وكذلك قوله: " إذا صح الحديث عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وقلت أنا قولا فأنا راجع عن قولي وقائل بذلك الحديث " ~~وقوله: " إذا صح الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاضربوا بقولي ~~الحائط " وقوله: " إذا رويت حديثا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ~~أذهب إليه فاعلموا أن عقلي قد ذهب " وغير ذلك من كلامه في هذا المعنى صريح ~~في مدلوله، وأن مذهبه ما دل عليه الحديث، لا قول له غيره، ولا يجوز أن ينسب ~~إليه ما خالف الحديث ويقال: " هذا مذهب الشافعي " ولا يحل الإفتاء بما خالف ~~الحديث على أنه مذهب الشافعي، ولا الحكم به، صرح بذلك جماعة من أئمة ~~أتباعه، حتى كان منهم من يقول للقارئ إذا قرأ عليه مسألة من كلامه: قد صح ~~الحديث بخلافها، اضرب على هذه المسألة فليست مذهبه، وهذا هو الصواب قطعا، ~~ولو لم ينص عليه، فكيف إذا نص عليه وأبدى فيه وأعاد وصرح فيه بألفاظ كلها ~~صريحة في مدلولها؟ فنحن نشهد بالله أن مذهبه وقوله الذي لا قول له سواء ما ~~وافق الحديث، دون ما خالفه وأن من نسب إليه خلافه فقد نسب إليه خلاف مذهبه، ~~ولا سيما إذا ذكر هو ذلك الحديث وأخبر أنه إنما خالفه لضعف في سنده أو لعدم ~~بلوغه له من وجه يثق به، ثم ظهر للحديث سند صحيح لا مطعن فيه وصححه أئمة ~~الحديث من وجوه لم تبلغه، فهذا لا يشك عالم ولا يماري في أنه مذهبه قطعا، ~~وهذا كمسألة الجوائح؛ فإنه علل حديث سفيان بن عيينة بأنه كان ربما ترك ذكر ~~الجوائح، وقد # PageV04P179 # صح الحديث من غير طريق سفيان ms1337 صحة لا مرية فيها ولا علة ولا شبهة بوجه؛ ~~فمذهب الشافعي وضع الجوائح، وبالله التوفيق. # وقد صرح بعض أئمة الشافعية بأن مذهبه أن الصلاة الوسطى صلاة العصر، وأن ~~وقت المغرب يمتد إلى مغيب الشفق، وأن من مات وعليه صيام صام عنه وليه، وأن ~~أكل لحوم الإبل ينقض الوضوء، وهذا بخلاف الفطر بالحجامة، وصلاة المأموم ~~قاعدا إذا صلى إمامه كذلك؛ فإن الحديث، وإن صح في ذلك فليس بمذهبه، فإن ~~الشافعي قد رواه وعرف صحته، ولكن خالفه، لاعتقاده نسخه. # وهذا شيء وذاك شيء، ففي هذا القسم يقع النظر في النسخ وعدمه، وفي الأول ~~يقع النظر في صحة الحديث وثقة السند، فاعرفه. ### | [هل تجوز الفتيا لمن عنده كتب الحديث] # [هل تجوز الفتيا لمن عنده كتب الحديث؟] الفائدة الثامنة والأربعون: إذا ~~كان عند الرجل الصحيحان أو أحدهما أو كتاب من سنن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - موثوق بما فيه، فهل له أن يفتي بما يجده فيه؟ فقالت طائفة من ~~المتأخرين: ليس له ذلك؛ لأنه قد يكون منسوخا، أو له معارض، أو يفهم من ~~دلالته خلاف ما يدل عليه، أو يكون أمر ندب فيفهم منه الإيجاب، أو يكون عاما ~~له مخصص، أو مطلقا له مقيد، فلا يجوز له العمل ولا الفتيا به حتى يسأل أهل ~~الفقه والفتيا. # وقالت طائفة: بل له أن يعمل به، ويفتي به، بل يتعين عليه، كما كان ~~الصحابة يفعلون، إذا بلغهم الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وحدث به بعضهم بعضا بادروا إلى العمل به من غير توقف ولا بحث عن معارض، ولا ~~يقول أحد منهم قط: هل عمل بهذا فلان وفلان؟ ولو رأوا من يقول ذلك لأنكروا ~~عليه أشد الإنكار، وكذلك التابعون، وهذا معلوم بالضرورة لمن له أدنى خبرة ~~بحال القوم وسيرتهم، وطول العهد بالسنة وبعد الزمان وعتقها لا يسوغ ترك ~~الأخذ بها والعمل بغيرها، ولو كانت سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لا يسوغ العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان أو فلان لكان ms1338 قول فلان أو ~~فلان عيارا على السنن، ومزكيا لها، وشرطا في العمل بها، وهذا من أبطل ~~الباطل، وقد أقام الله الحجة برسوله دون آحاد الأمة، وقد أمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بتبليغ سنته، ودعا لمن بلغها؛ فلو كان من بلغته لا يعمل ~~بها حتى يعمل بها الإمام فلان، والإمام فلان لم يكن في تبليغها فائدة، وحصل ~~الاكتفاء بقول فلان وفلان. # قالوا: والنسخ الواقع في الأحاديث الذي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة ~~أحاديث ألبتة بل ولا شطرها؛ فتقدير وقوع الخطأ في الذهاب إلى المنسوخ أقل ~~بكثير من وقوع الخطأ في تقليد من يصيب ويخطئ، ويجوز عليه التناقض ~~والاختلاف، ويقول القول # PageV04P180 # ويرجع عنه، ويحكي عنه في المسألة الواحدة عدة أقوال، ووقوع الخطأ في فهم ~~كلام المعصوم أقل بكثير من وقوع الخطأ في فهم كلام الفقيه المعين؛ فلا يفرض ~~احتمال خطأ لمن عمل بالحديث وأفتى به إلا وأضعاف أضعافه حاصل لمن أفتى ~~بتقليد من لا يعلم خطؤه من صوابه. # والصواب في هذه المسألة التفصيل؛ فإن كانت دلالة الحديث ظاهرة بينة لكل ~~من سمعه لا يحتمل غير المراد فله أن يعمل به، ويفتي به، ولا يطلب له ~~التزكية من قول فقيه أو إمام، بل الحجة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وإن خالفه من خالفه، وإن كانت دلالته خفية لا يتبين المراد منها لم يجز ~~له أن يعمل، ولا يفتي بما يتوهمه مرادا حتى يسأل ويطلب بيان الحديث ووجهه، ~~وإن كانت دلالته ظاهرة كالعام على أفراده، والأمر على الوجوب، والنهي على ~~التحريم؛ فهل له العمل والفتوى به؟ يخرج على الأصل وهو العمل بالظواهر قبل ~~البحث عن المعارض، وفيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: الجواز، والمنع، ~~والفرق بين العام [والخاص] فلا يعمل به قبل البحث عن المخصص، والأمر والنهي ~~فيعمل به قبل البحث عن المعارض، وهذا كله إذا كان ثم نوع أهلية ولكنه قاصر ~~في معرفة الفروع وقواعد الأصوليين والعربية، وإذا لم تكن ثمة أهلية قط ~~ففرضه ما قال الله تعالى: ms1339 {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: ~~43] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا سألوا إذا لم يعلموا، إنما ~~شفاء العي السؤال» وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتبه المفتي من كلامه ~~أو كلام شيخه وإن علا وصعد فمن كلام إمامه؛ فلأن يجوز اعتماد الرجل على ما ~~كتبه الثقات من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى بالجواز، وإذا ~~قدر أنه لم يفهم الحديث كما لو لم يفهم فتوى المفتي فيسأل من يعرفه معناه، ~~كما يسأل من يعرفه معنى جواب المفتي، وبالله التوفيق. ### | [فتوى المفتي المقلد بغير مذهب إمامه] # [هل للمفتي أن يفتي بغير مذهب إمامه؟] الفائدة التاسعة والأربعون: (هل ~~للمنتسب إلى تقليد إمام معين أن يفتي بقول غيره) ؟ لا يخلو الحال من أمرين: ~~إما أن يسأل عن مذهب ذلك الإمام فقط فيقال له: ما مذهب الشافعي مثلا في كذا ~~وكذا؟ أو يسأل عن حكم الله الذي أداه إليه اجتهاده؛ فإن سئل عن مذهب ذلك ~~الإمام لم يكن له أن يخبره بغيره إلا على وجه الإضافة إليه، وإن سئل عن حكم ~~الله من غير أن يقصد السائل قول فقيه معين؛ فههنا يجب عليه الإفتاء بما هو ~~راجح عنده وأقرب إلى الكتاب والسنة من مذهب إمامه أو مذهب من خالفه، لا ~~يسعه غير ذلك، فإن لم # PageV04P181 # يتمكن منه وخاف أن يؤدي إلى ترك الإفتاء في تلك المسألة لم يكن له أن ~~يفتي بما لا يعلم أنه صواب؛ فكيف بما يغلب على ظنه أن الصواب في خلافه؟ ولا ~~يسع الحاكم والمفتي غير هذا ألبتة؛ فإن الله سائلهما عن رسوله وما جاء به، ~~لا عن الإمام المعين وما قاله، وإنما يسأل الناس في قبورهم ويوم معادهم عن ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ فيقال له في قبره: ما كنت تقول في هذا ~~الرجل الذي بعث فيكم؟ {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} [القصص: ~~65] ولا يسأل أحد قط عن إمام ولا شيخ ولا متبوع غيره، بل يسأل عمن اتبعه ~~وائتم به غيره، فلينظر ms1340 بماذا يجيب؟ وليعد للجواب صوابا. # وقد سمعت شيخنا - رحمه الله - يقول: جاءني بعض الفقهاء من الحنفية فقال: ~~أستشيرك في أمر، قلت: ما هو؟ قال: أريد أن أنتقل عن مذهبي، قلت له: ولم؟ ~~قال: لأني أرى الأحاديث الصحيحة كثيرا تخالفه، واستشرت في هذا بعض أئمة ~~أصحاب الشافعي فقال لي: لو رجعت عن مذهبك لم يرتفع ذلك من المذهب، وقد ~~تقررت المذاهب، ورجوعك غير مفيد، وأشار علي بعض مشايخ التصوف بالافتقار إلى ~~الله والتضرع إليه وسؤال الهداية لما يحبه ويرضاه، فماذا تشير به أنت علي؟ ~~قال: فقلت له: اجعل المذهب ثلاثة أقسام، قسم الحق فيه ظاهر بين موافق ~~للكتاب والسنة فاقض به وأفت به طيب النفس منشرح الصدر، وقسم مرجوح ومخالفه ~~معه الدليل فلا تفت به ولا تحكم به وادفعه عنك، وقسم من مسائل الاجتهاد ~~التي الأدلة فيها متجاذبة؛ فإن شئت أن تفتي به وإن شئت أن تدفعه عنك، فقال: ~~جزاك الله خيرا، أو كما قال. # وقالت طائفة أخرى - منهم أبو عمرو بن الصلاح، وأبو عبد الله بن حمدان -: ~~من وجد حديثا يخالف مذهبه فإن كملت آلة الاجتهاد فيه مطلقا أو في مذهب ~~إمامه أو في ذلك النوع أو في تلك المسألة فالعمل بذلك الحديث أولى، وإن لم ~~تكمل آلته ووجد في قلبه حزازة من مخالفة الحديث بعد أن بحث فلم يجد ~~لمخالفته عنده جوابا شافيا فلينظر: هل عمل بذلك الحديث إمام مستقل أم لا؟ ~~فإن وجده فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث، ويكون ذلك عذرا له في ~~ترك مذهب إمامه في ذلك، والله أعلم. ### | [فتوى المفتي بغير مذهب إمامه إذا ترجح في نظره] # [إذا ترجح عند المفتي مذهب غير مذهب إمامه، فهل يفتي به؟] الفائدة ~~الخمسون: (هل للمفتي المنتسب إلى مذهب إمام بعينه أن يفتي بمذهب غيره إذا ~~ترجح عنده) ؟ فإن كان سالكا سبيل ذلك الإمام في الاجتهاد ومتابعة الدليل ~~أين كان - وهذا هو المتبع للإمام حقيقة - فله أن يفتي بما ترجح عنده من قول ~~غيره، وإن كان مجتهدا ms1341 # PageV04P182 # متقيدا بأقوال ذلك الإمام لا يعدوها إلى غيرها فقد قيل: ليس له أن يفتي ~~بغير قول إمامه؛ فإن أراد ذلك حكاه عن قائله حكاية محضة. # والصواب أنه إذا ترجح عنده قول غير إمامه بدليل راجح فلا بد أن يخرج على ~~أصول إمامه وقواعده؛ فإن الأئمة متفقة على أصول الأحكام، ومتى قال بعضهم ~~قولا مرجوحا فأصوله ترده وتقتضي القول الراجح، فكل قول صحيح فهو يخرج على ~~قواعد الأئمة بلا ريب؛ فإذا تبين لهذا المجتهد المقيد رجحان هذا القول وصحة ~~مأخذه خرج على قواعد إمامه فله أن يفتي به، وبالله التوفيق. # وقد قال القفال: لو أدى اجتهادي إلى مذهب أبي حنيفة قلت: مذهب الشافعي ~~كذا، لكني أقول بمذهب أبي حنيفة؛ لأن السائل إنما يسألني عن مذهب الشافعي؛ ~~فلا بد أن أعرفه أن الذي أفتيته به غير مذهبه، فسألت شيخنا قدس الله روحه ~~عن ذلك، فقال: أكثر المستفتين لا يخطر بقلبه مذهب معين عند الواقعة التي ~~سأل عنها، وإنما سؤاله عن حكمها وما يعمل به فيها، فلا يسع المفتي أن يفتيه ~~بما يعتقد الصواب في خلافه. ### | [إذا تساوى عند المفتي قولان فماذا يصنع] # [إذا تساوى عند المفتي قولان فماذا يصنع؟] الفائدة الحادية والخمسون: ~~(إذا اعتدل عند المفتي قولان ولم يترجح له أحدهما على الآخر) ، فقال القاضي ~~أبو يعلى: له أن يفتي بأيهما شاء، كما يجوز له أن يعمل بأيهما شاء، وقيل: ~~بل يخير المستفتي فيقول له: أنت مخير بينهما؛ لأنه إنما يفتي بما يراه، ~~والذي يراه هو التخيير، وقيل: بل يفتيه بالأحوط من القولين. # قلت: الأظهر أنه يتوقف، ولا يفتيه بشيء حتى يتبين له الراجح منهما؛ لأن ~~أحدهما خطأ، فليس له أن يفتيه بما لا يعلم أنه صواب، وليس له أن يخيره بين ~~الخطأ والصواب، وهذا كما إذا تعارض عند الطبيب في أمر المريض أمران خطأ ~~وصواب ولم يتبين له أحدهما لم يكن له أن يقدم على أحدهما، ولا يخيره، وكما ~~لو استشاره في أمر فتعارض عنده الخطأ والصواب من غير ترجيح لم ms1342 يكن له أن ~~يشير بأحدهما ولا يخيره، وكما لو تعارض عنده طريقان مهلكة وموصلة، ولم ~~يتبين له طريق الصواب لم يكن له الإقدام ولا التخيير، فمسائل الحلال ~~والحرام أولى بالتوقف. # والله أعلم. ### | [هل للمفتي أن يفتي بالقول الذي رجع عنه إمامه] # [هل للمفتي أن يفتي بالقول الذي رجع عنه إمامه؟] الفائدة الثانية ~~والخمسون: (أتباع الأئمة يفتون كثيرا بأقوالهم القديمة التي رجعوا عنها) ، ~~وهذا موجود في سائر الطوائف؛ فالحنفية يفتون بلزوم المنذورات التي مخرجها # PageV04P183 # مخرج اليمين كالحج والصوم والصدقة، وقد حكوا هم عن أبي حنيفة أنه رجع قبل ~~موته بثلاثة أيام إلى التكفير، والحنابلة يفتي كثير منهم بوقوع طلاق ~~السكران، وقد صرح الإمام أحمد بالرجوع عنه إلى عدم الوقوع كما تقدم حكايته، ~~والشافعية يفتون بالقول القديم في مسألة التثويب، وامتداد وقت المغرب، ~~ومسألة التباعد عن النجاسة في الماء الكثير، وعدم استحباب قراءة السورة في ~~الركعتين الأخيرتين، وغير ذلك من المسائل، وهي أكثر من عشرين مسألة، ومن ~~المعلوم أن القول الذي صرح بالرجوع عنه لم يبق مذهبا له، فإذا أفتى المفتي ~~به مع نصه على خلافه لرجحانه عنده لم يخرجه ذلك عن التمذهب بمذهبه، فما ~~الذي يحرم عليه أن يفتي بقول غيره من الأئمة الأربعة وغيرهم إذا ترجح عنده؟ ~~فإن قيل: الأول قد كان مذهبا له مرة، بخلاف ما لم يقل به قط. # قيل: هذا فرق عديم التأثير؛ إذ ما قال به وصرح بالرجوع عنه بمنزله ما لم ~~يقله، وهذا كله مما يبين أن أهل العلم لا يتقيدون بالتقليد المحض الذي ~~يهجرون لأجله قول كل من خالف من قلدوه. # وهذه طريقة ذميمة وخيمة، حادثة في الإسلام، مستلزمة لأنواع من الخطأ، ~~ومخالفة الصواب، والله أعلم. ### | [فتوى المفتي بما يخالف النص] # [لا يجوز للمفتي أن يفتي بما يخالف النص] الفائدة الثالثة والخمسون: ~~(يحرم على المفتي أن يفتي بضد لفظ النص، وإن وافق مذهبه) . # ومثاله: أن يسأل عن رجل صلى من الصبح ركعة ثم طلعت الشمس، هل يتم صلاته ~~أم لا؟ فيقول: لا يتمها، ورسول ms1343 الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «فليتم ~~صلاته» . # ومثل أن يسأل عمن مات عليه صيام: هل يصوم عنه وليه؟ فيقول: لا يصوم عنه ~~وليه، وصاحب الشرع - صلى الله عليه وسلم - قال: «من مات وعليه صيام صام عنه ~~وليه» . # ومثل أن يسأل عن رجل باع متاعه ثم أفلس المشتري فوجده بعينه، هل هو أحق ~~به؟ فيقول: ليس أحق به، وصاحب الشرع يقول: «فهو أحق به» . # ومثل أن يسأل عن رجل أكل في رمضان أو شرب ناسيا، هل يتم صومه؟ فيقول: لا ~~يتم صومه، وصاحب الشرع يقول: «فليتم صومه» . # PageV04P184 # ومثل أن يسأل عن أكل كل ذي ناب من السباع، هل هو حرام؟ فيقول: ليس بحرام، ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أكل كل ذي ناب من السباع حرام» . # ومثل أن يسأل عن الرجل: هل له منع جاره من غرز خشبة في جداره؟ فيقول: له ~~أن يمنعه، وصاحب الشرع يقول " لا يمنعه ". # ومثل أن يسأل: هل تجزي صلاة من لا يقيم صلبه من ركوعه وسجوده؟ فيقول: ~~تجزيه صلاته، وصاحب الشرع - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تجزئ صلاة لا ~~يقيم الرجل فيها صلبه بين ركوعه وسجوده» . # أو يسأل عن مسألة التفضيل بين الأولاد في العطية: هل يصح أو لا يصح؟ وهل ~~هو جور [أم لا؟] فيقول: يصح، وليس بجور، وصاحب الشرع يقول: " إن هذا لا يصح ~~" ويقول: «لا تشهدني على جور» . # ومثل أن يسأل عن الواهب: هل يحل له أن يرجع في هبته؟ فيقول: نعم يحل له ~~[أن يرجع إلا أن يكون والدا أو قرابة فلا يرجع، وصاحب الشرع يقول: «لا يحل ~~لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما يهب لولده» . # ومثل أن يسأل عن رجل له شرك في أرض أو دار أو بستان: هل يحل له أن يبيع ~~حصته قبل إعلام شريكه بالبيع وعرضها عليه؟ فيقول: نعم يحل له أن يبيع قبل ~~إعلامه، وصاحب الشرع يقول: «من كان له شرك في أرض أو ربعة أو حائط لا يحل ~~له أن ms1344 يبيع حتى يؤذن شريكه» . # ومثل أن يسأل عن قتل المسلم بالكافر، فيقول: نعم يقتل المسلم بالكافر، ~~وصاحب الشرع يقول: «لا يقتل مسلم بكافر» . # ومثل أن يسأل عمن زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فهل الزرع له أم لصاحب ~~الأرض؟ فيقول: الزرع له، وصاحب الشرع يقول: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم ~~فليس له من الزرع شيء، وله نفقته» . # ومثل أن يسأل: هل يصح تعليق الولاية بالشرط؟ فيقول: لا يصح، وصاحب الشرع ~~يقول: «أميركم زيد، فإن قتل فجعفر، فإن قتل فعبد الله بن رواحة» . # PageV04P185 # ومثل أن يسأل: هل يحل القضاء بالشاهد واليمين؟ فيقول: لا يجوز، وصاحب ~~الشرع «قضى بالشاهد واليمين» . # ومثل أن يسأل عن الصلاة الوسطى: هل هي صلاة العصر أم لا؟ فيقول: ليست ~~العصر، وقد قال صاحب الشريعة: «صلاة الوسطى صلاة العصر» . # ومثل أن يسأل عن يوم الحج الأكبر: هل هو يوم النحر أم لا؟ فيقول: ليس يوم ~~النحر، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يوم الحج الأكبر يوم ~~النحر» . # ومثل أن يسأل: هل يجوز الوتر بركعة واحدة؟ فيقول: لا يجوز الوتر بركعة ~~واحدة، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا خشيت الصبح فأوتر ~~بواحدة» . # ومثل أن يسأل: هل يسجد في {إذا السماء انشقت} [الانشقاق: 1] ، و {اقرأ ~~باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] فيقول: لا يسجد فيهما، وقد سجد فيهما رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # ومثل أن يسأل عن رجل عض يد رجل فانتزعها من فيه فسقطت أسنانه، فيقول: له ~~ديتها، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا دية له» . # ومثل أن يسأل عن رجل اطلع في بيت رجل فخذفه ففقأ عينه: هل عليه جناح؟ ~~فيقول: نعم عليه جناح، وتلزمه دية عينه، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إنه لو فعل ذلك لم يكن عليه جناح» . # ومثل أن يسأل عن رجل اشترى شاة أو بقرة أو ناقة فوجدها مصراة، فهل له ~~ردها ورد صاع من تمر معها أم لا؟ فيقول: لا ms1345 يجوز له ردها ورد الصاع من ~~التمر معها، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن سخطها ردها ~~وصاعا من تمر» . # ومثل أن يسأل عن الزاني البكر: هل عليه مع الجلد تغريب؟ فيقول: لا تغريب ~~عليه، وصاحب الشرع يقول: «عليه جلد مائة وتغريب عام» . # ومثل أن يسأل عن الخضراوات: هل فيها زكاة؟ فيقول: يجب فيها الزكاة، وصاحب ~~الشرع يقول: «لا زكاة في الخضراوات» . # أو يسأل عما دون خمسة أوسق: هل فيه زكاة؟ فيقول: نعم تجب فيه الزكاة، ~~وصاحب الشرع يقول: «لا زكاة فيما دون خمسة أوسق» . # أو يسأل عن امرأة أنكحت نفسها بدون إذن وليها، فيقول: نكاحها صحيح، وصاحب ~~الشرع يقول: «فنكاحها، باطل، باطل، باطل» . # PageV04P186 # أو يسأل عن المحلل والمحلل له: هل يستحقان اللعنة؟ فيقول: لا يستحقان ~~اللعنة، «وقد لعنهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غير وجه» . # أو يسأل: هل يجوز إكمال شعبان ثلاثين يوما ليلة الإغماء، فيقول: لا يجوز ~~إكماله ثلاثين يوما، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فإن غم ~~عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما» . # أو يسأل عن المطلقة المبتوتة: هل لها نفقة وسكنى؟ فيقول: نعم لها النفقة ~~والسكنى، وصاحب الشرع يقول: «لا نفقة لها ولا سكنى» . # أو يسأل عن الإمام: هل يستحب له أن يسلم في الصلاة تسليمتين؟ فيقول: يكره ~~ذلك ولا يستحب، وقد روى خمسة عشر نفسا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~«كان يسلم عن يمينه وعن يساره، السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ~~ورحمة الله» . # أو يسأل عمن رفع يديه عند الركوع والرفع عنه: هل صلاته مكروهة أو [هي] ~~ناقصة؟ فيقول: نعم تكره صلاته أو هي ناقصة، وربما غلا فقال: باطلة، وقد روى ~~بضعة وعشرون نفسا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «كان يرفع يديه، عند ~~الافتتاح، وعند الركوع، وعند الرفع منه» بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها. # أو يسأل عن بول الغلام الذي لم يأكل الطعام: هل يجزي فيه الرش [أم يجب ~~الغسل] ؟ فيقول: لا يجزي [فيه ms1346 الرش] وصاحب الشرع «يقول: يرش من بول الغلام» ~~ورشه [هو] بنفسه. # أو يسأل عن التيمم: هل يكفي بضربة واحدة إلى الكوعين، فيقول: لا يكفي ولا ~~يجزئ، وصاحب الشرع قد نص على أنه يكفي نصا صحيحا لا مدفع له. # أو يسأل عن بيع الرطب بالتمر: هل يجوز؟ فيقول: نعم [يجوز] ، وصاحب الشرع ~~يسأل عنه فيقول: «لا آذن» . # أو يسأل عن رجل أعتق ستة عبيد لا يملك غيرهم عند موته: هل تكمل الحرية في ~~اثنين منهم أو يعتق من كل واحد سدسه؟ فيقول: لا تكمل الحرية في اثنين منهم، ~~«وقد أقرع بينهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكمل الحرية في اثنين ~~وأرق أربعة.» أو يسأل عن القرعة: هل هي جائزة أم باطلة؟ فيقول: لا، بل هي ~~باطلة، وهي من أحكام الجاهلية، وقد أقرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وأمر بالقرعة في غير موضع. # أو يسأل عن الرجل يصلي خلف الصف وحده: هل له صلاة أم لا [صلاة] له؟ وهل # PageV04P187 # يؤمر بالإعادة؟ فيقول: نعم له صلاة، ولا يؤمر بالإعادة، وقد قال صاحب ~~الشرع: «لا صلاة له» وأمره بالإعادة. # أو يسأل: هل للرجل رخصة في ترك الجماعة من غير عذر؟ فيقول: نعم له رخصة، ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا أجد لك رخصة» . # أو يسأل عن رجل أسلف رجلا ماله وباعه سلعة: هل يحل ذلك؟ فيقول نعم يحل ~~ذلك، وصاحب الشرع يقول: «لا يحل سلف وبيع» . # ونظائر ذلك كثيرة جدا، وقد كان السلف الطيب يشتد نكيرهم وغضبهم على من ~~عارض حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأي أو قياس أو استحسان أو ~~قول أحد من الناس كائنا من كان، ويهجرون فاعل ذلك، وينكرون على من يضرب له ~~الأمثال، ولا يسوغون غير الانقياد له والتسليم والتلقي بالسمع والطاعة، ولا ~~يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان ~~وفلان، بل كانوا عاملين بقوله: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن ms1347 يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] وبقوله تعالى: ~~{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ~~مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] وبقوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل ~~إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} [الأعراف: 3] ~~وأمثالها، فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم " ثبت عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال كذا وكذا " يقول: من قال بهذا؟ ويجعل هذا دفعا في صدر ~~الحديث، أو يجعل جهله بالقائل [به] حجة له في مخالفته وترك العمل به، ولو ~~نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل، وأنه لا يحل له دفع سنن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بمثل هذا الجهل، وأقبح من ذلك عذره في جهله؛ ~~إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة، وهذا سوء ظن بجماعة ~~المسلمين، إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذا الإجماع، وهو جهله وعدم علمه بمن ~~قال بالحديث، فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة، والله المستعان. # ولا يعرف إمام من أئمة الإسلام ألبتة قال: لا نعمل بحديث رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حتى نعرف من عمل به، فإن جهل من بلغه الحديث من عمل به لم ~~يحل له أن يعمل به كما يقول هذا القائل. # PageV04P188 ### | [إخراج النصوص عن ظاهرها لتوافق مذهب المفتي] # لا يجوز إخراج النصوص عن ظاهرها لتوافق مذهب المفتي] الفائدة الخامسة ~~والخمسون: إذا سئل عن تفسير آية من كتاب الله أو سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فليس له أن يخرجها عن ظاهرها بوجوه التأويلات الفاسدة لموافقة ~~نحلته وهواه، ومن فعل ذلك استحق المنع من الإفتاء والحجر عليه، وهذا الذي ~~ذكرناه هو الذي صرح به أئمة الإسلام قديما وحديثا. # قال أبو حاتم الرازي: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي محمد بن ~~إدريس الشافعي: الأصل قرآن أو سنة، فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا ms1348 اتصل ~~الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصح الإسناد به فهو المنتهى ~~والإجماع أكبر من الخبر الفرد، والحديث على ظاهره، وإذا احتمل المعاني فما ~~أشبه منها ظاهره أولاها به، فإذا تكافأت الأحاديث فأصحها إسنادا أولاها، ~~وليس المنقطع بشيء، ما عدا منقطع سعيد بن المسيب، ولا يقاس أصل على أصل ولا ~~يقال لأصل: لم؟ وكيف؟ وإنما يقال للفرع: لم؟ فإذا صح قياسه على الأصل صح ~~وقامت به الحجة، رواه الأصم عن ابن أبي حاتم. # وقال أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية في الأركان الإسلامية ": ~~ذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها ~~وتفويض معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأيا وندين الله به عقد اتباع ~~سلف الأمة؛ فالأولى الاتباع وترك الابتداع، والدليل السمعي القاطع في ذلك ~~أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة، وقد درج صحب الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها، وهم ~~صفوة الإسلام، والمستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهدا في ضبط ~~قواعد الملة والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، ولو كان ~~تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق ~~اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين لهم على الإضراب ~~عن التأويل، كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتبع، فحق على ذي الدين أن يعتقد ~~تنزيه الباري عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها ~~إلى الرب تعالى. # وعند إمام القراء وسيدهم الوقوف على قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا ~~الله} [آل عمران: 7] من العزائم ثم الابتداء بقوله: {والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به} [آل عمران: 7] . # ومما استحسن من كلام مالك أنه سئل عن قوله تعالى: {الرحمن على العرش ~~استوى} [طه: 5] كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان ~~به # PageV04P189 # واجب، والسؤال عنه بدعة، فلتجر آية الاستواء والمجيء وقوله: {لما خلقت ~~بيدي} [ص: 75] وقوله: {ويبقى وجه ربك} [الرحمن: 27] وقوله: {تجري بأعيننا} ~~[القمر: 14] وما صح من أخبار ms1349 الرسول كخبر النزول وغيره على ما ذكرنا، انتهى ~~كلامه. # وقال أبو حامد الغزالي: الصواب للخلف سلوك مسلك السلف في الإيمان المرسل ~~والتصديق المجمل، وما قاله الله ورسوله، بلا بحث وتفتيش. # وقال في كتاب التفرقة: الحق الاتباع والكف عن تغيير الظاهر رأسا، والحذر ~~عن اتباع تأويلات لم يصرح بها الصحابة، وحسم باب السؤال رأسا، والزجر عن ~~الخوض في الكلام والبحث، إلى أن قال: ومن الناس من يبادر إلى التأويل ظنا ~~لا قطعا، فإن كان فتح هذا الباب والتصريح به يؤدي إلى تشويش قلوب العوام ~~بدع صاحبه، وكل ما لم يؤثر عن السلف ذكره وما يتعلق من هذا الجنس بأصول ~~العقائد المهمة فيجب تكفير من يغير الظواهر بغير برهان قاطع. # وقال أيضا: كل ما لم يحتمل التأويل في نفسه وتواتر نقله ولم يتصور أن ~~يقوم على خلافه برهان فمخالفته تكذيب محض، وما تطرق إليه احتمال تأويل ولو ~~بمجاز بعيد، فإن كان برهانه قاطعا وجب القول به، وإن كان البرهان يفيد ظنا ~~غالبا ولا يعظم ضرره في الدين فهو بدعة، وإن عظم ضرره في الدين فهو كفر. # قال: ولم تجر عادة السلف بهذه المجادلات، بل شددوا القول على من يخوض في ~~الكلام، ويشتغل بالبحث والسؤال. # وقال أيضا: الإيمان المستفاد من الكلام ضعيف، والإيمان الراسخ إيمان ~~العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا بتواتر السماع وبعد البلوغ بقرائن يتعذر ~~التعبير عنها. # قال: وقال شيخنا أبو المعالي: يحرص الإمام ما أمكنه على جمع عامة الخلق ~~على سلوك سبيل السلف في ذلك، انتهى. # وقد اتفقت الأئمة الأربعة على ذم الكلام وأهله، وكلام الإمام الشافعي ~~ومذهبه فيهم معروف عند جميع أصحابه، وهو أنهم يضربون ويطاف بهم في قبائلهم ~~وعشائرهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. # وقال: لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما كنت أظنه، وقال: لأن يبتلى ~~العبد # PageV04P190 # بكل شيء نهي عنه غير الكفر أيسر من أن يبتلى بالكلام، وقال لحفص الفرد: ~~أنا أخالفك في كل شيء حتى في قول لا إله إلا ms1350 الله، أنا أقول لا إله إلا ~~الله الذي يرى في الآخرة والذي كلم موسى تكليما، وأنت تقول: لا إله إلا ~~الله الذي لا يرى في الآخرة ولا يتكلم. # وقال البيهقي: ذكر الشافعي إبراهيم بن إسماعيل بن علية فقال: أنا مخالف ~~له في كل شيء، وفي قوله لا إله إلا الله، لست أقول كما يقول، أنا أقول: لا ~~إله إلا الله الذي كلم موسى من وراء حجاب، وذاك يقول: لا إله إلا الله الذي ~~خلق كلاما أسمعه موسى من وراء حجاب. # وقال في أول خطبة رسالته: الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما ~~يصفه به الواصفون من خلقه، وهذا تصريح بأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه - ~~تعالى، وأنه يتعالى ويتنزه عما يصفه به المتكلمون وغيرهم مما لم يصف به ~~نفسه. # وقال أبو نصر أحمد بن محمد بن خالد السجزي: سمعت أبي يقول: قلت لأبي ~~العباس بن سريج: ما التوحيد؟ فقال: توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين أشهد ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتوحيد أهل الباطل الخوض في ~~الأعراض والأجسام، وإنما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإنكار ذلك. # وقال بعض أهل العلم: كيف لا يخشى الكذب على الله ورسوله من يحمل كلامه ~~على التأويلات المستنكرة والمجازات المستكرهة التي هي بالألغاز والأحاجي ~~أولى منها بالبيان والهداية؟ وهل يأمن على نفسه أن يكون ممن قال الله فيهم ~~{ولكم الويل مما تصفون} [الأنبياء: 18] قال الحسن: هي والله لكل واصف كذبا ~~إلى يوم القيامة، وهل يأمن أن يتناوله قوله تعالى: {وكذلك نجزي المفترين} ~~[الأعراف: 152] قال ابن عيينة: هي لكل مفتر من هذه الأمة إلى يوم القيامة، ~~وقد نزه - سبحانه - نفسه عن كل ما يصفه به خلقه إلا المرسلين فإنهم إنما ~~يصفونه بما أذن لهم أن يصفوه به، فقال تعالى: {سبحان ربك رب العزة عما ~~يصفون} [الصافات: 180] {وسلام على المرسلين} [الصافات: 181] وقال تعالى: ~~{سبحان الله عما يصفون - إلا عباد الله المخلصين} [الصافات: 159 - 160] ~~ويكفي المتأولين كلام الله ms1351 ورسوله بالتأويلات التي لم يردها، ولم يدل عليها ~~كلام الله أنهم قالوا برأيهم على الله، وقدموا آراءهم على نصوص الوحي، ~~وجعلوها عيارا على كلام الله ورسوله، ولو علموا أي باب شر فتحوا # PageV04P191 # على الأمة بالتأويلات الفاسدة، وأي بناء للإسلام هدموا بها، وأي معاقل ~~وحصون استباحوها لكان أحدهم أن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن ~~يتعاطى شيئا من ذلك، فكل صاحب باطل قد جعل ما تأوله المتأولون عذرا له فيما ~~تأوله هو، وقال: ما الذي حرم علي التأويل وأباحه لكم؟ فتأولت الطائفة ~~المنكرة للمعاد نصوص المعاد، وكان تأويلهم من جنس تأويل منكري الصفات، بل ~~أقوى منه لوجوه عديدة يعرفها من وازن بين التأويلين، وقالوا: كيف نحن نعاقب ~~على تأويلنا وتؤجرون أنتم على تأويلكم؟ قالوا: ونصوص الوحي بالصفات أظهر ~~وأكثر من نصوصه بالمعاد، ودلالة النصوص عليها أبين فكيف يسوغ تأويلها بما ~~يخالف ظاهرها ولا يسوغ لنا تأويل نصوص المعاد؟ وكذلك فعلت الرافضة في ~~أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة - رضي الله عنهم -، وكذلك ~~فعلت المعتزلة في تأويل أحاديث الرؤية والشفاعة، وكذلك القدرية في نصوص ~~القدر، وكذلك الحرورية وغيرهم من الخوارج في النصوص التي تخالف مذاهبهم، ~~وكذلك القرامطة والباطنية طردت الباب، وطمث الوادي على القري، وتأولت الدين ~~كله، فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يرده الله ورسوله ~~بكلامه ولا دل عليه أنه مراده، وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا ~~بالتأويل؟ وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل؟ فمن بابه ~~دخل إليها، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل؟ [الأديان ~~السابقة إنما فسدت بالتأويل] وليس هذا مختصا بدين الإسلام فقط، بل سائر ~~أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد حتى دخلها التأويل، فدخل عليها ~~من الفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد. # وقد تواترت البشارات بصحة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - في الكتب ~~المتقدمة، ولكن سلطوا عليها التأويلات فأفسدوها، كما أخبر - سبحانه - عنهم ~~من التحريف والتبديل والكتمان، فالتحريف تحريف المعاني بالتأويلات ms1352 التي لم ~~يردها المتكلم بها، والتبديل تبديل لفظ بلفظ آخر، والكتمان جحده. # وهذه الأدواء الثلاثة منها غيرت الأديان والملل، وإذا تأملت دين المسيح ~~وجدت النصارى إنما تطرقوا إلى إفساده بالتأويل بما لا يكاد يوجد قط مثله في ~~شيء من الأديان، ودخلوا إلى ذلك من باب التأويل. # وكذلك زنادقة الأمم جميعهم إنما تطرقوا إلى إفساد ديانات الرسل صلوات ~~الله وسلامه عليهم بالتأويل، ومن بابه دخلوا، وعلى أساسه بنوا، وعلى نقطه ~~خطوا. # PageV04P192 # دواعي التأويل] والمتأولون أصناف عديدة، بحسب الباعث لهم على التأويل، ~~وبحسب قصور أفهامهم ووفورها، وأعظمهم توغلا في التأويل الباطل من فسد قصده ~~وفهمه، فكلما ساء قصده وقصر فهمه كان تأويله أشد انحرافا، فمنهم من يكون ~~تأويله لنوع هوى من غير شبهة، بل يكون على بصيرة من الحق، ومنهم من يكون ~~تأويله لنوع شبهة عرضت له أخفت عليه الحق [ومنهم من يكون تأويله لنوع هدى ~~من غير شبهة، بل يكون على بصيرة من الحق] ومنهم من يجتمع له الأمران الهوى ~~في القصد والشبهة في العلم. # [بعض آثار التأويل] وبالجملة فافتراق أهل الكتابين، وافتراق هذه الأمة ~~على ثلاث وسبعين فرقة إنما أوجبه التأويل، وإنما أريقت دماء المسلمين يوم ~~الجمل وصفين والحرة وفتنة ابن الزبير وهلم جرا بالتأويل، وإنما دخل أعداء ~~الإسلام من المتفلسفة والقرامطة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية من باب ~~التأويل، فما امتحن الإسلام بمحنة قط إلا وسببها التأويل؛ فإن محنته إما من ~~المتأولين، وإما أن يسلط عليهم الكفار بسبب ما ارتكبوا من التأويل وخالفوا ~~ظاهر التنزيل وتعللوا بالأباطيل، فما الذي أراق دماء بني جذيمة وقد أسلموا ~~غير التأويل حتى رفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه وتبرأ إلى الله ~~من فعل المتأول بقتلهم وأخذ أموالهم؟ وما الذي أوجب تأخر الصحابة - رضي ~~الله عنهم - يوم الحديبية عن موافقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير ~~التأويل حتى اشتد غضبه لتأخرهم عن طاعته حتى رجعوا عن ذلك التأويل؟ وما ~~الذي سفك دم أمير المؤمنين عثمان ظلما وعدوانا وأوقع الأمة فيما أوقعها فيه ~~حتى ms1353 الآن غير التأويل؟ وما الذي سفك دم علي - رضي الله عنه - وابنه الحسين ~~وأهل بيته - رضي الله تعالى عنهم - غير التأويل؟ وما الذي أراق دم عمار بن ~~ياسر وأصحابه غير التأويل؟ وما الذي أراق دم ابن الزبير وحجر بن عدي وسعيد ~~بن جبير وغيرهم من سادات الأمة غير التأويل؟ وما الذي أريقت عليه دماء ~~العرب في فتنة أبي مسلم غير التأويل؟ وما الذي جرد الإمام أحمد بين ~~العقابين وضرب السياط حتى عجت الخليقة إلى ربها تعالى غير التأويل؟ وما ~~الذي قتل الإمام أحمد بن نصر الخزاعي وخلد خلقا من العلماء في السجون حتى ~~ماتوا غير التأويل؟ وما الذي سلط سيوف التتار على دار الإسلام حتى ردوا ~~أهلها غير التأويل؟ وهل دخلت طائفة الإلحاد من أهل الحلول والاتحاد إلا من ~~باب التأويل؟ وهل فتح باب التأويل إلا مضادة ومناقضة لحكم الله في تعليمه ~~عباده البيان الذي امتن الله في كتابه على الإنسان بتعليمه # PageV04P193 # إياه؛ فالتأويل بالألغاز والأحاجي والأغلوطات أولى منه بالبيان والتبيين، ~~وهل فرق بين دفع حقائق ما أخبرت به الرسل عن الله وأمرت به بالتأويلات ~~الباطلة المخالفة له وبين رده وعدم قبوله، ولكن هذا رد جحود ومعاندة، وذاك ~~رد خداع ومصانعة. # قال أبو الوليد بن رشد المالكي في كتابه المسمى بالكشف عن مناهج الأدلة " ~~وقد ذكر التأويل وجنايته على الشريعة، إلى أن قال: {فأما الذين في قلوبهم ~~زيغ فيتبعون ما تشابه منه} [آل عمران: 7] هؤلاء أهل الجدل والكلام، وأشد ما ~~عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرا مما ظنوه ليس على ظاهره، ~~وقالوا: إن هذا التأويل هو المقصود به، وإنما أمر الله به في صورة المتشابه ~~ابتلاء لعباده واختبارا لهم، ونعوذ بالله من سوء الظن بالله، بل نقول: إن ~~كتاب الله العزيز إنما جاء معجزا من جهة الوضوح والبيان، فما أبعد من مقصد ~~الشارع من قال فيما ليس بمتشابه: إنه متشابه، ثم أول ذلك المتشابه بزعمه، ~~وقال لجميع الناس: إن فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل، مثل ما قالوه ms1354 في آية ~~الاستواء على العرش وغير ذلك مما قالوا: إن ظاهره متشابه، ثم قال: وبالجملة ~~فأكثر التأويلات التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع إذا تأملت ~~وجدت ليس يقوم عليها برهان. # [مثل المتأولين] إلى أن قال: ومثال من أول شيئا من الشرع وزعم أن ما أوله ~~هو الذي قصده الشرع مثال من أتى إلى دواء قد ركبه طبيب ماهر ليحفظ صحة جميع ~~الناس أو أكثرهم فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواء الأعظم لرداءة مزاج كان به ~~ليس يعرض إلا للأقل من الناس، فزعم أن بعض تلك الأدوية التي صرح باسمها ~~الطبيب الأول في ذلك الدواء العام المنفعة لم يرد به ذلك الدواء العام الذي ~~جرت العادة في اللسان أن يدل بذلك الاسم عليه، وإنما أراد به دواء آخر مما ~~يمكن أن يدل عليه بذلك باستعارة بعيدة، فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك ~~المركب الأعظم، وجعل فيه بدله الدواء الذي ظن أنه قصده الطبيب، وقال للناس: ~~هذا هو الذي قصده الطبيب الأول، فاستعمل الناس ذلك الدواء المركب على الوجه ~~الذي تأوله عليه هذا المتأول، ففسدت أمزجة كثير من الناس، فجاء آخرون ~~فشعروا بفساد أمزجة الناس من ذلك الدواء المركب، فراموا إصلاحه بأن بدلوا ~~بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول؛ فعرض من ذلك للناس نوع من المرض ~~غير النوع الأول، فجاء ثالث فتأول من أدوية ذلك المركب غير التأويل الأول ~~والثاني، فعرض للناس من ذلك نوع ثالث من المرض غير النوعين المتقدمين، فجاء ~~متأول رابع فتأول دواء آخر غير الأدوية المتقدمة؛ فعرض منه للناس نوع رابع ~~من المرض غير الأمراض المتقدمة؛ فلما طال الزمان بهذا # PageV04P194 # الدواء المركب الأعظم، وسلط الناس التأويل على أدويته، وغيروها وبدلوها ~~عرض منه للناس أمراض شتى، حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في ~~حق أكثر الناس، وهذه هي حالة الفرق الحادثة في هذه الشريعة مع الشريعة، ~~وذلك أن كل فرقة منهم تأولت غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى، وزعمت ~~أنه هو الذي قصده صاحب الشرع ms1355 حتى تمزق الشرع كل ممزق، وبعد جدا عن موضوع ~~الأول، ولما علم صاحب الشرع - صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله - أن مثل ~~هذا يعرض، ولا بد في شريعته قال - صلى الله عليه وسلم -: «ستفترق أمتي على ~~ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة» يعني بالواحدة التي سلكت ظاهر ~~الشرع ولم تؤوله. # وأنت إذا تأملت ما عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض ~~فيها من قبل التأويل تبينت أن هذا المثال صحيح. # وأول من غير هذا الدواء الأعظم هم الخوارج، ثم المعتزلة بعدهم، ثم ~~الأشعرية، ثم الصوفية، ثم جاء أبو حامد فطم الوادي على القرى، هذا كلامه ~~بلفظه. # ولو ذهبنا نستوعب ما جناه التأويل على الدنيا والدين وما نال الأمم قديما ~~وحديثا بسببه من الفساد لاستدعى ذلك عدة أسفار، والله المستعان. ### | [لا يعمل بالفتوى حتى يطمئن لها قلب المستفتي] # [لا يعمل بالفتوى حتى يطمئن لها قلب المستفتي] الفائدة السادسة والخمسون: ~~لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه، وحاك في صدره من ~~قبوله، وتردد فيها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «استفت نفسك وإن أفتاك ~~الناس وأفتوك» فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولا، ولا تخلصه فتوى المفتي من ~~الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه قضاء ~~القاضي له بذلك، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قضيت له بشيء ~~من حق أخيه فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من نار» والمفتي والقاضي في هذا ~~سواء، ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان ~~يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء تردد أو حاك في صدره، لعلمه بالحال ~~في الباطن، أو لشكه فيه، أو لجهله به، أو لعلمه جهل المفتي أو محاباته في ~~فتواه أو عدم تقييده بالكتاب والسنة أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص ~~المخالفة للسنة وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه وسكون النفس ~~إليها؛ فإن كان عدم الثقة والطمأنينة ms1356 لأجل المفتي يسأل ثانيا وثالثا حتى ~~تحصل له الطمأنينة؛ فإن لم يجد فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، والواجب تقوى ~~الله بحسب الاستطاعة. # فإن كان في البلد مفتيان أحدهما أعلم من الآخر فهل يجوز استفتاء المفضول ~~مع # PageV04P195 # وجود الفاضل؟ فيه قولان للفقهاء، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وأحمد؛ فمن ~~جوز ذلك رأى أنه يقبل قوله إذا كان وحده، فوجود من هو أفضل منه لا يمنع من ~~قبول قوله كالشاهد، ومن منع استفتاءه قال: المقصود حصول ما يغلب على الظن ~~الإصابة، وغلبة الظن بفتوى الأعلم أقوى فيتعين، والحق التفصيل بأن المفضول ~~إن ترجح بديانة أو ورع أو تحر للصواب، وعدم ذلك الفاضل فاستفتاء المفضول ~~جائز إن لم يتعين، وإن استويا فاستفتاء الأعلم أولى، والله أعلم. ### | [الترجمان عند المفتي] # [الترجمان عند المفتي] الفائدة السابعة والخمسون: إذا لم يعرف المفتي ~~لسان السائل، أو لم يعرف المستفتي لسان المفتي أجزأ ترجمة واحد بينهما؛ ~~لأنه خبر محض فيكتفى فيه بواحد كأخبار الديانات [والطب] وطرد هذا الاكتفاء ~~بترجمة الواحد في الجرح والتعديل، والرسالة، والدعوى، والإقرار والإنكار ~~بين يدي الحاكم، والتعريف، في إحدى الروايتين، وهي مذهب أبي حنيفة، ~~واختارها أبو بكر إجراء لها مجرى الخبر. # والرواية الثانية لا يقبل في هذه المواضع أقل من اثنين، إجراء لها مجرى ~~الشهادة، وسلوكا بها سبيلها؛ لأنها تثبت الإقرار عند الحاكم، وتثبت عدالة ~~الشهود وجرحهم، فافتقرت إلى العدد، كما لو شهد على إقراره شاهد واحد؛ فإنه ~~لا يكتفى به، وهذا بخلاف ترجمة الفتوى والسؤال؛ فإنه خبر محض، فافترقا. ### | [ما يصنع المفتي في جواب سؤال يحتمل عدة صور] # [ما يصنع المفتي في جواب سؤال يحتمل عدة صور] الفائدة الثامنة والخمسون: ~~إذا كان السؤال محتملا لصور عديدة؛ فإن لم يعلم المفتي الصورة المسئول عنها ~~لم يجب عن صورة واحدة منها، وإن علم الصورة المسئول عنها فله أن يخصها ~~بالجواب، ولكن يقيد لئلا يتوهم أن الجواب عن غيرها فيقول: إن كان الأمر كيت ~~وكيت، أو كان المسئول عنه كذا وكذا؛ فالجواب كذا وكذا، وله أن ms1357 يفرد كل صورة ~~بجواب؛ فيفصل الأقسام المحتملة، ويذكر حكم كل قسم، ومنع بعضهم من ذلك ~~لوجهين؛ أحدهما: أنه ذريعة إلى تعليم الحيل، وفتح باب لدخول المستفتي ~~وخروجه من حيث شاء، الثاني: أنه سبب لازدحام أحكام تلك الأقسام على فهم ~~العامي فيضيع مقصوده. # والحق التفصيل؛ فيكره حيث استلزم ذلك، ولا يكره - بل يستحب - إذا كان فيه ~~زيادة إيضاح وبيان وإزالة لبس، «وقد فصل النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~كثير من أجوبته بقوله: إن كان كذا فالأمر كذا، كقوله في الذي وقع على جارية ~~امرأته: إن كان استكرهها فهي حرة، وعليه # PageV04P196 # لسيدتها مثلها، وإن كانت مطاوعة فهي له، وعليه لسيدتها مثلها» : وهذا ~~كثير في فتاويه - صلى الله عليه وسلم -] . # [ينبغي للمفتي أن يكون حذرا]] الفائدة التاسعة والخمسون: وهي مما ينبغي ~~التفطن له: إن رأى المفتي خلال السطور بياضا يحتمل أن يلحق به ما يفسد ~~الجواب فليحترز منه، فربما دخل من ذلك عليه مكروه، فإما أن يأمر بكتابة غير ~~الورقة، وإما أن يخط على البياض أو يشغله بشيء، كما يحترز منه كتاب الوثائق ~~والمكاتيب. # وبالجملة فليكن حذرا فطنا، ولا يحسن ظنه بكل أحد، وهذا الذي حمل بعض ~~المفتين على أنه كان يقيد السؤال عنده في ورقة ثم يجيب في ورقة السائل، ~~ومنهم من كان يكتب السؤال في ورقة من عنده ثم يكتب الجواب، وليس شيء من ذلك ~~بلازم، والاعتماد على قرائن الأحوال ومعرفة الواقع والعادة. # [وينبغي له أن يشاور من يثق به] الفائدة الستون: إن كان عنده من يثق ~~بعلمه ودينه فينبغي له أن يشاوره، ولا يستقل بالجواب، ذهابا بنفسه وارتفاعا ~~بها، أن يستعين على الفتاوى بغيره من أهل العلم، وهذا من الجهل، فقد أثنى ~~الله سبحانه على المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم، وقال تعالى لنبيه - صلى ~~الله عليه وسلم -: «وشاورهم في الأمر» وقد كانت المسألة تنزل بعمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه -، فيستشير لها من حضر من الصحابة، وربما جمعهم ~~وشاورهم، حتى كان يشاور ابن عباس - رضي الله عنهما - وهو إذ ms1358 ذاك أحدث القوم ~~سنا، وكان يشاور عليا كرم الله وجهه وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن ~~عوف وغيرهم - رضي الله عنهم - أجمعين، ولا سيما إذا قصد بذلك تمرين أصحابه ~~وتعليمهم، وشحذ أذهانهم. # قال البخاري في صحيحه: " باب إلقاء العالم المسألة على أصحابه " وأولى ما ~~ألقى عليهم المسألة التي سئل عنها، هذا ما لم يعارض ذلك مفسدة من إفشاء سر ~~السائل أو تعريضه للأذى، أو مفسدة لبعض الحاضرين، فلا ينبغي له أن يرتكب ~~ذلك، وكذلك الحكم في عابر الرؤيا، فالمفتي والمعبر والطيب يطلعون من أسرار ~~الناس وعوراتهم على ما لا يطلع عليه غيرهم؛ فعليهم استعمال الستر فيما لا ~~يحسن إظهاره. # [يجمل بالمفتي أن يكثر من الدعاء لنفسه بالتوفيق] الفائدة الحادية ~~والستون: حقيق بالمفتي أن يكثر الدعاء بالحديث الصحيح «اللهم رب جبرائيل ~~وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم # PageV04P197 # بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، ~~إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك، وكان إذا ~~أشكلت عليه المسائل يقول " يا معلم إبراهيم علمني " ويكثر الاستعانة بذلك ~~اقتداء بمعاذ بن جبل - رضي الله عنه - حيث قال لمالك بن يخامر السكسكي عند ~~موته، وقد رآه يبكي، فقال: والله ما أبكي على دنيا كنت أصيبها منك، ولكن ~~أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلمهما منك، فقال معاذ بن جبل - رضي ~~الله عنه -: إن العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما، اطلب العلم ~~عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء، وعند عبد الله بن مسعود، وأبي موسى ~~الأشعري، وذكر الرابع، فإن عجز عنه هؤلاء فسائر أهل الأرض عنه أعجز، فعليك ~~بمعلم إبراهيم صلوات الله عليه. # وكان بعض السلف يقول عند الإفتاء: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك ~~أنت العليم الحكيم. # وكان مكحول يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وكان مالك يقول: ما شاء ~~الله، لا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكان بعضهم يقول: {رب اشرح لي صدري} ~~[طه: 25] {ويسر لي أمري} ms1359 [طه: 26] {واحلل عقدة من لساني} [طه: 27] {يفقهوا ~~قولي} [طه: 28] وكان بعضهم يقول: اللهم وفقني واهدني وسددني واجمع لي بين ~~الصواب والثواب وأعذني من الخطأ والحرمان. # وكان بعضهم يقرأ الفاتحة، وجربنا نحن ذلك فرأيناه أقوى أسباب الإصابة. # والمعول في ذلك كله على حسن النية، وخلوص القصد، وصدق التوجه في ~~الاستمداد من المعلم الأول معلم الرسل والأنبياء - صلوات الله وسلامه ~~عليهم؛ فإنه لا يرد من صدق في التوجه إليه لتبليغ دينه وإرشاد عبيده ~~ونصيحتهم والتخلص من القول عليه بلا علم، فإذا صدقت نيته ورغبته في ذلك لم ~~يعدم أجرا إن فاته أجران، والله المستعان. # وسئل الإمام أحمد، فقيل له: ربما اشتد علينا الأمر من جهتك، فلمن نسأل ~~بعدك؟ فقال: سلوا عبد الوهاب الوراق، فإنه أهل أن يوفق للصواب. # واقتدى الإمام أحمد بقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: اقتربوا من ~~أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون؛ فإنهم تجلى لهم أمور صادقة، وذلك ~~لقرب قلوبهم من الله، وكلما قرب القلب من الله زالت عنه معارضات السوء، ~~وكان نور كشفه للحق أتم وأقوى، وكلما بعد عن الله كثرت عليه # PageV04P198 # المعارضات، وضعف نور كشفه للصواب؛ فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، ~~يفرق به العبد بين الخطأ والصواب. # وقال مالك للشافعي - رضي الله عنهما - في أول ما لقيه: إني أرى الله قد ~~ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية، وقد قال تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} [الأنفال: 29] ومن الفرقان ~~النور الذي يفرق به العبد بين الحق والباطل، وكلما كان قلبه أقرب إلى الله ~~كان فرقانه أتم، وبالله التوفيق. ### | [لا يسع المفتي أن يجعل غرض السائل سائق حكمه] # [لا يسع المفتي أن يجعل غرض السائل سائق حكمه] الفائدة الثانية والستون: ~~قد تكرر لكثير من أهل الإفتاء الإمساك عما يفتون بها مما يعلمون أنه الحق ~~إذا خالف غرض السائل ولم يوافقه، وكثير منهم يسأله عن غرضه، فإن صادفه عنه ~~كتب له، وإلا دله على مفت أو مذهب يكون غرضه عنده، ms1360 وهذا غير جائز على ~~الإطلاق، بل لا بد فيه من تفصيل، فإن كان المسئول عنه من مسائل العلم ~~والسنة أو من المسائل العلميات التي فيها نص عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يسع المفتي تركه إلى غرض السائل، بل لا يسعه توقفه في الإفتاء به ~~على غرض السائل، بل ذلك إثم عظيم، وكيف يسعه من الله أن يقدم غرض السائل ~~على الله ورسوله؟ وإن كانت المسألة من المسائل الاجتهادية التي يتجاذب ~~أعنتها الأقوال والأقيسة، فإن لم يترجح له قول منها لم يسع له أن يترجح ~~لغرض السائل، وإن ترجح له قول منها وظن أنه الحق فأولى بذلك؛ فإن السائل ~~إنما يسأل عما يلزمه في الحكم ويسعه عند الله، فإن عرفه المفتي أفتاه به ~~سواء وافق غرضه أو خالفه، ولا يسعه ذلك أيضا إذا علم أن السائل يدور على من ~~يفتيه بغرضه في تلك المسألة فيجعل استفتاءه تنفيذا لغرضه، لا تعبدا لله ~~بأداء حقه، ولا يسعه أن يدله على غرضه أين كان، بل ولا يجب عليه أن يفتي ~~هذا الضرب من الناس؛ فإنهم لا يستفتون ديانة، وإنما يستفتون توصلا إلى حصول ~~أغراضهم بأي طريق اتفق، فلا يجب على المفتي مساعدتهم؛ فإنهم لا يريدون ~~الحق، بل يريدون أغراضهم بأي طريق وافق، ولهذا إذا وجدوا أغراضهم في أي ~~مذهب اتفق اتبعوه في ذلك الموضع وتمذهبوا به، كما يفعله أرباب الخصومات ~~بالدعاوى عند الحكام، ولا يقصد أحدهم حاكما بعينه، بل أي حاكم نفذ غرضه ~~عنده صار إليه. # وقال شيخنا - رحمه الله - مرة: أنا مخير بين إفتاء هؤلاء وتركهم؛ فإنهم ~~لا يستفتون للدين، بل لوصولهم إلى أغراضهم حيث كانت، ولو وجدوها عند غيري ~~لم يجيئوا إلي، # PageV04P199 # بخلاف من يسأل عن دينه، وقد قال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~في حق من جاءه يتحاكم إليه لأجل غرضه لا لالتزامه لدينه - صلى الله عليه ~~وسلم - من أهل الكتاب {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم ~~فلن يضروك شيئا} [المائدة: 42] فهؤلاء ms1361 لما لم يلتزموا دينه لم يلزمه الحكم ~~بينهم، والله تعالى أعلم. ### | [ذكر المفتى الفتوى مع دليلها] # [ذكر الفتوى مع دليلها أولى] الفائدة الثالثة والستون: عاب بعض الناس ذكر ~~الاستدلال في الفتوى، وهذا العيب أولى بالعيب، بل جمال الفتوى وروحها هو ~~الدليل، فكيف يكون ذكر كلام الله ورسوله وإجماع المسلمين وأقوال الصحابة - ~~رضوان الله عليهم - والقياس الصحيح عيبا؟ وهل ذكر قول الله ورسوله إلا طراز ~~الفتاوى؟ وقول المفتي ليس بموجب للأخذ به، فإذا ذكر الدليل فقد حرم على ~~المستفتي أن يخالفه، وبرئ هو من عهدة الفتوى بلا علم، وقد كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يسأل عن المسألة فيضرب لها الأمثال ويشبهها بنظائرها، ~~هذا وقوله وحده حجة، فما الظن بمن ليس قوله بحجة ولا يجب الأخذ به؟ وأحسن ~~أحواله وأعلاها أن يسوغ له قبول قوله، وهيهات أن يسوغ بلا حجة، وقد كان ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سئل أحدهم عن مسألة أفتى ~~بالحجة نفسها، فيقول: قال الله كذا، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كذا، أو فعل كذا، فيشفي السائل، ويبلغ القائل، وهذا كثير جدا في فتاويهم ~~لمن تأملها، ثم جاء التابعون والأئمة بعدهم فكان أحدهم يذكر الحكم ثم يستدل ~~عليه، وعلمه يأبى أن يتكلم بلا حجة، والسائل يأبى قبول قوله بلا دليل. # ثم طال الأمد وبعد العهد بالعلم، وتقاصرت الهمم إلى أن صار بعضهم يجيب ~~بنعم أو لا فقط، ولا يذكر للجواب دليلا ولا مأخذا، ويعترف بقصوره وفضل من ~~يفتي بالدليل، ثم نزلنا درجة أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتي ~~بالدليل وذمه، ولعله أن يحدث للناس طبقة أخرى لا يدرى ما حالهم في الفتاوى، ~~والله المستعان. ### | [هل يقلد المفتي الميت إذا علم عدالته] # [هل يقلد المفتي الميت إذا علم عدالته؟] الفائدة الرابعة والستون: هل ~~يجوز للمفتي تقليد الميت إذا علم عدالته وأنه مات عليها من غير أن يسأل ~~الحي؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد والشافعي، أصحهما له ذلك؛ فإن المذاهب لا تبطل ~~بموت ms1362 أصحابها، ولو بطلت بموتهم لبطل ما بأيدي الناس من الفقه عن أئمتهم، ~~ولم يسغ لهم تقليدهم والعمل بأقوالهم، وأيضا لو بطلت أقوالهم بموتهم لم ~~يعتد بهم في الإجماع والنزاع، ولهذا لو شهد الشاهدان ثم ماتا بعد الأداء ~~وقبل الحكم # PageV04P200 # بشهادتهما لم تبطل شهادتهما، وكذلك الراوي لا تبطل روايته بموته، فكذلك ~~المفتي لا تبطل فتواه بموته، ومن قال: تبطل فتواه بموته قال: أهليته زالت ~~بموته، ولو عاش لوجب عليه تجديد الاجتهاد، ولأنه قد يتغير اجتهاده، وممن ~~حكى الوجهين في المفتي أبو الخطاب فقال: إن مات المفتي قبل عمل المستفتي ~~فله العمل بها، وقيل: لا يعمل بها، والله أعلم. ### | [تكررت الواقعة فهل يستفتي من جديد] # [إذا تكررت الواقعة فهل يستفتي من جديد؟] الفائدة الخامسة والستون: إذا ~~استفتاه عن حكم حادثة فأفتاه وعمل بقوله، ثم وقعت له مرة ثانية، فهل له أن ~~يعمل بتلك الفتوى الأولى أم يلزمه الاستفتاء مرة ثانية؟ فيه وجهان لأصحاب ~~أحمد والشافعي، فمن لم يلزمه بذلك قال: الأصل بقاء ما كان على ما كان، فله ~~أن يعمل بالفتوى وإن أمكن تغير اجتهاده، كما أن له أن يعمل بها بعد مدة من ~~وقت الإفتاء وإن جاز تغير اجتهاده، ومن منعه من ذلك قال: ليس على ثقة من ~~بقاء المفتي على اجتهاده الأول، فلعله أن يرجع عنه فيكون المستفتي قد عمل ~~بما هو خطأ عند من استفتاه، ولهذا رجح بعضهم العمل بقول الميت على قول ~~الحي، واحتجوا بقول ابن مسعود: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات؛ فإن ~~الحي لا تؤمن عليه الفتنة ### | [هل يلزم استفتاء الأعلم إذا تعدد المفتون] # [هل يلزم استفتاء الأعلم؟] الفائدة السادسة والستون: هل يلزم المستفتي أن ~~يجتهد في أعيان المفتين ويسأل الأعلم والأدين أم لا يلزمه ذلك؟ فيه مذهبان ~~كما سبق، وبينا مأخذهما، والصحيح أنه يلزمه؛ لأنه المستطاع من تقوى الله - ~~تعالى - المأمور بها كل أحد، وتقدم أنه إذا اختلف عليه مفتيان أحدهما أورع، ~~والآخر أعلم فأيهما يجب تقليده؟ فيه ثلاثة مذاهب سبق توجيهها. ### | [هل ms1363 يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا] # وهل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا؟ فيه مذهبان: [هل ~~على العامي أن يتمذهب بمذهب واحد من الأربعة أو غيرهم؟] أحدهما: لا يلزمه، ~~وهو الصواب المقطوع به؛ إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب ~~الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه ~~دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة مبرأ أهلها من هذه النسبة، بل لا ~~يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به؛ فالعامي لا مذهب له؛ لأن المذهب إنما يكون ~~لمن له نوع نظر واستدلال، ويكون بصيرا بالمذاهب على حسبه، أو لمن قرأ كتابا ~~في فروع ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله، وأما من لم يتأهل لذلك ألبتة ~~بل قال: أنا شافعي، أو # PageV04P201 # حنبلي، أو غير ذلك؛ لم يصر كذلك بمجرد القول، كما لو قال: أنا فقيه، أو ~~نحوي، أو كاتب، لم يصر كذلك بمجرد قوله. # يوضحه أن القائل إنه شافعي أو مالكي أو حنفي يزعم أنه متبع لذلك الإمام، ~~سالك طريقه، وهذا إنما يصح له إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة والاستدلال، ~~فأما مع جهله وبعده جدا عن سيرة الإمام وعلمه وطريقه فكيف يصح له الانتساب ~~إليه إلا بالدعوى المجردة والقول الفارغ من كل معنى؟ والعامي لا يتصور أن ~~يصح له مذهب، ولو تصور ذلك لم يلزمه ولا لغيره، ولا يلزم أحدا قط أن يتمذهب ~~بمذهب رجل من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره. # وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة، لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام، وهم ~~أعلى رتبة وأجل قدرا وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك، وأبعد ~~منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء، وأبعد منه قول من ~~قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة. # فيالله العجب، ماتت مذاهب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومذاهب ~~التابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام، وبطلت جملة إلا مذاهب أربعة ms1364 أنفس ~~فقط من بين سائر الأئمة والفقهاء، وهل قال ذلك أحد من الأئمة أو دعا إليه ~~أو دلت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه؟ والذي أوجبه الله - تعالى ورسوله ~~على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم ~~القيامة، لا يختلف الواجب ولا يتبدل، وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف ~~القدرة والعجز والزمان والمكان والحال فذلك أيضا تابع لما أوجبه الله ~~ورسوله، ومن صحح للعامي مذهبا قال: هو قد اعتقد أن هذا المذهب الذي انتسب ~~إليه هو الحق، فعليه الوفاء بموجب اعتقاده، وهذا الذي قاله هؤلاء لو صح ~~للزم منه تحريم استفتاء أهل غير المذهب الذي انتسب إليه، وتحريم تمذهبه ~~بمذهب نظير إمامه أو أرجح منه، أو غير ذلك من اللوازم التي يدل فسادها على ~~فساد ملزوماتها، بل يلزم منه أنه إذا رأى نص رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أو قول خلفائه الأربعة مع غير إمامه أن يترك النص وأقوال الصحابة ~~ويقدم عليها قول من انتسب إليه. # وعلى هذا فله أن يستفتي من شاء من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم، ولا يجب ~~عليه ولا على المفتي أن يتقيد بأحد من الأئمة الأربعة بإجماع الأمة، كما لا ~~يجب على العالم أن يتقيد بحديث أهل بلده أو غيره من البلاد، بل إذا صح ~~الحديث وجب عليه العمل به حجازيا # PageV04P202 # كان أو عراقيا أو شاميا أو مصريا أو يمنيا، وكذلك لا يجب على الإنسان ~~التقيد بقراءة السبعة المشهورين باتفاق المسلمين، بل إذا وافقت القراءة رسم ~~المصحف الإمام وصحت في العربية وصح سندها جازت القراءة بها وصحت الصلاة بها ~~اتفاقا، بل لو قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان، وقد قرأ بها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - والصحابة بعده جازت القراءة بها ولم تبطل الصلاة بها على ~~أصح الأقوال، والثاني تبطل الصلاة بها، وهاتان روايتان منصوصتان عن الإمام ~~أحمد، والثالث: إن قرأ بها في ركن لم يكن مؤديا لفرضه، وإن قرأ بها في غيره ~~لم تكن مبطلة، وهذا اختيار أبي البركات ms1365 بن تيمية، قال: لأنه لم يتحقق ~~الإتيان بالركن في الأول ولا الإتيان بالمبطل في الثاني، ولكن ليس له أن ~~يتبع رخص المذاهب وأخذ غرضه من أي مذهب وجده فيه، بل عليه اتباع الحق بحسب ~~الإمكان. ### | [ما الحكم إذا اختلف مفتيان] # الفائدة السابعة والستون: فإن اختلف عليه مفتيان فأكثر، فهل يأخذ بأغلظ ~~الأقوال، أو بأخفها، أو يتخير، أو يأخذ بقول الأعلم أو الأورع، أو يعدل إلى ~~مفت آخر، فينظر من يوافق من الأولين فيعمل بالفتوى التي يوقع عليها، أو يجب ~~عليه أن يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه؟ فيه سبعة مذاهب، أرجحها السابع؛ ~~فيعمل كما يعمل عند اختلاف الطريقين أو الطبيبين أو المشيرين كما تقدم، ~~وبالله التوفيق. ### | [هل يجب العمل بفتوى المفتي] # [هل يجب العمل بفتوى المفتي؟] الفائدة الثامنة والستون: إذا استفتى ~~فأفتاه المفتي، فهل تصير فتواه موجبة على المستفتي العمل بها بحيث يكون ~~عاصيا إن لم يعمل بها أو لا يوجب عليه العمل؟ فيه أربعة أوجه لأصحابنا ~~وغيرهم، أحدها أنه لا يلزمه العمل بها إلا أن يلتزمه هو، والثاني أنه يلزمه ~~إذا شرع في العمل؛ فلا يجوز له حينئذ الترك، والثالث أنه إن وقع في قلبه ~~صحة فتواه وأنها حق لزمه العمل بها، والرابع: أنه إذا لم يجد مفتيا آخر ~~لزمه الأخذ بفتياه؛ فإن فرضه التقليد وتقوى الله ما استطاع، وهذا هو ~~المستطاع في حقه، وهو غاية ما يقدر عليه، وإن وجد مفتيا آخر فإن وافق الأول ~~فأبلغ في لزوم العمل، وإن خالفه فإن استبان له الحق في إحدى الجهتين لزمه ~~العمل به، وإن لم يستبن له الصواب فهل يتوقف، أو يأخذ بالأحوط، أو يتخير، ~~أو يأخذ بالأسهل؛ فيه وجوه تقدمت. ### | [العمل بخط المفتي وما يشبه ذلك] # [العمل بخط المفتي وما يشبه ذلك] الفائدة التاسعة والستون: يجوز له العمل ~~بخط المفتي وإن لم يسمع الفتوى من لفظه # PageV04P203 # إذا عرف أنه خطه أو أعلمه به من يسكن إلى قوله، ويجوز له قبول قول الرسول ~~إن هذا خطه وإن كان عبدا أو امرأة ms1366 أو صبيا أو فاسقا، كما يقبل قوله في ~~الهدية والإذن في دخول الدار اعتمادا على القرائن والعرف، وكذا يجوز اعتماد ~~الرجل على ما يجده من كتابة الوقف على كتاب أو رباط، أو خان أو نحوه فيدخله ~~وينتفع به، وكذلك يجوز له الاعتماد على ما يجده بخط أبيه في برنامجه أن له ~~على فلان كذا وكذا، فيحلف على الاستحقاق، وكذا يجوز للمرأة الاعتماد على خط ~~الزوج أنه أبانها فلها أن تتزوج بناء على الخط، وكذا الوصي والوارث يعتمد ~~على خط الموصي فينفذ ما فيه، وإن لم يشهد شاهدان، وكذا إذا كتب الراوي إلى ~~غيره حديثا جاز له أن يعتمد عليه ويعمل به، ويرويه بناء على الخط إذا تيقن ~~ذلك كله، هذا عمل الأمة قديما وحديثا من عهد نبينا - صلى الله عليه وسلم - ~~وإلى الآن، وإن أنكره من أنكره. # ومن العجب أن من أنكر ذلك وبالغ في إنكاره، ليس معه فيما يفتي به إلا ~~مجرد كتاب قيل: إنه كتاب فلان، فهو يقضي به ويفتي ويحل ويحرم، ويقول: هكذا ~~في الكتاب، والله الموفق. # وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرسل كتبه إلى الملوك وإلى ~~الأمم يدعوهم إلى الإسلام فتقوم عليهم الحجة بكتابه، وهذا أظهر من أن ينكر، ~~وبالله التوفيق. ### | [حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد من العلماء] # [ما العمل إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد من العلماء] الفائدة ~~السبعون: إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد من العلماء، فهل يجوز الاجتهاد ~~فيها بالإفتاء والحكم أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجوز، وعليه تدل فتاوى ~~الأئمة وأجوبتهم؛ فإنهم كانوا يسألون عن حوادث لم تقع قبلهم فيجتهدون فيها، ~~وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، ~~وإن اجتهد فأخطأ فله أجر» وهذا يعم ما اجتهد فيه مما لم يعرف فيه قول من ~~قبله وما عرف فيه أقوالا واجتهد في الصواب منها، وعلى هذا درج السلف ~~والخلف، والحاجة داعية إلى ذلك لكثرة الوقائع واختلاف الحوادث، ومن له ~~مباشرة ms1367 لفتاوى الناس يعلم أن المنقول، وإن اتسع غاية الاتساع فإنه لا يفي ~~بوقائع العالم جميعا، وأنت إذا تأملت الوقائع رأيت مسائل كثيرة واقعة وهي ~~غير منقولة، ولا يعرف فيها كلام لأئمة المذاهب، ولا لأتباعهم. # والثاني: لا يجوز له الإفتاء، ولا الحكم، بل يتوقف حتى يظفر فيها بقائل، ~~قال الإمام أحمد لبعض، أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. # PageV04P204 # والثالث: يجوز ذلك في مسائل الفروع، لتعلقها بالعمل، وشدة # الحاجة # إليها، وسهولة خطرها، ولا يجوز في مسائل الأصول. # والحق التفصيل، وأن ذلك يجوز - بل يستحب أو يجب - عند الحاجة وأهلية ~~المفتي والحاكم، فإن عدم الأمران لم يجز، وإن وجد أحدهما دون الآخر احتمل ~~الجواز، والمنع، والتفصيل، فيجوز للحاجة دون عدمها، والله أعلم ### | [فصل من فتاوى إمام المفتين] ### | [فصل: فتاوى في مسائل من العقيدة] # فصل: # ولنختم الكتاب بذكر فصول يسير قدرها، عظيم أمرها، من فتاوى إمام المفتين، ~~ورسول رب العالمين، تكون روحا لهذا الكتاب، ورقما على جلة هذا التأليف. # [فتاوى في مسائل من العقيدة] فصح «عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن ~~رؤية المؤمنين ربهم - تبارك وتعالى -، فقال: هل تضارون في رؤية الشمس صحوا ~~في الظهيرة ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، فقال هل تضارون في رؤية القمر ليلة ~~البدر صحوا ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، قال فإنكم ترونه كذلك» متفق عليه. # «وسئل: كيف نراه ونحن ملء الأرض، وهو واحد؟ فقال أنبئكم عن ذلك في آلاء ~~الله، الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة لا تضارون ~~في رؤيتهما، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه» ذكره أحمد. # وصح «عنه - صلى الله عليه وسلم - سئل عن مسألة القدر، وما يعمل الناس ~~فيه، أمر قد قضي وفرغ منه أم أمر يستأنف؟ فقال بل أمر قد قضي وفرغ منه فسئل ~~حينئذ: ففيم العمل؟ فأجاب بقوله اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من ~~أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل ~~أهل الشقاوة ms1368 ثم قرأ قوله تعالى: {فأما من أعطى واتقى} [الليل: 5] إلى آخر ~~الآيتين» ، ذكره مسلم. # وصح «عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عما يكتمه الناس في ضمائرهم، هل ~~يعلمه الله؟ فقال نعم» ذكره مسلم. # وصح «عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل: أين كان ربنا قبل أن تخلق ~~السموات والأرض؟ فلم ينكر على السائل، وقال: كان في عماء ما فوقه هواء وما ~~تحته هواء» ذكره أحمد. # PageV04P205 # وصح «عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن مبدأ تخليق هذا العالم، ~~فأجاب بأن قال: كان والله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في ~~الذكر كل شيء» ذكره البخاري. # وصح «عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل: أين يكون الناس يوم تبدل ~~الأرض؟ فقال على الصراط وفي لفظ آخر هم في الظلمة دون الجسر، فسئل: من أول ~~الناس إجازة، فقال فقراء المهاجرين» ذكره مسلم، ولا تنافي بين الجوابين فإن ~~الظلمة أول الصراط؛ فهناك مبدأ التبديل، وتمامه وهم على الصراط. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} ~~[الانشقاق: 8] فقال ذلك العرض» ذكره مسلم. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أول طعام يأكله أهل الجنة؟ فقال: زيادة ~~كبد الحوت فسئل - صلى الله عليه وسلم -: ما غذاؤهم على أثره؟ فقال ينحر لهم ~~ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها فسئل - صلى الله عليه وسلم -: ما ~~شرابهم عليه فيها؟ فقال من عين فيها تسمى سلسبيلا» ذكره مسلم. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: هل رأيت ربك؟ فقال نور أنى أراه» ذكره ~~مسلم، فذكر الجواز ونبه على المانع من الرؤية وهو النور الذي هو حجاب الرب ~~تعالى الذي لو كشفه لم يقم له شيء. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله كيف يجمعنا ربنا بعدما ~~تمزقنا الرياح والبلى والسباع؟ فقال للسائل أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، ~~الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية فقالت: لا تحيي أبدا، ثم أرسل ربك عليها ~~السماء فلم تلبث عليك إلا أياما، ثم أشرفت عليها ms1369 وهي شرية واحدة، ولعمر ~~إلهك لهو أقدر على أن يجمعهم من الماء على أن يجمع نبات الأرض» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله ما يفعل بنا ربنا إذا ~~لقيناه؟ فقال تعرضون عليه بادية له صفحاتكم لا تخفى عليه خافية منكم، فيأخذ ~~ربك عز وجل بيده غرفة من الماء فينضح بها قلبكم، فلعمر إلهك ما يخطي وجه ~~واحد منكم منها قطرة، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء، وأما ~~الكافر فتحطمه بمثل الحميم الأسود» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: بم نبصر وقد حبس الشمس والقمر؟ فقال ~~للسائل بمثل بصرك ساعتك هذه» وذلك مع طلوع الشمس، وذلك في يوم أشرقت فيه ~~الأرض ثم واجهته الجبال «فسئل - صلى الله عليه وسلم -: بم نجزى من حسناتنا ~~وسيئاتنا؟ فقال الحسنة بعشرة أمثالها، والسيئة بمثلها أو # PageV04P206 # يعفو» . # «فسئل - صلى الله عليه وسلم - على ماء يطلع من الجنة، فقال على أنهار من ~~عسل مصفى، وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير ~~طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة لعمر إلهك مما تعلمون وخير من مثله معه، وأزواج ~~مطهرة» «فسئل - صلى الله عليه وسلم -: ألنا فيها أزواج؟ فقال الصالحات ~~للصالحين، تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا، ويلذونكم، غير أن لا توالد» ذكره ~~أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن كيفية إتيان الوحي إليه، فقال يأتيني ~~أحيانا مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا ~~يتمثل لي الملك رجلا» متفق عليه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن شبه الولد بأبيه تارة وبأمه تارة، فقال ~~إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة كان الشبه له، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل ~~فالشبه لها» متفق عليه. # وأما ما رواه مسلم في صحيحه أنه قال «إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكر ~~الرجل بإذن الله، واذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنث بإذن الله» فكان شيخنا ~~يتوقف في كون هذا اللفظ محفوظا، ويقول: المحفوظ هو اللفظ الأول. # والإذكار ms1370 والإيناث ليس له سبب طبيعي، وإنما هو بأمر الرب تبارك - وتعالى ~~- للملك أن يخلقه كما يشاء، ولهذا جعل مع الرزق والأجل والسعادة والشقاوة. # قلت: فإن كان هذا اللفظ محفوظا فلا تنافي بينه وبين اللفظ الأول، ويكون ~~سبق الماء سببا للشبه وعلوه على ماء الآخر سببا للإذكار والإيناث، والله ~~أعلم. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ~~ذراريهم ونسائهم، فقال هم منهم» حديث صحيح، ومراده - صلى الله عليه وسلم - ~~بكونهم منهم التبعية في أحكام الدنيا وعدم الضمان، لا التبعية في عقاب ~~الآخرة؛ فإن الله - تعالى - لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: {ولقد رآه نزلة أخرى} ~~[النجم: 13] فقال: إنما هو جبريل - عليه السلام -، لم أره على صورته التي ~~خلق عليها غير هاتين المرتين» ذكره مسلم. # ولما نزل قوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون} [الزمر: 30] {ثم إنكم يوم ~~القيامة عند ربكم تختصمون} [الزمر: 31] «سئل - صلى الله عليه وسلم -: يا ~~رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ فقال: نعم ~~ليكررن عليكم حتى تؤدوا إلى كل ذي حق حقه فقال الزبير: والله إن الأمر ~~لشديد» . # PageV04P207 # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: كيف يحشر الكافر على وجهه؟ فقال: أليس ~~الذي أمشاه في الدنيا على رجليه قادر أن يمشيه في الآخرة على وجهه؟» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: هل تذكرون أهاليكم يوم القيامة؟ فقال: أما ~~في ثلاث مواطن فلا يذكر أحد أحدا، حيث يوضع الميزان حتى يعلم أيثقل ميزانه ~~أم يخف، وحيث يتطاير الكتب حتى يعلم كتابه من يمينه أو من شماله أو من وراء ~~ظهره، وحيث يوضع الصراط على جسر جهنم، على حافتيه كلاليب وحسك، يحبس الله ~~به من يشاء من خلقه حتى يعلم أينجو أم لا ينجو» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله الرجل يحب القوم ولما يعمل ~~بأعمالهم؟ فقال: المرء مع من أحب» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الكوثر، فقال: هو ms1371 نهر أعطانيه ربي في ~~الجنة، هو أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها كأعناق ~~الجزر قيل: يا رسول الله إنها لناعمة، قال: أكلها أنعم منها» . # «وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: الأجوفان الفم والفرج وعن أكثر ~~ما يدخلهم الجنة، فقال: تقوى الله وحسن الخلق» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن المرأة تتزوج الرجلين والثلاثة، مع من ~~تكون منهم يوم القيامة؟ فقال: تخير فتكون مع أحسنهم خلقا» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الذنب أعظم؟ فقال: أن تجعل لله ندا وهو ~~خلقك قيل: ثم ماذا؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قيل: ثم ماذا؟ قال: ~~أن تزني بحليلة جارك» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال: الصلاة ~~على وقتها وفي لفظ لأول وقتها قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله قيل: ~~ثم ماذا؟ قال: بر الوالدين» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: {يا أخت هارون} [مريم: 28] ~~وبين عيسى وموسى - عليهما السلام - ما بينهما، فقال: كانوا يسمون ~~بأنبيائهم، وبالصالحين قبلهم» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أول أشراط الساعة، فقال: نار تحشر الناس ~~من المشرق إلى المغرب» . # وهذه إحدى مسائل عبد الله بن سلام الثلاث، والمسألة الثانية ما أول طعام ~~يأكله # PageV04P208 # أهل الجنة؟ والثالثة سبب شبه الولد أبيه وأمه؛ فولدها الكاذبون، وجعلوها ~~كتابا مستقلا سموه مسائل عبد الله بن سلام، وهي هذه الثلاثة في صحيح ~~البخاري. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام، فقال: شهادة أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج ~~البيت» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان، فقال: أن تؤمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله والبعث بعد الموت» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الإحسان، فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، ~~فإن لم تكن تراه فإنه يراك» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا ~~وقلوبهم وجلة} [المؤمنون: 60] فقال: هم الذين يصومون ويصلون ms1372 ويتصدقون ~~ويخافون أن لا يقبل منهم» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذريتهم} [الأعراف: 172] ، فقال: إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح على ~~ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، فقال: خلق هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة ~~يعملون، ثم مسح على ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل ~~أهل النار يعملون فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال: إن الله إذا ~~خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل ~~الجنة فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت ~~على عمل من أعمال أهل النار فيدخل النار» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم ~~أنفسكم} [المائدة: 105] فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى ~~إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك ~~بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الأدوية والرقى، هل ترد من القدر شيئا؟ ~~فقال: هي من القدر» # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عمن يموت من أطفال المشركين، فقال: الله ~~أعلم بما كانوا عاملين» وليس هذا قولا بالتوقف كما ظنه بعضهم، ولا قولا ~~بمجازاة الله لهم على ما يعلمه منهم أنهم عاملوه لو كانوا عاشوا، بل هو ~~جواب فصل، وأن الله يعلم ما هم عاملوه وسيجازيهم على معلومه فيهم بما يظهر ~~منهم يوم القيامة، لا على مجرد علمه، كما صرحت به سائر الأحاديث واتفق عليه ~~أهل الحديث أنهم يمتحنون يوم القيامة؛ فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل ~~النار. # PageV04P209 # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن سبأ: هل هو أرض أم امرأة، فقال: ليس ~~بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب؛ فتيامن منهم ستة، وتشاءم ~~منهم أربعة؛ فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة، وأما الذين ~~تيامنوا فالأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار فقال رجل: يا رسول ~~الله وما أنمار؟ ms1373 فقال الذين منهم خثعم وبجيلة» . # «وسئل عن قوله تعالى: {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [يونس: ~~64] فقال - صلى الله عليه وسلم -: هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى ~~له» . # «وسئل عن أفضل الرقاب، يعني في العتق، فقال: أنفسها عند أهلها وأغلاها ~~ثمنا» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أفضل الجهاد، فقال: من عقر جواده وأريق ~~دمه» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أفضل الصدقة، فقال: أن تتصدق وأنت صحيح ~~شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الكلام أفضل؟ فقال: ما اصطفى الله ~~للملائكة: سبحان الله وبحمده» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: متى وجبت لك النبوة؟ وفي لفظ: متى كنت ~~نبيا؟ فقال: وآدم بين الروح والجسد» هذا هو اللفظ الصحيح، والعوام يروونه " ~~بين الماء والطين " قال شيخنا: وهذا باطل، وليس بين الماء والطين مرتبة، ~~واللفظ المعروف ما ذكرناه. # وذكر الإمام أحمد في مسنده «أن أعرابيا سأله: يا رسول الله أخبرني عن ~~الهجرة إليك أينما كنت أم لقوم خاصة أم إلى أرض معلومة أم إذا مت انقطعت؟ ~~فسأل ثلاث مرات ثم جلس، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسيرا ثم ~~قال: أين السائل؟ قال: ها هو ذا حاضر يا رسول الله قال: الهجرة أن تهجر ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، ثم أنت مهاجر ~~وإن مت في الحضر فقام آخر فقال: يا رسول الله أخبرني عن ثياب أهل الجنة، ~~أتخلق خلقا أم تنسج نسجا؟ قال: فضحك القوم، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: تضحكون من جاهل يسأل عالما؟ فاستلبث رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ساعة ثم قال: أين السائل عن ثياب أهل الجنة؟ فقال: ها هو ذا يا رسول ~~الله، قال لا، بل تنشق عنها ثمار الجنة، ثلاث مرات» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أنفضي إلى نسائنا في الجنة؟ وفي لفظ آخر: ~~هل نصل إلى نسائنا في الجنة؟ فقال إي والذي نفسي بيده إن الرجل ليفضي في ~~الغداة الواحدة إلى ms1374 مائة عذراء» قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي: رجال ~~إسناده عندي على شرط الصحيح. # PageV04P210 # «وسئل: أنطأ في الجنة؟ فقال: نعم والذي نفسي بيده، دحما دحما، فإذا قام ~~عنها رجعت مطهرة بكرا» ورجال إسناده على شرط صحيح ابن حبان. # وفي معجم الطبراني «أنه سئل: هل يتناكح أهل الجنة؟ فقال بذكر لا يميل، ~~وشهوة لا تنقطع، دحما دحما» . # قال الجوهري: الدحم: الدفع الشديد. # وفيه أيضا «أنه سئل - صلى الله عليه وسلم -: أيجامع أهل الجنة؟ فقال دحما ~~دحما ولكن لا مني ولا منية» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أينام أهل الجنة؟ فقال النوم أخو الموت، ~~وأهل الجنة لا ينامون» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: هل في الجنة خيل؟ فقال إن دخلت الجنة أتيت ~~بفرس من ياقوتة له جناحان فحملت عليه فطار بك في الجنة حيث شئت» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: هل في الجنة إبل؟ فلم يقل للسائل مثل ما ~~قال للأول، بل قال إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك وقرت ~~عينك» . # وفي معجم الطبراني «أن أم سلمة - رضي الله عنها - سألته فقالت: يا رسول ~~الله أخبرني عن قول الله عز وجل {وحور عين} [الواقعة: 22] قال حور: بيض، ~~عين: ضخام العيون، شعر الحوراء بمنزلة جناح النسر قلت: أخبرني عن قول الله ~~عز وجل {كأمثال اللؤلؤ المكنون} [الواقعة: 23] فقال صفاؤهن صفاء الدر الذي ~~في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي قلت: أخبرني عن قوله تعالى: {فيهن خيرات ~~حسان} [الرحمن: 70] قال: خيرات الأخلاق، حسان الوجوه قلت: أخبرني عن قول ~~الله عز وجل {كأنهن بيض مكنون} [الصافات: 49] قال رقتهن كرقة الجلد الذي ~~رأيت في داخل البيضة مما يلي القشرة قلت: أخبرني يا رسول الله عن قوله ~~تعالى: {عربا أترابا} [الواقعة: 37] قال هن اللواتي قبضن في دار الدنيا ~~عجائز رمصا شمطا، خلقهن الله بعد الكبر فجعلهن الله عذارى، عربا متعشقات ~~متحببات، أترابا على ميلاد واحد قلت: يا رسول الله نساء الدنيا أفضل أم ~~الحور العين؟ قال بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل ms1375 الظهارة على ~~البطانة قلت: يا رسول الله، وبم ذاك؟ قال بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن الله ~~تعالى، ألبس الله وجوههن النور وأجسادهن الحرير، بيض الألوان، خضر الثياب، ~~صفر الحلي، مجامرهن الدر، وأمشاطهن الذهب، يقلن: نحن الخالدات فلا نموت، ~~ونحن الناعمات فلا نبأس أبدا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا، ونحن الراضيات ~~فلا نسخط أبدا، طوبى # PageV04P211 # لمن كنا له وكان لنا قلت: يا رسول الله المرأة منا تتزوج الزوجين ~~والثلاثة والأربعة ثم تموت فتدخل الجنة ويدخلون معها من يكون زوجها؟ قال يا ~~أم سلمة إنها تخير فتختار أحسنهم خلقا، فتقول: يا رب إن هذا كان أحسنهم معي ~~خلقا في دار الدنيا فزوجنيه، يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا ~~والآخرة» # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: {والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه} [الزمر: 67] أين الناس يومئذ؟ قال على ~~جسر جهنم» . # «وسئل عن الإيمان، فقال إذا سرتك حسناتك وساءتك سيئاتك فأنت مؤمن» . # «وسئل عن الإثم، فقال إذا حاك في قلبك شيء فدعه» . # «وسئل عن البر والإثم، فقال البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه ~~النفس، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر» . # «وسأله عمر: هل نعمل في شيء نستأنفه أم في شيء قد فرغ منه؟ قال بل في شيء ~~قد فرغ منه قال: ففيم العمل؟ قال يا عمر لا يدرك ذلك إلا بالعمل قال: إذا ~~نجتهد يا رسول الله» . # وكذلك «سأله سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله أخبرنا عن أمرنا كأننا ~~ننظر إليه، أبما جرت به الأقلام وثبتت به المقادير أم بما يستأنف؟ فقال لا، ~~بل بما جرت به الأقلام وثبتت به المقادير قال: ففيم العمل إذا؟ قال اعملوا ~~فكل ميسر قال سراقة: فلا أكون أبدا أشد اجتهادا في العمل مني الآن» . ### | [فصل فتاوى تتعلق بالطهارة] # فصل: # [فتاوى تتعلق بالطهارة] «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الوضوء بماء ~~البحر، فقال: هو الطهور ماؤه والحل ميته» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الوضوء من بئر بضاعة، - وهي بئر يلقى ms1376 ~~فيها الحيض والنتن ولحوم الكلاب -، فقال الماء طهور لا ينجسه شيء» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الماء يكون بالفلاة وما ينوبه من الدواب ~~والسباع فقال إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء» . # «وسأله أبو ثعلبة فقال: إنا بأرض قوم أهل كتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير # PageV04P212 # ويشربون الخمر، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟ فقال إن لم تجدوا غيرها ~~فارحضوها بالماء واطبخوا فيها، واشربوا» . # وفي الصحيحين: إنا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ قال: «لا تأكلوا ~~فيها إلا أن لا تجدوا غيرها، فاغسلوها ثم كلوا فيها» . # وفي المسند والسنن: أفتنا في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها، فقال «إذا ~~اضطررتم إليها فاغسلوها بالماء، واطبخوا فيها» . # وفي الترمذي «سئل عن قدور المجوس، فقال أنقوها غسلا، واطبخوا فيها» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في ~~الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن المذي، قال يجزئ منه الوضوء فقال له ~~السائل: فكيف بما أصاب ثوبي منه؟ فقال يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به ~~ثوبك حيث ترى أنه أصاب منه» صححه الترمذي. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، ~~فقال ذاك المذي وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك ~~للصلاة» . # «وسألته فاطمة بنت أبي حبيش فقالت: إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع ~~الصلاة؟ فقال: لا، إنما ذلك عرق وليس بحيضة، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، ~~فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي» . # «وسئل عنها أيضا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: تدع الصلاة أيام ~~أقرائها التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم، وتصلي» ~~. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الوضوء من لحوم الغنم فقال إن شئت ~~فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال نعم توضأ من ~~لحوم الإبل» # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في مرابض ms1377 الغنم، فقال نعم صلوا ~~فيها» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال لا» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله، ما تقول في رجل ~~لقي امرأة لا يعرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيء إلا قد أتاه منها، غير ~~أنه لم يجامعها، فأنزل الله تعالى هذه الآية # PageV04P213 # {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات} ~~[هود: 114] فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثم صل فقال معاذ: ~~فقلت يا رسول الله أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟ قال بل للمؤمنين عامة» . # «وسألته أم سليم فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على ~~المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعم ~~إذا رأت الماء فقالت أم سلمة: أوتحتلم المرأة؟ فقال تربت يداك، فبم يشبهها ~~ولدها؟» وفي لفظ «أن أم سليم سألت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا رأت المرأة ذلك فلتغتسل» . # وفي المسند «أن خولة بنت حكيم سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال ليس عليها غسل حتى تنزل، كما أن ~~الرجل ليس عليه غسل حتى ينزل» . # «وسأله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن المذي، فقال من ~~المذي الوضوء، ومن المني الغسل» وفي لفظ «إذا رأيت المذي فتوضأ، واغسل ~~ذكرك، وإذا رأيت نضح الماء فاغتسل» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما فقال: ~~يغتسل وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولم يجد البلل، فقال: لا غسل عليه» ذكره ~~أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل، وعائشة ~~جالسة، فقال: إني أفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل» ذكره مسلم. # «وسألته أم سلمة فقالت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه ~~لغسل ms1378 الجنابة؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين ~~عليك الماء» ذكره مسلم، وعند أبي داود: «اغمزي قرونك عند كل حفنة» . # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: يا رسول الله إن لنا طريقا ~~إلى المسجد منتنة، فكيف نفعل إذا مطرنا؟ فقال: أليس بعد طريق هي أطيب منها ~~قلت: بلى يا رسول الله، قال: هذه بهذه» وفي لفظ: «أليس بعده ما هو أطيب ~~منه؟ قلت: بلى، قال: فإن هذا يذهب بذاك» ذكره أحمد. # PageV04P214 # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - فقيل له: إنا نريد المسجد فنطأ الطريق ~~النجسة، فقال: الأرض يطهر بعضها بعضا» ذكره ابن ماجه. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم ~~الحيضة، كيف تصنع به؟ فقال: تحته، ثم تقرضه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه» ~~متفق عليه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن فأرة وقعت في سمن، فقال: ألقوها وما ~~حولها وكلوا سمنكم» ذكره البخاري، ولم يصح فيه التفصيل بين الجامد والمائع. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - ميمونة عن شاة ماتت فألقوا إهابها، فقال: ~~هلا أخذتم مسكها فقالت: نأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال لها: إنما قال تعالى: ~~{قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا أو لحم خنزير} [الأنعام: 145] وإنكم لا تطعمونه إن تدبغوه تنتفعوا ~~به فأرسلت إليها فسلخت مسكها فدبغته، فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها» ، ~~ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن جلود الميتة، فقال: ذكاؤها دباغها» ذكره ~~النسائي. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الاستطابة، فقال: أولا يجد أحدكم ثلاثة ~~أحجار حجران للصفحتين وحجر للمسربة» حديث حسن، وعن مالك مرسلا «أولا يجد ~~أحدكم ثلاثة أحجار» ولم يزد. # «وسأله سراقة عن التغوط؛ فأمر أن يتنكب القبلة، ولا يستقبلها، ولا ~~يستدبرها، ولا يستقبل الريح، وأن يستنجي بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع، أو ~~ثلاثة أعواد، أو بثلاث حثيات من تراب» ذكره الدارقطني. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الوضوء، ms1379 فقال: أسبغ الوضوء، وخلل بين ~~الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» ذكره أبو داود. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن عنبسة فقال: كيف الوضوء؟ قال: أما ~~الوضوء فإنك إذا توضأت فغسلت كفيك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أظفارك ~~وأناملك، فإذا تمضمضت واستنشقت وغسلت وجهك ويديك إلى المرفقين ومسحت رأسك ~~وغسلت رجليك اغتسلت من عامة خطاياك كيوم ولدتك أمك» ذكره النسائي. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أعرابي عن الوضوء، فأراه ثلاثا ثم قال: ~~هكذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم» ذكره أحمد. # PageV04P215 # «وسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرابي فقال: يا رسول الله، الرجل ~~منا يكون في الصلاة فيكون منه الرويحة، ويكون في الماء قلة، فقال: إذا فسا ~~أحدكم فليتوضأ، ولا تأتوا النساء في أعجازهن؛ فإن الله لا يستحيي من الحق» ~~ذكره الترمذي. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن المسح على الخفين، فقال: للمسافر ثلاثة ~~أيام وللمقيم يوما وليلة» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - ابن عمارة فقال: يا رسول الله أمسح على ~~الخفين؟ فقال نعم قال: يوما؟ قال ويومين قال: وثلاثة أيام؟ قال نعم وما ~~شئت» ذكره أبو داود، فطائفة من أهل العلم أخذت بظاهره وجوزوا المسح بلا ~~توقيت، وطائفة قالت: هذا مطلق وأحاديث التوقيت مقيدة، والمقيد يقضي على ~~المطلق. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أعرابي فقال: أكون في الرمل أربعة أشهر أو ~~خمسة أشهر، ويكون فينا النفساء والحائض والجنب، فما ترى؟ قال عليك بالتراب» ~~ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ذر: إني أغرب عن الماء ومعي أهلي، ~~فتصيبني الجنابة، فقال إن الصعيد طهور ما لم تجد الماء عشر حجج، فإذا وجدت ~~الماء فأمسه بشرتك» حديث حسن. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله ~~وجهه فقال: انكسرت إحدى زندي فأمره أن يمسح على الجبائر» ذكره ابن ماجه. # «وقال ثوبان: استفتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الغسل من الجنابة ~~فقال: أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله حتى يبلغ ms1380 أصول الشعر، وأما المرأة فلا ~~عليها أن لا تنقضه، لتغرف على رأسها ثلاث غرفات تكفيها» ذكره أبو داود. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إني اغتسلت من الجنابة وصليت ~~الصبح، ثم أصبحت فرأيت قدر الظفر لم يصبه ماء فقال لو كنت مسحت عليه بيدك ~~أجزأك» ذكره ابن ماجه. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة عن الحيض، فقال: تأخذ إحداكن ماءها ~~وسدرها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ ~~شئون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها» . # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - عن غسل الجنابة فقال تأخذ ماء فتطهر ~~فتحسن الطهور، ثم تصب الماء على رأسها فتدلكه حتى يبلغ شئون رأسها، ثم تفيض ~~الماء عليها» . # PageV04P216 # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: ما يحل لي من امرأتي، وهي حائض، ~~فقال: تشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها» ذكره مالك. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن مؤاكلة الحائض، فقال واكلها» ذكره ~~الترمذي. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: كم تجلس النفساء؟ فقال تجلس أربعين يوما، ~~إلا أن ترى الطهر قبل ذلك» ذكره الدارقطني. ### | [فصل فتاوى تتعلق بالصلاة وأركانها] # [فتاوى تتعلق بالصلاة وأركانها] # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - ثوبان عن أحب الأعمال إلى الله - تعالى - ~~فقال - صلى الله عليه وسلم -: عليك بكثرة السجود لله عز وجل؛ فإنك لا تسجد ~~لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط بها عنك خطيئة» ذكره مسلم. # «وسأله عبد الله بن سعد: أيما أفضل، الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ ~~فقال: ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد؟ فلأن أصلي في بيتي أحب إلي من ~~أن أصلي في المسجد، إلا أن تكون صلاة مكتوبة» ذكره ابن ماجه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الرجل في بيته، فقال: نوروا ~~بيوتكم» ذكره ابن ماجه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: متى يصلي الصبي؟ فقال: إذا عرف يمينه من ~~شماله فمروه بالصلاة» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قتل رجل مخنث يتشبه ms1381 بالنساء، فقال إني ~~نهيت عن قتل المصلين» ذكره أبو داود. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن وقت الصلاة، فقال للسائل صل معنا هذين ~~اليومين، فلما زالت الشمس أمر بلالا فأذن، ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره ~~فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت ~~الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع ~~الفجر، فلما كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر، وصلى العصر والشمس مرتفعة ~~أخرها فوق الذي كان، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعدما ذهب ~~ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها، ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال ~~الرجل: أنا يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: وقت صلاتكم ما ~~رأيتم» ذكره مسلم. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: هل من ساعة أقرب إلى الله من الأخرى؟ قال ~~نعم، أقرب ما يكون الرب عز وجل من العبد جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن ~~تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن» . # PageV04P217 # «وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة الوسطى، فقال: هي صلاة ~~العصر.» # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: هل في ساعات الليل والنهار ساعة تكره ~~الصلاة فيها؟ فقال نعم إذا صليت الصبح فدع الصلاة حتى تطلع الشمس؛ فإنها ~~تطلع بين قرني شيطان، ثم صل، فإن الصلاة محضورة متقبلة، حتى تستوي الشمس ~~على رأسك كالرمح، فدع الصلاة فإن تلك الساعة تسجر جهنم وتفتح فيها أبوابها، ~~حتى ترتفع الشمس عن حاجبك الأيمن، فإذا زالت الشمس فالصلاة محضورة متقبلة ~~حتى تصلي العصر، ثم دع الصلاة حتى تغيب الشمس» ذكره ابن ماجه. # وفيه دليل على تعلق النهي بفعل صلاة الصبح لا بوقتها. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: لا أستطيع أن آخذ شيئا من ~~القرآن فعلمني ما يجزيني، فقال قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا ~~الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله فقال: يا رسول الله هذا لله، ~~فما لي؟ فقال قل اللهم ms1382 ارحمني وعافني واهدني وارزقني فقال بيده هكذا ~~وقبضها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما هذا فقد ملأ يديه من ~~الخير» ذكره أبو داود. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمران بن حصين - وكان به بواسير - عن ~~الصلاة، فقال: صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنبك» ~~ذكره البخاري. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: أقرأ خلف الإمام أو أنصت؟ قال: بل ~~أنصت فإنه يكفيك» ذكره الدارقطني. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - حطان، فقال: يا رسول الله إنا لا نزال ~~سفرا فكيف نصنع بالصلاة؟ فقال: ثلاث تسبيحات ركوعا، وثلاث تسبيحات سجودا» ~~ذكره الشافعي مرسلا. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن أبي العاص فقال: يا رسول الله، ~~إن الشيطان قد حال بين صلاتي وبين قراءتي يلبسها علي، فقال: ذاك شيطان يقال ~~له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله واتفل على يسارك ثلاثا قال: ففعلت ذلك ~~فأذهبه الله» ، ذكره مسلم. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: أصلي في ثوبي الذي آتي فيه ~~أهلي؟ قال نعم، إلا أن ترى فيه شيئا فتغسله» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - معاوية بن حيدة: يا رسول الله عوراتنا ما ~~نأتي منها وما نذر؟ قال احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قال: ~~قلت: يا رسول الله الرجل يكون مع الرجل، قال إن استطعت أن لا يراها أحد ~~فافعل قال: قلت: فالرجل يكون خاليا، قال: الله أحق أن يستحيا منه» ذكره ~~أحمد. # PageV04P218 # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في الثوب الواحد، قال أوكلكم يجد ~~ثوبين؟» متفق عليه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - سلمة بن الأكوع: يا رسول الله إني أكون في ~~الصيد فأصلي وليس علي إلا قميص واحد، فقال: فازرره، وإن لم تجد إلا شوكة» ~~ذكره أحمد، وعند النسائي: «إني أكون في الصيف وليس علي إلا قميص» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: يا رسول الله أصلي في الفراء؟ قال ~~فأين الدباغ» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في القوس ms1383 والقرن، فقال اطرح ~~القرن وصل في القوس» ذكره الدارقطني. # والقرن - بالتحريك - الجعبة # «وسألته أم سلمة: هل تصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ فقال إذا ~~كان الدرع سابلا يغطي ظهر قدميها» ذكره أبو داود. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ذر عن أول مسجد وضع في الأرض، قال: ~~المسجد الحرام فقال: ثم أي؟ قال المسجد الأقصى فقال: كم بينهما؟ قال أربعون ~~عاما، ثم الأرض لك مسجد، حيث أدركتك الصلاة فصل» متفق عليه. # وذكر الحاكم في مستدركه أن جعفر بن أبي طالب سأله عن الصلاة في السفينة ~~فقال " صل فيها قائما إلا أن تخاف الغرق ". # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن مسح الحصى في الصلاة فقال: واحدة أو دع» ~~. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - جابر عن ذلك فقال واحدة، ولأن تمسك عنها ~~خير لك من مائة ناقة كلها سود الحدق» فقلت: المسجد كان مفروشا بالحصباء ~~فكان أحدهم يمسحه بيديه لموضع سجوده، فرخص النبي في مسحة واحدة وندبهم إلى ~~تركها، والحديث في المسند. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الالتفات في الصلاة، فقال هو اختلاس ~~يختلسه الشيطان من صلاة العبد» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يصلي أحدنا في منزله الصلاة ثم ~~يأتي المسجد وتقام الصلاة، أفأصلي معهم؟ فقال لك سهم جمع» ذكره أبو داود. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ذر عن الكلب الأسود يقطع الصلاة دون ~~الأحمر والأصفر، فقال الكلب الأسود شيطان» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله إني صليت فلم أدر ~~أشفعت أو أوترت، فقال # PageV04P219 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياكم أن يتلعب بكم الشيطان في صلاتكم، ~~من صلى فلم يدر أشفع أم أوتر فليسجد سجدتين فإنهما تمام صلاته» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: لأي شيء فضلت يوم الجمعة؟ فقال لأن فيها ~~طبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة، وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ~~ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له» ، «. # وسئل أيضا عن ساعة الإجابة، فقال حين ms1384 تقام الصلاة إلى الانصراف منها» ولا ~~تنافي بين الحديثين؛ لأن ساعة الإجابة، وإن كانت آخر ساعة بعد العصر ~~فالساعة التي تقام فيها الصلاة أولى أن تكون ساعة الإجابة كما أن المسجد ~~الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، ومسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أولى بذلك منه، وهو أولى من جمع بينهما بتنقلها، فتأمل. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله أخبرنا عن يوم الجمعة، ما ~~فيها من الخير؟ فقال: فيه خمس خلال: فيه خلق آدم، وفيه أهبط آدم إلى الأرض، ~~وفيه توفى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا أعطاه ~~إياه ما لم يسأل إثما أو قطيعة رحم، وفيه تقوم الساعة، فما من ملك مقرب ولا ~~سماء ولا أرض ولا جبال ولا حجر إلا وهو مشفق من يوم الجمعة» ذكره أحمد ~~والشافعي. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الليل، فقال مثنى مثنى، فإذا خشيت ~~الصبح فأوتر بواحدة» متفق عليه. # «وسأله أبو أمامة: بكم أوتر؟ قال: بواحدة قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال ~~ثلاث ثم قال بخمس ثم قال بسبع» وفي الترمذي «أنه سئل عن الشفع والوتر، فقال ~~هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر» . # وفي سنن الدارقطني «أن رجلا سأله عن الوتر، فقال افصل بين الواحدة ~~والاثنتين بالسلام» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الصلاة أفضل؟ قال طول القنوت» ذكره ~~أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي القيام أفضل؟ قال نصف الليل، وقليل ~~فاعله» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: هل من ساعة أقرب إلى الله من الأخرى؟ قال ~~نعم جوف الليل الأوسط» ذكره النسائي. # PageV04P220 ### | [فصل فتاوى تتعلق بالموت وبالموتى] # فصل: # [فتاوى تتعلق بالموت وبالموتى] «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن موت ~~الفجاءة، فقال: راحة للمؤمن، وأخذة أسف للفاجر» ذكره أحمد، ولهذا لم يكره ~~أحمد موت الفجاءة في إحدى الروايتين عنه، وقد روي عنه كراهتها؛ وروي في ~~مسنده «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بجدار أو حائط مائل، فأسرع ~~المشي، فقيل ms1385 له في ذلك، فقال إني أكره موت الفوات» ولا تنافي بين الحديثين ~~فتأمله. # «وسئل: تمر بنا جنازة الكافر، أفنقوم لها؟ قال نعم، إنكم لستم تقومون ~~لها، إنما تقومون إعظاما للذي يقبض النفوس» ذكره أحمد، «وقام لجنازة يهودية ~~فسئل عن ذلك، فقال إن للموت فزعا، فإذا رأيتم جنازة فقوموا» # «وسئل عن امرأة أوصت أن يعتق عنها رقبة مؤمنة، فدعا بالرقبة، فقال: من ~~ربك؟ قالت: الله، قال من أنا؟ قالت: رسول الله، قال أعتقها فإنها مؤمنة» ~~ذكره أبو داود # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمر - رضي الله عنه -: هل ترد إلينا ~~عقولنا في القبر وقت السؤال؟ فقال نعم كهيئتكم اليوم» ذكره أحمد. # «وسئل عن عذاب القبر، فقال نعم عذاب القبر حق» . ### | [فصل فتاوى تتعلق بالزكاة والصدقة] # فصل: # [فتاوى تتعلق بالزكاة والصدقة] «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن صدقة ~~الإبل، قال ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها - ومن حقها حلبها يوم ورودها - إلا ~~إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلا ~~واحدا تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، ~~في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى ~~الجنة وإما إلى النار» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن البقر، فقال ولا صاحب بقر ولا غنم لا ~~يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا ~~ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عصباء، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما ~~مرت أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين ~~العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الخيل فقال الخيل ثلاثة، هي لرجل وزر، ~~ولرجل ستر، ولرجل # PageV04P221 # أجر، فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة ~~فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنه انقطع ~~طيلها ms1386 فاستنت شرفا أو شرفين كانت له آثارها وأرواثها حسنات، ولو أنها مرت ~~بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كانت له حسنات، فهي لذلك الرجل أجر، ورجل ~~ربطها تغنيا وتعففا ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا في ظهورها فهي لذلك ~~الرجل ستر، ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الحمر؛ فقال ما أنزل علي فيها إلا هذه ~~الآية الجامعة الفاذة {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] {ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 8] » ذكره مسلم. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - أم سلمة فقالت: إني ألبس أوضاحا من ذهب، ~~أكنز هو؟ قال ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز» ذكره مالك. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أفي المال حق سوى الزكاة؟ قال نعم، ثم قرأ ~~{وآتى المال على حبه} [البقرة: 177] » ذكره الدارقطني. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إن لي حليا، وإن زوجي خفيف ~~ذات اليد، وإن لي ابن أخ، أفيجزئ عن أن أجعل زكاة الحلي فيهم؟ قال نعم» . # وذكر ابن ماجه «أن أبا سيارة سأله فقال: إن لي نخلا، فقال أد العشر فقلت: ~~يا رسول الله احمها لي، فحماها لي» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - العباس عن تعجيل زكاته قبل أن يحول الحول، ~~فأذن له في ذلك» ، ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن زكاة الفطر، فقال هي على كل مسلم، صغيرا ~~أو كبيرا، حرا أو عبدا، صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو أقط» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أصحاب الأموال فقالوا: إن أصحاب الصدقة ~~يعتدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ قال لا» ذكره أبو ~~داود. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إني ذو مال كثير، وذو أهل وولد ~~وحاضرة، فأخبرني كيف أنفق؟ وكيف أمنع؟ فقال تخرج الزكاة من مالك، فإنها ~~طهرة تطهرك، وتصل بها رحمك وأقاربك، وتعرف حق السائل والجار والمسكين فقال: ~~يا رسول الله أقلل في، ms1387 قال: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا ~~تبذر تبذيرا} [الإسراء: 26] فقال: # PageV04P222 # حسبي، وقال: يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى ~~الله ورسوله؟ قال رسول الله نعم، إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها، ولك ~~أجرها، وإثمها على من بدلها» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الصدقة على أبي رافع مولاه، فقال إنا آل ~~محمد لا تحل لنا الصدقة، وإن مولى القوم من أنفسهم» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمر عن أرضه بخيبر، واستفتاه ما يصنع فيها ~~وقد أراد أن يتقرب بها إلى الله، فقال إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ففعل» ~~. # «وتصدق عبد الله بن زيد بحائط له، فأتاه أبواه فقالا: يا رسول الله إنها ~~كانت قيم وجوهنا، ولم يكن لنا مال غيره، فدعا عبد الله فقال إن الله قد قبل ~~منك صدقتك، وردها على أبويك فتوارثاها بعد ذلك» ، ذكره النسائي. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الصدقة أفضل؟ فقال: المنيحة، أن يمنح ~~أحدكم الدرهم أو ظهر الدابة أو لبن الشاة أو لبن البقرة» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - مرة عن هذه المسألة، فقال جهد المقل، وابدأ ~~بمن تعول» ذكره أبو داود. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - مرة أخرى عنها، فقال: أن تتصدق وأنت صحيح ~~شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى» . # «وسئل مرة أخرى عنها فقال: سقي الماء» . # وسئل مرة أخرى عنها، فقال # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - سراقة بن مالك عن الإبل تغشى حياضه: هل له ~~من أجر في سقيها؟ فقال نعم، في كل كبد حرى أجر» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - امرأتان عن الصدقة على أزواجهما، فقال: ~~لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة» متفق عليه، وعند ابن ماجه: «أتجزيء ~~عني من النفقة الصدقة على زوجي وأيتام في حجري؟ فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لها أجران: أجر الصدقة، وأجر القرابة» . # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - أسماء فقالت: ما لي مال إلا ما أدخل ms1388 علي ~~الزبير، أفأتصدق؟ فقال تصدقي ولا توعي فيوعى عليك» متفق عليه. # PageV04P223 # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - مملوك: أتصدق من مال مولاي بشيء؟ فقال: ~~نعم والأجر بينكما نصفان» ذكره مسلم. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمر - رضي الله عنه - عن شراء فرس تصدق ~~به، فقال لا تشتره، ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم؛ فإن العائد في هبته ~~كالعائد في قيئه» متفق عليه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن المعروف، فقال: لا تحقرن من المعروف ~~شيئا، ولو أن تعطي صلة الحبل، ولو أن تعطي شسع النعل، ولو أن تفرغ من دلوك ~~في إناء المستسقي، ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقى ~~أخاك ووجهك إليه طلق، ولو أن تلقى أخاك فتسلم عليه، ولو أن تؤنس الوحشان في ~~الأرض» ذكره أحمد. # فلله ما أجل هذه الفتاوى، وما أحلاها، وما أنفعها، وما أجمعها لكل خير، ~~فوالله لو أن الناس صرفوا هممهم إليها لأغنتهم عن فتاوى فلان وفلان، والله ~~المستعان. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إني تصدقت على أمي بعبد وإنها ~~ماتت، فقال وجبت صدقتك، وهو لك بميراثك» ذكره الشافعي. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية ~~وإنها ماتت، فقال وجب أجرك، وردها عليك الميراث» ذكره مسلم. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إن أمي توفيت، أفينفعها إن ~~تصدقت عنها؟ قال نعم» ذكره البخاري. # «وسأله آخر فقال: إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها ~~أجر إن تصدقت عنها؟ قال نعم» متفق عليه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر فقال: إن أبو مات ولم يوص، أفينفعه أن ~~أتصدق عنه؟ قال نعم» ذكره مسلم. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - حكيم بن حزام فقال: يا رسول الله أمور كنت ~~أتحنث بها في الجاهلية من صلة وعتاقة وصدقة، هل لي فيها أجر؟ قال أسلمت على ~~ما سلف لك من خير» متفق عليه. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله عنها - عن ابن جدعان، ms1389 ~~وأنه كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ فقال لا ~~ينفعه؛ إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» ذكره مسلم. # PageV04P224 # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الغني الذي يحرم المسألة، فقال خمسون ~~درهما أو قيمتها من الذهب» ذكره أحمد. # ولا ينافي هذا جوابه للآخر «ما يغديه أو يعشيه» فإن هذا غناء اليوم، وذاك ~~غناء العام بالنسبة إلى حال ذلك السائل؛ والله أعلم. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقد أرسل ~~إليه بعطاء، فقال: أليس أخبرتنا أن خيرا لأحدنا أن لا يأخذ من أحد شيئا، ~~فقال إنما ذلك من المسألة، فأما ما كان عن غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه ~~الله فقال عمر: والذي نفسي بيده لا أسأل أحدا شيئا، ولا يأتيني شيء من غير ~~مسألة إلا أخذته» . ذكره مالك. ### | [فصل فتاوى تتعلق بالصوم] # فصل: # [فتاوى تتعلق بالصوم] «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الصوم أفضل؟ فقال ~~شعبان لتعظيم رمضان قيل: فأي الصدقة أفضل؟ قال صدقة رمضان» ذكره الترمذي، ~~والذي في الصحيح «أنه سئل: أي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: شهر الله ~~الذي تدعونه المحرم قيل: فأي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: الصلاة في جوف ~~الليل» . # قال شيخنا: ويحتمل أن يريد بشهر الله المحرم أول العام، وأن يريد به ~~الأشهر الحرم، والله أعلم. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله عنها - فقالت: يا رسول ~~الله، دخلت علي وأنت صائم، ثم أكلت حيسا، فقال نعم، إنما منزلة من صام في ~~غير رمضان أو قضى رمضان في التطوع بمنزلة رجل أخرج صدقة من ماله فجاد منها ~~بما شاء فأمضاه، وبخل بما شاء فأمسكه» ذكره النسائي. # «ودخل - صلى الله عليه وسلم - على أم هانئ فشرب، ثم ناولها فشربت، فقالت: ~~إني كنت صائمة، فقال الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام، وإن شاء أفطر» ~~ذكره أحمد، وذكر الدارقطني «أن أبا سعيد صنع طعاما، فدعا النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه، فقال رجل ms1390 من القوم: إني صائم، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - صنع لك أخوك طعاما وتكلف لك أخوك، أفطر وصم يوما آخر ~~مكانه» وذكر أحمد «أن حفصة أهديت لها شاة، فأكلت منها هي وعائشة، وكانتا ~~صائمتين، فسألتا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال أبدلا يوما ~~مكانه» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: قد اشتكيت عيني، أفأكتحل وأنا ~~صائم؟ قال نعم» ذكره # PageV04P225 # الترمذي. # وذكر الدارقطني «أنه سئل أفريضة الوضوء من القيء؟ فقال لا، لو كان فريضة ~~لوجدته في القرآن» ، وفي إسناد الحديثين مقال. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن أبي سلمة، أيقبل الصائم؟ فقال له ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سل هذه لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك، قال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم ~~من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني لأتقاكم ~~لله وأخشاكم له» ذكره مسلم. # وعند الإمام أحمد «أن رجلا قبل امرأته وهو صائم في رمضان، فوجد من ذلك ~~وجدا شديدا، فأرسل امرأته0 فسألت أم سلمة عن ذلك، فأخبرتها أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يفعله فأخبرت زوجها، فزاده ذلك شرا، وقال: لسنا ~~مثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إن الله يحل لرسوله ما شاء، ثم رجعت ~~امرأته إلى أم سلمة، فوجدت عندها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما هذه المرأة؟ فأخبرته أم سلمة، فقال: ~~ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك قالت: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها فزاده ذلك ~~شرا وقال: لسنا مثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله يحل لرسوله ~~ما شاء، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال والله إني لأتقاكم ~~لله وأعلمكم بحدوده» ذكره مالك وأحمد والشافعي - رضي الله عنهم -. # وذكر أحمد «أن شابا سأله فقال: أقبل وأنا صائم؟ قال: لا وسأله شيخ: أقبل ~~وأنا صائم؟ قال: نعم ثم قال إن ms1391 الشيخ يملك نفسه» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله أكلت وشربت ناسيا ~~وأنا صائم، فقال: أطعمك الله وسقاك» ذكره أبو داود، وعند الدارقطني فيه ~~بإسناد صحيح «أتم صومك، فإن الله أطعمك وسقاك، ولا قضاء عليك وكان أول يوم ~~من رمضان» . # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك امرأة أكلت معه فأمسكت، فقال: ما ~~لك؟ فقالت: كنت صائمة فنسيت، فقال ذو اليدين: الآن بعد ما شبعت؟ فقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: أتمي صومك؛ فإنما هو رزق ساقه الله إليك» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الخيط الأبيض والخيط الأسود، فقال: هو ~~بياض النهار وسواد الليل» ذكره النسائي. # «ونهاهم عن الوصال وواصل، فسألوه عن ذلك، فقال إني لست كهيئتكم، إني ~~يطعمني ربي ويسقيني» متفق عليه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة ~~وأنا جنب فأصوم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وأنا تدركني ~~الصلاة وأنا جنب فأصوم فقال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله # PageV04P226 # لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله ~~وأعلمكم بما أتقي» ذكره مسلم. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الصوم في السفر، فقال: إن شئت صمت وإن ~~شئت أفطرت» «وسأله - صلى الله عليه وسلم - حمزة بن عمرو فقال: إني أجد في ~~قوة على الصيام في السفر، فهل علي جناح؟ فقال: هي رخصة الله، فمن أخذ بها ~~فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» ذكرهما مسلم. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن تقطيع قضاء رمضان، فقال: ذلك إليك، ~~أرأيت لو كان على أحدكم دين قضى الدرهم والدرهمين، ألم يكن ذلك قضاء؟ فالله ~~أحق أن يعفو ويغفر» ذكره الدارقطني، وإسناده حسن. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم ~~نذر، أفأصوم عنها؟ فقال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدى ذلك ~~عنها؟ قالت: نعم، قال: فصومي عن أمك» متفق عليه؛ وعن أبي ms1392 داود «أن امرأة ~~ركبت البحر، فنذرت إن الله عز وجل نجاها أن تصوم شهرا، فنجاها الله، فلم ~~تصم حتى ماتت، فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فأمرها أن تصوم عنها» . # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - حفصة فقالت: إني أصبحت أنا وعائشة ~~صائمتين متطوعتين، فأهدي لنا طعام فأفطرنا عليه، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: اقضيا مكانه يوما» ذكره أحمد، ولا ينافي هذا قوله: «الصائم ~~المتطوع أمير نفسه» فإن القضاء أفضل. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: هلكت، وقعت على امرأتي وأنا ~~صائم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: ~~لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: هل تجد إطعام ~~ستين مسكينا؟ قال: لا، قال: اجلس فبينا نحن على ذلك إذ أتى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بفرق فيه تمر - والفرق: المكتل الضخم - فقال: أين السائل؟ ~~قال: أنا، قال: خذ هذا فتصدق به فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ ~~فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك» متفق ~~عليه. # «سأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: أي شهر تأمرني أن أصوم بعد رمضان؟ ~~فقال: إن كنت صائما بعد رمضان فصم المحرم؛ فإنه شهر فيه تاب الله على قوم، ~~ويتوب فيه على قوم آخرين» ذكره أحمد. # PageV04P227 # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله لم نرك تصوم في شهر من ~~الشهور ما تصوم في شعبان؟ فقال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، ~~وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» ~~ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الاثنين، فقال: ذاك يوم ولدت ~~فيه، وفيه أنزل علي القرآن» ذكره مسلم. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أسامة فقال: يا رسول الله إنك تصوم لا ~~تكاد تفطر، وتفطر حتى لا ms1393 تكاد تصوم، إلا يومين إن دخلا في صيامك، وإلا ~~صمتهما، قال: أي يومين؟ قال: يوم الاثنين ويوم الخميس، قال: ذانك يومان ~~تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» ذكره ~~أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - فقيل: يا رسول الله إنك تصوم الاثنين ~~والخميس فقال: إن يوم الاثنين والخميس يغفر الله فيهما لكل مسلم إلا ~~مهتجرين، يقول حتى يصطلحا» ذكره ابن ماجه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر؟ قال: لا ~~صام ولا أفطر أو قال: لم يصم ولم يفطر قال: كيف بمن يصوم يومين ويفطر يوما؟ ~~قال: ويطيق ذلك أحد؟ قال: كيف بمن يصوم يوما ويفطر يوما؟ قال: ذاك صوم داود ~~- عليه السلام - قال: كيف بمن يصوم يوما ويفطر يومين؟ قال: وددت أني طوقت ~~ذلك ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى ~~رمضان هذا صيام الدهر كله» # «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي ~~بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده» ذكره ~~مسلم. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: أصوم يوم الجمعة ولا أكلم أحدا؟ ~~فقال: لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها أو في شهر، وأما أن لا تكلم ~~أحدا فلعمري أن تكلم بمعروف أو تنهى عن منكر خير من أن تسكت» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمر - رضي الله عنه - فقال: إني نذرت في ~~الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام، فكيف ترى؟ فقال اذهب فاعتكف ~~يوما» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن ليلة القدر، أفي رمضان أو في غيره؟ قال: ~~بل في رمضان فقيل: تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبضوا رفعت أم هي إلى ~~يوم القيامة؟ قال: بل هي إلى يوم القيامة فقيل: في أي رمضان هي؟ قال ~~التمسوها في العشر الأول، أو في العشر الأخر فقيل: في أي العشرين؟ قال: ~~ابتغوها في العشر ms1394 الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها # PageV04P228 # فقال: أقسمت عليك بحقي عليك لما أخبرتني في أي العشر هي، فغضب غضبا شديدا ~~وقال: التمسوها في السبع الأواخر، لا تسألن عن شيء بعدها» ذكره أحمد، ~~والسائل أبو ذر، وعند أبي داود «أنه - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ليلة ~~القدر فقال: في كل رمضان» . # «وسئل عنها أيضا فقال: كم الليلة؟ فقال السائل: اثنتان وعشرون، فقال: هي ~~الليلة ثم رجع فقال: أو القابلة يريد ثلاثا وعشرين» ، ذكره أبو داود. # «وسأل - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن أنيس: متى نلتمس هذه الليلة ~~المباركة؟ فقال: التمسوها هذه الليلة وذلك مساء ليلة ثلاث وعشرين» . # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله عنها -: إن وافقتها فبم ~~أدعو؟ قال قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» حديث صحيح. ### | [فصل فتاوى تتعلق بالحج] # فصل: # [فتاوى تتعلق بالحج] «وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله ~~عنها - فقالت: نرى الجهاد أفضل الأعمال، أفلا نجاهد؟ قال: لكن أفضل الجهاد ~~وأجمله حج مبرور» ذكره البخاري، وزاد أحمد «لكن هو جهاد» . # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة: ما يعدل حجة معك، فقال: عمرة في ~~رمضان» ذكره أحمد، وأصله في الصحيح. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - أم معقل فقالت: يا رسول الله إن علي حجة، ~~وإن لأبي معقل بكرا، فقال أبو معقل: صدقت قد جعلته في سبيل الله، فقال: ~~أعطها فلتحج عليه فإنه في سبيل الله فأعطاها البكر فقالت: يا رسول الله إني ~~امرأة قد كبرت سني وسقمت، فهل من عمل يجزئ عني من حجتي؟ فقال: عمرة في ~~رمضان تجزئ عن حجة» ذكره أبو داود. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إني أكري في هذا الوجه، وكان ~~الناس يقولون: ليس لك حج، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يجبه ~~حتى نزلت هذه الآية: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} [البقرة: ~~198] فأرسل إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقرأها عليه، وقال: لك ~~حج» ذكره أبو داود. # «وسئل ms1395 - صلى الله عليه وسلم -: أي الحج أفضل؟ قال العج والثج فقيل: ما ~~الحاج؟ قال: الشعث التفل قال: ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة» ذكره ~~الشافعي. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن العمرة أواجبة هي؟ فقال لا، وإن تعتمر ~~فهو أفضل» قال الترمذي: # PageV04P229 # صحيح. # وعند أحمد «أن أعرابيا قال: يا رسول الله أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ ~~فقال: لا، وأن تعتمروا خير لكم» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إن أبي أدركه الإسلام وهو شيخ ~~كبير لا يستطيع ركوب الرحل والحج مكتوب علينا، أفأحج عنه؟ قال أنت أكبر ~~ولده؟ قال: نعم، قال أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه، كان ذلك يجزي ~~عنه؟ قال: نعم، قال فحج عنه» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ذر فقال: أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ~~ولا العمرة ولا الظعن، فقال له حج عن أبيك واعتمر» قال الدارقطني: رجال ~~إسناده كلهم ثقات. # «وسأله رجل فقال: إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ فقال أرأيت إن كان على ~~أبيك دين، أكنت قاضيه؟ قال: نعم قال: فدين الله أحق» ذكره أحمد. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إن أمي ماتت ولم تحج، أفأحج ~~عنها؟ قال نعم، حجي عنها» حديث صحيح. # وعند الدارقطني «أن رجلا سأله قال: هلك أبي ولم يحج، قال أرأيت لو كان ~~على أبيك دين فقضيته أيقبل منك قال: نعم، قال فاحجج عنه» وهو يدل على أن ~~السؤال والجواب إنما كانا عن القبول والصحة، لا عن الوجوب، والله أعلم. # «وأفتى - صلى الله عليه وسلم - رجلا سمعه يقول: لبيك عن شبرمة، قريب له، ~~فقال أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة» ذكره الشافعي ~~وأحمد رحمهما الله تعالى. # «وسألته امرأة عن صبي رفعته إليه فقالت: ألهذا حج؟ قال نعم، ولك أجر» ~~ذكره مسلم. # «وسأله رجل فقال: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت، فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: لو كان عليها دين أكنت قاضيه قال: نعم، ms1396 قال فاقض الله فهو أحق ~~بالقضاء» متفق عليه. # «وسئل: ما يلبس المحرم في إحرامه؟ فقال: لا يلبس القميص، ولا العمامة ولا ~~البرنس، ولا السراويل، ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران، ولا الخفين إلا أن لا ~~يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين» متفق عليه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل عليه جبة وهو متضمخ بالخلوق، فقال: ~~أحرمت بعمرة، وأنا كما ترى، فقال انزع عنك الجبة، واغسل عنك الصفرة» متفق ~~عليه، وفي بعض طرقه «واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك» . # PageV04P230 # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو قتادة عن الصيد الذي صاده وهو حلال ~~فأكل أصحابه منه وهم محرمون، فقال هل معكم منه شيء؟ فناوله العضد فأكلها ~~وهو محرم» ، متفق عليه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عما يقتل المحرم، فقال الحية، والعقرب، ~~والفويسقة، والكلب العقور والسبع العادي» زاد أحمد «ويرمي بالغراب ولا ~~يقتل» . # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - ضباعة بنت الزبير فقالت: إني أريد الحج ~~وأنا شاكية، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - حجي واشترطي أن محلي حيث ~~حبستني» ذكره مسلم، «واستفتته أم سلمة في الحج وقالت: إني أشتكي، فقال طوفي ~~من وراء الناس وأنت راكبة» . # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة فقالت: يا رسول الله ألا أدخل ~~البيت، فقال ادخلي الحجر فإنه من البيت» . # «واستفتاه - صلى الله عليه وسلم - عروة بن مضرس فقال: يا رسول الله جئت ~~من جبلي طيئ، أذللت مطيتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت ~~عليه، هل لي من حج؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أدرك معنا ~~هذه الصلاة - يعني صلاة الفجر - وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا تم حجه ~~وقضى تفثه» حديث صحيح. # «واستفتاه - صلى الله عليه وسلم - ناس من أهل نجد فقالوا: يا رسول الله ~~كيف الحج؟ فقال الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر تم حجه، ومن تأخر فلا ~~إثم عليه، ثم أردف رجلا خلفه ينادي بهن» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: ms1397 لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، ~~فقال اذبح ولا حرج وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر فقال: لم أشعر فنحرت ~~قبل أن أرمي، فقال ارم ولا حرج فما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~شيء قدم ولا أخر إلا قال افعل ولا حرج» متفق عليه، وعند أحمد «فما سئل ~~يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور على بعض وأشباهها ~~إلا قال افعل ولا حرج» وفي لفظ: «حلقت قبل أن أنحر، قال اذبح ولا حرج وسأله ~~- صلى الله عليه وسلم - آخر قال: حلقت ولم أرم، قال ارم ولا حرج» وفي لفظ ~~«أنه سئل عمن ذبح قبل أن يحلق أو حلق قبل أن يذبح قال لا حرج وقال: كان ~~الناس يأتونه فمن قائل: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف، وأخرت شيئا وقدمت ~~شيئا، فكان يقول لا حرج إلا على رجل اقترض عرض مسلم وهو ظالم، فذلك الذي ~~حرج وهلك» ذكره أبو داود. # وأفتى - صلى الله عليه وسلم - كعب بن عجرة أن يحلق رأسه وهو محرم لأذى ~~القمل: أن ينسك بشاة، أو يطعم ستة مساكين، أو يصوم ثلاثة أيام. # PageV04P231 # «وأفتى - صلى الله عليه وسلم - من أهدى بدنة أن يركبها» ، متفق عليه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - ناجية الخزاعي: ما يصنع بما عطب من الهدي؟ ~~فقال انحرها، واغمس نعلها في دمها، واضرب به صفحاتها، وخل بينها وبين الناس ~~فيأكلوها، ولا يأكل منه هو ولا أحد من أهل رفقته» . # «وسأله عمر فقال: إني أهديت نجيبا، فأعطيت بها ثلاثمائة دينار، فأبيعها ~~فأشتري بها بدنا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا، انحرها ~~إياها» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - زيد بن أرقم: ما هذه الأضاحي؟ فقال سنة ~~أبيكم إبراهيم صلاة الله وسلامه عليه قال: فما لنا منها؟ قال بكل شعرة حسنة ~~قالوا: يا رسول الله فالصوف؟ قال بكل شعرة من الصوف حسنة» ذكره أحمد # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله ~~وجهه: عن ms1398 يوم الحج الأكبر، فقال يوم النحر» ذكره الترمذي. # وعند أبي داود بإسناد صحيح «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف يوم ~~النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فيها، فقال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم ~~النحر، فقال: هذا يوم الحج الأكبر وقد قال تعالى: {وأذان من الله ورسوله ~~إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله} [التوبة: 3] ~~وإنما أذن المؤذن بهذه البراءة يوم النحر» ؛ وثبت في الصحيح عن أبي هريرة ~~«أنه قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر» وأفتى - صلى الله عليه وسلم - أصحابه ~~بجواز فسخهم الحج إلى العمرة، ثم أفتاهم باستحبابه، ثم أفتاهم بفعله حتما، ~~ولم ينسخه شيء بعده، وهو الذي ندين الله به أن القول بوجوبه أقوى وأصح من ~~القول بالمنع منه، وقد صح عنه صحة لا شك فيها «أنه قال من لم يكن أهدى ~~فليهل بعمرة، ومن كان أهدى فليهل بحج مع عمرة وأما ما فعله هو فإنه صح عنه ~~أنه قرن بين الحج والعمرة من بضعة وعشرين وجها» . رواه عنه ستة عشر نفسا من ~~أصحابه، ففعل القران، وأمر بفعله من ساق الهدي، وأمر بفسخه إلى التمتع من ~~لم يسق الهدي، وهذا من فعله وقوله كأنه رأي عين، وبالله التوفيق. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى، ~~أفأضحي بها؟ قال: لا، ولكن خذ من شعرك وأظفارك، وقص شاربك، وتحلق عانتك، ~~وذلك تمام أضحيتك عند الله» ذكره أبو داود. # والمنيحة: الشاة التي أعطاه إياها غيره لينتفع بلبنها، فمنعت من التضحية ~~بها بأنها ليست ملكه، وإن كان قد منحها هو غيره وقتا معلوما لزم الوفاء له ~~بذلك فلا يضحي بها أيضا. # PageV04P232 # «وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعة من أصحابه كانوا معه فأخرج ~~كل واحد منهم درهما فاشتروا أضحية، فقالوا: يا رسول الله لقد أغلينا بها، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إن أفضل الضحايا أغلاها وأسمنها فأمر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ رجل برجل، ورجل برجل، ms1399 ورجل بيد، ~~ورجل بيد، ورجل بقرن، ورجل بقرن، وذبحها السابع، وكبروا عليها جميعا» ، ~~ذكره أحمد، نزل هؤلاء النفر منزلة أهل البيت الواحد في إجزاء الشاة عنهم؛ ~~لأنهم كانوا رفقة واحدة. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إن علي بدنة وأنا مؤثر بها ولا ~~أجدها فأشتريها، فأفتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبتاع سبع شياه ~~فيذبحهن» ، ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - زيد بن خالد عن جذع من المعز، فقال ضح به» ~~ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو بردة بن نيار عن شاة ذبحها يوم العيد ~~فقال أقبل الصلاة؟ قال: نعم، قال تلك شاة لحم قال: عندي عناق جذعة هي أحب ~~إلي من مسنة، قال تجزئ عنك، ولن تجزئ عن أحد بعدك» ذكره أحمد، وهو صحيح ~~صريح في أن الذبح قبل الصلاة لا يجزئ، سواء دخل وقتها أو لم يدخل، وهذا ~~الذي ندين الله به قطعا، ولا يجوز غيره. # وفي الصحيحين من حديث جندب بن سفيان البجلي عنه - صلى الله عليه وسلم - ~~«من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا ~~فليذبح باسم الله» . # وفي الصحيحين من حديث أنس عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من كان ~~ذبح قبل الصلاة فليعد» ولا قول لأحد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو سعيد فقال: اشتريت كبشا أضحي به فعدا ~~الذئب فأخذ أليته، فقال ضح به» ذكره أحمد. # «وأفتى - صلى الله عليه وسلم - أن من أراد الخروج إلى بيت المقدس للصلاة ~~أن يصلي في مكة» ، ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر يوم فتح مكة، فقال: إني نذرت إن فتح ~~الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال صل ههنا ثم سأله فقال شأنك إذا» ~~ذكره أبو داود. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ذر: أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال ~~المسجد الحرام قال: ثم أي؟ قال المسجد الأقصى قال: كم بينهما؟ ms1400 قال أربعون ~~عاما» متفق عليه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي المسجدين أسس على التقوى؟ قال مسجدكم ~~هذا يريد مسجد المدينة» ذكره مسلم، وزاد الإمام أحمد «وفي ذلك خير كثير ~~يعني مسجد قباء» . # PageV04P233 ### | [فصل فتاوى في بيان فضل بعض سور القرآن] # فصل: # [فتاوى في بيان فضل بعض سور القرآن] «وسئل: أي آية في القرآن أعظم؟ فقال ~~الله لا إله إلا هو الحي القيوم» ذكره أبو داود. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: ضربت خبائي على قبر وأنا لا ~~أحسب أنه قبر، فإذا إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر» ذكره ~~الترمذي، وقال ابن عبد البر: هو صحيح. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: أقرئني سورة جامعة، فأقرأه {إذا ~~زلزلت الأرض} [الزلزلة: 1] حتى فرغ منها، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا ~~أزيد عليها أبدا، ثم أدبر الرجل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أفلح ~~الرويجل مرتين» ، ذكره أبو داود. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني أحب سورة {قل هو الله أحد} ~~[الإخلاص: 1] فقال: حبك إياها أدخلك الجنة» . # «وقال له عقبة بن عامر: اقرأ سورة هود وسورة يوسف؟ فقال: لن تقرأ شيئا ~~أبلغ عند الله من {قل أعوذ برب الفلق} [الفلق: 1] و {قل أعوذ برب الناس} ~~[الناس: 1] » ذكره النسائي. ### | [فتاوى في بيان فضل بعض الأعمال] # [فتاوى في بيان فضل بعض الأعمال] وفي الترمذي عنه أنه «سئل - صلى الله ~~عليه وسلم -: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال الحال المرتحل» وفهم بعضهم من ~~هذا أنه إذا فرغ من ختم القرآن قرأ فاتحة الكتاب وثلاث آيات من سورة ~~البقرة؛ لأنه حل بالفراغ وارتحل بالشروع، وهذا لم يفعله أحد من الصحابة ولا ~~التابعين، ولا استحبه أحد من الأئمة، والمراد بالحديث الذي كلما حل من غزاة ~~ارتحل في أخرى، أو كلما حل من عمل ارتحل إلى غيره تكميلا له كما كمل الأول، ~~وأما هذا الذي يفعله بعض القراء فليس مراد الحديث ms1401 قطعا، وبالله التوفيق. # وقد جاء تفسير الحديث متصلا به أن يضرب من أول القرآن إلى آخره، كلما حل ~~ارتحل، وهذا له معنيان، أحدهما: أنه كلما حل من سورة أو جزء ارتحل في غيره، ~~والثاني: أنه كلما حل من ختمة ارتحل في أخرى. # «وسئل عن أهل الله: من هم؟ فقال هم أهل القرآن أهل الله وخاصته» ذكره ~~أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن عمرو بن العاص، في كم أقرأ ~~القرآن؟ فقال في شهر فقال: # PageV04P234 # أطيق أفضل من ذلك، فقال في عشرين فقال: أطيق أفضل من ذلك، فقال في خمس ~~عشرة فقال: أطيق أفضل من ذلك قال في عشرة فقال: أطيق أفضل من ذلك، قال في ~~خمس قال: أطيق أفضل من ذلك، قال لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث» ~~ذكره أحمد. # «واختلف رجلان في آية كل منهما أخذها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فسألاه عنها، فقال لكل منهما هكذا أنزلت ثم قال أنزل القرآن على سبعة ~~أحرف» متفق عليه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي المجاهدين أعظم أجرا؟ قال أكثرهم ذكرا ~~لله قيل: فأي الصائمين أعظم أجرا؟ قال أكثرهم لله ذكرا ثم ذكر الصلاة ~~والزكاة والحج والصدقة كل ذلك يقول أكثرهم لله ذكرا فقال أبو بكر لعمر - ~~رضي الله عنهما -: ذهب الذاكرون بكل خير، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أجل» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن المفردين الذين هم أهل السبق، فقال ~~الذاكرون الله كثيرا» وفي لفظ «المشتهرون بذكر الله، يضع الذكر عنهم ~~أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافا» ذكره الترمذي. # «وسئل عن رياض الجنة، فقال حلق الذكر» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أهل الكرم الذين يقال لهم يوم القيامة: ~~سيعلم أهل الجمع من أهل الكرم، فقال هم أهل الذكر في المساجد» ذكره أحمد. # «وسئل عن غنيمة مجالس الذكر، فقال غنيمة مجالس الذكر الجنة» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوم غزوا فقالوا: ما رأينا أفضل غنيمة ~~ولا ms1402 أسرع رجعة منهم، فقال أدلكم على قوم أفضل غنيمة منهم، وأسرع رجعة، قوم ~~شهدوا صلاة الصبح ثم جلسوا يذكرون الله حتى طلعت الشمس، فأولئك أسرع رجعة ~~وأفضل غنيمة» ذكره الترمذي. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن خيار الناس، فقال الذين إذا رأوا ذكر ~~الله ذكروا» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن خير الأعمال وأزكاها عند الله وأرفعها ~~في الدرجات، فقال ذكر الله» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الدعاء أسمع؟ فقال جوف الليل الآخر، ~~ودبر الصلوات المكتوبات» ذكره أحمد. # «وقال الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد قالوا: فماذا نقول يا رسول ~~الله؟ قال سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة» ذكره الترمذي. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: بأي شيء يختم الدعاء؟ فقال: بآمين» ذكره ~~أبو داود. # PageV04P235 # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن تمام النعمة، فقال: الفوز بالجنة ~~والنجاة من النار» ذكره الترمذي، فنسأل الله تمام نعمته بالفوز بالجنة ~~والنجاة من النار. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الاستعجال المانع من إجابة الدعاء، فقال ~~يقول: قد دعوت، قد دعوت فلم يستجب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء» ذكره ~~مسلم، وفي لفظ «يقول قد سألت، قد سألت فلم أعط شيئا» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الباقيات الصالحات، فقال التكبير ~~والتهليل والتسبيح والتحميد، ولا حول ولا قوة إلا بالله» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - الصديق - رضي الله عنه - أن يعلمه دعاء ~~يدعو به في صلاته، فقال قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، وإنه لا يغفر ~~الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم» ~~متفق عليه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - الأعرابي الذي علمه أن يقول: لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله رب ~~العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم فقال: هذا لربي فما لي؟ ~~فقال قل: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني؛ فإن هؤلاء تجمع لك ~~دنياك وآخرتك» ms1403 ذكره مسلم. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رياض الجنة، فقال المساجد، فسئل - صلى ~~الله عليه وسلم - عن الرتع فيها، فقال سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا ~~الله، والله أكبر» ذكره الترمذي. # «واستفتاه - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: لا أستطيع أن آخذ من القرآن ~~شيئا فعلمني ما يجزيني، قال قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله قال: يا رسول الله هذا لله، فما لي؟ ~~قال قل اللهم ارحمني وعافني واهدني وارزقني فقال هكذا بيده وقبضها، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما هذا فقد ملأ يده من الخير» ذكره أبو ~~داود. # «ومر - صلى الله عليه وسلم - بأبي هريرة وهو يغرس غرسا، فقال ألا أدلك ~~على غراس خير لك من هذا، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر، يغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة» ذكره ابن ماجه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: كيف يكسب أحدنا كل يوم ألف حسنة؟ قال يسبح ~~مائة تسبيحة يكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة» ذكره مسلم. # PageV04P236 # «وأفتى - صلى الله عليه وسلم - من قال له لدغتني عقرب بأنه لو قال حين ~~أمسى: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضره» ، ذكره مسلم. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل أن يعلمه تعوذا يتعوذ به، فقال قل: ~~اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وشر بصري وشر لساني وشر قلبي وشر هني، يعني ~~الفرج» ذكره النسائي. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن كيفية الصلاة عليه فقال قولوا: اللهم صل ~~على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد ~~مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم؛ إنك حميد مجيد» متفق عليه. # «وقال له - صلى الله عليه وسلم - معاذ: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني ~~الجنة ويباعدني من النار، قال لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على ms1404 من يسره ~~الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم ~~رمضان، وتحج البيت ثم قال ألا أدلك على أبواب الخير قلت: بلى يا رسول الله. # قال الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل ~~في جوف الليل ثم قال ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه، رأس الأمر ~~الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ثم قال ألا أخبرك ~~بملاك ذلك كله قلت: بلى يا رسول الله، قال: كف عليك هذا وأشار إلى لسانه، ~~قلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال ثكلتك أمك يا معاذ، وهل ~~يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم» حديث صحيح. # وسأله - صلى الله عليه وسلم - أعرابي فقال: «دلني على عمل إذا عملته دخلت ~~الجنة، قال تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي ~~الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان فقال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا ولا ~~أنقص منه، فلما ولى قال النبي - صلى الله عليه وسلم - من سره أن ينظر إلى ~~رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» متفق عليه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل آخر فقال: أخبرني بعمل يدخلني الجنة ~~ويبعدني من النار، فقال تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤدي ~~الزكاة، وتصل الرحم» متفق عليه. # «وسأله أعرابي فقال: علمني عملا يدخلني الجنة، فقال لئن كنت أقصرت الخطبة ~~لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة، وفك الرقبة قال: أوليسا واحدا؟ قال لا، ~~عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها، والمنحة الوكوف، ~~والفيء على ذي # PageV04P237 # الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، ~~وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: ما الإسلام؟ فقال: أن يسلم قلبك لله، ~~وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان قال: ~~وما الإيمان؟ قال: تؤمن بالله وملائكته ms1405 وكتبه ورسله والبعث بعد الموت قال: ~~فأي الإيمان أفضل؟ قال: الهجرة قال: وما الهجرة؟ قال: أن تهجر السوء قال: ~~فأي الهجرة أفضل؟ قال الجهاد قال: وما الجهاد؟ قال: أن تقاتل الكفار إذا ~~لقيتهم قال: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده وأهريق دمه، ثم عملان هما ~~أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلهما، حجة مبرورة أو عمرة» ذكره أحمد. # «وسئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: الإيمان بالله وحده، ثم الجهاد، ثم حجة ~~مبرورة تفضل سائر العمل كما بين مطلع الشمس ومغربها» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - أيضا: أي الأعمال أفضل؟ فقال: أن تحب لله، ~~وتبغض لله، وتعمل لسانك في ذكر الله قال السائل: وماذا يا رسول الله؟ قال: ~~وأن تحب للناس ما تحب لنفسك، وأن تقول خيرا أو تصمت» . # «واختلف نفر من الصحابة في أفضل الأعمال؛ فقال بعضهم: سقاية الحاج، وقال ~~بعضهم: عمارة المسجد الحرام، وقال بعضهم: الحج، وقال بعضهم: الجهاد في سبيل ~~الله، فاستفتى عمر في ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله عز ~~وجل: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ~~وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين} ~~[التوبة: 19] إلى قوله تعالى: {وأولئك هم الفائزون} [التوبة: 20] » «وسأله ~~- صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: يا رسول الله، شهدت أن لا إله إلا الله ~~وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان، فقال: من ~~مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا ونصب ~~أصابعه ما لم يعق والديه» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر، فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبة وصمت ~~رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرام ولم أزد على ذلك شيئا، أدخل الجنة؟ قال: ~~نعم قال: والله لا أزيد على ذلك شيئا» ، ذكره مسلم. # PageV04P238 # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال خير؟ قال: أن تطعم الطعام، ~~وتقرئ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف» متفق عليه. # «وسأله - صلى الله عليه ms1406 وسلم - أبو هريرة، فقال: إني إذا رأيتك طابت نفسي ~~وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء، فقال: كل شيء خلق من ماء قال: أنبئني عن أمر ~~إذا أخذت به دخلت الجنة، قال: أفش السلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وقم ~~بالليل، والناس نيام، ثم ادخل الجنة بسلام» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر فشكا إليه قسوة قلبه، فقال: إذا أردت ~~أن يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أفضل؟ قال: طول القيام قيل: ~~فأي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل قيل: فأي الهجرة أفضل؟ قال: من هجر ما حرم ~~الله عليه قيل: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من جاهد المشركين بماله ونفسه قيل: ~~فأي القتل أشرف؟ قال: من أهريق دمه وعقر جواده» ذكره أبو داود. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان لا شك فيه، ~~وجهاد لا غلول فيه، وحج مبرور» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ذر فقال: من أين أتصدق وليس لي مال؟ ~~قال: إن من أبواب الصدقة التكبير، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا ~~الله، وأستغفر الله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتعزل الشوكة عن ~~طريق الناس والعظم والحجر، وتهدي الأعمى، وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه، ~~وتدل المستدل في حاجة له قد علمت مكانها، وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان ~~المستغيث، وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف، كل ذلك من أبواب الصدقة منك على ~~نفسك، ولك من جماعك لزوجتك أجر فقال أبو ذر: فكيف يكون لي أجر في شهوتي؟ ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أرأيت لو كان لك ولد ورجوت أجره ~~فمات أكنت تحتسب به؟ قلت: نعم، قال: أنت خلقته؟ قلت: بل الله خلقه، قال: ~~فأنت هديته؟ قلت: بل الله هداه، قال: فأنت كنت رزقته؟ قلت: بل الله كان ~~يرزقه، قال: فكذلك فضعه في حلاله وجنبه حرامه، فإن شاء الله أحياه، وإن شاء ~~الله أماته، فلك أجر» ذكره أحمد. # «وسأل - صلى الله عليه وسلم - أصحابه يوما: من أصبح ms1407 منكم اليوم صائما؟ ~~قال أبو بكر: أنا، قال: من اتبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: ~~من أطعم منكم اليوم مسكينا؟ # PageV04P239 # قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضا؟ قال أبو بكر: أنا، قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما اجتمعن في رجل إلا دخل الجنة» ذكره ~~مسلم. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله الرجل يعمل العمل فيستره ~~فإذا اطلع عليه أعجبه، فقال له أجران: أجر السر، وأجر العلانية» ذكره ~~الترمذي. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ذر: يا رسول الله أرأيت الرجل يعمل ~~العمل من الخير يحمده الناس عليه، قال: تلك عاجل بشرى المؤمن» ذكره مسلم. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: أي العمل أفضل؟ فقال الإيمان بالله، ~~وتصديق به، وجهاد في سبيله قال: أريد أهون من ذلك يا رسول الله، قال ~~السماحة والصبر قال: أريد أهون من ذلك، قال لا تتهم الله تعالى في شيء قضي ~~لك» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عقبة عن فواضل الأعمال، فقال يا عقبة صل ~~من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أني قد ~~أحسنت وإذا أسأت أني قد أسأت؟ فقال إذا قال جيرانك: إنك قد أحسنت فقد ~~أحسنت، وإذا قالوا: قد أسأت فقد أسأت» ذكره ابن ماجه. # وعند الإمام أحمد «إذا سمعتهم يقولون قد أحسنت فقد أحسنت، وإذا سمعتهم ~~يقولون قد أسأت فقد أسأت» . ### | [فصل فتاوى في الكسب والأموال] # فصل: # [فتاوى في الكسب والأموال] «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الكسب أفضل؟ ~~قال عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: إن لي مالا وولدا، وإن أبي ~~يريد أن يجتاح مالي، قال أنت ومالك لأبيك، إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن ~~أولادكم من كسبكم، فكلوه هنيئا» ذكره أبو داود وأحمد. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة، فقالت: إنا كل على ms1408 آبائنا ~~وأبنائنا وأزواجنا، فما يحل لنا من أموالهم؟ قال الرطب تأكلينه وتهدينه» ~~ذكره أبو داود، وقال عقبة: الرطب يعني به ما يفسد إذا بقي. # PageV04P240 # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: إنا نأخذ على كتاب الله أجرا، فقال إن أحق ~~ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» ذكره البخاري في قصة الرقية. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أموال السلطان، فقال ما أتاك الله منها ~~من غير مسألة ولا إشراف فكله وتموله» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عن أجرة الحجام فقال أعلفه ناضحك وأطعمه ~~رقيقك» ذكره مالك. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل عن عسب الفحل، فنهاه، فقال: إنا نطرق ~~الفحل فنكرم، فرخص له في الكرامة» ، حديث حسن، ذكره الترمذي. ### | [إرشادات لبعض الأعمال] # [إرشادات لبعض الأعمال] «ونهى عن القسامة بضم القاف، فسئل عنها فقال ~~الرجل يكون على الفئام من الناس فيأخذ من حظ هذا وحظ هذا» ذكره أبو داود. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الصدقة أفضل؟ قال سقي الماء» . # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: يا رسول الله إني أحب ~~الصلاة معك، قال قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من ~~صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير ~~من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي» فأمرت ~~فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلم، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله ~~عز وجل. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي البقاع شر؟ قال لا أدري حتى أسأل جبريل ~~فسأل جبريل فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل، فجاء فقال: خير البقاع ~~المساجد، وشرها الأسواق» . # «وقال: في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل، عليه أن يتصدق عن كل مفصل صدقة، ~~فسألوه من يطيق ذلك؟ قال النخاعة تراها في المسجد فتدفنها، أو الشيء فتنحيه ~~عن الطريق، فإن لم تجد فركعتا الضحى يجزيانك» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة قاعدا، فقال: من صلى قائما فهو ~~أفضل، ومن ms1409 صلى قاعدا فله نصف أجر القائم، ومن صلى مضطجعا فله نصف أجر ~~القاعد» . # قلت: وهذا له محملان، أحدهما: أن يكون في النافلة عند من يجوزها مضطجعا، ~~والثاني: على المعذور؛ فيكون له بالفعل النصف والتكميل بالنية. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: ما يمنعني أن أتعلم القرآن إلا ~~خشية أن لا أقوم به، فقال # PageV04P241 # تعلم القرآن واقرأه وارقد، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقال به كمثل ~~جراب محشو مسكا يفوح ريحه على كل مكان، ومن تعلمه ورقد وهو في جوفه كمثل ~~جراب وكي على مسك» . «وقال عن رجل توفي من أصحابه ليته مات في غير مولده ~~فسئل: لم ذلك؟ فقال إن الرجل إذا مات في غير مولده قيس له من مولده إلى ~~منقطع أثره في الجنة» ذكر هذه الأحاديث أبو حاتم [و] ابن حبان في صحيحه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أيغني الدواء شيئا؟ فقال سبحان الله، وهل ~~أنزل الله تبارك وتعالى من داء في الأرض إلا جعل له شفاء» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الرقى والأدوية: هل ترد من قدر الله ~~شيئا؟ قال هي من قدر الله» . # «وسأل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل من المسلمين طعن رجلا من المشركين ~~في الحرب، فقال: خذها، وأنا الغلام الفارسي، فقال لا بأس في ذلك، يحمد ~~ويؤجر» ذكرهما أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل أن يعلمه ما ينفعه، فقال لا تحقرن من ~~المعروف شيئا، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تكلم أخاك ~~ووجهك منبسط إليه، وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة، ولا يحبها الله، ~~وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم منه؛ فإن أجره لك، ووباله ~~على من قاله» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الحمر الأهلية، فقال: لا تحل لمن ~~شهد أني رسول الله» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها: ~~كيف يصنع معهم؟ فقال: صل الصلاة لوقتها، ثم صل معهم، فإنها لك ms1410 نافلة» حديث ~~صحيح. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة صفوان بن المعطل السلمي، فقالت: ~~إنه يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع ~~الشمس؛ فسأله عما قالت امرأته، فقال: أما قولها يضربني إذا صليت فإنها تقرأ ~~بسورتين وقد نهيتها عنهما، فقال - صلى الله عليه وسلم -: لو كانت سورة ~~واحدة لكفت الناس وأما قولها يفطرني إذا صمت فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل ~~شاب ولا أصبر، فقال - صلى الله عليه وسلم - يومئذ لا تصوم امرأة إلا بإذن ~~زوجها قال: وأما قولها لا أصلي حتى تطلع الشمس فإنا أهل بيت لا نكاد أن ~~نستيقظ حتى تطلع الشمس، فقال صل إذا استيقظت» ذكره ابن حبان. # PageV04P242 # قلت: ولهذا صادف أم المؤمنين في قصة الإفك؛ لأنه كان في آخر الناس، ولا ~~ينافي هذا الحديث قوله في حديث الإفك " والله ما كشفت كنف أنثى قط " فإنه ~~إلى ذلك الوقت لم يكشف كنف أنثى قط، ثم تزوج بعد ذلك. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قتل الوزغ، فأمر بقتله» ، ذكره ابن ~~حبان. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل نذر أن يمشي إلى الكعبة، فجعل يهادي ~~بين رجلين، فقال: إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه وأمره أن يركب» . # «واستفتاه - صلى الله عليه وسلم - رجل في جار له يؤذيه، فأمره بالصبر، ~~ثلاث مرات، فقال له في الرابعة: اطرح متاعك في الطريق ففعل، فجعل الناس ~~يمرون به ويقولون: ما له؟ ويقول: آذاه جاره، فجعلوا يقولون: لعنه الله، ~~فجاءه جاره فقال: رد متاعك، والله لا أؤذيك أبدا» ، ذكره أحمد وابن حبان. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إني أذنبت ذنبا كبيرا، فهل لي ~~من توبة؟ فقال له ألك والدان؟ فقال: لا، قال فلك خالة؟ قال: نعم، قال ~~فبرها» ذكره ابن حبان. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل قد أوجب، فقال أعتقوا عنه رقبة يعتق ~~الله بكل عضو منها عضوا منه من النار» ذكره ابن حبان أيضا. # أوجب: أي استوجب النار بذنب عظيم ارتكبه. # «وسأله ms1411 رجل، إن أبوي قد هلكا، فهل بقي من بعد موتهما شيء؟ فقال نعم ~~الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عقودهما من بعدهما، وإكرام ~~صديقهما، وصلة رحمهما التي لا رحم لك إلا من قبلهما قال الرجل: ما ألذ هذا ~~وأطيبه، قال فاعمل به» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل شد على رجل من المشركين ليقتله، ~~فقال إني مسلم فقتله، فقال فيه قولا شديدا، فقال: إنما قاله تعوذا من ~~السيف، فقال إن الله حرم علي أن أقتل مؤمنا» حديث صحيح. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله أخبرنا بخيرنا من ~~شرنا فقال خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره، وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن ~~شره» ذكره ابن حبان. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: ما الذي بعثك الله به؟ فقال الإسلام ~~فقال: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله، وأن توجه وجهك لله، وأن تصلي ~~الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، أخوان نصيران، لا يقبل من عبد ~~توبة أشرك بعد إسلامه» ذكره ابن حبان أيضا. # PageV04P243 # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - الأسود بن سريع، فقال: أرأيت إن لقيت رجلا ~~من المشركين فقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف، فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، ~~فقال: أسلمت لله، أفأقتله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: لا تقتله فقلت: يا رسول الله إنه قطع إحدى يدي ثم قال ذلك بعد أن ~~قطعها أفأقتله؟ قال: لا تقتله؛ فإنك إن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله ~~وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال» حديث صحيح. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: يا رسول الله مررت برجل فلم ~~يضفني ولم يقرني، أفأحتكم؟ قال: بل أقره» ذكرهما ابن حبان، وقوله: أحتكم أي ~~أعامله إذا مر بي بمثل ما عاملني به # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ذر، فقال: الرجل يحب القوم ولا يستطيع ~~أن يعمل بعملهم، قال: يا أبا ذر، أنت مع من أحببت قال: فإني أحب الله ~~ورسوله، قال: أنت يا أبا ms1412 ذر مع من أحببت» # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - ناس من الأعراب، فقالوا: أفتنا في كذا، ~~أفتنا في كذا، أفتنا في كذا، أفتنا في كذا، فقال: أيها الناس، إن الله قد ~~وضع عنكم الحرج، إلا من اقترض من عرض أخيه فذلك الذي حرج وهلك قالوا: ~~أفنتداوى يا رسول الله؟ قال: نعم إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له دواء، ~~غير داء واحد قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال: الهرم قالوا: فأي الناس أحب ~~إلى الله يا رسول الله؟ قال: أحب الناس إلى الله أحسنهم خلقا» ذكره أحمد ~~وابن حبان. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عدي بن حاتم، فقال: إن أبي كان يصل الرحم ~~وكان يفعل ويفعل، فقال إن أباك أراد أمرا فأدركه يعني الذكر، قال: قلت: يا ~~رسول الله، إني أسألك عن طعام لا أدعه إلا تحرجا، قال لا تدع شيئا ضارع ~~النصرانية فيه قال: قلت: إني أرسل كلبي المعلم فيأخذ صيدا فلا أجد ما أذبح ~~به إلا المروة والعصا، أهرق الدم بما شئت، واذكر اسم الله» ذكره ابن حبان. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة عن ابن جدعان وما كان يفعل في ~~الجاهلية من صلة الرحم وحسن الجوار وقرى الضيف، هل ينفعه؟ فقال: لا؛ لأنه ~~لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - سفيان بن عبد الله الثقفي أن يقول له قولا ~~لا يسأل عنه أحدا بعده، فقال قل آمنت بالله ثم استقم» . # PageV04P244 # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: من أكرم الناس؟ فقال أتقاهم لله قالوا: ~~لسنا عن هذا نسألك، قال فعن معادن العرب تسألوني، خياركم في الجاهلية ~~خياركم في الإسلام إذا فقهوا» . # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إني نذرت إن ردك الله سالما ~~أن أضرب على رأسك بالدف، فقال إن كنت نذرت فافعلي، وإلا فلا قالت: إني كنت ~~نذرت، فقعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فضربت بالدف» ، حديث صحيح. # وله وجهان، أحدهما: أن يكون أباح لها الوفاء بالنذر ms1413 المباح تطييبا لقلبها ~~وجبرا وتأليفا لها في زيادة الإيمان وقوته وفرحها بسلامة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، والثاني: أن يكون هذا النذر قربة لما تضمنه من السرور ~~والفرح بقدوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سالما مؤيدا منصورا على ~~أعدائه قد أظهره الله وأظهر دينه، وهذا من أفضل القرب، فأمرت بالوفاء به. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: يا رسول الله، الرجل يريد ~~الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي من عرض الدنيا، فقال لا أجر له فأعظم ذلك ~~الناس فقالوا للرجل: أعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلعلك لم ~~تفهمه، فقال الرجل: يا رسول الله، رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي ~~من عرض الدنيا، فقال لا أجر له فأعظم ذلك الناس، فقالوا: أعد لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فأعاد، فقال لا أجر له» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: أقاتل أو أسلم؟ قال أسلم ثم ~~قاتل فأسلم ثم قاتل فقتل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا عمل قليلا ~~وأجر كثيرا» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: ما أكثر ما تخاف علي؟ فأخذ بلسانه ثم ~~قال هذا» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: قل لي قولا ينفعني الله به، ~~وأقلل لعلي أعقله، فقال لا تغضب فردد مرارا كل ذلك يقول له لا تغضب» . # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة، فقالت: إن لي ضرة، فهل علي جناح ~~إن استكثرت من زوجي بما لا يعطيني؟ فقال: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي ~~زور» وكل هذه الأحاديث في الصحيح. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، ~~فأوصني بشيء أتشبث به، فقال: لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله» ذكره أحمد. # PageV04P245 # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله أرسل ناقتي وأتوكل ~~على الله؟ فقال: بل اعقلها وتوكل» ذكره ابن حبان والترمذي. # «وقال له - صلى الله عليه وسلم - رجل: ليس عندي يا رسول الله ما أتزوج ~~به، قال: ms1414 أوليس معك {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ؟ قال: بلى، قال: ثلث ~~القرآن قال أليس معك {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] ؟ قال: بلى، قال: ~~ربع القرآن قال أليس معك {إذا زلزلت الأرض} [الزلزلة: 1] ؟ قال: بلى، قال: ~~ربع القرآن قال أليس معك {إذا جاء نصر الله} [النصر: 1] ؟ قال: بلى، قال: ~~ربع القرآن، أليس معك آية الكرسي؟ قال: بلى، قال: ربع القرآن قال: تزوج، ~~تزوج، تزوج، ثلاث مرات» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - معاذ فقال: يا رسول الله أرأيت إن كان ~~علينا أمراء لا يستنون بسنتك ولا يأخذون بأمرك، فما تأمرنا في أمرهم؟ قال: ~~لا طاعة لمن لم يطع الله» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أنس أن يشفع له، فقال إني فاعل قال: فأين ~~أطلبك يوم القيامة؟ قال اطلبني أول ما تطلبني على الصراط قلت: فإذا لم ألقك ~~على الصراط؟ قال فأنا على الميزان قلت: فإن لم ألقك عند الميزان، قال فأنا ~~عند الحوض، لا أخطئ هذه الثلاث مواطن يوم القيامة» ذكرهما أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - الحجاج بن علاط، فقال: إن لي بمكة مالا، ~~وإن لي بها أهلا، وإني أريد أن آتيهم، فأنا في حل إن أنا نلت منك أو قلت ~~شيئا؟ فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول ما شاء» ، ذكره ~~أحمد. # وفيه دليل على أن الكلام إذا لم يرد به قائله معناه إما لعدم قصده له، أو ~~لعدم علمه به، أو أنه أراد به غير معناه؛ لم يلزمه ما لم يرده بكلامه، وهذا ~~هو دين الله الذي أرسل به رسوله، ولهذا لم يلزم المكره على التكلم بالكفر ~~الكفر ولم يلزم زائل العقل بجنون أو نوم أو سكر ما تكلم به، ولم يلزم ~~الحجاج بن علاط حكم ما تكلم به؛ لأنه أراد به غير معناه، ولم يعقد قلبه ~~عليه، وقد قال تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] وفي الآية الأخرى {ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم} [البقرة: 225] فالأحكام في ms1415 الدنيا والآخرة مرتبة على ما كسبه ~~القلب، وعقد عليه، وأراده من معنى كلامه. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة، فقالت: يا رسول الله إن نساء ~~أسعدنني في الجاهلية، يعني في # PageV04P246 # النوح، أفأساعدهن في الإسلام؟ قال لا إسعاد في الإسلام، ولا شغار في ~~الإسلام، ولا عقر في الإسلام، ولا جلب في الإسلام، ومن انتهب فليس منا» ~~ذكره أحمد. # والإسعاد: إسعاد المرأة في مصيبتها بالنوح. # والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر بنته. # والعقر: الذبح على قبور الموتى. # والجلب: الصياح على الفرس في السباق. # والجنب: أن يجنب فرسا فإذا أعيت فرسه انتقل إلى تلك في المسابقة. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - بعض الأنصار، فقالوا: قد كان لنا جمل نسير ~~عليه، وإنه قد استصعب علينا ومنعنا ظهره، وقد عطش الزرع والنخل، فقال ~~لأصحابه قوموا فقاموا، فدخل الحائط، والجمل في ناحيته، فمشى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نحوه، فقالت الأنصار: يا نبي الله إنه قد صار مثل الكلب ~~الكلب، وإنا نخاف عليك صولته، فقال ليس علي منه بأس فلما نظر الجمل إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقبل نحوه حتى خر ساجدا بين يديه، فأخذ ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بناصيته أذل ما كان قط حتى أدخله في ~~العمل، فقال له الصحابة يا نبي الله هذه بهيمة لا تعقل، تسجد لك، ونحن ~~نعقل، فنحن أحق أن نسجد لك، فقال لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح بشر ~~أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، والذي نفسي ~~بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه يتنجس بالقيح والصديد ثم استقبلته تلحسه ~~ما أدت حقه» ذكره أحمد، فأخذ المشركون مع مريديهم بسجود الجمل لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وتركوا قوله «لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر» وهؤلاء شر ~~من الذين يتبعون المتشابه ويدعون المحكم. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -، فقيل له: إن أهل الكتاب يحتفون ولا ~~ينتعلون في الصلاة، قال فاحتفوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب ms1416 قالوا: فإن ~~أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم، فقال قصوا سبالكم ووفروا ~~عثانينكم وخالفوا أهل الكتاب» ذكره أحمد # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا نبي الله مررت بغار فيه شيء ~~من ماء، فحدثت نفسي بأن أقيم فيه فيقوتني ما فيه من ماء وأصيب ما حوله من ~~البقل وأتخلى عن الدنيا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إني لم أبعث ~~باليهودية ولا بالنصرانية، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة، والذي نفس محمد ~~بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في ~~الصف خير من صلاته ستين سنة» . # PageV04P247 ### | [فصل فتاوى في أنواع البيوع] # فصل: # [فتاوى في أنواع البيوع] «وأخبرهم أن الله سبحانه وتعالى حرم عليهم بيع ~~الخمر والميتة والخنزير وعبادة الأصنام، فسألوه، وقالوا: أرأيت شحوم الميتة ~~فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس، فقال هو حرام ثم ~~قال قاتل الله اليهود فإن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه وأكلوا ~~ثمنه» . # وفي قوله «هو حرام» قولان، أحدهما: أن هذه الأفعال حرام، والثاني: أن ~~البيع حرام وإن كان المشتري يشتريه لذلك، والقولان مبنيان على أن السؤال ~~منهم هل وقع عن البيع لهذا الانتفاع المذكور أو وقع عن الانتفاع المذكور؟ ~~والأول اختيار شيخنا، وهو الأظهر؛ لأنه لم يخبرهم أولا عن تحريم هذا ~~الانتفاع حتى يذكروا له حاجتهم إليه، وإنما أخبرهم عن تحريم البيع، فأخبروه ~~أنهم يبتاعونه لهذا الانتفاع، فلم يرخص لهم في البيع، ولم ينههم عن ~~الانتفاع المذكور، ولا تلازم بين جواز البيع وحل المنفعة، والله أعلم. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو طلحة عن أيتام ورثوا خمرا، فقال ~~أهرقها قال: أفلا أجعلها خلا؟ قال لا» حديث صحيح، وفي لفظ «أن أبا طلحة ~~قال: يا رسول الله إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري، فقال أهرق الخمر واكسر ~~الدنان» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - حكيم بن حزام فقال: الرجل يأتيني ويريد ~~مني البيع وليس عندي ما يطلب، أفأبيع منه ثم أبتاع من السوق؟ قال لا ms1417 تبع ما ~~ليس عندك» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أيضا فقال: إني أبتاع هذه البيوع، فما يحل ~~لي منها وما يحرم علي منها؟ قال يا ابن أخي لا تبيعن شيئا حتى تقبضه» ذكره ~~أحمد، وعند النسائي: «ابتعت طعاما من طعام الصدقة فربحت فيه قبل أن أقبضه، ~~فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ذلك، فقال لا تبعه حتى ~~تقبضه» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاح الذي إذا وجد جاز بيع الثمار، ~~فقال: تحمار وتصفار ويؤكل منها» متفق عليه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال ~~الماء قال: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال الملح قال: ثم ماذا؟ قال النار ~~ثم سأله - صلى الله عليه وسلم -: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال أن تفعل ~~الخير خير لك» ذكره أبو داود. # PageV04P248 # «وسئل أن يحجر على رجل يغبن في البيع لضعف في عقدته، فنهاه عن البيع، ~~فقال: لا أصبر عنه، فقال إذا بايعت فقل لا خلابة، وأنت في كل سلعة ابتعتها ~~بالخيار ثلاثا» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل ابتاع غلاما فأقام عنده ما شاء الله ~~أن يقيم ثم وجد به عيبا فرده عليه، فقال البائع: يا رسول الله قد استغل ~~غلامي، فقال الخراج بالضمان» ذكره أبو داود. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة، فقالت: إني امرأة أبيع وأشتري، ~~فإذا أردت أن أبتاع الشيء سمت به أقل مما أريد ثم زدت حتى أبلغ الذي أريد، ~~وإذا أردت أن أبيع الشيء سمت به أكثر من الذي أريد ثم وضعت حتى أبلغ الذي ~~أريد، فقال لا تفعلي، إذا أردت أن تبتاعي شيئا فاستامي به الذي تريدين ~~أعطيت أو منعت، وإذا أردت أن تبيعي شيئا فاستامي به الذي تريديه أعطيت أو ~~منعت» ذكره ابن ماجه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - بلال عن تمر رديء باع منه صاعين بصاع جيد، ~~فقال أوه، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع ms1418 التمر بيعا آخر ~~ثم اشتر بالثمن» متفق عليه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - البراء بن عازب فقال: اشتريت أنا وشريكي ~~شيئا يدا بيد ونسيئة، فسألنا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال أما ما ~~كان يدا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فذروه» ذكره البخاري، وهو صريح في تفريق ~~الصفقة، وعند النسائي عن «البراء قال: كنت أنا وزيد بن أرقم تاجرين على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسألناه عن الصرف، فقال إن كان يدا بيد ~~فلا بأس، وإن كان نسيئة فلا يصلح» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - فضالة بن عبيد عن قلادة اشتراها يوم خيبر ~~باثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز، ففصلها فوجد فيها أكثر من اثني عشر ~~دينارا، فقال لا تباع حتى تفصل» ذكره مسلم، وهو يدل على أن مسألة مد عجوة ~~لا تجوز إذا كان أحد العوضين فيه ما في الآخر وزيادة؛ فإنه صريح الربا، ~~والصواب أن المنع مختص بهذه الصورة التي جاء فيها الحديث وما شابهها من ~~الصور # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل، ~~فقال لا بأس إذا كان يدا بيد» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - ابن عمر فقال: أشتري الذهب بالفضة؟ ، ~~فقال: إذا أخذت واحدا منهما فلا يفارقك صاحبك وبينك وبينه لبس» وفي لفظ: ~~«كنت أبيع الإبل، وكنت آخذ الذهب من الفضة والفضة من الذهب، والدنانير من ~~الدراهم، والدراهم من الدنانير، فسألت # PageV04P249 # النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إذا أخذت أحدهما، وأعطيت الآخر فلا ~~يفارقك صاحبك وبينك وبينه لبس» ذكره ابن ماجه. # وتفسير هذا ما في اللفظ الذي عند أبي داود عنه «قلت: يا رسول الله إني ~~أبيع الإبل بالنقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ ~~الدنانير، آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فقال لا بأس أن تأخذها بسعر ~~يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن اشتراء التمر بالرطب فقال أينقص الرطب ~~إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك» ms1419 ، ذكره أحمد والشافعي ومالك - رضي الله ~~عنهم -. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل أسلف في نخل فلم يخرج تلك السنة، ~~فقال اردد عليه ماله ثم قال لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه» وفي لفظ ~~«أن رجلا أسلم في حديقة نخل قبل أن يطلع النخل، فلم يطلع النخل شيئا ذلك ~~العام، فقال المشتري: هو لي حتى يطلع، وقال البائع: إنما بعتك النخل هذه ~~السنة، فاختصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال للبائع آخذ من نخلك ~~شيئا؟ قال: لا، قال فبم تستحل ماله؟ اردد عليه ماله ثم قال لا تسلفوا في ~~النخل حتى يبدو صلاحه» . # وهو حجة لمن لم يجوز السلم إلا في موجود الجنس حال العقد، كما يقوله ~~الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إن بني فلان قد أسلموا، لقوم من ~~اليهود، وإنهم قد جاعوا، فأخاف أن يرتدوا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- من عنده؟ قال رجل من اليهود: عندي كذا وكذا، لشيء سماه أراه قال: ~~ثلاثمائة دينار بسعر كذا وكذا من حائط بني فلان، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: بسعر كذا وكذا، وليس من حائط بني فلان» ذكره ابن ماجه. ### | [فصل فتاوى في فضل بعض الأعمال] # فصل: # [فتاوى في فضل بعض الأعمال] « # وسأله - صلى الله عليه وسلم - حمزة بن عبد المطلب فقال: اجعلني على شيء ~~أعيش به، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا حمزة نفس تحييها أحب ~~إليك أم نفس تميتها؟ فقال: نفس أحييها، قال عليك نفسك» ذكره أحمد. # وسئل - صلى الله عليه وسلم -: ما عمل الجنة؟ قال " الصدق، فإذا صدق العبد ~~بر، وإذا بر آمن، وإذا آمن دخل الجنة ". # PageV04P250 # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: ما عمل أهل النار؟ قال الكذب، إذا كذب ~~العبد فجر، وإذا فجر كفر، وإذا كفر دخل النار» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أفضل الأعمال؟ فقال الصلاة قيل: ثم مه؟ ~~قال الصلاة ثلاث مرات، فلما غلب عليه قال الجهاد في سبيل الله ms1420 قال الرجل: ~~فإن لي والدين، قال آمرك بالوالدين خيرا قال: والذي بعثك بالحق نبيا ~~لأجاهدن ولأتركهما، فقال: أنت أعلم» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الغرف التي في الجنة يرى ظاهرها من ~~باطنها وباطنها من ظاهرها، لمن هي؟ قال لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، ~~وبات لله قائما والناس نيام» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: أرأيت إن جاهدت بنفسي ومالي فقتلت ~~صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، أدخل الجنة؟ قال نعم فقال ذلك مرتين أو ثلاثا ~~قال إلا إن مت وعليك دين، وليس عندك وفاؤه وأخبرهم بتشديد أنزل، فسألوه ~~عنه، فقال الدين، والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم عاش ثم ~~قتل في سبيل الله ثم عاش ثم قتل في سبيل الله ما دخل الجنة حتى يقضي دينه» ~~ذكرهما أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل عن أخيه مات وعليه دين، فقال هو محبوس ~~بدينه، فاقض عنه فقال: يا رسول الله قد أديت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة ~~وليس لها بينة، فقال أعطها فإنها محقة» ذكره أحمد. # وفيه دليل على أن الوصي إذا علم بثبوت الدين على الميت جاز له وفاؤه وإن ~~لم تقم به بينة. # «وسألوه - صلى الله عليه وسلم - أن يسعر لهم، فقال إن الله هو الخالق ~~القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ~~ظلمتها إياه في دم أو مال» ذكره أحمد. # فصل: # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: أرضي ليس لأحد فيها شركة ولا ~~قسمة إلا الجار، فقال الجار أحق بصقبه» ذكره أحمد، والصواب العمل بهذه ~~الفتوى إذا اشتركا في طريق أو حق من حقوق الملك. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الظلم أعظم؟ قال: ذراع من الأرض ينتقصه ~~من حق أخيه، وليست # PageV04P251 # حصاة من الأرض أخذها إلا طوقها يوم القيامة إلى قعر الأرض، ولا يعلم ~~قعرها إلا الذي خلقها» ذكره أحمد. # «وأفتى - صلى الله عليه وسلم - في شاة ذبحت بغير إذن صاحبها وقدمت إليه ~~أن ms1421 تطعم الأسارى» ، ذكره أبو داود. ### | [فصل فتاوى في الرهن والدين] # فتاوى في الرهن والدين فصل: # [فتاوى في الرهن والدين] # «وأفتى - صلى الله عليه وسلم - بأن ظهر الرهن يركب بنفقته إذا كان ~~مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب ~~النفقة» ، ذكره البخاري. # وأخذ أحمد وغيره من أئمة الحديث بهذه الفتوى، وهو الصواب. # «وأفتى - صلى الله عليه وسلم - بأن الرهن لا يغلق من صاحبه الذي رهنه، له ~~غنمه وعليه غرمه» ، حديث حسن. # «وأفتى - صلى الله عليه وسلم - في رجل أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه، ~~فأمر أن يتصدق عليه، فلم يوف ذلك دينه، فقال للغرماء: خذوا ما وجدتم، وليس ~~لكم إلا ذلك» ذكره مسلم. # «وأفتى - صلى الله عليه وسلم - من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو ~~أحق به من غيره» ، متفق عليه. ### | [فصل تصدق المرأة] # فصل: # [المرأة تتصدق] # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة عن حلي لها تصدقت به، فقال لها: لا ~~يجوز لامرأة عطية في مالها إلا بإذن زوجها وفي لفظ لا يجوز للمرأة أمر في ~~مالها إذا ملك زوجها عصمتها» ذكره أهل السنن. # وعند ابن ماجه «أن خيرة امرأة كعب بن مالك أتته بحلي فقالت: تصدقت بهذا، ~~فقال هل استأذنت كعبا؟ فقالت: نعم، فبعث إلى كعب، فقال: هل أذنت لخيرة أن ~~تتصدق بحليها هذا؟ فقال: نعم، فقبله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . # [مال اليتيم] # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: ليس لي مال، ولي يتيم، فقال: ~~كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالا، ومن غير أن تقي مالك أو ~~قال تفدي مالك بماله» . ولما نزلت {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي ~~أحسن} [الأنعام: 152] عزلوا أموال # PageV04P252 # اليتامى، حتى جعل الطعام يفسد واللحم ينتن، فسألوا عن ذلك رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فنزلت {وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من ~~المصلح} [البقرة: 220] ذكره أحمد وأهل السنن. # [اللقطة] «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن لقطة الذهب والورق، فقال: ms1422 اعرف ~~وكاءها وعفاصها، ثم عرفها سنة؛ فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك؛ ~~فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه» . # «فسئل - صلى الله عليه وسلم - عن ضالة الإبل، قال ما لك ولها؟ دعها فإن ~~معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها» . # «فسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الشاة، فقال: خذها، فإنما هي لك أو ~~لأخيك أو الذئب» متفق عليه. # وفي لفظ لمسلم «فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه، ~~وإلا فهي لك» . # وفي لفظ لمسلم «ثم كلها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه» . # وقال «أبي بن كعب: وجدت صرة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فيها مائة دينار، فأتيت بها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: عرفها ~~حولا فعرفتها حولا ثم أتيته بها، فقال: عرفها حولا فعرفتها ثم أتيته بها، ~~فقال: عرفها حولا فعرفتها ثم أتيته بها الرابعة، فقال: اعرف عددها ووكاءها ~~ووعاءها، فإن جاء صاحبها، وإلا فاستمتع بها فاستمتعت بها» ، متفق عليه ~~واللفظ للبخاري. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل من مزينة عن الضالة من الإبل، قال: ~~معها حذاؤها وسقاؤها تأكل الشجر وترد الماء، فدعها حتى يأتيها باغيها قال: ~~الضالة من الغنم، قال: لك أو لأخيك أو للذئب، تجمعها حتى يأتيها باغيها ~~قال: الحريسة التي توجد في مراتعها، قال فيها ثمنها مرتين، وضرب نكال، وما ~~أخذ من عطنه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن قال: يا رسول ~~الله فالثمار وما أخذ منها في أكمامها، قال ما أخذ بفمه فلم يتخذ خبيئة ~~فليس عليه شيء، وما احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب نكال، وما أخذ من أجرانه ~~ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن قالوا: يا رسول الله فاللقطة ~~يجدها في سبيل العامرة، قال عرفها حولا، فإن وجدت باغيها فأدها إليه، وإلا ~~فهي لك قال: ما يوجد في الحرب العادي، قال فيه وفي الركاز الخمس» ذكره أحمد ~~وأهل السنن. # والإفتاء بما فيه متعين، وإن خالفه من خالفه؛ ms1423 فإنه لم يعارضه ما يوجب ~~تركه. # PageV04P253 # وأفتى بأن من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل، وليحفظ عفاصها ووكاءها، ثم لا ~~يكتم ولا يغيب؛ فإن جاء ربها فهو أحق بها، وإلا فهو مال الله يؤتيه من ~~يشاء. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل جلس لحاجته فأخرج جرذ من جحر ~~دينارا، ثم أخرج آخر، ثم أخرج آخر، حتى أخرج سبعة عشر دينارا، ثم أخرج طرف ~~خرقة حمراء، فأتى بها السائل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ~~خبرها، وقال: خذ صدقتها، قال ارجع بها، لا صدقة فيها، بارك الله لك فيها ثم ~~قال: لعلك أهويت بيدك في الجحر قلت: لا، والذي أكرمك بالحق، فلم يفن آخرها ~~حتى مات» . # وقوله والله أعلم " لعلك أهويت بيدك في الجحر " إذ لو فعل ذلك لكان [ذلك] ~~في حكم الركاز، وإنما ساق الله هذا المال إليه بغير فعل منه، أخرجته له ~~الأرض، بمنزلة ما يخرج من المباحات، ولهذا - والله أعلم - لم يجعله لقطة؛ ~~إذ لعله علم أنه من دفن الكفار. ### | [فصل الهدية وما في حكمها] # فصل: # [الهدية وما في حكمها] # «وأهدى له - صلى الله عليه وسلم - عياض بن حماد إبلا قبل أن يسلم، فأبى ~~أن يقبلها، وقال إنا لا نقبل زبد المشركين قال: قلت وما زبد المشركين؟ قال: ~~رفدهم وهديتهم» ، ذكره أحمد، ولا ينافي هذا قبوله هدية أكيدر وغيره من أهل ~~الكتاب؛ لأنهم أهل كتاب فقبل هديتهم ولم يقبل هدية المشركين. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عبادة بن الصامت، فقال: رجل أهدى إلي قوسا ~~ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله، فقال ~~إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها» . # ولا ينافي هذا قوله «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» في قصة ~~الرقية؛ لأن تلك جعالة على الطب؛ فطبه بالقرآن، فأخذ الأجرة على الطب، لا ~~على تعليم القرآن، وههنا منعه من أخذ الأجرة على تعليم القرآن؛ فإن الله ~~تعالى قال لنبيه: {قل لا أسألكم عليه أجرا} [الأنعام: 90] وقال تعالى: ms1424 {قل ~~ما سألتكم من أجر فهو لكم} [سبأ: 47] وقال تعالى: {اتبعوا من لا يسألكم ~~أجرا} [يس: 21] فلا يجوز أخذ الأجرة على تبليغ الإسلام والقرآن. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو النعمان بن بشير أن يشهد على غلام ~~نحله لابنه، فلم يشهد، وقال لا # PageV04P254 # تشهدني على جور وفي لفظ إن هذا لا يصلح وفي لفظ: أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ ~~قال: لا، قال فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم وفي لفظ فارجعه وفي لفظ ~~أشهد على هذا غيري» متفق عليه، وهذا أمر تهديد قطعا لا أمر إباحة؛ لأنه ~~سماه جورا وخلاف العدل، وأخبر أنه لا يصلح وأمره برده، ومحال مع هذا أن ~~يأذن الله له في الإشهاد على ما هذا شأنه، وبالله التوفيق. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -، فقال: ~~يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا رجل ذو مال، ولا يرثني إلا ~~ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال لا قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال لا ~~قلت: فالثلث؟ قال الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن ~~تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت ~~بها، حتى ما تجعل في في امرأتك» متفق عليه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن العاص فقال: يا رسول الله إن أبي ~~أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة فأعتق ابنه هشام خمسين وبقيت عليه خمسون رقبة. ~~أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنه لو كان مسلما ~~فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك» ذكره أبو داود. ### | [فصل فتاوى في المواريث] # فصل: # [فتاوى في المواريث] # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: إن ابن ابني مات، فما لي من ~~ميراثه؟ فقال لك السدس فلما أدبر دعاه فقال لك سدس آخر فلما ولى دعاه وقال ~~إن السدس الآخر طعمة» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ms1425 - عن ~~الكلالة، فقال يكفيك من ذلك الآية التي أنزلت في الصيف في آخر سورة النساء» ~~ذكره مالك. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - جابر: كيف أقضي في مالي ولا يرثني إلا ~~كلالة؟ فنزلت {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} [النساء: 176] » ذكره ~~البخاري. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - تميم الداري: يا رسول الله، ما السنة في ~~الرجل من المشركين يسلم على يد رجل من المسلمين؟ فقال هو أولى الناس بمحياه ~~ومماته» ذكره أبو داود. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: كنت تصدقت على أمي بوليدة، ~~وإنها ماتت وتركت # PageV04P255 # الوليدة، قال قد وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث» ذكره أبو داود، وهو ~~ظاهر جدا في القول بالرد، فتأمله. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الكلالة قال ما خلا الولد والوالد» ذكره ~~أبو عبد الله المقدسي في أحكامه. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة سعد، فقالت: يا رسول الله، هاتان ~~ابنتا سعد، قتل معك يوم أحد، وابن عمهما أخذ جميع ما ترك أبوهما، وإن ~~المرأة لا تنكح إلا على مالها، فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ~~أنزلت آية الميراث، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخا سعد بن ~~الربيع، فقال أعط بنتي سعد ثلثي ميراثه، وأعط امرأته الثمن، وخذ أنت ما ~~بقي» ذكره أحمد. # وسئل أبو موسى الأشعري عن ابنة وابنة ابن وأخت، فقال: للبنت النصف، ~~وللأخت النصف، وأت ابن مسعود فسيتابعني، فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي ~~موسى، فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، للبنت النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما ~~بقي فللأخت، ذكره البخاري. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: عندي ميراث رجل من الأزد، ولست ~~أجد أزديا أدفعه إليه، فقال اذهب فالتمس أزديا حولا فأتاه بعد الحول، فقال: ~~يا رسول الله، لم أجد أزديا أدفعه إليه، قال فانطلق فانظر أول خزاعي تلقاه ~~فادفعه إليه فلما ولى قال علي بالرجل، فلما جاءه قال انظر أكبر خزاعة ms1426 ~~فادفعه إليه» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل مات ولم يدع وارثا إلا غلاما له كان ~~أعتقه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل له أحد؟ قالوا: لا، إلا ~~غلاما له كان أعتقه، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميراثه له» ، ~~ذكره أحمد وأهل السنن، وهو حسن، وبهذه الفتوى نأخذ. # «وأفتى - صلى الله عليه وسلم - بأن المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها، ~~ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عليه» ، ذكره أحمد وأهل السنن، وهو حديث حسن، ~~وبه نأخذ. # «وأفتى - صلى الله عليه وسلم - بأن المرأة ترث من دية زوجها وماله، وهو ~~يرث من ديتها ومالها، ما لم يقتل أحدهما صاحبه عمدا، فإذا قتل أحدهما صاحبه ~~عمدا لم يرث من ديته وماله شيئا، وإن قتل أحدهما صاحبه خطأ ورث من ماله ولم ~~يرث من ديته» ، ذكره ابن ماجه، وبه نأخذ. # «وأفتى - صلى الله عليه وسلم - بأنه أيما رجل عاهر بحرة أو أمة فالولد ~~ولد زنا، لا يرث ولا يورث» ، ذكره الترمذي. # PageV04P256 # وقضى - صلى الله عليه وسلم - «في ولد المتلاعنين أنه يرث أمه وترثه أمه، ~~ومن قذفها جلد ثمانين، ومن دعاه ولد زنا جلد ثمانين» ، ذكره أحمد وأبو ~~داود، وعند أبي داود «وجعل ميراث ولد الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها» . ### | [فتاوى تتعلق بالعتق] # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - الشريد بن سويد، فقال: إن أمي أوصت أن ~~تعتق عنها رقبة مؤمنة، وعندي جارية سوداء نوبية، أفأعتقها عنها؟ فقال ائت ~~بها، فقال: من ربك؟ قالت: الله، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، قال: أعتقها فإنها مؤمنة» ذكره أهل السنن. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: علي عتق رقبة مؤمنة، وأتاه ~~بجارية سوداء أعجمية، فقال لها أين الله؟ فأشارت إلى السماء بأصبعها ~~السبابة، فقال لها من أنا فأشارت بأصبعها إلى رسول الله، وإلى السماء، أي ~~أنت رسول الله فقال أعتقها» ذكره أحمد. # «وسأله معاوية بن الحكم السلمي فقال: كانت لي جارية ترعى غنما لي قبل نجد ~~والجوانية فاطلعت ms1427 ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من ~~بني آدم آسف كما يأسفون، فصككتها صكة، فعظم ذلك على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فقلت: أفلا أعتقها؟ فقال: ائتني بها فقال لها: أين الله؟ ~~قالت: في السماء، قال من أنا قالت: أنت رسول الله، قال أعتقها فإنها مؤمنة» ~~. # قال الشافعي: فلما وصفت الإيمان وأن ربها تبارك وتعالى في السماء، قال " ~~أعتقها فإنها مؤمنة " فقد سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أين الله ~~". # وسأل - صلى الله عليه وسلم - أين الله؟ فأجاب من سأله بأن الله في ~~السماء، فرضي جوابه، وعلم به أنه حقيقة الإيمان لربه، وأجاب هو - صلى الله ~~عليه وسلم - من " سأله أين الله "، ولم ينكر هذا السؤال عليه، وعند الجهمي ~~أن السؤال بأين الله كالسؤال بما لونه وما طعمه وما جنسه وما أصله ونحو ذلك ~~من الأسئلة المحالة الباطلة. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - ميمونة أم المؤمنين فقالت: أشعرت أني ~~أعتقت وليدتي، قال: لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» متفق عليه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - نفر من بني سليم عن صاحب لهم قد أوجب، ~~يعني النار بالقتل، فقال أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار» ~~ذكره أبو داود. # PageV04P257 # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: كم أعفو عن الخادم؟ فصمت عنه، ثم ~~قال: يا رسول الله كم أعفو عن الخادم؟ قال اعف عنه كل يوم سبعين مرة» ذكره ~~أبو داود. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن ولد الزنا، فقال لا خير فيه، نعلان ~~أجاهد فيهما في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - سعد بن عبادة فقال: إن أمي ماتت وعليها ~~نذر، أفيجزي عنها أن أعتق عنها؟ قال أعتق عن أمك» ذكره أحمد. # وعند مالك: «إن أمي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ فقال نعم» . # «واستفتته - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله عنها -، فقالت: إني ~~أردت أن أشتري جارية فأعتقها، فقال ms1428 أهلها: نبيعكها على أن ولاءها لنا، فقال ~~لا يمنعك ذلك، إنما الولاء لمن أعتق» . والحديث في الصحيح، فقالت طائفة: ~~يصح الشرط والعقد، ويجب الوفاء به، وهو خطأ، وقالت طائفة: يبطل العقد ~~والشرط، وإنما صح عقد عائشة لأن الشرط لم يكن في صلب العقد، وإنما كان ~~متقدما عليه، فهو بمنزلة الوعد لا يلزم الوفاء به، وهذا وإن كان أقرب من ~~الذي قبله فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلل به، ولا أشار في الحديث ~~إليه بوجه ما، والشرط المتقدم كالمقارن، وقالت طائفة: في الكلام إضمار ~~تقديره: اشترطي لهم الولاء أو لا تشترطيه، فإن اشتراطه لا يفيد شيئا؛ لأن ~~الولاء لمن أعتق، وهذا أقرب من الذي قبله مع مخالفته لظاهر اللفظ، وقالت ~~طائفة: اللام بمعنى على، أي اشترطي عليهم الولاء؛ فإنك أنت التي تعتقين، ~~والولاء لمن أعتق، وهذا وإن كان أقل تكلفا مما تقدم ففيه إلغاء الاشتراط؛ ~~فإنها لو لم تشترط لكان الحكم كذلك، وقالت طائفة: هذه الزيادة ليست من كلام ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل هي من قول هشام بن عروة، وهذا جواب ~~الشافعي نفسه، وقال شيخنا: بل الحديث على ظاهره، ولم يأمرها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - باشتراط الولاء تصحيحا لهذا الشرط، ولا إباحة له، ولكن ~~عقوبة لمشترطه؛ إذ أبى أن يبيع جارية للمعتق إلا باشتراط ما يخالف حكم الله ~~تعالى وشرعه، فأمرها أن تدخل تحت شرطهم الباطل ليظهر به حكم الله ورسوله؛ ~~لأن الشروط الباطلة لا تغير شرعه، وإن من شرط ما يخالف دينه لم يجز أن يوفى ~~له بشرطه، ولا يبطل البيع به، وإن من عرف فساد الشرط وشرطه ألغي اشتراطه ~~ولم يعتبر، فتأمل هذه الطريقة وما قبلها من الطرق، والله تعالى أعلم. # PageV04P258 ### | [فصل فتاوي في الزواج] # فصل: # [فتاوى في الزواج] # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي النساء خير؟ فقال التي تسره إذا نظر، ~~وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي المال يتخذ؟ فقال ليتخذ أحدكم ms1429 قلبا ~~شاكرا، ولسانا ذاكرا، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على أمر الآخرة» ذكره أحمد ~~والترمذي وحسنه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، ~~وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال لا ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة ~~فقال تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو هريرة - رضي الله عنه -، فقال: إني ~~رجل شاب وإني أخاف الفتنة، ولا أجد ما أتزوج به، أفلا أختصي؟ قال: فسكت ~~عني، ثم قلت: فسكت عني، ثم قال يا أبا هريرة، جف القلم بما أنت لاق، فاختصر ~~على ذلك أو زد» ذكره البخاري. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر، فقال: يا رسول الله ائذن لي أن ~~أختصي، قال خصاء أمتي الصيام» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - ناس من أصحابه، فقالوا: ذهب أهل الدثور ~~بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال ~~أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به، إن كل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، ~~وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، ~~وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها ~~أجر؟ قال أرأيتم لو كان وضعها في حرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا كان وضعها ~~في الحلال كان له أجر» ذكره مسلم. # «وأفتى - صلى الله عليه وسلم - من أراد أن يتزوج امرأة بأن ينظر إليها» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - المغيرة بن شعبة عن امرأة خطبها، قال اذهب ~~فانظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما فأتى أبويها فأخبرهما بقول رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، فكأنهما كرها ذلك، فسمعت ذلك المرأة، وهي في خدرها ~~فقالت: إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرك أن تنظر فانظر، وإلا ~~فإني أنشدك، كأنها عظمت ذلك عليه، قال: فنظرت إليها فتزوجتها، فذكر من ~~موافقتها له» ، ذكره أحمد وأهل السنن. # PageV04P259 # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - جرير عن نظرة الفجاءة، فقال اصرف بصرك» ms1430 ~~ذكره مسلم. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ ~~قال احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك قال: قلت: يا رسول الله إذا ~~كان القوم بعضهم في بعض، فقال إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها قيل: ~~قلت: يا رسول الله إذا كان أحدنا خاليا، قال الله أحق أن يستحيا منه» ذكره ~~أهل السنن. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل أن يزوجه امرأة، فأمره أن يصدقها شيئا ~~ولو خاتما من حديد، فلم يجده، فقال: ما معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا ~~وسورة كذا، قال: تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم، قال اذهب فقد ملكتكها بما ~~معك من القرآن» متفق عليه. # «واستأذنته - صلى الله عليه وسلم - أم سلمة في الحجامة، فأمر أبا طيبة أن ~~يحجمها، قال: حسبت أنه كان أخاها من الرضاعة، أو غلاما لم يحتلم» ، ذكره ~~مسلم. # «وأمر - صلى الله عليه وسلم - أم سلمة وميمونة أن يحتجبا من ابن أم ~~مكتوم، فقالتا: أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ قال أفعمياوان أنتما؟ ~~ألستما تبصرانه؟» ذكره أهل السنن وصححه الترمذي، فأخذت طائفة بهذه الفتوى، ~~وحرمت على المرأة نظرها إلى الرجل، وعارضت طائفة أخرى هذا الحديث بحديث ~~عائشة في الصحيحين «أنها كانت تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد» ، وفي ~~هذه المعارضة نظر؛ إذ لعل قصة الحبشة كانت قبل نزول الحجاب، وخصت طائفة ~~أخرى ذلك بأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله عنها - عن الجارية ~~ينكحها أهلها، أتستأمر أم لا؟ فقال نعم تستأمر قالت عائشة - رضي الله عنها ~~-: فإنها تستحيي، فقال - صلى الله عليه وسلم - فذاك إذنها إذا هي سكتت» ~~متفق عليه. # وبهذه الفتوى نأخذ، وأنه لا بد من استئمار البكر، وقد صح عنه - صلى الله ~~عليه وسلم - «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها، وإذنها ~~صماتها وفي لفظ والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها» وفي ~~الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - «لا ms1431 تنكح البكر حتى تستأذن قالوا: ~~وكيف إذنها؟ قال أن تسكت» . # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - جارية بكر، فقالت: إن أباها زوجها وهي ~~كارهة، فخيرها النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد أمر باستئذان البكر، ونهى ~~عن إنكاحها بدون إذنها، وخير - صلى الله عليه وسلم - من نكحت، ولم تستأذن» ~~، فكيف بالعدول عن ذلك كله ومخالفته بمجرد مفهوم قوله «الأيم أحق بنفسها من ~~وليها» ؟ كيف ومنطوقه صريح في أن هذا المفهوم الذي فهمه من قال # PageV04P260 # تنكح بغير اختيارها غير مراد؟ فإن قال عقيبه " والبكر تستأذن في نفسها " ~~بل هذا احتراز منه - صلى الله عليه وسلم - من حمل كلامه على ذلك المفهوم ~~كما هو المعتاد في خطابه كقوله «لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده» ~~فإنه لما نفى قتل المسلم بالكافر أوهم ذلك إهدار دم الكافر، وأنه لا حرمة ~~له، فرفع هذا الوهم بقوله «ولا ذو عهد في عهده» ولما كان الاقتصار على ~~قوله: " ولا ذو عهد " يوهم أنه لا يقتل إذا ثبت له العهد من حيث الجملة رفع ~~هذا الوهم بقوله " في عهده " وجعل ذلك قيدا لعصمة العهد فيه، وهذا كثير في ~~كلامه - صلى الله عليه وسلم - لمن تأمله، كقوله «لا تجلسوا على القبور، ولا ~~تصلوا إليها» فإن نهيه عن الجلوس عليها لما كان ربما يوهم التعظيم المحذور ~~رفعه بقوله: " ولا تصلوا إليها " والمقصود أن أمره باستئذان البكر ونهيه عن ~~نكاحها بدون إذنها وتخييرها حيث لم تستأذن لا معارض له؛ فيتعين القول به، ~~وبالله التوفيق. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن صداق النساء، فقال هو ما اصطلح عليه ~~أهلوهم» ذكره الدارقطني. # وعنده مرفوعا «أنكحوا اليتامى قيل: يا رسول الله، ما العلائق بينهم؟ قال: ~~ما تراضى عليه الأهلون ولو قضيبا من أراك» . # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة، فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ~~ليرفع بي خسيسته، فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت ~~أن يعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء» ، ذكره أحمد والنسائي. ms1432 # «ولما هلك عثمان بن مظعون ترك ابنة له، فزوجها عمها قدامة من عبد الله بن ~~عمر، ولم يستأذنها؛ فكرهت نكاحه، وأحبت أن يتزوجها المغيرة بن شعبة؛ فنزعها ~~من ابن عمر وزوجها المغيرة، وقال: إنها يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها» ، ذكره ~~أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - مرثد الغنوي فقال: يا رسول الله أنكح ~~عناقا، وكانت بغيا بمكة؟ فسكت عنه، فنزلت الآية {الزاني لا ينكح إلا زانية ~~أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} [النور: 3] وقال لا تنكحها» ~~. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل آخر عن نكاح امرأة يقال لها أم مهزول ~~كانت تسافح، فقرأ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الآية» ، ذكره ~~أحمد. # «وأفتى - صلى الله عليه وسلم - بأن الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله» ، ~~فأخذ بهذه الفتاوى التي لا معارض لها الإمام أحمد ومن وافقه، وهي من محاسن ~~مذهبه رحمة الله عليه؛ فإنه لم يجز أن يكون الرجل زوج قحبة، ويعضد مذهبه ~~بضعة وعشرون دليلا قد ذكرناها في موضع آخر. # PageV04P261 # «وأسلم قيس بن الحارث وتحته ثمان نسوة، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عن ذلك، فقال اختر منهن أربعا» . «وأسلم غيلان وتحته عشر نسوة، فأمره - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ منهن أربعا» ، ذكرهما أحمد، وهما كالصريح في ~~أن الخيرة إليه بين الأوائل والأواخر. # وسأله - صلى الله عليه وسلم - فيروز الديلمي فقال: «أسلمت وتحتي أختان، ~~فقال طلق أيتهما شئت» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - بصرة بن أكتم؛ فقال: نكحت امرأة بكرا في ~~سترها، فدخلت عليها، فإذا هي حبلى، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لها ~~الصداق بما استحللت من فرجها، والولد عبد لك، فإذا ولدت فاجلدوها وفرق ~~بينهما» ، ذكره أبو داود. # ولا يشكل من هذه الفتوى إلا مثل عبودية الولد، والله أعلم. # «وأسلمت امرأة على عهده - صلى الله عليه وسلم -، فتزوجت، فجاء زوجها ~~فقال: يا رسول الله إني كنت أسلمت وعلمت بإسلامي؛ فانتزعها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من زوجها الآخر، وردها إلى ms1433 الأول» ، ذكره أحمد وابن حبان. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل تزوج امرأة، ولم يفرض لها صداقا حتى ~~مات، فقضى لها على صداق نسائها، وعليها العدة، ولها الميراث» ، ذكره أحمد ~~وأهل السنن، وصححه الترمذي وغيره، وهذه فتوى لا معارض لها، فلا سبيل إلى ~~العدول عنها. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن امرأة تزوجت ومرضت، فتمعط شعرها، ~~فأرادوا أن يصلوه، فقال لعن الله الواصلة والمستوصلة» متفق عليه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن العزل، قال أو إنكم لتفعلون؟ قالها ~~ثلاثا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة» متفق عليه، ولفظ ~~مسلم «ألا عليكم أن لا تفعلوا، ما كتب الله عز وجل خلق نسمة هي كائنة إلى ~~يوم القيامة إلا ستكون» . « # وسئل - صلى الله عليه وسلم - أيضا عن العزل فقال ما من كل الماء يكون ~~الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء. # » «وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر فقال: إن لي جارية وأنا أعزل عنها، ~~وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تحدث أن العزل ~~موءودة صغرى، فقال كذبت اليهود، لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه» ~~ذكرهما أحمد وأبو داود. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر فقال: عندي جارية وأنا أعزل عنها، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن ذلك لا يمنع شيئا، إذا أراد ~~الله فجاء الرجل فقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الجارية التي ~~كنت ذكرتها لك # PageV04P262 # حملت، فقال أنا عبد الله ورسوله» ذكره مسلم، وعنده أيضا: «إن لي جارية هي ~~خادمتنا وساقيتنا وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل، فقال اعزل عنها إن ~~شئت فإنه سيؤتيها ما قدر لها فلبث الرجل، ثم أتاه فقال: إن الجارية قد ~~حملت، فقال قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها» . # وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر عن ذلك فقال «لو أن الماء الذي يكون ~~منه الولد أهرقته على صخرة لأخرجه الله منها، وليخلقن الله عز وجل نفسا ms1434 هو ~~خالقها» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر فقال: إني أعزل عن امرأتي، فقال: لم ~~تفعل ذلك؟ فقال: إني أشفق على ولدها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لو كان ذلك ضارا ضر فارس والروم وفي لفظ إن كان كذلك فلا، ما ضر ذلك فارس ~~والروم» ذكره مسلم. # فصل: # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة من الأنصار عن التجبية، وهي وطء ~~المرأة في قبلها من ناحية دبرها، فتلا عليها قوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم ~~فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223] صماما واحدا» ، ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمر - رضي الله عنه - فقال: يا رسول الله ~~هلكت، قال: وما أهلكك؟ قال: حولت رحلي البارحة، فلم يرد عليه شيئا؛ فأوحى ~~الله إلى رسوله: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223] أقبل ~~وأدبر واتقوا الحيضة والدبر» ذكره أحمد والترمذي، وهذا هو الذي أباحه الله ~~ورسوله، وهو الوطء من الدبر لا في الدبر، وقد قال «ملعون من أتى امرأته في ~~دبرها» وقال «من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه فقد كفر بما ~~أنزل على محمد» وقال «إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في ~~أدبارهن» وقال «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في الدبر» وقال «في ~~الذي يأتي امرأته في دبرها: هي اللوطية الصغرى» وهذه الأحاديث جميعها ذكرها ~~أحمد في المسند. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: ما حق المرأة على الزوج؟ قال أن يطعمها ~~إذا طعم، ويكسوها إذا اكتسى، ولا يضرب الوجه ولا يقبح، ولا يهجر إلا في ~~البيت» ذكره أحمد وأهل السنن. # PageV04P263 ### | [فصل فتاوى في أحكام الرضاع] # فصل: # [فتاوى في أحكام الرضاع] # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة أم المؤمنين فقالت؛ إن أفلح أخا ~~أبي القعيس استأذن علي، وكانت امرأته أرضعتني، فقال ائذني له إنه عمك» متفق ~~عليه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أعرابي فقال: إني كانت لي امرأة، فتزوجت ~~عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحدثاء رضعة ms1435 أو ~~رضعتين، فقال لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان» ذكره مسلم. # «وسألته سهلة بنت سهيل فقالت: إن سالما قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعقل ما ~~عقلوا، وإنه يدخل علينا، وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا، فقال ~~أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة فرجعت فقالت: إني قد أرضعته ~~فذهب الذي في نفس أبي حذيفة» ، ذكره مسلم. # فأخذت طائفة من السلف بهذه الفتوى منهم عائشة، ولم يأخذ بها أكثر أهل ~~العلم، وقدموا عليها أحاديث توقيت الرضاع المحرم بما قبل الفطام وبالصغر ~~وبالحولين لوجوه؛ أحدها: كثرتها وانفراد حديث سالم، الثاني: أن جميع أزواج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - خلا عائشة - رضي الله عنهن - في شق المنع، ~~الثالث: أنه أحوط، الرابع: أن رضاع الكبير لا ينبت لحما ولا ينشر عظما، فلا ~~تحصل به البعضية التي هي سبب التحريم، الخامس: أنه يحتمل أن هذا كان مختصا ~~بسالم وحده، ولهذا لم يجئ ذلك إلا في قصته، السادس: «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - دخل على عائشة وعندها رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه وغضب، ~~فقالت: إنه أخي من الرضاعة، فقال انظرن من إخوانكن من الرضاعة، فإنما ~~الرضاعة من المجاعة» متفق عليه واللفظ لمسلم، وفي قصة سالم مسلك آخر، وهو ~~أن هذا كان موضع حاجة؛ فإن سالما كان قد تبناه أبو حذيفة ورباه، ولم يكن له ~~منه ومن الدخول على أهله بد، فإذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك فالقول به مما ~~يسوغ فيه الاجتهاد، ولعل هذا المسلك أقوى المسالك، وإليه كان شيخنا يجنح، ~~والله أعلم. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - أن ينكح ابنة حمزة، فقال لا تحل لي؛ إنها ~~ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» ذكره مسلم. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عقبة بن الحارث فقال: تزوجت امرأة، فجاءت ~~أمة سوداء فقالت: أرضعتكما، وهي كاذبة؛ فأعرض عنه، فقال: إنها كاذبة، فقال ~~كيف بها وقد زعمت بأنها # PageV04P264 # أرضعتكما؟ دعها عنك ففارقها وأنكحت غيره» ، ذكره مسلم وللدارقطني «دعها ms1436 ~~عنك فلا خير لك فيها» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ فقال ~~غرة عبد أو أمة» ذكره الترمذي وصححه، والمذمة - بكسر الذال - من الذمام، لا ~~من الذم الذي هو نقيض المدح، والمعنى أن للمرضعة على المرضع حقا وذماما ~~فيذهبه عبد أو أمة فيعطيها إياه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: ما الذي يجوز من الشهود في الرضاع؟ فقال: ~~رجل أو امرأة» ذكره أحمد. ### | [فصل فتاوى في الطلاق] # فصل من فتاويه - صلى الله عليه وسلم - في الطلاق [فتاوى في الطلاق] # ثبت عن «عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه سأله عن طلاق ابنه امرأته ~~وهي حائض، فأمر بأن يراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن ~~شاء أن يطلق بعد فليطلق» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم -، رجل فقال: إن امرأتي، وذكر من بذائها، ~~فقال طلقها فقال: إن لها صحبة وولدا، قال مرها وقل لها، فإن يكن فيها خير ~~فستفعل، ولا تضرب ظعينتك ضربك أمتك» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر فقال: إن امرأتي لا ترد يد لامس، قال: ~~غيرها إن شئت وفي لفظ طلقها قال: إني أخاف أن تتبعها نفسي، قال فاستمتع ~~بها» . # فعورض بهذا الحديث المتشابه الأحاديث المحكمة الصريحة في المنع من تزويج ~~البغايا، واختلفت مسالك المحرمين لذلك فيه؛ فقالت طائفة: المراد باللامس ~~ملتمس الصدقة، لا ملتمس الفاحشة، وقالت طائفة: بل هذا في الدوام غير مؤثر، ~~وإنما المانع ورود العقد على زانية؛ فهذا هو الحرام، وقالت طائفة: بل هذا ~~من التزام أخف المفسدتين لدفع أعلاهما؛ فإنه لما أمر بمفارقتها خاف أن لا ~~يصبر عنها فيواقعها حراما؛ فأمره حينئذ بإمساكها؛ إذ مواقعتها بعد عقد ~~النكاح أقل فسادا من مواقعتها بالسفاح، وقالت طائفة: بل الحديث ضعيف لا ~~يثبت، وقالت طائفة: ليس في الحديث ما يدل على أنها زانية، وإنما فيه أنها ~~لا تمتنع ممن لمسها أو وضع يده عليها أو نحو ذلك؛ فهي تعطي الليان لذلك، ~~ولا # PageV04P265 # يلزم أن تعطيه الفاحشة الكبرى، ms1437 ولكن هذا لا يؤمن معه إجابتها لداعي ~~الفاحشة، فأمره بفراقها تركا لما يريبه إلى ما لا يريبه، فلما أخبره بأن ~~نفسه تتبعها وأنه لا صبر له عنها رأى مصلحة إمساكها أرجح من مفارقتها لما ~~يكره من عدم انقباضها عمن يلمسها، فأمره بإمساكها، وهذا لعله أرجح المسالك، ~~والله أعلم. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: إن زوجي طلقني، يعني، ~~ثلاثا، وإني تزوجت زوجا غيره، وقد دخل بي، فلم يكن معه إلا مثل هدبة الثوب، ~~فلم يقربني إلا بهنة واحدة، ولم يصل مني إلى شيء، أفأحل لزوجي الأول؟ فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تحلين لزوجك الأول حتى يذوق الآخر ~~عسيلتك وتذوقي عسيلته» متفق عليه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - أيضا عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها ~~الرجل فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، قال لا تحل ~~للأول حتى يجامعها الآخر» ذكره النسائي. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن التيس المستعار فقال هو المحلل ثم قال ~~لعن الله المحلل والمحلل له» ذكره ابن ماجه. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة عن كفر المنعمين، فقال لعل إحداكن ~~أن تطول أيمتها بين يدي أبويها تعنس فيرزقها الله زوجا ويرزقها منه مالا ~~وولدا، فتغضب الغضبة، فتقول: ما رأيت منه يوما خيرا قط» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاث طليقات جميعا، فقام ~~غضبان، ثم قال أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل فقال: يا ~~رسول الله ألا أقتله» ، ذكره النسائي. # «وطلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن ~~عليها حزنا شديدا، فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كيف طلقتها؟ ~~فقال: طلقتها ثلاثا، فقال في مجلس واحد؟ فقال: نعم، قال إنما تلك واحدة ~~فارجعها إن شئت قال: فراجعها» ، فكان ابن عباس يروي إنما الطلاق عند كل ~~طهر، ذكر أحمد، قال: حدثنا سعيد بن إبراهيم. # قال: حدثني أبي عن محمد بن إسحاق قال: حدثني داود بن ms1438 الحصين عن عكرمة ~~مولى ابن عباس، فذكره وأحمد يصحح هذا الإسناد، ويحتج به، وكذلك الترمذي. # وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا ابن جريج قال: أخبرني بعض بني رافع مولى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن عكرمة عن ابن عباس قال: «طلق عبد يزيد أبو ~~ركانة وإخوته أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة، لشعرة أخذتها من ~~رأسها، ففرق بيني وبينه، فأخذت النبي - صلى الله عليه وسلم - حميته، فدعا ~~بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: أترون أن # PageV04P266 # فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد، وفلانا منه كذا وكذا؟ قالوا: نعم، ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد يزيد: طلقها، ففعل، فقال: راجع ~~امرأتك أم ركانة وإخوته؛ فقال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله، قال قد ~~علمت، راجعها وتلا {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} ~~[الطلاق: 1] » . # قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا عبد الرزاق، فذكره، فهذه ~~طريقة أخرى متابعة لابن إسحاق، والذي يخاف من ابن إسحاق التدليس، وقد قال " ~~حدثني " وهذا مذهبه، وبه أفتى ابن عباس في إحدى الروايتين عنه، صح عنه ذلك، ~~وصح عنه إمضاء الثلاث موافقة لعمر - رضي الله عنه -، وقد صح عنه - صلى الله ~~عليه وسلم - أن الثلاث كانت واحدة في عهده وعهد أبي بكر وصدرا من خلافة عمر ~~- رضي الله عنهما -، وغاية ما يقدر مع بعده أن الصحابة كانوا على ذلك ولم ~~يبلغه، وهذا وإن كان كالمستحيل فإنه يدل على أنهم كانوا يفتون في حياته ~~وحياة الصديق بذلك، وقد أفتى هو - صلى الله عليه وسلم - به، فهذه فتواه ~~وعمل أصحابه كأنه أخذ باليد، ولا معارض لذلك، ورأى عمر - رضي الله عنه - أن ~~يحمل الناس على إنفاذ الثلاث عقوبة وزجرا لهم لئلا يرسلوها جملة، وهذا ~~اجتهاد منه - رضي الله عنه -، غايته أن يكون سائغا لمصلحة رآها، ولا يوجب ~~ترك ما أفتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان عليه ms1439 أصحابه في ~~عهده وعهد خليفته؛ فإذا ظهرت الحقائق فليقل امرؤ ما شاء، وبالله التوفيق. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل، قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق ثلاثا، ~~فقال تزوجها؛ فإنه لا طلاق إلا بعد النكاح» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق، ~~فقال طلق ما لا يملك» ذكرهما الدارقطني. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عبد فقال: إن مولاتي زوجتني، وتريد أن ~~تفرق بيني وبين امرأتي، فحمد الله وأثنى عليه وقال ما بال أقوام يزوجون ~~عبيدهم إماءهم، ثم يريدون أن يفرقوا بينهم، ألا إنما يملك الطلاق من أخذ ~~بالساق» ذكره الدارقطني. # [الخلع] «وسأله - صلى الله عليه وسلم - ثابت بن قيس: هل يصلح أن يأخذ بعض ~~مال امرأته ويفارقها؟ قال نعم قال: فإني قد أصدقتها حديقتين وهما بيدها، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - خذهما وفارقها» ذكره أبو داود، وكانت قد ~~شكته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وتحب فراقه كما ذكره البخاري «أنها ~~قالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره ~~الكفر في الإسلام، فقال # PageV04P267 # أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» . # وعند ابن ماجه: «إني أكره الكفر في الإسلام، ولا أطيقه بغضا، فأمر النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد» ، وعند النسائي «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أفتاها أن تتربص حيضة واحدة» . # وعند أبي داود «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن تعتد بحيضة ~~واحدة» . # «وأفتى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المرأة إذا ادعت طلاق زوجها، ~~فجاءت على ذلك بشاهد عدل استحلفت زوجها، فإن حلف بطلت شهادة الشاهد، وإن ~~نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر، وجاز طلاقه» ، ذكره ابن ماجه من رواية عمرو بن ~~أبي سلمة، وقد روى له مسلم في صحيحه. ### | [فصل الظهار واللعان] # فصل: # [الظهار واللعان] # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل ظاهر من امرأته، ثم وقع عليها ms1440 قبل ~~أن يكفر، قال وما حملك على ذلك يرحمك الله؟ قال: رأيت خلخالها في ضوء ~~القمر، قال لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله عز وجل» حديث صحيح. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا ~~فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، أو سكت سكت على غيظ، فقال اللهم افتح وجعل ~~يدعو، فنزلت آية اللعان، فابتلي به ذلك الرجل من بين الناس، فجاء هو ~~وامرأته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلاعنا» ، ذكره مسلم. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل آخر فقال: إن امرأتي ولدت على فراشي ~~غلاما أسود، وإنا أهل بيت لم يكن فينا أسود قط، قال: هل لك من إبل؟ قال: ~~نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال هل فيها من أورق؟ قال: نعم، قال فأنى ~~كان ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال فلعل ابنك هذا نزعه عرق» ، " متفق ~~عليه. # وحكم بالفرقة بين المتلاعنين، وأن لا يجتمعا أبدا، وأخذ المرأة صداقها، ~~وانقطاع نسب الولد من أبيه، وإلحاقه بأمه، ووجوب الحد على من قذفه أو قذف ~~أمه، وسقوط الحد عن الزوج، وأنه لا يلزمه نفقة ولا كسوة ولا سكنى بعد ~~الفرقة. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - سلمة بن صخر البياضي فقال: ظاهرت من ~~امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان؛ فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها ~~شيء، فلم ألبث أن نزوت # PageV04P268 # عليها، فقال أنت بذاك يا سلمة فقلت: أنا بذاك فأنا صابر لأمر الله عز ~~وجل، فاحكم في بما أراك الله، قال حرر رقبة قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك ~~رقبة غيرها، وضربت صفحة رقبتي، قال فصم شهرين متتابعين فقلت: وهل أصبت الذي ~~أصبت إلا من الصيام؟ قال فأطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا قلت: والذي ~~بعثك بالحق نبيا لقد بتنا وحشيين ما لنا من طعام، قال فانطلق إلى صاحب صدقة ~~بني زريق فليدفعها إليك، فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر، وكل أنت وعيالك ~~بقيتها فرجعت إلى قومي، فقلت: ms1441 وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - السعة وحسن الرأي، وأمر لي بصدقتكم» ذكره ~~أحمد. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - خولة بنت مالك، فقالت: إن زوجها أوس بن ~~الصامت ظاهر منها، وشكته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يجادلها فيه بقوله اتقي الله فإنه ابن عمك فما برحت ~~حتى نزل القرآن: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله} ~~[المجادلة: 1] الآيات، فقال يعتق رقبة قالت: لا يجد، قال، فيصوم شهرين ~~متتابعين قالت: إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال فليطعم ستين مسكينا قالت: ~~ما عنده من شيء يتصدق به، فأتى ساعته بعرق من تمر، قلت: يا رسول الله إني ~~أعينه بعرق آخر، قال أحسنت، اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينا، وارجعي إلى ~~ابن عمك» ذكره أحمد وأبو داود، ولفظ أحمد: «قالت في والله وفي أوس بن ~~الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة، قالت: كنت عنده، وكان شيخا كبيرا قد ~~ساء خلقه وضجر، قالت: فدخل علي يوما، فراجعته بشيء، فغضب فقال: أنت علي ~~كظهر أمي، ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة ثم دخل علي، فإذا هو يريدني عن ~~نفسي، قالت: قلت: كلا والذي نفس خويلة بيده لا تخلص إلي وقد قلت ما قلت حتى ~~يحكم الله ورسوله فينا بحكم، قالت: فواثبني، فامتنعت منه، فغلبته بما تغلب ~~المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني، ثم خرجت إلى بعض جاراتي، فاستعرت منها ~~ثيابها، ثم خرجت حتى جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجلست بين ~~يديه، فذكرت له ما لقيت منه، فجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه، فجعل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول؛ يا خويلة ابن عمك شيخ كبير، فاتقي ~~الله فيه، قالت: فوالله ما برحت حتى نزل القرآن، فتغشى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ما كان يتغشاه ثم سري عنه، فقال: يا خويلة قد أنزل الله ~~فيك وفي صاحبك، ثم قرأ ms1442 علي: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي ~~إلى الله} [المجادلة: 1] إلى قوله: {وللكافرين عذاب أليم} [المجادلة: 4] ~~قالت: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مريه فليعتق رقبة» وذكر نحو ~~ما تقدم، وعند ابن ماجه «أنها قالت: يا رسول الله أكل # PageV04P269 # شبابي ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني ~~أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبرائيل - عليه السلام - بهؤلاء الآيات» . ### | [فصل فتاوى في العدد] # فصل في فتاويه - صلى الله عليه وسلم - في العدد: # [فتاوى في مسائل العدد] # ثبت «أن سبيعة الأسلمية سألته، وقد مات زوجها ووضعت حملها بعد موته، ~~قالت: فأفتاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني قد حللت حين وضعت ~~حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي» . # وعند البخاري «أنها سئلت، كيف أفتاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ~~قالت: أفتاني إذا وضعت أن أنكح، وكانت أم كلثوم بنت عقبة عند الزبير بن ~~العوام، فقالت له، وهي حامل: طيب نفسي بتطليقة، فطلقها تطليقة، ثم خرج إلى ~~الصلاة فرجع وقد وضعت فقال لها: خدعتيني خدعك الله، ثم أتى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فسأله عن ذلك، فقال: سبق الكتاب أجله، اخطبها إلى نفسها» ~~، ذكره ابن ماجه. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - فريعة بنت مالك، فقالت: إن زوجي خرج في ~~طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه، فسألته أن ترجع ~~إلى أهله، وقالت: إن زوجي لم يترك لي مسكنا يملكه، ولا نفقة، فقال لها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نعم قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة - أو ~~في المسجد - ناداني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو أمر بي فنوديت ~~له، فقال كيف قلت فرددت عليه القصة التي ذكرت له، فقال امكثي في بيتك حتى ~~يبلغ الكتاب أجله قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، فلما كان عثمان أرسل ~~إلي، فسألني عن ذلك، فأخبرته، فاتبعه، وقضى به» ، حديث صحيح ذكره أهل ~~السنن. # «وأفتى - صلى الله عليه وسلم - امرأة ms1443 ثابت بن قيس بن شماس وجميلة بنت عبد ~~الله بن أبي لما اختلعت من زوجها فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها» ، ذكره النسائي. # وعند أبي داود والترمذي عن ابن عباس؛ «أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من ~~زوجها، فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تعتد حيضة» . # وعند الترمذي عن «الربيع بنت معوذ أنها اختلعت على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فأمرها النبي - أو أمرت - أن تعتد بحيضة» . # قال الترمذي: حديث الربيع الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة، وعند النسائي ~~وابن ماجه - واللفظ له - عن الربيع قالت: # PageV04P270 # اختلعت من زوجي، ثم جئت عثمان، فسألت: ماذا علي من العدة؟ فقال: " لا عدة ~~عليك إلا أن يكون حديث عهد بك فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضة " قالت: وإنما ~~تبع في ذلك قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مريم المغالية، وكانت ~~تحت ثابت بن قيس فاختلعت منه ### | [فصل ثبوت النسب] # فصل: # [ثبوت النسب] «واختصم إليه - صلى الله عليه وسلم - سعد بن أبي وقاص وعبد ~~بن زمعة في الغلام، فقال سعد: هو ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ~~ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هو أخي، ولد على فراش أبي من ~~وليدته، فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شبهه، فرأى شبها بينا ~~بعتبة، فقال: هو لك يا عبد، الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا ~~سودة فلم تره سودة قط» متفق عليه. # وفي لفظ البخاري: «هو أخوك يا عبد» . # وعند النسائي: «واحتجبي منه يا سودة فليس لك بأخ» . # وعند الإمام أحمد: «أما الميراث فله، وأما أنت فاحتجبي منه فإنه ليس لك ~~بأخ» فحكم وأفتى بالولد لصاحب الفراش عملا بموجب الفراش، وأمر سودة أن ~~تحتجب منه عملا بشبهه بعتبة، وقال: «ليس لك بأخ» للشبهة، وجعله أخا في ~~الميراث، فتضمنت فتواه - صلى الله عليه وسلم - أن الأمة فراش، وأن الأحكام ~~تتبعض في العين الواحدة عملا بالاشتباه كما تتبعض في الرضاعة، ms1444 وثبوتها يثبت ~~بها الحرمة والمحرمية دون الميراث والنفقة، وكما في ولد الزنا، هو ولد في ~~التحريم، وليس ولدا في الميراث، ونظائر ذلك أكثر من أن تذكر؛ فيتعين الأخذ ~~بهذا الحكم والفتوى، وبالله التوفيق. ### | [الإحداد على الميت] # [الإحداد على الميت] «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: يا ~~رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا مرتين أو ثلاثا» ، متفق عليه. # «ومنع - صلى الله عليه وسلم - المرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على ~~زوج فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا، ولا تكتحل، ولا تطيب، ولا تلبس ثوبا ~~مصبوغا ورخص لها في طهرها إذا اغتسلت في نبذة من قسط أو أظفار» ، متفق ~~عليه. # وعند أبي داود والنسائي «ولا تختضب» . # وعند النسائي «ولا تمتشط» . # وعند أحمد «لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الشقة الممشقة، ولا الحلي، لا ~~تختضب، ولا تكتحل» . # «وجعلت أم سلمة - رضي الله عنها - على عينيها صبرا لما توفي أبو سلمة، ~~فقال ما هذا يا أم سلمة؟ قالت: إنما هو صبر ليس فيه طيب، قال إنه يشب الوجه ~~فلا تجعليه إلا بالليل، ولا تمتشطي بالطيب، ولا بالحناء فإنه خضاب قلت: # PageV04P271 # بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال بالسدر تغلفين به رأسك» ذكره النسائي. # وعند أبي داود «فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار» . # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - خالة جابر بن عبد الله وقد طلقت: هل تخرج ~~تجد نخلها؟ فقال: فجدي نخلك؛ فإنك عسى أن تتصدقي أو تفعلي معروفا» ذكره ~~مسلم. ### | [فصل فتاوى في نفقة المعتدة وكسوتها] # فصل: # [فتاوى في نفقة المعتدة وكسوتها] في فتواه - صلى الله عليه وسلم - في ~~نفقة المعتدة وكسوتها. # ثبت أن «فاطمة بنت قيس طلقها زوجها ألبتة، فخاصمته في السكنى والنفقة إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت؛ فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة» ، وفي ~~السنن «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يا بنت آل قيس، إنما السكنى ~~والنفقة على من كانت له رجعة» ms1445 ذكره أحمد، وعنده أيضا «إنما السكنى والنفقة ~~للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا ~~نفقة ولا سكنى» وفي صحيح مسلم عنها: «طلقني زوجي ثلاثا، فلم يجعل لي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - سكنى ولا نفقة» . # وفي رواية لمسلم أيضا أن «أبا عمرو بن حفص خرج مع علي كرم الله وجهه إلى ~~اليمن، فأرسل إلى امرأته بتطليقة بقيت من طلاقها، وأمر عياش بن أبي ربيعة ~~والحارث بن هشام أن ينفقا عليها، فقالا: والله ما لها نفقة، إلا أن تكون ~~حاملا، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكرت له قولهما، فقال لا نفقة ~~لك فاستأذنته في الانتقال، فأذن لها، فقالت له: أين يا رسول الله؟ فقال عند ~~ابن أم مكتوم وكان أعمى، تضع ثيابها عنده ولا يراها، فلما مضت عدتها أنكحها ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد» ، فأرسل إليها مروان قبيصة بن ~~ذؤيب يسألها عن الحديث، فحدثته، فقال: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة، ~~سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها، فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان: ~~بيني وبينكم القرآن، قال تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن} [الطلاق: ~~1] الآية، قالت: هذا لمن كانت له مراجعة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ . # «وأفتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن للنساء على الرجال رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف» ذكره مسلم. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: ما تقول في نساءنا؟ فقال أطعموهن مما ~~تأكلون، وأكسوهن مما تلبسون، ولا تضربوهن، ولا تقبحوهن» ذكره مسلم. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - هند امرأة أبي سفيان فقالت: إن أبا سفيان ~~رجل شحيح، وليس يعطيني # PageV04P272 # من النفقة ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، قال خذي ما ~~يكفيك وولدك بالمعروف» متفق عليه. # فتضمنت هذه الفتوى أمورا، أحدها: أن نفقة الزوجة غير مقدرة، بل المعروف ~~ينفي تقديرها، ولم يكن تقديرها معروفا في زمن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ولا الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم. # الثاني: أن نفقة الزوجة ms1446 من جنس نفقة الولد كلاهما بالمعروف. # الثالث: انفراد الأب بنفقة أولاده. # الرابع: أن الزوج أو الأب إذا لم يبذل النفقة الواجبة عليه فللزوجة ~~والأولاد أن يأخذوا قدر كفايتهم بالمعروف. # الخامس: أن المرأة إذا قدرت على أخذ كفايتها من مال زوجها لم يكن لها إلى ~~الفسخ سبيل. # السادس: أن ما لم يقدره الله ورسوله من الحقوق الواجبة فالمرجع فيه إلى ~~العرف. # السابع: إن ذم الشاكي لخصمه بما هو فيه حال الشكاية لا يكون غيبة، فلا ~~يأثم به هو ولا سامعه بإقراره عليه. # الثامن: أن من منع الواجب عليه، وكان سبب ثبوته ظاهرا فلمستحقه أن يأخذ ~~بيده إذا قدر عليه، كما أفتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - هندا، وأفتى ~~به الضيف إذا لم يقره من نزل عليه كما في سنن أبي داود عنه - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال «ليلة الضيف حق على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محروما كان ~~دينا عليه إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه» وفي لفظ «من نزل بقوم فعليهم أن ~~يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه» وإن كان سبب الحق خفيا لم ~~يجز له ذلك، كما أفتى النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله «أد الأمانة ~~إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال أمك ~~قال: ثم من؟ قال أمك قال: ثم من؟ قال أمك قال: ثم من؟ قال أبوك» متفق عليه. # زاد مسلم «ثم أدناك فأدناك» . # قال الإمام أحمد: للأم ثلاثة أرباع البر، وقال أيضا: الطاعة للأب، وللأم ~~ثلاثة أرباع البر، وعند الإمام أحمد قال «ثم الأقرب فالأقرب» . # وعند أبي داود «أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: من أبر؟ قال ~~أمك، وأباك، وأختك، وأخاك، ومولاك، ومولاك الذي يلي ذاك، حق واجب ورحم ~~موصولة» . # PageV04P273 ### | [فصل في الحضانة] # [فتاوى في الحضانة وفي مستحقها] قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فيها خمس قضايا. # إحداها: «قضى بابنة حمزة لخالتها، وكانت تحت جعفر ms1447 بن أبي طالب، وقال ~~الخالة بمنزلة الأم» فتضمن هذا القضاء أن الخالة مقام الأم في الاستحقاق، ~~وأن تزوجها لا يسقط حضانتها إذا كانت جارية. # القضية الثانية: «أن رجلا جاء بابن له صغير لم يبلغ، فاختصم فيه هو وأمه، ~~ولم تسلم الأم، فأجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأب ههنا وأجلس ~~الأم ههنا، ثم خير الصبي، وقال: اللهم اهده فذهب إلى أمه» ، ذكره أحمد. # القضية الثالثة: «أن رافع بن سنان أسلم، وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وقالت: ابنتي فطيم أو شبهه، وقال رافع: ابنتي، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اقعد ناحية وقال لها: اقعدي ناحية فأقعد ~~الصبية بينهما، ثم قال: ادعواها فمالت إلى أمها، فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: اللهم اهدها فمالت إلى أبيها، فأخذها» ، ذكره أحمد. # القضية الرابعة: «جاءته امرأة فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد ~~سقاني من بئر أبي عتبة، وقد دفعني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~استهما عليه فقال زوجها: من يحاقني في ولدي؟ فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: هذا أبوك وهذا أمك، فخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه، فانطلقت به» ، ~~ذكره أبو داود. # القضية الخامسة: «جاءته - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقالت: يا رسول ~~الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن ~~أباه طلقني، وأراد أن ينزعه مني، فقال لها أنت أحق به ما لم تنكحي» ذكره ~~أبو داود. # [وعلى هذه القضايا الخمس تدور الحضانة، وبالله التوفيق] . ### | [فصل فتاوى في جرم القاتل وجزائه] # فصل: # [فتاوى في جرم القاتل وجزائه] ومن فتاويه - صلى الله عليه وسلم - في باب ~~الدماء والجنايات. # PageV04P274 # «سئل - صلى الله عليه وسلم - عن الآمر والقاتل، فقال قسمت النار سبعين ~~جزءا فللآمر تسع وستون، وللقاتل جزء» ذكره أحمد. # «وجاءه رجل فقال: إن هذا قتل أخي، قال اذهب فاقتله كما قتل أخاك فقال له ~~الرجل: اتق الله واعف عني فإنه أعظم لأجرك وخير لك يوم ms1448 القيامة، فخلى عنه، ~~فأخبر النبي، فسأله فأخبره بما قال له، فقال له أما إنه خير مما هو صانع بك ~~يوم القيامة، تقول: يا رب سل هذا فيم قتل أخي» . # «وجاءه - صلى الله عليه وسلم - رجل بآخر قد ضرب ساعده بالسيف فقطعها من ~~غير مفصل، فأمر له بالدية، فقال: أريد القصاص، فقال خذ الدية بارك الله لك ~~فيها ولم يقض له بالقصاص» ، ذكره ابن ماجه. # «وأفتى - صلى الله عليه وسلم - بأنه إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر ~~يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك» ذكره الدارقطني. # «ورفع إليه - صلى الله عليه وسلم - يهودي قد رض رأس جارية بين حجرين، ~~فأمر به أن يرض رأسه بين حجرين» ، متفق عليه. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن شبه العمد مغلظ مثل العمد، ولا يقتل ~~صاحبه» ذكره أبو داود. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - في الجنين يسقط من الضربة بغرة عبد أو أمة» ~~، ذكره أبو داود أيضا. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - في قتل الخطأ شبه العمد بمائة من الإبل: ~~أربعون منها في بطونها أولادها» ، ذكره أبو داود. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن لا يقتل مسلم بكافر» ، متفق عليه. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن لا يقتل الوالد بالولد» ؛ ذكره الترمذي. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن يعقل المرأة عصبتها من كانوا ولا يرثون ~~عنها، إلا ما فضل عن ورثتها، وإن قتلت فعقلها بين ورثتها، فهم يقتلون ~~قاتلها» ، ذكره أبو داود. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن الحامل إذا قتلت عمدا لم تقتل حتى تضع ~~ما في بطنها، وحتى تكفل ولدها، وإن زنت حتى تضع ما في بطنها وحتى تكفل ~~ولدها» ، ذكره ابن ماجه. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما ~~أن يفدي وإما أن يقتل» ، متفق عليه. # PageV04P275 # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن من أصيب بدم أو خبل - والخبل: الجراح - ~~فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه: أن يقتل، أو ~~يعفو، أو يأخذ ms1449 الدية، فمن فعل شيئا من ذلك فعاد فإن له نار جهنم خالدا ~~مخلدا أبدا فيه» ، يعني قتل بعد عفوه وأخذ الدية، أو قتل غير الجاني. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن لا يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه» ، ذكره ~~أحمد. ### | [فتاوى في الديات] # [فتاوى في الديات] «وقضى - صلى الله عليه وسلم - في الأنف إذا أوعب جدعا ~~بالدية، وإذا جدعت أرنبته بنصف الدية» . # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - في العين بنصف الدية خمسين من الإبل، أو ~~عدلها ذهبا أو ورقا، أو مائة بقرة، أو ألف شاة، وفي الرجل نصف العقل، وفي ~~اليد نصف العقل؛ والمأمومة ثلث العقل، والمنقلة خمس عشرة من الإبل، ~~والموضحة خمس من الإبل، والأسنان خمس خمس» ، ذكره أحمد. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن الأسنان سواء: الثنية والضرس سواء» ، ~~ذكره أبو داود. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - في دية أصابع اليدين والرجلين بعشر عشر» ، ~~صححه الترمذي. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - في العين العوراء السادة لمكانها إذا طمست ~~بثلث الدية، وفي اليد الشلاء إذا قطعت ثلث ديتها» ، ذكره أبو داود. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - في اللسان بالدية، وفي الشفتين بالدية، وفي ~~البيضتين بالدية، وفي الذكر بالدية، وفي الصلب بالدية، وفي العينين بالدية، ~~وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وأن الرجل يقتل بالمرأة» ، ذكره النسائي. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل: ثلاثون ~~بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشرة ابن لبون» ، ذكره النسائي. # وعند أبي داود: «عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت ~~لبون، وعشرون ابن مخاض ذكر» . # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول، ~~فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، ~~وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم» ، ذكره الترمذي وحسنه. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - على أهل الإبل بمائة من الإبل، وعلى أهل ~~البقر بمائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة» ms1450 ، ~~ذكره أبو داود. # PageV04P276 # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ ~~الثلث من ديتها» ، ذكره مسلم. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين» ، ذكره ~~النسائي. # وعند الترمذي: «عقل الكافر نصف عقل المؤمن» ، حديث [حسن] يصحح مثله أكثر ~~أهل الحديث. # وعند أبي داود: «كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ثمانمائة دينار، وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية ~~المسلم، فلما كان عمر رفع دية المسلمين وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما ~~رفع من الدية» . # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - في جنين امرأة ضربتها أخرى بغرة عبد أو ~~أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى - صلى الله عليه وسلم ~~- أن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها» ، متفق عليه. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - في امرأتين قتلت إحداهما الأخرى ولكل منهما ~~زوج بالدية على عاقلة القاتلة، وميراثها لزوجها وولدها، فقال عاقلة ~~المقتولة: ميراثها لنا يا رسول الله، فقال - صلى الله عليه وسلم -: لا، ~~ميراثها لزوجها وولدها» ذكره أبو داود. # «وجاءه - صلى الله عليه وسلم - عبد صارخ فقال: ما لك؟ قال: سيدي رآني ~~أقبل جارية له، فجب مذاكيري، فقال: علي بالرجل فطلب فلم يقدر عليه فقال: ~~اذهب فأنت حر قال: على من نصرني يا رسول الله؟ قال على كل مؤمن، أو مسلم» ~~ذكره ابن ماجه. # «وقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإبطال دية العاض لما انتزع ~~المعضوض يده من فيه فأسقط ثنيته» ، متفق عليه. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - بأن من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فخذفوه ~~ففقئوا عينه بأنه لا جناح عليهم» ، متفق عليه. # وعند مسلم: «فقد حل لهم أن يفقئوا عينه» . # وعند الإمام أحمد في هذا الحديث «فلا دية له ولا قصاص» . «وقضى - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه لا دية في المأمومة ولا الجائفة ولا المنقلة» ، ذكره ~~ابن ماجه. # «وجاءه - صلى الله عليه وسلم - رجل يقود آخر ms1451 بنسعة، فقال: هذا قتل أخي، ~~فقال: كيف قتلته؟ قال: # PageV04P277 # كنت أنا، وهو نختبط من شجرة، فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه، ~~فقتلته، فقال: هل لك من شيء تؤديه عن نفسك؟ قال: ما لي إلا كسائي وفأسي، ~~قال: فترى قومك يشترونك؟ قال: أنا أهون على قومي من ذلك، فقال دونك صاحبك، ~~فانطلق به، فلما ولى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن قتله فهو ~~مثله فرجع فقال: يا رسول الله بلغني أنك قلت إن قتله فهو مثله، وأخذته ~~بأمرك، فقال أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟ قال: يا نبي الله بلى، ~~فرمى بنسعته، وخلى سبيله» ذكره مسلم. # وقد أشكل هذا الحديث على من لم يحط بمعناه، ولا إشكال فيه؛ فإن قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " إن قتله فهو مثله " لم يرد به أنه مثله في الإثم، ~~وإنما عنى به أنه إن قتله لم يبق عليه إثم القتل؛ لأنه قد استوفى منه في ~~الدنيا، فيستوي هو والولي في عدم الإثم، أما الولي فإنه قتله بحق، وأما هو ~~فلكونه قد اقتص منه، وأما قوله: " تبوء بإثمك وإثم صاحبك " فإثم الولي ~~مظلمته بقتل أخيه، وإثم المقتول إراقة دمه، وليس المراد أنه يحمل خطاياك ~~وخطايا أخيك، والله أعلم. # وهذه غير قصة الذي دفع إليه وقد قتل، فقال: والله ما أردت قتله، فقال: ~~«أما إنه إن كان صادقا فقتلته دخلت النار» فخلاه الرجل، صححه الترمذي، وإن ~~كانت هي القصة فتكون هذه علة كونه إن قتله فهو مثله في المأثم، والله أعلم. ### | [فصل فتاوى في القسامة] # فصل: # [فتاوى في القسامة] «وأقر - صلى الله عليه وسلم - القسامة على ما كانت ~~عليه قبل الإسلام، وقضى بها بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود» ~~، ذكره مسلم. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - في شأن محيصة بأن يقسم خمسون من أولياء ~~القتيل على رجل من المتهمين به، فيدفع برمته إليه، فأبوا، فقال تبرئكم يهود ~~بأيمان خمسين فأبوا، فوداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمائة من ~~عنده» ، متفق ms1452 عليه. # وعند مسلم «بمائة من إبل الصدقة» . # وعند النسائي «فقسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ديته عليهم، ~~وأعانهم بنصفها» . # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - أنه: لا تجني نفس على أخرى، ولا يجني والد ~~على ولده، ولا ولد على والده» والمراد أنه لا يؤخذ بجنايته فلا تزر وازرة ~~وزر أخرى. # PageV04P278 # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن: من قتل في عميا أو رميا لكونه بينهم ~~بحجر أو سوط فعقله عقل خطأ، ومن قتل عمدا فقود يديه، فمن حال بينه وبينه ~~فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» ذكره أبو داود. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن: المعدن جبار، والعجماء جبار، والبئر ~~جبار» متفق عليه، وفي قوله: «المعدن جبار» قولان؛ أحدهما: أنه إذا استأجر ~~من يحفر له معدنا فسقط عليه فقتله فهو جبار، ويؤيد هذا القول اقترانه ~~بقوله: «البئر جبار والعجماء جبار» والثاني: أنه لا زكاة فيه، ويؤيد هذا ~~القول اقترانه بقوله: «وفي الركاز الخمس» ففرق بين المعدن والركاز، فأوجب ~~الخمس في الركاز؛ لأنه مال مجموع يؤخذ بغير كلفة ولا تعب، وأسقطها عن ~~المعدن؛ لأنه يحتاج إلى كلفة وتعب في استخراجه، والله أعلم. ### | [فصل فتاوى في حد الزنا] # فصل: # [فتاوى في حد الزنا] «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إن ابني ~~كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، وإني سألت ~~رجالا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على ~~امرأة هذا الرجم، فقال والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، المائة ~~والخادم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة ~~هذا، فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها» متفق عليه. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - فيمن زنى، ولم يحصن بنفي عام وإقامة الحد ~~عليه» ذكره البخاري. # «وقضى - صلى الله عليه وسلم - أن الثيب بالثيب جلد مائة ثم الرجم، والبكر ~~بالبكر جلد مائة ثم نفي سنة» ذكره مسلم. # «وجاءه اليهود فقالوا: إن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم: ما تجدون في ms1453 ~~التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: ~~كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها؛ فوضع أحدهم يده على آية ~~الرجم، فقرأ ما بعدها وما قبلها، فقال له # PageV04P279 # عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا آية الرجم، فقالوا: صدق يا ~~محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما فرجما» ، متفق عليه. # ولأبي داود «أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقالوا: اذهبوا به إلى هذا النبي؛ ~~فإنه بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها منه، واحتجبنا بها ~~عند الله، وقلنا: إنها فتيا نبي من أنبيائك؛ فأتوه وهو جالس في المسجد في ~~الصحابة، فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم ~~يكلمهم بكلمة حتى أتى بيت مدراسهم فقام على الباب فقال: أنشدكم بالله الذي ~~أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من زنى إذ أحصن؟ قالوا: ~~يحمم ويجبه ويجلد، والتجبيه: أن يحمل الزانيان على حمار، وتقابل أقفيتهما، ~~ويطاف بهما، فسكت شاب منهم، فلما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - سكت نظر ~~إليه وأنشده فقال: اللهم إذ أنشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم، فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: فما أول ما ارتخصتم أمر الله قال: زنى ذو قرابة ~~ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم؛ ثم زنى رجل في أسرة من الناس فأراد رجمه ~~فحال قومه دونه؛ وقالوا: لا يرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه فاصطلحوا ~~على هذه العقوبة بينهم؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فإني أحكم بما ~~في التوراة فأمر بهما فرجما» . # وعند أبي داود أيضا «أنه دعا بالشهود، فجاءه أربعة، فشهدوا أنهم رأوا ~~ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - ماعز بن مالك أن يطهره، وقال: إني قد ~~زنيت، فأرسل إلى قومه: هل تعلمون بعقله بأسا تنكرون منه شيئا؟ قالوا: ما ~~نعلمه إلا أوفى العقل من صالحينا فيما نرى، فأقر أربع مرات، فقال له في ~~الخامسة: أنكتها؟ قال: نعم، قال: حتى غاب ذلك منك في ms1454 ذلك منها؟ قال: نعم. ~~قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال: نعم، قال: فهل ~~تدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا، ~~قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، فأمر رجلا فاستنكهه، ثم ~~أمر به فرجم، ولم يحفر له، فلما وجد مس الحجارة فر يشتد حتى مر برجل معه ~~لحي جمل فضربه وضربه الناس حتى مات، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~هلا تركتموه وجئتموني به» . # وفي بعض طرق هذه القصة «أنه - صلى الله عليه وسلم - قال له: شهدت على ~~نفسك أربع مرات، اذهبوا به فارجموه» . # وفي بعضها: «فلما شهد على نفسه أربع مرات دعاه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: أهل أحصنت؟ قال: نعم، قال: اذهبوا به ~~فارجموه» . # PageV04P280 # وفي بعض طرقها «أنه - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلين من أصحابه يقول ~~أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم ~~رجم الكلب، فسكت عنهما ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل برجليه، فقال: ~~أين فلان وفلان؟ فقالا: نحن ذان يا رسول الله، فقال: انزلا وكلا من جيفة ~~هذا الحمار، فقالا: يا نبي الله من يأكل هذا؟ قال: فما نلتما من عرض أخيكما ~~آنفا أشد أكلا منه، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها» ~~. # وفي بعض طرقها «أنه - صلى الله عليه وسلم - قال له: لعلك رأيت في منامك، ~~لعلك استكرهت» ، وكل هذه الألفاظ صحيحة. # وفي بعضها «أنه أمر فحفرت له حفيرة» ، ذكره مسلم، وهي غلط من رواية بشير ~~بن المهاجر، وإن كان مسلم قد روى له في الصحيح فالثقة قد يغلط على أن أحمد ~~وأبا حاتم الرازي قد تكلما فيه، وإنما حصل الوهم من حفرة الغامدية، فسرى ~~إلى ماعز، والله أعلم. # «وجاءته - صلى الله عليه وسلم - الغامدية، فقالت إني قد زنيت فطهرني، ~~وإنه رددها، فقالت: ترددني كما رددت ماعزا فوالله إني لحبلى، فقال: اذهبي ms1455 ~~حتى تلدي، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، فقالت: هذا قد ولدته، فقال: ~~اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته به، وفي يده كسرة من خبز؛ ~~فقالت: هذا قد فطمته وأكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر ~~بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فأقبل خالد بن الوليد بحجر ~~فرمى رأسها فنضح الدم على وجهه، فسبها، فسمع نبي الله - صلى الله عليه وسلم ~~- سبه إياها، فقال مهلا يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها ~~صاحب مكس لغفر له ثم أمر بها فصل عليها ودفنت» ، ذكره مسلم. # «وجاءه - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا ~~فأقمه علي، ولم يسأله عنه، وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فقام إليه الرجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم في كتاب ~~الله، قال: أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك - ~~أو قال - حدك» ، متفق عليه. # وقد اختلف في وجه هذا الحديث؛ فقالت طائفة: أقر بحد لم يسمه فلم يجب على ~~الإمام استفساره، ولو سماه لحده كما حد ماعزا، وقالت طائفة: بل غفر الله له ~~بتوبته، # PageV04P281 # والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وعلى هذا فمن تاب من الذنب قبل القدرة ~~عليه سقطت عنه حقوق الله - تعالى - كما تسقط عن المحارب، وهذا هو الصواب. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: أصبت من امرأة قبلة، فنزلت: ~~{وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ~~ذكرى للذاكرين} [هود: 114] فقال الرجل: إلي هذه؟ فقال: بل لمن عمل بها من ~~أمتي» متفق عليه. # وقد استدل به من يرى أن التعزير ليس بواجب، وأن للإمام إسقاطه، ولا دليل ~~فيه، فتأمله. # «وخرجت امرأة تريد الصلاة، فتجللها رجل فقضى حاجته منها، فصاحت وفر، ومر ~~عليها غيره فأخذوه؛ فظنت أنه هو وقالت: هذا الذي فعل بي، فأتوا به النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، فأمر برجمه؛ فقام ms1456 صاحبها الذي وقع عليها، فقال: أنا ~~صاحبها، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: اذهبي فقد غفر الله لك، ~~وقال للرجل قولا حسنا، فقالوا: ألا ترجم صاحبها؟ فقال لا، لقد تاب توبة لو ~~تابها أهل المدينة لقبل منهم» ذكره أحمد وأهل السنن، ولا فتوى ولا حكم أحسن ~~من هذا. # فإن قيل: كيف أمر برجم البريء؟ قيل: لو أنكر لم يرجمه؛ ولكن لما أخذ ~~وقالت: هو هذا، ولم ينكر، ولم يحتج عن نفسه، فاتفق مجيء القوم به في صورة ~~المريب، وقول المرأة هذا هو، وسكوته سكوت المريب، وهذه القرائن أقوى من ~~قرائن حد المرأة بلعان الرجل وسكوتها، فتأمله. ### | [أثر اللوث في التشريع] # [أثر اللوث في التشريع] وللوث تأثير في الدماء والحدود والأموال: أما ~~الدماء ففي القسامة، وأما الحدود ففي اللعان، وأما الأموال ففي قصة الوصية ~~في السفر؛ فإن الله تعالى حكم بأنه إن اطلع على أن الشاهدين والوصيين ظلما ~~وغدرا أن يحلف اثنان من الورثة على استحقاقهما، ويقضي لهم، وهذا هو الحكم ~~الذي لا حكم غيره؛ فإن اللوث إذا أثر في إراقة الدماء وإزهاق النفوس وفي ~~الحدود فلأن يعمل به في المال بطريق الأولى والأحرى، وقد حكم به نبي الله ~~سليمان بن داود في النسب مع اعتراف المرأة أنه ليس بولدها، بل هو ولد ~~الأخرى، فقال لها: " هو ابنك " ومن تراجم النسائي على قصته: " التوسعة ~~للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله أفعل كذا ليستبين به الحق " ثم ترجم ~~عليه ترجمة أخرى فقال: " الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم عليه إذا تبين ~~للحاكم أن الحق غير ما اعترف به " وهذا هو العلم استنباطا # PageV04P282 # ودليلا، ثم ترجم عليه ترجمة ثالثة فقال: " نقض الحاكم ما حكم به من هو ~~مثله أو أجل منه ". # قلت: وفيه رد لقول من قال: يكون بينهما، إجراء للنسب مجرى المال، وفيه أن ~~حكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته في الباطن، وفيه نوع لطيف شريف عجيب من ~~أنواع العلم النافع، وهو الاستدلال بقدر الله على شرعه؛ فإن سليمان ms1457 - عليه ~~السلام - استدل بما قدره الله وخلقه في قلب الصغرى من الرحمة والشفقة بحيث ~~أبت أن يشق الولد، على أنه ابنها، وقوى هذا الاستدلال رضا الأخرى بأن يشق ~~الولد، وقالت: نعم شقه، وهذا قول لا يصدر من أم، وإنما يصدر من حاسد يريد ~~أن يتأسى بصاحب النعمة في زوالها عنه كما زالت عنه هو، ولا أحسن من هذا ~~الحكم وهذا الفهم، وإذا لم يكن مثل هذا في الحاكم أضاع حقوق الناس، وهذه ~~الشريعة الكاملة طافحة بذلك. ### | [العمل بالسياسة] # [العمل بالسياسة] وجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء ابن عقيل وبين بعض ~~الفقهاء، فقال ابن عقيل: العمل بالسياسة هو الحزم، ولا يخلو منه إمام، وقال ~~الآخر: لا سياسة إلا ما وافق الشرع، فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من ~~الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم ~~يشرعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا نزل به وحي؛ فإن أردت بقولك " لا ~~سياسة إلا ما وافق الشرع " أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت ما ~~نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة؛ فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل ~~والمثل ما لا يجحده عالم بالسير، ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف كان رأيا ~~اعتمدوا فيه على مصلحة، وكذلك تحريق علي كرم الله وجهه الزنادقة في ~~الأخاديد، ونفي عمر نصر بن حجاج. # قلت: هذا موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك في معترك صعب، فرط ~~فيه طائفة فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرؤا أهل الفجور على الفساد، ~~وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، وسدوا على أنفسهم طرقا صحيحة ~~من الطرق التي يعرف بها المحق من المبطل، وعطلوها مع علمهم وعلم الناس بها ~~أنها أدلة حق، ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع، والذي أوجب لهم ذلك نوع ~~تقصير في معرفة حقيقة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها، فلما رأى ولاة ~~الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من ~~الشريعة فأحدثوا لهم ms1458 قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم؛ فتولد من تقصير ~~أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شر # PageV04P283 # طويل، وفساد عريض، وتفاقم الأمر، وتعذر استدراكه، وأفرط في طائفة أخرى ~~فسوغت منه ما يناقض حكم الله ورسوله، وكلا الطائفتين أتيت من قبل تقصيرها ~~في معرفة ما بعث الله به رسوله؛ فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس ~~بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحق، ~~وقامت أدلة العقل، وأسفر صبحه بأي طريق كان؛ فثم شرع الله ودينه ورضاه ~~وأمره، والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد وأبطل ~~غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر، بل بين بما شرعه من الطرق أن ~~مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها الحق ~~ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها. # والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي ~~المقاصد، ولكن نبه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها، ولن تجد طريقا ~~من الطرق المثبتة للحق إلا وهي شرعة وسبيل للدلالة عليها، وهل يظن بالشريعة ~~الكاملة خلاف ذلك؟ ولا نقول: إن السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة، ~~بل هي جزء من أجزائها وباب من أبوابها، وتسميتها سياسة أمر اصطلاحي، وإلا ~~فإذا كانت عدلا فهي من الشرع، فقد حبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~تهمة، وعاقب في تهمة لما ظهرت أمارات الريبة على المتهم؛ فمن أطلق كلا منهم ~~وخلى سبيله أو حلفه مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض ونقب الدور وتواتر ~~السرقات - ولا سيما مع وجود المسروق معه - وقال: لا آخذه إلا بشاهدي عدل أو ~~إقرار اختيار وطوع فقوله مخالف للسياسة الشرعية، وكذلك منع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - الغال من الغنيمة سهمه، وتحريق الخلفاء الراشدين متاعه، ~~ومنع المسيء على أمين سلب قتيله، وأخذ شطر مال مانع الزكاة، وإضعافه الغرم ~~على سارق مالا قطع فيه، وعقوبته بالجلد، وإضعافه الغرم على كاتم الضالة، ~~وتحريق عمر بن الخطاب حانوت ms1459 الخمار، وتحريقه قرية يباع فيها الخمر، وتحريقه ~~قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن رعيته، وحلقه رأس نصر بن حجاج ونفيه، ~~وضربه صبيغا بالدرة لما تتبع المتشابه فسأل عنه، إلى غير ذلك من السياسة ~~التي ساس بها الأمة فسارت سنة إلى يوم القيامة، وإن خالفها من خالفها. # ولقد حد أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الزنا بمجرد الحبل، وفي ~~الخمر بالرائحة والقيء، وهذا هو الصواب، فإن دليل القيء والرائحة والحبل ~~على الشرب والزنا أولى من البينة قطعا؛ فكيف يظن بالشريعة إلغاء أقوى ~~الدليلين، ومن ذلك تحريق الصديق اللوطي، وإلقاء أمير المؤمنين علي كرم الله ~~وجهه له من شاهق على رأسه، ومن ذلك تحريق عثمان المصاحف المخالفة للمصحف ~~الذي جمع الناس عليه، وهو الذي بلسان قريش، ومن ذلك تحريق # PageV04P284 # الصديق الفجاءة السلمي، ومن ذلك اختيار عمر - رضي الله عنه - للناس إفراد ~~الحج وأن يعتمروا في غير أشهر الحج، فلا يزال البيت الحرام معمورا بالحجاج ~~والمعتمرين، ومن ذلك منع عمر - رضي الله عنه - الناس من بيع أمهات الأولاد، ~~وقد باعوهن في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحياة أبي بكر - رضي ~~الله عنه - وأرضاه، ومن ذلك إلزامه بالطلاق الثلاث لمن أوقعه بفم واحد ~~عقوبة له كما صرح هو بذلك، وإلا فقد كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأبي بكر وصدرا من إمارته هو يجعل واحدة، إلى أضعاف ذلك من السياسات ~~العادلة التي ساسوا بها الأمة، وهي مشتقة من أصول الشريعة وقواعدها. # وتقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة ~~وحقيقة، وكتقسيم آخرين الدين إلى عقل ونقل، وكل ذلك تقسيم باطل، بل السياسة ~~والحقيقة والطريقة والعقل كل ذلك ينقسم إلى قسمين: صحيح، وفاسد؛ فالصحيح ~~قسم من أقسام الشريعة لا قسيم لها، والباطل ضدها ومنافيها، وهذا الأصل من ~~أهم الأصول وأنفعها، وهو مبني على حرف واحد، وهو عموم رسالته - صلى الله ~~عليه وسلم - بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم ms1460 ~~وأعمالهم، وأنه لم يحوج أمته إلى أحد بعده، وإنما حاجتهم إلى من يبلغهم عنه ~~ما جاء به، فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص: عموم بالنسبة ~~إلى المرسل إليهم، وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه من بعث إليه في أصول ~~الدين وفروعه؛ فرسالته كافية شافية عامة، لا تحوج إلى سواها، ولا يتم ~~الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلفين ~~عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها ~~وأعمالها عما جاء به. # [بين الرسول جميع أحكام الحياة والموت] وقد توفي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر للأمة منه علما، ~~وعلمهم كل شيء حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود، ~~والأكل والشرب، والركوب والنزول، والسفر والإقامة، والصمت والكلام، والعزلة ~~والخلطة، والغنى والفقر، والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت، ووصف ~~لهم العرش والكرسي والملائكة والجن والنار والجنة ويوم القيامة وما فيه حتى ~~كأنه رأي عين، وعرفهم معبودهم وإلههم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه ~~بأوصاف كماله ونعوت جلاله، وعرفهم الأنبياء وأممهم وما جرى لهم، وما جرى ~~عليهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم، وعرفهم من طرق الخير والشر دقيقها ~~وجليلها ما لم يعرفه نبي لأمته قبله، وعرفهم - صلى الله عليه وسلم - من # PageV04P285 # أحوال الموت وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب ~~للروح والبدن ما لم يعرف به نبي غيره، وكذلك عرفهم - صلى الله عليه وسلم - ~~من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع فرق أهل الكفر والضلال ما ~~ليس لمن عرفه حاجة من بعده، اللهم إلا إلى من يبلغه إياه ويبينه ويوضح منه ~~ما خفي عليه، وكذلك عرفهم - صلى الله عليه وسلم - من مكايد الحروب ولقاء ~~العدو وطرق النصر والظفر ما لو علموه وعقلوه ورعوه حق رعايته لم يقم لهم ~~عدو أبدا، وكذلك عرفهم - صلى الله عليه وسلم - من مكايد إبليس وطرقه التي ~~يأتيهم منها وما يتحرزون ms1461 به من كيده ومكره وما يدفعون به شره ما لا مزيد ~~عليه، وكذلك عرفهم - صلى الله عليه وسلم - من أحوال نفوسهم وأوصافها ~~ودسائسها وكمائنها ما لا حاجة لهم معه إلى سواه، وكذلك عرفهم - صلى الله ~~عليه وسلم - من أمور معايشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم ~~استقامة. # وبالجملة فجاءهم بخير الدنيا والآخرة برمته، ولم يحوجهم الله إلى أحد ~~سواه، فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ~~ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها، أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول ~~خارج عنها؟ ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده، وسبب ~~هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك وقلة نصيبه من الفهم الذي وفق الله ~~له أصحاب نبيه الذين اكتفوا بما جاء به، واستغنوا به عما ما سواه، وفتحوا ~~به القلوب والبلاد، وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا، وهو عهدنا إليكم، وقد كان ~~عمر - رضي الله عنه - يمنع من الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~خشية أن يشتغل الناس به عن القرآن، فكيف لو رأى اشتغال الناس بآرائهم وزبد ~~أفكارهم وزبالة أذهانهم عن القرآن والحديث؟ فالله المستعان. # وقد قال الله تعالى: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن ~~في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} [العنكبوت: 51] وقال تعالى: {ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} [النحل: 89] وقال تعالى: ~~{يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة ~~للمؤمنين} [يونس: 57] وكيف يشفي ما في الصدور كتاب لا يفي هو وما تبينه ~~السنة بعشر معشار الشريعة؟ أم كيف يشفي ما في الصدور كتاب لا يستفاد منه ~~اليقين في مسألة واحدة من مسائل معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله؟ أو ~~عامتها ظواهر لفظية دلالتها موقوفة على انتفاء عشرة أمور لا يعلم انتفاؤها، ~~سبحانك هذا بهتان عظيم، ويا لله العجب، كيف كان الصحابة والتابعون قبل وضع ~~هذه القوانين التي أتى ms1462 الله بنيانها من القواعد، وقبل استخراج هذه الآراء ~~والمقاييس والأوضاع؟ أهل كانوا مهتدين # PageV04P286 # مكتفين بالنصوص أم كانوا على خلاف ذلك؟ حتى جاء المتأخرون فكانوا أعلم ~~منهم وأهدى وأضبط للشريعة منهم وأعلم بالله وأسمائه وصفاته وما يجب له و ~~[ما] يمتنع عليه منهم؟ فوالله لأن يلقى الله [عبده] بكل ذنب ما خلا الإشراك ~~خير من أن يلقاه بهذا الظن الفاسد والاعتقاد الباطل. # فصل: # [كلام أحمد في السياسة الشرعية] # وهذه نبذة يسيرة من كلام الإمام أحمد - رحمه الله - في السياسة الشرعية: ~~قال في رواية المروزي وابن منصور: والمخنث ينفى؛ لأنه لا يقع منه إلا ~~الفساد والتعرض له، وللإمام نفيه إلى بلد يأمن فساد أهله، وإن خاف به عليهم ~~حبسه. # وقال في رواية حنبل، فيمن شرب خمرا في نهار رمضان، أو أتى شيئا نحو هذا: ~~أقيم الحد عليه، وغلظ عليه مثل الذي يقتل في الحرم دية وثلث. # وقال في رواية حرب: إذا أتت المرأة المرأة تعاقبان وتؤدبان. # وقال أصحابنا: إذا رأى الإمام تحريق اللوطي بالنار فله ذلك؛ لأن خالد بن ~~الوليد كتب إلى أبي بكر - رضي الله عنه - أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلا ~~ينكح كما تنكح المرأة، فاستشار أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيهم ~~أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، وكان أشدهم قولا، فقال: إن هذا الذنب لم ~~تعص الله به أمة من الأمم إلا واحدة، فصنع الله بهم ما قد علمتم، أرى أن ~~يحرقوه بالنار، فأجمع رأي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن ~~يحرقوه بالنار، فكتب أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - إلى خالد بن الوليد - ~~رضي الله عنهما - بأن يحرقوا، فحرقهم، ثم حرقهم ابن الزبير، ثم حرقهم هشام ~~بن عبد الملك. # ونص الإمام أحمد - رضي الله عنه - فيمن طعن على الصحابة أنه قد وجب على ~~السلطان عقوبته، وليس للسلطان أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب، ~~وإلا أعاد العقوبة. # وصرح أصحابنا في أن النساء إذا خيف عليهن المساحقة حرم خلوة بعضهن ببعض. # وصرحوا بأن ms1463 من أسلم وتحته أختان فإنه يجبر على اختيار إحداهما، فإن أبى ~~ضرب حتى يختار. # قالوا: وهكذا كل من وجب عليه حق فامتنع من أدائه، فإنه يضرب حتى يؤديه. # PageV04P287 # وأما كلام مالك وأصحابه في ذلك فمشهور. # وأبعد الناس من الأخذ بذلك الشافعي - رحمه الله تعالى - مع أنه اعتبر ~~قرائن الأحوال في أكثر من مائة موضع، وقد ذكرنا منها كثيرا في غير هذا ~~الكتاب. # منها جواز وطء الرجل المرأة ليلة الزفاف، وإن لم يرها ولم يشهد عدلان ~~أنها امرأته، بناء على القرائن. # ومنها قبول الهدية التي يوصلها إليه صبي أو عبد أو كافر، وجواز أكلها ~~والتصرف فيها، وإن لم يشهد عدلان أن فلانا أهدى لك كذا، بناء على القرائن، ~~ولا يشترط تلفظه ولا تلفظ الرسول بلفظ الهبة والهدية. # ومنها جواز تصرفه في بابه بقرع حلقته ودقه عليه، وإن لم يستأذنه في ذلك. # ومنها استدعاء المستأجر للدار والبستان لمن شاء من أصحابه وضيوفه ~~وإنزالهم عنده مدة، وإن لم يستأذنه نطقا، وإن تضمن ذلك تصرفهم في منفعة ~~الدار وإشغالهم الكنيف وإضعافهم السلم ونحوه. # ومنها جواز الإقدام على الطعام إذا وضعه بين يديه وإن لم يصرح له بالإذن ~~لفظا. # ومنها جواز شربه من الإناء وإن لم يقدمه إليه ولا يستأذنه. # ومنها جواز قضاء حاجته في كنيفه وإن لم يستأذنه. # ومنها جواز الاستناد إلى وسادته. # ومنها أخذ ما ينبذه رغبة عنه من الطعام وغيره، وإن لم يصرح بتمليكه له. # ومنها انتفاعه بفراش زوجته ولحافها ووسادتها وآنيتها، وإن لم يستأذنها ~~نطقا، إلى أضعاف أضعاف ذلك. # وهل السياسة الشرعية إلا من هذا الباب. # وهي الاعتماد على القرائن التي تفيد القطع تارة والظن الذي هو أقوى من ظن ~~الشهود بكثير تارة؟ وهذا باب واسع، وقد تقدم التنبيه عليه مرارا، ولا ~~يستغني عنه المفتي والحاكم. ### | [فصل فتاوى في الأطعمة] # فصل: # فلنرجع إلى فتاوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر طرف من فتاويه ~~في الأطعمة. # [فتاوى في الأطعمة] «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الثوم: أحرام هو؟ ~~قال لا، ولكني ms1464 أكرهه من أجل رائحته» ذكره مسلم. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو أيوب: هل يحل لنا البصل؟ فقال بلى، ~~ولكني يغشاني ما لا يغشاكم» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الضب، أحرام هو؟ فقال لا، ولكن لم يكن ~~بأرض قومي فأجدني أعافه» متفق عليه. # PageV04P288 # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن السمن والجبن والفرا، فقال الحلال ما ~~أحله الله في كتابه، والحرام ما حرمه الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما ~~عفا عنه» ذكره ابن ماجه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الضبع، فقال أويأكل الضبع أحد؟» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الذئب، فقال أو يأكل الذئب أحد فيه ~~خير؟» ذكره الترمذي، وعند ابن ماجه قال: قلت: «يا رسول الله ما تقول في ~~الضبع؟ قال: ومن يأكل الضبع؟» وإن صح حديث جابر في إباحة الضبع فإن في ~~القلب منه شيئا، كان هذا الحديث يدل على ترك أكله تقذرا أو تنزها، والله ~~أعلم. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله عنها - فقالت: إن قوما ~~يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ ، فقال سموا أنتم وكلوا» ~~ذكره البخاري. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: أنأكل ما قتلنا ولا نأكل مما ~~قتل الله؟ فأنزل الله: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: ~~121] » إلى آخر الآية، هكذا ذكره أبو داود، وأن الذي سأل هذا السؤال هم ~~اليهود، والمشهور في هذه القصة أن المشركين هم الذين أوردوا هذا السؤال، ~~وهو الصحيح، ويدل عليه كون السورة مكية، وكون اليهود يحرمون الميتة كما ~~يحرمها المسلمون، فكيف يوردون هذا السؤال وهم يوافقون على هذا الحكم؟ ويدل ~~عليه أيضا قوله: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} [الأنعام: ~~121] فهذا سؤال مجادل في ذلك، واليهود لم تكن تجادل في هذا، وقد رواه ~~الترمذي بلفظ ظاهره أن بعض المسلمين سأل هذا السؤال، ولفظه «أتى ناس إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله، أنأكل مما نقتل ولا ~~نأكل مما قتل ms1465 الله؟ فأنزل الله تعالى: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} ~~[الأنعام: 118] إلى قوله: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام: 121] » ~~وهذا لا يناقض كون المشركين هم الذين أوردوا هذا السؤال؛ فسأل عنه المسلمون ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا أحسب قوله «إن اليهود سألوا عن ذلك» ~~إلا وهما من أحد الرواة، والله أعلم. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: يا رسول الله إني إذا أصبت ~~اللحم انتشرت للنساء، وأخذتني شهوتي، فحرمت علي اللحم، فأنزل الله تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله ~~لا يحب المعتدين} [المائدة: 87] {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} ~~[المائدة: 88] » ذكره الترمذي. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ثعلبة الخشني - رضي الله عنه - فقال: ~~إن أرضنا أرض أهل كتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر، فكيف نصنع ~~بآنيتهم وقدورهم؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: # PageV04P289 # إن لم تجدوا غيرها فارحضوها واطبخوا فيها واشربوا قال: قلت: يا رسول الله ~~ما يحل لنا وما يحرم علينا؟ قال: لا تأكلوا لحم الحمر الإنسية، ولا يحل أكل ~~كل ذي ناب من السباع» ذكره أحمد، وقد ثبت عنه في صحيح مسلم من حديث أبي ~~هريرة أنه قال: «أكل كل ذي ناب من السباع حرام» وهذان اللفظان يبطلان [قول] ~~من تأول نهيه عن أكل كل ذي ناب من السباع بأنه نهي كراهة؛ فإنه تأمل فاسد ~~قطعا، وبالله التوفيق. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؟ ~~فقال: لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك» ذكره أبو داود، وقال: هذا ذكاة المتردي، ~~وقال يزيد بن هارون: هذا للضرورة، وقيل: هو في غير المقدور عليه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الجنين يكون في بطن الناقة أو البقرة أو ~~الشاة أنلقيه أم نأكله؟ فقال: كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه» ذكره أحمد ~~وهذا يبطل تأويل من تأول الحديث أنه يذكى كما تذكى أمه ثم يؤكل؛ فإنه أمرهم ~~بأكله، وأخبر أنه ذكاة أمه ذكاة ms1466 له، وهذا؛ لأنه جزء من أجزائها، فلم يحتج ~~إلى أن يفرد بذبح كسائر أجزائها. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رافع بن خديج فقال: إنا لاقو العدو غدا، ~~وليست معنا مدى، أفتذكى بالليطة؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ~~أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، إلا ما كان من سن أو ظفر، فإن السن عظم، ~~والظفر مدى الحبشة» متفق عليه، والليطة: الفلقة من القصب. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عدي بن حاتم - رضي الله عنه -، فقال: إن ~~أحدنا ليصيب الصيد وليس معه سكين، أيذبح بالمروة وشقة العصا؟ فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أمرر الدم واذكر اسم الله» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن شاة حل بها الموت، فأخذت جارية حجرا ~~فذبحتها به، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأكلها» ذكره البخاري. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن شاة نيب فيها الذئب، فذبحوها بمروة، ~~فرخص لهم في أكلها» ذكره النسائي. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أكل الحوت الذي جزر البحر عنه، فقال: ~~كلوا رزقا أخرجه الله لكم، وأطعمونا إن كان معكم» متفق عليه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ثعلبة الخشني، فقال: إنا بأرض صيد، ~~أصيد بقوسي وبكلبي المعلم وبكلبي الذي ليس بمعلم، فما يصلح لي؟ فقال ما صدت ~~بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه ~~فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم # PageV04P290 # فأدركت ذكاته فكل» متفق عليه، وهو صريح في اشتراط التسمية لحل الصيد، ~~ودلالته على ذلك أصرح من دلالته على تحريم صيد غير المعلم. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عدي بن حاتم، فقال: إني أرسل كلابي ~~المعلمة فيمسكن علي واذكر اسم الله، فقال: إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت ~~اسم الله فكل ما أمسك عليك قلت: وإن قتلن؟ قال وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ~~ليس منها قلت: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، فقال: إذا رميت بالمعراض ~~فخزق فكله، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله» متفق عليه. وفي بعض ms1467 ألفاظ هذا ~~الحديث: «إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما ~~أمسك على نفسه، وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل؛ فإنك إنما سميت على ~~كلبك ولم تسم على غيره» . وفي بعض ألفاظه: «إذا أرسلت كلبك المكلب فاذكر ~~اسم الله فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل، ولم يأكل ~~منه فكله؛ فإن أخذ الكلب ذكاته» وفي بعض ألفاظه: «إذا رميت بسهمك فاذكر اسم ~~الله» وفيه «فإن غاب عنك اليومين أو الثلاثة، ولم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل ~~إن شئت، فإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل؛ فإنك لا تدري الماء قتله أو ~~سهمك» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ثعلبة الخشني فقال: يا رسول الله إن ~~لي كلابا مكلبة فأفتني في صيدها، فقال: إن كانت لك كلاب مكلبة فكل مما ~~أمسكت عليك فقال: يا رسول الله ذكي أو غير ذكي؟ قال: ذكي وغير ذكي قال: وإن ~~أكل منه؟ قال: وإن أكل منه قال: يا رسول الله أفتني في قوسي، قال: كل ما ~~أمسكت عليك قوسك قال: ذكي وغير ذكي؟ قال: ذكي وغير ذكي قال: وإن تغيب عني؟ ~~قال: وإن تغيب عنك ما لم يصل يعني يتغير أو تجد فيه أثرا غير أثر سهمك» ~~ذكره أبو داود. # ولا يناقض هذا قوله لعدي بن حاتم «وإن أكل منه فلا تأكل» فإن حديث عدي ~~فيما أكل منه حال صيده؛ إذ يكون ممسكا على نفسه، وحديث أبي ثعلبة فيما أكل ~~منه بعد ذلك، فإنه يكون قد أمسك على صاحبه ثم أكل منه بعد ذلك، وهذا لا ~~يحرم كما لو أكل مما ذكاه صاحبه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الذي يدرك صيده بعد ثلاث، فقال: كله ما ~~لم ينتن» ذكره مسلم. # PageV04P291 # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أهل بيت كانوا في الحرة محتاجين ماتت ~~عندهم ناقة لهم أو لغيرهم، فرخص لهم في أكلها فعصمتهم بقية شتائهم» ذكره ~~أحمد. وعند أبي داود «أن رجلا نزل بالحرة ومعه ms1468 أهله وولده، فقال له رجل: إن ~~لي ناقة قد ضلت؛ فإن وجدتها فأمسكها فوجدها فلم يجد صاحبها، فمرضت، فقالت ~~امرأته: انحرها، فأبى، فنفقت، فقالت: اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها نأكله، ~~فقال: حتى أسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأتاه فسأله، فقال له: ~~هل عندك ما يغنيك؟ قال: لا، قال فكلوه قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر، ~~فقال: هلا كنت نحرتها، قال: استحييت منك، وفيه دليل على جواز إمساك الميتة ~~للمضطر» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: من الطعام طعام نتحرج منه، ~~فقال: لا يختلجن في نفسك شيء ضارعت فيه النصرانية» ذكره أحمد، ومعناه - ~~والله أعلم - النهي عما شابه طعام النصارى، يقول: لا تشكن فيه، بل دعه، ~~فأجابه بجواب عام، وخص النصارى دون اليهود؛ لأن النصارى لا يحرمون شيئا من ~~الأطعمة، [بل] يبيحون ما دب ودرج من الفيل إلى البعوض. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عقبة بن عامر فقال: إنك تبعثنا فننزل بقوم ~~لا يقروننا، فما ترى؟ فقال إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف ~~فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم» ذكره البخاري، ~~وعند الترمذي، «إنا نمر بقوم فلا يضيفوننا، ولا يؤدون ما لنا عليهم من ~~الحق، ولا نحن نأخذ منهم، فقال: إن أبوا إلا أن تأخذوا قرى فخذوه» ، وعند ~~أبي داود «ليلة الضيق حق على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا ~~عليه، إن شاء اقتضاه، وإن شاء تركه» ، وعنده أيضا «من نزل بقوم فعليهم أن ~~يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه» . # وهو دليل على وجوب الضيافة، وعلى أخذ الإنسان نظير حقه ممن هو عليه إذا ~~أبى دفعه، وقد استدل به في مسألة الظفر، ولا دليل فيه؛ لظهور سبب الحق ~~ههنا، فلا يتهم الآخذ كما تقدم في قصة هند مع أبي سفيان. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عوف بن مالك فقال: الرجل أمر به فلا ~~يقريني ولا يضيفني، ثم يمر بي أفأجزيه؟ قال: لا، بل أقره قال: ورآني - يعني ms1469 ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - رث الثياب، فقال هل لك # PageV04P292 # من مال؟ قال: قلت: من كل المال قد أعطاني الله من الإبل والغنم، قال فلير ~~عليك» ذكره الترمذي. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن جائزة الضيف، فقال يومه وليلته، ~~والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده ~~حتى يحرجه» متفق عليه. ### | [فصل فتاوى في العقيقة] # فصل: # [فتاوى في العقيقة] «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن العقيقة، وكان كره ~~الاسم، وقال من ولد له مولود فأحب أن ينسك عنه فليفعل» ذكره أحمد، وعنده ~~أيضا أنه سئل - صلى الله عليه وسلم - عن العقيقة، فقال «لا يحب الله العقوق ~~كأنه كره الاسم، قالوا: يا رسول الله إنما نسألك عن أحدنا يولد له ولد، قال ~~من يولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتين متكافئتين، وعن ~~الجارية شاة» . ### | [فصل فتاوى في الأشربة] # فصل: # [فتاوى في الأشربة] # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: لا أروى من نفس واحدة، قال: ~~فأبن القدح عن فيك، ثم تنفس قال: فإني أرى القذاة فيه قال: فأهرقها» ذكره ~~مالك. # وعند الترمذي «أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن النفخ في الشراب، فقال ~~رجل: القذاة أراها في الإناء، قال: أهرقها قال إني لا أروى من نفس واحدة، ~~قال فأبن القدح إذن عن فيك» حديث صحيح. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن البتع، فقال كل شراب أسكر فهو حرام» ~~متفق عليه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو موسى، فقال: يا رسول الله أفتنا في ~~شرابين كنا نصنعهما باليمن: البتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد، والمزر وهو ~~من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد، فقال: كل مسكر حرام» متفق عليه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - طارق بن سعيد عن الخمر، فنهاه أن يصنعها، ~~فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: إنه ليس بدواء، ولكنه داء» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل من اليمن عن شراب بأرضهم يقال له ~~المزر قال: أمسكر هو؟ قال: نعم، ms1470 فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كل ~~مسكر حرام، وإن على الله عهدا لمن شرب المسكر أن # PageV04P293 # يسقيه من طينة الخبال قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل ~~النار أو قال: عصارة أهل النار» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل من عبد قيس، فقال: يا رسول الله ما ~~ترى في شراب نصنعه في أرضنا من ثمارنا؟ فأعرض عنه، حتى سأله ثلاث مرات، حتى ~~قام يصلي، فلما قضى صلاته قال: لا تشربه، ولا تسقه أخاك المسلم، فوالذي ~~نفسي بيده - أو والذي يحلف به - لا يشربه رجل ابتغاء لذة سكر فيسقيه الله ~~الخمر يوم القيامة» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الخمر تتخذ خلا، قال: لا» ذكره مسلم. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو طلحة عن أيتام ورثوا خمرا، فقال: ~~أهرقها قال: أفلا نجعلها خلا؟ قال: لا» ذكره أحمد. # وفي لفظ: «أن يتيما كان في حجر أبي طلحة، فاشترى له خمرا، فلما حرمت ~~الخمر سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أيتخذها خلا؟ قال: لا» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - قوم، فقالوا: إنا ننتبذ نبيذا نشربه على ~~غدائنا وعشائنا، وفي رواية: على طعامنا، فقال: اشربوا واجتنبوا كل مسكر ~~فأعادوا عليه، فقال: إن الله ينهاكم عن قليل ما أسكر وكثيره» ذكره ~~الدارقطني. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن فيروز الديلمي - رضي الله ~~عنهما -، فقال: إنا أصحاب أعناب وكرم، وقد نزل تحريم الخمر، فما نصنع بها؟ ~~قال تتخذونه زبيبا قال: نصنع بالزبيب ماذا؟ قال: تنقعونه على غدائكم ~~وتشربونه على عشائكم، وتنقعونه على عشائكم وتشربونه على غدائكم قال: قلت يا ~~رسول الله: نحن ممن قد علمت، ونحن بين ظهراني من قد علمت، فمن ولينا، فقال: ~~الله ورسوله قال: حسبي يا رسول الله» . ### | [فصل فتاوى في الأيمان وفي النذور] # فصل: # [فتاوى في الأيمان وفي النذور] في طرف من فتاويه - صلى الله عليه وسلم - ~~في الأيمان والنذور. # «وسأله سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله إني حلفت باللات والعزى ms1471 وإن ~~العهد كان قريبا، فقال: قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثلاثا، ثم ~~انفث عن يسارك ثلاثا، ثم تعوذ، ولا تعد» ذكره أحمد. # ولما قال - صلى الله عليه وسلم -: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم ~~الله عليه الجنة وأوجب له النار سألوه - صلى الله عليه وسلم -: وإن كان ~~شيئا يسيرا، قال: وإن كان قضيبا من أراك» ذكره مسلم. # PageV04P294 # «وأعتم رجل عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم رجع إلى أهله فوجد ~~الصبية قد ناموا، فأتاه أهله بطعام، فحلف لا يأكل، من أجل الصبية، ثم بدا ~~له فأكل فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكر ذلك له، فقال: من حلف ~~على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأتها وليكفر عن يمينه» ذكره مسلم. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - مالك بن فضالة فقال: يا رسول الله أرأيت ~~ابن عم لي آتيه أسأله فلا يعطيني ولا يصلني، ثم يحتاج إلي فيأتيني فيسألني، ~~وقد حلفت أن لا أعطيه ولا أصله، قال: فأمرني أن آتي الذي هو خير وأكفر عن ~~يميني» . # «وخرج سويد بن حنظلة ووائل بن حجر يريدان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- مع قومهما، فأخذ وائلا عدو له، فتحرج القوم أن يحلفوا أنه أخوهم، وحلف ~~سويد أنه أخوه، فخلوا سبيله، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~ذلك، فقال: أنت أبرهم وأصدقهم، المسلم أخو المسلم» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد، ~~ويصوم ولا يفطر بنهاره، ولا يستظل، ولا يتكلم، فقال: مروه فليستظل وليتكلم ~~وليقعد وليتم صومه» ذكره البخاري. # وفيه دليل على تفريق الصفقة في النذر، وأن من نذر قربة صح النذر في ~~القربة وبطل في غير القربة، وهكذا الحكم في الوقف سواء. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عمر - رضي الله عنه -، فقال: إني نذرت في ~~الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال أوف بنذرك» متفق عليه. # وقد احتج به من يرى جواز الاعتكاف عن غير صوم، ms1472 ولا حجة فيه؛ لأن في بعض ~~ألفاظ الحديث: «أن أعتكف يوما أو ليلة» ولم يأمره بالصوم إذ الاعتكاف ~~المشروع إنما هو اعتكاف الصائم، فيحمل اللفظ المطلق على المشروع. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن امرأة نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام ~~حافية غير مختمرة، فأمرها أن تركب وتختمر وتصوم ثلاثة أيام» ذكره أحمد. # وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر قال: «نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله ~~الحرام حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فاستفتيته، فقال: لتمش ولتركب» . # وعند الإمام أحمد «أن أخت عقبة نذرت أن تحج ماشية، وأنها لا تطيق ذلك، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب ~~ولتهد بدنة» . # «ونظر وهو يخطب إلى أعرابي قائم في الشمس، فقال ما شأنك؟ قال: نذرت أن لا # PageV04P295 # أزال في الشمس حتى يفرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخطبة، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ليس هذا نذرا، إنما النذر فيما ~~ابتغي به وجه الله» ذكره أحمد. # «ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيخا يهادي بين ابنيه، فقال: ما ~~بال هذا؟ فقالوا: نذر أن يمشي، فقال: إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه وأمره ~~أن يركب» ، متفق عليه. # «ونظر إلى رجلين مقترنين يمشيان إلى البيت، فقال: ما بال القران؟ قالوا: ~~يا رسول الله نذرنا أن نمشي إلى البيت مقترنين، فقال: ليس هذا نذرا، إنما ~~النذر فيما ابتغي به وجه الله» ذكره أحمد. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة، فقالت: إن أمي توفيت وعليها نذر ~~صيام فتوفيت قبل أن تقضيه، فقال: ليصم عنها الولي» ذكره ابن ماجه [النيابة ~~في فعل الطاعة] وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من مات وعليه ~~صيام صام عنه وليه» . # فطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه، وقالت: يصام عنه النذر والفرض وأبت ~~طائفة ذلك، وقالت: لا يصام عنه نذر ولا فرض. # وفصلت طائفة فقالت: يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي، وهذا ms1473 قول ابن عباس ~~وأصحابه والإمام أحمد وأصحابه، وهو الصحيح؛ لأن فرض الصيام جار مجرى ~~الصلاة، فكما لا يصلي أحد عن أحد ولا يسلم أحد عن أحد فكذلك الصيام، وأما ~~النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدين، فيقبل قضاء الولي له كما يقضي ~~دينه، وهذا محض الفقه، وطرد هذا أنه لا يحتج عنه، ولا يزكي عنه إلا إذا كان ~~معذورا بالتأخير، كما يطعم الولي عمن أفطر في رمضان لعذر، فأما المفرط من ~~غير عذر أصلا فلا ينفعه أداء غيره عنه لفرائض الله - تعالى - التي فرط ~~فيها، وكان هو المأمور بها ابتلاء وامتحانا دون الولي، فلا تنفع توبة أحد ~~عن أحد، ولا إسلامه عنه، ولا أداء الصلاة عنه، ولا غيرها من فرائض الله - ~~تعالى - التي فرط فيها حتى مات، والله أعلم. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة، فقالت: إني نذرت أن أضرب على رأسك ~~بالدف، فقال: أوفي بنذرك قالت: إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا مكان يذبح ~~فيه أهل الجاهلية، قال: لصنم؟ قالت: لا، قال: لوثن؟ قالت: لا، قال: أوفي ~~بنذرك» ذكره أبو داود. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان فيها # PageV04P296 # وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من ~~أعيادهم؟ قالوا: لا، قال: أوف بنذرك فإنه لا وفاء بالنذر في معصية الله، ~~ولا فيما لا يملك ابن آدم» ذكره أبو داود. ### | [فصل فتاوى في الجهاد] # فصل: # [فتاوى في الجهاد] في طرف من فتاويه - صلى الله عليه وسلم - في الجهاد. # «سئل عن قتال الأمراء الظلمة، فقال: لا، ما أقاموا الصلاة وقال: خيار ~~أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم ~~الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم قالوا: أفلا ننابذهم؟ قال: ~~لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا، ما أقاموا فيكم الصلاة ثم قال - صلى الله ~~عليه وسلم - ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما ~~يأتي من معصية ms1474 الله ولا ينزعن يدا من طاعته» ذكره مسلم. # وقال: «يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر ~~فقد سلم، ولكن من رضي وتابع قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال لا، ما صلوا» ذكره ~~مسلم، وزاد أحمد «ما صلوا الخمس» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء ~~يمنعوننا حقنا ويسألوننا حقهم، قال اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا ~~وعليكم ما حملتم» ذكره الترمذي. # وقال «إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها قالوا: فما تأمرنا من أدرك ~~ذلك؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم» متفق عليه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد، قال: ~~لا أجده ثم قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، ~~وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟ فقال مثل المجاهد في سبيل الله كمثل ~~الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع ~~المجاهد في سبيل الله» ذكره مسلم. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الناس أفضل؟ فقال مؤمن يجاهد بنفسه ~~وماله في سبيل الله قال: ثم من؟ قال: رجل في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع ~~الناس من شره» متفق عليه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت ~~في سبيل الله وأنا صابر محتسب مقبل غير مدبر يكفر الله عني خطاياي؟ قال: ~~نعم ثم قال: كيف قلت؟ فرد # PageV04P297 # عليه كما قال، فقال: نعم، فكيف قلت؟ فرد عليه القول أيضا، فقال: أرأيت يا ~~رسول الله إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر يكفر الله عني ~~خطاياي؟ قال: نعم، إلا الدين، فإن جبريل سارني بذلك» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا ~~الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» ذكره النسائي. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الشهداء أفضل عند الله تعالى؟ قال: ~~الذين يلقون في الصف لا يلفتون وجوههم ms1475 حتى يقتلوا، أولئك ينطلقون في الغرف ~~العلى من الجنة، ويضحك إليهم ربك تعالى، وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا ~~فلا حساب عليه» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل ~~رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في ~~سبيل الله» متفق عليه. # وعند أبي داود «أن أعرابيا أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ~~الرجل يقاتل للذكر، ويقاتل ليحمد، ويقاتل ليغنم، ويقاتل ليرى مكانه، فمن في ~~سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: يا رسول الله، الرجل يريد ~~الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من أعراض الدنيا، فقال: لا أجر له ~~فأعظم ذلك الناس وقالوا للرجل: عد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنك ~~لم تفهمه، فقال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله، وهو يبتغي ~~عرضا من عرض الدنيا، فقال: لا أجر له فقالوا للرجل: عد لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فقال له الثالثة، فقال: لا أجر له» ذكره أبو داود. # وعند النسائي «أنه سئل - صلى الله عليه وسلم -: أرأيت رجلا غزا يلتمس ~~الأجر والذكر، ما له؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا شيء له. ~~فأعادها ثلاث مرار يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا شيء له ثم ~~قال: إن الله - تعالى - لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا له وابتغى به ~~وجهه» . # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - أم سلمة، فقالت: يا رسول الله يغزو ~~الرجال ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث، فأنزل الله تعالى: {ولا ~~تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} [النساء: 32] الآية» ، ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الشهداء، فقال: من قتل في سبيل الله فهو ~~شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد. ومن ~~مات في البطن ms1476 فهو شهيد» ذكره مسلم # PageV04P298 ### | [فصل فتاوى في الطب] # فصل: # [فتاوى في الطب] في ذكر طرف من فتاويه - صلى الله عليه وسلم - في الطب. # «سأله - صلى الله عليه وسلم - أعرابي، فقال: يا رسول الله أنتداوى؟ قال ~~نعم؛ فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله» ~~ذكره أحمد. # وفي السنن «أن الأعراب قالت: يا رسول الله ألا نتداوى؟ قال: نعم، عباد ~~الله تداووا؛ فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، أو دواء، إلا داء واحدا ~~قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال: الهرم» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - فقيل له: أرأيت رقى تسترقيها ودواء نتداوى ~~به وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله» ذكره ~~الترمذي. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: هل يغني الدواء شيئا؟ فقال سبحان الله، ~~وهل أنزل الله - تبارك وتعالى - من داء في الأرض إلا جعل له شفاء» ذكره ~~أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير ~~حساب من أمته، فقال: هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ~~ربهم يتوكلون» متفق عليه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - آل عمرو بن حزم، فقالوا: إنه كانت عندنا ~~رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى، قال اعرضوا علي رقاكم قال: ~~فعرضوا عليه، فقال: ما أرى بأسا، من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل» ذكره ~~مسلم. # «واستفتاه عثمان بن أبي العاص - رضي الله عنه -، وشكا إليه وجعا يجده في ~~جسده منذ أسلم، فقال: ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل: باسم الله، ثلاثا، ~~وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» ذكره مسلم. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم ~~الأمثل فالأمثل، الرجل يبتلى على حسب دينه، فإن كان رقيق الدين ابتلي على ~~حسب ذلك، وإن كان صلب الدين ابتلي على حسب ذلك، فما يزال البلاء بالرجل حتى ~~يمشي على وجه ms1477 الأرض وما عليه خطيئة» ذكره أحمد، وصححه الترمذي. # وذكر ابن ماجه «أنه سئل: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء قلت: يا رسول ~~الله ثم # PageV04P299 # من؟ قال ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة ~~تحويه، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالعافية» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل: أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ما ~~لنا بها؟ قال: كفارات قال أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -: وإن قلت؛ قال ~~وإن شوكة فما فوقها فدعا أبو سعيد على نفسه أن لا يفارقه الوعك حتى يموت، ~~وأن لا يشغله عن حج ولا عن عمرة ولا جهاد في سبيل الله ولا صلاة مكتوبة في ~~جماعة، فما مسه إنسان إلا وجد حرة حتى مات» ذكره أحمد. # وقال أسامة - رضي الله عنه -: «شهدت الأعراب يسألون النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أعلينا حرج في كذا؟ أعلينا حرج في كذا؟ فقال: عباد الله، وضع ~~الله الحرج إلا من اقترض من عرض أخيه شيئا؛ فذلك هو الحرج فقالوا: يا رسول ~~الله هل علينا من جناح أن نتداوى؟ قال: تداووا عباد الله؛ فإن الله لم يضع ~~داء إلا وضع معه شفاء إلا الهرم قالوا: يا رسول الله ما خير ما أعطي العبد؟ ~~قال: حسن الخلق» ذكره ابن ماجه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الرقى، فقال اعرضوا علي من رقاكم ثم ~~قال: لا بأس بما ليس فيه شرك» ذكره مسلم. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - طبيب عن ضفدع يجعلها في دواء، فنهى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - عن قتلها» ذكره أهل السنن. # «وشكا إليه - صلى الله عليه وسلم - الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف ~~القمل، فأفتاهم بلبس قميص الحرير» ، ذكره البخاري في صحيحه. # «وأفتى - صلى الله عليه وسلم - أن من تطبب، ولم يعرف منه طب فهو ضامن، ~~وهو يدل بمفهومه على أنه إذا كان طبيبا وأخطأ في تطبيبه فلا ضمان عليه» . # «وشكا إليه - صلى الله عليه وسلم - المشاة في طريق الحج تعبهم وضعفهم ms1478 عن ~~المشي، فقال لهم: استعينوا بالنسل فإنه يقطع عنكم الأرض وتخفون له قالوا: ~~ففعلنا فخففنا له، والنسل: العدو مع تقارب الخطا» ، ذكر ابن مسعود الدمشقي ~~[أن] هذا الحديث في مسلم، وليس فيه، وإنما هو زيادة في حديث جابر الطويل ~~الذي رواه مسلم في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإسناده حسن. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - أسماء بنت عميس - رضي الله عنها -، ~~فقالت: يا رسول الله، إن ولد جعفر # PageV04P300 # تسرع إليهم العين، أفأسترقي لهم؟ قال: نعم فإنه لو كان شيء سابق القدر ~~لسبقته العين» ذكره أحمد. # وعند مالك عن حميد بن قيس المكي قال: «دخل على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بابني جعفر بن أبي طالب، فقال لحاضنتهما: ما لي أراهما ضارعين ~~فقالت: إنه لتسرع إليهما العين، ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنا لا ندري ~~ما يوافقك من ذلك، فقال: استرقوا لهما، فإنه لو سبق شيء القدر لسبقته ~~العين» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن النشرة، فقال: هي من عمل الشيطان» ذكره ~~أحمد وأبو داود، والنشرة: حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: حل سحر بسحر ~~مثله، وهو الذي من عمل الشيطان؛ فإن السحر من عمل فيتقرب إليه الناشر ~~والمنتشر بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور، والثاني: النشرة بالرقية ~~والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة، فهذا جائز، بل مستحب، وعلى النوع ~~المذموم يحمل قول الحسن " لا يحل السحر إلا ساحر ". ### | [فصل فتاوى في الطيرة وفي الفأل وفي الاستصلاح] # فصل: # [فتاوى في الطيرة وفي الفأل وفي الاستصلاح] «وسئل - صلى الله عليه وسلم - ~~عن الطاعون فقال: عذابا كان يبعثه الله على من كان قبلكم، فجعله الله رحمة ~~للمؤمنين، ما من عبد يكون في بلد ويكون فيه فيمكث لا يخرج صابرا محتسبا ~~يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد» ذكره ~~البخاري. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - فروة بن مسيك - رضي الله عنه -، فقال: يا ~~رسول الله إنا بأرض يقال لها أبين، وهي ريفنا وميرتنا، وهي ms1479 وبئة، أو قال: ~~وباها شديد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعها عنك، فإن من القرف ~~التلف» . # وفيه دليل على نوع شريف من أنواع الطب؛ وهو استصلاح التربة والهواء كما ~~ينبغي استصلاح الماء، والغذاء، فإن بصلاح هذه الأربعة يكون صلاح البدن ~~واعتداله. # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا طيرة، وخيرها الفأل قيل: يا رسول الله ~~وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم» متفق عليه. # وفي لفظ لهما «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل قالوا: وما الفأل؟ قال: ~~كلمة طيبة» . # PageV04P301 # ولما قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة قال له رجل: أرأيت البعير يكون به ~~الجرب فتجرب الإبل، قال: ذاك القدر، فمن أجرب الأول؟» ، ذكره أحمد. # ولا حجة في هذا لمن أنكر الأسباب، بل فيه إثبات القدر، ورد الأسباب كلها ~~إلى الفاعل الأول؛ إذ لو كان كل سبب مستندا إلى سبب قبله لا إلى غاية لزم ~~التسلسل في الأسباب، وهو ممتنع؛ فقطع النبي - صلى الله عليه وسلم - التسلسل ~~بقوله: " فمن أعدى الأول " إذ لو كان الأول قد جرب بالعدوى والذي قبله كذلك ~~لا إلى غاية لزم التسلسل الممتنع. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة، فقالت: يا رسول الله، دار سكناها ~~والعدد كثير والمال وافر، فقل العدد وذهب المال، فقال: دعوها ذميمة» ذكره ~~مالك مرسلا. # وهذا موافق لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إن كان الشؤم في شيء فهو في ~~ثلاثة: في الفرس، وفي الدار، والمرأة» وهو إثبات لنوع خفي من الأسباب، ولا ~~يطلع عليه أكثر الناس، ولا يعلم إلا بعد وقوع مسببه؛ فإن من الأسباب ما ~~يعلم سببيته قبل وقوع مسببه وهي الأسباب الظاهرة، ومنها ما لا يعلم سببيته ~~إلا بعد وقوع مسببه وهي الأسباب الخفية، ومنه قول الناس " فلان مشئوم ~~الطلعة، ومدور الكعب " ونحوه؛ فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أشار إلى هذا ~~النوع، ولم يبطله، وقوله: «إن كان الشؤم في شيء فهو في ثلاثة» تحقيق لحصول ~~الشؤم فيها، وليس نفيا لحصوله من غيرها، كقوله: «إن كان في شيء تتداوون به ms1480 ~~شفاء ففي شرطه محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار، ولا أحب الكي» ذكره ~~البخاري. # وقال: «من ردته الطيرة من حاجته فقد أشرك قالوا: يا رسول الله وما كفارة ~~ذلك؟ قال: أن يقول: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك» ذكره أحمد. ### | [فصل فصول من فتاويه صلى الله عليه وسلم في أبواب متفرقة] ### | [التوبة] # ذكر فصول من فتاويه - صلى الله عليه وسلم - في أبواب متفرقة: # [التوبة] # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: إني أصبت ذنبا عظيما، فهل لي ~~من توبة؟ فقال: هل لك من أم؟ قال: لا، قال فهل لك من خالة؟ قال: نعم، قال: ~~فبرها» ذكره الترمذي وصححه. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: «كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد ~~ولحق بالمشركين، ثم ندم فأرسل إلى قومه: سلوا لي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - هل لي من توبة؟ فجاء قومه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: ~~هل له من توبة؟ فنزلت: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} [آل عمران: ~~86] # PageV04P302 # إلى قوله: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} [آل ~~عمران: 89] فأرسل إليه فأسلم» ذكره النسائي. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل أوجب فقال: أعتقوا عنه» ذكره أحمد ~~وقوله: " أوجب " أي فعل ما يستوجب النار. ### | [حق الطريق] # [حق الطريق] «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى {وتأتون في ~~ناديكم المنكر} [العنكبوت: 29] قال: كانوا يخذفون أهل الطريق، ويسخرون ~~منهم، وذلك المنكر الذي كانوا يأتونه» ذكره أحمد. ### | [الكذب] # {الكذب] «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أن يكون المؤمن جبانا؟ قال: نعم ~~قالوا: أيكون كذابا؟ قال: لا» ذكره مالك. # «وسألته امرأة، فقالت: إن لي ضرة، فهل علي جناح إن تشبعت من زوجي غير ~~الذي يعطيني؟ فقال: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» متفق عليه. # وفي لفظ: «أقول إن زوجي أعطاني ما لم يعطني» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: هل أكذب على امرأتي؟ قال: لا ~~خير في الكذب فقال: ms1481 يا رسول الله أعدها، وأقول لها، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: لا جناح» ذكره مالك. ### | [الشرك وما يلحق به] # «وقال - صلى الله عليه وسلم -: اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل ~~فقيل له: كيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله فقال: قولوا: ~~اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم» ذكره ~~أحمد. # «وقال - صلى الله عليه وسلم -: إن أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر ~~قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله تعالى يوم ~~القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، ~~فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الأخسرين أعمالا يوم القيامة، فقال: هم ~~الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا إلى من بين يديه ومن خلفه وعن ~~يمينه وعن شماله، وقليل ما هم. ولما نزلت: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم} [الأنعام: 82] شق ذلك # PageV04P303 # عليهم، وقالوا: يا رسول الله، وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: ~~{يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] » . # «وخرج عليهم وهم يتذاكرون المسيح الدجال، فقال: ألا أخبركم بما هو أخوف ~~عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى، قال: الشرك الخفي قالوا: وما ~~الشرك؟ قال: أن يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل آخر» ذكره ~~ابن ماجه. ### | [طاعة الأمراء] # [طاعة الأمراء] «وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن طاعة الأمير ~~الذي أمر أصحابه فجمعوا حطبا فأضرموه نارا، وأمرهم بالدخول فيها، فقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف» ~~وفي لفظ «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» وفي لفظ «من أمركم منهم بمعصية ~~الله فلا تطيعوه» . # فهذه فتوى عامة لكل من أمره أمير بمعصية الله كائنا من كان، ولا تخصيص ~~فيها ألبتة. ms1482 # [من سد الذرائع] ولما قال - صلى الله عليه وسلم - «إن من أكبر ### | الكبائر # شتم الرجل والديه سألوه: كيف يشتم الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل وأمه ~~فيسب أباه وأمه» متفق عليه. # وللإمام أحمد «إن أكبر الكبائر عقوق الوالدين قيل: وما عقوق الوالدين؟ ~~قال - صلى الله عليه وسلم - يسب أبا الرجل وأمه فيسب أباه وأمه» . # وهو صريح في اعتبار الذرائع، وطلب الشرع لسدها، وقد تقدمت شواهد هذه ~~القاعدة بما فيه كفاية. ### | [حسن الجوار] # [الجوار] «وقال - صلى الله عليه وسلم -: ما تقولون في الزنا قالوا: حرام، ~~فقال: لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره، ما ~~تقولون في السرقة؟ قالوا: حرام، قال: لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر من ~~أن يسرق من بيت جاره» ذكره أحمد. ### | [الغيبة] # [الغيبة] وقال - صلى الله عليه وسلم -: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ~~ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما # PageV04P304 # يكره قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد ~~اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» ذكره مسلم. # وللإمام أحمد ومالك «أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما ~~الغيبة؟ فقال: أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع فقال: يا رسول الله وإن ~~كان حقا؟ فقال رسول الله: إذا قلت باطلا فذلك البهتان» . ### | [الكبائر] # [الكبائر] «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الكبائر، فقال: الإشراك ~~بالله، وعقوق الوالدين، وقول الزور، وقتل النفس التي حرم الله، والفرار يوم ~~الزحف، ويمين الغموس، وقتل الإنسان ولده خشية أن يطعم منه، والزنا بحليلة ~~جاره، والسحر، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات» وهذا مجموع من أحاديث. # فصل: # [تعداد الكبائر] # ومن الكبائر: ترك الصلاة، ومنع الزكاة، وترك الحج مع الاستطاعة، والإفطار ~~في رمضان بغير عذر، وشرب الخمر، والسرقة، والزنا، واللواط، والحكم بخلاف ~~الحق، وأخذ الرشا على الأحكام، والكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~والقول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وجحود ما وصف ~~به نفسه ms1483 ووصفه به رسوله، واعتقاد أن كلامه وكلام رسوله لا يستفاد منه يقين ~~أصلا، وأن ظاهر كلامه وكلام رسوله باطل وخطأ بل كفر وتشبيه وضلال، وترك ما ~~جاء به لمجرد قول غيره، وتقديم الخيال المسمى بالعقل والسياسة الظالمة ~~والعقائد الباطلة والآراء الفاسدة والإدراكات والكشوفات الشيطانية على ما ~~جاء به - صلى الله عليه وسلم -، ووضع المكوس، وظلم الرعايا، والاستئثار ~~بالفيء، والكبر، والفخر، والعجب، والخيلاء، والرياء والسمعة، وتقديم خوف ~~الخلق على خوف الخالق، ومحبته على محبة الخالق، ورجائه على رجائه، وإرادة ~~العلو في الأرض والفساد وإن لم ينل ذلك، ومسبة الصحابة - رضوان الله عليهم ~~-، وقطع الطريق، وإقرار الرجل الفاحشة في أهله وهو يعلم، والمشي بالنميمة، ~~وترك التنزه من البول، وتخنث الرجل وترجل المرأة، ووصل شعر المرأة وطلبها ~~ذلك، وطلب الوصل كبيرة، وفعله كبيرة، والوشم والاستيشام، والوشر ~~والاستيشار، # PageV04P305 # والنمص والتنميص، والطعن في النسب، وبراءة الرجل من أبيه، وبراءة الأب من ~~ابنه، وإدخال المرأة على زوجها ولدا من غيره، والنياحة، ولطم الخدود، وشق ~~الثياب، وحلق المرأة شعرها عند المصيبة بالموت وغيره، وتغيير منار الأرض ~~وهو أعلامها، وقطيعة الرحم، والجور في الوصية، وحرمان الوارث حقه من ~~الميراث، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، والتحليل، واستحلال المطلقة به، ~~والتحيل على إسقاط ما أوجب الله. # وتحليل ما حرم الله وهو استباحة محارمه وإسقاط فرائضه بالحيل، وبيع الحر ~~[ائر] ، وإباق المملوك من سيده، ونشوز المرأة على زوجها، وكتمان العلم عند ~~الحاجة إلى إظهاره، وتعلم العلم للدنيا والمباهاة والجاه والعلو على الناس، ~~والغدر، والفجور في الخصام، وإتيان المرأة في دبرها وفي محيضها، والمن ~~بالصدقة وغيرها من عمل الخير. # وإساءة الظن بالله، واتهامه في أحكامه الكونية والدينية، والتكذيب بقضائه ~~وقدره واستوائه على عرشه وأنه القاهر فوق عباده وأن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عرج به إليه، وأنه رفع المسيح إليه وأنه يصعد إليه الكلم الطيب ~~وأنه كتب كتابا فهو عنده على عرشه وأن رحمته تغلب غضبه وأنه ينزل كل ليلة ~~إلى سماء الدنيا حين يمضي شطر الليل فيقول: من يستغفرني فأغفر ms1484 له؟ وأنه كلم ~~موسى تكليما وأنه تجلى للجبل فجعله دكا واتخذ إبراهيم خليلا وأنه نادى آدم ~~وحواء ونادى موسى وينادي نبينا يوم القيامة وأنه خلق آدم بيديه وأنه يقبض ~~سماواته بإحدى يديه والأرض باليد الأخرى يوم القيامة. # فصل # ومنها الاستماع إلى حديث قوم لا يحبون استماعه، وتخبيث المرأة على زوجها ~~والعبد على سيده، وتصوير صور الحيوان سواء كان لها ظل أو لم يكن، وأن يري ~~عينيه في المنام ما لم ترياه، وأخذ الربا وإعطاؤه والشهادة عليه وكتابته، ~~وشرب الخمر وعصرها واعتصارها وحملها وبيعها وأكل ثمنها، ولعن من لم يستحق ~~اللعن، وإتيان الكهنة والمنجمين والعرافين والسحرة وتصديقهم والعمل ~~بأقوالهم، والسجود لغير الله، والحلف بغيره كما قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «من حلف بغير الله فقد أشرك» وقد قصر ما شاء أن يقصر من قال: إن ذلك ~~مكروه، وصاحب الشرع يجعله شركا، فرتبته فوق رتبة الكبائر، واتخاذ القبور ~~مساجد، وجعلها أوثانا وأعيادا يسجدون لها تارة ويصلون إليها تارة ويطوفون ~~بها تارة ويعتقدون أن الدعاء عندها أفضل من الدعاء في بيوت الله التي شرع ~~أن يدعى فيها ويعبد ويصلى له ويسجد. # PageV04P306 # ومنها معاداة أولياء الله، وإسبال الثياب من الإزار والسراويل والعمامة ~~وغيرها، والتبختر في المشي، واتباع الهوى وطاعة الهوى وطاعة الشح والإعجاب ~~بالنفس، وإضاعة من تلزمه مؤنته ونفقته من أقاربه وزوجته ورقيقه ومماليكه، ~~والذبح لغير الله، وهجر أخيه المسلم سنة كما في صحيح الحاكم من حديث أبي ~~خراش الهذلي السلمي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «من هجر أخاه سنة فهو ~~كقتله» ، وأما هجره فوق ثلاثة أيام فيحتمل أنه من الكبائر، ويحتمل أنه ~~دونها، والله أعلم. # ومنها الشفاعة في إسقاط حدود الله، وفي الحديث عن ابن عمر يرفعه «من حالت ~~شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره» رواه أحمد وغيره بإسناد ~~جيد. # ومنها تكلم الرجل بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا. # ومنها أن يدعو إلى بدعة أو ضلالة أو ترك سنة، بل هذا من أكبر الكبائر، ms1485 ~~وهو مضادة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ومنها ما رواه الحاكم في صحيحه من حديث المستورد بن شداد، قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - «من أكل بمسلم أكلة أطعمه الله بها أكلة من ~~نار جهنم يوم القيامة، ومن قام بمسلم مقام سمعة أقامه الله يوم القيامة ~~مقام رياء وسمعة، ومن اكتسى بمسلم ثوبا كساه الله ثوبا من نار يوم القيامة» ~~. # ومعنى الحديث أنه توصل إلى ذلك وتوسل إليه بأذى أخيه المسلم من كذب عليه ~~أو سخرية أو همزة أو لمزة أو غيبة والطعن عليه والازدراء به والشهادة عليه ~~بالزور والنيل من عرضه عند عدوه، ونحو ذلك مما يفعله كثير من الناس وأوقع ~~في وسطه، والله المستعان. # ومنها التبجح والافتخار بالمعصية بين أصحابه وأشكاله، وهو الإجهار الذي ~~لا يعافي الله صاحبه، وإن عافاه من شر نفسه. # ومنها أن يكون له وجهان ولسانان، فيأتي القوم بوجه ولسان، ويأتي غيرهم ~~بوجه ولسان آخر. # ومنها أن يكون فاحشا بذيا يتركه الناس ويحذرونه اتقاء فحشه. # ومنها مخاصمة الرجل في باطل يعلم أنه باطل، ودعواه ما ليس له وهو يعلم ~~أنه ليس له. # ومنها أن يدعي أنه من آل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس ~~منهم، أو يدعي أنه ابن فلان # PageV04P307 # وليس بابنه، وفي الصحيحين «من ادعي إلى غير أبيه فالجنة عليه حرام» ~~وفيهما أيضا «لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كافر» وفيهما أيضا ~~«ليس من رجل ادعي لغير أبيه وهو يعلمه إلا وقد كفر، ومن ادعى ما ليس له ~~فليس منا وليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلا بالكفر أو قال: عدو الله، ~~وليس كذلك إلا حار عليه» . # فمن الكبائر تكفير من لم يكفره الله ورسوله، وإذا كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قد أمر بقتال الخوارج وأخبر أنهم شر قتلى تحت أديم السماء ~~وأنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ودينهم تكفير المسلمين ~~بالذنوب، فكيف من كفرهم بالسنة ومخالفة آراء الرجال لها وتحكيمها والتحاكم ms1486 ~~إليها؟ ومنها أن يحدث حدثا في الإسلام، أو يؤوي محدثا وينصره ويعينه، وفي ~~الصحيحين «من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا» ومن أعظم الحدث تعطيل ~~كتاب الله وسنة رسوله، وإحداث ما خالفهما، ونصر من أحدث ذلك والذب عنه، ~~ومعاداة من دعا إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. # ومنها إحلال شعائر الله في الحرم والإحرام كقتل الصيد واستحلال القتال في ~~حرم الله. # ومنها لبس الحرير والذهب للرجال، واستعمال أواني الذهب والفضة للرجال. # وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الطيرة شرك» فيحتمل أن ~~يكون من الكبائر وأن يكون دونها. # ومنها الغلول من الغنيمة، ومنها غش الإمام والوالي لرعيته، ومنها أن ~~يتزوج ذات رحم محرم منه، أو يقع على بهيمة. # ومنها المكر بأخيه المسلم ومخادعته ومضارته، وقد قال - صلى الله عليه ~~وسلم - «ملعون من مكر بمسلم أو ضار به» . # ومنها الاستهانة بالمصحف وإهدار حرمته كما يفعله من لا يعتقد أن فيه كلام ~~الله من وطئه برجله ونحو ذلك. # ومنها أن يضل أعمى عن الطريق، وقد لعن - صلى الله عليه وسلم - من فعل ~~ذلك، فكيف بمن أضل عن طريق الله أو صراطه المستقيم؟ # PageV04P308 # ومنها أن يسم إنسانا أو دابة في وجهها، وقد لعن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من فعل ذلك. # ومنها أن يحمل السلاح على أخيه المسلم؛ فإن الملائكة تلعنه. # ومنها أن يقول ما لا يفعل، قال الله تعالى: {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ~~ما لا تفعلون} [الصف: 3] . # ومنها الجدال في كتاب الله ودينه بغير علم. # ومنها إساءة الملكة برقيقه في الحديث «لا يدخل الجنة سيئ الملكة» . # ومنها أن يمنع المحتاج فضل ما لا يحتاج إليه مما لم تعمل يداه. # ومنها القمار، وأما اللعب بالنرد فهو من الكبائر؛ لتشبيه لاعبه بمن صبغ ~~يده في لحم الخنزير ودمه، ولا سيما إذا أكل المال به، فحينئذ يتم التشبيه ~~به؛ فإن اللعب بمنزلة ms1487 غمس اليد، وأكل المال بمنزلة أكل لحم الخنزير. # ومنها ترك الصلاة في الجماعة، وهو من الكبائر، وقد عزم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على تحريق المتخلفين عنها، ولم يكن ليحرق مرتكب صغيرة، ~~وقد صح عن ابن مسعود أنه قال: ولقد رأيتنا وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق ~~معلوم النفاق، وهذا فوق الكبيرة. # ومنها ترك الجمعة، وفي صحيح مسلم «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ~~ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين» وفي السنن بإسناد جيد عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على ~~قلبه» . # ومنها أن يقطع ميراث وارثه من تركته، أو يدله على ذلك، ويعلمه من الحيل ~~ما يخرجه به من الميراث. # ومنها الغلو في المخلوق حتى يتعدى به منزلته، وهذا قد يرتقي من الكبيرة ~~إلى الشرك. # وقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إياكم والغلو، ~~وإنما هلك من كان قبلكم بالغلو» . # ومنها الحسد، وفي السنن أنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. # ومنها المرور بين يدي المصلي، ولو كان صغيرة لم يأمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بقتال فاعله، ولم يجعل وقوفه عن حوائجه ومصالحه أربعين عاما ~~خيرا له من مروره بين يديه كما في مسند البزار، والله أعلم. # PageV04P309 ### | [فصل عود إلى فتاوى الرسول] # فصل # [عود إلى فتاوى الرسول] مستطرد من فتاويه - صلى الله عليه وسلم -، فارجع ~~إليها. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الهجرة، فقال: إذا أقمت الصلاة وآتيت ~~الزكاة فأنت مهاجر وإن مت بالحضرمة يعني أرضا باليمامة» ، ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن حوالة أن يختار له بلادا ~~يسكنها، فقال: عليك بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من ~~عباده، فإن أبيتم فعليكم بيمنكم، واسقوا من غدركم؛ فإن الله يتوكل لي ~~بالشام وأهله» ذكره أبو داود بإسناد صحيح. # «وسأله معاوية بن حيدة جد بهز بن حكيم فقال: يا رسول الله أين تأمرني؟ ~~قال ههنا ونحا بيده نحو ms1488 الشام» ، ذكره الترمذي وصححه. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - اليهود عن الرعد: ما هو؟ فقال ملك من ~~الملائكة موكل بالسحاب، معه مخاريق من نار يسوقه به حيث يشاء الله قالوا: ~~فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: زجره السحاب حتى تنتهي حيث أمرت قالوا: ~~صدقت، ثم قالوا: فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه، قال: اشتكى عرق النسا، ~~فلم يجد شيئا يلائمه إلا لحوم الإبل وألبانها، فلذلك حرمها على نفسه قالوا: ~~صدقت» ، ذكره الترمذي وحسنه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن القردة والخنازير: أهي من نسل اليهود؟ ~~فقال: إن الله لم يلعن قوما قط فمسخهم فكان لهم نسل حتى يهلكهم، ولكن هذا ~~خلق كان، فلما كتب الله على اليهود مسخهم جعلهم مثلهم» ذكره أحمد. # «وقال: فيكم المغربون فقال عائشة: وما المغربون؟ قال: الذين يشترك فيهم ~~الجن» ذكره أبو داود، وهذا من مشاركة الشياطين للإنس في الأولاد، وسموا ~~مغربين لبعد أنسابهم وانقطاعهم عن أصولهم، ومنه قولهم " عنقاء مغرب ". # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: أين أتزر؟ فأشار إلى عظم ساقه، ~~وقال ههنا اتزر قال: فإن أبيت؟ قال: فههنا أسفل من ذلك، فإن أبيت فههنا فوق ~~الكعبين، فإن أبيت فإن الله لا يحب كل مختال فخور» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فقال: إن ~~إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده، فقال: إنك لست ممن يفعله خيلاء» ذكره البخاري ~~وقال: «من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله # PageV04P310 # إليه يوم القيامة فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال يرخين ~~شبرا فقالت: إذا تنكشف أقدامهن قال يرخين ذراعا لا يزدن عليه» . # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - امرأة، فقالت: إن ابنتي أصابتها الحصبة ~~فامزق شعرها، أفأصل فيه؟ فقال لعن الله الواصلة والمستوصلة» متفق عليه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن إتيان الكهان، فقال لا تأتهم» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الطيرة، قال ذلك شيء يجدونه في صدورهم ~~فلا يردنهم» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الخط، فقال كان نبي ms1489 من الأنبياء يخط، ~~فمن وافق خطه فذاك» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الكهان أيضا، فقال ليسوا بشيء فقال ~~السائل: إنهم يحدثوننا أحيانا بالشيء فيكون، فقال تلك الكلمة من الحق ~~يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه من الإنس فيخلطون معها مائة كذبة» متفق ~~عليه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: {لهم البشرى في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة} [يونس: 64] فقال هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح ~~أو ترى له» ذكره أحمد. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - خديجة - رضي الله عنها - عن ورقة بن ~~نوفل، فقالت: إنه كان صدقك، ومات قبل أن تظهر، فقال: رأيته في المنام وعليه ~~ثياب بيض، ولو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل رأى في المنام كأن رأسه ضرب فتدحرج ~~فاشتد في أثره. فقال لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك» ذكره مسلم. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - أم العلاء فقالت: رأيت لعثمان بن مظعون ~~عينا تجري، يعني بعد موته، فقال ذاك عمله يجري له» . # وذكر أبو داود «أن معاذا سأله فقال: بم أقضي؟ قال بكتاب الله قال: فإن لم ~~أجد؟ قال فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فإن لم أجد؟ قال ~~استدن الدنيا، وعظم في عينيك ما عند الله، واجتهد رأيك فسيسددك الله بالحق» ~~، وقوله " استدن الدنيا " أي: استصغرها واحتقرها. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - دحية الكلبي، فقال: ألا أحمل لك حمارا على ~~فرس فتنتج لك بغلا فتركبها؟ فقال إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون» ذكره ~~أحمد. # ولما نزل التشديد في أكل مال اليتيم عزلوا طعامهم عن طعام الأيتام ~~وشرابهم من # PageV04P311 # شرابهم، فذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله - ~~تعالى -: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم} ~~[البقرة: 220] فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله عنها - عن قوله تعالى: ~~{هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ms1490 متشابهات ~~فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله} [آل عمران: 7] فقال إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك ~~الذين سمى الله فاحذروهم» متفق عليه. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: {يا أخت هارون} [مريم: 28] ~~فقال كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين من قومهم» . # وفي الترمذي «أنه سئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: {وأرسلناه ~~إلى مائة ألف أو يزيدون} [الصافات: 147] كم كانت الزيادة؟ قال عشرة آلاف» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو ثعلبة عن قوله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا عليكم أنفسكم} [المائدة: 105] الآية، فقال: ائتمروا بالمعروف، ~~وانتهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، ~~وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك ودع عنك العوام؛ فإن من ورائكم أياما ~~الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين يعملون مثل ~~عملكم» ذكره أبو داود. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: متى وجبت لك النبوة؟ فقال وآدم بين الروح ~~والجسد» صححه الترمذي. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: كيف كان بدء أمرك؟ فقال: دعوة أبي ~~إبراهيم، وبشرى عيسى، ورؤيا أمي، رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور ~~الشام» ذكره أحمد. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - أبو هريرة: يا رسول الله، ما أول ما رأيت ~~من النبوة؟ قال إني لفي الصحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسي، ~~وإذا برجل يقول لرجل: أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوه لم أرها لأحد قط، وأرواح لم ~~أجدها لخلق قط، وثياب لم أرها على خلق قط، فأقبلا يمشيان حتى أخذ كل منهما ~~بعضدي لا أجد لأخذهما مسا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه، فأضجعاني بلا قصر ~~ولا هصر، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فحوى أحدهما صدري ففلقه فيما أرى ~~بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئا كهيئة العلقة ثم ~~نبذها فطرحها، ثم قال له: أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل # PageV04P312 # الذي أخرج شبه الفضة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى، فقال: اغد ms1491 سليما، فرجعت ~~بها رقة على الصغير ورحمة على الكبير» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الناس خير؟ قال القرن الذي أنا فيه، ثم ~~الثاني، ثم الثالث» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أحب النساء إليه، فقال عائشة فقيل: ومن ~~الرجال؟ فقال أبوها فقيل: ثم من؟ قال: عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -» . # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - علي والعباس: أي أهلك أحب إليك؟ قال: ~~فاطمة بنت محمد قالا: ما جئناك نسألك عن أهلك؟ قال أحب أهلي إلي من أنعم ~~الله عليه وأنعمت عليه أسامة بن زيد قالا: ثم من؟ قال علي بن أبي طالب قال ~~العباس: يا رسول الله جعلت عمك آخرهم، قال إن عليا سبقك بالهجرة» ذكره ~~الترمذي وحسنه. # وفي الترمذي أيضا أنه - صلى الله عليه وسلم - «سئل: أي أهل بيتك أحب ~~إليك؟ قال الحسن - رضي الله عنه - والحسين - رضي الله عنه -» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال الحب في ~~الله والبغض في الله» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن امرأة كثيرة الصيام والصلاة والصدقة غير ~~أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال هي في النار فقيل: إن فلانة، فذكر قلة ~~صلاتها وصيامها وصدقتها ولا تؤذي جيرانها بلسانها، فقال هي في الجنة» ذكره ~~أحمد. # «وسألته - صلى الله عليه وسلم - عائشة فقالت: إن لي جارين فإلى أيهما ~~أهدي؟ قال إلى أقربهما منك بابا» ذكره البخاري. # ونهاهم عن الجلوس بالطرقات إلا بحقها، فسئل عن حق الطريق، فقال «غض ~~البصر، وكف الأذى، ورد السلام والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر» . # «سأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إن لي مالا ووالدا، وإن أبي ~~اجتاح مالي، فقال أنت ومالك لأبيك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب ~~أولادكم» ذكره أبو داود. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل عن الهجرة والجهاد معه، فقال ألك ~~والدان؟ قال: نعم، قال فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما» ذكره مسلم. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - آخر عن ذلك، فقال ويحك، أحية أمك؟ ms1492 قال: ~~نعم، قال ويحك، الزم رجلها فثم الجنة» ذكره ابن ماجه. # PageV04P313 # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل من الأنصار: هل بقي علي من بر أبوي ~~شيء بعد موتهما؟ قال نعم، خصال أربع: الصلاة عليهما والاستغفار لهما، ~~وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما؛ ~~فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما» ذكره أحمد. # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: ما حق الوالدين على الولد؟ فقال: هما جنتك ~~ونارك» ذكره ابن ماجه. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، ~~وأحسن إليهم ويسيئوني وأعفو عنهم ويظلموني، أفأكافئهم؟ قال: لا، إذا تكونوا ~~جميعا، ولكن خذ الفضل وصلهم، فإنه لن يزال معك ظهير من الله ما كنت على ~~ذلك» ذكره أحمد. # وعند مسلم «لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولن يزال معك من الله ~~ظهير ما دمت على ذلك» . # «وسئل - صلى الله عليه وسلم -: ما حق المرأة على الزوج؟ قال يطعمها إذا ~~طعم، ويكسوها إذا لبس، ولا يضرب لها وجها، ولا يقبح، ولا يهجر إلا في ~~البيت» ذكره أبو داود. # «وسأله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: أستأذن على أمي؟ قال نعم فقال: ~~إني معها في البيت، فقال استأذن عليها فقال: إني خادمها، قال استأذن عليها، ~~أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا، قال استأذن عليها» ذكره مالك. # «وسئل عن الاستئناس في قوله تعالى: {حتى تستأنسوا} [النور: 27] قال: ~~يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح ويؤذن أهل البيت» ذكره ابن ~~ماجه. # «وعطس رجل فقال: ما أقول يا رسول الله؟ قال قل: الحمد لله فقال القوم: ما ~~نقول له يا رسول الله؟ قال قولوا له: يرحمك الله قال: ما أقول لهم يا رسول ~~الله؟ قال قل لهم: يهديكم الله ويصلح بالكم» ذكره أحمد. PageV04P314 ms1493