######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0021747 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أحكام أهل الذمة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن القيم #META# 022.BookVOLS :: 3 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0021747 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-21747 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/21747 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: يوسف بن أحمد البكري - شاكر بن توفيق العاروري #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1418 - 1997 #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: رمادى للنشر - الدمام #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | ذكر الجزية # ] [باب الجزية] ### | [فصل ممن تؤخذ الجزية وحكمتها وسببها] # [سبب تأليف الكتاب ### | باب الجزية] # سئل الشيخ الإمام العالم العلامة شمس الدين زاده الله من فضله عن كيفية ~~الجزية الموضوعة على أهل الذمة بالبلاد الإسلامية، وسبب وضعها وعن مقدار ما ~~يؤخذ من الأغنياء ومن المتوسطين ومن الفقراء، وعن حد الغني والمتوسط ~~والفقير فيها وهل يثاب أولياء أمور المسلمين - أمدهم الله تعالى - على ~~إلزامهم بها على حسب حالهم أم لا؟ وهل يؤخذ من الغني والفقير والمتوسط؟ # وأجاب: أما سبب وضع الجزية فهو قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق ~~من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] . ### | [ممن تؤخذ الجزية] # فأجمع الفقهاء على أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب ومن # PageV01P079 # المجوس. # PageV01P080 # وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد توقف في أخذ الجزية من المجوس حتى ~~شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذها من مجوس ~~هجر ذكره البخاري. # وذكر الشافعي أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في ~~أمرهم، فقال له عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت # PageV01P081 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» " ~~وهذا صريح في أنهم ليسوا من أهل الكتاب، ويدل عليه قوله تعالى: {أن تقولوا ~~إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين} ~~[الأنعام: 156] ، فالله سبحانه حكى هذا عنهم، ولم ينكره عليهم ولم يكذبهم ~~فيه. # وأما حديث علي أنه قال: " أنا أعلم الناس بالمجوس كان لهم علم يعلمونه ~~وكتاب يدرسونه، وإن ملكهم سكر فوقع على ابنته أو أخته فاطلع عليه بعض أهل ~~مملكته، فلما صحا جاءوا يقيمون عليه الحد فامتنع منهم ودعا أهل مملكته ~~وقال: تعلمون دينا خيرا من دين آدم وقد أنكح بنيه بناته، فأنا على دين آدم، ~~قال: فتابعه قوم وقاتلوا الذين يخالفونه حتى قتلهم، فأصبحوا وقد أسري ~~بكتابهم ورفع ms001 العلم الذي في صدورهم فهم أهل كتاب، وقد أخذ رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأبو بكر - وأراه قال: وعمر - منهم الجزية ". # فهذا حديث رواه الشافعي في " مسنده " وسعيد بن منصور # PageV01P083 # وغيرهما ولكن جماعة من الحفاظ ضعفوا الحديث. # قال أبو عبيد: لا أحسب ما رووه عن علي في هذا محفوظا. # وقد روى البخاري في " صحيحه " عن المغيرة بن شعبة أنه قال لعامل كسرى: " ~~أمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية ". # وفي " مسند الإمام أحمد " والترمذي عن ابن عباس قال: «مرض أبو طالب ~~فجاءته قريش وجاءه النبي - صلى الله عليه وسلم - وشكوه إلى أبي طالب فقال: ~~يابن أخي ما تريد من قومك؟ قال: " أريد منهم كلمة تدين # PageV01P084 # لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية» ". # قال كلمة واحدة؟ قال: " كلمة واحدة لا إله إلا الله ". # قالوا: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} [ص: 5] {ما سمعنا بهذا ~~في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق} [ص: 7] ، قال: فنزل فيهم: {ص والقرآن ~~ذي الذكر} [ص: 1] ، إلى قوله: {اختلاق} [ص: 7] . # وفي " الصحيحين " من حديث عمرو بن عوف الأنصاري: " «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين، وأمر عليهم العلاء ~~بن الحضرمي» ". # PageV01P085 # وذكر أبو عبيد في كتاب " الأموال " عن الزهري قال: «قبل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوسا» . # وفي " سنن أبي داود " من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة فأخذوه فأتوا به فحقن ~~له دمه، وصالحه على الجزية» . # وقال الزهري: أول ما أخذت الجزية من أهل نجران وكانوا نصارى. # وفي " صحيح البخاري " عن [ابن] أبي نجيح قال: قلت لمجاهد: ما شأن أهل ~~الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من قبل ~~اليسار. # PageV01P086 # فاختلف الفقهاء فيمن تؤخذ منهم الجزية، بعد اتفاقهم على أخذها من أهل ~~الكتاب ومن المجوس. # فقال أبو حنيفة: ms002 تؤخذ من أهل الكتاب والمجوس وعبدة الأوثان من العجم، ولا ~~تؤخذ من عبدة الأوثان من العرب ونص على ذلك أحمد في رواية عنه. # واحتج أرباب هذا القول على ذلك بحجج منها قوله في الحديث المتقدم: " ~~«وتؤدي إليكم بها العجم الجزية» "، واحتجوا بحديث بريدة الذي رواه مسلم في ~~" صحيحه " قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر أميرا على ~~جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: ~~" اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ~~ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين ~~فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم، ~~وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ~~ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا فلهم ~~ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم ~~أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ~~ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم ~~أبوا فسلهم # PageV01P087 # الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله ~~وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا ~~تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك، وذمة أصحابك فإنكم إن ~~تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله، وذمة رسوله، وإذا ~~حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ~~ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟» ". # وفي هذا الحديث أنواع من الفقه. # منها: وصية الإمام لنوابه، وأمرائه، وولاته بتقوى الله، والإحسان إلى ~~الرعية فبهذين الأصلين يحفظ على الأمير منصبه، وتقر عينه به ويأمن فيه من ~~النكبات والغير، ومتى ترك هذين الأمرين أو أحدهما فلا بد ms003 أن يسلبه الله ~~عزه، ويجعله عبرة للناس فما إن سلبت النعم إلا بترك تقوى الله والإساءة إلى ~~الناس. # ومنها: أن الجيش ليس لهم أن يغلوا من الغنيمة، ولا يغدروا بالعهد، ولا ~~يمثلوا بالكفار، ولا يقتلوا من لم يبلغ الحلم. # ومنها: أن المسلمين يدعون الكفار - قبل قتالهم - إلى الإسلام، وهذا واجب ~~إن كانت الدعوة لم تبلغهم، ومستحب إن بلغتهم الدعوة، هذا إذا كان المسلمون ~~هم القاصدين للكفار، فأما إذا قصدهم الكفار في ديارهم فلهم أن يقاتلوهم من ~~غير دعوة لأنهم يدفعونهم عن أنفسهم وحريمهم. # ومنها: إلزامهم بالتحول إلى دار الإسلام إذا كانوا مقيمين بين الكفار، ~~فإن أسلموا كلهم وصارت الدار دار الإسلام لم يلزموا بالتحول منها بل # PageV01P088 # يقيمون في ديارهم، وكانت دار الهجرة في زمن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - هي دار الإسلام، فلما أسلم أهل الأمصار صارت البلاد التي أسلم أهلها ~~بلاد الإسلام فلا يلزمهم الانتقال منها. # ومنها: أن الأعراب ليس لهم شيء في الفيء ولا في الغنائم ما لم يقاتلوا، ~~فإذا قاتلوا استحقوا من الغنيمة ما يستحقه من شهد الوقعة وأما الأعراب ~~الذين لا يقاتلون الكفار مع المسلمين فليس لهم شيء في الفيء ولا في ~~الغنيمة. # ومنها: أن الجزية تؤخذ من كل كافر هذا ظاهر هذا الحديث ولم يستثن منه ~~كافرا من كافر. # ولا يقال: هذا مخصوص بأهل الكتاب خاصة، فإن اللفظ يأبى اختصاصهم بأهل ~~الكتاب، وأيضا فسرايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجيوشه أكثر ما ~~كانت تقاتل عبدة الأوثان من العرب. # ولا يقال: إن القرآن يدل على اختصاصها بأهل الكتاب، فإن الله سبحانه أمر ~~بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ~~بقتال المشركين حتى يعطوا الجزية، فيؤخذ من أهل الكتاب بالقرآن ومن عموم ~~الكفار بالسنة، وقد أخذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المجوس وهم ~~عباد النار لا فرق بينهم وبين عبدة الأوثان، ولا يصح أنهم من أهل الكتاب ~~ولا كان لهم كتاب، ولو كانوا أهل كتاب عند الصحابة رضي ms004 الله عنهم لم يتوقف ~~عمر رضي الله عنه في أمرهم ولم # PageV01P089 # يقل النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» " بل هذا ~~يدل على أنهم ليسوا أهل كتاب، وقد ذكر الله سبحانه أهل الكتاب في القرآن في ~~غير موضع، وذكر الأنبياء الذين أنزل عليهم الكتب والشرائع العظام ولم يذكر ~~للمجوس - مع أنها أمة عظيمة من أعظم الأمم شوكة وعددا وبأسا - كتابا ولا ~~نبيا، ولا أشار إلى ذلك بل القرآن يدل على خلافه كما تقدم، فإذا أخذت من ~~عباد النيران فأي فرق بينهم وبين عباد الأوثان؟ # فإن قيل: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأخذها من أحد من عباد ~~الأوثان مع كثرة قتاله لهم. # قيل: أجل وذلك لأن آية الجزية إنما نزلت عام " تبوك " في السنة التاسعة ~~من الهجرة بعد أن أسلمت جزيرة العرب ولم يبق بها أحد من عباد الأوثان، فلما ~~نزلت آية الجزية أخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - ممن بقي على كفره من ~~النصارى والمجوس ولهذا لم يأخذها من يهود المدينة حين قدم المدينة ولا من ~~يهود خيبر لأنه صالحهم قبل نزول آية الجزية. # PageV01P090 ### | [ادعاء يهود خيبر إسقاط الجزية عنهم ورد ذلك] # وهذه الشبهة هي التي أوقعت عند اليهود أن أهل خيبر لا جزية عليهم، وأنهم ~~مخصوصون بذلك من جملة اليهود، ثم أكدوا أمرها بأن زوروا كتابا فيه أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أسقط عنهم الكلف والسخر والجزية ووضعوا فيه ~~شهادة سعد بن معاذ ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهما، وهذا الكتاب كذب مختلق ~~بإجماع أهل العلم من عشرة أوجه: # منها: أن أحدا من علماء النقل والسير والمغازي لم يذكر أن ذلك وقع ألبتة ~~مع عنايتهم بضبط ما هو دون ذلك بكثير. # الثاني: أن الجزية إنما نزلت بعد فتح خيبر فحين صالح أهل خيبر لم تكن ~~الجزية نزلت حتى يضعها عنهم. # الثالث: أن معاوية بن أبي سفيان لم يكن أسلم بعد فإنه إنما أسلم عام ~~الفتح بعد خيبر. # الرابع: أن سعد بن معاذ توفي عام ms005 الخندق قبل فتح خيبر. # الخامس: أنه لم يكن في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أهل ~~خيبر كلف ولا سخر حتى توضع عنهم. # السادس: أنه لم يكن لأهل خيبر من الحرمة ورعاية حقوق المسلمين ما يقتضي ~~وضع الجزية عنهم، وقد كانوا من أشد الكفار عداوة لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه فأي خير حصل بهم للمسلمين حتى توضع عنهم الجزية دون ~~سائر الكفار؟ # PageV01P091 # السابع: أن الكتاب الذي أظهروه ادعوا أنه بخط علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، وهذا كذب قطعا وعداوة علي رضي الله عنه لليهود معروفة، وهو الذي قتل " ~~مرحبا " اليهودي وأثخن في اليهود يوم خيبر حتى كان الفتح على يديه. # PageV01P092 # الثامن: أن هذا لا يعرف إلا من رواية اليهود وهم القوم البهت، أكذب الخلق ~~على الله وأنبيائه ورسله، فكيف يصدقون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فيما يخالف كتاب الله تعالى؟ ! # التاسع: أن هذا الكتاب لو كان صحيحا لأظهروه في أيام الخلفاء الراشدين ~~وفي أيام عمر بن عبد العزيز، وفي أيام المنصور والرشيد، وكان أئمة الإسلام ~~يستثنونهم ممن توضع عنهم الجزية أو لذكر ذلك فقيه واحد من فقهاء المسلمين، ~~ولا يجوز على الأمة أن تجمع على مخالفة سنة نبيها، وكيف يكون بأيدي أعداء ~~الله كتاب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يحتجون به كل وقت على ~~من يأخذ الجزية منهم، ولا يذكره عالم واحد من علماء السلف؟ وإن اغتر به بعض ~~من لا علم له بالسيرة والمنقول من المتأخرين، شنع عليه أصحابه وبينوا خطأه ~~وحذروا من سقطته. # العاشر: أن أئمة الحديث والنقل يشهدون ببطلان هذا الكتاب، # PageV01P093 # وأنه زور مفتعل وكذب مختلق، ولما أظهره اليهود بعد الأربع مائة على عهد ~~الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي أرسل إليه الوزير ابن المسلمة فأوقفه عليه ~~فقال الحافظ: هذا الكتاب زور فقال له الوزير: من أين هذا؟ فقال: فيه شهادة ~~سعد بن معاذ ومعاوية بن أبي سفيان وسعد مات يوم الخندق قبل خيبر، ومعاوية ~~أسلم يوم ms006 الفتح سنة ثمان، وخيبر كانت سنة سبع. فأعجب ذلك الوزير. # والمقصود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأخذ الجزية من أحد من # PageV01P094 # مشركي العرب لأن آية الجزية نزلت بعد عام تبوك، وكانت عباد الأصنام من ~~العرب كلهم قد دخلوا في الإسلام فأخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - ممن ~~لم يدخل في الإسلام من اليهود ومن النصارى ومن المجوس. # قال المخصصون بالجزية لأهل الكتاب: المراد من إرسال الرسل وإنزال الكتب ~~إعدام الكفر والشرك من الأرض وأن يكون الدين كله لله كما قال تعالى: ~~{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} [البقرة: 193] ، وفي الآية ~~الأخرى: {ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] ، ومقتضى هذا ألا يقر كافر ~~على كفره، ولكن جاء النص بإقرار أهل الكتاب إذا أعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون، فاقتصرنا بها عليهم وأخذنا في عموم الكفار بالنصوص الدالة على ~~قتالهم إلى أن يكون الدين كله لله. # قالوا: ولا يصح إلحاق عبدة الأوثان بأهل الكتاب ; لأن كفر المشركين أغلظ ~~من كفر أهل الكتاب، فإن أهل الكتاب معهم من التوحيد وبعض آثار الأنبياء ما ~~ليس مع عباد الأصنام، ويؤمنون بالمعاد والجزاء والنبوات بخلاف عبدة ~~الأصنام. # وعبدة الأصنام حرب لجميع الرسل وأممهم من عهد نوح إلى خاتم الأنبياء ~~والمرسلين ; ولهذا أثر هذا التفاوت الذي بين الفريقين في حل الذبائح وجواز ~~المناكحة من أهل الكتاب دون عباد الأصنام، ولا ينتقض هذا بالمجوس فإن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يسن بهم سنة أهل الكتاب وهذا يدل على ~~أن الجزية إنما تؤخذ من أهل الكتاب وأنها إنما # PageV01P095 # وضعت لأجلهم خاصة وإلا لو كانت الجزية تعم جميع الكفار لم يكن أهل الكتاب ~~أولى بها من غيرهم، ولقال: لهم حكم أمثالهم من الكفار يقاتلون حتى يسلموا ~~أو يعطوا الجزية. # وأما تحريم ذبائحهم ومناكحتهم فاتفاق من الصحابة رضي الله عنهم، ولهذا ~~أنكر الإمام أحمد وغيره على أبي ثور طرده القياس وإفتاءه بحل ذبائحهم وجواز ~~مناكحتهم ودعا عليه أحمد حيث أقدم على مخالفة أصحاب رسول الله ms007 - صلى الله ~~عليه وسلم - والصحابة كانوا أفقه وأعلم وأسد قياسا ورأيا فإنهم أخذوا في ~~الدماء بحقنها موافقة لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعله، حيث ~~أخذها منهم وأخذوا في الأبضاع والذبائح بتحريمها احتياطا وإبقاء لها على ~~الأصل، وإلحاقا لهم بعباد الأوثان إذ لا فرق في ذلك بين عباد الأوثان وعباد ~~النيران، فالأصل في الدماء حقنها وفي الأبضاع والذبائح تحريمها فأبقوا كل ~~شيء على أصله، وهذا غاية الفقه وأسد ما يكون من النظر. ### | [الحكمة من إبقاء أهل الكتاب بين أظهرنا] # قالوا: ولله تعالى حكم في إبقاء أهل الكتابين بين أظهرنا فإنهم مع كفرهم ~~شاهدون بأصل النبوات والتوحيد واليوم الآخر والجنة والنار، وفي كتبهم من ~~البشارات بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر نعوته وصفاته وصفات أمته ما ~~هو من آيات نبوته وبراهين رسالته، وما يشهد بصدق الأول والآخر. # وهذه الحكمة تختص بأهل الكتاب دون عبدة الأوثان فبقاؤهم من # PageV01P096 # أقوى الحجج على منكر النبوات والمعاد والتوحيد، وقد قال تعالى لمنكري ~~ذلك: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] ، ذكر هذا عقب ~~قوله: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم ~~لا تعلمون} [النحل: 43] ، يعني: سلوا أهل الكتاب هل أرسلنا قبل محمد رجالا ~~يوحى إليهم أم كان محمد بدعا من الرسل لم يتقدمه رسول حتى يكون إرساله أمرا ~~منكرا لم يطرق العالم رسول قبله؟ # وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون} [الزخرف: 45] ، والمراد بسؤالهم سؤال أممهم عما جاءوهم به هل ~~فيه أن الله شرع لهم أن يعبد من دونه إله غيره؟ # قال الفراء: المراد سؤال أهل التوراة والإنجيل فيخبرونه عن كتبهم ~~وأنبيائهم. # PageV01P097 # وقال ابن قتيبة: التقدير واسأل من أرسلنا إليهم رسلا من قبلك وهم أهل ~~الكتاب. # وقال ابن الأنباري: التقدير وسل من أرسلنا من قبلك. # وعلى كل تقدير، فالمراد التقرير لمشركي قريش وغيرهم ممن أنكر النبوات ~~والتوحيد، وأن الله أرسل رسولا أو أنزل كتابا أو حرم عبادة الأوثان. # فشهادة ms008 أهل الكتاب بهذا حجة عليهم وهي من أعلام صحة رسالته - صلى الله ~~عليه وسلم - إذ كان قد جاء على ما جاء به إخوانه الذين تقدموه من رسل الله ~~سبحانه، ولم يكن بدعا من الرسل ولا جاء بضد ما جاءوا به، بل أخبر بمثل ما ~~أخبروا به من غير شاهد ولا اقتران في الزمان وهذه من أعظم آيات صدقه. # PageV01P098 ### | [شبهة وجوابها] # وقال تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب ~~من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} [يونس: 94] ، وقد ~~أشكلت هذه الآية على كثير من الناس وأورد اليهود والنصارى على المسلمين ~~فيها إيرادا وقالوا: كان في شك فأمر أن يسألنا وليس فيها بحمد الله إشكال، ~~وإنما أتي أشباه الأنعام من سوء قصدهم وقلة فهمهم وإلا فالآية من أعلام ~~نبوته - صلى الله عليه وسلم - وليس في الآية ما يدل على وقوع الشك ولا ~~السؤال أصلا، فإن الشرط لا يدل على وقوع المشروط بل ولا على إمكانه كما قال ~~تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] ، وقوله: {قل ~~لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} [الإسراء: 42] ~~، وقوله: {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} [الزخرف: 81] ، وقوله: ~~{ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: 65] ، ~~ونظائره، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يشك ولم يسأل. # وفي تفسير سعيد «عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه # PageV01P099 # وسلم قال: " لا أشك ولا أسأل» ". # وقد ذكر ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فإن كنت في شك أنك ~~مكتوب عندهم فاسألهم وهذا اختيار ابن جرير. # قال: يقول تعالى لنبيه: فإن كنت يا محمد في شك من حقيقة ما أخبرناك ~~وأنزلنا إليك، من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في نبوتك قبل أن # PageV01P100 # أبعثك رسولا إلى خلقي لأنهم يجدونك مكتوبا عندهم ويعرفونك بالصفة التي ~~أنت بها موصوف في كتبهم، فاسأل الذين يقرءون ms009 الكتاب من قبلك كعبد الله بن ~~سلام ونحوه من أهل الصدق والإيمان بك منهم دون أهل الكذب والكفر بك. # وكذلك قال ابن زيد: قال: هو عبد الله بن سلام [كان من أهل الكتاب فآمن ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم -] . # وقال الضحاك: سل أهل التقوى والإيمان من مؤمني أهل الكتاب [ممن أدرك نبي ~~الله - صلى الله عليه وسلم -] . # PageV01P101 # ولم يقع هؤلاء ولا هؤلاء على معنى الآية ومقصودها وأين كان عبد الله بن ~~سلام وقت نزول هذه الآية؟ فإن السورة مكية وابن سلام إذ ذاك على دين قومه، ~~وكيف يؤمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستشهد على منكري نبوته ~~بأتباعه؟ # PageV01P102 # وقال كثير من المفسرين: هذا الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد ~~غيره ; لأن القرآن نزل عليه بلغة العرب، وهم قد يخاطبون الرجل بالشيء ~~ويريدون غيره كما يقول متمثلهم: (إياك أعني واسمعي يا جارة) . # وكقوله تعالى: {ياأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين} ~~[الأحزاب: 1] ، والمراد أتباعه بهذا الخطاب. # قال أبو إسحاق: إن الله تعالى يخاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~والخطاب شامل للخلق، والمعنى: وإن كنتم في شك والدليل على ذلك قوله تعالى ~~في آخر السورة: {قل ياأيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين ~~تعبدون من دون الله} [يونس: 104] . # PageV01P103 # وقال ابن قتيبة: كان الناس في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصنافا ~~منهم كافر به مكذب، وآخر مؤمن به مصدق، وآخر شاك في الأمر لا يدري كيف هو، ~~فهو يقدم رجلا ويؤخر رجلا، فخاطب الله تعالى هذا الصنف من الناس وقال: فإن ~~كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد فسل. # قال: ووحد وهو يريد الجمع كما قال: {ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} ~~[الانفطار: 6] ، و: {ياأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه} ~~[الانشقاق: 6] ، و: {وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه} [الزمر: 8] . # وهذا - وإن كان له وجه - فسياق الكلام يأباه فتأمله وتأمل قوله تعالى: ~~{يقرءون الكتاب ms010 من قبلك} [يونس: 94] ، وقوله: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك ~~لا يؤمنون} [يونس: 96] ، وقوله: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ~~أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99] ، وهذا كله # PageV01P104 # خطاب واحد متصل بعضه ببعض. # ولما عرف أرباب هذا القول أن الخطاب لا يتوجه إلا على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قالوا: الخطاب له والمراد به هذا الصنف الشاك، وكل هذا فرار من ~~توهم ما ليس بموهوم: وهو وقوع الشك منه والسؤال، وقد بينا أنه لا يلزم ~~إمكان ذلك فضلا عن وقوعه. # فإن قيل: فإذا لم يكن واقعا ولا ممكنا فما مقصود الخطاب والمراد به؟ # قيل: المقصود به إقامة الحجة على منكري النبوات والتوحيد، وأنهم مقرون ~~بذلك لا يجحدونه ولا ينكرونه وأن الله سبحانه أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم ~~كتبه بذلك، وأرسل ملائكته إلى أنبيائه بوحيه وكلامه، فمن شك في ذلك فليسأل ~~أهل الكتاب، فأخرج هذا المعنى في أوجز عبارة وأدلها على المقصود، بأن جعل ~~الخطاب لرسوله الذي لم يشك قط ولم يسأل قط ولا عرض له ما يقتضي ذلك، وأنت ~~إذا تأملت هذا الخطاب بدا لك على صفحاته: من شك فليسأل فرسولي لم يشك ولم ~~يسأل. # والمقصود ذكر بعض الحكمة في إبقاء أهل الكتاب بالجزية، وهذه الحكمة ~~منتفية في حق غيرهم، فيجب قتالهم حتى يكون الدين كله لله. ### | [سبب وضع الجزية] # والمسألة مبنية على حرف وهو أن الجزية هل وضعت عاصمة للدم، أو مظهرا ~~لصغار الكفر وإذلال أهله فهي عقوبة؟ # فمن راعى فيها المعنى الأول قال: لا يلزم من عصمتها لدم من خف كفره ~~بالنسبة إلى غيره وهم أهل الكتاب - أن تكون عاصمة لدم من # PageV01P105 # يغلظ كفره. # ومن راعى فيها المعنى الثاني قال: المقصود إظهار صغار الكفر وأهله وقهرهم ~~وهذا أمر لا يختص أهل الكتاب بل يعم كل كافر. # قالوا: وقد أشار النص إلى هذا المعنى بعينه في قوله: {حتى يعطوا الجزية ~~عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] ، فالجزية صغار وإذلال، ولهذا كانت بمنزلة ~~ضرب الرق. # قالوا: وإذا ms011 جاز إقرارهم بالرق على كفرهم جاز إقرارهم عليه بالجزية ~~بالأولى ; لأن عقوبة الجزية أعظم من عقوبة الرق؛ ولهذا يسترق من لا تجب ~~عليه الجزية من النساء والصبيان وغيرهم. # فإن قلتم: لا يسترق عين الكتابي - كما هي إحدى الروايتين عن أحمد - كنتم ~~محجوجين بالسنة واتفاق الصحابة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسترق ~~سبايا عبدة الأوثان، ويجوز لساداتهن وطؤهن بعد انقضاء عدتهن كما في حديث ~~أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قصة سبايا " أوطاس "، وكانت في آخر غزوات ~~العرب بعد فتح مكة أنه قال: # PageV01P106 # " «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة» ". # فجوز وطأهن بعد الاستبراء ولم يشترط الإسلام، وأكثر ما كانت سبايا ~~الصحابة في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - من عبدة الأوثان ورسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقرهم على تملك السبي. # PageV01P107 # وقد دفع أبو بكر الصديق إلى سلمة بن الأكوع رضي الله عنهما امرأة من ~~السبي نفلها إياه، وكانت من عباد الأصنام. # وأخذ عمر وابنه رضي الله عنهما من سبي " هوازن "، وكذلك غيرهما من ~~الصحابة. # وهذه الحنفية أم محمد بن علي من سبي بني حنيفة. . # وفي الحديث: " «من قال كذا وكذا فكأنما أعتق أربع رقاب من ولد إسماعيل» " ~~ولم يكونوا أهل كتاب، بل أكثرهم من عبدة الأوثان. # قالوا: وإذا جاز المن على الأسير وإطلاقه بغير مال ولا استرقاق فلأن يجوز ~~إطلاقه بجزية توضع على رقبته تكون قوة للمسلمين، أولى وأحرى، # PageV01P108 # فضرب الجزية عليه إن كان عقوبة فهو أولى بالجواز من عقوبة الاسترقاق، وإن ~~كان عصمة فهو أولى بالجواز من عصمته بالمن عليه مجانا، فإذا جاز إقامته بين ~~المسلمين بغير جزية فإقامته بينهم بالجزية أجوز وأحوز، وإلا فيكون أحسن ~~حالا من الكتابي الذي لا يقيم بين أظهر المسلمين إلا بالجزية. # فإن قلتم: إذا مننا عليه ألحقناه بمأمنه، ولم نمكنه من الإقامة بين ~~المسلمين. # قيل: إذا جاز إلحاقه بمأمنه حيث يكون قوة للكفار وعونا لهم وبصدد ~~المحاربة لنا مجانا، فلأن يجوز هذا في مقابلة مال يؤخذ ms012 منه يكون قوة ~~للمسلمين وإذلالا وصغارا للكفر أولى وأولى. # يوضحه أنه إذا جازت مهادنتهم للمصلحة بغير مال ولا منفعة تحصل للمسلمين، ~~فلأن يجوز أخذ المال منهم على وجه الذل والصغار وقوة المسلمين أولى وهذا لا ~~خفاء به. # يوضحه أن عبدة الأوثان إذا كانوا أمة كبيرة لا تحصى كأهل الهند وغيرهم ~~حيث لا يمكن استئصالهم بالسيف، فإذلالهم وقهرهم بالجزية أقرب إلى عز ~~الإسلام وأهله وقوته من إبقائهم بغير جزية فيكونون أحسن حالا من أهل ~~الكتاب. # وسر المسألة أن الجزية من باب العقوبات لا أنها كرامة لأهل الكتاب فلا ~~يستحقها سواهم. # وأما من قال إن الجزية عوض عن سكنى الدار - كما يقوله أصحاب الشافعي - ~~فهذا القول ضعيف من وجوه كثيرة سيأتي التعرض إليها فيما # PageV01P109 # بعد إن شاء الله تعالى. # قالوا: ولأن القتل إنما وجب في مقابلة الحراب لا في مقابلة الكفر ولذلك ~~لا يقتل النساء ولا الصبيان ولا الزمنى والعميان ولا الرهبان الذين لا ~~يقاتلون بل نقاتل من حاربنا. # وهذه كانت سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أهل الأرض؛ كان ~~يقاتل من حاربه إلى أن يدخل في دينه أو يهادنه أو يدخل تحت قهره بالجزية، ~~وبهذا كان يأمر سراياه وجيوشه إذا حاربوا أعداءهم كما تقدم من حديث بريدة، ~~فإذا ترك الكفار محاربة أهل الإسلام وسالموهم وبذلوا لهم الجزية عن يد وهم ~~صاغرون كان في ذلك مصلحة لأهل الإسلام وللمشركين. # أما مصلحة أهل الإسلام فما يأخذونه من المال الذي يكون قوة للإسلام مع ~~صغار الكفر وإذلاله، وذلك أنفع لهم من ترك الكفار بلا جزية. # وأما مصلحة أهل الشرك فما في بقائهم من رجاء إسلامهم إذا شاهدوا أعلام ~~الإسلام وبراهينه، أو بلغتهم أخباره فلا بد أن يدخل في الإسلام بعضهم وهذا ~~أحب إلى الله من قتلهم. # والمقصود إنما هو أن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله وليس ~~في إبقائهم بالجزية ما يناقض هذا المعنى كما أن إبقاء أهل الكتاب بالجزية ~~بين ظهور المسلمين لا ينافي كون كلمة الله هي ms013 العليا، # PageV01P110 # وكون الدين كله لله، فإن من كون الدين كله لله إذلال الكفر وأهله وصغاره ~~وضرب الجزية على رءوس أهله، والرق على رقابهم فهذا من دين الله ولا يناقض ~~هذا إلا ترك الكفار على عزهم وإقامة دينهم كما يحبون بحيث تكون لهم الشوكة ~~والكلمة والله أعلم. ### | [فصل تقسيم الفيء والخمس] ### | 1 - # فصل # [تقسيم الفيء والخمس] # وقد احتج بحديث بريدة هذا من يرى أن قسمة الفيء والخمس موكولة إلى اجتهاد ~~الإمام يضعه حيث يراه أصلح وأهم، والناس إليه أحوج كما يقول مالك ومن وافقه ~~رحمهم الله تعالى. # قالوا: والمهاجرون كانوا في ذلك الوقت أولى بذلك من غيرهم، ولذلك لم يجعل ~~فيه للأعراب شيء، فإن المهاجرين خرجوا من ديارهم وأموالهم لله، ووصلوا إلى ~~المدينة فقراء، وكان أحق الناس بالفيء هم ومن واساهم وآواهم. # قال القاضي عياض: ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤثرهم بالخمس ~~على الأنصار غالبا إلا أن يحتاج أحد من الأنصار. # PageV01P111 # وأما الشافعي رحمه الله تعالى فإنه أخذ بحديث بريدة رضي الله عنه في ~~الأعراب، فلم ير لهم شيئا من الفيء وإنما لهم الصدقة المأخوذة من أغنيائهم ~~المردودة في فقرائهم، كما أن أهل الجهاد وأجناد المسلمين أحق بالفيء ~~والصدقة. # وذهب أبو عبيد إلى أن هذا الحديث منسوخ، وأن هذا كان حكم من لم يهاجر ~~أولا في أنه لا حق له في الفيء ولا في الموالاة للمهاجرين، # PageV01P112 # ولا في التوارث بينهم وبين المهاجرين قال تعالى: {والذين آمنوا ولم ~~يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} [الأنفال: 72] ، ثم نسخ ذلك ~~بقوله: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} [الأنفال: 75] ، وبقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» " فلم يكن للأعراب إذ ~~ذاك في الفيء نصيب، فلما اتسعت رقعة الإسلام وسقط فرض الهجرة صار للمسلمين ~~كلهم حق في الفيء حتى رعاة الشاء. # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " لئن سلمني الله ليأتين الراعي نصيبه ~~من هذا المال لم يعرق فيه جبينه ". # PageV01P113 ### | [فصل لا يسوغ إطلاق حكم الله ms014 على مسائل الاجتهاد إلا ما علم حكم الله فيه يقينا] ### | 2 - # فصل # [لا يسوغ إطلاق حكم الله على مسائل الاجتهاد إلا ما علم حكم الله فيه ~~يقينا] . # وقوله: " «فإن سألوك على أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ~~فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا» " فيه حجة ظاهرة على أنه لا يسوغ ~~إطلاق حكم الله على ما لا يعلم العبد أن الله حكم به يقينا من مسائل ~~الاجتهاد كما قال بعض السلف: ليتق أحدكم أن يقول: أحل الله كذا أو حرم كذا، ~~فيقول الله له كذبت لم أحل كذا ولم أحرمه. # وهكذا لا يسوغ أن يقول: " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لما لا ~~يعلم صحته ولا ثقة رواته بل إذا رأى أي حديث كان في أي كتاب، يقول: " لقوله ~~- صلى الله عليه وسلم - " أو " لنا قوله - صلى الله عليه وسلم - " # PageV01P114 # وهذا خطر عظيم، وشهادة على الرسول بما لا يعلم الشاهد. # PageV01P115 # وكذلك لا يسوغ له أن يخبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله بما لم يخبر به ~~سبحانه عن نفسه، ولا أخبر به رسوله عنه كما يستسهله أهل البدع بل لا يخبر ~~عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله إلا بما أخبر به عن نفسه وأخبر به رسوله ~~عنه. # وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد منع الأمير أن ينزل أهل الحصن ~~على حكم الله وقال: " «لعلك لا تدري أتصيبه أم لا» " فما الظن بالشهادة على ~~الله والحكم عليه بأنه كذا أو ليس كذا؟ والحديث صريح في أن حكم الله سبحانه ~~في الحادثة واحد معين، وأن المجتهد يصيبه تارة ويخطئه تارة وقد نص الأئمة ~~الأربعة على ذلك صريحا. # قال أبو عمر بن عبد البر: ولا أعلم خلافا بين الحذاق من شيوخ المالكيين - ~~ثم عدهم - ثم قال: كل يحكي أن مذهب مالك في اجتهاد المجتهدين والقائسين إذا ~~اختلفوا فيما يجوز فيه التأويل من نوازل الأحكام أن الحق من ذلك عند الله ~~واحد من أقوالهم واختلافهم، إلا أن ms015 كل مجتهد إذا اجتهد كما أمر وبالغ ولم ~~يأل وكان من أهل الصناعة ومعه آلة الاجتهاد فقد أدى ما عليه وليس عليه غير ~~ذلك وهو مأجور على قصده الصواب وإن كان الحق من ذلك واحدا. # PageV01P116 # قال: وهذا القول هو الذي عليه أكثر أصحاب الشافعي. # قال: وهو المشهور من قول أبي حنيفة فيما حكاه محمد بن الحسن وأبو يوسف ~~والحذاق من أصحابهم. # قلت: قال القاضي عبد الوهاب: وقد نص مالك على منع القول بإصابة كل مجتهد ~~فقال: ليس في اختلاف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم - ~~سعة، إنما هو خطأ أو صواب. # وسئل أيضا: ما تقول في قول من يقول: إن كل واحد من المجتهدين مصيب لما ~~كلف؟ فقال: ما هذا هكذا، قولان مختلفان لا يكونان قط صوابا. # وقد نص على ذلك الإمام أحمد فقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه: إذا ~~اختلفت الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذ رجل بأحد # PageV01P117 # الحديثين وأخذ آخر بحديث آخر ضده، فالحق عند الله في واحد وعلى الرجل أن ~~يجتهد ولا يدري أصاب الحق أم أخطأ. # وأصول الأئمة الأربعة وقواعدهم ونصوصهم على هذا، وأن الصواب من الأقوال ~~كجهة القبلة في الجهات وعلى هذا أكثر من أربعين دليلا قد ذكرناها في كتاب ~~مفرد وبالله التوفيق. # والمقصود أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث بريدة: " «فإنك لا ~~تدري أتصيب حكم الله» " أن حكم الله واحد، وأن المجتهد قد يصيبه وقد يخطئه ~~كما قال في الحديث الآخر: " «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد ~~فأخطأ فله أجر واحد» ". # فمن قال: كل مجتهد مصيب للأجر، بمعنى أنه مطيع لله في أداء ما كلف به، ~~فقوله صحيح إذا استفرغ المجتهد وسعه وبذل جهده. # PageV01P118 ### | [فصل نرجع إلى الكلام في أحكام الجزية] ### | 3 - # فصل # فلنرجع إلى الكلام في أحكام الجزية. # قال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ~~ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا ms016 الكتاب حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] . # فالجزية هي الخراج المضروب على رءوس الكفار إذلالا وصغارا والمعنى: حتى ~~يعطوا الخراج عن رقابهم. # واختلف في اشتقاقها، فقال القاضي في " الأحكام السلطانية ": اسمها مشتق ~~من الجزاء إما جزاء على كفرهم لأخذها منهم صغارا، أو جزاء على أماننا لهم ~~لأخذها منهم رفقا. # قال صاحب " المغني ": هي مشتقة من جزاه بمعنى قضاه لقوله: {لا تجزي نفس ~~عن نفس شيئا} [البقرة: 48] ، فتكون الجزية مثل الفدية. # قال شيخنا: والأول أصح، وهذا يرجع إلى أنها عقوبة أو أجرة. # وأما قوله: عن يد، فهو في موضع النصب على الحال: أي يعطوها أذلاء مقهورين ~~هذا هو الصحيح في الآية. # وقالت طائفة: المعنى من يد إلى يد نقدا غير نسيئة. # PageV01P119 # وقالت فرقة: من يده إلى يد الآخذ لا باعثا بها ولا موكلا في دفعها. # وقالت طائفة: معناه عن إنعام منكم عليهم بإقراركم لهم وبالقبول منهم، ~~والصحيح القول الأول وعليه الناس. # وأبعد كل البعد ولم يصب مراد الله من قال: المعنى: عن يد منهم، أي عن ~~قدرة على أدائها فلا تؤخذ من عاجز عنها، وهذا الحكم صحيح وحمل الآية عليه ~~باطل، ولم يفسر به أحد من الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأمة وإنما هو من ~~حذاقة بعض المتأخرين. # وقوله تعالى: {وهم صاغرون} [التوبة: 29] ، حال أخرى، فالأول حال المسلمين ~~في أخذ الجزية منهم، أن يأخذوها بقهر وعن يد، والثاني حال الدافع لها أن ~~يدفعها وهو صاغر ذليل. # واختلف الناس في تفسير (الصغار) الذي يكونون عليه وقت أداء الجزية فقال ~~عكرمة: أن يدفعها وهو قائم، ويكون الآخذ جالسا. # وقالت طائفة: أن يأتي بها بنفسه ماشيا لا راكبا، ويطال وقوفه عند إتيانه ~~بها ويجر إلى الموضع الذي تؤخذ منه بالعنف ثم تجر يده ويمتهن. # وهذا كله مما لا دليل عليه ولا هو مقتضى الآية ولا نقل عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ولا عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك. # PageV01P120 # والصواب في الآية أن الصغار هو التزامهم لجريان أحكام الملة عليهم، ~~وإعطاء الجزية ms017 فإن التزام ذلك هو الصغار. # وقد قال الإمام أحمد في رواية حنبل: كانوا يجرون في أيديهم ويختمون في ~~أعناقهم إذا لم يؤدوا الصغار الذي قال الله تعالى: {وهم صاغرون} [التوبة: ~~29] . # وهذا يدل على أن الذمي إذا بذل ما عليه والتزم الصغار لم يحتج إلى أن يجر ~~بيده ويضرب. # وقد قال في رواية مهنا بن يحيى: يستحب أن يتعبوا في الجزية. # قال القاضي: ولم يرد تعذيبهم ولا تكليفهم فوق طاقتهم وإنما أراد ~~الاستخفاف بهم وإذلالهم. # قلت: لما كانت يد المعطي العليا، ويد الآخذ السفلى احترز الأئمة أن يكون ~~الأمر كذلك في الجزية، وأخذوها على وجه تكون يد المعطي السفلى ويد الآخذ ~~العليا. # قال القاضي أبو يعلى: وفي هذا دلالة على أن هؤلاء النصارى الذين يتولون ~~أعمال السلطان ويظهر منهم الظلم والاستعلاء على المسلمين وأخذ الضرائب لا ~~ذمة لهم وأن دماءهم مباحة ; لأن الله تعالى وصفهم # PageV01P121 # بإعطاء الجزية على وجه الصغار والذل. # وهذا الذي استنبطه القاضي من أصح الاستنباط؛ فإن الله سبحانه وتعالى مد ~~القتال إلى غاية وهي إعطاء الجزية مع الصغار، فإذا كانت حالة النصراني ~~وغيره من أهل الجزية منافية للذل والصغار فلا عصمة لدمه ولا ماله وليست له ~~ذمة، ومن هاهنا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه تلك ~~الشروط التي فيها صغارهم وإذلالهم، وأنهم متى خرجوا عن شيء منها فلا عهد ~~لهم ولا ذمة، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل الشقاق والمعاندة. # وسنذكر إن شاء الله في آخر الجواب الشروط العمرية وشرحها. ### | [فصل ليست الجزية أجرة عن سكنى الدار] ### | 4 - # فصل # [ليست الجزية أجرة عن سكنى الدار] # قد تبين بما ذكرنا أن الجزية وضعت صغارا وإذلالا للكفار لا أجرة عن سكنى ~~الدار، وذكرنا أنها لو كانت أجرة لوجبت على النساء والصبيان والزمنى ~~والعميان، ولو كانت أجرة لما أنفت منها العرب من نصارى بني تغلب وغيرهم ~~والتزموا ضعف ما يؤخذ من المسلمين من زكاة أموالهم، ولو كانت أجرة لكانت ~~مقدرة المدة كسائر الإجارات، ولو كانت ms018 أجرة لما وجبت بوصف الإذلال والصغار، ~~ولو كانت أجرة لكانت مقدرة بحسب المنفعة، فإن سكنى الدار قد تساوي في السنة ~~أضعاف الجزية المقدرة، ولو # PageV01P122 # كانت أجرة لما وجبت على الذمي أجرة دار أو أرض يسكنها إذا استأجرها من ~~بيت المال، ولو كانت أجرة لكان الواجب فيها ما يتفق عليه المؤجر والمستأجر. # وبالجملة ففساد هذا القول يعلم من وجوه كثيرة. # [مقدار الجزية:] # وقد اختلف أئمة الإسلام في تقدير الجزية، فقال الشافعي رحمه الله تعالى: ~~ويجعل على الفقير المعتمل دينار، وعلى المتوسط ديناران وعلى الغني أربعة ~~دنانير. # وأقل ما يؤخذ دينار وأكثره ما وقع عليه التراضي، ولا يجوز أن ينقص من ~~دينار. # وقال أصحاب مالك: أكثر الجزية أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهما ~~على أهل الورق ولا يزاد على ذلك، فإن كان منهم ضعيف خفف عنه بقدر ما يراه ~~الإمام. # وقال ابن القاسم: لا ينقص من فرض عمر رضي الله عنه لمعسر ولا يزاد عليه ~~لغني. # وقال القاضي أبو الحسن: لا حد لأقلها قال: وقيل أقلها دينار أو عشرة ~~دراهم. # PageV01P123 # وقال أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله تعالى: يوضع على الغني ثمانية وأربعون ~~درهما، وعلى المتوسط أربعة وعشرون، وعلى الفقير اثنا عشر. # ثم اختلفوا في حد الغني والفقير والمتوسط. # قالوا: والمختار أن ينظر في كل بلد إلى حال أهله وما يعتبرونه في ذلك فإن ~~عادة البلاد في ذلك مختلفة. # وأما الإمام أحمد رحمه الله تعالى فقد اختلفت الرواية عنه، فنقل أكثر ~~أصحابه عنه أنها مقدرة الأقل والأكثر، فيؤخذ من الفقير المعتمل اثنا عشر ~~درهما، ومن المتوسط أربعة وعشرون، ومن الموسر ثمانية وأربعون. # قال حرب في " مسائله ": سألت أبا عبد الله قلت: خراج الرءوس إذا كان ~~الذمي غنيا؟ قال: ثمانية وأربعون درهما، قلت: فإن كان دون ذلك؟ قال: أربعة ~~وعشرون، قلت: فإن كان دون ذلك؟ قال: اثنا عشر، قلت: فليس دون اثني عشر شيء؟ ~~قال: لا. # PageV01P124 # وقال في رواية ابنه صالح وإبراهيم بن هانئ وأبي الحارث: أكثر ما يؤخذ في ~~الجزية ثمانية وأربعون، ms019 والمتوسط أربعة وعشرون، والفقير اثنا عشر، زاد في ~~رواية أبي الحارث: أن عمر ضرب على الغني ثمانية وأربعين وعلى الفقير اثني ~~عشر. # قال الخلال: والذي عليه العمل من قول أبي عبد الله أن للإمام أن يزيد في ~~ذلك وينقص وليس لمن دونه أن يفعل ذلك. # وقد روى يعقوب بن بختان خاصة عن أبي عبد الله أنه لا يجوز للإمام أن ينقص ~~من ذلك. # وروى عن أبي عبد الله أصحابه في عشرة مواضع أنه لا بأس بذلك. # قال: ولعل أبا عبد الله تكلم بهذا في وقت، والعمل من قوله على ما رواه ~~الجماعة أنه لا بأس للإمام أن يزيد في ذلك وينقص، وقد أشبع الحجة في ذلك. # وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الجزية كم هي؟ قال: وضع # PageV01P125 # عمر رضي الله عنه ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثني عشر، قيل له: كيف ~~هذا؟ قال: على قدر ما يطيقون، قيل: فيزداد في هذا اليوم وينقص؟ قال: نعم، ~~يزاد فيه وينقص على قدر طاقتهم، وعلى قدر ما يرى الإمام. # وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن حديث عثمان بن حنيف تذهب إليه ~~بالجزية؟ قال: نعم، قلت: ترى الزيادة؟ قال: لمكان قول عمر رضي الله عنه فإن ~~زاد فأرجو أن لا بأس إذا كانوا مطيقين مثل ما قال عمر رضي الله عنه. # وقال أحمد بن القاسم: سئل أبو عبد الله عن جزية الرءوس، وقيل له: بلغك أن ~~عمر رضي الله عنه جعلها على قدر اليسار من أهل الذمة اثني عشر وأربعة ~~وعشرين وثمانية وأربعين؟ قال: على قدر طاقتهم، فكيف يصنع به إذا كان فقيرا ~~لا يقدر على ثمانية وأربعين؟ # [قال: إنما هو على قدر الطاقة، # PageV01P126 # قيل: فيزاد عليهم أكثر من ثمانية وأربعين؟] قال: على حديث الحكم عن عمرو ~~بن ميمون أنه قال: والله إن زدت عليهم درهمين لا يجهدهم، قال: وكانت ثمانية ~~وأربعين فجعلها خمسين، قال: ولم يبين قوله من الزيادة أكثر من هذا. # قلت لأبي عبد الله: يحكى عن الشافعي أنه ms020 قال: إذا سأل أهل الحرب # PageV01P127 # أن يؤدوا إلى الإمام عن رءوسهم دينارا لم يجز له أن يحاربهم ; لأنهم قد ~~بذلوا ما حد النبي - صلى الله عليه وسلم -. فأعجبه هذا وفكر فيه ثم تبسم ~~وقال: مسألة فيها نظر. # وقال صالح بن أحمد: سألت أبي أي شيء تذهب في الجزية؟ قال: أما أهل الشام ~~فعلى ما وصف عمر رضي الله عنه أربعة دنانير وكسوة وزيت، وأما أهل اليمن ~~فعلى كل حالم دينار: وأما أهل العراق فعلى ما يؤخذ منهم. # وقال الأثرم لأبي عبد الله: على أهل اليمن دينار، شيء لا يزاد عليهم؟ # قال: نعم، قيل له: ولا يؤخذ منهم ثمانية وأربعون؟ قال: كل قوم على سننهم، ~~ثم قال: أهل الشام خلاف غيرهم أيضا، وكل قوم على ما قد جعلوا عليه. # فقد ضمن مذهبه أربع روايات. # إحداها: أنه لا يزاد فيها ولا ينقص على ما وضعه عمر رضي الله عنه. # والثانية: تجوز الزيادة والنقصان على ما يراه الإمام، قال الخلال: وهو ~~الذي عليه العمل. # والثالثة: تجوز الزيادة دون النقصان. # والرابعة: أن أهل اليمن خاصة لا يزاد عليهم ولا ينقص. # PageV01P128 ### | [فصل الأصناف التي تؤخذ منها الجزية] ### | 5 - # فصل # [الأصناف التي تؤخذ منها الجزية] # ولا يتعين في الجزية ذهب ولا فضة، بل يجوز أخذها مما تيسر من أموالهم من ~~ثياب وسلاح يعملونه، وحديد ونحاس ومواش وحبوب وعروض وغير ذلك. # وقد دل على ذلك سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمل خلفائه ~~الراشدين، وهو مذهب الشافعي وأبي عبيد. # ونص عليه أحمد في رواية الأثرم، وقد سأله: يؤخذ في الجزية غير الذهب ~~والفضة؟ قال: نعم، دينار أو قيمته معافر. # والمعافر ثياب تكون باليمن. # وذهب في ذلك إلى حديث معاذ رضي الله عنه، الذي رواه في " مسنده " بإسناد ~~جيد «عن معاذ رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بعثه ~~إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر» . # ورواه أهل " السنن "، وقال الترمذي: حديث حسن. # PageV01P129 # وكذلك أهل نجران لم يأخذ ms021 في جزيتهم ذهبا ولا فضة وإنما أخذ منهم الحلل ~~والسلاح. # فروى أبو داود في " سننه " عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «صالح رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أهل نجران على ألفي حلة، النصف في صفر والنصف ~~في رجب يؤدونها إلى المسلمين، وعلى ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا ~~وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح، # PageV01P130 # يقرون بها، والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم إن كان باليمن كيد أو ~~غدرة، على ألا يهدم لهم بيعة ولا يخرج لهم قس، ولا يفتنون عن دينهم ما لم ~~يحدثوا حدثا أو يأكلوا الربا» . # وهو صريح في أن أهل الذمة إذا أحدثوا في الإسلام أولم يلتزموا ما شرطوا ~~عليهم فلا ذمة لهم، وقد دل على ذلك القرآن والسنة واتفاق الصحابة رضي الله ~~عنهم كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # قال الزهري: أول من أعطى الجزية أهل نجران، وكانوا نصارى وقد أخذ منهم ~~الحلل، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأخذ النعم في الجزية. # وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يأخذ الجزية من كل ذي صنعة من متاعه؛ ~~من صاحب الإبر إبرا، ومن صاحب المسان مسان، ومن صاحب الحبال حبالا، ثم يدعو ~~الناس فيعطيهم الذهب والفضة فيقتسمونه، ثم يقول: خذوا فاقتسموا فيقولون: لا ~~حاجة لنا فيه، فيقول: أخذتم خياره وتركتم شراره لتحملنه. ### | [الجزية غير مقدرة بالشرع] # فيؤخذ من عروضه بقدر ما عليه من الجزية، هذه سنة رسول الله # PageV01P131 # - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه التي لا معدل عنها، فقد تبين أن الجزية ~~غير مقدرة بالشرع تقديرا لا يقبل الزيادة والنقصان، ولا معينة الجنس. # قال الخلال: العمل في قول أبي عبد الله على ما رواه الجماعة أنه لا بأس ~~للإمام أن يزيد في ذلك وينقص على ما رواه عنه أصحابه معينة الجنس في عشرة ~~مواضع، فاستقر قوله على ذلك. # وهذا قول سفيان الثوري وأبي عبيد وغيرهم من أهل العلم. # وأول من جعل الجزية على ثلاث طبقات عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ms022 جعلها ~~على الغني ثمانية وأربعين درهما، وعلى المتوسط أربعة وعشرين، وعلى الفقير ~~اثني عشر، وصالح بني تغلب على مثلي ما على المسلمين من الزكاة. # وهذا يدل على أنها إلى رأي الإمام، ولولا ذلك لكانت على قدر واحد في جميع ~~المواضع ولم يجز أن تختلف. # وقال البخاري: قال ابن عيينة: عن ابن أبي نجيح قلت لمجاهد: ما شأن أهل ~~الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من أجل ~~اليسار، وقد زادها عمر أيضا على ثمانية وأربعين فصيرها خمسين درهما. # واحتج الشافعي رحمه الله تعالى بأن الواجب دينار على الغني والفقير # PageV01P132 # والمتوسط بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدرها بذلك في حديث معاذ رضي ~~الله عنه وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا، ولم يفرق بين غني وفقير، وجعلهم ~~ثلاث طبقات، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبع من اجتهاد ~~عمر. # ونازعه الجمهور في ذلك وقالوا: لا منافاة بين سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وبين ما فعله عمر رضي الله عنه بل هو من سنته أيضا، وقد قرن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين سنته وسنة خلفائه في الاتباع فما سنه ~~خلفاؤه فهو كسنته في الاتباع، وهذا الذي فعله عمر رضي الله عنه اشتهر بين ~~الصحابة، ولم ينكره منكر، ولا خالفه فيه واحد منهم ألبتة، واستقر عليه عمل ~~الخلفاء والأئمة بعده، فلا يجوز أن يكون خطأ أصلا. # وقد نص الشافعي على استحباب العمل به فقال: الواجب على كل رجل دينار لا ~~يجزئ أقل من ذلك، فإن كان الذمي مقلا ولم يكن موسرا # PageV01P133 # ولا متوسطا عقد له الإمام الذمة على دينار في كل سنة، وإن كان متوسطا ~~فيستحب أن يقول له الإمام: جزية مثلك ديناران، فلا أعقد لك ذمة على أقل ~~منهما، ويحمل عليه بالكلام فإن لم يقبل حمل عليه بعشيرته وأهله، فإن لم ~~يقبل وأقام على بذل الدينار قبل منه وعقدت له الذمة، وإن كان موسرا فيستحب ~~أن يقال له: جزية مثلك ms023 أربعة دنانير لا أقبل منك أقل منها، ويتحامل عليه ~~بالكلام ويحمل عليه بعشيرته وقومه، فإن لم يفعل وأقام على بذل الدينار قبل ~~منه وعقدت له الذمة عليه. # قلت: ولا يخلو حديث معاذ من أحد وجوه ثلاثة: # الأول: أن يكون أمره بذلك ; لأن الغالب على أهل ذمة اليمن إذ ذاك الفقر، ~~وقد أشار مجاهد إلى ذلك في قوله: إنما جعل على أهل الشام ثمانية وأربعون ~~درهما من أجل اليسار. # الوجه الثاني: أنهم كانوا قد أقروا بالجزية، ولم يتميز الغني منهم من ~~الفقير، والصحابة إذ ذاك لم يسكنوا اليمن بل كانوا مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إذ هو حي بين أظهرهم، فلما لم يتفرغوا لتمييز غنيهم من فقيرهم ~~جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجزية كلها طبقة واحدة، فلما مات ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتفرق الصحابة في البلاد وسكنوا الشام ~~تفرغوا لتمييز طبقات أهل الذمة ومعرفة غنيهم وفقيرهم ومتوسطهم، فجعلوهم ~~ثلاث طبقات، وأخذوا من كل طبقة ما لا يشق عليهم إعطاؤه. # PageV01P134 # الوجه الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقدرها تقديرا عاما لا ~~يقبل التغيير، بل ذلك موكول إلى المصلحة واجتهاد الإمام، فكانت المصلحة في ~~زمانه أخذها من أهل اليمن على السواء، وكانت المصلحة في زمن خلفائه ~~الراشدين أخذها من أهل الشام ومصر والعراق على قدر يسارهم وأموالهم، وهكذا ~~فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه أخذها من أهل نجران حللا في ~~قسطين، قسط في صفر وقسط في رجب. # وقال مالك عن نافع عن أسلم: أن عمر رضي الله عنه ضرب الجزية على أهل ~~الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهما، ومع ذلك أرزاق المسلمين ~~وضيافة ثلاثة أيام. # وقال الليث بن سعد، عن كثير بن فرقد، ومحمد بن عبد الرحمن بن غنج، عن ~~نافع، عن أسلم، عن عمر رضي الله عنه: أنه ضرب الجزية على أهل الشام - أو ~~قال: على أهل الذهب - أربعة دنانير، وأرزاق المسلمين من الحنطة مدين وثلاثة ~~أقساط زيت لكل إنسان كل ms024 شهر، وعلى أهل الورق أربعين درهما وخمسة عشر صاعا ~~لكل إنسان، قال: ومن كان من أهل # PageV01P135 # مصر فإردب كل شهر لكل إنسان قال: ولا أدري كم ذكر لكل إنسان من الودك ~~والعسل. # وعلى هذا فلو كان فيهم من لا يقدر إلا على بعض دينار لوجب قبوله منه بحسب ~~قدرته. وهذا قياس جميع الواجبات إذا قدر على أداء بعضها وعجز عن جميعها، ~~كمن قدر على أداء بعض الدين، وإخراج بعض صاع الفطر، وأداء بعض النفقة إذ لا ~~يقدر على تمامها، وغسل بعض أعقابه إذا عجز عن غسل جميعها، وقراءة بعض ~~الفاتحة في الصلاة إذا عجز عن جميعها، ونظائر ذلك. # قال أبو عبيد: والذي اخترناه أن عليهم الزيادة كما يكون لهم # PageV01P136 # النقصان وللزيادة التي زادها عمر رضي الله عنه على وظيفة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وللزيادة التي زادها هو نفسه حين كانت ثمانية وأربعين ~~فجعلها خمسين. # ولو عجز أحدهم عن دينار؛ لحطه من ذلك حتى قد روي عنه أنه أجرى على شيخ ~~منهم من بيت المال، وذلك أنه مر به وهو يسأل على الأبواب وفعله عمر بن عبد ~~العزيز. # وقال أبو عبيد: ولو علم عمر أن فيها سنة مؤقتة من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ما تعداها إلى غيرها. ### | [فصل لا يحل تكليفهم ما لا يقدرون عليه ولا تعذيبهم على أدائها ولا حبسهم وضربهم] ### | 6 - # فصل # ولا يحل تكليفهم ما لا يقدرون عليه، ولا تعذيبهم على أدائها ولا حبسهم ~~وضربهم # قال أبو عبيد: ثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه، «وعن هشام بن ~~حكيم بن حزام أنه مر على قوم يعذبون في الجزية بفلسطين، فقال هشام: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " إن الله يعذب يوم القيامة الذين ~~يعذبون الناس في الدنيا» ". # PageV01P137 # وقال الزهري «عن عروة بن الزبير: إن عياض بن غنم رأى نبطا يشمسون في ~~الجزية فقال لصاحبهم: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " ~~إن الله تبارك وتعالى يعذب يوم القيامة الذين ms025 يعذبون الناس في الدنيا» ". # قال الزهري عن عروة بن الزبير: إن هشام بن حكيم هو الذي قال ذلك لعياض بن ~~غنم. # قال نعيم بن حماد، عن بقية بن الوليد، عن صفوان بن عمرو، عن شريح بن ~~عبيد: إن هشام بن حكيم قال ذلك لعياض بن غنم عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال عياض لهشام: قد سمعت ما سمعت ورأيت ما رأيت أولم تسمع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " «من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده ~~له علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا فقد أدى الذي ~~عليه» ". # PageV01P138 # قال: وحدثنا نعيم، ثنا بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن ~~جبير بن نفير عن أبيه: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتي بمال كثير - ~~أحسبه قال: من الجزية - فقال: إني لأظنكم قد أهلكتم الناس، قالوا: لا والله ~~ما أخذنا إلا عفوا صفوا، قال: بلا سوط ولا نوط؟ قالوا: نعم، قال: الحمد لله ~~الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني. # قال: وحدثنا أبو مسهر، ثنا سعيد بن عبد العزيز قال: قدم سعيد بن # PageV01P139 # عامر بن حذيم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما أتاه علاه بالدرة، ~~فقال سعيد: سبق سيلك مطرك إن تعاقب نصبر، وإن تعف نشكر وإن تستعتب نعتب، ~~فقال: ما على المسلم إلا هذا، ما لك تبطئ بالخراج؟ فقال: أمرتنا ألا نزيد ~~الفلاحين على أربعة دنانير فلسنا نزيدهم على ذلك، ولكنا نؤخرهم إلى غلاتهم، ~~فقال عمر رضي الله عنه: لا عزلتك ما حييت. # قال أبو عبيد: وإنما وجه التأخير إلى الغلة للرفق بهم، ولم أسمع في ~~استيداء الخراج والجزية وقتا من الزمان يجتبى فيه غير هذا. # قال: وثنا مروان بن معاوية الفزاري عن خلف مولى آل جعدة عن # PageV01P140 # رجل من آل أبي المهاجر قال: استعمل علي بن أبي طالب رجلا على عكبراء فقال ~~له على رءوس الملأ: لا تدعن لهم درهما من الخراج، قال: ms026 وشدد عليه القول، ثم ~~قال: القني عند انتصاف النهار، فأتاه فقال: إني كنت أمرتك بأمر وإني أتقدم ~~إليك الآن، فإن عصيتني نزعتك لا تبيعن # PageV01P141 # لهم في خراجهم حمارا ولا بقرة ولا كسوة، شتاء ولا صيفا، وارفق بهم، وافعل ~~بهم وافعل بهم. # قال: وحدثني الفضل بن دكين عن سعيد بن سنان عن عنترة قال: كان علي يأخذ ~~الجزية من كل ذي صنعة، من صاحب الإبر إبرا، ومن صاحب المسان مسان، ومن صاحب ~~الحبال حبالا، ثم يدعو العرفاء فيعطيهم الذهب والفضة فيقتسمونه ثم يقول: ~~خذوا هذا فاقتسموه، فيقولون: لا حاجة لنا فيه، فيقول: أخذتم خياره وتركتم ~~علي شراره لتحملنه. # قال أبو عبيد: " وإنما توجه هذا من علي رضي الله عنه أنه إنما كان يأخذ ~~منهم هذه الأمتعة بقيمتها من الدراهم التي عليهم من جزية رءوسهم، ولا ~~يحملهم على بيعها ثم يأخذ ذلك من الثمن إرادة الرفق بهم والتخفيف عليهم. # قال: ومثل هذا حديث معاذ رضي الله عنه حين قال باليمن: # PageV01P142 # ائتوني بحميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أهون عليكم وأنفع ~~للمهاجرين بالمدينة، وكذلك فعل عمر رضي الله عنه حتى كان يأخذ الإبل في ~~الجزية. # وإنما يراد بهذا كله الرفق بأهل الذمة، وألا يباع عليهم من متاعهم شيء ~~ولكن يؤخذ مما سهل عليهم بالقيمة، ألا تسمع إلى قول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " «أو عدله من المعافر» ؟ " فقد بين لك ذكر العدل أنه القيمة. # قال: وحدثنا محمد بن كثير، عن أبي رجاء الخراساني عن جسر قال: شهدت كتاب ~~عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى عدي بن # PageV01P143 # أرطاة قرئ علينا بالبصرة: أما بعد: فإن الله سبحانه إنما أمر أن تؤخذ ~~الجزية ممن رغب عن الإسلام، واختار الكفر عتيا وخسرانا مبينا، فضع الجزية ~~على من أطاق حملها وخل بينهم وبين عمارة الأرض، فإن في ذلك صلاحا لمعاشر ~~المسلمين وقوة على عدوهم، ثم انظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت ~~قوته وولت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت ms027 مال المسلمين ما يصلحه فلو أن ~~رجلا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب كان ~~من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق؟ وذلك أنه بلغني أن أمير ~~المؤمنين عمر رضي الله عنه مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس ~~فقال: ما أنصفناك أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك، ~~قال: ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه. # قال: وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن محمد بن طلحة عن # PageV01P144 # داود بن سليمان الجعفي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد ~~الرحمن: سلام عليك، أما بعد: فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في ~~أحكام وسنن خبيثة سنتها عليهم عمال السوء، وإن أقوم الدين العدل والإحسان، ~~فلا يكونن شيء أهم إليك من نفسك أن توطنها الطاعة لله عز وجل، فإنه لا قليل ~~من الإثم، وأمرتك ألا تطرق عليهم أرضهم، وألا تحمل خرابا على عامر، ولا ~~عامرا على خراب، ولا تأخذ من الخراب إلا ما يطيق، ولا من العامر إلا وظيفة ~~الخراج، في رفق وتسكين لأهل الأرض، وأمرتك ألا تأخذ في الخراج [إلا وزن ~~سبعة ليس لها آس، ولا] أجور الضرابين، ولا إذابة الفضة، ولا هدية النيروز ~~والمهرجان، ولا ثمن المصحف، ولا أجور البيوت، ولا دراهم النكاح، ولا خراج ~~على من أسلم من أهل الأرض، فاتبع في ذلك أمري فقد وليتك في ذلك ما ولاني ~~الله، ولا تعجل دوني بقطع ولا صلب حتى تراجعني فيه، وانظر من أراد من ~~الذرية الحج فعجل له مائة يتجهز بها والسلام عليك. # قال عبد الرحمن: قوله (دراهم النكاح) يريد به بغايا كان يؤخذ منهن الخراج ~~وقوله (الذرية) يريد به من كان ليس من أهل الديوان. # PageV01P145 ### | [فصل متى تجب الجزية] ### | 7 - # فصل # [متى تجب الجزية؟] # وتجب الجزية في آخر الحول، ولا يطالبون بها قبل ذلك، هذا قول الإمام أحمد ~~والشافعي. # وقال أبو حنيفة: تجب بأول الحول، وتؤخذ ms028 منه كل شهر بقسطه ولأبي حنيفة ~~رحمه الله تعالى أصل في الجزية، وهي أنها عنده عقوبة محضة يسلك بها مسلك ~~العقوبات البدنية، ولهذا يقول: إذا اجتمعت عليه جزية سنين تداخلت كما ~~تتداخل العقوبات، ولو أسلم وعليه جزية سنين سقطت كلها كما تسقط العقوبات، ~~ولو مات بعد الحول وقبل الأخذ سقطت عنه. # وفي " الجامع الصغير ": ومن لم يؤخذ منه خراج رأسه حتى مضت السنة وجاءت ~~السنة الأخرى، لم يؤخذ منه وهذا عند أبي حنيفة. # وقالا: تؤخذ منه، فإن مات عند تمام السنة لم تؤخذ منه في قولهم جميعا؟ ~~وعلى هذا فلو كانت تجب بآخر الحول لاستقرت بمضيه ولم تسقط ولم تتداخل ~~كالزكاة والدية والجزية وجبت بدلا عن القتل وعصمة الدم في حقه، وعوضا عن ~~النصرة لهم في حقنا وهذا إنما يكون في المستقبل لا في الماضي ; لأن القتال ~~إنما يفعل لحراب قائم في الحال لا لحراب ماض، وكذا النصرة في المستقبل لأن ~~الناصر وقعت الغنية عنه. # PageV01P146 # وسر المسألة أن سبب الجزية قائم في الحال، ويعطيها على المستقبل شيئا ~~فشيئا بحسب احتمال المحل لتعويض الضربات في الحدود. # ولهذا قالوا: تؤخذ كل شهر بقسطه فإنها لو أخرت حتى دخل العام الثاني سقطت ~~كما قال محمد في " الجامع ". # وعلى هذا فلا تستقر عليه جزية أبدا، ولا سبيل إلى أن تؤخذ سلفا وتعجيلا ~~فأخذت مفرقة على شهور العام لقيام مقتضى لصدقته من الكفر وفي الأخذ من الذب ~~عنه والنصرة. # وقال محمد في كتاب " الزيادات " في نصراني مرض السنة كلها فلم يقدر على ~~أن يعمل وهو موسر: أنه لا تجب عليه الجزية لأنها إنما تجب على الصحيح ~~المعتمل. # وكذلك إن مرض نصف السنة أو أكثرها، فإن صح ثمانية أشهر أو أكثر فعليه ~~الجزية ولأن المريض لا يقدر على العمل فهو خال من الغنى. # وكذلك إذا مرض أكثر السنة أن الأكثر يقوم مقام الجميع. # وكذلك إذا مرض نصف السنة أن الموجب والمسقط تساويا فيما طريقه العقوبة ~~وكان الحكم للمسقط كالحدود. # واحتج لهذا القول بأن الله سبحانه أمر ms029 بقتالهم حتى يعطوا الجزية وبأنها ~~عقوبة وإذلال وصغار للكفر وأهله، فلا يتأخر عن القدرة على أخذها. # PageV01P147 # قالوا: وهذا - على أصل من جعلها أجرة سكنى الدار - أطرد فإن الأجرة تجب ~~عقيب العقد، وإنما أخذت منهم مقسطة بتكرر الأعوام رفقا بهم وليستمر نفع ~~الإسلام بها وقوته كل عام بخراج الأرضين. # قال الأكثرون: لما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجزية على أهل ~~الكتاب والمجوس لم يطالبهم بها حتى ضربها عليهم، ولا ألزمهم بأدائها في ~~الحال وقت نزول الآية بل صالحهم عليها، وكان يبعث رسله وسعاته فيأتون ~~بالجزية والصدقة عند محلهما، واستمرت على ذلك سيرة خلفائه من بعده، وهذا ~~مقتضى قواعد الشريعة وأصولها، فإن الأموال التي تتكرر بتكرر الأعوام إنما ~~تجب في آخر العام لا في أوله كالزكاة والدية، ولو أن رجلا أجل على رجل مالا ~~كل عام يعطيه كذا وكذا لم يكن له المطالبة بقسط العام الأول عقيب العقد. # وأما قوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية} [التوبة: 29] ، فليس المراد به ~~العطاء الأول وحده بل العطاء المستمر المتكرر، ولو كان المراد به ما ذكرتم ~~لكان الواجب أخذ الجميع عقيب العقد، وهذا لا سبيل إليه على أن المعنى: حتى ~~يلتزموا عطاء الجزية وبذلها، وهذه كانت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فيهم أنهم إذا التزموا له بذل الجزية كف عنهم بمجرد التزامهم، ولهذا يحرم ~~قتالهم إذا التزموها قبل إعطائهم إياها اتفاقا، ولهذا قال - في حديث بريدة ~~-: " «فادعهم إلى الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم» " وإنما كان ~~يدعوهم إلى الإقرار بها والتزامها دون الأخذ في الحال. # واختلف أصحاب الشافعي فقال بعضهم: تجب بأول السنة دفعة واحدة ولكن تستقر ~~جزءا بعد جزء. # PageV01P148 # وقال بعضهم: معنى إضافة الوجوب إلى أول السنة انبساطه على جميع الأوقات، ~~لا أنها تجب دفعة واحدة بأول السنة، وبنوا على ذلك الأخذ بالقسط إذا أسلم ~~أو مات أو جن. # وقال بعضهم: إنما يدخل وقت وجوبها عند انقضاء السنة وهذا هو المشهور. ### | [فصل لا جزية على صبي ولا امرأة ولا مجنون] ### | 8 ms030 - # فصل # ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا مجنون. # هذا مذهب الأئمة الأربعة وأتباعهم. # قال ابن المنذر: ولا أعلم عن غيرهم خلافهم. # وقال أبو محمد في " المغني ": " لا نعلم بين أهل العلم خلافا في هذا ". # قال أبو عبيد: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا أيوب عن نافع عن أسلم # PageV01P149 # مولى عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أمراء الأجناد أن ~~يقاتلوا في سبيل الله ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم، ولا يقتلوا النساء ولا ~~الصبيان، ولا يقتلوا إلا من جرت عليه المواسي. # [وكتب إلى أمراء الأجناد: أن يضربوا الجزية، ولا يضربوها على النساء ~~والصبيان ولا يضربوها إلا على من جرت عليه المواسي] . # قال أبو عبيد: يعني من أنبت. # PageV01P150 # وهذا الحديث هو الأصل فيمن تجب عليه الجزية ومن لا تجب عليه، ألا تراه ~~إنما جعلها على الذكور المذكورين دون الإناث والأطفال، وأسقطها عمن لا ~~يستحق القتل وهم الذرية. # وقد جاء في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى معاذ باليمن: " «خذ من ~~كل حالم دينارا» " تقوية لقول عمر رضي الله عنه، ألا تراه - صلى الله عليه ~~وسلم - خص الحالم دون المرأة والصبي؟ إلا أن في بعض ما ذكرنا من كتبه: " ~~الحالم والحالمة " فنرى - والله أعلم - أن المحفوظ المثبت من ذلك هو # PageV01P151 # الحديث الذي لا ذكر للحالمة فيه، لأنه الأمر الذي عليه المسلمون، وبه كتب ~~عمر رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد. # فإن يكن الذي فيه ذكر الحالمة محفوظا فإن وجهه عندي أن يكون ذلك كان في ~~أول الإسلام، إذ كان نساء المشركين وولدانهم يقتلون مع رجالهم، وقد كان ذلك ~~ثم نسخ. # ثم ذكر حديث الصعب بن جثامة الذي في " صحيح البخاري " «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بعث سرية فأصابت من أبناء المشركين، فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " هم من آبائهم» ". # قال أبو عبيد: ثم جاء النهي بعد ذلك - وذكر الأحاديث التي فيها النهي عن ~~قتل النساء والذرية -. # قلت: لم يشرع رسول الله - صلى الله عليه ms031 وسلم - قتل النساء والذرية في ~~شيء من مغازيه ألبتة. # PageV01P152 # والنبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتل النساء والذرية في مغازيه قبل ~~إرسال معاذ إلى اليمن كما في " الصحيحين " من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ~~قال: «وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فأنكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتل النساء والصبيان» . # «ورأى الناس في بعض غزواته مجتمعين على شيء، فبعث رجلا فقال: " انظر علام ~~اجتمع هؤلاء " فجاء فقال: امرأة قتيل، فقال: " ما كانت هذه لتقاتل "، وكان ~~على المقدمة خالد بن الوليد فبعث رجلا فقال: " قل لخالد لا يقتلن امرأة ولا ~~عسيفا» ". # وفي لفظ: " «لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا» " ذكره أحمد. # PageV01P153 # وفي " سنن أبي داود " عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: " «انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ولا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا ولا صغيرا، ولا ~~امرأة ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين» ~~". # بل النهي عن قتل النساء وقع يوم الخندق ويوم خيبر، كما في " المسند " من ~~حديث ابن كعب بن مالك عن عمه «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين بعث إلى ~~ابن أبي الحقيق بخيبر نهى عن قتل النساء والصبيان» . # PageV01P154 # وفي " المعجم " للطبراني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مر بامرأة يوم الخندق مقتولة، فقال: " من قتل هذه؟ " ~~فقال رجل: أنا يا رسول الله، قال: " ولم؟ " قال نازعتني سيفي، فسكت» . # PageV01P155 # وهذا كله كان قبل إرسال معاذ إلى اليمن. # فالصواب أن ذكر الحالمة في الحديث غير محفوظ، والله أعلم. ### | [فصل المرأة إن بذلت الجزية من نفسها] ### | 9 - # فصل # [المرأة إن بذلت الجزية من نفسها] # فإن بذلت المرأة الجزية أخبرت أنه لا جزية عليها، فإن قالت: (أنا أتبرع ~~بها) قبل منها ولم تكن جزية ولو شرطته على نفسها ولها الرجوع متى شاءت، وإن ~~بذلت لتصير إلى دار ms032 الإسلام ولا تسترق مكنت من ذلك بغير شيء، ولكن يشترط ~~عليها التزام أحكام الإسلام وتعقد لها الذمة ولا يؤخذ منها شيء إلا أن ~~تتبرع به بعد معرفتها أنه لا شيء عليها. # وإن أخذ منها شيء على غير ذلك رد إليها لأنها بذلته معتقدة أنه عليها وأن ~~دمها لا يحقن إلا به، فأشبه من أدى مالا إلى من يعتقد أنه له، فتبين أنه ~~ليس له. # ولو حاصر المسلمون حصنا ليس فيه إلا نساء فبذلن الجزية لتعقد لهن الذمة ~~عقدت لهن بغير شيء وحرم استرقاقهن. # فإن كان معهن في الحصن رجال فسألوا الصلح لتكون الجزية على النساء ~~والصبيان دون الرجال لم يصح، وإن بذلوها على الجميع جاز وكان جزية على ~~الرجال خاصة. # PageV01P156 ### | [فصل أحكام أولاد أهل الذمة إذا بلغوا والمجنون إذا أفاق] ### | 10 - # فصل # [أحكام أولاد أهل الذمة إذا بلغوا والمجنون إذا أفاق] # فإذا بلغ الصبي من أهل الذمة، وأفاق المجنون لم يحتج إلى تجديد عقد وذمة ~~بل العقد الأول يتناول البالغين ومن سيبلغ من أولادهم أبدا، وعلى هذا ~~استمرت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنة خلفائه كلهم في جميع ~~الأعصار حتى يومنا هذا، لم يفردوا كل من بلغ بعقد جديد. # وقال الشافعي: يخير البالغين والمفيق بين التزام العقد وبين أن يرد إلى ~~مأمنه، فإن اختار الذمة عقدت له وإن اختار اللحاق بمأمنه أجيب إليه. # وقال القاضي في " الأحكام السلطانية ": وقول الجمهور أصح وأولى، فإنه لم ~~يأت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد خلفائه تجديد العقد ~~لهؤلاء، ولا يعرف أنه عمل به في وقت من الأوقات ولا يهمل الأئمة مثل هذا ~~الأمر لو كان مشروعا. # ولأنهم دخلوا في العقد تبعا مع أوليائهم كما كانوا يدخلون في عقد الهدنة ~~تبعا، ولأنه عقد مع الكفار فلم يحتج إلى استئنافه لهؤلاء كعقد المؤمنين، ~~وكيف يجوز إلحاقه بمأمنه وتسليطه على محاربتنا بماله ونفسه؟ وأي مصلحة ~~للإسلام في هذا؟ وأي سنة جاءت به وأي إمام عمل به؟ # PageV01P157 # وإذا كان البلوغ والإفاقة في ms033 أول حول قومه أخذت منه الجزية في آخره معهم، ~~وإن كان في أثنائه أخذ منه في آخره بقسطه ولم يترك حتى يتم حوله لئلا يحتاج ~~إلى إفراده لحول وضبط حول كل واحد منهم، وذلك يفضي إلى أن يصير لكل واحد ~~حول مفرد. # وقال أصحاب مالك: وإذا بلغ الصبي أخذت منه عند بلوغه، ولم ينتظر مرور ~~الحول بعد بلوغه. # ووجه هذا أن بلوغه بمنزلة حصول العقد مع قومه. # وإذا صولحوا أخذت منهم الجزية في الحال، ثم تؤخذ منهم بعد ذلك لكل عام، ~~كما فعل معاذ بأهل اليمن فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره حين بعثه ~~إليهم أن يأخذ من كل حالم دينارا، ثم استمر ذلك مؤجلا، وهكذا فعل لما صالح ~~أكيدر دومة وهكذا فعل خلفاؤه من بعده كانوا يأخذون الجزية من الكفار حين ~~الصلح ثم يؤجلونها كل عام، وهذا الذي أوجب لأبي حنيفة أن قال: " تجب بأول ~~الحول ". ### | [فصل من كان يجن ويفيق فله ثلاثة أحوال] ### | 11 - # فصل. # ومن كان يجن ويفيق فله ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يكون جنونه غير مضبوط، فهذا يعتبر أغلب أحواله فيجعل من أهله. # PageV01P158 # الثاني: أن يكون ذلك مضبوطا كيوم ويوم، وشهر وشهر، ونحوه ففيه وجهان. # أحدهما: يعتبر الأغلب من حالته، وهذا مذهب أبي حنيفة. # والثاني: تلفق أيام إفاقته، وعلى هذا الوجه ففي مقدار وقت جزيته وجهان. # أحدهما: أنه إذا اجتمع له من أيام إفاقته حول أخذت منه الجزية. # والثاني: تؤخذ منه في آخر كل حول بقدر إفاقته منه وإن كان يجن ثلث الحول ~~ويفيق ثلثيه أو بالعكس ففيه الوجهان كما ذكرنا، فإن استوت إفاقته وجنونه ~~ولم يغلب أحدهما الآخر لفقت إفاقته بقدر اعتبار الأغلب لعدمه فتعين ~~التلفيق. # الحال الثالث: أن يجن نصف حول ثم يفيق إفاقة مستمرة أو يفيق نصفه ثم يجن ~~جنونا مستمرا فلا جزية عليه في وقت جنونه وعليه منها بقدر ما أفاق من ~~الحول. ### | [فصل لا جزية على فقير عاجز عن أدائها] ### | 12 - # فصل. # ولا جزية على فقير عاجز عن أدائها: هذا ms034 قول الجمهور. # وللشافعي ثلاثة أقوال هذا أحدها. # والثاني: يجب عليه، وعلى هذا قولان: # أحدهما: أنه يخرج من بلاد الإسلام، أو لا سبيل إلى إقامته في دار الإسلام ~~بغير جزية. # PageV01P159 # والثاني: تستقر في ذمته وتؤخذ منه إذا قدر عليها. # والصحيح أنها لا تجب على عاجز عنها، فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ~~وإنما فرضها عمر رضي الله عنه على الفقير المعتمل لأنه يتمكن من أدائها ~~بالكسب، وقواعد الشريعة كلها تقتضي ألا تجب على عاجز كالزكاة والدية ~~والكفارة والخراج و {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} [الطلاق: 7] ، ولا ~~واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة. # فإن قيل: نحن لا نكلفه بها في حال إعساره بل تستقر دينا في ذمته، فمتى ~~أيسر طولب بها لما مضى كسائر الديون، قيل: هذا معقول في ديون الآدميين، ~~وأما حقوق الله تعالى فإنه إنما أوجبها على القادرين دون العاجزين. # فإن قيل: الجزية أجرة عن سكنى الدار فتستقر في الذمة، قيل: انتفاء أحكام ~~الإجارة عنها جميعها يدل على أنها ليست بأجرة، فلا يعرف حكم من أحكام ~~الإجارة في الجزية، وقد تقدم أن عمر رضي الله عنه أجرى على السائل الذمي ~~رزقه من بيت المال، فكيف يكلف أداء الجزية وهو يرزق من بيت مال المسلمين؟ ! # PageV01P160 ### | [فصل من لا تؤخذ منه الجزية من أهل الذمة] ### | 13 - # فصل # [من لا تؤخذ منه الجزية من أهل الذمة] # ولا جزية على شيخ فان ولا زمن ولا أعمى ولا مريض لا يرجى برؤه بل قد أيس ~~من صحته وإن كانوا موسرين، وهذا مذهب أحمد وأصحابه وأبي حنيفة ومالك ~~والشافعي في أحد أقواله ; لأن هؤلاء لا يقتلون ولا يقاتلون، فلا تجب عليهم ~~الجزية كالنساء والذرية. # قال الشافعي في القول الآخر: تجب عليهم الجزية بناء على أنها أجرة السكنى ~~وأنهم رجال بالغون موسرون، فلا يقيمون في دار الإسلام بغير جزية، وحديث ~~معاذ يدل عليه بعمومه، وحديث عمر يتناوله بعمومه أيضا فإنه أمر أن تضرب على ~~من جرت عليه المواسي، وإن الجزية إن كانت أجرة ms035 عن سكنى الدار فظاهر، وإن ~~كانت عقوبة على الكفر فكذلك أيضا فعلى التقديرين: لا يقرون بغير جزية. # وأصحاب القول الأول يقولون: لما لم يكن هؤلاء من أهل القتال لم يكن عليهم ~~جزية كالنساء والصبيان، وقد قال أحمد في رواية عنه: من أطبق بابه على نفسه ~~ولم يقاتل لم يقتل ولا جزية عليه. ### | [فصل رهبان أهل الذمة] ### | 14 - # فصل # [رهبان أهل الذمة] # فأما الرهبان فإن خالطوا الناس في مساكنهم ومعايشهم فعليهم الجزية # PageV01P161 # باتفاق المسلمين، وهم أولى بها من عوامهم فإنهم رءوس الكفر وهم بمنزلة ~~علمائهم وشمامستهم، وإن انقطعوا في الصوامع والديارات لم يخالطوا الناس في ~~معايشهم ومساكنهم، فهل تجب عليهم الجزية؟ فيه قولان للفقهاء وهما روايتان ~~عن الإمام أحمد أشهرهما: لا تجب عليه، وهو قول محمد والثانية تجب عليه وهو ~~قول أبي حنيفة إن كان معتملا. # وقال أحمد: تؤخذ من الشماس والراهب وكل من أنبت، وهو ظاهر قول الشافعي، ~~وعليه يدل ظاهر عموم القرآن والسنة، ومن لم ير وجوبها احتج بأنه ليس من أهل ~~القتال. # وقد أوصى الصديق رضي الله عنه بأن لا يتعرض لهم فقال في وصيته ليزيد بن ~~أبي سفيان حين وجهه إلى الشام: " لا تقتل صبيا ولا امرأة ولا هرما، وستمرون ~~على أقوام في الصوامع احتبسوا أنفسهم فيها، فدعهم حتى يميتهم الله على ~~ضلالتهم، وستجدون أقواما فحصوا عن أوساط رءوسهم فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف ~~". # PageV01P162 ### | [فصل الذمي يترهب بعد ضرب الجزية عليه] ### | 15 - # فصل # [الذمي يترهب بعد ضرب الجزية عليه] # فإن ترهب بعد ضرب الجزية عليه وترك مخالطة الناس فهل تسقط الجزية عنه ~~بذلك؟ فلم أر لأصحابنا فيها كلاما، فيحتمل أن يقال: لا تسقط عنه وهو الذي ~~ذكره مالك ; لأن ترهبه ليس بعذر له في إسقاط ما وجب عليه. # قالوا: ولأنه يمكن أن يكون ترهبه لتسقط الجزية عنه، واحتمل أن يقال ~~بسقوطها فإنه مانع لو قارن العقد منع الجزية، فأشبه العجز والجنون والصغر. # PageV01P164 ### | [فصل فلاحو أهل الذمة] ### | 16 - # فصل # [فلاحو أهل الذمة] # وأما الفلاحون الذين لا يقاتلون والحراثون ms036 فظاهر كلام الأصحاب أن تؤخذ ~~منهم الجزية ; لأنهم لم يستثنوهم مع من استثني، وظاهر كلام أحمد أنه لا ~~جزية عليهم فإنه قال: من أطبق بابه على نفسه ولم يقاتل لم يقتل ولا جزية ~~عليه. # وقال في " المغني ": فأما الفلاح الذي لا يقاتل فينبغي ألا يقتل لما روي ~~عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: اتقوا الله في الفلاحين الذين لا ~~ينصبون لكم في الحرب. # وقال الأوزاعي: لا يقتل الحراث إذا علم أنه ليس من المقاتلة. # وقال الشافعي: يقتل إلا أن يؤدي الجزية، لدخوله في عموم المشركين. # وأما قول عمر، فإن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتلوهم حين ~~فتحوا البلاد ; ولأنهم لا يقاتلون فأشبهوا الشيوخ والرهبان، انتهى كلامه ~~وظاهره أنه لا جزية عليهم. # PageV01P165 ### | [فصل تؤخذ الجزية من أهل خيبر كغيرهم من أهل الذمة] ### | 17 - # فصل # [تؤخذ الجزية من أهل خيبر كغيرهم من أهل الذمة] # وأهل خيبر وغيرهم من اليهود في الذمة والجزية سواء، لا يعلم نزاع بين ~~الفقهاء في ذلك. # ورأيت لشيخنا في ذلك فصلا نقلته من خطه بلفظه قال: " والكتاب الذي بأيدي ~~الخيابرة الذي يدعون أنه بخط علي في إسقاط الجزية عنهم باطل، وقد ذكر ذلك ~~الفقهاء من أصحابنا وأصحاب الشافعي وغيرهم كأبي العباس بن شريح والقاضي أبي ~~يعلى والقاضي الماوردي وأبي محمد المقدسي وغيرهم، وذكر الماوردي أنه إجماع ~~وصدق ". # قال: " هذا الحكم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، ثابت بالعموم لفظا ~~ومعنى، وهو عموم منقول بالتواتر لم يخصه أحد من علماء الإسلام، ولا دليل ~~على شيء أوله الشرع فيمتنع تخصيصه بما لا تعرف صحته ولا وجد أيضا في ~~الشريعة للمخصص، فإن الواحد من المسلمين مثل أبي بردة # PageV01P166 # بن دينار وسالم أبي حذيفة إنما خص بحكم لقيام معنى اختص به، وليس كذلك ~~اليهود وأعقابهم، بل الخيابرة قد صدر منهم محاربة الله ورسوله وفي قتال علي ~~لهم ما يكونون به أحق بالإهانة، فأما الإكرام وترك الجهاد إلى الغاية التي ~~أمر الله بها في أهل دينهم فلا وجه له. # وأيضا ms037 فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يضرب جزية راتبة على من حاربه ~~من اليهود، لا بني قينقاع ولا النضير ولا قريظة ولا خيبر، بل نفى بني ~~قينقاع إلى أذرعات، وأجلى النضير إلى خيبر، وقتل قريظة وقاتل أهل خيبر، ~~فأقرهم فلاحين ما شاء الله وأمر بإخراج اليهود والنصارى من # PageV01P167 # جزيرة العرب، لكن لما بعث معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم ~~دينارا أو عدله معافر. # قلت: ومقصود شيخنا: أن أهل خيبر وغيرهم من اليهود كانوا في حكمه سواء، ~~فلم يأخذ الجزية من غيرهم حتى أسقطها عنهم، فإن الجزية إنما نزلت فريضتها ~~بعد فراغه من اليهود وحربهم، فإنها نزلت في سورة " براءة " عام حجة الصديق ~~رضي الله عنه سنة تسع، وقتاله لأهل خيبر كان في السنة السابعة وكانت خيبر ~~بعد صلح الحديبية جعلها الله سبحانه شكرانا لأهل الحديبية وصبرهم، كما جعل ~~فتح قريظة بعد الخندق شكرانا وجبرا لما حصل للمسلمين في تلك الغزوة، وكما ~~جعل النضير بعد أحد كذلك وجعل قينقاع بعد بدر، وكل واقعة من وقائع رسول ~~الله # PageV01P168 # - صلى الله عليه وسلم - بأعداء الله اليهود كانت بعد غزوة من غزوات ~~الكفار، ولم تكن الجزية نزلت بعد فلما نزلت أخذها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من نصارى نجران، وهم أول من أخذت منهم الجزية كما تبين، وبعث ~~معاذ فأخذها من يهود اليمن. ### | [تزوير يهود خيبر كتابا في إسقاط الجزية عنهم] # فإن قيل: فلم يأخذها من أهل خيبر بعد نزولها؟ قيل: كان قد تقدم صلحه لهم ~~على إقرارهم في الأرض بنصف ما يخرج منها ما شاء، فوفى لهم عهدهم ولم يأخذ ~~منهم غير ما شرط عليهم، فلما أجلاهم عمر رضي الله عنه إلى الشام ظنوا أنهم ~~يستمرون على أن يعفوا منها فزوروا كتابا يتضمن أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أسقطها عنهم بالكلية، وقد صنف الخطيب والقاضي وغيرهما في إبطال ~~ذلك الكتاب تصانيف ذكروا فيها وجوها تدل على أن ذلك الذي بأيديهم موضوع ~~باطل. # قال شيخنا: " ولما كان ms038 عام إحدى وسبعمائة أحضر جماعة من يهود دمشق عهودا ~~ادعوا أنها قديمة، وكلها بخط علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد غشوها بما ~~يقتضي تعظيمها، وكانت قد نفقت على ولاة الأمور من مدة طويلة، فأسقطت عنهم ~~الجزية بسببها وبأيديهم تواقيع ولاة، فلما وقفت عليها تبين في نفسها ما يدل ~~على كذبها من وجوه كثيرة جدا. # PageV01P169 # منها: اختلاف الخطوط اختلافا متفاقما في تأليف الحروف الذي يعلم معه أن ~~ذلك لا يصدر عن كاتب واحد، وكلها نافية أنه خط علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه. # ومنها: أن فيها من اللحن الذي يخالف لغة العرب ما لا يجوز نسبة مثله إلى ~~علي رضي الله عنه ولا غيره. # ومنها: الكلام الذي لا يجوز نسبته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~حق اليهود مثل قوله: " أنهم يعاملون بالإجلال والإكرام " وقوله: " السلام ~~عليكم ورحمة الله وبركاته " وقوله: " أحسن الله بكم الجزاء " وقوله: " ~~وعليه أن يكرم محسنكم ويعفو عن مسيئكم " وغير ذلك. # ومنها: أن في الكتاب إسقاط الخراج عنهم مع كونهم في أرض الحجاز، والنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يضع خراجا قط، وأرض الحجاز لا خراج فيها بحال، ~~والخراج أمر يجب على المسلمين، فكيف يسقط عن أهل الذمة. # ومنها: أن في بعضها إسقاط الكلف والسخر عنهم، وهذا مما فعله الملوك ~~المتأخرون لم يشرعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه. # وفي بعضها أنه شهد عنده عبد الله بن سلام وكعب بن مالك وغيرهما من أحبار ~~اليهود، وكعب بن مالك لم يكن من أحبار اليهود فاعتقدوا أنه كعب بن مالك، ~~وذلك لم يكن من الصحابة وإنما أسلم على عهد عمر رضي الله عنه. # ومنها: أن لفظ الكلام ونظمه ليس من جنس كلام النبي صلى الله # PageV01P170 # عليه وسلم. # ومنها: أن فيه من الإطالة والحشو وما لا يشبه عهود النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وفيها وجوه أخر متعددة مثل أن هذه العهود لم يذكرها أحد من العلماء ~~المتقدمين قبل ابن شريح، ولا ذكروا أنها رفعت إلى أحد ms039 من ولاة الأمور ~~فعملوا بها، ومثل ذلك مما يتعين شهرته ونقله. # قلت: ومنها أن هذا لم يروه أحد من مصنفي كتب السير والتاريخ، ولا رواه ~~أحد من أهل الحديث ولا غيرهم ألبتة، وإنما يعرف من جهة اليهود ومنهم بدأ ~~وإليهم يعود. ### | [فصل أحكام عبيد أهل الذمة] ### | 18 - # فصل # [أحكام عبيد أهل الذمة] # وأما العبد فإن كان سيده مسلما فلا جزية عليه باتفاق أهل العلم، ولو وجبت ~~عليه لوجبت على سيده فإنه هو الذي يؤديها عنه. # وفي " السنن " و " المسند " من حديث ابن عباس رضي الله عنهما # PageV01P171 # قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " «لا تصلح قبلتان في أرض، ~~وليس على مسلم جزية» ". # وإن كان العبد لكافر فالمنصوص عن أحمد أنه لا جزية عليه أيضا: وهو قول ~~عامة أهل العلم. # قال ابن المنذر: أجمع كل من [نحفظ] عنه من أهل العلم على أنه لا جزية على ~~العبد. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " «لا جزية على عبد» " ~~وفي رفعه نظر وهو ثابت عن ابن عمر «وإن العبد محقون الدم» # PageV01P172 # فأشبه النساء والصبيان ; ولأنه لا مال له فهو أسوأ حالا من الفقير ~~العاجز، ولأنها لو وجبت عليه لوجبت على سيده إذ هو المؤدي لها عنه فيجب ~~عليه أكثر من جزية، ولأنه تبع فلم تجب عليه الجزية كذرية الرجل وامرأته، ~~ولأنه مملوك فلم تجب عليه كبهائمه ودوابه. # وعن أحمد رواية أخرى أنها تجب عليه، ونحن نذكر نصوص أحمد من الطريقين. # قال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن العبد النصراني عليه جزية؟ قال: ليس ~~عليه جزية. # وقال في موضع آخر: قلت فالعبد ليس عليه جزية لنصراني كان أم لمسلم كما ~~قال أبو محمد رضي الله عنه. # وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن رجل مسلم كاتب عبدا نصرانيا هل تؤخذ ~~من العبد الجزية من مكاتبته؟ فقال: إن العبد ليس عليه جزية والمكاتب عبد ما ~~بقي عليه درهم. # PageV01P173 # وقال أحمد: ثنا يزيد، ثنا سعيد عن قتادة عن سفيان ms040 العقيلي عن أبي عياض ~~قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تشتروا من رقيق أهل الذمة ولا مما ~~في أيديهم لأنهم أهل خراج يبيع بعضهم بعضا، ولا يقرن أحدكم بالصغار بعد إذ ~~أنقذه الله منه. # قال حنبل: سمعت أبا عبد الله قال: أراد عمر أن يوفر الجزية ; لأن المسلم ~~إذا اشتراه سقط عنه أداء ما يؤخذ منه، والذمي يؤدي عنه وعن مملوكه خراج ~~جماجمهم، إذا كانوا عبيدا أخذ منهم جميعا الجزية. # وقال إسحاق بن منصور: قلت لأبي عبد الله: قول عمر " لا تشتروا رقيق أهل ~~الذمة "، قال: لأنهم أهل خراج يؤدي بعضهم عن بعض، فإذا صار إلى المسلم ~~انقطع عنه ذلك. # PageV01P174 ### | [فصل حكم من كان بعضه حرا من عبيد أهل الذمة] ### | 19 - # فصل # [حكم من كان بعضه حرا من عبيد أهل الذمة] # ومن بعضه حر فقياس المذهب أن عليه الجزية بقدر ما فيه من الحرية. ### | [فصل العبد من أهل الذمة إن أعتق] ### | 20 - # فصل # [العبد من أهل الذمة إن أعتق] # فإن عتق العبد فهل تجب عليه الجزية؟ فيه روايتان عن أحمد: # إحداهما: أن الجزية واجبة عليه سواء كان المعتق مسلما أو كافرا، وهذا ~~ظاهر المذهب وقول أكثر أهل العلم منهم الإمام الشافعي وأبو حنيفة والليث بن ~~سعد وسفيان الثوري وغيرهم. # والثانية: لا جزية عليه، ونص عليها في رواية بكر بن محمد عن أبيه أنه قال ~~لأبي عبد الله: النصراني الذي أعتق عليه الجزية؟ قال: ليس عليه جزية ; لأن ~~ذمته ذمة مواليه ليس عليه جزية. # ووهن الخلال هذه الرواية وقال: هذا قول قديم رجع عنه أحمد، والعمل على ما ~~رواه الجماعة. # PageV01P175 # وعن الإمام مالك روايتان أيضا: # إحداهما: أن عليه الجزية، إن كان المعتق له مسلما فلا جزية عليه، إن عليه ~~الولاء لسيده وهو شعبة من الرق وإنه عبد المسلم. # قلت: وهي مسألة اختلف فيها التابعون، فعمر بن عبد العزيز أخذ منه الجزية ~~والشعبي لم ير عليه جزية وقال: ذمته ذمة مولاه. حكاه أحمد عنهما. ### | [فصل العبد من أهل الذمة ms041 إن أسلم] ### | 21 - # فصل # [العبد من أهل الذمة إن أسلم] # ومن أسلم سقطت عنه الجزية سواء أسلم في أثناء الحول أو بعده. # ولو اجتمعت عليه جزية سنين ثم أسلم سقطت كلها، هذا قول فقهاء المدينة ~~وفقهاء الرأي وفقهاء الحديث إلا الشافعي وأصحابه فإنه قال: إن أسلم بعد ~~الحول لم تسقط ; لأنه دين استحقه صاحبه واستحق المطالبة به في حال الكفر ~~فلم تسقط بالإسلام كالخراج وسائر الديون وله - فيما إذا أسلم في أثناء ~~الحول - قولان: # أحدهما: أنها تسقط. # والثاني: أنها تؤخذ بقسطه، والصحيح الذي لا ينبغي القول بغيره سقوطها، ~~وعليه تدل سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنة خلفائه، وذلك من ~~محاسن الإسلام وترغيب الكفار فيه، وإذا كان رسول الله صلى # PageV01P176 # الله عليه وسلم يعطي الكفار على الإسلام حتى يسلموا يتألفهم بذلك، فكيف ~~ينفر عن الدخول في الإسلام من أجل دينار؟ فأين هذا من ترك الأموال للدخول ~~في الإسلام؟ # قال سفيان الثوري عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " «ليس على مسلم جزية» ". # قال أبو عبيد: تأويل هذا الحديث: لو أن رجلا أسلم في آخر السنة وقد وجبت ~~الجزية عليه، أن إسلامه يسقطها عنه فلا تؤخذ منه وإن كانت قد لزمته قبل ذلك ~~; لأن المسلم لا يؤدي الجزية ولا تكون عليه دينا [كما لا تؤخذ منه فيما ~~يستأنف بعد الإسلام] ، وقد روي عن عمر وعلي وعمر بن عبد العزيز ما يحقق هذا ~~المعنى. # حدثنا عبد الرحمن عن حماد بن سلمة عن عبيد الله بن رواحة قال: كنت مع ~~مسروق بالسلسلة فحدثني أن رجلا من الشعوب - يعني الأعاجم - أسلم وكانت تؤخذ ~~منه الجزية، فأتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين أسلمت ~~والجزية تؤخذ مني، فقال: لعلك أسلمت متعوذا؟ فقال أما في الإسلام ما ~~يعيذني؟ قال: فكتب أن لا تؤخذ منه # PageV01P177 # الجزية. # وحدثنا هشيم قال: أخبرنا سيار عن الزبير بن عدي قال: أسلم دهقان على عهد ~~علي رضي الله عنه ms042 فقال له علي رضي الله عنه: إن أقمت في أرضك رفعنا عنك ~~جزية رأسك وأخذناها من أرضك، وإن تحولت عنها فنحن أحق بها. # وحدثنا يزيد بن هارون عن المسعودي عن محمد بن عبيد الله الثقفي أن دهقانا ~~أسلم فقام إلى علي فقال له علي: أما أنت فلا جزية عليك، وأما أرضك فلنا. # PageV01P178 # وحدثنا حجاج عن حماد بن سلمة عن حميد قال: كتب عمر بن عبد العزيز: من شهد ~~شهادتنا واستقبل قبلتنا واختتن فلا تأخذوا منه جزية. # قال أبو عبيد: أفلا ترى أن هذه الأحاديث قد تتابعت عن أئمة الهدى بإسقاط ~~الجزية عمن أسلم، ولم ينظروا في أول السنة كان ذلك ولا في آخرها، فهو عندنا ~~على أن الإسلام أهدر ما كان قبله منها، وإنما احتاج الناس إلى هذه الآثار ~~في زمن بني أمية لأنه يروى عنهم أو عن بعضهم، أنهم كانوا يأخذونها منهم وقد ~~أسلموا يذهبون إلى أن الجزية بمنزلة الضرائب على العبيد، يقولون: لا يسقط ~~إسلام العبد عنه ضريبته، ولهذا اختار من اختار من القراء الخروج عليهم. # وقد روي عن يزيد بن أبي حبيب ما يثبت ما كان من أخذهم إياها. # حدثنا عبد الله بن صالح، ثنا حرملة بن عمران عن يزيد بن أبي حبيب قال: " ~~أعظم ما أتت هذه الأمة بعد نبيها ثلاث خصال: قتلهم عثمان بن # PageV01P179 # عفان، وإحراقهم الكعبة، وأخذهم الجزية من المسلمين. # والجزية وضعت في الأصل إذلالا للكفار وصغارا فلا تجامع الإسلام بوجه، ~~ولأنها عقوبة فتسقط بالإسلام وإذا كان الإسلام يهدم ما قبله من الشرك ~~والكفر والمعاصي فكيف لا يهدم ذل الجزية وصغارها؟ وإن المقصود تألف الناس ~~على الإسلام بأنواع الرغبة فكيف لا يتألفون بإسقاط الجزية؟ وكان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يعطي على الإسلام عطاء لا يعطيه على غيره، وقد جعل ~~الله سبحانه سهما في الزكاة للمؤلفة قلوبهم، فكيف لا يسقط عنهم الجزية ~~بإسلامهم؟ وكيف يسلط الكفار أن يتحدثوا بينهم بأن من أسلم منهم أخذ بالضرب ~~والحبس ومنع ما يملكه حتى يعطي ما عليه ms043 من الجزية؟ ### | [فصل الكافر إن مات في أثناء الحول] ### | 22 - # فصل # [الكافر إن مات في أثناء الحول] # فإن مات الكافر في أثناء الحول سقطت عنه ولم تؤخذ بقدر ما أدرك منه، وإن ~~مات بعد الحول فذهب الشافعي إلى أنها لا تسقط وتؤخذ من # PageV01P180 # تركته وهو ظاهر كلام أحمد. # وقال أبو حنيفة: تسقط بالموت، وحكاه أبو الخطاب عن شيخه القاضي. # قال أبو عبيد: وأما موت الذمي في آخر السنة فقد اختلف فيه. # فحدثنا سعيد بن عفير عن عبد الله بن لهيعة عن عبد الرحمن بن جنادة - كاتب ~~حيان بن شريج - وكان حيان بن شريج بعث إلى عمر بن عبد العزيز وكتب إليه ~~يستفتيه: أيجعل جزية موتى القبط على أحيائهم؟ فسأل عمر عن ذلك عراك بن ~~مالك، وعبد الرحمن يسمع فقال: ما سمعت لهم بعقد ولا عهد، إنما أخذوا عنوة ~~بمنزلة الصيد، فكتب عمر إلى حيان بن شريج يأمره أن يجعل جزية الأموات على ~~الأحياء، وكان حيان واليه على مصر. # قال: وقد روي من وجه آخر عن معقل بن عبيد الله عن عمر بن عبد العزيز أنه ~~قال: ليس على من مات ولا من أبق جزية يقول: لا تؤخذ من ورثته بعد موته، ولا ~~يجعلها بمنزلة الدين، ولا تؤخذ من أهله إذا هرب عنهم # PageV01P181 # منها لأنهم لم يكونوا ضامنين لذلك. # قال الآخذون لها: هي دين وجب عليه في حياته فلم يسقط بموته، كديون ~~الآدميين. # وقال المسقطون: هي عقوبة، فتسقط بالموت كالحدود ; ولأنها صغار وإذلال ~~فزال بزوال محله، وقولكم: إنها دين فلا تسقط بالموت إنما يتأتى على أصل من ~~لا يسقطها بالإسلام، وأما من أسقطها بالإسلام فلا يصح منه هذا الاستدلال، ~~ولا ريب أن الجزية عقوبة وحق عليه ففيها الأمران، فمن غلب جانب العقوبة ~~أسقطها بالموت كما تسقط العقوبات الدنيوية عن الميت، ومن غلب فيها جانب ~~الدين لم يسقطها، والمسألة تحتمله. والله أعلم. ### | [فصل إن اجتمعت على الذمي جزية سنين] ### | 23 - # فصل # [إن اجتمعت على الذمي جزية سنين] # فإن اجتمعت عليه جزية سنين ms044 استوفيت كلها عند الجمهور. # وقال أبو حنيفة: تتداخل وتؤخذ منه جزية واحدة، وأجراها مجرى العقوبة، ~~فتتداخل كالحدود، والجمهور جعلوها بمنزلة سائر الحقوق المالية كالدية ~~والزكاة وغيرهما. # وقول الجمهور أصح، إلا أن يناسب التخفيف عنه بترك أداء ما وجب عليه ~~للمسلمين ولاسيما إذا كان ممن لا يعذر بالتأخير. # ولو قيل بمضاعفته عليه عقوبة له لكان أقوى من القول بسقوطها، والله أعلم. # PageV01P182 ### | [فصل حكم بذل الجزية أو الخراج من عين ما نعتقد أنه محرم] ### | 24 - # فصل # [حكم بذل الجزية أو الخراج من عين ما نعتقد أنه محرم] # وإذا بذلوا ما عليهم من الجزية أو الخراج أو الدية أو الدين أو غيره من ~~عين ما نعتقد نحن محرما، ولا يعتقدون تحريمه كالخمر والخنزير، جاز قبوله ~~منهم: هذا مذهب أحمد وغيره من السلف. # قال الميموني: قرأت على أبي عبد الله: هل على أهل الذمة إذا اتجروا في ~~الخمر والخنزير العشر؟ أنأخذ منه؟ فأملى علي: قال عمر ولوهم بيعها لا يكون ~~هذا إلا على الأخذ. # قلت: كيف إسناده؟ قال إسناده جيد. # وقال يعقوب بن بختان: سألت أبا عبد الله عن خنازير أهل الذمة وخمورهم، ~~قال: لا تقتل خنازيرهم فإن لهم عهدا، وألا تأخذ منهم خمرا ولا خنزيرا يكون ~~لهم بيعها. # وقال عبد الله: قلت لأبي: فإن كان مع النصراني خمر وخنازير، كيف يصنع ~~بها؟ فقال: قال عمر: ولوهم بيعها [وقد قال بعض الناس: يقوم عليهم] وهو قول ~~شنيع ولا أراه يعجبني. # وكذلك نقل عنه صالح سواء. # PageV01P183 # وقال أبو عبيد: " باب أخذ الجزية من الخمر والخنازير " حدثنا عبد الرحمن ~~عن سفيان بن سعيد عن إبراهيم بن عبد الأعلى الجعفي عن سويد بن غفلة قال: ~~بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ناسا يأخذون الجزية من الخنازير، وقام ~~بلال فقال: إنهم ليفعلون، فقال عمر رضي الله عنه: لا تفعلوا، ولوهم بيعها. # وحدثنا الأنصاري عن إسرائيل عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة أن ~~بلالا قال لعمر: إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج، فقال: ms045 لا ~~تأخذوها منهم، ولكن ولوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن. # قال أبو عبيد: " يريد أن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذمة الخمر ~~والخنازير من جزية رءوسهم وخراج أرضيهم بقيمتها ثم يتولى المسلمون بيعها، ~~فهذا الذي أنكره بلال ونهى عنه عمر، ثم رخص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها ~~إذا كان أهل الذمة المتولين لبيعها ; لأن الخمر والخنازير مال من أموال أهل ~~الذمة ولا يكون مالا للمسلمين. # PageV01P184 # ومما يبين ذلك ما حدثني به علي بن معبد عن عبيد الله بن عمرو عن الليث بن ~~أبي سليم أن عمر كتب إلى العمال يأمرهم بقتل الخنازير، ويقضي أثمانها لأهل ~~الجزية من جزيتهم. # قال أبو عبيد: فهو لم يجعلها قصاصا من الجزية إلا وهو يراها مالا من ~~أموالهم فإذا مر الذمي بالخمر والخنازير على العاشر فإنه لا يطيب له أن ~~يعشرها ولا يأخذ ثمن العشر منها، وإن كان الذمي هو المتولي لبيعها أيضا. . ~~. . وهذا ليس من الباب الأول ولا يشبهه ; لأن ذلك حق وجب على رقابهم ~~وأرضيهم، والعشر هاهنا إنما هو شيء يوضع على الخمر والخنازير أنفسها فلذلك ~~ثمنها لا يطيب لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " «إن الله إذا حرم ~~شيئا حرم ثمنه» ". # PageV01P185 # قال أبو عبيد: وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أفتى في مثل ~~هذا بغير ما أفتى به في ذلك، وكذلك عمر بن عبد العزيز. # ثنا أبو الأسود المصري، حدثنا عبد الله بن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة ~~الشيباني أن عتبة بن فرقد بعث إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأربعين ألف ~~درهم صدقة الخمر، فكتب إليه عمر: بعثت إلي بصدقة الخمر، وأنت أحق بها من ~~المهاجرين، وأخبر الناس بذلك، وقال: والله لا أستعملك على شيء بعدها قال: ~~فنزعه. # قال: وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن المثنى بن سعيد الضبعي قال: كتب عمر ~~بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة: أن ابعث إلي بتفصيل الأموال التي قبلك من ~~أين دخلت، فكتب إليه بذلك وصنفه ms046 له فكان فيما كتب إليه من عشر الخمر أربعة ~~آلاف درهم، قال: فلبثنا ما شاء الله ثم جاء # PageV01P186 # جواب كتابه: إنك كتبت إلي تذكر من عشور الخمر أربعة آلاف درهم، وإن الخمر ~~لا يعشرها مسلم ولا يشتريها ولا يبيعها، فإذا أتاك كتابي هذا فاطلب الرجل ~~فارددها عليه فهو أولى بما كان فيها فطلب الرجل فردت عليه الأربعة الآلاف ~~وقال: أستغفر الله إني لم أعلم. # قال أبو عبيد: فهذا عندي الذي عليه العمل، وإن كان إبراهيم النخعي قد قال ~~غير ذلك. # حدثنا يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي كلاهما عن سفيان عن حماد ~~عن إبراهيم في الذمي يمر بالخمر على العاشر، قال: يضاعف عليه العشور. # قال أبو عبيد: وكان أبو حنيفة يقول: إذا مر على العاشر بالخمر والخنازير ~~- عشر الخمر ولم يعشر الخنازير. سمعت محمد بن الحسن يحدث بذلك عنه. # قال أبو عبيد: وقول الخليفتين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعمر بن عبد ~~العزيز رحمه الله أولى بالاتباع ألا يكون على الخمر عشر أيضا، انتهى. # وهذا الفرق هو محض الفقه، فإنهم إذا تبايعوها فيما بينهم فقد تعاقدوا على ~~ما يعتقدونه مالا، فإذا أخذناه منهم أخذنا ما هو حلال عندهم، # PageV01P187 # وإن كانوا لا يعتقدونه كل سنة كما اكتسبوه بعقود أو مواريث أو أسباب من ~~هبات ووصايا - فغيرها لا يجوز في شرعنا - وعاملونا به أو قضونا إياه مما ~~لنا عليهم، ساغ لنا أخذه وإن لم يسوغ في شرعنا تلك الأسباب التي حدها، كما ~~تأخذ المرأة من مهر في عقد نكاح لا نجيزه نحن وهم يعتقدونه نكاحا، وهذا ~~بخلاف ما سرقوه أو غصبوه أو اكتسبوه بوجه يعتقدون تحريمه كالربا، فإنه حرام ~~عليهم بنص التوراة. # وأما ما منعه الخليفتان فهو فرض العشر على نفس الخمر والخنازير إذا ~~اتجروا فيها، فهذا غير أخذ أثمانها منهم إذا كان لنا عليهم ذلك من وجه آخر. # فالفرق بين أن يكون المأخوذ من جهة الخمر والخنازير وبين أن يكون من جهة ~~الجزية والدين والدية وغيرها - ظاهر، وبالله ms047 التوفيق. ### | [فصل أخذ الجزية من أهل الكتاب وحل ذبائحهم ومناكحتهم] ### | 25 - # فصل. وأخذ الجزية من أهل الكتاب وحل ذبائحهم ومناكحتهم مرتب على أديانهم ~~لا على أنسابهم، فلا يكشف عن آبائهم هل دخلوا في الدين قبل المبعث أو بعده، ~~ولا قبل النسخ والتبديل ولا بعده، فإن الله سبحانه أقرهم بالجزية ولم يشرط ~~ذلك، وأباح لنا ذبائحهم وأطعمتهم ولم يشرط ذلك في حلها مع العلم بأن كثيرا ~~منهم دخل في دينهم بعد تبديله ونسخه، وكانت المرأة من الأنصار تنذر إن عاش ~~لها ولد أن تهوده، فلما جاء الإسلام أرادوا منع أولادهم من المقام على ~~اليهودية وإلزامهم بالإسلام، فأنزل الله تعالى: # PageV01P188 # {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [البقرة: 256] ، فأمسكوا ~~عنهم. # ومعلوم قطعا أن دخولهم في دين اليهودية كان بعد تبديله، وبعد مجيء المسيح ~~ولم يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدا ممن أقره بالجزية متى دخل ~~آباؤه في الدين ولا من كان يأكل هو وأصحابه من ذبائحهم من اليهود، ولا أحد ~~من خلفائه ألبتة. # PageV01P189 # وكيف يمكن العلم بهذا أو يكون شرطا في حل المناكحة والذبيحة والإقرار ~~بالجزية، ولا سبيل إلى العلم به إلا لمن أحاط بكل شيء علما؟ ! وأي شيء ~~يتعلق به من آبائه إذا كان هو على دين باطل لا يقبله الله؟ فسواء كان آباؤه ~~كذلك أو لم يكونوا. # «والنبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من يهود اليمن» وإنما دخلوا ~~في اليهودية بعد المسيح في زمن تبع، وأخذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وخلفاؤه من بعده من نصارى العرب، ولم يسألوا أحدا منهم عن مبدأ دخوله في ~~النصرانية هل كان قبل المبعث أو بعده، وهل كان بعد النسخ والتبديل أم لا؟ # PageV01P192 # وقد اختلف كلام الشافعي رحمه الله تعالى في الجزية والمناكحة فقال في " ~~المختصر ": (وأصل ما أبني عليه أن الجزية لا تقبل من أحد دان دين كتاب، إلا ~~أن يكون آباؤه دانوا به قبل نزول الفرقان، فلا تقبل ممن بدل يهودية ~~بنصرانية أو نصرانية بمجوسية أو مجوسية ms048 بنصرانية أو بغير الإسلام، وإنما ~~أذن الله عز وجل بأخذ الجزية منهم على ما دانوا به قبل محمد وذلك خلاف ما ~~أحدثوا من الدين بعده، فإن أقام على ما كان عليه وإلا نبذ إليه عهده وأخرج ~~من بلاد الإسلام بماله، وصار حربا، ومن بدل دينه من كتابية لم يحل نكاحها) ~~. # PageV01P193 # قال المزني: قد قال في كتاب " النكاح ": (إذا بدلت بدين يحل نكاح أهله ~~فهو حلال) ، وهذا عندي أشبه. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه ~~منهم} [المائدة: 51] ، فمن دان منهم دين أهل الكتاب قبل نزول الفرقان وبعده ~~سواء عندي في القياس وبالله التوفيق. # قال المنازعون له: الكلام على هذا من وجوه: # أحدها: أن يقال: الأصل الذي تبني عليه لا بد أن يكون معلوما ثبوته بكتاب ~~الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - نصا أو استنباطا، فأين في كتاب ~~الله عز وجل أو سنة رسوله أن الجزية لا تقبل ممن دان بدين إلا أن يكون ~~آباؤه دانوا به قبل نزول الفرقان؟ وأين يستنبط ذلك منهما أو من أحدهما ~~فيكون أصلا منصوصا أو مستنبطا؟ # PageV01P194 # الثاني: أن سكوت القرآن والسنة عن اعتبار ذلك في جميع المواضع، وعن ~~الإيماء إليه والدلالة عليه، دليل على عدم اعتباره. # الثالث: أن إطلاقهما وعمومهما المطردين في جميع المواضع متناول لكل من ~~اتصف بتلك الصفة، ولم يرد فيهما موضع واحد مخصص ولا مقيد، فيجب التمسك ~~بالعام حتى يقوم دليل على تخصيصه. # الرابع: أن عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - وسيرته في أهل الكتاب بعد ~~نزول الآية مبين أنه المراد منهما، وقد علم أنه - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يبن في أخذ الجزية وحل الذبائح والنكاح إلا على مجرد دينهم لا على آبائهم ~~وأنسابهم. # الخامس: أنه سبحانه قد حكم - ولا أحسن من حكمه - أنه من تولى اليهود ~~والنصارى فهو منهم: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] ، فإذا كان ~~أولياؤهم منهم بنص القرآن كان لهم حكمهم، وهذا عام خص منه من يتولاهم ودخل ~~في ms049 دينهم بعد التزام الإسلام، فإنه لا يقر ولا تقبل منه الجزية بل إما ~~الإسلام أو السيف، فإنه مرتد بالنص والإجماع ولا يصح إلحاق من دخل في دينهم ~~من الكفار قبل التزام الإسلام بمن دخل فيه من المسلمين. # يوضحه الوجه السادس: أن من دان بدينهم من الكفار بعد نزول الفرقان فقد ~~انتقل من دينه إلى دين خير منه وإن كانا جميعا باطلين. # وأما المسلم فإنه قد انتقل من دين الحق إلى الدين الباطل بعد إقراره # PageV01P195 # بصحة ما كان عليه وبطلان ما انتقل إليه فلا يقر. # السابع: أن دين أهل الكتاب قد صار باطلا بمبعث رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فلا فرق بين من اختاره بنفسه ممن لم يتقدم دخول آبائه فيه قبل ذلك ~~وبين من دخل فيه ممن تقدم دخول آبائه فيه، فإن كل واحد منهما اختار دينا ~~باطلا، وما على الرجل من أبيه؟ وأي شيء يتعلق به منه؟ # الثامن: أن تبعيته لأبيه منقطعة ببلوغه، بحيث صار مستقلا بنفسه في جميع ~~الأحكام فما بال تبعية الأب بعد البلوغ أثرت في إقراره على دين باطل قد قطع ~~الإسلام تبعيته فيه؟ # التاسع: أن ذلك الدين قد علم بطلانه ونسخه قطعا بمجيء المسيح، فقد أقر ~~على دين دخل فيه آباؤه بعد نسخه وتبديله. # العاشر: أن نسبة من دخل في اليهودية بعد بعث المسيح وترك دين المسيح، ~~كنسبة من دخل في النصرانية بعد مبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ ~~كلاهما دخل في دين باطل منسوخ. # الحادي عشر: أن آباء هذا الكتابي لو أدركوا دين الإسلام فدخلوا فيه، ~~وأقام هو على دينه بعد بلوغه لأقررناه ولم نتعرض له مع اعتراف آبائه ببطلان ~~دينهم الذي كانوا عليه، فإذا أقر على دين قد اعترف آباؤه ببطلانه فكيف لا ~~يقر على دين دخل آباؤه فيه وهم معتقدون صحته؟ # الثاني عشر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يؤمر بالجهاد كان ~~يقر الناس على ما هم عليه، ويدعوهم إلى الإسلام بل كانت المرأة تسلم # PageV01P196 # وزوجها كافر ms050 فلا يفرق الإسلام بينهما، ولم ينزل تحريم المسلمة على الكافر ~~إلا بعد صلح الحديبية، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الناس # PageV01P197 # في الدعوة مراتب، فإنه أمر أولا أن يقرأ باسم ربه، ثم أمر ثانيا أن يقوم ~~نذيرا فأمر بإنذار عشيرته وقومه ودعوتهم إلى الله تعالى، ثم أمر بإنذار ~~الناس والصبر والعفو والهجر لمن آذاه ثم أمر بالهجرة، ثم أمر بقتال من ~~قاتله، ثم أمر بالجهاد العام، ثم بضرب الجزية على أهل الكتاب فضربها عليهم ~~وألحق بهم المجوس، وكانت العرب من عباد الأوثان قد دخلوا كلهم في الدين ~~وكان - صلى الله عليه وسلم - يقر الناس على ما هم عليه حتى يأتيه الأمر من ~~الله بما يأخذهم به ويفعله معهم، فلما جاءه أمره بالهجرة بادر إلى امتثاله، ~~ثم جاءه الأمر بالجهاد فقام به حق القيام، ثم جاءه الأمر بالتفريق بين ~~المؤمنات والكفار في النكاح، ثم جاءه الأمر بصلح الكفار بتوادعهم، ثم جاءه ~~الأمر بأخذ الجزية منهم وإقرارهم على دينهم ولا يتعرض لهم ما لم ينقصوه ~~شيئا مما شرط عليهم، فلم يكن قبل الهجرة والجهاد يمنع من أراد التهود أو ~~التنصر من أهل الأوثان، فلما علت كلمة الإسلام وصار للمسلمين الغلبة والقهر ~~منع من أراد منهم التهود أو التنصر بعد أن أقر بالإسلام وأمر بقتله إن لم ~~يراجع دين الإسلام، ولم يمنع يهوديا من نصرانية، ولا نصرانيا من يهودية كما ~~منع المسلم منهما. # وقد علم صلى الله عليه وسلم أن من أبناء الأنصار من دخل في اليهودية بعد ~~النسخ والتبديل، كما روى أبو داود في " سننه " عن ابن # PageV01P198 # عباس رضي الله عنهما قال: " كانت المرأة تكون مقلاتا فتجعل على نفسها إن ~~عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار ~~فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله عز وجل: {لا إكراه في الدين قد تبين ~~الرشد من الغي} [البقرة: 256] . # قال أبو داود: المقلات التي لا يعيش لها ولد. # وهو يدل على أن من تهود وإن كان أصله غير ms051 يهودي فإنه مثلهم، والنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يمنع قبل فرض الجهاد ولا بعده وثنيا دخل في دين أهل ~~الكتاب بل ولا يهوديا تنصر أو نصرانيا تهود أو مجوسيا دخل في التهود ~~والتنصر، بل جمهور الفقهاء اليوم يقرونه على ذلك كما هو مذهب مالك وأبي ~~حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه، وعنه رواية ثانية: لا يقبل منه إلا ~~الإسلام، وعنه رواية ثالثة: لا يقبل منه إلا الإسلام أو دينه الأول إن كان ~~دينا يقر أهله عليه. # الثالث عشر: أنه لو لم يعرف له أب لكونه لقيطا أو انقطع نسبه من أبيه ~~بكونه ولد زنا فإن ذلك لا يمنع اعتباره في دينه بنفسه، ولو كان من شرط ذلك ~~دخول آبائه في الدين قبل النسخ والتبديل، لم يثبت لهذا حكم # PageV01P199 # دينه ولم يقر عليه لعدم أبيه حسا وشرعا، إذ تبعيته هنا منتفية وإنما له ~~حكم نفسه. # ولهذا قال الإمام أحمد ومن تبعه: إنه يحكم بإسلامه في هذه المواضع وفيما ~~إذا مات أبواه أو أحدهما، وهو دون البلوغ ; لأنه إنما كان كافرا تبعا لهما ~~وإلا فهو على الفطرة الأصلية، فإذا لم يكن له من يتبعه على دينه كان مسلما ~~; لأن مقتضى الفطرة موجود والمغير لها مفقود، فأحمد اعتبر في بقائه على ~~دينه وجود أبويه لتتحقق التبعية، والشافعي لم يعتبر بقاء الأبوين ولا ~~وجودهما في كونه تبعا لهما، فإذا كان قد أقره على الدين الباطل حيث لا ~~تتحقق تبعية الأبوين علم أن إقراره لم يكن لأجل آبائه وهو ظاهر. # الرابع عشر: قوله: وإنما أذن الله تعالى بأخذ الجزية منهم على ما دانوا ~~به قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - وذلك خلاف ما أحدثوا من الدين بعده. # فيقال: إن أريد بما دانوا به قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - فذلك إنما ~~هو قبل مبعث المسيح، فلا تقبل من يهودي جزية إلا أن يعلم أن آباءه توارثوا ~~اليهودية قبل مبعث المسيح فإنها بطلت بمبعثه كما بطلت هي والنصرانية وسائر ~~الأديان بمبعث رسول الله - صلى الله ms052 عليه وسلم -. # وإن أريد به ما دانوا به قبل مبعثه وإن كان باطلا منسوخا فما الفرق بين ~~ذلك وبين ما دانوا به بعد المبعث قبل أن تبلغهم الدعوة وتقوم عليهم الحجة؟ ~~فإنك إنما اعتبرت وقت مبعثه خاصة. # PageV01P200 # وإن أريد به ما دانوا به قبل قيام الحجة عليهم انتقض ذلك من وجهين: # أحدهما: أنك لم تعتبر ذلك وإنما اعتبرت نفس المبعث. # الثاني: أن الدين إذا كان باطلا قبل المبعث لم يكن لتمسك الآباء به أثر ~~في إقرار الأبناء. # الخامس عشر: أنهم إذا دانوا بدين قد أقر أهله عليه بعد المبعث مع بطلانه ~~قطعا، فقد أقروا على دين مبدل منسوخ وأخذت منهم الجزية عليه. # السادس عشر: أن قوله: " بخلاف ما أحدثوا من الدين بعده " يشعر بأنه كان ~~صحيحا إلى زمن المبعث فأحدثوا بعد المبعث دينا آخر غيره، فكذلك لا يقرون ~~عليه وهذا خلاف الواقع فإنهم كانوا قد أحدثوا وبدلوا قبل مبعث رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فلما بعث - صلى الله عليه وسلم - استمروا على ذلك ~~الإحداث والتبديل، وانضاف إليه إحداث آخر وتبديل آخر، فلم يكن دينهم قبل ~~المبعث سالما من الإحداث والتبديل بل كان كله قد انتقض إلا الشيء القليل ~~منه. # السابع عشر: قوله: " فإن أقام على ما كان عليه، وإلا نبذ إليه عهده " ~~فيقال: متى سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه في أهل الذمة هذه ~~السيرة؟ ومتى قال هو أو أحد من خلفائه ليهودي أو نصراني: متى دخل آباؤك في ~~الدين؟ فإن كانوا دخلوا فيه قبل مبعثي وإلا نبذت إليك # PageV01P201 # العهد! وأيضا فإن الذي كان عليه باطل قطعا سواء أدرك آباؤه حقه أو لم ~~يدركوه، فهو مقيم على ما كان عليه آباؤه من الباطل. # الثامن عشر: أن إقراره بين أظهر المسلمين على باطل دينه بالجزية والذل ~~والصغار والتزام أحكام الملة وكف شره عن المسلمين، خير وأنفع للمسلمين من ~~أن يخرج بماله إلى بلاد الكفار المحاربين، فيكون قوة للكفار محاربا للإسلام ~~ممتنعا من أداء الجزية وجريان أحكام الملة عليه ms053 مع إقامته على الدين ~~الباطل. # التاسع عشر: قوله: " ومن بدل دينه من كتابية لم يحل نكاحها " فيقال: إذا ~~كان العلم بكون الكتابية دخل آباؤها في الدين قبل النسخ والتبديل شرطا في ~~حل نكاحها لم يحل نكاح امرأة من أهل الكتاب حتى يعرف أن آباءها كانوا كذلك ~~- وهذا لا سبيل إلى العلم به إلا من جهتهم - وخبرهم لا يقبل في ذلك ~~والمسلمون لا علم لهم بذلك، فلا يحل نكاح امرأة كتابية أصلا وهذا خلاف نص ~~القرآن! # ولا يقال: من لم يعلم حال أبويها جاز نكاحها، فإن شرط الحل إذا لم يعلم ~~ثبوته امتنع ثبوت الحل، والصحابة رضي الله عنهم تزوجوا منهم، ولم يسألوا عن ~~ذلك. # وقد ألزم المزني الشافعي بالنكاح، فقال الشافعي في كتاب " النكاح ": " ~~إذا بدلت بدين يحل نكاح أهله فهو حلال " قال المزني: وهذا عندي أشبه، ثم ~~احتج بقول ابن عباس رضي الله عنهما في تأويل قوله # PageV01P202 # تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] ، وهذا من أحسن ~~الاحتجاج. # ثم قال المزني: فمن دان منهم دين أهل الكتاب قبل نزول الفرقان وبعده سواء ~~عندي في القياس. # الوجه العشرون: أنه لو صح اشتراط ذلك الشرط لم يبح لنا ذبيحة أحد من أهل ~~الكتاب ; لأنا لا نعلم متى دخل آباؤه في الدين، والجهل بوجود الشرط كالعلم ~~بانتفائه في امتناع ثبوت الحكم قبل تحققه. # وقد قال الشافعي رحمه الله: " تنصرت قبائل من العرب قبل أن يبعث الله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم وينزل عليه الفرقان فدانت بدين أهل الكتاب، فأخذ ~~عليه الصلاة والسلام الجزية من أكيدر دومة، وهو رجل يقال من غسان أو كندة، ~~ومن أهل ذمة اليمن وعامتهم عرب، ومن أهل نجران وفيهم عرب، فدل ما وصفت على ~~أن الجزية ليست على الأحساب وإنما هي على الأديان "، فقد صرح رحمه الله ~~تعالى بعدم اعتبار الأنساب في الجزية وأخبر أنها على الأديان، ومعلوم أن ~~هذا لا فرق بينه وبين أن يكون الآباء دانوا بالدين قبل تبديله أو لم يكونوا ~~كذلك، وكون الآباء قد ms054 دخلوا في الدين قبل نزول القرآن، بعد بطلانه وتبديله، ~~لا أثر له، فإنهم بين المبعث وضرب الجزية كانوا قد دخلوا في دين يقرون ~~عليه. # ونكتة المسألة أنهم بعد المبعث وإن دخلوا في دين باطل قد دخلوا في دين ~~يقرون عليه، وذلك قبل الأمر بالجهاد. # PageV01P203 # فهذه الوجوه ونحوها وإن كانت مبطلة لهذا الأصل فإنها من أصول الشافعي ~~رحمه الله تعالى وقواعده، فمن كلامه وكلام أمثاله من الأئمة استفدناها، ~~ومنه ومنهم تعلمناها، ولم نخرج فيها عن أصوله وقواعده. # وليس المعتنون بالوجوه والطرق واختلاف المنتسبين إليه والاعتناء ~~بعباراتهم أقرب إليه منا ولا أولى به، بل هذه طريقته وأصوله التي أوصى بها ~~أصحابه، فمن وافقه في نفس أصوله أحق به ممن أعرض عنها والله المستعان. # وقد قال أبو المعالي الجويني في " نهايته " بعد أن حكى كلام بعض أصحاب ~~الشافعي: " إن من تنصر أو تهود بعد تبديل الدينين، وتغيير الكتابين قبل ~~مبعث نبينا - صلى الله عليه وسلم - نظر، فإن تمسك بالدين غير مبدل، وحذف ~~التبديل، ثم أدركه الإسلام قبلت الجزية منه، وإن دخل في الدين المبدل ثم ~~أدركه الإسلام لم يقبل منه وإن كان ذلك قبل المبعث. # وهل يقبل من أولاده؟ فيه وجهان مبنيان على أن الجزية هل تؤخذ من أولاد ~~المرتدين؟ قال: " وهذا كلام مختلط لا تعويل عليه، والمذهب القطع بأخذ ~~الجزية ممن تمسك بالدين المبدل قبل المبعث وأدركه الإسلام نظرا إلى # PageV01P204 # تغليب الحقن، وإذا تعلق بالكتاب فليس كله مبدلا، وغير المبدل منه ينتصب ~~شبهة في جواز حقن دمه بالجزية، إذ ذاك لا ينحط عن الشبهة التي تعلق بها ~~المجوس فلا ينبغي أن يعتد بهذا بل الوجه القطع بقبول الجزية كما قدمنا، ~~انتهى. # وهذا الذي ذكره في غاية القوة وما ذكره من حكى كلامه مخالف للمعلوم ~~المقطوع به من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبقي عليه درجة واحدة ~~وهي القطع بأخذها ممن تهود بعد المبعث قبل الأمر بالقتال، إذ كانوا مقرين ~~على دينهم، فقد دخل في دين باطل يقر أهله عليه كما ms055 تقدم. # PageV01P205 ### | [فصل في بني تغلب وأحكامهم] ### | 26 - # فصل # في بني تغلب وأحكامهم. # بنو تغلب بن وائل بن ربيعة بن نزار، من صميم العرب انتقلوا في الجاهلية ~~إلى النصرانية وكانوا قبيلة عظيمة لهم شوكة قوية واستمروا على ذلك حتى جاء ~~الإسلام فصولحوا على مضاعفة الصدقة عليهم عوضا من الجزية واختلفت الرواية ~~متى صولحوا. # ففي " سنن أبي داود " من حديث إبراهيم بن مهاجر عن زياد بن # PageV01P206 # حدير قال: «قال علي: " لئن بقيت لنصارى بني تغلب لأقتلن المقاتلة، ~~ولأسبين الذرية فإني كتبت الكتاب بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ألا ينصروا أبناءهم» ". # لكن قال أبو داود: " هذا حديث منكر، بلغني عن أحمد بن حنبل أنه كان ينكر ~~هذا الحديث إنكارا شديدا ". # وقال أبو علي اللؤلؤي: " لم يقرأه أبو داود في العرضة الثانية " انتهى. # وإبراهيم بن مهاجر ضعفه غير واحد والمشهور أن عمر هو الذي صالحهم. # قال أبو عبيد: " ثنا أبو معاوية ثنا أبو إسحاق الشيباني عن السفاح عن ~~داود بن كردوس قال: صالحت عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن بني # PageV01P207 # تغلب - بعدما قطعوا الفرات وأرادوا أن يلحقوا بالروم - على ألا يصبغوا ~~صبيا، ولا يكرهوا على دين غير دينهم وعلى أن عليهم العشر مضاعفا من كل ~~عشرين درهما درهم، فكان داود يقول: ليس لبني تغلب ذمة قد صبغوا في دينهم. # قال أبو عبيد: قوله: " لا يصبغوا في دينهم " يعني لا ينصروا أولادهم. # قال أبو عبيد: وكان عبد السلام بن حرب الملائي يزيد في إسناد هذا # PageV01P208 # الحديث بلغني ذلك عنه عن الشيباني عن السفاح عن داود عن عبادة بن النعمان ~~عن عمر. # وحدثني سعيد بن سليمان عن هشيم قال: ثنا مغيرة عن السفاح بن المثنى عن ~~زرعة بن النعمان - أو النعمان بن زرعة - أنه سأل عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه، وكلمه في نصارى بني تغلب، وكان عمر رضي الله عنه قد هم أن يأخذ منهم ~~الجزية فتفرقوا في البلاد، فقال النعمان لعمر: يا أمير المؤمنين إن بني ~~تغلب قوم عرب يأنفون من ms056 الجزية، وليست لهم أموال إنما هم أصحاب حروث ومواش، ~~ولهم نكاية في العدو فلا تعن عدوك عليك بهم، فصالحهم عمر رضي الله عنه على ~~أن أضعف عليهم الصدقة واشترط عليهم ألا ينصروا أولادهم. # قال مغيرة: فحدثت أن عليا قال: لئن تفرغت لبني تغلب ليكونن لي فيهم رأي: ~~لأقتلن مقاتلتهم ولأسبين ذراريهم، فقد نقضوا العهد، وبرئت منهم الذمة حين ~~نصروا أولادهم. # PageV01P209 # وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن زياد بن حدير: ~~أن عمر رضي الله عنه أمره أن يأخذ من نصارى بني تغلب العشر، ومن نصارى أهل ~~الكتاب نصف العشر. # قال أبو عبيد: " والحديث الأول - حديث داود بن كردوس وزرعة - هو الذي ~~عليه العمل: أن يكون عليهم الضعف مما على المسلمين، ألا تسمعه يقول: من كل ~~عشرين درهما درهم؟ وإنما يؤخذ من المسلمين إذا مروا بأموالهم على العاشر من ~~كل أربعين درهما درهم، فذلك ضعف هذا، وهو المضاعف الذي اشترط عمر عليهم، ~~وكذلك سائر أموالهم من المواشي والأرضين يكون عليها في تأويل هذا الحديث ~~الضعف أيضا، فيكون في كل خمس من الإبل شاتان، وفي العشر أربع شياه ثم على ~~هذا ما زادت، وكذلك الغنم والبقر وعلى هذا الحب والثمار، فيكون ما سقته ~~السماء فيه عشران وفيما سقي بالغرب عشر، وفي حديث عمر رضي الله عنه وشرطه ~~عليهم: أن يكون على أموال نسائهم وصبيانهم مثلما على أموال رجالهم، وكذلك ~~يقول أهل الحجاز، انتهى. # فهذا الذي فعله عمر رضي الله عنه وافقه عليه جميع الصحابة والفقهاء ~~بعدهم. # ويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه أبى عليهم إلا الجزية وقال: " لا والله # PageV01P210 # إلا الجزية، وإلا فقد آذنتم بالحرب. # ولعله رأى أن شوكتهم ضعفت، ولم يخف منهم ما خاف عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه فإن عمر رضي الله عنه كان بعد مشغولا بقتال الكفار وفتح البلاد فلم ~~يأمن أن يلحقوا بعده فيقوونهم عليه، وعمر [بن عبد العزيز] أمن ذلك. # وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: " لئن ms057 بقيت لهم لأقتلن مقاتلتهم ~~ولأسبين ذريتهم، فإنهم نقضوا العهد ونصروا أولادهم ". # وعلى هذا فلا تجري هذه الأحكام التي ذكرها الفقهاء فيهم فإنهم ناقضون ~~للعهد، ولكن العمل على جريانها عليهم فلعل بعض الأئمة جدد لهم صلحا على أن ~~حكم أولادهم حكمهم كسائر أهل الذمة والله أعلم. ### | [فصل كيفية أخذ الصدقة من بني تغلب] ### | 27 - # فصل # [كيفية أخذ الصدقة من بني تغلب] # فتؤخذ الصدقة منهم مضاعفة من مال من تؤخذ منه الزكاة لو كان مسلما من ذكر ~~وأنثى وصغير وكبير وزمن وصحيح وأعمى وبصير، هذا قول أهل الحجاز وأهل العراق ~~وفقهاء الحديث منهم الإمام أحمد وأبو عبيد، إلا أن أبا حنيفة رحمه الله ~~تعالى استثنى الصبيان والمجانين بناء على أصله في أنه لا زكاة عليهم، ولا ~~تؤخذ الصدقة مضاعفة من أرضهم كما # PageV01P211 # تؤخذ من أرض الصبي والمجنون المسلم الزكاة. # وأما الشافعي رحمه الله تعالى فإنه قال: المأخوذ منهم جزية وإن كان باسم ~~الصدقة فلا تؤخذ إلا ممن تؤخذ منه الجزية فلا تؤخذ من امرأة ولا صبي ولا ~~مجنون، وحكمها عنده حكم الجزية وإن خالفتها في الاسم. # قال الشافعي رحمه الله تعالى: وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ~~هؤلاء حمقى رضوا بالمعنى وأبوا الاسم. # وقال النعمان بن زرعة: خذ منهم الجزية باسم الصدقة. # قال الشافعي رحمه الله تعالى: واختلفت الأخبار عن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه في نصارى العرب من تنوخ وبهراء وبني تغلب، فروي عنه أنه صالحهم على أن ~~يضعف عليهم الجزية، ولا يكرهوا على غير دينهم وهكذا حفظ أهل المغازي ~~فقالوا: رامهم عمر رضي الله عنه على الجزية فقالوا: اردد ما شئت بهذا الاسم ~~لا اسم الجزية، فراضاهم على أن أضعف عليهم الصدقة وقال للمعشر " فإذا ~~أضعفتها عليهم فانظر إلى مواشيهم وذهبهم وورقهم وأطعمتهم وما أصابوا من ~~معادن بلادهم وركازها وكل أمر أخذ فيه من مسلم خمس - فخذ خمسين، وعشر فخذ ~~عشرين، ونصف عشر فخذ عشرا، وربع عشر فخذ نصف عشر، وكذلك # PageV01P212 # مواشيهم فخذ الضعف منهم، وكل ms058 ما أخذ من عشر ذمي فمسلكه مسلك الفيء، وما ~~اتجر به نصارى العرب وأهل دينهم، وإن كانوا يهودا تضاعف عليهم فيه الصدقة، ~~انتهى. # قالوا: ولأنهم أهل ذمة فكان الواجب عليهم جزية لا صدقة كغيرهم من أهل ~~الذمة. # قالوا: ولأنه مال يؤخذ من أهل الكتاب لحقن دمائهم، فكان جزية كما لو أخذ ~~باسم الجزية. # قالوا: ولأن الزكاة طهرة، وهؤلاء ليسوا من أهل الطهرة. # قالوا: ولأن عمر رضي الله عنه إنما سألهم الجزية لم يسألهم الصدقة، فالذي ~~سألهم إياه عمر رضي الله عنه هو الذي بذلوه بغير اسمه. # قالوا: ولأن نساءهم وصبيانهم ومجانينهم ليسوا من أهل الزكاة ولا من أهل ~~الجزية، فلا يجوز أن يؤخذ منهم واحد منهما. # قالوا: ولأن المأخوذ منهم مصرف الفيء لا مصرف الصدقة، فيباح لمن يباح له ~~أخذ الجزية. # قال أصحاب أحمد: المتبع في ذلك فعل عمر رضي الله عنه، وهم سألوه أن يأخذ ~~منهم ما يأخذ من المسلمين ويضعفه عليهم فأجابهم إلى ذلك وهو يأخذ من صبيان ~~المسلمين ونسائهم ومجانينهم، وذلك هو الزكاة وعلى هذا البذل والصلح دخلوا ~~وبه أقروا. # قالوا: ويدل عليه قوله: " من كل عشرين درهما درهم " فهذا غير مذهب ~~الجزية، بل مذهب الصدقة. # PageV01P213 # قالوا: فشرط عمر رضي الله عنه يقتضي أن يكون على أموال نسائهم وصبيانهم ~~ما على أموال رجالهم. # قالوا: ولفظ الصلح إنما وقع على الصدقة المضاعفة لا على الجزية، وهم ~~الذين بذلوا ذلك فيؤخذ منهم ما التزموه. # قالوا: ولأن نساءهم وصبيانهم صينوا عن السبي بهذا الصلح ودخلوا في حكمه، ~~فجاز أن يدخلوا في الواجب به كالرجال العقلاء. # قال أبو عبيد: وهذا أشبه لأنه عمهم بالصلح، فلم يستثن منهم صغيرا دون ~~كبير والله أعلم. ### | [فصل فقراء بني تغلب] ### | 28 - # فصل # [فقراء بني تغلب] # وعلى هذا فمن كان منهم فقيرا وله مال غير زكوي كالدور وثياب البذلة وعبيد ~~الخدمة فلا شيء عليه كما لا يجب ذلك على أهل الزكاة من المسلمين، ولا يؤخذ ~~من أقل من نصاب وإن كان المأخوذ من أحدهم أقل من ms059 جزية كفى. # PageV01P214 # وقال في " الرعاية ": يحتمل أن يكمل الجزية، وفي مصرفه روايتان: # إحداهما: أنه مصرف الفيء، وهذا اختيار القاضي أبي يعلى، وهو الصحيح وهو ~~مذهب الشافعي ; لأنه مأخوذ من مشرك وهو جزية باسم الصدقة. # والثانية: أن مصرفه مصرف الصدقة، وهي اختيار أبي الخطاب لأنه معدول به عن ~~الجزية في الاسم والحكم والقدر، فيعدل بمصرفه عن مصرفها. # قال الشيخ أبو محمد المقدسي: والأول أقيس وأصح ; لأن معنى الشيء أخص به ~~من اسمه ولهذا لو سمي رجل أسدا أو نمرا أو أسود أو أحمر لم يصر له حكم ~~المسمى بذلك. # قال: ولأن هذا لو كان صدقة على الحقيقة لجاز دفعها إلى فقراء من أخذت ~~منهم، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «أعلمهم أن عليهم صدقة # PageV01P215 # تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» . ### | [فصل هل نأخذ الجزية من التغلبي بدلا من الصدقة] ### | 29 - # فصل # [هل نأخذ الجزية من التغلبي بدلا من الصدقة؟] # فإن بذل التغلبي الجزية وتحط عنه الصدقة فهل يقبل منه؟ # فيه وجهان: # أحدهما: لا يقبل منه ; لأن الصلح وقع على هذا فلا يغير. # والثاني: يقبل منه لقوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية} [التوبة: 29] ، وهذا ~~قد أعطى الجزية، ولأن الجزية هي الأصل والصدقة بدل فإذا بذل الأصل حرم ~~قتله، ولأن الجزية هي الصغار والذل الذي أنفوا منه فترك لمصلحة، فإذا زالت ~~المصلحة وأقروا به والتزموه قبل منهم، وهذا أرجح والله أعلم. # وأما إن كان باذل الجزية منهم حربيا لم يدخل تحت الصلح فإنها تقبل منه ~~قولا واحدا، ولا يلزمه ما صالح عليه إخوانه، وإن أراد الإمام نقض صلحهم ~~وإلزامهم بالجزية لم يكن له ذلك ; لأن عقد الذمة على التأبيد وقد # PageV01P216 # عقد معهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلم يكن لغيره نقضه ما داموا على ~~العهد. ### | [فصل هل تؤخذ الصدقة من غير بني تغلب] ### | 30 - # فصل # [هل تؤخذ الصدقة من غير بني تغلب] # وهذا الحكم يختص ببني تغلب نص عليه أحمد. # وقال علي بن سعيد: سمعت أحمد يقول: أهل الكتاب ليس عليهم في مواشيهم ms060 صدقة ~~ولا في أموالهم، إنما تؤخذ منهم الجزية إلا أن يكونوا صولحوا على أن تؤخذ ~~منهم كما صنع عمر رضي الله عنه بنصارى [بني] تغلب حين أضعف عليهم الصدقة في ~~صلحه إياهم. # وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: هل على نساء أهل الذمة وصبيانهم ونخيلهم ~~وكرومهم وزروعهم ومواشيهم [صدقة] ؟ قال: ليس عليهم فيها شيء إلا على نصارى ~~بني تغلب. # PageV01P217 # وكذلك قال في رواية ابن منصور. # وقال حرب بن إسماعيل: قلت لأحمد: فالذي تكون له الغنم أو الإبل هل تؤخذ ~~منهم؟ قال: كيف تؤخذ منهم؟ ! إلا نصارى بني تغلب فإنها تضاعف عليهم. # قال: وكذلك قال قوم في أرضهم تضاعف عليهم، أراه قال: إن اشتروا من ~~المسلمين. # وقال الميموني: قرأت على أبي عبد الله هل على أهل الذمة صدقة في إبلهم ~~وبقرهم وغنمهم؟ فأملى علي ليس عليهم. # وقال الزهري: لا نعلم في مواشي أهل الذمة صدقة، إلا بني تغلب. # قال: وعمر رضي الله عنه لما أقرهم على النصرانية أضعف عليهم لأنهم عرب، ~~قلت: وتذهب إلى أن يؤخذ من مواشي بني تغلب خاصة؟ قال: نعم، قلت: وتضعف ~~عليهم على ما فعل عمر رضي الله عنه؟ قال: نعم. # PageV01P218 # وقال القاضي وأبو الخطاب: حكم من تنصر من تنوخ وبهراء، أو تهود من كنانة ~~وحمير أو تمجس من تميم - حكم بني تغلب سواء. # PageV01P219 # وهذا مخالف لنص أحمد ولعموم الأدلة، فلا يلتفت إليه، وإنما أخذ ذلك قياسا ~~على نصارى بني تغلب وقد حكينا كلام الشافعي أن هذا الحكم في نصارى بني تغلب ~~وتنوخ وبهراء، والمحفوظ عن عمر رضي الله عنه إنما هو في نصارى بني تغلب ~~خاصة وقد ظن القاضي وأبو الخطاب أن ذلك لكونهم عربا، فألحقوا بهم هذه ~~القبائل وهذا لا يصح، وقد نص أحمد على الفرق كما ذكرنا نصوصه. # قال الشيخ في " المغني ": ولنا عموم قوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون} [التوبة: 29] ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذا ~~إلى اليمن فقال: " «خذ من كل حالم دينارا» " وهم عرب، وقبل الجزية ms061 من أهل ~~نجران وهم من بني الحارث بن كعب. # قال الزهري: " أول من أعطى الجزية أهل نجران وكانوا نصارى ". # وأخذ الجزية من أكيدر دومة وهو عربي، وحكم الجزية ثابت بالكتاب والسنة في ~~كل كتابي عربيا كان أو غير عربي، إلا ما خص به بنو تغلب لمصالحة عمر رضي ~~الله عنه إياهم، ففي من عداهم يبقى الحكم على عموم الكتاب وشواهد السنة ولم ~~يكن بين غير بني تغلب وبين أحد من الأئمة صلح كصلح بني تغلب فيما بلغنا، ~~ولا يصح قياس غير بني تغلب # PageV01P220 # عليهم لوجوه: # أحدها: أن قياس سائر العرب عليهم يخالف النصوص التي ذكرناها، ولا يصح ~~قياس المنصوص عليه على ما يلزم منه مخالفة النص. # الثاني: أن العلة في بني تغلب الصلح، ولم يوجد الصلح مع غيرهم ولا يصح ~~القياس مع تخلف العلة. # الثالث: أن بني تغلب كانوا ذوي قوة وشوكة، لحقوا بالروم وخيف منهم الضرر ~~إن لم يصالحوا، ولم يوجد هذا لغيرهم، فإن وجد هذا لغيرهم فامتنعوا من أداء ~~الجزية وخيف الضرر بترك مصالحتهم، فرأى الإمام مصالحتهم على أداء الجزية ~~باسم الصدقة، جاز ذلك إذا كان المأخوذ منهم بقدر ما يجب عليهم من الجزية أو ~~زيادة. # وقد ذكر ذلك الشيخ أبو إسحاق في " المهذب " ونص عليه أحمد. # PageV01P221 # والحجة في هذا قصة بني تغلب وقياسهم عليهم. # قال علي بن سعيد: سمعت أحمد يقول: أهل الكتاب ليس عليهم في مواشيهم صدقة، ~~ولا في أموالهم، إنما تؤخذ منهم الجزية إلا أن يكونوا صولحوا على أن تؤخذ ~~منهم - كما صنع عمر رضي الله عنه بنصارى بني تغلب حين أضعف عليهم الصدقة في ~~صلحه إياهم - إذا كانوا في معناهم. # أما قياس من لم يصالح عليهم في جعل جزيتهم صدقة فلا يصح، والله أعلم ~~انتهى. ### | [فصل في مناكحة وحل ذبائح نصارى العرب] ### | 31 - # فصل # [في مناكحة وحل ذبائح نصارى العرب] # وأما مناكحتهم وحل ذبائحهم ففيها قولان للصحابة، وهما روايتان عن الإمام ~~أحمد: # إحداهما: لا تحل وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ms062 والشافعي رحمه ~~الله وطرد الشافعي المنع في ذبائح العرب من أهل الكتاب # PageV01P222 # كلهم. # واختلف في مأخذ هذا القول فقالت طائفة: لم يتحقق دخولهم في الدين قبل ~~التبديل، فلا يثبت لهم حكم أهل الكتاب، وهذا المأخذ جار على أصل الشافعي، ~~وقد عرفت ما فيه. # وقالت طائفة أخرى: إنهم لم يدينوا بدين أهل الكتاب، بل انتسبوا إليه ولم ~~يتمسكوا به عملا، وهذا مأخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه فإنه قال: إنهم ~~لم يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمر، وهذا المأخذ أصح وأفقه. # والقول الثاني: أنه تحل مناكحتهم وذبائحهم، وهذا هو الصحيح عن أحمد رواه ~~عنه الجماعة وهو آخر الروايتين عنه. # قال إبراهيم بن الحارث: وكان آخر قوله أنه لا يرى بذبائحهم بأسا. # PageV01P223 # وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما، وروي نحوه عن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه، وبه قال الحسن والنخعي والشعبي وعطاء الخراساني والحكم وحماد وإسحاق ~~وأبو حنيفة وأصحابه. # قال الأثرم: وما علمت أحدا كرهه من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إلا عليا رضي الله عنه، وذلك لدخولهم في عموم قوله تعالى: {وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة: 5] ، وقوله تعالى: {والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] ، ولأنهم أهل كتاب يقرون على دينهم ~~ببذل المال، فتحل ذبائحهم ونساؤهم كبني إسرائيل. ### | [فصل في أحكام الضمان في الجزية] ### | 32 - # فصل # [في أحكام الضمان في الجزية] # وقعت مسألة: وهي هل يصح ضمان الجزية عمن هي عليه أم لا؟ # PageV01P224 # فكان الجواب: لا يخلو إما أن يكون الضامن مسلما أو كافرا، فإن كان مسلما ~~لم يصح ضمانه ; لأن الجزية صغار فلا يجوز للمسلم أن يضمنها عن الكافر ; ~~لأنه يصير مطالبا بها وهو فرع على المضمون عنه فلا يصح ذلك كما لو ضمن ما ~~عليه من العقوبة، وإن كان الضامن ذميا فإن ضمنها بعد الحول صح ضمانه لأنه ~~ضمن دينا مستقرا على من هو في ذمته، وإن كان بمعرض من السقوط بالإسلام فهذا ~~لا يمنع صحة الضمان كما يصح ضمان الصداق ms063 قبل الدخول، وإن كان بمعرض سقوطه ~~كله أو نصفه، وكما يصح ضمان ثمن البيع قبل قبضه، وإن كان بصدد السقوط ~~بتلفه. # وإن ضمنها قبل الحول فهذا ينبني على ضمان ما لم يجب، والجمهور يصححونه ~~والشافعي يبطله فإذا صححناه صح ضمان الذمي للجزية كما يصح ضمان ما يداينه ~~به أو ما يتلفه عليه وغايته أنه ضمان معلق بشرط، وذلك لا يبطله فإن الضمان ~~يجري مجرى النذر، فإنه التزام فلا ينافيه التعليق بالشرط. # ولأصحاب الشافعي وجهان في صحة ضمان المسلم للجزية عن الذمي. # قال بعضهم: وذلك مبني على أنه هل يجب عند أداء الجزية الصغار من جر اليد ~~والانتهار والإذلال أم لا؟ فإن أوجبناه لم يصح الضمان، وإن لم نوجبه صح. # قال الجويني في " نهايته ": والأصح عندي تصحيح الضمان فإن # PageV01P225 # ذلك لا يقطع إمكان توجيه الطلب على المضمون عنه. # قلت: وعلى هذا المأخذ فينبغي ألا يصح ضمان الذمي أيضا للجزية ; لأنه يفضي ~~إلى سقوط الصغار عن المضمون عنه إذا أدى الضامن كما أجروا الخلاف في توكيل ~~الذمي الذمي في أداء الجزية عنه، ولم أر لأصحابنا في هذه المسألة كلاما إلا ~~ما ذكره أبو عبد الله بن حمدان في " رعايته " فقال: " وهل للمسلم أن يتوكل ~~لذمي في أداء جزيته أو أن يضمنها عنه أو أن يحيل الذمي عليه بها؟ يحتمل ~~وجهين أظهرهما المنع " انتهى. # وعلى هذا يجري الخلاف فيما إذا تحملها عنه مسلم أو ذمي، والحمالة أن ~~يقول: أنا ملتزم لما على فلان بشرط براءة ذمته منه، وقد اختلف الفقهاء في ~~أصل هذه الحمالة. # فالشافعي وأحمد لا يصححانها، هكذا ذكره أصحابه عنه، ولا نص له في المنع، ~~والصحيح الجواز وهو مقتضى أصوله وهو اختيار شيخنا، وهو مذهب مالك وأبي ~~حنيفة. # قالت الحنفية: المضمون له بالخيار، إن شاء طالب الأصل وإن شاء طالب ~~الضامن إلا إذا اشترط فيه براءة الأصل، فحينئذ تنعقد حوالة اعتبارا بالمعنى ~~كما أن الحوالة - بشرط ألا يبرأ المحيل - تكون كفالة، فعندهم تصح الحوالة ~~بشرط ألا يبقى الدين في ذمة المحيل، ms064 وينقلب ضمانا ويصح الضمان بشرط براءة ~~المضمون عنه، وتنقلب حوالة، وهذا صحيح لا يخالف نصا ولا قياسا، ولا يتضمن ~~غررا فالصواب القول به. # PageV01P226 # والمقصود أن المسلم لو تحمل عن الذمي بالجزية لم يصح تحمله، وإن تحمل بها ~~ذمي آخر عنه احتمل وجهين، والذي يظهر في هذا كله: التفصيل في مسألة الحوالة ~~والحمالة والضمان والتوكيل في الدفع، أنه إن فعله لعذر من مرض أو غيبة أو ~~حبس أو نحوه جاز، وإن فعله غيرة وأنفة وهربا من الصغار لم يجز ذلك، والله ~~أعلم. # PageV01P227 ### | 33 - # فصل # في السامرة واختلاف الفقهاء فيهم: هل يقرون بالجزية أم لا؟ # فذهب الجمهور إلى إقرارهم بالجزية، وتردد الشافعي فيهم فمرة قال: لا تؤخذ ~~منهم الجزية، وقال في موضع آخر: تؤخذ منهم. # وقال في " الأم ": " ينظر في أمرهم فإن كانوا يوافقون اليهود في أصل ~~الدين، ولكنهم يخالفونهم في الفروع لم تضر مخالفتهم، فيقرون على دينهم ~~فتؤخذ منهم الجزية، وإن كانوا يخالفونهم في أصل الدين لم يقروا على دينهم ~~ببذل الجزية " هذا نقل الربيع عنه. # وأما المزني فنقل عنه أنهم صنف من اليهود فتؤخذ منهم الجزية. # PageV01P228 # واختلف أصحابه في حكمهم فقال بعضهم: يقرون بالجزية، وقال بعضهم لا يقرون ~~بها وقال أبو إسحاق المروزي: لم يكن الشافعي يعرف حقيقة أمر دينهم، فتوقف ~~في ذلك ثم بان له أنهم من جملة أهل الكتاب، فرجع إلى ذلك وألحقهم بهم. # وهذا الذي قاله المروزي هو الصواب المقطوع به، وغلط من قال: لا يقرون ~~بالجزية ويقر المجوس بها لأن لهم شبهة كتاب، وهذا من العجب أن يقر قوم ~~يعبدون النار، ويعتقدون أن للعالم إلاهين اثنين النور والظلمة، ولا يؤمنون ~~ببعث ولا نشور، ولا أن الله يبعث من في القبور، ويرون نكاح الأمهات ~~والبنات، ولا يؤمنون برسول ولا يحرمون شيئا مما يحرمه الأنبياء ولا يقر ~~السامرة بالجزية مع أنهم يؤمنون بموسى والتوراة، ويدينون بها ويؤمنون ~~بالمعاد والجنة والنار، ويصلون صلاة اليهود ويصومون صومهم، ويستنون بسنتهم، ~~ويقرءون التوراة، ويحرمون ما يحرمه اليهود في التوراة ولا يخالفون اليهود ms065 ~~في التوراة ولا في موسى وإن خالفوهم في الإيمان بالرسل، فإن السامرة لا ~~يؤمنون بنبي غير موسى وهارون ويوشع وإبراهيم فقط، ويخالفونهم في القبلة، ~~فاليهود تصلي إلى بيت المقدس والسامرة تصلي إلى جبل عزون ببلد نابلوس وتزعم ~~أنها القبلة التي أمر # PageV01P229 # الله موسى أن يستقبلها وأنهم أصابوها وأخطأتها اليهود، وأن الله أمر داود ~~أن يبني بيت المقدس بجبل نابلوس وهو عندهم الطور الذي كلم الله عليه موسى ~~فخالفه داود، وبناه " بإيليا " فتعدى وظلم بذلك. # ولغتهم قريبة من لغة اليهود وليست بها، وهم فرق كثيرة تشعبت عن فرقتين: ~~دوسانية وكوسانية. # فالكوسانية: تقر بالمعاد وحشر الأجساد والجنة والنار. # والدوسانية: تزعم أن الثواب والعقاب في الدنيا وبينهما اختلاف في كثير من ~~الأحكام. # وهذه الأمة من أقل الأمم في الأرض وأحمقها وأشدها مجانبة للأمم وأعظمها ~~آصارا وأغلالا. # وإذا أردت معرفة نسبتهم إلى اليهود فهم فيهم كالرافضة في المسلمين، وهذه ~~الأمة لم تحدث في الإسلام بل هي أمة موجودة قبل الإسلام وقبل المسيح، وقد ~~فتح الصحابة الأمصار فأجمعوا على إقرارهم بالجزية، وكذلك الأئمة والخلفاء ~~بعدهم، فعدم إقرارهم بالجزية تخطية لهم وهذا مما لا سبيل إليه. # PageV01P230 ### | [فصل في الصابئة واختلاف الناس فيهم] ### | 34 - # فصل في الصابئة. # وقد اختلف الناس فيهم اختلافا كثيرا، وأشكل أمرهم على الأئمة لعدم ~~الإحاطة بمذهبهم ودينهم. # فقال الشافعي رحمه الله تعالى: هم صنف من النصارى، وقال في موضع: ينظر في ~~أمرهم فإن كانوا يوافقون النصارى في أصل الدين ولكنهم يخالفونهم في الفروع ~~فتؤخذ منهم الجزية، وإن كانوا يخالفونهم في أصل الدين لم يقروا على دينهم ~~ببذل الجزية. # PageV01P231 # واختلف أصحابه فقال أبو سعيد الإصطخري: ليسوا من النصارى ولا يجوز ~~إقرارهم على دينهم، قال: لأنهم يقولون: إن الفلك حي ناطق، وإن الكواكب ~~السبعة آلهة فهم في حكم عبدة الأوثان. # واستفتى القاهر بالله العباسي الفقهاء فيهم، فأفتاه أبو سعيد أنهم لا ~~يقرون فأمر بقتلهم، فبذلوا مالا عظيما فتركهم. # وأما أقوال السلف فيهم: فذكر سفيان عن ليث عن مجاهد قال: هم قوم بين ~~اليهود والمجوس ليس ms066 لهم دين. # PageV01P232 # وفي تفسير شيبان عن قتادة قال: الصابئة قوم يعبدون الملائكة. # قال محمد بن جرير: واختلف أهل التأويل فيمن يلزمه هذا الاسم من أهل ~~الملل، فقال بعضهم: يلزم كل [خارج] من دين إلى دين غير دينه. # وقالوا: الذي عنى الله بهذا الاسم قوم لا دين لهم، ثم ذكر عن عبد الرزاق ~~عن سفيان عن ليث عن مجاهد قال: الصابئون قوم ليسوا يهود ولا نصارى ولا دين ~~لهم. # وحكي عن حجاج عن مجاهد قال: الصابئون بين المجوس واليهود، لا # PageV01P233 # تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم. # وقال ابن جريج: قلت لعطاء الصابئون زعموا [أنهم] ليسوا بمجوس ولا يهود ~~ولا نصارى، قال: قد سمعنا ذلك. # وقال ابن وهب: قال ابن زيد: الصابئون أهل دين من الأديان كانوا # PageV01P234 # بجزيرة الموصل يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي ~~إلا قول: لا إله إلا الله، قال: ولم يؤمنوا برسول الله عز وجل، فمن أجل ذلك ~~كان المشركون يقولون للنبي وأصحابه: هؤلاء الصابئون، يشبهونهم بهم. # وقال سعيد عن قتادة: هم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة ويقرءون ~~الزبور. # وقال سفيان عن السدي: هم طائفة من أهل الكتاب. # PageV01P235 # وقال ابن جرير: الصابئ المستحدث سوى دينه دينا كالمرتد من أهل الإسلام عن ~~دينه، وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره تسميه العرب صابئا، يقال منه: ~~صبأ فلان يصبأ صبأ، ويقال: صبأت النجوم إذا طلعت، وصبأ علينا فلان إذا طلع. # قلت: الصابئة أمة كبيرة فيهم السعيد والشقي، وهي إحدى الأمم المنقسمة إلى ~~مؤمن وكافر، فإن الأمم قبل مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - نوعان: # نوع كفار أشقياء كلهم ليس فيهم سعيد كعبدة الأوثان والمجوس. # ونوع منقسمون إلى سعيد وشقي، وهم اليهود والنصارى والصابئة. # وقد ذكر الله سبحانه النوعين في كتابه فقال: {إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 62] . # PageV01P236 # وكذلك قال في المائدة. وقال في سورة الحج: ms067 {إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ~~إن الله على كل شيء شهيد} [الحج: 17] ، فلم يقل هاهنا: من آمن منهم بالله ~~واليوم الآخر ; لأنه ذكر معهم المجوس والذين أشركوا فذكر ست أمم، منهم ~~اثنتان شقيتان، وأربع منهم منقسمة إلى شقي وسعيد، وحيث وعد أهل الإيمان ~~والعمل الصالح منهم بالأجر ذكرهم أربع أمم ليس إلا. # ففي آية الفصل بين الأمم أدخل معهم الأمتين، وفي آية الوعد بالجزاء لم ~~يدخلها معهم، فعلم أن الصابئين فيهم المؤمن والكافر والشقي والسعيد وهذه ~~أمة قديمة قبل اليهود والنصارى وهم أنواع: صابئة حنفاء وصابئة مشركون. # وكانت حران دار مملكة هؤلاء قبل المسيح، ولهم كتب وتآليف # PageV01P237 # وعلوم، وكان في بغداد منهم طائفة كبيرة منهم إبراهيم بن هلال الصابئ صاحب ~~" الرسائل " وكان على دينهم ويصوم رمضان مع المسلمين، وأكثرهم فلاسفة ولهم ~~مقالات مشهورة ذكرها أصحاب المقالات. # وجملة أمرهم أنهم لا يكذبون الأنبياء ولا يوجبون اتباعهم، وعندهم أن من ~~اتبعهم فهو سعيد ناج وأن من أدرك بعقله ما دعوا إليه فوافقهم فيه وعمل ~~بوصاياهم فهو سعيد وإن لم يتقيد بهم. # فعندهم: دعوة الأنبياء حق ولا تتعين طريقا للنجاة وهم يقرون أن للعالم ~~صانعا مدبرا حكيما منزها عن مماثلة المصنوعات، ولكن كثيرا منهم أو أكثرهم ~~قالوا: نحن عاجزون عن الوصول إلى جلاله بدون الوسائط، والواجب التقرب إليه ~~بتوسط الروحانيين المقدسين المطهرين عن المواد الجسمانية، المبرئين عن ~~القوى الجسدية المنزهين عن الحركات المكانية والتغييرات الزمانية بل قد ~~جبلوا على الطهارة وفطروا على التقديس. # قالوا وإنما أرشدنا إليهم معلمنا الأول " هرمس " فنحن نتقرب إليهم # PageV01P238 # وبهم، وهم آلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الآلهة، فالواجب علينا أن ~~نطهر نفوسنا عن الشبهات الطبيعية ونهذب أخلاقنا عن علائق القوة العصبية حتى ~~تحصل المناسبة بيننا وبين الروحانيات، فحينئذ نسأل حاجاتنا منهم، ونعرض ~~أحوالنا عليهم، ونصبوا في جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى خالقنا ~~وخالقهم ورازقنا ورازقهم، وهذا التطهير والتهذيب لا يحصل إلا برياضتنا ~~وفطام أنفسنا عن دنيات ms068 الشهوات، وذلك إنما يتم بالاستمداد من جهة ~~الروحانيات، والاستمداد هو التضرع والابتهال بالدعوات، وإقامة الصلوات ~~وإيتاء الزكوات، والصيام عن المطعومات والمشروبات وتقريب القرابين والذبائح ~~وتبخير البخورات مع العزائم ليحصل لنفوسنا استعداد إلى الاستمداد العالي من ~~غير واسطة، فيكون حكمنا وحكم الأنبياء في ذلك واحدا. # قالوا: والأنبياء أتوا بتزكية النفوس وتهذيبها وتطهير الأخلاق من ~~الرذائل، فمن أطاعهم فهو سعيد. # قالوا: والروحانيات هي الأسباب المتوسطة في الاختراع والإيجاد وتصريف ~~الأمور من حال إلى حال وهي تستمد القوة من الحضرة القدسية وتفيض الفيض على ~~الموجودات السفلية، فمنها مدبرات الكواكب السبعة السيارة في أفلاكها، وهي ~~هياكلها فلكل روحاني هيكل وهو فلك، ونسبة الروحاني إلى ذلك الهيكل الذي ~~اختص به نسبة الروح إلى الجسد، فهو ربه ومدبره. # PageV01P239 # ويقولون: الهياكل آباء، والعناصر أمهات، فتفعل الروحانيات تحريكها على ~~قدر مخصوص ليحصل من حركتها انفعالات في الطبائع والعناصر، فيحصل من ذلك ~~تركيبات وامتزاجات في المركبات، تركب عليها نفوس روحانية مثل أنواع النبات ~~وأنواع الحيوانات، ثم قد تكون التأثيرات كلية صادرة عن روحاني كلي، وقد ~~تكون جزئية صادرة عن روحاني جزئي ومنها مدبرات الآثار العلوية الظاهرة في ~~الجو كالمطر والثلوج والبرد والرياح والصواعق والشهب والرعد والبرق ~~والسحاب، والآثار السفلية كالزلازل والمياه وغيرها. # قالوا: ومدبرات هادية سارية في جميع الكائنات حتى لا يرى بوجودها خال عن ~~قوة وهداية بحسب قبوله واستعداده. # وأما أحوال الروحانيات من الروح والريحان والنعمة واللذة والراحة والبهجة ~~والفرح والسرور في جوار رب الأرباب فمما لا يخطر على قلب بشر، طعامهم ~~وشرابهم التسبيح والتقديس والتهليل والتمجيد، وأنسهم بذكر الله تعالى ~~وطاعته، فهم بين قائم وراكع وساجد وقاعد لا يريد تبديل حالته التي هو فيها ~~بغيرها، إذ لذته وبهجته وسروره فيما هو فيه. # قالوا: والروحانيات مبادئ الموجودات ومواد الأرواح، والمبادئ أشرف ذاتا ~~وأسبق وجودا وأعلى رتبة من سائر الموجودات التي حصلت بتوسطها، فعالمها عالم ~~الكمال، والمبدأ منها والمعاد إليها والمصدر عنها والمرجع إليها والأرواح ~~لها نزلت من عالمها حتى اتصلت بالأبدان وتوسخت بأوضار الأجسام ثم تطهرت ~~عنها بالأخلاق ms069 الزكية والأعمال المرضية حتى انفصلت عنها فصعدت إلى عالمها ~~الأول، فالنزول هو النشأة # PageV01P240 # الأولى والصعود هو النشأة الأخرى. # قالوا: وطريقنا في التوسل إلى حضرة القدس ظاهر وشرعنا معقول، فإن قدامانا ~~من الزمان الأول لما أرادوا الوسيلة عملوا أشخاصا في مقابلة الهياكل ~~العلوية على نسب وإضافات وأحوال وأوقات مخصوصة، وأوجبوا على من يتقرب بها ~~إلى ما يقابلها من العلويات لباسا وبخورا وأدعية مخصوصة، وعزائم يقربونها ~~إلى رب الأرباب ومسبب الأسباب وتلقينا ذلك عن مرعاديموت وهرمس. # فهذا بعض ما نقله أرباب المقالات عن دين الصابئة، وهو بحسب ما وصل إليهم، ~~وإلا فهذه الأمة فيهم المؤمن بالله وأسمائه وصفاته وملائكته ورسله واليوم ~~الآخر، وفيهم الكافر وفيهم الآخذ من دين الرسل بما وافق عقولهم واستحسنوه ~~فدانوا به ورضوه لأنفسهم. # وعقد أمرهم أنهم يأخذون بمحاسن ما عند أهل الشرائع بزعمهم، ولا يوالون ~~أهل ملة ويعادون أخرى ولا يتعصبون لملة على ملة، والملل عندهم نواميس ~~لمصالح العالم، فلا معنى لمحاربة بعضها بعضا بل يؤخذ بمحاسنها وما تكمل به ~~النفوس وتتهذب به الأخلاق ولذلك سموا صابئين كأنهم صبئوا عن التعبد بكل ملة ~~من الملل والانتساب إليها؛ ولهذا قال غير واحد من السلف: ليسوا يهودا ولا ~~نصارى ولا مجوسا وهم نوعان: صابئة حنفاء، وصابئة مشركون؛ فالحنفاء هم ~~الناجون منهم، # PageV01P241 # وبينهم مناظرات ورد من بعضهم على بعض، وهم قوم إبراهيم - كما أن اليهود ~~قوم موسى - والحنفاء منهم أتباعه. # وبالجملة: فالصابئة أحسن حالا من المجوس، فأخذ الجزية من المجوس تنبيه ~~على أخذها من الصابئة بطريق الأولى، فإن المجوس من أخبث الأمم دينا ومذهبا ~~ولا يتمسكون بكتاب ولا ينتمون إلى ملة ولا يثبت لهم كتاب ولا شبهة كتاب ~~أصلا. # ولهذا لما ظهرت فارس على الروم فرح المشركون بذلك ; لأنهم مثلهم ليسوا ~~أهل كتاب وساء ذلك المسلمين، فلما ظهرت الروم على فارس فرح المسلمون لأن ~~النصارى أقرب إليهم من المجوس من أجل كتابهم وكل ما عليه المجوس من الشرك، ~~فشرك الصابئة إن لم يكن أخف منه فليس بأعظم منه. # وقد تردد الشافعي ms070 رحمه الله تعالى في أخذ الجزية منهم في موضع، وقطع ~~بأخذها منهم في موضع وعلق القول في موضع كما حكينا لفظه. ### | [فصل في حكم استسلاف الجزية] ### | 35 - # فصل # [في حكم استسلاف الجزية] # فإن قيل: فهل للإمام أن يستسلف منهم الجزية؟ # قلنا: ليس له ذلك إلا برضاهم كما ليس له أن يستسلف الزكاة إلا برضا رب ~~المال، بل الجزية أولى بالمنع، فإنها تسقط بالإسلام وبالموت في # PageV01P242 # أثناء السنة، وتتداخل عند أبي حنيفة فهي تتعرض للسقوط قبل الحول وبعده. # فإن قيل: فهل له أن يأخذ منهم في أثناء السنة بقسط ما مضى منها؟ # قيل: هذا فيه نزاع؛ فأبو حنيفة يجوز أن يأخذ في كل شهر بقسطه، ولأصحاب ~~الشافعي في ذلك وجهان. # قال أبو المعالي الجويني: أظهرهما أنه ليس له ذلك، فإن المطالبة في آخر ~~السنة عند استمرار الأحوال بذلك جرت سنن الماضين وسنن المتقدمين والجزية ~~موضوعها على الإمهال كالزكاة. # فإن قيل: فما تقولون لو سقط عنه الوجوب في أثناء السنة بموت أو عمى أو ~~زمانة أو إسلام هل تؤخذ منه بقسط ما مضى؟ # قيل: الصحيح من المذهب أنها تسقط عنه وألا يطالب بقسط ما مضى، ومن ~~الأصحاب من لم يحل في ذلك نزاعا، ولكن أبا عبد الله بن حمدان حكى في ذلك ~~وجهين فقال: ومن أسلم في الحول أو مات أو جن جنونا مطبقا أو أقعد أو عمي - ~~فيه وجهان. # فإن قيل: فإن اتفق اجتماع ديون الآدميين والجزية فهل تقدم الجزية أو ~~الديون؟ # قيل: أما أصحاب الشافعي فبنوا ذلك على الأصل وقالوا: هذا مستحق بالجزية، ~~يحق حقوق الله كالزكاة ويحق حقوق الآدميين وليست من القرب، فعلى هذا تقع ~~المحاصة بينها وبين غيرها من الديون. # PageV01P243 # ومنهم من قال: هي من حقوق الله، فإنه لا مستحق لها معينا ولا تسقط بإسقاط ~~الآدمي، وهي عقوبة على الكفر وصغار لأهله. # وعلى هذا فيخرج على الأقوال الثلاثة في تقديم حق الله أو حق الآدمي أو ~~وقوع المحاصة. # ولأصحاب أحمد أيضا ثلاثة أوجه مثل هذه. # PageV01P244 ### | [فصل في الجزية ms071 والخراج وما بينهما من اتفاق وافتراق] ### | 36 - # فصل # في الجزية والخراج وما بينهما من اتفاق وافتراق. # الخراج هو جزية الأرض كما أن الجزية خراج الرقاب، وهما حقان على رقاب ~~الكفار وأرضهم للمسلمين ويتفقان في وجوه ويفترقان في وجوه. # فيتفقان في أن كلا منهما مأخوذ من الكفار على وجه الصغار والذلة، وأن ~~مصرفهما مصرف الفيء، وأنهما يجبان في كل حول مرة، وأنهما يسقطان بالإسلام ~~على تفصيل نذكره إن شاء الله تعالى. # ويفترقان في أن الجزية ثبتت بالنص، والخراج بالاجتهاد، وأن الجزية إذا ~~قدرت على الغني لم تزد بزيادة غناه، والخراج يقدر بقدر كثرة الأرض وقلتها، ~~والخراج يجامع الإسلام حيث نذكر إن شاء الله تعالى والجزية لا تجامعه بوجه ~~; ولذلك يجتمعان تارة في رقبة الكافر وأرضه ويسقطان تارة، وتجب الجزية حيث ~~لا خراج، والخراج حيث لا جزية. # PageV01P245 ### | [ذكر أصل الخراج وابتداء وضعه وأحكامه] ### | [فصل أنواع أرض الخراج] ### | [النوع الأول أرض استأنف المسلمون إحياءها] # [أصل الخراج وابتداء وضعه وأحكامه] # ونحن نذكر كيف أصل الخراج وابتداء وضعه وأحكامه. # [أنواع أرض الخراج:] # فنقول: الأرض ستة أنواع: # أحدها: أرض استأنف المسلمون إحياءها فهذه أرض عشر، ولا يجوز أن يوضع ~~عليها خراج بغير خلاف بين الأئمة. # قال أبو الصقر: سألت أحمد عن أرض موات في دار الإسلام لا يعرف لها أرباب ~~ولا للسلطان عليها خراج أحياها رجل من المسلمين؟ فقال: من أحيا أرضا مواتا ~~في غير أرض السواد كان للسلطان عليه فيها العشر ليس له عليه غير ذلك. # وقال في رواية ابن منصور: والأرضون التي يملكها ربها ليس فيها خراج مثل ~~هذه القطائع التي أقطعها عثمان لسعد وابن مسعود وخباب. # PageV01P246 # وقد استشكل القاضي هذا النص وتأوله على أن عثمان أقطعهم منافعها، وأسقط ~~الخراج على وجه المصلحة ; لأن أرض السواد فتحت عنوة فهي خراجية، وظاهر النص ~~أن هذه الأرض قد صارت ملكا لهم بإقطاع الإمام وإذا ملكوها بمنافعها - ~~والخراج من جملة منافعها فإنه جار مجرى الأجرة - فيملكونه بملك منافعها إذ ~~لا يجب للإنسان على نفسه خراج فكأنه ملكهم ms072 الأرض وخراجها. ### | [النوع الثاني أرض أسلم عليها طوعا من غير قتال] ### | 37 - # فصل. # النوع الثاني: أرض أسلم عليها طوعا من غير قتال، فهي له لا خراج عليها ~~وليس فيها سوى العشر، وهذا كان في المدينة وأرض اليمن وأرض الطائف وغيرها. # نص على ذلك أحمد في رواية حرب فقال: أرض الرجل يسلم بنفسه من غير قتال ~~وفي يده أرض، فهو عشر. # PageV01P247 # وقال في موضع آخر: أرض العشر، الرجل يسلم وفي يده أرض فهو عشر مثل مكة ~~والمدينة. # وأما قوله في رواية حنبل: " «من أسلم على شيء فهو له ويؤخذ منه خراج ~~الأرض» " فليس مراده أن يسلم على أرضه التي كانت بيده قبل الإسلام بغير ~~خراج ; لأنه قد صرح أنه ليس في هذه الأرض غير العشر وإنما مراده أنه يسلم ~~وفي يده أرض خراجية فتحها الإمام عنوة، فهذه لا يسقط الخراج بإسلام من هي ~~في يده كما سنذكره. ### | [النوع الثالث ما ملك عن الكفار عنوة وقهرا] ### | 38 - # فصل. # النوع الثالث: ما ملك عن الكفار عنوة وقهرا فهذه فيها روايتان: # إحداهما: أنها تكون غنيمة تقسم بين الغانمين كالمنقول وتكون أرض عشر لا ~~خراج عليها كما أحياه المسلمون. # الثانية: أن الإمام بالخيار إن شاء قسمها وكانت كذلك عشرية غير خراجية، ~~وإن شاء وقفها على المسلمين ويضرب عليه خراجا، يكون كالأجرة لها غير مقدر ~~المدة بل إلى الأبد، فهذه عشرية خراجية. # فإن استمرت في يد الكفار ففيها الخراج زرعوها أو لم يزرعوها ولا عشر ~~عليهم، وإن أسلموا لم يسقط الإسلام خراجها ويجب عليهم فيها العشر فيجتمع ~~العشر والخراج بسببين مختلفين، العشر على المغل والخراج على رقبة الأرض، ~~هذا قول الجمهور. # PageV01P248 # وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجتمع العشر والخراج في أرض، بل إن أخذ ممن هي ~~في يده الخراج لم يؤخذ منه العشر وإن أخذ منه العشر لم يؤخذ منه الخراج. # وروي في ذلك حديث باطل لا أصل له، وليس من كلام رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " «لا يجتمع العشر والخراج» ". # وشبهة هذا القول ms073 أن الخراج في الأصل إنما هو جزية الأرض، فهو بمنزلة خراج ~~الرءوس فهو على الكفار بمنزلة الجزية على رءوسهم، وهو عوض عن العشر الذي ~~يجب بالإسلام وبدل عنه، فلو لم يوضع على الأرض لتعطلت إذ كانت مع كافر عن ~~العشر والخراج، فكان في ذلك نقص على المسلمين فقام خراجها مقام العشر، فإذا ~~أسلموا أخذوا بالعشر ولم يجمع عليهم بين العشر والخراج في حال الإسلام كما ~~لم يجمع عليهم بينهما في حال الكفر، بل إذا سقطت الجزية بالإسلام وهي خراج ~~الرءوس فكذلك الخراج الذي هو جزية الأرض. # ولهذا كره الصحابة رضي الله عنهم للمسلم الدخول في أرض الخراج ; لأنه ~~يسقط ما عليها من الخراج بدخوله فيها. # وأما الجمهور فنازعوه في ذلك وقالوا: الخراج على رقبة الأرض زرعت أو لم ~~تزرع والعشر في مغلها سواء كانت ملكا أو عارية أو إجارة ولم يوضع الخراج ~~بدلا عن العشر، بل وضع حقا للمسلمين في رقبة الأرض، وإنما لم يجتمع على ~~الكافر العشر والخراج ; لأن العشر زكاة وليس من أهلها فلا تؤخذ منه كما لم ~~تؤخذ من مواشيه وأمواله. # PageV01P249 # قالوا: وإنما كره الصحابة رضي الله عنهم الدخول في أرض الخراج ; لأن ~~المسلم إذا دخل فيها التزم ما عليها من الخراج وهو صغار في الأصل، فلا ~~ينبغي أن يلتزمه ويقر به ولما كان تابعا للأرض كان باقيا ببقائها تابعا لها ~~ويزول بزوالها وتعطيل نفعها، كما تسقط الجزية بزوال الرقبة أو عجزها عن ~~الأداء، ولا تنافي بين اجتماع الحقين في العين الواحدة بسببين مختلفين كما ~~تجب عليه في الصيد المملوك إذا أتلفه في الإحرام - قيمته لمالكه والجزاء ~~لحق الله، وكما لو قتل أمة بالزنا غرم قيمتها لسيدها ولزمه الحد لله ~~سبحانه، وكذلك لو قتل عبدا خطأ لزمته قيمته لسيده والكفارة للمساكين، ~~ونظائر ذلك كثيرة وهذا النوع من الأرض هو المعروف بوضع الخراج. ### | [بيع أرض الخراج وهبتها ورهنها وإجارتها] ### | 39 - # فصل. # ويجوز بيع هذه الأرض وهبتها ورهنها وإجارتها، ونص الإمام أحمد في رواية ~~ابنه صالح على جواز جعلها ms074 صداقا. # وهذا صريح في جواز بيعها وهبتها. # وقال بعض المتأخرين من أصحابه: لا يجوز نقل الملك فيها لأنها وقف فلا ~~يجوز بيعها، وهذا ليس بشيء فإنها تورث بالاتفاق والوقف لا يورث، وتجعل ~~صداقا بالنص والوقف لا يجوز فيه ذلك. # ومنشأ الشبهة أنهم ظنوا أن وقفها بمنزلة سائر الأوقاف التي تجري مجرى ~~إعتاق العبد وتحريره لله، وهذا غلط بل معنى وقفها تركها على حالها لم ~~يقسمها بين الغانمين لا أنه أنشأ تحبيسها وتسبيلها على المسلمين # PageV01P250 # هذا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عمر ولا أحد من ~~الأئمة بعده بل وقفها هو ترك قسمتها وإبقاؤها على حالها، وضرب الخراج عليها ~~يؤخذ ممن تكون في يده، والوقف إنما امتنع بيعه لما في بيعه من إبطال ~~وقفيته، وأما هذه فإذا بيعت أو انتقل الملك فيها فإنها تنتقل خراجية كما ~~كانت عند الأول. # وحق المسلمين في الخراج، وهو لا يسقط بنقل الملك، فإنها تكون عند المشتري ~~كما كانت عند البائع كما تكون عند الوارث كما كانت عند مورثه، ولهذا جاز ~~بيع المكاتب ولم يكن بيعه مسقطا لسبب حريته بالأداء فإنه لا ينتقل إلى ~~المشتري كما كان عند البائع. ### | [النوع الرابع ما صولح عليه المشركون من أرضهم على أن يقرها في أيديهم بخراج] ### | 40 - # فصل. # النوع الرابع: ما صولح عليه المشركون من أرضهم على أن يقرها في أيديهم ~~بخراج يضرب عليها، وتكون الأرض لهم فهذا الخراج جزية تؤخذ منهم ما أقاموا ~~على شركهم، وتسقط عنهم بإسلامهم ولهم بيع هذه الأرض والتصرف فيها كيف ~~شاءوا، فإن تبايعوها بينهم كانت على حكمها في الخراج، وإن بيعت على مسلم ~~سقط عنه خراجها وإن بيعت من ذمي فهل يسقط عنه خراجها؟ ذكر القاضي فيه ~~احتمالين: # أحدهما: لا يسقط خراجها لبقاء كفره. # والثاني: يسقط لخروجه بالذمة من عقد من صولح عليها. # PageV01P251 # وقد قال أحمد في رواية ابن منصور، وذكر له قول سفيان: ما كان من أرض صولح ~~عليها ثم أسلم أهلها فقد وضع الخراج عنها، وما كان من ms075 أرض أخذت عنوة ثم ~~أسلم صاحبها وضعت عنه الجزية وأقر على أرضه بالخراج فقال أحمد: جيد. # قال: فقد نص على أن الخراج يسقط عن أرض الصلح بالإسلام. # قال القاضي: وهذا محمول على أن تلك الأرضين لهم، ولم يسقطها عن أرض ~~العنوة ; لأنها وقف لجماعة المسلمين فهي أجرة عنها. ### | [النوع الخامس أرض جلا عنها أهلها فخلصها المسلمون بغير قتال] ### | 41 - # فصل. النوع الخامس: أرض جلا عنها أهلها فخلصها المسلمون بغير قتال، فهذه ~~حكمها حكم العنوة تترك وقفا ويضرب عليها خراج يكون أجرة لمن تقر في يده من ~~مسلم وكافر ولا تتغير بإسلام ولا ذمة. # قال أحمد في رواية ابنه صالح وأبي الحارث: كل أرض جلا عنها أهلها بغير ~~قتال فهي فيء. ### | [النوع السادس أرض صالحناهم على نزولهم عنها وتكون ملكا لنا وتقر بالخراج] ### | 42 - # فصل. # النوع السادس: أرض صالحناهم على نزولهم عنها وتكون ملكا لنا وتقر في ~~أيديهم بالخراج، فحكم هذه الأرض أيضا حكم أرض العنوة أنها تصير وقفا ~~للمسلمين وتقر في أيديهم بالخراج، ولا يسقط هذا الخراج # PageV01P252 # بالإسلام ولا يمنعون من المناقلة فيها، ويكون ذلك مناقلة عن حق الاختصاص ~~لا بيعا لرقبة الأرض إذ ليست ملكا لهم وإنما يعاوضون على منفعة الاختصاص. # وليس في ذلك إبطال حق المسلمين من رقبة الأرض ولا نفعها، فلا يمنعون منه ~~ويكونون أحق بهذه الأرض ما أقاموا على صلحهم ولا تنتقل من أيديهم سواء ~~أسلموا أو أقاموا على كفرهم كما لا تنتزع الأرض من مستأجرها. # وإن صاروا ذمة وضربت عليهم الجزية لم يسقط عنهم الخراج بل يجمع عليهم ~~الخراج والجزية. ### | [فصل أصل وضع الخراج] ### | 43 - # فصل # [أصل وضع الخراج] # وأما أصل وضع الخراج فقال أبو عبيد: # حدثنا الأنصاري [محمد بن عبد الله - قال أبو عبيد:] ولا أعلم إسماعيل بن ~~إبراهيم إلا وقد حدثناه أيضا عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي مجلز ~~لاحق بن حميد: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث عمار بن ياسر إلى أهل ~~الكوفة على صلاتهم وجيوشهم، وعبد ms076 الله بن مسعود على قضائهم وبيت مالهم، ~~وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض، ثم فرض لهم في كل يوم شاة بينهم: شطرها ~~وسواقطها # PageV01P253 # لعمار والشطر الآخر بين هذين. # ثم قال: ما أرى قرية يؤخذ منها كل يوم شاة إلا سريعا خرابها. # قال: فمسح عثمان الأرض فجعل على جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب النخل ~~خمسة دراهم، وعلى جريب القصب ستة دراهم، وعلى جريب البر أربعة دراهم، وعلى ~~جريب الشعير درهمين، وعلى أهل الذمة في أموالهم التي يختلفون بها في كل ~~عشرين درهما درهما، وجعل على رءوسهم - وعطل النساء والصبيان من ذلك - أربعة ~~وعشرين كل سنة، ثم كتب بذلك إلى عمر رضي الله عنه فأجازه ورضي به، فقيل ~~لعمر: تجار الحرب كم نأخذ منهم إذا قدموا علينا؟ قال: فكم يأخذون منكم إذا ~~قدمتم عليهم؟ قالوا: العشر، قال: فخذوا منهم العشر. # حدثنا أبو معاوية عن الشيباني عن محمد بن عبيد الله الثقفي قال: وضع عمر ~~رضي الله عنه على أهل السواد على كل جريب عامر [أو # PageV01P254 # غامر] درهما وقفيزا، وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم وخمسة أقفزة، وعلى جريب ~~الشجر عشرة دراهم وعشرة أقفزة، وعلى جريب الكرم عشرة دراهم وعشرة أقفزة، ~~وعلى رءوس الرجال ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثني عشر. # حدثنا إسماعيل بن مجالد عن أبيه مجالد بن سعيد عن الشعبي أن عمر رضي الله ~~عنه بعث عثمان بن حنيف، فمسح السواد فوجده ستة وثلاثين ألف ألف جريب، فوضع ~~على كل جريب درهما وقفيزا. # PageV01P255 # قال أبو عبيد: " فأرى حديث الشعبي هذا غير تلك الأحاديث ألا ترى أن عمر ~~رضي الله عنه إنما كان أوجب الخراج على الأرض خاصة بأجرة مسماة في حديث ~~مجالد، وإنما يذهب الخراج مذهب الكراء وكأنه أكرى كل جريب بدرهم وقفيز في ~~السنة وألغى من ذلك النخل والشجر فلم يجعل لها أجرة ". # قال: " وهذا حجة لمن قال: السواد فيء للمسلمين، وإنما أهلها عمال لهم ~~فيها بكراء معلوم يؤدونه، ويكون باقي ما تخرج الأرض لهم، وهذا لا يجوز إلا ~~في الأرض ms077 البيضاء ولا يكون في النخل والشجر ; لأن قبالتهما لا تطيب بشيء ~~مسمى فيكون بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه وقبل أن يخلق، وهذا الذي كرهه ~~الفقهاء من القبالة ". # PageV01P256 # حدثنا شريك عن الأعمش عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي قال: قلت لابن عمر: ~~إنا نتقبل الأرض فنصيب من ثمارها، قال أبو عبيد: يعني الفضل، قال: ذلك ~~الربا العجلان. # حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن قال: جاء رجل ~~إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: أتقبل منك الأبلة بمائة ألف، فضربه ابن ~~عباس مائة وصلبه حيا. # PageV01P257 # حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي هلال عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: القبالات حرام. # حدثنا عبد الرحمن عن شعبة عن جبلة بن سحيم قال: سمعت ابن عمر يقول ~~القبالات ربا. # قال أبو عبيد: معنى هذه القبالة المكروهة المنهي عنها أن يتقبل الرجل ~~النخل والشجر والزرع النابت قبل أن يستحصد ويدرك، وهو مفسر في حديث يروى عن ~~سعيد بن جبير. # PageV01P258 # حدثنا عباد بن العوام عن الشيباني قال: سألت سعيد بن جبير عن الرجل يأتي ~~القرية فيتقبلها وفيها النخل والشجر والزرع والعلوج فقال: لا يتقبلها فإنه ~~لا خير فيها. # قال أبو عبيد: وإنما أصل كراهة هذا أنه بيع ثمر لم يبد صلاحه ولم يخلق ~~بشيء معلوم. # فأما المعاملة على الثلث والربع وكراء الأرض البيضاء فليسا من القبالات ~~ولا يدخلان فيها، وقد رخص في هذين ولا نعلم المسلمين اختلفوا في كراهة ~~القبالات انتهى. # وهذا الذي ذهب إليه أبو عبيد هو المعروف عند الأئمة الأربعة، وجعلوا كراء ~~الشجر بمنزلة بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا: ~~ليست إجارة الشجر من بيع الثمر في شيء وإنما هي بمنزلة إجارة الأرض لمن ~~يقوم عليها ويزرعها ليستغلها. # وهذا مذهب الليث بن سعد، وأحد الوجهين في مذهب أحمد اختاره شيخنا وأبو ~~الوفاء بن عقيل وهو الذي نختاره. # PageV01P259 # وقد فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ms078 فيما حكاه عنه الإمام ~~أحمد في مسائل ابنه صالح، أنه قبل حديقة أسيد بن حضير ثلاث سنين وقضى به ~~دينا كان عليه ولم ينكره على عمر أحد من الصحابة مع شهرة هذه القصة، وهذا ~~إن لم يكن إجماعا إقراريا فهو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولا نعلم له ~~مخالفا. # ومن العجب أخذ أبي عبيد بحديث مجالد - وهو ضعيف - عن الشعبي عن عمر وهو ~~منقطع، وإنما فيه السكوت عن جريب الشجر لم يذكره بنفي ولا إثبات، وتركه ~~حديث أبي معاوية عن الشيباني عن محمد بن عبيد الله الثقفي، وهؤلاء كلهم ~~أئمة حفاظ وقد حفظ الثقفي ما لم يحفظ الشعبي وأنه جعل على جريب الكرم عشرة ~~دراهم، قال: ولم يذكر النخل وهذا يدل على أنه حفظ القصة وميز بين ما ذكره ~~وما لم يذكره، فهذا عمر وعثمان بن حنيف قد وضعا على الشجر أجرة لازمة ~~مؤبدة، ولا مخالف لهم من الصحابة. # وقد صرح أبو عبيد والفقهاء من بعده بأن الخراج أجرة. # قال: ومعنى الخراج في كلام العرب إنما هو الكراء والغلة، ألا تراهم يسمون ~~غلة الأرض والدار والمملوك خراجا. # PageV01P260 # ومنه حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «أنه قضى أن الخراج بالضمان» ~~". # PageV01P261 # وكذلك حديثه الآخر أنه احتجم، حجمه أبو طيبة فأمر له بصاعين وكلم أهله ~~فوضعوا عنه من خراجه. # فسمى الغلة خراجا فأرض العنوة يؤدي أهلها إلى الإمام الخراج كما يؤدي ~~مستأجر الأرض والدار كراءها إلى ربها الذي يملكها، ويكون للمستأجر ما زرع ~~وغرس فيها. # ولما علم أبو عبيد أن وضع الخراج على جريب الشجر إجارة له قال: أرى حديث ~~مجالد عن الشعبي هو المحفوظ، وقام أبو عبيد وقعد في فعل عمر رضي الله عنه ~~هذا، وقال: لا أعرف وجهه وهي القبالة المكروهة، وقد بينا أن حديث الشيباني ~~أصح وأصرح ويؤيده تقبيل حديقة أسيد بن حضير، ومعه القياس ومصلحة الناس، ~~فإنه لا فرق في القياس بين إجارة الأرض لمن يقوم عليها حتى تنبت وبين إجارة ~~الشجر لمن يقوم عليها حتى تطلع، ms079 كلاهما في القياس سواء. # PageV01P262 # فإن قيل: مستأجر الأرض هو الذي يبذرها قيل: قد يستأجرها لما ينبت فيها من ~~الكلأ، وكونه يبذرها مثل قيامه على الشجر بالسقي والزبار والإصلاح، وقد حكم ~~الله سبحانه بصحة إجارة الظئر للبنها وهو بمنزلة إجارة الشجر لثمرها، وطرد ~~هذا ما جوزه مالك وغيره من إجارة الشاة والبقرة للبنها مدة معلومة، وهذا ~~أحد الوجهين في مذهب أحمد اختاره شيخنا. # والفرق بين إجارة الشجر لمن يخدمها ويقوم عليها حتى تثمر، وبين بيع ~~الثمرة قبل بدو صلاحها من ثلاثة أوجه. # أحدها: أن العقد هنا وقع على بيع عين وفي الإجارة وقع على منفعة، وإن كان ~~المقصود منها العين فهذا لا يضر كما أن المقصود من منفعة الأرض المستأجرة ~~للزراعة العين. # الثاني: أن المستأجر يتسلم الشجر فيخدمها ويقوم عليها كما يتسلم الأرض، ~~وفي البيع البائع هو الذي يقوم على الشجر ويخدمها وليس للمشتري الانتفاع ~~بظلها ولا رؤيتها ولا نشر الثياب عليها، فأين أحد الرأيين من الآخر؟ # الثالث: أن إجارة الشجر عقد على عين موجودة معلومة لينتفع بها في سائر ~~وجوه الانتفاع، وتدخل الثمرة تبعا، وإن كان هو المقصود كما قلتم في نفع ~~البئر ولبن الظئر أنه يدخل تبعا وإن كان هو المقصود. # وأما البيع فعقد على عين لم تخلق بعد فهذا لون وهذا لون. # PageV01P263 # وسر المسألة أن الشجر كالأرض، وخدمته والقيام عليه كشق الأرض وخدمتها ~~والقيام عليها ومغل الزرع كمغل الثمر، فإن كان في الدنيا قياس صحيح فهذا ~~منه. # وأما ما حكاه أبو عبيد عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم من منع ~~القبالة فليس مما نحن فيه بل هو من القبالة الفاسدة، وهي أن يستأجر الرجل ~~الضيعة بكل ما فيها من زرع وشجر وعلوج وما فيها من إجارة بيوت أو حوانيت ~~وغير ذلك، فيتقبل الجميع ويدفع إلى ربها مالا معلوما، فهذه إجارة فاسدة ~~تتضمن أنواعا من المحذور كما يفعله كثير من الناس ويسمونها الكراء، ولهذا ~~قال ابن عمر رضي الله عنهما: ذلك الربا. # ومعلوم أن إجارة الشجر بالدراهم ms080 والدنانير لا يدخلها ربا، والذي منعها لم ~~يمنعها لأجل الربا، وهذا بين في حديث ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال له ~~الرجل: أتقبل منك الأبلة فلم يطلب منه إجارة الشجر بل يتقبل البلد كله بما ~~فيه، ويدفع إليه مالا معلوما فهذا لا يجيزه أحد، وقد صرح بهذا في حديث ابن ~~عباس سعيد بن جبير فقال: " الرجل يأتي القرية فيتقبلها وفيها النخل والزرع ~~والشجر والعلوج "، فهذه هي القبالات المحرمة لا التي فعلها أمير المؤمنين ~~وأقره عليها جميع الصحابة، ولا تتم مصلحة الناس إلا بها كما لا تتم مصلحتهم ~~إلا بإجارة الأرض، فإن الرجل يكون له البستان وفيه الأشجار الكثيرة ولا ~~يمكنه أن يفرد كل نوع ببيع إذا بدا صلاحه. # PageV01P264 # والمساقاة من الفقهاء من يمنعها كأبي حنيفة، ومنهم من يخصها بالنخل ~~والكرم، ومن جوزها في جميع الشجر فقد تتعذر عليه المساقاة في بستانه، ~~والرجل الذي له غرض في الثمار قد لا يحسن المساقاة، فتتعطل مصلحة صاحب ~~البستان ومصلحة المستأجر، وفي هذا فساد لا تأتي به الشريعة. # ومصلحة الإجارة أعظم مما يقدر فيها من الفساد بكثير، والشريعة جاءت ~~بتقديم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة. # ولما كانت مصالح الناس لا تتم إلا بذلك وضع المانعون حيلا للجواز بأن ~~يؤجروه بياض الأرض بأضعاف أضعاف ما تساوي، ثم يساقونه على ثمر الشجر بأدنى ~~أدنى ما يكون فلا الإجارة مقصودة لهما ولا المساقاة فقد دخلا على عقد لم ~~يقصده واحد منهما، فالذي قصده هذا وهذا حرام والذي عقدا عليه لم يقصداه ولم ~~تكن هذه المسألة من مقصود الكتاب، وإنما وقعت في طريق الخراج الذي هو أخو ~~الجزية وشقيقها. # وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الخراج في الحديث الصحيح # PageV01P265 # المتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه فقال: " «منعت العراق درهمها ~~وقفيزها، ومنعت الشام دينارها ومديها، ومنعت مصر دينارها وإردبها وعدتم كما ~~بدأتم» " ثلاث مرات. # والمعنى: سيمنع ذلك في آخر الزمان. ### | [فصل قدر الخراج المضروب على الأرض] ### | 44 - # فصل # [قدر الخراج المضروب على الأرض] ms081 # فأما قدر الخراج المضروب فمعتبر بما تحمله الأرض: نص عليه أحمد في رواية ~~محمد بن داود، وقد سئل عن حديث عمر رضي الله عنه: # PageV01P266 # " وضع على جريب الكرم كذا، وعلى جريب الزرع كذا " أهو شيء موظف على الناس ~~لا يزاد عليهم أو إن رأى الإمام غير هذا زاد ونقص؟ قال: بل هو على رأي ~~الإمام إن شاء زاد عليهم وإن شاء نقص. # وقال: هو بين في حديث عمر رضي الله عنه: " إن زدت عليهم كذا لا يجهدهم " ~~إنما نظر عمر رضي الله عنه إلى ما تطيق الأرض. # فقد نص على أن ذلك موقوف على اجتهاد الإمام وليس بموقوف على تقدير عمر ~~رضي الله عنه. # ونقل العباس بن محمد الخلال عن أحمد أنه قال: والإمام يقره في أيديهم ~~مقاسمة على النصف، وأقل إذا رضي بذلك الأكرة يحملهم بقدر ما يطيقون. # ونص في موضع آخر أنه ليس للإمام أن يقهره على ما أقره عليه عمر رضي الله ~~عنه. # وقال في رواية يعقوب بن بختان: لا يجوز للإمام أن ينقص وله أن # PageV01P267 # يزيد. # وقال في رواية ابن منصور: ووضع عليها عمر رضي الله عنه - يعني السواد - ~~الخراج على كل جريب درهما وقفيزا من الحنطة والشعير، وما سوى ذلك من القصب ~~والزيتون والنخل أشياء موظفة يؤدونها. # وقال: خراج السواد - على حديث الحكم عن عمرو بن ميمون - قفيز ودرهم. # قال الخلال في " جامعه ": أبو عبد الله يقول: إن للإمام النظر في ذلك؛ ~~فيزيد عليهم وينقص على قدر ما يطيقون، وقد ذكر ذلك عنه غير واحد وما قاله ~~عباس الخلال عن أبي عبد الله فهو قول أول له، انتهى. # وقد اختلفت الرواية عن عمر رضي الله عنه في قدر الخراج، ففي حديث عمرو بن ~~ميمون قال: شهدت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأتاه ابن حنيف فجعل يكلمه ~~فسمعناه يقول له: تالله لئن وضعت على كل جريب من الأرض درهما وقفيزا لا ~~يجهدها. # وفي حديث محمد بن عبيد الله الثقفي قال: وضع عمر على أهل السواد ms082 على كل ~~جريب عامر أو غامر درهما وقفيزا، وعلى جريب الرطبة # PageV01P268 # خمسة دراهم. # وذكر الشعبي عن عمر أنه بعث عثمان بن حنيف إلى السواد، فوضع على جريب ~~الشعير درهمين، وعلى جريب الرطبة أربعة دراهم، وعلى جريب القصب ستة دراهم، ~~وعلى جريب النخل ثمانية، وعلى جريب الكرم عشرة، وعلى جريب الزيتون اثني ~~عشر. # هذا ما حكاه أبو عبيد. # قال أحمد: أعلى وأصح حديث في أرض السواد حديث عمرو بن ميمون. # وهذا الاختلاف عن عمر رضي الله عنه يدل على أن الخراج ليس بمقدر شرعا ~~بحيث لا تجوز فيه الزيادة ولا النقصان بل هو باعتبار الطاقة ويجب أن يكون ~~وضع الخراج مراعى في كل أرض بحسب ما تحتمله وذلك يختلف من جهة جودة الأرض ~~ورداءتها ومن جهة الزرع والشجر، فإن منه ما تكثر قيمته ومنه ما تقل ومن جهة ~~خفة مئونة السقي وكثرتها، فإن منها ما يشرب بالدوالي والنواضح، ومنها ما ~~يشرب بالأمطار والأنهار فلا بد لواضع الخراج من اعتبار هذه الأوصاف، ليعلم ~~قدر ما # PageV01P269 # تحتمله الأرض، فيقصد العدل في وضعه، فلا يجحف بأربابها ولا بمستحقي ~~الخراج، ويجب عليه أن يدع لأرباب الأرض بقية يجبرون بها النوائب والجوائح ~~كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في خرص الثمار في الزكاة أن يترك ~~لأهل النخل الثلث أو الربع. # PageV01P270 # وقال: " «إن في المال السابلة والعرية والواطئة» ". ### | [فصل الخراج يوضع على الأرض وعلى الزرع] ### | 45 - # فصل # [الخراج يوضع على الأرض وعلى الزرع] # ووضع الخراج ضربان. # أحدهما: أن يوضع على الأرض. # والثاني: أن يوضع على الزرع. # فإن وضع على الأرض اعتبر حوله بالسنة الهلالية دون الشمسية، وهي التي ~~تعتبر بها الآجال شرعا؛ كالزكاة والدية والجزية وغيرها. # وإن وضع على الزرع؛ فإن جعله مقاسمة كان معتبرا بكمال الزرع وتصفيته، ~~وكان ذلك عامه وأجله. # وإن وضعه على مكيلته وأخذ على كل مقدار معين درهما أو نحوه اعتبر أيضا ~~بكمال الزرع، ووضعه على رقبة الأرض أحوط ; لأنه قد يفرط # PageV01P271 # في زرعها فيتعطل خراجها، وإذا وضع تأبد ما بقيت الأرض ms083 على حالها من شربها ~~وقبولها للزرع، فإن تعطلت وبارت أو انقطع شربها فهو نوعان: # أحدهما: أن يكون ذلك من جهة أهلها وهم قادرون على إصلاحها فهذا لا يسقط ~~الخراج ; لأنه بمنزلة الإجارة فإذا عطل المستأجر الانتفاع لم تسقط عنه ~~الأجرة. # الثاني: أن يكون بسبب لا صنع لهم فيه كانقطاع المياه وإجلاء العدو لهم عن ~~أرضهم، وجور لحقهم من العمال لم تمكنهم الإقامة عليه، وتخرب الأرض بالأمطار ~~والسيول ونحو ذلك فهذا يسقط الخراج عنهم حتى تعود الأرض كما كانت ويتمكنوا ~~من الانتفاع بها. # وعلى الإمام أن يعمر الأرض من بيت المال من سهم المصالح ولا يجوز إلزامهم ~~بعمارتها من أموالهم، فإن سألهم أن يعمروها من أموالهم ويعتد لهم بما ~~أنفقوا عليها من خراجها فرضوا بذلك جاز ولم يجبروا عليه إلا أن يكون سهم ~~المصالح عاجزا عن ذلك، ولا يضر بهم عمارتهم بالخراج، وفي ذلك مصلحة لهم ~~ولأصحاب الفيء فهذا يسوغ له إلزامهم به. # فإن أمكن الانتفاع بتلك الأرض بعد أن بارت لصيد أو مرعى جاز أن يستأنف ~~عليها خراجا بحسب ما تحتمله، ولا يجوز أن يحمل عليها خراج الأرض العامرة. # فإن قيل: فهل للإمام أن يضع على الأرض الموات التي لا تزرع # PageV01P272 # خراجا يكون على مصايدها ومراعيها؟ # قيل: لا يجوز ذلك لأنها مباحة ومن أحياها ملكها فكيف يجوز أن يوضع عليها ~~الخراج؟ ! # وسئل أحمد عن الصيد في أجمة قطربل، وقيل له: إنهم يمنعوننا أن نصيد فيها ~~حتى نعطيهم شيئا، فقال للسائل: احرص على ألا تعطيهم شيئا فإن شارطتهم لا ~~تخنهم. ### | [فصل في زيادة منفعة الأرض زيادة عارضة] ### | 46 - # فصل # [في زيادة منفعة الأرض زيادة عارضة] # فإن زادت منفعة الأرض زيادة عارضة لا يوثق بدوامها، لم يجز أن # PageV01P273 # يزيد في خراجها بذلك، وإن وثق بدوام ذلك راعى المصلحة لأرباب الأرض ~~وأرباب الفيء، واعتمد في الزيادة ما يكون عدلا بين الفريقين. ### | [فصل الأرض التي يمكن زرعها خراجها واجب] ### | 47 - # فصل # [الأرض التي يمكن زرعها خراجها واجب] # وخراج الأرض إن أمكن زرعها واجب، وإن ms084 لم تزرع: نص عليه في رواية الأثرم ~~ومحمد بن أبي حرب وقد سئل عن رجل في يده أرض من الخراج لم يزرعها يكون عليه ~~خراجها؟ قال: نعم، العامر والغامر، وإذا كان خراج ما أخل بزرعه يختلف ~~باختلاف الزرع أخذ منه فيما آجل بزرعه خراج أقل ما يزرع فيها ; لأنه لو ~~اقتصر على زرعه لم يعارض فيه. # ولو كانت أرض الخراج لا يمكن زرعها في كل عام بل تراح في عام أو تزرع ~~عاما دون عام، روعي حالها في ابتداء وضع الخراج عليها، واعتبر العدل لأهل ~~الأرض وأهل الفيء في خصلة من ثلاث: # [الأولى:] إما أن يجعل خراجها على الشطر من خراج ما يزرع في كل عام. # PageV01P274 # [الثانية:] وإما أن يمسح كل جريبين منها بجريب ليكون أحدهما للمزروع ~~والآخر للمتروك. # [الثالثة:] وإما أن يضعه بكماله على مساحة المتروك والمزروع، ويستوفي على ~~أربابه الشطر من مساحة أرضهم. # وإذا كان خراج الزرع والثمار مختلفا باختلاف الأنواع، فزرع أو غرس ما لم ~~ينص عليه، اعتبر خراجه بأقرب المنصوصات شبها به. ### | [فصل في نقل أرض الخراج إلى العشر] ### | 48 - # فصل # [في نقل أرض الخراج إلى العشر] # ولا يجوز أن ينقل أرض الخراج إلى العشر، ويعطل خراجها ولا أرض العشر إلى ~~الخراج ويعطل عشرها، بل إذا كانت خراجية وزرعت ما يجب فيه العشر اجتمعا ~~فيها كما تقدم، وإذا سقي بماء الخراج أرض عشر كان المأخوذ منها عشرا، وإذا ~~سقي بماء العشر أرض خراج كان المأخوذ منها خراجا اعتبارا بالأرض دون الماء. # وقال أبو حنيفة: يعتبر حكم الماء فيؤخذ بماء الخراج الخراج وبماء العشر ~~العشر، وكأنه نظر إلى أن الماء مادة الزرع والأرض وعاء له، فهو مستودع فيها ~~كما لو وطئ رجل أمة غيره بريبة فأولدها، فالولد للواطئ دون مالك الأمة، ~~واعتبار الأرض أولى ; لأن الخراج مأخوذ عن الأرض لا عن الماء والزرع إنما ~~يكون في الأرض، نحو من أخذ التراب والهواء المختص # PageV01P275 # بها والبذر فهذه ثلاثة أجزاء يختص الأرض، والماء جزء من أربعة. # وأما مسألة الوطء ms085 فهي حجة عليه، فإنه لو وطئها عالما بأنها أمة الغير كان ~~الولد لمالك الأم، وإنما ألحق في هذه الصورة بالواطئ للسرية فإن الولد يتبع ~~اعتقاد الواطئ شرطا ولو نزا فحل على رمكة فأولدها كان الولد لصاحب الرمكة ~~دون صاحب الفحل بالاتفاق، وأيضا فالماء ليس عليه خراج ولا عشر فلا يعتبر. # قال القاضي: وعلى هذا الخلاف منع أبو حنيفة صاحب الخراج أن يسقي بماء ~~العشر، ومنع صاحب العشر أن يسقي بماء الخراج، ولم يمنع أحمد واحدا منهما أن ~~يسقي بأي الماءين شاء. # وقد قال أحمد في رواية صالح: الخراج مثل الجزية على الرقبة. # وقال في رواية ابن منصور: إنما هو جزية رقبة الأرض. # فدل على أنه على رقبة فالاعتبار بها دون الماء الذي لم يوضع عليه خراج. ### | [فصل البناء في أرض الخراج هل يسقط الخراج عنها] ### | 49 - # فصل # [البناء في أرض الخراج هل يسقط الخراج عنها] # وإذا بنى في أرض الخراج دورا وحوانيت كان خراجها مستحقا عليه؛ هذا ظاهر ~~كلام أحمد ; لأن الخراج لا يتوقف على الزرع والغرس، # PageV01P276 # فإنه قال في رواية يعقوب بن بختان، وقد سأله: ترى أن يخرج الرجل عما في ~~يده من دار أو ضيعة على ما وظف عمر رضي الله عنه على كل جريب فيتصدق به؟ ~~فقال: ما أجود هذا، فقال له يعقوب: بلغني عنك أنك تعطي عن دارك الخراج ~~فتتصدق به، قال: نعم. # قلت: إنما كان أحمد يفعل ذلك ; لأن بغداد من أرض السواد التي وضع عليها ~~عمر الخراج، فلما بنيت مساكن راعى أحمد حالها الأولى التي كانت عليها من ~~عهد عمر رضي الله عنه إلى أن صارت دورا. # قال القاضي: وقد قيل: إن ما لا يستغنى عن بنائه في مقامه في أرض الخراج ~~لزارعها [وفلاحها] عفو لا خراج عليه؛ لأنه لا يستقل فيها إلا بمسكن يسكنه، ~~وما بناه للكراء والتوسعة التي لا يحتاج إليها فعليه خراجه. # قلت: وهذا هو الذي استمر عليه عمل الناس قديما وحديثا، وهو غير ما كان ~~يفعله أحمد على أن أحمد ms086 كان يفعل ذلك احتياطا ولم يأمر به أهل بغداد عامة، ~~بل عد من جملة ورعه أنه كان يخرج الخراج عن داره فيتصدق به، وغيره لم يكن ~~يفعل ذلك ولا كان أحمد يلزم به الناس، وقد صرح أصحاب أحمد والشافعي وغيرهم ~~أنه لا خراج على المساكن. # PageV01P277 ### | [فصل خراج الأرض التي تم تأجيرها على المؤجر] # - فصل # [خراج الأرض التي تم تأجيرها على المؤجر] # وإذا أجر أرض الخراج أو أعارها فخراجها على المؤجر والمعير. # وقد قال أحمد في رواية أبي الصقر في أرض السواد يتقبلها الرجل: يؤدي ~~وظيفة عمر ويؤدي العشر بعد وظيفة عمر. # وظاهر هذا أن الخراج على المستأجر فإنه هو الذي يؤدي العشر. # وكذلك قال في رواية محمد بن أبي حرب. # وقد صرح به أبو حفص فقال: باب الدليل على أن من استأجر أرضا فزرعها كان ~~الخراج والعشر جميعا عليه دون صاحب الأرض، ثم ساق في هذا الباب رواية أبي ~~الصقر المتقدمة. # وقد يحتج لهذا القول بأن الخراج من تمام تربة الأرض، فهو بمنزلة السقي ~~والحرث وتهيئتها للزراعة بما يصلح لها. # والصواب القول الأول فإن منفعة الأرض إنما هي للمؤجر وما يأخذه # PageV01P278 # من الأجرة عوض عن تلك المنفعة فلا يكون النفع له والخراج على غيره، ~~فانتفاعه بالأرض تارة يكون بنفسه وتارة يكون بنيابته، والمستأجر نائب عنه ~~وكذلك المستعير إنما دخل على أن ينتفع بالأرض مجانا، والمذهب عند القاضي ~~رواية واحدة وعند أبي حفص على روايتين. # وقد حكى أبو عبد الله بن حمدان في " رعايته " بعد أقوال فقال: وخراج ~~العنوة على ربها، مسلما كان أو كافرا، وعنه: بل مستأجرها ومستعيرها، وقيل: ~~بل على المستأجر دون المستعير وقيل عكسه. # قال القاضي: وعندي أن كلام أحمد لا يقتضي ما قال أبو حفص ; لأنه إنما نص ~~على رجل تقبل أرضا من السلطان فدفعها إليه بالخراج وجعل ذلك أجرتها، لأنها ~~لم تكن في يد السلطان بأجرة بل كانت لجماعة المسلمين، والمسألة التي ~~ذكرناها إذا كانت في يد رجل من المسلمين بالخراج المضروب فأجرها فإن الثاني ~~لا ms087 يجب عليه الخراج بل يجب على الأول لأنها في يده بأجرة هي الخراج [وهي في ~~يد الثاني بأجرة عن الخراج] . ### | [فصل في اختلاف عامل الصدقة ورب الأرض] ### | 51 - # فصل # [في اختلاف عامل الصدقة ورب الأرض] # وإذا اختلف العامل ورب الأرض في حكمها، فادعى العامل أنها # PageV01P279 # أرض خراج وادعى ربها أنها أرض عشر، وقولهما ممكن، فالقول قول المالك دون ~~العامل، فإن اتهم استحلف. # ويجوز أن يعتمد في مثل هذا على الشواهد الديوانية السلطانية إذا علم ~~صحتها ووثق بكتابتها ولم يتطرق إليها تهمة. ### | [فصل ادعاء رب الأرض دفع الخراج] ### | 52 - # فصل # [ادعاء رب الأرض دفع الخراج] # وإذا ادعى رب الأرض دفع الخراج لم يقبل قوله، ولو ادعى دفع الزكاة ~~ويعرفها بنفسه قبل قوله. # والفرق بينهما أن الزكاة عبادة فهي كالصوم والصلاة والاغتسال من الجنابة، ~~وقول المسلم في ذلك مقبول من غير يمين. # وأما الخراج فهو حق عليه بمنزلة الديون، فلا يقبل قوله إلا ببينة فهو ~~كالجزية. ### | [فصل فيمن أعسر بالخراج] ### | 53 - # فصل # [فيمن أعسر بالخراج] # ومن أعسر بالخراج أنظر به إلى يساره ولم يسقط بالإعسار، وإن أعسر بالجزية ~~سقطت عنه ولم تستقر في ذمته. # والفرق بينهما أن الجزية لا تجب مع الإعسار، فهي كالزكاة والنفقة ~~الواجبة. # PageV01P280 # وأما الخراج فهو أجرة الأرض فيجب مع اليسار والإعسار كأجرة الدور ~~والحوانيت ولهذا لما ضربه عمر رضي الله عنه على الأرض لم يراع فيه فقيرا من ~~غني. ### | [فصل فيمن ماطل بالخراج] ### | 54 - # فصل # [فيمن ماطل بالخراج] # وإذا مطل بالخراج مع يساره حبس حتى يؤديه فإن أصر على المطل رغم الحبس ~~ضرب. # قال أصحابنا: وهكذا كل من عليه حق إذا امتنع من أدائه ضرب حتى يؤديه، فإن ~~وجد له مال غير الأرض الخراجية بيع في أداء ما عليه ما لا يضر به، فلا تباع ~~ثيابه ولا بقره ولا مسكنه ولا آلات الحرث، فإن لم يوجد له غير الأرض ~~الخراجية وكان في بيع بعضها ما يؤدي عنه خراجه ولا يضر به بيع منها بقدر ~~ذلك أو أجره وقبض ms088 أجرته عوضا عن الخراج وإن أضر به بيعها لم يبع وأنظر إلى ~~الميسرة. ### | [فصل فيمن عجز عن عمارة أرض الخراج] ### | 55 - # فصل # [فيمن عجز عن عمارة أرض الخراج] # وإذا عجز رب الأرض عن عمارتها قيل له: إما أن تؤجرها وإما أن ترفع يدك ~~عنها لتدفع إلى من يقوم بعمارتها، ولم تترك على خرابها، وإن دفع خراجها ~~[لئلا تصير بالخراب مواتا] أومأ إليه أحمد فقال في رواية حنبل: " من أسلم ~~على شيء فهو له، ويؤخذ منه خراج الأرض فإن ترك # PageV01P281 # أرضه فلم يعمرها فذلك إلى الإمام يدفعها إلى من يعمرها لا تخرب، تصير ~~فيئا للمسلمين. # فقد منع من ترك عمارة أرض الخراج على وجه الخراب، فإنها تصير بالخراب في ~~حكم الموات فيتضرر أهل الفيء وغيرهم بتعطيلها وإن أدي عنها الخراج. # وهذا بخلاف ما لو أحيا أرضا ميتة ثم تركها لم يطالب بعمارتها: نص عليه ~~أحمد، فقال في رواية حرب في رجل أحيا أرض الموات، فيحفر فيها بئرا أو يسوق ~~إليها ماء أو يحيط عليها حائطا ثم يتركها، قال: هي له، قيل له: فهل في ذلك ~~وقت إذا تركها؟ قال: لا. # وكذلك قال في رواية أبي الصقر: إذا أحيا أرضا ميتة وزرعها ثم تركها حتى ~~عادت خرابا فهي له، وليس لأحد أن يأخذها منه. # والفرق بين المسألتين أنه بإحيائها قد ملكها، فهو مخير بين الانتفاع ~~بملكه وبين تركه، وغايتها أن تعود مواتا كما كانت، وأما أرض الخراج فهي ملك ~~لأصحاب الفيء، فليس له تعريضها للخراب وتعطيلها عليهم. ### | [فصل في الأرض التي لا ينالها الماء] ### | 56 - # فصل # [في الأرض التي لا ينالها الماء] # واختلفت الرواية عن أحمد فيما لا يناله الماء من الأرض هل يوضع عليه خراج ~~أم لا، وعنه في ذلك روايتان. # PageV01P282 # ووجه الوضع أن ما لا يناله الماء فينتفع به في مصالح الناس يكون بمنزلة ~~ما يناله الماء. # ووجه المنع أنه لا ينتفع به ولا يمكن زرعه، فهو كالفقير العاجز عن ~~الجزية. # واختلفت الرواية عنه في الموات الذي لا يمكن زرعه ms089 هل يوضع عليه الخراج ~~على روايتين نص في إحداهما على أنه إن أمكن أن يحييه من هو في يده أو غيره ~~أخذ منه وإلا فلا. ### | [فصل من أحق بالأرض الخراجية] ### | 57 - # فصل # [من أحق بالأرض الخراجية] # ومن كانت بيده أرض خراجية فهو أحق بها بالخراج كالمستأجرة، ويرثها وارثه ~~على الوجه الذي كانت عليه بيد الموروث، وليس للإمام نزعها من يده ودفعها ~~إلى غيره، فإن نزل هو عنها أو اشتراها غيره صار الثاني أحق بها. ### | [فصل فيمن ظلم في أرضه الخراجية] ### | 58 - # فصل # [فيمن ظلم في أرضه الخراجية] # ومن ظلم في خراجه فهل له أن يحتسب بالقدر الذي ظلم فيه من العشر؟ فيه ~~روايتان عن أحمد: # إحداهما: ليس له ذلك، كما لو سرق متاعه لم يحتسب به من الزكاة، وهذا أمر ~~العشر والخراج: يجبان بسببين مختلفين لمستحقين مختلفين، # PageV01P283 # فهذا للمساكين وهذا لأهل الفيء. # والثانية: له أن يحتسب به لأنهما يجبان في الأرض بسبب المغل، فإذا تعدى ~~عليه العامل وجب فيه التقدير في أحدهما من ربح الآخر. ### | [فصل للإمام إسقاط الخراج وتركه عن بعض أهل الذمة] ### | 59 - # فصل # [للإمام إسقاط الخراج وتركه عن بعض أهل الذمة] # وللإمام ترك الخراج وإسقاطه عن بعض من هو عليه، وتخفيفه عنه بحسب النظر ~~والمصلحة للمسلمين، وليس له ذلك في الجزية، والفرق بينهما أن الجزية ~~المقصود بها إذلال الكافر وصغاره، وهي عوض عن حقن دمه ولم يمكنه الله من ~~الإقامة بين أظهر المسلمين إلا بالجزية إعزازا للإسلام وإذلالا للكفر. # وأما الخراج فهو أجرة الأرض وحق من حقوقها، وإنما وضع بالاجتهاد فإسقاطه ~~كله بمنزلة إسقاط الإمام أجرة الدار والحانوت عن المكتري. ### | [فصل في أحكام أرض مكة] ### | 60 - # فصل # [في أحكام أرض مكة] # ولا خراج على مزارع مكة وإن فتحت عنوة. # وقيل: يضرب عليها الخراج كسائر أرض العنوة، وهذا القول من أقبح الغلط في ~~الإسلام، وهو مردود على قائله، ومكة أجل وأعظم من أن يضرب على أرضها ~~الجزية، وهي حرم الله وأمنه ودار نسك الإسلام، وقد # PageV01P284 # أعاذها الله مما ms090 هو دون الخراج بكثير، وهذا القول استدراك على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وعلى أبي بكر وعمر وعثمان والأئمة بعدهم إلى زمن ~~هذا القائل، وكيف يسوغ ضرب الخراج الذي هو أخو الجزية وشقيقها ورضيع لبنها ~~على خير بقاع الله وأحبها إلى الله ودار النسك، ومتعبد الأنبياء وقرية رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - التي أخرجته، وحرم رب العالمين وأمنه ومحل ~~بيته وقبلة أهل الأرض. # قال أبو عبيد: «صحت الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~افتتح مكة وأنه من على أهلها، فردها عليهم فلم يقسمها ولم يجعلها فيئا» ~~فرأى بعض الناس أن هذا الفعل جائز للأئمة بعده. # ولا نرى مكة يشبهها شيء من البلاد من جهتين: # إحداهما: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قد خصه الله من ~~الأنفال والغنائم بما لم يجعله لغيره وذلك لقوله تعالى: {يسألونك عن ~~الأنفال قل الأنفال لله والرسول} [الأنفال: 1] ، فنرى هذا كان خاصا له. # والجهة الأخرى: أنه قد سن لمكة سننا لم يسنها لشيء من سائر البلاد. # حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن # PageV01P285 # يوسف بن ماهك عن أمه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «قلت يا رسول الله ألا ~~تبني لك بيتا أو بناء يظلك من الشمس؟ - تعني بمنى - فقال: " إنما هي مناخ ~~لمن سبق» ". # وحدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " «إن مكة حرام حرمها الله لا يحل بيع رباعها ولا أجور ~~بيوتها» ". # PageV01P286 # وحدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " «إن مكة حرام - أراه رفعه - قال: مكة مناخ لا يباع ~~رباعها، ولا تؤخذ إجارتها، ولا تحل ضالتها إلا لمنشد» ". # PageV01P287 # وحدثت عن محمد بن سلمة الحراني عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة عن ~~عبيد بن عمير بنحوه، وروايته: " «لا تحل غنائمها» ". # PageV01P288 # حدثنا وكيع عن عبيد الله بن أبي زياد عن ابن أبي نجيح عن ms091 عبد الله بن ~~عمرو قال: " «من أكل أجور بيوت مكة فإنما يأكل في بطنه نار جهنم» ". # حدثنا أبو إسماعيل المؤدب عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن عطاء أنه كره ~~الكراء بمكة. # حدثنا إسماعيل بن عياش عن ابن جريج قال: قرأت كتاب عمر بن # PageV01P289 # عبد العزيز إلى الناس: ينهى عن كراء بيوت مكة. # حدثنا إسحاق الأزرق عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: كتب عمر بن عبد ~~العزيز إلى أمير مكة: ألا يدع أهل مكة يأخذون على بيوت مكة أجرا فإنه لا ~~يحل لهم. # حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه ~~نهى أن تغلق دور مكة دون الحاج، وأنهم يضطربون فيما وجدوا منها فارغا. # حدثنا أبو إسماعيل يعني المؤدب عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الحرم كله مسجد. # حدثنا إسماعيل بن جعفر عن إسرائيل عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر: الحرم ~~كله مسجد. # PageV01P290 # قلت: ويدل عليه قوله تعالى: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام ~~بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] ، وهذا لمكة كلها. # قال أبو عبيد: فإذا كانت مكة هذه سننها أنها مناخ من سبق إليها، وأنها لا ~~تباع رباعها ولا يطيب كراء بيوتها، وأنها مسجد لجماعة المسلمين، فكيف تكون ~~هذه غنيمة فتقسم بين قوم يحوزونها دون الناس، أو تكون فيئا فتصير أرض خراج ~~وهي أرض من أرض العرب الأميين الذين كان الحكم عليهم الإسلام أو القتل فإذا ~~أسلموا كانت أرضهم أرض العشر ولا تكون خراجا أبدا؟ ثم جاء الخبر عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مفسرا حين قال: " «لا تحل غنائمها» ". # قال: فليس تشبه مكة شيئا من البلاد لما خصت به، فلا حجة لمن زعم أن الحكم ~~على غيرها كالحكم عليها، وليست تخلو بلاد العنوة - سوى مكة - من أن تكون ~~غنيمة كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر أو تكون فيئا كما ~~فعل عمر ms092 رضي الله عنه بأرض السواد وغيره من أرض الشام ومصر، انتهى. # فغلط في مكة طائفتان: طائفة ألحقت غيرها بها فجوزت ألا تقسم ولا يضرب ~~عليها خراج ولا تكون فيئا، وطائفة شبهت مكة بغيرها فجوزت قسمتها، وضرب ~~الخراج عليها وهي أقبح الطائفتين وأسوءهم مقالة، وبالله التوفيق. # PageV01P291 ### | [فصل في كراهة الدخول في أرض الخراج] ### | 61 - # فصل # في كراهة الدخول في أرض الخراج، وما نقل عن السلف في ذلك. # قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل ويحيى بن سعيد عن سعيد بن أبي عروبة عن ~~قتادة عن سفيان العقيلي عن أبي عياض عن عمر رضي الله عنه قال: " لا تشتروا ~~رقيق أهل الذمة، فإنهم أهل خراج وأرضهم فلا تتبايعوها، ولا يقرن أحدكم ~~بالصغار بعد إذ أنجاه الله [منه] ". # PageV01P292 # وقد ذكر الأنصاري عن أبي عقيل بشير بن عقبة عن الحسن قال: قال عمر رضي ~~الله عنه: " لا تشتروا رقيق أهل الذمة ولا أرضيهم " قال: فقلت للحسن: ولم؟ ~~قال: لأنهم فيء للمسلمين. # PageV01P293 # وقد ذكر الإمام أحمد هذا الأثر عن يزيد ثنا سعيد عن قتادة. # وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله قال: وأراد عمر أن يوفر الجزية ; لأن ~~المسلم إذا اشتراه سقط عنه أداء ما يؤخذ منه والذمي يؤدي عنه وعن مملوكه ~~خراج جماجمهم، إذا كانوا عبيدا أخذ منهم جميعا الجزية. # وقال إسحاق بن منصور: قلت لأبي عبد الله: قول عمر: " لا تشتروا رقيق أهل ~~الذمة " قال: لأنهم أهل خراج يؤدي بعضهم عن بعض فإذا صار إلى المسلم انقطع ~~عنه ذلك. # وفي المسألة عن أحمد روايتان منصوصتان. # إحداهما: لا جزية عليه. # والثانية: عليه الجزية وهو ظاهر كلام الخرقي فيؤديها عنه سيده، وهو ظاهر ~~المنقول عن عمر وعلي رضي الله عنهما. # قال أحمد: ثنا يحيى، ثنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة أن عليا رضي الله ~~عنه كان يكره ذلك: " يعني شراء رقيقهم "، ويقول: من أجل أن عليهم خراجا ~~للمسلمين. # PageV01P294 # وظاهر الأحاديث وجوبها على الرقيق، فإنه لم يجيء في حديث واحد منها ~~اختصاص ذلك بالأحرار ; ولأن الجزية ذل وصغار ms093 وهو أهل لذلك ; ولأنه قوي ~~مكتسب فلم يقر في بلاد المسلمين بغير جزية وهذا القول هو الذي نختاره. # وقال مهنا بن يحيى الشامي: أخبرنا إسماعيل ابن علية عن ابن أبي عروبة عن ~~قتادة عن سفيان العقيلي عن أبي عياض قال قال: عمر رضي الله عنه: " لا ~~تبتاعوا رقيق أهل الذمة، فإنما هم أهل خراج يبيع بعضهم بعضا، وأرضهم فلا ~~تتبايعوها، ولا يقرن أحدكم بالصغار في عنقه بعد إذ # PageV01P295 # أنقذه الله منه. # قال مهنا: فسألته - يعني أحمد - عن سفيان العقيلي؟ فقال: روى عنه قتادة ~~وأيوب السختياني، قلت: أي شيء روى أيوب عن سفيان؟ فقال: هذا الحديث وهو ~~مرسل، ولم يذكر فيه أبا عياض. # وسألته: لم قال عمر: لا تتبايعوا رقيق أهل الذمة، قال: لأنهم يؤدون ~~الخراج. # وقال الميموني: تذاكرنا قول عمر هذا فقال أبو عبد الله: أظنه كرهه من ~~أنهم جميعا في الأصل حيث أخذوا مماليك، وإنما ملكوا هؤلاء بالقهر والغلبة ~~منهم لهم، فكره شراءهم واحتج لقوله أنه نهاهم عن شراء ما في أيدينا، لأنهم ~~إذا كان لهم أن يشتروا منا فلنا أن نشتري ما في أيديهم. # قال: هذا معنى كلام أبي عبد الله. # PageV01P296 # وما أرى الميموني فهم ما قال أحمد، وإلا فلا أدري ما معنى هذا الكلام ~~وعمر رضي الله عنه إنما قال: " لأنهم أهل خراج يبيع بعضهم بعضا "، وفي لفظ: ~~" يؤدي بعضهم عن بعض ". # قال أحمد: فإذا صار إلى المسلم انقطع عنه، هكذا لفظه في رواية إسحاق بن ~~منصور، وقد صرح في رواية مهنا بهذا، وقد سأله عن قول عمر رضي الله عنه: ما ~~معناه؟ فقال: إنهم يؤدون الخراج ويستعبد بعضهم بعضا فإذا اشتراه مسلم لم ~~يكن عليه خراج. # قلت: كأنه جعل استعباد بعضهم بعضا غير مؤثر في إسقاط الجزية عنهم، وقد ~~صرح به عمر رضي الله عنه في قوله: " إنهم أهل خراج يبيع بعضهم بعضا ". # وللصحابة لاسيما الخلفاء منهم لاسيما عمر - فقه ونظر لا تبلغه أفهام من ~~بعدهم، فكأن عمر رضي الله عنه لم يثبت لرقيقهم أحكام الرقيق ms094 التي تثبت ~~لرقيق المسلم، وعلم أنهم يبيع بعضهم بعضا، وذلك لا يثبت الرق في الحقيقة، ~~فمنع المسلم من شرائه احتياطا ولم يسقط الجزية عن رقبته وألزمها من ادعى ~~أنه رقيقه، وهذا من أدق النظر وألطف الفقه، وقد وافقه على ذلك علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه وكره للمسلم شراءهم. # وقال سعيد: كان قتادة يكره أن يشترى من رقيقهم شيء إلا ما كان من غير ~~بلادهم - زنجيا أو حبشيا أو خراسانيا - لا يبيع بعضهم بعضا. # PageV01P297 # قلت: وهذه مسألة قد عم بها الإسلام، ووقع السؤال عنها مرارا وهي بيع ~~الكفار أولادهم للمسلمين، هل يملكهم المسلمون بذلك ويحل استخدامهم؟ # فإن كانوا أهل حرب جاز الشراء منهم وملك المشتري الأولاد ; لأنه يجوز ~~ملكهم بالسبي والرق فيجوز بالشراء وإن كانوا ذمة تحت الجزية لم يجز اشتراء ~~أولادهم، ولا يملكهم المشتري لأنهم ملتزمون لجريان أحكام الإسلام عليهم ~~وذلك ينافي حكم الإسلام. # وإن كانوا أهل هدنة لم تجر عليهم أحكام الإسلام فهل يجوز شراء أولادهم ~~منهم؟ فيه وجهان والجواز أظهر فإنهم لم يلتزموا أحكام الإسلام، ومن منع ~~الشراء منهم قال: قد أمنوا بالهدنة من السبي وهذا في حكم السبي والفرق ~~بينهما ظاهر والله أعلم. ### | [فصل شراء أرض الخراج] ### | 62 - # فصل # وأما شراء أرض الخراج. # فقال أبو عبيد: حدثني أبو نعيم، حدثنا بكير بن عامر عن الشعبي قال: اشترى ~~عتبة بن فرقد أرضا على شاطئ الفرات ليتخذ فيها قضبا فذكر ذلك لعمر فقال ممن ~~اشتريتها؟ فقال من أربابها فلما اجتمع المهاجرون والأنصار عند عمر قال: ~~هؤلاء أهلها فهل اشتريت منهم شيئا؟ قال: لا، قال: فارددها على من اشتريتها ~~منه وخذ مالك. # PageV01P298 # وحدثنا أبو نعيم عن سعيد بن سنان عن عنترة قال: سمعت عليا يقول إياي وهذا ~~السواد. # وقال أحمد: حدثنا وكيع عن شريك عن الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه كره شراء أرض أهل الذمة. # وإنما كره الصحابة ذلك ; لأنه يدخل في التزامه الخراج وهو نوع من الصغار ~~حتى كره ابن عباس قبالتها. ms095 # لذلك قال أبو عبيد: حدثنا حجاج عن شعبة عن حبيب بن أبي ثابت قال: تبعنا ~~ابن عباس فسأله رجل فقال: إني أكون بهذا السواد فأتقبل # PageV01P299 # ولست أريد أن أزداد، ولكني أدفع عني الضيم، فقرأ عليه ابن عباس: {قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا ~~يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ~~[التوبة: 29] ، فقال: لا تنزعوه من أعناقهم وتجعلوه في أعناقكم. # قال أبو عبيد: وحدثنا أبو معاوية ويزيد عن الحجاج عن القاسم بن عبد ~~الرحمن - قال يزيد: عن أبيه -: أن ابن مسعود اشترى من دهقان أرضا على أن ~~يكفيه جزيتها. # PageV01P300 # قال أبو عبيد وفي غير حديث حجاج عن القاسم عن عبد الله قال: من أقر ~~بالطسق فقد أقر بالذل والصغار. # PageV01P301 # قال أبو عبيد: أراه يعني بالشراء هاهنا الاكتراء، لأنه لا يكون مشتريا ~~والجزية على البائع وقد خرجت الأرض من ملكه. # قال: وقد جاء مثله في حديث آخر: حدثني ابن بكير عن الليث بن سعد عن عبيد ~~الله بن أبي جعفر عن القرظي قال: ليس بشراء أرض الجزية بأس. # يريد كراءها قال ذلك أبو الزناد. # فابن مسعود اكترى أرض الدهقان منه على أن يكفيه الدهقان جزيتها، فلا يكون ~~ملتزما للصغار وهذا قد يستدل به من يقول: الخراج على المستأجر، وإلا لم يكن ~~للاشتراط على المؤجر معنى، وهو عليه بدون هذا الشرط ويجاب عنه بأنه شرط ~~لمقتضى العقد فهذا تأكيد له وتقرير. # وقال قبيصة بن ذؤيب: من أخذ أرضا بجزيتها فقد باء بما باء به أهل ~~الكتابين من الذل والصغار. # PageV01P302 # وقال مسلم بن مشكم: من عقد الجزية في عنقه فقد برئ مما عليه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وقال عبد الله بن عمرو: ألا أخبركم بالراجع على عقبيه؟ رجل أسلم فحسن ~~إسلامه، وهاجر فحسنت هجرته، وجاهد فحسن جهاده، فلما قفل حمل أرضا بجزيتها، ~~فذلك الراجع على عقبيه. # وسئل عبد الله بن عمرو فقيل له: أحدنا يأتي النبطي ms096 فيحمل أرضه بجزيتها، ~~فقال: أتبدءون بالصغار وتعطون أفضل مما تأخذون. # وقال ميمون بن مهران: ما يسرني أن لي ما بين الرها إلى # PageV01P303 # حران بخراج خمسة دراهم. # قال أبو عبيد: فقد تتابعت الآثار بكراهة شراء أرض الخراج، وإنما كرهها ~~الكارهون من جهتين. # إحداهما: أنها فيء للمسلمين. # والأخرى: أن الخراج صغار وكلاهما داخل في حديثي عمر اللذين ذكرناهما؛ ~~أحدهما قوله: " ولا يقرن أحدكم بالصغار بعد إذ نجاه الله منه " ووافقه على ~~ذلك ابن مسعود وابن عباس وعبد الله بن عمرو وقبيصة بن ذؤيب وميمون بن مهران ~~ومسلم بن مشكم في هذه الأحاديث التي ذكرناها. # ومذهبه في الفيء قوله لعتبة بن فرقد حين اشترى الأرض: " «هؤلاء أهلها» " ~~- يعني المهاجرين والأنصار - ووافقه على ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ~~فقال علي لدهقان أسلم على عهده: أما أنت فلا جزية # PageV01P304 # عليك وأما أرضك فلنا. # قلت: قوله: " لا جزية عليك " يريد قد سقط عنك خراج رأسك وهو الجزية ~~بإسلامك، وهذا يدل على أن الإسلام لا يسقط الخراج المضروب على الأرض فإن ~~شاء المسلم أن يقيم بها أقام بها، وإن شاء نزل عنها فسلمها إلى ذمي ~~بالخراج، فإذا كانت الأرض خراجية ثم أسلم أقرت في يده بالخراج، وهو إجارة ~~حكمها حكم سائر الإجارات. # والخراج وإن شارك الإجارة في شيء فبينهما فروق عديدة: # منها: أن الإجارة مؤقتة والخراج غير مؤقت. # ومنها: أنه لا يكره استئجار المسلم لأرض الفيء ويكره دخوله فيها بالخراج ~~كما فعل ابن مسعود. # قال أبو عبيد: وأخبرني يحيى بن بكير عن مالك بن أنس: أن رأيه # PageV01P305 # كان هذا، قال: كل أرض افتتحت عنوة فهي فيء للمسلمين. # وأخبرني هو أو غيره عن مالك أنه كان ينكر على الليث بن سعد دخوله فيما ~~دخل فيه من أرض مصر. # قال أبو عبيد: وحدثني سعيد بن عفير عن ابن لهيعة ونافع بن يزيد - وكان من ~~خيارهم - وأظنه قال: ويحيى بن أيوب وشيوخهم أنهم كانوا ينكرون ذلك على ~~الليث أيضا. # قال أبو عبيد: وإنما دخل فيها الليث لأن ms097 مصر كانت عنده صلحا # PageV01P306 # [وكان يحدثه عن يزيد بن أبي حبيب] ، فلذلك استجاز الدخول فيها. # كذلك حدثني عبد الله بن صالح وابن أبي مريم وغيرهما. # وحرمها آخرون ; لأنها كانت عندهم عنوة. # قال أبو عبيد: وكان أبو إسحاق الفزاري يكره الدخول في بلاد الثغر ; لأنها ~~عنوة ولم يتخذ بها زرعا حتى مات. # قال أبو عبيد: ومع هذا كله أنه قد سهل في الدخول في أرض الخراج أئمة ~~يقتدى بهم ولم يشترطوا عنوة ولا صلحا منهم من الصحابة عبد الله بن مسعود، ~~ومن التابعين محمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز، وكان ذلك رأي سفيان الثوري ~~فيما يحكى عنه. # فأما حديث ابن مسعود فإن حجاجا حدثني عن شعبة عن أبي التياح # PageV01P307 # عن رجل من طيئ حسبته قال: عن أبيه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التبقر في الأهل والمال» . # قال: ثم قال عبد الله: فكيف بمال براذان وبكذا وبكذا؟ # PageV01P308 # قال أبو عبيد التبقر: التوسع في المال وغيره وإنما هو مأخوذ من بقرت ~~الشيء أي وسعته. # وذكر عن ابن سيرين أنه كانت له أرض من أرض الخراج، فكان # PageV01P310 # يعطيها بالثلث والربع. # وذكر عن عمر بن عبد العزيز أنه أعطى أرضها بجزيتها من أرض السواد. # قال أبو عبيد: وكان عمر بن عبد العزيز يتأول بالرخصة في أرض الخراج أن ~~الجزية التي قال الله: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] ، ~~إنما هي على الرءوس لا على الأرض. # حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن عمر بن عبد العزيز قال: إنما ~~الجزية على الرءوس وليس على الأرض جزية. # قال: فالداخل في أرض الخراج ليس بداخل في هذه الآية والذي يروى عن سفيان ~~أنه قال: إذا أقر الإمام أهل العنوة في أرضهم توارثوها # PageV01P311 # وتبايعوها، فهذا يبين لك أن رأيه الرخصة فيها. # قال: فالعلماء قد اختلفوا في أرض الخراج قديما وحديثا، وكلهم إمام إلا أن ~~أهل الكراهة أكثر والحجة في مذهبهم أبين. ms098 # وقد احتج قوم من أهل الرخصة بإقطاع عثمان من أقطع من أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بالسواد. # قال: وإنما كان اختلافهم في الأرض المغلة التي يلزمها الخراج من ذوات ~~المزارع والشجر، فأما المساكن والدور بأرض السواد فما علمنا أحدا كره ~~شراءها وحيازتها وسكناها، وقد اقتسمت الكوفة خططا في زمن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه وهو أذن في ذلك، ونزلها من أكابر أصحاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - رجال منهم سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعمار وحذيفة وسلمان ~~وخباب وأبو مسعود وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، ثم قدمها علي فيمن معه من ~~الصحابة فأقام بها خلافته كلها، ثم كان التابعون بعد بها فما علمنا أحدا ~~منهم ارتاب بها ولا كان في نفسه منها شيء وكذلك سائر السواد. # PageV01P312 ### | [ذكر أحكام أهل الذمة في أموالهم] ### | [فصل أموالهم التي يتجرون بها في المقام] # [أموالهم التي يتجرون بها في المقام] # أما أموالهم التي يتجرون بها في المقام أو يتخذونها للقنية، فليس عليهم ~~فيها صدقة فإن الصدقة طهرة وليسوا من أهلها. # وأما زروعهم وثمارهم التي يستغلونها من أرض الخراج فليس عليهم فيها شيء ~~غير الخراج. # وأما ما استغلوه من الأرض العشرية فهي مسألة اختلف فيها السلف والخلف، ~~ونحن نذكر مذاهب الناس فيها وأدلة تلك المذاهب. # قال أبو عبيد: أما أرض العشر تكون للذمي ففيها أربعة أقوال. # حدثنا محمد عن أبي حنيفة قال: إذا اشترى الذمي أرض عشر تحولت أرض خراج. # قال: قال أبو يوسف: يضاعف عليه العشر. # PageV01P313 # قال أبو عبيد: وكذلك كان إسماعيل بن إبراهيم، - ولم أسمعه [منه]- يحدث به ~~عن خالد الحذاء، وإسماعيل بن مسلم ورجل ثالث ذكره، أنهم كانوا يأخذون من ~~الذمي بأرض البصرة العشر مضاعفا. # قال: وكان سفيان بن سعيد يقول: عليه العشر على حاله وبه كان يقول محمد بن ~~الحسن. # أما مالك بن أنس فحدثني عنه يحيى بن بكير أنه قال: لا شيء عليه فيها ; ~~لأن الصدقة إنما هي على المسلمين زكاة لأموالهم وطهرة لهم، ولا صدقة على ms099 ~~المشركين في أرضهم ولا في مواشيهم إنما الجزية على رءوسهم # PageV01P314 # صغارا لهم وفي أموالهم إذا مروا بها في تجاراتهم. # وروى بعضهم عن مالك أنه قال: لا عشر عليه ولكن يؤمر ببيعها ; لأن في ~~إقراره عليها إبطالا للصدقة. # وكذلك يروى عن الحسن بن صالح أنه قال: لا عشر عليه ولا خراج إلا إذا ~~اشتراها الذمي من مسلم، وهي أرض عشر وهذا بمنزلته لو اشترى ماشيته أولست ~~ترى أن الصدقة قد سقطت عنه فيها؟ . # وقد حكي عن شريك شيء شبيه بهذا، أنه قال في ذمي استأجر من مسلم أرض عشر، ~~قال لا شيء على المسلم في أرضه ; لأن الزرع لغيره ولا شيء على الذمي لا عشر ~~ولا خراج ; لأن الأرض ليست له هذا ما حكاه أبو عبيد. # وقال الخلال في " الجامع "، باب الذمي يشتري أرض العشر أو أرض الخراج أو ~~يستأجرها: أخبرني محمد بن [أبي] هارون ومحمد بن # PageV01P315 # جعفر قالا: حدثنا أبو الحارث أن أبا عبد الله سئل عن أرض أهل الذمة؟ قال: ~~من الناس من يقول ليس عليهم فيها شيء، ومن الناس من يقول: يضعف عليهم ~~الخراج، قلت له: فما ترى؟ قال فيها اختلاف. # ثم ذكر من رواية أبي الحارث وصالح واللفظ لصالح أنه قال لأبيه: كم يؤخذ ~~من أهل الذمة مما أخرجت أرضوهم؟ فقال: من الناس من يقول: لا يكون عليهم إلا ~~فيما تجروا، ومن الناس من يقول: يضاعف عليهم. # أخبرني حرب قال: سألت أحمد عن الذمي يشتري أرض العشر؟ قال: لا أعلم عليه ~~شيئا، إنما الصدقة طهرة مال الرجل، وهذا المشرك ليس عليه، وأهل المدينة ~~يقولون في هذا قولا حسنا، يقولون: لا يترك الذمي أن يشتري أرض العشر. # قال: وأهل البصرة يقولون قولا عجبا يقولون: يضاعف عليهم. # قال: ويعجبني أن يحال بينه وبين الشراء. # PageV01P316 # أخبرني عصمة بن عصام قال: حدثنا أبو بكر الصاغاني قال: سمعت أبا عبد الله ~~قال: يمنع أهل الذمة أن يشتروا من أرض المسلمين. # قال أبو عبد الله: وليس في أرض أهل الذمة صدقة، إنما قال ms100 الله تعالى: ~~{صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] ، فأي طهرة للمشركين! # وقال في رواية محمد بن موسى: وأما ما كان للتجارة فمروا [يعني على ~~العشار] فنصف العشر وأما أرضوهم فمن الناس من يقول: يضاعف عليهم العشر، وما ~~أدري ما هو إنما الصدقة طهرة. # قال: وقد روى حماد بن زيد عن أبيه عن عمر رضي الله عنه أنه ضاعف عليهم ~~الخراج، وهذا ضعيف. # وأما أهل الحجاز فحكي عنهم أنهم كانوا لا يدعونهم يشترون أرضهم ويقولون: ~~في شرائهم ضرر على المسلمين. # وقال إبراهيم بن الحارث: سئل أبو عبد الله عن أرض يؤدى عنها # PageV01P317 # الخراج أيؤدى عنها العشر بعد الخراج قال نعم كل مسلم فعليه أن يؤدي العشر ~~بعد الخراج؟ فأما غير المسلم فلا عشر عليه. # وقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه [عن أبي عبد الله] : وسأله عن الذمي ~~الذي يشتري أرض المسلم، قال: أرى عليه زكاة. # قال: وحكوا عن إسماعيل ابن علية أنه ما كان يعرف هذا حتى ولي خالد ~~الحذاء، فكان يأخذ من أهل الذمة الخمس، كأنه أضعف عليهم. # وحكوا عن سفيان ليس عليهم شيء. # وحكى لي رجل من أهل المدينة أن أهل المدينة لا يدعون ذميا يشتري من أموال ~~المسلمين، يقولون: تذهب الزكاة. # PageV01P318 # قال أبو عبد الله: لا أرى بأسا أن يشتري وليس عليه زكاة ماله، ألا ترى أن ~~أموالهم ليس عليها شيء إلا أن يختلفوا بها في بلاد المسلمين، فأما لو كانت ~~في منازلهم لم يكن عليهم فيها شيء. # وكذلك قال في رواية ابن القاسم: إذا اشترى الذمي أرض العشر سقط عنه ~~العشر. # قال: وينبغي أن يمنعوا من شرائها. # وقال: أليس يحكى أن مالكا يقول: يمنعون من ذلك لأنهم إذا اشتروا ما حولنا ~~ذهبت الزكاة وذهب العشر؟ وهذا في أرض العشر، فأما الخراج فلا. # وقال ابن مشيش: سألت أبا عبد الله قلت: المسلم يؤاجر أرض الخراج من ~~الذمي، قال: لا يؤاجر الذمي، وهذا ضرر، وأهل المدينة - وذكر مالكا - ~~يقولون: لا تدع ذميا يزرع ; لأنه يبطل العشر إنما يكون ms101 عليه الخراج. # PageV01P319 # وقال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله يقول: لا تكرى أرض الخراج من أهل ~~الكتاب ; لأنهم لا يؤدون الزكاة. # قال أحمد: وحدثنا عفان قال: حدثني سهيل، ثنا الأشعث عن الحسن أنه قال في ~~أهل الذمة إذا اشتروا شيئا من أرض العشر، قال: فيه الخمس. # قال أحمد: أضعفه [عليهم] ، وهذا مذهب البصريين. # وقال أحمد: ثنا هشيم، أخبرنا يونس بن عبيد عن عمرو بن ميمون عن أبيه أنه ~~كتب إلى عمر بن عبد العزيز في مسلم زارع ذميا، فكتب إليه عمر رحمه الله أن ~~خذ من المسلم ما عليه من الحق في نصيبه وخذ من # PageV01P320 # النصراني ما عليه. # قال الخلال: والذي عليه العمل في قول أبي عبد الله أنه ما كان في أيديهم ~~من صلح أو خراج، فهم على ما صولحوا عليه أو جعل على أرضهم من الخراج وما ~~كان من أرض العشر فيمنعون من شرائها ; لأنهم لا يؤدون العشر وإنما عليهم ~~الجزية والخراج، وذكر أبو عبد الله في قول أهل المدينة وأهل البصرة. # فأما أهل المدينة فيقولون: لا يترك الذمي يشتري أرض العشر. وأهل البصرة ~~يقولون: يضاعف عليهم. # قال: ثم رأيت أبا عبد الله بعد ذكره لذلك والاحتجاج لقولهم مال إلى قول ~~أهل البصرة أنه إذا اشترى الذمي أرض العشر يضاعف عليه، وهو أحسن القول ألا ~~يمكنوا أن يشتروا، فإن اشتروا ضوعف عليهم كما تضاعف عليهم الزكاة إذا مروا ~~على العاشر، وهي - في الأصل - ليست عليهم لو لم يمروا بها على العاشر ~~واتجروا في منازلهم، لم يكن عليهم شيء، فلما مروا جعلت عليهم وأضعف عليهم، ~~وهو بمعنى واحد، وإلا # PageV01P321 # فأرض المسلمين هم أحق بها من أهل الذمة، وكذلك ما كان في أيديهم مما ~~صولحوا عليه فإنما يضاعف عليهم العشر ; لأن في أرضهم العشر وإنما ينظر ما ~~يخرج من الأرض يؤخذ منهم العشر مرتين: هذا معنى ما كان في أيديهم وما ~~اشتروه أيضا من أرض العشر على هذا النحو مضاعف عليهم. # قال: وأنا أفسر ذلك من قول أبي عبد ms102 الله رحمه الله تعالى. # أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد قال: قال لي أبو عبد الله في أرض أهل ~~الذمة: من الناس من يتأول يأخذ من أرضهم الضعف، قلت: فإذا لم يكن أرض خراج ~~فكيف نأخذ منهم الضعف؟ قال: ننظر إلى ما يخرج، قلت: فهذا إذن في الحب إذا ~~أخرجت ننظر إلى قدر ما أخرجت، فيؤخذ منه العشر ونضعف عليهم مرة أخرى؟ قال: ~~نعم. # ثم قال: ويؤخذ من أموال أهل الذمة إذا اتجروا فيها قومت ثم أخذ منها ~~زكاتها مرتين، يضعف عليهم فمن الناس من يشبه الزرع بهذا. # قال عبد الملك: والذي لا أشك فيه من قول أبي عبد الله غير مرة - أن أرض ~~أهل الذمة التي في الصلح ليس عليها خراج، إنما ينظر ما أخرجت يؤخذ منهم ~~العشر مرتين. # قال عبد الملك: قلت لأبي عبد الله: فالذي يشتري أرض العشر ما عليه؟ قال ~~لي: الناس كلهم يختلفون في هذا منهم من لا يرى عليه شيئا # PageV01P322 # ويشبهه بماله ليس عليه فيه زكاة إذا كان مقيما بين أظهرنا وبما يثبته ~~فيقول: هذه أموال وليس عليه فيها صدقة. # ومنهم من يقول: هذه حقوق لقوم ولا يكون شراؤه الأرض يذهب بحقوق هؤلاء. # والحسن يقول: من اشتراها ضوعف عليه، قلت: فكيف يضعف عليه، قال: لأن عليه ~~العشر فيؤخذ منه الخمس، قلت: يذهب إلى أن يضعف عليه فيؤخذ منه الخمس؟ ~~فالتفت إلي فقال: نعم يضعف عليهم. # ثم قال لنا: ويدخل على الذمي، قال: لا نرى بأن يأخذ لو أن رجلا موسرا ~~منهم عمد إلى أرض من أرض العشر فاشتراها فلم يؤخذ منه شيء أضر هذا بحقوق ~~هؤلاء. # وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن الرجل من أهل الذمة يشتري أرض العشر ~~يكون عليه فيها العشر أو الخراج؟ قال عمر بن عبد العزيز: يضاعف عليه وقال ~~بعض الناس: إنما الخراج على ما كان في أيديهم وفي المال العشر أو نصف ~~العشر، قلت: ما تقول أنت؟ قال: قول عمر والحسن # PageV01P323 # يضعف عليهم، فقلت: فهو أحب إليك، ms103 قال: نعم. # قال الخلال: فقد بين أبو عبد الله هاهنا مذهبه وحسن مذهب من جعل عليهم ~~الضعف. # قال الخلال: وأقوى من قول عمر بن عبد العزيز والحسن في الزيادة عليهم ما ~~روي عن عائذ بن عمرو، وإن كان أبو عبد الله لم يذكره في هذه الأبواب فإنه ~~قد رواه وهو صحيح، والعمل عليه مع ما تقدم من قول أبي عبد الله الاختيار ~~له. # أخبرنا عبد الله قال: حدثني أبي، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة عن أبي ~~عمران الجوني، قال: سألت عائذ بن عمرو المزني عن الزيادة على أهل فارس فلم ~~ير به بأسا، وقال: إنما هو خولكم. # قال الخلال: وأخبرنا يعقوب بن سفيان أبو يوسف قال: حدثني محمد بن فضيل ~~قال: ثنا سويد الكلبي، حدثنا حماد بن سلمة عن شعبة عن أبي عمران الجوني عن ~~عائذ بن عمرو فيما أخذ عنوة، قال: زيدوا # PageV01P324 # عليهم فإنهم خولكم، انتهى. # فهذا مذهب أحمد كما تراه: أنه يجب عليهم عشران وعليه أكثر نصوصه ~~واحتجاجه، وكثير من أصحابه يحكي مذهبه أنه لا عشر عليه، ومنهم من يقول: ~~وعنه عليهم عشران وإذا كانوا إذا اتجروا في غير بلادهم أخذ منهم ضعف ما ~~يؤخذ من المسلمين مع جواز التجارة لهم، وأنهم لا يسقطون بها حقا لمسلم، ~~فإذا دخلوا في الأرض العشرية بشراء أو كراء وهم ممنوعون من ذلك، فلأن يؤخذ ~~منهم ضعف ما يؤخذ من المسلم بطريق الأولى، إذ لو لم يؤخذ منهم لتعطلت حقوق ~~أرباب العشر وما عليه من # PageV01P325 # المنقطعين من الجند والفقراء وغيرهم، وفي ذلك فساد عظيم، فإنا لو مكناهم ~~من الدخول في أرض العشر وهم يعلمون أنه لا عشر عليهم لتهافتوا وتهالكوا ~~عليها لكثرة المغل وقلة المئونة فتذهب حقوق المسلمين وهذا باطل. # وقياس الأرض على المواشي والعروض قياس فاسد، فإن المواشي والعروض لا تراد ~~للتأبيد بل تتناقلها الأيدي، وتختلف عليها الملاك والأرض إذا صارت لواحد ~~منهم ولا عشر عليه فيها ولا خراج، عض عليها بالنواجذ وأمسكها بكلتا يديه، ~~وعطل مصلحتها على أهل العشر ms104 ولهذا لما علم أبو حنيفة فساد هذا قال: إذا ~~اشترى أرض العشر تحولت خراجية. # ومذهب الشافعي في هذا: أنهم لا يمكنون من شراء أرض العشر واكترائها، وأنه ~~لا شيء عليهم في زروعهم وثمارهم، كما لا زكاة عليهم في مواشيهم وعروضهم ~~ونقودهم. # وهو اختيار أبي عبيد وطائفة من أصحاب أحمد، وهو المشهور عند أصحاب مالك، ~~ومذهبه الذي نص عليه منعهم من شراء أرض العشر. # فإن قيل: فما مصرف ما يؤخذ من أرضهم؟ قيل: مصرفه مصرف ما يؤخذ من ~~التغلبي، وفيه روايتان كما تقدم أصحهما أنه مصرف الفيء فكذا هذا. # فإن قيل: فلو باعها لمسلم أو أسلم؟ فقال الأصحاب: يسقط عنه أحد العشرين ~~ويبقى الآخر وهو عشر الزكاة، ولم يفصلوا. # PageV01P326 # وقياس المذهب التفصيل، وأنه إن باعها أو أسلم قبل اشتداد الحب فكذلك وإن ~~باعها بعد اشتداده ووجوب العشرين لم يسقط أحدهما، وإن أسلم بعد اشتداد الحب ~~وصلاح الثمر سقط عنه العشران. # أما عشر الزكاة فلأنه وقت الوجوب لم يكن من أهله، وأما العشر المضاعف ~~فإنما وجب بسبب الكفر فإذا أسلم سقط عنه كما تسقط الجزية بإسلامه. # فإن قيل: فلو اشترى ذمي أرضا خراجية من تغلبي فما حكمها؟ قيل: قد اختلف ~~في ذلك الأصحاب على ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه لا شيء عليه في نبتها كما لو اشتراها من مسلم. # والثاني: عليه فيها عشر واحد. # والثالث: عليها فيها عشران كما كان على التغلبي، وهو الأقيس والأصح. # فإن قيل: فما تقولون لو اشترى ذمي أرضا من مسلم لا عشر فيها، مثل أن كانت ~~دورا أو خانا ونحو ذلك فزرعها فهل يجب في زرعها شيء؟ قيل: لا يجب عليه شيء ~~في هذه الصورة ولا يمنع من شرائها، فإنه لم يسقط بذلك حق مسلم من الأرض. # وكذلك الحكم لو اشترى أرضا خراجية من ذمي فزرعها لم يكن عليه غير الخراج، ~~كما كانت في يد البائع وكما لو ورثها. # وقال أبو عبد الله بن حمدان في " رعايته ": وإن اشترى ذمي أرضا # PageV01P327 # خراجية أو أرض تغلبي جاز ولا شيء ms105 عليه في نبتها وقيل: بل عشران، وقيل: بل ~~عشر في نبت الخراجية لا فيما اشتراه من تغلبي. # قلت: أما شراؤه أرض التغلبي فإنه يتوجه أن يجب عليه عشران، كما كان يجب ~~على التغلبي ولا يسقط بشرائه حق المسلمين الذي كان على أرض التغلبي بل إذا ~~ضوعف عليه العشر بشرائها من مسلم حيث لم يكن واجبا، فلأن يؤخذ منه ما كان ~~واجبا على التغلبي أولى وأحرى. # وأما شراؤه للأرض الخراجية التي لا عشر عليها فهذا لا يتوجه فيه نزاع، ~~ولا نقبل ما ذكره من الأقوال، ولاسيما إذا اشتراها من ذمي كما يدخل في عموم ~~كلامه، فهذا لم يقل أحد: إن عليه فيها عشرين ولا عشرا. # فإن قيل: يحمل كلامه على ما إذا اشتراها من مسلم قيل: إن كانت عشرية - مع ~~كونها خراجية - فقد تقدم حكمها، وإن لم تكن عشرية بأن كانت دارا أو خانا ~~جاز له شراؤها ولا عشر عليه في زرعها اتفاقا كما تقدم، بل هذا من سوء ~~التفريع والتصرف، والله أعلم. # فإن قيل: فما تقولون في إجارة الأرض العشرية للذمي؟ قيل: قد نص أحمد رحمه ~~الله تعالى على صحة الإجارة مع الكراهة، والفرق بينها وبين البيع أن البيع ~~يراد للدوام، بخلاف الإجارة، والحكم في زرعه كالحكم في زرع ما اشتراه، ~~وقيل: لا شيء عليه هاهنا وإن أوجبنا عليه العشرين # PageV01P328 # في صورة الشراء ويكون كما لو اشترى الزرع وحده، وهذا ليس بصحيح فإن ~~الموجب لمضاعفة العشر عليه في صورة الشراء هو بعينه موجود في صورة الإجارة. # وأما شراؤه الزرع، فإن اشتراه قبل اشتداد حبه لم يصح البيع، وإن اشتراه ~~بعد اشتداد حبه فزكاته على البائع. # فإن قيل: فلو اشتراه مع الأرض قبل اشتداد الحب، قيل: حكمه حكم ما زرعه ~~بنفسه. ### | [فصل أموالهم التي يتجرون بها من بلد إلى بلد] ### | 63 - # فصل. # وأما أموالهم التي يتجرون بها من بلد إلى بلد فإنه يؤخذ منهم نصف عشرها ~~إن كانوا ذمة، وعشرا إن كانوا أهل هدنة. # وهذه مسألة تلقاها الناس عن عمر بن ms106 الخطاب رضي الله عنه، ونحن نذكر أصلها ~~وكيف كان ابتداء أمرها واختلاف الفقهاء في ما اختلفوا فيه من أحكامها بحول ~~الله وقوته وتأييده بعد أن نذكر مقدمة في المكوس وتحريمها والتغليظ في ~~أمرها، وتحريم الجنة على صاحبها، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بقتله، وأن قياسها على ما وضعه عمر رضي الله عنه على أهل الذمة من الخراج ~~أو العشر كقياس أهل الشرك الذين قاسوا الربا على البيع، والميتة على ~~المذكى. # قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق عن # PageV01P329 # يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة التجيبي عن عقبة بن عامر أنه ~~سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " «لا يدخل الجنة صاحب مكس» ". # وقال أبو عبيد: حدثنا يحيى بن بكير عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي # PageV01P330 # حبيب عن أبي الخير قال: سمعت رويفع بن ثابت يقول: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: " «إن صاحب المكس في النار» ". # قال: يعني العاشر. # حدثنا الهيثم بن جميل عن محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ~~عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: " إن صاحب المكس لا يسأل عن شيء ~~ويؤخذ كما هو فيرمى به في النار ". # حدثنا حسان بن عبد الله عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري عن أبيه قال: كتب ~~عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة: " أن ضع عن الناس الفدية، وضع عن ~~الناس المائدة، وضع عن الناس المكس وليس بالمكس ولكنه البخس الذي قال الله ~~تعالى: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [هود: 85] ، ~~فمن جاءك بصدقة فاقبلها منه ومن لم يأتك بها فالله حسيبه ". # حدثنا نعيم عن ضمرة عن كريز بن سليمان قال: كتب عمر بن # PageV01P331 # عبد العزيز إلى عبد الله بن عوف القاري: أن اركب إلى البيت الذي برفح ~~الذي يقال له: " بيت المكس " فاهدمه ثم احمله إلى البحر فانسفه فيه نسفا. # قال أبو عبيد: قد رأيته بين مصر ms107 والرملة. # حدثنا عثمان بن صالح عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن مخيس بن ظبيان ~~حدثه عن عبد الرحمن بن حسان عن رجل من جذام عن مالك بن عتاهية قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " «من لقي صاحب عشور فليضرب عنقه» ". # PageV01P332 # حدثنا ابن أبي مريم عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن مخيس بن ظبيان ~~عن عبد الرحمن بن حسان قال: أخبرني رجل من جذام قال سمع فلان ابن عتاهية ~~يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " «إذا لقيتم عاشرا ~~فاقتلوه» " يعني بذلك الصدقة يأخذها على غير حقها. # حدثنا حجاج عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار قال أخبرني مسلم بن ~~سكرة أنه سأل ابن عمر: أعلمت أن عمر أخذ من المسلمين العشر؟ قال: لا أعلمه. # PageV01P334 # حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن إبراهيم بن مهاجر قال: سمعت زياد بن حدير ~~يقول: أنا أول عاشر عشر في الإسلام، قلت: من كنتم تعشرون؟ قال: ما كنا نعشر ~~مسلما ولا معاهدا، كنا نعشر نصارى بني تغلب. # حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن عبد الله بن خالد العبسي عن عبد الرحمن بن ~~معقل قال: سألت زياد بن حدير من كنتم تعشرون؟ قال: ما كنا نعشر مسلما ولا ~~معاهدا، قلت: فمن كنتم تعشرون؟ قال: تجار الحرب، كما كانوا يعشروننا إذا ~~أتيناهم. # حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن مسروق أنه قال: والله ما # PageV01P335 # علمت عملا أخوف عندي أن يدخلني الله النار من عملكم هذا، وما تراني أن ~~أكون ظلمت فيه مسلما أو معاهدا دينارا ولا درهما، ولكني لا أدري ما هذا ~~الحبل الذي لم يسنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ولا عمر ~~قالوا: فما حملك على أن دخلت فيه؟ قال: لم يدعني زياد ولا شريح ولا السلطان ~~حتى دخلت فيه. # قلت: هو سلسلة كان يعترض بها على النهر تمنع السفن من المضي حتى تؤخذ ~~منهم الصدقة وكان مكانها يسمى السلسلة، وأقام ms108 بها مسروق زمانا يقصر الصلاة، ~~كان عاملا لزياد وكان أبو وائل معه فما رأيت أميرا قط كان أعف منه، ما كان ~~يصيب شيئا إلا ما دخله. # وقيل للشعبي: كيف خرج مسروق من عمله؟ قال: ألم تروا إلى الثوب يبعث به ~~إلى القصار فيجيد غسله؟ فكذلك خرج من عمله. # قال أبو عبيد: وكان المكس له أصل في الجاهلية يفعله ملوك العرب والعجم ~~جميعا، فكانت سنتهم أن يأخذوا من التجار عشر أموالهم إذا مروا بها عليهم، ~~يبين ذلك ما في كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن # PageV01P336 # كتب من أهل الأمصار مثل ثقيف والبحرين ودومة الجندل وغيرهم ممن أسلم " ~~«أنهم لا يحشرون ولا يعشرون» "، فعلمنا بهذا أنه كان من سنة الجاهلية مع ~~أحاديث فيه كثيرة فأبطل الله تعالى ذلك برسوله وبالإسلام، وجاءت فريضة ~~الزكاة بربع العشر من كل مائتي درهم خمسة، فمن أخذها منهم على وجهها فليس ~~بعاشر لأنه لم يأخذ العشر إنما أخذ ربعه. # وهو مفسر في الحديث الذي يحدثونه عن عطاء بن السائب عن حرب بن عبيد الله ~~الثقفي عن جده أبي أمه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " «ليس ~~على المسلمين عشور، إنما العشور على اليهود والنصارى» ". # PageV01P337 # قلت: وفي " المسند " و " سنن أبي داود " عن رجل من بني تغلب قال: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " «ليس على المسلمين عشور، إنما ~~العشور على اليهود والنصارى» ". # PageV01P339 # قال أبو عبيد: فالعاشر الذي يأخذ الصدقة بغير حقها كما جاء في الحديث ~~مرفوعا وقد تقدم. # وكذلك وجه حديث ابن عمر: " «لم يأخذ العشور» "، إنما أراد هذا ولم يرد ~~الزكاة، وكيف ينكر ذلك وقد كان عمر وغيره من الخلفاء يأخذونه عند الأعطية، ~~وكان رأي ابن عمر دفعها إليهم؟ # وكذلك حديث زياد بن حدير: " ما كنا نعشر مسلما ولا معاهدا " إنما أراد: ~~أنا كنا نأخذ من المسلمين ربع العشر، ومن أهل الذمة نصف العشر. # قال: وكان مذهب عمر فيما وضع من ذلك: أنه كان يأخذ من المسلمين الزكاة، ~~ومن أهل الحرب ms109 العشر تاما ; لأنهم كانوا يأخذون من تجار المسلمين مثله إذا ~~قدموا بلادهم فكان سبيله في هذين الصنفين بينا واضحا. # قال: وكان الذي يشكل علي وجهه أخذه من أهل الذمة، فجعلت أقول: ليسوا ~~بمسلمين فتؤخذ منهم الصدقة ولا من أهل الحرب فيؤخذ منهم مثل ما أخذوا منا، ~~فلم أدر ما هو حتى تدبرت حديثا له فوجدته إنما صالح على ذلك صلحا سوى جزية ~~الرءوس وخراج الأرضين. # حدثنا الأنصاري عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي مجلز قال: بعث عمر ~~عمارا وابن مسعود وعثمان بن حنيف إلى الكوفة، ثم # PageV01P340 # ذكر حديثا فيه طول قال: فمسح عثمان الأرض، فوضع عليها الخراج، وجعل في ~~أموال أهل الذمة التي يختلفون بها من كل عشرين درهما درهم، وجعل على رءوسهم ~~- وعطل من ذلك النساء والصبيان - أربعة وعشرين، وكتب بذلك إلى عمر رضي الله ~~عنه فأجازه. # قال أبو عبيد: فأرى الأخذ من تجارهم في أصل الصلح، فهو الآن حق المسلمين ~~عليهم وكذلك كان مالك بن أنس يقول: حدثنيه عنه يحيى بن بكير، قال: إنما ~~صولحوا على أن يقروا ببلادهم، فإذا مروا بها للتجارة أخذ منها كلما مروا. # حدثنا معاذ بن معاذ عن ابن عون عن أنس بن سيرين قال: بعث إلي أنس بن مالك ~~رضي الله عنه فأبطأت عليه، ثم بعث إلي فأتيته فقال: إن كنت لأرى أني لو ~~أمرتك أن تعض على حجر كذا وكذا ابتغاء مرضاتي لفعلت، اخترت لك غير عملي ~~فكرهته، إني أكتب لك سنة عمر رضي الله # PageV01P341 # عنه قلت: اكتب لي سنة عمر فكتب: يؤخذ من المسلمين من كل أربعين درهما ~~درهم ومن أهل الذمة من كل عشرين درهما درهم، وممن لا ذمة له من كل عشرة ~~دراهم درهم، قلت: ومن لا ذمة له؟ قال: الروم، كانوا يقدمون الشام. # حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم بن مهاجر عن زياد بن حدير قال: ~~استعملني عمر على العشر، وأمرني أن آخذ من تجار أهل الحرب العشر، ومن تجار ~~أهل الذمة نصف العشر، ms110 ومن تجار المسلمين ربع العشر. # وقال مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد قال: كنت عاملا على سوق المدينة ~~في زمن عمر فكنا نأخذ من النبط العشر. # وقال مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: كان عمر ~~يأخذ من النبط من الزيت والحنطة نصف العشر ; لكي يكثر الحمل إلى المدينة ~~ويأخذ من القطنية العشر. # ولهذا ذهب مالك إليه اتباعا لعمر، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله ~~بمصر: من مر بك من أهل الذمة فخذ مما يديرون في التجارات من # PageV01P342 # أموالهم من كل عشرين دينارا دينارا، وما نقص فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرة ~~دنانير، فإن نقصت ثلث دينار فلا تأخذ منها شيئا، واكتب لهم بما تأخذ كتابا ~~إلى مثله من الحول. # وقال عبد الله بن محمد بن زياد بن حدير: كنت مع جدي زياد بن حدير على ~~العشور، فمر نصراني بفرس فقوموه عشرين ألفا، فقال: إن شئت أعطيتنا العين ~~وأخذت الفرس، وإن شئت أعطيناك ثمانية عشر ألفا. # قال أبو عبيد: وإنما فعل عمر في العشر ما فعل لمصالحته إياهم # PageV01P343 # عليه، ولم يكن ذلك بعهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن الذين صالحهم ~~لم يكن شرط عليهم منه شيئا وكذلك دهر أبي بكر، وإنما فتحت بلاد العجم في ~~زمن عمر، فلذلك كان الذي كان. # قال الشعبي: أول من وضع العشر في الإسلام عمر رضي الله عنه. # قال أبو عبيد: وكان ابن شهاب يتأول على عمر فيه شيئا غيره أحب إلينا منه. # حدثنا إسحاق بن عيسى عن مالك بن أنس رحمه الله تعالى قال: سألت ابن شهاب ~~لم أخذ عمر العشر من أهل الذمة؟ فقال: كان يؤخذ منهم في الجاهلية فأقرهم ~~عمر على ذلك. # قال أبو عبيد: والوجه الأول الذي ذكرناه من الصلح أشبه بعمر وأولى به، ~~وبه كان يقول مالك بن أنس نفسه. # وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن هشام عن أنس بن سيرين قال: بعثني أنس ~~بن مالك على العشور، فقلت: تبعثني ms111 إلى العشور من بين عمالك؟ فقال: أما ترضى ~~أن أجعلك على ما جعلني عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟ أمرني أن آخذ من ~~المسلمين ربع العشر، ومن أهل الذمة # PageV01P344 # نصف العشر. ### | [فصل هل يؤخذ العشور من الذمي والحربي] ### | 64 - # فصل # [هل يؤخذ العشور من الذمي والحربي] # إذا عرف بهذا فاختلف الأئمة في ذلك: هل يؤخذ من الذمي والحربي أم يختص ~~الأخذ بالحربي؟ # فقال الشافعي رحمه الله تعالى: لا يؤخذ من الذمي شيء، وإن اضطرب في بلاد ~~الإسلام كلها غير الحجاز، فإن الجزية أثبتت له الأمان العام على نفسه وأهله ~~وماله في المقام والسفر فإن دخل إلى أرض الحجاز فينظر في حاله، فإن كان ~~دخوله لرسالة أو نقل ميرة أذن له الإمام بغير شيء، وإن كان لتجارة لا حاجة ~~بأهل الحجاز إليها لم يأذن له إلا أن يشترط عليه عوضا بحسب ما يراه، ~~والأولى أن يشترط عليه نصف العشر ; لأن عمر رضي الله عنه شرط نصف العشر على ~~من دخل الحجاز من أهل الذمة. # وأما الحربي فإن دخل إلينا لتجارة لا يحتاج إليها المسلمون لم يأذن له ~~الإمام إلا بعوض يشرطه، ومهما شرط جاز، ويستحب أن يشرط العشر، ليوافق فعل ~~عمر وإن أذن مطلقا من غير شرط لم يؤخذ منه شيء لأنه أمان من غير شرط، فهو ~~كالهدنة. # PageV01P345 # قال: ويحتمل أن يجب عليه العشر ; لأن عمر رضي الله عنه أخذه، هذا نصه. # وأما أصحابه فتصرفوا في مذهبه وقالوا: أما المعاهد فإذا دخل بلاد الإسلام ~~تاجرا أخذ منه عشر ماله، وإن دخل بلاد الإسلام من غير تجارة بأن أمنه مسلم، ~~فإن دخل غير الحجاز لم يطالب بشيء وإن دخل الحجاز بأمان مسلم فهل يطالب وإن ~~لم يكن تاجرا فيه وجهان لأصحاب الشافعي. # قالوا: وهل يفتقر أخذ العشر إلى شرط الإمام أو يكفي فيه شرط عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه على وجهين. # قالوا: وإذا رأى الإمام أن يحط من العشر في صنف تدعو الحاجة إليه جاز، ~~وإن رأى حط العشر بالكلية ms112 لتتسع المكاسب، فهل له ذلك؟ على وجهين: # أحدهما: يجوز مراعاة للمصلحة. # والثاني - وهو الأصح -: لا يجوز، بل لا بد من أخذ شيء وإن قل. # وهل له أن يزيد على العشر إذا رأى فيه المصلحة؟ فيه وجهان. # قالوا: وإذا أخذ منه العشر في مال ثم عاد به في تلك السنة لم يكرر عليه ~~الأخذ ; لأن ذلك بمثابة الجزية على رقبته فإن وافاه بمال آخر غيره في ذلك ~~العام أخذنا عشره. # قالوا: فإن كان المال المتردد به إلى الحجاز فهل يؤخذ منه كرة ثانية في ~~العام؟ فيه وجهان فهذا تحصيل مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه. # PageV01P346 # وأما مذهب الإمام مالك رضي الله عنه فيؤخذ العشر عنده من بضائع تجار ~~الحرب. # وأما الذمي فإن اتجر في بلده لم يطالب بشيء وإن اضطرب في بلاد الإسلام ~~أخذ منه العشر كلما دخل ولو مرارا في السنة، من المال الصامت والرقيق ~~والطعام والفاكهة وغيرها مما يتجر فيه. # ثم اختلف قول ابن القاسم وقول عبد الملك بن حبيب في المأخوذ: هل هو عشر ~~ما يدخل به؟ وهو رأي ابن حبيب، أو عشر ما يعوضه؟ وهو رأي ابن القاسم. # قالوا: وسبب الاختلاف هل المأخوذ منهم لحق الوصول إلى البلد الثاني أو ~~لحق الانتفاع فيه؟ # قالوا: ويتخرج على هذا فرعان: # أحدهما: لو دخلوا ببضاعة أو عين ثم أرادوا الرجوع قبل أن يبيعوا ويشتروا، ~~فابن حبيب يوجب عليهم العشر كالحربيين، وابن القاسم لا يوجبه ; لأنهم لم ~~ينتفعوا فيه. # الفرع الثاني: لو دخلوا بإماء فابن حبيب يمنعهم من وطئهن واستخدامهن ~~ويحول بينهم وبينهن إذ لا يرى الشركة، ولو باعوا في بلد ثم اشتروا فيه لم ~~يؤخذ منهم إلا عشر واحد، ولو باعوا في أفق ثم اشتروا # PageV01P347 # بالثمن في أفق آخر أخذ منهم عشران. # قالوا: ويخفف عن أهل الذمة فيما حملوه إلى مكة والمدينة من الزيت والحنطة ~~خاصة، فيؤخذ منهم نصف العشر. هذا المشهور عن مالك. # وروى ابن نافع عنه أنه يؤخذ منهم العشر كاملا كما لو حملوا ذلك إلى ~~غيرهما أو ms113 حملوا غيرهما إليهما، وإذا دخل الحربي بأمان مطلق أخذ منه العشر ~~لا يزاد عليه وتجوز مشارطته على أكثر من ذلك عند عقد الأمان على الدخول، ~~ولو اتجر بالخمر والخنزير وما يحرم علينا، فروى ابن نافع عن مالك: يتركونه ~~حتى يبيعوه فيؤخذ منهم عشر الثمن، فإن خيف من خيانتهم في ذلك جعل معهم ~~أمين. # قال ابن نافع: وذلك إذا جلبوه إلى أهل الذمة لا إلى أمصار المسلمين التي ~~لا ذمة فيها. # وفي " الواضحة " لعبد الملك بن حبيب: إذا نزل الحربي بخمر أو # PageV01P348 # خنزير أراق الإمام الخمر وقتل الخنزير ولم ينزلهم مع بقائهما. # قال سحنون: وإذا اشترى الذمي فأخذ منه العشر، ثم استحق ما بيده أو رده ~~بعيب رجع بالعشر. # قال أشهب: ولو ثبت أن على الذمي دينا لمسلم لم يؤخذ منه عشر، وإن ادعاه ~~لم يصدق بمجرد قوله، ولا يسقط بثبوته لذمي. # هذا تفصيل مذهب مالك رحمه الله تعالى. ### | [فصل تفصيل مذهب أحمد في أخذ العشور من الذمي والحربي] ### | 65 - # فصل. # وأما تفصيل مذهب أحمد فقال الميموني: قلت لأبي عبد الله: من أين أخذوا من ~~أموال أهل الذمة - إذا اتجروا فيها - الضعف؟ على أي سنة هو؟ قال: لا أدري ~~إلا أنه فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم قال: تؤخذ منا زكاتنا ربع ~~العشر، وتضعف عليهم فتؤخذ منهم نصف العشر. # PageV01P349 # قال الميموني: وقرأت على أبي عبد الله: وإن اتجروا - يعني أهل الذمة - ~~بأموالهم بين أظهرنا هل لنا فيها شيء؟ فأملى علي: ليس فيها شيء، وإنما يؤخذ ~~منهم إذا مروا بتجارتهم علينا. # قال صالح بن أحمد: قلت لأبي: تجب على اليهودي والنصراني الزكاة في ~~أموالهم؟ قال: لا تجب عليهم ولكن إذا مروا بالعاشر فإن كانوا من أهل الذمة ~~أخذ منهم نصف العشر، من كل عشرين دينارا دينار، يعني: فإذا نقصت من العشرين ~~فليس عليهم فيها شيء، ولا تؤخذ منهم إلا مرة واحدة ومن المسلم من كل أربعين ~~دينارا دينار. # قال الميموني: وقرأت على أبي عبد الله: وما عليهم - يعني أهل الذمة ms114 - في ~~أموالهم التي يتجرون فيها إذا مروا بها علينا؟ فأملى علي في السنة مرة. # كذا يروي إبراهيم النخعي عن عمر: لا يأخذ في السنة إلا مرة. # قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: أهل الذمة إذا تجروا من بلد إلى بلد ~~أخذ منهم الجزية ونصف العشر، فإذا كانوا في المدينة لم يؤخذ منهم إلا ~~الجزية وعلى المسلمين ربع العشر، من كل أربعين درهما درهم. # وقال أبو الحارث: كتبت إلى أبي عبد الله أسأله عن النصراني # PageV01P350 # واليهودي إذا مرا على العاشر كم يأخذ منهما؟ قال: يؤخذ منهما نصف العشر ~~من كل عشرين دينارا دينار، قلت: فإن كان مع الذمي عشرة دنانير؟ قال: يؤخذ ~~منه نصف دينار، قلت: فإن كان أقل من عشرة دنانير؟ قال: إذا نقصت لا يؤخذ ~~منه شيء؟ # قال أبو الحارث: وقلت لأبي عبد الله: إذا مر أهل الذمة بالعاشر مرتين ~~يؤخذ منهم العشر كلما مروا؟ قال: لا يؤخذ منهم في السنة إلا مرة واحدة، وإن ~~مروا بالعاشر مرارا، قلت: فما أخذ من أهل الذمة فهي زكاة أموالهم؟ قال: ليس ~~على أهل الذمة زكاة، ولكن إذا مروا بالعاشر عشرهم في السنة مرة واحدة. # وقال سندي: قال أبو عبد الله في الذمي يمر بالعاشر: يأخذ منه نصف العشر، ~~فقيل: في كم يؤخذ منه؟ قال: إذا كان معه نصف ما يجب على المسلمين فيه، قال: ~~ولا يؤخذ منهم في السنة إلا مرة، هكذا هو في الحديث. # وقال الميموني: قال أبو عبد الله: يؤخذ من أموال أهل الذمة إذا اتجروا ~~فيها قومت عليهم ثم أخذ منهم زكاتها مرتين، يضعف عليهم لقول عمر # PageV01P351 # رضي الله عنه: " أضعفها عليهم "، فمن الناس من شبه الزرع بهذا. # وقال إسحاق بن منصور: قلت لأبي عبد الله قول ابن عباس رضي الله عنهما: " ~~في أموال أهل الذمة العفو "؟ فقال: عمر رضي الله عنه جعل عليهم ما بلغك، ~~كأنه لم ير ما قال ابن عباس. # وروى الإمام أحمد بإسناده قال: جاء شيخ نصراني إلى عمر رضي الله عنه ~~فقال: ms115 إن عاملك عشرني في السنة مرتين، فقال: ومن أنت؟ قال: هو الشيخ ~~النصراني، قال عمر رضي الله عنه: أنا الشيخ الحنيفي، ثم كتب إلى عامله: أن ~~لا تعشروا في السنة إلا مرة، وأن الجزية والزكاة إنما تؤخذ في العام مرة. # PageV01P352 ### | [فصل متى أخذ منهم مرة كتب لهم حجة بأدائهم لتكون وثيقة لهم] ### | 66 - # فصل. # ومتى أخذ منهم مرة كتب لهم حجة بأدائهم لتكون وثيقة لهم، وحجة على من ~~يمرون به فلا يعشرهم مرة ثانية، وإن مر ثانية بأكثر من المال الذي أخذ منه ~~أخذ من الزيادة وحدها ; لأنها لم تعشر. # ولا يؤخذ منهم من غير مال التجارة شيء، فلو مر بالعاشر منهم منتقل ومعه ~~أموال أو سائمة لم يؤخذ منه شيء، نص عليه أحمد. # وإن كانت ماشيته للتجارة أخذ منه نصف عشرها. # واختلفت الرواية في القدر الذي يؤخذ منه نصف العشر، فروى عنه صالح: من كل ~~عشرين دينارا دينار، يعني: فإذا نقص من العشرين فليس عليه شيء ; لأن ما دون ~~النصاب لا يجب فيه زكاة على المسلم ولا على التغلبي، فلا يجب فيه شيء على ~~الذمي، كما فيما دون العشرة. # وروي عنه: أن في العشرة نصف مثقال، وليس فيما دونها شيء كما تقدم لفظه في ~~رواية أبي الحارث ; لأن العشرة مال يبلغ واجبه نصف دينار، فوجب فيه ~~كالعشرين في حق المسلم، ولأنه مال يعشر فوجب في العشرة منه كمال الحربي، ~~هذا مذهبه المنصوص عنه. # PageV01P354 # وخالف ابن حامد نصه فقال: يؤخذ عشر الحربي ونصف عشر الذمي مما قل أو كثر. # قال ابن عمر: قال عمر: " خذ من كل عشرين درهما درهما "، ولأنه حق عليه ~~واجب في قليل المال وكثيره، كنصيب المالك في أرضه التي عامله عليها. # وهذا ضعيف جدا، والمراد بقول عمر بيان القدر المأخوذ منه في كل قليل ~~وكثير كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «في الرقة ربع العشر» "، وقوله ~~" «فيما سقت السماء العشر» ". # PageV01P355 ### | [فصل هل تؤخذ العشور المضروبة على الذمي من الخمر والخنزير] ### | 67 - # فصل # [هل تؤخذ العشور المضروبة ms116 على الذمي من الخمر والخنزير؟] # واختلفت الرواية عن أحمد في الذمي يمر على العاشر بخمر أو خنزير، فقال في ~~موضع: قال عمر: ولوهم بيعها لا يكون إلا على الآخذ منها، يعني: من ثمنها، ~~وقد ذكرنا نصه في الجزية وقول عمر. # ووافقه على ذلك مسروق والنخعي ومالك وأبو حنيفة ومحمد في الخمر خاصة. # وذكر القاضي: أن أحمد نص على أنه لا يؤخذ منها شيء وقد ذكرنا ذلك وأن ~~المسألة رواية واحدة، وأن أحمد إنما منع الأخذ من أعيانها لا من أثمانها، ~~وهو الذي قال فيه عمر بن عبد العزيز: الخمر لا يعشرها مسلم، وهو الذي أنكره ~~عمر بن الخطاب على عتبة بن فرقد حين بعث إليه بأربعين ألف درهم صدقة الخمر، ~~فكتب إليه عمر: بعثت إلي بصدقة الخمر، وأنت أحق بها من المهاجرين، والله لا ~~استعملتك على شيء بعدها، فنزعه. # قال أبو عبيد: ومعنى قول عمر: " ولوهم بيعها، وخذوا أنتم من # PageV01P356 # الثمن ": إن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذمة الخمر والخنازير من ~~جزيتهم وخراج أرضهم بقيمتها، ثم يتولى المسلمون بيعها فأنكره عمر، ثم رخص ~~لهم أن يأخذوا من أثمانها إذا كان أهل الذمة هم المتولين بيعها ; لأن الخمر ~~والخنازير مال من أموال أهل الذمة ولا تكون مالا للمسلمين. # وذكر حديث سويد بن غفلة أن بلالا قال لعمر: إن عمالك يأخذون الخمر ~~والخنازير في الخراج، فقال: لا تأخذوها منهم، ولكن ولوهم بيعها وخذوا أنتم ~~من الثمن. # قال أصحابنا: ويجوز أخذ ثمن الخمر والخنزير منهم عن جزية رءوسهم وخراج ~~أرضهم احتجاجا بقول عمر هذا ; ولأنها من أموالهم التي نقرهم على اقتنائها ~~والتصرف فيها، فجاز أخذ أثمانها منهم كأثمان ثيابهم. # قلت: ولو بذلوها في ثمن مبيع أو إجارة أو قرض أو ضمان أو بدل متلف جاز ~~للمسلم أخذها وطابت له. # قالوا: وإذا مر الذمي بالعاشر وعليه دين بقدر ما معه أو ينقص عن النصاب، ~~فظاهر كلام أحمد أن ذلك يمنع أخذ نصف العشر منه ; لأنه حق يعيد له مال ~~النصاب والحول، فيمنعه الدين كالزكاة، ms117 ولا يقبل قوله إلا ببينة من ~~المسلمين. # وإن مر بجارية فادعى أنها ابنته أو أخته ففيه روايتان: # PageV01P357 # إحداهما: يقبل قوله ; لأن الأصل عدم ملكه فيها. # والثانية: لا يقبل إلا ببينة لأنها في يده فأشبهت بهيمته. # قال أبو الحارث: كتبت إلى أبي عبد الله وسألته فقلت: نصراني مر بعشار ~~ومعه جارية، فقال: ابنتي أو أهلي؟ قال: يصدقه ولا يصدقه في أن يقول: علي ~~دين. # وقال يعقوب بن بختان: قال أبو عبد الله في الذمي يمر بالعشار فيقول: علي ~~دين، قال: لا يقبل منه، قيل: فإن كان معه جارية فقال: هي أهلي أو أختي؟ ~~قال: هو واحد. # قال الخلال: أشبه القولين لأبي عبد الله ما قال أبو الحارث: يصدقه في ~~الجارية ولا يصدقه في الدين، وعلى هذا العمل من قوله. # قلت: والفرق بينهما أن الأصل عدم الدين والأصل عدم الملك في الجارية، ~~وبالله التوفيق. ### | [فصل الحربي المعاهد هل عليه العشر] ### | 68 - # فصل # [الحربي المعاهد هل عليه العشر؟] # فهذا مذهبه في الذمي. # وأما الحربي المعاهد فإنه يؤخذ منه العشر. # PageV01P358 # قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: من كان من أهل الحرب فعليهم العشر، ~~ومن كان من أهل العهد فعليهم نصف العشر، في السنة مرة واحدة ومراده بأهل ~~العهد أهل الذمة. # وقال الميموني: سألت أبا عبد الله فأملى علي: على أهل الحرب العشر كما في ~~حديث أنس بن مالك عن عمر. # وقال صالح: قال أبي: أهل الحرب إذا مروا بالعشار أخذ منهم العشر، من ~~العشرة واحدا. # وفي موضع آخر قال: قلت لأبي: كم يؤخذ من أهل الحرب؟ قال: العشر من كل ~~عشرة دنانير دينار. # قلت: حديث عمر: " كم يأخذون منكم إذا قدمتم؟ " حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا ~~سعيد عن قتادة عن أنس أن عمر بعثه أميرا أو مصدقا، وأمره أن يأخذ من ~~المسلمين؛ من كل أربعين درهما درهما، ومن أهل الذمة؛ من كل عشرين درهما ~~درهما، ومن أهل الحرب من كل عشرة واحدا. # PageV01P359 ### | [فصل يؤخذ منهم العشر في جميع أموال التجارة] ### | 69 - # فصل. # ويؤخذ ms118 منهم العشر في جميع أموال التجارة. # وقال القاضي: إذا دخلوا بميرة بالناس إليها حاجة أذن لهم في الدخول بغير ~~عشر، ليكثر على المسلمين، وهذا مذهب الشافعي، ومنصوص أحمد وعمر بخلافه. # وقد روى مالك عن الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر أنه كان يأخذ من النبط من ~~القطنية العشر، ومن الحنطة والزيت نصف العشر، ليكثر الحمل إلى المدينة ولكن ~~إذا رأى الإمام التخفيف عنهم رعاية لهذه المصلحة، أو الترك بالكلية فله ~~ذلك، وهذا عارض، لا أنه يترك تعشير الميرة بالكلية. ### | [فصل يؤخذ العشر من كل تاجر صغيرا كان أو كبيرا ذكرا أو أنثى] ### | 70 - # فصل. # ويؤخذ العشر من كل تاجر، صغيرا كان أو كبيرا ذكرا أو أنثى. # وقال القاضي: ليس على المرأة عشر، سواء كانت حربية أو ذمية، # PageV01P360 # لكن إن دخلت الحجاز عشرت ; لأنها ممنوعة من الإقامة به. # وهذا التفصيل لا يوجد في شيء من نصوص أحمد ألبتة ولا تقتضيه أصوله ; لأنه ~~يأخذ الصدقة من نساء بني تغلب وصبيانهم. # والأحاديث في هذا الباب عن الصحابة ليس فيها تفريق بين ذكر وأنثى ولا بين ~~صغير وكبير وليس هذا بجزية، وإنما هو حق يختص بمال التجارة لتوسعه في دار ~~الإسلام وانتفاعه بالتجارة فيها، فيستوي فيه الرجل والمرأة كالزكاة. ### | [فصل لا يعشرون في السنة إلا مرة واحدة] ### | 71 - # فصل. # ولا يعشرون في السنة إلا مرة واحدة ولا يؤخذ من أقل من عشرة دنانير، نص ~~عليهما أحمد. # وحكي عن أبي عبد الله بن حامد: نأخذ من الحربي كلما دخل إلينا من قليل ~~المال أو كثيره، وهذا قول بعض الشافعية وهو مخالف لنص عمر ونص أحمد كما ~~تقدم. # PageV01P361 ### | [فصل عشر الأموال لا يؤخذ إلا من مال التجارة] ### | 72 - # فصل # [عشر الأموال لا يؤخذ إلا من مال التجارة] # وإن جاء الحربي منتقلا إلينا بأهله وماله لم نأخذ منه شيئا إلا من تجارة ~~معه، نص على ذلك أحمد. ### | [فصل يؤخذ منهم العشر سواء أخذوه منا إذا دخلنا إليهم أو لم يأخذوه] ### | 73 - # فصل. # ويؤخذ منهم العشر، سواء ms119 أخذوه منا إذا دخلنا إليهم أو لم يأخذوه في ظاهر ~~المذهب. # وعن أحمد رواية أخرى: أنهم إن كانوا يأخذون منا إذا دخلنا أخذنا منهم ~~وإلا فلا. ### | [فصل تفصيل مذهب أبي حنيفة وأهل العراق فيما يؤخذ من الذمي إذا مر ببلاد الإسلام] ### | 74 - # فصل. # وأما تفصيل مذهب أبي حنيفة وأهل العراق رحمهم الله تعالى، فقال أبو ~~حنيفة: لا نأخذ منهم شيئا إلا أن يكونوا يأخذون منا، فنأخذ منهم ذلك على ~~وجه القصاص. # وحجة هذا القول حديث أبي مجلز أنه قال: قيل لعمر: كيف نأخذ من أهل الحرب ~~إذا قدموا علينا؟ قال: كيف يأخذون منكم إذا دخلتم إليهم؟ قالوا: العشر، ~~قال: فكذلك خذوا منهم. # وقال زياد بن حدير: كنا لا نعشر مسلما ولا معاهدا، قيل: من كنتم تعشرون؟ ~~قال: كفار أهل الحرب، نأخذ منهم كما يأخذون منا [وقال # PageV01P362 # غيره من أهل العراق:] ولا يؤخذ منهم شيء حتى يبلغ مائتي درهم. # قالوا: فإن قال: علي دين أو ليس هذا المال لي، وحلف عليه صدق على ذلك ولم ~~يؤخذ منه شيء. # قالوا: وإنما يؤخذ منه الصامت والمتاع والرقيق، وما أشبهه من الأموال ~~التي تبقى في أيدي الناس، فإذا مر بالفواكه وأشباهها التي لا بقاء لها فإنه ~~لا يؤخذ فيها منه شيء. # قالوا: ولا يؤخذ منه في المال الواحد أكثر من مرة واحدة في السنة، وإن مر ~~به مرارا. # وكان سفيان الثوري يقول: لا يؤخذ منه شيء حتى يبلغ مائة درهم، فإذا بلغ ~~مائة درهم أخذ منه نصف العشر فيه، وبمقدار النصاب وبقدر الواجب. # قال أبو عبيد بعد أن حكى بعض هذه الأقوال: " وكل هذه الأقوال لها وجوه: # PageV01P363 # فأما الذين قالوا من أهل العراق: إنه لا يؤخذ من الذمي شيء حتى يبلغ ماله ~~مائتي درهم فإنهم شبهوه بالصدقة، ذهبوا إلى أن عمر رضي الله عنه حين سمى ما ~~يجب في أموال الناس التي تدار للتجارات، إنما قال: يؤخذ من المسلمين كذا، ~~ومن أهل الذمة كذا، ومن أهل الحرب كذا، ولم يوقت في أدنى مبلغ المال ms120 وقتا. # ثم قالوا: رأيناه قد ضم أموال أهل الذمة إلى أموال المسلمين في حق واحد، ~~فحملنا وقت أموالهم على الزكاة، إذ كان لأداء الزكاة حد محدود، وهو ~~المائتان فأخذنا أهل الذمة بها وألقينا ما دون ذلك. # وأما مالك وأهل الحجاز فقالوا: الذي يؤخذ من أهل الذمة ليس بزكاة فينظر ~~فيه إلى مبلغها وإلى حدها، إنما هو فيء بمنزلة الجزية التي تؤخذ من رءوسهم ~~ألا ترى أنها تجب على الغني والفقير على قدر طاقتهم، من غير أن يكون لأداء ~~ما يملك أحدهم وقت يوقت، وعلى ذلك صولحوا؟ # قالوا: فكذلك ما مروا به من التجارات يؤخذ من قليلها وكثيرها. # وأما سفيان في توقيته بالمائة فإنه لما رأى أن الموظف على أهل الذمة هو ~~الضعف مما على المسلمين، في كل مائتين عشرة، جعل فرع المال # PageV01P364 # على حسب أصله فأوجب عليهم في المائة خمسة كما يجب عليهم في المائتين عشرة ~~ليوافق الحكم بعضه بعضا، وأسقط ما دون المائة كما عفي للمسلمين عما دون ~~المائتين، فصارت المائة للذمي كالمائتين للمسلمين، فهذا رأيه في أهل الذمة. # ولست أدري ما وقت في أهل الحرب غير أنه ينبغي أن يكون في قوله: إذ مر ~~أحدكم بخمسين درهما وجب عليه فيها العشر. # قال أبو عبيد: وقول سفيان هو عندي أعدل هذه الأقوال وأشبهها بالذي أراد ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مع أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قد ~~فسر ذلك في كتابه إلى زريق بن حيان الذي ذكرناه أنه كتب إليه: " من مر بك ~~من أهل الذمة فخذ مما يديرون في التجارات من كل عشرين دينارا دينارا، فما ~~نقص فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرة دنانير فإن نقصت ثلث دينار فلا تأخذ منه شيئا ~~". # قال أبو عبيد: فعشرة دنانير إنما هي معدولة بمائة درهم في الزكاة، وهي ~~عندنا تأويل حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع تفسير عمر بن عبد العزيز، ~~ولا يوجد في هذا مفسر هو أعلم منه وهو قول سفيان. # قال: فهذا ما جاء ms121 في توقيت أداء ما تجب فيه الحقوق من أموال أهل الذمة ~~والحرب. # PageV01P365 # وأما قولهم في الذمي إذا ادعى أن عليه دينا، واختيار سفيان وأهل العراق ~~أن يقبل منه، وقول مالك وأهل الحجاز إنه لا يقبل منه وإن أقام البينة على ~~دعواه فإن الذي أختار من ذلك قول بين القولين. # فأقول: إن كان له شهود من المسلمين على دينه قبل ذلك منه ولم يكن على ~~ماله سبيل ; لأن الدين حق قد وجب لربه عليه وهو أولى به من الجزية ; لأنها ~~وإن كانت حقا للمسلمين في عنقه فإنه ليس يحصي أهل هذا الحق، فيقدر على قسم ~~مال الذمي بينهم وبين هذا الغريم بالحصص ولا يعلم كم يؤخذ منه، وقد علم حق ~~هذا الغريم فلهذا جعلناه أولى بالدين من غيره وإن لم يعلم دين هذا الذمي ~~إلا بقوله كان مردودا غير مقبول منه ; لأنه حق قد لزمه للمسلمين فهو يريد ~~إبطاله بالدعوى، وليس بمؤتمن في ذلك كما يؤتمن المسلمون على زكواتهم في ~~الصامت إنما هذا فيء وحكمه غير حكم الصدقة. # وأما اختلافهم في ممره على العاشر مرارا في السنة، وقول أهل العراق ~~وسفيان فيه: إنه لا يؤخذ منه إلا مرة واحدة، وقول مالك وأهل الحجاز: إنه ~~يؤخذ منه كلما مر وإن كان ذلك في السنة مرارا - إذا كان اختلافه من مصر إلى ~~آخر سواه فإن الرواية في هذا للإمامين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز ~~فقد كفينا النظر فيه. # PageV01P366 # حدثنا محمد بن كثير عن حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن زياد بن حدير: ~~أن أباه كان يأخذ من نصراني في كل سنة مرتين، فأتى عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه فقال: يا أمير المؤمنين إن عاملك يأخذ مني العشر في السنة مرتين، فقال ~~عمر رضي الله عنه: ليس ذلك له، إنما له في كل سنة مرة، ثم أتاه فقال: هو ~~الشيخ النصراني، فقال عمر رضي الله عنه: وأنا الشيخ الحنيف، قد كتبت لك في ~~حاجتك. # حدثنا يزيد عن جرير بن ms122 حازم قال: قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن ~~أرطاة: " أن تأخذ العشور ثم تكتب بما تأخذ منهم البراءة، فلا تأخذ منهم من ~~ذلك المال ولا من ربحه زكاة سنة واحدة، وتأخذ من غير ذلك المال إن مر به ". # قال أبو عبيد: فحديث عمر هذا هو عدل بين قول أهل الحجاز وقول أهل العراق: ~~أنه إن كان المال التالي هو الذي مر به بعينه في المرة الأولى لم يؤخذ منه ~~تلك السنة ولا من ربحه أكثر من مرة ; لأن الحق الذي قد لزمه فيه قد قضاه، ~~فلا يقضى حق واحد من مال واحد مرتين، وإن مر بمال سواه أخذ منه، وإن جدد ~~ذلك في كل عام مرارا، إذ كان قد عاد إلى بلاده ثم أقبل بمال سوى المال ~~الأول ; لأن المال الأول لا يجزئ عن # PageV01P367 # الآخر ولا يكون في هذا أحسن حالا من المسلم، ألا ترى أنه لو مر بمال لم ~~يؤد زكاته أخذت منه الصدقة، ثم إن مر بمال آخر في عامه ذلك لم يكن أخذت منه ~~الزكاة أنها تؤخذ منه من ماله هذا أيضا ; لأن الصدقة لا تكون قاضية عن ~~المال الآخر؟ فهذا قدر ما في أهل الذمة. # فأما أهل الحرب فكلهم يقول: إذا انصرف إلى بلاده ثم عاد بماله ذلك أو مال ~~سواه، إن عليه العشر كلما مر به ; لأنه إذا دخل دار الحرب بطلت عنه أحكام ~~المسلمين فإذا عاد إلى دار الإسلام كان مستأنفا للحكم كالذي لم يدخلها قط ~~لا فرق بينهما، وكلهم يقول: لا يصدق الحربي في شيء مما يدعي من دين عليه أو ~~قوله: إن هذا المال ليس لي، ولكن يؤخذ منه على كل حال إلا أن أهل العراق ~~يقولون: يصدق الحربي في خصلة واحدة إذا مر بجوار، فقال: هؤلاء أمهات ~~أولادي، قبل منه، ولم يؤخذ منه عشر قيمتهن. # قلت: فقد حكى أبو عبيد الاتفاق على أن الحربي يعشر كلما دخل إلينا، وفرق ~~بينه وبين الذمي، والذي نص عليه الإمام أحمد والشافعي ms123 أنه لا يؤخذ منه في ~~السنة إلا مرة، وبعض أصحاب أحمد والشافعي قال: يؤخذ منه [كلما] دخل إلينا، ~~وقد تقدم نص أحمد في رواية حنبل وابنه صالح: أنه لا يؤخذ منهم في السنة إلا ~~مرة واحتج بحديث عمر. # PageV01P368 # وأعدل الأقوال في ذلك قول عمر بن عبد العزيز، وهو الذي اختاره أبو عبيد ~~فإن المال الثاني له حكم نفسه لا يتعلق به حكم المال الأول، كما لو أخذت ~~الزكاة من مسلم لم ينسحب حكمها على ما لم يؤخذ من سائر أمواله، ولا يؤخذ ~~منه في السنة مرارا فهكذا مال المعاهد، والله أعلم. # PageV01P369 ### | [ذكر الأمكنة التي يمنع أهل الذمة من دخولها والإقامة بها] ### | [فصل الأمكنة التي يمنع أهل الذمة من دخولها والإقامة بها] ### | 75 - # فصل # في الأمكنة التي يمنع أهل الذمة من دخولها والإقامة بها. # قال الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن ~~شاء إن الله عليم حكيم} [التوبة: 28] . # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بينما نحن في المسجد خرج علينا النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: " انطلقوا إلى يهود، فخرجنا معه حتى جئنا بيت ~~المدراس فقام النبي - صلى الله عليه وسلم -، فناداهم فقال: يا معشر اليهود، ~~أسلموا تسلموا، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم ". # فقال: ذلك أريد، فقال: أسلموا تسلموا، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم. # فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ذلك أريد "، ثم قالها ~~الثالثة فقال: " اعلموا أنما الأرض لله ورسوله، وإني أريد أن أجليكم من هذه ~~الأرض، فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه، وإلا فاعلموا أنما الأرض لله ~~ورسوله» ". متفق عليه، ولفظه للبخاري. # PageV01P370 # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يوم الخميس، وما يوم الخميس! قال: ~~«اشتد برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعه، فقال: " ائتوني بكتف أكتب ~~لكم كتابا لا تضلون بعده أبدا " فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبي تنازع - ~~فقالوا: ما له؟ أهجر؟ استفهموه. # فقال: " ذروني، الذي ms124 أنا فيه خير مما تدعونني إليه " فأمرهم بثلاث فقال: ~~" أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو مما كنت أجيزهم "، ~~والثالثة إما سكت عنها، وإما قالها فنسيتها» متفق عليه ولفظه للبخاري. # PageV01P371 # وعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فأجلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني ~~النضير وأقر قريظة بعد ذلك، فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين ~~المسلمين إلا بعضهم لحقوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلموا ~~فأمنهم، وأجلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهود المدينة كلهم؛ بني ~~قينقاع وهم قوم عبد الله بن سلام، ويهود بني حارثة، وكل يهودي كان ~~بالمدينة» متفق عليه واللفظ لمسلم. # وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول: " «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا ~~مسلما» " رواه مسلم. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «آخر ما عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " لا يترك بجزيرة العرب دينان» " رواه أحمد. # PageV01P372 # وفي " مسنده " أيضا عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " «يا علي، إن أنت وليت الأمر بعدي فأخرج أهل نجران من جزيرة ~~العرب» ". # PageV01P374 # وفي " المسند " أيضا عن أبي عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه قال: «آخر ما ~~تكلم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " أخرجوا يهود أهل الحجاز ~~وأهل نجران من جزيرة العرب» ". # PageV01P375 # قال بكر بن محمد عن أبيه: سألت أبا عبد الله عن قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - " «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» "، قال: إنما الجزيرة موضع ~~العرب، وأما موضع يكون فيه أهل السواد والفرس فليس هو جزيرة العرب. موضع ~~العرب: الذي يكونون فيه. # وقال المروذي: سئل أبو عبد الله عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ~~«أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» " قال: هم الذين قاتلوا النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ليست لهم ذمة، ليس هم مثل اليهود ms125 والنصارى: أي يخرجون من مكة ~~والمدينة دون الشام يريد أن اليهود والنصارى يخرجون من مكة والمدينة. # قال إسحاق بن منصور: قال أحمد: ليس لليهود والنصارى أن يدخلوا الحرم. # [حد جزيرة العرب] # وقال [عبد الله] بن حنبل: [حدثني أبي قال:] قال عمي: جزيرة # PageV01P377 # العرب يعني المدينة وما والاها ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجلى ~~يهود فليس لهم أن يقيموا بها. # وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: حديث النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: " «لا يبقى دينان بجزيرة العرب» " تفسيره: ما لم يكن في يد فارس والروم. # وقال الأصمعي: كل ما كان دون أطراف الشام. # وقال إبراهيم بن هانئ: سئل أبو عبد الله عن جزيرة العرب، فقال: ما لم يكن ~~في يد فارس والروم قيل له: ما كان خلف العرب؟ قال: نعم. # وفي " المغني ": " جزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن، # PageV01P378 # قاله سعيد بن عبد العزيز. # وقال الأصمعي وأبو عبيد: هي من ريف العراق إلى عدن طولا، ومن تهامة وما ~~وراءها إلى أطراف الشام عرضا. # PageV01P379 # وقال أبو عبيدة: هي من حفر أبي موسى إلى اليمن طولا، ومن رمل يبرين إلى ~~منقطع السماوة عرضا. # PageV01P380 # قال الخليل: إنما قيل لها: " جزيرة العرب " لأن بحر الحبش وبحر فارس ~~والفرات قد أحاطت بها، ونسبت إلى العرب لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها. # وقول الإمام أحمد: جزيرة العرب: المدينة وما والاها، يريد مكة واليمامة ~~وخيبر # PageV01P381 # والينبع وفدك ومخاليفها وما والاها، وهذا قول الشافعي: لأنهم لم يعجلوا ~~من تيماء ولا من اليمن. # قلت: وهذا يرد قول سعيد بن عبد العزيز: إنها ما بين الوادي إلى أقصى ~~اليمن، إلا أن يريد أوله. # PageV01P383 # وحديث أبي عبيدة صريح في أن أرض نجران من جزيرة العرب، فإنه قال: " ~~«أخرجوا أهل نجران ويهود أهل الحجاز من جزيرة العرب» "، وكذا قوله لعلي رضي ~~الله عنه: " «أخرج أهل نجران من جزيرة العرب» ". # قال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال: جاء ~~أهل نجران إلى علي رضي الله عنه ms126 فقالوا: شفاعتك بلسانك، وكتابك بيدك، ~~أخرجنا عمر من أرضنا فردها إلينا صنيعة، فقال: ويلكم إن عمر كان رشيد الأمر ~~ولا أغير شيئا صنعه عمر. # قال أبو معاوية: قال الأعمش: فكانوا يقولون: لو كان في نفسه عليه شيء ~~لاغتنم هذا. # قلت: وهذا يدل على أن حديث علي رضي الله عنه الذي ذكرناه قبل غير محفوظ، ~~فإنه لو كان عنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بإخراج أهل نجران ~~من جزيرة العرب لم يعتذر بأن عمر قد فعل ذلك، وكان رشيد الأمر أو لعله نسي ~~الحديث أو أحال على عمر رضي الله عنه قطعا لمنازعتهم وطلبهم. # فإن قيل: فأهل نجران كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد صالحهم وكتب ~~لهم كتاب أمن على أرضهم وأنفسهم وأموالهم، فكيف استجاز # PageV01P384 # عمر رضي الله عنه إخراجهم؟ قيل: قد قال أبو عبيد: " إنما نرى عمر قد ~~استجاز إخراج أهل نجران وهم أهل صلح، لحديث يروى عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فيهم خاصة، يحدثونه عن إبراهيم بن ميمون مولى آل سمرة عن ابن سمرة ~~عن أبيه عن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان ~~آخر ما تكلم به أن قال: " «أخرجوا اليهود من الحجاز وأخرجوا أهل نجران من ~~جزيرة العرب» ". # فإن قيل: زدتم الأمر إشكالا، فكيف أمر بإخراجهم وقد عقد معهم الصلح؟ قيل: ~~الصلح كان معهم بشروط فلم يفوا بها، فأمر بإخراجهم. # قال أبو عبيد: وإنما نراه قال ذلك لنكث كان منهم، أو لأمر أحدثوه بعد ~~الصلح. # قال: وذلك بين في كتاب كتبه عمر رضي الله عنه إليهم قبل إجلائه إياهم ~~منها. # حدثنا ابن أبي زائدة عن ابن عون قال: قال لي محمد بن سيرين: انظر كتابا ~~قرأته عند فلان بن جبير، فكلم فيه زياد بن جبير، قال: فكلمته فأعطاني، فإذا ~~في الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم من عمر أمير المؤمنين إلى أهل رعاش ~~كلهم، سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد: فإنكم ~~زعمتم ms127 أنكم مسلمون ثم ارتددتم بعد، وإنه من يتب # PageV01P385 # منكم ويصلح لا يضره ارتداده ونصاحبه صحبة حسنة، فادكروا ولا تهلكوا ~~وليبشر من أسلم منكم، فإن أبى إلا النصرانية فإن ذمتي بريئة ممن وجدناه بعد ~~عشر تبقى من شهر الصوم من النصارى بنجران. # أما بعد، فإن يعلى كتب يعتذر أن يكون أكره أحدا منكم على الإسلام أو عذبه ~~عليه إلا أن يكون [قسرا جبرا و] وعيدا لم ينفذ إليه منه شيء. # أما بعد، فقد أمرت يعلى أن يأخذ منكم نصف ما عملتم من الأرض، وإني لن ~~أريد نزعها منكم ما أصلحتم. # PageV01P386 # وقال الشيخ في " المغني " فأما إخراج أهل نجران منها فلأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - صالحهم على ترك الربا فنقضوا عهده. # فإن قيل: فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أقر أهل خيبر بها إلى أن ~~قبضه الله وهي من جزيرة العرب، وأصرح من هذا أنه مات ودرعه مرهونة عند ~~يهودي بالمدينة على ثلاثين صاعا من شعير أخذه لأهله. # قيل: أما إقرار أهل خيبر فإنه لم يقرهم إقرارا لازما، بل قال: " نقركم # PageV01P387 # ما شئنا " وهذا صريح في أنه يجوز للإمام أن يجعل عقد الصلح جائزا من جهته ~~متى شاء نقضه بعد أن ينبذ إليهم على سواء، فلما أحدثوا ونكثوا أجلاهم عمر ~~رضي الله عنه. # فروى البخاري في " صحيحه " عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه لما فدع أهل ~~خيبر عبد الله بن عمر قام عمر خطيبا فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: " «نقركم ما أقركم الله ~~تعالى» "، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك فعدي عليه من الليل ففدعت ~~يداه ورجلاه وليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم. # فلما أجمع عمر رضي الله عنه على ذلك أتاه أحد بني [أبي] الحقيق فقال: يا ~~أمير المؤمنين أتخرجنا وقد أقرنا محمد وعاملنا على الأموال وشرط ذلك لنا؟ ~~فقال عمر رضي الله عنه: أظننت أني نسيت قول رسول الله ms128 - صلى الله عليه وسلم ~~- كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك # PageV01P388 # قلوصك ليلة بعد ليلة؟ فقال: كانت هذه هزيلة من أبي القاسم، فقال: كذبت يا ~~عدو الله، قال: فأجلاهم عمر رضي الله عنه وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر ~~مالا وإبلا وعروضا من أقتاب وحبال وغير ذلك. # وفي " صحيحه " أيضا عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «أتى # PageV01P389 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر فقاتلهم حتى ألجأهم إلى ~~قصرهم، وغلبهم على الأرض والزرع والنخل فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما ~~حملت ركابهم ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصفراء والبيضاء والحلقة ~~- وهي السلاح، ويخرجون منها، واشترط عليهم ألا يكتموا ولا يغيبوا شيئا، فإن ~~فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب كان ~~احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لعم حيي - واسمه سعية -: ما فعل مسك حيي الذي جاءوا به من النضير؟ ~~قال: أذهبته النفقات والحروب، فقال العهد قريب والمال أكثر من ذلك، وقد كان ~~حيي قتل قبل ذلك، فدفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سعية إلى الزبير ~~فمسه بعذاب، فقال: قد رأيت حييا يطوف في خربة هاهنا فذهبوا فطافوا فوجدوا ~~المسك في الخربة، فقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابني أبي الحقيق ~~وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب، وسبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا، وأراد أن يجليهم منها ~~فقالوا: يا محمد دعنا نكن في هذه الأرض نصلحها ونقم عليها، ولم يكن لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها ولا يفرغون أن ~~يقوموا، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع وتمر ما بدا لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. # PageV01P390 # وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم في كل عام يخرصها عليهم، ثم يضمنهم الشطر ~~فشكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شدة خرصه، وأرادوا أن ms129 يرشوه ~~فقال عبد الله: أتطعمونني السحت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي، ~~ولأنتم أبغض الناس إلي من عدلكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي ~~إياكم وحبي إياه على ألا أعدل عليكم. # فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقا من تمر كل عام وعشرين وسقا من شعير، ~~فلما كان زمان عمر رضي الله عنه غشوا المسلمين، وألقوا ابن عمر من فوق بيت ~~ففدعوا يديه، فقال عمر: من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها بينهم، ~~فقسمها عمر رضي الله عنه بينهم. # فقال رئيسهم: لا تخرجنا، دعنا نكن فيها كما أقرنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأبو بكر، فقال عمر رضي الله عنه لرئيسهم: أتراه سقط علي قول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كيف بك إذا رقصت بك راحلتك نحو الشام ~~يوما ثم يوما ثم يوما "، وقسمها عمر رضي الله عنه بين من كان شهد خيبر من ~~أهل الحديبية» . # PageV01P391 # وأما رهن النبي - صلى الله عليه وسلم - درعه عند اليهودي فلعله من اليهود ~~الذين كانوا يقدمون المدينة بالميرة والتجارة من حولها، أو من أهل خيبر ~~وإلا فيهود المدينة كانوا ثلاث طوائف: بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة. # فأما بنو قينقاع فحاربهم أولا، ثم من عليهم. وأما بنو النضير فأجلاهم إلى ~~خيبر وأجلى بني قينقاع أيضا، وقتل بني قريظة وأجلى كل يهودي كان بالمدينة، ~~فهذا اليهودي المرتهن: الظاهر أنه من أهل العهد قدم المدينة بطعام أو كان ~~ممن لم يحارب فبقي على أمانه، فالله أعلم. # فهذا أصل إجلاء الكفار من أرض الحجاز ثم اختلف الفقهاء بعد ذلك قال مالك: ~~أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: " «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» ". # وفي " صحيح مسلم " من حديث عمر رضي الله عنه سمع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدع ~~فيها إلا ms130 مسلما» ". # وقال الشافعي: يمنعون من الحجاز، وهو مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها ~~وهي قراها. # PageV01P392 # أما غير الحرم منه فيمنع الكتابي وغيره من الاستيطان والإقامة به وله ~~الدخول بإذن الإمام لمصلحة كأداء رسالة أو حمل متاع يحتاج إليه المسلمون، ~~وإن دخل لتجارة ليس فيها كثير حاجة، لم يؤذن له إلا بشرط أن يأخذ من تجارته ~~شيئا، ولا يمكن من الإقامة أكثر من ثلاث. # وقد أدخل بعض أصحاب الشافعي اليمن في جزيرة العرب، ومنعهم من الإقامة ~~فيها وهذا وهم؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذا قبل موته إلى ~~اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا، وأقرهم فيها وأقرهم أبو بكر بعده، ~~وأقرهم عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ولم يجلوهم من اليمن مع أمر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلم ~~يعرف عن إمام أنه أجلاهم من اليمن. # وإنما قال الشافعي وأحمد: يخرجون من مكة والمدينة واليمامة وخيبر وينبع ~~ومخاليفها ولم يذكرا اليمن، ولم يجلوا من تيماء أيضا وكيف يكون اليمن من ~~جزيرة العرب وهي وراء البحر فالبحر بينها وبين الجزيرة؟ فهذا القول غلط ~~محض. # PageV01P393 # [حكم دخول أهل الذمة الحرم] # وأما الحرم فإن كان حرم مكة فإنهم يمنعون من دخوله بالكلية، فلو قدم رسول ~~لم يجز أن يأذن له الإمام في دخوله، ويخرج الوالي أو من يثق به إليه ولا ~~يختص المنع بخطة مكة بل بالحرم كله. # وأما حرم المدينة فلا يمنع من دخوله لرسالة أو تجارة أو حمل متاع. ### | [فصل مذهب أحمد في الأمكنة التي يمنع أهل الذمة من دخولها والإقامة بها] ### | 76 - # فصل. # فهذا تفصيل مذهب الشافعي رحمه الله تعالى. # وأما مذهب أحمد رحمه الله تعالى فعنده يجوز لهم دخول الحجاز للتجارة ; ~~لأن النصارى كانوا يتجرون إلى المدينة في زمن عمر رضي الله عنه كما تقدم. # وحكى أبو عبد الله بن حمدان عنه رواية: أن حرم المدينة كحرم مكة في ~~امتناع دخوله. # والظاهر أنها غلط على أحمد فإنه لم يخف عليه دخولهم ms131 بالتجارة في زمن عمر ~~رضي الله عنه وبعده وتمكينهم من ذلك. # ولا يؤذن له في الإقامة أكثر من ثلاثة أيام. # وقال القاضي: أربعة وهي حد ما يتم المسافر الصلاة. # وإذا مرض بالحجاز جازت له الإقامة لمشقة الانتقال على المريض. # PageV01P394 # ويجوز أن يقيم معه من يمرضه. # وإن كان له دين على أحد وكان حالا أجبر غريمه على وفائه، فإن تعذر وفاؤه ~~لمطل أو غيبة مكن من الإقامة ليستوفي دينه، وفي إخراجه ذهاب ماله. # وإن كان الدين مؤجلا لم يمكن من الإقامة، ويوكل من يستوفيه ; لأن التفريط ~~منه فإن أراد أن يضع ويتعجل فهل يجوز ذلك؟ على روايتين منصوصتين أشهرهما ~~المنع، وأصحهما عند شيخنا الجواز. # والمنع قول ابن عمر رضي الله عنهما، والجواز قول ابن عباس رضي الله ~~عنهما. # وروى ابن عباس رضي الله عنهما في ذلك حديثا رواه الدارقطني # PageV01P395 # «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أجلى يهود بني النضير قالوا: ~~إن لنا ديونا لم تحل فقال: " ضعوا وتعجلوا» . # وإسناده حسن ليس فيه إلا مسلم بن خالد الزنجي وحديثه لا ينحط عن رتبة ~~الحسن. # فإن دعت الحاجة إلى الإقامة لبيع بضاعته فوق ثلاث ففيه وجهان: # أحدهما: يجوز له ذلك ; لأن في تكليفه تركها أو حملها معه ضياع ماله، وذلك ~~يمنع الدخول بالبضائع ويضر بأهل الحجاز ويقطع الجلب عنهم، وهذا هو الصحيح. # والثاني: يمنع من الإقامة ; لأن له منها بدا، فإن أراد الانتقال إلى مكان ~~آخر من الحجاز جاز ويقيم فيه ثلاثة أيام أو أربعة، ولا يدخلون إلا بإذن من ~~الإمام أو نائبه وقيل: يكفي إذن آحاد المسلمين: هذا حكم غير الحرم. # قال أصحاب الإمام أحمد رحمهم الله تعالى: ولا يمنعون من تيماء وفيد ~~ونجران ونحوهن. # PageV01P396 # وقد تقدم الحديث المصرح بأن نجران من جزيرة العرب. # قالوا: فإن دخلوا غير الحرم لم يجز إلا بإذن مسلم. # وأما الحرم فيمنعون دخوله بكل حال ولا يجوز للإمام أن يأذن في دخوله، فإن ~~دخل أحدهم فمرض أو مات أخرج وإن دفن نبش. # وهل يمنعون من ms132 حرم المدينة؟ حكي عن أحمد رحمه الله تعالى فيه روايتان كما ~~تقدم، وقد «صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أنزل وفد نصارى نجران ~~في مسجده وحانت صلاتهم فصلوا فيه» وذلك عام الوفود بعد نزول قوله تعالى: ~~{إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] ~~، فلم تتناول الآية حرم المدينة ولا مسجدها. # PageV01P397 ### | [فصل تفصيل مذهب مالك في الأمكنة التي يمنع أهل الذمة من دخولها والإقامة بها] ### | 77 - # فصل. # وأما تفصيل مذهب مالك رحمه الله تعالى، فإنهم يقرون عنده في جميع البلاد ~~إلا جزيرة العرب: وهي مكة والمدينة وما والاهما. # وروى عيسى بن دينار عنه دخول اليمن فيها. # وروى ابن حبيب أنها من أقصى عدن وما والاها من أرض اليمن كلها إلى ريف ~~العراق في الطول، وأما في العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى ~~أطراف الشام ومصر في المغرب والمشرق، وما بين المدينة إلى منقطع السماوة، ~~ولا يمنعون من الاجتياز بها مسافرين ولكن لا يقيمون. ### | [فصل مذهب أبو حنيفة في الأمكنة التي يمنع أهل الذمة من دخولها والإقامة بها] ### | 78 - # فصل. # وأما أبو حنيفة رحمه الله تعالى فعنده: لهم دخول الحرم كله حتى الكعبة ~~نفسها، ولكن لا يستوطنون به. # وأما الحجاز فلهم الدخول إليه والتصرف فيه والإقامة بقدر قضاء حوائجهم، ~~وكأن أبا حنيفة رحمه الله تعالى قاس دخولهم مكة على دخولهم مسجد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، ولا يصح هذا القياس فإن لحرم مكة أحكاما يخالف بها ~~المدينة، على أنها ليست عنده حرما. # PageV01P398 # فإن قيل: الله سبحانه إنما منع المشركين من قربان المسجد الحرام، ولم ~~يمنع أهل الكتاب منه: ولهذا «أذن مؤذن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~الحج الأكبر: " أنه لا يحج بعد العام مشرك» " والمشركون الذين كانوا يحجون ~~هم عبدة الأوثان لا أهل الكتاب فلم يتناولهم المنع. # قيل: للناس قولان في دخول أهل الكتاب في لفظ المشركين. # [الأول:] فابن عمر وغيره كانوا يقولون: هم من المشركين. # قال عبد الله بن عمر ms133 رضي الله عنهما: لا أعلم شركا أعظم من أن يقول ~~المسيح ابن الله وعزيز ابن الله وقد قال تعالى فيهم: {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها ~~واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} [التوبة: 31] . # والثاني: لا يدخلون في لفظ " المشركين " ; لأن الله سبحانه جعلهم غيرهم ~~في قوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين ~~أشركوا} [الحج: 17] . # قال شيخنا: " والتحقيق أن أصل دينهم دين التوحيد فليسوا من المشركين في ~~الأصل، والشرك طارئ عليهم فهم منهم باعتبار ما عرض لهم لا باعتبار أصل ~~الدين، فلو قدر أنهم لم يدخلوا في لفظ الآية دخلوا # PageV01P399 # في عمومها المعنوي وهو كونهم نجسا، والحكم يعم بعموم علته. # فإن قيل: فالآية نبهت على دخولهم الحرم عوضا عن دخول عباد الأوثان فإنه ~~سبحانه قال: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله} [التوبة: 28] ، ~~فإنها لما نزلت انقطع عنهم ما كان المشركون يجلبون إليهم من الميرة، ~~فأعاضهم الله بالجزية. # قيل: ليس في هذا ما يدل على دخول أهل الجزية المسجد الحرام بوجه ما، بل ~~تؤخذ منهم الجزية وتحمل إلى من بالمسجد الحرام وغيره، على أن الإغناء من ~~فضل الله وقع بالفتوح والفيء والتجارات التي حملها المسلمون إلى مكة. # فإن قيل: فالآية إنما منعت قربانهم المسجد الحرام خاصة، فمن أين لكم ~~تعميم الحكم للحرم كله؟ قيل: المسجد الحرام يراد به في كتاب الله تعالى ~~ثلاثة أشياء، نفس البيت، والمسجد الذي حوله، والحرم كله. # فالأول: كقوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] . # والثاني: كقوله تعالى: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد ~~الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد} [الحج: 25] ، على أنه قد ~~قيل إن المراد به هاهنا الحرم كله والناس سواء فيه. # والثالث: كقوله: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام} ~~[الإسراء: 1] ، # PageV01P400 # وإنما أسرى به من داره من بيت أم هانئ، وجميع الصحابة والأئمة فهموا من ~~قوله تعالى: {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم ms134 هذا} [التوبة: 28] ، أن ~~المراد مكة كلها والحرم، ولم يخص ذلك أحد منهم بنفس المسجد الذي يطاف فيه. # ولما نزلت هذه الآية كانت اليهود بخيبر وما حولها ولم يكونوا يمنعون من ~~المدينة كما في الصحيح «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P401 # مات ودرعه مرهونة عند يهودي على طعام أخذه لأهله» فلم يجلهم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عند نزولها من الحجاز، «وأمر مؤذنه أن يؤذن بأن لا ~~يحج بعد العام مشرك» . # فإن قيل: فما تقولون في دخولهم مساجد الحل؟ قيل: إن دخلوها بغير إذن ~~منعوا من ذلك ولم يمكنوا منه ; لأنهم نجس والجنب والحائض أحسن حالا منهم ~~وقد منعا من دخول المساجد. # PageV01P402 # وإن دخلوها بإذن مسلم ففيه قولان للفقهاء هما روايتان عن أحمد. # ووجه الجواز أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنزل الوفود من الكفار ~~في مسجده، فأنزل فيه وفد نجران ووفد ثقيف وغيرهم. # وقال سعيد بن المسيب: كان أبو سفيان يدخل مسجد المدينة وهو على شركه. # «وقدم عمير بن وهب - وهو مشرك - فدخل المسجد والنبي صلى # PageV01P406 # الله عليه وسلم فيه ليفتك به، فرزقه الله تعالى الإسلام» . # ووجه المنع أنهم أسوأ حالا من الحائض والجنب ; فإنهم نجس بنص القرآن، ~~والحائض والجنب ليسا بنجس بنص السنة. # ولما دخل أبو موسى على عمر بن الخطاب وهو في المسجد أعطاه كتابا فيه حساب ~~عمله، فقال له عمر: ادع الذي كتبه ليقرأه، فقال: إنه لا يدخل المسجد قال ~~ولم؟ قال إنه نصراني. # وهذا يدل على شهرة ذلك بين الصحابة، ولأنه قد انضم إلى حدث جنابته حدث ~~شركه فتغلظ المنع. # وأما دخول الكفار مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان ذلك لما كان ~~بالمسلمين حاجة إلى ذلك، ولأنهم كانوا يخاطبون النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- في عهودهم، ويؤدون إليه الرسائل، ويحملون منه الأجوبة ويسمعون منه ~~الدعوة، ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليخرج من المسجد لكل من قصده ~~من الكفار، فكانت المصلحة في دخولهم - إذ ذاك - # PageV01P407 # المسجد لكل من قصده من الكفار، ms135 فكانت المصلحة في دخولهم إذ ذاك أعظم من ~~المفسدة التي فيه، بخلاف الجنب والحائض فإنه كان يمكنهما التطهر والدخول ~~إلى المسجد. # وأما الآن فلا مصلحة للمسلمين في دخولهم مساجدهم والجلوس فيها، فإن دعت ~~إلى ذلك مصلحة راجحة جاز دخولها بلا إذن والله أعلم. # PageV01P408 ### | ذكر معاملة أهل الذمة عند اللقاء ### | [فصل حكم بداءة أهل الذمة بالسلام] # ذكر [معاملتهم] عند اللقاء وكراهة أن يبدءوا بالسلام وكيف يرد عليهم. # عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ~~«لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى ~~أضيقه» "، رواه مسلم في " صحيحه ". # وفي " الصحيحين " عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال " «إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام ~~عليك، فقل: وعليك» " هكذا بالواو. # وفي لفظ: " عليك " بلا واو. # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P409 # قال: " «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» " رواه أحمد هكذا. # وفي لفظ للإمام أحمد: " فقولوا: عليكم " بلا واو. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقالوا: السام عليك، ففهمتها فقلت: عليكم السام واللعنة، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " مهلا يا عائشة فإن الله يحب ~~الرفق في الأمر كله "، فقلت: يا رسول الله أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " قد قلت: وعليكم» " متفق عليه واللفظ ~~للبخاري. # وفي لفظ آخر: " قد قلت: عليكم " ولم يذكر مسلم الواو. # وفي لفظ للبخاري: «فقالت عائشة رضي الله عنها: عليكم ولعنكم الله وغضب ~~عليكم، قال: " مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش "، قالت: ~~أولم تسمع ما قالوا؟ قال: " أولم تسمعي ما رددت عليهم؟ فيستجاب لي فيهم، ~~ولا يستجاب لهم في» ". # PageV01P410 # وعند مسلم قلت: " «بل عليكم السام والذام» ". # وعنده أيضا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «سلم ناس ms136 من يهود ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قالوا: السام عليك يا أبا القاسم، ~~قال: عليكم، فقالت عائشة رضي الله عنها وغضبت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: " ~~بلى قد سمعت فرددت: عليكم، إنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا» ". # وعن أبي [بصرة] رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~" «إنا غادون على يهود فلا تبدءوهم بالسلام، فإن سلموا عليكم فقولوا: ~~وعليكم» " رواه الإمام أحمد. # PageV01P411 # وله أيضا عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " «إني راكب غدا إلى يهود فلا تبدءوهم بالسلام، وإذا سلموا ~~عليكم فقولوا: وعليكم» ". # PageV01P412 # [معنى السلام] # [الوجه الأول:] ولما كان السلام اسما من أسماء الرب تبارك وتعالى، وهو ~~اسم مصدر في الأصل - كالكلام والعطاء - بمعنى # PageV01P413 # السلامة كان الرب تعالى أحق به من كل ما سواه ; لأنه السالم من كل آفة ~~وعيب ونقص وذم، فإن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وكماله من لوازم ~~ذاته، فلا يكون إلا كذلك، والسلام يتضمن سلامة أفعاله من العبث والظلم ~~وخلاف الحكمة، وسلامة صفاته من مشابهة صفات المخلوقين، وسلامة ذاته من كل ~~نقص وعيب، وسلامة أسمائه من كل ذم، فاسم السلام يتضمن إثبات جميع الكمالات ~~له وسلب جميع النقائص عنه. # وهذا معنى: سبحان الله والحمد لله، ويتضمن إفراده بالألوهية وإفراده ~~بالتعظيم، وهذا معنى: لا إله إلا الله والله أكبر، فانتظم اسم " السلام " ~~الباقيات الصالحات التي يثنى بها على الرب جل جلاله. # ومن بعض تفاصيل ذلك أنه الحي الذي سلمت حياته من الموت والسنة والنوم ~~والتغير، القادر الذي سلمت قدرته من اللغوب والتعب والإعياء والعجز عما ~~يريد، العليم الذي سلم علمه أن يعزب عنه مثقال ذرة أو يغيب عنه معلوم من ~~المعلومات، وكذلك سائر صفاته على هذا. # PageV01P414 # فرضاه سبحانه سلام أن ينازعه الغضب، وحلمه سلام أن ينازعه الانتقام، ~~وإرادته سلام أن ينازعها الإكراه، وقدرته سلام أن ينازعها العجز ومشيئته ~~سلام أن ينازعها خلاف مقتضاها، وكلامه سلام أن يعرض له كذب أو ظلم، ms137 بل تمت ~~كلماته صدقا وعدلا، ووعده سلام أن يلحقه خلف، وهو سلام أن يكون قبله شيء أو ~~بعده شيء أو فوقه شيء أو دونه شيء، بل هو العالي على كل شيء وفوق كل شيء ~~وقبل كل شيء وبعد كل شيء، والمحيط بكل شيء، وعطاؤه ومنعه سلام أن يقع في ~~غير موقعه، ومغفرته سلام أن يبالي بها أو يضيق بذنوب عباده أو تصدر عن عجز ~~عن أخذ حقه كما تكون مغفرة الناس، ورحمته وإحسانه ورأفته وبره وجوده ~~وموالاته لأوليائه وتحببه إليهم وحنانه عليهم وذكره لهم وصلاته عليهم سلام ~~أن يكون لحاجة منه إليهم أو تعزز بهم أو تكثر بهم. # وبالجملة فهو السلام من كل ما ينافي كلامه المقدس بوجه من الوجوه. # وأخطأ كل الخطأ من زعم أنه من أسماء السلوب، فإن السلب المحض لا يتضمن ~~كمالا، بل اسم السلام متضمن للكمال السالم من كل ما يضاده، وإذا لم تظلم ~~هذا الاسم ووفيته معناه وجدته مستلزما لإرسال الرسل، وإنزال الكتب وشرع ~~الشرائع، وثبوت المعاد وحدوث العالم، وثبوت القضاء والقدر، وعلو الرب تعالى ~~على خلقه ورؤيته لأفعالهم وسمعه لأصواتهم واطلاعه على سرائرهم وعلانياتهم، ~~وتفرده بتدبيرهم وتوحده في كماله المقدس عن شريك بوجه من الوجوه فهو السلام ~~الحق من كل وجه كما هو النزيه البريء عن نقائص البشر من كل وجه. # PageV01P415 # ولما كان سبحانه موصوفا بأن له يدين لم يكن فيهما شمال بل كلتا يديه يمين ~~مباركة، كذلك أسماؤه كلها حسنى وأفعاله كلها # PageV01P416 # خير، وصفاته كلها كمال وقد جعل سبحانه السلام تحية أوليائه في الدنيا ~~وتحيتهم يوم لقائه، «ولما خلق آدم وكمل خلقه فاستوى قال الله له: اذهب إلى ~~أولئك النفر من الملائكة فاستمع ما يحيونك به فإنها تحيتك وتحية ذريتك من ~~بعدك» . # وقال تعالى: {لهم دار السلام عند ربهم} [الأنعام: 127] ، وقال: {والله ~~يدعو إلى دار السلام} [يونس: 25] . # وقد اختلف في تسمية الجنة بدار السلام، فقيل: السلام هو الله، # PageV01P417 # والجنة داره، وقيل: السلام هو السلامة، والجنة دار السلامة من كل آفة ~~وعيب ونقص، وقيل: ms138 سميت دار السلام ; لأن تحيتهم فيها سلام ولا تنافي بين ~~هذه المعاني كلها. # [الوجه الثاني:] وأما قول المسلم: السلام عليكم، فهو إخبار للمسلم عليه ~~بسلامته من غيلة المسلم وغشه ومكره ومكروه يناله منه، فيرد الراد عليه مثل ~~ذلك أي: فعل الله ذلك بك وأحله عليك. # والفرق بين هذا الوجه وبين الوجه الأول أنه في الأول خبر وفي الثاني طلب. # ووجه ثالث: وهو أن يكون المعنى: اذكر الله الذي عافاك من المكروه وأمنك ~~من المحذور وسلمك مما تخاف وعاملنا من السلامة والأمان بمثل ما عاملك به، ~~فيرد الراد عليه مثل ذلك، ويستحب له أن يزيده كما أن من أهدى لك هدية يستحب ~~لك أن تكافئه بزيادة عليها، ومن دعا لك ينبغي أن تدعو له بأكثر من ذلك. # ووجه رابع: وهو أن يكون معنى سلام المسلم ورد الراد بشارة من الله ~~سبحانه، جعلها على ألسنة المسلمين لبعضهم بعضا بالسلامة من الشر، # PageV01P418 # وحصول الرحمة والبركة، وهي دوام ذلك وثباته، وهذه البشارة أعطوها لدخولهم ~~في دين الإسلام، فأعظمهم أجرا أحسنهم تحية، وأسبقهم في هذه البشارة كما في ~~الحديث " وخيرهما الذي يبدأ صاحبه بالسلام ". # واشتق الله سبحانه لأوليائه من تحية بينهم اسما من أسمائه، واسم دينه ~~الإسلام الذي هو دين أنبيائه ورسله وملائكته. # قال تعالى: {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا ~~وكرها وإليه يرجعون} [آل عمران: 83] . # ووجه خامس: وهو أن كل أمة من الأمم لهم تحية بينهم من أقوال وأعمال ~~كالسجود وتقبيل الأيدي وضرب الجوك، وقول بعضهم: انعم صباحا، وقول بعضهم: عش ~~ألف عام ونحو ذلك، فشرع الله تبارك وتعالى لأهل الإسلام " سلام عليكم " ~~وكانت أحسن من جميع تحيات الأمم بينها، لتضمنها السلامة التي لا حياة ولا ~~فلاح إلا بها، فهي الأصل المقدم # PageV01P419 # على كل شيء. # وانتفاع العبد بحياته إنما يحصل بشيئين: بسلامته من الشر وحصول الخير، ~~والسلامة من الشر مقدمة على حصول الخير وهي الأصل، فإن الإنسان، بل وكل ~~حيوان، إنما يهتم بسلامته أولا وغنيمته ثانيا، على أن السلامة ms139 المطلقة ~~تتضمن حصول الخير، فإنه لو فاته حصل له الهلاك والعطب أو النقص، ففوات ~~الخير يمنع حصول السلامة المطلقة، فتضمنت السلامة نجاة العبد من الشر، ~~وفوزه بالخير مع اشتقاقها من اسم الله. # والمقصود أن السلام اسمه ووصفه وفعله، والتلفظ به ذكر له كما في " السنن ~~" «أن رجلا سلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يرد عليه حتى تيمم ~~ورد عليه، وقال: " إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة» ". # PageV01P420 # فحقيق بتحية هذا شأنها أن تصان عن بذلها لغير أهل الإسلام، وألا يحيى بها ~~أعداء القدوس السلام. # ولهذا كانت كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ملوك الكفار " «سلام ~~على من اتبع الهدى» " ولم يكتب لكافر: " سلام عليكم " أصلا، فلهذا قال في ~~أهل الكتاب: " «ولا تبدءوهم بالسلام» ". # PageV01P421 ### | [فصل رد السلام على أهل الذمة] ### | 79 - # فصل # [رد السلام على أهل الذمة] # وأما الرد عليهم فأمر أن يقتصر به على " عليكم "، واختلفت الرواية في ~~إثبات الواو وحذفها، وصح هذا وهذا. # فاستشكلت طائفة دخول هذه الواو هاهنا إذ هي للتقرير وإثبات الأول، كما ~~إذا قيل لك فعلت كذا وكذا وكذا، فقلت: وأنت فعلته، أو قال: فلان يصلي ~~الخمس، فتقول: ويزكي ماله. # قالوا: فالموضع موضع إضراب، لا موضع تقرير ومشاركة فهو موضع: بل عليكم، ~~لا موضع وعليكم، فإذا حذف الواو كان إعادة لمثل قوله من غير إشعار بأنك ~~علمت مراده، وإذا أتيت بلفظة " بل " أشعرته أنك فهمت مراده ورددته عليه ~~قصاصا، والأول أليق بالكرم والفضل، ولهذا السر - والله أعلم - دخلت الواو، ~~على أنه ليس في دخولها إشكال، فإن الموت لا ينجو منه أحد، وكأن الراد يقول: ~~الذي أخبرت بوقوعه علينا نحن وأنت فيه سواء، فهو علينا وعليك، وهذا أولى من ~~تغليظ الراوي في إثباتها إذ لا سبيل إليه. # فإن قيل: بل إليك سبيل، قال الخطابي: يرويه عامة المحدثين بالواو، # PageV01P422 # وابن عيينة يرويه بحذفها وهو الصواب. # قيل: قد ضبط الواو عبد الله بن عمر، وضبطها عنه عبد الله بن دينار، ~~وضبطها عنه مالك. # قال أبو ms140 داود في " سننه ": كذلك رواه مالك عن عبد الله بن دينار، ورواه ~~الثوري أيضا عن عبد الله بن دينار فقال: " وعليكم "، انتهى. # وهذا الحديث قد أخرجه البخاري في " صحيحه " كما تقدم، وحديث سفيان الثوري ~~رواه البخاري ومسلم وهو بالواو عندهما. # وأما قول الخطابي: " وابن عيينة رواه بحذفهما "، فقد اختلف على ابن عيينة ~~أيضا. # وجواب آخر ولعله أحسن من الجواب الأول: أنه ليس في دخول الواو تقرير ~~لمضمون تحيتهم، بل فيه ردها وتقريرها لهم أي: ونحن أيضا ندعو لكم بما دعوتم ~~به علينا، فإن دعاءهم قد حصل ووقع منهم، فإذا رد عليهم المجيب بقوله: " ~~وعليكم " كان في ذكر الواو سر لطيف، وهو أن هذا # PageV01P423 # الذي طلبتموه لنا ودعوتم به، هو بعينه مردود عليكم لا تحية لكم غيره. # والمعنى: ونحن نقول لكم ما قلتم بعينه، كما إذا قال رجل لمن يسبه: عليك ~~كذا وكذا، فقال: وعليك أي وأنا أيضا قائل لك ذلك، وليس معناه أن هذا قد حصل ~~لي وهو حصل لك معي، فتأمله. # وكذلك إذا قال: غفر الله لك، فقلت: ولك، وليس المعنى أن المغفرة قد حصلت ~~لي ولك، فإن هذا علم غيب، وإنما معناه أن الدعوة قد اشتركت فيها أنا وأنت، ~~ولو قال: غفر الله لك، فقلت: لك لم يكن فيه إشعار بذلك. # وعلى هذا فالصواب إثبات الواو، وبه جاءت أكثر الروايات، وذكرها الثقات ~~الأثبات، والله أعلم. # PageV01P424 ### | [فصل كيف نرد على أهل الذمة إذا تحقق لدينا أنهم قالوا السلام عليكم] ### | 80 - # فصل # [كيف نرد عليهم إذا تحقق لدينا أنهم قالوا: " السلام عليكم "] . # هذا كله إذا تحقق أنه قال: السام عليكم، أو شك فيما قال، فلو تحقق السامع ~~أن الذمي قال له: " سلام عليكم " لا شك فيه، فهل له أن يقول: وعليك السلام، ~~أو يقتصر على قوله: " وعليك؟ " فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة ~~أن يقال: له وعليك السلام، فإن هذا من باب العدل والله يأمر بالعدل ~~والإحسان. # وقد قال تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} [النساء: ~~86] ، # PageV01P425 # فندب ms141 إلى الفضل، وأوجب العدل ولا ينافي هذا شيئا من أحاديث الباب بوجه ~~ما، فإنه - صلى الله عليه وسلم - إنما أمر بالاقتصار على قول الراد " ~~وعليكم " بناء على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم، وأشار ~~إليه في حديث عائشة رضي الله عنها فقال: " «ألا ترينني قلت: وعليكم، لما ~~قالوا: السام عليكم؟ " ثم قال: " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» ~~والاعتبار وإن كان لعموم اللفظ فإنما يعتبر عمومه في نظير المذكور لا فيما ~~يخالفه. # قال تعالى: {وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا ~~يعذبنا الله بما نقول} [المجادلة: 8] ، فإذا زال هذا السبب وقال الكتابي: ~~سلام عليكم ورحمة الله فالعدل في التحية يقتضي أن يرد عليه نظير سلامه ~~وبالله التوفيق. # PageV01P426 ### | [فصل في عيادة أهل الكتاب] ### | 81 - # فصل # في عيادة أهل الكتاب. # قال المروذي: بلغني أن أبا عبد الله سئل عن رجل له قرابة نصراني: يعوده؟ ~~قال: نعم. # قال الأثرم: وسمعت أبا عبد الله يسأل عن الرجل له قرابة نصراني يعوده؟ ~~قال: نعم، قيل له: نصراني، قال: أرجو ألا تضيق العيادة. # قال الأثرم: وقلت له مرة أخرى يعود الرجل اليهود والنصارى؟ قال: أليس عاد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - اليهودي ودعاه إلى الإسلام؟ # وقال أبو مسعود الأصبهاني: سألت أحمد بن حنبل عن عيادة القرابة والجار ~~النصراني، قال: نعم. # وقال الفضل بن زياد: سمعت أحمد سئل عن الرجل المسلم يعود # PageV01P427 # أحدا من المشركين، قال: إن كان يرى أنه إذا عاده يعرض عليه الإسلام يقبل ~~منه فليعده، كما عاد النبي - صلى الله عليه وسلم - الغلام اليهودي، فعرض ~~عليه الإسلام. # وقال إسحاق بن إبراهيم: سألت أبا عبد الله عن الرجل يكون له الجار ~~النصراني فإذا مرض يعوده؟ قال: يحيى فيقوم على الباب ويعذر إليه. # وقال مهنأ: سألت أبا عبد الله عن الرجل يعود الكافر، فقال: إذا كان ~~يرتجيه فلا بأس به، ويعرض عليه الإسلام، قلت له: وترى إذا عاده يدعوه إلى ~~الإسلام؟ قال: نعم. # وقال أبو داود: سمعت أحمد يسأل ms142 عن عيادة اليهودي والنصراني، فقال: إذا ~~كان يريد أن يدعوه إلى الإسلام نعم. # PageV01P428 # وقال جعفر بن محمد: سئل أبو عبد الله عن الرجل يعود شريكا له يهوديا أو ~~نصرانيا، قال: لا، ولا كرامة. # فهذه ثلاث روايات منصوصات عن أحمد: المنع، والإذن، والتفصيل، فإن أمكنه ~~أن يدعوه إلى الإسلام ويرجو ذلك منه عاده. # وقد ثبت في " صحيح " البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان ~~غلام يهودي يخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - فمرض فأتاه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، ~~فقال له: أطع أبا القاسم، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: " ~~الحمد لله الذي أنقذه بي من النار» . # وفي " الصحيحين " عن سعيد بن المسيب أن أباه أخبره قال: «لما # PageV01P429 # حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجد عنده ~~أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لأبي طالب: " أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها ~~عند الله ". # فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد ~~المطلب؟ فلم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرضها عليه ويعودان ~~بتلك المقالة حتى قال آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا ~~إله إلا الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أما والله ~~لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " فأنزل الله عز وجل: {ما كان للنبي والذين ~~آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم ~~أصحاب الجحيم} [التوبة: 113] » . # وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه عاد عبد الله بن أبي ابن سلول ~~رأس المنافقين. # PageV01P430 # وقال الأثرم: حدثني مصرف بن عمرو الهمداني، ثنا يونس - يعني ابن بكير - ~~ثنا سعيد بن ميسرة قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: «كان ms143 رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إذا عاد رجلا على غير دين الإسلام لم يجلس ~~عنده وقال: كيف أنت يا يهودي يا نصراني» ؟ # PageV01P431 ### | [فصل في شهود جنائزهم] ### | 82 - # فصل # في شهود جنائزهم. # قال محمد بن موسى: قلت لأبي عبد الله: يشيع المسلم جنازة المشرك؟ قال: ~~نعم. # وقال محمد بن الحسن بن هارون: قيل لأبي عبد الله: ويشهد جنازته؟ قال: ~~نعم، نحو ما صنع الحارث بن أبي ربيعة؛ كان شهد جنازة أمه وكان يقوم ناحية ~~ولا يحضر لأنه ملعون. # PageV01P432 # وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن الرجل يموت وهو يهودي، وله ولد مسلم ~~كيف يصنع؟ قال: يركب دابته ويسير أمام الجنازة، ولا يكون خلفه، فإذا أرادوا ~~أن يدفنوه رجع، مثل قول عمر. # قلت: أراد ما رواه سعيد بن منصور قال: حدثني عيسى بن يونس عن محمد بن ~~[أبي] إسماعيل عن عامر بن شقيق عن أبي وائل قال: ماتت أمي نصرانية، فأتيت ~~عمر فسألته فقال: اركب في جنازتها وسر أمامها. # PageV01P433 # قال الخلال: حدثنا علي بن سهل بن المغيرة قال: حدثني أبي سهل بن المغيرة ~~حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه ~~قال: «جاء قيس بن شماس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أمه ~~توفيت وهي نصرانية، وهو يحب أن يحضرها، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: " اركب دابتك وسر أمامها، فإذا ركبت وكنت أمامها فلست معها» ". # قال علي بن سهل: رأيت أحمد بن حنبل يسأل أبي عن هذا الحديث، فحدثه به. # PageV01P434 # وقال حنبل: سألت أبا عبد الله عن المسلم تموت له أم نصرانية أو أبوه أو ~~أخوه أو ذو قرابته، وترى أن يلي شيئا من أمره حتى يواريه؟ قال: إن كان أبا ~~أو أما أو أخا أو قرابة قريبة وحضره فلا بأس، «وقد أمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يواري أبا طالب» قلت: فترى أن ~~يفعل هو ذلك؟ قال أهل ms144 دينه يلونه وهو حاضر يكون معهم، حتى إذا ذهبوا به ~~تركه معهم، وهم يلونه. # PageV01P435 # قال حنبل: وحدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران ~~أن عبد الله بن ربيعة قال لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: إن أمي ماتت، ~~وقد علمت الذي كانت عليه من النصرانية، قال: أحسن ولايتها، وكفنها، ولا تقم ~~على قبرها. # قال يوسف: كنا معه في ناحية والنصارى يعجون مع أمه. # PageV01P436 # وقال إسحاق بن منصور: قلت لأبي عبد الله: الرجل يكون له جار مسلم ماتت ~~أمه نصرانية، يتبع هذا جنازتها؟ قال: لا يتبعها، يكون ناحية منها. # وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن شهود جنازة النصراني الجار، قال: ~~على نحو ما صنع الحارث بن أبي ربيعة، كان شهد جنازة أمه فكان يقوم ناحية ~~ولا يحضر لأنه ملعون. # وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: رجل مسلم ماتت له أم نصرانية، يتبع ~~جنازتها؟ قال: يكون ناحية منها. # وقال سعيد بن منصور: ثنا سفيان عن أبي سنان عن سعيد بن جبير، قال: سألت ~~ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل مات أبوه نصرانيا، قال: يشهده ويدفنه. # قال الخلال: كأن أبا عبد الله لم يعجبه ذلك، ثم روى عن هؤلاء الجماعة أنه ~~لا بأس به، واحتج بالأحاديث يعني أنه رجع إلى هذا القول، والله أعلم. # PageV01P437 ### | [فصل في تعزيتهم] ### | 83 - # فصل # في تعزيتهم. # قال حمدان الوراق: سئل أبو عبد الله: تعزي أهل الذمة؟ فقال: ما أدري، ~~أخبرك ما سمعت في هذا. # وقال الأثرم: سئل أبو عبد الله: أيعزى أهل الذمة؟ ، فقال: ما أدري. # ثم قال الأثرم: حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا إسحاق بن منصور السلولي، ثنا ~~هريم قال: سمعت الأجلح عزى نصرانيا، فقال: عليك بتقوى الله والصبر. # وذكر الأثرم: حدثنا منجاب بن الحارث، ثنا شريك عن منصور عن إبراهيم قال: ~~إذا أردت أن تعزي رجلا من أهل الكتاب فقل: أكثر الله مالك # PageV01P438 # وولدك وأطال حياتك أو عمرك. # وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد ms145 الله كيف يعزى النصراني؟ قال: لا أدري ~~ولم يعزيه؟ # وقال حرب: ثنا إسحاق، ثنا مسلم بن قتيبة، ثنا كثير بن أبان عن غالب قال: ~~قال الحسن: إذا عزيت الذمي فقل: لا يصيبك إلا خير. # وقال عباس بن محمد الدوري: سألت أحمد بن حنبل، قلت له: اليهودي والنصراني ~~يعزيني أي شيء أرد إليه؟ فأطرق ساعة ثم قال: ما # PageV01P439 # أحفظ فيه شيئا. # وقال حرب: قلت لإسحاق: فكيف يعزى المشرك؟ ، قال: يقول: أكثر الله مالك ~~وولدك. # PageV01P440 ### | [فصل في تهنئتهم] ### | 84 - # فصل # في تهنئتهم. # بزوجة أو ولد أو قدوم غائب أو عافية أو سلامة من مكروه ونحو ذلك، وقد ~~اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد فأباحها مرة ومنعها أخرى، والكلام فيها ~~كالكلام في التعزية والعيادة ولا فرق بينهما، ولكن ليحذر الوقوع فيما يقع ~~فيه الجهال من الألفاظ التي تدل على رضاه بدينه، كما يقول أحدهم: متعك الله ~~بدينك أو نيحك فيه، أو يقول له: أعزك الله أو أكرمك إلا أن يقول: أكرمك ~~الله بالإسلام وأعزك به ونحو ذلك، فهذا في التهنئة بالأمور المشتركة. # وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق مثل أن يهنئهم ~~بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد، ونحوه، فهذا ~~إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده ~~للصليب، بل ذلك أعظم إثما عند الله وأشد مقتا من التهنئة بشرب الخمر وقتل ~~النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه. # وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ ~~عبدا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه، وقد # PageV01P441 # كان أهل الورع من أهل العلم يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات، وتهنئة ~~الجهال بمنصب القضاء والتدريس والإفتاء تجنبا لمقت الله وسقوطهم من عينه، ~~وإن بلي الرجل بذلك فتعاطاه دفعا لشر يتوقعه منهم فمشى إليهم ولم يقل إلا ~~خيرا، ودعا لهم بالتوفيق والتسديد فلا بأس بذلك، وبالله التوفيق. # PageV01P442 ### | [فصل في المرأة الكافرة تموت وفي بطنها ولد مسلم] ### | 85 - # فصل # في ms146 المرأة الكافرة تموت وفي بطنها ولد مسلم. # قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول في امرأة نصرانية حملت من مسلم فماتت ~~وفي بطنها حمل من مسلم، فقال: يروى عن واثلة: تدفن بين مقابر المسلمين ~~والنصارى. # وقال حنبل في موضع آخر: قلت فإن ماتت وفي بطنها ولد منه، أين ترى أن ~~تدفن؟ قال: قد قالوا: تدفن في حجرة من قبور المسلمين. # قال أبو داود: سألت أحمد عن النصرانية تموت حبلى من مسلم، قال: فيها ~~ثلاثة أقاويل، وقال: أرى أن تدفن ناحية من قبور المسلمين، لو كانت مقبرة ~~على حدة، قلت: ما الذي تختار؟ فذكر قوله هذا. # وقال إسحاق بن منصور: قلت لأبي عبد الله: المرأة النصرانية إذا حملت من ~~المسلم فماتت حاملا؟ قال: حديث واثلة. # وقال الفضل بن زياد [وأبو الحارث] : سمعت أحمد وسئل عن # PageV01P443 # المرأة النصرانية تموت وفي بطنها ولد مسلم؟ قال: فيها ثلاثة أقاويل، ~~يقال: تدفن في مقبرة المسلمين، ويقال: في مقابر النصارى. # قال أبو الحارث: قال سمرة: تدفن ما بين مقابر المسلمين والنصارى، قيل له: ~~فما ترى؟ قال: لو كان لهؤلاء مقابر على حدة ما كان أحسنه. # قال الخلال: أخطأ أبو الحارث في قوله: سمرة، إنما هو واثلة. # وقال أبو طالب: سألت أحمد عن أم ولد نصرانية في بطنها ولد مسلم، قال: ~~تدفن في ناحية، ولا تكون مع النصارى لمكان ولدها، ولا مع # PageV01P444 # المسلمين فتؤذيهم. # وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن النصرانية، يكون في بطنها المسلم، ~~فتبسم وقال: ما أحسن أن تدفن بين مقبرتين! يعني مقابر المسلمين والنصارى. # قال المروذي: وكأن كلام أبي عبد الله أنه لا يرى بأسا أن تدفن في مقابر ~~المسلمين من أجل الذي في بطنها. # وسئل أيضا: ما تقول في النصرانية تموت وفي بطنها ولد مسلم أين تدفن؟ قال: ~~فيها ثلاثة أقاويل، عن عمر: تدفن مع المسلمين، وعن واثلة: تدفن بين مقابر ~~المسلمين والنصارى، وذكر آخر أنها تدفن مع النصارى. # قال: أعجب إلي أن تدفن بينهما، قلت: فإن لم يوجد إلا مقابر المسلمين؟ ms147 ~~فتبسم ولم يكرهه. # قلت: أما أثر واثلة فقال ابن أبي شيبة: حدثنا جعفر بن عون عن ابن جريج عن ~~سليمان بن موسى عن واثلة بن الأسقع في امرأة نصرانية في بطنها ولد من مسلم ~~قال: تدفن في مقبرة بين مقابر المسلمين والنصارى. # PageV01P445 # وأما أثر عمر فقال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو، قال: ماتت امرأة ~~بالشام وفي بطنها ولد من مسلم وهي نصرانية، فأمر عمر أن تدفن مع المسلمين ~~من أجل ولدها. # قالوا: ويكون ظهرها إلى القبلة على يسارها ; لأن وجه الجنين إلى ظهر أمه ~~فيكون حينئذ وجهه إلى القبلة على جنبه الأيمن. # PageV01P446 # قال أبو عبد الله بن حمدان في " رعايته ": دفنت منفردة كالمرتد. # قلت: ووجه هذا أنه لم يثبت له حكم الدين الذي انتقل إليه من التوارث ~~والموالاة ودفعه إلى الكفار يتولونه، وقد زال حكم الدين الذي كان عليه، ~~فيدفن وحده. # ولأصحاب الشافعي في الذمية تموت وفي بطنها ولد مسلم أربعة أوجه: # أصحها: ما ذكرناه. # والثاني: تدفن في مقابر المسلمين. # قال أصحاب هذا الوجه: وتكون للولد بمنزلة صندوق مودع فيه. # والثالث: تدفن في مقابر أهل دينها ; لأن الحمل لا حكم له يثبت أحكام ~~الدنيا من غسله والصلاة عليه وغيرها، فلم يثبت له شيء من أحكام أموات ~~المسلمين، فتفرد بهذا الحكم وحده. # والرابع: أنها تدفن في طرف مقابر المسلمين. # PageV01P447 ### | [ذكر المنع من استعمال اليهود والنصارى في شيء من ولايات المسلمين وأمورهم] ### | [فصل المنع من استعمال اليهود والنصارى في شيء من ولايات المسلمين وأمورهم] ### | 86 - # فصل # في المنع من استعمال اليهود والنصارى في شيء من ولايات المسلمين وأمورهم. # قال أبو طالب: سألت أبا عبد الله: يستعمل اليهودي والنصراني في أعمال ~~المسلمين مثل الخراج؟ قال: لا يستعان بهم في شيء. # وقال أحمد: ثنا وكيع، ثنا مالك بن أنس عن عبد الله بن نيار عن عروة عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه # PageV01P448 # وسلم: " «إنا لا نستعين بمشرك» ". # قال عبد الله: قال أبي: هذا خطأ أخطأ فيه وكيع ms148 إنما هو عن الفضل بن أبي ~~عبد الله عن عبد الله بن نيار عن عروة عن عائشة «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين فلحقه عند الحرة، فقال: إني ~~أردت أن أتبعك وأصيب معك، قال: " تؤمن بالله ورسوله؟ " قال: لا،: " قال ~~ارجع، فلن أستعين بمشرك ". # ثم لحقه عند الشجرة، ففرح بذلك أصحاب رسول الله صلى الله # PageV01P449 # عليه وسلم وكان له قوة وجلد، قال: جئت لأتبعك وأصيب معك، قال: " تؤمن ~~بالله ورسوله؟ " قال: لا، قال: " ارجع فلن أستعين بمشرك ". # ثم لحقه حتى ظهر على البيداء، فقال له مثل ذلك، قال: " أتؤمن بالله ~~ورسوله؟ " قال: نعم، فخرج معه» . رواه مسلم في صحيحه بنحوه. # وفي " مسند " الإمام أحمد من حديث # PageV01P450 # خبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال: «أتيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وهو يريد غزوا أنا ورجل من قومي ولم نسلم، فقلنا: إنا نستحيي أن ~~يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم، فقال: " أسلمتما "؟ فقلنا: لا، قال: " ~~فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين "، قال: فأسلمنا وشهدنا معه» . # وفي " السنن " و " المسند " من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " «لا تستضيئوا بنار المشركين، ولا ~~تنقشوا على خواتيمكم عربيا» ". # PageV01P451 # وفسر قوله: " «لا تستضيئوا بنار المشركين» " يعني: لا تستنصحوهم ولا ~~تستضيئوا برأيهم. # والصحيح أن معناه: مباعدتهم وعدم مساكنتهم، كما في الحديث الآخر: " «أنا ~~بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين لا تراءى نارهما» ". # PageV01P452 # وأما النهي عن نقش الخاتم بالعربي فهذا قد جاء مفسرا في الحديث الذي رواه ~~مسلم في " صحيحه " من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «اتخذ رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - خاتما من ذهب، ثم ألقاه، ثم اتخذ خاتما من ورق، ونقش ~~فيه " محمد رسول الله "، وقال: " لا ينقش أحد على نقش خاتمي» ". # فإن كان الراوي حفظ اللفظ الآخر فيكون النهي عنه من باب حماية # PageV01P453 # الذريعة لئلا يتطرق بنقش " العربي " إلى نقش " محمد ms149 رسول الله " فتذهب ~~فائدة الاختصاص بالنقش المذكور، والله أعلم. # وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا أبي ثنا وكيع، ثنا إسرائيل عن سماك بن حرب ~~عن عياض الأشعري عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قلت لعمر رضي الله عنه: إن ~~لي كاتبا نصرانيا، قال: مالك؟ قاتلك الله! أما سمعت الله تعالى يقول: ~~{ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ~~ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] ، ألا اتخذت حنيفا، قال: قلت: يا ~~أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه، قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا ~~أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله. # وكتب إليه بعض عماله يستشيره في استعمال الكفار، فقال: إن المال قد كثر، ~~وليس يحصيه إلا هم فاكتب إلينا بما ترى، فكتب إليه: لا تدخلوهم في دينكم ~~ولا تسلموهم ما منعهم الله منه، ولا تأمنوهم على أموالكم، وتعلموا الكتابة ~~فإنما هي الرجال. # PageV01P454 # وكتب إلى عماله: أما بعد، فإنه من كان قبله كاتب من المشركين فلا يعاشره ~~ولا يوازره ولا يجالسه ولا يعتضد برأيه، فإن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يأمر باستعمالهم، ولا خليفته من بعده. # وورد عليه كتاب معاوية بن أبي سفيان: أما بعد، يا أمير المؤمنين، فإن في ~~عملي كاتبا نصرانيا لا يتم أمر الخراج إلا به، فكرهت أن أقلده دون أمرك، ~~فكتب إليه: عافانا الله وإياك قرأت كتابك في أمر النصراني، أما بعد، فإن ~~النصراني قد مات، والسلام. # وكان لعمر رضي الله عنه عبد نصراني فقال له: أسلم حتى نستعين بك على بعض ~~أمور المسلمين، فإنه لا ينبغي لنا أن نستعين على أمرهم بمن ليس منهم، فأبى، ~~فأعتقه وقال: اذهب حيث شئت. # وكتب إلى أبي هريرة رضي الله عنه: أما بعد فإن للناس نفرة عن سلطانهم ~~فأعوذ بالله أن تدركني وإياك، أقم الحدود ولو ساعة من النهار، وإذا حضرك ~~أمران أحدهما لله والآخر للدنيا فآثر نصيبك من الله، فإن الدنيا تنفد ~~والآخرة تبقى، عد مرضى المسلمين واشهد جنائزهم وافتح ms150 بابك وباشرهم، وأبعد ~~أهل الشر وأنكر أفعالهم ولا تستعن في أمر من أمور المسلمين بمشرك، وساعد ~~على مصالح المسلمين بنفسك، فإنما أنت رجل منهم غير أن الله تعالى جعلك ~~حاملا لأثقالهم. # PageV01P455 ### | [فصل في حال خلفاء المسلمين مع أهل الذمة] ### | [فصل حال عمر بن عبد العزيز مع أهل الذمة] ### | 87 - # فصل # [في حال خلفاء المسلمين مع أهل الذمة] # ودرج على ذلك الخلفاء الذين لهم ثناء حسن في الأمة، كعمر بن عبد العزيز ~~والمنصور والرشيد والمهدي والمأمون والمتوكل والمقتدر، ونحن نذكر بعض ما ~~جرى. # [حال عمر بن عبد العزيز مع أهل الذمة] # فأما عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى فإنه كتب إلى جميع # PageV01P456 # عماله في الآفاق: أما بعد، فإن عمر بن عبد العزيز يقرأ عليكم من كتاب ~~الله: {ياأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس} [التوبة: 28] ، جعلهم الله " ~~{حزب الشيطان} [المجادلة: 19] " وجعلهم: {بالأخسرين أعمالا - الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} [الكهف: 103 - 104] ، ~~واعلموا أنه لم # PageV01P457 # يهلك من هلك من قبلكم إلا بمنعه الحق وبسطه يد الظلم، وقد بلغني عن قوم ~~من المسلمين فيما مضى أنهم إذا قدموا بلدا أتاهم أهل الشرك فاستعانوا بهم ~~في أعمالهم وكتابتهم لعلمهم بالكتابة والجباية والتدبير، ولا خيرة ولا ~~تدبير فيما يغضب الله ورسوله، وقد كان لهم في ذلك مدة وقد قضاها الله ~~تعالى، فلا أعلمن أن أحدا من العمال أبقى في عمله رجلا متصرفا على غير دين ~~الإسلام إلا نكلت به، فإن محو أعمالهم كمحو دينهم، وأنزلوهم منزلتهم التي ~~خصهم الله بها من الذل والصغار، وآمر بمنع اليهود والنصارى من الركوب على ~~السروج إلا على الأكف، وليكتب كل منكم بما فعله من عمله. # وكتب إلى حيان، عامله على مصر باعتماد ذلك فكتب إليه: أما بعد يا أمير ~~المؤمنين فإنه إن دام هذا الأمر في مصر أسلمت الذمة، وبطل ما يؤخذ منهم، ~~فأرسل إليه رسولا وقال له: اضرب حيان على رأسه ثلاثين سوطا أدبا على قوله، ~~وقل له: من دخل في دين الإسلام ms151 فضع عنه الجزية، فوددت لو أسلموا كلهم، فإن ~~الله بعث محمدا داعيا لا جابيا. # وأمر أن تهدم بيع النصارى المستجدة، فيقال: إنهم توصلوا إلى بعض # PageV01P458 # ملوك الروم وسألوه في مكاتبة عمر بن عبد العزيز، فكتب إليه: أما بعد يا ~~عمر، فإن هؤلاء الشعب سألوا في مكاتبتك لتجري أمورهم على ما وجدتها عليه، ~~وتبقي كنائسهم، وتمكنهم من عمارة ما خرب منها، فإنهم زعموا أن من تقدمك فعل ~~في أمر كنائسهم ما منعتهم منه، فإن كانوا مصيبين في اجتهادهم فاسلك سنتهم، ~~وإن يكونوا مخالفين لها فافعل ما أردت. # فكتب إليه عمر: أما بعد فإن مثلي ومثل من تقدمني كما قال الله تعالى في ~~قصة داود وسليمان: {إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم ~~شاهدين - ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} [الأنبياء: 78 - 79] . # وكتب إلى بعض عماله: أما بعد، فإنه بلغني أن في عملك كاتبا نصرانيا يتصرف ~~في مصالح الإسلام، والله تعالى يقول: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين ~~اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء ~~واتقوا الله إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 57] ، فإذا أتاك كتابي هذا فادع ~~حسان بن زيد - يعني: ذلك الكاتب - إلى الإسلام، فإن أسلم فهو منا ونحن منه، ~~وإن أبى فلا تستعن به ولا تتخذ أحدا على غير دين الإسلام في شيء من مصالح ~~المسلمين، فأسلم حسان وحسن إسلامه. # PageV01P459 ### | [فصل حال أبي جعفر المنصور مع أهل الذمة] ### | 88 - # فصل # [حال أبي جعفر المنصور مع أهل الذمة] # وأما أبو جعفر المنصور فإنه لما حج اجتمع جماعة من المسلمين إلى شبيب بن ~~شيبة وسألوه مخاطبة المنصور أن يرفع عنهم المظالم ولا يمكن النصارى من ~~ظلمهم وعسفهم في ضياعهم، ويمنعهم من انتهاك حرماتهم وتحريهم لكونه أمرهم أن ~~يقبضوا ما وجدوه لبني أمية. # قال شبيب: فطفت معه، فشبك أصابعه على أصابعي، فقلت يا أمير المؤمنين، ~~أتأذن لي أن أكلمك بما في نفسي؟ فقال: أنت وذاك، فقلت: إن # PageV01P460 # الله لما قسم أقسامه بين خلقه لم يرض ms152 لك إلا بأعلاها وأسناها، ولم يجعل ~~فوقك في الدنيا أحدا، فلا ترض لنفسك أن يكون فوقك في الآخرة أحد، يا أمير ~~المؤمنين، اتق الله فإنها وصية الله إليكم جاءت، وعنكم قبلت، وإليكم تؤدى، ~~وما دعاني إلى قولي إلا محض النصيحة لك، والإشفاق عليك وعلى نعم الله عندك، ~~اخفض جناحك إذا علا كعبك، وابسط معروفك إذا أغنى الله يديك، يا أمير ~~المؤمنين، إن دون أبوابك نيرانا تأجج من الظلم والجور، لا يعمل فيها بكتاب ~~الله ولا سنة نبيه محمد، يا أمير المؤمنين، سلطت الذمة على المسلمين ظلموهم ~~وعسفوهم وأخذوا ضياعهم وغصبوهم أموالهم وجاروا عليهم، واتخذوك سلما ~~لشهواتهم، وإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا يوم القيامة. # فقال المنصور: خذ خاتمي فابعث به إلى من تعرفه من المسلمين، وقال: يا ~~ربيع اكتب إلى الأعمال واصرف من بها من الذمة، ومن أتاك به شبيب فأعلمنا ~~بمكانه لنوقع باستخدامه. # فقال شبيب: يا أمير المؤمنين إن المسلمين لا يأتونك وهؤلاء الكفرة في ~~خدمتك، إن أطاعوهم أغضبوا الله وإن أغضبوهم أغروك بهم، ولكن تولي في اليوم ~~الواحد عدة، فكلما وليت رجلا عزلت آخر. # PageV01P461 ### | [فصل المهدي وأهل الذمة] ### | 89 - # فصل # [المهدي وأهل الذمة] # وأما المهدي فإن أهل الذمة في زمانه قويت شوكتهم، فاجتمع المسلمون إلى ~~بعض الصالحين وسألوه أن يعرفه بذلك وينصحه، وكان له عادة في حضور مجلسه، ~~فاستدعي للحضور عند المهدي فامتنع فجاء المهدي إلى منزله وسأله السبب في ~~تأخره، فقص عليه القصة، وذكر اجتماع الناس إلى بابه متظلمين من ظلم الذمة ~~ثم أنشده: # بأبي وأمي ضاعت الأحلام ... أم ضاعت الأذهان والأفهام؟ # من صد عن دين النبي محمد ... أله بأمر المسلمين قيام؟ # إلا تكن أسيافهم مشهورة ... فينا، فتلك سيوفهم أقلام # ثم قال: يا أمير المؤمنين، إنك تحملت أمانة هذه الأمة وقد عرضت # PageV01P462 # على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها ثم سلمت الأمانة التي خصك ~~الله بها إلى أهل الذمة دون المسلمين، يا أمير المؤمنين أما سمعت تفسير جدك ~~لقوله تعالى: {ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا ms153 يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها} [الكهف: 49] ، أن الصغيرة التبسم، والكبيرة القهقهة فما ظنك ~~بأموال المسلمين وأماناتهم وأسرارهم؟ ! وقد نصحتك، وهذه النصيحة حجة علي ما ~~لم تصل إليك، فولى عمارة بن حمزة أعمال الأهواز وكور دجلة وكور فارس، وقلد ~~حمادا أعمال السواد وأمره أن ينزل إلى الأنبار وإلى جميع الأعمال، ولا يترك ~~أحدا من الذمة يكتب لأحد من العمال، وإن علم أن أحدا من المسلمين استكتب ~~أحدا من النصارى قطعت يده، فقطعت يد شاهونة وجماعة من الكتاب. # وكان للمهدي على بعض ضياعه كاتب نصراني بالبصرة، فظلم الناس في معاملته ~~فتظلم المتظلمون إلى سوار بن عبد الله القاضي، فأحضر وكلاء النصراني ~~واستدعي بالبينة، فشهدت على النصراني بظلم الناس وتعدي مناهج الحق، ومضى ~~النصراني فأخذ كتاب المهدي إلى القاضي سوار بالتثبت في أمره، فجاء البصرة ~~ومعه الكتاب وجماعة من # PageV01P463 # حمقى النصارى، وجاءوا إلى المسجد فوجدوا سوارا جالسا للحكم بين المسلمين، ~~فدخل المسجد وتجاوز الموضع الذي كان يجب الوقوف عنده، فمنعه الخدم فلم يعبأ ~~بهم وسبهم، ودنا حتى جلس عن يمين سوار ودفع له الكتاب فوضعه بين يديه ولم ~~يقرأه، وقال: ألست نصرانيا؟ فقال: بلى أصلح الله القاضي، فرفع رأسه وقال: ~~جروا برجله فسحب إلى باب المسجد وأدبه تأديبا بالغا، وحلف ألا يبرح واقفا ~~إلى أن يوفي المسلمين حقوقهم، فقال له كاتبه: قد فعلت اليوم أمرا يخاف أن ~~يكون له عاقبة، فقال: أعز أمر الله يعزك الله. ### | [فصل هارون الرشيد وأهل الذمة] ### | 90 - # فصل # [هارون الرشيد وأهل الذمة] # وأما هارون الرشيد فإنه لما قلد الفضل بن يحيى أعمال خراسان، # PageV01P464 # وجعفرا أخاه ديوان الخراج، أمرهما بالنظر في مصالح المسلمين، فعمرت ~~المساجد والجوامع والصهاريج والسقايات، وجعل في المكاتب مكاتب لليتامى، ~~وصرف الذمة عن أعمالهم، واستعمل المسلمين عوضا منهم، وغير زيهم ولباسهم ~~وخرب الكنائس، وأفتاه بذلك علماء الإسلام. ### | [فصل المأمون وأهل الذمة] ### | 91 - # فصل # [المأمون وأهل الذمة] # وأما المأمون فقال عمرو بن عبد الله الشيباني: استحضرني المأمون في بعض ~~لياليه ونحن بمصر، فقال لي: قد كثرت ms154 سعايات النصارى، وتظلم المسلمون منهم ~~وخانوا السلطان في ماله، ثم قال: يا عمرو تعرف من أين # PageV01P465 # أصل هؤلاء القبط؟ فقلت: هم بقية الفراعنة الذين كانوا بمصر، وقد نهى أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن استخدامهم، فقال: صف لي كيف كان ~~تناسلهم في مصر، فقلت: يا أمير المؤمنين لما أخذت الفرس الملك من أيدي ~~الفراعنة قتلوا القبط، فلم يبق منهم إلا من اصطنعته يد الهرب واختفى " ~~بأنصنا " وغيرها، فتعلموا طبا وكتابا، فلما ملكت الروم ملك الفرس كانوا ~~سببا في إخراج الفرس عن ملكهم، وأقاموا في مملكة الروم إلى أن ظهرت دعوة ~~المسيح. # وفيهم يقول خالد بن صفوان من قصيدة له يمدح بها عمرو بن العاص رضي الله ~~عنه ويحثه على قتلهم ويغريه بهم. # يا عمرو قد ملكت يمينك مصرنا ... وبسطت فيها العدل والإقساطا # فاقتل بسيفك من تعدى طوره ... واجعل فتوح سيوفك الأقباطا # فبهم أقيم الجور في جنباتها ... ورأى الأنام البغي والإفراطا # عبدوا الصليب وثلثوا معبودهم ... وتوازروا وتعدوا الأشراطا # وبقي في نفس المأمون منهم، فلما عاد إلى بغداد اتفق لهم مجاهرة في بغداد ~~بالبغي والفساد على معلمه علي بن حمزة الكسائي، فلما قرأ عليه # PageV01P466 # المأمون ووصل إلى قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: ~~51] ، قال الكسائي: يا أمير المؤمنين أتقرأ كتاب الله ولا تعمل به؟ فأمر ~~المأمون بإحضار الذمة، فكان عدة من صرف وسجن ألفين وثمان مائة، وبقي جماعة ~~من اليهود منحازين إلى حماية بعض جهاته، فخرج توقيعه بما نسخته: " أخبث ~~الأمم اليهود، وأخبث اليهود السامرة، وأخبث السامرة بنو فلان، فليقطع ما ~~بأسمائهم من ديوان الجيش والخراج إن شاء الله تعالى ". # ودخل بعض الشعراء على المأمون وفي مجلسه يهودي جالس فأنشده: # يابن الذي طاعته في الورى ... وحكمه مفترض واجب # إن الذي عظمت من أجله ... يزعم هذا أنه كاذب # فقال له المأمون: أصحيح ما يقول؟ قال: نعم، فأمر بقتله. ### | [فصل المتوكل وأهل الذمة] ### | 92 - # فصل # [المتوكل وأهل الذمة] ms155 # وأما المتوكل فإنه صرف أهل الذمة من الأعمال، وغير زيهم في # PageV01P467 # مراكبهم وملابسهم، وذلك أن المباشرين منهم للأعمال كثروا في زمانه وزادوا ~~على الحد، وغلبوا على المسلمين لخدمة أمه وأهله وأقاربه، وذلك في سنة خمس ~~وثلاثين ومائتين، فكانت الأعمال الكبار كلها أو عامتها إليهم في جميع ~~النواحي، وكانوا قد أوقعوا في نفس المتوكل من مباشري المسلمين شيئا وأنهم ~~بين مفرط وخائن، وعملوا عملا بأسماء المسلمين وأسماء بعض الذمة لينفوا ~~التهمة وأوجبوا باسم كل واحد منهم مالا كثيرا، وعرض على المتوكل فأغري بهم ~~وظن ما أوجبوا من ذلك حقا، وأن المال في جهاتهم كما أوجبوه، ودخل سلمة بن ~~سعيد النصراني على المتوكل وكان يأنس به ويحاضره فقال: يا أمير المؤمنين ~~أنت في الصحاري والصيد، وخلفك معادن الذهب والفضة، ومن يشرب في آنية الذهب ~~والفضة ويملؤها ذهبا عوضا عن الفاكهة. # PageV01P468 # فقال له المتوكل: عند من؟ فقال: عند الحسين بن مخلد، وأحمد بن إسرائيل، ~~وموسى بن عبد الملك، وميمون بن هارون، ومحمد بن موسى، وكل واحد من هؤلاء ~~اسمه ثابت في العمل المقدم ذكره المرفوع للمتوكل، فقال له المتوكل: ما تقول ~~في عبيد الله بن يحيى؟ فسكت، فقال: بحياتي عليك قل لي ما عندك، فقال: قد ~~حلفتني بحياتك ولا بد لي من صدقك على كل حال، والله يا أمير المؤمنين لقد ~~صاغ له صوالجة وأكرمن ثلاثين ألف دينار، فقلت له: أمير المؤمنين يضرب كرة ~~من جلود بصولجان من خشب وأنت تضرب كرة من فضة بصولجان من فضة! ! فالتفت ~~المتوكل إلى الفتح بن خاقان وقال: ابعث فأحضر هؤلاء، وضيق عليهم. فحضرت ~~جماعة الكتاب وعلموا ما وقعوا فيه من الكافر، فاجتمعوا إلى عبيد الله بن ~~يحيى فأنفذ معهم كاتبه إلى سلمة، وعاتبه فيما جرى منه، # PageV01P469 # فحلف إنني لم أفعل ما فعلته إلا على سكر، ولم أقل ما قلته عن حقيقة فأخذ ~~خطه بذلك، فدخل عبيد الله بن يحيى على المتوكل وعرفه مأثمة أهل الذمة على ~~المسلمين وغيرهم، وأوقفه على خط سلمة وقال: هذا قصده أن ms156 يخلو أركان دولة ~~أمير المؤمنين من الكتاب المسلمين، ويتمكن هو ورهطه منها. # وكان المتوكل قد جعل في موكبه من يأخذ المتظلمين ويحضرهم بين يديه على ~~خلوة، فأحضر بين يديه شيخ كبير، فذكر أنه من أهل دمشق، وأن سعيد بن عون ~~النصراني غصبه داره، فلما وقف المتوكل على قصة الشيخ اشتد غضبه إلى أن كادت ~~تطير أزراره، وأمره أن يكتب إلى صالح عامله برد داره. # قال الفتح بن خاقان: فقمت ناحية لأكتب له بما أمرني فأتبعني رسولا ~~يستحثني فبادرت إليه، فلما وقف على الكتاب زاد فيه بخطه: نفيت عن العباس؛ ~~لئن خالفت فيما أمرت به لأوجهن من يجيئني برأسك، ووصل الشيخ بألف دينار، ~~وبعث معه حاجبا، وكثر تظلم الناس من كتاب أهل الذمة وتتابعت الإغاثات. # وحج المتوكل تلك السنة، فرئي رجل يطوف بالبيت ويدعو على المتوكل فأخذه ~~الحرس وجاءوا به سريعا فأمر بمعاقبته، فقال له: والله يا أمير المؤمنين ما ~~قلت ما قلته إلا وقد أيقنت بالقتل، فاسمع كلامي ومر # PageV01P470 # بقتلي، فقال: قل، فقال: سأطلق لساني بما يرضي الله ورسوله ويغضبك يا أمير ~~المؤمنين، قد اكتنفت دولتك كتاب من الذمة أحسنوا الاختيار لأنفسهم، وأساءوا ~~الاختيار للمسلمين وابتاعوا دنياهم بآخرة أمير المؤمنين، خفتهم ولم تخف ~~الله وأنت مسئول عما اجترحوا وليسوا مسئولين عما اجترحت، فلا تصلح دنياهم ~~بفساد آخرتك، فإن أخسر الناس صفقة يوم القيامة من أصلح دنيا غيره بفساد ~~آخرته، واذكر ليلة تتمخض صبيحتها عن يوم القيامة، وأول ليلة يخلو المرء في ~~قبره بعمله، فبكى المتوكل إلى أن غشي عليه وطلب الرجل فلم يوجد، فخرج أمره ~~بلبس النصارى واليهود الثياب العسلية، وألا يمكنوا من لبس الثياب لئلا ~~يتشبهوا بالمسلمين، ولتكن ركبهم خشبا، وأن تهدم بيعهم المستجدة، وأن تطبق ~~عليهم الجزية ولا يفسح لهم في دخول حمامات المسلمين، وأن يفرد لهم حمامات ~~خدمها ذمة، ولا يستخدموا مسلما في حوائجهم لنفوسهم، وأفرد لهم من يحتسب ~~عليهم وكتب كتابا نسخته: # " أما بعد، فإن الله اصطفى الإسلام دينا فشرفه وكرمه وأناره ونصره وأظهره ~~وفضله وأكمله، ms157 فهو الدين لا يقبل غيره، قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ~~دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران: 85] ، بعث به ~~صفيه وخيرته من خلقه محمدا - صلى الله عليه وسلم - فجعله خاتم النبيين ~~وإمام المتقين، وسيد المرسلين: {لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين} ~~[يس: 70] ، وأنزل كتابا عزيزا: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد} [فصلت: 42] ، # PageV01P471 # أسعد به أمته وجعلهم: {خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون ~~وأكثرهم الفاسقون} [آل عمران: 110] . # وأهان الشرك وأهله ووضعهم وصغرهم وقمعهم وخذلهم، وتبرأ منهم وضرب عليهم ~~الذلة والمسكنة، وقال: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] . # وطبع على قلوبهم وخبث سرائرهم وضمائرهم، فنهى عن ائتمانهم والثقة بهم ~~لعداوتهم للمسلمين، وغشهم وبغضائهم فقال: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم ~~وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} [آل عمران: 118] ~~. # وقال: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ~~أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا} [النساء: 144] . # PageV01P472 # وقال: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك ~~فليس من الله في شيء} [آل عمران: 28] . # وقال: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} ~~[المائدة: 51] . # وقد انتهى إلى أمير المؤمنين أن أناسا لا رأي لهم ولا روية، يستعينون ~~بأهل الذمة في أفعالهم، ويتخذونهم بطانة من دون المسلمين، ويسلطونهم على ~~الرعية فيعسفونهم، ويبسطون أيديهم إلى ظلمهم وغشمهم والعدوان عليهم، فأعظم ~~أمير المؤمنين ذلك وأنكره وأكبره وتبرأ إلى الله منه، وأحب التقرب إلى الله ~~تعالى بحسمه والنهي عنه، ورأى ms158 أن يكتب إلى عماله على الكور والأمصار وولاة ~~الثغور والأجناد في ترك استعمالهم للذمة في شيء من أعمالهم وأمورهم، ~~والإشراك لهم في أماناتهم وما قلدهم أمير المؤمنين واستحفظهم إياه، وجعل في ~~المؤمنين الثقة في الدين والأمانة على إخوانهم المؤمنين، وحسن الرعاية لما ~~استرعاهم، والكفاية لما استكفوا، والقيام بما حملوا، ما أغنى عن الاستعانة ~~بالمشركين بالله المكذبين برسله الجاحدين لآياته الجاعلين معه إلها آخر، لا ~~إله إلا هو وحده لا شريك له. # PageV01P473 # ورجاء أمير المؤمنين بما ألهمه الله من ذلك وقذف في قلبه جزيل الثواب ~~وكريم المآب، والله يعين أمير المؤمنين على نيته في تعزيز الإسلام وأهله، ~~وإذلال الشرك وحزبه. # فليعلم هذا من رأي أمير المؤمنين، ولا يستعانن بأحد من المشركين، وإنزال ~~أهل الذمة منازلهم التي أنزلهم الله تعالى بها، فاقرأ كتاب أمير المؤمنين ~~على أهل أعمالك وأشعه فيهم، ولا يعلمن أمير المؤمنين أنك استعنت ولا أحد من ~~عمالك وأعوانك بأحد من أهل الذمة في عمل. والسلام. ### | [فصل المقتدر بالله وأهل الذمة] ### | 93 - # فصل # [المقتدر بالله وأهل الذمة] # وأما المقتدر بالله فإنه سنة خمس وتسعين ومائتين عزل كتاب # PageV01P474 # النصارى وعمالهم، وأمر ألا يستعان بأحد من أهل الذمة حتى أمره بقتل أبي ~~ياسر النصراني عامل مؤنس الحاجب. # وكتب إلى نوابه بما نسخته: عوائد الله عند أمير المؤمنين توفى على غاية ~~رضاه ونهاية أمانيه، وليس أحد يظهر عصيانه إلا جعله الله عظة للأنام، ~~وبادره بعاجل الاصطلام: والله عزيز ذو انتقام، فمن نكث وطغى وبغى، وخالف ~~أمير المؤمنين وخالف محمدا وسعى في إفساد دولة أمير المؤمنين عاجله أمير ~~المؤمنين بسطوته، وطهر من رجسه دولته، والعاقبة للمتقين. # وقد أمر أمير المؤمنين بترك الاستعانة بأحد من أهل الذمة في عمل من ~~الأعمال، فليحذر العمال تجاوز أمير المؤمنين ونواهيه. # PageV01P475 ### | [فصل الراضي بالله وأهل الذمة] ### | 94 - # فصل # [الراضي بالله وأهل الذمة] # وكذلك الراضي بالله كثرت الشكاية من أهل الذمة في زمانه، فكتب إليه ~~الشعراء في ذلك، فممن كتب إليه مسعود بن الحسين الشريف البياضي: # يابن الخلائف من قريش ms159 والأولى ... طهرت أصولهم من الأدناس # قلدت أمر المسلمين عدوهم ... ما هكذا فعلت بنو العباس # حاشاك من قول الرعية: إنه ... ناس لقاء الله أو متناس # ما العذر إن قالوا غدا: هذا الذي ... ولى اليهود على رقاب الناس؟ # أتقول: كانوا وفروا الأموال إذ ... خانوا بكفرهم إله الناس؟ # لا تذكرن إحصاءهم ما وفروا ... ظلما وتنسى محصي الأنفاس # PageV01P476 # وخف الإله غدا إذا وفيت ما # كسبت يداك اليوم بالقسطاس ... في موقف ما فيه إلا شاخص # أو مهطع أو مقنع للراس ... أعضاؤهم فيه الشهود، وسجنهم # نار، وحارسهم شديد الباس ... إن تمطل اليوم الديون مع الغنى # فغدا تؤديها مع الإفلاس ... لا تعتذر عن صرفهم بتعذر ال # متصرفين الحذق الأكياس ... ما كنت تفعل بعدهم لو أهلكوا # فافعل، وعد القوم في الأرماس # وكتب إليه وقد صرف ابن فضلان اليهودي بابن مالك النصراني: ### | [فصل الآمر بالله وأهل الذمة] # أبعد ابن فضلان تولي ابن مالك ... بماذا غدا تحتج عند سؤالكا؟ # خف الله وانظر في صحيفتك التي ... حوت كل ما قدمته من فعالكا! # وقد خط فيها الكاتبون فأكثروا ... ولم يبق إلا أن يقولوا: فذلكا # فوالله ما تدري إذا ما لقيتها ... أتوضع في يمناك أم في شمالكا # PageV01P477 ### | 95 - # فصل # [الآمر بالله وأهل الذمة] # وكذلك في أيام الآمر بأمر الله امتدت أيدي النصارى، وبسطوا أيديهم ~~بالجناية، وتفننوا في أذى المسلمين وإيصال المضرة إليهم، واستعمل منهم كاتب ~~يعرف " بالراهب " ولقب بالأب القديس الروحاني النفيس أبي الآباء وسيد ~~الرؤساء مقدم دين النصرانية وسيد البتركية، صفي الرب ومختاره ثالث عشر ~~الحواريين، فصادر اللعين عامة من بالديار المصرية من كاتب وحاكم وجندي ~~وعامل وتاجر، وامتدت يده إلى الناس على اختلاف طبقاتهم، فخوفه بعض مشايخ ~~الكتاب من خالقه وباعثه ومحاسبه، وحذره من سوء عواقب أفعاله، وأشار عليه ~~بترك ما يكون سببا لهلاكه. # وكان جماعة من كتاب مصر وقبطها في مجلسه، فقال مخاطبا له ومسمعا للجماعة: ~~نحن ملاك هذه الديار حربا وخراجا، ملكها المسلمون منا وتغلبوا عليها ~~وغصبوها واستملكوها من أيدينا، فنحن مهما فعلنا بالمسلمين فهو قبالة ما ~~فعلوا بنا، ms160 ولا يكون له نسبة إلى من قتل من رؤسائنا # PageV01P478 # وملوكنا في أيام الفتوح، فجميع ما نأخذه من أموال المسلمين وأموال ملوكهم ~~وخلفائهم حل لنا، وبعض ما نستحقه عليهم، فإذا حملنا لهم مالا كانت المنة ~~عليهم وأنشد: # بنت كرم غصبوها أمها ... وأهانوها فديست بالقدم # ثم عادوا حكموها فيهم ... ولناهيك بخصم يحتكم # فاستحسن الحاضرون من النصارى والمنافقين ما سمعوه منه، واستعادوه وعضوا ~~عليه بالنواجذ حتى قيل: إن الذي اختاط عليه قلم اللعين من أملاك المسلمين ~~مائتا ألف واثنان وسبعون ألفا ما بين دار وحانوت وأرض بأعمال الدولة إلى أن ~~أعادها إلى أصحابها أبو علي بن الأفضل، ومن الأموال ما لا يحصيه إلا الله. # ثم انتبه الآمر من رقدته، وأفاق من سكرته، وأدركته الحمية الإسلامية ~~والغيرة المحمدية، فغضب لله غضب ناصر للدين وبار بالمسلمين، وألبس الذمة ~~الغيار وأنزلهم بالمنزلة التي أمر الله تعالى أن ينزلوا بها من الذل ~~والصغار، وأمر ألا يولوا شيئا من أعمال الإسلام، وأن ينشئوا في ذلك كتابا ~~يقف عليه الخاص والعام، فكتب عنه ما نسخته: # " الحمد لله المعبود في أرضه وسمائه، والمجيب دعاء من يدعوه بأسمائه، ~~المنفرد بالقدرة القاهرة المتوحد بالقوة الظاهرة، وهو الله لا إله إلا هو ~~له الحمد في الأولى والآخرة، هدى العباد بالإيمان إلى سبيل الرشاد، ووفقهم ~~في الطاعات لما هو أنفع زاد في المعاد، وتفرد بعلم الغيوب، فعلم # PageV01P479 # من كل عبد إضماره كما علم تصريحه: {يسبح له من في السماوات والأرض والطير ~~صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه} [النور: 41] ، الذي شرف دين الإسلام وعظمه، ~~وقضى بالعادة الأبدية لمن انتحاه وتيممه، وفضله على كل شرع سبقه وعلى كل ~~دين تقدمه، فنصره وخذلها وأشاد به وأخملها، ورفعه ووضعها، ووطده وضعضعها، ~~وأبى أن يقبل دينا سواه من الأولين والآخرين. # فقال تعالى وهو أصدق القائلين: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران: 85] . # وشهد به لنفسه وأشهد به ملائكته وأولي العلم الذين هم خلاصة الأنام، فقال ~~تعالى: {شهد الله أنه لا إله ms161 إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا ~~إله إلا هو العزيز الحكيم - إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 18 - ~~19] . # ولما ارتضاه لعباده وأتم عليهم به نعمته أكمله لهم وأظهره على الدين كله ~~وأوضحه إيضاحا مبينا، فقال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] . # وفرق به بين أوليائه وأعدائه وبين أهل الهدى والضلال، وأهل البغي ~~والرشاد، فقال تعالى: {فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين ~~أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك ~~البلاغ والله بصير بالعباد} [آل عمران: 20] . # PageV01P480 # وأمر تعالى بالثبات عليه إلى الممات، فقال - وبقوله يهتدي المؤمنون -: ~~{ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل ~~عمران: 102] . # وهو وصية إمام الحنفاء لبنيه، وإسرائيل من بعده كما قال تعالى: {ووصى بها ~~إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون - أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي ~~قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له ~~مسلمون} [البقرة: 132 - 133] . # وأشهد عليه الحواريون عبد الله ورسوله وكلمته عيسى بن مريم، وهو الشاهد ~~الأمين قال تعالى: {فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال ~~الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون} [آل عمران: 52] . # وأمر تعالى رسوله أن يدعو أهل الكتاب إليه، ويشهد من تولى منهم بأنه عليه ~~فقال تعالى - وقوله الحق المبين -: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64] . # PageV01P481 # وصلى الله على الذي رفعه باصطفائه إلى محله المنيف، وبعثه إلى الناس كافة ~~بالدين القيم الحنيف، وجعله أفضل من كان وأفضل من يكون: {هو الذي أرسل ~~رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} ms162 [التوبة: ~~33] ، فكانت نبوته لظهر الكفر قاصمة، وشريعته لمن لاذ بها ولجأ إليها من كل ~~شر عاصمة، وحججه لمن عاند وكفر خاصمة، حتى أذعن المعاندون واعترف الجاحدون ~~وذل المشركون و: {جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون} [التوبة: 48] ، وأشرق ~~وجه الدهر برسالته ضياء وابتهاجا، ودخل الناس بدعوته في دين الله أفواجا، ~~وأشرقت على الوجوه شمس الإسلام، واتسق قمر الإيمان، وولت على أدبارها ~~مهزومة عساكر الشيطان. # ورضي الله عن أصحابه وخلفائه الذين اتبعوا سنته وابتغوا في القيام بها ~~رضوانه، ووقفوا عند شرعه فأعزوا من أعزه وأهانوا من أهانه. # أما بعد، فإن الله سبحانه ببالغ حكمته وسابغ نعمته شرف دين الإسلام وطهره ~~من الأدناس، وجعل أهله خير أمة أخرجت للناس، فالإسلام الدين القويم الذي ~~اصطفاه الله من الأديان لنفسه، وجعله دين أنبيائه ورسله وملائكة قدسه، ~~فارتضاه واختاره، وجعل خير عباده وخاصته هم أولياءه وأنصاره، يحافظون على ~~حدوده ويثابرون ويدعون # PageV01P482 # إليه ويذكرون و: {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} [النحل: 50] ، ~~فهم بآيات ربهم يؤمنون، وإلى مرضاته يسارعون، ولمن خرج عن دينه يجاهدون، ~~ولعباده بجهدهم ينصحون، وعلى طاعته يثابرون و {على صلواتهم يحافظون} ~~[المؤمنون: 9] ، {وعلى ربهم يتوكلون} [الأنفال: 2] ، {وبالآخرة هم يوقنون - ~~أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} [البقرة: 4 - 5] . # هذا وإن أمة هداها الله إلى دينه القويم، وجعلها دون الأمم الجاحدة على ~~صراط مستقيم، توفي من الأمم سبعين هم خيرها وأكرمها على رب العالمين، حقيقة ~~بأن لا يوالي من الأمم سواها، ولا يستعان بمن خان الله خالقه ورازقه وعبد ~~من دونه إلها، فكذب رسله وعصى أمره واتبع غير سبيله واتخذ الشيطان وليا من ~~دونه. # ومعلوم أن اليهود والنصارى موسومون بغضب الله ولعنته، والشرك به والجحد ~~لوحدانيته، وقد فرض الله على عباده في جميع صلواتهم أن يسألوه هداية سبيل ~~الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، # PageV01P483 # وتجنبهم سبيل الذين أبعدهم من رحمته وطردهم عن جنته، فباءوا بغضبه ولعنته ~~من المغضوب عليهم والضالين. # فالأمة الغضبية هم اليهود بنص القرآن، وأمة الضلال هم النصارى ms163 المثلثة ~~عباد الصلبان، وقد أخبر تعالى عن اليهود بأنهم بالذلة والمسكنة والغضب ~~موسومون، فقال تعالى: {ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله ~~وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا ~~يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} ~~[آل عمران: 112] . # PageV01P484 # وأخبر بأنهم {فباءوا بغضب على غضب} [البقرة: 90] ، وذلك جزاء المفترين، ~~فقال: {بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله ~~من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين} ~~[البقرة: 90] . # وأخبر سبحانه أنه لعنهم، ولا أصدق من الله قيلا، فقال: {ياأيها الذين ~~أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها ~~على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا} ~~[النساء: 47] . # وحكم سبحانه بينهم وبين المسلمين حكما ترتضيه العقول، ويتلقاه كل منصف ~~بالإذعان والقبول، فقال: {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه ~~الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا ~~وأضل عن سواء السبيل} [المائدة: 60] . # وأخبر على ما أحل بهم من العقوبة التي صاروا بها مثلا في العالمين، فقال ~~تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ~~ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون - فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم ~~كونوا قردة خاسئين} [الأعراف: 165 - 166] . # PageV01P485 # ثم حكم عليهم حكما مستمرا في الذراري والأعقاب، على مر السنين والأحقاب، ~~فقال: {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ~~ربك لسريع العقاب} [الأعراف: 167] ، فكان هذا العذاب في الدنيا ببعض ~~الاستحقاق، ولعذاب الآخرة أشق {وما لهم من الله من واق} [الرعد: 34] . # فهم أنجس الناس قلوبا، وأخبثهم طوية، وأردؤهم سجية، وأولاهم بالعذاب ~~الأليم: {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم ~~في الآخرة عذاب عظيم} [المائدة: 41] . # فهم أمة الخيانة لله ورسوله ودينه ms164 وكتابه وعباده المؤمنين: {ولا تزال ~~تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين} ~~[المائدة: 13] . # وأخبر عن سوء ما يستمعون ويقولون، وخبث ما يأكلون ويجمعون، فقال تعالى: ~~{سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض ~~عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين} ~~[المائدة: 42] . # PageV01P486 # وأخبر تعالى أنه لعنهم على ألسنة أنبيائه ورسله بما كانوا يكسبون فقال: ~~{لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما ~~عصوا وكانوا يعتدون - كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ~~- ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله ~~عليهم وفي العذاب هم خالدون} [المائدة: 78 - 80] . # وقطع الموالاة بين اليهود والنصارى وبين المؤمنين، وأخبر أنه من تولاهم ~~فإنه منهم في حكمه المبين، فقال تعالى وهو أصدق القائلين: {ياأيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم ~~فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [المائدة: 51] . # وأخبر عن حال متوليهم بما في قلبه من المرض المؤدي إلى فساد العقل والدين ~~فقال: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ~~فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم ~~نادمين} [المائدة: 52] . # PageV01P487 # ثم أخبر عن حبوط أعمال متوليهم ليكون المؤمن لذلك من الحذرين فقال تعالى: ~~{ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت ~~أعمالهم فأصبحوا خاسرين} [المائدة: 53] . # ونهى المؤمنين عن اتخاذ أعدائه أولياء وقد كفروا بالحق الذي جاءهم من ~~ربهم وأنهم لا يمتنعون من سوء ينالونهم به بأيديهم وألسنتهم إذا قدروا ~~عليه، فقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون ~~إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق} [الممتحنة: 1] ، إلى قوله: {إن ~~يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو ~~تكفرون} [الممتحنة: 2] . # وجعل سبحانه لعباده ms165 المسلمين أسوة حسنة في إمام الحنفاء ومن معه من ~~المؤمنين إذ تبرءوا ممن ليس على دينهم امتثالا لأمر الله، وإيثارا لمرضاته ~~وما عنده، فقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ ~~قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة: 4] . # وتبرأ سبحانه ممن اتخذ الكفار أولياء من دون المؤمنين وحذره نفسه أشد # PageV01P488 # التحذير فقال: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن ~~يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه ~~وإلى الله المصير} [آل عمران: 28] . # فمن ضروب الطاعات إهانتهم في الدنيا قبل الآخرة التي هم إليها صائرون، ~~ومن حقوق الله تعالى الواجبة أخذ جزية رءوسهم التي يعطونها عن يد وهم ~~صاغرون. # ومن الأحكام الدينية أن تعم جميع الذمة إلا من لا تجب عليه باستخراجها، ~~وأن يعتمد في ذلك على سلوك سبيل السنة المحمدية ومنهاجها، وألا يسامح بها ~~أحد منهم ولو كان في قومه عظيما، وألا يقبل إرساله بها ولو كان فيهم زعيما، ~~وألا يحيل بها على أحد من المسلمين، ولا يوكل في إخراجها عنه أحدا من ~~الموحدين، وأن تؤخذ منه على وجه الذلة والصغار إعزازا للإسلام وأهله، ~~وإذلالا لطائفة الكفار وأن تستوفى من جميعهم حق الاستيفاء. وأهل خيبر ~~وغيرهم في ذلك على السواء. # وأما ما ادعاه الخيابرة من وضع الجزية عنهم بعهد من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فإن ذلك زور وبهتان، وكذب ظاهر يعرفه أهل العلم والإيمان، لفقه ~~القوم البهت وزوروه، ووضعوه من تلقاء أنفسهم وتمموه، وظنوا أن ذلك يخفى على ~~الناقدين أو يروج على علماء المسلمين ويأبى الله إلا أن يكشف حال المبطلين ~~وإفك المفترين. # PageV01P489 # وقد تظاهرت السنن، وصح الخبر بأن خيبر فتحت عنوة، وأوجف عليها رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - والمسلمون الخيل والركاب، فعزم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على إجلائهم عنها كما أجلى إخوانهم من أهل الكتاب، ms166 فلما ~~ذكروا أنهم أعرف بسقي نخلها ومصالح أرضها أقرهم فيها كالأجراء، وجعل لهم ~~نصف الانتفاع، وكان ذلك شرطا مبينا، وقال: " «نقركم فيها ما شئنا» ". # فأقر بذلك الخيابرة صاغرين، وأقاموا على هذا الشرط في الأرض عاملين، ولم ~~يكن للقوم من الذمام والحرمة ما يوجب إسقاط الجزية عنهم دون من عداهم من ~~أهل الذمة، كيف وفي الكتاب المشحون بالكذب والمين شهادة سعد بن معاذ، وكان ~~قد توفي قبل ذلك بأكثر من سنتين، وشهادة معاوية بن أبي سفيان وإنما أسلم ~~عام الفتح بعد خيبر سنة ثمان. # وفي الكتاب المكذوب أنه أسقط عنهم الكلف والسخر، ولم يكن على زمانه شيء ~~من ذلك ولا على زمان خلفائه الذين ساروا في الناس أحسن السير، ولما اتسعت ~~رقعة الإسلام ودخل فيه الخاص والعام وكان في المسلمين من يقوم بعمل الأرض ~~وسقي النخيل، أجلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه اليهود من خيبر ممتثلا أمر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " «أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة ~~العرب "، وقال: # PageV01P490 # " لئن بقيت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا ~~مسلما» ". ### | [فصل ما يلزم به أهل الذمة من اللباس وما شابه ذلك من أجل تمييزهم عن المسلمين] ### | 96 - # فصل # [ما يلزموا به من اللباس وما شابه ذلك من أجل تمييزهم عن المسلمين] # وأما الغيار فلم يلزموا به في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما ~~اتبع فيه أمر عمر رضي الله عنه، وكان بدء أمره أن خالد بن عرفطة أمير ~~الكوفة جاءت إليه امرأة نصرانية وأسلمت، فذكرت أن زوجها يضربها على ~~النصرانية، وأقامت على ذلك بينة، فضربه خالد وحلقه، وفرق بينه وبينها فشكاه ~~النصراني إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأشخصه وسأله عن ~~ذلك، فقص عليه القصة فقال: الحكم ما حكمت به، وكتب إلى الأمصار أن يجزوا ~~نواصيهم، ولا يلبسوا لبسة المسلمين حتى يعرفوا من بينهم. # وكيف يجوز أن يستعان بهم على شيء أو يؤتمنوا على أمر من أمور المسلمين، ~~وقد سموا رسول الله ms167 - صلى الله عليه وسلم - في الذراع؟ ! . # PageV01P491 # ولما حضرته الوفاة قال: " ما «زالت أكلة خيبر تعاودني، وهذا أوان انقطاع ~~أبهري» ". # وقد رأى أمير المؤمنين - لقيامه بما استحفظ من أمور الديانة وحفظ نظامها، ~~ولانتصابه لمصالح أمة جعله الله رأسها وإمامها ولرعاية ما يتميز به ~~المسلمون على من سواهم، ولجعل الكفار يعرفون بسيماهم - أن يعتمد كل من ~~اليهود والنصارى ما يصيرون به مستذلين ممتهنين ; لأن الله تبارك وتعالى ~~يقول: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون: 8] ، فلتستأد جزية ~~رءوسهم أجمع من غير استثناء من حزب المشركين لأحد، ولينبه في استخراجها ~~والحوطة عليها إلى أبعد غاية وأمد، وليفرق بين المسلمين وبينهم في الشبه ~~والزي ليتميز ذوو الهداية والرشد من ذوي الضلالة والبغي، وليوسموا بالغيار ~~وشد الزنار وإزالة ما على المسلمين من تشبههم بهم من العار، # PageV01P492 # وليؤمروا بأن يغيروا من أسمائهم ما يختص به أهل الإيمان كمحمد وأحمد وأبي ~~بكر وعمر وعلي وعثمان، وكذلك الكنى المختصة بالمسلمين كأبي علي وأبي الحسن ~~وأبي عبد الله وأبي الحسين، فلتغير هذه الأسماء بما يليق بهم ويصلح لهم، ~~ولينسخ بالثاني المستجد السالف الأول، وليقرر بالتعويض عنه على ما ليس فيه ~~متأول، ولولا أنهم لم يتقدم إليهم في ذلك بنهي ولا تحذير، لنالهم ما لا ~~طاقة لهم به من النكال والتدمير. # فليحذروا التعرض لهذا العقاب الأليم والعذاب الوبيل، وليكن الغيار وشد ~~الزنار مما يؤمرون به بالحضرة وبالأعمال بالديار المصرية والأقاصي من صبغ ~~أبوابهم وعمائمهم باللون الأغبر الرصاصي، وليؤخذ كل منهم بأن يكون زناره ~~فوق ثيابه، وليحذر غاية الحذر أن يرى منصرفا إلا به، وليمنع لابسه أن يستره ~~بردائه وليحذر الراكب منهم أن يخفيه بالجلوس عليه لإخفائه، ولا يمكنوا من ~~ركوب شيء من أجناس الخيل والبغال، ولا سلوك مدافن المسلمين ولا مقابرهم في ~~نهار ولا ليل، ولا يفسح لأحد منهم في المراكب المحلاة، ولتكن توابيت موتاهم ~~مشدودة بحبال الليف مكشوفة غير مغشاة، وليمنعوا من تعلية دورهم على دور من ~~جاورهم من المسلمين. # وجملة الأمر أن ينتهي فيهم إلى قوله عز وجل: {إن الذين ms168 يحادون الله ~~ورسوله أولئك في الأذلين} [المجادلة: 20] . # PageV01P493 ### | [فصل الآيات الدالة على غش أهل الذمة للمسلمين وعداوتهم وخيانتهم] ### | 97 - # فصل # في سياق الآيات الدالة على غش أهل الذمة للمسلمين وعداوتهم وخيانتهم ~~وتمنيهم السوء لهم، ومعاداة الرب تعالى لمن أعزهم أو والاهم أو ولاهم أمور ~~المسلمين. # قال تعالى: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل ~~عليكم من خير من ربكم} [البقرة: 105] . # وقال تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا ~~حسدا من عند أنفسهم} [البقرة: 109] . # وقال تعالى لرسوله: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل ~~إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من ~~الله من ولي ولا نصير} [البقرة: 120] . # وقال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ~~ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى ~~الله المصير} [آل عمران: 28] . # وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم ~~خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد ~~بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} [آل عمران: 118] . # PageV01P494 # وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ~~ويريدون أن تضلوا السبيل - والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله ~~نصيرا} [النساء: 44 - 45] . # وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا - أولئك ~~الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا} [النساء: 51 - 52] . # وقال تعالى مبشرا لمن والاهم بالعذاب الأليم: {بشر المنافقين بأن لهم ~~عذابا أليما - الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم ~~العزة فإن العزة لله جميعا} [النساء: 138 - 139] . # وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا} [النساء: 144] . # وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ms169 والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين - ~~فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى ~~الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ~~- ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم ~~حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين} [المائدة: 51 - 53] . # PageV01P495 # وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ~~ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم ~~مؤمنين - وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا ~~يعقلون} [المائدة: 57 - 58] . # وقال تعالى: {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ~~أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون - ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي ~~وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون} [المائدة: 80 - ~~81] . # وقال تعالى: {كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم ~~بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون - اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ~~فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون - لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ~~وأولئك هم المعتدون} [التوبة: 8 - 10] وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم ~~منكم فأولئك هم الظالمون} [التوبة: 23] . # PageV01P496 # وقال تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} [المجادلة: 22] ~~. # وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا ~~منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون - أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما ~~كانوا يعملون} [المجادلة: 14 - 15] . # وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون ~~إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول} [الممتحنة: 1] ، ~~إلى قوله:. . . . {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا ~~لقومهم إنا برآء منكم ومما ms170 تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة: 4] . # PageV01P497 # وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا ~~من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور} [الممتحنة: 13] . # وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس} [التوبة: 28] . # وقال تعالى: {هأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا ~~لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم ~~إن الله عليم بذات الصدور - إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا ~~بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط} [آل ~~عمران: 119 - 120] . # وقد أخبر سبحانه عن أهل الكتاب أنهم يعتقدون أنهم ليس عليهم إثم ولا ~~خطيئة في خيانة المسلمين وأخذ أموالهم، فقال تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن ~~تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت ~~عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله ~~الكذب وهم يعلمون} [آل عمران: 75] . # والآيات في هذا كثيرة، وفي بعض هذا كفاية. # PageV01P498 ### | [فصل حكم تولية أهل الذمة بعض شئون البلاد الإسلامية] ### | 98 - # فصل # [حكم تولية أهل الذمة بعض شئون البلاد الإسلامية] # ولما كانت التولية شقيقة الولاية كانت توليتهم نوعا من توليهم، وقد حكم ~~تعالى بأن من تولاهم فإنه منهم، ولا يتم الإيمان إلا بالبراءة منهم، ~~والولاية تنافي البراءة، فلا تجتمع البراءة والولاية أبدا، والولاية إعزاز، ~~فلا تجتمع هي وإذلال الكفر أبدا، والولاية صلة، فلا تجامع معاداة الكافر ~~أبدا. ### | [فصل الملك الصالح وأهل الذمة] ### | 99 - # فصل # [الملك الصالح وأهل الذمة] # ولو علم ملوك الإسلام بخيانة النصارى الكتاب، ومكاتبتهم الفرنج أعداء ~~الإسلام، وتمنيهم أن يستأصلوا الإسلام وأهله، وسعيهم في ذلك بجهد الإمكان - ~~لثناهم ذلك عن تقريبهم وتقليدهم الأعمال. # وهذا الملك الصالح كان في دولته نصراني يسمى محاضر الدولة أبا الفضائل بن ~~دخان، ولم يكن في المباشرين أمكن منه. # وكان المذكور قذاة في عين الإسلام، وبثرة في ms171 وجه الدين، ومثالبه في الصحف ~~مسطورة، ومخازيه مخلدة مذكورة، حتى بلغ من أمره أنه # PageV01P499 # وقع لرجل نصراني أسلم برده إلى دين النصرانية، وخروجه من الملة ~~الإسلامية، ولم يزل يكاتب الفرنج بأخبار المسلمين وأعمالهم وأمر الدولة ~~وتفاصيل أحوالها. # وكان مجلسه معمورا برسل الفرنج والنصارى، وهم مكرمون لديه وحوائجهم مقضية ~~عنده، ويحمل لهم الأدرار والضيافات، وأكابر المسلمين محجوبون على الباب لا ~~يؤذن لهم، وإذا دخلوا لم ينصفوا في التحية ولا في الكلام. # فاجتمع به بعض أكابر الكتاب فلامه على ذلك وحذره من سوء عاقبة صنعه، فلم ~~يزده ذلك إلا تمردا، فلم يمض على ذلك إلا يسير حتى اجتمع في مجلس الصالح ~~أكابر الناس من الكتاب والقضاة والعلماء، فسأل السلطان بعض الجماعة عن أمر ~~أفضى به إلى ذكر مخازي النصارى، فبسط لسانه في ذلك وذكر بعض ما هم عليه من ~~الأفعال والأخلاق، وقال من جملة كلامه: إن النصارى لا يعرفون الحساب ولا ~~يدرونه على الحقيقة ; لأنهم يجعلون الواحد ثلاثة والثلاثة واحدا والله ~~تعالى يقول: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} [المائدة: 73] . # وأول أمانتهم وعقد دينهم: بسم الأب والابن وروح القدس إله واحد، فأخذ هذا ~~المعنى بعض الشعراء وقال في قصيدة له: # كيف يدري الحساب من جعل الوا ... حد رب الورى تعالى ثلاثة # PageV01P500 # ثم قال: كيف تأمن أن يفعل في معاملة السلطان كما فعل في أصل اعتقاده، ~~ويكون مع هذا أكثر النصارى أمانة؟ وكلما استخرج ثلاثة دنانير دفع إلى ~~السلطان دينارا، وأخذ لنفسه اثنين، ولاسيما وهو يعتقد ذلك قربة وديانة؟ # وانصرف القوم، واتفق أن كبت بالنصراني بطنته، وظهرت خيانته فأريق دمه، ~~وسلط على وجوده عدمه، وفيه يقول عمارة اليمني: # قل لابن دخان إذا جئته ... ووجهه يندى من القرقف # لم تكفك الدنيا ولو أنها ... أضعاف ما في سورة الزخرف # فاصفع قفا الذل ولو أنه ... بين قفا القسيس والأسقف # ملكك الدهر سباب الورى ... فاحلق لحاهم آمنا وانتف # خلا لك الديوان من ناظر ... مستيقظ العزم ومن مشرف # فاكسب وحصل وادخر واكتنز ... واسرق وخن وابطش ولا ms172 تضعف # وابك وقل ما صلح لي درهم ... فرد وصلب وابتهل واحلف # واغتنم الفرصة من قبل أن ... تقضي على الإنجيل والمصحف # PageV01P501 ### | ذكر ذبائح أهل الذمة ### | [فصل في أحكام ذبائحهم] ### | 100 - # فصل # في أحكام ذبائحهم. # قال تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم} [المائدة: ~~5] . # ولم يختلف السلف أن المراد بذلك الذبائح. # قال البخاري: قال ابن عباس: طعامهم ذبائحهم. # وكذلك قال ابن مسعود ومجاهد وإبراهيم وقتادة والحسن وغيرهم. # PageV01P502 # وقال أحمد بن الحسن الترمذي: سألت أبا عبد الله عن ذبائح أهل الكتاب ~~فقال: لا بأس بها، فقلت: إلى أي شيء تذهب فيه؟ قال: حديث عبد الله بن مغفل ~~يوم فتح خيبر: " «ولي جراب من شحم» " الحديث. # قال إسحاق: أجاد. # وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: تؤكل ذبيحة اليهودي # PageV01P503 # والنصراني. # وقال إسحاق بن منصور: قال أبو عبد الله: لا بأس أن يذبح أهل الكتاب ~~للمسلمين غير النسيكة. # وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله قال: لا بأس بذبيحة أهل الكتاب إذا أهلوا ~~لله وسموا عليه، قال تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} ~~[الأنعام: 121] ، # PageV01P504 # والمسلم في قلبه اسم الله، وما أهل لغير الله به مما ذبحوا لكنائسهم ~~وأعيادهم يجتنب ذلك، وأهل الكتاب يسمون على ذبائحهم أحب إلي. # وقال مهنا بن يحيى: سألت أبا عبد الله عن ذبائح السامرة، قال: تؤكل، هم ~~من أهل الكتاب. # وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: لا بأس بذبائح أهل الحرب إذا كانوا من ~~أهل الكتاب. # وقال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من يحفظ عنه من أهل العلم. # وتفردت الشيعة دون الأمة بتحريم ذبائحهم، واحتجوا بأن # PageV01P505 # الذكاة الشرعية لم تدركها، وبأنه إجماع أهل البيت، وبأن التسمية شرط في ~~الحل، ولا يعلم أنهم يسمون، وخبرهم لا يقبل، وبأنهم لو سموا لم يسموا الله ~~في الحقيقة ; لأنهم غير عارفين بالله. # قالوا: والآية مخصوصة بما سوى الذبائح لما ذكرنا من الدليل. # وهذا القول مخالف للكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم فلا ~~يلتفت إليه. # وأما احتجاجهم بأن ms173 الذكاة الشرعية لم تدركها، فإن أرادوا بالذكاة الشرعية ~~ما أباح الله ورسوله الأكل بها فهذه ذكاة شرعية، وإن أريد بها ذكاة المسلم ~~لم يلزم من نفيها نفي الحل، ويصير الدليل هكذا: لأن ذكاة المسلم لم تدركها، ~~فغيروا العبارة وقالوا: لم تدركها الذكاة الشرعية. # وأما قولهم: إنه إجماع أهل البيت، فكذب على أهل البيت. # وللشيعة طريقة معروفة، يقولون لكل ما تفردوا به عن جماعة المسلمين: هذا ~~إجماع أهل البيت وهذا عبد الله بن عباس عالم أهل البيت يقول: كلوا من ذبائح ~~بني تغلب، وتزوجوا من نسائهم فإن الله يقول في كتابه: {ومن يتولهم منكم ~~فإنه منهم} [المائدة: 51] ، فلو لم يكونوا منهم إلا # PageV01P506 # بالولاية لكانوا منهم. # قال سليمان بن حرب: ثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن عكرمة عنه. # وإنما دخلت عليهم الشبهة من جهة أن عليا رضي الله عنه كان يكره ذبائح ~~نصارى بني تغلب. # PageV01P507 # قال محمد بن موسى: قلت لأبي عبد الله: نصارى بني تغلب تؤكل ذبائحهم؟ ~~فقال: فيما أحسب، هذا عن علي: لا تؤكل ذبائحهم بإسناد صحيح. # وقال إسحاق بن منصور: سألت أحمد عن ذبائح نصارى بني تغلب، فقال: ما أثبته ~~عن علي. # وهذه مسألة تنازع فيها السلف والخلف وفيها عن أحمد روايتان. # PageV01P509 # وقال الأثرم: قلت لأحمد: ذبائح نصارى العرب، ما ترى فيها؟ بني تغلب ~~وغيرهم من العرب، فقال: أما علي فكرهها وقال: إنهم لم يتمسكوا من دينهم إلا ~~بشرب الخمر، وابن عباس رخص فيها، وقد تقدمت المسألة. # وأما قولهم: إن التسمية شرط في الحل، فلعمر الله إنها لشرط بكتاب الله ~~وسنة رسوله، وأهل الكتاب وغيرهم فيها سواء، فلا يؤكل متروك التسمية سواء ~~ذبحه مسلم أو كتابي، لبضعة عشر دليلا مذكورة في غير هذا الموضع. # PageV01P510 # وأما قولهم: إنه لا يعلم هل سمي أم لا، فهذا لا يدل على التحريم ; لأن ~~الشرط متى شق العلم به وكان فيه أعظم الحرج سقط اعتبار العلم به كذبيحة ~~المسلم، فإن التسمية شرط فيها ولا يعتبر العلم بذلك، وقد ثبت «عن النبي ms174 - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قيل له: إن ناسا يأتوننا باللحم لا ندري أسموا ~~الله أم لا، فقال: سموا أنتم وكلوا» . # وقولهم: إن قوله غير مقبول لو صح ذلك لم يجز بيعه ولا شراؤه ولا معاملته ~~ولا أكل طعامه ; لأنه إنما يستند إلى قوله فيه. # وقولهم: إنهم لا يسمون الله لأنهم غير عارفين به، حجة في غاية الفساد؛ ~~فإنهم يعرفون أنه خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم وإن جهلوا بعض صفاته أو ~~أكثرها، فالمعرفة التامة ليست بشرط لتعذرها، وأصل المعرفة معهم. # وأما تخصيص الآية بما عدا الذبائح فمخالف لإجماع الصحابة ومن بعدهم، ~~وللسنة الصحيحة الصريحة ومستلزم لحملها على ما لا فائدة فيه، فإن الفاكهة ~~والحبوب ونحوها لا تسمى من طعامهم، بخلاف ذبائحهم، ففهم أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وجماعة المسلمين بعدهم أولى من فهم " الرافضة "، ~~وبالله التوفيق. # PageV01P512 ### | [فصل لا فرق بين المعاهد والحربي في أحكام الذبائح] ### | 101 - # فصل # [لا فرق بين المعاهد والحربي في أحكام الذبائح] # إذا ثبت هذا فلا فرق بين الحربي والمعاهد، لدخولهم جميعا في أهل الكتاب. # وأما نصارى بني تغلب ففيهم روايتان، وهما قولان للصحابة رضي الله عنهم. ### | [فصل مسائل في أحكام ذبائحهم] ### | [المسألة الأولى ما تركوا التسمية عليه] ### | 102 - # فصل # [مسائل في أحكام ذبائحهم] # وهاهنا خمس مسائل: # إحداها: ما تركوا التسمية عليه. # الثانية: ما سموا عليه غير الله. # الثالثة: ما ذبحوه غير معتقدين حله وهو حلال عندنا. # الرابعة: ما ذبحوه معتقدين حله، هل يحرم علينا منه الشحوم التي يعتقدون ~~تحريمها؟ # PageV01P513 # الخامسة: ما ذبحوه فخرج لاصق الرئة، ويسمونه " الطريفا " هل يحرم علينا ~~أم لا؟ ونحن نذكر هذه المسائل، واختلاف الناس فيها ومأخذها، بعون الله ~~وتوفيقه. # فأما المسألة الأولى: فمن أباح متروك التسمية إذا ذبحه المسلم، اختلفوا: ~~هل يباح إذا ذبحه الكتابي؟ فقالت طائفة: يباح ; لأن التسمية إذا لم تكن ~~شرطا في ذبيحة المسلم لم تكن شرطا في ذبيحة الكتابي. # وقالت طائفة: لا يباح وإن أبيح من المسلم، وفرقوا بينهما بأن اسم الله في ~~قلب المسلم وإن ترك ms175 ذكره بلسانه، وهذا مقتضى المنقول عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، وهو ظاهر نص أحمد، فإن أحمد قال في رواية حنبل: لا بأس بذبيحة أهل ~~الكتاب إذا أهلوا بها لله وسموا عليها، قال تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر ~~اسم الله عليه} [الأنعام: 121] ، والمسلم في قلبه اسم الله، فقد خرج بالفرق ~~كما ترى. # PageV01P514 # ومن حرم متروك التسمية من المسلم فلهم قولان في متروكها من الكتابي. # أحدهما: أنه يباح وهذا مروي عن عطاء ومجاهد ومكحول. # والثاني: أنه يحرم كما يحرم من المسلم، وهذا قول إسحاق وأحمد وأبي حنيفة ~~وغيرهم. ### | [المسألة الثانية إذا ذكروا اسم غير الله على ذبيحتهم فهل يلحق بمتروك التسمية] ### | 103 - # فصل. # المسألة الثانية: إذا ذكروا اسم غير الله على ذبيحتهم " كالزهرة " و " ~~المسيح " وغيرهما، فهل يلحق بمتروك التسمية فيكون حكمه حكمه، أو يحرم قطعا ~~وإن أبيح متروك التسمية؟ فيه روايتان منصوصتان عن أحمد أصحهما تحريمه. # قال الميموني: سألت أبا عبد الله عمن يذبح من أهل الكتاب ولم يسم؟ فقال: ~~إن كان مما يذبحون لكنائسهم يدعون التسمية فيه على عمد، إنما يذبح للمسيح ~~فقد كرهه ابن عمر، إلا أن أبا الدرداء يتأول أن طعامهم حل، وأكثر ما رأيت ~~منه الكراهية لأكل ما ذبح لكنائسهم. # وقال الميموني أيضا: سألت أبا عبد الله عن ذبيحة المرأة من أهل # PageV01P515 # الكتاب ولم تسم، قال: إن كانت ناسية فلا بأس، وإن كان مما يذبحون ~~لكنائسهم قد يدعون التسمية على عمد. # وقال في رواية ابنه عبد الله: ما ذبح " للزهرة " فلا يعجبني أكله، قيل ~~له: أحرام أكله؟ قال: لا أقول حرام، ولكن لا يعجبني. # وقال في رواية حنبل: يجتنب ما ذبح لكنائسهم وأعيادهم. # وقال أبو البركات في " محرره ": وإن ذكروا عليه اسم غير الله ففيه ~~روايتان منصوصتان، أصحهما عندي تحريمه. # وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأصحابه: لا تؤكل ذبائحهم التي # PageV01P516 # سموا عليها اسم المسيح. # قال القاضي إسماعيل في " أحكام القرآن ": وكأن أهل الكتاب خصوا بإباحة ~~ذبيحتهم، حتى كأنها قد أهل بها لله مع الكفر الذي ms176 هم عليه، فخرج ما أهل به ~~لغير الله إذ كانوا قد أهلوا بها وأشركوا مع الله تعالى. # ولهذا الوضع - فيما أحسب - اختلف الناس فيما ذبح النصارى لأعيادهم أو ~~ذبحوا باسم المسيح، فكرهه قوم لأنهم أخلصوا الكفر عند تلك الذبيحة، فصارت ~~مما أهل به لغير الله، ورخص في ذلك قوم على الأصل الذي أبيح من ذبائحهم. # فأما من بلغنا عنه الرخصة في ذلك فحدثنا علي بن عبد الله، ثنا عبد الرحمن ~~بن مهدي، ثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن عمير بن الأسود السكوني ~~قال: أتيت أهلي فإذا كتف شاة مطبوخة، قلت من أين هذا؟ قالوا جيراننا من ~~النصارى ذبحوا كبشا لكنيسة جرجس، قلدوه عمامة وتلقوا دمه في طست، ثم طبخوا ~~وأهدوا إلينا وإلى جيراننا، قال: قلت: ارفعوا هذا ثم هبطت إلى أبي الدرداء ~~فسألته، وذكرت ذلك له، فقال: اللهم غفرا، هم أهل الكتاب طعامهم لنا حل ~~وطعامنا لهم حل. # PageV01P517 # ثنا علي [ثنا] زيد بن الحباب، أخبرني معاوية بن صالح، حدثني أبو الحكم ~~التجيبي، حدثني جرير بن عتبة - أو عتبة بن جرير - قال: سألت عبادة بن ~~الصامت عن ذبائح النصارى لموتاهم، قال: لا باس به. # PageV01P519 # ثنا علي، ثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت الأوزاعي عن مكحول فيما ذبحت ~~النصارى لأعياد كذا، قال: كله، قد علم الله ما يقولون وأحل ذبائحهم. # وثنا علي، ثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ~~يقول: سمعت القاسم بن مخيمرة قال: كلها، ولو سمعته يقول: على اسم جرجس ~~لأكلتها. # PageV01P520 # حدثنا علي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن ~~عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: كلها. # وبه إلى أبي بكر عن حبيب بن عبيد: أن العرباض بن سارية قال: كله. # ثنا سليمان بن حرب، ثنا عبد العزيز بن مسلم عن عبد الملك عن عطاء في ~~النصراني يذبح ويذكر اسم المسيح، قال: كله، قد أحل الله ذبائحهم، وقد علم ~~ما يقولون. # PageV01P521 # وذكر عن ms177 عطاء أيضا أنه سئل عن النصراني يذبح ويقول: باسم المسيح، فقال: ~~كل. # وقال إبراهيم في الذمي يذبح ويقول: باسم المسيح، فقال: إذا توارى عنك ~~فكل. # وقال عبد الله بن وهب: حدثني حيوة بن شريح عن عقبة بن مسلم التجيبي وقيس ~~بن رافع الأشجعي أنهما قالا: حل لنا ما يذبح لعيد الكنائس، وما أهدي من خبز ~~أو لحم، وإنما هو طعام أهل الكتاب. # قال حيوة: فقلت أرأيت قول الله: {وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3] ، ~~فقال: # PageV01P522 # إنما ذلك المجوس وأهل الأوثان والمشركون. # وقال أيوب بن نجيح: سألت الشعبي عن ذبائح نصارى العرب، فقلت: منهم من ~~يذكر الله، ومنهم من يذكر المسيح، فقال: كل وأطعمني. # قال القاضي إسماعيل: وأما من بلغنا عنه أنه كره ذلك، فحدثنا محمد بن أبي ~~بكر، ثنا ابن مهدي عن قيس عن عطاء بن السائب عن زاذان عن علي: قال إذا سمعت ~~النصراني يقول: باسم المسيح فلا تأكل وإذا لم # PageV01P523 # تسمع فكل، فقد أحلت لنا ذبائحهم. # حدثنا علي، ثنا جرير عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه أن امرأة سألت عائشة ~~فقالت: إن لنا أظآرا من العجم لا يزالون يكون لهم عيد، فيهدون لنا فيه ~~أفنأكل منه، فقالت: أما ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه، ولكن كلوا من ~~أشجارهم. # حدثنا علي، ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: ~~ما ذبح للكنيسة فلا تأكله. # PageV01P524 # وقال حماد: كل ما لم تسمعهم أهلوا به لغير الله. # PageV01P525 # وكرهه مجاهد وطاوس، وكرهه ميمون بن مهران. # وقال القاضي إسماعيل: وكان مالك يكره ذلك من غير أن يوجب فيه تحريما. # قال المبيحون: هذا من طعامهم، وقد أباح الله لنا طعامهم من غير تخصيص، ~~وقد علم سبحانه أنهم يسمون غير اسمه. # قال المحرمون: قد صرح القرآن بتحريم ما أهل به لغير الله، وهذا عام في ~~ذبيحة الوثني والكتابي إذا أهل بها لغير الله، وإباحة ذبائحهم - وإن كانت ~~مطلقة - لكنها مقيدة بما لم يهلوا به لغيره، فلا يجوز تعطيل ms178 المقيد وإلغاؤه ~~بل يحمل المطلق على المقيد. # قال الآخرون: بل هذا من باب العام والخاص، فأما ما أهل به لغير الله فعام ~~في الكتابي وغيره، خص منه ذبيحة الكتابي فبقيت الآية على عمومها في غيره. # PageV01P526 # قال الآخرون بل قوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة: ~~5] ، عام فيما أهلوا به لله وما أهلوا به لغيره، خص منه ما أهل به لغيره، ~~فبقي اللفظ على عمومه فيما عداه، قالوا: وهذا أولى لوجوه. # أحدها: أنه قد نص سبحانه على تحريم ما لم يذكر عليه اسمه، ونهى عن أكله، ~~وأخبر أنه فسق، وهذا تنبيه على أن ما ذكر عليه اسم غيره أشد تحريما وأولى ~~بأن يكون فسقا. # الثاني: أن قوله: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة: 5] ، قد ~~خص بالإجماع، وأما ما أهل به لغير الله فلم يخص بالإجماع، فكان الأخذ ~~بالعموم الذي لم يجمع على تخصيصه أولى من العموم الذي قد أجمع على تخصيصه. # الثالث: أن الله سبحانه قال: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~وما أهل به لغير الله} [البقرة: 173] ، فحصر التحريم في هذه الأربعة فإنها ~~محرمة في كل ملة، لا تباح بحال إلا عند الضرورة، وبدأ بالأخف تحريما ثم بما ~~هو أشد منه، فإن تحريم الميتة دون تحريم الدم، فإنه أخبث منها، ولحم ~~الخنزير أخبث منها، وما أهل به لغير الله أخبث الأربعة. # ونظير هذا قوله: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم ~~والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33] ، فبدأ بالأسهل تحريما ثم ما # PageV01P527 # هو أشد منه إلى أن ختم بأغلظ المحرمات، وهو " القول عليه بلا علم "، فما ~~أهل به لغير الله في الدرجة الرابعة من المحرمات. # الرابع: أن ما أهل به لغير الله لا يجوز أن تأتي شريعة بإباحته أصلا، ~~فإنه بمنزلة عبادة غير الله. # وكل ملة لا بد فيها من صلاة ونسك، ولم يشرع الله على لسان رسول من ms179 رسله ~~أن يصلي لغيره، ولا ينسك لغيره قال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ~~ومماتي لله رب العالمين - لا شريك له وبذلك أمرت} [الأنعام: 162 - 163] . # الخامس: أن ما أهل به لغير الله تحريمه من باب تحريم الشرك، وتحريم ~~الميتة والدم ولحم الخنزير من باب تحريم الخبائث والمعاصي. # السادس: أنه إذا خص من طعام الذين أوتوا الكتاب ما يستحلونه من الميتة ~~والدم ولحم الخنزير ; فلأن يخص منه ما يستحلونه مما أهل به لغير الله أولى ~~وأحرى. # السابع: أنه ليس المراد من طعامهم ما يستحلونه وإن كان محرما عليهم، فهذا ~~لا يمكن القول به، بل المراد به ما أباحه الله لهم فلا يحرم علينا أكله فإن ~~الخنزير من طعامهم الذي يستحلونه، ولا يباح لنا، وتحريم ما أهل به لغير ~~الله عليهم أعظم من تحريم الخنزير، وسر المسألة أن طعامهم ما أبيح لهم لا ~~ما يستحلونه مما حرم عليهم. # الثامن: أن باب الذبائح على التحريم، إلا ما أباحه الله ورسوله، فلو # PageV01P528 # قدر تعارض دليلي الحظر والإباحة لكان العمل بدليل الحظر أولى، لثلاثة ~~أوجه. # أحدها: تأيده بالأصل الحاظر. # الثاني: أنه أحوط. # الثالث: أن الدليلين إذا تعارضا تساقطا، ورجع إلى أصل التحريم. ### | [المسألة الثالثة إذا ذبحوا ما يعتقدون تحريمه هل يحرم على المسلم] ### | 104 - # فصل. # المسألة الثالثة: إذا ذبحوا ما يعتقدون تحريمه كالإبل والنعام والبط وكل ~~ما ليس بمشقوق الأصابع، هل يحرم على المسلم؟ # اختلف فيه فأباحه الشافعي وأبو حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه، وهو قول جمهور ~~أصحابه. # وحكى ابن أبي موسى في " الإرشاد " أنه لا يباح ما ذكاه اليهود من الإبل. # PageV01P529 # ووجه هذا أنه ليس من طعام المذكي، ولأنه ذبح لا يعتقد الذابح حله فهو ~~كذبيحة المحرم، ولأن لاعتقاد الذابح أثرا في حل الذبيحة وتحريمها. # ولهذا لو ذبح المسلم ما يعتقد أنه لا يحل له ذبحه، كالمغصوب كان حراما ~~فالقصد يؤثر في التذكية كما يؤثر في العبادة: وهذا مذهب مالك، واحتج أصحابه ~~على ذلك بقوله تعالى: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} [الأنعام: ms180 146] ، ~~ولما كانت حراما عليهم لم تكن تذكيتهم لها ذكاة، كما لا يكون ذبح الخنزير ~~لنا ذكاة. # وهذا الدليل مبني على ثلاث مقدمات: # إحداها: أن ذلك حرام عليهم، وهذه المقدمة ثابتة بنص القرآن. # الثانية: أن ذلك التحريم باق لم يزل. # الثالثة: أنهم إذا ذبحوا ما يعتقدون تحريمه لم تؤثر الذكاة في حله. # فأما الأولى فهي ثابتة بالنص. # وأما الثانية فالدليل عليها سبب التحريم باق، وهو العدوان قال تعالى: ~~{ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون} [الأنعام: 146] ، وبغيهم لم يزل بمبعث ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بل زاد البغي منهم، فالتحريم تغلظ بتغلظ ~~البغي، يوضحه أن رفع ذلك التحريم إنما هو رحمة في حق من اتبع الرسول، فإن ~~الله وضع عن أتباعه الآصار والأغلال التي كانت عليهم قبل مبعثه، ولم # PageV01P530 # يضعها عمن كفر به قال تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال ~~التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل ~~معه أولئك هم المفلحون} [الأعراف: 157] . # وأما المقدمة الثالثة، وهي أنهم إذا ذبحوا ما يعتقدون تحريمه لم يؤثر ذلك ~~في الحل فقد تقدم تقريرها. ### | [المسألة الرابعة إذا ذبحوا ما يعتقدون حله فهل تحرم علينا الشحوم المحرمة عليهم] ### | 105 - # فصل. # المسألة الرابعة: إذا ذبحوا ما يعتقدون حله، فهل تحرم علينا الشحوم ~~المحرمة عليهم؟ هذا مما اختلف فيه. # قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الشحوم، تحرم على اليهود؟ فقال: {وعلى ~~الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما ~~حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا ~~لصادقون} [الأنعام: 146] ، قال: والقرآن يقول: حرمنا، وقال في آية أخرى بعد ~~سورة المائدة: {وعلى الذين هادوا حرمنا} [الأنعام: 146] ، يعني نزل بعد: ~~{اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم} ~~[المائدة: 5] ، # PageV01P531 # قلت: فيحل لمسلم أن يطعم يهوديا شحما؟ قال: لا ms181 ; لأنه محرم عليه. # وقال مهنا: حدثني أحمد عن الزبيري عن مالك، في اليهودي يذبح الشاة، قال: ~~لا يأكل من شحمها، قال: أحمد هذا مذهب دقيق. # فاختلف أصحابه في ذلك، فذهب ابن حامد وأبو الخطاب وجماعة إلى الإباحة، ~~وهو قول الشافعي وأبي حنيفة. # وذهب القاضي وأبو الحسن التميمي إلى التحريم، وصنف فيه التميمي مصنفا رد ~~فيه على من قال بالإباحة، واختاره أبو بكر أيضا. # PageV01P532 # وذهب مالك إلى الكراهة، وهي عنده مرتبة بين الحظر والإباحة. # قال المبيحون: القول بالتحريم خلاف القرآن والسنن والمعقول. # أما القرآن فإن الله يقول: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل ~~لهم} [المائدة: 5] . # قالوا: وقد اتفقنا على أن المراد بذلك ما ذبحوه، لا ما أكلوه ; لأنهم ~~يأكلون الخنزير والميتة والدم. # قالوا: وقد جاء القرآن، وصح الإجماع بأن دين الإسلام نسخ كل دين كان ~~قبله، وأن من التزم ما جاءت به التوراة والإنجيل، ولم يتبع القرآن، فإنه ~~كافر وقد أبطل الله كل شريعة كانت في التوراة والإنجيل وسائر الملل، وافترض ~~على الجن والإنس شرائع الإسلام، فلا حرام إلا ما حرمه الإسلام، ولا فرض إلا ~~ما أوجبه الإسلام. # وأما السنة فحديث عبد الله بن مغفل الذي رواه البخاري في " صحيحه " «أن ~~جرابا من شحم يوم " خيبر " دلي من الحصن، فأخذه عبد الله بن مغفل وقال: ~~والله لا أعطي أحدا منه شيئا، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وأقره على ذلك» . # PageV01P533 # وثبت في " الصحيح " «أن يهودية أهدت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~شاة، فأكل منها ولم يحرم شحم بطنها ولا غيره» . # قالوا: وأما المعقول فمن المحال الباطل أن تقع الذكاة على بعض شحم الشاة ~~دون بعضها. # قالوا: وقد قال تعالى: {وطعامكم حل لهم} [المائدة: 5] ، وهذا محض طعامنا. # قالوا: وقد قال لهم المسيح: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} [آل عمران: ~~50] ، وقد أحل سبحانه لهم الطيبات على لسان رسوله، وهذا من الطيبات. # قال ابن حزم: ويسألون عن الشحم والحمل أحلال هما اليوم لليهود أم حرام ~~إلى اليوم؟ فإن قالوا: ms182 بل هما حرام عليهم إلى اليوم كفروا بلا مرية إذ ~~قالوا: إن ذلك لم ينسخه الله تعالى، وإن قالوا: بل هما حلال # PageV01P534 # لهم صدقوا، ولزمهم ترك قولهم الفاسد. # قال: ونسألهم عن يهودي مستخف بدينه [يأكل الشحم] ذبح شاة يعتقد حل شحمها، ~~هل يحرم علينا الشحم أم لا؟ فإن قلتم: يحرم علينا كان محالا، فإنه ذكى ما ~~يعتقد حله، ونحن نعتقد حله فمن أين جاء التحريم؟ وإن قلتم: لا يحرم علينا ~~كانت ذبيحة هذا المستخف بدينه أحسن حالا من ذبيحة المتمسك بدينه، وهذا ~~محال. # قال: ويلزمهم ألا يستحلوا كل ما ذبحه يهودي يوم سبت، ولا أكل حيتان صادها ~~يهودي يوم سبت وهذا مما تناقضوا فيه. # قال: وقد روينا عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وعائشة أم المؤمنين ~~وأبي الدرداء وعبد الله بن يزيد وابن عباس والعرباض بن سارية وأبي أمامة ~~وعبادة بن الصامت وابن عمر رضي الله عنهم إباحة ما ذبحه أهل الكتاب دون ~~اشتراط لما يستحلونه، وكذلك عن جمهور التابعين [كإبراهيم النخعي، وجبير بن ~~نفير وأبي مسلم الخولاني وضمرة بن حبيب والقاسم بن مخيمرة ومكحول وسعيد بن ~~المسيب ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى والحسن وابن سيرين والحارث العكلي ~~وعطاء والشعبي ومحمد # PageV01P535 # بن علي بن الحسين وطاوس وعمرو بن الأسود وحماد بن أبي سليمان وغيرهم] ، ~~لم نجد عن أحد منهم هذا القول إلا عن قتادة ثم عن مالك # PageV01P536 # وعبيد الله بن الحسن، وهذا مما خالفوا فيه طائفة من الصحابة لا مخالف لهم ~~وخالفوا فيه جمهور العلماء. # قال المحرمون: إنما أباح الله سبحانه لنا طعام الذين أوتوا الكتاب، ~~والشحوم المحرمة عليهم ليست من طعامهم، فلا تكون لنا مباحة، والمقدمتان ~~ظاهرتان غنيتان عن التقرير. # قالوا: ولأنه شحم محرم على ذابحه، فكان محرما على غيره بطريق الأولى، فإن ~~الذكاة إذا لم تعمل في حله بالنسبة إلى المذكي لم تعمل في حله بالنسبة إلى ~~غيره، وهذا كذبح المحرم الصيد، فإنه لما كان حراما عليه، ولم تفد الذكاة ~~الحل بالنسبة إليه، لم تفده بالنسبة ms183 إلى الحلال. # قالوا: وطرد هذا تحريم الحمل إذا ذبحه اليهودي. # قالوا: وأيضا فللقصد تأثير في حل الذكاة كما تقدم، فإذا كان الذابح غير ~~قاصد للتذكية لم تحل ذكاته ولا ريب أنه غير قاصد لتذكية الشحم، فإنه يعتقد ~~تحريمه وأنه بمنزلة الميتة. # قالوا: ولا محذور في تجزء الذكاة، فيحل بها بعض المذكى دون بعض، فيكون ~~ذكاة بالنسبة إلى ما يعتقد المذكي حله وليس ذكاة بالنسبة إلى ما يعتقد ~~تحريمه فإن ما يأكله يعتقد ذكاته ويقصدها، وما لا يأكله لا يعتقد ذكاته ولا ~~يقصدها فصار كالميتة. # PageV01P537 # قالوا: والمعتمد في المسألة أن الله سبحانه حرم ذلك عليهم، والتحريم باق ~~لم ينسخ إلا عمن التزم الشريعة الإسلامية، ويدل على بقاء التحريم وجوه: # أحدها: أن الله سبحانه أخبر أنه حرمه ولم يخبر بأنه نسخه بعد تحريمه، ~~وإنما يزول التحريم عمن التزم الإسلام. # الثاني: أنه علل التحريم بالبغي، وهو لم يزل بكفرهم بمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم -. # الثالث: ما في " الصحيح " عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها ~~وأكلوا أثمانها» ". # وفي " المسند " عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله # PageV01P538 # عليه وسلم: " «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها ~~وإن الله لم يحرم على قوم أكل شيء إلا حرم عليهم ثمنه» . # فلو كان التحريم قد زال عنهم لم يلعنهم على فعل المباح. # قالوا: ولا يمتنع ورود الشرع بإقرارهم على آصارهم وأغلالهم تغليظا عليهم، ~~وقد قال تعالى: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} [النحل: 124] ، ~~فأخبر أنه جعل عليهم، ولم يخبر بأنه رفعه عنهم، وإنما يرفع عمن التزم أحكام ~~الإسلام. # وفي بقاء تحريمه عليهم قولان للفقهاء، وهما وجهان في مذهب أحمد وعلى أحد ~~القولين يلزمهم به، ولا يمكنهم من كسره. # وقد نص أحمد على بقاء تحريم الشحوم عليهم، فقال في رواية ابنه # PageV01P539 # عبد الله: لا يحل لمسلم أن يطعم يهوديا شحما ; لأنه محرم عليه. # قال أبو بكر عبد العزيز: ms184 ويدل على التحريم أن المسلم لما لم تعمل ذكاته ~~فيما حرم عليه، فاليهودي أولى. # قال: فذكاة اليهودي لا تعمل في الشحم، كما لا تعمل ذكاة المسلم في الغدة ~~وأذن القلب لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم -. # PageV01P540 # قال: وقد نص أحمد على ذلك، فقال ابن منصور: قلت لأحمد: آكل أذن القلب؟ ~~فقال: لا تؤكل. # وقال عبد الله: قلت لأبي: الغدة؟ فقال: لا تؤكل، النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كرهها. # وقد روى الدارقطني من حديث بقية بن الوليد عن أبي المنذر عن عبد الله بن ~~زيد «عن أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سألها عن أذن القلب، ~~فقالت: ألقيتها، فقال: " طابت قدرك وحل أكله» ". # PageV01P542 # وقال أبو طالب: قلت لأحمد: حدثوني عن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير، ~~فقال: ثقة، ثم قال: من حدثك عنه؟ قلت: مسدد، قال: سمع منه باليمامة، قلت: ~~رواه عن أبيه عن رجل من الأنصار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ~~أذن القلب. # قالوا: وقد ثبت أن القصد في الذكاة معتبر، ولهذا اختلفت باختلاف المذكين، ~~وعكسه إزالة النجاسة، لما لم يكن القصد فيها معتبرا لم يعتبر باختلاف ~~المزيلين. # قالوا: وأما حديث عبد الله بن مغفل فجوابه من وجوه: # أحدها: أنه لم يقل: " فأخذته فأكلته " فلعله أخذه لغير الأكل. # PageV01P543 # الثاني: أنه لعله كانت رغبته في الظرف لا في المظروف. # الثالث: لعله كان مضطرا إلى أكله فلم ينهه عنه. # الرابع: أنه لعله من ذبيحة مسلم، ولا يتعين أن يكون من ذبيحة كتابي، وهذا ~~من أفسد الأجوبة فإنه دلي من الحصن والمسلمون محاصروه. # الخامس: - وهو أصح الأجوبة - أنه لا يتعين كونه من الشحم المحرم عليهم، ~~بل الظاهر أنهم إنما كانوا يأكلون الشحوم المباحة لهم، فيجوز لنا أكله كما ~~يجوز لنا أكل ذبائحهم وأطعمتهم، والظاهر أنه من شحم الظهر والحوايا وما ~~اختلط بعظم، فإنه هو الشحم الذي كانوا يأكلونه. # وأما أكل النبي - صلى الله عليه وسلم - من الشاة التي ذبحتها اليهودية ~~فإنها كانت شاة مشوية، والشاة إنما تشوى ms185 بعد نزع شحمها، وهو إنما أكل من ~~الذراع وليس بحرام. # وأما قولكم: إنه من المحال أن تقع التذكية على بعض الشاة دون بعض فهذا ~~ليس بمحال عقلا ولا شرعا أن تعمل الذكاة فيما يباح من الشاة دون ما يحرم ~~منها أو يكره، والشريعة طافحة من تبعض الأحكام وهو محض الفقه، وقد جعل الله ~~سبحانه البنت من الرضاعة بنتا في الحرمة والمحرمة، وأجنبية في الميراث ~~والإنفاق. # PageV01P544 # وكذلك بنت الزنا عند جمهور الأمة بنت في تحريم النكاح، وليست بنتا في ~~الميراث. # وكذلك جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن وليدة زمعة أخا لسودة بنت ~~زمعة في الفراش، وأجنبيا في النظر لأجل الشبه بعتبة. # PageV01P545 # فلا يستحيل أن تكون الشاة مذكاة بالنسبة إلى اللحم والشحم المباح، غير ~~مذكاة بالنسبة إلى الشحم المحرم. # وأما استدلالكم بقوله تعالى: {وطعامكم حل لهم} [المائدة: 5] ، وأن هذه ~~الشحوم من طعامنا، فلعمر الله إنها من طعامنا إذا ذكاها المسلم ومن تحل له، ~~فأما إذا ذكاها من يعتقد تحريمها فليست في هذه الحال من طعامه ولا من ~~طعامنا. # PageV01P546 # وأما استدلالكم بقول المسيح: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} [آل عمران: ~~50] ، وبقوله تعالى عن محمد - صلى الله عليه وسلم -: {ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] ، فهذا الإحلال إنما هو لمن آمن ~~بالمسيح وبمحمد نعمة من الله عليه وكرامة له لا لمن أصر على كفره وتكذيبه، ~~وإنما هو لمن التزم الشريعة التي جاءت بالحل. # وأما سؤال ابن حزم: " هل الحمل والشحم اليوم حرام عليهم أم حلال لهم؟ فإن ~~قالوا: حرام عليهم، كفروا وإن قالوا: حلال، تركوا قولهم "، فكلام متهور ~~مقدم على تكفير من لم يكفره الله ورسوله، وعلى التكفير بظنه الفاسد، ولا ~~يستحق هذا الكلام جوابا لخلوه عن الحجة، وهم يقلبون عليه هذا السؤال ~~فيقولون له: نحن نسألك هل أحل الله لهم هذه الشحوم مع إقامتهم على كفرهم ~~بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فأباحها لهم وطيبها في هذه الحال، أم أبقاهم ~~على ما هم عليه من الآصار والأغلال؟ فإن قلت: بل أباحها ms186 لهم وطيبها وأحلها ~~مع بقائهم على اليهودية وتكذيب رسوله، فهذا كفر وكذب على الله وعلى كتابه، ~~وإن قلت: أبقاهم على ما هم عليه تركت قولك وصرت إلى قولنا، فلا بد لك من ~~واحد من هذين الأمرين، وأحسن أحوالك أن تتناقض، لتسلم بتناقضك من الكفر. # وأما سؤالك عن ذبيحة المستخف بدينه الذي يعتقد حل الشحوم، فهذا السؤال ~~جوابه فيه، فإنه متى اعتقد حل الشحوم خرج عن اليهودية إما إلى الإسلام، ~~وإما إلى الزندقة، فإن تحريم الشحوم ثابت بنص التوراة، فإن # PageV01P547 # كذب التوراة وأقام على يهوديته فليس بيهودي ولا تحل ذبيحته، وإن آمن ~~بالتوراة واعتقد حل الشحوم ; لأن شريعة الإسلام أبطلت ما سواها من الشرائع، ~~والواجب اتباعها، فهذا الاعتقاد حق ولكن لا يبيح له الشحوم المحرمة إلا ~~بالتزام شريعة الإسلام التي رفع الله بها عنهم الآصار والأغلال، فإذا لم ~~يلتزم شريعة الإسلام وأقام على اليهودية لم ينفعه اعتقاده دون انقياده ~~شيئا، كما لو اعتقد أن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ينقد ~~للإسلام ومتابعته. # وأما قوله: ويلزمهم ألا يأكلوا ما ذبحه يهودي يوم سبت، فهذا لا يمنع أن ~~يلتزموه، فإنهم إن اعتقدوا تحريم ما ذبحوه يوم السبت كان بمنزلة ما ذبحوه ~~من دواب الظفر، وإن لم يعتقدوا تحريمه كان من طعامهم، فكان حلالا، ولأصحاب ~~هذا القول في بقاء تحريم السبت عليهم قولان. # وأما صيدهم الحيتان يوم السبت فخفي على أبي محمد أن غايتها أن تكون ميتة، ~~وميتة السمك حلال ولهذا لا يحرم ما صاده منه المجوسي والوثني في أصح قولي ~~العلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد في السمك والجراد، فلم يتناقضوا فيه ~~كما زعمت. # وأما فتاوى من ذكرت من الصحابة بحل ذبائح أهل الكتاب فنعم لعمر الله لا ~~يعرف عنهم فيها خلاف، وليس الكلام فيها، والصحابة إنما أفتوا بحل جنس ~~ذبائحهم، وأنها تخالف ذبائح المجوس، ولم يريدوا بذلك حل ما لا يعتقدونه ~~حلالا من ذبائحهم وأطعمتهم، فلا يحفظ عن الصحابة التصريح بهذا ولا هذا، ~~وبالله التوفيق. # PageV01P548 ### | [المسألة الخامسة في الطريفا ms187 وهو ما لصقت رئته بالجنب هل يحرم علينا] # لكونهم لا يعتقدون حله أم لا؟ فالجمهور لا يحرمونه، وهذا هو الصواب قطعا ~~; لأن تحريم هذا إنما علم من جهتهم لا بنص التوراة، فلا يقبل قولهم فيه، ~~بخلاف تحريم ذي الظفر والشحوم المحرمة. # وقد ذكرنا في كتاب " الهداية " سبب هذا التحريم، ومن أين نشأ # PageV01P549 # وأن التوراة لم تحرمه، وأنهم غلطوا على التوراة في تحريمه، وذكرنا نص ~~التوراة وأنهم حملوه على غير محمله. # وذهب أصحاب مالك إلى تحريمه طردا لهذا الأصل، وأنه ليس من طعامهم، وهذا ~~ليس بمنصوص عن مالك ولا هو مقتضى أصوله، والذابح في هذه الصورة اعتقد حل ~~المذبوح، وأنه من طعامه بخلاف ذابح ذي الظفر، وتحريم هذا غير ثابت بالنص، ~~بخلاف تحريم ذي الظفر، فلا يصح إلحاق أحدهما بالآخر، والله أعلم. # PageV01P550 ### | [ذكر أحكام معاملة أهل الذمة] ### | [فصل البيع والشراء من أهل الذمة] # ذكر أحكام معاملتهم. ### | 106 - # فصل # في البيع والشراء منهم. # ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه اشترى من يهودي سلعة إلى ~~الميسرة. # وثبت عنه أنه أخذ من يهودي ثلاثين وسقا من شعير، ورهنه درعه. # وفيه دليل على جواز معاملتهم، ورهنهم السلاح وعلى الرهن في الحضر. # PageV01P551 # وثبت عنه أنه زارعهم وساقاهم. # وثبت عنه أنه أكل من طعامهم، وفي ذلك كله قبول قولهم: إن ذلك الشيء ~~ملكهم. # قال حنبل: سمعت أبا عبد الله في الرجل يجيئه الذمي يشتري منه المتاع، ~~فيماكسه مكاسا شديدا، فيبيعه المتاع، ثم يجيء بعد ذلك المسلم فيستقصي أيضا ~~في شدة المكاس، فيبيعه أغلى مما يبيع الذمي، وربما باع الذمي أغلى، قال: ~~أرجو ألا يكون به بأس. ### | [فصل في شركتهم ومضاربتهم] ### | 107 - # فصل # في شركتهم ومضاربتهم. # قد تقدم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاركهم في زرع خيبر وثمرها. # قال إسحاق بن إبراهيم: سمعت أبا عبد الله، وسئل عن الرجل يشارك اليهودي ~~والنصراني، قال: يشاركهم، ولكن يلي هو البيع والشراء، وذلك أنهم يأكلون ~~الربا ويستحلون الأموال ثم قال أبو عبد الله: {ذلك بأنهم قالوا ليس ms188 علينا ~~في الأميين سبيل} [آل عمران: 75] . # PageV01P552 # وقال إبراهيم بن هانئ: سمعت أبا عبد الله قال في شركة اليهودي والنصراني: ~~أكرهه، لا يعجبني إلا أن يكون المسلم الذي يلي البيع والشراء. # وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن مشاركة اليهودي والنصراني؟ قال: ~~شاركهم ولكن لا يخلو اليهودي والنصراني بالمال دونه، يكون هو يليه ; لأنه ~~يعمل بالربا. # وقال إسحاق بن منصور: قيل لأبي عبد الله: قيل لسفيان: ما ترى في مشاركة ~~النصراني؟ قال: أما ما يغيب عنك فما يعجبني. # قال أحمد: حسن. # وقال عبد الله بن أحمد: حدثني عبد الأعلى، ثنا حماد بن سلمة قال: قال ~~إياس بن معاوية: إذا شارك المسلم اليهودي أو النصراني، وكانت الدراهم مع ~~المسلم فهو الذي يتصرف بها في الشراء والبيع، فلا بأس، ولا يدفعها إلى ~~اليهودي والنصراني يعملان فيها ; لأنهما يربيان. # PageV01P553 # قال عبد الله: سألت أبي عن ذلك فقال مثل قول إياس. # وقال العباس بن محمد الخلال: قال أبو عبد الله في المسلم يدفع إلى الذمي ~~مالا يشاركه، قال: أما إذا كان هو يلي ذلك فلا، إلا أن يكون المسلم يليه. # وقال حنبل: قال أبو عبد الله: ما أحب مخالطته بسبب من الأسباب في الشراء ~~والبيع، هذا لفظه. # قال الخلال في " الجامع ": يعني المجوسي ; لأن عصمة بين ذلك. # أخبرنا عصمة بن عصام، حدثنا حنبل أن أبا عبد الله قال: أما المجوسي # PageV01P554 # فما أحب مخالطته ولا معاملته. # قال الخلال: وأخبرني عبد الله بن حنبل قال: حدثني أبي - في موضع آخر، ~~قال: سألت عمي - قلت له: ترى للرجل أن يشارك اليهودي والنصراني؟ قال: لا ~~بأس، إلا أنه لا تكون المعاملة في البيع والشراء إليه، يشرف على ذلك، ولا ~~يدعه حتى يعلم معاملته وبيعه، فأما المجوسي فلا أحب مخالطته ولا معاملته ; ~~لأنه يستحل ما لا يستحل هذا. # قال حنبل: وحدثنا أبو سلمة، حدثنا جرير بن حازم قال: سئل حماد عن مشاركة ~~المجوسي قال: لا بأس بذلك، قيل له: فيدفع إليه مالا مضاربة؟ قال: لا. # PageV01P555 # قال [عبد الله بن] حنبل ms189 قال عمي: لا يشاركه ولا يضاربه. # وقال حرب: سألت أحمد بن حنبل قلت: ما قولك في شركة اليهودي والنصراني؟ ~~فكرهه وقال: لا يعجبني إلا أن يكون المسلم هو الذي يلي الشراء والبيع. # قال حرب: وحدثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم حدثنا أبو صالح، حدثنا بكير بن ~~عمرو قال: قال عطاء: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مشاركة ~~اليهودي والنصراني، إلا أن يكون الشراء والبيع بيد المسلم» . # وهذا الحديث - على إرساله - ضعيف السند. # PageV01P556 # وقال وكيع عن ليث عن مجاهد وعطاء وطاوس أنهم كرهوا شركة النصراني. # وقال وكيع عن الفضل بن دلهم عن الحسن: لا يشارك يهوديا ولا نصرانيا في ~~شراء ولا بيع. # وقال: سمعت أبا عبد الله قال: لا أحب الرجل أن يشارك المجوسي ولا يعطيه ~~ماله مضاربة، ولا اليهودي ولا النصراني، ويأخذ منهما. # PageV01P557 # وقال حرب: قلت لأحمد: رجل يدفع ماله مضاربة إلى الذمي تكرهه؟ قال: لا. # وقال وكيع عن سفيان عن معمر عن رجل عن الحسن: خذ من اليهودي والنصراني ~~ولا تعطهما. # قال الخلال: استقرت الروايات عن أبي عبد الله بكراهة شركة اليهودي ~~والنصراني إلا أن يكون هو يلي. # وتفرد حنبل: " من المجوس خاصة " فذكر عن أبي عبد الله الكراهة له ألبتة، ~~قال: وهم أهل ذلك ; لأنهم - كما قال أبو عبد الله - يستحلون ما لا يستحل ~~هؤلاء. # قال: وعلى هذا، العمل من قوله، وبالله التوفيق. # قلت: الذين كرهوا مشاركتهم لهم مأخذان. # أحدهما: استحلالهم ما لا يستحله المسلم من الربا والعقود الفاسدة # PageV01P558 # وغيرها وعلى هذا تزول الكراهة بتولي المسلم البيع والشراء. # والثاني: أن مشاركتهم سبب لمخالطتهم، وذلك يجر إلى موادتهم وكره الشافعي ~~مشاركتهم مطلقا. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أكره أن يشارك المسلم اليهودي. # وابن عباس إنما كره مشاركتهم لمعاملتهم بالربا، كذلك رواه الأثرم وغيره ~~عنه من طريق أبي جمرة عنه: " لا يشاركن يهوديا ولا نصرانيا ولا مجوسيا ; ~~لأنهم يربون والربا لا يحل ". # PageV01P559 # وقد عللت طائفة كراهة مشاركتهم بأن كسبهم غير طيب، فإنهم يبيعون الخمر ms190 ~~والخنزير. # وهذه العلة لا توجب الكراهة، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: " ~~ولوهم بيعها، وخذوا أثمانها ". # وما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم جاز لهم شركتهم في ثمنه، ~~وثمنه حلال ; لاعتقادهم حله، وما باعوه واشتروه بمال الشركة فالعقد فيه ~~فاسد، فإن الشريك وكيل والعقد يقع للموكل، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر ~~والخنزير. # فرع. # قال مهنا: سألت أحمد عن مسلم ونصراني لهما على رجل نصراني مائة درهم، ~~فصالحه النصراني من حصته على خنزير أو على دن خمر بالذي # PageV01P560 # له عليه؟ قال: يكون للمسلم على النصراني خمسون درهما. # فتأمل هذا الفقه، كيف جعل ما قبضه النصراني من الخمر أو الخنزير من حصته ~~وحده، حيث لم يجز للمسلم مشاركته فيه، وجعل الخمسين الباقية كلها للمسلم ; ~~لأن المعاوضة صحت بالنسبة إلى النصراني ولم تصح بالنسبة إلى المسلم وهي ~~معاوضة من أحد الشريكين فصححها في حقه دون شريكه. ### | [فصل في استئجارهم واستئجار المسلم نفسه منهم] ### | 108 - # فصل # في استئجارهم واستئجار المسلم نفسه منهم. # أما استئجارهم فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه استأجر دليلا ~~يدله على طريق الهجرة، وكان مشركا فأمنه ودفع إليه راحلته هو والصديق. # PageV01P561 # وأما إيجارهم نفسه فهي مسألة تفصيل، ونحن نذكر نصوص أحمد. # قال إسحاق بن إبراهيم: سمعت أبا عبد الله وسأله رجل بناء: أبني للمجوس ~~ناووسا؟ قال: لا تبن لهم، ولا تعنهم على ما هم فيه. # وقال محمد بن الحكم: سألت أبا عبد الله عن الرجل المسلم يحفر # PageV01P562 # لأهل الذمة قبرا بكراء، قال: لا بأس به وليس هذا باختلاف رواية. # قال شيخنا: والفرق بينهما أن الناووس من خصائص دينهم الباطل فهو ~~كالكنيسة، بخلاف القبر المطلق؛ فإنه ليس في نفسه معصية ولا من خصائص دينهم. # وقال إسحاق بن منصور: قيل لأبي عبد الله: يؤاجر الرجل نفسه [من اليهودي ~~والنصراني؟ قال: لا بأس نعم] . # [حدثنا مهنا قال: قلت لأحمد: هل تكره للمسلم يؤاجر نفسه] للمجوسي؟ قال: ~~لا. # PageV01P563 # قال: وسألت أحمد قلت: يكري الرجل نفسه لمجوسي يخدمه، ويذهب ms191 في حوائجه؟ ~~قال: لا بأس، قلت له: فيقول له: " لبيك " إذا دعاه؟ قال: لا. # وقد قال في رواية الأثرم: إن آجر نفسه من الذمي في خدمته لم يجز وإن كان ~~في عمل شيء جاز. # وقال في رواية أحمد بن سعيد: لا بأس أن يؤاجر نفسه من الذمي. # PageV01P564 # فهذه ثلاث روايات عنه: رواية مطلقة بالجواز، ورواية مصرحة بالمنع في ~~الخدمة خاصة، ورواية مصرحة بالجواز في الخدمة. # وللشافعي قولان في إجارة نفسه له للخدمة. # وقد اختلف أصحاب أحمد في ذلك، فمنهم من منع إجارة نفسه منه إجارة العين ~~مطلقا للخدمة وغيرها، وجوز إجارة نفسه منه على عمل في الذمة. # ومنهم من منع إجارة الخدمة خاصة، وجوز إجارة العمل، وهذه طريقة أكثر ~~أصحابنا، وفرقوا بينهما بأن إجارة الخدمة تتضمن حبس نفسه على خدمته مدة ~~الإجارة، وذلك فيه نوع إذلال للمسلم وإهانة له تحت يد الكافر فلم يجز، كبيع ~~العبد المسلم له. # قالوا: ويحققه أن عقد الإجارة للخدمة يتعين فيه حبسه مدة الإجارة ~~واستخدامه، والبيع لا يتحقق فيه ذلك، فإذا منع منه فالمنع من الإجارة أولى. # قالوا: ولأنها بيع منافعه، والمنافع تجري مجرى الأعيان فلا يجوز بيع ~~رقبته ولا بعضها ولا منافعه من الذمي. # قالوا: وهذا بخلاف الإجارة على الذمة، فإنها لم تتضمن ذلك، وإنما هي ~~التزام لعمل مضمون في الذمة. # PageV01P565 # وتلخيص مذهبه: أن إجارة المسلم نفسه للذمي ثلاثة أنواع: # أحدها: إجارة على عمل في الذمة، فهذه جائزة. # الثانية: إجارة للخدمة، فهذه فيها روايتان منصوصتان أصحهما المنع منها. # الثالثة: إجارة عينه منه لغير الخدمة، فهذه جائزة «وقد آجر علي رضي الله ~~عنه نفسه من يهودي يستقي له كل دلو بتمرة، وأكل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- من ذلك التمر» . # PageV01P566 # هذا كله إذا كان الإيجار لعمل لا يتضمن تعظيم دينهم وشعائره، فإن كانت ~~الإجارة على عمل يتضمن ذلك لم يجز، كما نص عليه أحمد في رواية إسحاق بن ~~إبراهيم وقد سأله رجل بناء: أبني ناووسا للمجوس؟ فقال: لا تبن لهم. # وقال الشافعي في " كتاب الجزية ms192 " من " الأم ": وأكره للمسلم أن يعمل بناء ~~أو نجارة أو غير ذلك في كنائسهم التي لصلاتهم. # وقال أبو الحسن الآمدي: لا يجوز أن يؤجر نفسه لعمل ناووس ونحوه، رواية ~~واحدة. # فإن قيل: فقد قال الخلال: أخبرني أبو نصر إسماعيل بن عبد الله بن # PageV01P569 # ميمون العجلي قال: قال أبو عبد الله فيمن حمل خمرا أو خنزيرا أو ميتة ~~لنصارى: يكره أكل كرائه، ولكنه يقضي للحمال بالكراء، وإذا كان للمسلم فهو ~~أشد كراهية. # قيل: اختلف الأصحاب في هذا النص على ثلاث طرق: # إحداها: إجراؤه على ظاهره، وأن المسألة رواية واحدة. # قال ابن أبي موسى في " الإرشاد ": وكره أحمد أن يؤجر المسلم نفسه لحمل ~~ميتة أو خنزير لنصراني، فإن فعل قضي له بالكراء، وإن أجر نفسه لحمل محرم ~~لمسلم كانت الكراهية أشد، ويأخذ الكراء، وهل يطيب له على وجهين أوجههما أنه ~~لا يطيب له، وليتصدق به. # وهكذا ذكر أبو الحسن الآمدي قال: إذا آجر نفسه من رجل في حمل خمر أو ~~خنزير أو ميتة كره؛ نص عليه أحمد، وهذه كراهة تحريم ; لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لعن حاملها. # إذا ثبت هذا فيقضى له بالكراء، وغير ممتنع أن يقضى له بالكراء وإن كان ~~محرما كإجارة الحجام، فقد صرح هؤلاء بأنه يستحق الأجرة مع كونها محرمة عليه ~~على الصحيح. # الطريقة الثانية: تأويل هذه الرواية بما يخالف ظاهرها، وجعل المسألة ~~رواية واحدة: أن هذه الإجارة لا تصح وهي طريقة ضعيفة، فإنه صنف # PageV01P570 # " المجرد " قديما، ورجع عن كثير منه في كتبه المتأخرة. # الطريقة الثالثة: تخرج هذه المسألة على روايتين: # إحداهما: أن هذه الإجارة صحيحة يستحق بها الأجرة مع الكراهة للفعل ~~والأجرة. # والثانية: لا تصح الإجارة، ولا يستحق بها أجرة وإن حملها. # وقد قال إسحاق بن منصور: قلت لأبي عبد الله: سئل الأوزاعي عن الرجل يؤجر ~~لنطارة كرم النصراني، فكره ذلك. # فقال أحمد: ما أحسن ما قال؛ لأن أصل ذلك يرجع إلى الخمر إلا أن يعلم أنه ~~يباع لغير الخمر فلا بأس. هذا لفظه، فقد منع مرة ms193 إجارة نفسه لحفظ الكرم ~~الذي يتخذ للخمر، فأولى أن يمنع من إجارة نفسه على حمل الخمر. # وهذه طريقة القاضي في التعليق، وطريقة أصحابه. # وهذا قياس مذهب أحمد ونصوصه في الخمر: أنه لا يجوز إمساكها، ويجب ~~إراقتها. # PageV01P571 # وقد قال في رواية أبي طالب: إذا أسلم وله خمر أو خنزير يصب الخمر ويسرح ~~الخنزير قد حرما عليه، وإن قتلها فلا بأس، فقد نص على أنه لا يجوز إمساكها، ~~وفي حملها إمساك لها. # وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاملها، فكيف تصح الإجارة على ~~حملها؟ وهذا مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد. # PageV01P572 # هذا كله فيما إذا استأجر الخمر والميتة، حيث لا يجوز إقرارها. # أما إن استأجره لحملها للإراقة أو الإلقاء في الصحراء، فإنه تجوز الإجارة ~~على ذلك ; لأنه عمل مباح لكن إن كانت الأجرة لجلد الميتة لم تصح، واستحق ~~أجرة المثل، وإن كان قد سلخ الجلد وأخذه رده على صاحبه وهذا مذهب مالك ~~والشافعي. # قال شيخنا: والأشبه طريقة ابن أبي موسى، فإنها أقرب إلى مقصود أحمد، ~~وأقرب إلى القياس، وذلك " «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن عاصر الخمر ~~ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه» "، فالعاصر والحامل قد عاوضا على منفعة ~~تستحق العوض وليست محرمة في نفسها، وإنما حرمت بقصد المعتصر والمستحمل، فهو ~~كما لو باع عنبا أو عصيرا لمن يتخذه خمرا، وفات العصير والعنب في يد ~~المشتري، فإن مال البائع لا يذهب مجانا، بل يقضي له بعوضه، كذلك هاهنا ~~المنفعة التي وفاها المؤجر لا تذهب مجانا، بل يعطى بدلها، فإن تحريم ~~الانتفاع بها إنما كان من جهة المستأجر، لا من جهته. # ثم نحن نحرم الإجارة عليه لحق الله سبحانه، لا لحق المستأجر والمشتري، ~~بخلاف من استؤجر للزنا أو التلوط أو السرقة ونحو ذلك، فإن نفس هذا الفعل ~~محرم في نفسه، فهو كما لو باعه ميتة أو خمرا أو خنزيرا، فإنه لا يقضى له ~~بثمنها ; لأن نفس هذه العين محرمة. # ومثل هذه الإجارة والجعالة لا توصف بالصحة مطلقا، ولا بالفساد # PageV01P573 # مطلقا بل يقال: ms194 هي صحيحة بالنسبة إلى المستأجر، بمعنى أنه تجب عليه ~~الأجرة والجعل، فاسدة بالنسبة إلى الآجر، يعني أنه يحرم عليه الانتفاع ~~بالمال ولهذا في الشريعة نظائر. # ونص أحمد على كراهة نطارة كرم النصراني لا ينافي هذا، فإنا ننهاه عن هذا ~~الفعل وعن ثمنه، ثم نقضي له بكرائه، ولو لم يفعل هذا لكان فيه منفعة عظيمة، ~~وإعانة للعصاة، فإن من استأجروه على عمل يستعينون به على المعصية قد حصلوا ~~غرضهم منه، ثم لا يعطونه شيئا، وإذا أخذ منهم العوض ينزع منه ثم يرد إليهم ~~هنيئا موفرا. # فإن قيل: فما تقولون فيمن سلم إليهم المنفعة المحرمة التي استأجروه عليها ~~كالغناء والنوح والزنا واللواط؟ # قيل: إن كان لم يقبض منهم العوض لم يقض له به، باتفاق الأمة، وإن كان قد ~~قبض له لم يطب له أكله ولم يملكه بذلك، والجمهور يقولون: يرده عليهم لأنه ~~قبضه قبضا فاسدا، وهذا فيه روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد: # إحداهما: أنه يرده عليهم. # والثانية: لا يأكله ولا يرده، بل يتصدق به. # قال شيخنا: وأصح الروايتين أنه لا يرده عليه، ولا يباح للأخذ، ويصرف في ~~مصالح المسلمين كما نص عليه أحمد في أجرة حمال الخمر. # ومن ظن أنها ترد على الباذل المستأجر ; لأنها مقبوضة بعقد فاسد، فيجب ~~ردها عليه كالمقبوض بعقد الربا ونحوه من العقود الفاسدة، قيل له: # PageV01P574 # المقبوض بالعقد الفاسد يجب فيه التراد من الجانبين، فيرد كل منهما على ~~الآخر ما قبضه منه كما في عقود الربا، وهذا عند من يقول: المقبوض بالعقد ~~الفاسد لا يملك، فأما إذا تلف المعوض عند القابض وتعذر رده فلا يقضى له ~~بالعوض الذي بذله، ويجمع له بين العوض والمعوض، فإن الزاني واللائط ومستمع ~~الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم، واستوفوا عوضه المحرم، ~~وليس التحريم الذي فيه لحقهم، وإنما هو لحق الله، وقد فاتت هذه المنفعة ~~بالقبض، والأصول تقتضي أنه إذا رد أحد العوضين يرد الآخر، فإذا تعذر على ~~المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال الذي بذله في استيفائها. # وأيضا ms195 فإن هذا الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أخذ منفعته وعوضها جميعا، ~~بخلاف ما لو كان العوض خنزيرا أو ميتة فإن ذلك لا ضرر عليه في فواته، فإنه ~~لو كان باقيا أتلفناه عليه، ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت لتوفرت عليه، ~~بحيث يتمكن من صرفها في أمر آخر، أعني القوة التي عمل بها. # فإن قيل: فيلزمكم على هذا أن تقضوا له بها إذا طالب بقبضها، قيل: نحن لا ~~نأمر بدفعها ولا بردها، كعقود الكفار المحرمة، فإنهم إذا أسلموا قبل القبض ~~لم نحكم بالرد، لكن المسلم تحرم عليه هذه الأجرة ; لأنه كان معتقدا ~~لتحريمها بخلاف الكافر، فإذا طلب الأجرة قلنا له: أنت فرطت حيث صرفت قوتك ~~في عمل محرم، فلا يقضى له بالأجرة، فإذا قبضها ثم قال الدافع: هذا المال ~~اقضوا لي برده، فإنه قبض مني باطلا، قلنا له: أنت دفعته بمعاوضة رضيت بها، ~~فإذا طلبت استرجاع ما أخذ منك فاردد إليه ما أخذته منه، فإن في بقائه معه ~~منفعة له. # PageV01P575 # فإن قال: قد تعذر رد المنفعة التي استوفيتها منه، قيل له: فلا يجمع لك ~~بين ما استمتعت به من منفعته وبين العوض الذي بذلته فيها. # فإن قال: أنا بذلت ما لا يجوز بذله، وهو أخذ ما لا يجوز أخذه، قيل: وهو ~~بذل لك من منفعته ما لا يجوز له بذله، واستوفيت أنت ما لا يجوز استيفاؤه، ~~فكلاكما سواء فما الموجب لرجوعك عليه، ولا يفوت عليك شيء، وتفوت المنفعة ~~عليه، وكلاكما راض بما بذل مستوف لعوضه؟ # فإن قال: ما بذلته أنا عين يمكن الرجوع فيها فيجب، وما بذله منفعة لا ~~يمكن الرجوع فيها، إذا أمكن الرجوع في معوضها الذي بذلت في مقابلته، أو إذا ~~لم يمكن: الأول مسلم، والثاني هو محل النزاع، فكيف يجعل مقدمته من مقدمات ~~الدليل؟ وقياسه على المقبوض عوضا عن الخمر والميتة لا يصح كما عرف الفرق ~~بينهما. # على أنا لا نسلم أن مشتري الخمر إذا قبض ثمنها وشربها ثم طلب أن يعاد ~~إليه المال أن يقضي له ms196 به، بل الأوجه ألا يرد إليه الثمن، ولا يباح للبائع ~~أيضا لاسيما ونحن نعاقب الخمار يبيع الخمر بأن يحرق الحانوت التي يباع ~~فيها: نص عليه أحمد وغيره من العلماء، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حرق ~~حانوتا يباع فيها الخمر، وعلي بن أبي طالب حرق قرية يباع فيها الخمر. # وهذا على أصل من يرى جواز العقوبات المالية أطرد، فإنه إذا جاز عقوبته ~~بمال ينزع منه يفسده عليه ويحول بينه وبينه، فأن لا يقضى له بمال أخرجه في ~~المعصية ويمنع من استرجاعه أولى وأحرى، وبالله التوفيق. # PageV01P576 ### | [فصل إجارة دار المسلم لأهل الذمة] ### | 109 - # فصل # [إجارة دار المسلم لأهل الذمة] # فهذا حكم إجارة نفسه لهم، وأما إجارة داره لأهل الذمة فقال الخلال: (باب ~~الرجل يؤاجر داره للذمي أو يبيعها منه) ثم ذكر عن المروذي أن أبا عبد الله ~~سئل عن رجل باع داره من ذمي وفيها محاريب؟ فاستعظم ذلك، وقال نصراني؟ ! ! ~~لا تباع، يضرب فيها الناقوس وينصب فيها الصلبان! # وقال: لا تباع من الكافر، وشدد في ذلك. # وعن أبي الحارث أن أبا عبد الله سئل عن الرجل يبيع داره، وقد جاءه نصراني ~~فأرغبه وزاده في ثمن الدار، ترى أن يبيع منه وهو نصراني أو يهودي أو مجوسي؟ ~~قال: لا أرى له ذلك يبيع داره من كافر يكفر فيها، يبيعها من مسلم أحب إلي، ~~فهذا نص على المنع. # PageV01P577 # ونقل عنه إبراهيم بن الحارث: قيل لأبي عبد الله: الرجل يكري منزله من ~~الذمي، ينزل فيه وهو يعلم أنه يشرب فيه الخمر ويشرك فيه؟ فقال: ابن عون كان ~~لا يكري إلا من أهل الذمة، يقول: يرعبهم، قيل له: كأنه أراد إذلال أهل ~~الذمة بهذا؟ قال: لا، ولكنه أراد أنه كره أن يرعب المسلمين، يقول: إذا جئته ~~أطلب الكراء من المسلم أرعبته، فإذا كان ذميا كان أهون عنده، وجعل أبو عبد ~~الله يعجب من ابن عون فيما رأيت. # PageV01P578 # وهكذا نقل الأثرم سواء، ولفظه: " قلت لأبي عبد الله "، ومسائل الأثرم ~~وإبراهيم بن الحارث يشتركان فيها غالبا. ms197 # ونقل عنه مهنا: سألت أحمد عن الرجل يكري المجوسي داره أو دكانه وهو يعلم ~~أنهم يربون؟ فقال: كان ابن عون لا يرى أن يكري المسلم، ويقول: أرعبهم في ~~أخذ الغلة، وكان يرى أن يكري غير المسلمين. # قال الخلال: كل من حكى عن أبي عبد الله في الرجل يكري داره من ذمي فإنما ~~أجابه أبو عبد الله على فعل ابن عون، ولم ينقل لأبي عبد الله فيه قول، وقد ~~حكى عنه إبراهيم أنه رآه معجبا بقول ابن عون والذين رووا عن أبي عبد الله ~~في المسلم يبيع داره من الذمي أنه كره ذلك كراهية شديدة، فلو نقل لأبي عبد ~~الله في السكنى كان السكنى والبيع عندي واحدا. # PageV01P579 # والأمر في ظاهر قول أبي عبد الله أنه لا يباع منه ; لأنه يكفر فيها وينصب ~~الصلبان وغير ذلك. # والأمر عندي ألا يباع منه ولا يكرى لأنه معنى واحد. # قال: وقد أخبرني أحمد بن الحسين بن حسان قال: سئل أبو عبد الله عن حصين ~~بن عبد الرحمن، فقال: روى عنه حفص لا أعرفه. # قال له أبو بكر: هذا من النساك. # PageV01P580 # حدثني أبو سعيد الأشج: سمعت أبا خالد الأحمر يقول: حفص هذا نفسه باع دار ~~حصين بن عبد الرحمن عابد أهل الكوفة من عون البصري! فقال له أحمد: حفص؟ ~~قال: نعم، فعجب أحمد من حفص بن غياث. # قال الخلال: وهذا أيضا تقوية لمذهب أبي عبد الله [فعلى هذا العمل من ~~قوله: أنه على الكراهية في الجميع] # قال شيخنا: وعون هذا كان من أهل البدع أو من الفساق بالعمل، فأنكر أبو ~~خالد الأحمر على حفص بن غياث قاضي الكوفة أنه باع دار الرجل الصالح من ~~مبتدع، وعجب أحمد من فعل القاضي. # PageV01P581 # قال الخلال: وإذا كان يكره بيعها من فاسق فكذلك من كافر، وإن كان الذمي ~~يقر والفاسق لا يقر لكن ما يفعله الكافر فيها أعظم، وهكذا ذكر القاضي عن ~~أبي بكر عبد العزيز، وقد ذكر قول أحمد في رواية أبي الحارث: لا أرى أن يبيع ~~داره من ms198 كافر يكفر بالله فيها، يبيعها من مسلم أحب إلي. # فقال أبو بكر: لا فرق بين الإجارة والبيع عنده فإذا أجاز البيع أجاز ~~الإجارة، وإذا منع البيع منع الإجارة، ووافقه القاضي وأصحابه على ذلك. # قال شيخنا: وتلخيص الكلام في ذلك: أما بيع داره من كافر فقد ذكرنا منع ~~أحمد منه ثم اختلف أصحابه في ذلك هل هذا تنزيه أو تحريم؟ فقال الشريف أبو ~~علي بن أبي موسى: كره أحمد أن يبيع مسلم داره من ذمي يكفر فيها بالله ~~تعالى، ويستبيح المحظورات، فإن فعل أساء ولم يبطل البيع. # وكذلك أبو الحسن الآمدي أطلق الكراهة مقتصرا عليها. # وأما الخلال وصاحبه والقاضي فمقتضى كلامهم تحريم ذلك، وصرح به القاضي ~~فقال: لا يجوز أن يؤاجر داره أو بيته ممن يتخذه كنيسة أو بيت نار، أو يبيع ~~فيه الخمر، سواء شرط أنه يبيع فيه الخمر أم لم يشرط، # PageV01P582 # لكنه يعلم أنه يبيع فيه الخمر، وقد قال أحمد في رواية أبي الحارث: لا أرى ~~أن يبيع داره من كافر يكفر فيها بالله " إلى آخر كلامه. # قال القاضي: وقال أحمد أيضا في نصارى وقفوا ضيعة لهم البيعة: لا يستأجرها ~~الرجل المسلم منهم يعينهم على ما هم فيه، قال: وبهذا قال الشافعي. # ثم قال القاضي: فإن قيل: أليس قد أجاز أحمد إجارتها من أهل الذمة مع علمه ~~بأنهم يفعلون فيها ذلك؟ قيل: المنقول عن أحمد أنه حكى قول ابن عون وعجب ~~منه، وذكر القاضي رواية الأثرم، وهذا يقتضي أن القاضي لا يجيز إجارتها من ~~ذمي، وقد قال أبو بكر: إذا أجاز البيع أجاز الإجارة، وإذا منع منع. # قال شيخنا: وكلام أحمد يحتمل الأمرين فإن قوله في رواية أبي الحارث: ~~يبيعها من مسلم أحب إلي، يقتضي أنه منع تنزيه واستعظامه لذلك في رواية ~~المروذي، وقوله: لا يباع من الكافر، وتشديده في ذلك يقتضي التحريم. # وأما الإجارة فقد سوى الأصحاب بينها وبين البيع وما حكاه عن ابن عون فليس ~~بقول أحمد، وإعجابه بفعله إنما هو لحسن مقصد ابن عون ونيته الصالحة، ms199 ويمكن ~~أن يقال: ظاهر الرواية أنه أجاز ذلك، فإن إعجابه بالفعل دليل جوازه عنده، ~~واقتصاره على الجواب بفعل رجل يقتضي أنه مذهبه في أحد الوجهين. # والفرق بين الإجارة والبيع أن ما في الإجارة من مفسدة الإعانة قد # PageV01P583 # عارضه مصلحة أخرى، وهي صرف إرعاب المطالبة بالكراء عن المسلم، وإنزال ذلك ~~بالكافر وصار ذلك بمنزلة إقرارهم بالجزية، فإنه وإن كان إقرارا لكافر لكن ~~لما تضمنه من المصلحة جاز، ولذلك جازت مهادنة الكفار في الجملة. # فأما البيع فهذه المصلحة منتفية فيه، وهذا ظاهر على قول ابن أبي موسى ~~وغيره أن البيع مكروه غير محرم، فإن الكراهة في الإجارة تزول بهذه المصلحة ~~الراجحة، كما في نظائرها فيصير في المسألة أربعة أقوال. # قال شيخنا وهذا الخلاف عندنا والتردد في الكراهة هو إذا لم يعقد الإجارة ~~على المنفعة المحرمة، فأما إن أجره إياها لأجل بيع الخمر أو اتخاذها كنيسة ~~أو بيعة لم يجز، قولا واحدا وبه قال الشافعي وغيره، كما لا يجوز أن يكري ~~أمته أو عبده للفجور. # وقال أبو حنيفة: يجوز أن يؤاجرها لذلك. # قال أبو بكر الرازي: لا فرق عند أبي حنيفة بين أن يشترط أن يبيع فيه ~~الخمر وبين ألا يشترط، لكنه يعلم أنه يبيع فيه الخمر، أن الإجارة تصح ~~ومأخذه في ذلك أنه لا يستحق عليه بعقد الإجارة فعل هذه الأشياء، وإن شرط له ~~ألا يبيع فيها الخمر ولا يتخذها كنيسة، ويستحق عليه الأجرة # PageV01P584 # بالتسليم في المدة فإذا لم يستحق عليه فعل هذه الأشياء كان ذكرها وترك ~~ذكرها سواء، كما لو اكترى دارا لينام فيها أو يسكنها فإن الأجرة تستحق عليه ~~وإن لم يفعل ذلك، وكذلك يقول فيما إذا استأجر رجلا لحمل خمر أو خنزير أنه ~~يصح ; لأنه لا يتعين حمل الخمر، بل لو حمل عليه بدله عصيرا استحق الأجرة، ~~فهذا التقييد عنده لغو، فهو بمنزلة الإجارة المطلقة، والمطلقة عنده جائزة، ~~وإن غلب على ظنه أن المستأجر يعصي فيها، كما يجوز بيع العصير لمن يتخذه ~~خمرا، ثم إنه كره بيع السلاح في ms200 الفتنة، قال: لأن السلاح معمول للقتال لا ~~يصلح لغيره، وعامة الفقهاء خالفوه في المقدمة الأولى، وقالوا: ليس المقيد ~~كالمطلق، بل المنفعة المعقود عليها هي المستحقة، فتكون هي المقابلة بالعوض ~~وهي منفعة محرمة، وإن جاز للمستأجر أن يقيم مثله مقامه، وألزموه ما لو ~~اكترى دارا ليتخذها مسجدا، فإنه لا يستحق عليه فعل المعقود عليه، ومع هذا ~~فإنه أبطل هذه الإجارة بناء على أنها اقتضت فعل الصلاة، وهي لا تستحق بعقد ~~إجارة. # ونازعه أصحابنا وكثير من الفقهاء في المقدمة الثانية وقالوا: إذا غلب على ~~ظنه أن المستأجر ينتفع بها في محرم حرمت الإجارة له ; لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «لعن عاصر الخمر ومعتصرها» والعاصر إنما يعصر عصيرا لكن إذا ~~رأى أن المعتصر يريد أن يتخذه خمرا أو عصيرا استحق اللعنة، وهذا أصل مقرر ~~في غير هذا الموضع لكن معاصي الذمي قسمان: # أحدهما: ما اقتضى عقد الذمة إقراره عليها. # PageV01P585 # والثاني: ما اقتضى عقد الذمة منعه منها أو من إظهارها. # فأما القسم الثاني فلا ريب أنه لا يجوز على أصل أحمد أن يؤاجر أو يبايع ~~إذا غلب على الظن أنه يفعل ذلك كالمسلم وأولى. # وأما القسم الأول فعلى ما قاله ابن أبي موسى: يكره ولا يحرم ; لأنا قد ~~أقررناه على ذلك، وإعانته على سكنى هذه الدار كإعانته على سكنى دار ~~الإسلام، فلو كان هذا من الإعانة المحرمة لما جاز إقراره بالجزية وإنما كره ~~ذلك ; لأنه إعانة من غير مصلحة لإمكان بيعها من مسلم بخلاف الإقرار بالجزية ~~فإنه جاز لأجل المصلحة، وعلى ما قاله القاضي: لا يجوز ; لأنه إعانة على ما ~~يستعين به على المعصية من غير مصلحة تقابل هذه المفسدة، فلم يجز بخلاف ~~إسكانهم دار الإسلام، فإن فيه من المصالح ما هو مذكور في فوائد إقرارهم ~~بالجزية. ### | [فصل الكفار ممنوعون من الاستيلاء على أملاك المسلمين] ### | 110 - # فصل # [الكفار ممنوعون من الاستيلاء على أملاك المسلمين] # وحقيقة الأمر أن الكفار ممنوعون من الاستيلاء على ما ثبت للمسلمين فيه حق ~~من عقار أو رقيق أو زوجة ms201 مسلمة أو إحياء موات أو تملك بشفعة من مسلم ; لأن ~~مقصود الدعوة أن تكون كلمة الله هي العليا، وإنما أقروا بالجزية للضرورة ~~العارضة، والحكم المقيد بالضرورة مقدر بقدرها، ولهذا لم يثبت عن واحد من ~~السلف لهم حق شفعة على مسلم، وأخذ بذلك الإمام أحمد وهي من مفرداته التي ~~برز بها على الثلاثة ; لأن الشقص يملكه # PageV01P586 # المسلم إذا أوجبنا فيه شفعة لذمي كنا قد أوجبنا على المسلم أن ينقل الملك ~~في عقاره إلى كافر بطريق القهر للمسلم، وهذا خلاف الأصول. # والشفعة في الأصل إنما هي من حقوق أحد الشريكين على الآخر، بمنزلة الحقوق ~~التي تجب للمسلم على المسلم، كإجابة الدعوة وعيادة المريض، وكمنعه أن يبيع ~~على بيع أخيه أو يخطب على خطبته. # قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الذمي اليهودي والنصراني لهم شفعة؟ ~~قال: لا، قلت: المجوسي؟ قال: ذاك أشد. # PageV01P587 # وقال حرب: سألت أحمد قلت: أهل الذمة لهم شفعة؟ قال: لا. # وقال أبو داود: سمعت أبا عبد الله يسأل: للذمي شفعة؟ قال: لا. # وذلك نقل أبو طالب وصالح وأبو الحارث والأثرم، كلهم عنه: ليس للذمي شفعة. # زاد أبو الحارث: مع المسلم. # قال الأثرم: قيل له: لم؟ قال: لأنه ليس له مثل حق المسلم واحتج فيه. # قال الأثرم: ثنا [ابن] الطباع، ثنا هشيم، أخبرنا الشيباني عن الشعبي أنه ~~كان يقول: ليس لذمي شفعة. # PageV01P588 # وقال سفيان عن حميد عن أبيه: إنما الشفعة لمسلم، ولا شفعة لذمي. # PageV01P589 # وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن زيد عن ليث عن مجاهد أنه ~~قال: ليس ليهودي ولا لنصراني شفعة. # وقال الخلال: أخبرني محمد بن الحسن بن هارون قال: سئل أبو عبد الله، وأنا ~~أسمع عن الشفعة للذمي، قال: ليس للذمي شفعة، ليس له # PageV01P590 # حق المسلم. # أخبرني عصمة بن عصام، حدثنا حنبل قال: سمعت أبا عبد الله قال: ليس ليهودي ~~ولا لنصراني شفعة، إنما ذلك للمسلمين بينهم. # وقال في رواية إسحاق بن منصور: ليس لليهودي والنصراني شفعة، قيل: ولم؟ ~~قال: لأن النبي - صلى ms202 الله عليه وسلم - قال: " «لا يجتمع دينان في جزيرة ~~العرب» ". # وهذا مذهب شريح والحسن والشعبي. # واحتج الإمام أحمد بثلاث حجج: # PageV01P591 # إحداها: أن الشفعة من حقوق المسلمين بعضهم على بعض، فلا حق للذمي فيها، ~~ونكتة هذا الاستدلال أن الشفعة من حق المالك لا من حق الملك. # الحجة الثانية: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «لا تبدءوا اليهود ~~والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه» " وتقرير ~~الاستدلال من هذا أنه لم يجعل له حقا في الطريق المشترك عند تزاحمهم مع ~~المسلمين، فكيف يجعل لهم حقا إلى انتزاع ملك المسلم منه قهرا؟ بل هذا تنبيه ~~على المنع من انتزاع الأرض من يد المسلم وإخراجه منها لحق الكافر، لنفي ضرر ~~الشركة عنه، وضرر الشركة على الكافر أهون عند الله من تسليطه على إزالة ملك ~~المسلم عنه قهرا. # الدليل الثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «لا يجتمع دينان في جزيرة ~~العرب» "، ووجه الاستدلال من هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم ~~بإخراجهم من أرضهم ونقلها إلى المسلمين، لتكون كلمة الله هي العليا ويكون ~~الدين كله لله، فكيف نسلطهم على انتزاع أراضي المسلمين منهم قهرا وإخراجهم ~~منها؟ # وأيضا، فالشفعة حق يختص بالعقار، فلا يساوي الذمي فيه المسلم كالاستعلاء ~~في البنيان، يوضحه أن الاستعلاء تصرف في هواء ملكه المختص به، فإذا منع منه ~~فكيف يسلط على انتزاع ملك المسلم به قهرا، وهو ممنوع # PageV01P592 # من التصرف في هوائه تصرفا يستعلي فيه على المسلم؟ فأين هذا الاستعلاء من ~~استعلائه عليه بإخراجه من ملكه قهرا؟ # وأيضا، فالشفعة وجبت لإزالة الضرر عن الشفيع، وإن كان فيها ضرر بالمشتري ~~فإذا كان المشتري مسلما فسلط الذمي على انتزاع ملكه منه قهرا كان فيه تقديم ~~حق للذمي على حق المسلم، وهذا ممتنع. # وأيضا، فإنه يتضمن مع إضراره بالمسلم إضرارا بالدين، وتملك دار المسلمين ~~منهم قهرا، وشغلها بما يسخط الله بدل ما يرضيه، وهذا خلاف قواعد الشرع. # ولذلك حرم عليهم نكاح المسلمات إذ كان فيه نوع استعلاء عليهن، ولذلك لم ~~يجز القصاص ms203 بينهم وبين المسلمين ولا حد القذف، ولا يمكنون من تملك رقيق ~~مسلم، وقد قال تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} ~~[النساء: 141] ، ومن أعظم السبيل تسليط الكافر على انتزاع أملاك المسلمين ~~منهم وإخراجهم منها قهرا، وقد قال تعالى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب ~~الجنة} [الحشر: 20] ، وهذا يقتضي مطلق المساواة بين المسلم والكافر، لا نفي ~~المساواة المطلقة، فإنها منتفية عن كل شيئين وإن تماثلا، وبهذه الآية احتج ~~من نفى القصاص بينهم وبين المسلمين. # وأيضا، فالذمي تبع لنا في الدار، وليس بأصل من أهل الدار، ولهذا عند ~~الشافعي يؤدي الجزية أجرة لمكان السكنى والتبسط في دار الإسلام، # PageV01P593 # ولهذا متى نقض العهد ألحق بمأمنه، وأخرج من دارنا وألحق بداره، فهو في ~~دار الإسلام أجري مجرى الساكن المنتفع، لا مجرى الساكن الحقيقي، وحق السكنى ~~لا يقوى على انتزاع الشقص من يد مالكه، وقد قال تعالى: {ولقد كتبنا في ~~الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105] ، ~~وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لليهود: " «اعلموا أن الأرض لله ورسوله» ~~"، فعباده الصالحون هم وارثوها، وهم الملاك لها على الحقيقة، والكفار فيها ~~تبع ينتفعون بها لضرورة إبقائهم بالجزية، فلا يساوون المالكين حقيقة، ولهذا ~~منعهم كثير من الأئمة من شراء الأرض العشرية، لما في ذلك من إسقاط حق ~~المسلم من العشر الذي يجب فكيف يسلطون على انتزاع نفس أرض المسلم وعقاره ~~منه قهرا؟ # وأيضا، فلو كانوا مالكين حقيقة لما أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بإخراجهم من جزيرة العرب وقال: " «لئن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة ~~العرب» " هذا مع بقائهم على عهدهم وعدم نقضهم له، فلو كانوا مالكين لدورهم ~~حقيقة لما أخرجهم منها ولم ينقضوا عهدا. # PageV01P594 # ولهذا احتج الإمام أحمد بذلك على أنه لا شفعة لهم على مسلم، وهذا من ألطف ~~ما يكون من الفهم، وأدق ما يكون من الفقة. # وأيضا، فالشفعة تقف على ملك ومالك، فإذا اختصت الشفعة بملك دون مالك، وهو ~~العقار دون غيره، فأولى أن تختص بمالك دون مالك، وهو المسلم ms204 دون غيره، وهذا ~~على أصل من يقول: (الشفعة تثبت على خلاف القياس ظاهر جدا، فإنها تسليط على ~~انتزاع ملك الغير منه قهرا، لمصلحة الشفيع، فيجب أن يقتصر بها على ما قام ~~عليه الدليل، وثبت به الإجماع دون غيره. # وأما نحن فليست الشفعة عندنا على خلاف القياس، ولكن حكمة الشارع وقياس ~~أصوله أوجبتها، دفعا لضرر الشركة بحسب الإمكان، وإذا كان البائع قد رغب عن ~~الشقص ورضي بالثمن، فرغبته عنه لشريكه ليدفع عنه ضرر الشريك الدخيل أولى، ~~وهو يأخذ منه الثمن الذي يأخذه من الشريك، ولا يفوت عليه شيء. # فهذا محض قياس الأصول، ولكن هذا حق للمسلم على المسلم، فلا حق للذمي فيه ~~كسائر الحقوق التي لأهل الإسلام بعضهم على بعض، وإذا كان كثير من الفقهاء ~~يمنعون الذمي من التمليك بالإحياء كعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد في ~~رواية وكثير من المالكية، مع أن الإحياء لا يتضمن انتزاع ملك مسلم منه، ~~فلأن يمنع من انتزاع أرض المسلم وعقاره # PageV01P595 # منه قهرا أولى وأحرى. # وأيضا، فإذا منع من مشاركة المسلم في تجديد الملك فيما هو مشترك - وفيه ~~عمارة لدار الإسلام - فأحرى أن يمنع من انتزاع عقار ثبت عليه ملك المسلم ~~واختص به، فإن إزالة الملك الخاص وانتزاعه من المسلم قهرا أشد ضررا من ~~المشاركة فيما هو مشترك بين العموم. # وليس مع الموجبين للشفعة نص من كتاب الله ولا سنة من رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولا إجماع من الأمة، وغاية ما معهم إطلاقات وعمومات ~~كقوله: " «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما لم يقسم» "، وقوله: " ~~«من كان له شريك في ربعة أو حائط فلا يحل أن يبيع حتى يؤذن شريكه» "، ونحو ~~ذلك مما لا يعرض فيه للمستحق، وإنما سيقت لأحكام الأملاك لا لعموم الأملاك ~~من أهل الملة وغيرها. # وليس معهم قياس استوى فيه الأصل والفرع في المقتضي للحكم، فإن قياس ~~الكافر على المسلم من أفسد القياس، وكذلك قياس بعضهم من تجب له الشفعة بمن ~~تجب عليه من أفسد القياس أيضا، فإن الذمي ms205 يستحق عليه القصاص، ولا يستحقه هو ~~على المسلم، ويستحق عليه حد القذف ولا # PageV01P596 # يستحقه، وكذلك المطلق في مرض الموت يستحق عليه الميراث ولا يستحقه، وكذلك ~~المسلم يستحق تعلية البنيان على الذمي ولا يستحقه الذمي عليه، والمسلم ~~يستحق نكاح الكافرة وشراء الرقيق الكافر، ولا يستحق الذمي نكاح المسلمة ولا ~~شراء الرقيق المسلم، والمسلم يستأجر الكافر للخدمة دون العكس. # وكذلك قياس بعضهم الأخذ بالشفعة على الرد بالعيب من هذا النمط، فإن الرد ~~بالعيب من باب استدراك الظلامة وأخذ الجزء الفائت الذي يترك على الثمن في ~~مقابلته، فأين ذلك من تسليطه على انتزاع ملك المسلم منه قهرا، واستيلائه ~~عليه؟ # وكذلك قياس بعضهم ذلك على ثبوت الخيار في البيع هو من هذا الضرب، فإن ~~الخيار إن كان خيار شرط فهو شرطه له على نفسه، وإن كان خيار مجلس فمن لا ~~يثبته كيف يحتج به؟ وإن ألزم به من يثبته فهو يفترق عنه بأن خيار المجلس هو ~~موجب العقد شرعا فلا يتخلف عن العقد، كالحلول والتقابض والسلامة، وكذلك ~~قياس بعضهم الأخذ بالشفعة على التملك بالإحياء مع أنه تملك بغير عوض يرجع ~~إلى المسلمين، فيقال: من الذي سلم الحكم في هذه المسألة؟ وقد تنازع فيها ~~الفقهاء قديما وحديثا على أحوال أربعة: # أحدها: أنه لا يملك بالإحياء في دار الإسلام: وهذا اختيار أبي عبد الله ~~بن حامد، وهو منصوص الشافعي وقول طائفة من المالكية وأهل # PageV01P597 # الظاهر. # الثاني: أنه يملك به كالمسلم، وهو المنصوص عن أحمد في رواية حرب وإبراهيم ~~بن هانئ ويعقوب بن بختان ومحمد بن [أبي] حرب، وهو قول الحنفية وأكثر ~~المالكية، واختيار أكثر الأصحاب. # PageV01P598 # واستثنى المالكية ما أحياه بجزيرة العرب، فإنه لا يملكه فإن فعل أعطي ~~قيمة ما عمر ونزع منه. # والقول الثالث: أنه إن أذن له الإمام ملك به وإلا لم يملك، وهذا مذهب ابن ~~المبارك. # الرابع: أنه إن أحيا فيما بعد من العمران ملكه، وإن أحيا فيما قرب من ~~العمران لم يملكه وإن أذن فيه الإمام، فإن فعل أعطي قيمة ما عمر ونزع ms206 منه، ~~وهذا قول مطرف وابن الماجشون. # والذين يملكونه بالإحياء اختلفوا فيما أحياه، هل يلزمه عنه خراج أو عشر، ~~أو لا يلزمه شيء من ذلك؟ # PageV01P599 # فقال صاحب " المحرر ": والذمي كالمسلم في الملك بالإحياء، نص عليه، لكن ~~إن أحيا موات عنوة لزمه عنه الخراج، وإن أحيا غيره فلا شيء عليه فيه. # ونقل عنه حرب: عليه عشر ثمره وزرعه. # والمقصود أنا إن قلنا: لا يملك الذمي بالإحياء بطل الاستدلال به، وإن ~~قلنا: يملك به فالفرق بينه وبين تملكه بالشفعة من وجوه ثلاثة: # أحدها: أنه بالإحياء لا ينتزع ملك مسلم منه، بل يحيي مواتا لا حق فيه ~~لأحد ينتفع به، فهو كتملك المباحات من الحطب والحشيش والمعادن وغيرها. # الثاني: أنه ليس في إحيائه ضرر على المسلم ولا قهر وإذلال له، بخلاف ~~تسليطه على إخراجه من داره وأرضه، واستيلائه هو عليها. # الثالث: أنه بالإحياء عامر للأرض الموات، وفي ذلك نفع له وللإسلام، بخلاف ~~قهره للمسلم وأخذ أرضه وداره منه، وإخراجه منها، فقياس الأخذ بالشفعة على ~~الإحياء باطل. # وعلى هذا فيجاب عن هذا القياس بالجواب المركب: أنه إن لم يكن بين الإحياء ~~والأخذ بالشفعة فرق، فالحكم فيهما واحد وهو عدم الملك بهما، وإن كان بينهما ~~فرق بطل الالتزام به والله أعلم. # PageV01P600 ### | [فصل في حكم أوقافهم ووقف المسلم عليهم] ### | 111 - # فصل # في حكم أوقافهم ووقف المسلم عليهم. # أما ما وقفوه هم فينظر فيه، فإن أوقفوه على معين أو جهة يجوز للمسلم ~~الوقف عليها كالصدقة على المساكين والفقراء وإصلاح الطرق والمصالح العامة، ~~أو على أولادهم وأنسالهم وأعقابهم، فهذا الوقف صحيح، حكمه حكم وقف المسلمين ~~على هذه الجهات، لكن إن شرط في استحقاق الأولاد والأقارب بقاءهم على الكفر، ~~فإن أسلموا لم يستحقوا شيئا لم يصح هذا الشرط، ولم يجز للحاكم أن يحكم ~~بموجبه باتفاق الأمة، فإنه مناقض لدين الإسلام، مضاد لما بعث الله به رسوله ~~- صلى الله عليه وسلم -، وهو أبلغ في ذلك من أن يقف على أولاده ما داموا ~~ساعين في الأرض بالفساد مرتكبين لمعاصي الله، فمن تاب ms207 منهم أخرج من الوقف ~~ولم يستحق منه شيئا، وهذا لا يجيزه مسلم. # فإن قيل: فما تقولون لو وقفوا على مساكين أهل الذمة، هل يستحقونه دون ~~مساكين المسلمين أو يستحقه مساكين المسلمين دونهم أو يشتركون فيه؟ # قيل: لا ريب أن الصدقة جائزة على مساكين أهل الذمة، والوقف صدقة، فهاهنا ~~وصفان: وصف يعتبر وهو المسكنة، ووصف ملغى في الصدقة، والوقف وهو الكفر، ~~فيجوز الدفع إليهم من الوقف بوصف # PageV01P601 # المسكنة لا بوصف الكفر، فوصف الكفر ليس بمانع من الدفع إليهم، ولا هو شرط ~~في الدفع كما يظنه الغالط أقبح الغلط وأفحشه، وحينئذ فيجوز الدفع إليه ~~بمسكنته وإن أسلم فهو أولى بالاستحقاق فالفرق بين أن يكون الكفر جهة ~~وموجبا، وبين ألا يكون مانعا، فجعل الكفر جهة موجبا للاستحقاق مضاد لدين ~~الله تعالى وحكمه، وكونه غير مانع موافق لقوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن ~~الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ~~إن الله يحب المقسطين - إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين ~~وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم ~~الظالمون} [الممتحنة: 8 - 9] . # فإن الله سبحانه لما نهى في أول السورة عن اتخاذ المسلمين الكفار أولياء ~~وقطع المودة بينهم وبينهم، توهم بعضهم أن برهم والإحسان إليهم من الموالاة ~~والمودة، فبين الله سبحانه أن ذلك ليس من الموالاة المنهي عنها، وأنه لم ~~ينه عن ذلك بل هو من الإحسان الذي يحبه ويرضاه، وكتبه على كل شيء، وإنما ~~المنهي عنه تولي الكفار والإلقاء إليهم بالمودة، ولا ريب أن جعل الكفر ~~بالله وتكذيب رسوله موجبا وشرطا في الاستحقاق من أعظم موالاة الكفار المنهي ~~عنها فلا يصح من المسلم ولا يجوز للحاكم تنفيذه من أوقاف الكفار، فأما إذا ~~وقفوا ذلك فيما بينهم ولم يتحاكموا إلينا ولا استفتونا عن حكمه لم يتعرض ~~لهم فيه، وحكمه حكم عقودهم وأنكحتهم الفاسدة. # وكذلك وقف المسلم عليهم؛ فإنه يصح منه ما وافق حكم الله # PageV01P602 # ورسوله، فيجوز أن يقف على معين منهم أو على ms208 أقاربه وبني فلان ونحوه، ولا ~~يكون الكفر موجبا وشرطا في الاستحقاق ولا مانعا منه، فلو وقف على ولده أو ~~أبيه أو قرابته استحقوا ذلك وإن بقوا على كفرهم، فإن أسلموا فأولى ~~بالاستحقاق، وكذلك إن وقف على مساكينهم وفقرائهم وزمناهم ونحو ذلك استحقوا، ~~وإن بقوا على كفرهم فإن أسلموا فأولى بالاستحقاق. # وأما الوقف على كنائسهم وبيعهم ومواضع كفرهم التي يقيمون فيها شعار الكفر ~~فلا يصح من كافر ولا مسلم، فإن في ذلك أعظم الإعانة لهم على الكفر ~~والمساعدة والتقوية عليه، وذلك مناف لدين الله. # وللإمام أن يستولي على كل وقف وقف على كنيسة أو بيت نار أو بيعة، كما له ~~أن يستولي على ما وقف على الحانات والخمارات وبيوت الفسق، بل أولى؛ فإن ~~بيوت الكفر أبغض إلى الله ورسوله من بيوت الفسق، وشعار الكفر أعظم من شعائر ~~الفسق، وأضر على الدين. # وإن كنا نقر بيوت الكفر الجائز إقرارها ولا نقر بيوت الفسق فما ذاك لأنها ~~أسهل منها وأهون، بل لأن عقد الذمة اقتضى إقرارهم عليها، كما نقر الكافر ~~على كفره ولا نقر الفاسق على فسقه، فللأمام أن ينتزع تلك الأوقاف ويجعلها ~~على القربات، ونحن لم نقر أهل الذمة في بلاد الإسلام على أن يتملكوا أرض ~~المسلمين ودورهم، ويستعينوا بها على شعار الكفر. # وقد بينا أنهم في دار الإسلام تبع، ولهذا قال الشافعي ومن وافقه: إن ~~الجزية تؤخذ منهم عوض سكناهم بين أظهر المسلمين، وانتفاعهم بدار # PageV01P603 # الإسلام وإلا فالأرض لله ولرسوله وعباده المسلمين الذين كتب الله في ~~الزبور من بعد الذكر أنه يورثها عباده الصالحين. # وقد صرح بذلك المالكية في كتبهم، فقال القاضي أبو الوليد: والظاهر عندي ~~أنه لا يجوز الوقف على الكنيسة ; لأنه صرف صدقته إلى وجه معصية محضة، كما ~~لو صرفها في شراء خمر وأعطاها لأهل الفسق، ونص الإمام أحمد على ما هو أبلغ ~~من ذلك. # قال الخلال في " جامعه " (باب النصارى يوقفون على البيع، # PageV01P604 # فيموت النصراني، ويخلف أولادا فيسلمون) : أخبرني محمد بن أبي هارون ~~الوراق أن إسحاق بن إبراهيم ms209 بن هانئ حدثهم، وأخبرنا محمد بن علي، ثنا يعقوب ~~بن بختان قال: سئل أبو عبد الله عن أقوام نصارى أوقفوا على البيعة ضياعا ~~كثيرة، فمات النصارى ولهم أبناء نصارى ثم أسلم بعد ذلك الأبناء، والضياع ~~بيد النصارى، ألهم أن يأخذوها من أيدي النصارى؟ قال أبو عبد الله: نعم ~~يأخذونها، وللمسلمين أن يعينوهم حتى يستخرجوها من أيديهم. # وهذا مذهب الشافعي أيضا. # قال الشيخ في " المغني ": ولا نعلم فيه خلافا، وذلك لأن ما لا يصح من ~~المسلم الوقف عليه لا يصح من الذمي، كالوقف على غير معين. # قال: فإن قيل: فقد قلتم إن أهل الكتاب إذا عقدوا عقودا فاسدة وتقابضوا ثم ~~أسلموا أو ترافعوا إلينا لم ننقض ما فعلوه، فكيف أجزتم الرجوع فيما وقفوه ~~على كنائسهم؟ قلنا: الوقف ليس بعقد معاوضة، وإنما هو إزالة للملك في ~~الموقوف على وجه القربة، فإذا لم يقع صحيحا لم يزل الملك، فبقي بحاله ~~كالعتق. # PageV01P605 # قال: وقد روي عن أحمد في نصراني أشهد في وصيته أن غلامه فلانا يخدم ~~البيعة خمس سنين، ثم هو حر ثم مات مولاه وخدم سنة ثم أسلم، ما عليه؟ قال: ~~هو حر ويرجع على الغلام بأجرة خدمته مبلغ أربع سنين، وروي عنه أنه حر ساعة ~~مات مولاه ; لأن هذه معصية. # قال: وهذه الرواية أصح وأوفق لأصوله، ويحتمل أن قوله: " يرجع عليه بخدمة ~~أربع سنين " لم يكن لصحة الوصية بل لأنه إنما أعتقه بعوض اعتقد صحته، فإذا ~~تعذر الغرض بإسلامه كان عليه ما يقوم مقامه، كما لو تزوج الذمي ذمية على ~~ذلك ثم أسلم فإنه يجب عليه المهر، كذا هاهنا يجب عليه العوض والأول أولى، ~~انتهى كلامه. # فقد صرح في مسألة الوقف أنه ينزع ويدفع إلى أيدي أولاده الذين أسلموا، ~~وهذا تصريح منه ببطلان الوقف، وأنه لما مات انتقل ميراثا عنه إلى أولاده، ~~ثم أسلموا بعد أن ورثوه. # وأما مسألة الوصية فلا تناقض ذلك ; لأن العتق فيها بعوض فإذا لم يصح رجع ~~الوارث في مقابله، وهو القيمة كما ذكره الشيخ. ### | [فصل أحكام الوصية ms210 للكفار] ### | 112 - # فصل # [أحكام الوصية للكفار] # وقد قال أحمد في رواية حرب، وقد سأله: الرجل يوصي لقرابته وله قرابة ~~مشركون هل يعطون شيئا؟ ، قال: لا، إلا أن يسميهم. # PageV01P606 # وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن الرجل يوصي لقرابته وفيهم يهودي أو ~~نصراني ومسلمون؟ قال: سماهم؟ قلت: لا، قال: فلا يعطى اليهودي والنصراني، ~~يعطى المسلمون، قلت: فإن سمى اليهودي والنصراني؟ قال: إذا سماهم نعم. # وقد استشكل هذا من لم يدرك دقة فقه أبي عبد الله، فقال بعض الأصحاب: كأنه ~~رأى أن وصيته لأقاربه، وصلته لهم قرينة تدل على أنه أراد أهل الإسلام منهم، ~~والكفار وإن دخلوا في القرابة فيجوز تخصيصهم بقرينة تخرجهم، فإذا سماهم فقد ~~نص عليهم، فيستحقون، وقد تضمن جواب أحمد أمورا ثلاثة: # أحدها: صحة الوصية للذمي المعين، وكذلك يصح الوقف عليه، وفعلت صفية بنت ~~حيي أم المؤمنين هذا وهذا. # قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان عن أيوب عن عكرمة أن صفية بنت حيي باعت ~~حجرتها من معاوية بمائة ألف، وكان لها أخ يهودي فعرضت عليه أن يسلم فأبى، ~~فأوصت له بثلث المائة. # PageV01P607 # وقال الشيخ في " المغني ": " وروي أن صفية بنت حيي وقفت على أخ لها يهودي ~~". # الأمر الثاني: أن الوصية لا تصح للكفار، وإن صحت للمعين الكافر، فالفرق ~~بين أن يكون الكفر جهة أو تكون الجهة غيره، والكفر ليس بمانع كما أوصت صفية ~~لأخيها وهو يهودي، فلو جعل الكفر جهة لم تصح الوصية اتفاقا، كما لو قال: ~~أوصيت بثلثي لمن يكفر بالله ورسوله ويعبد الصليب ويكذب محمدا - صلى الله ~~عليه وسلم -، بخلاف ما لو قال: # PageV01P609 # أوصيت به لفلان وهو كذلك فإن الوصية لا تصح على جهة معصية وفعل محرم، ~~مسلما كان الموصي أو ذميا، فلو وصى ببناء كنيسة أو بيت نار أو عمارتهما أو ~~الإنفاق عليهما كان باطلا. # قال في " المغني ": وبهذا قال الشافعي وأبو ثور. # وقال أصحاب الرأي: يصح وأجاز أبو حنيفة الوصية بأرض تبنى كنيسة وخالفه ~~صاحباه، وأجاز أصحاب الرأي أن يوصي بشرب خمر أو خنازير ms211 ويتصدق به على أهل ~~الذمة. # قال: وهذه وصايا باطلة وأفعال محرمة ; لأنها معصية فلم تصح الوصية بها ~~كما لو وصى بعبده أو أمته للفجور. # قال: وذكر القاضي أنه لو وصى بحصر للبيع أو قناديل وما شاكل ذلك، ولم ~~يقصد إعظامها بذلك صحت الوصية ; لأن الوصية لأهل الذمة فإن النفع يعود ~~إليهم والوصية لهم صحيحة. # PageV01P610 # قال: والصحيح أن هذا مما لا تصح الوصية به ; لأن ذلك إنما هو إعانة لهم ~~على معصيتهم وتعظيم لكنائسهم. # قال: هذا ذكره القاضي في " المجرد " وهو من أوائل كتبه، وقد رجع عن كثير ~~منه، وهذا مخالف لنص أحمد وقواعده وأصوله، فإنه قد صرح ببطلان الوقف على ~~البيعة وعود الوقف ملكا للورثة، وقد منع أحمد المسلم من كراء منزله من ~~الكافر، فكيف يجوز الوصية بما يزين به الكنيسة وعملها؟ # وكذلك من ذكر جواز مثل هذه الوصية من أصحاب الشافعي فقد خالف نصوصه ~~وأصوله، فإنه قال في (كتاب الجزية) من " الأم ": لو أوصى - يعني الذمي - ~~بثلث ماله أو بشيء منه يبنى به كنيسة لصلاة النصارى، أو يستأجر به خدم ~~الكنيسة، أو يعمر به، أو ما في هذا المعنى، كانت الوصية باطلة ولو أوصى أن ~~يبنى بها كنيسة ينزلها مارة الطريق، أو وقفها على قوم يسكنونها جازت ~~الوصية، وليس في بنيان الكنيسة معصية إلا أن تتخذ لمصلى النصارى الذين ~~اجتماعهم فيها على الشرك. # قال: وأكره للمسلم أن يعمل بناء أو نجارة أو غير ذلك في كنائسهم التي ~~لصلاتهم، هذا لفظه. # PageV01P611 # قال في " المغني ": والوقف على قناديل البيعة وفرشها ومن يخدمها ويعمرها ~~كالوقف عليها ; لأنه يراد لتعظيمها، وسواء كان الواقف مسلما أو ذميا. # قال أحمد في نصارى وقفوا على البيعة ضياعا كثيرة، وماتوا ولهم أبناء ~~نصارى فأسلموا والضياع بيد النصارى: فلهم أخذها وللمسلمين عونهم يستخرجونها ~~من أيديهم. # قال: وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافا. # الأمر الثالث الذي تضمنه جوابه: جواز التخصيص بقصد المتكلم وبالقرائن، ~~وهذا هو الواجب في كلام الواقفين والموصين والمقرين كما هو أصله في أيمان ~~الحالفين. # والواجب ms212 طرد هذا الأصل في كلام للمكلف يترتب عليه أمر شرعي، فإن الكلام ~~إنما يترتب عليه موجبه لدلالته على قصد صاحبه، فإذا ظهر قصده لم يجز أن ~~يعدل عنه إلى عموم كلامه وإطلاقه، فإن ذلك غلط وتغليط، وجميع الأمم على ~~اختلاف لغاتها تراعي مقاصد المتكلمين وإراداتهم وقرائن كلامهم، ولو سئل ~~أحدهم عن جاريته وقيل له: إنها فاجرة، فقال: كلا، بل هي عفيفة حرة لم يشكوا ~~أنه لم يرد عتقها ولا خطر بباله، فإلزامه بعتقها بمجرد ذلك خطأ، واللفظ ~~إنما يكون صريحا إذا تجرد عن القرائن الصارفة له عن موضوعه عند الإطلاق، ~~ولهذا لو وصل # PageV01P612 # قوله (أنت طالق) بقوله (من وثاق) لم يكن صريحا، وكذا لو دعي إلى غداء ~~فقال: والله لا أتغدى، لم يشك هو ولا عاقل أنه لم يرد ترك الغداء أبدا إلى ~~آخر العمر، فإلزامه بما لم يرده قطعا بناء على إطلاق لفظ لم يرد إطلاقه ~~وتعميم ما لم يرد عمومه إلزام بما لم يلزمه، ولا ألزمه الله ورسوله به، ~~وبالله التوفيق. # PageV01P613 ### | ذكر نكاح أهل الذمة ومناكحتهم ### | [فصل في أحكام نكاحهم ومناكحاتهم] ### | 113 - # فصل في أحكام نكاحهم ومناكحاتهم. # قال الله تعالى: {تبت يدا أبي لهب وتب - ما أغنى عنه ماله وما كسب - ~~سيصلى نارا ذات لهب} [المسد: 1 - 3] ، إلى آخر السورة فسماها " امرأته " ~~بعقد النكاح الواقع في الشرك. # وقال تعالى: {وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون} [التحريم: 11] ، ~~فسماها " امرأته ". # والصحابة - رضي الله عنهم - غالبهم إنما ولدوا من نكاح كان قبل الإسلام ~~في حال الشرك، وهم ينسبون إلى آبائهم انتسابا لا ريب فيه عند أحد من أهل ~~الإسلام، وقد أسلم الجم الغفير في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ~~يأمر أحدا منهم أن يجدد عقده على امرأته. # PageV02P614 # فلو كانت أنكحة الكفار باطلة لأمرهم بتجديد أنكحتهم، وقد كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يدعو أصحابه لآبائهم، وهذا معلوم بالاضطرار من دين ~~الإسلام، وقد رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهوديين زنيا، فلو كانت ~~أنكحتهم فاسدة لم يرجمهما؛ ms213 لأن النكاح الفاسد لا يحصن الزوج، وسيأتي الكلام ~~في هذه المسألة. # وأيضا، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من أسلم وتحته عشر نسوة أن ~~يختار منهن أربعا، ويفارق البواقي، وأمر من أسلم وتحته أختان أن # PageV02P615 # يمسك إحداهما، ويفارق الأخرى، ولو كانت أنكحتهم فاسدة لم يأمر بالإمساك ~~في النكاح الفاسد، ولا رتب عليه شيئا من أحكام النكاح، ولم ينص أحد من أئمة ~~الإسلام على بطلان أنكحة الكفار، ولا يمكن أحدا أن يقول ذلك. # PageV02P622 # وإنما اختلف الناس في مسألتين: # إحداهما: في الكافر يطلق امرأته ثلاثا، هل يصح طلاقه أم لا؟ # الثانية: في المسلم يطلق الذمية ثلاثا، فتنكح ذميا، ثم يفارقها الثاني، ~~فهل تحل للأول؟ # PageV02P623 ### | [مسألة الكافر يطلق امرأته ثلاثا] # فأما المسألة الأولى: وهي وقوع الطلاق، فلا يخلو إما أن يعتقد الكافر ~~نفوذ الطلاق أو لا يعتقده، فإن اعتقده نفذ طلاقه، ولم يكن الإسلام شرطا في ~~نفوذه، هذا مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابه. # وقال مالك: الإسلام شرط في وقوع الطلاق، واحتج الجمهور بأن أنكحتهم صحيحة ~~كما تقدم، فإذا صح النكاح نفذ فيه الطلاق، فإنه حكم من أحكام النكاح، فترتب ~~عليه كسائر أحكامه من التوارث، والحل، وثبوت النسب، وتحريم المصاهرة، وسائر ~~أحكامه، وقد قال تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22] ~~فسماه " نكاحا " وأثبت به تحريم المصاهرة، وكان الظهار يعده أهل الجاهلية ~~طلاقا، وقام الإسلام حتى أبطل الله ما كان عليه أهل الجاهلية، وشرع فيه ~~الكفارة. # وكيف يحكم ببطلان نكاح ولد فيه سيد ولد آدم وزاده فضلا وشرفا لديه؟ وقد ~~صرح بأنه - صلى الله عليه وسلم - ولد من نكاح، لا من سفاح. # PageV02P624 # قال الإمام أحمد في رواية مهنا في يهودي، أو نصراني طلق امرأته طلقتين، ~~ثم أسلم، وطلق أخرى: " «لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره» ". # وإذا ظاهر من امرأته، ثم أسلم، أخبرناه أن عليه ظهارا. # وإذا تزوج بلا شهود، ثم أسلما، هما على نكاحهما. # PageV02P625 # وقال في رواية ابن منصور، في نصراني آلى من امرأته، ثم أسلم: يوقف مثل ~~المسلم ms214 سواء، فإما أن يفيء وإما أن يطلق. # وقال في رواية حنبل في مسلم تحته نصرانية طلقها ثلاثا، فتزوجت بنصراني ~~تحل للأول لأنه زوج. # PageV02P626 # قال المبطلون لأنكحتهم: هذا قول عبد الرحمن بن عوف، ولا مخالف له من ~~الصحابة، وقد أقره عمر على هذا القول، فقال أبو محمد بن حزم: روينا من طريق ~~قتادة أن رجلا طلق امرأته تطليقتين في الجاهلية، وطلقة في الإسلام، فسأل ~~عمر، فقال: لا آمرك ولا أنهاك، فقال له عبد الرحمن بن عوف: لكني آمرك ليس ~~طلاقك في الشرك بشيء. # قال: وبهذا كان يفتي قتادة. # وصح عن الحسن، وربيعة، وهو قول مالك، وأبي سليمان، وأصحابهما. # قالوا: وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه مسلم ~~في " صحيحه ": " «أوصيكم بالنساء خيرا، فإنكم أخذتموهن بأمانة # PageV02P627 # الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله» ". # قالوا: ووجه الدليل أن " كلمة الله " هي قوله: {فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء} [النساء: 3] ، فأخبر أن الحل كان بهذه الكلمة، (فكلمة الله) هي ~~إباحته للنكاح، أو أراد (بكلمة الله) الإسلام، وما يقتضيه من شرائط النكاح، ~~فدل على أن الفروج لا تستباح بغير كلمة الإسلام. # قالوا: وأيضا فكل آية أباحت النكاح في كتاب الله سبحانه فالخطاب بها ~~للمؤمنين، فدل على أن المراد " بكلمة الله " الإسلام. # قالوا: والمسألة إجماع من الصحابة، وذكروا أثر عبد الرحمن المتقدم. # قالوا: وكيف يحكم بصحة نكاح عري عن ولي ورضا وشاهدين؟ # PageV02P628 # قالوا: وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «أيما امرأة نكحت نفسها ~~بغير إذن وليها فنكاحها باطل» " وأنتم تصححون أنكحتهم، ولو وقعت بغير ولي، ~~فالحديث نص في بطلان مذهبكم. # PageV02P629 # قالوا: وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «كل عمل ليس عليه أمرنا ~~فهو رد» ". # قالوا: وهم يستبيحون النكاح بالخمر، والخنزير، وفي العدة بغير ولي ولا ~~شهود وغير ذلك مما لا يستباح به في الإسلام، فوجب الحكم ببطلانه. # قالوا: ولو مات الحربي عن زوجته، أو قتل ثم سبيت فإنها تستبرأ بحيضة، ولا ~~تعتد، ولو كان نكاحها صحيحا لوجب أن تعتد، وقد قال تعالى ms215 عنهم: {ولا يحرمون ~~ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق} [التوبة: 29] ، وهذا يقتضي أنهم ~~لا يدينون دين الحق في نكاح، ولا غيره، ومن لم يدن دين الحق في نكاحه فهو ~~مردود. # قال المصححون: لا حجة لكم في شيء مما ذكرتم. # أما أثر عبد الرحمن بن عوف فإن الإمام أحمد قال في رواية مهنا: حديث ~~يروى: أن عبد الرحمن بن عوف قال لعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -: " ليس ~~طلاق أهل الشرك بشيء " ليس له إسناد، فهذا جواب أحمد. # PageV02P633 # وأجاب القاضي بأن هذا محمول على جواز أنكحتهم لذوات المحارم، فإن الطلاق ~~لا يقع فيها. وهذا من أفسد الأجوبة، وكيف يقول له عمر في نكاح أمه وابنته: ~~لا آمرك ولا أنهاك؟ وكيف يقول له عبد الرحمن: لكني آمرك، ليس طلاقك بشيء، ~~ولم يكن في العرب من يستحل نكاح ذوات المحارم كالمجوس؟ # وعندي جواب آخر، وهو أن الطلاق كان في الجاهلية بغير عدد كما «قالت ~~عائشة: كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا ارتجعها ~~وهي في العدة، وإن طلقها مائة مرة، أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته، والله لا ~~أطلقك فتبيني مني، ولا أؤويك أبدا، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك فكلما همت ~~عدتك أن تنقضي راجعتك: فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة - رضي الله عنها - ~~فأخبرتها، فسكتت عائشة حتى جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فسكت، ~~حتى نزل القرآن: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: ~~229] قالت: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا، من كان طلق ومن لم يكن طلق» رواه ~~الترمذي متصلا، ثم رواه عن عروة، ولم يذكر فيه عائشة، وقال هذا أصح. # PageV02P634 # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «واستحللتم فروجهن بكلمة الله» " ~~فما أصحه من حديث، وما أضعف الاستدلال به على بطلان أنكحة الكفار، وقد أجاب ~~عنه أصحاب الشافعي، وأحمد بأن " كلمة الله " هي لفظ الإنكاح. # PageV02P635 # والتزويج اللذين لا ينعقد النكاح إلا بهما. وهذا جواب في غاية الوهن، فإن ~~" كلمة الله " هي التي تكلم بها، ولهذا ms216 أضيفت إليه. # وأما الإيجاب والقبول فكلمة المخلوق، فلا تضاف إلى الله، وإلا كان كل ~~كلام تكلم به العبد يضاف إلى الرب، وهذا باطل قطعا، فإن كلمة الله كسمع ~~الله، وبصره، وقدرته، وحياته وعلمه، وإرادته، ومشيئته، كل ذلك للصفات ~~القائمة به، لا للمخلوق المنفصل عنه. # والجواب الصحيح أن هذا خطاب للمسلمين، ولا ريب أنهم إنما استحلوا فروج ~~نسائهم بكلمة الله وإباحته. # أما المبتدأ نكاحها في الإسلام فظاهر، وأما المستدام نكاحها فإنما استديم ~~بكلمة الله أيضا، فلا يمس الحديث محل النزاع بوجه. # وأما قولكم: كل آية أباحت النكاح في القرآن فالخطاب بها للمسلمين، فهذا ~~الاستدلال من أعجب الأشياء، فإن الأمة بعد نزول القرآن مأخوذة بأحكامه، ~~وأوامره، ونواهيه، وأما قبل ذلك فما أقره القرآن فهو على ما أقره، وما غيره ~~وأبطله فهو كما غيره وأبطله، فأين أبطل القرآن نكاح الكفار، ولم يقرهم عليه ~~في موضع واحد؟ على أن البيع، والرهن، والمداينة، والقرض، وغيرها من العقود ~~إنما خوطب بها المؤمنون، فهل يقول أحد: إنها باطلة من الكفار؟ وهل النكاح ~~إلا عقد من عقودهم كبياعاتهم، وإجاراتهم، ورهونهم، وسائر عقودهم؟ وليس ~~النكاح من قبيل العبادات المحضة التي يشترط في صحتها الإسلام، كالصلاة ~~والصوم والحج، بل هو من عقود المعاوضات التي تصح من المسلم، والكافر. # PageV02P636 # وأما قولهم: المسألة إجماع من الصحابة، فهو ذلك الأثر الذي لا يصح عن عبد ~~الرحمن، ولو صح لم يكن فيه حجة فأين قول رجل واحد من الصحابة، فضلا عن ~~جميعهم؟ # وأما قولكم: كيف يحكم بصحة نكاح عري عن الولي، والشهود، وشروط النكاح، ~~فمن أضعف الاستدلال، فإن هذه إنما صارت شروطا بالإسلام، ولم تكن شروطا قبله ~~حتى نحكم ببطلان كل نكاح وقع قبلها، وإنما اشترطت في الإسلام في حق من ~~التزم الإسلام، وأما من لم يلتزمه فإن حكم النكاح بدونها كحكم ما يعتقدون ~~صحته من العقود الفاسدة التي لا مساغ لها في الإسلام، فإنها تصح منهم، ولو ~~أسلموا وقد تعاملوا بها وتقايضوا لم تنقض وأمضيت. # فإن قيل: الإسلام صححها لهم، وهكذا صحح النكاح، ms217 قلنا: لكن الإسلام لم ~~يبطل ترتب آثارها عليها قبله، فيجب ألا يبطل ترتب آثار النكاح عليه من ~~الطلاق، والظهار، والإيلاء. # وأما استدلالكم بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «أيما امرأة نكحت نفسها ~~بدون إذن وليها فنكاحها باطل» " فهذا عجب منكم، فإنها لو زوجها الولي كان ~~النكاح فاسدا عندكم، فإن قلتم: الولي الكافر كلا ولي، قيل: نعم، هذا في ~~نكاح المسلمة، فأما الكافرة فقد قال تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء ~~بعض} [الأنفال: 73] . # PageV02P637 # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد» " ~~ففي غاية الصحة، والاستدلال به ضعيف من وجوه. # أحدها: أن هذا في حق المسلمين، وأما الكفار فإنا لا نرد عليهم كل ما خرج ~~عن أمره - صلى الله عليه وسلم - فإنا نقرهم على عقودهم التي يعتقدون صحتها، ~~وإن لم تكن على أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. # الثاني: أن إقرار الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - لهم على ~~أحكام هذه الأنكحة هو من أمر الشارع، ولا جرم ما كان منها على غير أمره فهو ~~رد، كنكاح المحارم، وما لا يعتقدون صحته، فأما ما اعتقدوا صحته فإقرارهم ~~عليه من أمره. # الثالث: أن هذا لا يمكن أن يستدل به على بطلان أنكحتهم، كما لم يستدل به ~~على بطلان عقود معاوضاتهم التي يعتقدون صحتها، وإن وقعت على غير أمره. # وأما استبراء الحربية بحيضة إذا سبيت، وحكمنا بزوال النكاح، فليس ذلك ~~لكون أنكحتهم كانت باطلة، ولكن لتجديد الملك على زوجته، وكونها صارت أمة ~~للثاني، واستولى على محل حق الكافر وأزاله، وانتقلت من كونها زوجة إلى ~~كونها أمة رقيقة تباع وتشترى. # وأما قوله تعالى عنهم: {ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين ~~الحق من الذين أوتوا الكتاب} [التوبة: 29] فلم يزيدوا بذلك على كونهم ~~كفارا. ومن نازع في كفرهم حتى يحتج عليه بذلك؟ وهل وقع النزاع إلا # PageV02P638 # في نكاح من هو كذلك؟ ولا ريب أن هذا القدر كما لم يؤثر في بطلان عقود ~~معاوضاته من البيع، والشراء، والإجارة، والقرض، والسلم، والجعالة ms218 وغيرها لم ~~يؤثر في بطلان نكاحه. ### | [فصل في طلاق الكفار الذين لا يعتقدون وقوعه] ### | 114 - # فصل # [في طلاق الكفار الذين لا يعتقدون وقوعه] . # وأما إن كان الكافر لا يعتقد وقوع الطلاق، ولا نفوذه فطلق فهل يصح طلاقه؟ # ففيه روايتان منصوصتان عن أحمد، أصحهما أنه لا يصح طلاقه، وهذا هو مقتضى ~~أصوله، فإنا نقرهم على ما يعتقدون صحته من العقود، فإذا لم يعتقد نفوذ ~~الطلاق فهو يعتقد بقاء نكاحه فيقر عليه وإن أسلم. # وأيضا، فإن وجود هذا الطلاق وعدمه في حقه واحد، فإنه لم يلتزم حكم ~~الطلاق، ولا اعتقد نفوذه، فلم يلزمه حكمه، وهذا التفصيل في طلاقه هو فصل ~~الخطاب. ### | [فصل المسلم إذا طلق الذمية فتزوجت ذميا ثم طلقها فهل تحل للأول] ### | 115 - # فصل # [المسلم إذا طلق الذمية فتزوجت ذميا، ثم طلقها فهل تحل للأول؟] # وأما المسألة الثانية: وهي إذا تزوجها الذمي، فإنه يحلها للأول عند ~~الجمهور؛ لأنه زوج، وهي امرأة له فيدخل في قوله تعالى: {فلا تحل له من بعد ~~حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ، فأطلق النكاح والزوج، ولم يقيده # PageV02P639 # بحر ولا عبد، ولا مسلم ولا كافر، وهذه قد نكحت زوجا غيره، فتحل للأول. ~~ودليل كونه زوجا الحقيقة والحكم. # أما الحقيقة: فلأن الزوج والتزويج حاصل فيه حسا، وكفره لا يمنع ثبوت ~~حقيقة الزوجية. # وأما الحكم: فثبوت النسب، ووجوب المهر والعدة، والتمكين من الوطء، ~~وتخييره بين الأختين إذا أسلم، وفي الأربع، وغير ذلك من أحكام النكاح، ~~وثبوت الأحكام يدل على ثبوت الحقيقة. ### | [فصل إذا أسلم الزوجان أو أحدهما] ### | 116 - # فصل: إذا ثبتت صحة نكاحهم فهاهنا مسائل: # المسألة الأولى: إذا أسلم الزوجان، أو أحدهما، فإن كانت المرأة كتابية لم ~~يؤثر إسلامه في فسخ النكاح، وكان بقاؤه كابتدائه، وإن كانت غير كتابية، ~~وأسلم الزوجان معا، فهما على النكاح سواء قبل الدخول وبعده، وليس بين أهل ~~العلم في هذا اختلاف. # قال ابن عبد البر: " أجمع العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معا في حالة ~~واحدة أن لهما المقام على نكاحهما ما لم يكن بينهما ms219 نسب ولا رضاع ". # PageV02P640 # وقد أسلم خلق في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ونساؤهم، وأقروا على ~~أنكحتهم، ولم يسألهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شروط النكاح، ولا ~~عن كيفيته، وهذا أمر علم بالتواتر، والضرورة، فكان يقينا. # ثم قال كثير من الفقهاء: المعتبر أن يتلفظا بالإسلام تلفظا واحدا، يكون ~~ابتداء أحدهما مع ابتداء صاحبه، وانتهاؤه مع انتهائه. # والصواب أن هذا غير معتبر، ولم يدل على ذلك كتاب ولا سنة، ولا اشترط رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك قط، ولا اعتبره في واقعة واحدة مع كثرة من ~~أسلم في حياته - صلى الله عليه وسلم -، ولم يقل يوما واحدا لرجل أسلم هو ~~وامرأته: " تلفظا بالإسلام تلفظا واحدا لا يسبق أحدكما الآخر "، وهل هذا ~~إلا من التكلف الذي ألغته الشريعة ولم تعتبره؟ وليس لهذا نظير في الشريعة، ~~بل إذا أسلما في المجلس الواحد فقد اجتمعا على الإسلام، ولا يؤثر سبق ~~أحدهما الآخر بالتلفظ به. وهذا اختيار شيخنا. # وإن أسلم أحدهما، ثم أسلم الآخر بعده فاختلف السلف والخلف في ذلك اختلافا ~~كثيرا. # فقالت طائفة: متى أسلمت المرأة انفسخ نكاحها منه، سواء كانت كتابية، أو ~~غير كتابية، وسواء أسلم بعدها بطرفة عين، أو أكثر، ولا سبيل له عليها إلا ~~بأن يسلما معا في آن واحد، فإن أسلم هو قبلها انفسخ نكاحها # PageV02P641 # ساعة إسلامه، ولو أسلمت بعده بطرفة عين، هذا قول جماعة من التابعين ~~وجماعة من أهل الظاهر، وحكاه أبو محمد بن حزم، عن عمر بن الخطاب وجابر بن ~~عبد الله، وعبد الله بن عباس، وحماد بن زيد والحكم بن عتيبة، وسعيد بن ~~جبير، وعمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وعدي بن عدي، وقتادة، والشعبي. # PageV02P642 # قلت: وحكاية ذلك عن عمر بن الخطاب غلط عليه، أو يكون رواية عنه، فسنذكر ~~من آثار عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خلاف ذلك مما ذكره أبو محمد، ~~وغيره، فهذا قول. # وقال أبو حنيفة: أيهما أسلم قبل الآخر، فإن كان في دار الإسلام عرض ~~الإسلام على الذي لم يسلم، ms220 فإن أسلما بقيا على نكاحهما، وإن أبيا فحينئذ ~~تقع الفرقة، ولا تراعى العدة في ذلك. # ثم اختلفوا فقال أبو حنيفة ومحمد: الفسخ هاهنا طلاق؛ لأن الزوج ترك ~~الإمساك بالمعروف مع القدرة عليه، فينوب القاضي منابه في التسريح بالإحسان، ~~فيكون قوله كقول الزوج. # وقال أبو يوسف: لا يكون طلاقا؛ لأنه سبب يشترك فيه الزوجان، فلا يكون ~~طلاقا، كما لو ملكها أو ملكته، فلو كانت المرأة مجوسية كانت الفرقة فسخا ~~قولا واحدا. # قالوا: والفرق أن المجوسية ليست من أهل الطلاق بخلاف الذمية، وإن # PageV02P643 # كانا في دار الحرب فخرجت المرأة إلينا مسلمة، أو معاهدة، فساعة حصولها في ~~دار الإسلام تقع الفرقة بينهما، لا قبل ذلك، فإن لم تخرج من دار الحرب، بأن ~~حاضت ثلاث حيض قبل أن يسلم هو وقعت الفرقة حينئذ، وعليها أن تبتدئ ثلاث حيض ~~أخر عدة منه، وهل هذه الفرقة فسخ أو طلاق؟ # فيه عن أبي حنيفة روايتان، وهي فسخ عند أبي يوسف، ولو أسلم الآخر قبل مضي ~~ثلاث حيض فهما على نكاحهما، فهذا قول ثان. # وقال مالك: إن أسلمت المرأة، ولم يسلم الرجل، فإن كان قبل الدخول وقعت ~~الفرقة، وإن كان بعده فإن أسلم في عدتها فهما على نكاحهما، وإن لم يسلم حتى ~~انقضت عدتها فقد بانت منه، فإن أسلم هو ولم تسلم هي عرض عليها الإسلام، فإن ~~أسلمت بقيا على نكاحهما وإن أبت انفسخ النكاح ساعة إبائها، سواء كان قبل ~~الدخول أو بعده. # وقال أشهب: إنما تتعجل الفرقة إذا كان قبل الدخول، وتقف على العدة إن كان ~~بعد الدخول. # ثم قال ابن القاسم: إذا عقل عنها حتى مضى لها شهر وما قرب منه، وليس ~~بكثير وهما على نكاحهما، والفرقة حيث وقعت فسخ. # PageV02P644 # وعن ابن القاسم رواية أخرى: أنها طلقة ثانية، فهذا قول ثالث. # وقال ابن شبرمة عكس هذا، وأنها إن أسلمت قبله وقعت الفرقة في الحين، وإن ~~أسلم قبلها فأسلمت في العدة فهي امرأته، وإلا وقعت الفرقة بانقضاء العدة، ~~فهذا قول رابع. # وقال الأوزاعي، والزهري، والليث، والإمام أحمد، ms221 والشافعي، وإسحاق: إذا ~~سبق أحدهما بالإسلام، فإن كان قبل الدخول انفسخ النكاح، وإن كان بعده، ~~فأسلم الآخر في العدة فهما على نكاحهما، وإن # PageV02P645 # انقضت العدة قبل إسلامه انفسخ النكاح، فهذا قول خامس. # وقال حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني وقتادة، كلاهما عن محمد بن سيرين، ~~عن عبد الله بن يزيد الخطمي أن نصرانيا أسلمت امرأته، فخيرها عمر بن الخطاب ~~- رضي الله عنه - إن شاءت فارقته، وإن شاءت أقامت عليه، (وعبد الله بن يزيد ~~الخطمي هذا له صحبة) ، وليس معناه أنها تقيم تحته، وهو نصراني، بل تنتظر، ~~وتتربص، فمتى أسلم فهي امرأته، ولو مكثت سنين، فهذا قول سادس، وهو أصح ~~المذاهب في هذه المسألة، وعليه تدل السنة كما سيأتي بيانه، وهو اختيار شيخ ~~الإسلام. # وقال حماد بن سلمة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب - ~~رضي الله عنه - قال في الزوجين الكافرين يسلم أحدهما: هو أملك ببضعها ما ~~دامت في دار هجرتها. # وقال سفيان بن عيينة، عن مطرف بن طريف، عن الشعبي، عن علي: هو # PageV02P646 # أحق بها ما لم تخرج من مصرها. فهذا قول سابع. # وقال ابن أبي شيبة: ثنا معتمر بن سليمان، عن معمر، عن الزهري: إن أسلمت ~~ولم يسلم زوجها فهما على نكاحهما ما لم يفرق بينهما سلطان، فهذا قول ثامن. # وقال داود بن علي: إذا أسلمت زوجة الذمي ولم يسلم فإنها تقر عنده ولكن ~~يمنع من وطئها. # وقال شعبة: ثنا حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي في ذمية أسلمت تحت ~~ذمي، فقال: تقر عنده، وبه أفتى حماد بن أبي سليمان. # PageV02P647 # قلت: ومرادهم أن العصمة باقية، فتجب لها النفقة والسكنى، ولكن لا سبيل له ~~إلى وطئها، كما يقوله الجمهور في أم ولد الذمي إذا أسلمت سواء، فهذا قول ~~تاسع. # ونحن نذكر مآخذ هذه المذاهب، وما في تلك المآخذ من قوي وضعيف وما هو ~~الأولى بالصواب. # فأما أصحاب القول الأول - وهم الذين يوقعون الفرقة بمجرد الإسلام - فلا ~~نعلم أحدا من الصحابة قال به ألبتة، وما ms222 حكاه أبو محمد بن حزم، عن عمر، ~~وجابر، وابن عباس فبحسب ما فهمه من آثار رويت عنهم مطلقة، ونحن نذكرها: # قال شعبة: أخبرني أبو إسحاق الشيباني قال: سمعت يزيد بن علقمة يقول: إن ~~جده وجدته كانا نصرانيين، فأسلمت جدته ففرق عمر بن الخطاب # PageV02P648 # بينهما. # وليس في هذا دليل على تعجل الفرقة مطلقا بنفس الإسلام، فلعله لم يكن دخل ~~فيها، أو لعله فرق بعد انقضاء العدة، أو لعلها اختارت الفسخ دون انتظار ~~إسلامه، أو لعل هذا مذهب من يرى أن النكاح باق حتى يفسخ السلطان. # وقد روي عن عمر في هذا آثار يظن أنها متعارضة، ولا تعارض بينها، بل هي ~~موافقة للسنة، فمنها هذا. # ومنها ما تقدم حكايته عنه أنه خير المرأة، إن شاءت أقامت عليه، وإن شاءت ~~فارقته. # ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، عن عباد بن العوام، عن أبي إسحاق الشيباني، ~~عن يزيد بن علقمة أن عبادة بن النعمان الثعلبي كان ناكحا امرأة من بني تميم ~~فأسلمت، فقال له عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: إما أن تسلم وإما أن ~~ننزعها منك، فأبى، فنزعها عمر - رضي الله عنه. # PageV02P649 # وقد تمسك بها من يرى عرض الإسلام على الثاني، فإن أبى فرق بينهما. # وهذه الآثار عن أمير المؤمنين لا تعارض بينها، فإن النكاح بالإسلام يصير ~~جائزا بعد أن كان لازما، فيجوز للإمام أن يعجل الفرقة، ويجوز له أن يعرض ~~الإسلام على الثاني، ويجوز إبقاؤه إلى انقضاء العدة، ويجوز للمرأة التربص ~~به إلى أن يسلم، ولو مكثت سنين، كل هذا جائز لا محذور فيه. # والنكاح له ثلاثة أحوال: # (1) حال لزوم. # (2) وحال تحريم وفسخ ليس إلا، كمن أسلم وتحته من لا يجوز ابتداء العقد ~~عليها. # (3) وحال جواز ووقف، وهي مرتبة بين المرتبتين لا يحكم فيها بلزوم النكاح، ~~ولا بانقطاعه بالكلية، وفي هذه الحال تكون الزوجة بائنة من وجه دون وجه. # «ولما قدم أبو العاص بن الربيع المدينة في زمن الهدنة، وهو مشرك، سألت ~~امرأته زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل ms223 ينزل في دارها؟ ~~فقال: إنه زوجك، ولكن لا يصل إليك» . # PageV02P650 # فالنكاح في هذه المدة لا يحكم ببطلانه، ولا بلزومه وبقائه من كل وجه، ~~ولهذا خير أمير المؤمنين المرأة تارة، وفرق تارة، وعرض الإسلام على الثاني ~~تارة، فلما أبى فرق بينهما، ولم يفرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين ~~رجل وامرأته أسلم أحدهما قبل الآخر أصلا، ولا في موضع واحد. # قال مالك: قال ابن شهاب: كان بين إسلام صفوان بن أمية وامرأته بنت الوليد ~~بن المغيرة نحو من شهر، أسلمت يوم الفتح، وبقي صفوان حتى شهد " حنينا " و " ~~الطائف "، وهو كافر، ثم أسلم، فلم يفرق النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بينهما، واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح. # PageV02P651 # قال ابن عبد البر: وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده. # PageV02P652 # وقال الزهري: أسلمت أم حكيم يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة حتى أتى اليمن، ~~فارتحلت حتى قدمت عليه اليمن، فدعته إلى الإسلام، فأسلم وقدم فبايع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فثبتا على نكاحهما. # وقال ابن شبرمة: «كان الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يسلم الرجل قبل المرأة، والمرأة قبل الرجل، فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة ~~المرأة فهي امرأته، فإن أسلم بعد العدة فلا نكاح بينهما» . # PageV02P653 # «وأسلم أبو سفيان عام الفتح قبل دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة، ~~ولم تسلم امرأته هند حتى فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة فثبتا على ~~نكاحهما» «وخرج أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن [أبي] أمية فلقيا # PageV02P654 # النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح " بالأبواء " فأسلما قبل ~~نسائهما» . # PageV02P655 # وقد ثبت «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد زينب ابنته على أبي العاص ~~بالنكاح الأول بعد ست سنين» . # قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، ثنا محمد بن سلمة، عن ~~محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - رد زينب على أبي العاص بالنكاح الأول، لم يحدث شيئا» ~~. # PageV02P657 # وفي لفظ له: بعد ست ms224 سنين. # وفي لفظ: بعد سنتين. # قال شيخ الإسلام: هذا هو الثابت عند أهل العلم بالحديث، والذي روى أنه ~~جدد النكاح ضعيف. # قال: وكذلك كانت المرأة تسلم، ثم يسلم زوجها بعدها، والنكاح بحاله، مثل ~~أم الفضل امرأة العباس بن عبد المطلب، فإنها أسلمت قبل العباس بمدة. # قال عبد الله بن عباس: كنت أنا وأمي ممن عذر الله بقوله: {إلا المستضعفين ~~من الرجال والنساء والولدان} [النساء: 98] . # PageV02P659 # ولما فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة أسلم نساء الطلقاء، وتأخر ~~إسلام جماعة منهم # PageV02P660 # مثل صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، وغيرهما، الشهرين والثلاثة وأكثر، ~~ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - فرقا بين ما قبل انقضاء العدة وما ~~بعدها، وقد أفتى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بأنها ترد إليه، وإن طال ~~الزمان. # وعكرمة بن أبي جهل قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة بعد ~~رجوعه من حصار الطائف، وقسم غنائم حنين في ذي القعدة، وكان فتح مكة في ~~رمضان، فهذا نحو ثلاثة أشهر يمكن انقضاء العدة فيها، وفيما # PageV02P661 # دونها، فأبقاه على نكاحه، ولم يسأل امرأته هل انقضت عدتك أم لا؟ ولا سأل ~~عن ذلك امرأة واحدة مع أن كثيرا منهن أسلم بعد مدة يجوز انقضاء العدة فيها، ~~وصفوان ابن أمية شهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - " حنينا "، وهو مشرك، ~~وشهد معه " الطائف " كذلك إلى أن قسم غنائم " حنين " بعد الفتح بقريب من ~~شهرين، فإن مكة فتحت لعشر بقين من رمضان، وغنائم (حنين) قسمت في ذي القعدة، ~~ويجوز انقضاء العدة في مثل هذه المدة. # قال: وبالجملة، فتجديد رد المرأة على زوجها بانقضاء العدة لو كان هو شرعه ~~الذي جاء به لكان هذا مما يجب بيانه للناس من قبل ذلك الوقت، فإنهم أحوج ما ~~كانوا إلى بيانه، وهذا كله - مع حديث زينب - يدل على أن المرأة إذا أسلمت ~~وامتنع زوجها من الإسلام فلها أن تتربص، وتنتظر إسلامه، فإذا اختارت أن ~~تقيم منتظرة لإسلامه، فإذا أسلم أقامت معه فلها ذلك، كما كان ms225 النساء يفعلن ~~في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - كزينب ابنته وغيرها، ولكن لا يمكنه من ~~وطئها، ولا حكم له عليها، ولا نفقة، ولا قسم، والأمر في ذلك إليها لا إليه، ~~فليس هو في هذه الحال زوجا مالكا لعصمتها من كل وجه، ولا يحتاج إذا أسلم ~~إلى ابتداء عقد يحتاج فيه إلى ولي وشهود ومهر وعقد، بل إسلامه بمنزلة قبوله ~~للنكاح، وانتظارها بمنزلة الإيجاب. # وسر المسألة أن العقد في هذه المدة جائز لا لازم، ولا محذور في ذلك، ولا ~~ضرر على الزوجة فيه، ولا يناقض ذلك شيئا من قواعد الشرع. # PageV02P662 # وأما الرجل إذا أسلم، وامتنعت المشركة أن تسلم، فإمساكه لها يضر بها، ولا ~~مصلحة لها فيه، فإنه إذا لم يقم لها بما تستحقه كان ظالما، فلهذا قال ~~تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10] ، فنهى الرجال أن ~~يستديموا نكاح الكافرة، فإذا أسلم الرجل أمرت امرأته بالإسلام، فإن لم تسلم ~~فرق بينهما. # PageV02P663 # قال شيخنا: " وقد يقال: بل هذا النهي للرجال ثابت في حق النساء، ويقال: ~~إن قضية زينب منسوخة، فإنها كانت قبل نزول آية التحريم لنكاح المشركات، ~~وهذا مما قاله طائفة: منهم محمد بن الحسن ". # قلت: وهذا قاله غير واحد من العلماء. # قال أبو محمد بن حزم: أما خبر زينب فصحيح، ولا حجة فيه؛ لأن إسلام أبي ~~العاص كان قبل الحديبية، ولم يكن نزل بعد تحريم المسلمة على المشرك، وكذلك ~~قال البيهقي. # قال شيخنا: " لكن يقال: فهذه الآية كانت قبل فتح مكة بعد الحديبية، «ثم ~~لما فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة رد نساء كثيرا على أزواجهن ~~بالنكاح الأول، لم يحدث نكاحا، وقد احتبس أزواجهن عليهن، ولم يأمر رجلا ~~واحدا بتجديد النكاح ألبتة» ولو وقع ذلك لنقل ولما أهملت الأمة نقله. # قلت: وبهذا يعلم بطلان ما قاله أبو محمد بن حزم فإنه قال: " ولا سبيل إلى ~~خبر صحيح بأن إسلام رجل يقدم على إسلام امرأته، أو يقدم إسلامها عليه، ~~وأقرهما على النكاح الأول، فإذ لا سبيل إلى هذا فلا يجوز أن ms226 يطلق على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه إطلاق الكذب والقول بغير علم. # PageV02P664 # قال: فإن قيل: قد روي أن أبا سفيان أسلم قبل هند، وامرأة صفوان أسلمت قبل ~~صفوان، قلنا: من أين لكم أنهما بقيا على نكاحهما فلم يجددا عقدا؟ وهل جاء ~~ذلك قط بإسناد صحيح متصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه عرف ذلك ~~فأقره؟ حاش لله من هذا " انتهى كلامه. # وهذا من أوابده، وإقدامه على إنكار المعلوم لأهل الحديث، والسير ~~بالضرورة، بل من له إلمام بالسنة، وأيام الإسلام، وسيرة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وكيفية إسلام الصحابة، ونسائهم يعلم علما ضروريا لا يشك ~~فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعتبر في بقاء النكاح أن يتلفظ ~~الزوجان بالإسلام تلفظا واحدا، لا يتقدم أحدهما على الآخر بحرف، ولا يتأخر ~~عنه بحرف، لا قبل الفتح ولا بعده إلى أن توفاه الله عز وجل، ويعلم علما ~~ضروريا أنه لم يفسخ عقد نكاح أحد سبق امرأته بالإسلام، أو سبقته، ثم أسلم ~~الثاني لا في العدة، ولا بعدها. # وكذلك أيضا يعلم أنه لم يجدد نكاح أحد سبقته امرأته بالإسلام، أو سبقها، ~~ثم أسلم الثاني لا في العدة، ولا بعدها. # وكذلك أيضا يعلم أنه لم يجدد نكاح أحد سبقته امرأته، أو سبقها بالإسلام ~~بحيث أحضر الولي والشهود وجدد العقد والمهر، وتجويز وقوع مثل هذا - ولا ~~ينقله بشر على وجه الأرض - يفتح باب تجويز المحالات، وأنه كان لنا صلاة ~~سادسة، ولم ينقلها أحد وأذان زائد، ولم ينقله أحد، ومن هذا النمط، وذلك من ~~أبطل الباطل وأبين المحال، فهذه سيرة رسول الله # PageV02P665 # - صلى الله عليه وسلم - وأحواله وأحوال أصحابه بين أظهر الأمة تشهد ~~ببطلان ما ذكره، وأن إضافته إليه محض الكذب، والقول عليه بلا علم. # فإن قيل: فقد روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - رد ابنته على أبي العاص بمهر جديد، ونكاح جديد» رواه الترمذي، ~~فكيف تقولون: إنه لم يجدد لأحد ممن تقدم ms227 إسلام امرأته نكاحا؟ # قيل: هذا الحديث لا يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قاله أئمة ~~الحديث. # قال الترمذي: " في إسناده مقال ". # PageV02P666 # وقال الإمام أحمد: " هذا حديث ضعيف، والحديث الصحيح: الذي روي أنه أقرها ~~على النكاح الأول " هذا لفظه. # وقال الدارقطني: " هذا حديث لا يثبت، والصواب حديث ابن عباس أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ردها بالنكاح الأول ". # وقال الترمذي في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - " «أنه ردها بالنكاح ~~الأول فكان إسلامها قبل إسلامه بست سنين، ولم يحدث نكاحا» " هذا حديث حسن ~~ليس بإسناده بأس. # PageV02P667 # فإن قيل: الكلام مع من صحح هذا الحديث، فإنه حديث مضطرب: قد روي أنه " ~~كان بين إسلامهما سنتان "، وروي " ست سنين "، ولا يصح واحد من الأمرين، فإن ~~زينب لم تزل مسلمة من بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبو العاص ~~أسلم في السنة السادسة في زمن الهدنة، فبين إسلامه، وإسلامها ثمان عشرة ~~سنة، أو ما يزيد عليها، وكذلك رواية من روى " سنتين " هي غلط قطعا، فإن ~~زينب لم تبق مشركة إلى السنة الرابعة من الهجرة، والحديث من رواية ابن ~~إسحاق، وكلام الأئمة فيه معروف. # فالجواب أن يقال: من أين لكم تقدم إسلام زينب من أول المبعث، فإنها كانت ~~تحت أبي العاص بن الربيع، وهو مشرك، وأصح ما في تقدم إسلامها حديث ابن عباس ~~هذا، وهو يقتضي أنها أسلمت حين هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~المدينة. # PageV02P668 # وكذلك قال ابن شهاب: أسلمت زينب، وهاجرت بعد هجرة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وسيأتي ذكر ذلك على أنه كان إسلامها من حين المبعث كما حكى فيه ~~الإجماع أبو محمد بن حزم، فقال: " وقد أسلمت زينب في أول مبعث أبيها - صلى ~~الله عليه وسلم - لا خلاف في ذلك، ثم هاجرت إلى المدينة، وزوجها كافر، فكان ~~بين إسلامها وإسلامه أزيد من ثمان عشرة سنة، وقد ولدت في خلال ذلك علي بن ~~أبي العاص، " وهذا الذي قاله أبو محمد هو الحق، وأنها لم تزل مسلمة من حين ms228 ~~بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويمكن التوقيت بالسنتين أو بالست كان ~~بين إسلامه، وظهور إسلامها، وإعلانه بالهجرة، فإن نساء المؤمنات كن يستخفين ~~من أزواجهن بالإسلام في مكة، فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أظهر من هاجر معه منهن إسلامها، وزينب هاجرت بعد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وبعد وقعة بدر، فكان بين ظهور إسلامها بهجرتها، وإسلام أبي العاص ~~سنتان. # وأما الست سنين فهي بين ظهور الإسلام العام بالهجرة، وإسلام أبي العاص. # PageV02P669 # على أن عبد الرزاق قد ذكر عن ابن جريج، عن رجل، عن ابن شهاب قال: # PageV02P670 # «أسلمت زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهاجرت بعد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في الهجرة الأولى، وزوجها أبو العاص بن الربيع بمكة ~~مشرك، ثم شهد أبو العاص " بدرا " مشركا، فأسر ففدي، وكان موسرا، ثم شهد " ~~أحدا " مشركا، ورجع إلى مكة، ومكث بها ما شاء الله، ثم خرج إلى الشام تاجرا ~~فأسر بطريق الشام، أسره نفر من الأنصار، فدخلت # PageV02P671 # زينب على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن المسلمين يجير عليهم ~~أدناهم، فقال: وما ذاك يا زينب؟ فقالت: أجرت أبا العاص. فقال: " قد أجرت ~~جوارك " ثم لم يجر جوار امرأة بعدها، ثم أسلما، فكانا على نكاحهما» . # «وكان عمر خطبها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكر لها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ذلك، فقالت: أبو العاص يا رسول الله حيث علمت، وقد كان ~~نعم الصهر، فإن رأيت أن تنتظره، فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ~~ذلك» . # قلت: قوله: " ثم أسلما " أي اجتمعا على الإسلام، وإلا فزينب أسلمت # PageV02P672 # قبله قطعا، وهاجرت بعد " بدر " قطعا كما في " المسند "، و " السنن " من ~~«حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت ~~زينب في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة أدخلتها ~~بها على أبي العاص. قالت فلما رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رق ~~لها رقة شديدة، وقال: " إن ms229 رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي ~~لها "، قالوا: نعم. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ عليه، أو ~~وعده، أن يخلي سبيل زينب إليه، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيد ~~بن حارثة ورجلا من الأنصار، فقال: " كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب ~~فتصحباها حتى تأتيا بها» . # PageV02P673 # وأما تعلقكم على محمد بن إسحاق فتعلق ضعيف، وقد صحح الأئمة حديثه هذا، ~~وبينوا أنه أولى بالصحة من حديث عمرو بن شعيب أنه ردها بنكاح جديد، وأن ذلك ~~لا يثبت، كما تقدم حكاية كلامهم، وثناء الأئمة على ابن إسحاق وشهادتهم له ~~بالإمامة، والحفظ، والصدق أضعاف أضعاف القدح فيه. # PageV02P674 # وقد أجيب عن حديث زينب - رضي الله عنها - بأجوبة كلها ضعيفة أو فاسدة، ~~ونحن نذكرها. # قال أبو عمر: " إن صح حديث ابن عباس هذا، فلا يخلو من أحد وجهين: # إما أنها لم تحض ثلاث حيض حتى أسلم زوجها. # وإما أن الأمر فيها منسوخ بقوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} ~~[البقرة: 228] ، يعني في عدتهن، وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء: أنه عنى ~~به العدة. # وقال ابن شهاب في قصة زينب هذه: كان هذا قبل أن تنزل الفرائض. # قال قتادة: كان هذا قبل أن تنزل سورة " براءة " بقطع العهود بين المسلمين ~~والمشركين. # وقد روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رد ابنته إلى أبي العاص بن الربيع بنكاح جديد، وإذا كان هذا سقط القول في ~~قصة زينب. # PageV02P676 # وكذلك قال الشعبي - مع علمه بالمغازي - " إن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يرد زينب إلى أبي العاص إلا بنكاح جديد "، ولا خلاف بين العلماء في ~~الكافرة تسلم، ويأبى زوجها الإسلام حتى تنقضي عدتها، أنه لا سبيل له عليها ~~إلا بنكاح جديد. # وهذا كله يتبين به أن قول ابن عباس - رضي الله عنهما -: " ردها على ~~النكاح الأول " أنه أراد به على مثل الصداق الأول إن صح، وحديث عمرو بن ~~شعيب عندنا صحيح " انتهى كلامه. # قلت: أما ms230 كونها لم تحض في تلك السنين الست إلا ثلاث حيض فهذا - مع أنه في ~~غاية البعد وخلاف ما طبع الله عليه النساء - فمثله لو وقع لنقل، ولم ينقل ~~ذلك أحد، ولم يحد النبي - صلى الله عليه وسلم - بقاء النكاح بمدة العدة حتى ~~يقال: لعل عدتها تأخرت، فلا التحديد بالثلاث حيض ثابت، ولا تأخرها ست سنين ~~معتاد. # PageV02P677 # وأما ادعاء نسخ الحديث فأبعد وأبعد، فإن شروط النسخ منتفية، وهي وجود ~~المعارض، ومقاومته، وتأخره، فأين معكم واحد من هذه الثلاثة؟ # وأعجب من هذا دعوى أن يكون الناسخ قوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن في ~~ذلك} [البقرة: 228] ، فإن هذا في المطلقات الرجعيات بنص القرآن، واتفاق ~~الأمة، ولم يقل أحد: أن إسلام المرأة طلقة رجعية يكون بعلها أحق بردها في ~~عدتها، والذين يحكمون بالفرقة بعد انقضاء العدة لا يوقعونها من حين ~~الإسلام، بخلاف الطلاق فإنه ينفذ من حين التطليق، ويكون للزوج الرجعة في ~~زمن العدة. # وأما قول الزهري: " إن هذا كان قبل أن تنزل الفرائض "، فكأنه أراد أن ~~الحديث منسوخ، فيقال: وأين الناسخ من كتاب الله أو سنة رسوله؟ فإن قال: ~~الناسخ له قوله تعالى: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة: 10] ، ~~فيقال: هذه الآية نزلت في قصة صلح الحديبية باتفاق الناس، ورد زينب على أبي ~~العاص كان بعد ذلك لما قدم من الشام في زمن الهدنة، ولهذا # PageV02P678 # قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لزينب " «أكرمي مثواه، ولكن لا يصل ~~إليك» "، امتثالا لقوله تعالى: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة: ~~10] ، ثم ذهب أبو العاص إلى مكة فرد الودائع، والأمانات التي كانت عنده، ثم ~~جاء فأسلم، فردها عليه بالنكاح الأول. # وقوله: " إن ذلك كان قبل أن تنزل الفرائض " لم يرد به فرائض الإسلام، ~~فابن شهاب أعلم وأجل من أن يريد ذلك، والظاهر أنه إنما أراد فريضة تحريم ~~نكاح المشرك، والمشركة. # وأقصى ما يقال: إن رد زينب على أبي العاص، ونزول آية التحريم كانا في زمن ~~الهدنة، فمن أين يعلم تأخر نزول الآية ms231 عن قصة الزوجين، لتكون ناسخة لها؟ ~~ولا يمكن دعوى النسخ بالاحتمال. # وأما قول قتادة: كان هذا قبل أن تنزل سورة " براءة " بقطع العهود بين ~~المسلمين، والمشركين فلا ريب أنه كان قبل نزول " براءة " ولكن أين في # PageV02P679 # سورة براءة ما يدل على إبطال ما مضت به سنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من حين بعث إلى أن توفاه الله تعالى من عدم التفريق بين الرجل، ~~والمرأة، إذا سبق أحدهما بالإسلام؟ والعهود التي نبذها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى المشركين هي عهود الصلح التي كانت بينه وبينهم، فهي ~~براءة من العقد، والعهد الذي كان بينه وبينهم، ولا تعرض فيها للنكاح بوجه ~~من الوجوه، وقد أكد الله سبحانه البراءة بين المسلمين، والكفار قبل ذلك في ~~سورة " الممتحنة " وغيرها، ولكن هذا لا يناقض تربص المرأة بنكاحها إسلام ~~زوجها، فإن أسلم كانت امرأته وإلا فهي بريئة منه. # PageV02P680 # وأما قوله: وقد روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنه ردها بنكاح جديد، ~~فلو وصل إلى عمرو لكان حجة، فإنا لا ندفع حديث عمرو بن شعيب، ولكن دون ~~الوصول إليه مفاوز مجدبة معطشة لا تسلك، فلا يعارض بحديثه الحديث الذي شهد ~~الأئمة بصحته. # PageV02P681 # وأما قول الشعبي: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يردها إلا بنكاح ~~جديد، فهذا إن صح عن الشعبي فإن كان قاله برأيه فلا حجة فيه، وإن كان قاله ~~رواية فهو منقطع لا تقوم به حجة، فبين الشعبي وبين رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - مفازة لا يدرى حالها. # وأما قوله: لا خلاف بين العلماء في الكافرة تسلم، ويأبى زوجها الإسلام ~~حتى تنقضي عدتها، أنه لا سبيل له عليها إلا بنكاح، فهذا قاله أبو عمر - ~~رحمه الله - بحسب ما بلغه، وإلا فقد ذكرنا في المسلمة مذاهب تسعة، وذكرنا ~~مذهب علي ولا يحفظ اعتبار العدة عن صاحب واحد ألبتة، وأرفع ما فيه قول ~~الزهري الذي رواه مالك عنه في " الموطأ "، ولفظه: " «أن أم حكيم بنت الحارث ~~بن هشام أسلمت يوم الفتح ms232 بمكة، وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام حتى ~~قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت على زوجها باليمن، ودعته إلى الإسلام ~~فأسلم، وقدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبايعه فثبتا على ~~نكاحهما ذلك» ". # قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله، وإلى رسوله، وزوجها ~~كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها إلا أن يقدم زوجها ~~مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها، وأنه لم يبلغنا أن امرأة فرق بينها وبين زوجها ~~إذا قدم وهي في عدتها، فلا يعرف في اعتبار العدة غير هذا الأثر. # PageV02P682 # وأما قوله: إنه ردها على النكاح الأول: أي على مثل الصداق الأول، فلا ~~يخفى ضعفه وفساده، وأنه عكس المفهوم من لفظ الحديث، وقوله: " لم يحدث شيئا ~~" يأباه ونحن نذكر ألفاظ الحديث لنبين أنها لا تحتمل ذلك: # ففي " المسند "، و " السنن " من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - " «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - رد ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع ~~بالنكاح الأول لم يحدث شيئا» ". # وفي لفظ: " «بنكاحها الأول لم يحدث صداقا» ". # وفي لفظ: " «شهادة ولا صداقا» ". # وفي لفظ: " «لم يحدث نكاحا» ". # فهذا كله صريح في أنه أبقاهما على نفس النكاح الأول، لا يحتمل الحديث غير ~~ذلك. # وأما قوله: " فحديث عمرو بن شعيب عندنا صحيح " فنعم، إذا وصل إليه بسند ~~صحيح، وهذا منتف في هذا الحديث كما تقدم. # PageV02P683 # قال الترمذي في " كتاب العلل ": سألت عنه محمد بن إسماعيل البخاري # [عن هذين الحديثين] ؟ فقال: حديث ابن عباس أصح في هذا الباب من حديث عمرو ~~بن شعيب # [عن أبيه، عن جده] . # وذكر أبو عبيد، عن يحيى بن سعيد القطان: أن حجاج بن أرطاة - وهو راويه، ~~عن عمرو بن شعيب - لم يسمعه من عمرو، وأنه من حديث محمد بن عبيد الله ~~العرزمي، عن عمرو. # قال البيهقي: " فهذا الحديث لا يعبأ به أحد يدري ما الحديث ". # قال: " والذي ذكره بعض الناس في الجمع بين حديث عبد الله بن عمرو، وحديث ~~ابن ms233 عباس، بأن قال: علم عبد الله بن عمرو بتحريم الله سبحانه رجوع المؤمنات ~~إلى الكفار، فلم يكن ذلك عنده إلا بنكاح جديد ". # وأما ابن عباس فلم يعلم بتحريم الله عز وجل المؤمنات على الكفار حتى علم ~~برد زينب على أبي العاص فقال: ردها بالنكاح الأول؛ لأنه لم يكن بينهما عنده ~~فسخ نكاح ". # PageV02P684 # قال البيهقي: " وليس هذا بجمع صحيح، وما هو إلا سوء ظن بالصحابة، حيث ~~نسبهم إلى المجازفة برواية الحديث على ما وقع لهم من غير سماع، وحديث عبد ~~الله بن عمرو لم يثبته الحفاظ على ما قدمنا ذكره، وابن عباس لم يقل: " ردها ~~عليه بالنكاح الأول، ولم يحدث شيئا " إلا بعد إحاطة العلم به بنفسه، أو عمن ~~يثق به، وكيف يشتبه على مثله نزول الآية في " الممتحنة " قبل رد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ابنته على أبي العاص؟ وإن اشتبه ذلك عليه في وقت ~~نزولها لم يشتبه على مثله الخبر بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ~~علم منازل القرآن، وتأويله، هذا بعيد لا يجوز الحمل عليه " انتهى كلامه. # قال أصحاب هذا القول: ثم نقول: دعونا من هذا كله، وهب أنه صح لكم جميع ما ~~ذكرتم في قصة زينب، فمن أين لكم أن المراعى في أمر أبي العاص، وأمر هند، ~~وامرأة صفوان، وأم حكيم، وسائر من أسلم إنما هو العدة؟ ومن أخبركم بهذا، ~~وليس في شيء من الأحاديث الصحاح ولا الحسان ذكر عدة في ذلك، ولا دليل عليها ~~أصلا من كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا إجماع الصحابة؟ قالوا: ولا عدة في ~~دين الله إلا في طلاق، أو خلع، أو وفاة، أو عتق تحت عبد، أو حر، فمن أين ~~جئتمونا بهذه العدة، وجعلتموها حدا فاصلا بين الزوج المالك للعصمة، وغيره؟ ### | [فصل حجة المعجلون للفرقة] ### | 117 - # فصل # [حجة المعجلون للفرقة] . # قال المعجلون للفرقة: قال الله تعالى: # PageV02P685 # {ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم ~~بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا ms234 هم ~~يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ~~ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم ~~الله يحكم بينكم والله عليم حكيم} [الممتحنة: 10] . # قالوا: فهذا حكم الله الذي لا يحل لأحد أن يخرج عنه، وقد حرم فيه رجوع ~~المؤمنة إلى الكافر، وصرح سبحانه بإباحة نكاحها، ولو كانت في عصمة الزوج ~~حتى يسلم في العدة، أو بعدها لم يجز نكاحها، لا سيما والمهاجرة تستبرأ ~~بحيضة، وهذا صريح في انقطاع العصمة بالهجرة. # وقوله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10] ، صريح في أن المسلم ~~مأمور ألا يمسك عصمة امرأته إذا لم تسلم، فصح أن ساعة وقوع الإسلام منه ~~تنقطع عصمة الكافرة منه. # وقوله تعالى: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة: 10] ، صريح في ~~تحريم أحدهما على الآخر في كل وقت، فهذه أربعة أدلة من الآية، ودعونا من ~~تلك المنقطعات، والمراسيل والآثار المختلفة، ففي كتاب الله الشفاء والعصمة. # قال الآخرون: مرحبا، وأهلا، وسهلا بكتاب الله، وسمعا، وطاعة لقول ربنا، ~~ولكن تأولتم الآية على غير تأويلها، ووضعتموها على غير مواضعها، وليس فيها ~~ما يقتضي تعجيل الفرقة إذا سبق أحدهما الآخر بإلغائها، ولا فهم # PageV02P686 # هذا منها أحد قط من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا من ~~التابعين، ولا يدل على ما ذهبتم إليه أصلا. # أما قوله تعالى: {فلا ترجعوهن إلى الكفار} [الممتحنة: 10] فإنما يدل على ~~النهي عن رد النساء المهاجرات إلى الله ورسوله إلى الكفار، فأين في هذا ما ~~يقتضي أنها لا تنتظر زوجها حتى يصير مسلما مهاجرا إلى الله ورسوله، ثم ترد ~~إليه؟ ولقد أبعد النجعة كل الإبعاد من فهم هذا من الآية. # وكذلك قوله: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة: 10] ، إنما فيه ~~إثبات التحريم بين المسلمين، والكفار، وأن أحدهما لا يحل للآخر، وليس فيه ~~أن أحدهما لا يتربص بصاحبه الإسلام فيحل له إذا أسلما. # وأما قوله: {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن} [الممتحنة: ~~10] ، فهذا خطاب للمسلمين ms235 ورفع للحرج عنهم أن ينكحوا المؤمنات المهاجرات ~~إذا بن من أزواجهن وتخلين عنهم، وهذا إنما يكون بعد انقضاء عدة المرأة ~~واختيارها لنفسها، ولا ريب أن المرأة إذا انقضت عدتها تخير بين أن تتزوج من ~~شاءت وبين أن تقيم حتى يسلم زوجها، فترجع إليه إما بالعقد الأول على ما ~~نصرناه، وإما بعقد جديد على قول من يرى انفساخ النكاح بمجرد انقضاء العدة. # فلو أنا قلنا: إن المرأة تبقى محبوسة على الزوج، لا نمكنها أن تتزوج بعد ~~انقضاء العدة، شاءت أم أبت، لكان في الآية حجة علينا، ونحن لم نقل ذلك ولا ~~غيرنا من أهل الإسلام، بل هي أحق بنفسها إن شاءت تزوجت، وإن شاءت تربصت. # PageV02P687 # فأما قوله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10] ، فإنما تضمن ~~النهي عن استدامة نكاح المشركة، والتمسك بها، وهي مقيمة على شركها وكفرها، ~~وليس فيه النهي عن الانتظار بها أن يسلم، ثم يمسك بعصمتها. # فإن قيل: فهو في التربص ممسك بعصمتها، قلنا ليس كذلك، بل هي متمكنة بعد ~~انقضاء عدتها من مفارقته، والتزوج بغيره، ولو كانت العصمة بيده لما أمكنها ~~ذلك. # وأيضا فالآية إنما دلت على أن الرجل إذا أسلم ولم تسلم المرأة، أنه لا ~~يمسكها بل يفارقها، فإذا أسلمت بعده فله أن يمسك بعصمتها، وهو إنما أمسك ~~بعصمة مسلمة لا كافرة. # وأيضا فإن تحريم النساء المشركات على المؤمنين لم يستفد بهذه الآية، بل ~~كان ثابتا قبل ذلك بقوله: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] ، ~~وإنما اقتضت هذه الآية حكمه سبحانه بين المؤمنين والكفار في النساء اللاتي ~~يرتددن إلى الكفار واللاتي يهاجرن إلى المسلمين، فإن الشرط كان قد وقع على ~~أن من شاء أن يدخل في دين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعهده دخل، ومن ~~شاء أن يدخل في دين قريش وعهدهم دخل، فهاجر نسوة اخترن الإسلام، وارتد نسوة ~~اخترن الشرك، فحكم الله أحسن حكم بين الفريقين في هذه الآية، ونهى المسلمين ~~فيها أن يمسكوا بعصمة المرأة التي # PageV02P688 # اختارت الكفر والشرك، فإن ذلك منع لها من ms236 التزوج بمن شاءت وهي في عصمة ~~المسلم، والعهد اقتضى أن من جاء من المسلمين، رجالهم ونسائهم إلى الكفار ~~يقر على ذلك، ومن جاء من الكفار إلى المسلمين يرد إليهم، فإذا جاءت امرأة ~~كافرة إلى المسلمين زالت عصمة نكاحها، وأبيح للمسلمين أن يزوجوها، فإذا ~~فاتت امرأة من المسلمين إلى الكفار فلو بقيت في عصمته ممسكا لها لكان في ~~ذلك ضرر بها إن لم يمكنها أن تزوج، وضرر به إن أمكنها أن تتزوج وهي في ~~عصمته، فاقتضى حكمه العدل الذي لا أحسن منه تعجيل التفريق بينه، وبين ~~المرأة المرتدة، أو الكافرة عندهم لتتمكن من التزويج كما تتمكن المسلمة من ~~التزويج إذا هاجرت، فهذا مقتضى الآية، وهي لا تقتضي أن المرأة إذا أسلمت ~~وقعت الفرقة بمجرد إسلامها بينها وبين زوجها، فلو أسلم بعد ذلك لم يكن له ~~عليها سبيل، فينبغي أن تعطى النصوص حقها، والسنة حقها، فلا تعارض بين هذه ~~الآية، وبين ما جاءت به السنة بوجه ما، والكل من مشكاة واحدة يصدق بعضها ~~بعضا. # قال شيخ الإسلام: " وأما القول بأنه بمجرد إسلام أحد الزوجين المشركين ~~تحصل الفرقة قبل الدخول، أو بعده، فهذا قول في غاية الضعف، فإنه خلاف ~~المعلوم المتواتر من شريعة الإسلام، فإنه قد علم أن المسلمين الذين دخلوا ~~في الإسلام كان يسبق بعضهم بعضا بالتكلم بالشهادتين، فتارة يسلم الرجل ~~وتبقى المرأة مدة ثم تسلم، كما أسلم كثير من نساء قريش وغيرهم قبل الرجال. # PageV02P689 # وروي أن أم سليم امرأة أبي طلحة أسلمت قبل أبي طلحة، وتارة # PageV02P690 # يسلم الرجل قبل المرأة، ثم تسلم بعده بمدة قريبة، أو بعيدة وليس لقائل أن ~~يقول: هذا كان قبل تحريم نكاح المشركين لوجهين: # أحدهما: أنه لو قدر تقدم ذلك فدعوى المدعي أن هذا منسوخ تحتاج إلى دليل. # الوجه الثاني: أن يقال: لقد أسلم الناس، ودخلوا في دين الله أفواجا بعد ~~نزول تحريم المشركات، ونزول النهي عن التمسك بعصم الكوافر، فأسلم الطلقاء ~~بمكة، وهم خلق كثير، وأسلم أهل الطائف، وهم أهل مدينة، # PageV02P691 # وكان إسلامهم بعد أن حاصرهم ms237 النبي - صلى الله عليه وسلم - ونصب عليهم ~~المنجنيق، ولم يفتحها، ثم قسم غنائم حنين بالجعرانة، واعتمر عمرة الجعرانة، ~~ثم رجع بالمسلمين إلى المدينة، ثم وفد وفد الطائف فأسلموا، ونساؤهم بالبلد ~~لم يسلمن، ثم رجعوا، وأسلم نساؤهم بعد ذلك، فمن قال: إن إسلام أحد الزوجين ~~قبل الآخر يوجب تعجيل الفرقة قبل الدخول أو بعده، فقوله مقطوع بخطئه، ولم ~~يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدا ممن أسلم: هل دخلت بامرأتك أم لا؟ ~~بل كل من أسلم، وأسلمت امرأته بعده فهي امرأته من غير تجديد نكاح، وقد قدم ~~عليه وفود العرب، وكانوا يسلمون، ثم يرجعون إلى أهليهم، فيسلم # PageV02P692 # نساؤهم على أيديهم بعد إسلام أزواجهن، وبعث عليا، ومعاذا، وأبا موسى إلى ~~اليمن، فأسلم على أيديهم من لا يحصيهم إلا الله من الرجال، والنساء، ومعلوم ~~قطعا أن الرجل كان يأتيهم فيسلم قبل امرأته، والمرأة تأتيهم فتسلم قبل ~~الرجل، ولم يقولوا لأحد: ليكن تلفظك وتلفظ امرأتك بالإسلام في آن واحد، ~~لئلا ينفسخ النكاح، ولم يفرقوا بين من دخل بامرأته، وبين من لم يدخل، ولا ~~حدوا ذلك بثلاثة قروء، ثم يقع الفسخ بعدها، بل علي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه - وقد باشر ذلك بنفسه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي غيبته ~~عنه - قد قال: " «هو أحق بها ما لم تخرج من مصرها» "، وفي رواية عنه: " ما ~~لم تخرج من دار هجرتها "، ولم يعجل الفرقة، ولا # PageV02P693 # حدها بثلاثة قروء، وفي قضية زينب الشفاء والعصمة، وكانت سنته - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه يجمع بين الزوجين إذا أسلم أحدهما قبل الآخر، وتراضيا ~~ببقائهما على النكاح لا يفرق بينهما، ولا يحوجهما إلى عقد جديد، فإذا أسلمت ~~المرأة أولا فلها أن تتربص بإسلام زوجها، أي وقت أسلم فهي امرأته، وإذا ~~أسلم الرجل فليس له أن يحبس المرأة على نفسه، ويمسك بعصمتها، فلا يكرهها ~~على الإسلام، ولا يحبسها على نفسه، فلا يظلمها في الدين، ولا في النكاح، بل ~~إن اختارت هي أن تتربص بإسلامه تربصت، طالت المدة، أو قصرت، ms238 وإن اختارت أن ~~تتزوج غيره بعد انقضاء عدتها فلها ذلك، والعدة هاهنا لحفظ ماء الزوج الأول، ~~وأيهما أسلم في العدة، أو بعدها، فالنكاح بحاله إلا أن يختار الرجل الطلاق ~~فيطلق كما طلق عمر - رضي الله عنه - امرأتين له مشركتين لما أنزل الله ~~تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10] ، أو تختار المرأة أن ~~تزوج بعد استبرائها، فلها ذلك. # وأيضا فإن في هذا تنفيرا عن الإسلام، فإن المرأة إذا علمت أو الزوج أنه ~~بمجرد الإسلام يزول النكاح، ويفارق من يحب، ولم يبق له عليها سبيل إلا ~~برضاها ورضا وليها، ومهر جديد، نفر عن الدخول في الإسلام، بخلاف ما إذا علم ~~كل منهما أنه متى أسلم فالنكاح بحاله، ولا فراق بينهما إلا أن يختار هو ~~المفارقة، كان في ذلك من الترغيب في الإسلام، ومحبته ما هو أدعى إلى الدخول ~~فيه. # PageV02P694 # وأيضا فبقاء مجرد العقد جائزا غير لازم من غير تمكين من الوطء خير محض ~~ومصلحة بلا مفسدة، فإن المفسدة إما بابتداء استيلاء الكافر على المسلمة، ~~فهذا لا يجوز كابتداء نكاحه للمسلمة، وإن لم يكن فيه وطء، كما لا يجوز ~~استيلاؤه بالاسترقاق، وإما بالوطء بعد إسلامها، وهذا لا يجوز أيضا، فصار ~~إبقاء النكاح جائزا فيه مصلحة راجحة للزوجين في الدين، والدنيا من غير ~~مفسدة، وما كان هكذا فإن الشريعة لا تأتي بتحريمه، وكذلك الردة. # أيضا القول بتعجيل الفرقة فيها خلاف المعلوم من سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وسنة خلفائه الراشدين فقد ارتد على عهدهم خلق كثير، ومنهم من ~~لم ترتد امرأته، ثم عادوا إلى الإسلام، وعادت إليهم نساؤهم، وما عرف أن ~~أحدا منهم أمر أن يجدد عقد نكاحه، مع العلم بأن منهم من عاد إلى الإسلام ~~بعد مدة أكثر من مدة العدة، ومع العلم بأن كثيرا من نسائهم لم ترتد، ولم ~~يستفصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا خلفاؤه أحدا من أهل الردة هل ~~عاد إلى الإسلام بعد انقضاء العدة أم قبلها؟ بل المرتد إن استمر على ردته ~~قتل، وإن عاد ms239 إلى الإسلام فامرأته وماله باق عليه بحاله، فماله وامرأته ~~موقوف، وفي تعجيل الفرقة تنفير لهم عن العود إلى الإسلام، والمقصود تأليف ~~القلوب على الإسلام بكل طريق. ### | [فصل صحة العقود التي وقعت من أهل الذمة في الشرك] ### | 118 - # فصل # [صحة العقود التي وقعت من أهل الذمة في الشرك] . # ومن هذا أمر العقود التي وقعت منهم في الشرك فإن الذين أسلموا # PageV02P695 # على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسأل أحدا منهم: كيف كان عقدك ~~على امرأتك؟ وهل نكحتها في عدتها أم بعد انقضاء عدتها؟ وهل نكحت بولي وشهود ~~أم لا؟ # ولا سأل من كان تحته أختان: هل جمعت بينهما في عقد واحد أم تزوجت واحدة ~~بعد واحدة؟ وقد أسلم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخلق الذين ~~أسلموا، ودخلوا في دين الله أفواجا، ولم يسأل أحدا منهم عن صفة نكاحه، بل ~~أقرهم على أنكحتهم، إلا أن يكون حين الإسلام أحدهم على نكاح محرم كنكاح ~~أكثر من أربع، أو نكاح أختين، فكان يأمره أن يختار أربعا منهن، وإحدى ~~الأختين، سواء وقع ذلك في عقد، أو عقود، وإن كان متزوجا بذات محرم كامرأة ~~أبيه أمره بفراقها، وهذا قول أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وجمهور التابعين، ومن بعدهم. # وأبو حنيفة ينظر إلى صفة العقد في الكفر: هل له مساغ في الإسلام أم لا؟ ~~فإن كان له مساغ صححه، وإلا أبطله، فإن تزوج أكثر من أربع في عقد واحد فسد ~~نكاح الجميع، وإن كان في عقود ثبت نكاح الأربع، وقد فسد نكاح من بعدهن من ~~غير تخيير، وكذلك الأختان. # والذي مضت به السنة قول الجمهور كما في " السنن " من حديث # PageV02P696 # «الضحاك بن فيروز، عن أبيه قال: أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أن أطلق إحداهما» . # وفي لفظ للترمذي: " «اختر أيتهما شئت» ". # قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا معمر، عن ~~الزهري، «عن سالم، عن أبيه أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، ms240 ~~فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: " اختر منهن أربعا "،» فلما كان في ~~عهد عمر طلق نساءه، وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر - رضي الله عنه - ~~فقال: إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع، سمع بموتك فقذفه في نفسك، ~~ولعلك ألا تمكث إلا قليلا، وايم الله لتراجعن نساءك ولترجعن في مالك، أو ~~لأورثهن ولآمرن بقبرك فيرجم كما رجم قبر أبي رغال. # قال أحمد: وحدثنا محمد بن جعفر، ثنا معمر، أخبرنا ابن شهاب الزهري، عن ~~سالم، عن أبيه قال: «أسلم غيلان بن سلمة، وتحته عشر نسوة، فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " اختر منهن أربعا» . # وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد السلام، حدثنا إسحاق بن # PageV02P697 # عبد الله، عن أبي وهب الجيشاني، عن أبي خراش الرعيني، «عن الديلمي قال: ~~قدمت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعندي أختان تزوجتهما في الجاهلية، ~~فقال: " إذا رجعت فطلق إحداهما» ". # ورواه الشالنجي، «عن الضحاك بن فيروز، عن أبيه قال: أسلمت، وعندي امرأتان ~~أختان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اختر إحداهما» ". # وفي المسند من حديث قيس بن الحارث قال: «أسلمت وتحتي # PageV02P698 # ثمان نسوة، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت له ذلك فقال: " اختر ~~منهن أربعا» ". # وحديث غيلان قد رواه الإمام أحمد، والشافعي، ومالك، لكن مالكا أرسله عن ~~الزهري، ومعمر وصله، وحكم الناس لمالك في إرساله، وغلطوا معمرا في وصله، ~~وقالوا: هو غير محفوظ. # قال الأثرم: ذكرت لأبي عبد الله الحديث الذي رواه البصريون عن الزهري، عن ~~سالم، عن أبيه: " «أن غيلان أسلم وعنده عشر نسوة» " أصحيح هو؟ قال: لا ما ~~هو صحيح. # PageV02P699 # قال مهنا: سألت أحمد، عن حديث معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أن غيلان أسلم وعنده عشر نسوة» قال: ليس ~~بصحيح، والعمل عليه. # كان عبد الرزاق يقول: عن معمر، عن الزهري مرسلا. # وقال مسلم بن الحجاج: هذا الحديث رواه معمر بالبصرة متصلا هكذا، فإن رواه ~~عنه ثقة خارج البصريين حكمنا ms241 له بالصحة، أو قال: صار الحديث صحيحا، وإلا ~~فالإرسال أولى. # قال البيهقي: فوجدنا سفيان بن سعيد الثوري، وعبد الرحمن بن محمد، وعيسى ~~بن يونس وثلاثتهم كوفيون حدثوا به عن معمر متصلا. # قال: ورواه يحيى بن أبي كثير، وهو يمامي، عن الفضل بن موسى، وهو خراساني، ~~عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فصح الحديث بذلك، والله أعلم. # PageV02P700 # وقد قال النسائي: ثنا عمرو بن يزيد الجرمي، ثنا سيف بن عبيد الله، ثنا ~~سرار بن مجشر، عن أيوب، عن نافع، وسالم، عن ابن عمر: " «أن غيلان بن سلمة ~~كان عنده عشر نسوة، فأسلم وأسلمن معه، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يختار منهن أربعا» ". # قال البيهقي: قال لنا أبو عبد الله: رواة هذا الحديث كلهم ثقات، # PageV02P701 # تقوم بهم الحجة. # وقال أبو علي الحافظ: تفرد به سرار بن مجشر، وهو بصري ثقة. # وبالجملة، فشهرة القصة تغني عن إسنادها، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~خيره، ولم يفرق بين الأوائل والأواخر، ولم يستفصله، ولو اختلف الحال لتعين ~~الاستفصال، فإن الرجل حديث عهد بالإسلام، غير عارف بشرائع الأحكام، وتفاصيل ~~الحلال من الحرام، فجعل الاختيار إليه، ولم يحجر في ذلك عليه. # قال المنازعون: قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث بريدة، ~~ومعاذ، وغيرهما الأمر بدعاء الكفار إلى أن يكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما ~~على المسلمين، والمسلم ليس له أن يتزوج أكثر من أربع، ولا أختين في عقد ~~واحد، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: " «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد» " ~~وهذا نص في المسألة قاطع للنزاع. # قالوا: ونكاح الخمس في عقد واحد لا يختلف فيه حكم البقاء والدوام في ~~المنع، فكان باطلا كنكاح ذوات المحارم. # PageV02P702 # قالوا: ولا يرد علينا النكاح بغير شهود ولا ولي، والنكاح في العدة؛ لأن ~~ذلك يمنع الابتداء دون البقاء. # قالوا: وليس تحريم الخامسة من جهة الجمع، فلم يختلف فيه حال الابتداء ~~والاستدامة، والإسلام والكفر، كعقد المرأة على زوجين. # قالوا: ms242 ولو باع ذمي درهما بدرهمين، ثم أسلم قبل القبض لم يخير في أحد ~~الدرهمين، كذلك إذا أسلم وتحته أختان يجب ألا يخير في إحدى الأختين، وبأن ~~العقد على الخمس في حال الشرك لا يخلو من أحد أمرين: # إما أن تقولوا: إنه صحيح، أو فاسد، ولا يجوز أن يقال: إنه صحيح، إذ لو ~~كان كذلك لم يجز نقضه بعد الإسلام، فثبت أنه فاسد، وإذا كان فاسدا لم يصححه ~~الإسلام، كنكاح ذوات المحارم. # قالوا: ولأنه عقد على عدد محرم، فلا يثبت فيه التخيير، كعقد السلم. # PageV02P703 # قالوا: وأما الحديث، فنحن أول آخذ به، إذ المراد بقوله: " «اختر منهن ~~أربعا» "، تعقد عليهن عقدا جديدا. وكذلك قوله في الأختين: " اختر أيتهما ~~شئت "، إنما هو تخيير ابتداء، لا تخيير استدامة، لما ذكرنا من الأدلة، ولو ~~كان تخيير استدامة لاحتمل أن يكون غيلان عقد عليهن في الحال التي كان يجوز ~~فيها العقد على أكثر من أربع، وذلك في أول الإسلام، فإن القصر على أربع ~~إنما وقع في سورة النساء وهي مدنية بالاتفاق، سلمنا انتفاء # PageV02P704 # ذلك، فيجوز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد علم صورة الحال، ~~وأنه تزوجهن في عقد واحد، فأمره أن يختار منهن أربعا يبتدئ نكاحهن، ولا ~~سبيل إلى العلم بانتفاء هذا. # قال المصححون: الآن اشتد اللزام، واحتد الخصام، ووجب التحيز إلى فئة ~~الحديث الذين قصدهم الانتصار له أين كان، ومع من كان. # قالوا: وأما احتجاجكم بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «فأعلمهم أن لهم ~~ما للمسلمين» " فما أصحه من حديث، وما أضعفه من استدلال! وهل نازع في هذا ~~مسلم حتى تحتجوا عليه به؟ وهكذا نقول نحن، وكل مسلم: إن الرجل إذا أسلم ~~فحينئذ يصير له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، وأما قبل ذلك فلم يكن كذلك، ~~فالحديث حجة عليكم، فإنه لم يقل: أخبرهم أن عليهم ما على المسلمين قبل ~~الإسلام. # والذي على المسلم: أنه لا يمكن من العقد على أختين ابتداء ولا استدامة. # وهكذا قوله - صلى الله عليه وسلم - " «كل عمل ليس عليه أمرنا ms243 فهو رد» "، ~~وليس أمره - صلى الله عليه وسلم - على الجمع بين الأختين والتزوج بأكثر من ~~أربع، فلذلك كان ردا بالإسلام، وهو - صلى الله عليه وسلم - لم يقل: إن ما ~~كان في الجاهلية مما يخالف أمري ومضى، وانقضى فهو رد، وإنما يرد منه ما قام ~~الإسلام وهو على خلاف أمره، وهكذا فعل سواء، فإنه أبطل نكاح إحدى الأختين، ~~وما زاد على الأربع، إذ ذلك خلاف أمره، وجعل الخيرة في الممسكات إلى الزوج، ~~وهذا نفس أمره، فما خالف هذا وهذا فهو رد، فالحديث حجة على بطلان قولكم، ~~وبالله التوفيق. # PageV02P705 # وأما قولكم: إن نكاح الخمس في عقد واحد لا يختلف فيه حكم الابتداء، ~~والدوام، فكان باطلا كنكاح ذوات المحارم، فجوابه من وجوه: # أحدها: أن تحريم ما زاد على الأربع إنما كان من جهة الزيادة على العدد ~~المباح، والزيادة يمكن إبطالها دون النصاب، فإن المفسدة تختص بها، فلا معنى ~~لتعدية الإبطال إلى النصاب، فإن في ذلك إضرارا به، وتنفيرا له عن الإسلام ~~من غير مصلحة، وقد أمكن إزالة المفسدة بمفارقة ما زاد على النصاب، فيبقى ~~النكاح في حق الأربع صحيحا، فهذا محض القياس، كما أنه مقتضى السنة. وهذا ~~بخلاف نكاح ذوات المحارم، فإن المفسدة التي فيه لا تزول إلا ببطلان النكاح، ~~لقيام سبب التحريم. # الوجه الثاني: أن تحريم الزائد على أربع إنما نشأ من جهة انضمامه إلى ~~القدر الجائز، وإلا فكل واحدة منهن لو انفردت صح العقد عليها، بخلاف تحريم ~~ذوات المحارم، فإنه ثابت لذاتها وعينها، فقياس أحد النوعين على الآخر فاسد. # الوجه الثالث: أن تحريم الزائد على الأربع أخف من تحريم ذوات المحارم، ~~ولهذا أبيح لنبينا - صلى الله عليه وسلم - الزيادة على أربع، ولم تبح # PageV02P706 # له ذوات المحارم، فلا يصح اعتبار أحد النوعين بالآخر، ونحن لا ننظر إلى ~~ابتداء العقد كيف وقع، بل إلى حاله عند الإسلام، ولهذا قد ساعدتم على أنه ~~لو تزوجها بغير ولي ولا شهود ولا مهر، أو في عدة، ثم انقضت، أو بغير تراض ~~لم يبطله الإسلام، فلذلك إذا ms244 عقد على خمس لم نبطله بالإسلام، وإنما يبطل ~~الزائد على النصاب. # وأما قولكم: إن تحريم الزائد على الأربع إنما كان من جهة الجمع، فلم ~~يفترق الحال فيه بين الابتداء، والاستدامة، كعقد المرأة على زوجين، فما ~~أفسده من قياس! فإن هذا مما لم تختلف فيه الشرائع ولا الطبائع، ولا تسوغه ~~أمة من الأمم على اختلاف أديانها وآرائها. # وأما الجمع بين الأختين، وبين أكثر من أربع فقد كان جائزا في بعض ~~الشرائع، كما قال تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} [النساء: ~~23] ، والجمع بين أكثر من أربع قد فعله داود، وسليمان، وخاتم الأنبياء ~~صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. # وبالجملة، فعقد الرجل على أكثر من امرأة مصلحة راجحة، وعقد المرأة على ~~أكثر من رجل مفسدة خالصة، أو راجحة، فاعتبار أحدهما بالآخر فاسد عقلا، ~~وطبعا، وشرعا. # وأما قولكم: لو باع ذمي درهما بدرهمين، ثم أسلم لم يخير في أحد الدرهمين، ~~كذلك لا يخير في الأختين، فما أفسده من قياس! فإن الصرف إذا لم يقبض لم ~~يلزم في العقد إن قبضه، ثم أسلم أن يفسخ العقد، فإنهم إذا # PageV02P708 # تعاقدوا عقود الربا وتقابضوا، ثم أسلموا لم نفسخها، وإن لم يتقابضوا لم ~~نمضها، وهكذا النكاح، فإنه إذا اتصل به الدخول، وسبب التحريم قائم، ~~أبطلناه، وإن كان قد انقضى لم نعرض له. وإنما لم نخيره في أحد الدرهمين، ~~وخيرناه في إحدى الأختين؛ لأنه لا فائدة له في تخييره في أحد الدرهمين، ولا ~~غرض له في ذلك، ولا مصلحة، بخلاف تخييره بين إحدى الأختين، على أنه لا ~~يمتنع أن يخير العقد في درهم بدرهم، ويجعل له الخيار في أيهما شاء، فنفي ~~الحكم في ذلك غير معلوم بنص ولا إجماع. # وأما قولكم: العقد على الخمس في حال الشرك إما أن يقع صحيحا، أو فاسدا. . ~~. إلى آخره، فجوابه من وجهين: # أحدهما: أنه صحيح في الجميع، فإذا أسلم فسخ العقد في إحداهن: هذا جواب ~~القاضي أبي يعلى. # قال: " وقد نص أحمد على هذا: إذا تزوج الحربي أما وبنتا، ثم أسلم ms245 قبل ~~الدخول، انفسخ نكاح الأم ". # قال: " وهذا يدل على أنه قد صح النكاح في البنت حتى صارت هي من أمهات ~~النساء فحرمت عليه، ولو لم يكن صحيحا فيهما كان له أن يختار أيهما شاء، ~~لأنها لم تكن من أمهات النساء، والجمع بين الأم والبنت في العقد كالجمع بين ~~خمسة ". # قال: " وإنما حكمنا بصحة العقد في الجميع؛ لأن له أن يختار الخامسة بعد ~~إسلامه، ويستديم نكاحها على حديث غيلان وغيره، ولا يجوز أن يستديم نكاحا ~~حكمنا بفساده ". # PageV02P709 # وقولكم: إنه لو كان صحيحا لم يجز تغييره، ونقضه بعد الإسلام، كما لو عقد ~~على أربع لا يصح؛ لأن الإسلام لا يغير ما يطابق حكم الإسلام، وما زاد على ~~الأربع يخالف حكمه، فلهذا غيره كما لو تعاقدا عقد صرف، وأسلما قبل التقابض ~~حكمنا بفساده، وإن كان الصرف في الجملة جائزا، ولأنه لو أسلم الوثني قبل ~~الدخول انفسخ النكاح بعد الحكم بصحته، ولأن تغييره بعد الإسلام إنما هو ~~إلزام، ولا يمتنع أن يوجب الإسلام إزالة أشياء لم تكن حال الكفر كالعبادات. # وعندي جواب آخر: وهو أن العقد الذي وقع في حال الكفر - على هذا الوجه - ~~لا يحكم له بصحة، ولا فساد، بل يقرون عليه كما يقرون على كفرهم، فإن ~~استمروا على الكفر لم نتعرض لعقودهم، وإن أسلموا حكم ببطلان ما يقتضي ~~الإسلام بطلانه - من حين الإسلام لا قبل ذلك - كالحكم في سائر عقودهم من ~~بياعاتهم وغيرها، فما كان قبل الإسلام فهو عفو لا نحكم له بأحكام الإسلام، ~~قال الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا} ~~[البقرة: 278] ، فأمر بترك ما بقي دون رد ما قبض، ولم يكن صحيحا، بل كان ~~عفوا كما قال سبحانه: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف} [البقرة: ~~275] ، فجعل له ما سلف من الربا، وإن لم يكن مباحا له، وكذلك سائر العقود ~~له ما سلف منها، ويجب عليه ترك ما يحرمه الإسلام، وهذه الآية هي الأصل في ~~هذا الباب جميعه، فإنه تعالى لم يبطل ما ms246 وقع في الجاهلية على خلاف شرعه، ~~وأمر بالتزام شرعه من حين قام # PageV02P710 # الشرع، ومن تأمل حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في باب أنكحة ~~الكفار إذا أسلموا عليها وجده مشتقا من القرآن مطابقا له. # وأما قولكم: إنه عقد على أكثر من أربع، فلم يصح فيه التخيير، كعقد السلم، ~~فهل في القياس أفسد من هذا؟ وهل يمكن أحدا أن يطرد هذا القياس فيفسخ كل ~~نكاح وقع في الشرك، وكل بيع، وكل إجارة، وكل عقد لم يستوف شروطه في الإسلام ~~كالنكاح بلا ولي، ولا شهود، ولا مهر، وكل عقد فاسد وقع فيه التقابض؟ ! # وأما قولكم: إنكم أول من أخذ بالحديث، فكلا بل أول من تلطف في رده بما لا ~~يرد به، وما تأولتم به الحديث من أن المراد به " تخييره في ابتداء العقد ~~على من شاء منهن " باطل لوجوه. # أحدها: قوله في بعض ألفاظه: " «أمسك أربعا وفارق سائرهن» "، وهذا يقتضي ~~إمساكهن بالعقد الأول، كما قال تعالى: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ~~وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك} [الأحزاب: 37] ، وقوله: {فإمساك بمعروف} ~~[البقرة: 229] ، ولا يعقل الإمساك غير هذا. # فإن قلتم: يعني: " «أمسك أربعا منهن» " تزوج أربعا، خرج اللفظ عن القياس ~~إلى الألغاز واللبس الذي يتنزه عنه كلام المبين عن الله. # PageV02P711 # الثاني: أنه جعل الإمساك، والاختيار إليه، ولو كان المراد به العقد لكان ~~الاختيار إليهن لا إليه؛ لأنه لا يعقد عليهن إلا برضاهن. # الثالث: أنه أمره بالاختيار، وذلك واجب عليه، ولو كان المراد تجديد العقد ~~لم يجب عليه، ولهذا لو أبى الاختيار أجبره عليه الحاكم، فإن امتنع ضربه حتى ~~يختار لأنه واجب عليه. # الرابع: أن هذا التأويل لا يصح عندكم إلا إذا كان قد تزوجهن في عقد واحد، ~~فأما إذا تزوجهن بعقود متفرقة، فإنه يصح نكاح الأربع الأول، ويبطل نكاح من ~~عداهن، وحينئذ فيكون المراد من الحديث: إذا كنت قد تزوجتهن في عقد واحد، ~~فنكاح الجميع باطل، وذلك أن يتزوج أربعا منهن. ومعلوم أن هذا لا يفهم أصلا ~~من قوله: " «اختر أربعا، وفارق ms247 سائرهن» "، ولا يفهم المخاطب ولا غيره هذا ~~المعنى من هذا اللفظ ألبتة. # الخامس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسأل هذا الحديث العهد ~~بالإسلام الجاهل بالأحكام عن كيفية عقده، ولا استفصله. # السادس: ما رواه الشافعي: # PageV02P712 # عن عوف بن الحارث، عن نوفل بن معاوية الديلي قال: " «أسلمت وعندي خمس ~~نسوة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أمسك أربعا، وفارق الأخرى " ~~فعمدت إلى أقدمهن صحبة: عجوز عاقر، معي منذ ستين سنة، ففارقتها» ". ففهم ~~المخاطب من هذا اللفظ حقيقته، وعمل بها. # PageV02P713 # السابع: أنه قال للذي أسلم على أختين: " «طلق أيتهما شئت» "، وهذا لا ~~معنى له على قول المنازع، فإنه إن تزوج إحداهما بعد الأخرى فنكاح الثانية ~~باطل، وليست محلا للطلاق، وإن تزوجهما معا فنكاحهما عنده باطل، وليست واحدة ~~منهما محلا للطلاق. # الثامن: أن في بعض طرق الحديث: " «أمسك إحداهما» "، وهذا على قولكم لا ~~يتأتى، فإنه إن جمعهما في عقد لم يكن له سبيل على واحدة منهما حتى يمسكهما، ~~وإن سبق عقد إحداهما الأخرى كان الواجب عندكم أن يقال: أمسك الأولى دون ~~الثانية، وهذا لا يصح أن يعبر عنه بقوله: " «أمسك إحداهما وأيتهما شئت» ". # وأما قولكم: إن هذا يجوز أن يكون في الوقت الذي كان يجوز فيه العقد على ~~أكثر من أربع، فجوابه من وجوه: # أحدها: أنه لا يعلم أنه كان العقد على أكثر من أربع جائزا في وقت من ~~الأوقات في الإسلام، لا قبل الهجرة، ولا بعدها، ولو كان ذلك لنقل مع ما نقل ~~من الناسخ، والمنسوخ، ولم ينقل أحد هذا قط. # فإن قيل: نحن لم ندع أن ذلك أبيح لفظا، ثم نسخ، بل كان على أصل الإباحة ~~والعفو حتى حرمه القرآن، قيل: هذا لا يصح، فإن الأصل في الفروج التحريم إلا ~~ما أباحه الله ورسوله، كما أن الأصل في العبادات البطلان إلا ما شرعه الله ~~ورسوله، وعكس هذا العقود والمطاعم، الأصل فيها الصحة والحل إلا ما أبطله ~~الله ورسوله وحرمه، وهذا تقرر في موضعه. # PageV02P715 # الثاني: أن هذا لو كان مشروعا، أو ms248 مباحا إباحة العفو لكان في المسلمين ~~ولو رجل واحد يفعله في الإسلام قبل التحريم، مع حرصهم على النكاح، ~~والاستكثار منه. ألا ترى أنهم فعلوا المتعة لما كانت مباحة، وشرب الخمر ~~منهم من شربها قبل التحريم. # الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسأله عن وقت العقد: هل كان ~~قبل التحريم، أو بعده؟ كما لم يسأله عن كيفيته. # الرابع: أن هذا لا يصح على أصول المنازع، فإن أبا حنيفة قال: إذا تزوج ~~الحر بأربع نسوة ثم استرق، فإنه يبطل نكاحهن، ومعلوم أنه إنما حرم عليه ~~نكاح ما زاد على الثنتين بالاسترقاق، ونكاح الأربع وقع في الوقت الذي كان ~~يجوز له فيه نكاحهن، فكان يجب - على ما ذكروا من التأويلات - أن يختار منهن ~~اثنتين؛ لأنه عقد على أربع في حال كان ذلك مباحا له فيها، ثم ورد التحريم. ~~وهذه المسألة ذكرها محمد بن الحسن في " الجامع الكبير ". # وأما قولكم: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يجوز أن يكون علم الحال، ~~وأنه تزوجهن في عقد واحد، فخيره بين أربع يبتدئ نكاحهن، فهو باطل من الوجوه ~~التي تقدمت. # ونزيدها هاهنا وجها آخر: وهو أن ذلك يتضمن تعليق الحكم على غير السبب ~~المذكور في الحديث، وإلغاء السبب الذي ذكر فيه، وهذا باطل من الوجهين ~~جميعا، فإنه إنما علق الاختيار بكونه أسلم على أكثر من أربع، # PageV02P716 # وعندكم الاختيار إنما علق على اجتماعهن في عقد واحد لو كان اختيارا. ~~وبالله التوفيق. # [من أسلم وتحته أم وابنتها] . # فإن قيل: ما تقولون لو أسلم وتحته أم وبنتها؟ قيل: إن أسلم قبل دخوله ~~بواحدة منهما فسد نكاح الأم، لأنها صارت من أمهات نسائه، وثبت نكاح البنت ~~لأنها ربيبة غير مدخول بأمها، هذا مذهب أحمد، وأحد قولي الشافعي، اختاره ~~المزني. # وقال في القول الآخر: له أن يختار أيتهما شاء؛ لأن عقد الشرك إنما يثبت ~~له حكم الصحة إذا انضم إليه الاختيار، فإذا اختار الأم، فكأنه لم يعقد على ~~البنت، فلا تكون من أمهات نسائه. # والمنازعون له ينازعونه في هذه المقدمة ms249 ويقولون: أنكحة الكفار صحيحة يثبت ~~لها أحكام الصحة، ولذلك لو انفردت إحداهما بالنكاح كان صحيحا لازما من غير ~~اختيار، ولهذا فوض إليه الاختيار هاهنا، ولا يصح أن يختار من ليس نكاحها ~~صحيحا. # قالوا: وقد قال تعالى: {وأمهات نسائكم} [النساء: 23] ، وهذه من أمهات # PageV02P717 # نسائه، فتكون محرمة. # قالوا: ولأنها زوجته، فتحرم عليه كما لو طلق ابنتها في حال الشرك، ولأنه ~~لو تزوج البنت وحدها، ثم طلقها حرمت عليه أمها إذا أسلم، فإذا لم يطلقها، ~~وتمسك بنكاحها فأولى بالتحريم، وإنما اختصت الأم بفساد نكاحها لأنها تحرم ~~بمجرد العقد على البنت، فلم يمكن اختيارها، والبنت لا تحرم قبل الدخول ~~بأمها، فيتعين النكاح فيها. ### | [فصل إذا أسلم الذمي وتحته أم وابنتها وقد دخل بهما أو بإحداهما] ### | 119 - # فصل # [إذا أسلم الذمي وتحته أم وابنتها وقد دخل بهما أو بإحداهما] . # وإن كان قد دخل حرمتا على التأبيد: أما الأم فلكونها أم زوجته، وأما ~~البنت فلأنها ربيبته من زوجته التي دخل بها. # قال ابن المنذر: " أجمع على هذا كل من يحفظ عنه من أهل العلم ". # وكذلك إن كان دخل بالأم وحدها؛ لأن البنت ربيبته المدخول بأمها، والأم ~~حرمت بمجرد العقد على البنت. # وإن دخل بالبنت وحدها ثبت نكاحها وفسد نكاح أمها كما لو لم يدخل بهما. # ولو أسلم وله جاريتان إحداهما أم الأخرى، وقد وطئهما جميعا حرمتا عليه ~~على التأبيد، وإن كان قد وطئ إحداهما حرمت الأخرى على التأبيد # PageV02P718 # ولم تحرم الموطوءة، وإن كان لم يطأ واحدة منهما فله وطء أيتهما شاء، فإذا ~~وطئها حرمت الأخرى على التأبيد. ### | [فصل إذا طلق إحداهما أو ما زاد على الأربع] ### | 120 - # فصل # [إذا طلق إحداهما أو ما زاد على الأربع] . # فإن طلق إحداهما أو طلق ما زاد على الأربع ثبت النكاح في غير المطلقة، ~~وكانت المطلقة هي المفارقة: ذكره شيخنا، وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد ~~والشافعي. # وقال الأصحاب: تكون المطلقة هي المختارة، وينفسخ نكاح البواقي، وهذا الذي ~~قاله أصحاب الشافعي، وأظنه نصه. # وقال أصحاب مالك، ولكنه غير منصوص عنه، وحجتهم ms250 أن الطلاق لا يكون إلا في ~~زوجة. قالوا: فتطليقه لها اختيار لها، ويقع عليها الطلاق لأنها زوجة، وقد ~~أوقع عليها الطلاق، فتطلق، وينفسخ نكاح البواقي باختيار المطلقات. # قال القاضي: فإذا قال أمسكت هذه، أو أمسكت نكاحها، أو اخترتها، أو اخترت ~~نكاحها " لزم نكاحها وانفسخ نكاح من عداها. وإن قال: " فسخت نكاح هذه أو ~~عقدها، أو أخرجتها من حبالي، أو تركتها، ونحو ذلك " كان ذلك فراقا لها، فإن ~~قال: " فارقتها، أو فارقت عقدها، أو سرحتها "، احتمل أن يكون فسخا؛ لأنه ~~يحتمله فتبين منه، ويبقى نكاح # PageV02P719 # البواقي، واحتمل أن يكون اختيارا لها، ويقع الطلاق؛ لأنه صريح في الطلاق، ~~وإن قال: " طلقت هذه " كان ذلك اختيارا لنكاحها وطلاقا؛ لأن الطلاق لا يوقع ~~إلا في زوجة، فتطليقه لها يكون اختيارا وتطليقا. # فإن وطئ واحدة فقياس المذهب أنه يكون اختيارا لها؛ لأنه قد نص على أن ~~الوطء يكون رجعة؛ لأن الوطء يدل على الرضا بها، فحصل بذلك الإمساك، ولهذا ~~قلنا في الأمة إذا أعتقت تحت عبد: لها الخيار، فإن وطئها قبل الخيار بطل ~~خيارها؛ لأن تمكينها يدل على الرضا، وكذلك إذا خيرها، ثم وطئها كان وطؤها ~~قطعا لخيارها؛ لأنه يدل على الرغبة فيها والرجوع في طلاقها، خلافا لأصحاب ~~الشافعي: لا يكون الوطء اختيارا عندهم لأنه لم يوضع لذلك، وكذلك لا تحصل به ~~الرجعة. # والدليل على أن الوطء اختيار: أنه يوجب الاختيار باللفظ، ومقصوده ومثاله، ~~فهو أقوى من مجرد قوله: " اخترتها "؛ لأن قوله: " اخترتها " جعل اختيارا ~~لدلالته على إيثاره لها ورضاه بها، فوطؤها أقوى في الدلالة من مجرد اللفظ، ~~ولهذا كان الوطء رجعة عند جمهور العلماء، وإنما نازع فيه الشافعي وحده. # إذا عرف هذا فالصواب أن تطليق إحداهن لا يكون اختيارا لها، بل اختيارا ~~لغير المطلقة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال للديلمي: " طلق ~~إحداهما " لم يرد بهذا: أمسكها، ولا فهم هو إمساكها من هذا اللفظ، ولا فهمه ~~أحد من أهل التخاطب، وإنما فهم من قوله: " طلق أيتهما شئت " # PageV02P720 # اختيارا لها لنفذ الطلاق عليها وانفسخ ms251 نكاح الأخرى بأنه لم يخترها، فيكون ~~أمرا له بإرسال الاثنتين: هذه بالتطليق، والأخرى باختيار غيرها، وقد صرح به ~~أصحاب هذا القول فقالوا: لا يكون الطلاق إلا في زوجة، ففي ضمن تطليقه لها ~~اختيار منه لها، فينفذ الطلاق وتنقطع العصمة بينه وبين البواقي، وهذا باطل ~~قطعا، وكيف يكون الطلاق الذي جعل لرفع النكاح وإزالته، وحل قيده دالا على ~~ضد موضوعه من الإمساك والاختيار؟ ! وهل هذا إلا قلب الحقائق! وهو بمنزلة ~~جعل الإمساك والاختيار دليلا على الفراق والطلاق، وأي فرق حقيقة أو لغة بين ~~قوله: " أرسلتك "، و " سيبتك "، و " أخرجتك من نكاحي "، و " طلقتك "؟ ! # وأما قولهم: " إن الطلاق لا يكون إلا في زوجة " فجوابه من وجوه: # أحدها: أن الطلاق المضاف إلى زوجة لا يكون إلا في زوجة، وأما الطلاق الذي ~~هو عبارة عن اختيار غير المطلقة، وإخراج المطلقة من نكاحه فلا يلزم أن ~~يصادف زوجة. # الثاني: أن الطلاق هاهنا كناية عن التسيب والإرسال، فهو بمنزلة قوله " ~~رغبت عنك "، " أرسلتك " فهو طلاق مقيد بقيد القرينة، وهي من أقوى القرائن. # الثالث: أنه كيف يمكن أن يقول هذا القول من يقول: إن أنكحة الكفار صحيحة؟ ~~ولهذا قال ينفذ الطلاق في المطلقة، وإذا كانت صحيحة فطلق واحدة صارت كأنها ~~لم يعقد عليها، وصار البواقي هن المعقود عليهن، فكأنه أسلم وتحته أربع أو ~~إحدى الأختين فقط. # PageV02P721 # فإن قيل: بالإسلام زال صحة نكاح الجميع، فلا يمكن أن يقال: نكاح الخمس ~~صحيح بعد إسلامه، ولا يحكم ببطلان نكاحهن، فإذا طلق واحدة علمنا أنها حينئذ ~~زوجة، ومن ضرورة كونها زوجة بطلان نكاح من عداها، فإذا كان تحته ثمان فطلق ~~أربعا علمنا أنهن حين الطلاق زوجاته، فبالضرورة يكون نكاح من عداهن مفسوخا، ~~إذ لا يمكن أن يكون حال الطلاق نكاح الثمان صحيحا، قيل: هذه الشبهة التي ~~لأجلها قالوا: إن الطلاق يكون اختيارا. # وجواب هذه الشبهة أن النكاح بين الإسلام والاختيار موقوف لم ينفسخ بنفس ~~الإسلام، ولا بقي صحيحا لازما، إذ لو انفسخ بنفس الإسلام لم يختر، وهذا ~~واضح ولهذا له أن ms252 يمسك من شاء من الثمان إلى تمام النصاب، فما منهن واحدة ~~إلا والنكاح في حقها صحيح إذا اختارها، وباطل إذا أخرجه عن عصمته، فالطلاق ~~صادف هذه الزوجة الموقوفة، ولا يلزم منه اجتماع الثمان في الإسلام في عقد ~~لازم، وليس المحذور سوى ذلك. ### | [فصل اختلاف الدارين لا يوقع الفرقة] ### | 121 - # فصل # [اختلاف الدارين لا يوقع الفرقة] . # واختلاف الدارين لا يوقع الفرقة، وإنما التأثير لاختلاف الدين. # قال أحمد في رواية ابن القاسم: الزوجان على نكاحهما ما دامت # PageV02P722 # في العدة، فإذا أسلمت فهما على نكاحهما لا يفرق بينهما، وكان الشافعي ~~يحتج على أصحاب أبي حنيفة إذا أسلمت وهي في دار الحرب، ثم أسلم هو: " أنها ~~امرأته، وكذلك أقول ". # وقال أبو حنيفة: اختلاف الدارين يوقع الفرقة، فعنده إذا خرجت الحربية ~~إلينا مسلمة وخلفت زوجها في دار الحرب كافرا وقد دخل بها وقعت الفرقة ~~بينهما في الحال. # وقد تناظر الشافعي هو ومحمد بن الحسن - رحمهما الله تعالى - في هذه ~~المسألة، وساق الربيع المناظرة فقال الشافعي: إن قال قائل: ما دليلك على # PageV02P723 # ذلك؟ قيل له: أسلم أبو سفيان بن حرب بمر الظهران، وهي دار خزاعة، وخزاعة ~~مسلمون قبل الفتح في دار الإسلام، ورجع إلى مكة، وهند بنت عتبة مقيمة على ~~غير الإسلام، فأخذت بلحيته، وقالت: اقتلوا الشيخ الضال، ثم أسلمت هند بعد ~~إسلام أبي سفيان بأيام كثيرة، وكانت كافرة مقيمة بدار ليست بدار الإسلام ~~يومئذ، وزوجها مسلم في دار الإسلام، وهي في دار حرب. # ثم صارت مكة دار إسلام، وأبو سفيان بها مسلم، وهند كافرة، ثم أسلمت قبل ~~انقضاء العدة فاستقرا على النكاح؛ لأن عدتها لم تنقض حتى أسلمت. # وكان كذلك حكيم بن حزام وإسلامه، وأسلمت امرأة صفوان بن # PageV02P724 # أمية، وامرأة عكرمة بن أبي جهل بمكة، فصارت دارهما دار الإسلام، وظهر حكم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة، وهرب عكرمة إلى اليمن، وهي دار حرب # [وصفوان يريد اليمن، وهي دار حرب،] ثم رجع صفوان # PageV02P725 # إلى مكة وهي دار الإسلام، وشهد حنينا وهو كافر، ثم أسلم، ms253 واستقرت عنده ~~امرأته بالنكاح الأول # [ورجع عكرمة، وأسلم، فاستقرت عنده امرأته بالنكاح الأول،] وذلك أنه لم ~~تنقض عدتها. # فقلت له: ما وصفت لك من أمر أبي سفيان، وحكيم، وأزواجهما # [وأمر صفوان، وعكرمة، وأزواجهما] أمر معروف عند أهل العلم بالمغازي # [فهل ترى ما احتججت به من أن الدار لا تغير من الحكم شيئا إذا دلت السنة ~~على ما قلت؟] وقد حفظ أهل المغازي أن امرأة من الأنصار كانت عند رجل بمكة، ~~فأسلمت، وهاجرت إلى المدينة # [فقدم زوجها] ، وهي في العدة # [فأسلم] فاستقرا على النكاح. انتهى كلامه. # وقد روى البخاري في " صحيحه " «عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: " ~~كان المشركون على منزلتين من النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين: ~~مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، # [ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم، ولا يقاتلونه» ] # [وكان إذا] هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض، وتطهر، فإذا طهرت ~~حل # [لها] النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه. . . " فهذا هو الفصل ~~في هذه المسألة، وهو الصواب. # وليس هذا الحيض هو العدة التي قدرها كثير من الفقهاء أجلا # PageV02P726 # لانقضاء النكاح، بل هو استبراء بحيضة تحل بعدها للأزواج، فإن شاءت نكحت ~~وإن شاءت أقامت، وانتظرت إسلام زوجها، فمتى أسلم فهي امرأته انقضت العدة أو ~~لم تنقض، هذا الذي كان عليه أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~الصواب بلا ريب. # قالت الحنفية: مر الظهران لم تكن صارت من بلاد الإسلام لأنها قريبة من ~~مكة، وهي كانت دار حرب، فكان حكم ما قرب منها حكمها إلى أن استولى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - على مكة، وقهر أهلها، وغلبهم، فصارت هي وما حولها من ~~دار الإسلام، فثبت بهذا أن أبا سفيان أسلم في دار الحرب، فلم تختلف به ~~وبامرأته الدار. # قال الجمهور: أبو سفيان أسلم بمر الظهران عند النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وقد نزلها المسلمون الذين معه وثبتت أيديهم عليها، وجرت أحكام الإسلام ~~فيهم، وإذا كان كذلك كانت من دار الإسلام، وكانت في ذلك بمنزلة ms254 المدينة، ~~وسائر مدن الإسلام. # قالت الحنفية: ولا حجة لكم في هروب عكرمة بن أبي جهل يوم الفتح، وصفوان ~~بن أمية إلى اليمن، أو الطائف، أو الساحل، حتى وافاهما نساؤهما، وأخذن لهما ~~الأمان، فإن مكة لما فتحت صار ما قرب منها من دار الإسلام، فساحل البحر ~~قريب منها، والطائف - وإن كانت دار كفر إذ # PageV02P727 # ذاك - فليس في القصة أنه وصل إليها بل قصدها، ولعله لم يخرج من دار ~~الإسلام، ولم يصل إليها. # وأما اليمن فإنها كانت قد صارت دار إسلام، وأقر أهل الكتاب منهم بالجزية، ~~وأما عباد الأوثان فأسلموا على يد علي ومعاذ وأبي موسى، فلم تختلف الدار ~~بين هؤلاء وبين نسائهم. # قال الجمهور: دار الإسلام هي التي نزلها المسلمون، وجرت عليها أحكام ~~الإسلام، وما لم تجر عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام، وإن لاصقها، ~~فهذه الطائف قريبة إلى مكة جدا ولم تصر دار إسلام بفتح مكة، وكذلك الساحل. # وأما اليمن فلا ريب أنه كان قد فشا فيهم الإسلام، ولم يستوثق كل بلادها ~~بالإسلام إلا بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في زمن خلفائه، ولهذا ~~أتوا بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسالا، وفتحوا البلاد مع # PageV02P728 # الصحابة، وعكرمة لم يهرب من الإسلام إلى بلد إسلام، وإنما هرب إلى موضع ~~يرى أن أهله على دينه. # نزلنا عن هذا كله، فالذين أسلموا، وهاجروا قبل فتح مكة لم يفرق رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بينهم وبين نسائهم قطعا مع اختلاف الدار قطعا، ولو ~~لم تكن الآثار متضافرة بذلك لكان القياس يقتضي عدم التفريق باختلاف الدار، ~~فإن المسلم لو دخل دار الحرب، وأقام بها، وامرأته مسلمة، أو أقامت امرأة ~~الحربي في دار الحرب، وخرج هو إلى دار الإسلام بأمان لتجارة، أو رسالة، فإن ~~النكاح لا ينفسخ. # فإن قلتم: الدار لم تختلف بهما هاهنا فعلا وحكما، وإنما اختلفت فعلا؛ لأن ~~حكم المسلمة في دار الحرب حكمها في دار الإسلام، وكذلك حكم المسلم فعلا. # قيل لكم: إذا استوطنها كان من أهلها، ولهذا إذا ms255 قتله جيش المسلمين، ولم ~~يعلموا حاله لم تجب عليهم الدية؛ لأن الدار دار إباحة، فلم يتعلق بالقتل ~~وجوب الدية، ولو تعمد قتل مسلم لم يجب عليه القود عندكم، ولكان الحربي إذا ~~دخل إلينا مستأمنا ثبت له حكم الدار، ولهذا من قتله وجبت عليه ديته، ولم ~~يجز سبيه، واسترقاقه، وأخذ ماله. # PageV02P729 # وأيضا فالنكاح عقد من العقود فلم ينفسخ باختلاف الدارين كالبيع وغيره. # وأيضا فإن المسلم لو دخل دار الحرب، وتزوج حربية صح النكاح، ولو كان ~~اختلاف الدارين يوجب فسخ النكاح لوجب ألا يصح النكاح بينهما؛ لأن المسلم من ~~أهل دار الإسلام، وإن كان في دار الحرب، والحربية من أهل دار الحرب، فالدار ~~مختلفة بينهما في الحقيقة، ولا يجوز أن يقال: إنهما مقيمان في دار واحدة ~~فلم تختلف بهما؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن تقع الفرقة بينه وبين امرأته ~~التي في دار الإسلام؛ لأنه قد اختلفت بهما الدار، ولوجب إذا دخل الحربي دار ~~الإسلام، وله زوجة في دار الحرب أن ينفسخ النكاح بينهما لاختلاف الدار، ~~فلما لم ينفسخ علم أن المسلم إذا كان في دار الإسلام، فهو من أهل دار ~~الإسلام، والحربي إذا كان في دار الإسلام فهو من أهل دار الحرب، ومع هذا ~~النكاح لا ينفسخ، كذلك هاهنا. # قالت الحنفية: قال الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات} [الممتحنة: 10] الآية، فالدلالة فيها من وجوه: # أحدها: قوله: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة: 10] وعندكم إذا ~~خرج مسلما قبل أن تحيض ثلاث حيض فهي حل له، وهو حل لها. # الثاني: قوله: {وآتوهم ما أنفقوا} [الممتحنة: 10] ، ولو لم تقع الفرقة ~~بينهما باختلاف الدارين لم تؤمر برد المهر عليه. # الثالث: قوله: {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن} [الممتحنة: 10] ، فأباح ~~نكاحهن # PageV02P730 # على الإطلاق، وعندكم لا يباح نكاحها في الحال إذا كانت مدخولا بها. # الرابع: قوله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10] ، وفي المنع من ~~العقد عليها تمسك بعصمة الكوافر. # قال الجمهور: لا حجة لكم في شيء من ذلك، فإن قوله تعالى: {لا ms256 هن حل لهم} ~~[الممتحنة: 10] ، إنما هو في حال الكفر، ولهذا قال: {فإن علمتموهن مؤمنات ~~فلا ترجعوهن إلى الكفار} [الممتحنة: 10] ، ثم قال: {لا هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن} [الممتحنة: 10] . # وأما قوله: {وآتوهم ما أنفقوا} [الممتحنة: 10] ، فقد تنازع الناس فيه ~~فقالت طائفة: هذا منسوخ وإنما كان ذلك في الوقت الذي كان يجب فيه رد المهر ~~إلى الزوج الكافر إذا أسلمت امرأته، وهذا عندكم أيضا منسوخ. # وأما من لم يره منسوخا فلم يجب عنده رد المهر لاختلاف الدارين، بل ~~لاختلاف الدين ورغبة المرأة عن التربص بإسلامه، فإنها إذا حاضت حيضة ملكت ~~نفسها، فإن شاءت تزوجت، وحينئذ ترد عليه مهره، وإن شاءت أقامت، وانتظرت ~~إسلامه. # وأما قوله تعالى: {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن} [الممتحنة: 10] ، فإنما ~~ذلك بعد انقضاء عدتها ورغبتها عن زوجها، وعن التربص بإسلامه كما قال تعالى: ~~{فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا} [البقرة: 230] ، والمراد بعد ~~انقضاء عدتها ورضاها. # PageV02P731 # وأما قوله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10] ، فهذا لا يدل على ~~وقوع الفرقة باختلاف الدار، وإنما يدل على أن المسلم ممنوع من نكاح الكافرة ~~المشركة، ونحن لا نقول ببقاء النكاح مع شركها، بل نقول إنه موقوف، فإن ~~أسلمت في عدتها، أو بعدها فهي امرأته. # قالت الحنفية: زوجان اختلفت بهما الدار فعلا وحكما، فوجب أن تقع الفرقة ~~بينهما، أصله الحربية إذا دخلت دار الإسلام بأمان، ثم أسلمت قبل الدخول، ~~وإذا سبي الزوج وأخرج إلى دار الإسلام فإن الفرقة تقع كذلك هاهنا. # قال الجمهور: هذا منتقض بما ذكرنا من انتقال المسلم إلى دار الحرب، ودخول ~~الحربية إلى دار الإسلام، ودخول الحربي بأمان لتجارة، أو رسالة. # وأما الحربية إذا دخلت دار الإسلام، وأسلمت فالموجب للفرقة هناك اختلاف ~~الدين دون اختلاف الدارين، ألا ترى أنه لو وجد ذلك في دار واحدة كان الحكم ~~كذلك. # وأما السباء فليست العلة في الفرقة فيه اختلاف الدارين، ولا طريان الرق، ~~لأنا نحكم بالفرقة قبل حصول المرأة في دارنا بظهور الإمام عليها ولأنا لا ~~نحكم بالفرقة بسبب طريان الرق عليهما، ms257 ولهذا لو سبي الزوجان معا فهما على ~~نكاحهما، وإنما نحكم بالفرقة لأن الغالب أن السباء إذا وقع في أحد الزوجين ~~فلا سبيل إلى معرفة بقاء الزوج، أو هلاكه، فينزل المجهول المشكوك فيه ~~كالمعدوم. # PageV02P732 # قالوا: ولا يلزمنا هذا إذا علمنا وجود الزوج في دار الحرب؛ لأنه نادر، ~~والغالب عدم العلم به. # قالوا: ولهذا المعنى حكمنا بإسلام الطفل بإسلام سابيه؛ لأنه لا سبيل إلى ~~معرفة أبويه غالبا، فجعلناه كالمتحقق، وإن علمنا وجودهما حكمنا بإسلامه ~~أيضا لأنه نادر، هذا جواب القاضي وأصحابه، وهو بناء على أن الزوجين إذا ~~سبيا معا فهما على نكاحهما، وأن الفسخ لم يكن للاستيلاء على بضع المرأة، ~~وملكه، وهذا هو المشهور عن أحمد. # والصحيح أن الفسخ لم يكن لهذه العلة، بل للاستيلاء على جميع ملك الرجل ~~وحقوقه - وبضع زوجته من أملاكه - وقد استولى عليه وملكه السابي كما ملك ~~رقبتها، فلا معنى لبقاء العصمة في البضع وحده دون سائر أملاكه ودون سائر ~~أجزاء المرأة، ومنافعها، وعلى هذا فلا فرق بين أن تسبى وحدها أو مع الزوج، ~~وعلى هذا دل القرآن في قوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم} [النساء: 24] ، نزلت في السبايا فحرم الله نكاح المتزوجات إلا ~~المسبيات إذا انقضت عدتهن. # PageV02P733 # لذلك قال أبو سعيد: ولم يفرق بين أن تسبى وحدها أو مع زوجها، وبين أن ~~يعلم هلاك الزوج، أو يعلم بقاؤه، أو يشك فيه. ولو كانت العلة إنما هي الجهل ~~ببقاء الزوج، وتنزيل المجهول كالمعدوم لما انفسخ النكاح مع العلم بوجوده في ~~دار الحرب. # وقولهم: " إن هذا نادر، والحكم للغالب " قول في غاية الفساد، فإن الحكم ~~إذا ثبت لعلة زال بزوالها، وليس بقاء الزوج في دار الحرب نادرا، ولو كان ~~نادرا - وهو معلوم - كان بمنزلة المفقود في المهلكة إذا علم بقاؤه، ومثل ~~هذا لا يقال فيه: نادر، نكاح الأول قائم، ووجود الزوج مقطوع به، هذا في ~~غاية الفساد. # والصواب الذي دل عليه القرآن، وسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~السبايا، والقياس أن النكاح ينفسخ بسباء المرأة ms258 مطلقا، فإنها قد صارت ملكا ~~للسابي، وزالت العصمة عن ملك الزوج لها، كما زالت عن ملكه لرقبتها ~~ومنافعها، وهذا اختيار أبي الخطاب، # PageV02P734 # وشيخنا، وهو مذهب الشافعي. # وأما قولهم: " إنا إنما حكمنا بإسلام الطفل بإسلام سابيه؛ لأنه لا سبيل ~~إلى معرفة أبويه غالبا، فجعلناه كالمحقق، وإن علمنا وجودهما حكمنا بإسلامه ~~أيضا؛ لأنه نادر "، فالصحيح خلاف هذا القول، وأنه يحكم بإسلامه تبعا ~~لسابيه، ولو كان مع الأبوين، أو أحدهما، فهذا نص الروايتين عن أحمد، وهو ~~مذهب الأوزاعي وأهل الشام، فإن السابي له أحق به من أبويه وقد انقطعت ~~تبعيته للأبوين بسباء المسلم له، وهو مولود على الفطرة، وإنما # PageV02P735 # جعلناه على دين أبويه تبعا لهما، فإذا زالت التبعية صار مالكه أولى به، ~~وصار تابعا له. # قالت الحنفية: إن اختلاف الدارين يؤثر في قطع العصمة، ألا ترى أن ذميا لو ~~مات في دار الإسلام وخلف مالا وله ورثة من أهل الحرب في دار الحرب لم ~~يستحقوا من إرثه شيئا وجعل ماله في بيت المال لاختلاف الدارين، ولو كان ~~ورثته ذميين في دار الإسلام لكانوا هم أحق بتركته من جماعة المسلمين لأنه ~~لم يختلف به وبهم الدار، وكذلك لو سبي من أهل الحرب دون أبويه فمات صلي ~~عليه لأنه اختلف به وبأبويه الدار فانقطعت العصمة بينه وبينهما فصار مسلما ~~بالدار كاللقيط، ولو سبي مع أبويه أو أحدهما، فمات لم يصل عليه لأنه لم ~~يختلف به وبهما، أو بأحدهما الدار. # قال الآخرون: انقطاع الإرث بينهما لم يرجع إلى اختلاف الدارين، لكن رجع ~~إلى قطع الموالاة والنصرة، ولهذا لو كان ذميا في دار الإسلام فدخل قريبه ~~الحربي مستأمنا ليقيم مدة ويرجع إلى دار الحرب لم يتوارثا، وإن كانت الدار ~~واحدة. # وكذلك إذا سبي الصبي دون أبويه، ومات فإنه يصلى عليه، وإن كان موته في ~~دار الحرب لأنا نحكم بإسلامه بإسلام سابيه، وعلى أنا لا نسلم انقطاع ~~التوارث بينهما، فإن يعقوب بن بختان سأل أحمد عن رجل من # PageV02P736 # أهل الذمة دخل بأمان فقتله رجل من المسلمين، فقال: يبعث ms259 بديته إلى أهل ~~بلاده، فقد نص على أن ديته ينفذ بها إلى بلاده، وإنما أراد بذلك إلى ورثته؛ ~~لأنه لو لم يكن له ورثة كانت ديته في بيت المال، وقد نص على ذلك في رواية ~~أبي طالب في النصراني إذا مات، وليس له وارث جعل ماله في بيت مال المسلمين. # والوجه فيه قوله تعالى: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة ~~إلى أهله} [النساء: 92] ، وهذا عام في الذمي، والمسلم، وعام فيه إذا كان ~~أهله في دار الإسلام، أو دار الحرب، ولأنهما قد اتفقا في الدين، فجاز أن ~~يتوارثا كما لو كانا في دار واحدة، ولأنهما لو اجتمعا في دار توارثا فيجب ~~أن يتوارثا، وإن اختلفت بهما الدار، دليله المستأمن. # يبين صحة هذا: أن أحكام المستأمن، والحربي مختلفة؛ لأن المستأمن يحرم ~~قتله، وتضمن نفسه، ويقطع بسرقة ماله، والحربي بخلافه، ولأن اختلاف الدارين ~~لا يوجب انقطاع العصمة، بدليل أنه لا يوجب فسخ الأنكحة. # وقولهم: " إن الميراث يثبت بالموالاة، والنصرة، واختلاف الدارين يمنع من ~~ذلك " لا يصح كما لم يصح إذا اختلفت الداران بالمسلمين، ولأن هذا يبطل ~~باليهود، والنصارى، فإنهم لا يتناصرون، ويتوارثون عند المنازع لنا: وعندنا ~~على إحدى الروايتين، ولا يتوارثون على الرواية الأخرى، لا لهذه # PageV02P737 # العلة لكن لاختلاف الدين، فإن دينهم مختلف، ولأن الصبي، والمجنون والنساء ~~يرثون، ولا نصرة فيهم، ولهذا لما كان للعقل طريقة النصرة لم يكن لهم مدخل ~~فيه. ### | [فصل على المسلم نفقة جميع نسائه قبل الاختيار] ### | 122 - # فصل # [على المسلم نفقة جميع نسائه قبل الاختيار] . # ومن فروع هذه المسألة أنه قبل الاختيار هن على النكاح في حكم الإنفاق، ~~فعليه نفقة الجميع إلى أن يختار، لأنهن محبوسات عليه، وإن لم يكن النكاح ~~صحيحا لازما بعد الإسلام، ولأنهن في حكم الزوجات، ولهذا أيتهن اختارها كانت ~~زوجة من غير تجديد عقد. ### | [فصل إذا زوج الكافر ابنه الصغير أكثر من أربع نسوة متى يختار] ### | 123 - # فصل # [إذا زوج الكافر ابنه الصغير أكثر من أربع نسوة متى يختار] . # ولو زوج الكافر ms260 ابنه الصغير أكثر من أربع نسوة، ثم أسلم الزوج والزوجات ~~لم يكن له الاختيار قبل بلوغه، فإنه لا حكم لقوله، وليس لأبيه الاختيار لأن ~~ذلك حق يتعلق بالشهوة، فلا يقوم غيره مقامه فيه، وتحبس عليه الزوجات إلى أن ~~يبلغ، فيختار حينئذ، وعليه نفقتهن إلى أن يختار، هكذا قال أصحابنا، ~~والشافعية، وهو في غاية الإشكال، فإنه ليس في الإسلام مسلم تحته عشر نسوة ~~مسلمات يبقى نكاحهن عدة سنين، وفي ذلك إضرار بالزوجات في هذه المدة بحيث ~~تبقى المرأة ممنوعة من الزوج عدة سنين، # PageV02P738 # محبوسة على صبي لا تدري أيختارها أم يفارقها، وفي ذلك إضرار عظيم بها، ~~وهو منتف شرعا، وقياس المذهب أن يختار عنه وليه كما لو كان مجنونا. # فإن قلتم: " والحكم في المجنون كذلك "، فهو في غاية الفساد، إذ تبقى ~~المرأة ما شاء الله من السنين محبوسة عليه، وإن فرقتم بأن البلوغ له حد ~~ينتهي الصبي إليه، فلا يشق انتظاره بخلاف الجنون. # قيل أولا: لا بد لهذا الفرق من شاهد بالاعتبار. # وقيل ثانيا: لا ريب أنه يشق على المرأة الانتظار بضع عشرة سنة لا يدرى ~~أيعيش الزوج حتى يصل إليها، أم يموت قبل ذلك. # وقيل ثالثا: والجنون قد يزول عن قرب، أو بعد، وإن لم يكن لزواله أمد ~~شرعي، وقد صرح الأصحاب بأنه إذا جن انتظر به عود عقله، ثم يختار. # والصواب أن الولي يقوم مقامه في الموضعين. ### | [فصل الاختيار واجب على الفور] ### | 124 - # فصل # والاختيار واجب على الفور؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به، ~~والأمر المطلق على الفور، ولا سيما إذا تضمن التأخير إمساك المسلم أكثر من ~~أربع، وهذا لا يجوز، فإن أبى الاختيار أجبر عليه بالحبس، والضرب؛ لأنه حق ~~عليه، وهو قادر على الإتيان به، فأجبر عليه كإيفاء الدين. # PageV02P739 # قال الشيخ في " الكافي ": وهكذا كل من عليه حق إذا امتنع من أدائه. # قال القاضي في " الجامع ": فإن لم يختر حبسه، ويكون الحبس ضربا من ~~التعزير، فإن لم يختر ضربه وعزره، ويفعل ذلك ثانيا، وثالثا حتى يختار؛ ms261 لأن ~~هذا حق تعين عليه، ولا يقوم غيره مقامه فوجب حبسه، وتعزيره حتى يفعله. # وهكذا إذا كان على رجل دين، وله مال فائض لا يعرف بمكانه، وامتنع من قضاء ~~دينه، فإن الحاكم يحبسه ويضربه. ### | [فصل هل الاختيار يعد فراقا للبواقي] ### | 125 - # فصل # [هل الاختيار يعد فراقا للبواقي؟] # فإذا اختار أربعا فهل يكون اختياره لهن فراقا لسائرهن أم لا يبن منه # PageV02P740 # حتى يفارقهن بفعله؟ فصرح الشيخ في " المحرر "، وصاحب " المغني " أنهن يبن ~~منه بنفس الاختيار، ووقع في كلام بعض الأصحاب أنه يجب عليه أن يفارق غير ~~المختارات. # وهذه العبارة توهم أنهن لا يبن حتى ينشئ لهن فراقا. # وحكاه الخطابي، عن بعض أهل العلم قال: " وحديث فيروز # PageV02P741 # الديلمي حجة لمن قال ذلك "، يعني قوله: " وفارق سائرهن "، ولو بن منه ~~بنفس الاختيار لم يأمره بتحصيل الحاصل، وهذا مذهب مالك، والمسألة محتملة. ### | [فصل إذا مات المسلم قبل الاختيار] ### | 126 - # فصل # [إذا مات المسلم قبل الاختيار.] # فإن مات قبل الاختيار، فقال القاضي: " قياس المذهب يقتضي أنه يجب على ~~جماعتهن عدة الوفاة؛ لأن أكثر ما فيه أنه ممنوع من استدامة نكاح ما # PageV02P742 # زاد على أربع، وهذا لا يمنع من عدة الوفاة كالنكاح الفاسد إذا اتصل به ~~الموت وجب فيه عدة الوفاة، نص عليه، وهذا أولى لأنا نحكم بصحة العقد في ~~الجميع ". # وتبعه الشيخ في " المقنع "، وقال في " الكافي "، و " المغني ": والأولى ~~أن من كانت منهن حاملا فعدتها بوضعه؛ لأن ذلك تنقضي به العدة في كل حال، ~~ومن كانت آيسة أو صغيرة فعدتها عدة الوفاة لأنها أطول العدتين في حقها، ومن ~~كانت من ذوات الأقراء اعتدت أطول الأجلين من ثلاثة قروء، أو أربعة أشهر ~~وعشر، لتنقضي العدة بيقين، ولأن كل واحدة منهن يحتمل أن تكون مختارة أو ~~مفارقة، وعدة المختارة عدة الوفاة، وعدة المفارقة ثلاثة قروء، فأوجبنا ~~أطولهما لتنقضي العدة بيقين كما قلنا فيمن نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها ~~عليه خمس صلوات، وهذا مذهب الشافعي. # ولو قيل: إن من كانت منهن حاملا اعتدت بالوضع، ومن ms262 كانت حائلا فعدتها عدة ~~الوفاة بكل حال، لكان قويا؛ لأن وضع الحمل يأتي على جميع العدة، فلا عدة ~~بعده. # وأما الحائل فلأن النكاح قبل الاختيار في حكم الثابت، بدليل أن من ~~اختارها منهن فهي زوجة من غير تجديد عقد، ومن طلقها نفذ طلاقه، وغايته أنه ~~نكاح غير مستقر، وهو آيل إلى الفسخ في حق بعضهن، ولم يتعين المفسوخ نكاحها، ~~والأصل في كل واحدة منهن بقاء النكاح، وهذا أولى إن شاء الله تعالى. # PageV02P743 ### | [فصل ميراث من مات عنهن المسلم وهن أكثر من أربع] ### | 127 - # فصل # [ميراث من مات عنهن المسلم وهن أكثر من أربع] . # فأما ميراثهن، فقال القاضي: " فيهن أربع يستحققن الميراث، وأربع لا ~~يستحققنه، فينظر ; فإن اصطلحوا على أن يكون ذلك بينهن على السواء، أو على ~~التفاضل، أو يكون لبعضهن جاز، وإن تشاحوا فقياس المذهب أنه يقرع بينهن، ~~فإذا وقعت القرعة لأربع منهن، كان الميراث بينهن بالسوية ". # قال: " وأصل هذا ما نص عليه أحمد في من طلق واحدة من نسائه لا بعينها - ~~أو بعينها - لكنه أنسيها، فإنه يقرع بينهن، وتخرج بالقرعة، فإن مات قبل ذلك ~~أقرع الورثة، وكان الميراث للبواقي منهن ". # ومذهب الشافعي أن الميراث يوقف حتى يصطلحن عليه. ### | [فصل المهر للنسوة إذا كن أكثر من أربع] ### | 128 - # فصل # [المهر للنسوة إذا كن أكثر من أربع] . # وأما المهر، فينظر، فإن كان بعد الدخول فالمهر واجب لكل واحدة منهن لأجل ~~الدخول، وكذلك إن كان قد دخل ببعضهن كان لها المهر، وإن مات قبل الدخول نظر ~~في السابق منهما إلى الإسلام، فإن كان الزوج # PageV02P744 # وجب عليه نصف المهر لأربع منهن كما أوجبنا الميراث لأربع منهن، وإن كان ~~السابق الزوجات فلا مهر لواحدة منهن؛ لأن الفرقة جاءت من جهتهن قبل الدخول. ### | 129 - # فصل # فإن طلق الجميع، فقال أصحابنا: يخرج منهن أربع بالقرعة، فيكن المختارات ~~ويقع الطلاق بهن، وينفسخ نكاح البواقي، وله تجديد العقد عليهن، فإن كان ~~الطلاق ثلاثا فمتى انقضت عدتهن، فله أن ينكح من الباقيات لأنهن لم يطلقن ~~منه، ولا يحل له ms263 المطلقات إلا بعد زوج وإصابة. # قلت: وهذا بناء على أن الطلاق يكون اختيارا للمطلقات، فيكن هن الزوجات ~~ومن عداهن أجنبيات، وعلى أنه إذا كان تحته أربع فطلقهن لم يحل له نكاح ~~خامسة حتى تنقضي عدة واحدة منهن. # وعندي ينفذ الطلاق في الجميع لأنهن في حكم الزوجات قبل الاختيار، وكل ~~واحدة منهن صالحة للإبقاء من غير تجديد عقد، وكون النكاح فاسدا لا في ~~الجميع، وآيلا إلى الفسخ فيما زاد على الأربع لا يمنع وقوع الطلاق، فإن ~~الطلاق عندنا يقع في النكاح الفاسد الذي لا سبيل إلى الاستمرار به، وهنا له ~~سبيل إلى الاستمرار بكل واحدة على انفرادها، ومع ثلاث أخر. # PageV02P745 ### | [فصل لو أسلم ثم طلق الجميع قبل إسلامهن] ### | 130 - # فصل # فلو أسلم، ثم طلق الجميع قبل إسلامهن، ثم أسلمن في العدة أمر أن يختار ~~أربعا منهن، فإذا اختارهن تبينا أن طلاقه وقع بهن لأنهن زوجات، ويعتددن من ~~حين طلاقه، وبان البواقي باختياره لغيرهن، ولا يقع بهن طلاقه، وله نكاح ~~أربع منهن إذا انقضت عدة المطلقات؛ لأن هؤلاء غير مطلقات. # والفرق بين هذه المسألة وبين التي قبلها: أن طلاقهن قبل إسلامهن في زمن ~~ليس له الاختيار فيه، فإذا أسلمت تجدد له الاختيار حينئذ، وفي التي قبلها ~~طلقهن وله الاختيار، والطلاق يصلح اختيارا، وقد أوقعه في الجميع، وليس ~~بعضهن أولى من بعض، فصرنا إلى القرعة لتساوي الحقوق. ### | [فصل متى تبدأ عدة المفارقات] ### | 131 - # فصل # [متى تبدأ عدة المفارقات] . # وإذا اختار منهن أربعا وفارق البواقي فهل العدة من حين الاختيار أم من ~~حين الإسلام؟ فيه وجهان: # أشهرهما: أنها من حين الاختيار، لأنهن إنما بن منه بالاختيار. # ووجه الوجه الثاني: أنهن يبن منه بالإسلام، وإنما يتبين ذلك بالاختيار، ~~فيثبت حكم البينونة من حين الإسلام، كما إذا أسلم أحد الزوجين، ولم يسلم ~~الآخر حتى انقضت عدتها، فإنها تبين بانقضاء عدتها من حين الإسلام، وفرقتهن ~~فسخ لا طلاق. # PageV02P746 # وأما عدتهن، فقال أصحابنا: كعدة المطلقات، ثلاثة قروء؛ لأن عدة من انفسخ ~~نكاحها كذلك. # وقال شيخنا: " عدتهن حيضة واحدة، ms264 وكذلك عدة المختلعة، وسائر من فسخ ~~نكاحها: لأن العدة إنما جعلت ثلاثة قروء لتمكن الزوج من الرجعة فيها، وأما ~~الفسوخ - كالخلع، وغيره - فالمقصود منها براءة الرحم، فيكتفى فيها بحيضة ". # قال: " وبذلك أفتى النبي - صلى الله عليه وسلم - المختلعة ". # قال: " وهو مذهب ابن عباس، ولا يعرف له مخالف من الصحابة ". # قلت له: فما تقول في المطلقة تمام الثلاث، فقال: " الطلقة الثالثة من جنس ~~الطلقتين اللتين قبلها، فكان حكمها حكمهما، هذا إن كان في المسألة إجماع " ~~انتهى. # وإن ماتت إحدى المختارات، أو بانت منه وانقضت عدتها فله أن ينكح واحدة من ~~المفارقات، وتكون عنده على طلاق ثلاث؛ لأنه لم يطلقها قبل ذلك. # PageV02P747 ### | [فصل من أسلم وتحته ثمان نسوة فأسلم منهن أربع] ### | 132 - # فصل # [من أسلم وتحته ثمان نسوة فأسلم منهن أربع] . # وإذا أسلم، وتحته ثمان نسوة، فأسلم أربع منهن فله اختيارهن، وله الوقوف ~~إلى أن يسلم البواقي، فإن مات اللاتي أسلمن، ثم أسلم الباقيات فله اختيار ~~الميتات، وله اختيار الباقيات، وله اختيار بعض هؤلاء، وبعض هؤلاء؛ لأن ~~الاختيار ليس بعقد، وإنما هو تصحيح للعقد الأول في المختارات، والاعتبار في ~~الاختيار بحال ثبوته وصحته، لا بحال وقوعه، وحال ثبوته كن أحياء، وإن أسلمت ~~واحدة منهن، فقال: " اخترتها " جاز، فإذا اختار أربعا على هذا الوجه انفسخ ~~نكاح البواقي، وإن قال: " اخترت فسخ نكاحها " لم يصح لأن الفسخ إنما يكون ~~فيما زاد على الأربع، والاختيار للأربع، إلا أن يريد بالفسخ الطلاق فيقع ~~لأنه كناية، ويكون طلاقه لها اختيارا لها، ذكره أصحابنا. # والصحيح أنه يصح، فإنه ما منهن واحدة إلا وله أن يختارها، ويختار ~~مفارقتها، فإذا قال: " فسخت نكاح هذه " فهو اختيار لفراقها، وله أن يفارقها ~~وحدها، ويفارقها مع جملتهن ويفارقها مع الزائدات على النصاب. # فإذا قال: " اخترت فسخ نكاحها "، فكأنه قال: هذه من المفارقات، وهو لو ~~اختار أربعا سواها ولم يصرح، نفسخ نكاحها، فكيف إذا صرح به؟ ! # فإن قيل: هي زوجة، والرجل لا يستقل بفسخ النكاح في غير المعينة، # PageV02P748 # قيل: وإن كانت زوجة، لكنه يخير ms265 في إبقائها، ومفارقتها، فإذا عجل مفارقتها ~~كان اختيارا منه لأحد الأمرين: # وقولهم: " إن الفسخ إنما يكون فيما زاد على الأربع "، قلنا: إن أردتم ~~الانفساخ فصحيح، فإنه إذا اختار أربعا انفسخ نكاح الزائد عليهن، وإن أردتم ~~أن إنشاء الفسخ بالاختيار لا يكون إلا فيما زاد على الأربع فليس كذلك، فإن ~~له أن يفارق الجميع بغير طلاق، بل متى قال: " فارقت الجميع، أو سيبتهن، أو ~~فسخت نكاحهن " بن منه كما لو قال: " طلقتهن ". ### | [فصل من أسلم ولم تسلم نساؤه حتى انقضت عدتهن] ### | 133 - # فصل # [من أسلم ولم تسلم نساؤه حتى انقضت عدتهن] . # وإذا أسلم قبلهن ولم يسلمن حتى انقضت عدتهن تبينا أنهن بن منه منذ اختلف ~~الدينان، فإن كان قد طلقهن قبل انقضاء عدتهن تبينا أن طلاقه لم يقع بهن، ~~وله نكاح أربع منهن إذا أسلمن فإن كان قد وطئهن في العدة تبينا أنه وطئ ~~أجنبيات، وكذلك إن آلى منهن، أو ظاهر تبينا أن ذلك وقع في أجنبية، فإن أسلم ~~بعضهن في العدة تبينا أنها زوجة، فيقع طلاقه بها، فإذا وطئها بعد ذلك كان ~~قد وطئ مطلقته، وإن كانت المطلقة غيرها فوطؤه لها وطء لامرأته، وإن طلق ~~الجميع، فأسلم أربع منهن، أو أقل في عدتهن، ولم يسلم البواقي تعينت الزوجية ~~في المسلمات، ووقع الطلاق بهن، فإذا أسلم البواقي فله أن يتزوج منهن لأنه ~~لم يقع طلاقه بهن. # قلت: هذا مبني على أن الطلاق اختيار، وقد علمت ما فيه، وعلى أن # PageV02P749 # البينونة إذا انقضت العدة تكون من حين الإسلام لا من حين الاختيار. # ويحتمل أن يقال: إن البينونة إنما تقع من حين الاختيار؛ لأن كل واحدة ~~منهن قبل الاختيار في حكم الزوجة، ولهذا له اختيارها وعليه نفقتها، وإنما ~~علم خروجها عن زوجيته باختيار غيرها، فكان اختيار غيرها فراقا لها، فتكون ~~البينونة من حين تثبت مفارقتها، وقد صرح الأصحاب بأنه إذا اختار منهن ~~أربعا، وفارق البواقي فعدتهن من حين الاختيار لا من حين إسلامه. ### | [فصل إذا ماتت إحدى المختارات فله أن ينكح أخرى من ms266 البواقي] ### | 134 - # فصل # [إذا ماتت إحدى المختارات فله أن ينكح أخرى من البواقي] . # وإن اختار أربعا، وفارق البواقي فماتت إحدى المختارات، أو بانت منه، ~~وانقضت عدتها فله أن ينكح من المفارقات تمام أربع، وتكون عنده على طلاق ~~ثلاث لأنهن لم يطلقهن قبل ذلك. # وإن اختار أقل من أربع، بأن اختار واحدة من ثمان، أو اختار ترك الجميع ~~فقال في " المغني ": أمر بطلاق أربع، أو تمام أربع، يعني: أمر بطلاق أربع ~~فيما إذا اختار ترك الثمان، أو بتمام أربع فيما إذا اختار واحدة وترك ~~السبع. قال: لأن الأربع زوجات لا يبن منه إلا بطلاق أو ما يقوم مقامه. # قلت: اختياره ترك الجميع، أو الأكثر كاف في فسخ نكاحهن، فلأي شيء يؤمر ~~بطلاق أربع في إحدى الصورتين، وتمام أربع في الصورة الثانية؟ # PageV02P750 # أما قوله: " لأن الأربع زوجات لا يبن منه إلا بطلاق أو ما يقوم مقامه " ~~فلا ريب أن اختياره تركهن قائم مقام الطلاق في إحدى الصورتين، فإنه إذا ~~قال: " اخترت تركهن " كان بمنزلة قوله: " اخترت فراقهن "، وهذا كاف في ~~مفارقتهن، واختياره بعضهن فسخ لنكاح من عدا المختارات، فإن قوله: " اخترت ~~هذه " هو اختيار لها، ومفارقة لمن عداها، كما لو قال: " اخترت هؤلاء الأربع ~~" فإنه لا يلزمه أن يطلق الأربع البواقي، بل بمجرد اختياره للأربع تبين منه ~~البواقي. # فإن قيل: الفرق بين الصورتين أنه إذا اختار أربعا كن هن الزوجات، فانفسخ ~~نكاح من سواهن لزيادتهن على النصاب فلا يحتاج أن يطلقهن، ولا ينشئ ما يقوم ~~مقام طلاقهن، بخلاف ما إذا اختار واحدة من ثمان فإنه لا يكون اختيارها ~~فراقا لمن عداها، فلهذا أمرناه بطلاق أربع أو تمام أربع، قيل: هذا لا يصح ~~أولا لأنه قد يريد فراق الجميع أو من عدا المختارة، فكيف يؤمر بطلاق أربع ~~وهو يريد فراق الثمان؟ هذا لا معنى له. # وقوله: " اخترت تركهن ومفارقتهن " ونحو ذلك قائم مقام الطلاق، وكاف في ~~فسخ نكاحهن. # وأيضا فإن قوله: " اخترت هذه " جعل إبقاء لنكاح المختارة، وفسخا لنكاح من ~~عداها كما لو ms267 قال: " اخترت هؤلاء الأربع ". ### | [فصل فإن قال كلما أسلمت واحدة اخترتها] ### | 135 - # فصل # فإن قال: " كلما أسلمت واحدة اخترتها "، فقال الأصحاب: لا يصح لأن ~~الاختيار لا يصح تعليقه على الشروط، ولا يصح في غير # PageV02P751 # معين، ويحتمل أن يصح، ولا يمتنع تعليق الاختيار على الشرط، كما يصح تعليق ~~الجعالة، والولاية، والوكالة، والعتق، والطلاق، وكذلك يصح أيضا تعليق ~~الرجعة بالشرط، وإن قال كثير من أصحابنا وغيرهم: لا يصح. # والأصل في الشروط الصحة، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما، أو ~~حرم حلالا، وكذلك الهبة يجوز تعليقها بالشرط كما ثبت ذلك في قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك» ". # وكذلك هبة الثواب يجوز تعليقها بالشرط، نحو: اللهم إن كنت قبلت مني هذا ~~العمل فاجعل ثوابه لفلان. # وكذلك الدعاء في صلاة الجنازة يجوز تعليقه بالشرط نحو: اللهم إن كان ~~محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه. # PageV02P752 # وكذلك الإبراء يجوز تعليقه بالشرط، وقد نص عليه أحمد، والعجب ممن منع ~~تعليقه، وهو إسقاط محض، فهو كالطلاق، والعتق. # وكذلك الفسوخ كلها يجوز تعليقها بالشرط. # وقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم -: " «أميركم زيد، فإن قتل، فجعفر، فإن ~~قتل فعبد الله بن رواحة» ". # وفي " سنن أبي داود " من «حديث طارق بن المرقع أنه قال: " من # PageV02P753 # يعطي رمحا بثوابه؟ فقال له رجل: وما ثوابه؟ قال: أزوجه أول بنت تكون لي ~~". # فلما ولدت طلبها منه بعد كبرها فحلف ألا يعطيها إياه إلا بصداق آخر، وحلف ~~الزوج ألا يصدقها غير ذلك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " أرى أن ~~تتركها " ثم قال: " لا تأثم ولا يأثم صاحبك» ولم ينكر عليه الشرط ولم يقل ~~له: لا نكاح بينكما. # وقد نص أحمد، وقبله ابن عباس على جواز تعليق النكاح بالشرط، وهذا هو ~~الصحيح. # فقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن الرجل تزوج المرأة على أنه إن جاء ~~بالمهر إلى كذا وكذا، وإلا فلا نكاح بيننا؟ فقال: لا أدري، فقيل له: حديث ~~ابن عباس: النكاح ms268 ثابت، والشرط فاسد؟ قال: نعم. # ونقل عنه ابن منصور: إذا قال: " إن جئت بالمهر إلى كذا وكذا، وإلا فليس ~~بيننا نكاح " فالنكاح والشرط جائزان، وهذا هو الذي تقتضيه # PageV02P755 # أصوله وقواعد مذهبه، ومن ضعف هذه الرواية لم يضعفها بما يقتضي تضعيفها. # وغاية ما قالوا: إن النكاح مما لا يدخله الخيار، فشرطه فيه يفسده كالصرف ~~والسلم، فيقال: نقنع منكم بسؤال المطالبة، وهو تأثير الوصف في الأصل، ~~وثبوته في الفرع، ثم نتبرع بالفرق بأن السلم، والصرف يجب تسليم العوض فيه ~~في مجلس العقد بخلاف النكاح. # قالوا: الخيار ينفي الإباحة في وقت يقتضي إطلاق العقد ثبوته، فصار كما لو ~~تزوجها شهرا، وحقيقة هذا القياس التسوية بين العقد المطلق والمقيد، وهذا ~~منتقض بسائر الشروط التي ثبتت في العقد المقيد دون المطلق، ثم يقال: كون ~~العقد المطلق لا يقتضي ثبوتها لا يقتضي أن العقد المقيد لا يقتضي ثبوتها، ~~بل مقتضى العقد المقيد ما قيد به، فهذا إذن مقتضى هذا العقد، وإن لم يكن ~~مقتضى العقد المطلق. # قالوا: فقد قال أحمد في رواية حنبل: المتعة حرام وكل نكاح فيه وقت أو شرط ~~فهو فاسد. # قيل: هذا لفظ عام، وما ذكرناه عنه فهو خاص، وكلام " المغني " # PageV02P756 # يقيد مطلقه بمقيده، وخاصه بعامه، كيف وقد علم من مذهبه تخصيص هذا العام؟ ~~فإنه يصحح النكاح ألا يخرجها من دارها، وألا يتزوج ولا يتسرى عليها، ومتى ~~فعل ذلك فلها الخيار، وهذا نظير إن جاءها بالمهر إلى وقت كذا، وإلا فلها ~~الخيار، فالصواب التسوية بينهما. # وقوله: " كل نكاح فيه وقت أو شرط فهو فاسد " إنما أراد به شرط التحليل ~~كما صرح به في غير موضع، ولهذا قرنه بالمتعة، والجامع بينهما أن المستمتع، ~~والمحلل لا غرض لهما في نكاح الرغبة. # فإن قيل: قياس قواعده وأصوله بطلان هذا النكاح المشروط فيه الخيار؛ لأنه ~~قد أبطل نكاح المحلل لما فيه من الشرط المانع من لزومه، قيل: هو لم يبطل ~~نكاح المحلل لذلك، وإنما أبطله لأنه نكاح محرم، ملعون فاعله، منهي عنه، ~~ولهذا لو قصد بقلبه التحليل، ms269 ولم يشرطه، أو شرط أن يحلها للأول فقط، ولم ~~يشرط طلاقها، كان نكاحا باطلا مع أنه لا شرط هناك يمنع لزومه. # وأحمد عنه في هذه المسألة ثلاث روايات منصوصات: # الأولى: صحة النكاح، والشرط - وهي أنص الروايات عنه، وأصرحها، نقلها ابن ~~منصور كما تقدم. # PageV02P757 # و [الثانية:] صحة النكاح، وفساد الشرط كما نقل الأثرم. # و # [الثالثة:] فساد الشرط والنكاح، وهي التي نقلها حنبل باللفظ العام. # والمقصود أن تعليق الاختيار على الإسلام يصح، ويصح تعليق الفسخ أيضا على ~~الشرط، وهو أولى بالصحة لأنه إزالة ملك، فهو كتعليق الطلاق والعتاق. # وقال أصحابنا: لا يصح، ولهم في صحة تعليق الطلاق هاهنا وجهان: فإذا قال: ~~" كل من تمسكت بدينها فهي طالق " فهل يصح؟ ! على وجهين: ووجه البطلان أن ~~الطلاق يتضمن الاختيار، وهو مما لا يصح تعليقه بالشرط، والمقدمتان ممنوعتان ~~كما تقدم. ### | [فصل اختياره في حال إحرامه بحج أو عمرة] ### | 136 - # فصل # [اختياره في حال إحرامه بحج أو عمرة] . # وإذا أسلم، ثم أحرم بحج، أو عمرة، ثم أسلمن فله الاختيار؛ لأن الاختيار ~~استدامة للنكاح، وتعيين للمنكوحة، وليس بابتداء له. # وفيه وجه آخر: أنه ليس له الاختيار، وهو اختيار القاضي، ومذهب الشافعي، ~~والخلاف هاهنا كالخلاف في رجعة المحرم. # والصحيح في الموضعين الجواز، لأنها إمساك فلا ينافيها الإحرام. # PageV02P758 ### | [فصل إذا متن قبل الاختيار فله اختيار أربع ويرثهن] ### | 137 - # فصل # [إذا متن قبل الاختيار فله اختيار أربع ويرثهن] . # وإذا أسلم الجميع معه ثم متن قبل أن يختار فله أن يختار منهن أربعا، ~~فيكون له ميراثهن، ولا يرث من الباقيات لأنهن لسن بزوجات، وإن مات منهن ~~أربع وبقي أربع فله اختيار الميتات، فيرثهن، وتبين الحيات، وله اختيار ~~الحيات، فيستمر بهن ولا يرث الميتات. وله اختيار بعض هؤلاء وبعض هؤلاء. ### | [فصل إذا أسلم وتحته أختان متى يطأ الأخت المختارة] ### | 138 - # فصل # [إذا أسلم وتحته أختان متى يطأ الأخت المختارة] . # وإذا تزوج أختين، ودخل بهما، ثم أسلم وأسلمتا معه فاختار إحداهما لم ~~يطأها حتى تنقضي عدة أختها، لئلا يكون واطئا لإحدى الأختين في ms270 عدة الأخرى، ~~وكذلك إذا أسلم وتحته ثمان قد دخل بهن فأسلمن معه فاختار أربعا، وفارق ~~البواقي لم يطأ واحدة من المختارات حتى تنقضي عدة واحدة من المفارقات، فإذا ~~انقضت عدة واحدة فله وطء أي المختارات شاء، فإن انقضت عدة اثنتين فله وطء ~~اثنتين، وكذلك إلى تمام الأربع، فإن كن خمسا ففارق إحداهن فله وطء ثلاث من ~~المختارات دون الرابعة، وإن كن ستا ففارق اثنتين فله وطء اثنتين من ~~المختارات، وإن كن سبعا ففارق ثلاثا فله وطء واحدة من المختارات، وكلما ~~انقضت عدة واحدة من المفارقات فله # PageV02P759 # وطء واحدة من المختارات، وهذا مبني على أن الرجل إذا طلق امرأته لم ينكح ~~أختها، ولا الخامسة في عدة المطلقة، لئلا يكون جامعا لمائه في رحم أختين، ~~أو أكثر من أربع، قال ذلك أصحابنا قياسا على نص أحمد فيما إذا طلق إحدى ~~الأختين، أو الخامسة، وذلك لحديث زرارة بن أوفى: " ما أجمع أصحاب محمد على ~~شيء ما أجمعوا على أن الأخت لا تنكح في عدة أختها "، ولأنه بذلك يكون جامعا ~~ماءه في رحم أختين فلا يجوز كجمع العقد وأولى. # وعندي أنه إذا اختار أربعا جاز وطؤهن من غير انتظار لانقضاء عدة ~~المفارقات، وهو قول الجمهور لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يمسك ~~أربعا، ويفارق سائرهن، وأمر من تحته أختان أن يفارق أيتهما شاء، وهو حديث ~~عهد بالإسلام، ولم يأمره أن ينتظر بوطء من أمسك انقضاء عدة من فارق، ولا ~~ذكر له ما يدل على ذلك بوجه، وتأخير البيان لا يجوز # PageV02P760 # عن وقت الحاجة، والمفارقات قد بن عنه وخرجن عن عصمته، وقد يسافرن إلى ~~أهليهن وقد يذهبن حيث شئن فلا تعلم أحوالهن، فما يدريه بانقضاء عدتهن؟ ! # فإن قلتم: " ينتظر علمه بذلك، أو ينتظر حتى يصرن إلى حد الإياس فيحسب ~~ثلاثة أشهر "، كان هذا في غاية البعد، ولا تأتي الشريعة به. # وإن قلتم: " ينتظر مقدار ثلاث حيض " فالحيضة قد يطول زمن مجيئها، فلا ~~يعلم متى تجيء، فكيف تنقضي العدة بالشك. # فإن قلتم: " هذا بعينه ms271 وارد فيمن طلق إحدى الأختين، أو واحدة من أربع "، ~~فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن الحكم في صورة النقض لم يثبت بنص يجب التسليم له، ولا إجماع ~~لا تجوز مخالفته. # وأما ما ذكرتم من إجماع الصحابة فسألت شيخنا عنه فقال لي: " الظاهر أنه ~~أراد عدة " الرجعية "، وهاهنا يتحقق الإجماع، وأما البائن فأين الإجماع ~~فيها؟ # قال الشافعي: " والحجة على جواز ذلك: انقطاع أحكام الزوجية بانقطاع ~~أحكامها من الإيلاء، والظهار، واللعان، والميراث، وغير ذلك ". # PageV02P761 # قال: " وهو قول القاسم، وسالم، وعروة، وأكثر أهل دار السنة، وحرم الله ". # وقال مالك في " الموطأ " عن ربيعة أن عروة والقاسم كانا يقولان في الرجل ~~يكون عنده أربع فيطلق إحداهن # [ألبتة] : إنه يتزوج إذا شاء، ولا ينتظر حتى تمضي عدتها. # وقال سعيد بن المسيب في رجل كان تحته أربع نسوة: إن شاء # PageV02P762 # تزوج الخامسة في العدة. وكذلك قال في الأختين فطلق إحداهما: إن شاء تزوج ~~الثانية في العدة. # قال البيهقي: ورويناه عن الحسن، وعطاء، وبكر بن عبد الله، وخلاس بن عمرو. # الوجه الثاني: الفرق بين المسألة المذكورة، وبين مسألة الطلاق بأن في ~~مسألة الإسلام تبينا أن المفارقات لم يكن زوجات بين الإسلام والاختيار، وما ~~قبل ذلك لا نحكم عليه بشيء، فيجري وطؤهن قبل الإسلام مجرى وطء الشبهة، ~~بخلاف المطلقة، فإنها كانت زوجه ظاهرا وباطنا، فالعدة في حقها أثر من آثار ~~نكاح صحيح لازم قابل للدوام، فلا يلحق به الوطء في نكاح لا يجيزه الإسلام، ~~ولا نحكم له بالصحة. # PageV02P763 ### | [فصل نقر أهل الذمة على الأنكحة الفاسدة بشرطين] ### | 139 - # فصل # نقر أهل الذمة على الأنكحة الفاسدة بشرطين. # أحدهما: ألا يتحاكموا فيها إلينا، فإن تحاكموا فيها إلينا لم نقرهم على ~~ما لا مساغ له في الإسلام. # الثاني: أن يعتقدوا إباحة ذلك في دينهم، فإن كانوا يعتقدون تحريمه ~~وبطلانه لم نقرهم عليه كما لا نقرهم على الربا، وقتل بعضهم بعضا وسرقة ~~أموال بعضهم بعضا، وقد رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليهوديين لما ~~زنيا، ولم يقرهم على ذلك. # فإن قيل: فهل تقرون ms272 المجوس على نكاح ذوات محارمهم لاعتقادهم جواز ذلك إذا ~~لم يترافعوا إلينا؟ قيل: هذه المسألة فيها روايتان عن الإمام أحمد: # إحداهما: أنهم يقرون على ذلك، نص عليه في رواية مهنا، وقد سأله عن ~~المجوسي هل يحال بينه وبين التزويج بمحرم؟ وذكر له حديث عمر: " فرقوا بين ~~كل ذات محرم من المجوس ". # فقال: قال الحسن (يعني البصري) بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - العلاء ~~بن الحضرمي إلى البحرين، فأقرهم على ذلك ولم يهجهم. # PageV02P764 # وقال في رواية أبي طالب: لا يفرق بين حريمه وبينه، إنما قال: " «سنوا بهم ~~سنة أهل الكتاب» " وليس هم أهل كتاب. # فإن قيل: فهل تقرونهم على الزنا واللواط والربا، وهو دون نكاح الأم ~~والبنت؟ قيل: لا نقرهم عليه، نص عليه أحمد في رواية إبراهيم بن أبان ~~الموصلي في مجوسي في زقاق ليس له منفذ، وطريق المسلمين عليه، وهو يزني على ~~الطريق، فقال: يخرج ولا يترك؛ لأن المسلمين يزنون معه. # والفرق بين إقراره على نكاح محرمه وإقراره على الزنا، والربا، واللواط: ~~أن ذلك يتعدى ضرره إلى المسلمين، وأما نكاح محرمه فيختص ضرره به دون ~~المسلمين. # PageV02P765 # وعارض أحمد قول عمر - رضي الله عنه - بإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من المجوس ولم يشترط عليهم ~~ترك أنكحتهم، ولم يفرق بينهم وبين أزواجهم من ذوات المحارم مع علمه بما هم ~~عليه. # ومضى على ذلك الصديق - رضي الله عنه - خلفه، وهم إنما بذلوا الجزية ~~ليقروا على كفرهم، وشركهم الذي هو أعظم من نكاح محارمهم، فإقرارهم كإقرار ~~اليهود على نكاح بنات الإخوة، والأخوات، وعلى سائر أنكحتهم الفاسدة. # والثانية: لا يقرون، فإن أحمد قال في مجوسي تزوج نصرانية، قال: يحال بينه ~~وبينها. قيل: من يحول بينهما؟ قال: الإمام، ذكره أبو بكر، ثم قال: لأن ~~علينا ضررا في ذلك، يعني بتحريم أولاد النصرانية علينا. # قال: وهكذا يجيء على قوله في تزويج النصراني المجوسية. # PageV02P766 # قال في " المغني ": ويجيء على هذا القول أن يحال بينهم، وبين نكاح ~~محارمهم، فإن عمر ms273 - رضي الله عنه - كتب " أن فرقوا بين كل ذي رحم من ~~المجوسي "، وقال أحمد في مجوسي ملك أمة نصرانية: يحال بينه وبينها، ويجبر ~~على بيعها؛ لأن النصارى لهم دين فإن ملك نصراني مجوسية فلا بأس أن يطأها، ~~وقال أبو بكر # [عبد العزيز] : لا يجوز له وطؤها أيضا لما ذكرنا من الضرر. # قلت: لم يمنع أحمد من تزوج المجوسي بالنصرانية لما يلحقنا من الضرر ~~بتحريم ابنتها علينا، ولا خطر هذا التعليل ببال أحمد! وأي ضرر علينا في ترك ~~نكاح نسائهم بالكلية ولو كان التسبب إلى تحريم البنت ضررا علينا لكان في ~~تحريم نكاح نسائهم مطلقا ضرر ولا ضرر علينا بحمد الله من ذلك بوجه من ~~الوجوه، وإنما مأخذ أحمد أن دين أهل الكتاب خير من دين المجوس، فلا يجوز أن ~~يمكن المجوسي والوثني أن يعلو امرأة دينها خير منه كما لا يمكن الذمي من ~~نكاح مسلمة وعلى هذا فلا يمنع النصراني من تزويج المجوسية؛ لأنه أعلى دينا ~~منها، وإن حرم علينا نحن نكاحها، ولا يلزم من تحريمها علينا تحريمها على ~~أهل الكتاب وألا نقرهم على نكاحها كما نقرهم على أكل الخنزير، وشرب الخمر. # وإذا أقررنا المجوس على نكاح ذوات محارمهم فإقرار أهل الكتاب على ~~مناكحتهم أولى وأحرى. # PageV02P767 # ولا يخرج من هذا النص عدم إقرار المجوس على نكاح ذوات محارمهم لما ذكرنا ~~من مأخذه. # وكذلك نصه على مجوسي ملك أمة نصرانية يحال بينهما، إنما ذلك لأن دينها ~~أعلى من دينه، وقد صرح بهذا التعليل بعينه، فقال: " لأن النصارى لهم دين "، ~~فإن كان الأصحاب إنما أخذوا هذه الرواية من هذا النص، فليست برواية، ~~والمسألة رواية واحدة، وقد تأملت نصوصه في هذا الباب في " الجامع " فلم أجد ~~عنه نصا بأنهم لا يقرون على نكاح ذوات المحارم. # وأما تفريق عمر - رضي الله عنه - بينهم وبين ذوات محارمهم فاجتهاد منه - ~~رضي الله عنه - وقد أقرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقروا زمن أبي ~~بكر - رضي الله عنه - فلما عز الإسلام، وذل المجوس في عهد عمر ms274 - رضي الله ~~عنه - وكانوا أذل ما كانوا، رأى أن يلزمهم بترك نكاح ذوات المحارم وأن يفرق ~~بينهم وبينهن. # وعلى هذا، فإذا قويت شوكة قوم من أهل الذمة وتعذر إلزامهم بأحكام الإسلام ~~أقررناهم وما هم عليه، فإذا ذلوا وضعف أمرهم ألزمناهم بذلك، فهذا له مساغ. # إلا أنه قد يقال: فقد صالحهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV02P768 # وضرب عليهم الجزية، ولم يشترط عليهم التفريق بينهم، وبين ذوات محارمهم، ~~وهو لا يقر على ما لا يسوغ الإقرار عليه، وقد يجاب عن ذلك: بأنه أقرهم في ~~ابتداء الأمر، والملك فيهم، والشوكة لهم، وبلاد فارس وما والاها تحت قهرهم ~~وملكهم، فلما صارت ممالكهم للمسلمين، وصاروا أهل ذمة منعهم عمر - رضي الله ~~عنه - من ذلك، وحال بينهم وبينه، وهذا من أحسن اجتهاده - رضي الله عنه - ~~وأقواه، وأحبه إلى الله ورسوله، فإن من أعظم القبائح التي يبغضها الله ~~ورسوله نكاح الرجل أمه، وابنته، وعمته، وخالته، ولا ريب أن إزالة هذا من ~~الوجود أحب إلى الله ورسوله من الإقرار عليه، ويكفينا في ذلك النقل الصحيح ~~عمن ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، ومن كانت السكينة تنطق على لسانه، ومن ~~وافق ربه في غير حكم، ومن أمرنا نبينا - صلى الله عليه وسلم - باتباع سنته، ~~وهو أحب إلينا من النقل في ذلك عن أحمد، والشافعي، ومالك، وأمثالهم من ~~الأئمة - رضي الله عنهم -. ### | [فصل نصراني تزوج يهودية أو العكس] ### | 140 - # فصل # [نصراني تزوج يهودية أو العكس] . # فإن قيل: فما تقولون في نصراني تزوج يهودية أو بالعكس، هل # PageV02P769 # تقرونهم على ذلك أم لا؟ وإذا فعلوه فما حكم هذا الولد؟ قيل لا يخلو، إما ~~أن يعتقدوا حل ذلك، أو تحريمه، فإن اعتقدوا حله جاز ذلك، ولم يعرض لهم فيه، ~~وإن اعتقدوا تحريمه لم نقرهم عليه، فإنا لا نقرهم على نكاح يعتقدون بطلانه، ~~وأنه زنا. # وقد نص أحمد أنه إذا تزوج المجوسي كتابية يفرق بينهما، وأطلق الجواب، ~~وظاهره التفريق، وإن لم يترافعوا إلينا. # وأما إن تزوج الذمي وثنية أو مجوسية، فهل يقر على ms275 ذلك؟ فيه وجهان: # أحدهما: يقر؛ لأنه أعلى دينا منها، فيقر على نكاحها كما يقر المسلم على ~~نكاح الكتابية. # والثاني: لا يقر، لأنها لا يقر المسلم على نكاحها، فلا يقر الذمي عليه. # وعندي أنه إن اعتقد جواز هذا النكاح أقر عليه وإن اعتقد تحريمه لم يقر. # فإن قيل: فإن أسلموا على ذلك فهل يحتاج إلى تجديد النكاح أم يستمرون ~~عليه؟ قيل: يحتمل أن يقال: لا بد من تجديد النكاح؛ لأن الأول لم يكن نكاحا ~~يعتقدون صحته، ويحتمل أن يقال - وهو أصح -: لا يحتاج إلى تجديد نكاح، ~~والإسلام صحح ذلك النكاح كما يصحح الأنكحة الفاسدة في حال الكفر إذا لم يكن ~~المفسد قائما. # PageV02P770 # وأما حكم الولد هل يتبع أباه أو أمه، فالولد يتبع خير أبويه دينا، فإن ~~نكح الكتابي مجوسية فالولد كتابي، وإن وطئ مجوسي كتابية بشبهة، فالولد ~~كتابي أيضا، وإن كان أحدهما يهوديا والآخر نصرانيا، فالظاهر أن الولد يكون ~~نصرانيا، وصرح به أصحاب أبي حنيفة، فإن النصارى تؤمن بموسى، والمسيح، ~~واليهود تكفر بالمسيح، فالنصارى أقرب إلى المسلمين، واليهود خير من منكري ~~النبوات، كلما كان إيمان الرجل بالنبوات أكثر كان خيرا ممن ينكر ما صدق به. # وأيضا فإن اليهود بعد مبعث عيسى خرجوا عن شريعة موسى، وعيسى جميعا، فإن ~~شريعة موسى موقتة بمجيء المسيح، فكان يجب عليهم اتباعه، ولهذا قال تعالى: ~~{لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} [المائدة: 82] ، ولذلك أبقى الله ~~سبحانه للنصارى مملكة في العالم، وسلب اليهود ملكهم وعزهم بالكلية إلى قيام ~~الساعة. # PageV02P771 ### | 141 - # فصول في أحكام مهورهم. # قال إسحاق بن منصور: قلت لأبي عبد الله: نصراني تزوج نصرانية على قلة من ~~خمر، ثم أسلما. قال إن دخل بها فهو جائز، وإن لم يكن دخل بها فلها صداق ~~مثلها. # وقال مهنا: سألت أبا عبد الله عن نصراني تزوج نصرانية على خنزير، أو على ~~دن خمر، ثم أسلما، فحدثني عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، أنه قال لعطاء: ~~أبلغك ms276 أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أقر أهل الجاهلية على ما ~~أسلموا عليه من نكاح، أو طلاق» ؟ فقال: ما بلغنا إلا ذلك. # فسألته: ما قوله؟ نكاح، أو طلاق؟ قال: يقرون على نكاحهم، وجوز طلاقهم في ~~الجاهلية. # PageV02P772 # وقال الخرقي: وما سمى لها، وهما كافران فقبضته ثم أسلما، وإن كانت حراما ~~فليس لها غيره، ولو لم تقبضه، وهو حرام فلها عليه مهر مثلها أو نصفه حيث ~~وجب ذلك. # وهذا الذي ذكره هو الذي دل عليه الكتاب وسيرة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأصحابه في الكفار في هذا وفيما هو أعم منه من عقودهم ومعاملاتهم. # قال الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ~~إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 278] فأمر تعالى بترك ما بقي دون ما قبض. # وقال تعالى: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله} ~~[البقرة: 275] ، وقد أسلم الخلق العظيم على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وخلفائه، وأصحابه، فلم يتعرض لأحد منهم في صداق أصدقه في حال الكفر، ~~إلا أن يكون المفسد مقارنا للإسلام كنكاح أكثر # PageV02P773 # من أربع، ونكاح الأختين، وكذلك ما مضى من بياعاتهم وسائر عقودهم، ~~ومواريثهم، وهذا معلوم بالاضطرار من دينه وسيرته. # فإن لم يتقابضا، ثم أسلما، أو ترافعا إلينا، فإن كان المسمى صحيحا حكمنا ~~لها به، أو بنصفه حيث يتنصف، وإن كان حراما كالخمر والخنزير بطلت تسميته، ~~ولم نحكم به. # ثم اختلف الفقهاء: بماذا نحكم لها به؟ فقال الشافعي، وأحمد، وأصحابهما: ~~لها مهر المثل أو نصفه؛ لأن التسمية بطلت بالإسلام، فصارت كأن لم تكن، ~~فتعين المصير إلى مهر المثل كالتعويض. # وقال أبو حنيفة: إن كان صداقها خمرا، أو خنزيرا معينين فليس لها إلا ذلك، ~~وإن كانا غير معينين، فلها في الخمر القيمة، وفي الخنزير مهر المثل ~~استحسانا، قالوا: لأن الملك في ذلك ثابت في حال الكفر، ومعنى " اليد " - ~~وهو التصرف - ثابت أيضا، والمتخلف بالإسلام صورة اليد، والمسلم غير ممنوع ~~من إثبات اليد صورة، والذي يمتنع إثبات اليد ms277 الصورية. # وأيضا فإذا عينا خمرا، أو خنزيرا أجري تعيينه مجرى قبضه لتمكنها ~~بالمطالبة متى شاءت، ولإقرارنا لهم على تعيينه، والتعاقد عليه. # وسر المسألة أن لها حق القبض في العين، وأما إذا لم تعين فليس لها حق ~~القبض. # ثم اختلف أبو حنيفة وأصحابه، فقال أبو حنيفة: يجب في الخمر القيمة، وفي ~~الخنزير مهر المثل، وقال أبو يوسف: لها مهر المثل فيهما، وقال محمد: لها ~~القيمة فيهما. # PageV02P774 # ووجه قول محمد: أن التسمية صحت في العقد، وصحة التسمية تمنع المصير إلى ~~مهر المثل، لكن تعذر القبض بالإسلام فصار كما لو تعذر بالهلاك، فوجبت ~~القيمة. # وأبو يوسف يقول: لو تعذر القبض كان الفساد في حق القبض بمنزلة الفساد في ~~حق العقد، فوجب مهر المثل. # وأبو حنيفة يقول: الأصل صحة التسمية، وهي تمنع المصير إلى مهر المثل، إلا ~~أنا استقبحنا في الخنزير إيجاب قيمته، فأوجبنا مهر المثل؛ لأن القيمة كانت ~~واجبة قبل الإسلام أصلا في حق التسليم لا خلفا، فإن القدرة على الأصل تمنع ~~المصير إلى الخلف، ولو جاءها بالقيمة هاهنا أجبرت على القبول مع القدرة على ~~الخنزير، فدل على أنها وجبت أصلا، فلا يمكن إيجابها بعد الإسلام خلفا، ولا ~~يمكن الإيجاب على ما كان قبل الإسلام؛ لأنه إنما وجب قبله ضمنا لوجوب تسليم ~~الخنزير، وقد سقط وجوب التسليم بالإسلام. # ومن أوجب مهر المثل في هذه المقدمات، أو في بعضها يقول: الخمر لا قيمة له ~~في الإسلام، فهو كالخنزير، فصار وجود تسميته كعدمها، فقد خلا النكاح من ~~التسمية المعتبرة شرعا، فيجب مهر المثل. # قالوا: وليس في شريعة الإسلام للخمر قيمة حتى نعتبرها هاهنا، وإنما يقومه ~~الكفار، ونحن لا نعتبر قيمته عندهم، وليس له عندنا قيمة ألبتة. # ويقوي قول محمد أنها قد رضيت بإخراج بضعها على هذا المسمى، والزوج إنما ~~دخل على ذلك، فلا يلزمه أكثر منه، ولم يلزمه، ولا ألزمه به الشارع، وكون ~~الخمر والخنزير لا قيمة له عندنا لا يمنع من اعتبار قيمته # PageV02P775 # وقت العقد، فإنها رضيت بماليته، وانحصار المالية في هذا الجنس، فإذا ms278 فات ~~ما انحصرت فيه المالية بالإسلام صرنا إلى قيمته وقت العقد كما لو عدم ذلك ~~الجنس، ولا محذور في تقويم ذلك لتعيين مقدار الواجب للضرورة كما تقوم الحر ~~عبدا في " باب الأرش " لتعيين مقدار الواجب. # يوضحه أن المسمى حال العقد كان مالا بالنسبة إليهم، فكان متقوما بالنسبة ~~إلى هذا العقد والمتعاقدين، وبالإسلام فاتت ماليته، فتعينت قيمته حين ~~العقد، وهذا القول هو الذي نختاره، والله أعلم. ### | [فصل قبض بعض المهر ووجوب مهر المثل فيما بقي كيف يكون] ### | 142 - # فصل # [قبض بعض المهر، ووجوب مهر المثل فيما بقي كيف يكون؟] . # فإن قبضت من المهر بعضه وبقي بعضه سقط منه بقدر ما قبض، ووجب بحصة ما بقي ~~من مهر المثل أو من القيمة على الخلاف، فإن أصدقها عشرة زقاق خمر متساوية، ~~فقبضت خمسة، وجب نصف مهر المثل أو قيمة الخمسة، على ما تقدم. # فإن كان بعضها أكبر من بعض ففيه وجهان للقائلين بمهر المثل: # أحدهما: يعتبر المقبوض، والباقي بالكيل. # والثاني: يعتبر العدد لأنه لا قيمة لها فاستوى كبرها وصغرها. # وهذا فاسد، فإنه إذا أصدقها زقا كبيرا، وآخر صغيرا، فقبضت الكبير لم يكن ~~الصغير نصف المهر، كما لو أصدقها زقا فقبضت أربعة أخماسه وبقي خمسه. # PageV02P776 # وكذلك الوجهان: فيما لو أصدقها عشرة خنازير بعضها شر من بعض، فقبضت ما ~~خيره دونه وأخس منه. # فإن أصدقها كلبا، وخنزيرين، وثلاثة زقاق خمر ففيه ثلاثة أوجه لأصحاب أحمد ~~والشافعي: # أحدها: يقسم على قدر قيمتها عندهم. # والثاني: يقسم على عدد الأجناس، فيجعل لكل جنس ثلث المهر، فللكلب ثلثه، ~~وللخمر ثلثه. # والثالث: يقسم على العدد كله: فللكلب سدس المهر، وللخنزير ثلثه، وللخمر ~~نصفه. ### | [فصل التحاكم إلينا في أنكحة لا يقرون عليها قبل الدخول] ### | 143 - # فصل # [التحاكم إلينا في أنكحة لا يقرون عليها قبل الدخول] . # فإن نكحها نكاحا لا يقرون عليه إذا أسلموا، كنكاح ذوات المحارم، فأسلما ~~قبل الدخول، وترافعا إلينا، فرق بينهما ولا مهر لها، وإن دخل بها فهل يقضي ~~لها بالمهر؟ فهو على الخلاف فيمن وطئ ذات محرمة بشبهة، ms279 وفيه عن أحمد ثلاث ~~روايات: # إحداهن: لها مهر المثل؛ لأنه استوفى منها ما يقابله. # والثانية: لا مهر لها؛ لأن تحريمها تحريم أصلي لا يزول بحال، فلم يوجب ~~وطؤها مهرا، كاللواط. # والثالثة: يجب لمن تحل ابنتها كالعمة، والخالة، ولا يجب لمن تحرم # PageV02P777 # ابنتها كالأم، والأخت لغلظ التحريم في هذه وخفته في تلك، وقد نص أحمد في ~~رواية أبي بكر بن صدقة، في المجوسية تكون تحت أخيها، أو أبيها فيطلقها، أو ~~يموت عنها، فترتفع إلى المسلمين تطلب مهرها: أنه لا مهر لها، ولم يفرق بين ~~ما قبل الدخول وبعده بل صرح بسقوط المهر في الحالة التي يكمل بها وهو ~~الموت. # وكذلك نص في رواية أحمد بن هشام في المجوسية تكون تحت أخيها، أو أبيها، ~~فتموت أو يطلقها، فلا صداق لها. ### | [فصل نكاح الذمي الذمية بلا صداق] ### | 144 - # فصل # [نكاح الذمي الذمية بلا صداق] . # فإن تزوج ذمي ذمية على أن لا صداق لها، أو سكت عن ذكره، فلها المطالبة ~~بعوضه إن كان قبل الدخول، وإن كان بعده فلها مهر المثل كما في نكاح ~~المسلمين: هذا قول الجمهور. # وقال أبو حنيفة: إن تزوجها على أن لا مهر لها فلا شيء لها، وإن سكت عن ~~ذكره فعنه روايتان: # PageV02P778 # إحداهما: لا مهر لها. # والأخرى: لها مهر المثل. # قال من رجح هذا القول: المهر وجب في النكاح لحق الله، ولهذا لو أسقطاه، ~~وتعاقدا على أن لا مهر لها لم يسقط، والذمي لا يطالب بحقوق الله من زكاة، ~~ولا حج، ولا غير ذلك. # وأيضا فنحن نقرهم على أنكحتهم ما لم يكن المفسد مقارنا للإسلام، في حالة ~~الترافع إلينا، وعدم ثبوت المهر في هذه الحالة لا يقتضي فرضه فيها، وما قبل ~~ذلك لا يتعرض لهم فيه، وهذا قول قوي جدا. ### | [فصل في ضابط ما يصح من أنكحتهم وما لا يصح] # إذا ارتفعوا إلى الحاكم في ابتداء العقد لم نزوجهم إلا بشروط نكاح ~~الإسلام لقوله عز وجل: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} [المائدة: 42] ، ~~وقوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ms280 ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك ~~عن بعض ما أنزل الله إليك} [المائدة: 49] . # وإن أسلموا وترافعوا إلينا بعد العقد لم ننظر إلى الحال التي وقع العقد ~~عليها ولم نسألهم عنها، ونظرنا إلى الحال التي أسلموا أو ترافعوا فيها، فإن ~~كانت المرأة ممن يجوز عقد النكاح عليها الآن أقررناهما، وإن كانت ممن لا ~~يجوز ابتداء نكاحها فرق بينهما. # PageV02P779 # وعن أحمد ما يدل على أنا ننظر في المفسد، فإن كان مؤبدا أو مجمعا على ~~تحريمه لم نقرهم، وإن لم يكن مؤبدا، ولا مجمعا على تحريمه أقررناهم، فإذا ~~أسلما، والمرأة بنته من رضاع، أو زنا، أو هي في عدة من مسلم متقدمة على ~~العقد فرق بينهما؛ لأن تحريم الرضاع مؤبد مجمع عليه، وتحريم ابنته من الزنا ~~- وإن لم يكن مجمعا عليه - فهو مؤبد والمعتدة من مسلم تحريمها - وإن لم يكن ~~مؤبدا - فهو مجمع عليه. # وإن كانت العدة من كافر فروايتان منصوصتان عن أحمد: مأخذ الإقرار أن ~~المفسد غير مؤبد ولا مجمع عليه، فإن من لا يرى صحة نكاح الكفار لا يوجب على ~~من توفي زوجها الكافر عدة الوفاة. # وإن كانت الزوجة حبلى قبل العقد، أو قد شرط فيه الخيار مطلقا، أو إلى مدة ~~هما فيها فوجهان. # أحدهما: لا يقر عليه لقيام المفسد له. # والثاني: يقر؛ لأن المفسد غير مجمع عليه، فمن الناس من يرى جواز نكاح ~~الحبلى من الزنا، ومنهم من يرى صحة النكاح المشروط فيه الخيار كما هي إحدى ~~الروايات عن أحمد، بل أنصها كما تقدم. # وإن أسلما وكان العقد بلا ولي أو بلا شهود، أو في عدة قد انقضت، أو على ~~أخت وقد ماتت، أقرا عليه لعدم مقارنة المفسد للإسلام، وحكم حالة الترافع ~~إلى الحاكم حكم حالة الإسلام في ذلك كله. # قال مهنا: سألت أحمد عن يهودي، أو نصراني، أو مجوسي تزوج بغير شهود؟ قال: ~~هو كذلك، يقرون على ما أسلموا عليه. # PageV02P780 # قلت: فإنه تزوج امرأة في عدتها ثم أسلما، أيقران على ذلك؟ قال: نعم، ~~يقران على ذلك اليهودي والنصراني إذا ms281 تزوج امرأة في عدتها ثم أسلما جميعا ~~يقران على نكاحهما. # قلت لأحمد: بلغك في هذا شيء؟ قال: نعم، حدثني يحيى بن سعيد، عن ابن جريج ~~قال: قلت لعطاء: بلغك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقر أهل ~~الجاهلية على ما أسلموا عليه؟ قال ما بلغنا إلا ذلك. # قال مهنا: وسألت أحمد عن حربي تزوج حربية بغير شهود، ثم أسلما؟ قال: نعم، ~~يقران على ما أسلما عليه، من أسلم على شيء أقر عليه، قلت لأحمد: حربي تزوج ~~حربية في عدتها من طلاق، أو وفاة بغير شهود، ثم أسلما؟ قال: هما على ~~نكاحهما، من أسلم على شيء فهو عليه. # قال الخلال: أخبرنا يحيى بن جعفر، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا ابن جريج، عن ~~عمرو بن شعيب «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقر الناس على ما ~~أسلموا عليه من طلاق، أو نكاح، أو ميراث توارثوا عليه» . # قال ابن جريج: فذكرت ذلك لعطاء، فقال: ما بلغنا إلا ذلك. # PageV02P781 ### | [فصل في الكافر يكون وليا لوليته الكافرة دون المسلمة] # قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة: 71] ، وقال: ~~{والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 73] . # قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: " لا يزوج النصراني، ولا اليهودي، ولا ~~يكون النصراني واليهودي وليا ". # قال: وسمعت أبا عبد الله قال: " لا يعقد نصراني، ولا يهودي عقدة نكاح ~~لمسلم، ولا مسلمة، ولا يكونان وليين، ولا يكون إلا مسلما ". # وقال في رواية الميموني، وقد سأله رجل عن النصراني يكون وليا إذا كانت ~~ابنته مسلمة؟ قال: السلطان أولى. # PageV02P782 # وقال مهنا: سألت أبا عبد الله عن نصراني، أو يهودي أسلمت ابنته أيزوجها ~~أبوها، وهو نصراني، أو يهودي؟ قال: لا يزوجها إذا كان نصرانيا، أو يهوديا، ~~فقلت له: فإن زوجها؟ قال: لا يجوز النكاح، يعني يرد النكاح. # قلت: فعل، وأذنت الابنة؟ قال: يعيد النكاح. # قلت: يسافر معها؟ قال: لا يسافر معها، ثم قال لي أحمد بن حنبل: ليس هو ~~بمحرم! # قال الخلال: وقال في موضع آخر: قلت لا يسافر معها؟ قال: نعم. ms282 # قال أبو بكر: وهو الصواب وبينها مهنا مرة في قوله: لا، قلت: فكيف يسافر ~~معها، ويقول: يعيد النكاح إذا أنكحها بأمرها؟ قال: نعم، هو يعيد نكاحها إذا ~~أنكحها. قلت: فإن كانت مسلمة وأبوها نصراني وهي محتاجة يجبر أبوها على ~~النفقة عليها؟ قال: لم أسمع في هذا شيئا. # قلت له: فإن قوما يقولون: لا يجبر على النفقة عليها، فكيف تقول أنت؟ قال: ~~يعجبني أن ينفق عليها، فقلت له: يجبر؟ فقال: يعجبني، ولم يقل: يجبر. # وقد تضمن هذا النص ثلاثة أمور: # أحدها: أن الكافر لا يصح أن يزوج وليته المسلمة. # PageV02P783 # والثاني: أنه يكون محرما. # والثالث: أنه لا يجبر على النفقة مع اختلاف الدين، وسنذكر الكلام في ~~هاتين المسألتين عن قرب، إن شاء الله تعالى. # قال حنبل: حدثنا شريح بن النعمان، حدثنا حماد بن سلمة، عن جعفر بن أبي ~~وحشية أن هانئ بن قبيصة زوج ابنته من عروة البارقي على أربعين ألفا، وهو ~~نصراني، فأتاها القعقاع بن سور، فقال: إن أباك زوجك وهو نصراني لا يجوز ~~نكاحه، زوجيني نفسك، فتزوجها على ثمانين ألفا، فأتى عروة علي بن أبي طالب - ~~رضي الله عنه - فقال: إن القعقاع تزوج بامرأتي، فقال: لئن كنت تزوجت امرأته ~~لأرجمنك. # فقال: يا أمير المؤمنين، إن أباها زوجها، وهو نصراني لا يجوز نكاحه. # قال: فمن زوجك؟ قال: هي زوجتني نفسها، فأجاز نكاحها، وأبطل نكاح الأب، ~~وقال لعروة: خذ صداقك من أبيها. # قال حنبل: قال أبو عبد الله: إنما جعل الأمر إليها لأن الأب نصراني لا ~~يجوز حكمه فيها، فرد الأمر إليها، ولا بد أن يجدد هذا النكاح الأخير إذا ~~رضيت، وإنما صير لها الأمر بالرضا، ولا يجوز أن تزوج نفسها إلا بولي. # وعلي حينئذ السلطان، فأجاز ذلك وليها، وقال: خذ مهرك من أبيها؛ لأنه لم ~~يكن دخل بها، ولو كان دخل بها لكان المهر لها والعدة عليها. # PageV02P784 # وقال حرب: قلت لأحمد: امرأة أبوها نصراني وأخوها مسلم، من يزوجها قال: ~~الأخ. # قلت: فهل للمشركين من الولاية شيء؟ قال: لا. # وقال صالح: قال ms283 أبي في امرأة لها أب ذمي ولها أخ مسلم، قال: لا يكون ~~الذمي وليا. ### | [فصل بيان ولاية الأب الذمي] ### | 147 - # فصل # [بيان ولاية الأب الذمي] . # فإن تزوج المسلم ذمية بولاية أبيها الذمي، فهل ينعقد النكاح؟ # فقال القاضي: في " الجامع ": لا يجوز النكاح على ظاهر كلام أحمد في رواية ~~حنبل: " لا يعقد يهودي ولا نصراني عقد نكاح لمسلم، ولا لمسلمة " خلافا لأبي ~~حنيفة، والشافعي في قولهما: يجوز. # والدلالة عليه: أن كل عقد افتقرت صحته إلى شهادة مسلمين لا يصح بولاية ~~كتابي، كما لو تزوج مسلمة. # PageV02P785 # قال: وعلى هذا القياس لا يلي في مالها كما لا يلي في نكاحها. # وخالف القاضي أبو الخطاب، فقال يجوز أن يزوج الكافر وليته الكافرة من ~~مسلم، قال: لأنه وليها، فصح تزويجه لها كما لو زوجها من كافر، قال: ولأنها ~~امرأة لها ولي مناسب، فلم يجز أن يليها غيره، كما لو تزوجها ذمي. # قال الشيخ في " المغني ": وهو أصح. # قلت: هو مخالف لنص أحمد، كما تقدم لفظه. ### | [فصل ولاية المسلم على الكافرة] ### | 148 - # فصل # [ولاية المسلم على الكافرة] . # ولا يلي المسلم نكاح الكافرة، لما تقدم من قطع الموالاة بين المسلمين، ~~والكفار، إلا أن يكون سلطانا، أو سيدا لأمة، فإن ولاية السلطان عامة. # وأما سيد الأمة فإن له أن يزوجها من كافر، وإن لم يملك تزويج ابنته ~~الكافرة من كافر، والفرق بينهما أنه يزوجها بحكم الملك، فجاز ذلك كما لو ~~باعها من كافر، بخلاف ابنته، فإنه يزوجها بحكم الولاية، وقد انقطعت باختلاف ~~الدين كما انقطع التوارث والإنفاق. # فإن قيل: فما تقولون في أم ولد الذمي إذا أسلمت، هل يلي نكاحها؟ # قيل: فيه وجهان لأصحابنا: # PageV02P786 # أحدهما: يليه، لأنها مملوكته، فيلي نكاحها كالمسلم، ولأنه عقد على ~~منافعها، فيليه كما يلي إجارتها. # والثاني: لا يليه لقوله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} ~~[التوبة: 71] ، ولأنها مسلمة، فلا يلي نكاحها كابنته. # قال الشيخ في " المغني ": وهذا أولى لما ذكرنا من الإجماع، يعني قول ابن ~~المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم ms284 أن الكافر لا ولاية له على مسلم ~~بحال. # وقد قال في " المحرر ": ولا يلي مسلم نكاح كافرة إلا بالملك، أو السلطنة. # ولا يلي كافر نكاح مسلمة إلا بملك يقر له عليها كمن أسلمت أم ولده، أو ~~مكاتبته، أو مدبرته في وجه، ويلي الكافر نكاح مولاته الكافرة من كافر ~~ومسلم. # وهل يباشر تزويج المسلم في المسألتين، أو بشرط أن يباشره بإذن مسلم، أو ~~الحاكم خاصة؟ فيه ثلاثة أوجه: # قلت: في المسألة الأولى، الزوجة هي المسلمة والولي كافر، وفي المسألة ~~الثانية، المولاة كافرة والزوج مسلم. # وقلت: على الأوجه الثلاثة في المسألتين، فالصواب أن يقرأ: " وهل # PageV02P787 # يباشر تزويج المسلم " في المسألتين ليعم الصورتين (أي الشخص المسلم) . ~~وأما على ما رأيته في النسخ: " وهل يباشر تزويج المسلمة؟ فإنه يختص ~~بالمسألة الأولى، إلا أن يقال: أراد النفس المسلمة، وبكل حال فمن قال: ~~يباشر تزويج المسلم، فحجته أنه يزوجها بحكم الملك في المسألة الأولى، ويزوج ~~الكافر بحكم الولاية في المسألة الثانية، وهي ولاية على كافرة، ولا ولاية ~~له على الزوج، فلا يمتنع تزويج الكافرة له. # ومن قال: يعقده الحاكم خاصة فحجته انقطاع الولاية بين الكافر، والمسلم، ~~فهذه المرأة في حكم من لا ولي لها في الصورة الأولى. # وأما في الثانية فلما كان الزوج مسلما وللولي عليه ولاية ما فإنه هو الذي ~~يوجب له عقد النكاح، والكافر ليس أهلا لذلك، فكانت الولاية للحاكم. # ومن قال نأذن لمسلم يباشر العقد فلأنه ولي في الحقيقة، ولكن اتصال هذا ~~العقد بمسلم يمنع من مباشرة الكافر له فيباشره مسلم بإذن الولي جمعا بين ~~الحقين حق الولي، وحق المسلم. ### | [فصل زواج المسلم بشهادة ذميين] # فإن تزوج المسلم ذمية بشهادة ذميين، فنص أحمد على أنه لا يصح. # قال مهنا: سألت أحمد عن رجل مسلم تزوج يهودية بشهادة نصرانيين أو ~~مجوسيين. قال: لا يصلح إلا عدول، وهذا قول الشافعي. # PageV02P788 # وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: يصح النكاح. وخرجه الأصحاب وجها في المذهب ~~بناء على قبول شهادة بعضهم على بعض. # وحجة من أبطله قوله: " «لا نكاح ms285 إلا بولي وشاهدي عدل» " وأن الشهادة إنما ~~شرطت لإثبات الفراش عند التجاحد، ولا يمكن إثباته بشهادة الكفار، وبأن ~~شهادتهم كلا شهادة، فقد خلا النكاح عن الشهادة، وبأن النكاح لو انعقد ~~بشهادتهما لسمعت شهادتهما على المسلم فيما يرجع إلى حقوق النكاح من وجوب ~~المهر والنفقة والسكنى: وهذا ممتنع. # قال المجوزون: الشهادة في الحقيقة للمسلم على الكافرة، لأنهما يشهدان ~~عليها بإثبات ملك بضعها له أصلا، فهي في الحقيقة شهادة كافر على كافر، ونحن ~~نقبلها، فنصحح العقد بها. # وأما حقوق النكاح فإنما تثبت ضمنا وتبعا، ويثبت في التبع ما لا يثبت في ~~المتبوع، ونظائره كثيرة جدا. ### | [فصل لا يكون الكافر محرما للمسلمة] ### | 150 - # فصل # [لا يكون الكافر محرما للمسلمة] . # ولا يكون الكافر محرما للمسلمة: نص عليه أحمد، فقال أبو الحارث: قيل لأبي ~~عبد الله: المجوسي محرم لأمه وهي مسلمة؟ قال: لا. # وقال أبو الحارث أيضا: سئل أبو عبد الله عن امرأة مسلمة لها ابن مجوسي ~~وهي تريد سفرا، يكون لها محرما يسافر بها؟ قال: لا، هذا يرى # PageV02P789 # نكاح أمه فكيف يكون لها محرما، وهو لا يؤمن عليها؟ ! # وقال مهنا: سألت أحمد عن مجوسي تسلم ابنته وهو مجوسي يفرق بينه وبينها؟ ~~قال: نعم، إن كان يتقى منه. فقلت له: وأي شيء يتقى منه؟ فقال: يجامعها. # وقال أبو داود: سئل أبو عبد الله عن المجوسي تسلم أخته يحال بينهما؟ قال: ~~نعم، إذا خافوا أن يأتيها. # قال: وسمعت أبا عبد الله يسأل عن المجوسي يسافر بابنته، أو يزوجها، قال: ~~ليس هو لها بولي. # وقال علي بن سعيد: سألت أحمد عن النصراني، واليهودي يكونان محرما؟ قال: ~~هما لا يزوجان، فكيف يكونان محرما؟ # وقال مهنا: سألت أبا عبد الله عن نصراني، أو يهودي أسلمت ابنته، أيزوجها ~~أبوها، وهو نصراني أو يهودي؟ قال: لا يزوجها، فقلت له: فإن زوجها قال لا ~~يجوز النكاح. قلت: فعل وأذنت الابنة. قال: يعيد النكاح. قلت: يسافر معها؟ ~~قال: لا يسافر معها، ثم قال لي: ليس هو بمحرم! # PageV02P790 # فقد نص على أن محرم المسلمة ms286 لا يكون كافرا. # فإن قيل: فأنتم لا تمنعون من النظر إليها، والخلوة بها، وكونهما في بيت ~~واحد، قيل: بل نمنعه إذا كان مجوسيا، كما نص عليه أحمد، وأما اليهودي ~~والنصراني فلا يؤمن عليها في السفر أن يبيعها، أو يقتلها بسبب عداوة الدين، ~~وهذا منتف في خلوته بها، ونظره إليها في الحضر، فافترقا. # والمقصود من المحرم كمال الحفظ، والشفقة، وعداوة الدين قد تمنع كمال ذلك. ### | [فصل الإنفاق على الأقارب من أهل الكفر] ### | 151 - # فصل # [الإنفاق على الأقارب من أهل الكفر] . # فإن قيل: فما تقولون في وجوب الإنفاق على الأقارب مع اختلاف الدين؟ لقوله ~~تبارك وتعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] ، واختلاف الدين يمنع ~~الميراث. # قيل: أما الأقارب مطلقا فلا تجب نفقتهم مع اختلاف الدين، وأما عمود النسب ~~ففيهم روايتان: # إحداهما: لا تجب نفقتهم لذلك. # والثانية: تجب لتأكد قرابتهم بالعصبة. # وحكى بعض الأصحاب في وجوب نفقة الأقارب مطلقا - مع اختلاف الدين - أنه إن ~~منع وجوب الإنفاق منع في سائر الأقارب، وإن لم # PageV02P791 # يكن مانعا لم يمنع في حق قرابة الكلالة، كالرق، والغنى. # فأما أن يكون مانعا في قرابة دون قرابة فلا وجه له، ولا يصح التعليل ~~بتأكد القرابة؛ لأن الأخ والأخت أقرب من أولاد البنات. # والذي يقوم عليه الدليل وجوب الإنفاق، وإن اختلف الدينان، لقوله تعالى: ~~{ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} [العنكبوت: 8] {وإن جاهداك على أن تشرك بي ~~ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا} [لقمان: 15] ، ~~وليس من الإحسان ولا من المعروف ترك أبيه وأمه في غاية الضرورة، والفاقة، ~~وهو في غاية الغنى، وقد ذم الله - تبارك وتعالى - قاطعي الرحم، وعظم ~~قطيعتها، وأوجب حقها وإن كانت كافرة، قال تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون ~~به والأرحام} [النساء: 1] ، وقال تعالى: {والذين ينقضون عهد الله من بعد ~~ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} [الرعد: 25] ، وفي الحديث: " «لا ~~يدخل الجنة قاطع رحم» "، " «والرحم معلقة بساق العرش تقول: يا رب، صل من ~~وصلني، واقطع من قطعني» "، وليس من صلة الرحم ترك القرابة ms287 تهلك جوعا، ~~وعطشا، وعريا، وقريبه من أعظم الناس مالا، وصلة الرحم واجبة وإن كانت ~~لكافر، فله دينه وللواصل دينه. # PageV02P792 # وقياس النفقة على الميراث قياس فاسد فإن الميراث مبناه على النصرة، ~~والموالاة بخلاف النفقة فإنها صلة ومواساة من حقوق القرابة، وقد جعل الله ~~للقرابة حقا - وإن كانت كافرة - فالكفر لا يسقط حقوقها في الدنيا، قال الله ~~تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى ~~واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن ~~السبيل وما ملكت أيمانكم} [النساء: 36] . # وكل من ذكر في هذه الآية فحقه واجب وإن كان كافرا، فما بال ذي القربى ~~وحده يخرج من جملة من وصى الله بالإحسان إليه؟ ورأس الإحسان الذي لا يجوز ~~إخراجه من الآية هو الإنفاق عليه عند ضرورته، وحاجته، وإلا فكيف يوصى ~~بالإحسان إليه في الحالة التي لا يحتاج إلى الإحسان، ولا يجب له الإحسان ~~أحوج ما كان إليه؟ والله - سبحانه وتعالى - حرم قطيعة الرحم، وإن كانت ~~كافرة، وترك رحمه يموت جوعا، وعطشا، وهو من أغنى الناس، وأقدرهم على دفع ~~ضرورته أعظم قطيعة. # فإن قيل: فهل تقولون بدفع الزكوات والكفارات إليه؟ # قيل: إن كان في المسألة إجماع معلوم لم يجز مخالفتهم، وإن لم يكن فيها ~~إجماع احتاج القول بعدم الجواز إلى دليل. # والفرق بين الزكاة، والنفقة أن الزكاة حق الله، فرضها على الأغنياء تصرف ~~في جهات معينة، وهي عبادة يشترط لها النية ولا تؤدى بفعل الغير، ولا تسقط ~~بمضي الزمان، ولا تجوز على رقيقه، وبهائمه، والنفقة بخلاف # PageV02P793 # ذلك، فقياس أحد البابين على الآخر قياس فاسد، ثم يقال: إن لم يكن بينهما ~~فرق ولا إجماع فالحق التسوية، وإن كان بينهما فرق امتنع الإلحاق. ### | [فصل جواز نكاح الكتابية] ### | 152 - # فصل # [جواز نكاح الكتابية] . # ويجوز نكاح الكتابية بنص القرآن قال تعالى: {والمحصنات من المؤمنات ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] ، والمحصنات هنا ~~هن العفايف، وأما المحصنات المحرمات في " سورة النساء " فهن المزوجات. # وقيل: المحصنات اللاتي أبحن هن الحرائر، ولهذا لم تحل ms288 إماء أهل الكتاب، ~~والصحيح الأول لوجوه: # أحدها: أن الحرية ليست شرطا في نكاح المسلمة. # الثاني: أنه ذكر الإحصان في جانب الرجل كما ذكره في جانب المرأة، فقال: ~~{إذا آتيتموهن أجورهن محصنين} [المائدة: 5] ، وهذا إحصان عفة بلا شك، فكذلك ~~الإحصان المذكور في جانب المرأة. # الثالث: أنه سبحانه ذكر الطيبات من المطاعم، والطيبات من المناكح، فقال ~~تعالى: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل ~~لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} ~~[المائدة: 5] . # PageV02P794 # والزانية خبيثة بنص القرآن، والله - سبحانه وتعالى - حرم على عباده ~~الخبائث من المطاعم والمشارب، والمناكح، ولم يبح لهم إلا الطيبات، وبهذا ~~يتبين بطلان قول من أباح تزويج الزواني، وقد بينا بطلان هذا القول من أكثر ~~من عشرين وجها في غير هذا الكتاب. # والمقصود أن الله سبحانه أباح لنا المحصنات من أهل الكتاب، وفعله أصحاب ~~نبينا - صلى الله عليه وسلم - فتزوج عثمان نصرانية، وتزوج طلحة بن عبيد ~~الله نصرانية، وتزوج حذيفة يهودية. # قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن المسلم يتزوج النصرانية، أو اليهودية؟ ~~فقال: ما أحب أن يفعل ذلك، فإن فعل فقد فعل ذلك بعض أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # PageV02P795 # وقال صالح بن أحمد: حدثني أبي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا سعيد، عن ~~قتادة: أن حذيفة بن اليمان، وطلحة بن عبيد الله، والجارود بن المعلى - وذكر ~~آخر - تزوجوا نساء من أهل الكتاب، فقال لهم عمر: طلقوهن، فطلقوا إلا حذيفة. ~~فقال عمر: طلقها. فقال: تشهد أنها حرام؟ قال: هي جمرة، طلقها. فقال: تشهد ~~أنها حرام؟ فقال: هي جمرة! قال حذيفة: قد علمت أنها جمرة، ولكنها لي حلال. ~~فأبى أن يطلقها، فلما كان بعد، طلقها، فقيل له: ألا طلقتها حين أمرك عمر؟ ~~فقال: كرهت أن يظن الناس أني ركبت أمرا لا ينبغي. # وقد تأولت الشيعة الآية على غير تأويلها، فقالوا: المحصنات من المؤمنات ~~من كانت مسلمة في الأصل، {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} ~~[المائدة: 5] من كانت كتابية، ثم أسلمت. ms289 # قالوا: وحملنا على هذا التأويل قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى ~~يؤمن} [البقرة: 221] ،، وأي شرك أعظم من قولها: " الله ثالث ثلاثة "؟ ! ~~وقوله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10] ، وأجاب الجمهور ~~بجوابين: # PageV02P796 # أحدهما: أن المراد بالمشركات الوثنيات. # قالوا: وأهل الكتاب لا يدخلون في لفظ " المشركين " في كتاب الله تعالى. # قال تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين} ~~[البينة: 1] ، وقال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا} [الحج: 17] . # وكذلك الكوافر المنهي عن التمسك بعصمتهن إنما هن المشركات، فإن الآية ~~نزلت في قصة الحديبية، ولم يكن للمسلمين زوجات من أهل الكتاب إذ ذاك، وغاية ~~ما في ذاك التخصيص، ولا محذور فيه إذا دل عليه دليل. # الجواب الثاني: جواب الإمام أحمد، قال في رواية ابنه صالح: قال الله ~~تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] ، وقال في سورة ~~المائدة، وهي آخر ما أنزل من القرآن: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم} [المائدة: 5] . # PageV02P797 ### | [فصل نكاح الأمة الكتابية] ### | 153 - # فصل # [نكاح الأمة الكتابية] . # فإن قيل: فإذا كان قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} ~~[المائدة: 5] ، المراد به إحصان العفة لا إحصان الحرية فمن أين حرمتم نكاح ~~الأمة الكتابية، قيل: الجواب من وجهين: # أحدهما: أن تحريم الأمة الكتابية لم ينعقد عليه الإجماع، فأبو حنيفة ~~يجوزه، وقد قال أحمد في رواية ابن القاسم: " الكراهة في إماء أهل الكتاب ~~ليست بالقوية، إنما هو شيء تأوله الحسن ومجاهد ": هذا نصه. # وهذا - من نصه - كالصريح بأنه ليس بمحرم، وأقل ما في ذلك توقفه عن ~~التحريم، لكن قال الخلال: توقف أحمد في رواية ابن القاسم لا يرد قول من ~~قطع. # وقد روى عنه هذه المسألة أكثر من عشرين نفسا: أنه لا يجوز. فالمسألة إذن ~~مسألة نزاع، والحجة تفصل بين المتنازعين. # قال المبيحون: قال الله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: ~~3] فإذا طابت له الأمة الكتابية فقد أذن له في نكاحها، وقال تعالى: {وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] ، ولم يذكر في ms290 " المحرمات " الأمة # PageV02P798 # الكتابية، وقال تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم ~~وإمائكم} [النور: 32] ، والمراد " بالصالحين " من صلح للنكاح، هذا أصح ~~التفسيرين، وذهبت طائفة إلى أنه " الإيمان "، والأول أصح، فإن الله سبحانه ~~لم يأمرهم بإنكاح أهل الصلاح، والدين خاصة من عبيدهم وإمائهم، كما لم يخصهم ~~بوجوب الإنفاق عليهم، بل يجب على السيد إعفاف عبده وأمته كما يجب عليه ~~الإنفاق عليه، فإن ذلك من تمام مصالحه، وحقوقه على سيده، فقد أطلق الأمر ~~بتزويج الإماء مسلمات كن أو كافرات، ولم يمنع من تزويج الأمة الكافرة ~~بمسلم. # قالوا: وقد قال: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم} [البقرة: 221] ، ~~فدل على جواز نكاح النوعين، وأن هذا خير من هذا. # قالوا: وقد أباح الله سبحانه وطأهن بملك اليمين، فكذلك يجب أن يباح وطؤهن ~~بعقد النكاح، وعكسهن المجوسيات والوثنيات. # قالوا: فكل جنس جاز نكاح حرائرهم جاز نكاح إمائهم كالمسلمات. # قالوا: ولأنه يجوز نكاحها بعد عتقها، فيجوز نكاحها قبله كالأمة المسلمة. # PageV02P799 # قالوا: ولأنها يجوز للذمي نكاحها، فجاز للمسلم نكاحها كالحرة الكتابية، ~~وعكسه الوثنية. # قالوا: ولأنه تباح ذبيحتها، فأبيح نكاحها كالحرة. # قال المحرمون: قال الله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] ، فأباح ~~تعالى نكاح الأمة بثلاثة شروط: # أحدها: عدم الطول لنكاح الحرة. # والثاني: إيمان الأمة المنكوحة. # والثالث: خشية العنت. # فلا تتحقق الإباحة بدون هذه الأمور الثلاثة؛ لأن الفرج كان حراما قبل ~~ذلك، وإنما أبيح على هذا الوجه، وبهذا الشرط، فإذا انتفى ذلك بقي على أصل ~~التحريم. # قال المبيحون: غاية هذا أنه مفهوم شرط، والمفهوم عندنا ليس بحجة. # قال المحرمون: نحن نساعدكم على أن المفهوم ليس بحجة، ولكن الأصل في ~~الفروج التحريم، ولا يباح منها إلا ما أباحه الله ورسوله، والله سبحانه ~~إنما أباح نكاح الأمة المؤمنة، فيبقى ما عداها على أصل التحريم، على أن ~~الإيمان لو لم يكن شرطا في الحل لم يكن في ذكره فائدة، بل كان زيادة في ~~اللفظ، ونقصانا من المعنى، وتوهما لاختصاص الحل ms291 ببعض محاله، وكلام العقلاء ~~فضلا عن كلام رب الأرض والسماء يصان عن ذلك: # PageV02P800 # يوضحه أن صفة الإيمان صفة مقصودة، فتعليق الحكم بها يدل على أنها هي ~~العلة في ثبوته، ولو ألغيت الأوصاف التي علقت بها الأحكام لفسدت الشريعة، ~~لقوله: {والذين يرمون المحصنات} [النور: 4] ، وقوله: {والمحصنات من النساء} ~~[النساء: 24] ، ونظائره أكثر من أن تحصر. # قال المبيحون: لا يمكنكم الاستدلال بالآية؛ لأن الله سبحانه قال: {ومن لم ~~يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم} [النساء: ~~25] ، فلم يبح نكاح الأمة إلا عند عدم الطول لنكاح الحرة المؤمنة. # وقلتم: لا يباح له نكاح الأمة إذا قدر على حرة كتابية، فألغيتم وصف ~~الإيمان في الأصل، فكيف تنكرون على من ألغاه في البدل؟ # قال المحرمون - واللفظ لأبي يعلى -: لو خلينا، والظاهر لقلنا: إيمان ~~المحصنات شرط، لكن قام دليل الإجماع على تركه، ولم يقم دليل على ترك شرطه ~~في الفتيات. # قلت: لم يجمع على الأمة، على أن إيمان المحصنات ليس شرطا، بل أحد الوجهين ~~للشافعية: أنه إذا قدر على نكاح حرة كتابية، ولم يقدر على نكاح حرة مسلمة ~~فإنه ينتقل إلى الأمة، وهذا قول قوي، وظاهر القرآن يقتضيه، وقد يقال: إن ~~آية " النساء " متقدمة على آية " المائدة " التي فيها إباحة المحصنات من ~~أهل الكتاب، قال تعالى: # PageV02P801 # {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ~~والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} ~~[المائدة: 5] ، فحينئذ أبيح نكاح الكتابيات. # قال المحرمون: قال الله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} ~~[المائدة: 5] ، والإحصان هاهنا هو إحصان الحرية. # قال القاضي إسماعيل في " أحكام القرآن ": " يقع الإحصان على العفة، ويقع ~~على الحرية، وإنما أريد بهذا الموضع الحرية؛ لأنه لو أريد به العفة لما جاز ~~لمسلم أن يتزوج نصرانية، ولا يهودية حتى يثبت عفتها، ولما جاز له أيضا أن ~~يتزوج - بهذه الآية - مسلمة حتى يثبت عفتها؛ لأن اللفظ جاء في الموضعين على ~~شيء واحد، فعلم أنهن الحرائر المؤمنات، والحرائر هن أهل الكتاب لأن ms292 الله ~~تعالى قال: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت ~~أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] . # وقد حدثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، أخبرنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ~~لا يحل نكاح إماء أهل الكتاب؛ لأن الله تعالى قال: {من فتياتكم المؤمنات} ~~[النساء: 25] . # PageV02P802 # حدثنا علي، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا يونس: كان الحسن يكره أن يتزوج ~~الأمة اليهودية والنصرانية، وقال: إنما رخص الله في الأمة المسلمة، قال ~~تعالى: {من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] ، ثم ذكر المنع من نكاح الأمة ~~الكتابية عن إبراهيم، ومكحول، وقتادة، ويحيى بن سعيد، وعن الفقهاء السبعة. # PageV02P803 # وأرفع ما روي فيه عن جابر بن عبد الله. # قال القاضي: " حدثنا ابن أبي أويس، حدثنا ابن أبي الزناد، عن موسى بن ~~عقبة، عن أبي الزبير قال: سألت جابرا عن الرجل له عبد مسلم، وأمة نصرانية، ~~أينكحها إياه؟ قال: لا ". # قال المبيحون: لم يجمع الناس على أن الإحصان هاهنا إحصان الحرية. # قال سفيان بن عيينة، عن مطرف، عن عامر: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم} [المائدة: 5] ، قال: إذا أحصنت فرجها، واغتسلت من الجنابة. # وصح عن مجاهد: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] # PageV02P804 # ، قال: هن العفايف. # قالوا: ولو طولبتم بموضع واحد من القرآن أريد بالإحصان فيه الحرية لا ~~يصلح لغيرها لم تجدوا إليه سبيلا، والذي اطرد مجيء القرآن به في هذه اللفظة ~~شيئان: العفة، والتزويج، وأما الإسلام والحرية فلم يتعين إرادة واحد منهما ~~باللفظ. # وقولكم: إنه لو أريد به العفة لما جاز التزويج بالكتابية، ولا بالمسلمة ~~إلا بعد ثبوت عفتها، فهذا هو الذي دل عليه الكتاب، والسنة في غير موضع. # ومن محاسن الشريعة تحريم نكاح البغايا، فإنه من أقبح الأمور، والناس إذا ~~اجتهدوا في تعيير الرجل قالوا: زوج بغي، ومثل هذا فطرة فطر الله عليها ~~الخلق، فلا تأتي شريعة بإباحته. # والبغي خبيثة، والله سبحانه حرم الخبائث من المناكح كما حرمها من ~~المطاعم، ولم يبح نكاح المرأة إلا بشرط إحصانها، وقال في نكاح الزواني: ~~{وحرم ms293 ذلك على المؤمنين} [النور: 3] ، ولم ينسخ هذه الآية شيء، ويكفي في ~~نكاح الحرة عدم اشتهار زناها، فإن الأصل عفتها، فعفتها ثابتة بالأصل، فلا ~~يشق اشتراطها، فإذا اشتهر زناها حرم نكاحها، فإذا تابت فالتائب من الذنب ~~كمن لا ذنب له. # وأما ما ذكرتم عن جابر - رضي الله عنه - والتابعين من التحريم فقد عارضهم ~~آخرون. # PageV02P805 # قال ابن أبي شيبة: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن أبي ميسرة ~~قال: إماء أهل الكتاب بمنزلة حرائرهم. # قال المحرمون: وأما قياسكم التزوج بالأمة الكتابية على وطئها فقياس فاسد ~~جدا، فإن واطئ الأمة بملك اليمين ينعقد ولده حرا مسلما، فلا يضر وطء الأمة ~~الكافرة بملك اليمين، وأما واطئ الأمة بعقد النكاح، فإن ولده ينعقد رقيقا ~~لمالك الأمة، وفي ذلك التسبب إلى إثبات ملك الكافر على المسلم، فافترقا. # ولهذا يجوز وطء الأمة المسلمة بملك اليمين، ولا يجوز وطؤها بعقد النكاح ~~إلا عند الضرورة بوجود الشرطين، وما ثبت للضرورة يقدر بقدرها، ولم يجز أن ~~يتعدى، والضرورة تزول بنكاح الأمة المسلمة، فيقتصر عليها كما اقتصر في جواز ~~أكل الميتة، ولحم الخنزير على قدر الضرورة. # قال المبيحون: هذا ينتقض عليكم بما لو كانت الأمة الكافرة كبيرة لا يحبل ~~مثلها، أو كانت لمسلم، فإن الولد لا يثبت عليه ملك كافر. # قال المحرمون: أليس الجواز يفضي إلى هذا فيما إذا كانت الأمة لكافر، وهي ~~ممن تحبل؟ ولم يفرق أحد بل القائل قائلان: قائل بالجواز مطلقا، وقائل # PageV02P806 # بالمنع مطلقا، والشارع إذا منع من الشيء لمفسدة تتوقع منه سد باب تلك ~~المفسدة بالكلية، ولهذا لما حرم نكاح الأمة إلا عند عدم الطول وخوف العنت ~~خشية إرقاق الولد، لم يبح نكاح العاقر التي لا تحبل، ولا تلد بدون الشرطين. # قالوا: وأما قولكم: " إنه لا يجوز نكاحها بعد العتق، فجاز قبله فحاصله ~~قياس الأمة الكتابية على الحرة، وهو قياس باطل لما علم من الفرق. # وأما قولكم: " إنه يجوز للكافر نكاحها، فجاز للمسلم " فمن أبطل القياس، ~~فإن المجوسية يجوز للمجوسي نكاحها، ولا يجوز للمسلم، والخمر والخنزير ms294 مال ~~عندهم دون المسلمين. # وأما قياسكم حل النكاح على حل الذبيحة فقياس فاسد، فإن الرق لا تأثير له ~~في الذبائح، وله تأثير في النكاح. # قالوا: وأما قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] ، ~~فالمراد به ما حل وأذن فيه، وهو سبحانه لم يأذن إلا في ثلاثة أصناف من ~~النساء: الحرائر من المسلمات، والحرائر من الكتابيات، والإماء من المسلمات، ~~فبقي الإماء الكتابيات لم يأذن فيهن، فبقين على أصل التحريم. # ولما أذن في وطئهن بملك اليمين قلنا بإباحته. # وأما قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] ، ففي الآية ما ~~يدل على التحريم، وهو قوله: {محصنين غير مسافحين} [النساء: 24] ، أي # PageV02P807 # غير زناة. # والتزوج بمن لم يبح الله التزوج بها حرام باطل، فيكون زنا، على أنه عام ~~مخصوص بالإجماع، والعام إذا خص فمن الناس من لا يحتج به، والأكثرون على ~~الاحتجاج به، لكنه إذا تطرق إليه التخصيص ضعف أمره. # وقيل: التخصيص بالمفهوم، والقياس وقول الصحابي، وغير ذلك. # وأما قوله تعالى: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة} [البقرة: 221] ، فمن استدل ~~به فقد أبعد النجعة جدا، وهو إلى أن يكون حجة عليه أقرب. # قالوا: وحكمة الشريعة تقتضي تحريمها، لاجتماع النقصين فيها، وهما نقص ~~الدين، ونقص الرق، بخلاف الحرة الكتابية والأمة المسلمة، فإن أحد النقصين ~~جبر بعدم الآخر. # وقالوا: وقد كانت قضية المساواة في الكفاءة تقتضي كون المرأة كفؤا للرجل ~~كما يكون الرجل كفؤا لها، ولكن لما كان الرجال قوامين على النساء، والنساء ~~عوان عندهم لم يشترط مكافأتهن للرجال، وجاز للرجل أن يتزوج من لا تكافئه ~~لحاجته إلى ذلك، فإذا فقدت صفات الكفاءة جملة بحيث لم يوجد منها صفة واحدة ~~في دين ولا حرية ولا عفة اقتضت محاسن الشريعة صيانته عنها بتحريمها عليه، ~~فهذا غاية ما يقال في هذه المسألة، والله أعلم. # PageV02P808 ### | [فصل متى يكره نكاح الكتابية] ### | 154 - # فصل # [متى يكره نكاح الكتابية] . # قال القاضي: يكره نكاح الكتابية، فإن فعل عزل عنها نص عليه في رواية ابن ~~هانئ. # قلت: هذا وهم من القاضي، وإنما الذي ms295 نص عليه أحمد ما رواه عنه ابنه عبد ~~الله، قال: أكره أن يتزوج الرجل في دار الحرب، أو يتسرى من أجل ولده. # وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم: لا يتزوج ولا يتسرى الأسير في دار ~~الحرب، وإن خاف على نفسه لا يتزوج. # وقال في رواية حنبل: ولا يتزوج الأسير، ولا يتسرى بمسلمة، إلا أن يخاف ~~على نفسه، فإذا خاف على نفسه لا يطلب الولد. # ولم يقل أحمد: أنه إذا تزوج الكتابية في دار الإسلام يعزل عنها. ولا وجه ~~لذلك ألبتة. # PageV02P809 ### | [فصل النكاح من السامرة] ### | 155 - # فصل # [النكاح من السامرة] . # ويجوز نكاح السامرة، فإنهم صنف من اليهود، وإن كانوا فيهم بمنزلة أهل ~~البدع في المسلمين، فإنهم يدينون بزعمهم بالتوراة، ويسبتون مع اليهود. # وأما الصابئة فهل تجوز مناكحتهم؟ قال القاضي: ظاهر كلام أحمد يقتضي ~~روايتين. # إحداهما: أنهم صنف من اليهود، قال في رواية محمد بن موسى في الصابئين: ~~بلغني أنهم يسبتون، فهؤلاء إذا سبتوا يشبهون اليهود. # والثانية: أنهم صنف من النصارى، قال في رواية حنبل: الصابئون جنس من ~~النصارى، إذا كان لهم كتاب أكل من طعامهم. # قال القاضي: فينظر في حالهم، فإن وافقوا اليهود والنصارى في أصل دينهم ~~وخالفوهم في الفروع جازت مناكحتهم، وإن خالفوهم في أصل دينهم لم تجز ~~مناكحتهم، وقد تقدمت المسألة مستوفاة في أول الكتاب. # PageV02P810 ### | [فصل نكاح الكتابيات المتمسكات بغير التوراة والإنجيل] ### | 156 - # فصل # [نكاح الكتابيات المتمسكات بغير التوراة والإنجيل] . # قال القاضي: ومن كان متمسكا بغير التوراة، والإنجيل كزبور داود وصحف شيث ~~وإبراهيم، هل يقرون على ذلك؟ وهل تحل مناكحتهم وذبائحهم؟ على وجهين: # أحدهما: يقرون ويناكحون على ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور وقد سئل ~~عن نكاح المجوس، فقال: لا يعجبني إلا من أهل الكتاب، فأطلق القول في أهل ~~الكتاب، ولم يخص أهل الكتابين. # وقال في رواية حنبل: قال تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: ~~221] ، مشركات العرب الذين يعبدون الأصنام، ففسر الآية على عبدة الأصنام. # وظاهر هذا أن ما عدا عبدة الأوثان غير منهي عن نكاحهن. # والوجه ms296 الثاني: لا تجوز مناكحتهم، ولا يقرون، وهو قول أصحاب الشافعي. # وجه الأول قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} [المائدة: 5] ، وهذا ~~عام في كل كتاب ولأنه متمسك بكتاب من كتب الله أشبه أهل # PageV02P811 # التوراة والإنجيل. # ووجه الثاني تعليلان: # أحدهما: أن الكتاب ما كان منزلا كالتوراة، والإنجيل، والقرآن، فأما ما لم ~~يكن كذلك فليس بكتاب، بل يكون وحيا وإلهاما، كما قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: " «أتاني آت من ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في ~~حجة» "، قال: " «وأمرني أن آمر أصحابي بالتلبية» "، ولم يكن ذلك قرآنا، ~~وإنما كان وحيا، ولأن هذه الكتب - وإن كانت منزلة - ولكنها اشتملت على ~~مواعظ، ولم تشتمل على أحكام: وهي الأمر والنهي، فضعفت في بابها. # PageV02P812 # قلت: ليس في الدنيا من يتمسك بهذه الكتب، ويكفر بالتوراة، والإنجيل ~~ألبتة، فهذا القسم مقدر لا وجود له، بل كل من صدق بهذه الكتب، وتمسك بها ~~فهو مصدق بالكتابين، أو أحدهما، ولهذا لم يخاطبهم الله سبحانه في القرآن ~~بخصوصهم، بل خاطبهم مع جملة أهل الكتاب. # وأما قوله: إن الكتاب عام في قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} ~~[المائدة: 5] ، فعرف القرآن من أوله إلى آخره في الذين أوتوا الكتاب أنهم ~~أهل الكتابين خاصة، وعليه إجماع المفسرين، والفقهاء، وأهل الحديث. ### | [فصل نكاح الكتابيات مع كثرة النساء] ### | 157 - # فصل # [نكاح الكتابيات مع كثرة النساء] . # قال أحمد في رواية الميموني وقد سأله: هل ينكح اليوم الرجل - مع كثرة ~~النساء - من أهل الكتاب؟ # فقال: نعم، قد رخص لنا في ذلك غير واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وقال في رواية مهنا: يزوج الرجل المرأتين من أهل الكتاب لا بأس به، قيل ~~له: وثلاث، قال: وثلاث، قيل له: وأربع، قال: وأربع، وذكره عن سعيد بن ~~المسيب. # PageV02P813 ### | [فصل نكاح المجوس وأكل ذبائحهم] ### | 158 - # فصل # [نكاح المجوس وأكل ذبائحهم] . # وأما المجوس فلا تحل مناكحتهم، ولا أكل ذبائحهم، وليس لهم كتاب: نص على ~~ذلك في رواية إسحاق بن إبراهيم، وأبي الحارث وغيرهما. # فقال في رواية إسحاق: ms297 لا فرج الله عمن يقول هذه المقالة، يعني نكاح ~~المجوس وأكل ذبائحهم. # ونص على أنه لا كتاب لهم في رواية الميموني، فقال: المجوس ليس # PageV02P814 # لهم كتاب، ولا تؤكل ذبيحتهم ولا ينكحون. # وقال في رواية محمد بن موسى، وقد سئل: " أيصح عن علي أن المجوس أهل كتاب؟ ~~" فقال: هذا باطل، واستعظمه جدا، وقال: إن قوما قد أساءوا، يقولون هذا ~~القول، وهو قول سوء: فقد نص على تحريم مناكحتهم، وعلى أنه لا كتاب لهم. # وقد ذكر ابن المنذر، عن حذيفة أنه تزوج بمجوسية، فقال له عمر: طلقها، ~~ولكن ضعفه أحمد في رواية المروذي. وقد سأله عن حديث ابن عون، عن محمد أن ~~حذيفة تزوج مجوسية، فأنكره، وقال الأخبار على خلافه. قال المروذي: قلت لأبي ~~عبد الله: ثبت عندك؟ قال: لا. # وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم: روى الداناج، وأبو وائل أنه تزوج ~~يهودية. # PageV02P815 # وروى المروزي، عن الشافعي قولين: # أحدهما: تجوز مناكحتهم، وبناهما على أنه هل لهم كتاب أم لا؟ وأنكر غيره ~~من أصحاب الشافعي هذا النقل والبناء، وقال: لو قلنا: تحل مناكحتهم - إذا ~~قلنا لهم كتاب - لوجب أن نقول: لا يقرون بالجزية إذا قلنا لا كتاب لهم. # وقال أبو ثور: تجوز مناكحتهم وأكل ذبائحهم، قال المروذي: قلت لأحمد: إن ~~أبا ثور يحتج بأنهم أهل كتاب. فقال: وأي كتاب لهم؟ # قال القاضي: فإن قيل: فكيف استجاز أحمد في رواية إبراهيم أن يدعو على من ~~يجيز نكاح المجوس وهو مما يسوغ فيه الاجتهاد، لأنكم قد رويتم ذلك عن حذيفة ~~وأبي ثور؟ - وخرجه بعض أصحاب الشافعي قولا له - قيل له: أما ما روي عن ~~حذيفة فقد بينا ضعفه، وأما أبو ثور فيحتمل أن أحمد لم يظهر له خلافه في ذلك ~~الوقت. # وكذلك هذا القائل من الشافعية؛ لأنه حدث بعد أحمد، ولم يظهر هذا في وقته ~~عن الشافعي. والذي يبين هذا ما قاله في رواية المروذي: " ما # PageV02P816 # اختلف أحد في نكاح المجوس، أو ذبائحهم، اختلفوا في اليهود، والنصارى، ~~فأما المجوس فلم يختلفوا " وضعف ما جاء فيه. ms298 # قلت: قوله " لعله لم يظهر له خلافه " جواب فاسد، فإنه قد حكي له أن أبا ~~ثور يجيز نكاح المجوس، فقال: أبو ثور كاسمه، ودعا عليه، وقال: لا فرج الله ~~عمن يقول بهذا القول. # والمسألة عنده مما لا يسوغ فيها الاجتهاد، لظهور إجماع الصحابة على تحريم ~~مناكحتهم. وهذا مما يدل على فقه الصحابة، وأنهم أفقه الأمة على الإطلاق ~~ونسبة فقه من بعدهم إلى فقههم كنسبة فضلهم إلى فضلهم، فإنهم أخذوا في ~~دمائهم بالعصمة، وفي ذبائحهم، ومناكحتهم بالحرمة، فردوا الدماء إلى أصولها، ~~والفروج والذبائح إلى أصولها. ### | [فصل إجبار الزوجة الذمية على الطهارة] ### | 159 - # فصل # [إجبار الزوجة الذمية على الطهارة] . # للمسلم إجبار زوجته الذمية على الغسل من الحيض، وقد قال أحمد في رواية ~~حنبل: يأمرها بالغسل من الجنابة، فإن أبت لم يتركها. # وقد علق القول في رواية صالح في المشركة: يجب عليها الغسل من الجنابة ~~والحيض، فإن لم تغتسل فلا شيء عليها، الشرك أعظم. # PageV02P817 # قال القاضي: وظاهر هذا أنه لم يوجب ذلك عليها عند امتناعها، قال: وهذا ~~محمول على أنها امتنعت ولم يوجد من الزوج مطالبة بالغسل، قال: والدلالة على ~~أن له إجبارها على ذلك: أن بقاء الغسل يحرم عليه الوطء الذي يستحقه، وكان ~~له إجبارها عليه، لاستيفاء حقه، كما له إجبارها على ملازمة المنزل، ~~والتمكين من الاستمتاع، ليتوصل بذلك إلى استيفاء حقه. # فأما الغسل من الجنابة، فهل للزوج أن يجبرها عليه؟ فقد أطلق القول في ~~رواية حنبل وقال: يأمرها بالغسل من الجنابة، فإن أبت لم يتركها، وظاهر هذا ~~أن له إجبارها، وقال في رواية مهنا في رجل تزوج نصرانية فأمرها بتركه (يعني ~~شرب الخمر) : فإن لم تقبل ليس له أن يمنعها. # وظاهر هذا يقتضي أنه لا يملك إجبارها على الغسل من الجنابة، كما لم يملك ~~إجبارها على الامتناع من شرب الخمر؛ لأنه يمنع من كمال الوطء، ولا يمنع من ~~أصله. # وجه الرواية الأولى أن بقاء الغسل عليها يمنعه من كمال الاستمتاع، فإن ~~النفس تعاف وطء من لا تغتسل من الجنابة، فيفوته بذلك ms299 بعض حقه، فكان له ~~إجبارها كما كان له في الاغتسال من الحيض. # PageV02P818 # ووجه الثانية أن بقاء غسل الجنابة عليها لا يحرم عليه وطأها، فلم يكن له ~~إجبارها على ذلك، ويفارق هذا غسل الحيض؛ لأن بقاءه محرم عليها، وهاتان ~~الروايتان أصل لكل ما لم يمنعه من أصل الاستمتاع، لكنه يمنعه من كماله، هل ~~له إجبارها عليه أم لا؟ على روايتين في ذلك: # إحداهما: له ذلك إذا كان عليها وسخ، ودرن، وأراد إجبارها على إزالته لأن ~~النفس تعاف الاستمتاع مع وجوده. # والثانية: ليس له ذلك. # وأما أخذ الشعر، وتقليم الأظفار، فينظر، فإن طال الشعر واسترسل بحيث ~~يستقذر، ويمنع الاستمتاع، فله إجبارها على إزالته: رواية واحدة، وإن لم ~~يخرج عن حد العادة، لكنه طال قليلا، وكانت النفس تعافه فعلى الروايتين. # وكذلك الأظفار: إن طالت وخرجت عن حد العادة، فصار يستقبح منظرها، ويتعذر ~~الاستمتاع معها، كان له إجبارها على إزالتها: رواية واحدة، وإن لم يخرج عن ~~حد العادة، لكن النفس تعافها، فعلى الروايتين. ### | [فصل منع الزوج زوجته الكتابية من دور العبادة] ### | 160 - # فصل # [منع الزوج زوجته الكتابية من دور العبادة] . # وأما الخروج إلى الكنيسة، والبيعة، فله منعها منه: نص عليه أحمد في رواية ~~يعقوب بن بختان في الرجل تكون له المرأة النصرانية: لا يأذن لها في الخروج ~~إلى عيد النصارى أو البيعة. # PageV02P819 # وقال في رواية محمد بن يحيى الكحال، وأبي الحارث في الرجل تكون له ~~الجارية النصرانية تسأله الخروج إلى أعيادهم وكنائسهم، وجموعهم لا يأذن لها ~~في ذلك. # وقد علل القاضي المنع بأنه يفوت حقه من الاستمتاع، وهو عليها له في كل ~~وقت: وهذا غير مراد أحمد، ولا يدل لفظه عليه، فإنه منعه من الإذن لها، ولو ~~كان ذلك لحقه لقال: لا تخرج إلا بإذنه، وإنما وجه ذلك أنه لا يعينها على ~~أسباب الكفر وشعائره، ولا يأذن لها فيه. # قال القاضي: وإذا كان له منع المسلمة من إتيان المساجد، فمنع الذمية من ~~الكنيسة أولى. # وهذا دليل فاسد، فإنه لا يجوز له منع المسلمة من ms300 المساجد، وأعجب من هذا ~~أنه أورد الحديث، وأجاب عنه بجوابين فاسدين: # أحدهما: أن المراد به صلاة العيد خاصة. # والثاني: المراد به منعها من الحج إلى المسجد الحرام، ولا يخفى بطلان ~~الجوابين. # PageV02P820 ### | [فصل منع الزوجة الكتابية من السكر] ### | 161 - # فصل # [منع الزوجة الكتابية من السكر] . # وله منعها من السكر؛ لأنه يتأذى به، وهل له منعها من شرب ما لا يسكرها؟ ~~خرجه القاضي على الروايتين فيما يمنع كمال الاستمتاع دون أصله. # والمنصوص عليه في رواية مهنا: أنه لا يمنعها، فإنه قال في رجل تزوج ~~نصرانية، أله أن يمنعها من شرب الخمر؟ قال: يأمرها قيل له: لا تقبل منه، ~~أله أن يمنعها؟ قال: لا. # وظاهر هذا أنه لم يجعل له منعها، فإن شربت كان له إجبارها على غسل فمها ~~من الخمر؛ لأنه نجس يتعذر مع ذلك تقبيلها، والاستمتاع بها فيه. # فإن قيل: فلو أرادت المسلمة أن تشرب من النبيذ المختلف فيه ما لا يسكرها، ~~هل له منعها؟ قيل: نعم، له منعها: هذا الذي لا يحتمل المذهب غيره، فإن أحمد ~~يحد عليه، فكيف تقر على شربها؟ والإنكار بالحد من أقوى مراتب الإنكار. # وقال القاضي: إن كانا حنبليين، أو شافعيين لهما منعها منه، لأنهما ~~يعتقدان تحريمه، وإن كانا حنفيين فهذا لا يمنعه الاستمتاع، ولكن يمنعه ~~ماله، فيخرج على الروايتين، والصحيح الأول. # قال: وهل له منعها من الثوم والبصل والكراث؟ يخرج على الروايتين، وكذلك ~~هل له منعها من الثياب الوسخة؟ على الروايتين. # PageV02P821 ### | [فصل أداء الزوجة الكتابية شعائرها التعبدية] ### | 162 - # فصل # [أداء الزوجة الكتابية شعائرها التعبدية] . # وقال أحمد في رواية مهنا، وقد سأله: هل يمنعها أن تدخل منزله الصليب؟ ~~قال: يأمرها، فأما أن يمنعها فلا. # وقال في رواية محمد بن يحيى الكحال: في الرجل تكون له امرأة أو أمة ~~نصرانية تقول: اشتر لي زنارا، فلا يشتري لها تخرج هي تشتري. فقيل له: ~~جاريته تعمل الزنانير؟ قال: لا. # قال القاضي: " أما قوله: " لا يشتري هو الزنار " لأنه يراد لإظهار شعائر ~~الكفر، فلذلك منعه من شرائه، وأن يمكن جاريته ms301 من عمله؛ لأن العوض الذي يحصل ~~لها صائر إليه، وملك له، وقد منع من بيع ثياب الحرير من الرجال إذا علم ~~أنهم يلبسونها، وكذلك بيع العصير لمن يتخذه خمرا " انتهى. # وليس له منعها من صيامها الذي تعتقد وجوبه، وإن فوت عليه الاستمتاع في ~~وقته، ولا من صلاتها في بيته إلى الشرق، وقد مكن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وفد نصارى نجران من صلاتهم في مسجده إلى # PageV02P822 # قبلتهم. وليس له إلزام اليهودية إذا حاضت بمضاجعته، والاستمتاع بما دون ~~الفرج: هذا قياس المذهب. # وليس له حملها على كسر السبت ونحوه مما هو واجب في دينهم، وقد أقررناهم ~~عليه، وليس له حملها على أكل الشحوم واللحوم المحرمة عليهم، وهل له منعها ~~من أكل لحم الخنزير؟ يحتمل وجهين: # وهل له منعها من الخلوة بابنها، وأبيها وأخيها؟ فإن كانت مجوسية فله ذلك، ~~لأنهم يعتقدون حلها لهم، فليسوا بذوي محرم، وإن كانت يهودية، أو نصرانية ~~فليس له منعها من ذلك إذا كانوا مأمونين عليها، وإن كان له منعها من السفر ~~معهم كما تقدم نصه، وذكرنا الفرق بين الموضعين، وليس له منعها من قراءة ~~كتابها إذا لم ترفع صوتها به. # فإن أرادت أن تصوم معه رمضان فهل له منعها من ذلك؟ يحتمل وجهين: # أحدهما: له ذلك لأنه لا يجب عليها، وله منعها منه كما له منع المسلمة من ~~صوم التطوع ترفيها لها. # والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه لا حق له في الاستمتاع بها في نهار رمضان، ~~وإذا لم يكن له منعها من الصوم المنسوخ الباطل فأن لا يمنعها من صوم رمضان ~~أولى وأحرى. # وقد يقال: الفرق بينهما أنها تعتقد وجوب صيام دينها عليها، وقد أقررناهم ~~على ذلك، فليس لنا أن نمنعهم منه بخلاف ما لا يعتقدون وجوبه. # PageV02P823 ### | [ذكر أحكام مواريثهم بعضهم من بعض] ### | [فصل هل يجري التوارث بين المسلمين وبينهم] # ، وهل يجري التوارث بين المسلمين، وبينهم، والخلاف في ذلك، وحجة كل قول. # قال الله تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 73] ، وقال: ~~{ولكل جعلنا موالي مما ترك ms302 الوالدان والأقربون} [النساء: 33] ، وصح عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " «لا يرث المسلم الكافر، ولا ~~الكافر المسلم» " وأنه قال: " «لا يتوارث أهل ملتين شتى» ". # واتفق المسلمون على أن أهل الدين الواحد يتوارثون: يرث اليهودي اليهودي، ~~والنصراني النصراني، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «وهل ترك لنا ~~عقيل من رباع» ؟ " وكان عقيل ورث أبا طالب دون علي وجعفر؛ لأنه كان على ~~دينه، مقيما بمكة، فورث رباعه بمكة وباعها، فقيل للنبي # PageV02P824 # - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح: " «أين تنزل غدا في دارك بمكة؟» " ~~فقال: " «وهل ترك لنا عقيل من رباع؟» " # وقال عمر في عمة الأشعث بن قيس لما ماتت: يرثها أهل دينها. # ويتوارثون، وإن اختلفت ديارهم، فيرث الحربي المستأمن والذمي، ويرثانه. # قال أحمد في رواية الأثرم، فيمن دخل إلينا بأمان فقتل: إنه يبعث بديته ~~إلى ملكهم حتى يدفعها إلى ورثته. # وفي " المسند "، وغيره: أن عمرو بن أمية الضمري كان مع أهل بئر # PageV02P825 # معونة، فلما قتلوا أسلم هو ورجع إلى المدينة، فوجد في طريقه رجلين من ~~الحي الذين قتلوهم، وكان معهما عهد من النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمان، ~~فلم يعلم به عمرو فقتلهما، فوداهما النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا ريب ~~أنه بعث بديتهما إلى أهلهما. # وهذا اختيار الشيخين: أبي محمد وأبي البركات، واحتج من نصر هذا القول ~~بالعمومات المقتضية لتوريث الملة الواحدة بعضهم من بعض من غير تخصيص. # قالوا: ومفهوم قوله: " «لا يتوارث أهل ملتين» " يقتضي توارث أهل الملة، ~~وإن اختلفت ديارهم، ولأن مقتضى التوريث قائم، وهو القرابة، فيعمل عمله ما ~~لم يمنع منه مانع. # وقال القاضي، وأصحابه: لا يرث حربي ذميا، ولا ذمي حربيا؛ لأن الموالاة ~~بينهما منقطعة، وهي سبب التوارث، فأما المستأمن فيرثه أهل الحرب، وأهل ~~الذمة. # وقال أبو حنيفة: المستأمن لا يرثه الذمي لاختلاف دارهما، ويرث # PageV02P826 # أهل الحرب بعضهم بعضا، سواء اتفقت ديارهم أو اختلفت، وهذا مذهب الشافعي. # وقال أبو حنيفة: إذا اختلفت ديارهم بحيث كان لكل طائفة ملك، ويرى بعضهم ~~قتل بعض، لم يتوارثوا لأنهم ms303 لا موالاة بينهم، فجعلوا اتفاق الدار واختلافها ~~ضابط التوارث وعدمه، وهذا أصل لهم في اختلاف الدار انفردوا به. # قال في " المغني ": ولا نعلم لهذا حجة من كتاب ولا سنة، مع مخالفته لعموم ~~السنن المقتضي للتوريث، ولم يعتبروا الدين في اتفاقه ولا اختلافه مع ورود ~~الخبر فيه، وصحة العبرة به، فإن المسلمين يرث بعضهم بعضا، وإن اختلفت الدار ~~بهم، وكذلك الكفار، ولا يرث المسلم كافرا، ولا كافر مسلما، لاختلاف الدين، ~~وإن اتحدت داراهما، يعني: اختلاف الدار ملغى في الشرع، واختلاف الدين هو ~~المعتبر. ### | [فصل توارث أهل ملتين] ### | 163 - # فصل # [توارث أهل ملتين] . # فإن اختلفت أديانهم فقد اختلف العلماء: هل يتوارثون أم لا؟ # فقال الخلال في " الجامع ": باب قوله: " لا يتوارث أهل ملتين ": # PageV02P827 # أخبرني الميموني أن أبا عبد الله قال: أما الأحاديث عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - " «أنه لا يرث مسلم كافرا» "، فإنما عمرو بن شعيب فقط يرويه: " ~~«لا يتوارث أهل ملتين» ". # قال: واحتج قوم في الملتين قالوا: وإن كانوا أهل كتاب، وهي ملل مختلفة ~~أحكامهم، لهؤلاء حكم، ولهؤلاء حكم، فلم يورثوا بعضهم من بعض. # قال الميموني: ورأيت أكثر مذهبه أنه لا يورث بعضهم من بعض. # ثم ذكر عن إسحاق بن منصور أنه قال لأبي عبد الله: لا يتوارث أهل ملتين # [شتى] لا يرث اليهودي النصراني؟ قال: لا يرث هما ملتان مختلفتان. # ثم ذكر من مسائل الحسن بن ثواب قال: سئل أبو عبد الله وأنا أسمع: هل يرث ~~المسلم الكافر؟ قال: لا يتوارث أهل ملتين. # أخبرني حرب أنه قال لأبي عبد الله: واليهودي يرث النصراني؟ فرخص في ذلك. # قال أبو بكر الخلال: لا يتوارث أهل ملتين، فحكى الميموني، عن # PageV02P828 # أبي عبد الله، واحتجاجه أنه قال بتوريثهم. # قال: وهذا كلام غير محكم، إنما هو شيء ظنه عن أبي عبد الله، والحسن بن ~~ثواب قال عنه: لا يتوارث أهل ملتين، وأما حرب فقد قال: إني قلت له: لا ~~يتوارث أهل ملتين؟ قال: " لا يرث المسلم الكافر "، وحكى إسحاق بن منصور أنه ~~لا يورثهم، ms304 وهو قديم السماع. # وحكى حرب أنه يورث بعضهم من بعض، ولا يرث المسلم الكافر ولا الكافر ~~المسلم، وهذا الذي اختاره الخلال هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأهل الظاهر. # واختار أبو بكر عبد العزيز الرواية الأخرى، وأن الكفر ملل مختلفة لا يرث ~~بعضهم بعضا، وهو الذي نصره القاضي واختاره في " تعليقه "، وهذا هو الصحيح ~~إن شاء الله تعالى، وهو قول كثير من أهل العلم، وقول أهل المدينة مالك ~~وأصحابه، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «لا يتوارث أهل ملتين شتى» ~~ولأنهم لا يتناصرون ولا يتعاقلون، ولا يوالي بعضهم بعضا. # قال الشيخ في " المغني ": ولم يسمع عن أحمد تصريح بذكر أقسام الملل. # قال القاضي: الكفر ثلاث ملل: اليهودية والنصرانية، ودين من عداهم؛ لأن من ~~عداهم يجمعهم أنهم لا كتاب لهم، وهذا قول شريح، وعطاء، وعمر # PageV02P829 # بن عبد العزيز، والثوري، والليث، وشريك، والحكم، ومغيرة الضبي، وابن أبي ~~ليلى، والحسن بن صالح، ووكيع. # قال الشيخ: ويحتمل كلام أحمد أن الكفر ملل كثيرة، فتكون المجوسية ملة، ~~وعباد الأوثان ملة، وعباد الشمس ملة، فلا يرث بعضهم بعضا، روي ذلك عن علي، ~~وبه قال الزهري، وربيعة، وبعض فقهاء المدينة، وأهل البصرة، وإسحاق. # قال الشيخ في " المغني ": وهو أصح الأقوال إن شاء الله تعالى، لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: " «لا يتوارث أهل ملتين شيئا» "، ولأن كل فريقين ~~منهم لا موالاة بينهم، ولا اتفاق في دين، فلم يرث بعضهم بعضا، كالمسلمين، ~~والكفار، والعمومات في التوريث مخصوصة، فيخص منها محل النزاع بالخبر، ~~والقياس، ولأن مخالفينا قطعوا التوريث بين أهل الحرب، وأهل دار الإسلام مع ~~اتفاقهم في الملة لانقطاع الموالاة، فمع اختلاف الملة # PageV02P830 # أولى، وقول من خص الملة بعدم الكتاب غير صحيح، فإن هذا وصف عدمي لا يقتضي ~~حكما، ولا جمعا، ثم لا بد لهذا الضابط من دليل يدل على اعتباره، ثم قد ~~افترق حكمهم، فإن المجوس يقرون بالجزية، وغيرهم لا يقر بها، وهم مختلفون في ~~معبوداتهم، ومعتقداتهم، وآرائهم، يستحل بعضهم دماء بعض، ويكفر بعضهم بعضا، ~~فكانوا مللا كاليهود والنصارى، وقد ms305 روي ذلك عن علي، فإن إسماعيل بن أبي ~~خالد روى عن الشعبي، عن علي أنه جعل الكفر مللا مختلفة، ولم يعرف له من ~~الصحابة مخالف، فكان إجماعا. # واحتج القاضي على ذلك بقوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) ، ~~فأثبت لكل شريعة دينا، وقال تعالى: (ملة أبيكم إبراهيم) ،: (واتبع ملة ~~إبراهيم) ، فلو كان من خالف # PageV02P831 # دين النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل ملة واحدة لم يخص إبراهيم بملة، ~~وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لا: " يقبل شهادة ملة على ملة، إلا ملة ~~الإسلام "، هذا يقتضي أن هناك مللا غير ملة الإسلام، ولأن أحكامهم مختلفة، ~~بدليل أن المجوس لا تؤكل ذبيحتهم، ولا تنكح نساؤهم، ولا كتاب لهم، واليهود ~~والنصارى بخلاف ذلك، ولأنهم مختلفون في النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~والكتاب كاختلاف المسلمين والكفار. # PageV02P832 ### | [فصل في ذكر أحاديث هذا الباب وعللها] # قال الإمام أحمد: ثنا سفيان، عن يعقوب بن عطاء، عن عمرو بن شعيب، عن ~~أبيه، عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " «لا يتوارث أهل ~~ملتين شتى» ": يعقوب هذا ليس بالقوي. # وقال الترمذي: حدثنا حميد بن مسعدة، ثنا حصين بن نمير، عن ابن أبي ليلى، ~~عن أبي الزبير، عن جابر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: " «لا يتوارث أهل ملتين» ". # قال الترمذي: لا يعرف إلا من حديث ابن أبي ليلى، وفيه ضعف. # وقال الدارقطني: حدثنا أحمد بن محمد، ثنا علي بن حرب، ثنا # PageV02P833 # الحسن بن محمد، ثنا عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن ~~أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ~~«لا يرث أهل ملة ملة» ". # وحدثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، ~~قال أخبرني ابن شهاب، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد ~~- رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " «لا يرث الكافر ~~المسلم، ولا يرث المسلم الكافر» ". # وذكر ms306 القاضي في " التعليق " حديثين لا أعرف حالهما. # أحدهما: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " «لا ~~يرث أهل ملة ملة، ولا تجوز شهادة ملة على ملة إلا أمتي، تجوز شهادتهم على ~~من سواهم» "، قال: رواه أبو بكر في " أدب القضاء " بإسناده. # PageV02P834 # الثاني: قال: وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " «لا يرث الكافر ~~المسلم، ولا المسلم الكافر، ولا يتوارث أهل ملتين» ". وهذا السياق إن صح ~~فهو ظاهر جدا، وصريح في المسألة، وأظنه جمع الحديثين في سياق واحد، والله ~~أعلم. # قال الذين جعلوا الكفر ملة واحدة: قال الله عز وجل: {ولن ترضى عنك اليهود ~~ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} [البقرة: 120] ، وقال تعالى: {قل يا أيها ~~الكافرون - لا أعبد ما تعبدون - ولا أنتم عابدون ما أعبد - ولا أنا عابد ما ~~عبدتم - ولا أنتم عابدون ما أعبد - لكم دينكم ولي دين} [الكافرون: 1 - 6] ، ~~فجعل لهم دينا واحدا كما جعل لليهود، والنصارى ملة واحدة. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «الناس حيز، وأنا وأصحابي حيز» "، ~~والله تعالى قسم خلقه إلى كفار ومؤمنين، فهؤلاء سعداء وهؤلاء أشقياء، ~~والكفر وإن اختلفت شعبه فيجمعه خصلتان: # PageV02P835 # [الأولى:] تكذيب الرسول في خبره. # و # [الثانية:] عدم الانقياد لأمره. # كما أن الإيمان يرجع إلى أصلين: # [الأولى:] طاعة الرسول فيما أمر. # و # [الثانية:] تصديقه بما أخبر. # قال الآخرون: اشتراكهم في الكفر العام لا يوجب تساويهم في ملله، فإنهم ~~كلهم يشتركون في الجحيم على اختلاف مراتبهم في الكفر. وقوله تعالى: {حتى ~~تتبع ملتهم} [البقرة: 120] ، لا يدل على أن ملة اليهود هي ملة النصارى، بل ~~إضافة الملة إلى جميعهم لا يقتضي اشتراكهم في عين الملة، وكذلك قوله: {لكم ~~دينكم ولي دين} [الكافرون: 6] ، لا يقتضي اشتراكهم في دين واحد بحيث يدين ~~هؤلاء بعين ما يدين به هؤلاء، بل المعنى: لكل منكم دينه وملته، والله ~~سبحانه يذكر الحق والهدى والإسلام، ويجعله واحدا، ويذكر الباطل والضلال ~~والكفر ويجعله متعددا، قال تعالى: # PageV02P836 # {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ms307 ~~[الأنعام: 153] ، وقال تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى ~~النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} ~~[البقرة: 257] ، وقال تعالى: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون - ~~فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} [المؤمنون: 52 - 53] ، ~~وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: «خط رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - خطا، وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، وقال: ~~هذه سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله: {وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تتقون} [الأنعام: 153] » . # PageV02P837 ### | [فصل لا يرث الكافر المسلم بلا خلاف] ### | 165 - # فصل # [لا يرث الكافر المسلم بلا خلاف] . # وأما توريث الكافر من المسلم فلم يختلف فيه أحد من الفقهاء: أنه لا يرثه، ~~ولكن تنازعوا في مسألة، وهي أن يسلم الكافر بعد موت قريبه المسلم، وقبل قسم ~~تركته، فيسلم بين الموت وقسم التركة. # وفي ذلك روايتان عن الإمام أحمد: إحداهما: أنه يرثه، نقلها عنه الأثرم ~~وابن منصور، وبكر بن محمد # [عن أبيه] ، وهي اختيار الخرقي، وبها قال الحسن وجابر بن زيد، ونقل أبو ~~طالب عنه: لا يرث، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي. # PageV02P838 # قال الخلال في " الجامع ": (باب من أسلم على ميراث قبل أن يقسم) . # أخبرني حرب قال: سألت أحمد عمن أسلم على ميراث قبل أن يقسم؟ قال: دع هذه ~~المسألة، لا أقول فيها شيئا. # أخبرني محمد بن علي، حدثنا حنبل قال: قال أبو عبد الله: من أسلم على ~~ميراث قبل أن يقسم يورث من ذلك الميراث. # أخبرني محمد بن علي، حدثنا الأثرم، قال: مذهب أبي عبد الله أنه من أسلم ~~على ميراث قبل أن يقسم # [أنه يورث] . # [حدثنا إسحاق أنه قال لأبي عبد الله: إن من أسلم على ميراث قبل أن يقسم؟] ~~قال: يقسم له ما لم يقسم الميراث. # أخبرني محمد بن علي، حدثنا صالح أنه قال لأبيه: الرجل يسلم على # PageV02P839 # ميراث، هل ms308 يرث؟ قال: يروى عن عمر، وعثمان أنهما كانا يورثانه، وقال سعيد ~~بن المسيب: يورث المواريث. # أخبرني الميموني أنه سأل أبا عبد الله: من أسلم على ميراث؟ قال: مسألة ~~مشتبهة، من يحتج فيها يقول، الكفن من جميع المال، ثم الوصية، ثم الميراث، ~~ويحتج فيها بقول من قال: الحامل المتوفى عنها زوجها نفقتها من جميع المال، ~~هذه حجة لمن ورثه، يحتج بعد الموت بهذه الأشياء، يقول: أليس إنما وجبت ~~الوصية، والكفن بعد الموت؟ فإسلام هذا أكبر إذا أسلم قبل أن يقسم. # قال الخلال: ومذهب أبي عبد الله في مسألة عبد الملك أيضا: أنه يرث إذا ~~أسلم على ميراث قبل أن يقسم؛ لأنه يذهب إلى هذه الأشياء التي احتج بها من ~~الكفن والوصية، وغير ذلك. # أخبرني عبد الله بن محمد، حدثنا بكر بن محمد، عن أبيه، عن أبي عبد الله، ~~وسأله عمن أسلم على ميراث قبل أن يقسم، فله الميراث؟ قال: فإذا أعتق العبد ~~على ميراث لم يقسم له. # ثم ذكر من مسائل إسحاق بن إبراهيم قال: سئل أبو عبد الله عن أقوام # PageV02P840 # نصارى أوقفوا على البيعة ضياعا كثيرة، فمات النصارى، ولهم أبناء نصارى، ~~ثم أسلم بعد ذلك الأبناء، والضياع بيد النصارى، ألهم أن يأخذوها من أيدي ~~النصارى؟ قال أبو عبد الله: نعم، يأخذونها من أيديهم، وللمسلمين أن يعينوهم ~~حتى يستخرجوها من أيديهم. # فهذا مجموع ما ذكره الخلال من نصوص أحمد، ولم أجد عنه نصا " أنه لا يرث " ~~غير توقفه في رواية حرب، فكأنهم جعلوا توقفه على روايتين، وعموم أجوبته ~~يقتضي التسوية بين الزوجة وغيرها. # وقد فصل، فقال: الزوجة لا ترث قولا واحدا، والخلاف في غيرها، ونازعه في ~~ذلك القاضي وأصحابه. # قال المورثون: قال أبو داود: حدثنا حجاج بن أبي يعقوب، ثنا موسى بن داود، ~~ثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس - رضي ~~الله عنهما - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «كل قسم قسم في ~~الجاهلية فهو على ما قسم، وكل قسم أدركه الإسلام فهو ms309 على قسم الإسلام» "، ~~فهذا الحديث رواه أبو الشعثاء، وتأوله على عمومه، وذهب إليه. وهذا قسم ~~أدركه الإسلام فيقسم على حكمه. # PageV02P841 # وقال أبو عبد الله بن ماجه في " سننه ": حدثنا محمد بن رمح، حدثنا عبد ~~الله بن لهيعة، عن عقيل أنه سمع نافعا يخبر عن عبد الله بن عمر - رضي الله ~~عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " «ما كان من ميراث قسم ~~في الجاهلية فهو على قسمة الجاهلية، وما كان من ميراث أدركه الإسلام فهو ~~على قسمة الإسلام» ". # وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو بن أبي حكيم، ~~عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي قال: كان ~~معاذ باليمن، فارتفعوا إليه في يهودي مات، وترك أخاه مسلما، فقال معاذ: إني ~~سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " «إن الإسلام يزيد ولا ينقص» ~~" فورثه. # PageV02P842 # وقال سعيد بن منصور: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن ~~محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " «من أسلم على شيء فهو له» "، وهذا قد أسلم على # PageV02P843 # ميراث قبل أن يقسم، فيكون له، قالوا: وهذا اتفاق من الصحابة، فذكر النجاد ~~أن # [يزيد] بن قتادة ماتت أمه، فأسلم بعض أولادها، فرفع ذلك إلى عثمان، فسأل ~~عن ذلك أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يرثون ما لم يقسم. # وذكر ابن اللبان، عن أبي قلابة، عن حسان بن بلال المزني: أن # [يزيد] # PageV02P844 # بن قتادة # [العنزي] حدث أن إنسانا من أهله مات وهو على غير دين الإسلام، فورثته ~~أختي وكانت على دينه، قال: ثم إن # [أبي] أسلم، وشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر، فتوفي فلبثت ~~سنة، وكان ترك نخلا، ثم إن أختي أسلمت فخاصمتني في الميراث إلى عثمان، ~~فحدثه عبد الله بن أرقم أن عمر قضى أنه من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فله ~~نصيبه، فقضى به عثمان، ms310 فذهبت بذلك الأول، وشاركتني في هذا. # PageV02P845 # وروى ابن اللبان أيضا عن ابن سيرين، عن ابن مسعود: له ميراثه. # فإن قيل: فقد روي عن علي أنه لم يورث من أسلم، وأعتق على ميراث. # قلنا: فقد روى ابن اللبان، عن الحسن، عن علي - رضي الله عنه - قال: إذا ~~أسلم النصراني قبل أن يقسم الميراث، فإنه يرث، وإذا اختلفت الرواية عنه # PageV02P846 # فإما أن تتعارضا، وتتساقطا، وإما أن يكون الأخذ برواية التوريث أولى؛ ~~لأنه يوافق قول غيره من الصحابة. # فإن قيل: يحتمل أن يكون قوله: " من أسلم على ميراث قبل أن يقسم " معناه: ~~من أسلم عند حضرة الموت لموروثه قبل أن يموت، ويقسم ميراثه، قيل: هذا فاسد ~~من وجوه: # أحدها: أن سياق الآثار التي ذكرناها صريح في أن إسلامه كان بعد الموت لا ~~قبله. # الثاني: أنه علق الاستحقاق بالقسمة، فقال: من أسلم على ميراث قبل أن ~~يقسم، ولم يقل: قبل أن يموت الموروث، ولا يصلح أن يكون معنى (قبل أن يقسم) ~~هو معنى (قبل أن يموت موروثه) ، والتأويل إذا خرج إلى هذا الحد فحش جدا. # الثالث: أنه ليس في هذا كبير فائدة أن يقال: من أسلم قبل موت موروثه ~~ورثه، فهذا أمر لا يخفى على أحد حتى يحتاج إلى بيان، ولا يمتنع أن يوجد ~~الاستحقاق بعد الموت، ويكون في حكمه قبله، كما قلتم فيمن حفر بئرا، ومات، ~~ثم وقع فيها إنسان: فإن الضمان متعلق بتركته كما لو وجد # PageV02P847 # الوقوع في حال حياته، فالحفر سبب الضمان وجد في حال الحياة، والوقوع شرط ~~في الضمان وجد بعد الموت، والنسب سبب الإرث وجد قبل الموت، والإسلام شرط في ~~استحقاقه وجد بعد الموت، فلا فرق بينهما، ولأن لعدم القسمة تأثيرا في ~~الاستحقاق، بدليل أن الكفار إذا ظهروا على أموال المسلمين، ثم ظهر عليها ~~المسلمون قبل القسمة كان صاحبه أحق به، وبعد القسمة لا حق له فيه، يبين هذا ~~أن المال قبل القسمة لا تتعين حقوق الورثة فيه حتى تستقر الوصية، إن كانت، ~~إما بقبول، أو رد، فتتعين بالقسمة. ms311 # وأيضا، فقد قال المنازعون لنا: إن ما ينتقل إلى بيت المال عن ميت لا وارث ~~له ينتقل إرثا، فلو أسلم رجل بعد انتقال المال عن ميت إلى بيت المال استحق ~~جزءا منه كما لو كان مسلما قبل الانتقال، كذلك هاهنا، وهذا من فقه الصحابة ~~- رضي الله عنهم - الذي عجز عنه كثير ممن بعدهم، فإنهم أجروا حالة الموت ~~قبل القسمة مجرى ما قبل الموت، فإن التركة لم يقع عليها استيلاء الورثة، ~~وحوزهم وتصرفهم، فكأنها في يد الميت حكما، فهي ما بين الموت والقسمة لها ~~حالة وسط، فألحقت بما قبل الموت، وكان أولى، استصحابا لحال بقائها. # وأيضا، فإن التركة قبل القسمة على ملك الميت، فلو زادت ونمت وفيت ديونه ~~من الزيادة، ولو نصب مناجل وشبكة قبل الموت، فوقع فيها صيد بعده، وقبل ~~القسمة كان على ملكه، فتوفى منه ديونه، وتنفذ منه وصاياه. # PageV02P848 # وأيضا فإن توريث المسلم قبل القسمة مما يرغب في الإسلام، ويزيد فيه، ~~ويدعو إليه، فلو لم يكن فيه إلا مجرد الاستحسان لكان ذلك من محاسن الشريعة، ~~وكمالها، ألا يحرم ولد رجل ميراثه بمانع قد زال فعل المقتضي عمله، فإن ~~النسب هو مقتض للميراث، ولكن عاقبه الشارع بالحرمان على كفره، فإذا أسلم لم ~~يبق محلا للعقوبة، بل صار بالثواب أولى منه بالعقاب. # يوضحه أن زوال المانع قبل القسمة يجعله في حكم ما لم يكن أصلا، فالتائب ~~من الذنب كمن لا ذنب له، والنازع عن الكفر كمن لم يكفر، فلا معنى لحرمانه، ~~وقد أكرمه الله بالإسلام، ومال موروثه لم يتعين بعد لغيره، بل هو في حكم ~~الباقي على ملكه من وجه، وفي حكم الزائل من وجه. # يوضحه أنه - إذا أسلم قبل القسمة، وقبل حيازة بيت المال التركة - ساوى ~~المسلمين في الإسلام، وامتاز عنهم بقرابة الميت، فكان أحق بماله. # وهذه المسألة مما برز به الإمام أحمد، ومن قال بقوله، وهي من محاسن ~~الشريعة، وعند أحمد فيها من الآثار عن الصحابة ما لم يبلغ غيره. # قال المانعون من التوريث: التركة تنتقل بالموت إلى ملك ms312 الورثة، ويستقر ~~ملكهم عليها، فيجب ألا يزول ملكهم عنها بالإسلام، كما لا يزول بحدوث وارث ~~آخر، وهو أن يموت ويخلف أما وأختا، فتتعلق الأم بولد آخر، فإنه لا يرث ~~لحدوثه بعد الحكم بالميراث للموجود. # قالوا: ولأن من لم يكن وارثا عند الموت لم يصر وارثا بعده؛ لأن فيه ~~صيرورته وارثا بعد موت مورثه، وهذا لا يعقل. # قالوا: ولأنه لا يصير وارثا بعد القسمة، فكذلك قبلها. # PageV02P849 # قالوا: ولأنه لو عتق بعد الموت، وقبل القسمة لم يرث، كذلك هاهنا. ولا فرق ~~بين الصورتين. # قال المورثون: إنما حكمنا بالملك للموجودين من الورثة في الظاهر ملكا ~~مراعى، كما حكمنا بالملك لهم إذا كان الوارث قد حفر بئرا، ونصب سكينا، فإنا ~~نحكم به في الظاهر، فلو وقع في البئر إنسان بعد ذلك فإنه يرجع عليهم ~~بالأرش. # وتبينا أن ذلك الحكم لم يكن صحيحا كذلك هاهنا، ويفارق هذا إذا حدث له ~~وارث بعد ذلك؛ لأن سبب الإرث لم يكن موجودا حال الموت، والسبب هاهنا موجود ~~وهو النسب، فجاز أن يرث بعد الموت والإسلام. # يبين صحة هذا أنه لو حفر العبد بئرا في حياة السيد، ومات السيد، فوقع ~~فيها إنسان بعد موته، تعلق الضمان بتركته، ولو حفرها العبد بعد موت السيد، ~~ووقع فيها إنسان لم يتعلق بتركته، وإن كان العبد مضافا إليه في الحالين، ~~وكان الفرق بينهما ما ذكرنا، ولأنهم قد قالوا: لو أعتق المسلم عبدا نصرانيا ~~كان ميراثه مراعى، فإن أسلم قبل موته ورثه بالولاء، وإن مات قبل أن يسلم لم ~~يرثه. وهذا إلزام جيد، لأنهم جعلوا الميراث مراعى على ما يحدث بعد العتق. # وأما إلزامهم في مسألة العبد إذا عتق بعد الموت، وقبل القسمة، فإلزام قوي ~~جدا، وقد نص أحمد على أنه لا يرث، مفرقا بينهما وبين مسألة إسلام الكافر في ~~جواب واحد، ولكن قد سوى بينهما في الميراث الحسن وأبو # PageV02P850 # الشعثاء، حكاه ابن المنذر عنهما. # فالمسألتان من مسائل النزاع، وفيهما ثلاثة أقوال: # أحدها: عدم الميراث في المسألتين، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك. # والثاني: ms313 ثبوت التوارث في المسألتين، وهو قول الحسن، وجابر بن زيد. # والثالث: ثبوت التوارث في مسألة الكافر إذا أسلم، دون العبد إذا عتق، وهو ~~مذهب الإمام أحمد، ومن وافقه. # وفرق أصحاب هذا القول بين المسألتين: بأن الكافر أقوى سببا من العبد؛ لأن ~~الكافر في حال كفره على صفة من يرث كافرا مثله، ويعقل وينصر، والعبد ليس ~~على صفة من يرث، ولا يعقل، ولا ينصر، فضعف في بابه: بهذا فرق القاضي وجمهور ~~أصحابه. # وفرق غيره بأن الكافر حر فمعه مقتضي الميراث، والكفر مانع، بخلاف العبد ~~فإنه ليس معه مقتضي الميراث، وليس بأهل، فبالعتق تجدد المقتضي، وبالإسلام ~~زال المانع. # وفرق آخرون بأن الصحابة حكموا بتوريث الكافر يسلم، دون العبد يعتق، ويكفي ~~تفريقهم عن تكلف طلب الفرق! # وفرق آخرون بأن الإسلام وجد من جهته، فهو ممدوح عليه، ومثاب # PageV02P851 # عليه، والعتق وجد من غير جهته، فلا منة له فيه، ولا ثواب، وإنما هو ~~لسيده، فجاز أن يستحق بما يمدح عليه عوضا يكون ترغيبا له في الإسلام. # فإن قيل: فما تقولون في الزوجة تسلم قبل قسمة الميراث؟ قيل: قد ذكر أبو ~~بكر في كتاب " الطلاق " هذه المسألة، فقال: " إذا أسلم على ميراث قبل أن ~~يقسم كان داخلا في الميراث في أحد القولين، والقول الآخر لا يرث، وأما ~~الزوجة فخارجة عن الميراث في القولين جميعا ". # قال القاضي: " وظاهر كلام أحمد، والخرقي أنها ترث، وهو الصحيح عندي؛ لأن ~~المانع من الميراث إذا كان لاختلاف الدين، فإذا زال قبل القسمة لم يمنع ~~الإرث كالنسب. # ووجه قول أبي بكر: أن إرث الزوجة بعقد النكاح على صفة: وهي الاتفاق في ~~الدين، وبالموت قد زال العقد، فإذا وجد الاتفاق بعد ذلك لم يؤثر كعدم ~~العقد، وليس كذلك النسب؛ لأنه يورث به على صفة، وبالموت لم يزل النسب، فإذا ~~وجد الاتفاق في الدين صادف سببا ثابتا، فلهذا ورث ". # يبين صحة هذا ما قلناه في المولى المناسب: إذا فسق سقطت ولايته، فإذا صار ~~عدلا عادت ولايته؛ لأن النسب باق لم يزل ولو استفاد الولاية ms314 بالحكم، وفسق ~~الحاكم سقطت ولايته، فإن صار عدلا في الثاني لم تعد ولايته، لأنها إنما ~~استفادها بالعقد، والعقد قد بطل، فلم يؤثر وجود العدالة في الثاني. # PageV02P852 # وأجاب آخرون بالجواب المركب: وهو إن لم يكن بين الصورتين فرق في مسألة ~~العبد، والزوجة، والكافر، فالصواب التسوية، وإن كان بينهما فرق بطل ~~الإلزام، والله أعلم. ### | [فصل ذكر الخلاف في توريث المسلم من الكافر] ### | 166 - # فصل # [ذكر الخلاف في توريث المسلم من الكافر] . # وأما توريث المسلم من الكافر فاختلف فيه السلف، فذهب كثير منهم إلى أنه ~~لا يرث كما لا يرث الكافر المسلم: وهذا هو المعروف عند الأئمة الأربعة، ~~وأتباعهم. # وقالت طائفة منهم: بل يرث المسلم الكافر، دون العكس، وهذا قول معاذ بن ~~جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، ومحمد بن الحنفية، ومحمد بن علي بن الحسين، ~~وسعيد بن المسيب، ومسروق بن الأجدع، وعبد الله بن مغفل، ويحيى بن يعمر، ~~وإسحاق بن راهويه. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. قالوا: نرثهم ولا ~~يرثوننا، كما ننكح نساءهم، ولا ينكحون نساءنا. # والذين منعوا الميراث: عمدتهم الحديث المتفق عليه: " «لا يرث المسلم ~~الكافر، ولا الكافر المسلم» ". وهو عمدة من منع ميراث المنافق الزنديق، ~~وميراث المرتد. # قال شيخنا: وقد ثبت بالسنة المتواترة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يجري الزنادقة المنافقين في الأحكام الظاهرة مجرى المسلمين فيرثون # PageV02P853 # ويورثون. وقد مات عبد الله بن أبي، وغيره ممن شهد القرآن بنفاقهم، ونهي ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة عليه، والاستغفار له، وورثهم ~~ورثتهم المؤمنون: كما ورث عبد الله بن أبي ابنه، ولم يأخذ النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من تركة أحد من المنافقين شيئا، ولا جعل شيئا من ذلك فيئا، بل ~~أعطاه لورثتهم، وهذا أمر معلوم بيقين، فعلم أن الميراث مداره على النصرة ~~الظاهرة لا على إيمان القلوب، والموالاة الباطنة، والمنافقون في الظاهر ~~ينصرون المسلمين على أعدائهم، وإن كانوا من وجه آخر يفعلون خلاف ذلك، ~~فالميراث مبناه على الأمور الظاهرة لا على إيمان القلوب، والموالاة ~~الباطنة، والمنافقون في الظاهر ms315 ينصرون المسلمين على أعدائهم، وإن كانوا من ~~وجه آخر يفعلون خلاف ذلك، فالميراث مبناه على الأمور الظاهرة لا على ما في ~~القلوب. # وأما المرتد فالمعروف عن الصحابة مثل علي، وابن مسعود: أن ماله # PageV02P854 # لورثته من المسلمين أيضا، ولم يدخلوه في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~«لا يرث المسلم الكافر» ". وهذا هو الصحيح. # وأما أهل الذمة فمن قال بقول معاذ، ومعاوية، ومن وافقهما: يقول قول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: " «لا يرث المسلم الكافر» " المراد به الحربي لا ~~المنافق، ولا المرتد، ولا الذمي: فإن لفظ " الكافر " - وإن كان قد يعم كل ~~كافر - فقد يأتي لفظه، والمراد به بعض أنواع الكفار، كقوله تعالى: {إن الله ~~جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا} [النساء: 140] ، فهنا لم يدخل ~~المنافقون في لفظ " الكافرين "، وكذلك المرتد، فالفقهاء لا يدخلونه في لفظ ~~" الكافر " عند الإطلاق، ولهذا يقولون: إذا أسلم الكافر لم يقض ما فاته من ~~الصلاة، وإذا أسلم المرتد ففيه قولان. # وقد حمل طائفة من العلماء قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «لا يقتل ~~مسلم بكافر» "، على الحربي دون الذمي، ولا ريب أن حمل قوله: " «لا يرث ~~المسلم الكافر» " على الحربي أولى، وأقرب محملا، فإن في توريث المسلمين ~~منهم ترغيبا في الإسلام لمن أراد الدخول فيه من أهل الذمة، فإن كثيرا منهم ~~يمنعهم من الدخول في الإسلام خوف أن يموت أقاربهم، ولهم أموال فلا يرثون ~~منهم شيئا. # وقد سمعنا ذلك منهم من غير واحد منهم شفاها، فإذا علم أن إسلامه لا يسقط ~~ميراثه ضعف المانع من الإسلام وصارت رغبته فيه قوية، وهذا # PageV02P855 # وحده كاف في التخصيص، وهم يخصون العموم بما هو دون ذلك بكثير، فإن هذه ~~مصلحة ظاهرة يشهد لها الشرع بالاعتبار في كثير من تصرفاته، وقد تكون ~~مصلحتها أعظم من مصلحة نكاح نسائهم، وليس في هذا ما يخالف الأصول، فإن أهل ~~الذمة إنما ينصرهم، ويقاتل عنهم المسلمون، ويفتدون أسراهم، والميراث يستحق ~~بالنصرة، فيرثهم المسلمون، وهم لا ينصرون المسلمين، فلا يرثونهم، فإن أصل ~~الميراث ليس هو بموالاة القلوب، ms316 ولو كان هذا معتبرا فيه كان المنافقون لا ~~يرثون، ولا يورثون، وقد مضت السنة بأنهم يرثون ويورثون. # وأما المرتد فيرثه المسلمون، وأما هو فإن مات له ميت مسلم في زمن الردة ~~ومات مرتدا لم يرثه لأنه لم يكن ناصرا له، وإن عاد إلى الإسلام قبل قسمة ~~الميراث فهذا فيه نزاع بين الناس. # وظاهر مذهب أحمد: أن الكافر الأصلي والمرتد إذا أسلما قبل قسمة الميراث، ~~ورثا، كما هو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين، وهذا يؤيد هذا الأصل، فإن ~~هذا فيه ترغيب في الإسلام، وقد نقل عن علي في الرقيق إذا كان ابنا للميت: " ~~أنه يشترى من التركة ويرث! ". # قال شيخنا: " ومما يؤيد القول بأن المسلم يرث الذمي، ولا يرثه الذمي، أن ~~الاعتبار في الإرث بالمناصرة، والمانع هو المحاربة. ولهذا قال أكثر # PageV02P856 # الفقهاء: إن الذمي لا يرث الحربي، وقد قال تعالى في الدية: {فإن كان من ~~قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] ، فالمقتول - إن كان ~~مسلما - فديته لأهله، وإن كان من أهل الميثاق فديته لأهله، وإن كان من قوم ~~عدو للمسلمين فلا دية له؛ لأن أهله عدو للمسلمين وليسوا بمعاهدين، فلا ~~يعطون ديته، ولو كانوا معاهدين لأعطوا الدية، ولهذا لا يرث هؤلاء المسلمين، ~~فإنهم ليس بينهم وبينهم إيمان ولا أمان، ولهذا لما مات أبو طالب ورثه عقيل ~~دون علي وجعفر، مع أن هذا كان في أول الإسلام، وقد ثبت في الصحيح أنه قيل ~~له - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع: " «ألا تنزل في دارك؟ " فقال: " ~~وهل ترك لنا عقيل من رباع» ؟ " وذلك لاستيلاء عقيل على رباع بني هاشم لما ~~هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس هو لأجل ميراثه، فإنه أخذ دار النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - التي كانت له، التي ورثها من أبيه، وداره التي كانت ~~لخديجة، وغير ذلك مما لم يكن لأبي طالب، فاستولى على رباع بني هاشم بغير ~~طريق الإرث، بل كما استولى سائر المشركين على ديار المهاجرين الذين أخرجوا ~~من ديارهم، وأموالهم، كما استولى ms317 أبو سفيان بن حرب على دار أبي أحمد بن ~~جحش، وكانت دارا عظيمة، فكان المشركون - لما هاجر المسلمون - من # PageV02P857 # كان له قريب أو حليف استولى على ماله، ثم لما أسلموا قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: " «من أسلم على شيء فهو له» "، ولم يرد إلى المهاجرين ~~دورهم التي أخذت منهم، بل قال: " «هذه أخذت في الله، أجورهم فيها على الله» ~~"، وقال لابن جحش: " «ألا ترضى أن يكون لك مثلها في الجنة» ؟ ! " # وكان المسلمون ينتظرون ما يأمر به في دار ابن جحش، فإن ردها عليه طلبوا ~~هم أن يرد عليهم، فأرسل إليه مع عثمان هذه الرسالة، فسكت وسكت المسلمون، ~~وهذا كان عام الفتح، فلما دخل مكة في حجة الوداع قيل له: «ألا تنزل في ~~دارك؟ فقال: " وهل ترك لنا عقيل من دار» ؟ ! " # قال الشيخ: " وهذا الحديث قد استدل به طوائف من مسائل: # [المسألة الأولى:] فالشافعي احتج به على جواز بيع رباع مكة، وليس في ~~الحديث أنه باعها. قلت: الشافعي إنما احتج بإضافة الدار إليه، بقوله " في ~~دارك " وأردفه بقوله تعالى: {وأخرجوا من ديارهم} [آل عمران: 195] ، ~~والمنازعون له يقولون: الإضافة قد تصح بأدنى ملابسة، فهي إضافة اختصاص لا ~~إضافة ملك؛ لأن الله سبحانه جعل الناس في الحرم سواء، العاكف فيه والباد. # PageV02P858 # المسألة الثانية: المنع من توريث المسلم من الكافر، فإنه قد روي أنه قاله ~~عقيب هذا القول، وكان قد استولى على بعضها بطريق الإرث من أبي طالب، وعلى ~~بعضها بطريق القهر والغلبة، والظاهر أنه استولى على نفس ملك النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وداره التي هي له، فإنه قيل له: «ألا تنزل في دارك؟ فقال: ~~" وهل ترك لنا عقيل من دار» ؟ " # يقول: هو أخذ داري ودار غيري من بني هاشم. # وكان عقيل لم يسلم بعد، بل كان على دين قومه، وكان حمزة، وعبيدة بن ~~الحارث، وعلي، وغيرهم قد هاجروا إلى المدينة مع النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وجعفر هاجر إلى الحبشة، فاستولى عقيل على رباع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وعلى رباع ms318 آل أبي طالب. # وأما رباع العباس فالعباس كان مستوليا عليها، وكذلك الحارث بن عبد المطلب ~~كان بمكة ابنه أبو سفيان، وابنه ربيعة. # وأما أبو طالب فلم يبق له بمكة إلا عقيل، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يكن له أخ فاستولى عقيل على هذا وهذا ; فلهذا قال: " «وهل ترك لنا # PageV02P859 # عقيل من رباع» ؟ " وإلا فبأي طريق يأخذ ملك النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو حي، ولم يكن هو وارثه لو كان يورث؟ # فتبين بهذا أن الكفار المحاربين إذا استولوا على أموال المسلمين، ثم ~~أسلموا كانت لهم، ولم ترد إلى المسلمين، لأنها أخذت في الله، وأجورهم فيها ~~على الله لما أتلفه الكفار من دمائهم، وأموالهم، فالشهداء لا يضمنون، ولو ~~أسلم قاتل الشهيد لم يجب عليه دية ولا كفارة بالسنة المتواترة، واتفاق ~~المسلمين، وقد أسلم جماعة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد عرف من ~~قتلوه مثل وحشي بن حرب قاتل حمزة ومثل قاتل النعمان بن قوقل وغيرهما، فلم ~~يطلب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدا بشيء عملا بقوله: {قل للذين كفروا ~~إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38] . # PageV02P860 # وكذلك المرتدون: قد أسلم طليحة الأسدي بعد ردته، وقد قتل عكاشة بن محصن، ~~فلم يضمنه أبو بكر، وعمر، وسائر الصحابة لا دية ولا كفارة. وكذلك سائر من ~~قتله المرتدون، والمحاربون لما عادوا إلى الإسلام لم يضمنهم المسلمون شيئا ~~من ذلك. # وهذا فيه نزاع في مذهب الشافعي وأحمد، وطائفة من أصحابهما ينصرون الضمان، ~~وكثير من متأخري أصحاب أحمد يظن أن هذا هو ظاهر مذهبه، وأن عدم الضمان هو ~~قول أبي بكر عبد العزيز، ولم يعلم أن أحمد نص على قول أبي بكر، وأن أهل ~~الردة، والمحاربين لا يضمنون ما أتلفوه من النفوس، والأموال كأهل الحرب ~~الكفار الأصليين، فإن فيهن نزاعا في مذهب الشافعي وأحمد، والصواب فيهم: ~~الذي عليه الجمهور، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة وغيرهما. # وكذلك البغاة المتأولون من أهل القبلة كالمقتتلين " بالجمل " # PageV02P861 # " وصفين " لا يضمنون ما أتلفه بعضهم على بعض في ms319 القتال، وهذا هو المنصور ~~عند أصحاب أحمد. # PageV02P862 # قال الزهري: " وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~متوافرون، فأجمعوا أن كل دم أو جرح أصيب بتأويل القرآن فإنه هدر، أنزلوهم ~~منزلة الجاهلية. " يعني: لما كانوا متأولين أنزلوهم منزلة أهل الجاهلية، ~~وإن كانوا مخطئين في التأويل كالكفار والمرتدين، وإنما يضمن من كان يعلم ~~أنه لا يحل له أن يقتل، ويؤاخذ كالطائفتين المقتتلتين على عصبية. # PageV02P863 # وكل منهما يعلم أنه يقاتل عصبية لا على حق: فهؤلاء تضمن كل طائفة ما ~~أتلفته على الأخرى، وفي ذلك نزل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب ~~عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} ~~[البقرة: 178] . # والمحاربون قطاع الطريق العالمون بأن ما فعلوه محرم يضمنون، وإذا تابوا ~~قبل القدرة عليهم سقطت عنهم حدود الله كما تسقط عن الكفار الممتنعين إذا ~~أسلموا قبل القدرة عليهم. # وهل يعاقبون بحدود الآدميين مثل أن يقتل أحدهم قصاصا؟ فيه قولان للعلماء: ~~قيل: يؤخذون بحقوق الآدميين كالقود، وقيل: لا يؤخذون، وما كان معهم من ~~أموال الناس يؤخذ بلا نزاع. # وما أتلفوه هل يضمنونه مع العقوبات البدنية؟ فيه نزاع، كالسارق فإنه إذا ~~وجد معه المال أخذ سواء قطعت يده، أو لم تقطع. # وإن كان قد أتلفه، فهل يغرم مع القطع؟ على ثلاثة أقوال، قيل: يغرم كقول ~~الشافعي وأحمد، وقيل: لا يغرم كقول أبي حنيفة، وقيل: يغرم مع اليسار دون ~~الإعسار كقول مالك. # والمقصود هنا أن قوله تعالى: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير ~~رقبة مؤمنة} [النساء: 92] ، دل به على أن المحاربين لا يرثون المسلمين # PageV02P864 # ولا يعطون ديتهم، فإنهم كفار والكفار لا يرثون المسلمين، وقد قيل: إن هذا ~~فيمن أسلم ولم يهاجر، فتثبت في حقه العصمة المورثة دون المضمنة كما يقول ~~ذلك أبو حنيفة وغيره. # وقيل: بل فيمن ظنه القاتل كافرا، وكان مأمورا بقتله، فسقطت عنه الدية ~~لذلك، كما يقوله الشافعي، وأحمد في أحد القولين. # وهؤلاء يخصون الآية بمن ظاهره الإسلام، وأولئك يخصونها بمن أسلم، ولم ~~يهاجر. والآية في ms320 المؤمن إذا قتل، وهو من قوم عدو لنا، وهو سبحانه قال: {من ~~قوم عدو لكم} [النساء: 92] ، ولم يقل: (من عدوكم) ، فدل على أن القتل إذا ~~كان خطأ كمن رمى عرضا، فأصاب مسلما فإنه لا دية فيه، وإن علم أنه مسلم لأن ~~أهله لا يستحقون الدية، ولا يستحقها المسلمون، ولا بيت المال، فهؤلاء ~~الكفار لا يرثون مثل هذا المسلم، كما قال: " «لا يرث الكافر المسلم» " لأنه ~~حربي، والمناصرة بينهم منقطعة، فإنهم عدو للمسلمين، والميراث لا يكون مع ~~العداوة الظاهرة، بل مع المناصرة الظاهرة، وأهل الذمة ليسوا عدوا محاربا، ~~وقتيلهم مضمون، فإذا ورث المسلم منهم كان هذا موافقا للأصول، وقوله: " ~~الكافر " أريد به الكافر المطلق، وهو المعادي المحارب لم يدخل فيه المنافق، ~~ولا المرتد، ولا الذمي. فإذا كان المؤمن يرث المنافق لكونه مسالما له ~~مناصرا له في الظاهر، فكذلك الذمي، وبعض المنافقين شر من بعض أهل الذمة. # وقد ذهب بعضهم إلى أنه يرث المسلم الكافر بالموالاة، وهو أحد # PageV02P865 # القولين في مذهب أحمد: نص عليه في رواية الجماعة: حنبل، وأبي طالب، ~~والمروذي، والفضل بن زياد في المسلم يعتق العبد النصراني، ثم يموت العتيق: ~~يرثه بالولاء. # واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «الولاء لمن أعتق» ". # قال المانعون من التوريث: له عليه الولاء ولكن لا يرث به. # قال المورثون: ثبوت الولاء يقتضي ثبوت حكمه، والميراث من حكمه. # وقال عبد الله بن وهب: حدثنا محمد بن عمرو، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، ~~عن جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " «لا ~~يرث المسلم النصراني إلا أن يكون عبده، أو أمته» ". # PageV02P866 # قالوا: وهو إجماع الصحابة أفتى به علي وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد ~~الله: فروى أبو بكر بإسناده، عن الحارث، عن علي - رضي الله عنه -: " لا يرث ~~المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، إلا أن يكون عبدا له أو أمته ". # PageV02P867 # وكذلك عن ابن عمر - رضي الله عنهما -. # قال المانعون: المراد بهذا العبد القن إذا كان له مال ومات فإن سيده ms321 يأخذ ~~ماله. # قال المورثون: لا يصح هذا؛ لأن العبد القن لا مال له فيورث عنه، فعلم أنه ~~أراد من كان عبده فأعتقه كما حملتم عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~«من قتل عبده قتلناه» "، وقلتم: معناه الذي كان عبده. # وكذلك قوله في بلال: " «ألا إن العبد قد نام» ". # PageV02P868 # قالوا: ولأن الميراث بالولاء من حقوق الملك، فلم يمنع منه اختلاف الدين، ~~لولاية الكافر على أمته، ولأن الشارع لم يجعله أحق بميراثه لنسب بينه ~~وبينه، وإنما ذلك جزاء على نعمة المعتق، وهذا من محاسن الشريعة، وكمالها: ~~فأحق الناس بهذا الميراث أحقهم بالإنعام عليه بالعتق. # يؤكده: أن الميراث بالولاء يجري مجرى المعاوضة، ولهذا يرث به المولى ~~المعتق، دون العتيق عوضا عن إحسانه إليه بالعتق. # قال المانعون: الكفر يمنع التوارث، فلم يرث به المعتق، كالقتل. # قال المورثون: القاتل يحرم الميراث لأجل التهمة، ومعاقبة له بنقيض قصده. ~~وهاهنا علة الميراث الإنعام، واختلاف الدين لا يكون من علله، وهذه المسائل ~~الثلاث من محاسن الشريعة، وهي: # [الأولى:] توريث من أسلم على ميراث قبل قسمته. # [الثانية:] وتوريث المعتق عبده الكافر بالولاء. # [الثالثة:] وتوريث المسلم قريبه الذمي، وهي مسألة نزاع بين الصحابة ~~والتابعين. # وأما المسألتان الأخيرتان فلم يعلم عن الصحابة فيهما نزاع، بل # PageV02P871 # المنقول عنهم التوريث. # قال شيخنا: " والتوريث في هذه المسائل على وفق أصول الشرع، فإن المسلمين ~~لهم إنعام وحق على أهل الذمة بحقن دمائهم، والقتال عنهم، وحفظ دمائهم ~~وأموالهم، وفداء أسراهم، فالمسلمون يمنعونهم، وينصرونهم، ويدفعون عنهم، فهم ~~أولى بميراثهم من الكفار. # والذين منعوا الميراث قالوا: مبناه على الموالاة: وهي منقطعة بين المسلم، ~~والكافر، فأجابهم الآخرون بأنه ليس مبناه على الموالاة الباطنة التي توجب ~~الثواب في الآخرة، فإنه ثابت بين المسلمين، وبين أعظم أعدائهم، وهم ~~المنافقون الذين قال الله فيهم: {هم العدو فاحذرهم} [المنافقون: 4] . # فولاية القلوب ليست هي المشروطة في الميراث، وإنما هو بالتناصر والمسلمون ~~ينصرون أهل الذمة فيرثونهم، ولا ينصرهم أهل الذمة فلا يرثونهم، والله أعلم. # PageV02P872 ### | [فصل أقسام أهل العهد من الكفار] ### | 167 - # فصل # [أقسام أهل العهد ms322 من الكفار] . # الكفار إما أهل حرب وإما أهل عهد، وأهل العهد ثلاثة أصناف: # [1 -] أهل ذمة. # [2 -] وأهل هدنة. # [3 -] وأهل أمان. # وقد عقد الفقهاء لكل صنف بابا، فقالوا: باب الهدنة، باب الأمان، باب عقد ~~الذمة. # ولفظ " الذمة والعهد " يتناول هؤلاء كلهم في الأصل. # وكذلك لفظ " الصلح "، فإن الذمة من جنس لفظ العهد، والعقد. # وقولهم: " هذا في ذمة فلان " أصله من هذا: أي في عهده، وعقده، أي فألزمه ~~بالعقد، والميثاق، ثم صار يستعمل في كل ما يمكن أخذ الحق من جهته، سواء وجب ~~بعقده، أو بغير عقده، كبدل المتلف فإنه يقال: هو في ذمته، وسواء وجب بفعله، ~~أو بفعل وليه، أو وكيله، كولي الصبي، والمجنون، وولي بيت المال والوقف، فإن ~~بيت المال، والوقف يثبت له حق وعليه حق، كما يثبت للصبي والمجنون، ويطالب ~~وليه الذي له أن يقبض له، ويقبض ما عليه. # PageV02P873 # وهكذا لفظ " الصلح " عام في كل صلح، وهو يتناول صلح المسلمين بعضهم مع ~~بعض، وصلحهم مع الكفار، ولكن صار - في اصطلاح كثير من الفقهاء - " أهل ~~الذمة " عبارة عمن يؤدي الجزية، وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، وهؤلاء قد عاهدوا ~~المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله، إذ هم مقيمون في الدار التي ~~يجري فيها حكم الله ورسوله، بخلاف أهل الهدنة، فإنهم صالحوا المسلمين على ~~أن يكونوا في دارهم، سواء كان الصلح على مال، أو غير مال، لا تجري عليهم ~~أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة، لكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين، ~~وهؤلاء يسمون أهل العهد، وأهل الصلح، وأهل الهدنة. # وأما المستأمن فهو الذي يقدم بلاد المسلمين من غير استيطان لها، وهؤلاء ~~أربعة أقسام: رسل، وتجار، ومستجيرون حتى يعرض عليهم الإسلام والقرآن، فإن ~~شاءوا دخلوا فيه، وإن شاءوا رجعوا إلى بلادهم، وطالبوا حاجة من زيارة، أو ~~غيرها، وحكم هؤلاء ألا يهاجروا، ولا يقتلوا، ولا تؤخذ منهم الجزية، وأن ~~يعرض على المستجير منهم الإسلام والقرآن، فإن دخل فيه فذاك، وإن أحب اللحاق ~~بمأمنه ألحق به، ولم يعرض له قبل وصوله ms323 إليه، فإذا وصل مأمنه عاد حربيا كما ~~كان. ### | [فصل هل تجوز الهدنة المطلقة دون تحديد مدة] ### | 168 - # فصل # [هل تجوز الهدنة المطلقة دون تحديد مدة] . # إذا عرف هذا فهل يجوز لولي الأمر أن يعقد الهدنة مع الكفار عقدا مطلقا لا ~~يقدره بمدة، بل يقول: " نكون على العهد ما شئنا "، ومن أراد فسخ # PageV02P874 # العقد فله ذلك إذا أعلم الآخر، ولم يغدر به، " أو يقول: " نعاهدكم ما ~~شئنا، ونقركم ما شئنا؟ " # فهذا فيه للعلماء قولان في مذهب أحمد وغيره: # أحدهما: لا يجوز، قال به الشافعي في موضع، ووافقه طائفة من أصحاب أحمد ~~كالقاضي في " المجرد "، والشيخ في " المغني "، ولم يذكروا غيره. # والثاني: يجوز ذلك، وهو الذي نص عليه الشافعي في " المختصر "، وقد ذكر ~~الوجهين في مذهب أحمد طائفة آخرهم ابن حمدان. # والمذكور عن أبي حنيفة أنها لا تكون لازمة بل جائزة، فإنه جوز للإمام ~~فسخها متى شاء. وهذا القول في الطرف المقابل لقول الشافعي الأول. # والقول الثالث: وسط بين هذين القولين. # PageV02P875 # وأجاب الشافعي عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل خيبر: " «نقركم ~~ما أقركم الله» " بأن المراد: نقركم ما أذن الله في إقراركم بحكم الشرع. # قال: وهذا لا يعلم إلا بالوحي، فليس هذا لغير النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. # وأصحاب هذا القول كأنهم ظنوا أنها إذا كانت مطلقة تكون لازمة مؤبدة ~~كالذمة، فلا تجوز بالاتفاق ولأجل أن تكون الهدنة لازمة مؤبدة فلا بد من ~~توفيتها، وذلك أن الله - عز وجل - أمر بالوفاء، ونهى عن الغدر، والوفاء لا ~~يكون إلا إذا كان العقد لازما. # والقول الثاني - وهو الصواب - أنه يجوز عقدها مطلقة ومؤقتة، فإذا كانت ~~مؤقتة جاز أن تجعل لازمة، ولو جعلت جائزة بحيث يجوز لكل منهما فسخها متى ~~شاء كالشركة، والوكالة، والمضاربة ونحوها جاز ذلك، لكن بشرط أن ينبذ إليهم ~~على سواء. # ويجوز عقدها مطلقة، وإذا كانت مطلقة لم يمكن أن تكون لازمة التأبيد، بل ~~متى شاء نقضها، وذلك أن الأصل في العقود أن تعقد على أي صفة كانت فيها ~~المصلحة، ms324 والمصلحة قد تكون في هذا وهذا. # وللعاقد أن يعقد العقد لازما من الطرفين، وله أن يعقده جائزا يمكن فسخه ~~إذا لم يمنع من ذلك مانع شرعي، وليس هنا مانع، بل هذا قد يكون هو المصلحة، ~~فإنه إذا عقد عقدا إلى مدة طويلة فقد تكون مصلحة المسلمين # PageV02P876 # في محاربتهم قبل تلك المدة، فكيف إذا كان ذلك قد دل عليه الكتاب والسنة؟ # وعامة عهود النبي - صلى الله عليه وسلم - مع المشركين كانت كذلك مطلقة ~~غير مؤقتة، جائزة غير لازمة، منها عهده مع أهل خيبر، مع أن خيبر فتحت، ~~وصارت للمسلمين، لكن سكانها كانوا هم اليهود، ولم يكن عندهم مسلم، ولم تكن ~~بعد نزلت آية الجزية، إنما نزلت في " براءة " عام تبوك سنة تسع من الهجرة، ~~وخيبر فتحت قبل مكة بعد الحديبية سنة سبع. ومع هذا، فاليهود كانوا تحت حكم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن العقار ملك المسلمين دونهم. # وقد ثبت في " الصحيحين " أنه قال لهم: " «نقركم ما شئنا» "، أو " «ما ~~أقركم الله» ". # وقوله: " «ما أقركم الله» " يفسره اللفظ الآخر، وأن المراد: أنا متى شئنا ~~أخرجناكم منها. # ولهذا أمر عند موته بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وأنفذ ذلك ~~عمر - رضي الله عنه - في خلافته. # وقد ذكر طائفة منهم محمد بن جرير: أن كل ذمة عقدت للكفار # PageV02P877 # في دار الإسلام فهي على هذا الحكم، يقرهم المسلمون ما احتاجوا إليهم، ~~فإذا استغنوا عنهم أخرجوهم من ديار المسلمين. # وهذا قول قوي، له حظ من الفقه. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «نقركم ما أقركم الله» " أراد به ما شاء ~~الله إقراركم، وقدر ذلك وقضى به، أي: فإذا قدر إخراجكم، بأن يريد إخراجكم ~~فنخرجكم، لم نكن ظالمين لكم، كما يقول القائل: أنا أقيم في هذا المكان ما ~~شاء الله وما أقامني. ولم يرد بقوله: " «ما أقركم الله» ": إنا نقركم ما ~~أباح الله بوحي، وإن كان أراد ذلك فهذا معنى صحيح، وهذا لا يمكن من غير ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكنه لم يرد إلا الإقرار المقضي ms325 كما قال: " ~~ما شئنا ". # وأيضا فقد ثبت بالقرآن، والتواتر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نبذ ~~إلى المشركين عهودهم بعد فتح مكة لما حج أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~عام تسع، فنبذ إلى المشركين عهودهم ذلك العام، ولذلك أردف أبا بكر بعلي - ~~رضي الله عنهما - لأن عادتهم كانت أنه لا يعقد العقود ويحلها إلا المطاع أو ~~رجل من أهل بيته، وقد أنزلت في ذلك سورة براءة، فقال تعالى: {براءة من الله ~~ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين - فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا ~~أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين} [التوبة: 1 - 2] الآيات، فهو ~~سبحانه أنزل البراءة إلى المشركين، وجعل لهم سياحة أربعة أشهر: وهي الحرم ~~المذكورة في # PageV02P878 # قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: ~~5] ، وليست هذه الحرم هي الحرم المذكورة في قوله: {إن عدة الشهور عند الله ~~اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم} ~~[التوبة: 36] . # قال شيخنا: ومن جعل هذه هي تلك فقوله خطأ، وذلك أن هذه قد بينها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح بأنها " «ذو القعدة وذو ~~الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» " وهذه ليست متوالية فلا ~~يقال فيها: " فإذا انسلخت " فإن الثلاثة إذا انسلخت بقي رجب، فإذا انسلخ ~~رجب بقي ثلاثة أشهر، ثم يأتي الحرم، فليس جعل هذا انسلاخا بأولى من ذلك، ~~ولا يقال لمثل هذا: (انسلخ) إنما يستعمل هذا في الزمن المتصل. # ثم إن جمهور الفقهاء على أن القتال في تلك الحرم مباح، فكيف يقول: فإذا ~~انسلخ ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب فاقتلوا المشركين، وهو قد أباح ~~فيها قتال المشركين؟ # وأيضا فهذه الآية نزلت عام حجة الصديق - رضي الله عنه -، وكان حجه في ذي ~~القعدة على العادة لأجل النسيء الذي كانوا ينسئون فيها # PageV02P879 # لأشهر، وإنما استدار الزمان كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض لما حج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع في العام المقبل سنة عشر، والله ms326 ~~تعالى سير المشركين أربعة أشهر يأمنون فيها، وتلك لا تنقضي إلا عاشر ربيع ~~الأول. # وقد اختلف المفسرون في هذه الأشهر الحرم - وهي أشهر التسيير - على أقوال: # أحدها: أنها هي الحرم المذكورة في قوله: {منها أربعة حرم} [التوبة: 36] . # وهذا يحكى عن ابن عباس، ولا يصح عنه. # PageV02P880 # الثاني: أن أولها يوم الحج الأكبر كما نقل عن مجاهد، والسدي وغيرهما، ~~وهذا هو الصحيح. # PageV02P881 # وعلى هذا فيكون آخرها العاشر من شهر ربيع الآخر. # القول الثالث: أن آخرها عاشر ربيع الأول. # قال شيخنا: ولا منافاة بين القولين، فإنه باتفاق الناس أن الصديق - رضي ~~الله عنه - نادى بذلك في الموسم في المشركين: إن لكم أربعة أشهر تسيحون ~~فيها، ويوم النحر كان ذلك العام بالاتفاق عاشر ذي القعدة، فانقضاء الأربعة ~~عاشر ربيع الأول، فإنهم كانوا ينسئون الأشهر، فذو القعدة يجعلونه موضع ذي ~~الحجة، وصفر موضع المحرم، وربيع الأول موضع صفر، وربيع الآخر موضع الأول، ~~فالذي كانوا يجعلونه ذا الحجة هو ذو القعدة، والذي جعلوه ربيعا الآخر هو ~~ربيع الأول فمن المفسرين من تكلم بعبارتهم إذ ذاك، ومنهم من غير العبارة ~~إلى ما استقر الأمر عليه، والمقصود: أن الله سبحانه قسم المشركين في هذه ~~السورة إلى ثلاثة أقسام: # [الأول:] أهل عهد مؤقت، لهم مدة وهم مقيمون على الوفاء بعهدهم لم ينقصوا ~~المسلمين شيئا مما شرطوا لهم، ولم يظاهروا عليهم أحدا، فأمرهم بأن يوفوا ~~لهم بعهدهم ما داموا كذلك. # [الثاني:] قوم لهم عهود مطلقة غير مؤقتة، فأمرهم أن ينبذوا إليهم عهدهم، ~~وأن يؤجلوهم أربعة أشهر، فإذا انقضت الأشهر المذكورة حلت # PageV02P882 # لهم دماؤهم وأموالهم. # القسم الثالث: قوم لا عهود لهم، فمن استأمن منهم حتى يسمع كلام الله ~~أمنه، ثم رده إلى مأمنه، فهؤلاء يقاتلون من غير تأجيل. # ومن لم يفرق بين هذا وهذا وظن أن العهود كلها كانت مؤجلة فهو بين أمرين: # أحدهما: أن يقول: يجوز للإمام أن ينبذ إلى كل ذي عهد عهده، وإن كان ~~مؤقتا، فهذا مخالف لنص القرآن بقوله: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ~~ينقصوكم ms327 شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} ~~[التوبة: 4] ، وقد احتجوا بقوله: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سواء} [الأنفال: 58] ، والآية حجة عليهم؛ لأنه إنما أباح نبذ عهدهم إليهم ~~إذا خاف منهم خيانة، فإذا لم يخف منهم خيانة لم يجز النبذ إليهم، بل مفهوم ~~هذه الآية مطابق لمنطوق تلك. # الأمر الثاني: أن يقول: بل العهد المؤقت لازم كما دل عليه الكتاب والسنة، ~~وهو قول جماهير العلماء، فيقال له: فإذا كان كذلك فلم نبذ النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - العهد إلى جميع المعاهدين من المشركين؟ وقد قال تعالى: {إلا ~~الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} [التوبة: 4] ، فقد حرم # PageV02P883 # نبذ عهد هؤلاء، وأوجب إتمام عهدهم إلى مدتهم، فكيف يقال: إن الله - ~~سبحانه وتعالى - أمر بنبذ العهود المؤقتة؟ فقول من لا يجوز العهد المطلق ~~قول في غاية الضعف، كقول من يجوز نبذ كل عهد، وإن كان مؤجلا بلا سبب، فقوله ~~سبحانه بعد هذا: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين ~~عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب ~~المتقين} [التوبة: 7] ، فهؤلاء - والله أعلم - هم المستثنون في تلك الآية، ~~وهم الذين لهم عهد إلى مدة، فإن هؤلاء لو كان عهدهم مطلقا لنبذ إليهم كما ~~نبذ إلى غيرهم، وإن كانوا مستقيمين كافين عن قتاله، فإنه نبذ إلى جميع ~~المشركين لأنه لم يكن لهم عهد مؤجل يستحقون به الوفاء، وإنما كانت عهودهم ~~مطلقة غير لازمة، كالمشاركة، والوكالة، وكان عهدهم لأجل المصلحة، فلما فتح ~~الله مكة، وأعز الإسلام وأذل أهل الكفر لم يبق في الإمساك عن جهادهم مصلحة، ~~فأمر الله به، ولم يأمر به حتى نبذ إليهم على سواء لئلا يكون قتالهم قبل ~~إعلامهم غدرا. # وهذا قد يستدل به على أن العقد الجائز كالشركة، والوكالة لا يثبت حكم ~~فسخه في حق الآخر حتى يعلم بالفسخ، ويحتج به من يقول: إن الوكيل لا ينعزل ~~حتى يعلم ms328 بعزله. # قال غير واحد من السلف: الأشهر الأربعة أمان لمن لم يكن له أمان ولا عهد، ~~فأما أرباب العهود فهم على عهودهم إلى انقضاء مدتهم، وهذا لا يخالف قول من ~~قال منهم: إنها للمشركين كافة: من له عهد، ومن ليس له # PageV02P884 # عهد، كما قاله مجاهد، والسدي، ومحمد بن كعب، فإن أرباب العهد المؤقت يصير ~~لهم عهد من وجهين، وقد قال ابن إسحاق: " هذه الأربعة أجل لمن كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قد أمنه أقل من أربعة أشهر، وكان أمانه غير محدود، ~~فأما من لا أمان له فهو حربي "، فبين ابن إسحاق أنها لأصحاب الأمان المطلق، ~~وإنما خالف من قبله: هل دخل فيها من لم يكن له عهد أصلا؟ # وأما ما يروى عن الضحاك، وقتادة أنها " أمان لأصحاب العهد، فمن # PageV02P885 # كان عهده أكثر منها حط إليها، ومن كان عهده أقل منها رفع إليها، ومن لم ~~يكن له عهد فأجله انسلاخ المحرم: خمسون ليلة " فهذا قول ضعيف، وهو مبني على ~~فهمين ضعيفين: # أحدهما: أن الحرم آخرها المحرم، وقد تقدم فساده. # والثاني: أنه يجوز نقض العهد المؤجل المحدود، وقد تقدم بطلانه. # والذين ظنوا أن العهد لا يكون إلا مؤقتا، والوفاء واجب، حاروا في جواز ~~البراءة إلى المشركين، فصاروا إلى ما يظهر فساده، فقالت طائفة: إنما يبرأ ~~من نقض العهد، وهذا باطل من وجوه كثيرة، فإن من نقض العهد فلا عهد له، ولا ~~يحتاج هذا إلى براءة ولا أذان، فإن أهل مكة الذين صالحهم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يوم الحديبية لما نقضوا العهد سار إليهم، وكتم مسيره، ودعا ~~الله أن يكتم خبره عنهم، ولما كتب إليهم حاطب بن أبي بلتعة بخبره أنزل الله ~~فيه # PageV02P886 # ما أنزل، ولم يفجأ أهل مكة إلا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجنود ~~الله قد نزلوا بساحتهم، وهذا كان عام ثمان قبل نزول " براءة ". # وأيضا فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل أبا بكر، وأردفه بعلي - رضي ~~الله عنهما - يؤذن بسورة " براءة "، فنبذ العهود إلى جميع المشركين ms329 مطلقا، ~~لم ينبذها إلى من نقض دون من لم ينقض. # وأيضا، فالقرآن نبذها إلى المشركين، وإنما استثنى من كان له مدة ووفاء، ~~فمن كان فيه هذان الشرطان لم ينبذ إليه. # وأيضا، فإنه سبحانه قال: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا ~~الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} [التوبة: ~~7] ، فجعل نفس الشرك مانعا من العهد إلا الذين لهم عهد مؤقت وهم به موفون. # PageV02P887 # وقالت طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد: بل العهد الذي أمر بنبذه إنما هو ~~منعهم من البيت، وقتالهم في الشهر الحرام. قالوا: وهذا لفظ القاضي أبي ~~يعلى. # وفصل الخطاب في هذا الباب: أنه قد كان بين رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وبين جميع المشركين عهد، وهو أن لا يصد أحد عن البيت، ولا يخاف أحد ~~في الشهر الحرام، فجعل الله عهدهم أربعة أشهر، وكان بينه وبين أقوام منهم ~~عهود إلى أجل مسمى، فأمر بالوفاء لهم، وإتمام عهدهم إذا لم يخش غدرهم. # وهذا أيضا ضعيف جدا: وذلك أن منعهم من البيت حكم أنزل في غير هذه الآية ~~في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] : وهذا المعنى غير معنى قوله: {براءة ~~من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} [التوبة: 1] . # وأيضا، فمنعهم من المسجد الحرام عام فيمن كان له عهد ومن لم يكن له عهد، ~~والبراءة خاصة بالمعاهدين كما قال تعالى: {براءة من الله ورسوله إلى الذين ~~عاهدتم من المشركين} [التوبة: 1] ، ولم يقل: (إلى جميع المشركين) كما قال ~~هناك: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام} [التوبة: 28] . # PageV02P888 # وأيضا فمن له أجل يوفى له إلى أجله، وهم الذين عاهدوه، فما استقاموا لهم ~~يستقيم لهم، ومع هذا فهم ممنوعون من المسجد الحرام. # وأيضا فالمنع من المسجد الحرام كان ينادي به أبو بكر وأعوانه علي وغيره - ~~رضي الله عنهم أجمعين -، فينادون يوم النحر: " «لا يحجن بعد العام مشرك، ~~ولا يطوفن بالبيت عريان» ". # وأما نبذ العهود فإنما ms330 تولاه علي - رضي الله عنه - لأجل العادة التي كانت ~~في العرب. # وأيضا، فالأمان الذي كان لحجاج البيت لم يكن بعهد من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأمان منه، بل كان هذا دينهم في الجاهلية، وقام الإسلام عليه ~~حتى أنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] ، فبهذه الآية منعوا، لا بالبراءة من ~~المعاهدين، وقد كان أنزل الله فيهم: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر ~~الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون ~~فضلا من ربهم ورضوانا} [المائدة: 2] ، فنهوا عن التعرض لقاصديه مطلقا، ثم ~~لما منع منه المشركون، وعلموا أنهم ممنوعون من جهة الله تعالى، كان من ~~أمنهم بعد ذلك ظالما لنفسه محاربا لله ورسوله. # PageV02P889 # وأما القتل في الشهر الحرام فقد كان محرما بقوله: {يسألونك عن الشهر ~~الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} [البقرة: 217] . # وفي نسخه قولان للسلف: فإن كان لم ينسخ لم يكن في الآية إذن فيه، وإن كان ~~منسوخا فليس في " البراءة " ما يدل على نسخه، ولا قال أحد من السلف: إن هذه ~~الآية أباحت القتال في الشهر الحرام، وإنها الناسخة لتحريمه، فإن هذه الآية ~~إنما فيها البراءة من المعاهدين، والشهر الحرام، كان تحريمه عاما، فلم يكن ~~يجوز أن يقاتل فيه المحاربون وآية تحريم القتال فيه إنما نزلت بسبب ابن ~~الحضرمي قبل، ولم يكونوا معاهدين، وإنما عاهدهم بعد بدر بأربع سنين. # وأيضا، فإنه استثنى من الذين تبرأ إليهم من عاهده عند المسجد الحرام، ~~وأولئك لا يباح قتالهم لا في الشهر الحرام ولا غيره، فكيف يكون الذي # PageV02P890 # أباحه إنما هو القتال في الشهر الحرام؟ # وأيضا، فالأشهر الحرم في قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} [التوبة: 5] ، ~~إن كانت " الثلاثة ورجبا "، فهذا يدل على بقاء التحريم فيها، فبطل هذا ~~القول، وإن كانت " الأربعة التي أولها يوم الحج الأكبر عام حج أبو بكر - ~~رضي الله عنه -، وآخرها ربيع "، فقد حرم فيها قتال من ليس له عهد، وأباح ~~قتالهم ms331 إذا انقضت، فلو كان إنما أباح قتال من كان يباح قتاله في الأشهر ~~الحرم ولا عهد له، فهذا محارب محض لا حاجة إلى تأجيله أربعة أشهر، فإن ~~قتاله كان مباحا عند هؤلاء في غير الأربعة. # وأيضا فعلى هذا التقدير، إنما أباح الله قتل من نبذ إليه العهد إذا انقضت ~~هذه الأربعة، كما قال: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} [التوبة: 5] . # فلو كان قتال هؤلاء الذين نبذ إليهم العهود مباحا في غيرها لم يشترط في ~~حله انقضاء الأربعة أشهر: فإن ذلك يقتضي أن قتالهم مباح إذا انقضت الأربعة، ~~فإن المعلق بالشرط عدم عند عدمه، فكيف يقال: إن قتالهم كان مباحا، سواء ~~انقضت هذه أو لم تنقض؟ وإنما كان يحرم قتالهم في تلك الأربعة لا مطلقا. # فهذه التكلفات التي يظهر فيها من تحريف القرآن ما يبين فسادها بناها ~~أصحابها على أصل فاسد، وهو أن المعاهدين لا يكون عهدهم إلا إلى أجل مسمى! ~~وهو خلاف الكتاب والسنة، وخلاف الأصول وخلاف مصلحة # PageV02P891 # العالمين. # فإذا علم أن المعاهدين يتناول النوعين، وأن الله أمر بنبذ العهد الذي ليس ~~بعقد لازم، وأمر بالوفاء بالعهد اللازم، كان في هذا إقرار للقرآن على ما دل ~~عليه، ووافقته عليه السنة وأصول الشرع، ومصالح الإسلام، والله المستعان. # PageV02P892 ### | [ذكر أحكام أطفال أهل الذمة] ### | [الباب الأول ذكر أحكام أطفالهم في الدنيا] # ذكر أحكام أطفالهم # وفيه بابان: # الباب الأول: في ذكر أحكامهم في الدنيا # والباب الثاني: في ذكر أحكامهم في الآخرة # PageV02P893 # الباب الأول # [ذكر أحكامهم في الدنيا] . # لما كان الطفل غير مستقل بنفسه لم يكن له بد من ولي يقوم بمصالحه، ويكون ~~تابعا له، وأحق من نصب لذلك الأبوان، إذ هما السبب في وجوده، وهو جزء ~~منهما، ولهذا كان لهما من الحق عليه ما لم يكن لأحد سواهما، فكانا أخص به، ~~وأحق بكفالته، وتربيته من كل أحد، وكان من ضرورة ذلك أن ينشأ على دينهما ~~كما ينشأ على لغتهما، " «فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه» "، فإن كانا ~~موحدين مسلمين ربياه على التوحيد، فاجتمع له ms332 الفطرة الخلقية وتربية ~~الأبوين، وإن كانا كافرين أخرجاه عن الفطرة التي فطره الله عليها بتعليمه ~~الشرك وتربيته عليه، لما سبق له في " أم الكتاب ". # فإذا نشأ الطفل بين أبويه كان على دينهما شرعا وقدرا، فإن تعذر تبعيته ~~للأبوين بموت، أو انقطاع نسب كولد الزنا، والمنفي باللعان، واللقيط، ~~والمسبي، والمملوك: فاختلف الفقهاء في حكم الطفل في هذه الحال، ونحن نذكر ~~ذلك مسألة مسألة. # PageV02P895 ### | [فصل موت الأبوين أو أحدهما] # فأما المسألة الأولى وهي موت الأبوين، أو أحدهما. # فاختلف فيها على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لا يصير بذلك مسلما، بل هو على دينه، وهذا قول الجمهور، وربما ~~ادعى فيه أنه إجماع معلوم متيقن، لأنا نعلم أن أهل الذمة لم يزالوا يموتون، ~~ويخلفون أولادا صغارا، ولا نعرف قط أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ولا أحدا من الخلفاء الراشدين بعده، ولا من بعدهم من الأئمة حكموا بإسلام ~~أولاد الكفار بموت آبائهم، ولا نعرف أن ذلك وقع في الإسلام مع امتناع إهمال ~~هذا الأمر، وإضاعته عليهم، وهم أحرص الناس على الزيادة في الإسلام والنقصان ~~من الكفر، وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد - في إحدى ~~الروايتين عنه - اختارها شيخنا، رحمه الله. # الثاني: أنه يحكم بإسلام الأطفال بموت الأبوين، أو أحدهما، سواء ماتا في ~~دار الحرب، أو في دار الإسلام، وهذا قول في مذهب أحمد، اختاره بعض أصحابه، ~~وهو معلوم الفساد بيقين لما سنذكره. # والقول الثالث: أنه يحكم بإسلامهم إن مات الأبوان، أو أحدهما في دار ~~الإسلام، ولا يحكم بإسلامهم إن ماتا في دار الحرب، وهذا هو المنصوص عن ~~أحمد، وهو اختيار عامة أصحابه، واحتجوا على ذلك بقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: " «كل مولود يولد على الفطرة: فأبواه يهودانه # PageV02P896 # وينصرانه ويمجسانه» " متفق عليه. # قالوا: فجعل كفره بفعل أبويه، فإذا مات أحدهما انقطعت التبعية، فوجب ~~إبقاؤه على الفطرة التي ولد عليها. # قالوا: ولأن المسألة مفروضة فيمن مات أبواه في دار الإسلام، وقضية الدار ~~الحكم بإسلام أهلها، ولذلك حكمنا بإسلام لقيطها، وإنما ثبت الكفر للطفل ~~الذي ms333 له أبوان، تغليبا لتبعية الأبوين على حكم الدار، فإذا عدما، أو أحدهما ~~وجب إبقاؤه على حكم الدار، لانقطاع تبعيته للكافر. # قالوا: ومما يوضح ذلك أن الطفل يصير مسلما - تبعا لإسلام أبيه - فكذلك ~~إنما صار كافرا، تبعا لكفر أبيه، فإذا مات الأب زال من يتبعه في كفره، فكان ~~الإسلام أولى به لثلاثة أوجه: # أحدها: أنه مقتضى الفطرة الأصلية التي فطر الله عليها عباده، وإنما ~~عارضها فعل الأبوين، وقد زال العارض، فعمل المقتضى عمله. # الثاني: أن الدار دار الإسلام، ولو اختلط فيها ولد الكافر بولد المسلم - ~~على وجه لا يتميزان - حكمنا بإسلامهما تغليبا للدار، ولو وجد فيها لقيط في ~~محلة الكفار لا يعرف له أب حكمنا بإسلامه تغليبا للدار، وإنما عارض الدار ~~قوة تبعية الأبوين، وقد زالت بالموت، فعمل مقتضى الدار عمله. # الثالث: أنه لو سبي الطفل منفردا عن أبويه كان مسلما عند الأئمة # PageV02P897 # الأربعة، وغيرهم، بل ولو سبي مع أحد أبويه لكان مسلما في أصح الروايتين، ~~بل أصح القولين أنه يحكم بإسلامه، ولو سبي معهما، وهو مذهب الأوزاعي، وأهل ~~الشام، وإحدى الروايتين عن أحمد، فإذا حكم بإسلامه في بعض هذه الصور ~~اتفاقا، وفي بعضهما بالدليل الصحيح، كما سنذكره - مع تحقق وجود الأبوين، ~~وإمكان عوده إلى تبعيتهما - فلأن نحكم بإسلامه مع تحقق عدم الأبوين، ~~واستحالة تبعيتهما أولى وأحرى. # وسر المسألة: أنه تبع لهما في الإسلام، والكفر، فإذا عدما زالت تبعيته، ~~وكانت الفطرة الأولى أولى به. # يوضحه أنه لو مات أقاربه جميعا، ورباه الأجانب من الكفار، فإنه لا يجوز ~~جعله كافرا، إذ فيه إخراج عن الفطرة التي فطر الله عليها خلقه بلا موجب، ~~وهذا ممتنع إذ يتضمن إدخال من فطر على التوحيد في الكفر من غير تبعية لأحد ~~من أقاربه وهذا في غاية الفساد، فإذا عدم الأبوان لم تكن الولاية على الطفل ~~لغيرهما من أقاربه، كما لا تثبت على أطفال المسلمين، بل تكون الولاية عليه ~~للمسلمين، وحينئذ فيكون محكوما بإسلامه كالمسبي بدون أبويه، وأولى. # فإن قيل: فهل تورثونه من الميت منهما؟ قلنا: نعم، ms334 نورثه. # نقله الحربي، فقال: " وكذلك من مات من الأبوين على كفره قسم له - يعني ~~للطفل - الميراث، وكان مسلما بموت من مات منهما " وذلك # PageV02P898 # كاف؛ لأن إسلامه إنما يثبت بموت أبيه الذي استحق به الميراث، فلم يتقدم ~~الإسلام المانع عن الميراث على سبب استحقاقه، ولأن الحرية المعلقة بالموت ~~لا توجب الميراث فيما إذا قال سيد لعبد له: إذا مات أبوك فأنت حر، فمات ~~أبوه، فإنه يعتق ولا يرث، فيجب أن يكون الإسلام المعلق بالموت لا يمنع ~~الميراث، فهناك موجب الميراث فلم يوجبه، وهنا مانع الميراث علق بالموت فلم ~~يمنعه. # وأيضا فكونه " وارثا " أمر ثابت له قبل الموت، ولهذا يمنع المريض من ~~التصرف في الزائد على الثلث من ماله، فبالموت عمل المقتضى المتقدم لأخذ ~~المال عمله، وهو البعضية والبنوة، وهذا بخلاف الإسلام، فإنه لم يكن ثابتا ~~له قبل الموت، بل كان كافرا حكما، وإنما تجدد له الإسلام بموت الأب، وهناك ~~لم يتجدد كونه وارثا بموت الأب، وإنما تجدد بالموت انتقال التركة إليه وهذا ~~ظاهر جدا. # فإن قيل: فما تقولون لو مات أبوه الكافر وهو حمل، هل يرثه؟ قلنا: لا ~~يرثه، لأنا نحكم بإسلامه بمجرد موته قبل الوضع، نص على هذا أحمد، فيسبق ~~الإسلام المانع من الميراث لاستحقاق الميراث، وهذا بناء على أنه لا يرث ~~المسلم الكافر، وأما على القول الذي اختاره شيخنا فإنه يرثه، وكذلك لو كان ~~الحمل من غيره، فأسلمت أمه قبل وضعه، بأن يموت الذمي، ويترك امرأة أخيه ~~حاملا من أخيه الذمي، فتسلم أمه قبل وضعه، فنحكم بإسلامه قبل استحقاقه ~~الميراث. # فإن قيل: فيلزمكم أن تحكموا بإسلام أولاد الزنا من أهل الذمة، لانقطاع ~~أنسابهم من آبائهم، قيل: قد التزمه أصحاب هذا القول، وحكموا # PageV02P899 # بإسلامهم طردا لهذه القاعدة، وهذا ليس بجيد، فإن من انقطع نسبه من جهة ~~أبيه قامت أمه مقام أبيه في التعصيب، ولهذا تكون أمه وعصباتها عصبة له، ~~يرثون منه كما يرث الأب وعصباته، لانقطاع نسبه من جهة الأب، ويلزمهم على ~~هذا أن يحكموا بإسلام ولد الذمي إذا لاعن ms335 عليه، لانقطاع نسبه من جهة الأب، ~~وهذا لا نعلم قائله من السلف. # وأما إذا اختلط أولاد الذمة بأولاد المسلمين، ولم يتميزوا، فإنه يحكم ~~بإسلامهم، نص عليه أحمد في رواية المروذي، فإنه قال: قلت لأبي عبد الله: ما ~~تقول في رجل مسلم ونصراني في دار، ولهما أولاد، فلم يعرف ولد النصراني من ~~ولد المسلم؟ قال: " يجبرون على الإسلام ". # أحمد حكم بإسلام الأولاد هاهنا؛ لأن بعضهم مسلم قطعا، وقد اشتبه بالكافر ~~فغلب جانب الإسلام، ولا يلزم من هذا الحكم بإسلام من انقطع نسبه من جهة ~~أبيه لكونه ولد زنا أو منفيا بلعان، إذ لم يوجد هناك من يغلب لأجله ~~الإسلام، بل ولا شبهة إسلام. ### | [فصل متى يحكم بإسلام الطفل] ### | 169 - # فصل # [متى يحكم بإسلام الطفل] . # ونحن نذكر قاعدة فيما يقتضي الحكم بإسلام الطفل، وما لا يقتضيه، # PageV02P900 # فنقول: إسلام الصبي يحصل بخمسة أشياء، متفق على بعضها، ومختلف في بعضها: # الأول: إسلامه بنفسه إذا عقل الإسلام، فيصح عند الجمهور، وهو مذهب أبي ~~حنيفة، ومالك، وأحمد، وأصحابهم. # والذين قالوا بصحة إسلامه قالوا: يصح باطنا، وظاهرا، حتى لو رجع عنه أجبر ~~عليه، ولو أقام على رجوعه كان مرتدا، ومنصوص عن الشافعي: أنه لا يصح ~~إسلامه، ولأصحابه وجهان آخران: # أحدهما: أنه يوقف إسلامه، فإن بلغ واستمر على حكم الإسلام تيقنا أنه كان ~~مسلما من يومئذ، وإن وصف الكفر تبينا أنه كان لغوا، وقد عبر عن هذا بصحة ~~إسلامه ظاهرا لا باطنا. # والوجه الثاني: أنه يصح إسلامه، حتى يفرق بينه وبين زوجته الكافرة، ويورث ~~من قريبه المسلم، وهو اختيار الإصطخري. # قالوا: وعلى هذا لو ارتد صحت ردته، ولكن لا يقتل حتى يبلغ فإن رجع إلى ~~الإسلام، وإلا قتل، وأما على منصوص الشافعي فقد يقال: يحال بينه وبين أبويه ~~وأهله الكفار لئلا يفتنوه، فإن بلغ ووصف الكفر هدد وطولب بالإسلام، فإن أصر ~~رد إليهم، وهل هذه الحيلولة مستحبة أو واجبة؟ فيه وجهان، أصحهما: أنها ~~مستحبة، فيتلطف بوالديه ليؤخذ منهما، فإن أبيا فلا حيلولة. # هذا في أحكام الدنيا، فأما ما ms336 يتعلق بالآخرة، فقال الأستاذ # PageV02P901 # أبو إسحاق: إذا أضمر كما أظهر كان من الفائزين بالجنة، ويعبر عن هذا بصحة ~~إسلامه باطنا لا ظاهرا. # قال في " النهاية ": وفي هذا إشكال؛ لأن من حكم له بالفوز لإسلامه كيف لا ~~نحكم بإسلامه؟ وأجيب عنه: بأنه قد نحكم له بالفوز في الآخرة، وإن لم تجر ~~عليه أحكام الإسلام في الدنيا، كمن لم تبلغه الدعوة. # والذين قالوا: " لا يصح إسلامه " احتجوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: " «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن ~~النائم حتى يستيقظ» " وهو حديث حسن. # PageV02P902 # قالوا: ولأنه قول تثبت به الأحكام في حقه، فلم يصح منه كالهبة، والبيع، ~~والعتق، والإقرار، قالوا: ولأنه غير مكلف، فلم يصح إسلامه كالمجنون، ~~والنائم. # قالوا: ولأنه قبل البلوغ في حكم الطفل الذي لا يعقل ما يقول، ولهذا كانت ~~أقواله هدرا. # قالوا: ولأنه لو صح إسلامه لصحت ردته. # قال المصححون لإسلامه: هو من أهل قول: " لا إله إلا الله "، وقد حرم الله ~~على النار من قال: " لا إله إلا الله "، ومن قال: " لا إله إلا الله " دخل ~~الجنة. # قالوا: وهو مولود على الفطرة التي فطر الله عليها عباده، فإذا تكلم بكلمة ~~الإسلام فقد نطق بموجب الفطرة، فعملت الفطرة والكلمة عملهما. # PageV02P903 # قالوا: وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا المعنى بقوله: " ~~«كل مولود يولد على الفطرة» " وفي لفظ " «على هذه الملة: فأبواه يهودانه، ~~وينصرانه، ويمجسانه حتى يعرب عنه لسانه، فإما شاكرا وإما كفورا» "، فجعل ~~الغاية إعراب لسانه عنه: أي بيان لسانه عنه، فإذا أعرب لسانه عنه صار إما ~~شاكرا، وإما كفورا بالنص، ولأنه إذا بلغ سن التمييز، وعقل ما يقول، صار له ~~إرادة، واختيار، ونطق يترتب عليه به الثواب، وإن تأخر ترتب عليه العقاب إلى ~~ما بعد البلوغ، فلا يلزم من انتفاء صحة أسباب العقاب انتفاء صحة أسباب ~~الثواب، فإن الصبي يصح حجه، وطهارته، وصلاته، وصيامه، وصدقته، وذكره، ويثاب ~~على ذلك، وإن لم يعاقبه على تركه فباب الثواب لا يعتمد ms337 على البلوغ، ولم يقم ~~دليل شرعي على إهدار أقوال الصبي بالكلية، بل الأدلة الشرعية تقتضي اعتبار ~~أقواله في الجملة. # وقد أمر الله تعالى بابتلاء اليتامى، وهو اختبارهم في عقودهم ومعاملاتهم، ~~ولهذا كان قول الجمهور، أن ذلك يحصل بإذنه له في العقد، ولا يحتاج إلى أن ~~يأذن له في المراوضة، ثم بعقد وليه. # وقد ذهب عبد الله بن الزبير، وأهل المدينة، وأحمد في إحدى الروايات إلى ~~قبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض في جراحاتهم إذا كانوا منفردين. # PageV02P904 # وقد ذهب جماعة من الفقهاء إلى صحة وصية الصبي، وطلاقه، وظهاره، وإيلائه، ~~ولم يزل الصبيان يذهبون في حوائج أوليائهم وغيرهم، ويقبلون قولهم في ثبوت ~~الأسباب التي تقتضي الحل، والحرمة ويعتمدون في وطء الفرج في الأمة والزوجة ~~على قول الصبي، فلم يهدر الشارع أقوال الصبي كلها. # بل إذا تأملنا الشرع رأينا اعتباره لأقواله أكثر من إهداره لها، وإنما ~~تهدر فيما فيه عليه ضرر، كالإقرار بالحدود، والحقوق، فأما ما هو نفع محض له ~~في الدنيا، والآخرة كالإسلام، فاعتبار قوله فيه أولى من إهداره، إذ أن أصول ~~الشرع تشهد باعتبار قوله فيه. # وأيضا فإن الإسلام عبادة محضة، وطاعة لله، وقربة له، فلم يكن البلوغ شرطا ~~في صحتها: كحجه وصومه، وصلاته، وقراءته، وأن الله تعالى دعا عباده إلى دار ~~السلام، وجعل طريقها الإسلام، وجعل من لم يجب دعوته في الجحيم، والعذاب ~~الأليم، فكيف يجوز منع الصبي من إجابة دعوة الله مع مسارعته، ومبادرته ~~إليها، وسلوكه طريقها، وإلزامه بطريق أهل الجحيم، والكون معهم، والحكم عليه ~~بالنار، وسد طريق النجاة عليه مع فراره إلى الله منها؟ هذا من أمحل المحال، ~~ولأن هذا إجماع الصحابة، فإن عليا - رضي الله عنه - أسلم صبيا، وكان يفتخر ~~بذلك، ويقول. # سبقتكم إلى الإسلام طرا ... صبيا ما بلغت أوان حلمي # فكيف يقال: إن إسلامه كان باطلا لا يصح؟ ولهذا قال غير واحد من التابعين، ~~ومن بعدهم: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء ~~خديجة، ومن العبيد بلال، ومن الموالي زيد. # PageV02P905 # وقال ms338 عروة بن الزبير: أسلم علي، والزبير وهما ابنا ثمان سنين، وبايع عبد ~~الله بن الزبير وعمره سبع سنين، أو ثمان، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لما رآه. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: كنت أنا وأمي من المستضعفين بمكة "، ~~ومات النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يحتلم، ولم يرد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - على أحد من الصبيان إسلامه قط، بل كان يقبل إسلام الصغير ~~والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، ولم يأمر هو، ولا أحد من خلفائه، ~~ولا أحد من أصحابه صبيا أسلم قبل البلوغ - عند البلوغ - أن يجدد إسلامه، ~~ولا عرف هذا في الإسلام قط. # PageV02P906 # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «رفع القلم عن ثلاثة» " فلم يرد به ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه لا يصح إسلامه، ولا ذكره، ولا قراءته، ~~ولا صلاته، ولا صيامه، فإنه لم يخبر أن قلم الثواب مرفوع عنه، وإنما مراده ~~بهذا الحديث رفع قلم التأثيم، وأنه لا يكتب عليه ذنب، والإسلام أعظم ~~الحسنات، وهو له لا عليه، فكيف يفهم من رفع القلم عن الصبي بطلانه، وعدم ~~اعتباره، والإسلام له لا عليه، ويسعد به في الدنيا والآخرة؟ # فإن قيل: فالإسلام يوجب الزكاة في ماله، ونفقة قريبه المسلم، ويحرمه ~~ميراث قريبه الكافر، ويفسخ نكاحه، وهذه أحكام عليه لا له، فتكون مرفوعة عنه ~~بالنص، ويستحيل رفعها مع قيام سببها، فيلزم من رفعها رفع سببها: وهو ~~الإسلام، فالجواب من وجوه. # أحدها: أن يقال: للناس في وجوب الزكاة عليه قولان: # أحدهما: لا تجب عليه، فلا يصح الإلزام بها. # والثاني: تجب في ماله، وهي نفع محض له، تعود عليه بركتها في العاجل، ~~والآجل، فهي الحقيقة له لا عليه. # وأما نفقة قريبه فقد قدمنا أن الصحيح وجوبها مع اختلاف الدين، فلم يتجدد ~~وجوبها بالإسلام، وإن تجدد وجوبها بالإسلام، فالنفع الحاصل له بالإسلام في ~~الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف الضرر الحاصل بتلك النفقة، # PageV02P907 # وليس في شرع الله، ولا في قدره إضاعة الخير العظيم لما في ضمنه من شر ~~يسير لا نسبة له ms339 إلى ذلك الخير ألبتة، بل مدار الشرع، والقدر على تحصيل ~~أعلى المصلحتين بتفويت أدناهما، وارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما. # وأما حرمانه الميراث من قريبه الكافر فجوابه من وجوه: # أحدهما: أن هذا يلزمهم نظيره، إذ قد يكون له قريب مسلم، فإن لم يصحح ~~إسلامه منع ميراثه منه، وفي ذلك تفويت مصلحة دنياه وآخرته. # الثاني: أنا قد قدمنا أن مذهب كثير من الصحابة، وجماعة من التابعين: أن ~~المسلم يرث الكافر دون العكس، وبينا رجحان هذا القول بما فيه كفاية. # الثالث: أنه ولو حرم الميراث فما حصل له من عز الإسلام، وغناه، والفوز به ~~خير له مما فاته من شيء لا يساوي جميعه، وأضعاف مثقال ذرة من الإيمان. # الرابع: أن هذا أمر متوهم، فإنه قد لا يكون له مال يزكيه، ولا قرابة ينفق ~~عليه، ولا مال ينفق منه على قرابته، فكيف يجوز منع صحة الإسلام المتحقق ~~النفع في الدنيا والآخرة خوفا من حصول هذا الأمر المتوهم الذي قد لا يكون ~~له حقيقة أصلا في حق كثير من الأطفال؟ ولو كان محققا فهو مجبور بميراثه من ~~أقاربه المسلمين، ومجبور بعز الإسلام، وفوائده التي لا يحصيها إلا الله. ~~ومثال تعطيل هذا النفع العظيم لأجل هذا الضرر المتوهم الذي لو كان موجودا ~~لكان يسيرا جدا، مثال من عطل منفعة الأكل لما فيها # PageV02P908 # من تعب تحريك الفم، وخسارة المال، وعطل منفعة اللبس لما فيها من مفسدة ~~خسارة الثمن، وتوسيخ الثياب وتقطيعها، بل الأمر أعظم من ذلك، فلو فرض في ~~الإسلام أعظم مضرة تقدر في المال، والبدن لكانت هباء منثورا بالنسبة إلى ~~مصلحته، ومنفعته. ### | [فصل شروط إسلام الصبي] ### | 170 - # فصل # [شروط إسلام الصبي] . # إذا ثبت هذا فقال الخرقي: " والصبي إذا كان له عشر سنين، وعقل الإسلام ~~فهو مسلم، فشرط لصحة إسلامه شرطين: # أحدهما: أن يكون له عشر سنين. # والثاني: أن يعقل الإسلام. # فأما هذا الثاني فلا خلاف في اشتراطه، فإن الطفل الذي لا يعقل لا يتحقق ~~فيه اعتقاد الإسلام، وكلامه لا عبرة به، فلا يدل على إرادته، وقصده. ms340 # وأما الشرط الأول، فقال الشيخ في " المغني ": " أكثر المصححين لإسلامه لم ~~يشترطوا ذلك، ولم يحدوا له حدا من السنين. وهكذا حكاه ابن المنذر عن أحمد: ~~يعني أنه يصح إسلامه من غير تقييد بحد، وروي عن أحمد: إذا كان له سبع سنين ~~فإسلامه إسلام؛ لأن النبي - صلى الله عليه # PageV02P909 # وسلم - قال: " «مروهم بالصلاة لسبع» " فدل على أن ذلك حد لأمرهم وصحة ~~عباداتهم فيكون حدا لصحة إسلامهم " انتهى. # والمشهور في المذهب: أن الصبي إذا عقل الإسلام صح إسلامه من غير اعتبار ~~حد من السنين، والخرقي قيده بعشر، وقيده غيره بتسع، حكاه أبو عبد الله بن ~~حمدان، ونص أحمد في رواية على السبع، وقال ابن أبي شيبة: " إذا أسلم وله ~~خمس سنين جعل إسلامه إسلاما ". # PageV02P910 # قال في " المغني ": " ولعله يقول: إن عليا أسلم، وهو ابن خمس سنين؛ لأنه ~~قد قيل: إنه مات وهو ابن ثمان وخمسين، فعلى هذا يكون إسلامه لخمس سنين؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام من حيث بعث إلى أن توفي ثلاثا وعشرين ~~سنة، وعاش علي - رضي الله عنه - بعد ذلك ثلاثين سنة، فذلك ثلاث وخمسون سنة، ~~فإذا مات عن ثمان وخمسين لزم قطعا أن يكون وقت المبعث له خمس سنين " انتهى. # وهذا مما اختلف فيه فروى قتادة، عن الحسن، وغيره، قال: أول من أسلم بعد ~~خديجة علي، وهو ابن خمس عشرة سنة أو ست عشرة. # PageV02P911 # قلت: وصاحب هذا القول يلزمه أن يكون سنه يوم مات سبعين سنة إلا سنتين، ~~وهذا لم يقله أحد كما سيأتي. # وقال الحسن بن زيد بن الحسن: أسلم علي، وله تسع سنين. # وذكر الليث، عن أبي الأسود، عن عروة قال: أسلم علي وهو ابن ثمان سنين. # وذكر مقسم، عن ابن عباس أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع الراية إلى ~~علي وله عشرون سنة» أراد الراية يوم بدر، وكانت في السنة الثانية من ~~الهجرة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، فهذا يدل على أن إسلامه كان لخمس سنين، ~~فإنه إذا كان له يوم بدر عشرون ms341 سنة كان بينه وبين المبعث خمس عشرة، ولا يصح ~~أن تكون هذه راية فتح خيبر؛ لأنه يلزم أن يكون له وقت المبعث سنة واحدة. # PageV02P912 # ولذلك قال مسعر، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن «رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - دفع الراية إلى علي يوم بدر، وهو ابن عشرين سنة» . # قال الحاكم: هذا على شرط البخاري ومسلم. # وأما حديث الأجلح، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن علي - رضي الله # PageV02P913 # عنه قال: " ما أعرف أحدا من هذه الأمة عبد الله بعد نبيها غيري، عبدت ~~الله قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة سبع سنين "، فالأجلح وإن كان صدوقا، ~~فإنه شيعي. # PageV02P914 # وهذا الحديث معلوم بطلانه بالضرورة: فإن عليا - رضي الله عنه - لم يعبد ~~الله قبل جميع الصحابة سبع سنين بحيث بقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بعد المبعث سبع سنين لم يستجب له أحد في هذه المدة، هذا معلوم بطلانه قطعا ~~عند الخاصة، والعامة، اللهم إلا أن يريد قبل المبعث كما كان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يتعبد بغار حراء قبل أن يوحى إليه، ومع # PageV02P918 # ذلك فلا يصح هذا؛ لأنه إذا كان قد عبد الله قبل المبعث سبع سنين فلا بد ~~أن يكون في سن من يميز عند العبادة، فأقل ما يكون له سبع سنين إذ ذاك فيكون ~~المبعث قد قام، وله أربع عشرة سنة، وأقام بمكة بعد المبعث ثلاث عشرة، فهذه ~~سبع وعشرون سنة، وكانت بدر في السنة الثانية، فيكون سنه يوم أخذ الراية ~~ثلاثين إلا سنة، فيكون ابن عباس - رضي الله عنهما - قد حطه من عمره إذ ذاك ~~تسع سنين. # قلت: ولعل لفظه " صليت قبل الناس لسبع سنين " فقصرت اللام فأسقطها الكاتب ~~فصارت " سبع سنين "، فهذا محتمل وهو أقرب ما يحمل عليه الحديث إن صح. # وبالجملة، فلا ريب أنه أسلم قبل البلوغ. # أما على قول ابن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: إن عليا قتل وهو ابن ~~ثمان وخمسين سنة، فظاهر، فإنه قتل سنة أربعين، فيكون ms342 له وقت # PageV02P919 # المبعث خمس سنين، ولعل هذا مأخذ أبي بكر بن أبي شيبة: إذ صحح إسلام الصبي ~~لخمس سنين. # وأما على قول حسن بن زيد بن علي، عن جعفر، عن أبيه: إنه قتل وله ثلاث ~~وستون سنة، فيكون له وقت المبعث عشر سنين: تابعه أبو إسحاق السبيعي، وأبو ~~بكر بن عياش. # وقال ابن جريج: أخبرني محمد بن عمر بن علي: أن عليا توفي لثلاث وستين أو ~~أربع وستين. # PageV02P920 # وأرفع ما قيل في وفاته ما رواه خباب بن علي، عن معروف، عن أبي جعفر أنه ~~هلك وله خمس وستون سنة، وعلى هذا، فيكون له عند المبعث اثنتا عشرة سنة، ~~ولكن يبطل هذا ما قدمنا عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن «رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - دفع الراية إلى علي - رضي الله عنه - يوم بدر، وله ~~عشرون سنة» والله أعلم. # PageV02P921 ### | [فصل يتبع الولد أبويه إذا أسلما] ### | 171 - # فصل # [يتبع الولد أبويه إذا أسلما] . # الجهة الثانية: إسلام الأبوين، أو أحدهما، فيتبعه الولد قبل البلوغ. ~~والمجنون لا يتبع جده، ولا جدته في الإسلام، هذا مذهب أحمد، وأبي حنيفة. # وقال مالك: لا يتبع أمه في الإسلام، بل تختص التبعية بالأب؛ لأن النسب له ~~والولاية على الطفل له، وهو عصبة، وقد قال تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ~~ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} [الطور: 21] ، والذرية إنما تنسب إلى ~~الأب، وخالفه ابن وهب فوافق الجمهور في تبعية الأب والأم. # وقال الشافعي: يتبع الأبوين، وإن علوا سواء كانا وارثين، أو لم يكونا ~~وارثين، قال أصحابه: فإذا أسلم الجد، أو الأب، أو أبو الأم تبعه الصبي إن ~~لم يكن أبو الصبي حيا قطعا، وإن كان حيا فعلى وجهين: الأصح أنه يتبعه. # قالوا: فإذا بلغ الصبي، فإن أفصح بالإسلام تأكد ما حكمنا به، وإن أفصح ~~بالكفر فقولان: المشهور أنه مرتد؛ لأنه سبق الحكم بإسلامه، فأشبه الإسلام ~~اختيارا، وكما إذا حصل العلوق في حال الإسلام. # PageV02P922 # والثاني: أنه كافر أصلي؛ لأنه محكوم بكفره أولا، وأزيل تبعا، فإذا استقل ~~زالت التبعية. # والدليل على ms343 تبعيته لأمه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «فأبواه ~~يهودانه، وينصرانه» "، وإنما أراد من وجد من أبويه، فإذا تبع أحد الأبوين ~~في كفره فلأن يتبعه في الإسلام بطريق الأولى. # وقولهم: إن الولاية، والتعصيب للأب، فتكون التبعية له دون الأم، فيقال: ~~ولاية التربية، والحضانة والكفالة للأم دون الأب، وإنما قوة ولاية الأب على ~~الطفل في حفظ ماله، وولاية الأم في التربية، والحضانة أقوى: فتبعية الطفل ~~لأمه في الإسلام إن لم تكن أقوى من تبعية الأب فهي مساوية له. # وأيضا، فالولد جزء منها حقيقة، ولهذا تبعها في الحرية، والرق اتفاقا دون ~~الأب، فإذا أسلمت تبعها سائر أجزائها، والولد جزء من أجزائها، يوضحه أنها ~~لو أسلمت وهي حامل به حكم بإسلام الطفل تبعا لإسلامها؛ لأنه جزء من ~~أجزائها، فيمتنع بقاؤه على كفره مع الحكم بإسلام أمه. ### | 172 - # فصل # [تبعية الطفل لجده وجدته] . # وأما تبعيته لجده، وجدته فالجمهور منعوا منه، والشافعي قال به طردا لأصله ~~في إقامة الجد مقام الأب، ولكن قد نقض هذا الأصل في عدة مواضع، فلم يطرده ~~في إسقاطه للإخوة، ولا في توريث الأم معه ثلث الباقي إذا كان معها أحد ~~الزوجين. # PageV02P923 # وقد ألزم الشافعي إسلام الخلق كلهم تبعا لآدم، فإنه لم يقتصر بذلك على ~~الجد الأدنى، ولا يغني الاعتذار بحياة الأب لوجهين: # أحدهما: أن كثيرا من الأطفال يموت آباؤهم مع إسلام أجدادهم. # والثاني: أن وجود الأب عندهم ليس بمانع من تبعية الطفل لجده في الإسلام ~~في أصح الوجهين. لكن لا يلزم الشافعي هذا الإلزام؛ لأنه إنما يحكم بتبعية ~~الطفل جده في الإسلام إذا أسلم الجد، والطفل موجود، فأما إذا ولد الطفل ~~كافرا بعد موت الجد فلا يحكم أحد بإسلامه، وإلا كان كل ولد من أولاد الكفار ~~يكون مسلما، وهذا باطل قطعا. ### | [فصل هل يحكم بإسلام الطفل المسبي] ### | 173 - # فصل # [هل يحكم بإسلام الطفل المسبي؟] # الجهة الثالثة: تبعية السابي، فإذا سبي الطفل منفردا عن أبويه حكم ~~بإسلامه لأنه صار تحت ولايته، وانقطعت ولاية الأبوين عنه، هذا مذهب الأئمة ~~الأربعة، وقال صاحب ms344 " المهذب ": في الحكم بإسلامه وجهان: # قال: وظاهر المذهب أنه لا يحكم بإسلامه. # وقال صاحب " الروضة "، وشذ بهذا، وليس بشيء، والصواب - المقطوع به في كتب ~~المذهب - الحكم بإسلامه، قال: وإنما ذكرت هذا لئلا # PageV02P924 # يغتر به، فلو سباه ذمي لم نحكم بإسلامه. # وللشافعية وجهان هذا أحدهما. # والثاني: نحكم بإسلامه لأنه من أهل الدار. # قالوا: والصحيح أنه لا يحكم بإسلامه؛ لأن كونه من أهل دار الإسلام لا ~~يؤثر فيه، ولا في أولاده، قالوا: وعلى هذا، لو باعه الذمي لمسلم لا يحكم ~~بإسلامه أيضا؛ لأن التبعية إنما تثبت في ابتداء السبي، فإن سبي مع أبويه - ~~أو مع أحدهما - فلأصحاب أحمد فيه طرق: # إحداها: أنه إن سبي مع أبويه فهو على دينهما، وإن سبي مع أحدهما تبع ~~سابيه، وهذه طريقة أبي الخطاب وغيره. # والثانية: أنه إن سبي منفردا تبع سابيه، وإن سبي مع أحد أبويه ففيه ~~روايتان: # إحداهما: يتبع سابيه. # والثانية: يتبع من سبي معه، وهي طريقة القاضي، وأبي البركات وغيرهما. # الطريقة الثالثة: أن الروايتين في المسألتين أعني إذا سبي مع أبويه، أو ~~مع أحدهما: وهذه طريقة ابن أبي موسى. # PageV02P925 # وقالت المالكية: متى سبي مع أبيه تبعه، وإن سبي منفردا، أو مع أمه تبع ~~سابيه. # وقال الحنفية: إذا سبي الطفل فما دام في دار الحرب، فهو على دين أبويه، ~~فإن أدخل إلى دار الإسلام، فإن كان معه أبواه، أو أحدهما فهو على دينهما، ~~ولو مات الأبوان بعد ذلك فهو على ما كان، وإن لم يكن معه واحد منهما حتى ~~دخل دار الإسلام فهو مسلم تبعا للدار. # ولو أسلم أحد الأبوين في دار الحرب فالصبي مسلم بإسلامه، كذلك لو أسلم في ~~دار الإسلام، ثم سبي الصبي بعده وصار في دار الإسلام فهو مسلم. # والصحيح في هذه المسائل أنه يحكم بإسلامه تبعا لسابيه مطلقا، وهذا مذهب ~~الأوزاعي، وهو إحدى الروايات عن أحمد؛ لأنه مولود على الفطرة، وإنما حكم ~~بكفره تبعا لأبويه لثبوت ولايتهما عليه، فإذا انقطعت ولايتهما بالسباء عمل ~~مقتضى الفطرة عمله إذ لم يبق له معارض ms345 فكيف يحكم بكفره، وقد زال حكم ~~الأبوية عنه؟ وهو لم يصف الكفر ولم يعرفه، وإنما كان كافرا تبعا لهما، ~~والمتبوع قد زال حكم استتباعه إذ لم يبق له تصرف في نفسه، ولا ولاية على ~~ولده، ومن هاهنا قال الإمام أحمد ومن تبعه: إنه يحكم بإسلامه بموت الأبوين، ~~إذ عدمهما أقوى في زوال التبعية من سابيه، منفردا عنهما، أو معهما، أو مع ~~أحدهما. # PageV02P926 ### | [فصل في ذكر نصوص أحمد في هذا الباب] # قال علي بن سعيد: سمعت أحمد، وسئل عن السرية في أرض العدو يأخذون صبيانا، ~~قال: قد «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتل الولدان إن كان معهم غنم ~~يسقونه» وإن لم يكن معهم غنم فلا أعلم له وجها إلا أن يدفع إلى بعض الحصون ~~من الروم. # وقال المروذي: سئل أبو عبد الله عن الرضيع يؤسر، وليس معهم من يرضعه، ~~قال: لا يترك، يحمل ويطعم، ويسقى، وإن مات مات. # وقال يعقوب بن بختان: سألت أحمد بن حنبل عن الصبي الصغير وجد في بلاد ~~الروم، فلا يكون معهم من يرضعه قال: يحملونه معهم حتى يموت. # وقال إسحاق بن إبراهيم: سألت أبا عبد الله عن الصبي الصغير الرضيع يخرج ~~من بلاد الروم، وليس معهم أحد يرضعه، أيخرج به، أو لا يخرج به؟ قال أبو عبد ~~الله: يخرج فإن مات مات، وهو مع المسلمين، وإن عاش عاش، فإن الله يرزقه وهو ~~من المسلمين. # PageV02P927 # قال الخلال: روى هذه المسألة عن أبي عبد الله أربعة أنفس بخلاف ما قال ~~علي بن سعيد، وما روى علي بن سعيد فأظن أنه قول لأبي عبد الله أول، ثم رجع ~~إلى أن يحمل، ولا يترك، وهو مسلم إن مات أو بقي، وهو أشبه بقول أبي عبد ~~الله ومذهبه لأن الطفل عنده إذا لم يكن معه أبواه فهو مسلم، فكيف يترك مسلم ~~في أيديهم ينصرونه؟ # والذي أختار من قول أبي عبد الله ما روى عنه الجماعة أن لا يترك، وبالله ~~التوفيق. # وكذلك الصغار ومن لم يبلغ الإدراك ممن يسبى، أو ms346 يكون هاهنا، فإن الحكم ~~فيهم أن يكونوا مسلمين إذا لم يكن معهم آباؤهم، فإذا كان معهم آباؤهم، أو ~~أحدهم كان حكم آخر أنا أبينه بعد هذا إن شاء الله تعالى. # وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: فإن ماتوا - يعني الصغار - في أيدينا، ~~أي شيء يكون حكمهم؟ قال: حكم الإسلام. # قيل له: غلام ابن سبع سنين أسر، فرأى أنه لا يقتل، وأن يجبر على الإسلام، ~~قال: وهكذا الجارية، قيل له: يباع على أنه مسلم؟ قال: نعم. # وقال أبو الحارث: قال أبو عبد الله: إذا سبي الصغير، وليس معه أبواه صلي ~~عليه. # PageV02P928 # وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله، فقال: إذا كان الصغير ليس معه أبواه ~~يصلى عليه. # وقال إسحاق بن إبراهيم: قلت لأبي عبد الله: فإن سبي مولود وحده ما يكون؟ ~~قال: مسلما. # وقال الفضل بن عبد الصمد: سألت أبا عبد الله، عن الصبي من صبيان العدو ~~يسبى فيموت أيصلى عليه؟ فقال: إن كان مع أبويه لم يصل عليه، وإن كان وحده ~~وقد أحرز صلي عليه، قلت: فإن لم يكن مع أبويه، وكان مع جماعة السبي؟ قال: ~~يصلى عليه. # وقال إسحاق بن منصور: قلت لأبي عبد الله: قال الثوري إذا كان العجم صغارا ~~عند المسلم صلي عليهم، وإن لم يكن خرج بهم من بلادهم فإنه يصلى عليهم. # وقال حماد: إذا ملك الصغير فهو مسلم. # PageV02P929 # قال أحمد إذا لم يكن معه أبواه فهو مسلم. # وظاهر هذا النص أنه يحكم بإسلامه تبعا لمالكه. # وهذا محض الفقه: إذ لا فرق بين ملكه بالسباء، وملكه بالشراء؛ لأن المعنى ~~الذي حكم لأجله بإسلامه إذا ملك بالسباء هو بعينه موجود في صورة الملك ~~بالشراء، فيجب التسوية بينهما لاستوائهما في علة الحكم، وقد صرح به في ~~رواية الفضل بن زياد، فقال: سمعت أبا عبد الله، وسئل عن المملوك الصغير ~~يشترى، فإذا كبر عند سيده أبى الإسلام؟ قال: يجبر على الإسلام؛ لأنه قد ~~رباه المسلمون، وليس معه أبواه. قيل له: فكيف يجبر؟ قال: يعذب، قيل له: ~~يضرب؟ قال: نعم، ms347 فقال رجل عنده: سمعت # [بقية] يقول: يغوص في الماء حتى يرجع إلى الإسلام! فضحك من ذلك وعجب منه: ~~فقد صرح بأنه تابع لمالكه. # وقال أبو زكريا النيسابوري: سمعت أبا عبد الله يقول في غلام سبي، وهو ~~صغير، فلما أدرك عرض عليه الإسلام فأبى. فقال أبو عبد الله: يقهر عليه. ~~قال: كيف يقهر عليه؟ قال: يضرب. # PageV02P930 # فحكى مهنا، عن الأوزاعي قال: يغوص في الماء حتى يرجع إلى الإسلام، قال: ~~فرأيت أبا عبد الله يستعيد مهنا: كيف قال الأوزاعي؟ وجعل يبتسم. # وقال أبو داود: قلت لأبي عبد الله: السبي يموتون في بلاد الروم، قال: ~~معهم آباؤهم؟ قلت: لا، قال: يصلى عليهم؟ قلت: لم يقسموا ونحن في السرية؟ ~~قال: إذا صاروا إلى المسلمين، وليس معهم آباؤهم فإن ماتوا يصلى عليهم، وهم ~~مسلمون، قلت: فإن كان معهم آباؤهم؟ قال: لا، قلت: لأبي عبد الله: إن أهل ~~الثغر يجبرونهم على الإسلام، وإن كان معهم آباؤهم. قال: لا أدري. # وسمعت أبا عبد الله مرة أخرى يسأل عن هذه المسألة، أو ذكرها، فقال: أهل ~~الثغر يصنعون أشياء ما أدري ما هي! # PageV02P931 # وقال صالح: قلت لأبي: الصبي إذا أسره المسلمون؟ قال: يجبر على الإسلام، ~~قلت: وإن كان مع أبويه؟ قال: بلغني أن أهل الثغر يجبرونه على الإسلام، وما ~~أحب أن أجيب فيها، قلت: إن بعض من يقول لا يجبر يقول: إن عمر بن عبد العزيز ~~فادى بصبي صغير. قال أبي: هذا فادى به وهو مسلم، واستشنع قول من قال: لا ~~يجبر. # وقال بكر بن محمد، عن أبيه: أنه سأل أبا عبد الله عن أهل الشرك يسبون وهم ~~صغار، ومعهم الأب والأم؟ قال: هم مع آبائهم نصارى، وإن كانوا مع أحد ~~الأبوين فهكذا، هم نصارى، فإذا لم يكن مع أبويه، ولا مع أحدهما فهو مسلم. # قال: وعمر بن عبد العزيز فادى بصبي، ولا يعجبني أن يفادي بصبي، ولا إن ~~كان معه أبواه، ولا يجبر أبواه؛ لأنه إذا كان مع أبويه، أو مع أحد أبويه ~~يطمع أن يموت أبواه، وهو ms348 صغير فيكون مسلما، وأهل الثغر، والأوزاعي يقولون: ~~إذا كانوا صغارا مع آبائهم فهم مسلمون. # وقال الحسن بن ثواب: قلت لأبي عبد الله: سألت بعض أصحاب مالك عن قوم ~~مشركين سبوا، ومعهم أبناؤهم صغارا ما يصنع بهم الإمام إذا ماتوا؟ يأمر ~~بالصلاة عليهم، أو يجبرهم على الإسلام؟ قال لي: إذا كان مع أبيه لم أجبره ~~على الإسلام حتى يعرف الإسلام ويصفه، فإن أسلم، وإلا أجبر عليه، قلت: لا # [يفعل] ، قال: أضربه ما دون نفسه. # PageV02P932 # وإذا أخذ أطفال صغار وليس معهم آباؤهم حتى يصيروا في حيز المسلمين إلى ~~بلدهم، ثم ماتوا صلي عليهم، ودفنوا. # قلت: وسألت بعض أصحاب مالك عن رجل سبي وامرأته ومعهما صبي صغير ما يصنع ~~به؟ قال: أدعه حتى يعقل الإسلام، فإذا عقله فإما أن يسلم وإلا السيف. # قال أبو عبد الله: إن قوما يقولون: إذا سبي وهو بين أبويه أجبر على ~~الإسلام، وإذا سبي وليس معه أبواه فمات كفن وصلي عليه، وإذا كان معه أبواه ~~لم يصل عليه، وتبسم، ثم ضحك. # [أخبرني عبد الله بن حنبل قال: حدثني أبي، قال: قال عمي] في السبي يسبى ~~مع العدو، فيموت، قال: إذا صلى، وعرف الإسلام صلي عليه، ودفن مع المسلمين، ~~وإذا لم يسلم ويصل لم يصل عليه، وفي الصغير يسلم # PageV02P933 # ثم يموت قال: يصلى عليه. # قال حنبل: وحدثنا إبراهيم بن نصر، ثنا الأشجعي، عن سفيان، عن الربيع، عن ~~الحسن البصري في السبي يسبى مع أبويه، فيموت. # قال: يكفن، ثم يصلى عليه. # وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إني كنت بواسط فسألوني عمن يموت هو ~~وامرأته ويدعان طفلين، ولهما عم ما تقول فيهما؟ فإنهم كتبوا إلى البصرة ~~فيها، وقالوا: إنهم قد كتبوا إليك، فقال: أكره أن أقول فيها برأيي، دع حتى ~~أنظر لعل فيها شيئا عمن تقدم. # PageV02P934 # فلما كان بعد شهر عاودته، فقال: قد نظرت فيها فإذا قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: " «فأبواه يهودانه، وينصرانه» "، وهذا ليس له أبوان، قلت: ~~يجبر على الإسلام؟ قال: نعم، هؤلاء مسلمون لقول النبي - صلى ms349 الله عليه وسلم ~~-. # وقال أبو الحارث: قال أبو عبد الله: ولو أن صبيا له أبوان نصرانيان ~~فماتا، وهو صغير، فكفله المسلمون فهو مسلم. # وقال يعقوب بن بختان: قال أبو عبد الله: الذمي إذا مات أبواه، وهو صغير ~~أجبر على الإسلام، وذكر الحديث: " «فأبواه يهودانه وينصرانه» ". # وقال إسحاق بن منصور: سألت أبا عبد الله عن نصرانيين يكون بينهما ولد ~~فيموت الأب، هل يجبر على الإسلام؟ قال: نعم، يجبر على الإسلام. # وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن ولد يهودي، أو نصراني مات # PageV02P935 # أبوه، وهو صغير؟ قال: هو مسلم إذا مات أبواه، قلت: يرث أبويه؟ قال: نعم، ~~يرثهما، ويجبر على الإسلام. قلت: فله عم أو أخ، أرادوا أن يأخذوه؟ قال: لا ~~يأخذونه وهو مسلم، قلت: فمات عمه، أو أخوه، يرثه؟ قال: لا. # وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: اشترى رجل عبدا يهوديا، أو نصرانيا، ~~وليس معه أبواه، يجبر على الإسلام؟ قال: يعجبني ذلك إذا لم يكن معه أبواه. ### | [فصل الصبي يخرج من دار الشرك إلى أبويه في دار الإسلام وهما نصرانيان] ### | 175 - # فصل # [الصبي يخرج من دار الشرك إلى أبويه في دار الإسلام، وهما نصرانيان] . # قال الخلال في " الجامع ": (باب الصبي يخرج من دار الشرك إلى أبويه في ~~دار الإسلام، وهما نصرانيان في دار الإسلام) . # أخبرني محمد بن يحيى الكحال أنه قال لأبي عبد الله: الصبي يخرج إلى ~~أبويه، وهما نصرانيان؟ قال: هو مسلم، قلت: فإن مات يصلي عليه المسلمون؟ ~~قال: نعم. # PageV02P936 # فقد حكم بإسلامه مع وجود أبويه الكافرين من غير سباء، ولا رق حادث عليه، ~~ووجه هذا - والله أعلم - أنه لما كان منفردا عن أبويه، ولم يكن لهما عليه ~~حكم في الدار التي حكم المسلمين فيها عليه دون أبويه، كان محكوما بإسلامه ~~بانقطاع تبعيته لهما، فإذا خرج إليهما، وهما في دار الإسلام خرج إليها، وهو ~~مسلم، فلم يجر الحكم بكفره، فالدار فرقت بينهما حكما كما فرقت بينهما حسا. # فإن قيل: فيلزمكم هذا فيما إذا كان الطفل في دار الحرب، ms350 وأبواه في دار ~~أخرى من دور الحرب غيرها، قيل: ما دام في دار الحرب فنحن لا نحكم له بحكم ~~الإسلام، ودار الحرب دار واحدة، وإن تعددت بلادها، فما دام في دار الحرب، ~~فليس لنا عليه حكم، فإذا صار إلى دار الإسلام ظهر حكم الدار في الحال التي ~~لم يكن لأبويه عليه فيها حكم، وكان حكمه فيها حكم من انقطعت تبعيته لأبويه، ~~فإنه لما صار إلى دار الإسلام كان الحكم عليه، وولايته للمسلمين دون أبويه. # وسر المسألة أنه حكم بتبعية الدار في الحال التي لا ولاية لأبويه عليه ~~فيها. ### | [فصل اختلاط أبناء المسلمين بأبناء أهل الذمة] ### | 176 - # فصل # [اختلاط أبناء المسلمين بأبناء أهل الذمة] . # الجهة الرابعة: تبعية الدار، وذلك في صور: # إحداها: هذه الصورة التي نص عليها أحمد. # PageV02P937 # الثانية: اختلاط أولاد المسلمين بأولاد الكفار على وجه لا يتميزون، قال ~~المروذي: قلت لأبي عبد الله: ما تقول في رجل مسلم، ونصراني في دار، ولهما ~~أولاد، فلم يعرف ولد النصراني من ولد المسلم؟ قال: يجبرون على الإسلام. # الثالثة: الالتقاط: فكل لقيط وجد في دار الإسلام فهو مسلم، وإن كان في ~~دار الكفر ولا مسلم فيها فهو كافر، وإن كان فيها مسلم فهل يحكم بإسلامه أو ~~يكون كافرا؟ على وجهين: هذا تحصيل مذهب أحمد. # وقال أصحاب مالك: كل لقيط وجد في قرى الإسلام ومواضعهم فهو مسلم، وإن كان ~~في قرى الشرك وأهل الذمة، ومواضعهم فهو مشرك. # وقال أشهب: إن التقطه مسلم فهو مسلم، ولو وجد في قرية ليس فيها إلا ~~الابنان، والثلاثة من المسلمين فهو مشرك، ولا يعرض له إلا أن يلتقطه مسلم ~~فيجعله على دينه. # وقال أشهب: حكمه في هذه أيضا الإسلام التقطه ذمي، أو مسلم، لاحتمال أن ~~يكون لمن فيها من المسلمين. # قال: كما أجعله حرا، وإن كنت لم أعلم حر هو أم عبد، لاحتمال الحرية؛ لأن ~~الشرع رجح جانبها هذا تحصيل مذهبهم. # وقالت الشافعية: إما أن يوجد في دار الإسلام، أو دار الكفر، فإن وجد في ~~دار الإسلام فهي ثلاثة أضرب: ms351 # PageV02P938 # أحدها: دار يسكنها المسلمون، فاللقيط الموجود فيها مسلم، وإن كان فيها ~~أهل الذمة، تغليبا للإسلام. # الضرب الثاني: دار فتحها المسلمون وأقروها في يد الكفار بجزية، أو ~~ملكوها، أو صالحوهم، ولم يملكوها، فاللقيط فيها مسلم إذا كان ثم مسلم واحد ~~فأكثر، وإلا فكافر على الصحيح. # وقيل: مسلم لاحتمال أن يكون فيها من يكتم إسلامه. # الثالث: دار كان المسلمون يسكنونها ثم رحلوا عنها، وغلب عليها الكفار، ~~فإن لم يكن فيها من يعرف بالإسلام فهو كافر على الصحيح. # وقال أبو إسحاق: هو مسلم لاحتمال أن يكون فيها من يكتم إسلامه، وإن كان ~~فيها معروف بالإسلام، وفيه احتمال للجويني. # وإن وجد في دار الكفر، فإن لم يكن فيها مسلم فاللقيط محكوم بكفره، وإن ~~كان فيها تجار مسلمون ساكنين فهل نحكم بكفره تبعا للدار، أو بإسلامه تغليبا ~~للإسلام؟ فيه وجهان، وكذا الوجهان لو كان فيها أسارى مسلمون. # فأما المحبوسون في المطامير فلا أثر لهم، كما لا أثر للمجتازين المارين ~~من المسلمين، هذا تحصيل مذهبهم. # وقالت الحنفية: إن التقطه في دار الإسلام، فهو مسلم تبعا للدار، إلا أن # PageV02P939 # يلتقطه من بيعة، أو كنيسة، أو قرية من قراهم، فيكون ذميا؛ لأن الظاهر أن ~~أولاد المسلمين لا يكونون في مواضع أهل الذمة، وكذلك بالعكس. # قالوا: ففي ظاهر الرواية اعتبر المكان دون الواجد، كاللقيط إذا وجده مسلم ~~في دار الحرب. # وروى أبو سليمان، عن محمد: أنه اعتبر الواجد دون المكان؛ لأن اليد أقوى، ~~وفي رواية اعتبر الإسلام نظرا للصغير. ### | [فصل الذمي يجعل ولده الصغير مسلما] ### | 177 - # فصل # [الذمي يجعل ولده الصغير مسلما] . # فإن قيل: فما تقولون في الذمي يجعل ولده الصغير مسلما، فهل يحكم بإسلامه ~~بذلك أم لا؟ قيل: قد قال الخلال في " الجامع ": (باب في الذميين يجعلون ~~أولادهم مسلمين) : # أخبرني عبد الكريم بن الهيثم العاقولي قال: سمعت أبا عبد الله يقول في ~~المجوسيين يولد لهما ولد فيقولان: هذا مسلم، فيمكث خمس سنين، ثم يتوفى، ~~قال: ذاك يدفنه المسلمون. # PageV02P940 # وقال عبد الكريم بن الهيثم: سألت أبا عبد الله، عن ms352 الصبي المجوسي يجعله ~~أبوه وأمه مسلما، ثم يموت، أين يدفن؟ قال: " «يهودانه، وينصرانه» " إن ~~معناه أن يدفن في مقابر المسلمين. # هذا لفظه، والمعنى أنه إنما حكم بكفره لأن الأبوين يهودانه، وينصرانه، ~~فإذا جعلاه مسلما صار مسلما. ### | [فصل والد المملوكين الكافرين يحكم بإسلامه] ### | 178 - # فصل # [والد المملوكين الكافرين يحكم بإسلامه] . # فإن قيل: فما تقولون في المملوك الكافر يكون تحته جارية كافرة، وهما ملك ~~مسلم، إذا ولد بينهما ولد هل يكون تبعا لأبويه، أو لسيد الأبوين؟ قيل: سئل ~~أحمد عن هذه المسألة، وترجم عليها الخلال، فقال في " الجامع ": (باب الرجل ~~والمرأة يسبيان فيكونان عند المسلم فيولد لهما، أو يزوجهما المسلم فيولد ~~لهما في ملك سيدهما، أو لا، ما الحكم فيه؟) # أخبرنا أبو بكر المروذي أن أبا عبد الله قال: إذا ولد لهما، وهما في دار ~~الإسلام في ملك مولاهما، لا أقول في ولدهما شيئا. # قلت: هذه هي المسألة المتقدمة: وهي تبع الولد لمالكه، وقد تقدم نص أحمد ~~على أنه يتبع مالكه في الإسلام، وإنما توقف في هذه المسألة - وإن # PageV02P941 # كان مالكه مسلما - لأن أبوي الطفل معه، وهما كافران لكن لما لم يكن لهما ~~عليه ولاية، وكانت الولاية لسيده، ومالكه تبعه في الإسلام، وهذا أوجه، ~~وأطرد على أصوله. # فإن قيل: فهو لو سبي مع أبويه كان مملوكا لسابيه، وكان على دينهما، فما ~~الفرق بين المسألتين؟ # قيل: قد بينا أن الصحيح كونه مسلما وإن كان مع أبويه. # وعلى هذا فلا فرق بينهما، وإن قلنا بالرواية الثانية، وأن يكون على ~~دينهما، فالفرق بينها وبين ما لو ولد بين مملوكين لمسلم أنه قد ثبت له حكم ~~تبعية الأبوين بطريق الأصالة قبل السباء، وهنا لم يثبت له حكم تبعية ~~المالك، وقد نص على أنه يكون الولد في هذه الصورة مسلما، إذا ماتت أمه ~~وكفله المسلمون. # فقال أبو الحارث: سئل أبو عبد الله عن جارية نصرانية لرجل مسلم، لها زوج ~~نصراني، فولدت عنده وماتت عند المسلم، وبقي ولدها عنده ما يكون حكم هذا ~~الصبي؟ فقال: إذا كفله المسلمون ms353 فهو مسلم. # فهذا يحتمل أن يكون حكم بإسلامه لموت أمه، ويحتمل أن يكون حكم بإسلامه ~~لكفالة المسلمين له، ولا أثر لوجود أمه. # وقد صرح بهذا المأخذ، وهو كفالة المسلمين، في رواية ليعقوب بن بختان: ~~فإنه قال: سئل أبو عبد الله، عن جارية نصرانية لقوم، فولدت عندهم، ثم ماتت ~~ما يكون الولد؟ قال: إذا كفله المسلمون، ولم يكن له من يكفله إلا # PageV02P942 # هم فهو مسلم. # قيل له: فإن مات بعد الأم بقليل؟ # قال: يدفنه المسلمون. # وهذا تقييد مطلق أجوبته في الحكم بإسلامه بمجرد موت الأبوين، وإن كفله ~~أهل دينه. # وهذا التفصيل هو الصواب في المسألة، وهو الذي نختاره، وهو وسط بين ~~القولين المتقابلين، وبه يجتمع شمل الأدلة من الجانبين، فإن القائلين ~~ببقائه على الكفر قالوا: لا يعرف أنه عمل في الإسلام بقول من قال: يصير ~~أطفال أهل الذمة مسلمين بموت آبائهم، مع العلم القطعي بأنه لم يزل في أهل ~~الذمة الأيتام في الأعصار والأمصار، من عهد الصحابة إلى وقتنا، وهم يرون ~~أيتام أهل الذمة بين المسلمين ويشاهدونهم عينا، ويتصدقون عليهم، فلو كانوا ~~مسلمين عندهم لما ساغ لهم إقرارهم على الكفر، وألا يحولوا بينهم وبين ~~الكفار. # قالوا: ويدل عليه أن هذا لو كان حكم أولادهم لكان من أهم الأمور، وكان ~~ذكره فيما شرط عليهم آكد وأولى من تغيير لباسهم، وهيئة ركوبهم، وخفض ~~أصواتهم بكنائسهم، وبالناقوس، ونحو ذلك من الشروط، فأين هذا من بقاء ~~أطفالهم كفارا، وقد صاروا مسلمين بمجرد موت الآباء؟ قالوا: وهذا يقرب من ~~القطع. # والذين حكموا بإسلامهم قالوا: من الممتنع أن يجعل من فطره الله # PageV02P943 # على الإسلام كافرا بعد موت أبويه اللذين جعله الله تابعا لهما شرعا، ~~وقدرا، فإذا زال الأبوان كان من الممتنع نقل الولد عن حكم الفطرة بلا موجب، ~~وقد قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الروم: 30] ، ~~فما الموجب لتبديل الفطرة، وقد زال من كان يبدلها ممن هو أولى الناس ms354 به ~~وبكفالته، وتربيته، وحضانته؟ فإذا كفله المسلمون، وقاموا بتربيته، وحضانته، ~~ومعه الفطرة الأصلية، والمغير لها قد زال، فكيف يحكم بكفره؟ وهذا أيضا قريب ~~من القطعي، ونحن نجمع بين الأمرين، ونقول بموجب الدليلين، والله أعلم. ### | [فصل في معنى الفطرة] ### | 179 - # فصل # [في معنى الفطرة] . # فإن قيل: فهذا كله بناء منكم على أن الفطرة الأولى هي فطرة الإسلام، ~~وأحمد قد نص على أن الفطرة هي ما فطر عليه من الشقاوة، والسعادة، فقال في ~~رواية الحسن بن ثواب: كل مولود من أطفال المشركين على الفطرة، يولد على ~~الفطرة التي خلقه الله عليها من الشقاوة، والسعادة التي سبقت في الكتاب، ~~ارجع في ذلك إلى الأصل هذا معناه. # وقال في رواية حنبل، وأبي الحارث، والفضل بن زياد: الفطرة التي فطر # PageV02P944 # العباد عليها من # [الشقاوة] ، والسعادة. # وقال في رواية علي بن سعيد، وقد سأله عن الحديث: " «كل مولود يولد على ~~الفطرة» "، قال: على السعادة والشقاوة، وإليه يرجع على ما خلق. # وقال محمد بن يحيى الكحال: قلت لأبي عبد الله: " «كل مولود يولد على ~~الفطرة» " ما تفسيرها؟ قال: هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها شقي أو ~~سعيد، وإذا كان هذا نصه في الفطرة، فكيف يكتم مع مذهبه في الأطفال أنهم على ~~الإسلام بموت آبائهم؟ # قيل: هذا موضع قد اضطربت فيه الأقدام، وطال فيه النزاع، والخصام، ونحن ~~نذكر فيه بعض ما انتهى إلينا من كلام أئمة الإسلام. # قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " غريب الحديث " الذي هو لما بعده ~~من كتب الغريب إمام: " سألت محمد بن الحسن عن تفسير هذا الحديث، فقال: كان ~~هذا في أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض، وقبل أن يؤمر المسلمون بالجهاد ". # قال أبو عبيد: " فأما عبد الله بن المبارك فإنه سئل عن تأويل هذا الحديث # PageV02P945 # الآخر: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن أطفال المشركين، فقال: " ~~الله أعلم بما كانوا عاملين» . # قال أبو عبيد: فذهب إلى أنهم يولدون على ما يصيرون إليه من كفر، أو ~~إسلام. # قال ابن قتيبة: ms355 حكى أبو عبيد هذين القولين، ولم يحل على نفسه في هذا قولا ~~ولا اختيارا. # قال محمد بن نصر المروزي في كتاب " الرد على ابن قتيبة ": فيقال له: وما ~~على رجل حكى اختلافا في شيء، ولم يتبين له الصواب فأمسك عن التقدم على ما ~~لم يتبين له صوابه، ما على هذا من سبيل، بل هو محمود على التوقف عما لم ~~يتبين له عسى أن يتبين له، بل العيب المذموم من اجترأ # PageV02P946 # على القول فيما لا علم له، ففسر حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~تفسيرا خالف فيه حكم الكتاب، وخرج من قول أهل العلم، وترك القياس والنظر، ~~فقال قولا لا يصلح في خبر، ولا يقوم على نظر. # وهو هذا العائب على أبي عبيد: زعم أن الفطرة التي أخبر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بأن كل مولود يولد عليها: هي خلقه في كل مولود معرفة بربه، ~~وزعم أنه على معنى قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم} [الأعراف: 172] الآية، قال محمد بن نصر: ~~قال الله تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} [النحل: ~~78] ، فزعم هذا أنهم يعرفون أعظم الأشياء، وهو الله تعالى، فمن أعظم جرما، ~~وأشد مخالفة للكتاب من سمع الله عز وجل يقول: {والله أخرجكم من بطون ~~أمهاتكم لا تعلمون شيئا} [النحل: 78] ، فزعم أنهم يعلمون أعظم الأشياء، ~~وهذا هو المعاند لرب العالمين، والجاهل بالكتاب. # قلت: إن أراد أبو محمد " المعرفة " المعرفة الثانية بالفعل التي هي ~~للكبار، فإنكار أبي عبد الله عليه متوجه، وإن أراد أنه مهيأ للمعرفة، وأن ~~المعرفة فيه بالقوة كما هو مهيأ للفعل والنطق لم يلزمه ما ذكره أبو عبد ~~الله # PageV02P947 # كما إذا قيل: يولد ناطقا عاقلا بحيث إذا عقل عرف ربه بتلك القوة التي ~~أودعها الله فيه دون الجمادات، بحيث لو خلي وما فطر عليه ولم تغير فطرته ~~لكان عارفا بربه، موحدا له، محبا له. # فإن قيل: أبو عبد الله لم ينكر هذا، وإنما أنكر أن يكون ms356 المراد بالفطرة ~~الميثاق الأول الذي أخذه الله سبحانه من بني آدم من ظهورهم حين أشهدهم على ~~أنفسهم: {ألست بربكم} [الأعراف: 172] ، فأقروا بذلك، ولا ريب أن هذه ~~المعرفة، والإقرار غير حاصلين من الطفل، فصح إنكار أبي عبد الله. # قيل: ابن قتيبة إنما قال: الفطرة هي خلقه في كل مولود معرفة بربه على ~~معنى قوله: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} [الأعراف: 172] ~~الآية، وهذا لا يلزم منه أن تكون المعرفة حاصلة في المولود بالفعل، وتشبيهه ~~الحديث بالآية في هذا المعنى لا يدل على أن الميثاق الذي ذكر في الآية هو ~~المعرفة الفعلية قبل خروجهم إلى الدنيا أحياء ناطقين، وإن كان هذا قد قاله ~~غير واحد من السلف والخلف فلا يلزم ابن قتيبة أن يختار هذا القول، بل هذا ~~من حسن فهمه في القرآن، والسنة: إذ حمل الحديث على الآية، وفسر كلا منهما ~~بالآخر. وقد قال هذا غير واحد من أهل العلم قبله وبعده، وأحسن ما فسرت به ~~الآية قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «كل مولود يولد على الفطرة: فأبواه ~~يهودانه وينصرانه» " فالميثاق الذي أخذه سبحانه عليهم، والإشهاد الذي ~~أشهدهم على أنفسهم، والإقرار الذي أقروا به هو الفطرة التي فطروا عليها؛ ~~لأنه سبحانه احتج عليهم بذلك، وهو لا يحتج # PageV02P948 # عليهم بما لا يعرفه أحد منهم ولا يذكره، بل بما يشركون في معرفته، ~~والإقرار به. # وأيضا، فإنه قال: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} [الأعراف: ~~172] ، ولم يقل " من آدم "، ثم قال: {من ظهورهم} [الأعراف: 172] ، ولم يقل: ~~" من ظهرهم "، ثم قال: (ذريتهم) ، ولم يقل: (ذريته) ، ثم قال: {وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم} [الأعراف: 172] وهذا يقتضي إقرارهم بربوبيته إقرارا ~~تقوم عليهم به الحجة، وهذا إنما هو الإقرار الذي احتج به عليهم على ألسنة ~~رسله كقوله تعالى: {قالت رسلهم أفي الله شك} [إبراهيم: 10] ، وقوله: {ولئن ~~سألتهم من خلقهم ليقولن الله} [الزخرف: 87] ،: {ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله} [لقمان: 25] ،: {قل لمن الأرض ومن فيها إن ~~كنتم تعلمون - سيقولون لله} [المؤمنون: ms357 84 - 85] ، ونظائر ذلك كثيرة: يحتج ~~عليهم بما فطروا عليه من الإقرار بربهم وفاطرهم، ويدعوهم بهذا الإقرار إلى ~~عبادته وحده، وألا يشركوا به شيئا، هذه طريقة القرآن. # ومن ذلك هذه الآية التي في " الأعراف " وهي قوله: {وإذ أخذ ربك من بني ~~آدم} [الأعراف: 172] الآية، ولهذا قال في آخرها: {أن تقولوا يوم القيامة ~~إنا كنا عن هذا غافلين - أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من ~~بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} [الأعراف: 172 - 173] # PageV02P949 # فاحتج عليهم بما أقروا به من ربوبيته على بطلان شركهم وعبادة غيره، وألا ~~يعتذروا، إما بالغفلة عن الحق، وإما بالتقليد في الباطل، فإن الضلال له ~~سببان: إما غفلة عن الحق، وإما تقليد أهل الضلال، فيطابق الحديث مع الآية، ~~ويبين معنى كل منهما بالآخر، فلم يقع ابن قتيبة في معاندة رب العالمين، ولا ~~جهل الكتاب، ولا خرج عن المعقول، ولكن لما ظن أبو عبد الله أن معنى الآية ~~أن الله سبحانه أخرجهم أحياء ناطقين من صلب آدم في آن واحد، ثم خاطبهم، ~~وكلمهم وأخذ عليهم الميثاق وأشهدهم على أنفسهم بربوبيته، ثم ردهم في ظهره، ~~وأن أبا محمد فسر الفطرة بهذا المعنى بعينه ألزمه ما ألزمه. # ثم قال محمد بن نصر: واحتج - يعني ابن قتيبة - بقوله تعالى: {الحمد لله ~~فاطر السماوات} [فاطر: 1] خالقها، وبقوله تعالى عن مؤمن آل فرعون في سورة ~~يس: {وما لي لا أعبد الذي فطرني} [يس: 22] ، أي خلقني، وبقوله: {فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] ، قال: وكان أبو ~~هريرة - رضي الله عنه - يسرع بهذه الآية عند روايته لهذا الحديث ليدل على ~~أن الفطرة خلقة. # PageV02P950 # قال محمد بن نصر: فيقال له: لسنا نخالفك في أن الفطرة خلقة في اللغة وأن ~~فاطر السماوات والأرض خالقهما، ولكن ما # [الدليل] على أن هذه الخلقة هي معرفة؟ هل عندك من دليل من كتاب الله، أو ~~سنة رسوله أن الخلقة هي المعرفة؟ فإن أتيت بحجة من كتاب الله أو سنة رسوله ~~أن الخلقة هي المعرفة، وإلا فأنت ms358 مبطل في دعواك، وقائل ما لا علم لك به. # قلت: لم يرد ابن قتيبة ولا من قال بقوله: " إن الفطرة خلقة " أنها معرفة ~~حاصلة بالفعل مع المولود حين يولد، فهذا لم يقله أحد، وقد قال أحمد في ~~رواية الميموني: الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها، فقال له الميموني: ~~الفطرة الدين؟ قال: نعم. # وقد نص في غير موضع أن الكافر إذا مات أبواه، أو أحدهما حكم بإسلامه، ~~واستدل بالحديث: " «كل مولود يولد على الفطرة» " ففسر الحديث بأنه يولد على ~~فطرة الإسلام كما جاء ذلك مصرحا به في الحديث، ولو لم يكن ذلك معناه عنده ~~لما صح استدلاله بعد في بعض ألفاظه " «ما من مولود إلا يولد على هذه الملة» ~~". # وأما قول أحمد في مواضع أخر: " يولد على ما فطر عليه من شقاوة، أو سعادة ~~" فلا تنافي بينه، وبين قوله: إنها الدين، فإن الله سبحانه قدر الشقاوة ~~والسعادة وكتبهما، وإنها تكون بالأسباب التي تحصل بها كفعل # PageV02P951 # الأبوين: فتهويدهما، وتنصيرهما، وتمجيسهما، هو بما قدره الله تعالى، ~~والمولود يولد على الفطرة مسلما، ويولد على أن هذه الفطرة السليمة قد ~~يغيرها الأبوان كما قدر الله ذلك، وكتبه، كما مثل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ذلك بقوله: " «كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيهما من جدعاء» ". # فبين أن البهيمة تولد سليمة، ثم يجدعها الناس، وذلك أيضا بقضاء الله، ~~وقدره، فكذلك المولود يولد على الفطرة مسلما، ثم يفسده أبواه، وإنما قال ~~أحمد وغيره: ولد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة؛ لأن القدرية كانوا ~~يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليست بقدر الله، بل بما فعله ~~الناس؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة، وكفره بعد ذلك من الناس، ولهذا لما ~~قيل لمالك: إن القدرية يحتجون علينا بأول الحديث. # قال: احتجوا عليهم بآخره، وهو قوله: " «الله أعلم بما كانوا عاملين» " ~~فبين الأئمة أنه لا حجة فيه للقدرية، فإنه لم يقل: إن الأبوين خلقا تهويده ~~وتنصيره، والقدرية لا تقول ذلك بل عندهم أنه تهود وتنصر باختياره، ولكن كان ms359 ~~الأبوان سببا في حصول ذلك بالتعليم، والتلقين، وهذا حق لا يقتضي نفي القدر ~~السابق من العلم، والكتاب، والمشيئة، بل ذلك مضاف إلى الله تعالى علما، ~~وكتابة، ومشيئة، وإلى الأبوين تسببا، وتعليما، وتلقينا، وإلى الشيطان ~~تزيينا، ووسوسة، وإلى العبد رضا، واختيارا، ومحبة. # ولا ينافي هذا قوله في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - إن الغلام # PageV02P952 # الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا "، ~~فإن معناه أنه قضي عليه وقدر في أم الكتاب أنه يكون كافرا، فهي حال مقدرة ~~كقوله: {فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها} [النحل: 29] ، وقوله: {وبشرناه ~~بإسحاق نبيا} [الصافات: 112] ، ونظائر ذلك، وليس المراد: أن كفره كان ~~موجودا بالفعل معه حتى طبع، كما يقال: ولد ملكا، وولد عالما، وولد جبارا ~~ومن ظن أن " الطبع " المذكور في الحديث هو " الطبع " في قوله تعالى: {طبع ~~الله على قلوبهم} [النحل: 108] ، فقد غلط غلطا ظاهرا، فإن ذلك لا يقال فيه: ~~طبع يوم طبع فإن الطبع على القلب إنما يوجد بعد كفره. ### | [فصل الدليل على أن المراد بالفطرة الدين] ### | 180 - # فصل # [الدليل على أن المراد بالفطرة (الدين) ] . # ويدل على صحة ما فسر به الأئمة الفطرة أنها " الدين " ما رواه مسلم في " ~~صحيحه " من حديث عياض بن حمار المجاشعي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: " «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم ~~الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما # PageV02P953 # أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» " وهذا صريح في ~~أنهم خلقوا على الحنيفية، وأن الشياطين اقتطعتهم بعد ذلك عنها، وأخرجوهم ~~منها، قال تعالى: {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى ~~الظلمات} [البقرة: 257] ، وهذا يتناول إخراج الشياطين لهم من نور الفطرة ~~إلى ظلمة الكفر والشرك، ومن النور الذي جاءت به الرسل من الهدى، والعلم إلى ~~ظلمات الجهل والضلال. # وفي " المسند "، وغيره من حديث الأسود بن سريع قال: «بعث # PageV02P954 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية، فأفضى بهم القتل إلى الذرية، ~~فقال لهم ms360 النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ما حملكم على قتل الذرية "؟ # [قالوا] : يا رسول الله، أليسوا أولاد المشركين؟ قال: " أوليس خياركم ~~أولاد المشركين؟ " ثم قام النبي - صلى الله عليه وسلم - خطيبا، فقال: " ألا ~~إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه» فخطبته لهم بهذا الحديث ~~عقيب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين، وقوله لهم: " «أوليس خياركم أولاد ~~المشركين» ؟ " نص أنه أراد أنهم ولدوا غير كفار، ثم الكفر طرأ بعد ذلك، ولو ~~أراد: أن المولود حين يولد يكون إما كافرا وإما مسلما على ما سبق به القدر، ~~لم يكن فيما ذكره حجة على ما قصده من نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين. # وقد ظن بعضهم أن معنى قوله: " «أو ليس خياركم أولاد المشركين» " معناه: ~~لعله أن يكون قد سبق في علم الله أنهم لو بقوا لآمنوا، فيكون النهي راجعا ~~إلى هذا المعنى من التجويز، وليس هذا معنى الحديث، ولكن معناه: أن خياركم ~~هم السابقون الأولون من المهاجرين، والأنصار، وهؤلاء من # PageV02P955 # أولاد المشركين، فإن آباؤهم كانوا كفارا، ثم إن البنين أسلموا بعد ذلك، ~~فلا يضر الطفل أن يكون من أولاد المشركين إذا كان مؤمنا، فإن الله إنما ~~يجزيه بعمله لا بعمل أبويه، وهو سبحانه يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من ~~الحي، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. # وهذا الحديث - وهو حديث الفطرة - ألفاظه يفسر بعضها بعضا، ففي الصحيحين - ~~واللفظ للبخاري - عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " «ما من مولود يولد إلا على ~~الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة ~~جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة اقرءوا: {فطرة الله التي ~~فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} [الروم: 30] ، قالوا: ~~يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيرا؟ قال: " الله أعلم بما كانوا عاملين» ~~". # وفي " الصحيح "، قال الزهري: يصلى على كل مولود يتوفى، وإن كان لغية، من ~~أجل ms361 أنه ولد على فطرة الإسلام إذا استهل خارجا، ولا يصلى على من لم يستهل ~~من أجل أنه سقط، وأن أبا هريرة كان يحدث أن النبي # PageV02P956 # - صلى الله عليه وسلم - قال: " «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، ~~فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل ~~تحسون فيها من جدعاء؟ " ثم يقول أبو هريرة: {فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها} [الروم: 30] » . # وفي " الصحيح " من رواية الأعمش: " «ما من مولود إلا وهو على الملة» ". # وفي رواية أبي معاوية عنه " «إلا على هذه الملة، حتى يبين عنه لسانه» ": ~~فهذا صريح في أنه يولد على ملة الإسلام كما فسره ابن شهاب راوي الحديث، ~~واستشهاد أبي هريرة بالآية يدل على ذلك. # قال ابن عبد البر: وسئل ابن شهاب عن رجل عليه رقبة مؤمنة: أيجزئ عنه ~~الصبي أن يعتقه، وهو رضيع؟ قال: نعم؛ لأنه ولد على الفطرة. # قال ابن عبد البر، وقد ذكر أقوال الناس في هذا الحديث. # وقال آخرون: الفطرة هاهنا هي الإسلام. قالوا: وهو المعروف عند عامة ~~السلف، وأهل التأويل قد أجمعوا في تأويل قوله عز وجل: {فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها} [الروم: 30] ، على أن قالوا: فطرة الله دين الإسلام. # واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث: " «اقرءوا إن شئتم: # PageV02P957 # {فطرة الله التي فطر الناس عليها} [الروم: 30] » . # قال: وذكروا عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة في قوله عز ~~وجل: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} [الروم: 30] ، قالوا: فطرة الله دين ~~الإسلام: {لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] ، قالوا: لدين الله. # واحتجوا بحديث محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد عن يحيى بن جابر، عن عبد ~~الرحمن بن عائذ الأزدي، عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال للناس يوما: " «ألا أحدثكم بما حدثني الله في الكتاب؟ إن ~~الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين، وأعطاهم المال حلالا لا حرام فيه، فجعلوا ~~ما أعطاهم الله حراما وحلالا» " الحديث. # قال: وكذلك روى بكر بن مهاجر، عن ثور ms362 بن يزيد بإسناده مثله في هذا ~~الحديث: " «حنفاء مسلمين» ". # قال أبو عمر: روي هذا الحديث عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله، عن عياض بن ~~حمار، ولم يسمعه قتادة من مطرف، ولكن قال: حدثني ثلاثة: عقبة بن عبد ~~الغافر، ويزيد بن عبد الله بن الشخير، والعلاء بن زياد، كلهم يقول: حدثني ~~مطرف، عن عياض، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV02P958 # فقال فيه: " «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم» " لم يقل " مسلمين ". # وكذلك رواه الحسن، عن مطرف، عن عياض. # ورواه ابن إسحاق عمن لا يتهم، عن قتادة بإسناده قال فيه: " «وإني خلقت ~~عبادي حنفاء كلهم» "، ولم يقل " مسلمين ". # قال: فدل هذا على حفظ محمد بن إسحاق، وإتقانه، وضبطه؛ لأنه ذكر " مسلمين ~~" في روايته عن ثور بن يزيد لهذا الحديث، وأسقطه من رواية قتادة، وكذلك ~~رواه الناس عن قتادة: قصر فيه عن قوله " مسلمين " وزاده ثور بإسناده، فالله ~~أعلم. # قال أبو عمر: والحنيف في كلام العرب المستقيم المخلص، ولا استقامة أكبر ~~من الإسلام، قال: وقد روي عن الحسن قال: " الحنيفية حج البيت " وهذا يدل ~~على أنه أراد الإسلام، وكذلك روي عن الضحاك، # PageV02P959 # والسدي " حنفاء: حجاجا "، وعن مجاهد: " حنفاء متبعين "، قال: وهذا كله ~~يدل على أن الحنيفية: الإسلام. # قال: وقال أكثر العلماء: الحنيف المخلص. وقال الله عز وجل: {ما كان ~~إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما} [آل عمران: 67] # PageV02P960 # وقال تعالى: {ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل} [الحج: 78] ، ~~قال الراعي: # أخليفة الرحمن إنا معشر ... حنفاء نسجد بكرة وأصيلا # عرب نرى الله في أموالنا ... حق الزكاة منزلا تنزيلا # قال: فوصف الحنيفية بالإسلام، وهو أمر واضح لا خفاء به، قال: ومما احتج ~~به من ذهب إلى أن الفطرة في هذا الحديث: " الإسلام " قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " «خمس من الفطرة» "، ويروى: " «عشر من الفطرة» " يعني: فطرة ~~الإسلام. انتهى. # قال شيخنا: فالأدلة الدالة على أنه أراد فطرة الإسلام كثيرة: كألفاظ ~~الحديث الصحيح المتقدمة، كقوله: " «على الملة» ": و " «على هذه الملة» "، # PageV02P961 # وقوله: " «خلقت عبادي حنفاء» ms363 " وفي الرواية الأخرى: " «حنفاء مسلمين» "، ~~ومثل تفسير أبي هريرة، وهو أعلم بما سمع. # ولو لم يكن المراد بالفطرة الإسلام لما سألوا عقيب ذلك: " «أرأيت من يموت ~~من أطفال المشركين وهو صغير» ؟ " لأنه لو لم يكن هناك ما يغير تلك الفطرة ~~لما سألوه، والعلم القديم والكتاب السابق لا يتغير. # وقوله: " «فأبواه يهودانه، وينصرانه ويمجسانه» " بين فيه أنهم يغيرون ~~الفطرة المخلوق عليها بذلك. # وأيضا، فإنه شبه ذلك بالبهيمة التي تولد مجتمعة الخلق لا نقص فيها، ثم ~~تجدع بعد ذلك، فعلم أن التغير وارد على الفطرة السليمة التي ولد العبد ~~عليها. # وأيضا، فالحديث مطابق لقوله تعالى: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} ~~[الروم: 30] ، وهذا يعم جميع الناس، فعلم أن الله فطر الناس كلهم على فطرته ~~المذكورة، وفطرة الله أضافها إليه إضافة مدح لا إضافة ذم، فعلم أنها فطرة ~~محمودة لا مذمومة يبين ذلك أنه قال: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي ~~فطر الناس عليها} [الروم: 30] ، وهذا نصب على المصدر # PageV02P962 # الذي دل عليه الفعل الأول عند سيبويه وأصحابه، فدل على أن إقامة الوجه ~~للدين حنيفا هو فطرة الله التي فطر الناس عليها كما في نظائره مثل قوله: ~~{كتاب الله عليكم} [النساء: 24] ، وقوله: {سنة الله في الذين خلوا من قبل ~~ولن تجد لسنة الله تبديلا} [الأحزاب: 62] ، فهذا عندهم مصدر منصوب بفعل ~~مضمر لازم إضماره دل عليه الفعل المتقدم، كأنه قال: كتب الله ذلك عليكم، ~~وكذلك هنا فطر الله الناس على ذلك: على إقامة الدين حنيفا. # وكذلك فسره السلف، قال ابن جرير في هذه الآية: يقول: فسدد وجهك نحو الوجه ~~الذي وجهك الله يا محمد لطاعته، وهو الدين حنيفا، يقول: " مستقيما لدينه ~~وطاعته "، {فطرة الله التي فطر الناس عليها} [الروم: 30] ، يقول: " صنعة ~~الله التي خلق الناس عليها " ونصب فطرة على المصدر من معنى قوله: {فأقم ~~وجهك للدين حنيفا} [الروم: 30] ، وذلك أن معنى الآية: فطر الله الناس على ~~ذلك فطرة. # قال: وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، ثم روى عن ابن زيد قال: " ~~فطرة ms364 الله التي فطر الناس عليها قال: هي الإسلام منذ خلقهم الله من # PageV02P963 # آدم جميعا، يقرون بذلك، وقرأ: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين} [الأعراف: 172] ، فهذا قول الله: {كان الناس أمة واحدة ~~فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} [البقرة: 213] # [بعد] . # ثم ذكر بإسناد صحيح عن مجاهد قال: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} ~~[الروم: 30] ، قال: الدين الإسلام. # PageV02P964 # حدثنا ابن حميد، ثنا يحيى بن واضح، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن يزيد بن ~~أبي مريم قال: مر عمر بمعاذ بن جبل، فقال: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ~~ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص، وهو الفطرة {فطرة الله التي فطر الناس عليها} ~~[الروم: 30] ، والصلاة، وهي الملة، والطاعة، وهي العصمة. فقال عمر: صدقت. # ثم قال: حدثني يعقوب الدورقي، ثنا ابن علية، ثنا أيوب، عن أبي قلابة أن ~~عمر قال لمعاذ: ما قوام هذه الأمة؟ فذكر نحوه. # PageV02P965 # قال وقوله: {لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] ، يقول: لا تغيير لدين ~~الله، أي: لا يصلح ذلك، ولا ينبغي أن يفعل. # وروى عبد الله بن إدريس، عن ليث قال: أرسل مجاهد رجلا يقال له: قاسم إلى ~~عكرمة يسأله عن قوله: {لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] ، فقال: لدين الله. # ثم ذكر عن عكرمة: {فطرة الله} [الروم: 30] ، قال: الإسلام. # وكذلك روي عن قتادة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، وإبراهيم # PageV02P966 # النخعي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. # وروي عن ابن عباس أنه سئل عن خصاء البهائم؟ فكرهه، وقال: {لا تبديل لخلق ~~الله} [الروم: 30] . # وكذلك قال عكرمة، ومجاهد في رواية ليث عنه. # PageV02P967 # قال شيخنا: ولا منافاة بين القولين عنهما، كما قال تعالى عن الشيطان: ~~{ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} [النساء: 119] ~~، فتغيير ما خلق الله عباده عليه من الدين تغيير لدينه، والخصاء وقطع الأذن ~~تغيير لخلقه، ولهذا شبه النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدهما بالآخر في ~~قوله: " «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه ms365 يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه كما ~~تنتج البهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» " فأولئك يغيرون الدين، ~~وهؤلاء يغيرون الصورة بالجدع، والخصاء، هذا يغير ما خلق الله عليه قلبه، ~~وهذا يغير ما خلق عليه بدنه. # PageV02P968 ### | [فصل ضلال القدرية في معنى الفطرة والرد عليهم] ### | 181 - # فصل # [ضلال القدرية في معنى (الفطرة) والرد عليهم] . # قال شيخنا: واعلم أن هذا الحديث لما صارت القدرية يحتجون به على قولهم ~~الفاسد، صار الناس يتأولونه تأويلات يخرجونه بها عن مقتضاه، فالقدرية من ~~المعتزلة، وغيرهم يقولون: كل مولود يولد على الإسلام، والله لا يضل أحدا، ~~ولكن أبواه يضلانه، والحديث حجة عليهم من وجهين: # أحدهما: أنه عند المعتزلة وغيرهم من المتكلمين لم يولد أحد منهم على ~~الإسلام أصلا، ولا جعل الله أحدا مسلما، ولا كافرا، ولكن هذا أحدث لنفسه ~~الكفر، وهذا أحدث لنفسه الإسلام، والله لم يفعل واحدا منهما عندهم بلا نزاع ~~عند القدرية، ولكن هو دعاهما إلى الإسلام، وأزاح عللهما، وأعطاهما قدرة ~~مماثلة فيهما تصلح للإيمان، والكفر، ولم يختص المؤمن بسبب يقتضي حصول ~~الإيمان، فإن ذلك عندهم غير مقدور، ولو كان مقدورا لكان ظلما، وهذا قول ~~عامة المعتزلة، وإن كان بعض متأخريهم كأبي الحسين يقول: إنه خص المؤمن ~~بداعي الإيمان، ويقول: عند الداعي # PageV02P969 # والقدرة يجب وجود الإيمان، فهذا في الحقيقة موافق لأهل السنة، فهذا أحد ~~الوجهين. # الثاني: أنهم يقولون إن معرفة الله لا تحصل إلا بالنظر المشروط بالعقل، ~~فيستحيل أن تكون المعرفة عندهم ضرورية، أو تكون من فعل الله تعالى، وإن ~~احتجت القدرية بقوله: " «فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه» " من جهة ~~كونه أضاف التغيير إلى الأبوين، يقال لهم: أنتم تقولون إنه لا يقدر الله ~~ولا أحد من مخلوقاته على أن يجعلهما يهوديين ولا نصرانيين، ولا مجوسيين، بل ~~هما فعلا بأنفسهما ذلك بلا قدرة من غيرهما، ولا فعل من غيرهما، فحينئذ لا ~~حجة لكم في قوله: " «فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه» ". # وأهل السنة متفقون على أن غير الله لا يقدر على جعل الهدى، والضلال في ~~قلب أحد، فقد اتفقت الأمة على أن ms366 المراد بذلك دعوة الأبوين إلى ذلك، ~~وترغيبهما فيه، وتربية الولد عليه، كما يفعل المعلم بالصبي، وذكر الأبوين ~~بناء على الغالب المعتاد، وإلا فقد يقع ذلك من أحدهما، ومن غيرهما حقيقة ~~وحكما. # قال محمد بن نصر: واحتج ابن قتيبة بقوله: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف: 172] ، ~~فأجابوا بكلام شاهدين مقرين على أنفسهم بأن الله # PageV02P970 # ربهم، ثم ولدوا على ذلك. # قال محمد بن نصر: فقوله: " ثم ولدوا على ذلك " زيادة منه ليست في الكتاب، ~~ولا جاءت في شيء من الأخبار. # وسنذكر الأخبار المروية في تأويل هذه الآية لنبين للناظر فيها أنه لا حجة ~~له فيها، وأنه لا دليل في شيء منها أن الأطفال يولدون، وهم عارفون بالله من ~~وقت سقوطهم من بطون أمهاتهم. # قلت: قوله: " ثم ولدوا على ذلك " إن أراد به أنهم ولدوا حال سقوطهم ~~وخروجهم من بطون أمهاتهم عالمين بالله، وتوحيده، وأسمائه، وصفاته فقد أصاب ~~في الرد عليه، وإن أراد أنهم ولدوا على حكم ذلك الأخذ، وأنهم لو تركوا لما ~~عدلوا عنه إذا عقلوا، فهو الصواب الذي لا يرد. # قال محمد: فمن أجل ما روي في تأويل هذه الآية حديث عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه -: حدثنا يحيى قال: قرأت على مالك، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عبد ~~الحميد بن عبد الرحمن بن # [زيد] بن الخطاب، عن مسلم بن يسار الجهني «أن عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - سئل عن هذه الآية: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} ~~[الأعراف: 172] ، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عنها؟ ~~فقال: " إن الله تعالى خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، ~~فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ~~ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول ~~الله ففيم # PageV02P971 # العمل؟ # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله إذا خلق العبد للجنة ~~استعمله ms367 بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من عمل أهل الجنة فيدخل به الجنة، ~~وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال ~~أهل النار، فيدخل به النار» . # PageV02P972 # حدثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي، عن أبيه، أخبرنا ~~زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مسلم بن يسار، عن نعيم ~~بن ربيعة الأزدي، قال مسلم: سألت نعيما، عن هذه الآية، فقال نعيم: كنت عند ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فجاء رجل فسأله عنها؟ فقال. . . الحديث، ~~وهذا يبين علة الحديث الأول، وأن مسلم بن يسار لم يسمعه من عمر. # PageV02P974 # قال: وحدثنا إسحاق، أخبرنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عن # [عمارة] بن عمير، عن أبي محمد رجل من أهل المدينة قال: «سألت عمر بن ~~الخطاب عن قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} ~~[الأعراف: 172] # PageV02P975 # فقال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها كما سألتني، فقال: " ~~خلق الله آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، ثم أجله فمسح ظهره، فأخرج ذرا، فقال: ~~ذر ذراتهم للجنة يعملون بما شئت من عمل، ثم أختم لهم بأحسن أعمالهم فأدخلهم ~~الجنة، ثم مسح ظهره فأخرج ذرا، فقال: ذر ذراتهم للنار يعملون بما شئت من ~~عمل، ثم أختم لهم بأسوأ أعمالهم فأدخلهم النار» ". # قلت: هذا الحديث أدخله مالك في " موطئه " على ما فيه من العلة، ونحن نذكر ~~علته. # قال الترمذي: هذا حديث حسن، مسلم بن يسار لم يسمعه من عمر، وقد ذكر بعضهم ~~في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلا # [مجهولا] . # PageV02P976 # وقال أبو القاسم حمزة بن محمد الكناني: لم يسمع مسلم بن يسار هذا من عمر، ~~رواه عن نعيم، عن عمر. # وقال ابن أبي خيثمة: قرأت على يحيى بن معين حديث مالك، عن زيد بن أبي ~~أنيسة، فكتب بيده على مسلم بن يسار: " لا يعرف ". # PageV02P977 # وقال أبو عمر: " هذا حديث منقطع بهذا الإسناد؛ لأن مسلم بن يسار ms368 هذا لم ~~يلق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وبينهما في هذا الحديث نعيم بن ربيعة، ~~وهذا أيضا - مع هذا الإسناد - لا تقوم به حجة، ومسلم بن يسار هذا مجهول، ~~قيل: إنه مدني، وليس بمسلم بن يسار البصري ". # قال: " وجملة القول في هذا الحديث أنه حديث ليس إسناده بالقائم؛ لأن مسلم ~~بن يسار ونعيم بن ربيعة جميعا غير معروفين بحمل العلم. # ولكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه ~~ثابتة كثيرة يطول ذكرها من حديث عمر بن الخطاب وغيره. " # PageV02P978 # انتهى. # ونحن نذكر بعض تلك الأحاديث. # قال إسحاق بن راهويه: أخبرنا بقية بن الوليد قال: أخبرني الزبيدي محمد بن ~~الوليد، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة # PageV02P979 # [النصري] ، عن أبيه، عن هشام بن حكيم بن حزام: «أن رجلا قال: يا رسول ~~الله، أتبتدأ الأعمال، أم قد قضي القضاء؟ فقال: " إن الله لما أخرج ذرية ~~آدم من ظهره أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه فقال: هؤلاء للجنة، ~~وهؤلاء للنار، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل ~~أهل النار» . # أخبرنا عبد الصمد، ثنا حماد، ثنا [الجريري] ، عن أبي نضرة «أن رجلا من ~~أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقال له: أبو عبد الله دخل عليه أصحابه ~~يعودونه، وهو يبكي، فقالوا: ما يبكيك؟ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: " إن الله قبض قبضة بيمينه، وأخرى بيده # PageV02P980 # الأخرى، فقال: هذه لهذه، وهذه لهذه، ولا أبالي " فلا أدري في أي القبضتين ~~أنا» . # أخبرنا عمرو بن محمد، ثنا إسماعيل بن رافع، عن المقبري، عن أبي هريرة - ~~رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " «إن الله خلق آدم ~~من تراب، ثم جعله طينا، ثم تركه حتى إذا كان حمأ مسنونا، ثم خلقه، وصوره، ~~ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار كان إبليس يمر به فيقول: خلقت لأمر ~~عظيم، ثم نفخ الله فيه من روحه. قال: يا رب ما ذريتي؟ ms369 قال: اختر يا آدم. ~~قال: أختار يمين ربي - وكلتا يدي ربي يمين - ثم بسط الله # PageV02P981 # كفه فإذا كل من هو كائن من ذريته في كف الرحمن» ". # أخبرنا النضر، أخبرنا أبو معشر، عن سعيد المقبري، ونافع مولى الزبير، عن ~~أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: " «لما أراد الله أن يخلق آدم - فذكر خلق ~~آدم - فقال له: يا آدم، أي يدي أحب إليك أن أريك ذريتك فيها؟ فقال: يمين ~~ربي - وكلتا يدي ربي يمين - فبسط يمينه، فإذا فيها ذريته كلهم: ما هو خالق ~~إلى يوم القيامة، الصحيح على هيئته، والمبتلى على هيئته، والأنبياء على ~~هيئاتهم، فقال: ألا أغنيتهم كلهم؟ فقال: إني أحببت أن أشكر» . . . . " وذكر # PageV02P982 # الحديث. # وقال محمد بن نصر: ثنا محمد بن يحيى، ثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا الليث ~~بن سعد، حدثني ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن عبد ~~الله بن سلام قال: خلق الله آدم، ثم قال: بيديه، فقبضهما، فقال: اختر يا ~~آدم، فقال: اخترت يمين ربي، وكلتا يديك يمين، فبسطها، فإذا فيها ذريته، ~~فقال من هؤلاء يا رب؟ قال: من قضيت أن أخلق من ذريتك من أهل الجنة إلى أن ~~تقوم الساعة. # PageV02P983 # حدثنا إسحاق، ثنا جعفر بن عون الخزاعي، أخبرنا هشام بن # [سعد] ، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: " «لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة ~~هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة» . . . " وذكر الحديث. # PageV02P984 # ثنا إسحاق، وعمرو بن زرارة قال: أنا إسماعيل، عن كلثوم بن جبير، عن سعيد ~~بن جبير، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من ~~بني آدم من ظهورهم ذريتهم} [الأعراف: 172] الآية، قال: مسح ربك ظهر آدم ~~فخرجت منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ب " نعمان " هذا الذي وراء ~~عرفة فأخذ ميثاقهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا. # ثنا إسحاق، ثنا وكيع، ثنا ربيعة بن كلثوم بن جبر، ms370 عن أبيه، عن سعيد بن ~~جبير، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني ~~آدم من ظهورهم ذريتهم} [الأعراف: 172] الآية، قال: مسح الله ظهر آدم وهو ~~ببطن نعمان - واد - إلى جنب عرفة فأخرج من ظهر آدم ذريته # PageV02P985 # فأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا. # ثم ساقه إسحاق من طرق متعددة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ثم قال: # أخبرنا المخزومي - وهو المغيرة بن سلمة - ثنا أبو هلال، عن أبي جمرة ~~الضبعي، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: مسح الله ظهر آدم، فأخرج # PageV02P986 # ذريته في # [آذي] من الماء. # أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - ~~رضي الله عنهما - قال: مسح الله ظهر آدم، فخرجت منه كل ذرية بددا إلى يوم ~~القيامة فعرضوا عليه. # PageV02P987 # حدثنا الملائي، ثنا المسعودي، عن علي بن بذيمة، عن سعيد، عن ابن عباس في ~~قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم} [الأعراف: 172] الآية، قال: إن الله ~~أخذ على آدم ميثاقه أنه ربه، وكتب أجله ورزقه ومصيباته، ثم أخرج من ظهره ~~ولده كهيئة الذر، فأخذ عليهم الميثاق أنه ربهم، فكتب أجلهم ورزقهم ~~ومصيباتهم. # حدثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - قال: مسح الله ظهر آدم، فأخرج كل طيب في يمينه، وفي يده الأخرى كل ~~خبيث. # PageV02P988 # ثنا يحيى، ثنا المسعودي، أخبرني علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - في هذه الآية قال: خلق الله آدم، فأخذ ميثاقه أنه ~~ربه، وكتب أجله ورزقه ومصيبته، ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذر، فأخذ ~~مواثيقهم أنه ربهم، فكتب آجالهم، وأرزاقهم، ومصيباتهم. # وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن أبي صالح، عن ابن عباس - رضي الله عنهما ~~- في هذه الآية قال: مسح الله على صلب آدم، فأخرج من صلبه ما يكون من ذريته ~~إلى يوم القيامة، وأخذ ميثاقهم أنه ربهم فأعطوه ذلك، فلا يسأل أحدا ms371 - كافرا ~~أو غيره - من ربك؟ إلا قال: الله. # قال معمر: وكان الحسن يقول مثل ذلك. # PageV02P989 # قال إسحاق: وأخبرنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو في ~~قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم} [الأعراف: 172] الآية، قال: أخذهم ~~كما يؤخذ بالمشط من الرأس. # PageV02P990 # قال محمد بن نصر: وحدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، ثنا حجاج، عن ابن ~~جريج، عن الزبير بن موسى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ~~قال: إن الله تعالى ضرب منكب آدم الأيمن، فخرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء ~~نقية، فقال: هؤلاء أهل الجنة، ثم ضرب منكبه الأيسر، فخرجت كل نفس مخلوقة ~~للنار سوداء، فقال: هؤلاء أهل النار، ثم أخذ عهدهم على الإيمان به، ~~والمعرفة له، وبأمره، والتصديق له وبأمره من بني آدم كلهم، وأشهدهم على ~~أنفسهم، فآمنوا، وصدقوا، وعرفوا، وأقروا. # PageV02P991 # قال إسحاق: وحدثنا روح بن عبادة، ثنا محمد بن عبد الملك، عن أبيه، عن ~~الزبير بن موسى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - بهذا ~~الحديث، وزاد: قال ابن جريج: وبلغني أنه أخرجهم على كفه أمثال الخردل. # قال إسحاق: وحدثنا حكام بن سلم الرازي، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع ~~بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب في قوله عز وجل: {وإذ أخذ ربك من ~~بني آدم} [الأعراف: 172] الآية، قال: جمعهم يومئذ جمعا، ما هو كائن إلى يوم ~~القيامة، فجعلهم أرواحا، ثم صورهم، ثم استنطقهم، وتكلموا، وأخذ عليهم العهد ~~والميثاق، وأشهدهم على أنفسهم. قال: فإني أشهد عليكم السماوات والأرضين ~~السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم، أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم هذا. اعلموا ~~أنه لا إله غيري، ولا رب غيري، ولا تشركوا بي شيئا، فإني سأرسل إليكم رسلا ~~يذكرونكم عهدي، وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي. قالوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا، ~~ولا رب غيرك، ولا إله لنا غيرك. فأقروا يومئذ بالطاعة، ورفع لهم أبوهم آدم، ~~فنظر، فرأى فيهم الغني والفقير، وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: يا رب، لو ms372 ~~سويت بين عبادك! فقال: إني أحببت أن أشكر، ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج ~~عليهم النور، وخصوا بميثاق آخر في الرسالة والنبوة، فهو الذي يقول: {وإذ ~~أخذنا من النبيين ميثاقهم} [الأحزاب: 7] . . . # PageV02P992 # إلى قوله:. . . {غليظا} [الأحزاب: 7] ، وهو الذي يقول: {فأقم وجهك للدين ~~حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] ، ~~فلذلك قال: {هذا نذير من النذر الأولى} [النجم: 56] ، وفي ذلك قال: {وما ~~وجدنا لأكثرهم من عهد} [الأعراف: 102] ، وفي ذلك قال: {ثم بعثنا من بعده ~~رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل} ~~[يونس: 74] ، كان في علمه يوم أقروا بما أقروا به، ومن يكذب به ومن يصدق. # قال: وكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد والميثاق في زمن ~~آدم، فأرسل ذلك إلى مريم حتى {انتبذت من أهلها} [مريم: 16] . . .، إلى ~~قوله:. . . (حملته) . . .، حملت الذي خاطبها، وهو روح عيسى. # PageV02P993 # وفي تفسير أسباط بن نصر، عن السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن ~~عباس، «وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في قوله: {وإذ أخذ ربك} [الأعراف: 172] . . . الآية، قال: ~~لما أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يهبط من السماء مسح صفحة ظهر آدم ~~اليمنى، فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ، وكهيئة الذر، فقال لهم: ادخلوا ~~الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، ~~فقال: ادخلوا النار، ولا أبالي، فذلك حين يقول: {وأصحاب اليمين} [الواقعة: ~~27] ،: {وأصحاب الشمال} [الواقعة: 41] ، ثم أخذ منهم الميثاق فقال: {ألست ~~بربكم قالوا بلى} [الأعراف: 172] ، فأعطاه طائفة طائعين، وطائفة كارهين، ~~فقالت الملائكة: {شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين - أو ~~تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون} [الأعراف: 172 - 173] فلذلك ليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف أن ~~ربه الله، ولا مشرك إلا وهو يقول: {إنا وجدنا آباءنا على أمة} [الزخرف: 22] ~~، فلذلك قول الله عز وجل: ms373 {وإذ أخذ ربك} [الأعراف: 172] الآية، وذلك حين ~~يقول: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} [آل عمران: 83] ، وذلك ~~حين يقول: {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} [الأنعام: 149] ~~قال: يعني يوم أخذ عليهم الميثاق» . # PageV02P996 # قال إسحاق: وأخبرنا روح بن عبادة، ثنا موسى بن عبيدة الربذي قال: سمعت ~~محمد بن كعب القرظي يقول في هذه الآية: {وإذ أخذ ربك من بني آدم} [الأعراف: ~~172] ، فأقروا له بالإيمان، والمعرفة: الأرواح قبل أن يخلق أجسادها. # قال إسحاق: وحدثنا الفضل بن موسى، عن عبد الملك، عن عطاء قال: # PageV02P997 # أخرجوا من صلب آدم حين أخذ منهم الميثاق، ثم ردوا في صلبه. # قال إسحاق: وأخبرنا علي بن الأجلح، عن الضحاك قال: إن الله أخرج من ظهر ~~آدم يوم خلقه ما يكون إلى أن تقوم الساعة، فأخرجهم مثل الذر، فقال: ألست ~~بربكم؟ قالوا: بلى، قالت الملائكة: شهدنا أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن ~~هذا غافلين، ثم قبض قبضة بيمينه، فقال: هؤلاء في الجنة، وقبض أخرى، فقال: ~~هؤلاء في النار. # قال محمد بن نصر: وحدثنا بندار، ثنا أبو أحمد، ثنا سفيان، عن الربيع بن ~~أنس، عن أبي العالية في قوله: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} ~~[آل عمران: 83] # PageV02P998 # قال: أخذه الميثاق. # قال محمد: فقد ذكرنا ما حضرنا من الأخبار المروية عن السلف في تأويل ~~قوله: {وإذ أخذ ربك من بني آدم} [الأعراف: 172] الآية، وليس في شيء منها أن ~~الطفل يسقط من بطن أمه وهو عارف بالله، ولا في شيء منها دليل على ذلك. # قلت: أبو محمد لم يرد أنهم ولدوا عارفين بالله معرفة حاصلة معهم بالفعل، ~~وإنما أراد أنهم ولدوا على حكم تلك الفطرة والميثاق الذي أخذ عليهم بحيث لو ~~خلوا وفطرهم لما عدلوا عن موجب ذلك. # PageV02P999 # قال محمد: فيقال له: هل عندك من دليل يدل على أن الفطرة التي أخبر النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: " «أن كل مولود يولد عليها» " هي المعرفة بالله؟ ~~أو هل يحكى عن أحد من السلف أنه قال ذلك؟ ms374 أو هل يدل على ذلك بقياس؟ فإن أتى ~~بشيء من هذه الدلائل، وإلا بان باطل دعواه. # فإن هو رجع إلى قوله: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم} [الأعراف: 172] ~~الآية، فقال: استشهاد الله ذرية آدم على أنه ربهم دليل على أن معرفة ذلك ~~متقدمة عندهم كما استشهدهم عليه، فهذه غاية حجته عند نفسه. # قال: لأن كل مستشهد على شيء لم تتقدم المعرفة عنده بما استشهد عليه قبل ~~الاستشهاد، فإن المستشهد دعاه إلى أن شهد بقول الزور، والله لا يأمر أحدا ~~بذلك. # فيقال له: إن إجابتك عن غير ما تسأل عنه، واحتجاجك له هو الدليل على ~~عجزك، وعلى أنه لا حجة لك، إنا لم نسألك عن الوقت الذي استشهدهم الله فيه، ~~وقال لهم: ألست بربكم؟ فأجابوه بأن قالوا: بلى - هل كانوا عارفين في ذلك ~~الوقت أم لا - إنما سألناك عن وقت سقوطهم من بطون أمهاتهم: هل عندك حجة ~~تثبت أنهم في ذلك الوقت عارفون؟ # فإن قال: إن ثبوت المعرفة لهم في ذلك الوقت دليل على أنهم ولدوا على ذلك، ~~فهم في وقت الولادة على ما كانوا عليه قبل ذلك. # PageV02P1000 # قيل له: فقد كانوا في ذلك الوقت مقرين أيضا، وذلك أن الله عز وجل أخبر ~~أنه قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، والله عز وجل لا يخاطب إلا من يفهم عند ~~المخاطبة، ولا يجيب إلا من فهم السؤال، فإجابتهم إياه بقولهم دليل على أنهم ~~قد فهموا عن الله، وعقلوا عنه استشهاده إياهم: ألست بربكم، فأجابوه من بعد ~~عقلهم للمخاطبة وفهمهم لها بأن قالوا: بلى، فأقروا له بالربوبية. # فيقال له: فهكذا تقول: إن الطفل إذا سقط من بطن أمه فهو من ساعته يفهم ~~المخاطبة إن خوطب، ويجيب عنها، ويقر له بالربوبية، كإقرار الذين أقروا له ~~بالربوبية في الوقت الذي أخذ عليهم الميثاق، فإن قال: " نعم " كابر عقله ~~وأكذبه العيان، وإن قال: " لا " أقول: ذلك فرق بين الوقتين، فجعل حالهم في ~~وقت الولادة خلاف حالهم في الوقت الأول عند أخذ الميثاق منهم، فيقال له: ms375 ~~فكذلك جائز أن يكونوا في الوقت الأول عارفين، وهم في وقت الولادة غير ~~عارفين كما كانوا في الوقت الأول، فقد فهموا المخاطبة، وعقلوها، وأجابوا ~~مقرين لله بالربوبية، وهم في وقت الولادة على خلاف ذلك. # قلت: كل من قال بأن العهد الذي أخذ عليهم هو أنهم أخرجوا من صلب آدم ~~وخوطبوا، وأقروا له بالربوبية، ثم ردوا في صلبه، فإنه يفرق بين حالهم ذلك ~~الوقت وحالهم وقت الولادة قطعا، ولا يقول ابن قتيبة ولا غيره: إنهم ولدوا ~~عارفين فاهمين يفهمون السؤال، ويردون الجواب، فالأقسام أربعة: # أحدها: استواء حالتهم وقت أخذ العهد، ووقت سقوطهم - في # PageV02P1001 # العلم والمعرفة. # الثاني: استواء الوقتين في عدم ذلك. # الثالث: حصول المعرفة عند السقوط، وعدمها عند أخذ العهد، وهذه الأقسام ~~الثلاثة باطلة لا يقول بواحد منها. # الرابع: معرفتهم وفهمهم وقت أخذ العهد دون وقت السقوط، وهذا يقوله كل من ~~يقول: إنه أخرجهم من صلب أبيهم آدم، وكلمهم، وخاطبهم، وأشهد عليهم ملائكته، ~~وأشهدهم على أنفسهم، ثم ردهم في صلبه. # وهذا قول جماهير من السلف والخلف، واعتمدوا على ما ذكرنا من هذه الآثار ~~مرفوعها وموقوفها. # وأحسن شيء فيها حديث مسلم بن يسار، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، ~~وقد ذكرنا كلام الأئمة فيه، على أن إسحاق قد رواه عن حكام بن سلم، عن # [عمارة] بن عمير، عن أبي محمد رجل من أهل المدينة قال: «سألت عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - عن هذه الآية، فقال: سألت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عنها، فقال: " خلق الله آدم بيده ونفخ فيه من روحه، ثم أجلسه ~~فمسح ظهره، فأخرج ذرا، فقال: ذر ذراتهم للجنة يعملون بما شئت من عمل، ثم ~~أختم لهم بأحسن أعمالهم فأدخلهم الجنة، ثم مسح ظهره، فأخرج ذرا، فقال: ذر ~~ذراتهم للنار يعملون بما شئت من عمل، ثم أختم لهم بأسوأ أعمالهم، فأدخلهم ~~النار» "، فهذا لا ذكر فيه لمخاطبتهم، وسؤالهم # PageV02P1002 # واستنطاقهم، وهو موافق لسائر الأحاديث، ويشبه أن يكون هو المحفوظ عن عمر ~~- رضي الله عنه. # وأما سائر الأحاديث فالمرفوع ms376 الصحيح منها إنما فيه إثبات القبضتين، ~~وتمييز أهل السعادة من أهل الشقاوة قبل إخراجهم إلى دار التكليف: مثل ~~الحديث الذي رواه أحمد، عن عبد الصمد، ثنا حماد، ثنا # [الجريري] ، «عن أبي نضرة أن رجلا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقال له: أبو عبد الله دخل عليه أصحابه يعودونه، وهو يبكي، فقالوا له: ما ~~يبكيك، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " إن الله قبض ~~قبضة بيمينه، وأخرى بيده الأخرى، فقال: هذه لهذه، وهذه لهذه، ولا أبالي " ~~فلا أدري في أي القبضتين أنا» ! # وكذلك حديث المقبري، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - يرفعه - الذي تقدم هو ~~وغيره من الأحاديث التي فيها: " «إن الله أخرج ذرية آدم من ظهره، وأراه ~~إياهم، وجعل أهل السعادة في قبضته اليمنى، وأهل الشقاوة في القبضة الأخرى» ~~". # PageV02P1003 # وأما الآثار التي فيها أنه استنطقهم، وأشهدهم، وخاطبهم فهي بين موقوفة، ~~ومرفوعة لا يصح إسنادها كحديث مسلم بن يسار، وحديث هشام بن حكيم بن حزام: ~~فإن في إسناده بقية بن الوليد، وراشد بن سعد، وفيهما مقال، # [وقتادة النصري،] وهو مجهول. # PageV02P1004 # وبالجملة، فالآثار في إخراج الذرية من ظهر آدم، وحصولهم في القبضتين ~~كثيرة لا سبيل إلى ردها، وإنكارها، ويكفي وصولها إلى التابعين، فكيف ~~بالصحابة؟ ومثلها لا يقال بالرأي والتخمين، ولكن الذي دل عليه الصحيح من ~~هذه الآثار إثبات القدر، وأن الله علم ما سيكون قبل أن يكون، وعلم الشقي ~~والسعيد من ذرية آدم، وسواء كان ما استخرجه فرآه آدم هو أمثالهم، أو ~~أعيانهم، فأما نطقهم فليس في شيء من الأحاديث التي تقوم بها الحجة، ولا يدل ~~عليه القرآن: فإن القرآن يقول فيه: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ~~ذريتهم} [الأعراف: 172] فذكر الأخذ من ظهور بني آدم لا من نفس ظهر آدم، " ~~وذريتهم " يتناول كل من ولدوه إن # PageV02P1006 # كان كثيرا، كما قال في تمام الآية: {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل ~~وكنا ذرية من بعدهم} [الأعراف: 173] ، وقال تعالى: {إن الله اصطفى آدم ~~ونوحا وآل إبراهيم ms377 وآل عمران على العالمين - ذرية بعضها من بعض} [آل عمران: ~~33 - 34] ، وقال: {ذرية من حملنا مع نوح} [الإسراء: 3] ، وقال: {ومن ذريته ~~داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون} [الأنعام: 84] ، فاسم " الذرية " ~~يتناول الكبار، وقوله: {وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} ~~[الأعراف: 172] ، فشهادة المرء على نفسه في القرآن يراد بها إقراره، فمن ~~أقر بحق عليه فقد شهد به على نفسه. # قال تعالى: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين} [النساء: 135] ، كما احتج الفقهاء بذلك على صحة الإقرار. # وفي حديث ماعز بن مالك: " فلما «شهد على نفسه أربع مرات» " أي # PageV02P1008 # أقر أربع مرات، وقال تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ~~شاهدين على أنفسهم بالكفر} [التوبة: 17] ، فإنهم كانوا مقرين بما هو كفر، ~~فكان ذلك شهادتهم على أنفسهم. # ومنه قوله: {ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم ~~هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم ~~كانوا كافرين} [الأنعام: 130] ، فشهادتهم على أنفسهم هي إقرارهم وهي أداء ~~الشهادة على أنفسهم، ولفظ " شهد فلان "، و " أشهد به " يراد به تحمل ~~الشهادة، ويراد به أداؤها. # فالأول كقوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] . # والثاني: كقوله: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} ~~[النساء: 135] . # وقوله: {وأشهدهم على أنفسهم} [الأعراف: 172] ، من هذا الثاني ليس المراد: ~~أنه جعلهم يتحملون الشهادة على أنفسهم، ويؤدونها في وقت آخر، فإنه سبحانه ~~في مثل ذلك إنما يشهد على الرجل غيره، كما في قصة آدم، لما # PageV02P1009 # أشهد عليه الملائكة، وكما في شهادة الملائكة، وشهادة الجوارح على ~~أصحابها، ولهذا قال بعض المفسرين: المعنى (أشهد بعضهم على بعض) ، لكن هذا ~~اللفظ حيث جاء في القرآن إنما يراد به شهادة الرجل على نفسه، بمعنى أداء ~~الشهادة على نفسه، وقولهم " {بلى شهدنا} [الأعراف: 172] ": هو إقرارهم بأنه ~~ربهم، ومن أخبر بأمر عن نفسه فقد شهد به على نفسه، فإن قولهم: " {بلى ~~شهدنا} [الأعراف: 172] " معناه: أنت ربنا، وهذا إقرار منهم بربوبيته لهم، ~~وجعلهم شهداء على أنفسهم بما أقروا به، ms378 وقوله: " أشهدهم " يقتضي أنه هو ~~الذي جعلهم شاهدين على أنفسهم بأنه ربهم، وهذا الإشهاد مقرون بأخذهم من ~~ظهور آبائهم، وهذا الأخذ المعلوم المشهود الذي لا ريب فيه هو أخذ المني من ~~أصلاب الآباء، ونزوله في أرحام الأمهات، لكن لم يذكر هنا الأمهات، كقوله: ~~{أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم} [الأعراف: 173] ، ~~وهم كانوا متبعين لدين آبائهم لا لدين الأمهات، كما قالوا: {إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة} [الزخرف: 22] ، ولهذا قال: {أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم ~~عليه آباءكم} [الزخرف: 24] ، فهو سبحانه يقول: اذكر حين أخذوا من أصلاب ~~الآباء فخلقوا حين ولدوا على الفطرة مقرين بالخالق، شاهدين على أنفسهم بأن ~~الله ربهم، فهذا الإقرار حجة لله عليهم يوم القيامة، فهو يذكر أخذه لهم، ~~وإشهاده إياهم على أنفسهم، فإنه سبحانه خلق فسوى، وقدر فهدى، فأخذهم يتضمن ~~خلقهم، والإشهاد يتضمن هداه لهم إلى هذا # PageV02P1010 # الإقرار، فإنه قال: " أشهدهم " أي جعلهم شاهدين، فهذا الإشهاد من لوازم ~~الإنسان، وكل إنسان جعله الله مقرا بربوبيته شاهدا على نفسه بأنه مخلوق، ~~والله خالقه، وهذا أمر ضروري لبني آدم لا ينفك منه مخلوق، وهو مما جبلوا ~~عليه، فهو علم ضروري لهم لا يمكن أحدا جحده، ثم قال بعد ذلك: (أن تقولوا) ، ~~أي كراهية أن تقولوا، أو لئلا تقولوا: {إنا كنا عن هذا غافلين} [الأعراف: ~~172] ، أي عن هذا الإقرار لله بالربوبية، وعلى نفوسنا بالعبودية، فإنهم ما ~~كانوا غافلين عن هذا، بل كان هذا من العلوم الضرورية اللازمة لهم التي لم ~~يخل منها بشر قط، بخلاف كثير من العلوم التي قد تكون ضرورية، ولكن قد يغفل ~~عنها كثير من بني آدم من علوم العدد والحساب وغير ذلك، فإنها إذا تصورت ~~كانت علوما ضرورية، لكن كثيرا من الناس غافل عنها. # وأما الاعتراف بالخالق فإنه علم ضروري لازم للإنسان لا يغفل عنه أحد بحيث ~~لا يعرفه، بل لا بد أن يكون قد عرفه، وإن قدر أنه نسيه. ولهذا يسمى التعريف ~~بذلك تذكيرا، فإنه تذكير بعلوم فطرية ضرورية، وقد ينساها العبد ms379 كما قال ~~تعالى: {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} [الحشر: 19] ، وفي ~~الحديث الصحيح: " «يقول الله للكافر: فاليوم أنساك كما نسيتني» ". # PageV02P1011 # ثم قال: {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا ~~بما فعل المبطلون} [الأعراف: 173] ، فذكر سبحانه لهم حجتين يدفعهما هذا ~~الإشهاد: # إحداهما: أن يقولوا: {إنا كنا عن هذا غافلين} [الأعراف: 172] ، فبين أن ~~هذا علم فطري ضروري لا بد لكل بشر من معرفته، وذلك يتضمن حجة الله في إبطال ~~التعطيل، وأن القول بإثبات الصانع علم فطري ضروري، وهو حجة على نفي ~~التعطيل. # والثاني: أن يقولوا: {إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون} [الأعراف: 173] ، وهم آباؤنا المشركون: أي ~~أفتعاقبنا بذنوب غيرنا؟ فإنه لو قدر أنهم لم يكونوا عارفين بأن الله ربهم ~~ووجدوا آباءهم مشركين، وهم ذرية من بعدهم، ومقتضى الطبيعة العادية أن يحتذي ~~الرجل حذو أبيه حتى في الصناعات، والمساكن، والملابس، والمطاعم إذ كان هو ~~الذي رباه، ولهذا كان أبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه، فإذا كان هذا ~~مقتضى العادة والطبيعة، ولم يكن في فطرهم وعقولهم ما يناقض ذلك، قالوا: نحن ~~معذورون، وآباؤنا هم الذين أشركوا، ونحن كنا ذرية لهم بعدهم، ولم يكن عندنا ~~ما يبين خطأهم: فإذا كان في فطرهم ما شهدوا به من أن الله وحده هو ربهم، ~~كان معهم ما يبين بطلان هذا الشرك، وهو التوحيد الذي شهدوا به على أنفسهم. # فإذا احتجوا بالعادة الطبيعية من اتباع الآباء كانت الحجة عليهم الفطرة ~~الطبيعية الفعلية السابقة لهذه العادة الطارئة، وكانت الفطرة الموجبة # PageV02P1012 # للإسلام سابقة للتربية التي يحتجون بها، وهذا يقتضي أن نفس العقل الذي به ~~يعرفون التوحيد حجة في بطلان الشرك لا يحتاج ذلك إلى رسول، فإنه جعل ما ~~تقدم حجة عليهم بدون هذا. وهذا لا يناقض قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا} [الإسراء: 15] ، فإن الرسول يدعو إلى التوحيد، ولكن الفطرة ~~دليل عقلي يعلم به إثبات الصانع، لم يكن في مجرد الرسالة حجة عليهم، فهذه ~~الشهادة على أنفسهم التي ms380 تتضمن إقرارهم بأن الله ربهم، ومعرفتهم بذلك أمر ~~لازم لكل بني آدم، به تقوم حجة الله تعالى في تصديق رسله، فلا يمكن أحدا أن ~~يقول يوم القيامة إني كنت عن هذا غافلا، ولا أن الذنب كان لأبي المشرك دوني ~~لأنه عارف بأن الله ربه لا شريك له، فلم يكن معذورا في التعطيل، والإشراك ~~بل قام به ما يستحق به العذاب. # ثم إن الله سبحانه - لكمال رحمته وإحسانه - لا يعذب أحدا إلا بعد إرسال ~~الرسول إليه، وإن كان فاعلا لما يستحق به الذم والعقاب: فلله على عبده ~~حجتان قد أعدهما عليه لا يعذبه إلا بعد قيامهما: # إحداهما: ما فطره عليه، وخلقه عليه من الإقرار بأنه ربه، ومليكه وفاطره، ~~وحقه عليه لازم. # والثانية: إرسال رسله إليه بتفصيل ذلك، وتقريره وتكميله، فيقوم عليه شاهد ~~الفطرة، والشرعة، ويقر على نفسه بأنه كان كافرا كما قال تعالى: # PageV02P1013 # {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} [الأنعام: 130] ، فلم ينفذ عليهم ~~الحكم إلا بعد إقرار وشاهدين وهذا غاية العدل. # PageV02P1014 ### | [فصل اختلاف العلماء في معنى الفطرة] # . . . # PageV02P1015 ### | 182 - # فصل # [اختلاف العلماء في معنى الفطرة] . # قال أبو عمر: وقد اختلف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث ~~اختلافا كثيرا، وكذلك اختلفوا في الأطفال، وحكمهم في الدنيا، والآخرة. # فقال ابن المبارك: تفسيره آخر الحديث " «الله أعلم بما كانوا عاملين» "، ~~هكذا ذكر أبو عبيد، عن ابن المبارك لم يزد شيئا. # وذكر عن محمد بن الحسن أنه سأله عن تأويل هذا الحديث فقال: كان هذا القول ~~من النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يؤمر الناس بالجهاد. # قال أبو عمر: أما ما ذكره عن ابن المبارك فقد روي عن مالك نحوه، وليس فيه ~~مقنع من التأويل، ولا شرح موعب في أمر الأطفال، ولكنها # PageV02P1016 # جملة تؤدي إلى الوقوف عن القطع فيهم بكفر، أو إيمان، أو جنة أو نار، ما ~~لم يبلغوا العمل. # قال: وأما ما ذكره عن محمد بن الحسن فأظن محمد بن الحسن حاد عن الجواب ~~فيه: إما لإشكاله عليه، وإما لجهله به، أو لما ms381 شاء الله. # وأما قوله: " إن ذلك كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يؤمر ~~الناس بالجهاد "، فلا أدري ما هذا! فإن كان أراد أن ذلك منسوخ فغير جائز ~~عند العلماء دخول النسخ في أخبار الله وأخبار رسوله؛ لأن المخبر بشيء كان ~~أو يكون إذا رجع عن ذلك لم يخل رجوعه عن تكذيبه لنفسه، أو غلطه فيما أخبر ~~به، أو نسيانه، وقد عصم الله ورسوله في الشريعة، والرسالة منه، وهذا لا ~~يخالف فيه أحد له أدنى فهم، فقف عليه، فإنه أمر حتم في أصول الدين. # وقول محمد: " إن ذلك كان قبل أن يؤمر الناس بالجهاد "، ليس كما قال؛ لأن ~~في حديث الأسود بن سريع ما يبين أن ذلك كان منه بعد الأمر بالجهاد. # وروى بإسناده عن الحسن، عن الأسود بن سريع قال: «قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " ما بال أقوام بالغوا في القتل حتى قتلوا الولدان "؟ # PageV02P1017 # فقال رجل: أوليس آباؤهم أولاد المشركين؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " أوليس خياركم أولاد المشركين؟ إنه ليس من مولود يولد إلا على ~~الفطرة حتى يبلغ فيعبر عنه لسانه، ويهوده أبواه، أو ينصرانه» ". # قال: وروى هذا الحديث عن الحسن جماعة، منهم: # [بكر المزني] ، والعلاء بن زياد والسري بن يحيى. # وقد روي عن الأحنف، عن الأسود بن سريع، وهو حديث بصري صحيح. # PageV02P1018 # وروى عوف الأعرابي، عن # [أبي رجاء العطاري] ، عن سمرة بن جندب، «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: " كل مولود يولد على الفطرة "، فناداه الناس: يا رسول الله، وأولاد ~~المشركين؟ قال: " وأولاد المشركين» " انتهى. # قال شيخنا: أما ما ذكره عن ابن المبارك، ومالك فيمكن أن يقال: إن المقصود ~~أن آخر الحديث يبين أن الأولاد قد سبق في علم الله ما يعملون إذا بلغوا، ~~وأن منهم من يؤمن فيدخل الجنة، ومنهم من يكفر فيدخل النار، فلا يحتج بقوله: ~~" «كل مولود يولد على الفطرة» " على نفي القدر كما احتجت القدرية به، ولا ~~على أن أطفال الكفار كلهم في الجنة لكونهم ولدوا ms382 على # PageV02P1019 # الفطرة، فيكون مقصود الأئمة أن الأطفال على ما في آخر الحديث. # وأما قول محمد فإنه رأى الشريعة قد استقرت على أن ولد الكافر يتبع أبويه ~~في الدين في أحكام الدنيا، فيحكم له بحكم الكفر في أنه لا يصلى عليه، ولا ~~يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه المسلمون، ويجوز استرقاقه، وغير ذلك، فلم ~~يجز لأحد أن يحتج بهذا الحديث على أن حكم الأطفال في الدنيا حكم المؤمنين، ~~وهذا حق ولكنه ظن أن الحديث اقتضى الحكم لهم في الدنيا بأحكام أطفال ~~المؤمنين، فقال: هذا منسوخ، كان قبل الجهاد لأنه بالجهاد أبيح استرقاق ~~النساء، والأطفال، والمؤمن لا يسترق، ولكن كون الطفل يتبع أباه في الدين في ~~الأحكام الدنيوية أمر ما زال مشروعا، وما زال الأطفال تبعا لآبائهم في ~~الأمور الدنيوية، فالحديث لم يقصد بيان هذه الأحكام، وإنما قصد ما ولدوا ~~عليه من الفطرة. # وإذا قيل: إنه ولد على فطرة الإسلام، أو خلق حنيفا، ونحو ذلك، فليس ~~المراد به أنه حين خرج من بطن أمه يعلم هذا الدين، ويريده، فالله أخرجنا من ~~بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا، ولكن فطرته سبحانه موجبة مقتضية لمعرفة دين ~~الإسلام، ومحبته، ففطروا على فطرة مستلزمة للإقرار بالخالق، ومحبته، وإخلاص ~~الدين له، وموجبات الفطرة ومقتضياتها تحصل شيئا بعد شيء بحسب كمال الفطرة ~~إذا سلمت عن المعارض، كما أن كل مولود يولد فإنه يولد على محبة ما يلائم ~~بدنه من الأغذية، والأشربة، فيشتهي اللبن الذي يناسبه، وهذا من قوله تعالى: ~~{قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} [طه: 50] ، وقوله: {الذي خلق فسوى ~~- والذي قدر فهدى} [الأعلى: 2 - 3] # PageV02P1020 # فهو سبحانه خلق الحيوان مهتديا إلى طلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ثم هذا ~~الحب والبغض يحصل فيه شيئا بعد شيء، ثم قد يعرض لكثير من الأبدان ما يفسد ~~ما ولد عليه من الطبيعة السليمة. ### | 183 - # فصل # قال أبو عمر: وأما اختلاف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث وما ~~كان مثله، فقالت فرقة: الفطرة في هذا الموضع أريد بها الخلقة ms383 التي خلق ~~عليها المولود من المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف ~~بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة، يريد أن خلقه مخالف لخلقة البهائم التي لا ~~تصل بخلقتها إلى معرفة. # قالوا: لأن الفاطر هو الخالق، قال: وأنكرت أن يكون المولود يفطر على ~~إيمان، أو كفر، أو معرفة، أو إنكار. # قال شيخنا: صاحب هذا القول إن أراد بالفطرة التمكن من المعرفة، والقدرة ~~عليها فهذا ضعيف، فإن مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفا، ولا أن ~~يكون على الملة. # ولا يحتاج أن يذكر تغيير أبويه لفطرته حتى يسأل عمن مات صغيرا، ولأن ~~القدرة في الكبير أكمل منها في الصغير، وهو لما نهاهم عن قتل # PageV02P1021 # الصبيان فقالوا: إنهم أولاد المشركين قال: " «أوليس خياركم أولاد ~~المشركين؟ ما من مولود إلا يولد على الفطرة» "، ولو أريد القدرة لكان ~~البالغون كذلك مع كونهم مشركين مستوجبين للقتل. # وإن أراد بالفطرة القدرة على المعرفة مع إرادتها، فالقدرة الكاملة مع ~~الإرادة التامة تستلزم وجود المراد المقدور، فإذا فطروا على القدرة على ~~المعرفة، وإرادتها كان ذلك مستلزما للإيمان، ولم يتخلف موجبه ومقتضاه. ### | [فصل ذكر قول من قال أن الفطرة هي البداءة] ### | 184 - # فصل # [ذكر قول من قال: أن الفطرة هي البداءة] . # قال أبو عمر: وقال آخرون معنى قوله: " «كل مولود يولد على الفطرة» " يعني ~~البداءة التي ابتدأهم عليها، يريد أنه مولود على ما فطر الله عليه خلقه من ~~أنه ابتدأهم للحياة والموت، والسعادة، والشقاوة، إلى ما يصيرون إليه عند ~~البلوغ من قبولهم دين آبائهم، واعتقادهم. # قالوا: والفطرة في كلام العرب البداءة، والفاطر المبتدئ، فكأنه قال: يولد ~~على ما ابتدأه عليه من الشقاء والسعادة، وغير ذلك مما يصير إليه، واحتجوا ~~بقوله: {كما بدأكم تعودون - فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} [الأعراف: ~~29 - 30] . # PageV02P1022 # وروى بإسناده إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لم أدر ما فاطر ~~السماوات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها ~~أي ابتدأتها. # وذكروا ما روي عن علي بن أبي ms384 طالب - رضي الله عنه - في دعائه: " اللهم ~~جبار القلوب على فطراتها: شقيها وسعيدها ". # قال شيخنا: حقيقة هذا القول أن كل مولود يولد على ما سبق في علم الله أنه ~~صائر إليه، ومعلوم أن جميع المخلوقات بهذه المثابة، فجميع البهائم هي ~~مولودة على ما سبق في علم الله لها، والأشجار مخلوقة على ما سبق في علم ~~الله، وحينئذ فيكون كل مخلوق قد خلق على الفطرة. # وأيضا فلو كان المراد ذلك لم يكن لقوله: " «فأبواه يهودانه، وينصرانه» " ~~معنى، فإنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها. # وعلى هذا القول، فلا فرق في الفطرة بين التهويد، والتنصير، وبين # PageV02P1023 # تلقين الإسلام، فإن ذلك كله داخل فيما سبق به العلم. # وأيضا فتمثيله ذلك بالبهيمة قد ولدت جمعاء، ثم جدعت يبين أن أبويه غيرا ~~ما ولد عليه. # وأيضا فقوله: " «على هذه الملة» " وقوله: " «إني خلقت عبادي حنفاء» " ~~مخالف لهذا. # وأيضا فلا فرق بين حال الولادة وسائر أحوال الإنسان، فإنه من حين كان ~~جنينا إلى ما لا نهاية له من أحواله على ما سبق في علم الله، فتخصيص ~~الولادة بكونها على مقتضى القدر تخصيص بغير مخصص. # وقد ثبت في الصحيح أنه " «قبل نفخ الروح فيه يكتب رزقه، وأجله وعمله، ~~وشقي أو سعيد» " فلو قيل: كل مولود ينفخ فيه الروح على الفطرة لكان أشبه ~~بهذا القول، مع أن النفخ هو بعد الكتابة. ### | [فصل الخلق كلهم صائرون إلى ما سبق في علم الله] ### | 185 - # فصل # [الخلق كلهم صائرون إلى ما سبق في علم الله] . # قال أبو عمر: قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: وهذا المذهب شبيه ~~بما حكاه أبو عبيد، عن ابن المبارك. # PageV02P1024 # قال محمد: وقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول، ثم تركه. # قال أبو عمر: ما رسمه مالك في " موطئه " وذكره في أبواب القدر، فيه من ~~الآثار ما يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا. # قال شيخنا: أئمة السنة مقصودهم أن الخلق كلهم صائرون إلى ما سبق في علم ~~الله من ms385 إيمان وكفر، كما في الحديث الآخر: " «إن الغلام الذي قتله الخضر ~~طبع يوم طبع كافرا» "، والطبع الكتاب: أي كتب كافرا، كما قال: " «فيكتب ~~رزقه، وأجله، وعمله، وشقي، أو سعيد» " وليس إذا كان الله قد كتبه كافرا ~~يقتضي أنه حين الولادة كافر، بل يقتضي أنه لا بد أن يكفر، وذلك الكفر هو ~~التغيير، كما أن البهيمة التي ولدت جمعاء وقد سبق في علمه أنها تجدع كتب ~~أنها مجدوعة بجدع يحدث لها بعد الولادة، ولا يجب أن تكون عند الولادة ~~مجدوعة. ### | [فصل تفسير الإمام أحمد للفطرة وما يترتب عليه] ### | 186 - # فصل # [تفسير الإمام أحمد للفطرة، وما يترتب عليه] . # وكلام أحمد في أجوبة متعددة يدل على أن الفطرة عنده الإسلام # PageV02P1025 # كما ذكر محمد بن نصر عنه أنه آخر قوليه، فإنه كان يقول: إن صبيان أهل ~~الحرب إذا سبوا بدون الأبوين كانوا مسلمين، وإذا كانوا مع الأبوين فهم على ~~دينهما، وإن سبوا مع أحدهما ففيه روايتان. وكان يحتج بالحديث، ثم ذكر نص ~~أحمد في رواية المروذي في سبي أهل الحرب أنهم مسلمون إذا كانوا صغارا، وإن ~~كانوا مع أحد الأبوين، واحتج بقوله: " «كل مولود يولد على الفطرة» " ~~الحديث. # وذكر نصه في رواية إسحاق بن منصور: " إذا لم يكن معه أبواه فهو مسلم ". # وكذلك نقل يعقوب بن بختان: قال أبو عبد الله: إذا مات أبواه، وهو صغير ~~أجبر على الإسلام، وذكر الحديث: " «فأبواه يهودانه، وينصرانه» ". # وقال في رواية عبد الكريم بن الهيثم العاقولي في المجوسيين يولد لهما ولد ~~فيقولان: هذا مسلم، فيمكث خمس سنين، ثم يتوفى، قال: يدفنه # PageV02P1026 # المسلمون، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «فأبواه يهودانه، ~~وينصرانه، ويمجسانه» ". # وقال في رواية المروذي في الأبوين الكافرين يموتان، ويدعان طفلا، يكون ~~مسلما لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " فأبواه يهودانه، وينصرانه "، ~~وهذا ليس له أبوان، قلت: يجبر على الإسلام؟ قال: نعم، هؤلاء مسلمون لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم. # وهذا كثير في أجوبته، يحتج بالحديث على أن الطفل إنما يصير كافرا بأبويه، ~~فإذا لم يكن مع ms386 أبوين كافرين، فهو مسلم، فلو لم تكن الفطرة الإسلام لم يكن ~~بعدم أبويه يصير مسلما، فإن الحديث إنما دل على أنه يولد على الفطرة، ونقل ~~عنه الميموني: أن الفطرة هي الدين، وهي الفطرة الأولى. # فهذا آخر قولي أبي عبد الله في الفطرة، وقد كان يقول أولا: إنها ما فطروا ~~عليه من الشقاوة، والسعادة. # قال محمد بن يحيى الكحال: قلت لأبي عبد الله: " «كل مولود يولد على ~~الفطرة» " ما تفسيرها؟ قال: هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها شقي # PageV02P1027 # أو سعيد. # وكذلك نقل الفضل بن زياد، وحنبل، وأبو الحارث: أنهم سمعوا أبا عبد الله ~~في هذه المسألة قال: الفطرة التي فطر الله العباد عليها من الشقوة ~~والسعادة. # وكذلك نقل عنه علي بن سعيد أنه سأله عن قوله: " كل مولود يولد على الفطرة ~~" قال: على الشقاء والسعادة، وإليه يرجع كل ما خلق. # وكذلك قال في رواية الحسن بن ثواب: كل مولود من أطفال المشركين على ~~الفطرة، يولد على الفطرة التي خلقوا عليها من الشقاوة والسعادة التي سبقت ~~في أم الكتاب لدفع ذلك إلى الأصل. # قلت: أصحاب هذا القول يحتجون بقوله تعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ~~ومنكم مؤمن} [التغابن: 2] ، وبقوله: {كما بدأكم تعودون - فريقا هدى وفريقا ~~حق عليهم الضلالة} [الأعراف: 29 - 30] ، وبقوله - صلى الله عليه وسلم - في ~~خلق الجنين: " «ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بكتب رزقه وأجله، وعمله، وشقي أو ~~سعيد» " وبقوله: " «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم # PageV02P1028 # طبع كافرا» " وبالآثار المعروفة: " «الشقي من شقي في بطن أمه» "، وغير ~~ذلك من الآثار الدالة على القدر السابق، وأن الشقاوة، والسعادة بقضاء سابق ~~وقدر متقدم على وجود العبد، وهو حق لا ريب فيه، ولا نزاع فيه بين الصحابة، ~~والتابعين، وجميع أهل السنة، ولكن لا ينافي كون الطفل قد خلق على الفطرة ~~التي هي دين الله، فإن القدر السابق، والعلم القديم اقتضى أن تهيأ له أسباب ~~تخرج عن هذه الفطرة، وقوله: {لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] ، أي لا يقدر ~~أحد أن يغير الخلقة التي ms387 خلق عليها عباده وفطرهم عليها من أنهم لو خلوا ~~ونفوسهم لكانوا على الحنيفية، فخلقهم على هذا الوجه لا تغيير له، وإنما ~~التغيير بأسباب طارئة جارية على الخلقة. # وأما قوله تعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} [التغابن: 2] ، ~~فغايته أن يدل على أنه خلق الكافر كافرا، والمؤمن مؤمنا، وهذا متفق عليه ~~بين الصحابة، وجميع أهل السنة، وليس فيه ما ينفي كونهم مخلوقين على فطرة ~~الإسلام، خلق لهم أسبابا أخرجت من أخرجته منهم عنها. # وأما قوله تعالى: {كما بدأكم تعودون} [الأعراف: 29] ، فقال سعيد بن جبير # PageV02P1029 # كما كتب عليكم تكونون. # وقال مجاهد: كما بدأكم تعودون شقيا، وسعيدا. # PageV02P1030 # وقال أيضا: يبعث المسلم مسلما والكافر كافرا. # وقال أبو العالية: عادوا إلى علمه فيهم: {فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة} [الأعراف: 30] . # وهذا يتضمن إثبات علمه، وقدره السابق، وأن الخلق يصيرون إليه لا محالة، ~~وكون هذا مراد الآية غير متعين، فإن الآية اقتضت حكمين: # أحدهما: أنه يعيدهم كما بدأهم على عادة القرآن في الاستدلال على المعاد ~~بالبداءة. # والثاني: أنه سبحانه هدى فريقا وأضل فريقا، فالأمر كله له: بدؤهم ~~وإعادتهم، وهداية من هدى منهم وإضلال من أضل منهم، وليس في شركائهم من يفعل ~~شيئا من ذلك. # وأما أمر الملك " «بكتب شقاوة العبد وسعادته في بطن أمه» " وقوله # PageV02P1031 # " «الشقي من شقي في بطن أمه» " فحق لا يخالف فيه أحد من أهل السنة بل قد ~~اتفقت كلمتهم، وكلمة الصحابة قبلهم على ذلك. # وأما حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - «في الغلام الذي قتله الخضر: " ~~أنه طبع يوم طبع كافرا» " فمثل ذلك سواء. # و " كافرا " حال مقدرة لا مقارنة، أي طبع مقدرا كفره، وإلا فهو في حال ~~كونه جنينا وطفلا لا يعقل كفرا ولا إيمانا. # فإن قيل: فإذا كان هكذا فلم قتله الخضر؟ فالجواب ما قاله لموسى: {وما ~~فعلته عن أمري} [الكهف: 82] ، فالله تعالى أمره بقتل ذلك الغلام لمصلحة، ~~وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالكف عن قتل النساء، والذرية ~~لمصلحة، فكان في كل ما أمر به مصلحة، وحكمة ms388 ورحمة يشهدها أولو الألباب. ### | [فصل إجماع أهل العلم على أن الاستنطاق كان للأرواح] ### | 187 - # فصل # [إجماع أهل العلم على أن الاستنطاق كان للأرواح] . # قال أبو عمر: وقال آخرون: معنى قوله: " «كل مولود يولد على # PageV02P1032 # الفطرة» " أن الله فطرهم على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر، والإيمان، ~~فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين خلقهم، فقال: ألست بربكم؟ قالوا جميعا: بلى، ~~فأما أهل السعادة، فقالوا: بلى، على معرفة له طوعا من قلوبهم، وأما أهل ~~الشقاوة فقالوا: بلى، كرها غير طوع. # قالوا: ويصدق ذلك قوله تعالى: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا ~~وكرها} [آل عمران: 83] ، قالوا: وكذلك قوله: {كما بدأكم تعودون - فريقا هدى ~~وفريقا حق عليهم الضلالة} [الأعراف: 29 - 30] . # قال محمد بن نصر المروزي: سمعت إسحاق بن إبراهيم - يعني ابن راهويه - ~~يذهب إلى هذا المعنى، واحتج بقول أبي هريرة، اقرءوا إن شئتم: {فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] ، قال إسحاق: يقول: ~~لا تبديل للخلقة التي جبل عليها ولد آدم كلهم، يعني من الكفر والإيمان، ~~والمعرفة والإنكار، واحتج بقوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ~~ذريتهم} [الأعراف: 172] الآية. # قال إسحاق: أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد، استنطقهم # PageV02P1033 # وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم، قالوا: بلى، فقال: انظروا أن لا تقولوا ~~إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل، وذكر حديث أبي ~~بن كعب في قصة الغلام الذي قتله الخضر قال: وكان الظاهر ما قاله موسى: ~~{أقتلت نفسا زكية بغير نفس} [الكهف: 74] ، فأعلم الله سبحانه الخضر ما كان ~~الغلام عليه من الفطرة التي فطر عليها، وأنه لا تبديل لخلق الله، فأمره ~~بقتله لأنه كان قد طبع يوم طبع كافرا. # قال إسحاق: فلو ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس ولم يبين لهم حكم ~~الأطفال لم يعرفوا المؤمنين منهم من الكافرين لأنهم لا يدرون ما جبل كل ~~واحد عليه حين أخرج من ظهر آدم، فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم ~~الدنيا في الأطفال بقوله: ms389 " «أبواه يهودانه، وينصرانه ويمجسانه» " يقول: ~~أنتم لا تعلمون ما طبع عليه في الفطرة الأولى، ولكن حكم الطفل في الدنيا ~~حكم أبويه، فاعرفوا ذلك بالأبوين، فمن كان صغيرا بين أبوين مسلمين ألحق ~~بحكم الإسلام، وأما إيمان ذلك، وكفره مما يصير إليه فعلم ذلك إلى الله. # وإنما فضل الله الخضر في علمه بهذا على موسى - لما أخبره بالفطرة التي ~~فطره عليها - ليزداد موسى يقينا، وعلما بأن من علم الخضر ما لا يعلمه # PageV02P1034 # نبي، ولا غيره، إذ الأنبياء لا يعلمون من الغيب إلا قدر ما علمهم الله، ~~فصار الحكم على ما كان عند موسى هو حكم الشرع في الدنيا، وما بطن من علم ~~الخضر كان الخضر مخصوصا به، فإذا رأيت الصغير بين أبوين مسلمين حكمت له ~~بحكم الإسلام في المواريث، والصلاة، وكل أحكام المسلمين، ولم تعتد بفعل ~~الخضر، وذلك لأنه كان مخصوصا بذلك لما علمه الله من العلم الخفي، فانتهى ~~إلى أمر الله في قتله. # ولقد سئل ابن عباس - رضي الله عنهما - عن الولدان أفي الجنة هم؟ يعني: ~~ولدان المسلمين، والمشركين، فقال: حسبك ما اختصم فيه موسى والخضر، وهو ~~تفسير ما اقتصصنا من قبل من علم الله، وحكم الناس أنهما مختلفان، ألا ترى ~~«أن عائشة - رضي الله عنها - حين قالت، لما مات صبي من الأنصار بين أبوين ~~مسلمين: " طوبى له، عصفور من عصافير الجنة " رد عليها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: " مه يا عائشة، وما يدريك، إن الله خلق الجنة وخلق لها ~~أهلا» . " # قال إسحاق: فهذا الأصل الذي يعتمد عليه أهل العلم. # قال شيخنا: وما ذكرته هذه الطائفة أن المعنى أن الله فطرهم على الكفر ~~والإيمان، والمعرفة، والإنكار، إن أرادوا به أن الله سبق في علمه وقدره ~~أنهم سيؤمنون، ويكفرون، ويعرفون، وينكرون، وأن ذلك كان بمشيئة الله، وقدره، ~~وخلقه، فهذا حق لا يرده إلا القدرية، وإن أرادوا أن هذه المعرفة والنكرة ~~كانت موجودة حين أخذ الميثاق فهذا يتضمن شيئين: # PageV02P1035 # أحدهما: أن المعرفة كانت موجودة فيهم كما قال ذلك كثير من السلف، وهو ms390 ~~الذي حكى إسحاق الإجماع عليه، فهذا إن كان حقا فهو توكيد لكونهم ولدوا على ~~تلك المعرفة والإقرار، وهذا لا يخالف ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من أنهم ~~يولدون على " الملة "، وأن الله خلقهم حنفاء، بل هو مؤيد لها. # وأما قوله: " إنهم في ذلك الإقرار انقسموا إلى طائع وكافر " فهذا لم ينقل ~~عن أحد من السلف فيما أعلم إلا عن السدي، وفي " تفسيره ": " لما أخرج الله ~~آدم من الجنة قبل أن يهبطه من السماء مسح صفحة ظهره اليمنى، فأخرج منه ذرية ~~بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ~~ظهره اليسرى، فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال: ادخلوا النار، ولا ~~أبالي " وذلك قوله: {وأصحاب اليمين} [الواقعة: 27] ،: {وأصحاب الشمال} ~~[الواقعة: 41] ، ثم أخذ منهم الميثاق، فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، ~~فأعطاه طائفة طائعين، وطائفة كارهين على وجه التقية. فقال هو والملائكة: ~~شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو يقولوا: إنما أشرك ~~آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم " فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله ~~أنه ربه، وذلك قوله: # PageV02P1036 # {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} [آل عمران: 83] ، وكذلك ~~قوله: {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} [الأنعام: 149] ، ~~يعني يوم أخذ الميثاق ". # قال شيخنا: فهذا الأثر إن كان حقا ففيه أن كل ولد آدم يعرف الله، فإذا ~~كانوا ولدوا على هذه الفطرة فقد ولدوا على هذه المعرفة، ولكن فيه أن بعضهم ~~أقر كارها مع المعرفة، فكان بمنزلة الذي يعرف الحق لغيره ولا يقر به إلا ~~مكرها، وهذا لا يقدح في كون المعرفة فطرية، مع أن هذا لم يبلغنا إلا في هذا ~~الأثر، ومثل هذا لا يوثق به، فإنه في تفسير السدي وفيه أشياء قد عرف بطلان ~~بعضها، وهذا هو السدي الكبير إسماعيل بن عبد الرحمن، وهو ثقة في نفسه. # PageV02P1037 # وأحسن أحوال هذه الأشياء أن تكون كالمراسيل إن كانت أخذت عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فكيف إذا كان فيها ما ms391 هو مأخوذ عن أهل الكتاب الذين ~~يكذبون كثيرا؟ وقد عرف أن فيها شيئا كثيرا مما يعلم أنه باطل، ولو لم يكن ~~في هذا إلا معارضته لسائر الأحاديث التي تقتضي التسوية بين جميع الناس في ~~ذلك الإقرار لكفى. # وأما قوله: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} [آل عمران: 83] ~~، فإنما هو في الإسلام الموجود بعد خلقهم، لم يقل سبحانه: إنهم حين العهد ~~الأول أسلموا طوعا، وكرها، يدل على ذلك أن ذلك الإقرار الأول جعله الله ~~تعالى حجة عليهم عند من يثبته، ولو كان منهم مكره لقال: لم أقل ذلك طوعا بل ~~كرها، فلا تقوم عليه حجة. # قلت: وكذلك قوله: " إنهم أقروا على وجه التقية " كلام باطل قطعا، فإن ~~التقية أن يقول العبد خلاف ما يعتقده لاتقاء مكروه يقع به لو لم يتكلم ~~بالتقية، وهم لم يكونوا يعتقدون أن لهم ربا غير الله حتى يقولوا تقية: " ~~أنت ربنا "، بل هم - في حال كفرهم الحقيقي، وعنادهم، وتكذيبهم للرسل - ~~مقرون بأن الله ربهم وقد عرض لهم ما غير تلك الفطرة التي فطروا عليها، ~~فكانوا مع ذلك مقرين بأنه ربهم طوعا، واختيارا، لا تقية، فكيف يقولون ذلك ~~تقية في الحال التي لم يعرض لهم فيها شيء من أسباب الشرك، ولا كان هناك ~~شياطين تضلهم؟ فهذا مما يعلم بطلان تفسير الآية به قطعا بلا توقف. # PageV02P1038 # وكذلك قوله: " فقال هو والملائكة: شهدنا " هذا خطاب قطعا، بل هو من تمام ~~كلامهم وأنهم قالوا: بلى شهدنا، أي أقررنا كما قال الرسل لما أخذ عليهم ~~الميثاق، في قوله: {لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا} [آل ~~عمران: 81] ، وكأن قائل هذا القول ظن أن قوله: {أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين} [الأعراف: 172] تعليل لقوله: (شهدنا) ، وذلك لا يلتئم ~~علة له، فقال: قوله: (شهدنا) ، يقول الله والملائكة، أي شهدنا عليهم لئلا ~~يقولوا يوم القيامة: {إنا كنا عن هذا غافلين} [الأعراف: 172] . # ولكن ذلك تعليل ms392 لأخذهم، وإشهادهم على أنفسهم، أي أشهدهم على أنفسهم، ~~فشهدوا لئلا يقولوا يوم القيامة ذلك، ليس معنى " شهدنا " لئلا يقولوا، ولكن ~~أشهدهم لئلا يقولوا. # يوضحه أن شهادتهم على أنفسهم هي المانعة من قولهم ذلك يوم القيامة، لا ~~شهادة الله، وملائكته عليهم، ولهذا يجحد العبد يوم القيامة شركه وفجوره مع ~~شهادة الله وملائكته عليه بذلك، فيقول: لا أجيز على نفسي إلا شهادة مني، ~~ولا يقيم الله الحجة عليه فشهادته حين تشهد عليه نفسه وتشهد عليه جوارحه، ~~قال تعالى: {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا ~~يكسبون} [يس: 65] ، وهذا # PageV02P1039 # غاية العدل، وإزالة شبه الخصوم من جميع الوجوه. # وكذلك قوله: {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} [الأنعام: ~~149] ، إنما معناه: لو شاء لوفقكم لتصديق رسله واتباع ما جاءوا به كما قال: ~~{ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} [السجدة: 13] ، وقال: {ولو شاء ربك لآمن من ~~في الأرض كلهم جميعا} [يونس: 99] ، وقال: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} ~~[الأنعام: 35] نعم، لو شاء في تقديره السابق لقدر إيمانهم جميعا، فجاء ~~الأمر كما قدره. # قال شيخنا: وأما احتجاج إسحاق بقول أبي هريرة - رضي الله عنه - اقرءوا إن ~~شئتم: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] ، ~~قال إسحاق: يقول: لا تبديل للخلقة التي جبل عليها، فهذه الآية فيها قولان: # أحدهما: أن معناها النهي، أي لا تبدلوا دين الله الذي فطر عليه عباده، ~~وهذا قول غير واحد من المفسرين لم يذكروا غيره كالثعلبي، والزمخشري، # PageV02P1040 # واختيار ابن جرير. # والثاني: ما قاله إسحاق: إنها خبر على ظاهرها، وإن خلق الله لا يبدله ~~أحد، وهذا أصح. # PageV02P1041 # وحينئذ فيقال: المراد ما خلقهم عليه من الفطرة لا تبديل له، فلا يخلقون ~~على غير الفطرة: لا يقع هذا قط، والمعنى: أن الخلق لا يتبدل فيخلقوا على ~~غير الفطرة، ولم يرد بذلك أن الفطرة لا تتغير بعد الخلق، بل نفس الحديث ~~يبين أنها تتغير، ولهذا شبهها بالبهيمة التي تولد جمعاء ثم تجدع، ولا تولد ~~قط بهيمة مخصية ولا مجدوعة، ms393 وقد قال تعالى عن الشيطان: {ولآمرنهم فليغيرن ~~خلق الله} [النساء: 119] ، فالله تعالى أقدر الخلق على أن يغيروا ما خلقهم ~~عليه بقدرته ومشيئته. # وأما تبديل الخلق بأن يخلقوا على غير تلك الفطرة فهذا لا يقدر عليه إلا ~~الله، والله لا يفعله، كما قال: {لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] ، ولم ~~يقل: لا تغيير، فإن تبديل الشيء يكون بذهابه، وحصول بدله، فلا يكون خلق بدل ~~هذا الخلق، ولكن إذا غير بعد وجوده لم يكن الخلق الموجود عند الولادة قد ~~حصل بدله. # وأما قوله: " لا تبديل للخلقة التي جبل عليها ولد آدم كلهم من كفر وإيمان ~~" فإن عنى بها أن ما سبق به القدر من الكفر، والإيمان لا يقع خلافه فهذا ~~حق، ولكن ذلك لا يقتضي أن تبديل الكفر بالإيمان وبالعكس ممتنع، ولا أنه غير ~~مقدور، بل العبد قادر على ما أمره الله به من الإيمان، وعلى ترك ما نهى ~~الله عنه من الكفر، وعلى أن يبدل حسناته بالسيئات، وسيئاته بالتوبة، كما ~~قال: {إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم} [النمل: 11] ، وقال: ~~{فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} [الفرقان: 70] ، وهذا # PageV02P1042 # التبديل كله بقضاء الله وقدره، وهذا بخلاف ما فطروا عليه حين الولادة، ~~فإن ذلك خلق الله الذي لا يقدر على تبديله غيره، وهو سبحانه لا # [يبدله] قط، بخلاف تبديل الكفر بالإيمان، وبالعكس، فإنه يبدله والعبد ~~قادر على تبديله بإقدار الله له على ذلك. # ومما يبين ذلك أنه قال: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] ، فمنهم من فسره بأنه دين الله، ~~ومنهم من فسره بأنه تبديل الخلقة بالخصاء، ونحوه، ولم يقل أحد منهم إن ~~المراد: لا تبديل لأحوال العباد من إيمان إلى كفر، ولا من كفر إلى إيمان إذ ~~تبديل ذلك موجود وما وقع فهو الذي سبق به القدر، والله عالم بما سيكون لا ~~يقع خلاف معلومه، لكن إذا وقع التبديل كان هو الذي علمه، وإن لم يقع كان ~~عالما بأنه لا يقع. ms394 # وأما قوله: " إن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا "، فالمراد به ~~كتب وختم، ولفظ الطبع لما كان يستعمله كثير من الناس في الطبيعة التي هي ~~بمعنى الجبلة والخليقة ظن الظان أن هذا مراد الحديث. # PageV02P1043 # وهذا الغلام الذي قتله الخضر يحتمل أنه كان بالغا مطلقا، وسمي " غلاما " ~~لقرب عهده بالبلوغ، وعلى هذا فلا إشكال فيه، ويحتمل أن يكون مميزا عاقلا، ~~وإن لم يكن بالغا، وعليه يدل الحديث، وهو قوله: " ولو أدرك لأرهق أبويه "، ~~وعلى هذا فلا يمتنع أن يكون مكلفا في تلك الشريعة إذ اشتراط البلوغ في ~~التكليف إنما علم بشريعتنا، ولا يمتنع تكليف المراهق العاقل عقلا، كيف وقد ~~قال جماعة من العلماء: إن المميزين يكلفون بالإيمان قبل الاحتلام؟ كما قالت ~~طائفة من أصحاب أبي حنيفة، وأحمد، وهو اختيار أبي الخطاب، وعليه جماعة من ~~أهل الكلام. # وعلى هذا فيمكن أن يكون هذا الغلام مكلفا بالإيمان قبل البلوغ، ولو لم ~~يكن مكلفا بشرائعه، فكفر الصبي المميز معتبر عند أكثر العلماء، فإذا ارتد ~~عندهم صار مرتدا له أحكام المرتدين، وإن كان لا يقتل حتى يبلغ فيثبت عليه ~~كفره، واتفقوا على أنه يضرب، ويؤدب على كفره أعظم مما يؤدب على ترك الصلاة، ~~فإن كان الغلام الذي قتله الخضر بالغا فلا إشكال، وإن كان مراهقا غير بالغ ~~فقتله جائز في تلك الشريعة لأنه قتله بأمر الله، كيف وهو إنما قتله دفعا ~~لصوله على أبويه في الدين؟ كما قال: {فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا} ~~[الكهف: 80] ، والصبي لو صال على المسلم في بدنه، أو ماله ولم يندفع صياله ~~للمسلم إلا بقتله جاز قتله، بل الصبي إذا قاتل المسلمين قتل، ولكن من أين ~~يعلم أن هذا الصبي اليوم يصول على أبويه، أو غيرهما في دينهما حتى يفتنهما ~~عنه؟ فإن هذا غيب لا سبيل لنا إلى العلم به، ولهذا علق ابن عباس الفتيا به ~~فقال لنجدة لما استفتاه في قتل الغلمان: # PageV02P1044 # " إن علمت منهم ما علم الخضر من ذلك الغلام فاقتلهم، وإلا فلا " رواه ~~مسلم في " صحيحه ms395 ". # ولكن يقال: قاعدة الشرع، والجزاء أن الله سبحانه لا يعاقب العباد بما ~~سيعلم أنهم يفعلونه، بل لا يعاقبهم إلا بعد فعلهم ما يعلمون أنه نهى عنه ~~وتقدم إليهم بالوعيد على فعله، وليس في قصة الخضر شيء من الاطلاع على الغيب ~~الذي لا يعلمه إلا الله، وإنما فيها علمه بأسباب تقتضي أحكامها، ولم يعلم ~~موسى تلك الأسباب مثل: علمه بأن السفينة كانت لمساكين، وأن وراءهم ملكا ~~ظالما إن رآها أخذها فكان قلع لوح منها لتسلم جميعها، ثم يعيده من أحسن ~~الأحكام، وهو من دفع أعظم الشرين باحتمال أيسرهما، وعلى هذا، فإذا رأى ~~إنسان ظالما يستأصل مال مسلم غائب فدفعه عنه ببعضه كان محسنا، ولم يلزمه ~~ضمان ما دفعه إلى الظالم قطعا، فإنه محسن وما على المحسنين من سبيل، وكذلك ~~لو رأى حيوانا مأكولا لغيره يموت، فذكاه لكان محسنا، ولم يلزمه ضمانه، كذلك ~~كون الجدار لغلامين يتيمين، وأبوهما كان صالحا، أمر يعلمه الناس، ولكن خفي ~~على موسى، وكذلك كفر الصبي يمكن أن يعلمه الناس حتى أبواه، ولكن لحبهما ~~إياه لا ينكران عليه، ولا يقبل منهما، وإذا كان الأمر كذلك فليس في الآية ~~حجة على أنه قتل لما يتوقع من كفره، ولو قدر أن ذلك الغلام لم يكفر أصلا، ~~ولكن سبق في علم الله أنه إذا بلغ يكفر وأطلع الله الخضر على ذلك. # PageV02P1045 # فقد يقول القائل: قتله بالفعل كقتل نوح لأطفال الكفار بالدعوة المستجابة ~~التي أغرقت أهل الأرض لما علم أن آباءهم لا يلدون إلا فاجرا كفارا، فدعا ~~عليهم بالهلاك العام دفعا لشر أطفالهم في المستقبل، وقوله: {ولا يلدوا إلا ~~فاجرا كفارا} [نوح: 27] لا ينافي كونهم مولودين على الفطرة الصحيحة، فإن ~~قوله " {فاجرا كفارا} [نوح: 27] " حالان مقدرتان أي من سيفجر ويكفر. ### | [فصل تفسير قول النبي علبه السلام فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه] ### | 188 - # فصل # [تفسير قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «فأبواه يهودانه، وينصرانه، ~~ويمجسانه» ".] # وأما تفسيره قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «فأبواه يهودانه، ~~وينصرانه، ويمجسانه» " إن أراد به مجرد الإلحاق في أحكام ms396 الدنيا دون تغيير ~~الفطرة، فهذا خلاف ما دل عليه الحديث: فإنه شبه تكفير الأطفال بجدع البهائم ~~تشبيها للتغيير بالتغيير. # وأيضا، فإنه ذكر هذا الحديث لما قتلوا أولاد المشركين، ونهاهم عن قتلهم، ~~وقال: " «أليس خياركم أولاد المشركين؟ كل مولود يولد على الفطرة» "، فلو ~~أراد أنه تابع لأبويه في الدنيا لكان هذا حجة لهم، يقولون: # PageV02P1046 # هم كفار كآبائهم، فنقتلهم معهم، وكون الصغير يتبع أباه في أحكام الدنيا ~~هو لضرورة حياته في الدنيا، فإنه لا بد له من مرب يربيه، وإنما يربيه ~~أبواه، فكان تابعا لهما ضرورة، ولهذا إذا سبي منفردا عنهما صار تابعا لهما ~~عند جمهور العلماء، وإن سبي معهما، أو مع أحدهما، أو ماتا، أو أحدهما، ففيه ~~نزاع ذكرناه فيما مضى. # واحتج الفقهاء والأئمة بهذا الحديث، ووجه الحجة منه أنه إذا ولد على ~~الملة فإنما ينقله عنها الأبوان اللذان يغيرانه عن الفطرة، فمتى سباه ~~المسلمون منفردا عنهما لم يكن هناك من يغير دينه، وهو مولود على الملة ~~الحنيفية، فيصير مسلما بالمقتضى السالم عن المعارض، ولو كان الأبوان ~~يجعلانه كافرا في نفس الأمر بدون تعليم، وتلقين لكان الصبي المسبي بمنزلة ~~البالغ الكافر، ومعلوم أن الكافر البالغ إذا سباه المسلمون لم يصر مسلما؛ ~~لأنه صار كافرا حقيقة، فلو كان الصبي التابع لأبويه كافرا حقيقة لم ينتقل ~~عن الكفر بالسباء، فعلم أنه كان يجري عليه حكم الكفر في الدنيا تبعا ~~لأبويه، لا لأنه صار كافرا في نفس الأمر. # يبين ذلك أنه لو سباه كفار، ولم يكن معه أبواه لم يصر مسلما، فهو هنا ~~كافر في حكم الدنيا، وإن لم يكن أبواه هوداه، ونصراه، ومجساه، فعلم أن ~~المراد بالحديث أن الأبوين يلقنانه الكفر ويعلمانه إياه. # وذكر الأبوين لأنهما الأصل العام الغالب في تربية الأطفال، فإن كل طفل ~~فلا بد له من أبوين، وهما اللذان يربيانه مع بقائهما، وقدرتهما، ومما يبين ~~ذلك قوله في الحديث الآخر: " «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب # PageV02P1047 # عنه لسانه، فإما شاكرا، وإما كفورا» "، فجعله على الفطرة إلى أن يعقل، ~~ويميز، ms397 فحينئذ يثبت له أحد الأمرين. # ولو كان كافرا في الباطن بكفر الأبوين لكان ذلك من حين يولد قبل أن يعرب ~~عنه لسانه. # وكذلك قوله - في حديث عياض بن حمار فيما يروي «عن ربه تبارك وتعالى: " ~~إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، ~~وأمرتهم أن لا يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» " - صريح في أنهم خلقوا على ~~الحنيفية، وأن الشياطين اجتالتهم، وحرمت عليهم الحلال وأمرتهم بالشرك. # فلو كان الطفل يصير كافرا في نفس الأمر من حين يولد، لكونه يتبع أبويه في ~~الدين، قبل أن يعلمه أحد الكفر ويلقنه إياه لم يكن الشياطين هم الذين ~~غيروهم عن الحنيفية، وأمروهم بالشرك، بل كانوا مشركين من حين ولدوا، تبعا ~~لآبائهم. # ومنشأ الاشتباه في هذه المسألة اشتباه أحكام الكفر في الدنيا بأحكام ~~الكفر في الآخرة: فإن أولاد الكفار لما كانت تجري عليهم أحكام الكفر في ~~أمور الدنيا مثل ثبوت الولاية عليهم لآبائهم، وحضانة آبائهم لهم، وتمكين ~~آبائهم من تعليمهم، وتأديبهم، والموارثة بينهم، وبين آبائهم، واسترقاقهم ~~إذا كان آباؤهم محاربين، وغير ذلك، صار يظن من يظن أنهم كفار في نفس الأمر ~~كالذي تكلم بالكفر، وأراده، وعمل به. # PageV02P1048 # ومن هنا قال من قال: إن هذا الحديث كان قبل أن تنزل الأحكام كما قاله ~~محمد بن الحسن، وقد رد عليه هذا القول غير واحد من الأئمة، فمنهم محمد بن ~~نصر قال في كتاب " الرد على ابن قتيبة ": وأما ما حكاه أبو عبيد، عن ابن ~~الحسن أنه سأله عن تفسير " «كل مولود يولد على الفطرة» "، فقال: كان هذا في ~~أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض ويؤمر بالجهاد، فإن هذا رجل سئل عما لم ~~يحسنه فلم يدر ما يجيب فيه، وأنف أن يقول: لا أدري، فأجابه عن غير ما سأله ~~عنه، فادعى أنه منسوخ، وإنما سأله أبو عبيد عن تفسير الحديث، ولم يسأله ~~أناسخ هو أو منسوخ، فكان الذي يجب عليه أن يفسر الحديث أولا إن كان يحسن ~~تفسيرا، فيكون قد أجابه عما سأله، ثم ms398 يخبر أنه منسوخ، والذي ادعاه في هذا ~~أنه منسوخ غير جائز؛ لأن من أخبر عن شيء ثم أخبر عنه بخلاف ذلك كان مكذبا ~~لنفسه، وذلك غير جائز على الله تعالى، ولا على رسوله - صلى الله عليه وسلم ~~- لأن من قال: " سمعت كذا، أو رأيت كذا "، ثم قال بعد: لم يكن ما أخبرت أني ~~سمعته ورأيته، أو أخبر أن شيئا سيكون، ثم أخبر أنه لا يكون فقد أكذب نفسه ~~فيما أخبر، ودل على أنه أخبر بما لا يعلمه، أو تعمد الكذب، أو قال بالظن، ~~وكان جاهلا، ثم رجع عن ظنه. # ولا يعلم أحد يجوز الناسخ في أخبار الله غير صنف من الروافض يصفونه ~~بالبداء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا! فلم يزل الله سبحانه عالما # PageV02P1049 # بما يكون، ومريدا لما علم أنه سيكون، لم يستحدث علما لم يكن، ولا إرادة ~~لم تكن، فإذا أخبر عن شيء أنه كائن فغير جائز أن يخبر أبدا عن ذلك الشيء ~~أنه لا يكون؛ لأنه لم يخبر أنه كائن إلا وقد علم أنه كائن، وأراد أن يكون، ~~وهو الفاعل لما يريد العالم بعواقب الأمور، لا تبدو له البدوات، ولا تحل به ~~الحوادث، ولا تعتقبه الزيادة والنقصان، فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~" «كل مولود يولد على الفطرة» " خبر منه عن كل مولود أنه يولد على الفطرة، ~~فغير جائز أن يخبر أبدا بخلاف ذلك فيقول: إن كل مولود يولد على غير الفطرة. # قال: وتفسير الحديث يدل على خلاف ما قال ابن الحسن: «قال الأسود بن سريع: ~~غزوت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقتل الناس يومئذ حتى قتلت الذرية، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " كل مولود يولد على الفطرة» "، فأخبر ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في غزوة: " «كل مولود يولد على ~~الفطرة» "، فأبان أن هذا القول كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ~~الأمر بالجهاد، وزعم محمد بن الحسن أن هذا القول كان من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قبل أن يؤمر المسلمون بالجهاد، ms399 فخالف الخبر. # PageV02P1050 # والراوي لهذا الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو هريرة والأسود ~~بن سريع، وسمرة، وكل هؤلاء لم يدرك أول الإسلام: أسلم أبو هريرة قبل وفاة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحو من ثلاث سنين، أو أربع، وكذلك الأسود بن ~~سريع، وسمرة لم يدرك أول الإسلام. فقوله: " كان هذا في أول الإسلام " باطل، ~~انتهى كلامه. # PageV02P1051 # قال شيخنا: فإذا عرف أن كونهم ولدوا على الفطرة لا ينافي أن يكونوا تبعا ~~لآبائهم في أحكام الدنيا زالت الشبهة. # قال: وقد يكون في بلاد الكفر من هو مؤمن في الباطن يكتم إيمانه فيقتله ~~المسلمون، ولا يصلون عليه، ويدفن في مقابر الكفار وتربة الكفار، وهو في ~~الآخرة من أهل الجنة، كما أن المنافقين تجري عليهم في الدنيا أحكام ~~المسلمين، وهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، فحكم الدار الآخرة غير ~~حكم دار الدنيا. # وقوله: " «كل مولود يولد على الفطرة» " إنما أراد به الإخبار بالحقيقة ~~التي خلقوا عليها، وعليها الثواب في الآخرة إذا عمل بموجبها وسلمت عن ~~المعارض، لم يرد به الإخبار بأحكام الدنيا، فإنه قد علم بالاضطرار من شرع ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن أولاد الكفار يكونون تبعا لآبائهم في ~~أحكام الدنيا، وأن أولادهم لا ينزعون منهم إذا كان للآباء ذمة، وإن كانوا ~~محاربين استرقت أولادهم، ولم يكونوا كأولاد المسلمين. # ولا نزاع بين المسلمين أن أولاد الكفار الأحياء مع آبائهم، لكن تنازعوا ~~في الطفل إذا مات أبواه، أو أحدهما هل نحكم بإسلامه؟ # قلت: وفيه عن أحمد ثلاث روايات منصوصات: # PageV02P1052 # إحداها: أنه يصير مسلما واحتج بالحديث. # والثانية: لا يصير بذلك مسلما، وهي قول الجمهور، واختيار شيخنا. # والثالثة: إن كفله المسلمون كان مسلما، وإلا فلا، وهي الرواية التي ~~اخترناها، وذكرنا لفظ أحمد، ونصه فيها. # واحتج شيخنا على " أنه لا نحكم بإسلامه " بأنه إجماع قديم من السلف ~~والخلف. # قال: وهو ثابت بالسنة التي لا ريب فيها، فقد علم أن أهل الذمة كانوا على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، ووادي القرى، وخيبر، ms400 ~~ونجران، وأرض اليمن، وغير ذلك، وكان فيهم من يموت، وله ولد صغير، ولم يحكم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسلام يتامى أهل الذمة، وكذلك خلفاؤه كان ~~أهل الذمة في زمانهم طبق الأرض بالشام، ومصر والعراق، وخراسان، وفيهم من ~~يتامى أهل الذمة عدد كثير، ولم يحكموا بإسلام أحد منهم، فإن عقد الذمة ~~اقتضى أن يتولى بعضهم بعضا، فهم يتولون حضانة يتاماهم كما كان الأبوان ~~يتوليان حضانة أولادهما، وأحمد يقول: إن الذمي إذا مات ورثه ابنه الطفل، مع ~~قوله في إحدى # PageV02P1053 # الروايات: إنه يصير مسلما؛ لأن أهل الذمة ما زال أولادهم يرثونهم، ولأن ~~الإسلام حصل مع استحقاق الإرث ولم يحصل قبله. # قال في " المحرر ": ويرث من جعلناه مسلما بموته، حتى لو تصور موتهما - ~~يعني الأبوين - معا لورثهما: نص عليه في رواية أبي طالب، ولفظ النص: في ~~يهودي، أو نصراني مات وله ولد صغير فهو مسلم، إذا مات أبواه، ورث أبويه. # وفيه رواية مخرجة: أنه لا يرث؛ لأن المانع من الميراث - وهو اختلاف الدين ~~- قارن سببه الحكم: وهو الموت. # قال شيخنا: هذا مبني على أصل: وهو أن الأهلية، والمحلية هل يشترط تقدمهما ~~على الحكم، أو تكفي مقارنتهما؟ فيها قولان في المذهب أشهرهما الثاني. ~~والأول مذهب الشافعي، وهنا اختلاف الدين مانع، فهل يشترط في كونه مانعا ~~ثبوته قبل الحكم، أو تكفي المقارنة؟ فهنا قد اشترط التقدم كما ذكر في كتاب ~~" البيوع " فيما إذا باع عبده شيئا، أو كاتبه في صفقة واحدة أنه يصح البيع، ~~وفي الكتابة وجهان اتباعا لأبي الخطاب والقاضي في " المجرد " والصحيح صحة ~~الكتابة كما قال في " الجامع الكبير "، وغيره، # PageV02P1054 # فإن المانع أقوى، فإن ثبوت الحكم في حال وجود مانعه بعيد، إلا أن يقال: ~~إن من أصل أحمد أنه لو أسلم بعد الموت، وقبل قسمة التركة استحق الميراث، ~~فكيف يجعل الإسلام مانعا وهو لو أسلم بعد موت قريبه الكافر لم يمنع ~~الميراث؟ ولأن الولاية بين الأب، وابنه كانت ثابتة إلى حين الموت، وما يحدث ~~بعد الموت لا عبرة به. # قال القاضي في ms401 ضمن المسألة: واحتج بعين المنازع فيه: بأن الحكم بإسلامه ~~يوجب توريث المسلم من الكافر؛ لأن له عندكم أن يرث الميت منهما، وهذا لا ~~يجوز لأن ثبوت الميراث - مع اختلاف الدين - أوجبه الموت، فهما يلتقيان في ~~زمان واحد، فلا يصح اجتماعهما، كما لو قال لعبده: إذا مات أبوك فأنت حر، ~~فلما اجتمع الميراث، والحرية في زمان واحد - وهو ما بعد الموت - لم يرث ~~كذلك هاهنا. # قال: والجواب أن هذا يبطل بالوصية لأم ولده، فإن الوصية تستحق بالموت، ~~ومع هذا فإنهما يجتمعان فتحصل الحرية وتصح بالوصية. # قال: وجواب آخر: وهو أنه - وإن كانا يلتقيان في زمان واحد - إلا أن حقه ~~ثابت في ماله إلى حين الوفاة، واختلاف الدين ليس معينا من جهة الوارث، فلا ~~يسقط حقه في الميراث: كالطلاق في المرض، ويفارق العبد لأنه لا حق له في ~~الميراث، فلهذا إذا التقيا بعد الموت لم يرث. # وجواب آخر: أنه لا يمتنع أن يحصل الميراث قبل اختلاف الدين، كما قال ~~الجميع في رجل مات، وترك ابنين، وألف درهم، وعليه دين ألف درهم: إنهما لا ~~يرثان الألف، ولو مات أحد الابنين، وترك ابنا ثم أبرا الغريم، أخذ ابن ~~الميت حصته بميراثه عن أبيه، وإن لم يكن مالكا له حين الموت، لكن جعل # PageV02P1055 # في حكم من كان مالكا لتقدم سببه. # قال شيخنا: أما مسألة الحرية فإنها تصلح أن تكون حجة للقاضي لا حجة عليه؛ ~~لأن الحرية شرط كما أن الكفر مانع، وكما أن مقارنة الشرط لا تؤثر ولا تفيد ~~فيها فكذلك مقارنة المانع. # وهكذا كان القاضي قد نقض عليهم بهذه الصورة، أولا ذكرها في جوابه، وهذا ~~جيد، ثم ذكرها في حجتهم مع أن هذه الصورة فيها نظر، فإن مقارنة المانع حدثت ~~قبل انتقال الإرث إلى غيره. # قلت: وهذا من أصح شيء؛ لأن النسب علة الإرث، ولكن منع من إعمال النسب ~~مانع الرق، ثم زال المانع قبل انتقال الإرث إلى غير الولد، فلو منعناه ~~الإرث لعطلنا إعمال النسب في مقتضاه مع أنه لا مانع له حين ms402 اقتضائه، فإن ~~النسب اقتضى حكمه بالموت، وهو في هذه الحال لا مانع له، وهذا ظاهر جدا. # قال القاضي: فإن قيل: فقد قال أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال، وجعفر ~~بن محمد - واللفظ له - في نصراني مات، وله امرأة نصرانية حبلى، فأسلمت بعد ~~موته ثم ولدت: لا يرث الولد، إنما مات أبوه، وهو لا يعلم ما هو، وإنما يرث ~~في الولادة، ويحكم له بالإسلام. # فظاهر هذا أنه حكم بإسلامه، ولم يحكم بالميراث. # قيل: يحتمل أن يخرج من هذا رواية: أنا نحكم بإسلامه ولا نحكم # PageV02P1056 # له بالميراث، وهو القياس لئلا يرث مسلم من كافر، ويحتمل أن يفرق بينهما: ~~فإذا مات أحدهما - وهو مولود - حكم بإسلامه، وورثه، وإن كان حملا حكم ~~بإسلامه، ولم يرثه، وهو ظاهر تعليل أحمد؛ لأنه قال: إنما مات أبوه، وهو لا ~~يعلم ما هو؛ لأنه إذا أسلمت الأم فالمانع قوي؛ لأنه مجمع عليه، وإذا مات ~~الأب فهو ضعيف؛ لأنه مختلف فيه. # قلت: هذه الرواية لا تعارض نصه على الميراث في المسألة المتقدمة؛ لأن ~~الميراث إنما يثبت بالوضع، والإسلام قد تقدم عليه، وأنه ثبت له حكم الإسلام ~~بسببين: متفق عليه، ومختلف فيه، وكلاهما سابق على سبب الإرث، فوجد سبب ~~الإرث بعد سبق الإسلام، وفي مسألتنا وجد الإرث والإسلام معا، لاتحاد ~~سببهما. # قلت: ما ذكره شيخنا إنما يدل على أن الطفل إذا كفله أقاربه من أهل الذمة ~~فهو على دينهم، ولا يدل على أنه لا نحكم بإسلامه إذا كفله المسلمون. ### | [فصل الخلاف في خلق الأجساد قبل الأرواح أو العكس] ### | 189 - # فصل # [الخلاف في خلق الأجساد قبل الأرواح، أو العكس] . # وأما قول إسحاق: إن العلماء أجمعوا على أن قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من ~~بني آدم من ظهورهم ذريتهم} [الأعراف: 172] أنها الأرواح قبل الأجساد، ~~فإسحاق - رحمه الله تعالى - قال بما بلغه، وانتهى إلى علمه، وليس ذلك ~~بإجماع، فقد اختلف الناس: هل خلقت الأجساد قبل الأرواح، أو # PageV02P1057 # معها؟ على قولين حكاهما شيخنا، وغيره. # وهل معنى الآية أخذ الذرية بعضهم من بعض، وإشهادهم ms403 بما فطرهم عليه، أو ~~إخراجهم من ظهر آدم واستنطاقهم؟ على قولين مشهورين. # والذين قالوا: " إن الأرواح خلقت قبل الأجساد " ليس معهم نص من كتاب الله ~~ولا سنة رسوله، وغاية ما معهم قوله: {وإذ أخذ ربك من بني آدم} [الأعراف: ~~172] الآية، وقد علم أنها لا تدل على ذلك. # وأما الأحاديث التي فيها أنه " أخرجهم مثل الذر "، فهذا هل هو أشباحهم أو ~~أمثالهم؟ فيه قولان، وليس فيها صريح بأنها أرواحهم. # والذي دل عليه القرآن، والسنة، والاعتبار أن الأرواح إنما خلقت مع ~~الأجساد، أو بعدها، فإن الله سبحانه خلق جسد آدم قبل روحه، فلما سواه وأكمل ~~خلقه نفخ فيه من روحه، فكان تعلق الروح به بعد خلق جسده. # وكذلك سنته سبحانه في خلق أولاده كما دل عليه حديث عبد الله بن مسعود ~~المتفق على صحته قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " «إن ~~خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما # [نطفة] ، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم ينفخ فيه ~~الروح» ". # وقد غلط بعض الناس حيث ظن أن نفخ الروح إرسال الروح # PageV02P1058 # وبعثها إليه، وأنها كانت موجودة قبل ذلك، ونفخها تعلقها به، وليس ذلك ~~مراد الحديث، بل إذا تكامل خلق الجنين أرسل الله إليه الملك فنفخ فيه نفخة، ~~فتحدث الروح بتلك النفخة، فحينئذ حدثت له الروح بواسطة النفخة. # وكذلك كان خلق المسيح: أرسل الله الملك إلى أمه، فنفخ في فرجها نفخة ~~فحملت بالمسيح، كما قال تعالى: {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا - ~~قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا - قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك ~~غلاما زكيا} [مريم: 17 - 19] . # وهذا صريح في إبطال قول من قال: " إن هذه الروح التي خاطبها هي روح ~~المسيح "، فإن روح المسيح إنما حدثت من تلك النفخة التي نفخها رسول الله، ~~وكيف يقول المسيح لأمه: أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا؟ وكيف يكون قوله: ~~{فنفخنا فيها من روحنا} [الأنبياء: 91] ، أي من روح ولدها، فتكون روح ~~المسيح هي ms404 النافخة لنفسها في # PageV02P1059 # بطن أمه؟ ! # وهذا قول تكثر الدلائل على بطلانه، وإنما أشرنا إلى ذلك إشارة. ### | [فصل الفطرة خلو القلب من الإيمان والكفر] ### | 190 - # فصل # [الفطرة خلو القلب من الإيمان والكفر.] # وقالت طائفة أخرى: لم يرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذكر الفطرة ~~هاهنا كفرا، ولا إيمانا، ولا معرفة، ولا إنكارا، وإنما أراد أن كل مولود ~~يولد على السلامة خلقة وطبعا، وبنية، وليس معه كفر، ولا إيمان، ولا معرفة، ~~ولا إنكار، ثم يعتقد الكفر أو الإيمان بعد البلوغ. # واحتجوا بقوله في الحديث: " «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء " - يعني ~~سالمة - " هل تحسون فيها من جدعاء» " يعني مقطوعة الأذن، فمثل قلوب بني آدم ~~بالبهائم، لأنها تولد كاملة الخلق لا يتبين فيها نقصان، ثم تقطع آذانها بعد ~~وأنوفها، فيقال: هذه بحائر، وهذه سوائب، يقول: فكذلك قلوب الأطفال في حين ~~ولادتهم ليس لهم كفر حينئذ، ولا إيمان، ولا معرفة، ولا إنكار، كالبهائم ~~السالمة، فلما بلغوا استهوتهم الشياطين، فكفروا أكثرهم، وعصم الله أقلهم. # قالوا: ولو كان الأطفال قد فطروا على شيء من الكفر أو الإيمان في أولية ~~أمرهم ما انتقلوا عنه أبدا، وقد نجدهم يؤمنون، ثم يكفرون، ويكفرون، ثم ~~يؤمنون. # PageV02P1060 # قالوا: ويستحيل أن يكون الطفل في حال ولادته يعقل كفرا، أو إيمانا؛ لأن ~~الله أخرجه في حال ما يفقه فيها شيئا، قال تعالى: {والله أخرجكم من بطون ~~أمهاتكم لا تعلمون شيئا} [النحل: 78] ، فمن لم يعلم شيئا استحال منه كفر، ~~أو إيمان، أو معرفة، أو إنكار. # قال أبو عمر: هذا القول أصح ما قيل في معنى الفطرة التي يولد الولدان ~~عليها، وذلك أن الفطرة السلامة والاستقامة، بدليل قوله في حديث عياض بن ~~حمار: " «إني خلقت عبادي حنفاء» " يعني على استقامة وسلامة، وكأنه - والله ~~أعلم - أراد الذين خلصوا من الآفات كلها، والمعاصي، والطاعات، فلا طاعة ~~منهم، ولا معصية إذ لم يعملوا بواحدة منهما. # ومن الحجة أيضا في هذا قول الله تعالى: {إنما تجزون ما كنتم تعملون} ~~[الطور: 16] ، و: {كل نفس بما كسبت رهينة} [المدثر: 38] ، ومن لم ms405 يبلغ وقت ~~العمل لم يرثهن بشيء، قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ~~[الإسراء: 15] . # PageV02P1061 # قال شيخ الإسلام: هذا القائل إن أراد بهذا أنهم خلقوا خالين من المعرفة، ~~والإنكار من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحدا منهما، بل يكون القلب كاللوح ~~الذي يقبل كتابة الإيمان، وكتابة الكفر، وليس هو لأحدهما أقبل منه للآخر - ~~وهذا هو الذي يشعر به ظاهر الكلام - فهذا قول فاسد؛ لأنه حينئذ لا فرق ~~بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة، والإنكار، والتهويد، والتنصير، والإسلام، ~~وإنما ذلك بحسب الأسباب، فكان ينبغي أن يقال: فأبواه يجعلانه مسلما ~~ويهودانه، وينصرانه، ويمجسانه. فلما ذكر أن أبويه يكفرانه دون الإسلام علم ~~أن حكمه في حصول ذلك بسبب منفصل غير حكم الكفر. # وأيضا، فإنه على هذا التقدير لا يكون في القلب سلامة ولا عطب، ولا ~~استقامة ولا زيغ، إذ نسبته إلى كل منهما نسبة واحدة، وليس هو بأحدهما أولى ~~منه بالآخر، كما أن الورق قبل الكتابة لا يثبت له حكم مدح ولا حكم ذم، ~~والتراب قبل أن يبنى مسجدا، أو كنيسة لا يثبت له حكم واحد منهما. # وبالجملة فكل ما كان قابلا للممدوح والمذموم على السواء لم يستحق مدحا، ~~ولا ذما، والله تعالى يقول: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] فأمره بلزوم فطرته التي فطر ~~الناس عليها، فكيف لا تكون ممدوحة. # وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - شبهها بالبهيمة المجتمعة الخلق، ~~وشبه ما يطرأ عليها من الكفر بجدع الأنف والأذن، ومعلوم أن كمال # PageV02P1062 # الخلقة ممدوح ونقصها مذموم، فكيف تكون قبل النقص لا ممدوحة ولا مذمومة. ### | [فصل الفطرة لو تركت لاختارت الإيمان على الكفر] ### | 191 - # فصل # [الفطرة لو تركت لاختارت الإيمان على الكفر] . # وإن كان المراد بهذا القول ما قالته طائفة من الناس " إن المعنى أنهم ~~ولدوا على الفطرة السليمة التي لو تركت على صحتها لاختارت المعرفة على ~~الإنكار، والإيمان على الكفر، ولكن بما عرض لها من الفساد خرجت عن هذه ~~الصحة، فهذا القول قد ms406 يقال: إنه لا يرد عليه ما يرد على الذي قبله، فإن ~~صاحبه يقول: في الفطرة قوة تميل بها إلى المعرفة والإيمان كما في البدن ~~الصحيح قوة يحب بها الأغذية النافعة، وبهذا كانت محمودة، وذم من أفسدها. # لكن يقال: فهذه الفطرة التي فيها هذه القوة، والقبول، والاستعداد، ~~والصلاحية هل هي كافية في حصول المعرفة، أو تقف المعرفة على أدلة تتعلمها ~~من خارج؟ فإن كانت المعرفة تقف على أدلة تتعلمها من خارج أمكن أن توجد ~~تارة، وتعدم أخرى، ثم ذلك السبب الخارج امتنع أن يكون موجبا للمعرفة بنفسه، ~~بل غايته أن يكون معرفا، ومذكرا، فعند ذلك إن وجب حصول المعرفة كانت ~~المعرفة واجبة الحصول عند وجود تلك الأسباب، وإلا فلا، وحينئذ فلا يكون ~~فيها إلا قبول المعرفة، والإيمان إذا وجدت من يعلمها أسباب ذلك، وأسباب ضده ~~من التهويد، والتنصير # PageV02P1063 # والتمجيس، وحينئذ فلا فرق فيها بين الإيمان، والكفر، والمعرفة، والإنكار، ~~إنما فيها قوة قابلة لكل منهما، واستعداد له لكن يتوقف على المؤثر الفاعل ~~من خارج. # وهذا هو القسم الأول الذي أبطلناه، وبينا أنه ليس في ذلك مدح للفطرة. # وإن كان فيها قوة تقتضي المعرفة بنفسها - وإن لم يوجد من يعلمها أدلة ~~المعرفة - لزم حصول المعرفة فيها بدون ما تعرفه من أدلة المعرفة، سواء قيل: ~~إن المعرفة ضرورية فيها، أو تحصل بأسباب كالأدلة التي تنتظم في النفس من ~~غير أن تسمع كلام مستدل، فإن النفس بفطرتها قد يقوم بها من النظر ~~والاستدلال ما لا يحتاج معه إلى كلام أحد، فإن كان كل مولود يولد على هذه ~~الفطرة لزم أن يكون المقتضي للمعرفة حاصلا لكل مولود وهو المطلوب. # والمقتضي التام يستلزم مقتضاه، فتبين أن أحد الأمرين لازم: # إما كون الفطرة مستلزمة للمعرفة. # وإما استواء الكفر والإيمان بالنسبة إليها أمر ممكن بلا ريب. # فإما أن تكون هي موجبة مستلزمة له. # وإما أن تكون ممكنة إليه ليست بواجبة لازمة له. # فإن كان الثاني لم يكن فرق بين الكفر والإيمان: إذ كلاهما ممكن بالنسبة ~~إليها، فتبين أن المعرفة ms407 لازمة لها واجبة إلا أن يعارضها معارض. # فإن قيل: ليست موجبة مستلزمة للمعرفة، ولكنها إليها أميل مع قبولها # PageV02P1064 # للنكرة، قيل: فحينئذ إذا لم تستلزم المعرفة وجدت تارة وعدمت أخرى، وهي ~~وحدها لا تحصلها، فلا تحصل إلا بشخص آخر كالأبوين، فيكون الإسلام في ذلك ~~كالتهويد والتنصير، والتمجيس، ومعلوم أن هذه الأنواع بعضها أبعد عن الفطرة ~~من بعض، لكن مع ذلك لما لم تكن الفطرة مقتضية لشيء منها أضيفت إلى السبب، ~~فإن لم تكن الفطرة مقتضية للإسلام صارت نسبتها إلى ذلك كنسبة التهويد، ~~والتنصير إلى التمجيس، فوجب أن يذكر كما ذكر ذلك، وهذا كما لو كانت لم تقتض ~~الأجل إلا بسبب منفصل، والنبي - صلى الله عليه وسلم - شبه اللبن بالفطرة ~~لما عرض عليه اللبن والخمر، واختار اللبن، «فقال له جبريل: أصبت الفطرة، ~~ولو أخذت الخمر لغوت أمتك» . # والطفل مفطور على أنه يختار شرب اللبن بنفسه، فإذا تمكن من الثدي لزم أن ~~يرتضع لا محالة، فارتضاعه ضروري إذ لم يوجد معارض، وهو مولود على أن يرتضع، ~~فكذلك هو مولود على أن يعرف الله، والمعرفة ضرورية لا محالة إذا لم يوجد ~~معارض. # وأيضا، فإن حب النفس لله، وخضوعها لله تعالى، وإخلاص الدين له، والكفر، ~~والشرك، والنفور، والإعراض عنه إما أن تكون نسبتهما إلى # PageV02P1065 # الفطرة سواء، أو الفطرة مقتضية للأول دون الثاني، فإن كانا سواء لزم ~~انتفاء المدح، ولم يكن فرق بين اقتضائها للكفر، واقتضائها للإيمان، ويكون ~~تمجيسها كتحنيفها، وهذا باطل قطعا. # وإن كان فيها مقتض للأول دون الثاني، فإما أن يكون المقتضي مستلزما ~~لمقتضاه عند عدم المعارض، وإما أن يكون متوقفا على شخص خارج عنها، فإن كان ~~الأول ثبت أن ذلك من لوازمها، وأنها مفطورة عليه لا يفقد إلا إذا أفسدت ~~الفطرة. # وإن قيل: إنه متوقف على شخص فذلك الشخص هو الذي يجعلها حنيفية كما يجعلها ~~مجوسية، وحينئذ فلا فرق بين هذا وهذا. # وإذا قيل: " هي إلى الحنيفية أميل " كان كما يقال: هي إلى النصرانية ~~أميل. # فتبين أن فيها قوة موجبة لحب الله والذل ms408 له، وإخلاص الدين له، وأنها ~~موجبة لمقتضاها إذا سلمت من المعارض، كما أن فيها قوة تقتضي شرب اللبن الذي ~~فطرت على محبته وطلبه. ### | [فصل الفطرة تقتضي حب الله] ### | 192 - # فصل # [الفطرة تقتضي حب الله] . # ومما يبين هذا أن كل حركة إرادية فإن الموجب لها قوة في المريد، فإذا ~~أمكن الإنسان أن يحب الله ويعبده ويخلص له الدين كان فيه قوة تقتضي # PageV02P1066 # ذلك، إذ الأفعال الإرادية لا يكون سببها إلا من نفس الحي المريد الفاعل، ~~ولا يشترط في إرادته إلا مجرد الشعور بالمراد، فما في النفوس من قوة المحبة ~~لله إذا شعرت به يقتضي حبه إذا لم يحصل معارض، وهذا موجود في محبة الأطعمة، ~~والأشربة، والنكاح، ومحبة العلم، وغير ذلك. # وإذا كان كذلك - وقد ثبت في النفس قوة المحبة لله، والذل له، وإخلاص ~~الدين له، وأن فيها قوة الشعور به - لزم قطعا وجود المحبة فيها، والذل في ~~الفعل لوجود المقتضي الموجب إذا سلم عن المعارض، وعلم أن المعرفة، والمحبة ~~لا يشترط فيهما وجود شخص منفصل وإن كان وجوده قد يذكر ويحرك، كما إذا خوطب ~~الجائع بوصف الطعام، والمغتلم بوصف النساء، فإن هذا مما يذكر ويحرك، لكن لا ~~يشترط ذلك لوجود الشهوة، فكذلك الأسباب الخارجة لا يتوقف عليها وجود ما في ~~الفطرة من الشعور بالخالق، والذل له، ومحبته، وإن كان ذلك مذكرا ومحركا، ~~ومزيلا للمعارض # PageV02P1067 # المانع. # وأيضا، فالإقرار بالصانع بدون عبادته، والمحبة له، وإخلاص الدين له لا ~~يكون نافعا، بل الإقرار مع البغض أعظم استحقاقا للعذاب، فلا بد أن يكون في ~~الفطرة مقتض للعلم ومقتض للمحبة، والمحبة مشروطة بالعلم: فإن ما لا يشعر به ~~الإنسان لا يحبه، ومحبة الأشياء المحبوبة لا تكون بسبب من خارج بل هو أمر ~~جبلي فطري، وإذا كانت المحبة فطرية فالشعور فطري، ولو لم تكن المحبة فطرية ~~لكانت النفس قابلة لها ولضدها على السواء، وهذا ممتنع: فعلم أن الحنيفية من ~~موجبات الفطرة ومقتضياتها، والحب لله، والخضوع له، والإخلاص هو أصل الأعمال ~~الحنيفية، وذلك مستلزم للإقرار، والمعرفة، ولازم اللازم ms409 لازم، وملزوم ~~الملزوم ملزوم، فعلم أن الفطرة ملزومة لهذه الأحوال، وهذه الأحوال لازمة ~~لها، وهو المطلوب. ### | [فصل في تلخيص هذه الأقوال التي حكيناها] # فمنها قولان من جنس واحد وهما: # [الأول:] قول من يقول: ولدوا على ما سبق به القدر. # PageV02P1068 # و [الثاني:] قول من يقول: ولدوا على وجود المقدر، وكانوا مفطورين عليه من ~~حين الميثاق الأول طوعا وكرها. # وقولان من جنس، وهما: # [الأول:] قول من يقول: ولدوا قادرين على المعرفة. # و # [الثاني:] قول من يقول: ولدوا قابلين لها وللتهود، والتنصر، إما مع ~~التساوي، أو مع رجحان القبول للإسلام. # وقولان من جنس، وهما: # [الأول:] قول من يقول: ولدوا على فطرة الإسلام. # و # [الثاني:] قول من يقول: ولدوا على الإقرار بالصانع، أو على المعرفة ~~الأولى يوم أخذ الميثاق. # وقولان من جنس، وهما: # [الأول:] قول من يقول: ولدوا على سلامة القلب، وخلوه من الكفر والإيمان. # و # [الثاني:] قول من يقول: ولدوا مهيئين لذلك قابلين له. # وقولان من جنس، وهما: # [الأول:] قول من يقول: الحديث منسوخ. # و # [الثاني:] قول من يقف في معناه. # والصحيح من هذه الأقوال ما دل عليه القرآن، والسنة أنهم ولدوا حنفاء على ~~فطرة الإسلام بحيث لو تركوا وفطرهم لكانوا حنفاء مسلمين، # PageV02P1069 # كما ولدوا أصحاء كاملي الخلقة، فلو تركوا وخلقهم لم يكن فيهم مجدوع، ولا ~~مشقوق الأذن. # ولهذا لم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك شرطا مقتضيا غير ~~الفطرة، وجعل خلاف مقتضاها من فعل الأبوين. # «وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن ربه عز وجل: " إني خلقت ~~عبادي حنفاء، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم» "، فأخبر أن تغيير ~~الحنيفية التي خلقوا عليها بأمر طارئ من جهة الشيطان، ولو كان الكفار منهم ~~مفطورين على الكفر لقال: خلقت عبادي مشركين، فأتتهم الرسل فاقتطعتهم عن ~~ذلك، كيف وقد قال: " «خلقت عبادي حنفاء كلهم» "؟ فهذا القول أصح الأقوال، ~~والله أعلم. # PageV02P1070 ### | [الباب الثاني ذكر أحكام أطفالهم في الآخرة] ### | [فصل اختلاف الناس حكم أطفال المشركين في الآخرة] # ذكر أحكام أطفالهم في الآخرة واختلاف الناس في ms410 ذلك، وحجة كل طائفة على ما ~~ذهبت إليه، وبيان الراجح من أقوالهم. # فذهبت طائفة من أهل العلم إلى التوقف في جميع الأطفال، سواء كان آباؤهم ~~مسلمين، أو كفارا، وجعلوهم بجملتهم في المشيئة. # وخالفهم في ذلك آخرون، فحكموا لهم بالجنة، وحكوا الإجماع على ذلك. # قال الإمام أحمد: لا يختلف فيهم أحد أنهم من الجنة. # واحتج أرباب التوقف بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث عبد ~~الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وغيرهما: " «إن الله وكل بالرحم ملكا، فإذا ~~أراد الله أن يقضي خلقه قال الملك: يا رب، أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ فما ~~الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك، وهو في بطن أمه» ". # وكذلك قوله في حديث ابن مسعود: " «ثم يرسل إليه الملك، فيؤمر بأربع ~~كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد» " متفق على صحته. # PageV02P1071 # ووجه الدلالة من ذلك أن جميع من يولد من بني آدم - إذا كتب السعداء منهم، ~~والأشقياء قبل أن يخلقوا - وجب علينا التوقف في جميعهم، لأنا لا نعلم هذا ~~الذي توفي منهم هل هو ممن كتب سعيدا في بطن أمه، أو كتب شقيا. # واحتجت هذه الطائفة بما رواه مسلم في " صحيحه " عن عائشة أم المؤمنين - ~~رضي الله عنها - قالت: «دعي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جنازة ~~صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا! عصفور من عصافير الجنة، لم ~~يعمل السوء ولم يدركه! قال: أو غير ذلك يا عائشة؟ إن الله خلق للجنة أهلا: ~~خلقهم لها، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا: خلقهم لها، وهم في أصلاب ~~آبائهم» ". # وفي لفظ آخر: " «وما يدريك يا عائشة» ؟ ". # قالوا: فهذا الحديث صحيح صريح في التوقف فيهم، فإن الصبي كان من أولاد ~~المسلمين، ودعي النبي] صلى الله عليه وسلم # [ليصلي عليه كما جاء ذلك منصوصا عليه. # قال الآخرون: لا حجة لكم في شيء مما ذكرتم. # أما حديث ابن مسعود، وأنس فإنما يدل على أن الله سبحانه كتب سعادة ~~الأطفال، وشقاوتهم، وهم في بطون ms411 أمهاتهم، ولا ننفي أن تكون الشقاوة ~~والسعادة بأشياء علمها سبحانه منهم - وإنهم عاملوها لا محالة - # PageV02P1072 # تفضي بهم إلى ما كتبه، وقدره، إذ من الجائز أن يكتب سبحانه شقاوة من ~~يشقيه منهم بأنه يدرك، ويعقل ويكفر باختياره، فمن يقول: " أطفال المؤمنين ~~في الجنة " يقول: " إنهم لم يكتبوا في بطون أمهاتهم أشقياء "، إذ لو كتبوا ~~أشقياء لعاشوا حتى يدركوا زمن التكليف، ويفعلوا الأسباب التي قدرت وصلة إلى ~~الشقاوة التي تفضي بصاحبها إلى النار، فإن النار لا تدخل إلا جزاء على ~~الكفر، والتكذيب الذي لا يمكن إلا من العاقل المدرك. # والدليل على ذلك قوله تعالى: {فأنذرتكم نارا تلظى - لا يصلاها إلا الأشقى ~~- الذي كذب وتولى} [الليل: 14 - 16] ، وقوله: {وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا} [الإسراء: 15] ، وقوله: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم ~~نذير - قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء} [الملك: ~~8 - 9] ، وقوله لإبليس: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} [ص: 85] ، ~~إلى غير ذلك من النصوص التي هي صريحة في أن النار جزاء الكافرين المكذبين. # وأما حديث عائشة - رضي الله عنها - وإن كان مسلم رواه في " صحيحه " - فقد ~~ضعفه الإمام أحمد وغيره. # PageV02P1073 # وذكر ابن عبد البر علته بأن: " طلحة بن يحيى انفرد به عن عمته عائشة بنت ~~طلحة، عن عائشة أم المؤمنين، وطلحة ضعيف. # PageV02P1074 # وقد قيل: إن فضيل بن عمرو رواه عن عائشة بنت طلحة كما رواه طلحة بن يحيى ~~سواء " هذا كلامه. # قال الخلال: أخبرني منصور بن الوليد أن جعفر بن محمد حدثهم قال: سمعت أبا ~~عبد الله يسأل عن أطفال المسلمين؟ فقال: ليس فيه اختلاف أنهم في الجنة. ~~أخبرنا أحمد بن محمد بن حازم أن إسحاق بن منصور حدثهم قال: قال إسحاق بن ~~راهويه: أما أولاد المسلمين فإنهم من أهل الجنة. # أخبرني عبد الملك الميموني: أنهم ذاكروا أبا عبد الله في أطفال المؤمنين، ~~وذكروا له حديث عائشة - رضي الله عنها - في قصة الأنصاري، وقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فيه، وإني سمعت أبا ms412 عبد الله يقول غير مرة: " وهذا حديث ~~ضعيف " وذكر # [فيه] رجلا ضعفه، وهو طلحة، وسمعته يقول غير مرة: " وأحد يشك أنهم في ~~الجنة ". # ثم أملى علينا الأحاديث فيه، وسمعته غير مرة يقول: " هو يرجى لأبويه، كيف ~~يشك فيه؟ ". # وقال أبو عبد الله: واختلفوا في أطفال المشركين، «فابن عباس يقول: كنت ~~أقول: " # [هم] مع آبائهم " حتى لقيت رجلا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فحدثني عن رجل آخر من أصحاب النبي - صلى الله عليه # PageV02P1075 # وسلم - أنه سئل عنهم، فقال: " الله أعلم بما كانوا عاملين» ". # وقال الحسن بن محمد بن الحارث: سمعت أبا عبد الله يسأل عن السقط إذا لم ~~تنفخ فيه الروح، فقال: في الحديث " يجيء السقط محبنطئا ". # قال الخلال: سألت ثعلبا عن " السقط محبنطئا " فقال: غضبان، ويقال: قد ~~ألقى نفسه. # وقد أجبت عنه بعد التزام صحته بأن هذا القول كان من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قبل أن يعلمه الله بأن أطفال المؤمنين في الجنة، وهذا جواب # PageV02P1076 # ابن حزم وغيره. # وأجاب طائفة أخرى عنه بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما رد على ~~عائشة - رضي الله عنها - لكونها حكمت على غيب لم تعلمه، كما فعل «بأم ~~العلاء إذ قالت حين مات عثمان بن مظعون: شهادتي عليك أن الله أكرمك، فأنكر ~~عليها وقال لها: " وما يدريك أن الله أكرمه؟ " ثم قال: " أما هو فقد جاءه ~~اليقين، وأنا أرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به» "، ~~وأنكر عليها جزمها وشهادتها على غيب لا تعلمه، وأخبر عن نفسه - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه يرجو له الخير. # ومن هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «إن كان أحدكم مادحا أخاه فليقل: ~~أحسب فلانا إن كان يرى أنه كذلك، ولا أزكي على الله أحدا» ". # وقد يقال: إن من ذلك قوله في «حديث لسعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - ~~حين قال له: أعطيت فلانا، وتركت فلانا، وهو مؤمن - فقال: " أو مسلم» "، ~~فأنكر عليه الشهادة له بالإيمان لأنه غيب، دون الإسلام، فإنه ms413 ظاهر. # وإذا كان الأمر هكذا فيحمل قوله لعائشة - رضي الله عنها -: " «وما # PageV02P1077 # يدريك يا عائشة» " على هذا المعنى، كأنه يقول لها: إذا خلق الله للجنة ~~أهلا، وخلق للنار أهلا، فما يدريك أن ذلك الصبي من هؤلاء، أو من هؤلاء؟ # وقد يقال: إن أطفال المؤمنين إنما حكم لهم بالجنة تبعا لآبائهم لا بطريق ~~الاستقلال، فإذا لم يقطع للمتبوع بالجنة كيف يقطع لتبعه بها؟ # يوضحه أن الطفل غير مستقل بنفسه بل تابع لأبويه، فإذا لم يقطع لأبويه ~~بالجنة لم يجز أن يقطع له بالجنة، وهذا في حق المعين، فإنا نقطع للمؤمنين ~~بالجنة عموما، ولا نقطع للواحد منهم بكونه في الجنة، فلهذا - والله أعلم - ~~أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أم العلاء حكمها على عثمان بن مظعون ~~بذلك. # واحتجوا أيضا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «كل مولود يولد على ~~الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ~~هل تحسون فيها من جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟ " قالوا: يا رسول الله، ~~أرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: " الله أعلم بما كانوا عاملين» "، فلم يخصوا ~~بالسؤال طفلا من طفل، ولم يخص عليه السلام بالجواب بل أطلق الجواب كما ~~أطلقوا السؤال، ولو افترق الحال في الأطفال لفصل وفرق بينهم في الجواب. # وهؤلاء لو تأملوا ألفاظه، وطرقه لأمسكوا عن هذا الاحتجاج، فإن هذا الحديث ~~روي من طرق متعددة: # فمنها حديث أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - رضي الله # PageV02P1078 # عنهما -: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أولاد المشركين - أو ~~أطفال المشركين - فقال: " الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم» "، رواه عن ~~أبي بشر جماعة منهم: شعبة، وأبو عوانة. # ومنها حديث الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة - رضي الله عنه ~~-: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أولاد المشركين، فقال: " الله ~~أعلم إذ خلقهم ما كانوا عاملين» ". # ومنها حديث الوليد بن مسلم، عن # [عتبة] بن ضمرة أنه سمع عبد الله بن قيس مولى # [غطيف] بن عفيف قال: ms414 «سألت عائشة - رضي الله عنها - عن أولاد المشركين، ~~فقالت: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: " الله أعلم ~~بما كانوا عاملين» ". # PageV02P1079 # وهذه كلها صحاح تبين أن السؤال إنما وقع عن أولاد المشركين، وقد جاء ~~مطلقا في الحديث الآخر: " «أرأيت من يموت وهو صغير» "، على أنه لو كان ~~السؤال عن حكم الأطفال مطلقا لكان هذا الجواب غير ذلك على استواء أطفال ~~المسلمين، والمشركين، بل أجاب عنهم جملة من جملة بقوله: " «الله أعلم بما ~~كانوا عاملين» "، فإذا كان سبحانه يعلم أن أطفال المسلمين لو عاشوا عملوا ~~بطاعته، وأطفال المشركين - أو بعضهم - لو عاشوا لكانوا كفارا، كان الجواب ~~مطابقا لهذا المعنى. ### | [فصل في أدلة من ذهب إلى أن أطفال المسلمين في الجنة] # فمنها حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~" «ما من المسلمين من يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم ~~الله الجنة بفضل رحمته بحالهم يوم القيامة، فيقال لهم: ادخلوا الجنة، ~~فيقولون: لا حتى يدخل آباؤنا، فيقال: لهم ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم بفضل ~~رحمتي» ". # وفي لفظ: " «ما من مسلم مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا # PageV02P1081 # كانوا له حجابا من النار» ". # ومنها حديثه أيضا، وقيل له: حدثنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بحديث يطيب أنفسنا عن موتانا، فقال: سمعته يقول: " «صغارهم دعاميص الجنة، ~~يتلقى أحدهم أباه، فيأخذ بثوبه كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا، فلا ينتهي حتى ~~يدخله الله وأبويه الجنة» ". # ومنها حديث معاوية بن قرة، عن أبيه أن رجلا جاء بابنه إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: " «أتحبه؟ " فقال: أحبك الله يا رسول الله كما ~~أحبه، فتوفي الصبي ففقده النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أين فلان بن ~~فلان؟ قالوا: يا رسول الله، توفي ابنه ثم دخل الرجل، فقال له رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " أما ترضى ألا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا جاء ~~يفتحه # PageV02P1082 # لك؟ " فقالوا: يا رسول الله، أله وحده أم ms415 لنا كلنا؟ فقال: " بل لكم كلكم» ~~". # ومنها حديث أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " «ما من مسلم يتوفى له ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله ~~الجنة بفضل رحمته إياهم» ". # وهذه الأحاديث أكثرها في " الصحيح " وكلها صحيحة، وهذا القول في أطفال ~~المسلمين هو المعروف من قواعد الشرع حتى إن الإمام أحمد أنكر الخلاف فيه، ~~وأثبت بعضهم الخلاف، وقال: إنما الإجماع على أولاد الأنبياء خاصة. # وأبو عمر اضطرب في النقل في هذا الباب، فقال عند كلامه على " تأويل ~~الفطرة ": قد أجمع المسلمون من أهل السنة وغيرهم إلا # PageV02P1083 # المجبرة على أن أولاد المؤمنين في الجنة. # ثم لما ذكر الأخبار التي احتج بها من قال: إن الأطفال جميعهم في المشيئة، ~~قال: فهذه الآثار، وما كان مثلها احتج بها من ذهب إلى الوقوف عن الشهادة ~~لأطفال المسلمين، أو المشركين بجنة، أو نار، وإليها ذهبت جماعة كبيرة من ~~أهل الفقه والحديث: منهم حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، وإسحاق ~~بن راهويه، وغيرهم، وهو يشبه ما رسمه مالك في أبواب (القدر) ، وما أورد في ~~ذلك من الأحاديث، وعلى ذلك أكثر # PageV02P1084 # أصحابه، وليس عن مالك فيه شيء منصوص، إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا ~~إلى أن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال المشركين خاصة في المشيئة، لآثار ~~رويت في ذلك. # هذا ما ذكره في باب أبي الزناد في " التمهيد ". # وقال في باب ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: " «لا يموت لأحد من المسلمين ~~ثلاثة من الولد» " الحديث: " قد أجمع العلماء على أن أطفال المسلمين في ~~الجنة، ولا أعلم عن جماعتهم في ذلك خلافا إلا فرقة شذت من المجبرة فجعلتهم ~~في المشيئة، وهو قول شاذ مهجور مردود بإجماع أهل الحجة الذين لا يجوز ~~مخالفتهم، ولا يجوز على مثلهم الغلط في مثل هذا، إلى ما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - من أخبار الآحاد والثقات ". # فتأمل كيف ذكر الإجماع على أن أطفال المسلمين في الجنة، وأنه لا يعلم في ~~ذلك نزاعا، ms416 وجعل القول بالمشيئة فيهم قولا شاذا مهجورا، ونسبه في الباب ~~الآخر إلى الحمادين وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه وأكثر أصحاب مالك، وهذا ~~من السهو الذي هو عرضة للإنسان، ورب العالمين هو الذي لا يضل، ولا ينسى. # PageV02P1085 ### | [فصل أولاد المشركين والمذاهب العشرة فيهم] # [المذهب الأول الوقف في أمرهم] # وأما أولاد المشركين، فاختلف أهل العلم فيهم على عشرة مذاهب، نحن نذكر ~~أدلتها ونبين راجحها من مرجوحها بحول الله وقدرته وتوفيقه. ### | المذهب الأول: الوقف في أمرهم: # ولا نحكم لهم بجنة ولا نار، ونكل علمهم إلى الله: وهذا قد يعبر عنه بمذهب ~~الوقف، وقد يعبر عنه بمذهب المشيئة، وأنهم تحت مشيئة الله يحكم فيهم بما ~~يشاء، ولا يدرى حكمه فيهم ما هو. # واحتج أرباب هذا القول بحجج منها: # ما خرجا في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، ~~فأبواه يهودانه وينصرانه كما تنتج البهيمة من بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها ~~من جدعاء؟ " قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت، وهو صغير؟ قال: " الله ~~أعلم بما كانوا عاملين» ". # ومنها ما في " الصحيحين " أيضا عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - سئل عن أولاد المشركين، فقال: " «الله أعلم بما ~~كانوا عاملين» "، وقد تقدمت هذه الأحاديث آنفا. # PageV02P1086 # وفي " صحيح " أبي حاتم بن حبان من حديث جرير بن حازم: قال سمعت أبا رجاء ~~العطاردي قال: سمعت ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول وهو على المنبر: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " «لا يزال أمر هذه الأمة موائما - أو ~~مقاربا - ما لم يتكلموا في الولدان والقدر» ". # قال أبو حاتم: " الولدان " أراد بهم أطفال المشركين. # وفي استدلال هذه الفرقة على ما ذهبت إليه من الوقف بهذه النصوص نظر، فإن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجب فيهم بالوقف، وإنما وكل علم ما كانوا ~~يعملون لو عاشوا إلى الله، والمعنى: " الله أعلم بما كانوا يعملون لو عاشوا ~~"، فهو سبحانه ms417 يعلم القابل منهم للهدى العامل به لو عاش، والقابل منهم ~~للكفر المؤثر له لو عاش، ولكن لا يدل هذا على أنه سبحانه يجزيهم بمجرد علمه ~~فيهم بلا عمل يعملونه، وإنما يدل هذا على أنه يعلم من يؤمن، ومن يكفر، ~~بتقدير الحياة. # PageV02P1087 # وأما المجازاة على العلم فلم يتضمنها جوابه - صلى الله عليه وسلم. # وفي " صحيح " أبي عوانة الإسفراييني، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن ~~عباس - رضي الله عنهما -: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض ~~مغازيه، فسأله رجل: ما تقول في اللاهين؟ فسكت عنه، فلما فرغ من غزوة الطائف ~~إذا هو بصبي يبحث في الأرض، فأمر مناديه فنادى: أين السائل عن اللاهين؟ ~~فأقبل الرجل، فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتل الأطفال، وقال: ~~" الله أعلم بما كانوا عاملين» ". # PageV02P1088 # فقوله: " «الله أعلم بما كانوا عاملين» " عقيب نهيه عن قتلهم يكشف لك ~~المعنى، ويوضحه، ويبين أن الله سبحانه يعلم - لو أدركوا - ما كانوا يعملون، ~~وأنتم لا تعلمون ذلك، فلعل أحدهم إذا أدرك يعمل بطاعة الله، ويكون مسلما، ~~فهذا أحد الوجهين في جوابه - صلى الله عليه وسلم. # والوجه الثاني: أنه خرج جوابا لهم حين أخبرهم " أنهم من آبائهم " فقالوا: ~~بلا عمل؟ فقال: " «الله أعلم بما كانوا عاملين» "، كما في " السنن " من ~~حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: «قلت: يا رسول الله، ذراري المؤمنين؟ ~~فقال: " هم من آبائهم "، فقلت: يا رسول الله بلا عمل؟ قال: " الله أعلم بما ~~كانوا عاملين "، قلت: يا رسول الله، فذراري المشركين؟ قال: " هم من آبائهم ~~"، قلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال: " الله أعلم بما كانوا عاملين» ". # ففي هذا الحديث ما يدل على أن الذين يلحقون بآبائهم منهم هم الذين علم ~~الله أنهم - لو عاشوا - لاختاروا الكفر وعملوا به، فهؤلاء مع آبائهم، ولا ~~يقتضي أن كل واحد من الذرية مع أبيه في النار، فإن الكلام في هذا الجنس - ~~سؤالا وجوابا - إنما يدل على التفصيل، فإن قوله: " «الله أعلم بما كانوا ~~عاملين» " يدل على أنهم متباينون ms418 في التبعية بحسب تباينهم في معلوم الله ~~تعالى فيهم. # يبقى أن يقال: فالحديث يدل على أنهم يلحقون بآبائهم من غير عمل، ولهذا ~~فهمت منه عائشة - رضي الله عنها - ذلك، فقالت: " بلا عمل؟ " فأقرها عليه، ~~وقال: " «الله أعلم بما كانوا عاملين» ". # PageV02P1089 # ويجاب عن هذا بأن الحديث إنما دل على أنهم يلحقون بهم بلا عمل في أحكام ~~الدنيا، وهو الذي فهمته عائشة - رضي الله عنها - ولكن لا ينفي هذا أن ~~يلحقوا بهم في الآخرة بأسباب أخر كامتحانهم في عرصات القيامة، كما سنذكره ~~إن شاء الله تعالى، فحينئذ يلحقون بآبائهم، ويكونون معهم بلا عمل عملوه في ~~الدنيا. # وأم المؤمنين - رضي الله عنها - إنما استشكلت لحاقهم بهم بلا عمل عملوه ~~مع الآباء، وأجابها النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن الله يعلم منهم ما هم ~~عاملوه، ولم يقل لها: إنه يعذب بمجرد علمه فيهم، وهذا ظاهر بحمد الله. # وأما حديث أبي رجاء العطاردي، عن ابن عباس ففي " رفعه " نظر، والناس إنما ~~رووه " موقوفا عليه " وهو الأشبه، وابن حبان كثيرا ما يرفع في كتابه ما ~~يعلم أئمة الحديث أنه موقوف: كما رفع قول أبي بن كعب: " «كل حرف في القرآن ~~في القنوت فهو الطاعة» "، وهذا لا يشبه كلام رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وغايته أن يكون كلام أبي. # PageV02P1090 # والحديث ولو صح إنما يدل على ذم من تكلم فيهم بغير علم، أو ضرب النصوص ~~بعضها ببعض كما يفعله أهل الجدل والمباحثة الذين لا تحقيق عندهم، ولم يصلوا ~~في العلم إلى غايته، بل هم في أطراف أذياله، وبلاء الأمة من هذا الضرب، وهم ~~الغالب على الناس، وبالله التوفيق. ### | [المذهب الثاني أنهم في النار] ### | 196 - # فصل # المذهب الثاني: أنهم في النار. # وهذا قول جماعة من المتكلمين، وأهل التفسير، وأحد الوجهين لأصحاب أحمد، ~~وحكاه القاضي نصا عن أحمد، وغلطه شيخنا كما سيأتي بيان ذلك. # واحتج هؤلاء بحجج: منها حديث أبي عقيل يحيى بن المتوكل، عن بهية، عن ~~عائشة - رضي الله عنها - قالت: «سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms419 - عن ~~أولاد المسلمين: أين هم؟ قال: " في الجنة " وسألته عن أولاد المشركين: أين ~~هم يوم القيامة؟ قال: " في النار " فقلت: لم يدركوا # PageV02P1092 # الأعمال، ولم تجر عليهم الأقلام، قال: " ربك أعلم بما كانوا عاملين، ~~والذي نفسي بيده لئن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار» ". # ولكن هذا الحديث قد ضعفه جماعة من الحفاظ. # PageV02P1093 # قال أبو عمر: أبو عقيل هذا لا يحتج بمثله عند أهل النقل. وهذا الحديث لو ~~صح لاحتمل من الخصوص ما احتمل غيره. # قال: ومما يدل على أنه خصوص لقوم من المشركين قوله: " «لو شئت أسمعتك ~~تضاغيهم في النار» "، وهذا لا يكون إلا فيمن قد مات، وصار في النار. # قال: وقد عارض هذا الحديث ما هو أقوى منه من الآثار. # قلت: مراد أبي عمر: أن هذا خاص ببعض أطفال المشركين الذين ماتوا، ودخلوا ~~النار، ولا يلزم منه أن يكون هذا حكما عاما لجميع الأطفال. # وهذا صحيح يتعين المصير إليه جمعا بينه وبين حديث سمرة الذي رواه البخاري ~~في " صحيحه "، وهو صريح بأنهم في الجنة كما سيأتي. # PageV02P1094 # واحتجوا بحديث عمر بن ذر، عن يزيد بن أمية «أن البراء بن عازب - رضي الله ~~عنه - أرسل إلى عائشة - رضي الله عنها - يسألها عن الأطفال، فقالت: سألت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت: يا رسول الله، ذراري المؤمنين؟ قال: ~~" من آبائهم "، قلت: بلا عمل؟ قال: " الله أعلم بما كانوا عاملين " قلت: يا ~~رسول الله، فذراري المشركين؟ قال: " هم من آبائهم "، قلت: يا رسول الله، ~~بلا عمل؟ قال: " الله أعلم بما كانوا عاملين» " هكذا قال مسلم بن قتيبة. # PageV02P1095 # وقد رواه غيره، عن عمر بن ذر، عن يزيد، عن رجل، عن البراء. # ورواه أحمد من حديث عتبة بن ضمرة بن حبيب، حدثني عبد الله بن قيس مولى # [غطيف بن] عفيف أنه سأل عائشة - رضي الله عنها -، وعبد الله هذا ينظر في ~~حاله، وليس بالمشهور. # وبالجملة، فلا حجة في الحديث على أنهم في النار؛ لأنه إنما أخبر بأنهم " ~~من آبائهم " في أحكام الدنيا، كما تقدم. # PageV02P1096 # واحتجوا بما ms420 رواه عبد الله بن أحمد في " مسند " أبيه: حدثنا عثمان بن أبي ~~شيبة، عن محمد بن فضيل بن غزوان، عن محمد بن عثمان، عن زاذان، عن علي قال: ~~«سألت خديجة - رضي الله عنها - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ولدين ~~لها ماتا في الجاهلية، فقال: " هما في النار "، فلما رأى الكراهية في وجهها ~~قال: " لو رأيت مكانهما لأبغضتهما "، قالت: يا رسول الله، فولدي منك! قال: ~~" إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار " ثم ~~قرأ: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} [الطور: 21] ~~» . # PageV02P1097 # وهذا الحديث معلول من وجهين: # أحدهما: أن محمد بن عثمان هذا مجهول. # والثانية: أن زاذان لم يدرك عليا. # وقال الخلال: أخبرنا # [حفص بن عمرو الربالي] ، ثنا أبو زياد سهل بن زياد، ثنا الأزرق بن قيس، ~~عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، «عن خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها - ~~أنها سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: يا رسول الله، أين أطفالي من ~~أزواجي من المشركين؟ قال: " في النار "، وقالت: بغير عمل؟ قال: " قد علم ~~الله ما كانوا عاملين» ". # PageV02P1098 # قال شيخنا: وهذا حديث موضوع، لا يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، وهو الذي غر القاضي أبا يعلى حتى حكى عن أحمد " أنهم في النار "؛ لأن ~~أحمد نص في رواية بكر بن محمد، عن أبيه: أنه سأله عن أولاد المشركين، فقال: ~~أذهب إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «الله أعلم بما كانوا ~~عاملين» "، فتوهم القاضي أن أحمد أراد هذا الحديث، وأحمد أعلم بالسنة من أن ~~يحتج بمثل هذا الحديث، وإنما أراد أحمد حديث عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة ~~- رضي الله عنهم -. # واحتجوا أيضا بحديث داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة بن قيس، «عن ~~سلمة بن يزيد الجعفي قال: أتيت أنا وأخي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقلنا: إن أمنا ماتت في الجاهلية، وكانت تقري الضيف، وتصل الرحم، فهل ~~ينفعها من عملها ذلك شيء؟ قال: " لا " قلنا له: فإن ms421 أمنا وأدت أختا لنا في ~~الجاهلية لم تبلغ الحنث، فقال: الموءودة، والوائدة في النار إلا أن تدرك ~~الوائدة الإسلام فتسلم» " رواه جماعة كثيرة عن داود. # PageV02P1100 # وقال محمد بن نصر: ثنا أبو كريب، حدثنا معاوية # [بن] هشام، عن شيبان، عن جابر، # [عن] عامر، عن علقمة بن قيس، عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: «قلنا يا رسول ~~الله، إن أمنا كانت تصل الرحم، وتقري الضيف، وتطعم الطعام، وإنها كانت وأدت ~~في الجاهلية فماتت قبل الإسلام، فهل ينفعها عمل إن عملنا عنها؟ فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه # PageV02P1101 # وسلم -: " لا ينفع الإسلام إلا من أدرك، أمكم وما وأدت في النار» ". # وروى أبو إسحاق عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: " «الوائدة والموءودة في النار» " وهذا لا يدل على أنهم # PageV02P1102 # كلهم في النار، بل يدل على أن بعض هذا الجنس في النار، وهذا حق كما سيأتي ~~بيانه إن شاء الله تعالى. # وقد رد بعضهم على الحديث بأنه مخالف لنص القرآن قال تعالى: {وإذا ~~الموءودة سئلت - بأي ذنب قتلت} [التكوير: 8 - 9] ، سواء كان المعنى أنها # PageV02P1103 # تسأل سؤال توبيخ لمن وأدها، أو تطلب ممن وأدها كما تطلب الأمانة ممن ~~اؤتمن عليها. # وعلى التقديرين، فقد أخبر سبحانه أنه لا ذنب لها تقتل به في الدنيا، قتلة ~~واحدة، فكيف تقتل في النار قتلات دائمة، ولا ذنب لها؟ فالله أعدل، وأرحم من ~~ذلك؛ لأنه إذا كان قد أنكر على من قتلها بلا ذنب، فكيف يعذبها تبارك وتعالى ~~بلا ذنب؟ وهذا المعنى حق لا يعارض نص القرآن، فإنه لم يخبر أن الموءودة في ~~النار بلا ذنب، فهذا لا يفعله الله قطعا، وإنما يدخلها النار بحجته التي ~~يقيمها يوم القيامة إذا ركب في الأطفال العقل، وامتحنهم، وأخرجت المحنة ~~منهم ما يستحقون به النار. # واحتجوا بما روى البخاري في " صحيحه " في احتجاج الجنة، والنار عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: " «وأما النار فينشئ الله لها خلقا يسكنهم ~~إياها» "، قالوا: فهؤلاء ينشئون للنار بغير عمل، ms422 فلأن يدخلها من ولد في ~~الدنيا بين كافرين أولى. # قال شيخنا: وهذه حجة باطلة، فإن هذه اللفظة وقعت غلطا من بعض الرواة، ~~وبينها البخاري - رحمه الله تعالى - في الحديث الآخر الذي هو # PageV02P1104 # الصواب، فقال في " صحيحه " ثنا عبد الله بن محمد، ثنا عبد الرزاق، ثنا ~~معمر، عن همام، عن أبي هريرة - رضي الله عنهم - قال: قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين، ~~والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس، وسقطهم؟ ! قال ~~الله - عز وجل - للجنة: " أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي "، وقال ~~للنار: " أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها ". # فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول: قط قط، فهنالك تمتلئ ويزوى ~~بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدا. # وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا» " هذا هو الذي قاله رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بلا ريب، وهو الذي ذكره في " التفسير ". # وقال في باب ما جاء في قول الله عز وجل: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} ~~[الأعراف: 56] . # PageV02P1105 # ثنا # [عبيد الله] بن سعيد، ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن الأعرج، ~~عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ~~«اختصمت الجنة والنار إلى ربهما، فقالت الجنة: يا رب ما لها لا يدخلها إلا ~~ضعفاء الناس وسقطهم؟ وقالت النار: ما لها لا يدخلها إلا المتجبرون؟ فقال ~~للجنة: " أنت رحمتي "، وقال للنار: " أنت عذابي أصيب بك من أشاء، ولكل ~~واحدة منكما ملؤها» ". # قال: فأما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدا، وإنه ينشئ للنار من ~~يشاء، فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ ! ويلقون فيها، وتقول: هل من مزيد؟ ~~! ثلاثا، حتى يضع قدمه فيها فتمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط. " # فهذا غير محفوظ، وهو مما انقلب لفظه على بعض الرواة قطعا كما انقلب على ~~بعضهم: " «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ms423 يؤذن ابن أم مكتوم» " ~~فجعلوه: " إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال "، وله ~~نظائر من الأحاديث المقلوبة من المتن. # PageV02P1106 # وحديث الأعرج، عن أبي هريرة هذا لم يحفظ كما ينبغي، وسياقه يدل على أن ~~راويه لم يقم متنه، بخلاف حديث همام، عن أبي هريرة. # واحتجوا بما في " الصحيح " من حديث الصعب بن جثامة أنه «سأل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم، ~~ونسائهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " هم منهم "، وفي لفظ: " ~~هم من آبائهم» "، فقال الزهري: ثم نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بعد ذلك عن قتل النساء والولدان. # ولا حجة لهم في هذا فإنه إنما سئل عن أحكام الدنيا، وبذلك أجاب، والمعنى: ~~أنهم إن أصيبوا في التبييت، والغارة فلا قود ولا دية على من # PageV02P1108 # أصابهم لكونهم أولاد من لا قود ولا دية لهم، وعلى ذلك مخرج الحديث سؤالا ~~وجوابا. # واحتجوا أيضا بقول الله تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم} [الطور: 21] ، وهذا يدل على أن ذرية الكافرين تلحق بهم ~~ولا يلحقون بالمؤمنين وذرياتهم، فإن الله تعالى شرط في الإلحاق إيمان ~~الآباء، وهذا لا حجة فيه لأن الله تعالى إنما أخبر عن إلحاق ذرية المؤمنين ~~بآبائهم، ولم يخبر عن ذرية الكفار بشيء، بل الآية حجة على نقيض ما ادعوه من ~~وجهين: # أحدهما: إخباره أنه لم ينقص الآباء بهذا الإلحاق من أعمالهم شيئا، فكيف ~~يعذب هذه الذرية بلا ذنب؟ # الثاني: أنه سبحانه نبه على أن هذا الإلحاق مختص بأهل الإيمان، وأما ~~الكفار فلا يؤاخذون إلا بكسبهم، فقال تعالى: {كل امرئ بما كسب رهين} ~~[الطور: 21] . # واحتجوا أيضا بقوله تعالى إخبارا عن نوح أنه قال: {ولا يلدوا إلا فاجرا ~~كفارا} [نوح: 27] ، والفاجر والكفار من أهل النار، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه ~~إنما أراد به كفار أهل زمانه قطعا، وإلا فمن بعدهم من الكفار قد ولد بعضهم ~~الأنبياء، كما ولد آزر إبراهيم الخليل. # وأيضا فقوله: " فاجرا كفارا " حال ms424 مقدرة، أي من إذا عاش كان # PageV02P1109 # فاجرا كفارا، ولم يرد به أن أطفالهم حال سقوطهم يكونون فجرة كفرة، كما ~~تقدم بيانه. ### | [المذهب الثالث أنهم في الجنة] ### | 197 - # فصل # المذهب الثالث: أنهم في الجنة: # وهذا قول طائفة من المفسرين والفقهاء والمتكلمين، والصوفية، وهو اختيار ~~أبي محمد بن حزم وغيره. # واحتج هؤلاء بما رواه البخاري في " صحيحه " عن سمرة بن جندب - رضي الله ~~عنه - قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يكثر أن يقول ~~لأصحابه: " هل رأى أحد منكم رؤيا " قال: فيقص عليه من شاء الله أن يقص، ~~وإنه قال لنا ذات غداة: " إنه أتاني الليلة آتيان» . . . " وذكر الحديث، ~~وفيه: " «فأتينا على روضة معتمة، فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري ~~الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان ~~رأيتهم قط " ثم قال: " وأما الولدان حوله فكل مولود مات على الفطرة "، فقال ~~بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " وأولاد المشركين» ". # قالوا: فهذا الحديث الصحيح الصريح هو فصل الخطاب. # PageV02P1110 # وفي " مستخرج " البرقاني من حديث عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي، عن ~~سمرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «كل مولود يولد ~~على الفطرة» " فناداه الناس: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: " وأولاد ~~المشركين ". # وقال أبو بكر بن حمدان القطيعي: حدثنا بشر بن موسى، حدثنا هوذة بن خليفة، ~~حدثنا عوف، عن خنساء بنت معاوية قالت: # [حدثني عمي قال:] قلت: يا رسول الله، من في الجنة قال: " «النبي في ~~الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموءودة في الجنة» "، وكذلك ~~رواه بندار، عن غندر # PageV02P1111 # عن عوف. # PageV02P1112 # واحتجوا بقوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم ~~على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف: 172] . # واحتجوا بقوله: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها} ~~[الروم: 30] . # واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - حاكيا عن ربه تعالى أنه قال: " ~~«إني خلقت عبادي حنفاء ms425 كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، ~~وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» ". # PageV02P1113 # واحتجوا أيضا بقوله تعالى: {فأنذرتكم نارا تلظى - لا يصلاها} [الليل: 14 ~~- 15] . . . الآية، وبقوله في النار: {أعدت للكافرين} [البقرة: 24] ، ~~وبقوله: {وما كنا معذبين} [الإسراء: 15] . . . الآية، وبقوله: {رسلا مبشرين ~~ومنذرين} [النساء: 165] . . . الآية، وبقوله لإبليس:. . . {لأملأن جهنم} ~~[الأعراف: 18] . . . الآية. # قالوا: والقرآن مملوء من الأخبار بأن دخول النار إنما يكون بالأعمال، ~~بقوله: {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} [النمل: 90] ، وقوله: {واتقوا يوما ~~ترجعون فيه إلى الله} [البقرة: 281] . . . الآية، وبقوله: {وما ظلمناهم ~~ولكن كانوا هم الظالمين} [الزخرف: 76] ، وقوله: {ونادوا يا مالك ليقض علينا ~~ربك قال إنكم ماكثون - لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون} [الزخرف: ~~77 - 78] ، وقوله: # PageV02P1114 # {وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب - ~~قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء ~~الكافرين إلا في ضلال} [غافر: 49 - 50] ، وقوله تعالى: {وهل نجازي إلا ~~الكفور} [سبأ: 17] ، وقوله: {كل نفس بما كسبت رهينة} [المدثر: 38] ، ونظير ~~ذلك في القرآن كثير. # وأيضا، فالدار دار جزاء فلا يدخلها من لا ذنب له، وما ثم إلا دار الثواب ~~أو دار العقاب، فإذا لم يدخلوا النار دخلوا الجنة. # قالوا: وإذا كان الله ينشئ للجنة خلقا آخرين يدخلهم إياها بلا عمل، ~~فالأطفال الذين ولدوا في الدنيا أولى بها. # قالوا: وإذا كان كل مولود يولد على الفطرة إلى أن يغير أبواه فطرته، فإذا ~~مات قبل التغيير مات على الفطرة، فكان من أهل الجنة. # قالوا: وقد أخبر تعالى أنه خلق عباده حنفاء مسلمين، وأن الشياطين ~~اجتالتهم عن دينهم، فمن مات قبل اجتيال الشياطين مات على الحنيفية، فيكون ~~من أهل الجنة، ودليل ذلك ما روى مسلم في " صحيحه " من حديث عياض بن حمار، ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه عز وجل: " «إني خلقت ~~عبادي حنفاء» " الحديث. # PageV02P1115 # وزاد محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن يحيى بن جابر، عن عبد الرحمن ms426 بن ~~عائذ، عن عياض بن حمار، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " «إن الله ~~خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين، وأعطاهم المال حلالا لا حراما» ". # قالوا: وأيضا، فالنار دار عدله تعالى، لا يدخلها إلا من يستحقها، وأما ~~الجنة فدار فضله فيدخلها من أراد بعمل، وغير عمل، وإذا كانت النار دار عدله ~~فمن لم يعص الله طرفة عين كيف يجازى بالنار خالدا مخلدا أبد الآباد؟ # قالوا: وأيضا فلو عذب الأطفال لكان تعذيبهم إما مع تكليفهم بالإيمان، أو ~~بدون التكليف. والقسمان ممتنعان: # أما الأول: فلاستحالة تكليف من لا تمييز له، ولا عقل أصلا. # وأما الثاني: فممتنع أيضا بالنصوص التي ذكرناها، وأمثالها من أن الله ~~تعالى لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه. # قالوا: وأيضا، فتعذيبهم إما أن يكون لعدم وقوع الإيمان منهم، وإما لوجود ~~الكفر منهم، والقسمان باطلان: # أما الثاني: فظاهر؛ لأن من لا عقل له ولا تمييز لا يعرف الكفر حتى ~~يختاره. # PageV02P1116 # وأما الأول: فلو عذبوا لعدم وجود الإيمان الفعلي منهم لاشتركوا هم وأطفال ~~المسلمين في ذلك، لاشتراكهم في سببه. # فإن قلتم: أطفال المسلمين منعهم تبعهم لآبائهم من العذاب، بخلاف أطفال ~~المشركين فإنهم يعذبون تبعا لآبائهم، وإهانة لهم، وغيظا، قيل: هذا خطأ، فإن ~~الله لا يعذب أحدا بذنب غيره، كما قال تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ~~[الأنعام: 164] ، وقال: {فاليوم لا تظلم نفس شيئا} [يس: 54] . . . الآية، # قالوا: وقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من «هم ~~بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه حتى يعملها» "، فإذا لم يعاقب المكلف بما ~~يهم به من السيئات كيف يعاقب الطفل بما لم يعمله، ولم يهم به، ولم يخطر ~~بباله؟ ! # قالوا: ولا خلاف بين الناس أن الطفل الذي لم يميز إذا مات طفلا، وقد علم ~~الله منه أنه لو عاش لقتل النفوس وسفك الدماء، وغصب الأموال، فإن الله لا ~~يعذبه على ذلك. # قالوا: وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - في أطفال المشركين: " «هم من ~~آبائهم» " فإنما أراد أنهم منهم في أحكام ms427 الدنيا. # PageV02P1117 # وأما قوله: " «الله أعلم بما كانوا عاملين» "، فإنه لم يرد به أنه يجزيهم ~~بعلمه فيهم، وإن لم يقع معلومه في الخارج. # قالوا: وأيضا، فإنما قال هذا قبل أن يوحى إليه في أمرهم، فلما أوحي إليه ~~أنهم في الجنة أخبر به أصحابه. # قلت: وهذا الجواب لا يصح، فإنه أخبر بهذا في حديث الأسود بن سريع وحديث ~~أبي هريرة، وهما ممن تأخر إسلامه إلى بعد خيبر، وإنما الجواب الصحيح أن ~~يقال: إنه - صلى الله عليه وسلم - لم يخبر بأن الله يعذبهم على علمه فيهم، ~~وإنما أخبر بأنه " أعلم بما هم عاملون مما يستحقون به العقاب " فإذا ~~امتحنوا في الآخرة، وعملوا بمعصيته ظهر معلومه فيهم، فعاقبهم بما هم عاملون ~~لا بمجرد علمه. # قالوا: وأما حديث خديجة - رضي الله عنها - " أنهم في النار " فلا يصح، ~~وقد تقدم كلام الناس فيه. # وأما حديث " «الوائدة والموءودة في النار» " فليس في الحديث أن الموءودة ~~لم تكن بالغة، فلعلها وئدت بعد بلوغها. # فإن قلتم: فلفظ الحديث " «يا رسول الله، إن أمنا وأدت أختا لنا في ~~الجاهلية لم تبلغ الحنث " فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~الوائدة # PageV02P1118 # والموءودة في النار» "، فقد قال أبو محمد بن حزم: هذه اللفظة وهي قوله " ~~لم تبلغ الحنث " ليست من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلا شك، ~~ولكنها من كلام سلمة بن يزيد الجعفي، وأخيه اللذين سألا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فلما أخبر - صلى الله عليه وسلم - أن " الموءودة في النار ~~" كان ذلك إنكارا، وإبطالا لقولهما " لم تبلغ الحنث " وتصحيحا، لأنها كانت ~~قد بلغت الحنث بوحي من الله إليه بخلاف ظنهما، لا يجوز إلا هذا القول؛ لأن ~~كلامه صلى الله عليه وسلم لا يتناقض، ولا يتكاذب، ولا يخالف كلام ربه، بل ~~كلامه يصدق بعضه بعضا، ويوافق ما أخبر به عن ربه عز وجل، ومعاذ الله من غير ~~ذلك! وقد صح إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن أطفال المشركين في ~~الجنة، وقال تعالى: {وإذا الموءودة سئلت - بأي ذنب ms428 قتلت} [التكوير: 8 - 9] ~~، فنص تعالى على أنه لا ذنب للموءودة فكان هذا مبينا لأن إخبار النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بأن تلك الموءودة في النار إخبار عن أنها كانت قد بلغت ~~الحنث بخلاف ظن إخوتها. # وقد روى هذا الحديث عن داود بن أبي هند محمد بن أبي عدي، وليس هو دون ~~المعتمر، ولم يذكر فيه " لم تبلغ الحنث ". # PageV02P1119 # ورواه أيضا عن داود عبيدة بن حميد، فلم يذكر هذه اللفظة التي ذكرها ~~المعتمر، ثم ساق الحديثين. # ثم روى من طريق أبي داود، عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود - رضي الله ~~عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " الوائدة والموءودة في النار، ~~ثم قال: هذا مختصر، وهو على ما ذكرنا أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما عنى ~~بذلك التي " قد بلغت "، لا يجوز غير هذا. # قال: وقد يمكن أن يهم فيه الشعبي، فإنه مرة أرسله، ومرة أسنده، ولا يخلو ~~ضرورة هذا الخبر من أنه وهم، أو أن أصله مرسل، كما رواه أبو داود: ثنا ~~إبراهيم بن موسى، أنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن عامر الشعبي قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو أنه إن صح عنه - صلى الله عليه وسلم ~~- فإنما أراد به التي بلغت لا يجوز غير ذلك. # قلت: وهذا الجواب في غاية الضعف، ولا يجوز أن ينسب إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه سئل عن موءودة لم تبلغ الحنث، فأجاب عمن بلغت الحنث، ~~بل إنما خرج جوابه - صلى الله عليه وسلم - لنفس ما سئل عنه، فكيف ينسب إليه ~~أنه ترك الجواب عما سئل عنه، وأجاب عما لم يسأل عنه موهما أنه المسئول عنه، ~~ولم ينبه السائل؟ ! هذا لا يظن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصلا. # PageV02P1120 # وأما قوله: " إن هذا الحديث قد روي بدون هذه اللفظة "، فلا يضره ذلك؛ لأن ~~الذي زادها ثقة ثبت لا مطعن فيه، وهو المعتمر بن سليمان، كيف وقد صرح ~~بالسماع من داود بن أبي هند! واختصار ابن ms429 أبي عدي، وعبيدة بن حميد لها لا ~~يكون قادحا في رواية من زادها. # وأيضا، لو لم تذكر في السؤال لكان جواب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~شاملا لها بعمومه، كيف وإنما كانت عادتهم وأد الصغار لا الكبار! ولا يضره ~~إرسال الشعبي له، وإنما الجواب الصحيح عن هذا الحديث أن قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " إن الوائدة والموءودة في النار " جواب عن تينك الوائدة ~~والموءودة اللتين سئل عنهما، لا إخبار عن كل وائدة وموءودة، فبعض هذا الجنس ~~في النار، وقد يكون هذا الشخص من الجنس الذي في النار. # ويدل عليه حديث بشر بن موسى، عن هوذة بن خليفة، عن عوف، عن خنساء بنت ~~معاوية قالت: # [حدثني عمي قال:] قلت: يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: " «النبي في ~~الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموءودة في الجنة» " رواه ~~جماعة عن عوف. # وأخباره - صلى الله عليه وسلم - لا تتعارض، فيكون كلامه دالا على أن بعض ~~هذا الجنس في الجنة، وبعضه في النار، وهذا هو الحق كما سيأتي بيانه إن شاء ~~الله تعالى. # PageV02P1121 # وأما قوله تعالى: {وإذا الموءودة سئلت - بأي ذنب قتلت} [التكوير: 8 - 9] ~~، فهذا السؤال إنما هو إقامة لحجته سبحانه على تعذيب من وأدها: إذ قتل نفسا ~~بغير حقها. وأما حكمه سبحانه فيها هي فإنه يحكم فيها بغير حكمه في الأبوين، ~~كما سنذكره إن شاء الله تعالى. ### | 198 - # فصل # واحتجوا أيضا على أنهم في الجنة بما رواه يعقوب بن عبد الرحمن القارئ، عن ~~أبي حازم # [المدني] ، عن يزيد الرقاشي، عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: " «سألت ربي اللاهين من ذرية البشر ألا يعذبهم، ~~فأعطانيهم فهم خدم أهل الجنة» ". # PageV02P1122 # وبحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: «سألت خديجة - رضي الله عنها - ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أولاد المشركين، فقال: " هم مع آبائهم» "، ~~ثم سألته بعد ذلك، فقال: " الله أعلم بما كانوا عاملين "، ثم سألته بعد ~~ذلك، فنزلت: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164] ، فقال: " هم ms430 على ~~الفطرة " أو قال: " هم في الجنة "، ذكره أبو عمر في " الاستذكار "، ولم ~~يذكر له إسنادا، فينظر في إسناده. # PageV02P1123 # ثم قال: وآثار هذا الباب معارضة لحديث " الوائدة والموءودة في النار " ~~وما كان مثله، وإذا تعارضت الآثار وجب سقوط الحكم بها، ورجعنا إلى الأصل: ~~وهو أنه لا يعذب الله أحدا إلا بذنب، لقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا} [الإسراء: 15] ، وقوله: {ألم يأتكم رسل منكم} [الأنعام: 130] ، ~~وآي القرآن كثير في هذا المعنى. # على أني أقول: إن الله ليس بظلام للعبيد، ولو عذبهم لم يكن ظالما لهم، ~~ولكن جل من تسمى بالغفور الرحيم الرءوف الحليم أن يكون من صفته إلا حقيقة " ~~لا إله إلا هو، لا يسأل عما يفعل ". # قلت: وآثار هذا الباب الصحيحة ليس فيها بحمد الله تعارض، وحديث " الوائدة ~~والموءودة في النار " قد تقدم الجواب عنه. # ومعارضة الأحاديث الباطلة للأحاديث الصحيحة لا توجب سقوط الحكم بالصحيحة، ~~والأحاديث الصحيحة يصدق بعضها بعضا. ### | [المذهب الرابع أنهم في منزلة بين الجنة والنار] ### | 199 - # فصل # المذهب الرابع: أنهم في منزلة بين الجنة، والنار: # فإنهم ليس لهم إيمان يدخلون به الجنة، ولا لآبائهم إيمان يتبعهم أطفالهم ~~فيه تكميلا لثواب، وزيادة في نعيم، وليس لهم من الأعمال ما # PageV02P1124 # يستحقون به دخول النار، ولا من الإيمان ما يدخلون به الجنة، والجنة لا ~~يدخلها إلا نفس مؤمنة، والنار لا يدخلها إلا نفس كافرة، وهذا قول طائفة من ~~المفسرين. # قالوا: وهم أهل الأعراف. # قال عبد العزيز بن يحيى الكناني: هم الذين ماتوا في الفترة، وأطفال ~~المشركين. # وأرباب هذا القول إن أرادوا أن هذا المنزل مستقرهم أبدا فباطل، فإنه لا ~~مستقر إلا الجنة أو النار، وإن أرادوا أنهم يكونون فيه مدة، ثم يصيرون إلى ~~دار القرار فهذا ليس بممتنع. # والصحيح في أهل الأعراف أنهم قوم تساوت حسناتهم، وسيئاتهم، فقصرت بهم ~~حسناتهم عن النار، وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، فبقوا بين الجنة، والنار: ~~كذا قال غير واحد من الصحابة منهم: حذيفة، وأبو هريرة، وغيرهما. # PageV02P1125 ### | [المذهب الخامس أنهم مردودون إلى محض ms431 مشيئة الله بلا سبب ولا عمل] # فصل: المذهب الخامس: أنهم مردودون إلى محض مشيئة الله بلا سبب، ولا عمل. # فيجوز أن يعمهم جميعهم برحمته، وأن يدخل بعضهم الجنة وبعضهم النار. ولا ~~سبيل لنا إلى إثبات شيء من هذه الأقسام إلا بخبر يجب المصير إليه، وكلها ~~جائزة بالنسبة إلى الله، وإنما يترجح بعضها على بعض بمجرد المشيئة، وهذا ~~قول الجبرية نفاة الحكمة والتعليل، وقد ظن كثير من هؤلاء أن هذا جواب النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - حين سئل عنهم فقال: " «الله أعلم بما كانوا عاملين» ~~"، وهذا الفهم غلط على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجوابه لا يدل على ~~ذلك أصلا، بل هو حجة عليهم، فإنه لم يقل هم في مشيئة الله يفعل فيهم ما ~~يشاء بلا سبب ولا عمل، بل أخبر أن الله يعلم أعمالهم التي يستحقون بها ~~الثواب، أو العقاب لو عاشوا. # وقد دلت الآثار التي سنذكرها على ظهور معلومه فيهم - في الدار الآخرة - ~~الذي يقع عليه الثواب والعقاب. # وهذا المذهب مبني على أصول الجبرية المنكرين للأسباب، والحكم، والتعليل، ~~وهو مذهب مخالف للعقل والفطرة، والقرآن، والسنة وجميع ما جاءت به الرسل. # PageV02P1126 ### | [المذهب السادس أنهم خدم أهل الجنة ومماليكهم معهم بمنزلة أرقائهم ومماليكهم في الدنيا] ### | 201 - # [فصل] # المذهب السادس: أنهم خدم أهل الجنة، ومماليكهم معهم بمنزلة أرقائهم، ~~ومماليكهم في الدنيا: # وهذا مذهب سلمان، واحتج هؤلاء بما رواه يعقوب بن عبد الرحمن القارئ عن ~~أبي حازم # [المدني] ، عن يزيد الرقاشي، عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: " «سألت ربي اللاهين من ذرية البشر ألا يعذبهم، ~~فأعطانيهم، فهم خدم أهل الجنة» " يعني الصبيان. # قال الدارقطني: ورواه عبد العزيز الماجشون، عن ابن المنكدر، عن يزيد ~~الرقاشي، عن أنس. # فهذان طريقان، وله طريق ثالث عن فضيل بن سليمان، عن عبد الرحمن بن إسحاق، ~~عن الزهري، عن أنس. # قال ابن قتيبة: اللاهون من " لهيت عن الشيء " إذا غفلت عنه، وليس هو من " ~~لهوت "، وهذا الحديث ضعيف، فإن يزيد الرقاشي واه، ms432 # PageV02P1127 # وعبد الرحمن بن إسحاق ضعيف، وأما فضيل بن سليمان فينظر فيه. # وقال محمد بن نصر المروزي: حدثنا سعد بن مسعود، ثنا الحجاج بن # [نصير] ، حدثنا مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أنس - رضي الله عنه - ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أولاد المشركين، قال: " «خدم أهل ~~الجنة» ". # PageV02P1128 # حدثنا عيسى بن مساور، ثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن حسان ~~الكناني، أخبرنا محمد بن المنكدر، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " «سألت ربي اللاهين من ذرية البشر ألا ~~يعذبهم، فأعطانيهم» "، وهذا طريق رابع لحديث أنس فينظر في # PageV02P1129 # عبد الرحمن بن حسان هذا. # وقال محمد بن نصر: ثنا أبو كامل، ثنا أبو عوانة، عن # [قتادة] ، عن أبي # [مراوح] ، عن سلمان قال: " أطفال المشركين خدم أهل الجنة ". # PageV02P1130 # حدثنا عمرو بن زرارة، ثنا إسماعيل، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي # [مراوح] قال: قال سلمان: " ذراري المشركين خدم أهل الجنة ". ### | [المذهب السابع أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والآخرة] ### | 202 - # فصل # المذهب السابع: أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا، والآخرة. # فلا يفردون عنهم بحكم في الدارين: فكما أنهم منهم في الدنيا فهم منهم في ~~الآخرة. # والفرق بين هذا المذهب، وبين مذهب من يقول: " هم في النار " أن # PageV02P1131 # صاحب هذا المذهب يجعلهم معهم تبعا لهم، حتى لو أسلم الأبوان بعد موت ~~أطفالهما لم يحكم لأفراطهما بالنار. # وصاحب القول الآخر يقول: هم في النار، لكونهم ليسوا بمسلمين، ولم يدخلوا ~~النار تبعا، وهؤلاء يحتجون بحديث عائشة - رضي الله عنها - الذي تقدم ذكره " ~~أنهم في النار ". # وبما في " الصحيحين " من حديث الصعب بن جثامة: «سئل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم، وذراريهم، ~~فقال: " هم منهم» . # ومثله حديث الأسود بن سريع، وقد تقدم. # واحتجوا بحديث ابن مسعود " «الوائدة والموءودة في النار» "، فدخلت ~~الوائدة النار بكفرها، والموءودة تبعا لها. # قالوا: وكما أن إتباع ذرية المؤمنين بآبائهم كان إكراما لهم وزيادة ms433 في ~~ثوابهم، وأن الإتباع إنما استحق بإيمان الآباء، فكذلك إذا انتفى إيمان ~~الآباء انتفى الإتباع الذي تحصل به النجاة، ولا حجة لهم في شيء من ذلك. # أما حديث عائشة فالصحيح فيه ما تقدم ذكره، وجواب النبي - صلى # PageV02P1132 # الله عليه وسلم - لها بقوله: " «الله أعلم بما كانوا عاملين» ". # وأما حديثها الآخر - وهو قوله: " هم في النار " فلا يصح، وقد تقدم الكلام ~~عليه. # وأما قوله " هم من آبائهم " فليس فيه تعرض للعذاب، وإنما فيه أنهم منهم ~~في الحكم، وأنهم إذا أصيبوا في البيات لم يضمنوا، وهذا مصرح به في حديث ~~الصعب والأسود بن سريع أنه في الجهاد. # وأيضا فالنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قال: " «هم من آبائهم» "، ولم ~~يقل: هم مع آبائهم، وفرق بين اللفظين، وكونهم " منهم " لا يقتضي أن يكونوا ~~" معهم " في الآخرة، بخلاف كونهم " منهم " فإنه يقتضي أن تثبت لهم أحكام ~~الآباء في الدنيا من التوارث، والحضانة، والولاية وغير ذلك من أحكام ~~الإيلاد، والله تعالى يخرج الطيب من الخبيث، والمؤمن من الكافر. # والحديث إنما دل على أنهم " من آبائهم "، وهذا لا شك فيه أنهم يولدون ~~منهم، ولم يرد النبي - صلى الله عليه وسلم - الإخبار بمجرد ذلك، وإنما أراد ~~أنهم " منهم في الحكم "، وهو لم يقل: على دين آبائهم. # فإن قيل: لو لم يكونوا على دينهم، وكانوا على الحنيفية كما ذكرتم لوجب أن ~~يصلى عليهم إذا ماتوا، وأن يدفنوا في مقابر المسلمين، وأن يرثهم # PageV02P1133 # أقاربهم المسلمون، وألا يمكن أبواهم من تهويدهم وتنصيرهم، إذ لا يجوز ~~تمكين الكافر من تهويد المسلم، وتنصيره، فدل انتفاء هذا كله على أنهم " ~~منهم في الدين "، وأنهم تبع لهم فيه، كما أن أطفال المسلمين منهم في الدين، ~~وأنهم تبع لهم فيه، قيل: هذا وما نقول سواء إذا لم يكن الطفل مع أبويه، أو ~~مع كافله من أقاربه عملا بمقتضى الفطرة، والحنيفية التي خلقوا عليها. # وأما إذا كان الطفل بين أبويه، فإن الذي خلقه على الفطرة، والحنيفية أقر ~~أبويه على تربيته، وتهويده، وتنصيره، وذلك لضرورة بقاء نوع ms434 الكفار في ~~الأرض، إذ لو منع من ذلك مانع - فالآباء يموتون، والأطفال يحكم لهم بحكم ~~الإسلام - لانقطع الكفر من الأرض، وكان الدين كله دين الإسلام، وبطل ~~الجهاد. # والحكمة الإلهية اقتضت أن يكون في الأرض الكفار والمسلمون، والأبرار ~~والفجار، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وليس في ترك الصلاة عليهم ما ~~يوجب أن يكونوا كفارا مخلدين، فالشهداء هم من أفاضل المسلمين، ولا يصلى ~~عليهم. # وأما انقطاع التوارث بينهم، وبين أقاربهم المسلمين فلا يقتضي أيضا أن ~~يكونوا كفارا في أحكام الآخرة، فالعبد المسلم لا يرث ولا يورث، وكثير من ~~العلماء يورث المسلم مال المرتد إذا مات على ردته، وهذا القول هو الصحيح، ~~وهو اختيار شيخنا، وهذا معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، ومسروق بن ~~الأجدع، وخلق من الصحابة والتابعين، وإسحاق بن راهويه وغيره من الأئمة ~~يورثون المسلمين من أقاربهم الكفار إذا ماتوا. # PageV02P1134 # وأما حديث ابن مسعود " «الوائدة والموءودة في النار» " فقد تقدم أن هذا ~~الحديث إنما يدل على أن بعض الأطفال في النار، ولا يدل على أن كل موءودة في ~~النار، وقد تقدم جواب أبي محمد بن حزم وما فيه. # وأحسن من هذين الجوابين أن يقال: هي في النار ما لم يوجد سبب يمنع دخولها ~~النار: ففرق بين كون الوأد " مانعا " من دخول النار، وكونه " غير مانع "، ~~فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن الموءودة في النار: أي كونها موءودة ~~غير مانع لها من دخول النار بسبب يقتضي الدخول. ### | [المذهب الثامن أنهم يكونون يوم القيامة ترابا] ### | 203 - # فصل: المذهب الثامن: أنهم يكونون يوم القيامة ترابا. # حكاه أرباب المقالات عن ثمامة بن أشرس، وهذا قول لعله اخترعه من تلقاء ~~نفسه، فلا يعرف عن أحد من السلف، وكأن قائله رأى أنهم لا ثواب لهم، ولا ~~عقاب، فألحقهم بالبهائم. # والأحاديث الصحاح، والحسان، وآثار الصحابة تكذب هذا القول، وترد عليه ~~قوله. # PageV02P1135 ### | [المذهب التاسع مذهب الإمساك] ### | 204 - # فصل: المذهب التاسع: مذهب الإمساك. # وهو ترك الكلام في المسألة نفيا وإثباتا بالكلية، وجعلها مما استأثر الله ~~بعلمه، ms435 وطوى معرفته عن الخلق. # قال إسحاق بن راهويه: حدثنا يحيى بن آدم، ثنا جرير بن حازم، عن أبي رجاء ~~العطاردي: سمعت ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول: " لا يزال أمر هذه الأمة ~~موائما - أو مقاربا - حتى يتكلموا، أو ينظروا في الولدان، والقدر "، وفي ~~لفظ: في الأطفال، والقدر ". # قال يحيى بن آدم: فذكرته لابن المبارك، فقال: أيسكت الإنسان على الجهل؟ ~~قلت: فتأمر بالكلام؟ فسكت. # وقال محمد بن نصر: ثنا عمرو بن زرارة، أخبرنا إسماعيل بن علية، عن ابن # [عون] قال: كنت عند القاسم بن محمد إذ جاءه رجل فقال: ما كان بين قتادة ~~وبين حفص بن عمر في أولاد المشركين؟ قال: وتكلم ربيعة الرأي في ذلك، فقال ~~القاسم: إن الله انتهى عند شيء فانتهوا، وقفوا عنده، قال: # PageV02P1136 # فكأنما كانت نار فأطفئت! ### | [المذهب العاشر أنهم يمتحنون في الآخرة] ### | 205 - # فصل: المذهب العاشر: أنهم يمتحنون في الآخرة. # ويرسل إليهم الله تبارك وتعالى رسولا، وإلى كل من لم تبلغه الدعوة: فمن ~~أطاع الرسول دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار. # وعلى هذا، فيكون بعضهم في الجنة وبعضهم في النار. # وهذا قول جميع أهل السنة، والحديث: حكاه الأشعري عنهم في # PageV02P1137 # كتاب " الإبانة " الذي اتفق أصحابه على أنه تأليفه، وذكره ابن فورك، ~~وذكره أبو القاسم بن عساكر في تصانيفه، وذكر لفظه في حكايته قول أهل السنة ~~والحديث، وطعن بذلك على من بدع الأشعري وضلله. # PageV02P1138 # قال فيه: " وجملة قولنا أن نقر بالله تبارك وتعالى، وملائكته، وكتبه ~~ورسله، وما جاء من عنده، وما روى لنا الثقات عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لا نرد من ذلك شيئا " إلى أن قال: " وقولنا في الأطفال - أطفال ~~المشركين - أن الله عز وجل يؤجج لهم نارا في الآخرة، ثم يقول: " اقتحموها " ~~كما جاءت الرواية بذلك " هذا قوله في " الإبانة " وهو من آخر كتبه. # وقال في كتاب " المقالات ": " وإن الأطفال أمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم، ~~وإن شاء غفر لهم كما يريد ". # وهذا المذهب حكاه محمد بن نصر المروزي في كتابه في " الرد ms436 على ابن قتيبة ~~"، واحتج له فقال: (ذكر الأخبار التي احتج بها من أوجب امتحانهم، واختبارهم ~~في الآخرة) فقال: # حدثنا إسحاق، أخبرنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن ~~قيس، عن الأسود بن سريع أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " «أربعة ~~يمتحنون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في ~~الفترة» . # PageV02P1139 # أما الأصم فيقول: يا رب، قد جاء الإسلام وما أسمع شيئا، وأما الأحمق ~~فيقول: يا رب، قد جاء الإسلام والصبيان يرمونني بالبعر، وأما الهرم فيقول: ~~يا رب قد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، وأما الذي مات في الفترة، فيقول: ما ~~أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم رسولا: أن ادخلوا ~~النار، فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما ". # حدثنا إسحاق، أخبرنا معاذ بن هشام، أخبرني أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن ~~أبي رافع، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - بمثل هذا الحديث، غير أنه قال في ~~آخره: " «فمن دخلها كانت عليه بردا، وسلاما، ومن لم يدخلها # PageV02P1140 # سحب إليها» ". # حدثنا أبو بكر بن زنجويه، ثنا عبد الرحمن، عن معمر، عن ابن طاوس، عن ~~أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: " «ثلاثة يمتحنون يوم القيامة: ~~المعتوه، والذي هلك في الفترة، والأصم» . . " فذكر الحديث. # PageV02P1141 # حدثنا محمد بن يحيى، ثنا أبو نصر التمار، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن ~~يزيد، عن أبي رافع، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " «أربعة كلهم يوم القيامة يدلي على الله بحجة وعذر: ~~رجل هلك في الفترة، ورجل أدرك الإسلام هرما، ورجل أصم أبكم، ورجل معتوه، ~~فيبعث الله إليهم رسولا، فيقول: أطيعوه، فيأتيهم الرسول، فيؤجج لهم نارا، ~~فيقول: اقتحموها فمن اقتحمها كانت عليه بردا، وسلاما، ومن لا حقت عليه كلمة ~~العذاب» ". # حدثنا محمد بن يحيى، ثنا سعيد بن سليمان، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن ~~أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى ms437 الله عليه وسلم -: " ~~«الهالك في الفترة، والمعتوه، والمولود، قال: يقول الهالك في الفترة: لم ~~يأتني كتاب، ولا رسول، ثم تلا: # PageV02P1142 # {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى} [طه: 134] ، ويقول المعتوه: رب لم تجعل ~~لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا، قال: ويقول المولود: رب لم أدرك العقل، قال: ~~فترفع لهم نار، فيقال لهم: ردوها، أو ادخلوها. قال: فيردها أو يدخلها من ~~كان في علم الله سعيدا، لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا ~~لو أدرك العمل، فيقول: إياي عصيتم فكيف رسلي؟» ! # قال محمد بن نصر: ورواه أبو نعيم الملائي، عن فضيل، عن عطية، # PageV02P1143 # عن أبي سعيد " موقوفا ". # حدثنا أبو بكر بن زنجويه، ثنا محمد بن المبارك # [الصوري] ، ثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن حلبس، عن أبي إدريس، عن معاذ بن ~~جبل - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " «يؤتى ~~بالممسوخ - أو الممسوخ عقلا - والهالك في الفترة، والهالك صغيرا، فيقول ~~الممسوخ عقلا: يا رب، لو آتيتني عقلا ما كان من آتيته عقلا بأسعد مني ~~بعقله، ويقول الهالك في الفترة # [يا رب: لو آتاني منك عهد، ما كان من آتيته عهدا بأسعد بعهدك مني، ويقول ~~الهالك صغيرا:] يا رب لو آتيتني عمرا ما كان من آتيته عمرا بأسعد بعمره ~~مني، فيقول الرب سبحانه: لئن آمركم بأمر أفتطيعونني؟ فيقولون: نعم، وعزتك ~~يا رب. فيقول: اذهبوا فادخلوا النار. قال: لو دخلوها ما ضرتهم. قال: فيخرج ~~عليهم قوابض يظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعا ~~فيقولون: خرجنا - وعزتك - نريد دخولها، فخرجت علينا قوابض ظننا أنها قد ~~أهلكت ما خلق الله من شيء. ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك، ويقولون مثل ~~قولهم، فيقول الرب سبحانه: قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون، وعلى علمي ~~خلقتكم، # PageV02P1144 # وإلى علمي تصيرون جميعكم، فتأخذهم النار» ". # حدثنا أحمد بن عمرو، أخبرنا جرير، عن ليث، عن عبد الوارث، عن ms438 أنس بن مالك ~~- رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " «يؤتى ~~بالمولود والمعتوه، ومن مات في الفترة، وبالمعمر الفاني، قال: كلهم يتكلم ~~بحجته، فيقول الرب تعالى لعنق من النار: ابرز، فيقول لهم: إني كنت أبعث إلى ~~عبادي رسلا من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم، فيقول لهم: # PageV02P1145 # ادخلوا هذه، فيقول من كتب عليهم الشقاء: يا رب، أنى ندخلها ومنها كنا ~~نفر! قال: ومن كتب عليه # [السعادة] يمضي فيقتحمهم فيها مسرعا. فيقول الرب تعالى: قد عاندتموني، ~~وقد عصيتموني، فأنتم لرسلي أشد تكذيبا، ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء ~~النار» . # حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن الصباح، ثنا ريحان بن سعيد # [الناجي،] عن عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء ~~الرحبي، عن ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أنه سمع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية # PageV02P1146 # يحملون أوثانهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: ربنا ~~لم ترسل إلينا رسولا، ولم يأتنا لك أمر. ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع ~~عبادك لك! فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعونني؟ فيقولون: نعم، ~~فيؤمرون أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون حتى إذا رأوها، فإذا لها ~~تغيظ وزفير، فيهابونها، فيرجعون إلى ربهم، فيقولون: يا ربنا، فرقنا منها، ~~فيقول ربهم تبارك وتعالى: تزعمون أنكم إن أمرتكم بأمر أطعتموني، فيأخذ ~~مواثيقهم، فيقول: اعمدوا إليها فادخلوها، فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا ~~ورجعوا إلى ربهم، فقالوا: ربنا فرقنا منها، فيقول: ألم تعطوني مواثيقكم ~~لتطيعوني؟ اعمدوا إليها فادخلوها. فينطلقون حتى إذا رأوها فزعوا ورجعوا، ~~فقالوا: فرقنا يا رب، ولا نستطيع أن ندخلها، فيقول ادخلوها داخرين. قال نبي ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردا وسلاما» ~~". # PageV02P1147 # فإن قيل: هذه الأحاديث - مع ضعفها - مخالفة لكتاب الله، ولقواعد الشريعة، ~~فإن الآخرة ليست دار تكليف، وإنما هي دار جزاء، ودار التكليف هي دار ~~الدنيا، فلو كانت الآخرة دار تكليف لكان ms439 ثم دار جزاء غيرها. # قال أبو عمر في " الاستذكار "، وقد ذكر بعض هذه الأحاديث: وهذه الأحاديث ~~كلها ليست بالقوية، ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب؛ ~~لأن الآخرة دار جزاء، وليست دار عمل، ولا ابتلاء، وكيف يكلفون دخول النار، ~~وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها؟ ولا يخلو من مات ~~في الفترة من أن يكون مات كافرا، أو غير كافر، فإن مات كافرا جاحدا فإن ~~الله حرم الجنة على # PageV02P1148 # الكافرين فكيف يمتحنون؟ وإن كان معذورا بأنه لم يأته نذير ولا رسول، فكيف ~~يؤمر أن يقتحم النار وهي أشد العذاب؟ والطفل ومن لا يعقل أحرى بألا يمتحن ~~بذلك. # فالجواب من وجوه: # أحدها: أن أحاديث هذا الباب قد تضافرت، وكثرت بحيث يشد بعضها بعضا، وقد ~~صحح الحفاظ بعضها كما صحح البيهقي وعبد الحق وغيرهما حديث الأسود بن سريع. # وحديث أبي هريرة إسناده صحيح متصل، ورواية معمر له، عن ابن طاوس، عن ~~أبيه، عن أبي هريرة موقوفا لا تضره، فإنا إن سلكنا طريق الفقهاء، ~~والأصوليين في الأخذ بالزيادة من الثقة فظاهر، وإن سلكنا طريق الترجيح - ~~وهي طريقة المحدثين - فليس من رفعه بدون من وقفه في الحفظ، والإتقان. # الوجه الثاني: أن غاية ما يقدر فيه أنه موقوف على الصحابي، ومثل هذا لا ~~يقدم عليه الصحابي بالرأي والاجتهاد، بل يجزم بأن ذلك توقيف لا عن رأي. # الوجه الثالث: أن هذه الأحاديث يشد بعضها بعضا، فإنها قد تعددت طرقها، ~~واختلفت مخارجها، فيبعد كل البعد أن تكون باطلة على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يتكلم بها، وقد رواها أئمة الإسلام ودونوها، ولم يطعنوا ~~فيها. # الوجه الرابع: أنها هي الموافقة للقرآن، وقواعد الشرع، فهي تفصيل لما ~~أخبر به القرآن أنه لا يعذب أحد إلا بعد قيام الحجة عليه، وهؤلاء لم تقم # PageV02P1149 # عليهم حجة الله في الدنيا، فلا بد أن يقيم حجته عليهم، وأحق المواطن أن ~~تقام فيه الحجة يوم يقوم الأشهاد، وتسمع الدعاوى، وتقام البينات، ويختصم ~~الناس بين يدي ms440 الرب، وينطق كل أحد بحجته ومعذرته، فلا تنفع الظالمين ~~معذرتهم وتنفع غيرهم. # الوجه الخامس: أن القول بموجبها هو قول أهل السنة، والحديث كما حكاه ~~الأشعري عنهم في " المقالات " وحكى اتفاقهم عليه، وإن كان قد اختار هو فيها ~~أنهم مردودون إلى المشيئة، وهذا لا ينافي القول بامتحانهم، فإن ذلك هو موجب ~~المشيئة. # الوجه السادس: أنه قد صح - بذلك - القول بها عن جماعة من الصحابة، ولم ~~يصح عنهم إلا هذا القول. # والقول بأنهم خدم أهل الجنة صح عن سلمان، وفيه حديث مرفوع قد تقدم، ~~وأحاديث الامتحان أكثر وأصح وأشهر. # الوجه السابع: قوله: " وأهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب " جوابه أنه - ~~وإن أنكرها بعضهم - فقد قبلها الأكثرون، والذين قبلوها أكثر من الذين ~~أنكروها، وأعلم بالسنة والحديث، وقد حكى فيه الأشعري اتفاق أهل السنة ~~والحديث، وقد بينا أنه مقتضى قواعد الشرع. # الوجه الثامن: أنه قد نص جماعة من الأئمة على وقوع الامتحان في # PageV02P1150 # الدار الآخرة، وقالوا: لا ينقطع التكليف إلا بدخول دار القرار، ذكره ~~البيهقي عن غير واحد من السلف. # الوجه التاسع: ما ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد - ~~رضي الله عنهما - في الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولا إليها: أن الله ~~تعالى يأخذ عهوده، ومواثيقه ألا يسأله غير الذي يعطيه، وأنه يخالفه، ويسأله ~~غيره، فيقول الله له: ما أعذرك! وهذا العذر منه لمخالفته العهد الذي عاهده ~~ربه عليه، وهذه معصية منه. # الوجه العاشر: قد ثبت أنه سبحانه يأمرهم في القيامة بالسجود، ويحول بين ~~المخالفين وبينه، وهذا تكليف بما ليس في الوسع قطعا، فكيف ينكر التكليف ~~بدخول النار اختيارا؟ # الوجه الحادي عشر: أنه قد ثبت امتحانهم في القبور، وسؤالهم وتكليفهم ~~الجواب، وهذا تكليف بعد الموت برد الجواب. # PageV02P1151 # الوجه الثاني عشر: أن أمرهم بدخول النار ليس عقوبة لهم، وكيف يعاقبهم على ~~غير ذنب؟ وإنما هو امتحان، واختبار لهم: هل يطيعونه أو يعصونه؟ فلو أطاعوه، ~~ودخلوها لم تضرهم، وكانت عليهم بردا وسلاما، فلما عصوه، وامتنعوا من دخولها ~~استوجبوا عقوبة مخالفة أمره، والملوك ms441 قد تمتحن من يظهر طاعتهم هل هو منطو ~~عليها بباطنه، فيأمرونه بأمر شاق عليه في الظاهر هل يوطن نفسه عليه أم لا، ~~فإن أقدم عليه، ووطن نفسه على فعله أعفوه منه، وإن امتنع، وعصى ألزموه به ~~أو عاقبوه بما هو أشد منه. # وقد أمر الله سبحانه الخليل بذبح ولده، ولم يكن مراده سوى توطين نفسه على ~~الامتثال، والتسليم، وتقديم محبة الله على محبة الولد، فلما فعل ذلك رفع ~~عنه الأمر بالذبح. # PageV02P1152 # وقد ثبت أن الدجال يأتي معه بمثال الجنة والنار، وهي نار في رأي العين، ~~ولكنها لا تحرق، فمن دخلها لم تضره، فلو أن هؤلاء يوطنون أنفسهم على دخول ~~النار التي أمروا بدخولها طاعة لله، ومحبة له، وإيثارا لمرضاته، وتقربا ~~إليه بتحمل ما يؤلمهم لكان هذا الإقدام والقصد منهم لمرضاته ومحبته يقلب ~~تلك النار بردا وسلاما، كما قلب قصد الخليل - التقرب إلى ربه، وإيثار ~~محبته، ومرضاته، وبذل نفسه، وإيثاره إياه على نفسه - تلك النار بأمر الله ~~بردا وسلاما، فليس أمره سبحانه إياهم بدخول النار عقوبة، ولا تكليفا ~~بالممتنع، وإنما هو امتحان، واختبار لهم هل يوطنون أنفسهم على طاعته أم ~~ينطوون على معصيته، ومخالفته. وقد علم سبحانه ما يقع منهم ولكنه لا يجازيهم ~~على مجرد علمه فيهم ما لم يحصل معلومه الذي يترتب عليهم به الحجة، فلا أحسن ~~من هذا يفعله بهم وهو محض العدل، والحكمة. # الوجه الثالث عشر: أن هذا مطابق لتكليفه عباده في الدنيا، فإنه سبحانه لم ~~يستفد بتكليفهم منفعة تعود إليه، ولا هو محتاج إليه، وإنما امتحنهم ~~وابتلاهم ليتبين من يؤثر رضاه ومحبته، ويشكره ممن يكفر به ويؤثر سخطه: قد ~~علم منهم من يفعل هذا وهذا، ولكنه بالابتلاء ظهر معلومه الذي يترتب عليه ~~الثواب والعقاب، وتقوم عليهم به الحجة. # PageV02P1153 # وكثير من الأوامر التي أمرهم بها في الدنيا نظير الأمر بدخول النار، فإن ~~الأمر بإلقاء نفوسهم بين سيوف أعدائهم، ورماحهم، وتعريضهم لأسرهم لهم، ~~وتعذيبهم، واسترقاقهم، لعله أعظم من الأمر بدخول النار، وقد كلف الله بني ~~إسرائيل قتل أنفسهم، وأولادهم، ms442 وأرواحهم، وإخوانهم لما عبدوا العجل لما لهم ~~في ذلك من المصلحة، وهذا قريب من التكليف بدخول النار، وكلف على لسان رسوله ~~المؤمنين إذا رأوا نار الدجال أن يقعوا فيها - لما لهم في ذلك من المصلحة - ~~وليست في الحقيقة نارا، وإن كانت في رأي العين نارا، وكذلك النار التي ~~أمروا بدخولها في الآخرة إنما هي برد وسلام على من دخلها، فلو لم يأت بذلك ~~أثر لكان هذا هو مقتضى حكمته وعدله، وموجب أسمائه، وصفاته. # الوجه الرابع عشر: أن القائل قائلان: قائل بأنه سبحانه يفعل بمحض ~~المشيئة، والإرادة من غير تعليل، ولا غاية مطلوبة بالفعل، وقائل بمراعاة ~~الحكم، والغايات المحمودة، والمصالح. # PageV02P1154 # وعلى المذهبين فلا يمتنع الامتحان في عرصات القيامة، بل على القول الأول ~~هو ممكن جائز لا يتوقف العلم به على أمر غير إخبار الصادق. # وعلى المذهب الثاني هو الذي لا يليق بالرب سواه، ولا تقتضي أسماؤه وصفاته ~~غيره، فهو متعين. # الوجه الخامس عشر: قوله: " وليس ذلك في وسع المخلوقين " جوابه من وجهين: # أحدهما: أنه في وسعهم، وإن كان يشق عليهم، وهؤلاء عباد النار يتهافتون ~~فيها، ويلقون أنفسهم فيها طاعة للشيطان، ولم يقولوا: " ليس في وسعنا " مع ~~تألمهم بها غاية الألم، فعباد الرحمن إذا أمرهم أرحم الراحمين بطاعته ~~باقتحامهم النار كيف لا يكون في وسعهم وهو إنما يأمرهم بذلك لمصلحتهم ~~ومنفعتهم؟ # الثاني: أنهم لو وطنوا أنفسهم على اتباع طاعته ومرضاته لكانت عين نعيمهم ~~ولم تضرهم شيئا. # الوجه السادس عشر: أن أمرهم باقتحام النار المفضية بهم إلى النجاة منها ~~بمنزلة الكي الذي يحسم الداء، وبمنزلة تناول الداء الكريه الذي يعقب ~~العافية، وليس من باب العقوبة في شيء، فإن الله سبحانه اقتضت حكمته وحمده ~~وغناه ورحمته ألا يعذب من لا ذنب له، بل يتعالى ويتقدس عن ذلك كما يتعالى ~~عما يناقض صفات كماله، فالأمر باقتحام النار للخلاص # PageV02P1155 # منها هو عين الحكمة، والرحمة، والمصلحة، حتى لو أنهم بادروا إليها طوعا، ~~واختيارا ورضا حيث علموا أن مرضاته في ذلك قبل أن يأمرهم به لكان ذلك عين ms443 ~~صلاحهم، وسبب نجاتهم، فلم يفعلوا ذلك، ولم يمتثلوا أمره، وقد تيقنوا، ~~وعلموا أن فيه رضاه، وصلاحهم، بل هان عليهم أمره، وعزت عليهم أنفسهم أن ~~يبذلوا له منها هذا القدر الذي أمرهم به رحمة، وإحسانا لا عقوبة. # الوجه السابع عشر: أن أمرهم باقتحام النار كأمر المؤمنين بركوب الصراط ~~الذي هو أدق من الشعرة وأحد من السيف، ولا ريب أن ركوبه من أشق الأمور، ~~وأصعبها حتى أن الرسل لتشفق منه، وكل منهم يسأل الله السلامة! فركوب هذا ~~الجسر الذي هو في غاية المشقة كاقتحام النار، وكلاهما طريق إلى النجاة. # الوجه الثامن عشر: قوله: " ولا يخلو من مات في الفترة من أن يكون كافرا، ~~أو غير كافر، فإن كان كافرا فإن الله حرم الجنة على الكافرين، وإن كان ~~معذورا بأنه لم يأته رسول فكيف يؤمر باقتحام النار؟ " جوابه من وجوه: # أحدها: أن يقال هؤلاء لا يحكم لهم بكفر ولا إيمان، فإن الكفر هو جحود ما ~~جاء به الرسول، فشرط تحققه بلوغ الرسالة، والإيمان هو تصديق # PageV02P1156 # الرسول فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، وهذا أيضا مشروط ببلوغ الرسالة، ولا ~~يلزم من انتفاء أحدهما وجود الآخر إلا بعد قيام سببه، فلما لم يكن هؤلاء في ~~الدنيا كفارا، ولا مؤمنين كان لهم في الآخرة حكم آخر غير حكم الفريقين. # فإن قيل: فأنتم تحكمون لهم بأحكام الكفار في الدنيا من التوارث، ~~والولاية، والمناكحة، قيل: إنما نحكم لهم بذلك في أحكام الدنيا لا في ~~الثواب، والعقاب، كما تقدم بيانه. # الوجه الثاني: سلمنا أنهم كفار، لكن انتفاء العذاب عنهم لانتفاء شرطه وهو ~~قيام الحجة عليهم، فإن الله تعالى لا يعذب إلا من قامت عليه حجته. # الوجه الثالث: قوله: " وإن كان معذورا كيف يؤمر أن يقتحم النار وهي أشد ~~العذاب؟ " فالذي قال هذا يوهم أن هذا الأمر عقوبة لهم، وهذا غلط، وإنما هو ~~تكليف واختبار، فإن بادروا إلى الامتثال لم تضرهم النار شيئا. # الوجه التاسع عشر: قوله: " كيف يمتحن الطفل ومن لا يعقل؟ " كلام فاسد، ~~فإن الله سبحانه يوم القيامة ينشئهم ms444 عقلاء بالغين، ويمتحنهم في # PageV02P1157 # هذه الحال، ولا يقع الامتحان بهم، وهم على الحالة التي كانوا عليها في ~~الدنيا: فالسنة، وأقوال الصحابة، وموجب قواعد الشرع وأصوله لا ترد بمثل ~~ذلك، والله أعلم. # PageV02P1158 ### | [ذكر الشروط العمرية وأحكامها وموجباتها] # بسم الله الرحمن الرحيم # ذكر الشروط العمرية وأحكامها وموجباتها # قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبو شرحبيل الحمصي عيسى بن خالد قال: ~~حدثني [عمي] أبو اليمان وأبو المغيرة قالا: أخبرنا إسماعيل بن عياش، قال: ~~حدثنا غير واحد من أهل العلم قالوا: كتب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن ~~غنم: " إنا حين قدمت بلادنا طلبنا إليك الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا على أنا ~~شرطنا لك على أنفسنا ألا نحدث في مدينتنا كنيسة، ولا فيما حولها ديرا ولا ~~قلاية ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب من كنائسنا ولا ما كان منها في خطط ~~المسلمين، وألا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار، وأن ~~نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوسا، ~~وألا نكتم غشا للمسلمين، وألا نضرب بنواقيسنا إلا ضربا خفيا في جوف ~~كنائسنا، ولا نظهر عليها صليبا، ولا ترفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في ~~كنائسنا فيما يحضره المسلمون، وألا نخرج صليبا ولا كتابا في سوق المسلمين، ~~وألا نخرج باعوثا - قال: والباعوث يجتمعون كما يخرج المسلمون يوم الأضحى ~~والفطر - ولا شعانين، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم ~~في أسواق # PageV03P1159 # المسلمين، وألا نجاورهم بالخنازير ولا ببيع الخمور، ولا نظهر شركا، ولا ~~نرغب في ديننا ولا ندعو إليه أحدا، ولا نتخذ شيئا من الرقيق الذي جرت عليه ~~سهام المسلمين، وألا نمنع أحدا من أقربائنا أرادوا الدخول في الإسلام، وأن ~~نلزم زينا حيثما كنا، وألا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا ~~نعلين ولا فرق شعر ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم ولا نكتني بكناهم، ~~وأن نجز مقادم رءوسنا، ولا نفرق نواصينا، ونشد الزنانير على أوساطنا، ولا ~~ننقش خواتمنا بالعربية، ولا نركب السروج، ولا نتخذ شيئا من ms445 السلاح ولا ~~نحمله ولا نتقلد السيوف، وأن نوقر المسلمين في مجالسهم ونرشدهم الطريق ~~ونقوم لهم عن المجالس إن أرادوا الجلوس، ولا نطلع عليهم في منازلهم، ولا ~~نعلم أولادنا القرآن، ولا يشارك أحد منا مسلما في تجارة إلا أن يكون إلى ~~المسلم أمر التجارة، وأن نضيف كل مسلم عابر سبيل ثلاثة أيام ونطعمه من أوسط ~~ما نجد. ضمنا لك ذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكيننا، وإن نحن ~~غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا، وقد ~~حل لك منا ما يحل لأهل المعاندة والشقاق ". # PageV03P1160 # فكتب بذلك عبد الرحمن بن غنم إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكتب إليه ~~عمر: " أن أمض لهم ما سألوا، وألحق فيهم حرفين أشترطهما عليهم مع ما شرطوا ~~على أنفسهم: ألا يشتروا من سبايانا [شيئا] ، ومن ضرب مسلما [عمدا] فقد خلع ~~عهده ". فأنفذ عبد الرحمن بن غنم ذلك، وأقر من أقام من الروم في مدائن ~~الشام على هذا الشرط. # قال الخلال في كتاب " أحكام أهل الملل ": " أخبرنا عبد الله بن أحمد. . . ~~" فذكره، وذكر سفيان الثوري، عن مسروق، عن عبد الرحمن بن غنم قال: " كتبت ~~لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى الشام وشرط # PageV03P1161 # عليهم فيه ألا يحدثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا ~~قلاية ولا صومعة راهب، ولا يجددوا ما خرب، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها ~~أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يئوا جاسوسا، ولا يكتموا غشا ~~للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يظهروا شركا، ولا يمنعوا ذوي ~~قراباتهم من الإسلام إن أرادوه، وأن يوقروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من ~~مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم ولا ~~يتكنوا بكناهم، ولا يركبوا سرجا ولا يتقلدوا سيفا، ولا يبيعوا الخمور، وأن ~~يجزوا مقادم رءوسهم، وأن يلزموا زيهم حيثما كانوا، وأن يشدوا الزنانير على ~~أوساطهم، ولا يظهروا صليبا ولا شيئا من كتبهم في شيء من طرق المسلمين، ولا ~~يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا ms446 بالناقوس إلا ضربا خفيا، ولا يرفعوا ~~أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعانين، ~~ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم، ولا يظهروا النيران معهم، ولا يشتروا من ~~الرقيق ما جرت فيه سهام المسلمين. فإن خالفوا شيئا مما شرطوه فلا ذمة لهم، ~~وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق ". # PageV03P1162 # وقال الربيع بن ثعلب: حدثنا يحيى بن عقبة بن أبي العيزار، عن سفيان ~~الثوري، والوليد بن نوح، [والسري] بن مصرف يذكرون عن طلحة بن مصرف، عن ~~مسروق، عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتبت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين ~~صالح نصارى أهل الشام: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لعبد الله عمر ~~أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا: إنكم لما قدمتم علينا سألناكم ~~الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا ألا ~~نحدث في مدائننا ولا فيما حولها ديرا ولا قلاية ولا كنيسة ولا صومعة راهب. ~~. . " فذكر نحوه. # PageV03P1163 # وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في ~~كتبهم واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على # PageV03P1164 # ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها. # فذكر أبو القاسم الطبري - من حديث أحمد بن يحيى الحلواني - حدثنا عبيد بن ~~[جناد] : حدثنا عطاء بن مسلم الحلبي، عن صالح المرادي، عن عبد خير قال: ~~رأيت عليا صلى العصر فصف له أهل نجران صفين، فناوله رجل منهم كتابا، فلما ~~رآه دمعت عينه ثم رفع رأسه إليهم قال: " يا أهل نجران، هذا والله خطي بيدي ~~وإملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ". فقالوا: يا أمير المؤمنين، أعطنا ~~ما فيه. قال: ودنوت منه فقلت: إن كان رادا على عمر يوما فاليوم يرد عليه! ~~فقال: لست براد على عمر شيئا صنعه، إن عمر كان رشيد الأمر، وإن عمر أخذ ~~منكم خيرا مما أعطاكم، ولم يجر عمر ما أخذ منكم إلى نفسه إنما جره لجماعة ~~المسلمين ". # PageV03P1165 # وذكر ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي: ms447 أن عليا رضي الله ~~عنه قال لأهل نجران: إن عمر كان رشيد الأمر، ولن أغير شيئا صنعه عمر! . # وقال الشعبي: قال علي حين قدم الكوفة: ما جئت لأحل عقدة شدها عمر! . # PageV03P1166 # وقد تضمن كتاب عمر رضي الله عنه هذا جملا من العلم تدور على ستة فصول: # الفصل الأول: في أحكام البيع والكنائس والصوامع وما يتعلق بذلك. # الفصل الثاني: في أحكام ضيافتهم للمارة بهم وما يتعلق بها. # الفصل الثالث: فيما يتعلق بضرر المسلمين والإسلام. # الفصل الرابع: فيما يتعلق بتغيير لباسهم وتمييزهم عن المسلمين في المركب ~~واللباس وغيره. # الفصل الخامس: فيما يتعلق بإظهار المنكر من أفعالهم وأقوالهم مما نهوا ~~عنه. # الفصل السادس: في أمر معاملتهم للمسلمين بالشركة ونحوها. # PageV03P1167 ### | [الفصل الأول في أحكام البيع والكنائس وما يتعلق بذلك] ### | 206 - # الفصل الأول # في أحكام البيع والكنائس # قال تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} [الجن: 18] ، وقال: ~~{في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال} ~~[النور: 36] ، وقال تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع ~~وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا} [الحج: 40] # قال الزجاج: " تأويل هذا: لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدم - في كل ~~شريعة نبي - المكان الذي يصلى فيه، فلولا الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس ~~التي كان يصلى فيها في شريعته، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد ~~المساجد ". # وقال الأزهري: " أخبر الله سبحانه أنه لولا دفعه بعض الناس عن الفساد ~~ببعضهم لهدمت متعبدات كل فريق من أهل دينه وطاعته في كل # PageV03P1168 # زمان، فبدأ بذكر الصوامع والبيع؛ لأن صلوات من تقدم من أنبياء بني ~~إسرائيل وأصحابهم كانت فيها قبل نزول القرآن، وأخرت المساجد؛ لأنها حدثت ~~بعدهم ". # وقال ابن زيد: " الصلوات؛ صلوات أهل الإسلام تنقطع إذا دخل عليهم العدو ~~". # قال الأخفش: " وعلى هذا القول: الصلوات لا تهدم ولكن تحل محل فعل آخر، ~~كأنه قال: تركت صلوات ". # وقال أبو عبيدة: " يعني مواضع الصلوات ". # وقال الحسن: " يدفع عن مصليات أهل الذمة بالمؤمنين ". # وعلى ms448 هذا القول لا يحتاج إلى التقدير الذي قدره أصحاب القول الأول، وهذا ~~ظاهر اللفظ ولا إشكال فيه بوجه، فإن الآية دلت على الواقع، لم تدل على كون ~~هذه الأمكنة - غير المساجد - محبوبة مرضية له، لكنه أخبر أنه لولا دفعه ~~الناس بعضهم ببعض لهدمت هذه الأمكنة التي كانت محبوبة له قبل الإسلام وأقر ~~منها ما أقر بعده، وإن كانت مسخوطة له كما أقر أهل الذمة، وإن كان يبغضهم ~~ويمقتهم ويدفع عنهم بالمسلمين مع بغضه لهم. # وهكذا يدفع عن مواضع متعبداتهم بالمسلمين وإن كان يبغضها، وهو سبحانه ~~يدفع عن متعبداتهم التي أقروا عليها شرعا وقدرا، فهو يحب # PageV03P1169 # الدفع عنها وإن كان يبغضها، كما يحب الدفع عن أربابها وإن كان يبغضهم. # وهذا القول هو الراجح إن شاء الله تعالى، وهو مذهب ابن عباس في الآية. # قال ابن أبي حاتم في " تفسيره ": حدثنا أبو سعيد الأشج: حدثنا عبيد الله ~~- هو ابن موسى - عن إسرائيل، عن السدي، عمن حدثه عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: {لهدمت صوامع وبيع} [الحج: 40] قال: الصوامع التي يكون فيها ~~الرهبان، والبيع مساجد اليهود، والصلوات كنائس النصارى، والمساجد مساجد ~~المسلمين. # قال ابن أبي حاتم: وأخبرنا الأشج، ثنا حفص بن غياث، عن داود، عن أبي ~~العالية قال: {لهدمت صوامع} [الحج: 40] قال: صوامع وإن كان يشرك به! وفي ~~لفظ: إن الله يحب أن يذكر ولو من كافر. # PageV03P1170 # وفي تفسير شيبان، عن قتادة: الصوامع للصابئين، والبيع للنصارى، والصلوات ~~لليهود، والمساجد للمسلمين. # وقد تضمن الشرط ذكر الدير والقلاية والكنيسة والصومعة. # فأما الدير فللنصارى خاصة يبنونه للرهبان خارج البلد، يجتمعون فيه ~~للرهبانية والتفرد عن الناس. # وأما القلاية فيبنيها رهبانهم مرتفعة كالمنارة، والفرق بينها وبين الدير ~~أن الدير يجتمعون فيه والقلاية لا تكون إلا لواحد ينفرد بنفسه، ولا يكون ~~لها باب بل فيها طاقة يتناول منها طعامه وشرابه وما يحتاج إليه. # وأما الصومعة فهي كالقلاية تكون للراهب وحده. # قال الأزهري: الصومعة من البناء سميت صومعة لتلطف أعلاها. يقال: صمع ~~الثريدة إذا رفع رأسها وحدده، وتسمى الثريدة إذا ms449 كانت كذلك صومعة، ومن هذا ~~يقال: رجل أصمع القلب إذا كان حاد الفطنة. # ومنهم من فرق بين الصومعة والقلاية؛ بأن القلاية تكون منقطعة في فلاة من ~~الأرض، والصومعة تكون على الطرق. # وأما البيع فجمع بيعة، وأهل اللغة والتفسير على أنها متعبد النصارى، إلا ~~ما حكيناه عن ابن عباس أنه قال: " البيع مساجد اليهود ". # PageV03P1171 # وأما الكنائس فجمع كنيسة، وهي لأهل الكتابين، ولليهود خاصة الفهر - بضم ~~الفاء والهاء - واحدها فهر، وهو بيت المدراس الذي يتدارسون فيه العلم. # وفي الحديث: " «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على اليهود بيت ~~مدراسهم» " # وفيه أيضا قول أنس: " كأنهم اليهود حين خرجوا من فهرهم ". # وحكم هذه الأمكنة كلها حكم الكنيسة " وينبغي التنبيه عليها. # PageV03P1172 # [البلاد التي تفرق فيها أهل الذمة والعهد ثلاثة أقسام] ### | [القسم الأول بلاد أنشأها المسلمون في الإسلام وبيان بناء بعضها] # ذكر حكم الأمصار التي وجدت فيها هذه الأماكن، وما يجوز إبقاؤه، وما تجب ~~إزالته ومحو رسمه. ### | البلاد التي تفرق فيها أهل الذمة والعهد ثلاثة أقسام: # أحدها: بلاد أنشأها المسلمون في الإسلام. # الثاني: بلاد أنشئت قبل الإسلام فافتتحها المسلمون عنوة وملكوا أرضها ~~وساكنيها. # الثالث: بلاد أنشئت قبل الإسلام وفتحها المسلمون صلحا. # فأما القسم الأول: # [بلاد أنشأها المسلمون في الإسلام] . # فهو مثل البصرة والكوفة وواسط وبغداد والقاهرة. # أما البصرة والكوفة فأنشئتا في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # قال يزيد بن هارون: أخبرنا زياد بن أبي زياد، حدثنا عبد الرحمن بن # PageV03P1173 # أبي بكرة، عن نافع بن الحارث قال: كان أمير المؤمنين قد هم أن يتخذ ~~للمسلمين مصرا، وكان المسلمون قد غزوا من قبل البحر وفتحوا الأهواز وكابل ~~وطبرستان، فلما افتتحوها كتبوا إليه: " إنا وجدنا بطبرستان مكانا لا بأس به ~~". فكتب إليهم: " إن بيني وبينكم دجلة، ولا حاجة لي في شيء بيني وبينكم فيه ~~دجلة أن نتخذه مصرا ". قال: فقدم عليه رجل من بني سدوس يقال له ثابت فقال ~~له: يا أمير المؤمنين إني مررت بمكان دون دجلة به بادية يقال لها الخريبة ~~ويقال للأرض ms450 " البصرة " وبينها وبين # PageV03P1174 # دجلة فرسخ فيه خليج يجري فيه الماء وأجمة قصب. فأعجب ذلك عمر رضي الله ~~عنه فدعا عتبة بن غزوان فبعثه في أربعين رجلا فيهم نافع بن الحارث وزياد ~~أخوه لأمه. # قال سيف بن [عمر] : مصرت البصرة سنة ست عشرة، واختطت قبل الكوفة بثمانية ~~أشهر. # PageV03P1175 # وقال قتادة: أول من مصر البصرة رجل من بني شيبان يسمى المثنى بن حارثة، ~~وأنه كتب إلى عمر رضي الله عنه: " إني نزلت أرضا بصرة ". فكتب إليه: " إذا ~~أتاك كتابي هذا فاثبت حتى يأتيك أمري ". فبعث عتبة بن غزوان معلما وأميرا، ~~فغزا الأبلة. # وقال حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~مصر البصرة والكوفة. ### | 207 - # فصل # [بيان بناء بعض المدن الإسلامية] # وأما واسط فبناها الحجاج بن يوسف سنة ست وثمانين من الهجرة، في السنة ~~التي مات فيها عبد الملك بن مروان. # PageV03P1176 # وأما بغداد فقال سليمان بن المجالد وزير أبي جعفر: " خرجت مع أبي جعفر ~~يوما قبل أن نبتني مدينة بغداد، ونحن نرتاد موضعا نبني فيه مدينة يكون فيها ~~عسكره، قال: فبصرنا بقس شيخ كبير ومعه جماعة من النصارى، فقال: اذهب إلى ~~هذا القس نسأله، فمضى إليه فوقف عليه أبو جعفر فسلم عليه ثم قال: يا شيخ ~~أبلغك أنه يبنى هاهنا مدينة؟ قال: نعم؛ ولست بصاحبها. قال: وما علمك؟ قال ~~القس: وما اسمك؟ قال اسمي عبد الله. قال: فلست بصاحبها. قال: فما اسم ~~صاحبها؟ قال: مقلاص. قال: فتبسم أبو جعفر وصغى إلي، فقال: أنا والله مقلاص، ~~كان أبي يسميني وأنا صغير " مقلاصا " فاختط موضع مدينة أبي جعفر، وتحول أبو ~~جعفر من الهاشمية إلى بغداد، وأمر ببنائها ثم رجع إلى الكوفة في سنة أربع ~~وأربعين ومائة، وفرغ من بنائها ونزلها مع جنده وسماها " مدينة السلام " سنة ~~خمس وأربعين ومائة، وفرغ من بناء الرصافة سنة أربع وخمسين ومائة. # PageV03P1177 # وقال سليمان بن مجالد: " الذي تولى الوقوف على خط بغداد الحجاج بن أرطاة ~~وجماعة من أهل الكوفة ". # وكذلك " سامرا " بناها المتوكل. ms451 # وكذلك " المهدية " التي بالمغرب، وغيرها من الأمصار التي مصرها المسلمون. # فهذه البلاد صافية للإمام إن أراد الإمام أن يقر أهل الذمة فيها ببذل ~~الجزية جاز، فلو أقرهم الإمام على أن يحدثوا فيها بيعة أو كنيسة أو يظهروا ~~فيها خمرا أو خنزيرا أو ناقوسا لم يجز، وإن شرط ذلك وعقد عليه الذمة كان ~~العقد والشرط فاسدا، وهو اتفاق من الأمة لا يعلم بينهم فيه نزاع. # PageV03P1178 # قال الإمام أحمد: حدثنا حماد بن خالد الخياط، أخبرنا الليث بن سعد، عن ~~توبة بن النمر الحضرمي - قاضي مصر - عمن أخبره قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " «لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة» ". # وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد. . . # PageV03P1179 # فذكره بإسناده ومتنه. # وقد روي موقوفا على عمر بغير هذا الإسناد: # قال علي بن عبد العزيز: حدثنا أبو [عبيد] القاسم، حدثني أبو الأسود، عن ~~ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني ~~قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " «لا كنيسة في الإسلام ولا خصاء» ". # PageV03P1180 # وقال الإمام أحمد: حدثنا معتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن حنش، عن ~~عكرمة قال: سئل ابن عباس عن أمصار العرب أو دار العرب هل للعجم أن يحدثوا ~~فيها شيئا؟ فقال: " أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه [بيعة] ، ~~ولا يضربوا فيه ناقوسا، ولا يشربوا فيه خمرا، ولا يتخذوا فيه خنزيرا، وأيما ~~مصر مصرته العجم ففتحه الله عز وجل على العرب فنزلوا فيه فإن للعجم ما في ~~عهدهم، وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم ". # PageV03P1181 # قال عبد الله بن أحمد: وسمعت أبي يقول: " ليس لليهود والنصارى أن يحدثوا ~~في مصر مصره المسلمون بيعة ولا كنيسة، ولا يضربوا فيه بناقوس إلا في مكان ~~لهم صالح، وليس لهم أن يظهروا الخمر في أمصار المسلمين ". # وقال المروذي: قال لي أبو عبد الله: سألوني عن الديارات في المسائل التي ~~وردت من قبل الخليفة، فقلت: أي شيء ms452 تذهب أنت؟ # فقال: " ما كان من صلح يقر، وما كان أحدث بعد يهدم ". # وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن بيع النصارى ما كان في السواد، وهل ~~أقرها عمر؟ # فقال: " السواد فتح بالسيف، فلا يكون فيه بيعة ولا يضرب فيه ناقوس ولا ~~يتخذ فيه الخنازير ولا يشرب الخمر ولا يرفعون أصواتهم في دورهم، إلا الحيرة ~~وبانقيا ودير صلوبا، فهؤلاء أهل صلح صولحوا ولم يحاربوا، فما كان منها لم ~~يخرب، وما كان غير ذلك فكله محدث يهدم، وقد كان أمر بهدمها هارون. # وكل مصر مصرته العرب فليس لهم أن يبنوا فيه بيعة ولا يضربوا # PageV03P1182 # فيه ناقوسا ولا يشربوا فيه خمرا ولا يتخذوا فيه خنزيرا. # وما كان من صلح صولحوا عليه فهو على صلحهم وعهدهم، وكل شيء فتح عنوة فلا ~~يحدثوا فيه شيئا من هذا. # وما كان من صلح أقروا على صلحهم ". واحتج فيه بحديث ابن عباس رضي الله ~~عنهما. # وقال أبو الحارث: سئل أبو عبد الله عن البيع والكنائس التي بناها أهل ~~الذمة، وما أحدثوا فيها مما لم يكن؟ قال: تهدم، وليس لهم أن يحدثوا شيئا من ~~ذلك فيما مصره المسلمون، يمنعون من ذلك إلا مما صولحوا عليه. # PageV03P1183 # قيل لأبي عبد الله: أيش الحجة في أن يمنع أهل الذمة أن يبنوا بيعة أو ~~كنيسة إذا كانت الأرض ملكهم، وهم يؤدون الجزية، وقد منعنا من ظلمهم وأذاهم؟ ~~قال: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: " أيما مصر مصرته العرب ". # وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني [عمي] قال: كتب عمر بن عبد العزيز ~~إلى عروة - يعني ابن محمد - أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين. قال: ~~وشهدت عروة بن محمد يهدمها بصنعاء. # PageV03P1184 # قال عبد الرزاق: وأخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول: " «إن من السنة أن ~~تهدم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة» ". ذكره أحمد عن عبد ~~الرزاق. # وهذا الذي جاءت به النصوص والآثار هو مقتضى أصول الشرع وقواعده، فإن ~~إحداث هذه الأمور إحداث شعار الكفر، وهو أغلظ من إحداث الخمارات والمواخير، ~~فإن تلك ms453 شعار الكفر وهذه شعار الفسق، ولا يجوز للإمام أن يصالحهم في دار ~~الإسلام على إحداث شعائر المعاصي والفسوق، فكيف إحداث موضع الكفر والشرك؟ ! ~~. # فإن قيل: فما حكم هذه الكنائس التي في البلاد التي مصرها المسلمون؟ قيل: ~~هي على نوعين: # أحدهما: أن تحدث الكنائس بعد تمصير المسلمين لمصر فهذه تزال اتفاقا. # الثاني: أن تكون موجودة بفلاة من الأرض، ثم يمصر المسلمون حولها المصر، ~~فهذه لا تزال، والله أعلم. # وورد على شيخنا استفتاء في أمر الكنائس صورته: ما يقول السادة # PageV03P1185 # العلماء - وفقهم الله - في إقليم توافق أهل الفتوى في هذا الزمان على أن ~~المسلمين فتحوه عنوة من غير صلح ولا أمان، فهل ملك المسلمون ذلك الإقليم ~~المذكور بذلك؟ وهل يكون الملك شاملا لما فيه من أموال الكفار من الأثاث ~~والمزارع والحيوان والرقيق والأرض والدور والبيع والكنائس والقلايات ~~والديورة ونحو ذلك؟ أو يختص الملك بما عدا متعبدات أهل الشرك؟ فإن ملك جميع ~~ما فيه فهل يجوز للإمام أن يعقد لأهل الشرك من النصارى واليهود - بذلك ~~الإقليم أو غيره - الذمة على أن يبقى ما بالإقليم المذكور من البيع ~~والكنائس والديورة ونحوها متعبدا لهم، وتكون الجزية المأخوذة منهم في كل ~~سنة في مقابلة ذلك بمفرده أو مع غيره أم لا؟ فإن لم يجز - لأجل ما فيه من ~~تأخير ملك المسلمين عنه - فهل يكون حكم الكنائس ونحوها حكم الغنيمة يتصرف ~~فيه الإمام تصرفه في الغنائم أم لا؟ وإن جاز للإمام أن يعقد الذمة بشرط ~~بقاء الكنائس ونحوها فهل يملك من عقدت له الذمة بهذا العقد رقاب البيع ~~والكنائس والديورة ونحوها، ويزول ملك المسلمين عن ذلك بهذا العقد أم لا؟ ~~لأجل أن الجزية لا تكون عن ثمن مبيع، وإذا لم يملكوا ذلك وبقوا على ~~الانتفاع بذلك وانتقض عهدهم بسبب يقتضي انتقاضه إما بموت من وقع عقد الذمة ~~معه ولم يعقبوا، أو أعقبوا، فإن قلنا: إن أولادهم يستأنف معهم عقد الذمة - ~~كما نص عليه الشافعي فيما حكاه ابن الصباغ وصححه العراقيون واختاره ابن أبي ~~عصرون في " المرشد " - فهل ms454 لإمام الوقت أن يقول: لا أعقد لكم الذمة # PageV03P1186 # إلا بشرط ألا تدخلوا الكنائس والبيع والديورة في العقد، فتكون كالأموال ~~التي جهل مستحقوها وأيس من معرفتها، أم لا يجوز له الامتناع من إدخالها في ~~عقد الذمة بل يجب عليه إدخالها في عقد الذمة؟ فهل ذلك يختص بالبيع والكنائس ~~والديورة التي تحقق أنها كانت موجودة عند فتح المسلمين، ولا يجب عليه ذلك ~~عند التردد في أن ذلك كان موجودا عند الفتح، أو حدث بعد الفتح، أو يجب عليه ~~مطلقا فيما تحقق أنه كان موجودا قبل الفتح، أو شك فيه؟ وإذا لم يجب في حالة ~~الشك، فهل يكون ما وقع الشك في أنه كان قبل الفتح وجهل الحال فيمن أحدثه ~~لمن هو؟ لبيت المال أم لا؟ وإذا قلنا: إن من بلغ من أولاد من عقدت معهم ~~الذمة - وإن سلفوا - ومن غيرهم لا يحتاجون أن تعقد لهم الذمة، بل يجري ~~عليهم حكم من سلف إذا تحقق أنه من أولادهم، يكون حكم كنائسهم وبيعهم حكم ~~أنفسهم أم يحتاج إلى تجديد عقد وذمة؟ وإذا قلنا: إنهم يحتاجون إلى تجديد ~~عقد عند البلوغ فهل تحتاج كنائسهم وبيعهم إليه أم لا؟ # فأجاب: " الحمد لله، ما فتحه المسلمون كأرض خيبر التي فتحت على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكعامة أرض الشام وبعض مدنها وكسواد العراق - إلا مواضع ~~قليلة فتحت صلحا - وكأرض مصر، فإن هذه الأقاليم فتحت عنوة على خلافة أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # PageV03P1187 # وقد روي في أرض مصر أنها فتحت صلحا، وروي أنها فتحت عنوة، وكلا الأمرين ~~صحيح - على ما ذكره العلماء المتأهلون للروايات الصحيحة في هذا الباب - ~~فإنها فتحت أولا صلحا ثم نقض أهلها العهد، فبعث عمرو بن العاص إلى عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنهما يستمده، فأمده بجيش كثير فيهم الزبير بن العوام، ~~ففتحها المسلمون الفتح الثاني عنوة. # ولهذا روي من وجوه كثيرة أن الزبير سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن ~~يقسمها بين الجيش كما سأله بلال قسم الشام، فشاور ms455 الصحابة في ذلك فأشار ~~عليه كبراؤهم كعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أن يحبسها فيئا للمسلمين ينتفع ~~بفائدتها أول المسلمين وآخرهم، ثم وافق عمر على ذلك بعض من كان خالفه، ومات ~~بعضهم فاستقر الأمر على ذلك، فما فتحه المسلمون عنوة فقد ملكهم الله إياه ~~كما ملكهم ما استولوا عليه من النفوس والأموال والمنقول والعقار. # ويدخل في العقار معابد الكفار ومساكنهم وأسواقهم ومزارعهم وسائر منافع ~~الأرض، كما يدخل في المنقول سائر أنواعه من الحيوان والمتاع والنقد، وليس ~~لمعابد الكفار خاصة تقتضي خروجها عن ملك المسلمين، فإن ما يقال فيها من ~~الأقوال ويفعل فيها من العبادات إما أن يكون مبدلا أو # PageV03P1188 # محدثا لم يشرعه الله قط، أو يكون الله قد نهى عنه بعدما شرعه. # وقد أوجب الله على أهل دينه جهاد أهل الكفر حتى يكون الدين كله لله وتكون ~~كلمة الله هي العليا، ويرجعوا عن دينهم الباطل إلى الهدى ودين الحق الذي ~~بعث الله به خاتم المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، (ويعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون) # ولهذا لما استولى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أرض من حاربه من أهل ~~الكتاب وغيرهم كبني قينقاع والنضير وقريظة كانت معابدهم مما استولى عليه ~~المسلمون، ودخلت في قوله سبحانه: {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم} ~~[الأحزاب: 27] وفي قوله تعالى: ( [و] {وما أفاء الله على رسوله منهم} ~~[الحشر: 6] ، و {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} [الحشر: 7] لكن - ~~وإن ملك المسلمون ذلك - فحكم الملك متبوع كما يختلف حكم الملك في المكاتب ~~والمدبر وأم الولد والعبد، وكما يختلف حكمه في المقاتلين الذين يؤسرون، وفي ~~النساء والصبيان الذين يسبون، كذلك يختلف حكمه في المملوك نفسه والعقار ~~والأرض والمنقول. # وقد أجمع المسلمون على أن الغنائم لها أحكام مختصة بها لا تقاس بسائر ~~الأموال المشتركة. # PageV03P1189 # ولهذا لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر أقر أهلها ذمة للمسلمين في ~~مساكنهم، وكانت المزارع ملكا للمسلمين عاملهم عليها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بشرط ما يخرج منها من ثمر ms456 أو زرع، ثم أجلاهم عمر رضي الله عنه في ~~خلافته، واسترجع المسلمون ما كانوا أقروهم فيه من المساكن والمعابد. ### | [فصل مآل معابد أهل الذمة] ### | 208 - # فصل # [مآل معابد أهل الذمة] # وأما أنه هل يجوز للإمام عقد الذمة مع إبقاء المعابد بأيديهم؟ فهذا فيه ~~خلاف معروف في مذاهب الأئمة الأربعة: منهم من يقول: لا يجوز تركها لهم؛ ~~لأنه إخراج ملك المسلمين عنها وإقرار الكفر بلا عهد قديم. # ومنهم من يقول: بجواز إقرارهم فيها إذا اقتضت المصلحة ذلك كما أقر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أهل خيبر فيها، وكما أقر الخلفاء الراشدون الكفار على ~~المساكن والمعابد التي كانت بأيديهم. # فمن قال بالأول قال: حكم الكنائس حكم غيرها من العقار، منهم من يوجب ~~إبقاءه، كمالك في المشهور عنه وأحمد في رواية. # ومنهم من يخير الإمام فيه بين الأمرين بحسب المصلحة وهذا قول # PageV03P1190 # الأكثرين، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه، وعليه دلت سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حيث قسم نصف خيبر وترك نصفها لمصالح المسلمين. # ومن قال: يجوز إقرارها بأيديهم، فقوله أوجه وأظهر فإنهم لا يملكون بهذا ~~الإقرار رقاب المعابد كما يملك الرجل ماله، كما أنهم لا يملكون ما ترك ~~لمنافعهم المشتركة كالأسواق والمراعي، كما لم يملك أهل خيبر ما أقرهم فيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من المساكن والمعابد، ومجرد إقرارهم ينتفعون ~~بها ليس تمليكا كما لو أقطع المسلم بعض عقار بيت المال ينتفع بغلته أو سلم ~~إليه مسجد أو رباط ينتفع به لم يكن ذلك تمليكا له، بل ما أقروا فيه من ~~كنائس العنوة يجوز للمسلمين انتزاعها منهم إذا اقتضت المصلحة ذلك كما ~~انتزعها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل خيبر بأمره بعد إقرارهم ~~فيها، وقد طلب المسلمون في خلافة الوليد بن عبد الملك أن يأخذوا من النصارى ~~بعض كنائس العنوة التي خارج دمشق، فصالحوهم على إعطائهم الكنيسة التي داخل ~~البلد وأقر ذلك عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين ومن معه في عصره من ms457 ~~أهل العلم، فإن المسلمين لما أرادوا أن يزيدوا جامع دمشق بالكنيسة التي إلى ~~جانبه وكانت من كنائس الصلح، لم يكن لهم أخذها قهرا فاصطلحوا على # PageV03P1191 # المعاوضة بإقرار كنائس العنوة التي أرادوا انتزاعها، وكان ذلك الإقرار ~~عوضا عن كنيسة الصلح التي لم يكن لهم أخذها عنوة. ### | [فصل ما يترتب على نقض العهد] ### | 209 - # فصل # [ما يترتب على نقض العهد] # ومتى انتقض عهدهم جاز أخذ كنائس الصلح منهم فضلا عن كنائس العنوة، كما ~~أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ما كان لقريظة والنضير لما نقضوا العهد، فإن ~~ناقض العهد أسوأ حالا من المحارب الأصلي، كما أن ناقض الإيمان بالردة أسوأ ~~حالا من الكافر الأصلي. # ولذلك لو انقرض أهل مصر من الأمصار ولم يبق من دخل في عهدهم، فإنه يصير ~~للمسلمين جميع عقارهم ومنقولهم من المعابد وغيرها فيئا، فإذا عقدت الذمة ~~لغيرهم كان كالعهد المبتدأ، وكان لمن يعقد لهم الذمة أن يقرهم في المعابد ~~وله ألا يقرهم بمنزلة ما فتح ابتداء، فإنه لو أراد الإمام عند فتحه هدم ذلك ~~جاز بإجماع المسلمين، ولم يختلفوا في جواز هدمه وإنما اختلفوا في جواز ~~بقائه، وإذا لم تدخل في العهد كانت فيئا للمسلمين. # أما على قول الجمهور الذين لا يوجبون قسم العقار فظاهر، وأما على قول من ~~يوجب قسمه فلأن عين المستحق غير معروف كسائر الأموال التي لا يعرف لها مالك ~~معين. # PageV03P1192 # وأما تقدير وجوب إبقائها فهذا تقدير لا حقيقة له، فإن إيجاب إعطائهم ~~معابد العنوة لا وجه له ولا أعلم به قائلا فلا يفرع عليه، وإنما الخلاف في ~~الجواز، نعم قد يقال في الأبناء إذا لم نقل بدخولهم في عهد آبائهم؛ لأن لهم ~~شبهة الأمان والعهد بخلاف الناقضين، فلو وجب لم يجب إلا ما تحقق أنه كان ~~له، فإن صاحب الحق لا يجب أن يعطى إلا ما عرف أنه حقه، وما وقع الشك فيه - ~~على هذا التقدير - فهو لبيت المال، وأما الموجودون الآن إذا لم يصدر منهم ~~نقض عهد فهم على الذمة، فإن الصبي يتبع ms458 أباه في الذمة وأهل داره من أهل ~~الذمة، كما يتبع في الإسلام أباه وأهل داره من المسلمين؛ لأن الصبي لما لم ~~يكن مستقلا بنفسه جعل تابعا لغيره في الإيمان والأمان. # وعلى هذا جرت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه والمسلمين في ~~إقرارهم صبيان أهل الكتاب بالعهد القديم من غير تجديد عقد آخر. # وهذا الجواب حكمه فيما كان من معابدهم قديما قبل فتح المسلمين، أما ما ~~أحدث بعد ذلك فإنه يجب إزالته، ولا يمكنون من إحداث البيع والكنائس كما شرط ~~عليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الشروط المشهورة عنه " ألا يجددوا في ~~مدائن الإسلام ولا فيما حولها كنيسة ولا صومعة ولا ديرا لا قلاية، امتثالا ~~لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لا تكون قبلتان ببلد واحد» " رواه ~~أحمد وأبو داود بإسناد جيد. # PageV03P1193 # ولما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: " لا كنيسة في الإسلام ". # وهذا مذهب الأئمة الأربعة في الأمصار، ومذهب جمهورهم في القرى، وما زال ~~من يوفقه الله من ولاة أمور المسلمين ينفذ ذلك، ويعمل به مثل عمر بن عبد ~~العزيز الذي اتفق المسلمون على أنه إمام هدى فروى الإمام أحمد عنه أنه كتب ~~إلى نائبه عن اليمن أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين، فهدمها بصنعاء ~~وغيرها. # وروى الإمام أحمد عن الحسن البصري أنه قال: " من السنة أن تهدم الكنائس ~~التي في الأمصار القديمة والحديثة. # وكذلك هارون الرشيد في خلافته أمر بهدم ما كان في سواد بغداد. # وكذلك المتوكل لما ألزم أهل الكتاب " بشروط عمر " استفتى علماء # PageV03P1194 # وقته في هدم الكنائس والبيع فأجابوه، فبعث بأجوبتهم إلى الإمام أحمد، ~~فأجابه بهدم كنائس سواد العراق، وذكر الآثار عن الصحابة والتابعين، فمما ~~ذكره ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: " أيما مصر مصرته العرب - ~~يعني المسلمين - فليس للعجم - يعني أهل الذمة - أن يبنوا فيه كنيسة، ولا ~~يضربوا فيه ناقوسا، ولا يشربوا فيه خمرا. أيما مصر مصرته العجم ففتحه الله ~~على العرب فإن ms459 للعجم ما في عهدهم، وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم ولا يكلفوهم ~~فوق طاقتهم ". # وملخص الجواب: أن كل كنيسة في مصر والقاهرة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد ~~ونحوها من الأمصار التي مصرها المسلمون بأرض العنوة فإنه يجب إزالتها إما ~~بالهدم أو غيره، بحيث لا يبقى لهم معبد في مصر مصره المسلمون بأرض العنوة، ~~وسواء كانت تلك المعابد قديمة قبل الفتح أو محدثة؛ لأن القديم منها يجوز ~~أخذه ويجب عند المفسدة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تجتمع قبلتان ~~بأرض فلا يجوز للمسلمين أن يمكنوا أن يكون بمدائن الإسلام قبلتان إلا ~~لضرورة كالعهد القديم، لا سيما وهذه الكنائس التي بهذه الأمصار محدثة يظهر ~~حدوثها بدلائل متعددة، والمحدث يهدم باتفاق الأئمة. # وأما الكنائس التي بالصعيد وبر الشام ونحوها من أرض العنوة، فما كان منها ~~محدثا وجب هدمه، وإذا اشتبه المحدث بالقديم وجب هدمهما # PageV03P1195 # جميعا؛ لأن هدم المحدث واجب وهدم القديم جائز، وما لا يتم الواجب إلا به ~~فهو واجب. # وما كان منها قديما فإنه يجوز هدمه ويجوز إقراره بأيديهم، فينظر الإمام ~~في المصلحة: فإن كانوا قد قلوا والكنائس كثيرة أخذ منهم أكثرها، وكذلك ما ~~كان على المسلمين فيه مضرة فإنه يؤخذ أيضا، وما احتاج المسلمون إلى أخذه ~~أخذ أيضا. # وأما إذا كانوا كثيرين في قرية ولهم كنيسة قديمة لا حاجة إلى أخذها ولا ~~مصلحة فيه، فالذي ينبغي تركها كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه ~~لهم من الكنائس ما كانوا محتاجين إليه ثم أخذ منهم. # وأما ما كان لهم بصلح قبل الفتح مثل ما في داخل مدينة دمشق ونحوها، فلا ~~يجوز أخذه ما داموا موفين بالعهد إلا بمعاوضة أو طيب أنفسهم، كما فعل ~~المسلمون بجامع دمشق لما بنوه. # فإذا عرف أن الكنائس ثلاثة أقسام: منها ما لا يجوز هدمه. ومنها ما يجب ~~هدمه - كالتي في القاهرة مصر والمحدثات كلها - ومنها ما يفعل المسلمون فيه ~~الأصلح كالتي في الصعيد وأرض الشام، فما كان قديما # PageV03P1196 # على ما بيناه، فالواجب على ولي الأمر فعل ms460 ما أمره الله به، وما هو أصلح ~~للمسلمين من إعزاز دين الله وقمع أعدائه وإتمام ما فعله الصحابة من إلزامهم ~~بالشروط عليهم، ومنعهم من الولايات في جميع أرض الإسلام، لا يلتفت في ذلك ~~إلى مرجف أو مخذل يقول: إن لنا عندهم مساجد وأسرى نخاف عليهم، فإن الله ~~تعالى يقول: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} [الحج: 40] وإذا ~~كان [نوروز] في مملكة التتار قد هدم عامة الكنائس على رغم أنف أعداء الله، ~~فحزب الله المنصور وجنده الموعود بالنصر إلى قيام الساعة أولى بذلك وأحق، ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنهم لا يزالون ظاهرين إلى يوم القيامة، ~~ونحن نرجو أن يحقق الله # PageV03P1197 # وعد رسوله حيث قال: " «يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد ~~لها دينها» " ويكون من أجرى الله ذلك على يديه وأعان عليه من أهل القرآن ~~والحديث داخلين في هذا الحديث النبوي، فإن الله بهم يقيم دينه كما قال: ~~{لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ~~ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} [الحديد: 25] . ### | [القسم الثاني بلاد أنشئت قبل الإسلام فافتتحها المسلمون عنوة وملكوا أرضها وساكنيها] ### | 210 - # فصل # الضرب الثاني من البلاد: # [ما فتح عنوة] # الأمصار التي أنشأها المشركون ومصروها، ثم فتحها المسلمون عنوة وقهرا ~~بالسيف، فهذه لا يجوز أن يحدث فيها شيء من البيع والكنائس. # PageV03P1198 # وأما ما كان فيها من ذلك قبل الفتح فهل يجوز إبقاؤه أو يجب هدمه؟ فيه ~~قولان في مذهب أحمد، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وغيره: # أحدهما: يجب إزالته وتحرم تبقيته؛ لأن البلاد قد صارت ملكا للمسلمين، فلم ~~يجز أن يقر فيها أمكنة شعار الكفر، كالبلاد التي مصرها المسلمون، ولقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " «لا تصلح قبلتان ببلد» ". وكما لا يجوز إبقاء ~~الأمكنة التي هي شعار الفسوق كالخمارات والمواخير، ولأن أمكنة البيع ~~والكنائس قد صارت ملكا للمسلمين، فتمكين الكفار من إقامة شعار الكفر فيها ms461 ~~كبيعهم وإجارتهم إياها لذلك، ولأن الله تعالى أمر بالجهاد حتى يكون الدين ~~كله له، وتمكينهم من إظهار شعار الكفر في تلك المواطن جعل الدين له ولغيره، ~~وهذا القول هو الصحيح. # والقول الثاني: يجوز بناؤها لقول ابن عباس رضي الله عنهما: " أيما مصر ~~مصرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوه فإن للعجم ما في عهدهم " ولأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح خيبر عنوة وأقرهم على معابدهم فيها ولم ~~يهدمها، ولأن الصحابة رضي الله عنهم فتحوا كثيرا من البلاد عنوة فلم يهدموا ~~شيئا من الكنائس التي بها. # ويشهد لصحة هذا وجود الكنائس والبيع في البلاد التي فتحت # PageV03P1199 # عنوة، ومعلوم قطعا أنها ما أحدثت بل كانت موجودة قبل الفتح. # وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: " أن لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا ~~بيت نار ". # ولا يناقض هذا ما حكاه الإمام أحمد أنه أمر بهدم الكنائس، فإنها التي ~~أحدثت في بلاد الإسلام، ولأن الإجماع قد حصل على ذلك فإنها موجودة في بلاد ~~المسلمين من غير نكير. # وفصل الخطاب أن يقال: إن الإمام يفعل في ذلك ما هو الأصلح للمسلمين، فإن ~~كان أخذها منهم أو إزالتها هو المصلحة - لكثرة الكنائس أو حاجة المسلمين ~~إلى بعضها وقلة أهل الذمة - فله أخذها أو إزالتها بحسب المصلحة، وإن كان ~~تركها أصلح - لكثرتهم وحاجتهم إليها وغنى المسلمين عنها - تركها، وهذا ~~الترك تمكين لهم من الانتفاع بها لا تمليك لهم رقابها، فإنها قد صارت ملكا ~~للمسلمين، فكيف يجوز أن يجعلها ملكا للكفار؟ وإنما هو امتناع بحسب المصلحة، ~~فللإمام انتزاعها متى رأى # PageV03P1200 # المصلحة في ذلك. # ويدل عليه أن عمر بن الخطاب والصحابة معه أجلوا أهل خيبر من دورهم ~~ومعابدهم بعد أن أقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ولو كان ذلك ~~الإقرار تمليكا لم يجز إخراجهم عن ملكهم إلا برضا أو معاوضة. # ولهذا لما أراد المسلمون أخذ كنائس العنوة التي خارج دمشق في زمن الوليد ~~بن عبد الملك صالحهم النصارى على تركها وتعويضهم عنها بالكنيسة التي ms462 زيدت ~~في الجامع، ولو كانوا قد ملكوا تلك الكنائس بالإقرار لقالوا للمسلمين: كيف ~~تأخذون أملاكنا قهرا وظلما؟ بل أذعنوا إلى المعاوضة لما علموا أن للمسلمين ~~أخذ تلك الكنائس منهم، وأنها غير ملكهم كالأرض التي هي بها. # فبهذا التفصيل تجتمع الأدلة، وهو اختيار شيخنا، وعليه يدل فعل الخلفاء ~~الراشدين ومن بعدهم من أئمة الهدى، وعمر بن عبد العزيز هدم # PageV03P1201 # منها ما رأى المصلحة في هدمه وأقر ما رأى المصلحة في إقراره. # وقد أفتى الإمام أحمد المتوكل بهدم كنائس السواد وهي أرض العنوة. ### | [القسم الثالث بلاد أنشئت قبل الإسلام وفتحها المسلمون صلحا] ### | 211 - # فصل # الضرب الثالث: ما فتح صلحا # وهذا نوعان: أحدهما: أن يصالحهم على أن الأرض لهم ولنا الخراج عليها، أو ~~يصالحهم على مال يبذلونه وهي الهدنة، فلا يمنعون من إحداث ما يختارونه ~~فيها؛ لأن الدار لهم كما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل نجران ولم ~~يشترط عليهم ألا يحدثوا كنيسة ولا ديرا. # النوع الثاني: أن يصالحهم على أن الدار للمسلمين، ويؤدون الجزية إلينا. # فالحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح معهم من تبقية وإحداث ~~وعمارة؛ لأنه إذا جاز أن يقع الصلح معهم على أن الكل لهم جاز أن يصالحوا ~~على أن يكون بعض البلد لهم. # والواجب عند القدرة أن يصالحوا على ما صالحهم عليه عمر رضي الله عنه، ~~ويشترط عليهم الشروط المكتوبة في كتاب عبد الرحمن بن غنم: # PageV03P1202 # " ألا يحدثوا بيعة ولا صومعة راهب ولا قلاية ". فلو وقع الصلح مطلقا من ~~غير شرط حمل على ما وقع عليه صلح عمر، وأخذوا بشروطه؛ لأنها صارت كالشرع، ~~فيحمل مطلق صلح الأئمة بعده عليها. ### | 212 - # [فصل] # ذكر نصوص أحمد وغيره من الأئمة في هذا الباب. # قال الخلال في كتاب " أحكام أهل الملل " باب الحكم فيما أحدثته النصارى ~~مما لم يصالحوا عليه: # أخبرنا عبد الله بن أحمد قال: كان المتوكل [إذا] حدث من أمر النصارى ما ~~حدث كتب إلى القضاة ببغداد يسألهم، أبي حسان الزيادي وغيره، فكتبوا إليه ~~واختلفوا، فلما ms463 قرئ عليه قال: أكتب بما أجاب به هؤلاء إلى أحمد بن حنبل ~~ليكتب إلي بما يرى في ذلك. # قال عبد الله: ولم يكن في أولئك الذين كتبوا أحد يحتج بالحديث إلا # PageV03P1203 # أبا حسان الزيادي، واحتج بأحاديث عن الواقدي. فلما قرئ على أبي عرفه ~~وقال: هذا جواب أبي حسان، وقال: هذه أحاديث ضعاف، فأجابه أبي واحتج بحديث ~~ابن عباس رضي الله عنهما، فقال: ثنا معمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن ~~حنش، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن أمصار العرب - أو دار العرب - هل للعجم ~~أن يحدثوا فيها شيئا؟ فقال: " أيما مصر مصرته العرب. . . " فذكر الحديث. # قال: وسمعت أبي يقول: ليس لليهود والنصارى أن يحدثوا في مصر مصره ~~المسلمون بيعة ولا كنيسة، ولا يضربوا فيه بناقوس إلا فيما كان لهم صلحا، ~~وليس لهم أن يظهروا الخمر في أمصار المسلمين، على حديث ابن عباس: " أيما ~~مصر مصره المسلمون ". # أخبرنا حمزة بن القاسم وعبد الله بن حنبل وعصمة قالوا: حدثنا حنبل، قال ~~أبو عبد الله: " وإذا كانت الكنائس صلحا تركوا على ما صولحوا عليه، فأما ~~العنوة فلا، وليس لهم أن يحدثوا بيعة ولا كنيسة لم تكن، ولا يضربوا ناقوسا، ~~ولا يرفعوا صليبا، ولا يظهروا خنزيرا، ولا يرفعوا نارا ولا # PageV03P1204 # شيئا مما يجوز لهم فعله في دينهم، يمنعون من ذلك ولا يتركون ". # قلت: للمسلمين أن يمنعوهم من ذلك؟ قال: " نعم، على الإمام منعهم من ذلك. ~~السلطان يمنعهم من الإحداث إذا كانت بلادهم فتحت عنوة! وأما الصلح فلهم ما ~~صولحوا عليه يوفى لهم ". # وقال: " الإسلام يعلو ولا يعلى، ولا يظهرون خمرا ". # قال الخلال: كتب إلي يوسف بن عبد الله الإسكافي: ثنا الحسن بن علي بن ~~الحسن أنه سأل أبا عبد الله عن البيعة والكنيسة تحدث، قال: " يرفع أمرها ~~إلى السلطان ". # PageV03P1205 # وقال محمد بن الحسن: " لا ينبغي أن يترك في أرض العرب كنيسة ولا بيعة، ~~ولا يباع فيها خمر وخنزير، ومصرا كان أو قرية ". # وقال الشافعي في " المختصر ": " ولا يحدثوا في أمصار المسلمين كنيسة ولا ms464 ~~مجتمعا لصلواتهم، ولا يظهروا فيها حمل خمر ولا إدخال خنزير، ولا يحدثوا ~~بناء يطولون به على بناء المسلمين، وأن يفرقوا بين هيئاتهم في المركب ~~والملبس وبين هيئات المسلمين، وأن يعقدوا الزنار على أوساطهم، ولا يدخلوا ~~مسجدا، ولا يسقوا مسلما خمرا، ولا يطعموه خنزيرا. # وإن كانوا في قرية يملكونها منفردين لم يعرض لهم في خمرهم وخنازيرهم ورفع ~~بنيانهم، وإن كان لهم بمصر المسلمين كنيسة أو بناء طويل كبناء المسلمين، لم ~~يكن للمسلمين هدم ذلك، وترك على ما وجد ومنعوا من إحداث مثله. # وهذا إذا كان المصر للمسلمين أحيوه أو فتحوه عنوة، وشرط هذا على أهل ~~الذمة. # وإن كانوا فتحوا بلادهم على صلح منهم على تركهم وإياه خلوا وإياه، ولا ~~يجوز أن يصالحوا على أن ينزلوا بلاد الإسلام يحدثون فيها ذلك ". # قال صاحب " النهاية " في شرحه: " البلاد قسمان: بلدة ابتناها # PageV03P1206 # المسلمون فلا يمكن أهل الذمة من إحداث كنيسة فيها ولا بيت نار، فإن فعلوا ~~نقض عليهم، فإن كان البلد للكفار وجرى فيه حكم للمسلمين فهذا قسمان: فإن ~~فتحه المسلمون عنوة وملكوا رقاب الأبنية والعراص تعين نقض ما فيها من البيع ~~والكنائس، وإذا كنا ننقض ما نصادف من الكنائس والبيع فلا يخفى أنا نمنعهم ~~من استحداث مثلها. # ولو رأى الإمام أن يبقي كنيسة ويقر في البلد طائفة من أهل الكتاب فالذي ~~قطع به الأصحاب منع ذلك وذكر العراقيون وجهين: # أحدهما: أنه يجوز للإمام أن يقرهم ويبقي الكنيسة عليهم. # والثاني: لا يجوز ذلك، وهو الأصح الذي قطع به المراوزة. # هذا إذا فتحنا البلد عنوة، فإن فتحناها صلحا فهذا ينقسم قسمين: # أحدهما: أن يقع الفتح على أن رقاب الأراضي للمسلمين، ويقرون فيها بمال ~~يؤدونه لسكناها سوى الجزية، فإن استثنوا في الصلح البيع والكنائس لم ينقض ~~عليهم، وإن أطلقوا وما استثنوا بيعهم وكنائسهم ففي المسألة وجهان: # أحدهما: أنها تنقض عليهم؛ لأن المسلمين ملكوا رقاب الأبنية والبيع ~~والكنائس تغنم كما تغنم الدور. # PageV03P1207 # والثاني: لا نملكها؛ لأنا شرطنا تقريرهم، وقد لا يتمكنون من المقام إلا ~~بتبقية مجتمع لهم ms465 فيما يرونه عبادة، وحقيقة الخلاف ترجع إلى أن اللفظ في ~~مطلق " الصلح " هل يتناول البيع والكنائس مع القرائن التي ذكرناها؟ # القسم الثاني: أن يفتحها المسلمون على أن تكون رقاب الأرض لهم، فإذا وقع ~~الصلح كذلك لم يتعرض للبيع والكنائس، ولو أرادوا إحداث كنائس فالمذهب أنهم ~~لا يمنعون فإنهم منصرفون في أملاكهم. # وأبعد بعض أصحابنا فمنعهم من استحداث ما لم يكن، فإنه إحداث بيعة في بلد ~~هي تحت حكم الإسلام ". ### | 213 - # فصل # وأما أصحاب مالك فقال في " الجواهر ": إن كانوا في بلدة بناها المسلمون ~~فلا يمكنون من بناء كنيسة، وكذلك لو ملكنا رقبة بلدة من بلادهم قهرا، وليس ~~للإمام أن يقر فيها كنيسة بل يجب نقض كنائسهم بها. # PageV03P1208 # أما إذا فتحت صلحا على أن يسكنوها بخراج ورقبة الأبنية للمسلمين وشرطوا ~~إبقاء كنيسة، جاز. # وأما إن افتتحت على أن تكون رقبة البلد لهم وعليهم خراج ولا تنقض ~~كنائسهم، فذلك لهم ثم يمنعون من رمها. # قال ابن الماجشون: ويمنعون من رم كنائسهم القديمة إذا رثت إلا أن يكون ~~ذلك شرطا في عقدهم، فيوفى لهم ويمنعون من الزيادة الظاهرة والباطنة. # ونقل الشيخ أبو عمر: أنهم لا يمنعون من إصلاح ما وهى منها، وإنما منعوا ~~من إصلاح كنيسة فيما بين المسلمين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " «لا يرفع ~~فيكم يهودية ولا نصرانية» . # فلو صولحوا على أن يتخذوا الكنائس إن شاءوا، فقال ابن الماجشون: لا يجوز ~~هذا الشرط. ويمنعون منها إلا في بلدهم الذي لا يسكنه المسلمون معهم فلهم ~~ذلك وإن لم يشترطوه. قال: وهذا في أهل الصلح. # فأما أهل العنوة فلا يترك لهم عند ضرب الجزية عليهم كنيسة إلا هدمت ثم لا ~~يمكنون من إحداث كنيسة بعد، وإن كانوا معتزلين عن بلاد الإسلام. # PageV03P1209 ### | [فصل زوال الأمان عن الأنفس زوال عن الكنائس] ### | 214 - # فصل # [زوال الأمان عن الأنفس زوال عن الكنائس] # وقد روى أبو داود في " سننه " عن أسباط، عن السدي، عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: " «قال صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل ms466 نجران على ألفي حلة» ~~" الحديث. وفيه: " «ولا يهدم لهم بيعة، ولا يخرج لهم قس، ولا يفتنون عن ~~دينهم ما لم يحدثوا حدثا أو يأكلوا الربا» ". فأبقى كنائسهم عليهم لما كانت ~~البلد لهم، وجعل الأمان فيها تبعا لأمانهم على أنفسهم، فإذا زال شرط الأمان ~~على أنفسهم - بإحداث الحدث وأكل الربا - زال عن رقاب كنائسهم كما زال عن ~~رقابهم. ### | [فصل في ذكر بناء ما استهدم منها ورم شعثه وذكر الخلاف فيه] ### | 215 - # فصل # في ذكر بناء ما استهدم منها، ورم شعثه، وذكر الخلاف فيه # قال صاحب " المغني " فيه: كل موضع قلنا: " يجوز إقراره " لم يجز هدمه. # وهذا ليس على إطلاقه، فإن كنائس العنوة يجوز للإمام إقرارها للمصلحة، ~~ويجوز للإمام هدمها للمصلحة، وبه أفتى الإمام أحمد المتوكل # PageV03P1210 # في هدم كنائس العنوة كما تقدم، وكما طلب المسلمون أخذ كنائس العنوة منهم ~~في زمن الوليد حتى صالحوهم على الكنيسة التي زيدت في جامع دمشق، وكانت مقرة ~~بأيديهم من زمن عمر رضي الله عنه إلى زمن الوليد، ولو وجب إبقاؤها وامتنع ~~هدمها لما أقر المسلمون الوليد، ولغيره الخليفة الراشد - لما ولي - عمر بن ~~عبد العزيز، فلا تلازم بين جواز الإبقاء وتحريم الهدم. # وقد اختلفت الرواية عن أحمد في بناء المستهدم ورم الشعث فعنه المنع ~~فيهما، ونصر هذه الرواية القاضي في " خلافه "، وعنه الجواز فيهما، وعنه ~~يجوز رم شعثها دون بنائها. # قال الخلال في " الجامع " (باب البيعة تهدم بأسرها أو يهدم بعضها) : # أخبرنا عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي هل ترى لأهل الذمة أن يحدثوا ~~الكنائس بأرض العرب؟ وهل ترى لهم أن يزيدوا في كنائسهم التي صولحوا عليها؟ ~~فقال: " لا يحدثوا في مصر مصرته العرب كنيسة ولا بيعة، ولا يضربوا فيها ~~بناقوس، ولهم ما صولحوا عليه؛ فإن كان في عهدهم أن # PageV03P1211 # يزيدوا في الكنائس فلهم وإلا فلا، وما انهدم فليس لهم أن يبنوه ". # أخبرني أحمد بن [الهيثم] أن [محمد بن موسى] بن مشيش حدثهم في هذه المسألة ~~أنه سأل أبا عبد الله فقال: " ليس لهم أن ms467 يحدثوا إلا ما صولحوا عليه، إلا ~~أن يبنوا ما انهدم مما كان لهم قديما ". # قال الخلال: وإنما معنى قول أبي عبد الله هاهنا أنهم يبنون ما انهدم، ~~يعني مرمة يرمون، وأما إن انهدمت كلها بأسرها فعنده أنه لا يجوز إعادتها. # وقد بين أيضا ذلك حنبل عنه: # أخبرني عصمة بن عصام قال: حدثنا حنبل قال: سمعت أبا عبد الله قال: " كل ~~ما كان مما فتح المسلمون عنوة فليس لأهل الذمة أن يحدثوا فيه كنيسة ولا ~~بيعة، فإن كان في المدينة لهم شيء فأرادوا أن يرموه فلا يحدثوا # PageV03P1212 # فيه شيئا إلا أن يكون قائما، فإن انهدمت الكنيسة أو البيعة بأسرها لم ~~يبدلوا غيرها، وما كان من صلح كان لهم ما صولحوا عليه، وشرط لهم لا يغير ~~لهم شرط شرط لهم. # قال الخلال: وهكذا هو في شرطهم أنه إن انهدم شيء رموه وإن انهدمت بأسرها ~~لم يعيدوها. # قال القاضي في " تعليقته ": (مسألة في البيع والكنائس التي يجوز إقرارها ~~على ما هي عليه) : إذا انهدم منها شيء أو تشعث فأرادوا عمارته فليس لهم ذلك ~~- في إحدى الروايات - نقلها عبد الله قال: ورأيت بخط أبي حفص البرمكي في ~~رسالة أحمد إلى المتوكل في هدم البيع رواية عبد الله بن أحمد عن أبيه - ~~وذكر فيها كلاما طويلا - إلى أن قال: وما انهدم فلهم أن يبنوه. # قال: وهذا يقتضي اختلاف اللفظ عن عبد الله، ويغلب في ظني أن ما ذكره أبو ~~بكر أضبط (يعني الخلال) فإنه قال: أخبرني عبد الله قال: قال أبي: # PageV03P1213 # وما انهدم فليس لهم أن يبنوه، ثم ذكر النصوص التي ذكرناها في رواية حنبل ~~وابن مشيش، واختار الخلال منع البناء وجواز رم الشعث. # واختلف أصحاب الشافعي في ذلك فقال أبو سعيد الإصطخري: يمنعون من ذلك، ~~قال: حتى إن انهدم حائط البيعة منعوا من إعادته ورده، وإن انثلم منعوا من ~~سده، وإن أرادوا أن يطينوا وجه الحائط الذي يلينا منعوا منه، وإن طينوا ~~الحائط الذي يلي البيعة كان لهم ذلك، وكذلك إن بنوا دون هذا ms468 الحائط الذي ~~يلي البيعة حتى يهدم ذلك لم يجز؛ لأنهم يمنعون من الإحداث وهذه الإعادة ~~إحداث، وأبى ذلك سائر أصحاب الشافعي وقالوا: نحن قد أقررناهم على البيع فلو ~~منعناهم من رقع ما استرم منه وإعادة ما انهدم كان بمنزلة القلع والإزالة؛ ~~إذ لا فرق بين أن يزيلها وبين أن يقرها عليهم ثم يمنعهم من عمارتها. # واختلفت المالكية على قولين أيضا؛ فقال ابن الماجشون: يمنعون من رم ~~كنائسهم القديمة إذا رثت إلا أن يكون ذلك في شرط عقدهم، ونقل أبو عمر أنهم ~~لا يمنعون من إصلاح ما وهى منها. # واحتج القاضي على المنع بحديث رواه عن الخطيب عن ابن # PageV03P1214 # رزقويه، ثنا محمد بن عمرو، ثنا محمد بن غالب بن حرب، ثنا بكر بن محمد ~~القرشي، ثنا سعيد بن عبد الجبار، عن سعيد بن سنان، عن [أبو] الزاهرية، عن ~~كثير بن مرة قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " «لا تبنى كنيسة في الإسلام ولا يجدد ما خرب منها» ". # PageV03P1215 # وهذا لو صح لكان كالنص في المسألة، ولكن لا يثبت هذا الإسناد، ولكن في ~~شروط عمر عليهم: " ولا يجدد ما خرب من كنائسنا ". # قالوا: ولأن تجديدها بمنزلة إحداثها وإنشائها فلا يمكنون منه. # قالوا: ولأنه بناء لا يملك إحداثه، فلا يملك تجديده كالبناء في أرض الغير ~~بغير إذنه. # فإن قيل: الباني في ملك الغير بغير إذنه لا يملك الاستدامة فلا يملك ~~التجديد، وهؤلاء يملكون الاستدامة فملكوا التجديد، قيل: لا يلزم هذا فإنه ~~لو أعاره حائطا لوضع خشبة عليه جاز له استدامة ذلك، فلو انهدم الحائط فبناه ~~صاحبه لم يملك المستعير تجديد المنفعة. # وكذلك لو ملك الذمي دارا عالية البنيان جاز له أن يستديم ذلك، فلو انهدمت ~~فأراد بناءها لم يكن له أن يبنيها على ما كانت عليه، بل يساوي بها بنيان ~~جيرانه من المسلمين أو يحطها عنه. # وأيضا لو فتح الإمام بلدا في بيعة خراب لم يجز له بناؤها بعد الفتح، كذلك ~~هاهنا. # وأيضا فإنه ms469 إذا انهدم جميعها زال الاسم عنها، ولهذا لو حلف: لا دخلت ~~دارا، فانهدمت جميعها ودخل براحها لم يحنث لزوال الاسم. # فلو قلنا: يجوز بناؤها إذا انهدمت كان فيه إحداث بيعة في دار الإسلام، ~~وهذا لا يجوز كما لو لم يكن هناك بيعة أصلا. # قال المجوزون، وهم أصحاب أبي حنيفة والشافعي وكثير من أصحاب مالك وبعض ~~أصحاب أحمد: لما أقررناهم عليها تضمن إقرارنا لهم جواز # PageV03P1216 # رمها وإصلاحها وتجديد ما خرب منها، وإلا بطلت رأسا؛ لأن البناء لا يبقى ~~أبدا، فلو لم يجز تمكينهم من ذلك لم يجز إقرارها. # قال المانعون: نحن نقرهم فيها مدة بقائها كما نقر المستأمن مدة أمانه. ~~وسر المسألة أنا أقررناهم اتباعا لا تمليكا، فإنا ملكنا رقبتها بالفتح ~~وليست ملكا لهم. # واختار صاحب " المغني " جواز رم الشعث ومنع بنائها إذا استهدمت قال: لأن ~~في كتاب أهل الجزيرة لعياض بن غنم: " ولا نجدد ما خرب من كنائسنا ". وروى ~~كثير بن مرة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " «لا تبنى كنيسة في الإسلام ولا يجدد ما خرب منها» ". # قال: ولأن هذا بناء كنيسة في الإسلام فلم يجز، كما لو ابتدئ بناؤها، ~~وفارق رم ما شعث منها فإنه إبقاء واستدامة وهذا إحداث. # قال: وقد حمل الخلال قول أحمد: " لهم أن يبنوا ما انهدم منها " أي: إذا ~~انهدم بعضها، " ومنعه من بناء ما انهدم " على ما إذا انهدمت كلها، فجمع بين ~~الروايتين. # PageV03P1217 ### | [فصل حكم ترميم الكنيسة وزيادة البناء فيها] ### | 216 - # فصل # [حكم ترميم الكنيسة وزيادة البناء فيها] # وفي " النهاية " للجويني: قال الأصحاب: إذا استرمت لم يمنعوا من مرمتها، ~~ثم اختلفوا بعد ذلك فقال قائلون: ينبغي أن يعمروها بحيث لا يظهر للمسلمين ~~ما يفعلون، فإن إظهار العمارة قريب من الاستحداث. # وقال آخرون: لهم إظهار العمارة، وهو الأصح ثم من أوجب عليهم الكتمان، ~~قال: لو تزلزل جدار الكنيسة أو انتقض منعوا من الإعادة فإن الإعادة ظاهرة، ~~وإذا لم يكن من هدمه بد فالوجه أن يبنوا جدارا ثالثا ms470 إذا ارتج الثاني، ~~وهكذا إلى أن تبنى ساحة الكنيسة. # قال: وهذا إفراط لا حاصل له، فإنا فرعنا على الصحيح وجوزنا العمارة ~~إعلانا. # فلو انهدمت الكنيسة فهل يجوز إعادتها كما كانت؟ فيه وجهان مشهوران: # أحدهما: المنع؛ لأنه استحداث كنيسة. # والثاني: الجواز؛ لأنها - وإن هدمت - فالعرصة كنيسة، والتحويط عليها هو ~~الرأي حتى يستتروا بكفرهم، فإن منعنا الإعادة فلا كلام، وإن جوزناها فهل ~~لهم أن يزيدوا في خطها؟ على وجهين؛ أصحها المنع؛ لأن الزائد كنيسة جديدة، ~~وإن كانت متصلة بالأولى، وإن أبقيناهم على كنيستهم فالمذهب أن نمنعهم من ~~ضرب النواقيس فيها، فإنه بمثابة إظهار # PageV03P1218 # الخمور والخنازير، وأبعد بعض الأصحاب في تجويز تمكينهم من ضرب الناقوس، ~~قال: لأنه من أحكام الكنيسة، قال: وهذا غلط لا يعتد به. ### | [فصل نقل الكنيسة من مكان لآخر] ### | 217 - # فصل # [نقل الكنيسة من مكان لآخر] # هذا حكم إنشاء الكنائس وإعادتها، فلو أرادوا نقلها من مكان إلى مكان ~~وإخلاء المكان الأول منها، فصرح أصحاب الشافعي بالمنع. # قالوا: لأنه إنشاء لكنيسة في بلاد الإسلام، والذي يتوجه أن يقال: إن ~~منعنا إعادة الكنيسة إذا انهدمت منعنا نقلها بطريق الأولى، فإنها إذا لم ~~تعد إلى مكانها الذي كانت عليه فكيف تنشأ في غيره؟ وإن جوزنا إعادتها فكان ~~نقلها من ذلك المكان أصلح للمسلمين؛ لكونهم ينقلونها إلى موضع خفي لا ~~يجاوره مسلم، ونحو ذلك جائز بلا ريب، فإن هذا مصلحة ظاهرة للإسلام ~~والمسلمين، فلا معنى للتوقف فيه، وقد ناقلهم المسلمون من الكنيسة التي كانت ~~جوار جامع دمشق إلى بقاء الكنائس التي هي خارج البلد؛ لكونه أصلح للمسلمين. # وأما إن كان النقل لمجرد منفعتهم وليس للمسلمين فيه منفعة؛ فهذا لا يجوز، ~~لأنه إشغال رقبة أرض الإسلام بجعلها دار كفر، فهو كما لو أرادوا جعلها ~~خمارة أو بيت فسق وأولى بالمنع، بخلاف ما إذا جعلنا مكان # PageV03P1219 # الأولى مسجدا يذكر الله فيه وتقام فيه الصلوات، ومكناهم من نقل الكنيسة ~~إلى مكان لا يتأتى فيه ذلك، فهذا ظاهر المصلحة للإسلام وأهله، وبالله ~~التوفيق. # فلو انتقل الكفار عن محلتهم ms471 وأخلوها إلى محلة أخرى، فأرادوا نقل الكنيسة ~~إلى تلك المحلة وإعطاء القديمة للمسلمين فهو على هذا الحكم. ### | [فصل حكم أبنية ودور أهل الذمة] ### | 218 - # فصل # [حكم أبنية ودور أهل الذمة] # هذا حكم بيعهم وكنائسهم، فأما حكم أبنيتهم ودورهم فإن كانوا في محلة ~~منفردة عن المسلمين لا يجاورهم فيها مسلم تركوا وما يبنونه كيف أرادوا، وإن ~~جاوروا المسلمين لم يمكنوا من مطاولتهم في البناء، سواء كان الجار ملاصقا ~~أو غير ملاصق، بحيث يطلق عليه اسم الجار قرب أو بعد. # قال الشافعي رحمه الله تعالى: " ولا يحدثون بناء يطولون به بناء المسلمين ~~". وهذا المنع لحق الإسلام لا لحق الجار، حتى لو رضي الجار بذلك لم يكن ~~لرضاه أثر في الجواز، وليس هذا المنع معللا بإشرافه على المسلم بحيث لو لم ~~يكن له سبيل على الإشراف جاز، بل لأن الإسلام يعلو ولا يعلى. # والذي تقتضيه أصول المذهب وقواعد الشرع أنهم يمنعون من سكنى الدار ~~العالية على المسلمين بإجارة أو عارية أو بيع أو تمليك بغير عوض، فإن # PageV03P1220 # المانعين من تعلية البناء جعلوا ذلك من حقوق الإسلام، واحتجوا بالحديث ~~وهو قوله: " «الإسلام يعلو ولا يعلى» ". واحتجوا بأن في ذلك إعلاء رتبة لهم ~~على المسلمين، وأهل الذمة ممنوعون من ذلك. # قالوا: ولهذا يمنعون من صدور المجالس ويلجئون إلى أضيق الطرق، فإذا منعوا ~~من صدور المجالس - والجلوس فيها عارض - فكيف يمكنون من السكنى اللازمة فوق ~~رءوس المسلمين؟ وإذا منعوا من وسط الطريق المشترك - والمرور فيه عارض - ~~فأزيلوا منه إلى أضيقه وأسفله كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~«إذا لقيتموهم في طريق اضطروهم إلى أضيقه» " فكيف يمكنون أن يعلوا في ~~السكنى الدائمة رقاب المسلمين؟ هذا مما تدفعه أصول الشرع وقواعده. # وقول بعض أصحاب أحمد والشافعي: " إنهم إذا ملكوا دارا عالية من مسلم لم ~~يجب نقضها ". إن أرادوا به أنه لا يمتنع ثبوت ملكهم عليها فصحيح، وإن ~~أرادوا به أنهم لا يمنعون من سكناها فوق رقاب المسلمين فمردود، وقد صرح به ~~الشيخ في " المغني " وصرح ms472 به أصحاب الشافعي، ولكن الذي نص عليه في " ~~الإملاء " أنه إذا ملكها بشراء أو هبة أو غير # PageV03P1221 # ذلك أقر عليها، ولم يصرح بجواز سكناها، وهو في غاية الإشكال، وتعليلهم ~~واحتجاجهم بما حكيناه عنهم يدل على منع السكنى وهذا هو الصواب، فإن المفسدة ~~في العلو ليست في نفس البناء، وإنما هي في السكنى، ومعلوم أنه إذا بناها ~~المسلم وباعهم إياها فقد أراحهم من كلفة البناء ومشقته وغرامته، ومكنهم من ~~سكناها وعلوهم على رقاب المسلمين هنيئا مريئا، فيا لله العجب! ! أي مفسدة ~~زالت عن الإسلام وأهله بذلك؟ ! بحيث إنهم إذا تعبوا وقاسوا الكلفة والمشقة ~~في التعلية منعوا من ذلك، فإذا تعب فيه المسلم وصلي بحره جازت لهم السكنى ~~وزالت مفسدة التعلية، ولا يخفى على العاقل المنصف فساد ذلك. # ثم كيف يستقيم القول به على أصول من يحرم " الحيل " فيمنعه من تعلية ~~البناء، فإذا باع الدار لمسلم ثم اشتراها منه جاز له سكناها وزالت بذلك ~~مفسدة التعلية، ولأنهم إذا منعوا من مساواة المسلمين في لباسهم وزيهم ~~ومراكبهم وشعورهم وكناهم، فكيف يمكنون من مساواتهم بل من العلو عليهم في ~~دورهم ومساكنهم؟ # وطرد قول من جوز سكنى الدار العالية إذا ملكوها من مسلم أن يجوز لباس ~~الثياب التي منعوا منها إذا ملكوها من مسلم، وإنما يمنعون مما نسجوه ~~واستنسجوه وهذا لا معنى له. # والعجب أنهم احتجوا لأحد الوجهين في منع المساواة بأنهم ممنوعون # PageV03P1222 # من مساواة المسلمين في الزي واللباس والركوب، ثم يجوزون علوهم فوق رءوس ~~المسلمين بشراء الدور العالية منهم، وقد صرح المانعون بأن المنع من التعلية ~~المذكورة من حقوق الدين لا من حقوق الجيران، وهذا فرع تلقاه أصحاب الشافعي ~~عن نصه في " الإملاء " بإقرارهم على ملك الدار العالية، وتلقاه أصحاب أحمد ~~عنهم، ولم أجد لأحمد بعد طول التفتيش نصا بجواز تملك الدار العالية فضلا عن ~~سكناها، ونصوصه وأصول مذهبه تأبى ذلك، والله أعلم. # فروع تتعلق بالمسألة # أحدها: لو كان للذمي دار فجاء مسلم إلى جانبه فبنى دارا أنزل منها لم ~~يلزم الذمي بحط بنائه ms473 ولا مساواته، فإن حق الذمي أسبق. # وثانيها: لو جاورهم المسلمون بأبنية أقصر من أبنيتهم، ثم انهدمت دورهم ~~فأرادوا أن يعلوها على بناء المسلمين، فهل لهم ذلك اعتبارا بما كانت عليه ~~قبل الانهدام أم ليس لهم ذلك اعتبارا بالحال؟ يحتمل وجهين: # أظهرهما المنع؛ لأن حق الذمي في الدار ما دامت قائمة، فإذا انهدمت ~~فإعادتها إنشاء جديد يمنع فيه من التعلية على المسلمين. # وثالثها: لو ملكوا دارا عالية من مسلم، وأقررناهم على ملكها فانهدمت لم ~~يكن لهم إعادتها كما كانت، هذا هو الصواب، وحكى أبو عبد الله بن حمدان وجها ~~أن لهم إعادتها عالية اعتبارا بما كانت عليه، وهو # PageV03P1223 # شاذ بعيد لا يعول عليه، فإن ذلك إنشاء وبناء مستأنف فلا يملك فيه ~~التعلية، كما لو اشترى دمنة من مسلم كان له فيها دار عالية. # ورابعها: لو وجدنا دار ذمي عالية ودار مسلم أنزل منها، وشككنا في السابق ~~منهما فقال بعض الأصحاب: لم يعرض له فيها، وعندي أنه لا يقر؛ لأن التعلية ~~مفسدة وقد شككنا في شرط الجواز، وهذا تفريع على ما ذكره الأصحاب من جواز ~~سكنى الدار العالية إذا ملكوها من مسلم، وعلى ما نصرناه فالمنع ظاهر. # وخامسها: لو كان لأهل الذمة جار من ضعفة المسلمين داره في غاية الانحطاط، ~~فظاهر ما ذكره أصحابنا وأصحاب الشافعي أنهم كلهم يكلفون حط بنائهم عن داره ~~أو مساواته، واستشكله الجويني في " النهاية " ولا وجه لاستشكاله، والله ~~أعلم. ### | [فصل في تملك الذمي بالإحياء في دار الإسلام] ### | 219 - # فصل # في تملك الذمي بالإحياء في دار الإسلام # وقد اختلف العلماء في الذمي، هل يملك بالإحياء كما يملك المسلم؟ فنص أحمد ~~في رواية حرب وابن هانئ ويعقوب بن بختان ومحمد بن أبي حرب على أنه يملك به ~~كالمسلم. # PageV03P1224 # قال حرب: قلت: إن أحيا رجل من أهل الذمة مواتا ماذا عليه؟ قال: أما أنا ~~فأقول: ليس عليه شيء، وأهل المدينة يقولون فيه قولا حسنا، يقولون: لا يترك ~~الذمي أن يشتري أرض العشر، وأهل البصرة يقولون قولا عجيبا؛ يقولون: يضاعف ~~عليه ms474 العشر. # قال: وسألته مرة أخرى قلت: إن أحيا رجل من أهل الذمة مواتا؟ # قال: هو عشر، وقال مرة: ليس عليه شيء. # وبهذا قالت الحنفية وأكثر المالكية. # PageV03P1225 # وذهب بعض أصحاب أحمد إلى المنع منهم أبو عبد الله بن حامد أخذا من امتناع ~~شفعته على المسلم بجامع التمليك لما يخص المسلمين. # وفرق الأصحاب بينهما بأن الشفعة تتضمن انتزاع ملك المسلم منه قهرا، ~~والإحياء لا ينزع به ملك أحد، والقول بالمنع مذهب الشافعية وأهل الظاهر ~~وأبي الحسن بن القصار من المالكية، وهو مذهب عبد الله بن المبارك إلا أن ~~يأذن له الإمام. # واحتج هؤلاء بأمور؛ منها قوله صلى الله عليه وسلم: " «موتان الأرض لله ~~ولرسوله ثم هي لكم» ". فأضاف عموم الموات إلى المسلمين فلم يبق فيه شيء ~~للكفار. # PageV03P1226 # ومنها أن ذلك من حقوق الدار، والدار للمسلمين. # ومنها أن إضافة الأرض إلى المسلم إما إضافة ملك وإما إضافة تخصيص، وعلى ~~التقديرين فتملك الكافر بالإحياء ممتنع، وبأن المسلم إذا لم يملك بالإحياء ~~في أرض الكفار المصالح عليها، فأحرى ألا يملك الذمي في # PageV03P1227 # أرض الإسلام. # واحتج الآخرون بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: " «من أحيا أرضا ميتة فهي ~~له» ". وبأن الإحياء من أسباب الملك، فملك به الذمي كسائر أسبابه، قالوا: ~~وأما الحديث الذي ذكرتموه " «موتان الأرض لله ورسوله» " فلا يعرف في شيء من ~~كتب الحديث، وإنما لفظه: " «عادي الأرض لله ورسوله ثم هو لكم» ". مع أنه ~~مرسل. # قالوا: ولو ثبت هذا اللفظ لم يمنع تملك الذمي بالإحياء كما يتملك ~~بالاحتشاش والاحتطاب والاصطياد ما هو للمسلمين، فإن المسلمين إذا ملكوا ~~الأرض ملكوها بما فيها من المعادن والمنافع، ولا يمتنع أن يتملك الذمي بعض ~~ذلك. # وإقرار الإمام لهم على ذلك جار مجرى إذنه لهم فيه، ولأن فيه مصلحة ~~للمسلمين بعمارة الأرض وتهيئتها للانتفاع بها وكثرة فعلها، ولا نقص على ~~المسلمين في ذلك. # PageV03P1228 # وأما كون المسلم لا يملكها بالإحياء في دار العهد فهذا فيه وجهان. # وأما كون الحربي والمستأمن لا يملكان بالإحياء فقد قال أبو الخطاب: إنهما ~~كالذمي في ms475 ذلك، ولو سلم أنهما ليسا كالذمي فالفرق بينهما ظاهر، فإنا لا نقر ~~الحربي المستأمن في دار الإسلام كما نقر الذمي. ### | [فصل قولهم ولا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار] ### | 220 - # فصل # قولهم: " ولا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار، وأن ~~نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل " # هذا صريح في أنهم لم يملكوا رقابها كما يملكون دورهم؛ إذ لو ملكوا رقابها ~~لم يكن للمسلمين أن ينزلوها إلا برضاهم كدورهم، وإنما متعوها إمتاعا، وإذا ~~شاء المسلمون نزلوها منهم فإنها ملك المسلمين، فإن المسلمين لما ملكوا ~~الأرض لم يستبقوا الكنائس والبيع على ملك الكفار بل دخلت في ملكهم كسائر ~~أجزاء الأرض، فإذا نزلها المارة بالليل أو النهار فقد نزلوا في نفس ملكهم. # فإن قيل: فما فائدة الشرط إذا كان الأمر كذلك؟ قيل: فائدته أنهم لا ~~يتوهمون بإقرارهم فيها أنها كسائر دورهم ومنازلهم التي لا يجوز دخولها إلا ~~بإذنهم، فمما يدل على ذلك أنها لو كانت ملكا لهم لم يجز للمسلمين الصلاة ~~فيها إلا بإذنهم، فإن الصلاة في ملك الغير بغير إذنه ورضاه صلاة في المكان ~~المغصوب وهي حرام وفي صحتها نزاع معروف، وقد صلى # PageV03P1229 # الصحابة في كنائسهم وبيعهم. # واختلفت الرواية عن أحمد في كراهة الصلاة في البيع والكنائس، فعنه ثلاث ~~روايات: الكراهة وعدمها والتفريق بين المصورة فتكره الصلاة فيها وغير ~~المصورة فلا تكره، وهي ظاهر المذهب. # وهذا منقول عن عمر وأبي موسى. # ومن كره الصلاة فيها احتج بأنها من مواطن الكفر والشرك فهي أولى بالكراهة ~~من الحمام والمقبرة والمزبلة، وبأنها من أماكن الغضب، وبأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن الصلاة في أرض بابل، وقال: " «إنها ملعونة» " فعلل منع ~~الصلاة فيها باللعنة، وهذه كنائسهم هي مواضع اللعنة # PageV03P1230 # والسخطة والغضب ينزل عليهم فيها، كما قال بعض الصحابة: " اجتنبوا اليهود ~~والنصارى في أعيادهم فإن السخطة تتنزل عليهم "، وبأنها من بيوت أعداء الله ~~ولا يتعبد الله في بيوت أعدائه. # ومن لم يكرهها قال: قد صلى فيها الصحابة وهي طاهرة وهي ms476 ملك من أملاك ~~المسلمين، ولا يضر المصلي شرك المشرك فيها، فذلك شرك فيها والمسلم يوحد فله ~~غنمه وعلى المشرك غرمه. # PageV03P1231 # ومن فرق بين الصورة وغيرها؛ فذلك لأن الصور تقابل المصلي وتواجهه وهي ~~كالأصنام إلا أنها غير مجسدة، فهي شعار الكفر ومأوى الشيطان، وقد كره ~~الفقهاء الصلاة على البسط والحصر المصورة كما صرح به أصحاب أبي حنيفة ~~وأحمد، وهي تمتهن وتداس بالأرجل فكيف إذا كانت في الحيطان والسقوف؟ ! # PageV03P1232 ### | [الفصل الثاني ما يتعلق بإظهار المنكر من أقوالهم وأفعالهم مما نهوا عنه] ### | [فصل قولهم ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوسا] # الفصل الثاني # [فيما يتعلق بإظهار المنكر من أقوالهم وأفعالهم مما نهوا عنه] ### | 221 - # فصل # قولهم: " ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوسا " # الجاسوس: عين المشركين وأعداء المسلمين، وقد شرط على أهل الذمة ألا يؤوه ~~في كنائسهم ومنازلهم، فإن فعلوا انتقض عهدهم وحلت دماؤهم وأموالهم، وهل ~~يحتاج ثبوت ذلك إلى اشتراط إمام العصر له على أهل الذمة؟ أو يكفي شرط عمر ~~رضي الله عنه؟ على قولين معروفين للفقهاء: # أحدهما: أنه لا بد من شرط الإمام له إذ أن شرط عمر رضي الله عنه كان على ~~أهل الذمة في ذلك الوقت، ولم يكن شرطا شاملا للإمامة إلى يوم القيامة. # وكلام الشافعي يدل على هذا، فإنه قال في رواية المزني والربيع: " ويشترط ~~عليهم - يعني الإمام - أن من ذكر كتاب الله أو محمدا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أو دين الله بما لا ينبغي، أو زنى بمسلمة أو أصابها بنكاح، أو ~~فتن مسلما # PageV03P1233 # عن دينه، أو قطع عليه الطريق، أو أعان أهل الحرب بدلالة على المسلمين، أو ~~آوى عينا لهم، فقد نقض عهده وأحل دمه وبرئت منه ذمة الله وذمة رسوله ". # والقول الثاني: لا يشترط ذلك بل يكفي شرط عمر رضي الله عنه وهو مستمر ~~عليهم أبدا قرنا بعد قرن. # وهذا هو الصحيح الذي عليه العمل من أقوال أئمة الإسلام، ولو كان تجديد ~~اشتراط الإمام شرطا في ذلك لما جاز إقرار أهل الذمة اليوم ومناكحتهم، ms477 ولا ~~أخذ الجزية منهم. # وفي اتفاق الأمة دلالة على ذلك قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر اكتفاء بشرط ~~عمر رضي الله عنه. ### | [فصل قولهم ولا نكتم غشا للمسلمين] ### | 222 - # فصل # قولهم: " ولا نكتم غشا للمسلمين " # هذا أعم من إيواء الجاسوس، فمتى علموا أمرا فيه غش للإسلام والمسلمين ~~وكتموه انتقض عهدهم، وبذلك أفتينا ولي الأمر بانتقاض عهد النصارى لما سعوا ~~في إحراق الجامع والمنارة وسوق السلاح، ففعل بعضهم وعلم بعضهم وكتم ذلك ولم ~~يطلع عليه ولي الأمر. # وبهذا مضت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناقضي العهد، فإن بني ~~قينقاع وبني النضير وقريظة لما حاربوه ونقضوا عهده عم الجميع # PageV03P1234 # بحكم الناقضين للعهد وإن كان النقض قد وقع من بعضهم، ورضي الباقون وكتموه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يطلعوه عليه، وكذلك فعل بأهل مكة لما نقض ~~بعضهم عهده وكتم الباقون وسكتوا ولم يطلعوه على ذلك أجرى الجميع على حكم ~~النقض وغزاهم في عقر دارهم. # وهذا هو الصواب الذي لا يجوز غيره، وبالله التوفيق. # وقد اتفق المسلمون على أن حكم الردة والمباشر في الجهاد كذا، وكذلك اتفق ~~الجمهور على أن حكمهم سواء في قطع الطريق، وإنما خالف فيه الشافعي وحده، ~~وكذلك حكم البغاة يستوي فيه ردؤهم ومباشرتهم، وهذا هو محض الفقه والقياس، ~~فإن المباشرين إنما وصلوا إلى الفعل بقوة ردئهم فهم مشتركون في السبب، هذا ~~بالفعل وهذا بالإعانة وهذا بالحفظ والحراسة، ولا يجب الاتفاق والاشتراك في ~~عين كل سبب سبب، والله أعلم. ### | [فصل قولهم ولا نضرب نواقيسنا إلا ضربا خفيا في جوف كنائسنا] ### | 223 - # فصل # قولهم: " ولا نضرب نواقيسنا إلا ضربا خفيا في جوف كنائسنا " # لما كان الضرب بالناقوس هو شعار الكفر وعلمه الظاهر اشترط عليهم تركه، ~~وقد تقدم قول ابن عباس رضي الله عنهما: " أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم ~~أن يبنوا فيه بيعة، ولا يضربوا فيه ناقوسا، ولا يشربوا فيه خمرا ". ذكره ~~أحمد وتقدم نصه في رواية ابنه عبد الله: " ليس لليهود والنصارى أن يحدثوا ~~في مصر ms478 مصرته المسلمون بيعة ولا كنيسة ولا يضربوا فيه بناقوس إلا فيما كان ~~لهم صلحا، وليس لهم أن يظهروا الخمر # PageV03P1235 # في أمصار المسلمين " # وقال في رواية أبي طالب: " السواد فتح بالسيف، فلا تكون فيه بيعة ولا ~~يضرب فيه بناقوس، ولا تتخذ فيه الخنازير، ولا يشرب فيه الخمر، ولا يرفعون ~~أصواتهم في دورهم ". # وقال في رواية حنبل: " وليس لهم أن يحدثوا بيعة ولا كنيسة لم تكن، ولا ~~يضربوا ناقوسا، ولا يرفعوا صليبا، ولا يظهروا خنزيرا، ولا يرفعوا نارا، ولا ~~شيئا مما يجوز لهم، وعلى الإمام أن يمنعهم من ذلك، السلطان يمنعهم من ~~الإحداث إذا كانت بلادهم فتحت عنوة، وأما الصلح فلهم ما صولحوا عليه يوفى ~~لهم به. وقال: الإسلام يعلو ولا يعلى، ولا يظهرون خمرا ". # وقال الخلال: في " الجامع " أخبرني محمد بن جعفر بن سفيان # PageV03P1236 # حدثنا عبيد بن [جناد] ، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو قال: ~~كتب عمر رضي الله عنه: " إن أحق الأصوات أن تخفض أصوات اليهود والنصارى في ~~كنائسهم ". # وقال [الفريابي] : حدثنا أبو الأسود قال: كتب عمر بن عبد العزيز رحمه ~~الله تعالى: " أن لا يضرب بالناقوس خارجا من الكنيسة ". # وقال أبو الشيخ في كتاب " شروط عمر " حدثنا طاهر بن عبد الله بن محمد، ~~ثنا أبو زرعة قال: سمعت علي بن أبي طالب الرازي يقول: سمعت مالك بن أنس ~~يقول: إذا نقس بالناقوس اشتد غضب الرحمن عز وجل فتنزل الملائكة فتأخذ ~~بأقطار الأرض فلا تزال تقول: (قل هو أحد) حتى # PageV03P1237 # يسكن غضب الرب عز وجل. # وقال إسحاق بن منصور: قلت لأبي عبد الله: للنصارى أن يظهروا الصليب أو ~~يضربوا بالناقوس؟ قال: " ليس لهم أن يظهروا شيئا لم يكن في صلحهم ". # وقال في رواية إبراهيم بن هانئ: " ولا يتركوا أن يجتمعوا في كل أحد، ولا ~~يظهروا خمرا ولا ناقوسا ". # وقال في رواية يعقوب بن بختان: " ولا يتركوا أن يجتمعوا في كل أحد، ولا ~~يظهروا خمرا ولا ناقوسا في كل مدينة بناها المسلمون " قيل له: يضربون ~~الخيام في الطريق يوم ms479 الأحد؟ قال: لا، إلا أن تكون مدينة صولحوا # PageV03P1238 # عليها فلهم ما صولحوا عليه ". # وقال في " النهاية ": وإذا أبقيناهم على كنيستهم فالمذهب أنا نمنعهم من ~~صوت النواقيس، فإن هذا بمثابة إظهار الخمور والخنازير، وأبعد بعض الأصحاب ~~في تجويز تمكينهم من صوت النواقيس فإنها من أحكام الكنيسة، وقال: وهذا غلط ~~لا يعتد به، انتهى. # وأما قولهم في " كتاب الشروط ": " ولا نضرب بالناقوس إلا ضربا خفيا في ~~جوف كنائسنا " فهذا وجوده كعدمه؛ إذ الناقوس يعلق في أعلى الكنيسة كالمنارة ~~ويضرب به فيسمع صوته من بعد، فإذا اشترط عليهم أن يكون الضرب به خفيا في ~~جوف الكنيسة لم يسمع له صوت فلا يعتد به، فلذلك عطلوه بالكلية إذ لم يحصل ~~به مقصودهم، وكان هذا الاشتراط داعيا لهم إلى تركه. # وقد أبطل الله سبحانه بالأذان ناقوس النصارى وبوق اليهود، فإنه دعوة إلى ~~الله سبحانه وتوحيده وعبوديته، ورفع الصوت به إعلاء لكلمة الإسلام وإظهارا ~~لدعوة الحق وإخمادا لدعوة الكفر، فعوض عباده المؤمنين بالأذان عن الناقوس ~~والطنبور كما عوضهم دعاء الاستخارة عن الاستقسام بالأزلام، وعوضهم بالقرآن ~~وسماعه عن قرآن الشيطان وسماعه وهو الغناء والمعازف، وعوضهم بالمغالبة ~~بالخيل والإبل والبهائم عن الغلابات الباطلة كالنرد والشطرنج والقمار، ~~وعوضهم بيوم الجمعة عن السبت والأحد، وعوضهم الجهاد عن السياحة والرهبانية، ~~وعوضهم بالنكاح عن السفاح # PageV03P1239 # وعوضهم بأنواع المكاسب الحلال عن الربا، وعوضهم بإباحة الطيبات من ~~المطاعم والمشارب عن الخبيث منها، وعوضهم بعيد الفطر والنحر عن أعياد ~~المشركين، وعوضهم بالمساجد عن الكنائس والبيع والمشاهد، وعوضهم بالاعتكاف ~~والصيام وقيام الليل عن رياضات أهل الباطل من الجوع والسهر والخلوة التي ~~يعطل فيها دين الله، وعوضهم بما سنه لهم على لسان رسوله عن كل بدعة وضلالة. ### | [فصل قولهم ولا نظهر عليها صليبا] ### | 224 - # فصل # قولهم: " ولا نظهر عليها صليبا " # لما كان الصليب من شعائر الكفر الظاهرة كانوا ممنوعين من إظهاره، قال ~~أحمد في رواية حنبل: " ولا يرفعوا صليبا، ولا يظهروا خنزيرا، ولا يرفعوا ~~نارا، ولا يظهروا خمرا، وعلى الإمام منعهم من ذلك. # وقال عبد الرزاق: حدثنا ms480 معمر، عن [عمرو بن] ميمون بن مهران قال: كتب عمر ~~بن عبد العزيز أن يمنع النصارى في الشام أن يضربوا ناقوسا، ولا يرفعوا ~~صليبهم فوق كنائسهم، فإن قدر على من فعل من ذلك شيئا بعد [التقدم] إليه فإن ~~[سلبه] لمن وجده ". # PageV03P1240 # وإظهار الصليب بمنزلة إظهار الأصنام، فإنه معبود النصارى كما أن الأصنام ~~معبود أربابها، ومن أجل هذا يسمون عباد الصليب. # ولا يمكنون من التصليب على أبواب كنائسهم وظواهر حيطانها، ولا يتعرض لهم ~~إذا نقشوا ذلك داخلها. ### | [فصل قولهم ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا مما يحضره المسلمون] ### | 225 - # فصل # قولهم: " ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا مما يحضره ~~المسلمون " # لما كان ذلك من شعار الكفر منعوا من إظهاره، قال أبو الشيخ: حدثنا عبد ~~الله بن عبد الملك الطويل، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا عمرو بن ~~عثمان، حدثنا بقية، عن ضمرة قال: كتب عمر بن عبد العزيز " أن امنعوا ~~النصارى من رفع أصواتهم في كنائسهم، فإنها أبغض الأصوات إلى الله عز وجل ~~وأولاها أن تخفض ". # وقال أحمد في رواية أبي طالب: " ولا يرفعوا أصواتهم في دورهم ". # PageV03P1241 # وقال الشافعي: " واشترط عليهم ألا يسمعوا المسلمين شركهم ولا يسمعونهم ~~ضرب ناقوس، فإن فعلوا ذلك عزروا "؛ انتهى. # فرفع الأصوات التي منعوا منها ما كان راجعا إلى دينهم وإظهار شعاره ~~كأصواتهم في بحوثهم ومذاكرتهم ونحو ذلك. ### | [فصل قولهم ولا نخرج صليبا ولا كتابا في أسواق المسلمين] ### | 226 - # فصل # قولهم: " ولا نخرج صليبا ولا كتابا في أسواق المسلمين " # فيه زيادة على عدم إظهارهم ذلك على كنائسهم وفي صلواتهم، فهم ممنوعون من ~~إظهاره في أسواق المسلمين وإن لم يرفعوا أصواتهم به، ولا يمنعون من إخراجه ~~في كنائسهم وفي منازلهم، بل الممنوع منه فيها رفع أصواتهم ووضع الصليب على ~~أبواب الكنائس. ### | [فصل قولهم وألا نخرج باعوثا ولا شعانين ولا نرفع أصواتنا مع موتانا] ### | 227 - # فصل # قولهم: " وألا نخرج باعوثا ولا شعانين، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا ~~نظهر النيران معهم في ms481 أسواق المسلمين " # فأما الباعوث فقد فسره الإمام أحمد في رواية ابنه صالح فقال: " يخرجون ~~كما نخرج في الفطر والأضحى " ومن هنا قال أحمد في # PageV03P1242 # رواية ابن هانئ: " ولا يتركوا أن يجتمعوا في كل أحد، ولا يظهروا لهم ~~خمرا، ولا ناقوسا ". # فإن اجتماعهم المذكور هو غاية الباعوث ونهايته، فإنهم ينبعثون إليه من كل ~~ناحية. # وليس مراد أبي عبد الله منع اجتماعهم في الكنيسة إذا تسللوا إليها لواذا، ~~وإنما مراده إظهار اجتماعهم كما يظهر المسلمون ذلك يوم عيدهم، ولهذا قال في ~~رواية يعقوب بن بختان وقد سئل: هل يضربون الخيام في الطريق يوم الأحد؟ قال: ~~" لا، إلا أن تكون مدينة صولحوا عليها فلهم ما صولحوا عليه "، فإن ضرب ~~الخيام على الطريق يوم عيدهم هو من إخراج الباعوث وإظهار شعائر الكفر، فإذا ~~اختفوا في كنائسهم باجتماعهم لم يعرض لهم فيها ما لم يرفعوا أصواتهم ~~بقراءتهم وصلاتهم. # وأما الشعانين فهي أعياد لهم أيضا، والفرق بينها وبين الباعوث أنه اليوم ~~والوقت الذي ينبعثون فيه على الاجتماع والاحتشاد. # وقولهم: " ولا نرفع أصواتنا مع موتانا " لما فيه من إظهار شعار الكفر، ~~فهذا يعم رفع أصواتهم بقراءتهم وبالنوح وغيره، وكذلك إظهار النيران معهم ~~إما بالشمع أو السرج أو المشاعل ونحوها. # PageV03P1243 # فأما إذا أوقدوا النار في منازلهم وكنائسهم ولم يظهروها لم يتعرض لهم ~~فيها، وقد سمى الله سبحانه أعيادهم زورا، والزور لا يجوز إظهاره، فقال ~~تعالى: {والذين لا يشهدون الزور} [الفرقان: 72] . # قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في " تفسيره ": حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ~~أحمد بن عبد الرحمن بن سعيد الخرار، حدثنا حسين بن عقيل، عن الضحاك: ~~{والذين لا يشهدون الزور} [الفرقان: 72] عيد المشركين. # وقال سعيد بن جبير: الشعانين. # وكذلك قال ابن عباس: " الزور عيد المشركين ". # PageV03P1244 ### | [فصل حكم حضور أعياد أهل الكتاب] ### | 228 - # فصل # [حكم حضور أعياد أهل الكتاب] # وكما أنهم لا يجوز لهم إظهاره فلا يجوز للمسلمين ممالاتهم عليه ولا ~~مساعدتهم ولا الحضور معهم باتفاق أهل العلم الذين هم أهله. # وقد صرح به الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة ms482 في كتبهم، فقال أبو القاسم ~~هبة الله بن [الحسن] بن منصور الطبري الفقيه الشافعي: ولا يجوز للمسلمين أن ~~يحضروا أعيادهم؛ لأنهم على منكر وزور، وإذا خالط أهل المعروف أهل المنكر ~~بغير الإنكار عليهم كانوا كالراضين به المؤثرين له، فنخشى من نزول سخط الله ~~على جماعتهم فيعم الجميع، نعوذ بالله من سخطه. # ثم ساق من طريق ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، ثنا عبد الله بن أبي بكر، عن ~~العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة: {والذين لا يشهدون الزور} [الفرقان: 72] ~~قال: لا يمالئون أهل الشرك على شركهم ولا يخالطونهم، ونحوه عن الضحاك. # PageV03P1245 # ثم ذكر حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " «لا تدخلوا على هؤلاء الملعونين إلا أن تكونوا ~~باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم» ". ~~والحديث في الصحيح. # وذكر البيهقي بإسناد صحيح في (باب كراهية الدخول على أهل # PageV03P1246 # الذمة في كنائسهم، والتشبه بهم يوم [نيروزهم] ومهرجانهم) عن سفيان ~~الثوري، عن ثور بن يزيد، عن عطاء بن دينار قال: قال عمر رضي الله عنه: " لا ~~تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإن ~~السخطة تنزل عليهم ". # وبالإسناد عن الثوري، عن عوف، عن الوليد - أو أبي الوليد - عن عبد الله ~~بن عمرو فقال: " من مر ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى ~~يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة ". # وقال البخاري في غير " الصحيح ": قال لي ابن أبي مريم: حدثنا نافع بن ~~يزيد سمع [سليمان] بن أبي زينب [وعمرو] بن الحارث سمع سعيد بن سلمة، سمع ~~أباه، سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: " اجتنبوا أعداء الله في عيدهم ~~" ذكره البيهقي. # PageV03P1247 # وذكر بإسناد صحيح عن أبي أسامة: حدثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد الله ~~بن عمرو قال: " من مر ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى ~~يموت وهو كذلك، حشر معهم يوم القيامة ". # PageV03P1248 # وقال أبو الحسن ms483 الآمدي: لا يجوز شهود أعياد النصارى واليهود، نص عليه ~~أحمد في رواية مهنا، واحتج بقوله تعالى: {والذين لا يشهدون الزور} ~~[الفرقان: 72] قال: الشعانين وأعيادهم. # وقال الخلال في " الجامع " (باب في كراهية خروج المسلمين في أعياد ~~المشركين) وذكر عن مهنا قال: سألت أحمد عن شهود هذه الأعياد التي تكون ~~عندنا بالشام مثل دير أيوب وأشباهه، يشهده المسلمون؟ يشهدون الأسواق ~~ويجلبون فيه الضحية والبقر والبر والدقيق وغير ذلك، يكونون في الأسواق ولا ~~يدخلون عليهم بيعهم. # قال: " إذا لم يدخلوا عليهم بيعهم وإنما يشهدون السوق فلا بأس ". # وقال عبد الملك بن حبيب: " سئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي تركب ~~فيها النصارى إلى أعيادهم، فكره ذلك مخافة نزول السخطة عليهم بشركهم الذين ~~اجتمعوا عليه. # PageV03P1249 # قال: وكره ابن القاسم للمسلم أن يهدي إلى النصراني في عيده مكافأة له، ~~ورآه من تعظيم عيده وعونا له على كفره، ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن ~~يبيعوا من النصارى شيئا من مصلحة عيدهم، لا لحما ولا أدما ولا ثوبا، ولا ~~يعارون دابة، ولا يعانون على شيء من عيدهم؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم وعونهم ~~على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالك وغيره، ~~لم أعلمه اختلف فيه ". # هذا لفظه في " الواضحة ". # وفي كتب أصحاب أبي حنيفة: من أهدى لهم يوم عيدهم بطيخة بقصد تعظيم العيد ~~فقد كفر. ### | [فصل قولهم ولا نجاورهم بالخنازير ولا ببيع الخمور] ### | 229 - # فصل # قولهم: " ولا نجاورهم بالخنازير ولا ببيع الخمور " # يجوز أن يكون بالراء المهملة من المجاورة؛ أي: بيع الخمور بحضرتهم، ولا ~~تكون الخنازير مجاورة لهم، ويجوز أن يكون بالزاي المعجمة؛ أي: لا نتعدى بها ~~عليهم جهرة، بل إذا أتينا بها إلى بيوتنا أتينا بها خفية بحيث لا يطلعون ~~على ذلك. والمعنيان صحيحان، وذلك يتضمن إخفاء الخمر والخنزير فيما بينهم، ~~وألا يظهروا بهما بين المسلمين كما لا يظهرون بسائر المنكرات. # PageV03P1250 ### | [فصل قولهم ولا نجاوز المسلمين بموتانا] ### | 230 - # فصل # وكذلك قولهم: " ولا نجاوز المسلمين بموتانا " # يجوز أن يكون بالزاي ms484 والراء، من المجاوزة والمجاورة، فإن كان بالمهملة ~~فالمعنى اشتراط دفنهم في ناحية من الأرض، لا تجاور قبورهم بيوت المسلمين ~~ولا قبورهم، بل تنفرد عنهم؛ لأنها محل العذاب والغضب، فلا تكون هي ومحل ~~الرحمة في موضع واحد لما يلحق المسلمين بذلك من الضرر. # وإن كان بالمعجمة فهو من المجاوزة، وعادة النصارى في أمواتهم أنهم يوقدون ~~الشموع ويزفون بها الميت، ويرفعون أصواتهم بقراءة كتبهم، وقد منع جماعة من ~~الصحابة أن تتبع جنائزهم بنار خوفا من التشبه بهم. # وعلى رواية الزاي المعجمة فليس لهم أن يحملوا أمواتهم في أسواق المسلمين ~~ولا في الطرق الواسعة التي يمر بها المسلمون، وإنما يقصدون المواضع الخالية ~~التي لا يراهم فيها أحد من المسلمين. # قال أبو القاسم الطبري: إن كانت الراية بالزاي فهو صريح في المنع من جواز ~~جنائزهم على المسلمين. # قال: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث يشبه معنى هذا فيما ~~أخبرنا محمد بن عبد الرحمن: حدثنا أبو بكر بن أبي بكر داود، ثنا أحمد بن ~~صالح، حدثنا ابن أبي فديك، حدثنا ابن أبي ذئب، عن نافع بن مالك، عن سعيد بن ~~المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «رب # PageV03P1251 # جنازة ملعونة ملعون من شهدها» ". # قال: فهذه جنائز أهل الذمة. # قال: وإن كان بالراء المهملة فهو أنهم يمنعون من الدفن في مقابر ~~المسلمين. # قال: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «أنا بريء من كل مسلم مع ~~مشرك " قيل: لم يا رسول الله؟ قال: " لا تراءى ناراهما» " قلت: الحديث رواه ~~أبو داود في " السنن ". ### | [فصل قولهم ولا ببيع الخمور] ### | 231 - # فصل # قولهم: " ولا ببيع الخمور " # أي: لا نبيعه ظاهرا بحيث يراه المسلمون؛ إذ بيعه ظاهرا من المنكر العظيم، ~~وكذلك نقله من موضع إلى موضع في دار الإسلام في البلد وخارج البلد. # قال أبو القاسم الطبري: وقد روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما: في هذا ~~تغليظ في خرق متاعهم وكسر أوانيهم. # PageV03P1252 # ثم ذكر من طريق أبي عبيد، ثنا هشيم ومروان بن ms485 معاوية، حدثني عن إسماعيل ~~بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني قال: بلغ عمر أن ~~رجلا من أهل السواد قد أثرى في تجارة الخمر، فكتب " أن اكسروا كل شيء قدرتم ~~عليه، وشردوا كل ماشية له ". # قال أبو عبيد: وثنا مروان بن معاوية، ثنا عمر المكتب، ثنا حذلم، عن ربيعة ~~بن [زكار] قال: نظر علي إلى زرارة فقال: ما هذه القرية؟ قالوا: قرية تدعى ~~زرارة، يلحم فيها ويباع الخمر. فقال: أين الطريق إليها؟ قالوا: باب الجسر. ~~قال قائل: يا أمير المؤمنين، خذ لك سفينة تجوز فيها، قال: تلك سخرة ولا ~~حاجة لنا في السخرة، وانطلقوا بنا إلى باب الجسر، فقام يمشي حتى أتاها، ~~فقال: علي بالنيران أضرموا فيها، فإن الخبيث يأكل بعضه بعضا، فأضرمت في ~~عرشها. # PageV03P1253 # قال: وقد قضى ابن عباس: " أيما مصر مصره المسلمون فلا يباع فيه خمر ". # قال أبو عبيد: " وإنما معنى هذه الأحاديث أن يكون في أهل الذمة؛ لأنهم ~~كانوا أهل السواد حينئذ ". # وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله أن " لا يحمل الخمر من رستاق إلى رستاق ~~". ### | [فصل قولهم ولا نرغب في ديننا ولا ندعو إليه أحدا] ### | 232 - # فصل # قولهم: " ولا نرغب في ديننا ولا ندعو إليه أحدا " # هذا من أولى الأشياء أن ينتقض العهد به، فإنه حراب الله ورسوله باللسان، ~~وقد يكون أعظم من الحراب باليد، كما أن الدعوة إلى الله ورسوله جهاد بالقلب ~~وباللسان، وقد يكون أفضل من الجهاد باليد. # PageV03P1254 # ولما كانت الدعوة إلى الباطل مستلزمة - ولا بد - للطعن في الحق، كان ~~دعاؤهم إلى دينهم وترغيبهم فيه طعنا في دين الإسلام، وقد قال تعالى: {وإن ~~نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر} [التوبة: ~~12] ولا ريب أن الطعن في الدين أعظم من الطعن بالرمح والسيف، فأولى ما ~~انتقض به العهد الطعن في الدين ولو لم يكن مشروطا عليهم، فالشرط ما زاده ~~إلا تأكيدا وقوة. ### | [فصل قولهم ولا نتخذ من الرقيق الذي جرت عليه أحكام المسلمين] ### | 233 - # فصل # قولهم: ms486 " ولا نتخذ من الرقيق الذي جرت عليه أحكام المسلمين " # يتضمن أنهم لا يتملكون رقيقا من سبي المسلمين، وهذا موضع اختلف فيه ~~الفقهاء، فمذهب الإمام أحمد أنه إذا استرق الإمام السبي لم يجز بيعهم من ~~كافر ذميا كان أو حربيا، صغارا كانوا أو كبارا. # وقال أبو حنيفة: يجوز بيعهم من أهل الذمة دون أهل الحرب. # وقال الشافعي: يجوز بيعهم من الفريقين. # فأما مذهب مالك فقال في " الجواهر ": إن اشترى الكافر بالغا على دينه لم ~~يمنع من شرائه إذا كان يسكن به في بلد المسلمين، ولا يباع لمن يخرج به عن ~~بلاد الإسلام لما يخشى من إطلاعه أهل الحرب على عورة المسلمين. # PageV03P1255 # وإن كان العبد صغيرا على دينه يعي الكتاب وغيره منع من شرائه؛ لما يرجى ~~من إسلامه سرعة إجابته إذا دعي إلى الإسلام؛ لكونه لم يرسخ في نفسه الكفر ~~بخلاف الكبير. # فإن بيع منه فسخ البيع وتحرج فيه أن يباع عليه من مسلم. # وقال محمد: لا يمنع من شرائه؛ لأنا لسنا على يقين من إسلامه إذا اشتراه ~~مسلم. # وإن كان العبد بالغا على غير دين مشتريه - ولها صورتان: # إحداهما: يهودي يباع من نصراني وعكسه - فقال ابن وهب وسحنون بالمنع؛ لما ~~بينهما من العداوة والبغضاء فيكون إضرارا بالمملوك واتخاذا للسبل إلى دينه. # وقال محمد: لا يمنع؛ إذ المنع ليس بحق الله بل بحق العبد، فلو رضي بذلك ~~تجار، فيتدارك بعد بالمنع من أذيته دون فسخ البيع. # الثانية: أن يكون العبد من الصقالبة أو المجوس أو السودان، فهل له شراؤه؟ ~~حكى المازري فيه ثلاثة أقوال في المذهب. # [الأول:] الجواز مطلقا، وهو ظاهر الكتاب، وأطلق الجواز في الصغير منهم ~~والكبير. # والثاني: المنع مطلقا في الصغير والكبير - قاله ابن عبد الحكم -. # PageV03P1256 # والثالث: المنع في الصغير والجواز في الكبير، وهو مذهب " العينية ". # واحتج المانعون مطلقا بأن ذلك في الشروط المشروطة عليهم، وهو قولهم: " ~~ولا نتخذ شيئا من الرقيق الذي جرت عليه سهام المسلمين " قالوا: وهذا فعل ~~ظاهر منتشر عن عمر أقره جميع الصحابة، ولأنه رقيق جرى ms487 عليه ملك المسلمين، ~~فلا يجوز بيعه من كافر كالحربي. # قال أبو الحسين: ولا يلزم على ذلك إذا اشترى مسلم عبدا كافرا أو ذميا، ~~فإنه لا يجوز بيعه من ذمي على ظاهر كلام إمامنا أحمد رحمه الله تعالى، ~~ولأنه إذا كان في أيدي المسلمين رجي إسلامه، وإذا منع منهم منعوه من إسلام ~~إن رغب فيه، ولهذا منعنا الكافر من حضانة اللقيط. ### | [فصل في مفاداة الأسير الكافر] ### | 234 - # فصل # [في مفاداة الأسير الكافر] # فإن قيل: فكيف تجمعون بين المنع من بيعهم لكافر وبين جواز المفاداة بهم ~~من الكفار بالمال والمسلم؟ # قيل: أما المفاداة بهم بمسلم فيجوز؛ لأن مصلحة تخليص المسلم من أسر ~~الكفار أرجح من بقاء العبد الكافر بين المسلمين ينتظرون إسلامه، بخلاف بيعه ~~لهم فإنه لا مصلحة فيه للعبد، وهو يفوت عليه ما يرجى له بإقامته بين ~~المسلمين من أعظم المصالح. # وأما مفاداته بمال فهذا فيه روايتان عن الإمام أحمد، فإن منعنا ذلك فلأن ~~مفاداته بمال بيع منه لهم. # PageV03P1257 # قال: وإن جوزناها فالفرق بينها وبين بيع المسلم له من الكافر أن مصلحة ~~الفداء بالمال قد تكون عامة للمسلمين لحاجتهم إلى المال يتقوون به على ~~عدوهم، فتكون مصلحة المفاداة أرجح من بقاء العبد بين أظهر المسلمين بخلاف ~~بيع المسلم المالك له من كافر، فإنه لا مصلحة للمسلمين في ذلك. # ذكر نصوص أحمد في هذا الباب # قال يعقوب بن بختان: سألت أبا عبد الله: أيباع السبي من أهل الذمة؟ قال: ~~لا، يروى فيه عن الحسن. # وقال بكر بن محمد: سئل أبو عبد الله عن الرجل يبيع العبد النصراني من ~~النصراني؟ قال: لا يبتاعون من سبينا، قيل له: فيكون عبدا لنصراني فيشترى ~~منه فيباع للنصراني؟ قال: نعم، وكره أن يباع المملوك النصراني إذا كان من ~~سبي المسلمين للنصارى. # وقال [المروذي] : سئل أبو عبد الله: هل يشتري أهل الذمة من سبينا؟ قال: ~~لا، إذا صاروا إليهم يئسوا من الإسلام، وإذا كانوا في أيدي المسلمين فهو ~~أقرب إلى الإسلام. قال: وسألته تباع الجارية النصرانية من النصراني؟ ms488 قال: ~~لا، إذا باعها فقد أيسنا من إسلامها. # PageV03P1258 # وقال عبد الله: سمعت أبي يقول: ليس لأهل الذمة أن يشتروا شيئا من سبينا ~~يمنعون من ذلك؛ لأنهم إذا صاروا إليهم نشئوا على كفرهم. # ويقال: إن عمر كان في عهده لأهل الشام أن يمنعوا من شراء سبايانا. # وقال عبد الله: سألت أبي عن رجل كانت عنده أمة نصرانية ولها ولد، أيبيعها ~~مع ولدها من نصراني؟ قال: لا، قلت فإن باعها وحدها دون ولدها للنصراني؟ ~~قال: لا يبيعها للنصراني، ليس لهم أن يشتروا مما سبى المسلمون شيئا. قلت ~~لأبي: فمن أين يشترون؟ قال: بعضهم من بعض. # ويروى عن عمر أنه كتب ينهى أن تباع النصرانية من النصراني. # ويروى عن الحسن أنه كره ذلك. # وقال في رواية حنبل: ليس لنصراني ولا أحد من أهل الأديان أن يشتري من ~~سبينا شيئا، ولا يباع منهم، وإن كان صغيرا لعله يسلم، وهذا يدخله في دينه. ~~قلت: فإن كان كبيرا وأبى الإسلام؟ قال: لا يباع إلا من مسلم لعله يسلم، ~~وأما الصبي فلا يتركوه أن يدخلوه في دينهم، ولا يباع # PageV03P1259 # شيء من سبينا منهم نحن أحق به، هم أقرب إلى الإسلام، وكذلك قال في رواية ~~أبي طالب. # وقال في رواية ابنه صالح: لا يباع الرقيق من يهودي ولا نصراني ولا مجوسي ~~من كان منهم، وذاك لأنه إذا باعه أقام على الشرك، وكتب فيه عمر ينهى عنه ~~أمراء الأمصار. # وكذلك قال في رواية إسحاق بن إبراهيم وأبي الحارث والميموني. # قال الميموني: قلت: فإن باع رجل منهم مملوكه يرده؟ قال: نعم؛ يرده، فقال ~~له رجل: من أين يكون رقيقهم؟ قال: مما في أيديهم مما صولحوا عليه فتناسلوا، ~~فأما أن يشتروا منا فلا. # وكذلك قال في رواية ابن منصور: لا يباعون من أهل الذمة ولا من أهل الحرب ~~صغارا كانوا أو كبارا. # PageV03P1260 ### | [فصل قولهم وألا نمنع أحدا من أقربائنا أراد الدخول في الإسلام] ### | 235 - # فصل # قولهم: " وألا نمنع أحدا من أقربائنا أراد الدخول في الإسلام " # فهذا أيضا يقتضي انتقاض عهدهم به، ms489 فإنه مشروط عليهم، وهو أيضا محاربة لله ~~ورسوله بالمنع من الدخول في دينه، فالأول دعاء إلى الدخول في الكفر وترغيب ~~فيه، وهذا منع لمن أراد الانتقال منه والعدول عنه. # PageV03P1261 ### | [الفصل الثالث ما يتعلق بتغيير لباسهم وتمييزهم عن المسلمين في المركب واللباس ونحوه] ### | [فصل قولهم نلزم زينا حيثما كنا وألا نتشبه بالمسلمين في لبس ولا فرق شعر ولا في مراكبهم] # الفصل الثالث # [فيما يتعلق بتغيير لباسهم وتمييزهم عن المسلمين في المركب واللباس ~~ونحوه] ### | 236 - # فصل # وقولهم: " وأن نلزم زينا حيثما كنا وألا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ~~ولا عمامة ولا فرق شعر ولا في مراكبهم " # هذا أصل الغيار، وهو سنة سنها من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~باتباع سنته، وجرى عليها الأئمة بعده في كل عصر ومصر، وقد تقدمت بها سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال أبو القاسم الطبري في سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مما ~~يدل على وجوب استعمال الغيار لأهل الملل الذين خالفوا شريعته صغارا وذلا ~~وشهرة وعلما عليهم؛ ليعرفوا من المسلمين في زيهم ولباسهم ولا يتشبهوا بهم: ~~" وكتب عمر إلى الأمصار أن تجز نواصيهم، وألا يلبسوا لبسة المسلمين حتى ~~يعرفوا ". # PageV03P1262 # وعن عمر بن عبد العزيز مثله. # قال: " وهذا مذهب التابعين وأصحاب المقالات من الفقهاء المتقدمين ~~والمتأخرين ". ثم ساق من طريق [الفريابي] : حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، عن ~~حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر رضي الله عنهما # PageV03P1263 # قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «بعثت بالسيف بين يدي الساعة ~~حتى يعبد الله لا يشرك به، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه ~~بقوم فهو منهم» ". رواه الإمام أحمد في " مسنده ". # قال أبو القاسم: " هذا أحسن حديث روي في الغيار، وأشبه بمعناه وأوجه في ~~استعماله لما ينطق لفظه بمعناه ومفهومه بما يقتضي فحواه من قوله: " «وجعل ~~الذل والصغار على من خالف أمري» " فأهل الذمة أعظم خلافا لأمره وأعصاهم ~~لقوله، فهم أهل أن يذلوا بالتغيير عن ms490 زي المسلمين الذين أعزهم الله بطاعته ~~وطاعة رسوله من الذين عصوا الله ورسوله فأذلهم وصغرهم وحقرهم حتى تكون سمة ~~الهوان عليهم فيعرفوا بزيهم. # ودلالته ظاهرة في وجوب استعمال الغيار على أهل الذمة في قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " «من تشبه بقوم فهو منهم» " ومعناه إن شاء الله أن المسلم ~~يتشبه بالمسلم في زيه فيعرف أنه مسلم، والكافر يتشبه بزي الكافر فيعلم أنه ~~كافر، فيجب أن يجبر الكافر على التشبه بقومه ليعرفه المسلمون به، وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يسلم الراكب على الماشي، والماشي على ~~القاعد، والقليل على الكثير» ". وسأله رجل: أي الإسلام خير؟ قال: " «تطعم ~~الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» ". # PageV03P1264 # وقد نهى أن يبدأ اليهود والنصارى بالسلام، وأمر إذا سلم أحدهم علينا أن ~~نقول له: " وعليكم ". # وإذا كان هذا من سنة الإسلام فلا بد أن يكون لأهل الذمة زي يعرفون به حتى ~~يمكن استعمال السنة في السلام في حقهم، ويعرف منه المسلم من سلم عليه، هل ~~هو مسلم يستحق السلام أو ذمي لا يستحقه؟ وكيف يرد عليهم؟ وقد كتب عمر إلى ~~الأمصار " أن تجز نواصيهم " يعني أهل الكتاب، " وألا يلبسوا لبسة المسلمين ~~حتى يعرفوا ". # قلت: ما ذكره من أمر السلام فائدة من فوائد الغيار وفوائده أكثر من ذلك. # فمنها أنه لا يقوم له ولا يصدره في المجلس، ولا يقبل يده، ولا يقوم لدى ~~رأسه، ولا يخاطبه بأخي وسيدي ووليي ونحو ذلك، ولا يدعى له بما يدعى به ~~للمسلم من النصر والعز ونحو ذلك، ولا يصرف إليه من أوقاف المسلمين ولا من ~~زكواتهم، ولا يستشهده تحملا ولا أداء، ولا يبيعه عبدا مسلما، ولا يمكنه من ~~المصحف وغير ذلك من الأحكام المختصة بالمسلمين، فلولا النهي لعامله ببعض ما ~~هو مختص بالمسلم. # فهذا من حيث الإجمال، وأما من حيث التفصيل ففي شروط عمر # PageV03P1265 # رضي الله عنه: " وألا نتشبه بالمسلمين في شيء من لباسهم في قلنسوة " ~~فيمنعون من لباسها لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ms491 وصحابته يلبسونها، ~~ولم يزل لبسها عادة الأكابر من العلماء والفقهاء والقضاة والأشراف والخطباء ~~على الناس، واستمر الأمر على ذلك إلى أواخر الدولة الصلاحية فرغب الناس ~~عنها. # وقد روى العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي، عن ابن عمر: «كان للنبي ~~قلنسوة بيضاء لاطئة يلبسها» . # وكان لعلي رضي الله عنه قلنسوة بيضاء يلبسها. # وذكر سفيان عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان لا يمسح على ~~العمامة ولا على القلنسوة. # وقالت أم نهار: كان أنس يمر بنا في كل جمعة على برذون عليه قلنسوة لاطئة. # PageV03P1266 # فإنما نهى عمر رضي الله عنه أهل الذمة عن لبسها؛ لأنها زي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وصحابته من بعده وغيرهم من الخلفاء بعده، وللمسلمين برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أسوة وقدوة، فالخلفاء يلبسونها اقتداء ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم وتشبها به وهم أولى الناس باتباعه واقتفاء ~~أثره، والعلماء يلبسونها إذا انتهوا في علمهم وعزهم وعظمت منزلتهم واقتدى ~~الناس بهم فيتميزون بها للشرف على من دونهم لما رفعهم الله بعلمهم على جهلة ~~خلقه، والقضاة تلبسها هيبة ورفعة، والخطباء تلبسها على المنابر لعلو ~~مقامهم؛ فيمنع أهل الذمة من لباس القلنسوة لعدم وجود هذه المعاني فيهم. ### | [فصل قولهم ولا عمامة] ### | 237 - # فصل # قولهم: " ولا عمامة ". # قال أبو القاسم: والعمامة يمنعون من لبسها والتعمم بها؛ إن العمائم تيجان ~~العرب وعزها على سائر الأمم من سواها، ولبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والصحابة من بعده، فهي لباس العرب قديما، ولباس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والصحابة، فهي لباس الإسلام. # قال جابر رضي الله عنه: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح ~~وعليه عمامة سوداء» . # قال: وروى عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، # PageV03P1267 # عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: " «اعتموا تزدادوا ~~حلما، وقال: العمائم تيجان العرب» ". # PageV03P1268 # وقال المغيرة بن شعبة: «توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح بناصيته، ~~وعلى ms492 العمامة والخفين» . # وقال أنس: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية، ~~فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينفض العمامة» . # PageV03P1269 # وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «فرق ما بيننا وبين المشركين ~~العمائم على القلانس» ". # PageV03P1270 # وهذا - وإن كان إخبارا بالواقع - فإنه إرشاد إلى المشروع. # وقال معاوية، عن ابن إسحاق، عن صفوان بن [عمرو] ، عن [الفضيل] بن ~~الفضالة، عن خالد بن معدان قال: إن الله ألزم هذه الأمة بالعصائب والألوية. ~~يريد بالعصائب العمائم كما في الحديث: " «فأمرهم أن يمسحوا على [العصائب] ~~والتساخين» ". فالعصائب العمائم، والتساخين الخفاف. # PageV03P1271 # قالوا: والعمائم ليست من زي بني إسرائيل وإنما هي من زي العرب. # وقال أبو القاسم: ولا يمكن الذمي من التعمم بها، فإنه لا عز له في دار ~~الإسلام ولا هي من زيه. # قلت: فلو خالفت عمائمهم عمائم المسلمين في لون أو غيره فهل يمكنون من ~~ذلك؟ يحتمل أن يقال بتمكينهم منها لحصول التمييز المقصود، ويحتمل ألا ~~يمكنوا إذ المقصود أنهم لا يلبسون هذا الجنس كما لا يركبون الخيل ولو تميزت ~~عن خيول المسلمين؛ لأن ركوبها عز وليسوا من أهله، كما يمنعون من إرخاء ~~الذوائب. # ولم أجد عن أحمد نصا في لبسهم العمائم، ولكن قال المتأخرون من أتباعه: ~~إنهم يشدون في أطراف عمائمهم وقلانسهم ما يخالف لونها بحمرة أو صفرة ~~ونحوهما. # وحكوا في جواز تمكينهم من الطيالسة وجهين، وأحد الوجهين في العمائم أولى ~~وأحق بالمنع لما تقدم. # PageV03P1272 # وقال أبو الشيخ: حدثنا أحمد بن الحسين، حدثنا الدورقي، حدثنا علي بن ~~الحسن بن شقيق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا معمر: أن عمر بن عبد العزيز كتب " ~~أن امنع من قبلك فلا يلبس نصراني قباء ولا ثوب خز ولا عصب، وتقدم في ذلك ~~أشد التقدم حتى لا يخفى على أحد نهي عنه، وقد ذكر لي أن كثيرا ممن قبلك من ~~النصارى قد راجعوا لبس العمائم وتركوا المناطق على أوساطهم واتخذوا الوفر ~~والجمم، ولعمري إن كان يصنع ذلك فيما قبلك إن ذلك بك ضعف وعجز، ms493 فانظر كل ~~شيء نهيت عنه وتقدمت فيه فلا ترخص فيه ولا تغير منه شيئا ". # PageV03P1273 # حدثنا أحمد بن الحسين، حدثنا أحمد، حدثنا سعيد بن سلمان، ثنا أبو معشر، ~~عن محمد بن قيس وسعيد بن عبد الرحمن بن حبان قالا: دخل ناس من بني تغلب على ~~عمر بن عبد العزيز عليهم العمائم كهيئة العرب، قالوا: يا أمير المؤمنين، ~~ألحقنا بالعرب. قال: فمن أنتم؟ قالوا: نحن بنو تغلب. قال: أولستم من أوسط ~~العرب؟ قالوا: نحن نصارى. قال: علي بجلم، فأخذ من نواصيهم وألقى العمائم ~~وشق من رداء كل واحد منهم شبرا يحتزم به وقال: لا تركبوا السروج، واركبوا ~~الأكف ودلوا أرجلكم من شق واحد. # حدثنا خالي، حدثنا محمد بن عبد الوهاب بن موسى العسقلاني، # PageV03P1274 # حدثنا مبشر بن صفوان، حدثنا الحكم بن عمرو الرعيني قال: كتب عمر بن عبد ~~العزيز إلى أمصار الشام: " لا يمشي نصراني إلا مفروق الناصية، ولا يلبس ~~قباء، ولا يمشي إلا بزنار من جلد، ولا يلبس طيلسانا، ولا يلبس سراويل ذات ~~خدمة، ولا يلبس نعلا ذات عذبة، ولا يركب على سرج، ولا يوجد في بيته سلاح ~~إلا انتهب، ولا يدخل الحمام يوم الجمعة يهودي ولا نصراني حتى تصلى الجمعة ~~". # حدثنا أبو يعلى عن ابن [مسهر] ، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن عبد الرحمن ~~بن إسحاق، عن خليفة بن قيس، عن خالد بن عرفطة قال: كتب عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه إلى الأمصار أن: " تجز نواصيهم - يعني النصارى - ولا يلبسوا ألبسة ~~المسلمين حتى يعرفوا ". # PageV03P1275 # حدثنا أحمد بن الحسين الحذاء، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا علي ~~بن الحسن بن شقيق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا معمر أن عمر بن عبد العزيز ~~كتب: " أما بعد، فلا يركبن يهودي ولا نصراني على سرج وليركبن على إكاف، ولا ~~يركبن نساؤهم على راحلة وليكن ركوبهن على إكاف، وتقدم في ذلك تقدما بليغا ~~". # PageV03P1276 # وقال الخلال في " الجامع ": باب ما تؤخذ به النصارى من اتخاذ الزنانير ~~وعلى نسائهم من زيهم: أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن ms494 جعفر قالا: حدثنا ~~أبو الحارث قال: قال أحمد: " ينبغي أن يؤخذ أهل الذمة بالزنانير يذلون بذلك ~~". # ثنا يحيى بن [جعفر بن] عبد الله بن [الزبرقان] ، ثنا يحيى بن [السكن] ، ~~ثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أمر عمر رضي ~~الله عنه أن تجز نواصي أهل الذمة، وأن يشدوا المناطق، وأن يركبوا الأكف ~~بالعرض. # PageV03P1277 # حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، ~~عن عمرو بن ميمون بن مهران قال: كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أن ~~ينهوا النصارى أن يفرقوا رءوسهم، وتجز نواصيهم، وأن تشد مناطقهم، ولا ~~يركبوا على سرج، ولا يلبسوا عصبا ولا خزا، وأن يمنع نساؤهم أن يركبن ~~الرحائل، فإن قدر على أحد منهم فعل ذلك بعد التقدم إليه فإن سكنه لمن وجده. # PageV03P1278 ### | [فصل اختصاص أهل الإسلام بالتلحي في العمائم] ### | 238 - # فصل # [اختصاص أهل الإسلام بالتلحي في العمائم] # ويمنعون من التلحي، صرح بذلك أصحاب الشافعي في كتبهم. # وقال أبو القاسم هبة الله بن [الحسن] بن منصور الطبري في " شرح كتاب عمر ~~بن الخطاب " بعد أن ذكر المنع من لبس العمامة: " وكذلك لا يتلحى لما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالتلحي ونهى عن [الاقتعاط] ، وإنما أمر ~~به المسلمين ومن آمن به واقتدى بأفعاله، فمن فعله من أمته فإنما يفعله ~~اتباعا لأمره واستعمالا لسنته، وهو زي العرب من آباد الدهر وليس هو زي بني ~~إسرائيل، فلا يمكن الذمي منه؛ لأنه ليس زي قومه فيما مضى، فيجب ألا يكون ~~زيا له الآن ". # قال أبو عبيد في هذا الحديث: أصل التلحي في لبس العمائم، # PageV03P1279 # وذلك لأن العمائم يقال لها [المقعطة] ، فإذا لاثها المعتم على رأسه ولم ~~يجعلها تحت [حنكه] قيل: [اقتعطها فهو] المنهي عنه، فإذا أدارها تحت الحنك ~~قيل: تلحاها، وكان طاوس يقول: " تلك عمة الشيطان " يعني التي لا يتلحى بها. # قال أبو القاسم: وعمة الشيطان أهل الذمة بها أولى! . # قال: وكذلك إذا تعمموا ms495 لا يرسلون أطراف العمامة خلف ظهورهم؛ لأن هذا هو ~~السنة في التعمم بفعل الرسول، بفعل عبد الرحمن بن عوف فيما روى الهيثم بن ~~حميد، عن صفوان بن عيلان، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمر رضي ~~الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمر عبد الرحمن بن عوف أن ~~يتجهز لسرية بعثه عليها، فأصبح قد اعتم بعمامة سوداء» . # وقال أبو أسامة: [حدثنا] عبيد الله، عن نافع: كان ابن عمر يعتم # PageV03P1280 # ويرخيها بين كتفيه. قال عبيد الله: وأخبرني أشياخنا أنهم رأوا أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعتمون ويرخونها بين أكتافهم. # فإرخاء الذؤابة من زي أهل العلم والفضل والشرف، فلا يجوز أن يمكن الكفار ~~من التشبه بهم فيه. # PageV03P1281 ### | [فصل قولهم ولا في نعلين] ### | 239 - # فصل # قولهم: " ولا في نعلين، ولا فرق شعر ". # أي: لا نتشبه بهم في نعالهم، بل تكون نعالهم مخالفة لنعال المسلمين ليحصل ~~كمال التمييز وعدم المشابهة في الزي الظاهر، ليكون ذلك أبعد من المشابهة في ~~الزي الباطن فإن المشابهة في أحدهما تدعو إلى المشابهة في # PageV03P1282 # الآخر بحسبها، وهذا أمر معلوم بالمشاهدة، فليس المقصود من الغيار # PageV03P1283 # والتمييز في اللباس وغيره مجرد تمييز الكافر عن المسلم بل هو من جملة ~~المقاصد، والمقصود الأعظم ترك الأسباب التي تدعو إلى موافقتهم ومشابهتهم ~~باطنا، والنبي صلى الله عليه وسلم سن لأمته ترك التشبه بهم بكل طريق وقال: ~~" «خالف هدينا هدي المشركين» "، وعلى هذا الأصل # PageV03P1285 # أكثر من مائة دليل حتى شرع لها في العبادات التي يحبها الله ورسوله تجنب ~~مشابهتهم في مجرد الصورة كالصلاة والتطوع عند طلوع الشمس وغروبها، فعوضنا ~~بالتنفل في وقت لا تقع الشبهة بهم فيه. # ولما كان صوم يوم عاشوراء لا يمكن [التعويض] عنه بغيره لفوات غير ذلك ~~اليوم أمرنا أن نضم إليه يوما قبله ويوما بعده لتزول صورة # PageV03P1286 # المشابهة، ثم لما قهر المسلمون أهل الذمة وصاروا تحت قهرهم وحكمهم # PageV03P1287 # ألزمهم أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه بترك التشبه بالمسلمين كما أمر ~~النبي صلى الله ms496 عليه وسلم بترك التشبه بهم، فتضمن هذان الأصلان العظيمان ~~مجانبتهم في الهدي الظاهر والباطن حتى في النعال، فأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم الأمة بالصلاة في نعالهم مخالفة لأهل الكتاب، ونهاهم عمر رضي الله عنه ~~أن يلبسوا نعال المسلمين. ### | [فصل قولهم ولا بفرق شعر] ### | 240 - # فصل # وكذلك قولهم: " ولا بفرق شعر ". # الأصل في هذا الباب ما ثبت في الصحيح من حديث [الزهري] ، عن عبيد الله بن ~~عبد الله، «عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أهل الكتاب يسدلون ~~أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رءوسهم. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسدل # PageV03P1288 # رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصيته ثم أمر بالفرق، فكان الفرق آخر ~~الأمرين» . # والسدل في اللغة الإرسال، ومعناه في الشعر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يرسل شعره، وكان أولا يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه ~~لمصلحة التأليف وغيرها، فكان يحب أن يفرق شعره فأمسك عنه حتى يأتيه الأمر ~~من الله فجاءه الأمر بالفرق فصار هو السنة. # والفرق هو أن يقسم شعر الرأس نصفين بالسوية، ويجعل ذؤابتين على زي ~~الأشراف الذي لم تزل عليه العلويون والعباسيون. # وهذا آخر الأمرين من فعله وهو الذي استقرت عليه السنة فلا يمكن منه أهل ~~الذمة، بل يؤمرون بأن يرسلوا شعورهم ويسدلوها ويجمعوا شعورهم حتى تكون ~~كاللبنة من خلفهم. # وقد وسم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من على رأسه شعر من ~~أهل الذمة بوسم ينبغي اتباعه وهو أن تجز نواصيهم، والناصية مقدار ربع ~~الرأس، فإذا كان ربعه محلوقا كان علما ظاهرا وأمرا مشهورا أنه ذمي، وهذا ~~معنى ما في كتاب أمير المؤمنين في الشروط: " وأن نجز مقادم رءوسنا ". # PageV03P1289 # قال أبو القاسم: أخبرنا علي بن عمر، أخبرنا إسماعيل بن محمد، حدثنا عباس ~~الدوري، ثنا خالد بن مخلد، عن [عبد الله] بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن ~~عمر رضي الله عنه: أنه كان يكتب إلى عماله ms497 يأمرهم بجز نواصيهم - يعني أهل ~~الكتاب -. # قال أبو القاسم: كذا قال خالد: " عن نافع، عن ابن عمر " وإنما هو عن ~~أسلم، عن عمر، كذلك رواه عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن عمر العمري، ~~وهو الصواب. # PageV03P1290 ### | [فصل في هدي رسول الله عليه السلام في حلق الرأس وتركه وكيفية جعل شعره] ### | 241 - # فصل # في هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلق الرأس وتركه وكيفية جعل ~~شعره. # لم يكن هديه حلق رأسه في غير نسك، بل لم يحفظ عنه أنه حلق رأسه إلا في حج ~~أو عمرة. # وحلق الرأس أربعة أقسام: شرعي، وشركي، وبدعي، ورخصة. # فالشرعي: الحلق في الحج والعمرة. # والشركي: حلق الرأس [للشيوخ] فإنهم يحلقون رءوس المريدين # PageV03P1291 # للشيخ، ويقولون: احلق رأسك للشيخ فلان، وهذا من جنس السجود له، فإن حلق ~~الرأس عبودية مذلة، وكثير منهم يعمل المشيخة الوثنية، فترى المريد عاكفا ~~على السجود له ويسميه وضع رأس وأدبا، وعلى التوبة له، والتوبة لا ينبغي أن ~~تكون لأحد إلا لله وحده، وعلى حلق الرأس له، وحلق الرأس عبودية لا تصلح إلا ~~لله وحده، وكانت العرب إذا أمنوا على الأسير جزوا نواصيه وأطلقوه عبودية ~~وإذلالا له، ولهذا كان من تمام النسك وضع النواصي لله عبودية وخضوعا وذلا. # ويربونه على الحلف باسم الشيخ لإذلاله. # وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «من حلف بغير الله فقد أشرك» ~~". فكيف من نذر لغير الله؟ ! . # وأما الحلق البدعي فهو: كحلق كثير من المطوعة والفقراء يجعلونه شرطا في ~~الفقر، وزيا يتميزون به عن أهل الشعور من الجند والفقهاء والقضاة وغيرهم. # PageV03P1292 # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخوارج أنه قال: " «سيماهم ~~التحليق» ". # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لصبيغ بن عسل وقد سأله عن مسائل فأمر ~~بكشف رأسه وقال: " لو رأيتك محلوقا لأخذت الذي فيه عيناك حتى أن تكون من ~~الخوارج ". # ومن حلق البدعة الحلق عند المصائب بموت القريب ونحوه، فأما المرأة فيحرم ~~عليها ذلك، وقد برئ رسول الله صلى ms498 الله عليه وسلم من الحالقة والصالقة ~~والشاقة. # فالحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة. # والصالقة التي ترفع صوتها بالويل والثبور ونحوه. # والشاقة التي تشق ثيابها. # وأما الرجل فحلقه لذلك بدعة قبيحة يكرهها الله ورسوله. # PageV03P1293 # وأما حلق الحاجة والرخصة فهو كالحلق لوجع أو قمل أو أذى في رأسه من بثور ~~ونحوها فهذا لا بأس به. # وأما حلق بعضه وترك بعضه فهو مراتب: أشدها أن يحلق وسطه ويترك جوانبه كما ~~تفعل شمامسة النصارى، ويليه أن يحلق جوانبه ويدع وسطه كما يفعل كثير من ~~السفلة وأسقاط الناس، ويليه أن يحلق مقدم رأسه ويترك مؤخره. # وهذه الصور الثلاث داخلة في القزع الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وبعضها أقبح من بعض. # فإن دعت الحاجة إلى ذلك لضرر برأسه أو لاستخراج ضفيرة تؤذي عينيه جاز حلق ~~بعضه هذا، والأولى في هذه الحال أن يقتصر على ما تندفع به الحاجة أو حلق ~~جميعه، وهذا فيه نظر. ### | [فصل متى يرخى الشعر ومتى يضفر] ### | 242 - # فصل # [متى يرخى الشعر ومتى يضفر] . # وأما إرخاؤه فإن طال فالأفضل أن يجعل ذؤابتين عن اليمين والشمال، ولا ~~يرسل ولا يضفر ذؤابة واحدة، ولا يجمع كله في مؤخر الرأس، ولا # PageV03P1294 # يرد بعضه فوق بعض على الرأس، فكل هذا مكروه. # وإن قصر إلى شحمة الأذن أو فوقها بحيث لا يتأتى فرقه وجعله ذؤابتين جاز ~~سدله من غير كراهة، وهكذا كان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعره إن ~~طال فرقه وإلا تركه. # والمقصود أن أهل الذمة يؤخذون بتمييزهم عن المسلمين في شعورهم إما بجز ~~مقادم رءوسهم وإما بسدلها، ولو حلقوا رءوسهم لم يعرض لهم. ### | [فصل منع أهل الذمة من لباس الأردية] ### | 243 - # فصل # [منع أهل الذمة من لباس الأردية] . # وأما الأردية فهل يمكنون من لباسها لكون ترك لباسها غير داخل في الشروط، ~~أو لا يمكنون منه لأنها زي العرب وعادتهم فهي كالعمائم؟ فقال أبو القاسم ~~الطبري الفقيه الشافعي: ولا يلبسون الأردية، فإن الأردية من لباس العرب ~~قديما وكان رسول الله ms499 صلى الله عليه وسلم يرتدي والصحابة من بعده، وهو زي ~~المسلمين وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم ساق الأحاديث في ~~لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم الرداء ثم قال: فلا يمكن ذمي من هذه ~~الأردية. # وعن أحمد بن حنبل وأبي حنيفة: أن أهل الذمة لا يمكنون من الأردية. # PageV03P1295 # قال: وأما الطيلسان فهو المغور الطرفين المكفوف الجانبين الملفف بعضه إلى ~~بعض، فإن العرب لم تكن تعرفه ولا تلبسه، وهو لباس اليهود والعجم، والعرب ~~تسميه ساجا. # ويقال: أول من لبسه جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فيما ذكره ~~الزبير بن بكار: حدثني سعيد بن هاشم البكري، عن يحيى بن سعيد بن سالم ~~القداح قال: أول قرشي لبس ساجا جبير بن مطعم اشتري له بألفي درهم، وقال: لا ~~أحسبه إلا قال: من حلوان أو حلولا. # وروي أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أحرم في ساجة، فهو لباس محدث ~~عند العرب، وهو من لباس بني إسرائيل. # ثم ذكر أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الدجال فقال: " ~~«يتبعه سبعون ألفا من يهود أصبهان عليهم الطيالسة» ". # وقال أبو عمران الجوبي: نظر أنس إلى الناس يوم الجمعة عليهم # PageV03P1296 # الطيالسة فقال: كأنهم الساعة يهود خيبر! . # وكان ابن سيرين يكره الطيلسان وقال: هو من زي العجم. # قال: وقد عاب أنس بن مالك في الصدر الأول على من لبس الطيلسان من ~~المسلمين وشبههم بأهل الكتاب. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «من تشبه بقوم فهو منهم» ". # قال: ولا يترك أهل الذمة يلبسون طيالسهم فوق عمائمهم؛ لأن هذا يفعله ~~أشراف المسلمين وعلماؤهم للتمييز عمن دونهم في العلم والشرف، وليس أهل ~~الذمة أهلا لذلك فيمنعون منه. # قال: وفي " كتاب عمر ": ولا يلبسون النعلين. # قال: فيمنع أهل الذمة من لبس جميع الأجناس من النعال. # والنعلان هما من زي العرب من آباد الدهر إلى يومنا هذا، ثم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يلبسهما ويستعملهما، وكذلك الصحابة ms500 من بعده. # وقد روي عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «أمرت بالنعل والخاتم» . # PageV03P1297 # ثم ساق من طريق موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها: " «استكثروا من النعال فإن أحدكم لا ~~يزال راكبا ما كان منتعلا» ". # وقال أنس: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه، وكان لنعليه ~~قبالان» . # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " عليكم بالنعال فإنها خلاخيل الرجال ~~". # ولم تكن النعال من زي العجم، وإنما كان لباسهم رأس الخف الذي يسمونه " ~~التمسك " فيجب أن يحملوا على عادة لباسهم. # قال: ولأنها من زي العلماء والأشراف والأكابر فلا يمكنون من لباسها، ~~انتهى. # PageV03P1298 # فإن قيل: فقد كان اليهود يلبسونها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في المدينة وحولها ويرتدون ويفرقون رءوسهم ويلبسون العمائم، ولم يمنعهم من ~~شيء من ذلك، ولهذا قال: " «إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفوهم» ". وسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق ما اتبع، ولم يلزمهم بالغيار ولا خليفته ~~من بعده أبو بكر الصديق رضي الله عنه. # قيل: إنما اعتمد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن بعده في ~~الغيار سنته، فإنه أرشد إلى مخالفتهم والنهي عنهم حيث لم يكن إلزامهم ~~بالغيار إذ ذاك ممكنا؛ لأن المسلمين لم يكونوا قد استولوا على أهل الكتاب ~~وقهروهم وأذلوهم وملكوا بلادهم، بل كانت أكثر بلادهم لهم وهم فيها أهل صلح ~~وهدنة، فكان المقدور عليه إذ ذاك أمر المسلمين مخالفتهم بحسب الإمكان، فلما ~~فتح الله على المسلمين أمصار الكفار وملكهم ديارهم وأموالهم وصاروا تحت ~~القهر والذل وجرت عليهم أحكام الإسلام ألزمهم الخليفة الراشد والإمام العدل ~~الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~باتباع سنته - عمر بن الخطاب - بالغيار، ووافقه عليه جميع الصحابة واتبعه ~~الأئمة والخلفاء بعده، وإنما قصر في هذا من الملوك من قلت رغبته في نصر ~~الإسلام وإعزاز أهله وإذلال الكفر وأهله. # وقد ms501 اتفق علماء المسلمين على وجوب إلزامهم بالغيار، وأنهم يمنعون من ~~التشبه بالمسلمين في زيهم. # PageV03P1299 ### | [فصل قولهم ولا نتشبه بالمسلمين في مراكبهم ولا نركب السروج] ### | 244 - # فصل # قالوا: " ولا نتشبه بالمسلمين في مراكبهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد ~~السيوف، ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله معنا ". # فأهل الذمة ممنوعون من ركوبهم السروج وإنما يركبون الأكف - وهي البراذع - ~~عرضا، وتكون أرجلهم جميعا إلى جانب واحد كما أمرهم أمير المؤمنين عمر فيما ~~رواه عبد الرحمن بن مهدي عن [عبد الله] ، عن نافع، عن أسلم: أن عمر أمر أهل ~~الذمة أن يركبوا على الأكف عرضا وأن يركبوا عرضا ولا يركبوا كما يركب ~~المسلمون. # وذكر عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر أنه كان يكتب إلى عماله ~~يأمرهم أن يركب أهل الذمة في شق شق. # وقال زهير بن حرب: حدثنا وهب بن جرير قال: زعم أبي قال: نهى عمر بن عبد ~~العزيز أن يركب السروج من خالف الإسلام. # PageV03P1300 # وقال عبد الرحمن بن مهدي، عن خالد بن [أبي] عثمان الأموي قال: أمر عمر بن ~~عبد العزيز في أهل الذمة أن يحملوا على الأكف وأن تجز نواصيهم. # وأن السروج من آلات الخيل، وأهل الذمة ممنوعون من ركوبها فإنها عز لأهلها ~~وليسوا من أهل العز، وعلى هذا جميع الفقهاء. # قال الجويني في " النهاية ": اتفق الأصحاب على أنا نأمر الكفار بالتمييز ~~عن المسلمين بالغيار، وتفصيل ذلك إلى رأي الإمام. # PageV03P1301 # وقال الأصحاب: يمنعون من ركوب الجياد، ويكلفون ركوب الحمير والبغال إلا ~~النفيسة التي يتزين بركوبها فإنها في معنى الخيل، وينبغي أن تتميز مراكبهم ~~عن المراكب التي يتميز بها الأماثل والأعيان من أهل الإيمان. # وقيل: ينبغي أن يكون ركابهم العرور، وهو ركاب الخشب، ثم يضطرون إلى أضيق ~~الطريق، ولا يمكنون من ركوب وسط الجواد إذا كان يطرقها المسلمون، وإن خلت ~~من زحمة الطارقين من المسلمين فلا حرج، ثم تكليفهم التميز بالغيار واجب حتى ~~لا يختلطوا في زيهم وملابسهم بالمسلمين. # قال: وما ذكرناه من تمييزهم في الدواب والمراكب مختلف ms502 فيه فقال قائلون: ~~التميز بها حتم كما ذكرناه في الغيار. ومنهم من جعل ما عدا الغيار أدنى، ثم ~~إذا رأى الإمام ومن إليه الأمر ذلك فلا معترض عليه، وليس يسوغ إلا الاتباع. # وهل يجب على المرأة منهم أن تتميز بالغيار إذا برزت؟ على وجهين: # أحدهما: يجب كالرجل. # والثاني: لا يجب؛ إذ بروز النساء نادر، وذلك لا يقتضي تمييزا في الغيار. # وإذا دخل الكافر حماما فيه مسلمون وكان لا يتميز عمن فيه بغيار وعلامة، ~~فالذي رأته الأصحاب منع ذلك وإيجاب التمييز في هذا المقام # PageV03P1302 # أولى؛ إذ ربما يفسد الماء على حكم دينه بحيث لا يشعر به. # ودخول الكافرة الحمام الذي فيه المسلمات من غير خلاف غيار يخرج على ~~الخلاف الذي ذكرناه. # وكان شيخي رحمه الله تعالى يقول: " لا يمنع أهل الذمة من ركوب جنس الخيل، ~~فلو ركبوا البراذين التي لا زينة فيها والبغال على هذه الصفة فلا منع، ~~والحمار الذي تبلغ قيمته مبلغا إذا ركبه واحد منهم لم أر للأصحاب فيه منعا، ~~ولعلهم نظروا إلى الجنس، ومن الكلام الشائع: ركوب الحمار ذل وركوب الخيل عز ~~"، انتهى. # وقد قال الشافعي: " ولا يركبوا أصلا فرسا، وإنما يركبون البغال والحمير ~~". # قال أصحابه: فتمنع أهل الذمة من ركوب الفرس؛ إذ في ركوبها الفضيلة ~~العظيمة والعز، وهي مراكب المجاهدين في سبيل الله الذين يحمون حوزة الإسلام ~~ويذبون عن دين الله. # قال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو ~~الله وعدوكم} [الأنفال: 60] فجعل رباط الخيل لأجل إرهاب الكفار، فلا يجوز ~~أن يمكنوا من ركوبها إذ فيه إرهاب المسلمين. # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «الخيل معقود في نواصيها # PageV03P1303 # الخير إلى يوم القيامة» ". الأجر والمغنم وأهل الجهاد هم أهل الخيل ~~والخير لاستعمالهم الخيل في الجهاد، فهم أحق بركوب ما عقد الخير بنواصيها ~~من المراكب. # وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن الخيل كانت وحشا في البراري وأول ~~من أنسها وركبها إسماعيل بن إبراهيم، فهي من مراكب بني إسماعيل، ms503 وبها ~~أقاموا دين الحنيفية، وعليها قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعداء ~~الله، وعليها فتح الصحابة الفتوح ونصروا الإسلام، فما لأعداء الله الذين ~~ضربت عليهم الذلة ولركوبها! ! . # وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " لا تعزوهم وقد أذلهم الله، ولا ~~تقربوهم وقد أقصاهم ". ### | [فصل قولهم ولا نتقلد السيوف] ### | 245 - # فصل # قالوا: " ولا نتقلد السيوف ". # يمنع أهل الذمة من تقلد السيوف لما بين كونهم أهل ذمة وكونهم يتقلدون ~~السيوف من التضاد، فإن السيوف عز لأهلها وسلطان، وقد قال # PageV03P1304 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد ~~الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من ~~خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم» ". فبالسيف الناصر والكتاب الهادي عز ~~الإسلام وظهر في مشارق الأرض ومغاربها. # قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ~~ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} [الحديد: 25] . # وهو قضيب الأدب، وفي صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب ~~المتقدمة: " «بيده قضيب الأدب» "، فبعث الله رسوله ليقهر به أعداءه ومن ~~خالف أمره، فالسيف من أعظم ما يعتمد في الحرب عليه ويرهب به العدو وبه ينصر ~~الدين ويذل الله الكافرين، والذمي ليس من أهل حمله والعز به. # وكذلك يمنع أهل الذمة من اتخاذ السلاح وحملها على اختلاف أجناسها كالقوس ~~والنشاب والرمح وما يبقى بأسه، ولو مكنوا من هذا لأفضى إلى اجتماعهم على ~~قتال المسلمين وحرابهم. # قال أبو القاسم الطبري: ومن جرت عادته بالركوب منهم من دهاقينهم ونحوهم ~~فإنه يجوز له الركوب إذا أذن له الإمام فيركب البغلة والحمار على إكاف من ~~غير لجام ولا حكمة ولا سفر ولا مركب محلى ذهبا وفضة، كما سن أمير المؤمنين ~~رضي الله عنه لهم حيث قالوا: " ولا نتشبه بالمسلمين في مراكبهم ". # PageV03P1305 ### | [فصل بعض الأحكام التي ضربت على أهل الذمة] ### | 246 - # فصل # [بعض الأحكام التي ضربت على أهل الذمة] . # قال عبد العزيز: ثنا القاسم، ثنا النضر بن إسماعيل، ms504 عن عبد الرحمن بن ~~إسحاق، عن خليفة بن قيس قال: قال عمر: اكتب بأمرنا [يا يرفأ] إلى أهل ~~الأمصار في أهل الكتاب أن تجز نواصيهم، وأن يربطوا [الكستيجان] في أوساطهم ~~ليعرف زيهم من زي أهل الإسلام. # PageV03P1306 # وذكر يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، عن أسلم أن عمر كتب إلى أمراء ~~الأمصار: أن يأمروا أهل الذمة أن يختم على أعناقهم. # وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الشام أن يشد النصارى مناطقهم ويجزوا ~~نواصيهم. # قال أبو القاسم: ويجب على الإمام أن يأمر أهل الذمة بالغيار في دار ~~الإسلام، ويلزمهم أن يغيروا في الملبس والمركب. # فأما في الملبس فهو أنهم لا يلبسون الفاخر من اللباس الذي يلبسه أشراف ~~الناس وكبارهم من الشروب المرتفعة ولا الخز. # إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى النصارى من أهل الشام ألا يلبسوا عصبا ولا ~~خزا، فمن قدر على أحد منهم فعل من ذلك شيئا بعد التقدم إليه # PageV03P1307 # فإن سلبه لمن وجده. # قال: العصب هو البرد الذي يصبغ غزله وهو اليماني، وقد كان على النبي صلى ~~الله عليه وسلم برد نجراني، وقد كان خلع على كعب بن زهير برده عند إسلامه، ~~فباعه من معاوية، وهو الذي لم يزل الخلفاء يتوارثونه ويتبركون به. # وأما الخز: فإنه لباس الأشراف ومن له عز، فمن لا عز له في الإسلام يمنع ~~من الثياب المرتفعة اقتداء بالخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز. ### | [فصل لون لباس أهل الكتاب] ### | 247 - # فصل # [لون لباس أهل الكتاب] . # وأما لون ما يلبسون من الغيار فإنهم يلبسون الرمادي [الأدكن] وهذا غيار ~~الطوائف كلها، والنصارى يختصون بالرمادي لقولهم في الكتاب: " ونشد الزنانير ~~على أوساطنا ": وهو " المنطقة " المذكورة في اللفظ الآخر، فإن الزنانير ~~مناطق النصارى ولا يكفي شدها تحت ثيابهم بل لا تكون إلا ظاهرة بادية فوق ~~الثياب. # قال الشافعي: ويكفيهم أن يغيروا ثوبا واحدا من جملة ما يلبسون. # PageV03P1308 # وقال الشيخ أبو إسحاق المروزي: إذا دخلوا الحمام علقوا في رقابهم الأجراس ~~ليعرف أنهم من أهل الذمة. # قال أبو القاسم: ms505 فأما الأصفر من اللون فإنهم يمنعون من لباسه إذ كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يلبسه، وكذلك الخلفاء بعده عثمان وغيره، وكان زي ~~الأنصار، وبه كانوا يشهدون المجالس والمحافل، وهو زيهم إلى اليوم إذا دخلوا ~~على الخلفاء فلا يتشبهون برسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه وصحابته ~~فيمنعون من لبسه ولا يمكنون. # قلت: هذا موضع يحتاج إلى بيان وتفصيل، وهو أن لباس أهل الذمة الذي ~~يتميزون به عن المسلمين نوعان: # [الأول:] نوع منعوا منه لشرفه وعلوه، فهذا لا يختلف باختلاف العوائد. # [والثاني:] نوع منعوا منه ليتميزوا به عن المسلمين، فإذا هجره المسلمون ~~وصار من شعار الكفار لم يمنعوا منه، فمن ذلك لباس الأصفر والأزرق لما صار ~~من شعارهم فوق الرءوس - والمسلمون لا يلبسونه - لم يمنع منه أهل الذمة، فإن ~~المقصود بالغيار ما يميزهم به عن المسلمين بحيث يعرفون أنهم من أهل الذمة ~~والذلة. # وقد تقدم حديث خالد بن عرفطة قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ~~الأمصار: أن تجز نواصيهم - يعني النصارى - ولا يلبسوا لبسة المسلمين حتى ~~يعرفوا. # PageV03P1309 ### | [فصل فساد ذمم نساء أهل الكتاب] ### | 248 - # فصل # [فساد ذمم نساء أهل الكتاب] # قال أبو القاسم الطبري: وأما المرأة إذا خرجت فيكون أحد خفيها أحمر حتى ~~يعرف بأنها ذمية. # وقد روى هشام بن الغاز، عن مكحول وسليمان بن موسى أن عمر كتب إلى أهل ~~الشام: امنعوا نساءهم أن يدخلن مع نسائكم الحمامات. # وقال أحمد بن حنبل: أكره أن تطلع أهل الذمة على عورات المسلمين. # قال أبو القاسم: وهذا صحيح، إن نساء أهل الذمة لسن بثقات على شيء من أمور ~~المسلمين فلا يؤمن الفساد. # PageV03P1310 # وقد «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تباشر [المرأة] المرأة ~~(فتنعتها) لزوجها حتى كأنه ينظر إليها» . # يعني: فيفضي ذلك إلى وصف الذمية المسلمة لزوجها الذمي حتى كأنه يشاهدها، ~~فكره أحمد لهذا المعنى. # PageV03P1311 # قال: وقد رويت كراهته عن عبد الله بن بشر، وهو من أعلى التابعين من أهل ~~الشام، ثم ساق من طريق عيسى بن ms506 يونس، عن أبي إسحاق، عن هشام بن الغاز: أن ~~عبد الله بن بشر كره أن تقبل النصرانية وأن ترى عورتها. # قلت: أحمد احتج بقوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} [النور: ~~31] # PageV03P1312 # إلى أن قال: {أو نسائهن} [النور: 31] فخص نساء المسلمات بجواز إبداء ~~الزينة لهن دون الكوافر. # ثم ذكر أحمد هذا الأثر، فعنده في إحدى الروايتين أن المسلمة مع الكافرة ~~كالأختين اللتين تنظران ما تدعو إليه الحاجة، والله أعلم. ### | [فصل قولهم ولا نتكلم بكلامهم] ### | 249 - # فصل # قالوا: " ولا نتكلم بكلامهم ". # هذا الشرط في أهل الكتاب الذي لغتهم غير لغة العرب كنصارى الشام والجزيرة ~~إذ ذاك وغيرهما من البلاد دون نصارى العرب الذين لم تكن لغتهم غير العربية، ~~فمنعهم عمر من التكلم بكلام العرب لئلا يتشبهوا بهم في كلامهم كما منعوا من ~~التشبه بهم في زيهم ولباسهم ومراكبهم وهيئات شعورهم، فألزمهم التكلم ~~بلسانهم ليعرفوا حين التكلم أنهم كفار، فيكون هذا من كمال التميز مع ما في ~~ذلك من تعظيم كلام العرب ولغتهم، حيث لم يسلط عليها الأنجاس والأخابث ~~يتبذلونها ويتكلمون بها، كيف وقد أنزل الله بها أشرف كتبه ومدحه بلسان ~~عربي؟ ! # PageV03P1313 # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن " «لسان أهل الجنة عربي» ". ~~فصان أمير المؤمنين هذا اللسان عن أهل الجحيم وغار عليه أن يتكلموا به، ~~وهذا من كمال تعظيمه للإسلام والقرآن والعرب الذين نزل القرآن بلغتهم، وبعث ~~الله رسوله من أنفسهم مع ما في تمكينهم من التكلم بها من المفاسد التي منها ~~جدلهم فيها واستطالتهم على المسلمين، كما سبق أن وقع لابن البيع لما حذق في ~~العربية وكان مجوسيا فطفق يغمص الإسلام وأهله، ثم لما خالف المسلمين أظهر ~~الإسلام، كالصابئ الكاتب الذي علا المسلمين في كتابته وترسله ثم هجا العرب ~~في قصيدة له مشهورة ومدح عباد الكواكب من الصابئة والمجوس. # ونظائرهما كثير، فلو لم يكن في تعلم الكفار العربية إلا هذه المفسدة ~~وحدها لكان ينبغي أن يمنعوا منها لأجلها. # PageV03P1314 ### | [فصل قولهم ولا ننقش خواتيمنا بالعربية] ### | 250 - # فصل # قالوا: " ولا ننقش ms507 خواتيمنا بالعربية ". # وهذا يحتمل أمورا: # أحدها: أن يريد منعهم السبيل إلى الكتابة بالعربية بحال حتى في نقش ~~الخواتيم، فلا يستعلون على المسلمين. # وثالثها: أنهم ربما [توصلوا] بذلك إلى مفاسد يعود ضررها على المسلمين. # ورابعها: أن في ذلك تشبها بالمسلمين في نقش خواتيمهم. # وقد روى أبو داود وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى أن ينقش الرجل ~~على خاتمه عربيا» . # PageV03P1315 # وحمل هذا النهي على نقش مثل نقشه، يعني: وهو الذي نقش على خاتم النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو " محمد رسول الله " نهى أن ينقش أحد مثل ذلك على خاتمه ~~لما في الاشتراك في ذلك النقش من المفسدة، ويدل عليه الحديث الآخر: «أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من فضة ونقش عليه " محمد رسول ~~الله» " ونهى أن ينقش أحد مثل نقشه، فلعل الراوي وهم في الحديث وقال: نهى ~~أن ينقش عربيا. # وقد يقال: إن ذلك من باب سد الذريعة، حتى يصان ذلك النقش عن المحاكاة، ~~فنهى عن النقش بالعربية مطلقا، ولهذا نظائر في الشريعة لمن تأملها. ### | [فصل قولهم ولا نتكنى بكناهم] ### | 251 - # فصل # قالوا: " ولا نتكنى بكناهم ". # وهذا لأن الكنية وضعت تعظيما وتكريما للمكنى بها كما قال: # أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسوأة اللقبا # وأيضا ففي تكنيهم بكنى المسلمين اشتباه بالكنية، والمقصود التمييز حتى في ~~الهيئة والمركب واللباس. # فإن قيل: فما تقولون في جواز تسميهم بأسماء المسلمين كأبي بكر وعمر ~~وعثمان وعلي وعبد الله وعبد الرحمن وما أشبهها؟ # PageV03P1316 # قيل: هذا موضع فيه تفصيل، فنقول: الأسماء ثلاثة أقسام: # [الأول] : قسم يختص المسلمين. # [والثاني] : قسم يختص الكفار. # [والثالث] : قسم مشترك. # فالأول: كمحمد وأحمد وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فهذا ~~النوع لا يمكنون من التسمي به، والمنع منه أولى من المنع من التكني بكناية ~~المسلمين، فصيانة هذه الأسماء عن أخابث خلق الله أمر جسيم. # والثاني: كجرجس وبطرس ويوحنا ومتى ونحوها، فلا يمنعون منه ولا يجوز ~~للمسلمين أن يتسموا بذلك؛ لما فيه من المشابهة فيما يختصون به. # والنوع ms508 الثالث: كيحيى وعيسى وأيوب وداود وسليمان وزيد وعمر وعبد الله ~~وعطية وموهوب وسلام ونحوها، فهذا لا يمنع منه أهل الذمة ولا المسلمون. # PageV03P1317 # فإن قيل: فكيف تمنعونهم من التسمي بأسماء المسلمين وتمكنونهم من التسمية ~~بأسماء الأنبياء كيحيى وعيسى وداود وسليمان وإبراهيم ويوسف ويعقوب؟ # قيل: لأن هذه الأسماء قد كثر اشتراكها بين المسلمين والكفار بخلاف أسماء ~~الصحابة واسم نبينا فإنها مختصة، فلا يمكن أهل الذمة من التسمي بها. # وقد قال الخلال في " الجامع " باب في أهل الذمة يكنون: # أخبرني حرب قال: قلت لأحمد: أهل الذمة يكنون؟ قال: نعم؛ لا بأس، وذكر أن ~~عمر بن الخطاب قد كنى. # أخبرني محمد بن أبي هارون أن إسحاق بن إبراهيم حدثهم قال رأيت أبا عبد ~~الله كنى نصرانيا طبيبا، قال: يا أبا إسحاق، ثم أخرج إلي فيه بابا. # أخبرنا أحمد بن محمد بن حازم، حدثنا إسحاق بن منصور أنه قال لأبي عبد ~~الله: يكره أن يكنى غير المسلم؟ فقال: أليس النبي صلى الله # PageV03P1318 # عليه وسلم حين دخل [على] سعد بن عبادة قال: " «ما ترى ما يقول أبو ~~الحباب؟» " # أخبرني محمد بن أبي هارون أن أبا الحارث حدثهم قال: سألت أبا عبد الله: ~~أيكنى الذمي؟ # قال: نعم؛ قد روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسقف نجران: أسلم يا ~~أبا الحارث» . # PageV03P1319 # أخبرني أحمد بن محمد بن مطر وزكريا بن يحيى قالا: ثنا أبو طالب أنه سأل ~~أبا عبد الله: يكني الرجل أهل الذمة؟ قال: قد «كنى النبي صلى الله عليه ~~وسلم أسقف نجران» وعمر رضي الله عنه قال: يا أبا حسان، إن كنى أرجو أنه لا ~~بأس به. # أخبرني [محمد] بن علي، حدثنا مهنا قال: سألت أحمد: هل يصلح تكني اليهودي ~~والنصراني؟ فحدثني أحمد، عن ابن عيينة، عن أيوب، عن يحيى بن أبي كثير: أن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لنصراني: # PageV03P1320 # أسلم يا أبا حسان، أسلم تسلم. # قلت: ومدار هذا الباب وغيره مما تقدم على المصلحة الراجحة، فإن كان في ~~كنيته تمكينه من اللباس ms509 وترك الغيار والسلام عليه أيضا، ونحو ذلك تأليفا له ~~ورجاء إسلامه وإسلام غيره كان فعله أولى كما يعطيه من مال الله لتألفه على ~~الإسلام، فتألفه بذلك أولى، وقد ذكر وكيع، عن ابن عباس أنه كتب إلى رجل من ~~أهل الكتاب: " سلام عليك ". # ومن تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في تأليفهم الناس على ~~الإسلام بكل طريق تبين له حقيقة الأمر، وعلم أن كثيرا من هذه الأحكام التي ~~ذكرناها من الغيار وغيره تختلف باختلاف الزمان والمكان والعجز والقدرة ~~والمصلحة والمفسدة. # ولهذا لم يغيرهم النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر رضي الله عنه، ~~وغيرهم عمر رضي الله عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم قال لأسقف # PageV03P1321 # نجران: «أسلم يا أبا الحارث» . تأليفا له واستدعاء لإسلامه لا تعظيما له ~~وتوقيرا. ### | [فصل خطاب الكتابي بسيدي ومولاي] ### | 252 - # فصل # [خطاب الكتابي بسيدي ومولاي] . # وأما أن يخاطب بسيدنا ومولانا ونحو ذلك فحرام قطعا. وفي الحديث المرفوع: ~~" «لا تقولوا للمنافق سيدنا، فإن يكن سيدكم فقد أغضبتم ربكم» ". # PageV03P1322 # وأما تلقيبهم بمعز الدولة وعضد الدولة ونحو ذلك، فلا يجوز كما أنه لا ~~يجوز أن يسمى سديدا ولا رشيدا ولا مؤيدا ولا صالحا ونحو ذلك، ومن تسمى بشيء ~~من هذه الأسماء لم يجز للمسلم أن يدعوه به، بل إن كان نصرانيا قال: يا ~~مسيحي يا صليبي، ويقال لليهودي: يا إسرائيلي يا يهودي. # وأما اليوم فقد وفقنا إلى زمان يصدرون في المجالس، ويقام لهم، وتقبل ~~أيديهم، ويتحكمون في أرزاق الجند والأموال السلطانية، ويكنون بأبي العلاء ~~وأبي الفضل وأبي الطيب، ويسمون حسنا وحسينا وعثمان وعليا، وقد كانت أسماؤهم ~~من قبل يوحنا ومتى وحنينا وجرجس وبطرس ومار جرجس ومارقس ونحو ذلك، وأسماء ~~اليهود عزرا وأشعيا ويوشع وحزقيل وإسرائيل وسعيج وحيي ومشكم ومرقس وسموأل ~~ونحو ذلك، ولكل زمان دولة ورجال. # PageV03P1323 ### | [فصل مما يتعلق بهذا الفصل كيف يكتب إليهم] ### | 253 - # فصل # ومما يتعلق بهذا الفصل كيف يكتب إليهم. # قال الخلال: باب كيف عنوان الكتاب وكيف يصدر إليهم. # أخبرنا أحمد بن محمد بن ms510 حازم أن إسحاق بن منصور حدثهم أنه قال لأبي عبد ~~الله: كيف يكتب الرجل إلى أهل الكتاب؟ فقال: لا أدري كيف أقول الساعة، ثم ~~عاودته فسكت، فقلت: حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين كتب إلى قيصر قال: ~~عمن هو؟ قلت: حديث الزهري. قال: نعم؛ يكتب «السلام على من اتبع الهدى» . # PageV03P1324 # وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله: كيف أكتب إلى اليهودي والنصراني، سلام ~~عليك أو سلام على من اتبع الهدى؟ قال: سلام على من [اتبع] الهدى يذله. # وقال الأثرم: أن أبا عبد الله قيل له يكتب إلى النصراني: أبقاك الله ~~وحفظك ووفقك؟ قال: لا. # وقال حرب: قلت لإسحاق: الرجل يقول للمشرك: إنه رجل عاقل، قال: لا ينبغي ~~أن يقال لهم؛ لأنهم ليست لهم عقول. # وذكر وكيع، عن سفيان، عن منصور قال: سألت [إبراهيم و] مجاهدا: كيف يكتب ~~إلى أهل الذمة؟ فقال مجاهد: على من اتبع الهدى. # وقال إبراهيم: سلام عليك. # PageV03P1325 # وقال وكيع، عن سفيان، عن عمار [لدهني] ، عن رجل، عن كريب، عن ابن عباس ~~أنه كتب إلى رجل من أهل الكتاب: سلام عليك. # قلت: إن ثبت هذا عن ابن عباس - وهو راوي حديث أبي سفيان - «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كتب إلى قيصر: " سلام على من اتبع الهدى» فلعله ظن أن ذلك ~~مكاتبة أهل الحرب ومن ليس له ذمة. # وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: " «لا تبدءوهم بالسلام» " - وهذا لما ~~ذهب إليهم ليحاربهم وهم يهود قريظة - فأمر ألا يبدءوا بالسلام؛ لأنه أمان ~~وهو قد ذهب لحربهم. سمعت شيخنا يقول ذلك، ولكن في الحديث الصحيح " «لا ~~تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا سلم # PageV03P1326 # عليكم أحدهم فقولوا: وعليكم» ". وقد تقدمت هذه المسألة. # وإذا كتب إلى الذمي بدأ بنفسه قبله، فيقول: " من فلان إلى فلان ". وله أن ~~يعظمه بالنسبة إلى قومه فيقول: كبير قومه ورئيسهم، وله أن يدعو له بالهداية ~~فقد كانت اليهود تتعاطس عند النبي صلى الله عليه وسلم ليقول لأحدهم: " ~~«يرحمك الله» " فكان يقول: " «يهديكم الله» ". # PageV03P1327 ### | [فصل قولهم ونوقر ms511 المسلمين في مجالسهم ونقوم لهم عن المجالس] ### | 254 - # فصل # قالوا: " ونوقر المسلمين في مجالسهم، ونقوم لهم عن المجالس، ولا نطلع ~~عليهم في منازلهم، ونرشدهم الطريق. # هذه أربعة أمور: # أحدها: توقير المسلمين في مجالسهم، والتوقير التعظيم والاحتشام لهم، ولا ~~يمكرون عليهم بمكر، ولا يدخلون عليهم بغير استئذان، ولا يفعلون بين أيديهم ~~ما يخل بالوقار والأدب، ويحيونهم بتحية أمثالهم، ولا يمدون أرجلهم بحضرتهم، ~~ولا يرفعون أصواتهم بين أيديهم ونحو ذلك. # الثاني: قولهم: " ونقوم لهم عن المجالس " أي: إذا دخلوا ونحن في مجلس ~~قمنا لهم عنه وأجلسناهم فيه، فيكون لهم صدره ولنا أدناه، وهذا يعم المجالس ~~المشتركة والمختصة بهم، فإذا دخلوا عليهم دورهم وكنائسهم قاموا لهم عن ~~مجالسهم وأجلسوهم فيها. # الثالث: قولهم: " ولا نطلع عليهم في منازلهم " هذا صريح في أنهم لا يعلون ~~عليهم في المسكن سواء كان من بنيانهم أو بنيان غيرهم، فلا يمكنون من سكنى ~~دار عالية على المسلمين؛ لأن ذلك ذريعة إلى اطلاعهم عليهم، وهذا الذي ندين ~~الله به ولا نعتقد غيره، أنهم لا يمكنون من السكنى على رءوس المسلمين بحال ~~وقد تقدمت المسألة مستوفاة، وبينا أن المفسدة في نفس المسلمين لقصور فيهم ~~لا في نفس البناء. # PageV03P1328 # الرابع: قولهم: " ونرشدهم الطريق " أي: إذا استدل مسلم على الطريق ~~أرشدناه إلى النحو الذي يقصده ويريده. # وهذا يتناول الإرشاد بنصب الأعلام وبالدلالة وبإرسال من يدل المسلم على ~~الطريق بحسب الحاجة إلى الإرشاد. ### | [فصل صيانة القرآن أن يحفظه من ليس من أهله] ### | 255 - # فصل # [صيانة القرآن أن يحفظه من ليس من أهله] . # قالوا: " ولا نعلم أولادنا القرآن " صيانة للقرآن أن يحفظه من ليس من ~~أهله ولا يؤمن به بل هو كافر به فهذا ليس أهل أن يحفظه ولا يمكن منه، وقد ~~«نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو» مخافة أن ~~تناله أيديهم، فلهذا ينبغي أن يصان عن تلقينهم إياه. # فإن طلب أحد منهم أن يسمعه منهم فإن له أن يسمعه إياه إقامة للحجة عليهم ~~ولعله أن يسلم. # PageV03P1329 # [الفصل الرابع ms512 في أمر معاملتهم للمسلمين بالشركة ونحوها] ### | [فصل قولهم ولا يشارك أحد منا مسلما في تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة] ### | الفصل الرابع # في أمر معاملتهم للمسلمين بالشركة ونحوها. ### | 256 - # فصل # قالوا: " ولا يشارك أحد منا مسلما في تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمر ~~التجارة ". # وهذا لأن الذمي لا يتوقى مما يتوقى منه المسلم من العقود المحرمة ~~والباطلة ولا يرون بيع الخمر والخنزير. # وقد قال إسحاق بن إبراهيم: سمعت أبا عبد الله - وسئل عن الرجل يشارك ~~اليهودي والنصراني؟ - قال: يشاركهم، ولكن هو يلي البيع والشراء، وذلك أنهم ~~يأكلون الربا ويستحلون الأموال. # ثم قال أبو عبد الله: {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} [آل ~~عمران: 75] # وقال إبراهيم بن هانئ: سمعت أبا عبد الله قال في شركة اليهودي # PageV03P1330 # والنصراني: أكرهه، لا يعجبني إلا أن يكون المسلم الذي يلي البيع والشراء. # وقال أبو طالب والأثرم - واللفظ له -: سألت أبا عبد الله عن شركة اليهودي ~~والنصراني؟ فقال: شاركهم، ولكن لا يخلو اليهودي والنصراني بالمال دونه ~~ويكون هو يليه؛ لأنهم يعملون بالربا. # وقال إسحاق بن منصور: قلت لأبي عبد الله: قيل لسفيان: ما [ترى] في مشاركة ~~اليهودي والنصراني؟ قال: أما ما تغيب عنك فما يعجبني. قال أحمد: حسن. # وذكر عبد الله بن أحمد [حدثني عبد الأعلى] حدثنا حماد بن سلمة قال: قال ~~إياس بن معاوية: إذا شارك المسلم اليهودي أو النصراني فكانت الدراهم مع ~~المسلم فهو الذي يتصرف فيها في الشراء والبيع فلا بأس، ولا يدفعها إلى ~~اليهودي والنصراني يعملان فيها؛ لأنهما يربيان. # قال: فسألت أبي عن ذلك فقال مثل قول إياس. # PageV03P1331 # وقال في رواية العباس بن محمد بن موسى الخلال في المسلم يدفع إلى الذمي ~~مالا يشاركه، قال: أما إذا كان هو يلي ذلك فلا، إلا أن يكون المسلم يليه. # وقال في رواية حنبل: ما أحب مخالطته بسبب من الأسباب في الشراء والبيع - ~~يعني المجوسي -. # [وقال عبد الله بن حنبل: حدثني أبي: سألت عمي قلت له: ترى للرجل أن يشارك ms513 ~~اليهودي والنصراني؟ قال: لا بأس، إلا أنه لا تكن المعاملة في البيع والشراء ~~إليه يشرف على ذلك ولا يدعه حتى يعلم معاملته وبيعه] . # PageV03P1332 # فأما المجوسي فلا أحب مخالطته ولا معاملته؛ لأنه يستحل ما لا يستحل هذا. # وكذلك قال في رواية حرب: لا يشاركه إلا أن يكون المسلم هو الذي يلي البيع ~~والشراء. # وروى حرب، عن عطاء مرسلا قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~مشاركة اليهودي والنصراني إلا أن يكون البيع والشراء بيد المسلم» . # وقد تقدمت هذه المسألة مستوفاة، وإنما ذكرناها ليتم الكلام على شرح كتاب ~~عمر رضي الله عنه لمن أراد أن يفرده من جملة الكتاب. وبالله التوفيق. # PageV03P1333 # [الفصل الخامس في أحكام ضيافتهم للمارة بهم وما يتعلق بذلك] ### | [فصل قولهم وأن نضيف كل مسلم عابر سبيل ثلاثة أيام ونطعمه من أوسط ما نجد] ### | الفصل الخامس # في أحكام ضيافتهم للمارة بهم وما يتعلق بذلك. ### | 257 - # فصل # قالوا: " وأن نضيف كل مسلم عابر سبيل ثلاثة أيام ونطعمه من أوسط ما نجد ~~". # هكذا في كتاب الشروط " ثلاثة أيام " وقال يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن ~~نافع، عن أسلم: كتب عمر إلى أمراء الجزيرة أن " لا تضربوا جزية على النساء ~~والصبيان، وجزية أهل الشام وأهل الجزيرة أربعة دنانير على أهل الذهب ~~وأربعون درهما على أهل الورق، وأن يضيفوا من نزل بهم من المسلمين ثلاثا ". # والأصل في ذلك من السنة ما رواه أبو عبيد في كتاب " الأموال ": # PageV03P1334 # حدثني أبو أيوب الدمشقي قال: حدثني سعدان بن يحيى، عن عبيد الله بن أبي ~~حميد، عن أبي المليح الهذلي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل ~~نجران فكتب لهم كتابا نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتب محمد ~~رسول الله، صالح أهل نجران؛ إذ كان له حكمه عليهم أن في كل سوداء وبيضاء ~~وصفراء وحمراء وثمرة ورقيق، وأفضل عليهم، وترك ذلك لهم: ألفي حلة، في كل ~~صفر ألف حلة، وفي كل رجب ألف حلة؛ كل حلة أوقية ما زاد الخراج أو ms514 نقص، فعلى ~~الأواقي فليحسب، [وما قضوا من ركاب أو خيل أو دروع أخذ منهم بحساب] وعلى ~~أهل نجران [مقرى] رسلي عشرين ليلة [فما دونها] » ". # قال أبو عبيد: قوله " «كل حلة أوقية» " يقول: ثمنها أوقية. # وقوله: " «فما زاد الخراج أو نقص فعلى الأواقي» " # [يعني بالخراج العلل] يقول: إن نقصت من الألفين أو زادت في العدد أخذت ~~بقيمة الألفي الأوقية، فكأن الخراج إنما وقع على الأواقي وجعلها حللا؛ لأنه ~~أسهل # PageV03P1335 # عليهم [من المال] ". # فهذا هو الأصل في وجوب الضيافة على أهل الذمة، سنه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وسنه الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه، وفي ذلك مصلحة لأغنياء ~~المسلمين وفقرائهم. # أما الأغنياء فإنه إذا لم يكن على أهل الذمة ضيافتهم فربما إذا دخلوا ~~بلادهم لا يبيعونهم الطعام، ويقصدون الإضرار بهم، فإذا كانت عليهم ضيافتهم ~~تسارعوا إلى منافعهم خوفا من أن ينزلوا عليهم للضيافة فيأكلون بلا عوض. # وأما مصلحة الفقراء فهو ما يحصل لهم من الارتفاق، فلما كان في ذلك مصلحة ~~لعموم المسلمين جاز اشتراطه على أهل الذمة. # قال الخلال في " الجامع " باب في الضيافة التي شرطت عليهم: # أخبرني محمد بن علي، حدثنا مهنا أنه سأل أبا عبد الله عن حديث ابن أبي ~~ليلى: " جعل عمر رضي الله عنه على أهل السواد وعلى أهل الجزية يوما وليلة " ~~قال: قلت لأحمد: ما يوم وليلة؟ قال: يضيفونهم. # PageV03P1336 # وقال حمدان بن علي: قلت لأحمد: عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل على أهل ~~السواد وأهل الجزية يوما وليلة، فكنا إذا تولينا عليهم قالوا: شبا شبا. قلت ~~لأحمد: ما يوم وليلة؟ قال: يضيفونهم، قلت: ما قولهم: شبا شبا؟ قال: هو ~~بالفارسية؛ ليلة ليلة. # وقال عبد الله بن أحمد: حدثني أبي قال: حدثني وكيع، ثنا هشام، عن قتادة، ~~عن الحسن، عن الأحنف بن قيس: أن عمر رضي الله عنه شرط # PageV03P1337 # على أهل الذمة ضيافة يوم وليلة، وأن يصلحوا [القناطر] وإن قتل رجل من ~~المسلمين بأرضهم فعليهم ديته. # قال: وحدثنا أبي، حدثنا وكيع، عن أبي إسحاق، عن ms515 حارثة بن مضرب: أن عمر ~~رضي الله عنه اشترط على أهل الذمة ضيافة يوم وليلة، فإن حبسهم مطر أو مرض ~~فيومين، فإن مكثوا أكثر من ذلك أنفقوا من أموالهم ويكلفون ما يطيقون. # PageV03P1338 # قال القاضي في " الأحكام السلطانية ": وإذا صولحوا على ضيافة ثلاثة أيام ~~من يمر بهم من المسلمين، قدرت عليهم وأخذوا بها ثلاثة أيام لا يزادون ~~عليها، كما صالح عمر نصارى الشام على ضيافة من يمر بهم من المسلمين ثلاثة ~~أيام مما يأكلون لا يكلفونهم ذبح شاة ولا دجاجة، وتبن دوابهم من غير شعير، ~~وجعل ذلك على أهل السواد دون المدن. # قال: وقد روي عن أحمد كلام يدل على أن الذي شرط عليهم يوم وليلة. # ثم ذكر قول حمدان بن علي لأحمد، وقد تقدم آنفا، ثم ذكر حديث الأحنف بن ~~قيس عن عمر، وقد ذكرناه. # قال القاضي: وكذلك الضيافة في حق المسلمين، الواجب يوم وليلة. # قال أحمد في رواية حنبل: قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وهو دين ~~له. قلت له: كم مقدار ما يقدر له؟ قال: يمونه في الثلاثة أيام التي # PageV03P1339 # «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: واليوم والليلة هو حق واجب» . # فقد بين أن المستحب ثلاثة أيام، والواجب يوم وليلة. # وقال في رواية حنبل وصالح: «الضيافة ثلاثة أيام، وجائز يوم وليلة» فكانت ~~جائزته أوكد من الثلاثة. # قال: وقد روى الخلال ما دل على الاستحباب والإيجاب، فروى بإسناده عن ~~المقدام أبي كريمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ليلة الضيف ~~حق واجب، فإذا أصبح في فنائه فهو دين عليه إن شاء اقتضاه الدين وإن شاء ~~ترك» ". يعني إذا لم يضف. # وبإسناده عن أبي شريح [الخزاعي] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" «الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، ولا يحل لمسلم أن يقيم عند أخيه ~~حتى يؤثمه ". قال: يا رسول الله، كيف يؤثمه؟ قال: " يقيم عنده وليس عنده ما ~~يقريه» ". # PageV03P1340 # فحديث أبي كريمة: يدل على وجوب اليوم والليلة، وحديث أبي شريح يدل على ms516 ~~استحباب الثلاث. # فالضيافة في حق الكفار والمسلمين واجبة على كلا الحديثين، لكنهما يختلفان ~~في قدر الوجوب والاستحباب، ويختلفان في حكمين آخرين: # أحدهما: أنها في حق المسلمين تجب ابتداء بالشرع، وفي حق الكفار تجب ~~بالشرط. # والثاني: أنها في حق المسلمين تعم أهل القرى والأمصار، وفي حق الكفار ~~تختص بأهل القرى. # قال أحمد في رواية أبي الحارث: الضيافة تجب على كل مسلم، من كان من أهل ~~الأمصار وغيرهم من المسلمين. # وقال في موضع آخر: تجب الضيافة على المسلمين كلهم، من نزل به ضيف عليه أن ~~يضيفه. # والفرق بينهما أن عمر رضي الله عنه شرط ذلك على أهل القرى، والأخبار ~~الواردة في حق المسلمين عامة لقوله: " «ليلة الضيف حق # PageV03P1341 # واجب» " وفي لفظ آخر: " «الضيافة ثلاثة أيام» ". # وتجب الضيافة على المسلم للمسلمين والكفار لعموم الخبر، وقد نص عليه أحمد ~~في رواية حنبل وقد سأل: إن أضاف الرجل ضيفا من أهل الكفر يضيفه؟ فقال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم» " فدل ~~على أن المسلم والمشرك يضافان، والضيافة معناها معنى صدقة التطوع على ~~المسلم والكافر. # وهذا لفظ أحمد، فقد احتج بعموم الخبر، وأنه يعم المسلم والكافر، وإذا نزل ~~به الضيف ولم يضفه كان دينا على المضاف، نص عليه في رواية حنبل فقال: إذا ~~نزل القوم فلم يضافوا فإن شاء طلبه وإن شاء ترك، قال له: فكم مقدار ما يقدر ~~له؟ قال: ما يمونه في الثلاثة الأيام، واليوم والليلة حق واجب. قال له: فإن ~~لم يضيفوه ترى له أن يأخذ من أموالهم بمقدار ما يضيفه؟ قال: لا يأخذ إلا ~~بعلم أهله، وله أن يطالبهم بحقه. # فقد نص على أن له المطالبة بذلك، وهذا يدل على ثبوته في ذمته لقوله في ~~حديث [أبي كريمة] : " «فإن أصبح بفنائه فهو دين عليه إن شاء اقتضاه وإن شاء ~~يترك» ". ومنع من أن يأخذ من مال # PageV03P1342 # من يجب عليه الضيافة بغير إذنه إلا بعلم أهله؛ إذ من كان له على رجل حق ~~وامتنع من ms517 أدائه وقدر له على حق لم يجز له أن يأخذ بغير إذنه، انتهى. # فأما قوله: " «إن اليوم والليلة حق واجب والثلاثة مستحبة» " فهذا صحيح في ~~حق المسلمين. # وأما في حق أهل الذمة فلا يمكن أن يقال ذلك، فإن الثلاثة إن كانت مشروطة ~~عليهم فهي حق لازم، عليهم القيام به للمسلمين، وإن لم تكن مشروطة عليهم لم ~~يجز للمسلمين تناول ما زاد على اليوم والليلة إلا برضاهم، وحينئذ لا فرق ~~بين الثلاثة وما زاد عليها، وعمر رضي الله عنه لم يشرط على طائفة معينة بل ~~شرط على نصارى الشام والجزيرة وغيرهما، ففي شرطه على نصارى الشام والجزيرة ~~ضيافة ثلاثة أيام ليسارهم وإطاقتهم ذلك، وأما نصارى السواد فشرط عليهم يوما ~~وليلة؛ لأن حالهم كان دون حال نصارى الشام والجزيرة. # فكان عمر رضي الله عنه يراعي في ذلك حال أهل الكتاب كما كان يراعي حالهم ~~في الجزية وفي الخراج، فبعضهم شرطها عليهم يوما وليلة وبعضهم شرطها عليهم ~~ثلاثا. # وأما قوله: " إنهم إذا لم يقوموا بما عليهم وقدر لهم على مال لم يأخذه ~~بناء على مسألة الظفر " فليس كذلك، والسنة قد فرقت بين هذا وبين مسألة ~~الظفر التي لا يجوز الأخذ بها. # PageV03P1343 # إن سبب الحق هاهنا ظاهر فلا ينسب الآخذ إلى جناية لظهور حقه بخلاف ما إذا ~~لم يكن ظاهرا، ولهذا أفتى النبي صلى الله عليه وسلم هندا بأن ( «تأخذ من ~~مال زوجها ما يكفيها وولدها بالمعروف» ) كما جوز للضيف أن يأخذ مثل قراه ~~إذا لم يضف، فجاءت السنة بالأخذ في هذين الموضعين، وجاءت بالمنع لمن سأله: ~~إن لنا جيرانا لا يدعون لنا سادة ولا قادة إلا أخذوها، أفنأخذ من أموالهم؟ ~~الحديث. فقال: " «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» ". # فمنع هاهنا وأطلق هناك، وكان الفرق بينهما من وجهين: # أحدهما: ما ذكرناه من ظهور سبب الحق؛ لتعذر الأخذ وخفائه # PageV03P1344 # فينسب إلى الجناية. # الثاني: أن سبب الحق يتحدد في مسألة النفقة والضيافة قياسا، فتمتنع ~~الدعوى فيه كل وقت، والرفع إلى الحاكم وإقامة البينة ms518 بخلاف ما لا ينكر ~~سببه. # إذا عرف هذا فعمر رضي الله عنه لم يشترط قدر الطعام والإدام والعلف فلا ~~يشترط ذلك، وإنما يرجع فيه إلى عادة كل قوم وعرفهم وما لا يشق عليهم، فلا ~~يجوز للضيف أن يكلفهم اللحم والدجاج وليس ذلك غالب قوتهم، بل يجب عليه أن ~~يقبل ما يبذلونه من طعامهم المعتاد كما أوجب الله سبحانه الإطعام في ~~الكفارة من أوسط ما يطعم المكفر أهله من غير تقدير، وكما أوجب النبي صلى ~~الله عليه وسلم النفقة على الزوجة والمملوك بالعرف من غير تقدير. فهذه سنته ~~وسنة خلفائه في هذا الباب، وبالله التوفيق. # وهذه الضيافة قدر زائد على الجزية، ولا تلزمهم إلا بالشرط، ويكفي شرط عمر ~~رضي الله عنه على ممر الأزمان سواء شرطه عليهم من بعده من الأئمة أو لم ~~يشرطه؛ لأن شرطه سنة مستمرة، ولهذا عمل به الأئمة بعده، واحتج الفقهاء ~~بالشروط العمرية وأوجبوا اتباعها. # هذا هو الصحيح، كما أن شرطه عليهم في الجزية مستمر وإن لم يجدده عليهم ~~إمام الوقت، وكذلك عقد الذمة لمن بلغ من أولادهم وإن لم يعقد لهم الإمام ~~الذمة. # قال الشافعي: وتقسم الضيافة على عدد أهل الذمة وعلى حسب الجزية التي ~~شرطها، فيقسم ذلك بينهم على السواء. # PageV03P1345 # وإن كان فيهم الموسر والمتوسط والمقل قسطت الضيافة على ذلك. # قال الشافعي: ويذكر ما يعلف به الدواب من التبن والشعير وغير ذلك. # قال: ويشترط عليهم أن ينزلوا في فضول منازلهم وكنائسهم ما يكنون فيه من ~~الحر والبرد منها؛ إذ الضيف محتاج إلى موضع يسكن فيه ويأوي إليه ما يحتاج ~~إلى طعام يأكله. ### | [فصل نزول المريض من أهل الإسلام على أهل الذمة] ### | 258 - # فصل # [نزول المريض من أهل الإسلام على أهل الذمة] . # ومن نزل بهم لم يخل من ثلاثة أحوال: # [الأول:] إما أن ينزل بهم وهو مريض. # [الثاني:] أو ينزل بهم وهو صحيح. # [الثالث:] أو ينزل بهم وهو صحيح فيمرض. # فإن نزل بهم وهو مريض فبرئ فيما دون الثلاث فهذا يجري مجرى الضيف، وكما ~~يجب عليهم ms519 إطعام الضيف وخدمته يجب عليهم القيام على المريض ومصالحه، فإنه ~~أحوج إلى الخدمة والتعاهد من الصحيح. # فإن زاد مرضه على ثلاثة أيام - وله ما ينفق على نفسه - لم يلزمهم القيام ~~بنفقته، ولكن تلزمهم معونته وخدمته وشراء ما يحتاج إليه من ماله، وإن لم ~~يكن له ما ينفق على نفسه لزمهم القيام عليه إلى أن يبرأ أو يموت. # PageV03P1346 # فإن أهملوه وضيعوه حتى مات ضمنوه. هذا مذهب عمر وإليه ذهب الإمام أحمد، ~~فإنه روى عن عمر أن رجلا مر بقوم فاستسقاهم فلم يسقوه حتى مات، فغرمهم عمر ~~ديته. # قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: أتذهب إليه؟ فقال: إي والله! وإن نزل بهم ~~صحيحا ورحل كذلك فضيافته يوما حق واجب، وما زاد على الثلاث لا يلزمهم ~~القيام به، وما بين اليوم والليلة والثلاثة فهو الذي اختلفت فيه الشروط ~~العمرية كما تقدم. # والصحيح أنه بحسب حال القوم في اليسار وعدمه وكثرة المارة وقلتهم، والله ~~أعلم. # وحكم المحظور والمقطوع عليه الطريق حكم المريض فيما ذكرناه. # PageV03P1347 ### | [الفصل السادس في أحكام ضيافتهم للمارة بهم وما يتعلق بذلك] ### | [فصل قولهم وأن من ضرب مسلما فقد خلع عهده] # الفصل السادس # فيما يتعلق بضرر المسلمين والإسلام. ### | 259 - # فصل # قولهم: " وأن من ضرب مسلما فقد خلع عهده ". # وهذا لأن عقد الذمة اقتضى أن يكونوا تحت الذلة والقهر، وأن يكون المسلمون ~~هم الغالبين عليهم، فإذا ضربوا المسلمين كان هذا الفعل مناقضا لعهد الذمة ~~الذي عاهدناهم عليه. # وهذا أحد الشرطين اللذين زادهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه وألحقهما ~~بالشروط، فإن عبد الرحمن بن غنم لما كتب إلى عمر بن الخطاب بكتاب الشروط ~~قال: " أمض لهم ما سألوه، وألحق فيه حرفين أشترطهما عليهم مع ما شرطوا على ~~أنفسهم: ألا يشتروا من سبايانا شيئا، ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده ". # فأقر بذلك من أقام من الروم في مدائن الشام على هذا الشرط. # PageV03P1348 ### | [فصل متى يعتبر الذمي ناقضا لعهده] ### | 260 - # فصل # [متى يعتبر الذمي ناقضا لعهده؟] # وإذا شرط عليهم أمير المؤمنين " أنه من ضرب ms520 مسلما فقد خلع عهده " فمن زنى ~~بمسلمة فهو أولى بنقض العهد! وقد نص عليه الإمام أحمد. # قال الخلال: " باب ذمي فجر بمسلمة ". # أخبرني حرب قال: سمعت أحمد يقول: إذا زنى الذمي بمسلمة قتل الذمي، ويقام ~~عليها الحد. # قال حرب: هكذا وجدته في كتابي. # أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا أبو الحارث أنه سأل ~~أبا عبد الله قال: قلت: نصراني استكره مسلمة على نفسها؟ قال: ليس على هذا ~~صولحوا، يقتل. قلت: فإن طاوعته على الفجور؟ قال: يقتل ويقام عليها الحد، ~~وإذا استكرهها فليس عليها شيء. # أخبرنا عصمة بن عصام، حدثنا حنبل قال: سمعت أبا عبد الله قال في ذمي فجر ~~بامرأة مسلمة؟ قال: يقتل، ليس على هذا صولحوا، قيل له # PageV03P1349 # فالمرأة؟ قال: إن كانت طاوعته أقيم عليها الحد، وإن كان استكرهها فلا شيء ~~عليها. # وكذلك قال في رواية الفضل بن زياد ويعقوب بن بختان سواء. # قال الخلال: وأخبرني أحمدبن محمد بن مطر، حدثنا أبو طالب أن أبا عبد الله ~~قيل له: فإن زنى اليهودي بمسلمة؟ قال: يقتل. عمر رضي الله عنه أتي بيهودي ~~[نخس] بمسلمة ثم غشيها فقتله. فالزنى أشد من نقض العهد. # وسألته عن عبد نصراني زنى بمسلمة؟ قال: يقتل أيضا، قلت: وإن كان عبدا؟ ~~قال: نعم. # أخبرني محمد بن الحسن أن الفضل بن عبد الصمد حدثهم قال: سمعت أبا عبد ~~الله - وسئل عن [مجوسي] فجر بمسلمة - قال: يقتل، # PageV03P1350 # هذا قد نقض العهد. قلت: فإن كان من أهل الكتاب؟ قال: يقتل أيضا، قد صلب ~~عمر رجلا من اليهود فجر بمسلمة. # أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا أبو الحارث أن أبا ~~عبد الله قال: قد صلب عمر رجلا من اليهود فجر بمسلمة، هذا نقض العهد. قيل ~~له: ترى عليه الصلب مع القتل؟ قال: إن ذهب رجل إلى حديث عمر، كأنه لم يعب ~~عليه. # أخبرنا محمد بن علي، حدثنا مهنا قال: سألت أحمد عن يهودي أو نصراني فجر ~~بامرأة مسلمة ما يصنع به؟ قال: ms521 يقتل. فأعدت عليه قال: يقتل. قلت: إن الناس ~~يقولون غير هذا. قال: كيف يقولون؟ قلت: يقولون: عليه الحد. قال: لا، ولكن ~~يقتل. قلت له: في هذا شيء؟ قال: نعم؛ عن عمر [رضي الله عنه] أنه أمر بقتله. ~~قلت: من يرويه؟ قال: خالد الحذاء، عن ابن [أشوع] ، عن الشعبي، عن عوف بن ~~مالك أن رجلا فحش بامرأة فتحللها، فأمر به عمر فقتل وصلب. قلت: من ذكره؟ ~~قال: إسماعيل بن علية. # PageV03P1351 # حدثنا أبو بكر المروذي، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا ~~مجالد، عن الشعبي، عن سويد بن غفلة: أن رجلا من أهل الذمة فحش بامرأة من ~~المسلمين من الشام وهي على حمار فألقى نفسه عليها، فرآه عوف بن مالك فضربه ~~فشجه، فانطلق إلى عمر يشكو عوفا، فأتى عوف عمر فحدثه، فأرسل إلى المرأة ~~فسألها فصدقت عوفا، فقال إخوتها: قد شهدت أختنا، فأمر به عمر رضي الله عنه ~~فصلب. قال [سويد بن غفلة] وكان أول مصلوب [رأيته صلب] في الإسلام! # ثم قال عمر رضي الله عنه: " أيها الناس اتقوا الله في ذمة محمد ولا ~~تظلموهم فمن فعل فلا ذمة له ". # PageV03P1352 ### | [فصل إذا أسلم الذمي بعد فجوره بمسلمة] ### | 261 - # فصل # [حكم إذا أسلم الذمي بعد فجوره بمسلمة] . # إذا ثبت هذا فإنه يقتل وإن أسلم، نص عليه أحمد في رواية جماعة. # قال الخلال: أخبرني عصمة بن عصام، حدثنا حنبل، وأخبرني جعفر بن محمد أن ~~يعقوب بن بختان حدثهم، وأخبرني محمد بن [أبي] هارون ومحمد بن جعفر أن أبا ~~الحارث حدثهم، وأخبرني ابن عبد الوهاب، حدثنا إبراهيم بن هانئ: كل هؤلاء ~~سمع أحمد بن حنبل - وسئل عن ذمي فجر بمسلمة -؟ قال: يقتل. قيل: فإن أسلم؟ ~~قال: يقتل، هذا قد وجب عليه! والمعنى واحد في كلامهم كله، انتهى. # وهذا هو القياس؛ لأن قتله حد، وهو قد وجب عليه. # ومعنى إقامته فلا يسقط بالإسلام لا سيما إذا أسلم بعد أخذه والقدرة عليه. # وسنعود إلى هذه المسألة عن قرب إن شاء الله تعالى. # PageV03P1353 ### | [فصل إذا نقضوا ms522 ما شرطوا على أنفسهم نقض عهدهم] ### | 262 - # فصل # [إذا نقضوا ما شرطوا على أنفسهم نقض عهدهم] # قالوا: " ضمنا لك ذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكيننا، وإن نحن ~~غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا، وقد ~~حل لك منا ما يحل لأهل المعاندة والشقاق ". # هذا اللفظ صريح في أنهم متى خالفوا شيئا مما عوهدوا عليه انتقض عهدهم، ~~كما ذهب إليه جماعة من الفقهاء. # قال شيخنا: وهذا هو القياس الجلي، فإن الدم مباح بدون العهد، والعهد عقد ~~من العقود، فإذا لم يف أحد المتعاقدين بما عاقد عليه فإما أن ينفسخ العقد ~~بذلك أو يتمكن العاقد الآخر من فسخه، هذا أصل مقرر في عقد البيع والنكاح ~~[والهبة] وغيرهما من العقود، والحكمة فيه ظاهرة، فإنه إنما [التزم ما] ~~التزمه بشرط أن يلتزم الآخر بما التزمه، فإذا لم [يلتزم] له الآخر صار هذا ~~غير ملتزم، فإن الحكم المعلق بالشرط لا يثبت بعينه عند عدمه باتفاق ~~العقلاء، وإنما اختلفوا في ثبوت مثله. # إذا تبين هذا فإن كان المعقود عليه حقا للعاقد بحيث له أن يبذله بدون # PageV03P1354 # الشرط لم ينفسخ العقد بفوات الشرط، بل له أن يفسخه كما إذا شرط رهنا أو ~~كفيلا [أو صفة] في البيع - وإن كان حقا له # [أو] لغيره ممن يتصرف له بالولاية ونحوها - لم يجز له إمضاء العقد، بل ~~ينفسخ العقد بفوات الشرط ويجب عليه فسخه، كما إذا شرط أن تكون الزوجة حرة ~~فظهرت أمة وهو ممن لا يحل له نكاح الإماء، أو شرطت أن يكون الزوج مسلما ~~فبان كافرا، أو شرط أن تكون الزوجة مسلمة فبانت وثنية. # وعقد الذمة ليس هو حقا للإمام، بل هو حق لله ولعامة المسلمين، فإذا ~~خالفوا شيئا مما شرط عليهم فقد قيل: يجب على الإمام أن يفسخ العقد، وفسخه ~~أن يلحقه بمأمنه ويخرجه من دار الإسلام ظنا أن العقد لا ينفسخ بمجرد ~~المخالفة بل يجب فسخه. # قال: وهذا ضعيف؛ لأن الشروط إذا كانت حقا لله - لا للعاقد - انفسخ العقد ~~بفواته ms523 من غير فسخ. # [وهذه الشروط] على أهل الذمة حق لله، لا يجوز للسلطان ولا لغيره أن يأخذ ~~منهم الجزية، ويمكنهم من المقام بدار الإسلام إلا إذا التزموها، وإلا وجب ~~عليه قتالهم بنص القرآن. # PageV03P1355 # قلت: واختلف العلماء فيما ينتقض به العهد وما لا ينتقض، وفي هذه الشروط ~~هل يجري حكمها عليهم وإن لم يشترطها إمام الوقت اكتفاء بشرط عمر رضي الله ~~عنه، أو لا بد من اشتراط الإمام لها في حكمهم إذا انتقض عهدهم؟ فهذه ثلاث ~~مسائل: # PageV03P1356 # المسألة الأولى # فيما ينقض العهد وما لا ينقضه. # ونحن نذكر مذاهب الأئمة وما قاله أتباعهم في ذلك # ذكر قول الإمام أحمد وأصحابه: # قد ذكرنا نصوصه في انتقاض العهد بالزنى بالمسلمة. # ذكر قوله في انتقاض العهد بسب النبي صلى الله عليه وسلم: # قال الخلال (باب فيمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم) # PageV03P1357 # أخبرني عصمة بن عصام قال: حدثنا حنبل قال: سمعت أبا عبد الله يقول: كل من ~~شتم النبي صلى الله عليه وسلم أو انتقصه - مسلما كان أو كافرا - فعليه ~~القتل. # أخبرني زكريا بن يحيى، حدثنا أبو طالب: أن أبا عبد الله سئل عن شتم النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: يقتل؛ قد نقض العهد. # ثم ذكر من طريق حنبل وعبد الله: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا هشيم، أخبرنا ~~حصين عمن حدثه عن ابن عمر: أنه مر به راهب فقيل له: هذا يسب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقال ابن عمر: لو سمعته لقتلته أنا، لم نعطهم الذمة على أن ~~يسبوا نبينا صلى الله عليه وسلم. # قال حنبل: وسمعت أبا عبد الله يقول: كل من نقض العهد وأحدث في الإسلام ~~حدثا مثل هذا رأيت عليه القتل، ليس على هذا أعطوا العهد والذمة. # ثم ذكر الخلال الآثار عن الصحابة في قتله. # ثم قال: أخبرني محمد بن علي أن أبا الصقر حدثهم قال: سألت # PageV03P1358 # أبا عبد الله عن رجل من أهل الذمة شتم النبي صلى الله عليه وسلم ماذا ~~عليه؟ قال: إذا قامت البينة عليه؛ يقتل من ms524 شتم النبي صلى الله عليه وسلم ~~مسلما كان أو كافرا. # أخبرني حرب قال: سألت أحمد عن رجل من أهل الذمة شتم النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يقتل. # ذكر قوله فيمن يتكلم في الرب تعالى من أهل الذمة: # قال الخلال (باب فيمن تكلم في شيء من ذكر الرب تبارك وتعالى يريد تكذيبا ~~أو غيره) # أخبرني عصمة بن عصام، حدثنا حنبل قال: سمعت أبا عبد الله قال: كل من ذكر ~~شيئا يعرض به بذكر الرب تبارك وتعالى فعليه القتل مسلما كان أو كافرا. قال: ~~وهذا مذهب أهل المدينة. # أخبرني منصور بن الوليد أن جعفر بن محمد حدثهم قال: سمعت أبا عبد الله ~~يسأل عن يهودي مر بمؤذن وهو يؤذن فقال له: كذبت، فقال: يقتل؛ لأنه شتم ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV03P1359 # قال شيخنا: وأقوال أحمد كلها نص في وجوب قتله، وفي أنه قد نقض العهد، ~~وليس عنه في هذا اختلاف. # وكذلك ذكر عامة أصحابه، متقدمهم ومتأخرهم، لم يختلفوا في ذلك إلا أن ~~القاضي في " المجرد " ذكر الأشياء التي يجب على أهل الذمة تركها وفيها ضرر ~~على المسلمين وآحادهم في نفس أو مال، وهي: الإعانة على قتال المسلمين، وقتل ~~المسلم والمسلمة، وقطع الطريق عليهم، وأن يؤوي على المسلمين جاسوسا، وأن ~~يعين عليهم بدلالة، مثل أن يكاتب المشركين بأخبار المسلمين، وأن يزني ~~بمسلمة أو يصيبها باسم نكاح، وأن يفتن مسلما عن دينه. # قال: فعليه الكف عن هذا شرط أو لم يشرط، فإن خالف انتقض عهده، وذكر نصوص ~~أحمد في نقضها مثل نصه في الزنى بمسلمة، وفي التجسس للمشركين، وقتل المسلم ~~وإن كان [عبدا]- كما ذكر الخرقي - ثم ذكر نصه في قذف المسلم: على أنه لا ~~ينتقض عهده بل يحد حد القذف. # PageV03P1360 # قال: # [فتخرج] المسألة على روايتين، ثم قال: وفي معنى هذه الأشياء ذكره الله ~~وكتابه ودينه ورسوله بما لا ينبغي. # قال: فهذه أربعة أشياء، الحكم فيها كالحكم في الثمانية التي قبلها، ليس ~~ذكرها شرطا في صحة العقد فإن [أتوا] واحدة منها نقضوا الأمان، سواء ms525 كان ~~مشروطا في العهد أو لم يكن. # وكذلك قال في " التعليق " بعد أن ذكر أن المنصوص انتقاض العهد بهذه ~~الأفعال والأقوال. # قال: وفيه رواية أخرى: لا ينتقض عهده إلا بالامتناع من بذل الجزية وجري ~~أحكامنا عليهم. # ثم ذكر نص أحمد على أن الذمي إذا قذف المسلم يضرب، قال: فلم يجعله ناقضا ~~للعهد بقذف المسلم مع ما فيه من الضرر عليه بهتك عرضه. # PageV03P1361 # وتبع القاضي جماعة من أصحابه ومن بعدهم كالشريف [أبي جعفر] وأبي الخطاب ~~وابن عقيل والحلواني، فذكروا أنه لا خلاف أنهم إذا امتنعوا من أداء الجزية ~~والتزام أحكام الملة انتقض عهدهم، وذكروا - في جميع هذه الأفعال والأقوال ~~التي فيها الضرر على المسلمين وآحادهم في نفس أو مال أو فيها غضاضة على ~~المسلمين في دينهم، مثل سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه - ~~روايتين: # إحداهما: ينتقض العهد. # والأخرى: لا ينتقض عهده ويقام فيه الحد مع أنهم كلهم متفقون على أن ~~المذهب انتقاض العهد بذلك. # PageV03P1362 # ثم إن القاضي والأكثرين لم يعدوا قذف المسلم من الأمور المضرة الناقضة، ~~مع أن الرواية المخرجة إنما خرجت من نصه في القذف. # وأما أبو الخطاب ومن تبعه فإنهم نقلوا حكم تلك الخصال إلى القذف، كما ~~نقلوا حكم القذف إليها حتى حكوا في انتقاض العهد بالقذف روايتين، ثم إن ~~هؤلاء كلهم وسائر الأصحاب ذكروا مسألة سب النبي صلى الله عليه وسلم في موضع ~~آخر، وذكروا أن سابه يقتل وإن كان ذميا، وأن عهده ينتقض، وذكروا نصوص أحمد ~~من غير خلاف في المذهب إلا أن الحلواني قال: ويحتمل ألا يقتل من سب الله ~~ورسوله إذا كان ذميا. # PageV03P1363 ### | [فصل طريق ثالث في نقضهم العهد] ### | 263 - # فصل # [طريق ثالث في نقضهم العهد] . # وسلك القاضي أبو الحسين طريقا ثالثة في نواقض العهد فقال: أما الثمانية ~~التي فيها ضرر على المسلمين وآحادهم في مال أو نفس فإنها تنقض العهد في أصح ~~الروايتين. # وأما ما فيه إدخال غضاضة ونقص على الإسلام - وهو ذكر الله وكتابه ودينه ~~ورسوله بما لا ينبغي - فإنه ms526 ينقض العهد، نص عليه ولم يخرج في هذا رواية ~~أخرى كما ذكر أولئك. # وهذا أقرب من تلك الطريقة، وعلى الرواية التي تقول: " لا ينتقض العهد ~~بذلك " فإنما ذلك إذا لم يكن مشروطا عليهم في العهد. # فأما إن كان مشروطا ففيه وجهان: # أحدهما: ينتقض، قاله الخرقي. # قال أبو الحسن الآمدي: وهو الصحيح في كل ما شرط عليهم تركه، فصحح قول ~~الخرقي بانتقاض العهد إذا خالفوا شيئا مما شرط عليهم. # PageV03P1364 # والثاني: لا ينتقض، قاله القاضي وغيره. # قال شيخنا: وهاتان الطريقتان ضعيفتان، والذي عليه عامة المتقدمين ومن ~~تبعهم من المتأخرين إقرار نصوص أحمد على حالها، وهو قد نص في مسائل سب الله ~~ورسوله على انتقاض العهد في غير موضع وعلى أنه يقتل، وكذلك فيمن جسس على ~~المسلمين أو زنى بمسلمة على انتقاض عهده وقتله في غير موضع، وكذلك نقله ~~الخرقي فيمن قتل مسلما أو قطع الطريق. # وقد نص أحمد على أن قذف المسلم وسحره لا يكون نقضا للعهد في غير موضع، ~~وهذا هو الواجب وهو تقرير المذهب؛ لأن تخريج حكم إحدى المسألتين إلى الأخرى ~~وجعل الروايتين في الموضعين مسألتين - لوجود الفرق بينهما نصا واستدلالا، ~~ولوجود معنى يجوز أن يكون مستندا للفرق - غير جائز، ولم يخرج التخريج. # PageV03P1365 # قلت: لفظ القاضي في " التعليق ": مسألة: إذا امتنع الذمي من بذل الجزية ~~ومن جريان أحكامنا عليهم صار ناقضا للعهد، وكذلك إذا فعل ما يجب عليه تركه ~~والكف عنه مما فيه ضرر على المسلمين وآحادهم في مال أو نفس، وهي ثمانية ~~أشياء: # [1 -] الاجتماع على قتال المسلمين. # [2 -] وألا يزني بمسلمة. # [3 -] ولا يصيبها باسم نكاح. # [4 -] ولا يفتن مسلما عن دينه. # [5 -] ولا يقطع عليه الطريق. # [6 -] ولا يؤوي للمشركين عينا. # [7 -] ولا يعاون على المسلمين بدلالة - أعني لا يكاتب المشركين بأخبار ~~المسلمين -. ### | 8 - # ولا يقتل مسلما. # وكذلك إذا فعل ما فيه إدخال غضاضة ونقص على الإسلام، وهي أربعة أشياء: # [1 -] ذكر الله. # [2 -] وكتابه. # [3 -] ودينه. # [4 -] ورسوله، بما لا ينبغي سواء شرط عليهم الإمام أنهم ms527 متى فعلوا ذلك ~~كان نقضا لعهدهم أو لم يشرط في أصح الروايتين. # نص عليها في مواضع، فقال في رواية أحمد بن سعيد في الذمي يمنع الجزية: إن ~~كان واجدا أكره عليها وأخذت منه، وإن لم يعطها ضربت # PageV03P1366 # عنقه. # وفي رواية أبي الحارث في نصراني استكره مسلمة على نفسها: يقتل، ليس على ~~هذا صولحوا، فإن طاوعته قتل وعليها الحد. # وفي رواية حنبل: كل من ذكر شيئا يعرض به للرب عز وجل فعليه القتل مسلما ~~كان أو كافرا، وكذلك نقل عنه جعفر بن محمد في يهودي سمع المؤذن يؤذن فقال: ~~" كذبت " يقتل؛ لأنه شتم. # وفي رواية أبي طالب في يهودي شتم النبي صلى الله عليه وسلم: يقتل، قد نقض ~~العهد. # وإن زنى بمسلمة يقتل، أتي عمر بيهودي فحش بمسلمة ثم غشيها فقتله. # وقال الخرقي في الذمي إذا قتل عبدا مسلما: ينتقض عهده. # قال القاضي: وفيه رواية أخرى لا ينتقض العهد إلا بالامتناع من بذل الجزية ~~وجري أحكامنا عليهم. # وقال في رواية [يوسف] بن موسى الموصلي في المشرك إذا قذف # PageV03P1367 # مسلما يضرب. # وكذلك نقل الميموني في الرجل من أهل الكتاب يقذف العبد المسلم: ينكل به، ~~يضرب ما يرى الحاكم. # وكذلك نقل عنه عبد الله في نصراني قذف مسلما: عليه الحد. # قال: وظاهر هذا أنه لم يجعله ناقضا للعهد بقذف المسلمين مع ما فيه من ~~إدخال الضرر عليه بهتك عرضه، انتهى. # فتأمل هذه النصوص، وتأمل تخريجه لها، فأحمد لم يختلف قوله في انتقاض ~~العهد بسب الله ورسوله والزنى بمسلمة، ولم يختلف نصه في عدم الانتقاض بقذف ~~المسلم، فإلحاق مسبة الله ورسوله بمسبة آحاد المسلمين من أفسد الإلحاق، ~~وتخريج عدم النقض به من نصه على عدم النقض بسب # PageV03P1368 # آحاد المسلمين من أفسد التخريج، وأين الضرر والمفسدة من هذا النوع إلى ~~المفسدة من النوع الآخر؟ وإذا كان المسلم يقتل بسب الله ورسوله، والزنى مع ~~الإحصان، ولا يقتل بالقذف، فكذلك الذمي فالذي نص عليه الإمام أحمد في ~~الموضعين هو محض الفقه، والتخريج باطل نصا وقياسا واعتبارا. # واشتراك ms528 الصور كلها في إدخال الضرر على المسلم لا يوجب تساويها في مقدار ~~الضرب وكيفيته، فالمسلم إذا فعل ذلك فقد أدخل الضرر أيضا مع التفاوت في ~~الأحكام. # ثم يقال: يا لله العجب! ! أين ضرر المجاهرة بسب الله ورسوله وكلامه ودينه ~~على رءوس الملأ، وقهر المسلمات وإن كن شريفات على الزنى، إلى ضرر منع دينار ~~يجب عليه من الجزية! . # وكذلك أين ضرر تحريقه لمساجد المسلمين والمنابر، إلى ضرر منعه لدينار وجب ~~عليه! ! فكيف يقتضي الفقه أن يقال: ينتقض عهده بمنع الدينار دون هذه ~~الأمور؟ وأين ضرر امتناعه من قبول حكم الحاكم إلى ضرر مجاهرته بسب الله ~~ورسوله وما معه؟ # وطريقة أبي البركات في " المحرر " في تحصيل المذهب في ذلك أصح طرق ~~الأصحاب على الإطلاق. # قال: وإذا لحق الذمي بدار الحرب متوطنا أو امتنع من إعطاء ما عليه أو ~~التزام أحكام الملة أو قاتل المسلمين انتقض عهده، وإن قذف مسلما أو آذاه ~~بسحر في تصرفاته لم ينتقض عهده، نص عليه في رواية جماعة، وقيل: ينتقض. # PageV03P1369 # وإن فتنه عن دينه أو قتله أو قطع عليه الطريق أو زنى بمسلمة أو تجسس ~~للكفار أو آوى لهم جاسوسا أو ذكر الله أو كتابه أو رسوله بسوء، انتقض عهده، ~~نص عليه. # وقيل: فيه روايتان بناء على نصه في القذف، والأصح التفرقة. # وإذا أظهر منكرا أو رفع صوته بكتابه أو ركب الخيل ونحوه عزر ولم ينتقض ~~عهده، وقيل: إن شرط عليه تركه وإلا فلا. ### | [فصل مذهب الإمام الشافعي فيما ينقض العهد] ### | 264 - # فصل # [مذهب الإمام الشافعي فيما ينقض العهد] . # وأما مذهب الشافعي رحمه الله تعالى فقد قال في " الأم ": " وإذا أراد ~~الإمام أن يكتب كتاب صلح على الجزية كتب وذكر الشروط إلى أن قال: " وعلى أن ~~أحدا منكم إن ذكر محمدا أو كتاب الله أو دينه بما لا ينبغي أن يذكر به فقد ~~برئت منه ذمة الله ثم ذمة أمير المؤمنين وجميع المسلمين، ونقض ما أعطي من ~~الأمان، وحل لأمير المؤمنين ماله ودمه كما تحل أموال أهل الحرب ms529 ودماؤهم، ~~وعلى أن أحدا من رجالهم إن أصاب مسلمة بزنى أو اسم نكاح، أو قطع الطريق على ~~مسلم، أو فتن مسلما عن دينه، أو أعان المحاربين على المسلمين بقتال أو ~~دلالة على عورات المسلمين أو إيواء لعيونهم، فقد نقض عهده وأحل دمه وماله. # PageV03P1370 # وإن نال مسلما بما دون هذا في ماله أو عرضه لزمه فيه الحكم ". # ثم قال: " فهذه الشروط لازمة [له] إن رضيها فيها، فإن لم يرضها فلا عقد ~~له ولا جزية ". # ثم قال: " وأيهم قال أو فعل شيئا مما وصفته نقضا للعهد وأسلم لم يقتل إذا ~~كان ذلك قولا، وكذلك إذا كان فعلا لم يقتل إلا أن يكون في دين المسلمين أن ~~من فعله قتل حدا أو قصاصا، فيقتل بحد أو قصاص لا بنقض عهد، وإن فعل ما ~~وصفنا وشرط أنه نقض لعهد الذمة فلم يسلم، لكنه قال: " أتوب وأعطي الجزية ~~كما كنت أعطيها، أو [على] صلح أجدده " عوقب ولم يقتل إلا أن يكون فعل فعلا ~~يوجب القصاص والحد، فأما ما دون هذا من الفعل والقول فكل قول يعاقب عليه ~~ولا يقتل. # قال: فإن فعل أو قال ما وصفنا وشرط أن يحل دمه فظفر به فامتنع من أن ~~يقول: " أسلم أو أعطي الجزية " قتل وأخذ ماله فيئا ". # ونص في " الأم " أيضا أن العهد لا ينتقض بقطع الطريق ولا بقتل المسلم ولا ~~بالزنى بالمسلمة ولا بالتجسس، بل يحد فيما فيه الحد، ويعاقب عقوبة منكلة ~~فيما فيه العقوبة، ولا يقتل إلا بأنه يجب عليه القتل. # PageV03P1371 # قال: ولا يكون النقض للعهد إلا بمنع الجزية أو الحكم بعد الإقرار ~~والامتناع بذلك. ولو قال: " أؤدي الجزية ولا أقر بالحكم " نبذ إليه ولم ~~يقاتل على ذلك مكانه، وقيل له: قد تقدم لك أمان [بأدائك] للجزية وإقرارك ~~بها، وقد أجلناك في أن تخرج من بلاد الإسلام، ثم إذا خرج مبلغ مأمنه قتل إن ~~قدر عليه. هذا لفظه. # وحكى ابن المنذر والخطابي عن الشافعي أيضا: أن عهده ينتقض بسب النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويقتل. # وأما ms530 أصحابه فذكروا - فيما إذا ذكر الله أو رسوله بسوء - وجهين: # أحدهما: ينتقض عهده بذلك سواء شرط عليه تركه أو لم يشترط - كما إذا ~~قاتلوا المسلمين أو امتنعوا من التزام الحكم - كطريقة أبي الحسين من ~~أصحابنا، وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي. # ومنهم من خص سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده بأنه يوجب القتل. # PageV03P1372 # والثاني: أن السب كالأفعال التي على المسلمين فيها ضرر من قتل المسلم ~~والزنى بالمسلمة والجس وما ذكر معه. # وذكروا في تلك الأمور وجهين: # أحدهما: أنه إن لم يشرط عليهم تركها بأعيانها لم ينتقض العهد بفعلها، وإن ~~شرط عليهم تركها بأعيانها ففي انتقاض العهد بذلك وجهان. # والثاني: لا ينتقض العهد بفعلها مطلقا. # ومنهم من حكى هذه الوجوه أقوالا وهي أقوال مشار إليها، فيجوز أن تسمى ~~أقوالا ووجوها. # هذه طريقة العراقيين، وقد صرحوا بأن المراد شرط تركها لا شرط انتقاض ~~العهد بفعلها كما ذكره أصحاب أحمد. # وأما الخراسانيون فقالوا: المراد بالاشتراط هنا شرط انتقاض العهد بفعلها ~~لا شرط تركها. # قالوا: إن الشرط موجب نفس العقد وذكروا في تلك الخصال المضرة ثلاثة أوجه: # أحدها: ينتقض العهد بفعلها. # والثاني: لا ينتقض. # والثالث: إن شرط في العقد انتقاض العهد بفعلها انتقض وإلا فلا. # ومنهم من قال: إن شرط نقض؛ وجها واحدا، وإن لم يشرط فوجهان. # PageV03P1373 # وحسبوا أن مراد العراقيين بالاشتراط هذا فقالوا - حكاية عنهم -: وإن لم ~~يجر شرط لم ينتقض العهد، وإن جرى فوجهان. ويلزم من هذا أن يكون العراقيون ~~قائلين بأنه إن لم يجر شرط الانتقاض بهذه الأشياء لم ينتقض بها، قولا ~~واحدا، وإن صرح بشرط تركها انتقض. # وهذا غلط عليهم، والذي نصروه في كتب الخلاف: أن سب النبي صلى الله عليه ~~وسلم ينقض العهد ويوجب القتل، كما ذكرناه عن الشافعي نفسه. ### | [فصل مذهب الإمام مالك فيما ينقض العهد] ### | 265 - # فصل # [مذهب الإمام مالك فيما ينقض العهد] . # وأما مالك وأصحابه رحمهم الله تعالى فقالوا: ينتقض العهد بالقتال، أو منع ~~الجزية، أو التمرد على الأحكام، أو إكراه المسلمة على الزنى، أو ms531 التطلع على ~~عورات المسلمين. # قالوا: ومن نقض عهده وجب قتله ولم يسقط بإسلامه. # قالوا: ومن سب منهم أحدا من الأنبياء وجب قتله إلا أن يسلم. # وأما قطع الطريق والسرقة ونحوهما فحكمه فيها حكم المسلمين يقام عليه فيه ~~الحد كما يقام على المسلمين، وليس ذلك من باب نقض العهد. # قالوا: وأما رفع أصواتهم بكتابهم وركوب السروج وترك الغيار وإظهار ~~معتقدهم في عيسى ونحو ذلك مما لا ضرر فيه على المسلمين، فإنما # PageV03P1374 # يوجب التأديب لا القتل. # قالوا: وإذا ظهر نقض العهد من بعضهم فإن أنكر عليه الباقون وظهر منهم ~~كراهية ذلك اختص النقض به. # وإن ظهر رضاهم بذلك كان نقضا من جميعهم، فعلامة بقائهم على العهد إنكارهم ~~على من نقض عهده. ### | [فصل مذهب الإمام أبي حنيفة فيما ينقض العهد] ### | 266 - # فصل # [مذهب الإمام أبي حنيفة فيما ينقض العهد] . # وأما أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى فقالوا: لا ينتقض العهد إلا بأن ~~يكون لهم منعة فيمتنعون من الإمام ويمنعون الجزية ولا يمكنه إجراء الأحكام ~~عليهم. # فأما إذا امتنع الواحد منهم عن أداء الجزية أو فعل شيئا من هذه الأشياء ~~التي فيها ضرر على المسلمين أو غضاضة على الإسلام لم يصر ناقضا للعهد، لكن ~~من أصولهم أن ما لا قتل فيه عندهم مثل القتل بالمثقل والتلوط وسب الذمي لله ~~ورسوله وكتابه ونحو ذلك، إذا تكرر فعلى الإمام أن يقتل فاعله تعزيرا. # PageV03P1375 # وله أن يزيد على الحد المقدر فيه إذا رأى المصلحة في ذلك، ويحملون ما جاء ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من القتل في مثل هذه الجرائم على أنه رأى ~~المصلحة في ذلك ويسمونه القتل سياسة، وكان حاصله أن للإمام أن يعزر بالقتل ~~في الجرائم التي تغلظت بالتكرار، وشرع القتل في جنسها، ولهذا أفتى أكثر ~~أصحابهم بقتل من أكثر من سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة وإن ~~أسلم بعد أخذه. # وقالوا: يقتل سياسة، وهذا متوجه على أصولهم. # قال القاضي في " التعليق ": والدلالة على أن نقض العهد يحصل بهذه الأشياء ~~- وإن ms532 لم يشترطه في عقد الذمة - أن الإمام يقتضي الكف عن الإضرار وفي هذه ~~الأشياء إضرار، فيجب أن ينتقض العهد بفعلها كما لو شرط ذلك في عقد الأمان. # قال: ولأن عقد الذمة عقد أمان فانتقض بالمخالفة من غير شرط كالهدنة. # PageV03P1376 # [الأدلة من كتاب الله على وجوب قتل الساب وانتقاض عهده] . # الدليل الثاني: قلت: واحتج غيره من الأصحاب بوجوه أخر سوى ما ذكره منها ~~قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما ~~حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] فلا يجوز الإمساك عن قتالهم إلا إذا ~~كانوا صاغرين حال إعطاء الجزية. # والمراد بإعطاء الجزية من حين بذلها أو التزامها إلى حين تسليمها ~~وإقباضها، فإنهم إذا بذلوا الجزية شرعوا في الإعطاء ووجب الكف عنهم إلى أن ~~نقبضها منهم، فمتى لم يلتزموها أو التزموها وامتنعوا من تسليمها لم يكونوا ~~معطين لها، فليس المراد أن يكونوا صاغرين حال تناول الجزية منهم فقط، ~~ويفارقهم الصغار فيما عدا هذا الوقت، هذا باطل قطعا. # PageV03P1377 # وإذا علم هذا فمن جاهرنا بسب الله ورسوله وإكراه حريمنا على الزنى وتحريق ~~جوامعنا ودورنا ورفع الصليب فوق رءوسنا، فليس معه من الصغار شيء، فيجب ~~قتاله بنص الآية حتى يصير صاغرا. # فإن قيل: فالمأمور به القتال إلى هذه الغاية، فمن أين لكم القتل المقدور ~~عليه؟ فالجواب من وجوه: # أحدها: أن كل من أمرنا بقتاله من الكفار فإنه يقتل إذا قدرنا عليه. # الثاني: أنا إذا كنا مأمورين أن نقاتلهم إلى هذه الغاية لم يجز أن نعقد ~~لهم عهد الذمة بدونها، ولو عقد لهم [كان] عقدا فاسدا. # الثالث: أن الأصل إباحة دمائهم، يمسك عصمتها الحبلان: حبل من الله بالأمر ~~بالكف عنهم، وحبل من الناس بالعهد والعقد، ولم يوجد واحد من الحبلين. # أما حبل الله سبحانه فإنه إنما اقتضى الأمر بالكف عنهم إذا كانوا صاغرين، ~~فمتى لم يوجد وصف الصغار المقتضي للكف منهم وعنهم، فالقتل المقدور عليه ~~منهم والقتال للطائفة ms533 الممتنعة واجب. # وأما حبل الناس فلم يعاهدهم الإمام والمسلمون إلا على الكف عما فيه إدخال ~~ضرر على المسلمين وغضاضة في الإسلام، فإذا لم يوجد فلا عهد لهم من الإمام ~~ولا من الله، وهذا ظاهر لا خفاء به. # PageV03P1378 ### | [فصل ليس لأهل الذمة عهد إلا ما داموا مستقيمين لنا] ### | 267 - # فصل # [ليس لأهل الذمة عهد إلا ما داموا مستقيمين لنا] . # الدليل الثالث: قوله تعالى: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله} ~~[التوبة: 7] إلى قوله: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم ~~فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} [التوبة: 12] فنفى ~~الله أن يكون لمشرك عهد ممن كان النبي صلى الله عليه وسلم عاهدهم إلا قوما ~~ذكرهم فجعل لهم عهدا ما داموا مستقيمين لنا، فعلم أن العهد لا يبقى للمشرك ~~إلا ما دام مستقيما، ومعلوم أن مجاهرتنا بتلك الأمور العظام تقدح في ~~الاستقامة كما تقدح مجاهرتنا بالاستقامة فيها، بل مجاهرتنا بسب ربنا ونبينا ~~وكتابه وإحراق مساجدنا ودورنا أشد علينا من مجاهرتنا بالمحاربة إن كنا ~~مؤمنين فإنه يجب علينا أن نبذل دماءنا وأموالنا حتى تكون كلمة الله هي ~~العليا ولا يجهر بين أظهرنا بشيء من أذى الله ورسوله، فإذا لم يكونوا ~~مستقيمين لنا مع القدح في أهون الأمرين فكيف يستقيمون لنا مع القدح في ~~أعظمهما؟ # يوضح ذلك قوله: {كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة} ~~[التوبة: 8] # PageV03P1379 # أي: كيف يكون لهم عهد ولو ظهروا عليكم لم يرقبوا الرحم التي بينكم وبينهم ~~ولا العهد، فعلم أن من كانت حالته أنه إذا ظهر لم يرقب ما بيننا وبينه من ~~العهد لم يكن له عهد، ومن جاهرنا بالطعن في ديننا وسب ربنا ونبينا كان ذلك ~~من أعظم الأدلة على أنه لو ظهر علينا لم يرقب العهد الذي بيننا وبينه، فإنه ~~إذا كان هذا فعله مع وجود العهد والذلة، فكيف يكون مع القدرة والدولة؟ وهذا ~~بخلاف من لم يظهر لنا شيئا من ذلك، فإنه يجوز أن يفي لنا بالعهد ولو ظهر. ms534 # فإن قيل: فالآية إنما هي في أهل الهدنة المقيمين في دارهم، قيل: الجواب ~~من وجهين: # أحدهما: أن لفظها أعم. # والثاني: أنها إذا كان معناها في أهل الذمة المقيمين بدارهم فثبوته في ~~أهل الذمة المقيمين بدارنا أولى وأحرى. ### | [فصل انتقاض العهد بنكثهم أيمانهم] ### | 268 - # فصل # [انتقاض العهد بنكثهم أيمانهم] . # الدليل الرابع: قوله تعالى: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في ~~دينكم فقاتلوا أئمة الكفر} [التوبة: 12] فأمر سبحانه بقتال من نكث # PageV03P1380 # يمينه؛ أي: عهده الذي عاهدنا عليه من الكف عن أذانا والطعن في ديننا، ~~وجعل علة قتاله ذلك، وعطف الطعن في الدين على نكث العهد وخصه بالذكر بيانا ~~أنه من أقوى الأسباب الموجبة للقتال، ولهذا تغلظ على صاحبه العقوبة، وهذه ~~كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان يهدر دماء من آذى الله ~~ورسوله وطعن في الدين ويمسك عن غيره. # فإن قيل: فالآية تدل على أن من نقض عهده وطعن في الدين فإنه يقاتل، فمن ~~أين لكم أن من طعن في الدين ولم ينقض العهد لم يقاتل؟ ومعلوم أن الحكم ~~المعلق بوصفين لا يثبت إلا بوجود أحدهما، فالجواب من وجوه: # أحدها: أن هذا من باب تعليق الحكم بالوصفين المتلازمين الذي لا ينفك ~~أحدهما عن الآخر، فمتى تحقق أحدهما تحقق الآخر وهذا كقوله تعالى: {ومن ~~يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما ~~تولى} [النساء: 115] ، وكقوله: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق} ~~[البقرة: 42] ، وقوله: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا ~~فيها} [النساء: 14] ونظائره كثيرة جدا، فلا يتصور بقاؤه على العهد مع الطعن ~~في ديننا بل إمكان بقائه على العهد دينا أقرب # PageV03P1381 # من بقائه على العهد مع المجاهرة بالطعن في الدين، بل إن أمكن بقاؤه على ~~العهد مع المجاهرة بالطعن في الدين وسنة الله ورسوله أمكن بقاؤه عليه مع ~~المحاربة باليد ومنع إعطاء الجزية، وهذا واضح لا خفاء به. # الجواب الثاني: أنه لا بد أن يكون لكل صفة من هاتين الصفتين ما ms535 يبين في ~~الحكم، وإلا فالوصف العديم التأثير لا يتعلق به الحكم فلا يصح أن يقال: من ~~أكل وزنى حد، ثم قد تكون كل صفة مستقلة بالتأثير لو انفردت، كما يقال: يقتل ~~هذا لأنه زان مرتد. وقد يكون مجموع الجزاء مرتبا على المجموع، ولكل وصف ~~تأثير في البعض كما قال تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق} [الفرقان: 68] . # وقد تكون تلك الصفات متلازمة، كل منها لو فرض تجرده لكان مؤثرا على سبيل ~~الاستقلال، فيذكر إيضاحا وبيانا للموجب. # وقد تكون تلك الصفات متلازمة، كل منها لو فرض تجرده لكان مؤثرا على سبيل ~~الاستقلال، فيذكر إيضاحا وبيانا للموجب. # وقد يكون بعضها مستلزما للبعض من غير عكس كما قال تعالى: {إن الذين ~~يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق} [آل عمران: 21] وهذه الآية من ~~أي الأقسام فرضت كانت دليلا؛ لأن أقصى ما يقال: إن نقض العهد هو المبيح ~~للقتال والطعن في الدين مؤكد له موجب له، فنقول إذا كان الطعن يغلظ قتال من ~~ليس بيننا وبينه عهد ويوجبه؛ فلأن يوجب قتل من بيننا وبينه ذمة - وهو ملتزم ~~للصغار - أولى، فإن المعاهد له أن يظهر # PageV03P1382 # في داره ما شاء من أمر دينه، والذمي ليس له أن يظهر في دار الإسلام شيئا ~~من دينه الباطل. # الجواب الثالث: أن مجرد نكث الأيمان مقتض للمقاتلة ولو تجرد عن الطعن في ~~الدين، وضرره أشد من ضرر الطعن في الدين علينا، فإذا كان أيسر الأمرين ~~مقتضيا للمقاتلة فكيف بأشدهما؟ # الجواب الرابع: أن الذمي إذا سب الله والرسول أو عاب الإسلام علانية فقد ~~نكث يمينه وطعن في ديننا، ولا خلاف بين المسلمين أنه يعاقب على ذلك بما ~~يردعه وينكل به، فعلم أنه لم يعاهدنا عليه؛ إذ لو كان معاهدا عليه لم تجز ~~عقوبته عليه كما لا يعاقب على شرب الخمر وأكل الخنزير ونحو ذلك، وإذا كنا ~~عاهدناه على ألا يطعن في ديننا ثم طعن فقد نكث يمينه من بعد عهده، فيجب ~~قتله ms536 بنص الآية. # قال شيخنا: وهذه دلالة ظاهرة جدا؛ لأن المنازع سلم لنا أنه ممنوع من ذلك ~~بالعهد الذي بيننا وبينه لكنه يقول: " ليس كل ما منع منه ينقض عهده كإظهار ~~الخمر والخنزير ". ولكن الفرق بين من وجد منه فعل ما منع منه العهد مما لا ~~يضر بنا ضررا بينا، كترك الغيار مثلا وشرب الخمر وإظهار الخنزير، وبين من ~~وجد منه فعل ما منع منه العهد مما فيه غاية الضرر بالمسلمين وبالدين، ~~فإلحاق أحدهما بالآخر باطل. # يوضح ذلك الجواب الخامس: أن النكث هو مخالفة العهد، فمتى # PageV03P1383 # خالفوا شيئا مما صولحوا عليه فهو نكث مأخوذ من نكث الحبل وهو نقض قواه، ~~ونكث الحبل يحصل بنقض قوة واحدة كما يحصل بنقض جميع القوى، لكن قد يبقى من ~~[قواه ما [يتمسك به الحبل، وقد يهن بالكلية. # وهذه المخالفة من المعاهد قد تبطل العهد بالكلية حتى تجعله حربيا، وقد ~~تشعث العهد حتى تبيح عقوبتهم، كما أن فقد بعض الشروط في البيع والنكاح ~~وغيرهما قد يبطله بالكلية، وقد يبيح الفسخ والإمساك. # وأما من قال: " ينتقض العهد بجميع المخالفات ". فظاهر على قول قاله ~~القاضي في " التعليق ". # واحتج القاضي بأنهم لو أظهروا منكرا في دار الإسلام مثل: إحداث البيع ~~والكنائس في دار الإسلام ورفع الأصوات بكتبهم والضرب بالنواقيس وإطالة ~~البناء على أبنية المسلمين وإظهار الخمر والخنزير، وكذلك ما أخذ عليهم تركه ~~من التشبه بالمسلمين في ملبوسهم ومركوبهم وشعورهم وكناهم. # PageV03P1384 # قال: والجواب أن من أصحابنا من جعله ناقضا للعهد بهذه الأشياء - وهو ظاهر ~~كلام الخرقي، فإنه قال: " ومن نقض العهد بمخالفة شيء مما صولحوا عليه عاد ~~حربيا " - فعلى هذا لا نسلم، وإن سلمناه فلما تبين فيها أنه لا ضرر على ~~المسلمين فيها وإنما نهوا عن فعلها لما في إظهارها من المنكر، وليس كذلك في ~~ملتنا لأن في فعلها ضررا بالمسلمين فبان الفرق، انتهى كلامه. # قال شيخنا: فعلى التقديرين فقد اقتضى العقد ألا يظهروا شيئا من عيب ~~ديننا، وأنهم متى أظهروه فقد نكثوا وطعنوا في الدين فيدخلون في عموم الآية ms537 ~~لفظا ومعنى، ومثل هذا العموم يبلغ درجة النص. ### | [فصل كل من طعن في ديننا فهو من أئمة الكفر] ### | 269 - # فصل # [كل من طعن في ديننا فهو من أئمة الكفر] . # وفي الآية دليل من وجه آخر وهو قوله تعالى: {فقاتلوا أئمة الكفر} ~~[التوبة: 12] وهم الذين نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في ديننا، ولكن ~~أقام الظاهر مقام المضمر بينهما على الوصف الذي استحقوا به المقاتلة كقوله: ~~{والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين} ~~[الأعراف: 170] ونظائره، فدل على أن من نكث يمينه وطعن # PageV03P1385 # في ديننا فهو من أئمة الكفر، وإمام الكفر هو الداعي إليه المتبع فيه. # وإنما صار إماما في الكفر لأجل الطعن، وإلا فإن مجرد النكث لا يوجب ذلك ~~وهذا ظاهر، فإن الطاعن في الدين يعيبه ويذمه ويدعو إلى خلافه، وهذا شأن ~~الإمام، فإذا طعن الذمي في الدين كان إماما في الكفر فيجب قتاله. # وقوله: {إنهم لا أيمان لهم} [التوبة: 12] علة أخرى لقتاله، فأما على ~~قراءة الكسر فتكون الآية قد تضمنت ذكر المقتضي للقتال - وهو نكث العهد ~~والطعن في الدين - وبيان عدم المانع من القتال وهو الإيمان العاصم. # وأما على قراءة فتح الألف فالأيمان جمع يمين، وهي أحسن القراءتين؛ لأنه ~~قد تقدم في أول الآية قوله: {وإن نكثوا أيمانهم} [التوبة: 12] فأخبر سبحانه ~~عن سبب القتال - وهو نكث الأيمان والطعن في الدين - ثم أخبر أنه لا أيمان ~~لهم تعصمهم من القتل لأنهم قد نكثوها. # والمراد بالأيمان هنا العهود لا القسم بالله، فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يقاسمهم بالله عام الحديبية وإنما عاهدهم، ونسخة الكتاب محفوظة ليس ~~فيها قسم، وهذا لأن كلا من المتعاهدين يمد يمينه إلى الآخر، ثم صار مجرد ~~الكلام بالعهد يسمى يمينا، وإن لم يحصل فيه مد اليمين. # وقد قيل: سمي العهد يمينا؛ لأن اليمين هي القوة والشدة، كما قال تعالى: ~~{لأخذنا منه باليمين} [الحاقة: 45] ولما كان الحلف معقودا مشدودا سمي # PageV03P1386 # يمينا، فاسم اليمين جامع للعهد الذي بين العبد وبين ربه وإن كان نذرا، ~~ومنه ms538 قول النبي صلى الله عليه وسلم " النذر حلفة " وللعهد الذي بين ~~المخلوقين، ومنه قوله تعالى: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} [النحل: 91] ~~فالنهي عن [نقض] العهود وإن لم يكن فيها قسم، وقال تعالى: {ومن أوفى بما ~~عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما} [الفتح: 10] وإن لم يكن هناك قسم، ومنه ~~قوله تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} [النساء: 1] # PageV03P1387 # معناه: تتعاهدون وتتعاقدون به، والمقصود أن كل من طعن في ديننا بعد أن ~~عاهدناه عهدا يقتضي ألا يفعل ذلك، فهو إمام في الكفر لا يمين له فيجب قتله ~~بنص الآية، وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الناكث الذي ليس بإمام في الكفر، ~~وهو من خالف بفعل شيء مما صولح عليه. ### | [فصل الهم بإخراج الرسول موجب لقتالهم] ### | 270 - # فصل # [الهم بإخراج الرسول موجب لقتالهم] . # الدليل الخامس: قوله تعالى: {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا ~~بإخراج الرسول} [التوبة: 13] فجعل همهم بإخراج الرسول موجبا لقتالهم لما ~~فيه من الأذى له. # ومعلوم قطعا أن سبه أعظم أذى له من مجرد إخراجه من بلده، ولهذا عفا صلى ~~الله عليه وسلم عام الفتح عن الذين هموا بإخراجه ولم يعف عمن سبه، فالذمي ~~إذا أظهر سبه فقد نكث عهده وفعل ما هو أعظم من الهم بإخراج الرسول وبدأ ~~بالأذى فيجب قتاله. ### | [فصل الأمر بقتال الناكثين الطاعنين في الدين] ### | 271 - # فصل # [الأمر بقتال الناكثين الطاعنين في الدين] . # الدليل السادس: قوله تعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم ~~عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين - ويذهب غيظ قلوبهم} [التوبة: 14 - 15] # PageV03P1388 # فأمر سبحانه بقتال الناكثين الطاعنين في الدين، ورتب على ذلك أشياء: ~~تعذيبهم بأذى المؤمنين، وخزيهم، والنصرة عليهم، وشفاء صدور المؤمنين، وذهاب ~~غيظ قلوبهم، وتوبته على غيرهم. والتقدير: إن تقاتلوهم يحصل هذا. # وإذا كانت هذه الأمور مرتبة على قتال الناكث والطاعن في الدين - وهي أمور ~~مطلوبة - كان سببها المقتضي لها مطلوبا للشارع - وهو القتال - وإذا كانت ~~هذه الأمور مطلوبة حاصلة بالقتال لم يجز تعطيل القتال الذي هو سببها مع ~~قيام المقتضي له من جهة من يقاتله، ms539 وهو النكث والطعن في الدين. # فشفاء الصدور الحاصل من ألم النكث والطعن، وذهاب الغيظ الحاصل في صدور ~~المؤمنين من ذلك، مقصود للشارع مطلوب الحصول، ولا ريب أن من أظهر سب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة فإنه يغيظ المؤمنين ويؤلمهم أكثر من ~~سفك دماء بعضهم وأخذ أموالهم، فإن هذا يثير الغضب لله والحمية له ولرسوله. # وهذا القدر لا يهيج في قلب المؤمن غيظ أكثر منه، بل المؤمن المسدد لا ~~يغضب هذا الغضب إلا لله ورسوله، والله سبحانه يحب شفاء صدور المؤمنين وذهاب ~~غيظ قلوبهم، وهذا إنما يحصل بقتل السباب لأوجه: # أحدها: أن [تعزيره] وتأديبه يذهب غيظ قلوبهم إذا شتم أحدا من # PageV03P1389 # المسلمين، فلو أذهب التعزير والتأديب غيظ قلوبهم إذا شتم الرسول لكان ~~غيظهم من سب نبيهم مثل غيظهم من سب واحد منهم، وهذا باطل قطعا. # الثاني: أن شتمه أعظم عندهم من أن يسفك دماء بعضهم بعضا، ثم لو قتل واحد ~~منهم لم يشف صدورهم إلا قتله، فأن لا تشفى صدورهم إلا بقتل الساب أولى ~~وأحرى. # الثالث: أن الله جعل قتالهم هو السبب في حصول الشفاء، والأصل عدم سبب آخر ~~يحصله فيجب أن يكون القتل هو الشافي لصدور المؤمنين من مثل هذا. # الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتحت مكة وأراد أن يشفي صدور ~~خزاعة - وهم القوم المؤمنون - من بني بكر الذين قاتلوهم مكنهم منهم نصف ~~النهار أو أكثر مع أمانه لسائر الناس، فلو كان شفاء صدورهم وذهاب غيظ ~~قلوبهم يحصل بدون القتل للذين نكثوا أو طعنوا لما فعل ذلك مع أمانه الناس. ### | [فصل المحاد لله ولرسوله ليس له عهد] ### | 272 - # فصل # [المحاد لله ولرسوله ليس له عهد] . # الدليل السابع: قوله سبحانه: {ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن ~~له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم} [التوبة: 63] # PageV03P1390 # ذكر سبحانه هذه الآية عقيب قوله: {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو ~~أذن} [التوبة: 61] فجعلهم مؤذين له بقولهم: (هو أذن) ثم قال: {ألم يعلموا ~~أنه من يحادد ms540 الله ورسوله} [التوبة: 63] فجعلهم بهذا محادين، ومعلوم قطعا ~~أن من أظهر مسبة الله ورسوله والطعن في دينه أعظم محادة له ولرسوله، وإذا ~~ثبت أنه محاد فقد قال تعالى: {إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في ~~الأذلين} [المجادلة: 20] والأذل أبلغ من الذليل، ولا يكون أذل حتى يخاف على ~~نفسه وماله؛ لأن من كان دمه وماله معصوما لا يستباح فليس بأذل، يدل عليه ~~قوله تعالى: {ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من ~~الناس} [آل عمران: 112] فبين سبحانه أنهم أينما ثقفوا فعليهم الذلة إلا مع ~~العهد، فعلم أن من له عهد وحبل يأمن به على نفسه وماله لا ذلة عليه، وإن ~~كانت عليه المسكنة، فإن المسكنة قد تكون مع عدم الذلة، وقد جعل سبحانه ~~الحادين في الأذلين، فلا يكون لهم عهد؛ إذ العهد ينافي الذلة كما دلت عليه ~~الآية، وهذا ظاهر فإن الأذل ليس له قوة يمتنع بها ممن أراده بسوء، فإذا كان ~~له من المسلمين عهد يجب عليهم به نصره ومنعه فليس بأذل، فثبت أن المحاد لله ~~ورسوله لا يكون له عهد يعصمه. # PageV03P1391 ### | [فصل بيان معنى الكبت] ### | 273 - # فصل # [بيان معنى الكبت] . # الدليل الثامن: قوله تعالى: {إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت ~~الذين من قبلهم} [المجادلة: 5] ) والكبت: الإذلال والخزي والتصريع على ~~الوجه. # قال النضر وابن قتيبة: هو الغيظ والحزن. # وقال أهل التفسير: كبتوا أهلكوا وأخزوا وحزنوا، وإذا كان المحاد مكبوتا ~~فلو كان آمنا على نفسه وماله لم يكن مكبوتا بل مسرورا جذلا يشفي صدره من ~~الله ورسوله آمنا على دمه وماله، فأين الكبت إذن؟ # PageV03P1392 # ويدل عليه قوله: {كبتوا كما كبت الذين من قبلهم} [المجادلة: 5] فخوفهم ~~بكبت نظير كبت من قبلهم، وهو الإهلاك من عنده أو بأيدي عباده وأوليائه. # وقوله: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} [المجادلة: 21] عقيب قوله: {إن الذين ~~يحادون الله ورسوله} [المجادلة: 5] دليل على أن [المحادة] مغالبة ومعاداة ~~حتى يكون أحد المحادين غالبا، وهذا إنما يكون بين أهل الحرب لا أهل السلم، ~~فعلم أن ms541 المحاد ليس بمسالم فلا يكون له أمان مع المحادة، وقد جرت سنة الله ~~سبحانه أن الغلبة لرسله بالحجة والقهر، فمن أمر منهم بالحرب نصر على عدوه، ~~ومن لم يؤمر بالحرب أهلك عدوه. # يوضحه أن المحادة مشاقة؛ لأنها من الحد والفصل والبينونة، وكذلك المشاقة ~~من الشق، وكذلك المعاداة من العدوة وهي الجانب، يكون أحد العدوين في شق ~~وجانب وحد، وعدوه الآخر في غيرها، والمعنى في ذلك كله معنى المقاطعة ~~والمفاصلة، وذلك لا يكون إلا مع انقطاع الحبل الذي بيننا وبين أهل العهد لا ~~يكون مع اتصال الحبل أبدا. # يوضحه أن الحبل وصلة وسبب، فلا يجامع المفاصلة والمباينة. # وأيضا فإنها إذا كانت بمعنى المشاقة فقد قال تعالى: # PageV03P1393 # {فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان - ذلك بأنهم شاقوا الله ~~ورسوله ومن [يشاقق] الله ورسوله فإن الله شديد العقاب} [الأنفال: 12 - 13] ~~فأمر بضرب أعناقهم، وعلل ذلك بمشاقتهم [ومحادتهم] وكل من فعل ذلك وجب أن ~~يضرب عنقه، وهذا دليل تاسع في المسألة. # وترتيبه هكذا: هذا مشاق لله ورسوله، والمشاق لله ورسوله مستحق ضرب العنق، ~~وقد تبينت صحة المقدمتين. # ونظير هذا الاستدلال قوله تعالى: {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم ~~في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار} [الحشر: 3] والتعذيب في الدنيا هو ~~القتال والإهلاك، ثم علل ذلك بالمشاقة، وأخر عنهم ذلك التعذيب لما سبق من ~~كتابة الجلاء عليهم، فمن وجدت منه المشاقة من غيرهم ممن لم يكتب عليه ~~الجلاء استحق عذاب الدنيا الذي أخره عن أولئك، وهذا دليل عاشر في المسألة. # PageV03P1394 ### | [فصل زوال العصمة عن نفس ومال المؤذي لله ورسوله] ### | 274 - # فصل # [زوال العصمة عن نفس ومال المؤذي لله ورسوله] # الدليل الحادي عشر: قوله تعالى: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله ~~في الدنيا والآخرة} [الأحزاب: 57] ) وهذه الأفعال أذى لله ورسوله قطعا، بل ~~أذى الله ورسوله يحصل بدونها. # وقال تعالى: {أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا} ~~[النساء: 52] فيجب أن يكون هذا الملعون في الدنيا والآخرة عادم النصير ~~بالكلية، فلو كان ms542 ماله ودمه معصومين لوجب على المسلمين نصرته وكانوا كلهم ~~أنصاره، وهذا مخالفة صريحة لقوله: {فلن تجد له نصيرا} [النساء: 52] # يوضحه الدليل الثاني عشر: وهو أن هذا مؤذ لله ورسوله، فتزول العصمة عن ~~نفسه وماله لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " «من لكعب بن الأشرف، فإنه قد ~~آذى الله ورسوله» " فندب إلى قتله بعد العهد، وعلل ذلك بكونه آذى الله ~~ورسوله، وستأتي قصته إن شاء الله تعالى. # PageV03P1395 ### | [فصل مد الله قتالهم حتى ينتهوا عن أسباب الفتنة] ### | 275 - # فصل # [مد الله قتالهم حتى ينتهوا عن أسباب الفتنة] . # الدليل الثالث عشر: قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين ~~لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة: 193] ) فمد قتالهم ~~إلى أن ينتهوا عن أسباب الفتنة وهي الشرك، وأخبر أنه لا عدوان إلا على ~~الظالمين، والمجاهر بالسب والعدوان على الإسلام غير منته فقتاله واجب إذا ~~كان غير مقدور عليه، وقتله مع القدرة حتم وهو ظالم، فعليه العدوان الذي ~~نفاه عمن انتهى وهو القتل والقتال، وهذا بحمد الله في غاية الوضوح. ### | [فصل يوفى العهد إليهم ما لم ينقصونا شيئا مما عاهدناهم عليه] ### | 276 - # فصل # [يوفى العهد إليهم ما لم ينقصونا شيئا مما عاهدناهم عليه] . # الدليل الرابع عشر: قوله: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين} [التوبة: 1] ) إلى قوله: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ~~ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} ~~[التوبة: 4] فأمر سبحانه أن يوفى لهم ما لم ينقصونا شيئا مما عاهدناهم ~~عليه، ومعلوم أن من فعل تلك الأفعال فقد نقصنا جل ما عاهدناه عليه ما خلا ~~الدينار الذي هو أهون شيء عوهد عليه فهو # PageV03P1396 # أولى بفسخ العهد من نقص الدينار، ولا كان باذله وقد جاهر بأعظم العداوة. # يوضحه أن الدينار لم يأخذه منه المسلمون لحاجتهم إليه، وقد فتح الله ~~عليهم الدنيا، وإنما أخذ منه إذلالا له وقهرا حتى يكون صاغرا، فإذا امتنع ~~من بذله لم يكن صاغرا فاستحق القتل، فإذا أتى ما هو أعظم ms543 من منع الدينار ~~مما ينافي الصغار، فاستحقاقه للقتل أولى وأحرى، وهذا يقرب من المقاطع. # PageV03P1397 # ذكر الأدلة من السنة على وجوب قتل السباب وانتقاض عهده # الدليل الأول: ما رواه الشعبي عن علي «أن يهودية كانت تشتم النبي صلى ~~الله عليه وسلم وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله # PageV03P1398 # صلى الله عليه وسلم دمها» . وهكذا رواه أبو داود في " السنن ". # واحتج به الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله فقال: حدثنا جرير، عن ~~مغيرة، عن الشعبي قال: «كان رجل من المسلمين أعمى يأوي إلى امرأة يهودية، ~~فكانت تطعمه وتحسن إليه، فكانت لا تزال تشتم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتؤذيه، فلما كان ليلة من الليالي خنقها فماتت، فلما أصبح ذكر ذلك لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فنشد الناس في أمرها، فقام الأعمى فذكر له أمرها، ~~فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم دمها» . # PageV03P1399 # قال شيخنا: وهذا الحديث جيد، فإن الشعبي رأى عليا وروى عنه حديث [شراحة] ~~الهمدانية، وكان في حياة علي قد ناهز العشرين سنة وهو معه في الكوفة، وقد ~~ثبت لقاؤه لعلي رضي الله عنه فيكون الحديث متصلا، وإن يبعد سماع الشعبي من ~~علي فيكون الحديث مرسلا، والشعبي عندهم صحيح المراسيل لا يعرفون له إلا ~~مرسلا صحيحا، وهو # PageV03P1400 # من أعلم الناس بحديث علي وأعلمهم بثقات أصحابه، وله شاهد من حديث ابن ~~عباس رضي الله عنهما وهو: # الدليل الثاني: قال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا عثمان الشحام، حدثنا ~~عكرمة مولى ابن عباس «أن رجلا كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقتلها، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عنها، فقال: يا رسول الله، ~~إنها كانت تشتمك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا إن دم فلانة ~~هدر» ". # PageV03P1401 # رواه أبو داود والنسائي من حديث إسماعيل بن جعفر، عن إسرائيل، عن عثمان ~~الشحام، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى ~~الله عليه وسلم وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا ms544 تنزجر، فلما كان ~~ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه فأخذ المغول فوضعه ~~في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~فجمع الناس فقال: " أنشد الله رجلا فعل ما فعل، لي عليه حق إلا قام " فقام ~~الأعمى يتخطى الناس وهو يتدلدل حتى قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله: أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي ~~وأزجرها فلا تنزجر ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين وكانت بي رفيقة، فلما كان ~~البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها ~~حتى قتلتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا اشهدوا أن دمها هدر» ". # PageV03P1402 # والمغول - بالغين المعجمة - قال الخطابي: هو شبيه المشمل ونصله دقيق ماض، ~~وكذلك قال غيره: هو سيف دقيق يكون غمده كالسوط، والمشمل السيف القصير سمي ~~بذلك لأنه يشتمل عليه الرجل، أي: يغطيه بثوبه، واشتقاق المغول من غاله ~~الشيء واغتاله إذا أخذه من حيث لا يدري. # قال شيخنا: فهذه القصة يمكن أن تكون هي الأولى، وعليه يدل كلام الإمام ~~أحمد؛ لأنه قيل له في رواية ابنه عبد الله: في قتل الذمي إذا سب أحاديث؟ ~~قال: نعم؛ منها حديث الأعمى الذي قتل المرأة، قال: سمعتها تشتم النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # ثم روى عنه عبد الله كلا الحديثين، وعلى هذا فيكون قد خنقها وبعج بطنها، ~~أو تكون كيفية القتل غير محفوظة في إحدى الروايتين. # ويؤيد ذلك أن وقوع قصتين مثل هذه لأعميين كل منهما كانت المرأة # PageV03P1403 # تحسن إليه وتكرر الشتم، وكلاهما قتلها وحده، وكلاهما نشد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيها الناس، بعيد في العادة. # وعلى هذا التقدير المقتولة يهودية كما جاء مفسرا في تلك الرواية، ويمكن ~~أن تكونا قصتين كما يدل عليه ظاهر الحديثين. # فإن قيل: يجوز أن تكون هذه المرأة من أهل الحرب ليست من أهل الذمة، ~~وحينئذ لا يدل على قتل الذمي المعاهد وانتقاض عهده بالسب، قيل: هذا ms545 ظنه بعض ~~الناس الذين ليس لهم بالسنة كثير علم، وهو غلط لأن هذه المرأة كانت موادعة ~~مهادنة؛ إذ النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وادع جميع اليهود ~~الذين كانوا بها موادعة مطلقة، ولم يضرب عليهم جزية، وهذا مشهور عند أهل ~~العلم بمنزلة التواتر بينهم. # قال الشافعي رحمه الله تعالى: " لم أعلم مخالفا من أهل العلم بالسير «أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل المدينة وادع يهود كافة على غير ~~جزية» "، وهو كما قال الشافعي رحمه الله تعالى، وذلك أن المدينة كان فيما ~~حولها ثلاثة أصناف من اليهود: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة. وكان ~~بنو قينقاع وبنو النضير حلفاء الخزرج، وكانت قريظة حلفاء الأوس، فلما قدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم هادنهم ووادعهم مع إقراره لهم ولمن كان حول ~~المدينة من المشركين من حلفاء الأنصار على حلفهم وعهدهم الذي كانوا عليه ~~حتى إنه عاهد اليهود أن يعينوه إذا حارب ثم نقض العهد بنو قينقاع ثم النضير ~~ثم قريظة. # PageV03P1404 # قال محمد بن إسحاق: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني في أول ما ~~قدم المدينة - كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم ~~على دينهم وأموالهم واشترط عليهم وشرط لهم. # قال ابن إسحاق: حدثني عثمان بن محمد بن الأخنس بن شريق قال: أخذت من آل ~~عمر بن الخطاب هذا الكتاب، كان مقرونا بكتاب " الصدقة " الذي كتب عمر ~~للعمال، كتب: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا من محمد النبي صلى الله عليه ~~وسلم [بين] المسلمين والمؤمنين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد ~~معهم، أنهم أمة واحدة دون الناس # PageV03P1405 # المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى، يفدون ~~عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون ~~معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. # ثم ذكر لبطون الأنصار: بني حارث، وبني ساعدة، وبني جشم، وبني النجار، ~~وبني عمرو بن عوف، وبني الأوس مثل هذا الشرط. # ثم قال: وإن المؤمنين لا يتركون ms546 مفرحا منهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو ~~عقل، ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه. . . " إلى أن قال: ". . . وإن ذمة ~~الله واحدة يجير عليهم أدناهم، فإن المؤمنين بعضهم مولى بعض دون الناس، ~~وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير # PageV03P1406 # مظلومين ولا متناصر عليهم، وإن سلم المؤمنين واحدة. . . " إلى أن قال ". ~~. . وإن اليهود متفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن ليهود بني عوف ~~ذمة من المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم، إلا من ~~ظلم وأثم فإنه لا [يوتغ] إلا نفسه وأهل بيته. # وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الحارث مثل ما ~~ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ~~جشم مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وإن ~~ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا ~~نفسه وأهل بيته. وإن لحقه بطن من بني ثعلبة مثله، وإن لبني الشطبة مثل ما ~~ليهود بني عوف، وإن موالي ثعلبة كأنفسهم، وإن بطانة يهود كأنفسهم ". # ثم يقول فيها: " وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه ما كان بين أهل ~~هذه الصحيفة من حرث وأشجار يخشى فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وإن يهود الأوس ومواليهم وأنفسهم على مثل ما في هذه ~~الصحيفة ". # PageV03P1407 # وهذه الصحيفة معروفة عند أهل العلم. # روى مسلم في " صحيحه " عن جابر رضي الله عنه قال: «كتب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على كل بطن عقوله، ثم كتب: " أنه لا يحل [لمسلم] أن يتولى ~~مولى رجل مسلم بغير إذنه» ". فقد بين فيها أن كل من تبع المسلمين من اليهود ~~فإن له النصر. # ومعنى الاتباع مسالمته وترك محاربته، لا الاتباع في الدين كما بينه في ~~أثناء " الصحيفة " فكل من أقام بالمدينة ومخاليفها غير محارب من يهود دخل ~~في هذا. # ثم بين أن ليهود كل بطن ms547 من الأنصار ذمة من المؤمنين، ولم يكن بالمدينة ~~أحد من اليهود إلا وله حلف، إما مع الأوس أو مع بعض بطون الخزرج، وكان بنو ~~قينقاع - وهم المجاورون للمدينة وهم رهط عبد الله بن سلام - حلفاء بني عوف ~~بن الخزرج رهط ابن أبي رهم، البطن الذي بدئ بهم فيه هذه الصحيفة. # قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: «أن بني قينقاع كانوا أول ~~يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وخانوا # PageV03P1408 # فيما بين بدر وأحد، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على ~~حكمه، فقام عبد الله بن أبي ابن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - ~~حين أمكنه الله منهم - فقال: يا محمد، أحسن في موالي، فأعرض عنه، فأدخل يده ~~في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " أرسلني "، وغضب حتى إن لوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ظلالا ~~وقال: " ويحك أرسلني "، فقال: والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي: أربعمائة ~~حاسر وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأسود والأحمر تحصدهم في غداة واحدة، ~~إني والله أخشى الدوائر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هم لك» ". # PageV03P1409 # وأما النضير وقريظة فكانوا خارجا من المدينة، وعهدهم مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أشهر من أن يخفى على عالم. # وهذه المرأة المقتولة، والله أعلم، كانت من بني قينقاع؛ إذ ظاهر القصة ~~أنها كانت بالمدينة، وسواء كانت منهم أو من غيرهم فإنها كانت ذمية لأنه لم ~~يكن بالمدينة من اليهود إلا ذمي، فإن اليهود كانوا ثلاثة أصناف وكلهم ~~معاهد. # وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن جعفر، عن الحارث بن الفضيل، # PageV03P1410 # عن محمد بن كعب القرظي: «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ~~وادعته يهود كلها، فكتب بينه وبينها كتابا، وألحق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كل قوم بحلفائهم، وجعل بينه وبينهم أمانا، وشرط عليهم شروطا، فكان ~~فيما شرط: " ألا يظاهروا عليه عدوا ms548 "، فلما أصاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أصحاب بدر وقدم المدينة بغت يهود وقطعت ما كان بينها وبين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من العهد، فأرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فجمعهم ثم قال: " يا معشر يهود، أسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أني رسول الله ~~قبل أن يوقع الله بكم مثل وقعة قريش ". فقالوا: يا محمد، لا يغرنك من لقيت، ~~إنك لقيت أقواما أغمارا، وإنا والله أصحاب الحرب، وإن قاتلتنا لتعلمن أنك ~~لم تقاتل مثلنا» . # ثم ذكر حصارهم وإجلاءهم إلى أذرعات، وهم بنو قينقاع الذين كانوا ~~بالمدينة. # فقد ذكر ابن كعب مثل ما في هذه الصحيفة، وبين أنه عاهد جميع اليهود، وهذا ~~مما لا يعلم فيه نزاع بين أهل العلم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم. # ومن تأمل الأحاديث المأثورة والسيرة كيف كانت معهم علم ذلك ضرورة. # PageV03P1411 # ومما يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر له أنها قتلت نشد ~~الناس في أمرها، فلما ذكر له ذنبها أبطل دمها، وهو صلى الله عليه وسلم إذا ~~حكم بأمر [عقب] حكاية حال حكيت له دل ذلك على أن ذلك المحكي هو الموجب لذلك ~~الحكم؛ لأنه حكم حادث فلا بد له من سبب حادث، ولا سبب إلا ما حكي وهو مناسب ~~فيجب الإضافة إليه. # وأيضا فلما نشد النبي صلى الله عليه وسلم في أمرها ثم أبطل دمها دل على ~~أنها كانت معصومة، وأن دمها كان قد انعقد سبب ضمانه، وكان مضمونا لو لم ~~يبطله النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها كانت حربية لم ينشد الناس فيها ولم ~~يحتج أن يبطل دمها ويهدره لأن الإبطال والإهدار لا يكون إلا لدم قد انعقد ~~له سبب الضمان، ولهذا لما رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه أنكر قتلها ونهى ~~عن قتل النساء، ولم يبطله ولم يهدره، فإنه إذا كان في نفسه باطلا هدرا، ~~والمسلمون يعلمون أن دم الحربية غير مضمون بل هو هدر لم يكن لإبطاله ~~وإهداره وجه، وهذا - ولله الحمد - ظاهر. ms549 # فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عاهد اليهود عهدا بغير ضرب جزية ~~عليهم، ثم إنه أهدر دم يهودية منهم لأجل سبه، فأن يهدر دم يهودية من اليهود ~~الذين ضربت عليهم الجزية والتزموا أحكام الملة - لأجل السب - أولى وأحرى، ~~ولو لم يكن قتلها جائزا لبين لقاتلها قبح ما فعل، فإنه صلى الله عليه وسلم ~~لا يقر على باطل - كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم: # PageV03P1412 # " «إن من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة» ". ولأوجب ~~ضمانها وكفارة قتل المعصوم، فلما أهدر دمها علم أنه كان مباحا. # وقد وهم الخطابي في أمر هذه المقتولة فقال: " فيه بيان أن ساب النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقتل، وذلك أن السب منها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ارتداد عن الدين " فاعتقد أنها مسلمة، وليس في الحديث ما يدل على ذلك، بل ~~الظاهر أنها كانت كافرة كما صرح به في الحديث، ولو كانت مرتدة منتقلة إلى ~~غير دين الإسلام لم يقر سيدها على ذلك أياما طويلة، ولم يكتف بمجرد نهيها ~~عن السب، بل كان يطلب منها العود إلى الإسلام، والرجل لم يقل: " كفرت ولا ~~ارتدت " وإنما ذكر مجرد السب والشتم فدل على أنها لم يصدر منها زائد عليه. # PageV03P1413 ### | [فصل حجة الإمام الشافعي في قتل الساب] ### | 277 - # فصل # [حجة الإمام الشافعي في قتل الساب] # الدليل الثالث: ما احتج به الشافعي على أن الذمي إذا سب قتل وبرئت منه ~~الذمة، وهو قصة كعب بن الأشرف. # قال الخطابي: قال الشافعي: يقتل الذمي إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتبرأ منه الذمة. # واحتج في ذلك بخبر كعب بن الأشرف. # قال الشافعي في " الأم ": " لم يكن بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~قربه رجل من أهل الكتاب إلا يهود المدينة، وكانوا حلفاء الأنصار، ولم يكن ~~الأنصار أجمعت أول ما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إسلاما، فوادعت ~~اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تخرج إلى شيء من عداوته بقول ~~[يظهر] ولا ms550 فعل، حتى كانت وقعة بدر، فتكلم بعضهم بعداوته والتحريض عليه، ~~فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ". # ومعلوم أنه إنما أراد بهذا الكلام كعب بن الأشرف، وقصته مشهورة مستفيضة. # PageV03P1414 # وقد رواها عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: «قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله " فقام محمد ~~بن مسلمة فقال: أنا يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: " نعم ". قال: فائذن ~~لي أن أقول شيئا، قال: " قل ". # فأتاه وذكره ما بينهم، قال: إن هذا الرجل قد أراد الصدقة وعنانا فلما ~~سمعه قال: وأيضا والله لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه الآن، ونكره أن ندعه ~~حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره. قال: وقد أردت أن تسلفني سلفا، قال: فما ~~ترهنونني؟ نساءكم؟ قال: أنت أجمل العرب، أنرهنك نساءنا؟ قال: ترهنون إلي ~~أولادكم؟ قال: يسب ابن أحدنا فيقال: رهنت في وسقين من تمر، ولكن نرهنك ~~اللأمة - يعني السلاح - قال: # PageV03P1415 # نعم؛ وواعده أن يأتيه بالحارث وأبي عبس بن جبير وعباد بن بشر، فجاءوا ~~فدعوه ليلا فنزل إليهم. # قال سفيان: قال غير عمرو: قالت له امرأته: إني لأسمع صوتا كأنه صوت دم، ~~قال: إنما هو محمد ورضيعه أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلا ~~لأجاب. # فقال محمد: إني إذا جاء سوف أمد يدي إلى رأسه فإذا استمكنت منه فدونكم، ~~فنزل وهو متوشح فقال: أنجد منك ريح الطيب؟ # PageV03P1416 # قال: نعم، تحتي فلانة أعطر نساء العرب. # قال: أفتأذن لي أن أشم منه؟ # قال: نعم، فشم ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: فاستمكن منه ثم قال: دونكم ~~فقتلوه» . متفق عليه. # وروى ابن أبي أويس، عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة، عن ~~أبيه، عن جابر بن عبد الله: «أن كعب بن الأشرف عاهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ألا يعين عليه ولا يقاتله، ولحق بمكة ثم قدم المدينة معلنا ~~بمعاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أول ما ms551 خزع عنه قوله: # أذاهب أنت لم تحلل [بمنقمة] ... وتارك أنت أم الفضل بالحرم # في أبيات يهجوه فيها، فعند ذلك ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~قتله» . # وهذا محفوظ عن ابن أبي أويس، رواه الخطابي وغيره. # PageV03P1417 # وقال: قوله " خزع " معناه قطع عهده. # وفي رواية غيره: فخزع منه هجاؤه له فأمر بقتله. # والخزع القطع، يقال: " خزع فلان عن أصحابه يخزع خزعا؛ أي: انقطع وتخلف، ~~ومنه سميت " خزاعة " لأنهم انخزعوا عن أصحابهم وأقاموا بمكة ". # فعلى اللفظ الأول يكون التقدير: وهذا أول خزعه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم؛ أي: أول انقطاعه عنه بنقض العهد. # وعلى الثاني قيل: المعنى قطع هجاءه للنبي صلى الله عليه وسلم منه؛ أي: ~~نقض عهده وذمته. # وقيل: معناه خزع من النبي صلى الله عليه وسلم هجاه: أي: نال منه وشعث ~~منه. # وقد ذكر أهل المغازي والتفسير - مثل محمد بن إسحاق - أن كعب بن الأشرف ~~كان موادعا للنبي صلى الله عليه وسلم في جملة من وادعه من يهود المدينة، ~~وكان عربيا من بني طيئ، وكانت أمه من بني النضير. # PageV03P1418 # قالوا: فلما قتل أهل بدر شق ذلك عليه، وذهب إلى مكة ورثاهم لقريش، وفضل ~~دين الجاهلية على دين الإسلام حتى أنزل الله فيه: {ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من ~~الذين آمنوا سبيلا - أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له ~~نصيرا} [النساء: 51 - 52] ثم لما رجع إلى المدينة أخذ ينشد الأشعار [يهجو ~~بها النبي صلى الله عليه وسلم] ويشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم، حتى قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " «من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله» ~~". وذكروا قصة قتله مبسوطة. # وقال الواقدي: حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن رومان ومعمر، عن ~~الزهري، عن [ابن] كعب بن مالك، وإبراهيم بن جعفر، عن أبيه، عن جابر، وذكر ~~القصة قال: «ففزعت يهود ومن معها من المشركين، # PageV03P1419 # فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين ms552 أصبحوا فقالوا: قد طرق صاحبنا ~~الليلة وهو سيد من ساداتنا، [قتل غيلة] بلا جرم ولا حدث علمناه، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إنه لو قر كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما ~~اغتيل، ولكنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر، ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان ~~للسيف ". ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يكتب بينهم كتابا ~~ينتهون إلى ما فيه، فكتبوا بينه وبينهم كتابا تحت العذق في دار رملة بنت ~~الحارث، فحذرت يهود وخافت وذلت من يوم قتل ابن الأشرف» . # PageV03P1420 # فإن قيل: لا نسلم أن كعبا كان من أهل العهد بل كان حربيا، وعلى تقدير ~~كونه من أهل العهد فإنه لم يبح دمه بالسب بل بلحوقه دار الحرب، فإنه لحق ~~بمكة وهي دار حرب إذ ذاك، فهذا الذي أباح دمه. # وقد قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن ~~عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: " ألا ترى إلى هذا الصنبر ~~المنبتر عن قومه، يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل ~~السقاية، قال: أنتم خير، قال: فنزل فيهم: {إن شانئك هو الأبتر} [الكوثر: 3] ~~قال: وأنزلت فيه: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} [النساء: ~~51] إلى قوله: (نصيرا) # PageV03P1422 # وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق قال: قال معمر: أخبرني أيوب، عن عكرمة، عن ~~ابن عباس أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش فاستجاشهم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، [وأمرهم] أن يغزوه، وقال لهم: إنا معكم، فقالوا: ~~إنكم أهل كتاب وهو صاحب كتاب، # PageV03P1423 # ولا نأمن أن يكون مكرا منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين ~~وآمن بهما، ففعل، ثم قالوا له: نحن أهدى أم محمد؟ نحن نصل الرحم ونقري ~~الضيف ونطوف بالبيت وننحر الكوم ونسقي اللبن على الماء، ومحمد قطع رحمه ~~وخرج من بلده، فقال: بل ms553 أنتم خير وأهدى، قال: فنزلت فيه: {ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء ~~أهدى من الذين آمنوا سبيلا} [النساء: 51] # وقال: حدثنا [عبد الرزاق] ، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك قال: ~~إن أهل مكة قالوا لكعب بن الأشرف لما قدم عليهم: ديننا خير أم دين محمد؟ ~~قالوا: اعرضوا علي دينكم، قالوا: نعمر بيت ربنا وننحر الكوماء ونسقي الحاج ~~الماء ونصل الرحم ونقري الضيف، قال: دينكم خير من دين محمد، فأنزل الله عز ~~وجل هذه الآية. # PageV03P1424 # قال موسى بن عقبة، عن الزهري: «كان كعب بن الأشرف اليهودي - وهو أحد بني ~~النضير [وقيمهم]- قد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجاء، وركب إلى ~~قريش فقدم عليهم، [فاستغواهم] بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~[له] أبو سفيان: أناشدك الله، أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ ~~وأينا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق؟ فإنا نطعم الجزور الكوماء ونسقي اللبن ~~على الماء ونطعم ما هبت الشمال. قال ابن الأشرف: أنتم أهدى منهم سبيلا، ثم ~~خرج مقبلا حين أجمع رأي المشركين على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~معلنا بعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجائه، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " من لنا من ابن الأشرف؟ قد استعلن بعداوتنا وهجائنا، وقد ~~خرج إلى قريش فجمعهم على قتالنا، وقد أخبرني الله بذلك، ثم قدم على أخبث # PageV03P1425 # ما كان [ينتظر] قريشا أن تقدم فيقاتلنا معهم " ثم قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على المسلمين ما أنزل فيه: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب} [آل عمران: 23] إلى قوله: (سبيلا) وآيات معها فيه وفي قريش، وذكر ~~لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم [اكفني] ابن الأشرف بما ~~شئت " فقال له محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله، أقتله؟» . . . وذكر القصة ~~في قتله، قال: فقتل الله ابن الأشرف بعداوته لله ورسوله وهجائه إياه ~~وتأليبه عليه قريشا وإعلانه بذلك. ms554 # قال ابن إسحاق: كان من حديث كعب بن الأشرف أنه لما أصيب # PageV03P1426 # أصحاب بدر وقدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة وعبد الله بن رواحة إلى أهل ~~العالية بشيرين، بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بالمدينة من ~~المسلمين بفتح الله عليه وقتل من قتل من المشركين، كما حدثني عبد الله بن ~~المغيث بن أبي بردة الظفري وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة ~~وصالح بن أبي أمامة بن سهل، كل واحد قد حدثني بعض حديثه. # قالوا: «كان كعب بن الأشرف من طيئ ثم أحد بني نبهان، وكانت أمه من بني ~~النضير، فقال حين بلغه الخبر: أحق هذا الذي يروون أن محمدا قتل هؤلاء الذين ~~سمى هذان الرجلان؟ - يعني زيدا وعبد الله بن رواحة - هؤلاء أشراف العرب ~~وملوك الناس، والله إن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها، ~~فلما تيقن عدو الله الخبر خرج حتى قدم مكة ونزل على المطلب بن أبي وداعة ~~السهمي وعنده عاتكة بنت # PageV03P1427 # أبي العيص بن أمية، فأنزلته وأكرمته [وجعل يحرض] على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم [وينشد] الأشعار، [ويبكي] أصحاب القليب من قريش الذين أصيبوا ~~ببدر، وذكر شعره وما رد عليه حسان وغيره، ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة ~~يشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما ~~حدثني عبد الله بن أبي المغيث -: " من لي من ابن الأشرف؟ " فقال محمد بن ~~مسلمة: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله» وذكر القصة. # وقال الواقدي: حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن رومان # PageV03P1428 # ومعمر، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك وإبراهيم بن جعفر، عن أبيه، عن ~~جابر بن عبد الله رضي الله عنه، فكل قد حدثني منه بطائفة، وكان الذي ~~اجتمعوا لنا عليه قالوا: «كان كعب بن الأشرف شاعرا، وكان يهجو النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه ويحرض عليهم كفار قريش في شعره، وكان رسول الله صلى ~~الله عليه ms555 وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط: منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة ~~الإسلام، فيهم أهل الحلقة والحصون، ومنهم حلفاء الحيين جميعا الأوس ~~والخزرج، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة استصلاحهم ~~كلهم وموادعتهم، وكان الرجل يكون مسلما وأبوه مشركا فكان المشركون واليهود ~~من أهل المدينة يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أذى شديدا، ~~فأمر الله نبيه والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم، وفيهم أنزل الله: ~~{ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن ~~تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} [آل عمران: 186] وفيهم أنزل الله: ~~{ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا} [البقرة: 109] ~~الآية. # PageV03P1429 # فلما أبى ابن الأشرف أن يدع عن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذى ~~المسلمين، وقد بلغ منهم، فلما قدم زيد بن حارثة بالبشارة من بدر بقتل ~~المشركين وأسر من أسر منهم، فرأى الأسارى مقرنين كبت وذل، ثم قال لقومه: ~~ويلكم! لبطن الأرض خير لكم من ظهرها اليوم، هؤلاء سراة الناس قد قتلوا ~~وأسروا، فما عندكم؟ قالوا: عداوته ما حيينا، فقال: وما أنتم وقد وطئ قومه ~~وأصابهم؟ ولكني أخرج إلى قريش فأحضها وأبكي قتلاها، لعلهم ينتدبون فأخرج ~~معهم، فخرج حتى قدم مكة ووضع رحله عند أبي وداعة بن أبي صبرة السهمي وتحته ~~عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص، فجعل يرثي قريشا. . . وذكر ما رثاهم به من ~~الشعر وما أجابه حسان، فأخبره بنزول كعب على من نزل، فقال حسان، فذكر شعرا ~~هجا به أهل البيت الذين نزل فيهم. # قال: فلما بلغها شعره نبذت رحله وقالت: ما لنا ولهذا اليهودي؟ ألا ترى ما ~~يصنع بنا حسان؟ فتحول، فكلما تحول عند قوم دعا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حسان، فقال: " ابن الأشرف نزل على فلان ". فلا يزال # PageV03P1430 # يهجوهم حتى ينبذوا رحله، فلما لم يجد مأوى قدم المدينة فبلغ النبي صلى ~~الله عليه وسلم قدومه فقال: " اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت في إعلانه ~~الشر وقوله ms556 الأشعار ". # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لي من ابن الأشرف؟ فقد [آذاني] ~~فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أنا أقتله، قال: " فافعل» ". ~~وذكر الحديث. # فقد اجتمع لابن الأشرف ذنوب منها: أنه رثى قتلى قريش، وحضهم على محاربة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وواطأهم على ذلك، وأعانهم على محاربته بإخباره ~~أن دينهم خير من دينه، وهجا النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين. # قلنا: الجواب من وجوه: # PageV03P1431 # أحدها: أن كعبا كان له عهد من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم جعله ناقضا للعهد بهجائه وأذاه بلسانه. # الثاني: أنا قد قدمنا في حديث جابر أن أول ما نقض به العهد قصيدته التي ~~أنشأها يهجو بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما هجاه بهذه القصيدة ندب إلى قتله. # الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود لما جاءوا إليه في شأن ~~قتله: " «إنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر، ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان ~~للسيف» ". وهذا نص في أن من فعل هذا فقد استحق السيف. # الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يندب إلى قتله لكونه ذهب إلى مكة ~~وفعل ما فعل هناك، وإنما ندب إلى قتله لما قدم وهجاه، كما جاء ذلك مفسرا في ~~حديث جابر المتقدم في قوله: " ثم قدم المدينة معلنا بعداوة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ". ثم بين أن أول ما قطع به العهد تلك الأبيات التي قالها بعد ~~الرجوع، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ ندب إلى قتله، وكذلك في حديث ~~موسى بن عقبة: " «من لنا من ابن الأشرف؟ فقد استعلن بعداوتنا وهجائنا» ". # ويؤيد ذلك شيئان: # أحدهما: أن سفيان بن عيينة روى عن عمرو بن دينار، عن عكرمة # PageV03P1432 # قال: جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا: أنتم أهل ~~الكتاب وأهل العلم فأخبرونا عنا وعن محمد، فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ ~~فقالوا: ms557 نحن نصل الأرحام وننحر الكوماء ونسقي الماء على اللبن ونفك العناة ~~ونسقي الحجيج، ومحمد صنبور قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فنحن ~~خير أم هو؟ فقالوا: بل أنتم خير وأهدى سبيلا، فأنزل الله: {ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} [النساء: 44] إلى قوله: {أولئك الذين لعنهم ~~الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا} [النساء: 52] . # وكذلك قال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في كعب بن الأشرف وحيي بن ~~أخطب، رجلين من اليهود من بني النضير أتيا قريشا في الموسم، فقال لهما ~~المشركون: نحن أهدى من محمد وأصحابه، وهما يعلمان أنهما كاذبان، إنما ~~حملهما على ذلك حسد محمد وأصحابه، فأنزل الله فيهم: {أولئك الذين لعنهم ~~الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا} [النساء: 52] فلما رجعا إلى قومهما ~~قال لهما قومهما: إن محمدا يزعم أنه قد نزل فيكم كذا وكذا، قال: صدق والله، ~~ما حملنا على ذلك إلا حسده وبغضه. # PageV03P1433 # وهذان مرسلان من وجهين مختلفين، فيهما أن كلا الرجلين ذهب إلى مكة وقال ~~ما قال، ثم إنهما قدما فندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قتل ابن الأشرف ~~وأمسك عن ابن أخطب، حتى نقض بنو النضير العهد فأجلاهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلحق بخيبر، ثم جمع عليه الأحزاب، فلما انهزموا دخل مع بني قريظة ~~حصنهم حتى قتله الله معهم، فعلم أن الأمر الذي أتياه بمكة لم يكن هو الموجب ~~للندب إلى قتل ابن الأشرف، وإنما هو ما اختص به ابن الأشرف من الهجاء ~~ونحوه، وإن كان ما فعله بمكة مقويا لذلك ولكن مجرد الأذى لله ورسوله يوجب ~~الندب إلى قتله كما نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " «فإنه قد ~~آذى الله ورسوله» ". وكما بينه جابر في حديثه. # الوجه الخامس: أن ابن أبي أويس قال: حدثني إبراهيم بن جعفر # PageV03P1434 # الحارثي، عن أبيه، عن جابر: " لما قال: «كان من أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم وبني قريظة - كذا فيه، قال شيخنا: أحسبه وبني قينقاع - اعتزل ابن ms558 ~~الأشرف ولحق بمكة وكان فيها وقال: لا أعين عليه ولا أقاتله، فقيل له بمكة: ~~ديننا خير أم دين محمد وأصحابه؟ قال: دينكم خير وأقدم من دين محمد، ودين ~~محمد حديث» . # فهذا دليل على أنه لم يظهر محاربته. # الوجه السادس: أن جميع ما أتاه ابن الأشرف إنما هو أذى باللسان، فإن ~~رثاءه لقتلى المشركين وتحضيضه على قتال النبي صلى الله عليه وسلم وسبه ~~وطعنه في دين الإسلام وتفضيله دين الكفار عليه، كله قول باللسان ولم يعمل ~~عملا فيه محاربة. # ومن نازعنا في سب النبي صلى الله عليه وسلم ونحوه فهو فيما فعل كعب بن ~~الأشرف من تفضيل دين الكفار وحضهم باللسان على قتل المسلمين أشد منازعة، ~~فإن الذمي إذا تجسس لأهل الحرب وأخبرهم بعورات المسلمين ودعا الكفار إلى ~~قتالهم انتقض عهده أيضا كما ينتقض # PageV03P1435 # عهد الساب. # ومن قال: " إن الساب لا ينتقض عهده " فإنه يقول: لا ينتقض العهد بشيء من ~~ذلك، وهذا ابن الأشرف لم يوجد منه إلا أذى باللسان فقط، فهو حجة على من ~~نازع في هذه المسائل، ونحن نقول: إن ذلك كله نقض للعهد. # الوجه السابع: أن تفضيل دين الكفار على دين المؤمنين هو دون [سب] النبي ~~صلى الله عليه وسلم بلا ريب، فإن كون الشيء مفضولا أحسن حالا من كونه ~~مسبوبا مشتوما، فإن كان ذلك ناقضا للعهد فالسب بطريق الأولى. # وأما مرثيته للقتلى وحضهم على أخذ ثأرهم، فأكثر ما فيه تهييج قريش على ~~المحاربة، وقريش كانوا قد أجمعوا على محاربة النبي صلى الله عليه وسلم عقيب ~~بدر، وأرصدوا العير التي كان فيها أبو سفيان للنفقة على حربه، فلم يحتاجوا ~~في ذلك إلى كلام ابن الأشرف. # نعم، مرثيته وتفضيله ربما زادهم غيظا ومحاربة، لكن سبه للنبي وهجاءه له ~~ولدينه أيضا مما يهيجهم على المحاربة ويغريهم به، فعلم أن الهجاء فيه من ~~الفساد ما في غيره من الكلام وأبلغ، فإذا كان غيره من الكلام نقضا فهو أن ~~يكون نقضا أولى، ولهذا قتل النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من النسوة ms559 ~~اللاتي كن يشتمنه ويهجينه مع عفوه عمن كانت تعين عليه وتحض على قتاله. # PageV03P1436 # الوجه الثامن: أن كعب بن الأشرف لم يلحق بدار الحرب مستوطنا، ولهذا قدم ~~المدينة وهي وطنه، والذمي إذا سافر إلى دار الحرب ثم رجع إلى وطنه لم ينتقض ~~عهده. # ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل حيي بن أخطب وكان قد سافر ~~معه إلى مكة. # الوجه التاسع: أن ما ذكروه حجة لنا، وذلك أنه قد اشتهر عند أهل العلم من ~~وجوه كثيرة: أن قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} ~~[النساء: 44] نزلت في كعب بن الأشرف لما قاله لقريش، وقد أخبر الله سبحانه ~~أنه لعنه ومن لعنه فلن تجد له نصيرا، وذلك دليل على أنه لا عهد له، فلو كان ~~له عهد لكان يجب نصره على المسلمين، فعلم أن مثل هذا الكلام يوجب انتقاض ~~عهده وعدم ناصره، فكيف بما هو أغلظ منه من شتم وسب؟ وإنما لم يجعله النبي ~~صلى الله عليه وسلم - والله أعلم - بمجرد ذلك ناقضا للعهد؛ لأنه لم يعلن ~~بهذا الكلام ولم يجهر به، وإنما أعلم الله به رسوله وحيا كما تقدم في ~~الأحاديث، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ أحدا من المسلمين ~~والمعاهدين إلا بذنب ظاهر، فلما رجع إلى المدينة وأعلن الهجاء والعداوة ~~استحق أن يقتل لظهور أذاه وشهرته عند # PageV03P1437 # الناس. # نعم، من خيف منه الخيانة فإنه ينبذ إليه العهد، أما إجراء حكم المحاربة ~~عليه فلا يكون حتى يظهر المحاربة وتثبت عليه. # الوجه العاشر: أن النفر الخمسة الذين قتلوه وهم: محمد بن مسلمة، وأبو ~~نائلة، وعباد بن بشر، والحارث بن أوس، وأبو عبس بن جبر، قد أذن لهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يخدعوه بكلام يظهرون به أنهم قد آمنوه ووافقوه ثم ~~يقتلونه، ومن المعلوم أن من أظهر لكافر أمانا لم يجز قتله بعد ذلك لأجل ~~الكفر، بل لو اعتقد الكافر الحربي أن المسلم آمنه صار مستأمنا، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: " «من ms560 آمن رجلا على دمه وماله ثم قتله فأنا منه ~~بريء، وإن كان المقتول كافرا» ". رواه أحمد. # PageV03P1438 # وقال صلى الله عليه وسلم: " «إذا آمنك الرجل على دمه فلا تقتله» " رواه ~~ابن ماجه. # PageV03P1439 # وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " « ~~[الإيمان] قيد الفتك، لا يقتل مؤمن» " رواه أهل السنن. # وقد زعم الخطابي أنهم إنما فتكوا به؛ لأنه كان قد خلع الأمان ونقض العهد ~~قبل هذا، وزعم أن مثل هذا جائز من الكافر الذي لا عهد له، كما جاز البيات ~~والإغارة عليهم في أوقات الغرة، لكن يقال: فهذا الكلام الذي كلموه به صار ~~مستأمنا، وأدنى أحواله أن يكون له شبهة أمان. # ومثل ذلك لا يجوز قتله لمجرد الكفر، فإن الأمان يعصم دم الحربي ويصير ~~مستأمنا بأقل من هذا كما هو معروف في مواضعه، وإنما قتلوه لأجل هجائه وأذاه ~~لله ورسوله، ومن حل قتله بهذا الوجه لم يعصم دمه بأمان ولا بعهد كما لو آمن ~~المسلم من وجب قتله لأجل قطع الطريق ومحاربة الله ورسوله والسعي في الأرض ~~بالفساد الموجب للقتل، أو آمن # PageV03P1440 # من وجب قتله لأجل زناه، أو آمن من وجب قتله لأجل الردة، أو لأجل ترك ~~أركان الإسلام ونحو ذلك. ولا يجوز له أن يعقد له عهدا، سواء كان عقد أمان ~~أو عقد هدنة أو عقد ذمة؛ لأن قتله حد من الحدود، وليس قتله لمجرد كونه ~~كافرا حربيا كما سنذكره. # أما الإغارة والبيات فليس هناك قول ولا فعل صاروا به آمنين، ولا اعتقدوا ~~أنهم قد أومنوا، بخلاف قصة كعب بن الأشرف، فثبت أن أذى الله ورسوله بالهجاء ~~ونحوه لا يحقن معه الدم بالأمان، فلأن لا يحقن معه بالذمة المؤبدة والهدنة ~~المؤقتة بطريق الأولى، فإن الأمان يجوز عقده لكل كافر ويعقده كل مسلم، ولا ~~يشترط على المستأمن شيء من الشروط والذمة لا يعقدها إلا الإمام أو نائبه، ~~ولا يعقد إلا بشروط كثيرة تشرط على أهل الذمة من التزام الصغار ونحوه. # فإن قيل: كعب بن الأشرف سب النبي ms561 صلى الله عليه وسلم بالهجاء والشعر وهو ~~كلام موزون يحفظ ويروى وينشد بالأصوات والألحان ويشتهر بين الناس، وذلك له ~~من التأثير والأذى والصد عن سبيل الله ما ليس للكلام المنثور، ولذلك «كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يأمر حسان أن يهجوهم ويقول: " إنه أنكى فيهم من ~~النبل» ". فيؤثر هجاؤه فيهم أثرا عظيما يمتنعون به من أشياء لا يمتنعون ~~عنها لو سبوا بكلام منثور أضعاف الشعر. # PageV03P1441 # وأيضا فإن كعب بن الأشرف وأم الولد المتقدمة تكرر منهما سب النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأذاه، والشيء إذا كثر واستمر صار له حال أخرى ليست له إذا ~~انفرد، وقد ذكرتم أن الحنفية يجيزون قتل من كثر منه مثل هذه الجريمة، وإن ~~لم يجيزوا قتل من لم يتكرر منه، فإذن ما دل عليه الحديث يمكن المخالف أن ~~يقول به. # فالجواب من وجوه: # أحدها: أن هذا يقتل؛ لأن السب في الجملة من الذمي يقتضي إهدار دمه ~~وانتقاض عهده، ويبقى الكلام في الناقض للعهد: هل هو نوع خاص من السب - وهو ~~ما كثر وغلظ - أو هو مطلق السب؟ هذا نظر آخر، فما كان مثل هذا السب وجب أن ~~يقال: إنه مهدر لدم الذمي حتى لا يسوغ لأحد أن يخالف نص السنة، فلو زعم ~~زاعم أن شيئا من سب الذمي وأذاه لا يبيح دمه كان مخالفا للسنة الصحيحة ~~الصريحة خلافا لا عذر فيه لأحد. # الوجه الثاني: لا ريب أن الجنس الموجب للعقوبة قد يتغلظ بعض أنواعه صفة ~~أو قدرا، أو صفة وقدرا، فإنه ليس قتل واحد من الناس مثل قتل والد وعالم ~~وصالح، ولا ظلم بعض الناس مثل ظلم يتيم فقير بين أبوين صالحين، وليست ~~الجناية في الأوقات والأماكن والأحوال المشرفة كالحرم والإحرام والشهر ~~الحرام كالجناية في غير ذلك. # PageV03P1442 # وكذلك مضت سنة الخلفاء الراشدين بتغليظ الدية إذا تغلظ القتل بأحد هذه ~~الأسباب. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم - وقد قيل له: «أي الذنب أعظم؟ - قال: " ~~أن تجعل لله ندا وهو خلقك ". قيل له: ثم أي؟ قال: " أن تقتل ms562 ولدك خيفة أن ~~يطعم معك ". قيل له: ثم أي؟ قال: " أن تزاني حليلة جارك» ". ولا شك أن من ~~قطع الطريق مرات متعددة وسفك دم خلق من المسلمين وكثر منه أخذ الأموال كان ~~جرمه أعظم من جرم من لم يتكرر منه ذلك، ولا ريب أن من أكثر من سب النبي صلى ~~الله عليه وسلم أو نظم القصائد في سبه فإن جرمه أعظم من جرم من سبه بالكلمة ~~الواحدة المنثورة، بحيث يجب أن تكون إقامة الحد عليه أوكد، والانتصار منه ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب، ولو كان المقل أهلا أن يعفى عنه لم ~~يكن هذا أهلا لذلك. # لكن هذه الأدلة تدل على أن جنس الأذى لله ورسوله، ومطلق السب الظاهر مهدر ~~لدم الذمي ناقض لعهده من وجوه: # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد ~~آذى الله ورسوله» ". وذلك اسم مطلق ليس مقيدا بنوع ولا قدر # PageV03P1443 # ولا تكرار، ومعلوم أن قليل السب وكثيره ومنظومه ومنثوره أذى لله بلا ريب. # الوجه الثاني: أنه لو أراد التكرار والمبالغة لأتى بالاسم المفهم لذلك ~~فقال: " فإنه قد بالغ في أذى الله ورسوله أو تكرر منه، ونحو ذلك " وقد أوتي ~~جوامع الكلم وهو المعصوم في غضبه ورضاه. # الوجه الثالث: قوله في الحديث الآخر: " «إنه نال منا الأذى وهجانا ~~بالشعر، ولا يفعل هذا أحد منكم إلا كان للسيف» ". ولم يقيد ذلك بتكرار بل ~~علقه بمجرد الفعل. # الوجه الرابع: أن كعبا آذاه بكلامه المنظوم، واليهودية بكلامها المنثور، ~~وكلاهما أهدر دمه، فعلم أن النظم ليس له تأثير في هذا الحكم، والحكم إذا ~~ثبت بدون الوصف كان عديم التأثير، فلا يجوز أن يجعل جزءا من العلة. # الوجه الخامس: أن الجنس المبيح للدم لا فرق بين قليله وكثيره وغليظه ~~وخفيفه في كونه مبيحا، سواء كان قولا كالردة أو فعلا كالزنى والمحاربة، ~~وهذا قياس الأصول، فمن زعم أن من الأقوال والأفعال ما يبيح الدم إذا كثر ~~ولا يبيحه مع القلة فقوله مخالف لأصول الشرع. # PageV03P1444 # وأما ms563 ما ذهب إليه المنازع من جواز قتل من كثر منه القتل بالمثقل والفاحشة ~~في الدبر دون من قل منه ذلك، فالكلام معه فيه، والباب واحد في الشريعة. # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه رضخ رأس يهودي رضخ رأس جارية» ~~لم ينكر منه ذلك الفعل. # وصح عنه في اللوطي: " «اقتلوا الفاعل والمفعول به» ". ولم يعلق ذلك # PageV03P1445 # بتكرار، وأصحابه من بعده أجمعوا قتله ولم يعتبروا تكرارا، وإذا كانت ~~الأصول المنصوصة والمجمع عليها قد سوت في إباحة الدم بين قليل الموجب ~~وكثيره كان الفرق تحكما بلا أصل ولا نظير يوضحه. # الوجه السادس: أن ما ينقض من الأقوال والأعمال يستوي فيه الواحد والكثير، ~~فكذلك ما ينقض العهد. # الوجه السابع: أنه إذا أكثر من هذه الأقوال والأفعال، فإما أن يقتل لأن ~~جنسها مبيح للدم أو أن المبيح قدر مخصوص. # فإن كان الأول فهو المطلوب. # وإن كان الثاني فما حد ذلك المقدار المبيح للدم؟ وليس لأحد أن يحد في ذلك ~~حدا إلا بنص أو إجماع أو قياس عند من يرى القياس في # PageV03P1446 # المقدرات، والكل منتف في ذلك، فإنه ليس في الأصول قول أو فعل يبيح الدم ~~منه عدد مخصوص ولا يبيحه أقل منه، ولا ينتقض هذا بالقتل بالزنى، وإنه لا ~~يثبت إلا بإقرار أربع مرات عند من يقول به، ولا بالقتل بالقسامة حيث لا ~~يثبت إلا بعد خمسين يمينا عند من يرى القود بها، ولا رجم الملاعنة حيث لا ~~يثبت إلا بعد شهادة الزوج أربع مرات عند من يرى أنها ترجم بلعان الزوج ~~ونكولها، فإن المبيح للدم ليس هو الإقرار ولا الأيمان، وإنما المبيح فعل ~~الزنى وفعل القتل، وإنما الإقرار والأيمان حجة ودليل على ثبوت ذلك. # ونحن لم ننازع في أن الحجج الشرعية لها نصب محدودة وإنما قلنا: إن نفس ~~القول أو العمل المبيح للدم لا نصاب له في الشرع، وإنما الحكم معلق بجنسه. # الوجه الثامن: أن القتل عند كثرة هذه الأشياء إما أن يكون حدا يجب فعله ~~أو تعزيرا يرجع إلى رأي ms564 الإمام، فإن كان الأول فلا بد من تحديد موجبه، ولا ~~حد له إلا تعليقه بالجنس، والقول بما سوى ذلك تحكم. # وإن كان الثاني، فليس في الأصول تعزير بالقتل فلا يجوز إثباته إلا بدليل ~~يختصه، والعمومات الواردة في ذلك مثل قوله: " «لا يحل دم امرئ مسلم إلا ~~بإحدى ثلاث» " تدل على ذلك أيضا. # PageV03P1447 ### | [فصل رد شيخ الإسلام على شبهة في قتل ابن الأشرف] ### | 278 - # فصل # [رد شيخ الإسلام على شبهة في قتل ابن الأشرف] # قال شيخنا: وقد عرض لبعض السفهاء شبهة في قتل ابن الأشرف فظن أن دم مثل ~~هذا معصوم بذمة أو بظاهر الأمان، وذلك نظير الشبهة التي عرضت لبعض الفقهاء ~~حين ظن أن العهد لا ينتقض بذاك. # فروى ابن وهب: أخبرني سفيان بن عيينة، عن عمر بن سعيد أخي سفيان بن سعيد ~~الثوري، عن أبيه، عن عباية قال: ذكر قتل ابن الأشرف عند معاوية، فقال ابن ~~يامين: كان قتله غدرا، فقال محمد بن مسلمة: يا معاوية أيغدر عندك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولا تنكر؟ والله لا يظلني وإياك سقف بيت أبدا، ولا ~~يخلو لي دم هذا إلا قتلته. # قال الواقدي: حدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه قال: قال مروان بن # PageV03P1448 # الحكم - وهو على المدينة وعنده ابن يامين النضري -: كيف كان قتل ابن ~~الأشرف؟ فقال ابن يامين: كان غدرا، ومحمد بن مسلمة جالس وهو شيخ كبير، فقال ~~يا مروان: أيغدر رسول الله صلى الله عليه وسلم عندك؟ والله ما قتلناه إلا ~~بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لا يؤويني وإياك سقف بيت إلا ~~المسجد، وأما أنت يا ابن يامين فلله علي إن أفلت، وقدرت عليك وفي يدي سيف ~~إلا ضربت به رأسك، فكان ابن يامين لا ينزل [في] بني قريظة حتى يبعث رسولا ~~ينظر محمد بن مسلمة، فإن كان في بعض ضياعه نزل فقضى حاجته، وإلا لم ينزل، ~~فبينما محمد في جنازة وابن يامين بالبقيع فرأى محمدا [نعشا] عليه جرائد ~~[رطبة لامرأة جاء فحله] فقام إليه ms565 الناس فقالوا: يا أبا عبد الرحمن ما ~~تصنع؟ نحن نكفيك، فقام إليه فجعل يضربه بها جريدة جريدة حتى كسر ذلك الجريد ~~على وجهه ورأسه حتى لم يترك به مصحا، ثم أرسله ولا طباخ به، ثم قال: والله ~~لو قدرت على السيف لضربتك به. # قلت: ونظير هذا ما حصل لبعض الجهال بالسنة من بنائه بصفية عقيب سبائه ~~لها، فقال: بنى بها قبل استبرائها، وهذا من جهله وكفره، أو من أحدهما، فإن ~~في الصحيح: " «فلما # PageV03P1449 # انقضت عدتها بنى بها» ". # فإن قيل: فإذا كان هو وبنو النضير قبيلته موادعين فما معنى ما ذكره ابن ~~إسحاق؟ قال: حدثني مولى لزيد بن ثابت قال: حدثتني ابنة محيصة عن أبيها ~~محيصة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عقيب ذلك: " من ظفرتم به من ~~رجال يهود فاقتلوه " فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة - رجل من تجار ~~اليهود كان يلابسهم ويبايعهم - فقتله، وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم، ~~وكان أسن من محيصة، فلما قتله جعل حويصة يضربه، ويقول: أي عدو الله قتلته، ~~أما والله لرب شحم في بطنك من ماله! فقال: والله لقد أمرني بقتله من لو ~~أمرني بقتلك لقتلتك، فقال حويصة: والله إن دينا بلغ منك هذا لعجب، فكان هذا ~~أول إسلام حويصة» . # PageV03P1450 # وقال الواقدي بالأسانيد المتقدمة: قالوا: «فلما أصبح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الليلة التي قتل فيها ابن الأشرف قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه ". فخافت يهود فلم تطلع عظيما من ~~عظمائهم، وخافوا أن يبيتوا كما بيت ابن الأشرف، وذكر قتل ابن سنينة إلى أن ~~قال: " وفزعت يهود ومن معها من المشركين» " وساق القصة كما تقدم. # فإن هذا يدل على أنهم لم يكونوا موادعين، وإلا لما أمر بقتل من وجد منهم، ~~ويدل على أن العهد الذي كتبه بينه وبين اليهود كان بعد قتل ابن الأشرف. # وحينئذ، فلا يكون ابن الأشرف معاهدا. # فالجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر ms566 بقتل من ظفر به من ~~اليهود؛ لأن كعب بن الأشرف كان من ساداتهم، وقد تقدم أنه قال: ما عندكم في ~~أمر محمد؟ قالوا: عداوته ما حيينا، وكانوا مقيمين خارج المدينة فعظم عليهم ~~قتله، وكان مما هيجهم على المحاربة وإظهار نقض العهد انتصارهم للمقتول ~~وذبهم عنه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل من جاء منهم؛ لأن مجيئه ~~دليل على نقض العهد وانتصاره # PageV03P1451 # للمقتول، وأما من قر فهو مقيم على عهده المتقدم؛ لأنه لا يظهر العداوة ~~ولهذا لم يحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحاربهم حتى أظهروا عداوته ~~بعد ذلك. # وأما هذا الكتاب فهو شيء ذكره الواقدي وحده. # وقد ذكر هو أيضا أن قتل ابن الأشرف كان في شهر ربيع الأول سنة ثلاث، وأن ~~غزوة بني قينقاع كانت قبل ذلك في شوال سنة اثنتين بعد بدر بنحو شهر. # وذكر أن الكتاب الذي وادع فيه النبي صلى الله عليه وسلم اليهود كلها كان ~~لما قدم المدينة بعد بدر، وعلى هذا فيكون هذا كتابا ثانيا خاصا لبني النضير ~~يجدد فيه العهد الذي بينه وبينهم غير الكتاب الأول الذي كتبه بينه وبين ~~جميع اليهود لأجل ما كانوا قد أرادوا من إظهار العداوة. # وقد تقدم أن ابن الأشرف كان معاهدا، وتقدم أيضا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كتب الكتاب لما قدم المدينة في أول الأمر، والقصة تدل على ذلك، وإلا ~~لما جاء اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكوا إليه قتل صاحبهم، وإلا ~~فلو كانوا محاربين له لم يستنكروا قتله، وكلهم ذكروا أن قتل ابن الأشرف كان ~~بعد بدر، فإن معاهدة النبي صلى الله عليه وسلم كانت قبل بدر كما ذكره ~~الواقدي. # PageV03P1452 # قال ابن إسحاق: وكان فيما بين ذلك من غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمر بني قينقاع، يعني فيما بين بدر وغزوة الفرع من العام المقبل في جمادى ~~الأولى. # وقد ذكر أن بني قينقاع هم أول من حارب ونقض العهد. # قلت: اليهود الذين حاربهم رسول الله صلى الله عليه ms567 وسلم أربع طوائف: بنو ~~قينقاع، وبنو النضير، وقريظة، ويهود خيبر. وكانت غزوة كل طائفة عقيب غزوة ~~من غزواته للمشركين، وكانت بنو قينقاع بعد بدر، وبنو النضير بعد أحد، وبنو ~~قريظة بعد الخندق، وأهل خيبر بعد الحديبية، فكان الظفر لكل واحدة من هؤلاء ~~الطوائف كالشكران للغزاة التي قبلها، والله أعلم. # PageV03P1453 ### | [فصل سب النبي أو الأصحاب] ### | 279 - # فصل # [سب النبي أو الأصحاب] # الدليل الرابع: ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " «من سب نبيا قتل، ومن سب أصحابه جلد» ". # PageV03P1454 # رواه أبو محمد الخلال وأبو القاسم [الأزجي] . # ورواه أبو ذر الهروي، ولفظه: " «من سب نبيا فاقتلوه، ومن سب أصحابي ~~فاجلدوه» ". # وهذا الحديث رواه عبد العزيز بن الحسن بن زبالة: حدثنا عبد الله بن # PageV03P1455 # موسى بن جعفر، عن علي بن موسى، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن علي بن ~~[الحسين] ، عن أبيه، عن الحسين بن علي، عن أبيه. وفي القلب منه شيء. # PageV03P1456 # فإن هذا الإسناد قد ركب عليه متون كثيرة، والمحدث به [عن] أهل البيت ~~ضعيف، فإن كان محفوظا فهو دليل على وجوب قتل من سب نبيا من الأنبياء، ~~فظاهره يدل على أنه يقتل من غير استتابة، وأن القتل حد له. # آخر المجلد الأول، ويتلوه إن شاء الله تعالى في الثاني (فصل: الدليل ~~الخامس) # والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا. # وكان الفراغ من كتابته ومقابلته في يوم الأحد حادي عشر من جمادى الثاني ~~من شهور سنة تسع وستين وثمانمائة. # اللهم أحسن عاقبتها، وأصلح أحوال المسلمين. # آمين آمين آمين يا رب العالمين. PageV03P1457 ms568