######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000869 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن القيم #META# 010.AuthorNAME :: أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي #META# 011.AuthorBORN :: 691 هـ #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الأمثال في القرآن الكريم #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن :: كتب التفاسير وعلوم القرآن :: مواضيع في علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الأمثال في القرآن #META# 030.LibURI :: JK_000869 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: إبراهيم محمد #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الصحابة #META# 044.EdPLACE :: طنطا - مصر #META# 045.EdYEAR :: 1406 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # = الأمثال في القرآن الكريم تأليف الإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ~~PageV01P001 @ $ المنافقون في كتاب الله # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير ~~البرية محمد وآله وصحبه أجمعين # قال شيخنا رحمه الله وقع في القرآن أمثال وان أمثال القرآن لا يعقلها إلا ~~العالمون وأنها شبيه شيء بشيء في حكمه وتقريب المعقول من المحسوس أو أحد ~~المحسوسين من الأخر واعتبار أحدهما بالآخر كقوله تعالى في حق المنافقين ~~@QB@ مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ~~وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون أو كصيب من السماء فيه ~~ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم @QE@ إلى قوله @QB@ إن الله على ~~كل شيء قدير @QE@ فضرب للمنافقين بحسب حالهم مثلين مثلا ناريا ومثلا مائيا ~~لما في الماء والنار من الإضاءة والإشراق والحياة فإن النار مادة النور ~~والماء مادة الحياة وقد جعل الله سبحانه الوحي الذي أنزل من السماء متضمنا ~~لحياة القلوب واستنارتها ولهذا سماه روحا ونورا وجعل قابليه أحياء في النور ~~ومن لم يرفع به رأسا أمواتا في الظلمات وأخبر عن حال المنافقين بالنسبة إلى ~~حظهم من الوحي أنهم بمنزلة من استوقد نارا لتضيء له وينتفع بها وهذا لأنهم ~~دخلوا في الإسلام فاستضاءوا به وانتفعوا به PageV01P009 @ $ تشبيه الكفار ~~بالمطر المصاحب للظلمة والرعد والبرق وآمنوا به وخالطوا المسلمين ولكن لما ~~لم يكن لصحبتهم مادة من قلوبهم من نور الإسلام طغى عنهم وذهب الله بنورهم ~~ولم يقل نارهم فإن النار فيها الإضاءة والإحراق فذهب الله بما فيها من ~~الإضاءة وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق وتركهم في ظلمات لا يبصرون فهذا ~~حال من أبصر ثم عمي وعرف ثم أنكر ودخل في الإسلام ثم فارقه بقلبه لا يرجع ~~إليه ولهذا قال @QB@ فهم لا يرجعون @QE@ # ثم ذكر حالهم بالنسبة إلى المثل المائي فشبههم بأصحاب صيب وهو المطر الذي ~~يصوب أي ينزل من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق فلضعف بصائرهم وعقولهم اشتدت ~~عليهم زواجر القرآن ووعيده ms01 وتهديده وأوامره ونواهيه وخطابه الذي يشبه ~~الصواعق فحالهم كحال من أصابه مطر فيه ظلمة ورعد وبرق فلضعفه وخوفه جعل ~~أصبعيه في أذنيه خشية من صاعقة تصيبه وقد شاهدنا نحن وغيرنا كثيرا من ~~مخانيث تلاميذ الجهمية والمبتدعة إذا سمعوا شيئا من آيات الصفات وأحاديث ~~الصفات المنافية لبدعتهم رأيتهم عنها معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من ~~قسورة ويقول مخنثهم سدوا عنا هذا الباب واقرأوا شيئا غير هذا وترى قلوبهم ~~مولية وهم يجمحون لثقل معرفة الرب سبحانه تعالى وأسمائه وصفاته على عقولهم ~~وقلوبهم وكذلك المشركون على اختلاف شركهم إذا جرد لهم التوحيد وتليت عليهم ~~نصوصه المبطلة PageV01P010 @ $ الماء الذي به الحياة # لشركهم اشمأزت قلوبهم وثقل عليهم لو وجدوا السبيل إلى سد آذانهم لفعلوا ~~وكذلك نجد أعداء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقل ذلك عليهم جدا ~~فأنكرته قلوبهم وهذا كله شبه ظاهر ومثل محقق من اخوانهم من المنافقين في ~~المثل الذي ضربه الله لهم بالماء فإنهم لما تشابهت قلوبهم تشابهت أعمالهم # | فصل وقد ذكر سبحانه المثلين المائي والناري في سورة الرعد ولكن في حق ~~المؤمنين فقال تعالى @QB@ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل ~~السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله @QE@ شبه الوحي الذي أنزله لحياة القلوب والأسماع والأبصار ~~بالماء الذي أنزله لحياة الأرض بالنبات وشبه القلوب بالأودية فقلب كبير يسع ~~علما عظيما كواد كبير يسع ماء كثيرا وقلب صغير إنما يسع بحسبه كالوادي ~~الصغير فسالت أودية بقدرها واحتملت قلوب من الهدى والعلم بقدرها كما أن ~~السيل إذا خالط الأرض ومر عليها احتملت غثاء وزبدا فكذلك الهدى والعلم إذا ~~خالط القلوب أثار ما فيها من الشهوات والشبهات ليقلعها ويذهبها كما يثير ~~الدواء وقت شربه من البدن أخلاطه فتكرب بها شاربه وهي من تمام نفع الدواء ~~فانه أثارها ليذهب بها فإنه لا يجامعها ولا يساكنها وهكذا @QB@ يضرب الله ~~الحق والباطل @QE@ ثم ذكر المثل PageV01P011 @ الناري فقال @QB@ ومما ~~يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو ms02 متاع زبد مثله @QE@ وهو الخبث الذي ~~يخرج عند سبك الذهب والفضة والنحاس والحديد فتخرجه النار وتميزه وتفصله عن ~~الجوهر الذي ينتفع به فيرمى ويطرح ويذهب جفاء فكذلك الشهوات والشبهات ~~يرميها قلب المؤمن ويطرحها ويجفوها كما يطرح السيل والنار ذلك الزبد ~~والغثاء والخبث ويستقر في قرار الوادي الماء الصافي الذي يسقي منه الناس ~~ويزرعون ويسقون أنعامهم كذلك يستقر في قرار القلب وجذره الإيمان الخالص ~~الصافي الذي ينفع صاحبه وينتفع به غيره ومن لم يفقه هذين المثلين ولم ~~يتدبرهما ويعرف ما يراد منهما فليس من أهلهما والله الموفق # فصل ومنها قوله تعالى @QB@ إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من ~~السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض ~~زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا ~~فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون @QE@ شبه ~~سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزين في عين الناظر فتروقه بزينتها وتعجبه ~~فيميل إليها ويهواها اغترارا منه بها حتى إذا ظن أنه مالك لها قادر عليها ~~سلبها بغتة أحوج ما كان إليها وحيل بينه وبينها فشبهها PageV01P012 @ ~~بالأرض الذي ينزل الغيث عليها فتعشب ويحسن نباتها ويروق منظرها للناظر ~~فيغتر به ويظن أنه قادر عليها مالك لها فيأتيها أمر الله فتدرك نباتها ~~الآفة بغتة فتصبح كأن لم تكن قبل فيخيب ظنه وتصبح يداه صفرا منهما فهكذا ~~حال الدنيا والواثق بها سواء وهذا من أبلغ التشبيه والقياس فلما كانت ~~الدنيا عرضة لهذه الآفات والجنة سليمة منها قال تعالى تعالى @QB@ والله ~~يدعو إلى دار السلام @QE@ فسماها هنا دار السلام لسلامتها من هذه الآفات ~~التي ذكرها في الدنيا فعم بالدعوة إليها وخص بالهداية من شاء فذلك عدله ~~وهذا فضله # | فصل ومنها قوله تعالى @QB@ مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير ~~والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون @QE@ فإنه سبحانه وتعالى ذكر الكفار ~~ووصفهم بأنهم ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ثم ذكر المؤمنين ~~ووصفهم بالإيمان والعمل الصالح والإخبات إلى ربهم فوصفهم بعبودية الظاهر ms03 ~~وبالباطن جعل أحد الفريقين كالأعمى والأصم من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية ~~الحق أصم عن سماعه فشبهت بمن بصره أعمى عن رؤية أحق الأشياء وسمعه أصم عن ~~سماع الأصوات والفريق الآخر بصير القلب سميعه كبصير العين وسميع الأذن ~~فتضمنت الآية قياسين و تمثيلين للفريقين ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله ~~@QB@ هل يستويان مثلا @QE@ # فصل ومنها قوله تعالى @QB@ مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل ~~العنكبوت @QE@ فذكر سبحانه إنهم ضعفاء وأن الذين اتخذوهم أولياء ~~PageV01P013 @ $ مثل المشرك بالعنكبوت # أضعف منهم فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت اتخذت ~~بيتا وهو أوهن البيوت وأضعفها وتحت هذا المثل أن هؤلاء المشركين أضعف ما ~~كانوا حيث اتخذوا من دون الله أولياء فلم يستفيدوا بمن اتخذوهم أولياء إلا ~~ضعفا كما قال تعالى @QB@ واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا ~~سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا @QE@ وقال تعالى @QB@ واتخذوا من دون ~~الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون @QE@ وقال ~~بعد أن ذكر هلاك الأمم المشركين @QB@ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما ~~أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما ~~زادوهم غير تتبيب @QE@ فهذه أربعة مواضع في القرآن تدل على أن من اتخذ من ~~دون الله وليا يتعزز به و يتكثر به ويستنصر به لم يحصل له به إلا ضد مقصوده ~~وفي القرآن أكثر من ذلك وهذا من أحسن الأمثال وأدلها على بطلان الشرك ~~وخسارة صاحبه وحصوله على ضد مقصوده فإن قيل فهم يعلمون أن أوهن البيوت بيت ~~العنكبوت فكيف نفى عنهم علم ذلك بقوله @QB@ لو كانوا يعلمون @QE@ # فالجواب أنه سبحانه لم ينف عنهم علمهم بوهن بيت العنكبوت وإنما نفى علمهم ~~بأن اتخاذهم أولياء من دونه كالعنكبوت اتخذت بيتا فلو علموا ذلك لما فعلوه ~~ولكن ظنوا أن اتخاذهم الأولياء من دونه يفيدهم عزا وقوة فكان الأمر بخلاف ~~ما ظنوا PageV01P014 @ # | مثل من عمله كسراب أو في بحر لجى # فصل # ومنها قوله تعالى @QB@ والذين ms04 كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ~~ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع ~~الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات ~~بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له ~~من نور @QE@ # ذكر سبحانه للكافرين مثلين مثلا بالسراب ومثلا بالظلمات المتراكمة وذلك ~~لأن المعرضين عن الهدى والحق نوعان أحدهما من يظن أنه على شيء فيتبين له ~~عند انكشاف الحقائق خلاف ما كان يظنه وهذه حال أهل الجهل وأهل البدع ~~والأهواء الذين يظنون أنهم على هدى وعلم فإذا انكشفت الحقائق تبين لهم أنهم ~~لم يكونوا على شيء وأن عقائدهم وأعمالهم التي ترتبت عليها كانت كسراب يرى ~~في أعين الناظرين ماء ولا حقيقة له وهكذا الأعمال التي لغير الله عز وجل ~~وعلى غير أمره يحسبها العامل نافعة له وليست كذلك وهذه هي الأعمال التي قال ~~الله عز وجل فيها @QB@ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ~~@QE@ وتأمل جعل الله سبحانه السراب بالقيعة وهي الأرض الخالية القفر من ~~البناء والشجر PageV01P015 @ $ مثل من عمله كسراب أو في بجر لجي # والنبات والعالم فمحل السراب أرض قفر لا شيء بها والسراب لا حقيقة له ~~وذلك مطابق لأعمالهم وقلوبهم التي أقفرت من الإيمان والهدى وتأمل ما تحت ~~قوله @QB@ يحسبه الظمآن ماء @QE@ والظمآن الذي اشتد عطشه فرأى السراب فظنه ~~ماء فتبعه فلم يجده شيئا بل خانه أحوج ما كان إليه فكذلك هؤلاء لما كانت ~~أعمالهم على غير طاعة الرسل عليهم الصلاة والسلام ولغير الله جعلت كالسراب ~~فرفعت لهم أظمأ ما كانوا إليها فلم يجدوا شيئا ووجدوا الله سبحانه ثم ~~فجازاهم بأعمالهم ووفاهم حسابهم وفي الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث التجلي يوم القيامة ثم يؤتى ~~بجهنم تعرض كأنها السراب فيقال لليهود وما كنتم تعبدون فيقولون كنا نعبد ~~عزيرا ابن الله فيقال كذبهم لم ms05 يكن لله صاحبة ولا ولد فما تريدون قالوا ~~نريد أن تسقينا فيقال اشربوا فيتساقطون في جهنم ثم يقال للنصارى ما كنتم ~~تعبدون فيقولون كنا نعبد المسيح ابن الله فيقال كذبتم ما كان لله صاحبة ولا ~~ولد فما تريدون فيقولون أن تسقينا فيقال لهم اشربوا فيتساقطون وذكر الحديث ~~وهذه حال كل صاحب باطل فإنه يخونه باطله أحوج ما كان إليه فإن الباطل لا ~~حقيقة له وهو كإسمه باطل فإذا كان الإعتقاد غير مطابق ولا حق كان متعلقه ~~باطلا وكذلك إذا كانت غاية العمل باطلة كالعمل لغير الله عز وجل أو على غير ~~أمره بطل PageV01P016 @ $ مثل من عرف الحق والهدى وعمل بغيره # العمل ببطلان غايته وتضرر عامله ببطلانه وبحصول ضد ما كان يؤمله فلم يذهب ~~عليه عمله واعتقاده لا له ولا عليه بل صار معذبا بفوات نفعه وبحصول ضد ~~النفع فلهذا قال تعالى @QB@ ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ~~@QE@ فهذا مثل الضال الذي يحسب أنه على هدى $ فصل # النوع الثاني أصحاب مثل الظلمات المتراكمة وهم الذين عرفوا الحق والهدى ~~وآثروا عليه ظلمات الباطل والضلال فتراكمت عليه ظلمة الطبع وظلمة النفوس ~~وظلمة الجهل حيث لم يعلموا بعلمهم فصاروا جاهلين وظلمة اتباع الغي والهوى ~~فحالهم كحال من كان في بحر لجي لا ساحل له وقد غشيه موج ومن فوق ذلك الموج ~~موج ومن فوقه سحاب مظلم فهو في ظلمة البحر وظلمة الموج وظلمة السحاب وهذا ~~نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يخرجه الله منها إلى نور الإيمان وهذان ~~المثلان بالسراب الذي ظنه مادة الحياة وهو الماء والظلمات المضادة للنور ~~نظير المثلين اللذين ضربهما للمنافقين والمؤمنين وهما المثل المائي والمثل ~~الناري وجعل حظ المؤمنين منهما الحياة والإشراق وحظ المنافقين منهما الظلمة ~~المضادة للنور والموت المضاد للحياة فكذلك الكفار في هذين المثلين حظهم من ~~الماء السراب الذي يغرر الناظر فيه ولا حقيقة له وحظهم الظلمات المتراكمة ~~وهذا يجوز أن يكون المراد به حال كل طائفة من طوائف الكفار وأنهم عدموا ~~مادة الحياة ms06 والإضاءة بإعراضهم عن الوحي فيكون المثلان صفتين لموصوف واحد ~~ويجوز أن يكون المراد به تنويع أحوال الكفار وأن أصحاب المثل الأول هم ~~الذين عملوا PageV01P017 @ $ مثل المنعم عليهم والضالين والمغضوب عليهم # على غير علم ولا بصيرة بل على جهل وحسن ظن بالأسلاف فكانوا يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا وأصحاب المثل الثاني هم الذين استحبوا الضلالة على الهدى ~~وآثروا الباطل على الحق وعموا عنه بعد إذ أبصروه وجحدوه بعد أن عرفوه فهذا ~~حال المغضوب عليهم والأول حال الضالين وحال الطائفتين مخالف لحال المنعم ~~عليهم المذكورين في قوله تعالى @QB@ الله نور السماوات والأرض مثل نوره ~~كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة @QE@ إلى قوله @QB@ ليجزيهم الله أحسن ~~ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب @QE@ فتضمنت الآيات ~~أوصاف الفرق الثلاثة المنعم عليهم وهم أهل النور والضالين وهم أصحاب السراب ~~والمغضوب عليهم وهم أهل الظلمات المتراكمة والله أعلم فالمثل الأول من ~~المثلين لأصحاب العمل الباطل الذي لا ينفع فأولئك أصحاب العمل الباطل ~~وهؤلاء أصحاب العمل الذي لا ينفع والاعتقادات الباطلة وكلاهما مضاد للهدى ~~ودين الحق ولهذا مثل حال الفريق الثاني في تلاطم أمواج الشكوك والشبهات ~~والعلوم الفاسدة في قلوبهم بتلاطم أمواج البحر فيه وأنها أمواج متراكمة من ~~فوقها سحاب مظلم وهكذا أمواج الشكوك والشبه في قلوبهم المظلمة التي قد ~~تراكمت عليها سحب الغي والهوى والباطل فليتدبر اللبيب أحوال الفريقين ~~وليطابق بينهما وبين المثلين يعرف عظمة القرآن وجلاله وأنه تنزيل من حكيم ~~حميد وأخبر سبحانه أن الموجب لذلك أنه لم يجعل لهم نورا بل تركهم على ~~الظلمة التي خلقوا فيها فلم يخرجهم منها إلى النور فإنه سبحانه ولي الذين ~~آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور وفي المسند من حديث عبد الله بن عمر رضي ~~الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P018 @ $ مثل من يسمع ولا ~~يعقل # قال إن الله خلق خلقه في ظلمة وألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك ~~النور اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله ms07 فالله سبحانه ~~خلق الخلق في ظلمة فمن أراد هدايته جعل له نورا وجوديا يحيى به قلبه وروحه ~~كما يحيى بدنه بالروح التي ينفخها فيه فهي حياتان حياة البدن بالروح وحياة ~~الروح والقلب بالنور ولهذا سمى الله الوحي روحا لتوقف الحياة الحقيقية عليه ~~كما قال تعالى @QB@ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ~~@QE@ وقال @QB@ يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده @QE@ وقال @QB@ ~~وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن ~~جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ فجعل وحيه روحا ونورا فمن لم ~~يحيه بهذا الروح فهو ميت ومن لم يجعل له نورا منه فهو في الظلمات ماله من ~~نور $ فصل # ومنها قوله تعالى @QB@ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا ~~كالأنعام بل هم أضل سبيلا @QE@ فشبه أكثر الناس بالأنعام والجامع بين ~~النوعين التساوي في عدم قبول الهدى والانقياد له وجعل الأكثرين أضل سبيلا ~~من الأنعام لأن البهيمة يهديها سائقها فتهتدي وتتبع الطريق فلا تحيد عنها ~~يمينا ولا شمالا والأكثرون يدعونهم الرسل ويهدونهم السبيل فلا PageV01P019 ~~@ # | مثل الشرك بالله يستجيبون ولا يهتدون ولا يفرقون بين ما يضرهم وبين ما ~~ينفعهم والأنعام تفرق بين ما يضرها من النبات والطريق فتجتنبه وما ينفعها ~~فتؤثره والله تعالى لم يخلق للأنعام قلوبا تعقل بها ولا ألسنة تنطق بها ~~وأعطى ذلك لهؤلاء ثم لم ينتفعوا بما جعل لهم من العقول والقلوب والألسنة ~~والأسماع والأبصار فهم أضل من البهائم فإن من لا يهتدي إلى الرشد وإلى ~~الطريق مع الدليل له أضل وأسوأ حالا ممن لا يهتدي حيث لا دليل معه # فصل # ومنها قوله تعالى @QB@ ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم ~~من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يعقلون @QE@ وهذا دليل قياسي احتج الله سبحانه به على المشركين ~~حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء فأقام عليهم حجة يعرفون صحتها من ms08 نفوسهم ~~ولا يحتاجون فيها إلى غيرهم ومن أبلغ الحجاج أن يأخذ الإنسان من نفسه ويحتج ~~عليه بما هو في نفسه مقرر عندهم معلوم لها فقال @QB@ هل لكم من ما ملكت ~~أيمانكم من @QE@ عبيدكم وإمائكم شركاء في المال والأهل أي هل يشارككم ~~عبيدكم في أموالكم و أهليكم فأنتم وهم في ذلك سواء تخافون أن يقاسموكم ~~أموالكم ويشاطروكم إياها ويستأثرون ببعضها عليكم كما يخاف الشريك شريكه ~~وقال ابن عباس تخافون أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا والمعنى هل PageV01P020 ~~@ هل يرضى أحد منكم أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله حتى يساويه في التصرف ~~في ذلك فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأمر يتصرف فيه كما يخاف غيره من الشركاء ~~والأحرار فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم فلم عدلتم بي من خلقي من هو مملوك لي ~~فإن كان هذا الحكم باطلا في فطركم وعقولكم مع أنه جائز عليكم ممكن في حقكم ~~إذ ليس عبيدكم ملكا لكم حقيقة وإنما هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم ~~وأنتم وهم عبادي فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي مع أن من جعلتموهم لي ~~شركاء عبيدي وملكي وخلقي فهكذا يكون تفصيل الآيات لأولي العقول $ فصل ومنها ~~قوله تعالى @QB@ ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا ~~رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ~~وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما ~~يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم @QE@ # هذان مثلان متضمنان قياسين من قياس العكس وهو نفى الحكم لنفي علته وموجبه ~~فإن القياس نوعان قياس طرد يقتضي اثبات الحكم في الفرع لثبوت علة الأصل فيه ~~وقياس عكس يقتضي نفي الحكم عن الفرع لنفي علة الحكم فيه فالمثل الأول ما ~~ضربه الله سبحانه لنفسه وللأوثان فالله سبحانه هو المالك لكل شيء ينفق كيف ~~يشاء على عبيده سرا وجهرا ليلا ونهارا يمينه ملأى لا تغضيها ms09 نفقة سحاء ~~الليل والنهار والأوثان مملوكة عاجزة لا تقدر على شيء فكيف تجعلونها شركاء ~~لي وتعبدونها من دوني مع هذا التفاوت العظيم والفرق المبين هذا قول مجاهد ~~وغيره وقال ابن PageV01P021 @ $ إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون عباس وهو مثل ~~ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر ومثل المؤمن في الخير الذي عنده ثم رزقه ~~منه رزقا حسنا فهو ينفق منه على نفسه وعلى غيره سرا وجهرا و الكفار بمنزلة ~~عبد مملوك عاجز لا يقدر على شيء لأنه لا خير عنده فهل يستوي الرجلان عند ~~أحد من العقلاء والقول الأول أشبه بالمراد فأنه أظهر في بطلان الشرك وأوضح ~~عند المخاطب وأعظم في إقامة الحجة وأقرب نسبا بقوله @QB@ ويعبدون من دون ~~الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون فلا تضربوا ~~لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون @QE@ ثم قال # @QB@ ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر @QE@ ومن لوازم هذا المثل ~~وأحكامه أن يكون المؤمن الموحد كمن رزقه منه رزقا حسنا والكافر المشرك ~~كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء فهذا مما نبه عليه المثل وأرشد إليه ~~فذكره ابن عباس منبها على إرادته لأن الآية اختصت به فتأمله فإنك تجده ~~كثيرا في كلام ابن عباس وغيره من السلف في فهم القرآن فيظن الظان أن ذلك ~~معنى الآية التي لا معنى لها غيره فيحكيه قوله # | فصل وأما المثل الثاني فهو مثل ضربه الله سبحانه لنفسه ولما يعبدون من ~~دونه أيضا فالصنم الذي يعبدون من دونه بنزلة رجل أبكم لا يعقل ولا ينطق بل ~~هو أبكم القلب واللسان قد عدم النطق القلبي PageV01P022 @ # كمال العبودية واللساني ومع هذا فهو عاجز لا يقدر على شيء البتة ومع هذا ~~فأينما أرسلته لا يأتيك بخير ولا يقضي لك حاجة و الله سبحانه حي قادر متكلم ~~يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم وهذا وصف له بغاية الكمال والحمد فإن أمره ~~بالعدل وهو الحق يتضمن أنه سبحانه عالم به معلم له راض به آمر لعباده به ~~محب ms10 لأهله لا يأمر بسواه بل ينزه عن ضده الذي هو الجور والظلم والسفه ~~والباطل بل أمره وشرعه عدل كله وأهل العدل هم أولياؤه وأحباؤه وهم ~~المجاوروه عن يمينه على منابر من نور وأمره بالعدل يتناول الأمر الشرعي ~~الديني والأمر القدري الكوني وكلاهما عدل لا جور فيه بوجه ما كما في الحديث ~~الصحيح # اللهم اني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك ~~فقضاؤه هو أمره الكوني فإنما أمره إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون ~~فلا يأمر بحق وعدل وقضاؤه وقدره القائم به حق وعدل وإن كان في المقضي ~~المقدر ما هو جور وظلم فإن القضاء غير المقضي والقدر غير المقدر ثم أخبر ~~سبحانه أنه @QB@ على صراط مستقيم @QE@ وهذا نظير قول شعيب عليه الصلاة ~~والسلام @QB@ إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ~~إن ربي على صراط مستقيم @QE@ فقوله @QB@ ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ~~@QE@ نظير قوله ? < ناصيتي بيدك > ? وقوله @QB@ إن ربي على صراط مستقيم ~~@QE@ نظير قوله ? < عدل في قضاؤك > ? فالأول ملكه والثاني حمده وهو سبحانه ~~له الملك وله الحمد وكونه سبحانه على صراط مستقيم يقتضي أنه لا يقول إلا ~~الحق ولا يأمر إلا بالعدل ولا يفعل إلا ما هو مصلحة وحكمة وعدل PageV01P023 ~~@ $ تفسير ابن جرير لمعنى الصراط # فهو على حق في أقواله وأفعاله فلا يقضي على العبد ما يكون طالما له به ~~ولا يأخذه بغير ذنبه ولا ينقصه من حسناته شيئا ولا يحمل عليه من سيئات غير ~~التي لم يعملها ولم يتسبب إليها شيئا ولا يؤاخذ أحدا بذنب غيره ولا يفعل قط ~~مالا يحمد عليه ويثنى به عليه ويكون له فيه العواقب الحميدة والغايات ~~المطلوبة فإن كونه على صراط مستقيم يأبى ذلك كله # قال محمد بن جرير الطبري وقوله @QB@ إن ربي على صراط مستقيم @QE@ يقول إن ~~ربي على طريق الحق يجازي المحسن من خلقه بإحسانه و المسيء بإساءته لا يظلم ~~أحدا منهم شيئا ولا يقبل منهم إلا ms11 الإسلام والإيمان ثم حكى عن مجاهد من ~~طريق شبل عن ابن أبي نجيح عنه إن ربي على صراط مستقيم قال الحق وكذلك رواه ~~ابن جريج عنه وقالت فرقة هي مثل قوله @QB@ إن ربك لبالمرصاد @QE@ وهذا ~~اختلاف عبارة فإن كونه بالمرصاد هو مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ~~وقالت فرقة في الكلام حذف تقديره إن ربي يحثكم على صراط مستقيم ويحضكم عليه ~~وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية التي أريد بها فليس كما زعموا ولا دليل ~~على هذا المقدر # وقد فرق سبحانه بين كونه آمرا بالعدل وبين كونه على صراط مستقيم وإن ~~أرادوا أن حثه على الصراط المستقيم من جملة على صراط مستقيم فقد أصابوا ~~وقالت فرقة أخرى معنى كونه على صراط مستقيم أن مرد العباد والأمور كلها ~~PageV01P024 @ # إلى الله لا يفوته شيء منها وهؤلاء أن أرادوا أن هذا معني الآية فليس ~~كذلك وإن أرادوا ان هذا من لوازم كونه على صراط مستقيم ومن مقتضاه و موجبه ~~فهو حق وقالت فرقة أخرى معناه كل شيء تحت قدرته وقهره وفي ملكه وقبضته وهذا ~~وإن كان حقا فليس هو معنى الآية وقد فرق شعيب عليه الصلاة والسلام بين قوله ~~@QB@ ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها @QE@ وبين قوله @QB@ إن ربي على صراط ~~مستقيم @QE@ فهما معنيان مستقلان فالقول قول مجاهد وهو قول أئمة التفسير ~~ولا تحتمل العربية غيره إلا على استكراه قال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز % ~~أمير المؤمنين على صراط % إذا اعوج الموارد مستقيم % $ # وقد قال تعالى @QB@ من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ~~@QE@ وإذا كان الله تعالى هو الذي جعل رسله عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم ~~على الصراط المستقيم في أقوالهم وأفعالهم فهو سبحانه أحق أن يكون على صراط ~~مستقيم في قوله وفعله وإن كان صراط الرسل وأتباعهم هو موافقة أمره فصراطه ~~الذي هو سبحانه عليه هو ما يقتضيه حمده وكماله ومجده من قول الحق وفعله ~~وبالله التوفيق # | فصل وفي الآية قول ثان مثل الآية الأولى سواء أنه مثل ms12 ضربه الله للمؤمن ~~والكافر وقد تقدم ما في معنى هذا القول والله الموفق PageV01P025 @ # مثل من أعرض عن كلام الله # | فصل ومنها قوله تعالى في تشبيه من أعرض عن كلامه وتدبره @QB@ فما لهم ~~عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة @QE@ شبههم في إعراضهم ~~ونفورهم عن القرآن بحمر رأت الأسد والرماة ففرت منه وهذا من بديع التمثيل ~~فإن القوم من جهلهم بما بعث الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم كالحمر ~~فهي لا تعقل شيئا فإذا سمعت صوت الأسد أو الرامي نفرت منه أشد النفور وهذا ~~غاية الذم لهؤلاء فإنهم نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم وحياتهم كنفور ~~الحمر عما يهلكها ويعقرها وتحت المستنفرة معنى أبلغ من النافرة فإنها لشدة ~~نفورها قد استنفر بعضها بعضا وحضه على النفور فإن في الاستفعال من الطلب ~~قدرا زائدا على الفعل المجرد فكأنها تواصت بالنفور وتواطأت عليه ومن قرأها ~~بفتح الفاء فالمعنى أن القسورة استنفرها وحملها على النفور ببأسه وشدته # فصل ومنها قوله تعالى @QB@ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل ~~الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي ~~القوم الظالمين @QE@ فقاس سبحانه من حمله كتابه لؤمن به ويتدبره ويعمل به ~~ويدعو إليه ثم خالف ذلك ولم يحمله إلا على ظهر قلب فقرأه به بغير تدبر ولا ~~تفهم ولا اتباع له ولا تحكيم له وعمل بموجبه كحمار على ظهره زاملة أسفار لا ~~يدري ما فيها وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا فحظه PageV01P026 @ $ مثل ~~الذين حملوا التوراة # من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره فهذا المثل وإن كان ~~قد ضرب لليهود فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن فترك العمل به ولم ~~يؤد حقه ولم يرعه حق رعايته # | فصل ومنها قوله تعالى @QB@ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ ~~منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى ~~الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو ms13 تتركه يلهث ذلك ~~مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون @QE@ فشبه سبحانه ~~من آتاه كتابه وعلمه العلم الذي منعه غيره فترك العمل به واتبع هواه وآثر ~~سخط الله على رضاه ودنياه على آخرته والمخلوق على الخالق بالكلب الذي هو من ~~أخبث الحيوانات و أوضعها قدرا و أخبثها نفسا وهمته لا تتعدى بطنه وأشدها ~~شرها وحرصا ومن حرصه أنه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض يتشمم و يتروح حرصا ~~وشرها ولا يزال يشم دبره دون سائر أجزائه وإذا رميت له بحجر رجع إليه ليعضه ~~من فرط نهمته وهو من أمهن الحيوانات وأحملها للهوان وأرضاها بالدنايا ~~والجيف المروحة أحب إليه من اللحم الطري والقذرة أحب إليه من الحلوى وإذا ~~ظفر بميتة تكفي مائة كلب لم يدع كلبا يتناول معه منه شيء إلا هر عليه وقهره ~~لحرصه وبخله وشره ومن عجيب أمره وحرصه أنه إذا رأى ذا هيئة رثة وثياب دنية ~~وحال زرية نبحه وحمل عليه كأنه يتصور مشاركته له ومنازعته في قوته وإذا رأى ~~ذا هيئة حسنة وثياب جميلة ورئاسة وضع له خطمه بالأرض وخضع له ولم يرفع إليه ~~رأسه وفي تشبيه من آثر الدنيا وعاجلها على PageV01P027 @ # مثل الذي أوتى الكتاب ولم يعمل به الله والدار الآخرة مع وفور علمه ~~بالكلب في لهثه سر بديع وهو أن الذي حاله ما ذكره الله من انسلاخه من آياته ~~واتباعه هواه إنما كان لشدة لهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن الله والدار ~~الآخرة فهو شديد اللهف عليها ولهفه نظير لهف الكلب الدائم في حال ازعاجه ~~وتركه واللهف واللهث شقيقان وأخوان في اللفظ والمعنى قال ابن جريج الكلب ~~منقطع الفؤاد لا فؤاد له أن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث فهو مثل الذي ~~يترك الهدى لا فؤاد له إنما فؤاده ينقطع قلت مراده بانقطاع فؤاده أنه ليس ~~له فؤاد يحمله على الصبر وترك اللهث وهكذا الذي انسلخ من آيات الله لم يبق ~~معه فؤاد يحمله على الصبر عن الدنيا وترك اللهف عليها فهذا يلهف ms14 على الدنيا ~~من قلة صبره عليها وهذا يلهث من قلة صبره على الماء فالكلب من أقل ~~الحيوانات صبرا عن الماء وإذا عطش أكل الثرى من العطش وإن كان صبر عن الجوع ~~وعلى كل حال فهو من أشد الحيوانات لهثا يلهث قائما وقاعدا وماشيا وواقفا ~~ذلك لشدة حرصه فحرارة الحرص في كبده توجب له دوام اللهث فهكذا مشبهه شدة ~~حرارة الشهوة في قلبه توجب له دوام اللهث # فإن حملت عليه بالموعظة والنصيحة فهو يلهث وإن تركته ولم تعظه فهو يلهف ~~قال مجاهد وذلك مثال الذي أوتى الكتاب ولم يعمل به وقال ابن عباس إن تحمل ~~عليه الكلمة لم يحملها وإن تركته لم يهتد إلى الخير PageV01P028 @ $ سبب ~~الانسلاخ كالكلب إن كان رابضا لهث وإن طرد لهث وقال الحسن وهو المنافق لا ~~يثبت على الحق دعي أو لم يدع وعظ أم لم يوعظ كالكلب يلهث طرد أو ترك وقال ~~عطاء ينبح إن حملت عليه أو لم تحمل عليه وقال محمد بن قتيبة كل شيء يلهث ~~إنما يلهث من إعياء أو عطش ألا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال أو حال ~~الراحة وحال الصحة وحال المرض والعطش فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته وقال ~~ابن عطية إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث وإن ~~تركته على حاله لهث ونظيره قوله تعالى @QB@ وإن تدعوهم إلى الهدى لا ~~يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون @QE@ # وتأمل ما في هذا المثل من الحكم و المعنى فمنها قوله @QB@ آتيناه آياتنا ~~@QE@ فأخبر سبحانه أنه هو الذي آتاه آياته فإنها نعمة والله هو الذي أنعم ~~بها عليه فأضافها إلى نفسه ثم قال @QB@ فانسلخ منها @QE@ أي خرج منها كما ~~تنسلخ الحية من جلدها وفارقها فراق الجلد ينسلخ عن اللحم ولم يقل فسلخناه ~~منها لأنه هو الذي تسبب إلى انسلاخه منها باتباع هواه ومنها قوله سبحانه ~~@QB@ فأتبعه الشيطان @QE@ أي لحقه وأدركه كما قال تعالى في قوم فرعون @QB@ ~~فأتبعوهم مشرقين @QE@ فكان محفوظا محروسا بآيات الله محمي الجانب بها ms15 من ~~الشيطان لا ينال منه شيئا إلا غلى غرة وخطفة فلما انسلخ من آيات الله ظفر ~~به الشيطان ظفر الأسد بفريسته فكان من الغاوين العاملين بخلاف علمهم الذين ~~يعرفون الحق ويعملون PageV01P029 @ $ سبب الخلود إلى الأرض بخلافه كعلماء ~~السوء ومنها أنه سبحانه قال @QB@ ولو شئنا لرفعناه بها @QE@ فأخبر سبحانه ~~أن الرفعة عنده ليست بمجرد العلم فإن هذا كان من العلماء وإنما هي باتباع ~~الحق إيثاره وقصد مرضاة الله تعالى فان هذا كان من أعلم أهل زمانه ولم ~~يرفعه الله بعلمه ولم ينفعه به فتعوذ بالله من علم لا ينفع وأخبر سبحانه ~~أنه هو الذي يرفع عبده إذا شاء بما آتاه الله من العلم وإن لم يرفعه الله ~~فهو موضوع لا يرفع أحد به رأسا فإن الخافض الرافع الله سبحانه خفضه ولم ~~يرفعه والمعنى ولو شئنا فضلناه وشرفناه ورفعنا قدره ومنزلته بالآيات التي ~~آتيناه قال ابن عباس رضي الله عنهما ولو شئنا لرفعناه بعلمه بها وقالت ~~طائفة الضمير في قوله @QB@ لرفعناه @QE@ عائد على الكفر والمعنى ولو شئنا ~~لرفعناه عن الكفر بما معه من آياتنا قال مجاهد وعطاء لرفعنا عنه الكفر ~~بالإيمان وعصمناه وهذا المعنى حق والأول مراد الآية وهذا من لوازم المراد ~~وقد تقدم أن السلف كثيرا ما ينبهون على لازم معنى الآية فيظن الظان أن ذلك ~~هو المراد منها وقوله @QB@ ولكنه أخلد إلى الأرض @QE@ قال سعيد بن جبير ركن ~~إلى الأرض وقال مجاهد سكن وقال مقاتل رضي بالدنيا وقال PageV01P030 @ أبو ~~عبيدة لزمها وأبطأ والمخلد من الرجال هو الذي تبطئ مشيته ومن الدواب الذي ~~تبقى ثناياه إلى أن تخرج رباعيته وقال الزجاج خلد وأخلد واحد وأصله من ~~الخلود وهو الدوام والبقاء يقال فلان أخلد ولاذ بالمكان إذا أقام به قال ~~مالك بن نويره بأبناء حي من قبائل مالك وعمرو بن يربوع أقاموا وأخلدوا # قلت ومنه قوله تعالى @QB@ يطوف عليهم ولدان مخلدون @QE@ أي قد خلقوا ~~للبقاء لذلك لا يتغيرون ولا يكبرون وهم على سن واحد أبدا وقيل المقرطون في ~~آذانهم والمسورون في أيديهم ms16 وأصحاب هذا القول فسروا اللفظ ببعض لوازمه وذلك ~~إشارة إلى التخليد على ذلك السن فلا ينافي القولين # وقوله @QB@ واتبع هواه @QE@ قال الكلبي اتبع مسافل الأمور وترك معاليها ~~وقال أبو روق اختار الدنيا على الآخرة وقال عطاء PageV01P031 @ أراد الدنيا ~~وأطاع شيطانه وقال ابن زيد كان هواه مع القوم يعني الذين حاربوا موسى عليه ~~الصلاة والسلام وقومه وقال يمان اتبع امرأته لأنها هي التي حملته على ما ~~فعله فإن قيل الإستدراك بلكن يقتضي أن يثبت بعدها نفي ما قبلها أو ينفي ما ~~أثبت كما تقول لو شئت لأعطيته لكني لم أعطه ولو شئت لما فعلت كذا لكني ~~فعلته فالاستدراك يقتضي @QB@ ولو شئنا لرفعناه بها @QE@ ولكنا لم نشأ أو ~~فلم نرفع ولكنه أخلد فكيف استدرك بقوله @QB@ ولكنه أخلد إلى الأرض @QE@ بعد ~~قوله @QB@ ولو شئنا لرفعناه بها @QE@ قيل هذا من الكلام الملحوظ فيه المعنى ~~المعدول فيه عن مراعاة الألفاظ إلى المعاني وذلك أن مضمون قوله @QB@ ولو ~~شئنا لرفعناه بها @QE@ أنه لم يتعاط الأسباب التي تقتضي رفعه بالآيات من ~~ايثار الله ومرضاته على هواه ولكنه آثر الدنيا وأخلد إلى الأرض واتبع هواه ~~وقال الزمخشري المعنى ولو لزم آياتنا لرفعناه بها فذكر المشيئة والمراد ما ~~هي تابعة له ومسببة عنه قال ألا ترى إلى قوله @QB@ ولكنه أخلد @QE@ فاستدرك ~~المشيئة بإخلاده الذي هو فعله فوجب أن تكون @QB@ ولو شئنا @QE@ في معنى ما ~~هو فعله ولو كان الكلام على ظاهره لوجب أن يقال ولو شئنا لرفعناه ولكنا لم ~~نشأ فهذا منه شنشنة نعرفها من قدري ناف للمشيئة العامة مبعد للنجعة في جعل ~~كلام الله معتزليا PageV01P032 @ # | مثل الظن التجسس الاغتياب قدريا فأين قوله @QB@ ولو شئنا @QE@ من قوله ~~ولو لزمها ثم إذا كان اللزوم لها موقوفا على مشيئة الله وهو الحق بطل أصله ~~وقوله إن مشيئة الله تابعة للزومه لآياته تابعة لمشيئة الله عز وجل فمشيئة ~~الله سبحانه متبوعة لاتابعة وسبب لا مسبب وموجب مقتضي لا مقتضى فما شاء ~~الله وجب وجوده وما لم يشأ امتنع وجوده # فصل ومنها قوله ms17 تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن ~~بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ~~ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم @QE@ وهذا من أحسن القياس ~~التمثيلي فانه شبه تمزيق عرض الأخ بتمزيق لحمه ولما كان المغتاب يمزق عرض ~~أخيه في غيبته كان بمنزلة من يقطع لحمه في حال غيبة روحه عنه بالموت لما ~~كان المغتاب عاجزا عن دفعه بنفسه بكونه غائبا عن ذمه كان بمنزلة الميت الذي ~~يقطع لحمه ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه ولما كان مقتضى الأخوة التراحم ~~والتواصل والتناصر فعلق عليها المغتاب ضد مقتضاها من الذم والعيب والطعن ~~كان ذلك نظير تقطيعه لحم أخيه والأخوة تقتضي حفظه وصيانته والذب عنه ولما ~~كان المغتاب متفكها بغيبته وذمه متحليا بذلك شبه بأكل لحم أخيه بعد تقطيعه ~~ولما كان المغتاب محبا لذلك معجبا به شبه بمن يحب أكل لحم أخيه ميتا ومحبته ~~لذلك قدر زائد على مجرد أكله كما أن أكله قدر زائد على تمزيقه فتأمل هذا ~~التشبيه والتمثيل وحسن موقعه ومطابقة المعقول فيه للمحسوس وتأمل أخباره ~~عنهم بكراهة أكل لحم الأخ ميتا ووصفهم بذلك في آخر الآية والإنكار عليهم في ~~أولها أن يجب PageV01P033 @ # | مثل أعمال الكفار أحدهم ذلك فكما أن هذا مكروه في طباعهم فكيف يحبون ما ~~هو مثله ونظيره فاحتج عليهم بما كرهوه على ما أحبوه وشبه لهم ما يحبونه بما ~~هو أكره شيء إليهم وهم أشد شيء نفرة عنه فلهذا يوجب العقل والفطرة والحكمة ~~أن يكونوا اشد شيء نفرة عما هو نظيره ومشبهه وبالله التوفيق # فصل ومنها قوله تعالى @QB@ مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به ~~الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد @QE@ ~~فشبه تعالى أعمال الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرت عليه ريح ~~شديدة في يوم عاصف فشبه سبحانه أعمالهم في حبوطها وذهابها باطلا كالهباء ~~المنثور لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان وكونها ms18 لغير الله عز وجل ~~على غير أمره برماد طيرته الريح العاصف فلا يقدر صاحبه على شيء منه وقت شدة ~~حاجته إليه فلذلك لا يقدرون مما كسبوا على شيء لا يقدرون يوم القيامة مما ~~كسبوا من أعمالهم على شيء فلا يرون لها أثرا من ثواب ولا فائدة نافعة فإن ~~الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه موافقا لشرعه والأعمال أربعة ~~فواحد مقبول وثلاثة مردودة فالمقبول الخالص الصواب فالخالص أن يكون لله لا ~~لغير والصواب أن يكون مما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم والثلاثة ~~المردودة ما خالف ذلك # وفي تشبيهها بالرماد سر بديع وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم وبين الرماد ~~في إحراق النار وإذهابها لأصل هذا وهذا فكانت الأعمال التي لغير الله عز ~~وجل وعلى غير مراده طعمة للنار وبها تسعر النار على أصحابها وينشئ الله لهم ~~من أعمالهم الباطلة نارا وعذابا كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقة لأمره ~~PageV01P034 @ $ مثل الكلمة الطبية # التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم نعيما وروحا فأثرت النار في أعمال أولئك ~~حتى جعلتها رمادا فهم وما يعبدون من دون الله وقود النار # | فصل ومنها قوله تعالى @QB@ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة ~~طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله ~~الأمثال للناس لعلهم يتذكرون @QE@ فشبه سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة ~~الطيبة لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح والشجرة الطيبة تثمر الثمر ~~النافع وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون الكلمة الطيبة هي ~~شهادة أن لا إله إلا الله فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة و ~~الباطنة فكل عمل صالح مرضي لله عز وجل ثمرة هذا الكلمة وفي تفسير علي بن ~~أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أصلها ثابت قول لا إله إلا الله ~~في قلب المؤمن وفرعها في السماء يقول يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء وقال ~~الربيع بن أنس كلمة طيبة هذا مثل الإيمان والإيمان الشجرة الطيبة وأصلها ~~الثابت الذي ms19 لا يزول الإخلاص فيه وفرعه في السماء خشية الله والتشبيه على ~~هذا القول أصح وأظهر وأحسن فإنه سبحانه شبه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة ~~الطيبة الثابتة الأصل الباسقة الفرع في السماء علوا التي لا تزال تؤتي ~~ثمرتها كل PageV01P035 @ # رفع العمل الصالح حين وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقا لشجرة التوحيد ~~الثابتة الراسخة في القلب التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء ~~ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت بحسب ثباتها في القلب ~~ومحبة القلب لها وإخلاصه فيها ومعرفته بحقيقتها وقيامه بحقها ومراعاتها حق ~~رعايتها فمن رسخت هذه الكلمة في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها واتصف قلبه ~~بها وانصبغ بها بصبغة الله التي لا أحسن صبغة منها فيعرف حقيقة الهيئة التي ~~يثبتها قلبه لله ويشهد بها لسانه وتصدقها جوارحه ونفى تلك الحقيقة ولوازمها ~~عن كل ما سوى الله عز وجل وواطأ قلبه لسانه في هذا النفي والإثبات وانقادت ~~جوارحه لمن شهد له بالوحدانية طائعة سالكة سبل ربه ذللا غير ناكبة عنها ولا ~~باغية سواها بدلا كما لا يبتغي القلب سوى معبوده الحق بدلا فلا ريب أن هذه ~~الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتى ثمرتها من العمل الصالح ~~الصاعد إلى الرب تعالى وهذه الكلمة الطيبة تثمر كثيرا طيبا كلما يقارنه عمل ~~صالح فيرفع العمل الصالح الكلم الطيب كما قال تعالى @QB@ إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ فأخبر سبحانه أن العمل الصالح يرفع الكلم ~~الطيب وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها كل وقت عملا صالحا كل وقت # والمقصود أن كلمة التوحيد إذا شهد المؤمن بها عارفا بمعناها وحقيقتها ~~نفيا واثباتا متصفا بموجبها قائما قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته فهذه الكلمة ~~من هذا الشاهد أصلها ثبات راسخ في قلبه وفروعها متصلة PageV01P036 @ $ مثل ~~النخلة والمؤمن بالسماء وهي مخرجة لثمرتها كل وقت ومن السلف من قال إن ~~الشجرة الطيبة هي النخلة ويدل عليه حديث ابن عمر الصحيح ومنهم من قال هي ~~المؤمن نفسه كما قال محمد بن سعد حدثني ms20 أبي حدثني عمي حدثني أبي عن أبيه عن ~~ابن عباس قوله @QB@ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة @QE@ ~~يعني بالشجرة الطيبة المؤمن ويعني بالأصل الثابت في الأرض والفرع في السماء ~~يكون المؤمن يعمل في الأرض ويتكلم فيبلغ قوله وعمله السماء وهو في الأرض ~~وقال عطية العوفي في @QB@ ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة @QE@ قال ذلك ~~مثل المؤمن لا يزال يخرج منه كلام طيب وعمل صالح يصعد إلى الله # وقال الربيع بن أنس @QB@ أصلها ثابت وفرعها في السماء @QE@ قال ذلك ~~المؤمن ضرب مثله في الإخلاص لله وحده وعبادته وحده لا شريك له قال @QB@ ~~أصلها ثابت @QE@ قال أصل عمله ثابت في الأرض @QB@ وفرعها في السماء @QE@ ~~قال ذكره في السماء ولا اختلاف بين القولين فالمقصود بالمثل المؤمن والنخلة ~~مشبهة به وهو مشبه بها وإذا كانت النخلة شجرة طيبة فالمؤمن المشبه بها أولى ~~أن يكون كذلك ومن قال من السلف إنها شجرة في الجنة فالنخلة من أشرف أشجار ~~الجنة PageV01P037 @ $ تجديد الإيمان # وفي هذا المثل من الأسرار والعلوم والمعارف ما يليق ويقتضيه علم الذي ~~تكلم به سبحانه وحكمته فمن ذلك أن الشجرة لا بد لها من عروق وساق وفروع ~~وورق وثمر فكذلك شجرة الإيمان والإسلام ليطابق المشبه المشبه به فعروقها ~~العلم والمعرفة واليقين وساقها الإخلاص وفروعها الأعمال وثمرتها ما توجبه ~~الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة والصفات الممدوحة والأخلاق الزكية ~~والسمت الصالح والهدى والدل المرضى فيستدل على غرس هذه الشجرة في القلب ~~وثبوتها فيه بهذه الأمور فإذا كان العلم صحيحا مطابقا لمعلومه الذي أنزل ~~الله كتابه به والاعتقاد مطابقا لما أخبر به عن نفسه وأخبرت به عنه رسله ~~صلوات الله وسلامه عليهم والإخلاص قائم في القلب والأعمال موافقة للأمر ~~والهدى والدل والسمت مشابه لهذه الأصول مناسب لها علم أن شجرة الإيمان في ~~القلب أصلها ثابت وفرعها في السماء وإذا كان الأمر بالعكس علم أن القائم ~~بالقلب إنما هو الشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار ~~ومنها أن الشجرة لا ms21 تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها فإذا انقطع عنها ~~السقي أوشك أن تيبس فهكذا شجرة الإسلام في القلب إن لم يتعاهدها صاحبها ~~بسقيها كل وقت بالعمل النافع والعمل الصالح والعود بالتذكر على التفكر ~~والتفكر على التذكر وإلا أوشك أن تيبس وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الإيمان يخلق ~~في القلب كما يخلق الثوب فجددوا إيمانكم PageV01P038 @ $ الغرس الطيب ~~وبالجملة فالغرس إن لم يتعاهده صاحبه أوشك أن يهلك ومن هنا يعلم شدة حاجة ~~العباد إلى ما أمر الله به من العبادات على تعاقب الأوقات وعظيم رحمته ~~وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده بأن وضعها عليهم وجعلها مادة لسقي غراس ~~التوحيد الذي غرسه في قلوبهم # ومنها إن الغرس والزرع النافع قد أجرى الله سبحانه العادة أنه لا بد أن ~~يخالطه دغل ونبت غريب ليس من جنسه فإن تعاهده ربه ونقاه وقلمه كمل الغرس ~~والزرع واستوى وتم نباته وكان أوفر لثمرته وأطيب وأزكى وإن تركه أوشك أن ~~يغلب على الغرس والزرع ويكون الحكم له أو يضعف الأصل ويجعل الثمرة ذميمة ~~ناقصة بحسب كثرته وقلته ومن لم يكن له فقه يقيس في هذا ومعرفته به فإنه ~~يفوته ربح كثير وهو لا يشعر فالمؤمن دائم سعيه في شيئين سقي هذه الشجرة ~~وتنقية ما حولها فبسقيها تبقى وتدوم وبتنقية ما حولها تكمل وتتم والله ~~المستعان وعليه التكلان # فهذا بعض ما تضمنه هذا المثل العظيم الجليل من الأسرار والحكم ولعلها ~~قطرة من بحر بحسب أذهاننا الواقعة وقلوبنا المخبطة وعلومنا القاصرة ~~وأعمالنا التي توجب التوبة والاستغفار وإلا فلو طهرت منا القلوب وصفت ~~الأذهان وزكت النفوس وخلصت الأعمال وتجردت الهمم للتقي عن الله تعالى ~~PageV01P039 @ # | مثل الكلمة الخبيثة ورسوله صلى الله عليه وسلم لشاهدنا من معاني كلام ~~الله عز وجل وأسراره وحكمه ما تضمحل عنده العلوم وتتلاشى عنده معارف الحق ~~وبهذا يعرف قدر علوم الصحابة ومعارفهم رضي الله عنهم وإن التفاوت الذي بين ~~علومهم وعلوم من بعدهم كالتفاوت ms22 الذي بينهم في الفضل والله أعلم حيث يجعل ~~مواقع فضله ومن يختص برحمته # فصل ثم ذكر سبحانه مثل الكلمة الخبيثة فشبهها بالشجرة الخبيثة التي اجتثت ~~من فوق الأرض ما لها من قرار فلا عرق ثابت ولا فرع عال ولا ثمرة زاكية ولا ~~ظل ولا جنى ولا ساق قائم ولا عرق في الأرض ثابت مغدق ولا أعلاها مونق ولا ~~جنى لها ولا تعلو بلى تعلى # وإذا تأمل اللبيب أكثر كلام هذا الخلق في خطابهم وكتبهم وجده كذلك ~~فالخسران كل الخسران الوقوف معه والاشتغال به عن أفضل الكلام وأنفعه قال ~~الضحاك ضرب الله مثلا للكافر بشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار يقول ~~ليس لها أصل ولا فرع وليس لها ثمرة و لا فيها منفعة كذلك الكافر ليس يعمل ~~خيرا ولا يقوله ولا يجعل الله فيه بركة ولا منفعة وقال ابن عباس # ومثل كلمة خبيثة وهي الشرك كشجرة خبيثة يعني الكافر اجتثت من فوق الأرض ~~ما لها من قرار يقول الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر ولا برهان ولا يقبل ~~الله عمل المشرك ولا يصعد إلى الله فليس له أصل ثابت في الأرض ولا فرع في ~~السماء يقول ليس له عمل صالح في السماء ولا في الآخرة وقال الربيع بن أنس # مثل الشجرة الخبيثة مثل PageV01P040 @ # | التثبيت بالقول الصالح الكافر ليس لقوله ولا لعمله أصل ولا فرع ولا ~~يستقر قوله ولا عمله على الأرض ولا يصعد إلى السماء وقال سعيد عن قتادة في ~~هذه الآية إن رجلا لقي رجلا من أهل العلم فقال له ما تقول في الكلمة ~~الخبيثة قال لا اعلم لها في الأرض مستقرا ولا في السماء مصعدا إلا أن تلزم ~~عنق صاحبها حتى يوافي بها يوم القيامة وقوله اجتثت أي استؤصلت من فوق الأرض ~~ثم أخبر سبحانه عن فصله وعدله في الفريقين أصحاب الكلم الطيب والكلم الخبيث ~~فأخبر أنه يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت أحوج ما يكونون إليه في الدنيا ~~والآخرة وأنه يضل الظالمين وهم المشركون عن ms23 القول الثابت فأضل هؤلاء بعدله ~~لظلمهم وثبت المؤمنين بفضله لإيمانهم وتحت قوله @QB@ يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة @QE@ كنز عظيم من وقف عليه ~~لظنته وأحسن استخراجه واقتناءه وأنفق منه فقد غنم ومن حرمه فقد حرم وذلك أن ~~العبد لا يستغني عن تثبيت الله طرفة عين فإن لم يثبته وإلا زالت سماء ~~إيمانه وأرضه عن مكانهما وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه عبده ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم @QB@ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ~~@QE@ وفي الصحيحين من حديث البجلي قال وهو يسألهم ويثبتهم وقال تعالى ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم @QB@ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به ~~فؤادك @QE@ PageV01P041 @ # كيفية التثبيت # فالخلق كلهم قسمان موفق بالتثبيت ومخذول بترك التثبيت ومادة التثبيت ~~وأصله ومنشأه من القول الثابت وفعل ما أمر به العبد فيهما يثبت الله عبده ~~فكل ما كان أثبت قولا وأحسن فعلا كان أعظم تثبتا قال تعالى @QB@ ولو أنهم ~~فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا @QE@ فأثبت الناس قلبا ~~أثبتهم قولا والقول الثابت هو القول الحق والصدق وهو ضد القول الباطل الكذب ~~فالقول نوعان ثابت له حقيقة وباطل لا حقيقة له وأثبت القول كلمة التوحيد ~~ولوازمها فهي أعظم ما يثبت الله بها عباده في الدنيا والآخرة ولهذا ترى ~~الصادق من أثبت الناس وأشجعهم قلبا والكاذب من أمهن الناس وأخبثهم وأكثرهم ~~تلويا وأقلهم ثباتا وأهل الفراسة يعرفون صدق الصادق من ثبات قلبه وقت ~~الاختبار وشجاعته ومهابته ويعرفون كذب الكاذب بضد ذلك ولا يخفى ذلك إلا على ~~ضعيف البصيرة وسئل بعضهم عن كلام سمعه من متكلم به فقال والله ما فهمت منه ~~شيئا الا أني سمعت لكلامه صولة ليست بصولة مبطل فما منح العبد منحة أفضل من ~~منحة القول الثابت ويجد أهل القول الثابت ثمرته أحوج ما يكونون إليه في ~~قبورهم ويوم معادهم كما في صحيح مسلم من حديث البراء ms24 بن عازب عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر وقد جاء هذا مبينا في ~~أحاديث صحاح فمنها ما في المسند من حديث داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن ~~أبي سعيد قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة فقال يا أيها الناس ~~إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا الإنسان دفن وتفرق عنه PageV01P042 @ $ ~~سؤال القبر أصحابه جاءه ملك بيده مطراق فأقعده فقال ما تقول في هذا الرجل ~~فإن كان مؤمنا قال أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله فيقول له صدقت فيفتح له باب إلى النار فيقال له هذا منزلك لو ~~كفرت بربك فأما إذ آمنت فإن الله أبدلك به هذا ثم يفتح له باب إلى الجنة ~~فيريد أن ينهض له اسكن ثم يفسح له في قبره وأما الكافر والمنافق فيقال له ~~ما تقول في هذا الرجل فيقول لا أدري فيقال لا دريت ولا اهتديت ثم يفتح له ~~باب إلى الجنة فيقال له هذا منزلك لو آمنت بربك فأما إذ كفرت فإن الله ~~أبدلك به هذا ثم يفتح له باب إلى النار ثم يقمعه الملك بالمطراق قمعة يسمعه ~~خلق الله كلهم إلا الثقلين قال بعض أصحابه يا رسول الله ما منا من أحد يقوم ~~على رأسه ملك بيده مطراق إلا هيل عند ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم @QB@ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء @QE@ # وفي المسند من حديث البراء بن عازب وروى المنهال عن عمرو وعن زاذان عن ~~البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر قبض روح المؤمن فقال ~~يأتيه آت يعني في قبره فيقول من ربك وما دينك ومن نبيك فيقول ربي الله ~~وديني الإسلام ونبي محمد صلى الله عليه وسلم قال فيقول له ما ربك وما دينك ~~وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن فذلك ms25 حين يقول الله @QB@ يثبت الله الذين ~~آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة @QE@ فيقول ربي الله ~~وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم فيقال له صدقت وهذا حديث صحيح ~~PageV01P043 @ # وقال حماد بن سلمة عن محمد بن عمر وعن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم @QB@ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة @QE@ قال إذا قيل له في القبر من ربك وما دينك ~~فيقول ربي الله وديني الاسلام ونبي محمد جاء بالبينات من عند الله فآمنت ~~وصدقت فيقال له صدقت على هذا عشت وعليه مت وعليه تبعث وقال الأعمش عن ~~المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وذكر قبض روح المؤمن قال فترجع روحه في جسده ويبعث إليه ملكان ~~شديدان فيجلسانه وينهرانه ويقولان من ربك فيقول الله وما دينك فيقول ~~الإسلام فيقولان ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول محمد رسول الله قال ~~فيقولان له وما يدريك قال يقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت وذلك قول ~~الله تبارك وتعالى @QB@ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة @QE@ رواه ابن حبان في صحيحه وأحمد وفي صحيحه أيضا من ~~حديث أبي هريرة يرفعه قال إن الميت ليسمع خفق نعالهم يولون عنه مدبرين فإذا ~~كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه والزكاة عن يمينه وكان الصيام عن يساره ~~وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه ~~فيؤتى من عند رأسه فتقول الصلاة ما قبلي مدخل فيؤتى عن يمينه فتقول الزكاة ~~ما قبلي مدخل فيؤتي عن يساره فيقول الصيام ما قبلي مدخلى فيؤتى من عند ~~PageV01P044 @ رجليه فتقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف و ~~الإحسان إلى الناس ما قبلي مدخل فيقال له اجلس فيجلس قد مثلت له الشمس قد ~~قدمت للغروب فيقال له أخبرنا عما نسألك عنه فيقول وعم تسألوني فيقول دعوني ~~حتى أصلي فيقال إنك ms26 ستفعل # فأخبرنا عما نسألك فيقول وعم تسألون فيقال له أرأيت هذا الرجل الذي بعث ~~فيكم ماذا تقول فيه وماذا تشهد به عليه فيقول محمد صلى الله عليه وسلم ~~فيقولون نعم فيقول أشهد أنه رسول الله وأنه جاءنا بالبينات من عند الله ~~فصدقناه فيقال له على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله ثم ~~يفسح له في قبره سبعون ذراعا وينور له فيه ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال ~~انظر إلى ما أعد الله لك فيها فيزداد غبطة وسرورا ثم يجعل نسمته في النسم ~~الطيبة وهي طير خضر تعلق بشجر الجنة فيعاد الجسد إلى ما بدا منه من التراب ~~وذلك قول الله @QB@ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة @QE@ ولا تستطل هذا الفصل المعترض فالمفتي والشاهد والحاكم بل ~~وكل مسلم أشد ضرورة إليه من الطعام والشراب والنفس وبالله التوفيق # | فصل ومنها قوله تعالى @QB@ فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول ~~الزور حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه ~~الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق @QE@ فتأمل هذا المثل ومطابقته لحال ~~من أشرك بالله وتعلق بغيره ويجوز لك في هذا التشبيه أمران أحدهما أن تجعله ~~تشبيها مركبا ويكون قد شبه من أشرك بالله وعبد معه غيره PageV01P045 @ # مثل من يشرك بالله فكأنما خر من السماء برجل قد تسبب إلى هلاك نفسه هلاكا ~~لا يرجى معه نجاة فصور حاله بصورة من خر من السماء فاختطفه الطير في الهوى ~~فتمزق مزعا في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت في بعض المطارح البعيدة ~~وعلى هذا لا ينظر إلى كل فرد من أفراد الشبه ومقابلته من المشبه به # والثاني أن يكون من التشبيه المفرق فيقابل كل واحد من أجزاء الممثل ~~بالممثل به وعلى هذا فيكون قد شبه الإيمان والتوحيد في علوه وسعته وشرفه ~~بالسماء التي هي مصعده ومهبطه فمنها يهبط إلى الأرض وإليها يصعد منها وشبه ~~تارك الإيمان والتوحيد بالساقط من ms27 السماء إلى أسفل سافلين من حيث التضييق ~~الشديد والآلام المتراكمة والطير الذي يخطف أعضاءه ويمزقه كل ممزق ~~بالشياطين التي يرسلها الله سبحانه وتعالى عليه تؤزه أزا وتزعجه وتقلقه إلى ~~مظان هلاكه فكل شيطان له مزعة من دينه وقلبه كما أن لكل طير مزعة من لحمه ~~وأعضائه والريح التي تهوي به في مكان سحيق هو هواه الذي يحمله القاء نفسه ~~في أسفل مكان وأبعده من السماء # | فصل ومنها قوله تعالى @QB@ يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين ~~تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا ~~لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي ~~عزيز @QE@ حقيق كل عبد أن يستمع لهذا PageV01P046 @ # الشرك بالله لن يخلقوا ذبابا المثل ويتدبره حق تدبره فإنه يقطع موارد ~~الشرك من قلبه وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده ~~وإعدام ما يضره والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق ~~ذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه فكيف ما هو أكبر منه ولا يقدرون على الانتصار ~~من الذباب إذا سلبهم شيئا مما عليهم من طيب ونحوه فيستنقذونه منه فلا هم ~~قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوان ولا على الانتصار منه ~~واسترجاع ما سلبهم إياه فلا أعجز من هذه الآلهة ولا أضعف منها فكيف يستحسن ~~عاقل عبادتها من دون الله تعالى وهذا المثل من أبلغ ما أنزل الله سبحانه في ~~بطلان الشرك وتجهيل أهله وتقبيح عقولهم والشهادة على أن الشياطين قد تتلاعب ~~بهم أعظم من تلاعب الصبيان بالكرة حيث أعطوا الإلهية التي من بعض لوازمها ~~القدرة على جميع المقدورات والإحاطة بجميع المعلومات والغنى عن جميع ~~المخلوقات وأن يعمد إلى الرب في جميع الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة ~~اللهفات وإجابة الدعوات فأعطوها صورا وتماثيل تمتنع عليها القدرة على ~~مخلوقات الآلهة الحق وأذلها وأصغرها وأحقرها ولو اجتمعوا لذلك وتعاونوا ~~عليه وأدل من ذلك على عجزهم وانتفاء آلهتهم أن هذا ms28 الخلق الأقل الأذل ~~العاجز الضعيف لو اختطف منهم شيئا واستلبه فاجتمعوا على أن يستنقذوه منه ~~لعجزوا عن ذلك ولم يقدروا عليه ثم سوى بين العابد والمعبود في الضعف والعجز ~~بقوله @QB@ ضعف الطالب @QE@ PageV01P047 @ # | مثل الذي ينعق @QB@ والمطلوب @QE@ قيل الطالب العابد والمطلوب المعبود ~~فهو عاجز متعلق بعاجز وقيل هو تسوية بين السالب والمسلوب وهو تسوية بين ~~الإله والذباب في الضعف والعجز وعلى هذا فالطالب الإله الباطل والمطلوب ~~الذباب يطلب منه ما استنقذه منه وقيل الطالب الذباب والمطلوب الآلهة ~~فالذباب يطلب منه ما يأخذه مما عليه والصحيح أن اللفظ يتناول الجميع فضعف ~~العابد والمعبود والمستلب و المستلب فمن جعل هذا الآلهة مع القوي العزيز ~~فما قدره حق قدره ولا عرفه حق معرفته ولا عظمه حق عظمته # فصل ومنها قوله تعالى @QB@ ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع ~~إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون @QE@ # فتضمن هذا المثل ناعقا أي مصوتا بالغنم وغيرها و منعوقا به وهو الدواب ~~فقيل الناعق العابد وهو الداعي للصنم والصنم هو المنعوق به المدعو وإن حال ~~الكافر في دعائه كحال من ينعق بما لا يسمعه هذا قول طائفة منهم عبد الرحمن ~~بن زيد وغيره واستشكل صاحب الكشاف وجماعة معه هذا القول وقالوا قوله إلا ~~دعاء ونداء لا يساعد عليه لأن الأصنام لا تسمع دعاء ولا نداء وقد أجيب عن ~~هذا الاشكال بثلاثة PageV01P048 @ أجوبة أحدها أن زائدة والمعنى بما لا ~~يسمع دعاء ونداء قالوا وقد ذكر الأصمعي في قول الشاعر # جراجيج لا تنفعك إلا مناخة # أي ما تنفك مناخة وهذا جواب فاسد فإن إلا لا تزاد في الكلام # الجواب الثاني أن التشبيه وقع في مطلق الدعاء لا في خصوصات المدعو # الجواب الثالث أن المعنى أن مثل هؤلاء في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه ~~دعآءهم كمثل الناعق بغنمه فلا ينتفع بنعقته شيئا غير أنه في دعآء ونداء ~~وكذا المشرك ليس له من دعائه وعبادته إلا العناء وقيل المعنى ومثل الذين ~~كفروا كالبهائم التي لا تفقه مما يقول ms29 الراعي أكثر من الصوت فالراعي هو ~~داعي الكفار والكفار هم البهائم المنعوق بها قال سيبويه المعنى ومثلك يا ~~محمد ومثل الذين كفروا كمثل الناعق و المنعوق به وعلى قوله فيكون المعنى ~~ومثل الذين كفروا وداعيهم كمثل الغنم والناعق بها ذلك أن تجعل هذا من ~~التشبيه المركب وأن تجعله من التشبيه المفرق فإن جعلته من المركب كان ~~تشبيها للكفار في عدم فقههم وانتفاعهم بالغنم التي ينعق بها الراعي فلا ~~تفقه من قوله شيئا غير الصوت المجرد الذي هو الدعاء والنداء وإن جعلته من ~~التشبيه المفرق فالذين PageV01P049 @ # | مثل الإنفاق بحبه كفروا بمنزلة البهائم ودعاؤهم إلى الطريق والهدى ~~بمنزلة النعيق وإدراكهم مجرد الدعاء والنداء كإدراك البهائم مجرد صوت ~~الناعق والله أعلم # فصل ومنها قوله تعالى @QB@ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل ~~حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع ~~عليم @QE@ شبه سبحانه نفقة المنفق في سبيله سواء كان المراد به الجهاد أو ~~جميع سبل الخير من كل بر بمن بذر بذرا فأنبتت كل حبة سبع سنابل اشتملت كل ~~سنبلة على مائة حبة والله يضاعف بحسب حال المنفق وإيمانه وإخلاصه واحسانه ~~ونفع نفقته وقدرها ووقوعها موقعها فان ثواب الانفاق يتفاوت بحسب ما يقوم ~~بالقلب من الايمان والاخلاص والتثبت عند النفقة وهو اخراج المال بقلب ثابت ~~قد انشرح صدره باخراجه وسمحت به نفسه وخرج من قلبه قبل خروجه من يده فهو ~~ثابت القلب عند اخراجه غير جزع ولا هلع ولا متبعه نفسه ترجف يده وفؤاده ~~ويتفاوت بحسب نفع الإنفاق ومصارفه بمواقعه وبحسب طيب المنفق وذكائه وتحت ~~هذا المثل من الفقه أنه سبحانه شبه الانفاق بالبذر فالمنفق ماله الطيب لله ~~لا لغيره باذر ماله في أرض زكية فمغلة بحسب بذرة وطيب أرضه وتعاهد البذر ~~بالسقي ونفي الدغل والنبات الغريب عنه فإذا اجتمعت هذه الأمور ولم تحرق ~~الزرع نار ولا لحقته جائحة جاء أمثال الجبال وكان مثله كمثل حبة بربوة وهي ~~المكان فيه نصب PageV01P050 @ # | مثل النفقة في سبيل ms30 الله الشمس والرياح فتربى الأشجار هناك أتم تربية ~~فنزل عليها من السماء مطر عظيم القطر متتابع فرواها ونماها فآتت أكلها ضعفي ~~ما تؤتيه غيرها بسبب ذلك الوابل وإن لم يصبها وابل فطل مطر صغير القطر ~~يكفيها لكرم منبتها تزكو على الطل وتنمي عليه مع أن في ذكر نوعي الوابل ~~والطل إشارة إلى نوعي الإنفاق الكثير والقليل فمن الناس من يكون إنفاقه ~~وابلا ومنهم من يكون إنفاقه طلا والله لا يضيع مثقال ذرة فإن عرض لهذا ~~العامل ما يفرق أعماله ويبطل بها حسناته كان بمنزلة رجل له جنة من نخيل ~~وأعناب تجري من تحتها الأنهار وله فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ~~ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت فإذا كان يوم استيفاء الأعمال ~~وإحراز الأجور وجد العامل عمله قد أصابه ما أصاب صاحب هذه الجنة فحسرته ~~حينئذ أشد من حسرة هذا على جنته فهذا مثل ضربه الله سبحانه في الحسرة لسلب ~~النعمة عند شدة الحاجة إليها مع عظم قدرها ومنفعتها والذي ذهبت عنه قد ~~أصابه الكبر والضعف فهو أحوج ما كان إلى نعمته ومع هذا فله ذرية ضعفآء لا ~~يقدرون على نفعه والقيام بمصالحه بل هم في عياله فحاجته إلى نعمته حينئذ ~~أشد ما كانت لضعفه وضعف ذريته فكيف يكون حال هذا إذا كان له بستان عظيم فيه ~~من جميع الفواكه والثمر وسلطان ثمره أجل الفواكه وأنفعها وهو ثمر النخيل ~~والأعناب فنخله يقوم بكفايته وكفاية ذريته فأصبح يوما وقد وجده محترقا كله ~~كالصريم فأي حسرة أعظم PageV01P051 @ # مثل الإنفاق بالمن والأذى من حسرته قال ابن عباس هذا مثل الذي يختم له ~~بالفساد في آخر عمره وقال مجاهد هذا مثل المفرط في طاعة الله حتى يموت وقال ~~السري هذا مثل للمرائي في نفقته الذي ينفق لغير الله ينقطع عنه نفعها أحوج ~~ما يكون إليها وسأل عمر بن الخطاب الصحابة رضي الله عنهم يوما عن هذه الآية ~~فقالوا الله أعلم فغضب عمر وقال قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس في ms31 ~~نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين قال قل يا ابن أخي ولا تحصر نفسك قال ضرب ~~مثل لعمل قال لأي عمل قال لرجل غنى يعمل بالحسنات ثم بعث الله له الشيطان ~~فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله كلها وقال الحسن هذا مثل قل والله أعلم من ~~يعقله من الناس شيخ ضعف جسمه وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته وإن أحدكم ~~والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا # | فصل فإن عرض لهذه الأعمال من الصدقات ما يبطلها من المن والأذى والرياء ~~فالرياء يمنع انعقادها سببا للثواب والمن والأذى يبطل الثواب الذي كان سببا ~~له فمثل صاحبها وبطلان عمله كمثل صفوان وهو الحجر الأملس عليه تراب فأصابه ~~وابل وهو المطر الشديد فتركه صلدا لا شيء عليه وتأمل جزاء هذا المثل البليغ ~~وانطباقها على أجزاء الممثل به تعرف عظمة القرآن وجلالته فإن الحجر في ~~مقابلة قلب هذا المرائي و المان والمؤذي فقلبه في PageV01P052 @ # مثل ما ينفقون كمثل ريح قسوته عن الإيمان والإخلاص والإحسان بمنزلة الحجر ~~والعمل الذي لغير الله بمنزلة التراب الذي على ذلك الحجر فقوة ما تحته ~~وصلابته تمنعه من الثبات والنبات عند نزول الوابل فليس له مادة متصلة بالذي ~~يقبل الماء وينبت الكلأ وكذلك قلب المرآئي ليس له ثبات عند وابل الأمر ~~والنهي والقضاء والقدر فإذا نزل عليه وابل الوحي انكشف عنه ذلك التراب ~~اليسير الذي كان عليه فبرز ما تحته حجرا صلدا لا نبات فيه وهذا مثل ضربه ~~الله سبحانه لعمل المرآئي ونفقته لا يقدر يوم القيامة على ثواب شيء منه ~~أحوج ما كان إليه وبالله التوفيق # | فصل ومنها قوله تعالى @QB@ إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون مثل ما ينفقون في ~~هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته ~~وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون @QE@ هذا مثل ضربه الله تعالى لمن أنفق ~~ماله في غير طاعته ومرضاته فشبه سبحانه ما ms32 ينفقه هؤلاء من أموالهم في ~~المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر لا يبتغون به وجه الله وما ~~ينفقونه ليصدوا به عن سبيل الله واتباع رسله عليهم الصلاة والسلام بالزرع ~~الذي زرعه صاحبه يرجو نفعه وخيره فأصابته ريح شديدة البرد جدا يحرق بردها ~~ما يمر عليه من الزرع والثمار فأهلكت ذلك الزرع وأيبسته PageV01P053 @ # ضرب الله مثلا رجلا # واختلف في الصر فقيل البرد الشديد وقيل النار قاله ابن عباس وقال ~~الأنباري وإنما وصفت النار أنها صر لتصريتها عند الالتهاب وقيل الصر الصوت ~~الذي يصحب الريح من شدة هبوبها والأقوال الثلاثة متلازمة فهو برد شديد محرق ~~بيبسه للحرث كما تحرق النار وفيه صوت شديد وفي قوله @QB@ أصابت حرث قوم ~~ظلموا أنفسهم @QE@ تنبيه على أن سبب إصابتها لحرثهم هو ظلمهم فهو الذي سلط ~~عليهم الريح المذكورة حتى أهلكت زرعهم وأيبسته فظلمهم هو الريح التي أهلكت ~~أعمالهم ونفقاتهم وأتلفتها # | فصل ومنها قوله تعالى @QB@ ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون @QE@ هذا ~~مثل ضربه الله سبحانه للمشرك والموحد فالمشرك بمنزلة عبد تملكه جماعة ~~مشتركين في خدمته لا يمكنه رضاهم أجمعين والموحد لما كان يعبد الله وحده ~~فمثله كمثل عبد رجل واحد قد سلم له وعلم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه فهو ~~في راحة من تشاحن الخلطاء فيه بل هو سالم لمالكه من غير منازع فيه مع رأفة ~~مالكه به ورحمته له وشفقته عليه وإحسانه إليه وتوليته بمصالحه فهل يستوي ~~هذان العبدان وهذا PageV01P054 @ # مثل امرأة نوح وامرأة لوط منه أبلغ الأمثال فإن الخالص لمالك واحد مستحق ~~من معونته وإحسانه والتفاته إليه وقيامه بمصالحه ما لا يستحقه صاحب الشركاء ~~المتشاكسين @QB@ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون @QE@ # | فصل ومنها قوله تعالى @QB@ ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة ~~لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله ~~شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون ~~إذ قالت ms33 رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم ~~الظالمين ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت ~~بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين @QE@ فاشتملت هذه الآيات على ثلاثة ~~أمثال مثل للكافر ومثلين للمؤمنين فتضمن مثل الكفار أن الكافر يعاتب على ~~كفره وعداوته لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وأوليائه ولا ينفعه مع ~~كفره ما كان بينه وبين المؤمنين من لحمة نسب أو وصلة صهر أو سبب من سبب ~~الاتصال فان الأسباب كلها تنقطع يوم القيامة إلا ما كان منها متصلا بالله ~~وحده على أيدي رسله عليهم الصلاة والسلام فلو نفعت وصلة القرابة والمصاهرة ~~والنكاح مع عدم الايمان لنفعت الصلة التي كانت بين نوح ولوط عليهما الصلاة ~~والسلام وامرأتيهما فلما لم يغنيا عنهما من الله شيئا PageV01P055 @ # مثل امرأة نوح وامرأة لوط وقيل لهما ادخلا النار مع الداخلين فقطعت الآية ~~حينئذ طمع من ارتكب معصية الله تعالى وخالف أمره ورجا أن ينفعه صلاح غيره ~~من قريب أو أجنبي ولو كان بينهما في الدنيا أشد الاتصال فلا اتصال فوق ~~اتصال النبوة والأبوة والزوجية ولم يغن نوح عليه الصلاة والسلام عن ابنه ~~ولا إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن أبيه ولا نوح ولوط عليهما الصلاة و ~~السلام عن امرأتيهما من الله شيئا قال الله تعالى @QB@ لن تنفعكم أرحامكم ~~ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم @QE@ وقال تعالى @QB@ يوم لا تملك نفس ~~لنفس شيئا والأمر يومئذ لله @QE@ وقال تعالى @QB@ واتقوا يوما لا تجزي نفس ~~عن نفس شيئا @QE@ وقال تعالى @QB@ واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا ~~مولود هو جاز عن والده شيئا @QE@ وهذا كله تكذيب لأطماع المشركين الباطلة ~~أن من تعلقوا به من دون الله من قرابة أو صهر أو نكاح أو صحبة تنفعهم يوم ~~القيامة أو تجيرهم من عذاب الله تعالى أو تشفع لهم عند الله تعالى وهذا أصل ~~ضلال بني آدم وشركهم وهو الشرك الذي لا يغفره الله وهو الذي بعث الله تعالى ~~جميع ms34 رسله عليهم الصلاة والسلام وأنزل جميع كتبه بإبطاله ومحاربة أهله ~~ومعاداتهم # | فصل وأما المثلان اللذان للمؤمنين فأحدهما امرأة فرعون ووجه المثل أن ~~اتصال المؤمن بالكافر لا يضره شيئا إذا فارقه في كفره وعمله فمعصية العاصي ~~لا تضر المطيع شيئا في الآخرة وإن تضرر بها في الدنيا بسبب العقوبة التي ~~تحل بأهل الأرض إذا أضاعوا أمر الله عز وجل فتأتي عامة فلم يضر PageV01P056 ~~@ # مثل امرأة فرعون ومريم امرأة فرعون اتصالها به وهو من أكفر الكافرين ولم ~~ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما وهما رسولا رب العالمين # المثل الثاني للمؤمنين مريم التي لا زوج لها لا مؤمن ولا كافر فذكر ثلاثة ~~أصناف النساء المرأة الكافرة التي لها وصلة بالرجل الصالح والمرأة الصالحة ~~التي لها وصلة بالرجل الكافر والمرأة العزبة التي لا وصلة بينها وبين أحد ~~فالأولى لا تنفعها وصلتها وسببها والثانية لا تضرها وصلتها وسببها والثالثة ~~لا يضرها عدم الصلة شيئا ثم في هذه الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب ~~سياق السورة فإنها سيقت في ذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم والتحذير من ~~تظاهرهن عليه وأنهن إن لم يطعن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ويردن الدار ~~الآخرة لم ينفعهن اتصالهن برسول الله صلى الله عليه وسلم كما لم ينفع امرأة ~~نوح ولوط اتصالهما بهما ولهذا ضرب لهما في هذه السورة مثل اتصال النكاح دون ~~القرابة قال يحيى بن سلام ضرب الله المثل الأول يحذر عائشة وحفصة ثم ضرب ~~لهما المثل الثاني يحرضهما على التمسك بالطاعة وفي ضرب المثل للمؤمنين ~~بمريم أيضا اعتبار آخر وهو أنها لم يضرها عند الله شيئا قذف أعداء الله ~~تعالى اليهود لها ونسبتهم إياها وابنها إلى ما برأهما الله عنه مع كونها ~~الصديقة الكبرى المصطفاة على نساء العالمين فلا يضر PageV01P057 @ $ الحرص ~~على الطاعة الرجل الصالح قذف الفجار والفساق فيه وفي هذا تسلية لعائشة أم ~~المؤمنين إن كانت السورة نزلت بعد قصة الإفك وتوطين نفسها على ما قال فيها ~~الكاذبون إن كانت قبلها كما في التمثيل بامرأة ms35 نوح ولوط تحذير لها ولحفصة ~~مما اعتمدتاه في حق النبي صلى الله عليه وسلم فتضمنت هذه الأمثال التحذير ~~لهن والتخويف والتحريض لهن على الطاعة والتوحيد والتسلية وتوطين النفس لمن ~~أوذي منهن وكذب عليه وأسرار التنزيل فوق هذا وأجل منه ولا سيما أسرار ~~الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون تمت بحمد الله وحسن توفيقه وصلى الله ~~على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما اللهم اغفر لكاتبها ولقارئها ومتدبرها ~~حق تدبرها ولمصنفها وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات آمين ~~والحمد لله رب العالمين # بقلم الفقير إلى ربه تعالى علي بن زيد آل غفر الله له ولوالديه ولجميع ~~المسلمين # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات PageV01P058 ms36