######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000057 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن القيم #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله #META# 011.AuthorBORN :: 691 #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأخلاق والسلوك :: مجموعة ابن القيم :: مجموعة ابن القيم في التزكية والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: عدة الصابرين #META# 030.LibURI :: JK_000057 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: زكريا علي يوسف #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين # للعلامة ابن قيم الجوزية PageV01P001 # | بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين # الحمد لله الصبور الشكور العلى الكبير السميع البصير العليم القدير الذى ~~شملت قدرته كل مخلوق وجرت مشيئته في خلقه بتصاريف الامور وأسمعت دعوته ~~لليوم الموعود أصحاب القبور قدر مقادير الخلائق وآجالهم وكتب آثارهم ~~وأعمالهم وقسم بينهم معايشهم وأموالهم وخلق الموت والحياة ليبلوهم أيهم ~~أحسن عملا وهو العزيز الغفور القاهر القادر فكل عسير عليه يسير وهو المولى ~~النصير فنعم المولى ونعم النصير يسبح له ما في السموات وما في الأرض له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ~~والله بما تعملون بصير خلق السموات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم واليه ~~المصير يعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور وأشهد أن لا اله ~~الا الله وحده لا شريك له أنه جل عن الشبيه والنظير وتعالى عن الشريك ~~والظهير وتقدس عن تعطيل الملحدين كما تنزه عن شبه المخلوقين فليس كمثله شىء ~~وهو السميع البصير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من بريته وصفوته من ~~خليقته وآمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده أعرف الخلق به وأقومهم ~~بخشيته وأنصحهم لأمته وأصبرهم لحكمه وأشكرهم لنعمه وأقربهم إليه وسيلة ~~وأعلاهم عند منزلة وأعظمهم عنده جاها وأوسعهم عنده شفاعه بعثه إلى الجنة ~~داعيا وللإيمان مناديا وفي مرضاته ساعيا وبالمعروف آمرا وعن المنكر ناهيا ~~فبلغ رسالات ربه وصدع بأمره وتحمل في مرضاته ما لم يتحمله بشر سواه وقام ~~لله بالصبر والشكر حتى القيام حتى بلغ رضاه فثبت في مقام الصبر حتى لم ~~يلحقه أحد من الصابرين وترقى في درجة الشكر حتى علا فوق جميع الشاكرين فحمد ~~الله وملائكته ورسله وجيمع المؤمنين ولذلك خص بلواء الحمد دون جميع ~~العالمين فآدم تحت لوائه ومن دون الانبياء والمرسلين وجعل الحمد فاتحة ~~كتابه الذى أنزله عليه كذلك فيما بلغنا وفي التوارة والانجيل وجعله آخر ~~دعوى أهل ثوابه الذين دعوى أهل ثوابه الذين هداهم على يديه PageV01P002 ~~وسمى أمته الحامدين ms001 قبل ان يخرجهم إلى الوجود لحمدهم له على السراء والضراء ~~والشدة والرخاء وجعلهم أسق الأمم إلى دار الثواب والجزاء فأقرب الخلق إلى ~~لوائه أكثرهم حمدا لله وذكرا كما أن أعلاهم منزلة أكثرهم صبرا وشكرا فصلى ~~الله وملائكته وأنبياؤه ورسله وجميع المؤمنين عليه كما وحد الله وعرف به ~~ودعا اليه وسلم تسليما كثيرا # أما بعد فإن الله سبحانه جعل الصبر جوادا لا يكبو وصارما لا ينبو وجندا ~~لا يهزم وحصنا حصينا لا يهدم ولا يثلم فهو والنصر أخوان شقيقان فالنصر مع ~~الصبر والفرج مع الكرب والعسر مع اليسر وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ~~ولا عدد ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد ولقد ضمن الوفى الصادق لأهله ~~في محكم الكتاب أنه يوفيهم أجرهم بغير حساب واخبره أنه معهم بهدايته ونصره ~~العزيز وفتحه المبين فقال تعالى @QB@ واصبروا إن الله مع الصابرين @QE@ ~~فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة وفازوا بها بنعمة الباطنة ~~والظاهرة وجعل سبحانه الامامة في الدين منوطة بالصبر واليقين فقال تعالى ~~وبقوله اهتدى المهتدون @QB@ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون @QE@ # وأخبر أن الصبر خير لأهله مؤكدا باليمن فقال تعالى @QB@ ولئن صبرتم لهو ~~خير للصابرين @QE@ وأخبر أن مع الصبر والتقوى لا يضر كيد العدو ولو كان ذا ~~تسليط فقال تعالى @QB@ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما ~~يعملون محيط @QE@ # وأخبر عن نبيه يوسف الصديق أن صبره وتقواه وصلاه إلى محل العز والتمكين ~~فقال أنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) وعلق الفلاح بالصبر ~~والتقوى فعقل ذلك عنه المؤمنون فقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اصبروا ~~وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون @QE@ # وأخبر عنه محبته لأهله وفي ذلك أعظم ترغيب للراغبين فقال تعالى @QB@ ~~والله يحب الصابرين @QE@ ولقد بشر الصابرين بثلاث كل منها خير مما عليه أهل ~~الدنيا يتحاسدون فقال تعالى @QB@ وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة ~~قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم ms002 ~~المهتدون @QE@ PageV01P003 ) # وأوصى عبادة بالاستعانة بالصبر والصلاة على نوائب الدنيا والدين فقال ~~تعالى @QB@ واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين @QE@ # و جعل الفوز بالجنة والنجاة من النار لا يحظى به الا الصابرون فقال تعالى ~~@QB@ إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون @QE@ وأخبر أن الرغبة في ~~ثوابه والاعراض عن الدنيا وزينتها لا ينالها ألا أو لو الصبر المؤمنون فقال ~~تعالى @QB@ وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ~~ولا يلقاها إلا الصابرون @QE@ وأخبر تعالى أن دفع السيئة بالتي هي أحسن ~~تجعل المسىء كأنه ولي حميم فقال @QB@ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع ~~بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم @QE@ وأن هذه ~~الخصلة لا يلقاها الا الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم # وأخبر سبحانه مؤكدا بالقسم @QB@ إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر @QE@ وقسم خلقه قسمين أصحاب ~~ميمنة وأصحاب مشأمة وخص أهل الميمنة أهل التواصى بالصبر والمرحمة وخص ~~بالانتفاع بآياته أهل الصبر وأهل الشكر تمييز لهم بهذا الحظ الموفور فقال ~~في أربع آيات من كتابه @QB@ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور @QE@ وعلق ~~المغفرة والأجر بالعمل الصالح والصبر وذلك على من يسره عليه يسير فقال @QB@ ~~إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير @QE@ # وأخبر أن الصبر والمغفرة من العزائم التي تجارة أربابها لا تبور فقال ~~@QB@ ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور @QE@ وأمر رسوله بالصبر لحكمه ~~وأخبر أن صبره انما هو به وبذلك جميع المصائب تهون فقال @QB@ واصبر لحكم ~~ربك فإنك بأعيننا @QE@ وقال @QB@ واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ~~ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون @QE@ # والصبر آخيه المؤمن التى يجول ثم يرجع اليها وساق ايمانه الذى اعتماد له ~~الا عليها فلا ايمان لمن لا صبر له وان كان فإيمان قليل في غاية الضعف ~~وصاحبه PageV01P004 ممن يعبد الله على حرف فان اصابه خير ms003 اطمأن به وان ~~أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ولم يحظ منهما الا بالصفقة ~~الخاسرة فخير عيش أدركه السعداء بصبرهم وترقوا إلى أعلى المازل بشكرهم ~~فساروا بين جناحى الصبر والشكر إلى جنات النعيم وذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء واله ذو الفضل العظيم # | فصل # ولما كان الايمان نصفين نصف صبر ونصف شكر كان حقيقا على من نصح نفسه وأحب ~~نجاتها وآثر سعادتها أن لا يهمل هذين الأصلين العظيمين ولا يعدل عن هذين ~~الطريقين القاصدين وأن يجعل سيره إلى الله بين هذين الطريقين ليجعله الله ~~يوم لقائه مع خير الفريقين # فكذلك وضع هذا الكتاب للتعريف بشدة الحاجة والضرورة اليهما وبيان توقف ~~سعادة الدينا والآخرة عليهما فجاء كتابا جامعا حاويا نافعا فيه من الفوائد ~~ما هو حقيق على أن يعض عليه بالنواجذ وتثنى عليه الخناصر ممتعا لقاريه ~~صريحا للناظر فيه مسليا للحزين منهضا للمقصرين محرضا للمشمرين مشتملا على ~~نكات حسان من تفسير القرآن وعلى أحاديث نبوية معزوة إلى مظانها وآثار سلفية ~~منسوبة إلى قائلها ومسائل فقهية حسان مقرة بالدليل ودقائق سلوكية على سواء ~~السبيل لا تخفى معرفة ذلك عى من فكر وأحضر ذهنه فان فيه ذكر أقسام الصبر ~~ووجوه الشكر وأنواعه وفصل النزاع في التفضيل بين الغنى الشاكر والفقير ~~الصابر وذكر حقيقة الدنيا وما مثلها الله ورسوله والسلف الصالح به والكلام ~~على سبر هذه الأمثال ومطابقتها لحقيقة الحال وذكر ما يذم من الدنيا ويحمد ~~وما يقرب منها إلى الله ويبعد وكيف يشقى بها من يشقى ويسعد بها من يسعد ~~وغير ذلك من الفوائد التى لا تكاد تظفر بها في كتاب سواه وذلك محض منة من ~~الله على عبده وعطية من بعض عطايه فهو كتاب يصلح للملوك والأمراء والأغنياء ~~والفقراء والصوفية والفقهاه ينهض بالقاعد إلى المسير ويؤنس السائر في ~~الطريق وينبه السالك على المقصود ومع هذا فهو جهد المقل وقدرة المفلس حذر ~~فيه من الداء وان كان من أهله ووصف فيه الدواء وان لم يصبر على تناوله ~~لظلمه وجهله وهو يرجوا ms004 أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين أن يغفر له غيه لنفسه ~~PageV01P005 بنصيحته لعبادة المؤمنين فما كان في الكتاب من صواب فمن الله ~~وحده فهو المحمود والمستعان وما كان فيه من خطأ فم مصنفه ومن الشيطان والله ~~برىء منه ورسوله وهذه بضاعه مؤلفة المرجاة تساق إليك وسلعته تعرض عليك ~~فلقاريه غنمة وعلى مؤلفة غرمه وبنات أفكاره تزف إليك فإن وجدت حرا كريما ~~كان بها أسعد والا فهي خود تزف إلى عنين مقعد وقد جعلته ستة وعشرين بابا ~~وخاتمة # الباب الأول في معنى الصبر لغة واشتقاق هذه اللفظة وتصريفها # الباب الثاني في حقيقة الصبر وكلام الناس في # الباب الثالث في بيان أسماء الصبر بالاضافة إلى متعلقة # الباب الرابع في الفرق بي الصبر والتصبر والاصطبار والمصابرة # الباب الخامس في أقسام الصبر باعتبار محله # الباب السادس في أقسامه بحسب اختلاف قوته وضعفه ومقاومته لجيش الهوى ~~وعجزه عنه # الباب السابع في بيان أقسامه باعتبار متعلقه # الباب الثامن في انقسامه باعتبار تعلق الأحكام الخمسة به # الباب التاسع في بيان تفاوت درجات الصبر # الباب العاشر في انقسام الصبر إلى محمود ومذموم # الباب الحادى عشر في الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام # الباب الثانى عشر في الأسباب التي تعين عل الصبر # الباب الثالث عشر # في بيان أن الانسان لا يستغنى عن الصبر في حال من الأحوال # الباب الرابع عشر # في بيان اشق الصبر على النفوس # الباب الخامس عشر # في ذكر ما ورد في الصبر من نصوص الكتاب العزيز # الباب السادس عشر # في ذكر ما ورد فيه من نصوص السنة # الباب السابع عشر # في ذكر الآثار الواردة عن الصحابة في فضيلة الصبر # الباب الثامن عشر # في ذكر أمور تتعلق بالمصيبة من البكاء والندب وشق الثياب ودعوى الجاهلية ~~ونحوها # الباب التاسع عشر في الصبر نصف الايمان وأن الايمان نصفان صبر ونصف شكر # الباب العشرون # في بيان تنازع الناس في الأفضل من الصبر والشكر PageV01P006 # الباب الحادى والعشرون في الحكم بين الفريقين والفصل بي الطائفين # الباب الثاني والعشرون في اختلاف الناس في الغنى الشاكر ms005 والفقير الصابر ~~أيهما أفضل وما هو الصواب في ذلك # الباب الثالث والعشرون في ذكر ما احتجت به الفقراء من الكتاب والسنة ~~والآثار والاعتبار # الباب الرابع والعشرون # في ذكر ما احتجت به الأغنياء من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار # الباب الخامس والعشرون # في بيان الامور المضادة للصير والمنافية له والقادحة فيه # الباب السادس والعشرو في بيان دخول الصبر في صفات الرب جل جلاله وتسميته ~~بالصبور والشكور سميته ( عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ) والله المسؤل أن ~~يجعله خالصا لوجهه مدنيا من رضاه وأن ينفع به مؤلفه وكاتبه وقارئه انه سميع ~~الدعاء وأهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل # | الباب الاول في معنى الصبر لغة واشتقاق هذه اللفظة وتصريفها أصل # هذه الكلمة هو المنع والحبس فالصبر حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي ~~والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما ويقال صبر يصبر صبرا وصبر نفسه ~~قال تعالى @QB@ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم @QE@ وقال عنترة # فصبرت عارفة لذلك حرة % ترسو اذا نفس الجبان تطلع # يقول حبست نفسا عارفة وهى نفس حر يأنف لا نفس عبد لا أنفه له وقوله ترسو ~~أي تثبت وتسكن إذا خفت نفس الجبان واضطربت ويقال صبرت فلانا إذا حبسته ~~وصبرته بالتشديد إذا حملته على الصبر وفي حديث الذي أمسك رجلا وقئله آخر ~~يقتل القاتل ويصبر الصابر أي يحبس للموت كما حبس من أمسكه للموت وصبرت ~~الرجل اذا قتلته صبرا أي أمسكته للقتل وصبرته أيضا وأصبرته إذا حبسه للحلف ~~ومنه الحديث الصحيح من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي ~~الله وهو عنه معرض ومنه الحديث الذي في القسامة ولا تصبر PageV01P007 يمينه ~~حيث تصبر الإيمان والمصبورة اليمين المحلوف عليها وفي الحديث نهى عن ~~المصبورة وهى الشاة والدجاجة ونحوهما تصبر للموت فتربط فترمى حيث تموت # وفعل هذا الباب صبرت أصبر بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل وأما صبرت ~~أصبر بالضم في المستقبل فهو بمعنى الكفالة والصبير الكفيل كأنه حبس نفسه ~~للغرم ومنه قولهم أصبرنى أي جعلني كفيلا وقيل أصل الكلمة ms006 من الشدة والقوة ~~ومنه الصبر للدواء المعروف لشدة مرارته وكراهته قال الأصمعى إذا لقي الرجل ~~الشدة بكمالها قيل لقيها بأصبارها ومنه الصبر بضم الصاد للأرض ذات الحصب ~~لشدتها وصلابتها ومنه سميت الحرة أم صبار ومنه قولهم وقع القوم في أمر صبور ~~بتشديد الباء أي أمر شديد ومنه صبارة الشتاء بتخفيف الباء وتشديد الراء ~~لشدة برده وقيل مأخوذ من الجمع والضم فالصابر يجمع نفسه ويضمها عن الهلع ~~والجزع ومنه صبرة الطعام وصبارة الحجارة # والتحقيق أن في الصبر المعاني الثلاثة المنع والشدة والضم ويقال صبر إذا ~~أتى بالصبر وتصبر إذا تكلفه واستدعاه واصطبر إذا اكتسبه وتعمله وصابر إذا ~~وقف خصمه في مقام الصبر وصبر نفسه وغيره بالتشديد إذا حملها على الصبر واسم ~~الفاعل صابر وصبار وصبور ومصابر ومصطبر فمصابر من صابر ومصطبر من اصطبر ~~وصابر من صبر وأما صبار وصبور فمن أوزان المبالغة من الثلاثى كضراب وضروب ~~والله أعلم # | الباب الثاني في حقيقة الصبر وكلام الناس فيه قد تقدم بيان معناه # لغة وأما حقيقته فهو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ~~ولا يجمل وهو قوة من قوى النفس التى بها صلاح شأنها وقوام أمرها وسئل عنه ~~الجند بن محمد فقال تجرع المرارة من غير تعبس وقال ذو النون هو التباعد عن ~~المخالفات والسكون عند تجرع غصصى البلية وإظهار الغني مع حلول الفقر بساحات ~~المعيشة وقبل الصبر هو الوقوف مع البلاء PageV01P008 بحسن الأدب وقيل هو ~~الغنى في البلوى بلا ظهور شكوى وقال أبو عثمان الصبار هو الذي عود نفسه ~~الهجوم على المكاره وقيل الصبر المقام على البلاء بحسن الصحبة كالمقام مع ~~العافية ومعنى هذا أن لله على العبد عبودية في عافيته وفي بلائه فعليه أن ~~يحسن صحبة العافية بالشكر وصحبة البلاء بالصبر وقال عمرو بن عثمان المكى ~~الصبر هو الثبات مع الله وتلقى بلائه بالرحب والدعة ومعنى هذا انه يتلقى ~~البلاء وبصدر واسع لا يتعلق بالضيق والسخط والشكوى وقال الخواص الصبر ~~الثبات على أحكام الكتاب والسنة وقال ms007 رويم الصبر ترك الشكوى فسره يلازمه ~~وقال غيره الصبر هو الاستعانة بالله وقال أبو على الصبر كإسمه وقال على بن ~~أبى طالب رضى الله عنه الصبر مطية لا تكبو وقال أبو محمد الجريرى الصبر أن ~~لا يفرق بين النعمة والمحنة مع سكون الخاطر فيهما # قلت وهذا غير مقدور ولا مأمور به فقد ركب الله الطباع على التفريق بين ~~الحالتين وانما المقدور حبس النفس عن الجزع لا استواء الحالتين عند العبد ~~وساحة العافية أوسع للعبد من ساحة الصبر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الدعاء المشهور أن لم يكن بك غضب على فلا أبالى غير أن عافيتك أوسع لى ~~ولا يناقض هذا قوله صلى الله عليه وسلم وما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من ~~الصبر فإن هذا بعد نزول البلاء ليس للعبد أوسع من الصبر وأما قبله فالعافية ~~أوسع له وقال أبو على الدقاق حد الصبر أن لا يعترض على التقدير فأما اظهار ~~للبلاء على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر قال الله تعالى في قصة أيوب ~~@QB@ إنا وجدناه صابرا @QE@ مع قوله # مسنى الضر قلت فسر اللفظ بلازمها # وأما قوله على غير وجه الشكوى فالشكوى نوعان أحدهما الشكوى إلى الله فهذا ~~لا ينافي الصبر كما قال يعقوب @QB@ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله @QE@ مع ~~قوله فصبر PageV01P009 جميل وقال أيوب مسنى الضر مع وصف الله له بالصبر ~~وقال سيد الصابرين صلوات الله وسلامه عليه اللهم أشكو اليك ضعف قوتي وقلة ~~حيلتى الخ # وقال موسى صلوات الله وسلامه عليه اللهم لك الحمد واليك المشتكى وأنت ~~المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة الا بك # والنوع الثانى شكوى المبتلى بلسان الحال والمقال فهذه لا تجامع الصبر بل ~~تضاده وتبطله فالفرق بين شكواه والشكوى اليه وسنعود لهذه المسألة في باب ~~اجتماع الشكوى والصبر وافتراقهما ان شاء الله تعالى # وقيل الصبر شجاعة النفس ومن ها هنا أخذ القائل قوله الشجاعة صبر ساعة ~~وقيل الصبر ثبات القلب عند موارد الاضطراب والصبر والجزع ضدان ms008 ولهذا يقابل ~~أحدهما بالآخر قال تعالى عن أهل النار سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا ~~من محيص والجزع قرين العجز وشقيقه والصبر قرين الكيس ومادته فلو سئل الجزع ~~من أبوك لقال العجز ولو سئل الكيس من أبوك لقال الصبر والنفس مطية العبد ~~التى يسير عليها إلى الجنة أو النار والصبر لها بمنزلة الخطام والزمام ~~للمطيه فإن لم يكن للمطيه خطام ولا زمام شردت في كل مذهب # وحفظ من خطب الحجاج اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة إلى كل سوء فرحم الله ~~امرءا جعل لنفسه خطاما وزماما فقادها بخطامها إلى طاعة الله وصرفها بزمامها ~~عن معاصى الله فإن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه # قلت والنفس فيها قوتان قوة الإقدام وقوة الاحجام فحقيقة الصبر ان يجعل ~~قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه وقوة الاحجام امساكا عما يضره ومن الناس ~~من تكون قوة صبره على فعل ما ينتفع به وثباته عليه اقوى من صبره عما يضره ~~فيصبر على مشقة الطاعه ولا صبر له عن داعى هواه إلى ارتكاب ما نهى عنه ~~ومنهم من تكون قوة صبره عن المخالفات أقوى من صبره على مشقة الطاعات ومنهم ~~من لا صبر له على هذا ولا ذاك وأفضل الناس أصبرهم على النوعين فكثير ~~PageV01P010 من الناس يصبر على مكابدة قيام الليل في الحر والبرد وعلى مشقة ~~الصيام ولا يصبر عن نظرة محرمة وكثير من الناس يصبر عن النظر وعن الالتفات ~~إلى الصور ولا صبر له على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وجهاد الكفار ~~والمنافقين بل هو أضعف شئ عن هذا وأعجزه وأكثرهم لا صبر له على واحد من ~~الأمرين وأقلهم أصبرهم في الموضعين وقيل الصبر ثبات باعث العقل والدين في ~~مقابلة باعث الهوى والشهوة ومعنى هذا أن الطبع يتقاضى ما يحب وباعث العقل ~~والدين يمنع منه والحرب قائمة بينهما وهو سجال ومعرك هذا الحرب قلب العبد ~~والصبر والشجاعة والثبات # | الباب الثالث في بيان أسماء الصبر بالإضافة إلى متعلقه لما كان الصبر # المحمود هو الصبر ms009 النفسانى الاختيارى عن إجابة داعى الهوى المذموم كانت ~~مراتبه وأسماؤه بحسب متعلقه فإنه ان كان صبرا عن شهوة الفرج المحرمة سمى ~~عفة وضدها الفجور والزنا والعهر وان كان عن شهوة البطن وعدم التسرع إلى ~~الطعام أو تناول مالا يجمل منه سمى شرف نفس وشبع نفس وسمى ضده شرها ودناءة ~~ووضاعة نفس وان كان عن اظهار ما لا يحسن اظهاره من الكلام سمى كتمان سر ~~وضده اذاعة وافشاء أو تهمة أو فحشاء أو سبا أو كذبا أو قذفا وان كان عن ~~فضول العيش سمى زهدا وضده حرصا وان كان على قدر يكفي من الدنيا سمى قناعة ~~وضدها الحرص أيضا وان كان عن اجابة داعى الغضب سمى حلما وضده تسرعا وان كان ~~عن اجابة داعى العجلة سمى وقارا وثباتا وضده طيشا وخفة وان كان عن اجابة ~~داعى الفرار والهرب سمى شجاعة وضده جبنا وخورا وان كان عن اجابة داعى ~~الانتقام سمى عفوا وصفحا وضده انتقاما وعقوبة وان كان عن اجابة داعى ~~الامساك والبخل سمى جودا وضده بخلا وان كان عن اجابة داعى الطعام والشراب ~~في وقت مخصوص سمى صوما وان كان عن اجابة داعى العجز والكسل سمى كيسا وان ~~كان عن اجابة داعى القاء الكيل على الناس وعدم حمل كلهم PageV01P011 سمى ~~مروءة فله عند كل فعل وترك اسم يخصه بحسب متعلقه والاسم الجامع لذلك كله ~~الصبر وهذا يدلك على ارتباط مقامات الدين كلها بالصبر من أولها إلى آخرها ~~وهكذا يسمى عدلا اذا تعلق بالتسوية بين المتماثلين وضده الظلم ويسمى سماحة ~~اذا تعلق ببذل الواجب والمستحب بالرضا والاختيار وعلى هذا جميع منازل الدين # | الباب الرابع في الفرق بين الصبر والتصبر والاصطبار والمصابرة # الفرق بين هذه الأسماء بحسب حال العبد في نفسه وحاله مع غيره فإن حبس ~~نفسه ومنعها عن اجابة داعى ما لا يحسن ان كان خلقا له وملكه سمى صبرا وان ~~كان بتكلف وتمرن وتجرع لمرارته سمى تصبرا كما يدل عليه هذا البناء لغة فإنه ~~موضوع للتكلف كالتحلم والتشجع والتكرم والتحمل ونحوها ms010 واذا تكلفه العبد ~~واستدعاه صار سجية له كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~ومن يتصبر يصبره الله وكذلك العبد يتكلف التعفف حتى يصير التعفف له سجية ~~كذلك سائر الأخلاق وهي مسألة اختلف فيها الناس هل يمكن اكتساب واحد منها أو ~~التخلق لا يصير خلقا أبدا كما قال الشاعر # يراد من القلب نسيانكم % وتأبى الطباع على الناقل وقال آخر # يا أيها المتحلى غير شيمته % ان التخلق يأتى دونه الخلق وقال آخر # فقبح التطبع شيمة المطبوع % # قالوا وقد فرغ الله سبحانه من الخلق والخلق والرزق والأجل وقالت طائفة ~~أخرى بل يمكن اكتساب الخلق كما يكتسب العقل والحلم والجود والسخاء والشجاعة ~~والوجود شاهد بذلك قالوا والمزاولات تعطى الملكات ومعنى هذا أن من زاول ~~شيئا واعتاده وتمرن عليه صار ملكه له وسجيه وطبيعه قالوا والعوائد تنقل ~~الطبائع فلا يزال العبد يتكلف التصبر حتى يصير الصبر له سجية كما أنه لا ~~يزال PageV01P012 يتكلف الحلم والوقار والسكينة والثبات حتى تصير له أخلاقا ~~بمنزلة الطبائع قالوا وقد جعل الله سبحانه في الانسان قوة القبول والتعلم ~~فنقل الطبائع عن مقتضياتها غير مستحيل غير أن هذا الانتقال قد يكون ضعيفا ~~فيعود العبد إلى طبعه بأدنى باعث وقد يكون قويا ولكن لم ينقل الطبع فقد ~~يعود إلى طبعه إذا قوى الباعث واشتد وقد يستحكم الانتقال بحيث يستحدث صاحبه ~~طبعا ثانيا فهذا لا يكاد يعود إلى طبعه الذى انتقل عنه # وأما الاصطبار فهو أبلغ من التصبر فإنه افتعال للصبر بمنزلة الاكتساب ~~فالتصبر مبدأ الاصطبار كما أن التكسب مقدمة الاكتساب فلا يزال التصبر يتكرر ~~حتى يصير اصطبارا # وأما المصابرة فهى مقاومة الخصم في ميدان الصبر فانها مفاعلة تستدعى ~~وقوعها بين اثنين كالمشاتمة والمضاربة قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون @QE@ فأمرهم بالصبر ~~وهو حال الصابر في نفسه والمصابرة وهى حاله في الصبر مع خصمه والمرابطة وهى ~~الثبات واللزوم والاقامة على الصبر والمصابرة فقد يصبر العبد ولا يصابر وقد ~~يصابر ولا ms011 يرابط وقد يصبر ويصابر ويرابط من غير تعبد بالتقوى فأخبر سبحانه ~~أن ملاك ذلك كله التقوى وأن الفلاح موقوف عليها فقال @QB@ واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون @QE@ فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذى يخاف هجوم العدو منه ~~في الظاهر فهى لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان فيزيله عن ~~مملكته # | الباب الخامس في انقسامه باعتبار محله الصبر ضربان ضرب بدنى وضرب # نفسانى وكل منهما نوعان اختياري واضطرارى فهذه أربعة أقسام الأول البدنى ~~الاختيارى كتعاطى الأعمال الشاقة على البدن اختيارا وارادة PageV01P013 # الثانى البدنى الاضطرارى كالصبر على ألم الضرب والمرض والجراحات والبرد ~~والحر وغير ذلك # الثالث النفسانى الاختيارى كصبر النفس عن فعل ما لا يحسن فعله شرعا ولا ~~عقلا الرابع النفسانى الاضطرارى كصبر النفس عن محبوبها قهرا اذا حيل بينها ~~وبينه # فإذا عرفت هذه الاقسام فهى مختصة بنوع الانسان دون البهائم ومشاركة ~~للبهائم في نوعين منها وهما صبر البدن والنفس الاضطراريين وقد يكون بعضها ~~أقوى صبرا من الانسان وانما يتميز الانسان عنها بالنوعين الاختياريين وكثير ~~من الناس تكون قوة صبره في النوع الذى يشارك فيه البهائم لا في النوع الذى ~~يخص الانسان فيعد صابرا وليس من الصابرين # فإن قيل هل يشارك الجن والانس في هذا الصبر قيل نعم هذا من لوازم التكليف ~~وهو مظنة الامر والنهى والجن مكلفون بالصبر على الاوامر والصبر عن النواهى ~~كما كلفنا نحن بذلك فإن قيل فهل هم مكلفون على الوجه الذى كلفنا نحن به أم ~~على وجه آخر قيل ما كان من لوازم النفوس كالحب والبغض والايمان والتصديق ~~والموالاة والمعاداة فنحن وهم مستوون فيه وما كان من لوازم الابدان كغسل ~~الجنابة وغسل الاعضاء في الوضوء والاستنجاء والختان وغسل الحيض ونحو ذلك ~~فلا تجب مساواتهم لنا في تكلفه وان تعلق ذلك بهم على وجه يناسب خلقتهم ~~وحيائهم # فإن قيل فهل تشاركنا الملائكة في شئ من أقسام الصبر قيل الملائكة لم ~~يبتلوا بهوى يحارب عقولهم ومعارفهم بل العبادة والطاعة لهم كالنفس لنا فلا ~~يتصور في حقهم الصبر الذى حقيقته ثبات ms012 باعث الدين والعقل في مقابلة باعث ~~الشهوة والهوى وان كان لهم صبر يليق بهم وهو ثباتهم واقامتهم على ما خلقوا ~~له من غير منازعة هوى أو شهوة أو طبع # فالانسان منا اذا غلب صبره باعث الهوى والشهوة التحق بالملائكة وان غلب ~~باعث الهوى والشهوة صبره التحق بالشياطين وان غلب باعث طبعه PageV01P014 من ~~الأكل والشرب والجماع صبره التحق بالبهائم قال قتادة خلق الله سبحانه ~~الملائكة عقولا بلا شهوات وخلق البهائم شهوات بلا عقول وخلق الانسان وجعل ~~له عقلا وشهوة فمن غلب عقله شهوته فهو مع الملائكة ومن غلبت شهوته عقله فهو ~~كالبهائم ولما خلق الانسان في ابتداء أمره ناقصا لم يخلق فيه الا شهوة ~~الغذاء الذى هو محتاج اليه فصبره في هذه الحال بمنزلة صبر البهائم وليس له ~~قبل تمييزه قوة صبر الاختيار فإذا ظهرت فيه شهوة اللعب استعد لقوة الصبر ~~الاختيارى على ضعفها فيه فإذا تعلقت به شهوة النكاح ظهرت فيه قوة الصبر ~~واذا تحرك سلطان العقل وقوى استعان بجيش الصبر ولكن هذا السلطان وجنده لا ~~يستقلان بمقاومة سلطان الهوى وجنده فإن اشراق نور الهداية يلوح عليه عند ~~أول سن التمييز وينمو على التدريج إلى سن البلوغ كما يبدو خيط الفجر ثم ~~يتزايد ظهوره وكلها هداية قاصرة غير مستقلة بإدراك مصالح الآخرة ومضارها بل ~~غايتها تعلقها ببعض مصالح الدنيا ومفاسدها فإذا طلعت عليه شمس النبوة ~~والرسالة وأشرق عليه نورها رأى في ضوئها تفاصيل مصالح الدارين ومفاسدهما ~~فتلمح العواقب وليس لأمة الحرب وأخذ أنواع الأسلحه ووقع في حومة الحرب بين ~~داعى الطبع والهوى وداعى العقل والهدى والمنصور من نصره الله والمخذول من ~~خذله ولا تضع الحرب أوزارها حتى ينزل في احدى المنزلتين ويصير إلى ما خلق ~~له من الدارين # | الباب السادس بيان أقسامه بحسب اختلاف قوته وضعفه ومقاومته لجيش الهوى # وعجزه عنه # وباعث الدين بالاضافه إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال أحدهما أن يكون ~~القهر والغلبة لداعي الدين فيرد جيش الهوى مغلولا وهذا انما يصل اليه بدوام ~~الصبر والواصلون إلى هذة ms013 الرتبة هم المنصورون في الدنيا والآخرة وهم الذين ~~قالوا @QB@ ربنا الله ثم استقاموا @QE@ وهم الذين تقول لهم الملائكة عند ~~الموت @QB@ ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن ~~أولياؤكم @QE@ PageV01P015 @QB@ في الحياة الدنيا وفي الآخرة @QE@ وهم ~~الذين نالوا معية الله مع الصابرين وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده ~~وخصهم بهدايته دون من عداهم الحالة الثانية ان تكون القوة والغلبة لداعي ~~الهوى فيسقط منازعه باعث الدين بالكلية فيستسلم البائس للشيطان وجنده ~~فيقودونه حيث شاءوا وله معهم حالتان احداهما ان يكون من جندهم وأتباعهم ~~وهذه حال العاجز الضعيف الثانية ان يصير الشيطان من جنده وهذه حال الفاجر ~~القوي المتسلط والمبتدع الداعية المتبوع كما قال القائل # وكنت امرءا من جند ابليس فارتقى % بى الحال حتى صار ابليس من جندي # فيصير ابليس وجنده من أعوانه وأتباعه وهؤلاء هم الذين غلبت عليهم شقوتهم ~~واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة وانما صارو إلى هذه الحال لما افلسوا من ~~الصبر وهذه الحالة هي حالة جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة ~~الأعداء وجند اصحابها المكر والخداع والأماني الباطلة والغرور والتسويف ~~بالعمل وطول الأمل وايثار العاجل على الآجل وهي التى قال في صاحبها النبي ~~صلى الله عليه وسلم العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانى ~~واصحاب هذه الحال انواع شتى فمنهم المحارب لله ورسوله الساعي في ابطال ما ~~جاء به الرسول يصد عن سبيل الله ويبغيها جهده عوجا وتحريفا ليصد الناس عنها ~~ومنهم المعرض عما جاء به الرسول المقبل على دنياه وشهواتها فقط ومنهم ~~المنافق ذو الوجهين الذي يأكل بالكفر والاسلام ومنهم الماجن المتلاعب الذي ~~قطع أنفاسه بالمجون واللهو واللعب ومنهم من اذا وعظ قال واشواقاه إلى ~~التوبة ولكنها قد تعذرت على فلا مطمع لى فيها ومنهم من يقول ليس الله ~~محتاجا إلى صلاتي وصيامي وانا لا أنجو بعملي والله غفور رحيم ومنهم من يقول ~~ترك المعاصي استهانة بعفو الله ومغفرته # فكثر ما استطعت من الخطايا % اذا كان القدوم على كريم # ومهم من يقول ماذا تقع ms014 طاعتي في جنب ما عملت وما قد ينفع الغريق خلاص ~~أصبعه وباقي بدنه غريق ومنهم من يقول سوف أتوب واذا جاء الموت ونزل بساحتي ~~تبت وقبلت توبتي إلى غير ذلك من أصناف المغترين الذين صارت عقولهم ~~PageV01P016 في ايدي شهواتهم فلا يستعمل أحدهم عقله الا في دقائق الحيل ~~التى بها يتوصل إلى قضاء شهوته فعقله مع الشيطان كالأسير في يد الكافر ~~يستعمله في رعاية الخنازير وعصر الخمر وحمل الصليب وهو بقهره عقله وتسليمه ~~إلى أعدائه عند الله بمنزلة رجل قهر مسلما وباعه للكفار وسلمه اليهم وجعله ~~اسيرا عندهم فصل وهاهنا نكتة بديعة يجب النفطن لها وينبغى اخلاء القلب ~~لتأملها وهو أن هذا المغرور لما أذل سلطان الله الذى أعزه به وشرفه ورفع به ~~قدره وسلمه في يد أبغض أعدائه اليه وجعله أسيرا له تحت قهره وتصرفه وسلطانه ~~سلط الله عليه من كان حقه هو أن يتسلط عليه فجعله تحت قهره وتصرفه وسلطانه ~~يسخره حيث شاء ويسخر منه ويسخر منه جنده وحزبه فكما أذل سلطان الله وسلمه ~~إلى عدوه أذله الله وسلط عليه عدوه الذى أمره أن يتسلط هو عليه ويذله ~~ويقهره فصار بمنزلة من سلم نفسه إلى أعدى عدو له يسومه سوءالعذاب وقد كان ~~بصدد أن يستأسره ويقهره ويشفي غيظه منه فلما ترك مقاومته ومحاربته واستسلم ~~له سلط عليه عقوبة له قال الله تعالى @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ~~من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ~~إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون @QE@ # فإن قيل فقد أثبت له على أوليائه هاهنا سلطانا فكيف نفاه بقوله تعالى ~~حاكيا عنه مقررا له @QB@ وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد ~~الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم ~~لي @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من ~~المؤمنين وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها ~~في شك @QE@ # قيل السلطان ms015 الذى اثبته له عليهم غير الذى نفاه من وجهين أحدهما أن ~~السلطان الثابت هو سلطان التمكن منهم وتلاعبه بهم وسوقه اياهم كيف أراد ~~بتمكينهم اياه من ذلك بطاعته وموالاته والسلطان الذى نفاه سلطان الحجة فلم ~~يكن لابليس عليهم من حجة يتسلط بها غير أنه دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا ~~برهان الثانى أن الله لم يجعل له عليهم سلطانا ابتداء البتة ولكن هم سلطوه ~~على انفسهم PageV01P017 بطاعته ودخولهم في جملة جنده وحزبه فلم يتسلطن ~~عليهم بقوته فإن كيده ضعيف وانما تسلطن عليهم بإرادتهم واختيارهم والمقصود ~~أن من قصد أعظم أوليائه وأحبابه ونصحائه فأخذه وأخذ أولاده وحاشيته وسلمهم ~~إلى عدوه كان من عقوبته أن يسلط عليه ذلك العدو نفسه فصل الحالة الثالثة أن ~~يكون الحرب سجالا ودولا بين الجندين فتارة له وتارة عليه وتكثر نوبات ~~الانتصار وتقل وهذه حال أكثر المؤمنين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا # وتكون الحال يوم القيامة موازنة لهذه الأحوال الثلاث سواء بسواء فمن ~~الناس من يدخل الجنة ولا يدخل النار ومنهم من يدخل النار ولا يدخل الجنة ~~ومنهم من يدخل النار ثم يدخل الجنة وهذه الأحوال الثلاث هى أحوال الناس في ~~الصحة والمرض فمن الناس من تقاوم قوته داءه فتقهره ويكون السلطان للقوة ~~ومنهم من يقهر داؤه قوته ويكون السلطان للداء ومنهم من الحرب بين دائه ~~وقوته نوبا فهو متردد بين الصحة والمرض فصل ومن الناس من يصبر بجهد ومشقة ~~ومنهم من يصبر بأدنى حمل على النفس ومثال الاول كرجل صارع رجلا شديدا فلا ~~يقهره إلا بتعب ومشقة والثانى كمن صارع رجلا ضعيفا فإنه يصرعه بغير مشقة ~~فهكذا تكون المصارعة بين جنود الرحمن وجنود الشيطان ومن صرع جند الشيطان ~~صرع الشيطان # قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه لقى رجلا من الانس رجلا من الجن ~~فصارعه فصرعه الانسى فقال مالى أراك ضئيلا فقال انى من بينهم لضليع فقالوا ~~أهو عمر بن الخطاب فقال من ترونه غير عمر # وقال بعض الصحابة ان المؤمن ينضى شيطانه كما ينضى ms016 أحدكم بعيره في السفر ~~وذكر ابن أبى الدنيا عن بعض السلف أن شيطانا لقى شيطانا فقال ما لى أراك ~~شخيبا فقال انى مع رجل ان أكل ذكر اسم الله فلا آكل معه وان شرب ذكر اسم ~~الله فلا أشرب معه وان دخل بيته ذكر اسم الله فأبيت خارج الدار فقال الآخر ~~لكنى مع رجل أن أكل لم يسم الله فأكل أنا وهو جميعا وان شرب لم يسم ~~PageV01P018 الله فأشرب معه وان دخل داره لم يسم الله فأدخل معه وان جامع ~~امرأته لم يسم الله فأجامعها فمن اعتاد الصبر هابه عدوه ومن عز عليه الصبر ~~طمع فيه عدوه وأوشك أن ينال منه غرضه # | الباب السابع في ذكر أقسامه باعتبار متعلقه الصبر باعتبار متعلقه # ثلاثة أقسام صبر على الاوامر والطاعات حى يؤديها وصبر عن المناهي ~~والمخالفات حتى لا يقع فيها وصبر على الاقدار والاقضية حتى لا يتسخطها وهذه ~~الأنواع الثلاثة هي التى قال فيها الشيخ عبد القادر في فتوح الغيب لا بد ~~للعبد من أمر يفعله ونهي يجتنبه وقدر يصبر عليه # وهذا الكلام رضي الله عنهم تعلق بطرفين طرف من جهة الرب تعالى وطرف من ~~جهة العبد # فأما الذي من جهة الرب فهو أن الله تعالى له على عبده حكمان حكم شرعى ~~دينى وحكم كونى قدرى فالشرعى متعلق بأمره والكوني متعلق بخلقه وهو سبحانه ~~له الخلق والأمر وحكمه الدينى الطلبى نوعان بحسب المطلوب فإن المطلوب ان ~~كان محبوبا له فالمطلوب فعله اما واجبا واما مستحبا ولا يتم ذلك الا بالصبر ~~وان كان مبغوضا له فالمطلوب تركه اما تحريما واما كراهة وذلك ايضا موقوف ~~على الصبر فهذا حكمه الدينى الشرعى واما حكمه الكونى فهو ما يقضيه ويقدره ~~على العبد من المصائب التى لا صنع له فيها ففرضه الصبر عليها وفي وجوب ~~الرضا بها قولان للعلماء وهما وجهان في مذهب أحمد أصحهما أنه مستحب فمرجع ~~الدين كله إلى هذه القواعد الثلاث فعل المأمور وترك المحظور والصبر على ~~المقدور وأما الذي من جهة العبد فإنه ms017 لا ينفك عن هذه الثلاث ما دام مكلفا ~~ولا تسقط عنه هذه الثلاث حتى يسقط عنه التكليف فقيام عبودية الامر والنهى ~~والقدر على ساق الصبر لا تستوى الا عليه كما لا تستوى السنبلة الا على ~~ساقها فالصبر متعلق بالمأمور والمحظور والمقدور بالخلق والامر والشيخ دائما ~~يحوم ص PageV01P019 حول هذه الاصول الثلاثة كقوله يا بنى افعل المأمور ~~وأجتنب المحظور واصبر على المقدور وهذه الثلاثة هى التى أوصى بها لقمان ~~لابنه في قوله يا بنى أقم الصلاة واءمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ~~ما أصابك فأمره بالمعروف يتناول فعله بنفسه وأمر غيره به وكذلك نهيه عن ~~المنكر أما من حيث اطلاق اللفظ فتدخل نفسه فيه وغيره وأما من حيث اللزوم ~~الشرعى فإن الآمر الناهى لا يستقيم له أمره ونهيه حتى يكون أول مأمور ومنهى ~~وذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في قوله انما يتذكر أولو الالباب الذين ~~يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا ~~الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرأون بالحسنة السيئة أولئك لهم ~~عقبى الدار # فجمع لهم مقامات الإسلام والإيمان في هذه الأوصاف فوصفهم بالوفاء بعهده ~~الذي عاهدهم عليه وذلك يعم أمره ونهيه الذى عهده اليهم بينهم وبينه وبينهم ~~وبين خلقه ثم أخبر عن استمرارهم بالوفاء به بأنهم لا يقع منهم نقضه ثم ~~وصفهم بأنهم يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويدخل في هذا ظاهر الدين وباطنه ~~وحق الله وحق خلقه فيصلون ما بينهم وبين ربهم بعبوديته وحده لا شريك له ~~والقيام بطاعته والإنابة اليه والتوكل عليه وحبه وخوفه ورجائه والتوبة إليه ~~والاستكانة له والخضوع والذلة له والاعتراف له بنعمته وشكره عليها والإقرار ~~بالخطيئة والاستغفار منها فهذه هي الوصلة بين الرب والعبد وقد أمر الله ~~بهذه الاسباب التى بينه وبين عبده أن توصل وأمر أن نوصل ما بيننا وبين ~~رسوله بالإيمان به وتصديقه وتحكيمه في كل شىء والرضا لحكمه والتسليم له ms018 ~~وتقديم محبته على محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين صلوات الله ~~وسلامه عليه فدخل في ذلك القيام بحقه وحق رسوله وأمر أن نصل ما بيننا وبين ~~الوالدين والأقربين بالبر والصلة فأنه أمر بيد الوالدين وصلة الأرحام وذلك ~~مما أمر به أن يوصل وأمر ان نصل ما بيننا وبين الزوجات بالقيام بحقوقهن ~~ومعاشرتهن بالمعروف وأمر أن نصل ما بيننا وبين الارقاء بأن نطعمهم مما نأكل ~~ونكسوهم مما نكتسى ولا نكلفهم فوق طاقتهم وأن نصل ما بيننا PageV01P020 من ~~ذلك الوسخ والخبث وأما باب المأمورات فلا يبطله إلا الشرك # الثالث عشر أن جزاء المأمورات الثواب وهو من باب الاحسان والفضل والرحمة ~~وجزاء المنهيات العقوبة وهى من باب الغضب والعدل ورحمته سبحانه تغلب غضبه ~~فما تعلق بالرحمة والفضل أحب اليه مما تعلق بالغضب والعدل وتعطيل ما تعلق ~~بالرحمة أكره اليه من فعل ما تعلق بالغضب # الرابع عشر ان باب المنهيات تسقط الآلاف المؤلفة منه الواحدة من ~~المأمورات وباب المأمورات لا يسقط الواحدة منه الآلاف المؤلفة من المنهيات # الخامس عشر ان متعلق المأمورات الفعل وهو صفة كمال بل كمال المخلوق من ~~فعاله فإنه فعل فكمل ومتعلق النهى الترك والترك عدم ومن حيث هو كذلك لا ~~يكون كمالا فإن العدم المحض ليس بكمال وانما يكون كمالا لما يتضمنه أو ~~يستلزمه من الفعل الوجودى الذى هو سبب الكمال وأما أن يكون مجرد الترك الذى ~~هو عدم محض كمالا أو سببا للكمال فلا مثال ذلك لو ترك السجود للضم لم يكن ~~كماله في مجرد هذا الترك ما لم يكن يسجد لله والا فلو ترك السجود لله ~~وللصنم لم يكن ذلك كمالا وكذلك لو ترك تكذيب الرسول ومعاداته لم يكن بذلك ~~مؤمنا ما لم يفعل ضد ذلك من التصديق والحب وموالاته وطاعته فعلم أن الكمال ~~كله في المأمور وان المنهى ما لم يتصل به فعل المأمور لم يفد شيئا ولم يكن ~~كمالا فإن الرجل لو قال للرسول لا أكذبك ولا أصدقك ولا أواليك ولا أعاديك ~~ولا أحاربك ولا أحارب ms019 من يحاربك لكان كافرا ولم يكن مؤمنا بترك معاداته ~~وتكذيبه ومحاربته ما لم يأت بالفعل الوجودى الذى أمر به # السادس عشر ان العبد اذا أتى بالمأمور به على وجهه ترك المنهى عنه ولا بد ~~فالمقصود انما هو فعل المأمور ومع فعله على وجهه يتعذر فعل المنهى فالمنهى ~~عنه في الحقيقة هو تعريض المأمور للإضاعة فإن العبد اذا فعل ما أمر به من ~~العدل والعفة وامتنع من صدور الظلم والفواحش منه فنفس العدل يتضمن ترك ~~الظلم ونفس العفة تتضمن ترك الفواحش فدخل ترك المنهى عنه في المأمور به ~~ضمنا وتبعا وليس كذلك في عكسه فان ترك المحظور لا يتضمن فعل المأمور فإنه ~~قد يتركهما معا PageV01P021 @QB@ الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ~~واتقوا الله لعلكم تفلحون @QE@ فكل موضع قرن فيه التقوى بالصبر اشتمل على ~~الأمور الثلاثة فإن حقيقة التقوى فعل المأمور وترك المحظور # | الباب الثامن في انقسامه باعتبار تعلق الاحكام الخمسة به وهو # ينقسم بهذا الاعتبار إلى واجب ومندوب ومحظور ومكروه ومباح فالصبر الواجب ~~ثلاثة أنواع أحدها الصبر عن المحرمات والثانى الصبر على أداء الواجبات ~~والثالث الصبر على المصائب التى لا صنع للعبد فيها كالأمراض والفقر وغيرها # وأما الصبر المندوب فهو الصبر عن المكروهات والصبر على المستحبات والصبر ~~على مقابلة الجانى بمثل فعله # وأما المحظور فأنواع أحدها الصبر عن الطعام والشراب حتى يموت وكذلك الصبر ~~عن الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخمصة حرام إذا خاف بتركه الموت قال ~~طاوس وبعده الامام أحمد من اضطر إلى أكل الميتة والدم فلم يأكل فمات دخل ~~النار # فإن قيل فما تقولون في الصبر عن المسألة في هذه الحال # قيل اختلف في حكمه هل هو حرام أو مباح على قولين هما لأصحاب أحمد وظاهر ~~نصه ان الصبر عن المسألة جائز فإنه قيل له إذا خاف أن لم يسأل أن يموت فقال ~~لا يموت يأتيه الله برزقه أو كما قال فأحمد منع وقوع المسألة ومتى علم الله ~~ضرورته وصدقه في ترك المسألة قيض الله له رزقا # وقال كثير من ms020 أصحاب أحمد والشافعى يجب عليه المسألة وان لم يسأل كان ~~عاصيا لأن المسألة تتضمن نجاته من التلف فصل ومن الصبر المحظور صبر الإنسان ~~على ما يقصد هلاكه من سبع أو حيات أو حريق أو ماء أو كافر يريد قتله بخلاف ~~استسلامه وصبره في الفتنة PageV01P022 وقتال المسلمين فإنه مباح له بل ~~يستحب كما دلت عليه النصوص الكثيرة وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~هذه المسألة بعينها فقال كن كخير ابنى آدم وفي لفظ كن عبد الله المقتول ولا ~~تكن عبد الله القاتل وفي لفظ دعه يبوء بإثمه وإثمك وفي لفظ آخر فإن بهرك ~~شعاع السيف فضع يدك على وجهك وقد حكى الله استسلام خير ابنى آدم وأثنى عليه ~~بذلك وهذا بخلاف قتل الكافر فإنه يجب عليه الدفع عن نفسه لأن من مقصود ~~الجهاد أن يدفع عن نفسه وعن المسلمين وأما قتال اللصوص فهل يجب فيه الدفع ~~أو يجوز فيه الاستسلام فان كان عن معصوم غيره وجب وإن كان عن نفسه فظاهر ~~نصوصه أنه لا يجب الدفع وأوجبه بعضهم ولا يجوز الصبر على من قصده أو حرمته ~~بالفاحشة فصل وأما الصبر المكروه فله امثلة أحدها أن يصبر عن الطعام ~~والشراب واللبس وجماع أهله حتى يتضرر بذلك بدنه الثاني صبره عن جماع زوجته ~~إذا احتاجت إلى ذلك ولم يتضرر به الثالث صبره على المكروه الرابع صبره عن ~~فعل المستحب وأما الصبر المباح فهو الصبر عن كل فعل مستوى الطرفين خير بين ~~فعله وتركه والصبر عليه # وبالجملة فالصبر على الواجب واجب وعن الواجب حرام والصبر عن الحرام واجب ~~وعليه حرام والصبر على المستحب مستحب وعنه مكروه والصبر عن المكروه مستحب ~~وعليه مكروه والصبر عن المباح مباح والله أعلم # | الباب التاسع في بيان تفاوت درجات الصبر الصبر كما تقدم نوعان اختيارى # واضطرارى والاختيارى أكمل من الاضطرارى فإن الاضطرارى يشترك فيه الناس ~~ويتأتى ممن لا يتأتى منه الصبر الاختيارى ولذلك كان صبر يوسف الصديق عليه ~~السلام عن مطاوعة امرأة العزيز وصبره على ما ناله ms021 في ذلك من الحبس والمكروه ~~أعظم من صبره على ما ناله من اخوته لما ألقوه في الجب وفرقوا بينه وبين ~~أبيه PageV01P023 وباعوه بيع العبد ومن الصبر الثانى انشاء الله سبحانه له ~~ما أنشأه من العز والرفعة والملك والتمكين في الأرض وكذلك صبر الخليل عليه ~~السلام والكليم وصبر نوح وصبر المسيح وصبر خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم ~~عليهم الصلاة والسلام كان صبرا على الدعوة إلى الله ومجاهدة أعداء الله ~~ولهذا سماهم الله أولى العزم وأمر رسوله أن يصبر صبرهم فقال @QB@ فاصبر كما ~~صبر أولوا العزم من الرسل @QE@ وأولو العزم هم المذكورون في قوله تعالى ~~@QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى @QE@ وفي قوله @QB@ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ~~ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى @QE@ كذلك قال ابن عباس وغيره من السلف ونهاه ~~سبحانه أن يتشبه بصاحب الحوت حيث لم يصبر صبر أولى العزم فقال @QB@ فاصبر ~~لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم @QE@ # وها هنا سؤال نافع وهو أن يقال ما العامل في الظرف وهو قوله @QB@ إذ نادى ~~@QE@ ولا يمكن أن يكون الفعل المنهى عنه اذ يصير المعنى لا تكن مثله في ~~ندائه وقد أثنى الله سبحانه عليه في هذا النداء فأخبر أنه نجاه به فقال ~~@QB@ وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا ~~إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ~~ننجي المؤمنين @QE@ وفي الترمذى وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~دعوة أخى ذى النون اذ دعا بها في بطن الحوت ما دعا بها مكروب الا فرج الله ~~عنه لا اله الا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين فلا يمكن أن ينهى عن التشبه ~~به في هذه الدعوة وهى النداء الذى نادى به ربه وانما نهى عن التشبه به في ~~هذه الدعوة وهى النداء الذى نادى به ربه وانما ينهى عن التشبه ms022 به في السبب ~~الذى أفضى به إلى هذه المناداة وهى مغاضبته التى أفضت به إلى حبسه في بطن ~~الحوت وشدة ذلك عليه حتى نادى ربه وهو مكظوم والكظيم والكاظم الذى قد امتلأ ~~غيظا وغضبا وهما وحزنا وكظم عليه فلم يخرجه # فإن قيل وعلى ذلك فما العامل في الظرف قيل ما في صاحب الحوت من معنى ~~الفعل PageV01P024 # فإن قيل فالسؤال بعد قائم فإنه إذا قيد المنهى بقيد أو زمن كان داخلا في ~~حيز النهى فإن كان المعنى لا تكن مثل صاحب الحوت في هذه الحال أو هذا الوقت ~~كان نهيا عن تلك الحالة # قيل لما كان نداؤه مسببا عن كونه صاحب الحوت فنهى أن يشبه به في الحال ~~التى أفضت به إلى صحبته الحوت والنداء وهى ضعف العزيمة والصبر لحكمه تعالى ~~ولم يقل تعالى ولا تكن كصاحب الحوت إذ ذهب مغاضبا فالتقمه الحوت فنادى بل ~~طوى القصة واختصرها وأحال بها على ذكرها في الموضع الآخر واكتفي بغايتها ~~وما انتهت اليه # فان قيل فما منعك بتعويض الظرف بنفس الفعل المنهى عنه أى لا تكن مثله في ~~ندائه وهو ممتلئ غيظا وهما وغما بل يكون نداؤك نداء راض بما قضى عليه قد ~~تلقاه بالرضا والتسليم وسعة الصدر لا نداء كظيم قيل هذا المعنى وان كان ~~صحيحا الا أن النهى لم يقع عن التشبه به في مجرده وانما نهى عن التشبه به ~~في الحال التى حملته على ذهابه مغاضبا حتى سجن في بطن الحوت ويدل عليه قوله ~~تعالى فاصبر لحكم ربك ثم قال ولا تكن كصاحب الحوت أى في ضعف صبره لحكم ربه ~~فان الحالة التى نهى عنها هى ضد الحالة التى أمر بها # فإن قيل فما منعك أن تصبر حيث أمر بالصبر لحكمه الكونى القدرى الذى يقدره ~~عليه ولا تكن كصاحب الحوت حيث لم يصبر عليه بل نادى وهو كظيم لكشفه فلم ~~يصبر على احتماله والسكون تحته # قيل منع من ذلك أن الله سبحانه أثنى على يونس وغيره من أنبيائه بسؤالهم ~~اياه كشف ms023 ما بهم من الضر وقد أثنى عليه سبحانه بذلك في قوله وذا النون اذ ~~ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا اله الا أنت سبحانك ~~انى كنت من الظالمين فاستجبنا له فنجيناه من الغم وكذلك ننجى المؤمنين فكيف ~~ينهى عن التشبه به فيما يثنى عليه ويمدحه به وكذلك أثنى على أيوب بقوله ~~مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين وعلى يعقوب بقوله انما أشكو بثى وحزنى إلى ~~الله PageV01P025 وعلى موسى بقوله رب انى لما أنزلت إلى من خير فقير وقد ~~شكا إليه خاتم أنبيائه ورسله بقوله اللهم أشكو اليك ضعف قوتى وقلة حيلتى ~~الحديث فالشكوى إليه سبحانه لا تنافي الصبر الجزيل بل اعراض عبده عن الشكوى ~~إلى غيره جملة وجعل الشكوى إليه وحده هو الصبر والله تعالى يبتلى عبده ~~ليسمع شكواه وتضرعه ودعاءه وقد ذم سبحانه من لم يتضرع اليه ولم يستكن له ~~وقت البلاء كما قال تعالى ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما ~~يتضرعون والعبد أضعف من أن يتجلد على ربه والرب تعالى لم يرد من عبده أن ~~يتجلد عليه بل أراد منه أن يستكين له ويتضرع اليه وهو تعالى يمقت من يشكوه ~~إلى خلقه ويحب من يشكو ما به اليه وقيل لبعضهم كيف تشتكى اليه ما ليس يخفي ~~عليه فقال ربى يرضى ذل العبد اليه # والمقصود أنه سبحانه أمر رسوله أن يصبر صبر أولى العزم الذين صبروا لحكمه ~~اختيارا وهذا أكمل الصبر ولهذا دارت قصة الشفاعة يوم القيامة على هؤلاء حتى ~~ردوها إلى أفضلهم وخيرهم وأصبرهم لحكم الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين # فإن قيل أى انواع الصبر الثلاثة أكمل الصبر على المأمور أم الصبر عن ~~المحظور أم الصبر على المقدور # قيل الصبر المتعلق بالتكليف وهو الأمر والنهى أفضل من الصبر على مجرد ~~القدر فان هذا الصبر يأتى به البر الفاجر والمؤمن والكافر فلا بد لكل أحد ~~من الصبر على القدر اختيارا أو اضطرارا # وأما الصبر على الاوامر والنواهى فصبر أتباع الرسل وأعظمهم اتباعا ms024 أصبرهم ~~في ذلك وكل صبر في محله وموضعه أفضل فالصبر عن الحرام في محله أفضل وعلى ~~الطاعة في محلها أفضل # فإن قيل أى الصبرين أحب إلى الله صبر من يصبر على أوامره أم صبر من يصبر ~~عن محارمه # قيل هذا موضع تنازع فيه الناس فقالت طائفة الصبر عن المخالفات أفضل ~~PageV01P026 لأنه أشق وأصعب فإن أعمال البر يفعلها البر والفاجر ولا يصبر ~~عن المخالفات إلا الصديقون قالوا ولأن الصبر عن المحرمات صبر على مخالفة ~~هوى النفس وهو أشق شىء وأفضله قالوا ولأن ترك المحبوب الذى تحبه النفوس ~~دليل على أن من ترك لأجله أحب اليه من نفسه وهواه بخلاف فعل ما يحبه ~~المحبوب فإنه لا يستلزم ذلك قالوا وأيضا فالمروءة والفتوة كلها في هذا ~~الصبر # قال الإمام أحمد الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى فمروءة العبد وفتوته بحسب ~~هذا الصبر قالوا وليس العجب ممن يصبر على الأوامر فإن أكثرها محبوبات ~~للنفوس السليمة لما فيها من العدل والإحسان والإخلاص والبر وهذه محاب ~~للنفوس الفاضلة الزكية بل العجب ممن يصبر عن المناهي التي أكثرها محاب ~~للنفوس فيترك المحبوب العاجل في هذه الدار للمحبوب الآجل في دار أخرى ~~والنفس موكلة بحب العاجل فصبرها عنه مخالف لطبعها # قالوا ولأن المناهى لها أربعة دواع تدعو اليها نفس الإنسان وشيطانه وهواه ~~ودنياه فلا يتركها حتى يجاهد هذه الأربعة وذلك أشق شيء على النفوس وأمره ~~قالوا فالمناهى من باب حمية النفوس عن مشتهياتها ولذاتها والحمية مع قيام ~~داعى التناول وقوته من أصعب شيء وأشقه قالو أو لذلك كان باب قربان النهى ~~مسدودا كله وباب الامر انما يفعل منه المستطاع كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم اذا أمرتكم بأمر فاءتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه فدل ~~على ان باب المنهيات أضيق من باب المأمورات وانه لم يرخص في ارتكاب شيء منه ~~كما رخص في ترك بعض المأمورات للعجز والعذر قالوا ولهذا كانت عامة العقوبات ~~من الحدود وغيرها على ارتكاب المنهيات بخلاف ترك المأمور فإن الله سبحانه ms025 ~~لم يرتب عليه حدا معينا فأعظم المأمورات الصلاة وقد اختلف العلماء هل على ~~تاركها حد أم لا فصل # فهذا بعض ما احتجت به الطائفة وقالت طائفة أخرى بل الصبر على فعل المأمور ~~أفضل وأجل من الصبر على ترك المحظور لأن فعل المأمور أحب إلى الله من ترك ~~المحظور والصبر على أحب الامرين أفضل وأعلى وبيان ذلك من وجوه PageV01P027 ~~أحدهما أن فعل المأمور مقصود لذاته فهو مشروع شرع المقاصد فإن معرفة الله ~~وتوحيده وعبوديته وحده والإنابه اليه والتوكل عليه واخلاص العمل له ومحبته ~~والرضا به والقيام في خدمته هو الغاية التى خلق لها الخلق وثبت بها الأمر ~~وذلك أمر مقصود لنفسه والمنهيات انما نهى عنها لأنها صادة عن ذلك أو شاغلة ~~عنه أو مفوتة لكماله ولذلك كانت درجاتها في النهى بحسب صدها عن المأمور ~~وتعويقها عنه وتفويتها لكماله فهي مقصودة لغيرها والمأمور مقصود لنفسه فلو ~~لم يصد الخمر والميسر عن ذكر الله وعن الصلاة وعن التواد والتحاب الذى وضعه ~~الله بين عباده لما حرمه وكذلك لو لم يحل بين العبد وبين عقله الذى به يعرف ~~الله ويعبده ويحمده ويمجده ويصلى له ويسجد لما حرمه وكذلك سائر ما حرمه ~~انما حرمه لأنه يصد عما يحبه ويرضاه ويحول بين العبد وبين إكماله # الثاني ان المأمورات متعلقة بمعرفة الله وتوحيده وعبادته وذكره وشكره ~~ومحبته والتوكل عليه والإنابة اليه فمتعلقها ذات الرب تعالى وأسماؤه وصفاته ~~ومتعلق المنهيات ذوات الاشياء المنهى عنها والفرق من اعظم ما يكون # الثالث ان ضرورة العبد وحاجته إلى فعل المأمور أعظم من ضرورته إلى ترك ~~المحظور فإنه ليس إلى شىء أحوج واشد فاقة منه إلى معرفة ربه وتوحيده واخلاص ~~العمل له وافراده بالعبودية والمحبة والطاعة وضرورته إلى ذلك أعظم من ~~ضرورته إلى نفسه ونفسه وحياته أعظم من ضرورته إلى غذائه الذى به قوام بدنه ~~بل هذا لقلبه وروحه كالحياه والغذاء لبدنه وهو انما هو انسان بروحه وقلبه ~~لا ببدنه وقالبه كما قيل # يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته % فأنت بالقلب لابالجسم ms026 انسان # وترك المنهى انما شرع له تحصيلا لهذا الأمر الذى هو ضرورى له وما أحوجه ~~وافقره اليه # الرابع ان ترك المنهى من باب الحمية وفعل المأمور من باب حفظ القوة ~~والغذاء الذى لاتقوم البنية بدونه ولا تحصل الحياة الابه فقد يعيش الإنسان ~~مع تركه الحميه وان كان بدنه عليلا أشد ما يكون علة ولا يعيش بدون القوة ~~والغذاء الذى PageV01P028 يحفظها فهذا مثل المأمورات والمنهيات # الخامس ان الذنوب كلها ترجع إلى هذين الأصلين ترك المأمور وفعل المحظور ~~ولو فعل العبد المحظور كله من أوله إلى آخره حتى أتى من مأمور الايمان ~~بأدنى أدنى مثقال ذرة منه نجا بذلك من الخلود في النار ولو ترك كل محظور ~~ولم يأت بمأمور الإيمان لكان مخلدا في السعير فأين شيء مثاقيل الذر منه ~~تخرج من النار إلى شيء وزن الجبال منه أضعافا مضاعفة لا تقتضي الخلود في ~~النار مع وجود ذلك المأمور أو أدنى شىء منه # السادس ان جميع المحظورات من أولها إلى آخرها تسقط بمأمور التوبة ولا ~~تسقط المأمورات كلها معصية المخالفة الا بالشرك أو الوفاة عليه ولا خلاف ~~بين الأمة ان كل محظور يسقط بالتوبة منه واختلفوا هل تسقط الطاعة بالمعصية ~~وفي المسألة نزاع وتفاصيل ليس هذا موضعه # السابع ان ذنب الاب كان يفعل المحظور فكان عاقبته أن اجتباه ربه فتاب ~~عليه وهدى وذنب ابليس كان بترك المأمور فكان عاقبته ما ذكر الله سبحانه ~~وجعل هذا عبرة للذرية إلى يوم القيامة الثامن ان المأمور محبوب إلى الرب ~~والمنهى مكروه له وهو سبحانه انما قدره وقضاه لأنه ذريعة إلى حصول محبوبه ~~من عبده ومن نفسه تعالى أما من عبده فالتوبة والاستغفار والخضوع والذل ~~والانكسار وغير ذلك وأما من نفسه فبالمغفرة والتوبة على العبد والعفو عنه ~~والصفح والحلم والتجاوز عن حقه وغير ذلك مما هو أحب اليه تعالى من فواته ~~بعدم تقدير ما يكرهه واذا كان انما قدر ما يكرهه لأنه يكون وسيلة إلى ما ~~يحبه علم أن محبوبه هو الغاية ففوات محبوبه أبغض اليه ms027 وأكره له من حصول ~~مبغوضه بل اذا ترتب على حصول مبغوضه ما يحبه من وجه آخر كان المبغوض مرادا ~~له ارادة الوسائل كما كان النهى عنه وكراهته لذلك وأما المحبوب فمراده ~~ارادة المقاصد كما تقدم فهو سبحانه انما خلق الخلق لاجل محبوبه ومأموره وهو ~~عبادته وحده كما قال تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون وقدر مكروهه ~~ومبغوضه تكميلا لهذه الغاية التى خلق خلقه لأجلها فانه ترتب عليه من ~~المأمورات ما لم يكن يحصل بدون تقديره كالجهاد الذى هو أحب PageV01P029 ~~العمل اليه والموالاة فيه والمعاداة فيه ولولا محبته لهذه المأمورات لما ~~قدر من المكروه له ما ما يكون سببا لحصولها # التاسع ان ترك المحظور لا يكون قربة ما لم يقارنه فعل المأمور فلو ترك ~~العبد كل محظور لم يثبه الله عليه حتى يقارنه مأمور الايمان وكذلك المؤمن ~~لا يكون تركه المحظور قربة حتى يقارنه مأمور النية بحيث يكون تركه لله ~~فافتقر ترك المنهيات بكونه قربة يثاب عليها إلى فعل المأمور ولا يفتقر فعل ~~المأمور في كونه قربة وطاعة إلى ترك المحظور ولو افتقر اليه لم يقبل الله ~~طاعة من عصاه أبدا وهذا من أبطل الباطل # العاشر ان المنهى عنه مطلوب اعدامه والمأمور مطلوب ايجاده والمراد ايجاد ~~هذا واعدام ذاك فإذا قدر عدم الأمرين أو وجودهما كان وجودهما خير من عدمهما ~~فإنه اذا عدم المأمور لم ينفع عدم المحظور واذا وجد المأمور فقد يستعان به ~~على دفع المحظور أو دفع أثره فوجود القوة والمرض خير من عدم الحياة والمرض # الحادى عشر ان باب المأمور الحسنة فيه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ~~أضعاف كثيرة وباب المحظور السيئة فيه بمثلها وهى بصدد الزوال بالتوبة ~~والاستغفار والحسنة الماحية والمصيبة المكفرة واستغفار الملائكة للمؤمنين ~~واستغفار بعضهم لبعض وغير ذلك وهذا يدل على أنه أحب إلى الله من عدم المنهى # الثانى عشر ان باب المنهيات يمحوه الله سبحانه ويبطل أثره بأمور عديدة من ~~فعل العبد وغيره فإنه يبطله بالتوبة النصوح وبالاستغفار وبالحسنات الماحية ~~وبالمصائب المكفرة ms028 وباستغفار الملائكة وبدعاء المؤمنين فهذه ستة في حال ~~حياته وبتشديد الموت وكربه وسياقه عليه فهذا عند مفارقته الدنيا وبهول ~~المطلع وروعة الملكين في القبر وضغطته وعصرته له وشدة الموقف وعنائه ~~وصعوبته وبشفاعة الشافعين فيه وبرحمة أرحم الراحمين له فإن عجزت عنه هذه ~~الأمور فلا بد له من دخول النار ويكون لبثه فيها على قدر بقاء خبثه ودرنه ~~فإن الله حرم الجنة الا على كل طيب فما دام درنه ووسخه وخبثه فيه فهو في ~~كير التطهير حتى يتصفي PageV01P030 وبين الجار القريب والبعيد بمراعاة حقه ~~وحفظه في نفسه وماله وأهله بما نحفظ به نفوسنا وأهلينا وأموالنا وأن نصل ما ~~بيننا وبين الرفيق في السفر والحضر وأن نصل ما بيننا وبين عموم الناس بأن ~~نأتى اليهم بما نحب أن يأتوه الينا وأن نصل ما بيننا وبين الحفظة الكرام ~~الكاتبين بأن نكرمهم ونستحى منهم كما يستحى الرجل من جليسه ومن هو معه ممن ~~يجله ويكرمه # فهذا كله مما أمر الله به أن يوصل ثم وصفهم بالحامل لهم على هذه الصلة ~~وهو خشيته وخوف سوء الحساب يوم المآب ولا يمكن لأحد قط أن يصل ما أمر الله ~~بوصله الا بخشيته ومتى ترحلت الخشية من القلب انقطعت هذه الوصل ثم جمع لهم ~~سبحانه ذلك كله في أصل واحد هو أخية ذلك وقاعدته ومداره الذى يدور عليه وهو ~~الصبر فقال والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم فلم يكتف منهم بمجرد الصبر حتى ~~يكون خالصا لوجهه # ثم ذكر لهم ما يعيينهم على الصبر وهى الصلاة فقال وأقاموا الصلاة وهذان ~~هما العونان على مصالح الدنيا والآخرة وهما الصبر والصلاة فقال تعالى ~~واستعينوا بالصبر والصلاة وانها لكبيرة الا على الخاشعين @QB@ وقال @QE@ يا ~~أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ان الله مع الصابرين # ثم ذكر سبحانه احسانهم إلى غيرهم بالإنفاق عليهم سرا وعلانية فأحسنوا إلى ~~أنفسهم بالصبر والصلاة وإلى غيرهم بالإنفاق عليهم ثم ذكر حالهم اذا جهل ~~عليهم وأوذوا انهم لا يقابلون ذلك بمثله بل يدرأون بالحسنة السيئة فيحسنون ~~إلى من يسيء ms029 اليهم فقال ويدرأون بالحسنة السيئة وقد فسر هذا الدرء بأنهم ~~يدفعون بالذنب الحسنة بعده كما قال تعالى ان الحسنات يذهبن السيئات وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم اتبع السيئة الحسنة تمحها والتحقيق أن الآية تعم ~~النوعين والمقصود أن هذه الايات تناولت مقامات الاسلام والايمان كلها ~~اشتملت على فعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور وقد ذكر تعالى هذه ~~الاصول الثلاثة في قوله # بلى ان تصبروا وتتقوا وقوله انه من يتق ويصبر وقوله يا أيها PageV01P031 ~~كما تقدم فعلم أن المقصود هو إقامة الأمر على وجهه ومع ذلك لا يمكن ارتكاب ~~النهى البتة وأما ترك المنهى عنه فإنه يستلزم اقامة الأمر # السابع عشر ان الرب تعالى اذا أمر عبده بأمر ونهاه عن أمر ففعلهما جميعا ~~كان قد حصل محبوب الرب وبغيضه فقد تقدم له من محبوبه ما يدفع عنه شر بغيضه ~~ومقاومته ولا سيما اذا كان فعل ذلك المحبوب أحب اليه من ترك ذلك البغيض ~~فيهب له من جنايته ما فعل من هذا بطاعته ويتجاوز له عما فعل من الآخر # ونظير هذا في الشاهد أن يقتل الرجل عدوا للملك هو حريص على قتله وشرب ~~مسكرا نهاه عن شربه فإنه يتجاوز له عن هذه الزلة بل عن أمثالها في جنب ما ~~أتى به من محبوبه وأما اذا ترك محبوبه وبغيضه فإنه لا يقوم ترك بغيضه ~~بمصلحة فعل محبوبه أبدا كما اذا أمر الملك عبده بقتل عدوه ونهاه عن شرب ~~مسكر فعصاه في قتل عدوه مع قدرته عليه وترك شرب المسكر فإن الملك لا يهب له ~~جرمه بترك أمره في جنب ترك ما نهاه عنه وقد فطر الله عباده على هذا فهكذا ~~السادات مع عبيدهم والآباء مع أولادهم والملوك مع جندهم والزوجات مع ~~أزواجهم ليس التارك منهم محبوب الامر ومكروهه بمنزلة الفاعل منهم محبوب ~~أمره ومكروهه # يوضحه الوجه الثامن عشر ان فاعل محبوب الرب يستحيل أن يفعل جميع مكروهه ~~بل يترك من مكروهه بقدر ما أتى به من محبوبه فيستحيل الاتيان بجميع مكروهه ~~وهو ms030 يفعل ما أحبه وأبغضه فغايته أنه اجتمع الأمران فيحبه الرب تعالى من وجه ~~ويبغضه من وجه أما اذا ترك المأمور به جملة فإنه لم يقم به ما يحبه الرب ~~عليه فإن مجرد ترك المنهى لا يكون طاعة الا باقترانه بالمأمور كما تقدم فلا ~~يحبه على مجرد الترك وهو سبحانه يكرهه ويبغضه على مخالفة الأمر فصار مبغوضا ~~للرب تعالى من كل وجه إذ ليس فيه ما يحبه الرب عليه فتأمله # يوضحه الوجه التاسع عشر وهو أن الله سبحانه لم يعلق محبته إلا بأمر وجودى ~~أمر به ايجابا أو استحبابا ولم يعلقها بالترك من حيث هو ترك ولا في موضع ~~واحد فإنه يحب التوابين ويحب المحسنين ويحب الشاكرين ويحب الصابرين ويحب ~~المتطهرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ويحب ~~PageV01P032 المتقين ويحب الذاكرين ويحب المتصدقين فهو سبحانه انما علق ~~محبته بأوامره اذ هى المقصود من الخلق والأمر كما قال تعالى @QB@ وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ فما خلق الخلق الا لقيام أوامره وما نهاهم ~~الا عما يصدهم عن قيام أوامره ويعوقهم عنها # يوضحه الوجه العشرون أن المنهيات لو لم تصد عن المأمورات وتمنع وقوعها ~~على الوجه الذى أمر الله بها لم يكن للنهى عنها معنى وانما نهى عنها ~~لمضادتها لأ 2 وامره وتعويقها لها وصدها عنها فالنهى عنها من باب التكميل ~~والتتمة للمأمور فهو بمنزلة تنظيف طرق الماء ليجرى في مجاريه غير معوق ~~فالأمر بمنزلة الماء الذى أرسل في نهر لحياة البلاد والعباد والنهى بمنزلة ~~تنظيف طرقه ومجراه وتنقيتها مما يعوق الماء والأمر بمنزلة القوة والحياة ~~والنهى بمنزلة الحمية الحافظة للقوة والداء والخادم لها # قالوا واذا تبين أن فعل المأمور أفضل فالصبر عليه أفضل أنواع الصبر وبه ~~يسهل عليه الصبر عن المحظور والصبر على المقدور فإن الصبر الا على يتضمن ~~الصبر الأدنى دون العكس وقد ظهر لك من هذا أن الأنواع الثلاثة متلازمة وكل ~~نوع منها يعين على النوعين الآخرين وان كان من الناس من قوة صبره على ~~المقدور فإذا ms031 جاء الأمر والنهى فقوة صبره هناك ضعيفة ومنهم من هو بالعكس من ~~ذلك ومنهم من قوة صبره في جانب الامر أقوى ومنهم من هو بالعكس والله أعلم # | الباب العاشر في انقسام الصبر إلى محمود ومذموم الصبر ينقسم إلى # قسمين قسم مذموم وقسم ممدوح # فالمذموم الصبر عن الله وارادته ومحبته وسير القلب اليه فإن هذا الصبر ~~يتضمن تعطيل كمال العبد بالكلية وتفويت ما خلق له وهذا كما أنه أقبح الصبر ~~فهو أعظمه وأبلغه فإنه لا صبر أبلغ من صبر من يصبر عن محبوبه الذى لا حياة ~~له PageV01P033 بدونه البتة كما أنه لا زهد أبلغ من زهد الزاهد فيما أعد ~~الله لأوليائه من كرامته مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ~~فالزهد في هذا أعظم أنواع الزهد كما قال رجل لبعض الزاهدين وقد تعجب لزهده ~~ما رأيت أزهد منك فقال أنت أزهد منى أنا زهدت في الدنيا وهى لا بقاء لها ~~ولا وفاء وأنت زهدت في الآخرة فمن أزهد منا قال يحيى بن معاذ الرازى صبر ~~المحبين أعجب من صبر الزاهدين واعجبا كيف يصبرون وفي هذا قيل # الصبر يحمد في المواطن كلها % إلا عليك فإنه لا يحمد # ووقف رجل على الشبلى فقال أى صبر أشد على الصابرين فقال الصبر في الله ~~قال @QB@ لا @QE@ فقال الصبر لله فقال @QB@ لا @QE@ قال فالصبر مع الله قال ~~@QB@ لا @QE@ قال فإيش هو قال الصبر عن الله فصرخ الشبلى صرخة كادت روحه ~~تزهق # وقيل الصبر مع الله وفاء والصبر عن الله جفاء وقد أجمع الناس على أن ~~الصبر عن المحبوب غير محمود فكيف إذا كان كمال العبد وفلاحه في محبته ولم ~~تزل الأحباب تعيب المحبين بالصبر عنهم كما قيل # والصبر عنك فمذموم عواقبه % والصبر في سائر الأشياء محمود وقال آخر في ~~الصبر عن محبوبه # إذا لعب الرجال بكل شيء % رأيت الحب يلعب بالرجال # وكيف الصبر عمن حل منى % بمنزلة اليمين مع الشمال # وشكا آخر إلى محبوبه ما يقاسي من حبه فقال لو كنت ms032 صادقا لما صبرت عنى # ولما شكوت الحب قالت كذبتنى % ترى الصب عن محبوبه كيف يصبر فصل وأما ~~الصبر المحمود فنوعان صبر لله وصبر بالله قال الله تعالى @QB@ واصبر وما ~~صبرك إلا بالله @QE@ وقال @QB@ واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا @QE@ # وقد تنازع الناس أى الصبرين أكمل فقالت طائفة الصبر له أكمل فإن ما كان ~~لله أكمل مما كان بالله فإن ما كان له فهو غاية وما كان به فهو وسيلة ~~والغايات أشرف من الوسائل ولذلك وجب الوفاء بالنذر إذا كان تبرر أو تقربا ~~إلى PageV01P034 الله لأنه نذر له ولم يجب الوفاء به اذا خرج مخرج اليمين ~~لأنه حلف به فما كان له سبحانه فهو متعلق بألوهيته وما كان به فهو متعلق ~~بربوبيته وما تعلق بألوهيته أشرف مما تعلق بربوبيته ولذلك كان توحيد ~~الألوهية هو المنجى من الشرك دون توحيد الربوبية بمجرده فإن عباد الأصنام ~~كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء وربه ومليكه ولكن لما لم يأتوا ~~بتوحيد الألوهية وهو عبادته وحده لا شريك له لم ينفعهم توحيد ربوبيته # وقالت طائفة الصبر بالله أكمل بل لا يمكن الصبر له إلا بالصبر به كما قال ~~تعالى @QB@ واصبر @QE@ فأمره بالصبر والمأمور به هو الذى يفعل لأجله ثم قال ~~@QB@ وما صبرك إلا بالله @QE@ فهذه جملة خبرية غير الجملة الطلبية التى ~~تقدمتها أخبر فيها انه لا يمكنه الصبر الا به وذلك يتضمن أمرين الاستعانة ~~به والمعية الخاصة التى تدل عليها باء المصاحبة كقوله فبي يسمع وبى يبصر ~~وبى يبطش وبى يمشى وليس المراد بهذه الباء الاستعانة فإن هذا أمر مشترك بين ~~المطيع والعاصى فإن مالا يكون بالله لا يكون بل هى باء المصاحبة والمعية ~~التى صرح بمضمونها في قوله @QB@ إن الله مع الصابرين @QE@ وهى المعية ~~الحاصلة لعبده الذى تقرب اليه بالنوافل حتى صار محبوبا له فبه يسمع وبه ~~يبصر وكذلك به يصبر فلا يتحرك ولا يسكن ولا يدرك إلا والله معه ومن كان ~~كذلك أمكنه الصبر له وتحمل الأثقال لأجله كما في الأثر الإلهى يعنى ms033 وما ~~يتحمل المتحملون من أجلى فدل قوله @QB@ وما صبرك إلا بالله @QE@ على انه من ~~لم يكن الله معه لم يمكنه الصبر وكيف يصبر على الحكم الأمرى امتثالا ~~وتنفيذا وتبليغا وعلى الحكم القدرى احتمالا له واضطلاعا به من لم يكن الله ~~معه فلا يطمع في درجة الصبر المحمود عواقبه من لم يكن صبره بالله كما لا ~~يطمع في درجة التقرب المحبوب من لم يكن سمعه وبصره وبطشه ومشيه بالله # وهذا هو المراد من قوله كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده ~~التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها ليس المراد انى كنت نفس هذه الاعضاء ~~والقوى كما يظنه أعداء الله أهل الوحدة وان ذات العبد هى ذات الرب تعالى ~~الله عن قول اخوان النصارى علوا كبيرا ولو كان كما يظنون لم يكن فرق بين ~~PageV01P035 هذا العبد وغيره ولا بين حالتى تقربه إلى ربه بالنوافل وتمقته ~~اليه بالمعاصى بل لم يكن هناك متقرب ومتقرب اليه ولا عبد ولا معبود ولا محب ~~ولا محبوب فالحديث كله مكذب لدعواهم الباطلة من نحو ثلاثين وجها تعرف ~~بالتأمل الظاهر وقد فسر المراد من قوله كنت سمعه وبصره ويده ورجله بقوله ~~فبي يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى فعبر عن هذه المصاحبة التى حصلت ~~بالتقرب اليه بمحابه بألطف عبارة وأحسنها تدل على تأكد المصاحبة ولزومها ~~حتى صار له بمنزلة سمعه وبصره ويده ورجله # ونظير هذا قوله الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما ~~صافح الله وقبل يمينه # ومثل هذا سائغ في الاستعمال أن ينزل إلى منزلة ما يصاحبه ويقارنه حتى ~~يقول المحب للمحبوب أنت روحى وسمعى وبصرى وفي ذلك معنيان أحدهما أنه صار ~~منه بمنزلة روحه وقلبه وسمعه وبصره والثانى أن محبته وذكره لما استولي على ~~قلبه وروحه صار معه وجليسه كما في الحديث يقول الله تعالى أنا جليس من ~~ذكرنى وفي الحديث الآخر أنا مع عبدى ما ذكرنى وتحركت بى شفتاه وفي الحديث ~~فإذا أحببت عبدى كنت له سمعا ms034 وبصرا ويدا ومؤيدا ولا يعبر عن هذا المعنى ~~بأتم من هذه العبارة ولا أحسن ولا ألطف منها وإيضاح هذه العبارة مما يزيدها ~~جفاء وخفاء # والمقصود انما هو ذكر الصبر بالله وأن العبد بحسب نصيبه من معية الله له ~~يكون صبره واذا كان الله معه أمكن أن يأتى من الصبر بما لا يأتى به غيره ~~قال أبو على فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله معيته قال تعالى ~~@QB@ إن الله مع الصابرين @QE@ # وها هنا سر بديع وهو أن من تعلق بصفة من صفات الرب تعالى أدخلته تلك ~~الصفة عليه وأوصلته اليه والرب تعالى هو الصبور بل لا أحد أصبر على أذى ~~سمعه منه وقد قيل ان الله سبحانه أوحى إلى داود تخلق بأخلاق فإن من أخلاقى ~~انى أنا الصبور والرب تعالى يحب أسماءه وصفاته ويحب مقتضى صفاته وظهور ~~PageV01P036 آثارها في العبد فإنه جميل يحب الجمال عفو يحب أهل العفو كريم ~~يحب أهل الكرم عليم يحب أهل العلم وتريحب أهل الوتر قوى والمؤمن القوى أحب ~~إليه من المؤمن الضعيف صبور يحب الصابرين شكور يحب الشاكرين واذا كان ~~سبحانه يحب المتصفين بآثار صفاته فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الاتصاف فهذه ~~المعية الخاصة عبر عنها بقوله كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا فصل وزاد ~~بعضهم قسما ثالثا من أقسام الصبر وهو الصبر مع الله وجعلوه أعلى أنواع ~~الصبر وقالوا هو الوفاء ولو سئل هذا عن حقيقة الصبر مع الله لما أمكنه أن ~~يفسره بغير الأنواع الثلاثة التى ذكرت وهى الصبر على أقضيته والصبر على ~~أوامره والصبر عن نواهيه فإن زعم أن الصبر مع الله هو الثبات معه على ~~أحكامه يدور معها حيث دارت فيكون دائما مع الله لا مع نفسه فهو مع الله ~~بالمحبة والموافقة فهذا المعنى حق ولكن مداره على الصبر على الأنواع ~~المتقدمة وإن زعم أن الصبر مع الله هو الجامع لأنواع الصبر فهذا حق ولكن ~~جعله قسما رابعا من أقسام الصبر غير مستقيم # واعلم أن حقيقة الصبر مع الله ms035 هو ثبات القلب بالاستقامة معه وهو أن لا ~~يروغ عنه روغان الثعالب ها هنا وها هنا فحقيقة هذا هو الاستقامة اليه وعكوف ~~القلب عليه وزاد بعضهم قسما آخر من اقسامه وسماه الصبر فيه وهذا أيضا غير ~~خارج عن أقسام الصبر المذكورة ولا يعقل من الصبر فيه معنى غير الصبر له ~~وهذا كما يقال فعلت هذا في الله وله كما قال خبيب # وذلك في ذات الاله وان يشأ % يبارك على أوصال شلو ممزع وقد قال تعالى ~~@QB@ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا @QE@ وقال @QB@ وجاهدوا في الله ~~@QE@ وفي حديث جابر ان الله تعالى لما أحيا أباه وقال له تمن قال يا رب أن ~~ترجعنى إلى الدنيا حتى أقتل فيك مرة ثانية وقال صلى الله عليه وسلم ولقد ~~أوذيت في الله وما يؤذى PageV01P037 أحد وهذا يفهم منه معنيان احدهما أن ~~ذلك في مرضاته وطاعته وسبيله وهذا فيما يفعله الإنسان باختياره كما في ~~الحديث تعلمت فيك العلم والثاني انه بسببه وبجهته حصل ذلك وهذا فيما يصيبه ~~بغير اختياره وغالب ما يأتى قولهم ذلك في الله في هذا المعنى فتأمل قوله ~~صلى الله عليه وسلم ولقد أوذيت في الله وقول خبيب وذلك في ذات الاله وقول ~~عبد الله بن حزام حتى أقتل فيك وكذلك قوله @QB@ والذين جاهدوا فينا @QE@ ~~فإنه يترتب عليه الأذى فيه سبحانه # وليست في ها هنا للظرفية ولا لمجرد السببية وان كانت السببية هي أصلها ~~فانظر إلى قوله في نفس المؤمن مائة من الابل وقوله دخلت امرأة النار في هرة ~~كيف تجد فيه معنى زائدا على السببية وليست في للوعاء في جميع معانيها فقولك ~~فعلت هذا في مرضاتك فيه معنى زيد على قولك فعلته لمرضاتك وأنت اذا قلت ~~أوذيت في الله لا يقوم مقام هذا اللفظ كقولك أوذيت لله ولا بسبب الله وإذا ~~فهم المعنى طوى حكم العبارة والمقصود ان الصبر في الله ان أريد به هذا ~~المعنى فهو حق وان أريد به معنى خارج عن الصبر على أقضيته وعلى أوامره وعن ~~نواهيه وله ms036 وبه لم يحصل فالصابر في الله كالمجاهد في الله والجهاد فيه لا ~~يخرج عن معنى الجهاد به وله والله الموفق # وأما قول بعضهم الصبر لله غناء والصبر بالله بقاء والصبر في الله بلاء ~~والصبر مع الله وفاء والصبر عن الله جفاء فكلام لا يجب التسليم لقائله لأنه ~~ذكر ما سنح له وتصوره وانما يجب التسليم للنقل المصدق عن القائل المعصوم ~~ونحن نشرح هذه الكلمات # أما قوله الصبر لله غناء فإن الصبر لله بترك حظوظ النفس ومرادها لمراد ~~الله وهذا أشق شيء على النفس وأصعبه فإن قطع المفازة التى بين النفس وبين ~~الله بحيث يسير منها إلى الله شديد جدا على النفس بخلاف السفر إلى الآخرة ~~فإنه سهل كما قال الجنيد السير من الدنيا إلى الاخرة سهل يعنى على المؤمن ~~وهجران الخلق في جنب الحق شديد والسير من النفس إلى الله صعب شديد والصبر ~~مع الله أشد # وأما قوله والصبر بالله بقاء فلأن العبد اذا كان بالله هان عليه كل شيء ~~ويتحمل PageV01P038 الاثقال ولم يجد لها ثقلا فإنه اذا كان بالله لا بالخلق ~~ولا بنفسه كان لقلبه وروحه وجود آخر وشأن آخر غير شأنه اذا كان بنفسه ~~وبالخلق وبهذا الحال لا يجد عناء الصبر ولا مرارته وتنقلب مشاق التكليف له ~~نعيما وقرة عين كما قال بعض الزهاد عالجت قيام الليل سنة وتنعمت به عشرين ~~سنة ومن كانت قرة عينه في الصلاة لم يجد لها مشقة وكلفة # وأما قوله والصبر في الله بلاء فالبلاء فوق العناء والصبر فيه فوق الصبر ~~له وأخص منه كما تقدم فإن الصبر فيه بمنزلة الجهاد فيه وهو أشق من الجهاد ~~له فكل مجاهد في الله وصابر في الله مجاهد له وصابر له من غير عكس فإن ~~الرجل قد يجاهد ويصبر لله مرة ليقع عليه اسم من فعل ذلك لله ولا يقع عليه ~~اسم من فعل ذلك في الله وانما يقع على من انغمس في الجهاد والصبر ودخل ~~الجنة # وأما قوله والصبر مع الله وفاء فلأن الصبر معه ms037 هو الثبات معه على أحكامه ~~ولا يزيغ القلب عن الإنابة ولا الجوارح عن الطاعة فتعطى المعية حقها من ~~التوفية كما قال تعالى @QB@ وإبراهيم الذي وفى @QE@ أى وفي ما أمر به بصبره ~~مع الله على أوامره # وأما قوله والصبر عن الله جفاء فلا جفاء أعظم ممن صبر عن معبوده وإلهه ~~ومولاه الذى لا مولى له سواه ولا حياة له ولا صلاح ولا نعيم الا بمحبته ~~والقرب منه وايثار مرضاته على كل شيء فأى جفاء أعظم من الصبر عنه وهذا معنى ~~قول من قال الصبر على ضد بين صبر العابدين وصبر المحبين فصبر العابدين ~~أحسنه أن يكون محفوظا وصبر المحبين أحسنه أن يكون مرفوضا كما قيل # يبين يوم البين ان اعتزامه % على الصبر من احدى الظنون الكواذب وقال ~~الآخر # ولما دعوت الصبر بعدك والبكا % أجاب البكا طوعا ولم يجب الصبر قالوا ويدل ~~عليه أن يعقوب صلوات الله وسلامه عليه قال فصبر جميل ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم اذا وعد وفى ثم حمله الوجد على يوسف والشوق اليه أن قال يا أسفا ~~على يوسف فلم يكن عدم صبره عنه منافيا لقوله فصبر جميل فإن PageV01P039 ~~الصبر الجميل هو الذي لاشكوى معه ولاتنافيه الشكوى إلى الله سبحانه وتعالى ~~فإنه قد قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله والله تعالى أمر رسوله بالصبر ~~الجميل وقد امتثل ما أمر به وقال اللهم اليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي ~~الحديث وأما قول بعضهم إن الصبر الجميل ان يكون صاحب المصيبة في القوم ~~لايدرى من هو فهذا من الصبر الجميل لأن من فقده فقد الصبر الجميل فإن ظهور ~~اثر المصيبة على العبد مما لا يمكن دفعه البتة وبالله التوفيق # وزاد بعضهمم في الصبر قسما آخر وسماه الصبر على الصبر وقال هو ان يستغرق ~~في الصبر حتى يعجزالصبر عن الصبر كما قيل # صابر الصبر فا ستغاث به الصبر % فصاح المحب بالصبر صبرا # وليس هذا خارجا عن أقسام الصبر وإنما هو المرابطة على الصبر والثبات عليه ~~والله أعلم # | الباب الحادى ms038 عشر في الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام كل أحد # لا بد أن يصبر على بعض ما يكره إما اختيارا واما اضطرارا فالكريم يصبر ~~اختيارا لعلمه بحسن عاقبة الصبر وأنه يحمد عليه ويذم على الجزع وأنه ان لم ~~يصبر لم يرد الجزع عليه فائتا ولم ينتزع عنه مكروها وان المقدور لاحيلة في ~~دفعه وما لم يقدر لاحيلة في تحصيله فالجزع ضره أقرب من نفعه قال بعض ~~العقلاء العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعله الأحمق بعد شهر كما قيل # وأن الأمر يفضى إلى آخر % فيصير آخره أولا # فإذا كان آخر الأمر الصبر والعبد غير محمود فما أحسن به أن يستقبل الأمر ~~في أوله بما يستدبره الاحمق في آخره وقال بعض العقلاء من لم يصبر صبر ~~الكرام سلا سلو البهائم فالكريم ينظر إلى المصيبة فإن رأى الجزع يردها ~~ويدفعها فهذا قد ينفعه الجزع وان كان الجزع لا ينفعه فإنه يجعل المصيبة ~~مصيبتين PageV01P040 فصل وأما اللئيم فإنه يصبر اضطرارافإنه يحوم حول ساحة ~~الجزع فلا يراها تجدى عليه شيئا فيصبر صبر الموثق للضرب وأيضا فالكريم يصبر ~~في طاعة الرحمن واللئيم يصبر في طاعة الشيطان فاللئام أصبر الناس في طاعة ~~أهوائهم وشهواتهم وأقل الناس صبرا في طاعة ربهم فيصبر على البذل في طاعة ~~الشيطان أتم صبر ولا يصبر على البذل في طاعة الله في أيسر شيء ويصبر في ~~تحمل المشاق لهوى نفسه في مرضاة عدوه ولا يصبر على أدنى المشاق في مرضاة ~~ربه ويصبر على ما يقال في عرضه في المعصية ولا يصبر على ما يقال في عرضه ~~اذا أوذى في الله بل يفر من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر خشية أن يتكلم ~~في عرضه في ذات الله ويبذل عرضه في هوى نفسه ومرضاته صابرا على ما يقال فيه ~~وكذلك يصبر على التبذل بنفسه وجاهه في هوى نفسه ومراده ولا يصبر على التبذل ~~لله في مرضاته وطاعته فهو أصبر شيء على التبذل في طاعة الشيطان ومراد النفس ~~وأعجز شيء عن الصبر على ذلك في ms039 الله وهذا أعظم اللؤم ولا يكون صاحبه كريما ~~عند الله ولا يقوم مع أهل الكرم اذا نودى بهم يوم القيامة على رءوس الاشهاد ~~ليعلم أهل الجمع من أولى بالكرم اليوم أين المتقون # | الباب الثانى عشر في الأسباب التى تعين على الصبر لما كان الصبر # مأمور ا به جعل الله سبحانه له أسبابا تعين عليه وتوصل اليه وكذلك ماأمر ~~الله سبحانه بالامر الاأعان عليه ونصب له أسبابا تمده وتعين عليه كما أنه ~~ما قدر داءا الا وقدر له دواء أو ضمن الشفاء باستعماله فالصبر وان كان شاقا ~~كريها على النفوس فتحصيله ممكن وهو يتركب من مفردين العلم والعمل فمنهما ~~تركب جميع الادوية التى تداوى بها القلوب والأبدان فلا بد من جزء علمي وجزء ~~عملى فمنها يركب هذا الدواء الذى هو أنفع الادوية فأما الجزء العلمي فهو ~~إدراك ما في المأمور من الخير والنفع واللذة والكمال وإدراك ما في المحظور ~~من الشر والضر PageV01P041 والنقص فإذا أدرك هذين العلمين كما ينبغى أضاف ~~اليهما العزيمة الصادقة والهمة العالية والنخوة والمروءة الإنسانية وضم هذا ~~الجزء إلى هذا الجزء فمتى فعل ذلك حصل له الصبر وهانت عليه مشاقه وحلت له ~~مرارته وانقلب ألمه لذة وقد تقدم أن الصبر مصارعة باعث العقل والدين لباعث ~~الهوى والنفس وكل متضارعين أراد أن يتغلب أحدهما على الآخر فالطريق فيه ~~تقوية من أراد أن تكون الغلبة له ويضعف الآخر كالحال مع القوة والمرض سواء ~~فإذا قوى باعث شهوة الوقاع المحرم وغلب بحيث لا يملك معها فرجه أو يملكه ~~ولكن لا يملك طرفه أو يملكه ولكن لا يملك قلبه بل لا يزال يحدثه بما هناك ~~ويعده ويمنيه ويصرفه عن حقائق الذكر والتفكر فيما ينفعه في دنياه وآخرته ~~فإذا عزم على التداوى ومقاومة هذا الداء فليضعفه أولا بأمور أحدهما أن ينظر ~~إلى مادة قوة الشهوة فيحدها من الاغذية المحركة للشهوة إما بنوعها أو ~~بكميتها وكثرتها ليحسم هذه المادة بتقليلها فإن لم تنحسم فليبادر إلى الصوم ~~فإنه يضعف مجارى الشهوة ويكسر حدتها ولا سيما ms040 إذا كان أكله وقت الفطر ~~معتدلا # الثانى أن يجتذب محرك الطلب وهو النظر فليقصر لجام طرفه ما أمكنه فإن ~~داعى الإرادة والشهوة انما يهيج بالنظر والنظر يحرك القلب بالشهوة وفي ~~المسند عنه صلى الله عليه وسلم النظر سهم مسموم من سهام إبليس وهذا السهم ~~يشرده إبليس نحو القلب ولا يصادف جنة دونه وليست الجنة الا غض الطرف أو ~~التحيز والانحراف عن جهة الرمى فإنه انما يرمى هذا السهم عن قوس الصور فاذا ~~لم تقف على طريقها أخطأ السهم وان نصبت قلبك غرضا فيوشك أن يقتله سهم من ~~تلك السهام المسمومة # الثالث تسلية النفس بالمباح المعوض عن الحرام فإن كل ما يشتهيه الطبع ~~ففيهما أباحه الله سبحانه غنية عنه وهذا هو الدواء النافع في حق أكثر الناس ~~كما أرشد اليه النبي صلى الله عليه وسلم فالدواء الأول يشبه قطع العلف عن ~~الدابة الجموح وعن الكلب الضارى لإضعاف قوتهما والدواء الثانى يشبه تغييب ~~اللحم عن الكلب والشعير PageV01P042 عن البهيمة لئلا تتحرك قوتهما له عند ~~المشاهدة والدواء الثالث يشبه إعطائهما من الغذاء ما يميل اليه طبعهما بحسب ~~الحاجة لتبقى معه القوة فتطيع صاحبهما ولا تغلب باعطائها الزيادة على ذلك # الرابع التفكر في المفاسد الدنيوية المتوقعة من قضاء هذا الوطر فانه لو ~~لم يكن جنة ولا نار لكان في المفاسد الدنيوية ما ينهى عن إجابة هذا الداعى ~~ولو تكلفنا عدها لفاقت الحصر ولكن عين الهوى عمياء # الخامس الفكرة في مقابح الصورة التى تدعوه نفسه اليها إن كانت معروفة ~~بالإجابة له ولغيره فيعز نفسه أن يشرب من حوض ترده الكلاب والذئاب كما قيل # سأترك وصلكم شرفا وعزا % لخسة سائر الشركاء فيه وقال آخر # إذ كثر الذباب على طعام % رفعت يدى ونفسى تشتهيه # وتجتنب الأسود ورود ماء % إذا كان الكلاب يلغن فيه # وليذكر مخالطة ريقه لريق كل خبيث ريقه الداء الدوى فان ريق الفاسق داء ~~كما قيل # تسل يا قلب عن سمح بمهجته % مبذل كل من يلقاه يقرفه # كالماء أى صيد يأتيه ينهله % والغصن أى نسيم ms041 من يعطفه # وان حلا ريق فاذكر مرارته % في فم أبخر يحفيه ويرشفه # ومن له أدنى مروءة ونخوة يأنف لنفسه من مواصلة من هذا شأنه فإن لم تجبه ~~نفسه إلى الإعراض ورضى بالمشاركة فلينظر إلى ما وراء هذا اللون والجمال ~~الظاهر من القبائح الباطنة فإن من مكن نفسه من فعل القبائح فنفسه أقبح من ~~نفوس البهائم فإنه لا يرضى لنفسه بذلك حيوان من الحيوانات أصلا الا ما يحكى ~~عن الخنزير وأنه ليس في البهائم لوطى سواه فقد رضى هذا الممكن من نفسه انه ~~يكون بمنزلة الخنزير وهذا القبح يغطى كل جمال وملاحة في الوجه والبدن غير ~~أن حبك الشئ يعمى ويصم وان كانت الصورة أنثى فقد خانت الله ورسوله وأهلها ~~وبعلها PageV01P043 ونفسها وأورثت ذلك لمن بعدها من ذريتها فلها نصيب من ~~وزرهم وعارهم ولا نسبة لجمال صورتها إلى هذا القبح البتة وإذا أردت معرفة ~~ذلك فانظر إلى القبح الذى يعلو وجه أحدهما في كبره وكيف يقلب الله سبحانه ~~تلك المحاسن مقابح حتى تعلو الوحشة والقبح وجهه كما قيل شعرا # لو فكر العاشق في منتهى % حسن الذى يسبيه لم يسبه وتفصيل هذه الوجوه يطول ~~جدا فيكفي ذكر أصولها فصل وأما تقوية باعث الدين فإنه يكون بأمور # أحدهما إجلال الله تبارك وتعالى أن يعصى وهو يرى ويسمع ومن قام بقلبه ~~مشهد إجلاله لم يطاوعه قلبه لذلك البتة # الثاني مشهد محبته سبحانه فيترك معصيته محبة له فإن المحب لمن يحب مطيع ~~وأفضل الترك ترك المحبين كما أن أفضل الطاعة طاعة المحبين فبين ترك المحب ~~وطاعته وترك من يخاف العذاب وطاعته بون بعيد # الثالث مشهد النعمة والإحسان فإن الكريم لا يقابل بالاساءة من أحسن اليه ~~وانما يفعل هذا لئام الناس فليمنعه مشهد إحسان الله تعالى ونعمته عن معصيته ~~حياء منه أن يكون خير الله وإنعامه نازلا اليه ومخالفاته ومعاصيه وقبائحه ~~صاعدة إلى ربه فملك ينزل بهذا وملك يعرج بذاك فأقبح بها من مقابلة # الرابع مشهد الغضب والانتقام فإن الرب تعالى إذا تمادى العبد في معصيته ms042 ~~غضب واذا غضب لم يقم لغضبه شيء فضلا عن هذا العبد الضعيف # الخامس مشهد الفوات وهو ما يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة وما ~~يحدث له بها من كل اسم مذموم عقلا وشرعا وعرفا ويزول عنه من الأسماء ~~الممدوحة شرعا وعقلا وعرفا ويكفي في هذا المشهد مشهد فوات الإيمان الذى ~~أدنى مثقال ذرة منه خير من الدنيا وما فيها أضعافا مضاعفة فكيف أن يبيعه ~~PageV01P044 # بشهوة تذهب لذاتها وتبقى تبعتها تذهب الشهوة وتبقى الشقوة وقد صح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن قال ~~بعض الصحابة ينزع منه الإيمان حتى يبقى على رأسه مثل الظلة فإن تاب رجع ~~اليه وقال بعض التابعين ينزع عنه الإيمان كما ينزع القميص فإن تاب لبسه ~~ولهذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذى رواه البخارى الزناة ~~في التنور عراة لأنهم تعروا من لباس الإيمان وعاد تنور الشهوة الذى كان في ~~قلوبهم تنورا ظاهرا يحمى عليه في النار # السادس مشهد القهر والظفر فان قهر الشهوة والظفر بالشيطان له حلاوة ومسرة ~~وفرحة عند من ذاق ذلك أعظم من الظفر بعدوه من الآدميين وأحلى موقعا وأتم ~~فرحة وأما عاقبته فأحمد عاقبة وهو كعاقبة شرب الدواء النافع الذى أزال داء ~~الجسد وأعاده إلى صحته واعتداله # السابع مشهد العوض وهو ما وعد الله سبحانه من تعويض من ترك المحارم لأجله ~~ونهى نفسه عن هواها وليوازنه بين العوض المعوض فأيهما كان أولى بالإيثار ~~اختاره وارتضاه لنفسه # الثامن مشهد المعية وهو نوعان معية عامة ومعية خاصة فالعامة اطلاع الرب ~~عليه وكونه بعينه لا تخفي عليه حاله وقد تقدم هذا والمقصود هنا المعية ~~الخاصة كقوله @QB@ إن الله مع الصابرين @QE@ وقوله @QB@ إن الله مع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون @QE@ وقوله @QB@ وإن الله لمع المحسنين @QE@ فهذه ~~المعية الخاصة خير وأنفع في دنياه وآخرته ممن فضى وطره ونيل شهوته على ~~التمام من أول عمره إلى آخره فكيف يؤثر عليها لذة منغصة منكدة في مدة يسيرة ms043 ~~من العمر انما هى كأحلام نائم أو كظل زائل # التاسع مشهد المغافصة والمعاجلة وهو أن يخاف أن يغافصه الأجل فيأخذه الله ~~على غرة فيحال بينه وبين ما يشتهى من لذات الآخرة فيا لها من حسرة ما أمرها ~~وما أصعبها لكن ما يعرفها الا من جربها وفي بعض الكتب القديمة يامن لا يأمن ~~على نفسه طرفة عين ولا يتم له سرور يوم الحذر الحذر # العاشر مشهد البلاء والعافية فان البلاء في الحقيقة ليس الا الذنوب ~~وعواقبها والعافية المطلقة هي الطاعات وعواقبها فأهل البلاء هم أهل المعصية ~~وان عوفيت PageV01P045 أبدانهم وأهل العافية هم أهل الطاعة وان مرضت ~~أبدانهم وقال بعض أهل العلم في الأثر المروى إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا ~~الله العافية فإن أهل البلاء المبتلون بمعاصى الله والأعراض والغفلة عنه ~~وهذا وإن كان أعظم البلاء فاللفظ يتناول انواع المبتلين في أبدانهم ~~وأديانهم والله أعلم # الحادى عشر أن يعود باعث الدين ودواعيه مصارعة داعى الهوى ومقاومته على ~~التدريج قليلا قليلا حتى يدرك لذة الظفر فتقوى حينئذ همته فإن من ذاق لذة ~~شئ قويت همته في تحصيله والاعتياد لممارسة الأعمال الشاقة تزيد القوى التى ~~تصدر عنها تلك الأعمال ولذلك تجد قوى الحمالين وأرباب الصنائع الشاقة ~~تتزايد بخلاف البزاز والخياط ونحوهما ومن ترك المجاهدة بالكلية ضعف فيه ~~باعث الدين وقوى فيه باعث الشهوة ومتى عود نفسه مخالفة الهوى غلبه متى أراد # الثانى عشر كف الباطل عن حديث النفس واذا مرت به الخواطر نفاها ولا ~~يؤويها ويساكنها فإنها تصير أمانى وهى رءوس أموال المفاليس ومتى ساكن ~~الخواطر صارت أمانى ثم تقوى فتصير هموما ثم تقوى فتصير ارادات ثم تقوى ~~فتصير عزما يقترن به المراد فدفع الخاطر الأول أسهل وأيسر من دفع أثر ~~المقدور بعد وقوعه وترك معاودته # الثالث عشر قطع العلائق والأسباب التى تدعوه إلى موافقة الهوى وليس ~~المراد أن لا يكون له هوى بل المراد أن يصرف هواه إلى ما ينفعه ويستعمله في ~~تنفيذ مراد الرب تعالى فإن ذلك يدفع عنه شر استعماله في ms044 معاصيه فإن كل شيء ~~من الانسان يستعمله لله فإن الله يقيه شر استعماله لنفسه وللشيطان وما لا ~~يستعمله لله استعمله لنفسه وهواه ولا بد فالعلم ان لم يكن لله كان للنفس ~~والهوى والعمل ان لم يكن لله كان للرياء والنفاق والمال ان لم ينفق في طاعة ~~الله أنفق في طاعة الشيطان والهوى والجاه ان لم يستعمله لله استعمله صاحبه ~~في هواه وحظوظه والقوة ان لم يستعملها في أمر الله استعملته في معصيته فمن ~~عود نفسه العمل لله لم يكن عليه أشق من العمل لغيره ومن عود نفسه العمل ~~لهواه وحظه لم يكن عليه أشق من الاخلاص والعمل لله وهذا في جميع أبواب ~~الأعمال فليس شيء أشق PageV01P046 على المنفق لله من الإنفاق لغيره وكذا ~~بالعكس # الرابع عشر صرف الفكر إلى عجائب آيات الله التى ندب عباده إلى التفكر ~~فيها وهى آياته المتلوة وآياته المجلوة فإذا استولى ذلك على قلبه دفع عنه ~~محاظرة الشيطان ومحادثته ووسواسه وما أعظم غبن من أمكنه أن لا يزال محاظرا ~~للرحمن وكتابه ورسوله والصحابة فرغب عن ذلك إلى محاظرة الشيطان من الانس ~~والجن فلا غبن بعد هذا الغبن والله المستعان # الخامس عشر التفكر في الدنيا وسرعة زوالها وقرب انقضائها فلا يرضى لنفسه ~~ان يتزود منها إلى دار بقائه وخلوده أخس ما فيها وأقله نفعا إلا ساقط الهمة ~~دنيء المروءة ميت القلب فإن حسرته تشتد إذا عاين حقيقة ما تزوده وتبين له ~~عدم نفعه له فكيف اذا كان ترك تزود ما ينفعه إلى زاد يعذب به ويناله بسببه ~~غاية الألم بل اذا تزود ما ينفعه وترك ما هو أنفع منه له كان ذلك حسرة عليه ~~وغبنا # السادس عشر تعرضه إلى من القلوب بين أصبعيه وأزمة الأمور بيديه وانتهاء ~~كل شيء اليه على الدوام فلعله أن يصادف أوقات النفحات كما في الأثر المعروف ~~ان لله في أيام دهره نفحات فتعرضوا لنفحاته واسألوا الله أن يستر عوراتكم ~~ويؤمن روعاتكم ولعله في كثرة تعرضه أن يصادف ساعة من الساعات التى لا ms045 يسأل ~~الله فيها شيئا الا أعطاه فمن أعطى منشور الدعاء أعطى الاجابة فإنه لو لم ~~يرد اجابته لما ألهمه الدعاء كما قيل # لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه % من جود كفك ما عودتنى الطلبا # ولا يستوحش من ظاهر الحال فإن الله سبحانه يعامل عبده معاملة من ليس ~~كمثله شيء في أفعاله كما ليس كمثله شيء في صفاته فإنه ما حرمه الا ليعطيه ~~ولا أمرضه الا ليشفيه ولا أفقره الا ليغنيه ولا أماته الا ليحييه وما أخرج ~~أبويه من الجنة الا ليعيدهما اليها على أكمل حال كما قيل يا آدم لا تجزع من ~~قولى لك واخرج منها فلك خلقتها وسأعيدك اليها # فالرب تعالى ينعم على عبده بابتلائه ويعطيه بحرمانه ويصحبه بسقمه فلا ~~يستوحش عبده من حالة تسوؤه أصلا الا اذا كانت تغضبه عليه وتبعده منه # السابع عشر أن يعلم العبد بأن فيه جاذبين متضادين ومحنته بين الجاذبين ~~PageV01P047 جاذب يجذبه إلى الرفيق الأعلى من أهل عليين وجاذب يجذبه إلى ~~أسفل سافلين فكلما انقاد مع الجاذب الأعلى صعد درجة حتى ينتهى إلى حيث يليق ~~به من المحل الأعلى وكلما انقاد إلى الجاذب الاسفل نزل درجة حتى ينتهى إلى ~~موضعه من سجين ومتى أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق الأعلى أو الأسفل فلينظر ~~أين روحه في هذا العالم فإنها اذا فارقت البدن تكون في الرفيق الأعلى الذى ~~كانت تجذبه اليه في الدنيا فهو أولى بها فالمرء مع من أحب طبعا وعقلا وجزءا ~~وكل مهتم بشئ فهو منجذب اليه وإلى أهله بالطبع وكل امرئ يصبو إلى ما يناسبه ~~وقد قال تعالى @QB@ قل كل يعمل على شاكلته @QE@ فالنفوس العلوية تنجذب ~~بذاتها وهمها وأعمالها إلى أعلى والنفوس السافلة إلى اسفل # الثامن عشر أن يعلم العبد أن تفريغ المحل شرط لنزول غيث الرحمة وتنقيته ~~من الدغل شرط لكمال الزرع فمتى لم يفرغ المحل لم يصادف غيث الرحمة محلا ~~قابلا ينزل فيه وان فرغه حتى أصابه غيث الرحمة ولكنه لم ينقه من الدغل لم ~~يكن الزرع زرعا ms046 كاملا بل ربما غلب الدغل على الزرع فكان الحكم له وهذا ~~كالذى يصلح أرضه ويهيئها لقبول الزرع ويودع فيها البذور وينتظر نزول الغيث ~~فإذا طهر العبد قلبه وفرغه من ارادة السوء وخواطره وبذر فيه بذر الذكر ~~والفكر والمحبة والإخلاص وعرضه لمهاب رياح الرحمة وانتظر نزول غيث الرحمة ~~في أوانه كان جديرا بحصول المغل وكما يقوى الرجاء لنزول الغيث في وقته كذلك ~~يقوى الرجاء لإصابة نفحات الرحمن جل جلاله في الأوقات الفاضلة والأحوال ~~الشريفة ولا سيما اذا اجتمعت الهمم وتساعدت القلوب وعظم الجمع كجمع عرفة ~~وجمع الاستسقاء وجمع أهل الجمعة فإن اجتماع الهمم والأنفاس أسباب نصبها ~~الله تعالى مقتضية لحصول الخير ونزول الرحمة كما نصب سائر الأسباب مقتضية ~~إلى مسبباتها بل هذه الأسباب في حصول الرحمة أقوى من الأسباب الحسية في ~~حصول مسبباتها ولكن العبد بجهله يغلب عليه الشاهد على الغائب الحسن وبظلمه ~~يؤثر ما يحكم به هذا ويقتضيه على ما يحكم به الآخر ويقتضيه ولو فرغ العبد ~~المحل وهيأه وأصلحه لرأى العجائب فإن فضل الله لا يرده الا المانع الذى في ~~العبد فلو زال ذلك المانع PageV01P048 لسارع اليه الفضل من كل صوب فتأمل ~~حال نهر عظيم يسقى كل أرض يمر عليها فحصل بينه وبين بعض الأرض المعطشة ~~المجدية سكر وسد كثيف فصاحبها يشكو الجدب والنهر إلى جانب أرضه # التاسع عشر أن يعلم العبد أن الله سبحانه خلقه لبقاء لافناء له ولعز لا ~~ذل معه وأمن لا خوف فيه وغناء لا فقر معه ولذة لا ألم معها وكمال لا نقص ~~فيه وأمتحنه في هذه الدار بالبقاء الذى يسرع اليه الفناء والعز الذى يقارنه ~~الذل ويعقبه الذل والأمن الذى معه الخوف وبعده الخوف وكذلك الغناء واللذة ~~والفرح والسرور والنعيم الذى هنا مشوب بضده لأنه يتعقبه ضده وهو سريع ~~الزوال فغلط أكثر الخلق في هذا المقام إذ طلبوا النعيم والبقاء والعز ~~والملك والجاه في غير محله ففاتهم في محله وأكثرهم لم يظفر بماطليه من ذلك ~~والذى ظفر به انما هو متاع قليل والزوال ms047 قريب فإنه سريع الزوال عنه والرسل ~~صلوات الله وسلامه عليهم انما جاءوا بالدعوة إلى النعيم المقيم والملك ~~الكبير فمن أجابهم حصل له ألذ ما في الدنيا وأطيبه فكان عيشه فيها أطيب من ~~عيش الملوك فمن دونهم فإن الزهد في الدنيا ملك حاضر والشيطان يحسد المؤمن ~~عليه أعظم حسد فيحرص كل الحرص على أن لا يصل اليه فإن العبد اذا ملك شهوته ~~وغضبه فانقادا معه لداعى الدين فهو الملك حقا لأن صاحب هذا الملك حر والملك ~~المنقاد لشهوته وغضبه عبد شهوته وغضبه فهو مسخر مملوك في زى مالك يقوده ~~زمام الشهوة والغضب كما يقاد البعير فالمغرور المخدوع يقطع نظره على الملك ~~الظاهر الذى صورته ملك وباطنه رق وعلى الشهوة التى أولها لذة وآخرها حسرة ~~والبصير الموفق يعير نظره من الاوائل إلى الأواخر ومن المبادئ إلى العواقب ~~وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم # العشرون أن لا يغتر العبد باعتقاده أن مجرد العلم بما ذكرنا كاف في حصول ~~المقصود بل لا بد أن يضيف اليه بذل الجهد في استعماله واستفراغ الوسع ~~والطاقة فيه وملاك ذلك الخروج عن العوائد فإنها أعداء الكمال والفلاح فلا ~~أفلح من استمر مع عوائده أبدا ويستعين على الخروج عن العوايد بالهرب عن ~~مظان الفتنة PageV01P049 والبعد عنها ما أمكنه وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم من سمع بالدجال فلينا عنه فما استعين على التخلص من الشر بمثل البعد ~~عن أسبابه ومظانه # وههنا لطيفة للشيطان لا يتخلص منها الا حاذق وهى أن يظهر له في مظان الشر ~~بعض شيء من الخير ويدعوه إلى تحصيله فإذا قرب منه ألقاه في الشبكة والله ~~اعلم # | الباب الثالث عشر في بيان أن الإنسان لا يستغنى عن الصبر في حال من # الأحوال # فإنه بين أمر يجب عليه امتثاله وتنفيذه ونهى يجب عليه اجتنابه وتركه وقدر ~~يجرى عليه اتفاقا ونعمة يجب عليه شكر المنعم عليها واذا كانت هذه الأحوال ~~لا تفارقه فالصبر لازم له إلى الممات وكل ما يلقى العبد في هذه ms048 الدار لا ~~يخلو من نوعين أحدهما يوافق هواه ومراده والآخر يخالفه وهو محتاج إلى الصبر ~~في كل منهما أما النوع الموافق لغرضه فكالصحة والسلامة والجاه والمال ~~وأنواع الملاذ المباحة وهو أحوج شئ إلى الصبر فيها من وجوه # أحدها أن لا يركن اليها ولا يغتر بها ولا تحمله على البطر والأشر والفرح ~~المذموم الذى لا يحب الله أهله # الثانى أن لا ينهمك في نيلها ويبالغ في استقصائها فانها تنقلب إلى ~~اضدادها فمن بالغ في الأكل والشرب والجماع انقلب ذلك إلى ضده وحرم الأكل ~~والشرب والجماع # الثالث أن يصبر على أداء حق الله فيها ولا يضيعه فيسلبها # الرابع أن يصبر عن صرفها في الحرام فلا يمكن نفسه من كل ما تريده منها ~~فإنها توقعه في الحرام فإن احترز كل الاحتراز أوقعته في المكروه ولا يصبر ~~على السراء الا الصديقون # قال بعض السلف البلاء يصبر عليه المؤمن والكافر ولا يصبر على العافية إلا ~~الصديقون وقال عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه ابتلينا بالضراء فصبرنا ~~وابتلينا بالسراء فلم نصبر ولذلك حذر الله عباده من فتنة المال والأزواج ~~والأولاد فقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر @QE@ PageV01P050 الله وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا ان ~~من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وليس المراد من هذه العداوة ما ~~يفهمه كثير من الناس أنها عداوة البغضاء والمحادة بل إنما هى عداوة المحبة ~~الصادة للآباء عن الهجرة والجهاد وتعلم العلم والصدقة وغير ذلك من أمور ~~الدين وأعمال البر كما في جامع الترمذى من حديث اسرائيل حدثنا سماك عن ~~عكرمة عن ابن عباس وسأله رجل عن هذه الآية يا أيها الذين آمنوا ان من ~~أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم قال هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة ~~فأرادوا أن يأتو النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم ~~أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتوا رسول الله ورأوا الناس قد ~~فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم فأنزل الله يا ms049 أيها الذين آمنوا ان من ~~أزواجكم وأولادكم عدوا لكم الآية قال الترمذى هذا حديث حسن صحيح وما أكثر ~~ما فات العبد من الكمال والفلاح بسبب زوجته وولده وفي الحديث الولد مبخلة ~~مجبنة وقال الإمام أحمد حدثنا زيد بن الحباب قال حدثني زيد بن واقد قال ~~حدثنى عبد الله بن بريدة قال سمعت أبى يقول كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يخطبنا فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال ~~صدق الله انما أموالكم وأولادكم فتنة نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران ~~فلم أصبر حتى قطعت حديثى ورفعتهما وهذا من كمال رحمته صلى الله عليه وسلم ~~ولطفه بالصغار وشفقتة عليهم وهو تعليم منه للأمة الرحمة والشفقة واللطف ~~بالصغار فصل وانما كان الصبر على السراء شديدا لأنه مقرون بالقدرة والجائع ~~عند غيبة الطعام أقدر منه على الصبر عند حضوره وكذلك الشبق عند غيبة المرأة ~~أصبر منه عند حضورها فصل وأما النوع الثانى المخالف للهوى فلا يخلو اما أن ~~يرتبط باختيار العبد كالطاعات والمعاصى أو لا ترتبط أوله باختياره كالمصائب ~~أو يرتبط أوله باختياره ولكن لا اختيار له في ازالته بعد الدخول فيه فهاهنا ~~ثلاثة أقسام أحدها ما يرتبط باختياره وهو جميع أفعاله التى توصف بكونها ~~طاعة أو معصية فأما الطاعة فالعبد محتاج إلى الصبر عليها لأن النفس بطبعها ~~تنفر عن كثير من PageV01P051 العبودية أما في الصلاة فلما في طبعها من ~~الكسل وايثار الراحة ولا سيما إذا اتفق مع ذلك قسوة القلب ورين الذنب ~~والميل إلى الشهوات ومخالطة أهل الغفلة فلا يكاد العبد مع هذه الأمور ~~وغيرها أن يفعلها وان فعلها مع ذلك كان متكلفا غائب القلب ذاهلا عنها طالبا ~~لفراقها كالجالس إلى الجيفة # وأما الزكاة فلما في طبعها اى النفس من الشح والبخل وكذلك الحج والجهاد ~~للأمرين جميعا ويحتاج العبد ها هنا إلى الصبر في ثلاثة أحوال أحدها قبل ~~الشروع فيها بتصحيح النية والاخلاص وتجنب دواعى ms050 الرياء والسمعة وعقد العزم ~~على توفية المأمورية حقها # الحالة الثانية الصبر حال العمل فيلازم العبد الصبر عن دواعى التقصير فيه ~~والتفريط ويلازم الصبر على استصحاب ذكر النية وعلى حضور القلب بين يدى ~~المعبود وأن لا ينساه في أمره فليس الشأن في فعل المأمور بل الشأن كل الشأن ~~أن لا ينسى الا مرحال الإتيان بأمره بل يكون مستصحبا لذكره في أمره فهذه ~~عبادة العبيد المخلصين لله فهو يحتاج إلى الصبر على توفية العبادة حقها ~~بالقيام بأدائها وأركانها وواجباتها وسننها وإلى الصبر على استصحاب ذكر ~~المعبود فيها ولا يشتغل عنه بعبادته فلا يعطله حضوره مع الله بقلبه عن قيام ~~جوارحه بعبوديته ولا يعطله قيام الجوارح بالعبودية عن حضور قلبه بين يديه ~~سبحانه # الحالة الثالثة الصبر بعد الفراغ من العمل وذلك من وجوه # أحدها أن يصبر نفسه عن الإتيان بما يبطل عمله قال تعالى يا أيها الذين ~~آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فليس الشأن الإتيان بالطاعة انما ~~الشأن في حفظها مما يبطلها # الثانى أن يصبر عن رؤيتها والعجب بها والتكبر والتعظم بها فإن هذا أضر ~~عليه من كثير من المعاصى الظاهرة # الثالث أن يصبر عن نقلها من ديوان السر إلى ديوان العلانية فإن العبد ~~يعمل العمل سرا بينه وبين الله سبحانه فيكتب في ديوان السر فإن تحدث به نقل ~~إلى ديوان العلانيه فلا يظن أن بساط الصبر انطوى بالفراغ من العمل ~~PageV01P052 فصل وأما الصبر عن المعاصى فأمره ظاهر وأعظم ما يعين عليه قطع ~~المألوفات ومفارقة الأعوان عليها في المجالسة والمحادثة وقطع العوائد فإن ~~العادة طبيعة خاصة فاذا انضافت الشهوة إلى العادة تظاهر جندان من جند ~~الشيطان فلا يقوى باعث الدين على قهرهما فصل القسم الثانى ما لا يدخل تحت ~~الإختيار وليس للعبد حيلة في دفعه كالمصائب التى لا صنع للعبد فيها كموت من ~~يعز عليه وسرقة ماله ومرضه ونحو ذلك وهذا نوعان أحدهما ما لا صنع للعبد ~~الآدمى فيه والثانى ما أصابه من جهة آدمى مثله كالسب والضرب وغيرهما فالنوع ~~الأول للعبد ms051 فيه أربع مقامات أحدها مقام العجز وهو مقام الجزع والشكوى ~~والسخط وهذا ما لا يفعله إلا أقل الناس عقلا ودينا ومروءة وهو أعظم ~~المصيبتين # المقام الثانى مقام الصبر إما لله وإما للمروءة الإنسانية # المقام الثالث مقام الرضا وهو أعلى من مقام الصبر وفي وجوبه نزاع والسير ~~متفق على وجوبه # المقام الرابع مقام الشكر وهو أعلى من مقام الرضا فإنه يشهد البلية نعمة ~~فيشكر المبتلى عليها # وأما النوع الثانى وهو ما أصابه من قبل الناس فله فيه هذه المقامات ويضاف ~~اليها أربعة أخر أحدها مقام العفو والصفح والثانى مقام سلامة القلب من ~~ارادة التشفي والانتقام وفراغه من ألم مطالعة الجناية كل وقت وضيقه بها ~~الثالث مقام شهود القدر وانه وان كان ظالما بإيصال هذا الأذى اليك فالذى ~~قدره عليك وأجراه على يد هذا الظالم ليس بظالم وأذى الناس مثل الحر والبرد ~~لا حيلة في دفعه فالمنسخط من أذى الحر والبرد غير حازم والكل جار بالقدر ~~وان اختلفت طرقه وأسبابه # المقام الرابع مقام الإسحان إلى المسيء ومقابلة اساءته بإحسانك وفي هذا ~~المقام من الفوائد والمصالح ما لا يعلمه الا الله فإن فات العبد هذا المقام ~~العالى فلا يرضى لنفسه بأخس المقامات وأسفلها PageV01P053 فصل القسم الثالث ~~ما يكون وروده باختياره فإذا تمكن لم يكن له اختيار ولا حيلة في دفعه وهذا ~~كالعشق أوله اختيار وآخره اضطرار وكالتعرض لأسباب الأمراض والآلام التى لا ~~حيلة في دفعها بعد مباشرة أسبابها كما لا حيلة في دفع السكر بعد تناول ~~المسكر فهذا كان فرضه الصبر عنه في أوله فلما فاته بقى فرضه الصبر عليه في ~~آخره وأن لا يطيع داعى هواه ونفسه وللشيطان ها هنا دسيسة عجيبة وهى أن يخيل ~~اليه أن ينل بعض ما منع قد يتعين عليه أو يباح له على سبيل التداوى وغايته ~~أن يكون كالتداوى بالخمر والنجاسة وقد أجازه كثير من الفقهاء وهذا من أعظم ~~الجهل فإن هذا التداوى لا يزيل الداء بل يزيده ويقويه وكم ممن تداوى بذلك ~~فكان هلاك دينه ودنياه ms052 في هذا الدواء بل الدواء النافع لهذا الداء الصبر ~~والتقوى كما قال تعالى وان تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور @QB@ وقال ~~@QE@ إنه من يتق ويصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين فالصبر والتقوى دواء ~~كل داء من أدواء الدين ولا يستغنى أحدهما عن صاحبه # فإن قيل فهل يثاب على الصبر في هذا القسم اذا كان عاصيا مفرطا يتعاطى ~~أسبابه وهل يكون معاقبا على ما تولد منه وهو غير اختيارى له # قيل نعم اذا صبر لله تعالى وندم على ما تعاطاه من السبب المحظور أثيب على ~~صبره لأنه جهاد منه لنفسه وهو عمل صالح والله لا يضيع أجر من أحسن عملا # وأما عقوبته على ما تولد منه فإنه يستحق العقوبة على السبب وما تولد منه ~~كما يعاقب السكران على ما جناه في حال سكره فإذا كان السبب محظورا لم يكن ~~السكران معذورا فإن الله سبحانه يعاقب على الأسباب المحرمة وعلى ما تولد ~~منها كما يثيب على الأسباب المأمور بها وعلى ما يتولد منها ولذا كان من دعا ~~إلى بدعة وضلالة فعليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه لأن اتباعهم له تولد عن ~~فعله ولذلك كان على ابن آدم القاتل لأخيه كفل من ذنب كل قاتل إلى يوم ~~القيامة وقد قال تعالى ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين ~~يضلونهم بغير علم وقال تعالى وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # فإن قيل فكيف التوبة من هذا المتولد وليس من فعله والإنسان انما يتوب ~~PageV01P054 عما يتعلق با ختياره قبل التوبة منه بالندم عليه وعدم اجابة ~~دواعيه وموجباته وحبس النفس عن ذلك فإن كان المتولد متعلقا بالغير فتوبته ~~مع ذلك برفعه عن الغير بحسب الإمكان ولهذا كان من توبة الداعى إلى البدعة ~~ان يبين أن ما كان يدعو اليه بدعة وضلالة وان الهدى في ضده كما شرط تعالى ~~في توبة أهل الكتاب الذين كان ذنبهم كتمان ماأنزل الله من البينات والهدى ~~ليضلوا الناس بذلك أن يصلحوا العمل في نفوسهم ويبينوا للناس ما كانوا ms053 ~~يكتمونهم اياه فقال ان الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى من بعد ما ~~بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون الا الذين تابوا ~~واصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم # وهذا كما شرط في توبة المنافقين الذين كان ذنبهم افساد قلوب ضعفاء ~~المؤمنين وتحيزهم واعتصامهم باليهود والمشركين أعداء الرسول وإظهارهم ~~الإسلام رياء وسمعة أن يصلحوا بدل افسادهم وأن يعتصموا بالله بدل اعتصامهم ~~بالكفار من أهل الكتاب والمشركين وأن يخلصوا دينهم لله بدل إضهارهم رياء ~~وسمعة فهكذا تفهم شرائط التوبة وحقيقتها والله المستعان # | الباب الرابع عشر في بيان أشق الصبر على النفوس مشقة الصبر بحسب قوة # الداعى إلى الفعل وسهولته على العبد فإذا اجتمع في الفعل هذان الأمرن كان ~~الصبر عنه أشق شىء على الصابر وان فقدا معا سهل الصبر عنه وان وجد احدهما ~~وفقد الآخر سهل الصبر من وجه صعب من وجه فمن لاداعى له إلى القتل والسرقة ~~وشرب المسكر وأنواع الفواحش ولا هو سهل عليه فصبره عنه من أيسر شيء عليه ~~وأسهله ومن اشتد داعيه إلى ذلك وسهل عليه فعله فصبره عنه أشق شيء عليه ~~ولهذا كان صبر السلطان عن الظلم وصبر الشباب عن الفاحشة وحبد الغنى عن ~~تناول اللذات والشهوات عند الله بمكان PageV01P055 وفي المسند وغيره عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم عجب ربك من شاب ليست له صبوة ولذلك استحق السبعة ~~المذكورين في الحديث الذين يظلهم الله في ظل عرشه لكمال صبرهم ومشقته فإن ~~صبر الإمام المتسلط على العدل في قسمه وحكمه ورضاه وغضبه وصبر الشاب على ~~عبادة الله ومخالفة هواه وصبر الرجل على ملازمة المسجد وصبر المتصدق على ~~إخفاء الصدقة حتى عن بعضه وصبر المدعو إلى الفاحشة مع كمال جمال الداعى ~~ومنصبه وصبر المتحابين في الله على ذلك في حال اجتماعهما وافتراقهما وصبر ~~الباكى من خشية الله على كتمان ذلك وعدم اظهاره للناس من أشق الصبر ولهذا ~~كانت عقوبة الشيخ الزانى والملك الكذاب والفقير المختال أشد العقوبة لسهولة ~~الصبر عن هذه الأشياء ms054 المحرمات عليهم لضعف دواعيها في حقهم فكان تركهم ~~الصبر عنها مع سهولته عليهم دليلا على تمردهم على الله وعتوهم عليه # ولهذا كان الصبر عن معاصى اللسان والفرج من اصعب أنواع الصبر لشدة الداعى ~~اليهما وسهولتهما فإن معاصى اللسان فاكهة الإنسان كالنميمة والغيبة والكذب ~~والمراء والثناء على النفس تعريضا وتصريحا وحكاية كلام الناس والطعن على من ~~يبغضه ومدح من يحبه ونحو ذلك فتتفق قوة الداعى وتيسر حركة اللسان فيضعف ~~الصبر ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ امسك عليك لسانك فقال وانا ~~لمؤاخذون بما نتكلم به فقال وهل يكب الناس في النار على مناخرهم الا حصائد ~~ألسنتهم ولا سيما اذا صارت المعاصى اللسانية معتادة للعبد فإنه يعز عليه ~~الصبر عنها ولهذا تجد الرجل يقوم الليل ويصوم النهار ويتورع من استناده إلى ~~وسادة حرير لحظة واحدة ويطلق لسانه في الغيبة والنميمة والمفكه في أعراض ~~الخلق وربما رخص أهل الصلاح والعلم بالله والدين والقول على الله ما لا ~~يعلم وكثير ممن تجده يتورع عن الدقائق من الحرام والقطرة من الخمر ومثل رأس ~~الإبرة من النجاسة ولا يبالى بارتكاب الفرج الحرام كما يحكى أن رجلا خلا ~~بامرأة أجنبية فلما اراد مواقعتها قال يا هذه غطى وجهك فإن النظر إلى وجه ~~الأجنبية حرام وقد سأل رجل عبدالله بن عمر عن دم البعوض فقال انظروا إلى ~~هؤلاء يسألونى عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم PageV01P056 # واتفق لى قريب من هذه الحكاية كنت في حال الإحرام فأتانى قوم من الأعراب ~~المعروفين بقتل النفوس والإغارة على الأموال يسألوني عن قتل المحرم القمل ~~فقلت يا عجبا لقوم لا يتورعون عن قتل النفس التى حرم الله قتلها ويسألون عن ~~قتل القملة في الاحرام # والمقصود أن اختلاف شدة الصبر في أنواع المعاصى وآحادها يكون باختلاف ~~داعيه إلى تلك المعصية في قوتها وضعفها ويذكر عن على رضى الله عنه أنه قال ~~الصبر ثلاثة فصبر على المصيبة وصبر على الطاعة وصبر عن المعصية فمن صبر على ~~المصيبة ms055 حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة ومن صبر على ~~الطاعة حتى يؤديها كما أمر الله كتب الله له ستمائة درجة ومن صبر عن ~~المعصية خوفا من الله ورجاء ما عنده كتب الله له تسعمائة درجة # وقال ميمون بن مهران الصبر صبران فالصبر على المصيبة حسن وأفضل منه الصبر ~~عن المعصية # وقال الفضيل في قوله تعالى سلام عليكم بما صبرتم ثم قال صبروا على ما ~~أمروا به وصبروا عما نهوا عنه وكأنه جعل الصبر على المصيبة داخلا في قسم ~~المأمور به والله أعلم # | الباب الخامس عشر في ذكر ما ورد في الصبر من نصوص الكتاب العزيز # قال الإمام أحمد رحمه الله ذكر الله سبحانه الصبر في القرآن في تسعين ~~موضعا اه ونحن نذكر الأنواع التى سيق فيها الصبر وهى عدة أنواع # أحدها الأمر به كقوله واصبر وما صبرك الا بالله واصبر لحكم ربك الثانى ~~النهى عما يضاده كقوله ولا تستعجل لهم وقوله ولا تهنوا ولا تحزنوا وقوله ~~ولا تكن كصاحب الحوت وبالجملة فكل ما نهى عنه فانه يضاد الصبر المأمور به ~~الثالث تعليق الفلاح به كقوله يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ~~واتقوا الله لعلكم تفلحون فعلق الفلاح بمجموع هذه الأمور PageV01P057 ~~الرابع الإخبار عن مضاعفة أجر الصابرين على غيره كقوله أولئك يؤتون أجرهم ~~مرتين بما صبروا وقوله انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب قال سليمان بن ~~القاسم كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر قال الله تعالى انما يوفى الصابرون ~~أجرهم بغير حساب قال كالماء المنهمر # الخامس تعليق الإمامة في الدين به وباليقين قال الله تعالى وجعلناهم أئمة ~~يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون فبالصبر واليقين تنال ~~الإمامة في الدين # السادس ظفرهم بمعية الله سبحانه لهم قال تعالى إن الله مع الصابرين قال ~~أبو على الدقاق فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله معيته # السابع انه جمع للصابرين ثلاثة أمور لم يجمعها لغيرهم وهى الصلاة منه ~~عليهم ورحمته لهم وهدايته إياهم قال تعالى وبشر الصابرين الذين ms056 اذا أصابتهم ~~مصيبة قالوا إنا لله وإنا اليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ~~وأولئك هم المهتدون وقال بعض السلف وقد عزى على مصيبة نالته فقال مالى لا ~~أصبر وقد وعدنى الله على الصبر ثلاث خصال كل خصلة منها خير من الدنيا وما ~~عليها # الثامن أنه سبحانه جعل الصبر عونا وعدة وأمر بالاستعانة به فقال ~~واستعينوا بالصبر والصلاة فمن لا صبر له لا عون له # التاسع أنه سبحانه علق النصر بالصبر والتقوى فقال تعالى بلى ان تصبروا ~~وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم واعلم أن النصر مع الصبر # العاشر أنه سبحانه جعل الصبر والتقوى جنة عظيمة من كيد العدو ومكره فمن ~~استجن العبد من ذلك جنة أعظم منهما قال تعالى وان تصبروا وتتقوا لا يضركم ~~كيدهم شيئا # الحادي عشر انه سبحانه أخبر أن ملائكته تسلم عليهم في الجنة بصبرهم كما ~~قال والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى ~~الدار # الثانى عشر انه سبحانه أباح لهم أن يعاقبوا على ما عوقبتم به ثم أقسم ~~قسما مؤكدا غاية التأكيد أن صبرهم خير لهم فقال وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتهم به PageV01P058 ولئن صبرتم لهو خير للصابرين فتأمل هذا التأكيد ~~بالقسم المدلول عليه بالواو ثم باللام بعده ثم باللام التى في الجواب # الثالث عشر انه سبحانه رتب المغفرة والأجر الكبير على الصبر والعمل ~~الصالح فقال الا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير ~~وهؤلاء ثنية الله من نوع الإنسان المذموم الموصوف باليأس والكفر عند ~~المصيبة والفرح والفخر عند النعمة ولا خلاص من هذا الذم الا بالصبر والعمل ~~الصالح كما لا تنال المغفرة والأجر الكبير الا بهما # الرابع عشر انه سبحانه جعل الصبر على المصائب من عزم الأمور أى مما يعزم ~~من الأمور التى انما يعزم على أجلها وأشرفها فقال ولمن صبر وغفر ان ذلك لمن ~~عزم الأمور وقال لقمان لابنه واءمر بالمعروف ms057 وانه عن المنكر واصبر على ما ~~أصابك ان ذلك من عزم الأمور # الخامس عشر انه سبحانه وعد المؤمنين بالنصر والظفر وهى كلمته التى سبقت ~~لهم وهى الكلمة الحسنى وأخبر أنه انما انالهم ذلك بالصبر فقال تعالى وتمت ~~كلمة ربك الحسنى على بنى اسرائيل بما صبروا # السادس عشر أنه سبحانه علق محبته بالصبر وجعلها لأهله فقال وكأين من نبى ~~قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما ~~استكانوا والله يحب الصابرين # السابع عشر انه سبحانه أخبر عن خصال الخير انه لا يلقاها الا الصابرون في ~~موضعين من كتابه في سورة القصص في قصة قارون وان الذين أوتوا العلم قالو ~~للذين تمنوا مثل ما أوتى ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا ~~يلقاها الا الصابرون وفي سورة حميم السجدة حيث أمر العبد أن يدفع بالتى هى ~~أحسن فإذا فعل ذلك صار الذى بينه وبينه عداوة كأنه حبيب قريب ثم قال وما ~~يلقاها الا الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم PageV01P059 الثامن عشر ~~أنه سبحانه أخبر أنه إنما ينتفع بآياته ويتعظ بها الصبار الشكور فقال تعالى ~~ولقد ارسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام ~~الله ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور وقال تعالى في لقمان ألم تر أن الفلك ~~تجرى في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور ~~وقال في قصة سبأ وجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ان في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور وقال تعالى ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام ان يشأ يسكن ~~الريح فيظللن رواكد على ظهره ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور فهذه أربع ~~مواضع في القرآن تدل على أن آيات الرب انما ينتفع بها أهل الصبر والشكر # التاسع عشر أنه أثنى على عبده أيوب بأحسن الثناء على صبره فقال أنا ~~وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب فأطلق عليه نعم العبد بكونه وجده صابرا ~~وهذا يدل على ms058 أن من لم يصبر اذا ابتلى فإنه بئس العبد # العشرون انه سبحانه حكم بالخسران حكما عاما على كل من لم يؤمن ولم يكن من ~~أهل الحق والصبر وهذا يدل على أنه لا رابح سواهم فقال تعالى والعصر ان ~~الإنسان لفي خسر الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر ولهذا قال الشافعى لو فكر الناس كلهم في هذه الاية لوسعتهم وذلك أن ~~العبد كماله في تكميل قوتيه قوة العلم وقوة العمل وهما الإيمان والعمل ~~الصالح وكما هو محتاج إلى تكميل نفسه فهو محتاج إلى تكميل غيره وهو التواصى ~~بالحق والتواصى بالصبر وأخية ذلك وقاعدته وساقه الذى يقوم عليه انما هو ~~الصبر # الحادى والعشرون أنه سبحانه خص أهل الميمنة بأنهم أهل الصبر والمرحمة ~~الذين قامت بهم هاتان الخصلتان ووصوا بهما غيرهم فقال تعالى ثم كان من ~~الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة وهذا حصر ~~لأصحاب الميمنة فيمن قام به هذان الوصفان والناس بالنسبة اليهما أربعة ~~أقسام هؤلاء خير الاقسام وشرهم من لا صبر له ولا رحمة فيه ويليه من له صبر ~~ولا رحمة عنده ويليه القسم الرابع وهو من له رحمة ورقة ولكن لا صبر له # الثانى والعشرون أنه سبحانه قرن الصبر بأركان الإسلام ومقامات الإيمان ~~كلها PageV01P060 فقرنه بالصلاة كقوله واستعينوا بالصبر والصلاة وقرنه ~~بالأعمال الصالحة عموما كقوله الا الذين صبروا وعملوا الصالحات وجعله قرين ~~التقوى كقوله إنه من يتق ويصبر وجعله قرين الشكر كقوله ان في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور وجعله قرين الحق كقوله وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وجعله قرين ~~الرحمة كقوله وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة وجعله قرين اليقين كقوله لما ~~صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون وجعله قرين الصدق كقوله والصادقين والصادقات ~~والصابرين والصابرات وجعله سبب محبته ومعيته ونصره وعونه وحسن جزائه ويكفي ~~بعض ذلك شرفا وفضلا والله أعلم # | الباب السادس عشر في ذكر ما ورد فيه من نصوص السنة في الصحيحين # من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ms059 وسلم أتى ~~على امرأة تبكى على صبى لها فقال لها اتقى الله واصبرى فقالت وما تبالى ~~بمصيبتى فلما ذهب قيل لها انه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذها مثل ~~الموت فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين فقالت يا رسول لم أعرفك فقال انما ~~الصبر عند أول صدمة وفي لفظ عند الصدمة الاولى وقوله الصبر عند الصدمة ~~الاولى مثل قوله ليس الشديد بالصرعة انما الشديد الذى يملك نفسه وقت الغضب ~~فإن مفاجئات المصيبة بغتة لها روعة تزعزع القلب وتزعجه بصدمها فإن صبر ~~الصدمة الأولى انكسر حدها وضعفت قوتها فهان عليه استدامة الصبر وأيضا فإن ~~المصيبة ترد على القلب وهو غير موطن لها فتزعجه وهى الصدمة الأولى وأما اذا ~~وردت عليه بعد ذلك توطن لها وعلم انه لا بد له منها فيصير صبره شبيه ~~الاضطرار وهذه المرأة لما علمت ان جزعها لا يجدى عليها شيئا جاءت تعتذر إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم كأنها تقول له قد صبرت فأخبرها أن الصبر انما هو ~~عند الصدمة الأولى # ويدل على هذا المعنى ما رواه سعيد بن زربى عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة ~~PageV01P061 رضى الله عنه قال مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة جاثمة ~~على قبر تبكى فقال لها يا أمة الله اتق الله واصبرى قالت يا عبد الله ثكلى ~~قال يا أمة الله اتق الله واصبرى قالت يا عبد الله لو كنت مصابا عذرتنى قال ~~يا أمة الله اتق الله واصبرى قالت يا عبد الله قد أسمعت فانصرف عنى فمضى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعه رجل من أصحابه فوقف على المرأة فقال ~~لها ما قال لك الرجل الذاهب قالت قال لى كذا وكذا وأجبته بكذا وكذا قال هل ~~تعرفينه قالت لا قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فوثبت سرعة نحوه ~~حتى انتهت اليه وهى تقول أنا أصبر أنا أصبر يا رسول الله فقال الصبر عند ~~الصدمة الأولى الصبر عند الصدمة الأولى # قال ابن ms060 أبى الدنيا حدثنا بشر بن الوليد وصالح الكندى بن مالك قالا حدثنا ~~سعيد بن زربى فذكره فهذا السياق يبين معنى الحديث قال أبو عبيد معناه ان كل ~~ذى رزبة فإن قصاراه الصبر ولكنه انما يحمد على صبره عند حدة المصيبة ~~وحرارتها # قلت وفي الحديث أنواع من العلم أحدها وجوب الصبر على المصائب وأنه من ~~التقوى التى أمر العبد بها الثانى الامر بالمعروف والنهى عن المنكر وان سكر ~~المصيبة وشدتها لا يسقطه عن الآمر الناهى الثالث تكرار الامر والنهى مرة ~~بعد مرة حتى يعذر المرء إلى ربه الرابع احتج به على جواز زيارة النساء ~~للقبور فانه صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليها الزيارة وانما أمرها بالصبر ~~ولو كانت الزيارة حراما لبين لها حكمها وهذا كان في آخر الامر فإن أبا ~~هريرة انما اسلم بعد السنة السابعة وأجيب عن هذا بأنه صلى الله عليه وسلم ~~قد أمرها بتقوى الله والصبر وهذا انكار منه لحالها من الزيارة والبكاء ويدل ~~عليه أنها لما علمت أن الآمر لها من تجب طاعته انصرفت مسرعة وأيضا فأبو ~~هريرة لم يخبر أنه شهد هذه القصة فلا يدل الحديث على أنها بعد السلامه ولو ~~شهدها فلعنته صلى الله عليه وسلم لزائرات القبور والمتخذين عليها المساجد ~~والسرج كان بعد هذا في مرض موته وفي عدم تعريفه لها بنفسه في تلك الحال ~~التى لا تملك فيها نفسها شفقة منه ورحمة بها اذا عرفها بنفسه في تلك الحال ~~فربما لم تسمع منه فتهلك وكان معصيتها له وهى لا تعلم أنه رسول الله أخف ~~PageV01P062 من معصيتها له لو علمت فهذا من كمال رأفته صلوات الله وسلامه ~~عليه # وفي صحيح مسلم عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله إنا لله وإنا اليه راجعون اللهم ~~اجرنى في مصيبتى واخلف لى خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها قالت فلما ~~مات أبو سلمة قلت أى المسلمين خير من أبى سلمة ms061 أول بيت هاجر إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم إنى قلتها فأخلف الله لى رسوله فأرسل إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حاطب بن ابى بلتعة يخطبنى له فقلت ان لى بنتا وأنا غيور ~~فقال أما بنتها فادعو الله أن يغنيها عنها وادعو الله أن يذهب بالغيرة ~~فتزوجت رسول الله صلى الله عليه وسلم # وعند أبى داود في هذا الحديث عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اذا أصابت أحدكم مصيبة قليقل إنا لله وإنا اليه راجعون اللهم عندك أحتسب ~~مصيبتى فاءجرنى فيها وابدلنى خيرا منها فلما احتضر أبو سلمة قال اللهم ~~اخلفنى في أهلى خير منى فلما قبض قالت أم سلمة إنا لله وانا اليه راجعون ~~عند الله أحتسب مصيبتى فانظر عاقبة الصبر والاستراجاع ومتابعة الرسول ~~والرضاء عن الله إلى ما آلت إليه وأنالت أم سلمة نكاح أكرم الخلق على الله # وفي جامع الترمذي ومسند الامام أحمد وصحيح ابن حبان عن أبي موسى الأشعري ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا مات ولد العبد قال الله لملائكته ~~قبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول قبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول ماذا ~~قال عبدي فيقولون حمدك واسترجعك فيقول ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت ~~الحمد # وفي صحيح البخاري من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اذا ~~ابتليت عبدي بحبيتيه ثم صبر عوضته منهما الجنه يريد عينيه وعند الترمذي في ~~الحديث اذا أخذت كريمتي عبدي في الدنبا لم يكن له جزاء عندي الا الجنة وفي ~~الترمذي أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول الله عز وجل من أذهبت حبيتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون ~~الجنة # وفي سنن أبي داود من حديث عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يرضى الله لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيه من أهل الأرض واحتسبه ~~بثواب دون PageV01P063 الجنة وفي ms062 صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل ما لعبدي المؤمن جزاء اذا ~~قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه الا الجنة وفي صحيحه أيضا عن عطاء بن ~~أبي رباح قال قال لي ابن عباس ألا أريك امرأة من أهل الجنة قلت بلى قال هذه ~~المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله اني أصرع ~~واني أتكشف فادع الله لي قال ان شئت صبرت ولك الجنة وان شئت دعوت الله ~~تعالى ان يعافيك فقالت أصبر فقالت أني أتكشف فادع الله ان لا أتكشف فدعا ~~لها # وفي الموطأ من حديث عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~اذا مرض العبد بعث اليه ملكين فقال انظرا ماذا يقول لعواده فإن هو اذ جاؤوه ~~حمد الله وأثنى عليه رفعا ذلك إلى الله وهو أعلم فيقول ان لعبدي علي ان ~~توفيته ان أدخله الجنة وان أنا شفيته أن أبدله لحما خيرا من لحمه ودما خيرا ~~من دمه وأن أكفر عنه سيئاته وفي صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال ~~رسول الله اذا جمع الله الخلائق نادى مناد أين أهل الصبر فيقوم ناس وهم ~~قليلون فينطلقون سراعا إلى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون انا نراكم سراعا ~~إلى الجنة فمن أنتم فيقولون نحن أهل الفضل فيقولون ما كان فضلكم فيقولون ~~كنا اذا ظلمنا صبرنا واذا أسيء الينا غفرنا واذا جهل علينا حلمنا فيقال لهم ~~ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين # وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم مالا فقال بعض الناس ~~هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر # وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مصيبة تصيب المسلم الا كفر الله ms063 بها ~~عنه حتى الشوكة يشاكها وفيهما أيضا من حديث أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا ~~أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها الا كفر الله بها من خطاياه # وفي صحيح مسلم من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ~~يصيب المؤمن PageV01P064 من شوكة فما فوقها الا رفعه الله بها درجة وحط عنه ~~بها خطيئة وفي المسند من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لا يزال البلاء بالمؤمن أو المؤمنة في جسده وفي ماله وفي ولده حتى يلقى ~~الله وما عليه خطيئة وفي الصحيح من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال ~~قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء قال الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل ~~فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فان كان في دينه صلابة زيد في بلائه وان ~~كان في دينه رقة خفف عنه وما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس ~~عليه خطيئة # وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال دخلت على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو يوعك وعكا شديدا قال فقلت يا رسول الله انك لتوعك وعكا ~~شديدا قال أجل انى لأوعك كما يوعك رجلان منكم قلت ان لك لأجرين قال نعم ~~والذى نفسى بيده ما على الأرض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه الا حط الله ~~عنه به خطاياه كما تحط الشجرة ورقها وفي الصحيحين أيضا من حديث عائشة رضى ~~الله عنها قالت ما رأيت الوجع اشد منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم # وفي بعض المسانيد مرفوعا ان الرجل لتكون له الدرجة عند الله لا يبلغها ~~بعمل حتى يبتلى ببلاء في جسسمه فيبلغها بذلك ويروى عن عائشة رضى الله عنها ~~عنه صلى الله عليه وسلم اذا اشتكى المؤمن أخلصه ذلك من الذنوب كما يخلص ~~الكير الخبث من الحديد وفي صحيح ms064 البخارى من حديث خباب بن الارت قال شكونا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة له في ظل الكعبة فقلنا ~~ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا فقال قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في ~~الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط ~~بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا ~~الامر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف الا الله والذئب على ~~غنمه ولكنكم تستعجلون # وفي لفظ للبخارى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل ~~الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلنا ألا تدعو الله فقعد وهو محمر وجهه ~~فقال لقد كان الرجل ليمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن ~~دينه PageV01P065 # وقد حمل أهل العلم قول خباب شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر ~~الرمضاء فلم يشكنا على هذا المحمل وقال شكوا اليه حر الرمضاء الذى كان يصيب ~~جباههم وأكفهم من تعذيب الكفار فلم يشكهم وانما دلهم على الصبر # وهذا الوجه أنسب من تفسير من فسر ذلك بالسجود على الرمضاء واحتج به على ~~وجوب مباشرة المصلى بالجبهة لثلاثة أوجه # أحدها انه لا دليل في اللفظ على ذلك الثانى انهم قد أخبروا أنهم كانوا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم فكان أحدهم اذا لم يستطع أن يسجد على الأرض يبسط ~~ثوبه فسجد عليه والظاهر أن هذا يبلغه ويعلم به وقد أقرهم عليه # الثالث ان شدة الحر في الحجاز تمنع من مباشرة الجبهة والكف للأرض بل يكاد ~~يشوى الوجه والكف فلا يتمكن من الطمأنينة في السجود ويذهب خشوع الصلاة ~~ويتضرر البدن ويتعرض للمرض والشريعة لا تأتى بهذا فتأمل رواية خباب لهذا ~~والذى قبله واجمع بين اللفظين والمعنيين والله أعلم ولا تستوحش من قوله فلم ~~يشكنا فانه هو معنى إعراضه عن شكايتهم واخباره لهم بصبر من قبلهم والله ~~أعلم # وفي الصحيح من حديث أسامة ms065 بن زيد قال أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه ~~وسلم اليه ان ابنا لى احتضر فاءتنا فأرسل يقريها السلام ويقول ان لله ما ~~أخذ وله ما أعطى وكل شئ عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب فأرسلت اليه تقسم ~~عليه ليأتينها فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبى بن كعب وزيد بن ~~ثابت ورجال فرفع الصبى إلى رسول الله فأقعده في حجره ونفسه تقعقع كأنها شن ~~ففاضت عيناه فقال سعد يا رسول الله ما هذا قال هذه رحمة جعلها الله في قلوب ~~من يشاء من عباده وانما يرحم الله من عباده الرحماء # وفي سنن النسائى عن ابن عباس قال احتضرت ابنة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صغيرة فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وضمها إلى صدره ثم وضع يده ~~عليها وهى بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت أم أيمن فقلت لها ~~أتبكين ورسول الله صلى الله عليه وسلم عندك فقالت PageV01P066 مالى لا أبكى ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبكى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انى ~~لست أبكى ولكنها رحمة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن بخير على ~~كل حال تنزع نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله عزوجل # وفي صحيح البخارى من حديث أنس رضى الله عنه قال اشتكى ابن لأبى طلحة فمات ~~وأبو طلحة خارج فلما رأت امرأته انه قد مات هيأت شيئا وسجته في جانب البيت ~~فلما جاء أبو طلحة قال كيف الغلام قالت قد هدأت نفسه وأرجو أن يكون قد ~~استراح فظن أبو طلحة انها صادقة قال فبات معها فلما أصبح اغتسل فلما أراد ~~أن يخرج أعلمته انه قد مات فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخبره ~~بما كان منهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله أن يبارك لكما ~~في ليلتكما قال ابن عيينة فقال رجل من الانصار فرأيت له تسعة أولاد كلهم قد ~~قرأو القرآن وفي موطأ مالك عن ms066 القاسم بن محمد قال هلكت امرأة لى فأتانى ~~محمد بن كعب القرظى يعزينى فيها فقال انه قد كان في بنى اسرائيل رجل فقيه ~~عابد عالم مجتهد وكانت له امرأة وكان بها معجبا فماتت فوجد عليها وجدا ~~شديدا حتى خلى في بيت وأغلق على نفسه واحتجب عن الناس فلم يكن يدخل عليه ~~أحد ثم ان امرأة من بنى اسرائيل سمعت به فجاءته فقالت ان لى اليه حاجة ~~أستفتيه فيها ليس يجزينى إلا أن أشافهه بها فذهب الناس ولزمت الباب فأخبر ~~فأذن لها فقالت أستفتيك في أمر قال وما هو قالت انى استعرت من جارة حليا ~~فكنت ألبسه وأعيره زمانا ثم انها أرسلت إلى فيه أفأرده اليها قال نعم قالت ~~والله انه مكث عندي زمانا فقال ذلك أحق لردك إياه فقالت له يرحمك الله ~~أفتأسف على ما أعارك الله ثم أخذه منك وهو أحق به منك فأبصر ما كان فيه ~~ونفعه الله بقولها # وفي جامع الترمذى عن شيخ من بنى مرة قال قدمت الكوفة فأخبرت عن بلال ابن ~~أبى بردة فقلت ان فيه لمعتبرا فأتيته وهو محبوس في داره التى كان بنى واذا ~~كل شئ منه قد تغير من العذاب والضرب واذا هو في قشاش فقلت له الحمد لله يا ~~بلال لقد رأيتك تمر بنا وأنت تمسك أنفك من غير غبار وأنت في حالتك هذه فكيف ~~صبرك اليوم فقال ممن أنت قلت من بنى مرة بن عباد PageV01P067 قال ألا أحدثك ~~حديثا عسى أن ينفعك الله به قال هات قال حدثنى أبو بردة عن أبى موسى أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يصيب عبدا نكبة فما فوقها أو دونها ~~الا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر قال وقرأ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم ويعفو عن كثير # وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه كأنى أنظر إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يحكى أن نبيا من الانبياء ضربه قومه فأدموه وهو ~~يمسح الدم عن ms067 وجهه ويقول اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون فتضمنت هذه ~~الدعوة العفو عنهم والدعاء لهم والاعتذار عنهم والاستعطاف بقوله لقومى وفي ~~الموطأ من حديث عبد الرحمن بن القاسم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليعز المسلمين في مصائبهم المصيبة بى وفي الترمذي من حديث يحيى بن وثاب عن ~~شيخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الذى يخالط الناس ويصبر على أذاهم قال الترمذى كان شعبة يرى أن ~~الشيخ ابن عمر # وفي الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ما أعطى أحد عطاء خير وأوسع من الصبر وفي بعض المسانيد ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال قال الله عزوجل اذا وجهت إلى عبد من عبيدى ~~مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ثم استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم ~~القيامة أن أنصب له ميزانا أو أنشر له ديوانا # وفي جامع الترمذى عنه صلى الله عليه وسلم اذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن ~~رضى فله الرضا ومن سخط فله السخط وفي بعض المسانيد عنه صلى الله عليه وسلم ~~مرفوعا اذا أراد الله بعبد خيرا صب عليه البلاء صبا وفي صحيح مسلم من حديث ~~جابر بن عبد الله رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ~~امرأة فقال مالك ترفرفين قالت الحمى لا بارك الله فيها قال لا تسبى الحمى ~~فإنها تذهب خطايا بنى آدم كما يذهب الكير خبث الحديد # ويذكر عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~وعك ليلة فصبر ورضى عن الله تعالى خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وقال الحسن ~~أنه ليكفر PageV01P068 عن العبد خطاياه كلها بحمى ليلة وفي المسند وغيره عن ~~أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~محموم فوضعت يدى من فوق القطيفة فوجدت ms068 حرارة الحمى فقلت ما أشد حماك يا ~~رسول الله قال انا كذلك معاشر الانبياء يضاعف علينا الوجع ليضاعف لنا الاجر ~~قال قلت يا رسول الله فأى الناس أشد بلاء قال الانبياء قلت ثم من قال ~~الصالحون ان كان الرجل ليبتلى بالفقر حتى ما يجد الا العباء فيجوبها ~~فيلبسها وان كان الرجل ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحب اليهم ~~من العطاء اليكم # وقال عقبة بن عامر الجهنى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس من عمل ~~الا وهو يختم عليه فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة يا ربنا عبدك فلان قد ~~حبسته عن العمل فيقول الرب تعالى اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت ~~وقال أبو هريرة إذا مرض العبد المسلم نودى صاحب اليمين أن أجر على عبدى ~~صالح ما كان يعمل وهو صحيح ويقال لصاحب الشمال أقصر عن عبدى ما دام في ~~وثاقى فقال رجل عند أبى هريرة يا ليتنى لا أزال ضاجعا فقال أبو هريرة كره ~~العبد الخطايا ذكره ابن أبى الدنيا # وذكر ايضا عن هلال بن بساق قال كنا قعودا عند عمار بن ياسر فذكروا ~~الاوجاع فقال أعرابى ما اشتكيت قط فقال عمار ما أنت منا أو لست منا ان ~~المسلم يبتلى بلاء فتحط عنه ذنوبه كما يحط الورق من الشجر وان الكافر أو ~~قال الفاجر يبتلى ببلية فمثله مثل البعير ان أطلق لم يدر لم أطلق وان عقل ~~لم يدر لم عقل وذكر عن أبى معمر الازدى قال كنا اذا سمعنا من ابن مسعود ~~شيئا نكرهه سكتنا حتى يفسره لنا فقال لنا ذات يوم ألا ان السقم لا يكتب له ~~أجر فساءنا ذلك وكبر علينا فقال ولكن يكفر به الخطيئة فسرنا ذلك وأعجبنا # وهذا من كمال علمه وفقهه رضى الله عنه فإن الاجر انما يكون على الاعمال ~~الاختيارية ومما تولد منها كما ذكر الله سبحانه النوعين في آخر سورة التوبة ~~في قوله في المباشر من الانفاق وقطع الوادى الا كتب لهم وفي المتولد ms069 من ~~اصابة الظمأ والنصب والمخمصة في سبيله وغيظ الكفار الا كتب لهم به عمل صالح ~~فالثواب مرتبط PageV01P069 # بهذين النوعين وأما الاسقام والمصائب فإن ثوابها تكفير الخطايا ولهذا قال ~~تعالى # وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم والنبي صلى الله عليه وسلم انما ~~قال في المصائب كفر الله بها من خطاياه كما تقدم ذكر الفاظه صلى الله عليه ~~وسلم وكذا قوله المرض حطة فالطاعات ترفع الدرجات والمصائب تحط السيئات ~~ولهذا قال صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا يصب منه وقال صلى الله ~~عليه وسلم من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين فهذا يرفعه وهذا يحط خطاياه # وقال يزيد بن ميسرة ان العبد ليمرض المرض وما له عند الله من عمل خير ~~فيذكره الله سبحانه بعض ما سلف من خطاياه فيخرج من عينه مثل رأس الذباب من ~~الدمع من خشية الله فيبعثه الله ان يبعثه مطهرا أو يقبضه ان قبضه مطهرا ولا ~~يرد على هذا حديث أبى موسى الاشعرى رضى الله عنه في ثواب من قبض الله ولده ~~وثمرة فؤاده بأن يبنى له بيتا في الجنة ويسميه بيت الحمد # وقال زياد بن زياد مولى ابن عباس رضى الله عنه وعن أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ممعوك اى محموم ~~فقلنا اح اح بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله ما أشد وعكك قال انا معاشر ~~الانبياء يضاعف علينا البلاء تضعيفا قال قلنا سبحان الله قال أفعجبتم ان ~~كان النبي من الانبياء ليقتله القمل قلنا سبحان الله قال أفعجبتم ان أشد ~~الناس بلاء الانبياء ثم الصالحون ثم الامثل فالامثل قلنا سبحان الله قال ~~أفعجبتم ان كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء # أح بالحاء المهملة هو المعروف من كلامهم ومن قال بالخاء المعجمة فقد غلط ~~وذكر النسائى عن عبيدة بن حذيفة عن عمته فاطمة قالت أتيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم في نسوة نعوده فاذا سقاء معلقة يقطر ماؤها من شدة ما كان ms070 يجد من ~~الحمى فقلنا لو دعوت الله يا رسول الله أن يذهبها عنك فقال ان أشد الناس ~~بلاء الانبياء ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم # وقال مسروق عن عائشة رضى الله عنها ما رأيت أحدا أشد وجعا من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يشدد عليه اذا مرض حتى انه لربما مكث خمس عشرة لا ~~ينام PageV01P070 # وكان يأخذه عرق الكلية وهو الخاصرة فقلنا يا رسول الله لو دعوت الله ~~فيكشف عنك قال إنا معاشر الانبياء يشدد علينا الوجع ليكفر عنا # وفي المسند والنسائى من حديث أبى سعيد قال قال رجل يا رسول الله ارأيت ~~هذه الامراض التى تصيبنا مالنا بها قال كفارات فقال أبى بن كعب يا رسول ~~الله وان قلت قال شوكة فما فوقها قال فدعا ابى على نفسه عند ذلك أن لا ~~يفارقه الوعك حتى يموت ولا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد في سبيل الله ~~وصلاة مكتوبة في جماعة قال فما مس رجل جلده بعدها الا وجد حرها حتى مات ~~وقال عبد الله بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان العبد اذا كان ~~على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض قيل للملك الموكل به أكتب له مثل عمله ~~اذا كان طلقا أو أكفته إلى ناقة طلق بضم الطاء واللام اذا حل عقالها ويقال ~~كفته اليه اذا ضمه اليه ذكره ابن أبى الدنيا # وذكر أيضا عن ابى أمامة الباهلى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ~~الله ليجرب أحدكم بالبلاء وهو أعلم به كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار فمنهم من ~~يخرج كالذهب الابريز فذلك الذى نجاه الله من السيئات ومنهم من يخرج كالذهب ~~دون ذلك فذلك الذى يشك بعض الشك ومنهم من يخرج كالذهب الأسود فذلك الذى قد ~~أفتتن وذكر أيضا من مراسيل الحسن البصرى عن النبي صلى الله عليه وسلم ان ~~الله ليكفر عن المؤمن خطاياه كلها بحمى ليلة # قال ابن أبى الدنيا قال ابن المبارك هذا من الحديث الجيد ms071 قال وكانوا ~~يرجون في حمى ليله كفارة ما مضى من الذنوب # وذكر عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على رجل وهو يشتكى فقال ~~قل اللهم انى أسألك تعجيل عافيتك وصبرا على بليتك وخروجا من الدنيا إلى ~~رحمتك وقالت عائشة رضى الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ~~الحمى تحط الخطايا كما تحط الشجرة ورقها وقال أبو هريرة وقد عاد مريضا فقال ~~له ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان الله عز وجل يقول هى نارى ~~أسلطها على عبدى المؤمن في الدنيا لتكون حظه من النار في الآخرة ~~PageV01P071 # وقال مجاهد الحمى حظ كل مؤمن من النار ثم قرأ وان منكم الا واردها كان ~~على ربك حتما مقضيا وهذا لم يرد به مجاهد تفسير الورود الذى في القرآن فإن ~~السياق يأبى حمله على الحمى قطعا وانما مراده أن الله سبحانه وعد عباده ~~كلهم بورود النار فالحمى للمؤمن تكفر خطاياه فيسهل عليه الورود يوم القيامة ~~فينجو منها سريعا والله أعلم # ويدل عليه حديث أبى ريحانة عن النبي صلى الله عليه وسلم الحمى كير من كير ~~جهنم وهى نصيب المؤمن من النار وقال أنس رضى الله عنه قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مثل المؤمن اذا برأ وصح من مرضه كمثل البردة تقع من السماء ~~في صفائها ولونها ذكره ابن أبى الدنيا # وذكر أيضا عن أبى أمامة يرفعه ما من مسلم يصرع صرعة من مرض الا بعث منها ~~طاهرا وذكر عنه صلى الله عليه وسلم مثل المؤمن حيث يصيبه الوعك مثل الحديدة ~~تدخل النار فيذهب خبثها ويبقى طيبها وذكر أيضا عنه مرفوعا ان العبد اذا مرض ~~أوحى الله إلى ملائكته يا ملائكتى أنا قيدت عبدى بقيد من قيودي فإن أقبضه ~~أغفر له وان أعافه فجسد مغفور لا ذنب له # وذكر عن سهل بن أنس الجهنى عن أبيه عن جده قال دخلت على أبى الدرداء في ~~مرضه فقلت يا أبا الدرداء انا نحب أن نصح ms072 ولا نمرض فقال أبو الدرداء سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان الصداع والمليلة لا يزالان بالمؤمن ~~وان كان ذنبه مثل أحد حتى لا يدعان عليه من ذنبه مثقال حبة من خردل المليلة ~~فعيلة من التململ وأصلها من الملة التى يخبز فيها # وقالت أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ابتلى الله عبدا بلاء وهو ~~على طريق يكرهها الا جعل الله ذلك البلاء له كفارة وطهورا ما لم ينزل ما ~~أصابه من البلاء بغير الله أو يدعو غير الله يكشفه وقال عطيه بن قيس مرض ~~كعب فعاده رهط من أهل دمشق فقالوا كيف تجدك يا أبا اسحاق قال بخير جسد أخذ ~~بذنبه ان شاء ربه عذبه وان شاء رحمه وان بعثه بعثه خلقا جديدا لا ذنب له ~~وقال سعيد ابن وهب دخلنا مع سلمان الفارسى على رجل من كنده نعوده فقال ~~سلمان PageV01P072 إن المسلم يبتلى فيكون كفارة لما مضى ومستعتبا فيما بقى ~~وان الكافر يبتلى فمثله كمثل البعير أطلق فلم يدر لم أطلق وعقل فلم يدر لم ~~عقل # وذكر أيضا عن أبى أيوب الانصارى قال عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجلا من الأنصار وأكب عليه فسأله فقال يا نبى الله ما غمضت منذ سبع فقال ~~رسول الله أى أخى أصبر أى أخى أصبر تخرج من ذنوبك كما دخلت فيها ثم قال ~~رسول الله ساعات الأمراض يذهبن ساعات الخطايا # وفي النسائى من حديث أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لأعرابى هل أخذتك أم ملدم قال يا رسول الله وما أم ملدم قال حر يكون بين ~~الجلد والدم قال ما وجدت هذا قال يا أعرابى هل أخذك الصداع قال يا رسول وما ~~الصداع قال عرق يضرب على الإنسان في رأسه قال ما وجدت هذا فلما ولى قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر ~~إلى هذا وقالت أم سليم مرضت فعادنى رسول الله ms073 صلى الله عليه وسلم فقال يا ~~أم سليم أتعرفين النار والحديد وخبث الحديد قلت نعم يا رسول الله قال أبشرى ~~يا أم سليم فإنك إن تخلصى من وجعك هذا تخلصى منه كما يخلص الحديد من النار ~~من خبثه وخرج بعض الصحابة زائر لرجل من إخوانه فبلغه أنه شاك قبل أن يدخل ~~عليه فقال أتيتك زائرا و أتيتك عائدا ومبشرا قال كيف جمعت هذا قال خرجت ~~وأنا أريد زيارتك فبلغى شكاتك فصارت عيادة وأبشرك بشيء سمعته من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال اذا سبقت للعبد من الله منزلة لم يبلغها أو قال لم ~~ينلها بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ولده أو في ماله ثم صبره حتى يبلغه ~~المنزلة التى سبقت له من الله عز وجل # وقال الحسن وذكر الوجع أما والله ما هو بشر أيام المسلم أيام نورت له ~~فيها مراحله وذكر فيها ما نسى من معاده وكفر بها عنه من خطاياه وقال بعض ~~السلف لولا مصائب الدنيا لو لوردنا الآخرة مفاليس # وقال أنس بن مالك رضى الله عنه انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~شجرة فهزها حتى سقط من ورقها ما شاء الله ثم قال المصائب والاوجاع في إحباط ~~ذنوب أمتى PageV01P073 أسرع منى في هذه الشجرة وذكر ابن أبى الدنيا عن أبى ~~هريرة رضى الله عنه يرفعه ما من مسلم إلا وكل الله به ملكين من ملائكته لا ~~يفارقانه حتى يقضى الله بأمره بإحدى الحسنيين اما بموت واما بحياة فإذا قال ~~له العواد كيف نجدك قال أحمد الله أجدنى والله المحمود بخير قال له الملكان ~~أبشر بدم هو خير من دمك وصحة هى خير من صحتك وان قال أجدنى مجهودا في بلاء ~~شديد قال له الملكان ابشر بدم هو شر من دمك وبلاء أطول من بلائك # ولا يناقض هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في وجعه واراساه وقول سعد يا ~~رسول الله قد اشتد بى الوجع وأنا ذو مال وقول عائشة وارأساه فإن ms074 هذا انما ~~قيل على وجه الاخبار لا على وجه شكوى الرب تعالى إلى العواد فإذا حمد ~~المريض الله ثم أخبر بعلته لم يكن شكوى منه وان أخبر بها تبرما وتسخطا كان ~~شكوى منه فالكلمة الواحدة قد يثاب عليها وقد يعاقب بالنية والقصد # وقال ثابت البنانى انطلقنا مع الحسن إلى صفوان بن محرز نعوده فخرج الينا ~~ابنه وقال هو مبطون لا تستطيعون أن تدخلوا عليه فقال الحسن ان أباك ان يؤخذ ~~اليوم من لحمه ودمه فيوجد فيه خير من أن يأكله التراب # وقال ثابت أيضا دخلنا على ربيعة بن الحارث نعوده وهو ثقيل فقال انه من ~~كان في مثل حالتى هذه ملأت الآخرة قلبه كانت الدنيا أصغر في عينيه من ذباب ~~ويذكر عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اذا مرض العبد ثلاث أيام خرج ~~من ذنوبه كيوم ولدته أمه ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم لا ترد دعوة المريض ~~حتى يبرأ # وذكر ابن أبى الدنيا عن ابن مسعود رضى الله عنه قال كنت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جالسا فتبسم فقلنا يا رسول الله مم تبسمت قال تعجبا للمؤمن ~~من جزعه من السقم ولو كان يعلم ماله في السقم أحب أن يكون سقيما حتى يلقى ~~الله ثم تبسم ثانية ورفع رأسه إلى السماء قلنا يا رسول الله مم تبسمت ورفعت ~~رأسك إلى السماء قال عجبت من ملكين نزلا من السماء يلتمسان عبدا مؤمنا كان ~~في مصلاه يصلى فلا يجداه فعرجا إلى الله فقالا يا رب عبدك فلان المؤمن كنا ~~نكتب له من العمل في يوم وليلة كذا وكذا فوجدنا قد حبسته في حبالك فلم نكتب ~~له PageV01P074 شيئا من عمله فقال اكتبوا لعبدى عمله الذى كان يعمله في ~~يومه وليلته ولا تنقصوا منه شيئا فعلى أجر ما حبسته وله أجر ما كان يعمل # ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم من وعك ليلة فصبر ورضى بها عن الله عز وجل ~~خرج من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمه ومن ms075 مراسيل يحيى بن كثير قال فقد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سلمان فسأل عنه فأخبر أنه عليل فأتاه يعوده فقال ~~شفى الله سقمك وعظم أجرك وغفر ذنبك ورزقك العافية في دينك وجسمك إلى منتهى ~~أجلك إن لك من وجعك خلالا ثلاثا أما الأولى فتذكرة من ربك يذكرك بها وأما ~~الثانية فتمحيص لما سلف من ذنوبك وأما الثالثة فادع بما شئت فإن المبتلى ~~مجاب الدعوة # وقال زياد بن الربيع قلت لابى بن كعب آية من كتاب الله قد أحزنتنى قال ما ~~هى قلت من يعمل سوءا يجز به قال ما كنت أراك إلا افقه مما أرى إن المؤمن لا ~~يصيبه عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر وسئلت ~~عائشة عن هذه الآية فقالت ما سألنى عنها أحد منذ سألت رسول الله فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم يا عائشة هذه معاقبة الله تعالى لعبده بما يصيبه من ~~الحمى والمليله والشوكة وانقطاع شسعه حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها ~~فيفزع لها فيجدها في ضبنه حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج الذهب ~~الأحمر من الكير ضبن الانسان ما تحت يده يقال اضطبن كذا اذا حمله تحت يده ~~وقال وهب بن مغبه لا يكون الرجل فقيها كامل الفقه حتى يعد البلاء نعمة ويعد ~~الرخاء مصيبة وذلك أن صاحب البلاء ينتظر الرخاء وصاحب الرخاء ينتظر البلاء # وفي بعض كتب الله سبحانه ان الله ليصيب العبد بالأمر يكرهه وانه ليحبه ~~لينظر كيف تضرعه إليه # وقال كعب أجد في التوراة لولا أن يحزن عبدى المؤمن لعصبت الكافر بعصابة ~~من حديد لا يصدع أبدا وقال معروف الكرخى ان الله ليبتلى عبده المؤمن ~~بالأقسام والاوجام فيشكو إلى أصحابه فيقول الله تبارك وتعالى وعزتى وجلالى ~~ما ابتليتك بهذه الاوجاع والاسقام الا لأغسلك من الذنوب فلا تشكنى ~~PageV01P075 وذكر ابن أبى الدنيا أن رجلا قال يا رسول الله ما الاسقام قال ~~أو ما سقمت قط قال لا فقال قم عنا فلست مؤمنا # وكان عبد ms076 الله بن مسعود قد اشتدت به العلة فدخل عليه بعض اصحابه يعوده ~~وأهله تقول نفسى فداك ما نطمعك ما نسقيك فأجابها بصوت ضعيف بليت الحرافيف ~~وطالت الضجعة والله ما يسرنى ان الله نقصنى منه قلامه ظفر # وطلق خالد بن الوليد امرأة له ثم أحسن عليها الثناء فقيل له يا أبا ~~سليمان لأى شيء طلقتها قال ما طلقتها لأمر رابنى منها ولا ساءنى ولكن لم ~~يصبها عندى بلاء ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم ما ضرب على مؤمن عرق الا كتب ~~الله له به حسنة وحط به عنه سيئة ورفع له به درجة # ولا ينافي هذا ما قدمناه من أن المصائب مكفرات لا غير لأن حصول الحسنة ~~انما هو بصبره الاختيارى عليها وهو عمل منه وعاد رجل من المهاجرين مريضا ~~فقال ان للمريض اربعا يرفع عنه القلم ويكتب له من الاجر مثل ما كان يعمل في ~~صحته ويتبع المرض كل خطيئة من مفصل من مفاصله فيستخرجها فإن عاش عاش مغفورا ~~له وان مات مات مغفور له فقال المريض اللهم لا أزال مضطجعا # وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم والذى نفسى بيده لا يقضى الله للمؤمن ~~قضاء الا كان خيرا له ان أصابته سرا شكر فكان خيرا له وان أصابته ضراء صبر ~~فكان خيرا له وليس ذلك الا للمؤمن وفي لفظ ان أمر المؤمن كله عجيب ان ~~أصابته سراء شكر فكان خيرا له وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا له # | الباب السابع عشر في الآثار الواردة عن الصحابة ومن بعدهم في فضيلة # الصبر # قال الامام أحمد حدثنا وكيع عن مالك بن مغول عن السفر قال مرض أبو بكر ~~رضى الله عنه فعادوه فقالوا ألا ندعو لك الطبيب فقال قد رآنى الطبيب قالوا ~~فأى شئ قال لك قال انى فعال لما أريد PageV01P076 # وقال الامام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مجاهد قال قال عمر ~~ابن الخطاب رضى الله عنه وجدنا خير عيشنا بالصبر وقال أيضا أفضل عيش ~~أدركناه بالصبر ولو أن ms077 الصبر كان من الرجال كان كريما وقال على بن أبى طالب ~~رضى الله عنه ألا ان الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا قطع ~~الرأس بار الجسم ثم رفع صوته فقال ألا انه لا ايمان لمن لا صبر له وقال ~~الصبر مطية لا تكبو # وقال الحسن الصبر كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده ~~وقال عمر بن عبد العزيز ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعاضه ~~مكانها الصبر الا كان ما عوضه خيرا مما انتزعه وقال ميمون بن مهران ما بال ~~أحد شيئا من ختم الخير فما دونه الا الصبر وقال سليمان بن القاسم كل عمل ~~يعرف ثوابه الا الصبر قال الله تعالى إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ~~قال كالماء المنهمر # وكان بعض العارفين في جيبه رقعة يخرجها كل وقت ينظر فيها وفيها واصبر ~~لحكم ربك فإنك بأعيننا وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه لو كان الصبر ~~والشكر بعيرين لم أبال أيهما ركبت وكان محمد بن شبرمة إذا نزل به بلاء قال ~~سحابة صيف ثم تنقشع وقال سفيان بن عيينة في قوله تعالى وجعلناهم أئمة يهدون ~~بأمرنا لما صبروا لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رءوسا وقيل للأحنف بن قيس ~~ما الحلم قال أن تصبر على ما تكره قليلا وقال وهب مكتوب في الحكمة قصر ~~السفه النصب وقصر الحلم الراحة وقصر الصبر الظفر وقصر الشيء وقصاراه غايته ~~وثمرته # وقدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمد وكان من ~~أحسن الناس وجها فدخل يوما على الوليد في ثياب وشيء وله غديرتان وهو يضرب ~~بيده فقال الوليد هكذا تكون فتيان قريش فعانه فخرج من عنده متوسنا فوقع في ~~اصطبل الدواب فلم تزل الدواب تطأه بأرجلها حتى مات ثم ان الآكلة وقعت في ~~رجل عروة فبعث اليه الوليد الأطباء فقالوا إن لم تقطعها سرت إلى باقى الجسد ~~فتهلك PageV01P077 فعزم على قطعها فنشروها بالمنشار فلما صار المنشار إلى ~~القصبة وضع راسه على ms078 الوسادة ساعة فغشى عليه ثم أفاق والعرق يتحدر على وجهه ~~وهو يهلل ويكبر فأخذها وجعل يقبلها في يده ثم قال أما والذى حملنى عليك انه ~~ليعلم انى ما مشيت بك إلى حرام ولا إلى معصية ولا إلى ما لا يرضى الله ثم ~~أمر بها فغسلت وطيبت وكفنت في قطيفة ثم بعث بها إلى مقابر المسلمين فلما ~~قدم من عند الوليد المدينة تلقاه أهل بيته وأصدقاؤه يعزونه فجعل يقول لقد ~~لقينا من سفرنا هذا نصبا ولم يزد عليه ثم قال لا أدخل المدينة انما أنا بها ~~بين شامت بنكية أو حاسد لنعمة فمضى إلى قصر بالعقيق فأقام هنالك فلما دخل ~~قصره قال له عيسى بن طلحة لا أبا لشانئيك أرني هذه المصيبة التي نعزيك فيها ~~فكشف له عن ركبته فقال له عيسى أما والله ما كنا نعدك للصراع قد أبقى الله ~~أكثرك عقلك ولسانك وبصرك ويداك وإحدى رجليك فقال له يا عيسى ما عزاني أحد ~~بمثل ما عزيتني به ولما أرادوا قطع رجله قالوا له لو سقيناك شيئا كيلا تشعر ~~بالوجع فقال إنما ابتلاني ليرى صبري أفأعارض أمره وسئل ابنه هشام كيف كان ~~أبوك يصنع برجله التي قطعت إذا توضأ قال كان يمسح عليها # وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا سلام قال سمعت قتادة يقول قال ~~لقمان وسأله رجل اى شئ خيرا قال صبر لا يتبعه أذى قال فأى الناس خيرا قال ~~الذى يرضى بما أوتى قال فأى الناس أعلم قال الذى يأخذ من علم الناس إلى ~~علمه قيل فما خير الكنز من المال أو من العلم قال سبحان الله بل المؤمن ~~العالم الذى ان ابتغى عنده خيرا وجد وان لم يكن عنده كف نفسه وبحسب المؤمن ~~أن يكف نفسه وقال حسان بن أبى جبلة من بث فلم يصبر ورواه ابن أبى الدنيا ~~مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وان صح فمعناه إلى المخلوق لا من بث ~~إلى الله وقال حسان ابن أبى جبلة أيضا في قوله تعالى فصبر ms079 جميل قال لا شكوى ~~فيه ورفعه ابن أبى الدنيا أيضا # وقال مجاهد فصبر جميل في غير جزع وقال عمرو بن قيس فصبر جميل قال الرضا ~~بالمصيبة والتسليم وقال بعض السلف فصبر جميل لا شكوى فيه وقال همام ~~PageV01P078 عن قتادة في قوله تعالى وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم قال ~~كظم على حزن فلم يقل إلا خيرا وقال يحيى بن المختار عن الحسن الكظيم الصبور ~~وقال همام عن قتادة في قوله تعالى وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم أى كميد ~~أى كمد الحزن وقال الحسن ما جرعتين أحب إلى الله من جرعة مصيبة موجعة محزنة ~~ردها صاحبها بحسن عزاء وصبر وجرعة غيظ ردها بحلم # وقال عبد الله بن المبارك أخبرنا عبد الله بن لهيعة عن عطاء بن دينار أن ~~سعيد ابن جبير قال الصبر اعتراف العبد لله بما اصابه منه واحتسابه عند الله ~~ورجاء ثوابه وقد يجزع الرجل وهو يتجلد لا يرى منه الا الصبر فقوله اعتراف ~~العبد لله بما اصاب منه كأنه تفسير لقوله انا لله فيعترف أنه ملك لله يتصرف ~~فيه مالكه بما يريد وقوله راجيا به ما عند الله كأنه تفسير لقوله # وانا اليه راجعون أى ترد اليه فيجزينا على صبرنا ولا يضيع أجر المصيبة ~~وقوله وقد يجزع الرجل وهو يتجلد أى ليس الصبر بالتجلد وانما هو حبس القلب ~~عن التسخط على المقدور ورد اللسان عن الشكوى فمن تجلد وقلبه ساخط على القدر ~~فليس بصابر # وقال يونس بن يزيد سألت ربيعة بن أبى عبد الرحمن ما منتهى الصبر قال أن ~~يكون يوم تصيبه المصيبة مثله قبل أن تصيبه وقال قيس بن الحجاج في قول الله ~~فاصبر صبرا جميلا قال أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يعرف من هو وكان ~~شمر اذا عزى مصابا قال اصبر لما حكم ربك وقال أبو عقيل رأيت سالم بن ~~عبدالله بن عمر بيده سوط وعليه ازار في موت واقد بن عبدالله بن عمر لا يسمع ~~صارخة ينالها بالسوط الا ضربها # قال ابن ms080 أبى الدنيا حدثنى محمد بن جعفر بن مهران قال قالت امرأة من قريش # أما والذى لا خلد الا لوجهه % ومن ليس في العز المنيع له كفو # لئن كان بدء الصبر مرا مذاقه % لقد يجنى من غبه الثمر الحلو قال وأنشدنى ~~عمرو بن بكير # صبرت فكان الصبر خير مغبة % وهل جزع يجدى على فأجزع # ملكت دموع العين حتى رددتها % إلى ناظرى فالعين في القلب تدمع ~~PageV01P079 قال وأنشدنى أحمد بن موسى الثقفي # نبئت خولة أمس قد جزعت % من أن تنوب نوائب الدهر # لا تجزعى يا خول واصبرى % ان الكرام بنوا على الصبر # قال وحدثنى عبد الله بن محمد بن اسماعيل التيمى أن رجلا عزى رجلا في ابنه ~~فقال انما يستوجب على الله وعده من صبر له بحقه فلا تجمع إلى ما أصبت به من ~~المصيبة الفجيعة بالأجر فإنها أعظم المصيبتين عليك وأنكى الرزيتين لك ~~والسلام وعزى ابن أبى السماك رجلا فقال عليك بالصبر فيه يعمل من احتسب ~~واليه يصير من جزع وقال عمر بن عبد العزيز أما الرضاء فمنزلة عزيزة أو ~~منيعة ولكن جعل الله في الصبر معولا حسنا ولما مات عبد الملك ابنه صلى عليه ~~ثم قال رحمك الله لقد كنت لى وزيرا وكنت لى معينا قال والناس يبكون وما ~~يقطر من عينيه قطرة وأصيب مطرف بن عبد الله في ابن له فأتاه قوم يعزونه ~~فخرج اليهم أحسن ما كان بشرا ثم قال انى لأستحى من الله أن أتضعضع لمصيبة ~~وقال عمرو بن دينار قال عبيد بن عمير ليس الجزع أن تدمع العين ويحزن القلب ~~ولكن الجزع القول السيء والظن السيء # وقال ابن أبى الدنيا حدثنى الحسين بن عبد العزيز الحروزى قد مات ابن لى ~~نفيس فقلت لأمه اتق الله واحتسبيه واصبرى فقالت مصيبتى أعظم من أن افسدها ~~بالجزع قال ابن أبى الدنيا وأخبرنى عمر بن بكير عن شيخ من قريش قال مات ~~الحسن بن الحصين أبو عبيد الله بن الحسن وعبيد الله يومئذ قاض على البصرة ~~وأميرا فكثر من يعزيه ms081 فتذاكروا ما يتبين به جزع الرجل من صبره فأجمعوا أنه ~~اذا ترك شيئا مما كان يصنعه فقد جزع # وقال خالد بن أبى عثمان القرشى كان سعيد بن جبير يعزينى في ابنى فرآنى ~~أطوف بالبيت متقنعا فكشف القناع عن رأسى وقال الاستكانة من الجزع # | فصل وأما قول كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم لا بأس أن يجعل المصاب # على رأسه ثوبا يعرف به قالوا لأن التعزية سنة وفي ذلك تيسير لمعرفته حتى ~~يعزيه ففيه نظر وانكره شيخنا ولا ريب أن السلف لم يكونوا PageV01P080 ~~يفعلوا شيئا من ذلك ولا نقل هذا عن أحد من الصحابة والتابعين والآثار ~~المتقدمة كلها صريحة في رد هذا القول وقد أنكر إسحاق بن راهوايه أن يترك ~~لبس ما عادته لبسه وقال هو من الجزع # وبالجملة فعادتهم أنهم لم يكونوا يغيرون شيئا من زيهم قبل المصيبة ولا ~~يتركون ما كانوا يعملونه فهذا كله مناف للصبر والله سبحانه أعلم # | الباب الثامن عشر في ذكر أمور تتعلق بالمصيبة من البكاء والندب وشق # الثياب ودعوى الجاهلية ونحوها # فمنها البكاء على الميت ومذهب أحمد وأبى حنيفة أجازاه قبل الموت وبعده ~~واختاره أبو اسحاق الشيرازى وكرهه الشافعى وكثير من أصحابه بعد الموت ~~ورخصوا فيه قبل خروج الروح واحتجوا بحديث جابر بن عتيك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به فلم يجب ~~فاسترجع وقال غلبنا عليك يا أبا الربيع فصاح النسوة وبكين فجعل ابن عتيك ~~يسكتهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعهن فاذا وجب فلا تبكين باكية ~~قالوا وما الوجوب يا رسول الله قال الموت رواه أبو داود والنسائى # قالوا وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~ان الميت ليعذب ببكاء أهله عليه وهذا انما هو بعد الموت وأما قبله فلا يسمى ~~ميتا وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم من أحد سمع نساء ~~بنى عبد الاشهل يبكين على ms082 هلكاهن فقال لكن حمزة لا بواكى له فجئن نساء ~~الانصار فبكين على حمزة عنده فاستيقظ فقال ويحهن أتين هاهنا يبكين حتى الآن ~~مروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم رواه الامام أحمد وهذا صريح في ~~نسخ الاباحة المتقدمة # والفرق بين ما قبل الموت وبعده أنه قبل الموت يرجى فيكون البكاء عليه ~~حذرا فاذا مات انقطع الرجاء وأبرم القضاء فلا ينفع البكاء PageV01P081 قال ~~المجوزون قال جابر بن عبدالله أصيب أبى يوم أحد فجعلت أبكى فجعلوا ينهوننى ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهانى فجعلت عمتى فاطمة تبكى فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم تبكين أو لا تبكين ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى ~~رفعتموه + متفق عليه + # وفي الصحيحين أيضا عن ابن عمر قال اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه ~~النبي صلى الله عليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن ابى وقاص ~~وعبد الله بن مسعود فلما دخل عليه وجده في غشية فقال قد قضى قالوا لا يا ~~رسول الله فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى القوم بكاءه بكوا ~~فقال ألا تسمعون ان الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا ~~وأشار إلى لسانه أو يرحم # وفي الصحيحين أيضا من حديث أسامه بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~انطلق إلى إحدى بناته ولها صبى في الموت فرفع اليه الصبى ونفسه تقعقع كأنها ~~في شنة ففاضت عيناه فقال سعد ما هذا يا رسول الله قال هذه رحمة جعلها الله ~~في قلوب عباده وانما يرحم الله من عباده الرحماء # وفي مسند الامام أحمد من حديث بن عباس قال ماتت رقية ابنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فبكت النساء فجعل عمر يضربهن بسوطه فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم دعهن يا عمر يبكين وإياكن ونعيق الشيطان ثم قال انه مهما كان من ~~العين ومن القلب فمن الله ومن الرحمة وما كان من اليد ومن اللسان فمن ~~الشيطان وفي المسند ms083 أيضا عن عائشة أن سعد بن معاذ لما مات حضره رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر قالت فوالذى نفسى بيده انى لأعرف بكاء ~~أبى بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتى وفي المسند أيضا عن أبى هريرة قال مر ~~على النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة يبكى عليها وأنا معه ومعه عمر بن ~~الخطاب فانتهر عمر اللاتى يبكين عليها فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعهن ~~يا ابن الخطاب فان النفس مصابة وان العين دامعة والعهد قريب # وفي جامع الترمذى عن جابر بن عبدالله قال أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ~~بيد عبد الرحمن ابن عوف فانطلق إلى ابنه إبراهيم فوجده يجود بنفسه فأخذه ~~النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره فبكى فقال له أتبكى أو لم تكن نهيت ~~عن البكاء قال لا ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة خمش ~~الوجه وشق الجيوب PageV01P082 ورثة الشيطان قال الترمذى هذا + حديث حسن + ~~وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه زارقير أمه فبكى وأبكى من حوله وقد صح ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قبل عثمان بن مظعون حتى سالت دموعه على وجهه ~~وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه نعى جعفر وأصحابه وعيناه تذرفان وصح عن أبى ~~بكر الصديق رضى الله عنه أنه قبل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميت وبكى # فهذه إثنا عشرة حجة تدل على عدم كراهة البكاء فتعين حمل أحاديث النهى على ~~البكاء الذى معه ندب ونياحة ولهذا جاء في بعض ألفاظ حديث عمر الميت يعذب ~~ببعض بكاء أهله عليه وفي بعضها يعذب بما ينح عليه وقال البخارى في صحيحه ~~قال عمر دعهن يبكين على أبى سليمان يعنى خالد بن الوليد ما لم يكن نقع أو ~~لقلقة والنقع حث التراب واللقلقة الصوت # وأما دعوى النسخ في حديث حمزة فلا يصح اذ معناه لا يبكين على هالك بعد ~~اليوم من قتلى أحد # ويدل على ذلك أن نصوص الاباحة أكثرها متأخرة عن ms084 غزوة أحد منها حديث أبى ~~هريرة إذ اسلامه وصحبته كانا في السنة السابعة ومنها البكاء على جعفر ~~وأصحابه وكان استشهادهم في السنة الثامنة ومنها البكاء على زينب وكان موتها ~~في السنة الثامنة أيضا ومنها البكاء على سعد بن معاذ وكان موته في الخامسة ~~ومنها البكاء عند قبر أمه صلى الله عليه وسلم وكان عام الفتح في الثامنة # وقولهم انما جاز قبل الموت حذرا بخلاف ما بعد الموت جوابه أن الباكى قبل ~~الموت يبكى حزنا وحزنه بعد الموت أشد فهو أولى برخصة البكاء من الحالة التى ~~يرجى فيها وقد أشار النبي إلى ذلك بقوله تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ~~ما يسخط الرب وانا بك يا إبراهيم لمحزونون فصل وأما الندب والنياحة فنص ~~أحمد على تحريمها قال في رواية حنبل النياحة معصية وقال أصحاب الشافعى ~~وغيرهم النوح حرام وقال ابن عبد البر أجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز ~~للرجال ولا للنساء وقال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد يكره تنزيها وهذا لفظ ~~أبى الخطاب في الهداية قال ويكره الندب والنياحة وخمش الوجوه وشق الجيوب ~~والتحفي والصواب القول بالتحريم لما في PageV01P083 الصحيحين من حديث عبد ~~الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس منا من ضرب الخدود وشق ~~الجيوب ودعى بدعوى الجاهلية وفي الصحيحين أيضا عن أبى بردة قال وجع أبو ~~موسى وجعا فغشى عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فصاحت امرأة من أهله فلم ~~يستطع أن يرد عليها شيئا فلما أفاق قال أنا بريء مما يريء منه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فان رسول الله برئ من الصالقة والحالقة والشاقة وفي ~~الصحيحين أيضا عن المغيرة بن شعبة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول إن من ينح عليه يعذب بما نيح عليه وفي الصحيحين أيضا أم عطية قالت أخذ ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيعة ألا ننوح فما وفت منا امرأة ~~الا خمس نسوة # وفي صحيح البخارى عن ابن عمر أن ms085 النبي صلى الله عليه وسلم قال الميت يعذب ~~في قبره بما ينح عليه وفي صحيح مسلم عن أبى مالك الأشعرى أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال أربع في أمتى من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر بالاحساب ~~والطعن في الانساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة وقال النائحة اذا لم تتب ~~قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب # وفي سنن ابى داود عن أسيد بن أبي أسيد عن امرأة من المبايعات قالت كان ~~فيما أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعروف الذى أخذ علينا أن ~~لا نعصيه فيه أن لا نخمش وجها ولا ندعو ويلا ولا نشق جيبا ولا ننفش شعرا ~~وفي المسند عن انس قال أخذ النبي صلى الله عليه وسلم على النساء حين بايعهن ~~أن لا ينحن فقلن يا رسول الله ان نساء أسعدتنا في الجاهلية أفنسعدهن في ~~الاسلام فقال لا إسعاد في الاسلام وقد تقدم قوله ما كان من اليد واللسان ~~فمن الشيطان وقوله نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة خمش وجوه وشق ~~جيوب ورنة شيطان # وفي مسند الامام أحمد من حديث أبى موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال الميت يعذب ببكاء الحى اذا قالت النائحة واعضداه واناصراه واكاسياه جبذ ~~الميت وقيل له أنت عضدها أنت ناصرها أنت كاسيها وفي صحيح البخارى عن ~~النعمان ابن بشير قال أغمى على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكى ~~وتقول واجبلاه PageV01P084 واكذا واكذا تعدد عليه فقال حين أفاق ما قلت لى ~~شيئا إلا قيل لى أنت كذا فلما مات لم تبك عليه # وكيف لا تكون هذه الخصال محرمة وهى مشتملة على التسخط على الرب وفعل ما ~~يناقض الصبر والاضرار بالنفس من لطم الوجه وحلق الشعر ونتفه والدعاء عليها ~~بالويل والثبور والتظلم من الله سبحانه وإتلاف المال بشق الثياب وتمزيقها ~~وذكر الميت بما ليس فيه ولا ريب أن التحريم الشديد يثبت ببعض هذا # وقال المبيحون لمجرد الندب والنياحة مع كراهتهم ms086 له قد روى حرب عن وائلة ~~بن الأسقع وأبى وائل أنهما كانا يسمعان النوح ويسكتان # قالوا وفي الصحيحين عن أم عطية قالت لما نزلت هذه الآية يا أيها النبي ~~اذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا إلى قوله ولا يعصينك ~~في معروف كان منه النياحة فقلت يا رسول الله الا آل فلان فإنهم كانوا ~~أسعدونى في الجاهلية فلا بد لى من أن أسعدهم فقال الا آل فلان وفي رواية ~~لهما أنها قالت بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا أن لا ~~يشركن بالله شيئا ونهانا عن النياحة فقبضت منا امرأة يدها فقالت فلانة ~~أسعدتنى فأنا أريد أن أجزيها قالت فما قال لها شيئا فذهبت فانطلقت ثم رجعت ~~فبايعها قالوا وهذا الاذن لبعضهن في فعله يدل على أن النهى عنه تنزيه لا ~~تحريم ويتعين حمله على المجرد من تلك المفاسد جمعا بين الأدلة # قال المحرمون لا تعارض سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد من الناس ~~كائنا من كان ولا نضرب سننه بعضها ببعض وما ذكرنا من النصوص صحيحة صريحة لا ~~تحتمل تأويلا وقد انعقد عليها الاجماع وأما المرأة التى قال لها الا آل ~~فلان والمرأة التى سكت عنها فذلك خاص بهما لوجهين # أحدهما أنه قال لغيرهما لما سألته ذلك لا اسعاد في الاسلام # والثانى أنه أطلق لهما ذلك وهما حديثا عهد بالاسلام وهما لم يميزا بين ~~الجائز من ذلك وبين المحرم وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فعلم أن ~~الحكم لا يعدوهما إلى غيرهما PageV01P085 # وأما الكلمة اليسيرة اذا كانت صدقا لا على وجه النوح والتسخط فلا تحرم ~~ولا تنافي الصبر الواجب نص عليه أحمد في مسنده من حديث أنس أن أبا بكر رضى ~~الله عنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته فوضع فمه بين عينيه ~~ووضع يده على صدغيه وقال وانبياه واخليلاه واصفياه # وفي صحيح البخارى عن أنس أيضا قال لما ثقل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~جعل يتغشاه ms087 الكرب فقالت فاطمة واكرب أبتاه فقال ليس على أبيك كرب بعد اليوم ~~فلما مات قالت يا أبتاه أجاب ربا دعاه يا أبتاه جنة الفردوس مأواه يا أبتاه ~~إلى جبريل أنعاه فلما دفن قالت فاطمة يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب وقال النبي صلى الله عليه وسلم وانا ~~بك يا إبراهيم لمحزنون وهذا ونحوه من القول الذى ليس فيه تظلم للمقدور ولا ~~تسخط على الرب ولا اسخاط له فهو كمجرد البكاء فصل وأما قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ان الميت ليعذب بالنياحة عليه فقد ثبت عنه من رواية عمر بن ~~الخطاب وابنه عبد الله والمغيرة بن شعبة وروى نحوه عن عمران بن حصين وأبى ~~موسى رضى الله عنهم فاختلفت طرق الناس في ذلك فقالت فرقة يتصرف الله في ~~خلقه بما يشاء وأفعال الله لا تعلل ولا فرق بين التعذيب بالنوح عليه ~~والتعذيب بما هو منسوب اليه لأن الله خالق الجميع والله تعالى يؤلم الاطفال ~~والبهائم والمجانين بغير عمل # وقالت فرقة هذه الاحاديث لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ~~أنكرتها عائشة أم المؤمنين واحتجت بقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى ولما ~~بلغها رواية عمر وابنه قالت انكم لتحدثون عن غير كاذبين ولا متهمين ولكن ~~السمع يخطئ وقالت انما مر النبي صلى الله عليه وسلم على قبر يهودى فقال ان ~~صاحب هذا القبر يعذب وأهله يبكون عليه # وفي رواية متفق عليها عنها انما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ~~الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه وقالت حسبكم القرآن ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى # وقالت فرقة أخرى منهم المزنى وغيره ان ذلك محمول على من أوصى به اذا كانت ~~عادتهم ذلك وهو كثير في أشعارهم كقول طرفة PageV01P086 # اذا مت فانعينى بما أنا أهله % وشقى على الجيب يا إبنة معبد وقول لبيد # فقوما فقولا بالذى قد علمتما % ولا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر # وقولا هو المرء الذى لا ms088 صديقه % أضاع ولا خان الامين ولا غدر # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما % ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # وقالت طائفة هو محمول على من سنته وسنة قومه ذلك اذا لم ينههم عنه لأن ~~ترك نهيه دليل على رضاه به وهذا قول ابن المبارك وغيره قال أبو البركات ابن ~~تيمية وهو أصح الاقوال كلها لأنه متى غلب على ظنه فعلهم ولم يوصهم بتركه ~~فقد رضى به وصار كمن ترك النهى عن المنكر مع القدرة عليه فأما اذا أوصاهم ~~بتركه فخالفوه فالله أكرم من أن يعذبه بذلك وقد حصل بذلك العمل بالآية مع ~~اجراء الخير على عمومه في كثير من الموارد وانكار عائشة لذلك بعد رواية ~~الثقات لا يعول عليه فإنهم قد يحضرون ما لا نحضره ويشهدون ما نغيب عنه ~~واحتمال السهو والغلط بعيد خصوصا في حق خمسة من أكابر الصحابة # وقوله في اليهود لا يمنع أن يكون قد قال ما رواه عنه هؤلاء الخمسة في ~~أوقات أخر ثم هى محجوجة بروايتها عنه أنه قال ان الله يزيد الكافر عذابا ~~ببكاء أهله عليه فإذا لم يمنع زيادة الكافر عذابا بفعل غيره مع كونه مخالفا ~~لظاهر الآية لم يمنع ذلك في حق المسلم ان الله سبحانه كما لا يظلم عبده ~~المسلم لا يظلم الكافر والله أعلم فصل ولا تحتاج هذه الاحاديث إلى شئ من ~~هذه التكلفات وليس فيها بحمد الله اشكال ولا مخالفة لظاهر القرآن ولا ~~لقاعدة من قواعد الشرع ولا تتضمن عقوبة الانسان بذنب غيره فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يقل ان الميت يعاقب ببكاء أهله عليه ونوحهم وانما قال ~~يعذب بذلك ولا ريب أن ذلك يؤلمه ويعذبه والعذاب هو الالم الذى يحصل له وهو ~~أعم من العقاب والاعم لا يستلزم الاخص وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~السفر قطعة من العذاب وهذا العذاب يحصل للمؤمن والكافر حتى ان الميت ليتألم ~~بمن يعاقب في قبره في جواره ويتأذى بذلك كما يتأذى الانسان في الدنيا بما ~~يشاهده من عقوبة ms089 جاره فإذا بكى أهل الميت عليه البكاء المحرم وهو ~~PageV01P087 البكاء الذى كان أهل الجاهلية يفعلونه والبكاء على الميت عندهم ~~اسم لذلك وهو معروف في نظمهم ونثرهم تألم الميت بذلك في قبره فهذا التألم ~~هو عذابه بالبكاء عليه وهذه طريقة شيخنا في هذه الاحاديث وبالله التوفيق # | الباب التاسع عشر في أن الصبر نصف الايمان والايمان نصفان نصف صبر # ونصف شكر قال غير واحد من السلف الصبر نصف الايمان وقال عبدالله بن مسعود ~~رضى الله عنه الايمان نصفان نصف صبر ونصف شكر ولهذا جمع الله سبحانه بين ~~الصبر والشكر في قوله ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور في سورة إبراهيم وفي ~~سورة حمعسق وفي سورة سبأ وفي سورة لقمان وقد ذكر لهذا التنصيف اعتبارات # أحدها أن الايمان اسم لمجموع القول والعمل والنية وهى ترجع إلى شطرين فعل ~~وترك فالفعل هو العمل بطاعة الله وهو حقيقة الشكر والترك هو الصبر عن ~~المعصية والدين كله في هذين الشيئين فعل المأمور وترك المحظور # الاعتبار الثانى أن الايمان مبنى على ركنين يقين وصبر وهما الركنان ~~المذكوران في قوله تعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون فباليقين يعلم حقيقة الامر والنهى والثواب والعقاب وبالصبر ~~ينفذ ما أمر به ويكف نفسه عما نهى عنه ولا يحصل له التصديق بالامر والنهى ~~انه من عند الله وبالثواب والعقاب الا باليقين ولا يمكنه الدوام على فعل ~~المأمور وكف النفس عن المحظور الا بالصبر فصار الصبر نصف الايمان والنصف ~~الثانى الشكر بفعل ما أمر به وبترك ما نهى عنه # الاعتبار الثالث أن الايمان قول وعمل والقول قول القلب واللسان والعمل ~~عمل القلب والجوارح وبيان ذلك أن من عرف الله بقلبه ولم يقر بلسانه لم يكن ~~مؤمنا كما قال عن قوم فرعون وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم وكما قال عن قوم ~~PageV01P088 عاد وقوم صالح وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم ~~الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين وقال موسى لفرعون لقد ~~علمت ما أنزل هؤلاء الا رب ms090 السموات والأرض بصائر فهؤلاء حصل قول القلب وهو ~~المعرفة والعلم ولم يكونوا بذلك مؤمنين وكذلك من قال بلسانه ما ليس في قلبه ~~لم يكن بذلك مؤمنا بل كان من المنافقين وكذلك من عرف بقلبه وأقر بلسانه لم ~~يكن بمجرد ذلك مؤمنا حتى يأتى بعمل القلب من الحب والبغض والموالاة ~~والمعاداة فيحب الله ورسوله ويوالى أولياء الله ويعادى أعداءه ويستسلم ~~بقلبه لله وحده وينقاد لمتابعة رسوله وطاعته والتزام شريعته ظاهرا وباطنا ~~واذا فعل ذلك لم يكف في كمال ايمانه حتى يفعل ما امر به # فهذه الاركان الاربعة هى أركان الايمان التى قام عليها بناؤه وهى ترجع ~~إلى علم وعمل ويدخل في العمل كف النفس الذى هو متعلق النهى وكلاهما لا يحصل ~~الا بالصبر فصار الايمان نصفين أحدهما الصبر والثانى متولد عنه من العلم ~~والعمل # الاعتبار الرابع أن النفس لها قوتان قوة الاقدام وقوة الاحجام وهى دائما ~~تتردد بين أحكام هاتين القوتين فتقدم على ما تحبه وتحجم عما تكرهه والدين ~~كله اقدام واحجام اقدام على طاعة واحجام عن معاصى الله وكل منهما لا يمكن ~~حصوله الا بالصبر # الاعتبار الخامس أن الدين كله رغبة ورهبة فالمؤمن هو الراغب الراهب قال ~~تعالى انهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وفي الدعاء عند ~~النوم الذى رواه البخارى في صحيحه اللهم انى أسلمت نفسى اليك ووجهت وجهى ~~اليك وفوضت امرى اليك وألجأت ظهرى اليك رغبة ورهبة اليك فلا تجد المؤمن ~~أبدا الا راغبا وراهبا والرغبة والرهبة لا تقوم الا على ساق الصبر فرهبته ~~تحمله على الصبر ورغبته تقوده إلى الشكر # الاعتبار السادس ان جميع ما يباشره العبد في هذه الدار لا يخرج عما ينفعه ~~في الدنيا والآخرة أو يضره في الدنيا والاخرة أو ينفعه في أحد الدارين ~~ويضره في الاخرى وأشرف الاقسام أن يفعل ما ينفعه في الاخرة ويترك ما يضره ~~فيها وهو حقيقة الايمان ففعل ما ينفعه هو الشكر وترك ما يضره هو الصبر ~~PageV01P089 # الاعتبار السابع ان العبد لا ينفك عن أمر يفعله ونهى ms091 يتركه وقدر يجرى ~~عليه وفرضه في الثلاثة الصبر والشكر ففعل المأمور هو الشكر وترك المحظور ~~والصبر على المقدور هو الصبر # الاعتبار الثامن إن العبد فيه داعيان داع يدعوه إلى الدنيا وشهواتها ~~ولذاتها وداع يدعوه إلى الله والدار الآخرة وما أعد فيها لأوليائه من ~~النعيم المقيم فعصيان داعى الشهوة والهوى هو الصبر وإجابة داعى الله والدار ~~الآخرة هو الشكر # الاعتبار التاسع ان الدين مداره على أصلين العزم والثبات وهما الأصلان ~~المذكوران في الحديث الذى رواه أحمد والنسائى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~اللهم إنى أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأصل الشكر صحة ~~العزيمة وأصل الصبر قوة الثبات فمتى أيد العبد بعزيمة وثبات فقد أيد ~~بالمعونة والتوفيق # الاعتبار العاشر ان الدين مبنى على أصلين الحق والصبر وهما المذكوران في ~~قوله تعالى # وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ولما كان المطلوب من العبد هو العمل بالحق ~~في نفسه وتنفيذه في الناس وكان هذا هو حقيقة الشكر لم يمكنه ذلك إلا بالصبر ~~عليه فكان الصبر نصف الايمان والله سبحانه وتعالى أعلم # | الباب العشرون في بيان تنازع الناس في الأفضل من الصبر والشكر حكى # أبو الفرج ابن الجوزى في ذلك ثلاثة أقوال أحدها ان الصبر أفضل والثانى ان ~~الشكر أفضل والثالث أنهما سواء كما قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه لو كان ~~الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت # ونحن نذكر ما احتجت به كل فرقة وما لها وعليها في احتجاجها بعون الله ~~وتوفيقه قال الصابرون قد أثنى الله سبحانه على الصبر وأهله ومدحه وأمر به ~~وعلق عليه خير الدنيا والاخرة وقد ذكره الله في كتابه في نحو تسعين موضعا ~~وقد تقدم من النصوص والأحاديث فيه وفي فضله ما يدل على أنه أفضل من الشكر ~~ويكفي PageV01P090 في فضله قوله صلى الله عليه وسلم الطاعم الشاكر بمنزلة ~~الصائم الصابر فذكر ذلك في معرض تفضيل الصبر ورفع درجته على الشكر فإنه ~~ألحق الشاكر بالصابر وشبهه به ورتبة المشبه به أعلى من رتبة المشبه وهذا ~~كقوله ms092 مدمن الخمر كعابد وثن ونظائر ذلك قالوا وإذا وازنا بين النصوص ~~الواردة في الصبر والواردة في الشكر وجدنا نصوص الصبر اضعافها ولهذا لما ~~كانت الصلاة والجهاد أفضل الاعمال كانت الاحاديث فيهما في سائر الابواب فلا ~~تجد الاحاديث النبوية في باب أكثر منها في باب الصلاة والجهاد قالوا وايضا ~~فالصبر يدخل في كل باب بل في كل مسئلة من مسائل الدين ولهذا كان من الايمان ~~بمنزلة الرأس من الجسد قالوا وأيضا فالله سبحانه وتعالى علق على الشكر ~~الزيادة فقال وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم وعلق على الصبر الجزاء بغير ~~حساب وايضا فإنه سبحانه أطلق جزاء الشاكرين فقال وسيجزى الله الشاكرين وقيد ~~جزاء الصابرين بالاحسان فقال ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون قالوا وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله تعالى ~~كل عمل ابن آدم له الا الصوم فإنه لى وأنا أجزى به # وفي لفظ كل عمل ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشر أمثالها قال الله تعالى الا ~~الصوم فإنه لى وأنا أجزى به وما ذاك الا لأنه صبر النفس ومنعها من شهواتها ~~كما في الحديث نفسه يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلى ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لمن سأله عن أفضل الاعمال عليك بالصوم فإنه لا عدل له ولما ~~كان الصبر حبس النفس عن اجابة داعى الهوى وكان هذا حقيقة الصوم فإنه حبس ~~النفس عن اجابة داعى شهوة الطعام والشراب والجماع فسر الصبر في قوله تعالى ~~واستعينوا بالصبر والصلاة أنه الصوم وسمى رمضان شهر الصبر وقال بعض السلف ~~الصوم نصف الصبر وذلك أن الصبر حبس النفس عن اجابة داعى الشهوة والغضب فإن ~~النفس تشتهى الشئ لحصول اللذة بإدراكه وتغضب لنفرتها من المؤلم لها والصوم ~~صبر عن مقتضى الشهوة فقط وهى شهوة البطن والفرج دون مقتضى الغضب ولكن من ~~تمام الصوم وكماله صبر النفس عن اجابة داعى الامرين وقد أشار إلى ذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح وهو قوله ms093 PageV01P091 إذا كان يوم صوم ~~أحدكم فلا يجهل ولا يصخب فإن أحد سابه أو شاتمه فليقل انى صائم فأرشد صلى ~~الله عليه وسلم إلى تعديل قوى الشهوة والغضب وأن الصائم ينبغى له أن يحتمى ~~من افسادهما لصومه فهذه تفسد صومه وهذه تحبط أجره كما قال في الحديث الاخر ~~من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه قالوا ~~ويكفي في فضل الصبر على الشكر قوله تعالى أنى جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم ~~هم الفائزون فجعل فوزهم جزاء صبرهم وقال تعالى والله مع الصابرين لا شئ ~~يعدل معيته لعبده كما قال بعض العارفين ذهب الصابرون بخير الدنيا والاخرة ~~لأنهم نالوا معية الله وقال تعالى واصبر لحكم ربك فانك بأعيننا وهذا يتضمن ~~الحراسة والكلاءة والحفظ للصبر لحكمه # وقد وعد الصابرين بثلاثة أشياء كل واحد خير من الدنيا وماعليها وهى ~~صلواته تعالى عليهم ورحمته لهم وتخصيصهم بالهداية في قوله تعالى أولئك ~~عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون وهذا مفهم لحصر الهدى فيهم ~~وأخبر أن الصبر من عزم الأمور في آيتين من كتابه وأمر رسوله أن يتشبه بصبر ~~أولى العزم من الرسل وقد تقدم ذكر ذلك # قالوا وقد دل الدليل على أن الزهد في الدنيا والتقلل منها مهما أمكن من ~~الاستكثار منها والزهد فيها حال الصابر والاستكثار منها حال الشاكر قالوا ~~وقد سئل المسيح صلوات الله وسلامه عليه عن رجلين مرا بكنز فتخطاه أحدهما ~~ولم يلتفت اليه وأخذه الاخر وأنفقه في طاعة الله تعالى أيهما أفضل فقال ~~الذى لم يلتفت اليه وأعرض عنه أفضل عند الله # قالوا ويدل على صحة هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم عرضت عليه مفاتيح ~~كنوز الأرض فلم يأخذها وقال بل أجوع يوما وأشبع يوما ولو أخذها لأنفقها في ~~مرضاة الله وطاعته فآثر مقام الصبر عنها والزهد فيها قالوا وقد علم أن ~~الكمال الانسانى في ثلاثة أمور علوم يعرفها وأعمال يعمل بها وأحوال ترتب له ~~على علومه وأعماله وأفضل العلم والعمل والحال ms094 العلم بالله وأسمائه وصفاته ~~وأفعاله والعمل بمرضاته وانجذاب القلب إليه بالحب والخوف والرجاء فهذا أشرف ~~ما في الدنيا وجزاؤه PageV01P092 أشرف ما في الاخرة وأجل المقاصد معرفة ~~الله ومحبته والأنس بقربه والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وهذا أجل سعادة ~~الدنيا والآخرة وهذا هو الغاية التى تطلب لذاتها وانما يشعر العبد تمام ~~الشعور بأن ذلك عين السعادة اذا انكشف له الغطاء وفارق الدنيا ودخل الاخرة ~~والا فهو في الدنيا وان شعر بذلك بعض الشعور فليس شعوره به كاملا للمعارضات ~~التى عليه والمحن التى امتحن بها والا فليست السعادة في الحقيقة سوى ذلك ~~وكل العلوم والمعارف تبع لهذه المعرفة مرادة لأجلها وتفاوت العلوم في فضلها ~~بحسب افضائها إلى هذه المعرفة وبعدها فكل علم كان أقرب افضاء إلى العلم ~~بالله وأسمائه وصفاته فهو أعلى مما دونه وكذلك حال القلب فكل حال كان أقرب ~~إلى المقصود الذى خلق له فهو أشرف مما دونه وكذلك الاعمال فكل عمل كان أقرب ~~إلى تحصيل هذا المقصود كان أفضل من غيره ولهذا كانت الصلاة والجهاد من أفضل ~~الأعمال وأفضلها لقرب افضائها إلى المقصود وهكذا يجب أن يكون فإن كل ما كان ~~الشيء أقرب إلى الغاية كان أفضل من البعيد عنها فالعمل المعد للقلب المهيئ ~~له لمعرفة الله وأسمائه وصفاته ومحبته وخوفه ورجائه أفضل مما ليس كذلك واذا ~~أشتركت عدة أعمال في هذا الافضاء فأفضلها أقربها إلى هذا المفضى ولهذا ~~اشتركت الطاعات في هذا الإفضاء فكانت مطلوبة لله واشتركت المعاصى في حجب ~~القلب وقطعه عن هذه الغاية فكانت منهيا عنها وتأثير الطاعات والمعاصى بحسب ~~درجاتها # وها هنا أمر ينبغى التفطن له وهو أنه قد يكون العمل المعين أفضل منه في ~~حق غيره فالغنى الذى بلغ له مال كثير ونفسه لا تسمح ببذل شئ منه فصدقته ~~وايثاره أفضل له من قيام الليل وصيام النهار نافلة والشجاع الشديد الذى ~~يهاب العدو سطوته وقوفه في الصف ساعة وجهاده أعداء الله أفضل من الحج ~~والصوم والصدقة والتطوع والعالم الذى قد عرف السنة والحلال والحرام ms095 وطرق ~~الخير والشر مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله ~~وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح وولى الامر الذى قد نصبه الله ~~للحكم بين عباده جلوسه ساعة للنظر في المظالم وانصاف المظلوم من الظالم ~~واقامة الحدود ونصر المحق وقمع المبطل PageV01P093 أفضل من عبادة سنين من ~~غيره ومن غلبت عليه شهوة النساء فصومه له أنفع وأفضل من ذكر غيره وصدقته ~~وتأمل تولية النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص وخالد بن الوليد ~~وغيرهما من أمرائه وعماله وترك تولية ابى ذر بل قال له إنى أراك ضعيفا وانى ~~أحب لك ما أحب لنفسى لا تؤمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم وأمره وغيره ~~بالصيام وقال عليك بالصوم فانه لا عدل له وأمر آخر بأن لا يغضب وأمر ثالثا ~~بأن لا يزال لسانه رطبا من ذكر الله ومتى أراد الله بالعبد كمالا وفقه ~~لاستفراغ وسعه فيما هو مستعد له قابل له قد هيئ له فاذا استفرغ وسعه على ~~غيره وفاق الناس فيه كما قيل # ما زال يسبق حتى قال حاسده % هذا طريق إلى العلياء مختصر # وهذا كالمريض الذى يشكو وجع البطن مثلا اذا استعمل دواء ذلك الداء انتفع ~~به واذا استعمل دواء وجع الرأس لم يصادف داءه فالشح المطاع مثلا من ~~المهلكات ولا يزيله صيام مائة عام ولا قيام ليلها وكذلك داء اتباع الهوى ~~والاعجاب بالنفس لا يلائمه كثرة قراءة القرآن واستفراغ الوسع في العلم ~~والذكر والزهد وانما يزيله اخراجه من القلب بضده ولو قيل ايما افضل الخبز ~~أو الماء لكان الجواب أن هذا في موضعه أفضل وهذا في موضعه أفضل # واذا عرفت هذه القاعدة فالشكر ببذل المال عمل صالح يحصل به للقلب حال فهو ~~دواء للداء الذى في القلب يمنعه من المقصود وأما الفقير الزاهد فقد استراح ~~من هذا الداء والدواء وتوفرت قوته على استفراغ الوسع في حصول المقصود # ثم أوردوا على أنفسهم سؤالا فقالوا فإن قيل فقد حث الشرع على الاعمال ~~وانفصلوا عنه بأن قالوا الطبيب اذا أثنى ms096 على الدواء لم يدل على أن الدواء ~~يراد لعينه ولا أنه أفضل من الشفاء الحاصل به ولكن الاعمال علاج لمرض ~~القلوب ومرض القلوب مما لا يشعر به غالبا فوقع الحث على العمل المقصود وهو ~~شفاء القلب فالفقير الآخذ لصدقتك يستخرج منك داء البخل كالحجام يستخرج منك ~~الدم المهلك # قالوا واذا عرف هذا عرف أن حال الصابر حال المحافظ على الصحة والقوة وحال ~~PageV01P094 الشاكر حال المتداوى بأنواع الأدوية لإزالة مواد السقم فصل قال ~~الشاكرون لقد تعديتم طوركم وفضلتم مقاما غيره أفضل منه وقدمتم الوسيلة على ~~الغاية والمطلوب لغيره على المطلوب لنفسه والعمل الكامل على الأكمل والفاضل ~~على الأفضل ولم تعرفوا للشكر حقه ولا وفيتموه مرتبته وقد قرن تعالى ذكره ~~الذى هو المراد من الخلق بذكره وكلاهما هو المراد بالخلق والأمر والصبر ~~خادم لهما ووسيلة اليهما وعونا عليهما قال تعالى اذكرونى أذكركم واشكروا لى ~~ولا تكفرون # وقرن سبحانه الشكر بالإيمان وأخبر أنه لا غرض له في عذاب خلقه إن شكروا ~~وآمنوا به فقال @QB@ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم @QE@ أى ان ~~وفيتم ما خلقتم له وهو الشكر والايمان فما أصنع بعذابكم # هذا وأخبر سبحانه أن أهل الشكر هم المخصوصون بمنته عليهم من بين عباده ~~فقال @QB@ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ~~أليس الله بأعلم بالشاكرين @QE@ وقسم الناس إلى شكور وكفور فأبغض الأشياء ~~اليه الكفر وأهله وأحب الأشياء اليه الشكر وأهله قال تعالى في الانسان @QB@ ~~إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا @QE@ # وقال نبيه سليمان @QB@ هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر ~~فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذ تأذن ~~ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ~~@QE@ وهذا كثير في القرآن يقابل سبحانه بين الشكر والكفر فهو ضده قال تعالى ~~@QB@ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات ms097 أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين @QE@ ~~والشاكرون هم الذين ثبتوا على نعمة الايمان فلم ينقلبوا على أعقابهم وعلق ~~سبحانه المزيد بالشكر والمزيد منه لا نهاية له كما لا نهاية لشكره وقد وقف ~~سبحانه كثيرا من الجزاء على المشيئة كقوله @QB@ فسوف يغنيكم الله من فضله ~~إن شاء @QE@ وقوله في الاجابة @QB@ فيكشف ما تدعون إليه إن شاء @QE@ وقوله ~~PageV01P095 في الرزق @QB@ يرزق من يشاء @QE@ وفي المغفرة @QB@ يغفر لمن ~~يشاء @QE@ والتوبة @QB@ ويتوب الله على من يشاء @QE@ وأطلق جزاء الشكر ~~اطلاقا حيث ذكر كقوله وسنجزى الشاكرين وسيجزى الله الشاكرين ولما عرف عدو ~~الله ابليس قدر مقام الشكر وأنه من أجل المقامات وأعلاها جعل غايته أن يسعى ~~في قطع الناس عنه فقال @QB@ ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين @QE@ ووصف الله سبحانه الشاكرين ~~بأنهم قليل من عباده فقال تعالى @QB@ وقليل من عبادي الشكور @QE@ # وذكر الامام أحمد عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه سمع رجلا يقول اللهم ~~اجعلنى من الاقلين فقال ما هذا فقال يا أمير المؤمنين ان الله قال وما آمن ~~معه الا قليل وقال تعالى وقليل من عبادى الشكور @QB@ وقال @QE@ الا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم فقال عمر صدقت وقد أثنى الله سبحانه ~~وتعالى على أول رسول بعثه إلى أهل الأرض بالشكر فقال ذرية من حملنا مع نوح ~~انه كان عبدا شكورا وفي تخصيص نوح ها هنا بالذكر وخطاب العباد بأنهم ذريته ~~اشارة إلى الاقتداء به فانه أبوهم الثانى فان الله تعالى لم يجعل للخلق بعد ~~الغرق نسلا الا من ذريته كما قال تعالى وجعلنا ذريته هم الباقين فأمر ~~الذرية أن يتشبهوا بأبيهم في الشكر فانه كان عبدا شكورا # وقد أخبر سبحانه انما يعبده من شكره فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته ~~فقال واشكروا الله ان كنتم اياه تعبدون وأمر عبده موسى ان يتلقى ما آتاه من ~~النبوة والرسالة والتكليم بالشكر ms098 فقال تعالى يا موسى انى اصطفيتك على الناس ~~برسالاتى وبكلامى فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين وأول وصية وصى الله بها ~~الانسان بعد ماعقل عنه بالشكر له وللوالدين فقال ووصينا الانسان بوالديه ~~حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لى ولوالديك إلى المصير # وأخبر أن رضاه في شكره فقال تعالى وان تشكروا يرضه لكم وأثنى سبحانه على ~~خليله إبراهيم بشكر نعمه فقال ان إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك ~~من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم فأخبر عنه سبحانه ~~بأنه أمة أى قدوة يؤتم به في الخير وانه قانتا لله والقانت هو المطيع ~~المقيم PageV01P096 على طاعته والحنيف هو المقبل على الله المعرض عما سواه ~~ثم ختم له بهذه الصفات بأنه شاكر لأنعمه فجعل الشكر غاية خليله # وأخبر سبحانه أن الشكر هو الغاية من خلقه وأمره بل هو الغاية التى خلق ~~عبيده لأجلها والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع ~~والابصار والافئدة لعلكم تشكرون فهذه غاية الخلق وغاية الأمر فقال ولقد ~~نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ويجوز أن يكون قوله ~~لعلكم تشكرون تعليلا لقضائه لهم بالنصر ولأمره لهم بالتقوى ولهما معا وهو ~~الظاهر فالشكر غاية الخلق والامر وقد صرح سبحانه بأنه غاية أمره وارساله ~~الرسول في قوله تعالى كما ارسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ~~ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكرونى ~~أذكركم واشكروا لى ولا تكفرون قالوا فالشكر مراد لنفسه والصبر مراد لغيره ~~والصبر انما حمد لافضائه وايصاله إلى الشكر فهو خادم الشكر وقد ثبت في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام حتى تفطرت قدماه فقيل له ~~أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال أفلا أكون عبدا ~~شكورا وثبت في المسند والترمذى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ ~~والله انى لأحبك فلا تنسى أن تقول دبر كل صلاة اللهم أعنى ms099 على ذكرك وشكرك ~~وحسن عبادتك وقال ابن أبى الدنيا حدثنا اسحاق بن اسماعيل حدثنا أبو معاويه ~~وجعفر بن عون عن هشام بن عروة قال كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك # قال وحدثنا محمود بن غيلان حدثنا المؤمل بن اسماعيل حدثنا حماد بن سلمه ~~حدثنا حميد الطويل عن طلق بن حبيب عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال أربع من أعطيهن فقد أعطى خير الدنيا والآخرة قلبا ~~شاكرا ولسانا ذاكرا وبدنا على البلاء صابرا وزوجة لا تبغيه خونا في نفسها ~~ولا في ماله وذكر ايضا من حديث القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال ما أنعم الله على عبد نعمة فعلم أنها من عند الله الا كتب ~~الله له شكرها وما علم الله من عبد PageV01P097 ندامة على ذنب إلا غفر الله ~~له قبل أن يستغفره وإن الرجل يشترى الثوب بالدينار فيلبسه فيحمد الله فما ~~يبلغ ركبتيه حتى يغفر له # وقد ثبت في صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله ليرضى عن ~~العبد يأكل الأكله فيحمده عليها ويشرب الشربه فيحمده عليها فكان هذا الجزاء ~~العظيم الذى هو أكبر أنواع الجزاء كما قال تعالى # ورضوان من الله أكبر في مقابلة شكره بالحمد وذكر ابن أبى الدنيا من حديث ~~عبد الله بن صالح حدثنا أبو زهير يحيى بن عطارد القرشى عن أبيه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرزق الله عبدا الشكر فيحرمه الزيادة لأن ~~الله تعالى يقول لئن شكرتم لأزيدنكم وقال الحسن البصرى إن الله ليمتع ~~بالنعمة ما شاء فإذا لم يشكر عليها قلبها عذابا ولهذا كانوا يسمون الشكر ~~الحافظ لأنه يحفظ النعم الموجودة والجالب لأنه يجلب النعم المفقودة وذكر ~~ابن أبى الدنيا عن على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال لرجل من همذان إن ~~النعمة موصولة بالشكر والشكر يتعلق بالمزيد وهما مقرونان ms100 في قرن فلن ينقطع ~~المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد # وقال عمر بن عبد العزيز قيدوا نعم الله بشكر الله وكان يقال الشكر قيد ~~النعم وقال مطرف بن عبد الله لأن أعافى فأشكر أحب إلى من أن ابتلى فأصبر ~~وقال الحسن أكثروا من ذكر هذه النعم فإن ذكرها شكر وقد أمر الله تعالى نبيه ~~أن يحدث بنعمة ربه فقال وأما بنعمة ربك فحدث والله تعالى يحب من عبده أن ~~يرى عليه أثر نعمته فإن ذلك شكرها بلسان الحال وقال على بن الجعدى سمعت ~~سفيان الثورى يقول إن داود عليه الصلاة والسلام قال الحمد لله حمدا كما ~~ينبغى لكرم وجهه وعز جلاله فأوحى الله اليه يا داود أتعبت الملائكة # وقال شعبة حدثنا المفضل بن فضالة عن أبى رجاء العطاردى قال خرج علينا ~~عمران بن الحصين وعليه مطرف خز لم نره عليه قبل ولا بعد فقال ان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال إذا أنعم الله على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته ~~على عبده وفي صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال كلوا واشربوا وتصدقوا في غير مخيلة ولا سرف فإن الله يحب أن يرى ~~أثر نعمته على عبده PageV01P098 # وذكر شعبة عن أبى اسحاق عن أبى الأحوص عن أبيه قال أتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأنا قشف الهيئة فقال هل لك من مال قال قلت نعم قال من أى ~~المال قلت من كل المال قد آتانى الله من الابل والخيل والرقيق والغنم قال ~~فإذا آتاك الله مالا فليرى عليك # وفي بعض المراسيل ان الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده في مأكله ومشربه ~~وروى عبد الله بن يزيد المقرى عن أبى معمر عن بكير بن عبد الله رفعه من ~~أعطى خيرا فرؤى عليه سمى حبيب الله محدثا بنعمة الله ومن أعطى خيرا ولم ير ~~عليه سمى بغيض الله معاديا لنعمة الله وقال فضيل بن عياض كان ms101 يقال من عرف ~~نعمة الله بقلبه وحمده بلسانه لم يستتم ذلك حتى يرى الزيادة لقول الله ~~تعالى ولئن شكرتم لأزيدنكم وقال من شكر النعمة أن يحدث بها وقد قال تعالى ~~يا ابن آدم إذا كنت تتقلب في نعمتى وأنت تتقلب في معصيتى فاحذرنى لأصرعك ~~بين معاصى يا ابن آدم اتقنى ونم حيث شئت # وقال الشعبى الكشر نصف الايمان واليقين الايمان كله وقال أبو قلابة لا ~~تضركم دنيا شكرتموها وقال الحسن إذا أنعم الله على قوم سألهم الشكر فإذا ~~شكروه كان قادرا على أن يزيدهم وإذا كفروه كان قادرا على أن يبعث نعمته ~~عليهم عذابا وقد ذم الله سبحانه الكنود وهو الذى لا يشكر نعمه قال الحسن ~~@QB@ إن الإنسان لربه لكنود @QE@ يعد المصائب وينسى النعم وقد أخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم إن النساء أكثر أهل النار بهذا السبب قال لو أحسنت إلى ~~إحداههن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط فإذا كان هذا بترك ~~شكر نعمة الزوج وهى في الحقيقة من الله فكيف بمن ترك شكر نعمة الله # يا أيها الظالم في فعله % والظلم مردود على من ظلم # إلى متى أنت وحتى متى % تشكو المصيبات وتنسى النعم # ذكر ابن أبى الدنيا من حديث أبى عبد الرحمن السلمي عن الشعبى عن النعمان ~~بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم التحدث بالنعمة شكر وتركها ~~كفر ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله ~~والجماعة بركة والفرقة PageV01P099 عذاب وقال مطرف بن عبد الله نظرت في ~~العافية والشكر فوجدت فيهما خير الدنيا والآخرة ولأن أعافى أعافي فأشكر أحب ~~إلى من أن أبتلى فأصبر ورأى بكر بن عبد الله المزنى حمالا عليه حمله وهو ~~يقول الحمد الله أستغفر الله قال فأنتظرته حتى وضع ما على ظهره وقلت له أما ~~تحسن غير هذا قال بلى أحسن خيرا كثيرا أقرأ كتاب الله غير أن العبد بين ~~نعمة وذنب فأحمد الله على نعمه السابغة وأستغفره ms102 لذنوبى فقلت الحمال أفقه ~~من بكر # وذكر الترمذى من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها ~~فسكتوا فقال قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن ردا منكم كنت كلما أتيت ~~على قوله @QB@ فبأي آلاء ربكما تكذبان @QE@ قالوا لا بشئ من نعمك ربنا نكذب ~~فلك الحمد وقال مشعر لما قيل لآل داود @QB@ اعملوا آل داود شكرا @QE@ لم ~~يأت على القوم ساعة الا وفيهم مصلى # وقال عون بن عبد الله قال بعض الفقهاء انى رأيت في أمرى لم أر خيرا الا ~~شر معه الا المعافاة والشكر فرب شاكر في بلائه ورب معافى غير شاكر فإذا ~~سألتم الله فاسألوهما جميعا وقال أبو معاويه لبس عمر بن الخطاب قميصا فلما ~~بلغ ترقوته قال الحمد لله الذى كسانى ما أوارى به عورتى وأتجمل به في حياتى ~~ثم مد يديه فنظر شيئا يزيد على يديه فقطعه ثم أنشأ يحدث قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول من لبس ثوبا أحسبه جديدا فقال حين يبلغ ترقوته أو ~~قال قبل أن يبلغ ركبتيه مثل ذلك ثم عمد إلى ثوبه الخلق فكسا به مسكينا لم ~~يزل في جوار الله وفي ذمة الله وفي كنف الله حيا وميتا ما بقى من ذلك الثوب ~~سلك # وقال عون بن عبد الله لبس رجل قميصا جديدا فحمد الله فغفر له فقال رجل ~~ارجع حتى أشترى قميصا فألبسه وأحمد الله وقال شريح ما أصيب عبد بمصيبة الا ~~كان لله عليه فيها ثلاث نعم ألا تكون كانت في دينه وألا تكون أعظم مما كانت ~~وأنها لا بد كائنه فقد كانت # وقال عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ما قلب عمر بن عبد العزيز بصره إلى ~~PageV01P100 نعمة أنعم الله بها عليه الا قال اللهم انى أعوذ بك أن أبدل ~~نعمتك كفرا وأن أكفرها بعد أن عرفتها وأن أنساها ولا أثنى بها وقال روح بن ms103 ~~القاسم تنسك رجل فقال لا آكل الخبيص لا أقوم بشكره فقال الحسن هذا أحمق وهل ~~يقوم بشكر الماء البارد # وفي بعض الآثار الالهية يقول الله عزوجل ابن آدم خيرى اليك نازل وشرك إلى ~~صاعد أتحبب اليك بالنعم وتتبغض إلى بالمعاصى ولا يزال ملك كريم قد عرج إلى ~~منك بعمل قبيح # قال ابن أبى الدنيا حدثنى أبو على قال كنت أسمع جارا لي يقول في الليل يا ~~الهى خيرك على نازل وشرى اليك صاعد كم من ملك كريم قد صعد اليك منى بعمل ~~قبيح وأنت مع غناك عنى تتحبب إلى بالنعم وأنا مع فقرى اليك وفاقتى أتمقت ~~اليك بالمعاصى وأنت في ذلك تجبرنى وتسترنى وترزقنى وكان أبو المغيرة اذا ~~قيل له كيف أصبحت يا أبا محمد أصبحنا مغرقين في النعم عاجزين عن الشكر ~~يتحبب الينا ربنا وهو غنى عنا ونتمقت اليه ونحن اليه محتاجون وقال عبد الله ~~بن ثعلبة الهى من كرمك أنك تطاع ولا تعصى ومن حلمك أنك تعصى وكأنك لا ترى ~~وأى زمن لم يعصك فيه سكان أرضك وأنت بالخير عواد وكان معاوية بن قرة اذا ~~لبس ثوبا جديدا قال بسم الله والحمد لله وقال أنس بن مالك ما من عبد توكل ~~بعبادة الله الا عزم الله السموات والأرض تعبر رزقه فجعله في أيدى بنى آدم ~~يعملونه حتى يدفع عنه اليه فإن العبد قبله أوجب عليه الشكر وان أباه وجد ~~الغنى الحميد عبادا فقراء يأخذون رزقه ويشكرون له # وقال يونس بن عبيد قال رجل لأبى تميمة كيف أصبحت قال أصبحت بين نعمتين لا ~~أدرى أيتهما أفضل ذنوب سترها الله فلا يستطيع أن يعيرنى بها أحد ومودة ~~قذفها الله في قلوب العباد لا يبلغها عملى # وروى ابن أبى الدنيا عن سعيد المقبرى عن أبيه عن عبد الله بن سلام أن ~~موسى عليه السلام قال يارب ما الشكر الذى ينبغى لك قال لا يزال لسانك رطبا ~~من ذكرى وروى سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة رضى الله عنه ms104 قال دعا ~~PageV01P101 رجل من الأنصار من أهل قباء النبي صلى الله عليه وسلم فانطلقنا ~~معه فلما طعم وغسل يديه قال الحمد لله الذى يطعم ولا يطعم من علينا فهدانا ~~وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا الحمد لله غير مودع ربى ولا مكافأ ولا ~~مكفور ولا مستغنى عنه الحمد لله الذى أطعم من الطعام وسقى من الشراب وكسى ~~من العرى وهدى من الضلالة وبصر من العمى وفضل على كثير من خلقه تفضيلا ~~الحمد لله رب العالمين # وفي مسند الحسن بن الصلاح من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل ولا مال أو ولد ~~فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيرى فيه آفة دون الموت ويذكر عن عائشة ~~رضى الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فرآى كسرة ملقاة ~~فمسحها وقال يا عائشة أحسنى جوار نعم الله فإنها فلما نفرت عن أهل بيت ~~فكادت أن ترجع اليهم ذكره ابن أبى الدنيا # وقال الإمام أحمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا صالح عن أبى عمران الجونى ~~عن أبى الخلد قال قرأت في مسألة داود أنه قال يا رب كيف لى أن أشكر وأنا لا ~~أصل إلى شكرك الا بنعمك قال فأتاه الوحى يا داود أليس تعلم أن الذى بك من ~~النعم منى قال بلى يا رب قال فإنى نرضى بذلك منك شكرا # وقال عبد الله بن أحمد حدثنا أبو موسى الانصارى حدثنا أبو الوليد عن سعيد ~~ابن عبد العزيز قال كان من دعاء داود سبحان مستخرج الشكر بالعطاء ومستخرج ~~الدعاء بالبلاء وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنى الأعمش عن المنهال ~~عن عبد الله بن الحارث قال أوحى الله إلى داود أحبنى وأحب عبادتى وحببنى ~~إلى عبادى قال يا رب هذا حبك وحب عبادتك فكيف أحببك إلى عبادك قال تذكرنى ~~عندهم فإنهم لا يذكرون منى إلا الحسن فجل جلال ربنا وتبارك اسمه وتعالى ms105 جده ~~وتقدست أسماؤه وجل ثناؤه ولا اله غيره # وقال أحمد حدثنا عبد الرزاق بن عمران قال سمعت وهبا يقول وجدت في كتاب آل ~~داود بعزتى ان من اعتصم بى فإن كادته السموات بمن فيهن والأرضون بمن فيهن ~~فإنى أجعل له من بين ذلك مخرجا ومن لم يعتصم بى فإنى أقطع يديه من أسباب ~~السماء وأخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء ثم أكله إلى نفسه ~~PageV01P102 كفي بى لعبدى مالا اذا كان عبدى في طاعتى أعطيته قبل أن يسألنى ~~وأجبته قبل أن يدعونى وإنى أعلم بحاجته التى ترفق به من نفسه # وقال أحمد حدثنا يسار حدثنا حفص حدثنا ثابت قال كان داود عليه السلام قد ~~جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم يكن ساعة من ليل أو نهار الا وانسان ~~من آل داود قائم يصلى فيها قال فعمهم تبارك وتعالى في هذه الآية @QB@ ~~اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور @QE@ # قال أحمد وحدثنا جابر بن زيد عن المغيرة بن عيينة قال داود يا رب هل بات ~~أحد من خلقك الليلة أطول ذكرا لك منى فأوحى الله اليه نعم الضفدع وأنزل ~~الله عليه @QB@ اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور @QE@ قال يا رب ~~كيف أطيق شكرك وأنت الذى تنعم على ثم ترزقنى على النعمة الشكر ثم تزيدنى ~~نعمة بعد نعمة فالنعم منك والشكر منك فكيف أطيق شكرك قال الآن عرفتنى يا ~~داود قال أحمد وحدثنا عبد الرحمن حدثنا الربيع بن صبيح عن الحسن قال نبى ~~الله داود الهى لو أن لكل شعرة منى لسانين يسبحانك الليل والنهار والدهر ما ~~وفيت حق نعمة واحدة # وذكر ابن أبى الدنيا عن أبى عمران الجونى عن أبى الخلد قال قال موسى يا ~~رب كيف لى أن أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندى من نعمك لا يجازى بها عملى كله ~~قال فأتاه الوحى يا موسى الآن شكرتنى # قال بكر بن عبد الله ما قال عبد قط الحمد لله الا وجبت عليه نعمة بقوله ~~الحمد ms106 لله فجزاء تلك النعمة أن يقول الحمد لله فجاءت نعمة أخرى فلا تنفد ~~نعم الله وقال الحسن سمع نبى الله رجلا يقول الحمد لله بالاسلام فقال انك ~~لتحمد الله على نعمة عظيمة وقال خالد بن معدان سمعت عبد الملك بن مروان ~~يقول ما قال عبد كلمة أحب إلى الله وأبلغ في الشكر عنده من أن يقول الحمد ~~لله الذى أنعم علينا وهدانا للإسلام # وقال سليمان التيمى ان الله سبحانه أنعم على عبده على قدره وكلفهم الشكر ~~على قدرتهم وكان الحسن اذا ابتدأ حديثه يقول الحمد لله اللهم ربنا لك الحمد ~~بما PageV01P103 خلقتنا ورزقتنا وهديتنا وعلمتنا وأنقذتنا وفرجت عنا لك ~~الحمد بالاسلام والقرآن ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة كبت عدونا وبسطت ~~رزقنا وأظهرت أمننا وجمعت فرقتنا وأحسنت معافاتنا ومن كل ما سألناك ربنا ~~أعطيتنا فلك الحمد على ذلك حمدا كثيرا لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا ~~في قديم أو حديث أو سر أو علانية أو خاصة أو عامة أو حى أو ميت أو شاهد أو ~~غائب لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد اذا رضيت # وقال الحسن قال موسى يا رب كيف يستطيع آدم أن يؤدى شكر ما صنعت اليه ~~خلقته بيدك ونفخت فيه من روحك وأسكنته جنتك وأمرت الملائكة فسجدوا له فقال ~~يا موسى علم أن ذلك منى فحمدنى عليه فكان ذلك شكر ما صنعت اليه وقال سعد بن ~~مسعود الثقفي انما سمى نوح عبدا شكورا لأنه لم يلبس جديدا ولم يأكل طعاما ~~الا حمد الله وكان على بن أبى طالب اذا خرج من الخلاء مسح بطنه بيده وقال ~~يا لها من نعمة لو يعلم العباد شكرها # وقال مخلد بن الحسين كان يقال الشكر ترك المعاصى وقال أبو حازم كان نعمة ~~لا تقرب من الله فهى بلية وقال سليمان ذكر النعم يورث الحب لله وقال حماد ~~بن زيد حدثنا ليث عن أبى بردة قال قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام ~~فقال لى ألا تدخل بيتا دخله النبي صلى الله ms107 عليه وسلم ونطعمك سويقا وتمرا ~~ثم قال ان الله اذا جمع الناس غدا ذكرهم بما أنعم عليهم فيقول العبد ما آية ~~ذلك فيقول آية ذلك انك كنت في كربة كذا وكذا قد دعوتنى فكشفتها وآية ذلك ~~أنك كنت في سفر كذا وكذا فاستصحبتنى فصحبتك قال يذكره حتى يذكر فيقول آية ~~ذلك أنك خطبت فلانة بنت فلان وخطبها معك خطاب فزوجتك ورددتهم يقف عبده بين ~~يديه فيعدد عليه نعمه فبكى ثم بكى ثم قال انى لأرجو الله أن لا يقعد الله ~~عبدا بين يديه فيعذبه # وروى ليث بن أبى سليم عن عثمان عن ابن سيرين عن أنس بن مالك قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالنعم يوم القيامة والحسنات والسيئات فيقول ~~الله عزوجل لنعمة من نعمه خذى حقك من حسناته فما تترك له من حسنة الا ذهبت ~~بها PageV01P104 وقال بكر بن عبد الله المزنى ينزل بالعبد الامر فيدعو الله ~~فيصرف عنه فيأتيه الشيطان فيضعف شكره يقول ان الامر كان أيسر مما تذهب اليه ~~قال أو لا يقول العبد كان الامر أشد مما أذهب اليه ولكن الله صرفه عنى وذكر ~~ابن أبى الدنيا عن صدقة بن يسار قال بينا داود عليه السلام في محرابه اذ ~~مرت به ذره فنظر اليها وفكر في خلقها وعجب منها وقال ما يعبؤ الله بهذه ~~فأنطقها الله فقالت يا داود أتعجبك نفسك فو الذى نفسى بيده لأنا على ما ~~آتانى الله من فضله أشكر منك على ما آتاك الله من فضله # وقال أيوب ان من أعظم نعمة الله على عبده أن يكون مأمونا على ماجاء به ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال سفيان الثورى كان يقال ليس بفقيه من لم يعد ~~البلاء نعمة والرخاء معصيبة وقال زازان مما يجب لله على ذى النعمة بحق ~~نعمته أن لا يتوصل بها إلى معصية قال ابن أبي الدنيا أنشدنى محمود الوراق # اذا كان شكرى نعمة الله نعمة % على له في مثلها يجب الشكر # فكيف وقوع الشكر الا ms108 بفضله % وان طالت الايام واتصل العمر # اذا مس بالسراء عم سرورها % وان مس بالضراء أعقبها الاجر # وما منهما الا له فيه منة % تضيق بها الاوهام والبر والبحر # وقد روى الدراوردى عن عمرو بن أبى عمرو عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة رضى ~~الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى قال الله عز وجل ان ~~المؤمن عندى بمنزلة كل خير يحمدنى وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه ومر محمد بن ~~المنكدر بشاب يغامز امرأة فقال يا فتى ما هذا جزاء نعم الله عليك وقال حماد ~~بن سلمة عن ثابت قال قال أبو العاليه انى لأرجو أن لا يهلك عبد بين اثنتين ~~نعمة يحمد الله عليها وذنب يستغفر منه # وكتب ابن السماك إلى محمد بن الحسن حين ولى القضاء بالرقة أما بعد فلتكن ~~التقوى من بالك على كل حال وخف الله من كل نعمة أنعم بها عليك من قلة الشكر ~~عليها مع المعصية بها فان في النعم حجة وفيها تبعة فأما الحجة بها فالمعصية ~~بها وأما التبعة فيها فقلة للشكر عليها فعفى الله عنك كلما ضيعت من شكر أو ~~ركبت من PageV01P105 ذنب أو قصرت من حق ومر الربيع بن أبى راشد برجل به ~~زمانة فجلس يحمد الله ويبكى قيل له ما يبكيك قال ذكرت أهل الجنة وأهل النار ~~فشبهت أهل الجنة بأهل العافية وأهل النار بأهل البلاء فذلك الذى أبكانى # وقد روى أبو هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أحب ~~أحدكم أن يرى قدر نعمة الله عليه فلينظر إلى من تحته ولا ينظر إلى من فوقه ~~قال عبد الله بن المبارك أخبرنى يحيى بن عبد الله قال سمعت أبى هريرة فذكره # وقال ابن المبارك حدثنا يزيد بن إبراهيم عن الحسن قال قال أبو الدرداء من ~~لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل عمله وحضر عذابه قال ~~ابن المبارك أخبرنا مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبى ms109 طلحة عن أنس ~~رضى الله قال سمعت عمر بن الخطاب رضى الله عنه سلم على رجل فرد عليه السلام ~~فقال عمر للرجل كيف أنت قال الرجل أحمد اليك الله قال هذا أردت منك قال ابن ~~المبارك وأخبرنا مسعود عن علقمة بن مرقد عن ابن عمر رضى الله عنهما قال ~~لعلنا نلتقى في اليوم مرارا يسأل بعضنا عن بعض ولم يرد بذلك إلا ليحمد الله ~~عزوجل وقال مجاهد في قوله تعالى @QB@ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة @QE@ ~~قال لا إله الا الله وقال ابن عيينة ما أنعم الله على العباد نعمة أفضل من ~~أن عرفهم لا إله إلا الله قال وان لا اله الا الله لهم في الآخرة كالماء في ~~الدنيا # وقال بعض السلف في خطبته يوم عيد أصبحتم زهرا وأصبح الناس غبرا أصبح ~~الناس ينسجون وأنتم تلبسون واصبح الناس يعطون وأنتم تأخذون وأصبح الناس ~~ينتجون وأنتم تركبون واصبح الناس يزرعون وأنتم تأكلون فبكى وأبكاهم # وقال عبد الله بن قرط الأزدى وكان من الصحابة على المنبر وكان يوم أضحى ~~ورأى على الناس ألوان الثياب يا لها من نعمة ما أشبعها ومن كرامة ما أظهرها ~~ما زال عن قوم شيئا أشد من نعمة لا يستطيعون ردها وانما تثبت النعمة بشكر ~~المنعم عليه للمنعم # وقال سلمان الفارسى رضى الله عنه ان رجلا بسط له من الدنيا فانتزع ما في ~~يديه PageV01P106 فجعل يحمد الله ويثنى عليه حتى لم يكن له فراش الا بارية ~~قال فجعل يحمد الله ويثنى عليه حتى لم يكن له فراش إلا بارية قال فجعل يحمد ~~الله ويثني عليه وبسط لآخر من الدنيا فقال لصاحب البارية أرأيتك أنت على ما ~~تحمد الله قال أحمده على ما لو أعطيت به ما أعطى الخلق لم أعطهم اياه قال ~~وما ذاك قال أرأيتك بصرك أرأيتك لسانك أرأيتك يديك أرايتك رجليك وجاء رجل ~~إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله فقال له يونس أيسرك ببصرك هذه مائة ألف ~~درهم قال الرجل لا قال فبيديك مائه ألف ms110 قال لا فبرجليك مائة الف قال لا قال ~~فذكره نعم الله عليه فقال يونس أرى عندك مئين الالوف وأنت تشكو الحاجه وكان ~~أبو الدرداء يقول الصحة الملك # وقال جعفر بن محمد رضى الله عنه فقد ابى بغلة له فقال ان ردها الله على ~~لأحمدنه بمحامد يرضاها فما لبث أن أتى بسرجها ولجامها فركبها فلما استوى ~~عليها وضم اليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء فقال الحمد لله لم يزد عليها ~~فقيل له في ذلك فقال هل تركت وأبقيت شيئا جعلت الحمد كله لله # وروى ابن أبى الدنيا من حديث سعد بن اسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده ~~قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا من الانصار وقال ان سلمهم الله ~~وغنمهم فإن لله على في ذلك شكرا قال فلم يلبثوا أن غنموا وسلموا فقال بعض ~~أصحابه سمعناك تقول ان سلمهم الله وغنمهم فإن لله على في ذلك شكرا قال قد ~~فعلت اللهم لك الحمد شكرا ولك المن فضلا # وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال محمد بن المنكدر لأبى حازم يا أبا ~~حازم ما أكثر من يلقانى فيدعو لى بالخير ما أعرفهم وما صنعت اليهم خيرا قط ~~فقال أبو حازم لا تظن أن ذلك من قبلك ولكن انظر إلى الذى ذلك من قبله ~~فاشكره وقرأ أبو عبد الرحمن @QB@ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم ~~الرحمن ودا @QE@ وقال على بن الجعد حدثنا عبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون ~~حدثنى من أصدقه أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه كان يقول في دعائه أسألك ~~تمام النعمة في الاشياء كلها والشكر لك عليها حتى ترضى وبعد الرضا والخيرة ~~في جميع ما تكون فيه الخيرة بجميع ميسر الامور كلها لا معسورها يا كريم ~~PageV01P107 # وقال الحسن ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله الا كان ما أعطى ~~أكثر مما أخذ قال ابن أبى الدنيا وبلغنى عن سفيان بن عيينة أنه قال هذا خطأ ~~لا يكون فعل العبد ms111 أفضل من فعل الله ثم قال وقال بعض أهل العلم انما تفسير ~~هذا أن الرجل اذا أنعم الله عليه نعمة وهو ممن يجب عليه أن يحمده عرفه ما ~~صنع به فيشكر الله كما ينبغى له أن يشكره فكان الحمد له أفضل # قلت لا يلزم الحسن ما ذكر عن ابن عيينة فإن قوله الحمد لله نعمة من نعم ~~الله والنعمة التى حمد الله عليها ايضا نعمة من نعم الله وبعض النعم أجل من ~~بعض فنعمة الشكر أجل من نعمة المال والجاه والولد والزوجة ونحوها والله ~~أعلم وهذا لا يستلزم أن يكون فعل العبد أفضل من فعل الله وان دل على أن فعل ~~العبد للشكر قد يكون أفضل من بعض مفعول الله وفعل العبد هو مفعول الله ولا ~~ريب أن بعض مفعولاته أفضل من بعض # وقال بعض أهل العلم لنعم الله علينا فيما زوى عنا من الدنيا أفضل من نعمه ~~علينا فيما بسط لنا منها وذلك أن الله لم يرض لنبيه الدنيا فإن أكون فيما ~~رضى الله لنبيه وأحب له أحب إلى من أن أكون فيما كره له وسخطه # وقال ابن أبى الدنيا بلغنى عن بعض العلماء أنه قال ينبغى للعالم أن يحمد ~~الله على ما زوى عنه من شهوات الدنيا كما يحمده على ما أعطاه وأين يقع ما ~~أعطاه الله والحساب يأتى عليه إلى ما عافاه الله ولم يبتله به فيشغل قلبه ~~ويتعب جوارحه فيشكر الله على سكون قلبه وجمع همه # وحدث عن ابن أبى الحوارى قال جلس فضيل بن عياض وسفيان بن عيينة ليلة إلى ~~الصباح يتذاكران النعم فجعل سفيان يقول أنعم الله علينا في كذا وكذا أنعم ~~الله علينا في كذا فعل بنا كذا وحدثنا عبد الله بن داود عن سفيان في قوله ~~@QB@ سنستدرجهم من حيث لا يعلمون @QE@ قال يسبغ عليهم النعم ويمنعهم الشكر ~~وقال غير سفيان كلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم نعمة وسئل ثابت البنانى عن ~~الاستدراج فقال ذلك مكر الله بالعباد المضيعين وقال يونس في تفسيرها ان ms112 ~~العبد اذا كانت له عند الله منزلة فحفظها وبقى عليها ثم شكر الله بما أعطاه ~~أعطاه أشرف PageV01P108 منها واذا هو ضيع الشكر استدرجه الله وكان تضييعه ~~الشكر استدراجا وقال أبو حازم نعمة الله فيما زوى عنى من الدنيا أعظم من ~~نعمته فيما أعطانى منها انى رأيته أعطاها أقواما فهلكوا وكل نعمة لا تقرب ~~من الله فهى بلية واذا رأيت الله يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره # وذكر كاتب الليث عن هقل عن الاوزاعى أنه وعظهم فقال في موعظته أيها الناس ~~تقووا بهذه النعم التى أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التى ~~تتطلع على الأفئدة فإنكم في دار الثوى فيها قليل وأنتم فيها مرجون خلائف من ~~بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفعها وزهرتها فهم كانوا أطول منكم ~~أعمارا وأمد أجساما وأعظم آثارا فقطعوا الجبال وجابوا الصخور ونقبوا في ~~البلاد مؤيدين ببطش شديد وأجسام كالعماد فما لبثت الايام والليالى أن طوت ~~مددهم وعفت آثارهم وأخوت منازلهم وأنست ذكرهم فما تحس منهم من أحد ولا تسمع ~~لهم ركزا كانوا يلهون آمنين لبيات قوم غافلين أو لصباح قوم نادمين ثم أنكم ~~قد علمتم الذى نزل بساحتهم بياتا من عقوبة الله فأصبح كثير منهم في دارهم ~~جاثمين واصبح الباقون ينظرون في آثارهم نقمة وزوال نعمة ومساكن خاويه فيها ~~آية للذين يخافون العذاب الاليم وعبرة لمن يخشى وأصبحتم من بعدهم في أجل ~~منقوص ودنيا مقبوضه وزمان قد ولى عفوه وذهب رخاؤه فلم يبق منه الا حماة شر ~~وصبابة كدر وأهاويل عبر وعقوبات غير وارسال فتن وتتابع زلازل ورذلة خلف بهم ~~ظهر الفساد في البر والبحر ولا تكونوا أشباها لمن خدعه الامل وغره طول ~~الاجل وتبلغ بطول الامانى نسأل الله أن يجعلنا واياكم ممن وعى انذاره وعقل ~~بشره فمهد لنفسه # وكان يقال الشكر ترك المعصيه وقال ابن المبارك قال سفيان ليس بفقيه فمن ~~لم يعد البلاء نعمه والرخاء مصيبه وكان مروان بن الحكم اذا ذكر الاسلام قال ~~بنعمة ربى وصلت اليه لا بما قدمت ms113 يدى ولا بإرادتى انى كنت خاطئا # وكم من مدخل لو مت فيه % لكنت فيه نكالا في العشيرة # وقيت السوء والمكروه فيه % وظفرت بنعمة منه كبيرة # وكم من نعمة لله تمسى % وتصبح في العيان وفي السريرة PageV01P109 # ودعى عثمان بن عفان رضى الله عنه إلى قوم على ريبة فانطلق ليأخذهم ~~فتفرقوا قبل أن يبلغهم فأعتق رقبة شكرا لله أن لا يكون جرى على يديه خزى ~~مسلم قال يزيد بن هرون أخبرنا أصبغ بن يزيد أن نوحا عليه السلام كان اذا ~~خرج من الخلاء قال الحمد لله الذى أذاقنى لذته وأبقى منفته في جسدى وأذهب ~~عنى أذاه فسمى عبدا شكورا وقال ابن أبى الدنيا حدثنى العباس بن جعفر عن ~~الحارث بن شبل قال حدثتنا أم النعمان أن عائشة حدثتها عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه لم يقم عن خلاء قط الا قاله وقال رجل لأبى حازم ما شكر ~~العينين يا أبا حازم قال ان رأيت بهما خيرا أعلنته وان رأيت بهما شرا سترته ~~قال فما شكر الاذنين قال ان سمعت بهما خيرا وعيته وان سمعت بهما شرا دفعته ~~قال فما شكر اليدين قال لا تأخذ بهما ما ليس لهما ولا تمنع حقا لله هو ~~فيهما قال فما شكر البطن قال أن يكون أسفله طعاما وأعلاه علما قال فما شكر ~~الفرج قال قال الله @QB@ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون @QE@ ~~قال فما شكر الرجلين قال ان علمت ميتا تغبطه استعملت بهما عمله وان مقته ~~رغبت عن عمله وأنت شاكر لله # وأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ ~~بطرفه ولم يلبسه فما ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر # وذكر عبد الله بن المبارك أن النجاشى أرسل ذات يوم إلى جعفر وأصحابه ~~فدخلوا عليه وهو في بيت عليه خلقان جالس على التراب قال جعفر فأشفقنا منه ~~حين رأيناه على تلك الحال فلما ms114 رأى ما في وجوهنا قال انى أبشركم بما يسركم ~~انه جاءنى من نحو أرضكم عين لى فأخبرنى أن الله قد نصر نبيه صلى الله عليه ~~وسلم وأهلك عدوه وأسر فلان وفلان وقتل فلان وفلان التقوا بواد يقال له بدر ~~كثير الاراك كأنى أنظر اليه كنت أرعى به لسيدى رجل من بنى ضمرة فقال له ~~جعفر ما بالك جالسا على التراب ليس تحتك بساط وعليك هذه الاخلاق قال انا ~~نجد فيما أنزل الله على عيسى عليه السلام ان حقا على عباد الله أن يحدثوا ~~لله تواضعا عندما أحدث الله لهم من نعمه فلما أحدث الله لى نصر نبيه أحدثت ~~لله هذا التواضع PageV01P110 # وقال حبيب بن عبيد ما ابتلى الله عبدا ببلاء إلا كان له عليه فيه نعمة ~~ألا يكون أشد منه وقال عبد الملك بن اسحاق ما من الناس إلا مبتلى بعافية ~~لينظر كيف شكره أو بلية لينظر كيف صبره # وقال سفيان الثورى لقد أنعم الله على عبد في حاجة أكثر من تضرعه اليه ~~فيها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا جاءه أمر يسره خر لله ساجدا ~~شكرا له عزوجل ذكره أحمد وقال عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه خرج علينا ~~النبي صلى الله عليه وسلم فتوجه نحو صدقته فدخل فاستقبل القبلة فخر ساجدا ~~فأطال السجود فقلت يا رسول الله سجدت سجدة حسبت أن يكون الله قد قبض نفسك ~~فيها فقال ان جبريل أتانى فبشرنى أن الله عز وجل يقول لك من صلى عليك صليت ~~عليه ومن سلم عليك سلمت عليه فسجدت لله شكرا ذكره أحمد # وعن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~من مكة نريد المدينة فلما كنا قريبا من عزور نزل ثم رفع يديه ودعا الله ~~ساعة ثم خر ساجدا فمكث طويلا ثم قام فرفع يديه ساعة ثم خر ساجدا فعله ثلاثا ~~وقال انى سألت ربى وشفعت لأمتى فأعطانى ثلث أمتى فخررت ساجدا شكرا لربى ثم ~~رفعت ms115 رأسى فسألت ربى لأمتى فأعطانى ثلث أمتى فخررت ساجدا لربى ثم رفعت رأسى ~~فسألت ربى ربى فأعطانى الثلث الآخر فخررت ساجدا لربى رواه أبو داود # وذكر محمد بن اسحاق في كتاب الفتوح قال لما جاء المبشر يوم بدر بقتل أبى ~~جهل استحلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيمان بالله الذى لا اله ~~الا هو لقد رأيته قتيلا فحلف له فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدا # وذكر سعيد بن منصور أن ابى بكر الصديق رضى الله عنه سجد حين جاءه قتل ~~مسيلمة وذكر أحمد أن عليا رضى الله عنه سجد حين وجد ذا الثدية في الخوارج ~~وسجد كعب بن مالك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما بشر بتوبة الله عليه ~~والقصة في الصحيحين # فإن قيل فنعم الله دائما مستمرة على العبد فما الذى اقتضى تخصيص النعمة ~~الحادثة بالشكر دون الدائمة وقد تكون المستدامة أعظم قيل الجواب من وجوه ~~PageV01P111 أحدها أن النعمة المتجددة تذكر بالمستدامة والانسان موكل ~~بالأدنى الثاني أن هذه النعمة المتجددة تستدعي عبودية مجددة وكان أسهلها ~~على الانسان وأحبها إلى الله السجود شكرا له # الثالث أن المتجددة لها وقع في النفوس والقلوب بها أعلق ولهذا يهنى بها ~~ويعزى بفقدها # الرابع أن حدوث النعم توجب فرح النفس وانبساطها وكثيرا ما يجر ذلك إلى ~~الأشر والبطر والسجود ذل لله وعبودية وخضوع فإذا تلقى به نعمته لسروره وفرح ~~النفس وانبساطها فكان جديرا بدوام تلك النعمة وإذا تلقاها بالفرح الذى لا ~~يحبه الله والاشر والبطر كما يفعله الجهال عندما يحدث الله لهم من النعم ~~كانت سريعة الزوال وشيكة الانتقال وانقلبت نقمة وعادت استدراجا وقد تقدم ~~أمر النجاشى فان الله اذا احدث لعبده نعمة أحب أن يحدث لها تواضعا وقال ~~العلاء بن المغيرة بشرت الحسن بموت الحجاج وهو مختف فخر لله ساجدا فصل ومن ~~دقيق نعم الله على العبد التى لا يكاد يفطن لها انه يغلق عليه بابه فيرسل ~~الله اليه من يطرق عليه الباب يسأله شيئا من القوت ms116 ليعرفه نعمته عليه # وقال سلام بن أبى مطيع دخلت على مريض أعوده فاذا هو يئن فقلت له أذكر ~~المطروحين على الطريق أذكر الذين لا مأوى لهم ولا لهم من يخدمهم قال ثم ~~دخلت عليه بعد ذلك فسمعته يقول لنفسه أذكرى المطروحين في الطريق اذكرى من ~~لا مأوى له ولا له من يخدمه # وقال عبد الله بن أبى نوح قال لى رجل على بعض السواحل كم عاملته تبارك ~~اسمه بما يكره فعاملك بما تحب قلت ما أحصى ذلك كثرة قال فهل قصدت اليه في ~~أمر كربك فخذلك قلت لا والله ولكنه أحسن إلى وأعاننى قال فهل سألته شيئا ~~فلم يعطكه قلت وهل منعنى شيئا سألته ما سألته شيئا قط الا أعطانى ولا ~~استعنت به الا أعاننى قال أرأيت لو أن بعض بنى آدم فعل بك بعض هذه الخلال ~~ما كان جزاؤه عندك قلت ما كنت أقدر له مكافأة ولا جزاء قال فربك أحق وأحرى ~~أن تدأب نفسك له في أداء شكره وهو المحسن قديما وحديثا اليك والله ~~PageV01P112 لشكره أيسر من مكافأة عباده انه تبارك وتعالى رضى من العباد ~~بالحمد شكرا وقال سفيان الثورى ما كان الله لينعم على عبد في الدنيا فيفضحه ~~في الآخرة ويحق على المنعم أن يتم النعمة على من أنعم عليه # وقال ابن أبى الحوارى قلت لأبى معاوية ما أعظم النعمة علينا في التوحيد ~~نسأل الله أن لا يسلبنا اياه قال يحق على المنعم أن يتم النعمة على من أنعم ~~عليه والله أكرم من أن ينعم بنعمة الا أتمها ويستعمل بعمل الا قبله وقال ~~ابن ابى الحوارى قالت لى امرأة أنا في بيتى قد شغل قلبى قلت وما هو قالت ~~أريد أن أعرف نعم الله على في طرفة عين أو أعرف تقصيرى عن شكر النعمة على ~~في طرفة عين قلت تريدين مالا تهتدى اليه عقولنا # وقال ابن زيد انه ليكون في المجلس الرجل الواحد يحمد الله عز وجل فيقضى ~~لذلك المجلس حوائجهم كلهم قال وفي بعض الكتب التى ms117 أنزلها الله تعالى أنه ~~قال سروا عبدى المؤمن فكان لا يأتيه شئ الا قال الحمد لله ما شاء الله قال ~~روعوا عبدى المؤمن فكان لا يطلع عليه طليعة من طلائع المكروه الا قال الحمد ~~لله الحمد لله فقال الله تبارك وتعالى ان عبدى يحمدنى حين روعته كما يحمدنى ~~حين سررته أدخلوا عبدى دار عزى كما يحمدنى على كل حالاته # وقال وهب عبد الله عابد خمسين عاما فأوحى الله اليه انى قد غفرت لك قال ~~أى رب وما تغفر لى ولم أذنب فأذن الله لعرق في عنقه يضرب عليه فلم ينم ولم ~~يصل ثم سكن فنام ثم أتاه ملك فشكا اليه فقال ما لقيت من ضربان العرق فقال ~~الملك ان ربك يقول ان عبادتك خمسين سنة تعدل سكون العرق # وذكر ابن أبى الدنيا ان داود قال يارب أخبرنى ما أدنى نعمك على فأوحى ~~الله اليه يا داود تنفس فتنفس قال هذا أدنى نعمى عليك فصل وبهذا يتبين معنى ~~الحديث الذى رواه أبو داود من حديث زيد ابن ثابت وابن عباس ان الله لو عذب ~~اهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو عير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا ~~لهم من أعمالهم والحديث الذى في الصحيح لن ينجى أحدا منكم عمله قالوا ولا ~~أنت يا رسول الله قال ولا أنا الا PageV01P113 أن يتغمدنى الله برحمة منه ~~وفضل فإن اعمال العبد لا توافي نعمة من نعم الله عليه # وأما قول بعض الفقهاء ان من حلف أن يحمد الله بأفضل أنواع الحمد كان بر ~~يمينه أن يقول الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده فهذا ليس بحديث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة وانما هو اسرائيلى عن ~~آدم وأصح منه الحمد لله غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا ولا يمكن ~~حمد العبد وشكره أن يوافي نعمة من نعم الله فضلا عن موافاته جميع نعمه ولا ~~يكون فعل العبد وحمده مكافئا للمزيد ولكن يحمل على وجه يصح ms118 وهو أن الذى ~~يستحقه الله سبحانه من الحمد حمدا يكون موافيا لنعمه ومكافئا لمزيده وان لم ~~يقدر العبد أن يأتى به كما اذا قال الحمد لله ملء السموات وملء الأرض وملء ~~ما بينهما وملء ما شئت من شئ بعد وعدد الرمال والتراب والحصى والقطر وعدد ~~أنفاس الخلائق وعدد ما خلق الله وما هو خالق فهذا اخبار عما يستحقه من ~~الحمد لا عما يقع من العبد من الحمد # | فصل وقال أبو المليح قال موسى يا رب ما أفضل الشكر قال أن تشكرنى # على كل حال وقال بكر بن عبد الله قلت لأخ لى أوصنى فقال ما أدرى ما أقول ~~غير أنه ينبغى لهذا العبد أن لا يفتر من الحمد والاستغفار فان ابن آدم بين ~~نعمة وذنب ولا تصلح النعمة الا بالحمد والشكر ولا يصلح الذنب الا بالتوبة ~~والاستغفار فأوسعنى علما ما شئت # وقال عبد العزيز بن ابى داود رأيت في يد محمد بن واسع قرحة فكأنه رأى ما ~~شق على منها فقال لى أتدرى ماذا لله على في هذه القرحة من نعمة حين لم ~~يجعلها في حدقتى ولا طرف لسانى ولا على طرف ذكرتى فهانت على قرحته # وروى الجريرى عن أبى الورد عن الحلاج عن معاذ بن جبل رضى الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على رجل وهو يقول اللهم انى أسألك تمام ~~النعمة فقال ابن آدم هل تدرى ما تمام النعمة قال يارسول الله دعوت دعوة ~~أرجو بها الخير فقال ان تمام النعمة فوز من النار ودخول في الجنة # وقال سهم بن سلمة حدثت أن الرجل اذا ذكر اسم الله على أول طعامه وحمده ~~على آخره لم يسأل عن نعيم ذلك الطعام PageV01P114 فصل # ويدل على فضل الشكر على الصبر أن الله سبحانه يحب أن يسأل العافية وما ~~يسأل شيئا أحب اليه من العافية كما في المسند عن ابى صالح عن أبى هريرة رضى ~~الله عنه قال قام أبو بكر رضى الله عنه على المنبر ثم قال ms119 سلوا الله ~~العافية فإنه لم يعط عبدا بعد اليقين خيرا من العافية # وفي حديث آخر إن الناس لم يعطوا في هذه الدنيا شيئا أفضل من العفو ~~والعافية فسلوهما الله عز وجل وقال لعمه العباس يا عم أكثر من الدعاء ~~بالعافية وفي الترمذى قلت يا رسول الله علمنى شيئا أسأله الله قال سل الله ~~العافية فمكثت أياما ثم جئت فقلت علمنى شيئا أسأله الله فقال لى يا عباس يا ~~عم رسول الله صلى الله عليه وسلم سل الله العافية في الدنيا والآخرة وقال ~~في دعائه يوم الطائف ان لم يكن بك على غضب فلا أبالى غير أن عافيتك أوسع لى ~~فلاذ بعافيته كما استعاذ بها في قوله أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من ~~عقوبتك وأعوذ بك منك # وفي حديث آخر سلوا الله العفو والعافية والمعافاة وهذا السؤال يتضمن ~~العفو عما مضى والعافية في الحال والمعافاة في المستقبل بدوام العافية ~~واستمرارها وكان عبد الأعلى التيمى يقول أكثروا من سؤال الله العافية فإن ~~المبتلى وان اشتد بلاؤه ليس بأحق بالدعاء من المعافي الذى لا يأمن البلاء ~~وما المبتلون اليوم إلا من أهل العافية بالأمس وما المبتلون بعد اليوم إلا ~~من أهل العافية اليوم ولو كان البلاء يجر إلى خير ما كنا من رجال البلاء ~~انه رب بلاء قد أجهد في الدنيا وأخزى في الاخرة فما يؤمن من أطال المقام ~~على معصية الله أن يكون قد بقى له في بقية عمره من البلاء ما يجهده في ~~الدنيا ويفضحه في الاخرة ثم يقول بعد ذلك الحمد لله الذى إن نعد نعمه لا ~~نحصيها وإن ندأب له عملا لا نجزيها وإن نعمر فيها لا نيليها ومر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم برجل يسأل الله الصبر فقال لقد سألت البلاء فاسأل ~~العافية وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم عاد رجلا قد هفت أى هزل فصار ~~مثل الفرخ فقال صلى الله عليه وسلم هل كنت تدعو الله بشئ أو تسأله اياه قال ~~نعم كنت ms120 أقول اللهم ما كنت معاقبنى به في الاخرة فعجله لى في الدنيا فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحانه لا تطيقه ولا تستطيعه أفلا قلت اللهم ~~ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا PageV01P115 عذاب النار ~~فدعا الله له فشفاه وفي الترمذى من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال دعاء ~~حفظته من رسول الله لا أدعه اللهم اجعلنى أعظم شكرك وأكثر ذكرك وأتبع ~~نصيحتك وأحفظ وصيتك # وقال شيبان كان الحسن اذا جلس مجلسا يقول لك الحمد بالاسلام ولك الحمد ~~بالقرآن ولك الحمد بالأهل والمال بسطت رزقنا وأظهرت أمننا وأحسنت معافاتنا ~~ومن كل ما سألناك أعطيتنا فلك الحمد كثيرا كما تنعم كثيرا أعطيت خيرا كثيرا ~~وصرفت شرا كثيرا فلوجهك الجليل الباقى الدايم الحمد وكان بعض السلف يقول ~~اللهم ما أصبح بنا من نعمة أو عافية أو كرامة في دين أو دنيا جرت علينا ~~فيما مضى وهى جارية علينا فيما بقى فانها منك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ~~بذلك علينا ولك المن ولك الفضل ولك الحمد عدد ما أنعمت به علينا وعلى جميع ~~خلقك لا اله الا أنت # وقال مجاهد اذا كان ابن عمر في سفر فطلع الفجر رفع صوته ونادى سمع سامع ~~بحمد الله ونعمه وحسن بلائه علينا ثلاثا اللهم صاحبنا فأفضل علينا عائذ ~~بالله من النار ولا حول ولا قوة الا بالله ثلاثا # وذكر الامام أحمد أن الله سبحانه أوحى إلى موسى بن عمران عليه السلام يا ~~موسى كن يقظان مرتادا لنفسك أخدانا وكل خدن لا يواتيك على مسرتى فلا تصحبه ~~فإنه عدو لك وهو يقسى قلبك وأكثر من ذكرى حتى تستوجب الشكر وتستكمل المزيد ~~وقال الحسن خلق الله آدم حين خلقه فأخرج أهل الجنة من صفحته اليمنى وأخرج ~~أهل النار من صفحته اليسرى فدبوا على وجه الأرض منهم الاعمى والاصم ~~والمبتلى فقال آدم يا رب ألا سويت بين ولدى قال يا آدم انى أريد أن أشكر # وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم من قال ms121 حين يصبح اللهم ما أصبح بى من ~~نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر الا أدى ~~شكر ذلك اليوم ومن قال ذلك حين يمسى فقد أدى شكر ليلته ويذكر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من ابتلى فصبر وأعطى فشكر وظلم فغفر وظلم فاستغفر أولئك لهم ~~الامن وهم مهتدون ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه أوصى رجلا بثلاث فقال ~~أكثر من ذكر الموت يشغلك PageV01P116 عما سواه وعليك بالدعاء فإنك لا تدرى ~~متى يستجاب لك وعليك بالشكر فإن الشكر زيادة # ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أكل قال الحمد لله الذى أطعمنى ~~وسقانى وهدانى وكل بلاء حسن أبلانى الحمد لله الرازق ذى القوة المتين اللهم ~~لا تنزع منا صالحا أعطيتنا ولا صالحا رزقتنا واجعلنا لك من الشاكرين # ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه إذا أكل قال الحمد لله الذى أطعم وسقى ~~وسوغه وجعل له مخرجا وكان عروة بن الزبير إذا أتى بطعام لم يزل مخمرا حتى ~~يقول هذه الكلمات الحمد لله الذى هدانا وأطعمنا وسقانا ونعمنا الله أكبر ~~اللهم ألفتنا نعمتك ونحن بكل شر فأصبحنا وأمسينا بخير نسألك تمامها وشكرها ~~لا خير إلا خيرك ولا إله غيرك اله الصالحين ورب العالمين الحمد لله لا اله ~~الا الله ما شاء الله لا قوة الا بالله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا ~~عذاب النار # وقال وهب بن منبه رءوس النعم ثلاثة فأولها نعمة الاسلام التى لا تتم نعمه ~~الا بها والثانية نعمة العافية التى لا تطيب الحياة الا بها والثالثة نعمة ~~الغنى التى لا يتم العيش الا به # وقدم سعيد الجريرى من الحج فجعل يقول أنعم الله علينا في سفرنا بكذا وكذا ~~ثم قال تعداد النعم من الشكر ومر وهب بمبتلى أعمى مجذوم مقعد عريان به وضح ~~وهو يقول الحمد لله على نعمه فقال رجل كان مع وهب أى شئ بقى عليك من النعمة ~~تحمد الله عليها فقال له المبتلى ارم ms122 ببصرك إلى أهل المدينة فانظر إلى كثرة ~~أهلها أفلا أحمد الله أنه ليس فيها أحد يعرفه غيرى # ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اذا أنعم الله على عبد نعمة ~~فحمده عندها فقد أدى شكرها وذكر على بن أبى طالب رضى الله عنه أن بختنصر ~~أتى بدانيال فأمر به فحبس في جب وأضرى أسدين ثم خلى بينهما وبينه ثم فتح ~~عليه بعد خمسة أيام فوجده قائما يصلى والأسدان في ناحية الجب لم يعرضا له ~~فقال له ما قلت حين دفع عليك قال قلت الحمد لله الذى لا ينسى من ذكره ~~والحمد الله الذى لا يخيب من رجاه والحمد لله الذى لا يكل من توكل عليه إلى ~~غيره والحمد لله الذى هو ثقتنا PageV01P117 حين تنقطع عنا الحيل والحمد لله ~~الذى هو رجاؤنا حين يسوء ظننا بأعمالنا والحمد لله الذى يكشف عنا ضرنا بعد ~~كربتنا والحمد لله الذى يجزى بالاحسان احسانا والحمد لله الذى يجزى بالصبر ~~نجاة # ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم انه كان اذا نظر في المرآة قال الحمد لله ~~الذى أحسن خلقى وخلقى وزان منى ما شان من غيرى # وقال ابن سيرين كان ابن عمر يكثر النظر في المرآة وتكون معه في الاسفار ~~فقلت له ولم قال أنظر فما كان في وجهى زين فهو في وجه غيرى شين أحمد الله ~~عليه وسئل أبو بكر بن أبى مريم ما تمام النعمة قال أن تضع رجلا على الصراط ~~ورجلا في الجنة وقال بكر بن عبد الله يا ابن آدم ان أردت أن تعرف قدر ما ~~أنعم الله عليك فغمض عينيك # وقال مقاتل في قوله @QB@ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة @QE@ قال أما ~~الظاهرة فالاسلام وأما الباطنة فستره عليكم بالمعاصى # وقال ابن شوذب قال عبدالله يعنى ابن مسعود رضى الله عنه ان لله على أهل ~~النار منة لو شاء أن يعذبهم بأشد من النار لعذبهم # وقال أبو سليمان الدارانى جلساء الرحمن يوم القيامة من جعل فيه خصالا ~~الكرم والسخاء والحلم والرأفة ms123 والرحمة والشكر والبر والصبر وقال أبو هريرة ~~رضى الله عنه من رأى صاحب بلاء فقال الحمد لله الذى عافانى مما ابتلاك به ~~وفضلنى عليك وعلى جميع خلقه تفضيلا فقد أدى شكر تلك النعمة وقال عبد الله ~~بن وهب سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول الشكر يأخذ بجذم الحمد وأصله وفرعه قال ~~ينظر في نعم الله في بدنه وسمعه وبصره ويديه ورجليه وغير ذلك ليس من هذا شئ ~~الا فيه نعمه من الله حق على العبد أن يعمل في النعمة التى هى في بدنه لله ~~في طاعته ونعمة أخرى في الرزق وحق عليه أن يعمل لله فيما أنعم عليه به من ~~الرزق بطاعته فمن عمل بهذا كان قد أخذ يجذم الشكر وأصله وفرعه # وقال كعب ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله وتواضع بها ~~لله الا أعطاه الله نفعها في الدنيا ورفع له بها درجة في الاخرى وما أنعم ~~الله على عبد نعمة في PageV01P118 # الدنيا فلم يشكرها لله ولم يتواضع بها الا منعه الله نفعها في الدنيا ~~وفتح له طبقات من النار يعذبه ان شاء أو يتجاوز عنه # وقال الحسن من لا يرى لله عليه نعمة الا في مطعم أو مشرب أو لباس فقد قصر ~~علمه وحضر عذابه وقال الحسن يوما لبكر المزنى هات يا أبا عبد الله دعوات ~~لإخوانك فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال ~~والله ما أدرى أى النعمتين أفضل على وعليكم أنعمة المسلك أم نعمة المخرج ~~اذا أخرجه منا قال الحسن انها لمن نعمة الطعام # وقالت عائشة رضى الله عنها ما من عبد يشرب الماء القراح فيدخل بغير أذى ~~ويخرج الاذى الا وجب عليه الشكر قال الحسن يالها من نعمة تدخل كل لذة وتخرج ~~مسرخا لقد كان ملك من ملوك هذه القرية يرى الغلام من غلمانه يأتى الحب ~~فيكتال منه ثم يجرجر قائما فيقول يا ليتنى مثلك ما يشرب حتى يقطع عنه العطش ~~فإذا شرب كان له ms124 في تلك الشربة موتات يا لها من نعمة # وكتب بعض العلماء إلى أخ له أما بعد فقد أصبح بنا من نعم الله مالا نحصيه ~~مع كثرة ما نعصيه فما يدرى أيهما نشكر أجميل ما يسر أم قبيح ما ستر وقيل ~~للحسن ها هنا رجل لا يجالس الناس فجاء اليه فسأله عن ذلك فقال انى أمسى ~~وأصبح بين ذنب ونعمة فرأيت أن أشغل نفسى عن الناس بالاستغفار من الذنب ~~والشكر لله على النعمة فقال له الحسن أنت عندى يا عبد الله أفقه من الحسن ~~فالزم ما أنت عليه # وقال ابن المبارك سمعت عليا بن صالح يقول في قوله تعالى @QB@ لئن شكرتم ~~لأزيدنكم @QE@ قال أى من طاعتى والتحقيق أن الزيادة من النعم وطاعته من أجل ~~نعمه وذكر أبن أبى الدنيا أن محارب بن دثار كان يقوم بالليل ويرفع صوته ~~أحيانا أنا الصغير الذى ربيته فلك الحمد وأنا الضعيف الذى قويته فلك الحمد ~~وأنا الفقير الذى أغنيته فلك الحمد وأنا الصعلوك الذى مولته فلك الحمد وأنا ~~العزب الذى زوجته فلك الحمد وأنا الساغب الذى أشبعته فلك الحمد وأنا العارى ~~الذى كسوته فلك الحمد وأنا المسافر الذى صاحبته فلك الحمد وأنا الغائب الذى ~~رددته فلك الحمد وأنا الراجل الذى حملته فلك الحمد وأنا المريض الذى شفيته ~~فلك الحمد وأنا السائل PageV01P119 الذى أعطيته فلك الحمد وأنا الداعى الذى ~~أجبته فلك الحمد ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا # وكان بعض الخطباء يقول في خطبته اختط لك الأنف فأقامه وأتمه فأحسن تمامه ~~ثم أدار منك الحدقة فجعلها بجفون مطبقه وبأشفار معلقه ونقلك من طبقة إلى ~~طبقه وحنن عليك قلب الوالدين برقة ومقة فنعمه عليك مورقة وأياديه بك محدقة # وكان بعض العلماء يقول في قوله تعالى @QB@ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ~~@QE@ سبحان من لم يجعل لحد معرفة نعمه الا العلم بالتقصير عن معرفتها كما ~~لم يجعل لحد ادراكه أكثر من العلم أنه لا يدرك فجعل معرفة نعمه بالتقصير عن ~~معرفتها شكرا كما شكر علم العالمين انهم لا يدركونه ms125 فجعله ايمانا علما منه ~~أن العباد لا يتجاوزون ذلك # وقال عبد الله بن المبارك أخبرنا مثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خصلتان من كانتا فيه ~~كتبه الله صابرا شاكرا ومن لم يكونا فيه لم يكتبه الله صابرا شاكرا من نظر ~~في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به ومن نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد ~~الله على ما فضله به عليه كتبه الله صابرا شاكرا ومن نظر في دينه إلى من هو ~~دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منه لم يكتبه الله ~~صابرا شاكرا وبهذا الإسناد عن عبد الله ابن عمرو موقوفا عليه أربع خصال من ~~كن فيه بنى الله له بيتا في الجنة من كان عصمة أمره لا اله الا الله واذا ~~أصابته مصيبه قال انا لله وانا اليه راجعون واذا أعطى شيئا قال الحمد لله ~~واذا أذنب قال استغفر الله # وقال ابن المبارك عن شبل عن أبى نجيح عن مجاهد في قوله تعالى @QB@ إنه ~~كان عبدا شكورا @QE@ قال لم يأكل شيئا إلا حمد الله عليه ولم يشرب شرابا قط ~~الا حمد الله عليه ولم يبطش بشيء قط الا حمد الله عليه فأثنى الله عليه انه ~~كان عبدا شكورا وقال محمد بن كعب كان نوح إذا أكل قال الحمد لله وإذا شرب ~~قال الحمد لله وإذا لبس قال الحمد لله وإذا ركب قال الحمد لله فسماه الله ~~عبدا شكورا وقال ابن أبى الدنيا بلغنى عن بعض الحكماء قال لو لم يعذب الله ~~على معصيته لكان ينبغى أن لا يعصى لشكر نعمته PageV01P120 # | فصل ولله تبارك وتعالى على عبده نوعان من الحقوق لا ينفك عنهما أحدهما # أمره ونهيه اللذين هما محض حقه عليه والثانى شكر نعمه التى أنعم بها عليه ~~فهو سبحانه يطالبه بشكر نعمه وبالقيام بأمره فمشهد الواجب عليه لا يزال ~~يشهده تقصيره وتفريطه وأنه محتاج إلى عفو ms126 الله ومغفرته فإن لم يداركه بذلك ~~هلك وكلما كان أفقه في دين الله كان شهوده للواجب عليه أتم وشهوده لتقصيره ~~أعظم وليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة بل بالقيام مع ذلك بالأوامر ~~المحبوبة لله واكثر الديانين لا يعبأون منها الا بما شاركهم فيه عموم الناس # وأما الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والنصيحه لله ورسوله ~~وعباده ونصرة الله ورسوله ودينه وكتابه فهذه الواجبات لا تخطر ببالهم فضلا ~~عن أن يريدوا فعلها وفضلا عن أن يفعلوها وأقل الناس دينا وأمقتهم إلى الله ~~من ترك هذه الواجبات وان زهد فى الدنيا جميعها وقل أن ترى منهم من يحمر ~~وجهه ويمعره لله ويغضب لحرماته ويبذل عرضه فى نصرة دينه وأصحاب الكبائر ~~أحسن حالا عند الله من هؤلاء وقد ذكر أبو عمر وغيره أن الله تعالى أمر ملكا ~~من الملائكة أن يخسف بقريه فقال يا رب ان فيهم فلانا العابد الزاهد قال به ~~فابدأ وأسمعنى صوته انه لم يتمعر وجهه فى يوم قط # | فصل وأما شهود النعمه فإنه لا يدع له رؤية حسنة من حسناته أصلا ولو # عمل أعمال الثقلين فإن نعم الله سبحانه أكثر من أعماله وأدنى نعمه من ~~نعمه تستنفذ عمله فينبغى للعبد ألا يزال ينظر فى حق الله عليه # قال الامام أحمد حدثنا حجاج حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال بلغنى أن نبى ~~الله موسى عليه السلام مر برجل يدعو ويتضرع فقال يا رب ارحمه فإنى قد رحمته ~~فأوحى الله اليه لو دعانى حتى تنقطع قواه ما استجبت له حتى ينظر فى حقى ~~عليه # فمشاهدة العبد النعمه والواجب لا تدع له حسنة يراها ولا يزال مزريا على ~~نفسه ذاما لها وما اقربه من الرحمه اذا أعطى هذين المشهدين حقهما والله ~~المستعان PageV01P121 # | الباب الحادى والعشرون فى الحكم بين الفريقين والفصل بين الطائفتين # فنقول كل أمرين طلبت الموازنة بينهما ومعرفة الراجح منهما على المرجوح ~~فإن ذلك لا يمكن إلا بعد معرفة كل منهما وقد ذكرنا حقيقة الصبر وأقسامه ~~وأنواعه ونذكر حقيقة الشكر ms127 وماهيته # قال فى الصحاح الشكر الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف يقال شكرته ~~وشكرت له واللام أفصح وقوله تعالى @QB@ لا نريد منكم جزاء ولا شكورا @QE@ ~~يحتمل أن يكون مصدرا كالقعود وأن يكون جميعا كالبرود والكفور والشكران خلاف ~~الكفران وتشكرت له مثل شكرت له والشكور من الدواب ما يكفيه العلف القليل ~~واشتكرت السماء اشتد وقع مطرها واشتكر الضرع امتلأ لبنا تقول منه شكرت ~~الناقة بالكسر تشكر شكرا فهى شكرة وشكرت الشجرة تشكر شكرا إذا خرج منها ~~الشكير وهو ما ينبت حول الشجرة من أصلها # فتأمل هذا الاشتقاق وطابق بينه وبين الشكر المأمور به وبين الشكر الذى هو ~~جزاء الرب الشكور كيف نجد فى الجميع معنى الزيادة والنماء ويقال أيضا دابة ~~شكور اذا أظهرت من السمن فوق ما تعطى من العلف # وشكر العبد يدور على ثلاثة أركان لا يكون شكورا الا بمجموعها أحدها ~~اعترافه بنعمة الله عليه والثانى الثناء عليه بها والثالث الاستعانة بها ~~على مرضاته # وأما قول الناس فى الشكر فقالت طائفة هو الاعتراف بنعمه المنعم على وجه ~~الخضوع وقيل الشكر هو الثناء على المحسن بذكر احسانه اليه فشكر العبد ثناؤه ~~عليه بذكر احسانه اليه وقيل شكر النعمة مشاهدة المنة وحفظ الحرمة والقيام ~~بالحدمة وقيل شكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيليا وقيل الشكر معرفه العجز ~~عن الشكر ويقال الشكر على الشكر أتم من الشكر وذلك أن ترى شكرك بتوفيقه ~~وذلك التوفيق من أجل النعم عليك تشكر على الشكر ثم تشكره على الشكر الا ترى ~~نفسك للنعمه أهلا وقيل الشكر استفراغ الطاقه فى الطاعه وقيل الشاكر الذى ~~يشكر على الموجود PageV01P122 والشكور الذى يشكر على المفقود وقيل الشاكر ~~الذى يشكر على الرفد والشكور الذى يشكر على الرد وقيل الشاكر الذى يشكر على ~~النفع والشكور الذى يشكر على المنع وقيل الشاكر الذى يشكر على العطاء ~~والشكور الذى يشكر على البلاء # وقال الجنيد كنت بين يدى السرى ألعب وأنا ابن سبع سنين وبيننا جماعة ~~يتكلمون فى الشكر فقال لى ياغلام ما الشكر فقلت ms128 ألا تعصى الله بنعمه فقال ~~يوشك أن يكون حظك من الله لسانك فلا أزال أبكى على هذه الكلمة التى قالها ~~السرى وقال الشبلى الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعم وهذا ليس بجيد بل من ~~تمام الشكر أن تشهد النعمة من المنعم وقيل الشكر قيد الموجود وصيد المفقود ~~وقال أبو عثمان شكر العامة على المطعم والملبس وشكر الخواص على ما يرد على ~~قلوبهم من المعانى # وحبس السلطان رجلا فأرسل اليه صاحبه أشكر الله فضرب فارسل اليه أشكر الله ~~فجيء بمحبوس مجوسى مبطون فقيد وجعل حلقة من قيده فى رجله وحلقة فى الرجل ~~المذكور فكان المجوسى يقوم بالليل مرات فيحتاج الرجل أن يقف على راسه حتى ~~يفرغ فكتب اليه صاحبه أشكر الله فقال له إلى متى تقول أشكر الله وأى بلاء ~~فوق هذا فقال ولو وضع الزنار الذى فى وسطه فى وسطك كما وضع القيد الذى فى ~~رجله فى رجلك ماذا كنت تصنع فاشكر الله ودخل رجل على سهل ابن عبدالله فقال ~~اللص دخل داري وأخذ متاعى فقال أشكر الله فلو دخل اللص قلبك وهو الشيطان ~~وافسد عليك التوحيد ماذا كنت تصنع # وقيل الشكر التلذذ بثنائه على ما لم يستوجبه من عطائه وقيل اذا قصرت يدك ~~عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر وقيل اربعة لا ثمرة لهم مشاورة الاصم ووضع ~~النعمة عند من لا يشكرها والبذر فى السباح والسراج فى الشمس # والشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح فالقلب للمعرفة والمحبة واللسان ~~للثناء والحمد والجوارح لاستعمالها فى طاعة المشكور وكفها عن معاصيه وقال ~~الشاعر # أفادتكم النعماء منى ثلاثة % يدى ولسانى والضمير المحجبا # والشكر أخص بالافعال والحمد أخص بالاقوال وسبب الحمد أعم من سبب ~~PageV01P123 الشكر ومتعلق الشكر وما به الشكر أعم مما به الحمد فما يحمد ~~الرب تعالى عليه أعم مما يشكر عليه فانه يحمد على أسمائه وصفاته وأفعاله ~~ونعمه ويشكر على نعمه وما يحمد به أخص مما يشكر به فانه يشكر بالقلب ~~واللسان والجوارح ويحمد بالقلب واللسان # | فصل اذا عرف هذا فكل من الصبر والشكر ms129 داخل فى حقيقة الآخر لا يمكن # وجوده الا به وانما يعبر عن أحدهما باسمه الخاص به باعتبار الاغلب عليه ~~والاظهر منه والا فحقيقة الشكر انما يلتئم من الصبر والارادة والفعل فان ~~الشكر هو العمل بطاعة الله وترك معصيته والصبر أصل ذلك فالصبر على الطاعة ~~وعن المعصية هو عين الشكر واذا كان الصبر مأمورا به فأداؤه هو الشكر # فان قيل فهذا يفهم منه اتحاد الصبر والشكر وانهما اسمان لمسمى واحد وهذا ~~محال عقلا ولغة وعرفا وقد فرق الله سبحانه بينهما # قيل بل هما معنيان متغايران وانما بينا تلازمهما وافتقار كل واحد منهما ~~فى وجود ماهيته إلى الآخر ومتى تجرد الشكر عن الصبر بطل كونه شكرا واذا ~~تجرد الشكر عن الصبر بطل كونه صبرا أما الاول فظاهر وأما الثانى اذا تجرد ~~عن الشكر كان كافورا ومنافاة الكفور للصبر أعظم من منافاة السخوط # فان قيل بل ها هنا قسم آخر وهو أن لا يكون كفورا ولا شكورا بل صابرا على ~~مضض وكراهة شديدة فلم يأت بحقيقة الشكر ولم يخرج عن ماهية الصبر # قيل كلامنا فى الصبر المأمور به الذى هو طاعة لا فى الصبر الذى هو تجلد ~~كصبر البهائم وصبر الطاعة لا يأتي به إلا شاكر ولكن اندرج شكره في صبره ~~فكان الحكم للصبر كما اندرج صبر الشكور فى شكره فكان الحكم للشكر فمقامات ~~الايمان لا تعدم بالتنقل فيها بل تندرج وينطوى الادنى فى الاعلى كما يندرج ~~الايمان فى الاحسان وكما يندرج الصبر فى مقامات الرضا لا أن الصبر يزول ~~ويندرج الرضا فى التفويض ويندرج الخوف والرجاء فى الحب لا أنهما يزولان ~~فالمقدور الواحد يتعلق به الشكر والصبر سواء كان محبوبا أو مكروها فالفقر ~~مثلا يتعلق به الصبر وهو أخص به لما فيه من الكراهة ويتعلق به الشكر لما ~~فيه من النعمة فمن غلب شهود نعمته وتلذذ به PageV01P124 واستراح واطمأن ~~اليه عده نعمة يشكر عليها ومن غلب شهود ما فيه من الابتلاء والضيق والحاجة ~~عده بلية يصبر عليها وعكسه الغنى # على أن الله ms130 سبحانه ابتلى العباد بالنعم كما ابتلاهم بالمصائب وعد ذلك ~~كله ابتلاء فقال @QB@ ونبلوكم بالشر والخير فتنة @QE@ وقال @QB@ فأما ~~الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن @QE@ وقال إنا جعلنا ما على الأرض ~~زينا لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وقال @QB@ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا @QE@ وقال وهو الذى خلق السموات والأرض فى ستة ايام وكان ~~عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا فاخبر سبحانه أنه خلق العالم العلوى ~~والسفلى وقدر أجل الخلق وخلق ما على الأرض للابتلاء والاختبار # وهذا الابتلاء انما هو ابتلاء صبر العباد وشكرهم فى الخير والشر والسراء ~~والضراء فالابتلاء من النعم من الغنى والعافية والجاه والقدرة وتأتى ~~الاسباب أعظم الابتلائين والصبر على طاعة الله أشق الصبرين كما قال الصحابة ~~رضى الله عنهم ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر والنعمة ~~بالفقر والمرض وقبض الدنيا وأسبابها وأذى الخلق قد يكون أعظم النعمتين وفرض ~~الشكر عليها أوجب من الشكر على أضدادها فالرب تعالى يبتلى بنعمه وينعم ~~بابتلائه غير أن الصبر والشكر حالتان لازمتان للعبد فى أمر الرب ونهيه ~~وقضائه وقدره لا يستغنى عنهما طرفة عين والسؤال عن أيهما أفضل كالسؤال عن ~~الحس والحركة أيهما أفضل وعن الطعام والشراب أيهما أفضل وعن خوف العبد ~~ورجائه أيهما أفضل فالمأمور لا يؤدى الا بصبر وشكر والمحظور لا يترك الا ~~بصبر وشكر وأما المقدور الذى يقدر على العبد من المصائب فمتى صبر عليه ~~اندرج شكره فى صبره كما يندرج صبر الشاكر فى شكره # ومما يوضح هذا أن الله سبحانه امتحن العبد بنفسه وهواه وأوجب عليه ~~جهادهما فى الله فهو فى كل وقت فى مجاهدة نفسه حتى تأتى بالشكر المأمور به ~~ويصبر عن الهوى المنهى عن طاعته فلا ينفك العبد عنهما غنيا كان أو فقيرا ~~معافى أو مبتلى وهذه هى مسألة الغنى الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل ~~وللناس فيها ثلاثة أقوال وهى التى حكاها أبو الفرج ابن الجوزى وغيره فى ms131 ~~عموم الصبر والشكر أيهما PageV01P125 أفضل وقد احتجت كل فرقة بحجج وأدلة ~~على قولها # والتحقيق أن يقال أفضلهما أتقاهما لله تعالى فان فرض استوائهما فى التقوى ~~استويا فى الفضل فان الله سبحانه لم يفضل بالفقر والغنى كما لم يفضل ~~بالعافيه والبلاء وانما فضل بالتقوى كما قال تعالى @QB@ إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم @QE@ وقد قال صلى الله عليه وسلم لا فضل لعربى على عجمى ولا فضل ~~لعجمى على عربى الا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب والتقوى مبنيه على ~~أصلين الصبر والشكر وكل من الغنى والفقير لا بد له منهما فمن كان صبره ~~وشكره أتم كان أفضل فان قيل فاذا كان صبر الفقير أتم وشكر الغنى أتم فأيهما ~~أفضل # قيل أتقاهما لله فى وظيفته ومقتضى حاله ولا يصح التفضيل بغير هذا البته ~~فان الغنى قد يكون أتقى لله فى شكره من الفقير فى صبره وقد يكون الفقير ~~أتقى لله فى صبره من الغنى فى شكره فلا يصح أن يقال هذا بغناه أفضل ولا هذا ~~بفقره أفضل ولا يصح أن يقال هذا بالشكر أفضل من هذا بالصبر ولا بالعكس ~~لأنهما مطيتان للايمان لا بد منهما بل الواجب أن يقال أقومهما بالواجب ~~والمندوب هو الافضل فان التفضيل تابع لهذين الأمرين كما قال تعالى فى الاثر ~~الالهى ما تقرب إلى عبدى بمثل مداومة ما افترضت عليه ولا يزال عبدى يتقرب ~~إلى بالنوافل حتى أحبه فأى الرجلين كان أقوم بالواجبات وأكثر نوافل كان ~~أفضل # فان قيل فقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال يدخل فقراء أمتى ~~الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وذلك خمسمائة عام قيل هذا لا يدل على فضلهم ~~على الاغنياء فى الدرجة وعلو المنزلة وان سبقوهم بالدخول فقد يتأخر الغنى ~~والسلطان العادل فى الدخول لحسابه فاذا دخل كانت درجته أعلى ومنزلته أرفع ~~كسبق الفقير القفل فى المضائق وغيرها ويتأخر صاحب الاحمال بعده # فان قيل فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم للفقراء لما شكوا اليه زيادة ~~عمل الاغنياء عليهم بالعتق ms132 والصدقه ألا أدلكم على شئ اذا فعلتموه أدركتم به ~~من سبقكم فدلهم على التسبيح والتحميد والتكبير عقب كل صلاة فلما سمع ~~الاغنياء ذلك عملوا به فذكروا ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فقال ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء PageV01P126 وهذا يدل على ترجيح حال الغنى الشاكر قيل ~~هذا حجة للقول الذى نصرناه وهو أن أفضلهما أكثرهما نوافل فإن استويا استويا ~~وها هنا قد ساوى الأغنياء الفقراء فى أعمالهم المفروضه والنافلة وزادوا ~~عليهم بنوافل العتق والصدقه وفضلوهم بذلك فساووهم فى صبرهم على الجهاد ~~والأذى فى الله والصبر على المقدور وزادوا عليهم بالشكر بنوافل المال فلو ~~كان للفقراء بصبرهم نوافل تزيد على نوافل الأغنياء لفضلوهم بها # فإن قيل إن النبى صلى الله عليه وسلم عرضت عليه مفاتيح كنوز الدنيا فردها ~~وقال بل اشبع يوما وأجوع يوما وقال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله ~~عنهما قالت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز ~~البر ومات ودرعه مرهونه عند يهودى على طعام أخذه لأهله # وقال الامام أحمد حدثنا وكيع حدثنا الاعمش عن عبادة بن القعقاع عن ابى ~~زرعه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا وقال الامام أحمد حدثنا اسماعيل بن محمد حدثنا ~~عباد بن عباد حدثنا مجالد بن سعيد عن الشعبى عن مسروق عن عائشة رضى الله ~~عنها قالت دخلت على امرأة من الانصار فرأت فراش النبى صلى الله عليه وسلم ~~عباءة مثنيه فرجعت إلى منزلها فبعثت إلى بفراش حشوه الصوف فدخل على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هذا فقلت فلانه الانصاريه دخلت على فرأت ~~فراشك فبعثت إلى بهذا فقال رديه فلم أرده وأعجبنى أن يكون فى بيتى حتى قال ~~لى ذلك ثلاث مرات فقال ياعائشة رديه فوالله لو شئت لأجرى الله معى جبال ~~الذهب والفضه فرددته ولم يكن الله سبحانه ليختار لرسوله الا الافضل هذا مع ~~أنه ms133 لو أخذ الدنيا لأنفقها كلها فى مرضاة الله ولكان شكره بها فوق شكر جميع ~~العالمين # قيل احتج بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل واحدة من الطائفتين ~~والتحقيق أن الله سبحانه وتعالى جمع له بين المقامين كليهما على أتم الوجوه ~~وكان سيد الاغنياء الشاكرين وسيد الفقراء الصابرين فحصل له من الصبر على ~~الفقراء ما لم يحصل لأحد PageV01P127 سواه ومن الشكر على الغنى ما لم يحصل ~~لغنى سواه ومن تأمل سيرته وجد الأمر كذلك فكان صلى الله عليه وسلم أصبر ~~الخلق فى مواطن الصبر وأشكر الخلق فى مواطن الشكر وربه تعالى كمل له مراتب ~~الكمال فجعله فى أعلى رتب الأغنياء الشاكرين وفى أعلى مراتب الفقراء ~~الصابرين قال تعالى @QB@ ووجدك عائلا فأغنى @QE@ وأجمع المفسرون أن العائل ~~هو الفقير يقال عال الرجل يعيل إذا افتقر وأعال يعيل إذا صار ذا عيال مثل ~~لبن وأثمر وأثرى إذا صار ذا لبن وثمر وثروة وعال يعول إذا جار ومنه قوله ~~تعالى ذلك أدنى أن لا تعولوا وقيل المعنى ألا تكثر عيالكم والقول هو الأول ~~لوجوه # أحدها أنه لا يعرف فى اللغة عال يعول إذا كثر عياله وانما المعروف فى ذلك ~~عال يعيل وأما عال يعول فهو بمعنى الجور ليس إلا هذا الذى ذكره أهل اللغة ~~قاطبة # الثانى أنه سبحانه قابل ذلك بالعدل الذى نقلهم عند خوفهم من فقده إلى ~~الواحدة والتسرى بما شاءوا من ملك أيمانهم ولا يحسن هنا التعليل بعدم ~~العيال يوضحه الوجه الثالث أنه سبحانه نقلهم عند الخوف من عدم القسط فى ~~نكاح اليتامى إلى من سواهن من النساء لئلا يقعوا فى ظلم أزواجهم اليتامى ~~وجوز لهم نكاح الواحدة وما فوقها إلى الأربع ثم نقلهم عند خوف الجور وعدم ~~العدل فى القسمة إلى الواحدة أو النوع الذى لا قسمة عليهم فى الاستمتاع ~~بهنوهن الإماء فانتظمت الآية ببيان الجائز من نكاح اليتامى والبوالغ ~~والأولى من ذينك القسمين عند خوف العدل فما لكثرة العيال مدخل ها هنا البتة # يوضحه الوجه الرابع انه لو كان المحذور ms134 كثرة العيال لما نقلهم إلى ما ~~شاءوا من كثرة الاماء بلا عدد فإن العيال كما يكونون من الزوجات يكونون من ~~الإماء ولا فرق فإنه لم ينقلهم إلى اماء الاستخدام بل إلى إماء الاستفراش ~~يوضحه الوجه الخامس أن كثرة العيال ليس أمرا محذورا مكروها للرب تعالى كيف ~~وخير هذه الأمة أكثرها نساء وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم تزوجوا ~~الودود الولود فإنى مكاثر بكم الامم فأمر بنكاح الولود ليحصل منها ما يكاثر ~~به الامم يوم القيامة PageV01P128 والمقصود أنه سبحانه جعل نبيه غنيا شاكرا ~~بعد أن كان فقيرا صابرا فلا تحتج به طائفة لحالها إلا كان للطائفة الأخرى ~~أن تحتج به ايضا لحالها # فإن قيل فقد كان عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه من الشاكرين وقد قال ~~الامام أحمد فى مسنده حدثنا عبد الصمد حدثنا عمارة عن ثابت عن أنس رضى الله ~~عنه قال بينما عائشة فى بيتها سمعت صوتا فى المدينة فقالت ما هذا فقالوا ~~عير لعبد الرحمن قدمت من الشام تحمل من كل شئ قال وقد كانت سبعمائة بعير ~~فارتجت المدينة من الصوت فقالت عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا فبلغ ذلك عبد الرحمن فقال إن ~~استطعت لأدخلنها قائما فجعلها بأحمالها وأقتابها كلها فى سبيل الله # قيل قد قال الامام أحمد هذا الحديث كذب منكر قالوا أو عمارة يروى أحاديث ~~مناكير وقال أبو حاتم الرازى عمارة بن زاذان لا يحتج به # قال أبو الفرج وقد روى الجراح بن منهال باسناده عن عبد الرحمن بن عوف أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم قال له يا ابن عوف إنك من الأغنياء وإنك لا تدخل ~~الجنة إلا زحفا فأقرض ربك يطلق قدميك قال أبو عبد الرحمن النسائى هذا حديث ~~موضوع والجراح متروك الحديث وقال يحيى ليس حديث الجراح بشئ وقال ابن ~~المدينى لا يكتب حديثه وقال ابن حبان كان يكذب وقال الدارقطنى متروك # فإن قيل فما تصنعون بالحديث الذى رواه ms135 البيهقى من حديث أحمد بن على بن ~~اسماعيل بن محمد حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أخبرنى خالد بن يزيد بن أبى ~~مالك عن أبيه عن عطاء بن أبى رباح عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يا ابن عوف إنك من الاغنياء ولن ~~تدخل الجنة إلا زحفا فأقرض الله يطلق قدميك قال وما الذى أقرض يا رسول الله ~~قال تتبرأ مما أمسيت فيه قال أمن كله أجمع يا رسول الله قال نعم فخرج وهو ~~يهتم بذلك فأتاه جبريل فقال مر ابن عوف فليضف الضيف وليطعم المساكين وليبدأ ~~بمن يعول وليعط السائل فاذا فعل ذلك كان تزكية ما هو فيه # قيل هذا حديث باطل لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فان أحد رواته ~~خالد بن PageV01P129 يزيد بن أبى مالك قال الامام أحمد ليس بشيء وقال ابن ~~معين واه وقال النسائى غير ثقة وقال الدارقطنى ضعيف وقال يحيى بن معين لم ~~يرض أن يكذب على أبيه حتى كذب على الصحابة # فان قيل فما تصنعون بالحديث الذى قاله الامام أحمد حدثنا الهذيل بن ميمون ~~عن مطرح بن يزيد عن عبيد الله بن زحر عن على بن يزيد عن القاسم عن أبى ~~أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يدى ~~قلت ما هذا قال بلال فمضيت فاذا أكثر أهل الجنة فقراء المهاجرين وذرارى ~~المسلمين ولم ار فيها أحدا أقل من الاغنياء والنساء قيل لى أما الاغنياء ~~فهم فى الباب يحاسبون ويمحصون وأما النساء فألهاهن الاحمران الذهب والحرير ~~ثم خرجنا من أحد أبواب الجنة الثمانية فلما كنت عند الباب أتيت بكفة فوضعت ~~فيها ووضعت أمتى فى كفة فرجحت بها ثم أتى بأبى بكر فوضع فى كفة وجئ بجميع ~~أمتى فوضعوا فى كفة فرجح أبو بكر ثم اتى بعمر فوضع فى كفة ووضع أمتى فى كفة ~~فرجح عمر وعرضت على أمتى رجلا رجلا فجعلوا يمرون ms136 واستبطأت عبد الرحمن ابن ~~عوف ثم جاء بعد الاياس فقلت عبد الرحمن فقال بأبى وأمى يا رسول الله والذي ~~بعثك بالحق ما خلصت إليك حتى ظننت إنى لا أصل إليك الا بعد المشيبات قلت ~~وما ذاك قال من كثرة مالى أحاسب فأمحص # قيل هذا حديث لا يحتج باسناده وقد أدخله أبو الفرج هو والذى قبله فى كتاب ~~الموضوعات وقال أما عبيد بن زحر فقال يحيى ليس بشئ وعلى بن يزيد متروك وقال ~~ابن حبان عبيد الله يروى الموضوعات عن الاثبات واذا روى عن على بن يزيد أتى ~~بالطامات واذا اجتمع فى اسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلى بن يزيد والقاسم ~~ابن عبد الرحمن لم يكن متن ذلك الخبر الا مما عملته أيديهم # قال أبو الفرج وبمثل هذا الحديث الباطل يتعلق جملة المتزهدين ويرون ان ~~المال مانع من السبق إلى الخير ويقولون اذا كان ابن عوف يدخل الجنة زحفا ~~لأجل ماله كفى ذلك فى ذم المال والحديث لا يصح وحاشا عبد الرحمن المشهود له ~~بالجنة أن يمنعه ماله من السبق لان جمع المال مباح وانما المذموم كسبه من ~~غير وجهه ومنع PageV01P130 الحق الواجب فيه وعبد الرحمن منزه عن الحالين ~~وقد خلف طلحة ثلاثمائة حمل من الذهب وخلف الزبير وغيره ولو علموا أن ذلك ~~مذموم لأخرجوا الكل وكم قاص يتسوف بمثل هذا الحديث يحث على الفقر ويذم ~~الغنى فلله در العلماء الذين يعرفون الصحيح ويفهمون الأصول ا ه # قلت وقد بالغ فى رد هذا الحديث وتجاوز الحد فى إدخاله فى الأحاديث ~~الموضوعة المختلقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه استعظم احتباس ~~عبد الرحمن بن عوف وهو أحد السابقين الأولين المشهود لهم عن السبق اليها ~~ودخول الجنة حبوا ورأى ذلك مناقضا لسبقه ومنزلته التى أعدها الله له فى ~~الجنة وهذا وهم منه رحمه الله # وهب أنه وجد السبيل إلى الطعن فى هذين الخبرين أفيجد سبيلا إلى القدح فى ~~حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ms137 وسلم قال يدخل ~~فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام قال الترمذى + ~~حديث حسن صحيح + وفى حديث ابن عمر الذى رواه مسلم فى صحيحه عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم إن فقراء المهاجرين يسبقون الاغنياء يوم القيامة بأربعين ~~خريفا # وفى مسند الامام أحمد عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم هل تدرون أول من ~~يدخل الجنة قالوا الله ورسوله أعلم قال فقراء المهاجرين الذين يتقى بهم ~~المكاره يموت أحدهم وحاجته فى صدره لا يستطيع لها قضاء # وفى جامع الترمذى من حديث جابر رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال يدخل فقراء أمتى الجنة قبل الاغنياء بأربعين خريفا فهذا الحديث ~~وأمثاله صحيح صريح فى سبق فقراء الصحابة إلى الجنة لأغنيائهم وهم فى السبق ~~متفاوتون فمنهم من يسبق خمسمائة عام ومنهم من يسبق بأربعين عاما ولا يقدح ~~ذلك فى منزلة المتأخرين فى الدخول فإنهم قد يكونون أرفع منزلة ممن سبقهم ~~إلى الدخول وان تأخروا بعدهم للحساب فان الامام العادل يوقف للحساب ويسبقه ~~من لم يل شيئا من أمور المسلمين إلى الجنة فاذا دخل الامام العادل بعده ~~كانت منزلته أعلى من منزلة الفقير بل يكون أقرب الناس من الله منزلة كما فى ~~صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قال المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين PageV01P131 ~~الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون فى حكمهم وأهليهم وما ولوا وفى ~~الترمذى من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~أن أحب الناس إلى الله يوم القيامة واقربهم منه مجلسا امام عادل وأبغض ~~الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا امام جائر # فالامام العادل والغنى قد يتأخر دخول كل منهم للحساب ويكون بعد الدخول ~~ارفع منزلة من الفقير السابق ولا يلزم من احتباس عبد الرحمن بن عوف لكثرة ~~ماله حتى يحاسبه عليه ثم يلحق برسول الله صلى الله عليه ms138 وسلم وأصحابه غضاضة ~~عليه ولا نقص من مرتبته ولا يضاد ذلك سبقه وكونه مشهودا له بالجنة وأما ~~حديث دخوله الجنة زحفا فالامر كما قال فيه الامام أحمد رحمه الله انه كذب ~~منكر وكما قال النسائى انه موضوع ومقامات عبد الرحمن وجهاده ونفقاته ~~العظيمة وصدقاته تقتضى دخوله مع المارين كالبرق أو كالطرف أو كأجاويد الخيل ~~ولا يدعه يدخلها زحفا فصل والله سبحانه كما هو خالق الخلق فهو خالق ما به ~~غناهم وفقرهم فخلق الغنى والفقر ليبتلى بهما عباده أيهم أحسن عملا وجعلهما ~~سببا للطاعة والمعصية والثواب والعقاب قال تعالى @QB@ ونبلوكم بالشر والخير ~~فتنة وإلينا ترجعون @QE@ # قال ابن عباس رضى الله عنهما بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر ~~والحلال والحرام وكلها بلاء # وقال ابن يزيد نبلوكم بما تحبون وما تكرهون لننظر كيف صبركم وشكركم فبما ~~تحبون وما تكرهون وقال الكلبى بالشر بالفقر والبلاء والخير بالمال والولد ~~فأخبر سبحانه أن الغنى والفقر مطيتا الابتلاء والامتحان وقال تعالى @QB@ ~~فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا @QE@ فأخبر سبحانه أنه يبتلى ~~عبده بإكرامه له وبتنعيمه له وبسط الرزق عليه كما يبتليه بتضييق الرزق ~~وتقديره عليه وان كليهما ابتلاء منه وامتحان ثم أنكر سبحانه على من زعم أن ~~بسط الرزق وتوسعته اكرام من الله لعبده وان تضييقه عليه اهانة منه له فقال ~~كلا أى ليس الامر كما يقول الانسان بل قد أبتلى بنعمتى وأنعم ببلائى ~~PageV01P132 # واذا تأملت ألفاظ الآية وجدت هذا المعنى يلوح على صفحاتها ظاهرا للمتأمل ~~وقال تعالى وهو الذى جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم ~~فيما آتاكم وقال تعالى @QB@ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم ~~أحسن عملا @QE@ فأخبر سبحانه أنه زين الأرض بما عليها من المال وغيره ~~للابتلاء والامتحان كما أخبر أنه خلق الموت والحياة لذلك وخلق السموات ~~والأرض لهذا الابتلاء أيضا # فهذه ثلاثة مواضع فى القرآن يخبر فيها سبحانه أنه خلق العالم العلوى ms139 ~~والسفلى وما بينهما وأجل العالم وأجل أهله وأسباب معائشهم التى جعلها زينة ~~للأرض من الذهب والفضة والمساكن والملابس والمراكب والزروع والثمار ~~والحيوان والنساء والبنين وغير ذلك كل ذلك خلقه للابتلاء والامتحان ليختبر ~~خلقه أيهم أطوع له وارضى فهو الاحسن عملا # وهذا هو الحق الذى خلق به وله السموات والأرض وما بينهما وغايته الثواب ~~والعقاب وفواته وتعطيله هو العبث الذى نزه نفسه عنه وأخبر أنه يتعالى عنه ~~وأن ملكه الحق وتفرده بالالهية وحده وبربوبية كل شئ ينفى هذا الظن الباطل ~~والحساب الكاذب كما قال تعالى @QB@ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم @QE@ فنزه ~~سبحانه نفسه عن ذلك كما نزهها عن الشريك والولد والصاحبة وسائر العيوب ~~والنقائص من السنة والنوم واللغوب والحاجة واكتراثه بحفظ السموات والأرض ~~وتقدم الشفعاء بين يديه بدون اذنه كما يظنه أعداؤه المشركون يخرجون عن علمه ~~جزئيات العالم أو شيئا منها فكما أن كماله المقدس وكمال أسمائه وصفاته يأبى ~~ذلك ويمنع منه فكذلك يبطل خلقه لعباده عبثا وتركهم سدى لا يأمرهم ولا ~~ينهاهم ولا يردهم اليه فيثيب محسنهم بإحسانه ومسيئهم باساءته ويعرف ~~المبطلون منهم انهم كانوا كاذبين ويشهدهم أن رسله وأتباعهم كانوا اولى ~~بالصدق والحق منهم فمن أنكر ذلك فقد انكر إلهيته وربوبيته وملكه الحق وذلك ~~عين الجحود والكفر به سبحانه كما قال المؤمن لصاحبه الذى حاوره فى المعاد ~~وأنكره @QB@ أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا @QE@ فأخبر ~~أن انكاره للمعاد كفر بذات الرب سبحانه وقال PageV01P133 تعالى وان تعجب ~~فعجب قولهم أإذا كنا ترابا إنا لفى خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وذلك ~~أن انكار المعادى يتضمن انكار قدرة الرب وعلمه وحكمته وملكه الحق وربوبيته ~~والهيته كما أن تكذيب رسله وجحد رسالتهم يتضمن ذلك ايضا فمن كذب رسله وجحد ~~المعاد فقد أنكر ربوبيته سبحانه ونفى أن يكون رب العالمين # والمقصود أنه سبحانه وتعالى خلق الغنى والفقر مطيتين للابتلاء والامتحان ~~ولم ينزل المال لمجرد ms140 الاستمتاع به كما فى المسند عنه صلى الله عليه وسلم ~~قال يقول الله تعالى انا نزلنا المال لاقام الصلاة وايتاء الزكاة ولو كان ~~لابن آدم واد من مال لابتغى اليه ثانيا ولو كان له ثان لابتغى له ثالثا ولا ~~يملأ جوف ابن آدم الا التراب فأخبر سبحانه انه أنزل المال ليستعان به على ~~إقامة حقه بالصلاة واقامة حق عباده بالزكاة لا للاستمتاع والتلذذ كما تأكل ~~الانعام فاذا زاد المال عن ذلك أو خرج عن هذين المقصودين فان الغرض والحكمة ~~التى أنزل لها كان التراب أولى به فرجع هو والجوف الذى امتلأ به بما خلق له ~~من الايمان والعلم والحكمة فانه خلق لان يكون وعاء لمعرفة ربه وخالقه ~~والايمال به ومحبته وذكره وانزل عليه من المال ما يستعين به على ذلك فعطل ~~الجاهل بالله وبأمر الله وبتوحيد الله وبأسمائه وصفاته جوفه عما خلق له ~~وملأه بمحبة المال الفانى الذاهب الذى هو ذاهب عن صاحبه أو بالعكس وجمعه ~~والاستكثار منه ومع ذلك فلم يمتلىء بل ازداد فقرا وحرصا إلى أن امتلأ جوفه ~~بالتراب الذى خلق منه فرجع إلى مادته الترابية التى خلق منها هو وماله ولم ~~تتكمل مادته بامتلاء جوفه من العلم والايمان الذى بهما كماله وفلاحه ~~وسعادته فى معاشه ومعاده فالمال ان لم ينفع صاحبه ضره ولا بد وكذلك العلم ~~والملك والقدرة كل ذلك ان لم ينفعه ضره فان هذه الامور وسائل لمقاصد يتوسل ~~بها اليها فى الخير والشر فان عطلت عن التوسل بها إلى المقاصد والغايات ~~المحمودة توسل بها إلى أضدادها # فأربح الناس من جعلها وسائل إلى الله والدار الآخرة وذلك الذى ينفعه فى ~~معاشه ومعاده وأخسر الناس من توسل بها إلى هواه ونيل شهواته وأغراضه ~~العاجلة فخسر الدنيا والآخرة فهذا لم يجعل الوسائل مقاصد ولو جعلها كذلك ~~لكان خاسرا PageV01P134 # لكنه جعلها وسائل إلى ضد ما جعلت له فهو بمثابة من توسل بأسباب اللذة إلى ~~أعظم الآلام أدواتها # فالأقسام أربعة لا خامس لها أحدها معطل الاسباب معرض عنها الثانى مكب ms141 ~~عليها واقف مع جمعها وتحصيلها الثالث متوصل بها إلى ما يضره ولا ينفعه فى ~~معاشه ومعاده فهؤلاء الثلاثة فى الخسران الرابع متوصل بها إلى ما ينفعه فى ~~معاشه ومعاده وهو الرابح قال تعالى @QB@ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ~~نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة ~~إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون @QE@ # وقد أشكل فهم هذه الآية على كثير من الناس حيث فهموا منها أن من كان له ~~ارادة فى الدنيا وزينتها فله هذا الوعيد ثم اختلفوا فى معناها فقالت طائفة ~~منهم ابن عباس من كان يريد تعجيل الدنيا فلا يؤمن بالبعث ولا بالثواب ولا ~~بالعقاب قالوا والآية فى الكفار خاصة على قول ابن عباس # وقال قتادة من كانت الدنيا همه وسدمه ونيته وطلبه جازاه الله فى الدنيا ~~بحسناته ثم يفضى إلى الآخرة وليس له حسنة يجازى بها وأما المؤمن فيجزى فى ~~الدنيا بحسناته ويثاب عليها فى الآخرة قال هؤلاء فالآية فى الكفار بدليل ~~قوله @QB@ أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها ~~وباطل ما كانوا يعملون @QE@ قالوا المؤمن من يريد الدنيا والآخرة فأما من ~~كانت ارادته مقصورة على الدنيا فليس بمؤمن # وقال ابن عباس رضى الله عنهما فى رواية أبى صالح عنه نزلت فى أهل القبلة ~~قال مجاهد هم اهل الرياء وقال الضحاك من عمل صالحا من أهل الايمان من غير ~~تقوى عجل له ثواب عمله فى الدنيا واختار الفراء هذا القول وقال من أراد ~~بعمله من أهل القبلة ثواب الدنيا عجل له ثوابه ولم يبخس وهذا القول ارجح ~~ومعنى الآية على هذا من كان يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها وهذا لا يكون ~~مؤمنا البتة فإن العاصى والفاسق ولو بالغا فى المعصية والفسق فإيما يحملهما ~~على أن يعملا أعمال البر لله فيريدان بأعمال البر وجه الله وان عملا ~~بمعصيته PageV01P135 # فأما من لم يرد بعمله وجه الله وانما اراد به الدنيا وزينتها فهذا لا ~~يدخل ms142 فى دائرة أهل الايمان وهذا هو الذى فهمه معاوية من الآية واستشهد بها ~~على حديث أبى هريرة الذى رواه مسلم فى صحيحه فى الثلاثة الذين هم اول من ~~تسعر بهم النار يوم القيامة القارئ الذى قرأ القرآن ليقال فلان قارئ ~~والمتصدق الذى أنفق أمواله ليقال فلان جواد والغازى الذى قتل فى الجهاد ~~ليقال هو جرئ # وكما أن خيار خلق الله هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون فشرار ~~الخلق من تشبه بهم وليس منهم فمن تشبه بأهل الصدق والاخلاص وهو مراء كمن ~~تشبه بالانبياء وهو كاذب # وقال ابن أبى الدنيا حدثنى محمد بن ادريس قال أخبرنى عبد الحميد بن صالح ~~حدثنا قطن بن الحباب عن عبد الوارث عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا كان يوم القيامة صارت أمتى ثلاث فرق فرقة ~~يعبدون الله عز وجل للدنيا وفرقة يعبدون رياء وسمعة وفرقة يعبدونه لوجهه ~~ولداره فيقول للذين كانوا يعبدونه للدنيا بعزتى وجلالى ومكانى ما أردتم ~~بعبادتى فيقولون بعزتك وجلالك ومكانك الدنيا فيقول انى لم أقبل من ذلك شيئا ~~اذهبوا بهم إلى النار ويقول للذين كانوا يعبدون رياء وسمعة بعزتى وجلالى ~~ومكانى ما أردتم بعبادتى فيقولون بعزتك وجلالك ومكانك رياء وسمعة فيقول انى ~~لم أقبل من ذلك شيئا اذهبوا بهم إلى النار ويقول للذين كانوا يعبدونه لوجهه ~~وداره بعزتى وجلالى ومكانى ما أردتم بعبادتى فيقولون بعزتك وجلالك وجهك ~~ودارك فيقول صدقتم اذهبوا بهم إلى الجنة هذا حديث غنى عن الاسناد والقرآن ~~والسنة شاهدان بصدقه ويدل على صحة هذا القول فى الآية قوله تعالى @QB@ نوف ~~إليهم أعمالهم فيها @QE@ وذلك على أنها فى قوم لهم أعمال لم يريدوا بها وجه ~~الله وانما أرادوا بها الدنيا ولها عملوا فوفاهم الله ثواب أعمالهم فيها من ~~غير بخس وأفضوا إلى الآخرة بغير عمل يستحقون عليه الثواب وهذا لا يقع ممن ~~يؤمن بالآخرة الا كما يقع منه كبائر الاعمال وقوعا عارضا يتوب منه ويراجع ~~التوحيد # وقال ابن الانبارى فعلى هذا ms143 القول المعنى فى قوم من أهل الاسلام يعملون ~~العمل PageV01P136 الحسن لتستقيم به دنياهم غير متفكرين فى الآخرة وما ~~ينقلبون اليه فهؤلاء يجعل لهم جزاء حسناتهم فى الدنيا فإذا جاءت الاخرة كان ~~جزاؤهم عليها النار اذا لم يريدوا بها وجه الله ولم يقصدوا التماس ثوابه ~~وأجره # ثم أورد صاحب هذا القول على أنفسهم سؤالا قالوا فإن قيل الاية الثانية ~~على هذا القول توجب تخليد المؤمن المريد بعمله الدنيا فى النار وأجابوا عنه ~~بأن ظاهر الاية يدل على أن من راءى بعمله ولم يلتمس به ثواب الاخرة بل كانت ~~نيته الدنيا فان الله يبطل ايمانه عند الموافاة فلا يوافى ربه بالايمان ~~قالوا ويدل عليه قوله @QB@ وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون @QE@ ~~وهذا يتناول أصل الايمان وفروعه # وأجابت فرقة أخرى بأن الاية لا تقتضى الخلود الابدى فى النار وانما تقتضى ~~أن الذى يستحقونه فى الاخرة النار وأنهم ليس لهم عمل صالح يرجون به النجاة ~~فإذا كان مع أحدهم عمود التوحيد فإنه يخرج به من النار مع من يخرج من أصحاب ~~الكبائر الموحدين وهذا هو جواب ابن الانبارى وغيره # والآية بحمد الله لا اشكال فيها والله سبحانه ذكر جزاء من يريد بعمله ~~الحياة الدنيا وزينتها وهو النار وأخبر بحبوط عمله وبطلانه فاذا أحبط ما ~~ينجو به وبطل لم يبق معه ما ينجيه فان كان معه ايمان لم يرد به الدنيا ~~وزينتها بل أراد الله به والدار الاخرة لم يدخل هذا الايمان فى العمل الذى ~~حبط وبطل وأنجاه ايمانه من الخلود فى النار وان دخلها بحبوط عمله الذى به ~~النجاة المطلقة والايمان ايمانان ايمان يمنع من دخول النار وهو الايمان ~~الباعث على أن تكون الاعمال لله يبتغى بها وجهه وثوابه وايمان يمنع الخلود ~~فى النار وان كان مع المرائى شئ منه والا كان من أهل الخلود فالاية لها حكم ~~نظائرها من آيات الوعيد والله الموفق وذلك قوله @QB@ من كان يريد حرث ~~الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها ms144 وما له في الآخرة ~~من نصيب @QE@ ومنه قوله @QB@ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء ~~لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها ~~سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا @QE@ # فهذه ثلاث مواضع من القرآن يشبه بعضها بعضا ويصدق بعضها بعضا وتجتمع ~~PageV01P137 على معنى واحد وهو أن من كانت الدنيا مراده ولها يعمل فى غاية ~~سعيه لم يكن له فى الاخرة نصيب ومن كانت الاخرة مراده ولها عمل وهى غاية ~~سعيه فهى له # بقى أن يقال فما حكم من يريد الدنيا والاخرة فانه داخل تحت حكم الارادتين ~~فبأيهما يلحق قيل من ها هنا نشأ الاشكال وظن من ظن من المفسرين أن الاية فى ~~حق الكافر فانه هو الذى يريد الدنيا دون الاخرة وهذا غير لازم طردا ولا ~~عكسا فان بعض الكفار قد يريد الاخرة وبعض المسلمين قد لا يكون مراده الا ~~الدنيا والله تعالى قد علق السعادة بإرادة الاخرة والشقاوة بإرادة الدنيا ~~فاذا تجردت الارادتان تجرد موجبهما ومقتضاهما وان اجتمعتا فحكم اجتماعهما ~~حكم اجتماع البر والفجور والطاعة والمعصية والايمان والشرك فى العبد # وقد قال تعالى لخير الخلق بعد الرسل @QB@ منكم من يريد الدنيا ومنكم من ~~يريد الآخرة @QE@ وهذا خطاب للذين شهدوا معه الوقعة ولم يكن فيهم منافق ~~ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ما شعرت أن أحد أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان يوم أحد ونزلت هذه الاية والذين ~~أريدوا فى هذه الاية هم الذين أخلوا مركزهم الذى أمرهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بحفظه وهم من خيار المسلمين ولكن هذه ارادة عارضة حملتهم على ترك ~~المركز والاقبال على كسب الغنائم بخلاف من كان مراده بعمله الدنيا وعاجلها ~~فهذه الارادة لون وارادة هؤلاء لون # وها هنا أمر يجب التنبيه له وهو أنه لا يمكن ارادة الدنيا وعاجلها بأعمال ~~البر دون الاخرة مع الايمان بالله ورسوله ولقائه أبدا فان الايمان بالله ~~والدار الاخرة يستلزم ms145 ارادة العبد لرحمة الله والدار الاخرة بأعماله فحيث ~~كان مراده بها الدنيا فهذا لا يجامع الايمان أبدا وان جامع الاقرار والعلم ~~فالايمان وراء ذلك والاقرار والمعرفة حاصلان لمن شهد الله سبحانه له بالكفر ~~مع هذه المعرفة كفرعون وثمود واليهود الذين شاهدوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعرفوه كما عرفوا أبناءهم وهم من أكفر الخلق بإرادة الدنيا وعاجلها ~~بالاعمال قد تجامع هذه المعرفة والعلم ولكن الايمان الذى هو وراء ذلك لا بد ~~أن يريد صاحبه بأعماله الله والدار الآخرة والله المستعان PageV01P138 فصل # والمقصود أنه سبحانه جعل الغنى والفقر ابتلاءا وامتحانا للشكر والصبر ~~والصدق والكذب والاخلاص والشرك قال تعالى @QB@ ليبلوكم في ما آتاكم @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ~~ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم @QE@ فجعل ~~الدنيا عرضا عاجلا ومتاع غرور وجعل الآخرة دار جزاء وثواب وحف الدنيا ~~بالشهوات وزينها بها كما قال تعالى @QB@ زين للناس حب الشهوات من النساء ~~والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام ~~والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب @QE@ فأخبر سبحانه أن ~~هذا الذى زين به الدنيا من ملاذها وشهواتها وما هو غاية أمانى طلابها ~~ومؤثريها على الآخرة وهو سبعة أشياء النساء اللاتى هن أعظم زينتها وشهواتها ~~وأعظمها فتنة والبنين الذين بهم كمال الرجل وفخره وكرمه وعزه والذهب والفضة ~~اللذين هما مادة الشهوات على اختلاف أجناسها وأنواعها والخيل المسومة التى ~~هى عز أصحابها وفخرهم وحصونهم وآلة قهرهم لأعدائهم فى طلبهم وهربهم ~~والأنعام التى منها ركوبهم وطعامهم ولباسهم وأثاثهم وأمتعتهم وغير ذلك من ~~مصالحهم والحرث الذى هو مادة قوتهم وقوت أنعامهم ودوابهم وفاكهتهم وأدويتهم ~~وغير ذلك # ثم أخبر سبحانه أن ذلك كله متاع الحياة الدنيا ثم شوق عباده إلى متاع ~~الآخرة وأعلمهم أنه خير من هذا المتاع وأبقى فقال @QB@ قل أؤنبئكم بخير من ~~ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من ms146 تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج ~~مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد @QE@ # ثم ذكر سبحانه من يستحق هذا المتاع ومن هم أهله الذين هم أولى به فقال ~~@QB@ الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ~~الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار @QE@ فأخبر ~~سبحانه أن ما أعد لأوليائه المتقين من متاع الآخرة خير من متاع الدنيا وهو ~~نوعان ثواب يتمتعون به وأكبر PageV01P139 منه وهو رضوانه عليهم قال تعالى ~~@QB@ اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في ~~الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون ~~حطاما @QE@ فأخبر سبحانه عن حقيقة الدنيا بما جعله مشاهدا لأولى البصائر ~~وانها لعب ولهب تلهو بها النفوس وتلعب بها الابدان واللعب واللهو لا حقيقة ~~لهما وأنهما مشغلة للنفس مضيعة للوقت يقطع بها الجاهلون فيذهب ضائعا فى غير ~~شئ ثم أخبر أنها زينة زينت للعيون وللنفوس فأخذت بالعيون والنفوس استحسانا ~~ومحبة ولو باشرت القلوب معرفة حقيقتها ومآلها ومصيرها لأبغضتها ولآثرت ~~عليها الاخرة ولما آثرتها على الآجل الدائم الذى هو خير وأبقى # قال الامام حدثنا وكيع حدثنا المسعودى عن عمرو بن مرة عن إبراهيم عن ~~علقمة عن عبدالله رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال مالى ~~وللدنيا انما مثلى ومثل الدنيا كمثل راكب قال فى ظل شجرة فى يوم صائف ثم ~~راح وتركها # وفى جامع الترمذى من حديث سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ~~قال الترمذى + حديث صحيح + وفى صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الدنيا فى الآخرة الا مثل ما يجعل أحدكم ~~أصبعه فى اليم فلينظر بم يرجع وأشار بالسبابة # وفى الترمذى من حديثه قال كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على السخلة الميتة فقال رسول الله صلى الله عليه ms147 وسلم أترون ~~هذه هانت على أهلها حتى ألقوها قالوا ومن هوانها ألقوها يا رسول الله قال ~~فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها وفى الترمذى أيضا من حديث أبى ~~هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا ملعونة ~~ملعون ما فيها الا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلما + والحديثان حسنان ~~+ قال الامام أحمد حدثنا هيثم بن خارجة أنبأنا اسماعيل بن عياش بن ~~PageV01P140 عبد الله بن دينار النهرانى قال قال عيسى عليه السلام ~~للحواريين بحق أقول لكم إن حلاوة الدنيا مرارة الاخرة وإن مرارة الدنيا ~~حلاوة الآخرة وأن عباد الله ليسوا بالمتنعمين بحق أقول لكم إن شركم عملا ~~عالم يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة انه لو يستطيع جعل الناس كلهم فى عمله ~~مثله # وقال أحمد حدثنا يحيى بن إسحاق قال أخبرنى سعيد بن عبد العزيز عن مكحول ~~قال قال عيسى بن مريم عليه السلام يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبنى ~~على موج البحر دارا قالوا يا روح الله ومن يقدر على ذلك قال إياكم والدنيا ~~فلا تتخذوها قرارا وفى كتاب الزهد لأحمد أن عيسى بن مريم عليه السلام كان ~~يقول بحق أقول لكم ان أكل الخبز وشرب الماء العذب ونوما على المزابل مع ~~الكلاب كثير لمن يريد أن يرث الفردوس # وفى المسند عنه صلى الله عليه وسلم إن الله ضرب طعام ابن آدم مثلا للدنيا ~~وان قزحه وملحه فلينظر إلى ماذا يصير فصل # ثم أخبر سبحانه وتعالى عنها انها يفاخر بعضنا بعضا بها فيطلبها ليفخر بها ~~على صاحبه وهذا حال كل من طلب شيئا للمفاخرة من مال أو جاه أو قوة أو علم ~~أو زهد والمفاخرة نوعان مذمومة ومحمودة فالمذمومة مفاخرة أهل الدنيا بها ~~والمحمودة أن يطلب المفاخرة فى الاخرة فهذه من جنس المنافسة المأمور بها ~~وهى أن الرجل ينفس على غيره بالشيء ويغار أن يناله دونه ويأنف من ذلك ويحمى ~~أنفه له يقال نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة اذا ضننت به ولم ms148 تحب أن يصير ~~اليه PageV01P141 دونك والتنافس تفاعل من ذلك كأن كل واحد من المتنافسين ~~يريد أن يسبق صاحبه اليه وحقيقة المنافسة الرغبة التامة والمبادرة ~~والمسابقة إلى الشئ النفيس فصل ثم أخبر تعالى عنها أنها تكاثر فى الاموال ~~والاولاد فيحب كل واحد أن يكاثر بنى جنسه فى ذلك ويفرح بأن يرى نفسه أكثر ~~من غيره مالا وولدا وأن يقال فيه ذلك وهذا من أعظم ما يلهى النفوس عن الله ~~والدار الاخرة كما قال تعالى @QB@ ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف ~~تعلمون ثم كلا سوف تعلمون @QE@ والتكاثر فى كل شئ فكل من شغله وألهاه ~~التكاثر بأمر من الامور عن الله والدار الاخرة فهو داخل فى حكم هذه الاية ~~فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو ~~بالعلم فيجمعه تكاثرا وتفاخرا وهذا أسوأ حالا عند الله ممن يكاثر بالمال ~~والجاه فإنه جعل أسباب الاخرة للدنيا وصاحب المال والجاه استعمل أسباب ~~الدنيا لها وكاثر بأسبابها # | فصل ثم أخبر سبحانه عن مصير الدنيا وحقيقتها وأنها بمنزلة غيث أعجب # الكفار نباته والصحيح ان شاء الله أن الكفار هم الكفار بالله وذلك عرف ~~القرآن حيث ذكروا بهذا النعت فى كل موضع ولو أراد الزراع لذكرهم باسمهم ~~الذى يعرفون به كما ذكرهم به فى قوله يعجب الزراع وانما خص الكفار به لأنهم ~~أشد اعجابا بالدنيا فإنها دارهم التى لها يعملون ويكدحون فهم أشد اعجابا ~~بزينتها وما فيها من المؤمنين # ثم ذكر سبحانه عاقبة هذا النبات وهو اصفراره ويبسه وهذا آخر الدنيا ~~ومصيرها ولو ملكها العبد من أولها إلى آخرها فنهايتها ذلك فإذا كانت الاخرة ~~انقلبت الدنيا واستحالت إلى عذاب شديد أو مغفرة من الله وحسن ثوابه وجزائه ~~كما قال على بن أبى طالب الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عفها ~~ومطلب نجح لمن سالم فيها مساجد انبياء الله ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومتجر ~~أوليائه فيها اكتسبوا الرحمة وربحوا فيها العافية فمن ذا يذمها وقد آذنت ~~بنيها ونعت نفسها وأهلها فتمثلت ms149 ببلائها وشوقت بسرورها إلى السرور تخويفا ~~وتحذيرا وترغيبا فذمها قوم غداة الندامة وحمدها آخرون ذكرتهم PageV01P142 ~~فذكروا ووعظتهم فاتعظوا فيا أيها الذام للدنيا المغتر بتغريرها متى استذمت ~~اليك بل متى غرتك أبمنازل آبائك فى الثرى أم بمضاجع أمهاتك فى البلاء كم ~~رأيت موروثا كم عللت بكفيك عليلا كم مرضت مريضا بيديك تبتغى له الشفاء ~~وتستوصف له الأطباء ثم لم تنفعه شفاعتك ولم تسعفه طلبتك مثلت لك الدنيا ~~غداة مصرعه مصرعك ومضجعه مضجعك ثم التفت إلى المقابر فقال يا أهل الغربة ~~ويا أهل التربة أما الدور فسكنت وأما الاموال فقسمت وأما الأزواج فنكحت ~~فهذا خبر ما عندنا فهاتوا خبر ما عندكم ثم التفت الينا فقال أما لو أذن لهم ~~لأخبروكم ان خير الزاد التقوى # فالدنيا فى الحقيقة لا تذم وانما يتوجه الذم إلى فعل العبد فيها وهى ~~قنطرة أو معبر إلى الجنة أو إلى النار ولكن لما غلبت عليها الشهوات والحظوظ ~~والغفلة والإعراض عن الله والدار الآخرة فصار هذا هو الغالب على أهلها وما ~~فيها وهو الغالب على اسمها صار لها اسم الذم عند الاطلاق والا فهى مبنى ~~الاخرة ومزرعتها ومنها زاد الجنة وفيها اكتسبت النفوس الايمان ومعرفة الله ~~ومحبته وذكره ابتغاء مرضاته وخير عيش ناله أهل الجنة فى الجنة انما كان بما ~~زرعوه فيها وكفى بها مدحا وفضلا لأولياء الله فيها من قرة العيون وسرور ~~القلوب وبهجة النفوس ولذة الارواح والنعيم الذى لا يشبهه نعيم بذكره ~~ومعرفته ومحبته وعبادته والتوكل عليه والانابة اليه والانس به والفرح بقربه ~~والتذلل له ولذة مناجاته والاقبال عليه والاشتغال به عمن سواه وفيها كلامه ~~ووحيه وهداه وروحه الذى ألقاه من أمره فأخبر به من شاء من عباده ولهذا فضل ~~ابن عقيل وغيره هذا على نعيم الجنة وقالوا هذا حق الله عليهم وذاك حظهم ~~ونعيمهم وحقه أفضل من حقهم قالوا والايمان والطاعة أفضل من جزائه # والتحقيق أنه لا يصح التفضيل بين أمرين فى دارين مختلفين ولو أمكن ~~اجتماعهما فى دار واحدة لأمكن طلب التفضيل والايمان والطاعة فى ms150 هذه الدار ~~أفضل ما فيها ودخول الجنة والنظر إلى وجه الله جل جلاله وسماع كلامه والفوز ~~برضاه أفضل ما فى الاخرة فهذا أفضل ما فى هذه الدار وهذا أفضل ما فى الدار ~~الاخرى PageV01P143 ولا يصح أن يقال فأى الامرين أفضل فهذا أفضل الاسباب ~~وهذا أفضل الغايات وبالله التوفيق # | فصل ولما وصف سبحانه حقيقة الدنيا وبين غايتها ونهايتها وانقلابها فى # الاخرة إلى عذاب شديد ومغفرة من الله وثواب أمر عباده بالمسابقة ~~والمبادرة إلى ما هو خير وأبقى وأن يؤثروه على الفانى المنقطع المشوب ~~بالانكاد والتنغيص ثم أخبر أن ذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم وقال تعالى @QB@ واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من ~~السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل ~~شيء مقتدرا @QE@ # ثم ذكر سبحانه أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا وأن الباقيات ~~الصالحات وهى الاعمال والاقوال الصالحة التى يبقى ثوابها ويدوم جزاؤها خير ~~ما يؤمله العبد ويرجو ثوابه وقال تعالى @QB@ إنما مثل الحياة الدنيا كماء ~~أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا ~~أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو ~~نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ~~@QE@ # ولما أخبر عباده عن آفات هذه الدار دعا عباده إلى دار السلام التى سلمت ~~من التغير والاستحالة والزوال والفناء وعم عباده بالدعوة اليها عدلا وخص من ~~شاء بالهداية إلى طريقها فضلا # وأخبر سبحانه أن الاموال والاولاد لا تقرب الخلق اليه وانما يقربهم اليه ~~تقوى الله ومعاملته فيهم وحذر سبحانه عباده أن تلهيهم أموالهم وأولادهم عن ~~ذكره وأخبر أن من ذلك فعل فهو الخاسر حقيقة لا من قل ماله وولده فى الدنيا ~~ونهى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يمد عينيه إلى ما متع به أهل الدنيا فيها ~~فتنة لهم واختبارا وأخبر أن رزقه الذى أعده له فى الاخرة خير وأبقى من هذا ~~الذى متعوا به # وأخبر سبحانه ms151 انه آتاه السبع المثانى والقرآن العظيم وذلك خير وأفضل مما ~~متع به أهل الدنيا فى دنياهم وجعل ما آتاه مانعا له من مد عينيه إلى ذلك ~~فهذا العطاء PageV01P144 فى الدنيا وما ادخر له من رزق الآخرة خير مما متع ~~به أهل الدنيا فلا تمدن عينيك # | فصل وإذا عرف أن الغنى والفقر والبلاء والعافية فتنة وابتلاء من الله # لعبده تمتحن بها صبره وشكره علم أن الصبر والشكر مطيتان للايمان لا يحمل ~~إلا عليهما ولا بد لكل مؤمن منهما وكل منهما فى موضعه أفضل فالصبر فى مواطن ~~الصبر أفضل والشكر فى مواضع الشكر أفضل هذا إن صح مفارقة كل واحد منهما ~~للآخر وأما إذا كان الصبر جزء مسمى الشكر والشكر جزء مسمى الصبر وكل منهما ~~حقيقة مركبة من الأمرين معا كما تقدم بيانه فالتفضيل بينهما لا يصح الا اذا ~~جرد أحدهما عن الاخر وذلك فرض ذهنى يقدره الذهن ولا يوجد فى الخارج ولكن ~~يصح على وجه وهو أن العبد قد يغلب صبره على شكره الذى هو قدر زائد على مجرد ~~الصبر من الاقوال والاعمال الظاهرة والباطنة فلا يبقى فيه اتساع لغير صبر ~~النفس على ما هو فيه لقوة الوارد وضيق المحل فتنصرف قواه كلها إلى كف النفس ~~وحبسها لله وقد يغلب شكره بالاقوال والاعمال الظاهرة والباطنة على قوة كفه ~~لنفسه وحبسها لله فتكون قوة إرادته وعمله أقوى من قوة امتناعه وحبس نفسه # واعتبر هذا بشخصين أحدهما حاكم على نفسه متمكن من حبسها عن الشهوات قليل ~~التشكى للمصيبات وذلك جل عمله وآخر كثير الاعطاء لفعل الخير القاصر ~~والمتعدى سمح النفس ببذل المعروف وآخر ضعيف النفس عن قوة الصبر فللنفس ~~قوتان قوة الصبر والكف وامساك النفس وقوة البذل وفعل الخير والاقدام على ~~فعل ما تكمل به وكمالها باجتماع هاتين القوتين فيها والناس فى ذلك أربع ~~طبقات فأعلاهم من اجتمعت له القوتان وسفلتهم من عدم القوتين ومنهم من قوة ~~صبره أكمل من قوة فعله وبذله ومنهم من هو بالعكس فى ذلك فإذا فضل الشكر على ms152 ~~الصبر فإما أن يكون باعتبار ترجيح مقام على مقام واما أن يكون باعتبار ~~تجريد كل من الامرين عن الاخر وقطع النظر عن اعتباره وتمام ايضاح هذا ~~بمسالة الغنى الشاكر والفقير الصابر فلنذكر لها بابا يخصها ويكشف عن الصواب ~~فيها PageV01P145 # | الباب الثانى والعشرون فى اختلاف الناس فى الغنى الشاكر والفقير # الصابر أيهما أفضل وما هو الصواب فى ذلك # هذه مسألة كثر فيها النزاع بين الاغنياء والفقراء واحتجت كل طائفة على ~~الاخرى بما لم يمكنها دفعه من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار ولذلك يظهر ~~للمتأمل تكافؤ الطائفتين فإن كلا منهما أدلت بحجج لا تدفع والحق لا يعارض ~~بعضه بعضا بل يجب اتباع موجب الدليل أين كان وقد أكثر الناس فى المسألة من ~~الجانبين وصنفوا فيها من الطرفين وتكلم الفقهاء والفقراء والاغنياء ~~والصوفية وأهل الحديث والتفسير لشمول معناها وحقيقتها للناس كلهم وحكوا عن ~~الامام أحمد فيها روايتان ذكرهما أبو الحسين فى كتاب التمام فقال مسألة ~~الفقير الصابر أفضل من الغنى الشاكر فى أصح الروايتين وفيه رواية ثانية ~~الغنى الشاكر أفضل وبها قال جماعة منهم ابن قتيبة ووجه الاولى واختارها أبو ~~اسحاق بن شاقلا والوالد السعيد قوله تعالى @QB@ أولئك يجزون الغرفة بما ~~صبروا @QE@ # قال محمد بن على بن الحسين الغرفة الجنة بما صبروا قال على الفقر فى ~~الدنيا وروى أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال اللهم أحينى مسكينا ~~وأمتنى مسكينا واحشرنى فى زمرة المساكين يوم القيامة فقالت عائشة ولم يا ~~رسول الله قال انهم يدخلون الجنة قبل الاغنياء بأربعين خريفا يا عائشة لا ~~تردى المسكين ولو بشق تمرة يا عائشة أحبى المساكين وقربيهم فان الله يقربك ~~يوم القيامة # قلت لا حجة له فى واحدة من الحجتين أما الاية فالصبر فيها يتناول صبر ~~الشاكر على طاعته وصبره عن مصيبته وصبر المبتلى بالفقر وغيره على بلائه ولو ~~كان المراد بها الصبر على الفقر وحده لم يدل رجحانه على الشكر فإن القرآن ~~كما دل على جزاء الصابرين دل على جزاء الشاكرين أيضا كما قال تعالى وسنجزى ms153 ~~الشاكرين وسيجزى الله الشاكرين بل قد أخبر أن رضاه فى الشكر ورضاه أكبر من ~~جزائه بالجنات وما فيها واذا جزى الله الصابرين الغرفة بما صبروا لم يدل ~~PageV01P146 ذلك على أنه لا يجزى الشاكرين الغرفة بما شكروا وأما الحديث ~~فلا حجة فيه لوجهين أحدهما أنه لا يحتج بإسناده فانه من رواية محمد بن ثابت ~~الكوفى عن الحارث بن النعمان والحارث هذا لم يحتج به أصحاب الصحيح بل قال ~~فيه البخارى منكر الحديث ولذلك لم يصحح الترمذى حديثه هذا ولا حسنه ولا سكت ~~عنه بل حكم بغرابته # الجواب الثانى إن الحديث لو صح لم يدل على مطلوبهم فان المسكنة التى ~~يحبها الله من عبده ليست فقر المال بل مسكنة القلب وهى انكساره وذله وخشوعه ~~وتواضعه لله وهذه المسكنة لا تنافى الغنى ولا يشترط لها الفقر فان انكسار ~~القلب لله ومسكنته لعظمته وجلاله وكبريائه وأسمائه وصفاته أفضل وأعلى من ~~مسكنة عدم المال كما أن صبر الواجد عن معاصى الله طوعا واختيارا وخشية من ~~الله ومحبة له أعلى من صبر الفقير العاجز وقد آتى الله جماعة من أنبيائه ~~ورسله الغنى والملك ولم يخرجهم ذلك عن المسكنة لله # قال الامام أحمد حدثنا يزيد بن هرون أنبأنا الجريرى عن أبى السليل قال ~~كان داود النبى عليه السلام يدخل فينظر أغمص حلقة من بنى إسرائيل فيجلس ~~اليهم ثم يقول مسكين بين ظهرانى مساكين هذا مع ما آتاه الله من الملك ~~والغنى والبسطة زيادة على النبوة # قال أبو الحسين وروى أبو برزة الاسلمى قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن فقراء المسلمين ليدخلون الجنة قبل أغنيائهم بمقدار أربعين خريفا ~~حتى يتمنى أغنياء المسلمين يوم القيامة أنهم كانوا فقراء فى الدنيا # قلت هذا الحديث ثابت عن النبى صلى الله عليه وسلم من رواية جماعة من ~~الصحابة منهم أبو هريرة وعبد الله بن عمر وجابر بن عبدالله وروى عن أبى ~~سعيد وأنس بن مالك ولا يدل ذلك على علو درجتهم اذا دخلوا الجنة قبل ~~الاغنياء بل انما يدل ms154 على السبق لعدم ما يحاسبون عليه ولا ريب أن ولي الأمر ~~العادل يتأخر دخوله للحساب وكذلك الغنى الشاكر ولا يلزهم من تأخر دخولهما ~~نزول درجتهما عن درجة الفقير كما تقدم وانما تمنى الأغنياء أنهم كانوا فى ~~الدنيا فقراء فان صحت هذه اللفظة لم PageV01P147 تدل على انحطاط درجتهم كما ~~يتمنى القاضى العادل فى بعض المواطن يوم القيامة أن لم يقض بين اثنين فى ~~تمرة لما يرى من شدة الامر فمنزلة الفقر والخمول ومنزلة السلامة ومنزلة ~~الغنى والولاية ومنزلة الغنيمة أو العطب قال أبو الحسن وروى ابن عمر أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم قام فى أصحابه فقال أى الناس خير فقال بعضهم غنى ~~يعطى حق نفسه وماله فقال صلى الله عليه وسلم نعم الرجل هذا وليس به ولكن ~~خير الناس مؤمن فقير يعطى على جهد # قلت لم يذكر لهذا الحديث إسناد فينظر فيه وحديث لا يعلم حاله لا يحتج به ~~ولو صح لم يكن فيه دليل لأنه تضمن تفضيل فقير يتصدق من جهد فمعه فقر ~~الصابرين وغنى الشاكرين فقد جمع بين موجب التفضيل وسببه ولا ريب أن هذا ~~أفضل الاقسام الثلاثة ودرهمه الواحد يسبق مائة الف درهم من غيره كما قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم سبق درهم مائة ألف درهم قالوا يا رسول الله كيف ~~سبق درهم مائة ألف درهم قال رجل كان له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به وآخر ~~له مال كثير فأخذ من عرضه مائة الف فتصدق بها رواه النسائى من حديث صفوان ~~بن عيسى حدثنا بن عجلان عن زيد بن أسلم عن ابى صالح عن أبى هريرة رضى الله ~~عنه # وذكر البيهقى من حديث الثورى عن أبى اسحاق عن الحارث عن على رضى الله عنه ~~قال جاء ثلاثة نفر إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم كانت لى مائة ~~أوقية فتصدقت منها بعشر أواق وقال الآخر كانت لى مائة دينار فتصدقت منها ~~بعشر دنانير وقال الاخر كان لى عشرة دنانير فتصدقت منها بدينار فقال كلكم ~~فى ms155 الاجر سواء كلكم قد تصدق بعشر ماله # وقال أبو سعيد بن الاعرابى حدثنا ابن أبى العوام حدثنا يزيد بن هرون ~~حدثنا أبو الاشهب عن الحسن قال قال رجل لعثمان بن عفان رضى الله عنه ذهبتم ~~يا أصحاب الاموال بالخير تتصدقون وتعتقون وتحجون وتنفقون فقال عثمان وإنكم ~~لتغبطوننا وانا لنغبطكم قال فوالله لدرهم ينفقه أحد من جهد خير من عشرة ~~آلاف درهم غيض من فيض # وفى سنن أبى داود من حديث الليث عن ابى الزبير عن يحيى بن جعدة عن ~~PageV01P148 ابى هريرة أنه قال يا رسول الله أى الصدقة أفضل قال جهد المقل ~~وابدأ بمن تعول وفى المسند وصحيح ابن حبان من حديث أبى ذر رضى الله عنه قال ~~قلت يا رسول الله أى الصدقة أفضل قال جهد من مقل وفى سنن النسائى من حديث ~~الاوزاعى عن عبيد بن عمير عن عبد الله بن حبشى أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~سئل أى الاعمال أفضل قال ايمان لا شك فيه وجهاد لا غلول فيه وحجة مبرورة ~~قيل فأى الصلاة افضل قال طول القيام قيل فأى الصدقة افضل قال جهد من مقل ~~قيل فأى الهجرة أفضل قال من هجر ما حرم الله عليه قيل فأى الجهاد أفضل قال ~~من أهريق دمه وعقر جواده # وهذه الاحاديث كلها تدل على أن صدقة جهد المقل أفضل من صدقة كثير المال ~~ببعض ماله الذى لا يتبين أثر نقصانه عليه وان كان كثيرا لأن الاعمال تتفاضل ~~عند الله بتفاضل ما فى القلوب لا بكثرتها وصورها بل بقوة الداعى وصدق ~~الفاعل واخلاصه وإيثاره الله على نفسه فأين صدقة من آثر الله على نفسه ~~برغيف هو قوته إلى صدقة من أخرج مائة ألف درهم من بعض ماله غيضا من فيض ~~فرغيف هذا درهمه فى الميزان اثقل من مائة ألف هذا والله المستعان فصل # واحتجوا بما رواه ابن عدى من حديث سليمان بن عبد الرحمن حدثنا خالد بن ~~يزيد عن أبيه عن عطاء سمع أبا سعيد الخدرى يقول سمعت رسول ms156 الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول اللهم توفنى فقيرا ولا توفنى غنيا وهذا الحديث لا يصح فان ~~خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن مالك الدمشقى أجمعوا على ضعفه وعدم الاحتجاج ~~بحديثه قال أحمد ليس بشئ وقال أبن معين واه ونسبه يحيى إلى الكذب وقد تقدم ~~فيه وقد سئل شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذه المسألة فقال قد تنازع ~~كثير من المتأخرين فى الغنى الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل فرجح هذا ~~طائفة من العلماء والعباد ورجح هذا طائفة أخرى من العلماء والعباد وحكى فى ~~ذلك عن الامام أحمد روايتان وأما الصحابة والتابعون رضى الله عنهم فلم ينقل ~~عن أحد منهم تفضيل أحد الصنفين على الآخر وقد قالت طائفة ثالثة ليس لأحدهما ~~على PageV01P149 # الاخرى فضيلة الا بالتقوى فإيهما أعظم ايمانا وتقوى كان افضل فإن استويا ~~فى ذلك استويا فى الفضيله قال وهذا أصح الاقوال لأن نصوص الكتاب والسنة ~~انما تفضل بالايمان والتقوى وقد قال تعالى @QB@ إن يكن غنيا أو فقيرا فالله ~~أولى بهما @QE@ وقد كان فى الانبياء والسابقين الاولين من الاغنياء من هو ~~أفضل من أكثر الفقراء وكان فيهم من الفقراء من هو أفضل من أكثر الاغنياء ~~والكاملون يقومون بالمقامين فيقومون بالشكر والصبر على التمام كحال نبينا ~~صلى الله عليه وسلم وحال أبى بكر وعمر رضى الله عنهما # ولكن قد يكون الفقر لبعض الناس أنفع والغنى لآخرين أنفع كما تكون الصحة ~~لبعضهم أنفع والمرض لبعضهم أنفع كما فى الحديث الذى رواه البغوى وغيره عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى ان من عبادى من لا ~~يصلحه الا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك وان من عبادى من لا يصلحه الا الفقر ~~ولو أغنيته لأفسده ذلك وان من عبادى من لا يصلحه الا الصحة ولو أسقمته ~~لأفسده ذلك وان من عبادى من لا يصلحه الا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك انى ~~أدبر عبادى انى بهم خبير بصير # وقد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ms157 قال ان فقراء المسلمين يدخلون ~~الجنة قبل الاغنياء وفى الحديث الآخر لما علم الفقراء الذكر عقب الصلاة سمع ~~بذلك الاغنياء فقالوا مثل ما قالوا فذكر ذلك الفقراء للنبى صلى الله عليه ~~وسلم فقال @QB@ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء @QE@ فالفقراء يتقدمون فى دخول ~~الجنة لخفة الحساب عليهم والاغنياء يؤخرون لأجل الحساب عليهم ثم اذا حوسب ~~أحدهم فإن كانت حسناته أعظم من حسنات الفقير كانت درجته فى الجنة فوقه وان ~~تأخر فى الدخول كما أن السبعين الفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ومنهم ~~عكاشه بن محصن قد يدخل الجنة بحساب من يكون أفضل من أحدهم فى الدرجات لكن ~~أولئك استراحوا من تعب الحساب فهذا فى الفقر المذكور فى الكتاب والسنة وهو ~~ضد الغنى الذى يبيح أخذ الزكاة أو الذى لا يوجب الزكاة # ثم قد صار فى اصطلاح كثير من الناس الفقر عبارة عن الزهد والعبادة ~~والاخلاق PageV01P150 ويسمون من اتصف بذلك فقيرا وان كان ذا مال ومن لم ~~يتصف بذلك قالوا ليس بفقير وان لم يكن له مال وقد يسمى هذا المعنى تصوفا ~~ومن الناس من يفرق بين مسمى الفقير والصوفى ثم من هؤلاء من يجعل مسمى ~~الفقير أفضل ومنهم من يجعل مسمى الصوفى أفضل والتحقيق فى هذا الباب أنه لا ~~ينظر إلى الالفاظ المحدثة بل ينظر إلى ما جاء به الكتاب والسنة من الاسماء ~~والمعانى والله قد جعل وصف أوليائه الايمان والتقوى فمن كان نصيبه من ذلك ~~أعظم كان أفضل والاغنياء بما سوى ذلك والله أعلم # | الباب الثالث والعشرون فى ذكر ما احتجت به الفقراء من الكتاب والسنة # والآثار والاعتبار # قالت الفقراء لم يذكر الله سبحانه الغنى والمال فى القرآن الا على أحد ~~وجوه الأول على وجه الذم كقوله تعالى @QB@ كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه ~~استغنى @QE@ وقوله @QB@ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض @QE@ ~~وقوله @QB@ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم ~~سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤون ~~وزخرفا وإن ms158 كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها ~~في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون @QE@ وقال تعالى @QB@ المال ~~والبنون زينة الحياة الدنيا @QE@ وقال @QB@ زين للناس حب الشهوات من النساء ~~والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة @QE@ الاية ونظائر ذلك كثيرة ~~الوجه الثانى أن يذكره على وجه الابتلاء والامتحان كما قال تعالى @QB@ أنما ~~أموالكم وأولادكم فتنة @QE@ وقال تعالى @QB@ أيحسبون أنما نمدهم به من مال ~~وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون @QE@ وقال تعالى مخبرا عن ابتلائه ~~بالغنى كما ابتلى بالفقر @QB@ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه ~~فيقول ربي أكرمن @QE@ الاية وقال تعالى @QB@ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ~~وإلينا ترجعون @QE@ # الوجه الثالث اخباره سبحانه وتعالى أن الاموال والاولاد لا تقرب اليه ~~شيئا PageV01P151 وانما يقرب اليه الايمان والعمل الصالح كما قال @QB@ وما ~~أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك ~~لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون @QE@ # الوجه الرابع إخباره أن الدنيا والغنى والمال انما جعلها متعة لمن لا ~~نصيب له فى الاخرة وأن الآخرة جعلها للمتقين فقال تعالى @QB@ ولا تمدن ~~عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ~~ربك خير وأبقى @QE@ وقال تعالى @QB@ ويوم يعرض الذين كفروا على النار ~~أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها @QE@ وإلى هذا المعنى أشار ~~النبى صلى الله عليه وسلم بقوله لعمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا ~~الآخرة وسيأتى الحديث # الوجه الخامس أنه سبحانه لم يذكر المترفين وأصحاب الثروة إلا بالذم كقوله ~~@QB@ إنهم كانوا قبل ذلك مترفين @QE@ وقوله @QB@ وإذا أردنا أن نهلك قرية ~~أمرنا مترفيها ففسقوا فيها @QE@ وقوله تعالى @QB@ لا تركضوا وارجعوا إلى ما ~~أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون @QE@ الوجه السادس أنه سبحانه ذم محب ~~المال فقال وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما فذمهم بحب المال ~~وعيرهم به # الوجه السابع أنه سبحانه ذم متمنى الدنيا والغنى ms159 والسعة فيها ومدح من ~~أنكر عليهم وخالفهم فقال تعالى عن أغنى أهل زمانه فخرج على قومه فى زينته ~~قال الذين يريدون الحياة الدنيا ياليت لنا مثل ما أوتى قارون انه لذو حظ ~~عظيم وقال الذين أوتو العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا ~~يلقاها الا الصابرون فأخبروا أن ما عند الله خير من الدنيا لمن آمن وعمل ~~صالحا ولا يلقى هذه الوصية وهى الكلمة التى تكلم بها الذين أوتوا العلم أو ~~المثوبة والجنة التى دل عليها قوله ثواب الله خير والسيرة والطريقة التى دل ~~عليها قوله لمن آمن وعمل صالحا وعلى كل حال لا يلقى ذلك إلا الصابرون على ~~الفقر وعن الدنيا وشهواتها وما أترف فيه الاغنياء وقد شهد الله سبحانه لهم ~~أنهم من أهل العلم دون الذين تمنوا الدنيا وزينتها # الوجه الثامن انه سبحانه أنكر على من ظن أن التفضيل يكون بالمال الذى ~~يحتاج PageV01P152 اليه لاقامة الملك فكيف بما هو زيادة وفضلة فقال تعالى ~~@QB@ وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له ~~الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه ~~عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم @QE@ فرد الله سبحانه قولهم وأخبر سبحانه ~~أن الفضل ليس بالمال كما توهموه وأن الفضل بالعلم لا بالمال وقال سبحانه ~~قال بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ففضله ورحمته ~~العلم والايمان والقرآن والذى يجمعونه هو المال وأسبابه ومثله قوله تعالى ~~أهم يقسمون رحمة ربك إلى قوله ورحمة ربك خير مما يجمعون # الوجه التاسع انه سبحانه أخبر أن التكاثر فى جمع المال وغيره ألهى الناس ~~وشغلهم عن الآخرة والاستعداد لها وتوعدهم على ذلك فقال تعالى @QB@ ألهاكم ~~التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون @QE@ فأخبر ~~سبحانه أن التكاثر شغل أهل الدنيا وألهاهم عن الله والدار الآخرة حتى حضرهم ~~الموت فزاروا المقابر ولم يفيقوا من رقدة من ألهاهم التكاثر وجعل الغاية ~~زيارة المقابر دون ms160 الموت ايذانا بأنهم غير مستوطنين ولا مستقرين فى القبور ~~وأنهم فيها بمنزلة الزائرين يحضرونها مدة ثم يظعنون عنها كما كانوا فى ~~الدنيا زائرين لها غير مستقرين فيها ودار القرار هى الجنة أو النار ولم ~~يعين سبحانه المتكاثر به بل ترك ذكره اما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشئ ~~لا المتكاثر به كما يقال شغلك اللعب واللهو ولم يذكر ما يلعب ويلهو به واما ~~ارادة الاطلاق وهو كل ما تكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا من مال أو ~~جاه أو عبيد أو اماء أو بناء أو غراس أو علم لا ينبغى به وجه الله أو عمل ~~لا يقربه إلى الله فكل هذا من التكاثر الملهى عن الله والدار الآخرة # وفى صحيح مسلم من حديث عبد الله بن الشخير أنه قال انتهيت إلى النبى صلى ~~الله عليه وسلم وهو يقرأ ألهاكم التكاثر قال يقول ابن آدم مالى مالى وهل لك ~~من مالك الا ما تصدقت فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت ثم أوعد سبحانه ~~من ألهاه التكاثر وعيدا مؤكدا اذا عاين تكاثره هباء منثورا وعلم دنياه التى ~~كاثر بها انما كانت خدعا وغرورا فوجد عاقبة PageV01P153 تكاثره عليه لا له ~~وخسر هنالك تكاثره كما خسر أمثاله وبدا له من الله ما لم يكن فى حسابه وصار ~~تكاثره الذى شغله عن الله والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه فعذب بتكاثره ~~فى دنياه ثم عذب به فى البرزخ ثم يعذب به يوم القيامة فكان أشقى بتكاثره اذ ~~أفاد منه العطب دون الغنيمة والسلامة فلم يفز من تكاثره الا بأن صار من ~~الأقلين ولم يحفظ به من علوه به فى الدنيا بأن حصل مع الاسفلين فيا له ~~تكاثرا ما أقله ورزءا ما أجله ومن غنى جالبا لكل فقر وخيرا توصل به إلى كل ~~شر يقول صاحبه اذا انكشف عنه غطاؤه يا ليتنى قدمت لحياتى وعملت فيه بطاعة ~~الله قبل وفاتى رب ارجعونى لعلى أعمل صالحا فيما تركت كلا انها كلمة هو ~~قائلها تلك كلمة ms161 يقولها فلا يعول عليها ورجعة يسألها فلا يجاب إليها # وتأمل قوله أولا @QB@ رب @QE@ استغاث بربه ثم التفت إلى الملائكة الذين ~~أمروا بإحضاره بين يدى ربه تبارك وتعالى فقال أرجعونى ثم ذكر سبب سؤال ~~الرجعة وهو أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه وسلطانه ~~وقوته وأسبابه فيقال له كلا لا سبيل لك إلى الرجعى وقد عمرت ما يتذكر فيه ~~من تذكر # ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استغاث وأن يفسح له فى المهلة ~~لتيذكر مافاته أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة هو قائلها لا ~~حقيقة تحتها وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحا لو أجيب وانما ذلك شئ ~~يقوله بلسانه وأنه لو رد لعاد لما نهى عنه وأنه من الكاذبين فحكمه أحكم ~~الحاكمين وعزته وعلمه وحمده يأبى اجابته إلى ما سأل فإنه لا فائدة فى ذلك ~~ولو رد لكانت حالته الثانية مثل حالته الاولى كما قال تعالى ولو ترى اذ ~~وقفوا على النار قالوا ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ~~بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وانهم ~~لكاذبون # وقد حام أكثر المفسرين حول معنى هذه الآية وما أوردوا فراجع أقوالهم ~~تجدها لا تشفى عليلا ولا تروى غليلا ومعناها أجل وأعظم مما فسروها به ولم ~~يتفطنوا لوجه الاضراب ببل ولا للأمر الذى بدا لهم وكانوا يخفونه وطنوا أن ~~الذى بدا لهم PageV01P154 العذاب فلما لم يروا ذلك ملتئما مع قوله @QB@ ما ~~كانوا يخفون من قبل @QE@ قد روا مضافا محذوفا وهو خبر ما كانوا يخفون من ~~قبل فدخل عليهم أمر آخر لا جواب لهم عنه وهو أن القوم لم يكونوا يخفون ~~شركهم وكفرهم بل كانوا يظهرونه ويدعون إليه ويحاربون عليه ولما علموا أن ~~هذا وارد عليهم قالوا ان القوم فى بعض موارد القيامة ومواطنها أخفوا شركهم ~~وجحدوه وقالوا والله ربنا ما كنا مشركين فلما وقفوا على النار بدا لهم جزاء ~~ذلك الذى أخفوه قال الواحدى وعلى ms162 هذا أهل التفسير ولم يصنع أرباب هذا القول ~~شيئا فإن السياق والاضراب ببل والاخبار عنهم بأنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا ~~عنه وقولهم والله ربنا ما كنا مشركين لا يلتئم بهذا الذى ذكروه فتأمله # وقالت طائفة منهم الزجاج بل بدا للاتباع ما أخفاه عنهم الرؤساء من أمر ~~البعث وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير وفيه من التكلف ما ليس بخاف واجود من ~~هذا ما فهمه المبرد من الآية قال كأن كفرهم لم يكن باديا لهم اذ خفيت عليهم ~~مضرته ومعنى كلامه أنهم لما خفيت عليهم مضرة عاقبته ووباله فكأنه كان خفيا ~~عنهم لم تظهر لهم حقيقته فلما عاينو العذاب ظهرت لهم حقيقته وشره قال وهذا ~~كما تقول لمن كنت حدثته فى أمر قبل وقد ظهر لك الآن ما كنت قلت لك وقد كان ~~ظاهرا له قبل هذا ولا يسهل أن يعبر عن كفرهم وشركهم الذى كانوا ينادون به ~~على رءوس الاشهاد ويدعون اليه كل حاضر وباد بأنهم كانوا يخفونه لخفاء ~~عاقبته عنهم ولا يقال لمن أظهر الظلم والفساد وقتل النفوس والسعى فى الأرض ~~بالفساد أنه أخفى ذلك لجهله بسوء عاقبته وخفائها عليه # فمعنى الآية والله أعلم بما أراد من كلامه أن هؤلاء المشركين لما وقفوا ~~على النار وعاينوها وعلموا أنهم داخلوها تمنوا أنهم يردون إلى الدنيا ~~فيؤمنون بالله وآياته ولا يكذبون رسله فأخبر سبحانه أن الأمر ليس كذلك ~~وأنهم ليس فى طبائعهم وسجاياهم الايمان بل سجيتهم الكفر والشرك والتكذيب ~~وأنهم لو ردوا لكانوا بعد الرد كما كانوا قبله وأخبر أنهم كاذبون فى زعمهم ~~أنهم لو ردوا لآمنوا وصدقوا # فإذا تقرر مقصود الآية ومرادها تبين معنى الاضراب ببل وتبين معنى الذى ~~بدا PageV01P155 لهم والذى كانوا يخفونه والحامل لهم على قولهم يا ليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيات ربنا فالقوم كانوا يعلمون أنهم كانوا فى الدنيا على ~~باطل وأن الرسل صدقوهم فيما بلغوهم عن الله وتيقنوا ذلك وتحققوه ولكنهم ~~أخفوه ولم يظهروه بينهم بل تواصوا بكتمانه فلم يكن الحامل لهم على تمنى ~~الرجوع والايمان ms163 معرفة ما لم يكونوا يعرفونه من صدق الرسل فإنهم كانوا ~~يعلمون ذلك ويخفونه وظهر لهم يوم القيامة ما كانوا ينطوون عليه من علمهم ~~أنهم على باطل وأن الرسل على الحق فعاينوا ذلك عيانا بعد أن كانوا يكتمونه ~~ويخفونه فلو ردوا لما سمحت نفوسهم بالايمان ولعادوا إلى الكفر والتكذيب ~~فإنهم لم يتمنوا الايمان لعلمهم يومئذ أنه هو الحق وأن الشرك باطل وانما ~~تمنوا لما عاينوا العذاب الذى لا طاقة لهم باحتماله وهذا كمن كان يخفى محبة ~~شخص ومعاشرته وهو يعلم أن حبه باطل وأن الرشد فى عدوله عنه فقيل له ان اطلع ~~عليه وليه عاقبك وهو يعلم ذلك ويكابر ويقول بل محبته ومعاشرته هى الصواب ~~فلما أخذه وليه ليعاقبه على ذلك وتيقن العقوبة تمنى أن يعفى من العقوبة ~~وأنه لا يجتمع به بعد ذلك وفى قلبه من محبته والحرص على معاشرته ما يحمله ~~على المعاوده بعد معاينة العقوبة بل بعد أن مسته وأنهكته فظهر له عند ~~العقوبة ما كان يخفى من معرفته بخطئه وصواب ما نهاه عنه ولو رد لعاد لما ~~نهى عنه # وتأمل مطابقة الاضراب لهذا المعنى وهو نفى قولهم انا لو رددنا لآمنا ~~وصدقنا لأنه ظهر لنا الآن أن ما قاله الرسل هو الحق أى ليس كذلك بل كنتم ~~تعلمون ذلك وتعرفونه وكنتم تخفونه فلم يظهر لكم شئ لتكونوا عالمين به ~~لتعذروا بل ظهر لكم ما كان معلوما وكنتم تتواصون بإخفائه وكتمانه والله ~~أعلم # ولا تستطل هذا الفضل المعترض فى أثناء هذه المسألة فلعله أهم منها وأنفع ~~وبالله التوفيق فلنرجع إلى تمام الكلام فيها # وقوله @QB@ كلا لو تعلمون علم اليقين @QE@ جوابه محذوف دل عليه ما تقدم ~~أى لما ألهاكم التكاثر وانما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لما ~~فقد منكم علم اليقين وهو العلم الذى يصل به صاحبه إلى حد الضروريات التى لا ~~يشك ولا يمارى فى صحتها وثبوتها ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب ~~وباشرته لما ألهاه عن موجبه PageV01P156 ويرتب أثره عليه فإن مجرد العلم ms164 ~~بقبح الشئ وسوء عواقبه قد لا يكفى فى تركه فإذا صار له علم اليقين كان ~~اقتضاء هذا العلم لتركه أشد فاذا صار عين يقين كجملة المشاهدات كان تخلف ~~موجبه عنه من أندر شئ وفى هذا المعنى قال حسان بن ثابت رضى الله عنه فى أهل ~~بدر # سرنا وساروا إلى بدر لحتفهم % لو يعلمون يقين العلم ما ساروا # وقوله @QB@ كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون @QE@ قيل تأكيد لحصول العلم ~~كقوله @QB@ كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون @QE@ وقيل ليس تأكيدا بل العلم ~~الأول عند المعاينة ونزول الموت والعلم الثانى فى القبر هذا قول الحسن ~~ومقاتل ورواه عطاء عن ابن عباس ويدل على صحة هذا القول عدة أوجه أحدها أن ~~الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل وقد أمكن اعتباره مع فخامة المعنى ~~وجلالته وعدم الاخلال بالفصاحة الثانى توسط ثم بين العلمين وهى مؤذنة ~~بتراخى ما بين المرتبتين زمانا وخطرا الثالث ان هذا القول مطابق للواقع فإن ~~المحتصر يعلم عند المعاينة حقيقة ما كان عليه ثم يعلم فى القبر وما بعده ~~ذلك علما هو فوق الأول الرابع أن عليا بن أبى طالب رضى الله عنه وغيره من ~~السلف فهموا من الآية عذاب القبر قال الترمذى حدثنا أبو كريب حدثنا حكام بن ~~سليم الرازى عن عمرو بن أبى قيس عن الحجاج بن المنهال بن عمر عن زر عن على ~~رضى الله عنه قال ما زلنا نشك فى عذاب القبر حتى نزلت الهاكم التكاثر قال ~~الواحدى يعنى أن معنى قوله @QB@ كلا سوف تعلمون @QE@ فى القبر # الخامس ان هذا مطابق لما بعده من قوله @QB@ لترون الجحيم ثم لترونها عين ~~اليقين @QE@ فهذه الرؤية الثانية غير الأولى من وجهين إطلاق الأولى وتقييد ~~الثانية بعين اليقين وتقدم الأولى وتراخى الثانية عنها ثم ختم السورة ~~بالاخبار المؤكد بواو القسم ولام التأكيد والنون الثقيلة عن سؤال النعيم ~~فكل أحد يسأل عن نعيمه الذى كان فيه فى الدنيا هل ناله من حلاله ووجهه أم ~~لا فاذا تخلص من هذا السؤال سئل سؤالا آخر هل ms165 شكر الله تعالى عليه فاستعان ~~به على طاعته أم لا فالأول سؤال عن سبب استخراجه والثانى عن محل صرفه كما ~~فى جامع الترمذى من حديث عطاء بن أبى رباح PageV01P157 عن ابن عمر عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم قال لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى ~~يسئل عن خمس عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين ~~اكتسبه وفيما أنفقه وعماذا عمل فيما علم # وفيه أيضا عن أبى برزة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزول ~~قدما عبد يوم القيامة حتى يسئل عن عمره فيما أفناه وعن علمه فيما عمل فيه ~~وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أبلاه قال هذا + حديث صحيح + # وفيه أيضا من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ان أول ما يسئل عنه العبد يوم القيامة يعنى من النعيم أن يقال له ~~ألم نصح جسمك ونرويك من الماء البارد # وفيه أيضا من حديث الزبير بن العوام رضى الله عنه لما نزلت لتسئلن يومئذ ~~عن النعيم قال الزبير يا رسول الله فأى النعيم نسئل عنه وانما هو الأسودان ~~التمر والماء قال أما انه سيكون قال هذا حديث حسن وعن أبى هريرة نحوه وقال ~~انما هو الاسودان العدو حاضر سيوفنا على عواتقنا قال ان ذلك سيكون وقوله ان ~~ذلك سيكون إما أن يكون المراد به أن النعيم سيكون ويحدث لكم وإما أن يرجع ~~إلى السؤال أي ان السؤال يقع عن ذلك وان كان تمرا وماء فانه من النعيم ويدل ~~عليه قوله صلى الله عليه وسلم فى + الحديث الصحيح + وقد أكلوا معه رطبا ~~ولحما وشربوا من الماء البارد هذا من النعيم الذى تسئلون عنه يوم القيامة ~~فهذا سؤال عن شكره والقيام بحقه # وفى الترمذى من حديث أنس رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ~~يجاء بالعبد يوم القيامة كأنه بذج فيوقف بين يدى الله تعالى فيقول الله ~~أعطيتك ms166 وخولتك وأنعمت عليك فماذا صنعت فيقول يا رب جمعته وثمرته فتركته ~~أوفر ما كان فارجعنى آتيك به فاذا عبيد لم يقدم خيرا فيمضى به إلى النار ~~وفيه من حديث PageV01P158 أبى سعيد وأبى هريرة رضى الله عنهما قالا قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول الله ألم أجعل ~~لك سمعا وبصرا ومالا وولدا وسخرت لك الأنعام والحرث وتركتك ترأس وترتع ~~أفكنت تظن أنك ملاق يومك هذا فيقول لا فيقول له اليوم أنساك كما نسيتنى قال ~~هذا + حديث صحيح + # وقد زعم طائفة من المفسرين أن هذا الخطاب خاص بالكفار وهم المسؤلون عن ~~النعيم وذكر ذلك عن الحسن ومقاتل واختار الواحدى ذلك واحتج بحديث ابى بكر ~~لما نزلت هذه الآية قال رسول الله أرأيت أكلة أكلتها معك ببيت أبى الهيثم ~~بن النبهان من خبز شعير ولحم وبسر قد ذنب وماء عذب أتخاف علينا أن يكون هذا ~~من النعيم الذى نسأل عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انما ذلك ~~للكفار ثم قرأ وهل نجازى إلا الكفور قال الواحدى والظاهر يشهد بهذا القول ~~لأن السورة كلها خطاب للمشركين وتهديد لهم والمعنى أيضا يشهد بهذا القول ~~وهو أن الكفار لم يؤدوا حق النعيم عليهم حيث اشركوا به وعبدوا غيره ~~فاستحقوا أن يسئلوا عما أنعم به عليهم توبيخا لهم هل قاموا بالواجب فيه أم ~~ضيعوا حق النعمة ثم يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم قال وهذا معنى قول ~~مقاتل وهو قول الحسن قال لا يسئل عن النعيم الا أهل النار # قلت ليس فى اللفظ ولا فى السنة الصحيحة ولا فى أدلة العقل ما يقتضى ~~اختصاص الخطاب بالكفار بل ظاهر اللفظ وصريح السنة والاعتبار يدل على عموم ~~الخطاب لكل من اتصف بإلهاء التكاثر له فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين ~~بذلك ويدل على ذلك قول النبى صلى الله عليه وسلم عند قراءة هذه السورة يقول ~~ابن آدم مالى مالى وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فابليت ~~الحديث ms167 وهو فى صحيح مسلم وقائل ذلك قد يكون مسلما وقد يكون كافرا ويدل عليه ~~أيضا الأحاديث التى تقدمت وسؤال الصحابة النبى صلى الله عليه وسلم وفهمهم ~~العموم حتى قالوا له وأى نعيم نسئل عنه وانما هو الاسودان فلو كان الخطاب ~~مختصا بالكفار لبين لهم ذلك وقال ما لكم ولها انما هى للكفار فالصحابة ~~فهموا التعميم والأحاديث صريحة فى التعميم والذى أنزل عليه القرآن أقرهم ~~على فهم العموم PageV01P159 # وأما حديث ابى بكر الذى أحتج به أرباب هذا القول فحديث لا يصح والحديث ~~الصحيح فى تلك القصة يشهد ببطلانه ونحن نسوقه بلفظه ففى صحيح مسلم عن ابى ~~هريرة قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبى ~~بكر وعمر فقال ما أخرجكما من بيوتكما فى هذه الساعة قالا الجوع يا رسول ~~الله قال وأنا والذى نفسى بيده لأخرجنى الذى أخرجكما قوما فقاما معه فأتى ~~رجلا من الأنصار فإذا هو ليس فى بيته فلما رأته امرأته قالت مرحبا وأهلا ~~فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأين فلان قالت ذهب يستعذب لنا من ~~الماء إذ جاء الأنصارى فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فقال ~~الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا منى قال فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر ~~وتمر ورطب فقال كلوا من هذا فأخذ المدية فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إياك والحلوبة فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا فلما أن ~~شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابى بكر وعمر والذى نفسى ~~بيده لتسئلن عن هذا النعيم يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ~~ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم فهذا + الحديث الصحيح + صريح فى تعميم الخطاب ~~وأنه غير مختص بالكفار # وايضا فالواقع يشهد بعدم اختصاصه وأن الالهاء بالتكاثر واقع من المسلمين ~~كثيرا بل أكثرهم قد الهاه التكاثر وخطاب القرآن عام لمن بلغه وان كان أول ~~من دخل فيه المعاصرين لرسول الله صلى الله ms168 عليه وسلم فهو متناول لمن بعدهم ~~وهذا معلوم بضرورة الدين وان نازع فيه من لا يعتد بقوله من المتأخرين فنحن ~~اليوم ومن قبلنا ومن بعدنا داخلون تحت قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~كتب عليكم الصيام @QE@ ونظائره كما دخل تحته الصحابة بالضرورة المعلومة من ~~الدين فقوله ألهاكم التكاثر خطاب لكل من اتصف بهذا الوصف وهم فى الالهاء ~~والتكاثر درجات لا يحصيها الا الله # فإن قيل فالمؤمنون لم يلههم التكاثر ولهذا لم يدخلوا فى الوعيد المذكور ~~لمن الهاه قيل هذا هو الذى أوجب لأرباب هذا القول تخصيصه بالكفار لأنه لم ~~يمكنهم حمله على العموم ورأوا أن الكفار أحق بالوعيد فخصوهم به وجواب هذا ~~أن الخطاب PageV01P160 للانسان من حيث هو إنسان على طريقة القرآن فى تناول ~~الذم له من حيث هو إنسان كقوله @QB@ وكان الإنسان عجولا @QE@ @QB@ وكان ~~الإنسان قتورا @QE@ @QB@ إن الإنسان لربه لكنود @QE@ @QB@ وحملها الإنسان ~~إنه كان ظلوما جهولا @QE@ @QB@ إن الإنسان لكفور @QE@ ونظائره كثيرة ~~فالانسان من حيث هو عار عن كل خير من العلم النافع والعمل الصالح وانما ~~الله سبحانه هو الذى يكمله بذلك ويعطيه إياه وليس له ذلك من نفسه بل ليس له ~~من نفسه إلا الجهل المضاد للعلم والظلم المضاد للعدل وكل علم وعدل وخير فيه ~~فمن ربه لا من نفسه فإلهاء التكاثر طبيعته وسجيته التى هى له من نفسه ولا ~~خروج له عن ذلك الا بتزكية الله له وجعله مريدا للآخرة مؤثرا لها على ~~التكاثر بالدنيا فان أعطاه ذلك وإلا فهو ملته بالتكاثر فى الدنيا ولا بد # وأما احتجاجه بالوعيد على اختصاص الخطاب بالكفار فيقال الوعيد المذكو ~~مشترك وهو العلم عند معاينة الآخرة فهذا أمر يحصل لكل أحد لم يكن حاصلا له ~~فى الدنيا وليس فى قوله @QB@ سوف تعلمون @QE@ ما يقتضى دخول النار فضلا عن ~~التخليد فيها وكذلك رؤية الجحيم لا يستلزم دخولها لكل من رآها فان أهل ~~الموقف يرونها ويشاهدونها عيانا وقد اقسم الرب تبارك وتعالى أنه لا بد أن ~~يراها الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم فليس ms169 فى جملة هذه السورة ما ~~ينفى عموم خطابها وأما ما ذكره عن الحسن أنه لا يسأل عن النعيم الا أهل ~~النار فباطل قطعا اما عليه واما منه والاحاديث الصحيحة الصريحة ترده وبالله ~~التوفيق # ولا يخفى أن مثل هذه السورة مع عظم شأنها وشدة تحويفها وما تضمنته من ~~تحذير الملهى وانطباق معناها على أكثر الخلق يأبى اختصاصها من أولها إلى ~~آخرها بالكفار ولا يليق ذلك بها ويكفى فى ذلك تأمل الاحاديث المرفوعة فيها ~~والله أعلم # وتأمل ما فى هذا العتاب الموجع لمن استمر على الهاء التكاثر له مدة حياته ~~كلها إلى أن زار القبور ولم يستيقظ من نوم الالهاء بل أرقد التكاثر قلبه ~~فلم يستفق منه الا وهو فى عسكر الأموات وطابق بين هذا وبين حال أكثر الخلق ~~يتبين لك أن العموم مقصود وتأمل تعليقه سبحانه الذم والوعيد على مطلق ~~التكاثر من غير PageV01P161 تقييد بمتكاثر به ليدخل فيه التكاثر بجميع ~~أسباب الدنيا على اختلاف أجناسها وأنواعها وأيضا فان التكاثر تفاعل وهو طلب ~~كل من المتكاثرين أن يكثر صاحبه فيكون أكثر منه فيما يكاثره به والحامل له ~~على ذلك توهمه أن العزة للكاثر كما قيل # ولست بالأكثر منهم حصى % وانما العزة للكاثر # فلو حصلت له الكثرة من غير تكاثر لم تضره كما كانت الكثرة حاصلة لجماعة ~~من الصحابة ولم تضرهم اذ لم يتكاثروا بها وكل من كاثر انسانا فى دنياه أو ~~جاهه أو غير ذلك شغلته مكاثرته عن مكاثرة أهل الآخرة فالنفوس الشريفة ~~العلوية ذات الهمم العالية انما تكاثر بما يدوم عليها نفعه وتكمل به وتزكو ~~وتصير مفلحة فلا تحب أن يكثرها غيرها فى ذلك وينافسها فى هذه المكاثرة ~~ويسابقها اليها فهذا هو التكاثر الذى هو غاية سعادة العبد وضده تكاثر أهل ~~الدنيا بأسباب دنياهم فهذا تكاثر مله عن الله والدار الاخرة هو صائر إلى ~~غاية القلة فعاقبة هذا التكاثر قل وفقر وحرمان والتكاثر بأسباب السعادة ~~الاخروية تكاثر لا يزال بذكر بالله ولقائه وعاقبته الكثرة الدائمة التى لا ~~تزول ولا تفنى وصاحب ms170 هذا التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولا ~~وأحسن منه عملا وأغزر علما واذا رأى غيره أكثر منه فى خصلة من خصال الخير ~~يعجز عن لحاقه فيها كاثره بخصلة أخرى هو قادر على المكاثرة بها وليس هذا ~~التكاثر مذموما ولا قادحا فى اخلاص العبد بل هو حقيقة المنافسة واستباق ~~الخيرات # وقد كانت هذه حال الاوس مع الخزرج رضى الله عنهم فى تصاولهم بين يدى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومكاثرة بعضهم لبعض فى اسباب مرضاته ونصره وكذلك ~~كانت حال عمر مع أبى بكر رضى الله عنهما فلما تبين له مدى سبقه له قال ~~والله لا أسابقك إلى شئ أبدا # | فصل ومن تأمل حسن موقع كلا فى هذا الموضع فانها تضمنت ردعا لهم # وزجرا عن التكاثر ونفيا وابطالا لما يؤملونه من نفع التكاثر لهم وعزتهم ~~وكمالهم به PageV01P162 فتضمنت اللفظة نهيا ونفيا وأخبرهم سبحانه أنهم لا ~~بد أن يعلموا عاقبة تكاثرهم علما بعد علم وأنهم لا بد أن يروا دار ~~المكاثرين بالدنيا التى ألهتهم عن الاخرة رؤية بعد رؤية وأنه سبحانه لا بد ~~أن يسألهم عن اسباب تكاثرهم من أين استخرجوها وفيما صرفوها # فلله ما أعظمها من سورة وأجلها وأعظمها فائدة وأبلغها موعظة وتحذيرا ~~واشدها ترغيبا فى الآخرة وتزهيدا فى الدنيا على غاية اختصارها وجزالة ~~ألفاظها وحسن نظمها فتبارك من تكلم بها حقا وبلغها رسوله عنه وحيا فصل # وتأمل كيف جعلهم عند وصولهم إلى غاية كل حى زائرين غير مستوطنين بل هم ~~مستودعون فى المقابر مدة وبين أيديهم دار القرار فإذا كانوا عند وصولهم إلى ~~الغاية زائرين فكيف بهم وهم فى الطريق فى هذه الدار فهم فيها عابرو سبيل ~~إلى محل الزيارة ثم منتقلون من محل الزيارة إلى المستقر فهنا هنا ثلاثة ~~أمور عبور السبيل فى هذه الدنيا وغايته زيارة القبور وبعدها النقلة إلى دار ~~القرار فصل # فلنرجع إلى تمام المناظرة قالوا فالله تعالى حمى أولياءه عن الدنيا ~~وصانهم عنها ورغب بهم عنها تكريما لهم وتطهيرا عن أدناسها ms171 ورفعة عن دناءتها ~~وذمهالهم وأخبرهم بهوانها عليه وسقوط قدرها عنده وأعلمهم أن بسطها فتنة ~~وأنه سب الطغيان والفساد فى الأرض وإلهاء التكاثر بها عن طلب الاخرة وأنها ~~متاع الغرور وذم محبيها ومؤثريها وأخبر أن من أرادها أو أراد زينتها وحرثها ~~فليس له فى الاخرة من نصيب واخبر أن بسطها فتنة وابتلاء لا كرامة ومحبة وإن ~~إمداد أهلها بها ليس مسارعة لهم فى الخيرات وأنها لا تقرب اليه ولا تزلف ~~لديه وأنه لولا تتابع الناس فى الكفر لأعطى الكفار منها فوق مناهم ووسعها ~~عليهم أعظم التوسعة بحيث يجعل سقوف بيوتهم وأبوابهم ومعارجهم وسررهم كلها ~~من فضة وأخبر أنه زينها لأعدائه ولضعفاء العقول الذين لا نصيب لهم فى ~~الاخرة ونهى رسوله عن مد عينيه اليها والى مامتع به أهلها وذم من أذهب ~~طيباته فيها واستمتع PageV01P163 بها وقال لنبيه ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ~~ويلههم الأمل فسوف يعلمون وفى هذا تعزية لما منعه أولياءه من التمتع ~~بالدنيا وكثرة الأكل فيها وتأديب لمن بسط له فيها ألا يطغى فيها ولا يعطى ~~نفسه شهواتها ولا يتمتع بها ولام سبحانه محبيها المفتخرين بها المكاثرين ~~بها الظانين أن الفضل والكرامة فى سعتها وبسطها فأكذبهم الله سبحانه # واخبر أنه ليس كما قالوه ولا توهموه ومثلها لعباده بالأمثلة التى تدعو كل ~~لبيب عاقل إلى الزهد فيها وعدم الوثوق بها والركون اليها فأحضر صورتها ~~وحقيقتها فى قلوبهم بما ضربه لها مثلا كماء أنزله من السماء فخالط نبات ~~الأرض فلما أخذت به الأرض زخرفها وتزينت بأنواع النبات أتاها أمره فجعل تلك ~~الزينة يبسا هشيما تذروه الرياح كأن لم يكن قط منه شئ # وأخبر سبحانه عن فنائها وسرعة انقضائها وأنه اذا عاين العبد الأخرة فكأنه ~~لبث فيها ساعة من نهار أو يوما أو بعض يوم ونهى سبحانه عباده أن يغتروا بها ~~واخبرهم أنها لهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر ومتاع غرور وطريق ومعبر إلى ~~الاخرة وأنها عرض عاجل لابقاء له ولم يذكر مريدها بخير قط بل حيث ذكره ذمه ~~وأخبر أن مريدها مخالف لربه تعالى ms172 فى ارادته فالله يريد شيئا ومريد الدنيا ~~يريد خلافه فهو مخالف لربه بنفس ارادته كفى بهذا بعدا عنه سبحانه واخبر ~~سبحانه عن أهل النار انهم انما دخلوها بسبب غرور الدنيا وأمانيها لهم قالوا ~~وهذا كله تزهيد لهم منه سبحانه فيها وترغيب فى التقلل منها ما أمكن # قالوا وقد عرضها سبحانه وعرض مفاتيح كنوزها على أحب الخلق اليه وأكرمهم ~~عليه عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم فلم يردها ولم يخترها ولو أثرها ~~وارادها لكان أشكر الخلق بما اخذه منها وأنفقه كله فى مرضاة الله وسبيله ~~قطعا بل اختار التقلل منها وصبر على شدة العيش فيها # قال الامام أحمد حدثنا اسماعيل بن محمد حدثنا عباد يعنى ابن عباد حدثنا ~~مجالد بن سعيد عن الشعبى عن مسروق عن عائشة رضى الله عنها قالت دخلت على ~~امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم عباءة مثنية ~~فرجعت إلى منزلها PageV01P164 فبعثت إلى بفراش حشوه الصوف فدخل على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هذا فقلت فلانة الانصارية دخلت على فرأت ~~فراشك فبعثت إلى بهذا فقال رديه فلم أرده وأعجبنى أن يكون فى بيتى حتى قال ~~ذلك ثلاث مرات فقال يا عائشة رديه والله لو شئت لأجرى الله معى جبال الذهب ~~والفضة # وعرض عليه مفاتيح كنوز الدنيا فلم يأخذها وقال بل أجوع يوما وأشبع يوما ~~فاذا جعت تضرعت اليك وذكرتك وإذا شبعت حمدتك وشكرتك وسأل ربه أن يجعل رزق ~~أهله قوتا كما فى الصحيحين من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا وفيهما عنه قال والذى ~~نفس أبى هريرة بيده ما شبع نبى الله وأهله ثلاثة أيام تباعا من خبز حنطة ~~حتى فارق الدنيا # وفى صحيح البخارى عن أنس رضى الله عنه ما أعلم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رأى رغيفا مرققا ولا شاة سميطا قط حتى لحق بربه وفى صحيحه أيضا ~~عنه قال خرج ms173 رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشبع من خبز الشعير وفى ~~الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام ~~البر ثلاث ليال تباعا حتى قبض وفى صحيح مسلم عن عمر رضى الله عنه لقد رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل اليوم ما يجد دقلا يملأ بطنه # وفى المسند والترمذى عن ابن عباس رضى الله عنهما كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يبيت الليالى المتتابعات طاويا وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر ~~خبزهم خبز الشعير قال الترمذى هذا حديث حسن صحيح وفى الترمذى من حديث أبى ~~أمامة ما كان يفضل أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خبز الشعير وفى ~~المسند عن عائشة رضى الله عنها والذى بعث محمدا بالحق ما رأى منخلا ولا أكل ~~خبزا منخولا منذ بعثه الله عز وجل إلى أن قبض قال عروة فقلت فكيف كنتم ~~تأكلون الشعير قالت كنا نقول أف أى ننفخه فيطير ما طار ونعجن الباقى # وفى صحيح البخارى عن أنس قال لقد رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه ~~بشعير ولقد سمعته يقول ما أصبح لآل محمد صاع ولا أمسى وانهم لتسعة ابيات ~~PageV01P165 وفى مسند الحارث عن أبى أسامة عن أنس أن فاطمة رضى الله عنها ~~جاءت بكسرة خبز إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال ما هذه الكسرة يا فاطمة ~~قالت قرص خبزته فلم تطب نفسى حتى أتيتك بهذه الكسرة فقال أما إنه أول طعام ~~دخل فى فم أبيك منذ ثلاثة أيام # وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر ~~رضى الله عنه قال لما حفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق أصابهم جهد ~~شديد حتى ربط النبى صلى الله عليه وسلم على بطنه حجرا من الجوع # وقد أسرف أبو حاتم بن حبان فى تقاسيمه فى رد هذا الحديث وبالغ فى إنكاره ~~وقال المصطفى أكرم على ربه من ذلك وهذا من وهمه ms174 وليس فى هذا ما ينقص مرتبته ~~عند ربه بل ذلك رفعة له وزيادة فى كرامته وعبرة لمن بعده من الخلفاء ~~والملوك وغيرهم وكأن أبا حاتم لم يتأمل سائر الاحاديث فى معيشة النبى صلى ~~الله عليه وسلم وهل ذلك إلا من أعظم شواهد صدقه فإنه لو كان كما يقول ~~أعداؤه وأعداء ربه أنه ملك طالب ملك ودنيا لكان عيشه عيش الملوك وسيرته ~~سيرتهم ولقد توفاه الله وان درعه مرهونة عند يهودى على طعام أخذه لأهله وقد ~~فتح الله عليه بلاد العرب وجبيت اليه الاموال ومات ولم يترك درهما واحدا ~~ولا دينارا ولا شاة ولا بعيرا ولا عبدا ولا أمة # قال الامام أحمد حدثنا حسين بن محمد بن مطرف عن أبى حازم عن عروة أنه سمع ~~عائشة تقول كان يمر بنا هلال وهلال ما يوقد فى بيت من بيوت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نار قلت يا خالة فعلى أى شئ كنتم تعيشون قالت على الأسودين ~~التمر والماء وقد تقدم حديث أبى هريرة فى قصة أبى الهيثم ابن النبهان وانه ~~خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيته فرأى أبا بكر وعمر رضى الله ~~عنهما فقال ما أخرجكما قالا الجوع قال وأنا والذى نفسى بيده لأخرجنى الذى ~~أخرجكما # وذكر أحمد من حديث مسروق قال دخلت على عائشة فدعت لى بطعام وقالت ما أشبع ~~من طعام فأشاء أن أبكى الا بكيت قال قلت لم قالت أذكر الحال التى فارق ~~عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا والله ما شبع فى يوم مرتين من ~~خبز البر PageV01P166 حتى قبض وفيه عنها ما شبع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض + والحديثان صحيحان + وفيه ايضا ~~عنها ما شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله عزوجل وفى ~~الصحيحين عن أبى هريرة ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله ثلاثا ~~أتباعا من خبز البر حتى فارق الدنيا # وفى الترمذى عن ابن عباس رضى ms175 الله عنهما قال كان النبى صلى الله عليه ~~وسلم يبيت الليالى طاويا وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم خبز الشعير ~~وفيه أيضا عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم لقد اخفت فى الله وما يخاف أحد ~~ولقد أوذيت فى الله وما يؤذى أحد ولقد أتت على ثلاثون من بين يوم وليلة ~~ومالى ولبلال طعام يأكله ولبد إلا شئ يواريه إبط بلال + والحديثان صحيحان + ~~وفيه ايضا عن أنس بن مالك رضى الله عنه عن أبى طلحة رضى الله عنه قال شكونا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ورفعنا عن بطوننا حجرا حجرا فرفع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه حجرين وفيه أيضا عن علقمة عن عبدالله ~~رضى الله عنه قال نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد اثر ~~فى جنبه فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء فقال مالى وللدنيا ما أنا فى ~~الدنيا الا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها + حديث صحيح + وفيه عن على ~~رضى الله عنه قال خرجت فى يوم شات من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ~~أخذت اهابا معطونا فجوبت وسطه وأدخلته فى عنقى فشددت به وسطى فحزمته بخوص ~~من النخل وانى لشديد الجوع ولو كان فى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~طعام لطعمت منه فخرجت التمس شيئا فمررت بيهودى فى مال له وهو يسقى ببكرة له ~~فاطلعت عليه من ثلمة من الحائط فقال مالك يا أعرابى وهل لك فى كل دلو بتمرة ~~قلت نعم فافتتح الباب حتى أدخل ففتح فدخلت فأعطانى دلوه فكلما نزعت دلوا ~~أعطانى تمرة حتى امتلأت كفى أرسلت دلوه وقلت حسبى فأكلتها ثم جرعت من الماء ~~فشربت ثم جئت الماء فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وقال سعد بن ~~ابى وقاص رضى الله عنه لقد رأيتنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~لنا طعام الا الحبلة وهذا السمر والحبلة ثمر العضاة ذات ms176 الشوك وهو + حديث ~~صحيح + # وكان صلى الله عليه وسلم يصلى من الليل أحيانا وعليه كساء صوف بعضه عليه ~~وبعضه على PageV01P167 عائشة قال الحسن أثمان ستة دراهم أو سبعة وقال أحمد ~~حدثنا أبو سعيد حدثنا أبو زائدة حدثنا عطاء عن أبيه عن على قال جهز رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فى خميل وقربة ووسادة من أدم حشوها ليف ~~والخميل الكساء الذى خمل قال وحدثنا بهز بن اسد حدثنا سليمان بن المغيرة عن ~~حميد قال قال أبو بردة دخلت على عائشة فأخرجت إلينا إزارا غليظا مما يصنع ~~باليمن وكساء من هذه التى تدعونها الملبدة فقالت قبض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فى هذين الثوبين # قالوا ولو كان الغنى مع الشكر افضل من الفقر مع الصبر لاختاره رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذ عرضت عليه الدنيا ولأمره ربه أن يسأله إياه كما أمره ~~أن يسأله زيادة العلم ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليختار الا ما ~~اختاره الله له ولم يكن الله ليختار له الا الافضل اذ كان افضل خلقه ~~وأكملهم # قالوا وقد أخبر النبى صلى الله عليه وسلم أن خير الرزق ما كان بقدر كفاية ~~العبد فلا يعوزه ما يضره ولا يفضل عنه ما يطغيه ويلهيه # قال الامام أحمد حدثنا ابن مهدى حدثنا همام عن قتادة عن خليد العصرى عن ~~أبى الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما طلعت شمس قط الا بعث ~~بجنبيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض الا الثقلين يا أيها الناس هلموا ~~إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى ولا آبت شمس قط الا بعث بجنبيها ~~ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض الا الثقلين اللهم أعط منفقا خلفا واعط ~~ممسكا تلفا # وقال الامام أحمد حدثنا وكيع حدثنا أسامة بن زيد عن محمد بن عبد الرحمن ~~ابن ابى لبيبة عن سعد بن مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خير الرزق ما يكفى وخير ms177 الذكر الخفى # وتأمل جمعه فى هذا الحديث بين رزق القلب والبدن رزق الدنيا والآخرة ~~واخباره أن خير الرزقين ما لم يتجاوز الحد فيكفى من الذكر اخفاؤه فإن زاد ~~على الاخفاء خيف على صاحبه الرياء والتكبر به على الغافلين وكذلك رزق البدن ~~اذا زاد على الكفاية خيف على صاحبه الطغيان والتكاثر # قالوا وقد غبط رسول الله صلى الله عليه وسلم المتقلل من الدنيا ما لم ~~يغبط به الغنى PageV01P168 قال الامام أحمد حدثنا وكيع حدثنا على بن صالح ~~عن أبى المهلب عن عبيد الله ابن زحر عن على بن يزيد عن القاسم عن أبى أمامة ~~رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان أغبط أوليائى عندى ~~مؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من صلاة أحسن عبادة ربه وكان غامضا فى الناس لا يشار ~~اليه بالاصابع فعجلت منيته وقل تراثه وقلت بواكيه قال عبد الله بن أحمد ~~سألت أبى ما تراثه قال ميراثه قالوا وحمية الله لعبده المؤمن عن الدنيا ~~انما هو من محبته له وكرامته قال الامام أحمد حدثنا أبو سعيد حدثنا سليمان ~~بن بلال عن عمرو بن أبى عمرو عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد رضى ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان الله تبارك وتعالى يحمى ~~عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مرضاكم الطعام والشراب تخافون ~~عليهم قالوا وقل أن يقع اعطاء الدنيا وتوسعتها الا استدراجا من الله لا ~~اكراما ومحبة لمن أعطاه # قال الامام أحمد حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا رشد بن سعد عن حرملة بن عمران ~~النجبى عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر رضى الله عنه عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم قال اذا رأيت الله يعطى العبد من الدنيا على معاصيه وما يحب ~~فإنما هو استدراج ثم تلا قوله تعالى فلما نسو ما ذكروا به فتحنا عليهم ~~ابواب كل شيء الآية قالوا ولهوان الدنيا على الله منعها أكثر أوليائه ~~وأحبائه # قال الامام ms178 أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الاعمش عن سالم بن ابى الجعد قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان من أمتى لو أتى باب احدكم فسأله ~~دينارا لم يعطه اياه ولو سأله فلسا لم يعطه اياه ولو سأل الله تعالى الجنة ~~لأعطاها اياه ولو سأله الدنيا لم يعطها اياه وما يمنعها اياه لهوانه عليه ~~ذو طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره وهذا يدل على انه انما يمنعه ~~اياها لهوانها عليه لا لهوانه هو عليه ولهذا يعطيه أفضل منها وأجل فإن الله ~~تعالى يعطى الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطى الآخرة الا من يحب # قالوا وقد اخبرهم النبى صلى الله عليه وسلم أن أقربهم منه مجلسا ذووا ~~التقلل من الدنيا الذين لم يستكثروا منها قال الامام أحمد حدثنا يزيد بن ~~هرون أخبرنا محمد بن عمرو قال PageV01P169 سمعت عراك بن مالك يقول قال أبو ~~ذر إنى لأقربكم مجلسا من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة وذلك ~~إنى سمعته يقول ان أقربكم منى مجلسا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئة ما ~~تركته فيها وانه والله ما منكم من أحد الا وقد تشبث منها بشيء غيرى قالوا ~~وقد غبط النبى صلى الله عليه وسلم من كان عيشه كفافا وأخبر بفلاحه قال ~~الامام أحمد حدثنا عبد الله بن يزيد حدثنا حيوة قال أخبرنى أبو هانى أن أبا ~~على الحبشى أخبره أنه سمع فضاله بن عبيد يقول أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول طوبى لمن هدى إلى الاسلام وكان عيشه كفافا وقنع # وذكر أيضا من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~قد أفلح من اسلم رزق كفافا وقنعه الله بما آتاه قالوا ولو لم يكن فى التقلل ~~الا خفة الحساب لكفى به فضلا على الغنى قال عبد الله بن الامام أحمد حدثنا ~~بيان بن الحكم حدثنا محمد بن حاتم قال حدثنى بشر بن الحارث حدثنا عيسى بن ms179 ~~يونس عن هشام عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا ~~يحاسب بهن العبد ظل خص يستظل به وكسرة يشد بها صلبه وثوب يوارى عورته # وقال الامام أحمد حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا ليث عن أبى عثمان قال لما ~~افتتح المسلمون جوجى دخلوا يمشون فيها وأكداس الطعام فيها أمثال الجبال ~~وكان رجل يمشى إلى جنب سلمان فقال يا أبا عبد الله ألا ترى إلى ما فتح الله ~~علينا ألا ترى إلى ما أعطانا الله فقال سلمان وما يعجبك مما ترى إلى جنب كل ~~حبة مما ترى حساب # قالوا وقد شهد النبى صلى الله عليه وسلم لأصحابه أنهم يوم فقرهم وفاقتهم ~~خير منهم يوم غناهم وبسط الدنيا عليهم قال الامام أحمد حدثنا عبد الصمد أبو ~~الاشهب عن الحسن قال قال نبى الله صلى الله عليه وسلم يا أهل الصفة كيف ~~أنتم قالوا نحن بخير قال أنتم اليوم خير أم يوم تغدو على أحدكم جفنة وتروح ~~أخرى ويغدو فى حلة ويروح فى أخرى وتسترون فى بيوتكم مثل أستار الكعبة قالوا ~~يا نبى الله نحن يومئذ خير يعطينا ربنا تبارك وتعالى فنشكر قال بل أنتم ~~اليوم خير فهذا صريح فى أنهم فى وقت صبرهم على فقرهم خير منهم فى وقت غناهم ~~مع الشكر PageV01P170 # وقال عبد الله بن أحمد حدثنا أبن ذر حدثنا حفص بن غياث عن داود بن أبى ~~هند عن أبى حرب بن أبى الاسود عن طلحة البصرى قال قدمت المدينة ولم يكن لى ~~بها معرفة فكان يجرى علينا مد من تمر بين اثنين فصلى بنا رسول الله صلاة ~~فهتف به هاتف من خلفه فقال يا رسول الله قد حرق بطوننا التمر وعرفت عنا ~~الكنف فخطب فحمد الله وأثنى عليه وقال والله لو أجد لكم اللحم والخبز ~~لأطعمتكموه وليأتين عليكم زمان تغدو على أحدكم الجفان وتراح ولتلبسن بيوتكم ~~مثل أستار الكعبة قالوا يا رسول الله نحن اليوم خير منا أو يومئذ قال بل ~~أنتم اليوم خير منكم يومئذ ms180 أنتم اليوم خير منكم يومئذ يضرب بعضكم رقاب بعض # قال الامام أحمد وحدثنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن نبى ~~الله صلى الله عليه وسلم دخل على أهل الصفة فذكر نحوه # قالوا ولو لم يكن فى الغنى والمال الا أنه فتنة وقل من سلم من اصابتها له ~~وتأثيرها فى دينه كما قال تعالى @QB@ أنما أموالكم وأولادكم فتنة @QE@ وفى ~~الترمذى من حديث كعب ابن عياض قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~ان لكل أمة فتنة وفتنة أمتى المال قال هذا حديث + حسن صحيح + قالوا والمال ~~يدعو إلى النار والفقر يدعو إلى الجنة قال الامام أحمد حدثنا يزيد حدثنا ~~أبو الاشهب حدثنا سعيد بن أيمن مولى كعب بن سور قال بينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحدث أصحابه اذ جاء رجل من الفقراء فجلس إلى جنب رجل من ~~الاغنياء فكأنه قبض من ثيابه عنه فقال رسول الله أخشيت يا فلان أن يغدو ~~وغناك عليه أو يغدو فقره عليك قال يا رسول الله وشر الغنى قال نعم ان غناك ~~يدعوك إلى النار وان فقره يدعوه إلى الجنة قال فما ينجينى منه قال تواسيه ~~قال اذن افعل فقال الآخر لا أرب لى فيه قال فاستغفر وادع لأخيك # قالوا وحق الغنى أعظم من أن يقوم العبد بشكره وقد روى الترمذى فى جامعه ~~من حديث عثمان بن عفان رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ليس ~~لابن آدم حق فى سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يوارى به عورته وجلف الخبز ~~والماء PageV01P171 قال هذا + حديث حسن صحيح + وفى صحيح مسلم عن أبى أمامة ~~رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن آدم انك ان تبذل ~~الفضل خير لك وأن تمسكه شر لك ولا تلام على كفاف وابدأ بمن تعول واليد ~~العليا خير من اليد السفلى # وفى صحيحه أيضا من حديث أبى نضرة عن أبى سعيد رضى الله عنه قال بينما ms181 نحن ~~فى سفر مع رسول الله اذ جاء رجل على راحلة له فجعل يضرب يمينا وشمالا فقال ~~رسول الله من كان معه فضل من ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان عنده ~~فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له قال فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى ~~ظننا أنه لا حق لأحد منا فى فضل # قالوا فهذا موضع النظر فى تفضيل الغنى الشاكر ببذل الفضل كله وأما غنى ~~يمتع بأنواع الفضل ويشكر بالواجب وبعض المستحب فكيف يفضل على فقير صابرا ~~راض عن الله فى فقره قالوا وقد أقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ~~وهم أئمة الشاكرين أنه لا يخاف عليهم الفقر وانما يخاف عليهم الغنى ففى ~~الصحيحين من حديث عمرو بن عوف وكان شهد بدرا أن رسول الله بعث أبا عبيدة بن ~~الجراح إلى البحرين يأتى بجزيتها وكان رسول الله صالح أهل البحرين وأمر ~~عليهم العلاء بن الحضرمى فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين فسمعت الانصار ~~بقدوم أبى عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله فلما صلى رسول الله انصرف ~~فتعرضوا له فتبسم رسول الله حين رآهم ثم قال أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم ~~بشئ من البحرين فقالوا أجل يا رسول الله قال أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ~~ما الفقر أخشى عليكم ولكنى أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان ~~قبلكم فتتنافسوا فيها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم # قال الامام أحمد حدثنا روح حدثنا هشام عن الحسن قال قيل لأبى ثعلبة ~~الخشنى أين دنياكم والتى كنتم تعدون يا أصحاب محمد قال ليبشر الآخر بدنيا ~~قد ظلت تأكل والله الذى لا اله الا هو الايمان كما تأكل النار الحطب الجزل ~~وقال أحمد حدثنا يزيد حدثنا هشام بن حسان قال سمعت الحسن يقول والله ما أحد ~~من الناس بسط الله له دنياه فلم يخف أن يكون قد مكر به فيها الا كان قد نقص ~~علمه PageV01P172 وعجز رأيه وما أمسكها الله ms182 عن عبد فلم يظن أنه قد خير له ~~فيها إلا كان قد نقص علمه وعجز رأيه # قالوا وقد مر على النبى صلى الله عليه وسلم فقير وغنى فقال عن الفقير هذا ~~خير من ملء الأرض مثل هذا وروى البخارى فى صحيحه عن سهل بن سعد رضى الله ~~عنه قال مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما تقولون فى هذا ~~فقالوا جرى ان خطب أن ينكح وان شفع أن يشفع وان قال أن يسمع قال ثم سكت فمر ~~رجل من فقراء المسلمين فقال ما تقولون فى هذا قالوا حرى ان خطب أن لا ينكح ~~وان يشفع الأيشفع وان قال ان لا يسمع لقوله فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هذا خير من ملء الأرض مثل هذا # وقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقراء الصابرين بما لم يبشر به ~~الأغنياء ففى الترمذى من حديث فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم فى الصلاة من الخصاصة وهم ~~أصحاب الصفة حتى يقول الاعراب هؤلاء مجانين فإذا صلى رسول الله انصرف اليهم ~~وقال لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة قال فضالة ~~وأنا يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشرهم بسبقهم الاغنياء إلى ~~الجنة # وقد اختلفت الروايات فى مدة هذا السبق ففى صحيح مسلم عن عبد الله ابن عمر ~~أنه جاء ثلاثة نفر فقالوا يا أبا محمد والله ما نقدر على شئ لا نفقة ولا ~~دابة ولا متاع فقال لهم ما شئتم ان شئتم رفعتم الينا فأعطيناكم ما يسر الله ~~لكم وان شئتم ذكرنا أمركم للسلطان وان شئتم صبرتم فإنى سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول ان فقراء المهاجرين يسبقون الاغنياء يوم القيامة ~~بأربعين خريفا قالوا نصبر ولا نسأل شيئا # وقال الامام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن بن سلمة عن أبى هريرة رضى ~~الله عنه أن رسول الله ms183 صلى الله عليه وسلم قال يدخل فقراء المسلمين الجنة ~~قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام قال الترمذى حديث + حسن صحيح + وفى ~~الترمذى أيضا من حديث أبى سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقراء ~~المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم PageV01P173 بخمسمائة سنة وهو + حديث ~~حسن + وفيه وأيضا من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم قال يدخل فقراء أمتى الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا وهو + ~~حديث حسن + وهو موافق لحديث عبد الله بن عمر ولحديث أنس الذى فى الترمذى ان ~~المساكين يدخلون قبل الاغنياء باربعين خريفا # فهؤلاء ثلاثة جابر وأنس وعبد الله بن عمر وقد اتفقوا على الاربعين وهذا ~~أبو هريرة وأبو سعيد قد اتفقا على التقدير بخمسمائة سنة ولا تعارض بين هذه ~~الاحاديث إذ التأخر والسبق درجات بحسب الفقر والغنى فمنهم من يسبق باربعين ~~ومنهم من يسبق بخمسمائة ولا يتقيد السبق بهذا المقدار بل يزيد عليه وينقص ~~وقد روى أبو داود فى سننه من حديث أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~أن أول الامة دخولا إلى الجنة أبو بكر الصديق رضى الله عنه ومعلوم أن المدة ~~التى بينه وبين اخوانه من فقراء المهاجرين لا تطول وانها أطول مدة بين ~~دخوله وبين دخول آخر من يدخل الجنة # وقد روى الامام أحمد فى مسنده من حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنه عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال هل تدرون أول من يدخل الجنة قالوا الله ~~ورسوله أعلم قال فقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره يموت أحدهم وحاجته ~~فى صدره لا يستطيع لها قضاء تقول الملائكة يا ربنا ملائكتك وخزنتك وسكان ~~سماواتك لا تدخلهم الجنة قبلنا فيقول عبادى لا يشركون بى شيئا يتقى بهم ~~المكاره يموت أحدهم وحاجته فى صدره لا يستطيع لها قضاء فعند ذلك تدخل عليهم ~~الملائكة من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار # وقال الامام أحمد حدثنا حسين بن محمد ثنا ms184 دويد عن مسلم بن بشير عن عكرمة ~~عن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم التقى ~~مؤمنان على باب الجنة مؤمن غنى ومؤمن فقير كانا فى الدنيا فأدخل الفقير ~~الجنة وحبس الغنى ما شاء الله أن يحبس ثم أدخل الجنة فلقيه الفقير فيقول أى ~~أخى ماذا حبسك والله لقد احتبست حتى خفت عليك فيقول أى أخى انى حبست بعدك ~~محبسا فظيعا كريها ما وصلت اليك حتى سال منى من العرق ما لو ورده ألف بعير ~~كلها أكلت PageV01P174 حمضا لصدرت عنه رواء رواه وقال الطبرانى فى معجمه ~~حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمى وعلى بن سعيد الرازى قالا حدثنا على بن ~~بهرام العطار حدثنا عبد الملك ابن أبى كريمة عن الثورى عن محمد بن زيد عن ~~أبى حازم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول إن فقراء المؤمنين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وذلك خمسمائة ~~سنة فقال رجل أمنهم أنا يا رسول الله قال إن تغديت رجعت على عشاء وإذا ~~تعشيت يبيت معك غداء قال نعم قال لست منهم فقام رجل فقال أمنهم أنا يارسول ~~الله قال هل سمعت ما قلنا لهذا قال نعم ولست كذلك قال هل تجد ثوبا ستيرا ~~سوى ما عليك قال نعم قال فلست منهم فقام آخر فقال أمنهم أنا يا رسول الله ~~فقال هل سمعت ما قلت لهذين قبلك قال نعم قال هل تجد قرضا كلما شئت أن ~~تستقرض قال نعم قال فلست منهم فقام آخر فقال أمنهم أنا يارسول الله فقال هل ~~سمعت ما قلت لهؤلاء قال نعم قال تقدر ان تكتسب قال نعم قال فلست منهم قال ~~فقام خامس فقال أنا منهم يا رسول الله فقال هل سمعت ما قلت لهؤلاء قال نعم ~~قال هل تمسى عن ربك راضيا وتصبح كذلك قال نعم قال فأنت منهم قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم ان سادات المؤمين فى الجنة من اذا ms185 تغدى لم يجد عشاء واذا ~~تعشى لم يبت عنده غداء وان استقرض لم يجد قرضا وليس له فضل كسوة إلا ما ~~يوارى به مالا يجد منه بدا ولا يقدر على أن يكتسب ما يعشيه ويمسى عن الله ~~راضيا ويصبح راضيا أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا قال الطبرانى هذا + حديث غريب + من ~~حديث سفيان الثورى عن محمد بن زيد يقال هو العبدى تفرد به عبد الملك # قلت محمد هذا هو العبدى وثقه قوم وضعفه آخرون قال الداقطنى ليس بالقوى ~~وقال أبو حاتم صالح الحديث وذكره ابن حبان فى الثقات وروى له الترمذى وابن ~~ماجه وفى هذه الطبقة محمد بن زيد الشامى يروى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن ~~وهو متروك ونخاف أن يكون هذا هو الثورى لم ينسبه وانما يقال هو العبدى ~~والله أعلم PageV01P175 # وقال الامام أحمد حدثنا اسماعيل بن إبراهيم حدثنا هشام الدستوائى عن يحيى ~~ابن أبى كثير عن عامر العقيلى عن أبيه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض على أول ثلاثة يدخلون الجنة وأول ثلاثة ~~يدخلون النار فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد وعبد مملوك لم يشغله رق ~~الدنيا عن طاعة ربه وفقير متعفف ذو عيال وأما أول ثلاثة يدخلون النار فأمير ~~مستلط وذو ثروة من مال لا يؤدى حق الله فى ماله وفقير فخور وروى الترمذى ~~منه ذكر الثلاثة الذين يدخلون الجنة فقط # قالوا ويكفى فى فضل الفقير أن عامة أهل الجنة الفقراء وعامة أهل النار ~~الاغنياء قال الامام أحمد حدثنا عبد الله بن محمد بن أبى شيبة حدثنا شريك ~~عن ابى اسحاق عن السائب بن مالك عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أطلعت فى الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء ~~واطلعت فى النار فرأيت أكثر اهلها الأغنياء والنساء # وفى صحيح البخارى عن أبى رجاء قال جاء عمران بن حصين إلى ms186 امرأته من عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت حدثنا ما سمعت من النبى فقال انه ليس ~~من حديث فلم تدعه أو قال فأغضبته فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول نظرت فى الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء ونظرت فى النار فرأيت أكثر ~~أهلها النساء # وفى الصحيحين من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين وقمت على باب النار فإذا ~~عامة من دخلها النساء وفى صحيح مسلم عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم اطلع فى النار فرأى أكثر أهلها النساء واطلع فى الجنة فرأى أكثر أهلها ~~الفقراء # قالوا ويكفى فى فضل الفقر أن كل أحد يتمناه يوم القيامة من الاغنياء قال ~~الامام أحمد حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا اسماعيل يعنى ابن خالد عن نفيع ~~عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من ~~أحد يوم القيامة غنى ولا فقير الا ود أن ما كان أوتى فى الدنيا قوتا قال ~~البخارى يتكلمون فى نفيع وهذا أليق ما قيل فيه PageV01P176 قالوا وقد صرح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تفضيل الفقراء فى غير حديث فمنها ما تقدم ~~من حديث سهل بن سعد وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاويه حدثنا الاعمش عن زيد ~~بن وهب عن أبى ذر رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ~~أبا ذر ارفع بصرك فانظر أرفع رجل تراه فى المسجد قال فنظرت فإذا رجل جالس ~~عليه حلة له قال فقلت هذا قال فقال يا أبا ذر ارفع بصرك فانظر أوضع رجل ~~تراه في المسجد قال فنظرت فاذا رجل ضعيف عليه أخلاق قال فقلت هذا قال فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والذى نفسى بيده لهذا أفضل عند الله يوم ~~القيامة من قراب الأرض من هذا # قال حدثنا وكيع ووافقه زائد حدثنا الاعمش ms187 عن سليمان بن يسار عن خرشة ابن ~~الحر عن أبى ذر فذكره وقال لهذا خير عند الله يوم القيامة من ملء الأرض مثل ~~هذا قال الامام أحمد وحدثنا أبو معاوية ووافقه يعلى قال حدثنا الاعمش عن ~~زيد بن وهب عن أبى ذر فذكره # قالوا والذى يفصل بيننا فى هذه المسألة ويشفى العليل أن الفقر يوفر أجر ~~صاحبه ومنزلته عند الله والغنى ولو شكر فإن ما ناله فى الدنيا بغناه يحسب ~~عليه من ثوابه يوم القيامة وان تناوله بأحل وجه فقليل الفضل فى الدنيا ناقص ~~من كثير الآخرة وفى صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال ما من غازية تغزو فى سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا ~~تعجلوا ثلثى أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث وان لم يصيبوا غنيمة تم لهم ~~أجرهم # وفى الصحيحين عن خباب بن الارت رضى الله عنه قال هاجرنا مع رسول الله ~~نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا منهم ~~مصعب بن عمير رضى الله عنه قتل يوم أحد وترك بردة فكنا اذا غطينا بها رأسه ~~بدت رجلاه وإذا غطينا رجلاه بدا رأسه فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن نغطى رأسه ونجعل على رجليه شيئا من الاذخر ومنا من أينعت له ثمرته فهو ~~يهديها وفى الصحيحين عن قيس بن أبى حازم قال دخلنا على خباب نعوده وقد ~~اكتوى سبع كيات فقال ان أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا وذكر ~~الحديث PageV01P177 وقال سعيد بن منصور حدثنا معاوية عن الاعمش عن مجاهد عن ~~ابن عمر رضى الله عنهما قال ما أوتى عبد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته ~~عند الله وان كان عليه كريما # + وفى صحيح البخارى + عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال أوتى عبد ~~الرحمن رضى الله عنه بطعام وكان صائما فقال قتل مصعب بن عمير وهو خير منى ~~وكفن فى بردة ان غطى رأسه بدت ms188 رجلاه وان غطى رجلاه بدا رأسه وقتل حمزة رضى ~~الله عنه وهو خير منى فلم يوجد له كفن إلا بردة ثم بسط لنا من الدنيا ما ~~بسط أو قال أعطينا من الدنيا ما أعطينا وقد خشيت أن تكون عجلت لنا طيباتنا ~~فى حياتنا الدنيا ثم جعل يبكى حتى ترك الطعام # قال أبو سعيد بن الاعرابى وليس عبد الرحمن بن عوف وخباب قالا ذلك دون ~~غيرهما لقد قاله الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرهوا ما ~~فتح الله عليهم من الدنيا وأشفقوا منه وعلموا أن ما اختاره الله لنبيه كان ~~أفضل وأن ما أخروا له كان أنقص منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وأبو عبيدة ~~وعمار بن ياسر وسلمان وعبد الله بن مسعود وعائشة أم المؤمنين وأبو هاشم بن ~~عتبة وجماعة لم نذكرهم للاختصار رضى الله عنهم # فأما أبو بكر رضى الله عنه فحدثنا ابن ابى الدنيا حدثنا عبد الرحمن بن ~~ابان الطائى حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا عبد الواحد بن زيد حدثنى ~~سلمان عن مرة عن زيد بن أرقم رضى الله عنه قال كنا مع أبى بكر الصديق رضى ~~الله عنه فدعا بشراب فأتى بماء وعسل فلما أدناه من فيه بكى وبكى حتى أبكى ~~أصحابه فسكتوا وما سكت ثم عاد وبكى حتى ظنوا أنهم لم يقدروا على مسألته قال ~~ثم مسح عينيه فقالوا يا خليفة رسول الله ما أبكاك فقال كنت مع رسول الله ~~فرأيته يدفع عن نفسه شيئا ولم أر معه أحدا فقلت يا رسول الله ما الذى تدفع ~~عن نفسك قال هذه الدنيا مثلت لى فقلت لها اليك عنى ثم رجعت فقالت انك ان ~~أفلت منى فلن يفلت منى من بعدك # وذكر ليث عن ابن سعد عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن بن ~~PageV01P178 عوف عن أبيه أن أبا بكر رضى الله عنه قال فى مرضه الذى مات فيه ~~إنى وليت أمركم وانى لست بخيركم وكلكم ورم أنفه من ذلك أن ms189 يكون هذا الامر ~~له وذلك لما رأيت الدنيا قد أقبلت وأقبلت ولم تقبل حتى يتخذوا نضائد الحرير ~~وستور الديباج وحتى يألم أحدكم من الاضطجاع على الصوف كما يألم من الاضطجاع ~~على الحسك والسعدان ثم أنتم أول ضال بالناس تصفقون يمينا وشمالا ما هذا ~~الطريق أخطأت انما هو البحر أو الفجر والله لئن يقدم أحدكم فتضرب عنقه فى ~~غير حد خير له من أن يخوض غمرات الدنيا # وذكر محمد بن عطاء بن خباب قال كنت جالسا مع أبى بكر فرأى طائرا فقال ~~طوبى لك يا طائر تأكل من هذا الشجر ثم تبعر ثم لا تكون شيئا وليس عليك حساب ~~وددت أنى مكانك فقلت له أتقول هذا وأنت صديق رسول الله صلى الله عليه وسلم # وأما عمر رضى الله عنه فإنه لما اتى بكنوز كسرى بكى فقال له عبد الرحمن ~~ابن عوف ما الذى يبكيك يا أمير المؤمنين فوالله ان هذا ليوم شكر ويوم سرور ~~ويوم فرح فقال عمر ان هذا لم يعطه قوم الا ألقى الله بينهم العداوة ~~والبغضاء ودخل عليه أبو سنان الدؤلى وعنده نفر من المهاجرين فأرسل عمر إلى ~~سفط أتى به من قلعة بالعراق وكان فيه خاتم فأخذه بعض ولده فأدخله فى فيه ~~فانتزعه عمر منه ثم بكى فقال له من عنده لم تبكى وقد فتح الله لك وأظهرك ~~وأقر عينك فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تفتح الدنيا على ~~أحد الا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وأنا مشفق من ~~ذلك # قال أبو سعيد وجدت فى كتاب بخط يدى عن أبى داود قال حدثنا محمد بن عبيد ~~حدثنا حماد حدثنا يونس عن الحسن أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أتى بقلنسوة ~~بغزوة كسرى بين يديه وفى القوم سراقة بن مالك فألقى اليه سوارى كسرى ~~فجعلهما فى يديه فبلغا منكبيه فلما رآهما فى يد سراقة قال الحمد لله سوارا ~~كسرى بن هرمز فى يد سراقة بن مالك بن جعشم أعرابى من ms190 بنى مدلج ثم قال اللهم ~~قد علمت أن رسولك قد كان يحب أن يصيب مالا فينفقه فى سبيلك وعلى عبادك ~~فزويت ذلك عنه نظرا منك له واختيارا اللهم انى أعوذ بك أن يكون هذا مكر منك ~~بعمر PageV01P179 ثم قال @QB@ أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع ~~لهم في الخيرات بل لا يشعرون @QE@ # والمقصود أن سعة الدنيا وبسطها تعجيل من أجل الآخرة وتضييق من سعتها قال ~~عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهرى عن ابن أبى صغيرة عن جابر بن عبدالله رضى ~~الله عنهما قال لما كان يوم أحد أشرف النبى صلى الله عليه وسلم على الشهداء ~~الذين قتلوا يومئذ فقال انى شهيد على هؤلاء فزملوهم بدمائهم قال معمر ~~وأخبره فيمن سمع الحسن يقول قال النبى صلى الله عليه وسلم هؤلاء قد مضوا ~~وقد شهدت عليهم لم يأكلوا من أجورهم شيئا وانكم قد أكلتم من أجوركم وانى لا ~~أدرى ما تحدثون بعدى # وقال ابن المبارك أخبرنا جرير بن حازم قال سمعت الحسن يقول خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بأصحابه إلى بقيع الغرقد فقال السلام عليكم يا أهل ~~القبور لو تعلمون ما نجاكم الله منه مما هو كائن بعدكم ثم أقبل على أصحابه ~~فقال هؤلاء خير منكم فقالوا يا رسول الله اخواننا أسلمنا كما أسلموا ~~وهاجرنا كما هاجروا وجاهدنا كما جاهدوا وأتوا على آجالهم فمضوا فيها وبقينا ~~فى آجالنا فما يجعلهم خيرا منا فقال ان هؤلاء خرجوا من الدنيا ولم يأكلوا ~~من أجورهم شيئا وخرجوا وأنا شهيد عليهم وأنتم قد أكلتم من أجوركم ولا أدرى ~~ما تحدثون بعدى قال فلما سمعها القوم والله عقلوها وانتفعوا بها فقالوا ~~وانا لمحاسبون بما أصبنا من الدنيا بعدهم وانه لمنتقص به من أجورنا فأكلوا ~~طيبا وأنفقوا قصدا وقدموا فضلا # وقال عبد الله بن أحمد قرأت على ابى هذا الحديث حدثنا اسود بن عامر حدثنا ~~اسرائيل عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قال ما أعطى رجل من الدنيا الا نقص من ~~درجته # قالوا وقد ms191 صرح سادات الاغنياء بأنهم ابتلو بالضراء فصبروا وابتلوا ~~بالسراء فلم يبصروا قال ذلك عبد الرحمن وغيره وكان هذا مصداقا لما رواه ~~مصعب بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنا من فتنة ~~السراء أخوف عليكم من فتنة الضراء أنكم ابتليتم بالضراء فصبرتم وان الدنيا ~~حلوة خضرة # قالوا وها هنا قضيتان صادقتان بهما يتبين الفضل احداهما أن الاكثرين هم ~~الاقلون وقد تقدم الدليل عليها بما فيه الكفاية PageV01P180 وأما الثانية ~~ففى الصحيحين من حديث أبى ذر رضى الله عنه قال خرجت ليلة من الليالى فإذا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشى وحده ليس معه انسان قال فظننت أنه يكره ~~أن يمشى معه أحد فجعلت أمشى فى ظل القمر فالتفت فرآنى فقال من هذا قلت أبو ~~ذر جعلنى الله فداك قال يا أبا ذر تعال فمشيت معه ساعة فقال ان المكثرين هم ~~المقلون يوم القيامة الا من أعطاه الله خيرا فنفخ فيه يمينه وشماله وبين ~~يديه ووراءه وعمل فيه خيرا وذكر الحديث # قالوا ولو كان الغنى افضل من الفقر لما حض الله رسوله على الزهد فى ~~الدنيا والاعراض عنها وذم الحرص عليها والرغبة فيها بل كان ينبغى أن يحض ~~عليها وعلى اكتسابها والاكثار منها كما حض على اكتساب الفضائل التى بها ~~كمال العبد من العلم والعمل فلما حض على الزهد فيها والتقلل دل على أن ~~الزاهدين فيها المتقللين منها أفضل الطائفتين وقد أخبر أنها لو ساوت عند ~~الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء وأنها أهون على الله من السخلة ~~الميتة على أهلها وان مثلها فى الآخرة كمثل ما يعلق بأصبع من أدخل أصبعه فى ~~البحر وأنها ملعونة ملعون ما فيها الا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم ~~وأنها سجن المؤمنين وجنة الكافرين وأمر العبد أن يكون فيها كأنه غريب أو ~~عابر سبيل ويعد نفسه من أهل القبور واذا أصبح فلا ينتظر المساء واذا أمسى ~~فلا ينتظر الصباح ونهى عن اتخاذ ما يرغب فيها ولعن ms192 عبد الدينار وعبد الدرهم ~~ودعا عليه بالتعس والانتكاس وعدم اقالة العثرة بالانتقاش # وأخبر أنها خضرة حلوة أى تأخذ العيون بخضرتها والقلوب بحلاوتها وأمر ~~باتقائها والحذر منها كما يتقى النساء ويحذر منهن وأخبر أن الحرص عليها ~~وعلى الرياسة والشرف يفسد الدين كإفساد الذئبين الضاربين اذا ارسلا فى ~~زريبة غنم أو أشد افسادا وأخبر أنه فى الدنيا كراكب استظل تحت شجرة فى يوم ~~صائف ثم راح وتركها # وهذه في الحقيقة حال سكان الدنيا كلهم ولكن هو صلى الله عليه وسلم شهد ~~هذه الحال وعمى عنها بنو الدنيا ومر بهم وهم يعالجون خصا لهم قد وهى فقال ~~ما أرى الأمر ألا أعجل PageV01P181 من ذلك وأمر بستر على بابه فنزع وقال ~~انه يذكرنى الدنيا وأعلم الناس أنه ليس لأحد منهم حق فى سوى بيت يسكنه وثوب ~~يوارى عورته وقوت يقيم صلبه وأخبر أن الميت يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع ~~أهله وماله ويبقى عمله وأخبر أن للمتخوض فيما شاءت نفسه من مال الله بغير ~~حق النار يوم القيامة وأقسم أنه لا يخاف الفقر على أصحابه وانما يخاف عليهم ~~الدنيا وتنافسهم فيها وإلهائها لهم وأخبر أنه ليس لابن آدم من ماله إلا ما ~~أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو تصدق فأمضى وأخبر أن حسب ابن آدم من الدنيا ~~لقيمات يقمن صلبه فإن لم يقتصر عليها فثلث بطنه لطعامه وثلثه لشرابه وثلثه ~~لنفسه وفى هذا الحديث الارشاد إلى صحة القلب والبدن والدين والدنيا # وأخبر أن غنى العبد فيها غنى نفسه لا كثرة عرضه وسأل الله أن يجعل رزقه ~~فيها قوتا وغبط من كان رزقه فيها كفافا بعد أن هدى للاسلام وأخبر أن من ~~كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه شمله ولم يأته منها إلا ~~ما كتب له وعرض عليه ربه أن يجعل له بطحاء مكة ذهبا فقال لا يارب ولكن أشبع ~~يوما وأجوع يوما فإذا جعت تضرعت اليك وذكرتك واذا شبعت حمدتك وشكرتك ~~وأعلمهم أن من أصبح منهم آمنا فى سربه معافى فى ms193 جسده عنده قوت يومه فكأنما ~~حيزت له الدنيا # وأخبر أن بذل العبد ما فضل عن حاجته خير له وإمساكه شر له وأنه لا يلام ~~على الكفاف ونهى أمته أن ينظر أحدهم إلى من هو فوقه فى الدنيا وأمره أن ~~ينظر إلى من هو دونه فى الدنيا وأخبر أنه لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة ~~وضر مثلها مثل ما يخرج من ابن آدم عند خلائه وان كان أوله طيبا لذيذا فهذا ~~آخره وأخبر أن عباد الله ليسوا بالمتنعمين فيها فإن أمامهم دار النعيم فهم ~~لا يرضون بنعيمهم فى الدنيا عوضا من ذلك النعيم # وأخبر أن نجاة أول هذه الأمة بالزهد واليقين وهلكة آخرها بالبخل وطول ~~الأمل وكان يقول لبيك لا عيش الا عيش الآخرة وأخبر أنه تعالى اذا أحب عبدا ~~حماه الدنيا كما يحمى الانسان مريضه من الطعام والشراب ودخل على عثمان ~~PageV01P182 ابن مظعون وهو فى الموت فاكب عليه يقبله ويقول رحمك الله يا ~~عثمان ما أصبت من الدنيا ولا أصابت منك فغبطه بذلك وكان يقول الزهد فى ~~الدنيا يريح القلب والبدن والرغبة فى الدنيا تطيل الهموم والحزن وكان يقول ~~من جعل الهموم كلها هما واحدا كفاه الله سائر همومه ومن تشعبت به الهموم فى ~~أحوال الدنيا لم يبال الله فى أى أوديتها هلك # وأخبر أنه يؤتى يوم القيامة بأنعم الناس كان فى الدنيا فيقول الله عز وجل ~~اصبغوه فى النار صبغة ثم يؤتى به فيقول يا ابن آدم هل أصبت نعيما قط هل ~~رأيت قرة عين قط هل أصبت سرورا قط فيقول لا وعزتك ثم يقول ردوه إلى النار ~~ثم يؤتى بأشد الناس كان بلاء فى الدنيا وأجهده جهدا فيقول تبارك وتعالى ~~اصبغوه فى الجنة صبغة فيصبغ فيها ثم يؤتى به فيقول يا ابن آدم هل رأيت ما ~~تكره قط فيقول لا وعزتك ما رأيت شيئا قط اكرهه # وفى حديث مناجاة موسى الذى رواه الامام أحمد فى كتاب الزهد حدثنا اسماعيل ~~بن عبد الكريم بن معقل حدثنا عبد الصمد ms194 بن معقل قال سمعت وهب ابن منبه ~~فذكره وفيه ولا تعجبكما زينته ولا ما متع به ولا تمدان إلى ذلك أعينكما ~~فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين وانى لو شئت أن أزينكما من الدنيا ~~بزينة يعلم فرعون حين ينظر اليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت ~~ولكنى أرغب بكما عن نعيمها ذلك وازويه عنكما وكذلك أفعل بأوليائى وقديما ما ~~خرت لهم فى ذلك فإنى لاذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعى الشفيق ~~غنمه عن مراعى الهلكة وانى لأجنبهم سلوتها وعيشها كما يجنب الراعى الشفيق ~~ابله عن مبارك الغرة وما ذلك لهوانهم على ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتى ~~سالما موفرا لم تكلمه الدنيا ولم يطغه الهوى # واعلم انه لم يتزين لى العباد بزينة هى أبلغ من الزهد فى الدنيا فإنها ~~زينة المتقين عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع سماهم فى وجههم ~~من أثر السجود أولئك أوليائى حقا فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل لهم ~~قلبك ولسانك وذكر الحديث PageV01P183 # وقال أحمد حدثنا عون بن جابر قال سمعت محمد بن داود عن أبيه عن وهب قال ~~قال الحواريون يا عيسى من أولياء الله الذين لاخوف عليهم ولا هم يحزنون قال ~~الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها فأماتوا منها ما ~~يخشون أن يميتهم وتركوا ما علموا أن سيتركهم فصار استكثارهم منها استقلالا ~~وذكرهم إياها فواتا وفرحهم بما اصابوا منها حزنا فما عارضهم من نائلها ~~رفضوه وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه خلقت الدنيا عندهم فليسوا ~~يجددونها وخربت بينهم فليسوا يعمرونها وماتت فى صدورهم فليسوا يحيونها ~~يهدمونها فيبنون بها آخرتهم ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم رفضوها ~~فكانوا بها هم الفرحين ونظروا إلى أهلها صرعى قد حلت بهم المثلات فأحيوا ~~ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة يحبون الله ويحبون ذكره ويستضيئون بنوره ~~ويضيئون به لهم خبر عجيب وعندهم الخبر العجيب بهم قام الكتاب وبه قاموا ~~وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا وبهم علم الكتاب وبه عملوا ليسوا يرون ms195 نائلا مع ~~ما نالوا ولا أمانا دون ما يرجون ولا خوفا دون ما يحذرون # وحدثنا روح حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال قيل لعيسى بن مريم يا ~~رسول الله لو اتخذت حمارا تركبه لحاجتك قال أنا أكرم على الله من أن يجعل ~~لى شيئا يشغلنى به وقال اجعلوا كنوزكم فى السماء فإن قلب المرء عند كنزه ~~وقال اتقوا فضول الدنيا فإن فضول الدنيا عند الله رجز وقال يا بنى اسرائيل ~~اجعلوا بيوتكم كمنازل الأضياف فما لكم فى العالم من منزل ان أنتم إلا عابرى ~~سبيل وقال يا معشر الحواريين ايكم يستطيع أن يبنى على موج البحر دارا قالوا ~~ياروح الله من يقدر على ذلك قال اياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارا وقال أكل ~~الخبز البر وشرب ماء عذب ونوم على المزابل مع الكلاب كثير لمن يريد أن يرث ~~الفردوس # قال أحمد وحدثنا بهز عن الاعمش عن خيثمة قال قال المسيح بشدة ما يدخل ~~الغنى الجنة وقال المسيح حلاوة الدنيا مرارة الاخرة ومرارة الدنيا حلاوة ~~الاخرة وقال يا بنى اسرائيل تهاونوا بالدنيا تهن عليكم وأهينوا الدنيا تكرم ~~عليكم الاخرة ولا تكرموا الدنيا تهن عليكم الاخرة فإن الدنيا ليست بأهل ~~الكرامة وكل يوم تدعو PageV01P184 الى الفتنة والخسارة وقال إسحاق بن هانئ ~~فى مسائلة قال أبو عبد الله وأنا أخرج من داره قال الحسن أهينوا الدنيا ~~فوالله لأهنأ ما تكون حين تهان وقال الحسن والله ما أبالى شرقت أم غربت قال ~~وقال لى أبو عبد الله يا إسحاق ما أهون الدنيا على الله عز وجل وقال الدنيا ~~قليلها يجزى وكثيرها لا يجزى # قالوا وقد تواتر عن السلف أن حب الدنيا رأس الخطايا وأصلها وقد روى فيه ~~حديث مرفوع لا يثبت ولكنه يروى عن المسيح قال عبد الله بن أحمد حدثنا عبيد ~~الله بن عمر القواريرى حدثنا معاذ بن هشام حدثنى ابى عن بديل بن ميسرة قال ~~حدثنى جعفر بن خرفاش أن عيسى بن مريم عليه السلام قال رأس الخطيئة حب ~~الدنيا والنساء حبالة ms196 الشيطان والخمر جماع كل شر # وقال الامام أحمد حدثنا عمر بن سعد أبو داود الحفرى عن سفيان قال كان ~~عيسى بن مريم يقول حب الدنيا أصل كل خطيئة والمال فيه داء كثير قالوا وما ~~داؤه قال لا يسلم من الفخر والخيلاء قالوا فان سلم قال يشغله اصلاحه عن ذكر ~~الله عزوجل قالوا وذلك معلوم بالتجربة والمشاهدة فان حبها يدعو إلى خطيئة ~~ظاهرة وباطنة ولا سيما خطيئة يتوقف تحصيلها عليها فيسكر عاشقها حبها عن ~~علمه بتلك الخطيئة وقبحها وعن كراهتها واجتنابها وحبها يوقع فى الشبهات ثم ~~فى المكروهات ثم فى المحرمات وطالما أوقع فى الكفر بل جميع الأمم المكذبة ~~لأنبيائهم انما حملهم على كفرهم وهلاكهم حب الدنيا فان الرسل لما نهوهم عن ~~الشرك والمعاصى التى كانوا يكسبون بها الدنيا حملهم حبها على مخالفتهم ~~وتكذيبهم فكل خطيئة فى العالم أصلها حب الدنيا ولا تنس خطيئة الأبوين قديما ~~فإنما كان سببها حب الخلود فى الدنيا ولا تنس ذنب ابليس وسببه حب الرياسة ~~التي محبتها شر من محبة الدنيا وبسببها كفر فرعون وهامان وجنودهما وأبو جهل ~~وقومه واليهود فحب الدنيا والرياسة هو الذى عمر النار بأهلها والزهد فى ~~الدنيا والرياسة هو الذى عمر الجنة بأهلها والسكر بحب الدنيا أعظم من السكر ~~بشرب الخمر بكثير وصاحب هذا السكر لا يفيق منه الا فى ظلمة اللحد ولو انكشف ~~عنه غطاؤه فى الدنيا لعلم ما كان فيه من السكر وانه اشد من سكر الخمر ~~والدنيا تسحر العقول أعظم سحر PageV01P185 # قال الإمام أحمد حدثنا سيار حدثنا جعفر قال سمعت مالك بن دينار يقول ~~اتقوا السحارة اتقوا السحارة فإنها تسحر قلوب العلماء # وقال يحيى بن معاذ الرازى الدنيا خمر الشيطان من سكر منها فلا يفيق إلا ~~فى عسكر الموتى نادما بين الخاسرين وأقل ما فى حبها أنه يلهى عن حب الله ~~وذكره ومن الهاه ماله عن ذكر الله فهو من الخاسرين وإذا لها القلب عن ذكر ~~الله سكنه الشيطان وصرفه حيث اراد ومن فقهه فى الشر أنه يرضيه ببعض ms197 أعمال ~~الخير ليريه أنه يفعل فيها الخير وقد تعبد لها قلبه فأين يقع ما يفعله من ~~البر مع تعبده لها وقد لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا عليه فقال ~~لعن عبد الدينار والدرهم وقال تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم ان أعطى رضى ~~وإن منع سخط وهذا تفسير منه صلى الله عليه وسلم وبيان لعبوديتها وقد عرضت ~~الدنيا على النبى صلى الله عليه وسلم بحذافيرها وتعرضت له فدفع فى صدرها ~~باليدين وردها على عقبيها ثم عرضت بعده على أصحابه وتعرضت لهم فمنهم من سلك ~~سبيله ودفعها عنه وهم القليل ومنهم من استعرضها وقال ما فيك قالت فى الحلال ~~والشبهة والمكروه والحرام فقالوا هاتى حلالك ولا حاجة لنا فيما عداه فأخذوا ~~حلالها ثم تعرضت لمن بعدهم فطلبوا حلالها فلم يجدوه فطلبوا مكروهها وشبهها ~~فقالت قد أخذه من قبلكم فقالوا هاتى حرامك فأخذوه فطلبه من بعدهم فقالت هو ~~فى أيدى الظلمة قد استأثروا به عليكم فتحيلوا على تحصيله منهم بالرغبة ~~والرهبة فلا يمد فاجر يده إلى شئ من الحرام إلا وجد أفجر منه وأقوى قد سبقه ~~اليه هذا وكلهم ضيوف وما بأيديهم عارية كما قال ابن مسعود رضى الله عنه ما ~~أصبح أحد فى الدنيا إلا ضيف وماله عارية فالضيف مرتحل والعارية مؤادة # قالوا وانما كان حب الدنيا رأس الخطايا ومفسدا للدين من وجوه أحدها أن ~~حبها يقتضى تعظيمها وهى حقيرة عند الله ومن أكبر الذنوب تعظيم ما حقر الله ~~وثانيها أن الله لعنها ومقتها وأبغضها إلا ما كان له فيها ومن أحب ما لعنه ~~الله ومقته وأبغضه فقد تعرض للفتنة ومقته وغضبه وثالثها انه اذا أحبها ~~صيرها غايته وتوسل اليها بالأعمال التى جعلها الله وسائل اليه والى الدار ~~الآخرة فعكس الأمر وقلب الحكمة فانعكس قلبه وانعكس سيره إلى وراء فها هنا ~~أمران أحدهما جعل الوسيلة PageV01P186 غاية والثانى التوسل بأعمال الآخرة ~~إلى الدنيا وهذا شر معكوس من كل وجه وقلب منكوس غاية الانتكاس وهذا هو الذى ~~انطبق عليه حذو القذة ms198 بالقذة قوله تعالى @QB@ من كان يريد الحياة الدنيا ~~وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في ~~الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا ~~له جهنم يصلاها مذموما مدحورا @QE@ وقوله تعالى من كان يريد حرث الآخرة نزد ~~له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله فى الآخرة من نصيب ~~فهذه ثلاث آيات يشبه بعضها بعضا وتدل على معنى واحد وهو أن من أراد بعمله ~~الدنيا وزينتها دون الله والدار الآخرة فحظه ما اراد وهو نصيبه ليس له نصيب ~~غيره # والاحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مطابقة لذلك مفسرة له كحديث ~~أبى هريرة رضى الله عنه فى الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار الغازى ~~والمتصدق والقارئ الذين أرادوا بذلك الدنيا والنصيب وهو فى + صحيح مسلم + # وفى سنن النسائى عن أبى أمامة رضى الله عنه قال جاء رجل إلى النبى صلى ~~الله عليه وسلم فقال يا رسول الله رجل غزا يلتمس الأجر والذكر ما له فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شئ له فأعادها ثلاث مرات يقول له رسول ~~الله لا شئ له ثم قال إن الله تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصا وابتغى به ~~وجهه فهذا قد بطل أجره وحبط عمله مع أنه قصد حصول الأجر لما ضم اليه قصد ~~الذكر بين الناس فلم يخلص عمله لله فبطل كله # وفى مسند الامام أحمد عن أبى هريرة أن رجلا قال يارسول الله الرجل يريد ~~الجهاد فى سبيل الله وهو يبتغى عرض الدنيا فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا أجر له فأعظم الناس ذلك وقالوا للرجل عد لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لعله لم يفهم فعاد فقال يا رسول الله الرجل يريد الجهاد فى سبيل الله ~~وهو يبتغى عرض الدنيا فقال رسول الله صلى الله ms199 عليه وسلم لا أجر له ثم أعاد ~~الثالثة فقال رسول الله لا أجر له # وفى المسند ايضا وسنن النسائى عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال ان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من غزا فى سبيل الله عزوجل وهو لا ينوى ~~فى غزاته إلا عقالا فله ما نوى PageV01P187 # وفى المسند والسنن عن يعلى بن منبه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يبعثنى فى سرايا فبعثنى ذات يوم فى سرية وكان رجلا يركب بغلا فقلت له ارحل ~~فإن النبى صلى الله عليه وسلم قد بعثنى فى سرية فقال ما أنا بخارج معك حتى ~~تجعل لى ثلاثة دنانير ففعلت فلما رجعت من غزاتى ذكرت ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال النبى ليس له من غزاته هذه ومن دنياه وآخرته الا ثلاثة ~~دنانير # وفى سنن أبى داود أن عبد الله بن عمر رضى الله عنه قال يا رسول الله ~~أخبرنى عن الجهاد والغزو فقال يا عبد الله بن عمر ان قاتلت صابرا محتسبا ~~بعثك الله صابرا محتسبا وان قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله مرائيا مكاثرا ~~يا عبد الله بن عمر على أى حال قاتلت أو قتلت بعثك الله على تلك الحال # وفى المسند والسنن عن ابى ايوب رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول انها ستفتح عليكم الامصار وتضربون فيها بعوثا فيكره الرجل ~~منكم البعث فيخلص من قومه ويعرض نفسه على القبائل يقول من أكفيه بعث كذا ~~وكذا إلا وذلك الأجير إلى آخر قطرة من دمه فانظر محبة الدنيا ماذا حرمت هذا ~~المجاهد من المجاهدين من الأجر وأفسدت عليه عمله وجعلته أول الداخلين إلى ~~النار فصل # ورابعها أن محبتها تعترض بين العبد وبين فعل ما يعود عليه نفعه فى الآخرة ~~لاشتغاله عنه بمحبوبه والناس ها هنا مراتب فمنهم من يشغله محبوبه عن ~~الايمان وشرائعه ومنهم من يشغله عن الواجبات التى تجب عليه لله ولخلقه فلا ~~يقوم بها ظاهرا ولا باطنا ومنهم ms200 من يشغله حبها عن كثير من الواجبات ومنهم ~~من يشغله عن واجب يعارض تحصيلها وان قام بغيره ومنهم من يشغله عن القيام ~~بالواجب فى الوقت الذى ينبغى على الوجه الذى ينبغى فيفرط فى وقته وفى حقوقه ~~ومنهم من يشغله عن عبودية قلبه فى الواجب وتفريغه لله عند أدائه فيؤديه ~~ظاهر الا باطنا وأين هذا من عشاق الدنيا ومحبيها هذا من أندرهم وأقل درجات ~~حبها ان يشغل عن سعادة العبد وهو تفريغ القلب لحب الله ولسانه لذكره وجمع ~~قلبه على لسانه PageV01P188 وجمع لسانه وقلبه على ربه فعشقها ومحبتها تضر ~~بالآخرة ولا بد كما أن محبة الآخرة تضر بالدنيا وفى هذا الحديث قد روى ~~مرفوعا من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته اضر بدنياه فآثروا ما يبقى ~~على ما يفنى فصل # وخامسها أن محبتها تجعلها أكثر هم العبد وقد روى الترمذى من حديث أنس بن ~~مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كانت الآخرة ~~أكبر همه جعل الله غناه فى قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهى راغمة ومن ~~كانت الدنيا أكبر همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من ~~الدنيا إلا ما قدر له فصل # وسادسها أن محبها أشد الناس عذابا بها وهو معذب فى دوره الثلاث يعذب فى ~~الدنيا بتحصيلها والسعى فيها ومنازعة أهلها وفى دار البرزخ بفواتها والحسرة ~~عليها وكونه قد حيل بينه وبين محبوبه على وجه لا يرجوا اجتماعه به ابدا ولم ~~يحصل له هناك محبوب يعوضه عنه فهذا اشد الناس عذابا فى قبره يعمل الهم ~~والغم والحزن والحسرة فى روحه ما تعمل الديدان وهوام الأرض فى جسمه كما قال ~~الامام أحمد حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم حدثنا عبد الصمد بن معقل عن وهب ~~بن منبه أن حزقبل كان فيمن سبى بختنصر فذكر عنه حديثا طويلا وفى آخره قال ~~فبينا أنا نائم على شط الفرات إذ أتانى ملك فاخذ براسى فاحتملنى حتى وضعنى ~~بقاع من الأرض قد ms201 كانت معركة قال واذا فيه عشرة آلاف قتيل قد بددت الطير ~~والسباع لحومهم وفرقت أوصالهم قال لى إن قوما يزعمون أن من مات منهم أو قتل ~~فقد انفلت منى وذهبت عنه قدرتى فادعهم قال حزقبل فدعوتهم فإذا كل عظم قد ~~أقبل إلى مفصله الذى انقطع منه ما الرجل بصاحبه بأعرف من العظم بمفصله الذى ~~فارق حتى أم بعضها بعظائم نبت عليها اللحم ثم نبتت عليها العروق ثم انبسطت ~~الجلود وأنا أنظر إلى ذلك ثم قال ادع أرواحهم قال فدعوتها فاذا كل روح قد ~~أقبل إلى جسده الذى فارق فلما جلسوا سألتهم فيم كنتم قالوا إنا لما متنا ~~وفارقنا الحياة لقينا ملك فقال هلموا أعمالكم وخذوا أجوركم كذلك سنتنا فيكم ~~وفيمن كان قبلكم وفيمن هو كائن بعدكم قال فنظر فى أعمالنا فوجدنا نعبد ~~PageV01P189 الأوثان فسلط الدود على أجسادنا وجعلت الأرواح تألمه وسلط الغم ~~على أرواحنا وجعلت أجسادنا تألمه فلم نزل كذلك نعذب حتى دعوتنا ولا يستريح ~~عاشق الدنيا فقولهم كنا نعبد الأوثان فسيان عبادة الاثمان وعبادة الأوثان ~~تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم # والمقصود أن محب الدنيا يعذب فى قبره ويعذب يوم لقاء ربه قال تعالى @QB@ ~~فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة ~~الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون @QE@ قال بعض السلف يعذبهم بجمعها وتزهق ~~أنفسهم بحبها وهم كافرون بمنع حق الله فيها فصل # وسابعها أن عاشقها ومحبها الذى يؤثرها على الآخرة من أسفه الخلق وأقلهم ~~عقلا اذ آثر الخيال على الحقيقة والمنام على اليقظة والظل الزائل على ~~النعيم الدائم والدار الفانية على الدار الباقية وباع حياة الأبد فى ارغد ~~عيش بحياة انما هى أحلام نوم أو كظل زائل ان اللبيب بمثلها لا يخدع كما نزل ~~أعرابى بقوم فقدموا له طعاما فأكل ثم قام إلى ظل خيمة فنام فاقتلعوا الخيمة ~~فاصابته فانتبه وهو يقول وان امرؤ دنياه أكبر همه % لمستمسك منها بحبل غرور ~~وكان بعض السلف يتمثل بهذا البيت يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها % ان ms202 ~~اغترارا بظل زائل حمق # قال يونس بن عبد الأعلى ما شبهت الدنيا الا كرجل نام فرأى فى منامه ما ~~يكره وما يحب فبينما هو كذلك انتبه وقال ابن أبى الدنيا حدثنى أبو على ~~الطائى حدثنا عبد الرحمن البخارى عن ليث قال رأى عيسى بن مريم الدنيا فى ~~صورة عجوز عليها من كل زينة فقال كم تزوجتى قالت لا أحصيهم قال فكلهم مات ~~عنك أو كلهم طلقك قالت بل كلهم قتلته فقال عيسى بؤسا لأزواجك الباقين كيف ~~لا يعتبرون بأزواجك الماضين تهلكينهم واحدا واحدا ولا يكونوا منك على حذر ~~أرى اشقياء الناس لا يسأمونها % على أنهم فيها عراة وجوع اراها وان كانت ~~تحب فإنها % سحابة صيف عن قليل تقشع PageV01P190 أشبه الأشياء بالدنيا الظل ~~تحسب له حقيقة ثابتة وهو فى تقلص وانقباض فتتبعه لتدركه فلا تلحقه وأشبه ~~الأشياء بها السراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجد شيئا ووجد الله ~~عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب وأشبه الأشياء بها المنام يرى فيه ~~العبد ما يحب وما يكره فإذا استيقظ علم أن ذلك لا حقيقة له وأشبه الأشياء ~~بها عجوز شوهاء قبيحة المنظر والمخبر غدارة بالأزواج تزينت للخطاب بكل زينة ~~وسترت كل قبيح فاغتر بها من لم يجاوز بصره ظاهرها فطلب النكاح فقالت لا مهر ~~إلا نقد الآخرة فإننا ضرتان واجتماعنا غير مأذون فيه ولا مستباح فآثر ~~الخطاب العاجلة وقالوا ما على من واصل حبيبته من جناح فلما كشف قناعها وحل ~~إزارها إذا كل آفة وبلية فمنهم من طلق واستراح ومنهم من اختار المقام فما ~~استتمت ليلة عرسه إلا بالعويل والصياح # تالله لقد اذن مؤذنها على رءوس الخلائق يحي على غير الفلاح فقام ~~المجتهدون والمسلمون لها فواصلوا فى طلبها الغدو بالرواح وسروا ليلهم فلم ~~يحمد القوم السرى عند الصباح طاروا فى صيدها فما رجع أحد منهم إلا وهو ~~مكسور الجناح فوقعوا فى شبكتها فأسلمتهم للذباح # قال ابن أبى الدنيا حدثنا محمد بن على بن شقيق حدثنا إبراهيم بن الأشعث ~~قال سمعت الفضيل ms203 بن عياض قال قال ابن عباس رضى الله عنهما يؤتى بالدنيا يوم ~~القيامة فى صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية مشوه خلقها فتشرف على ~~الخلائق فيقال أتعرفون هذه فيقولون نعوذ بالله من معرفة هذه فيقال هذه ~~الدنيا التى تشاجرتم عليها بها تقاطعتم الأرحام وبها تحاسدتم وتباغضتم ~~واغتررتم ثم يقذف بها فى جهنم فتنادى يا رب أين أتباعى وأشياعى فيقول الله ~~عزوجل ألحقوا بها أتباعها وأشياعها # قال ابن أبى الدنيا وحدثنا إسحاق بن اسماعيل حدثنا روح بن عبادة حدثنا ~~عوف عن أبى العلاء قال رأيت فى النوم عجوزا كبيرة عليها من كل زينة الدنيا ~~والناس عكوف عليها متعجبون ينظرون اليها فجئت فنظرت فتعجبت من نظرهم اليها ~~وإقبالهم عليها فقلت لها ويلك من أنت قالت أما تعرفنى قلت لا PageV01P191 ~~قالت أنا الدنيا قال قلت أعوذ بالله من شرك قالت فان أحببت أن تعاذ من شرى ~~فابغض الدرهم # قال ابن أبي الدنيا وحدثنى إبراهيم بن سعيد الجوهرى حدثنا سفيان بن عيينة ~~قال قال لى أبو بكر بن عياش رأيت الدنيا فى النوم عجوزا مشوها شمطاء تصفق ~~بيديها وخلفها خلق يتبعونها ويصفقون ويرقصون فلما كانت بحذائى أقبلت على ~~فقالت لو ظفرت بك صنعت بك ما صنعت بهؤلاء ثم بكى أبو بكر قال وحدثنا محمد ~~بن على حدثنا إبراهيم بن الاشعث قال سمعت الفضيل قال بلغنى أن رجلا عرج ~~بروحه قال فاذا امرأة على قارعة الطريق عليها من كل زينة الحلى والثياب ~~واذا هى لا يمر بها أحد إلا جرحته وإذا هى أدبرت كانت أحسن شيء رآه الناس ~~واذا أقبلت أقبح شئ عجوز شمطاء زرقاء عمشاء فقلت أعوذ بالله قالت لا والله ~~لا يعيذك الله حتى تبغض الدرهم قال قلت من أنت قالت أنا الدنيا # ووصف على رضى الله عنه الدنيا فقال دار من صح فيها هرم ومن سقم فيها ندم ~~ومن افتقر فيها حزن ومن استغنى فيها فتن فى حلالها الحساب وفى حرامها النار ~~وقال ابن مسعود رضى الله عنه الدنيا دارت من لا ms204 دار له ومال من لا مال له ~~ولها يجمع من لا عقل له # وذكر ابن أبى الدنيا أن الحسن كتب إلى عمر بن عبد العزيز أما بعد فان ~~الدنيا دار ظعن ليست بدار اقامة وانما أنزل آدم اليها عقوبة فاحذرها يا ~~أمير المؤمنين فان الزاد منها تركها والغناء فيها فقرها لها فى كل حال قتيل ~~تذل من أعزها وتفقر من جمعها هى كالسم يأكله من لا يعرفه وفيه حتفه فكن ~~فيها كمداو جرحاته يحتمى قليلا مخافة ما يكره طويلا ويصبر على شدة الدواء ~~مخافة طول البلاء فاحذر هذه الدار الغرارة الخيالة الخداعة التى قد تزينت ~~بخدعها وفتنت بغرورها وخيلت بآمالها وشوقت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلوة ~~فالعيون اليها ناظرة والقلوب عليها والهه والنفوس لها عاشقة وهى لأزواجها ~~كلهم قاتله فلا الباقى بالماضى معتبر ولا الآخر بالاول مزدجر والعارف بالله ~~حين أخبره عنها مذكر فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى ونسى المعاد ~~فشغل فيها لبه حتى PageV01P192 زلت عنها قدمه فعظمت ندامته وكبرت حسرته ~~واجتمع عليه سكرات الموت وألمه وحسرات الفوت ونغصه فذهب منها فى كمد ولم ~~يدرك منها ما طلب ولم يرح نفسه من التعب فخرج بغير زاد وقدم على غير مهاد ~~فاحذرها يا أمير المؤمنين وأسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها فإن صاحب ~~الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه السار فيها غذاء ضار وقد ~~وصل الرخاء منها بالبلاء وجعل البقاء فيها إلى فناء فسرورها مشوب بالحزن ما ~~يرجع منها ما ولى فأدبر ولا يدرى ما هو آت فينتظر أمانيها كاذبة وآمالها ~~باطلة وصفوها كدر وعيشها نكد فلو كان الخالق لها لم يخبر عنها خبرا ولم ~~يضرب لها مثلا لكانت قد أيقظت النائم ونبهت الغافل فكيف وقد جاء من الله عز ~~وجل عنها زاجر وفيها واعظ فما لها عند الله عزوجل قدر ولا وزن وما نظر ~~اليها منذ خلقها ولقد عرضت على نبينا صلى الله عليه وسلم بمفاتيحها ~~وخزائنها لا تنقصه عند الله جناح بعوضة ms205 فأبى أن يقبلها وكره أن يحب ما ابغض ~~الله خالقه أو يرفع ماوضع مليكه فزواها عن الصالحين اختيارا وبسطها لأعدائه ~~اغترارا فيظن المغرور بها القادر عليها أنه أكرم بها ونسى ما صنع الله ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم حين شد الحجر على بطنه # وقال الحسن أيضا ابن آدم لا تعلق قلبك فى الدنيا فتعلقه بشر معلق اقطع ~~حبالها وغلق أبوابها حسبك يا أبن آدم منها ما يبلغك المحل وكان يقول إن ~~قوما أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب فأهينوها فأهنا ما تكون إذا أهنتموها ~~هيهات هيهات ذهبت الدنيا وبقيت الأعمال قلائد فى الاعناق # وقال المسيح عليه السلام لا تتخذوا الدنيا ربا فتخذكم عبيدا واعبروها ولا ~~تعمروها واعلموا أن أصل كل خطيئة حب الدنيا ورب شهوة أورثت أهلها حزنا ~~طويلا ما سكنت الدنيا فى قلب عبد إلا التاط قلبه منها بثلاثة شغل لا ينفك ~~عناؤه وفقر لا يدرك غناؤه وأمل لا يدرك منتهاه الدنيا طالبه مطلوبه فطالب ~~الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل فيها رزقه وطالب الدنيا تطلبه الاخرة حتى ~~يجئ الموت فيأخذ بعنقه يا معشر الحواريين ارضوا بدنئ الدنيا مع سلامة الدين ~~كما رضى أهل الدنيا بدنئ الدين مع سلامة الدنيا PageV01P193 وقال ابن ابى ~~الدنيا حدثنا هرون بن عبد الله حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا مالك ابن دينار ~~قال قال أبو هريرة رضى الله عنه الدنيا موقوفه بين السماء والأرض منذ خلقها ~~الله تعالى إلى يوم يفنيها تنادى ربها يا رب لم تبغضنى فيقول اسكتى يا لا ~~شئ اسكتى يا لا شئ وقال الفضيل تجئ الدنيا يوم القيامة فتتبختر فى زينتها ~~ونضرتها فتقول يا رب اجعلنى لأحسن عبادك دارا فيقول لا أرضاك له أنت لا شئ ~~فكونى هباء منثورا # | فصل فى ذكر أمثلة تبين حقيقة الدنيا # المثال الاول للعبد ثلاثة أحوال حالة لم يكن فيها شيئا وهى ما قبل أن ~~يوجد وحالة أخرى وهى من ساعة موته إلى مالا نهايه له فى البقاء السرمدى ~~فلنفسه وجود بعد خروجها من البدن إما فى ms206 الجنة واما فى النار ثم تعاد إلى ~~بدنه فيجازى بعمله ويسكن احدى الدارين فى خلود دائم ثم بين هاتين الحالتين ~~وهى ما بعد وجوده وما قبل موته حالة متوسطه وهى أيام حياته فلينظر إلى ~~مقدار زمانها وأنسبه إلى الحالتين يعلم أنه أقل من طرفة عين فى مقدار عمر ~~الدنيا ومن رأى الدنيا بهذه العين لم يركن اليها ولم يبال كيف تقضت أيامه ~~فيها فى ضر وضيق أو فى سعه ورفاهية ولهذا لم يضع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لبنه على لبنه ولا قصبه على قصبه وقال مالى وللدنيا انما مثلى ومثل ~~الدنيا الا كراكب قال فى ظل شجرة ثم راح وتركها وقال ما الدنيا فى الآخرة ~~الا كما يجعل أحدكم اصبعه فى اليم فلينظر بم يرجع والى هذا أشار المسيح ~~عليه السلام بقوله الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها وهذا مثل صحيح فإن ~~الحياة معبر إلى الاخرة والمهد هو الركن الاول على أول القنطرة واللحد هو ~~الركن الثانى على آخرها ومن الناس من قطع نصف القنطرة ومنهم من قطع ثلثيها ~~ومنهم من لم يبق له الا خطوة واحدة وهو غافل عنها وكيفما كان فلا بد من ~~العبور فمن وقف يبنى على القنطرة ويزينها بأصناف الزينة وهو يستحث العبور ~~فهو فى غاية الجهل والحمق فصل # المثال الثانى شهوات الدنيا فى القلب كشهوات الاطعمه فى المعدة وسوف يجد ~~العبد عند الموت لشهوات الدنيا فى قلبه من الكراهه والنتن والقبح ~~PageV01P194 ما يجده للأطعمه اللذيذة إذا انتهت فى المعدة غايتها وكما أن ~~الأطعمة كلما كانت ألذ طعما وأكثر دسما وأكثر حلاوة كان رجيعها أقذر فكذلك ~~كل شهوة كانت فى النفس ألذ واقوى فالتأذى بها عند الموت أشد كما أن تفجع ~~الإنسان بمحبوبه إذا فقده يقوى بقدر محبة المحبوب # وفى المسند أن النبى صلى الله عليه وسلم قال للضحاك بن سفيان ألست تؤتى ~~بطعامك وقد ملح وقزح ثم تشرب عليه الماء واللبن قال بلى قال فإلى م يصير ~~قال إلى ما قد علمت قال فإن ms207 الله عزوجل ضرب مثل الدنيا لما يصير اليه طعام ~~ابن آدم كان بعض السلف يقول لأصحابه انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيذهب بهم ~~إلى مزبلة فيقول انظروا إلى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم فصل # المثال الثالث لها ولأهلها فى اشتغالهم بنعيمها عن الآخرة وما يعقبهم من ~~الحسرات مثل أهلها فى غفلتهم مثل قوم ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة ~~فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة وحذرهم الابطاء وخوفهم مرور السفينة ~~فتفرقوا فى نواحى الجزيرة فقضى بعضهم حاجته وبادر إلى السفينة فصادف المكان ~~خاليا فأخذ أوسع الأماكن وألينها وأوفقها لمراده ووقف بعضهم فى الجزيرة ~~ينظر إلى أزهارها وأنوارها العجيبة ويسمع نغمات طيورها ويعجبه حسن أحجارها ~~ثم حدثته نفسه بفوت السفينة وسرعة مرورها وخطر ذهابها فلم يصادف إلا مكانا ~~ضيقا فجلس فيه وأكب بعضهم على تلك الحجارة المستحسنة والأزهار الفائقة فحمل ~~منها حمله فلما جاء لم يجد فى السفينة الا مكانا ضعيفا وزاده حمله ضيقا ~~فصار محموله ثقلا عليه ووبالا ولم يقدر على نبذه بل لم يجد من حمله بدا ولم ~~يجد له فى السفينة موضعا فحمله على عتقه وندم على أخذه فلم تنفعه الندامة ~~ثم ذبلت الأزهار وتغيرت اراييجها وآذاه نتنها وتولج بعضهم فى تلك الغياض ~~ونسى السفينة وأبعد فى نزهته حتى أن الملاح نادى بالناس عند دفع السفينة ~~فلم يبلغه صوته لاشتغاله بملاهيه فهو تارة يتناول من الثمر وتارة يشم تلك ~~الانوار وتارة يعجب من حسن الأشجار وهو على ذلك خائف من سبع يخرج عليه غير ~~منفك من شوك يتشبث فى ثيابه ويدخل فى قدميه أو غصن يجرح بدنه أو عوسج يخرق ~~ثيابه PageV01P195 ويهتك عورته أو صوت هائل يفزعه ثم من هؤلاء من لحق ~~السفينة ولم يبق فيها موضع فمات على الساحل ومنهم من شغله لهوه فافترسته ~~السباع ونهشته الحيات ومنهم من تاه فهام على وجهه حتى هلك فهذا مثال أهل ~~الدنيا فى اشتغالهم بحظوظهم العاجلة ونسيانهم موردهم وعاقبة أمرهم وما أقبح ~~بالعاقل أن تغره أحجار ونبات يصير هشيما قد شغل باله وعوقه ms208 عن نجاته ولم ~~يصحبه فصل # المثال الرابع لاغترار الناس بالدينا وضعف ايمانهم بالآخرة قال ابن أبى ~~الدنيا حدثنا إسحاق بن اسماعيل حدثنا روح بن عباده حدثنا هشام بن حسان عن ~~الحسن قال بلغنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه انما مثلى ~~ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء حتى اذا لم يدروا ما سلكوا ~~منها أكثر أم ما بقى أنفدوا الزاد وحسروا الظهر وبقوا بين ظهرانى المفازة ~~لا زاد ولا حمولة فأيقنوا بالهلكة فبينما هم كذلك اذ خرج عليهم رجل فى حلة ~~يقطن رأسه فقالوا ان هذا قريب عهد بريف وما جاءكم هذا الامن قريب فلما ~~انتهى اليهم قال يا هؤلاء علام أنتم قالوا على ما ترى قال أرأيتم ان هديتكم ~~على ماء رواه ورياض خضر ما تجعلون لى قالوا لا نعصيك شيئا قال عهودكم ~~ومواثيقكم بالله قال فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله لا يحصونه شيئا قال ~~فأوردهم ماء ورياضا خضراء قال فمكث فيهم ما شاء الله ثم قال يا هؤلاء ~~الرحيل قالوا إلى أين قال إلى ماء ليس كمائكم ورياض ليست كرياضكم قال فقال ~~جل القوم وهم أكثرهم والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أن لن نجده وما نصنع بعيش ~~هو خير من هذا قال وقالت طائفة وهم أقلهم ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ~~ومواثيقكم بالله لا تعصونه شيئا وقد صدقكم فى أول حديثه فو الله ليصدقنكم ~~فى آخره فراح بمن اتبعه وتخلف بقيتهم فبادرهم عدوهم فأصبحوا بين أسير وقتيل ~~فصل # المثال الخامس للدنيا وأهلها ما مثلها به النبى صلى الله عليه وسلم كظل ~~شجرة والمرء مسافر فيها إلى الله فاستظل فى ظل تلك الشجرة فى يوم صائف ثم ~~راح وتركها فتأمل حسن هذا المثال ومطابقته للواقع سواء فانها فى خضرتها ~~كشجرة وفى سرعة انقضائها وقبضها شيئا فشيئا كالظل والعبد مسافرا إلى ربه ~~والمسافر اذا رأى شجرة PageV01P196 فى يوم صائف لا يحسن به أن يبنى تحتها ~~دارا ولا يتخذها قرارا بل يستظل بها بقدر الحاجة ومتى ms209 زاد على ذلك انقطع عن ~~الرفاق فصل # المثال السادس تمثيله لها صلى الله عليه وسلم بمدخل أصبعه فى اليم فالذى ~~يرجع به أصبعه من البحر هو مثل الدنيا بالنسبة إلى الآخرة وهذا أيضا من ~~أحسن الامثال فإن الدنيا منقطعة فانية ولو كانت مدتها أكثر مما هى والاخرة ~~أبدية لا انقطاع لها ولا نسبة للمحصور إلى غير المحصور بل لو فرض أن ~~السموات والأرض مملوءتان خردلا وبعد كل ألف سنة طائر ينقل خردلة لفنى ~~الخردل والاخرة لا تفنى فنسبة الدنيا إلى الآخرة فى التمثيل كنسبة خردلة ~~واحدة إلى ذلك الخردل ولهذا لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر وأشجار ~~الأرض كلها أقلام يكتب بها كلام الله لنفذت الابحر والاقلام ولم تنفد كلمات ~~الله لأنها لا بداية لها ولا نهايه لها والابحر والاقلام متناهيه # قال الإمام أحمد وغيره لم يزل الله متكلما إذا شاء وكماله المقدس مقتض ~~لكلامه وكماله من لوازم ذاته فلا يكون الا كاملا والمتكلم أكمل ممن لا ~~يتكلم وهو سبحانه لم يلحقه كلل ولا تعب ولا سآمه من الكلام وهو يخلق ويدبر ~~خلقه بكلماته فكلماته هى التى أوجد بها خلقه وأمره وذلك حقيقة ملكه ~~وربوبيته وإلهيته وهو لا يكون الا ربا ملكا إلها لا إله الا هو والمقصود أن ~~الدنيا نفس من أنفاس الآخرة وساعة من ساعاتها # | فصل المثال السابع ما مثلها به صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتفق ~~على صحته من # حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فخطب الناس فقال لا والله ما أخشى عليكم الا ما يخرج الله لكم من زهرة ~~الدنيا فقال رجل يا رسول الله أو يأتى الخير بالشر فصمت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم قال كيف قلت قال يا رسول الله أو يأتى الخير بالشر فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ان الخير لا يأتى الا بالخير وان مما ينبت الربيع ~~ما يقتل حبطا أو يلم الا آكله الخضر أكلت ms210 حتى PageV01P197 إذا امتلأت ~~خاصرتاها استقبلت الشمس فتطلت وبالت ثم اجترت فعادت فأكلت قمن أخذ مالا ~~بحقه بورك له فيه ومن أخذ مالا بغير حقه فمثله كمثل الذى يأكل ولا يشبع ~~فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه انما يخاف عليهم الدنيا وسماها زهرة فشبهها ~~بالزهر فى طيب رائحته وحسن منظره وقله بقائه وأن وراءه ثمرا خيرا وابقى منه # وقوله ان مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم هذا من أحسن التمثيل ~~المتضمن للتحذير من الدنيا والانهماك عليها والمسرة فيها وذلك أن الماشيه ~~يروقها نبت الربيع فتأكل منها بأعينها فربما هلكت حبطا والحبط انتفاخ بطن ~~الدابه من الامتلاء أو من المرض يقال حبط الرجل والدابه تحبط حبطا اذا ~~أصابه ذلك ولما أصاب الحارث بن مازن بن عمرو بن تميم ذلك فى سفره فمات حبطا ~~فنسب الحبطى كما يقال السلمى فكذلك الشرهه فى المال يقتله شرهه وحرصه فإن ~~لم يقتله قارب أن يقتله وهو قوله أو يلم وكثير من ارباب الأموال انما ~~قتلتهم أموالهم فانهم شرهوا فى جمعها واحتاج اليها غيرهم فلم يصلوا اليها ~~إلا بقتلهم أو ما يقاربه من اذلالهم وقهرهم # وقوله الا آكلة الخضر هذا تمثيل لمن أخذ من الدنيا حاجته مثله بالشاة ~~الآكلة من الخضر بقدر حاجتها أكلت حتى اذا امتلأت خاصرتاها وفى لفظ آخر ~~امتدت خاصرتاها وانما تمتد من امتلائها من الطعام وثنى الخاصرتين لأنهما ~~جانبا البطن وفى قوله استقبلت عين الشمس فتلطت وبالت ثلاث فوائد احداها ~~انها لما أخذت حاجتها من المرعى تركته وبركت مستقبله الشمس لتستمرئ بذلك ما ~~أكلته الثانية انها أعرضت عما يضرها من الشره فى المرعى وأقبلت على ما ~~ينفعها من استقبال الشمس التى يحصل لها بحرارتها انضاج ما أكلته واخراجه ~~الثالثة انها استفرغت بالبول والثلط ما جمعته من المرعى فى بطنها فاستراحت ~~بإخراجه ولو بقى فيها لقتلها فكذلك جامع المال مصلحته أن يفعل به كما فعلت ~~هذه الشاة # وأول الحديث مثل الشره فى جمع الدنيا الحريص على تحصيلها فمثاله مثال ~~الدابة التى PageV01P198 حملها ms211 شره الأكل على أن يقتلها حبطا أو يلم إذا لم ~~يقتلها فإن الشره الحريص إما هالك وإما قريب من الهلاك فإن الربيع ينبت ~~أنواع البقول والعشب فتستكثر منه الدابة حتى ينتفخ بطنها لما جاوزت حد ~~الاحتمال فتنشق أمعاؤها وتهلك كذلك الذى يجمع الدنيا من غير حلها ويحبسها ~~أو يصرفها فى غير حقها وآخر الحديث مثل للمقتصد بآكلة الخضر الذى تنتفع ~~الدابة بأكله ولم يحملها شرهها وحرصها على تناولها منه فوق ما تحتمله بل ~~أكلت بقدر حاجتها وهكذا هذا أخذ ما يحتاج اليه ثم أقبل على ما ينفعه وضرب ~~بول الدابة وثلطها مثلا لإخراجه المال فى حقه حيث يكون حبسه وإمساكه مضرا ~~به فنجا من وبال جمعه بأخذ قدر حاجته منه ونجا من وبال إمساكه بإخراجه كما ~~نجت الدابة من الهلاك بالبول الثلط # وفى هذا الحديث اشارة إلى الاعتدال والتوسط بين الشره فى المرعى القاتل ~~بكثرته وبين الاعراض عنه وتركه بالكلية فتهلك جوعا وتضمن الخبر أيضا إرشاد ~~المكثر من المال إلى ما يحفظ عليه قوته وصحته فى بدنه وقلبه وهو الاخراج ~~منه وانفاقه ولا يحبسه فيضره حبسه وبالله التوفيق فصل # المثال الثامن ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن سليمان بن يسار عن ميمونة ~~قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص الدنيا خضرة حلوة ~~فمن اتقى الله فيها وأصلح والا فهو كالآكل ولا يشبع وبين الناس فى ذلك كبعد ~~الكوكبين أحدهما يطلع فى المشرق والآخر يغيب فى المغرب فنبه بخضرتها على ~~استحسان العيون لها وبحلاوتها على استجلاء الصدور لها وبتلك الخضرة ~~والحلاوة زينت لأهلها وحببت اليهم لا سيما وهم مخلوقون منها وفيها كما قيل ~~ونحن بنو الدنيا ومنها نباتنا % وما أنت منه فهو شئ محبب # وجعل الناس فيها قسمين أحدهما مصلح متقى فهذا تقواه وإصلاحه لا يدعانه ~~ينهمك عليها ويشره فيها ويأخذها من غير حلها ويضعها فى غير حقها فان لم يتق ~~ويصلح صرف نهمته وقواه وحرصه إلى تحصيلها فكان كالذى يأكل ولا يشبع وهذا من ms212 ~~أحسن الأمثلة فان المقصود من الأكل حفظ الصحة والقوة وذلك تابع لقدر الحاجة ~~وليس المقصود منه ذاته ونفسه فمن جعل نهمته فوق مقصوده لم PageV01P199 يشبع ~~ولهذا قال الامام أحمد الدنيا قليلها يجزى وكثيرها لا يجزى وأخبر عن تفاوت ~~الناس فى المنزلتين أعنى منزلة التقوى والاصلاح ومنزلة الاكل والشره وأن ~~بين الرجلين فى ذلك كما بين الكوكبين الغارب فى الأفق والطالع منه وبين ذلك ~~منازل متفاوتة فصل # المثال التاسع ما تقدم من حديث المستورد بن شداد قال كنت مع الركب الذين ~~وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السخلة الميتة فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها قالوا ومن هوانها ~~ألقوها يا رسول الله قال فو الذى نفس محمد بيده للدنيا أهون على الله من ~~هذه على أهلها قال الترمذى + حديث حسن صحيح + فلم يقتصر صلى الله عليه وسلم ~~على تمثيلها بالسخلة الميتة بل جعلها أهون على الله منها # وفى مسند الامام أحمد فى هذا الحديث فو الذى نفسى بيده للدنيا عند الله ~~أهون عليه من تلك السخلة على أهلها فأكد ذلك بالقسم الصادق فإذا كان مثلها ~~عند الله أهون وأحقر من سخله ميته على أهلها فمحبها وعاشقها أهون على الله ~~من تلك السخلة وكونها سخله أهون عليهم من كونها شاة كبيرة لأن تلك ربما ~~انتفعوا بصوفها أو دبغوا جلدها وأما ولد شاة صغيرة ميت ففى غاية الهوان ~~والله المستعان فصل # المثال العاشر مثلها مثل البحر الذى لا بدل للخق كلهم من ركوبه ليقطعوه ~~إلى الساحل الذى فيه دورهم وأوطانهم ومستقرهم ولا يمكن قطعه الا فى سفينة ~~النجاة فارسل الله رسله لتعرف الأمم اتخاذ سفن النجاة وتأمرهم بعملها ~~وركوبها وهى طاعته وطاعة رسله وعبادته وحده واخلاص العمل له والتشمير ~~للآخرة وارادتها والسعى لها سعيها فنهض الموفقون وركبوا السفينه ورغبوا عن ~~خوض البحر لما علموا أنه لا يقطع خوضا ولا سباحه وأما الحمقاء فاستصعبوا ~~عمل السفينه وآلاتها والركوب فيها وقالوا نخوض البحر فاذا ms213 عجزنا تطباه ~~سباحة وهم أكثر أهل الدنيا فخاضوه فلما عجزوا عن الخوض أخذوا فى السباحه ~~حتى أدركهم الغرق ونجا أصحاب السفينة كما نجوا مع نوح عليه السلام وغرق أهل ~~الأرض فتأمل هذا المثل وحال أهل الدنيا فيها يتبين لك مطابقته للواقع وقد ~~ضرب هذا المثل للدنيا PageV01P200 والآخرة والقدر والأمر فإن القدر بحر ~~والأمر فيه سفينة لا ينجو إلا من ركبها فصل # المثال الحادي عشر مثالها مثال اناء مملوء عسلا رآه الذباب فاقبل نحوه ~~فبعضه قعد على حافة الاناء وجعل يتناول من العسل حتى أخذ حاجته ثم طار ~~وبعضه حمله الشره على أن رمى بنفسه فى لجة الاناء ووسطه فلم يدعه انغماسه ~~فيه أن يتهنأ به الا قليلا حتى هلك فى وسطه فصل # المثال الثانى عشر مثال حب قد نثر على وجه الأرض وجعلت كل حبة فى فخ وجعل ~~حول ذلك الحب حب ليس فى فخاخ فجاءت الطير فمنها من قنع بالجوانب ولم يرم ~~نفسه فى وسط الحب فأخذ حاجته ومضى ومنها من حمله الشره على اقتحام معظم ~~الحب فما استتم اللقاط الا وهو يصيح من أخذة الفخ له فصل # المثال الثالث عشر كمثل رجل أوقد نارا عظيمة فجعلت الفراش والجنادب يرون ~~ضوءها فيقصدونها ويتهافتون فيها ومن له علم بحالها جعل يستضىء ويستدفئ بها ~~من بعيد وقد أشار النبى صلى الله عليه وسلم إلى هذا المثل بعينه فى الحديث ~~الذى رواه مالك بن اسماعيل عن حفص بن حميد عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله ~~عنهما عن عمر رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال انى ممسك ~~بحجزكم عن النار وتتقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب ويوشك أن أرسل ~~بحجزكم وفى لفظ آخر مثلى ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ~~جعلت الفراش والجنادب يتقاحمن فيها فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تغلبونى ~~وتتقاحمون فيها وهذا المثال مطبق على أهل الدنيا المنهمكين فيها فالرسل ~~تدعوهم إلى الاخرة وهم يتقاحمون فى الدنيا تقاحم الفراش فصل # المثال الرابع عشر ms214 مثل قوم خرجوا فى سفر بأموالهم وأهليهم فمروا بواد ~~مشعب كثير المياه والفواكه فنزلوا به وضربوا خيمهم وبنوا هنالك الدور ~~والقصور فمر بهم رجل يعرفون نصحه وصدقه وأمانته فقال انى رأيت بعينى هاتين ~~الجيش خلف هذا الوادى وهو قاصدكم فاتبعونى أسلك بكم على غير طريق العدو ~~فتنجوا منه فأطاعته طائفة قليلة فصاح فيهم يا قوم النجاة النجاة أتيتم ~~أتيتم وصاح السامعون له بأهليهم وأولادهم وعشائرهم فقالوا كيف نرحل من ~~PageV01P201 هذا الوادى وفيه مواشينا وأموالنا ودورنا وقد استوطناه فقال ~~لهم الناصح لينج كل واحد منكم بنفسه مما خف عليه من متاعه والا فهو مأخوذ ~~وماله مجتاح فثقل على أصحاب الجد والأموال ورؤساء القوم النقلة ومفارقة ما ~~هم فيه من النعيم والرفاهية والدعة وقال كل أحمق لى أسوة بالقاعدين فهم ~~أكثر منى مالا وأهلا فما أصابهم أصابنى معهم ونهض الأقلون مع الناصح ففازوا ~~بالنجاة وصبح الجيش أهل الوادى فقتلهم واجتاح أموالهم # وقد أشار النبى صلى الله عليه وسلم إلى هذا المثل بعينه فى + الحديث ~~المتفق + على صحته من حديث أبى بردة عن أبى موسى عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال انما مثلى ومثل ما بعثنى الله به كمثل رجل أتى قومه فقال يا قوم ~~انى رأيت الجيش بعينى وأنا النذير العريان فالنجاة النجاة فأطاعه طائفة من ~~قومه فأذلجوا و انطلقوا على مهلهم فنجوا وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم ~~فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به ومثل من ~~عصانى وكذب بما جئت به من الحق فصل # المثال الخامس عشر رجل هيأ دارا وزينها ووضع فيها من جميع الالات ودعى ~~الناس اليها فكلما دخل داخل أجلسه على فراش وثير وقدم اليه طبقا من ذهب ~~عليه لحم ووضع بين يديه أوان مفتخرة فيها من كل ما يحتاج اليه وأخدمه عبيده ~~ومماليكه فعرف العاقل أن ذلك كله متاع صاحب الدار وملكه وعبيده فاستمتع ~~بتلك الالات والضيافة مدة مقامه فى الدار ولم يعلق قلبه بها ولا حدث نفسه ~~بتملكها بل اعتمد ms215 مع صاحب الدار ما يعتمده الضيف يجلس حيث أجلسه ويأكل ما ~~قدمه له ولا يسأل عما وراء ذلك اكتفاء منه بعلم صاحب الدار وكرمه وما يفعله ~~مع ضيوفه فدخل الدار كريما وتمتع فيها كريما وفارقها كريما ورب الدار غير ~~ذام له وأما الاحمق فحدث نفسه بسكنى الدار وحوز تلك الالات إلى ملكه وتصرفه ~~فيها بحسب شهوته وارادته فتخير المجلس لنفسه وجعل ينقل تلك الآلات إلى مكان ~~فى الدار يخبؤها فيه وكلما قدم اليه ربها شيئا أو آلة حدث نفسه بملكه ~~واختصاصه به عن سائر الاضياف ورب الدار يشاهد ما يصنع وكرمه يمنعه من ~~اخراجه من داره حتى اذا ظن انه استبد بتلك الآلات وملك الدار PageV01P202 ~~وتصرف فيها وفى آلاتها تصرف المالك الحقيقى واستوطنها واتخذها دارا له أرسل ~~إليه مالكها عبيده فأخرجوه منها إخراجا عنيفا وسلبوه كل ما هو فيه ولم ~~يصحبه من تلك الآلات شئ وحصل على مقت رب الدار وافتضاحه عنده وبين مماليكه ~~وحشمه وخدمه # فليتأمل اللبيب هذا المثال حق التأمل فإنه مطابق للحقيقة والله المستعان ~~قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه كل أحد فى هذه الدنيا ضيف وما له عارية ~~فالضيف مرتحل والعارية مؤداة # وفى الصحيحين عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال مات ابن لأبى طلحة من أم ~~سليم فقالت لأهلها لا تحدثوا أبا طلحة حتى أكون أنا أحدثه فجاء فقربت اليه ~~عشاء فأكل وشرب وقال ثم تصنعت له احسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها فلما ~~رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا ~~عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم قال لا قالت فاحتسب ابنك ~~قال فغضب قال تركتينى تلطخت ثم أخبرتينى بابنى فانطلق حتى أتى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان منها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بارك الله لكما فى ليلتكما وذكر الحديث فصل # المثال السادس عشر قوم سلكوا مفازة فاجأهم العطش فانتهوا إلى البحر وماؤه ms216 ~~أمر شيء وأملحه فلشدة عطشهم لم يجدوا مرارته وملوحته فشربوا منه فلم يرووا ~~وجعلوا كلما ازدادوا شربا ازدادوا ظمأ حتى تقطعت أمعاؤهم وماتوا عطشا وعلم ~~عقلاؤهم أنه مر مالح وأنه كلما ازداد الشارب منه ازداد ظمأه فتباعدوا عنه ~~مسافة حتى وجدوا أرضا حلوة فحفروا فيها قليا فنبع لهم ماء عذب فرات فشربوا ~~وعجنوا وطبخوا ونادوا إخوانهم الذين على حافة البحر هلموا إلى الماء الفرات ~~وكان منهم المستهزئ ومنهم المعرض الراضى بما هو فيه وكان المجيب واحدا بعد ~~واحد وهذا المثل بعينه قد ضربه المسيح عليه السلام فقال مثل طالب الدنيا ~~كمثل شارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى يقتله فصل # المثال السابع عشر مثل الانسان ومثل ماله وعمله وعشيرته مثل رجل ~~PageV01P203 له ثلاثة اخوة فقضى له سفر بعيد طويل لا بد له منه فدعا إخوته ~~الثلاثة وقال قد حضر ما ترون من هذا السفر الطويل وأحوج ما كنت اليكم الآن ~~فقال أحدهم أنا كنت أخاك إلى هذه الحال ومن الآن فلست بأخ ولا صاحب وما ~~عندى غير هذا فقال له لم تغن عنى شيئا فقال للآخر ما عندك فقال كنت أخاك ~~وصاحبك إلى الآن وأنا معك حتى أجهزك إلى سفرك وتركب راحلتك ومن هنالك لست ~~لك بصاحب فقال له أنا محتاج إلى مرافقتك فى مسيرى فقال لا سبيل لك إلى ذلك ~~فقال لم تغن عنى شيئا فقال للثالث ما عندك أنت فقال كنت صاحبك فى صحتك ~~ومرضك وأنا صاحبك الآن وصاحبك اذا ركبت راحلتك وصاحبك فى مسيرك فإن سرت سرت ~~معك وان نزلت نزلت معك واذا وصلت إلى بلدك كنت صاحبك فيها لا أفارقك ابدا ~~فقال ان كنت لأهون الاصحاب على وكنت أوثر عليك صاحبيك فليتنى عرفت حقك ~~وآثرتك عليهما # فالأول ماله والثانى أقاربه وعشيرته وأصحابه والثالث عمله وقد روى فى هذا ~~المثل بعينه حديث مرفوع لكنه لا يثبت رواه أبو جعفر العقيلى فى كتاب ~~الضعفاء من حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة وعن ابن المسيب عن ms217 عائشة مرفوعا ~~وهو مثل صحيح فى نفسه مطابق للواقع فصل # المثال الثامن عشر وهو من أحسن الأمثلة ملك بنى دارا لم ير الراءون ولم ~~يسمع السامعون أحسن ولا أوسع ولا أجمع لكل ملاذ النفوس منها ونصب لها طريقا ~~وبعث داعيا يدعو الناس اليها وأقعد على الطريق امرأة جميلة قد زينت بأنواع ~~الزينة وألبست أنواع الحلى والحلل وممر الناس كلهم عليها وجعل لها أعوانا ~~وخدما وجعل تحت يدها ويد أعوانها زادا للمارين السائرين إلى الملك فى تلك ~~الطريق وقال لها ولأعوانها من غض طرفه عنك ولم يشتغل بك عنى وابتغى منك ~~زادا يوصله إلى فاخدميه وزوديه ولا تعوقيه عن سفره إلى بل أعينيه بكل ما ~~يبلغه فى سفره ومن مد اليك عينيه ورضى بك وآثرك على وطلب وصالك فسوميه سوء ~~العذاب وأوليه غاية الهوان واستخدميه واجعليه يركض خلفك ركض الوحش ومن يأكل ~~منك فاخدعيه به قليلا ثم استرديه منه واسلبيه اياه PageV01P204 كله وسلطى ~~عليه أتباعك وعبيدك وكلما بالغ فى محبتك وتعظيمك وإكرامك فقابليه بأمثاله ~~قلى وإهانة وهجرا حتى تتقطع نفسه عليك حسرات فتأمل هذا المثال وحال خطاب ~~الدنيا وخطاب الآخرة والله المستعان وهذا المثل مأخوذ من الاثر المروى عن ~~الله عز وجل يا دنيا اخدمى من خدمنى واستخدمى من خدمك فصل # المثال التاسع عشر ملك خط مدينة فى أصح المواضع وأحسها هواء وأكثرها ~~مياها وشق أنهارها وغرس أشجارها وقال لرعيته تسابقوا إلى أحسن الأماكن فيها ~~فمن سبق إلى مكان فهو له ومن تخلف سبقه الناس إلى المدينة فأخذوا منازلهم ~~وتبوؤا مساكنهم فيها وبقى من أصحاب الحسرات ونصب لهم ميدان السباق وجعل على ~~الميدان شجرة كبيرة لها ظل مديد وتحتها مياه جارية وفى الشجرة من كل أنواع ~~الفواكه وعليها طيور عجيبة الأصوات وقال لهم لا تغتروا بهذه الشجرة وظلها ~~فعن قليل تجتث من أصلها ويذهب ظلمها وينقطع ثمرها وتموت أطيارها وأما مدينة ~~الملك فاكلها دائم وظلها مديد ونعيمها سرمدى وفيها مالا عين رأت ولا اذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر فسمع ms218 الناس بها فخرجوا فى طلبها على وجوههم فمروا ~~بتلك الشجرة على أثر تعب ونصب وحر وظمأ فنزلوا كلهم تحتها واستظلوا بظلها ~~وذاقوا حلاوة ثمرها وسمعوا نغمات أطيارها فقيل لهم إنما نزلتم تحتها لتحموا ~~أنفسكم وتضمروا مراكبكم للسباق فتهيئوا للركوب وكونوا على أهبة فإذا صاح ~~النفير استدركتم حلبة السباق فقال الأكثرون كيف ندع هذا الظل الظليل والماء ~~السلسبيل والفاكهة النضجة والدعة والراحة ونقتحم هذه الحلبة فى الحر ~~والغبار والتعب والنصب والسفر البعيد والمفاوز المعطشة التى تنقطع فيها ~~الأمعاء وكيف نبيع النقد الحاضر بالنسيئة الغائبة إلى الأجل البعيد ونترك ~~ما نراه إلى مالا نراه وذرة منقودة فى اليد أولى من ذرة موعودة بعد غد خذ ~~ما تراه ودع شيئا سمعت به ونحن بنو اليوم وهذا عيش حاضر كيف نتركه لعيش ~~غائب فى بلد بعيد لا ندرى متى نصل اليه ونهض من كل ألف واحد وقالوا والله ~~ما مقامنا هذا فى ظل زائل تحت شجرة قد دنى قلعها وانقطاع ثمرها وموت ~~أطيارها ونترك المسابقة إلى الظل الظليل الذى لا يزول والعيش الهنئ الذى لا ~~ينقطع الا من أعجز العجز وهل PageV01P205 يليق بالمسافر اذا استراح تحت ظل ~~أن يضرب خباءه عليه ويتخذ وطنه خشية التأذى بالحر وبالبرد وهل هذا الا أسفه ~~السفه فالسباق السباق والبدار البدار # حكم المنية فى البرية جارى % ما هذه الدنيا بدار قرار # اقضوا مآربكم سراعا انما % أعماركم سفر من الأسفار # وتراكضوا خيل السباق وبادروا % أن تسترد فإنهن عوارى # ودعوا الإقامة تحت ظل زائل % أنتم على سفر بهذى الدار # من يرجو طيب العيش فيها انما % يبنى الرجاء على شفير هار # والعيش كل العيش بعد فراقها % فى دار أهل السبق أكرم دار # فاقتحموا حلقة السباق ولم يستوحشوا من قلة الرفاق وساروا فى ظهور العزائم ~~ولم تأخذهم فى سيرهم لومة لائم والمتخلف فى ظل الشجرة نائم فوالله ما كان ~~الا قليل حتى ذوت أغصان تلك الشجرة وتساقطت أوراقها وانقطع ثمرها ويبست ~~فروعها وانقطع مشربها فقلعها قيمها من أصلها فأصبح أهلها فى حر السموم ms219 ~~يتقلبون وعلى ما فاتهم من العيش فى ظلها يتحسرون أحرقها قيمها فصارت هى وما ~~حولها نارا تلظى وأحاطت النار بمن تحتها فلم يستطع أحد منهم الخروج منها ~~فقالوا أين الركب الذين استظلوا معنا تحت ظلها ثم راحوا وتركوه فقيل لهم ~~ارفعوا أبصاركم تروا منازلهم فرأوهم من البعد فى قصور مدينة الملك وغرفها ~~يتمتعون بأنواع اللذات فتضاعفت عليهم الحسرات ألا يكونوا معهم وزاد تضاعفها ~~بأن حيل بينهم وبين ما يشتهون وقيل هذا جزاء المتخلفين @QB@ وما ظلمناهم ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون @QE@ فصل # المثال العشرون ما مثلها به النبى صلى الله عليه وسلم من الثوب الذى شق ~~وبقى معلقا بخيط فى آخره فما بقاء ذلك الخيط قال ابن أبى الدنيا حدثنى ~~الفضل بن جعفر حدثنا وهب بن حماد حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا أبو سعيد ~~خلف بن حبيب عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مثل هذه الدنيا مثل ثوب PageV01P206 شق من أوله إلى أخره فبقى معلقا ~~بخيط فى آخره فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع # وان أردت لهذا المثل زيادة ايضاح فانظر إلى ما رواه أحمد فى مسنده من ~~حديث أبى نظرة عن أبى سعيد قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر ~~نهارا ثم قام فخطبنا فلم يترك شيئا قبل قيام الساعة الا اخبر به حفظه من ~~حفظه ونسيه من نسيه وجعل الناس يلتفتون إلى الشمس هل بقى منها شئ فقال ألا ~~انه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها الا كما بقى من يومكم هذا فيما مضى منه # وروى حفص بن غياث عن ليث عن المغيرة بن حكيم عن ابن عمر قال خرج علينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والشمس على أطراف السعف فقال ما بقى من ~~الدنيا الا مثل ما بقى من يومنا هذا فيما مضى منه # وروى ابن أبى الدنيا عن إبراهيم بن سعد حدثنا موسى بن خلف عن قتادة عن ~~أنس أن رسول الله صلى الله ms220 عليه وسلم خطب عند مغرب الشمس فقال ما بقى من ~~الدنيا فيما مضى منها الا كما بقى من يومكم هذا فيما مضى منه # فالدنيا كلها كيوم واحد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فى آخره قبل ~~غروب شمسه بيسير وقال جابر وأبو هريرة رضى الله عنهما عنه صلى الله عليه ~~وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين وقرن بين أصابعه السبابة والوسطى وكان بعض ~~السلف يقول تصبروا فإنما هى أيام قلائل وانما أنتم ركب وقوف يوشك أن يدعى ~~أحدكم فيجيب ولا يلتفت وانه قد نعيت اليك أنفسكم والموت حبس لا بد منه ~~والله بالمرصاد وانما تخرج هذه النفوس على آخر سورة الواقعة فصل # المثال الحادى والعشرون مثال الدنيا كحوض كبير ملئ ماء وجعل موردا للأنام ~~والانعام فجعل الحوض ينقص على كثرة الوارد حتى لم يبق منه الا كدر فى أسفله ~~قد بالت فيه الدواب وخاصته الناس والأنعام كما روى مسلم فى PageV01P207 ~~صحيحه عن عتبة بن غزوان أنه خطبهم فقال فى خطبته إن الدنيا قد آذنت بصرم ~~وولت حذاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء يتصابها صاحبها وإنكم ~~منتقلون عنها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا بخير ما بحضرتكم وقال عبد الله ~~بن مسعود إن الله تعالى جعل الدنيا كلها قليلا فما بقى منها إلا قليل من ~~قليل ومثل ما بقى منها كالثغب شرب صفوه وبقى كدره الثغب الغدير فصل # المثال الثانى والعشرون قوم سكنوا مدينة مدة من الزمان فكثرت فيها ~~الأحداث والآفات وطرقها المحن وأغارت عليها عساكر الجور والفساد فبنى ملكهم ~~مدينة فى محل لا يطرقه آفة ولاعاهة وعزم على تخريب المدينة الأولى فأرسل ~~إلى سكانها فنودى فيهم بالرحيل بعد ثلاث ولا يتخلف منهم أحد وأمرهم أن ~~ينقلوا إلى مدينة الملك الثانية خير ما فى تلك المدينة وأنفعه وأجله من ~~الجواهر واللآلى والذهب والفضة وما خف حمله من المتاع وعظم قدره وصلح ~~للملوك وأرسل اليهم الأدلاء وآلات النقل ونهج لهم الطريق ونصب لهم الاعلام ~~وتابع الرسل يستحثونهم بعضهم فى اثر ms221 بعض فانقسموا فرقا فالاقلون علموا قصر ~~مدة مقامهم فى تلك المدينة وتيقنوا أنهم ان لم يبادروا بتحصيل خير ما فيها ~~وحمله إلى مدينة الملك والا فانهم ذلك فلم يقدروا عليه فرأوا غبنا أن ~~يقطعوا تلك المدة فى جمع المفضول والاشتغال به عن الفاضل فسألوا عن خير ~~مافى المدينة وأنفسه وأحبه إلى الملك وأنفعه فى مدينته فلما عرفوه لم ~~يلتفوا إلى مادونه ورأوا أن أحدهم اذا وافى بجوهرة عظيمة كانت أحب إلى ~~الملك من أن يوافيه بأحمال كثيرة من الفلوس والحديد ونحوها فكان همهم فى ~~تحصيل ما هو أحب إلى الملك وأنفس عنده ولو قل فى رأى العين وأقبلت فرقة ~~أخرى على تعبئة الاحمال المحملة وتنافسوا فى كثرتها وهم على مراتب فمنهم من ~~أحماله أثمان ومنهم من أحماله دون ذلك على قدر هممهم وما يليق بهم لكن ~~هممهم مصروفة إلى تعبئة الاحمال والانتقال من المدينة وأقبلت فرقة أخرى على ~~عمارة القصور فى تلك المدينة والاشتغال بطيباتها ولذاتها ونزهها وحاربوا ~~العازمين على النقلة وقالوا لا ندعكم تأخذون من متاعنا شيئا فإن شاركتمونا ~~فى عمارة المدينة واستيطانها وعيشنا فيها والا لم PageV01P208 نمكنكم من ~~النقلة ولا من شيء من المتاع فوقعت الحرب بينهم فقاتلوا السائرين فعمدوا ~~إلى أكل أموالهم وأهليهم وما نقموا منهم الا بسيرهم إلى دار الملك واجابة ~~داعيه والرغبة عن تلك الدار متى أمرهم بتركها وأقبلت فرقة أخرى على التنزه ~~والبطالة والراحة والدعة وقالوا لا نتعب أنفسنا فى عمارتها ولا ننقل منها ~~ولا نعارض من أراد النقلة ولا نحاربهم ولا نعاونهم وكان للملك فيها قصر فيه ~~حريم له وقد أحاط عليه سورا وأقام عليه حرسا ومنع أهل المدينة من قربانه ~~وطاف به القاعدون فلم يجدوا فيه بابا يدخلون منه فغدوا على جدرانه فنقبوها ~~ووصلوا إلى حريمه فأفسدوهم ونالوا منهم ما أسخط الملك وأغضبه وشق عليه ولم ~~يقتصروا على ذلك حتى دعوا غيرهم إلى افساد حريمه والنيل منهم فبينما هم على ~~تلك الحال واذا بالنفير قد صاح فيهم كله فلم يمكن أحد منهم ms222 من التخلف ~~فحملوا على تلك الحال وأحضروا بين يدى الملك فاستعرضهم واحدا واحدا وعرضت ~~بضائعهم وما قدموا به من تلك المدينة عليه فقبل منها ما يصلح له وأعاض ~~أربابه أضعاف أضعاف قيمته وأنزلهم منازلهم من قربه ورد منها مالا يصلح له ~~وضرب به وجوه أصحابه وقابل من نقب حماه وأفسد حريمه بما يقابل به المفسدون ~~فسألوا الرجعة إلى المدينة ليعمروا قصره ويحفظوا حريمه ويقدموا عليه من ~~البضائع بمثل ما قدم به التجار فقال هيهات قد خربت المدينة خرابا لا تعمر ~~بعده أبدا وليس بعدها الا المدينة التى لا تخرب أبدا فصل # وقد مثلت الدنيا بمنام والعيش فيها بالحلم والموت باليقظة ومثلت بمزرعة ~~والعمل فيها بالبذر والحصاد يوم المعاد ومثلت بدار لها بابان باب يدخل منه ~~الناس وباب يخرجون منه ومثلت بحية ناعمة الملمس حسنة اللون وضربتها الموت ~~ومثلث بطعام مسموم لذيذ الطعم طيب الرائحة من تناول منه بقدر حاجته كان فيه ~~شفاؤه ومن زاد على حاجته كان فيه حتفه ومثلت بالطعام فى المعدة اذا أخذت ~~الاعضاء منه حاجتها فحبسه قاتل أو مؤذ ولا راحة لصاحبه الا فى خروجه كما ~~أشار اليه النبى صلى الله عليه وسلم فى آكلة الخضر وقد تقدم ومثلت بامرأة ~~من أقبح النساء قد انتقبت على PageV01P209 عينين فتنت بهما الناس وهى تدعو ~~الناس إلى منزلها فإذا أجابوها كشفت لهم عن منظرها وذبحتهم بسكاكينها ~~وألقتهم فى الحفر وقد سلطت على عشاقها تفعل بهم ذلك قديما وحديثا # والعجب أن عشاقها يرون إخوانهم صرعى قد حلت بهم الآفات وهم ينافسون فى ~~مصارعهم وسكنتم فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم ~~وضربنا لكم الأمثال ويكفى فى تمثيلها ما مئلها الله سبحانه فى كتابه فهو ~~المثل المنطبق عليها # قالوا وإذا كان هذا شأنها فالتقلل منها والزهد فيها خير من الاستكثار ~~منها والرغبة فيها قالوا ومن الملعوم أنه لا تجتمع الرغبة فيها مع الرغبة ~~فى الله والدار الآخرة أبدا ولا تسكن هاتان الرغبتان فى مكان واحد إلا ~~وطردت إحداهما الأخرى ms223 واستبدت بالمسكن ولا تجتمع بنت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدا قالوا ويكفى أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عرضت عليه مفاتيح كنوزها ولو أخذها لكان أشكر خلق الله بها ~~ولم تنقصه مما له عند الله شيئا فاختار جوع يوم وشبع يوم ومات ودرعه مرهونة ~~على طعام لأهله كما تقدم ذكره # قالوا وقد انقسم الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اربعة أقسام قسم ~~لم يريدو الدنيا ولم تردهم كالصديق ومن سلك سبيله وقسم أرادتهم الدنيا ولم ~~يريدوها كعمر بن الخطاب ومن سلك سبيله وقسم ارادوا الدنيا وأرادتهم كخلفاء ~~بنى أمية ومن سلك سبيلهم حاشا عمر بن عبد العزيز فإنها ارادته ولم يردها ~~وقسم أرادوها ولم تردهم كمن أفقر الله منها يده وأسكنها فى قلبه وامتحنه ~~بجمعها ولا يخفى أن خير الاقسام القسم الاول والثانى انما فضل لأنه لم ~~يردها فالتحق بالاول # قالوا وقد سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدله على عمل اذا ~~فعله أحبه الله وأحبه الناس فقال له ازهد فى الدنيا بحبك الله وازهد فيما ~~فى أيدى الناس يحبك الناس فلو كان الغنى أفضل لدله عليه قالوا وقد شرع الله ~~سبحانه قتال الكفار وشرع الكف عن الرهبان لاعتزالهم عن الدنيا وزهدهم فيها ~~فمضت السنة بأن لا يقاتلوا ولا يضرب عليهم جزية هذا وهم أعداؤه وأعداء رسله ~~ودينه فعلم أن الزهد PageV01P210 فيها عند الله بمكان قالوا وكذلك استقرت ~~حكمته في شرعه على أن عقوبة الواجد أعظم من عقوبة الفاقد فهذا الزانى ~~المحصن عقوبته الرجم وعقوبة من لم يحصن الجلد والتغريب وهكذا يكون ثواب ~~الفاقد أعظم من ثواب الواجد # قالوا وكيف يستوى عند الله سبحانه ذلة الفقر وكسرته وخضوعه وتجرع مرارته ~~وتحمل أعبائه ومشاقه وعزة الغنى ولذته وصولته والتمتع بلذاته ومباشرة ~~حلاوته فبعين الله ما يتحمل الفقراء من مرارة فقرهم وصبرهم ورضاهم به عن ~~الله ربهم تبارك وتعالى وأين أجر مشقة المجاهدين إلى أجر عبادة القاعدين فى ms224 ~~الامن والدعة والراحة # قالوا وكيف يستوى أمران أحدهما حفت به الجنة والثانى حفت به النار فإن ~~أصل الشهوات من قبل المال وأصل المكاره من قبل الفقر قالوا والفقير لا ينفك ~~في خصاصة من مضض الفقر والجوع والعرى والحاجه وآلام الفقر وكل واحد منها ~~يكفر ما يقاومه من السيئات وذلك زيادة على أجره بأعمال البر فقد شارك ~~الاغنياء بأعمال البر وامتاز عنهم بما يكفر سيئاته وما امتازوا به عليه من ~~الانفاق والصدقة والنفع المتعدي فله سبيل إلى لحاقهم فيه وله مثل أجورهم ~~وهو أن يعلم الله من نيته أنه لو أوتى مثل ما أوتوه لفعل كما يفعلون فيقول ~~لو أن لى مالا لعملت بأعمالهم فهو بنيته وأجرهما سواء كما أخبر به الصادق ~~المصدوق فى + الحديث الصحيح + الذى رواه الامام أحمد والترمذى من حديث أبى ~~كبشه الانمارى قالوا والفقير فى الدنيا بمنزلة المسجون اذ هو ممنوع عن ~~الوصول إلى شهواته وملاذها والغنى منخلص من هذا السجن وقد قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر فالغنى ان لم يسجن نفسه عن ~~دواعى الغنى وطغيانه وأرسلها فى ميادين شهواتها كانت الدنيا جنة له فانما ~~نال الفضل بتشبهه بالفقير الذى هو فى سجن فقره # قالوا وقد ذم الله ورسوله من عجلت له طيباته فى الحياة الدنيا وانه لحرى ~~أن يكون عوضا عن طيبات الآخرة أو منقصة لها ولا بد كما تقدم بيانه بخلاف من ~~استكمل طيباته فى الآخرة لما منع منها فى الدنيا وأتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بسويق لوز فأبى أن يشربه وقال هذا شراب المترفين PageV01P211 # قالوا وقد سئل الحسن البصرى فقيل له رجلان أحدهما تارك للدنيا والآخر ~~يكتسبها ويتصدق بها فقال التارك لها أحب إلى قالوا وقد سئل المسيح قبله عن ~~هذه المسألة عن رجلين مر أحدهما بلبنة ذهب فتخطاها ولم يلتفت اليها ومر بها ~~الآخر فأخذها وتصدق بها فقال الذى لم يلتفت اليها أفضل ويدل على هذا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بها ms225 ولم يلتفت اليها ولو أخذها لأنفقها فى ~~سبيل الله # قالوا والفقير الفقيه فى فقره يمكنه لحاق الغنى فى جميع ما ناله بغناه ~~بنيته وقوله فيساويه فى أجره ويتميز عنه بعدم الحساب بعدم المال فساواه ~~PageV01P212 بثوابه ويخلص من حسابه كما تميز عنه بسبقه إلى الجنة بخمسمائة ~~عام وتميز عنه بثواب صبره على ألم الفقر وخصاصته # قال الإمام أحمد حدثنا عبادة بن مسلم حدثنى يونس بن خباب عن أبى البحترى ~~الطائى عن أبى كبشة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ثلاث أقسم ~~عليهن واحدثكم حديثا فاحفظوه فأما الثلاث التى أقسم عليهن فإنه ما نقص مال ~~عبد من صدقة ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزوجل بها عزا ولا ~~يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله له باب فقر وأما الذى أحدثكم حديثا ~~فاحفظوه فإنه قال إنما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله مالا وعلما فهو ~~يتقى فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم فيه لله حقا فهذا بأفضل المنازل عند الله ~~وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو يقول لو كان لى مال عملت فيه بعمل ~~فلان قال فأجرهما سواء وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يتخبط فى ~~ماله بغير علم لا يتقى فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم الله فيه حقا ~~فهذا بأخبث المنازل عند الله وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول لو ~~كان لى مال لفعلت بفعل فلان قال فهو بنيته ووزرهما سواء فلما فضل الغنى ~~بفعله ألحق الفقير الصادق بنيته والغنى هناك انما نقص بتخلفه عن العمل ~~والفقير انما نقص بسوء نيته فلم ينفع الغنى غناه مع التخلف ولا ضر الفقير ~~فقره مع حسن النية ولا نفعه فقره مع سوء نيته # قالوا ففى هذا بيان كان شاف فى المسألة حاكم بين الفريقين وبالله التوفيق ~~PageV01P213 # | الباب الرابع والعشرون فى ذكر ما احتجت به الأغنياء من الكتاب والسنة # والآثار والاعتبار # قالت الأغنياء لقد أجلبتم علينا أيها الفقراء بخيل ms226 الأدلة ورجلها ونحن ~~نعلم أن عندكم مثلها وأكثر من مثلها ولكن توسطتم بين التطويل والاختصار ~~وظننتم أنها حكمت لكم بالفضل دون ذوى اليسار ونحن نحاكمكم إلى ما حاكمتمونا ~~اليه ونعرض بضاعتنا على من عرضتم بضاعتكم عليه ونضع أدلتنا وأدلتكم فى ~~ميزان الشرع والعقل الذى لا يعزل فحيئذ يتبين لنا ولكم الفاضل من المفضول ~~ولكن اخرجوا من بيننا من تشبه بالفقراء الصادقين الصابرين ولبس لباسهم على ~~قلب أحرص الناس على الدنيا وأشحهم عليها وأبعدهم من الفقر والصبر من كل ~~مظهر للفقر مبطن للحرص غافل عن ربه متبع لهواه مفرط فى أمر معاده قد جعل زى ~~الفقر صناعة وتحلى بما هو أبعد الناس منه بضاعة أو فقير حاجة فقره اضطرارا ~~لا اختيارا فزهده زهد افلاس لا زهد رغبة فى الله والدار الآخرة أو فقير ~~يشكو ربه بلسان قاله وحاله غير راض عن ربه فى فقره بل ان أعطى رضى وان منع ~~سخط شديد اللهف على الدنيا والحسرة عليها وهو أفقر الناس فيها فهو أرغب شئ ~~فيها وهى أزهد شيء فيه وأخرجوا من بيننا ذى الثروة الجموع المنوع المتكاثر ~~بماله المستأثر به الذى عض عليه بناجذه وثنى عليه خناصره يفرح بزيادته ~~ويأسى على نقصانه فقلبه به مشغوف وهو على تحصيله ملهوف ان عرض سوق الانفاق ~~والبذل أعطى قليلا وأكدى وان دعى إلى الايثار أمعن فى الهرب جدا وأخلصونا ~~واخواننا من سباق الطائفتين وسادات الفريقين الذين تسابقوا إلى الله والدار ~~الآخرة بإيمانهم وأحوالهم ونافسوا فى القرب منه بأعمالهم وأموالهم فقلوبهم ~~عاكفة عليه وهمتهم إلى المسابقة اليه ينظر غنيهم إلى فقيرهم فإذا رآه قد ~~سبقه إلى عمل صالح شمر إلى اللحاق به وينظر فقيرهم إلى غنيهم فإذا رآه قد ~~فاته بإنفاق فى طاعة الله أنفق هو من أعماله وأقواله وصبره وزهده نظير ذلك ~~أو أكثر منه فهؤلاء اخواننا الذين تكلم PageV01P214 الناس فى التفضيل بينهم ~~وأيهم أعلى درجة وأما أولئك فإنما ينظر أيهم تحت الآخر فى العذاب وأسفل منه ~~والله المستعان # اذا عرف هذا فقد مدح ms227 الله سبحانه فى كتابه أعمالا وأثنى على أصحابها ولا ~~تحصل الا بالغنى كالزكاة والانفاق فى وجوه البر والجهاد فى سبيل الله ~~بالمال وتجهيز الغزاة واعانة المحاويج وفك الرقاب والاطعام فى زمن المسغبة ~~وأين يقع صبر الفقير من فرحة الملهوف المضطر المشرف على الهلاك اذا أعانه ~~الغنى ونصره على فقره ومخمصته وأين يقع صبره من نفع الغنى بماله فى نصرة ~~دين الله واعلاء كلمته وكسر أعدائه وأين يقع صبر أبى ذر على فقره إلى شكر ~~الصديق به وشرائه المعذبين فى الله وإعتاقهم وإنفاقه على نصرة الاسلام حين ~~قال النبى صلى الله عليه وسلم ما نفعنى مال أحد ما نفعنى مال أبى بكر وأين ~~يقع صبر أهل الصفة من إنفاق عثمان بن عفان تلك النفقات العظيمة التى قال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بعضها ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ثم ~~قال غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما أخفيت وما أبديت أو كما ~~قال # واذا تأملتم القرآن وجدتم الثناء فيه على المنفقين أضعاف الثناء على ~~الفقراء الصابرين وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن اليد العليا ~~خير من اليد السفلى وفسر اليد العليا بالمعطية والسفلى بالمسائلة وقد عدد ~~الله سبحانه على رسوله صلى الله عليه وسلم من نعمه أن أغناه بعد فقره وكان ~~غناه هو الحالة التى نقله اليها وفقره الحالة التى نقله منها وهو سبحانه ~~كان ينقله من الشئ إلى ما هو خير منه وقد قيل فى قوله تعالى @QB@ وللآخرة ~~خير لك من الأولى @QE@ ان المراد به الحالتان أى كل حالة خير لك مما قبلها ~~ولهذا أعقبه بقوله @QB@ ولسوف يعطيك ربك فترضى @QE@ فهذا يدخل فيه عطاؤه فى ~~الدنيا والأخرة # قالوا والغنى مع الشكر زيادة فضل ورحمة والله يخص برحمته من يشاء والله ~~ذو الفضل العظيم قالوا والاغنياء الشاكرون سبب لطاعة الفقراء الصابرين ~~لتقويتهم اياهم بالصدقة عليهم والاحسان عليهم واعانتهم على طاعتهم فلهم ~~نصيب وافر من أجور الفقراء زيادة إلى نصيبهم من ms228 أجر الانفاق وطاعاتهم التى ~~تخصهم كما فى صحيح PageV01P215 ابن خزيمة من رواية سلمان الفارسى رضى الله ~~عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم وذكر شهر رمضان فقال من فطر فيه صائما كان ~~مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره ~~شئ فقد جاز الغنى الشاكر أجر صيامه ومثل أجر الفقير الذى فطره قالوا ولو لم ~~يكن للغنى الشاكر الا فضل الصدقة التى لما تفاخرت الاعمال كان الفخر لها ~~عليهن كما ذكر النظر بن شميل عن قرة عن سعيد بن المسيب أنه حدث عن عمر بن ~~الخطاب قال ذكر أن الاعمال الصالحة تتباهى فتقول الصدقة أنا أفضلكم قالوا ~~والصدقة وقاية بين العبد وبين النار والمخلص المسر بها مستظل بها يوم ~~القيامة فى ظل العرش # وقد روى عمرو بن الحارث ويزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير عن عقبة بن عامر ~~رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان الصدقه لتطفى على ~~أهلها حر القبور وانما يستظل المؤمن يوم القيامه فى ظل صدقته # وقال يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير عن عقبة يرفعه كل امرئ فى ظل صدقته ~~حتى يقضى بين الناس قال يزيد وكان أبو الخير لا يأتى عليه يوم الا تصدق فيه ~~ولو بكعكة أو بصلة وفى حديث معاذ عن النبى صلى الله عليه وسلم والصدقة تطفئ ~~الخطيئة كما يطفئ الماء النار # وروى البيهقى من حديث ابى يوسف القاضى عن المختار بن فلفل عن أنس يرفعه ~~باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يخطى الصدقه وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم قال اذا تصدق العبد من كسب طيب ولا يقبل الله ~~الا طيبا أخذها الله بيمينه فيربيها لأحدهم كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله ~~حتى تكون مثل الجبل العظيم وفى لفظ البيهقى فى هذا الحديث حتى ان التمرة أو ~~اللقمة لتكون أعظم من أحد وقال محمد بن المنكدر من موجبات المغفرة اطعام ~~المسلم ms229 السغبان وقد روى مرفوعا من غير وجه # واذا كان الله سبحانه قد غفر لمن سقى كلبا على شدة ظمأه فكيف بمن سقى ~~العطاش وأشبع الجياع وكسى العراة من المسلمين وقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم اتقوا النار ولو بشق تمرة قال فان لم تجدوا فبكلمة طيبة فجعل ~~الكلم الطيب عوضا عن PageV01P216 الصدقة لمن لا يقدر عليها قالوا واين لذة ~~الصدقة والاحسان وتفريحهما القلب وتقويتهما إياه وما يلقى الله سبحانه ~~للمتصدقين من المحبة والتعظيم فى قلوب عباده والدعاء لهم والثناء عليهم ~~وادخال المسرات عليهم من أجر الصبر على الفقر نعم ان له لأجرا عظيما لكن ~~الاجر درجات عند الله # قالوا وأيضا فالصدقه والاحسان والاعطاء وصف الرب تعالى وأحب عباده اليه ~~من اتصف بذلك كما قال النبى صلى الله عليه وسلم الخلق عيال الله فأحب الخلق ~~اليه انفعهم لعياله قالوا وقد ذكر الله سبحانه اصناف السعداء فبدأ ~~بالمتصدقين أولهم فقال تعالى @QB@ إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا ~~حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ~~والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم @QE@ فهؤلاء أصناف السعداء ومقدموهم ~~المصدقين والمصدقات # قالوا وفى الصدقة فوائد ومنافع لا يحصيها الا الله فمنها انها تقى مصارع ~~السوء وتدفع البلاء حتى انها لتدفع عن الظالم قال إبراهيم النخعى وكانوا ~~يرون أن الصدقة تدفع عن الرجل المظلوم وتطفئ الخطيئة وتحفظ المال وتجلب ~~الرزق وتفرح القلب وتوجب الثقة بالله وحسن الظن به كما أن البخل سوء الظن ~~بالله وترغم الشيطان يعنى الصدقة وتزكى النفس وتنميها وتحبب العبد إلى الله ~~والى خلقه وتستر عليه كل عيب كما أن البخل يغطى عليه كل حسنة وتزيد فى ~~العمر وتستجلب أدعية الناس ومحبتهم وتدفع عن صاحبها عذاب القبر وتكون عليه ~~ظلا يوم القيامة وتشفع له عند الله وتهون عليه شدائد الدنيا والآخرة وتدعوه ~~إلى سائر أعمال البر فلا تستعصى عليه وفوائدها ومنافعها أضعاف ذلك # قالوا ولو لم يكن فى النفع والاحسان الا أنه صفة الله وهو سبحانه يحب ms230 من ~~اتصف بموجب صفاته وآثارها فيحب العليم والجواد والحيي والستير والمؤمن ~~القوى أحب اليه من المؤمن الضعيف ويحب العدل والعفو والرحيم والشكور والبر ~~والكريم فصفته الغنى والجود ويحب الغنى الجواد قالوا ويكفى فى فضل النفع ~~المتعدى بالمال أن الجزاء عليه من جنس العمل فمن كسى مؤمنا كساه الله من ~~حلل الجنة ومن أشبع جائعا أشبعه الله من ثمار الجنة ومن سقى ظمآنا سقاه ~~الله من شراب الجنة ومن أعتق PageV01P217 رقبة أعتق الله بكل عضو منه عضوا ~~من النار حتى فرجه بفرجه ومن يسر على معسر يسر الله عليه فى الدنيا والآخرة ~~ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ~~والله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه قالوا ونحن لا ننكر فضيلة ~~الصبر على الفقر ولكن أين تقع من هذه الفضائل وقد جعل الله لكل شئ قدرا # قالوا وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم ~~الصابر ومعلوم أنه اذا تعدى شكره إلى الإحسان إلى الغير ازداد أخرى فان ~~الشكر يتضاعف إلى ما لا نهاية له بخلاف الصبر فان له حدا يقف عليه # وهذا دليل مستقل فى المسألة يوضحه أن الشاكر أفضل من الراضى الذى هو أعلى ~~من الصابر فاذا كان الشاكر أفضل من الراضى الذى هو أفضل من الصابر كان أفضل ~~من الصابر فى درجتين # قالوا وفى الصحيحين من حديث الزهرى عن سالم عن أبيه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا حسد الا فى اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به ~~آناء الليل والنهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل والنهار فجعل ~~الغنى مع الانفاق بمنزلة القرآن مع القيام به قالوا وقد صرح فى حديث أبى ~~كبشه الأنمارى أن صاحب المال إذا عمل فى ماله بعلمه واتقى فيه ربه ووصل به ~~رحمه وأخرج منه حق الله فهو فى أعلى المنازل عند الله وهذا تصريح فى تفضيله ~~وجعل الفقير الصادق ms231 اذا نوى أن يعمل بعمله وقال ذلك بلسانه ثانيا وانه ~~بنيته وقوله وأجرهما سواء فإن كلا منهما نوى خيرا وعمل ما يقدر عليه فالغنى ~~نواه ونفذه بعلمه والفقير العالم نواه ونفذه بلسانه فاستويا فى الاجر من ~~هذه الجهة ولا يلزم من استوائهما فى أصل الاجر استواؤهما فى كيفيته ~~وتفاصيله فإن الأجر على العمل والنيه له مزية على الاجر على مجرد النيه ~~التى قارنها القول ومن نوى الحج ولم يكن له مال يحج به وان أثيب على ذلك ~~فإن ثواب من باشر أعمال الحج مع النيه له مزية عليه # واذا اردت فهم هذا فتأمل قول النبى صلى الله عليه وسلم من سأل الله ~~الشهادة صادقا من قلبه بلغه الله منازل الشهداء وان مات على فراشه ولا ريب ~~أن ما حصل للمقتول فى سبيل PageV01P218 الله من ثواب الشهادة تزيد كيفيته ~~وصفاته على ما حصل لناوى ذلك اذا مات على فراشه وان بلغ منزلة الشهيد فها ~~هنا أجران أجر وقرب فان استويا فى اصل الاجر لكن الاعمال التى قام بها ~~العامل تقتضى أثرا زائدا وقربا خاصا وهو فضل الله يؤتيه من يشاء وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم اذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار ~~قالوا هذا القاتل فما بال المقتول قال انه أراد قتل صاحبه فاستويا فى دخول ~~النار ولا يلزم استواؤهما فى الدرجة ومقدار العذاب فاعط الفاظ رسول الله ~~حقها ونزلها منازلها يتبين لك المراد # يوضح هذا أن فقراء المهاجرين شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقالوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالاجور يصلون كما نصلى ويصومون كما ~~نصوم ولهم فضول أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون قال أفلا ~~أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحدا أفضل ~~منكم الا من صنع مثل ما صنعتم قالوا بلى يا رسول الله قال تسبحون وتحمدون ~~وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا سمع اخواننا ms232 أهل الاموال بما فعلنا ففعلوا مثله فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فلو كانوا يلحقون ~~بهم فى مقدار الاجر بمجرد النية لقال لهم أنووا أن تفعلوا مثل فعلهم ~~فتنالوا مثل أجرهم فلما أعاضهم عما فاتهم من ثواب الصدقه والعتق والحج ~~والاعتمار بما يحصل نظيره بالذكر علم أن الاغنياء قد فضلوهم بالانفاق فلما ~~شاركوهم فى الذكر بقيت مزية الانفاق فشكوا إلى رسول الله أن الامتياز لم ~~يزل وانهم قد ساوونا فى الذكر كما ساوونا فى الصوم والصلاة فأخبرهم أن ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء فلو كان لهم سبيل إلى مساواتهم من كل وجه بالنيه ~~والقول لدلهم عليها # قالت الفقراء هذا الحديث حجة لنا اذا فهم على الحقيقه وذلك أن معناه انهم ~~وان كانوا قد ساووكم فى الايمان والاسلام والصلاة والصيام ثم فضلوكم فى ~~الانفاق ففى التكبير والتسبيح والتهليل ما يلحقكم بدرجتهم وقد ساويتموهم ~~أيضا بحسن النية إذ لو أمكنكم لأنفقتم مثلهم وفى بعض ألفاظ هذا الحديث ان ~~أخذتم به سبقتم من قبلكم ولم يلحقكم من بعدكم وهذا يدل على أن الاغنياء لا ~~يلحقونهم PageV01P219 وان قالوا مثل قولهم وقوله صلى الله عليه وسلم ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء معناه ان فضل الله ليس مقصورا عليكم دونهم فكما ~~آتاكم الله من فضله بالذكر كذلك يؤتيهم اياه اذا عملوا مثلكم أيضا فأنتم ~~فهمتم من الفضل التخصيص فوضعتموه فى غير موضعه وانما معناه العموم والشمول ~~وان فضله عام شامل للأغنياء والفقراء فلا تذهبون به دونهم فأين فى هذا ~~الحديث التفضيل لكم علينا # قالوا ويحتمل قوله ذلك فضل الله ثلاثة أمور أحدها سبقهم لكم بالانفاق ~~والثانى مساواتكم لهم فى فضيلة الذكر فلم تختصوا به دونهم والثالث سبقكم ~~لهم إلى الجنة بنصف يوم وهذا وان كان لا ذكر له فى هذه الروايه فهو مذكور ~~فى بعض طرقه قال البزار فى مسنده حدثنا الوليد بن عمر حدثنا محمد ابن ~~الزبرقان حدثنا موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار ms233 عن ابن عمر قال اشتكى ~~فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فضل به أغنياؤهم ~~فقالوا يا رسول الله اخواننا صدقوا تصديقنا وآمنوا ايماننا وصاموا صيامنا ~~ولهم أموال يتصدقون منها ويصلون منها الرحم وينفقونها فى سبيل الله ونحن ~~مساكين لا نقدر على ذلك فقال ألا اخبركم بشئ اذا أنتم فعلتموه أدركتم مثل ~~فضلهم قولوا الله اكبر فى كل صلاة احدى عشرة مرة والحمد لله مثل ذلك ولا ~~اله الا الله مثل ذلك وسبحان الله مثل ذلك تدركون مثل فضلهم ففعلوا فذكروا ~~ذلك للأغنياء ففعلوا مثل ما ذلك فرجع الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فذكروا ذلك له فقالوا هؤلاء اخواننا فعلموا مثل نقول فقال ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء يا معشر الفقراء ألا أبشركم ان فقراء المسلمين يدخلون ~~الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام وتلا موسى ابن عبيدة @QB@ وإن ~~يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون @QE@ # قالوا فهذا خبر واحد وكلام متصل ذكره بشارة لهم عندما ذكروا مساواة ~~الاغنياء لهم فى القول المذكور فأشبه أن يرجع الفضل إلى سبق الفقراء ~~للأغنياء وأنهم بهذه البشارة مخصصون فكان السبق لهم دون غيرهم وان ساووهم ~~فى القول وساووهم فى الانفاق بالنيه كما فى حديث أبى كبشة المتقدم وحصلت ~~لهم مزية الفقر # قالت الاغنياء لقد بالغتم فى صرف الحديث عن مقصوده إلى جهتكم وهو صريح ~~PageV01P220 فى تفضيل هذا الحديث لمن انصف فإن قوله @QB@ ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء @QE@ خرج جوابا للفقراء عن قولهم إن أهل الدثور قد ساووهم فى ~~الذكر كما ساووهم فى الصلاة والصوم والايمان وبقيت مزية الانفاق ولم يحصل ~~لهم ما يلحقهم فيها وما علمتنا من الذكر قد لحقونا فيه فقال لهم حينئذ @QB@ ~~ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء @QE@ وهذا صريح جدا فى مقصوده فلما انكسر القوم ~~بتحقق السبق بالانفاق الذى عجزوا عنه أخبرهم بالبشارة بالسبق إلى دخول ~~الجنة بنصف يوم وأن هذا السبق فى مقابلة ما فاتكم من فضيلة الغنى والانفاق ~~ولكن ms234 لا يلزم من ذلك رفعتهم عليهم فى المنزلة والدرجة فهؤلاء السبعون ألف ~~الذين يدخلون الجنة بغير حساب من الموقوفين للحساب من هو أفضل من أكثرهم ~~وأعلى منه درجة # قالوا وقد سمى سبحانه المال خيرا فى غير موضع من كتابه كقوله تعالى @QB@ ~~كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية @QE@ وقوله انه لحب ~~الخير لشديد وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخير لا يأتى الا ~~بالخير كما تقدم وانما يأتى بالشر معصية الله فى الخير لا نفسه # وأعلم الله سبحانه أنه جعل المال قواما للأنفس وأمر بحفظها ونهى أن يأتى ~~السفهاء من النساء والأولاد وغيرهم ومدحه النبى صلى الله عليه وسلم بقوله ~~نعم المال الصالح مع المرء الصالح وقال سعيد بن المسيب لا خير فيمن لا يريد ~~جمع المال من حله يكف به وجهه عن الناس ويصل به رحمه ويعطى حقه # وقال أبو اسحاق السبيعى كانوا يرون السعة عونا على الدين وقال محمد ابن ~~المنكدر نعم العون على التقى الغنى وقال سفيان الثورى المال فى زماننا هذا ~~سلاح المؤمن وقال يوسف بن سباط ما كان المال فى زمان منذ خلقت الدنيا أنفع ~~منه فى هذا الزمان والخير كالخيل لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر # قالوا وقد جعل الله سبحانه المال سببا لحفظ البدن وحفظه سبب لحفظ النفس ~~التى هى محل معرفة الله والايمان به وتصديق رسله ومحبته والانابة اليه فهو ~~سبب عمارة الدنيا والآخرة وانما يذم منه ما استخرج من غير وجهه وصرف فى غير ~~حقه واستعبد صاحبه وملك قلبه وشغله عن الله والدار الآخرة فيذم منه ما ~~يتوسل PageV01P221 به صاحبه إلى المقاصد الفاسدة أو شغله عن المقاصد ~~المحمودة فالذم للجاعل لا للمجعول قال النبى صلى الله عليه وسلم تعس عبد ~~الدينار تعس عبد الدرهم فذم عبدهما دونهما قال الامام أحمد حدثنا أبو ~~المغيرة حدثنا صفوان عن يزيد بن ميسرة قال كان رجل ممن مضى جمع مالا فأوعى ~~ثم أقبل على نفسه وهو فى أهله فقال ms235 أنعم سنين فأتاه ملك الموت فقرع الباب ~~فى صورة مسكين فخرجوا اليه فقال ادعو لى صاحب الدار فقالوا يخرج سيدنا إلى ~~مثلك ثم مكث قليلا ثم عاد فقرع الدار وصنع مثل ذلك وقال أخبروه أنى ملك ~~الموت فلما سمع سيدهم قعد فزعا وقال لينوا له الكلام قالوا ما تريد غير ~~سيدنا بارك الله فيك قال لا فدخل عليه فقال قم فأوص ما كنت موصيا فإنى قابض ~~نفسك قبل أن أخرج قال فصرخ أهله وبكوا ثم قال افتحو الصناديق وافتحوا أوعية ~~المال ففتحوها جميعا فأقبل على المال يلعنه ويسبه يقول لعنت من مال أنت ~~الذى أنسيتنى ربى وشغلتنى عن العمل لآخرتى حتى بلغنى أجلى فتكلم المال فقال ~~لا تسبنى ألم تكن وضيعا فى أعين الناس فرفعتك ألم ير عليك من أثرى وكنت ~~تحضر سدد الملوك والسادة فتدخل ويحضر عباد الله الصالحون فلا يدخلون ألم ~~تكن تخطب بنات الملوك والسادة فتنكح ويخطب عباد الله الصالحون فلا ينكحون ~~ألم تكن تنفقنى فى سبيل الخبث فلا أتعاصى ولو أنفقتنى فى سبيل الله لم ~~أتعاص عليك وأنت ألوم منى إنما خلقت أنا وأنتم يا بنى آدم من تراب فمنطلق ~~ببر ومنطلق بإثم فهكذا يقول المال فاحذروا وفى أثر يقول الله تبارك وتعالى ~~أموالنا رجعت الينا سعد بها من سعد وشقى بها من شقى # قالوا ومن فوائد المال أنه قوام العبادات والطاعات وبه قام سوق بر الحج ~~والجهاد وبه حصل الانفاق الواجب والمستحب وبه حصلت قربات العتق والوقف ~~وبناء المساجد والقناطر وغيرها وبه يتوصل إلى النكاح الذى هو أفضل من ~~التخلى لنوافل العبادة وعليه قام سوق المروءة وبه ظهرت صفة الجود والسخاء ~~وبه وقيت الاعراض وبه اكتسبت الاخوان والاصدقاء وبه توصل الابرار إلى ~~الدرجات العلى ومرافقة الذين أنعم الله عليهم فهو مرقاة يصعد بها إلى أعلى ~~غرف PageV01P222 الجنة ويهبط منها إلى أسفل سافلين وهو مقيم مجد الماجد كان ~~بعض السلف يقول لا مجد إلا بفعال ولا فعال إلا بمال وكان بعضهم يقول اللهم ~~إنى من عبادك ms236 الذين لا يصلحهم إلا الغنى وهو من أسباب رضا الله عن العبد ~~كما كان من أسباب سخطه عليه # وهؤلاء الثلاثة الذين ابتلاهم الله به الابرص والاقرع والاعمى قال به ~~الاعمى رضا ربه ونالا به سخطه والجهاد ذروة سنام العمل وتارة يكون بالنفس ~~وتارة يكون بالمال وربما كان الجهاد بالمال أنكى وأنفع وبأى شئ فضل عثمان ~~على على وعلى أكثر جهادا بنفسه واسبق إسلاما من عثمان # وهذا الزبير وعبد الرحمن بن عوف أفضل من جمهور الصحابة مع الغنى الوافر ~~وتأثيرهما فى الدين أعظم من تأثير أهل الصفة وقد نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن إضاعته وأخبر أن ترك الرجل ورثته أغنياء خير له من تركهم ~~فقراء وأخبر أن صاحب المال لن ينفق نفقة يبتغى بها وجه الله إلا ازداد بها ~~درجة ورفعة وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفقر وقرنه بالكفر ~~فقال اللهم إنى أعوذ بك من الكفر والفقر فإن الخير نوعان خير الآخرة والكفر ~~مضاده وخير الدنيا والفقر مضاده فالفقر سبب عذاب الدنيا والكفر سبب عذاب ~~الآخرة والله سبحانه وتعالى جعل إعطاء الزكاة وظيفة الأغنياء وأخذها وظيفة ~~الفقراء وفرق بين اليدين شرعا وقدرا وجعل يد المعطى أعلى من الآخذ وجعل ~~الزكاة أوساخ المال ولذلك حرمها على أطيب خلقه وعلى آله صيانة لهم وتشريفا ~~ورفعا لأقدارهم # ونحن لا ننكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فقيرا ثم أغناه الله ~~والله فتح عليه وخوله ووسع عليه وكان يدخر لأهله قوت سنة ويعطى العطايا ~~التى لم يعطها أحد غيره وكان يعطى عطاء من لا يخاف الفقر ومات عن فدك ~~والنضير وأموال خصه الله بها وقال تعالى @QB@ ما أفاء الله على رسوله من ~~أهل القرى فلله وللرسول @QE@ فنزهه ربه سبحانه عن الفقر الذى يسوغ الصدقة ~~وعوضه عما نزهه عنه بأشرف المال وأحله وأفضله وهو ما أخذه بظل رمحه وقائم ~~سيفه من أعداء الله الذين كان مال الله بأيديهم ظلما وعدوانا فإنه خلق ~~المال ليستعان به على طاعته ms237 وهو بأيدى الكفار والفجار PageV01P223 ظلما ~~وعدوانا فإذا رجع إلى أوليائه وأهل طاعته فاءاليهم ما خلق لهم ولكن لم يكن ~~غنى رسول الله صلى الله عليه وسلم وملكه من جنس غنى بنى الدنيا وأملاكهم ~~فإن غناهم بالشيء وغناه صلى الله عليه وسلم عن الشئ وهو الغنى العالى ~~وملكهم ملك يتصرفون فيه بحسب إرادتهم وهو صلى الله عليه وسلم انما يتصرف فى ~~ملكه تصرف العبد الذى لا يتصرف الا بأمر سيده # وقد اختلف الفقهاء فى الفئ هل كان ملكا للنبى صلى الله عليه وسلم على ~~قولين هما روايتان عن أحمد والتحقيق أن ملكه له كان نوعا آخر من الملك وهو ~~ملك يتصرف فيه بالأمر كما قال صلى الله عليه وسلم والله لا أعطى أحدا ولا ~~أمنع أحدا انما أنا قاسم اضع حيث امرت ذلك من كمال مرتبة عبوديته ولأجل ذلك ~~لم يورث فإنه عبد محض من كل وجه لربه عز وجل والعبد لا مال له فيورث عنه ~~فجمع الله له سبحانه بين أعلى أنواع الغنى وأشرف أنواع الفقر فكمل له مراتب ~~الكمال فليست احدى الطائفتين بأحق به من الأخرى فكان صلى الله عليه وسلم فى ~~فقره أصبر خلق الله وأشكرهم وكذلك فى غناه والله تعالى جعله قدوة للأغنياء ~~والفقراء وأى غنى أعظم من غنى من عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض وعرض عليه أن ~~يجعل له الصفا ذهبا وخير بين أن يكون ملكا نبيا وبين أن يكون عبدا نبيا ~~فاختار أن يكون عبدا نبيا ومع هذا فجيبت اليه أموال جزيرة العرب واليمن ~~فأنفقها كلها ولم يستأثر منها بشئ بل تحمل عيال المسلمين ودينهم فقال من ~~ترك مالا فلورثته ومن ترك كلا فإلى وعلى فرفع الله سبحانه قدره أن يكون من ~~جملة الفقراء الذين تحل لهم الصدقه كما نزهه أن يكون من جملة الاغنياء ~~الذين أغناهم بالاموال الموروثة بل أغناه به عن سواه وأغنى قلبه كل الغنى ~~ووسع عليه غاية السعة فأنفق غاية الانفاق وأعطى أجل العطايا ولا استأثر ~~بالمال ولا اتخذ منه عقارا ms238 ولا ارضا ولا ترك شاة ولا بعيرا ولا عبدا ولا ~~أمة ولا دينارا ولا درهما # فإذا احتج الغنى الشاكر بحاله صلى الله عليه وسلم لم يمكنه ذلك الا بعد ~~أن يفعل فعله كما أن الفقير الصابر اذا احتج بحاله صلى الله عليه وسلم لم ~~يمكنه ذلك الا بعد أن يصبر صبره ويترك الدنيا اختيارا لا اضطرارا فرسول ~~الله وفى كل مرتبة من مرتبتى الفقر والغنى PageV01P224 حقها وعبوديتها ~~وأيضا فإن الله سبحانه أغنى به الفقراء فما نالت أمته الغنى إلا به وأغنى ~~الناس من صار غيره به غنيا # قال على بن أبى رباح اللخمى كنت عند مسلمة بن مخلد الأنصارى وهو يومئذ ~~على مصر وعبد الله بن عمرو بن العاص جالس معه فتمثل مسلمة ببيت من شعر أبى ~~طالب فقال لو أن أبا طالب رأى ما نحن فيه اليوم من نعمة الله وكرامته لعلم ~~أن ابن أخيه سيد قد جاء بخير فقال عبد الله بن عمرو ويومئذ كان سيدا كريما ~~قد جاء بخير فقال مسلمة ألم يقل الله تعالى @QB@ ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ~~ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى @QE@ فقال عبد الله بن عمرو أما اليتيم فقد ~~كان يتيما من أبويه وأما لعيلة فكل ما كان بأيدى العرب إلى القله يقول إن ~~العرب كانت كلها مقلة حتى فتح الله عليه وعلى العرب الذين اسلموا ودخلوا فى ~~دين الله أفواجا ثم توفاه الله قبل أن يتلبس منها بشئ ومضى وتركها وحذر ~~منها ومن فتنتها قال وذلك معنى قوله @QB@ ولسوف يعطيك ربك فترضى @QE@ فلم ~~تكن الدنيا لترضيه وهو لا يرضاها كلها لأمته وهو يحذر منها وتعرض عليه ~~فيأباها وانما هو ما يعطيه من الثواب وما يفتح عليه وعلى أمته من ملك كسرى ~~وقيصر ودخول الناس فى الاسلام وظهور الدين إذا كان ذلك محبته ورضاه صلوات ~~الله وسلامه عليه # وروى سفيان الثورى عن الاوزاعى عن اسماعيل بن عبد الله بن عباس عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم قال رأيت ما هو مفتوح بعدى كفرا ms239 كفرا فسرنى ذلك فنزلت ~~والضحى والليل إلى قوله ولسوف يعطيك ربك فترضى قال اعطى ألف قصر من لؤلؤ ~~ترابها المسك فى كل قصر ما ينبغى له # قالوا وما ذكرتم من الزهد فى الدنيا والتقلل منها فالزهد لا ينافى الغنى ~~بل زهد الغنى أكمل من زهد الفقير فإن الغنى زهد عن قدرة والفقير عن عجز ~~وبينهما بعد بعيد وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حال غناه أزهد ~~الخلق وكذلك إبراهيم الخليل كان كثير المال وهو أزهد الناس فى الدنيا # وقد روى الترمذى فى جامعه من حديث ابى ذر عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قال الزهادة فى الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعته ولكن الزهادة فى ~~الدنيا أن لا تكون بما PageV01P225 فى يديك أوثق بما فى يد الله وأن تكون ~~فى ثواب المصيبة إذا أنت اصبت بها أرغب فى ثوابها لو أنها بقيت لك # وسئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه ألف دينار وهل يكون زاهدا قال نعم ~~بشرط أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت وقال بعض السلف الزاهد من لا ~~يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره وهذا من أحسن الحدود حقيقة مركبة من ~~الصبر والشكر فلا يستحق اسم الزاهد من لا يتصف بهما فمن غلب شكره لما وسع ~~عليه من الحلال وصبره لما عرض له من الحرام فهو الزاهد على الحقيقة بخلاف ~~من غلب عليه الحلال شكره والحرام صبره فكان شكره وصبره مغلوبين فإن هذا ليس ~~بزاهد # وسمعت شيخ الاسلام يقول الزهد تركك مالا ينفعك والورع تركك ما يضرك ~~فالزهد فراغ القلب من الدنيا لافراغ اليدين منها ويقابله الشح والحرص وهو ~~ثلاثة أقسام زهد فى الحرام وزهد فى الشبهات والمكروهات وزهد فى الفضلات ~~فالاول فرض والثانى فضل والثالث متوسط بينهما بحسب درجة الشبهة وان قويت ~~التحق بالاول والا فبالثالث وقد يكون الثالث واجبا بمعنى انه لا بد منه ~~وذلك لمن شمر إلى الله والدار الآخرة فزهد الفضلة يكون ضرورة فإن إرادة ~~الدنيا قادحة فى ms240 إرادة الآخرة ولا يصح للعبد مقام الارادة حتى يفرد طلبه ~~وارادته ومطلوبه فلا ينقسم المطلوب ولا الطلب # أما توحيد المطلوب أن لا يتعلق طلبه وارادته بغير الله وما يقرب اليه ~~ويدنى منه وأما توحيده فى الطلب أن يستأصل الطلب والارادة نوازع الشهوات ~~وجواذب الهوى وتسكن الارادة فى أقطار النفس فتملأها فلا يدع فيها فضلا لغير ~~الانجذاب إلى جانب الحق جل جلاله فتتمحض الارادة له ومتى تمحضت كان الزهد ~~لصاحبها ضرورة فإنه يفرغه لعمارة وقته وجمع قلبه على ماهو بصدده وقطع مواد ~~طمعه اللاتى هى من أفسد شئ للقلب بل اصل المعاصى والفساد والفجور كله من ~~الطمع فالزهد يقطع مواده ويفرغ البال ويملأ القلب ويستحث الجوارح ويذهب ~~الوحشة التى بين العبد وبين ربه ويجلب الانس به ويقوى الرغبة فى ثوابه إن ~~ضعف عن الرغبة فى قربه والدنو منه وذوق حلاوة معرفته ومحبته فالزاهد أروح ~~PageV01P226 الناس بدنا وقلبا فإن كان زهده وفراغه من الدنيا قوة له فى ~~إرادة الله والدار الآخرة بحيث فرغ قلبه لله وجعل حرصه على التقرب إليه ~~وشحه على وقته أن يضيع منه شئ فى غير ما هو أرضى الله وأحب اليه كان من ~~أنعم الناس عيشا واقرهم عينا وأطيبهم نفسا وأفرحهم قلبا فإن الرغبة فى ~~الدنيا تشتت القلب وتبدد الشمل وتطيل الهم والغم والحزن فهى عذاب حاضر يؤدى ~~إلى عذاب منتظر أشد منه وتفوت على العبد من النعم اضعاف ما يروم تحصيله ~~بالرغبه فى الدنيا # قال الامام أحمد حدثنا الهيثم بن جميل حدثنا يعنى بن مسلم عن إبراهيم ~~يعنى بن ميسرة عن طاووس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الزهد فى ~~الدنيا يريح القلب والبدن وأن الرغبة فى الدنيا تطيل الهم والحزن وانما ~~تحصل الهموم والغموم والأحزان من جهتين احداهما الرغبة فى الدنيا والحرص ~~عليها والثانى التقصير فى أعمال البر والطاعة # قال عبد الله بن أحمد حدثنى بيان بن الحكم حدثنا محمد بن حاتم عن بشر بن ~~الحارث قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن ms241 ليث عن الحكم قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اذا قصر العبد بالعمل ابتلاه الله عز وجل بالهم # وكما أن الرغبة فى الدنيا أصل المعاصى الظاهرة فهى اصل معاصى القلب من ~~التسخط والحسد والكبر والفخر والخيلاء والتكاثر وهذا كله من امتلاء القلب ~~بها لا من كونها فى اليد وامتلاء القلب بها ينافى الشكر ورأس الشكر تفريغ ~~القلب منها وامتداد المال كامتداد العمر والجاه فخيركم فى الدنيا من طال ~~عمره وحسن عمله فهكذا من امتد ماله وكثر به خيره فنعم المرء وماله وجاهه ~~اما أن يرفعه درجات واما أن يضعه درجات # وسر المسألة أن طريق الفقر والتقلل طريق سلامة مع الصبر وطريق الغنى ~~والسعة فى الغالب طريق عطب فإن اتقى الله فى ماله ووصل به رحمه وأخرج منه ~~حق الله وليس مقصورا على الزكاة بل من حقه اشباع الجائع وكسوة العارى ~~واغاثة الملهوف واعانة المحتاج والمضطر فطريقه طريق غنيمة وهى فوق السلامة ~~فمثل صاحب الفقر كمثل مريض قد حبس بمرضه عن أغراضه فهو يثاب على حسن صبره ~~على حبسه PageV01P227 # وأما الغنى فخطره عظيم فى جمعه وكسبه وصرفه فإذا سلم كسبه وحسن أخذه من ~~وجهه وصرفه فى حقه كان أنفع له فالفقير كالمتعبد المنقطع عن الناس والغنى ~~المنفق فى وجوه الخير كالمعين والمعلم والمجاهد ولهذا جعله النبى صلى الله ~~عليه وسلم قرين الذى أتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها فهو أحد ~~المحسودين الذين لا ثالث لهما والجهلة يغبطون المنقطع المتخلى المقصور ~~النفع على نفسه ويجعلونه أولى بالحسد من المنفق والعالم المعلم # فإن قيل فأيهما افضل من يختار الغنى المتصدق والانفاق فى وجوه البر أم من ~~يختار الفقر والتقلل ليبعد عن الفتنة ويسلم من الآفة ويرفه قلبه على ~~الاستعداد للآخرة فلا يشغله بالدنيا أم من لا يختار لا هذا ولا ذاك بل ~~يختار ما اختاره الله له فلا يعين باختباره واحدا من الامرين # قيل هذا موضع اختلف فيه حال السلف الصالح فمنهم من اختار المال للجهاد به ~~والانفاق وصرفه فى ms242 وجوه البر كعبد الرحمن بن عوف وغيره من مياسير الصحابه ~~وكان قيس بن سعد يقول اللهم انى من عبادك الذين لا يصلحهم الا الغنى ومنهم ~~من اختار الفقر والتقلل كأبى ذر وجماعة من الصحابه معه وهؤلاء نظروا إلى ~~آفات الدنيا وخشوا الفتنة بها وأولئك نظروا إلى مصالح الانفاق وثمراته ~~العاجلة والآجلة والفرقة الثالثة لم تختر شيئا بل كان اختيارها ما اختاره ~~الله لها وكذلك اختيار طول البقاء فى الدنيا لاقامة دين الله وعبادته ~~فطائفة اختارته وتمنته وطائفة أحبت الموت ولقاء الله والراحة من الدنيا ~~وطائفة ثالثة لم تختر هذا ولا ذاك بل اختارت ما يختاره الله لها وكان ~~اختيارهم معلقا بما يريده الله دون مراد معين منهم وهى حال الصديق رضى الله ~~عنه فإنهم قالوا له فى مرض موته ألا ندعو لك الطبيب فقال قد رآنى فقالوا ~~فما قال لك قال قال لى انى فعال لما أريد والأولى حال موسى عليه السلام ~~فإنه لما جاءه ملك الموت لطمه ففقأ عينه ولم يكن ذلك حبا منه للدنيا والعيش ~~فيها ولكن لينفذ أوامر ربه ويقيم دينه ويجاهد أعداءه فكأنه قال لملك الموت ~~أنت عبد مأمور وأنا عبد مأمور وأنا فى تنفيذ أوامر ربى PageV01P228 وإقامة ~~دينه فلما عرضت عليه الحياة الطويلة وعلم أن الموت بعدها اختار ما اختاره ~~الله له وأما نبينا صلوات الله وسلامه عليه فإن ربه أرسل إليه يخبره وكان ~~أعلم الخلق بالله فعلم أن ربه تبارك وتعالى يحب لقاءه ويختاره له فاختار ~~لقاء الله ولو علم أن ربه يحب له البقاء فى الدنيا لتنفيذ أوامره وإقامة ~~دينه لما اختار غير ذلك فكان اختياره تابعا لاختيار ربه عز وجل فكما أنه ~~لما خيره ربه عزوجل بين أن يكون ملكا نبيا وبين أن يكون عبدا نبيا وعلم أن ~~ربه يختار له أن يكون عبدا نبيا اختار ما اختاره الله له فكان اختياره فى ~~جميع أموره تابعا لاختيار الله له ولهذا يوم الحديبية احتمل ما احتمل من ~~تلك الحال فى ذاك الوقت ووفى ms243 هذا المقام حقه ولم يثبت عليه من كل وجه إلا ~~الصديق فلم يكن له اختيار فى سوى ما اختاره الله له ولأصحابه من تلك الحال ~~التى تقرر الأمر عليها فكان راضيا بها مختارا لها مشاهدا اختيار ربه لها ~~وهذا غاية العبودية فشكر الله له ذلك وجعل شكرانه ما بشره به فى أول سورة ~~الفتح حتى هنأه الصحابة به وقالوا هنيئا لك يا رسول الله وحق له أن يهنأ ~~بأعظم ما هنأ به بشر صلوات الله وسلامه عليه # | فصل ومما ينبغى أن يعلم أن كل حصلة من حصال الفضل قد أحل # الله رسوله صلى الله عليه وسلم فى أعلاها وخصه بذروة سنامها فإذا احتجت ~~بحاله فرقة من فرق الأمة التى تعرفت تلك الخصال وتقاسمتها على فضلها على ~~عيرها أمكن الفرقة الأخرى أن تحتج به على فضلها أيضا فإذا احتج به الغزاة ~~والمجاهدون على أنهم افضل الطوائف احتج به العلماء والفقهاء على مثل ما ~~احتج به أولئك واذا احتج به الزهاد والمتخلفون عن الدنيا على فضلهم احتج به ~~الداخلون فى الدنيا والولايه وسياسة الرعيه لاقامة دين الله وتنفيذ أمره ~~واذا احتج به الفقير الصابر احتج به الغنى الشاكر واذا احتج به أهل العبادة ~~على فضل نوافل العبادة وترجيحها احتج به العارفون على فضل المعرفة واذا ~~احتج به أرباب التواضع والحلم احتج به أرباب العز والقهر المبطلين والغلظه ~~عليهم والبطش بهم واذا احتج به ارباب الوقار والهيبه والرزانة احتج به ~~PageV01P229 أرباب الخلق الحسن والمزاح المباح الذى لا يخرج عن الحق وحسن ~~العشرة للأهل والأصحاب وإذا احتج به أصحاب الصدع بالحق والقول به فى المشهد ~~والمغيب احتج به أصحاب المدارة والحياء والكرم أن يبادروا الرجل بما يكرهه ~~فى وجهه وإذا احتج به المتورعون على الورع المحمود احتج به الميسرون ~~المسهلون الذين لا يخرجون عن سعة شريعته ويسرها وسهولتها وإذا احتج به من ~~صرف عنايته إلى إصلاح دينه وقلبه احتج به من راعى إصلاح بدنه ومعيشته ~~ودنياه فانه صلى الله عليه وسلم بعث لصلاح الدنيا ms244 والدين وإذا احتج به من ~~لم يعلق قلبه بالاسباب ولا ركن إليها احتج به من قام بالاسباب ووضعها ~~مواضعها وأعطاها حقها وإذا احتج به من جاع وصبر على الجوع احتج به من شبع ~~وشكر ربه على الشبع واذا احتج به من اخذ بالعفو والصفح والاحتمال احتج به ~~من انتقم فى مواضع الانتقام واذا احتج به من أعطى لله ووالى لله احتج به من ~~منع لله وعادى لله واذا احتج به من لم يدخر شيئا لغد احتج به من يدخر لأهله ~~قوت سنه واذا احتج به من يأكل الخشن من القوت والادم كخبز الشعير والخل ~~احتج به من يأكل اللذيذ الطيب كالشوى والحلوى والفاكهة والبطيخ ونحوه وإذا ~~احتج به من سرد الصوم احتج به من سرد الفطر فكان يصوم حتى يقال لا يفطر ~~ويفطر حتى يقال لا يصوم واذا احتج به من رعب عن الطيبات والمشتهيات احتج به ~~من أحب أطيب ما فى الدنيا وهو النساء والطيب وإذا احتج به من الان جانبه ~~وخفض جناحه لنسائه احتج به من أدبهن وآلمهن وطلق وهجر وخيرهن واذا احتج به ~~من ترك مباشرة أسباب المعيشة بنفسه احتج به من باشرها بنفسه فأجرو استأجر ~~وباع واشترى واستسلف وادان ورهن واذا احتج به من يجتنب النساء بالكلية فى ~~الحيض والصيام احتج به من يباشر امرأته وهى حائض بغير الوطء ومن يقبل ~~امرأته وهو صائم واذا احتج به من رحم أهل المعاصى بالقدر احتج به من أقام ~~عليهم حدود الله فقطع السارق ورجم الزانى وجلد الشارب واذا احتج به من ~~أرباب الحكم بالظاهر احتج به ارباب السياسة العادلة المبنية على القرائن ~~الظاهرة فإنه حبس فى تهمة وعاقب فى تهمة # وأخبر عن نبى الله سليمان أنه عليه السلام حكم بالولد للمرأة بالقرينة ~~الظاهرة مع PageV01P230 اعترافها لصاحبتها به فلم يحكم بالاعتراف الذى ظهر ~~له بطلائه بالقرينة وترجم أبو عبد الرحمن على الحديث ترجمتين احداهما قال ~~التوسعه للحاكم أن يقول للشئ الذى لا يفعله افعله ليستبين به الحق ثم قال ms245 ~~الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم عليه اذا تبين للحاكم أن الحق غير ما ~~اعترف به وكذلك الصحابة عملوا بالقرائن فى حياته وبعده فقال على رضى الله ~~عنه للمرأة التى حملت كتاب حاطب لتخرجن الكتاب أولا لاجردنك وحد عمر رضى ~~الله عنه فى الزنا بالحبل وفى الخمر بالرائحه # وحكى الله سبحانه عن شاهد يوسف حكاية مقرر غير منكر أنه حكم بقرينة شق ~~القميص من دبر على براءته وقال صلى الله عليه وسلم لابن أبى الحقيق وقد زعم ~~ان النفقة أذهبت كنز حيي بن أخطب العهد قريب والمال أكثر من ذلك فاعتبر ~~قرينتين دالتين على بقاء المال وعاقبه حتى اقر به وجوز لأولياء القتيل أن ~~يحلفوا على رجل انه قتله ويقتلونه به بناء على القرائن المرجحة صدقهم وشرع ~~الله سبحانه رجم المرأة اذا شهد عليها زوجها فى اللعان وأبت أن تلاعن ~~للقرينه الظاهرة على صدقه # وشريعته صلى الله عليه وسلم طافحة بذلك لمن تأملها فالحكم بالقرائن ~~الظاهرة من نفس شريعته وما جاء به فهو حجة لقضاة الحق وولاة العدل كما أنه ~~حجة على قضاة السوء وولاة الجور والله المستعان # والمقصود بهذا الفصل أنه ليس الفقراء الصابرون بأحق به صلى الله عليه ~~وسلم من الاغنياء الشاكرين وأحق الناس به أعلمهم بسنته وأتبعهم لها وبالله ~~التوفيق # | الباب الخامس والعشرون فى بيان الأمور المضادة للصبر والمنافية له # والقادحة فيه # لما كان الصبر حبس اللسان عن الشكوى إلى غير الله والقلب عن التسخط ~~والجوارح عن اللطم وشق الثياب ونحوها كان ما يضاده واقعا على هذه الجملة ~~فمنه الشكوى إلى المخلوق فإذا شكى العبد ربه إلى مخلوق مثله فقد شكى من ~~يرحمه إلى من لا يرحمه ولا تضاده الشكوى إلى الله كما تقدم فى شكاية يعقوب ~~إلى الله مع قوله PageV01P231 فصبر جميل وأما إخبار المخلوق بالحال فإن كان ~~للاستعانة بإرشاده أو معاونته والتوصل إلى زوال صرورة لم يقدح ذلك فى الصبر ~~كإخبار المريض للطبيب بشكايته وإخبار المظلوم لمن ينتصر به بحاله وإخبار ~~المبتلى ببلائه لمن كان ms246 يرجو أن يكون فرجه على يديه وقد كان النبى صلى الله ~~عليه وسلم إذا دخل على المريض يساله عن حاله ويقول كيف نجدك وهذا استخبار ~~منه واستعلام بحاله # وأما الأنين فهل يقدح في الصبر فيه روايتان عن الامام أحمد قال أبو ~~الحسين أصحهما الكراهة لما روى عن طاوس أنه كان يكره الأنين في المرض وقال ~~مجاهد كل شيء يكتب على ابن آدم مما يتكلم حتى أنينه في مرضه قال هؤلاء وإن ~~الأنين شكوى بلسان الحال ينافي الصبر # وقال عبد الله بن الامام أحمد قال لي أبي في مرضه الذي توفي فيه اخرج إلي ~~كتاب عبد الله بن ادريس فأخرجت الكتاب فقال أخرج أحاديث ليث بن أبي سليم ~~فأخرجت أحاديث ليث فقال اقرا على أحاديث ليث قال قلت لطلحة إن طاووس كان ~~يكره الأنين في المرض فلما سمع له أنين حتى مات فما سمعت أبي أن في مرضه ~~ذلك إلى ان توفي والرواية الثانية أنه لا يكره ولا يقدح في الصبر قال بكر ~~بن محمد عن أبيه سئل أحمد عن المريض يشكو ما يجد من الوجع فقال تعرف فيه ~~شيئا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم حديث عائشة وارأساه وجعل ~~يستحسنه وقال المروذي دخلت على أبي عبد الله وهو مريض فسألته فتغرغرت عينيه ~~وجعل يخبرني ما مر به في ليلته من العلة # والتحقيق أن الأنين على قسمين انين شكوى فيكره وأنين استراحة وتفريج فلا ~~يكره والله أعلم # وقد روى في أثر ان المريض إذا بدأ بحمد الله ثم أخبر بحاله لم يكن شكوى ~~وقال شقيق البلخي من شكى من مصيبة نزلت به إلى غير الله لم يجد في قلبه ~~حلاوة لطاعة الله أبدا PageV01P232 # | فصل والشكوى نوعان شكوى بلسان القال وشكوى بلسان الحال ولعلها أعظمها # ولهذا امر النبي صلى الله عليه وسلم من أنعم عليه أن يظهر نعمة الله عليه ~~واعظم من ذلك من يشتكي ربه وهو بخير فهذا امقت الخلق عند ربه # قال الامام أحمد حدثنا عبد الله ms247 بن زيد حدثنا كهمس عن عبد الله بن شقيق ~~قال قال كعب الاحبار أن من حسن العمل سبحة الحديث ومن شر العمل التحذيف قيل ~~لعبد الله ما سبحة الحديث قال سبحان الله وبحمده في خلال الحديث قبل فما ~~التحذيف قال يصبح الناس بخير فيسألون فيزعمون أنه بشر # | فصل ومما ينافي الصبر في شق الثياب عند المصيبة ولطم الوجه والضرب # بإحدى اليدين على الأخرى وحلق الشعر والدعاء بالويل ولهذا بريء النبي صلى ~~الله عليه وسلم ممن صلق وحلق وخرق صلق رفع صوته عند المصيبة وحلق رأسه وشق ~~ثيابه ولا ينافيه البكاء والحزن قال الله تعالى عن يعقوب @QB@ وابيضت عيناه ~~من الحزن فهو كظيم @QE@ قال قتادة كظيم على الحزن فلم يقل إلا خيرا # وقال حماد بن سلمة عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال ما كان من العين والقلب فمن الله والرحمة وما كان ~~من اليد واللسان فمن الشيطان وقاتل هشيم عن عبد الرحمن بن يحيي عن حسان بن ~~أبي جبلة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من بث فلم يصبر وقال خالد ~~بن أبي عثمان مات ابن لي فرآني سعد بن جبير متقنعا فقال إياك والتقنيع فإنه ~~من الاستكانة وقاتل بكر بن عبد الله المزني كان يقال من الاستكانة الجلوس ~~في البيت بعد المصيبة وقال عبيد بن عمير ليس الجزع أن تدمع العين ويحزن ~~القلب ولكن الجزع القول السيء والظن السيء # وسئل القاسم بن محمد عن الجزع فقال القول السيء والظن السيء ومات ابن ~~لبعض قضاة البصرة فاجتمع إليه العلماء والفقهاء فتذاكروا ما يتبين به من ~~جزع الرجل PageV01P233 من صبره فاجمعوا انه إذا ترك شيئا مما كان يصنعه فقد ~~جزع وقال الحسين ابن عبد العزيز الحوري مات ابن لي نفيس فقلت لأمه اتقي ~~الله واحتسبيه واصبري فقال مصيبتي به أعظم من أن أفسدها بالجزع # وقال عبد الله بن المبارك أتى رجل يزيد بن يزيد وهو يصلي وإبنه في ms248 الموت ~~فقال ابنك يقضي وانت تصلي فقال الرجل إذا كان له عمل يعمله فتركه يوما ~~واحدا كان ذلك خللا في عمله # وقال ثابت أصيب عبد الله بن مطرف بمصيبة فرايته أحسن شئ شارة وأطيبه ريحا ~~فذكرت له ما رأيت فقال تأمرنى يا أبا محمد أن أستكين للشيطان وأريه أنه قد ~~أصابنى سوء والله يا أبا محمد لو كانت لى الدنيا كلها ثم أحذها منى ثم ~~سقانى شربة يوم القيامة ما رايتها ثمنا لتلك الشربة # ومما يقدح فى الصبر اظهار المصيبة والتحدث بها وكتمانها رأس الصبر وقال ~~الحسن بن الصباح فى مسنده حدثنا خلف بن تميم حدثنا زافر بن سليمان عن عبد ~~العزيز بن أبى رواد عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من البر كتمان المصائب والامراض والصدقة وذكر أنه من بث الصبر فلم ~~يصبر وروى من وجه آخر عن الحسن يرفعه من البر كتمان المصائب وما صبر من بث ~~ولما نزل فى احدى عينى عطاء الماء مكث عشرين سنة لا يعلم به أهله حتى جاء ~~ابنه يوما من قبل عينيه فعلم أن الشيخ قد أصيب # ودخل رجل على داود الطائى فى فراشه فرآه يرجف فقال انا لله وانا اليه ~~راجعون فقال مه لا تعلم بهذا أحدا وقد أقعد قبل ذلك اربعة أشهر لا يعلم ~~بذلك أحد وقال مغيرة شكى الاحنف إلى عمه وجع ضرسه فكرر ذلك عليه فقال ما ~~تكرر على لقد ذهبت عينى منذ أربعين سنة فما شكوتها إلى أحد فصل # ويضاد الصبر الهلع وهو الجزع عند ورود المصيبة والمنع عند ورود النعمة ~~قال تعالى @QB@ إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير ~~منوعا @QE@ PageV01P234 وهذا تفسير الهلوع قال الجوهرى الهلع أفحش الجزع ~~وقد هلع بالكسر فهو هلع وهلوع وفى الحديث شر ما فى العبد شح هالع وجبن خالع # قلت هنا أمران أمر لفظى وأمر معنوى فأما اللفظى فإنه وصف الشح بكونه ~~هالعا والهالع صاحبه وأكثر ما يسمى هلوعا ولا ms249 يقال هالع له فإنه لا يتعدى ~~ففيه وجهان أحدهما أنه على النسب كقولهم ليل نائم وسر كاتم ونهار صائم ويوم ~~عاصف كله عند سيبويه على النسب أى ذو كذا كما قالوا تامر ولابن والثانى أن ~~اللفظه غيرت عن بابها للازدواج مع خالع وله نظير # وأما المعنوى فإن الشح والجبن أردى صفتين فى العبد ولا سيما اذا كان شحه ~~هالما أى ملق له فى الهلع وجبنه خالعا اى قد خلع قلبه من مكانه فلا سماحة ~~ولا شجاعة ولا نفع بماله ولا ببدنه كما يقال لا طعنة ولا جفنة ولا يطرد ولا ~~يشرد بل قد قمعه وصغره وحقره ودساه الشح والخوف والطمع والفزع واذا أردت ~~معرفة الهلوع فهو الذى اذا اصابه الجوع مثلا أظهر الاستجاعه واسرع بها واذا ~~أصابه الالم اسرع الشكايه وأظهرها واذا أصابه القهر أظهر الاستطامه ~~والاستكانه وباء بها سريعا واذا اصابه الجوع أسرع الانطراح على جنبه وأظهر ~~الشكايه واذا بدا له مأخذ طمع طار اليه سريعا واذا ظفر به أحله من نفسه محل ~~الروح فلا احتمال ولا أفضال وهذا كله من صغر النفس ودناءتها وتدسيسها فى ~~البدن واخفائها وتحقيرها والله المستعان # | الباب السادس والعشرون فى بيان دخول الصبر والشكر فى صفات الرب جل # جلاله وتسميته بالصبور والشكور ولو لم يكن للصبر والشكر من الفضيلة الا ~~ذلك لكفى به # أما الصبر فقد أطلقه عليه أعرف الخلق به وأعظمهم تنزيها له بصيغة ~~المبالغة ففى الصحيحين من حديث الاعمش عن سعيد بن جبير عن أبى عبد الرحمن ~~السلمى عن ابى موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ما أحد أصبر على اذى ~~سمعه من الله عز وجل يدعون له ولدا وهو يعافيهم ويرزقهم PageV01P235 وفى ~~أسمائه الحسنى الصبور وهو من أمثلة المبالغة أبلغ من الصابر والصبار وصبره ~~تعالى يفارق صبر المخلوق ولا يماثله من وجوه متعددة منها أنه عن قدرة تامة ~~ومنها أنه لا يخاف الغوث والعبد انما يستعجل الخوف الغوث ومنها أنه لا ~~يلحقه بصبره ألم ولا حزن ولا نقص بوجه ms250 ما وظهور اثر الاسم فى العالم مشهود ~~بالعيان كظهور اسمه الحليم والفرق بين الصبر والحلم أن الصبر ثمرة الحلم ~~وموجبه فعلى قدر حلم العبد يكون صبره فالحلم فى صفات الرب تعالى أوسع من ~~الصبر ولهذا جاء اسمه الحليم فى القرآن فى غير موضع ولسعته يقرنه سبحانه ~~باسم العليم كقوله وكان الله عليما حليما والله عليم حليم # وفى أثر أن حملة العرش أربعة إثنان يقولان سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد ~~على حلمك بعد علمك وإثنان يقولان سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك ~~بعد قدرتك فإن المخلوق يحلم عن جهل ويعفو عن عجز والرب تعالى يحلم مع كمال ~~علمه ويعفو مع تمام قدرته وما أضيف شئ إلى شئ أزين من حلم إلى علم ومن عفو ~~إلى اقتدار ولهذا كان فى دعاء الكرب وصف سبحانه بالحلم مع العظمة وكونه ~~حليما من لوازم ذاته سبحانه # وأما صبره سبحانه فمتعلق بكفر العباد وشركهم ومسبتهم له سبحانه وأنواع ~~معاصيهم وفجورهم فلا يزعجه ذلك كله إلى تعجيل العقوبة بل يصبر على عبده ~~ويمهله ويستصلحه ويرفق به ويحلم عنه حتى اذا لم يبق فيه موضع للصنيعه ولا ~~يصلح على الامهال والرفق والحلم ولا ينيب إلى ربه ويدخل عليه لا من باب ~~الاحسان والنعم ولا من باب البلاء والنقم أخذه أخذ عزيز مقتدر بعد غاية ~~الأعذار اليه وبذل النصيحة له ودعائه اليه من كل باب وهذا كله من موجبات ~~صفة حلمه وهى صفة ذاتية له لا تزول # وأما الصبر فإذا زال متعلقه كان كسائر الأفعال التى توجد لوجود الحكمة ~~وتزول بزوالها فتأمله فإنه فرق لطيف ما عثرت الحذاق بعشره وقل من تنبه له ~~ونبه عليه وأشكل على كثير منهم هذا الاسم وقالوا لم يأت فى القرآن فأعرضوا ~~عن الاشتغال به صفحا ثم اشتغلوا بالكلام فى صبر العبد وأقسامه ولو أنهم ~~أعطوا هذا PageV01P236 الاسم حقه لعلموا أن الرب تعالى أحق به من جميع ~~الخلق كما هو أحق باسم العليم والرحيم والقدير والسميع والبصير والحى وسائر ~~أسمائه الحسنى من المخلوقين ms251 وأن التفاوت الذى بين صبره سبحانه وصبرهم ~~كالتفاوت الذى بين حياته وحياتهم وعلمه وعلمهم وسمعه وأسماعهم وكذا سائر ~~صفاته # ولما علم ذلك أعرف خلقه به قال لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله فعلم ~~أرباب البصائر بصبره سبحانه كعلمهم برحمته وعفوه وستره مع أنه صبر مع كمال ~~علم وقدرة وعظمة وعزة وهو صبر من أعظم مصبور عليه فإن مقابلة أعظم العظماء ~~وملك الملوك وأكرم الأكرمين ومن احسانه فوق كل احسان بغاية القبح وأعظم ~~الفجور وأفحش الفواحش ونسبته إلى كل ما لا يليق به والقدح فى كماله وأسمائه ~~وصفاته والإلحاد فى آياته وتكذيب رسله عليهم السلام ومقابلتهم بالسب والشتم ~~والأذى وتحريق أوليائه وقتلهم واهانتهم أمر لا يصبر عليه الا الصبور الذى ~~لا أحد اصبر منه ولا نسبة لصبر جميع الخلق من أولهم إلى آخرهم إلى صبره ~~سبحانه # واذا اردت معرفة صبر الرب تعالى وحلمه والفرق بينهما فتأمل قوله تعالى ان ~~الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا ان أمسكهما من أحد من بعده ~~إنه كان حليما غفورا وقوله وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ادا تكاد ~~السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وقوله ~~@QB@ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال @QE@ على قراءة من فتح اللام # فأخبر سبحانه أن حلمه ومغفرته يمنعان زوال السموات والأرض فالحلم ~~وامساكهما أن تزولا هو الصبر فبحلمه صبر عن معالجة أعدائه وفى الآية اشعار ~~بأن السموات والأرض تهم وتستأذن بالزوال لعظم ما يأتى به العباد فيمسكها ~~بحلمه ومغفرته وذلك حبس عقوبته عنهم وهو حقيقة صبره تعالى فالذى عنه ~~الامساك هو صفة الحلم والامساك هو الصبر وهو حبس العقوبة ففرق بين حبس ~~العقوبة وبين ما صدر عنه حبسها فتأمله # وفى مسند الامام أحمد مرفوعا ما من يوم الا والبحر يستأذن ربه أن يغرق ~~بنى آدم وهذا مقتضى الطبيعة لأن كرة الماء تعلو كرة التراب بالطبع ولكن ~~الله PageV01P237 يمسكه بقدرته وحلمه وصبره وكذلك خرور الجبال وتفطير ~~السموات الرب تعالى يحبسها عن ms252 ذلك بصبره وحلمه فإن ما يأتى به الكفار ~~والمشركون والفجار فى مقابلة العظمة والجلال والإكرام يقتضى ذلك فجعل ~~سبحانه فى مقابلة هذه الاسباب أسبابا يحبها ويرضاها ويفرح بها أكمل فرح ~~وأتمه تقابل تلك الأسباب التى هي سبب زوال العالم وخرابه فدفعت تلك الأسباب ~~وقاومتها وكان هذا من آثار مدافعة رحمته لغضبه وغلبتها له وسبقها اياه فغلب ~~اثر الرحمة أثر الغضب كما غلبت الرحمة الغضب ولهذا استعاذ النبى صلى الله ~~عليه وسلم بصفة الرضا من صفة السخط وبفعل المعافاة من فعل العقوبة ثم جمع ~~الامرين فى الذات اذ هما قائمان بها فقال أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك ~~من عقوبتك وأعوذ بك منك فإن ما يستعاذ به هو صادر عن مشيئته وخلقه بإذنه ~~وقضائه فهو الذى أذن فى وقوع الاسباب التى يستعاذ منها خلقا وكونا فمنه ~~السبب والمسبب وهو الذى حرك الانفس والابدان وأعطاها قوى التاثير وهو الذى ~~أوجدها وأعدها ومدها وسلطها على ما شاء وهو الذى يمسكها إذا شاء ويحول ~~بينها وبين قواها وتأثيرها # فتأمل ما تحت قوله أعوذ بك منك من محض التوحيد وقطع الالتفات إلى غيره ~~وتكميل التوكل عليه تعالى والاستعانة به وحده وافراده بالخوف والرجاء ودفع ~~الضر وجلب الخير وهو الذى يمس بالضر بمشيئته وهو الذى يدفعه بمشيئته وهو ~~المستعاذ بمشيئته من مشيئته وهو المعيذ من فعله بفعله وهو الذى سبحانه خلق ~~ما يصبر عليه وما يرضى به فاذا أغضبه معاصى الخلق وكفرهم وشركهم وظلمهم ~~ارضاه تسبيح ملائكته وعبادة المؤمنين له وحمدهم اياه وطاعتهم له فيعيذ رضاه ~~من غضبه # قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور ~~السموات والأرض من نور وجهه وان مقدار يوم من أيامكم عنده اثنتا عشرة ساعة ~~فتعرض عليه أعمالكم بالامس أول النهار اليوم فينظر فيها ثلاث ساعات فيطلع ~~منها على ما يكره فيغضبه ذلك فأول ما يعلم بغضبه حملة العرش يجدونه يثقل ~~عليهم فتسبحه حملة العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر ~~PageV01P238 الملائكة حتى ينفخ جبريل ms253 فى القرن فلا يبقى شئ الا يسمع ~~فيسبحون الرحمن ثلاث ساعات حتى يمتلئ الرحمن رحمة فتلك ست ساعات قال ثم ~~يؤتى بالارحام فينظر فيها ثلاث ساعات فذلك قوله تعالى هو الذى يصوركم فى ~~الارحام كيف يشاء ويهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ~~ذكرانا واناثا ويجعل من يشاء عقيما فتلك تسع ساعات ثم يؤتى بالارزاق فينظر ~~فيها ثلاث ساعات فذلك قوله @QB@ يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر @QE@ وقوله @QB@ ~~كل يوم هو في شأن @QE@ قال هذا شأنكم وشأن ربكم + رواه أبو القاسم الطبرانى ~~فى السنة + وعثمان بن سعيد الدارمى وشيخ الاسلام الانصارى وابن مندة وابن ~~خزيمة وغيرهم # ولما ذكر سبحانه فى سورة الانعام أعداءه وكفرهم وشركهم وتكذيب رسله ذكر ~~فى أثر ذلك شأن خليله إبراهيم وما اراه من ملكوت السموات والأرض وما حاج به ~~قومه فى اظهار دين الله وتوحيده ثم ذكر الانبياء من ذريته وأنه هداهم ~~وآتاهم الكتاب والحكم والنبوة ثم قال @QB@ فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا ~~بها قوما ليسوا بها بكافرين @QE@ # فأخبر أنه سبحانه كما جعل فى الأرض من يكفر به ويجحد توحيده ويكذب رسله ~~كذلك جعل فيها من عباده من يؤمن بما كفر به أولئك ويصدق بما كذبوا به ويحفظ ~~من حرماته ما أضاعوه وبهذا تماسك العالم العلوى والسفلى والا فلو تبع الحق ~~أهواء أعدائه لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ولخرب العالم ولهذا جعل سبحانه ~~من أسباب خراب العالم رفع الاسباب الممسكه له من الأرض وهى كلامه وبيته ~~ودينه والقائمون به فلا يبقى لتلك الاسباب المقتضية لخراب العالم أسباب ~~تقاومها وتمانعها ولما كان اسم الحليم أدخل فى الاوصاف واسم الصبور فى ~~الافعال كان الحلم أصل الصبر فوقع الاستغناء بذكره فى القرآن عن اسم الصبور ~~والله أعلم فصل # وأما تسميته سبحانه بالشكور فهو فى حديث أبى هريرة وفى القرآن تسميته ~~شاكرا قال الله تعالى @QB@ وكان الله شاكرا عليما @QE@ وتسميته أيضا شكور ~~قال الله تعالى @QB@ والله @QE@ PageV01P239 شكور حليم وقال تعالى @QB@ إن ~~هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم ms254 مشكورا @QE@ فجمع لهم سبحانه بين الأمرين أن ~~شكر سعيهم وأثابهم عليه والله تعالى يشكر عبده إذا أحسن طاعته ويغفر له اذا ~~تاب اليه فيجمع للعبد بين شكره لإحسانه ومغفرته لاساءته انه غفور شكور # وقد تقدم فى الباب العشرين ذكر حقيقة شكر العبد وأسبابه ووجوهه وأما شكر ~~الرب تعالى فله شأن آخر كشأن صبره فهو أولى بصفة الشكر من كل شكور بل هو ~~الشكور على الحقيقة فإنه يعطى العبد ويوفقه لما يشكره عليه ويشكر القليل من ~~العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف ~~مضاعفة ويشكر عبده بقوله بأن يثنى عليه بين ملائكته وفى ملئه الأعلى ويلقى ~~له الشكر بين عباده ويشكره بفعله فإذا ترك له شيئا أعطاه أفضل منه وإذا بذل ~~له شيئا رده عليه أضعافا مضاعفة وهو الذى وفقه للترك والبذل وشكره على هذا ~~وذاك ولما عقر نبيه سليمان الخيل غضبا له اذ شغلته عن ذكره فاراد ألا تشغله ~~مرة أخرى أعاضه عنها متن الريح ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها فى ~~مرضاته أعاضهم عنها أن ملكهم الدنيا وفتحها عليهم ولما احتمل يوسف الصديق ~~ضيق السجن شكر له ذلك بأن مكن له فى الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ولما بذل ~~الشهداء أبدانهم له حتى مزقها أعداؤه شكر لهم ذلك بأن أعاضهم منها طيرا ~~خضرا أقر أرواحهم فيها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها إلى يوم البعث ~~فيردها عليهم أكمل ما تكون وأجمله وأبهاه ولما بذل رسله أعراضهم فيه ~~لأعدائهم فنالوا منهم وسبوهم أعاضهم من ذلك بأن صلى عليهم هو وملائكته وجعل ~~لهم أطيب الثناء فى سمواته وبين خلقه فأخلصهم بخالصة ذكرى الدار # ومن شكره سبحانه أنه يجازى عدوه بما يفعله من الخير والمعروف فى الدنيا ~~ويخفف به عنه يوم القيامة فلا يضيع عليه ما يعمله من الاحسان وهو من أبغض ~~خلقه اليه ومن شكره أنه غفر للمرأة البغى بسقيها كلبا كان قد جهده العطش ~~حتى أكل الثرى وغفر لآخر بتنحيته غصن شوك عن طريق المسلمين ms255 فهو سبحانه يشكر ~~العبد على احسانه لنفسه والمخلوق انما يشكر من أحسن اليه PageV01P240 وأبلغ ~~من ذلك أنه سبحانه هو الذى أعطى العبد ما يحسن به إلى نفسه وشكره على قليله ~~بالاضعاف المضاعفة التى لا نسبة لإحسان العبد اليها فهو المحسن بإعطاء ~~الاحسان وإعطاء الشكر فمن أحق باسم الشكور منه سبحانه # وتأمل قوله سبحانه @QB@ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله ~~شاكرا عليما @QE@ كيف تجد فى ضمن هذا الخطاب أن شكره تعالى يأبى تعذيب ~~عباده سدى بغير جرم كما يأبى اضاعة سعيهم باطلا فالشكور لا يضبع أجر محسن ~~ولا يعذب غير مسئ وفى هذا رد لقول من زعم أنه سبحانه يكلفه مالا يطيقه ثم ~~يعذبه على مالا يدخل تحت قدرته تعالى الله عن هذا الظن الكاذب والحسبان ~~الباطل علوا كبيرا فشكره سبحانه اقتضى أن لا يعذب المؤمن الشكور ولا يضيع ~~عمله وذلك من لوازم هذه الصفة فهو منزه عن خلاف ذلك كما ينزه عن سائر ~~العيوب والنقائص التى تنافى كماله وغناه وحمده # ومن شكر سبحانه أنه يخرج العبد من النار بأدنى مثقال ذرة من خير ولا يضيع ~~عليه هذا القدر ومن شكره سبحانه أن العبد من عباده يقوم له مقاما يرضيه بين ~~الناس فيشكره له وينوه بذكره ويخبر به ملائكته وعباده المؤمنين كما شكر ~~لمؤمن آل فرعون ذلك المقام وأثنى به عليه ونوه بذكره بين عباده وكذلك شكره ~~لصاحب يس مقامه ودعوته اليه فلا يهلك عليه بين شكره ومغفرته الا هالك فإنه ~~سبحانه غفور شكور يغفر الكثير من الزلل ويشكر القليل من العمل # ولما كان سبحانه هو الشكور على الحقيقة كان أحب خلقه اليه من اتصف بصفة ~~الشكر كما أن أبغض خلقه اليه من عطلها واتصف بضدها وهذا شأن اسمائه الحسنى ~~أحب خلقه اليه من اتصف بموجبها وأبغضهم اليه من اتصف باضدادها ولهذا يبغض ~~الكفور الظالم والجاهل والقاسي القلب والبخيل والجبان والمهين واللئيم وهو ~~سبحانه جميل يحب الجمال عليم يحب العلماء رحيم يحب الراحمين محسن يحب ~~المحسنين شكور يحب ms256 الشاكرين صبور يحب الصابرين جواد يحب أهل الجود ستار يحب ~~أهل الستر قادر يلوم على العجز والمؤمن القوى أحب اليه من المؤمن الضعيف ~~عفو يحب العفو وتر يحب الوتر وكل ما يحبه فهو من آثار اسمائه وصفاته ~~وموجبها وكل ما يبغضه فهو مما يضادها وينافيها PageV01P241 خاتمة # يا من عزم على السفر إلى الله والدار الآخرة قد رفع لك علم فشمر إليه فقد ~~أمكن التشمير واجعل سيرك بين مطالعة منته ومشاهدة عيب النفس والعمل ~~والتقصير فما ابقى مشهد النعمة والذنب للعارف من حسنة يقول هذه منجيتى من ~~عذاب السعير ما المعول إلا على عفوه ومفغرته فكل أحد إليهما فقير أبوء لك ~~بنعمتك على وأبوء بذنبى فاغفر لى أنا المذنب المسكين وأنت الرحيم الغفور ما ~~تساوى أعمالك لو سلمت مما يبطلها أدنى نعمة من نعمه عليك وأنت مرتهن بشكرها ~~من حين أرسل بها إليك فهل رعيتها بالله حق رعايتها وهى فى تصريفك وطوع يديك ~~فتعلق بحبل الرجاء وادخل من باب التوبة والعمل الصالح انه غفور شكور نهج ~~للعبد طريق النجاة وفتح له أبوابها وعرفه طرق تحصيل السعادة وأعطاه أسبابها ~~وحذره من وبال معصيته وأشهده على نفسه وعلى غيره شؤمها وعقابها وقال إن ~~أطعت فبفضلى وأنا أشكر وإن عصيت فبقضائى وأنا أغفر إن ربنا لغفور شكور أزاح ~~عن العبد العلل وأمره أن يستعيذ به من العجز والكسل ووعده أن يشكر له ~~القليل من العمل ويغفر له الكثير من الزلل إن ربنا لغفور شكور أعطاه ما ~~يشكر عليه ثم يشكره على إحسانه إلى نفسه لا على إحسانه اليه ووعده على ~~إحسانه لنفسه أن يحسن جزاءه ويقربه لديه وأن يغفر له خطاياه إذا تاب منها ~~ولا يفضحه بين يديه ان ربنا لغفور شكور وثقت بعفوه هفوات المذنبين فوسعتها ~~وعكفت بكرمه آمال المحسنين فما قطع طمعها وخرقت السبع الطباق دعوات ~~التائبين والسائلين فسمعها ووسع الخلائق عفوه ومغفرته ورزقه فما من دابة فى ~~الأرض الا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها ان ربنا لغفور شكور يجود ~~على ms257 عبيده بالنوافل قبل السؤال ويعطى سائله ومؤمله فوق ما تعلقت به منهم ~~الآمال ويغفر لمن تاب اليه ولو بلغت ذنوبه عدد الآمواج والحصى والتراب ~~والرمال ان ربنا PageV01P242 لغفور شكور ارحم بعباده من الوالدة بولدها ~~وأفرح بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التى عليها طعامه وشرابه فى الأرض ~~المهلكة اذا وجدها وأشكر للقليل من جميع خلقه فمن تقرب اليه بمثقال ذرة من ~~الخير شكرها وحمدها ان ربنا لغفور شكور تعرف إلى عباده بأسمائه وأوصافه ~~وتحبب اليهم بحلمه وآلائه ولم تمنعه معاصيهم بأن جاد عليهم بآلائه ووعد من ~~تاب اليه وأحسن طاعته بمغفرة ذنوبه يوم لقائه ان ربنا لغفور شكور السعادة ~~كلها فى طاعته والأرباح كلها فى معاملته والمحن والبلايا كلها فى معصيته ~~ومخالفته فليس للعبد أنفع من شكره وتوبته ان ربنا لغفور شكور أفاض على خلقه ~~النعمة وكتب على نفسه الرحمة وضمن الكتاب الذى كتبه ان رحمته تغلب غضبه ان ~~ربنا لغفور شكور يطاع فيشكر وطاعته من توفيقه وفضله ويعصى فيحلم ومعصية ~~العبد من ظلمه وجهله ويتوب اليه فاعل القبيح فيغفر له حتى كأنه لم يكن قط ~~من أهله ان ربنا لغفور شكور الحسنة عنده بعشر أمثالها أو يضاعفها بلا عدد ~~ولا حسبان والسيئة عنده بواحدة ومصيرها إلى العفو والغفران وباب التوبة ~~مفتوح لديه منذ خلق السموات والأرض إلى آخر الزمان ان ربنا لغفور شكور بابه ~~الكريم مناخ الآمال ومحط الأوزار وسماء عطاه لا تقلع عن الغيث بل هى مدرار ~~ويمينه ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ان ربنا لغفور شكور لا يلقى ~~وصاياه الا الصابرون ولا يفوز بعطاياه الا الشاكرون ولا يهلك عليه الا ~~الهالكون ولا يشقى بعذابه الا المتمردون ان ربنا لغفور شكور # فإياك أيها المتمرد أن ياخذك على غرة فإنه غيور واذا أقمت على معصيته وهو ~~يمدك بنعمته فاحذره فإنه لم يهملك لكنه صبور وبشراك ايها التائب بمغفرته ~~ورحمته أنه غفور شكور من علم أن الرب شكور تفوع فى معاملته ومن عرف أنه ~~واسع المغفرة تعلق بأذيال مغفرته ms258 ومن علم أن رحمته سبقت غضبه لم ييأس من ~~رحمته ان ربنا لغفور شكور من تعلق بصفة من صفاته أخذته بيده حتى تدخله عليه ~~ومن سار اليه بأسمائه الحسنى وصل اليه ومن أحبه أحب أسمائه وصفاته وكانت ~~آثر شئ لديه حياة القلوب فى معرفته ومحبته وكمال الجوارح فى التقرب ~~PageV01P243 إليه بطاعته والقيام بخدمته والألسنة بذكره والثناء عليه ~~بأوصاف مدحته فأهل شكره أهل زيادته وأهل ذكره أهل مجالسته وأهل طاعته أهل ~~كرامته وأهل معصيته لا يقنطهم من رحمته إن تابوا فهو حبيبهم وإن لم يتوبوا ~~فهو طبيبهم يبتليهم بأنواع المصائب ليكفر عنهم الخطايا ويطهرهم من المعائب ~~انه غفور شكور # والحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى ~~وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله حمدا يملا السموات والأرض ومابينهما وما ~~شاء ربنا من شيء بعد بمجامع حمده كلها ما علمنا منها وما لم نعلم على نعمه ~~كلها ما علمنا منها وما لم نعلم عدد ما حمد الحامدون وغفل عن ذكره الغافلون ~~وعدد ما جرى به قلمه واحصاه كتابه واحاط به علمه # وصلى الله وسلم على سيدنا محمد واله وصحبه اجمعين وعلى سائر الانبياء ~~والمرسلين ورضى الله عن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين PageV01P244 ms259