######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011274 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن القيم #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011274 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11274 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11274 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثالثة، 1409هـ/ 1989م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار ابن كثير، دمشق، بيروت/مكتبة دار التراث، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين # تأليف: ابن قيم الجوزية ### | مقدمة # المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين # الحمد لله الصبور الشكور العلى الكبير السميع البصير العليم القدير الذي ~~شملت قدرته كل مخلوق وجرت مشيئته في خلقه بتصاريف الأمور وأسمعت دعوته ~~لليوم الموعود أصحاب القبور قدر مقادير الخلائق وآجالهم وكتب آثارهم ~~وأعمالهم وقسم بينهم معايشهم وأموالهم وخلق الموت والحياة ليبلوهم أيهم ~~أحسن عملا وهو العزيز الغفور القاهر القادر فكل عسير عليه يسير وهو المولى ~~النصير فنعم المولى ونعم النصير يسبح له ما في السموات وما في الأرض له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ~~والله بما تعملون بصير خلق السموات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم واليه ~~المصير يعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور وأشهد أن لا اله ~~إلا الله وحده لا شريك له أنه جل عن الشبيه والنظير وتعالى عن الشريك ~~والظهير وتقدس عن تعطيل الملحدين كما تنزه عن شبه المخلوقين فليس كمثله شىء ~~وهو السميع البصير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من بريته وصفوته من ~~خليقته وآمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده أعرف الخلق به وأقومهم ~~بخشيته وأنصحهم لأمته وأصبرهم لحكمه وأشكرهم لنعمه وأقربهم إليه وسيلة ~~وأعلاهم عند منزلة وأعظمهم عنده جاها وأوسعهم عنده شفاعه بعثه إلى الجنة ~~داعيا وللإيمان مناديا وفي مرضاته ساعيا وبالمعروف آمرا وعن المنكر ناهيا ~~فبلغ رسالات ربه # PageV01P007 # الأصلين العظيمين ولا يعدل عن هذين الطريقين القاصدين وأن يجعل سيره إلى ~~الله بين هذين الطريقين ليجعله الله يوم لقائه مع خير الفريقين. # فكذلك وضع هذا الكتاب للتعريف بشدة الحاجة والضرورة إليهما وبيان توقف ~~سعادة الدينا والآخرة عليهما فجاء كتابا جامعا حاويا نافعا فيه من الفوائد ~~ما هو حقيق على أن يعض عليه بالنواجذ وتثنى عليه الخناصر ممتعا لقاريه ~~صريحا للناظر فيه مسليا للحزين منهضا للمقصرين محرضا للمشمرين مشتملا على ~~نكات حسان من تفسير القرآن وعلى أحاديث نبوية معزوة إلى مظانها وآثار سلفية ~~منسوبة إلى ms001 قائلها ومسائل فقهية حسان مقرة بالدليل ودقائق سلوكية على سواء ~~السبيل لا تخفى معرفة ذلك عى من فكر وأحضر ذهنه فان فيه ذكر أقسام الصبر ~~ووجوه الشكر وأنواعه وفصل النزاع في التفضيل بين الغنى الشاكر والفقير ~~الصابر وذكر حقيقة الدنيا وما مثلها الله ورسوله والسلف الصالح به والكلام ~~على سبر هذه الأمثال ومطابقتها لحقيقة الحال وذكر ما يذم من الدنيا ويحمد ~~وما يقرب منها إلى الله ويبعد وكيف يشقى بها من يشقى ويسعد بها من يسعد ~~وغير ذلك من الفوائد التى لا تكاد تظفر بها في كتاب سواه وذلك محض منة من ~~الله على عبده وعطية من بعض عطاياه فهو كتاب يصلح للملوك والأمراء ~~والأغنياء والفقراء والصوفية والفقهاء ينهض بالقاعد إلى المسير ويؤنس ~~السائر في الطريق وينبه السالك على المقصود ومع هذا فهو جهد المقل وقدرة ~~المفلس حذر فيه من الداء وان كان من أهله ووصف فيه الدواء وان لم يصبر على ~~تناوله لظلمه وجهله وهو يرجوا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين أن يغفر له غيه ~~لنفسه # لعبادة المؤمنين فما كان في الكتاب من صواب فمن الله وحده فهو المحمود ~~والمستعان وما كان فيه من خطأ فم مصنفه ومن الشيطان والله بريء منه ورسوله ~~وهذه بضاعة مؤلفة المرجاة تساق إليك وسلعته تعرض عليك فلقاريه غنمة وعلى ~~مؤلفة غرمه وبنات أفكاره تزف إليك فإن وجدت حرا كريما # PageV01P008 # كان بها أسعد وإلا فهي خود تزف إلى عنين متعد. # وقد جعلته ستة وعشرين بابا وخاتمة: # الباب الأول في معنى الصبر لغة واشتقاق هذه اللفظة وتصريفها. # الباب الثاني في حقيقة الصبر وكلام الناس في. # الباب الثالث في بيان أسماء الصبر بالاضافة إلى متعلقة. # الباب الرابع في الفرق بي الصبر والتصبر والاصطبار والمصابرة. # الباب الخامس في أقسام الصبر باعتبار محله. # الباب السادس في أقسامه بحسب اختلاف قوته وضعفه ومقاومته لجيش الهوى ~~وعجزه عنه. # الباب السابع في بيان أقسامه باعتبار متعلقه. # الباب الثامن في انقسامه باعتبار تعلق الأحكام الخمسة به. # الباب التاسع في بيان تفاوت درجات الصبر. ms002 # الباب العاشر في انقسام الصبر إلى محمود ومذموم. # الباب الحادي عشر في الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام. # الباب الثاني عشر في الأسباب التي تعين عل الصبر. # الباب الثالث عشر: في بيان أن الإنسان لا يستغنى عن الصبر في حال من ~~الأحوال. # الباب الرابع عشر: في بيان اشق الصبر على النفوس. # الباب الخامس عشر: في ذكر ما ورد في الصبر من نصوص الكتاب العزيز. # الباب السادس عشر: في ذكر ما ورد فيه من نصوص السنة. # الباب السابع عشر: في ذكر الآثار الواردة عن الصحابة في فضيلة الصبر. # PageV01P009 # الباب الثامن عشر: في ذكر أمور تتعلق بالمصيبة من البكاء والندب وشق ~~الثياب ودعوى الجاهلية ونحوها. # الباب التاسع عشر في الصبر نصف الإيمان وأن الإيمان نصفان صبر ونصف شكر. # الباب العشرون: في بيان تنازع الناس في الأفضل من الصبر والشكر. # الباب الحادي والعشرون في الحكم بين الفريقين والفصل بين الطائفتين. # الباب الثاني والعشرون: في اختلاف الناس في الغنى الشاكر والفقير الصابر ~~أيهما أفضل وما هو الصواب في ذلك. # الباب الثالث والعشرون: في ذكر ما احتجت به الفقراء من الكتاب والسنة ~~والآثار والاعتبار. # الباب الرابع والعشرون: في ذكر ما احتجت به الأغنياء من الكتاب والسنة ~~والآثار والاعتبار. # الباب الخامس والعشرون: في بيان الأمور المضادة للصبر والمنافية له ~~والقادحة فيه. # الباب السادس والعشرون: في بيان دخول الصبر في صفات الرب جل جلاله ~~وتسميته بالصبور والشكور سميته (عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين) والله ~~المسؤول أن يجعله خالصا لوجهه مدنيا من رضاه وأن ينفع به مؤلفه وكاتبه ~~وقارئه انه سميع الدعاء وأهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل # PageV01P010 # وصدع بأمره وتحمل في مرضاته ما لم يتحمله بشر سواه وقام لله بالصبر ~~والشكر حتى القيام حتى بلغ رضاه فثبت في مقام الصبر حتى لم يلحقه أحد من ~~الصابرين وترقى في درجة الشكر حتى علا فوق جميع الشاكرين فحمد الله ~~وملائكته ورسله وجيمع المؤمنين ولذلك خص بلواء الحمد دون جميع العالمين ~~فآدم تحت لوائه ومن دون الأنبياء والمرسلين وجعل الحمد فاتحة ms003 كتابه الذى ~~أنزله عليه كذلك فيما بلغنا وفي التوارة والإنجيل وجعله آخر دعوى أهل ثوابه ~~الذين دعوى أهل ثوابه الذين هداهم على يديه أمته الحامدين قبل ان يخرجهم ~~إلى الوجود لحمدهم له على السراء والضراء والشدة والرخاء وجعلهم أسق الأمم ~~إلى دار الثواب والجزاء فأقرب الخلق إلى لوائه أكثرهم حمدا لله وذكرا كما ~~أن أعلاهم منزلة أكثرهم صبرا وشكرا فصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله ~~وجميع المؤمنين عليه كما وحد الله وعرف به ودعا إليه وسلم تسليما كثيرا. # أما بعد فإن الله سبحانه جعل الصبر جوادا لا يكبو وصارما لا ينبو وجندا ~~لا يهزم وحصنا حصينا لا يهدم ولا يثلم فهو والنصر أخوان شقيقان فالنصر مع ~~الصبر والفرج مع الكرب والعسر مع اليسر وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ~~ولا عدد ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد ولقد ضمن الوفي الصادق لأهله ~~في محكم الكتاب أنه يوفيهم أجرهم بغير حساب واخبره أنه معهم بهدايته ونصره ~~العزيز وفتحه المبين فقال تعالى {واصبروا إن الله مع الصابرين} فظفر ~~الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة وفازوا بها بنعمة الباطنة ~~والظاهرة وجعل سبحانه الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين فقال تعالى ~~وبقوله اهتدى المهتدون {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون} . # وأخبر أن الصبر خير لأهله مؤكدا باليمن فقال تعالى {ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين} وأخبر أن مع الصبر والتقوى # PageV01P011 # لا يضر كيد العدو ولو كان ذا تسليط فقال تعالى {وإن تصبروا وتتقوا لا ~~يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط} # وأخبر عن نبيه يوسف الصديق أن صبره وتقواه وصلاه إلى محل العز والتمكين ~~فقال: {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} وعلق الفلاح ~~بالصبر والتقوى فعقل ذلك عنه المؤمنون فقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا ~~اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} . # وأخبر عن محبته لأهله وفي ذلك أعظم ترغيب للراغبين فقال تعالى {والله يحب ~~الصابرين} ولقد بشر الصابرين بثلاث كل منها خير مما عليه ms004 أهل الدنيا ~~يتحاسدون فقال تعالى {وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله ~~وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} . # وأوصى عبادة بالاستعانة بالصبر والصلاة على نوائب الدنيا والدين فقال ~~تعالى {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} # وجعل الفوز بالجنة والنجاة من النار لا يحظى به الا الصابرون فقال تعالى ~~{إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون} وأخبر أن الرغبة في ثوابه ~~والإعراض عن الدنيا وزينتها لا ينالها ألا أو لو الصبر المؤمنون فقال تعالى ~~{وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا ~~يلقاها إلا الصابرون} وأخبر تعالى أن دفع السيئة بالتي هي أحسن تجعل المسىء ~~كأنه ولي حميم فقال {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا ~~الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} وأن هذه الخصلة لا يلقاها الا الذين ~~صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم # وأخبر سبحانه مؤكدا بالقسم {إن الإنسان لفي خسر إلا # PageV01P012 # الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} وقسم خلقه ~~قسمين أصحاب ميمنة وأصحاب مشأمة وخص أهل الميمنة أهل التواصى بالصبر ~~والمرحمة وخص بالانتفاع بآياته أهل الصبر وأهل الشكر تمييز لهم بهذا الحظ ~~الموفور فقال في أربع آيات من كتابه {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} وعلق ~~المغفرة والأجر بالعمل الصالح والصبر وذلك على من يسره عليه يسير فقال {إلا ~~الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير} . # وأخبر أن الصبر والمغفرة من العزائم التي تجارة أربابها لا تبور فقال ~~{ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} وأمر رسوله بالصبر لحكمه وأخبر أن ~~صبره انما هو به وبذلك جميع المصائب تهون فقال {واصبر لحكم ربك فإنك ~~بأعيننا} وقال {واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما ~~يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} . # والصبر آخية المؤمن التى يجول ثم يرجع إليها وساق إيمانه الذى اعتماد له ms005 ~~الإ عليها فلا ايمان لمن لا صبر له وان كان فإيمان قليل في غاية الضعف ~~وصاحبه ممن يعبد الله على حرف فان أصابه خير اطمأن به وان أصابته فتنة ~~انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ولم يحظ منهما الإ بالصفقة الخاسرة فخير ~~عيش أدركه السعداء بصبرهم وترقوا إلى أعلى المازل بشكرهم فساروا بين جناحى ~~الصبر والشكر إلى جنات النعيم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء واله ذو الفضل ~~العظيم # فصل: ولما كان الإيمان نصفين نصف صبر ونصف شكر كان حقيقا على من نصح نفسه ~~وأحب نجاتها وآثر سعادتها أن لا يهمل هذين # PageV01P013 ### | الباب الأول: في معنى الصبر لغة واشتقاق هذه اللفظة وتصريفها # أصل هذه الكلمة هو المنع والحبس فالصبر حبس النفس عن الجزع واللسان عن ~~التشكي والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما ويقال صبر يصبر صبرا ~~وصبر نفسه قال تعالى {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم} وقال عنترة # فصبرت عارفة لذلك حرة ... ترسو اذا نفس الجبان تطلع # يقول حبست نفسا عارفة وهى نفس حر يأنف لا نفس عبد لا أنفه له وقوله ترسو ~~أي تثبت وتسكن إذا خفت نفس الجبان واضطربت ويقال صبرت فلانا إذا حبسته ~~وصبرته بالتشديد إذا حملته على الصبر وفي حديث الذي أمسك رجلا وقتله آخر ~~يقتل القاتل ويصبر الصابر أي يحبس للموت كما حبس من أمسكه للموت وصبرت ~~الرجل إذا قتلته صبرا أي أمسكته للقتل وصبرته أيضا وأصبرته إذا حبسه للحلف ~~ومنه الحديث الصحيح من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي ~~الله وهو عنه معرض ومنه الحديث الذي في القسامة ولا تصبر يمينه حيث تصبر ~~الإيمان والمصبورة اليمين المحلوف عليها وفي الحديث نهى عن المصبورة وهى ~~الشاة والدجاجة ونحوهما تصبر للموت فتربط فترمى حيث تموت. # وفعل هذا الباب صبرت أصبر بالفتح في الماضي والكسر في # PageV01P015 # المستقبل وأما صبرت أصبر بالضم في المستقبل فهو بمعنى الكفالة والصبير ~~الكفيل كأنه حبس نفسه للغرم ومنه قولهم أصبرنى أي جعلني كفيلا وقيل أصل ~~الكلمة من ms006 الشدة والقوة ومنه الصبر للدواء المعروف لشدة مرارته وكراهته قال ~~الأصمعى "إذا لقي الرجل الشدة بكمالها قيل لقيها بأصبارها" ومنه الصبر بضم ~~الصاد للأرض ذات الحصب لشدتها وصلابتها ومنه سميت الحرة أم صبار ومنه قولهم ~~وقع القوم في أمر صبور بتشديد الباء أي أمر شديد ومنه صبارة الشتاء بتخفيف ~~الباء وتشديد الراء لشدة برده وقيل مأخوذ من الجمع والضم فالصابر يجمع نفسه ~~ويضمها عن الهلع والجزع ومنه صبرة الطعام وصبارة الحجارة. # والتحقيق أن في الصبر المعاني الثلاثة المنع والشدة والضم ويقال صبر إذا ~~أتى بالصبر وتصبر إذا تكلفه واستدعاه واصطبر إذا اكتسبه وتعمله وصابر إذا ~~وقف خصمه في مقام الصبر وصبر نفسه وغيره بالتشديد إذا حملها على الصبر واسم ~~الفاعل صابر وصبار وصبور ومصابر ومصطبر فمصابر من صابر ومصطبر من اصطبر ~~وصابر من صبر وأما صبار وصبور فمن أوزان المبالغة من الثلاثى كضراب وضروب ~~والله أعلم # PageV01P016 ### | الباب الثاني: في حقيقة الصبر وكلام الناس فيه # قد تقدم بيان معناه لغة وأما حقيقته فهو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع ~~به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل وهو قوة من قوى النفس التى بها صلاح شأنها ~~وقوام أمرها وسئل عنه الجند بن محمد فقال تجرع المرارة من غير تعبس وقال ذو ~~النون هو التباعد عن المخالفات والسكون عند تجرع غصصى البلية وإظهار الغني ~~مع حلول الفقر بساحات المعيشة وقبل الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب ~~وقيل: # PageV01P016 # "هو الغنى في البلوى بلا ظهور شكوى وقال أبو عثمان الصبار "هو الذي عود ~~نفسه الهجوم على المكاره" وقيل الصبر المقام على البلاء بحسن الصحبة ~~كالمقام مع العافية ومعنى هذا أن لله على العبد عبودية في عافيته وفي بلائه ~~فعليه أن يحسن صحبة العافية بالشكر وصحبة البلاء بالصبر وقال عمرو بن عثمان ~~المكي: "الصبر هو الثبات مع الله وتلقى بلائه بالرحب والدعة" ومعنى هذا انه ~~يتلقى البلاء وبصدر واسع لا يتعلق بالضيق والسخط والشكوى وقال الخواص ~~"الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة" وقال رويم ms007 "الصبر ترك الشكوى" فسره ~~يلازمه وقال غيره "الصبر هو الاستعانة بالله" وقال أبو على "الصبر كاسمه" ~~وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه "الصبر مطية لا تكبو" وقال أبو محمد ~~الجريري "الصبر أن لا يفرق بين النعمة والمحنة مع سكون الخاطر فيهما". # قلت وهذا غير مقدور ولا مأمور به فقد ركب الله الطباع على التفريق بين ~~الحالتين وانما المقدور حبس النفس عن الجزع لا استواء الحالتين عند العبد ~~وساحة العافية أوسع للعبد من ساحة الصبر كما قال النبي في الدعاء المشهور ~~"إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالى غير أن عافيتك أوسع لي" ولا يناقض هذا ~~قوله "وما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر" فإن هذا بعد نزول البلاء ليس ~~للعبد أوسع من الصبر وأما قبله فالعافية أوسع له وقال أبو على الدقاق "حد ~~الصبر أن لا يعترض على التقدير" فأما إظهار للبلاء على غير وجه الشكوى فلا ~~ينافي الصبر قال الله تعالى في قصة أيوب {إنا وجدناه صابرا} مع قوله {مسنى ~~الضر} قلت فسر اللفظ بلازمها. # وأما قوله "على غير وجه الشكوى" فالشكوى نوعان أحدهما الشكوى إلى الله ~~فهذا لا ينافي الصبر كما قال يعقوب {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} مع قوله ~~{فصبر جميل} وقال أيوب {مسني الضر} مع # PageV01P017 # وصف الله له بالصبر وقال سيد الصابرين صلوات الله وسلامه عليه "اللهم ~~أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتى ... الخ". # وقال موسى صلوات الله وسلامه عليه "اللهم لك الحمد واليك المشتكى وأنت ~~المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة الا بك". # والنوع الثانى شكوى المبتلى بلسان الحال والمقال فهذه لا تجامع الصبر بل ~~تضاده وتبطله فالفرق بين شكواه والشكوى اليه وسنعود لهذه المسألة في باب ~~اجتماع الشكوى والصبر وافتراقهما ان شاء الله تعالى. # وقيل الصبر شجاعة النفس ومن ها هنا أخذ القائل قوله الشجاعة صبر ساعة ~~وقيل الصبر ثبات القلب عند موارد الاضطراب والصبر والجزع ضدان ولهذا يقابل ~~أحدهما بالآخر قال تعالى عن أهل النار: ms008 {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا ~~من محيص} والجزع قرين العجز وشقيقه والصبر قرين الكيس ومادته فلو سئل الجزع ~~من أبوك لقال العجز ولو سئل الكيس من أبوك لقال الصبر والنفس مطية العبد ~~التى يسير عليها إلى الجنة أو النار والصبر لها بمنزلة الخطام والزمام ~~للمطيه فإن لم يكن للمطيه خطام ولا زمام شردت في كل مذهب. # وحفظ من خطب الحجاج "اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة إلى كل سوء فرحم الله ~~امرءا جعل لنفسه خطاما وزماما فقادها بخطامها إلى طاعة الله وصرفها بزمامها ~~عن معاصى الله فإن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه". # قلت والنفس فيها قوتان قوة الإقدام وقوة الإحجام فحقيقة الصبر ان يجعل ~~قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه وقوة الإحجام إمساكا عما يضره ومن الناس ~~من تكون قوة صبره على فعل ما ينتفع به وثباته عليه أقوى من صبره عما يضره ~~فيصبر على مشقة الطاعة ولا صبر له عن داعي # PageV01P018 # هواه إلى ارتكاب ما نهى عنه ومنهم من تكون قوة صبره عن المخالفات أقوى من ~~صبره على مشقة الطاعات ومنهم من لا صبر له على هذا ولا ذاك وأفضل الناس ~~أصبرهم على النوعين فكثير من الناس يصبر على مكابدة قيام الليل في الحر ~~والبرد وعلى مشقة الصيام ولا يصبر عن نظرة محرمة وكثير من الناس يصبر عن ~~النظر وعن الالتفات إلى الصور ولا صبر له على الأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر وجهاد الكفار والمنافقين بل هو أضعف شئ عن هذا وأعجزه وأكثرهم لا ~~صبر له على واحد من الأمرين وأقلهم أصبرهم في الموضعين وقيل "الصبر ثبات ~~باعث العقل والدين في مقابلة باعث الهوى والشهوة" ومعنى هذا أن الطبع ~~يتقاضى ما يحب وباعث العقل والدين يمنع منه والحرب قائمة بينهما وهو سجال ~~ومحرك هذا الحرب قلب العبد والصبر والشجاعة والثبات # PageV01P019 ### | الباب الثالث: في بيان أسماء الصبر بالإضافة إلى متعلقه # لما كان الصبر المحمود هو الصبر النفساني الاختياري عن إجابة داعي الهوى ~~المذموم كانت مراتبه ms009 وأسماؤه بحسب متعلقه فإنه ان كان صبرا عن شهوة الفرج ~~المحرمة سمي عفة وضدها الفجور والزنا والعهر وان كان عن شهوة البطن وعدم ~~التسرع إلى الطعام أو تناول مالا يجمل منه سمي شرف نفس وشبع نفس وسمي ضده ~~شرها ودناءة ووضاعة نفس وان كان عن إظهار ما لا يحسن إظهاره من الكلام سمي ~~كتمان سر وضده إذاعة وإفشاء أو تهمة أو فحشاء أو سبا أو كذبا أو قذفا وان ~~كان عن فضول العيش سمي زهدا وضده حرصا وان كان على قدر يكفي من الدنيا سمي ~~قناعة وضدها الحرص أيضا وان كان عن إجابة داعي الغضب سمي حلما وضده تسرعا ~~وان كان عن إجابة داعي العجلة سمي وقارا وثباتا وضده طيشا وخفة وان كان عن ~~إجابة داعي الفرار والهرب سمي شجاعة وضده جبنا وخورا وان كان عن إجابة داعي ~~الانتقام سمي # PageV01P019 # عفوا وصفحا وضده انتقاما وعقوبة وان كان عن إجابة داعي الإمساك والبخل ~~سمي جودا وضده بخلا وان كان عن إجابة داعي الطعام والشراب في وقت مخصوص سمي ~~صوما وان كان عن إجابة داعي العجز والكسل سمي كيسا وان كان عن إجابة داعي ~~إلقاء الكيل على الناس وعدم حمل كلهم سمي مروءة فله عند كل فعل وترك اسم ~~يخصه بحسب متعلقه والاسم الجامع لذلك كله الصبر وهذا يدلك على ارتباط ~~مقامات الدين كلها بالصبر من أولها إلى آخرها وهكذا يسمى عدلا إذا تعلق ~~بالتسوية بين المتماثلين وضده الظلم ويسمى سماحة إذا تعلق ببذل الواجب ~~والمستحب بالرضا والاختيار وعلى هذا جميع منازل الدين # PageV01P020 ### | الباب الرابع: في الفرق بين الصبر والتصبر والاصطبار والمصابرة # الفرق بين هذه الأسماء بحسب حال العبد في نفسه وحاله مع غيره فإن حبس ~~نفسه ومنعها عن إجابة داعي ما لا يحسن ان كان خلقا له وملكه سمي صبرا وان ~~كان بتكلف وتمرن وتجرع لمرارته سمي تصبرا كما يدل عليه هذا البناء لغة فإنه ~~موضوع للتكلف كالتحلم والتشجع والتكرم والتحمل ونحوها وإذا تكلفه العبد ~~واستدعاه صار سجية له كما في ms010 الحديث عن النبي أنه قال "ومن يتصبر يصبره ~~الله" وكذلك العبد يتكلف التعفف حتى يصير التعفف له سجية كذلك سائر الأخلاق ~~وهي مسألة اختلف فيها الناس هل يمكن اكتساب واحد منها أو التخلق لا يصير ~~خلقا أبدا كما قال الشاعر: # يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل # وقال آخر # يا أيها المتحلى غير شيمته ... ان التخلق يأتى دونه الخلق # فقبح التطبع شيمة المطبوع ... # PageV01P020 # قالوا وقد فرغ الله سبحانه من الخلق والخلق والرزق والأجل وقالت طائفة ~~أخرى بل يمكن اكتساب الخلق كما يكتسب العقل والحلم والجود والسخاء والشجاعة ~~والوجود شاهد بذلك قالوا والمزاولات تعطى الملكات ومعنى هذا أن من زاول ~~شيئا واعتاده وتمرن عليه صار ملكه له وسجيه وطبيعه قالوا والعوائد تنقل ~~الطبائع فلا يزال العبد يتكلف التصبر حتى يصير الصبر له سجية كما أنه لا ~~يزال يتكلف الحلم والوقار والسكينة والثبات حتى تصير له أخلاقا بمنزلة ~~الطبائع قالوا وقد جعل الله سبحانه في الإنسان قوة القبول والتعلم فنقل ~~الطبائع عن مقتضياتها غير مستحيل غير أن هذا الانتقال قد يكون ضعيفا فيعود ~~العبد إلى طبعه بأدنى باعث وقد يكون قويا ولكن لم ينقل الطبع فقد يعود إلى ~~طبعه إذا قوى الباعث واشتد وقد يستحكم الانتقال بحيث يستحدث صاحبه طبعا ~~ثانيا فهذا لا يكاد يعود إلى طبعه الذى انتقل عنه. # وأما الاصطبار فهو أبلغ من التصبر فإنه افتعال للصبر بمنزلة الاكتساب ~~فالتصبر مبدأ الاصطبار كما أن التكسب مقدمة الاكتساب فلا يزال التصبر يتكرر ~~حتى يصير اصطبارا # وأما المصابرة فهي مقاومة الخصم في ميدان الصبر فإنها مفاعلة تستدعى ~~وقوعها بين اثنين كالمشاتمة والمضاربة قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا ~~اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} فأمرهم بالصبر وهو حال ~~الصابر في نفسه والمصابرة وهى حاله في الصبر مع خصمه والمرابطة وهى الثبات ~~واللزوم والاقامة على الصبر والمصابرة فقد يصبر العبد ولا يصابر وقد يصابر ~~ولا يرابط وقد يصبر ويصابر ويرابط من غير تعبد بالتقوى فأخبر سبحانه أن ~~ملاك ذلك كله ms011 التقوى وأن الفلاح موقوف عليها فقال {واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون} فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذي يخاف هجوم العدو منه في الظاهر ~~فهي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان فيزيله عن مملكته # PageV01P021 ### | الباب الخامس: في انقسامه باعتبار محله # الصبر ضربان: ضرب بدني وضرب نفساني وكل منهما نوعان اختياري واضطراري ~~فهذه أربعة أقسام: # الأول: البدني الاختياري، كتعاطي الأعمال الشاقة على البدن اختيارا ~~وإرادة. # الثاني: البدني الاضطراري كالصبر على ألم الضرب والمرض والجراحات والبرد ~~والحر وغير ذلك. # الثالث: النفساني الاختياري كصبر النفس عن فعل ما لا يحسن فعله شرعا ولا ~~عقلا. # الرابع: النفساني الاضطراري كصبر النفس عن محبوبها قهرا إذا حيل بينها ~~وبينه. # فإذا عرفت هذه الأقسام فهي مختصة بنوع الإنسان دون البهائم ومشاركة ~~للبهائم في نوعين منها وهما صبر البدن والنفس الاضطراريين وقد يكون بعضها ~~أقوى صبرا من الإنسان وإنما يتميز الإنسان عنها بالنوعين الاختياريين وكثير ~~من الناس تكون قوة صبره في النوع الذى يشارك فيه البهائم لا في النوع الذى ~~يخص الإنسان فيعد صابرا وليس من الصابرين. # فإن قيل هل يشارك الجن والإنس في هذا الصبر قيل نعم هذا من لوازم التكليف ~~وهو مظنة الأمر والنهى والجن مكلفون بالصبر على الأوامر والصبر عن النواهى ~~كما كلفنا نحن بذلك فإن قيل فهل هم مكلفون على الوجه الذى كلفنا نحن به أم ~~على وجه آخر قيل ما كان من لوازم النفوس كالحب والبغض والإيمان والتصديق ~~والموالاة والمعاداة فنحن وهم مستوون فيه وما كان من لوازم الأبدان كغسل ~~الجنابة وغسل # PageV01P022 # الأعضاء في الوضوء والاستنجاء والختان وغسل الحيض ونحو ذلك فلا تجب ~~مساواتهم لنا في تكلفه وان تعلق ذلك بهم على وجه يناسب خلقتهم وحيائهم. # فإن قيل فهل تشاركنا الملائكة في شئ من أقسام الصبر قيل الملائكة لم ~~يبتلوا بهوى يحارب عقولهم ومعارفهم بل العبادة والطاعة لهم كالنفس لنا فلا ~~يتصور في حقهم الصبر الذي حقيقته ثبات باعث الدين والعقل في مقابلة باعث ~~الشهوة والهوى وان كان لهم صبر يليق بهم وهو ms012 ثباتهم وإقامتهم على ما خلقوا ~~له من غير منازعة هوى أو شهوة أو طبع. # فالإنسان منا إذا غلب صبره باعث الهوى والشهوة التحق بالملائكة وان غلب ~~باعث الهوى والشهوة صبره التحق بالشياطين وان غلب باعث طبعه من الأكل ~~والشرب والجماع صبره التحق بالبهائم قال قتادة خلق الله سبحانه الملائكة ~~عقولا بلا شهوات وخلق البهائم شهوات بلا عقول وخلق الإنسان وجعل له عقلا ~~وشهوة فمن غلب عقله شهوته فهو مع الملائكة ومن غلبت شهوته عقله فهو ~~كالبهائم ولما خلق الإنسان في ابتداء أمره ناقصا لم يخلق فيه الإ شهوة ~~الغذاء الذي هو محتاج إليه فصبره في هذه الحال بمنزلة صبر البهائم وليس له ~~قبل تمييزه قوة صبر الاختيار فإذا ظهرت فيه شهوة اللعب استعد لقوة الصبر ~~الاختياري على ضعفها فيه فإذا تعلقت به شهوة النكاح ظهرت فيه قوة الصبر ~~وإذا تحرك سلطان العقل وقوى استعان بجيش الصبر ولكن هذا السلطان وجنده لا ~~يستقلان بمقاومة سلطان الهوى وجنده فإن إشراق نور الهداية يلوح عليه عند ~~أول سن التمييز وينمو على التدريج إلى سن البلوغ كما يبدو خيط الفجر ثم ~~يتزايد ظهوره وكلها هداية قاصرة غير مستقلة بإدراك مصالح الآخرة ومضارها بل ~~غايتها تعلقها ببعض مصالح الدنيا ومفاسدها فإذا طلعت عليه شمس النبوة ~~والرسالة وأشرق عليه نورها رأى في ضوئها تفاصيل مصالح الدارين ومفاسدهما ~~فتلمح العواقب وليس لأمة الحرب وأخذ أنواع # PageV01P023 # الأسلحه ووقع في حومة الحرب بين داعي الطبع والهوى وداعي العقل والهدى ~~والمنصور من نصره الله والمخذول من خذله ولا تضع الحرب أوزارها حتى ينزل في ~~إحدى المنزلتين ويصير إلى ما خلق له من الدارين. # PageV01P024 ### | الباب السادس: بيان أقسامه بحسب اختلاف قوته وضعفه ومقاومته لجيش الهوى وعجزه عنه # وباعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال: # إحداها: أن يكون القهر والغلبة لداعي الدين فيرد جيش الهوى مغلولا وهذا ~~إنما يصل إليه بدوام الصبر والواصلون إلى هذه الرتبة هم المنصورون في ~~الدنيا والآخرة وهم الذين قالوا {ربنا الله ثم استقاموا} وهم الذين ms013 تقول ~~لهم الملائكة عند الموت {ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم ~~توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة} وهم الذين نالوا معية ~~الله مع الصابرين وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده وخصهم بهدايته دون من ~~عداهم. # الحالة الثانية ان تكون القوة والغلبة لداعي الهوى فيسقط منازعه باعث ~~الدين بالكلية فيستسلم البائس للشيطان وجنده فيقودونه حيث شاءوا وله معهم ~~حالتان إحداهما ان يكون من جندهم وأتباعهم وهذه حال العاجز الضعيف الثانية ~~ان يصير الشيطان من جنده وهذه حال الفاجر القوي المتسلط والمبتدع الداعية ~~المتبوع كما قال القائل: # وكنت امرءا من جند إبليس فارتقى ... بي الحال حتى صار إبليس من جندي # فيصير إبليس وجنده من أعوانه وأتباعه وهؤلاء هم الذين غلبت عليهم شقوتهم ~~واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة وإنما صاروا إلى هذه الحال لما أفلسوا من ~~الصبر وهذه الحالة هي حالة جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء # PageV01P024 # القضاء وشماتة الأعداء وجند أصحابها المكر والخداع والأماني الباطلة ~~والغرور والتسويف بالعمل وطول الأمل وإيثار العاجل على الآجل وهي التي قال ~~في صاحبها النبي:"العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني" ~~وأصحاب هذه الحال أنواع شتى فمنهم المحارب لله ورسوله الساعي في أبطال ما ~~جاء به الرسول يصد عن سبيل الله ويبغيها جهده عوجا وتحريفا ليصد الناس عنها ~~ومنهم المعرض عما جاء به الرسول المقبل على دنياه وشهواتها فقط ومنهم ~~المنافق ذو الوجهين الذي يأكل بالكفر والإسلام ومنهم الماجن المتلاعب الذي ~~قطع أنفاسه بالمجون واللهو واللعب ومنهم من إذا وعظ قال واشواقاه إلى ~~التوبة ولكنها قد تعذرت على فلا مطمع لي فيها ومنهم من يقول ليس الله ~~محتاجا إلى صلاتي وصيامي وأنا لا أنجو بعملي والله غفور رحيم ومنهم من يقول ~~ترك المعاصي استهانة بعفو الله ومغفرته. # فكثر ما استطعت من الخطايا ... إذا كان القدوم على كريم # ومهم من يقول ماذا تقع طاعتي في جنب ما عملت وما قد ينفع الغريق خلاص ~~أصبعه وباقي بدنه غريق ومنهم من يقول سوف أتوب وإذا ms014 جاء الموت ونزل بساحتي ~~تبت وقبلت توبتي إلى غير ذلك من أصناف المغترين الذين صارت عقولهم في أيدي ~~شهواتهم فلا يستعمل أحدهم عقله إلا في دقائق الحيل التي بها يتوصل إلى قضاء ~~شهوته فعقله مع الشيطان كالأسير في يد الكافر يستعمله في رعاية الخنازير ~~وعصر الخمر وحمل الصليب وهو بقهره عقله وتسليمه إلى أعدائه عند الله بمنزلة ~~رجل قهر مسلما وباعه للكفار وسلمه إليهم وجعله أسيرا عندهم. # فصل: وهاهنا نكتة بديعة يجب التفطن لها وينبغي إخلاء القلب لتأملها وهو ~~أن هذا المغرور لما أذل سلطان الله الذي أعزه به وشرفه ورفع به قدره وسلمه ~~في يد أبغض أعدائه إليه وجعله أسيرا له تحت قهره وتصرفه وسلطانه سلط الله ~~عليه من كان حقه هو أن يتسلط عليه فجعله # PageV01P025 # تحت قهره وتصرفه وسلطانه يسخره حيث شاء ويسخر منه ويسخر منه جنده وحزبه ~~فكما أذل سلطان الله وسلمه إلى عدوه أذله الله وسلط عليه عدوه الذي أمره أن ~~يتسلط هو عليه ويذله ويقهره فصار بمنزلة من سلم نفسه إلى أعدى عدو له يسومه ~~سوء العذاب وقد كان بصدد أن يستأسره ويقهره ويشفي غيظه منه فلما ترك ~~مقاومته ومحاربته واستسلم له سلط عليه عقوبة له قال الله تعالى {فإذا قرأت ~~القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} . # فإن قيل فقد أثبت له على أوليائه هاهنا سلطانا فكيف نفاه بقوله تعالى ~~حاكيا عنه مقررا له {وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ~~ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} ~~وقال تعالى {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين وما ~~كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك} # قيل: السلطان الذي أثبته له عليهم غير الذي نفاه من وجهين أحدهما أن ~~السلطان الثابت هو سلطان التمكن منهم وتلاعبه بهم ms015 وسوقه اياهم كيف أراد ~~بتمكينهم اياه من ذلك بطاعته وموالاته والسلطان الذى نفاه سلطان الحجة فلم ~~يكن لابليس عليهم من حجة يتسلط بها غير أنه دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا ~~برهان الثانى أن الله لم يجعل له عليهم سلطانا ابتداء البتة ولكن هم سلطوه ~~على انفسهم بطاعته ودخولهم في جملة جنده وحزبه فلم يتسلطن عليهم بقوته فإن ~~كيده ضعيف وانما تسلطن عليهم بإرادتهم واختيارهم والمقصود أن من قصد أعظم ~~أوليائه وأحبابه ونصحائه فأخذه وأخذ أولاده وحاشيته وسلمهم إلى عدوه كان من ~~عقوبته أن يسلط عليه ذلك العدو نفسه. # فصل: الحالة الثالثة أن يكون الحرب سجالا ودولا بين الجندين # PageV01P026 # فتارة له وتارة عليه وتكثر نوبات الانتصار وتقل وهذه حال أكثر المؤمنين ~~الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا. # وتكون الحال يوم القيامة موازنة لهذه الأحوال الثلاث سواء بسواء فمن ~~الناس من يدخل الجنة ولا يدخل النار ومنهم من يدخل النار ولا يدخل الجنة ~~ومنهم من يدخل النار ثم يدخل الجنة وهذه الأحوال الثلاث هى أحوال الناس في ~~الصحة والمرض فمن الناس من تقاوم قوته داءه فتقهره ويكون السلطان للقوة ~~ومنهم من يقهر داؤه قوته ويكون السلطان للداء ومنهم من الحرب بين دائه ~~وقوته نوبا فهو متردد بين الصحة والمرض. # فصل: ومن الناس من يصبر بجهد ومشقة ومنهم من يصبر بأدنى حمل على النفس ~~ومثال الاول كرجل صارع رجلا شديدا فلا يقهره إلا بتعب ومشقة والثانى كمن ~~صارع رجلا ضعيفا فإنه يصرعه بغير مشقة فهكذا تكون المصارعة بين جنود الرحمن ~~وجنود الشيطان ومن صرع جند الشيطان صرع الشيطان. # قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه "لقى رجلا من الانس رجلا من الجن ~~فصارعه فصرعه الانسى فقال مالى أراك ضئيلا فقال انى من بينهم لضليع فقالوا ~~أهو عمر بن الخطاب" فقال "من ترونه غير عمر! ". # وقال بعض الصحابة ان المؤمن ينضى شيطانه كما ينضى أحدكم بعيره في السفر ~~وذكر ابن أبى الدنيا عن بعض السلف أن شيطانا لقى شيطانا فقال ما لى أراك ms016 ~~شخيبا فقال انى مع رجل ان أكل ذكر اسم الله فلا آكل معه وان شرب ذكر اسم ~~الله فلا أشرب معه وان دخل بيته ذكر اسم الله فأبيت خارج الدار فقال الآخر ~~لكنى مع رجل أن أكل لم يسم الله فأكل أنا وهو جميعا وان شرب لم يسم الله ~~فأشرب معه وان # PageV01P027 # دخل داره لم يسم الله فأدخل معه وان جامع امرأته لم يسم الله فأجامعها ~~فمن اعتاد الصبر هابه عدوه ومن عز عليه الصبر طمع فيه عدوه وأوشك أن ينال ~~منه غرضه # PageV01P028 ### | الباب السابع: في ذكر أقسامه باعتبار متعلقه # الصبر باعتبار متعلقه ثلاثة أقسام صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها ~~وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها وصبر على الأقدار والاقضية حتى ~~لا يتسخطها وهذه الأنواع الثلاثة هي التى قال فيها الشيخ عبد القادر في ~~فتوح الغيب: "لا بد للعبد من أمر يفعله ونهي يجتنبه وقدر يصبر عليه"21. # وهذا الكلام بطرفين طرف من جهة الرب تعالى وطرف من جهة العبد. # فأما الذي من جهة الرب فهو أن الله تعالى له على عبده حكمان حكم شرعي ~~ديني وحكم كوني قدري فالشرعي متعلق بأمره والكوني متعلق بخلقه وهو سبحانه ~~له الخلق والأمر وحكمه الديني الطلبي نوعان بحسب المطلوب فإن المطلوب ان ~~كان محبوبا له فالمطلوب فعله إما واجبا وإما مستحبا ولا يتم ذلك إلا بالصبر ~~وان كان مبغوضا له فالمطلوب تركه إما تحريما وإما كراهة وذلك أيضا موقوف ~~على الصبر فهذا حكمه الدينى الشرعى واما حكمه الكونى فهو ما يقضيه ويقدره ~~على العبد من المصائب التى لا صنع له فيها ففرضه الصبر عليها وفي وجوب ~~الرضا بها قولان للعلماء وهما وجهان في مذهب أحمد أصحهما أنه مستحب فمرجع ~~الدين كله إلى هذه القواعد الثلاث فعل المأمور وترك المحظور والصبر على ~~المقدور وأما الذي من جهة العبد فإنه لا ينفك عن هذه الثلاث ما دام مكلفا ~~ولا تسقط عنه هذه الثلاث حتى يسقط عنه التكليف فقيام عبودية # PageV01P028 # الأمر والنهى والقدر على ms017 ساق الصبر لا تستوي إلا عليه كما لا تستوي ~~السنبلة إلا على ساقها. # فالصبر متعلق بالمأمور والمحظور والمقدور بالخلق والأمر والشيخ دائما ~~يحوم حول هذه الأصول الثلاثة كقوله يا بنى افعل المأمور وأجتنب المحظور ~~واصبر على المقدور وهذه الثلاثة هى التى أوصى بها لقمان لابنه في قوله: {يا ~~بنى أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك} فأمره ~~بالمعروف يتناول فعله بنفسه وأمر غيره به وكذلك نهيه عن المنكر أما من حيث ~~اطلاق اللفظ فتدخل نفسه فيه وغيره وأما من حيث اللزوم الشرعى فإن الآمر ~~الناهى لا يستقيم له أمره ونهيه حتى يكون أول مأمور ومنهى وذكر سبحانه هذه ~~الأصول الثلاثة في قوله {انما يتذكر أولو الالباب الذين يوفون بعهد الله ~~ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ~~ويخافون سوء الحساب والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا ~~مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرأون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار} . # فجمع لهم مقامات الإسلام والإيمان في هذه الأوصاف فوصفهم بالوفاء بعهده ~~الذي عاهدهم عليه وذلك يعم أمره ونهيه الذي عهده إليهم بينهم وبينه وبينهم ~~وبين خلقه ثم أخبر عن استمرارهم بالوفاء به بأنهم لا يقع منهم نقضه ثم ~~وصفهم بأنهم يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويدخل في هذا ظاهر الدين وباطنه ~~وحق الله وحق خلقه فيصلون ما بينهم وبين ربهم بعبوديته وحده لا شريك له ~~والقيام بطاعته والإنابة إليه والتوكل عليه وحبه وخوفه ورجائه والتوبة إليه ~~والاستكانة له والخضوع والذلة له والاعتراف له بنعمته وشكره عليها والإقرار ~~بالخطيئة والاستغفار منها فهذه هي الوصلة بين الرب والعبد وقد أمر الله ~~بهذه الأسباب التي بينه وبين عبده أن توصل وأمر أن نوصل ما بيننا وبين ~~رسوله بالإيمان به # PageV01P029 # وتصديقه وتحكيمه في كل شيء والرضا لحكمه والتسليم له وتقديم محبته على ~~محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين صلوات الله وسلامه عليه فدخل في ~~ذلك القيام بحقه وحق رسوله وأمر أن نصل ما ms018 بيننا وبين الوالدين والأقربين ~~بالبر والصلة فأنه أمر بيد الوالدين وصلة الأرحام وذلك مما أمر به أن يوصل ~~وأمر ان نصل ما بيننا وبين الزوجات بالقيام بحقوقهن ومعاشرتهن بالمعروف ~~وأمر أن نصل ما بيننا وبين الأرقاء بأن نطعمهم مما نأكل ونكسوهم مما نكتسي ~~ولا نكلفهم فوق طاقتهم وأن نصل ما بيننا وبين الجار القريب والبعيد بمراعاة ~~حقه وحفظه في نفسه وماله وأهله بما نحفظ به نفوسنا وأهلينا وأموالنا وأن ~~نصل ما بيننا وبين الرفيق في السفر والحضر وأن نصل ما بيننا وبين عموم ~~الناس بأن نأتى اليهم بما نحب أن يأتوه الينا وأن نصل ما بيننا وبين الحفظة ~~الكرام الكاتبين بأن نكرمهم ونستحى منهم كما يستحى الرجل من جليسه ومن هو ~~معه ممن يجله ويكرمه. # فهذا كله مما أمر الله به أن يوصل ثم وصفهم بالحامل لهم على هذه الصلة ~~وهو خشيته وخوف سوء الحساب يوم المآب ولا يمكن لأحد قط أن يصل ما أمر الله ~~بوصله الا بخشيته ومتى ترحلت الخشية من القلب انقطعت هذه الوصل ثم جمع لهم ~~سبحانه ذلك كله في أصل واحد هو أخية ذلك وقاعدته ومداره الذى يدور عليه وهو ~~الصبر فقال والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم فلم يكتف منهم بمجرد الصبر حتى ~~يكون خالصا لوجهه. # ثم ذكر لهم ما يعيينهم على الصبر وهى الصلاة فقال وأقاموا الصلاة وهذان ~~هما العونان على مصالح الدنيا والآخرة وهما الصبر والصلاة فقال تعالى ~~{واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} وقال {يا أيها ~~الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} . # PageV01P030 # ثم ذكر سبحانه احسانهم إلى غيرهم بالإنفاق عليهم سرا وعلانية فأحسنوا إلى ~~أنفسهم بالصبر والصلاة وإلى غيرهم بالإنفاق عليهم ثم ذكر حالهم اذا جهل ~~عليهم وأوذوا انهم لا يقابلون ذلك بمثله بل يدرأون بالحسنة السيئة فيحسنون ~~إلى من يسيء اليهم فقال ويدرأون بالحسنة السيئة وقد فسر هذا الدرء بأنهم ~~يدفعون بالذنب الحسنة بعده كما قال تعالى ان الحسنات يذهبن السيئات وقال ~~النبي اتبع السيئة الحسنة ms019 تمحها والتحقيق أن الآية تعم النوعين. # والمقصود أن هذه الايات تناولت مقامات الاسلام والايمان كلها اشتملت على ~~فعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور وقد ذكر تعالى هذه الاصول ~~الثلاثة في قوله: {بلى إن تصبروا وتتقوا} وقوله {إنه من يتق ويصبر} وقوله ~~{يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} ~~فكل موضع قرن فيه التقوى بالصبر اشتمل على الأمور الثلاثة فإن حقيقة التقوى ~~فعل المأمور وترك المحظور # PageV01P031 ### | الباب الثامن: في انقسامه باعتبار تعلق الأحكام الخمسة به # وهو ينقسم بهذا الاعتبار إلى واجب ومندوب ومحظور ومكروه ومباح فالصبر ~~الواجب ثلاثة أنواع: أحدها الصبر عن المحرمات والثانى الصبر على أداء ~~الواجبات والثالث الصبر على المصائب التى لا صنع للعبد فيها كالأمراض ~~والفقر وغيرها. # وأما الصبر المندوب فهو الصبر عن المكروهات والصبر على المستحبات والصبر ~~على مقابلة الجانى بمثل فعله. # وأما المحظور فأنواع أحدها الصبر عن الطعام والشراب حتى يموت # PageV01P031 # وكذلك الصبر عن الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخمصة حرام إذا خاف ~~بتركه الموت قال طاوس وبعده الامام أحمد من اضطر إلى أكل الميتة والدم فلم ~~يأكل فمات دخل النار. # فإن قيل فما تقولون في الصبر عن المسألة في هذه الحال. # قيل اختلف في حكمه هل هو حرام أو مباح على قولين هما لأصحاب أحمد وظاهر ~~نصه ان الصبر عن المسألة جائز فإنه قيل له إذا خاف أن لم يسأل أن يموت فقال ~~لا يموت يأتيه الله برزقه أو كما قال فأحمد منع وقوع المسألة ومتى علم الله ~~ضرورته وصدقه في ترك المسألة قيض الله له رزقا # وقال كثير من أصحاب أحمد والشافعي يجب عليه المسألة وان لم يسأل كان ~~عاصيا لأن المسألة تتضمن نجاته من التلف. # فصل ومن الصبر المحظور صبر الإنسان على ما يقصد هلاكه من سبع أو حيات أو ~~حريق أو ماء أو كافر يريد قتله بخلاف استسلامه وصبره في الفتنة وقتال ~~المسلمين فإنه مباح له بل يستحب كما دلت عليه النصوص الكثيرة وقد سئل النبي ~~عن ms020 هذه المسألة بعينها فقال: "كن كخير ابني آدم " وفي لفظ "كن عبد الله ~~المقتول ولا تكن عبد الله القاتل" وفي لفظ "دعه يبوء بإثمه وإثمك " وفي لفظ ~~آخر " فإن بهرك شعاع السيف فضع يدك على وجهك " وقد حكى الله استسلام خير ~~ابنى آدم وأثنى عليه بذلك وهذا بخلاف قتل الكافر فإنه يجب عليه الدفع عن ~~نفسه لأن من مقصود الجهاد أن يدفع عن نفسه وعن المسلمين وأما قتال اللصوص ~~فهل يجب فيه الدفع أو يجوز فيه الاستسلام فان كان عن معصوم غيره وجب وإن ~~كان عن نفسه فظاهر نصوصه أنه لا يجب الدفع وأوجبه بعضهم ولا يجوز الصبر على ~~من قصده أو حرمته بالفاحشة. # PageV01P032 # فصل: وأما الصبر المكروه فله أمثلة أحدها أن يصبر عن الطعام والشراب ~~واللبس وجماع أهله حتى يتضرر بذلك بدنه الثاني صبره عن جماع زوجته إذا ~~احتاجت إلى ذلك ولم يتضرر به الثالث صبره على المكروه الرابع صبره عن فعل ~~المستحب. # فصل: وأما الصبر المباح فهو الصبر عن كل فعل مستوى الطرفين خير بين فعله ~~وتركه والصبر عليه. # وبالجملة فالصبر على الواجب واجب وعن الواجب حرام والصبر عن الحرام واجب ~~وعليه حرام والصبر على المستحب مستحب وعنه مكروه والصبر عن المكروه مستحب ~~وعليه مكروه والصبر عن المباح مباح والله أعلم # PageV01P033 ### | الباب التاسع: في بيان تفاوت درجات الصبر # الصبر كما تقدم نوعان: اختياري واضطراري والاختياري أكمل من الاضطراري ~~فإن الاضطرارى يشترك فيه الناس ويتأتى ممن لا يتأتى منه الصبر الاختيارى ~~ولذلك كان صبر يوسف الصديق عليه السلام عن مطاوعة امرأة العزيز وصبره على ~~ما ناله في ذلك من الحبس والمكروه أعظم من صبره على ما ناله من اخوته لما ~~ألقوه في الجب وفرقوا بينه وبين أبيه وباعوه بيع العبد ومن الصبر الثانى ~~انشاء الله سبحانه له ما أنشأه من العز والرفعة والملك والتمكين في الأرض ~~وكذلك صبر الخليل عليه السلام والكليم وصبر نوح وصبر المسيح وصبر خاتم ~~الأنبياء وسيد ولد آدم عليهم الصلاة والسلام كان صبرا على الدعوة ms021 إلى الله ~~ومجاهدة أعداء الله ولهذا سماهم الله أولى العزم وأمر رسوله أن يصبر صبرهم ~~فقال {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} وأولو العزم هم المذكورون في ~~قوله تعالى {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما # PageV01P033 # وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} وفي قوله {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ~~ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى} كذلك قال ابن عباس وغيره من السلف ~~ونهاه سبحانه أن يتشبه بصاحب الحوت حيث لم يصبر صبر أولى العزم فقال {فاصبر ~~لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم} . # وها هنا سؤال نافع وهو أن يقال ما العامل في الظرف وهو قوله {إذ نادى} ~~ولا يمكن أن يكون الفعل المنهى عنه اذ يصير المعنى لا تكن مثله في ندائه ~~وقد أثنى الله سبحانه عليه في هذا النداء فأخبر أنه نجاه به فقال {وذا ~~النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا ~~أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي ~~المؤمنين} وفي الترمذى وغيره عن النبي أنه قال: "دعوة أخى ذى النون اذ دعا ~~بها في بطن الحوت ما دعا بها مكروب الا فرج الله عنه لا اله الا أنت سبحانك ~~انى كنت من الظالمين" فلا يمكن أن ينهى عن التشبه به في هذه الدعوة وهى ~~النداء الذى نادى به ربه وانما نهى عن التشبه به في هذه الدعوة وهى النداء ~~الذى نادى به ربه وانما ينهى عن التشبه به في السبب الذى أفضى به إلى هذه ~~المناداة وهى مغاضبته التى أفضت به إلى حبسه في بطن الحوت وشدة ذلك عليه ~~حتى نادى ربه وهو مكظوم والكظيم والكاظم الذى قد امتلأ غيظا وغضبا وهما ~~وحزنا وكظم عليه فلم يخرجه. # فإن قيل وعلى ذلك فما العامل في الظرف قيل ما في صاحب الحوت من معنى ~~الفعل # فإن قيل فالسؤال بعد قائم فإنه إذا قيد المنهى بقيد أو ms022 زمن كان داخلا في ~~حيز النهى فإن كان المعنى لا تكن مثل صاحب الحوت في هذه الحال أو هذا الوقت ~~كان نهيا عن تلك الحالة. # قيل لما كان نداؤه مسببا عن كونه صاحب الحوت فنهى أن يتشبه # PageV01P034 # به في الحال التى أفضت به إلى صحبته الحوت والنداء وهى ضعف العزيمة ~~والصبر لحكمه تعالى ولم يقل تعالى ولا تكن كصاحب الحوت إذ ذهب مغاضبا ~~فالتقمه الحوت فنادى بل طوى القصة واختصرها وأحال بها على ذكرها في الموضع ~~الآخر واكتفي بغايتها وما انتهت اليه. # فان قيل فما منعك بتعويض الظرف بنفس الفعل المنهى عنه أى لا تكن مثله في ~~ندائه وهو ممتلئ غيظا وهما وغما بل يكون نداؤك نداء راض بما قضى عليه قد ~~تلقاه بالرضا والتسليم وسعة الصدر لا نداء كظيم قيل هذا المعنى وان كان ~~صحيحا الا أن النهى لم يقع عن التشبه به في مجرده وانما نهى عن التشبه به ~~في الحال التى حملته على ذهابه مغاضبا حتى سجن في بطن الحوت ويدل عليه قوله ~~تعالى: {فاصبر لحكم ربك} ثم قال: {ولا تكن كصاحب الحوت} أى في ضعف صبره ~~لحكم ربه فان الحالة التى نهى عنها هى ضد الحالة التى أمر بها. # فإن قيل فما منعك أن تصبر حيث أمر بالصبر لحكمه الكونى القدرى الذى يقدره ~~عليه ولا تكن كصاحب الحوت حيث لم يصبر عليه بل نادى وهو كظيم لكشفه فلم ~~يصبر على احتماله والسكون تحته. # قيل منع من ذلك أن الله سبحانه أثنى على يونس وغيره من أنبيائه بسؤالهم ~~اياه كشف ما بهم من الضر وقد أثنى عليه سبحانه بذلك في قوله وذا النون اذ ~~ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا اله الا أنت سبحانك ~~انى كنت من الظالمين فاستجبنا له فنجيناه من الغم وكذلك ننجى المؤمنين فكيف ~~ينهى عن التشبه به فيما يثنى عليه ويمدحه به وكذلك أثنى على أيوب بقوله ~~{مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} وعلى يعقوب بقوله {إنما أشكو ms023 بثي وحزني إلى ~~الله} وعلى موسى بقوله {رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير} وقد شكا إليه ~~خاتم أنبيائه ورسله بقوله: " اللهم أشكو اليك ضعف قوتى وقلة حيلتى" الحديث ~~فالشكوى إليه # PageV01P035 # سبحانه لا تنافي الصبر الجزيل بل اعراض عبده عن الشكوى إلى غيره جملة ~~وجعل الشكوى إليه وحده هو الصبر والله تعالى يبتلى عبده ليسمع شكواه وتضرعه ~~ودعاءه وقد ذم سبحانه من لم يتضرع اليه ولم يستكن له وقت البلاء كما قال ~~تعالى: {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} والعبد أضعف ~~من أن يتجلد على ربه والرب تعالى لم يرد من عبده أن يتجلد عليه بل أراد منه ~~أن يستكين له ويتضرع اليه وهو تعالى يمقت من يشكوه إلى خلقه ويحب من يشكو ~~ما به اليه وقيل لبعضهم كيف تشتكى اليه ما ليس يخفي عليه فقال ربى يرضى ذل ~~العبد اليه. # والمقصود أنه سبحانه أمر رسوله أن يصبر صبر أولى العزم الذين صبروا لحكمه ~~اختيارا وهذا أكمل الصبر ولهذا دارت قصة الشفاعة يوم القيامة على هؤلاء حتى ~~ردوها إلى أفضلهم وخيرهم وأصبرهم لحكم الله صلوات الله وسلامه عليهم ~~أجمعين. # فإن قيل: أى انواع الصبر الثلاثة أكمل الصبر على المأمور أم الصبر عن ~~المحظور أم الصبر على المقدور؟ # قيل: الصبر المتعلق بالتكليف وهو الأمر والنهى أفضل من الصبر على مجرد ~~القدر فان هذا الصبر يأتى به البر الفاجر والمؤمن والكافر فلا بد لكل أحد ~~من الصبر على القدر اختيارا أو اضطرارا. # وأما الصبر على الاوامر والنواهى فصبر أتباع الرسل وأعظمهم اتباعا أصبرهم ~~في ذلك وكل صبر في محله وموضعه أفضل فالصبر عن الحرام في محله أفضل وعلى ~~الطاعة في محلها أفضل. # فإن قيل أى الصبرين أحب إلى الله؟ صبر من يصبر على أوامره أم صبر من يصبر ~~عن محارمه؟ # قيل هذا موضع تنازع فيه الناس فقالت طائفة الصبر عن # PageV01P036 # المخالفات أفضل، لأنه أشق وأصعب فإن أعمال البر يفعلها البر والفاجر ولا ~~يصبر عن المخالفات إلا الصديقون قالوا ولأن ms024 الصبر عن المحرمات صبر على ~~مخالفة هوى النفس وهو أشق شىء وأفضله قالوا ولأن ترك المحبوب الذى تحبه ~~النفوس دليل على أن من ترك لأجله أحب اليه من نفسه وهواه بخلاف فعل ما يحبه ~~المحبوب فإنه لا يستلزم ذلك قالوا وأيضا فالمروءة والفتوة كلها في هذا ~~الصبر. # قال الإمام أحمد: "الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى" فمروءة العبد وفتوته ~~بحسب هذا الصبر قالوا وليس العجب ممن يصبر على الأوامر فإن أكثرها محبوبات ~~للنفوس السليمة لما فيها من العدل والإحسان والإخلاص والبر وهذه محاب ~~للنفوس الفاضلة الزكية بل العجب ممن يصبر عن المناهي التي أكثرها محاب ~~للنفوس فيترك المحبوب العاجل في هذه الدار للمحبوب الآجل في دار أخرى ~~والنفس موكلة بحب العاجل فصبرها عنه مخالف لطبعها. # قالوا: ولأن المناهى لها أربعة دواع تدعو اليها نفس الإنسان وشيطانه ~~وهواه ودنياه فلا يتركها حتى يجاهد هذه الأربعة وذلك أشق شيء على النفوس ~~وأمره قالوا فالمناهى من باب حمية النفوس عن مشتهياتها ولذاتها والحمية مع ~~قيام داعى التناول وقوته من أصعب شيء وأشقه قالو أو لذلك كان باب قربان ~~النهى مسدودا كله وباب الامر انما يفعل منه المستطاع كما قال النبي: "اذا ~~أمرتكم بأمر فاءتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه " فدل على ان ~~باب المنهيات أضيق من باب المأمورات وانه لم يرخص في ارتكاب شيء منه كما ~~رخص في ترك بعض المأمورات للعجز والعذر قالوا ولهذا كانت عامة العقوبات من ~~الحدود وغيرها على ارتكاب المنهيات بخلاف ترك المأمور فإن الله سبحانه لم ~~يرتب عليه حدا معينا فأعظم المأمورات الصلاة وقد اختلف العلماء هل على ~~تاركها حد أم لا؟ # PageV01P037 # فصل: فهذا بعض ما احتجت به الطائفة وقالت طائفة أخرى بل الصبر على فعل ~~المأمور أفضل وأجل من الصبر على ترك المحظور لأن فعل المأمور أحب إلى الله ~~من ترك المحظور والصبر على أحب الأمرين أفضل وأعلى وبيان ذلك من وجوه # أحدها: أن فعل المأمور مقصود لذاته فهو مشروع شرع المقاصد فإن معرفة الله ms025 ~~وتوحيده وعبوديته وحده والإنابة إليه والتوكل عليه وإخلاص العمل له ومحبته ~~والرضا به والقيام في خدمته هو الغاية التى خلق لها الخلق وثبت بها الأمر ~~وذلك أمر مقصود لنفسه والمنهيات انما نهى عنها لأنها صادة عن ذلك أو شاغلة ~~عنه أو مفوتة لكماله ولذلك كانت درجاتها في النهى بحسب صدها عن المأمور ~~وتعويقها عنه وتفويتها لكماله فهي مقصودة لغيرها والمأمور مقصود لنفسه فلو ~~لم يصد الخمر والميسر عن ذكر الله وعن الصلاة وعن التواد والتحاب الذى وضعه ~~الله بين عباده لما حرمه وكذلك لو لم يحل بين العبد وبين عقله الذى به يعرف ~~الله ويعبده ويحمده ويمجده ويصلى له ويسجد لما حرمه وكذلك سائر ما حرمه ~~انما حرمه لأنه يصد عما يحبه ويرضاه ويحول بين العبد وبين إكماله. # الثاني ان المأمورات متعلقة بمعرفة الله وتوحيده وعبادته وذكره وشكره ~~ومحبته والتوكل عليه والإنابة اليه فمتعلقها ذات الرب تعالى وأسماؤه وصفاته ~~ومتعلق المنهيات ذوات الاشياء المنهى عنها والفرق من اعظم ما يكون. # الثالث: ان ضرورة العبد وحاجته إلى فعل المأمور أعظم من ضرورته إلى ترك ~~المحظور فإنه ليس إلى شىء أحوج واشد فاقة منه إلى معرفة ربه وتوحيده واخلاص ~~العمل له وافراده بالعبودية والمحبة والطاعة وضرورته إلى ذلك أعظم من ~~ضرورته إلى نفسه ونفسه وحياته أعظم من ضرورته إلى غذائه الذى به قوام بدنه ~~بل هذا لقلبه وروحه كالحياه والغذاء لبدنه وهو انما هو انسان بروحه وقلبه ~~لا ببدنه وقالبه كما قيل: # PageV01P038 # يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته # ... # فأنت بالقلب لابالجسم انسان # وترك المنهى انما شرع له تحصيلا لهذا الأمر الذى هو ضرورى له وما أحوجه ~~وافقره اليه. # الرابع: ان ترك المنهى من باب الحمية وفعل المأمور من باب حفظ القوة ~~والغذاء الذى لاتقوم البنية بدونه ولا تحصل الحياة الا به فقد يعيش الإنسان ~~مع تركه الحميه وان كان بدنه عليلا أشد ما يكون علة ولا يعيش بدون القوة ~~والغذاء الذى يحفظها فهذا مثل المأمورات والمنهيات. # الخامس: ان الذنوب كلها ترجع إلى ms026 هذين الأصلين ترك المأمور وفعل المحظور ~~ولو فعل العبد المحظور كله من أوله إلى آخره حتى أتى من مأمور الايمان ~~بأدنى أدنى مثقال ذرة منه نجا بذلك من الخلود في النار ولو ترك كل محظور ~~ولم يأت بمأمور الإيمان لكان مخلدا في السعير فأين شيء مثاقيل الذر منه ~~تخرج من النار إلى شيء وزن الجبال منه أضعافا مضاعفة لا تقتضي الخلود في ~~النار مع وجود ذلك المأمور أو أدنى شىء منه. # السادس: ان جميع المحظورات من أولها إلى آخرها تسقط بمأمور التوبة ولا ~~تسقط المأمورات كلها معصية المخالفة الا بالشرك أو الوفاة عليه ولا خلاف ~~بين الأمة ان كل محظور يسقط بالتوبة منه واختلفوا هل تسقط الطاعة بالمعصية ~~وفي المسألة نزاع وتفاصيل ليس هذا موضعه. # السابع: ان ذنب الاب كان يفعل المحظور فكان عاقبته أن اجتباه ربه فتاب ~~عليه وهدى وذنب ابليس كان بترك المأمور فكان عاقبته ما ذكر الله سبحانه ~~وجعل هذا عبرة للذرية إلى يوم القيامة. # الثامن ان المأمور محبوب إلى الرب والمنهى مكروه له وهو سبحانه انما قدره ~~وقضاه لأنه ذريعة إلى حصول محبوبه من عبده ومن نفسه تعالى # PageV01P039 # أما من عبده فالتوبة والاستغفار والخضوع والذل والانكسار وغير ذلك وأما ~~من نفسه فبالمغفرة والتوبة على العبد والعفو عنه والصفح والحلم والتجاوز عن ~~حقه وغير ذلك مما هو أحب اليه تعالى من فواته بعدم تقدير ما يكرهه واذا كان ~~انما قدر ما يكرهه لأنه يكون وسيلة إلى ما يحبه علم أن محبوبه هو الغاية ~~ففوات محبوبه أبغض اليه وأكره له من حصول مبغوضه بل اذا ترتب على حصول ~~مبغوضه ما يحبه من وجه آخر كان المبغوض مرادا له ارادة الوسائل كما كان ~~النهى عنه وكراهته لذلك وأما المحبوب فمراده ارادة المقاصد كما تقدم فهو ~~سبحانه انما خلق الخلق لاجل محبوبه ومأموره وهو عبادته وحده كما قال تعالى: ~~{وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون} وقدر مكروهه ومبغوضه تكميلا لهذه ~~الغاية التى خلق خلقه لأجلها فانه ترتب عليه من المأمورات ms027 ما لم يكن يحصل ~~بدون تقديره كالجهاد الذى هو أحب العمل اليه والموالاة فيه والمعاداة فيه ~~ولولا محبته لهذه المأمورات لما قدر من المكروه له ما ما يكون سببا ~~لحصولها. # التاسع: ان ترك المحظور لا يكون قربة ما لم يقارنه فعل المأمور فلو ترك ~~العبد كل محظور لم يثبه الله عليه حتى يقارنه مأمور الايمان وكذلك المؤمن ~~لا يكون تركه المحظور قربة حتى يقارنه مأمور النية بحيث يكون تركه لله ~~فافتقر ترك المنهيات بكونه قربة يثاب عليها إلى فعل المأمور ولا يفتقر فعل ~~المأمور في كونه قربة وطاعة إلى ترك المحظور ولو افتقر اليه لم يقبل الله ~~طاعة من عصاه أبدا وهذا من أبطل الباطل. # العاشر: ان المنهى عنه مطلوب اعدامه والمأمور مطلوب ايجاده والمراد ايجاد ~~هذا واعدام ذاك فإذا قدر عدم الأمرين أو وجودهما كان وجودهما خير من عدمهما ~~فإنه اذا عدم المأمور لم ينفع عدم المحظور واذا وجد المأمور فقد يستعان به ~~على دفع المحظور أو دفع أثره فوجود القوة والمرض خير من عدم الحياة والمرض. # الحادى عشر: ان باب المأمور الحسنة فيه بعشر أمثالها إلى سبعمائة # PageV01P040 # ضعف إلى أضعاف كثيرة وباب المحظور السيئة فيه بمثلها وهى بصدد الزوال ~~بالتوبة والاستغفار والحسنة الماحية والمصيبة المكفرة واستغفار الملائكة ~~للمؤمنين واستغفار بعضهم لبعض وغير ذلك وهذا يدل على أنه أحب إلى الله من ~~عدم المنهى. # الثانى عشر: ان باب المنهيات يمحوه الله سبحانه ويبطل أثره بأمور عديدة ~~من فعل العبد وغيره فإنه يبطله بالتوبة النصوح وبالاستغفار وبالحسنات ~~الماحية وبالمصائب المكفرة وباستغفار الملائكة وبدعاء المؤمنين فهذه ستة في ~~حال حياته وبتشديد الموت وكربه وسياقه عليه فهذا عند مفارقته الدنيا وبهول ~~المطلع وروعة الملكين في القبر وضغطته وعصرته له وشدة الموقف وعنائه ~~وصعوبته وبشفاعة الشافعين فيه وبرحمة أرحم الراحمين له فإن عجزت عنه هذه ~~الأمور فلا بد له من دخول النار ويكون لبثه فيها على قدر بقاء خبثه ودرنه ~~فإن الله حرم الجنة الا على كل طيب فما دام درنه ووسخه وخبثه ms028 فيه فهو في ~~كير التطهير حتى يتصفى من ذلك الوسخ والخبث وأما باب المأمورات فلا يبطله ~~إلا الشرك. # الثالث عشر: أن جزاء المأمورات الثواب وهو من باب الاحسان والفضل والرحمة ~~وجزاء المنهيات العقوبة وهى من باب الغضب والعدل ورحمته سبحانه تغلب غضبه ~~فما تعلق بالرحمة والفضل أحب اليه مما تعلق بالغضب والعدل وتعطيل ما تعلق ~~بالرحمة أكره اليه من فعل ما تعلق بالغضب. # الرابع عشر: ان باب المنهيات تسقط الآلاف المؤلفة منه الواحدة من ~~المأمورات وباب المأمورات لا يسقط الواحدة منه الآلاف المؤلفة من المنهيات. # الخامس عشر: ان متعلق المأمورات الفعل وهو صفة كمال بل كمال المخلوق من ~~فعاله فإنه فعل فكمل ومتعلق النهى الترك والترك عدم ومن حيث هو كذلك لا ~~يكون كمالا فإن العدم المحض ليس بكمال وانما يكون كمالا لما يتضمنه أو ~~يستلزمه من الفعل الوجودى الذى # PageV01P041 # هو سبب الكمال وأما أن يكون مجرد الترك الذى هو عدم محض كمالا أو سببا ~~للكمال فلا مثال ذلك لو ترك السجود للضم لم يكن كماله في مجرد هذا الترك ما ~~لم يكن يسجد لله والا فلو ترك السجود لله وللصنم لم يكن ذلك كمالا وكذلك لو ~~ترك تكذيب الرسول ومعاداته لم يكن بذلك مؤمنا ما لم يفعل ضد ذلك من التصديق ~~والحب وموالاته وطاعته فعلم أن الكمال كله في المأمور وان المنهى ما لم ~~يتصل به فعل المأمور لم يفد شيئا ولم يكن كمالا فإن الرجل لو قال للرسول لا ~~أكذبك ولا أصدقك ولا أواليك ولا أعاديك ولا أحاربك ولا أحارب من يحاربك ~~لكان كافرا ولم يكن مؤمنا بترك معاداته وتكذيبه ومحاربته ما لم يأت بالفعل ~~الوجودى الذى أمر به. # السادس عشر: ان العبد اذا أتى بالمأمور به على وجهه ترك المنهى عنه ولا ~~بد فالمقصود انما هو فعل المأمور ومع فعله على وجهه يتعذر فعل المنهى ~~فالمنهى عنه في الحقيقة هو تعريض المأمور للإضاعة فإن العبد اذا فعل ما أمر ~~به من العدل والعفة وامتنع من صدور الظلم ms029 والفواحش منه فنفس العدل يتضمن ~~ترك الظلم ونفس العفة تتضمن ترك الفواحش فدخل ترك المنهى عنه في المأمور به ~~ضمنا وتبعا وليس كذلك في عكسه فان ترك المحظور لا يتضمن فعل المأمور فإنه ~~قد يتركهما معا كما تقدم فعلم أن المقصود هو إقامة الأمر على وجهه ومع ذلك ~~لا يمكن ارتكاب النهى البتة وأما ترك المنهى عنه فإنه يستلزم اقامة الأمر # السابع عشر: ان الرب تعالى اذا أمر عبده بأمر ونهاه عن أمر ففعلهما جميعا ~~كان قد حصل محبوب الرب وبغيضه فقد تقدم له من محبوبه ما يدفع عنه شر بغيضه ~~ومقاومته ولا سيما اذا كان فعل ذلك المحبوب أحب اليه من ترك ذلك البغيض ~~فيهب له من جنايته ما فعل من هذا بطاعته ويتجاوز له عما فعل من الآخر # ونظير هذا في الشاهد أن يقتل الرجل عدوا للملك هو حريص على # PageV01P042 # قتله وشرب مسكرا نهاه عن شربه فإنه يتجاوز له عن هذه الزلة بل عن أمثالها ~~في جنب ما أتى به من محبوبه وأما اذا ترك محبوبه وبغيضه فإنه لا يقوم ترك ~~بغيضه بمصلحة فعل محبوبه أبدا كما اذا أمر الملك عبده بقتل عدوه ونهاه عن ~~شرب مسكر فعصاه في قتل عدوه مع قدرته عليه وترك شرب المسكر فإن الملك لا ~~يهب له جرمه بترك أمره في جنب ترك ما نهاه عنه وقد فطر الله عباده على هذا ~~فهكذا السادات مع عبيدهم والآباء مع أولادهم والملوك مع جندهم والزوجات مع ~~أزواجهم ليس التارك منهم محبوب الامر ومكروهه بمنزلة الفاعل منهم محبوب ~~أمره ومكروهه. # يوضحه الوجه الثامن عشر: ان فاعل محبوب الرب يستحيل أن يفعل جميع مكروهه ~~بل يترك من مكروهه بقدر ما أتى به من محبوبه فيستحيل الاتيان بجميع مكروهه ~~وهو يفعل ما أحبه وأبغضه فغايته أنه اجتمع الأمران فيحبه الرب تعالى من وجه ~~ويبغضه من وجه أما اذا ترك المأمور به جملة فإنه لم يقم به ما يحبه الرب ~~عليه فإن مجرد ترك المنهى لا يكون طاعة الا ms030 باقترانه بالمأمور كما تقدم فلا ~~يحبه على مجرد الترك وهو سبحانه يكرهه ويبغضه على مخالفة الأمر فصار مبغوضا ~~للرب تعالى من كل وجه إذ ليس فيه ما يحبه الرب عليه فتأمله. # يوضحه الوجه التاسع عشر: وهو أن الله سبحانه لم يعلق محبته إلا بأمر ~~وجودى أمر به ايجابا أو استحبابا ولم يعلقها بالترك من حيث هو ترك ولا في ~~موضع واحد فإنه يحب التوابين ويحب المحسنين ويحب الشاكرين ويحب الصابرين ~~ويحب المتطهرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ويحب ~~المتقين ويحب الذاكرين ويحب المتصدقين فهو سبحانه انما علق محبته بأوامره ~~اذ هى المقصود من الخلق والأمر كما قال تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون} فما خلق الخلق الا لقيام أوامره وما نهاهم الا عما يصدهم عن قيام ~~أوامره ويعوقهم عنها. # PageV01P043 # يوضحه الوجه العشرون: أن المنهيات لو لم تصد عن المأمورات وتمنع وقوعها ~~على الوجه الذى أمر الله بها لم يكن للنهى عنها معنى وانما نهى عنها ~~لمضادتها لأ2وامره وتعويقها لها وصدها عنها فالنهى عنها من باب التكميل ~~والتتمة للمأمور فهو بمنزلة تنظيف طرق الماء ليجرى في مجاريه غير معوق ~~فالأمر بمنزلة الماء الذى أرسل في نهر لحياة البلاد والعباد والنهى بمنزلة ~~تنظيف طرقه ومجراه وتنقيتها مما يعوق الماء والأمر بمنزلة القوة والحياة ~~والنهى بمنزلة الحمية الحافظة للقوة والداء والخادم لها # قالوا واذا تبين أن فعل المأمور أفضل فالصبر عليه أفضل أنواع الصبر وبه ~~يسهل عليه الصبر عن المحظور والصبر على المقدور فإن الصبر الا على يتضمن ~~الصبر الأدنى دون العكس وقد ظهر لك من هذا أن الأنواع الثلاثة متلازمة وكل ~~نوع منها يعين على النوعين الآخرين وان كان من الناس من قوة صبره على ~~المقدور فإذا جاء الأمر والنهى فقوة صبره هناك ضعيفة ومنهم من هو بالعكس من ~~ذلك ومنهم من قوة صبره في جانب الامر أقوى ومنهم من هو بالعكس والله أعلم # PageV01P044 ### | الباب العاشر: في انقسام الصبر إلى محمود ومذموم # الصبر ينقسم إلى قسمين: قسم ms031 مذموم وقسم ممدوح: # فالمذموم: الصبر عن الله وارادته ومحبته وسير القلب اليه فإن هذا الصبر ~~يتضمن تعطيل كمال العبد بالكلية وتفويت ما خلق له وهذا كما أنه أقبح الصبر ~~فهو أعظمه وأبلغه فإنه لا صبر أبلغ من صبر من يصبر عن محبوبه الذى لا حياة ~~له بدونه البتة كما أنه لا زهد أبلغ من زهد الزاهد فيما أعد الله لأوليائه ~~من كرامته مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فالزهد في هذا ~~أعظم أنواع الزهد كما قال رجل لبعض الزاهدين وقد تعجب لزهده "ما رأيت أزهد ~~منك! " فقال: "أنت أزهد # PageV01P044 # منى أنا زهدت في الدنيا وهى لا بقاء لها ولا وفاء وأنت زهدت في الآخرة ~~فمن أزهد منا" قال يحيى بن معاذ الرازى "صبر المحبين أعجب من صبر الزاهدين ~~واعجبا كيف يصبرون! " وفي هذا قيل # الصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه لا يحمد # ووقف رجل على الشبلى فقال: أى صبر أشد على الصابرين فقال الصبر في الله ~~قال لا فقال الصبر لله فقال لا قال فالصبر مع الله قال لا قال فإيش هو قال ~~الصبر عن الله فصرخ الشبلى صرخة كادت روحه تزهق. # وقيل: الصبر مع الله وفاء والصبر عن الله جفاء وقد أجمع الناس على أن ~~الصبر عن المحبوب غير محمود فكيف إذا كان كمال العبد وفلاحه في محبته ولم ~~تزل الأحباب تعيب المحبين بالصبر عنهم كما قيل: # والصبر عنك فمذموم عواقبه ... والصبر في سائر الأشياء محمود # وقال آخر في الصبر عن محبوبه # إذا لعب الرجال بكل شيء ... رأيت الحب يلعب بالرجال # وكيف الصبر عمن حل منى ... بمنزلة اليمين مع الشمال # وشكا آخر إلى محبوبه ما يقاسي من حبه فقال: لو كنت صادقا لما صبرت عنى. # ولما شكوت الحب قالت كذبتنى ... ترى الصب عن محبوبه كيف يصبر # فصل: وأما الصبر المحمود فنوعان: صبر لله وصبر بالله قال الله تعالى ~~{واصبر وما صبرك إلا بالله} وقال {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} وقد تنازع ms032 ~~الناس أي الصبرين أكمل فقالت طائفة الصبر له أكمل فإن ما كان لله أكمل مما ~~كان بالله فإن ما كان له فهو غاية وما كان به فهو وسيلة والغايات أشرف من ~~الوسائل ولذلك وجب الوفاء بالنذر إذا كان تبرر أو تقربا إلى الله لأنه نذر # PageV01P045 # له ولم يجب الوفاء به إذا خرج مخرج اليمين لأنه حلف به فما كان له سبحانه ~~فهو متعلق بألوهيته وما كان به فهو متعلق بربوبيته وما تعلق بألوهيته أشرف ~~مما تعلق بربوبيته ولذلك كان توحيد الألوهية هو المنجى من الشرك دون توحيد ~~الربوبية بمجرده فإن عباد الأصنام كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء ~~وربه ومليكه ولكن لما لم يأتوا بتوحيد الألوهية وهو عبادته وحده لا شريك له ~~لم ينفعهم توحيد ربوبيته. # وقالت طائفة: الصبر بالله أكمل بل لا يمكن الصبر له إلا بالصبر به كما ~~قال تعالى {واصبر} فأمره بالصبر والمأمور به هو الذى يفعل لأجله ثم قال ~~{وما صبرك إلا بالله} فهذه جملة خبرية غير الجملة الطلبية التى تقدمتها ~~أخبر فيها انه لا يمكنه الصبر الا به وذلك يتضمن أمرين الاستعانة به ~~والمعية الخاصة التى تدل عليها باء المصاحبة كقوله فبي يسمع وبى يبصر وبى ~~يبطش وبى يمشى وليس المراد بهذه الباء الاستعانة فإن هذا أمر مشترك بين ~~المطيع والعاصى فإن مالا يكون بالله لا يكون بل هى باء المصاحبة والمعية ~~التى صرح بمضمونها في قوله {إن الله مع الصابرين} وهى المعية الحاصلة لعبده ~~الذى تقرب اليه بالنوافل حتى صار محبوبا له فبه يسمع وبه يبصر وكذلك به ~~يصبر فلا يتحرك ولا يسكن ولا يدرك إلا والله معه ومن كان كذلك أمكنه الصبر ~~له وتحمل الأثقال لأجله كما في الأثر الإلهى يعنى "وما يتحمل المتحملون من ~~أجلى" فدل قوله {وما صبرك إلا بالله} على انه من لم يكن الله معه لم يمكنه ~~الصبر وكيف يصبر على الحكم الأمرى امتثالا وتنفيذا وتبليغا وعلى الحكم ~~القدرى احتمالا له واضطلاعا به من لم يكن الله ms033 معه فلا يطمع في درجة الصبر ~~المحمود عواقبه من لم يكن صبره بالله كما لا يطمع في درجة التقرب المحبوب ~~من لم يكن سمعه وبصره وبطشه ومشيه بالله # وهذا هو المراد من قوله: "كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده ~~التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها" ليس المراد انى كنت # PageV01P046 # نفس هذه الاعضاء والقوى كما يظنه أعداء الله أهل الوحدة وان ذات العبد هى ~~ذات الرب تعالى الله عن قول اخوان النصارى علوا كبيرا ولو كان كما يظنون لم ~~يكن فرق بين هذا العبد وغيره ولا بين حالتى تقربه إلى ربه بالنوافل وتمقته ~~اليه بالمعاصى بل لم يكن هناك متقرب ومتقرب اليه ولا عبد ولا معبود ولا محب ~~ولا محبوب فالحديث كله مكذب لدعواهم الباطلة من نحو ثلاثين وجها تعرف ~~بالتأمل الظاهر وقد فسر المراد من قوله: " كنت سمعه وبصره ويده ورجله" ~~بقوله: "فبي يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى " فعبر عن هذه المصاحبة التى ~~حصلت بالتقرب اليه بمحابه بألطف عبارة وأحسنها تدل على تأكد المصاحبة ~~ولزومها حتى صار له بمنزلة سمعه وبصره ويده ورجله # ونظير هذا قوله:"الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما ~~صافح الله وقبل يمينه". # ومثل هذا سائغ في الاستعمال أن ينزل إلى منزلة ما يصاحبه ويقارنه حتى ~~يقول المحب للمحبوب أنت روحى وسمعى وبصرى وفي ذلك معنيان أحدهما أنه صار ~~منه بمنزلة روحه وقلبه وسمعه وبصره والثانى أن محبته وذكره لما استولي على ~~قلبه وروحه صار معه وجليسه كما في الحديث "يقول الله تعالى: أنا جليس من ~~ذكرنى" وفي الحديث الآخر "أنا مع عبدى ما ذكرنى وتحركت بى شفتاه" وفي ~~الحديث "فإذا أحببت عبدى كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا" ولا يعبر عن هذا ~~المعنى بأتم من هذه العبارة ولا أحسن ولا ألطف منها وإيضاح هذه العبارة مما ~~يزيدها جفاء وخفاء. # والمقصود انما هو ذكر الصبر بالله وأن العبد بحسب نصيبه من معية الله له ~~يكون صبره واذا ms034 كان الله معه أمكن أن يأتى من الصبر بما لا يأتى به غيره ~~قال أبو على فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله معيته قال تعالى ~~{إن الله مع الصابرين} . # PageV01P047 # وها هنا سر بديع وهو أن من تعلق بصفة من صفات الرب تعالى أدخلته تلك ~~الصفة عليه وأوصلته اليه والرب تعالى هو الصبور بل لا أحد أصبر على أذى ~~سمعه منه وقد قيل ان الله سبحانه أوحى إلى داود "تخلق بأخلاق فإن من أخلاقى ~~انى أنا الصبور" والرب تعالى يحب أسماءه وصفاته ويحب مقتضى صفاته وظهور ~~آثارها في العبد فإنه جميل يحب الجمال عفو يحب أهل العفو كريم يحب أهل ~~الكرم عليم يحب أهل العلم وتر يحب أهل الوتر قوى والمؤمن القوى أحب إليه من ~~المؤمن الضعيف صبور يحب الصابرين شكور يحب الشاكرين واذا كان سبحانه يحب ~~المتصفين بآثار صفاته فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الاتصاف فهذه المعية ~~الخاصة عبر عنها بقوله "كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا". # فصل: وزاد بعضهم قسما ثالثا من أقسام الصبر وهو الصبر مع الله وجعلوه ~~أعلى أنواع الصبر وقالوا هو الوفاء ولو سئل هذا عن حقيقة الصبر مع الله لما ~~أمكنه أن يفسره بغير الأنواع الثلاثة التى ذكرت وهى الصبر على أقضيته ~~والصبر على أوامره والصبر عن نواهيه فإن زعم أن الصبر مع الله هو الثبات ~~معه على أحكامه يدور معها حيث دارت فيكون دائما مع الله لا مع نفسه فهو مع ~~الله بالمحبة والموافقة فهذا المعنى حق ولكن مداره على الصبر على الأنواع ~~المتقدمة وإن زعم أن الصبر مع الله هو الجامع لأنواع الصبر فهذا حق ولكن ~~جعله قسما رابعا من أقسام الصبر غير مستقيم. # واعلم أن حقيقة الصبر مع الله هو ثبات القلب بالاستقامة معه وهو أن لا ~~يروغ عنه روغان الثعالب ها هنا وها هنا فحقيقة هذا هو الاستقامة اليه وعكوف ~~القلب عليه وزاد بعضهم قسما آخر من اقسامه وسماه الصبر فيه وهذا أيضا غير ~~خارج عن أقسام الصبر ms035 المذكورة ولا يعقل من الصبر فيه معنى غير الصبر له ~~وهذا كما يقال فعلت هذا في الله وله كما قال خبيب: # PageV01P048 # وذلك في ذات الاله وان يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع # وقد قال تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} وقال {وجاهدوا في ~~الله} وفي حديث جابر: "ان الله تعالى لما أحيا أباه وقال له تمن قال يا رب ~~أن ترجعنى إلى الدنيا حتى أقتل فيك مرة ثانية" وقال " ولقد أوذيت في الله ~~وما يؤذى أحد" وهذا يفهم منه معنيان أحدهما أن ذلك في مرضاته وطاعته وسبيله ~~وهذا فيما يفعله الإنسان باختياره كما في الحديث "تعلمت فيك العلم" والثاني ~~انه بسببه وبجهته حصل ذلك وهذا فيما يصيبه بغير اختياره وغالب ما يأتى ~~قولهم "ذلك في الله" في هذا المعنى فتأمل قوله "ولقد أوذيت في الله" وقول ~~خبيب وذلك "في ذات الإله" وقول عبد الله بن حزام "حتى أقتل فيك" وكذلك قوله ~~{والذين جاهدوا فينا} فإنه يترتب عليه الأذى فيه سبحانه. # وليست في ها هنا للظرفية ولا لمجرد السببية وان كانت السببية هي أصلها ~~فانظر إلى قوله "في نفس المؤمن مائة من الإبل" وقوله "دخلت امرأة النار في ~~هرة" كيف تجد فيه معنى زائدا على السببية وليست في للوعاء في جميع معانيها ~~فقولك "فعلت هذا في مرضاتك" فيه معنى زيد على قولك "فعلته لمرضاتك" وأنت ~~اذا قلت "أوذيت في الله" لا يقوم مقام هذا اللفظ كقولك "أوذيت لله" ولا ~~"بسبب الله" وإذا فهم المعنى طوى حكم العبارة والمقصود ان الصبر في الله ان ~~أريد به هذا المعنى فهو حق وان أريد به معنى خارج عن الصبر على أقضيته وعلى ~~أوامره وعن نواهيه وله وبه لم يحصل فالصابر في الله كالمجاهد في الله ~~والجهاد فيه لا يخرج عن معنى الجهاد به وله والله الموفق. # وأما قول بعضهم"الصبر لله غناء والصبر بالله بقاء والصبر في # PageV01P049 # الله بلاء والصبر مع الله وفاء والصبر عن الله جفاء" فكلام لا يجب ~~التسليم لقائله لأنه ذكر ما ms036 سنح له وتصوره وانما يجب التسليم للنقل المصدق ~~عن القائل المعصوم ونحن نشرح هذه الكلمات. # أما قوله"الصبر لله غناء" فإن الصبر لله بترك حظوظ النفس ومرادها لمراد ~~الله وهذا أشق شيء على النفس وأصعبه فإن قطع المفازة التي بين النفس وبين ~~الله بحيث يسير منها إلى الله شديد جدا على النفس بخلاف السفر إلى الآخرة ~~فإنه سهل كما قال الجنيد"السير من الدنيا إلى الآخرة سهل يعنى على المؤمن ~~وهجران الخلق في جنب الحق شديد والسير من النفس إلى الله صعب شديد والصبر ~~مع الله أشد" # وأما قوله:"والصبر بالله بقاء" فلأن العبد اذا كان بالله هان عليه كل شيء ~~ويتحمل الأثقال ولم يجد لها ثقلا فإنه اذا كان بالله لا بالخلق ولا بنفسه ~~كان لقلبه وروحه وجود آخر وشأن آخر غير شأنه اذا كان بنفسه وبالخلق وبهذا ~~الحال لا يجد عناء الصبر ولا مرارته وتنقلب مشاق التكليف له نعيما وقرة عين ~~كما قال بعض الزهاد عالجت قيام الليل سنة وتنعمت به عشرين سنة ومن كانت قرة ~~عينه في الصلاة لم يجد لها مشقة وكلفة. # وأما قوله:"والصبر في الله بلاء" فالبلاء فوق العناء والصبر فيه فوق ~~الصبر له وأخص منه كما تقدم فإن الصبر فيه بمنزلة الجهاد فيه وهو أشق من ~~الجهاد له فكل مجاهد في الله وصابر في الله مجاهد له وصابر له من غير عكس ~~فإن الرجل قد يجاهد ويصبر لله مرة ليقع عليه اسم من فعل ذلك لله ولا يقع ~~عليه اسم من فعل ذلك في الله وإنما يقع على من انغمس في الجهاد والصبر ودخل ~~الجنة. # وأما قوله:"والصبر مع الله وفاء" فلأن الصبر معه هو الثبات معه على ~~أحكامه ولا يزيغ القلب عن الإنابة ولا الجوارح عن الطاعة فتعطى # PageV01P050 # المعية حقها من التوفية كما قال تعالى {وإبراهيم الذي وفى} أى وفي ما أمر ~~به بصبره مع الله على أوامره. # وأما قوله:"والصبر عن الله جفاء" فلا جفاء أعظم ممن صبر عن معبوده وإلهه ~~ومولاه الذى لا مولى له سواه ms037 ولا حياة له ولا صلاح ولا نعيم إلا بمحبته ~~والقرب منه وايثار مرضاته على كل شيء فأي جفاء أعظم من الصبر عنه وهذا معنى ~~قول من قال الصبر على ضد بين صبر العابدين وصبر المحبين فصبر العابدين ~~أحسنه أن يكون محفوظا وصبر المحبين أحسنه أن يكون مرفوضا كما قيل: # يبين يوم البين ان اعتزامه ... على الصبر من احدى الظنون الكواذب # وقال الآخر: # ولما دعوت الصبر بعدك والبكا ... أجاب البكا طوعا ولم يجب الصبر # قالوا: ويدل عليه أن يعقوب صلوات الله وسلامه عليه قال فصبر جميل ورسول ~~الله اذا وعد وفى ثم حمله الوجد على يوسف والشوق اليه أن قال {يا أسفا على ~~يوسف} فلم يكن عدم صبره عنه منافيا لقوله {فصبر جميل} فإن الصبر الجميل هو ~~الذي لا شكوى معه ولا تنافيه الشكوى إلى الله سبحانه وتعالى فإنه قد قال ~~{إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} والله تعالى أمر رسوله بالصبر الجميل وقد ~~امتثل ما أمر به وقال "اللهم اليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي" الحديث وأما ~~قول بعضهم إن الصبر الجميل ان يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدرى من هو ~~فهذا من الصبر الجميل لأن من فقده فقد الصبر الجميل فإن ظهور اثر المصيبة ~~على العبد مما لا يمكن دفعه البتة وبالله التوفيق # وزاد بعضهم في الصبر قسما آخر وسماه الصبر على الصبر وقال هو ان يستغرق ~~في الصبر حتى يعجزالصبر عن الصبر كما قيل: # صابر الصبر فاستغاث به الصبر ... فصاح المحب بالصبر صبرا # PageV01P051 # وليس هذا خارجا عن أقسام الصبر وإنما هو المرابطة على الصبر والثبات عليه ~~والله أعلم # PageV01P052 ### | الباب الحادي عشر: في الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام # كل أحد لا بد أن يصبر على بعض ما يكره إما اختيارا وإما اضطرارا فالكريم ~~يصبر اختيارا لعلمه بحسن عاقبة الصبر وأنه يحمد عليه ويذم على الجزع وأنه ~~ان لم يصبر لم يرد الجزع عليه فائتا ولم ينتزع عنه مكروها وان المقدور لا ~~حيلة في دفعه وما لم يقدر ms038 لا حيلة في تحصيله فالجزع ضره أقرب من نفعه قال ~~بعض العقلاء: "العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعله الأحمق بعد شهر" كما ~~قيل # وأن الأمر يفضى إلى آخر ... فيصير آخره أولا # فإذا كان آخر الأمر الصبر والعبد غير محمود فما أحسن به أن يستقبل الأمر ~~في أوله بما يستدبره الأحمق في آخره وقال بعض العقلاء من لم يصبر صبر ~~الكرام سلا سلو البهائم فالكريم ينظر إلى المصيبة فإن رأى الجزع يردها ~~ويدفعها فهذا قد ينفعه الجزع وان كان الجزع لا ينفعه فإنه يجعل المصيبة ~~مصيبتين. # فصل: وأما اللئيم فإنه يصبر اضطرارا فإنه يحوم حول ساحة الجزع فلا يراها ~~تجدى عليه شيئا فيصبر صبر الموثق للضرب وأيضا فالكريم يصبر في طاعة الرحمن ~~واللئيم يصبر في طاعة الشيطان فاللئام أصبر الناس في طاعة أهوائهم وشهواتهم ~~وأقل الناس صبرا في طاعة ربهم فيصبر على البذل في طاعة الشيطان أتم صبر ولا ~~يصبر على البذل في طاعة الله في أيسر شيء ويصبر في تحمل المشاق لهوى نفسه ~~في مرضاة عدوه ولا يصبر على أدنى المشاق في مرضاة ربه ويصبر على ما يقال في ~~عرضه # PageV01P052 # في المعصية ولا يصبر على ما يقال في عرضه اذا أوذى في الله بل يفر من ~~الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر خشية أن يتكلم في عرضه في ذات الله ويبذل ~~عرضه في هوى نفسه ومرضاته صابرا على ما يقال فيه وكذلك يصبر على التبذل ~~بنفسه وجاهه في هوى نفسه ومراده ولا يصبر على التبذل لله في مرضاته وطاعته ~~فهو أصبر شيء على التبذل في طاعة الشيطان ومراد النفس وأعجز شيء عن الصبر ~~على ذلك في الله وهذا أعظم اللؤم ولا يكون صاحبه كريما عند الله ولا يقوم ~~مع أهل الكرم اذا نودى بهم يوم القيامة على رءوس الاشهاد ليعلم أهل الجمع ~~من أولى بالكرم اليوم أين المتقون # PageV01P053 ### | الباب الثاني عشر: في الأسباب التى تعين على الصبر # لما كان الصبر مأمورا به جعل الله سبحانه له أسبابا تعين عليه وتوصل ms039 اليه ~~وكذلك ماأمر الله سبحانه بالأمر إلا أعان عليه ونصب له أسبابا تمده وتعين ~~عليه كما أنه ما قدر داءا الا وقدر له دواء او ضمن الشفاء باستعماله فالصبر ~~وان كان شاقا كريها على النفوس فتحصيله ممكن وهو يتركب من مفردين العلم ~~والعمل فمنهما تركب جميع الادوية التى تداوى بها القلوب والأبدان فلا بد من ~~جزء علمي وجزء عملى فمنها يركب هذا الدواء الذى هو أنفع الادوية فأما الجزء ~~العلمي فهو إدراك ما في المأمور من الخير والنفع واللذة والكمال وإدراك ما ~~في المحظور من الشر والضر والنقص فإذا أدرك هذين العلمين كما ينبغى أضاف ~~اليهما العزيمة الصادقة والهمة العالية والنخوة والمروءة الإنسانية وضم هذا ~~الجزء إلى هذا الجزء فمتى فعل ذلك حصل له الصبر وهانت عليه مشاقه وحلت له ~~مرارته وانقلب ألمه لذة وقد تقدم أن الصبر مصارعة باعث العقل والدين لباعث ~~الهوى والنفس وكل متضارعين أراد أن يتغلب أحدهما على الآخر فالطريق فيه ~~تقوية من أراد أن تكون الغلبة له ويضعف الآخر كالحال مع # PageV01P053 # القوة والمرض سواء فإذا قوى باعث شهوة الوقاع المحرم وغلب بحيث لا يملك ~~معها فرجه أو يملكه ولكن لا يملك طرفه أو يملكه ولكن لا يملك قلبه بل لا ~~يزال يحدثه بما هناك ويعده ويمنيه ويصرفه عن حقائق الذكر والتفكر فيما ~~ينفعه في دنياه وآخرته فإذا عزم على التداوى ومقاومة هذا الداء فليضعفه ~~أولا بأمور: # أحدهما أن ينظر إلى مادة قوة الشهوة فيحدها من الاغذية المحركة للشهوة ~~إما بنوعها أو بكميتها وكثرتها ليحسم هذه المادة بتقليلها فإن لم تنحسم ~~فليبادر إلى الصوم فإنه يضعف مجارى الشهوة ويكسر حدتها ولا سيما إذا كان ~~أكله وقت الفطر معتدلا # الثانى: أن يجتذب محرك الطلب وهو النظر فليقصر لجام طرفه ما أمكنه فإن ~~داعى الإرادة والشهوة انما يهيج بالنظر والنظر يحرك القلب بالشهوة وفي ~~المسند عنه: "النظر سهم مسموم من سهام إبليس" وهذا السهم يشرده إبليس نحو ~~القلب ولا يصادف جنة دونه وليست الجنة الا غض الطرف أو ms040 التحيز والانحراف عن ~~جهة الرمى فإنه انما يرمى هذا السهم عن قوس الصور فاذا لم تقف على طريقها ~~أخطأ السهم وان نصبت قلبك غرضا فيوشك أن يقتله سهم من تلك السهام المسمومة. # الثالث: تسلية النفس بالمباح المعوض عن الحرام فإن كل ما يشتهيه الطبع ~~ففيهما أباحه الله سبحانه غنية عنه وهذا هو الدواء النافع في حق أكثر الناس ~~كما أرشد اليه النبي فالدواء الأول يشبه قطع العلف عن الدابة الجموح وعن ~~الكلب الضارى لإضعاف قوتهما والدواء الثانى يشبه تغييب اللحم عن الكلب ~~والشعير عن البهيمة لئلا تتحرك قوتهما له عند المشاهدة والدواء الثالث يشبه ~~إعطائهما من الغذاء ما يميل اليه طبعهما # PageV01P054 # بحسب الحاجة لتبقى معه القوة فتطيع صاحبهما ولا تغلب باعطائها الزيادة ~~على ذلك # الرابع: التفكر في المفاسد الدنيوية المتوقعة من قضاء هذا الوطر فانه لو ~~لم يكن جنة ولا نار لكان في المفاسد الدنيوية ما ينهى عن إجابة هذا الداعى ~~ولو تكلفنا عدها لفاقت الحصر ولكن عين الهوى عمياء. # الخامس الفكرة في مقابح الصورة التى تدعوه نفسه اليها إن كانت معروفة ~~بالإجابة له ولغيره فيعز نفسه أن يشرب من حوض ترده الكلاب والذئاب كما قيل: # سأترك وصلكم شرفا وعزا ... لخسة سائر الشركاء فيه # وقال آخر # إذ كثر الذباب على طعام ... رفعت يدى ونفسى تشتهيه # وتجتنب الأسود ورود ماء ... إذا كان الكلاب يلغن فيه # وليذكر مخالطة ريقه لريق كل خبيث ريقه الداء الدوى فان ريق الفاسق داء ~~كما قيل: # تسل يا قلب عن سمح بمهجته ... مبذل كل من يلقاه يقرفه # كالماء أى صيد يأتيه ينهله ... والغصن أى نسيم من يعطفه # وان حلا ريق فاذكر مرارته ... في فم أبخر يحفيه ويرشفه # ومن له أدنى مروءة ونخوة يأنف لنفسه من مواصلة من هذا شأنه فإن لم تجبه ~~نفسه إلى الإعراض ورضى بالمشاركة فلينظر إلى ما وراء هذا اللون والجمال ~~الظاهر من القبائح الباطنة فإن من مكن نفسه من فعل القبائح فنفسه أقبح من ~~نفوس البهائم فإنه لا يرضى لنفسه بذلك حيوان من ms041 الحيوانات أصلا الا ما يحكى ~~عن الخنزير وأنه ليس في البهائم لوطى سواه فقد رضى هذا الممكن من نفسه انه ~~يكون بمنزلة الخنزير وهذا # PageV01P055 # القبح يغطى كل جمال وملاحة في الوجه والبدن غير أن حبك الشيء عمى ويصم ~~وان كانت الصورة أنثى فقد خانت الله ورسوله وأهلها وبعلها ونفسها وأورثت ~~ذلك لمن بعدها من ذريتها فلها نصيب من وزرهم وعارهم ولا نسبة لجمال صورتها ~~إلى هذا القبح البتة وإذا أردت معرفة ذلك فانظر إلى القبح الذى يعلو وجه ~~أحدهما في كبره وكيف يقلب الله سبحانه تلك المحاسن مقابح حتى تعلو الوحشة ~~والقبح وجهه كما قيل شعرا: # لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذى يسبيه لم يسبه # وتفصيل هذه الوجوه يطول جدا فيكفي ذكر أصولها. # فصل: أما تقوية باعث الدين فإنه يكون بأمور: # أحدهما: إجلال الله تبارك وتعالى أن يعصى وهو يرى ويسمع ومن قام بقلبه ~~مشهد إجلاله لم يطاوعه قلبه لذلك البتة. # الثاني: مشهد محبته سبحانه فيترك معصيته محبة له فإن المحب لمن يحب مطيع ~~وأفضل الترك ترك المحبين كما أن أفضل الطاعة طاعة المحبين فبين ترك المحب ~~وطاعته وترك من يخاف العذاب وطاعته بون بعيد. # الثالث: مشهد النعمة والإحسان فإن الكريم لا يقابل بالإساءة من أحسن إليه ~~وإنما يفعل هذا لئام الناس فليمنعه مشهد إحسان الله تعالى ونعمته عن معصيته ~~حياء منه أن يكون خير الله وإنعامه نازلا اليه ومخالفاته ومعاصيه وقبائحه ~~صاعدة إلى ربه فملك ينزل بهذا وملك يعرج بذاك فأقبح بها من مقابلة. # الرابع: مشهد الغضب والانتقام فإن الرب تعالى إذا تمادى العبد في معصيته ~~غضب وإذا غضب لم يقم لغضبه شيء فضلا عن هذا العبد الضعيف. # PageV01P056 # الخامس: مشهد الفوات وهو ما يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة وما ~~يحدث له بها من كل اسم مذموم عقلا وشرعا وعرفا ويزول عنه من الأسماء ~~الممدوحة شرعا وعقلا وعرفا ويكفي في هذا المشهد مشهد فوات الإيمان الذي ~~أدنى مثقال ذرة منه خير من الدنيا وما فيها أضعافا مضاعفة فكيف ms042 أن يبيعه ~~بشهوة تذهب لذاتها وتبقى تبعتها تذهب الشهوة وتبقى الشقوة وقد صح عن النبي ~~أنه قال: "لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن" قال بعض الصحابة ينزع منه ~~الإيمان حتى يبقى على رأسه مثل الظلة فإن تاب رجع اليه وقال بعض التابعين ~~ينزع عنه الإيمان كما ينزع القميص فإن تاب لبسه ولهذا روى عن النبي في ~~الحديث الذى رواه البخارى: " الزناة في التنور عراة " لأنهم تعروا من لباس ~~الإيمان وعاد تنور الشهوة الذى كان في قلوبهم تنورا ظاهرا يحمى عليه في ~~النار. # السادس: مشهد القهر والظفر فان قهر الشهوة والظفر بالشيطان له حلاوة ~~ومسرة وفرحة عند من ذاق ذلك أعظم من الظفر بعدوه من الآدميين وأحلى موقعا ~~وأتم فرحة وأما عاقبته فأحمد عاقبة وهو كعاقبة شرب الدواء النافع الذى أزال ~~داء الجسد وأعاده إلى صحته واعتداله. # السابع: مشهد العوض وهو ما وعد الله سبحانه من تعويض من ترك المحارم ~~لأجله ونهى نفسه عن هواها وليوازنه بين العوض المعوض فأيهما كان أولى ~~بالإيثار اختاره وارتضاه لنفسه. # الثامن: مشهد المعية وهو نوعان معية عامة ومعية خاصة فالعامة اطلاع الرب ~~عليه وكونه بعينه لا تخفي عليه حاله وقد تقدم هذا والمقصود هنا المعية ~~الخاصة كقوله {إن الله مع الصابرين} وقوله {إن الله مع الذين اتقوا والذين ~~هم محسنون} وقوله {وإن الله لمع المحسنين} فهذه المعية الخاصة خير وأنفع في ~~دنياه وآخرته ممن فضى وطره ونيل شهوته على التمام من أول عمره إلى آخره ~~فكيف يؤثر عليها لذة # PageV01P057 # منغصة منكدة في مدة يسيرة من العمر انما هى كأحلام نائم أو كظل زائل. # التاسع: مشهد المغافصة والمعاجلة وهو أن يخاف أن يغافصه الأجل فيأخذه ~~الله على غرة فيحال بينه وبين ما يشتهى من لذات الآخرة فيا لها من حسرة ما ~~أمرها وما أصعبها لكن ما يعرفها الا من جربها وفي بعض الكتب القديمة يامن ~~لا يأمن على نفسه طرفة عين ولا يتم له سرور يوم الحذر الحذر. # العاشر: مشهد البلاء والعافية فان البلاء في ms043 الحقيقة ليس الا الذنوب ~~وعواقبها والعافية المطلقة هي الطاعات وعواقبها فأهل البلاء هم أهل المعصية ~~وان عوفيت أبدانهم وأهل العافية هم أهل الطاعة وان مرضت أبدانهم وقال بعض ~~أهل العلم في الأثر المروى إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية فإن ~~أهل البلاء المبتلون بمعاصى الله والأعراض والغفلة عنه وهذا وإن كان أعظم ~~البلاء فاللفظ يتناول انواع المبتلين في أبدانهم وأديانهم والله أعلم. # الحادي عشر: أن يعود باعث الدين ودواعيه مصارعة داعى الهوى ومقاومته على ~~التدريج قليلا قليلا حتى يدرك لذة الظفر فتقوى حينئذ همته فإن من ذاق لذة ~~شئ قويت همته في تحصيله والاعتياد لممارسة الأعمال الشاقة تزيد القوى التى ~~تصدر عنها تلك الأعمال ولذلك تجد قوى الحمالين وأرباب الصنائع الشاقة ~~تتزايد بخلاف البزاز والخياط ونحوهما ومن ترك المجاهدة بالكلية ضعف فيه ~~باعث الدين وقوى فيه باعث الشهوة ومتى عود نفسه مخالفة الهوى غلبه متى ~~أراد. # الثانى عشر: كف الباطل عن حديث النفس واذا مرت به الخواطر نفاها ولا ~~يؤويها ويساكنها فإنها تصير أمانى وهى رءوس أموال المفاليس، # PageV01P058 # ومتى ساكن الخواطر صارت أمانى ثم تقوى فتصير هموما ثم تقوى فتصير ارادات ~~ثم تقوى فتصير عزما يقترن به المراد فدفع الخاطر الأول أسهل وأيسر من دفع ~~أثر المقدور بعد وقوعه وترك معاودته. # الثالث عشر: قطع العلائق والأسباب التى تدعوه إلى موافقة الهوى وليس ~~المراد أن لا يكون له هوى بل المراد أن يصرف هواه إلى ما ينفعه ويستعمله في ~~تنفيذ مراد الرب تعالى فإن ذلك يدفع عنه شر استعماله في معاصيه فإن كل شيء ~~من الانسان يستعمله لله فإن الله يقيه شر استعماله لنفسه وللشيطان وما لا ~~يستعمله لله استعمله لنفسه وهواه ولا بد فالعلم ان لم يكن لله كان للنفس ~~والهوى والعمل ان لم يكن لله كان للرياء والنفاق والمال ان لم ينفق في طاعة ~~الله أنفق في طاعة الشيطان والهوى والجاه ان لم يستعمله لله استعمله صاحبه ~~في هواه وحظوظه والقوة ان لم يستعملها في أمر الله استعملته ms044 في معصيته فمن ~~عود نفسه العمل لله لم يكن عليه أشق من العمل لغيره ومن عود نفسه العمل ~~لهواه وحظه لم يكن عليه أشق من الاخلاص والعمل لله وهذا في جميع أبواب ~~الأعمال فليس شيء أشق على المنفق لله من الإنفاق لغيره وكذا بالعكس. # الرابع عشر: صرف الفكر إلى عجائب آيات الله التى ندب عباده إلى التفكر ~~فيها وهى آياته المتلوة وآياته المجلوة فإذا استولى ذلك على قلبه دفع عنه ~~محاظرة الشيطان ومحادثته ووسواسه وما أعظم غبن من أمكنه أن لا يزال محاظرا ~~للرحمن وكتابه ورسوله والصحابة فرغب عن ذلك إلى محاظرة الشيطان من الانس ~~والجن فلا غبن بعد هذا الغبن والله المستعان. # الخامس عشر: التفكر في الدنيا وسرعة زوالها وقرب انقضائها فلا يرضى لنفسه ~~ان يتزود منها إلى دار بقائه وخلوده أخس ما فيها وأقله نفعا إلا ساقط الهمة ~~دنيء المروءة ميت القلب فإن حسرته تشتد إذا عاين حقيقة ما تزوده وتبين له ~~عدم نفعه له فكيف اذا كان ترك تزود ما ينفعه إلى زاد # PageV01P059 # يعذب به ويناله بسببه غاية الألم بل اذا تزود ما ينفعه وترك ما هو أنفع ~~منه له كان ذلك حسرة عليه وغبنا. # السادس عشر: تعرضه إلى من القلوب بين أصبعيه وأزمة الأمور بيديه وانتهاء ~~كل شيء اليه على الدوام فلعله أن يصادف أوقات النفحات كما في الأثر ~~المعروف: "ان لله في أيام دهره نفحات فتعرضوا لنفحاته واسألوا الله أن يستر ~~عوراتكم ويؤمن روعاتكم" ولعله في كثرة تعرضه أن يصادف ساعة من الساعات التى ~~لا يسأل الله فيها شيئا الا أعطاه فمن أعطى منشور الدعاء أعطى الاجابة فإنه ~~لو لم يرد اجابته لما ألهمه الدعاء كما قيل: # لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه ... من جود كفك ما عودتنى الطلبا # ولا يستوحش من ظاهر الحال فإن الله سبحانه يعامل عبده معاملة من ليس ~~كمثله شيء في أفعاله كما ليس كمثله شيء في صفاته فإنه ما حرمه الا ليعطيه ~~ولا أمرضه الا ليشفيه ولا أفقره الا ms045 ليغنيه ولا أماته الا ليحييه وما أخرج ~~أبويه من الجنة الا ليعيدهما اليها على أكمل حال كما قيل:"يا آدم لا تجزع ~~من قولى لك واخرج منها فلك خلقتها وسأعيدك اليها". # فالرب تعالى ينعم على عبده بابتلائه ويعطيه بحرمانه ويصحبه بسقمه فلا ~~يستوحش عبده من حالة تسوؤه أصلا الا اذا كانت تغضبه عليه وتبعده منه. # السابع عشر: أن يعلم العبد بأن فيه جاذبين متضادين ومحنته بين الجاذبين ~~جاذب يجذبه إلى الرفيق الأعلى من أهل عليين وجاذب يجذبه إلى أسفل سافلين ~~فكلما انقاد مع الجاذب الأعلى صعد درجة حتى ينتهى إلى حيث يليق به من المحل ~~الأعلى وكلما انقاد إلى الجاذب الاسفل نزل درجة حتى ينتهى إلى موضعه من ~~سجين ومتى أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق # PageV01P060 # الأعلى أو الأسفل فلينظر أين روحه في هذا العالم فإنها اذا فارقت البدن ~~تكون في الرفيق الأعلى الذى كانت تجذبه اليه في الدنيا فهو أولى بها فالمرء ~~مع من أحب طبعا وعقلا وجزءا وكل مهتم بشئ فهو منجذب اليه وإلى أهله بالطبع ~~وكل امرئ يصبو إلى ما يناسبه وقد قال تعالى {قل كل يعمل على شاكلته} ~~فالنفوس العلوية تنجذب بذاتها وهمها وأعمالها إلى أعلى والنفوس السافلة إلى ~~أسفل. # الثامن عشر: أن يعلم العبد أن تفريغ المحل شرط لنزول غيث الرحمة وتنقيته ~~من الدغل شرط لكمال الزرع فمتى لم يفرغ المحل لم يصادف غيث الرحمة محلا ~~قابلا ينزل فيه وان فرغه حتى أصابه غيث الرحمة ولكنه لم ينقه من الدغل لم ~~يكن الزرع زرعا كاملا بل ربما غلب الدغل على الزرع فكان الحكم له وهذا ~~كالذى يصلح أرضه ويهيئها لقبول الزرع ويودع فيها البذور وينتظر نزول الغيث ~~فإذا طهر العبد قلبه وفرغه من ارادة السوء وخواطره وبذر فيه بذر الذكر ~~والفكر والمحبة والإخلاص وعرضه لمهاب رياح الرحمة وانتظر نزول غيث الرحمة ~~في أوانه كان جديرا بحصول المغل وكما يقوى الرجاء لنزول الغيث في وقته كذلك ~~يقوى الرجاء لإصابة نفحات الرحمن جل جلاله في الأوقات الفاضلة ms046 والأحوال ~~الشريفة ولا سيما اذا اجتمعت الهمم وتساعدت القلوب وعظم الجمع كجمع عرفة ~~وجمع الاستسقاء وجمع أهل الجمعة فإن اجتماع الهمم والأنفاس أسباب نصبها ~~الله تعالى مقتضية لحصول الخير ونزول الرحمة كما نصب سائر الأسباب مقتضية ~~إلى مسبباتها بل هذه الأسباب في حصول الرحمة أقوى من الأسباب الحسية في ~~حصول مسبباتها ولكن العبد بجهله يغلب عليه الشاهد على الغائب الحسن وبظلمه ~~يؤثر ما يحكم به هذا ويقتضيه على ما يحكم به الآخر ويقتضيه ولو فرغ العبد ~~المحل وهيأه وأصلحه لرأى العجائب فإن فضل الله لا يرده الا المانع الذى في ~~العبد فلو زال ذلك المانع لسارع اليه الفضل من كل صوب فتأمل حال نهر # PageV01P061 # عظيم يسقى كل أرض يمر عليها فحصل بينه وبين بعض الأرض المعطشة المجدية ~~سكر وسد كثيف فصاحبها يشكو الجدب والنهر إلى جانب أرضه. # التاسع عشر: أن يعلم العبد أن الله سبحانه خلقه لبقاء لافناء له ولعز لا ~~ذل معه وأمن لا خوف فيه وغناء لا فقر معه ولذة لا ألم معها وكمال لا نقص ~~فيه وأمتحنه في هذه الدار بالبقاء الذى يسرع اليه الفناء والعز الذى يقارنه ~~الذل ويعقبه الذل والأمن الذى معه الخوف وبعده الخوف وكذلك الغناء واللذة ~~والفرح والسرور والنعيم الذى هنا مشوب بضده لأنه يتعقبه ضده وهو سريع ~~الزوال فغلط أكثر الخلق في هذا المقام إذ طلبوا النعيم والبقاء والعز ~~والملك والجاه في غير محله ففاتهم في محله وأكثرهم لم يظفر بماطليه! من ذلك ~~والذى ظفر به انما هو متاع قليل والزوال قريب فإنه سريع الزوال عنه والرسل ~~صلوات الله وسلامه عليهم انما جاءوا بالدعوة إلى النعيم المقيم والملك ~~الكبير فمن أجابهم حصل له ألذ ما في الدنيا وأطيبه فكان عيشه فيها أطيب من ~~عيش الملوك فمن دونهم فإن الزهد في الدنيا ملك حاضر والشيطان يحسد المؤمن ~~عليه أعظم حسد فيحرص كل الحرص على أن لا يصل اليه فإن العبد اذا ملك شهوته ~~وغضبه فانقادا معه لداعى الدين فهو الملك حقا لأن صاحب ms047 هذا الملك حر والملك ~~المنقاد لشهوته وغضبه عبد شهوته وغضبه فهو مسخر مملوك في زى مالك يقوده ~~زمام الشهوة والغضب كما يقاد البعير فالمغرور المخدوع يقطع نظره على الملك ~~الظاهر الذى صورته ملك وباطنه رق وعلى الشهوة التى أولها لذة وآخرها حسرة ~~والبصير الموفق يعير نظره من الاوائل إلى الأواخر ومن المبادئ إلى العواقب ~~وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. # العشرون: أن لا يغتر العبد باعتقاده أن مجرد العلم بما ذكرنا كاف في حصول ~~المقصود بل لا بد أن يضيف اليه بذل الجهد في استعماله واستفراغ الوسع ~~والطاقة فيه وملاك ذلك الخروج عن العوائد فإنها أعداء # PageV01P062 # الكمال والفلاح فلا أفلح من استمر مع عوائده أبدا ويستعين على الخروج عن ~~العوايد بالهرب عن مظان الفتنة والبعد عنها ما أمكنه وقد قال النبي: "من ~~سمع بالدجال فلينا عنه " فما استعين على التخلص من الشر بمثل البعد عن ~~أسبابه ومظانه. # وههنا لطيفة للشيطان لا يتخلص منها إلا حاذق وهى أن يظهر له في مظان الشر ~~بعض شيء من الخير ويدعوه إلى تحصيله فإذا قرب منه ألقاه في الشبكة والله ~~أعلم. # PageV01P063 ### | الباب الثالث عشر: في بيان أن الإنسان لا يستغنى عن الصبر في حال من الأحوال # فإنه بين أمر يجب عليه امتثاله وتنفيذه ونهى يجب عليه اجتنابه وتركه وقدر ~~يجرى عليه اتفاقا ونعمة يجب عليه شكر المنعم عليها واذا كانت هذه الأحوال ~~لا تفارقه فالصبر لازم له إلى الممات وكل ما يلقى العبد في هذه الدار لا ~~يخلو من نوعين أحدهما يوافق هواه ومراده والآخر يخالفه وهو محتاج إلى الصبر ~~في كل منهما أما النوع الموافق لغرضه فكالصحة والسلامة والجاه والمال ~~وأنواع الملاذ المباحة وهو أحوج شئ إلى الصبر فيها من وجوه: # أحدها: أن لا يركن اليها ولا يغتر بها ولا تحمله على البطر والأشر والفرح ~~المذموم الذى لا يحب الله أهله. # الثاني: أن لا ينهمك في نيلها ويبالغ في استقصائها فانها تنقلب إلى ~~اضدادها فمن بالغ في الأكل والشرب ms048 والجماع انقلب ذلك إلى ضده وحرم الأكل ~~والشرب والجماع. # الثالث: أن يصبر على أداء حق الله فيها ولا يضيعه فيسلبها. # الرابع: أن يصبر عن صرفها في الحرام فلا يمكن نفسه من كل ما # PageV01P063 # تريده منها فإنها توقعه في الحرام فإن احترز كل الاحتراز أوقعته في ~~المكروه ولا يصبر على السراء الا الصديقون. # قال بعض السلف: البلاء يصبر عليه المؤمن والكافر ولا يصبر على العافية ~~إلا الصديقون وقال عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه: "ابتلينا بالضراء ~~فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر" ولذلك حذر الله عباده من فتنة المال ~~والأزواج والأولاد فقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله} وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} وليس المراد من هذه العداوة ما يفهمه كثير من ~~الناس أنها عداوة البغضاء والمحادة بل إنما هى عداوة المحبة الصادة للآباء ~~عن الهجرة والجهاد وتعلم العلم والصدقة وغير ذلك من أمور الدين وأعمال البر ~~كما في جامع الترمذى من حديث اسرائيل حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس ~~وسأله رجل عن هذه الآية يا أيها الذين آمنوا ان من أزواجكم وأولادكم عدوا ~~لكم فاحذروهم قال هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة فأرادوا أن يأتو النبي فأبى ~~أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا رسول الله فلما أتوا رسول الله ورأوا ~~الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا ~~إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم} الآية قال الترمذى هذا حديث حسن صحيح وما ~~أكثر ما فات العبد من الكمال والفلاح بسبب زوجته وولده وفي الحديث: " الولد ~~مبخلة مجبنة" وقال الإمام أحمد حدثنا زيد بن الحباب قال حدثني زيد بن واقد ~~قال حدثنى عبد الله بن بريدة قال سمعت أبى يقول: "كان رسول الله يخطبنا ~~فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله عن ~~المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال صدق الله {انما أموالكم وأولادكم ~~فتنة} ms049 نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثى ~~ورفعتهما" وهذا من كمال رحمته ولطفه بالصغار وشفقتة # PageV01P064 # عليهم وهو تعليم منه للأمة الرحمة والشفقة واللطف بالصغار # فصل وانما كان الصبر على السراء شديدا لأنه مقرون بالقدرة والجائع عند ~~غيبة الطعام أقدر منه على الصبر عند حضوره وكذلك الشبق عند غيبة المرأة ~~أصبر منه عند حضورها. فصل وأما النوع الثانى المخالف للهوى فلا يخلو اما أن ~~يرتبط باختيار العبد كالطاعات والمعاصى أو لا ترتبط أوله باختياره كالمصائب ~~أو يرتبط أوله باختياره ولكن لا اختيار له في ازالته بعد الدخول فيه فهاهنا ~~ثلاثة أقسام: أحدها ما يرتبط باختياره وهو جميع أفعاله التى توصف بكونها ~~طاعة أو معصية فأما الطاعة فالعبد محتاج إلى الصبر عليها لأن النفس بطبعها ~~تنفر عن كثير من العبودية أما في الصلاة فلما في طبعها من الكسل وايثار ~~الراحة ولا سيما إذا اتفق مع ذلك قسوة القلب ورين الذنب والميل إلى الشهوات ~~ومخالطة أهل الغفلة فلا يكاد العبد مع هذه الأمور وغيرها أن يفعلها وان ~~فعلها مع ذلك كان متكلفا غائب القلب ذاهلا عنها طالبا لفراقها كالجالس إلى ~~الجيفة # وأما الزكاة فلما في طبعها اى النفس من الشح والبخل وكذلك الحج والجهاد ~~للأمرين جميعا ويحتاج العبد ها هنا إلى الصبر في ثلاثة أحوال أحدها قبل ~~الشروع فيها بتصحيح النية والاخلاص وتجنب دواعى الرياء والسمعة وعقد العزم ~~على توفية المأمورية حقها # الحالة الثانية الصبر حال العمل فيلازم العبد الصبر عن دواعى التقصير فيه ~~والتفريط ويلازم الصبر على استصحاب ذكر النية وعلى حضور القلب بين يدى ~~المعبود وأن لا ينساه في أمره فليس الشأن في فعل المأمور بل الشأن كل الشأن ~~أن لا ينسى الا مرحال الإتيان بأمره بل يكون مستصحبا لذكره في أمره فهذه ~~عبادة العبيد المخلصين لله فهو يحتاج إلى الصبر على توفية العبادة حقها ~~بالقيام بأدائها وأركانها وواجباتها وسننها وإلى # PageV01P065 # الصبر على استصحاب ذكر المعبود فيها ولا يشتغل عنه بعبادته فلا يعطله ~~حضوره مع الله بقلبه ms050 عن قيام جوارحه بعبوديته ولا يعطله قيام الجوارح ~~بالعبودية عن حضور قلبه بين يديه سبحانه # الحالة الثالثة الصبر بعد الفراغ من العمل وذلك من وجوه # أحدها أن يصبر نفسه عن الإتيان بما يبطل عمله قال تعالى يا أيها الذين ~~آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فليس الشأن الإتيان بالطاعة انما ~~الشأن في حفظها مما يبطلها # الثانى أن يصبر عن رؤيتها والعجب بها والتكبر والتعظم بها فإن هذا أضر ~~عليه من كثير من المعاصى الظاهرة # الثالث أن يصبر عن نقلها من ديوان السر إلى ديوان العلانية فإن العبد ~~يعمل العمل سرا بينه وبين الله سبحانه فيكتب في ديوان السر فإن تحدث به نقل ~~إلى ديوان العلانيه فلا يظن أن بساط الصبر انطوى بالفراغ من العمل # فصل وأما الصبر عن المعاصى فأمره ظاهر وأعظم ما يعين عليه قطع المألوفات ~~ومفارقة الأعوان عليها في المجالسة والمحادثة وقطع العوائد فإن العادة ~~طبيعة خاصة فاذا انضافت الشهوة إلى العادة تظاهر جندان من جند الشيطان فلا ~~يقوى باعث الدين على قهرهما. # فصل القسم الثانى ما لا يدخل تحت الإختيار وليس للعبد حيلة في دفعه ~~كالمصائب التى لا صنع للعبد فيها كموت من يعز عليه وسرقة ماله ومرضه ونحو ~~ذلك وهذا نوعان أحدهما ما لا صنع للعبد الآدمى فيه والثانى ما أصابه من جهة ~~آدمى مثله كالسب والضرب وغيرهما فالنوع الأول للعبد فيه أربع مقامات أحدها ~~مقام العجز وهو مقام الجزع والشكوى والسخط وهذا ما لا يفعله إلا أقل الناس ~~عقلا ودينا ومروءة وهو أعظم المصيبتين # PageV01P066 # المقام الثانى: مقام الصبر إما لله وإما للمروءة الإنسانية # المقام الثالث: مقام الرضا وهو أعلى من مقام الصبر وفي وجوبه نزاع والسير ~~متفق على وجوبه # المقام الرابع مقام الشكر وهو أعلى من مقام الرضا فإنه يشهد البلية نعمة ~~فيشكر المبتلى عليها # وأما النوع الثانى وهو ما أصابه من قبل الناس فله فيه هذه المقامات ويضاف ~~اليها أربعة أخر أحدها مقام العفو والصفح والثانى مقام سلامة القلب من ~~ارادة التشفي والانتقام وفراغه ms051 من ألم مطالعة الجناية كل وقت وضيقه بها ~~الثالث مقام شهود القدر وانه وان كان ظالما بإيصال هذا الأذى اليك فالذى ~~قدره عليك وأجراه على يد هذا الظالم ليس بظالم وأذى الناس مثل الحر والبرد ~~لا حيلة في دفعه فالمنسخط من أذى الحر والبرد غير حازم والكل جار بالقدر ~~وان اختلفت طرقه وأسبابه # المقام الرابع مقام الإسحان إلى المسيء ومقابلة اساءته بإحسانك وفي هذا ~~المقام من الفوائد والمصالح ما لا يعلمه الا الله فإن فات العبد هذا المقام ~~العالى فلا يرضى لنفسه بأخس المقامات وأسفلها # فصل القسم الثالث ما يكون وروده باختياره فإذا تمكن لم يكن له اختيار ولا ~~حيلة في دفعه وهذا كالعشق أوله اختيار وآخره اضطرار وكالتعرض لأسباب ~~الأمراض والآلام التى لا حيلة في دفعها بعد مباشرة أسبابها كما لا حيلة في ~~دفع السكر بعد تناول المسكر فهذا كان فرضه الصبر عنه في أوله فلما فاته بقى ~~فرضه الصبر عليه في آخره وأن لا يطيع داعى هواه ونفسه وللشيطان ها هنا ~~دسيسة عجيبة وهى أن يخيل اليه أن ينل بعض ما منع قد يتعين عليه أو يباح له ~~على سبيل التداوى وغايته أن يكون كالتداوى بالخمر والنجاسة وقد أجازه كثير ~~من الفقهاء وهذا من أعظم الجهل فإن هذا التداوى لا يزيل الداء بل يزيده ~~ويقويه وكم ممن # PageV01P067 # تداوى بذلك فكان هلاك دينه ودنياه في هذا الدواء بل الدواء النافع لهذا ~~الداء الصبر والتقوى كما قال تعالى {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم ~~الأمور} وقال {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} فالصبر ~~والتقوى دواء كل داء من أدواء الدين ولا يستغنى أحدهما عن صاحبه # فإن قيل فهل يثاب على الصبر في هذا القسم اذا كان عاصيا مفرطا يتعاطى ~~أسبابه وهل يكون معاقبا على ما تولد منه وهو غير اختيارى له # قيل نعم اذا صبر لله تعالى وندم على ما تعاطاه من السبب المحظور أثيب على ~~صبره لأنه جهاد منه لنفسه وهو عمل صالح والله ms052 لا يضيع أجر من أحسن عملا # وأما عقوبته على ما تولد منه فإنه يستحق العقوبة على السبب وما تولد منه ~~كما يعاقب السكران على ما جناه في حال سكره فإذا كان السبب محظورا لم يكن ~~السكران معذورا فإن الله سبحانه يعاقب على الأسباب المحرمة وعلى ما تولد ~~منها كما يثيب على الأسباب المأمور بها وعلى ما يتولد منها ولذا كان من دعا ~~إلى بدعة وضلالة فعليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه لأن اتباعهم له تولد عن ~~فعله ولذلك كان على ابن آدم القاتل لأخيه كفل من ذنب كل قاتل إلى يوم ~~القيامة وقد قال تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار ~~الذين يضلونهم بغير علم} وقال تعالى {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} # فإن قيل فكيف التوبة من هذا المتولد وليس من فعله والإنسان انما يتوب # عما يتعلق با ختياره قبل التوبة منه بالندم عليه وعدم اجابة دواعيه ~~وموجباته وحبس النفس عن ذلك فإن كان المتولد متعلقا بالغير فتوبته مع ذلك ~~برفعه عن الغير بحسب الإمكان ولهذا كان من توبة الداعى إلى # PageV01P068 # البدعة ان يبين أن ما كان يدعو اليه بدعة وضلالة وان الهدى في ضده كما ~~شرط تعالى في توبة أهل الكتاب الذين كان ذنبهم كتمان ماأنزل الله من ~~البينات والهدى ليضلوا الناس بذلك أن يصلحوا العمل في نفوسهم ويبينوا للناس ~~ما كانوا يكتمونهم اياه فقال {ان الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى ~~من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون الا ~~الذين تابوا واصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} # وهذا كما شرط في توبة المنافقين الذين كان ذنبهم افساد قلوب ضعفاء ~~المؤمنين وتحيزهم واعتصامهم باليهود والمشركين أعداء الرسول وإظهارهم ~~الإسلام رياء وسمعة أن يصلحوا بدل افسادهم وأن يعتصموا بالله بدل اعتصامهم ~~بالكفار من أهل الكتاب والمشركين وأن يخلصوا دينهم لله بدل إضهارهم رياء ~~وسمعة فهكذا تفهم شرائط التوبة وحقيقتها والله المستعان # PageV01P069 ### | الباب الرابع عشر: في بيان أشق الصبر على النفوس ms053 # مشقة الصبر بحسب قوة الداعى إلى الفعل وسهولته على العبد فإذا اجتمع في ~~الفعل هذان الأمرن كان الصبر عنه أشق شىء على الصابر وان فقدا معا سهل ~~الصبر عنه وان وجد احدهما وفقد الآخر سهل الصبر من وجه صعب من وجه فمن ~~لاداعى له إلى القتل والسرقة وشرب المسكر وأنواع الفواحش ولا هو سهل عليه ~~فصبره عنه من أيسر شيء عليه وأسهله ومن اشتد داعيه إلى ذلك وسهل عليه فعله ~~فصبره عنه أشق شيء عليه ولهذا كان صبر السلطان عن الظلم وصبر الشباب عن ~~الفاحشة وحبد الغنى عن تناول اللذات والشهوات عند الله بمكان # وفي المسند وغيره عن النبي: "عجب ربك من شاب ليست له # PageV01P069 # صبوة" ولذلك استحق السبعة المذكورين في الحديث الذين يظلهم الله في ظل ~~عرشه لكمال صبرهم ومشقته فإن صبر الإمام المتسلط على العدل في قسمه وحكمه ~~ورضاه وغضبه وصبر الشاب على عبادة الله ومخالفة هواه وصبر الرجل على ملازمة ~~المسجد وصبر المتصدق على إخفاء الصدقة حتى عن بعضه وصبر المدعو إلى الفاحشة ~~مع كمال جمال الداعى ومنصبه وصبر المتحابين في الله على ذلك في حال ~~اجتماعهما وافتراقهما وصبر الباكى من خشية الله على كتمان ذلك وعدم اظهاره ~~للناس من أشق الصبر ولهذا كانت عقوبة الشيخ الزانى والملك الكذاب والفقير ~~المختال أشد العقوبة لسهولة الصبر عن هذه الأشياء المحرمات عليهم لضعف ~~دواعيها في حقهم فكان تركهم الصبر عنها مع سهولته عليهم دليلا على تمردهم ~~على الله وعتوهم عليه # ولهذا كان الصبر عن معاصى اللسان والفرج من اصعب أنواع الصبر لشدة الداعى ~~اليهما وسهولتهما فإن معاصى اللسان فاكهة الإنسان كالنميمة والغيبة والكذب ~~والمراء والثناء على النفس تعريضا وتصريحا وحكاية كلام الناس والطعن على من ~~يبغضه ومدح من يحبه ونحو ذلك فتتفق قوة الداعى وتيسر حركة اللسان فيضعف ~~الصبر ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "امسك عليك لسانك" فقال "وانا ~~لمؤاخذون بما نتكلم به" فقال صلى الله عليه وسلم "وهل يكب الناس في النار ~~على مناخرهم الا حصائد ms054 ألسنتهم" ولا سيما اذا صارت المعاصى اللسانية معتادة ~~للعبد فإنه يعز عليه الصبر عنها ولهذا تجد الرجل يقوم الليل ويصوم النهار ~~ويتورع من استناده إلى وسادة حرير لحظة واحدة ويطلق لسانه في الغيبة ~~والنميمة والمفكه! في أعراض الخلق وربما رخص أهل الصلاح والعلم بالله ~~والدين والقول على الله ما لا يعلم وكثير ممن تجده يتورع عن الدقائق من ~~الحرام والقطرة من الخمر ومثل رأس الإبرة من النجاسة ولا يبالى بارتكاب ~~الفرج الحرام كما يحكى أن رجلا خلا بامرأة أجنبية فلما اراد مواقعتها قال ~~يا هذه غطى وجهك فإن # PageV01P070 # النظر إلى وجه الأجنبية حرام وقد سأل رجل عبد الله بن عمر عن دم البعوض ~~فقال انظروا إلى هؤلاء يسألونى عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت رسول الله # واتفق لى قريب من هذه الحكاية كنت في حال الإحرام فأتانى قوم من الأعراب ~~المعروفين بقتل النفوس والإغارة على الأموال يسألوني عن قتل المحرم القمل ~~فقلت يا عجبا لقوم لا يتورعون عن قتل النفس التى حرم الله قتلها ويسألون عن ~~قتل القملة في الاحرام # والمقصود أن اختلاف شدة الصبر في أنواع المعاصى وآحادها يكون باختلاف ~~داعيه إلى تلك المعصية في قوتها وضعفها ويذكر عن على رضى الله عنه أنه قال ~~الصبر ثلاثة فصبر على المصيبة وصبر على الطاعة وصبر عن المعصية فمن صبر على ~~المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة ومن صبر على ~~الطاعة حتى يؤديها كما أمر الله كتب الله له ستمائة درجة ومن صبر عن ~~المعصية خوفا من الله ورجاء ما عنده كتب الله له تسعمائة درجة # وقال ميمون بن مهران: "الصبر صبران فالصبر على المصيبة حسن وأفضل منه ~~الصبر عن المعصية". # وقال الفضيل في قوله تعالى: {سلام عليكم بما صبرتم} ثم قال صبروا على ما ~~أمروا به وصبروا عما نهوا عنه وكأنه جعل الصبر على المصيبة داخلا في قسم ~~المأمور به والله أعلم # PageV01P071 ### | الباب الخامس عشر في ذكر ما ورد في الصبر من نصوص الكتاب العزيز ms055 # قال الإمام أحمد رحمه الله: "ذكر الله سبحانه الصبر في القرآن في تسعين ~~موضعا" ونحن نذكر الأنواع التى سيق فيها الصبر وهى عدة أنواع: # PageV01P071 # أحدها الأمر به كقوله {واصبر وما صبرك الا بالله} {واصبر لحكم ربك} ~~الثانى النهى عما يضاده كقوله {ولا تستعجل لهم} وقوله {ولا تهنوا ولا ~~تحزنوا} وقوله {ولا تكن كصاحب الحوت} وبالجملة فكل ما نهى عنه فانه يضاد ~~الصبر المأمور به الثالث تعليق الفلاح به كقوله {يا أيها الذين آمنوا ~~اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} فعلق الفلاح بمجموع هذه ~~الأمور # الرابع الإخبار عن مضاعفة أجر الصابرين على غيره كقوله {أولئك يؤتون ~~أجرهم مرتين بما صبروا} وقوله {انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} قال ~~سليمان بن القاسم كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر قال الله تعالى {انما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب} قال كالماء المنهمر # الخامس تعليق الإمامة في الدين به وباليقين قال الله تعالى {وجعلناهم ~~أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} فبالصبر واليقين تنال ~~الإمامة في الدين # السادس ظفرهم بمعية الله سبحانه لهم قال تعالى ل {إن الله مع الصابرين ~~{قال أبو على الدقاق فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله معيته # السابع انه جمع للصابرين ثلاثة أمور لم يجمعها لغيرهم وهى الصلاة منه ~~عليهم ورحمته لهم وهدايته إياهم قال تعالى {وبشر الصابرين الذين اذا ~~أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا اليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ~~ورحمة وأولئك هم المهتدون} وقال # PageV01P072 # بعض السلف وقد عزى على مصيبة نالته فقال مالى لا أصبر وقد وعدنى الله على ~~الصبر ثلاث خصال كل خصلة منها خير من الدنيا وما عليها # الثامن أنه سبحانه جعل الصبر عونا وعدة وأمر بالاستعانة به فقال ~~{واستعينوا بالصبر والصلاة} فمن لا صبر له لا عون له # التاسع أنه سبحانه علق النصر بالصبر والتقوى فقال تعالى {بلى ان تصبروا ~~وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} ~~ولهذا قال النبي: "واعلم أن النصر مع الصبر ms056 ". # العاشر أنه سبحانه جعل الصبر والتقوى جنة عظيمة من كيد العدو ومكره فمن ~~استجن العبد من ذلك جنة أعظم منهما قال تعالى {وان تصبروا وتتقوا لا يضركم ~~كيدهم شيئا} # الحادي عشر انه سبحانه أخبر أن ملائكته تسلم عليهم في الجنة بصبرهم كما ~~قال {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى ~~الدار} # الثانى عشر انه سبحانه أباح لهم أن يعاقبوا على ما عوقبتم به ثم أقسم ~~قسما مؤكدا غاية التأكيد أن صبرهم خير لهم فقال {وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ~~ما عوقبتهم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} فتأمل هذا التأكيد بالقسم ~~المدلول عليه بالواو ثم باللام بعده ثم باللام التى في الجواب # الثالث عشر انه سبحانه رتب المغفرة والأجر الكبير على الصبر والعمل ~~الصالح فقال {الا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير} ~~وهؤلاء ثنية الله من نوع الإنسان # PageV01P073 # المذموم الموصوف باليأس والكفر عند المصيبة والفرح والفخر عند النعمة ولا ~~خلاص من هذا الذم الا بالصبر والعمل الصالح كما لا تنال المغفرة والأجر ~~الكبير الا بهما # الرابع عشر انه سبحانه جعل الصبر على المصائب من عزم الأمور أى مما يعزم ~~من الأمور التى انما يعزم على أجلها وأشرفها فقال {ولمن صبر وغفر ان ذلك ~~لمن عزم الأمور} وقال لقمان لابنه {واءمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر ~~على ما أصابك ان ذلك من عزم الأمو} # الخامس عشر انه سبحانه وعد المؤمنين بالنصر والظفر وهى كلمته التى سبقت ~~لهم وهى الكلمة الحسنى وأخبر أنه انما انالهم ذلك بالصبر فقال تعالى {وتمت ~~كلمة ربك الحسنى على بنى اسرائيل بما صبروا} # السادس عشر أنه سبحانه علق محبته بالصبر وجعلها لأهله فقال {وكأين من نبى ~~قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما ~~استكانوا والله يحب الصابرين} # السابع عشر انه سبحانه أخبر عن خصال الخير انه لا يلقاها الا الصابرون في ~~موضعين من كتابه في سورة القصص في قصة قارون وان الذين أوتوا ms057 العلم قالو ~~للذين تمنوا مثل ما أوتى {ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا ~~يلقاها الا الصابرون} وفي سورة حميم السجدة حيث أمر العبد أن يدفع بالتى هى ~~أحسن فإذا فعل ذلك صار الذى بينه وبينه عداوة كأنه حبيب قريب ثم قال {وما ~~يلقاها الا الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم} # الثامن عشر أنه سبحانه أخبر أنه إنما ينتفع بآياته ويتعظ بها الصبار ~~الشكور فقال تعالى {ولقد ارسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من # PageV01P074 # الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور} ~~وقال تعالى في لقمان {ألم تر أن الفلك تجرى في البحر بنعمة الله ليريكم من ~~آياته ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور} وقال في قصة سبأ {وجعلناهم أحاديث ~~ومزقناهم كل ممزق ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور} وقال تعالى {ومن آياته ~~الجوار في البحر كالأعلام ان يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ان في ~~ذلك لآيات لكل صبار شكور} فهذه أربع مواضع في القرآن تدل على أن آيات الرب ~~انما ينتفع بها أهل الصبر والشكر # التاسع عشر أنه أثنى على عبده أيوب بأحسن الثناء على صبره فقال {أنا ~~وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب} فأطلق عليه نعم العبد بكونه وجده صابرا ~~وهذا يدل على أن من لم يصبر اذا ابتلى فإنه بئس العبد # العشرون انه سبحانه حكم بالخسران حكما عاما على كل من لم يؤمن ولم يكن من ~~أهل الحق والصبر وهذا يدل على أنه لا رابح سواهم فقال تعالى {والعصر ان ~~الإنسان لفي خسر الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر} ولهذا قال الشافعى لو فكر الناس كلهم في هذه الاية لوسعتهم وذلك أن ~~العبد كماله في تكميل قوتيه قوة العلم وقوة العمل وهما الإيمان والعمل ~~الصالح وكما هو محتاج إلى تكميل نفسه فهو محتاج إلى تكميل غيره وهو التواصى ~~بالحق والتواصى بالصبر وأخية ذلك وقاعدته وساقه الذى يقوم عليه انما هو ~~الصبر ms058 # الحادى والعشرون أنه سبحانه خص أهل الميمنة بأنهم أهل الصبر والمرحمة ~~الذين قامت بهم هاتان الخصلتان ووصوا بهما غيرهم فقال تعالى {ثم كان من ~~الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك # PageV01P075 # أصحاب الميمنة} وهذا حصر لأصحاب الميمنة فيمن قام به هذان الوصفان والناس ~~بالنسبة اليهما أربعة أقسام هؤلاء خير الاقسام وشرهم من لا صبر له ولا رحمة ~~فيه ويليه من له صبر ولا رحمة عنده ويليه القسم الرابع وهو من له رحمة ورقة ~~ولكن لا صبر له # الثانى والعشرون أنه سبحانه قرن الصبر بأركان الإسلام ومقامات الإيمان ~~كلها # فقرنه بالصلاة كقوله {واستعينوا بالصبر والصلاة} وقرنه بالأعمال الصالحة ~~عموما كقوله {الا الذين صبروا وعملوا الصالحات} وجعله قرين التقوى كقوله ~~{إنه من يتق ويصبر} وجعله قرين الشكر كقوله {ان في ذلك لآيات لكل صبار ~~شكور} وجعله قرين الحق كقوله {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} وجعله قرين ~~الرحمة كقوله {وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} وجعله قرين اليقين كقوله ~~{لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} وجعله قرين الصدق كقوله {والصادقين ~~والصادقات والصابرين والصابرات} وجعله سبب محبته ومعيته ونصره وعونه وحسن ~~جزائه ويكفي بعض ذلك شرفا وفضلا والله أعلم # PageV01P076 ### | الباب السادس عشر: في ذكر ما ورد فيه من نصوص السنة # في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه" أن رسول الله أتى على ~~امرأة تبكى على صبى لها فقال لها اتقى الله واصبرى فقالت وما تبالى بمصيبتى ~~فلما ذهب قيل لها انه رسول الله فأخذها مثل الموت فأتت بابه فلم تجد على ~~بابه بوابين فقالت يا رسول لم أعرفك فقال انما الصبر عند أول صدمة" وفي لفظ ~~" عند الصدمة # PageV01P076 # الاولى " وقوله الصبر عند الصدمة الاولى مثل قوله "ليس الشديد بالصرعة ~~انما الشديد الذى يملك نفسه وقت الغضب" فإن مفاجئات المصيبة بغتة لها روعة ~~تزعزع القلب وتزعجه بصدمها فإن صبر الصدمة الأولى انكسر حدها وضعفت قوتها ~~فهان عليه استدامة الصبر وأيضا فإن المصيبة ترد على القلب وهو غير موطن لها ~~فتزعجه وهى الصدمة الأولى وأما اذا وردت ms059 عليه بعد ذلك توطن لها وعلم انه لا ~~بد له منها فيصير صبره شبيه الاضطرار وهذه المرأة لما علمت ان جزعها لا ~~يجدى عليها شيئا جاءت تعتذر إلى النبي كأنها تقول له قد صبرت فأخبرها أن ~~الصبر انما هو عند الصدمة الأولى # ويدل على هذا المعنى ما رواه سعيد بن زربى عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة ~~رضى الله عنه قال: "مر النبي على امرأة جاثمة على قبر تبكى فقال لها يا أمة ~~الله اتق الله واصبرى قالت يا عبد الله ثكلى قال يا أمة الله اتق الله ~~واصبرى قالت يا عبد الله لو كنت مصابا عذرتنى قال يا أمة الله اتق الله ~~واصبرى قالت يا عبد الله قد أسمعت فانصرف عنى فمضى رسول الله واتبعه رجل من ~~أصحابه فوقف على المرأة فقال لها ما قال لك الرجل الذاهب قالت قال لى كذا ~~وكذا وأجبته بكذا وكذا قال هل تعرفينه قالت لا قال ذلك رسول الله قال فوثبت ~~سرعة نحوه حتى انتهت اليه وهى تقول أنا أصبر أنا أصبر يا رسول الله فقال ~~الصبر عند الصدمة الأولى الصبر عند الصدمة الأولى". # قال ابن أبى الدنيا حدثنا بشر بن الوليد وصالح الكندى بن مالك قالا حدثنا ~~سعيد بن زربى فذكره فهذا السياق يبين معنى الحديث قال أبو عبيد معناه ان كل ~~ذى رزبة فإن قصاراه الصبر ولكنه انما يحمد على صبره عند حدة المصيبة ~~وحرارتها # قلت وفي الحديث أنواع من العلم أحدها وجوب الصبر على # PageV01P077 # المصائب وأنه من التقوى التى أمر العبد بها الثانى الامر بالمعروف والنهى ~~عن المنكر وان سكر المصيبة وشدتها لا يسقطه عن الآمر الناهى الثالث تكرار ~~الامر والنهى مرة بعد مرة حتى يعذر المرء إلى ربه الرابع احتج به على جواز ~~زيارة النساء للقبور فانه لم ينكر عليها الزيارة وانما أمرها بالصبر ولو ~~كانت الزيارة حراما لبين لها حكمها وهذا كان في آخر الامر فإن أبا هريرة ~~انما اسلم بعد السنة السابعة وأجيب عن هذا بأنه ms060 قد أمرها بتقوى الله والصبر ~~وهذا انكار منه لحالها من الزيارة والبكاء ويدل عليه أنها لما علمت أن ~~الآمر لها من تجب طاعته انصرفت مسرعة وأيضا فأبو هريرة لم يخبر أنه شهد هذه ~~القصة فلا يدل الحديث على أنها بعد السلامه ولو شهدها فلعنته لزائرات ~~القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج كان بعد هذا في مرض موته وفي عدم ~~تعريفه لها بنفسه في تلك الحال التى لا تملك فيها نفسها شفقة منه ورحمة بها ~~اذا عرفها بنفسه في تلك الحال فربما لم تسمع منه فتهلك وكان معصيتها له وهى ~~لا تعلم أنه رسول الله أخف من معصيتها له لو علمت فهذا من كمال رأفته صلوات ~~الله وسلامه عليه # وفي صحيح مسلم عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله يقول: " ما من مسلم تصيبه ~~مصيبة فيقول ما أمره الله إنا لله وإنا اليه راجعون اللهم اجرنى في مصيبتى ~~واخلف لى خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها " قالت فلما مات أبو سلمة ~~قلت أى المسلمين خير من أبى سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله ثم إنى قلتها ~~فأخلف الله لى رسوله فأرسل إلى رسول الله حاطب بن ابى بلتعة يخطبنى له فقلت ~~ان لى بنتا وأنا غيور فقال أما بنتها فادعو الله أن يغنيها عنها وادعو الله ~~أن يذهب بالغيرة فتزوجت رسول الله # وعند أبى داود في هذا الحديث عنها قالت قال رسول الله: "اذا # PageV01P078 # أصابت أحدكم مصيبة قليقل إنا لله وإنا اليه راجعون اللهم عندك أحتسب ~~مصيبتى فاءجرنى فيها وابدلنى خيرا منها" فلما احتضر أبو سلمة قال: "اللهم ~~اخلفنى في أهلى خيرا منى" فلما قبض قالت أم سلمة: "إنا لله وانا اليه ~~راجعون عند الله أحتسب مصيبتى" فانظر عاقبة الصبر والاستراجاع ومتابعة ~~الرسول والرضاء عن الله إلى ما آلت إليه وأنالت أم سلمة نكاح أكرم الخلق ~~على الله # وفي جامع الترمذي ومسند الامام أحمد وصحيح ابن حبان عن ابي موسى الأشعري ~~قال قال رسول الله: "اذا مات ولد العبد ms061 قال الله لملائكته قبضتم ولد عبدي ~~فيقولون نعم فيقول قبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول ماذا قال عبدي ~~فيقولون حمدك واسترجعك فيقول ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد ". # وفي صحيح البخاري من حديث أنس أن رسول الله قال: "اذا ابتليت عبدي ~~بحبيتيه ثم صبر عوضته عنهما الجنه " يريد عينيه وعند الترمذي في الحديث: ~~"اذا أخذت كريمتي عبدي في الدنيا لم يكن له جزاء عندي الا الجنة" وفي ~~الترمذي أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله: "يقول الله عز ~~وجل من أذهبت حبيتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنة". # وفي سنن أبي داود من حديث عبد الله بن عمر قال قال رسول الله: " لا يرضى ~~الله لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيه من أهل الارض واحتسبه بثواب دون الجنة " ~~وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله: "يقول الله عز وجل ~~ما لعبدي المؤمن جزاء اذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه الا الجنة" ~~وفي صحيحه أيضا عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة ~~من أهل الجنة قلت بلى قال هذه المرأة السوداء أتت النبي فقالت يا رسول الله ~~اني أصرع واني أتكشف فادع الله لي قال: "ان شئت صبرت ولك # PageV01P079 # الجنة وان شئت دعوت الله تعالى ان يعافيك فقالت أصبر فقالت أني أتكشف ~~فادع الله ان لا أتكشف فدعا لها" # وفي الموطأ من حديث عطاء بن يسار أن رسول الله قال: "اذا مرض العبد بعث ~~اليه ملكين فقال انظرا ماذا يقول لعواده فإن هو اذ جاؤوه حمد الله وأثنى ~~عليه رفعا ذلك إلى الله وهو أعلم فيقول ان لعبدي علي ان توفيته ان أدخله ~~الجنة وان أنا شفيته أن أبدله لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه وأن أكفر ~~عنه سيئاته" وفي صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله: ~~"اذا جمع الله الخلائق نادى مناد أين أهل ms062 الصبر فيقوم ناس وهم قليلون ~~فينطلقون سراعا إلى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون انا نراكم سراعا إلى ~~الجنة فمن أنتم فيقولون نحن أهل الفضل فيقولون ما كان فضلكم فيقولون كنا ~~اذا ظلمنا صبرنا واذا أسيء الينا غفرنا واذا جهل علينا حلمنا فيقال لهم ~~ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين". # وفي الصحيحين أن رسول الله قسم مالا فقال بعض الناس هذه قسمة ما أريد بها ~~وجه الله فأخبر بذلك رسول الله فقال "رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا ~~فصبر" # وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال ~~رسول الله: "ما من مصيبة تصيب المسلم الا كفر الله بها عنه حتى الشوكة ~~يشاكها " وفيهما أيضا من حديث أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي: "قال ما يصيب ~~المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها ~~الا كفر الله بها من خطاياه". # وفي صحيح مسلم من حديث عائشة عن النبي أنه قال: "لا يصيب المؤمن من شوكة ~~فما فوقها الا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة " وفي المسند من حديث ~~أبي هريرة عن النبي قال: "لا يزال # PageV01P080 # البلاء بالمؤمن أو المؤمنة في جسده وفي ماله وفي ولده حتى يلقى الله وما ~~عليه خطيئة " وفي الصحيح من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: "قلت ~~يا رسول الله أي الناس أشد بلاء قال الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل ~~فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فان كان في دينه صلابة زيد في بلائه وان ~~كان في دينه رقة خفف عنه وما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الارض وليس ~~عليه خطيئة". # وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: " دخلت على النبي ~~وهو يوعك وعكا شديدا قال فقلت يا رسول الله انك لتوعك وعكا شديدا قال أجل ~~انى لأوعك كما يوعك رجلان منكم قلت ان لك لأجرين قال نعم والذى نفسى بيده ~~ما على الارض ms063 مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه الا حط الله عنه به خطاياه ~~كما تحط الشجرة ورقها" وفي الصحيحين أيضا من حديث عائشة رضى الله عنها ~~قالت: "ما رأيت الوجع اشد منه على رسول الله ". # وفي بعض المسانيد مرفوعا "ان الرجل لتكون له الدرجة عند الله لا يبلغها ~~بعمل حتى يبتلى ببلاء في جسمه فيبلغها بذلك" ويروى عن عائشة رضى الله عنها ~~عنه "اذا اشتكى المؤمن أخلصه ذلك من الذنوب كما يخلص الكير الخبث من الحديد ~~" وفي صحيح البخارى من حديث خباب بن الارت قال: "شكونا إلى رسول الله وهو ~~متوسد ببردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا فقال قد ~~كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الارض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار ~~فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ~~ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الامر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى ~~حضرموت لا يخاف الا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون". # وفي لفظ للبخارى "أتيت رسول الله وهو متوسد بردة في ظل الكعبة وقد لقينا ~~من المشركين شدة فقلنا ألا تدعو الله فقعد وهو محمر # PageV01P081 # وجهه فقال لقد كان الرجل ليمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ~~ذلك عن دينه". # وقد حمل أهل العلم قول خباب "شكونا إلى رسول الله حر الرمضاء فلم يشكنا" ~~على هذا المحمل وقال شكوا اليه حر الرمضاء الذى كان يصيب جباههم وأكفهم من ~~تعذيب الكفار فلم يشكهم وانما دلهم على الصبر # وهذا الوجه أنسب من تفسير من فسر ذلك بالسجود على الرمضاء واحتج به على ~~وجوب مباشرة المصلى بالجبهة لثلاثة أوجه # أحدها انه لا دليل في اللفظ على ذلك الثانى انهم قد أخبروا أنهم كانوا مع ~~النبي فكان أحدهم اذا لم يستطع أن يسجد على الأرض يبسط ثوبه فسجد عليه ~~والظاهر أن هذا يبلغه ويعلم به وقد أقرهم عليه # الثالث ان شدة الحر في الحجاز تمنع من ms064 مباشرة الجبهة والكف للأرض بل يكاد ~~يشوى الوجه والكف فلا يتمكن من الطمأنينة في السجود ويذهب خشوع الصلاة ~~ويتضرر البدن ويتعرض للمرض والشريعة لا تأتى بهذا فتأمل رواية خباب لهذا ~~والذى قبله واجمع بين اللفظين والمعنيين والله أعلم ولا تستوحش من قوله ~~"فلم يشكنا" فانه هو معنى إعراضه عن شكايتهم واخباره لهم بصبر من قبلهم ~~والله أعلم # وفي الصحيح من حديث أسامة بن زيد قال: "أرسلت ابنة النبي اليه ان ابنا لى ~~احتضر فاءتنا فأرسل يقريها السلام ويقول ان لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شئ ~~عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب فأرسلت اليه تقسم عليه ليأتينها فقام ومعه ~~سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبى بن كعب وزيد بن ثابت ورجال فرفع الصبى إلى ~~رسول الله فأقعده في حجره # PageV01P082 # ونفسه تقعقع كأنها شن ففاضت عيناه فقال سعد يا رسول الله ما هذا قال هذه ~~رحمة جعلها الله في قلوب من يشاء من عباده وانما يرحم الله من عباده ~~الرحماء". # وفي سنن النسائى عن ابن عباس قال: "احتضرت ابنة لرسول الله صغيرة فأخذها ~~رسول الله وضمها إلى صدره ثم وضع يده عليها وهى بين يدى رسول الله فبكت أم ~~أيمن فقلت لها أتبكين ورسول الله عندك فقالت مالى لا أبكى ورسول الله يبكى ~~فقال رسول الله انى لست أبكى ولكنها رحمة ثم قال رسول الله المؤمن بخير على ~~كل حال تنزع نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله عزوجل". # وفي صحيح البخارى من حديث أنس رضى الله عنه قال: "اشتكى ابن لأبى طلحة ~~فمات وأبو طلحة خارج فلما رأت امرأته انه قد مات هيأت شيئا وسجته في جانب ~~البيت فلما جاء أبو طلحة قال كيف الغلام قالت قد هدأت نفسه وأرجو أن يكون ~~قد استراح فظن أبو طلحة انها صادقة قال فبات معها فلما أصبح اغتسل فلما ~~أراد أن يخرج أعلمته انه قد مات فصلى مع رسول الله ثم أخبره بما كان منهما ~~فقال رسول الله لعل الله أن يبارك ms065 لكما في ليلتكما قال ابن عيينة فقال رجل ~~من الانصار فرأيت له تسعة أولاد كلهم قد قرأو القرآن" وفي موطأ مالك عن ~~القاسم بن محمد قال هلكت امرأة لى فأتانى محمد بن كعب القرظى يعزينى فيها ~~فقال انه قد كان في بنى اسرائيل رجل فقيه عابد عالم مجتهد وكانت له امرأة ~~وكان بها معجبا فماتت فوجد عليها وجدا شديدا حتى خلى في بيت وأغلق على نفسه ~~واحتجب عن الناس فلم يكن # PageV01P083 # يدخل عليه أحد ثم ان امرأة من بنى اسرائيل سمعت به فجاءته فقالت ان لى ~~اليه حاجة أستفتيه فيها ليس يجزينى إلا أن أشافهه بها فذهب الناس ولزمت ~~الباب فأخبر فأذن لها فقالت أستفتيك في أمر قال وما هو قالت انى استعرت من ~~جارة حليا فكنت ألبسه وأعيره زمانا ثم انها أرسلت إلى فيه أفأرده اليها قال ~~نعم قالت والله انه مكث عندي زمانا فقال ذلك أحق لردك إياه فقالت له يرحمك ~~الله أفتأسف على ما أعارك الله ثم أخذه منك وهو أحق به منك فأبصر ما كان ~~فيه ونفعه الله بقولها # وفي جامع الترمذى عن شيخ من بنى مرة قال قدمت الكوفة فأخبرت عن بلال ابن ~~أبى بردة فقلت ان فيه لمعتبرا فأتيته وهو محبوس في داره التى كان بنى واذا ~~كل شئ منه قد تغير من العذاب والضرب واذا هو في قشاش فقلت له الحمد لله يا ~~بلال لقد رأيتك تمر بنا وأنت تمسك أنفك من غير غبار وأنت في حالتك هذه فكيف ~~صبرك اليوم فقال ممن أنت قلت من بنى مرة بن عباد قال ألا أحدثك حديثا عسى ~~أن ينفعك الله به قال هات قال حدثنى أبو بردة عن أبى موسى أن رسول الله ~~قال: "لا يصيب عبدا نكبة فما فوقها أو دونها الا بذنب وما يعفو الله عنه ~~أكثر قال وقرأ {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} . # وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: " كأنى أنظر إلى ms066 ~~رسول الله يحكى أن نبيا من الانبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن ~~وجهه ويقول اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون" فتضمنت هذه الدعوة العفو ~~عنهم والدعاء لهم والاعتذار عنهم والاستعطاف بقوله لقومى وفي الموطأ من ~~حديث عبد الرحمن بن القاسم قال: قال رسول الله: "ليعز المسلمين في مصائبهم ~~المصيبة بى " وفي الترمذي من حديث يحيى بن وثاب عن شيخ من أصحاب رسول الله ~~قال قال # PageV01P084 # رسول الله: " الذى يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرمن الذي لا يخالط ~~الناس ولا يصبر على أذاهم " قال الترمذى كان شعبة يرى أن الشيخ ابن عمر. # وفي الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبي أنه قال: " ~~ما أعطى أحد عطاء خير وأوسع من الصبر" وفي بعض المسانيد عنه أنه قال: "قال ~~الله عزوجل: اذا وجهت إلى عبد من عبيدى مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ثم ~~استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانا أو أنشر ~~له ديوانا ". # وفي جامع الترمذى عنه: " اذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن رضى فله الرضا ~~ومن سخط فله السخط " وفي بعض المسانيد عنه مرفوعا "اذا أراد الله بعبد خيرا ~~صب عليه البلاء صبا " وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه ~~أن رسول الله دخل على امرأة فقال: "مالك ترفرفين قالت الحمى لا بارك الله ~~فيها قال لا تسبى الحمى فإنها تذهب خطايا بنى آدم كما يذهب الكير خبث ~~الحديد ". # ويذكر عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي أنه قال: "من وعك ليلة فصبر ~~ورضى عن الله تعالى خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" وقال الحسن: "إنه ليكفر ~~عن العبد خطاياه كلها بحمى ليلة" وفي المسند وغيره عن أبى سعيد الخدرى رضى ~~الله عنه قال دخلت على النبي وهو محموم فوضعت يدى من فوق القطيفة فوجدت ~~حرارة الحمى فقلت ما أشد حماك يا رسول الله قال "انا كذلك معاشر الانبياء ~~يضاعف علينا الوجع ms067 ليضاعف لنا الاجر " قال قلت يا رسول الله فأى الناس أشد ~~بلاء قال الانبياء قلت ثم من قال الصالحون ان كان الرجل ليبتلى بالفقر حتى ~~ما يجد الا العباء فيجوبها فيلبسها وان كان الرجل ليبتلى # PageV01P085 # بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحب اليهم من العطاء اليكم" # وقال عقبة بن عامر الجهنى قال رسول الله: "ليس من عمل الا وهو يختم عليه ~~فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة يا ربنا عبدك فلان قد حبسته عن العمل فيقول ~~الرب تعالى اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت" وقال أبو هريرة: "إذا ~~مرض العبد المسلم نودى صاحب اليمين أن أجر على عبدى صالح ما كان يعمل وهو ~~صحيح ويقال لصاحب الشمال أقصر عن عبدى ما دام في وثاقى" فقال رجل عند أبى ~~هريرة يا ليتنى لا أزال ضاجعا فقال أبو هريرة كره العبد الخطايا ذكره ابن ~~أبى الدنيا # وذكر ايضا عن هلال بن بساق قال كنا قعودا عند عمار بن ياسر فذكروا ~~الاوجاع فقال أعرابى ما اشتكيت قط فقال عمار ما أنت منا أو لست منا ان ~~المسلم يبتلى بلاء فتحط عنه ذنوبه كما يحط الورق من الشجر وان الكافر أو ~~قال الفاجر يبتلى ببلية فمثله مثل البعير ان أطلق لم يدر لم أطلق وان عقل ~~لم يدر لم عقل وذكر عن أبى معمر الازدى قال كنا اذا سمعنا من ابن مسعود ~~شيئا نكرهه سكتنا حتى يفسره لنا فقال لنا ذات يوم ألا ان السقم لا يكتب له ~~أجر فساءنا ذلك وكبر علينا فقال ولكن يكفر به الخطيئة فسرنا ذلك وأعجبنا # وهذا من كمال علمه وفقهه رضى الله عنه فإن الاجر انما يكون على الاعمال ~~الاختيارية ومما تولد منها كما ذكر الله سبحانه النوعين في آخر سورة التوبة ~~في قوله في المباشر من الانفاق وقطع الوادى {الا كتب لهم} وفي المتولد من ~~اصابة الظمأ والنصب والمخمصة في سبيله وغيظ الكفار {الا كتب لهم به عمل ~~صالح} فالثواب مرتبط بهذين النوعين وأما الاسقام ms068 والمصائب فإن ثوابها تكفير ~~الخطايا ولهذا قال تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم والنبي انما ~~قال في المصائب "كفر الله بها من خطاياه " كما تقدم ذكر الفاظه # PageV01P086 # وكذا قوله: " المرض حطة " فالطاعات ترفع الدرجات والمصائب تحط السيئات ~~ولهذا قال: " من يرد الله به خيرا يصب منه " وقال: "من يرد الله به خيرا ~~يفقهه في الدين" فهذا يرفعه وهذا يحط خطاياه # وقال يزيد بن ميسرة: ان العبد ليمرض المرض وما له عند الله من عمل خير ~~فيذكره الله سبحانه بعض ما سلف من خطاياه فيخرج من عينه مثل رأس الذباب من ~~الدمع من خشية الله فيبعثه الله ان يبعثه مطهرا أو يقبضه ان قبضه مطهرا ولا ~~يرد على هذا حديث أبى موسى الاشعرى رضى الله عنه في ثواب من قبض الله ولده ~~وثمرة فؤاده بأن يبنى له بيتا في الجنة ويسميه بيت الحمد # وقال زياد بن زياد مولى ابن عباس رضى الله عنه وعن أصحاب النبي قال: ~~"دخلنا على النبي وهو ممعوك اى محموم فقلنا اح اح بآبائنا وأمهاتنا يا رسول ~~الله ما أشد وعكك قال انا معاشر الانبياء يضاعف علينا البلاء تضعيفا قال ~~قلنا سبحان الله قال أفعجبتم ان كان النبي من الانبياء ليقتله القمل قلنا ~~سبحان الله قال أفعجبتم ان أشد الناس بلاء الانبياء ثم الصالحون ثم الامثل ~~فالامثل قلنا سبحان الله قال أفعجبتم ان كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون ~~بالرخاء ". # أح: بالحاء المهملة هو المعروف من كلامهم ومن قال بالخاء المعجمة فقد غلط ~~وذكر النسائى عن عبيدة بن حذيفة عن عمته فاطمة قالت: "أتيت النبي في نسوة ~~نعوده فاذا سقاء معلقة يقطر ماؤها من شدة ما كان يجد من الحمى فقلنا لو ~~دعوت الله يا رسول الله أن يذهبها عنك فقال: "ان أشد الناس بلاء الانبياء ~~ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ". # وقال مسروق عن عائشة رضى الله عنها: "ما رأيت أحدا أشد وجعا من رسول الله ~~كان يشدد عليه اذا مرض حتى انه لربما مكث ms069 خمس # PageV01P087 # عشرة لا ينام وكان يأخذه عرق الكلية وهو الخاصرة فقلنا يا رسول الله لو ~~دعوت الله فيكشف عنك قال إنا معاشر الانبياء يشدد علينا الوجع ليكفر عنا". # وفي المسند والنسائى من حديث أبى سعيد قال: "قال رجل يا رسول الله ارأيت ~~هذه الامراض التى تصيبنا مالنا بها قال كفارات فقال أبى بن كعب يا رسول ~~الله وان قلت قال شوكة فما فوقها" قال فدعا ابى على نفسه عند ذلك أن لا ~~يفارقه الوعك حتى يموت ولا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد في سبيل الله ~~وصلاة مكتوبة في جماعة قال فما مس رجل جلده بعدها الا وجد حرها حتى مات" ~~وقال عبد الله بن عمر قال رسول الله: "ان العبد اذا كان على طريقة حسنة من ~~العبادة ثم مرض قيل للملك الموكل به أكتب له مثل عمله اذا كان طلقا أو ~~أكفته إلى ناقة طلق" بضم الطاء واللام اذا حل عقالها ويقال كفته اليه اذا ~~ضمه اليه ذكره ابن أبى الدنيا # وذكر أيضا عن ابى أمامة الباهلى قال قال رسول الله: "ان الله ليجرب أحدكم ~~بالبلاء وهو أعلم به كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار فمنهم من يخرج كالذهب ~~الابريز فذلك الذى نجاه الله من السيئات ومنهم من يخرج كالذهب دون ذلك فذلك ~~الذى يشك بعض الشك ومنهم من يخرج كالذهب الأسود فذلك الذى قد أفتتن" وذكر ~~أيضا من مراسيل الحسن البصرى عن النبي: "ان الله ليكفر عن المؤمن خطاياه ~~كلها بحمى ليلة". # قال ابن أبى الدنيا قال ابن المبارك هذا من الحديث الجيد قال وكانوا ~~يرجون في حمى ليله كفارة ما مضى من الذنوب # وذكر عن أنس أن رسول الله دخل على رجل وهو يشتكى فقال: "قل: اللهم انى ~~أسألك تعجيل عافيتك وصبرا على بليتك وخروجا من الدنيا إلى رحمتك" وقالت ~~عائشة رضى الله عنها قال رسول # PageV01P088 # الله: "ان الحمى تحط الخطايا كما تحط الشجرة ورقها " وقال أبو هريرة وقد ~~عاد مريضا فقال له ان رسول الله قال: ms070 "ان الله عز وجل يقول هى نارى أسلطها ~~على عبدى المؤمن في الدنيا لتكون حظه من النار في الآخرة ". # وقال مجاهد الحمى حظ كل مؤمن من النار ثم قرأ وان منكم الا واردها كان ~~على ربك حتما مقضيا وهذا لم يرد به مجاهد تفسير الورود الذى في القرآن فإن ~~السياق يأبى حمله على الحمى قطعا وانما مراده أن الله سبحانه وعد عباده ~~كلهم بورود النار فالحمى للمؤمن تكفر خطاياه فيسهل عليه الورود يوم القيامة ~~فينجو منها سريعا والله أعلم # ويدل عليه حديث أبى ريحانة عن النبي: "الحمى كير من كير جهنم وهى نصيب ~~المؤمن من النار" وقال أنس رضى الله عنه قال رسول الله: " مثل المؤمن اذا ~~برأ وصح من مرضه كمثل البردة تقع من السماء في صفائها ولونها " ذكره ابن ~~أبى الدنيا. # وذكر أيضا عن أبى أمامة يرفعه: "ما من مسلم يصرع صرعة من مرض الا بعث ~~منها طاهرا " وذكر عنه: "مثل المؤمن حيث يصيبه الوعك مثل الحديدة تدخل ~~النار فيذهب خبثها ويبقى طيبها " وذكر أيضا عنه مرفوعا: "ان العبد اذا مرض ~~أوحى الله إلى ملائكته يا ملائكتى أنا قيدت عبدى بقيد من قيودي فإن أقبضه ~~أغفر له وان أعافه فجسد مغفور لا ذنب له". # وذكر عن سهل بن أنس الجهنى عن أبيه عن جده قال: "دخلت على أبى الدرداء في ~~مرضه فقلت يا أبا الدرداء انا نحب أن نصح ولا نمرض" فقال أبو الدرداء سمعت ~~رسول الله يقول: " ان الصداع والمليلة لا يزالان بالمؤمن وان كان ذنبه مثل ~~أحد حتى لا يدعان عليه من ذنبه مثقال حبة من خردل" المليلة فعيلة من ~~التململ وأصلها من الملة التى يخبز فيها # PageV01P089 # وقالت أم سلمة عن النبي: " ما ابتلى الله عبدا بلاء وهو على طريق يكرهها ~~الا جعل الله ذلك البلاء له كفارة وطهورا ما لم ينزل ما أصابه من البلاء ~~بغير الله أو يدعو غير الله يكشفه" وقال عطيه بن قيس: "مرض كعب فعاده رهط ~~من أهل دمشق فقالوا كيف ms071 تجدك يا أبا اسحاق قال بخير جسد أخذ بذنبه ان شاء ~~ربه عذبه وان شاء رحمه وان بعثه بعثه خلقا جديدا لا ذنب له" وقال سعيد ابن ~~وهب: "دخلنا مع سلمان الفارسى على رجل من كنده نعوده فقال سلمان: إن المسلم ~~يبتلى فيكون كفارة لما مضى ومستعتبا فيما بقى وان الكافر يبتلى فمثله كمثل ~~البعير أطلق فلم يدر لم أطلق وعقل فلم يدر لم عقل". # وذكر أيضا عن أبى أيوب الانصارى قال عاد رسول الله رجلا من الأنصار وأكب ~~عليه فسأله فقال يا نبى الله ما غمضت منذ سبع فقال رسول الله: "أى أخى أصبر ~~أى أخى أصبر تخرج من ذنوبك كما دخلت فيها" ثم قال رسول الله: "ساعات ~~الأمراض يذهبن ساعات الخطايا ". # وفي النسائى من حديث أبى هريرة أن رسول الله قال لأعرابى: "هل أخذتك أم ~~ملدم قال يا رسول الله وما أم ملدم قال حر يكون بين الجلد والدم قال ما ~~وجدت هذا قال يا أعرابى هل أخذك الصداع قال يا رسول وما الصداع قال عرق ~~يضرب على الإنسان في رأسه قال ما وجدت هذا فلما ولى قال رسول الله من أحب ~~أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا". # وقالت أم سليم: " مرضت فعادنى رسول الله فقال يا أم سليم أتعرفين النار ~~والحديد وخبث الحديد قلت نعم يا رسول الله قال أبشرى يا أم سليم فإنك إن ~~تخلصى من وجعك هذا تخلصى منه كما يخلص الحديد من النار من خبثه" وخرج بعض ~~الصحابة زائر لرجل من إخوانه فبلغه أنه شاك قبل أن يدخل عليه فقال أتيتك ~~زائرا وأتيتك عائدا ومبشرا قال كيف جمعت هذا قال خرجت وأنا أريد زيارتك # PageV01P090 # فبلغى شكاتك فصارت عيادة وأبشرك بشيء سمعته من رسول الله قال: "اذا سبقت ~~للعبد من الله منزلة لم يبلغها أو قال لم ينلها بعمله ابتلاه الله في جسده ~~أو في ولده أو في ماله ثم صبره حتى يبلغه المنزلة التى سبقت له من الله عز ~~وجل". ms072 # وقال الحسن وذكر الوجع أما والله ما هو بشر أيام المسلم أيام نورت له ~~فيها مراحله وذكر فيها ما نسى من معاده وكفر بها عنه من خطاياه وقال بعض ~~السلف لولا مصائب الدنيا لو لوردنا الآخرة مفاليس # وقال أنس بن مالك رضى الله عنه: "انتهى رسول الله إلى شجرة فهزها حتى سقط ~~من ورقها ما شاء الله ثم قال المصائب والاوجاع في إحباط ذنوب أمتى أسرع منى ~~في هذه الشجرة" وذكر ابن أبى الدنيا عن أبى هريرة رضى الله عنه يرفعه: "ما ~~من مسلم إلا وكل الله به ملكين من ملائكته لا يفارقانه حتى يقضى الله بأمره ~~بإحدى الحسنيين اما بموت واما بحياة فإذا قال له العواد كيف نجدك قال أحمد ~~الله أجدنى والله المحمود بخير قال له الملكان أبشر بدم هو خير من دمك وصحة ~~هى خير من صحتك وان قال أجدنى مجهودا في بلاء شديد قال له الملكان ابشر بدم ~~هو شر من دمك وبلاء أطول من بلائك". # ولا يناقض هذا قول النبي في وجعه: " واراساه " وقول سعد يا رسول الله قد ~~اشتد بى الوجع وأنا ذو مال وقول عائشة وارأساه فإن هذا انما قيل على وجه ~~الاخبار لا على وجه شكوى الرب تعالى إلى العواد فإذا حمد المريض الله ثم ~~أخبر بعلته لم يكن شكوى منه وان أخبر بها تبرما وتسخطا كان شكوى منه ~~فالكلمة الواحدة قد يثاب عليها وقد يعاقب بالنية والقصد # وقال ثابت البنانى: انطلقنا مع الحسن إلى صفوان بن محرز نعوده فخرج الينا ~~ابنه وقال هو مبطون لا تستطيعون أن تدخلوا عليه فقال # PageV01P091 # الحسن ان أباك ان يؤخذ اليوم من لحمه ودمه فيوجد فيه خير من أن يأكله ~~التراب # وقال ثابت أيضا: دخلنا على ربيعة بن الحارث نعوده وهو ثقيل فقال انه من ~~كان في مثل حالتى هذه ملأت الآخرة قلبه كانت الدنيا أصغر في عينيه من ذباب ~~ويذكر عن أنس عن النبي قال: "اذا مرض العبد ثلاث أيام خرج من ذنوبه كيوم ~~ولدته ms073 أمه" ويذكر عنه: " لا ترد دعوة المريض حتى يبرأ ". # وذكر ابن أبى الدنيا عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: " كنت مع رسول الله ~~جالسا فتبسم فقلنا يا رسول الله مم تبسمت قال تعجبا للمؤمن من جزعه من ~~السقم ولو كان يعلم ماله في السقم أحب أن يكون سقيما حتى يلقى الله ثم تبسم ~~ثانية ورفع رأسه إلى السماء قلنا يا رسول الله مم تبسمت ورفعت رأسك إلى ~~السماء قال عجبت من ملكين نزلا من السماء يلتمسان عبدا مؤمنا كان في مصلاه ~~يصلى فلا يجداه فعرجا إلى الله فقالا يا رب عبدك فلان المؤمن كنا نكتب له ~~من العمل في يوم وليلة كذا وكذا فوجدنا قد حبسته في حبالك فلم نكتب له شيئا ~~من عمله فقال اكتبوا لعبدى عمله الذى كان يعمله في يومه وليلته ولا تنقصوا ~~منه شيئا فعلى أجر ما حبسته وله أجر ما كان يعمل ". # ويذكر عنه: "من وعك ليلة فصبر ورضى بها عن الله عز وجل خرج من ذنوبه ~~كهيئة يوم ولدته أمه" ومن مراسيل يحيى بن كثير قال فقد رسول الله سلمان ~~فسأل عنه فأخبر أنه عليل فأتاه يعوده فقال شفى الله سقمك وعظم أجرك وغفر ~~ذنبك ورزقك العافية في دينك وجسمك إلى منتهى أجلك إن لك من وجعك خلالا ~~ثلاثا أما الأولى فتذكرة من ربك يذكرك بها وأما الثانية فتمحيص لما سلف من ~~ذنوبك وأما الثالثة فادع بما شئت فإن المبتلى مجاب الدعوة # وقال زياد بن الربيع قلت لابى بن كعب آية من كتاب الله قد # PageV01P092 # أحزنتنى قال ما هى قلت من يعمل سوءا يجز به قال ما كنت أراك إلا افقه مما ~~أرى إن المؤمن لا يصيبه عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو الله ~~عنه أكثر وسئلت عائشة عن هذه الآية فقالت ما سألنى عنها أحد منذ سألت رسول ~~الله فقال النبي: "يا عائشة هذه معاقبة الله تعالى لعبده بما يصيبه من ~~الحمى والمليله والشوكة وانقطاع شسعه حتى البضاعة يضعها ms074 في كمه فيفقدها ~~فيفزع لها فيجدها في ضبنه حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج الذهب ~~الأحمر من الكير" ضبن الانسان ما تحت يده يقال اضطبن كذا اذا حمله تحت يده # وقال وهب بن منبه لا يكون الرجل فقيها كامل الفقه حتى يعد البلاء نعمة ~~ويعد الرخاء مصيبة وذلك أن صاحب البلاء ينتظر الرخاء وصاحب الرخاء ينتظر ~~البلاء # وفي بعض كتب الله سبحانه: "ان الله ليصيب العبد بالأمر يكرهه وانه ليحبه ~~لينظر كيف تضرعه إليه". # وقال كعب أجد في التوراة لولا أن يحزن عبدى المؤمن لعصبت الكافر بعصابة ~~من حديد لا يصدع أبدا وقال معروف الكرخى ان الله ليبتلى عبده المؤمن ~~بالأقسام والاوجام فيشكو إلى أصحابه فيقول الله تبارك وتعالى وعزتى وجلالى ~~ما ابتليتك بهذه الاوجاع والاسقام الا لأغسلك من الذنوب فلا تشكنى وذكر ابن ~~أبى الدنيا أن رجلا قال: "يا رسول الله ما الاسقام قال أو ما سقمت قط قال ~~لا فقال قم عنا فلست مؤمنا". # وكان عبد الله بن مسعود قد اشتدت به العلة فدخل عليه بعض اصحابه يعوده ~~وأهله تقول نفسى فداك ما نطمعك ما نسقيك فأجابها بصوت ضعيف: "بليت الحرافيف ~~وطالت الضجعة والله ما يسرنى ان الله نقصنى منه قلامه ظفر". # PageV01P093 # وطلق خالد بن الوليد امرأة له ثم أحسن عليها الثناء فقيل له يا أبا ~~سليمان لأى شيء طلقتها قال ما طلقتها لأمر رابنى منها ولا ساءنى ولكن لم ~~يصبها عندى بلاء ويذكر عنه: "ما ضرب على مؤمن عرق الا كتب الله له به حسنة ~~وحط به عنه سيئة ورفع له به درجة". # ولا ينافي هذا ما قدمناه من أن المصائب مكفرات لا غير لأن حصول الحسنة ~~انما هو بصبره الاختيارى عليها وهو عمل منه وعاد رجل من المهاجرين مريضا ~~فقال ان للمريض اربعا يرفع عنه القلم ويكتب له من الاجر مثل ما كان يعمل في ~~صحته ويتبع المرض كل خطيئة من مفصل من مفاصله فيستخرجها فإن عاش عاش مغفورا ~~له وان مات مات مغفور ms075 له فقال المريض اللهم لا أزال مضطجعا # وفي المسند عنه: " والذى نفسى بيده لا يقضى الله للمؤمن قضاء الا كان ~~خيرا له ان أصابته سرا شكر فكان خيرا له وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ~~وليس ذلك الا للمؤمن " وفي لفظ: "ان أمر المؤمن كله عجيب ان أصابته سراء ~~شكر فكان خيرا له وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا له". # PageV01P094 ### | الباب السابع عشر: في الآثار الواردة عن الصحابة ومن بعدهم في فضيلة الصبر # قال الامام أحمد حدثنا وكيع عن مالك بن مغول عن السفر قال مرض أبو بكر ~~رضى الله عنه فعادوه فقالوا ألا ندعو لك الطبيب فقال قد رآنى الطبيب قالوا ~~فأى شئ قال لك قال انى فعال لما أريد # وقال الامام احمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مجاهد قال قال عمر ~~ابن الخطاب رضى الله عنه: "وجدنا خير عيشنا بالصبر" # PageV01P094 # وقال أيضا أفضل عيش أدركناه بالصبر ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريما # وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه ألا ان الصبر من الايمان بمنزلة الرأس ~~من الجسد فإذا قطع الرأس بار الجسم ثم رفع صوته فقال ألا انه لا ايمان لمن ~~لا صبر له وقال الصبر مطية لا تكبو # وقال الحسن الصبر كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده ~~وقال عمر بن عبد العزيز ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعاضه ~~مكانها الصبر الا كان ما عوضه خيرا مما انتزعه وقال ميمون بن مهران ما بال ~~أحد شيئا من ختم الخير فما دونه الا الصبر وقال سليمان بن القاسم كل عمل ~~يعرف ثوابه الا الصبر قال الله تعالى {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} ~~قال كالماء المنهمر # وكان بعض العارفين في جيبه رقعة يخرجها كل وقت ينظر فيها وفيها {واصبر ~~لحكم ربك فإنك بأعيننا} وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه لو كان الصبر ~~والشكر بعيرين لم أبال أيهما ركبت وكان محمد بن شبرمة إذا نزل ms076 به بلاء قال ~~سحابة صيف ثم تنقشع وقال سفيان بن عيينة في قوله تعالى {وجعلناهم أئمة ~~يهدون بأمرنا لما صبروا} لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رءوسا وقيل للأحنف ~~بن قيس ما الحلم قال أن تصبر على ما تكره قليلا وقال وهب: "مكتوب في الحكمة ~~قصر السفه النصب وقصر الحلم الراحة وقصر الصبر الظفر وقصر الشيء وقصاراه ~~غايته وثمرته". # وقدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمد وكان من ~~أحسن الناس وجها فدخل يوما على الوليد في ثياب وشيء وله غديرتان وهو يضرب ~~بيده فقال الوليد هكذا تكون فتيان قريش # PageV01P095 # فعانه فخرج من عنده متوسنا فوقع في اصطبل الدواب فلم تزل الدواب تطأه ~~بأرجلها حتى مات ثم ان الآكلة وقعت في رجل عروة فبعث اليه الوليد الأطباء ~~فقالوا إن لم تقطعها سرت إلى باقى الجسد فتهلك فعزم على قطعها فنشروها ~~بالمنشار فلما صار المنشار إلى القصبة وضع راسه على الوسادة ساعة فغشى عليه ~~ثم أفاق والعرق يتحدر على وجهه وهو يهلل ويكبر فأخذها وجعل يقبلها في يده ~~ثم قال أما والذى حملنى عليك انه ليعلم انى ما مشيت بك إلى حرام ولا إلى ~~معصية ولا إلى ما لا يرضى الله ثم أمر بها فغسلت وطيبت وكفنت في قطيفة ثم ~~بعث بها إلى مقابر المسلمين فلما قدم من عند الوليد المدينة تلقاه أهل بيته ~~وأصدقاؤه يعزونه فجعل يقول {لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} ولم يزد عليه ثم ~~قال لا أدخل المدينة انما أنا بها بين شامت بنكية أو حاسد لنعمة فمضى إلى ~~قصر بالعقيق فأقام هنالك فلما دخل قصره قال له عيسى بن طلحة لا أبا لشانئيك ~~أرني هذه المصيبة التي نعزيك فيها فكشف له عن ركبته فقال له عيسى أما والله ~~ما كنا نعدك للصراع قد أبقى الله أكثرك عقلك ولسانك وبصرك ويداك وإحدى ~~رجليك فقال له يا عيسى ما عزاني أحد بمثل ما عزيتني به ولما أرادوا قطع ~~رجله قالوا له لو سقيناك شيئا كيلا ms077 تشعر بالوجع فقال إنما ابتلاني ليرى ~~صبري أفأعارض أمره وسئل ابنه هشام كيف كان أبوك يصنع برجله التي قطعت إذا ~~توضأ قال كان يمسح عليها # وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا سلام قال سمعت قتادة يقول قال ~~لقمان وسأله رجل اى شئ خيرا قال صبر لا يتبعه أذى قال فأى الناس خيرا قال ~~الذى يرضى بما أوتى قال فأى الناس أعلم قال الذى يأخذ من علم الناس إلى ~~علمه قيل فما خير الكنز من المال أو من العلم قال سبحان الله بل المؤمن ~~العالم الذى ان # PageV01P096 # ابتغى عنده خيرا وجد وان لم يكن عنده كف نفسه وبحسب المؤمن أن يكف نفسه ~~وقال حسان بن أبى جبلة من بث فلم يصبر ورواه ابن أبى الدنيا مرفوعا إلى ~~النبي وان صح فمعناه إلى المخلوق لا من بث إلى الله وقال حسان ابن أبى جبلة ~~أيضا في قوله تعالى {فصبر جميل} قال لا شكوى فيه ورفعه ابن أبى الدنيا أيضا # وقال مجاهد فصبر جميل في غير جزع وقال عمرو بن قيس فصبر جميل قال الرضا ~~بالمصيبة والتسليم وقال بعض السلف فصبر جميل لا شكوى فيه وقال همام عن ~~قتادة في قوله تعالى {وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم} قال كظم على حزن فلم ~~يقل إلا خيرا وقال يحيى بن المختار عن الحسن الكظيم الصبور وقال همام عن ~~قتادة في قوله تعالى {وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم} أى كميد أى كمد ~~الحزن وقال الحسن ما جرعتين أحب إلى الله من جرعة مصيبة موجعة محزنة ردها ~~صاحبها بحسن عزاء وصبر وجرعة غيظ ردها بحلم # وقال عبد الله بن المبارك أخبرنا عبد الله بن لهيعة عن عطاء بن دينار أن ~~سعيد ابن جبير قال: "الصبر اعتراف العبد لله بما اصابه منه واحتسابه عند ~~الله ورجاء ثوابه وقد يجزع الرجل وهو يتجلد لا يرى منه الا الصبر" فقوله ~~اعتراف العبد لله بما اصاب منه كأنه تفسير لقوله {انا لله} فيعترف أنه ملك ~~لله يتصرف فيه ms078 مالكه بما يريد وقوله راجيا به ما عند الله كأنه تفسير لقوله ~~{وإنا إليه راجعون} أى ترد اليه فيجزينا على صبرنا ولا يضيع أجر المصيبة ~~وقوله وقد يجزع الرجل وهو يتجلد أى ليس الصبر بالتجلد وانما هو حبس القلب ~~عن التسخط على المقدور ورد اللسان عن الشكوى فمن تجلد وقلبه ساخط على القدر ~~فليس بصابر # وقال يونس بن يزيد سألت ربيعة بن أبى عبد الرحمن ما منتهى الصبر قال أن ~~يكون يوم تصيبه المصيبة مثله قبل أن تصيبه وقال قيس # PageV01P097 # بن الحجاج في قول الله {فاصبر صبرا جميلا} قال أن يكون صاحب المصيبة في ~~القوم لا يعرف من هو وكان شمر اذا عزى مصابا قال اصبر لما حكم ربك وقال أبو ~~عقيل رأيت سالم بن عبد الله بن عمر بيده سوط وعليه ازار في موت واقد بن عبد ~~الله بن عمر لا يسمع صارخة الا ضربها بالسوط. # قال ابن أبى الدنيا حدثنى محمد بن جعفر بن مهران قال قالت امرأة من قريش: # أما والذى لا خلد الا لوجهه ... ومن ليس في العز المنيع له كفو # لئن كان بدء الصبر مرا مذاقه ... لقد يجنى من غبه الثمر الحلو # قال وأنشدنى عمرو بن بكير: # صبرت فكان الصبر خير مغبة ... وهل جزع يجدى على فأجزع # ملكت دموع العين حتى رددتها ... إلى ناظرى فالعين في القلب تدمع # قال وأنشدنى أحمد بن موسى الثقفي # نبئت خولة أمس قد جزعت ... من أن تنوب نوائب الدهر # لا تجزعى يا خول واصبرى ... ان الكرام بنوا على الصبر # قال وحدثنى عبد الله بن محمد بن اسماعيل التيمى أن رجلا عزى رجلا في ابنه ~~فقال انما يستوجب على الله وعده من صبر له بحقه فلا تجمع إلى ما أصبت به من ~~المصيبة الفجيعة بالأجر فإنها أعظم المصيبتين عليك وأنكى الرزيتين لك ~~والسلام وعزى ابن أبى السماك رجلا فقال عليك بالصبر فيه يعمل من احتسب ~~واليه يصير من جزع وقال عمر بن عبد العزيز أما الرضاء فمنزلة عزيزة أو ~~منيعة ولكن ms079 جعل الله في الصبر معولا حسنا ولما مات عبد الملك ابنه صلى عليه ~~ثم قال رحمك الله لقد كنت لى وزيرا وكنت لى معينا قال والناس يبكون وما ~~يقطر من # PageV01P098 # عينيه قطرة وأصيب مطرف بن عبد الله في ابن له فأتاه قوم يعزونه فخرج ~~اليهم أحسن ما كان بشرا ثم قال انى لأستحى من الله أن أتضعضع لمصيبة وقال ~~عمرو بن دينار قال عبيد بن عمير ليس الجزع أن تدمع العين ويحزن القلب ولكن ~~الجزع القول السيء والظن السيء # وقال ابن أبى الدنيا حدثنى الحسين بن عبد العزيز الحروزى قد مات ابن لى ~~نفيس فقلت لأمه اتق الله واحتسبيه واصبرى فقالت مصيبتى أعظم من أن افسدها ~~بالجزع قال ابن أبى الدنيا وأخبرنى عمر بن بكير عن شيخ من قريش قال مات ~~الحسن بن الحصين أبو عبيد الله بن الحسن وعبيد الله يومئذ قاض على البصرة ~~وأميرا فكثر من يعزيه فتذاكروا ما يتبين به جزع الرجل من صبره فأجمعوا أنه ~~اذا ترك شيئا مما كان يصنعه فقد جزع # وقال خالد بن أبى عثمان القرشى كان سعيد بن جبير يعزينى في ابنى فرآنى ~~أطوف بالبيت متقنعا فكشف القناع عن رأسى وقال الاستكانة من الجزع # فصل وأما قول كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم لا بأس أن يجعل المصاب # على رأسه ثوبا يعرف به قالوا لأن التعزية سنة وفي ذلك تيسير لمعرفته حتى ~~يعزيه ففيه نظر وانكره شيخنا ولا ريب أن السلف لم يكونوا # يفعلوا شيئا من ذلك ولا نقل هذا عن أحد من الصحابة والتابعين والآثار ~~المتقدمة كلها صريحة في رد هذا القول وقد أنكر اسحق بن راهوايه أن يترك لبس ~~ما عادته لبسه وقال هو من الجزع # وبالجملة فعادتهم أنهم لم يكونوا يغيرون شيئا من زيهم قبل المصيبة ولا ~~يتركون ما كانوا يعملونه فهذا كله مناف للصبر والله سبحانه أعلم # PageV01P099 ### | الباب الثامن عشر: في ذكر أمور تتعلق بالمصيبة من البكاء والندب وشق الثياب ودعوى الجاهلية ونحوها # فمنها البكاء على الميت ومذهب ms080 أحمد وأبى حنيفة أجازاه قبل الموت وبعده ~~واختاره أبو اسحاق الشيرازى وكرهه الشافعى وكثير من أصحابه بعد الموت ~~ورخصوا فيه قبل خروج الروح واحتجوا بحديث جابر بن عتيك: " أن رسول الله جاء ~~يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به فلم يجب فاسترجع وقال غلبنا ~~عليك يا أبا الربيع فصاح النسوة وبكين فجعل ابن عتيك يسكتهن فقال رسول الله ~~دعهن فاذا وجب فلا تبكين باكية قالوا وما الوجوب يا رسول الله قال الموت" ~~رواه أبو داود والنسائى # قالوا وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أن رسول الله قال: "ان الميت ليعذب ~~ببكاء أهله عليه " وهذا انما هو بعد الموت وأما قبله فلا يسمى ميتا وعن ابن ~~عمر: " أن رسول الله لما قدم من أحد سمع نساء بنى عبد الاشهل يبكين على ~~هلكاهن فقال لكن حمزة لا بواكى له فجئن نساء الانصار فبكين على حمزة عنده ~~فاستيقظ فقال ويحهن أتين هاهنا يبكين حتى الآن مروهن فليرجعن ولا يبكين على ~~هالك بعد اليوم" رواه الامام أحمد وهذا صريح في نسخ الاباحة المتقدمة # والفرق بين ما قبل الموت وبعده أنه قبل الموت يرجى فيكون البكاء عليه ~~حذرا فاذا مات انقطع الرجاء وأبرم القضاء فلا ينفع البكاء. # قال المجوزون قال جابر بن عبد الله: "أصيب أبى يوم أحد فجعلت أبكى فجعلوا ~~ينهوننى ورسول الله لا ينهانى فجعلت عمتى فاطمة تبكى فقال النبي تبكين أو ~~لا تبكين ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعوه" متفق عليه # PageV01P100 # وفي الصحيحين أيضا عن ابن عمر قال: " اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه ~~النبي يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن ابى وقاص وعبد الله بن مسعود ~~فلما دخل عليه وجده في غشية فقال قد قضى قالوا لا يا رسول الله فبكى رسول ~~الله فلما رأى القوم بكاءه بكوا فقال ألا تسمعون ان الله لا يعذب بدمع ~~العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم" # وفي الصحيحين أيضا من حديث أسامه ms081 بن زيد: "أن رسول الله انطلق إلى إحدى ~~بناته ولها صبى في الموت فرفع اليه الصبى ونفسه تقعقع كأنها في شنة ففاضت ~~عيناه فقال سعد ما هذا يا رسول الله قال هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ~~وانما يرحم الله من عباده الرحماء ". # وفي مسند الامام أحمد من حديث بن عباس قال ماتت رقية ابنة رسول الله فبكت ~~النساء فجعل عمر يضربهن بسوطه فقال النبي: "دعهن يا عمر يبكين وإياكن ونعيق ~~الشيطان ثم قال انه مهما كان من العين ومن القلب فمن الله ومن الرحمة وما ~~كان من اليد ومن اللسان فمن الشيطان " وفي المسند أيضا عن عائشة أن سعد بن ~~معاذ لما مات حضره رسول الله وأبو بكر وعمر قالت فوالذى نفسى بيده انى ~~لأعرف بكاء أبى بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتى وفي المسند أيضا عن أبى ~~هريرة قال مر على النبي بجنازة يبكى عليها وأنا معه ومعه عمر بن الخطاب ~~فانتهر عمر اللاتى يبكين عليها فقال النبي: "دعهن يا ابن الخطاب فان النفس ~~مصابة وان العين دامعة والعهد قريب". # وفي جامع الترمذى عن جابر بن عبد الله قال أخذ النبي بيد عبد الرحمن ابن ~~عوف فانطلق إلى ابنه ابراهيم فوجده يجود بنفسه فأخذه # PageV01P101 # النبي فوضعه في حجره فبكى فقال له أتبكى أو لم تكن نهيت عن البكاء قال لا ~~ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة خمش الوجه وشق الجيوب ورثة ~~الشيطان قال الترمذى هذا حديث حسن وقد صح عنه أنه زارقير أمه فبكى وأبكى من ~~حوله وقد صح عنه أنه قبل عثمان بن مظعون حتى سالت دموعه على وجهه وصح عنه ~~أنه نعى جعفر وأصحابه وعيناه تذرفان وصح عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه ~~أنه قبل النبي وهو ميت وبكى # فهذه إثنا عشرة حجة تدل على عدم كراهة البكاء فتعين حمل أحاديث النهى على ~~البكاء الذى معه ندب ونياحة ولهذا جاء في بعض ألفاظ حديث عمر: "الميت يعذب ~~ببعض بكاء أهله ms082 عليه" وفي بعضها " يعذب بما ينح عليه " وقال البخارى في ~~صحيحه قال عمر دعهن يبكين على أبى سليمان يعنى خالد بن الوليد ما لم يكن ~~نقع أو لقلقة والنقع حث التراب واللقلقة الصوت # وأما دعوى النسخ في حديث حمزة فلا يصح اذ معناه لا يبكين على هالك بعد ~~اليوم من قتلى أحد # ويدل على ذلك أن نصوص الاباحة أكثرها متأخرة عن غزوة أحد منها حديث أبى ~~هريرة إذ اسلامه وصحبته كانا في السنة السابعة ومنها البكاء على جعفر ~~وأصحابه وكان استشهادهم في السنة الثامنة ومنها البكاء على زينب وكان موتها ~~في السنة الثامنة أيضا ومنها البكاء على سعد بن معاذ وكان موته في الخامسة ~~ومنها البكاء عند قبر أمه وكان عام الفتح في الثامنة # وقولهم انما جاز قبل الموت حذرا بخلاف ما بعد الموت جوابه أن الباكى قبل ~~الموت يبكى حزنا وحزنه بعد الموت أشد فهو أولى برخصة البكاء من الحالة التى ~~يرجى فيها وقد أشار النبي إلى ذلك بقوله: "تدمع # PageV01P102 # العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وانا بك يا ابراهيم لمحزونون". # فصل: وأما الندب والنياحة فنص أحمد على تحريمها قال في رواية حنبل ~~النياحة معصية وقال أصحاب الشافعى وغيرهم النوح حرام وقال ابن عبد البر ~~أجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال ولا للنساء وقال بعض المتأخرين ~~من أصحاب أحمد يكره تنزيها وهذا لفظ أبى الخطاب في الهداية قال ويكره الندب ~~والنياحة وخمش الوجوه وشق الجيوب والتحفي والصواب القول بالتحريم لما في ~~الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي قال: "ليس منا من ضرب الخدود ~~وشق الجيوب ودعى بدعوى الجاهلية " وفي الصحيحين أيضا عن أبى بردة قال وجع ~~أبو موسى وجعا فغشى عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فصاحت امرأة من أهله ~~فلم يستطع أن يرد عليها شيئا فلما أفاق قال أنا بريء مما يريء منه رسول ~~الله فان رسول الله برئ من الصالقة والحالقة والشاقة وفي الصحيحين أيضا عن ~~المغيرة بن شعبة ms083 قال سمعت رسول الله يقول: " إن من ينح عليه يعذب بما نيح ~~عليه " وفي الصحيحين أيضا أم عطية قالت أخذ علينا رسول الله في البيعة ألا ~~ننوح فما وفت منا امرأة الا خمس نسوة # وفي صحيح البخارى عن ابن عمر أن النبي قال: "الميت يعذب في قبره بما ينح ~~عليه " وفي صحيح مسلم عن أبى مالك الأشعرى أن النبي قال أربع في أمتى من ~~أمر الجاهلية لا يتركونهن "الفخر بالاحساب والطعن في الانساب والاستسقاء ~~بالنجوم والنياحة" وقال "النائحة اذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة ~~وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" # PageV01P103 # وفي سنن ابى داود عن أسيد بن أبي أسيد عن امرأة من المبايعات قالت كان ~~فيما أخذ علينا رسول الله في المعروف الذى أخذ علينا أن لا نعصيه فيه أن لا ~~نخمش وجها ولا ندعو ويلا ولا نشق جيبا ولا ننفش شعرا وفي المسند عن انس ~~قال: "أخذ النبي على النساء حين بايعهن أن لا ينحن فقلن يا رسول الله ان ~~نساء أسعدتنا في الجاهلية أفنسعدهن في الاسلام فقال لا إسعاد في الاسلام" ~~وقد تقدم قوله: "ما كان من اليد واللسان فمن الشيطان " وقوله "نهيت عن ~~صوتين أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان" # وفي مسند الامام أحمد من حديث أبى موسى أن رسول الله قال: "الميت يعذب ~~ببكاء الحى اذا قالت النائحة واعضداه واناصراه واكاسياه جبذ الميت وقيل له ~~أنت عضدها أنت ناصرها أنت كاسيها " وفي صحيح البخارى عن النعمان ابن بشير ~~قال أغمى على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكى وتقول واجبلاه واكذا ~~واكذا تعدد عليه فقال حين أفاق ما قلت لى شيئا إلا قيل لى أنت كذا فلما مات ~~لم تبك عليه # وكيف لا تكون هذه الخصال محرمة وهى مشتملة على التسخط على الرب وفعل ما ~~يناقض الصبر والاضرار بالنفس من لطم الوجه وحلق الشعر ونتفه والدعاء عليها ~~بالويل والثبور والتظلم من الله سبحانه وإتلاف المال بشق الثياب ms084 وتمزيقها ~~وذكر الميت بما ليس فيه ولا ريب أن التحريم الشديد يثبت ببعض هذا # وقال المبيحون لمجرد الندب والنياحة مع كراهتهم له قد روى حرب عن وائلة ~~بن الأسقع وأبى وائل أنهما كانا يسمعان النوح ويسكتان # قالوا وفي الصحيحين عن أم عطية قالت لما نزلت هذه الآية {يا أيها النبي ~~اذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا} إلى قوله {ولا ~~يعصينك في معروف} كان منه النياحة فقلت # PageV01P104 # يا رسول الله "الا آل فلان" فإنهم كانوا أسعدونى في الجاهلية فلا بد لى ~~من أن أسعدهم فقال الا آل فلان وفي رواية لهما أنها قالت بايعنا رسول الله ~~فقرأ علينا {أن لا يشركن بالله شيئا} ونهانا عن النياحة فقبضت منا امرأة ~~يدها فقالت فلانة أسعدتنى فأنا أريد أن أجزيها قالت فما قال لها شيئا فذهبت ~~فانطلقت ثم رجعت فبايعها قالوا وهذا الاذن لبعضهن في فعله يدل على أن النهى ~~عنه تنزيه لا تحريم ويتعين حمله على المجرد من تلك المفاسد جمعا بين الأدلة # قال المحرمون لا تعارض سنة رسول الله بأحد من الناس كائنا من كان ولا ~~نضرب سننه بعضها ببعض وما ذكرنا من النصوص صحيحة صريحة لا تحتمل تأويلا وقد ~~انعقد عليها الإجماع وأما المرأة التى قال لها الا آل فلان والمرأة التى ~~سكت عنها فذلك خاص بهما لوجهين # أحدهما أنه قال لغيرهما لما سألته ذلك لا إسعاد في الإسلام # والثانى أنه أطلق لهما ذلك وهما حديثا عهد بالاسلام وهما لم يميزا بين ~~الجائز من ذلك وبين المحرم وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فعلم أن ~~الحكم لا يعدوهما إلى غيرهما وأما الكلمة اليسيرة اذا كانت صدقا لا على وجه ~~النوح والتسخط فلا تحرم ولا تنافي الصبر الواجب نص عليه أحمد في مسنده من ~~حديث أنس أن أبا بكر رضى الله عنه دخل على النبي بعد وفاته فوضع فمه بين ~~عينيه ووضع يده على صدغيه وقال وانبياه واخليلاه واصفياه # وفي صحيح البخارى عن أنس أيضا قال: لما ms085 ثقل على النبي جعل يتغشاه الكرب ~~فقالت فاطمة واكرب أبتاه فقال ليس على أبيك كرب بعد اليوم فلما مات قالت يا ~~أبتاه أجاب ربا دعاه يا أبتاه جنة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل أنعاه ~~فلما دفن قالت فاطمة يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب ~~وقال النبي: "وانا # PageV01P105 # بك يا ابراهيم لمحزنون " وهذا ونحوه من القول الذى ليس فيه تظلم للمقدور ~~ولا تسخط على الرب ولا اسخاط له فهو كمجرد البكاء # فصل: وأما قول النبي: "ان الميت ليعذب بالنياحة عليه " فقد ثبت عنه من ~~رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله والمغيرة بن شعبة وروى نحوه عن عمران ~~بن حصين وأبى موسى رضى الله عنهم فاختلفت طرق الناس في ذلك فقالت فرقة ~~يتصرف الله في خلقه بما يشاء وأفعال الله لا تعلل ولا فرق بين التعذيب ~~بالنوح عليه والتعذيب بما هو منسوب اليه لأن الله خالق الجميع والله تعالى ~~يؤلم الاطفال والبهائم والمجانين بغير عمل # وقالت فرقة هذه الاحاديث لا تصح عن رسول الله وقد أنكرتها عائشة أم ~~المؤمنين واحتجت بقوله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ولما بلغها رواية ~~عمر وابنه قالت انكم لتحدثون عن غير كاذبين ولا متهمين ولكن السمع يخطئ ~~وقالت انما مر النبي على قبر يهودى فقال: "ان صاحب هذا القبر يعذب وأهله ~~يبكون عليه " # وفي رواية متفق عليها عنها انما قال رسول الله: "ان الله ليزيد الكافر ~~عذابا ببكاء أهله عليه " وقالت حسبكم القرآن {ولا تزر وازرة وزر أخرى} # وقالت فرقة أخرى منهم المزنى وغيره ان ذلك محمول على من أوصى به اذا كانت ~~عادتهم ذلك وهو كثير في أشعارهم كقول طرفة # اذا مت فانعينى بما أنا أهله ... وشقى على الجيب يا إبنة معبد # وقول لبيد # فقوما فقولا بالذى قد علمتما ... ولا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر # وقولا هو المرء الذى لا صديقه ... أضاع ولا خان الامين ولا غدر # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر ms086 # PageV01P106 # وقالت طائفة هو محمول على من سنته وسنة قومه ذلك اذا لم ينههم عنه لأن ~~ترك نهيه دليل على رضاه به وهذا قول ابن المبارك وغيره قال أبو البركات ابن ~~تيمية وهو أصح الاقوال كلها لأنه متى غلب على ظنه فعلهم ولم يوصهم بتركه ~~فقد رضى به وصار كمن ترك النهى عن المنكر مع القدرة عليه فأما اذا أوصاهم ~~بتركه فخالفوه فالله أكرم من أن يعذبه بذلك وقد حصل بذلك العمل بالآية مع ~~اجراء الخير على عمومه في كثير من الموارد وانكار عائشة لذلك بعد رواية ~~الثقات لا يعول عليه فإنهم قد يحضرون ما لا نحضره ويشهدون ما نغيب عنه ~~واحتمال السهو والغلط بعيد خصوصا في حق خمسة من أكابر الصحابة # وقوله في اليهود لا يمنع أن يكون قد قال ما رواه عنه هؤلاء الخمسة في ~~أوقات أخر ثم هى محجوجة بروايتها عنه أنه قال: " ان الله يزيد الكافر عذابا ~~ببكاء أهله عليه " فإذا لم يمنع زيادة الكافر عذابا بفعل غيره مع كونه ~~مخالفا لظاهر الآية لم يمنع ذلك في حق المسلم ان الله سبحانه كما لا يظلم ~~عبده المسلم لا يظلم الكافر والله أعلم فصل ولا تحتاج هذه الاحاديث إلى شئ ~~من هذه التكلفات وليس فيها بحمد الله اشكال ولا مخالفة لظاهر القرآن ولا ~~لقاعدة من قواعد الشرع ولا تتضمن عقوبة الانسان بذنب غيره فإن النبي لم يقل ~~ان الميت يعاقب ببكاء أهله عليه ونوحهم وانما قال يعذب بذلك ولا ريب أن ذلك ~~يؤلمه ويعذبه والعذاب هو الالم الذى يحصل له وهو أعم من العقاب والاعم لا ~~يستلزم الاخص وقد قال النبي: "السفر قطعة من العذاب" وهذا العذاب يحصل ~~للمؤمن والكافر حتى ان الميت ليتألم بمن يعاقب في قبره في جواره ويتأذى ~~بذلك كما يتأذى الانسان في الدنيا بما يشاهده من عقوبة جاره فإذا بكى أهل ~~الميت عليه البكاء المحرم وهو البكاء الذى كان أهل الجاهلية يفعلونه ~~والبكاء على الميت عندهم اسم لذلك وهو معروف في نظمهم ونثرهم تألم ms087 الميت ~~بذلك في قبره # PageV01P107 # فهذا التألم هو عذابه بالبكاء عليه وهذه طريقة شيخنا في هذه الاحاديث ~~وبالله التوفيق # PageV01P108 ### | الباب التاسع عشر: في أن الصبر نصف الايمان # والايمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر قال غير واحد من السلف الصبر نصف ~~الايمان وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: "الايمان نصفان نصف صبر ونصف ~~شكر" ولهذا جمع الله سبحانه بين الصبر والشكر في قوله {ان في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور} في سورة ابراهيم وفي سورة حمعسق وفي سورة سبأ وفي سورة لقمان ~~وقد ذكر لهذا التنصيف اعتبارات # أحدها أن الايمان اسم لمجموع القول والعمل والنية وهى ترجع إلى شطرين فعل ~~وترك فالفعل هو العمل بطاعة الله وهو حقيقة الشكر والترك هو الصبر عن ~~المعصية والدين كله في هذين الشيئين فعل المأمور وترك المحظور # الاعتبار الثانى أن الايمان مبنى على ركنين يقين وصبر وهما الركنان ~~المذكوران في قوله تعالى {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون} فباليقين يعلم حقيقة الامر والنهى والثواب والعقاب وبالصبر ~~ينفذ ما أمر به ويكف نفسه عما نهى عنه ولا يحصل له التصديق بالامر والنهى ~~انه من عند الله وبالثواب والعقاب الا باليقين ولا يمكنه الدوام على فعل ~~المأمور وكف النفس عن المحظور الا بالصبر فصار الصبر نصف الايمان والنصف ~~الثانى الشكر بفعل ما أمر به وبترك ما نهى عنه # PageV01P108 # الاعتبار الثالث أن الايمان قول وعمل والقول قول القلب واللسان والعمل ~~عمل القلب والجوارح وبيان ذلك أن من عرف الله بقلبه ولم يقر بلسانه لم يكن ~~مؤمنا كما قال عن قوم فرعون {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} وكما قال عن ~~قوم عاد وقوم صالح {وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين} وقال موسى لفرعون {لقد علمت ما ~~أنزل هؤلاء الا رب السموات والارض بصائر} فهؤلاء حصل قول القلب وهو المعرفة ~~والعلم ولم يكونوا بذلك مؤمنين وكذلك من قال بلسانه ما ليس في قلبه لم يكن ~~بذلك مؤمنا ms088 بل كان من المنافقين وكذلك من عرف بقلبه وأقر بلسانه لم يكن ~~بمجرد ذلك مؤمنا حتى يأتى بعمل القلب من الحب والبغض والموالاة والمعاداة ~~فيحب الله ورسوله ويوالى أولياء الله ويعادى أعداءه ويستسلم بقلبه لله وحده ~~وينقاد لمتابعة رسوله وطاعته والتزام شريعته ظاهرا وباطنا واذا فعل ذلك لم ~~يكف في كمال ايمانه حتى يفعل ما امر به # فهذه الاركان الاربعة هى أركان الايمان التى قام عليها بناؤه وهى ترجع ~~إلى علم وعمل ويدخل في العمل كف النفس الذى هو متعلق النهى وكلاهما لا يحصل ~~الا بالصبر فصار الايمان نصفين أحدهما الصبر والثانى متولد عنه من العلم ~~والعمل # الاعتبار الرابع أن النفس لها قوتان قوة الاقدام وقوة الاحجام وهى دائما ~~تتردد بين أحكام هاتين القوتين فتقدم على ما تحبه وتحجم عما تكرهه والدين ~~كله اقدام واحجام اقدام على طاعة واحجام عن معاصى الله وكل منهما لا يمكن ~~حصوله الا بالصبر # الاعتبار الخامس أن الدين كله رغبة ورهبة فالمؤمن هو الراغب الراهب قال ~~تعالى انهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وفي الدعاء عند ~~النوم الذى رواه البخارى في # PageV01P109 # صحيحه "اللهم انى أسلمت نفسى اليك ووجهت وجهى اليك وفوضت امرى اليك ~~وألجأت ظهرى اليك رغبة ورهبة اليك " فلا تجد المؤمن أبدا الا راغبا وراهبا ~~والرغبة والرهبة لا تقوم الا على ساق الصبر فرهبته تحمله على الصبر ورغبته ~~تقوده إلى الشكر # الاعتبار السادس ان جميع ما يباشره العبد في هذه الدار لا يخرج عما ينفعه ~~في الدنيا والآخرة أو يضره في الدنيا والاخرة أو ينفعه في أحد الدارين ~~ويضره في الاخرى وأشرف الاقسام أن يفعل ما ينفعه في الاخرة ويترك ما يضره ~~فيها وهو حقيقة الايمان ففعل ما ينفعه هو الشكر وترك ما يضره هو الصبر # الاعتبار السابع ان العبد لا ينفك عن أمر يفعله ونهى يتركه وقدر يجرى ~~عليه وفرضه في الثلاثة الصبر والشكر ففعل المأمور هو الشكر وترك المحظور ~~والصبر على المقدور هو الصبر # الاعتبار الثامن إن العبد فيه داعيان ms089 داع يدعوه إلى الدنيا وشهواتها ~~ولذاتها وداع يدعوه إلى الله والدار الآخرة وما أعد فيها لأوليائه من ~~النعيم المقيم فعصيان داعى الشهوة والهوى هو الصبر وإجابة داعى الله والدار ~~الآخرة هو الشكر # الاعتبار التاسع ان الدين مداره على أصلين العزم والثبات وهما الأصلان ~~المذكوران في الحديث الذى رواه أحمد والنسائى عن النبي: "اللهم إنى أسألك ~~الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد" وأصل الشكر صحة العزيمة وأصل الصبر ~~قوة الثبات فمتى أيد العبد بعزيمة وثبات فقد أيد بالمعونة والتوفيق # الاعتبار العاشر ان الدين مبنى على أصلين الحق والصبر وهما المذكوران في ~~قوله تعالى # {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} ولما كان المطلوب من العبد هو العمل ~~بالحق في نفسه وتنفيذه في الناس وكان هذا # PageV01P110 # هو حقيقة الشكر لم يمكنه ذلك إلا بالصبر عليه فكان الصبر نصف الايمان ~~والله سبحانه وتعالى أعلم # PageV01P111 ### | الباب العشرون: في بيان تنازع الناس في الأفضل من الصبر والشكر # حكى أبو الفرج ابن الجوزى في ذلك ثلاثة أقوال أحدها ان الصبر أفضل ~~والثانى ان الشكر أفضل والثالث أنهما سواء كما قال عمر بن الخطاب رضى الله ~~عنه لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت # ونحن نذكر ما احتجت به كل فرقة وما لها وعليها في احتجاجها بعون الله ~~وتوفيقه. فصل: قال الصابرون قد أثنى الله سبحانه على الصبر وأهله ومدحه ~~وأمر به وعلق عليه خير الدنيا والاخرة وقد ذكره الله في كتابه في نحو تسعين ~~موضعا وقد تقدم من النصوص والأحاديث فيه وفي فضله ما يدل على أنه أفضل من ~~الشكر ويكفي في فضله قوله "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر" فذكر ذلك ~~في معرض تفضيل الصبر ورفع درجته على الشكر فإنه ألحق الشاكر بالصابر وشبهه ~~به ورتبة المشبه به أعلى من رتبة المشبه وهذا كقوله: "مدمن الخمر كعابد وثن ~~" ونظائر ذلك قالوا وإذا وازنا بين النصوص الواردة في الصبر والواردة في ~~الشكر وجدنا نصوص الصبر اضعافها ولهذا لما كانت الصلاة والجهاد أفضل ~~الاعمال كانت الاحاديث فيهما في سائر ms090 الابواب فلا تجد الاحاديث النبوية في ~~باب أكثر منها في باب الصلاة والجهاد قالوا وايضا فالصبر يدخل في كل باب بل ~~في كل مسئلة من مسائل الدين ولهذا كان من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد # PageV01P111 # قالوا وأيضا فالله سبحانه وتعالى علق على الشكر الزيادة فقال {وإذ تأذن ~~ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم} وعلق على الصبر الجزاء بغير حساب وايضا فإنه ~~سبحانه أطلق جزاء الشاكرين فقال وسيجزى الله الشاكرين وقيد جزاء الصابرين ~~بالاحسان فقال {ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} قالوا ~~وقد صح عن النبي أنه قال: يقول الله تعالى: " كل عمل ابن آدم له الا الصوم ~~فإنه لى وأنا أجزى به ". # وفي لفظ: " كل عمل ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشر أمثالها قال الله تعالى ~~الا الصوم فإنه لى وأنا أجزى به" وما ذاك الا لأنه صبر النفس ومنعها من ~~شهواتها كما في الحديث نفسه يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلى ولهذا قال ~~النبي لمن سأله عن أفضل الاعمال: " عليك بالصوم فإنه لا عدل له" ولما كان ~~الصبر حبس النفس عن اجابة داعى الهوى وكان هذا حقيقة الصوم فإنه حبس النفس ~~عن اجابة داعى شهوة الطعام والشراب والجماع فسر الصبر في قوله تعالى ~~{واستعينوا بالصبر والصلاة} أنه الصوم وسمى رمضان شهر الصبر وقال بعض السلف ~~الصوم نصف الصبر وذلك أن الصبر حبس النفس عن اجابة داعى الشهوة والغضب فإن ~~النفس تشتهى الشئ لحصول اللذة بإدراكه وتغضب لنفرتها من المؤلم لها والصوم ~~صبر عن مقتضى الشهوة فقط وهى شهوة البطن والفرج دون مقتضى الغضب ولكن من ~~تمام الصوم وكماله صبر النفس عن اجابة داعى الامرين وقد أشار إلى ذلك النبي ~~في الحديث الصحيح وهو قوله: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يجهل ولا يصخب فإن ~~أحد سابه أو شاتمه فليقل انى صائم " فأرشد إلى تعديل قوى الشهوة والغضب وأن ~~الصائم ينبغى له أن يحتمى من افسادهما لصومه فهذه تفسد صومه وهذه تحبط أجره ~~كما قال في الحديث الاخر: "من لم ms091 يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في ~~أن يدع طعامه وشرابه ". # PageV01P112 # قالوا ويكفي في فضل الصبر على الشكر قوله تعالى أنى جزيتهم اليوم بما ~~صبروا أنهم هم الفائزون فجعل فوزهم جزاء صبرهم وقال تعالى والله مع ~~الصابرين لا شئ يعدل معيته لعبده كما قال بعض العارفين ذهب الصابرون بخير ~~الدنيا والاخرة لأنهم نالوا معية الله وقال تعالى واصبر لحكم ربك فانك ~~بأعيننا وهذا يتضمن الحراسة والكلاءة والحفظ للصبر لحكمه # وقد وعد الصابرين بثلاثة أشياء كل واحد خير من الدنيا وماعليها وهى ~~صلواته تعالى عليهم ورحمته لهم وتخصيصهم بالهداية في قوله تعالى أولئك ~~عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون وهذا مفهم لحصر الهدى فيهم ~~وأخبر أن الصبر من عزم الأمور في آيتين من كتابه وأمر رسوله أن يتشبه بصبر ~~أولى العزم من الرسل وقد تقدم ذكر ذلك # قالوا وقد دل الدليل على أن الزهد في الدنيا والتقلل منها مهما أمكن من ~~الاستكثار منها والزهد فيها حال الصابر والاستكثار منها حال الشاكر قالوا ~~وقد سئل المسيح صلوات الله وسلامه عليه عن رجلين مرا بكنز فتخطاه أحدهما ~~ولم يلتفت اليه وأخذه الاخر وأنفقه في طاعة الله تعالى أيهما أفضل فقال ~~الذى لم يلتفت اليه وأعرض عنه أفضل عند الله # قالوا ويدل على صحة هذا أن النبي عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فلم يأخذها ~~وقال بل أجوع يوما وأشبع يوما ولو أخذها لأنفقها في مرضاة الله وطاعته فآثر ~~مقام الصبر عنها والزهد فيها قالوا وقد علم أن الكمال الانسانى في ثلاثة ~~أمور علوم يعرفها # PageV01P113 # وأعمال يعمل بها وأحوال ترتب له على علومه وأعماله وأفضل العلم والعمل ~~والحال العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله والعمل بمرضاته وانجذاب القلب ~~إليه بالحب والخوف والرجاء فهذا أشرف ما في الدنيا وجزاؤه أشرف ما في ~~الاخرة وأجل المقاصد معرفة الله ومحبته والأنس بقربه والشوق إلى لقائه ~~والتنعم بذكره وهذا أجل سعادة الدنيا والآخرة وهذا هو الغاية التى تطلب ~~لذاتها وانما يشعر العبد تمام الشعور بأن ذلك ms092 عين السعادة اذا انكشف له ~~الغطاء وفارق الدنيا ودخل الاخرة والا فهو في الدنيا وان شعر بذلك بعض ~~الشعور فليس شعوره به كاملا للمعارضات التى عليه والمحن التى امتحن بها ~~والا فليست السعادة في الحقيقة سوى ذلك وكل العلوم والمعارف تبع لهذه ~~المعرفة مرادة لأجلها وتفاوت العلوم في فضلها بحسب افضائها إلى هذه المعرفة ~~وبعدها فكل علم كان أقرب افضاء إلى العلم بالله وأسمائه وصفاته فهو أعلى ~~مما دونه وكذلك حال القلب فكل حال كان أقرب إلى المقصود الذى خلق له فهو ~~أشرف مما دونه وكذلك الاعمال فكل عمل كان أقرب إلى تحصيل هذا المقصود كان ~~أفضل من غيره ولهذا كانت الصلاة والجهاد من أفضل الأعمال وأفضلها لقرب ~~افضائها إلى المقصود وهكذا يجب أن يكون فإن كل ما كان الشيء أقرب إلى ~~الغاية كان أفضل من البعيد عنها فالعمل المعد للقلب المهيئ له لمعرفة الله ~~وأسمائه وصفاته ومحبته وخوفه ورجائه أفضل مما ليس كذلك واذا أشتركت عدة ~~أعمال في هذا الافضاء فأفضلها أقربها إلى هذا المفضى ولهذا اشتركت الطاعات ~~في هذا الإفضاء فكانت مطلوبة لله واشتركت المعاصى في حجب القلب وقطعه عن ~~هذه الغاية فكانت منهيا عنها وتأثير الطاعات والمعاصى بحسب درجاتها # وها هنا أمر ينبغى التفطن له وهو أنه قد يكون العمل المعين أفضل منه في ~~حق غيره فالغنى الذى بلغ له مال كثير ونفسه لا تسمح ببذل شئ منه فصدقته ~~وايثاره أفضل له من قيام الليل وصيام النهار نافلة والشجاع الشديد الذى ~~يهاب العدو سطوته وقوفه في الصف ساعة وجهاده أعداء الله # PageV01P114 # أفضل من الحج والصوم والصدقة والتطوع والعالم الذى قد عرف السنة والحلال ~~والحرام وطرق الخير والشر مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من ~~اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح وولى الامر الذى قد ~~نصبه الله للحكم بين عباده جلوسه ساعة للنظر في المظالم وانصاف المظلوم من ~~الظالم واقامة الحدود ونصر المحق وقمع المبطل أفضل من عبادة سنين من غيره ~~ومن غلبت عليه شهوة النساء ms093 فصومه له أنفع وأفضل من ذكر غيره وصدقته وتأمل ~~تولية النبي لعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وغيرهما من أمرائه وعماله وترك ~~تولية ابى ذر بل قال له: "إنى أراك ضعيفا وانى أحب لك ما أحب لنفسى لا ~~تؤمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم" وأمره وغيره بالصيام وقال: "عليك ~~بالصوم فانه لا عدل له" وأمر آخر بأن لا يغضب وأمر ثالثا بأن لا يزال لسانه ~~رطبا من ذكر الله ومتى أراد الله بالعبد كمالا وفقه لاستفراغ وسعه فيما هو ~~مستعد له قابل له قد هيئ له فاذا استفرغ وسعه على غيره وفاق الناس فيه كما ~~قيل # ما زال يسبق حتى قال حاسده ... هذا طريق إلى العلياء مختصر # وهذا كالمريض الذى يشكو وجع البطن مثلا اذا استعمل دواء ذلك الداء انتفع ~~به واذا استعمل دواء وجع الرأس لم يصادف داءه فالشح المطاع مثلا من ~~المهلكات ولا يزيله صيام مائة عام ولا قيام ليلها وكذلك داء اتباع الهوى ~~والاعجاب بالنفس لا يلائمه كثرة قراءة القرآن واستفراغ الوسع في العلم ~~والذكر والزهد وانما يزيله اخراجه من القلب بضده ولو قيل ايما افضل الخبز ~~أو الماء لكان الجواب أن هذا في موضعه أفضل وهذا في موضعه أفضل # واذا عرفت هذه القاعدة فالشكر ببذل المال عمل صالح يحصل به للقلب حال فهو ~~دواء للداء الذى في القلب يمنعه من المقصود وأما # PageV01P115 # الفقير الزاهد فقد استراح من هذا الداء والدواء وتوفرت قوته على استفراغ ~~الوسع في حصول المقصود # ثم أوردوا على أنفسهم سؤالا فقالوا فإن قيل فقد حث الشرع على الاعمال ~~وانفصلوا عنه بأن قالوا الطبيب اذا أثنى على الدواء لم يدل على أن الدواء ~~يراد لعينه ولا أنه أفضل من الشفاء الحاصل به ولكن الاعمال علاج لمرض ~~القلوب ومرض القلوب مما لا يشعر به غالبا فوقع الحث على العمل المقصود وهو ~~شفاء القلب فالفقير الآخذ لصدقتك يستخرج منك داء البخل كالحجام يستخرج منك ~~الدم المهلك # قالوا واذا عرف هذا عرف أن حال الصابر حال ms094 المحافظ على الصحة والقوة وحال ~~الشاكر حال المتداوى بأنواع الأدوية لإزالة مواد السقم فصل قال الشاكرون ~~لقد تعديتم طوركم وفضلتم مقاما غيره أفضل منه وقدمتم الوسيلة على الغاية ~~والمطلوب لغيره على المطلوب لنفسه والعمل الكامل على الأكمل والفاضل على ~~الأفضل ولم تعرفوا للشكر حقه ولا وفيتموه مرتبته وقد قرن تعالى ذكره الذى ~~هو المراد من الخلق بذكره وكلاهما هو المراد بالخلق والأمر والصبر خادم ~~لهما ووسيلة اليهما وعونا عليهما قال تعالى اذكرونى أذكركم واشكروا لى ولا ~~تكفرون # وقرن سبحانه الشكر بالإيمان وأخبر أنه لا غرض له في عذاب خلقه إن شكروا ~~وآمنوا به فقال {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} أى ان وفيتم ما ~~خلقتم له وهو الشكر والايمان فما أصنع بعذابكم # هذا وأخبر سبحانه أن أهل الشكر هم المخصوصون بمنته عليهم من بين عباده ~~فقال {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله # PageV01P116 # عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} وقسم الناس إلى شكور وكفور ~~فأبغض الأشياء اليه الكفر وأهله وأحب الأشياء اليه الشكر وأهله قال تعالى ~~في الانسان {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} # وقال نبيه سليمان {هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما ~~يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم} وقال تعالى {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم ~~لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} وقال تعالى {إن تكفروا فإن الله غني ~~عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم} وهذا كثير في القرآن ~~يقابل سبحانه بين الشكر والكفر فهو ضده قال تعالى {وما محمد إلا رسول قد ~~خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على ~~عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} والشاكرون هم الذين ثبتوا ~~على نعمة الايمان فلم ينقلبوا على أعقابهم وعلق سبحانه المزيد بالشكر ~~والمزيد منه لا نهاية له كما لا نهاية لشكره وقد وقف سبحانه كثيرا من ~~الجزاء على المشيئة كقوله {فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} وقوله ms095 في ~~الاجابة {فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} وقوله في الرزق {يرزق من يشاء} وفي ~~المغفرة {يغفر لمن يشاء} والتوبة {ويتوب الله على من يشاء} وأطلق جزاء ~~الشكر اطلاقا حيث ذكر كقوله وسنجزى الشاكرين وسيجزى الله الشاكرين ولما عرف ~~عدو الله ابليس قدر مقام الشكر وأنه من أجل المقامات وأعلاها جعل غايته أن ~~يسعى في قطع الناس عنه فقال {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين} ووصف الله سبحانه الشاكرين ~~بأنهم قليل من عباده فقال تعالى {وقليل من عبادي الشكور} . # PageV01P117 # وذكر الامام أحمد عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه سمع رجلا يقول اللهم ~~اجعلنى من الاقلين فقال ما هذا فقال يا أمير المؤمنين ان الله قال وما آمن ~~معه الا قليل وقال تعالى {وقليل من عبادي الشكور} وقال {إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وقليل ما هم} فقال عمر صدقت وقد أثنى الله سبحانه وتعالى ~~على أول رسول بعثه إلى أهل الارض بالشكر فقال ذرية من حملنا مع نوح انه كان ~~عبدا شكورا وفي تخصيص نوح ها هنا بالذكر وخطاب العباد بأنهم ذريته اشارة ~~إلى الاقتداء به فانه أبوهم الثانى فان الله تعالى لم يجعل للخلق بعد الغرق ~~نسلا الا من ذريته كما قال تعالى وجعلنا ذريته هم الباقين فأمر الذرية أن ~~يتشبهوا بأبيهم في الشكر فانه كان عبدا شكورا # وقد أخبر سبحانه انما يعبده من شكره فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته ~~فقال واشكروا الله ان كنتم اياه تعبدون وأمر عبده موسى ان يتلقى ما آتاه من ~~النبوة والرسالة والتكليم بالشكر فقال تعالى يا موسى انى اصطفيتك على الناس ~~برسالاتى وبكلامى فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين وأول وصية وصى الله بها ~~الانسان بعد ماعقل عنه بالشكر له وللوالدين فقال ووصينا الانسان بوالديه ~~حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لى ولوالديك إلى المصير # وأخبر أن رضاه في شكره فقال تعالى وان تشكروا يرضه لكم ms096 وأثنى سبحانه على ~~خليله ابراهيم بشكر نعمه فقال ان ابراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك ~~من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم فأخبر عنه سبحانه ~~بأنه أمة أى قدوة يؤتم به في الخير وانه قانتا لله والقانت هو المطيع ~~المقيم على طاعته والحنيف هو المقبل على الله المعرض عما سواه ثم ختم له ~~بهذه # PageV01P118 # الصفات بأنه شاكر لأنعمه فجعل الشكر غاية خليله # وأخبر سبحانه أن الشكر هو الغاية من خلقه وأمره بل هو الغاية التى خلق ~~عبيده لأجلها والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع ~~والابصار والافئدة لعلكم تشكرون فهذه غاية الخلق وغاية الأمر فقال ولقد ~~نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ويجوز أن يكون قوله ~~لعلكم تشكرون تعليلا لقضائه لهم بالنصر ولأمره لهم بالتقوى ولهما معا وهو ~~الظاهر فالشكر غاية الخلق والامر وقد صرح سبحانه بأنه غاية أمره وارساله ~~الرسول في قوله تعالى كما ارسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ~~ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكرونى ~~أذكركم واشكروا لى ولا تكفرون قالوا فالشكر مراد لنفسه والصبر مراد لغيره ~~والصبر انما حمد لافضائه وايصاله إلى الشكر فهو خادم الشكر وقد ثبت في ~~الصحيحين عن النبي أنه قام حتى تفطرت قدماه فقيل له أتفعل هذا وقد غفر الله ~~لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: "أفلا أكون عبدا شكورا" وثبت في المسند ~~والترمذى أن النبي قال لمعاذ: "والله انى لأحبك فلا تنسى أن تقول دبر كل ~~صلاة: اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". # وقال ابن أبى الدنيا حدثنا اسحاق بن اسماعيل حدثنا أبو معاويه وجعفر بن ~~عون عن هشام بن عروة قال كان من دعاء النبي: "اللهم أعنى على ذكرك وشكرك ~~وحسن عبادتك". قال وحدثنا محمود بن غيلان حدثنا المؤمل بن اسماعيل حدثنا ~~حماد بن سلمه حدثنا حميد الطويل عن طلق بن حبيب عن ابن عباس رضى الله عنهما ~~أن رسول الله قال: ms097 "أربع من أعطيهن فقد أعطى خير الدنيا والآخرة: قلبا ~~شاكرا ولسانا # PageV01P119 # ذاكرا وبدنا على البلاء صابرا وزوجة لا تبغيه خونا في نفسها ولا في ماله" ~~وذكر ايضا من حديث القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي قال: "ما أنعم الله ~~على عبد نعمة فعلم أنها من عند الله الا كتب الله له شكرها وما علم الله من ~~عبد ندامة على ذنب إلا غفر الله له قبل أن يستغفره وإن الرجل يشترى الثوب ~~بالدينار فيلبسه فيحمد الله فما يبلغ ركبتيه حتى يغفر له". # وقد ثبت في صحيح مسلم عنه أنه قال: "إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكله ~~فيحمده عليها ويشرب الشربه فيحمده عليها" فكان هذا الجزاء العظيم الذى هو ~~أكبر أنواع الجزاء كما قال تعالى ورضوان من الله أكبر في مقابلة شكره ~~بالحمد وذكر ابن أبى الدنيا من حديث عبد الله بن صالح حدثنا أبو زهير يحيى ~~بن عطارد القرشى عن أبيه قال قال رسول الله: "لا يرزق الله عبدا الشكر ~~فيحرمه الزيادة" لأن الله تعالى يقول لئن شكرتم لأزيدنكم وقال الحسن ~~البصرى: "إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء فإذا لم يشكر عليها قلبها عذابا" ~~ولهذا كانوا يسمون الشكر الحافظ لأنه يحفظ النعم الموجودة والجالب لأنه ~~يجلب النعم المفقودة وذكر ابن أبى الدنيا عن على بن أبى طالب رضى الله عنه ~~أنه قال لرجل من همذان: "إن النعمة موصولة بالشكر والشكر يتعلق بالمزيد ~~وهما مقرونان في قرن فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد" # وقال عمر بن عبد العزيز قيدوا نعم الله بشكر الله وكان يقال الشكر قيد ~~النعم وقال مطرف بن عبد الله "لأن أعافى فأشكر أحب إلى من أن ابتلى فأصبر" ~~وقال الحسن "أكثروا من ذكر هذه النعم فإن ذكرها شكر" وقد أمر الله تعالى ~~نبيه أن يحدث بنعمة ربه فقال وأما بنعمة ربك فحدث والله تعالى يحب من عبده ~~أن يرى عليه أثر نعمته فإن ذلك شكرها بلسان الحال وقال على بن الجعدى سمعت ms098 # PageV01P120 # سفيان الثورى يقول إن داود عليه الصلاة والسلام قال الحمد لله حمدا كما ~~ينبغى لكرم وجهه وعز جلاله فأوحى الله اليه يا داود أتعبت الملائكة # وقال شعبة حدثنا المفضل بن فضالة عن أبى رجاء العطاردى قال خرج علينا ~~عمران بن الحصين وعليه مطرف خز لم نره عليه قبل ولا بعد فقال ان رسول الله ~~قال: "إذا أنعم الله على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" وفي ~~صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي قال: "كلوا واشربوا وتصدقوا في ~~غير مخيلة ولا سرف فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده". # وذكر شعبة عن أبى اسحاق عن أبى الأحوص عن أبيه قال: "أتيت رسول الله وأنا ~~قشف الهيئة فقال هل لك من مال قال قلت نعم قال من أى المال قلت من كل المال ~~قد آتانى الله من الابل والخيل والرقيق والغنم قال فإذا آتاك الله مالا ~~فليرى عليك". # وفي بعض المراسيل "ان الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده في مأكله ~~ومشربه" وروى عبد الله بن يزيد المقرى عن أبى معمر عن بكير بن عبد الله ~~رفعه: "من أعطى خيرا فرؤى عليه سمى حبيب الله محدثا بنعمة الله ومن أعطى ~~خيرا ولم ير عليه سمى بغيض الله معاديا لنعمة الله" وقال فضيل بن عياض كان ~~يقال من عرف نعمة الله بقلبه وحمده بلسانه لم يستتم ذلك حتى يرى الزيادة ~~لقول الله تعالى ولئن شكرتم لأزيدنكم وقال من شكر النعمة أن يحدث بها وقد ~~قال تعالى: "يا ابن آدم إذا كنت تتقلب في نعمتى وأنت تتقلب في معصيتى ~~فاحذرنى لأصرعك بين معاصى يا ابن آدم اتقنى ونم حيث شئت". # PageV01P121 # وقال الشعبى الكشر نصف الايمان واليقين الايمان كله وقال أبو قلابة لا ~~تضركم دنيا شكرتموها وقال الحسن إذا أنعم الله على قوم سألهم الشكر فإذا ~~شكروه كان قادرا على أن يزيدهم وإذا كفروه كان قادرا على أن يبعث نعمته ~~عليهم عذابا وقد ذم الله ms099 سبحانه الكنود وهو الذى لا يشكر نعمه قال الحسن ~~{إن الإنسان لربه لكنود} يعد المصائب وينسى النعم وقد أخبر النبي إن النساء ~~أكثر أهل النار بهذا السبب قال: "لو أحسنت إلى إحداههن الدهر ثم رأت منك ~~شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط" فإذا كان هذا بترك شكر نعمة الزوج وهى في ~~الحقيقة من الله فكيف بمن ترك شكر نعمة الله # يا أيها الظالم في فعله ... والظلم مردود على من ظلم # إلى متى أنت وحتى متى ... تشكو المصيبات وتنسى النعم # ذكر ابن أبى الدنيا من حديث أبى عبد الرحمن السلمي عن الشعبى عن النعمان ~~بن بشير قال قال رسول الله: "التحدث بالنعمة شكر وتركها كفر ومن لا يشكر ~~القليل لا يشكر الكثير ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله والجماعة بركة ~~والفرقة عذاب" وقال مطرف بن عبد الله نظرت في العافية والشكر فوجدت فيهما ~~خير الدنيا والآخرة ولأن أعافى أعافي فأشكر أحب إلى من أن أبتلى فأصبر ورأى ~~بكر بن عبد الله المزنى حمالا عليه حمله وهو يقول الحمد الله أستغفر الله ~~قال فأنتظرته حتى وضع ما على ظهره وقلت له أما تحسن غير هذا قال بلى أحسن ~~خيرا كثيرا أقرأ كتاب الله غير أن العبد بين نعمة وذنب فأحمد الله على نعمه ~~السابغة وأستغفره لذنوبى فقلت الحمال أفقه من بكر. # وذكر الترمذى من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: "خرج رسول ~~الله على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال ~~قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن ردا منكم كنت كلما أتيت على قوله ~~{فبأي آلاء ربكما تكذبان} قالوا لا بشئ من # PageV01P122 # نعمك ربنا نكذب فلك الحمد" وقال مشعر لما قيل لآل داود {اعملوا آل داود ~~شكرا} لم يأت على القوم ساعة الا وفيهم مصل # وقال عون بن عبد الله قال بعض الفقهاء انى رأيت في أمرى لم أر خيرا الا ~~شر معه الا المعافاة والشكر فرب شاكر في بلائه ورب معافى ms100 غير شاكر فإذا ~~سألتم الله فاسألوهما جميعا وقال أبو معاويه لبس عمر بن الخطاب قميصا فلما ~~بلغ ترقوته قال الحمد لله الذى كسانى ما أوارى به عورتى وأتجمل به في حياتى ~~ثم مد يديه فنظر شيئا يزيد على يديه فقطعه ثم أنشأ يحدث قال سمعت رسول الله ~~يقول: "من لبس ثوبا أحسبه جديدا فقال حين يبلغ ترقوته أو قال قبل أن يبلغ ~~ركبتيه مثل ذلك ثم عمد إلى ثوبه الخلق فكسا به مسكينا لم يزل في جوار الله ~~وفي ذمة الله وفي كنف الله حيا وميتا ما بقى من ذلك الثوب سلك". # وقال عون بن عبد الله لبس رجل قميصا جديدا فحمد الله فغفر له فقال رجل ~~ارجع حتى أشترى قميصا فألبسه وأحمد الله وقال شريح ما أصيب عبد بمصيبة الا ~~كان لله عليه فيها ثلاث نعم ألا تكون كانت في دينه وألا تكون أعظم مما كانت ~~وأنها لا بد كائنه فقد كانت # وقال عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ما قلب عمر بن عبد العزيز بصره إلى ~~نعمة أنعم الله بها عليه الا قال اللهم انى أعوذ بك أن أبدل نعمتك كفرا وأن ~~أكفرها بعد أن عرفتها وأن أنساها ولا أثنى بها وقال روح بن القاسم تنسك رجل ~~فقال لا آكل الخبيص لا أقوم بشكره فقال الحسن هذا أحمق وهل يقوم بشكر الماء ~~البارد # وفي بعض الآثار الالهية يقول الله عزوجل: "ابن آدم خيرى اليك نازل وشرك ~~إلى صاعد أتحبب اليك بالنعم وتتبغض إلى بالمعاصى ولا يزال ملك كريم قد عرج ~~إلى منك بعمل قبيح". # قال ابن أبى الدنيا حدثنى أبو على قال كنت أسمع جارا لي يقول في # PageV01P123 # الليل: "يا الهى خيرك على نازل وشرى اليك صاعد كم من ملك كريم قد صعد ~~اليك منى بعمل قبيح وأنت مع غناك عنى تتحبب إلى بالنعم وأنا مع فقرى اليك ~~وفاقتى أتمقت اليك بالمعاصى وأنت في ذلك تجبرنى وتسترنى وترزقنى وكان أبو ~~المغيرة اذا قيل له كيف أصبحت يا ms101 أبا محمد أصبحنا مغرقين في النعم عاجزين ~~عن الشكر يتحبب الينا ربنا وهو غنى عنا ونتمقت اليه ونحن اليه محتاجون وقال ~~عبد الله بن ثعلبة الهى من كرمك أنك تطاع ولا تعصى ومن حلمك أنك تعصى وكأنك ~~لا ترى وأى زمن لم يعصك فيه سكان أرضك وأنت بالخير عواد وكان معاوية بن قرة ~~اذا لبس ثوبا جديدا قال بسم الله والحمد لله وقال أنس بن مالك ما من عبد ~~توكل بعبادة الله الا عزم الله السموات والارض تعبر رزقه فجعله في أيدى بنى ~~آدم يعملونه حتى يدفع عنه اليه فإن العبد قبله أوجب عليه الشكر وان أباه ~~وجد الغنى الحميد عبادا فقراء يأخذون رزقه ويشكرون له". # وقال يونس بن عبيد: "قال رجل لأبى تميمة كيف أصبحت قال أصبحت بين نعمتين ~~لا أدرى أيتهما أفضل ذنوب سترها الله فلا يستطيع أن يعيرنى بها أحد ومودة ~~قذفها الله في قلوب العباد لا يبلغها عملى". # وروى ابن أبى الدنيا عن سعيد المقبرى عن أبيه عن عبد الله بن سلام أن ~~موسى عليه السلام قال: "يارب ما الشكر الذى ينبغى لك قال لا يزال لسانك ~~رطبا من ذكرى" وروى سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة رضى الله عنه ~~قال دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي فانطلقنا معه فلما طعم وغسل يديه ~~قال الحمد لله الذى يطعم ولا يطعم من علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا وكل بلاء ~~حسن أبلانا الحمد لله غير مودع ربى ولا مكافأ ولا مكفور ولا مستغنى عنه ~~الحمد لله الذى أطعم من الطعام وسقى من الشراب وكسى من العرى وهدى من ~~الضلالة وبصر من العمى وفضل على كثير من خلقه تفضيلا الحمد لله رب ~~العالمين. # PageV01P124 # وفي مسند الحسن بن الصلاح من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه قال قال رسول ~~الله: "ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل ولا مال أو ولد فيقول ما شاء الله ~~لا قوة إلا بالله فيرى فيه آفة دون الموت ms102 ويذكر عن عائشة رضى الله عنها أن ~~النبي دخل عليها فرآى كسرة ملقاة فمسحها وقال يا عائشة أحسنى جوار نعم الله ~~فإنها فلما نفرت عن أهل بيت فكادت أن ترجع اليهم" ذكره ابن أبى الدنيا. # وقال الإمام أحمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا صالح عن أبى عمران الجونى ~~عن أبى الخلد قال قرأت في مسألة داود أنه قال: "يا رب كيف لى أن أشكر وأنا ~~لا أصل إلى شكرك الا بنعمك" قال فأتاه الوحى: "يا داود أليس تعلم أن الذى ~~بك من النعم منى قال بلى يا رب قال فإنى نرضى بذلك منك شكرا". # وقال عبد الله بن أحمد حدثنا أبو موسى الانصارى حدثنا أبو الوليد عن سعيد ~~ابن عبد العزيز قال كان من دعاء داود سبحان مستخرج الشكر بالعطاء ومستخرج ~~الدعاء بالبلاء وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنى الأعمش عن المنهال ~~عن عبد الله بن الحارث قال أوحى الله إلى داود أحبنى وأحب عبادتى وحببنى ~~إلى عبادى قال يا رب هذا حبك وحب عبادتك فكيف أحببك إلى عبادك قال تذكرنى ~~عندهم فإنهم لا يذكرون منى إلا الحسن فجل جلال ربنا وتبارك اسمه وتعالى جده ~~وتقدست أسماؤه وجل ثناؤه ولا اله غيره # وقال أحمد حدثنا عبد الرزاق بن عمران قال سمعت وهبا يقول وجدت في كتاب آل ~~داود بعزتى ان من اعتصم بى فإن كادته السموات بمن فيهن والأرضون بمن فيهن ~~فإنى أجعل له من بين ذلك مخرجا ومن لم يعتصم بى فإنى أقطع يديه من أسباب ~~السماء وأخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء ثم أكله إلى نفسه كفي ~~بى لعبدى مالا اذا كان # PageV01P125 # عبدى في طاعتى أعطيته قبل أن يسألنى وأجبته قبل أن يدعونى وإنى أعلم ~~بحاجته التى ترفق به من نفسه. # وقال أحمد حدثنا يسار حدثنا حفص حدثنا ثابت قال كان داود عليه السلام قد ~~جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم يكن ساعة من ليل أو نهار الا وانسان ~~من آل داود قائم ms103 يصلى فيها قال فعمهم تبارك وتعالى في هذه الآية {اعملوا آل ~~داود شكرا وقليل من عبادي الشكور} # قال أحمد وحدثنا جابر بن زيد عن المغيرة بن عيينة قال داود يا رب هل بات ~~أحد من خلقك الليلة أطول ذكرا لك منى فأوحى الله اليه نعم الضفدع وأنزل ~~الله عليه {اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور} قال يا رب كيف أطيق ~~شكرك وأنت الذى تنعم على ثم ترزقنى على النعمة الشكر ثم تزيدنى نعمة بعد ~~نعمة فالنعم منك والشكر منك فكيف أطيق شكرك قال الآن عرفتنى يا داود قال ~~أحمد وحدثنا عبد الرحمن حدثنا الربيع بن صبيح عن الحسن قال نبى الله داود: ~~" الهى لو أن لكل شعرة منى لسانين يسبحانك الليل والنهار والدهر ما وفيت حق ~~نعمة واحدة". # وذكر ابن أبى الدنيا عن أبى عمران الجونى عن أبى الخلد قال قال موسى يا ~~رب كيف لى أن أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندى من نعمك لا يجازى بها عملى كله ~~قال فأتاه الوحى يا موسى الآن شكرتنى # قال بكر بن عبد الله ما قال عبد قط الحمد لله الا وجبت عليه نعمة بقوله ~~الحمد لله فجزاء تلك النعمة أن يقول الحمد لله فجاءت نعمة أخرى فلا تنفد ~~نعم الله وقال الحسن سمع نبى الله رجلا يقول الحمد لله بالاسلام فقال انك ~~لتحمد الله على نعمة عظيمة وقال خالد بن معدان سمعت عبد الملك بن مروان ~~يقول: "ما قال عبد كلمة أحب إلى الله وأبلغ في الشكر عنده من أن يقول الحمد ~~لله الذى أنعم علينا وهدانا للإسلام". # PageV01P126 # وقال سليمان التيمى ان الله سبحانه أنعم على عبده على قدره وكلفهم الشكر ~~على قدرتهم وكان الحسن اذا ابتدأ حديثه يقول الحمد لله اللهم ربنا لك الحمد ~~بما خلقتنا ورزقتنا وهديتنا وعلمتنا وأنقذتنا وفرجت عنا لك الحمد بالاسلام ~~والقرآن ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة كبت عدونا وبسطت رزقنا وأظهرت ~~أمننا وجمعت فرقتنا وأحسنت معافاتنا ومن كل ما سألناك ربنا أعطيتنا فلك ~~الحمد ms104 على ذلك حمدا كثيرا لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو ~~حديث أو سر أو علانية أو خاصة أو عامة أو حى أو ميت أو شاهد أو غائب لك ~~الحمد حتى ترضى ولك الحمد اذا رضيت # وقال الحسن قال موسى يا رب كيف يستطيع آدم أن يؤدى شكر ما صنعت اليه ~~خلقته بيدك ونفخت فيه من روحك وأسكنته جنتك وأمرت الملائكة فسجدوا له فقال ~~يا موسى علم أن ذلك منى فحمدنى عليه فكان ذلك شكر ما صنعت اليه وقال سعد بن ~~مسعود الثقفي انما سمى نوح عبدا شكورا لأنه لم يلبس جديدا ولم يأكل طعاما ~~الا حمد الله وكان على بن أبى طالب اذا خرج من الخلاء مسح بطنه بيده وقال ~~يا لها من نعمة لو يعلم العباد شكرها # وقال مخلد بن الحسين كان يقال الشكر ترك المعاصى وقال أبو حازم كان نعمة ~~لا تقرب من الله فهى بلية وقال سليمان ذكر النعم يورث الحب لله وقال حماد ~~بن زيد حدثنا ليث عن أبى بردة قال قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام ~~فقال لى ألا تدخل بيتا دخله النبي ونطعمك سويقا وتمرا ثم قال ان الله اذا ~~جمع الناس غدا ذكرهم بما أنعم عليهم فيقول العبد ما آية ذلك فيقول آية ذلك ~~انك كنت في كربة كذا وكذا قد دعوتنى فكشفتها وآية ذلك أنك كنت في سفر كذا ~~وكذا فاستصحبتنى فصحبتك قال يذكره حتى يذكر فيقول آية ذلك أنك خطبت فلانة ~~بنت فلان وخطبها معك خطاب فزوجتك ورددتهم يقف # PageV01P127 # عبده بين يديه فيعدد عليه نعمه فبكى ثم بكى ثم قال انى لأرجو الله أن لا ~~يقعد الله عبدا بين يديه فيعذبه # وروى ليث بن أبى سليم عن عثمان عن ابن سيرين عن أنس بن مالك قال قال رسول ~~الله: "يؤتى بالنعم يوم القيامة والحسنات والسيئات فيقول الله عزوجل لنعمة ~~من نعمه خذى حقك من حسناته فما تترك له من حسنة الا ذهبت بها". # وقال بكر بن ms105 عبد الله المزنى ينزل بالعبد الامر فيدعو الله فيصرف عنه ~~فيأتيه الشيطان فيضعف شكره يقول ان الامر كان أيسر مما تذهب اليه قال أو لا ~~يقول العبد كان الامر أشد مما أذهب اليه ولكن الله صرفه عنى وذكر ابن أبى ~~الدنيا عن صدقة بن يسار قال بينا داود عليه السلام في محرابه اذ مرت به ذره ~~فنظر اليها وفكر في خلقها وعجب منها وقال ما يعبؤ الله بهذه فأنطقها الله ~~فقالت يا داود أتعجبك نفسك فو الذى نفسى بيده لأنا على ما آتانى الله من ~~فضله أشكر منك على ما آتاك الله من فضله # وقال أيوب ان من أعظم نعمة الله على عبده أن يكون مأمونا على ماجاء به ~~النبي وقال سفيان الثورى كان يقال ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء ~~معصيبة وقال زازان مما يجب لله على ذى النعمة بحق نعمته أن لا يتوصل بها ~~إلى معصية قال ابن أبي الدنيا أنشدنى محمود الوراق: # اذا كان شكرى نعمة الله نعمة ... فكيف وقوع الشكر الا بفضله # على له في مثلها يجب الشكر ... اذا مس بالسراء عم سرورها # وان طالت الايام واتصل العمر ... وما منهما الا له فيه منة # وان مس بالضراء أعقبها الاجر ... تضيق بها الاوهام والبر والبحر # وقد روى الدراوردى عن عمرو بن أبى عمرو عن سعيد المقبرى عن أبى # PageV01P128 # هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله يعنى قال الله عز وجل: "ان المؤمن ~~عندى بمنزلة كل خير يحمدنى وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه" ومر محمد بن ~~المنكدر بشاب يغامز امرأة فقال يا فتى ما هذا جزاء نعم الله عليك وقال حماد ~~بن سلمة عن ثابت قال قال أبو العاليه انى لأرجو أن لا يهلك عبد بين اثنتين ~~نعمة يحمد الله عليها وذنب يستغفر منه # وكتب ابن السماك إلى محمد بن الحسن حين ولى القضاء بالرقة أما بعد فلتكن ~~التقوى من بالك على كل حال وخف الله من كل نعمة أنعم بها عليك من قلة ms106 الشكر ~~عليها مع المعصية بها فان في النعم حجة وفيها تبعة فأما الحجة بها فالمعصية ~~بها وأما التبعة فيها فقلة للشكر عليها فعفى الله عنك كلما ضيعت من شكر أو ~~ركبت من ذنب أو قصرت من حق ومر الربيع بن أبى راشد برجل به زمانة فجلس يحمد ~~الله ويبكى قيل له ما يبكيك قال ذكرت أهل الجنة وأهل النار فشبهت أهل الجنة ~~بأهل العافية وأهل النار بأهل البلاء فذلك الذى أبكانى # وقد روى أبو هريرة رضى الله عنه عن النبي: "إذا أحب أحدكم أن يرى قدر ~~نعمة الله عليه فلينظر إلى من تحته ولا ينظر إلى من فوقه" قال عبد الله بن ~~المبارك أخبرنى يحيى بن عبد الله قال سمعت أبى هريرة فذكره # وقال ابن المبارك حدثنا يزيد بن ابراهيم عن الحسن قال قال أبو الدرداء من ~~لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل عمله وحضر عذابه قال ~~ابن المبارك أخبرنا مالك بن أنس عن اسحق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس ~~رضى الله قال سمعت عمر بن الخطاب رضى الله عنه سلم على رجل فرد عليه السلام ~~فقال عمر للرجل كيف أنت قال الرجل أحمد اليك الله قال هذا أردت منك قال ابن ~~المبارك وأخبرنا مسعود عن علقمة بن مرقد عن ابن عمر رضى الله عنهما قال ~~لعلنا نلتقى في اليوم مرارا يسأل بعضنا عن بعض ولم يرد بذلك إلا # PageV01P129 # ليحمد الله عزوجل وقال مجاهد في قوله تعالى {وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة ~~وباطنة} قال لا إله الا الله وقال ابن عيينة ما أنعم الله على العباد نعمة ~~أفضل من أن عرفهم لا إله إلا الله قال وان لا اله الا الله لهم في الآخرة ~~كالماء في الدنيا وقال بعض السلف في خطبته يوم عيد أصبحتم زهرا وأصبح الناس ~~غبرا أصبح الناس ينسجون وأنتم تلبسون واصبح الناس يعطون وأنتم تأخذون وأصبح ~~الناس ينتجون وأنتم تركبون واصبح الناس يزرعون وأنتم تأكلون فبكى وأبكاهم # وقال عبد ms107 الله بن قرط الأزدى وكان من الصحابة على المنبر وكان يوم أضحى ~~ورأى على الناس ألوان الثياب يا لها من نعمة ما أشبعها ومن كرامة ما أظهرها ~~ما زال عن قوم شيئا أشد من نعمة لا يستطيعون ردها وانما تثبت النعمة بشكر ~~المنعم عليه للمنعم # وقال سلمان الفارسى رضى الله عنه ان رجلا بسط له من الدنيا فانتزع ما في ~~يديه فجعل يحمد الله ويثنى عليه حتى لم يكن له فراش الا بارية قال فجعل ~~يحمد الله ويثنى عليه حتى لم يكن له فراش إلا بارية قال فجعل يحمد الله ~~ويثني عليه وبسط لآخر من الدنيا فقال لصاحب البارية أرأيتك أنت على ما تحمد ~~الله قال أحمده على ما لو أعطيت به ما أعطى الخلق لم أعطهم اياه قال وما ~~ذاك قال أرأيتك بصرك أرأيتك لسانك أرأيتك يديك أرايتك رجليك وجاء رجل إلى ~~يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله فقال له يونس أيسرك ببصرك هذه مائة ألف درهم ~~قال الرجل لا قال فبيديك مائه ألف قال لا فبرجليك مائة الف قال لا قال ~~فذكره نعم الله عليه فقال يونس أرى عندك مئين الالوف وأنت تشكو الحاجه وكان ~~ابو الدرداء يقول الصحة الملك # وقال جعفر بن محمد رضى الله عنه فقد ابى بغلة له فقال ان ردها الله على ~~لأحمدنه بمحامد يرضاها فما لبث أن أتى بسرجها ولجامها فركبها فلما # PageV01P130 # استوى عليها وضم اليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء فقال الحمد لله لم يزد ~~عليها فقيل له في ذلك فقال هل تركت وأبقيت شيئا جعلت الحمد كله لله # وروى ابن أبى الدنيا من حديث سعد بن اسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده ~~قال: "بعث رسول الله بعثا من الانصار وقال ان سلمهم الله وغنمهم فإن لله ~~على في ذلك شكرا قال فلم يلبثوا أن غنموا وسلموا فقال بعض أصحابه سمعناك ~~تقول ان سلمهم الله وغنمهم فإن لله على في ذلك شكرا قال قد فعلت اللهم لك ~~الحمد شكرا ms108 ولك المن فضلا". # وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال محمد بن المنكدر لأبى حازم يا أبا ~~حازم ما أكثر من يلقانى فيدعو لى بالخير ما أعرفهم وما صنعت اليهم خيرا قط ~~فقال أبو حازم لا تظن أن ذلك من قبلك ولكن انظر إلى الذى ذلك من قبله ~~فاشكره وقرأ أبو عبد الرحمن {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم ~~الرحمن ودا} وقال على بن الجعد حدثنا عبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون ~~حدثنى من أصدقه أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه كان يقول في دعائه أسألك ~~تمام النعمة في الاشياء كلها والشكر لك عليها حتى ترضى وبعد الرضا والخيرة ~~في جميع ما تكون فيه الخيرة بجميع ميسر الامور كلها لا معسورها يا كريم # وقال الحسن ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله الا كان ما أعطى ~~أكثر مما أخذ قال ابن أبى الدنيا وبلغنى عن سفيان بن عيينة أنه قال هذا خطأ ~~لا يكون فعل العبد أفضل من فعل الله ثم قال وقال بعض أهل العلم انما تفسير ~~هذا أن الرجل اذا أنعم الله عليه نعمة وهو ممن يجب عليه أن يحمده عرفه ما ~~صنع به فيشكر الله كما ينبغى له أن يشكره فكان الحمد له أفضل # قلت لا يلزم الحسن ما ذكر عن ابن عيينة فإن قوله الحمد # PageV01P131 # لله نعمة من نعم الله والنعمة التى حمد الله عليها ايضا نعمة من نعم الله ~~وبعض النعم أجل من بعض فنعمة الشكر أجل من نعمة المال والجاه والولد ~~والزوجة ونحوها والله أعلم وهذا لا يستلزم أن يكون فعل العبد أفضل من فعل ~~الله وان دل على أن فعل العبد للشكر قد يكون أفضل من بعض مفعول الله وفعل ~~العبد هو مفعول الله ولا ريب أن بعض مفعولاته أفضل من بعض # وقال بعض أهل العلم لنعم الله علينا فيما زوى عنا من الدنيا أفضل من نعمه ~~علينا فيما بسط لنا منها وذلك أن الله لم يرض لنبيه ms109 الدنيا فإن أكون فيما ~~رضى الله لنبيه وأحب له أحب إلى من أن أكون فيما كره له وسخطه # وقال ابن أبى الدنيا بلغنى عن بعض العلماء أنه قال ينبغى للعالم أن يحمد ~~الله على ما زوى عنه من شهوات الدنيا كما يحمده على ما أعطاه وأين يقع ما ~~أعطاه الله والحساب يأتى عليه إلى ما عافاه الله ولم يبتله به فيشغل قلبه ~~ويتعب جوارحه فيشكر الله على سكون قلبه وجمع همه # وحدث عن ابن أبى الحوارى قال جلس فضيل بن عياض وسفيان بن عيينة ليلة إلى ~~الصباح يتذاكران النعم فجعل سفيان يقول أنعم الله علينا في كذا وكذا أنعم ~~الله علينا في كذا فعل بنا كذا وحدثنا عبد الله بن داود عن سفيان في قوله ~~{سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} قال يسبغ عليهم النعم ويمنعهم الشكر وقال غير ~~سفيان كلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم نعمة وسئل ثابت البنانى عن الاستدراج فقال ~~ذلك مكر الله بالعباد المضيعين وقال يونس في تفسيرها ان العبد اذا كانت له ~~عند الله منزلة فحفظها وبقى عليها ثم شكر الله بما أعطاه أعطاه أشرف منها ~~واذا هو ضيع الشكر استدرجه الله وكان تضييعه الشكر استدراجا وقال أبو حازم ~~نعمة الله فيما زوى عنى من الدنيا أعظم من نعمته فيما أعطانى منها انى ~~رأيته أعطاها أقواما فهلكوا # PageV01P132 # وكل نعمة لا تقرب من الله فهى بلية واذا رأيت الله يتابع عليك نعمه وأنت ~~تعصيه فاحذره # وذكر كاتب الليث عن هقل عن الاوزاعى أنه وعظهم فقال في موعظته أيها الناس ~~تقووا بهذه النعم التى أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التى ~~تتطلع على الأفئدة فإنكم في دار الثوى فيها قليل وأنتم فيها مرجون خلائف من ~~بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفعها وزهرتها فهم كانوا أطول منكم ~~أعمارا وأمد أجساما وأعظم آثارا فقطعوا الجبال وجابوا الصخور ونقبوا في ~~البلاد مؤيدين ببطش شديد وأجسام كالعماد فما لبثت الايام والليالى أن طوت ~~مددهم وعفت آثارهم وأخوت منازلهم وأنست ذكرهم ms110 فما تحس منهم من أحد ولا تسمع ~~لهم ركزا كانوا يلهون آمنين لبيات قوم غافلين أو لصباح قوم نادمين ثم أنكم ~~قد علمتم الذى نزل بساحتهم بياتا من عقوبة الله فأصبح كثير منهم في دارهم ~~جاثمين واصبح الباقون ينظرون في آثارهم نقمة وزوال نعمة ومساكن خاويه فيها ~~آية للذين يخافون العذاب الاليم وعبرة لمن يخشى وأصبحتم من بعدهم في أجل ~~منقوص ودنيا مقبوضه وزمان قد ولى عفوه وذهب رخاؤه فلم يبق منه الا حماة شر ~~وصبابة كدر وأهاويل عبر وعقوبات غير وارسال فتن وتتابع زلازل ورذلة خلف بهم ~~ظهر الفساد في البر والبحر ولا تكونوا أشباها لمن خدعه الامل وغره طول ~~الاجل وتبلغ بطول الامانى نسأل الله أن يجعلنا واياكم ممن وعى انذاره وعقل ~~بشره فمهد لنفسه # وكان يقال الشكر ترك المعصيه وقال ابن المبارك قال سفيان ليس بفقيه فمن ~~لم يعد البلاء نعمه والرخاء مصيبه وكان مروان بن الحكم اذا ذكر الاسلام قال ~~بنعمة ربى وصلت اليه لا بما قدمت يدى ولا بإرادتى انى كنت خاطئا # وكم من مدخل لو مت فيه ... لكنت فيه نكالا في العشيرة # وقيت السوء والمكروه فيه ... وظفرت بنعمة منه كبيرة # PageV01P133 # وكم من نعمة لله تمسى ... وتصبح في العيان وفي السريرة # ودعى عثمان بن عفان رضى الله عنه إلى قوم على ريبة فانطلق ليأخذهم ~~فتفرقوا قبل أن يبلغهم فأعتق رقبة شكرا لله أن لا يكون جرى على يديه خزى ~~مسلم قال يزيد بن هرون أخبرنا أصبغ بن يزيد أن نوحا عليه السلام كان اذا ~~خرج من الخلاء قال الحمد لله الذى أذاقنى لذته وأبقى منفته في جسدى وأذهب ~~عنى أذاه فسمى عبدا شكورا وقال ابن أبى الدنيا حدثنى العباس بن جعفر عن ~~الحارث بن شبل قال حدثتنا أم النعمان أن عائشة حدثتها عن النبي أنه لم يقم ~~عن خلاء قط الا قاله وقال رجل لأبى حازم ما شكر العينين يا أبا حازم قال ان ~~رأيت بهما خيرا أعلنته وان رأيت بهما شرا سترته قال فما ms111 شكر الاذنين قال ان ~~سمعت بهما خيرا وعيته وان سمعت بهما شرا دفعته قال فما شكر اليدين قال لا ~~تأخذ بهما ما ليس لهما ولا تمنع حقا لله هو فيهما قال فما شكر البطن قال أن ~~يكون أسفله طعاما وأعلاه علما قال فما شكر الفرج قال قال الله {والذين هم ~~لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ~~ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} قال فما شكر الرجلين قال ان علمت ميتا ~~تغبطه استعملت بهما عمله وان مقته رغبت عن عمله وأنت شاكر لله # وأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ ~~بطرفه ولم يلبسه فما ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر # وذكر عبد الله بن المبارك أن النجاشى أرسل ذات يوم إلى جعفر وأصحابه ~~فدخلوا عليه وهو في بيت عليه خلقان جالس على التراب قال جعفر فأشفقنا منه ~~حين رأيناه على تلك الحال فلما رأى ما في وجوهنا قال انى أبشركم بما يسركم ~~انه جاءنى من نحو أرضكم عين لى فأخبرنى أن الله قد نصر نبيه وأهلك عدوه ~~وأسر فلان وفلان وقتل فلان وفلان التقوا بواد يقال له بدر كثير الاراك كأنى ~~أنظر اليه كنت أرعى به لسيدى رجل من # PageV01P134 # بنى ضمرة فقال له جعفر ما بالك جالسا على التراب ليس تحتك بساط وعليك هذه ~~الاخلاق قال انا نجد فيما أنزل الله على عيسى عليه السلام ان حقا على عباد ~~الله أن يحدثوا لله تواضعا عندما أحدث الله لهم من نعمه فلما أحدث الله لى ~~نصر نبيه أحدثت لله هذا التواضع # وقال حبيب بن عبيد ما ابتلى الله عبدا ببلاء إلا كان له عليه فيه نعمة ~~ألا يكون أشد منه وقال عبد الملك بن اسحاق ما من الناس إلا مبتلى بعافية ~~لينظر كيف شكره أو بلية لينظر كيف صبره # وقال سفيان الثورى لقد أنعم الله على عبد في حاجة أكثر من تضرعه اليه ~~فيها وكان رسول الله ms112 اذا جاءه أمر يسره خر لله ساجدا شكرا له عزوجل ذكره ~~أحمد وقال عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه: "خرج علينا النبي فتوجه نحو ~~صدقته فدخل فاستقبل القبلة فخر ساجدا فأطال السجود فقلت يا رسول الله سجدت ~~سجدة حسبت أن يكون الله قد قبض نفسك فيها فقال ان جبريل أتانى فبشرنى أن ~~الله عز وجل يقول لك من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه فسجدت ~~لله شكرا" ذكره أحمد # وعن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال خرجنا مع النبي من مكة نريد ~~المدينة فلما كنا قريبا من عزور نزل ثم رفع يديه ودعا الله ساعة ثم خر ~~ساجدا فمكث طويلا ثم قام فرفع يديه ساعة ثم خر ساجدا فعله ثلاثا وقال انى ~~سألت ربى وشفعت لأمتى فأعطانى ثلث أمتى فخررت ساجدا شكرا لربى ثم رفعت رأسى ~~فسألت ربى لأمتى فأعطانى ثلث أمتى فخررت ساجدا لربى ثم رفعت رأسى فسألت ربى ~~ربى فأعطانى الثلث الآخر فخررت ساجدا لربى رواه أبو داود # وذكر محمد بن اسحاق في كتاب الفتوح قال لما جاء المبشر يوم بدر بقتل أبى ~~جهل استحلفه رسول الله ثلاثة أيمان بالله الذى لا اله الا هو لقد رأيته ~~قتيلا فحلف له فخر رسول الله ساجدا. # PageV01P135 # وذكر سعيد بن منصور أن ابى بكر الصديق رضى الله عنه سجد حين جاءه قتل ~~مسيلمة وذكر أحمد أن عليا رضى الله عنه سجد حين وجد ذا الثدية في الخوارج ~~وسجد كعب بن مالك في عهد النبي لما بشر بتوبة الله عليه والقصة في الصحيحين # فإن قيل فنعم الله دائما مستمرة على العبد فما الذى اقتضى تخصيص النعمة ~~الحادثة بالشكر دون الدائمة وقد تكون المستدامة أعظم قيل الجواب من وجوه ~~أحدها أن النعمة المتجددة تذكر بالمستدامة والانسان موكل بالأدنى # الثاني أن هذه النعمة المتجددة تستدعي عبودية مجددة وكان أسهلها على ~~الانسان وأحبها إلى الله السجود شكرا له # الثالث أن المتجددة لها وقع في النفوس والقلوب بها أعلق ولهذا ms113 يهنى بها ~~ويعزى بفقدها # الرابع أن حدوث النعم توجب فرح النفس وانبساطها وكثيرا ما يجر ذلك إلى ~~الأشر والبطر والسجود ذل لله وعبودية وخضوع فإذا تلقى به نعمته لسروره وفرح ~~النفس وانبساطها فكان جديرا بدوام تلك النعمة وإذا تلقاها بالفرح الذى لا ~~يحبه الله والاشر والبطر كما يفعله الجهال عندما يحدث الله لهم من النعم ~~كانت سريعة الزوال وشيكة الانتقال وانقلبت نقمة وعادت استدراجا وقد تقدم ~~أمر النجاشى فان الله اذا احدث لعبده نعمة أحب أن يحدث لها تواضعا وقال ~~العلاء بن المغيرة بشرت الحسن بموت الحجاج وهو مختف فخر لله ساجدا # فصل ومن دقيق نعم الله على العبد التى لا يكاد يفطن لها انه يغلق عليه ~~بابه فيرسل الله اليه من يطرق عليه الباب يسأله شيئا من القوت ليعرفه نعمته ~~عليه وقال سلام بن أبى مطيع دخلت على مريض أعوده فاذا هو يئن # PageV01P136 # فقلت له أذكر المطروحين على الطريق أذكر الذين لا مأوى لهم ولا لهم من ~~يخدمهم قال ثم دخلت عليه بعد ذلك فسمعته يقول لنفسه أذكرى المطروحين في ~~الطريق اذكرى من لا مأوى له ولا له من يخدمه # وقال عبد الله بن أبى نوح قال لى رجل على بعض السواحل كم عاملته تبارك ~~اسمه بما يكره فعاملك بما تحب قلت ما أحصى ذلك كثرة قال فهل قصدت اليه في ~~أمر كربك فخذلك قلت لا والله ولكنه أحسن إلى وأعاننى قال فهل سألته شيئا ~~فلم يعطكه قلت وهل منعنى شيئا سألته ما سألته شيئا قط الا أعطانى ولا ~~استعنت به الا أعاننى قال أرأيت لو أن بعض بنى آدم فعل بك بعض هذه الخلال ~~ما كان جزاؤه عندك قلت ما كنت أقدر له مكافأة ولا جزاء قال فربك أحق وأحرى ~~أن تدأب نفسك له في أداء شكره وهو المحسن قديما وحديثا اليك والله لشكره ~~أيسر من مكافأة عباده انه تبارك وتعالى رضى من العباد بالحمد شكرا وقال ~~سفيان الثورى ما كان الله لينعم على عبد في الدنيا فيفضحه ms114 في الآخرة ويحق ~~على المنعم أن يتم النعمة على من أنعم عليه # وقال ابن أبى الحوارى قلت لأبى معاوية ما أعظم النعمة علينا في التوحيد ~~نسأل الله أن لا يسلبنا اياه قال يحق على المنعم أن يتم النعمة على من أنعم ~~عليه والله أكرم من أن ينعم بنعمة الا أتمها ويستعمل بعمل الا قبله وقال ~~ابن ابى الحوارى قالت لى امرأة أنا في بيتى قد شغل قلبى قلت وما هو قالت ~~أريد أن أعرف نعم الله على في طرفة عين أو أعرف تقصيرى عن شكر النعمة على ~~في طرفة عين قلت تريدين مالا تهتدى اليه عقولنا # وقال ابن زيد انه ليكون في المجلس الرجل الواحد يحمد الله عز وجل فيقضى ~~لذلك المجلس حوائجهم كلهم قال وفي بعض الكتب التى أنزلها الله تعالى أنه ~~قال: "سروا عبدى المؤمن فكان لا يأتيه شئ الا قال الحمد لله ما شاء الله ~~قال روعوا عبدى المؤمن فكان لا يطلع عليه طليعة # PageV01P137 # من طلائع المكروه الا قال الحمد لله الحمد لله فقال الله تبارك وتعالى ان ~~عبدى يحمدنى حين روعته كما يحمدنى حين سررته أدخلوا عبدى دار عزى كما ~~يحمدنى على كل حالاته". # وقال وهب عبد الله عابد خمسين عاما فأوحى الله اليه انى قد غفرت لك قال ~~أى رب وما تغفر لى ولم أذنب فأذن الله لعرق في عنقه يضرب عليه فلم ينم ولم ~~يصل ثم سكن فنام ثم أتاه ملك فشكا اليه فقال ما لقيت من ضربان العرق فقال ~~الملك ان ربك يقول ان عبادتك خمسين سنة تعدل سكون العرق # وذكر ابن أبى الدنيا ان داود قال يارب أخبرنى ما أدنى نعمك على فأوحى ~~الله اليه يا داود تنفس فتنفس قال هذا أدنى نعمى عليك # فصل: وبهذا يتبين معنى الحديث الذى رواه أبو داود من حديث زيد ابن ثابت ~~وابن عباس "ان الله لو عذب اهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو عير ظالم لهم ~~ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم" والحديث ms115 الذى في الصحيح "لن ~~ينجى أحدا منكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا الا أن ~~يتغمدنى الله برحمة منه وفضل فإن اعمال العبد لا توافي نعمة من نعم الله ~~عليه". # أما قول بعض الفقهاء ان من حلف أن يحمد الله بأفضل أنواع الحمد كان بر ~~يمينه أن يقول الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده فهذا ليس بحديث عن ~~رسول الله ولا عن أحد من الصحابة وانما هو اسرائيلى عن آدم وأصح منه الحمد ~~لله غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا ولا يمكن حمد العبد وشكره أن ~~يوافي نعمة من نعم الله فضلا عن موافاته جميع نعمه ولا يكون فعل العبد ~~وحمده مكافئا للمزيد ولكن يحمل على وجه يصح وهو أن الذى يستحقه الله سبحانه ~~من الحمد حمدا يكون موافيا لنعمه ومكافئا لمزيده وان لم يقدر العبد أن يأتى ~~به كما اذا قال الحمد لله ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما ~~شئت من شئ # PageV01P138 # بعد وعدد الرمال والتراب والحصى والقطر وعدد أنفاس الخلائق وعدد ما خلق ~~الله وما هو خالق فهذا اخبار عما يستحقه من الحمد لا عما يقع من العبد من ~~الحمد # فصل وقال أبو المليح قال موسى يا رب ما أفضل الشكر قال أن تشكرنى على كل ~~حال وقال بكر بن عبد الله قلت لأخ لى أوصنى فقال ما أدرى ما أقول غير أنه ~~ينبغى لهذا العبد أن لا يفتر من الحمد والاستغفار فان ابن آدم بين نعمة ~~وذنب ولا تصلح النعمة الا بالحمد والشكر ولا يصلح الذنب الا بالتوبة ~~والاستغفار فأوسعنى علما ما شئت # وقال عبد العزيز بن ابى داود رأيت في يد محمد بن واسع قرحة فكأنه رأى ما ~~شق على منها فقال لى أتدرى ماذا لله على في هذه القرحة من نعمة حين لم ~~يجعلها في حدقتى ولا طرف لسانى ولا على طرف ذكرتى فهانت على قرحته # وروى الجريرى عن أبى الورد عن الحلاج عن معاذ ms116 بن جبل رضى الله عنه أن ~~رسول الله أتى على رجل وهو يقول: " اللهم انى أسألك تمام النعمة فقال ابن ~~آدم هل تدرى ما تمام النعمة قال يارسول الله دعوت دعوة أرجو بها الخير فقال ~~ان تمام النعمة فوز من النار ودخول في الجنة". # وقال سهم بن سلمة حدثت أن الرجل اذا ذكر اسم الله على أول طعامه وحمده ~~على آخره لم يسأل عن نعيم ذلك الطعام # فصل: ويدل على فضل الشكر على الصبر أن الله سبحانه يحب أن يسأل العافية ~~وما يسأل شيئا أحب اليه من العافية كما في المسند عن ابى صالح عن أبى هريرة ~~رضى الله عنه قال قام أبو بكر رضى الله عنه على المنبر ثم قال: "سلوا الله ~~العافية فإنه لم يعط عبدا بعد اليقين خيرا من العافية". # وفي حديث آخر إن الناس لم يعطوا في هذه الدنيا شيئا أفضل من # PageV01P139 # العفو والعافية فسلوهما الله عز وجل وقال لعمه العباس يا عم أكثر من ~~الدعاء بالعافية وفي الترمذى قلت يا رسول الله علمنى شيئا أسأله الله قال ~~سل الله العافية فمكثت أياما ثم جئت فقلت علمنى شيئا أسأله الله فقال لى يا ~~عباس يا عم رسول الله سل الله العافية في الدنيا والآخرة وقال في دعائه يوم ~~الطائف ان لم يكن بك على غضب فلا أبالى غير أن عافيتك أوسع لى فلاذ بعافيته ~~كما استعاذ بها في قوله أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ ~~بك منك # وفي حديث آخر "سلوا الله العفو والعافية والمعافاة" وهذا السؤال يتضمن ~~العفو عما مضى والعافية في الحال والمعافاة في المستقبل بدوام العافية ~~واستمرارها وكان عبد الأعلى التيمى يقول أكثروا من سؤال الله العافية فإن ~~المبتلى وان اشتد بلاؤه ليس بأحق بالدعاء من المعافي الذى لا يأمن البلاء ~~وما المبتلون اليوم إلا من أهل العافية بالأمس وما المبتلون بعد اليوم إلا ~~من أهل العافية اليوم ولو كان البلاء يجر إلى خير ما كنا من رجال البلاء ~~انه ms117 رب بلاء قد أجهد في الدنيا وأخزى في الاخرة فما يؤمن من أطال المقام ~~على معصية الله أن يكون قد بقى له في بقية عمره من البلاء ما يجهده في ~~الدنيا ويفضحه في الاخرة ثم يقول بعد ذلك الحمد لله الذى إن نعد نعمه لا ~~نحصيها وإن ندأب له عملا لا نجزيها وإن نعمر فيها لا نيليها ومر رسول الله ~~برجل يسأل الله الصبر فقال لقد سألت البلاء فاسأل العافية وفي صحيح مسلم ~~أنه عاد رجلا قد هفت أى هزل فصار مثل الفرخ فقال هل كنت تدعو الله بشئ أو ~~تسأله اياه قال نعم كنت أقول اللهم ما كنت معاقبنى به في الاخرة فعجله لى ~~في الدنيا فقال رسول الله سبحانه لا تطيقه ولا تستطيعه أفلا قلت اللهم ربنا ~~آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار فدعا الله له فشفاه ~~وفي الترمذى من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال دعاء حفظته من رسول الله ~~لا أدعه: "اللهم اجعلنى أعظم شكرك وأكثر ذكرك وأتبع نصيحتك وأحفظ وصيتك". # PageV01P140 # وقال شيبان كان الحسن اذا جلس مجلسا يقول لك الحمد بالاسلام ولك الحمد ~~بالقرآن ولك الحمد بالأهل والمال بسطت رزقنا وأظهرت أمننا وأحسنت معافاتنا ~~ومن كل ما سألناك أعطيتنا فلك الحمد كثيرا كما تنعم كثيرا أعطيت خيرا كثيرا ~~وصرفت شرا كثيرا فلوجهك الجليل الباقى الدايم الحمد وكان بعض السلف يقول ~~اللهم ما أصبح بنا من نعمة أو عافية أو كرامة في دين أو دنيا جرت علينا ~~فيما مضى وهى جارية علينا فيما بقى فانها منك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ~~بذلك علينا ولك المن ولك الفضل ولك الحمد عدد ما أنعمت به علينا وعلى جميع ~~خلقك لا اله الا أنت # وقال مجاهد اذا كان ابن عمر في سفر فطلع الفجر رفع صوته ونادى سمع سامع ~~بحمد الله ونعمه وحسن بلائه علينا ثلاثا اللهم صاحبنا فأفضل علينا عائذ ~~بالله من النار ولا حول ولا قوة الا بالله ثلاثا # وذكر الامام ms118 أحمد أن الله سبحانه أوحى إلى موسى بن عمران عليه السلام يا ~~موسى كن يقظان مرتادا لنفسك أخدانا وكل خدن لا يواتيك على مسرتى فلا تصحبه ~~فإنه عدو لك وهو يقسى قلبك وأكثر من ذكرى حتى تستوجب الشكر وتستكمل المزيد ~~وقال الحسن خلق الله آدم حين خلقه فأخرج أهل الجنة من صفحته اليمنى وأخرج ~~أهل النار من صفحته اليسرى فدبوا على وجه الارض منهم الاعمى والاصم ~~والمبتلى فقال آدم يا رب ألا سويت بين ولدى قال يا آدم انى أريد أن أشكر # وفي السنن عنه من قال حين يصبح: "اللهم ما أصبح بى من نعمة أو بأحد من ~~خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر الا أدى شكر ذلك اليوم ومن ~~قال ذلك حين يمسى فقد أدى شكر ليلته" ويذكر عن النبي من ابتلى فصبر وأعطى ~~فشكر وظلم فغفر وظلم فاستغفر أولئك لهم الامن وهم مهتدون ويذكر عنه أنه ~~أوصى رجلا بثلاث فقال أكثر من ذكر الموت يشغلك عما سواه وعليك بالدعاء # PageV01P141 # فإنك لا تدرى متى يستجاب لك وعليك بالشكر فإن الشكر زيادة # ويذكر عنه أنه كان إذا أكل قال: "الحمد لله الذى أطعمنى وسقانى وهدانى ~~وكل بلاء حسن أبلانى الحمد لله الرازق ذى القوة المتين اللهم لا تنزع منا ~~صالحا أعطيتنا ولا صالحا رزقتنا واجعلنا لك من الشاكرين" # ويذكر عنه أنه إذا أكل قال: "الحمد لله الذى أطعم وسقى وسوغه وجعل له ~~مخرجا" وكان عروة بن الزبير إذا أتى بطعام لم يزل مخمرا حتى يقول هذه ~~الكلمات: "الحمد لله الذى هدانا وأطعمنا وسقانا ونعمنا الله أكبر اللهم ~~ألفتنا نعمتك ونحن بكل شر فأصبحنا وأمسينا بخير نسألك تمامها وشكرها لا خير ~~إلا خيرك ولا إله غيرك اله الصالحين ورب العالمين الحمد لله لا اله الا ~~الله ما شاء الله لا قوة الا بالله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب ~~النار". # وقال وهب بن منبه رءوس النعم ثلاثة فأولها نعمة الاسلام التى لا تتم نعمه ~~الا بها ms119 والثانية نعمة العافية التى لا تطيب الحياة الا بها والثالثة نعمة ~~الغنى التى لا يتم العيش الا به # وقدم سعيد الجريرى من الحج فجعل يقول: "أنعم الله علينا في سفرنا بكذا ~~وكذا ثم قال تعداد النعم من الشكر" ومر وهب بمبتلى أعمى مجذوم مقعد عريان ~~به وضح وهو يقول "الحمد لله على نعمه فقال رجل كان مع وهب أى شئ بقى عليك ~~من النعمة تحمد الله عليها فقال له المبتلى ارم ببصرك إلى أهل المدينة ~~فانظر إلى كثرة أهلها أفلا أحمد الله أنه ليس فيها أحد يعرفه غيرى". # ويذكر عن النبي أنه قال: "اذا أنعم الله على عبد نعمة فحمده عندها فقد ~~أدى شكرها" وذكر على بن أبى طالب رضى الله عنه أن بختنصر أتى بدانيال فأمر ~~به فحبس في جب وأضرى أسدين ثم خلى بينهما # PageV01P142 # وبينه ثم فتح عليه بعد خمسة أيام فوجده قائما يصلى والأسدان في ناحية ~~الجب لم يعرضا له فقال له ما قلت حين دفع عليك قال قلت الحمد لله الذى لا ~~ينسى من ذكره والحمد الله الذى لا يخيب من رجاه والحمد لله الذى لا يكل من ~~توكل عليه إلى غيره والحمد لله الذى هو ثقتنا حين تنقطع عنا الحيل والحمد ~~لله الذى هو رجاؤنا حين يسوء ظننا بأعمالنا والحمد لله الذى يكشف عنا ضرنا ~~بعد كربتنا والحمد لله الذى يجزى بالاحسان احسانا والحمد لله الذى يجزى ~~بالصبر نجاة # ويذكر عنه انه كان اذا نظر في المرآة قال: "الحمد لله الذى أحسن خلقى ~~وخلقى وزان منى ما شان من غيرى" # وقال ابن سيرين: "كان ابن عمر يكثر النظر في المرآة وتكون معه في الاسفار ~~فقلت له ولم قال أنظر فما كان في وجهى زين فهو في وجه غيرى شين أحمد الله ~~عليه" وسئل أبو بكر بن أبى مريم ما تمام النعمة قال أن تضع رجلا على الصراط ~~ورجلا في الجنة وقال بكر بن عبد الله يا ابن آدم ان أردت أن تعرف قدر ما ~~أنعم ms120 الله عليك فغمض عينيك # وقال مقاتل في قوله واسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة} قال أما الظاهرة ~~فالاسلام وأما الباطنة فستره عليكم بالمعاصى # وقال ابن شوذب قال عبد الله يعنى ابن مسعود رضى الله عنه ان لله على أهل ~~النار منة لو شاء أن يعذبهم بأشد من النار لعذبهم # وقال أبو سليمان الدارانى جلساء الرحمن يوم القيامة من جعل فيه خصالا ~~الكرم والسخاء والحلم والرأفة والرحمة والشكر والبر والصبر وقال أبو هريرة ~~رضى الله عنه من رأى صاحب بلاء فقال الحمد لله الذى عافانى مما ابتلاك به ~~وفضلنى عليك وعلى جميع خلقه تفضيلا فقد أدى شكر تلك النعمة وقال عبد الله ~~بن وهب سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول الشكر يأخذ بجذم الحمد وأصله وفرعه قال ~~ينظر في نعم الله في بدنه # PageV01P143 # وسمعه وبصره ويديه ورجليه وغير ذلك ليس من هذا شئ الا فيه نعمه من الله ~~حق على العبد أن يعمل في النعمة التى هى في بدنه لله في طاعته ونعمة أخرى ~~في الرزق وحق عليه أن يعمل لله فيما أنعم عليه به من الرزق بطاعته فمن عمل ~~بهذا كان قد أخذ يجذم الشكر وأصله وفرعه # وقال كعب: "ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله وتواضع ~~بها لله الا أعطاه الله نفعها في الدنيا ورفع له بها درجة في الاخرى وما ~~أنعم الله على عبد نعمة في الدنيا فلم يشكرها لله ولم يتواضع بها الا منعه ~~الله نفعها في الدنيا وفتح له طبقات من النار يعذبه ان شاء أو يتجاوز عنه". # وقال الحسن من لا يرى لله عليه نعمة الا في مطعم أو مشرب أو لباس فقد قصر ~~علمه وحضر عذابه وقال الحسن يوما لبكر المزنى هات يا أبا عبد الله دعوات ~~لإخوانك فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ثم قال والله ما أدرى أى ~~النعمتين أفضل على وعليكم أنعمة المسلك أم نعمة المخرج اذا أخرجه منا قال ~~الحسن انها لمن نعمة الطعام # وقالت عائشة ms121 رضى الله عنها ما من عبد يشرب الماء القراح فيدخل بغير أذى ~~ويخرج الاذى الا وجب عليه الشكر قال الحسن يالها من نعمة تدخل كل لذة وتخرج ~~مسرخا لقد كان ملك من ملوك هذه القرية يرى الغلام من غلمانه يأتى الحب ~~فيكتال منه ثم يجرجر قائما فيقول يا ليتنى مثلك ما يشرب حتى يقطع عنه العطش ~~فإذا شرب كان له في تلك الشربة موتات يا لها من نعمة # وكتب بعض العلماء إلى أخ له أما بعد فقد أصبح بنا من نعم الله مالا نحصيه ~~مع كثرة ما نعصيه فما يدرى أيهما نشكر أجميل ما يسر أم قبيح ما ستر وقيل ~~للحسن ها هنا رجل لا يجالس الناس فجاء اليه فسأله عن ذلك فقال انى أمسى ~~وأصبح بين ذنب ونعمة فرأيت أن أشغل نفسى عن الناس بالاستغفار من الذنب ~~والشكر لله على النعمة فقال له الحسن أنت # PageV01P144 # عندى يا عبد الله أفقه من الحسن فالزم ما أنت عليه وقال ابن المبارك سمعت ~~عليا بن صالح يقول في قوله تعالى {لئن شكرتم لأزيدنكم} قال أى من طاعتى ~~والتحقيق أن الزيادة من النعم وطاعته من أجل نعمه وذكر أبن أبى الدنيا أن ~~محارب بن دثار كان يقوم بالليل ويرفع صوته أحيانا أنا الصغير الذى ربيته ~~فلك الحمد وأنا الضعيف الذى قويته فلك الحمد وأنا الفقير الذى أغنيته فلك ~~الحمد وأنا الصعلوك الذى مولته فلك الحمد وأنا العزب الذى زوجته فلك الحمد ~~وأنا الساغب الذى أشبعته فلك الحمد وأنا العارى الذى كسوته فلك الحمد وأنا ~~المسافر الذى صاحبته فلك الحمد وأنا الغائب الذى رددته فلك الحمد وأنا ~~الراجل الذى حملته فلك الحمد وأنا المريض الذى شفيته فلك الحمد وأنا السائل ~~الذى أعطيته فلك الحمد وأنا الداعى الذى أجبته فلك الحمد ربنا ولك الحمد ~~حمدا كثيرا # وكان بعض الخطباء يقول في خطبته اختط لك الأنف فأقامه وأتمه فأحسن تمامه ~~ثم أدار منك الحدقة فجعلها بجفون مطبقه وبأشفار معلقه ونقلك من طبقة إلى ~~طبقه وحنن عليك ms122 قلب الوالدين برقة ومقة فنعمه عليك مورقة وأياديه بك محدقة # وكان بعض العلماء يقول في قوله تعالى {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها} ~~سبحان من لم يجعل لحد معرفة نعمه الا العلم بالتقصير عن معرفتها كما لم ~~يجعل لحد ادراكه أكثر من العلم أنه لا يدرك فجعل معرفة نعمه بالتقصير عن ~~معرفتها شكرا كما شكر علم العالمين انهم لا يدركونه فجعله ايمانا علما منه ~~أن العباد لا يتجاوزون ذلك # وقال عبد الله بن المبارك أخبرنا مثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده قال سمعت رسول الله يقول خصلتان من كانتا فيه كتبه الله صابرا شاكرا ~~ومن لم يكونا فيه لم يكتبه الله صابرا شاكرا من نظر في دينه إلى من هو فوقه ~~فاقتدى به ومن نظر في دنياه إلى من هو دونه # PageV01P145 # فحمد الله على ما فضله به عليه كتبه الله صابرا شاكرا ومن نظر في دينه ~~إلى من هو دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منه لم ~~يكتبه الله صابرا شاكرا وبهذا الإسناد عن عبد الله ابن عمرو موقوفا عليه ~~أربع خصال من كن فيه بنى الله له بيتا في الجنة من كان عصمة أمره لا اله ~~الا الله واذا أصابته مصيبه قال انا لله وانا اليه راجعون واذا أعطى شيئا ~~قال الحمد لله واذا أذنب قال استغفر الله # وقال ابن المبارك عن شبل عن أبى نجيح عن مجاهد في قوله تعالى {إنه كان ~~عبدا شكورا} قال لم يأكل شيئا إلا حمد الله عليه ولم يشرب شرابا قط الا حمد ~~الله عليه ولم يبطش بشيء قط الا حمد الله عليه فأثنى الله عليه انه كان ~~عبدا شكورا وقال محمد بن كعب كان نوح إذا أكل قال الحمد لله وإذا شرب قال ~~الحمد لله وإذا لبس قال الحمد لله وإذا ركب قال الحمد لله فسماه الله عبدا ~~شكورا وقال ابن أبى الدنيا بلغنى عن بعض الحكماء قال لو لم يعذب ms123 الله على ~~معصيته لكان ينبغى أن لا يعصى لشكر نعمته # فصل: "ولله تبارك وتعالى على عبده نوعان من الحقوق لا ينفك عنهما أحدهما ~~أمره ونهيه اللذين هما محض حقه عليه والثانى شكر نعمه التى أنعم بها عليه ~~فهو سبحانه يطالبه بشكر نعمه وبالقيام بأمره فمشهد الواجب عليه لا يزال ~~يشهده تقصيره وتفريطه وأنه محتاج الى عفو الله ومغفرته فإن لم يداركه بذلك ~~هلك وكلما كان أفقه في دين الله كان شهوده للواجب عليه أتم وشهوده لتقصيره ~~أعظم وليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة بل بالقيام مع ذلك بالأوامر ~~المحبوبة لله واكثر الديانين لا يعبأون منها الا بما شاركهم فيه عموم الناس # وأما الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والنصيحه لله ورسوله ~~وعباده ونصرة الله ورسوله ودينه وكتابه فهذه الواجبات لا تخطر ببالهم فضلا ~~عن أن يريدوا فعلها وفضلا عن أن يفعلوها وأقل الناس دينا # PageV01P146 # وأمقتهم الى الله من ترك هذه الواجبات وان زهد فى الدنيا جميعها وقل أن ~~ترى منهم من يحمر وجهه ويمعره لله ويغضب لحرماته ويبذل عرضه فى نصرة دينه ~~وأصحاب الكبائر أحسن حالا عند الله من هؤلاء وقد ذكر أبو عمر وغيره أن الله ~~تعالى أمر ملكا من الملائكة أن يخسف بقريه فقال يا رب ان فيهم فلانا العابد ~~الزاهد قال به فابدأ وأسمعنى صوته انه لم يتمعر وجهه فى يوم قط # فصل: وأما شهود النعمه فإنه لا يدع له رؤية حسنة من حسناته أصلا ولو عمل ~~أعمال الثقلين فإن نعم الله سبحانه أكثر من أعماله وأدنى نعمه من نعمه ~~تستنفذ عمله فينبغى للعبد ألا يزال ينظر فى حق الله عليه # قال الامام أحمد حدثنا حجاج حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال بلغنى أن نبى ~~الله موسى عليه السلام مر برجل يدعو ويتضرع فقال يا رب ارحمه فإنى قد رحمته ~~فأوحى الله اليه لو دعانى حتى تنقطع قواه ما استجبت له حتى ينظر فى حقى ~~عليه # فمشاهدة العبد النعمه والواجب لا تدع له حسنة يراها ولا ms124 يزال مزريا على ~~نفسه ذاما لها وما اقربه من الرحمه اذا أعطى هذين المشهدين حقهما والله ~~المستعان # PageV01P147 ### | الباب الحادى والعشرون: فى الحكم بين الفريقين والفصل بين الطائفتين # فنقول كل أمرين طلبت الموازنة بينهما ومعرفة الراجح منهما على المرجوح ~~فإن ذلك لا يمكن إلا بعد معرفة كل منهما وقد ذكرنا حقيقة الصبر وأقسامه ~~وأنواعه ونذكر حقيقة الشكر وماهيته # قال فى الصحاح الشكر الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف # PageV01P147 # يقال شكرته وشكرت له واللام أفصح وقوله تعالى {لا نريد منكم جزاء ولا ~~شكورا} يحتمل أن يكون مصدرا كالقعود وأن يكون جميعا كالبرود والكفور ~~والشكران خلاف الكفران وتشكرت له مثل شكرت له والشكور من الدواب ما يكفيه ~~العلف القليل واشتكرت السماء اشتد وقع مطرها واشتكر الضرع امتلأ لبنا تقول ~~منه شكرت الناقة بالكسر تشكر شكرا فهى شكرة وشكرت الشجرة تشكر شكرا إذا خرج ~~منها الشكير وهو ما ينبت حول الشجرة من أصلها # فتأمل هذا الاشتقاق وطابق بينه وبين الشكر المأمور به وبين الشكر الذى هو ~~جزاء الرب الشكور كيف نجد فى الجميع معنى الزيادة والنماء ويقال أيضا دابة ~~شكور اذا أظهرت من السمن فوق ما تعطى من العلف # وشكر العبد يدور على ثلاثة أركان لا يكون شكورا الا بمجموعها أحدها ~~اعترافه بنعمة الله عليه والثانى الثناء عليه بها والثالث الاستعانة بها ~~على مرضاته # وأما قول الناس فى الشكر فقالت طائفة هو الاعتراف بنعمه المنعم على وجه ~~الخضوع وقيل الشكر هو الثناء على المحسن بذكر احسانه اليه فشكر العبد ثناؤه ~~عليه بذكر احسانه اليه وقيل شكر النعمة مشاهدة المنة وحفظ الحرمة والقيام ~~بالحدمة وقيل شكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيليا وقيل الشكر معرفه العجز ~~عن الشكر ويقال الشكر على الشكر أتم من الشكر وذلك أن ترى شكرك بتوفيقه ~~وذلك التوفيق من أجل النعم عليك تشكر على الشكر ثم تشكره على الشكر الا ترى ~~نفسك للنعمه أهلا وقيل الشكر استفراغ الطاقه فى الطاعه وقيل الشاكر الذى ~~يشكر على الموجود والشكور الذى يشكر على ms125 المفقود وقيل الشاكر الذى يشكر على ~~الرفد والشكور الذى يشكر على الرد وقيل الشاكر الذى # PageV01P148 # يشكر على النفع والشكور الذى يشكر على المنع وقيل الشاكر الذى يشكر على ~~العطاء والشكور الذى يشكر على البلاء # وقال الجنيد كنت بين يدى السرى ألعب وأنا ابن سبع سنين وبيننا جماعة ~~يتكلمون فى الشكر فقال لى ياغلام ما الشكر فقلت ألا تعصى الله بنعمه فقال ~~يوشك أن يكون حظك من الله لسانك فلا أزال أبكى على هذه الكلمة التى قالها ~~السرى وقال الشبلى الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعم وهذا ليس بجيد بل من ~~تمام الشكر أن تشهد النعمة من المنعم وقيل الشكر قيد الموجود وصيد المفقود ~~وقال أبو عثمان شكر العامة على المطعم والملبس وشكر الخواص على ما يرد على ~~قلوبهم من المعانى # وحبس السلطان رجلا فأرسل اليه صاحبه أشكر الله فضرب فارسل اليه أشكر الله ~~فجيء بمحبوس مجوسى مبطون فقيد وجعل حلقة من قيده فى رجله وحلقة فى الرجل ~~المذكور فكان المجوسى يقوم بالليل مرات فيحتاج الرجل أن يقف على راسه حتى ~~يفرغ فكتب اليه صاحبه أشكر الله فقال له الى متى تقول أشكر الله وأى بلاء ~~فوق هذا فقال ولو وضع الزنار الذى فى وسطه فى وسطك كما وضع القيد الذى فى ~~رجله فى رجلك ماذا كنت تصنع فاشكر الله ودخل رجل على سهل ابن عبد الله فقال ~~اللص دخل داري وأخذ متاعى فقال أشكر الله فلو دخل اللص قلبك وهو الشيطان ~~وافسد عليك التوحيد ماذا كنت تصنع؟. # وقيل الشكر التلذذ بثنائه على ما لم يستوجبه من عطائه وقيل اذا قصرت يدك ~~عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر وقيل اربعة لا ثمرة لهم مشاورة الاصم ووضع ~~النعمة عند من لا يشكرها والبذر فى السباح والسراج فى الشمس # والشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح فالقلب للمعرفة والمحبة # PageV01P149 # واللسان للثناء والحمد والجوارح لاستعمالها فى طاعة المشكور وكفها عن ~~معاصيه وقال الشاعر # أفادتكم النعماء منى ثلاثة ... يدى ولسانى والضمير المحجبا # والشكر أخص بالافعال والحمد أخص بالاقوال ms126 وسبب الحمد أعم من سبب الشكر ~~ومتعلق الشكر وما به الشكر أعم مما به الحمد فما يحمد الرب تعالى عليه أعم ~~مما يشكر عليه فانه يحمد على أسمائه وصفاته وأفعاله ونعمه ويشكر على نعمه ~~وما يحمد به أخص مما يشكر به فانه يشكر بالقلب واللسان والجوارح ويحمد ~~بالقلب واللسان # فصل: اذا عرف هذا فكل من الصبر والشكر داخل فى حقيقة الآخر لا يمكن وجوده ~~الا به وانما يعبر عن أحدهما باسمه الخاص به باعتبار الاغلب عليه والاظهر ~~منه والا فحقيقة الشكر انما يلتئم من الصبر والارادة والفعل فان الشكر هو ~~العمل بطاعة الله وترك معصيته والصبر أصل ذلك فالصبر على الطاعة وعن ~~المعصية هو عين الشكر واذا كان الصبر مأمورا به فأداؤه هو الشكر # فان قيل فهذا يفهم منه اتحاد الصبر والشكر وانهما اسمان لمسمى واحد وهذا ~~محال عقلا ولغة وعرفا وقد فرق الله سبحانه بينهما # قيل بل هما معنيان متغايران وانما بينا تلازمهما وافتقار كل واحد منهما ~~فى وجود ماهيته الى الآخر ومتى تجرد الشكر عن الصبر بطل كونه شكرا واذا ~~تجرد الشكر عن الصبر بطل كونه صبرا أما الاول فظاهر وأما الثانى اذا تجرد ~~عن الشكر كان كافورا ومنافاة الكفور للصبر أعظم من منافاة السخوط # فان قيل بل ها هنا قسم آخر وهو أن لا يكون كفورا ولا شكورا بل صابرا على ~~مضض وكراهة شديدة فلم يأت بحقيقة الشكر ولم يخرج عن ماهية الصبر # PageV01P150 # قيل: كلامنا فى الصبر المأمور به الذى هو طاعة لا فى الصبر الذى هو تجلد ~~كصبر البهائم وصبر الطاعة لا يأتي به إلا شاكر ولكن اندرج شكره في صبره ~~فكان الحكم للصبر كما اندرج صبر الشكور فى شكره فكان الحكم للشكر فمقامات ~~الايمان لا تعدم بالتنقل فيها بل تندرج وينطوى الادنى فى الاعلى كما يندرج ~~الايمان فى الاحسان وكما يندرج الصبر فى مقامات الرضا لا أن الصبر يزول ~~ويندرج الرضا فى التفويض ويندرج الخوف والرجاء فى الحب لا أنهما يزولان ~~فالمقدور الواحد يتعلق به ms127 الشكر والصبر سواء كان محبوبا أو مكروها فالفقر ~~مثلا يتعلق به الصبر وهو أخص به لما فيه من الكراهة ويتعلق به الشكر لما ~~فيه من النعمة فمن غلب شهود نعمته وتلذذ به واستراح واطمأن اليه عده نعمة ~~يشكر عليها ومن غلب شهود ما فيه من الابتلاء والضيق والحاجة عده بلية يصبر ~~عليها وعكسه الغنى # على أن الله سبحانه ابتلى العباد بالنعم كما ابتلاهم بالمصائب وعد ذلك ~~كله ابتلاء فقال {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} وقال {فأما الإنسان إذا ما ~~ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه ~~رزقه فيقول ربي أهانن} وقال إنا جعلنا ما على الارض زينا لها لنبلوهم أيهم ~~أحسن عملا وقال {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} وقال وهو ~~الذى خلق السموات والارض فى ستة ايام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا فاخبر سبحانه أنه خلق العالم العلوى والسفلى وقدر أجل الخلق وخلق ~~ما على الارض للابتلاء والاختبار وهذا الابتلاء انما هو ابتلاء صبر العباد ~~وشكرهم فى الخير والشر والسراء والضراء فالابتلاء من النعم من الغنى ~~والعافية والجاه والقدرة وتأتى الاسباب أعظم الابتلائين والصبر على طاعة ~~الله أشق الصبرين كما قال الصحابة رضى الله عنهم ابتلينا بالضراء فصبرنا ~~وابتلينا بالسراء فلم نصبر والنعمة بالفقر والمرض وقبض الدنيا وأسبابها ~~وأذى الخلق قد يكون # PageV01P151 # أعظم النعمتين وفرض الشكر عليها أوجب من الشكر على أضدادها فالرب تعالى ~~يبتلى بنعمه وينعم بابتلائه غير أن الصبر والشكر حالتان لازمتان للعبد فى ~~أمر الرب ونهيه وقضائه وقدره لا يستغنى عنهما طرفة عين والسؤال عن أيهما ~~أفضل كالسؤال عن الحس والحركة أيهما أفضل وعن الطعام والشراب أيهما أفضل ~~وعن خوف العبد ورجائه أيهما أفضل فالمأمور لا يؤدى الا بصبر وشكر والمحظور ~~لا يترك الا بصبر وشكر وأما المقدور الذى يقدر على العبد من المصائب فمتى ~~صبر عليه اندرج شكره فى صبره كما يندرج صبر الشاكر فى شكره # ومما يوضح هذا أن الله سبحانه امتحن العبد بنفسه ms128 وهواه وأوجب عليه ~~جهادهما فى الله فهو فى كل وقت فى مجاهدة نفسه حتى تأتى بالشكر المأمور به ~~ويصبر عن الهوى المنهى عن طاعته فلا ينفك العبد عنهما غنيا كان أو فقيرا ~~معافى أو مبتلى وهذه هى مسألة الغنى الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل ~~وللناس فيها ثلاثة أقوال وهى التى حكاها أبو الفرج ابن الجوزى وغيره فى ~~عموم الصبر والشكر أيهما أفضل وقد احتجت كل فرقة بحجج وأدلة على قولها # والتحقيق أن يقال أفضلهما أتقاهما لله تعالى فان فرض استوائهما فى التقوى ~~استويا فى الفضل فان الله سبحانه لم يفضل بالفقر والغنى كما لم يفضل ~~بالعافيه والبلاء وانما فضل بالتقوى كما قال تعالى {إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم} وقد قال لا فضل لعربى على عجمى ولا فضل لعجمى على عربى الا بالتقوى ~~الناس من آدم وآدم من تراب والتقوى مبنيه على أصلين الصبر والشكر وكل من ~~الغنى والفقير لا بد له منهما فمن كان صبره وشكره أتم كان أفضل # فان قيل فاذا كان صبر الفقير أتم وشكر الغنى أتم فأيهما أفضل؟. # قيل أتقاهما لله فى وظيفته ومقتضى حاله ولا يصح التفضيل بغير # PageV01P152 # هذا البته فان الغنى قد يكون أتقى لله فى شكره من الفقير فى صبره وقد ~~يكون الفقير أتقى لله فى صبره من الغنى فى شكره فلا يصح أن يقال هذا بغناه ~~أفضل ولا هذا بفقره أفضل ولا يصح أن يقال هذا بالشكر أفضل من هذا بالصبر ~~ولا بالعكس لأنهما مطيتان للايمان لا بد منهما بل الواجب أن يقال أقومهما ~~بالواجب والمندوب هو الافضل فان التفضيل تابع لهذين الأمرين كما قال تعالى ~~فى الاثر الالهى: "ما تقرب الى عبدى بمثل مداومة ما افترضت عليه ولا يزال ~~عبدى يتقرب الى بالنوافل حتى أحبه" فأى الرجلين كان أقوم بالواجبات وأكثر ~~نوافل كان أفضل # فان قيل: فقد ثبت عن النبى أنه قال " يدخل فقراء أمتى الجنة قبل أغنيائهم ~~بنصف يوم وذلك خمسمائة عام" قيل هذا لا يدل على فضلهم على الاغنياء فى ms129 ~~الدرجة وعلو المنزلة وان سبقوهم بالدخول فقد يتأخر الغنى والسلطان العادل ~~فى الدخول لحسابه فاذا دخل كانت درجته أعلى ومنزلته أرفع كسبق الفقير القفل ~~فى المضائق وغيرها ويتأخر صاحب الاحمال بعده فان قيل فقد قال النبى للفقراء ~~لما شكوا اليه زيادة عمل الاغنياء عليهم بالعتق والصدقه: "ألا أدلكم على شئ ~~اذا فعلتموه أدركتم به من سبقكم" فدلهم على التسبيح والتحميد والتكبير عقب ~~كل صلاة فلما سمع الاغنياء ذلك عملوا به فذكروا ذلك للنبى فقال: "ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء" وهذا يدل على ترجيح حال الغنى الشاكر قيل هذا حجة ~~للقول الذى نصرناه وهو أن أفضلهما أكثرهما نوافل فإن استويا استويا وها هنا ~~قد ساوى الأغنياء الفقراء فى أعمالهم المفروضه والنافلة وزادوا عليهم ~~بنوافل العتق والصدقه وفضلوهم بذلك فساووهم فى صبرهم على الجهاد والأذى فى ~~الله والصبر على المقدور وزادوا عليهم بالشكر بنوافل المال فلو كان للفقراء ~~بصبرهم نوافل تزيد على نوافل الأغنياء لفضلوهم بها # فإن قيل: إن النبى عرضت عليه مفاتيح كنوز الدنيا فردها # PageV01P153 # وقال: "بل اشبع يوما وأجوع يوما" وقال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى ~~الله عنهما قالت: "خرج رسول الله من الدنيا ولم يشبع من خبز البر ومات ~~ودرعه مرهونه عند يهودى على طعام أخذه لأهله". # وقال الامام أحمد حدثنا وكيع حدثنا الاعمش عن عبادة بن القعقاع عن ابى ~~زرعه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله: "اللهم اجعل رزق آل ~~محمد قوتا " وقال الامام أحمد حدثنا اسماعيل بن محمد حدثنا عباد بن عباد ~~حدثنا مجالد بن سعيد عن الشعبى عن مسروق عن عائشة رضى الله عنها قالت دخلت ~~على امرأة من الانصار فرأت فراش النبى عباءة مثنيه فرجعت الى منزلها فبعثت ~~الى بفراش حشوه الصوف فدخل على رسول الله فقال: "ما هذا؟ فقلت فلانه ~~الانصاريه دخلت على فرأت فراشك فبعثت إلى بهذا فقال رديه فلم أرده وأعجبنى ~~أن يكون فى بيتى حتى قال لى ذلك ثلاث مرات فقال ياعائشة رديه ms130 فوالله لو شئت ~~لأجرى الله معى جبال الذهب والفضه فرددته" ولم يكن الله سبحانه ليختار ~~لرسوله الا الافضل هذا مع أنه لو أخذ الدنيا لأنفقها كلها فى مرضاة الله ~~ولكان شكره بها فوق شكر جميع العالمين # قيل احتج بحال رسول الله كل واحدة من الطائفتين والتحقيق أن الله سبحانه ~~وتعالى جمع له بين المقامين كليهما على أتم الوجوه وكان سيد الاغنياء ~~الشاكرين وسيد الفقراء الصابرين فحصل له من الصبر على الفقراء ما لم يحصل ~~لأحد سواه ومن الشكر على الغنى ما لم يحصل لغنى سواه ومن تأمل سيرته وجد ~~الأمر كذلك فكان أصبر الخلق فى مواطن الصبر وأشكر الخلق فى مواطن الشكر ~~وربه تعالى كمل له مراتب الكمال فجعله فى أعلى رتب الأغنياء الشاكرين وفى ~~أعلى مراتب الفقراء الصابرين قال # PageV01P154 # تعالى {ووجدك عائلا فأغنى} وأجمع المفسرون أن العائل هو الفقير يقال عال ~~الرجل يعيل إذا افتقر وأعال يعيل إذا صار ذا عيال مثل لبن وأثمر وأثرى إذا ~~صار ذا لبن وثمر وثروة وعال يعول إذا جار ومنه قوله تعالى ذلك أدنى أن لا ~~تعولوا وقيل المعنى ألا تكثر عيالكم والقول هو الأول لوجوه # أحدها: أنه لا يعرف فى اللغة عال يعول إذا كثر عياله وانما المعروف فى ~~ذلك عال يعيل وأما عال يعول فهو بمعنى الجور ليس إلا هذا الذى ذكره أهل ~~اللغة قاطبة # الثانى: أنه سبحانه قابل ذلك بالعدل الذى نقلهم عند خوفهم من فقده الى ~~الواحدة والتسرى بما شاءوا من ملك أيمانهم ولا يحسن هنا التعليل بعدم ~~العيال # يوضحه الوجه الثالث أنه سبحانه نقلهم عند الخوف من عدم القسط فى نكاح ~~اليتامى إلى من سواهن من النساء لئلا يقعوا فى ظلم أزواجهم اليتامى وجوز ~~لهم نكاح الواحدة وما فوقها إلى الأربع ثم نقلهم عند خوف الجور وعدم العدل ~~فى القسمة إلى الواحدة أو النوع الذى لا قسمة عليهم فى الاستمتاع بهنوهن ~~الإماء فانتظمت الآية ببيان الجائز من نكاح اليتامى والبوالغ والأولى من ~~ذينك القسمين عند خوف العدل فما ms131 لكثرة العيال مدخل ها هنا البتة # يوضحه الوجه الرابع: انه لو كان المحذور كثرة العيال لما نقلهم الى ما ~~شاءوا من كثرة الاماء بلا عدد فإن العيال كما يكونون من الزوجات يكونون من ~~الإماء ولا فرق فإنه لم ينقلهم الى اماء الاستخدام بل الى إماء الاستفراش # يوضحه الوجه الخامس: أن كثرة العيال ليس أمرا محذورا مكروها للرب تعالى ~~كيف وخير هذه الأمة أكثرها نساء وقد قال النبى: # PageV01P155 # "تزوجوا الودود الولود فإنى مكاثر بكم الامم" فأمر بنكاح الولود ليحصل ~~منها ما يكاثر به الامم يوم القيامة # والمقصود أنه سبحانه جعل نبيه غنيا شاكرا بعد أن كان فقيرا صابرا فلا ~~تحتج به طائفة لحالها إلا كان للطائفة الأخرى أن تحتج به ايضا لحالها فإن ~~قيل فقد كان عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه من الشاكرين وقد قال الامام ~~أحمد فى مسنده حدثنا عبد الصمد حدثنا عمارة عن ثابت عن أنس رضى الله عنه ~~قال بينما عائشة فى بيتها سمعت صوتا فى المدينة فقالت ما هذا فقالوا عير ~~لعبد الرحمن قدمت من الشام تحمل من كل شئ قال وقد كانت سبعمائة بعير فارتجت ~~المدينة من الصوت فقالت عائشة سمعت رسول الله يقول: "رأيت عبد الرحمن بن ~~عوف يدخل الجنة حبوا" فبلغ ذلك عبد الرحمن فقال إن استطعت لأدخلنها قائما ~~فجعلها بأحمالها وأقتابها كلها فى سبيل الله # قيل قد قال الامام أحمد هذا الحديث كذب منكر قالوا او عمارة يروى أحاديث ~~مناكير وقال أبو حاتم الرازى عمارة بن زاذان لا يحتج به # قال أبو الفرج وقد روى الجراح بن منهال باسناده عن عبد الرحمن بن عوف أن ~~النبى قال له: "يا ابن عوف إنك من الأغنياء وإنك لا تدخل الجنة إلا زحفا ~~فأقرض ربك يطلق قدميك" قال أبو عبد الرحمن النسائى هذا حديث موضوع والجراح ~~متروك الحديث وقال يحيى ليس حديث الجراح بشئ وقال ابن المدينى لا يكتب ~~حديثه وقال ابن حبان كان يكذب وقال الدارقطنى متروك # فإن قيل فما تصنعون بالحديث الذى ms132 رواه البيهقى من حديث أحمد بن على بن ~~اسماعيل بن محمد حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أخبرنى خالد بن يزيد بن أبى ~~مالك عن أبيه عن عطاء بن أبى رباح عن # PageV01P156 # إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن رسول الله أنه قال: "يا ابن عوف ~~إنك من الاغنياء ولن تدخل الجنة إلا زحفا فأقرض الله يطلق قدميك" قال وما ~~الذى أقرض يا رسول الله قال تتبرأ مما أمسيت فيه قال أمن كله أجمع يا رسول ~~الله قال نعم فخرج وهو يهتم بذلك فأتاه جبريل فقال مر ابن عوف فليضف الضيف ~~وليطعم المساكين وليبدأ بمن يعول وليعط السائل فاذا فعل ذلك كان تزكية ما ~~هو فيه". # قيل هذا حديث باطل لا يصح عن رسول الله فان أحد رواته خالد بن يزيد بن ~~أبى مالك قال الامام أحمد ليس بشيء وقال ابن معين واه وقال النسائى غير ثقة ~~وقال الدارقطنى ضعيف وقال يحيى بن معين لم يرض أن يكذب على أبيه حتى كذب ~~على الصحابة # فان قيل فما تصنعون بالحديث الذى قاله الامام أحمد حدثنا الهذيل بن ميمون ~~عن مطرح بن يزيد عن عبيد الله بن زحر عن على بن يزيد عن القاسم عن أبى ~~أمامة قال قال رسول الله: "دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يدى قلت ما هذا قال ~~بلال فمضيت فاذا أكثر أهل الجنة فقراء المهاجرين وذرارى المسلمين ولم ار ~~فيها أحدا أقل من الاغنياء والنساء قيل لى أما الاغنياء فهم فى الباب ~~يحاسبون ويمحصون وأما النساء فألهاهن الاحمران الذهب والحرير ثم خرجنا من ~~أحد أبواب الجنة الثمانية فلما كنت عند الباب أتيت بكفة فوضعت فيها ووضعت ~~أمتى فى كفة فرجحت بها ثم أتى بأبى بكر فوضع فى كفة وجئ بجميع أمتى فوضعوا ~~فى كفة فرجح أبو بكر ثم اتى بعمر فوضع فى كفة ووضع أمتى فى كفة فرجح عمر ~~وعرضت على أمتى رجلا رجلا فجعلوا يمرون واستبطأت عبد الرحمن ابن عوف ثم جاء ~~بعد الاياس فقلت عبد ms133 الرحمن فقال بأبى وأمى يا رسول الله والذي بعثك بالحق ~~ما خلصت إليك حتى ظننت إنى لا أصل إليك الا بعد المشيبات قلت وما ذاك قال ~~من كثرة مالى أحاسب فأمحص". # PageV01P157 # قيل هذا حديث لا يحتج باسناده وقد أدخله أبو الفرج هو والذى قبله فى كتاب ~~الموضوعات وقال أما عبيد بن زحر فقال يحيى ليس بشئ وعلى بن يزيد متروك وقال ~~ابن حبان عبيد الله يروى الموضوعات عن الاثبات واذا روى عن على بن يزيد أتى ~~بالطامات واذا اجتمع فى اسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلى بن يزيد والقاسم ~~ابن عبد الرحمن لم يكن متن ذلك الخبر الا مما عملته أيديهم # قال أبو الفرج وبمثل هذا الحديث الباطل يتعلق جملة المتزهدين ويرون ان ~~المال مانع من السبق الى الخير ويقولون اذا كان ابن عوف يدخل الجنة زحفا ~~لأجل ماله كفى ذلك فى ذم المال والحديث لا يصح وحاشا عبد الرحمن المشهود له ~~بالجنة أن يمنعه ماله من السبق لان جمع المال مباح وانما المذموم كسبه من ~~غير وجهه ومنع الحق الواجب فيه وعبد الرحمن منزه عن الحالين وقد خلف طلحة ~~ثلاثمائة حمل من الذهب وخلف الزبير وغيره ولو علموا أن ذلك مذموم لأخرجوا ~~الكل وكم قاص يتسوف بمثل هذا الحديث يحث على الفقر ويذم الغنى فلله در ~~العلماء الذين يعرفون الصحيح ويفهمون الأصول اه # قلت وقد بالغ فى رد هذا الحديث وتجاوز الحد فى إدخاله فى الأحاديث ~~الموضوعة المختلقة على رسول الله وكأنه استعظم احتباس عبد الرحمن بن عوف ~~وهو أحد السابقين الأولين المشهود لهم عن السبق اليها ودخول الجنة حبوا ~~ورأى ذلك مناقضا لسبقه ومنزلته التى أعدها الله له فى الجنة وهذا وهم منه ~~رحمه الله # وهب أنه وجد السبيل الى الطعن فى هذين الخبرين أفيجد سبيلا الى القدح فى ~~حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله قال: "يدخل فقراء المسلمين الجنة ~~قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام " قال الترمذى حديث حسن صحيح وفى ~~حديث ms134 ابن عمر الذى رواه مسلم فى # PageV01P158 # صحيحه عن النبى: "إن فقراء المهاجرين يسبقون الاغنياء يوم القيامة ~~بأربعين خريفا" # وفى مسند الامام أحمد عنه عن النبى: "هل تدرون أول من يدخل الجنة قالوا ~~الله ورسوله أعلم قال فقراء المهاجرين الذين يتقى بهم المكاره يموت أحدهم ~~وحاجته فى صدره لا يستطيع لها قضاء". # وفى جامع الترمذى من حديث جابر رضى الله عنه عن النبى أنه قال: "يدخل ~~فقراء أمتى الجنة قبل الاغنياء بأربعين خريفا" فهذا الحديث وأمثاله صحيح ~~صريح فى سبق فقراء الصحابة الى الجنة لأغنيائهم وهم فى السبق متفاوتون ~~فمنهم من يسبق خمسمائة عام ومنهم من يسبق بأربعين عاما ولا يقدح ذلك فى ~~منزلة المتأخرين فى الدخول فإنهم قد يكونون أرفع منزلة ممن سبقهم الى ~~الدخول وان تأخروا بعدهم للحساب فان الامام العادل يوقف للحساب ويسبقه من ~~لم يل شيئا من أمور المسلمين الى الجنة فاذا دخل الامام العادل بعده كانت ~~منزلته أعلى من منزلة الفقير بل يكون أقرب الناس من الله منزلة كما فى صحيح ~~مسلم عن عبد الله بن عمر رضى الله عنه عن النبى قال: "المقسطون عند الله ~~يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون ~~فى حكمهم وأهليهم وما ولوا" وفى الترمذى من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله ~~عنه عن النبى: "أن أحب الناس الى الله يوم القيامة واقربهم منه مجلسا امام ~~عادل وأبغض الناس الى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا امام جائر" # فالامام العادل والغنى قد يتأخر دخول كل منهم للحساب ويكون بعد الدخول ~~ارفع منزلة من الفقير السابق ولا يلزم من احتباس عبد الرحمن بن عوف لكثرة ~~ماله حتى يحاسبه عليه ثم يلحق برسول الله وأصحابه غضاضة عليه ولا نقص من ~~مرتبته ولا يضاد ذلك سبقه وكونه مشهودا له بالجنة وأما حديث دخوله الجنة ~~زحفا فالامر كما قال فيه الامام أحمد رحمه الله انه كذب منكر وكما قال ~~النسائى انه موضوع ومقامات عبد # PageV01P159 # الرحمن وجهاده ونفقاته العظيمة وصدقاته ms135 تقتضى دخوله مع المارين كالبرق أو ~~كالطرف أو كأجاويد الخيل ولا يدعه يدخلها زحفا # فصل: والله سبحانه كما هو خالق الخلق فهو خالق ما به غناهم وفقرهم فخلق ~~الغنى والفقر ليبتلى بهما عباده أيهم أحسن عملا وجعلهما سببا للطاعة ~~والمعصية والثواب والعقاب قال تعالى {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ~~ترجعون} # قال ابن عباس رضى الله عنهما بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر ~~والحلال والحرام وكلها بلاء # وقال ابن يزيد نبلوكم بما تحبون وما تكرهون لننظر كيف صبركم وشكركم فبما ~~تحبون وما تكرهون وقال الكلبى بالشر بالفقر والبلاء والخير بالمال والولد ~~فأخبر سبحانه أن الغنى والفقر مطيتا الابتلاء والامتحان وقال تعالى {فأما ~~الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا} فأخبر سبحانه أنه يبتلى عبده ~~بإكرامه له وبتنعيمه له وبسط الرزق عليه كما يبتليه بتضييق الرزق وتقديره ~~عليه وان كليهما ابتلاء منه وامتحان ثم أنكر سبحانه على من زعم أن بسط ~~الرزق وتوسعته اكرام من الله لعبده وان تضييقه عليه اهانة منه له فقال كلا ~~أى ليس الامر كما يقول الانسان بل قد أبتلى بنعمتى وأنعم ببلائى # واذا تأملت ألفاظ الآية وجدت هذا المعنى يلوح على صفحاتها ظاهرا للمتأمل ~~وقال تعالى وهو الذى جعلكم خلائف الارض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم ~~فيما آتاكم وقال تعالى {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن ~~عملا} فأخبر سبحانه أنه زين الارض بما عليها من المال وغيره للابتلاء ~~والامتحان كما أخبر أنه خلق الموت والحياة لذلك وخلق السموات والارض لهذا ~~الابتلاء أيضا # PageV01P160 # فهذه ثلاثة مواضع فى القرآن يخبر فيها سبحانه أنه خلق العالم العلوى ~~والسفلى وما بينهما وأجل العالم وأجل أهله وأسباب معائشهم التى جعلها زينة ~~للأرض من الذهب والفضة والمساكن والملابس والمراكب والزروع والثمار ~~والحيوان والنساء والبنين وغير ذلك كل ذلك خلقه للابتلاء والامتحان ليختبر ~~خلقه أيهم أطوع له وارضى فهو الاحسن عملا # وهذا هو الحق الذى ms136 خلق به وله السموات والارض وما بينهما وغايته الثواب ~~والعقاب وفواته وتعطيله هو العبث الذى نزه نفسه عنه وأخبر أنه يتعالى عنه ~~وأن ملكه الحق وتفرده بالالهية وحده وبربوبية كل شئ ينفى هذا الظن الباطل ~~والحساب الكاذب كما قال تعالى {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ~~ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} فنزه سبحانه ~~نفسه عن ذلك كما نزهها عن الشريك والولد والصاحبة وسائر العيوب والنقائص من ~~السنة والنوم واللغوب والحاجة واكتراثه بحفظ السموات والارض وتقدم الشفعاء ~~بين يديه بدون اذنه كما يظنه أعداؤه المشركون يخرجون عن علمه جزئيات العالم ~~أو شيئا منها فكما أن كماله المقدس وكمال أسمائه وصفاته يأبى ذلك ويمنع منه ~~فكذلك يبطل خلقه لعباده عبثا وتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يردهم ~~اليه فيثيب محسنهم بإحسانه ومسيئهم باساءته ويعرف المبطلون منهم انهم كانوا ~~كاذبين ويشهدهم أن رسله وأتباعهم كانوا اولى بالصدق والحق منهم فمن أنكر ~~ذلك فقد انكر إلهيته وربوبيته وملكه الحق وذلك عين الجحود والكفر به سبحانه ~~كما قال المؤمن لصاحبه الذى حاوره فى المعاد وأنكره {أكفرت بالذي خلقك من ~~تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا} فأخبر أن انكاره للمعاد كفر بذات الرب ~~سبحانه وقال تعالى وان تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا إنا لفى خلق جديد ~~أولئك الذين كفروا بربهم وذلك أن انكار المعادى يتضمن انكار قدرة الرب ~~وعلمه وحكمته وملكه الحق وربوبيته والهيته كما أن تكذيب رسله وجحد رسالتهم ~~يتضمن ذلك ايضا فمن كذب رسله وجحد # PageV01P161 # المعاد فقد أنكر ربوبيته سبحانه ونفى أن يكون رب العالمين # والمقصود أنه سبحانه وتعالى خلق الغنى والفقر مطيتين للابتلاء والامتحان ~~ولم ينزل المال لمجرد الاستمتاع به كما فى المسند عنه قال: يقول الله ~~تعالى: "انا نزلنا المال لاقام الصلاة وايتاء الزكاة ولو كان لابن آدم واد ~~من مال لابتغى اليه ثانيا ولو كان له ثان لابتغى له ثالثا ولا يملأ جوف ابن ~~آدم الا التراب " فأخبر سبحانه انه ms137 أنزل المال ليستعان به على إقامة حقه ~~بالصلاة واقامة حق عباده بالزكاة لا للاستمتاع والتلذذ كما تأكل الانعام ~~فاذا زاد المال عن ذلك أو خرج عن هذين المقصودين فان الغرض والحكمة التى ~~أنزل لها كان التراب أولى به فرجع هو والجوف الذى امتلأ به بما خلق له من ~~الايمان والعلم والحكمة فانه خلق لان يكون وعاء لمعرفة ربه وخالقه والايمال ~~به ومحبته وذكره وانزل عليه من المال ما يستعين به على ذلك فعطل الجاهل ~~بالله وبأمر الله وبتوحيد الله وبأسمائه وصفاته جوفه عما خلق له وملأه ~~بمحبة المال الفانى الذاهب الذى هو ذاهب عن صاحبه أو بالعكس وجمعه ~~والاستكثار منه ومع ذلك فلم يمتلىء بل ازداد فقرا وحرصا الى أن امتلأ جوفه ~~بالتراب الذى خلق منه فرجع الى مادته الترابية التى خلق منها هو وماله ولم ~~تتكمل مادته بامتلاء جوفه من العلم والايمان الذى بهما كماله وفلاحه ~~وسعادته فى معاشه ومعاده فالمال ان لم ينفع صاحبه ضره ولا بد وكذلك العلم ~~والملك والقدرة كل ذلك ان لم ينفعه ضره فان هذه الامور وسائل لمقاصد يتوسل ~~بها اليها فى الخير والشر فان عطلت عن التوسل بها الى المقاصد والغايات ~~المحمودة توسل بها الى أضدادها # فأربح الناس من جعلها وسائل الى الله والدار الآخرة وذلك الذى ينفعه فى ~~معاشه ومعاده وأخسر الناس من توسل بها الى هواه ونيل شهواته وأغراضه ~~العاجلة فخسر الدنيا والآخرة فهذا لم يجعل الوسائل مقاصد ولو جعلها كذلك ~~لكان خاسرا لكنه جعلها وسائل الى ضد ما جعلت له فهو # PageV01P162 # بمثابة من توسل بأسباب اللذة الى أعظم الآلام أدوائها # فالأقسام أربعة لا خامس لها أحدها معطل الاسباب معرض عنها الثانى مكب ~~عليها واقف مع جمعها وتحصيلها الثالث متوصل بها الى ما يضره ولا ينفعه فى ~~معاشه ومعاده فهؤلاء الثلاثة فى الخسران الرابع متوصل بها الى ما ينفعه فى ~~معاشه ومعاده وهو الرابح قال تعالى {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك ms138 الذين ليس لهم في الآخرة إلا ~~النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} # وقد أشكل فهم هذه الآية على كثير من الناس حيث فهموا منها أن من كان له ~~ارادة فى الدنيا وزينتها فله هذا الوعيد ثم اختلفوا فى معناها فقالت طائفة ~~منهم ابن عباس من كان يريد تعجيل الدنيا فلا يؤمن بالبعث ولا بالثواب ولا ~~بالعقاب قالوا والآية فى الكفار خاصة على قول ابن عباس # وقال قتادة من كانت الدنيا همه وسدمه ونيته وطلبه جازاه الله فى الدنيا ~~بحسناته ثم يفضى الى الآخرة وليس له حسنة يجازى بها وأما المؤمن فيجزى فى ~~الدنيا بحسناته ويثاب عليها فى الآخرة قال هؤلاء فالآية فى الكفار بدليل ~~قوله {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ~~ما كانوا يعملون} قالوا المؤمن من يريد الدنيا والآخرة فأما من كانت ارادته ~~مقصورة على الدنيا فليس بمؤمن # وقال ابن عباس رضى الله عنهما فى رواية أبى صالح عنه نزلت فى أهل القبلة ~~قال مجاهد هم اهل الرياء وقال الضحاك من عمل صالحا من أهل الايمان من غير ~~تقوى عجل له ثواب عمله فى الدنيا واختار الفراء هذا القول وقال من أراد ~~بعمله من أهل القبلة ثواب الدنيا عجل له ثوابه ولم يبخس وهذا القول ارجح ~~ومعنى الآية على هذا من كان يريد بعمله # PageV01P163 # الحياة الدنيا وزينتها وهذا لا يكون مؤمنا البتة فإن العاصى والفاسق ولو ~~بالغا فى المعصية والفسق فإيما يحملهما على أن يعملا أعمال البر لله ~~فيريدان بأعمال البر وجه الله وان عملا بمعصيته # فأما من لم يرد بعمله وجه الله وانما اراد به الدنيا وزينتها فهذا لا ~~يدخل فى دائرة أهل الايمان وهذا هو الذى فهمه معاوية من الآية واستشهد بها ~~على حديث أبى هريرة الذى رواه مسلم فى صحيحه فى الثلاثة الذين هم اول من ~~تسعر بهم النار يوم القيامة القارئ الذى قرأ القرآن ليقال فلان قارئ ~~والمتصدق الذى أنفق أمواله ليقال فلان جواد والغازى ms139 الذى قتل فى الجهاد ~~ليقال هو جرئ # وكما أن خيار خلق الله هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون فشرار ~~الخلق من تشبه بهم وليس منهم فمن تشبه بأهل الصدق والاخلاص وهو مراء كمن ~~تشبه بالانبياء وهو كاذب # وقال ابن أبى الدنيا حدثنى محمد بن ادريس قال أخبرنى عبد الحميد بن صالح ~~حدثنا قطن بن الحباب عن عبد الوارث عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال قال ~~رسول الله: "اذا كان يوم القيامة صارت أمتى ثلاث فرق فرقة يعبدون الله عز ~~وجل للدنيا وفرقة يعبدون رياء وسمعة وفرقة يعبدونه لوجهه ولداره فيقول ~~للذين كانوا يعبدونه للدنيا بعزتى وجلالى ومكانى ما أردتم بعبادتى فيقولون ~~بعزتك وجلالك ومكانك الدنيا فيقول انى لم أقبل من ذلك شيئا اذهبوا بهم الى ~~النار ويقول للذين كانوا يعبدون رياء وسمعة بعزتى وجلالى ومكانى ما أردتم ~~بعبادتى فيقولون بعزتك وجلالك ومكانك رياء وسمعة فيقول انى لم أقبل من ذلك ~~شيئا اذهبوا بهم الى النار ويقول للذين كانوا يعبدونه لوجهه وداره بعزتى ~~وجلالى ومكانى ما أردتم بعبادتى فيقولون بعزتك وجلالك وجهك ودارك فيقول ~~صدقتم اذهبوا بهم الى الجنة" هذا حديث غنى عن الاسناد والقرآن والسنة ~~شاهدان بصدقه ويدل على # PageV01P164 # صحة هذا القول فى الآية قوله تعالى {نوف إليهم أعمالهم فيها} وذلك على ~~أنها فى قوم لهم أعمال لم يريدوا بها وجه الله وانما أرادوا بها الدنيا ~~ولها عملوا فوفاهم الله ثواب أعمالهم فيها من غير بخس وأفضوا الى الآخرة ~~بغير عمل يستحقون عليه الثواب وهذا لا يقع ممن يؤمن بالآخرة الا كما يقع ~~منه كبائر الاعمال وقوعا عارضا يتوب منه ويراجع التوحيد # وقال ابن الانبارى فعلى هذا القول المعنى فى قوم من أهل الاسلام يعملون ~~العمل الحسن لتستقيم به دنياهم غير متفكرين فى الآخرة وما ينقلبون اليه ~~فهؤلاء يجعل لهم جزاء حسناتهم فى الدنيا فإذا جاءت الاخرة كان جزاؤهم عليها ~~النار اذا لم يريدوا بها وجه الله ولم يقصدوا التماس ثوابه وأجره # ثم أورد صاحب هذا القول على أنفسهم ms140 سؤالا قالوا فإن قيل الاية الثانية ~~على هذا القول توجب تخليد المؤمن المريد بعمله الدنيا فى النار وأجابوا عنه ~~بأن ظاهر الاية يدل على أن من راءى بعمله ولم يلتمس به ثواب الاخرة بل كانت ~~نيته الدنيا فان الله يبطل ايمانه عند الموافاة فلا يوافى ربه بالايمان ~~قالوا ويدل عليه قوله {وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} وهذا ~~يتناول أصل الايمان وفروعه # وأجابت فرقة أخرى بأن الاية لا تقتضى الخلود الابدى فى النار وانما تقتضى ~~أن الذى يستحقونه فى الاخرة النار وأنهم ليس لهم عمل صالح يرجون به النجاة ~~فإذا كان مع أحدهم عمود التوحيد فإنه يخرج به من النار مع من يخرج من أصحاب ~~الكبائر الموحدين وهذا هو جواب ابن الانبارى وغيره # والآية بحمد الله لا اشكال فيها والله سبحانه ذكر جزاء من يريد بعمله ~~الحياة الدنيا وزينتها وهو النار وأخبر بحبوط عمله وبطلانه فاذا أحبط ما ~~ينجو به وبطل لم يبق معه ما ينجيه فان كان معه ايمان لم يرد به الدنيا ~~وزينتها بل أراد الله به والدار الاخرة لم يدخل هذا الايمان فى العمل الذى ~~حبط وبطل وأنجاه ايمانه من الخلود فى النار وان دخلها بحبوط # PageV01P165 # عمله الذى به النجاة المطلقة والايمان ايمانان ايمان يمنع من دخول النار ~~وهو الايمان الباعث على أن تكون الاعمال لله يبتغى بها وجهه وثوابه وايمان ~~يمنع الخلود فى النار وان كان مع المرائى شئ منه والا كان من أهل الخلود ~~فالاية لها حكم نظائرها من آيات الوعيد والله الموفق وذلك قوله {من كان ~~يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له ~~في الآخرة من نصيب} ومنه قوله {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء ~~لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا} # فهذه ثلاث مواضع من القرآن يشبه بعضها بعضا ويصدق بعضها بعضا وتجتمع على ~~معنى واحد وهو أن من كانت الدنيا مراده ولها يعمل فى غاية سعيه ms141 لم يكن له ~~فى الاخرة نصيب ومن كانت الاخرة مراده ولها عمل وهى غاية سعيه فهى له # بقى أن يقال: فما حكم من يريد الدنيا والاخرة فانه داخل تحت حكم ~~الارادتين فبأيهما يلحق قيل من ها هنا نشأ الاشكال وظن من ظن من المفسرين ~~أن الاية فى حق الكافر فانه هو الذى يريد الدنيا دون الاخرة وهذا غير لازم ~~طردا ولا عكسا فان بعض الكفار قد يريد الاخرة وبعض المسلمين قد لا يكون ~~مراده الا الدنيا والله تعالى قد علق السعادة بإرادة الاخرة والشقاوة ~~بإرادة الدنيا فاذا تجردت الارادتان تجرد موجبهما ومقتضاهما وان اجتمعتا ~~فحكم اجتماعهما حكم اجتماع البر والفجور والطاعة والمعصية والايمان والشرك ~~فى العبد وقد قال تعالى لخير الخلق بعد الرسل {منكم من يريد الدنيا ومنكم ~~من يريد الآخرة} وهذا خطاب للذين شهدوا معه الوقعة ولم يكن فيهم منافق ~~ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ما شعرت أن أحد أصحاب رسول الله ~~يريد الدنيا حتى كان يوم أحد ونزلت هذه الاية # PageV01P166 # والذين أريدوا فى هذه الاية هم الذين أخلوا مركزهم الذى أمرهم رسول الله ~~بحفظه وهم من خيار المسلمين ولكن هذه ارادة عارضة حملتهم على ترك المركز ~~والاقبال على كسب الغنائم بخلاف من كان مراده بعمله الدنيا وعاجلها فهذه ~~الارادة لون وارادة هؤلاء لون # وها هنا أمر يجب التنبيه له وهو أنه لا يمكن ارادة الدنيا وعاجلها بأعمال ~~البر دون الاخرة مع الايمان بالله ورسوله ولقائه أبدا فان الايمان بالله ~~والدار الاخرة يستلزم ارادة العبد لرحمة الله والدار الاخرة بأعماله فحيث ~~كان مراده بها الدنيا فهذا لا يجامع الايمان أبدا وان جامع الاقرار والعلم ~~فالايمان وراء ذلك والاقرار والمعرفة حاصلان لمن شهد الله سبحانه له بالكفر ~~مع هذه المعرفة كفرعون وثمود واليهود الذين شاهدوا رسول الله وعرفوه كما ~~عرفوا أبناءهم وهم من أكفر الخلق بإرادة الدنيا وعاجلها بالاعمال قد تجامع ~~هذه المعرفة والعلم ولكن الايمان الذى هو وراء ذلك لا بد أن يريد صاحبه ~~بأعماله ms142 الله والدار الآخرة والله المستعان # فصل: والمقصود أنه سبحانه جعل الغنى والفقر ابتلاءا وامتحانا للشكر ~~والصبر والصدق والكذب والاخلاص والشرك قال تعالى {ليبلوكم في ما آتاكم} ~~وقال تعالى {الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد ~~فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} وقال ~~تعالى {إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم} فجعل الدنيا عرضا ~~عاجلا ومتاع غرور وجعل الآخرة دار جزاء وثواب وحف الدنيا بالشهوات وزينها ~~بها كما قال تعالى {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير ~~المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة ~~الدنيا والله عنده حسن المآب} فأخبر سبحانه أن هذا الذى زين به الدنيا # PageV01P167 # من ملاذها وشهواتها وما هو غاية أمانى طلابها ومؤثريها على الآخرة وهو ~~سبعة أشياء النساء اللاتى هن أعظم زينتها وشهواتها وأعظمها فتنة والبنين ~~الذين بهم كمال الرجل وفخره وكرمه وعزه والذهب والفضة اللذين هما مادة ~~الشهوات على اختلاف أجناسها وأنواعها والخيل المسومة التى هى عز أصحابها ~~وفخرهم وحصونهم وآلة قهرهم لأعدائهم فى طلبهم وهربهم والأنعام التى منها ~~ركوبهم وطعامهم ولباسهم وأثاثهم وأمتعتهم وغير ذلك من مصالحهم والحرث الذى ~~هو مادة قوتهم وقوت أنعامهم ودوابهم وفاكهتهم وأدويتهم وغير ذلك # ثم أخبر سبحانه أن ذلك كله متاع الحياة الدنيا ثم شوق عباده الى متاع ~~الآخرة وأعلمهم أنه خير من هذا المتاع وأبقى فقال {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ~~للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ~~ورضوان من الله والله بصير بالعباد} # ثم ذكر سبحانه من يستحق هذا المتاع ومن هم أهله الذين هم أولى به فقال ~~{الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين ~~والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار} فأخبر سبحانه أن ما ~~أعد لأوليائه المتقين من متاع الآخرة خير من متاع الدنيا وهو نوعان ثواب ~~يتمتعون به وأكبر منه وهو رضوانه عليهم قال تعالى {اعلموا أنما الحياة ~~الدنيا لعب ولهو ms143 وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث ~~أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما} فأخبر سبحانه عن ~~حقيقة الدنيا بما جعله مشاهدا لأولى البصائر وانها لعب ولهب تلهو بها ~~النفوس وتلعب بها الابدان واللعب واللهو لا حقيقة لهما وأنهما مشغلة للنفس ~~مضيعة للوقت يقطع بها الجاهلون فيذهب ضائعا فى غير شئ ثم أخبر أنها زينة ~~زينت للعيون وللنفوس فأخذت بالعيون # PageV01P168 # والنفوس استحسانا ومحبة ولو باشرت القلوب معرفة حقيقتها ومآلها ومصيرها ~~لأبغضتها ولآثرت عليها الاخرة ولما آثرتها على الآجل الدائم الذى هو خير ~~وأبقى # قال الامام حدثنا وكيع حدثنا المسعودى عن عمرو بن مرة عن ابراهيم عن ~~علقمة عن عبد الله رضى الله عنه عن النبى قال: "مالى وللدنيا انما مثلى ~~ومثل الدنيا كمثل راكب قال فى ظل شجرة فى يوم صائف ثم راح وتركها". # وفى جامع الترمذى من حديث سهل بن سعد قال قال رسول الله لو كانت الدنيا ~~تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء قال الترمذى + حديث ~~صحيح + وفى صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد قال رسول الله: "ما الدنيا ~~فى الآخرة الا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه فى اليم فلينظر بم يرجع وأشار ~~بالسبابة". # وفى الترمذى من حديثه قال: "كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله على ~~السخلة الميتة فقال رسول الله أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها قالوا ~~ومن هوانها ألقوها يا رسول الله قال فالدنيا أهون على الله من هذه على ~~أهلها" وفى الترمذى أيضا من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول ~~الله: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها الا ذكر الله وما والاه وعالما أو ~~متعلما" والحديثان حسنان قال الامام أحمد حدثنا هيثم بن خارجة أنبأنا ~~اسماعيل بن عياش بن عبد الله بن دينار النهرانى قال قال عيسى عليه السلام ~~للحواريين بحق أقول لكم إن حلاوة الدنيا مرارة الاخرة وإن مرارة الدنيا ~~حلاوة الآخرة وأن عباد الله ليسوا بالمتنعمين بحق ms144 أقول لكم إن شركم عملا ~~عالم يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة انه لو يستطيع جعل الناس كلهم فى عمله ~~مثله. # PageV01P169 # وقال أحمد حدثنا يحيى بن إسحق قال أخبرنى سعيد بن عبد العزيز عن مكحول ~~قال قال عيسى بن مريم عليه السلام يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبنى ~~على موج البحر دارا قالوا يا روح الله ومن يقدر على ذلك قال إياكم والدنيا ~~فلا تتخذوها قرارا وفى كتاب الزهد لأحمد أن عيسى بن مريم عليه السلام كان ~~يقول بحق أقول لكم ان أكل الخبز وشرب الماء العذب ونوما على المزابل مع ~~الكلاب كثير لمن يريد أن يرث الفردوس # وفى المسند عنه: "إن الله ضرب طعام ابن آدم مثلا للدنيا وان قزحه وملحه ~~فلينظر الى ماذا يصير". # فصل: ثم أخبر سبحانه وتعالى عنها انها يفاخر بعضنا بعضا بها فيطلبها ~~ليفخر بها على صاحبه وهذا حال كل من طلب شيئا للمفاخرة من مال أو جاه أو ~~قوة أو علم أو زهد والمفاخرة نوعان مذمومة ومحمودة فالمذمومة مفاخرة أهل ~~الدنيا بها والمحمودة أن يطلب المفاخرة فى الاخرة فهذه من جنس المنافسة ~~المأمور بها وهى أن الرجل ينفس على غيره بالشيء ويغار أن يناله دونه ويأنف ~~من ذلك ويحمى أنفه له يقال نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة اذا ضننت به ولم ~~تحب أن يصير اليه دونك والتنافس تفاعل من ذلك كأن كل واحد من المتنافسين ~~يريد أن يسبق صاحبه اليه وحقيقة المنافسة الرغبة التامة والمبادرة ~~والمسابقة الى الشئ النفيس # فصل: ثم أخبر تعالى عنها أنها تكاثر فى الاموال والاولاد فيحب كل واحد أن ~~يكاثر بنى جنسه فى ذلك ويفرح بأن يرى نفسه أكثر من غيره # PageV01P170 # مالا وولدا وأن يقال فيه ذلك وهذا من أعظم ما يلهى النفوس عن الله والدار ~~الاخرة كما قال تعالى {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم ~~كلا سوف تعلمون} والتكاثر فى كل شئ فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من ~~الامور عن الله والدار الاخرة فهو داخل ms145 فى حكم هذه الاية فمن الناس من ~~يلهيه التكاثر بالمال ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم فيجمعه ~~تكاثرا وتفاخرا وهذا أسوأ حالا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه فإنه جعل ~~أسباب الاخرة للدنيا وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر ~~بأسبابها # فصل: ثم أخبر سبحانه عن مصير الدنيا وحقيقتها وأنها بمنزلة غيث أعجب ~~الكفار نباته والصحيح ان شاء الله أن الكفار هم الكفار بالله وذلك عرف ~~القرآن حيث ذكروا بهذا النعت فى كل موضع ولو أراد الزراع لذكرهم باسمهم ~~الذى يعرفون به كما ذكرهم به فى قوله يعجب الزراع وانما خص الكفار به لأنهم ~~أشد اعجابا بالدنيا فإنها دارهم التى لها يعملون ويكدحون فهم أشد اعجابا ~~بزينتها وما فيها من المؤمنين # ثم ذكر سبحانه عاقبة هذا النبات وهو اصفراره ويبسه وهذا آخر الدنيا ~~ومصيرها ولو ملكها العبد من أولها الى آخرها فنهايتها ذلك فإذا كانت الاخرة ~~انقلبت الدنيا واستحالت الى عذاب شديد أو مغفرة من الله وحسن ثوابه وجزائه ~~كما قال على بن أبى طالب الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عفها ~~ومطلب نجح لمن سالم فيها مساجد انبياء الله ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومتجر ~~أوليائه فيها اكتسبوا الرحمة وربحوا فيها العافية فمن ذا يذمها وقد آذنت ~~بنيها ونعت نفسها وأهلها فتمثلت ببلائها وشوقت بسرورها الى السرور تخويفا ~~وتحذيرا وترغيبا فذمها قوم غداة الندامة وحمدها آخرون ذكرتهم فذكروا ~~ووعظتهم فاتعظوا فيا أيها الذام للدنيا المغتر بتغريرها متى استذمت اليك بل ~~متى غرتك أبمنازل آبائك فى الثرى أم بمضاجع أمهاتك فى البلاء كم رأيت # PageV01P171 # موروثا كم عللت بكفيك عليلا كم مرضت مريضا بيديك تبتغى له الشفاء وتستوصف ~~له الأطباء ثم لم تنفعه شفاعتك ولم تسعفه طلبتك مثلت لك الدنيا غداة مصرعه ~~مصرعك ومضجعه مضجعك ثم التفت الى المقابر فقال يا أهل الغربة ويا أهل ~~التربة أما الدور فسكنت وأما الاموال فقسمت وأما الأزواج فنكحت فهذا خبر ما ~~عندنا فهاتوا خبر ما عندكم ثم التفت الينا فقال ms146 أما لو أذن لهم لأخبروكم ان ~~خير الزاد التقوى # فالدنيا فى الحقيقة لا تذم وانما يتوجه الذم الى فعل العبد فيها وهى ~~قنطرة أو معبر إلى الجنة أو الى النار ولكن لما غلبت عليها الشهوات والحظوظ ~~والغفلة والإعراض عن الله والدار الآخرة فصار هذا هو الغالب على أهلها وما ~~فيها وهو الغالب على اسمها صار لها اسم الذم عند الاطلاق والا فهى مبنى ~~الاخرة ومزرعتها ومنها زاد الجنة وفيها اكتسبت النفوس الايمان ومعرفة الله ~~ومحبته وذكره ابتغاء مرضاته وخير عيش ناله أهل الجنة فى الجنة انما كان بما ~~زرعوه فيها وكفى بها مدحا وفضلا لأولياء الله فيها من قرة العيون وسرور ~~القلوب وبهجة النفوس ولذة الارواح والنعيم الذى لا يشبهه نعيم بذكره ~~ومعرفته ومحبته وعبادته والتوكل عليه والانابة اليه والانس به والفرح بقربه ~~والتذلل له ولذة مناجاته والاقبال عليه والاشتغال به عمن سواه وفيها كلامه ~~ووحيه وهداه وروحه الذى ألقاه من أمره فأخبر به من شاء من عباده ولهذا فضل ~~ابن عقيل وغيره هذا على نعيم الجنة وقالوا هذا حق الله عليهم وذاك حظهم ~~ونعيمهم وحقه أفضل من حقهم قالوا والايمان والطاعة أفضل من جزائه والتحقيق ~~أنه لا يصح التفضيل بين أمرين فى دارين مختلفين ولو أمكن اجتماعهما فى دار ~~واحدة لأمكن طلب التفضيل والايمان والطاعة فى هذه الدار أفضل ما فيها ودخول ~~الجنة والنظر إلى وجه الله جل جلاله وسماع كلامه والفوز برضاه أفضل ما فى ~~الاخرة فهذا أفضل ما فى هذه الدار وهذا أفضل ما فى الدار الاخرى ولا يصح أن ~~يقال فأى الامرين أفضل فهذا أفضل الاسباب وهذا أفضل الغايات وبالله التوفيق # PageV01P172 # فصل: ولما وصف سبحانه حقيقة الدنيا وبين غايتها ونهايتها وانقلابها فى ~~الاخرة الى عذاب شديد ومغفرة من الله وثواب أمر عباده بالمسابقة والمبادرة ~~إلى ما هو خير وأبقى وأن يؤثروه على الفانى المنقطع المشوب بالانكاد ~~والتنغيص ثم أخبر أن ذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وقال ~~تعالى {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ms147 كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا} # ثم ذكر سبحانه أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا وأن الباقيات ~~الصالحات وهى الاعمال والاقوال الصالحة التى يبقى ثوابها ويدوم جزاؤها خير ~~ما يؤمله العبد ويرجو ثوابه وقال تعالى {إنما مثل الحياة الدنيا كماء ~~أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا ~~أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو ~~نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون} # ولما أخبر عباده عن آفات هذه الدار دعا عباده الى دار السلام التى سلمت ~~من التغير والاستحالة والزوال والفناء وعم عباده بالدعوة اليها عدلا وخص من ~~شاء بالهداية الى طريقها فضلا # وأخبر سبحانه أن الاموال والاولاد لا تقرب الخلق اليه وانما يقربهم اليه ~~تقوى الله ومعاملته فيهم وحذر سبحانه عباده أن تلهيهم أموالهم وأولادهم عن ~~ذكره وأخبر أن من ذلك فعل فهو الخاسر حقيقة لا من قل ماله وولده فى الدنيا ~~ونهى نبيه أن يمد عينيه الى ما متع به أهل الدنيا فيها فتنة لهم واختبارا ~~وأخبر أن رزقه الذى أعده له فى الاخرة خير وأبقى من هذا الذى متعوا به # وأخبر سبحانه انه آتاه السبع المثانى والقرآن العظيم وذلك خير وأفضل مما ~~متع به أهل الدنيا فى دنياهم وجعل ما آتاه مانعا له من مد # PageV01P173 # عينيه الى ذلك فهذا العطاء فى الدنيا وما ادخر له من رزق الآخرة خير مما ~~متع به أهل الدنيا فلا تمدن عينيك # فصل: وإذا عرف أن الغنى والفقر والبلاء والعافية فتنة وابتلاء من الله ~~لعبده تمتحن بها صبره وشكره علم أن الصبر والشكر مطيتان للايمان لا يحمل ~~إلا عليهما ولا بد لكل مؤمن منهما وكل منهما فى موضعه أفضل فالصبر فى مواطن ~~الصبر أفضل والشكر فى مواضع الشكر أفضل هذا إن صح مفارقة كل واحد منهما ~~للآخر وأما إذا كان الصبر جزء مسمى الشكر ms148 والشكر جزء مسمى الصبر وكل منهما ~~حقيقة مركبة من الأمرين معا كما تقدم بيانه فالتفضيل بينهما لا يصح الا اذا ~~جرد أحدهما عن الاخر وذلك فرض ذهنى يقدره الذهن ولا يوجد فى الخارج ولكن ~~يصح على وجه وهو أن العبد قد يغلب صبره على شكره الذى هو قدر زائد على مجرد ~~الصبر من الاقوال والاعمال الظاهرة والباطنة فلا يبقى فيه اتساع لغير صبر ~~النفس على ما هو فيه لقوة الوارد وضيق المحل فتنصرف قواه كلها الى كف النفس ~~وحبسها لله وقد يغلب شكره بالاقوال والاعمال الظاهرة والباطنة على قوة كفه ~~لنفسه وحبسها لله فتكون قوة إرادته وعمله أقوى من قوة امتناعه وحبس نفسه # واعتبر هذا بشخصين أحدهما حاكم على نفسه متمكن من حبسها عن الشهوات قليل ~~التشكى للمصيبات وذلك جل عمله وآخر كثير الاعطاء لفعل الخير القاصر ~~والمتعدى سمح النفس ببذل المعروف وآخر ضعيف النفس عن قوة الصبر فللنفس ~~قوتان قوة الصبر والكف وامساك النفس وقوة البذل وفعل الخير والاقدام على ~~فعل ما تكمل به وكمالها باجتماع هاتين القوتين فيها والناس فى ذلك أربع ~~طبقات فأعلاهم من اجتمعت له القوتان وسفلتهم من عدم القوتين ومنهم من قوة ~~صبره أكمل من قوة فعله وبذله ومنهم من هو بالعكس فى ذلك فإذا فضل الشكر على ~~الصبر فإما أن يكون باعتبار ترجيح مقام على مقام واما أن # PageV01P174 # يكون باعتبار تجريد كل من الامرين عن الاخر وقطع النظر عن اعتباره وتمام ~~ايضاح هذا بمسالة الغنى الشاكر والفقير الصابر فلنذكر لها بابا يخصها ويكشف ~~عن الصواب فيها. # PageV01P175 ### | الباب الثانى والعشرون: فى اختلاف الناس فى الغنى الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل وما هو الصواب فى ذلك # هذه مسألة كثر فيها النزاع بين الاغنياء والفقراء واحتجت كل طائفة على ~~الاخرى بما لم يمكنها دفعه من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار ولذلك يظهر ~~للمتأمل تكافؤ الطائفتين فإن كلا منهما أدلت بحجج لا تدفع والحق لا يعارض ~~بعضه بعضا بل يجب اتباع موجب الدليل أين كان وقد أكثر الناس فى ms149 المسألة من ~~الجانبين وصنفوا فيها من الطرفين وتكلم الفقهاء والفقراء والاغنياء ~~والصوفية وأهل الحديث والتفسير لشمول معناها وحقيقتها للناس كلهم وحكوا عن ~~الامام أحمد فيها روايتان ذكرهما أبو الحسين فى كتاب التمام فقال مسألة ~~الفقير الصابر أفضل من الغنى الشاكر فى أصح الروايتين وفيه رواية ثانية ~~الغنى الشاكر أفضل وبها قال جماعة منهم ابن قتيبة ووجه الاولى واختارها أبو ~~اسحاق بن شاقلا والوالد السعيد قوله تعالى {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا} # قال محمد بن على بن الحسين الغرفة الجنة بما صبروا قال على الفقر فى ~~الدنيا وروى أنس عن النبى: "قال اللهم أحينى مسكينا وأمتنى مسكينا واحشرنى ~~فى زمرة المساكين يوم القيامة "فقالت عائشة ولم يا رسول الله قال انهم ~~يدخلون الجنة قبل الاغنياء بأربعين خريفا يا عائشة لا تردى المسكين ولو بشق ~~تمرة يا عائشة أحبى المساكين وقربيهم فان الله يقربك يوم القيامة" # قلت لا حجة له فى واحدة من الحجتين أما الاية فالصبر فيها # PageV01P175 # يتناول صبر الشاكر على طاعته وصبره عن مصيبته وصبر المبتلى بالفقر وغيره ~~على بلائه ولو كان المراد بها الصبر على الفقر وحده لم يدل رجحانه على ~~الشكر فإن القرآن كما دل على جزاء الصابرين دل على جزاء الشاكرين أيضا كما ~~قال تعالى وسنجزى الشاكرين وسيجزى الله الشاكرين بل قد أخبر أن رضاه فى ~~الشكر ورضاه أكبر من جزائه بالجنات وما فيها واذا جزى الله الصابرين الغرفة ~~بما صبروا لم يدل ذلك على أنه لا يجزى الشاكرين الغرفة بما شكروا وأما ~~الحديث فلا حجة فيه لوجهين أحدهما أنه لا يحتج بإسناده فانه من رواية محمد ~~بن ثابت الكوفى عن الحارث بن النعمان والحارث هذا لم يحتج به أصحاب الصحيح ~~بل قال فيه البخارى منكر الحديث ولذلك لم يصحح الترمذى حديثه هذا ولا حسنه ~~ولا سكت عنه بل حكم بغرابته # الجواب الثانى: إن الحديث لو صح لم يدل على مطلوبهم فان المسكنة التى ~~يحبها الله من عبده ليست فقر المال بل مسكنة القلب وهى انكساره وذله ms150 وخشوعه ~~وتواضعه لله وهذه المسكنة لا تنافى الغنى ولا يشترط لها الفقر فان انكسار ~~القلب لله ومسكنته لعظمته وجلاله وكبريائه وأسمائه وصفاته أفضل وأعلى من ~~مسكنة عدم المال كما أن صبر الواجد عن معاصى الله طوعا واختيارا وخشية من ~~الله ومحبة له أعلى من صبر الفقير العاجز وقد آتى الله جماعة من أنبيائه ~~ورسله الغنى والملك ولم يخرجهم ذلك عن المسكنة لله # قال الامام أحمد حدثنا يزيد بن هرون أنبأنا الجريرى عن أبى السليل قال ~~كان داود النبى عليه السلام يدخل فينظر أغمص حلقة من بنى إسرائيل فيجلس ~~اليهم ثم يقول مسكين بين ظهرانى مساكين هذا مع ما آتاه الله من الملك ~~والغنى والبسطة زيادة على النبوة # قال أبو الحسين وروى أبو برزة الاسلمى قال قال رسول الله: # PageV01P176 # "إن فقراء المسلمين ليدخلون الجنة قبل أغنيائهم بمقدار أربعين خريفا حتى ~~يتمنى أغنياء المسلمين يوم القيامة أنهم كانوا فقراء فى الدنيا" # قلت هذا الحديث ثابت عن النبى من رواية جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة ~~وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وروى عن أبى سعيد وأنس بن مالك ولا يدل ~~ذلك على علو درجتهم اذا دخلوا الجنة قبل الاغنياء بل انما يدل على السبق ~~لعدم ما يحاسبون عليه ولا ريب أن ولي الأمر العادل يتأخر دخوله للحساب ~~وكذلك الغنى الشاكر ولا يلزهم من تأخر دخولهما نزول درجتهما عن درجة الفقير ~~كما تقدم وانما تمنى الأغنياء أنهم كانوا فى الدنيا فقراء فان صحت هذه ~~اللفظة لم تدل على انحطاط درجتهم كما يتمنى القاضى العادل فى بعض المواطن ~~يوم القيامة أن لم يقض بين اثنين فى تمرة لما يرى من شدة الامر فمنزلة ~~الفقر والخمول ومنزلة السلامة ومنزلة الغنى والولاية ومنزلة الغنيمة أو ~~العطب قال أبو الحسن وروى ابن عمر أن النبى قام فى أصحابه فقال: "أى الناس ~~خير فقال بعضهم غنى يعطى حق نفسه وماله فقال: نعم الرجل هذا وليس به ولكن ~~خير الناس مؤمن فقير يعطى على جهد". # قلت لم ms151 يذكر لهذا الحديث إسناد فينظر فيه وحديث لا يعلم حاله لا يحتج به ~~ولو صح لم يكن فيه دليل لأنه تضمن تفضيل فقير يتصدق من جهد فمعه فقر ~~الصابرين وغنى الشاكرين فقد جمع بين موجب التفضيل وسببه ولا ريب أن هذا ~~أفضل الاقسام الثلاثة ودرهمه الواحد يسبق مائة الف درهم من غيره كما قال ~~النبى: "سبق درهم مائة ألف درهم" قالوا يا رسول الله كيف سبق درهم مائة ألف ~~درهم قال رجل كان له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به وآخر له مال كثير فأخذ من ~~عرضه مائة الف فتصدق بها" رواه النسائى من حديث صفوان بن عيسى حدثنا بن ~~عجلان عن زيد بن أسلم عن ابى صالح عن أبى هريرة رضى الله عنه # وذكر البيهقى من حديث الثورى عن أبى اسحاق عن الحارث عن # PageV01P177 # على رضى الله عنه قال جاء ثلاثة نفر الى النبى فقال أحدهم كانت لى مائة ~~أوقية فتصدقت منها بعشر أواق وقال الآخر كانت لى مائة دينار فتصدقت منها ~~بعشر دنانير وقال الاخر كان لى عشرة دنانير فتصدقت منها بدينار فقال كلكم ~~فى الاجر سواء كلكم قد تصدق بعشر ماله # وقال أبو سعيد بن الاعرابى حدثنا ابن أبى العوام حدثنا يزيد بن هرون ~~حدثنا أبو الاشهب عن الحسن قال قال رجل لعثمان بن عفان رضى الله عنه ذهبتم ~~يا أصحاب الاموال بالخير تتصدقون وتعتقون وتحجون وتنفقون فقال عثمان وإنكم ~~لتغبطوننا وانا لنغبطكم قال فوالله لدرهم ينفقه أحد من جهد خير من عشرة ~~آلاف درهم غيض من فيض # وفى سنن أبى داود من حديث الليث عن ابى الزبير عن يحيى بن جعدة عن ابى ~~هريرة أنه قال يا رسول الله أى الصدقة أفضل قال جهد المقل وابدأ بمن تعول ~~وفى المسند وصحيح ابن حبان من حديث أبى ذر رضى الله عنه قال قلت يا رسول ~~الله أى الصدقة أفضل قال جهد من مقل وفى سنن النسائى من حديث الاوزاعى عن ~~عبيد بن عمير عن عبد الله بن حبشى ms152 أن النبى سئل أى الاعمال أفضل قال ايمان ~~لا شك فيه وجهاد لا غلول فيه وحجة مبرورة قيل فأى الصلاة افضل قال طول ~~القيام قيل فأى الصدقة افضل قال جهد من مقل قيل فأى الهجرة أفضل قال من هجر ~~ما حرم الله عليه قيل فأى الجهاد أفضل قال من أهريق دمه وعقر جواده # وهذه الاحاديث كلها تدل على أن صدقة جهد المقل أفضل من صدقة كثير المال ~~ببعض ماله الذى لا يتبين أثر نقصانه عليه وان كان كثيرا لأن الاعمال تتفاضل ~~عند الله بتفاضل ما فى القلوب لا بكثرتها وصورها بل بقوة الداعى وصدق ~~الفاعل واخلاصه وإيثاره الله على نفسه فأين # PageV01P178 # صدقة من آثر الله على نفسه برغيف هو قوته الى صدقة من أخرج مائة ألف درهم ~~من بعض ماله غيضا من فيض فرغيف هذا درهمه فى الميزان اثقل من مائة ألف هذا ~~والله المستعان # فصل: واحتجوا بما رواه ابن عدى من حديث سليمان بن عبد الرحمن حدثنا خالد ~~بن يزيد عن أبيه عن عطاء سمع أبا سعيد الخدرى يقول سمعت رسول الله يقول: ~~"اللهم توفنى فقيرا ولا توفنى غنيا" وهذا الحديث لا يصح فان خالد بن يزيد ~~بن عبد الرحمن بن مالك الدمشقى أجمعوا على ضعفه وعدم الاحتجاج بحديثه قال ~~أحمد ليس بشئ وقال أبن معين واه ونسبه يحيى الى الكذب وقد تقدم فيه وقد سئل ~~شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذه المسألة فقال قد تنازع كثير من ~~المتأخرين فى الغنى الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل فرجح هذا طائفة من ~~العلماء والعباد ورجح هذا طائفة أخرى من العلماء والعباد وحكى فى ذلك عن ~~الامام أحمد روايتان وأما الصحابة والتابعون رضى الله عنهم فلم ينقل عن أحد ~~منهم تفضيل أحد الصنفين على الآخر وقد قالت طائفة ثالثة ليس لأحدهما على ~~الاخرى فضيلة الا بالتقوى فإيهما أعظم ايمانا وتقوى كان افضل فإن استويا فى ~~ذلك استويا فى الفضيله قال وهذا أصح الاقوال لأن نصوص الكتاب والسنة انما ~~تفضل بالايمان ms153 والتقوى وقد قال تعالى {إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى ~~بهما} وقد كان فى الانبياء والسابقين الاولين من الاغنياء من هو أفضل من ~~أكثر الفقراء وكان فيهم من الفقراء من هو أفضل من أكثر الاغنياء والكاملون ~~يقومون بالمقامين فيقومون بالشكر والصبر على التمام كحال نبينا وحال أبى ~~بكر وعمر رضى الله عنهما # ولكن قد يكون الفقر لبعض الناس أنفع والغنى لآخرين أنفع كما تكون الصحة ~~لبعضهم أنفع والمرض لبعضهم أنفع كما فى الحديث الذى رواه البغوى وغيره عن ~~النبى فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى: "ان # PageV01P179 # من عبادى من لا يصلحه الا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك وان من عبادى من ~~لا يصلحه الا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك وان من عبادى من لا يصلحه الا ~~الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك وان من عبادى من لا يصلحه الا السقم ولو ~~أصححته لأفسده ذلك انى أدبر عبادى انى بهم خبير بصير". # وقد صح عن النبى أنه قال: "ان فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الاغنياء" ~~وفى الحديث الآخر لما علم الفقراء الذكر عقب الصلاة سمع بذلك الاغنياء ~~فقالوا مثل ما قالوا فذكر ذلك الفقراء للنبى فقال {ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء} فالفقراء يتقدمون فى دخول الجنة لخفة الحساب عليهم والاغنياء يؤخرون ~~لأجل الحساب عليهم ثم اذا حوسب أحدهم فإن كانت حسناته أعظم من حسنات الفقير ~~كانت درجته فى الجنة فوقه وان تأخر فى الدخول كما أن السبعين الفا الذين ~~يدخلون الجنة بغير حساب ومنهم عكاشه بن محصن قد يدخل الجنة بحساب من يكون ~~أفضل من أحدهم فى الدرجات لكن أولئك استراحوا من تعب الحساب فهذا فى الفقر ~~المذكور فى الكتاب والسنة وهو ضد الغنى الذى يبيح أخذ الزكاة أو الذى لا ~~يوجب الزكاة # ثم قد صار فى اصطلاح كثير من الناس الفقر عبارة عن الزهد والعبادة ~~والاخلاق ويسمون من اتصف بذلك فقيرا وان كان ذا مال ومن لم يتصف بذلك قالوا ~~ليس بفقير وان لم يكن له مال وقد يسمى ms154 هذا المعنى تصوفا ومن الناس من يفرق ~~بين مسمى الفقير والصوفى ثم من هؤلاء من يجعل مسمى الفقير أفضل ومنهم من ~~يجعل مسمى الصوفى أفضل والتحقيق فى هذا الباب أنه لا ينظر الى الالفاظ ~~المحدثة بل ينظر الى ما جاء به الكتاب والسنة من الاسماء والمعانى والله قد ~~جعل وصف أوليائه الايمان والتقوى فمن كان نصيبه من ذلك أعظم كان أفضل ~~والاغنياء بما سوى ذلك والله أعلم # PageV01P180 ### | الباب الثالث والعشرون: فى ذكر ما احتجت به الفقراء من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار # قالت الفقراء لم يذكر الله سبحانه الغنى والمال فى القرآن الا على أحد ~~وجوه الأول على وجه الذم كقوله تعالى {كلا إن الأنسان ليطغى أن رآه استغنى} ~~وقوله {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} وقوله {ولولا أن يكون ~~الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها ~~يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع ~~الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين} وقال تعالى {فلا تعجبك أموالهم ولا ~~أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم ~~كافرون} وقال تعالى {المال والبنون زينة الحياة الدنيا} وقال {زين للناس حب ~~الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة} الاية ~~ونظائر ذلك كثير # الوجه الثانى: أن يذكره على وجه الابتلاء والامتحان كما قال تعالى {أنما ~~أموالكم وأولادكم فتنة} وقال تعالى {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} وقال تعالى مخبرا عن ابتلائه بالغنى ~~كما ابتلى بالفقر {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي ~~أكرمن} الاية وقال تعالى {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} # الوجه الثالث: اخباره سبحانه وتعالى أن الاموال والاولاد لا تقرب اليه ~~شيئا # وانما يقرب اليه الايمان والعمل الصالح كما قال {وما أموالكم # PageV01P181 # ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم ~~جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون} # الوجه الرابع: ms155 إخباره أن الدنيا والغنى والمال انما جعلها متعة لمن لا ~~نصيب له فى الاخرة وأن الآخرة جعلها للمتقين فقال تعالى {ولا تمدن عينيك ~~إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير ~~وأبقى} وقال تعالى {ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في ~~حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} وإلى هذا المعنى أشار النبى بقوله "لعمر أما ~~ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة" وسيأتى الحديث # الوجه الخامس: أنه سبحانه لم يذكر المترفين وأصحاب الثروة إلا بالذم ~~كقوله {إنهم كانوا قبل ذلك مترفين} وقوله {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها} وقوله تعالى {لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ~~ومساكنكم لعلكم تسألون} # الوجه السادس أنه سبحانه ذم محب المال فقال وتأكلون التراث أكلا لما ~~وتحبون المال حبا جما فذمهم بحب المال وعيرهم به # الوجه السابع: أنه سبحانه ذم متمنى الدنيا والغنى والسعة فيها ومدح من ~~أنكر عليهم وخالفهم فقال تعالى عن أغنى أهل زمانه فخرج على قومه فى زينته ~~قال الذين يريدون الحياة الدنيا ياليت لنا مثل ما أوتى قارون انه لذو حظ ~~عظيم وقال الذين أوتو العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا ~~يلقاها الا الصابرون فأخبروا أن ما عند الله خير من الدنيا لمن آمن وعمل ~~صالحا ولا يلقى هذه الوصية وهى الكلمة التى تكلم بها الذين أوتوا العلم أو ~~المثوبة والجنة التى دل عليها قوله ثواب الله خير والسيرة والطريقة التى دل ~~عليها قوله لمن آمن وعمل # PageV01P182 # صالحا وعلى كل حال لا يلقى ذلك إلا الصابرون على الفقر وعن الدنيا ~~وشهواتها وما أترف فيه الاغنياء وقد شهد الله سبحانه لهم أنهم من أهل العلم ~~دون الذين تمنوا الدنيا وزينتها # الوجه الثامن: انه سبحانه أنكر على من ظن أن التفضيل يكون بالمال الذى ~~يحتاج اليه لاقامة الملك فكيف بما هو زيادة وفضلة فقال تعالى {وقال لهم ~~نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له ms156 الملك علينا ونحن ~~أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة ~~في العلم والجسم} فرد الله سبحانه قولهم وأخبر سبحانه أن الفضل ليس بالمال ~~كما توهموه وأن الفضل بالعلم لا بالمال وقال سبحانه قال بفضل الله وبرحمته ~~فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ففضله ورحمته العلم والايمان والقرآن ~~والذى يجمعونه هو المال وأسبابه ومثله قوله تعالى أهم يقسمون رحمة ربك الى ~~قوله ورحمة ربك خير مما يجمعون # الوجه التاسع: انه سبحانه أخبر أن التكاثر فى جمع المال وغيره ألهى الناس ~~وشغلهم عن الآخرة والاستعداد لها وتوعدهم على ذلك فقال تعالى {ألهاكم ~~التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون} فأخبر سبحانه ~~أن التكاثر شغل أهل الدنيا وألهاهم عن الله والدار الآخرة حتى حضرهم الموت ~~فزاروا المقابر ولم يفيقوا من رقدة من ألهاهم التكاثر وجعل الغاية زيارة ~~المقابر دون الموت ايذانا بأنهم غير مستوطنين ولا مستقرين فى القبور وأنهم ~~فيها بمنزلة الزائرين يحضرونها مدة ثم يظعنون عنها كما كانوا فى الدنيا ~~زائرين لها غير مستقرين فيها ودار القرار هى الجنة أو النار ولم يعين ~~سبحانه المتكاثر به بل ترك ذكره اما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشئ لا ~~المتكاثر به كما يقال شغلك اللعب واللهو ولم يذكر ما يلعب ويلهو به واما ~~ارادة الاطلاق وهو كل ما تكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا من مال أو ~~جاه أو عبيد أو اماء أو # PageV01P183 # بناء أو غراس أو علم لا ينبغى به وجه الله أو عمل لا يقربه الى الله فكل ~~هذا من التكاثر الملهى عن الله والدار الآخرة # وفى صحيح مسلم من حديث عبد الله بن الشخير أنه قال: "انتهيت الى النبى ~~وهو يقرأ ألهاكم التكاثر قال يقول ابن آدم مالى مالى وهل لك من مالك الا ما ~~تصدقت فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت"، ثم أوعد سبحانه من ألهاه ~~التكاثر وعيدا مؤكدا اذا عاين تكاثره هباء منثورا وعلم دنياه ms157 التى كاثر بها ~~انما كانت خدعا وغرورا فوجد عاقبة تكاثره عليه لا له وخسر هنالك تكاثره كما ~~خسر أمثاله وبدا له من الله ما لم يكن فى حسابه وصار تكاثره الذى شغله عن ~~الله والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه فعذب بتكاثره فى دنياه ثم عذب به ~~فى البرزخ ثم يعذب به يوم القيامة فكان أشقى بتكاثره اذ أفاد منه العطب دون ~~الغنيمة والسلامة فلم يفز من تكاثره الا بأن صار من الأقلين ولم يحفظ به من ~~علوه به فى الدنيا بأن حصل مع الاسفلين فيا له تكاثرا ما أقله ورزءا ما ~~أجله ومن غنى جالبا لكل فقر وخيرا توصل به الى كل شر يقول صاحبه اذا انكشف ~~عنه غطاؤه يا ليتنى قدمت لحياتى وعملت فيه بطاعة الله قبل وفاتى رب ارجعونى ~~لعلى أعمل صالحا فيما تركت كلا انها كلمة هو قائلها تلك كلمة يقولها فلا ~~يعول عليها ورجعة يسألها فلا يجاب إليها # وتأمل قوله أولا {رب} استغاث بربه ثم التفت الى الملائكة الذين أمروا ~~بإحضاره بين يدى ربه تبارك وتعالى فقال أرجعونى ثم ذكر سبب سؤال الرجعة وهو ~~أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه وسلطانه وقوته وأسبابه ~~فيقال له كلا لا سبيل لك الى الرجعى وقد عمرت ما يتذكر فيه من تذكر # ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استغاث وأن يفسح له فى المهلة ~~لتيذكر مافاته أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة هو # PageV01P184 # قائلها لا حقيقة تحتها وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحا لو أجيب ~~وانما ذلك شئ يقوله بلسانه وأنه لو رد لعاد لما نهى عنه وأنه من الكاذبين ~~فحكمه أحكم الحاكمين وعزته وعلمه وحمده يأبى اجابته الى ما سأل فإنه لا ~~فائدة فى ذلك ولو رد لكانت حالته الثانية مثل حالته الاولى كما قال تعالى ~~ولو ترى اذ وقفوا على النار قالوا ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون ~~من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من ms158 قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا ~~عنه وانهم لكاذبون # وقد حام أكثر المفسرين حول معنى هذه الآية وما أوردوا فراجع أقوالهم ~~تجدها لا تشفى عليلا ولا تروى غليلا ومعناها أجل وأعظم مما فسروها به ولم ~~يتفطنوا لوجه الاضراب ببل ولا للأمر الذى بدا لهم وكانوا يخفونه وطنوا أن ~~الذى بدا لهم العذاب فلما لم يروا ذلك ملتئما مع قوله {ما كانوا يخفون من ~~قبل} قد روا مضافا محذوفا وهو خبر ما كانوا يخفون من قبل فدخل عليهم أمر ~~آخر لا جواب لهم عنه وهو أن القوم لم يكونوا يخفون شركهم وكفرهم بل كانوا ~~يظهرونه ويدعون إليه ويحاربون عليه ولما علموا أن هذا وارد عليهم قالوا ان ~~القوم فى بعض موارد القيامة ومواطنها أخفوا شركهم وجحدوه وقالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين فلما وقفوا على النار بدا لهم جزاء ذلك الذى أخفوه قال ~~الواحدى وعلى هذا أهل التفسير ولم يصنع أرباب هذا القول شيئا فإن السياق ~~والاضراب ببل والاخبار عنهم بأنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وقولهم ~~والله ربنا ما كنا مشركين لا يلتئم بهذا الذى ذكروه فتأمله # وقالت طائفة منهم الزجاج بل بدا للاتباع ما أخفاه عنهم الرؤساء من أمر ~~البعث وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير وفيه من التكلف ما ليس بخاف واجود من ~~هذا ما فهمه المبرد من الآية قال كأن كفرهم لم يكن باديا لهم اذ خفيت عليهم ~~مضرته ومعنى كلامه أنهم لما خفيت عليهم مضرة عاقبته ووباله فكأنه كان خفيا ~~عنهم لم تظهر لهم حقيقته فلما عاينوا # PageV01P185 # العذاب ظهرت لهم حقيقته وشره قال وهذا كما تقول لمن كنت حدثته فى أمر قبل ~~وقد ظهر لك الآن ما كنت قلت لك وقد كان ظاهرا له قبل هذا ولا يسهل أن يعبر ~~عن كفرهم وشركهم الذى كانوا ينادون به على رءوس الاشهاد ويدعون اليه كل ~~حاضر وباد بأنهم كانوا يخفونه لخفاء عاقبته عنهم ولا يقال لمن أظهر الظلم ~~والفساد وقتل النفوس والسعى فى الأرض بالفساد أنه أخفى ذلك ms159 لجهله بسوء ~~عاقبته وخفائها عليه # فمعنى الآية والله أعلم بما أراد من كلامه أن هؤلاء المشركين لما وقفوا ~~على النار وعاينوها وعلموا أنهم داخلوها تمنوا أنهم يردون الى الدنيا ~~فيؤمنون بالله وآياته ولا يكذبون رسله فأخبر سبحانه أن الأمر ليس كذلك ~~وأنهم ليس فى طبائعهم وسجاياهم الايمان بل سجيتهم الكفر والشرك والتكذيب ~~وأنهم لو ردوا لكانوا بعد الرد كما كانوا قبله وأخبر أنهم كاذبون فى زعمهم ~~أنهم لو ردوا لآمنوا وصدقوا # فإذا تقرر مقصود الآية ومرادها تبين معنى الاضراب ببل وتبين معنى الذى ~~بدا لهم والذى كانوا يخفونه والحامل لهم على قولهم يا ليتنا نرد ولا نكذب ~~بآيات ربنا فالقوم كانوا يعلمون أنهم كانوا فى الدنيا على باطل وأن الرسل ~~صدقوهم فيما بلغوهم عن الله وتيقنوا ذلك وتحققوه ولكنهم أخفوه ولم يظهروه ~~بينهم بل تواصوا بكتمانه فلم يكن الحامل لهم على تمنى الرجوع والايمان ~~معرفة ما لم يكونوا يعرفونه من صدق الرسل فإنهم كانوا يعلمون ذلك ويخفونه ~~وظهر لهم يوم القيامة ما كانوا ينطوون عليه من علمهم أنهم على باطل وأن ~~الرسل على الحق فعاينوا ذلك عيانا بعد أن كانوا يكتمونه ويخفونه فلو ردوا ~~لما سمحت نفوسهم بالايمان ولعادوا الى الكفر والتكذيب فإنهم لم يتمنوا ~~الايمان لعلمهم يومئذ أنه هو الحق وأن الشرك باطل وانما تمنوا لما عاينوا ~~العذاب الذى لا طاقة لهم باحتماله وهذا كمن كان يخفى محبة شخص ومعاشرته وهو ~~يعلم أن حبه باطل وأن الرشد فى عدوله عنه فقيل له ان اطلع عليه وليه عاقبك ~~وهو يعلم # PageV01P186 # ذلك ويكابر ويقول بل محبته ومعاشرته هى الصواب فلما أخذه وليه ليعاقبه ~~على ذلك وتيقن العقوبة تمنى أن يعفى من العقوبة وأنه لا يجتمع به بعد ذلك ~~وفى قلبه من محبته والحرص على معاشرته ما يحمله على المعاوده بعد معاينة ~~العقوبة بل بعد أن مسته وأنهكته فظهر له عند العقوبة ما كان يخفى من معرفته ~~بخطئه وصواب ما نهاه عنه ولو رد لعاد لما نهى عنه # وتأمل مطابقة الاضراب لهذا ms160 المعنى وهو نفى قولهم انا لو رددنا لآمنا ~~وصدقنا لأنه ظهر لنا الآن أن ما قاله الرسل هو الحق أى ليس كذلك بل كنتم ~~تعلمون ذلك وتعرفونه وكنتم تخفونه فلم يظهر لكم شئ لتكونوا عالمين به ~~لتعذروا بل ظهر لكم ما كان معلوما وكنتم تتواصون بإخفائه وكتمانه والله ~~أعلم # ولا تستطل هذا الفضل المعترض فى أثناء هذه المسألة فلعله أهم منها وأنفع ~~وبالله التوفيق فلنرجع الى تمام الكلام فيها # وقوله {كلا لو تعلمون علم اليقين} جوابه محذوف دل عليه ما تقدم أى لما ~~ألهاكم التكاثر وانما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لما فقد ~~منكم علم اليقين وهو العلم الذى يصل به صاحبه الى حد الضروريات التى لا يشك ~~ولا يمارى فى صحتها وثبوتها ولو وصلت حقيقة هذا العلم الى القلب وباشرته ~~لما ألهاه عن موجبه ويرتب أثره عليه فإن مجرد العلم بقبح الشئ وسوء عواقبه ~~قد لا يكفى فى تركه فإذا صار له علم اليقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد ~~فاذا صار عين يقين كجملة المشاهدات كان تخلف موجبه عنه من أندر شئ وفى هذا ~~المعنى قال حسان بن ثابت رضى الله عنه فى أهل بدر: # سرنا وساروا إلى بدر لحتفهم ... لو يعلمون يقين العلم ما ساروا # وقوله {كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون} قيل تأكيد لحصول العلم كقوله ~~{كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون} وقيل ليس # PageV01P187 # تأكيدا بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت والعلم الثانى فى القبر ~~هذا قول الحسن ومقاتل ورواه عطاء عن ابن عباس ويدل على صحة هذا القول عدة ~~أوجه أحدها أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل وقد أمكن اعتباره مع ~~فخامة المعنى وجلالته وعدم الاخلال بالفصاحة الثانى توسط ثم بين العلمين ~~وهى مؤذنة بتراخى ما بين المرتبتين زمانا وخطرا الثالث ان هذا القول مطابق ~~للواقع فإن المحتصر يعلم عند المعاينة حقيقة ما كان عليه ثم يعلم فى القبر ~~وما بعده ذلك علما هو فوق الأول الرابع أن عليا بن أبى ms161 طالب رضى الله عنه ~~وغيره من السلف فهموا من الآية عذاب القبر قال الترمذى حدثنا أبو كريب ~~حدثنا حكام بن سليم الرازى عن عمرو بن أبى قيس عن الحجاج بن المنهال بن عمر ~~عن زر عن على رضى الله عنه قال ما زلنا نشك فى عذاب القبر حتى نزلت الهاكم ~~التكاثر # قال الواحدى: يعنى أن معنى قوله {كلا سوف تعلمون} فى القبر # الخامس: ان هذا مطابق لما بعده من قوله {لترون الجحيم ثم لترونها عين ~~اليقين} فهذه الرؤية الثانية غير الأولى من وجهين إطلاق الأولى وتقييد ~~الثانية بعين اليقين وتقدم الأولى وتراخى الثانية عنها ثم ختم السورة ~~بالاخبار المؤكد بواو القسم ولام التأكيد والنون الثقيلة عن سؤال النعيم ~~فكل أحد يسأل عن نعيمه الذى كان فيه فى الدنيا هل ناله من حلاله ووجهه أم ~~لا فاذا تخلص من هذا السؤال سئل سؤالا آخر هل شكر الله تعالى عليه فاستعان ~~به على طاعته أم لا فالأول سؤال عن سبب استخراجه والثانى عن محل صرفه كما ~~فى جامع الترمذى من حديث عطاء بن أبى رباح عن ابن عمر عن النبى قال: " لا ~~تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسئل عن خمس عن عمره فيما ~~أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن ماذا ~~عمل فيما علم". # PageV01P188 # وفيه أيضا عن أبى برزة قال قال رسول الله: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة ~~حتى يسئل عن عمره فيما أفناه وعن علمه فيما عمل فيه وعن ماله من أين اكتسبه ~~وفيما أبلاه" قال هذا حديث صحيح # وفيه أيضا من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ان أول ما ~~يسئل عنه العبد يوم القيامة يعنى من النعيم أن يقال له ألم نصح جسمك ونرويك ~~من الماء البارد # وفيه أيضا من حديث الزبير بن العوام رضى الله عنه لما نزلت لتسئلن يومئذ ~~عن النعيم قال الزبير يا رسول الله فأى النعيم نسئل عنه وانما ms162 هو الأسودان ~~التمر والماء قال أما انه سيكون قال هذا حديث حسن وعن أبى هريرة نحوه وقال ~~انما هو الاسودان العدو حاضر سيوفنا على عواتقنا قال ان ذلك سيكون وقوله ان ~~ذلك سيكون إما أن يكون المراد به أن النعيم سيكون ويحدث لكم وإما أن يرجع ~~الى السؤال أي ان السؤال يقع عن ذلك وان كان تمرا وماء فانه من النعيم ويدل ~~عليه قوله فى + الحديث الصحيح + وقد أكلوا معه رطبا ولحما وشربوا من الماء ~~البارد "هذا من النعيم الذى تسئلون عنه يوم القيامة" فهذا سؤال عن شكره ~~والقيام بحقه # وفى الترمذى من حديث أنس رضى الله عنه عن النبى قال: "يجاء بالعبد يوم ~~القيامة كأنه بذج فيوقف بين يدى الله تعالى فيقول الله أعطيتك وخولتك ~~وأنعمت عليك فماذا صنعت فيقول يا رب جمعته وثمرته فتركته أوفر ما كان ~~فارجعنى آتيك به فاذا أعيد لم يقدم خيرا فيمضى به الى النار" وفيه من حديث ~~أبى سعيد وأبى هريرة رضى الله عنهما قالا قال رسول الله: "يؤتى بالعبد يوم ~~القيامة فيقول الله ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا وسخرت لك الأنعام ~~والحرث وتركتك ترأس # PageV01P189 # وترتع أفكنت تظن أنك ملاق يومك هذا فيقول لا فيقول له اليوم أنساك كما ~~نسيتنى" قال هذا حديث صحيح # وقد زعم طائفة من المفسرين أن هذا الخطاب خاص بالكفار وهم المسؤلون عن ~~النعيم وذكر ذلك عن الحسن ومقاتل واختار الواحدى ذلك واحتج بحديث ابى بكر ~~لما نزلت هذه الآية قال رسول الله أرأيت أكلة أكلتها معك ببيت أبى الهيثم ~~بن النبهان من خبز شعير ولحم وبسر قد ذنب وماء عذب أتخاف علينا أن يكون هذا ~~من النعيم الذى نسأل عنه فقال رسول الله انما ذلك للكفار ثم قرأ وهل نجازى ~~إلا الكفور قال الواحدى والظاهر يشهد بهذا القول لأن السورة كلها خطاب ~~للمشركين وتهديد لهم والمعنى أيضا يشهد بهذا القول وهو أن الكفار لم يؤدوا ~~حق النعيم عليهم حيث اشركوا به وعبدوا غيره فاستحقوا أن يسئلوا ms163 عما أنعم به ~~عليهم توبيخا لهم هل قاموا بالواجب فيه أم ضيعوا حق النعمة ثم يعذبون على ~~ترك الشكر بتوحيد المنعم قال وهذا معنى قول مقاتل وهو قول الحسن قال لا ~~يسئل عن النعيم الا أهل النار # قلت ليس فى اللفظ ولا فى السنة الصحيحة ولا فى أدلة العقل ما يقتضى ~~اختصاص الخطاب بالكفار بل ظاهر اللفظ وصريح السنة والاعتبار يدل على عموم ~~الخطاب لكل من اتصف بإلهاء التكاثر له فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين ~~بذلك ويدل على ذلك قول النبى عند قراءة هذه السورة يقول ابن آدم مالى مالى ~~وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فابليت الحديث وهو فى صحيح مسلم ~~وقائل ذلك قد يكون مسلما وقد يكون كافرا ويدل عليه أيضا الأحاديث التى ~~تقدمت وسؤال الصحابة النبى وفهمهم العموم حتى قالوا له وأى نعيم نسئل عنه ~~وانما هو الاسودان فلو كان الخطاب مختصا # PageV01P190 # بالكفار لبين لهم ذلك وقال ما لكم ولها انما هى للكفار فالصحابة فهموا ~~التعميم والأحاديث صريحة فى التعميم والذى أنزل عليه القرآن أقرهم على فهم ~~العموم # وأما حديث ابى بكر الذى أحتج به أرباب هذا القول فحديث لا يصح والحديث ~~الصحيح فى تلك القصة يشهد ببطلانه ونحن نسوقه بلفظه ففى صحيح مسلم عن ابى ~~هريرة قال: "خرج رسول الله ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبى بكر وعمر فقال ما ~~أخرجكما من بيوتكما فى هذه الساعة قالا الجوع يا رسول الله قال وأنا والذى ~~نفسى بيده لأخرجنى الذى أخرجكما قوما فقاما معه فأتى رجلا من الأنصار فإذا ~~هو ليس فى بيته فلما رأته امرأته قالت مرحبا وأهلا فقال لها رسول الله وأين ~~فلان قالت ذهب يستعذب لنا من الماء إذ جاء الأنصارى فنظر الى رسول الله ~~وصاحبيه فقال الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا منى قال فانطلق فجاءهم ~~بعذق فيه بسر وتمر ورطب فقال كلوا من هذا فأخذ المدية فقال له رسول الله ~~إياك والحلوبة فذبح لهم فأكلوا من ms164 الشاة ومن ذلك العذق وشربوا فلما أن ~~شبعوا ورووا قال رسول الله لابى بكر وعمر والذى نفسى بيده لتسئلن عن هذا ~~النعيم يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا ~~النعيم" فهذا الحديث الصحيح صريح فى تعميم الخطاب وأنه غير مختص بالكفار # وايضا فالواقع يشهد بعدم اختصاصه وأن الالهاء بالتكاثر واقع من المسلمين ~~كثيرا بل أكثرهم قد الهاه التكاثر وخطاب القرآن عام لمن بلغه وان كان أول ~~من دخل فيه المعاصرين لرسول الله فهو متناول لمن بعدهم وهذا معلوم بضرورة ~~الدين وان نازع فيه من لا يعتد بقوله من المتأخرين فنحن اليوم ومن قبلنا ~~ومن بعدنا داخلون تحت قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} ~~ونظائره كما دخل # PageV01P191 # تحته الصحابة بالضرورة المعلومة من الدين فقوله ألهاكم التكاثر خطاب لكل ~~من اتصف بهذا الوصف وهم فى الالهاء والتكاثر درجات لا يحصيها الا الله # فإن قيل فالمؤمنون لم يلههم التكاثر ولهذا لم يدخلوا فى الوعيد المذكور ~~لمن الهاه قيل هذا هو الذى أوجب لأرباب هذا القول تخصيصه بالكفار لأنه لم ~~يمكنهم حمله على العموم ورأوا أن الكفار أحق بالوعيد فخصوهم به وجواب هذا ~~أن الخطاب للانسان من حيث هو إنسان على طريقة القرآن فى تناول الذم له من ~~حيث هو إنسان كقوله {وكان الإنسان عجولا} {وكان الإنسان قتورا} {إن الإنسان ~~لربه لكنود} {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} {إن الإنسان لكفور} ~~ونظائره كثيرة فالانسان من حيث هو عار عن كل خير من العلم النافع والعمل ~~الصالح وانما الله سبحانه هو الذى يكمله بذلك ويعطيه إياه وليس له ذلك من ~~نفسه بل ليس له من نفسه إلا الجهل المضاد للعلم والظلم المضاد للعدل وكل ~~علم وعدل وخير فيه فمن ربه لا من نفسه فإلهاء التكاثر طبيعته وسجيته التى ~~هى له من نفسه ولا خروج له عن ذلك الا بتزكية الله له وجعله مريدا للآخرة ~~مؤثرا لها على التكاثر بالدنيا فان أعطاه ذلك وإلا فهو ملته بالتكاثر فى ms165 ~~الدنيا ولا بد # وأما احتجاجه بالوعيد على اختصاص الخطاب بالكفار فيقال الوعيد المذكو ~~مشترك وهو العلم عند معاينة الآخرة فهذا أمر يحصل لكل أحد لم يكن حاصلا له ~~فى الدنيا وليس فى قوله {سوف تعلمون} ما يقتضى دخول النار فضلا عن التخليد ~~فيها وكذلك رؤية الجحيم لا يستلزم دخولها لكل من رآها فان أهل الموقف ~~يرونها ويشاهدونها عيانا وقد اقسم الرب تبارك وتعالى أنه لا بد أن يراها ~~الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم فليس فى جملة هذه السورة ما ينفى ~~عموم خطابها وأما # PageV01P192 # ما ذكره عن الحسن أنه لا يسأل عن النعيم الا أهل النار فباطل قطعا اما ~~عليه واما منه والاحاديث الصحيحة الصريحة ترده وبالله التوفيق # ولا يخفى أن مثل هذه السورة مع عظم شأنها وشدة تخويفها وما تضمنته من ~~تحذير الملهى وانطباق معناها على أكثر الخلق يأبى اختصاصها من أولها الى ~~آخرها بالكفار ولا يليق ذلك بها ويكفى فى ذلك تأمل الاحاديث المرفوعة فيها ~~والله أعلم # وتأمل ما فى هذا العتاب الموجع لمن استمر على الهاء التكاثر له مدة حياته ~~كلها الى أن زار القبور ولم يستيقظ من نوم الالهاء بل أرقد التكاثر قلبه ~~فلم يستفق منه الا وهو فى عسكر الأموات وطابق بين هذا وبين حال أكثر الخلق ~~يتبين لك أن العموم مقصود وتأمل تعليقه سبحانه الذم والوعيد على مطلق ~~التكاثر من غير تقييد بمتكاثر به ليدخل فيه التكاثر بجميع أسباب الدنيا على ~~اختلاف أجناسها وأنواعها وأيضا فان التكاثر تفاعل وهو طلب كل من المتكاثرين ~~أن يكثر صاحبه فيكون أكثر منه فيما يكاثره به والحامل له على ذلك توهمه أن ~~العزة للكاثر كما قيل: # ولست بالأكثر منهم حصى ... وانما العزة للكاثر # فلو حصلت له الكثرة من غير تكاثر لم تضره كما كانت الكثرة حاصلة لجماعة ~~من الصحابة ولم تضرهم اذ لم يتكاثروا بها وكل من كاثر انسانا فى دنياه أو ~~جاهه أو غير ذلك شغلته مكاثرته عن مكاثرة أهل الآخرة فالنفوس الشريفة ~~العلوية ذات الهمم العالية ms166 انما تكاثر بما يدوم عليها نفعه وتكمل به وتزكو ~~وتصير مفلحة فلا تحب أن يكثرها غيرها فى ذلك وينافسها فى هذه المكاثرة ~~ويسابقها اليها فهذا هو التكاثر الذى هو غاية سعادة العبد وضده تكاثر أهل ~~الدنيا بأسباب دنياهم فهذا تكاثر مله عن الله والدار الاخرة هو صائر الى ~~غاية القلة فعاقبة هذا التكاثر قل وفقر وحرمان والتكاثر بأسباب السعادة ~~الاخروية تكاثر لا يزال بذكر بالله ولقائه وعاقبته الكثرة الدائمة التى لا ~~تزول ولا تفنى وصاحب هذا # PageV01P193 # التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولا وأحسن منه عملا وأغزر ~~علما واذا رأى غيره أكثر منه فى خصلة من خصال الخير يعجز عن لحاقه فيها ~~كاثره بخصلة أخرى هو قادر على المكاثرة بها وليس هذا التكاثر مذموما ولا ~~قادحا فى اخلاص العبد بل هو حقيقة المنافسة واستباق الخيرات # وقد كانت هذه حال الاوس مع الخزرج رضى الله عنهم فى تصاولهم بين يدى رسول ~~الله ومكاثرة بعضهم لبعض فى اسباب مرضاته ونصره وكذلك كانت حال عمر مع أبى ~~بكر رضى الله عنهما فلما تبين له مدى سبقه له قال والله لا أسابقك الى شئ ~~أبدا # فصل: ومن تأمل حسن موقع كلا فى هذا الموضع فانها تضمنت ردعا لهم وزجرا عن ~~التكاثر ونفيا وابطالا لما يؤملونه من نفع التكاثر لهم وعزتهم وكمالهم به ~~فتضمنت اللفظة نهيا ونفيا وأخبرهم سبحانه أنهم لا بد أن يعلموا عاقبة ~~تكاثرهم علما بعد علم وأنهم لا بد أن يروا دار المكاثرين بالدنيا التى ~~ألهتهم عن الاخرة رؤية بعد رؤية وأنه سبحانه لا بد أن يسألهم عن اسباب ~~تكاثرهم من أين استخرجوها وفيما صرفوها # فلله ما أعظمها من سورة وأجلها وأعظمها فائدة وأبلغها موعظة وتحذيرا ~~واشدها ترغيبا فى الآخرة وتزهيدا فى الدنيا على غاية اختصارها وجزالة ~~ألفاظها وحسن نظمها فتبارك من تكلم بها حقا وبلغها رسوله عنه وحيا # فصل: وتأمل كيف جعلهم عند وصولهم الى غاية كل حى زائرين غير مستوطنين بل ~~هم مستودعون فى المقابر مدة وبين ms167 أيديهم دار القرار فإذا كانوا عند وصولهم ~~الى الغاية زائرين فكيف بهم وهم فى الطريق فى هذه الدار فهم فيها عابرو ~~سبيل الى محل الزيارة ثم منتقلون من محل الزيارة إلى المستقر فهنا هنا ~~ثلاثة أمور عبور السبيل فى هذه الدنيا وغايته زيارة القبور وبعدها النقلة ~~إلى دار القرار. # PageV01P194 # فصل: فلنرجع الى تمام المناظرة قالوا فالله تعالى حمى أولياءه عن الدنيا ~~وصانهم عنها ورغب بهم عنها تكريما لهم وتطهيرا عن أدناسها ورفعة عن دناءتها ~~وذمهالهم وأخبرهم بهوانها عليه وسقوط قدرها عنده وأعلمهم أن بسطها فتنة ~~وأنه سب الطغيان والفساد فى الارض وإلهاء التكاثر بها عن طلب الاخرة وأنها ~~متاع الغرور وذم محبيها ومؤثريها وأخبر أن من أرادها أو أراد زينتها وحرثها ~~فليس له فى الاخرة من نصيب واخبر أن بسطها فتنة وابتلاء لا كرامة ومحبة وإن ~~إمداد أهلها بها ليس مسارعة لهم فى الخيرات وأنها لا تقرب اليه ولا تزلف ~~لديه وأنه لولا تتابع الناس فى الكفر لأعطى الكفار منها فوق مناهم ووسعها ~~عليهم أعظم التوسعة بحيث يجعل سقوف بيوتهم وأبوابهم ومعارجهم وسررهم كلها ~~من فضة وأخبر أنه زينها لأعدائه ولضعفاء العقول الذين لا نصيب لهم فى ~~الاخرة ونهى رسوله عن مد عينيه اليها والى مامتع به أهلها وذم من أذهب ~~طيباته فيها واستمتع بها وقال لنبيه ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل ~~فسوف يعلمون وفى هذا تعزية لما منعه أولياءه من التمتع بالدنيا وكثرة الأكل ~~فيها وتأديب لمن بسط له فيها ألا يطغى فيها ولا يعطى نفسه شهواتها ولا ~~يتمتع بها ولام سبحانه محبيها المفتخرين بها المكاثرين بها الظانين أن ~~الفضل والكرامة فى سعتها وبسطها فأكذبهم الله سبحانه # واخبر أنه ليس كما قالوه ولا توهموه ومثلها لعباده بالأمثلة التى تدعو كل ~~لبيب عاقل الى الزهد فيها وعدم الوثوق بها والركون اليها فأحضر صورتها ~~وحقيقتها فى قلوبهم بما ضربه لها مثلا كماء أنزله من السماء فخالط نبات ~~الأرض فلما أخذت به الارض زخرفها وتزينت بأنواع النبات أتاها أمره فجعل تلك ~~الزينة ms168 يبسا هشيما تذروه الرياح كأن لم يكن قط منه شيء # وأخبر سبحانه عن فنائها وسرعة انقضائها وأنه اذا عاين العبد الأخرة فكأنه ~~لبث فيها ساعة من نهار أو يوما أو بعض يوم ونهى سبحانه عباده # PageV01P195 # أن يغتروا بها واخبرهم أنها لهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر ومتاع غرور ~~وطريق ومعبر الى الاخرة وأنها عرض عاجل لابقاء له ولم يذكر مريدها بخير قط ~~بل حيث ذكره ذمه وأخبر أن مريدها مخالف لربه تعالى فى ارادته فالله يريد ~~شيئا ومريد الدنيا يريد خلافه فهو مخالف لربه بنفس ارادته كفى بهذا بعدا ~~عنه سبحانه واخبر سبحانه عن أهل النار انهم انما دخلوها بسبب غرور الدنيا ~~وأمانيها لهم قالوا وهذا كله تزهيد لهم منه سبحانه فيها وترغيب فى التقلل ~~منها ما أمكن # قالوا وقد عرضها سبحانه وعرض مفاتيح كنوزها على أحب الخلق اليه وأكرمهم ~~عليه عبده ورسوله محمد فلم يردها ولم يخترها ولو أثرها وارادها لكان أشكر ~~الخلق بما اخذه منها وأنفقه كله فى مرضاة الله وسبيله قطعا بل اختار التقلل ~~منها وصبر على شدة العيش فيها # قال الامام أحمد حدثنا اسماعيل بن محمد حدثنا عباد يعنى ابن عباد حدثنا ~~مجالد بن سعيد عن الشعبى عن مسروق عن عائشة رضى الله عنها قالت: "دخلت على ~~امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله عباءة مثنية فرجعت الى منزلها فبعثت ~~إلى بفراش حشوه الصوف فدخل على رسول الله فقال ما هذا فقلت فلانة الانصارية ~~دخلت على فرأت فراشك فبعثت الى بهذا فقال رديه فلم أرده وأعجبنى أن يكون فى ~~بيتى حتى قال ذلك ثلاث مرات فقال يا عائشة رديه والله لو شئت لأجرى الله ~~معى جبال الذهب والفضة" # وعرض عليه مفاتيح كنوز الدنيا فلم يأخذها وقال بل أجوع يوما وأشبع يوما ~~فاذا جعت تضرعت اليك وذكرتك وإذا شبعت حمدتك وشكرتك وسأل ربه أن يجعل رزق ~~أهله قوتا كما فى الصحيحين من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول ~~الله: " اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا" ms169 وفيهما عنه قال: "والذى نفس أبى ~~هريرة بيده ما شبع نبى الله وأهله ثلاثة أيام تباعا من خبز حنطة حتى فارق ~~الدنيا". # PageV01P196 # وفى صحيح البخارى عن أنس رضى الله عنه ما أعلم أن رسول الله رأى رغيفا ~~مرققا ولا شاة سميطا قط حتى لحق بربه وفى صحيحه أيضا عنه قال خرج رسول الله ~~ولم يشبع من خبز الشعير وفى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها: "ما شبع آل ~~محمد منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعا حتى قبض" وفى صحيح مسلم ~~عن عمر رضى الله عنه: "لقد رأيت رسول الله يظل اليوم ما يجد دقلا يملأ ~~بطنه" # وفى المسند والترمذى عن ابن عباس رضى الله عنهما كان رسول الله يبيت ~~الليالى المتتابعات طاويا وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم خبز الشعير ~~قال الترمذى هذا حديث حسن صحيح وفى الترمذى من حديث أبى أمامة ما كان يفضل ~~أهل بيت رسول الله خبز الشعير وفى المسند عن عائشة رضى الله عنها والذى بعث ~~محمدا بالحق ما رأى منخلا ولا أكل خبزا منخولا منذ بعثه الله عز وجل الى أن ~~قبض قال عروة فقلت فكيف كنتم تأكلون الشعير قالت كنا نقول أف أى ننفخه ~~فيطير ما طار ونعجن الباقى # وفى صحيح البخارى عن أنس قال: " لقد رهن رسول الله درعه بشعير ولقد سمعته ~~يقول ما أصبح لآل محمد صاع ولا أمسى وانهم لتسعة ابيات" وفى مسند الحارث عن ~~أبى أسامة عن أنس: " أن فاطمة رضى الله عنها جاءت بكسرة خبز الى النبى فقال ~~ما هذه الكسرة يا فاطمة قالت قرص خبزته فلم تطب نفسى حتى أتيتك بهذه الكسرة ~~فقال أما إنه أول طعام دخل فى فم أبيك منذ ثلاثة أيام". # وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا عبد الواحد بن أيمن عن ابيه عن جابر ~~رضى الله عنه قال لما حفر رسول الله الخندق أصابهم جهد شديد حتى ربط النبى ~~على بطنه حجرا من الجوع # وقد أسرف أبو حاتم بن حبان ms170 فى تقاسيمه فى رد هذا الحديث وبالغ # PageV01P197 # فى إنكاره وقال المصطفى أكرم على ربه من ذلك وهذا من وهمه وليس فى هذا ما ~~ينقص مرتبته عند ربه بل ذلك رفعة له وزيادة فى كرامته وعبرة لمن بعده من ~~الخلفاء والملوك وغيرهم وكأن أبا حاتم لم يتأمل سائر الاحاديث فى معيشة ~~النبى وهل ذلك إلا من أعظم شواهد صدقه فإنه لو كان كما يقول أعداؤه وأعداء ~~ربه أنه ملك طالب ملك ودنيا لكان عيشه عيش الملوك وسيرته سيرتهم ولقد توفاه ~~الله وان درعه مرهونة عند يهودى على طعام أخذه لأهله وقد فتح الله عليه ~~بلاد العرب وجبيت اليه الاموال ومات ولم يترك درهما واحدا ولا دينارا ولا ~~شاة ولا بعيرا ولا عبدا ولا أمة # قال الامام أحمد حدثنا حسين بن محمد بن مطرف عن أبى حازم عن عروة أنه سمع ~~عائشة تقول كان يمر بنا هلال وهلال ما يوقد فى بيت من بيوت رسول الله نار ~~قلت يا خالة فعلى أى شئ كنتم تعيشون قالت على الأسودين التمر والماء وقد ~~تقدم حديث أبى هريرة فى قصة أبى الهيثم ابن النبهان وانه خرج رسول الله من ~~بيته فرأى أبا بكر وعمر رضى الله عنهما فقال ما أخرجكما قالا الجوع قال ~~وأنا والذى نفسى بيده لأخرجنى الذى أخرجكما # وذكر أحمد من حديث مسروق قال: "دخلت على عائشة فدعت لى بطعام وقالت ما ~~أشبع من طعام فأشاء أن أبكى الا بكيت قال قلت لم قالت أذكر الحال التى فارق ~~عليها رسول الله الدنيا والله ما شبع فى يوم مرتين من خبز البر حتى قبض" ~~وفيه عنها: "ما شبع رسول الله من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض" ~~والحديثان صحيحان وفيه ايضا عنها ما شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثة أيام ~~حتى لحق بالله عزوجل وفى الصحيحين عن أبى هريرة: "ما شبع رسول الله وأهله ~~ثلاثا أتباعا من خبز البر حتى فارق الدنيا" # وفى الترمذى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال كان النبى ms171 يبيت الليالى ~~طاويا وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم خبز الشعير # PageV01P198 # وفيه أيضا عن أنس عنه: "لقد اخفت فى الله وما يخاف أحد ولقد أوذيت فى ~~الله وما يؤذى أحد ولقد أتت على ثلاثون من بين يوم وليلة ومالى ولبلال طعام ~~يأكله ولبد إلا شئ يواريه إبط بلال" والحديثان صحيحان وفيه ايضا عن أنس بن ~~مالك رضى الله عنه عن أبى طلحة رضى الله عنه قال: "شكونا الى رسول الله ~~الجوع ورفعنا عن بطوننا حجرا حجرا فرفع رسول الله عن بطنه حجرين" وفيه أيضا ~~عن علقمة عن عبد الله رضى الله عنه قال: "نام رسول الله على حصير فقام وقد ~~اثر فى جنبه فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء فقال مالى وللدنيا ما ~~أنا فى الدنيا الا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها" حديث صحيح وفيه عن ~~على رضى الله عنه قال: "خرجت فى يوم شات من بيت رسول الله وقد أخذت اهابا ~~معطونا فجوبت وسطه وأدخلته فى عنقى فشددت به وسطى فحزمته بخوص من النخل ~~وانى لشديد الجوع ولو كان فى بيت رسول الله طعام لطعمت منه فخرجت التمس ~~شيئا فمررت بيهودى فى مال له وهو يسقى ببكرة له فاطلعت عليه من ثلمة من ~~الحائط فقال مالك يا أعرابى وهل لك فى كل دلو بتمرة قلت نعم فافتتح الباب ~~حتى أدخل ففتح فدخلت فأعطانى دلوه فكلما نزعت دلوا أعطانى تمرة حتى امتلأت ~~كفى أرسلت دلوه وقلت حسبى فأكلتها ثم جرعت من الماء فشربت ثم جئت الماء ~~فوجدت رسول الله فيه وقال سعد بن ابى وقاص رضى الله عنه لقد رأيتنا نغزو مع ~~رسول الله ما لنا طعام الا الحبلة وهذا السمر والحبلة ثمر العضاة ذات ~~الشوك" وهو حديث صحيح # وكان يصلى من الليل أحيانا وعليه كساء صوف بعضه عليه وبعضه على عائشة قال ~~الحسن أثمان ستة دراهم أو سبعة وقال أحمد حدثنا أبو سعيد حدثنا أبو زائدة ~~حدثنا عطاء عن أبيه عن على قال جهز ms172 رسول الله فاطمة فى خميل وقربة ووسادة ~~من أدم حشوها ليف والخميل الكساء الذى خمل قال وحدثنا بهز بن اسد حدثنا ~~سليمان بن المغيرة عن حميد قال قال أبو بردة دخلت على عائشة فأخرجت إلينا ~~إزارا غليظا مما # PageV01P199 # يصنع باليمن وكساء من هذه التى تدعونها الملبدة فقالت قبض رسول الله فى ~~هذين الثوبين # قالوا ولو كان الغنى مع الشكر افضل من الفقر مع الصبر لاختاره رسول الله ~~إذ عرضت عليه الدنيا ولأمره ربه أن يسأله إياه كما أمره أن يسأله زيادة ~~العلم ولم يكن رسول الله ليختار الا ما اختاره الله له ولم يكن الله ليختار ~~له الا الافضل اذ كان افضل خلقه وأكملهم # قالوا وقد أخبر النبى أن خير الرزق ما كان بقدر كفاية العبد فلا يعوزه ما ~~يضره ولا يفضل عنه ما يطغيه ويلهيه # قال الامام أحمد حدثنا ابن مهدى حدثنا همام عن قتادة عن خليد العصرى عن ~~أبى الدرداء قال قال رسول الله: "ما طلعت شمس قط الا بعث بجنبيها ملكان ~~يناديان يسمعان أهل الأرض الا الثقلين يا أيها الناس هلموا الى ربكم فإن ما ~~قل وكفى خير مما كثر وألهى ولا آبت شمس قط الا بعث بجنبيها ملكان يناديان ~~يسمعان أهل الأرض الا الثقلين اللهم أعط منفقا خلفا واعط ممسكا تلفا" # وقال الامام أحمد حدثنا وكيع حدثنا أسامة بن زيد عن محمد بن عبد الرحمن ~~ابن ابى لبيبة عن سعد بن مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله: "خير الرزق ~~ما يكفى وخير الذكر الخفى". # وتأمل جمعه فى هذا الحديث بين رزق القلب والبدن رزق الدنيا والآخرة ~~واخباره أن خير الرزقين ما لم يتجاوز الحد فيكفى من الذكر اخفاؤه فإن زاد ~~على الاخفاء خيف على صاحبه الرياء والتكبر به على الغافلين وكذلك رزق البدن ~~اذا زاد على الكفاية خيف على صاحبه الطغيان والتكاثر # قالوا وقد غبط رسول الله المتقلل من الدنيا ما لم يغبط به الغنى # قال الامام أحمد حدثنا وكيع حدثنا على بن صالح ms173 عن أبى # PageV01P200 # المهلب عن عبيد الله ابن زحر عن على بن يزيد عن القاسم عن أبى أمامة رضى ~~الله عنه قال قال رسول الله: "ان أغبط أوليائى عندى مؤمن خفيف الحاذ ذو حظ ~~من صلاة أحسن عبادة ربه وكان غامضا فى الناس لا يشار اليه بالاصابع فعجلت ~~منيته وقل تراثه وقلت بواكيه" قال عبد الله بن أحمد سألت أبى ما تراثه قال ~~ميراثه # قالوا وحمية الله لعبده المؤمن عن الدنيا انما هو من محبته له وكرامته ~~قال الامام أحمد حدثنا أبو سعيد حدثنا سليمان بن بلال عن عمرو بن أبى عمرو ~~عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد رضى الله عنه أن رسول الله قال: ~~"ان الله تبارك وتعالى يحمى عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه كما تحمون ~~مرضاكم الطعام والشراب تخافون عليهم " قالوا وقل أن يقع اعطاء الدنيا ~~وتوسعتها الا استدراجا من الله لا اكراما ومحبة لمن أعطاه # قال الامام أحمد حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا رشد بن سعد عن حرملة بن عمران ~~النجبى عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر رضى الله عنه عن النبى قال: "اذا ~~رأيت الله يعطى العبد من الدنيا على معاصيه وما يحب فإنما هو استدراج" ثم ~~تلا قوله تعالى فلما نسو ما ذكروا به فتحنا عليهم ابواب كل شيء الآية قالوا ~~ولهوان الدنيا على الله منعها أكثر أوليائه وأحبائه # قال الامام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الاعمش عن سالم بن ابى الجعد قال ~~قال رسول الله: "ان من أمتى لو أتى باب احدكم فسأله دينارا لم يعطه اياه ~~ولو سأله فلسا لم يعطه اياه ولو سأل الله تعالى الجنة لأعطاها اياه ولو ~~سأله الدنيا لم يعطها اياه وما يمنعها اياه لهوانه عليه ذو طمرين لا يؤبه ~~له لو أقسم على الله لأبره" وهذا يدل على انه انما يمنعه اياها لهوانها ~~عليه لا لهوانه هو عليه ولهذا يعطيه أفضل منها وأجل فإن الله تعالى يعطى ~~الدنيا من يحب ومن لا ms174 يحب ولا يعطى الآخرة الا من يحب. # PageV01P201 # قالوا وقد اخبرهم النبى أن أقربهم منه مجلسا ذووا التقلل من الدنيا الذين ~~لم يستكثروا منها قال الامام أحمد حدثنا يزيد بن هرون أخبرنا محمد بن عمرو ~~قال سمعت عراك بن مالك يقول قال ابو ذر: "إنى لأقربكم مجلسا من رسول الله ~~يوم القيامة وذلك إنى سمعته يقول ان أقربكم منى مجلسا يوم القيامة من خرج ~~من الدنيا كهيئة ما تركته فيها وانه والله ما منكم من أحد الا وقد تشبث ~~منها بشيء غيرى" قالوا وقد غبط النبى من كان عيشه كفافا وأخبر بفلاحه قال ~~الامام أحمد حدثنا عبد الله بن يزيد حدثنا حيوة قال أخبرنى أبو هانى أن أبا ~~على الحبشى أخبره أنه سمع فضاله بن عبيد يقول أنه سمع رسول الله يقول: ~~"طوبى لمن هدى الى الاسلام وكان عيشه كفافا وقنع". # وذكر أيضا من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله قال: "قد أفلح من اسلم ~~ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه " قالوا ولو لم يكن فى التقلل الا خفة ~~الحساب لكفى به فضلا على الغنى قال عبد الله بن الامام أحمد حدثنا بيان بن ~~الحكم حدثنا محمد بن حاتم قال حدثنى بشر بن الحارث حدثنا عيسى بن يونس عن ~~هشام عن الحسن قال قال رسول الله: "ثلاثة لا يحاسب بهن العبد ظل خص يستظل ~~به وكسرة يشد بها صلبه وثوب يوارى عورته" # وقال الامام أحمد حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا ليث عن أبى عثمان قال لما ~~افتتح المسلمون جوجى دخلوا يمشون فيها وأكداس الطعام فيها أمثال الجبال ~~وكان رجل يمشى الى جنب سلمان فقال يا أبا عبد الله ألا ترى الى ما فتح الله ~~علينا ألا ترى الى ما أعطانا الله فقال سلمان وما يعجبك مما ترى الى جنب كل ~~حبة مما ترى حساب # قالوا وقد شهد النبى لأصحابه أنهم يوم فقرهم وفاقتهم خير منهم يوم غناهم ~~وبسط الدنيا عليهم قال الامام أحمد حدثنا عبد الصمد أبو الاشهب عن ms175 الحسن ~~قال قال نبى الله: "يا أهل الصفة كيف أنتم" # PageV01P202 # قالوا نحن بخير قال أنتم اليوم خير أم يوم تغدو على أحدكم جفنة وتروح ~~أخرى ويغدو فى حلة ويروح فى أخرى وتسترون فى بيوتكم مثل أستار الكعبة قالوا ~~يا نبى الله نحن يومئذ خير يعطينا ربنا تبارك وتعالى فنشكر قال: "بل أنتم ~~اليوم خير" فهذا صريح فى أنهم فى وقت صبرهم على فقرهم خير منهم فى وقت ~~غناهم مع الشكر # وقال عبد الله بن أحمد حدثنا أبن ذر حدثنا حفص بن غياث عن داود بن أبى ~~هند عن أبى حرب بن أبى الاسود عن طلحة البصرى قال قدمت المدينة ولم يكن لى ~~بها معرفة فكان يجرى علينا مد من تمر بين اثنين فصلى بنا رسول الله صلاة ~~فهتف به هاتف من خلفه فقال يا رسول الله قد حرق بطوننا التمر وعرفت عنا ~~الكنف فخطب فحمد الله وأثنى عليه وقال: "والله لو أجد لكم اللحم والخبز ~~لأطعمتكموه وليأتين عليكم زمان تغدو على أحدكم الجفان وتراح ولتلبسن بيوتكم ~~مثل أستار الكعبة قالوا يا رسول الله نحن اليوم خير منا أو يومئذ قال بل ~~أنتم اليوم خير منكم يومئذ أنتم اليوم خير منكم يومئذ يضرب بعضكم رقاب بعض" # قال الامام أحمد وحدثنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن نبى ~~الله دخل على أهل الصفة فذكر نحوه # قالوا ولو لم يكن فى الغنى والمال الا أنه فتنة وقل من سلم من اصابتها له ~~وتأثيرها فى دينه كما قال تعالى {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} وفى الترمذى ~~من حديث كعب ابن عياض قال سمعت رسول الله يقول ان لكل أمة فتنة وفتنة أمتى ~~المال قال هذا حديث + حسن صحيح + قالوا والمال يدعو الى النار والفقر يدعو ~~الى الجنة قال الامام أحمد حدثنا يزيد حدثنا أبو الاشهب حدثنا سعيد بن أيمن ~~مولى كعب بن سور قال بينا رسول الله يحدث أصحابه اذ جاء رجل من الفقراء ~~فجلس الى جنب رجل من الاغنياء فكأنه ms176 قبض من ثيابه عنه فقال # PageV01P203 # رسول الله: "أخشيت يا فلان أن يغدو وغناك عليه أو يغدو فقره عليك قال يا ~~رسول الله وشر الغنى قال نعم ان غناك يدعوك الى النار وان فقره يدعوه الى ~~الجنة قال فما ينجينى منه قال تواسيه قال اذن افعل فقال الآخر لا أرب لى ~~فيه قال فاستغفر وادع لأخيك" # قالوا وحق الغنى أعظم من أن يقوم العبد بشكره وقد روى الترمذى فى جامعه ~~من حديث عثمان بن عفان رضى الله عنه أن النبى قال ليس لابن آدم حق فى سوى ~~هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يوارى به عورته وجلف الخبز والماء قال هذا حديث ~~حسن صحيح وفى صحيح مسلم عن أبى أمامة رضى الله عنه قال قال رسول الله: "يا ~~ابن آدم انك ان تبذل الفضل خير لك وأن تمسكه شر لك ولا تلام على كفاف وابدأ ~~بمن تعول واليد العليا خير من اليد السفلى ". # وفى صحيحه أيضا من حديث أبى نضرة عن أبى سعيد رضى الله عنه قال بينما نحن ~~فى سفر مع رسول الله اذ جاء رجل على راحلة له فجعل يضرب يمينا وشمالا فقال ~~رسول الله: "من كان معه فضل من ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان عنده ~~فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له قال فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى ~~ظننا أنه لا حق لأحد منا فى فضل". # قالوا فهذا موضع النظر فى تفضيل الغنى الشاكر ببذل الفضل كله وأما غنى ~~يمتع بأنواع الفضل ويشكر بالواجب وبعض المستحب فكيف يفضل على فقير صابرا ~~راض عن الله فى فقره قالوا وقد أقسم رسول الله لأصحابه وهم أئمة الشاكرين ~~أنه لا يخاف عليهم الفقر وانما يخاف عليهم الغنى ففى الصحيحين من حديث عمرو ~~بن عوف وكان شهد بدرا أن رسول الله بعث أبا عبيدة بن الجراح الى البحرين ~~يأتى بجزيتها وكان رسول الله صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن ~~الحضرمى فقدم أبو ms177 عبيدة بمال من البحرين فسمعت الانصار بقدوم أبى عبيدة ~~فوافوا صلاة # PageV01P204 # الفجر مع رسول الله فلما صلى رسول الله انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله ~~حين رآهم ثم قال: "أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشئ من البحرين فقالوا أجل ~~يا رسول الله قال أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكنى ~~أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتتنافسوا فيها كما ~~تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم". # قال الامام أحمد حدثنا روح حدثنا هشام عن الحسن قال قيل لأبى ثعلبة ~~الخشنى أين دنياكم والتى كنتم تعدون يا أصحاب محمد قال ليبشر الآخر بدنيا ~~قد ظلت تأكل والله الذى لا اله الا هو الايمان كما تأكل النار الحطب الجزل ~~وقال أحمد حدثنا يزيد حدثنا هشام بن حسان قال سمعت الحسن يقول: "والله ما ~~أحد من الناس بسط الله له دنياه فلم يخف أن يكون قد مكر به فيها الا كان قد ~~نقص علمه وعجز رأيه وما أمسكها الله عن عبد فلم يظن أنه قد خير له فيها إلا ~~كان قد نقص علمه وعجز رأيه". # قالوا وقد مر على النبى فقير وغنى فقال عن الفقير: "هذا خير من ملء الأرض ~~مثل هذا" وروى البخارى فى صحيحه عن سهل بن سعد رضى الله عنه قال مر رجل على ~~رسول الله فقال: "ما تقولون فى هذا فقالوا جرى ان خطب أن ينكح وان شفع أن ~~يشفع وان قال أن يسمع قال ثم سكت فمر رجل من فقراء المسلمين فقال ما تقولون ~~فى هذا قالوا حرى ان خطب أن لا ينكح وان يشفع الأيشفع وان قال ان لا يسمع ~~لقوله فقال رسول الله هذا خير من ملء الارض مثل هذا". # وقد بشر رسول الله الفقراء الصابرين بما لم يبشر به الأغنياء ففى الترمذى ~~من حديث فضالة بن عبيد أن رسول الله: "كان إذا صلى بالناس يخر رجال من ~~قامتهم فىالصلاة من الخصاصة وهم أصحاب الصفة حتى يقول الاعراب هؤلاء مجانين ms178 ~~فإذا صلى رسول الله انصرف اليهم وقال لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن ~~تزدادوا فاقة وحاجة " قال فضالة وأنا يومئذ مع رسول الله وبشرهم بسبقهم ~~الاغنياء الى الجنة. # PageV01P205 # وقد اختلفت الروايات فى مدة هذا السبق ففى صحيح مسلم عن عبد الله ابن عمر ~~أنه جاء ثلاثة نفر فقالوا يا أبا محمد والله ما نقدر على شئ لا نفقة ولا ~~دابة ولا متاع فقال لهم ما شئتم ان شئتم رفعتم الينا فأعطيناكم ما يسر الله ~~لكم وان شئتم ذكرنا أمركم للسلطان وان شئتم صبرتم فإنى سمعت رسول الله ~~يقول: " ان فقراء المهاجرين يسبقون الاغنياء يوم القيامة بأربعين خريفا ~~قالوا نصبر ولا نسأل شيئا". # وقال الامام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن بن سلمة عن أبى هريرة رضى ~~الله عنه أن رسول الله قال: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف ~~يوم وهو خمسمائة عام" قال الترمذى حديث حسن صحيح وفى الترمذى أيضا من حديث ~~أبى سعيد قال قال رسول الله: " فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم ~~بخمسمائة سنة " وهو حديث حسن وفيه وأيضا من حديث جابر بن عبد الله رضى الله ~~عنه عن النبى قال: "يدخل فقراء أمتى الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا" وهو ~~حديث حسن وهو موافق لحديث عبد الله بن عمر ولحديث أنس الذى فى الترمذى: "ان ~~المساكين يدخلون قبل الاغنياء باربعين خريفا". # فهؤلاء ثلاثة جابر وأنس وعبد الله بن عمر وقد اتفقوا على الاربعين وهذا ~~أبو هريرة وأبو سعيد قد اتفقا على التقدير بخمسمائة سنة ولا تعارض بين هذه ~~الاحاديث إذ التأخر والسبق درجات بحسب الفقر والغنى فمنهم من يسبق باربعين ~~ومنهم من يسبق بخمسمائة ولا يتقيد السبق بهذا المقدار بل يزيد عليه وينقص. # وقد روى أبو داود فى سننه من حديث أبى هريرة عن النبى: "أن أول الامة ~~دخولا الى الجنة أبو بكر الصديق رضى الله عنه" ومعلوم أن المدة التى بينه ~~وبين اخوانه من فقراء المهاجرين لا تطول وانها أطول مدة بين دخوله وبين ms179 ~~دخول آخر من يدخل الجنة # وقد روى الامام أحمد فى مسنده من حديث عبد الله بن عمر رضى # PageV01P206 # الله عنه عن النبى أنه قال: " هل تدرون أول من يدخل الجنة قالوا الله ~~ورسوله أعلم قال فقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره يموت أحدهم وحاجته ~~فى صدره لا يستطيع لها قضاء تقول الملائكة يا ربنا ملائكتك وخزنتك وسكان ~~سماواتك لا تدخلهم الجنة قبلنا فيقول عبادى لا يشركون بى شيئا يتقى بهم ~~المكاره يموت أحدهم وحاجته فى صدره لا يستطيع لها قضاء فعند ذلك تدخل عليهم ~~الملائكة من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار". # وقال الامام أحمد حدثنا حسين بن محمد ثنا دويد عن مسلم بن بشير عن عكرمة ~~عن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله: "التقى مؤمنان على باب ~~الجنة مؤمن غنى ومؤمن فقير كانا فى الدنيا فأدخل الفقير الجنة وحبس الغنى ~~ما شاء الله أن يحبس ثم أدخل الجنة فلقيه الفقير فيقول أى أخى ماذا حبسك ~~والله لقد احتبست حتى خفت عليك فيقول أى أخى انى حبست بعدك محبسا فظيعا ~~كريها ما وصلت اليك حتى سال منى من العرق ما لو ورده ألف بعير كلها أكلت ~~حمصا لصدرت عنه رواء " وقال الطبرانى فى معجمه حدثنا محمد بن عبد الله ~~الحضرمى وعلى بن سعيد الرازى قالا حدثنا على بن بهرام العطار حدثنا عبد ~~الملك ابن أبى كريمة عن الثورى عن محمد بن زيد عن أبى حازم عن أبى هريرة ~~رضى الله عنه قال سمعت رسول الله يقول: "إن فقراء المؤمنين يدخلون الجنة ~~قبل أغنيائهم بنصف يوم وذلك خمسمائة سنة فقال رجل أمنهم أنا يا رسول الله ~~قال إن تغديت رجعت على عشاء وإذا تعشيت يبيت معك غداء قال نعم قال لست منهم ~~فقام رجل فقال أمنهم أنا يارسول الله قال هل سمعت ما قلنا لهذا قال نعم ~~ولست كذلك قال هل تجد ثوبا ستيرا سوى ما عليك قال نعم قال فلست منهم فقام ~~آخر فقال ms180 أمنهم أنا يا رسول الله فقال هل سمعت ما قلت لهذين قبلك قال نعم ~~قال هل تجد قرضا كلما شئت أن تستقرض قال نعم قال فلست منهم فقام # PageV01P207 # آخر فقال أمنهم أنا يارسول الله فقال هل سمعت ما قلت لهؤلاء قال نعم قال ~~تقدر ان تكتسب قال نعم قال فلست منهم قال فقام خامس فقال أنا منهم يا رسول ~~الله فقال هل سمعت ما قلت لهؤلاء قال نعم قال هل تمسى عن ربك راضيا وتصبح ~~كذلك قال نعم قال فأنت منهم قال النبى ان سادات المؤمين فى الجنة من اذا ~~تغدى لم يجد عشاء واذا تعشى لم يبت عنده غداء وان استقرض لم يجد قرضا وليس ~~له فضل كسوة إلا ما يوارى به مالا يجد منه بدا ولا يقدر على أن يكتسب ما ~~يعشيه ويمسى عن الله راضيا ويصبح راضيا أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " قال الطبرانى هذا ~~حديث غريب من حديث سفيان الثورى عن محمد بن زيد يقال هو العبدى تفرد به عبد ~~الملك # قلت محمد هذا هو العبدى وثقه قوم وضعفه آخرون قال الداقطنى ليس بالقوى ~~وقال أبو حاتم صالح الحديث وذكره ابن حبان فى الثقات وروى له الترمذى وابن ~~ماجه وفى هذه الطبقة محمد بن زيد الشامى يروى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن ~~وهو متروك ونخاف أن يكون هذا هو الثورى لم ينسبه وانما يقال هو العبدى ~~والله أعلم # وقال الامام أحمد حدثنا اسماعيل بن ابراهيم حدثنا هشام الدستوائى عن يحيى ~~ابن أبى كثير عن عامر العقيلى عن أبيه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال ~~رسول الله: "عرض على أول ثلاثة يدخلون الجنة وأول ثلاثة يدخلون النار فأما ~~أول ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد وعبد مملوك لم يشغله رق الدنيا عن طاعة ربه ~~وفقير متعفف ذو عيال وأما أول ثلاثة يدخلون النار فأمير مستلط وذو ثروة من ~~مال لا يؤدى حق الله فى ماله وفقير فخور" ms181 وروى الترمذى منه ذكر الثلاثة ~~الذين يدخلون الجنة فقط # قالوا ويكفى فى فضل الفقير أن عامة أهل الجنة الفقراء وعامة أهل النار ~~الاغنياء قال الامام أحمد حدثنا عبد الله بن محمد بن أبى شيبة حدثنا # PageV01P208 # شريك عن ابى اسحاق عن السائب بن مالك عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما ~~قال قال رسول الله: " أطلعت فى الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت فى ~~النار فرأيت أكثر اهلها الأغنياء والنساء". # وفى صحيح البخارى عن أبى رجاء قال جاء عمران بن حصين الى امرأته من عند ~~رسول الله فقالت حدثنا ما سمعت من النبى فقال انه ليس من حديث فلم تدعه أو ~~قال فأغضبته فقال سمعت رسول الله يقول: "نظرت فى الجنة فرأيت أكثر أهلها ~~الفقراء ونظرت فى النار فرأيت أكثر أهلها النساء". # وفى الصحيحين من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله قال: "قمت على باب الجنة ~~فإذا عامة من دخلها المساكين وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها ~~النساء" وفى صحيح مسلم عن ابن عباس: "أن النبى اطلع فى النار فرأى أكثر ~~أهلها النساء واطلع فى الجنة فرأى أكثر أهلها الفقراء". # قالوا ويكفى فى فضل الفقر أن كل أحد يتمناه يوم القيامة من الاغنياء قال ~~الامام احمد حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا اسماعيل يعنى ابن خالد عن نفيع ~~عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله ما من أحد يوم القيامة غنى ~~ولا فقير الا ود أن ما كان أوتى فى الدنيا قوتا قال البخارى يتكلمون فى ~~نفيع وهذا أليق ما قيل فيه # قالوا وقد صرح رسول الله فى تفضيل الفقراء فى غير حديث فمنها ما تقدم من ~~حديث سهل بن سعد وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاويه حدثنا الاعمش عن زيد بن ~~وهب عن أبى ذر رضى الله عنه قال قال رسول الله: "يا أبا ذر ارفع بصرك فانظر ~~أرفع رجل تراه فى المسجد قال فنظرت فإذا رجل جالس عليه حلة له قال ms182 فقلت هذا ~~قال فقال يا أبا ذر ارفع بصرك فانظر أوضع رجل تراه في المسجد قال # PageV01P209 # فنظرت فاذا رجل ضعيف عليه أخلاق قال فقلت هذا قال فقال رسول الله والذى ~~نفسى بيده لهذا أفضل عند الله يوم القيامة من قراب الارض من هذا". # قال حدثنا وكيع ووافقه زائد حدثنا الاعمش عن سليمان بن يسار عن خرشة ابن ~~الحر عن أبى ذر فذكره وقال لهذا خير عند الله يوم القيامة من ملء الارض مثل ~~هذا قال الامام أحمد وحدثنا أبو معاوية ووافقه يعلى قال حدثنا الاعمش عن ~~زيد بن وهب عن أبى ذر فذكره # قالوا والذى يفصل بيننا فى هذه المسألة ويشفى العليل أن الفقر يوفر أجر ~~صاحبه ومنزلته عند الله والغنى ولو شكر فإن ما ناله فى الدنيا بغناه يحسب ~~عليه من ثوابه يوم القيامة وان تناوله بأحل وجه فقليل الفضل فى الدنيا ناقص ~~من كثير الآخرة وفى صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله قال: ~~"ما من غازية تغزو فى سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثى أجرهم من ~~الآخرة ويبقى لهم الثلث وان لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم". # وفى الصحيحين عن خباب بن الارت رضى الله عنه قال: "هاجرنا مع رسول الله ~~نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا منهم ~~مصعب بن عمير رضى الله عنه قتل يوم أحد وترك بردة فكنا اذا غطينا بها رأسه ~~بدت رجلاه وإذا غطينا رجلاه بدا رأسه فأمرنا رسول الله أن نغطى رأسه ونجعل ~~على رجليه شيئا من الاذخر ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهديها" وفى الصحيحين ~~عن قيس بن أبى حازم قال دخلنا على خباب نعوده وقد اكتوى سبع كيات فقال ان ~~أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا وذكر الحديث وقال سعيد بن ~~منصور حدثنا معاوية عن الاعمش عن مجاهد عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: "ما ~~أوتى عبد من الدنيا شيئا إلا نقص من ms183 درجاته عند الله وان كان عليه كريما". # PageV01P210 # وفى صحيح البخارى عن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: "أوتى عبد الرحمن ~~رضى الله عنه بطعام وكان صائما فقال قتل مصعب بن عمير وهو خير منى وكفن فى ~~بردة ان غطى رأسه بدت رجلاه وان غطى رجلاه بدا رأسه وقتل حمزة رضى الله عنه ~~وهو خير منى فلم يوجد له كفن إلا بردة ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط أو قال ~~أعطينا من الدنيا ما أعطينا وقد خشيت أن تكون عجلت لنا طيباتنا فى حياتنا ~~الدنيا ثم جعل يبكى حتى ترك الطعام". # قال أبو سعيد بن الاعرابى وليس عبد الرحمن بن عوف وخباب قالا ذلك دون ~~غيرهما لقد قاله الأكابر من أصحاب رسول الله وكرهوا ما فتح الله عليهم من ~~الدنيا وأشفقوا منه وعلموا أن ما اختاره الله لنبيه كان أفضل وأن ما أخروا ~~له كان أنقص منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وأبو عبيدة وعمار بن ياسر ~~وسلمان وعبد الله بن مسعود وعائشة أم المؤمنين وأبو هاشم بن عتبة وجماعة لم ~~نذكرهم للاختصار رضى الله عنهم # فأما أبو بكر رضى الله عنه فحدثنا ابن ابى الدنيا حدثنا عبد الرحمن بن ~~ابان الطائى حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا عبد الواحد بن زيد حدثنى ~~سلمان عن مرة عن زيد بن أرقم رضى الله عنه قال كنا مع أبى بكر الصديق رضى ~~الله عنه فدعا بشراب فأتى بماء وعسل فلما أدناه من فيه بكى وبكى حتى أبكى ~~أصحابه فسكتوا وما سكت ثم عاد وبكى حتى ظنوا أنهم لم يقدروا على مسألته قال ~~ثم مسح عينيه فقالوا يا خليفة رسول الله ما أبكاك فقال كنت مع رسول الله ~~فرأيته يدفع عن نفسه شيئا ولم أر معه أحدا فقلت يا رسول الله ما الذى تدفع ~~عن نفسك قال هذه الدنيا مثلت لى فقلت لها اليك عنى ثم رجعت فقالت انك ان ~~أفلت منى فلن يفلت منى من بعدك # وذكر ليث عن ابن ms184 سعد عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن ~~أبيه أن أبا بكر رضى الله عنه قال فى مرضه الذى # PageV01P211 # مات فيه إنى وليت أمركم وانى لست بخيركم وكلكم ورم أنفه من ذلك أن يكون ~~هذا الامر له وذلك لما رأيت الدنيا قد أقبلت وأقبلت ولم تقبل حتى يتخذوا ~~نضائد الحرير وستور الديباج وحتى يألم أحدكم من الاضطجاع على الصوف كما ~~يألم من الاضطجاع على الحسك والسعدان ثم أنتم أول ضال بالناس تصفقون يمينا ~~وشمالا ما هذا الطريق أخطأت انما هو البحر أو الفجر والله لئن يقدم أحدكم ~~فتضرب عنقه فى غير حد خير له من أن يخوض غمرات الدنيا # وذكر محمد بن عطاء بن خباب قال كنت جالسا مع أبى بكر فرأى طائرا فقال ~~طوبى لك يا طائر تأكل من هذا الشجر ثم تبعر ثم لا تكون شيئا وليس عليك حساب ~~وددت أنى مكانك فقلت له أتقول هذا وأنت صديق رسول الله # وأما عمر رضى الله عنه فإنه لما اتى بكنوز كسرى بكى فقال له عبد الرحمن ~~ابن عوف ما الذى يبكيك يا أمير المؤمنين فوالله ان هذا ليوم شكر ويوم سرور ~~ويوم فرح فقال عمر ان هذا لم يعطه قوم الا ألقى الله بينهم العداوة ~~والبغضاء ودخل عليه أبو سنان الدؤلى وعنده نفر من المهاجرين فأرسل عمر الى ~~سفط أتى به من قلعة بالعراق وكان فيه خاتم فأخذه بعض ولده فأدخله فى فيه ~~فانتزعه عمر منه ثم بكى فقال له من عنده لم تبكى وقد فتح الله لك وأظهرك ~~وأقر عينك فقال سمعت رسول الله يقول: " لا تفتح الدنيا على أحد الا ألقى ~~الله بينهم العداوة والبغضاء الى يوم القيامة وأنا مشفق من ذلك". # قال أبو سعيد وجدت فى كتاب بخط يدى عن أبى داود قال حدثنا محمد بن عبيد ~~حدثنا حماد حدثنا يونس عن الحسن أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أتى بقلنسوة ~~بغزوة كسرى بين يديه وفى القوم سراقة بن مالك ms185 فألقى اليه سوارى كسرى ~~فجعلهما فى يديه فبلغا منكبيه فلما رآهما فى يد سراقة قال الحمد لله سوارا ~~كسرى بن هرمز فى يد سراقة بن مالك بن جعشم # PageV01P212 # أعرابى من بنى مدلج ثم قال اللهم قد علمت أن رسولك قد كان يحب أن يصيب ~~مالا فينفقه فى سبيلك وعلى عبادك فزويت ذلك عنه نظرا منك له واختيارا اللهم ~~انى أعوذ بك أن يكون هذا مكر منك بعمر ثم قال {أيحسبون أنما نمدهم به من ~~مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} # والمقصود أن سعة الدنيا وبسطها تعجيل من أجل الآخرة وتضييق من سعتها قال ~~عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهرى عن ابن أبى صغيرة عن جابر بن عبد الله ~~رضى الله عنهما: "قال لما كان يوم أحد أشرف النبى على الشهداء الذين قتلوا ~~يومئذ فقال انى شهيد على هؤلاء فزملوهم بدمائهم" قال معمر وأخبره فيمن سمع ~~الحسن يقول قال النبى: "هؤلاء قد مضوا وقد شهدت عليهم لم يأكلوا من أجورهم ~~شيئا وانكم قد أكلتم من أجوركم وانى لا أدرى ما تحدثون بعدى". # وقال ابن المبارك أخبرنا جرير بن حازم قال سمعت الحسن يقول: "خرج رسول ~~الله بأصحابه الى بقيع الغرقد فقال السلام عليكم يا أهل القبور لو تعلمون ~~ما نجاكم الله منه مما هو كائن بعدكم ثم أقبل على أصحابه فقال هؤلاء خير ~~منكم فقالوا يا رسول الله اخواننا أسلمنا كما أسلموا وهاجرنا كما هاجروا ~~وجاهدنا كما جاهدوا وأتوا على آجالهم فمضوا فيها وبقينا فى آجالنا فما ~~يجعلهم خيرا منا فقال ان هؤلاء خرجوا من الدنيا ولم يأكلوا من أجورهم شيئا ~~وخرجوا وأنا شهيد عليهم وأنتم قد أكلتم من أجوركم ولا أدرى ما تحدثون بعدى ~~قال فلما سمعها القوم والله عقلوها وانتفعوا بها فقالوا وانا لمحاسبون بما ~~أصبنا من الدنيا بعدهم وانه لمنتقص به من أجورنا فأكلوا طيبا وأنفقوا قصدا ~~وقدموا فضلا". # وقال عبد الله بن أحمد قرأت على ابى هذا الحديث حدثنا اسود بن # PageV01P213 # عامر حدثنا اسرائيل ms186 عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قال: "ما أعطى رجل من ~~الدنيا الا نقص من درجته". # قالوا وقد صرح سادات الاغنياء بأنهم ابتلو بالضراء فصبروا وابتلوا ~~بالسراء فلم يبصروا قال ذلك عبد الرحمن وغيره وكان هذا مصداقا لما رواه ~~مصعب بن سعد عن ابيه قال قال رسول الله: "لأنا من فتنة السراء أخوف عليكم ~~من فتنة الضراء أنكم ابتليتم بالضراء فصبرتم وان الدنيا حلوة خضرة". # قالوا وها هنا قضيتان صادقتان بهما يتبين الفضل احداهما أن الاكثرين هم ~~الاقلون وقد تقدم الدليل عليها بما فيه الكفاية # وأما الثانية ففى الصحيحين من حديث أبى ذر رضى الله عنه قال: "خرجت ليلة ~~من الليالى فإذا رسول الله يمشى وحده ليس معه انسان قال فظننت أنه يكره أن ~~يمشى معه أحد فجعلت أمشى فى ظل القمر فالتفت فرآنى فقال من هذا قلت أبو ذر ~~جعلنى الله فداك قال يا أبا ذر تعال فمشيت معه ساعة فقال ان المكثرين هم ~~المقلون يوم القيامة الا من أعطاه الله خيرا فنفخ فيه يمينه وشماله وبين ~~يديه ووراءه وعمل فيه خيرا" وذكر الحديث # قالوا ولو كان الغنى افضل من الفقر لما حض الله رسوله على الزهد فى ~~الدنيا والاعراض عنها وذم الحرص عليها والرغبة فيها بل كان ينبغى أن يحض ~~عليها وعلى اكتسابها والاكثار منها كما حض على اكتساب الفضائل التى بها ~~كمال العبد من العلم والعمل فلما حض على الزهد فيها والتقلل دل على أن ~~الزاهدين فيها المتقللين منها أفضل الطائفتين وقد أخبر أنها لو ساوت عند ~~الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء وأنها أهون على الله من السخلة ~~الميتة على أهلها وان مثلها فى الآخرة كمثل ما يعلق بأصبع من أدخل أصبعه فى ~~البحر وأنها ملعونة ملعون ما فيها الا # PageV01P214 # ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم وأنها سجن المؤمنين وجنة الكافرين وأمر ~~العبد أن يكون فيها كأنه غريب أو عابر سبيل ويعد نفسه من أهل القبور واذا ~~أصبح فلا ينتظر المساء واذا ms187 أمسى فلا ينتظر الصباح ونهى عن اتخاذ ما يرغب ~~فيها ولعن عبد الدينار وعبد الدرهم ودعا عليه بالتعس والانتكاس وعدم اقالة ~~العثرة بالانتقاش # وأخبر أنها خضرة حلوة أى تأخذ العيون بخضرتها والقلوب بحلاوتها وأمر ~~باتقائها والحذر منها كما يتقى النساء ويحذر منهن وأخبر أن الحرص عليها ~~وعلى الرياسة والشرف يفسد الدين كإفساد الذئبين الضاربين اذا ارسلا فى ~~زريبة غنم أو أشد افسادا وأخبر أنه فى الدنيا كراكب استظل تحت شجرة فى يوم ~~صائف ثم راح وتركها # وهذه في الحقيقة حال سكان الدنيا كلهم ولكن هو شهد هذه الحال وعمى عنها ~~بنو الدنيا ومر بهم وهم يعالجون خصا لهم قد وهى فقال: "ما أرى الأمر ألا ~~أعجل من ذلك" وأمر بستر على بابه فنزع وقال انه يذكرنى الدنيا وأعلم الناس ~~أنه ليس لأحد منهم حق فى سوى بيت يسكنه وثوب يوارى عورته وقوت يقيم صلبه ~~وأخبر أن الميت يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله وأخبر ~~أن للمتخوض فيما شاءت نفسه من مال الله بغير حق النار يوم القيامة وأقسم ~~أنه لا يخاف الفقر على أصحابه وانما يخاف عليهم الدنيا وتنافسهم فيها ~~وإلهائها لهم وأخبر أنه ليس لابن آدم من ماله إلا ما أكل فأفنى أو لبس ~~فأبلى أو تصدق فأمضى وأخبر أن حسب ابن آدم من الدنيا لقيمات يقمن صلبه فإن ~~لم يقتصر عليها فثلث بطنه لطعامه وثلثه لشرابه وثلثه لنفسه وفى هذا الحديث ~~الارشاد إلى صحة القلب والبدن والدين والدنيا # وأخبر أن غنى العبد فيها غنى نفسه لا كثرة عرضه وسأل الله أن يجعل رزقه ~~فيها قوتا وغبط من كان رزقه فيها كفافا بعد أن هدى للاسلام وأخبر أن من ~~كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وشتت # PageV01P215 # عليه شمله ولم يأته منها إلا ما كتب له وعرض عليه ربه أن يجعل له بطحاء ~~مكة ذهبا فقال لا يارب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما فإذا جعت تضرعت اليك ~~وذكرتك واذا شبعت حمدتك وشكرتك وأعلمهم أن من ms188 أصبح منهم آمنا فى سربه معافى ~~فى جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا # وأخبر أن بذل العبد ما فضل عن حاجته خير له وإمساكه شر له وأنه لا يلام ~~على الكفاف ونهى أمته أن ينظر أحدهم الى من هو فوقه فى الدنيا وأمره أن ~~ينظر الى من هو دونه فى الدنيا وأخبر أنه لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة ~~وضر مثلها مثل ما يخرج من ابن آدم عند خلائه وان كان أوله طيبا لذيذا فهذا ~~آخره وأخبر أن عباد الله ليسوا بالمتنعمين فيها فإن أمامهم دار النعيم فهم ~~لا يرضون بنعيمهم فى الدنيا عوضا من ذلك النعيم # وأخبر أن نجاة أول هذه الأمة بالزهد واليقين وهلكة آخرها بالبخل وطول ~~الأمل وكان يقول لبيك لا عيش الا عيش الآخرة وأخبر أنه تعالى اذا أحب عبدا ~~حماه الدنيا كما يحمى الانسان مريضه من الطعام والشراب ودخل على عثمان ابن ~~مظعون وهو فى الموت فاكب عليه يقبله ويقول رحمك الله يا عثمان ما أصبت من ~~الدنيا ولا أصابت منك فغبطه بذلك وكان يقول الزهد فى الدنيا يريح القلب ~~والبدن والرغبة فى الدنيا تطيل الهموم والحزن وكان يقول من جعل الهموم كلها ~~هما واحدا كفاه الله سائر همومه ومن تشعبت به الهموم فى أحوال الدنيا لم ~~يبال الله فى أى أوديتها هلك # وأخبر أنه يؤتى يوم القيامة بأنعم الناس كان فى الدنيا فيقول الله عز وجل ~~اصبغوه فى النار صبغة ثم يؤتى به فيقول يا ابن آدم هل أصبت نعيما قط هل ~~رأيت قرة عين قط هل أصبت سرورا قط فيقول لا وعزتك ثم يقول ردوه الى النار ~~ثم يؤتى بأشد الناس كان بلاء فى الدنيا # PageV01P216 # وأجهده جهدا فيقول تبارك وتعالى اصبغوه فى الجنة صبغة فيصبغ فيها ثم يؤتى ~~به فيقول يا ابن آدم هل رأيت ما تكره قط فيقول لا وعزتك ما رأيت شيئا قط ~~اكرهه # وفى حديث مناجاة موسى الذى رواه الامام أحمد فى كتاب الزهد حدثنا اسماعيل ~~بن ms189 عبد الكريم بن معقل حدثنا عبد الصمد بن معقل قال سمعت وهب ابن منبه ~~فذكره وفيه ولا تعجبكما زينته ولا ما متع به ولا تمدان الى ذلك أعينكما ~~فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين وانى لو شئت أن أزينكما من الدنيا ~~بزينة يعلم فرعون حين ينظر اليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت ~~ولكنى أرغب بكما عن نعيمها ذلك وازويه عنكما وكذلك أفعل بأوليائى وقديما ما ~~خرت لهم فى ذلك فإنى لاذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعى الشفيق ~~غنمه عن مراعى الهلكة وانى لأجنبهم سلوتها وعيشها كما يجنب الراعى الشفيق ~~ابله عن مبارك الغرة وما ذلك لهوانهم على ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتى ~~سالما موفرا لم تكلمه الدنيا ولم يطغه الهوى # واعلم انه لم يتزين لى العباد بزينة هى أبلغ من الزهد فى الدنيا فإنها ~~زينة المتقين عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع سماهم فى وجههم ~~من أثر السجود أولئك أوليائى حقا فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل لهم ~~قلبك ولسانك وذكر الحديث # وقال أحمد حدثنا عون بن جابر قال سمعت محمد بن داود عن أبيه عن وهب قال ~~قال الحواريون يا عيسى من أولياء الله الذين لاخوف عليهم ولا هم يحزنون قال ~~الذين نظروا الى باطن الدنيا حين نظر الناس الى عاجلها فأماتوا منها ما ~~يخشون أن يميتهم وتركوا ما علموا أن سيتركهم فصار استكثارهم منها استقلالا ~~وذكرهم إياها فواتا وفرحهم # PageV01P217 # بما اصابوا منها حزنا فما عارضهم من نائلها رفضوه وما عارضهم من رفعتها ~~بغير الحق وضعوه خلقت الدنيا عندهم فليسوا يجددونها وخربت بينهم فليسوا ~~يعمرونها وماتت فى صدورهم فليسوا يحيونها يهدمونها فيبنون بها آخرتهم ~~ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم رفضوها فكانوا بها هم الفرحين ونظروا ~~الى أهلها صرعى قد حلت بهم المثلات فأحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة ~~يحبون الله ويحبون ذكره ويستضيئون بنوره ويضيئون به لهم خبر عجيب وعندهم ~~الخبر العجيب بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا ms190 وبهم علم ~~الكتاب وبه عملوا ليسوا يرون نائلا مع ما نالوا ولا أمانا دون ما يرجون ولا ~~خوفا دون ما يحذرون # وحدثنا روح حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال قيل لعيسى بن مريم يا ~~رسول الله لو اتخذت حمارا تركبه لحاجتك قال أنا أكرم على الله من أن يجعل ~~لى شيئا يشغلنى به وقال اجعلوا كنوزكم فى السماء فإن قلب المرء عند كنزه ~~وقال اتقوا فضول الدنيا فإن فضول الدنيا عند الله رجز وقال يا بنى اسرائيل ~~اجعلوا بيوتكم كمنازل الأضياف فما لكم فى العالم من منزل ان أنتم إلا عابرى ~~سبيل وقال يا معشر الحواريين ايكم يستطيع أن يبنى على موج البحر دارا قالوا ~~ياروح الله من يقدر على ذلك قال اياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارا وقال أكل ~~الخبز البر وشرب ماء عذب ونوم على المزابل مع الكلاب كثير لمن يريد أن يرث ~~الفردوس # قال أحمد وحدثنا بهز عن الاعمش عن خيثمة قال قال المسيح بشدة ما يدخل ~~الغنى الجنة وقال المسيح حلاوة الدنيا مرارة الاخرة ومرارة الدنيا حلاوة ~~الاخرة وقال يا بنى اسرائيل تهاونوا بالدنيا تهن عليكم وأهينوا الدنيا تكرم ~~عليكم الاخرة ولا تكرموا الدنيا تهن عليكم # PageV01P218 # الاخرة فإن الدنيا ليست بأهل الكرامة وكل يوم تدعو الى الفتنة والخسارة # وقال اسحق بن هانئ فى مسائلة قال أبو عبد الله وأنا أخرج من داره قال ~~الحسن أهينوا الدنيا فوالله لأهنأ ما تكون حين تهان وقال الحسن والله ما ~~أبالى شرقت أم غربت قال وقال لى أبو عبد الله يا اسحق ما أهون الدنيا على ~~الله عز وجل وقال الدنيا قليلها يجزى وكثيرها لا يجزى # قالوا وقد تواتر عن السلف أن حب الدنيا رأس الخطايا وأصلها وقد روى فيه ~~حديث مرفوع لا يثبت ولكنه يروى عن المسيح قال عبد الله بن احمد حدثنا عبيد ~~الله بن عمر القواريرى حدثنا معاذ بن هشام حدثنى ابى عن بديل بن ميسرة قال ~~حدثنى جعفر بن خرفاش أن عيسى بن مريم عليه السلام ms191 قال رأس الخطيئة حب ~~الدنيا والنساء حبالة الشيطان والخمر جماع كل شر # وقال الامام أحمد حدثنا عمر بن سعد أبو داود الحفرى عن سفيان قال كان ~~عيسى بن مريم يقول حب الدنيا أصل كل خطيئة والمال فيه داء كثير قالوا وما ~~داؤه قال لا يسلم من الفخر والخيلاء قالوا فان سلم قال يشغله اصلاحه عن ذكر ~~الله عزوجل قالوا وذلك معلوم بالتجربة والمشاهدة فان حبها يدعو الى خطيئة ~~ظاهرة وباطنة ولا سيما خطيئة يتوقف تحصيلها عليها فيسكر عاشقها حبها عن ~~علمه بتلك الخطيئة وقبحها وعن كراهتها واجتنابها وحبها يوقع فى الشبهات ثم ~~فى المكروهات ثم فى المحرمات وطالما أوقع فى الكفر بل جميع الأمم المكذبة ~~لأنبيائهم انما حملهم على كفرهم وهلاكهم حب الدنيا فان الرسل لما نهوهم عن ~~الشرك والمعاصى التى كانوا يكسبون بها الدنيا حملهم حبها على مخالفتهم ~~وتكذيبهم فكل خطيئة فى العالم أصلها حب الدنيا ولا تنس خطيئة الأبوين قديما ~~فإنما كان سببها حب الخلود فى الدنيا ولا تنس ذنب ابليس وسببه حب الرياسة ~~التي محبتها شر من محبة الدنيا وبسببها كفر # PageV01P219 # فرعون وهامان وجنودهما وأبو جهل وقومه واليهود فحب الدنيا والرياسة هو ~~الذى عمر النار بأهلها والزهد فى الدنيا والرياسة هو الذى عمر الجنة بأهلها ~~والسكر بحب الدنيا أعظم من السكر بشرب الخمر بكثير وصاحب هذا السكر لا يفيق ~~منه الا فى ظلمة اللحد ولو انكشف عنه غطاؤه فى الدنيا لعلم ما كان فيه من ~~السكر وانه اشد من سكر الخمر والدنيا تسحر العقول أعظم سحر # قال الإمام أحمد حدثنا سيار حدثنا جعفر قال سمعت مالك بن دينار يقول ~~اتقوا السحارة اتقوا السحارة فإنها تسحر قلوب العلماء # وقال يحيى بن معاذ الرازى الدنيا خمر الشيطان من سكر منها فلا يفيق إلا ~~فى عسكر الموتى نادما بين الخاسرين وأقل ما فى حبها أنه يلهى عن حب الله ~~وذكره ومن الهاه ماله عن ذكر الله فهو من الخاسرين وإذا لها القلب عن ذكر ~~الله سكنه الشيطان وصرفه حيث اراد ms192 ومن فقهه فى الشر أنه يرضيه ببعض أعمال ~~الخير ليريه أنه يفعل فيها الخير وقد تعبد لها قلبه فأين يقع ما يفعله من ~~البر مع تعبده لها وقد لعنه رسول الله ودعا عليه فقال لعن عبد الدينار ~~والدرهم وقال تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم ان أعطى رضى وإن منع سخط وهذا ~~تفسير منه وبيان لعبوديتها وقد عرضت الدنيا على النبى بحذافيرها وتعرضت له ~~فدفع فى صدرها باليدين وردها على عقبيها ثم عرضت بعده على أصحابه وتعرضت ~~لهم فمنهم من سلك سبيله ودفعها عنه وهم القليل ومنهم من استعرضها وقال ما ~~فيك قالت فى الحلال والشبهة والمكروه والحرام فقالوا هاتى حلالك ولا حاجة ~~لنا فيما عداه فأخذوا حلالها ثم تعرضت لمن بعدهم فطلبوا حلالها فلم يجدوه ~~فطلبوا مكروهها وشبهها فقالت قد أخذه من قبلكم فقالوا هاتى حرامك فأخذوه ~~فطلبه من بعدهم فقالت هو فى أيدى الظلمة قد استأثروا به عليكم فتحيلوا على ~~تحصيله منهم بالرغبة والرهبة فلا يمد فاجر يده الى شئ من الحرام إلا وجد ~~أفجر منه وأقوى # PageV01P220 # قد سبقه اليه هذا وكلهم ضيوف وما بأيديهم عارية كما قال ابن مسعود رضى ~~الله عنه ما أصبح أحد فى الدنيا إلا ضيف وماله عارية فالضيف مرتحل والعارية ~~مؤادة # قالوا وانما كان حب الدنيا رأس الخطايا ومفسدا للدين من وجوه أحدها أن ~~حبها يقتضى تعظيمها وهى حقيرة عند الله ومن أكبر الذنوب تعظيم ما حقر الله ~~وثانيها أن الله لعنها ومقتها وأبغضها إلا ما كان له فيها ومن أحب ما لعنه ~~الله ومقته وأبغضه فقد تعرض للفتنة ومقته وغضبه وثالثها انه اذا أحبها ~~صيرها غايته وتوسل اليها بالأعمال التى جعلها الله وسائل اليه والى الدار ~~الآخرة فعكس الأمر وقلب الحكمة فانعكس قلبه وانعكس سيره الى وراء فها هنا ~~أمران أحدهما جعل الوسيلة غاية والثانى التوسل بأعمال الآخرة إلى الدنيا ~~وهذا شر معكوس من كل وجه وقلب منكوس غاية الانتكاس وهذا هو الذى انطبق عليه ~~حذو القذة بالقذة قوله تعالى {من كان ms193 يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم ~~أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ~~وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} وقوله تعالى {من كان يريد ~~العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما ~~مدحورا} وقوله تعالى من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد ~~حرث الدنيا نؤته منها وماله فى الآخرة من نصيب فهذه ثلاث آيات يشبه بعضها ~~بعضا وتدل على معنى واحد وهو أن من أراد بعمله الدنيا وزينتها دون الله ~~والدار الآخرة فحظه ما اراد وهو نصيبه ليس له نصيب غيره # والاحاديث عن رسول الله مطابقة لذلك مفسرة له كحديث أبى هريرة رضى الله ~~عنه فى الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار: "الغازى والمتصدق والقارئ ~~الذين أرادوا بذلك الدنيا والنصيب" وهو فى صحيح مسلم. # PageV01P221 # وفى سنن النسائى عن أبى أمامة رضى الله عنه قال: "جاء رجل الى النبى فقال ~~يا رسول الله رجل غزا يلتمس الأجر والذكر ما له فقال رسول الله لا شئ له ~~فأعادها ثلاث مرات يقول له رسول الله لا شئ له ثم قال إن الله تعالى لا ~~يقبل إلا ما كان خالصا" وابتغى به وجهه فهذا قد بطل أجره وحبط عمله مع أنه ~~قصد حصول الأجر لما ضم اليه قصد الذكر بين الناس فلم يخلص عمله لله فبطل ~~كله # وفى مسند الامام أحمد عن أبى هريرة أن رجلا قال: "يارسول الله الرجل يريد ~~الجهاد فى سبيل الله وهو يبتغى عرض الدنيا فقال له رسول الله لا أجر له ~~فأعظم الناس ذلك وقالوا للرجل عد لرسول الله لعله لم يفهم فعاد فقال يا ~~رسول الله الرجل يريد الجهاد فى سبيل الله وهو يبتغى عرض الدنيا فقال رسول ~~الله لا أجر له ثم أعاد الثالثة فقال رسول الله لا أجر له". # وفى المسند ايضا وسنن النسائى عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال ان ~~رسول ms194 الله قال: "من غزا فى سبيل الله عزوجل وهو لا ينوى فى غزاته إلا عقالا ~~فله ما نوى". # وفى المسند والسنن عن يعلى بن منبه قال: "كان رسول الله يبعثنى فى سرايا ~~فبعثنى ذات يوم فى سرية وكان رجلا يركب بغلا فقلت له ارحل فإن النبى قد ~~بعثنى فى سرية فقال ما أنا بخارج معك حتى تجعل لى ثلاثة دنانير ففعلت فلما ~~رجعت من غزاتى ذكرت ذلك لرسول الله فقال النبى ليس له من غزاته هذه ومن ~~دنياه وآخرته الا ثلاثة دنانير". # وفى سنن أبى داود أن عبد الله بن عمر رضى الله عنه قال: "يا رسول الله ~~أخبرنى عن الجهاد والغزو فقال يا عبد الله بن عمر ان قاتلت صابرا محتسبا ~~بعثك الله صابرا محتسبا وان قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله مرائيا مكاثرا ~~يا عبد الله بن عمر على أى حال قاتلت أو قتلت بعثك الله على تلك الحال". # PageV01P222 # وفى المسند والسنن عن ابى ايوب رضى الله عنه قال سمعت رسول الله يقول: ~~"انها ستفتح عليكم الامصار وتضربون فيها بعوثا فيكره الرجل منكم البعث ~~فيخلص من قومه ويعرض نفسه على القبائل يقول من أكفيه بعث كذا وكذا إلا وذلك ~~الأجير الى آخر قطرة من دمه" فانظر محبة الدنيا ماذا حرمت هذا المجاهد من ~~المجاهدين من الأجر وأفسدت عليه عمله وجعلته أول الداخلين إلى النار # فصل: ورابعها أن محبتها تعترض بين العبد وبين فعل ما يعود عليه نفعه فى ~~الآخرة لاشتغاله عنه بمحبوبه والناس ها هنا مراتب فمنهم من يشغله محبوبه عن ~~الايمان وشرائعه ومنهم من يشغله عن الواجبات التى تجب عليه لله ولخلقه فلا ~~يقوم بها ظاهرا ولا باطنا ومنهم من يشغله حبها عن كثير من الواجبات ومنهم ~~من يشغله عن واجب يعارض تحصيلها وان قام بغيره ومنهم من يشغله عن القيام ~~بالواجب فى الوقت الذى ينبغى على الوجه الذى ينبغى فيفرط فى وقته وفى حقوقه ~~ومنهم من يشغله عن عبودية قلبه فى الواجب وتفريغه لله عند أدائه فيؤديه ms195 ~~ظاهر الا باطنا وأين هذا من عشاق الدنيا ومحبيها هذا من أندرهم وأقل درجات ~~حبها ان يشغل عن سعادة العبد وهو تفريغ القلب لحب الله ولسانه لذكره وجمع ~~قلبه على لسانه وجمع لسانه وقلبه على ربه فعشقها ومحبتها تضر بالآخرة ولا ~~بد كما أن محبة الآخرة تضر بالدنيا وفى هذا الحديث قد روى مرفوعا من أحب ~~دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته اضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى # فصل: وخامسها أن محبتها تجعلها أكثر هم العبد وقد روى الترمذى من حديث ~~أنس بن مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله: " من كانت الآخرة أكبر همه ~~جعل الله غناه فى قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهى راغمة ومن كانت ~~الدنيا أكبر همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من ~~الدنيا إلا ما قدر له". # PageV01P223 # فصل: وسادسها أن محبها أشد الناس عذابا بها وهو معذب فى دوره الثلاث يعذب ~~فى الدنيا بتحصيلها والسعى فيها ومنازعة أهلها وفى دار البرزخ بفواتها ~~والحسرة عليها وكونه قد حيل بينه وبين محبوبه على وجه لا يرجوا اجتماعه به ~~ابدا ولم يحصل له هناك محبوب يعوضه عنه فهذا اشد الناس عذابا فى قبره يعمل ~~الهم والغم والحزن والحسرة فى روحه ما تعمل الديدان وهوام الأرض فى جسمه ~~كما قال الامام أحمد حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم حدثنا عبد الصمد بن معقل ~~عن وهب بن منبه أن حزقبل كان فيمن سبى بختنصر فذكر عنه حديثا طويلا وفى ~~آخره قال فبينا أنا نائم على شط الفرات إذ أتانى ملك فاخذ براسى فاحتملنى ~~حتى وضعنى بقاع من الأرض قد كانت معركة قال واذا فيه عشرة آلاف قتيل قد ~~بددت الطير والسباع لحومهم وفرقت أوصالهم قال لى إن قوما يزعمون أن من مات ~~منهم أو قتل فقد انفلت منى وذهبت عنه قدرتى فادعهم قال حزقبل فدعوتهم فإذا ~~كل عظم قد أقبل الى مفصله الذى انقطع منه ما الرجل بصاحبه بأعرف من العظم ~~بمفصله ms196 الذى فارق حتى أم بعضها بعظائم نبت عليها اللحم ثم نبتت عليها ~~العروق ثم انبسطت الجلود وأنا أنظر الى ذلك ثم قال ادع أرواحهم قال فدعوتها ~~فاذا كل روح قد أقبل الى جسده الذى فارق فلما جلسوا سألتهم فيم كنتم قالوا ~~إنا لما متنا وفارقنا الحياة لقينا ملك فقال هلموا أعمالكم وخذوا أجوركم ~~كذلك سنتنا فيكم وفيمن كان قبلكم وفيمن هو كائن بعدكم قال فنظر فى أعمالنا ~~فوجدنا نعبد الأوثان فسلط الدود على أجسادنا وجعلت الأرواح تألمه وسلط الغم ~~على أرواحنا وجعلت أجسادنا تألمه فلم نزل كذلك نعذب حتى دعوتنا ولا يستريح ~~عاشق الدنيا فقولهم كنا نعبد الأوثان فسيان عبادة الاثمان وعبادة الأوثان ~~تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم # والمقصود أن محب الدنيا يعذب فى قبره ويعذب يوم لقاء ربه قال تعالى {فلا ~~تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في # PageV01P224 # الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} قال بعض السلف يعذبهم بجمعها ~~وتزهق أنفسهم بحبها وهم كافرون بمنع حق الله فيها # فصل: وسابعها أن عاشقها ومحبها الذى يؤثرها على الآخرة من أسفه الخلق ~~وأقلهم عقلا اذ آثر الخيال على الحقيقة والمنام على اليقظة والظل الزائل ~~على النعيم الدائم والدار الفانية على الدار الباقية وباع حياة الأبد فى ~~ارغد عيش بحياة انما هى أحلام نوم أو كظل زائل ان اللبيب بمثلها لا يخدع ~~كما نزل أعرابى بقوم فقدموا له طعاما فأكل ثم قام الى ظل خيمة فنام ~~فاقتلعوا الخيمة فاصابته فانتبه وهو يقول: # وان امرؤ دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور # وكان بعض السلف يتمثل بهذا البيت: # يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها ... ان اغترارا بظل زائل حمق # قال يونس بن عبد الأعلى ما شبهت الدنيا الا كرجل نام فرأى فى منامه ما ~~يكره وما يحب فبينما هو كذلك انتبه وقال ابن أبى الدنيا حدثنى أبو على ~~الطائى حدثنا عبد الرحمن البخارى عن ليث قال رأى عيسى بن مريم الدنيا فى ~~صورة عجوز عليها من كل زينة ms197 فقال كم تزوجتى قالت لا أحصيهم قال فكلهم مات ~~عنك أو كلهم طلقك قالت بل كلهم قتلته فقال عيسى بؤسا لأزواجك الباقين كيف ~~لا يعتبرون بأزواجك الماضين تهلكينهم واحدا واحدا ولا يكونوا منك على حذر # أرى اشقياء الناس لا يسأمونها ... على أنهم فيها عراة وجوع # اراها وان كانت تحب فإنها ... سحابة صيف عن قليل تقشع # أشبه الأشياء بالدنيا الظل تحسب له حقيقة ثابتة وهو فى تقلص وانقباض ~~فتتبعه لتدركه فلا تلحقه وأشبه الأشياء بها السراب يحسبه الظمآن ماء حتى ~~إذا جاءه لم يجد شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب وأشبه ~~الأشياء بها المنام يرى فيه العبد ما يحب وما يكره فإذا # PageV01P225 # استيقظ علم أن ذلك لا حقيقة له وأشبه الأشياء بها عجوز شوهاء قبيحة ~~المنظر والمخبر غدارة بالأزواج تزينت للخطاب بكل زينة وسترت كل قبيح فاغتر ~~بها من لم يجاوز بصره ظاهرها فطلب النكاح فقالت لا مهر إلا نقد الآخرة ~~فإننا ضرتان واجتماعنا غير مأذون فيه ولا مستباح فآثر الخطاب العاجلة ~~وقالوا ما على من واصل حبيبته من جناح فلما كشف قناعها وحل إزارها إذا كل ~~آفة وبلية فمنهم من طلق واستراح ومنهم من اختار المقام فما استتمت ليلة ~~عرسه إلا بالعويل والصياح # تالله لقد اذن مؤذنها على رءوس الخلائق يحي على غير الفلاح فقام ~~المجتهدون والمسلمون لها فواصلوا فى طلبها الغدو بالرواح وسروا ليلهم فلم ~~يحمد القوم السرى عند الصباح طاروا فى صيدها فما رجع أحد منهم إلا وهو ~~مكسور الجناح فوقعوا فى شبكتها فأسلمتهم للذباح # قال ابن أبى الدنيا حدثنا محمد بن على بن شقيق حدثنا ابراهيم بن الأشعث ~~قال سمعت الفضيل بن عياض قال قال ابن عباس رضى الله عنهما يؤتى بالدنيا يوم ~~القيامة فى صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية مشوه خلقها فتشرف على ~~الخلائق فيقال أتعرفون هذه فيقولون نعوذ بالله من معرفة هذه فيقال هذه ~~الدنيا التى تشاجرتم عليها بها تقاطعتم الأرحام وبها تحاسدتم وتباغضتم ~~واغتررتم ثم يقذف بها فى جهنم فتنادى ms198 يا رب أين أتباعى وأشياعى فيقول الله ~~عزوجل ألحقوا بها أتباعها وأشياعها # قال ابن أبى الدنيا وحدثنا اسحق بن اسماعيل حدثنا روح بن عبادة حدثنا عوف ~~عن أبى العلاء قال رأيت فى النوم عجوزا كبيرة عليها من كل زينة الدنيا ~~والناس عكوف عليها متعجبون ينظرون اليها فجئت فنظرت فتعجبت من نظرهم اليها ~~وإقبالهم عليها فقلت لها ويلك من أنت قالت أما تعرفنى قلت لا قالت أنا ~~الدنيا قال قلت أعوذ بالله من شرك قالت فان أحببت أن تعاذ من شرى فابغض ~~الدرهم. # PageV01P226 # قال ابن أبي الدنيا وحدثنى ابراهيم بن سعيد الجوهرى حدثنا سفيان بن عيينة ~~قال قال لى أبو بكر بن عياش رأيت الدنيا فى النوم عجوزا مشوها شمطاء تصفق ~~بيديها وخلفها خلق يتبعونها ويصفقون ويرقصون فلما كانت بحذائى أقبلت على ~~فقالت لو ظفرت بك صنعت بك ما صنعت بهؤلاء ثم بكى أبو بكر قال وحدثنا محمد ~~بن على حدثنا ابراهيم بن الاشعث قال سمعت الفضيل قال بلغنى أن رجلا عرج ~~بروحه قال فاذا امرأة على قارعة الطريق عليها من كل زينة الحلى والثياب ~~واذا هى لا يمر بها أحد إلا جرحته وإذا هى أدبرت كانت أحسن شيء رآه الناس ~~واذا أقبلت أقبح شئ عجوز شمطاء زرقاء عمشاء فقلت أعوذ بالله قالت لا والله ~~لا يعيذك الله حتى تبغض الدرهم قال قلت من أنت قالت أنا الدنيا # ووصف على رضى الله عنه الدنيا فقال دار من صح فيها هرم ومن سقم فيها ندم ~~ومن افتقر فيها حزن ومن استغنى فيها فتن فى حلالها الحساب وفى حرامها النار ~~وقال ابن مسعود رضى الله عنه الدنيا دارت من لا دار له ومال من لا مال له ~~ولها يجمع من لا عقل له # وذكر ابن أبى الدنيا أن الحسن كتب الى عمر بن عبد العزيز أما بعد فان ~~الدنيا دار ظعن ليست بدار اقامة وانما أنزل آدم اليها عقوبة فاحذرها يا ~~أمير المؤمنين فان الزاد منها تركها والغناء فيها فقرها لها فى كل ms199 حال قتيل ~~تذل من أعزها وتفقر من جمعها هى كالسم يأكله من لا يعرفه وفيه حتفه فكن ~~فيها كمداو جرحاته يحتمى قليلا مخافة ما يكره طويلا ويصبر على شدة الدواء ~~مخافة طول البلاء فاحذر هذه الدار الغرارة الخيالة الخداعة التى قد تزينت ~~بخدعها وفتنت بغرورها وخيلت بآمالها وشوقت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلوة ~~فالعيون اليها ناظرة والقلوب عليها والهه والنفوس لها عاشقة وهى لأزواجها ~~كلهم قاتله فلا الباقى بالماضى معتبر ولا الآخر بالاول مزدجر والعارف بالله ~~حين أخبره عنها مذكر # PageV01P227 # فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى ونسى المعاد فشغل فيها لبه حتى ~~زلت عنها قدمه فعظمت ندامته وكبرت حسرته واجتمع عليه سكرات الموت وألمه ~~وحسرات الفوت ونغصه فذهب منها فى كمد ولم يدرك منها ما طلب ولم يرح نفسه من ~~التعب فخرج بغير زاد وقدم على غير مهاد فاحذرها يا أمير المؤمنين وأسر ما ~~تكون فيها أحذر ما تكون لها فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور ~~أشخصته إلى مكروه السار فيها غذاء ضار وقد وصل الرخاء منها بالبلاء وجعل ~~البقاء فيها الى فناء فسرورها مشوب بالحزن ما يرجع منها ما ولى فأدبر ولا ~~يدرى ما هو آت فينتظر أمانيها كاذبة وآمالها باطلة وصفوها كدر وعيشها نكد ~~فلو كان الخالق لها لم يخبر عنها خبرا ولم يضرب لها مثلا لكانت قد أيقظت ~~النائم ونبهت الغافل فكيف وقد جاء من الله عز وجل عنها زاجر وفيها واعظ فما ~~لها عند الله عزوجل قدر ولا وزن وما نظر اليها منذ خلقها ولقد عرضت على ~~نبينا بمفاتيحها وخزائنها لا تنقصه عند الله جناح بعوضة فأبى أن يقبلها ~~وكره أن يحب ما ابغض الله خالقه أو يرفع ماوضع مليكه فزواها عن الصالحين ~~اختيارا وبسطها لأعدائه اغترارا فيظن المغرور بها القادر عليها أنه أكرم ~~بها ونسى ما صنع الله بمحمد حين شد الحجر على بطنه # وقال الحسن أيضا ابن آدم لا تعلق قلبك فى الدنيا فتعلقه بشر معلق اقطع ~~حبالها وغلق أبوابها حسبك ms200 يا أبن آدم منها ما يبلغك المحل وكان يقول إن ~~قوما أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب فأهينوها فأهنا ما تكون إذا أهنتموها ~~هيهات هيهات ذهبت الدنيا وبقيت الأعمال قلائد فى الاعناق # وقال المسيح عليه السلام لا تتخذوا الدنيا ربا فتخذكم عبيدا واعبروها ولا ~~تعمروها واعلموا أن أصل كل خطيئة حب الدنيا ورب شهوة أورثت أهلها حزنا ~~طويلا ما سكنت الدنيا فى قلب عبد إلا التاط # PageV01P228 # قلبه منها بثلاثة شغل لا ينفك عناؤه وفقر لا يدرك غناؤه وأمل لا يدرك ~~منتهاه الدنيا طالبه مطلوبه فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل فيها ~~رزقه وطالب الدنيا تطلبه الاخرة حتى يجئ الموت فيأخذ بعنقه يا معشر ~~الحواريين ارضوا بدنئ الدنيا مع سلامة الدين كما رضى أهل الدنيا بدنئ الدين ~~مع سلامة الدنيا # وقال ابن ابى الدنيا حدثنا هرون بن عبد الله حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا ~~مالك ابن دينار قال قال ابو هريرة رضى الله عنه الدنيا موقوفه بين السماء ~~والارض منذ خلقها الله تعالى الى يوم يفنيها تنادى ربها يا رب لم تبغضنى ~~فيقول اسكتى يا لا شئ اسكتى يا لا شئ وقال الفضيل تجئ الدنيا يوم القيامة ~~فتتبختر فى زينتها ونضرتها فتقول يا رب اجعلنى لأحسن عبادك دارا فيقول لا ~~أرضاك له أنت لا شئ فكونى هباء منثورا # فصل: فى ذكر أمثلة تبين حقيقة الدنيا # المثال الاول: للعبد ثلاثة أحوال حالة لم يكن فيها شيئا وهى ما قبل أن ~~يوجد وحالة أخرى وهى من ساعة موته الى مالا نهايه له فى البقاء السرمدى ~~فلنفسه وجود بعد خروجها من البدن إما فى الجنة واما فى النار ثم تعاد الى ~~بدنه فيجازى بعمله ويسكن احدى الدارين فى خلود دائم ثم بين هاتين الحالتين ~~وهى ما بعد وجوده وما قبل موته حالة متوسطه وهى أيام حياته فلينظر الى ~~مقدار زمانها وأنسبه الى الحالتين يعلم أنه أقل من طرفة عين فى مقدار عمر ~~الدنيا ومن رأى الدنيا بهذه العين لم يركن اليها ولم يبال كيف تقضت ms201 أيامه ~~فيها فى ضر وضيق أو فى سعه ورفاهية ولهذا لم يضع رسول الله لبنه على لبنه ~~ولا قصبه على قصبه وقال: "مالى وللدنيا انما مثلى ومثل الدنيا الا كراكب ~~قال فى ظل شجرة ثم راح وتركها" وقال: "ما الدنيا فى الآخرة الا كما يجعل ~~أحدكم اصبعه فى اليم فلينظر بم يرجع" والى هذا أشار المسيح عليه السلام ~~بقوله: "الدنيا # PageV01P229 # قنطرة فاعبروها ولا تعمروها" وهذا مثل صحيح فإن الحياة معبر الى الاخرة ~~والمهد هو الركن الاول على أول القنطرة واللحد هو الركن الثانى على آخرها ~~ومن الناس من قطع نصف القنطرة ومنهم من قطع ثلثيها ومنهم من لم يبق له الا ~~خطوة واحدة وهو غافل عنها وكيفما كان فلا بد من العبور فمن وقف يبنى على ~~القنطرة ويزينها بأصناف الزينة وهو يستحث العبور فهو فى غاية الجهل والحمق # فصل: المثال الثانى شهوات الدنيا فى القلب كشهوات الاطعمه فى المعدة وسوف ~~يجد العبد عند الموت لشهوات الدنيا فى قلبه من الكراهه والنتن والقبح ما ~~يجده للأطعمه اللذيذة إذا انتهت فى المعدة غايتها وكما أن الأطعمة كلما ~~كانت ألذ طعما وأكثر دسما وأكثر حلاوة كان رجيعها أقذر فكذلك كل شهوة كانت ~~فى النفس ألذ واقوى فالتأذى بها عند الموت أشد كما أن تفجع الإنسان بمحبوبه ~~إذا فقده يقوى بقدر محبة المحبوب # وفى المسند أن النبى قال للضحاك بن سفيان: "ألست تؤتى بطعامك وقد ملح ~~وقزح ثم تشرب عليه الماء واللبن قال بلى قال فإلى م يصير قال إلى ما قد ~~علمت قال فإن الله عزوجل ضرب مثل الدنيا لما يصير اليه طعام ابن آدم" كان ~~بعض السلف يقول لأصحابه انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيذهب بهم الى مزبلة ~~فيقول انظروا الى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم # المثال الثالث: لها ولأهلها فى اشتغالهم بنعيمها عن الآخرة وما يعقبهم من ~~الحسرات مثل أهلها فى غفلتهم مثل قوم ركبوا سفينة فانتهت بهم الى جزيرة ~~فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة وحذرهم الابطاء وخوفهم مرور السفينة ~~فتفرقوا فى نواحى ms202 الجزيرة فقضى بعضهم حاجته وبادر الى السفينة فصادف المكان ~~خاليا فأخذ أوسع الأماكن وألينها وأوفقها لمراده ووقف بعضهم فى الجزيرة ~~ينظر الى أزهارها وأنوارها العجيبة ويسمع نغمات طيورها ويعجبه حسن أحجارها ~~ثم حدثته نفسه بفوت # PageV01P230 # السفينة وسرعة مرورها وخطر ذهابها فلم يصادف إلا مكانا ضيقا فجلس فيه ~~وأكب بعضهم على تلك الحجارة المستحسنة والأزهار الفائقة فحمل منها حمله ~~فلما جاء لم يجد فى السفينة الا مكانا ضعيفا وزاده حمله ضيقا فصار محموله ~~ثقلا عليه ووبالا ولم يقدر على نبذه بل لم يجد من حمله بدا ولم يجد له فى ~~السفينة موضعا فحمله على عتقه وندم على أخذه فلم تنفعه الندامة ثم ذبلت ~~الأزهار وتغيرت اراييجها وآذاه نتنها وتولج بعضهم فى تلك الغياض ونسى ~~السفينة وأبعد فى نزهته حتى أن الملاح نادى بالناس عند دفع السفينة فلم ~~يبلغه صوته لاشتغاله بملاهيه فهو تارة يتناول من الثمر وتارة يشم تلك ~~الانوار وتارة يعجب من حسن الأشجار وهو على ذلك خائف من سبع يخرج عليه غير ~~منفك من شوك يتشبث فى ثيابه ويدخل فى قدميه أو غصن يجرح بدنه أو عوسج يخرق ~~ثيابه ويهتك عورته أو صوت هائل يفزعه ثم من هؤلاء من لحق السفينة ولم يبق ~~فيها موضع فمات على الساحل ومنهم من شغله لهوه فافترسته السباع ونهشته ~~الحيات ومنهم من تاه فهام على وجهه حتى هلك فهذا مثال أهل الدنيا فى ~~اشتغالهم بحظوظهم العاجلة ونسيانهم موردهم وعاقبة أمرهم وما أقبح بالعاقل ~~أن تغره أحجار ونبات يصير هشيما قد شغل باله وعوقه عن نجاته ولم يصحبه # المثال الرابع: لاغترار الناس بالدينا وضعف ايمانهم بالآخرة قال ابن أبى ~~الدنيا حدثنا اسحق بن اسماعيل حدثنا روح بن عباده حدثنا هشام بن حسان عن ~~الحسن قال بلغنى أن رسول الله قال لاصحابه انما مثلى ومثلكم ومثل الدنيا ~~كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء حتى اذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أم ما بقى ~~أنفدوا الزاد وحسروا الظهر وبقوا بين ظهرانى المفازة لا زاد ولا حمولة ms203 ~~فأيقنوا بالهلكة فبينما هم كذلك اذ خرج عليهم رجل فى حلة يقطن رأسه فقالوا ~~ان هذا قريب عهد بريف وما جاءكم هذا الامن قريب فلما انتهى اليهم قال يا ~~هؤلاء علام أنتم قالوا على # PageV01P231 # ما ترى قال أرأيتم ان هديتكم على ماء رواه ورياض خضر ما تجعلون لى قالوا ~~لا نعصيك شيئا قال عهودكم ومواثيقكم بالله قال فأعطوه عهودهم ومواثيقهم ~~بالله لا يحصونه شيئا قال فأوردهم ماء ورياضا خضراء قال فمكث فيهم ما شاء ~~الله ثم قال يا هؤلاء الرحيل قالوا الى أين قال الى ماء ليس كمائكم ورياض ~~ليست كرياضكم قال فقال جل القوم وهم أكثرهم والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أن ~~لن نجده وما نصنع بعيش هو خير من هذا قال وقالت طائفة وهم أقلهم ألم تعطوا ~~هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله لا تعصونه شيئا وقد صدقكم فى أول حديثه ~~فو الله ليصدقنكم فى آخره فراح بمن اتبعه وتخلف بقيتهم فبادرهم عدوهم ~~فأصبحوا بين أسير وقتيل # المثال الخامس: للدنيا وأهلها ما مثلها به النبى كظل شجرة والمرء مسافر ~~فيها الى الله فاستظل فى ظل تلك الشجرة فى يوم صائف ثم راح وتركها فتأمل ~~حسن هذا المثال ومطابقته للواقع سواء فانها فى خضرتها كشجرة وفى سرعة ~~انقضائها وقبضها شيئا فشيئا كالظل والعبد مسافرا الى ربه والمسافر اذا رأى ~~شجرة فى يوم صائف لا يحسن به أن يبنى تحتها دارا ولا يتخذها قرارا بل يستظل ~~بها بقدر الحاجة ومتى زاد على ذلك انقطع عن الرفاق # المثال السادس: تمثيله لها بمدخل أصبعه فى اليم فالذى يرجع به أصبعه من ~~البحر هو مثل الدنيا بالنسبة الى الآخرة وهذا أيضا من أحسن الامثال فإن ~~الدنيا منقطعة فانية ولو كانت مدتها أكثر مما هى والاخرة أبدية لا انقطاع ~~لها ولا نسبة للمحصور الى غير المحصور بل لو فرض أن السموات والارض ~~مملوءتان خردلا وبعد كل ألف سنة طائر ينقل خردلة لفنى الخردل والاخرة لا ~~تفنى فنسبة الدنيا الى الآخرة فى التمثيل كنسبة خردلة ms204 واحدة الى ذلك الخردل ~~ولهذا لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر وأشجار الارض كلها أقلام يكتب ~~بها كلام الله لنفذت الابحر # PageV01P232 # والاقلام ولم تنفد كلمات الله لأنها لا بداية لها ولا نهايه لها والابحر ~~والاقلام متناهيه # قال الإمام أحمد وغيره لم يزل الله متكلما إذا شاء وكماله المقدس مقتض ~~لكلامه وكماله من لوازم ذاته فلا يكون الا كاملا والمتكلم أكمل ممن لا ~~يتكلم وهو سبحانه لم يلحقه كلل ولا تعب ولا سآمه من الكلام وهو يخلق ويدبر ~~خلقه بكلماته فكلماته هى التى أوجد بها خلقه وأمره وذلك حقيقة ملكه ~~وربوبيته وإلهيته وهو لا يكون الا ربا ملكا إلها لا إله الا هو والمقصود أن ~~الدنيا نفس من أنفاس الآخرة وساعة من ساعاتها # المثال السابع: ما مثلها به فى الحديث المتفق على صحته من حديث أبى سعيد ~~الخدرى رضى الله عنه قال: "قام رسول الله فخطب الناس فقال لا والله ما أخشى ~~عليكم الا ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا فقال رجل يا رسول الله أو يأتى ~~الخير بالشر فصمت رسول الله ثم قال كيف قلت قال يا رسول الله أو يأتى الخير ~~بالشر فقال رسول الله ان الخير لا يأتى الا بالخير وان مما ينبت الربيع ما ~~يقتل حبطا أو يلم الا آكله الخضر أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت ~~الشمس فتطلت وبالت ثم اجترت فعادت فأكلت قمن أخذ مالا بحقه بورك له فيه ومن ~~أخذ مالا بغير حقه فمثله كمثل الذى يأكل ولا يشبع" فأخبر أنه انما يخاف ~~عليهم الدنيا وسماها زهرة فشبهها بالزهر فى طيب رائحته وحسن منظره وقله ~~بقائه وأن وراءه ثمرا خيرا وابقى منه # وقوله ان مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم هذا من أحسن التمثيل ~~المتضمن للتحذير من الدنيا والانهماك عليها والمسرة فيها وذلك أن الماشيه ~~يروقها نبت الربيع فتأكل منها بأعينها فربما هلكت حبطا والحبط # PageV01P233 # انتفاخ بطن الدابه من الامتلاء أو من المرض يقال حبط الرجل والدابه تحبط ~~حبطا ms205 اذا أصابه ذلك # ولما أصاب الحارث بن مازن بن عمرو بن تميم ذلك فى سفره فمات حبطا فنسب ~~الحبطى كما يقال السلمى فكذلك الشرهه فى المال يقتله شرهه وحرصه فإن لم ~~يقتله قارب أن يقتله وهو قوله أو يلم وكثير من ارباب الأموال انما قتلتهم ~~أموالهم فانهم شرهوا فى جمعها واحتاج اليها غيرهم فلم يصلوا اليها إلا ~~بقتلهم أو ما يقاربه من اذلالهم وقهرهم # وقوله: الا آكلة الخضر هذا تمثيل لمن أخذ من الدنيا حاجته مثله بالشاة ~~الآكلة من الخضر بقدر حاجتها أكلت حتى اذا امتلأت خاصرتاها وفى لفظ آخر ~~امتدت خاصرتاها وانما تمتد من امتلائها من الطعام وثنى الخاصرتين لأنهما ~~جانبا البطن وفى قوله استقبلت عين الشمس فتلطت وبالت ثلاث فوائد احداها ~~انها لما أخذت حاجتها من المرعى تركته وبركت مستقبله الشمس لتستمرئ بذلك ما ~~أكلته الثانية انها أعرضت عما يضرها من الشره فى المرعى وأقبلت على ما ~~ينفعها من استقبال الشمس التى يحصل لها بحرارتها انضاج ما أكلته واخراجه ~~الثالثة انها استفرغت بالبول والثلط ما جمعته من المرعى فى بطنها فاستراحت ~~بإخراجه ولو بقى فيها لقتلها فكذلك جامع المال مصلحته أن يفعل به كما فعلت ~~هذه الشاة # وأول الحديث: مثل الشره فى جمع الدنيا الحريص على تحصيلها فمثاله مثال ~~الدابة التى حملها شره الأكل على أن يقتلها حبطا أو يلم إذا لم يقتلها فإن ~~الشره الحريص إما هالك وإما قريب من الهلاك فإن الربيع ينبت أنواع البقول ~~والعشب فتستكثر منه الدابة حتى ينتفخ بطنها لما جاوزت حد الاحتمال فتنشق ~~أمعاؤها وتهلك كذلك الذى يجمع الدنيا من غير حلها ويحبسها أو يصرفها فى غير ~~حقها وآخر الحديث مثل للمقتصد بآكلة الخضر الذى تنتفع الدابة بأكله ولم ~~يحملها شرهها وحرصها على تناولها منه # PageV01P234 # فوق ما تحتمله بل أكلت بقدر حاجتها وهكذا هذا أخذ ما يحتاج اليه ثم أقبل ~~على ما ينفعه وضرب بول الدابة وثلطها مثلا لإخراجه المال فى حقه حيث يكون ~~حبسه وإمساكه مضرا به فنجا من وبال جمعه ms206 بأخذ قدر حاجته منه ونجا من وبال ~~إمساكه بإخراجه كما نجت الدابة من الهلاك بالبول الثلط # وفى هذا الحديث اشارة الى الاعتدال والتوسط بين الشره فى المرعى القاتل ~~بكثرته وبين الاعراض عنه وتركه بالكلية فتهلك جوعا وتضمن الخبر أيضا إرشاد ~~المكثر من المال الى ما يحفظ عليه قوته وصحته فى بدنه وقلبه وهو الاخراج ~~منه وانفاقه ولا يحبسه فيضره حبسه وبالله التوفيق # المثال الثامن: ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن سليمان بن يسار عن ~~ميمونة قالت قال رسول الله لعمرو بن العاص: "الدنيا خضرة حلوة فمن اتقى ~~الله فيها وأصلح والا فهو كالآكل ولا يشبع وبين الناس فى ذلك كبعد الكوكبين ~~أحدهما يطلع فى المشرق والآخر يغيب فى المغرب" فنبه بخضرتها على استحسان ~~العيون لها وبحلاوتها على استجلاء الصدور لها وبتلك الخضرة والحلاوة زينت ~~لأهلها وحببت اليهم لا سيما وهم مخلوقون منها وفيها كما قيل: # ونحن بنو الدنيا ومنها نباتنا ... وما أنت منه فهو شئ محبب # وجعل الناس فيها قسمين أحدهما مصلح متقى فهذا تقواه وإصلاحه لا يدعانه ~~ينهمك عليها ويشره فيها ويأخذها من غير حلها ويضعها فى غير حقها فان لم يتق ~~ويصلح صرف نهمته وقواه وحرصه الى تحصيلها فكان كالذى يأكل ولا يشبع وهذا من ~~أحسن الأمثلة فان المقصود من الأكل حفظ الصحة والقوة وذلك تابع لقدر الحاجة ~~وليس المقصود منه ذاته ونفسه فمن جعل نهمته فوق مقصوده لم يشبع ولهذا قال ~~الامام أحمد الدنيا قليلها يجزى وكثيرها لا يجزى وأخبر عن تفاوت الناس فى ~~المنزلتين أعنى منزلة التقوى والاصلاح ومنزلة الاكل # PageV01P235 # والشره وأن بين الرجلين فى ذلك كما بين الكوكبين الغارب فى الأفق والطالع ~~منه وبين ذلك منازل متفاوتة # المثال التاسع: ما تقدم من حديث المستورد بن شداد قال كنت مع الركب الذين ~~وقفوا مع رسول الله على السخلة الميتة فقال رسول الله: "أترون هذه هانت على ~~أهلها حتى ألقوها قالوا ومن هوانها ألقوها يا رسول الله قال فو الذى نفس ~~محمد بيده للدنيا أهون ms207 على الله من هذه على أهلها " قال الترمذى حديث حسن ~~صحيح فلم يقتصر على تمثيلها بالسخلة الميتة بل جعلها أهون على الله منها # وفى مسند الامام أحمد فى هذا الحديث فو الذى نفسى بيده للدنيا عند الله ~~أهون عليه من تلك السخلة على أهلها فأكد ذلك بالقسم الصادق فإذا كان مثلها ~~عند الله أهون وأحقر من سخله ميته على أهلها فمحبها وعاشقها أهون على الله ~~من تلك السخلة وكونها سخله أهون عليهم من كونها شاة كبيرة لأن تلك ربما ~~انتفعوا بصوفها أو دبغوا جلدها وأما ولد شاة صغيرة ميت ففى غاية الهوان ~~والله المستعان # المثال العاشر: مثلها مثل البحر الذى لا بدل للخلق كلهم من ركوبه ليقطعوه ~~الى الساحل الذى فيه دورهم وأوطانهم ومستقرهم ولا يمكن قطعه الا فى سفينة ~~النجاة فارسل الله رسله لتعرف الأمم اتخاذ سفن النجاة وتأمرهم بعملها ~~وركوبها وهى طاعته وطاعة رسله وعبادته وحده واخلاص العمل له والتشمير ~~للآخرة وارادتها والسعى لها سعيها فنهض الموفقون وركبوا السفينه ورغبوا عن ~~خوض البحر لما علموا أنه لا يقطع خوضا ولا سباحه وأما الحمقاء فاستصعبوا ~~عمل السفينه وآلاتها والركوب فيها وقالوا نخوض البحر فاذا عجزنا تطباه ~~سباحة وهم أكثر أهل الدنيا فخاضوه فلما عجزوا عن الخوض أخذوا فى السباحه ~~حتى أدركهم الغرق ونجا أصحاب السفينة كما نجوا مع نوح عليه السلام وغرق أهل ~~الارض فتأمل هذا المثل وحال أهل الدنيا فيها يتبين لك مطابقته للواقع # PageV01P236 # وقد ضرب هذا المثل للدنيا والآخرة والقدر والأمر فإن القدر بحر والأمر ~~فيه سفينة لا ينجو إلا من ركبها # المثال الحادي عشر: مثالها مثال اناء مملوء عسلا رآه الذباب فاقبل نحوه ~~فبعضه قعد على حافة الاناء وجعل يتناول من العسل حتى أخذ حاجته ثم طار ~~وبعضه حمله الشره على أن رمى بنفسه فى لجة الاناء ووسطه فلم يدعه انغماسه ~~فيه أن يتهنأ به الا قليلا حتى هلك فى وسطه # المثال الثانى عشر: مثال حب قد نثر على وجه الارض وجعلت كل حبة فى فخ ms208 ~~وجعل حول ذلك الحب حب ليس فى فخاخ فجاءت الطير فمنها من قنع بالجوانب ولم ~~يرم نفسه فى وسط الحب فأخذ حاجته ومضى ومنها من حمله الشره على اقتحام معظم ~~الحب فما استتم اللقاط الا وهو يصيح من أخذة الفخ له # المثال الثالث عشر: كمثل رجل أوقد نارا عظيمة فجعلت الفراش والجنادب يرون ~~ضوءها فيقصدونها ويتهافتون فيها ومن له علم بحالها جعل يستضىء ويستدفئ بها ~~من بعيد وقد أشار النبى الى هذا المثل بعينه فى الحديث الذى رواه مالك بن ~~اسماعيل عن حفص بن حميد عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما عن عمر رضى ~~الله عنه عن النبى قال: "انى ممسك بحجزكم عن النار وتتقاحمون فيها تقاحم ~~الفراش والجنادب ويوشك أن أرسل بحجزكم" وفى لفظ آخر: "مثلى ومثلكم كمثل رجل ~~استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعلت الفراش والجنادب يتقاحمن فيها فأنا ~~آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تغلبونى وتتقاحمون فيها" وهذا المثال مطبق على ~~أهل الدنيا المنهمكين فيها فالرسل تدعوهم الى الاخرة وهم يتقاحمون فى ~~الدنيا تقاحم الفراش # المثال الرابع عشر: مثل قوم خرجوا فى سفر بأموالهم وأهليهم فمروا بواد ~~مشعب كثير المياه والفواكه فنزلوا به وضربوا خيمهم وبنوا هنالك الدور ~~والقصور فمر بهم رجل يعرفون نصحه وصدقه وأمانته فقال انى # PageV01P237 # رأيت بعينى هاتين الجيش خلف هذا الوادى وهو قاصدكم فاتبعونى أسلك بكم على ~~غير طريق العدو فتنجوا منه فأطاعته طائفة قليلة فصاح فيهم يا قوم النجاة ~~النجاة أتيتم أتيتم وصاح السامعون له بأهليهم وأولادهم وعشائرهم فقالوا كيف ~~نرحل من هذا الوادى وفيه مواشينا وأموالنا ودورنا وقد استوطناه فقال لهم ~~الناصح لينج كل واحد منكم بنفسه مما خف عليه من متاعه والا فهو مأخوذ وماله ~~مجتاح فثقل على أصحاب الجد والأموال ورؤساء القوم النقلة ومفارقة ما هم فيه ~~من النعيم والرفاهية والدعة وقال كل أحمق لى أسوة بالقاعدين فهم أكثر منى ~~مالا وأهلا فما أصابهم أصابنى معهم ونهض الأقلون مع الناصح ففازوا بالنجاة ~~وصبح الجيش أهل الوادى فقتلهم ms209 واجتاح أموالهم # وقد أشار النبى الى هذا المثل بعينه فى الحديث المتفق على صحته من حديث ~~أبى بردة عن أبى موسى عن النبى قال: "انما مثلى ومثل ما بعثنى الله به كمثل ~~رجل أتى قومه فقال يا قوم انى رأيت الجيش بعينى وأنا النذير العريان ~~فالنجاة النجاة فأطاعه طائفة من قومه فأذلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا ~~وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم فذلك مثل ~~من أطاعنى واتبع ما جئت به ومثل من عصانى وكذب بما جئت به من الحق". # المثال الخامس عشر: رجل هيأ دارا وزينها ووضع فيها من جميع الالات ودعى ~~الناس اليها فكلما دخل داخل أجلسه على فراش وثير وقدم اليه طبقا من ذهب ~~عليه لحم ووضع بين يديه أوان مفتخرة فيها من كل ما يحتاج اليه وأخدمه عبيده ~~ومماليكه فعرف العاقل أن ذلك كله متاع صاحب الدار وملكه وعبيده فاستمتع ~~بتلك الالات والضيافة مدة مقامه فى الدار ولم يعلق قلبه بها ولا حدث نفسه ~~بتملكها بل اعتمد مع صاحب الدار ما يعتمده الضيف يجلس حيث أجلسه ويأكل ما ~~قدمه له ولا يسأل عما وراء ذلك اكتفاء منه بعلم صاحب الدار وكرمه وما يفعله ~~مع ضيوفه # PageV01P238 # فدخل الدار كريما وتمتع فيها كريما وفارقها كريما ورب الدار غير ذام له ~~وأما الاحمق فحدث نفسه بسكنى الدار وحوز تلك الالات الى ملكه وتصرفه فيها ~~بحسب شهوته وارادته فتخير المجلس لنفسه وجعل ينقل تلك الآلات الى مكان فى ~~الدار يخبؤها فيه وكلما قدم اليه ربها شيئا أو آلة حدث نفسه بملكه واختصاصه ~~به عن سائر الاضياف ورب الدار يشاهد ما يصنع وكرمه يمنعه من اخراجه من داره ~~حتى اذا ظن انه استبد بتلك الآلات وملك الدار وتصرف فيها وفى آلاتها تصرف ~~المالك الحقيقى واستوطنها واتخذها دارا له أرسل إليه مالكها عبيده فأخرجوه ~~منها إخراجا عنيفا وسلبوه كل ما هو فيه ولم يصحبه من تلك الآلات شئ وحصل ~~على مقت رب الدار وافتضاحه عنده وبين مماليكه وحشمه وخدمه # فليتأمل ms210 اللبيب هذا المثال حق التأمل فإنه مطابق للحقيقة والله المستعان # قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه كل أحد فى هذه الدنيا ضيف وما له ~~عارية فالضيف مرتحل والعارية مؤداة # وفى الصحيحين عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: "مات ابن لأبى طلحة من أم ~~سليم فقالت لأهلها لا تحدثوا أبا طلحة حتى أكون أنا أحدثه فجاء فقربت اليه ~~عشاء فأكل وشرب وقال ثم تصنعت له احسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها فلما ~~رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت يا ابا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا ~~عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم قال لا قالت فاحتسب ابنك ~~قال فغضب قال تركتينى تلطخت ثم أخبرتينى بابنى فانطلق حتى أتى رسول الله ~~فأخبره بما كان منها فقال رسول الله بارك الله لكما فى ليلتكما" وذكر ~~الحديث # المثال السادس عشر: قوم سلكوا مفازة فاجأهم العطش فانتهوا الى البحر ~~وماؤه أمر شيء وأملحه فلشدة عطشهم لم يجدوا مرارته وملوحته # PageV01P239 # فشربوا منه فلم يرووا وجعلوا كلما ازدادوا شربا ازدادوا ظمأ حتى تقطعت ~~أمعاؤهم وماتوا عطشا وعلم عقلاؤهم أنه مر مالح وأنه كلما ازداد الشارب منه ~~ازداد ظمأه فتباعدوا عنه مسافة حتى وجدوا أرضا حلوة فحفروا فيها قليا فنبع ~~لهم ماء عذب فرات فشربوا وعجنوا وطبخوا ونادوا إخوانهم الذين على حافة ~~البحر هلموا إلى الماء الفرات وكان منهم المستهزئ ومنهم المعرض الراضى بما ~~هو فيه وكان المجيب واحدا بعد واحد وهذا المثل بعينه قد ضربه المسيح عليه ~~السلام فقال مثل طالب الدنيا كمثل شارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد ~~عطشا حتى يقتله # المثال السابع عشر: مثل الانسان ومثل ماله وعمله وعشيرته مثل رجل له ~~ثلاثة اخوة فقضى له سفر بعيد طويل لا بد له منه فدعا إخوته الثلاثة وقال قد ~~حضر ما ترون من هذا السفر الطويل وأحوج ما كنت اليكم الآن فقال أحدهم أنا ~~كنت أخاك الى هذه الحال ومن الآن فلست بأخ ولا صاحب وما ms211 عندى غير هذا فقال ~~له لم تغن عنى شيئا فقال للآخر ما عندك فقال كنت أخاك وصاحبك إلى الآن وأنا ~~معك حتى أجهزك الى سفرك وتركب راحلتك ومن هنالك لست لك بصاحب فقال له أنا ~~محتاج الى مرافقتك فى مسيرى فقال لا سبيل لك الى ذلك فقال لم تغن عنى شيئا ~~فقال للثالث ما عندك أنت فقال كنت صاحبك فى صحتك ومرضك وأنا صاحبك الآن ~~وصاحبك اذا ركبت راحلتك وصاحبك فى مسيرك فإن سرت سرت معك وان نزلت نزلت معك ~~واذا وصلت الى بلدك كنت صاحبك فيها لا أفارقك ابدا فقال ان كنت لأهون ~~الاصحاب على وكنت أوثر عليك صاحبيك فليتنى عرفت حقك وآثرتك عليهما # فالأول ماله والثانى أقاربه وعشيرته وأصحابه والثالث عمله وقد روى فى هذا ~~المثل بعينه حديث مرفوع لكنه لا يثبت رواه أبو جعفر العقيلى فى كتاب ~~الضعفاء من حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة # PageV01P240 # وعن ابن المسيب عن عائشة مرفوعا وهو مثل صحيح فى نفسه مطابق للواقع # المثال الثامن عشر: وهو من أحسن الأمثلة ملك بنى دارا لم ير الراءون ولم ~~يسمع السامعون أحسن ولا أوسع ولا أجمع لكل ملاذ النفوس منها ونصب لها طريقا ~~وبعث داعيا يدعو الناس اليها وأقعد على الطريق امرأة جميلة قد زينت بأنواع ~~الزينة وألبست أنواع الحلى والحلل وممر الناس كلهم عليها وجعل لها أعوانا ~~وخدما وجعل تحت يدها ويد أعوانها زادا للمارين السائرين الى الملك فى تلك ~~الطريق وقال لها ولأعوانها من غض طرفه عنك ولم يشتغل بك عنى وابتغى منك ~~زادا يوصله الى فاخدميه وزوديه ولا تعوقيه عن سفره الى بل أعينيه بكل ما ~~يبلغه فى سفره ومن مد اليك عينيه ورضى بك وآثرك على وطلب وصالك فسوميه سوء ~~العذاب وأوليه غاية الهوان واستخدميه واجعليه يركض خلفك ركض الوحش ومن يأكل ~~منك فاخدعيه به قليلا ثم استرديه منه واسلبيه اياه كله وسلطى عليه أتباعك ~~وعبيدك وكلما بالغ فى محبتك وتعظيمك وإكرامك فقابليه بأمثاله قلى وإهانة ~~وهجرا حتى تتقطع ms212 نفسه عليك حسرات فتأمل هذا المثال وحال خطاب الدنيا وخطاب ~~الآخرة والله المستعان وهذا المثل مأخوذ من الاثر المروى عن الله عز وجل يا ~~دنيا اخدمى من خدمنى واستخدمى من خدمك # المثال التاسع عشر: ملك خط مدينة فى أصح المواضع وأحسها هواء وأكثرها ~~مياها وشق أنهارها وغرس أشجارها وقال لرعيته تسابقوا إلى أحسن الأماكن فيها ~~فمن سبق إلى مكان فهو له ومن تخلف سبقه الناس الى المدينة فأخذوا منازلهم ~~وتبوؤا مساكنهم فيها وبقى من أصحاب الحسرات ونصب لهم ميدان السباق وجعل على ~~الميدان شجرة كبيرة لها ظل مديد وتحتها مياه جارية وفى الشجرة من كل أنواع ~~الفواكه وعليها طيور عجيبة الأصوات وقال لهم لا تغتروا بهذه الشجرة وظلها ~~فعن قليل تجتث من أصلها # PageV01P241 # ويذهب ظلمها وينقطع ثمرها وتموت أطيارها وأما مدينة الملك فاكلها دائم ~~وظلها مديد ونعيمها سرمدى وفيها مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر فسمع الناس بها فخرجوا فى طلبها على وجوههم فمروا بتلك الشجرة على أثر ~~تعب ونصب وحر وظمأ فنزلوا كلهم تحتها واستظلوا بظلها وذاقوا حلاوة ثمرها ~~وسمعوا نغمات أطيارها فقيل لهم إنما نزلتم تحتها لتحموا أنفسكم وتضمروا ~~مراكبكم للسباق فتهيئوا للركوب وكونوا على أهبة فإذا صاح النفير استدركتم ~~حلبة السباق فقال الأكثرون كيف ندع هذا الظل الظليل والماء السلسبيل ~~والفاكهة النضجة والدعة والراحة ونقتحم هذه الحلبة فى الحر والغبار والتعب ~~والنصب والسفر البعيد والمفاوز المعطشة التى تنقطع فيها الأمعاء وكيف نبيع ~~النقد الحاضر بالنسيئة الغائبة الى الأجل البعيد ونترك ما نراه الى مالا ~~نراه وذرة منقودة فى اليد أولى من ذرة موعودة بعد غد خذ ما تراه ودع شيئا ~~سمعت به ونحن بنو اليوم وهذا عيش حاضر كيف نتركه لعيش غائب فى بلد بعيد لا ~~ندرى متى نصل اليه ونهض من كل ألف واحد وقالوا والله ما مقامنا هذا فى ظل ~~زائل تحت شجرة قد دنى قلعها وانقطاع ثمرها وموت أطيارها ونترك المسابقة الى ~~الظل الظليل الذى لا يزول والعيش الهنئ ms213 الذى لا ينقطع الا من أعجز العجز ~~وهل يليق بالمسافر اذا استراح تحت ظل أن يضرب خباءه عليه ويتخذ وطنه خشية ~~التأذى بالحر وبالبرد وهل هذا الا أسفه السفه فالسباق السباق والبدار ~~البدار # حكم المنية فى البرية جارى ... ما هذه الدنيا بدار قرار # اقضوا مآربكم سراعا انما ... أعماركم سفر من الأسفار # وتراكضوا خيل السباق وبادروا ... أن تسترد فإنهن عوارى # ودعوا الإقامة تحت ظل زائل ... أنتم على سفر بهذى الدار # من يرجو طيب العيش فيها انما ... يبنى الرجاء على شفير هار # والعيش كل العيش بعد فراقها ... فى دار أهل السبق أكرم دار # PageV01P242 # فاقتحموا حلقة السباق ولم يستوحشوا من قلة الرفاق وساروا فى ظهور العزائم ~~ولم تأخذهم فى سيرهم لومة لائم والمتخلف فى ظل الشجرة نائم فوالله ما كان ~~الا قليل حتى ذوت أغصان تلك الشجرة وتساقطت أوراقها وانقطع ثمرها ويبست ~~فروعها وانقطع مشربها فقلعها قيمها من أصلها فأصبح أهلها فى حر السموم ~~يتقلبون وعلى ما فاتهم من العيش فى ظلها يتحسرون أحرقها قيمها فصارت هى وما ~~حولها نارا تلظى وأحاطت النار بمن تحتها فلم يستطع أحد منهم الخروج منها ~~فقالوا أين الركب الذين استظلوا معنا تحت ظلها ثم راحوا وتركوه فقيل لهم ~~ارفعوا أبصاركم تروا منازلهم فرأوهم من البعد فى قصور مدينة الملك وغرفها ~~يتمتعون بأنواع اللذات فتضاعفت عليهم الحسرات ألا يكونوا معهم وزاد تضاعفها ~~بأن حيل بينهم وبين ما يشتهون وقيل هذا جزاء المتخلفين {وما ظلمناهم ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون} # المثال العشرون: ما مثلها به النبى من الثوب الذى شق وبقى معلقا بخيط فى ~~آخره فما بقاء ذلك الخيط قال ابن أبى الدنيا حدثنى الفضل بن جعفر حدثنا وهب ~~بن حماد حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا أبو سعيد خلف بن حبيب عن أنس بن ~~مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله: "مثل هذه الدنيا مثل ثوب شق من أوله ~~الى أخره فبقى معلقا بخيط فى آخره فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع". # وان أردت لهذا المثل زيادة ايضاح فانظر ms214 الى ما رواه أحمد فى مسنده من ~~حديث أبى نظرة عن أبى سعيد قال صلى بنا رسول الله العصر نهارا ثم قام ~~فخطبنا فلم يترك شيئا قبل قيام الساعة الا اخبر به حفظه من حفظه ونسيه من ~~نسيه وجعل الناس يلتفتون الى الشمس هل بقى منها شئ فقال ألا انه لم يبق من ~~الدنيا فيما مضى منها الا كما بقى من يومكم هذا فيما مضى منه روى حفص بن ~~غياث عن ليث عن المغيرة بن حكيم عن ابن عمر # PageV01P243 # قال خرج علينا رسول الله والشمس على أطراف السعف فقال ما بقى من الدنيا ~~الا مثل ما بقى من يومنا هذا فيما مضى منه # وروى ابن أبى الدنيا عن ابراهيم بن سعد حدثنا موسى بن خلف عن قتادة عن ~~أنس أن رسول الله خطب عند مغرب الشمس فقال: "ما بقى من الدنيا فيما مضى ~~منها الا كما بقى من يومكم هذا فيما مضى منه ". # فالدنيا كلها كيوم واحد بعث رسول الله فى آخره قبل غروب شمسه بيسير وقال ~~جابر وأبو هريرة رضى الله عنهما عنه: "بعثت أنا والساعة كهاتين وقرن بين ~~أصابعه السبابة والوسطى" وكان بعض السلف يقول تصبروا فإنما هى أيام قلائل ~~وانما أنتم ركب وقوف يوشك أن يدعى أحدكم فيجيب ولا يلتفت وانه قد نعيت اليك ~~أنفسكم والموت حبس لا بد منه والله بالمرصاد وانما تخرج هذه النفوس على آخر ~~سورة الواقعة # المثال الحادى والعشرون: مثال الدنيا كحوض كبير ملئ ماء وجعل موردا ~~للأنام والانعام فجعل الحوض ينقص على كثرة الوارد حتى لم يبق منه الا كدر ~~فى أسفله قد بالت فيه الدواب وخاصته الناس والأنعام كما روى مسلم فى صحيحه ~~عن عتبة بن غزوان أنه خطبهم فقال فى خطبته إن الدنيا قد آذنت بصرم وولت ~~حذاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء يتصابها صاحبها وإنكم منتقلون ~~عنها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا بخير ما بحضرتكم وقال عبد الله بن مسعود ~~إن الله تعالى جعل الدنيا كلها ms215 قليلا فما بقى منها إلا قليل من قليل ومثل ~~ما بقى منها كالثغب شرب صفوه وبقى كدره الثغب الغدير # المثال الثانى والعشرون: قوم سكنوا مدينة مدة من الزمان فكثرت # PageV01P244 # فيها الأحداث والآفات وطرقها المحن وأغارت عليها عساكر الجور والفساد ~~فبنى ملكهم مدينة فى محل لا يطرقه آفة ولاعاهة وعزم على تخريب المدينة ~~الأولى فأرسل الى سكانها فنودى فيهم بالرحيل بعد ثلاث ولا يتخلف منهم أحد ~~وأمرهم أن ينقلوا إلى مدينة الملك الثانية خير ما فى تلك المدينة وأنفعه ~~وأجله من الجواهر واللآلى والذهب والفضة وما خف حمله من المتاع وعظم قدره ~~وصلح للملوك وأرسل اليهم الأدلاء وآلات النقل ونهج لهم الطريق ونصب لهم ~~الاعلام وتابع الرسل يستحثونهم بعضهم فى اثر بعض فانقسموا فرقا فالاقلون ~~علموا قصر مدة مقامهم فى تلك المدينة وتيقنوا أنهم ان لم يبادروا بتحصيل ~~خير ما فيها وحمله الى مدينة الملك والا فانهم ذلك فلم يقدروا عليه فرأوا ~~غبنا أن يقطعوا تلك المدة فى جمع المفضول والاشتغال به عن الفاضل فسألوا عن ~~خير مافى المدينة وأنفسه وأحبه الى الملك وأنفعه فى مدينته فلما عرفوه لم ~~يلتفوا الى مادونه ورأوا أن أحدهم اذا وافى بجوهرة عظيمة كانت أحب الى ~~الملك من أن يوافيه بأحمال كثيرة من الفلوس والحديد ونحوها فكان همهم فى ~~تحصيل ما هو أحب الى الملك وأنفس عنده ولو قل فى رأى العين وأقبلت فرقة ~~أخرى على تعبئة الاحمال المحملة وتنافسوا فى كثرتها وهم على مراتب فمنهم من ~~أحماله أثمان ومنهم من أحماله دون ذلك على قدر هممهم وما يليق بهم لكن ~~هممهم مصروفة الى تعبئة الاحمال والانتقال من المدينة وأقبلت فرقة أخرى على ~~عمارة القصور فى تلك المدينة والاشتغال بطيباتها ولذاتها ونزهها وحاربوا ~~العازمين على النقلة وقالوا لا ندعكم تأخذون من متاعنا شيئا فإن شاركتمونا ~~فى عمارة المدينة واستيطانها وعيشنا فيها والا لم نمكنكم من النقلة ولا من ~~شيء من المتاع فوقعت الحرب بينهم فقاتلوا السائرين فعمدوا الى أكل أموالهم ~~وأهليهم وما نقموا منهم الا ms216 بسيرهم الى دار الملك واجابة داعيه والرغبة عن ~~تلك الدار متى أمرهم بتركها وأقبلت فرقة أخرى على التنزه والبطالة والراحة ~~والدعة وقالوا لا نتعب أنفسنا فى عمارتها ولا ننقل منها ولا نعارض من أراد ~~النقلة ولا # PageV01P245 # نحاربهم ولا نعاونهم وكان للملك فيها قصر فيه حريم له وقد أحاط عليه سورا ~~وأقام عليه حرسا ومنع أهل المدينة من قربانه وطاف به القاعدون فلم يجدوا ~~فيه بابا يدخلون منه فغدوا على جدرانه فنقبوها ووصلوا الى حريمه فأفسدوهم ~~ونالوا منهم ما أسخط الملك وأغضبه وشق عليه ولم يقتصروا على ذلك حتى دعوا ~~غيرهم الى افساد حريمه والنيل منهم فبينما هم على تلك الحال واذا بالنفير ~~قد صاح فيهم كله فلم يمكن أحد منهم من التخلف فحملوا على تلك الحال وأحضروا ~~بين يدى الملك فاستعرضهم واحدا واحدا وعرضت بضائعهم وما قدموا به من تلك ~~المدينة عليه فقبل منها ما يصلح له وأعاض أربابه أضعاف أضعاف قيمته وأنزلهم ~~منازلهم من قربه ورد منها مالا يصلح له وضرب به وجوه أصحابه وقابل من نقب ~~حماه وأفسد حريمه بما يقابل به المفسدون فسألوا الرجعة الى المدينة ليعمروا ~~قصره ويحفظوا حريمه ويقدموا عليه من البضائع بمثل ما قدم به التجار فقال ~~هيهات قد خربت المدينة خرابا لا تعمر بعده أبدا وليس بعدها الا المدينة ~~التى لا تخرب أبدا # فصل: وقد مثلت الدنيا بمنام والعيش فيها بالحلم والموت باليقظة ومثلت ~~بمزرعة والعمل فيها بالبذر والحصاد يوم المعاد ومثلت بدار لها بابان باب ~~يدخل منه الناس وباب يخرجون منه ومثلت بحية ناعمة الملمس حسنة اللون ~~وضربتها الموت ومثلث بطعام مسموم لذيذ الطعم طيب الرائحة من تناول منه بقدر ~~حاجته كان فيه شفاؤه ومن زاد على حاجته كان فيه حتفه ومثلت بالطعام فى ~~المعدة اذا أخذت الاعضاء منه حاجتها فحبسه قاتل أو مؤذ ولا راحة لصاحبه الا ~~فى خروجه كما أشار اليه النبى فى آكلة الخضر وقد تقدم ومثلت بامرأة من أقبح ~~النساء قد انتقبت على عينين فتنت بهما الناس وهى ms217 تدعو الناس إلى منزلها ~~فإذا أجابوها كشفت لهم عن منظرها وذبحتهم بسكاكينها وألقتهم فى الحفر وقد ~~سلطت على عشاقها تفعل بهم ذلك قديما وحديثا. # PageV01P246 # والعجب أن عشاقها يرون إخوانهم صرعى قد حلت بهم الآفات وهم ينافسون فى ~~مصارعهم وسكنتم فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم ~~وضربنا لكم الأمثال ويكفى فى تمثيلها ما مئلها الله سبحانه فى كتابه فهو ~~المثل المنطبق عليها # قالوا وإذا كان هذا شأنها فالتقلل منها والزهد فيها خير من الاستكثار ~~منها والرغبة فيها قالوا ومن الملعوم أنه لا تجتمع الرغبة فيها مع الرغبة ~~فى الله والدار الآخرة أبدا ولا تسكن هاتان الرغبتان فى مكان واحد إلا ~~وطردت إحداهما الأخرى واستبدت بالمسكن ولا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو ~~الله عند رجل واحد أبدا قالوا ويكفى أن رسول الله عرضت عليه مفاتيح كنوزها ~~ولو أخذها لكان أشكر خلق الله بها ولم تنقصه مما له عند الله شيئا فاختار ~~جوع يوم وشبع يوم ومات ودرعه مرهونة على طعام لأهله كما تقدم ذكره # قالوا وقد انقسم الناس بعد رسول الله اربعة أقسام قسم لم يريدو الدنيا ~~ولم تردهم كالصديق ومن سلك سبيله وقسم أرادتهم الدنيا ولم يريدوها كعمر بن ~~الخطاب ومن سلك سبيله وقسم ارادوا الدنيا وأرادتهم كخلفاء بنى أمية ومن سلك ~~سبيلهم حاشا عمر بن عبد العزيز فإنها ارادته ولم يردها وقسم أرادوها ولم ~~تردهم كمن أفقر الله منها يده وأسكنها فى قلبه وامتحنه بجمعها ولا يخفى أن ~~خير الاقسام القسم الاول والثانى انما فضل لأنه لم يردها فالتحق بالاول # قالوا وقد سأل رجل رسول الله أن يدله على عمل اذا فعله أحبه الله وأحبه ~~الناس فقال له: "ازهد فى الدنيا بحبك الله وازهد فيما فى أيدى الناس يحبك ~~الناس" فلو كان الغنى أفضل لدله عليه قالوا وقد شرع الله سبحانه قتال ~~الكفار وشرع الكف عن الرهبان لاعتزالهم عن الدنيا وزهدهم فيها فمضت السنة ~~بأن لا يقاتلوا ولا يضرب عليهم جزية هذا وهم أعداؤه وأعداء ms218 رسله ودينه فعلم ~~أن الزهد فيها عند الله # PageV01P247 # بمكان قالوا وكذلك استقرت حكمته في شرعه على أن عقوبة الواجد أعظم من ~~عقوبة الفاقد فهذا الزانى المحصن عقوبته الرجم وعقوبة من لم يحصن الجلد ~~والتغريب وهكذا يكون ثواب الفاقد أعظم من ثواب الواجد # قالوا وكيف يستوى عند الله سبحانه ذلة الفقر وكسرته وخضوعه وتجرع مرارته ~~وتحمل أعبائه ومشاقه وعزة الغنى ولذته وصولته والتمتع بلذاته ومباشرة ~~حلاوته فبعين الله ما يتحمل الفقراء من مرارة فقرهم وصبرهم ورضاهم به عن ~~الله ربهم تبارك وتعالى وأين أجر مشقة المجاهدين إلى أجر عبادة القاعدين فى ~~الامن والدعة والراحة # قالوا وكيف يستوى أمران أحدهما حفت به الجنة والثانى حفت به النار فإن ~~أصل الشهوات من قبل المال وأصل المكاره من قبل الفقر قالوا والفقير لا ينفك ~~في خصاصة من مضض الفقر والجوع والعرى والحاجه وآلام الفقر وكل واحد منها ~~يكفر ما يقاومه من السيئات وذلك زيادة على أجره بأعمال البر فقد شارك ~~الاغنياء بأعمال البر وامتاز عنهم بما يكفر سيئاته وما امتازوا به عليه من ~~الانفاق والصدقة والنفع المتعدي فله سبيل الى لحاقهم فيه وله مثل أجورهم ~~وهو أن يعلم الله من نيته أنه لو أوتى مثل ما أوتوه لفعل كما يفعلون فيقول ~~لو أن لى مالا لعملت بأعمالهم فهو بنيته وأجرهما سواء كما أخبر به الصادق ~~المصدوق فى + الحديث الصحيح + الذى رواه الامام أحمد والترمذى من حديث أبى ~~كبشه الانمارى # قالوا: والفقير فى الدنيا بمنزلة المسجون اذ هو ممنوع عن الوصول الى ~~شهواته وملاذها والغنى منخلص من هذا السجن وقد قال النبى: "الدنيا سجن ~~المؤمن وجنة الكافر" فالغنى ان لم يسجن نفسه عن دواعى الغنى وطغيانه ~~وأرسلها فى ميادين شهواتها كانت الدنيا جنة له فانما نال الفضل بتشبهه ~~بالفقير الذى هو فى سجن فقره # قالوا وقد ذم الله ورسوله من عجلت له طيباته فى الحياة الدنيا # PageV01P248 # وانه لحرى أن يكون عوضا عن طيبات الآخرة أو منقصة لها ولا بد كما تقدم ~~بيانه بخلاف من استكمل ms219 طيباته فى الآخرة لما منع منها فى الدنيا وأتى رسول ~~الله بسويق لوز فأبى أن يشربه وقال: "هذا شراب المترفين". # قالوا: وقد سئل الحسن البصرى فقيل له رجلان أحدهما تارك للدنيا والآخر ~~يكتسبها ويتصدق بها فقال التارك لها أحب الى قالوا وقد سئل المسيح قبله عن ~~هذه المسألة عن رجلين مر أحدهما بلبنة ذهب فتخطاها ولم يلتفت اليها ومر بها ~~الآخر فأخذها وتصدق بها فقال الذى لم يلتفت اليها أفضل ويدل على هذا أن ~~رسول الله مر بها ولم يلتفت اليها ولو أخذها لأنفقها فى سبيل الله # قالوا: والفقير الفقيه فى فقره يمكنه لحاق الغنى فى جميع ما ناله بغناه ~~بنيته وقوله فيساويه فى أجره ويتميز عنه بعدم الحساب بعدم المال فساواه ~~بثوابه ويخلص من حسابه كما تميز عنه بسبقه إلى الجنة بخمسمائة عام وتميز ~~عنه بثواب صبره على ألم الفقر وخصاصته # قال الإمام أحمد: حدثنا عبادة بن مسلم حدثنى يونس بن خباب عن أبى البحترى ~~الطائى عن أبى كبشة قال سمعت رسول الله يقول: "ثلاث أقسم عليهن واحدثكم ~~حديثا فاحفظوه فأما الثلاث التى أقسم عليهن فإنه ما نقص مال عبد من صدقة ~~ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزوجل بها عزا ولا يفتح عبد ~~باب مسألة إلا فتح الله له باب فقر" وأما الذى أحدثكم حديثا فاحفظوه فإنه ~~قال إنما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقى فيه ربه ~~ويصل فيه رحمه ويعلم فيه لله حقا فهذا بأفضل المنازل عند الله وعبد رزقه ~~الله علما ولم يرزقه مالا فهو يقول لو كان لى مال عملت فيه بعمل فلان قال ~~فأجرهما سواء وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يتخبط فى ماله بغير ~~علم لا يتقى فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم الله فيه حقا فهذا بأخبث # PageV01P249 # المنازل عند الله وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول لو كان لى ~~مال لفعلت بفعل فلان قال فهو بنيته ووزرهما سواء ms220 فلما فضل الغنى بفعله ألحق ~~الفقير الصادق بنيته والغنى هناك انما نقص بتخلفه عن العمل والفقير انما ~~نقص بسوء نيته فلم ينفع الغنى غناه مع التخلف ولا ضر الفقير فقره مع حسن ~~النية ولا نفعه فقره مع سوء نيته # قالوا ففى هذا بيان كان شاف فى المسألة حاكم بين الفريقين وبالله ~~التوفيق. # PageV01P250 ### | الباب الرابع والعشرون: فى ذكر ما احتجت به الأغنياء من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار # قالت الأغنياء لقد أجلبتم علينا أيها الفقراء بخيل الأدلة ورجلها ونحن ~~نعلم أن عندكم مثلها وأكثر من مثلها ولكن توسطتم بين التطويل والاختصار ~~وظننتم أنها حكمت لكم بالفضل دون ذوى اليسار ونحن نحاكمكم الى ما حاكمتمونا ~~اليه ونعرض بضاعتنا على من عرضتم بضاعتكم عليه ونضع أدلتنا وأدلتكم فى ~~ميزان الشرع والعقل الذى لا يعزل فحيئذ يتبين لنا ولكم الفاضل من المفضول ~~ولكن اخرجوا من بيننا من تشبه بالفقراء الصادقين الصابرين ولبس لباسهم على ~~قلب أحرص الناس على الدنيا وأشحهم عليها وأبعدهم من الفقر والصبر من كل ~~مظهر للفقر مبطن للحرص غافل عن ربه متبع لهواه مفرط فى أمر معاده قد جعل زى ~~الفقر صناعة وتحلى بما هو أبعد الناس منه بضاعة أو فقير حاجة فقره اضطرارا ~~لا اختيارا فزهده زهد افلاس لا زهد رغبة فى الله والدار الآخرة أو فقير ~~يشكو ربه بلسان قاله وحاله غير راض عن ربه فى فقره بل ان أعطى رضى وان منع ~~سخط شديد اللهف على الدنيا والحسرة عليها وهو أفقر الناس فيها فهو أرغب شئ ~~فيها وهى أزهد شيء فيه وأخرجوا من بيننا ذى الثروة الجموع المنوع المتكاثر ~~بماله # PageV01P250 # المستأثر به الذى عض عليه بناجذه وثنى عليه خناصره يفرح بزيادته ويأسى ~~على نقصانه # فقلبه به مشغوف وهو على تحصيله ملهوف ان عرض سوق الانفاق والبذل أعطى ~~قليلا وأكدى وان دعى الى الايثار أمعن فى الهرب جدا وأخلصونا واخواننا من ~~سباق الطائفتين وسادات الفريقين الذين تسابقوا الى الله والدار الآخرة ~~بإيمانهم وأحوالهم ونافسوا فى القرب منه بأعمالهم وأموالهم فقلوبهم ms221 عاكفة ~~عليه وهمتهم الى المسابقة اليه ينظر غنيهم الى فقيرهم فإذا رآه قد سبقه الى ~~عمل صالح شمر الى اللحاق به وينظر فقيرهم الى غنيهم فإذا رآه قد فاته ~~بإنفاق فى طاعة الله أنفق هو من أعماله وأقواله وصبره وزهده نظير ذلك أو ~~أكثر منه فهؤلاء اخواننا الذين تكلم الناس فى التفضيل بينهم وأيهم أعلى ~~درجة وأما أولئك فإنما ينظر أيهم تحت الآخر فى العذاب وأسفل منه والله ~~المستعان # اذا عرف هذا فقد مدح الله سبحانه فى كتابه أعمالا وأثنى على أصحابها ولا ~~تحصل الا بالغنى كالزكاة والانفاق فى وجوه البر والجهاد فى سبيل الله ~~بالمال وتجهيز الغزاة واعانة المحاويج وفك الرقاب والاطعام فى زمن المسغبة # وأين يقع صبر الفقير من فرحة الملهوف المضطر المشرف على الهلاك اذا أعانه ~~الغنى ونصره على فقره ومخمصته وأين يقع صبره من نفع الغنى بماله فى نصرة ~~دين الله واعلاء كلمته وكسر أعدائه # وأين يقع صبر أبى ذر على فقره إلى شكر الصديق به وشرائه المعذبين فى الله ~~وإعتاقهم وإنفاقه على نصرة الاسلام حين قال النبى: "ما نفعنى مال احد ما ~~نفعنى مال أبى بكر" وأين يقع صبر أهل الصفة من إنفاق عثمان بن عفان تلك ~~النفقات العظيمة التى قال له رسول الله فى بعضها: "ما ضر عثمان ما فعل بعد ~~اليوم ثم قال غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما أخفيت وما ~~أبديت" أو كما قال. # PageV01P251 # واذا تأملتم القرآن وجدتم الثناء فيه على المنفقين أضعاف الثناء على ~~الفقراء الصابرين وقد شهد رسول الله بأن اليد العليا خير من اليد السفلى ~~وفسر اليد العليا بالمعطية والسفلى بالمسائلة وقد عدد الله سبحانه على ~~رسوله من نعمه أن أغناه بعد فقره وكان غناه هو الحالة التى نقله اليها ~~وفقره الحالة التى نقله منها وهو سبحانه كان ينقله من الشئ الى ما هو خير ~~منه وقد قيل فى قوله تعالى {وللآخرة خير لك من الأولى} ان المراد به ~~الحالتان أى كل حالة خير لك ms222 مما قبلها ولهذا أعقبه بقوله {ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى} فهذا يدخل فيه عطاؤه فى الدنيا والأخرة # قالوا: والغنى مع الشكر زيادة فضل ورحمة والله يخص برحمته من يشاء والله ~~ذو الفضل العظيم قالوا والاغنياء الشاكرون سبب لطاعة الفقراء الصابرين ~~لتقويتهم اياهم بالصدقة عليهم والاحسان عليهم واعانتهم على طاعتهم فلهم ~~نصيب وافر من أجور الفقراء زيادة الى نصيبهم من أجر الانفاق وطاعاتهم التى ~~تخصهم كما فى صحيح ابن خزيمة من رواية سلمان الفارسى رضى الله عنه عن النبى # وذكر شهر رمضان فقال: "من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من ~~النار وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شئ" فقد جاز الغنى الشاكر ~~أجر صيامه ومثل أجر الفقير الذى فطره قالوا ولو لم يكن للغنى الشاكر الا ~~فضل الصدقة التى لما تفاخرت الاعمال كان الفخر لها عليهن كما ذكر النظر بن ~~شميل عن قرة عن سعيد بن المسيب أنه حدث عن عمر بن الخطاب قال ذكر أن ~~الاعمال الصالحة تتباهى فتقول الصدقة أنا أفضلكم قالوا والصدقة وقاية بين ~~العبد وبين النار والمخلص المسر بها مستظل بها يوم القيامة فى ظل العرش # وقد روى عمرو بن الحارث ويزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير عن عقبة بن عامر ~~رضى الله عنه عن رسول الله قال: "ان الصدقه لتطفئ # PageV01P252 # على أهلها حر القبور وانما يستظل المؤمن يوم القيامه فى ظل صدقته". # وقال يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير عن عقبة يرفعه: "كل امرئ فى ظل صدقته ~~حتى يقضى بين الناس" قال يزيد وكان أبو الخير لا يأتى عليه يوم الا تصدق ~~فيه ولو بكعكة أو بصلة # وفى حديث معاذ عن النبى: "والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار". # وروى البيهقى من حديث ابى يوسف القاضى عن المختار بن فلفل عن أنس يرفعه: ~~"باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطى الصدقه" وفى الصحيحين من حديث أبى ~~هريرة عن النبى قال: "اذا تصدق العبد من كسب طيب ولا يقبل الله ms223 الا طيبا ~~أخذها الله بيمينه فيربيها لأحدهم كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون ~~مثل الجبل العظيم" وفى لفظ البيهقى فى هذا الحديث "حتى ان التمرة أو اللقمة ~~لتكون أعظم من أحد" وقال محمد بن المنكدر: "من موجبات المغفرة اطعام المسلم ~~السغبان" وقد روى مرفوعا من غير وجه # واذا كان الله سبحانه قد غفر لمن سقى كلبا على شدة ظمأه فكيف بمن سقى ~~العطاش وأشبع الجياع وكسى العراة من المسلمين وقد قال رسول الله: "اتقوا ~~النار ولو بشق تمرة قال فان لم تجدوا فبكلمة طيبة" فجعل الكلم الطيب عوضا ~~عن الصدقة لمن لا يقدر عليها قالوا واين لذة الصدقة والاحسان وتفريحهما ~~القلب وتقويتهما إياه وما يلقى الله سبحانه للمتصدقين من المحبة والتعظيم ~~فى قلوب عباده والدعاء لهم والثناء عليهم وادخال المسرات عليهم من أجر ~~الصبر على الفقر نعم ان له لأجرا عظيما لكن الاجر درجات عند الله # قالوا وأيضا فالصدقه والاحسان والاعطاء وصف الرب تعالى وأحب عباده اليه ~~من اتصف بذلك كما قال النبى: "الخلق عيال الله # PageV01P253 # فأحب الخلق اليه انفعهم لعياله" قالوا وقد ذكر الله سبحانه اصناف السعداء ~~فبدأ بالمتصدقين أولهم فقال تعالى {إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله ~~قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم ~~الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} فهؤلاء أصناف السعداء ~~ومقدموهم المصدقين والمصدقات # قالوا وفى الصدقة فوائد ومنافع لا يحصيها الا الله فمنها انها تقى مصارع ~~السوء وتدفع البلاء حتى انها لتدفع عن الظالم قال ابراهيم النخعى وكانوا ~~يرون أن الصدقة تدفع عن الرجل المظلوم وتطفئ الخطيئة وتحفظ المال وتجلب ~~الرزق وتفرح القلب وتوجب الثقة بالله وحسن الظن به كما أن البخل سوء الظن ~~بالله وترغم الشيطان يعنى الصدقة وتزكى النفس وتنميها وتحبب العبد الى الله ~~والى خلقه وتستر عليه كل عيب كما أن البخل يغطى عليه كل حسنة وتزيد فى ~~العمر وتستجلب أدعية الناس ومحبتهم وتدفع عن صاحبها عذاب القبر وتكون عليه ~~ظلا يوم القيامة وتشفع ms224 له عند الله وتهون عليه شدائد الدنيا والآخرة وتدعوه ~~الى سائر أعمال البر فلا تستعصى عليه وفوائدها ومنافعها أضعاف ذلك # قالوا ولو لم يكن فى النفع والاحسان الا أنه صفة الله وهو سبحانه يحب من ~~اتصف بموجب صفاته وآثارها فيحب العليم والجواد والحيي والستير والمؤمن ~~القوى أحب اليه من المؤمن الضعيف ويحب العدل والعفو والرحيم والشكور والبر ~~والكريم فصفته الغنى والجود ويحب الغنى الجواد # قالوا: ويكفى فى فضل النفع المتعدى بالمال أن الجزاء عليه من جنس العمل ~~فمن كسى مؤمنا كساه الله من حلل الجنة ومن أشبع جائعا أشبعه الله من ثمار ~~الجنة ومن سقى ظمآنا سقاه الله من شراب الجنة ومن أعتق رقبة أعتق الله بكل ~~عضو منه عضوا من النار حتى فرجه بفرجه ومن يسر على معسر يسر الله عليه فى ~~الدنيا والآخرة ومن نفس عن مؤمن # PageV01P254 # كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة والله فى عون ~~العبد ما كان العبد فى عون أخيه قالوا ونحن لا ننكر فضيلة الصبر على الفقر ~~ولكن أين تقع من هذه الفضائل وقد جعل الله لكل شئ قدرا # قالوا: وقد جعل رسول الله الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر ومعلوم أنه ~~اذا تعدى شكره الى الإحسان الى الغير ازداد أخرى فان الشكر يتضاعف الى ما ~~لا نهاية له بخلاف الصبر فان له حدا يقف عليه # وهذا دليل مستقل فى المسألة يوضحه أن الشاكر أفضل من الراضى الذى هو أعلى ~~من الصابر فاذا كان الشاكر أفضل من الراضى الذى هو أفضل من الصابر كان أفضل ~~من الصابر فى درجتين # قالوا وفى الصحيحين من حديث الزهرى عن سالم عن ابيه قال قال رسول الله: ~~"لا حسد الا فى اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل ~~والنهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل والنهار " فجعل الغنى مع ~~الانفاق بمنزلة القرآن مع القيام به قالوا وقد صرح فى حديث أبى كبشه ~~الأنمارى أن صاحب المال إذا عمل ms225 فى ماله بعلمه واتقى فيه ربه ووصل به رحمه ~~وأخرج منه حق الله فهو فى أعلى المنازل عند الله وهذا تصريح فى تفضيله وجعل ~~الفقير الصادق اذا نوى أن يعمل بعمله وقال ذلك بلسانه ثانيا وانه بنيته ~~وقوله وأجرهما سواء فإن كلا منهما نوى خيرا وعمل ما يقدر عليه فالغنى نواه ~~ونفذه بعلمه والفقير العالم نواه ونفذه بلسانه فاستويا فى الاجر من هذه ~~الجهة ولا يلزم من استوائهما فى أصل الاجر استواؤهما فى كيفيته وتفاصيله ~~فإن الأجر على العمل والنيه له مزية على الاجر على مجرد النيه التى قارنها ~~القول ومن نوى الحج ولم يكن له مال يحج به وان أثيب على ذلك فإن ثواب من ~~باشر أعمال الحج مع النيه له مزية عليه # واذا اردت فهم هذا فتأمل قول النبى: "من سأل الله الشهادة # PageV01P255 # يدع فيها فضلا لغير الانجذاب الى جانب الحق جل جلاله فتتمحض الارادة له ~~ومتى تمحضت كان الزهد لصاحبها ضرورة فإنه يفرغه لعمارة وقته وجمع قلبه على ~~ماهو بصدده وقطع مواد طمعه اللاتى هى من أفسد شئ للقلب بل اصل المعاصى ~~والفساد والفجور كله من الطمع فالزهد يقطع مواده ويفرغ البال ويملأ القلب ~~ويستحث الجوارح ويذهب الوحشة التى بين العبد وبين ربه ويجلب الانس به ويقوى ~~الرغبة فى ثوابه إن ضعف عن الرغبة فى قربه والدنو منه وذوق حلاوة معرفته ~~ومحبته فالزاهد أروح الناس بدنا وقلبا فإن كان زهده وفراغه من الدنيا قوة ~~له فى إرادة الله والدار الآخرة بحيث فرغ قلبه لله وجعل حرصه على التقرب ~~إليه وشحه على وقته أن يضيع منه شئ فى غير ما هو أرضى الله وأحب اليه كان ~~من أنعم الناس عيشا واقرهم عينا وأطيبهم نفسا وأفرحهم قلبا فإن الرغبة فى ~~الدنيا تشتت القلب وتبدد الشمل وتطيل الهم والغم والحزن فهى عذاب حاضر يؤدى ~~الى عذاب منتظر أشد منه وتفوت على العبد من النعم اضعاف ما يروم تحصيله ~~بالرغبه فى الدنيا # قال الامام أحمد حدثنا الهيثم بن جميل حدثنا يعنى ms226 بن مسلم عن ابراهيم ~~يعنى بن ميسرة عن طاووس قال قال رسول الله: "ان الزهد فى الدنيا يريح القلب ~~والبدن وأن الرغبة فى الدنيا تطيل الهم والحزن" وانما تحصل الهموم والغموم ~~والأحزان من جهتين احداهما الرغبة فى الدنيا والحرص عليها والثانى التقصير ~~فى أعمال البر والطاعة # قال عبد الله بن أحمد حدثنى بيان بن الحكم حدثنا محمد بن حاتم عن بشر بن ~~الحارث قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن ليث عن الحكم قال قال رسول الله: "اذا ~~قصر العبد بالعمل ابتلاه الله عز وجل بالهم". # وكما أن الرغبة فى الدنيا أصل المعاصى الظاهرة فهى اصل معاصى القلب من ~~التسخط والحسد والكبر والفخر والخيلاء والتكاثر وهذا كله من # PageV01P256 # معناه انهم وان كانوا قد ساووكم فى الايمان والاسلام والصلاة والصيام ثم ~~فضلوكم فى الانفاق ففى التكبير والتسبيح والتهليل ما يلحقكم بدرجتهم وقد ~~ساويتموهم أيضا بحسن النية إذ لو أمكنكم لأنفقتم مثلهم وفى بعض ألفاظ هذا ~~الحديث ان أخذتم به سبقتم من قبلكم ولم يلحقكم من بعدكم وهذا يدل على أن ~~الاغنياء لا يلحقونهم وان قالوا مثل قولهم وقوله ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء معناه ان فضل الله ليس مقصورا عليكم دونهم فكما آتاكم الله من فضله ~~بالذكر كذلك يؤتيهم اياه اذا عملوا مثلكم أيضا فأنتم فهمتم من الفضل ~~التخصيص فوضعتموه فى غير موضعه وانما معناه العموم والشمول وان فضله عام ~~شامل للأغنياء والفقراء فلا تذهبون به دونهم فأين فى هذا الحديث التفضيل ~~لكم علينا # قالوا: ويحتمل قوله ذلك فضل الله ثلاثة أمور أحدها سبقهم لكم بالانفاق ~~والثانى مساواتكم لهم فى فضيلة الذكر فلم تختصوا به دونهم والثالث سبقكم ~~لهم الى الجنة بنصف يوم وهذا وان كان لا ذكر له فى هذه الروايه فهو مذكور ~~فى بعض طرقه قال البزار فى مسنده حدثنا الوليد بن عمر حدثنا محمد ابن ~~الزبرقان حدثنا موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال اشتكى ~~فقراء المهاجرين الى رسول الله ما فضل ms227 به أغنياؤهم فقالوا يا رسول الله ~~اخواننا صدقوا تصديقنا وآمنوا ايماننا وصاموا صيامنا ولهم أموال يتصدقون ~~منها ويصلون منها الرحم وينفقونها فى سبيل الله ونحن مساكين لا نقدر على ~~ذلك فقال ألا اخبركم بشئ اذا أنتم فعلتموه أدركتم مثل فضلهم قولوا الله ~~اكبر فى كل صلاة احدى عشرة مرة والحمد لله مثل ذلك ولا اله الا الله مثل ~~ذلك وسبحان الله مثل ذلك تدركون مثل فضلهم ففعلوا فذكروا ذلك للأغنياء ~~ففعلوا مثل ما ذلك فرجع الفقراء الى رسول الله فذكروا ذلك له فقالوا هؤلاء ~~اخواننا فعلموا مثل نقول فقال ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء يا معشر الفقراء ~~ألا أبشركم ان فقراء المسلمين يدخلون الجنة # PageV01P257 # قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام وتلا موسى ابن عبيدة {وإن يوما ~~عند ربك كألف سنة مما تعدون} # قالوا فهذا خبر واحد وكلام متصل ذكره بشارة لهم عندما ذكروا مساواة ~~الاغنياء لهم فى القول المذكور فأشبه أن يرجع الفضل الى سبق الفقراء ~~للأغنياء وأنهم بهذه البشارة مخصصون فكان السبق لهم دون غيرهم وان ساووهم ~~فى القول وساووهم فى الانفاق بالنيه كما فى حديث أبى كبشة المتقدم وحصلت ~~لهم مزية الفقر # قالت الاغنياء: لقد بالغتم فى صرف الحديث عن مقصوده الى جهتكم وهو صريح ~~فى تفضيل هذا الحديث لمن انصف فإن قوله {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} خرج ~~جوابا للفقراء عن قولهم إن أهل الدثور قد ساووهم فى الذكر كما ساووهم فى ~~الصلاة والصوم والايمان وبقيت مزية الانفاق ولم يحصل لهم ما يلحقهم فيها ~~وما علمتنا من الذكر قد لحقونا فيه فقال لهم حينئذ {ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء} وهذا صريح جدا فى مقصوده فلما انكسر القوم بتحقق السبق بالانفاق الذى ~~عجزوا عنه أخبرهم بالبشارة بالسبق إلى دخول الجنة بنصف يوم وأن هذا السبق ~~فى مقابلة ما فاتكم من فضيلة الغنى والانفاق ولكن لا يلزم من ذلك رفعتهم ~~عليهم فى المنزلة والدرجة فهؤلاء السبعون ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ~~من الموقوفين للحساب ms228 من هو أفضل من أكثرهم وأعلى منه درجة # قالوا وقد سمى سبحانه المال خيرا فى غير موضع من كتابه كقوله تعالى {كتب ~~عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية} وقوله انه لحب الخير لشديد ~~وأخبر رسول الله أن الخير لا يأتى الا بالخير كما تقدم وانما يأتى بالشر ~~معصية الله فى الخير لا نفسه # وأعلم الله سبحانه أنه جعل المال قواما للأنفس وأمر بحفظها ونهى # PageV01P258 # أن يأتى السفهاء من النساء والأولاد وغيرهم ومدحه النبى بقوله: "نعم ~~المال الصالح مع المرء الصالح" وقال سعيد بن المسيب لا خير فيمن لا يريد ~~جمع المال من حله يكف به وجهه عن الناس ويصل به رحمه ويعطى حقه # وقال أبو اسحاق السبيعى كانوا يرون السعة عونا على الدين وقال محمد ابن ~~المنكدر نعم العون على التقى الغنى وقال سفيان الثورى المال فى زماننا هذا ~~سلاح المؤمن وقال يوسف بن سباط ما كان المال فى زمان منذ خلقت الدنيا أنفع ~~منه فى هذا الزمان والخير كالخيل لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر # قالوا وقد جعل الله سبحانه المال سببا لحفظ البدن وحفظه سبب لحفظ النفس ~~التى هى محل معرفة الله والايمان به وتصديق رسله ومحبته والانابة اليه فهو ~~سبب عمارة الدنيا والآخرة وانما يذم منه ما استخرج من غير وجهه وصرف فى غير ~~حقه واستعبد صاحبه وملك قلبه وشغله عن الله والدار الآخرة فيذم منه ما ~~يتوسل به صاحبه الى المقاصد الفاسدة أو شغله عن المقاصد المحمودة فالذم ~~للجاعل لا للمجعول # قال النبى: "تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم " فذم عبدهما دونهما # قال الامام أحمد: حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان عن يزيد بن ميسرة قال ~~كان رجل ممن مضى جمع مالا فأوعى ثم أقبل على نفسه وهو فى أهله فقال أنعم ~~سنين فأتاه ملك الموت فقرع الباب فى صورة مسكين فخرجوا اليه فقال ادعو لى ~~صاحب الدار فقالوا يخرج سيدنا الى مثلك ثم مكث قليلا ثم عاد فقرع الدار ~~وصنع مثل ذلك ms229 وقال أخبروه أنى ملك الموت فلما سمع سيدهم قعد فزعا وقال ~~لينوا له الكلام قالوا ما تريد غير سيدنا بارك الله فيك قال لا فدخل عليه ~~فقال قم فأوص ما كنت # PageV01P259 # موصيا فإنى قابض نفسك قبل أن أخرج قال فصرخ أهله وبكوا ثم قال افتحو ~~الصناديق وافتحوا أوعية المال ففتحوها جميعا فأقبل على المال يلعنه ويسبه ~~يقول لعنت من مال أنت الذى أنسيتنى ربى وشغلتنى عن العمل لآخرتى حتى بلغنى ~~أجلى فتكلم المال فقال لا تسبنى ألم تكن وضيعا فى أعين الناس فرفعتك ألم ير ~~عليك من أثرى وكنت تحضر سدد الملوك والسادة فتدخل ويحضر عباد الله الصالحون ~~فلا يدخلون ألم تكن تخطب بنات الملوك والسادة فتنكح ويخطب عباد الله ~~الصالحون فلا ينكحون ألم تكن تنفقنى فى سبيل الخبث فلا أتعاصى ولو أنفقتنى ~~فى سبيل الله لم أتعاص عليك وأنت ألوم منى إنما خلقت أنا وأنتم يا بنى آدم ~~من تراب فمنطلق ببر ومنطلق بإثم فهكذا يقول المال فاحذروا # وفى أثر يقول الله تبارك وتعالى أموالنا رجعت الينا سعد بها من سعد وشقى ~~بها من شقى # قالوا: ومن فوائد المال أنه قوام العبادات والطاعات وبه قام سوق بر الحج ~~والجهاد وبه حصل الانفاق الواجب والمستحب وبه حصلت قربات العتق والوقف ~~وبناء المساجد والقناطر وغيرها وبه يتوصل الى النكاح الذى هو أفضل من ~~التخلى لنوافل العبادة وعليه قام سوق المروءة وبه ظهرت صفة الجود والسخاء ~~وبه وقيت الاعراض وبه اكتسبت الاخوان والاصدقاء وبه توصل الابرار الى ~~الدرجات العلى ومرافقة الذين أنعم الله عليهم فهو مرقاة يصعد بها الى أعلى ~~غرف الجنة ويهبط منها إلى أسفل سافلين وهو مقيم مجد الماجد كان بعض السلف ~~يقول لا مجد إلا بفعال ولا فعال إلا بمال وكان بعضهم يقول اللهم إنى من ~~عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى وهو من أسباب رضا الله عن العبد كما كان ~~من أسباب سخطه عليه # وهؤلاء الثلاثة الذين ابتلاهم الله به الابرص والاقرع والاعمى قال به ~~الاعمى رضا ربه ms230 ونالا به سخطه والجهاد ذروة سنام العمل وتارة # PageV01P260 # يكون بالنفس وتارة يكون بالمال وربما كان الجهاد بالمال أنكى وأنفع وبأى ~~شئ فضل عثمان على على وعلى أكثر جهادا بنفسه واسبق إسلاما من عثمان # وهذا الزبير وعبد الرحمن بن عوف أفضل من جمهور الصحابة مع الغنى الوافر ~~وتأثيرهما فى الدين أعظم من تأثير أهل الصفة وقد نهى رسول الله عن إضاعته ~~وأخبر أن ترك الرجل ورثته أغنياء خير له من تركهم فقراء وأخبر أن صاحب ~~المال لن ينفق نفقة يبتغى بها وجه الله إلا ازداد بها درجة ورفعة وقد ~~استعاذ رسول الله من الفقر وقرنه بالكفر فقال اللهم إنى أعوذ بك من الكفر ~~والفقر فإن الخير نوعان خير الآخرة والكفر مضاده وخير الدنيا والفقر مضاده ~~فالفقر سبب عذاب الدنيا والكفر سبب عذاب الآخرة والله سبحانه وتعالى جعل ~~إعطاء الزكاة وظيفة الأغنياء وأخذها وظيفة الفقراء وفرق بين اليدين شرعا ~~وقدرا وجعل يد المعطى أعلى من الآخذ وجعل الزكاة أوساخ المال ولذلك حرمها ~~على أطيب خلقه وعلى آله صيانة لهم وتشريفا ورفعا لأقدارهم # ونحن لا ننكر أن رسول الله كان فقيرا ثم أغناه الله والله فتح عليه وخوله ~~ووسع عليه وكان يدخر لأهله قوت سنة ويعطى العطايا التى لم يعطها أحد غيره ~~وكان يعطى عطاء من لا يخاف الفقر ومات عن فدك والنضير وأموال خصه الله بها ~~وقال تعالى {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول} فنزهه ربه ~~سبحانه عن الفقر الذى يسوغ الصدقة وعوضه عما نزهه عنه بأشرف المال وأحله ~~وأفضله وهو ما أخذه بظل رمحه وقائم سيفه من أعداء الله الذين كان مال الله ~~بأيديهم ظلما وعدوانا فإنه خلق المال ليستعان به على طاعته وهو بأيدى ~~الكفار والفجار ظلما وعدوانا فإذا رجع الى أوليائه وأهل طاعته فاءاليهم ما ~~خلق لهم ولكن لم يكن غنى رسول الله وملكه من جنس غنى بنى الدنيا وأملاكهم ~~فإن غناهم بالشيء وغناه عن الشئ وهو الغنى العالى وملكهم ملك يتصرفون فيه ~~بحسب إرادتهم ms231 وهو انما يتصرف فى ملكه # PageV01P261 # تصرف العبد الذى لا يتصرف الا بأمر سيده # وقد اختلف الفقهاء فى الفئ هل كان ملكا للنبى على قولين هما روايتان عن ~~أحمد والتحقيق أن ملكه له كان نوعا آخر من الملك وهو ملك يتصرف فيه بالأمر ~~كما قال: "والله لا أعطى أحدا ولا أمنع أحدا انما أنا قاسم اضع حيث امرت" ~~ذلك من كمال مرتبة عبوديته ولأجل ذلك لم يورث فإنه عبد محض من كل وجه لربه ~~عز وجل والعبد لا مال له فيورث عنه فجمع الله له سبحانه بين أعلى أنواع ~~الغنى وأشرف أنواع الفقر فكمل له مراتب الكمال فليست احدى الطائفتين بأحق ~~به من الأخرى # فكان فى فقره أصبر خلق الله وأشكرهم وكذلك فى غناه والله تعالى جعله قدوة ~~للأغنياء والفقراء وأى غنى أعظم من غنى من عرضت عليه مفاتيح كنوز الارض ~~وعرض عليه أن يجعل له الصفا ذهبا وخير بين أن يكون ملكا نبيا وبين أن يكون ~~عبدا نبيا فاختار أن يكون عبدا نبيا ومع هذا فجيبت اليه أموال جزيرة العرب ~~واليمن فأنفقها كلها ولم يستأثر منها بشئ بل تحمل عيال المسلمين ودينهم ~~فقال من ترك مالا فلورثته ومن ترك كلا فإلى وعلى فرفع الله سبحانه قدره أن ~~يكون من جملة الفقراء الذين تحل لهم الصدقه كما نزهه أن يكون من جملة ~~الاغنياء الذين أغناهم بالاموال الموروثة بل أغناه به عن سواه وأغنى قلبه ~~كل الغنى ووسع عليه غاية السعة فأنفق غاية الانفاق وأعطى أجل العطايا ولا ~~استأثر بالمال ولا اتخذ منه عقارا ولا ارضا ولا ترك شاة ولا بعيرا ولا عبدا ~~ولا أمة ولا دينارا ولا درهما # فإذا احتج الغنى الشاكر بحاله لم يمكنه ذلك الا بعد أن يفعل فعله كما أن ~~الفقير الصابر اذا احتج بحاله لم يمكنه ذلك الا بعد أن يصبر صبره ويترك ~~الدنيا اختيارا لا اضطرارا فرسول الله وفى كل مرتبة من مرتبتى الفقر والغنى ~~حقها وعبوديتها وأيضا فإن الله سبحانه أغنى به الفقراء فما نالت ms232 أمته الغنى ~~إلا به وأغنى الناس من صار غيره به غنيا. # PageV01P262 # قال على بن أبى رباح اللخمى: كنت عند مسلمة بن مخلد الأنصارى وهو يومئذ ~~على مصر وعبد الله بن عمرو بن العاص جالس معه فتمثل مسلمة ببيت من شعر أبى ~~طالب فقال لو أن ابا طالب رأى ما نحن فيه اليوم من نعمة الله وكرامته لعلم ~~أن ابن أخيه سيد قد جاء بخير فقال عبد الله بن عمرو ويومئذ كان سيدا كريما ~~قد جاء بخير فقال مسلمة ألم يقل الله تعالى {ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ~~ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى} فقال عبد الله بن عمرو أما اليتيم فقد كان ~~يتيما من أبويه وأما لعيلة فكل ما كان بأيدى العرب الى القله يقول إن العرب ~~كانت كلها مقلة حتى فتح الله عليه وعلى العرب الذين اسلموا ودخلوا فى دين ~~الله أفواجا ثم توفاه الله قبل أن يتلبس منها بشئ ومضى وتركها وحذر منها ~~ومن فتنتها قال وذلك معنى قوله {ولسوف يعطيك ربك فترضى} فلم تكن الدنيا ~~لترضيه وهو لا يرضاها كلها لأمته وهو يحذر منها وتعرض عليه فيأباها وانما ~~هو ما يعطيه من الثواب وما يفتح عليه وعلى أمته من ملك كسرى وقيصر ودخول ~~الناس فى الاسلام وظهور الدين إذا كان ذلك محبته ورضاه صلوات الله وسلامه ~~عليه # وروى سفيان الثورى عن الاوزاعى عن اسماعيل بن عبد الله بن عباس عن النبى ~~قال: "رأيت ما هو مفتوح بعدى كفرا كفرا فسرنى ذلك فنزلت والضحى والليل الى ~~قوله ولسوف يعطيك ربك فترضى" قال اعطى ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك فى كل ~~قصر ما ينبغى له # قالوا وما ذكرتم من الزهد فىالدنيا والتقلل منها فالزهد لا ينافى الغنى ~~بل زهد الغنى أكمل من زهد الفقير فإن الغنى زهد عن قدرة والفقير عن عجز ~~وبينهما بعد بعيد وقد كان رسول الله فى حال غناه أزهد الخلق وكذلك ابراهيم ~~الخليل كان كثير المال وهو أزهد الناس فى الدنيا. # PageV01P263 # وقد روى الترمذى فى ms233 جامعه من حديث ابى ذر عن النبى قال: "الزهادة فى ~~الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعته ولكن الزهادة فى الدنيا أن لا تكون ~~بما فى يديك أوثق بما فى يد الله وأن تكون فى ثواب المصيبة إذا أنت اصبت ~~بها أرغب فى ثوابها لو أنها بقيت لك". # وسئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه ألف دينار وهل يكون زاهدا قال نعم ~~بشرط أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت وقال بعض السلف الزاهد من لا ~~يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره وهذا من أحسن الحدود حقيقة مركبة من ~~الصبر والشكر فلا يستحق اسم الزاهد من لا يتصف بهما فمن غلب شكره لما وسع ~~عليه من الحلال وصبره لما عرض له من الحرام فهو الزاهد على الحقيقة بخلاف ~~من غلب عليه الحلال شكره والحرام صبره فكان شكره وصبره مغلوبين فإن هذا ليس ~~بزاهد # وسمعت شيخ الاسلام يقول الزهد تركك مالا ينفعك والورع تركك ما يضرك ~~فالزهد فراغ القلب من الدنيا لافراغ اليدين منها ويقابله الشح والحرص وهو ~~ثلاثة أقسام زهد فى الحرام وزهد فى الشبهات والمكروهات وزهد فى الفضلات ~~فالاول فرض والثانى فضل والثالث متوسط بينهما بحسب درجة الشبهة وان قويت ~~التحق بالاول والا فبالثالث وقد يكون الثالث واجبا بمعنى انه لا بد منه ~~وذلك لمن شمر الى الله والدار الآخرة فزهد الفضلة يكون ضرورة فإن إرادة ~~الدنيا قادحة فى إرادة الآخرة ولا يصح للعبد مقام الارادة حتى يفرد طلبه ~~وارادته ومطلوبه فلا ينقسم المطلوب ولا الطلب # أما توحيد المطلوب أن لا يتعلق طلبه وارادته بغير الله وما يقرب اليه ~~ويدنى منه وأما توحيده فى الطلب أن يستأصل الطلب والارادة نوازع الشهوات ~~وجواذب الهوى وتسكن الارادة فى أقطار النفس فتملأها فلا # PageV01P264 # يدع فيها فضلا لغير الانجذاب الى جانب الحق جل جلاله فتتمحض الارادة له ~~ومتى تمحضت كان الزهد لصاحبها ضرورة فإنه يفرغه لعمارة وقته وجمع قلبه على ~~ماهو بصدده وقطع مواد طمعه اللاتى هى من أفسد شئ للقلب بل ms234 اصل المعاصى ~~والفساد والفجور كله من الطمع فالزهد يقطع مواده ويفرغ البال ويملأ القلب ~~ويستحث الجوارح ويذهب الوحشة التى بين العبد وبين ربه ويجلب الانس به ويقوى ~~الرغبة فى ثوابه إن ضعف عن الرغبة فى قربه والدنو منه وذوق حلاوة معرفته ~~ومحبته فالزاهد أروح الناس بدنا وقلبا فإن كان زهده وفراغه من الدنيا قوة ~~له فى إرادة الله والدار الآخرة بحيث فرغ قلبه لله وجعل حرصه على التقرب ~~إليه وشحه على وقته أن يضيع منه شئ فى غير ما هو أرضى الله وأحب اليه كان ~~من أنعم الناس عيشا واقرهم عينا وأطيبهم نفسا وأفرحهم قلبا فإن الرغبة فى ~~الدنيا تشتت القلب وتبدد الشمل وتطيل الهم والغم والحزن فهى عذاب حاضر يؤدى ~~الى عذاب منتظر أشد منه وتفوت على العبد من النعم اضعاف ما يروم تحصيله ~~بالرغبه فى الدنيا # قال الامام أحمد حدثنا الهيثم بن جميل حدثنا يعنى بن مسلم عن ابراهيم ~~يعنى بن ميسرة عن طاووس قال قال رسول الله: "ان الزهد فى الدنيا يريح القلب ~~والبدن وأن الرغبة فى الدنيا تطيل الهم والحزن " وانما تحصل الهموم والغموم ~~والأحزان من جهتين احداهما الرغبة فى الدنيا والحرص عليها والثانى التقصير ~~فى أعمال البر والطاعة # قال عبد الله بن أحمد حدثنى بيان بن الحكم حدثنا محمد بن حاتم عن بشر بن ~~الحارث قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن ليث عن الحكم قال قال رسول الله: "اذا ~~قصر العبد بالعمل ابتلاه الله عز وجل بالهم". # وكما أن الرغبة فى الدنيا أصل المعاصى الظاهرة فهى اصل معاصى القلب من ~~التسخط والحسد والكبر والفخر والخيلاء والتكاثر وهذا كله من # PageV01P265 # امتلاء القلب بها لا من كونها فى اليد وامتلاء القلب بها ينافى الشكر ~~ورأس الشكر تفريغ القلب منها وامتداد المال كامتداد العمر والجاه فخيركم فى ~~الدنيا من طال عمره وحسن عمله فهكذا من امتد ماله وكثر به خيره فنعم المرء ~~وماله وجاهه اما أن يرفعه درجات واما أن يضعه درجات # وسر المسألة أن طريق الفقر ms235 والتقلل طريق سلامة مع الصبر وطريق الغنى ~~والسعة فى الغالب طريق عطب فإن اتقى الله فى ماله ووصل به رحمه وأخرج منه ~~حق الله وليس مقصورا على الزكاة بل من حقه اشباع الجائع وكسوة العارى ~~واغاثة الملهوف واعانة المحتاج والمضطر فطريقه طريق غنيمة وهى فوق السلامة ~~فمثل صاحب الفقر كمثل مريض قد حبس بمرضه عن أغراضه فهو يثاب على حسن صبره ~~على حبسه # وأما الغنى فخطره عظيم فى جمعه وكسبه وصرفه فإذا سلم كسبه وحسن أخذه من ~~وجهه وصرفه فى حقه كان أنفع له فالفقير كالمتعبد المنقطع عن الناس والغنى ~~المنفق فى وجوه الخير كالمعين والمعلم والمجاهد ولهذا جعله النبى قرين الذى ~~أتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها فهو أحد المحسودين الذين لا ثالث ~~لهما والجهلة يغبطون المنقطع المتخلى المقصور النفع على نفسه ويجعلونه أولى ~~بالحسد من المنفق والعالم المعلم # فإن قيل: فأيهما افضل: من يختار الغنى المتصدق والانفاق فى وجوه البر أم ~~من يختار الفقر والتقلل ليبعد عن الفتنة ويسلم من الآفة ويرفه قلبه على ~~الاستعداد للآخرة فلا يشغله بالدنيا أم من لا يختار لا هذا ولا ذاك بل ~~يختار ما اختاره الله له فلا يعين باختباره واحدا من الامرين؟. # قيل هذا موضع اختلف فيه حال السلف الصالح فمنهم من اختار المال للجهاد به ~~والانفاق وصرفه فى وجوه البر كعبد الرحمن بن عوف وغيره من مياسير الصحابه ~~وكان قيس بن سعد يقول اللهم انى من عبادك الذين لا يصلحهم الا الغنى ومنهم ~~من اختار الفقر والتقلل كأبى ذر # PageV01P266 # وجماعة من الصحابه معه وهؤلاء نظروا الى آفات الدنيا وخشوا الفتنة بها ~~وأولئك نظروا الى مصالح الانفاق وثمراته العاجلة والآجلة والفرقة الثالثة ~~لم تختر شيئا بل كان اختيارها ما اختاره الله لها وكذلك اختيار طول البقاء ~~فى الدنيا لاقامة دين الله وعبادته فطائفة اختارته وتمنته وطائفة أحبت ~~الموت ولقاء الله والراحة من الدنيا وطائفة ثالثة لم تختر هذا ولا ذاك بل ~~اختارت ما يختاره الله لها وكان اختيارهم معلقا بما ms236 يريده الله دون مراد ~~معين منهم وهى حال الصديق رضى الله عنه فإنهم قالوا له فى مرض موته ألا ~~ندعو لك الطبيب فقال قد رآنى فقالوا فما قال لك قال قال لى انى فعال لما ~~أريد # والأولى حال موسى عليه السلام فإنه لما جاءه ملك الموت لطمه ففقأ عينه ~~ولم يكن ذلك حبا منه للدنيا والعيش فيها ولكن لينفذ أوامر ربه ويقيم دينه ~~ويجاهد أعداءه فكأنه قال لملك الموت أنت عبد مأمور وأنا عبد مأمور وأنا فى ~~تنفيذ أوامر ربى وإقامة دينه فلما عرضت عليه الحياة الطويلة وعلم أن الموت ~~بعدها اختار ما اختاره الله له # وأما نبينا صلوات الله وسلامه عليه فإن ربه أرسل إليه يخبره وكان أعلم ~~الخلق بالله فعلم أن ربه تبارك وتعالى يحب لقاءه ويختاره له فاختار لقاء ~~الله ولو علم أن ربه يحب له البقاء فى الدنيا لتنفيذ أوامره وإقامة دينه ~~لما اختار غير ذلك فكان اختياره تابعا لاختيار ربه عز وجل فكما أنه لما ~~خيره ربه عزوجل بين أن يكون ملكا نبيا وبين أن يكون عبدا نبيا وعلم أن ربه ~~يختار له أن يكون عبدا نبيا اختار ما اختاره الله له فكان اختياره فى جميع ~~أموره تابعا لاختيار الله له ولهذا يوم الحديبية احتمل ما احتمل من تلك ~~الحال فى ذاك الوقت ووفى هذا المقام حقه ولم يثبت عليه من كل وجه إلا ~~الصديق فلم يكن له اختيار فى سوى ما اختاره الله له ولأصحابه من تلك الحال ~~التى تقرر الأمر عليها فكان راضيا بها مختارا لها مشاهدا اختيار ربه لها ~~وهذا غاية العبودية فشكر الله له ذلك وجعل شكرانه ما # PageV01P267 # بشره به فى أول سورة الفتح حتى هنأه الصحابة به وقالوا هنيئا لك يا رسول ~~الله وحق له أن يهنأ بأعظم ما هنأ به بشر صلوات الله وسلامه عليه # فصل: ومما ينبغى أن يعلم أن كل حصلة من حصال الفضل قد أحل الله رسوله فى ~~أعلاها وخصه بذروة سنامها فإذا احتجت بحاله فرقة ms237 من فرق الأمة التى تعرفت ~~تلك الخصال وتقاسمتها على فضلها على عيرها أمكن الفرقة الأخرى أن تحتج به ~~على فضلها أيضا فإذا احتج به الغزاة والمجاهدون على أنهم افضل الطوائف احتج ~~به العلماء والفقهاء على مثل ما احتج به أولئك # واذا احتج به الزهاد والمتخلفون عن الدنيا على فضلهم احتج به الداخلون فى ~~الدنيا والولايه وسياسة الرعيه لاقامة دين الله وتنفيذ أمره # واذا احتج به الفقير الصابر احتج به الغنى الشاكر # واذا احتج به أهل العبادة على فضل نوافل العبادة وترجيحها احتج به ~~العارفون على فضل المعرفة # واذا احتج به أرباب التواضع والحلم احتج به أرباب العز والقهر المبطلين ~~والغلظه عليهم والبطش بهم # واذا احتج به ارباب الوقار والهيبه والرزانة احتج به أرباب الخلق الحسن ~~والمزاح المباح الذى لا يخرج عن الحق وحسن العشرة للأهل والأصحاب # وإذا احتج به أصحاب الصدع بالحق والقول به فى المشهد والمغيب احتج به ~~أصحاب المدارة والحياء والكرم أن يبادروا الرجل بما يكرهه فى وجهه # وإذا احتج به المتورعون على الورع المحمود احتج به الميسرون # PageV01P268 # المسهلون الذين لا يخرجون عن سعة شريعته ويسرها وسهولتها # وإذا احتج به من صرف عنايته إلى إصلاح دينه وقلبه احتج به من راعى إصلاح ~~بدنه ومعيشته ودنياه فانه بعث لصلاح الدنيا والدين # وإذا احتج به من لم يعلق قلبه بالاسباب ولا ركن إليها احتج به من قام ~~بالاسباب ووضعها مواضعها وأعطاها حقها # وإذا احتج به من جاع وصبر على الجوع احتج به من شبع وشكر ربه على الشبع ~~واذا احتج به من اخذ بالعفو والصفح والاحتمال احتج به من انتقم فى مواضع ~~الانتقام # واذا احتج به من أعطى لله ووالى لله احتج به من منع لله وعادى لله # واذا احتج به من لم يدخر شيئا لغد احتج به من يدخر لأهله قوت سنه # واذا احتج به من يأكل الخشن من القوت والادم كخبز الشعير والخل احتج به ~~من يأكل اللذيذ الطيب كالشوى والحلوى والفاكهة والبطيخ ونحوه # وإذا احتج به من ms238 سرد الصوم احتج به من سرد الفطر فكان يصوم حتى يقال لا ~~يفطر ويفطر حتى يقال لا يصوم # واذا احتج به من رغب عن الطيبات والمشتهيات احتج به من أحب أطيب ما فى ~~الدنيا وهو النساء والطيب # وإذا احتج به من الان جانبه وخفض جناحه لنسائه احتج به من أدبهن وآلمهن ~~وطلق وهجر وخيرهن # واذا احتج به من ترك مباشرة أسباب المعيشة بنفسه احتج به من باشرها بنفسه ~~فأجرو استأجر وباع واشترى واستسلف وادان ورهن. # PageV01P269 # واذا احتج به من يجتنب النساء بالكلية فى الحيض والصيام احتج به من يباشر ~~امرأته وهى حائض بغير الوطء ومن يقبل امرأته وهو صائم # واذا احتج به من رحم أهل المعاصى بالقدر احتج به من أقام عليهم حدود الله ~~فقطع السارق ورجم الزانى وجلد الشارب # واذا احتج به من أرباب الحكم بالظاهر احتج به ارباب السياسة العادلة ~~المبنية على القرائن الظاهرة فإنه حبس فى تهمة وعاقب فى تهمة # وأخبر عن نبى الله سليمان أنه عليه السلام حكم بالولد للمرأة بالقرينة ~~الظاهرة مع اعترافها لصاحبتها به فلم يحكم بالاعتراف الذى ظهر له بطلائه ~~بالقرينة وترجم أبو عبد الرحمن على الحديث ترجمتين احداهما قال التوسعه ~~للحاكم أن يقول للشئ الذى لا يفعله افعله ليستبين به الحق ثم قال الحكم ~~بخلاف ما يعترف به المحكوم عليه اذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به ~~وكذلك الصحابة عملوا بالقرائن فى حياته وبعده فقال على رضى الله عنه للمرأة ~~التى حملت كتاب حاطب لتخرجن الكتاب أولا لاجردنك وحد عمر رضى الله عنه فى ~~الزنا بالحبل وفى الخمر بالرائحه # وحكى الله سبحانه عن شاهد يوسف حكاية مقرر غير منكر أنه حكم بقرينة شق ~~القميص من دبر على براءته وقال لابن أبى الحقيق وقد زعم ان النفقة أذهبت ~~كنز حيي بن أخطب: "العهد قريب والمال أكثر من ذلك" فاعتبر قرينتين دالتين ~~على بقاء المال وعاقبه حتى اقر به وجوز لأولياء القتيل أن يحلفوا على رجل ~~انه قتله ويقتلونه به بناء على ms239 القرائن المرجحة صدقهم وشرع الله سبحانه رجم ~~المرأة اذا شهد عليها زوجها فى اللعان وأبت أن تلاعن للقرينه الظاهرة على ~~صدقه # وشريعته طافحة بذلك لمن تأملها فالحكم بالقرائن الظاهرة من نفس شريعته ~~وما جاء به فهو حجة لقضاة الحق وولاة العدل كما أنه حجة على قضاة السوء ~~وولاة الجور والله المستعان. # PageV01P270 # والمقصود بهذا الفصل أنه ليس الفقراء الصابرون بأحق به من الاغنياء ~~الشاكرين وأحق الناس به أعلمهم بسنته وأتبعهم لها وبالله التوفيق. # PageV01P271 ### | الباب الخامس والعشرون: في بيان الأمور المضادة للصبر المنافية له والقادحة فيه # ... # الباب الخامس والعشرون: فى بيان الأمور المضادة للصبر والمنافية له ~~والقادحة فيه # لما كان الصبر حبس اللسان عن الشكوى الى غير الله والقلب عن التسخط ~~والجوارح عن اللطم وشق الثياب ونحوها كان ما يضاده واقعا على هذه الجملة ~~فمنه الشكوى الى المخلوق فإذا شكى العبد ربه الى مخلوق مثله فقد شكى من ~~يرحمه الى من لا يرحمه ولا تضاده الشكوى الى الله كما تقدم فى شكاية يعقوب ~~الى الله مع قوله فصبر جميل وأما إخبار المخلوق بالحال فإن كان للاستعانة ~~بإرشاده أو معاونته والتوصل الى زوال صرورة لم يقدح ذلك فى الصبر كإخبار ~~المريض للطبيب بشكايته وإخبار المظلوم لمن ينتصر به بحاله وإخبار المبتلى ~~ببلائه لمن كان يرجو أن يكون فرجه على يديه وقد كان النبى إذا دخل على ~~المريض يساله عن حاله ويقول كيف نجدك وهذا استخبار منه واستعلام بحاله # وأما الأنين فهل يقدح في الصبر فيه روايتان عن الامام أحمد قال أبو ~~الحسين أصحهما الكراهة لما روى عن طاوس أنه كان يكره الأنين في المرض وقال ~~مجاهد كل شيء يكتب على ابن آدم مما يتكلم حتى أنينه في مرضه قال هؤلاء وإن ~~الأنين شكوى بلسان الحال ينافي الصبر # وقال عبد الله بن الامام أحمد قال لي أبي في مرضه الذي توفي فيه اخرج إلي ~~كتاب عبد الله بن ادريس فأخرجت الكتاب فقال أخرج أحاديث ليث بن أبي سليم ~~فأخرجت أحاديث ليث فقال اقرا على ms240 أحاديث ليث قال قلت لطلحة إن طاووس كان ~~يكره الأنين في المرض فلما سمع له أنين حتى مات فما سمعت أبي أن في مرضه ~~ذلك إلى ان توفي. # PageV01P271 # والرواية الثانية أنه لا يكره ولا يقدح في الصبر قال بكر بن محمد عن أبيه ~~سئل احمد عن المريض يشكو ما يجد من الوجع فقال تعرف فيه شيئا عن رسول الله ~~قال نعم حديث عائشة وارأساه وجعل يستحسنه # وقال المروذي: دخلت على أبي عبد الله وهو مريض فسألته فتغرغرت عينيه وجعل ~~يخبرني ما مر به في ليلته من العلة # والتحقيق أن الأنين على قسمين انين شكوى فيكره وأنين استراحة وتفريج فلا ~~يكره والله أعلم # وقد روى في أثر: ان المريض إذا بدأ بحمد الله ثم أخبر بحاله لم يكن شكوى ~~وقال شقيق البلخي من شكى من مصيبة نزلت به إلى غير الله لم يجد في قلبه ~~حلاوة لطاعة الله أبدا # فصل: والشكوى نوعان: شكوى بلسان القال وشكوى بلسان الحال ولعلها أعظمها ~~ولهذا امر النبي من أنعم عليه أن يظهر نعمة الله عليه واعظم من ذلك من ~~يشتكي ربه وهو بخير فهذا امقت الخلق عند ربه # قال الامام أحمد حدثنا عبد الله بن زيد حدثنا كهمس عن عبد الله بن شقيق ~~قال قال كعب الاحبار أن من حسن العمل سبحة الحديث ومن شر العمل التحذيف # قيل لعبد الله: ما سبحة الحديث؟ قال سبحان الله وبحمده في خلال الحديث ~~قبل فما التحذيف قال يصبح الناس بخير فيسألون فيزعمون أنه بشر # فصل: ومما ينافي الصبر في شق الثياب عند المصيبة ولطم الوجه والضرب بإحدى ~~اليدين على الأخرى وحلق الشعر والدعاء بالويل ولهذا بريء النبي ممن صلق ~~وحلق وخرق صلق رفع صوته عند المصيبة # PageV01P272 # وحلق رأسه وشق ثيابه ولا ينافيه البكاء والحزن قال الله تعالى عن يعقوب ~~{وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم} قال قتادة كظيم على الحزن فلم يقل إلا ~~خيرا # وقال حماد بن سلمة عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن ms241 عباس عن النبي ~~قال: "ما كان من العين والقلب فمن الله والرحمة وما كان من اليد واللسان ~~فمن الشيطان". # وقال هشيم عن عبد الرحمن بن يحيي عن حسان بن أبي جبلة قال قال رسول الله: ~~"من بث فلم يصبر". # وقال خالد بن أبي عثمان: مات ابن لي فرآني سعد بن جبير متقنعا فقال إياك ~~والتقنيع فإنه من الاستكانة وقاتل بكر بن عبد الله المزني كان يقال من ~~الاستكانة الجلوس في البيت بعد المصيبة # وقال عبيد بن عمير: ليس الجزع أن تدمع العين ويحزن القلب ولكن الجزع ~~القول السيء والظن السيء # وسئل القاسم بن محمد عن الجزع فقال: القول السيء والظن السيء ومات ابن ~~لبعض قضاة البصرة فاجتمع إليه العلماء والفقهاء فتذاكروا ما يتبين به جزع ~~الرجل من صبره فاجمعوا انه إذا ترك شيئا مما كان يصنعه فقد جزع # وقال الحسين ابن عبد العزيز الحوري مات ابن لي نفيس فقلت لأمه اتقي الله ~~واحتسبيه واصبري فقال مصيبتي به أعظم من أن أفسدها بالجزع # وقال عبد الله بن المبارك أتى رجل يزيد بن يزيد وهو يصلي وإبنه في الموت ~~فقال ابنك يقضي وانت تصلي فقال الرجل إذا كان له عمل يعمله فتركه يوما ~~واحدا كان ذلك خللا في عمله. # PageV01P273 # وقال ثابت: أصيب عبد الله بن مطرف بمصيبة فرايته أحسن شئ شارة وأطيبه ~~ريحا فذكرت له ما رأيت فقال تأمرنى يا أبا محمد أن أستكين للشيطان وأريه ~~أنه قد أصابنى سوء والله يا أبا محمد لو كانت لى الدنيا كلها ثم أحذها منى ~~ثم سقانى شربة يوم القيامة ما رايتها ثمنا لتلك الشربة # ومما يقدح فى الصبر اظهار المصيبة والتحدث بها وكتمانها رأس الصبر وقال ~~الحسن بن الصباح فى مسنده حدثنا خلف بن تميم حدثنا زافر بن سليمان عن عبد ~~العزيز بن أبى رواد عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله: "من البر كتمان ~~المصائب والامراض والصدقة" وذكر أنه من بث الصبر فلم يصبر # وروى من وجه آخر عن الحسن يرفعه: ms242 من البر كتمان المصائب وما صبر من بث ~~ولما نزل فى احدى عينى عطاء الماء مكث عشرين سنة لا يعلم به أهله حتى جاء ~~ابنه يوما من قبل عينيه فعلم أن الشيخ قد أصيب # ودخل رجل على داود الطائى فى فراشه فرآه يرجف فقال انا لله وانا اليه ~~راجعون فقال مه لا تعلم بهذا أحدا وقد أقعد قبل ذلك اربعة أشهر لا يعلم ~~بذلك أحد وقال مغيرة شكى الاحنف الى عمه وجع ضرسه فكرر ذلك عليه فقال ما ~~تكرر على لقد ذهبت عينى منذ أربعين سنة فما شكوتها الى أحد # فصل: ويضاد الصبر الهلع وهو الجزع عند ورود المصيبة والمنع عند ورود ~~النعمة قال تعالى {إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير ~~منوعا} وهذا تفسير الهلوع # قال الجوهرى: الهلع أفحش الجزع وقد هلع بالكسر فهو هلع وهلوع # وفى الحديث: "شر ما فى العبد شح هالع وجبن خالع". # PageV01P274 # قلت هنا أمران: أمر لفظى وأمر معنوى فأما اللفظى فإنه وصف الشح بكونه ~~هالعا والهالع صاحبه وأكثر ما يسمى هلوعا ولا يقال هالع له فإنه لا يتعدى ~~ففيه وجهان: # أحدهما: أنه على النسب كقولهم ليل نائم وسر كاتم ونهار صائم ويوم عاصف ~~كله عند سيبويه على النسب أى ذو كذا كما قالوا تامر ولابن # والثانى: أن اللفظه غيرت عن بابها للازدواج مع خالع وله نظير # وأما المعنوى: فإن الشح والجبن أردى صفتين فى العبد ولا سيما اذا كان شحه ~~هالما أى ملق له فى الهلع وجبنه خالعا اى قد خلع قلبه من مكانه فلا سماحة ~~ولا شجاعة ولا نفع بماله ولا ببدنه كما يقال لا طعنة ولا جفنة ولا يطرد ولا ~~يشرد بل قد قمعه وصغره وحقره ودساه الشح والخوف والطمع والفزع واذا أردت ~~معرفة الهلوع فهو الذى اذا اصابه الجوع مثلا أظهر الاستجاعه واسرع بها واذا ~~أصابه الالم اسرع الشكايه وأظهرها واذا أصابه القهر أظهر الاستطامه ~~والاستكانه وباء بها سريعا واذا اصابه الجوع أسرع الانطراح على جنبه وأظهر ms243 ~~الشكايه واذا بدا له مأخذ طمع طار اليه سريعا واذا ظفر به أحله من نفسه محل ~~الروح فلا احتمال ولا أفضال وهذا كله من صغر النفس ودناءتها وتدسيسها فى ~~البدن واخفائها وتحقيرها والله المستعان. # PageV01P275 ### | الباب السادس والعشرون: في بيان دخول الصبر والشكر في صفات الرب جل جلاله وتسميته بالصبور والشكور ولو لم يكن الصبر والشكر من الفضيلة إلا ذلك لكفى به # ... # الباب السادس والعشرون # فى بيان دخول الصبر والشكر فى صفات الرب جل جلاله وتسميته بالصبور ~~والشكور ولو لم يكن للصبر والشكر من الفضيلة الا ذلك لكفى به # أما الصبر فقد أطلقه عليه أعرف الخلق به وأعظمهم تنزيها له بصيغة ~~المبالغة ففى الصحيحين من حديث الاعمش عن سعيد بن جبير عن أبى عبد الرحمن ~~السلمى عن ابى موسى عن النبى قال: "ما أحد أصبر على # PageV01P275 # اذى سمعه من الله عز وجل يدعون له ولدا وهو يعافيهم ويرزقهم". # وفى أسمائه الحسنى الصبور وهو من أمثلة المبالغة أبلغ من الصابر والصبار ~~وصبره تعالى يفارق صبر المخلوق ولا يماثله من وجوه متعددة منها أنه عن قدرة ~~تامة ومنها أنه لا يخاف الغوث والعبد انما يستعجل الخوف الغوث ومنها أنه لا ~~يلحقه بصبره ألم ولا حزن ولا نقص بوجه ما وظهور اثر الاسم فى العالم مشهود ~~بالعيان كظهور اسمه الحليم والفرق بين الصبر والحلم أن الصبر ثمرة الحلم ~~وموجبه فعلى قدر حلم العبد يكون صبره فالحلم فى صفات الرب تعالى أوسع من ~~الصبر ولهذا جاء اسمه الحليم فى القرآن فى غير موضع ولسعته يقرنه سبحانه ~~باسم العليم كقوله وكان الله عليما حليما والله عليم حليم # وفى أثر: أن حملة العرش أربعة: إثنان يقولان سبحانك اللهم وبحمدك لك ~~الحمد على حلمك بعد علمك وإثنان يقولان سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على ~~عفوك بعد قدرتك فإن المخلوق يحلم عن جهل ويعفو عن عجز والرب تعالى يحلم مع ~~كمال علمه ويعفو مع تمام قدرته وما أضيف شئ الى شئ أزين من حلم الى علم ومن ~~عفو الى ms244 اقتدار ولهذا كان فى دعاء الكرب وصف سبحانه بالحلم مع العظمة وكونه ~~حليما من لوازم ذاته سبحانه. # وأما صبره سبحانه فمتعلق بكفر العباد وشركهم ومسبتهم له سبحانه وأنواع ~~معاصيهم وفجورهم فلا يزعجه ذلك كله الى تعجيل العقوبة بل يصبر على عبده ~~ويمهله ويستصلحه ويرفق به ويحلم عنه حتى اذا لم يبق فيه موضع للصنيعه ولا ~~يصلح على الامهال والرفق والحلم ولا ينيب الى ربه ويدخل عليه لا من باب ~~الاحسان والنعم ولا من باب البلاء والنقم أخذه أخذ عزيز مقتدر بعد غاية ~~الأعذار اليه وبذل النصيحة له ودعائه اليه من كل باب وهذا كله من موجبات ~~صفة حلمه وهى صفة ذاتية له لا تزول. # PageV01P276 # وأما الصبر فإذا زال متعلقه كان كسائر الأفعال التى توجد لوجود الحكمة ~~وتزول بزوالها فتأمله فإنه فرق لطيف ما عثرت الحذاق بعشره وقل من تنبه له ~~ونبه عليه وأشكل على كثير منهم هذا الاسم وقالوا لم يأت فى القرآن فأعرضوا ~~عن الاشتغال به صفحا ثم اشتغلوا بالكلام فى صبر العبد وأقسامه ولو أنهم ~~أعطوا هذا الاسم حقه لعلموا أن الرب تعالى أحق به من جميع الخلق كما هو أحق ~~باسم العليم والرحيم والقدير والسميع والبصير والحى وسائر أسمائه الحسنى من ~~المخلوقين وأن التفاوت الذى بين صبره سبحانه وصبرهم كالتفاوت الذى بين ~~حياته وحياتهم وعلمه وعلمهم وسمعه وأسماعهم وكذا سائر صفاته. # ولما علم ذلك أعرف خلقه به قال لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله فعلم ~~أرباب البصائر بصبره سبحانه كعلمهم برحمته وعفوه وستره مع أنه صبر مع كمال ~~علم وقدرة وعظمة وعزة وهو صبر من أعظم مصبور عليه فإن مقابلة أعظم العظماء ~~وملك الملوك وأكرم الأكرمين ومن احسانه فوق كل احسان بغاية القبح وأعظم ~~الفجور وأفحش الفواحش ونسبته الى كل ما لا يليق به والقدح فى كماله وأسمائه ~~وصفاته والإلحاد فى آياته وتكذيب رسله عليهم السلام ومقابلتهم بالسب والشتم ~~والأذى وتحريق أوليائه وقتلهم واهانتهم أمر لا يصبر عليه الا الصبور الذى ~~لا أحد اصبر منه ms245 ولا نسبة لصبر جميع الخلق من أولهم الى آخرهم الى صبره ~~سبحانه. # واذا اردت معرفة صبر الرب تعالى وحلمه والفرق بينهما فتأمل قوله تعالى ان ~~الله يمسك السموات والارض أن تزولا ولئن زالتا ان أمسكهما من أحد من بعده ~~إنه كان حليما غفورا وقوله وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ادا تكاد ~~السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وقوله ~~{وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} على قراءة من فتح اللام. # PageV01P277 # فأخبر سبحانه أن حلمه ومغفرته يمنعان زوال السموات والارض فالحلم ~~وامساكهما أن تزولا هو الصبر فبحلمه صبر عن معالجة أعدائه. # وفى الآية اشعار بأن السموات والارض تهم وتستأذن بالزوال لعظم ما يأتى به ~~العباد فيمسكها بحلمه ومغفرته وذلك حبس عقوبته عنهم وهو حقيقة صبره تعالى ~~فالذى عنه الامساك هو صفة الحلم والامساك هو الصبر وهو حبس العقوبة ففرق ~~بين حبس العقوبة وبين ما صدر عنه حبسها فتأمله # وفى مسند الامام أحمد مرفوعا: "ما من يوم الا والبحر يستأذن ربه أن يغرق ~~بنى آدم" وهذا مقتضى الطبيعة لأن كرة الماء تعلو كرة التراب بالطبع ولكن ~~الله يمسكه بقدرته وحلمه وصبره # وكذلك خرور الجبال وتفطير السموات الرب تعالى يحبسها عن ذلك بصبره وحلمه ~~فإن ما يأتى به الكفار والمشركون والفجار فى مقابلة العظمة والجلال ~~والإكرام يقتضى ذلك فجعل سبحانه فى مقابلة هذه الاسباب أسبابا يحبها ~~ويرضاها ويفرح بها أكمل فرح وأتمه تقابل تلك الأسباب التى هي سبب زوال ~~العالم وخرابه فدفعت تلك الأسباب وقاومتها. # وكان هذا من آثار مدافعة رحمته لغضبه وغلبتها له وسبقها اياه فغلب اثر ~~الرحمة أثر الغضب كما غلبت الرحمة الغضب ولهذا استعاذ النبى بصفة الرضا من ~~صفة السخط وبفعل المعافاة من فعل العقوبة ثم جمع الامرين فى الذات اذ هما ~~قائمان بها فقال أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك ~~فإن ما يستعاذ به هو صادر عن مشيئته وخلقه بإذنه وقضائه فهو الذى أذن فى ~~وقوع الاسباب ms246 التى يستعاذ منها خلقا وكونا فمنه السبب والمسبب وهو الذى حرك ~~الانفس والابدان وأعطاها قوى التاثير وهو الذى أوجدها وأعدها ومدها وسلطها ~~على ما شاء وهو الذى يمسكها إذا شاء ويحول بينها وبين قواها وتأثيرها. # PageV01P278 # فتأمل ما تحت قوله: "أعوذ بك منك" من محض التوحيد وقطع الالتفات الى غيره ~~وتكميل التوكل عليه تعالى والاستعانة به وحده وافراده بالخوف والرجاء ودفع ~~الضر وجلب الخير وهو الذى يمس بالضر بمشيئته وهو الذى يدفعه بمشيئته وهو ~~المستعاذ بمشيئته من مشيئته وهو المعيذ من فعله بفعله وهو الذى سبحانه خلق ~~ما يصبر عليه وما يرضى به فاذا أغضبه معاصى الخلق وكفرهم وشركهم وظلمهم ~~ارضاه تسبيح ملائكته وعبادة المؤمنين له وحمدهم اياه وطاعتهم له فيعيذ رضاه ~~من غضبه # قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور ~~السموات والارض من نور وجهه وان مقدار يوم من أيامكم عنده اثنتا عشرة ساعة ~~فتعرض عليه أعمالكم بالامس أول النهار اليوم فينظر فيها ثلاث ساعات فيطلع ~~منها على ما يكره فيغضبه ذلك فأول ما يعلم بغضبه حملة العرش يجدونه يثقل ~~عليهم فتسبحه حملة العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة ~~حتى ينفخ جبريل فى القرن فلا يبقى شئ الا يسمع فيسبحون الرحمن ثلاث ساعات ~~حتى يمتلئ الرحمن رحمة فتلك ست ساعات قال ثم يؤتى بالارحام فينظر فيها ثلاث ~~ساعات فذلك قوله تعالى هو الذى يصوركم فى الارحام كيف يشاء ويهب لمن يشاء ~~اناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا واناثا ويجعل من يشاء عقيما ~~فتلك تسع ساعات ثم يؤتى بالارزاق فينظر فيها ثلاث ساعات فذلك قوله {يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر} وقوله {كل يوم هو في شأن} قال هذا شأنكم وشأن ربكم + ~~رواه أبو القاسم الطبرانى فى السنة + وعثمان بن سعيد الدارمى وشيخ الاسلام ~~الانصارى وابن مندة وابن خزيمة وغيرهم # ولما ذكر سبحانه فى سورة الانعام أعداءه وكفرهم وشركهم وتكذيب # PageV01P279 # رسله ذكر فى أثر ذلك شأن خليله ابراهيم وما اراه من ms247 ملكوت السموات والارض ~~وما حاج به قومه فى اظهار دين الله وتوحيده ثم ذكر الانبياء من ذريته وأنه ~~هداهم وآتاهم الكتاب والحكم والنبوة ثم قال {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا ~~بها قوما ليسوا بها بكافرين} . # فأخبر أنه سبحانه كما جعل فى الارض من يكفر به ويجحد توحيده ويكذب رسله ~~كذلك جعل فيها من عباده من يؤمن بما كفر به أولئك ويصدق بما كذبوا به ويحفظ ~~من حرماته ما أضاعوه وبهذا تماسك العالم العلوى والسفلى والا فلو تبع الحق ~~أهواء أعدائه لفسدت السموات والارض ومن فيهن ولخرب العالم ولهذا جعل سبحانه ~~من أسباب خراب العالم رفع الاسباب الممسكه له من الارض وهى كلامه وبيته ~~ودينه والقائمون به فلا يبقى لتلك الاسباب المقتضية لخراب العالم أسباب ~~تقاومها وتمانعها ولما كان اسم الحليم أدخل فى الاوصاف واسم الصبور فى ~~الافعال كان الحلم أصل الصبر فوقع الاستغناء بذكره فى القرآن عن اسم الصبور ~~والله أعلم. # فصل: وأما تسميته سبحانه بالشكور فهو فى حديث أبى هريرة وفى القرآن ~~تسميته شاكرا قال الله تعالى {وكان الله شاكرا عليما} وتسميته أيضا شكور. # قال الله تعالى {والله شكور حليم} وقال تعالى {إن هذا كان لكم جزاء وكان ~~سعيكم مشكورا} فجمع لهم سبحانه بين الأمرين أن شكر سعيهم وأثابهم عليه ~~والله تعالى يشكر عبده إذا أحسن طاعته ويغفر له اذا تاب اليه فيجمع للعبد ~~بين شكره لإحسانه ومغفرته لاساءته انه غفور شكور # وقد تقدم فى الباب العشرين ذكر حقيقة شكر العبد وأسبابه ووجوهه وأما شكر ~~الرب تعالى فله شأن آخر كشأن صبره فهو أولى بصفة الشكر من كل شكور بل هو ~~الشكور على الحقيقة فإنه يعطى # PageV01P280 # العبد ويوفقه لما يشكره عليه ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله ~~أن يشكره ويشكر الحسنة بعشر أمثالها الى أضعاف مضاعفة ويشكر عبده بقوله بأن ~~يثنى عليه بين ملائكته وفى ملئه الأعلى ويلقى له الشكر بين عباده ويشكره ~~بفعله فإذا ترك له شيئا أعطاه أفضل منه وإذا بذل له شيئا رده عليه ms248 أضعافا ~~مضاعفة وهو الذى وفقه للترك والبذل وشكره على هذا وذاك. # ولما عقر نبيه سليمان الخيل غضبا له اذ شغلته عن ذكره فاراد ألا تشغله ~~مرة أخرى أعاضه عنها متن الريح ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها فى ~~مرضاته أعاضهم عنها أن ملكهم الدنيا وفتحها عليهم. # ولما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن شكر له ذلك بأن مكن له فى الارض يتبوأ ~~منها حيث يشاء ولما بذل الشهداء أبدانهم له حتى مزقها أعداؤه شكر لهم ذلك ~~بأن أعاضهم منها طيرا خضرا أقر أرواحهم فيها ترد أنهار الجنة وتأكل من ~~ثمارها الى يوم البعث فيردها عليهم أكمل ما تكون وأجمله وأبهاه ولما بذل ~~رسله أعراضهم فيه لأعدائهم فنالوا منهم وسبوهم أعاضهم من ذلك بأن صلى عليهم ~~هو وملائكته وجعل لهم أطيب الثناء فى سمواته وبين خلقه فأخلصهم بخالصة ذكرى ~~الدار. # ومن شكره سبحانه أنه يجازى عدوه بما يفعله من الخير والمعروف فى الدنيا ~~ويخفف به عنه يوم القيامة فلا يضيع عليه ما يعمله من الاحسان وهو من أبغض ~~خلقه اليه ومن شكره أنه غفر للمرأة البغى بسقيها كلبا كان قد جهده العطش ~~حتى أكل الثرى وغفر لآخر بتنحيته غصن شوك عن طريق المسلمين. # فهو سبحانه يشكر العبد على احسانه لنفسه والمخلوق انما يشكر من أحسن اليه ~~وأبلغ من ذلك أنه سبحانه هو الذى أعطى العبد ما يحسن به الى نفسه وشكره على ~~قليله بالاضعاف المضاعفة التى لا نسبة لإحسان # PageV01P281 # العبد اليها فهو المحسن بإعطاء الاحسان وإعطاء الشكر فمن أحق باسم الشكور ~~منه سبحانه!. # وتأمل قوله سبحانه {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله ~~شاكرا عليما} كيف تجد فى ضمن هذا الخطاب أن شكره تعالى يأبى تعذيب عباده ~~سدى بغير جرم كما يأبى اضاعة سعيهم باطلا فالشكور لا يضبع أجر محسن ولا ~~يعذب غير مسيء. # وفى هذا رد لقول من زعم أنه سبحانه يكلفه مالا يطيقه ثم يعذبه على مالا ~~يدخل تحت قدرته تعالى الله عن هذا الظن الكاذب والحسبان الباطل ms249 علوا كبيرا ~~فشكره سبحانه اقتضى أن لا يعذب المؤمن الشكور ولا يضيع عمله وذلك من لوازم ~~هذه الصفة فهو منزه عن خلاف ذلك كما ينزه عن سائر العيوب والنقائص التى ~~تنافى كماله وغناه وحمده # ومن شكر سبحانه أنه يخرج العبد من النار بأدنى مثقال ذرة من خير ولا يضيع ~~عليه هذا القدر ومن شكره سبحانه أن العبد من عباده يقوم له مقاما يرضيه بين ~~الناس فيشكره له وينوه بذكره ويخبر به ملائكته وعباده المؤمنين كما شكر ~~لمؤمن آل فرعون ذلك المقام وأثنى به عليه ونوه بذكره بين عباده وكذلك شكره ~~لصاحب يس مقامه ودعوته اليه فلا يهلك عليه بين شكره ومغفرته الا هالك فإنه ~~سبحانه غفور شكور يغفر الكثير من الزلل ويشكر القليل من العمل. # ولما كان سبحانه هو الشكور على الحقيقة كان أحب خلقه اليه من اتصف بصفة ~~الشكر كما أن أبغض خلقه اليه من عطلها واتصف بضدها وهذا شأن اسمائه الحسنى ~~أحب خلقه اليه من اتصف بموجبها وأبغضهم اليه من اتصف باضدادها ولهذا يبغض ~~الكفور الظالم والجاهل والقاسي القلب والبخيل والجبان والمهين واللئيم وهو ~~سبحانه جميل يحب الجمال عليم يحب العلماء رحيم يحب الراحمين محسن يحب ~~المحسنين شكور يحب # PageV01P282 # الشاكرين صبور يحب الصابرين جواد يحب أهل الجود ستار يحب أهل الستر قادر ~~يلوم على العجز والمؤمن القوى أحب اليه من المؤمن الضعيف عفو يحب العفو وتر ~~يحب الوتر وكل ما يحبه فهو من آثار اسمائه وصفاته وموجبها وكل ما يبغضه فهو ~~مما يضادها وينافيها. # PageV01P283 # خاتمة # يا من عزم على السفر إلى الله والدار الآخرة قد رفع لك علم فشمر إليه فقد ~~أمكن التشمير واجعل سيرك بين مطالعة منته ومشاهدة عيب النفس والعمل ~~والتقصير فما ابقى مشهد النعمة والذنب للعارف من حسنة يقول هذه منجيتى من ~~عذاب السعير ما المعول إلا على عفوه ومفغرته فكل أحد إليهما فقير أبوء لك ~~بنعمتك على وأبوء بذنبى فاغفر لى أنا المذنب المسكين وأنت الرحيم الغفور ما ~~تساوى أعمالك لو سلمت مما يبطلها ms250 أدنى نعمة من نعمه عليك وأنت مرتهن بشكرها ~~من حين أرسل بها إليك فهل رعيتها بالله حق رعايتها وهى فى تصريفك وطوع يديك ~~فتعلق بحبل الرجاء وادخل من باب التوبة والعمل الصالح انه غفور شكور. # نهج للعبد طريق النجاة وفتح له أبوابها وعرفه طرق تحصيل السعادة وأعطاه ~~أسبابها وحذره من وبال معصيته وأشهده على نفسه وعلى غيره شؤمها وعقابها ~~وقال إن أطعت فبفضلى وأنا أشكر وإن عصيت فبقضائى وأنا أغفر إن ربنا لغفور ~~شكور. # أزاح عن العبد العلل وأمره أن يستعيذ به من العجز والكسل ووعده أن يشكر ~~له القليل من العمل ويغفر له الكثير من الزلل إن ربنا لغفور شكور أعطاه ما ~~يشكر عليه ثم يشكره على إحسانه إلى نفسه لا على إحسانه اليه ووعده على ~~إحسانه لنفسه أن يحسن جزاءه ويقربه لديه وأن يغفر له خطاياه إذا تاب منها ~~ولا يفضحه بين يديه ان ربنا لغفور شكور. # وثقت بعفوه هفوات المذنبين فوسعتها وعكفت بكرمه آمال المحسنين فما # PageV01P284 # قطع طمعها وخرقت السبع الطباق دعوات التائبين والسائلين فسمعها ووسع ~~الخلائق عفوه ومغفرته ورزقه فما من دابة فى الارض الا على الله رزقها ويعلم ~~مستقرها ومستودعها ان ربنا لغفور شكور. # يجود على عبيده بالنوافل قبل السؤال ويعطى سائله ومؤمله فوق ما تعلقت به ~~منهم الآمال ويغفر لمن تاب اليه ولو بلغت ذنوبه عدد الآمواج والحصى والتراب ~~والرمال ان ربنا لغفور شكور # ارحم بعباده من الوالدة بولدها وأفرح بتوبة التائب من الفاقد لراحلته ~~التى عليها طعامه وشرابه فى الأرض المهلكة اذا وجدها وأشكر للقليل من جميع ~~خلقه فمن تقرب اليه بمثقال ذرة من الخير شكرها وحمدها ان ربنا لغفور شكور ~~تعرف الى عباده بأسمائه وأوصافه وتحبب اليهم بحلمه وآلائه ولم تمنعه ~~معاصيهم بأن جاد عليهم بآلائه ووعد من تاب اليه وأحسن طاعته بمغفرة ذنوبه ~~يوم لقائه ان ربنا لغفور شكور. # السعادة كلها فى طاعته والأرباح كلها فى معاملته والمحن والبلايا كلها فى ~~معصيته ومخالفته فليس للعبد أنفع من شكره وتوبته ان ربنا ms251 لغفور شكور أفاض ~~على خلقه النعمة وكتب على نفسه الرحمة وضمن الكتاب الذى كتبه ان رحمته تغلب ~~غضبه ان ربنا لغفور شكور. # يطاع فيشكر وطاعته من توفيقه وفضله ويعصى فيحلم ومعصية العبد من ظلمه ~~وجهله ويتوب اليه فاعل القبيح فيغفر له حتى كأنه لم يكن قط من أهله ان ربنا ~~لغفور شكور. # الحسنة عنده بعشر أمثالها أو يضاعفها بلا عدد ولا حسبان والسيئة عنده ~~بواحدة ومصيرها الى العفو والغفران وباب التوبة مفتوح لديه منذ خلق السموات ~~والارض الى آخر الزمان ان ربنا لغفور شكور. # بابه الكريم مناخ الآمال ومحط الأوزار وسماء عطاه لا تقلع عن الغيث بل هى ~~مدرار ويمينه ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ان ربنا لغفور شكور. # لا يلقى وصاياه الا الصابرون ولا يفوز بعطاياه الا الشاكرون ولا يهلك # PageV01P285 # عليه الا الهالكون ولا يشقى بعذابه الا المتمردون ان ربنا لغفور شكور # فإياك أيها المتمرد أن ياخذك على غرة فإنه غيور واذا أقمت على معصيته وهو ~~يمدك بنعمته فاحذره فإنه لم يهملك لكنه صبور وبشراك ايها التائب بمغفرته ~~ورحمته أنه غفور شكور. # من علم أن الرب شكور تفوع فى معاملته ومن عرف أنه واسع المغفرة تعلق ~~بأذيال مغفرته ومن علم أن رحمته سبقت غضبه لم ييأس من رحمته ان ربنا لغفور ~~شكور. # من تعلق بصفة من صفاته أخذته بيده حتى تدخله عليه ومن سار اليه بأسمائه ~~الحسنى وصل اليه ومن أحبه أحب أسمائه وصفاته وكانت آثر شئ لديه حياة القلوب ~~فى معرفته ومحبته وكمال الجوارح فى التقرب إليه بطاعته والقيام بخدمته ~~والألسنة بذكره والثناء عليه بأوصاف مدحته فأهل شكره أهل زيادته وأهل ذكره ~~أهل مجالسته وأهل طاعته أهل كرامته وأهل معصيته لا يقنطهم من رحمته إن ~~تابوا فهو حبيبهم وإن لم يتوبوا فهو طبيبهم يبتليهم بأنواع المصائب ليكفر ~~عنهم الخطايا ويطهرهم من المعائب انه غفور شكور. # والحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى ~~وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله حمدا يملا ms252 السموات والارض ومابينهما وما ~~شاء ربنا من شيء بعد بمجامع حمده كلها ما علمنا منها وما لم نعلم على نعمه ~~كلها ما علمنا منها وما لم نعلم عدد ما حمد الحامدون وغفل عن ذكره الغافلون ~~وعدد ما جرى به قلمه واحصاه كتابه واحاط به علمه. # وصلى الله وسلم على سيدنا محمد واله وصحبه اجمعين وعلى سائر الانبياء ~~والمرسلين ورضى الله عن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. PageV01P286 ms253