######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000062 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن القيم #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله #META# 011.AuthorBORN :: 691 #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (الداء والدواء) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأخلاق والسلوك :: مجموعة ابن القيم :: مجموعة ابن القيم في التزكية والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الجواب الكافي #META# 030.LibURI :: JK_000062 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # سئل الشيخ الإمام العالم العلامة المتقن الحافظ الناقد شمس الدين أبو ~~عبدالله محمد بن الشيخ الصالح أبي بكر عرف بابن القيم الجوزية رضي الله عنه ~~ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضى الله عنهم أجمعين في رجل ابتلى ~~ببلية وعلم أنها إن استمرت به أفسدت دنياه وآخرته وقد اجتهد في دفعها عن ~~نفسه بكل طريق فما يزداد إلا توقدا وشدة فما الحيلة في دفعها وما الطريق ~~إلى كشفها فرحم الله من أعان مبتلى والله في عون العبد ما كان العبد في عون ~~أخيه أفتونا مأجورين # فكتب الشيخ رضي الله عنه تحت السؤال الجواب الحمد لله أما بعد فقد ثبت في ~~صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما ~~أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء ~~برأ باذن الله وفي مسند الامام أحمد من حديث أسامة بن شريك عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه ~~وجهله من جهله وفي لفظ إن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء ~~واحدا قالوا يا رسول الله ما هو قال الهرم قال الترمذي هذا حديث صحيح وهذا ~~يعم أدواء القلب والروح والبدن وأدويتها وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~الجهل داء وجعل دواءه سؤال العلماء فروى أبو داوود في سننه من حديث جابر ~~ابن عبد الله قال خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم ~~فسأله أصحابه فقال هل تجدون لى رخصة في التيمم قالوا ما نجد لك رخصة وأنت ~~تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أخبر بذلك فقال قتلوه قتلهم الله إلا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي ms001 ~~السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه بخرقة ثم يمسح ~~عليها ويغسل سائر جسده فأخبر أن الجهل داء وأن شفاءه السؤال وقد أخبر ~~سبحانه عن القرآن أنه شفاء فقال الله تعالى ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا ~~لولا فصلت آياته أعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدي وشفاء وقال @QB@ وننزل ~~من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين @QE@ ومن ههنا لبيان الجنس لا للتبعيض ~~فإن القرآن كله PageV01P002 شفاء كما قال في الآية الأخرى فهو شفاء للقلوب ~~من داء الجهل والشك والريب فلم ينزل الله سبحانه من السماء شفاء قط أعم ولا ~~أنفع ولا أعظم ولا أشجع في إزالة الداء من القرآن وقد ثبت في الصحيحين من ~~حديث أبي سعيد قال انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة ~~سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلدغ ~~سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء فقال بعضهم لو أنيتم هؤلاء ~~الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء فاتوهم فقالوا أيها الرهط إن ~~سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه فهل عند أحد منكم شيء فقال بعضهم نعم ~~والله إني لأرقى ولكن والله استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق حتى تجعلوا ~~لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق يتفل عليه ويقرأ الحمد لله رب ~~العالمين فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي وما به قلبة فأوفوهم جعلهم الذي ~~صالحوهم عليه فقال بعضهم إقتسموا فقال الذي رقالا نفعل حتى نأتي النبي صلى ~~الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان فننظر بما يأمرنا فقدموا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك فقال وما يدريك إنها رقية ثم قال قد ~~أصبتم اقتسموا وأضربوا لى معكم سهما فقد أثر هذا الدواء في هذا الداء ~~وأزاله حتى كأن لم يكن وهو أسهل دواء وأيسره ولو أحسن العبد التداوي ~~بالفاتحة لرأي لها تأثيرا عجيبا في الشفاء ومكثت بمكة مدة تعتريني ms002 أدواء ~~ولا أجد طبيبا ولا دواء فكنت أعالج نفسي بالفاتحة فأري لها تأثيرا عجيبا ~~فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألما وكان كثير منهم يبرأ سريعا ولكن ههنا أمر ~~ينبغي التفطن له وهو أن الأذكار والآيات والأدعية التي يستشفى بها ويرقابها ~~هي في نفسها نافعة شافية ولكن تستدعى قبول المحل وقوة همة الفاعل وتأثيره ~~فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل أو لعدم قبول المنفعل أو لمانع قوي ~~فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية فإن ~~عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء وقد يكون لمانع قوي ~~يمنع من اقتضائه أثره فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء لقبول تام كان انتفاع ~~البدن به بحسب ذلك القبول وكذلك القلب إذا أخذ الرقاء والتعاويذ بقبول تام ~~وكان للراقى نفس فعالة وهمة مؤثرة في إزالة الداء وكذلك الدعاء فإنه من ~~أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب ولكن قد يتخلف عنه أثره إما ~~لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان وإما لضعف ~~القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء فيكون بمنزلة القوس ~~الرخو جدا فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا وإما لحصول المانع من الاجابة من ~~أكل الحرام والظلم ورين الذنوب على القلوب واستيلاء الغفلة والسهو واللهو ~~وغلبتها عليها كما في صحيح الحاكم من حديث PageV01P003 أبى هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أدعو الله وأنتم موقنون بالاجابة واعلموا أن الله لا ~~يقبل دعاء من قلب غافل لاه فهذا دواؤنا نافع مزيل للداء ولكن غفلة القلب عن ~~الله تبطل قوته وكذلك أكل الحرام يبطل قوته ويضعفها كما في صحيح مسلم من ~~حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيها الناس إن الله ~~طيب لايقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال يا ~~أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وقال يا ~~أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ms003 مارزقناكم ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث ~~أغبر يمد يده إلى السماء يارب يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام ~~وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه ~~أصاب بني إسرائيل بلاء فخرجوا مخرجا فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم ~~إنكم تخرجون إلى الصعيد بابدان نجسة وترفعون الي أكفا قد سفكتم بها الدماء ~~وملأتم بها بيوتكم من الحرام الآن حين اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني ~~الابعدا وقال أبو ذر يكفى من الدعاء البرأ ما يكفى الطعام من الملح # | فصل والدعاء من أنفع الأدوية وهو عدو البلأ يدافعه ويعالجه ويمنع # نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل وهو سلاح المؤمن كما روى الحاكم في صحيحه ~~من حديث على بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السموات والأرض ~~وله مع البلاء ثلاث مقامات أحدها أم يكون أقوي من البلاء فيدفعه الثاني أن ~~يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد ولكن قد يخففه وإن ~~كان ضعيفا الثالث أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه وقد روي الحاكم في ~~صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا يغنى حذر من قدر والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وإن البلاء لينزل ~~فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة وفيه أيضا من حديث ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال الدعاء ينفع بما نزل ومما ينزل فعليكم عباد ~~الله بالدعاء وفيه أيضا من حديث ثوبان لا يرد القدر الا الدعاء ولا يزيد في ~~العمر الا البر وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه # | فصل ومن أنفع الادوية الالحاح فى الدعاء وقد روى ابن ماجة في سننه # من حديث أبي هريرة PageV01P004 قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~لم يسئل الله يغضب عليه وفي صحيح الحاكم من حديث أنس ms004 عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لاتعجزوا فى الدعاء فانه لايهلك مع الدعاء أحد وذكر الاوزاعي عن ~~الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن الله يحب الملحين فى الدعاء وفى كتاب الزهد للامام أحمد عن قتادة ~~قال قال مورق ما وجدت للمؤمن مثلا الا رجل في البحر على خشبة فهو يدعو يا ~~رب يا رب لعل الله عز وجل أن ينجيه فصل # ومن الآفات التى تمنع ترتب أثر الدعاء عليه أن يستعجل العبد ويستبطي ~~الاجابة فيستحسر ويدع الدعاء وهو بمنزلة من بذر بذرا أو غرس غرسا فجعل ~~يتعاهده ويسقيه فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله وفى البخاري من حديث ~~أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يستجاب لاحدكم ما لم يعجل ~~يقول دعوت فلم يستجب لي وفي صحيح مسلم عنه لايزال يستجاب للعبد ما لم يدع ~~بأثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل قيل يا رسول الله ما الاستعجال قال يقول قد ~~دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لى فيستحسر عند ذاك ويدع الدعاء وفي مسند أحمد ~~من حديث أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لايزال العبد بخير ما لم ~~يستعجل قالوا يا رسول الله كيف يستعجل قال يقول قد دعوت لربي فلم يستجب لى ~~فصل # واذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب وصادف وقتا ~~من أوقات الاجابة الستة وهي الثلث الاخير من الليل وعند الأذان وبين الأذان ~~والاقامة وادبار الصلوات المكتوبات وعند صعود الامام يوم الجمعة على المنبر ~~حتى تقضى الصلوة وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم وصادف خشوعا في القلب ~~وانكسارا بين يدي الرب وذلاله وتضرعا ورقة واستقبل الداعي القبلة وكان على ~~طهارة ورفع يديه إلى الله تعالى وبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ثنى ~~بالصلوة على محمد عبده صلى الله عليه وسلم ثم قدم بين يدي حاجته التوبة ~~والاستغفار ثم دخل على الله والح عليه في المسئلة ms005 وتملقه ودعاه رغبة ورهبة ~~وتوسل اليه باسمائه وصفاته وتوحيده وقدم بين يدي دعائه صدقة فان هذا الدعاء ~~لا يكاد يرد أبدا ولا سيما ان صادف الادعية التي أخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنها مظنة الاجابة أو أنها متضمنة للأسم الأعظم فمنها ما في السنن وفي ~~صحيح بن حبان من PageV01P005 حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سمع رجلا يقول اللهم إني أسالك باني أشهد أنك أنت الله لا ~~إله الا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن كفوا أحد فقال لقد ~~سأل الله بالأسم الذي إذا سئل به أعطي وإذا دعى به أجاب وفي لفظ لقد سألت ~~الله باسمه الاعظم وفي السنن وصحيح أبي حاتم بن حبان أيضا من حديث أنس بن ~~مالك أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ورجل يصلى ثم دعا فقال ~~اللهم إني أسالك بأن لك الحمد لا إله الا أنت المنان بديع السموات والأرض ~~يا ذا الجلال والاكرام يا حى يا قيوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد ~~دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى وأخرج ~~الحديثين أحمد فى مسنده وفى جامع الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال إسم الله الاعظم في هاتين الآيتين @QB@ وإلهكم إله ~~واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم @QE@ وفاتحة آل عمران @QB@ الم الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم @QE@ قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وفى مسند أحمد ~~وصحيح الحاكم من حديث أبي هريرة وأنس بن مالك وربيعة بن عامر عن صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال أنطوا بياذ الجلال والاكرام يعنى تعلقوا والزموها ~~وداوموا عليها وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا أهمه الأمر رفع رأسه إلى السماء وإذا اجتهد في الدعاء قال يا ~~حى يا قيوم وفيه أيضا من حديث أنس بن مالك ms006 قال كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا كربه أمر قال يا حى يا قيوم برحمتك أستغيث وفى صحيح الحاكم من ~~حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اسم الله الأعظم في ثلاث ~~سور من القرآن البقرة وآل عمران وطه قال القاسم فالتمستها فاذا هي آية @QB@ ~~الحي القيوم @QE@ وفي جامع الترمذي وصحيح الحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال دعوة ذي النون اذ دعا وهو في بطن الحوت لا ~~إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين إنه لم يدع بها مسلم في شى قط الا ~~استجاب الله له قال الترمذي حديث صحيح وفى صحيح الحاكم أيضا من حديث سعد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بشىء إذا نزل برجل منكم أمرمهم فدعا ~~به يفرج الله عنه دعاء ذي النون وفي صحيحه أيضا عنه أنه سمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو يقول هل أدلكم على اسم الله الاعظم دعاء يونس فقال رجل يا ~~رسول الله هل كان ليونس خاصة فقال ألا تسمع قوله فاستجبنا له ونجيناه من ~~الغم وكذلك نجيني المؤمنين فأيما مسلم دعا بها في مرضه اربعين مرة فمات في ~~مرضه ذلك أعطى أجر شهيد وان برأ برأ مغفور له وفي الصحيحين من حديث بن عباس ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب لا إله الا الله ~~العظيم الحليم لا إله الا الله رب العرش العظيم PageV01P006 لا إله الا ~~الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم وفى مسند الامام أحمد من حديث ~~على بن أبي طالب طالب رضي الله عنه قال علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اذا نزل بي كرب أن أقول لا إله الا الله الحليم الكريم سبحان الله وتبارك ~~الله رب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين وفي مسنده ايضا من حديث عبد ~~الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب أحد ms007 قط هم ولا ~~حزن فقال اللهم إني عبدك بن عبدك بن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في ~~قضاؤك أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو ~~أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ~~ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي الا أذهب الله همه وحزنه وأبدله ~~مكانه فرحا فقيل يا رسول الله ألا نتعلمها قال بل ينبغي لمن سمعها أن ~~يتعلمها وقال ابن مسعود كا كرب نبي من الانبياء الا استغاث بالتسبيح وذكرا ~~ابن أبي الدنيا في كتاب المجانين في الدعاء عن الحسن قال كان رجل من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم من الانصار يكني أبا مغلق وكان تاجرا يتجر بمال ~~له ولغيره يضرب به في الآفاق وكان ناسكا ورعا فخرج مرة فلقيه لص مقنع في ~~السلاح فقال له ضع ما معك فاني قاتلك قال فما تريد الادمي فشأنك والمال قال ~~أما المال فلى ولست أريد إلا دمك قال أما إذا أبيت فذرني اصلى أربع ركعات ~~قال صلى ما بد الك فتوضأ ثم صلى أربع ركعات فكان من دعائه فى آخر سجدة أن ~~قال يا ودود ياذ العرش المجيد يا فعال لما تريد أسألك بعزك الذي لا يرام ~~وبملكك الذي لايضام وبنورك الذي ملأ أركان عرشك ان تكفيني شر هذا اللص يا ~~مغيت اغثني يا مغيث اغثني يا مغيث اغثني ثلاث مرات فاذا هو بفارس أقبل بيده ~~حربة قد وضعها بين أذني فرسه فلما بصر به اللص أقبل نحوه فطعنه فقتله ثم ~~أقبل اليه فقال قم فقال من أنت بابي أنت وأمي فقد أغاثني الله بك اليوم ~~فقال أنا ملك من أهل السماء الرابعة دعوت فسمعت لأبواب السماء قعقعة ثم ~~دعوت بدعائك الثاني فسمعت لاهل السماء ضجة ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل لي ~~دعاء مكروب فسألت الله ان يوليني قتله قال الحسن فمن توضي وصلى أربع ركعات ~~ودعا بهذا الدعاء استجيب له ms008 مكروبا كان أو غير مكروب # | فصل وكثيرا ما نجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب لهم فيكون قد اقترن # بالدعاء ضرورة صاحبه وإقباله على الله أو حمنة تقدمت منه جعل الله سبحانه ~~إجابة دعوته شكرا لحسنته أو صادف الدعاء وقت إجابة ونحو ذلك فاجيبت دعوته ~~فيظن الظان ان السر في لفظ ذلك الدعاء فيأخذه PageV01P007 مجردا عن تلك ~~الامور التي قارنته من ذلك الداعي وهذا كما اذا استعمل رجل دواء نافعا في ~~الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي فانتفع به فظن غيره ان استعمال هذا ~~الدواء مجردا كاف في حصول المطلوب كان غالطا وهذا موضع يغلط فيه كثير من ~~الناس ومن هذا قد يتفق دعاؤه باضطرار عند قبر فيجاب فيظن الجاهل ان السر ~~للقبر ولم يعلم ان السر للاضطرار وصدق اللجاء إلى الله فاذا حصل ذلك في بيت ~~من بيوت الله كان افضل وأحب إلى الله فصل # والادعية والتعوذات بمنزلة السلاح والسلاح بضاربه لا بحده فقط فمتى كان ~~السلاح سلاحا تاما لا آفة به والساعد ساعد قوي والمانع مفقود حصلت به ~~النكاية في العدو ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير فإن كان ~~الدعاء في نفسه غير صالح أو الداعى لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء أو ~~كان ثم مانع من الاجابة لم يحصل الأثر # | فصل وههنا سؤال مشهور وهو ان المدعو به إن كان قد قدر لم # يكن بد من وقوعه دعا به العبد أو لم يدع وان لم يكن قد قدر لم يقع سواء ~~سأله العبد أو لم يسأله فظنت طائفة صحة هذا السؤال فتركت الدعاء وقالت لا ~~فائدة فيه وهؤلاء مع فرط جهلهم وضلالهم متناقضون فأن اطرد مذهبهم لوجب ~~تعطيل جميع الأسباب فيقال لأحدهم ان كان الشبع والري قد قدرا لك فلا لا بد ~~من وقوعها أكلت أو لم تأكل وإن لم يقدرا لم يقعا أكلت أو لم تأكل وإن كان ~~الولد قدر لك فلابد منه وطأت الزوجة والامة أو لم تطأها وإن لم يقدر لم ms009 يكن ~~فلا حاجة إلى التزويج والتسري وهلم جرا فهل يقال هذا عاقل أو آدمي بل ~~الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الاسباب التي بها قوامه وحياته فالحيوانات ~~أعقل وأفهم من هؤلاءالذين هم كالانعام بل هم أضل سبيلا وتكايس بعضهم وقال ~~الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض يثيب الله عليه الداعي من غير أن ~~يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما ولا فرق عند هذا الكيس بين الدعاء ~~والامساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول المطلوب وارتباط الدعاء ~~عندهم به كارتباط السكوت ولا فرق وقالت طائفة أخري أكيس من هؤلاء بل الدعاء ~~علامة مجردة نصبها الله سبحانه أمارة على قضاء الحاجة فمتى وفق العبد ~~للدعاء كان ذلك علامة له وأمارة على أن حاجته قد قضيت وهذا كما إذا رأيت ~~غيما أسود باردا في زمن الشتاء فان ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر قالوا ~~وهكذا حكم الطاعات مع الثواب والكفر والمعاصي مع العقاب هي أمارات محضة ~~لوقوع الثواب والعقاب لانها أسباب له PageV01P008 وهكذا عندهم الكسر مع ~~الانكسار والحرق مع الاحراق والازهاق ومع القتل ليس شيء من ذلك سببا ألبتة ~~ولا إرتباط بينه وبين ما يترتب عليه الا بمجرد الاقتران لا التأثير السببي ~~وخالفوا بذلك الحس والعقل والشرع والفطرة وسائر طوائف العقلاء بل أضحكوا ~~عليهم العقلاء والصواب ان ههنا قسما ثالثا غير ما ذكره السائل وهو أن هذا ~~المقدور قدر بأسباب ومن أسبابه الدعاء فلم يقدر مجردا عن سببه ولكن قدر ~~بسببه فمتى أتي العبد بالسبب وقع المقدور ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور ~~وهذا كما قدر الشبع والري بالاكل والشرب وقدر الولد بالوطيء وقدر حصول ~~الزرع بالبذر وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه وكذلك قدر دخول الجنة بالاعمال ~~ودخول النار بالاعمال وهذا القسم هو الحق وهذا الذي حرمه السائل ولم يوفق ~~له وحينئذ فالدعاء من أقوى الاسباب فاذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح ~~أن يقال لا فائدة في الدعاء كما لا يقال لا فائدة في الاكل والشرب وجميع ~~الحركات والاعمال وليس ms010 شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول ~~المطلوب ولما كان الصحابة رضى الله عنهم أعلم الامة بالله ورسوله وأفقههم ~~في دينه كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم وكان عمر رضى الله ~~عنه يستنصر به على عدوه وكان أعظم جنده وكان يقول للصحابه لستم تنصرون ~~بكثرة وانما تنصرون من السماء وكان يقول اني لا أحمل هم الاجابة ولكن هم ~~الدعاء فاذا ألهمت الدعاء معه فان الاجابة معه وأخذ هذا الشاعر فنظمه فقال # لو لم ترد نيل ما أرجوه وأطلبه % من جود كفيك ما علمتنى الطلبا # فمن ألهم الدعاء فقد أريد به الاجابة فان اله سبحانه يقول إدعوني أستجب ~~لكم وقال وإذا سألك عبادي عنى فأني قريب أجيب دعوة الداع أذا دعان وفى سنن ~~ابن ماجه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم ~~يسأل الله يغضب عليه وهذا يدل على أن رضاه في سؤاله وطاعته وإذا رضى الرب ~~تبارك وتعالى فكل خير فى رضاه كما أن كل بلاء ومصيبة في غضبه وقد ذكر ~~الامام أحمد في كتاب الزهد أثرا أنا الله لا إله إلا أنا إذا رضيت باركت ~~وليس لبركتي منتهى وإذا غضبت لعنت ولعنتى تبلغ السابع من الولد وقد دل ~~العقل والنقل والفطرة وتجارب الامم على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها على ~~أن التقرب إلى رب العالمين وطلب مرضاته والبر والاحسان إلى خلقه من أعظم ~~الأسباب الجالبة لكل خير واضدادها من أكبر الاسباب الجالبة لكل شر فما ~~استجلبت نعم الله واستدفعت نقمة الله بمثل طاعته والتقرب اليه والاحسان إلى ~~خلقه وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة وحصول السرور في ~~الدنيا والآخرة في كتابه على الاعمال ترتيب الجزاء PageV01P009 على الشرط ~~والمعلول على العلة والمسبب على السبب وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع ~~فتارة يرتب الحكم الخبري الكوني والأمر الشرعى على الوصف المناسب له كقوله ~~تعالى فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين وقوله @QB@ فلما ms011 ~~آسفونا انتقمنا منهم @QE@ وقوله @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ~~جزاء بما كسبا @QE@ وقوله @QB@ إن المسلمين والمسلمات @QE@ إلى قوله @QB@ ~~والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما @QE@ وهذا ~~كثير جدا وتارة ترتبه عليه بصيغة الشرط والجزاء كقوله تعالى @QB@ إن تتقوا ~~الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم @QE@ وقوله @QB@ وأن لو ~~استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا @QE@ وقوله @QB@ فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين @QE@ ونظائره وتارة يأتي ~~بلام التعليل كقوله ليتدبروا آياته وليتذكر أولوا الالباب وقوله @QB@ ~~لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا @QE@ وتارة يأتي باداة ~~كى التي للتعليل كقوله كيلا يكون دولة بين الاغنياء منكم وتارة يأتي بباء ~~السببية كقوله تعالى @QB@ ذلك بما قدمت أيديكم @QE@ وقوله بما كنتم تعملون ~~وبما كنتم تكسبون وقوله ذلك بأنهم كفروا بآياتنا وتارة يأتى بالمفعول لاجله ~~ظاهرا أو محذوفا كقوله @QB@ فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى @QE@ وكقوله تعالى أن تقولوا إنا كنا عن هذا ~~غافلين وقوله @QB@ أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا @QE@ ~~أى كراهة أن تقولوا وتارة يأتي بفاء السببية كقوله @QB@ فكذبوه فعقروها ~~فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها @QE@ وقوله @QB@ فعصوا رسول ربهم فأخذهم ~~أخذة رابية @QE@ وقوله @QB@ فكذبوهما فكانوا من المهلكين @QE@ ونظائره ~~وتارة يأتي باداة لما الدالة على الجزاء كقوله @QB@ فلما آسفونا انتقمنا ~~منهم @QE@ ونظائره وتارة يأتي بأن وما علمت فيه كقوله @QB@ إنهم كانوا ~~يسارعون في الخيرات @QE@ وقوله فى ضد هؤلاء @QB@ إنهم كانوا قوم سوء ~~فأغرقناهم أجمعين @QE@ وتارة يأتي بأداة لولا الدالة على ارتباط ما قبلها ~~بما بعدها كقوله فلولاانه كان من المسيحين للبث وفي بطنه إلى يوم يبعثون ~~وتارة يأتي بلو الدالة على الشرط كقوله @QB@ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ~~لكان خيرا لهم @QE@ وبالجملة فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء ~~بالخير والشر والاحكام الكونية والامرية على الاسباب بل ترتب احكام الدنيا ~~والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الاسباب والاعمال ومن تفقه في هذه المسئلة ~~وتأملها حق التأمل انتفع ms012 بها غاية النفع ولم يتكل على القدر جهلا منه وعجزا ~~وتفريطا وإضاعة فيكون توكله عجزا وعجزه توكلا بل الفقيه كل الفقيه الذي يرد ~~القدر بالقدر ويدفع القدر بالقدر ويعارض القدر بالقدر بل لا يمكن الانسان ~~ان يعيش الا بذلك فان الجوع والعطش والبرد وأنواع المخاوف والمحاذير هي من ~~القدر والخلق كلهم ساعون في دفع هذا القدر بالقدر وهكذا من وفقه الله ~~وألهمه PageV01P010 رشده يدفع قدر العقوبة الاخروية بقدر التوبة والايمان ~~والاعمال الصالحة فهذا وزن المخوف في الدنيا وما يضاده فرب الدارين واحد ~~وحكمته واحدة لا يناقض بعضها بعضا ولا يبطل بعضها بعضا فهذه المسألة من ~~اشرف المسائل لمن عرف قدرها ورعاها حق رعايتها والله المستعان لكن يبقى ~~عليه أمران بهما تتم سعادته وفلاحه أحدهما أن يعرف تفاصيل أسباب الشر ~~والخير ويكون له بصيرة في ذلك بما شهده في العالم وما جربه في نفسه وغيره ~~وما سمعه من أخبار الامم قديما وحديثا ومن أنفع ما في ذلك تدبر القرآن فإنه ~~كفيل بذلك على أكمل الوجوه وفيه أسباب الخير والشر جميعا مفصلة مبينة ثم ~~السنة فإنها شقيقة القرآن وهي الوحي الثاني ومن صرف إليهما عنايته اكتفى ~~بهما من غيرهما وهما يريانك الخير والشر وأسبابهما حتى كانك تعاين ذلك ~~عيانا وبعد ذلك فإذا تأملت أخبار الامم وأيام الله في أهل طاعته وأهل ~~معصيته طابق ذلك ما علمته من القرآن والسنة ورأيته بتفاصيل ما أخبر الله به ~~ووعد به وعلمت من آياته في الآفاق ما يدلك على أن القرآن حق وأن الرسول حق ~~وأن الله ينجز وعده لا محالة فالتاريخ تفصيل لجزئيات ما عرفنا الله ورسوله ~~من الأسباب الكلية للخير والشر # | فصل الأمر الثاني أن يحذر مغالطة نفسه على هذه الأسباب وهذا من أهم # الأمور فان العبد يعرف أن المعصية والغفلة من الأسباب المضرة له في دنياه ~~وآخرته ولا جد ولكن تغالطه نفسه بالاتكال على عفو الله ومغفرته تارة ~~وبالتشويف بالتوبة والاستغفار باللسان تارة وبفعل المندوبات تارة وبالعلم ~~تارة وبالاحتجاج بالقدر تارة وبالاحتجاج بالاشباه ms013 والنظراء تارة وبالاقتداء ~~بالأكابر تارة وكثير من الناس يظن أنه لو فعل ما فعل ثم قال أستغفر الله ~~زال أثر الذنب وراح هذا بهذا وقال لى رجل من المنتسبين إلى الفقه أنا أفعل ~~ما أفعل ثم أقول سبحان الله وبحمده مائة مرة وقد غفر ذلك أجمعه كما صح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من قال في يوم سبحان الله وبحمده مائة ~~مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر وقال لي آخر من أهل مكة نحن أحدنا ~~إذا فعل ما فعل ثم اغتسل وطاف بالبيت أسبوعا قد محي عنه ذلك وقال لي آخر قد ~~صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أذنب عبد ذنبا فقال أي رب أصبت ~~ذنبا فاغفر لي فغفر الله ذنبه ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنبا آخر فقال أي ~~رب أصبت ذنبا فاغفر لي فقال الله عز وجل علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ~~ويأخذ به قد غفرت لعبدي فليصنع ما شاء وقال أنا لا أشك أن لي ربا يغفر ~~الذنب ويأخذ به وهذا الضرب من الناس قد تعلق بنصوص من الرجاء واتكل عليها ~~PageV01P011 وتعلق بها بكلتا يديه واذا عوتب على الخطايا والانهماك فيها ~~سرد لك ما يحفظه من سعة رحمة الله ومغرته ونصوص الرجاء وللجهال من هذا ~~الضرب من الناس في هذا الباب غرائب وعجائب كقول بعضهم وكثر مااستطعت من ~~الخطايا اذا كان القدوم على كريم وقول بعضهم التنزه من الذنوب جهل بسعة عفو ~~الله وقال الآخر ترك الذنوب جراءة على مغفرة الله واستصغارا لها وقال محمد ~~بن حزم رأيت بعض هؤلاء من يقول في دعائه اللهم اني أعوذ بك من العصمة ومن ~~هؤلاء المغرورين من يتعلق بمسألة الجبروان العبد لافعل له البتة ولا إختيار ~~وإنما هو مجبور على فعل المعاصي ومن هؤلاء من يغتر بمسألة الا رجاء وأن ~~الايمان هو مجرد التصديق والاعمال ليست من الايمان وأن ايمان أفسق الناس ~~كايمان جبريل وميكائيل ومن هؤلاء من ms014 يغتر بمحبة الفقراء والمشايخ والصالحين ~~وكثرة التردد إلي قبورهم والتضرع إليهم والاستشفاع بهم والتوسل إلى الله ~~بهم وسؤاله بحقهم عليه وحرمتهم عنده ومنهم من يغتر بآبائه وأسلافه وأن لهم ~~عند الله مكانة وصلاحا فلا يدعون أن يخلصوه كما يشاهد في حضرة الملوك فإن ~~الملوك تهب لخواصهم ذنوب أبنائهم وأقاربهم وإذا وقع أحد منهم في أمر مفظع ~~خلصه أبوه وجده بجاهه ومنزلته ومنهم من يغتر بان الله عز وجل غنى عن عذابه ~~وعذابه لايزيد في ملكه شيئا ورحمته له لاينقص من ملكه شيئا فيقول أنا مضطر ~~إلى رحمته وهو أغني الاغنياء ولو أن فقيرا مسكينا مضطرا إلى شربة ماء عند ~~من في داره شط يجري لما منعه منها فالله أكرم وأوسع فالمغفرة لاتنقصه شيئا ~~والعقوبة لاتزيد في ملكه شيئا ومنهم من يغتر بفهم فاسد فهمه هو وأضرابه من ~~نصوص القرآن والسنة فاتكلوا عليه كاتكال بعضهم على قوله تعالى ولسوف يعطيك ~~ربك فترضى قال وهو لايرضى أن يكون في النار أحد من أمته وهذا من أقبح الجهل ~~وأبين الكذب عليه فانه يرضى بما يرضى به ربه عز وجل والله تعالى يرضيه ~~تعذيب الظلمة والفسقة والخونة والمصرين على الكبائر فحاشا رسوله أن يرضى ~~بما لايرضى به ربه تبارك وتعالى وكاتكال بعضهم على قوله تعالى ان الله يغفر ~~الذنوب جميعا وهذا أيضا من أقبح الجهل فان الشرك داخل في هذه الآية فانه ~~رأس الذنوب وأساسها ولا خلاف أن هذه الآية في حق التائبين فانه يغفر ذنب كل ~~تائب أي ذنب كان ولو كانت الآية في حق غير التائبين لبطلت نصوص الوعيد كلها ~~وأحاديث إخراج قوم من الموحدين من النار بالشفاعة وهذا إنما أوتي صاحبه من ~~قلة علمه وفهمه فانه سبحانه ههنا عمم وأطلق فعلم أنه أراد التائبين وفي ~~سورة النساء خصص وقيد فقال إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء فاخبر الله سبحانه أنه لايغفر الشرك وأخبر أنه يغفر ما دونه ولو كان ~~هذا في حق التائب لم يفرق ms015 بين الشرك وغيره وكاغترار بعض الجهال بقوله ~~PageV01P012 تعالى يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم فيقول كرمه وقد يقول ~~بعضهم انه لقن المغتر حجته وهذا جهل قبيح وانما غره بربه الغرور وهو ~~الشيطان ونفسه الأمارة بالسؤ وجهله وهواه وأني سبحانه بلفظ الكريم وهو ~~السيد العظيم المطاع الذي لاينبغي الاغترار به ولا إهمال حقه فوضع هذا ~~المغتر الغرور فى غير موضعه واغتر بمن لاينبغي الاغترار به وكاغترار بعضهم ~~بقوله تعالى في النار لايصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى وقوله أعدت ~~للكافرين ولم يدر هذا المغتر ان قوله فأنذرتكم نارا تلظى هي النار مخصوصة ~~من جملة دركات جهنم ولو كانت جميع جهنم فهو سبحانه لم يقل لايدخلها بل قال ~~لايصلاها الا الاشقى ولا يلزم من عدم صليها عدم دخولها فان الصلى أخص من ~~الدخول ونفي الاخص لا يستلزم نفى الأعم ثم هذا المغتر لو تأمل الآية التي ~~بعدها لعلم أنه غير داخل فيها فلا يكون مضمونا له ان يجنبها وأما قوله في ~~النار أعدت للكافرين فقد قال في الجنة أعدت للمتقين ولا ينافى إعداد النار ~~للكافرين أن تدخلها الفساق والظلمة ولا ينافى إعداد الجنة للمتقين أن ~~يدخلها من فى قلبه أدني مثقال ذرة من ايمان ولم يعمل خيرا قط وكأغترار ~~بعضهم على صوم يوم عاشوراء أو يوم عرفة حتي يقول بعضهم يوم عاشوراء يكفر ~~ذنوب العام كلها ويبقى صوم عرفة زيادة في الاجر ولم يدر هذا المغتران صوم ~~رمضان والصلوات الخمس أعظم وأجل من صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء وهي إنما ~~تكفر ما بينهما اذا اجتنبت الكبائر فرمضان والجمعة إلى الجمعة لايقويا على ~~تكفير الصغائر الا مع انضمام ترك الكبائر اليها فيقوي مجموع الامرين على ~~تكفير الصغائر فكيف يكفر صوم تطوع كل كبيرة عملها العبد وهو مصر عليها غير ~~تائب منها هذا محال على أنه لايمتنع أن يكون صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء ~~يكفر لجميع ذنوب العام على عمومه ويكون من نصوص الوعد التي لها شروط وموانع ~~ويكون إصراره على الكبائر مانعا ms016 من التكفير فاذا لم يصر على الكبائر تساعد ~~الصوم وعدم الاصرار وتعاونا على عموم التكفير كما كان رمضان والصلوات الخمس ~~مع اجتناب الكبائر متساعدين متعاونين على تكفير الصغائر مع أنه سبحانه قد ~~قال @QB@ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم @QE@ فعلم أن ~~جعل الشىء سببا للتكفير لا يمنع أن يتساعد هو وسبب آخر على التكفير ويكون ~~التكفير مع اجتماع السببين أقوى وأتم منه مع انفراد أحدهما وكلما قويت ~~أسباب التكفير كان أقوي وأتم وأشمل وكاتكال بعضهم على قوله صلى الله عليه ~~وسلم حاكيا عن ربه أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي ماشاء يعني ما كان في ~~ظنه فانا فاعله به ولا ريب أن حسن الظن إنما يكون مع الاحسان فان المحسن ~~حسن الظن بربه أن يجازيه على إحسانه ولا يخلف وعده ويقبل توبته وابما ~~المسىء المصر على الكبائر والظلم والمخالفات فان وحشة المعاصي والظلم ~~والحرام تمنعه PageV01P013 من حسن الظن بربه وهذا موجود فى الشاهد فان ~~العبد الآبق المسي الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به ولا يجامع وحشة ~~الاساءة إحسان الظن ابدا فان المسيء مستوحش بقدر إساءته وأحسن الناس ظنا ~~بربه أطوعهم له كما قال الحسن البصري ان المؤمن أحسن الظن بربه فاحسن العمل ~~وان الفاجر أساء الظن بربه فاساء العمل فكيف يكون يحسن الظن بربه من هو ~~شارد عنه حال مرتحل في ساخطه وما يغضبه متعرض للعنته قد هان حقه وأمره عليه ~~فاضاعه وهان نهيه عليه فارتكبه وأصر عليه وكيف يحسن الظن به من بارزه ~~بالمحاربة وعادى اولياءه ووالى اعداءه وجحد صفات كما له وأساء الظن بما وصف ~~به نفسه ووصفته به رسله وظن بجهله ان ظاهر ذلك ضلال وكفر وكيف يحسن الظن ~~ببه من يظن أنه لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يرضى ولا يغضب وقد قال الله ~~في حق من شك في تعلق سمعه ببعض الجزئيات وهو السر من القول وذلكم ظنكم الذى ~~ظننتم بربكم أراداكم فاصبحتم من الخاسرين فهؤلاء لما ms017 ظنوا أن الله سبحانه ~~لا يعلم كثيرا مما يعملون كان هذا اساءة لظنهم بربهم فارداهم ذلك الظن وهذا ~~شأن كل من جحد صفات كما له ونعوت جلاله ووصفه بما لا يليق به فاذا ظن هذا ~~أنه يدخله الجنة كان هذا غرورا وخداعا من نفسه وتسويلا من الشيطان الاحسان ~~ظن بربه فتأمل هذا الموضوع وتأمل شدة الحاجة اليه وكيف يجتمع في قلب العبد ~~تيقنه بانه ملاقى الله وأن الله يسمع ويري مكانه ويعلم سره وعلانيته ولا ~~يخفى عليه خافية من أمره وأنه موقوف بين يديه ومسئول عن كل ما عمل وهو مقيم ~~على مساخطه مضيع لاوامره معطل لحقوقه وهو مع هذا يحسن الظن به وهل هذا ~~الامن خدع النفوس وغرور الاماني وقد قال أبو أمامة بن سهل بن حليف دخلت أنا ~~وعروة بن الزبير على عائشة رضي الله عنها فقالت لو رأيتما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في مرض له وكانت عندي ستة دنانير أو سبعة فأمرني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن أفرقها قالت فشغلني وجع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتي عافاه الله ثم سألني عنها فقال ما فعلت أكنت فرقت الستة الدنانير ~~فقلت لا والله لقد شغلني وجعك قالت فدعا بها فوضعها في كفه فقال ما ظن نبى ~~الله لو لقي الله وهذه عنده وفي لفظ ما ظن محمد بربه لو لقى الله وهذه عنده ~~فيا لله ما ظن أصحاب الكبائر والظلمة بالله اذا لقوه ومظالم العباد عندهم ~~فان كان ينفعهم قولهم حسنا ظنوننا بك لم يعذب ظالم ولا فاسق فليصنع العبد ~~ما شاء وليرتكب كل ما نهاه الله عنه وليحسن ظنه بالله فان النار لا تمسه ~~فسبحان الله ما يبلغ الغرور بالعبد وقد قال إبراهيم لقومه إفكا آلهة دون ~~الله تريدون فما ظنكم برب العالمين أي ما ظنكم أن يفعل بكم إذا لقيتموه وقد ~~عبدتم غيره ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل علم أن حسن الظن PageV01P014 ~~بالله هو حسن العمل نفسه فان العبد إنما ms018 يحمله على حسن العمل ظنه بربه أن ~~يجازيه على أعماله ويثيبه عليها ويتقلها منه فالذي حمله على العمل حسن الظن ~~فكلما حسن ظنه حسن عمله والا فحسن الظن مع ابتاع الهوى عجز كما في الترمذي ~~والمسند من حديث شداد ابن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم الكيس من دان ~~نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز معن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله ~~وبالجملة فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة وإما مع انعقاد أسباب ~~الهلاك فلا يتأتي احسان الظن فان قيل بل يتأتي ذلك ويكون مستند حسن الظن ~~سعة مغفرة الله ورحمته وعفوه وجوده وان رحمته سبقت غضبه وانه لا تنفعه ~~العقوبة ولا يضره العفو قيل الامر هكذا والله فوق ذلك وأجل وأكرم وأجود ~~وأرحم ولكن إنما يضع ذلك في محله اللائق به فانه سبحانه موصوف بالحكمة ~~والعزة والانتقام وشدة البطش وعقوبة من يستحق العقوبة فلو كان معول حسن ~~الظن على مجرد صفاته وأسمائه لاشترك في ذلك البر والفاجر والمؤمن والكافر ~~ووليه وعدوه فما ينفع المجرم أسماؤه وصفاته وقد باء بسخطه وغضبه وتعرض ~~للعنته واوقع في محارمه وانتهك حرماته بل حسن الظن ينفع من تاب وندم وأقلع ~~وبدل السيئة بالحسنة واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة ثم أحسن الظن فهذا ~~حسن ظن والاول غرور والله المستعان ولا تستبطل هذا الفصل فان الحاجة اليه ~~شديدة لكل أحد ففرق بين حسن الظن بالله وبين الغرة به قال الله تعالى @QB@ ~~إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله ~~@QE@ فجعل هؤلاء أهل الرجا لا الظالمين والفاسقين وقال تعالى @QB@ ثم إن ~~ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم @QE@ فاخبر سبحانه أنه بعد هذه الأشياء غفور رحيم لمن فعلها فالعالم ~~يضع الرجاء مواضعه والجاهل المغتر يضعه في غير مواضعه # | فصل وكثير من الجهال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه وضيعوا أمره # ونهيه ونسوا أنه شديد العقاب وأنه لا يرد بأسه عن ms019 القوم المجرمين ومن ~~اعتمد على العفو مع الاصرار على الذنب فهو كالمعاند وقال معروف رجاؤك لرحمة ~~من لا تطيعه من الخذلان والحمق وقال بعض العلماء من قطع عضوا منك في الدنيا ~~بسرقة ثلاثة دراهم لا تأمن أن تكون عقوبته في الآخرة على نحو هذا وقيل ~~للحسن نراك طويل البكاء فقال أخاف أن يطرحني في النار ولا يبالي وسأل رجل ~~الحسن فقال يا أبا سعيد كيف نصنع بمجالسة أقوام يخوفونا حتى تكاد قلوبنا ~~تنقطع فقال والله لأن تصحب أقواما يخوفونك حتى تدرك أمنا خير لك من أن تصحب ~~أقواما يؤمنونك حتى PageV01P015 تلحقك المخاوف وقد ثبت في الصحيحين من حديث ~~أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يجاء بالرجل يوم ~~القيامة فيلقى في النار فتندلق اقتاب بطنه فيدور في النار كما يدور الحمار ~~برحاه فيطوف به أهل النار فيقولون يا فلان ما أصابك ألم تكن تأمرنا ~~بالمعروف وتنهانا عن المنكر فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن ~~المنكر وآتيه وذكر الامام أحمد من حديث أبي رافع قال مر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالبقيع فقال أف لك أف لك فظننت أنه يريدني قال لا ولكن هذا قبر ~~فلان بعثته ساعيا إلى آل فلان فغل نمرة فدرع الآن مثلها من نار وفي مسنده ~~أيضا من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مررت ليلة ~~أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت من هؤلاء قالوا خطباء من ~~أمتك من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم أفلا يعقلون ~~وفيه أيضا من حديثه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرج بي مررت ~~بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبريل فقال ~~هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم وفيه أيضا عنه قال كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول يا مقلب القلوب والابصار ثبت ~~قلبي على دينك ms020 فقلنا يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا قال ~~نعم ان القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء وفيه أيضا عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل مالي لم أر ميكائيل ضاحكا قط قال ~~ما ضحك منذ خلقت النار وفي صحيح مسلم عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة ثم يقال له ~~يابن آدم هل رأيت خيرا قط هل مربك نعيم قط فيقول لا والله يارب ويؤتي باشد ~~الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبح في الجنة صبغة فيقال له يابن آدم ~~هل رأيت بؤسا قط هل مر بك شدة قط فيقول لا والله يارب ما مربي بؤس قط ولا ~~رأيت شدة قط وفي المسند من حديث البراء بن عاذب قال خرجنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في جنازة رجل من الانصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأن على رؤسنا الطير وفي يده عود ~~ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ~~ثلثا ثم قال ان العبد المؤمن اذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة ~~نزل اليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كان وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان ~~أهل الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ثم يجىء ملك الموت ~~حتى يجلس عند رأسه فيقول أخرجي ايتها النفس المطمئنة أخرجي إلى مغفرة من ~~الله ورضوان فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء فيأخذها فاذا أخذها ~~PageV01P016 لم يدعوها في يده طرفة عين حتي يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن ~~وفي ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفخة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها ~~فلايمرون بها على ملأ من الملائكة ألا قالوا ماهذه الروح الطيبة فيقولون ~~فلان بن فلان باحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا ms021 حتى ينتهوا بها ~~إلى السماء فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء ~~التي تليها حتي ينتهي به الي السماء السابعة فيقول الله عز وجل أكتبوا كتاب ~~عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فاني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها ~~أخرجهم تارة أخري قال فتعاد روحه فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك ~~فيقول ربي الله عز وجل فيقولان له مادينك فيقول ديني الاسلام فيقولان له ما ~~هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو محمد رسول الله فيقولان له وما علمك ~~فيقول قرأت كتاب الله عز وجل فآمنت به وصدقت فينادي مناد من السماء أن صدق ~~عبدي فافرشوا له من الجنة والبسوه من الجنة وأفتحوا له بابا إلى الجنة قال ~~فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره قال ويأتيه رجل حسن الوجه ~~حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر يسرك بالذي هذا يومك الذي كنت توعد فيقول ~~له من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول رب ~~أقم الساعة سقط ثم رب أقم الساعة حتي أرجع الي أهلي ومالي قال وإن العبد ~~الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل اليه ملائكة من ~~السماء سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجىء ملك الموت حتي ~~يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب قال ~~فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبتل فيأخذها فاذا ~~أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها ~~كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من ~~الملائكة الا قالوا ما هذه الروح الخبيثة فيقولون فلان بن فلان باقبح ~~أسمائه التى كان يسمى بها في الدنيا فيستفتح فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لاتفتح لهم أبواب السماء ولايدخلون الجنة حتي يلج الجمل ~~في سم الخياط فيقول الله عز وجل ms022 أكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى ~~فتطرح روحه طرحا ثم قرأ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير ~~أو تهوي به الريح في مكان سحيق فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه ~~فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ما دينك فيقول هاه هاه ~~لا أدري فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري ~~فينادي منا دمن السماء أن كذب عبدي فافرشوا له من النار والبسوه من النار ~~وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه PageV01P017 ~~قبره حتي تختلف فيه اضلاعه ويأتيه رجل قبيح الرجل قبيح الثياب منتن الريح ~~فيقول أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذى كنت توعد فيقول ومن أنت فوجهك الوجه ~~الذي يجيء بالشر فيقول أنا عملك الخبيث فيقول رب لا نقم الساعة وفي لفظ ~~لاحمد ايضا ثم يقبض له أعمي أصم أبكم في يده مرزبة لو ضرب بها جبلا كان ~~ترابا فيضربه ضربة فيصير ترابا ثم يعيده الله عز وجل كما كان فيضربه ضربة ~~أخري فيصيح صيحة يسمعها كل شيء الا الثقلين قال البراء ثم يفتح له باب إلى ~~النار ويمهد له من فرش النار وفي المسند أيضا عنه قال بينما نحن مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا أبصرا بجماعة فقال على ما اجتمع هؤلاءقيل على ~~قبر يحفرونه ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدر بين يدي أصحابه مسرعا ~~حتي انتهي الي القبر فجثي على ركبتيه فاستقبلته من بين يديه لأنظر مايصنع ~~فبكى حتي بل الثري من دموعه ثم أقبل علينا فقال أي إخواني لمثل هذا اليوم ~~فاعدوا وفي المسند من حديث بريدة قال خرج الينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوما فنادى ثلاث مرات يا أيها الناس أتدرون ما مثلى ومثلكم فقالوا ~~الله ورسوله أعلم فقال إنما مثلى ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا يأتيهم فبعثوا ~~رجلا يتراءى لهم فابصر العدو فاقبل لينذرهم وخشى أن يدركه العدو قبل ms023 أن ~~ينذر قومه فاهوي بثوبه أيها الناس أتيتم أيها الناس أتيتم ثلاث مرات وفي ~~صحيح مسلم من حديث جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ماأسكر ~~حرام وإن على الله عزوجل عقدا لمن شرب المسكر ان يسقيه من طينة الخبال قيل ~~وما طينة الخبال قال عرق أهل النار أو عصارة أهل النار وفي المسند أيضا من ~~حديث أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أري مالاترون وأسمع ~~مالا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع الا وعليه ~~ملك يسبح الله ساجدا لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما ~~تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجاورن إلى الله تعالى قال ~~أبو ذر والله لوددت أني شجرة تعضد وفي المسند أيضا من حديث حذيفة قال كنا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فلما انتهينا الي القبر قعد على ~~ساقيه فجعل يردد بصره فيه ثم قال يضغط المؤمن فيه ضغطة تزول منها حمائله ~~ويملأ على الكافر نارا والحمائل عروق الأنثيين وفي المسند أيضا من حديث ~~جابر قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ حين توفى ~~فلما صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع في قبره وسوى عليه سبح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبحنا طويلا ثم كبر فكبرنا فقيل يا رسول ~~الله لما سبحت ثم كبرت فقال لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرج ~~الله عنه وفي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على PageV01P018 أعناقهم فان ~~كانت صالحة قالت قدموني وان كانت غير صالحة قالت ياويلها أين تذهبون بها ~~يسمع صوتها كل شىء الا الانسان ولو سمعها الانسان لصعق وفي مسند أحمد من ~~حديث أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تدنوا الشمس يوم ~~القيامة على قدر ميل ms024 ويزاد في حرها كذا وكذا تغلي منها الرؤس كما تغلي ~~القدور يعرقون فيها على قدر خطاياهم منهم من يبلغ إلى كعبة ومنهم من يبلغ ~~إلى ساقيه ومنهم من يبلغ إلى وسطه ومنهم من يلجمه العرق وفيه عن ابن عباس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحتى ~~جبهته يسمع متى يؤمر فينفخ فقال أصحابه كيف نقول قال قولوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل على الله توكلنا وفي المسند أيضا عن ابن عمر يرفعه من تعظم في نفسه ~~أو اختال في مشيته لقى الله وهو عليه غضبان وفي الصححين عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ان المصورين يعذبون يوم القيامة ويقال لهم احيوا ~~ما خلقتم وفيه أيضا عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إن أحدكم إذا مات عرض ~~عليه مقعده من الغداة والعشى إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من ~~أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتي يبعثك الله عز وجل يوم ~~القيامة وفيهما أيضا عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا صار أهل الجنة في ~~الجنة وأهل النار في النار جيء بالموت حتي يوقف بين الجنة والنار ثم يذبح ~~ثم ينادى مناد يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت ~~فيزداد أهل الجنة فرحا الي فرحهم ويزداد أهل النار حزنا الي حزنهم وفي ~~المسند عنه قال من اشتري ثوبا بعشرة دراهم فيها درهم حرام لم يقبل الله له ~~صلوة مادام عليه ثم أدخل أصبعيه في أذنيه ثم قال صمتا إن لم أكن سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول وفيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال من ترك الصلاة سكرا مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها ~~فسلبها ومن ترك الصلوة سكرا أربع مرات كان حقا على الله أن يسقيه من طينة ~~الخبال قيل وما طينة الخبال يارسول الله قال عصارة أهل ms025 جهنم وفيه أيضا عنه ~~مرفوعا من شرب الخمر شربة لم تقبل له صلوة أربعين صباحا فان تاب تاب الله ~~عليه فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة قال فان عاد كان حقا على الله أن ~~يسقيه من روغة الخبال يوم القيامة وفي المسند أيضا من حديث أبي موسى قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات مدمنا للخمر سقاه الله من نهر ~~الغوطة قيل وما نهر الغوطة قال نهر يجري من فروج المؤمنات يؤذي أهل النار ~~ريح فروجهن وفيه أيضا عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرض الناس ~~يوم القيامة ثلاث عرضات فاما عرضتان فجدال ومعاذير وأما الثالثة فعند ذلك ~~تطير الصحف في الايدي فأخذ بيمينه وآخذ بشماله وفي المسند أيضا من ~~PageV01P019 حديث بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إياكم ~~ومحقرات الذنوب فانهن يجتمعن علي الرجل حتي يهلكنه وضرب لهن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مثلا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ~~ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سوادا وأججوا نارا ~~وانضجوا ماقذفوا فيها وفي الصحيح من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يضرب الجسر على جهنم فأكون أول من يجوز ودعوى الرسول يومئذ ~~اللهم سلم سلم وحافتيه كلاليب مثل شوك السعدان ان يختطف الناس باعمالهم ~~فمنهم الموثق بعمله ومنهم المخدوش ثم ينجوا حتى اذا فرغ الله من القضاء بين ~~العباد وأراد ان يخرج من النار من أراد أن يرحم ممن كان يشهد أن لا إله إلا ~~الله أمر الملائكة أن يخرجوه فيعرفونه بعلامة أثر السجود وحرم الله على ~~النار ان تأكل من ابن آدم أثر السجود فيخرجونهم وقد امتحشوا فيصب عليهم من ~~ماء يقال له ماء الحيوة فينبتون نبات الحبة في حميل المسيل وفي صحيح مسلم ~~عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان اول الناس يقضي فيه يوم ~~القيامة ثلاثة رجل استشهد فاني به ms026 فعرفه نعمة فعرفها فقال ما عملت فيها قال ~~قاتلت فيك حتي قتلت قال كذبت ولكن قاتلت ليقال هو جريء فقد قيل ثم أمر به ~~فسحب على وجهه حتي ألقى في النار ورجلي تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي ~~به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما علملت فيها قال تعلمت فيك العلم وعلمته وقرأت ~~فيك القرآن فقال كذبت ولكنك تعلمت ليقال هو عالم فقد قيل وقرأت القرآن ~~ليقال هو قاريء فقد قيل ثم أمر به فسخب على وجهه حتي ألقي في النار ورجل ~~وسع الله عليه رزقه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها ~~فقال ما عملت فيها فقال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها الا أنفقت فيها ~~لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ~~ألقي في النار وفي لفظ فهؤلاء أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة ~~وسمعت شيخ الاسلام يقول كما أن خير الناس الانبياء فشر الناس من تشبه بهم ~~من الكذابين وأدعي أنه منهم وليس منهم فخير الناس بعدهم العلماء والشهداء ~~والصديقون والمخلصون فشر الناس من تشبه بهم يوهم أنه منهم وليس منهم وفي ~~صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من كانت عنده ~~لأخيه مظلمة في مال أو عرض فليأته فليستحلها منه قبل أن يؤخذ وليس عنده ~~دينار ولا درهم فان كانت له حسنات أخذ من حسناته فاعطيها هذا والا أخذ من ~~سيئات هذا فطرحت عليه ثم طرح في النار وفي الصحيح من حديث أبي هريرة عنه ~~صلى الله عليه وسلم من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى ~~سبع أرضين وفي الصحيحين عنه قال قال PageV01P020 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ناركم هذه التي توقد بنوا آدم جزء واحد من سبعين جزأ من نار جهنم ~~قالوا والله ان كانت الكافية قال فانها قد فضلت عليها بتسعة وستين جزأ كلهن ~~مثل حرها وفي ms027 المسند عن معاذ قال أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~لاتشرك بالله شيئا وان قتلت أو حرقت ولاتعقن والديك وان أمراك ان تخرج من ~~مالك وأهلك ولاتتركن صلوة مكتوبة متعمدا فان من ترك صلوة مكتوبة متعمدا فقد ~~برئت منه ذمة الله ولاتشرب خمرا فانه رأس كل فاحشة وإياك والمعصية فان ~~المعصية تحل سخط الله والاحاديث في هذا الباب أضعاف أضعاف ماذكرنا فلا ~~ينبغي لمن نصح نفسه أن يتعامى عنها ويرسل نفسه في المعاصي ويتعلق بحسن ~~الرجاء وحسن الظن قال أبو الوفاء بن عقيل أحذر ولا تغتر فانه قطع اليد في ~~ثلاثة دراهم وجلد الحد في مثل رأس الابرة من الخمر وقد دخلت المرأة النار ~~في هرة واشتعل الشملة نارا على من غلها وقد قتل شهيدا وقال الامام أحمد ثنا ~~معاوية ثنا الاعمش عن سليمان بن مسيرة عن طارق بن شهاب يرفعه قال دخل رجل ~~الجنة في ذباب ودخل رجل النار في ذباب قالوا وكيف ذلك يا رسول الله قال مر ~~رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتي يقرب له شيئا فقال لأحدهما قرب ~~فقال ليس عندي شيء قالوا قرب ولو ذبابا فقرب ذبابا فخلو سبيله فدخل النار ~~وقالوا للآخر قرب فقال ما كنت أقرب شيئا دون الله عز وجل فضربوا عنقه فدخل ~~الجنة وهذه الكلمة الواحدة يتكلم بها العبد يهوى بها فى النار أبعد مابين ~~المشرق والمغرب وربما اتكل بعض المغترين على ما يرى من نعم الله عليه في ~~الدنيا وأنه يغتربه ويظن أن ذلك من محبة الله له وأنه يعطيه في الآخرة أفضل ~~من ذلك فهذا من الغرور قال الامام أحمد ثنا يحي بن غيلان ثنا رشد بن سعد عن ~~حرملة بن عمران النحبيبي عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال إذا رأيت الله عز وجل يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ~~ما يحب فانما هو استدراج ثم تلى قوله عزوجل فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا ms028 ~~عليهم أبواب كل شيء حتي إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فاذا هم مبلسون ~~وقال بعض السلف إذا رأيت الله عز وجل يتابع عليك نعمة وأنت مقيم علي معاصيه ~~فاحذره فانما هو استدراج منه يستدرجك به وقد قال تعالى ولولا أن يكون الناس ~~أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها ~~يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤن وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع ~~الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين وقد رد سبحانه على من يظن هذا الظن ~~بقوله فاما الانسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما ~~إذا ما ابتلاه فقد عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا أي ليس كل من أنعمته ~~ووسعت PageV01P021 عليه رزقه أكون قد أكرمته وليس كل من ابتليته وضيقت عليه ~~رزقه أكون قد اهنته بل أبتلى هذا بالنعم وأكرم هذا بالابتلاء وفي جامع ~~الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا ~~يعطي الايمان إلا من يحب وقال بعض السلف رب مستدرج بنعم الله عليه وهو لا ~~يعلم ورب مفتون بثناء الناس عليه وهو لا يعلم ورب مغرور بستر الله عليه وهو ~~لا يعلم فصل # وأعظم الخلق غزورا من اغتر بالدنيا وعاجلها فأثرها على الآخرة ورضي بها ~~من الآخرة حتى يقول بعض هؤلاء الدنيا نقد والآخر نسيئة والنقد أنفع من ~~النسيئة ويقول بعضهم درة منقودة ولادرة موعودة ويقول آخر منهم لذات الدنيا ~~متيقنة ولذات الآخرة مشكوك فيها ولا أدع اليقين للشك وهذا من أعظم تلبيس ~~الشيطان وتسويله والبهائم العجم أعقل من هؤلاء فان البهيمة إذا خافت مضرة ~~شيء لم تقدم عليه ولو ضربت وهؤلاء يقدم أحدهم على ما فيه عطبه وهو ينظر ~~اليه وهو بين مصدق ومكذب فهذا الضرب إن آمن أحدهم بالله ورسوله ولقائه ~~والجزاء فهو من أعظم الناس حسرة لأنه أقدم على علم وإن لم يؤمن بالله ~~ورسوله فا بعد له وقول هذا القائل النقد خير من النسيئة فجوابه انه ms029 اذا ~~تساوي النقد والنسيئة فالنقد خير وان تفاوتا وكانت النسيئة أكبر وأفضل فهي ~~خير فكيف والدنيا كلها من أولها إلى آخرها كنفس واحد من أنفاس الآخرة كما ~~في مسند أحمد والترمذي من حديث المستورد بن شداد قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما الدنيا في الآخرة الا كما يدخل أحدكم أصبعه في اليم ~~فلينظر بم يرجع فايثار هذا النقد على هذه النسيئة من أعظم الغبن وأقبح ~~الجهل واذا كان هذا نسبة الدنيا بمجموعها إلى الآخرة فما مقدار عمر الانسان ~~بالنسبة إلى الآخرة فأيما أولى بالعاقل إيثار العاجل في هذه المدة اليسيرة ~~وحرمان الخير الدائم في الآخرة أم ترك شيء حقير صغير منقطع عن قرب ليأخذ ~~مالا قيمة له ولا حظر له ولانهاية لعدده ولاغاية لأمده وأما قول الآخر لا ~~أترك متيقنا لمشكوك فيه فيقال له إما أن تكون على شك من وعد الله ووعيده ~~وصدق رسله أو تكون على اليقين من ذلك فان كنت على اليقين فما تركت الا ذرة ~~عاجلة منقطعة فانية عن قرب لأنه متيقن لأشك فيه ولا انقطاع له وان كنت على ~~شك فتأمل آيات الرب تعالى الدالة على وجوده وقدرته ومشيئته ووحدانيته وصدق ~~رسله فيما أخبروا به عنه وتجرد وقمم لله ناظرا أو مناظرا حتي يتبين لك أن ~~ما جاءت به الرسل عن الله فهو الحق الذي لاشك فيه وان خالق هذا العالم هو ~~رب PageV01P022 السموات والأرض يتعالى ويتقدس ويتنزه عن خلاف ما اخبرت به ~~رسله عنه ومن نسبه إلى غير ذلك فقد شتمه وكذبه وأنكر ربوبيته وملكه اذا من ~~المحال الممتنع عند كل ذي فطرة سليسة أن يكون الملك الحق عاجزا أو جاهلا لا ~~يعلم شيئا ولا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يأمر ولا ينهي ولا يثيب ولا ~~يعاقب ولا يعز من يشاء ولا يذل من يشاء ولا يرسل رسله إلى أطراف مملكته ~~ونواحيها ولا يعتني باحوال رعيته بل يتركهم سدي ويخليهم هملا ولهذا يقدح في ~~ملك آحاد ملوك البشر ولايليق به ms030 فكيف يجوز نسبه الملك الحق المبين اليه ~~واذا تأمل الانسان حاله من مبدأ كونه نطفة إلى حين كماله واستوائه تبين له ~~ان من عني به هذه العناية ونقله إلى هذه الأحوال وصرفه في هذه الأطوار لا ~~يليق به أن يهمله ويتركه سدى لا يأمر ولا ينهاه ولا يعرفه بحقوقه عليه ولا ~~يثيبه ولا يعاقبه ولو تأمل العبد حق التأمل لكان كل ما يبصره وما لا يبصره ~~دليلا له على التوحيد والنبوة والمعاد وأن القرآن كلامه وقد ذكرنا وجه ~~الاستدلال بذلك في كتاب إيمان القرآن عند قوله فلا أقسم بما تبصرون ومالا ~~تبصرون إنه لقول رسول كريم وذكرنا طرفا من ذلك عند قوله وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون وأن الانسان دليل نفسه على وجود خالقه وتوحيده وصدق رسله وإثبات ~~صفات كماله فقد بان بان المضيع مغرور على التقديرين تقدير تصديقه ويقينه ~~وتقدير تكذيبه وشكه فان قلت كيف يجتمع التصديق الجازم الذى لا شك فيه ~~بالمعاد والجنة والنار ويتخلف العمل وهل في الطباع البشرية ان يعلم العبد ~~انه مطلوب غدا إلى بين يدي بعض الملوك ليعاقبه أشد عقوبة أو يكرمه أتم ~~كرامة ويبيت ساهيا غافلا لا يتذكر موقفه بين يدي الملك ولا يستعد له ولا ~~يأخذ له أهبة قيل هذا لعمر الله سؤال صحيح وارد على أكثر هذا الخلق واجتماع ~~هذين الامرين من أعجب الاشياء وهذا التخلف له عدة أسباب أحدها ضعف العلم ~~ونقصان اليقين ومن ظن أن العلم لا يتفاوت فقوله من أفسد الاقوال وأبطلها ~~وقد سأل إبراهيم الخليل ربه أن يريه أحياء الموتي عيانا بعد علمه بقدرة ~~الرب على ذلك ليزداد طمأنينة ويصير المعلوم غيبا شهادة وقد روى أحمد في ~~مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ليس الخبر كالمعاين فاذا اجتمع ~~إلى ضعف العلم عدم استحضاره أو غيبته عن القلب كثيرا من أوقاته أو أكثرها ~~لاشتغاله بما يضاده وانضم إلى ذلك تقاضي الطبع وغلبات الهوي واستيلاء ~~الشهوة وتسويل النفس وغرور الشيطان واستبطاء الوعد وطول الامل ورقدة الغفلة ~~وحب ms031 العاجلة ورخص التأويل والف العوائد فهناك لا يمسك الايمان في القلب الا ~~الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا وبهذا السبب يتفاوت الناس في الايمان ~~والاعمال حتى ينتهي إلى أدني مثقال ذرة في القلب وجماع هذه الاسباب يرجع ~~إلى ضعف PageV01P023 البصيرة والصبر ولهذا مدح الله سبحانه أهل الصبر ~~واليقين وجعلهم أئمة في الدين فقال تعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما ~~صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون # | فصل وقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور وان حسن الظن ان حمل # على العمل وحث عليه وساعده وساق اليه فهو صحيح وان دعا إلى البطالة ~~والانهماك في المعاصي فهو غرور وحسن الظن هو الرجاء فمن كان رجاؤه جاذبا له ~~على الطاعة زاجرا له عن المعصية فهو رجاء صحيح ومن كانت بطالته رجاء ورجاؤه ~~بطالة وتفريطا فهو المغرور ولو أن رجلا كانت له أرض يؤمل أن يعود عليه من ~~مغلها ما ينفعه فاهملها ولم يبذرها ولم يحرثها وأحسن ظنه بأنه يأتى من ~~مغلها ما يأتي من غير حرث وبذر وسقي وتعاهد الأرض لعده الناس من أسفه ~~السفهاء وكذلك لو حسن ظنه وقوى رجاءه بانه يجيئه ولد من غير جماع أو يصير ~~أعلم أهل زمانه من غير طلب العلم وحرص تام عليه وأمثال ذلك فكذلك من حسن ~~ظنه وقوى رجاؤه في الفوز بالدرجات العلي والنعيم المقيم من غير طاعة ولا ~~تقرب إلى الله تعالى بأمتثال أوامره واجتناب نواهيه وبالله التوفيق وقد قال ~~الله تعالى أن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون ~~رحمة الله فتأمل كيف جعل رجاءهم باتيانهم بهذه الطاعات وقال المغترون ان ~~المفرطين المضيعين لحقوق الله المعطلين لاوامره الباغين على عباده ~~المتجزئين على محارمه أولئك يرجون رحمة الله وسر المسئلة ان الرجاء وحسن ~~الظن إنما يكون مع الاتيان بالاسباب التي اقتضتها حكمة الله في شرعه وقدره ~~وثوابه وكرامته فيأتي العبد بها ثم يحسن ظنه بربه ويرجوه أن لايكله إليها ~~وأن يجعلها موصلة إلى ما ينفعه ويصرف ما يعرضها ويبطل أثرها # | فصل ومما ينبغي ms032 أن يعلم أن من رجا شيئا رجاؤه ثلاثة أمور أحدها # محبته ما يرجوه الثاني خوفه من فواته الثالث سعيه في تحصيله بحسب الامكان ~~وأما رجاء لايقارنه شيء من ذلك فهو من باب الاماني والرجاء شيء والاماني ~~شيء آخر فكل راج خائف والسائر على الطريق اذا خاف أسرع السير مخافة الفوات ~~وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من خاف أدلج ومن آدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالبة ألا إن سلعة الله ~~الجنة وهو سبحانه كما جعل الرجاء لاهل الاعمال الصالحة فكذلك جعل الخوف ~~لاهل الاعمال الصالحة فعلم ان الرجاء والخوف النافع هو ما اقترن به العمل ~~PageV01P024 قال الله تعالى ان الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم ~~بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يوتون ما أتوا وقلوبهم ~~وجلة إنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون وقد ~~روى الترمذي في جامعه عن عائشة رضى الله عنها قالت سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن هذه الآية فقلت أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرفون فقال ~~لا يا إبنة الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون أن لا ~~يتقبل منهم أولئك يسارعون في الخيرات وقد روى من حديث أبى هريرة أيضا والله ~~سبحانه وصف أهل السعادة بالاحسان مع الخوف ووصف الاشقياء بالاساءة مع الامن ~~ومن تأمل أحوال الصحابة رضى الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف ~~ونحن جمعنا بين التقصير بل التفريط والامن فهذا الصديق يقول وددت اني شعرة ~~في جنب عبد مؤمن ذكره أحمد عنه وذكر عنه أيضا انه كان يمسك بلسانه ويقول ~~هذا الذي أوردني الموارد وكان يبكى كثيرا ويقول أبكوا فان لم تبكوا فتباكوا ~~وكان اذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل واتي بطائر يقلبه ثم ~~قال ما صيد من صيد ولا قطعت من شجرة الا بما ضيعت من التسبيح ولما احتضر ~~قال لعائشة يا ms033 بنية اني أصبت من مال المسلمين هذه العبادة وهذه الحلاب وهذا ~~العبد فاسرعى به إلى بن الخطاب وقال والله لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل ~~وتعضد وقال قتادة بلغني ان أبا بكر قال ليتني خضرة تأكلني الدواب وهذا عمر ~~بن الخطاب قرأ سورة الطور إلى أن بلغ قوله إن عذاب ربك لواقع فبكى وإشتد ~~بكاؤه حتي مرض وعادوه وقال لابنه وهو في الموت ويحك ضع خدي على الأرض عاد ~~أن يرحمني ثم قال ويل أمي إن لم يغفر الله لي ثلاثا ثم قضى وكان يمر بالآية ~~في ورده بالليل فتختفه فيبقى في البيت أياما ويعاد ويحسبونه مريضا وكان فى ~~وجهه رضى الله عنه خطان أسودان من البكاء وقال له ابن عباس مصر الله بك ~~الامصار وفتح بك الفتوح وفعل وفعل فقال وددت اني أنجو لا أجر ولا وزر وهذا ~~عثمان بن عفان كان اذا وقف على القبر يبكى حتى تبل لحيته وقال لو اننى بين ~~الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي لاخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم ~~إلى أيتهما أصير وهذا على بن أبي طالب رضي الله عنه وبكاؤه وخوفه وكان يشتد ~~خوفه من أثنتين طول الامل واتباع الهوي قال فاما طول الامل فينسي الآخرة ~~وأما إتباع الهوي فيصد عن الحق ألا وإن الدنيا قد ولت مدبرة والآخرة مقبلة ~~ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولاتكونوا من أبناء الدنيا ~~فان اليوم عمل ولاحساب وغدا حساب ولا عمل وهذا أبو الدرداء PageV01P025 كان ~~يقول إن أشد ما أخاف على نفسى يوم القيامة أن يقال يا أبا الدرداء قد علمت ~~فكيف عملت فيما علمت وكان يقول لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت لما ~~أكلتم طعاما على شهوة ولا شربتم شرابا على شهوة ولادخلتم بيتا تستظلون فيه ~~ولخرجتم إلى الصعدات تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم ولوددت أني شجرة تعضد ~~ثم تؤكل وهذا عبد الله بن عباس كان أسفل عينيه مثل الشراك البالي من الدموع ~~وكان أبو ذر يقول ms034 ياليتني كنت شجرة تعضد وودت أني لم أخلق وعرضت عليه ~~النفقة فقال عندنا عنز نحلبها وحمر ننقل عليها ومحرر يخدمنا وفضل عباءة ~~وإني أخاف الحساب فيها وقرأ تميم الداري ليلة سورة الجاثية فلما أتي على ~~هذه الآية أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جعل يرددها ويبكى حتي أصبح وقال أبو عبيدة بن الجراح وددت أني كبش ~~فذبحني أهلى وأكلوا لحمي وحسوا مرقى وهذا باب يطول تتبعه قال البخاري في ~~صحيحه باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر وقال إبراهيم التيمي ما ~~عرضت قولي على عملي الاخشيت أن أكون مكذبا وقال بن أبي مليكة ادركت ثلثين ~~من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد ~~يقول انه على ايمان جبريل وميكائيل ويذكر عن الحسن ماخافه الا مؤمن ولا ~~أمنه الا منافق وكان عمر بن الخطاب يقول لحذيفة أنشدك الله هل سمانى لك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني في المنافقين فيقول لا ولا أزكى بعدك ~~احدا فسمعت شيخنا يقول مراده اني لا أبرىء غيرك من النفاق بل المراد انى لا ~~أفتح على هذا الباب فكل من سألني هل سمانى لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأزكيه قلت وقريب من هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم للذي سأله ان يدعو ~~له أن يكون من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب سبقك بها عكاشة ~~ولم يرد أن عكاشة أن وحده أحق بذلك ممن عداه من الصحابة ولكن لو دعا لقام ~~آخر وآخر وانفتح الباب وربما قام من لم يستحق أن يكون منهم فكان الامساك ~~أولى والله أعلم # | فصل فلنرجع إلى ما كنا فيه مما ذكرنا من ذكر دواء الداء الذي إن # استمر أفسد دنيا العبد وآخرته فما ينبغي أن يعلم أن الذنوب والمعاصى تضر ~~ولا شك أن ضررها فى القلوب كضرر السموم في الابدان على إختلاف درجاتها في ~~الضرر وهل فى الدنيا والآخرة شرور وداء الأسببه ms035 الذنوب والمعاصى فما الذي ~~أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام ~~والاحزان والمصائب وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء PageV01P026 وطرده ~~ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه فجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها وباطنه أقبح من ~~صورته وأشنع وبدل بالقرب بعدا وبالرحمة لعنة وبالجمال قبحا وبالجنة نارا ~~تلظى وبالايمان كفرا وبموالات الولى الحميد أعظم عداوة ومشاقة وبزجل ~~التسبيح والتقديس والتهليل زجل الكفر والشرك والكذب والزور والفحش وبلباس ~~الايمان لباس الكفر والفسوق والعصيان فهان على الله غاية الهوان وسقط من ~~عينه غاية السقوط وحل عليه غضب الرب تعالى فاهواه ومقته أكبر المقت فأرداه ~~فصار قوادا لكل فاسق ومجرم رضي لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة ~~فعياذا بك اللهم من مخالفة أمرك وإرتكاب نهيك وماالذي أغرق أهل الأرض كلهم ~~حتى علا الماء فوق رأس الجبال وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ~~القتهم موتي على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية ودمرت مامر عليه من ~~ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم حتى صاروا عبرة للامم إلى يوم القيامة وما ~~الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتي قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم ~~وماالذي رفع قرى اللوطية حتي سمعت الملائكة نبيح كلابهم ثم قلبها عليهم ~~فجعل عاليها سافلها فاهلكم جميعا ثم أتبعهم حجارة من سجيل السماء أمطرها ~~عليهم فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه علي أمة غيرهم ولاخوانهم أمثالها ~~وما هي من الظالمين ببعيد وما الذي أرسل علي قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل ~~فلما صار فوق رؤسهم أمطر عليهم نارا تلظى وما الذى أغرق فرعون وقومه في ~~البحر ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم فالاجساد للغرق والارواح للحرق وما الذي ~~خسف بقارون وداره وماله وأهله وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بانواع ~~العقوبات ودمرها تدميرا وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتي خمدوا عن ~~آخرهم وما الذي بعث على بنى إسرائيل قوما أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار ~~وقتلوا الرجال وسبوا الذراري والنساء وأحرقوا الديار ونهبوا الأموال ثم ms036 ~~بعثهم عليهم مرة ثانية فاهلكوا ما قدروا عليه وتبروا ما علو تتبيرا وما لذي ~~سلط عليهم بانواع العذاب والعقوبات مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد ومرة ~~بجور الملوك ومرة بمسخهم قردة وخنازير وآخر ذلك أقسم الرب تبارك وتعالى ~~ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب قال الامام أحمد ثنا ~~الوليد بن مسلم ثنا صفوان بن عمر وحدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن ~~أبيه قال لما فتحت قبرس فرق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض فرأيت أبا ~~الدرداء جالسا وحده يبكى فقلت يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه ~~الاسلام وأهله فقال ويحك يا جبير ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا ~~أمره بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا الي ما ترى ~~وقال على بن الجعذنا شعبة عن عمرو ابن مرة قال سمعت PageV01P027 ابا ~~البختري يقول اخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول لن يهلك الناس ~~حتي يعذروا من أنفسهم وفي مسند أحمد من حديث أم سلمة قالت سمعت رسول صلى ~~الله عليه وسلم يقول اذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده ~~فقلت يا رسول الله أما فيهم يومئذ أناس صالحون قال بلى قلت كيف يصنع باؤلئك ~~قال يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان وفي مراسيل ~~الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم لاتزال هذه الامه تحت يد الله وفى كنفه ~~ما لم يمال قراؤها امراءها وما لم يزك صلحاؤها فجارها وما لم يهن خيارها ~~شرارها فاذا هم فعلوا ذلك رفع الله يده عنهم ثم سلط عليهم جبابرتهم ~~فيسومونهم سوء العذاب ثم ضربهم الله بالفاقة والفقر وفي المسند من حديث ~~ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب ~~يصيبه وفيه أيضا عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوشك أن تداعي ~~عليكم الامم من كل أفق كما تداعي الأكلة على ms037 قصعتها قلنا يا رسول الله أمن ~~قلة بنا يومئذ قال أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل تنزع المهابة ~~من قلوب عدوكم وتجعل في قلوبكم الوهن قالوا وما الوهن قال حب الحياة وكراهة ~~الموت وفى المسند من حديث أنس قال قال رسول صلى الله عليه وسلم لما عرج بي ~~مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوهم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبريل ~~فقال هؤلاءالذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم وفى جامع الترمذي من ~~حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج في آخر الزمان ~~قوم يختلون الدنيا بالدين ويلبسون للناس مسوك الضأن من اللين ألسنتهم أحلى ~~من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب يقول الله عز وجل أبي تغترون وعلي تجترون في ~~حلفت لابعثن على اؤلئك فتنة تدع الحليم منهم حيرانا وذكر أبن أبي الدنيا من ~~حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال قال على يأتي على الناس زمان لا يبقى ~~من الاسلام إلا إسمه ولا من القرآن إلا رسمه مساجدهم يومئذ عامرة وهي خراب ~~من الهدى علماؤهم أشر من تحت أديم السماء منهم خرجت الفتنة وفيهم تعود وذكر ~~من حديث سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه اذا ظهر ~~الربا والزنا في قربة أذن الله عز وجل بهلاكها وفى مراسيل الحسن اذا أظهر ~~الناس العلم وضيعوا العمل وتحابوا بالالسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا ~~بالارحارم لعنهم الله عز وجل عند ذلك فاصمهم وأعمى أبصارهم وفي سنن ابن ~~ماجة من حديث عبدالله بن عمر بن الخطاب قال كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فا قبل علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بوجهه فقال يا معشر المهاجرين خمس خصال وأعوذ بالله أن تدركوهن ما ~~ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والاوجاع التي لم ~~تكن في أسلافهم الذين PageV01P028 مضوا ولانقص قوم المكيال والميزان إلا ~~ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان ms038 وما منع قوم زكاة اموالهم إلا ~~منعوا القطر من السماء فلولا البهائم لم يمطروا ولا خفر قوم العهد إلا سلط ~~الله عليهم عدوهم من غير فاخذوا بعض ما في ايديهم وما لم تعمل ائمتهم بما ~~انزل الله فى كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم وفي المسند والسنن من حديث ~~عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن أبى عيدة بن عبد الله بن مسعود عن ~~أبيه قال قال رسول صلى الله عليه وسلم ان من كان قبلكم كان إذا عمل العامل ~~فيهم بالخطيئة جاءه الناهي تعذيرا فقال يا هذا اتق الله فاذا كان من الغد ~~جالسه وواكله وشاربه كانه لم يره على خطيئة بالامس فلما رأي الله عز وجل ~~ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ثم لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن ~~مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون والذى نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ~~ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق اطرا أو ليضربن ~~الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم وذكر ابن أبي الدنيا عن ~~إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال أوحي الله إلى يوشع بن نون اني مهلك من قومك ~~أربعين الفا من خيارهم وستين الفا من شرارهم قال يارب هؤلاء الاشرار فما ~~بال الاخيار قال إنهم لم يغضبوا لغضبي وكانوا يواكلونهم ويشاربونهم وذكر ~~أبو عمر بن عبد البر عن أبي عمران قال بعث الله عز وجل ملكين إلى قرية ان ~~دمراها بمن فيها فوجدا فيها رجلا قائما يصلى فى مسجد فقالا يا رب ان فيها ~~عبدك فلانا يصلي فقال الله عز وجل دمراها ودمراه معهم فانه ما يتمعر وجهه ~~في قط وذكر الحميدي عن سفيان بن عيينة قال حدثني سفيان بن سعيد عن مسعر ان ~~ملكا أمر أن يخسف قرية فقال يا رب ان فها فلانا العابد فاوحي الله اليه ان ~~به فابدأ فانه لم يتمعر وجهه في ساعة قط وذكر ابن أبي الدنيا عن وهب بن ~~منبه قال لما ms039 أصاب داود الخطيئة قال يا رب اغفر لي قال قد غفرت لك والزمت ~~عارها بني اسرائيل قال يارب كيف وأنت الحكم العدل لاتظلم احدا أنا أعمل ~~الخطيئة وتلزم علوها غيرى فاوحي الله اليه انك لما عملت الخطيئة لم يعجلوا ~~عليك بالانكار وذكر ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك أنه دخل على عائشة هو ~~ورجل آخر فقال لها الرجل يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة فقالت إذا ~~استباحوا الزنا وشربوا الخمر وضربوا بالمعازف غار الله عز وجل في سمائه ~~فقال للارض تزلزلى بهم فان تابوا ونزعوا وإلا أهدمها عليهم قال يا أم ~~المؤمنين أعذابا لهم قالت بل موعظة ورحمة للمؤمنين ونكالا وعذابا وسخطا على ~~الكافرين فقال أنس ما سمعت حديثا بعد رسول صلى الله عليه وسلم أنا أشد فرحا ~~مني بهذا الحديث وذكر ابن أبي الدنيا حديثا مرسلا ان الأرض تزلزت على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P029 فوضع يده عليها ثم قال اسكني ~~فانه لم يأن لك بعد ثم التفت إلى أصحابه فقال إن ربكم ليستعتبكم فاعتبره ثم ~~تزلزلت بالناس على عهد عمر بن الخطاب فقال يا أيها الناس ما كانت هذه ~~الزلزلة الا عن شيء أحدثتموه والذى نفسي بيده لان عادت لا أساكنكم فيها ~~ابدا وفي مناقب عمر لابن أبي الدنيا إن الأرض تزلزلت على عهد عمر فضرب يده ~~عليها وقال مالك مالك أما انها لو كانت القيامة حدثت أخبارها سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول اذا كان يوم القيامة فليس فيها ذراع ولا شبر ~~الا وهو ينطق وذكر الامام أحمد عن صفية قالت زلزلت المدينة على عهد فقال ~~ياليها الناس ما هذا اسرع ما أحدثتم لان عادت لا تجدوني فيها وقال كعب انما ~~زلزلت الأرض اذا عمل فيها بالمعاصي فترعدا فرقا من الرب عز وجل أن يطلع ~~عليها وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الامصار أما بعد فان هذا الرجف شيء يعاتب ~~الله عزوجل به العباد وقد كتبت إلى سائر الامصار يخرجوا في يوم ms040 كذا وكذا في ~~شهر كذا وكذا فمن كان عنده شيء فليتصدق به فان الله عز وجل قال قد افلح من ~~تزكى وذكر اسم ربه فصلى وقولوا كما قال آدم ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر ~~لنا وترحمنا لتكونن من الخاسرين وقولوا كما قال نوح وإلا تغفر لى وترحمني ~~أكن من الخاسرين وقولوا كما قال يونس لا إله إلا انت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين وقال الامام أحمد حدثنا اسود بن عامر ثنا أبو بكر عن الاعمش عن ~~عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولاذا ظن ~~الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا اذناب البقر وتركوا ~~الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه عنهم حتي يراجعوا دينهم ~~ورواه أبو داود بإسناد حسن وذكر ابن أبى الدنيا من حديث ابن عمر قال لقد ~~رأيتنا وما أحد أحق بديناره ودرهمه من اخيه المسلم ولقد سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول اذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة ~~وتركوا الجهاد في سبيل الله وأخذوا اذناب البقرة أنزل الله عليهم من السماء ~~بلاء فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم وقال الحسن أن العينة والله ما هي ~~الا عقوبة من الله عز وجل على الناس ونظر بعض أنبياء بني إسرائيل إلى ما ~~يصنع بهم بختنصر فقال بما كسبت أيدينا سلطت علينا من لا يعرفك ولا يرحمنا ~~وقال بخت نصر لدانيال ما الذي سلطني على قومك قال عظم خطيئتك وظلم قومي ~~أنفسهم وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عمار بن ياسر وحذيفة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إن الله عز وجل إذا أياد بالعباد نقمة أمات الاطفال PageV01P030 ~~وأعقم أرحام النساء فتنزل النقمة وليس فيهم مرحوم وذكر عن مالك بن دينار ~~قال قرأت في الحكمة يقول الله عز وجل أنا الله مالك الملوك قلوب الملوك ~~بيدى فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة فلا يشغلوا ~~انفسكم بسب الملوك ولكن توبوا إلي أعطنهم ms041 عليكم وفي مراسيل الحسن إذا أراد ~~الله بقوم خيرا جعل أمرهم إلى حلمائهم وفيئهم عند سمحائهم واذا أراد بقوم ~~شرا جعل أمرهم إلى سفائهم وفيئهم عند بخلائهم وذكر الامام أحمد وغيره عن ~~قتادة قال يونس يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض فما علامة غضبك من رضاك ~~قال إذا استعملت عليكم خياركم فهو من علامة رضائي عليكم وإذا استعملت عليكم ~~شراركم فهو من علامة سخطي عليكم وذكر ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض قال ~~أوحى الله إلى بعض الانبياء إذا عصاني من يعرفنى سلطت عليه من لا يعرفني ~~وذكر أيضا من حديث ابن عمر يرفعه والذى نفسي بيده لا تقوم الساعة حتي يبعث ~~الله أمراء كذبه ووزراء فجرة وأعوانا خونة وعرفاء ظلمة وقراء فسقة سيماهم ~~سيما الرهبان وقلوبهم أنتن من الجيف أهواؤهم مختلفة فيتيح الله لهم فتنة ~~غبراء مظلمة فيتهاوكون فيها والذى نفس محمد بيده لينقضن الاسلام عروة عروة ~~حتي لا يقال الله الله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله ~~عليكم أشراركم فيسومونكم سوء العذاب ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم لتأمرن ~~بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليبعثن الله عليكم من لا يرحم صغيركم ولا ~~يوقر كبيركم وفي معجم الطبراني وغيره من حديث سعيد بن جبير عن بن عباس قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما طفف قوم كيلا ولا بخسوا ميزانا الا ~~منعهم الله عز وجل القطر وما ظهر في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت وما ظهر ~~في قوم الربا إلا سلط الله عليهم الجنون ولا ظهر في قوم القتل يقتل بعضهم ~~بعضا إلا سلط الله عليهم عدوهم ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط إلا ظهر فيهم ~~الخسف وما ترك قوم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الالم ترفع أعمالهم ولم ~~يسمع دعاؤهم ورواه ابن أبي الدنيا من حديث إبراهيم بن الاشعث عن عبد الرحمن ~~بن زيد عن أبيه عن سعيد به وفى المسند وغيره من حديث عروة عن عائشة قالت ~~دخل ms042 علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حفزه النفس فعرفت في وجهه أن قد ~~حفزه شىء فما تكلم حتى توضأ وخرج فلصقت بالحجرة فصعد المنبر فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم قال يا أيها الناس اتقوا ربكم إن الله عز وجل يقول لكم مروا ~~بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيبكم وتستنصروني فلا أنصركم ~~وتسألوني فلا أعطيكم وقال العمرى الزاهد أن من غفلتك عن نفسك وإعراضك عن ~~الله أن تري ما يسخط الله فتتجاوزه ولا تأمر فيه PageV01P031 ولا تنهى عنه ~~خوفا ممن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا وقال من ترك الامر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر مخافة من المخلوقين نزعت منه الطاعة ولو أمر ولده أو بعض مواليه ~~لاستخف بحفه وذكر الامام أحمد في مسنده من حديث قيس بن أبي حازم قال قال ~~أبو بكر الصديق يايها الناس أنكم تتلون هذه الآية وأنكم تضعونها على غير ~~مواضعها يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وإني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان الناس إذا رأوا الظالم فلم ~~يأخذوا على يديه وفي لفظ إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله ~~بعقاب من عنده وذكر الاوزاعى عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله إذا أخفيت الخطيئة فلا تضر إلا صاحبها وإذا ظهرت فلم تضر ~~غير العامة وذكر الامام أحمد عن عمر بن الخطاب يوشك القري أن تخرب وهي ~~عامرة قيل وكيف تخرب وهي عامرة قال إذا علا فجارها على أبرارها وساد ~~القبيلة منافقها وذكر الاوزاعي عن حسان بن أبي عطية أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ستظهر شرار أمتى على خيارها حتي يستخفى المؤمن فيهم كما يستخفى ~~المنافق فينا اليوم وذكر ابن أبي الدنيا من حديث ابن عباس يرفعه قال ياتي ~~زمان يذوب فيه قلب المؤمن كما يذوب الملح فى الماء قيل بما ذاك يا رسول ~~الله قال بما يري من المنكر ms043 لا يستطيع تغييره وذكر الامام أحمد من حديث ~~جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصى هم أعز ~~وأكثر ممن يعمله فلم يغيروه الا عمهم الله بعقاب وفي صحيح البخاري عن أسامة ~~بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يجاء بالرجل يوم ~~القيامة فيلقى فى النار فتندلق اقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار ~~برحاه فيجتمع عليه أهل النار فيقولون اي فلان ما شأنك ألست كنت تأمرنا ~~بالمعروف وتنهانا عن المنكر قال كنت آمركم بالمعروف ولا آنيه وأنهاكم عن ~~المنكر وآتيه وذكر الامام أحمد عن مالك بن دينار قال كان حبر من أحبار بني ~~اسرائيل يغشي منزله الرجال والنساء فيعظهم ويذكرهم بأيام الله فرأى بعض ~~بنيه يوما يغمز النساء فقال مهلا يا بني فسقط من سريره فانقطع نخاعه وأسقطت ~~امرأته وقتل بنوه فاوحي الله إلى نبيهم أن أخبر فلانا الحبران لا أخرج من ~~صلبك صديقا أبدا ما كان غضبك لى إلا أن قلت مهلا يا بني مهلا يا بني وذكر ~~الامام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال إياكم ومحقرات الذنوب فانهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه وان رسول الله ~~ضرب لهن مثل كمثل القوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق ~~فيجيء بالعود والرجل يجى بالعود حتي جمعوا سوادا وأججوا نارا وانضجوا ما ~~قذفوا فيها وفي صحيح البخاري عن PageV01P032 عن أنس بن مالك قال إنكم ~~لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر وإنا كنا لنعدها على زمن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عذبت إمرأة في هرة سجنتها حتى ماتت ~~فدخلت النار لاهي أطعمتها ولا سقتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض وفي ~~الحلية لأبي نعيم عن حذيفة انه قيل له في يوم واحد تركت بنوا إسرائيل دينهم ~~قال لا ms044 ولكنهم كانوا إذا أمروا بشيء تركوه وإذا نهوا عن شيء فعلوه حتي ~~انسخلوا من دينهم كما ينسلخ الرجل من قميصه ومن ههنا قال بعض السلف المعاصي ~~بريد الكفر كما ان القبلة بريد الجماع والغناء بريد الزنا والنظر بريد ~~العشق والمرض بريد الموت وفي الحلية أيضا عن ابن عباس أنه قال يا صاحب ~~الذنب لا تأمن فتنة الذنب وسوء عاقبة الذنب ولما تتبع الذنب أعظم من الذنب ~~إذا علمت فله حبا بك ممن على اليمين وعلى الشمال وأنت على الذنب أعظم من ~~الذنب وضحكك وأنت لم تدر ما لله صانع بك أعظم من الذنب وفرحك بالذنب إذا ~~ظفرت به أعظم من الذنب وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب وخوفك من ~~الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك ~~أعظم من الذنب ويحك هل تدري ما كان ذنب ايوب عليه السلام فابتلاه بالبلاء ~~في جسده وذهاب ماله استغاث به مسكين على ظالم يدرءه عنه فلم يغثه ولم ينه ~~الظالم عن ظلمه فابتلاه الله وقال الامام أحمد حدثنا الوليد قال سمعت ~~الاوزاعي يقول سمعت هلال بن سعد يقول لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن أنظر ~~إلى من عصيت وقال الفضيل بن عياض بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله ~~وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله وقيل أوحي الله تعالى إلى موسي يا موسى ~~إن أول من مات من خلقي إبليس وذلك لانه أول من عصاني وإنما أعد من عصاني من ~~الاموات وفي المسند وجامع الترمذي من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المؤمن إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة ~~سوداء فإذا تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه فذلك ~~الران الذي ذكره الله عز وجل كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون قال ~~الترمذي هذا حديث صحيح وقال حذيفة إذا أذنب ذنبا العبد نكت في قلبه نكتة ms045 ~~سوداء حتى يصير قلبه كالشاة الرمداء وقال الامام أحمد ثنا يعقوب ثنا أبي عن ~~صالح عن ابن شهاب حدثني عبد الله بن عبيد الله بن عتبة عن عبد الله بن ~~مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما بعد يا معشر قريش فانكم أهل ~~لهذا الامر ما لم تعصوا الله فاذا عصيتموه بعث عليكم من يلحاكم كما يلحي ~~هذا القضيب لقضيب في يده ثم لحى قضيبه فاذا هو أبيض يصلد وذكر الامام أحمد ~~PageV01P033 عن وهب قال أن الرب عز وجل قال في بعض ما يقول لبني إسرائيل ~~انى إذا أطعت رضيت وإذا رضيت باركت وليس لبركتى نهاية وإذا عصيت غضبت وإذا ~~غضبت لعنت ولعنتى تبلغ السابع من الولد وذكر أيضا عن وكيع ثنا زكريا عن ~~عامر قال كتبت عائشة إلى معاوية أما بعد فان العبد إذا عمل بمعصية الله عاد ~~حامده من الناس ذاما ذكر أبو نعيم عن سالم بن أبي الجعد عن أبي الدرداء قال ~~ليحذر إمرأ أن تلعنه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر ثم قال أتدري مم هذا قلت ~~لا قال إن العبد يخلو بمعاصي الله فيلقى الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث ~~لا يشعر وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لابيه عن محمد بن سيرين انه ~~لما ركبه الدين اغتم لذلك فقال إني لا أعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين ~~سنة وهاهنا نكتة دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الذنب وهي إنهم لا يرون ~~تأثيره في الحال وقد يتأخر تأثيره فينسي ويظن العبد إنه لا يغير بعد ذلك ~~وإن الامر كما قال القائل # اذا لم يغبر حائط في وقوعه % فليس له بعد الوقوع غبار # وسبحان الله ماذا أهلكت هذه النكتة من الخلق وكم أزالت من نعمة وكم جلبت ~~من نقمة وما أكثر المغترين بها من العلماء والفضلاء فضلا عن الجهال ولم ~~يعلم المغتر أن الذنب ينقض ولو بعد حين كما ينقض السهم وكما ينقض الجرح ~~المندمل على الغش والدغل وقد ms046 ذكر الامام أحمد عن أبي الدرداء أعبدوا الله ~~كانكم ترونه وعدوا أنفسكم في الموتى واعلموا أن قليل يكفيكم خير من كثير ~~يلهيكم واعلموا أن البر لا يبلى وان الاثم لا ينسى ونظر بعض العباد إلى صبي ~~فتأمل محاسنه فأتى في منامه وقيل له لتجدن غبها بعد أربعين سنة هذا مع أن ~~للذنب نقدا معجل لا يتأخر عنه قال سليمان التميمي أن الرجل ليصيب الذنب في ~~السر فيصبح وعليه مذلته وقال يحيي بن معاذ الرازي عجبت من ذي عقل يقول في ~~دعائه اللهم لا تشمت بي الاعداء ثم هو يشمت بنفسه كل عدو له قيل وكيف ذلك ~~قال يعصي الله فيشمت به في القيامة قال ذي النون من خان الله في السر هتك ~~ستره في العلانية فصل # وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا ~~والآخرة ما لا يعلمه الا الله فمنها حرمان العلم فان العلم نور يقذفه الله ~~في القلب والمعصية تطفيء ذلك النور ولما جلس الامام الشافعي بين يدي مالك ~~وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته وتوقد ذكائه وكمال فهمه فقال إني أرى ~~الله قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية وقال الشافعي ~~PageV01P034 # شكوت إلى وكيع سوء حفظي % فارشدني إلى ترك المعاصي # وقال اعلم بان العلم فضل % وفضل الله لايؤتاه عاصي # ومنها حرمان الرزق وفي المسند ان العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وقد ~~تقدم وكما أن تقوى الله مجلبة للرزق فترك التقوى مجلبة للفقر فما استجلب ~~رزق الله بمثل ترك المعاصي ومنها وجشية يجدها العاصي في قلبه بينه وبين ~~الله لايوازنها ولايقارنها لذة اصلا ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم ~~تف بتلك الوحشة وهذا أمر لايحس به الامن في قلبه حياة وما لجرح بميت ايلام ~~فلو لم ترك الذنوب الاحذرا من وقوع تلك الوحشة لكان العاقل حريا بتركها ~~وشكى رجل إلى بعض العارفين وحشة يجدها في نفسه فقال له اذا كنت قد أوحشتك ~~الذنوب فدعها إذا شئت واستأنس وليس على القلب أمر ms047 من وحشة الذنب على الذنب ~~فالله المستعان ومنها الوحشة التي تحصل له بينه وبين الناس ولاسيما أهل ~~الخير منهم فانه يجد وحشة بينه وبينهم وكلما قويت تلك الوحشة بعد منهم ومن ~~مجالستهم وحرم بركة الانتفاع بهم وقرب من حزب الشيطان بقدر ما بعد من حزب ~~الرحمن وتقوى هذه الوحشة حتى تستحكم فتقع بينه وبين إمرأته وولده وأقاربه ~~وبينه وبين نفسه فتراه مستوحشا من نفسه وقال بعض السلف إني لأعصي الله فارى ~~ذلك في خلق دابتي وإمرأتي ومنها تعسير اموره عليه فلا يتوجه لامر الا يجده ~~مغلقا دونه أو متعسرا عليه وهذا كما إن من اتقى الله جعل له من أمره يسرا ~~فمن عطل التقوى جعل الله له من أمره عسرا ويالله العجب كيف يجد العبد أبواب ~~الخير والمصالح مسدودة عنه متعسرة عليه وهو لايعلم من أين أتى ومنها ظلمته ~~يجدها في قلبه حقيقة يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا أدلهم فتصير ~~ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره فان الطاعة نور والمعصية ظلمة ~~وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات والامور ~~المهلكة وهو لايشعر كاعمى أخرج في ظلمة الليل يمشي وحده وتقوى هذه الظلمة ~~حتى تظهر في العين ثم تقوى حتى تعلو الوجه وتصير سوادا في الوجه حتى يراه ~~كل أحد قال عبد الله بن عباس ان للحسنة ضياء في الوجه ونورا في القلب وسعة ~~في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة سوادا في الوجه ~~وظلمة في القبر والقلب ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق ~~ومنها ان المعاصي توهن القلب والبدن أما وهنها للقلب فامر ظاهر بل لايزال ~~توهنه حتى تزيل حياته بالكلية وأما وهنها للبدن فان المؤمن قوته من قلبه ~~وكلما قوى قلبه قوى بدنه وأما الفاجر فانه وإن كان قوى البدن فهو أضعف شيء ~~عند الحاجة فتخونه قوته عند أحوج ما يكون إلى نفسه فتأمل قوة PageV01P035 ~~أبدان فارس والروم كيف خانهم عند أحوج ما كانوا اليها ms048 وقهرهم أهل الايمان ~~بقوة أبدانهم وقلوبهم ومنها حرمان الطاعة فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا إنه ~~يصد عن طاعة تكون بدله ويقطع طريق طاعة أخرى فينقطع عليه طريق ثالثة ثم ~~رابعة وهلم جرا فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة كل واحدة منها خير له من ~~الدنيا وما عليها وهذا كرجل أكل أكلة أوجبت له مرضة طويلة منعته من عدة ~~أكلات أطيب منها والله المستعان ومنها أن المعاصي تقصر العمر وتمحق بركته ~~ولابد فان البر كما يزيد في العمر فالفجور ينقص وقد اختلف الناس في هذا ~~الموضع فقالت طائفة نقصان عمر العاصي هو ذهاب بركة عمره ومحقها عليه وهذا ~~حق وهو بعض تأثير المعاصي وقالت طائفة بل تنقصه حقيقة كما تنقص الرزق فجعل ~~الله سبحانه للبركة في الرزق أسبابا كثيرة تكثره وتزيده وللبركة في العمر ~~أسبابا تكثره وتزيده قالوا ولا تمنع زيادة العمر بأسباب كما ينقص بأسباب ~~فالارزاق والاجال والسعادة والشقاوة والصحة والمرض والغني والفقر وإن كانت ~~بقضاء الله عز وجل فهو يقضي ما يشاء بأسباب جعلها موجبة لمسبباتها مقتضية ~~لها وقالت طائفة أخرى تأثير المعاصي في محق العمر إنما هو بأن تفوته حقيقة ~~الحياة وهي حياة القلب ولهذا جعل الله سبحانه الكافر ميتا غير حي كما قال ~~تعالى أموات غير أحياء فالحيوة في الحقيقة حيوة القلب وعمر الانسان مدة ~~حياته فليس عمره الا أوقات حياته بالله فتلك ساعات عمره فالبر والتقوي ~~والطاعة تزيد في هذه الاوقات التي هي حقيقة عمره ولا عمر له سواها وبالجملة ~~فالعبد إذا أعرض عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية ~~التي يجد غب إضاعتها يوم يقول ياليتني قدمت لحياتي فلا يخلوا إما أن يكون ~~له مع ذلك تطلع إلى مصالحه الدنيوية والأخروية أو لا فان لم يكن له تطلع ~~إلى ذلك فقد ضاع عليه عمره كله وذهبت حياته باطلا وإن كان له تطلع إلى ذلك ~~طالت عليه الطريق بسبب العوائق وتعسرت عليه أسباب الخير بحسب اشتغاله ~~بأضدادها وذلك نقصان حقيقي من عمره وسر المسألة ms049 أن عمر الانسان مدة حياته ~~ولا حيوة له إلا باقباله على ربه والتنعم بحبه وذكره وإيثار مرضاته فصل # ومنها ان المعاصي تزرع أمثالها وتولد بعضها بعضا حتى يعز على العبد ~~مفارقتها والخروج منها كما قال بعض السلف أن من عقوبة السيئة السيئة بعدها ~~وأن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها ~~أعملني أيضا فاذا عملها قالت الثانية كذلك وهلم جرا فيتضاعف الربح وتزايدت ~~الحسنات وكذلك كانت السيئات أيضا حتي تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة ~~وصفات لازمة وملكات ثابتة فلو عطل المحسن الطاعة PageV01P036 لضاقت عليه ~~نفسه وضاقت عليه الأرض بما رحبت وأحسن من نفسه بأنه كالحوت إذا فارق الماء ~~حتي يعاودها فتسكن نفسه وتقر عينه ولو عطل المجرم المعصية وأقبل على الطاعة ~~لضاقت عليه نفسه وضاق صدره وأعيت عليه مذاهبه حتي يعاودها حتي أن كثيرا من ~~الفساق ليواقع المعصية من غير لذة يجدها ولا داعية اليها إلا لما يجد من ~~الالم بمفارقتها كما صرح بذلك شيخ القوم الحسن بن هانيء حيث يقول # وكأس شربت على لذة % وأخرى تداويت منها بها وقال الآخر # وكانت دوائى وهي دائي بعينه % كما يتداوى شارب الخمر بالخمر # ولايزال العبد يعاني الطاعة ويألفها ويحبها ويؤثرها حتى يرسل الله سبحانه ~~برحمته عليه الملائكة تأزه اليها أزا وتحرضه عليها وتزعجه عن فراشه ومجلسه ~~اليها ولايزال يألف المعاصي ويحبها ويؤثرها حتي يرسل الله اليه الشياطين ~~فتأزه اليها أزا فالأول قوي جند الطاعة بالمدد فكانوا أكثر من أعوانه وهذا ~~قوي جند المعصية بالمدد فكانوا أعوانا عليه فصل # ومنها وهو من أخوفها على العبد أنها لضعف القلب عن إرادته فتقوى إرادة ~~المعصية وتضعف إرادة التوبة شيئا فشيئا إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة ~~بالكلية فلو مات نصفه لما تاب إلى الله فيأتي بالاستغفار وتوبة الكذابين ~~باللسان لشيء كثير وقلبه معقود بالمعصية مصر عليها عازم على مواقعتها متي ~~أمكنه وهذا من أعظم الامراض وأقربها إلى الهلاك فصل # ومنها أنه ينسلخ من القلب إستقباحها فتصير له عادة ms050 فلا يستقبح من نفسه ~~رؤية الناس له ولا كلامهم فيه وهو عند أرباب الفسوق هو غاية التفكه وتمام ~~اللذة حتي يفتخر أحدهم بالمعصية ويحدث بها من لم يعلم أنه عملها فيقول ~~ياقلان عملت كذا وكذا وهذا الضرب من الناس لايعافون وتسد عليهم طريق التوبة ~~وتغلق عنهم أبوابها في الغالب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كل أمتي ~~معافا إلا المجاهرين وإن من الاجهار أن يستر الله على العبد ثم يصبح يفضح ~~نفسه ويقول يا فلان عملت يوم كذا وكذا وكذا فتهتك نفسه وقد بات يستره ربه ~~ومنها أن كل معصية من المعاصي فهي ميراث عن أمة من الامم التي أهلكها الله ~~عز وجل فاللوطية ميراث عن قوم لوط وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص ميراث ~~عن قوم شعيب والعلو في الأرض والفساد ميراث عن فرعون وقوم فرعون والتكبر ~~والتجبر ميراث PageV01P037 عن قوم هود فالعاصي لابس ثياب بعض هذه الامم وهم ~~أعداء الله وقد روى عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لابيه عن مالك بن دينار ~~قال أوحي الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك لا تدخلوا مداخل ~~أعدائي ولا تلبسوا ملابس أعدائي ولا تركبوا مراكب أعدائي ولا تطعموا مطاعم ~~أعدائي فتكونوا أعدائي كماهم أعدائي وفي مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتي يعبد الله ~~وحده لاشريك له وجعل رزقى تحت ظل رمحى وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ~~ومن تشبه بقوم فهو منهم فصل # ومنها أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه قال الحسن ~~البصري هانوا عليه فصعوه ولو عزوا عليه لعصمهم وإذا هان العبد على الله لم ~~يكرمه أحد كما قال الله تعالى ومن يهن الله فماله من مكرم وإن عظمهم الناس ~~في الظاهر لحاجتهم اليهم أو خوفا من شرهم فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه ~~ومنها أن العبد لايزال يرتكب الذنوب حتي يهون عليه ويصغر في ms051 قلبه وذلك ~~علامة الهلاك فان الذنب كلما صغر في عين العبد عظم عند الله وقد ذكر ~~البخاري في صحيحه عن ابن مسعود قال إن المؤمن يري ذنوبه كانها في أصل جبل ~~يخاف أن يقع عليه وأن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا ~~فطار فصل # ومنها أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنبه فيحترق هو وغيره بشؤم ~~الذنوب والظلم قال أبو هريرة إن الحباري لتموت في وكرها من ظلم الظالم وقال ~~مجاهد إن الهائم تلعن عصاة بنى آدم إذا أشتدت السنة وأمسك المطر وتقول هذا ~~بشؤم معصية ابن ادم وقال عكرمة دواب الأرض وهوامها حتي الخنافس والعقارب ~~يقولون منعنا القطر بذنوب بني آدم فلا يكفيه عقاب ذنبه حتي يبوء بلعنه من ~~لا ذنب له فصل # ومنها ان المعصية تورث الذل ولا بد فان العز كل العزفى طاعة الله تعالى ~~قال تعالى من كان يريد العزة فلله العزة جميعا أي فليطلبها بطاعة الله فإنه ~~لا يجدها الا في طاعته وكان من دعاء بعض السلف اللهم أعزاني بطاعتك ولا ~~تذلني بمعصيتك قال الحسن البصري انهم وان طقطقت بهم البغال وهملجت بهم ~~البراذين إن ذل المعصية لا تفارق قلوبهم أبى الله PageV01P038 الان أيذل من ~~عصاه وقال عبد الله بن المبارك # رأيت الذنوب تميت القلو % ب وقد يورث الذل إدمانها # وترك الذنوب % ب وخير لنفسك عصيانها # وهل أفسد الدين الا الملو % ك واحبار سؤ ورهبانها # | فصل ومنها إن المعاصي تفسد العقل فان للعقل نورا والمعصية نطفيء نور # العقل ولابدوادا طفىء نوره ضعف ونقص وقال بعض السلف ما عصي الله أحد حتي ~~يغيب عقله وهذا طاهر فانه لو حضر عقله لحجزه عن المعصية وهو في قبضة الرب ~~تعالى أو نجهر به هو مطلع عليه وفي داره على بساطه وملائكته شهود عليه ~~ناظرون اليه وواعظ القرآن نهاه ولفظ الايمان ينهاه وواعظ الموت ينهاه وواعظ ~~النار ينهاه والذي يفوته بامعصية من خير الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ما ~~يحصل له من السرور واللذة ms052 بها فهل يقدم على الاستهانة بذلك كله والاستخفاف ~~به ذو عقل سليم فصل # ومنها أن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها فكان من الغافلين كما قال ~~بعض السلف في قوله تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون قال هو ~~الذنب بعد الذنب وقال الحسن هو الذنب على الذنب حتى يعمي القلب وقال غيره ~~لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم وأصل هذا أن القلب يصدي من المعصية ~~فاذا زادت غلب الصدي حتي يصيررانا ثم يغلب حتي يصير طبعا وقفلا وختما فيصير ~~القلب في غشاوة وغلاف فاذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس فصار أعلاه ~~أسفله فحينئذ يتولاه عدوه ويسوقه حيث أراد فصل # ومنها أن الذنوب تدخل العبد تحت لعنة رسول صلى الله عليه وسلم فانه لعن ~~على معاصى والتي غيرها اكبر منها فهي اولى بدخول فاعلها تحت اللعنة فلعن ~~الواشمة والمستوشمة والواصلة والموصولة والنامصة والمتنمصة والواشرة ~~والمستوشرة ولعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهده ولعن المحلل والمحلل له ~~ولعن السارق ولعن شارب الخمر وساقيها وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومشتريها ~~وآكل ثمنها وحاملها والمحمولة اليه ولعن من غير منار الارض PageV01P039 وهي ~~إعلامها وحددوها ولعن من والديه ولعن من إتخذ شيئا فيه الروح غرضا يرميه ~~بسهم ولعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء ولعن من ذبح بغير الله ~~ولعن من أحدث حدثا أو آوي محدثا ولعن المصورين ولعن من عمل عمل قوم لوط ~~ولعن من سب أباه وأمه ولعن من كمه أعمي عن الطريق ولعن من أتى بهيمة ولعن ~~من رسم دابة في وجهها ولعن من ضار بمسلم أو مكر به ولعن زوارات القبور ~~والمتخذين عليها المساجد والسرج ولعن من أفسد امرأة على زوجها أو مملوكا ~~على سيده ولعن من أتى امرأة في دبرها وأخبر أن من باتت مهاجرة لفراش زوجها ~~لعنتها الملائكة حتى تصبح ولعن من انتسب إلى غير أبيه وأخبر أن من أشار إلى ~~أخيه بحديدة فان الملائكة تلعنه ولعن من سب الصحابة وقد لعن الله من أفسد ~~فى ms053 الأرض وقطع رحمه وأذاه وأذى رسوله ولعن من كتم ما أنزل الله سبحانه من ~~البينات والهدى ولعن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالفاحشة ولعن ~~من جعل سبيل الكافر اهدي من سبيل المسلم ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الرجل يلبس لبس المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل ولعن الراشي والمرتشي ~~والرائش وهو الواسطة في الرشوة ولعن على أشياء أخرغير هذه فلو لم يكن فى ~~فعل ذلك الا رضاء فاعله بان يكون ممن يعلنه الله ورسوله وملائكته لكان في ~~ذلك ما يدعو إلى تركه فصل # ومنها حرمان دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوة الملائكة فان الله ~~سبحانه أمر نبيه أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات وقال تعالى الذين يحملون ~~العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا ~~وسعت كل شىء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ~~ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ~~إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيآت فهذا دعاء الملائكة للمؤمنين التابعين ~~المتبعين لكتابه وسنة رسوله الذين لا سبيل لهم غيرهما فلا يطمع غير هؤلاء ~~باجابة هذه الدعوة اذا لم يتصف بصفات المدعو له بها فصل # ومن عقوبات المعاصي ما رواه البخاري في صحيحه من حديث سمرة بن جندب قال ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم مما يكثر أن يقول لاصحابه هل رأى أحد منكم ~~البارحة رؤيا فيقص عليه ما شاء الله أن يقص وأنه قال لناذات غداة أنه أتاني ~~الليلة آتيان وأنهما أنبعثا لى PageV01P040 وأنهما قالا لى إنطلق وإنى ~~إنطلقت معهما وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو ~~يهوي بالصخرة لرأسه فيثلع رأسه فيتدهده الحجر ها هنا فيتبع الحجر فيأخذه ~~فلا يرجع اليه حتي يصح رأسه كما كان ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل فى ~~المرة الاولى قال قلت لهما سبحان الله ما هذان قالا لي إنطلق فانطلقا ~~فاتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكلوب ms054 من حديد وإذا هو يأتي ~~أحد شقى وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه ثم ~~يتحول إلى الجانب الاخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الاول فما يفرغ من ذلك ~~الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل في المرة ~~الاولى قال قلت سبحان الله ما هذان فقالا لي إنطلق إنطلق فانطلقنا فاتينا ~~على مثل التنور وإذا فيه لغط وأصوات قال فاطلعنا فيه فاذا فيه رجال ونساء ~~عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فاذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا فقال قلت ~~من هؤلاء قال فقالا لي إنطلق إنطلق قال فانطلقنا فاتينا على نهر أحمر مثل ~~الدم فاذا في النهر رجل سابح يسبح وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة ~~كثيرة وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة ~~فيغفر له فاه فيلقمه حجرا فينطلق فيسبح ثم يرجع اليه كما رجع إليه فيغفر له ~~فاه فالقمه حجرا قال قلت لهما ما هذان قالا لي إنطلق إنطلق فانطلقنا فاتينا ~~على رجل كريه المرأى كاكره ما أنت رأىء رجلا مرا وإذا هو عنده تاريخها ~~ويسعى حولها قال قلت لهما ما هذا قال قالا لي إنطلق إنطلق فانطلقنا على ~~روضة مغيمة فيها من كل نور الربيع وإذا بين ظهراني الروضة رجل طويل لا أكاد ~~أرى رأسه طولا في السماء وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط قال قلت ~~ما هذا وما هؤلاء قال قالا لي إنطلق إنطلق فانطلقنا فاتينا إلى دوحة عظيمة ~~لم أرى دوحة قط أعظم منها ولا أحسن قال قالا لي أرق فيها فارتقينا فيها إلى ~~مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة قال فاتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا ~~فدخلناها فتلقانا رجال شطر من خلقهم كاحسن ما أنت رايء وشطر منهم كاقبح ما ~~أنت رايء قال قالا لهم إذهبوا فقعوا في ذلك النهر قال وإذا نهر معترض يجري ~~كان ماءه المحض في ms055 البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا الينا وقد ذهب ذلك ~~السوء عنهم قال قالا لي هذه جنة عدن وهذاك منزلك قال فسمي بصرى صعدا فاذا ~~قصر مثل الربابة البيضاء قال قالا لى هذاك منزلك قال قلت لهما بارك الله ~~فيكما فذراني فادخله قالا أما الآن فلا وأنت داخلة قال قلت لهما فإني رأيت ~~منذ الليلة عجبا فما هذا الذي رأيت قال قالا لي أما انا سنخبرك أما الرجل ~~الاول الذي أتيت عليه يثلع رأسه بالحجر فانه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه ~~وينام عن الصلوة المكتوبة وأما الرجل الذي PageV01P041 أتيت عليه يشرشر ~~شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فانه الرجل يغدو من بيته ~~فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء ~~التنور فانهم الزناة والزواني وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ~~ويلقم الحجارة فانه آكل الربا وأما الرجل الكريه المنظر الذي عند النار ~~يحثها ويسعى حولها فانه مالك خازن جهنم وأما الرجل الطويل الذي في الروضة ~~فانه إبراهيم وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة وفي رواية ~~البرقاني ولد على الفطرة فقال بعض المسلمين يا رسول الله وأولاد المشركين ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاد المشركين وأما القوم الذين كانوا ~~شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فانهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز ~~الله عنهم فصل # ومن آثار الذنوب والمعاصي إنها تحدث في الأرض أنواعا من الفساد في المياه ~~والهوى والزرع والثمار والمساكن قال تعالى ظهر الفساد في البر والبحر بما ~~كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون قال مجاهد اذا ولي ~~الظالم سعى بالظلم والفساد فيحبس بذلك القطر فيهلك الحرث والنسل والله لا ~~يحب الفساد ثم قرأ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم ~~بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ثم قال أما والله ما هو بحركم هذا ولكن كل ~~قرية على ماء جار فهو بحر وقال عكرمة ظهر الفساد في البر ms056 والبحر أما إني لا ~~أقول لكم بحركم هذا ولكن كل قرية على ماء وقال قتادة أما البر فاهل العمود ~~وأما البحر فاهل القرى والريف قلت وقد سمي الله تعالى الماء العذب بحرا ~~فقال هو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج وليس في ~~العالم بحر حلو واقفا وإنما هي الانهار الجارية والبحر المالح هو الساكن ~~فتسمى القرى التي على المياه الجارية باسم تلك المياه وقال ابن زيد ظهر ~~الفساد في البر والبحر قال الذنوب قلت أراد أن الذنب سبب الفساد الذي ظهر ~~وإن أراد أن الفساد الذي ظهر هو الذنوب نفسها فيكون قوله ليذيقهم بعض الذي ~~عملوا لام العاقبة والتعليل وعلى الاول فالمراد بالفساد والنقص والشر ~~والالآم التي يحدثها الله فى الأرض بمعاصي العباد فكل ما أحدثوا ذنبا أحدث ~~لهم عقوبة كما قال بعض السلف كل ما أحدثتم ذنبا أحدث الله لكم من سلطانه ~~عقوبة والظاهر والله أعلم إن الفساد المراد به الذنوب وموجباتها ويدل عليه ~~قوله تعالى ليذيقهم بعض الذي عملوا فهذا حالنا وإنما إذاقنا الشيء اليسير ~~من أعمالنا فلو أذاقنا كل أعمالنا PageV01P042 لما ترك على ظهرها من دابة ~~ومن تأثير معاصي الله في الأرض ما يحل بها من الخسف والزلازل ويمحق بركتها ~~وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ديار ثمود فمنعهم من دخول ديارهم ~~الا وهم باكون ومن شرب مياههم ومن الاستسقاء من أبيارهم حتى أمر أن لا يعلف ~~العجين الذي عجن بمياههم لنواضح الابل لتأثير شؤم المعصية في الماء وكذلك ~~شؤم تأثير الذنوب فى نقص الثمار وما ترى به من الآفات وقد ذكر الامام أحمد ~~فى مسنده فى ضمن حديث قال وجدت في خزائن بعض بني أمية حنطة الحبة بقدر نواة ~~التمرة وهي في صرة مكتوب عليها كان هذا ينبت في زمن من العدل وكثير من هذه ~~الأفات أحدثها الله سبحانه وتعالى بما أحدث العباد من الذنوب وأخبرني جماعة ~~من شيوخ الصحراء انهم كانوا يعهدون الثمار أكبر مما هي الآن ms057 وكثير من هذه ~~الآفات التي تصيبها لم يكونوا يعرفونها وإنما حدثت من قرب وأما تأثير ~~الذنوب في الصور والخلق فقد روي الترمذي في جامعه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم انه قال خلق الله آدم وطوله في السماء ستون ذراعا ولم يزل الخلق ينقص ~~حتى الآن فاذا أراد الله أن يطهر الأرض من الظلمة والخونة والفجرة ويخرج ~~عبدا من عباده من أهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم فيملأ الأرض قسطا كما ~~ملئت جورا ويقتل المسيح اليهود والنصارى ويقيم الدين الذي بعث الله به ~~رسوله وتخرج الأرض بركاتها وتعود كما كانت حتى ان العصابة من الناس ليأكلون ~~الرمانة ويستظلون بقحفها ويكون العنقود من العنب وقر بعير ولبن اللقحة ~~الواحدة يكفي الفئام من الناس وهذا لان الأرض لما طهرت من المعاصي ظهرت ~~فيها آثار البركة من الله تعالى التي محقتها الذنوب والكفر ولاريب ان ~~العقوبات التي أنزلها الله في الأرض بقية آثارها سارية في الأرض تطلب ما ~~يشاء كلها من الذنوب التي هي آثار تلك الجرائم التي عذبت بها الامم فهذه ~~الآثار في الأرض من آثار العقوبات كما ان هذه المعاصي من آثار الجرائم ~~فتناسب كلمة الله وحكمة الكوني أولا وآخرا وكان العظيم من العقوبة للعظيم ~~من الجناية والأخف للأخف وهذا يحكم سبحانه بين خلقه في دار البرزخ ودار ~~الجزاء وتأمل مقارنة الشيطان ومحله وداره فانه لما قارن العبد واستولى عليه ~~نزعت البركة من عمره وعمله وقوله ورزقه ولما أثرت طاعته في الأرض ما أثرت ~~نزعت البركة من كل محل ظهرت فيه طاعته وكذلك مسكنه لما كان الجحيم لم يكن ~~هناك شيء من الروح والرحمة والبركة فصل # ومن عقوباتها انها تطفي من القلب نار الغيرة التي هى لحياته وصلاحه ~~كالحرارة الغريزية PageV01P043 لحياة جميع البدن فان الغيرة حرارته وناره ~~التي تخرج ما فيه من الخبث والصفات المذمومة كمال يخرج الكير خبث الذهب ~~والفضة والحديث وأشرف الناس وأعلاهم قدر وهمة أشدهم غيرة علي نفسه وخاصته ~~وعموم الناس ولهذا كان النبي صلى الله عليه ms058 وسلم أغير الخلق علي الامة ~~والله سبحانه أشد غيرة منه كما ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم انه ~~قال أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني وفي الصحيح أيضا عنه ~~انه قال صلى الله عليه وسلم في خطبة الكسوف يا أمة محمد ما أحد أغير من ~~الله أن يزني عبده أو ترني أمته وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال لا أحد أغير ~~من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب اليه ~~العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ولا أحد أحب اليه ~~المدح من الله من أجل ذلك أثنى على نفسه فجمع في هذا الحديث بين الغيرة ~~التي أصلها كراهة القبائح وبنضها وبين محبة العذر الذي يوجب كمال العدل ~~والرحمة والاحسان والله سبحانه مع شدة غيرته يحب إن يعتذر اليه عبده ويقبل ~~عذر من اعتذر اليه وانه لايؤاخذ عبده بارتكاب ما يغار من ارتكابه حتى يعذر ~~اليهم ولأجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه إعذارا وإنذارا وهذا غاية المجد ~~والاحسان ونهاية الكمال فان كثيرا ممن تشتد غيرته من المخلوقين تحمله شدة ~~الغيرة على سرعة الايقاع والعقوبة من غير إعذار منه ومن غير قبول العذر ممن ~~إعتذر اليه بل قد يكون له فى نفس الامر عذر ولاتدعه شدة الغيرة ان يقبل ~~عذره وكثير ممن تقبل المعاذير يحمله على قبولها قلة الغيرة حتى يتوسع في ~~طريق المعاذير ويرى عذرا ما ليس بعذر حتى يعذر كثير منهم بالعذر وكل منهما ~~غير ممدوح على الاطلاق وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال أن من ~~الغيرة ما يحبها الله ومنها ما يبغضها الله فالتي يبغضها الله الغيرة من ~~غير ريبة وذكر الحديث وانما الممدوح اقتران الغيرة بالعذر فيغار في محل ~~الغيرة ويعذر في موضع العذر ومن كان هكذا فهر الممدوح حقا ولما جمع سبحانه ~~صفات الكمال كلها كان أحق بالمدح من كل أحد ولايبلغ أحد إن يمدحه كما ms059 ينبغي ~~له بل هو كما مدح نفسه وأثنى على نفسه فالغيور قد وافق ربه سبحانه في صفة ~~من صفاته ومن وافق الله في صفه من صفاته قادته تلك الصفة اليه بزمامه ~~وأدخلته على ربه وأدنته منه وقربته من رحمته وصيرته محبوبا له فانه سبحانه ~~رحيم يحب الرحماء كريم يحب الكرماء عليم يحب العلماء قوى يحب المؤمن القوي ~~وهو أحب اليه من المؤمن الضعيف حتى يحب أهل الحياء جميل يحب أهل الجمال وتر ~~يحب أهل الوتر ولو لم يكن في الذنوب والمعاصي الا انها توجب لصاحبها ضد هذه ~~الصفات وتمنعه من الاتصاف بها لكفي بها عقوبة فان الخطر تنقلب وسوسة ~~PageV01P044 والوسوسة تصير إرادة والارادة تقوي فتصير عزيمة ثم نصير فعلا ~~ثم تصير صفة لازمة وهيئة ثابتة راسخة وحينئذ يتعذر الخروج منهما كما يتعذر ~~عليه الخروج من صفاته القائمة به والمقصود انه كلما اشتدت ملابسته للذنوب ~~أخرجت من قلبه الغيرة على نفسه وأهله وعموم الناس وقد تضعف في القلب جدا لا ~~يستقبح بعد ذلك القبيح لا من نفسه ولا من غيره واذا وصل إلى هذا الحد فقد ~~دخل في باب الهلاك وكثير من هؤلاء لا يقتصر على عدم الاستقباح بل يحسن ~~الفواحش والظلم لغيره ويزينه له ويدعوه اليه ويحثه عليه ويسعي له فى تحصيله ~~ولهذا كان الديوث أخبث خلق الله والجنة عليه حرام وكذلك محلل الظلم والبغي ~~لغيره ومزينه لغيره فانظر ما الذي حملت عليه قلة الغيرة وهذا يدلك على أن ~~أصل الدين الغيرة ومن لا غيرة له لا دين له فالغيرة تحمي القلب فتحمي له ~~الجوارح فتدفع السوء والفواحش وعدم الغيرة تميت القلب فتموت الجوارح فلا ~~يبقى عندها دفع البتة ومثل الغيرة في القلب مثل القوة التي تدفع المرض ~~وتقاومه فاذا ذهبت القوة وجد الداء المحل قابلا ولم يجد دافعا فتمكن فكان ~~الهلاك ومثلها مثل صياصي الجاموس التي تدفع بها عن نفسه وعن ولده فاذا ~~تكسرت طمع فيها عدوه فصل # ومن عقوباتها ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب وهو أصل ms060 كل خير ~~وذهاب كل خير بأجمعه وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم انه قال الحياء خير ~~كله وقال ان مما أدرك الناس من كلام النبوة الاولى اذا لم تستح فاصنع ماشئت ~~وفيه تفسيران أحداهما انه على التهديد والوعيد والمعنى من لم يستح فانه ~~يصنع ما شاء من القبائح اذا لحامل على تركها الحياء فاذا لم يكن هناك حياء ~~نزعه من القبائح فانه يواقعها وهذا تفسير أبي عبيدة والثاني ان الفعل اذا ~~لم تستح فيه من الله فافعله وانما الذى ينبغي تركه ما يستحي فيه من الله ~~وهذا تفسير الامام أحمد في رواية ابن هاني فعلى الاول يكون تهديدا كقوله ~~إعملوا ما شئتم وعلى الثاني يكون إذنا وإباحة فان قيل فهل من سبيل إلى حمله ~~على المعنيين قلت لاولا على قول من يحمل المشترك على جميع لما بين الاباحة ~~والتهديد من المنافات ولكن اعتبار أحد المعنيين يوجب إعتبار الآخر والمقصود ~~ان الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية حتى ربما انه ~~لايتأثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه بل كثير منهم يخبر عن حاله ~~وقبح ما يفعله والحامل على ذلك انسلاخه من الحياء وإذا وصل العبد إلى هذه ~~الحالة لم يبق في صلاحه مطمع واذا رأى ابليس طلعة وجهه PageV01P045 حياء ~~وقال فديت من لايفلح والحياء مشتق من الحياة والغيث يسمى حيا بالقصر لان به ~~حياة الأرض والنبات والدواب وكذلك سميت بالحياة حياة الدنيا والآخرة فمن لا ~~حياء فيه ميت في الدنيا شقى في الآخرة وبين الذنوب وبين قلة الحياء وعدم ~~الغيرة تلازم من الطرفين وكل منهما يستدعي الآخر ويطلبه حثيثا ومن استحي من ~~الله عند معصيته استحى الله من عقوبته يوم يلقاه ومن لم يستح من الله تعالى ~~من معصيته لم يستح الله من عقوبته # | فصل ومن عقوباتها أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله وتضعيف # وقاره في قلب العبد ولابد شاء أم أبى ولو تمكن وقار الله وعظمته في قلب ~~العبد لما تجرء على ms061 معاصيه وربما اغتر المغتر وقال إنما يحملنى على المعاصى ~~حسن الرجاء وطمعي فى عفوه لا ضعف عظمته في قلبي وهذا من مغالطة النفس فإن ~~عظمة الله تعالى وجلاله في قلب العبد وتعظيم حرمانه يحول بينه وبين الذنوب ~~والمتجرؤن على معاصيه ما قدروه حق قدره وكيف يقدره حق قدره أو يعظمه أو ~~يكبره أو يرجو وقاره ويجله من يهون عليه أمره ونهيه هذا من أمحل المحال ~~وأبين الباطل وكفى بالعاصى عقوبة أن يضمحل من قلبه تعظيم الله جل جلاله ~~وتعظيم حرماته ويهون عليه حقه ومن بعض عقوبة هذا أن يرفع الله عز وجل ~~مهابته من قلوب الخلق ويهون عليهم ويستخفون به كما هان عليه أمره واستخف به ~~فعلى قدر محبة العبد لله يحبه الناس وعلى قدر خوفه من الله يخافه الناس ~~وعلى قدر تعظيمه الله وحرماته يعظم الناس حرماته وكيف ينهك عبد حرمات الله ~~ويطمع أن لا ينهك الناس حرماته أم كيف يهون عليه حق الله ولايهونه الله على ~~الناس أم كيف يستخف بمعاصي الله ولا يستخف به الخلق وقد أشار سبحانه إلى ~~هذا فى كتابه عند ذكر عقوبات الذنوب وأنه أركس أربابها بما كسبوا وغطي على ~~قلوبهم وطبع عليها بذنوبهم وأنه نسيهم كما نسوه وأهانهم كما أهانوا دينه ~~وضيعهم كما ضيعوا أمره ولهذا قال تعالى في آية سجود المخلوقات له ومن يهن ~~الله فماله من مكرم فانهم لما هان عليهم السجود له واستخفوا به ولم يفعلوه ~~أهانهم فلم يكن لهم من مكرم بعد إن أهانهم ومن ذا يكرم من أهانه الله أو ~~يهن من أكرم فصل # ومن عقوباتها انها تستدعى نسيان الله لعبده وتركه وتخليته بينه وبين نفسه ~~وشيطانه وهنالك الهلاك الذي لا يرجي معه نجاة قال الله يا أيها الذين آمنوا ~~أتقوا الله ولتنظر نفس PageV01P046 ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير ~~بما تعملون ولاتكونوا كالذين نسوا الله فانساهم أنفسهم اولئك هم الفاسقون ~~فامر بتقواه ونهي أن يتشبه عباده المؤمنون بمن نسيه بترك تقواه واخبر أنه ~~عاقب من ms062 ترك التقوي بان أنساه نفسه أي أنساه مصالحها وما ينجيها من عذابه ~~وما يوجب له الحياة الابدية وكمال لذتها وسرورها ونعيمها فانساه الله ذلك ~~كله جزاء لما نسيه من عظمته وخوفه والقيام بأمره فترى العاصى مهملا لمصالح ~~نفسه مضيعا لها قد أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطا قد ~~انفرطت عليه مصالح دنياه وآخرته وقد فرط في سعادته الابدية واستبدل بها ~~أدني ما يكون من لذة إنما هي سحابة صيف أو خيال طيف # أحلام نوم أو كظل زائل % إن اللبيب بمثلها لا يخدع وأعظم العقوبات نسيان ~~العبد لنفسه وإهمال لها وإضاعته حظها ونصيبها من الله وبيعها ذلك بالضن ~~والهوان وأبخس الثمن فضيع من لا غني له عنه ولا عوض له منه واستبدل به من ~~عنه كل الغني أو منه كل العوض # من كل شيء إذا ضيعته عوض % وليس في الله أن ضيعت من عوض فالله سبحانه ~~يعوض عن كل شيء ما سواه ولا يعوض منه شيء ويغني عن كل شيء ولايغني عنه شيء ~~ويمنع من كل شىء ولا يمنع منه شىء ويجبير من كل شيء ولا يجير منه شى كيف ~~يستغني العبد عن طاعة من هذا شأنه طرفة عين وكيف ينسى ذكره ويضيع أمره حتي ~~ينسبه نفسه فيخسرها ويظلمها أعظم الظلم فما ظلم العبد ربه ولكن ظلم نفسه ~~وما ظلمه ربه ولكن هو الذي ظلم نفسه فصل # ومن عقوباتها أنها تخرج العبد من دائرة الاحسان وتمنعه من ثواب المحسنين ~~فان الاحسان إذا باشر القلب منعه عن المعاصي فان من عبد الله كانه يراه لم ~~يكن كذلك الالاستيلاء ذكره ومحبته وخوفه ورجائه علي قلبه بحيث يصير كانه ~~يشاهده وذلك سيحول بينه وبين إرادة المعاصى فضلا عن مواقتها فاذا خرج من ~~دائرة الاحسان فاته صحبه رفقته الخاصة وعيشهم الهنيء ونعيمهم التام فان ~~أراد الله به خيرا أقره فى دائرة عموم المؤمنين فان عصاه بالمعاصى التى ~~تخرجه من دائرة الايمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لايزني الزاني ~~حين ms063 يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربه وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين ~~يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع اليه الناس فيها أبصارهم حين ~~ينتهبها وهو مؤمن إياكم إياكم والتوبة معروضة بعد PageV01P047 فصل ومن فاته ~~رفقة المؤمنين وخرج عن دائرة الايمان فاته حسن دفاع الله عن المؤمنين فان ~~الله يدافع عن الذين آمنوا وفاته كل خير رتبه الله في كتابه على الايمان ~~وهو نحو مائة خصلة كل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها فمنها الاجر العظيم ~~وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيما ومنها الدفع عنهم شرور الدنيا والآخرة ~~إن الله يدافع عن الذين آمنوا ومنها استغفار حملة العرش لهم الذين يحملون ~~العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين امنوا ومنها ~~موالات الله لهم ولايذل من والاه الله قال الله تعالى @QB@ الله ولي الذين ~~آمنوا @QE@ ومنها أمره ملائكته بتثبيتهم @QB@ إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني ~~معكم فثبتوا الذين آمنوا @QE@ ومنها إن لهم الدرجات عند ربهم والمغفرة ~~والرزق الكريم ومنها العزة ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ومنها معية الله ~~لأهل الايمان وإن الله لمع المؤمنين ومنها الرفعه في الدنيا والآخرة يرفع ~~الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ومنها أعطاهم كفلين من ~~رحمته وأعطاهم نورا يمشون به ومغفرة ذنوبهم ومنها الود الذي يجعله سبحانه ~~لهم وهو انه يحبهم يحبهم إلى ملائكته وأنبيائه وعباده الصالحين ومنها ~~أمانهم من الخوف يوم يشتد الخوف فمن آمن وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون ومنها انهم المنعم عليهم الذين أمرنا ان نسأله ان يهدينا إلى صراطهم ~~في كل يوم وليلة سبع عشرة مرة ومنها ان القرآن انما هو هدى لهم وشفاء قل هو ~~للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر عليهم عمى أولئك ~~ينادون من مكان بعيد والمقصود ان الايمان سبب جالب لكل خير وكل خير فى ~~الدنيا والآخرة فسببه الايمان فكيف يهون على العبد ان يرتكب شيئا يخرجه من ~~دائرة الايمان ويحول بينه ms064 وبينه ولكن لا يخرج من دائرة عموم المسلمين فان ~~استمر علي الذنوب وأصر عليها خيف عليه ان يرين علي قلبه فيخرجه عن الاسلام ~~بالكلية ومن هنا أشتد خوف السلف كما قال بعضهم أنتم تخافون الذنوب وأنا ~~أخاف الكفر # | فصل ومن عقوبتها أنها تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة أو تعوقه # وتوقفه وتعطفه عن السير فلا تدعه يخطوا إلى الله خطوة هذا إن لم ترده عن ~~وجهته إلى ورائه فالذنب يحجب الواصل ويقطع السائر وينكس الطالب والقلب انما ~~يسير إلى الله بقوته فاذا مرض بالذنوب ضعفت تلك القوة التي تسيره فان زالت ~~بالكلية إنقطع عن الله إنقطاعا يبعد تداركه PageV01P048 والله المستعان ~~فالذنب أما يميت القلب أو يمرضه مرضا مخوفا أو يضعف قوته ولا بد حتى ينتهي ~~ضعفه إلى الاشياء الثمانية التي إستعاذ منها النبي صلى الله عليه وسلم وهي ~~الهم والحزن والكسل والعجز والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجل وكل اثنين ~~منها قرينان فالهم والحزن قرينان فان المكروه والوارد على القلب إن كان من ~~أمر مستقبل يتوقعه احدث الهم وإن كان من أمر ماض قد وقع احدث الحزن والعجز ~~والكسل قرينان فان تخلف العبد عن أسباب الخير والفلاح ان كان لعدم قدرته ~~فهو العجز وإن كان لعدم إرادته فهو الكسل والجبن والبخل قرينان فان عدم ~~النفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن وان كان بماله فهو البخل وضلع الدين وقهر ~~الرجال قرينان فان إستيلاء الغير عليه إن كان بحق فهو من ضلع الدين وإن كان ~~بباطل فهو من قهر الرجال والمقصود إن الذنوب من أقوى الاسباب الجالبة لهذه ~~الثمانية كما إنها من أقوى الاسباب الجالبة لجهد البلاء ودرك الشقاء وسوء ~~القضاء وشماتة الاعداء ومن أقوى الاسباب الجالبة لزوال نعم الله تعالي ~~وتقدس وتحول عافيته وفجاءة نقمته وجميع سخطه # | فصل ومن عقوبات الذنوب إنها تزيل النعم وتحل النقم فما زالت عن العبد # نعمة الا لسبب ذنب ولا حلت به نقمة إلا بذنب كما قال علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه ms065 ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع بلاء إلا بتوبة وقد قال تعالى وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير وقال تعالى ذلك بان الله ~~لم يك مغيرا نعمة أنعمها علي قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فأخبر الله تعالى ~~إنه لايغير نعمته التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه ~~فيغير طاعة الله بمعصيته وشكره بكفره وأسباب رضاه باسباب سخطه فاذا غير غير ~~عليه جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد فأن غير المعصية بالطاعة غير الله ~~عليه العقوبة بالعافية والذل بالعز قال تعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له ومالهم من دونه من ~~وال وفي بعض الآثار الألهية عن الرب تبارك وتعالى إنه قال وعزتي وجلالي لا ~~يكون عبد من عبيدي على ما أحب ثم ينتقل عنه إلى ما أكره إلا إنتقلت له مما ~~يجب عبيدي إلى ما يكره ولا يكون عبد من عبيدي على ما أكره فينتقل عنه إلى ~~ما أحب الا إنتقلت له مما يكره إلى ما يحب وقد أحسن القائل # إذا كنت في نعمة فارعها % فان الذنوب تزيل النعم # وخطها بطاعة رب العباد % فرب العباد سريع النقم PageV01P049 # وإياك والظلم مهما إستطعت % فظلم العباد شديد الوحم # وسافر بقلبك بين الورى % لتبصرى آثار من قد ظلم # فتلك مساكنهم بعدهم % شهود عليهم ولاتتهم # وما كان شىء عليهم اضر % من الظلم وهو الذي قد تصم # فكم تركوا من جنان ومن % قصور وأخرى عليهم اطم # صلوا بالجحيم وفات النعم % وكان الذي نالهم كالحلم فصل # ومن عقوباتها ما يلقيه الله سبحانه من الرعب والخوف في قلب العاصي فلا ~~تراه الا خائفا مرعوبا فان الطاعة حصن الله الاعظم الذي من دخله كان من ~~الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب ~~فمن أطاع الله إنقلبت المخاوف في حقه أمانا ومن عصاه إنقلبت مأمنه مخاوف ~~فلا تجد العاصي إلا وقلبه ms066 كانه بين جناحي طائران حركت الريح الباب قال جاء ~~الطلب وان سمع وقع قدم خاف أن يكون نذيرا بالعطب يحسب كل صيحة عليه وكل ~~مكروه قاصد اليه فمن خاف الله آمنه من كل شيء ومن لم يخف الله أخافه من كل ~~شيء # بدا قضاء الله بين الخلق مذ خلقوا % إن المخاوف والاجرام في قرن ومن ~~عقوباتها انها توقع الوحشة العظيمة في القلب فيجد المذنب نفسه مستوحشا قد ~~وقعت الوحشة بينه وبين ربه وبينه وبين الخلق وبينه وبين نفسه وكلما كثرت ~~الذنوب اشتدت الوحشة وأمر العيش عيش المستوحشين الخائفين وأطيب العيش عيش ~~المستأنسين فلو نظر العاقل ووازن بين لذة المعصية وما تولد فيه من الخوف ~~والوحشة لعلم سوء حاله وعظيم غبنه اذ باع أنس الطاعة وأمنها وحلاوتها بوحشة ~~المعصية وما توجبه من الخوف # اذا كنت قد أوحشتك الذنوب % فدعها اذا شئت واستأنس وسر المسألة ان الطاعة ~~توجب القرب من الرب سبحانه وكلما اشتد القرب قوى الانس والمعصية توجب البعد ~~من الرب وكلما زاد البعد قويت الوحشة ولهذا يجد العبد وحشة بينه وبين عدوه ~~للبعد الذي بينهما وإن كان ملابسا له قريبا منه ويجد أنسا قويا بينه وبين ~~من يجب وإن كان بعيدا عنه والوحشة سببها الحجاب وكلما غلظ الحجاب زادت ~~الوحشة فالغفلة توجب الوحشة واشد واشد منها وحشة المعصية واشد منها وحشة ~~الشرك الكفر ولا تجد أحدا يلابس شيئا من ذلك إلا ويعلوه من الوحشة بحسب ~~مالابسه منه فتعلوا الوحشة وجهه وقلبه فيستوحش ويستوحش منه PageV01P050 فصل # ومن عقوباتها انها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه فلا ~~يزال مريضا معلولا لا ينتفع بالاغذية التي بها حياته وصلاحه تأثير الذنوب ~~في القلوب كتأثير الامراض في الابدان بل الذنوب أمراض القلوب ودائها ~~ولادواء لها الا تركها وقد أجمع السائرون إلى الله أن القلوب لا تعطي مناها ~~حتى تصل إلى مولاها ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة ولا تكون ~~صحيحة سليمة حتى ينقلب داؤها فتصير نفس دوائها ولا يصح لها ذلك ms067 الا بمخالفة ~~هواها وهواها مرضها وشفاؤها مخالفته فان استحكم المرض قتل أو كاد وكما أن ~~من نهى نفسه عن الهوى كانت الجنة مأواه كذلك يكون قلبه في هذه الدار في جنة ~~عاجلة لايشبه نعيم أهلها نعيم البتة بل التفاوت الذي بين النعيمين كالتفاوت ~~الذى بين نعيم الدنيا والآخرة وهذا أمر لايصدق به الا من باشر قلبه هذا ~~وهذا ولا تحسب ان قوله تعالى إن الابرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ~~مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط بل في دورهم الثلاثة كذلك أعني دار ~~الدنيا ودار البرزخ ودار القرار فهؤلاء في نعيم وهؤلاء في جحيم وهل النعيم ~~إلا نعيم القلب وهل العذاب إلا عذاب القلب وأي عذاب أشد من الخوف والهم ~~والحزن وضيق الصدر وإعراضه عن الله والدار الآخرة وتعلقه بغير الله ~~وانقطاعه عن الله بكل واد منه شعبة وكل شيء تعلق به وأحبه من دون الله فانه ~~يسومه سوء العذاب فكل من أحب شيئا غير الله عذب به ثلاث مرات في هذه الدار ~~فهو يعذب به قبل حصوله حتى يحصل فاذا حصل عذب به حال حصوله بالخوف من سلبه ~~وفواته والمتغيص والتنكيد عليه وأنواع المعارضات فاذا سلبه اشتد عذابه عليه ~~فهذه ثلاثة أنواع من العذاب في هذه الدار وأما في البرزخ فعذاب يقارنه ألم ~~الفراق الذي لايرجي عوده وألم فوات ما فاته من النعيم العظيم باشتغاله بضده ~~وألم الحجاب عن الله وألم الحسرة التي تقطع الاكباد فالهم والغم والحسرة ~~والحزن تعمل في نفوسهم نظير ما تعمل الهوام والديدان في أبدانهم بل عملها ~~في النفوس دائم مستمر حتى بردها الله إلى أجسادها فحينئذ ينتقل العذاب إلى ~~نوع هو أدهى وأمر فأين هذا من نعيم من يرفص قلبه طربا وفرحا وأنسا بربه ~~واشتياقا اليه وارتياحا بحبه وطمأنينة بذكره حتى يقول بعضهم في حال نزعه ~~واطرباء ويقول الآخر ان كان أهل الجنة في مثل هذا الحال انهم لفي عيش طيب ~~ويقول الآخر مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا لذيذ العيش فيها ms068 وما ~~ذاقوا أطيب ما فيها ويقول الآخر لو علم الملوك أبناءالملوك ما نحن فيه ~~لخالدونا PageV01P051 عليه بالسيوف ويقول الآخران في الدنيا جنة من لم ~~يدخلها لم يدخل جنة الآخرة فيامن باع حظه الغالي بأبخس الثمن وغبن كل الغبن ~~في هذا العقد وهو يرى انه قد غبن اذا لم يكن لك خبرة بقيمة السلعة فاسئل ~~المقومين فياعجبا من بضاعة معك الله مشتريها وثمنها جنة المأوي والسفير ~~الذي جرى على يده عقد التبايع وضمن الثمن عن المشتري هو الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وقد بعتها بغاية الهوان # اذا كان هذا فعل عبد نفسه % فمن ذاله من بعده ذلك يكرم ومن يهن الله ~~فماله من مكرم إن الله يفعل ما يشاء فصل # ومن عقوباتها انها تعمي بصر القلب وتطمس نوره وتسد طرق العلم وتحجب مواد ~~الهداية وقد قال مالك للشافعي رحمهما الله تعالى لما اجتمع به ورأى تلك ~~المخايل إني أرى الله تعالى قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمه المعصية ~~ولايزال هذا النور يضعف ويضمحل وظلام المعصية يقوى حتى يصير القلب في مثل ~~الليل البهيم فكم من مهلك يسقط فيه وهو لا يبصر كأعمى خرج بالليل في طريق ~~ذات مهالك ومعاطب فياعزة السلامة وياسرة العطب ثم تقوى تلك الظلمات وتفيض ~~من القلب إلى الجوارح فيغشى الوجه منها سواد بحسب قوتها وتزايدها فاذا كانت ~~عند الموت ظهرت في البرزخ فامتلأ القبر ظلمة كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ان هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة وإن الله ينورها بصلاتي عليهم ~~فاذا كان يوم المعاد وحشر العباد وعلت الظلمة الوجوه علوا ظاهرا يراه كل ~~أحد حتى يصير الوجه أسود مثل الجمعه فيالها من عقوبة لا توازن لذات الدنيا ~~بأجمعها من أولها إلى آخرها فكيف يقسط العبد المنغص المنكد المتعب في زمن ~~انما هو ساعة من حلم والله المستعان فصل # ومن عقوباتها انها تصغر النفس وتقمعها وتدسيها وتحقرها حتى تصير أصغر كل ~~شيء وأحقره كما ان الطاعة تنمها وتزكيها وتكبرها قال تعالى قد ms069 أفلح من ~~زكاها وقد خاب من دساها والمعنى قد أفلح من كبرها وأعلاها بطاعة الله ~~وأظهرها وقد خسر من أخفاها وحقرها وصغرها بمعصية الله وأصل التدسية الاخفاء ~~منه قوله تعالى يدسه في التراب فالعاصي يدس نفسه في المعصية ويخفي مكانها ~~ويتوارى من الخلق من سوء ما يأتي به قد انقمع عند نفسه وانقمع عند الله ~~وانقمع عند الخلق فالطاعة والبر تكبر النفس وتعزها وتعليها حتى تصير أشرف ~~شيء وأكبره وأزكاء وأعلاه ومع ذلك فهي أذل شيء وأحقره وأصغره لله تعالى ~~PageV01P052 وبهذا الذل حصل لها هذا العز والشرف والنمو فما صغر النفس مثل ~~معصية الله وما كبرها وشرفها ورفعها مثل طاعة الله فصل # ومن عقوباتها أن العاصي دائما في أسر شيطانه وسجن شهواته وقيود هواه فهو ~~أسير مسجون مقيد ولا أسير أسوء حال من أسير من أسير أسره أعدى عدوله ولا ~~سجن أضيق من سجن الهوى ولا قيد أصعب من قيد الشهوة فكيف يسير إلى الله ~~والدار الآخرة قلب ماسور مسجون مقيد وكيف يخطو خطوة واحدة وإذا تقيد القلب ~~طرقته الآفات من كل جانب بحسب قيوده ومثل القلب الطائر كلما علا بعد عن ~~الآفات وكلما نزل استوحشه الآفات وفي الحديث الشيطان ذئب الانسان وكما أن ~~الشاة التي لا حافظ لها وهي بين الذئاب سريعة العطب فكذا العبد إذا لم يكن ~~عليه حافظ من الله فذئبه مفترسه ولا بد وإنما يكون عليه حافظ من الله ~~بالتقوى فهي وقاية وجنة حصينة بينه وبين ذئبه كما هي وقاية بينه وبين ~~عقوبات الدنيا والآخرة وكلما كانت الشاة أقرب من الراعى كانت أسلم من الذئب ~~وكلما بعدت عن الراعي كانت أقرب إلى الهلاك فاحمي ما تكون الشاة إذا قربت ~~من الراعى وإنما يأخذ الذئب القاصي من الغنم وهي أبعدهن من الراعي وأصل هذا ~~كله إن القلب كلما كان أبعد من الله كانت الآفات اليه أسرع وكلما كان أقرب ~~من الله بعدت عنه الآفات والبعد من الله مراتب بعضها أشد من بعض فالغفلة ~~تبعد العبد عن الله ms070 وبعد المعصية أعظم من بعد الغفلة وبعد البدعة أعظم من ~~بعد المعصية وبعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله # | فصل ومن عقوباتها سقوط الجاه والمنزلة والكرامة عند الله وعند خلقه فان # أكرم الخلق عند الله أتقاهم وأقربهم منه منزلة أطوعهم له وعلى قدر طاعة ~~العبد تكون له منزلة عنده فاذا عصاه وخالف امره سقط من عينه فاسقطه من قلوب ~~عباده وإذا لم يبق له جاه عند الخلق وهان عليهم عاملوه علي حسب ذلك فعاش ~~بينهم أسوء عيش خال الذكر ساقط القدر زرى الحال لاحرمة له فلا فرح له ~~ولاسرور فان خمول الذكر وسقوط القدر والجاه معه كل غم وهم وحزن ولاسرور معه ~~ولافرح وأين هذا الالم من لذة المعصية لولا سكر الشهوة ومن أعظم نعم الله ~~علي العبد أن يرفع له بين العالمين ذكره ويعلى قدره ولهذا خص أنبياءه ورسله ~~من ذلك بما ليس لغيرهم كما قال تعالى وأذكر عبادنا إبراهيم وأسحاق ويعقوب ~~أولى الايدي والابصار أنا أخلصنا هم بخالصة ذكر الدار أي خصصناهم ~~PageV01P053 بخصيصة وهو الذكر الجميل الذي يذكرون به في هذه الدار وهو لسان ~~الصدق الذي سأله إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حيث قال واجعل لي لسان ~~صدق في الآخرين وقال سبحانه وتعالى عنه وعن نبيه ووهبنا لهم من رحمتنا ~~وجعلنا لهم لسان صدق عليا وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم ورفعنا لك ذكرك ~~فاتباع الرسل لهم نصيب من ذلك بحسب ميراثهم من طاعتهم ومتابعتهم وكل من ~~خالفهم فانه من ذلك بحسب مخالفتهم ومعصيتهم # | فصل ومن عقوباتها انها تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف وتكسوه أسماء # الذم والصغار فتسلبه اسم المؤمن والبر والمحسن والمنقي والمطيع والمنيب ~~والولى والورع والمصلح والعابد والخائف والاواب والطيب والرضى ونحوها ~~وتكسوه اسم الفاجر والعاصى والمخالف والمسىء والمفسد والخبيث والمسخوط ~~والزاني والسارق والقاتل والكاذب والخائن واللوطي والغادر وقاطع الرحم ~~وأمثالها فهذه أسماء الفسوق وبئس الاسم الفسوق بعد الايمان التي توجب غضب ~~الديان ودخول النيران وعيش الخزى والهوان وتلك أسماء توجب رضاء الرحمن ~~ودخول الجنان وتوجب ms071 شرف المسمي بها على سائر أنواع الانسان فلو لم يكن في ~~عقوبة المعصية الا إستحقاق تلك الاسماء وموجباتها لكان في العقل ناه عنها ~~ولو لم يكن في ثواب الطاعة الا الفوز بتلك الاسماء وموجباتها لكان في العقل ~~أمر بها ولكن لا مانع لما أعطي الله ولا معطى لما منع ولا مقرب لمن باعد ~~ولا مبعد لمن قرب ومن يهن الله فماله من مكرم وإن الله يفعل ما يشاء فصل # ومن عقوباتها إنها تؤثر بالخاصة في نقصان العقل فلا تجد عاقلين أحدهما ~~مطيع لله والآخر عاص الا وعقل المطيع منهما أو فر وأكمل وفكره أصح ورأيه ~~أمد والصواب قرينه ولهذا تجد خطاب القرآن إنما هو مع أولي الألباب والعقول ~~كقوله فاتقون يا أولي الألباب وقوله فاتقوا الله ياأولي الألباب وقوله وما ~~يذكر الا أولوا الالباب ونظائر ذلك كثيرة وكيف يكون عاقلا وافر العقل من ~~يعصي من هو في قبضته وفي داره وهو يعلم إنه يراه ويشاهده فيعصيه وهو بعينه ~~غير متوار عنه ويستعين بنعمه علي مساخطه ويستدعي كل وقت غضبه عليه ولعنته ~~له وإبعاده من قربه وطرده عن بابه وإعراضه عنه وخذلانه له والتخليه بينه ~~وبين نفسه وعدوه وسقوطه من عينه وحرمانه وروح رضاه وحيه وقرة العين بقربه ~~والفوز بجواره والنظر إلى وجهه في زمرة أوليائه إلى أضعاف أضعاف ذلك ~~PageV01P054 من كرامة أهل الطاعة وأضعاف أضعاف ذلك من عقوبة أهل المعصية ~~فاي عقل لمن آثر لذة ساعة أو يوم أو دهر ثم تنقضي كانها حلم لم يكن على هذا ~~النعيم المقيم والفوز العظيم بل هو سعادة الدنيا والآخرة ولولا العقل الذي ~~تقوم عليه به الحجة لكان بمنزلة المجانين بل قد يكون المجانين أحسن حالا ~~منه وأسلم عاقبة فهذا من هذا الوجه وأما ما تأثيرها في نقصان العقل العيشي ~~فلولا الاشتراك في هذا النقصان لظهر لمطيعنا نقصان عقل عاصينا ولكن الجائحة ~~عامة والجنون فنون وياعجبا لو صحت العقول لعلمت أن الطريق الذى يحصل به ~~اللذة والفرحة والسرور وطيب العيش إنما هو في ms072 رضاء من النعم كله في رضاه ~~والالم والعذاب كله في سخطه وغضبه ففي رضاه قرة العيون وسرور النفوس وحياة ~~القلوب ولذة الأرواح وطيب الحياة ولذة العيش وأطيب النعيم مما لو وزن منه ~~مثقال ذرة بنعيم الدنيا لم تف به بل إذا حصل للقلب من ذلك أيسر نصيب لم يرض ~~بالدنيا وما فيها عوضا منه ومع هذا فهو يتنعم بنصيبه من الدنيا أعظم من ~~تنعم المترفين فيها ولايشوب تنعمه بذلك الحظ اليسير ما يشوب تنعم المترفين ~~من الهموم والغموم والاحزان والمعارضات بل قد حصل له على النعيمين وهو ~~ينتظر نعيمين آخرين أعظم منهما وما يحصل له فى خلال ذلك من الآلام فالامر ~~كما قال سبحانه إن تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ~~مالا يرجون فلا إله إلا الله ما أنقص عقل من باع الدر بالبعر والمسك ~~بالرجيع ومرافقة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين بمرافقة الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعدلهم جهنم وساءت مصيرا ~~فصل # ومن أعظم عقوباتها أنها توجب القطيعة بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى ~~وإذا وقعت القطيعة انقطعت عنه أسباب الخير واتصلت به أسباب الشرفاي فلاح ~~وأي رجاء وأي عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير وقطع ما بينه وبين وليه ~~ومولاه الذي لا غني له عنه طرفة عين ولا بدل له منه ولا عوض له عنه واتصلت ~~به أسباب الشر ووصل ما بينه وبين أعداء عدوله فتولاه عدوه وتخلي عنه وليه ~~فلا تعلم نفس ما فى هذا الانقطاع والاتصال من أنواع الآلام وأنواع العذاب ~~قال بعض السلف رأيت العبد ملقى بين الله سبحانه وبين الشيطان فان أعرض الله ~~عنه تولاه الشيطان وإن تولاه الله لم يقدر عليه الشيطان وقد قال تعالى وإذ ~~قلنا للملائكة اسجدوا الآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ~~أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا يقول ~~سبحانه لعباده أنا أكرمت آباكم ورفعت قدره وفضلته على غيره فامرت ملائكتي ~~كلهم أن ms073 يسجدوا له تكريما وتشريفا PageV01P055 فاطاعوني وابي عدوي وعدوه ~~فعصى أمري وخرج عن طاعتي فكيف يحسن بكم بعد هذا أن تتخذونه وذريته أولياء ~~من دوني فتطيعونه في معصيتى وتوالونه في خلاف مرضاتى وهم أعدا عدولكم ~~فواليتم عدوي وقد أمرتكم بمعاداته ومن والى أعداء الملك كان هو وأعداؤه ~~عنده سواء فان المحبة والطاعة لاتتم إلا بمعادات أعداء المطاع وموالات ~~أوليائه وأما ان توالى أعداء الملك ثم تدعي انك موال له فهذا محال هذا لو ~~لم يكن عدو الملك عدوا لكم فكيف إذا كان عدوكم على الحقيقة والعدواة التي ~~بينكم وبينه أعظم من العداوة التى بين الشاة وبين الذئب فكيف يليق بالعاقل ~~أن يوالى عدوه وعدو وليه ومولاه الذي لا مولى له سواه ونبه سبحانه على قبح ~~هذه الموالات بقوله وهم لكم عدو وكما نبه على قبحها بقوله تعالى ففسق عن ~~أمر ربه فتبين أن عداوته لربه وعداوته لنا كل منهما سبب يدعو إلى معاداته ~~فما هذه الموالات وما هذا الاستبدال بئس للظالمين بدلا ويشبه أن يكون تحت ~~هذا الخطاب نوع من العقاب نظيفا عجيبا وهو اني عاديت إبليس إذ لم يسجد ~~لابيكم آدم مع ملائكتى فكانت معاداته لاجلكم ثم كان عاقبة هذه المعادات أن ~~عقدتم بينكم وبينه عقدا المصالحة فصل # ومن عقوباتها انها تمحق بركة العمر وبركة الرزق وبركة العلم وبركة العمل ~~وبركة الطاعة وبالجملة أنها تمحق بركة الدين والدنيا فلاتجد أقل بركة في ~~عمره ودينه ودنياه ممن عصي الله وما محت البركة من الأرض إلا بمعاصى الخلق ~~قال الله تعالي ولو أن اهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من ~~السماء والأرض وقال تعالى وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ~~لنفتنهم فيه وأن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وفي الحديث أن روح القدس ~~نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله واجملوا في ~~الطلب فإنه لا ينال ما عند الله الا بطاعته وإن الله جعل الروح والفرح في ~~الرضاء واليقين وجعل الهم والحزن في الشك ms074 والسخط وقد تقدم الاثر الذي ذكره ~~أحمد في كتاب الزهد أنا الله إذا رضيت باركت وليس لبركتي منتهى وإذا غضبت ~~لعنت ولعنتي تدرك السابع من الولد وليست سعة الرزق والعمل بكثرته ولا طول ~~العمر بكثرة الشهور والاعوام ولكن سعة الرزق والعمر بالبركة فيه وقد تقدم ~~أن عمر العبد هو مدة حياته ولاحياة لمن أعرض عن الله واشتغل بغيره بل فحياة ~~البهائم خير من حياته فإن حياة الانسان بحياة قلبه وروحه ولاحياة لقلبه إلا ~~بمعرفة فاطره ومحبته وعبادته وحده أو الانابة اليه والطمانينة بذكره والانس ~~بقربه ومن فقد هذه الحياة فقد الخير كله ولو تعوض عنها بما تعوض به الدنيا ~~بل ليست PageV01P056 الدنيا بأجمعها عوضا عن هذه الحياة فمن كل شيء يفوت ~~العبد عوض وإذا فاته الله لم يعوض عنه شيء البتة وكيف يعوض الفقير بالذات ~~عن الغنى بالذات والعاجز بالذات عن القادر بالذات والميت عن الحي الذي لا ~~يموت والمخلوق عن الخالق ومن لا وجود له فلا شيء له من ذاته البتة عمن غناء ~~وحياته وكماله ووجوده ورحمته من لوازم ذاته وكيف يعوض من لا يملك مثقال ذرة ~~عمن له ملك السموات والأرض وإنما كانت معصية الله سببا لمحق بركة الرزق ~~والاجل لان الشيطان موكل بها وبأصحابها فسلطانه عليهم وحوالته على هذا ~~الديون وأهله وأصحابه وكل شيء يتصل به الشيطان ويقارنه فبركته ممحوقة ولهذا ~~شرع ذكر إسم الله تعالى عند الأكل والشرب واللبس والركوب والجماع لما في ~~مقارنة إسم الله من البركة وذكر إسمه يطرد الشيطان فتحصل البركة ولا معارض ~~لها وكل شيء لا يكون لله فبركته منزوعة فان الرب هو الذي يبارك وحده ~~والبركة كلها منه وكلما نسب اليه مبارك فكلامه مبارك ورسوله مبارك وعبده ~~المؤمن النافع لخلقه مبارك وبيته الحرام مبارك وكنانته من أرضه وهى الشام ~~أرض البركة وصفها بالبركة في ست آيات من كتابه فلا مبارك الا هو وحده ولا ~~مبارك الا ما نسب اليه أعنى إلى محبته وألوهيته ورضاه وإلا فالكون كله ~~منسوب إلى ربوبيته وخلقه ms075 وكلما باعده من نفسه من الاعيان والاقوال والاعمال ~~فلا بركة فيه ولا خير فيه وكلما كان منه قريبا من ذلك ففيه من البركة علي ~~قدر قربه منه وضد البركة اللعنة فأرض لعنها الله أو شخص لعنه الله أو عمل ~~لعنه الله أبعد شيء من الخير والبركة وكلما اتصل بذلك وارتبط به وكان منه ~~بسبيل فلا بركة فيه البتة وقد لعن عدوه إبليس وجعله أبعد خلقه منه فكل ما ~~كان من جهته فله من لعنة الله بقدر قربه منه وإتصاله فمن ههنا كان للمعاصي ~~أعظم تأثير في محق بركة العمر والرزق والعلم والعمل فكل وقت عصيت الله فيه ~~أو مال عصى الله به أو بدن أو جاه أو علم أو عمل فهو على صاحبه ليس له فليس ~~له من عمره وماله وقوته وجاهه وعلمه وعمله الا ما أطاع الله به ولهذا من ~~الناس من يعيش في هذه الدار مائة سنة أو نحوها ويكون عمره لايبلغ عشرين سنة ~~أو نحوها كما أن منهم من يملك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ويكون ~~ماله في الحقيقة لا يبلغ ألف درهم أو نحوها وهكذا الجاه والعلم وفي الترمذي ~~عنه صلى الله عليه وسلم الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله عز وجل ~~وما والاه أو عالم أو متعلم وفي آثر آخر ملعونة ما فيها الا ما كان لله هذا ~~هو الذي فيه البركة خاصة والله المستعان PageV01P057 فصل # ومن عقوباتها أنها تجعل صاحبها من السفلة بعد ان كان مهيئا لان يكون من ~~العلية فان الله خلق خلقه قسمين علية وسفلة وجعل عليين مستقر العلية وأسفل ~~سافلين مستقر السفلة وجعل أهل طاعته الاعليين في الدنيا والاخرة وأهل ~~معصيته الاسفلين في الدنيا والآخرة كما جعل أهل طاعته أكرم خلقه عليه وأهل ~~معصيته أهون خلفه عليه وجعل العزة لهؤلاء والذلة والصغار لهؤلاء كما في ~~مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~جعلت الذلة والصغار على من خالف أمرى وكلما ms076 عمل العبد معصية نزل إلى أسفل ~~درجة ولا يزال في نزول حتي يكون من الاسفلين وكلما عمل طاعة ارتفع بها درجة ~~ولا يزال في ارتفاع حتى يكون من الاعليين وقد يجمتع للعبد في أيام حياته ~~الصعود من وجه والنزول من وجه وأيهما كان أغلب عليه كان من أهله فليس من ~~صعد مائة درجة ونزل درجة واحدة كمن كان بالعكس ولكن يعرض ههنا للنفوس غلط ~~عظيم وهو أن العبد قد ينزل نزولا بعيدا أبعد مما بين المشرق والمغرب ومما ~~بين السماء والأرض ولا يفيء بصعوده ألف درجة بهذا النزول الواحد كما فى ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن العبد ليتكلم بالكلمة ~~الواحدة ولا يلقى لها بالا يهوى بها فى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب ~~فأي صعود يوازن هذه النزلة والنزول أمر لازم للانسان ولكن من الناس من يكون ~~نزوله إلى غفلة فهذا متى استيقظ من عفلته عاد إلى درجته أو إلى أرفع منها ~~بحسب يقظته ومنهم من يكون نزوله إلى مباح لاينوى به الاستعانة على الطاعة ~~فهذا اذا رجع إلى الطاعة قد يعود الي درجته وقد لا يصل اليها وقد يرتفع ~~عنها فانه قد يعود أعلي همة مما كان وقد يكون اضعف همة وقد تعود همته كما ~~كانت ومنهم من يكون نزوله الي معصية إما صغيرة أو كبيرة فهذا يحتاج فى عوده ~~الي درجته الي توبة نصوح وانابه صادقة واختلف الناس هل يعود بعد التوبة إلى ~~درجته التي كان فيها بناء على أن التوبة تمحو أثر الذنب وتجعل وجوده كعدمه ~~فكانه لم يكن أولا يعود بناء على أن التوبة تأثيرها فى إسقاط العقوبة وأما ~~الدرجة التي فاتته فانه لايصل اليها قالوا وتقرير ذلك انه كان مستعدا ~~باشتغاله بالطاعة في الزمن الذى عصى فيه لصعود آخر وارتفاعه بجملة أعماله ~~السابقة بمنزلة كسب الرجل كل يوم بجملة ماله الذي يملكه وكلما تضاعف المال ~~تضاعف الربح فقد راح عليه في زمن المعصية ارتفاع وربح بجملة أعماله فاذا ~~استأنف العمل ms077 استأنف صعودا من نزول وكان قبل ذلك صاعدا من أسفل إلى اعلى ~~وبينهما بون عظيم قالوا ومثل ذلك PageV01P058 رجلان مرتقيان في سليمن لا ~~نهاية لهما وهما سواء فنزل أحدهما إلى أسفل ولو درجة واحدة ثم استأنف ~~الصعود فإن الذي لم ينزل يعلو عليه ولا بد وحكم شيخ ابن تيمية بين ~~الطائفتين حكما مقبولا فقال التحقيق ان من التائبين من يعود إلى أرفع من ~~درجته ومنهم من يعود إلى من مثل درجته ومنهم من لا يصل إلى درجته ومنهم من ~~يعود إلى درجته قلت وهذا بحسب قدر التوبة وكما لها وما أحدثت المعصية للعبد ~~من الذل والخضوع والانابة والحذر والخوف من الله والبكاء من خشية الله وقد ~~تقوى على هذه الامور حتى يعود التائب إلى زرفع من درجته ويصير بعد التوبة ~~خيرا منه قبل الخطيئة فهذا قد تكون الخطيئة في حقه رحمة فانها نفت عنه داء ~~العجب وخلصته من ثقته بنفسه وأعماله ووضعت خد ضراعته وذله وإنكساره على ~~عتبة باب سيده ومولاه وعرفته قدره واشهدته فقره وضرورته إلى حفظ سيده له ~~ومولاه وعرفته قدره واشتهدته فقره وضرورته إلى حفظ سيده له ومولاه والى ~~عفوه عنه ومغفرته له وأخرجت من قلبه صولة الطاعة وكسرت أنفه من أن يشمخ بها ~~أو يتكبر بها أو يرى نفسه بها خيرا من غيره وأوقفته بين يدي ربه موقف ~~الخطائين المذنبين ناكس الرأس بين يدي ربه مستحيا خائفا منه وجلا محتقرا ~~لطاعته مستعظما لمعصيته عرف نفسه بالنقص والذم وربه متفرد بالكمال والحمد ~~والوفي كما قيل # استأثر الله بالوفى وبالحم % د وولي الملامة الرجلا فصل # فاي نعمة وصلت من الله اليه استكثرها على نفسه ورأى نفسه دونها ولم يرها ~~أهلا لها وأي نقمة أو بلية وصلت اليه رأي نفسه أهلا لما هو أكبر منها ورأى ~~مولاه قد أحسن اليه إذ لم يعاقبه على قدر جرمه ولاشطره ولا أدني جزء منه ~~فان ما يستحقه من العقوبة لاتحمله الجبال الراسيات فضلا عن هذا العبد ~~الضعيف العاجز فان الذنب وان صغر ms078 فان مقابله العظيم الذى لاشيء أعظم منه ~~الكبير الذي لاشيء أكبر منه الجليل الذى لا أجل منه ولا أجمل المنعم بجميع ~~أنواع النعم دقيقها وجليلها من أقبح الامور وافظعها واشنعها فان مقابلة ~~العظماء والاجلاء وسادات الناس بمثل ذلك يستقبحه كل أحد مؤمن وكافر وأرذل ~~الناس واسقطهم مرؤة من قابلهم بالرذائل فكيف بعظيم السموات والأرض وملك ~~السموات والأرض وإله أهل السموات والأرض ولولا أن رحمته سبقت غضبه ومغفرته ~~سبقب عقوبته والا لتزلزلت الأرض بمن قابله بمالا تليق مقابلته به ولولا ~~حلمه ومغفرته لزالت السموات والأرض من معاصي العباد قال تعالى ان الله يمسك ~~السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان ~~حليما غفورا فتأمل ختم هذه الآية PageV01P059 بأسمين من أسمائه وهما الحليم ~~والغفور كيف تجد تحت ذلك انه لولا حلمه عن الجناة ومغفرته للعصاة لما ~~استقرت السموات والأرض وقد أخبر سبحانه عن كفر بعض عباده أنه تكاد السموات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هذا وقد أخرج الله سبحانه الأبوين من ~~الجنة بذنب واحد ارتكباه وخالفا فيه نهيه ولعن إبليس وطرده وأخرجه من ملكوت ~~السموات بذنب واحد ارتكبه وخالف فيه أمره ونحن معاشرا الحمقاء كما قيل # نصل الذنوب إلى الذنوب ونرتجى % درج الجنان لذي النعيم الخالد # ولقد علمنا أخرج الابوين من % ملكوتها الأعلى بذنب واحد # والمقصود أن العبد قد يكون بعد التوبة خيرا مما كان قبل الخطيئة وأرفع ~~درجة وقد تضعف الخطيئة همته وتوهن عزمه وتمرض قلبه فلا يقوى ذو التوبة على ~~إعادته إلى الصحة الاولى فلا يعود إلى درجته وقد يزول المرض بحيث تعود ~~الصحة كما كانت ويعود إلى مثل عمله فيعود إلى درجته هذا كله إذا كان نزوله ~~إلى معصيته فان كان نزوله إلى أمر يقدح في أصل إيمانه مثل الشكوك والريب ~~والنفاق فذاك نزول لا يرجى لصاحبه صعود الا بتجديد إسلامه من رأسه فصل # ومن عقوباتها أنها تجتريء على العبد ما لم يكن يجتريء عليه من أصناف ~~المخلوقات فتجتري عليه الشياطين بالاذي ms079 والأغواء والوسوسة والتخويف ~~والتعزيز وإنسانه ما مصلحته في ذكره ومضربه في نسيانه فتجترىء عليه ~~الشياطين حتي تؤزه إلى معصية الله أزا وتجترىء عليه شياطين الانس بما تقدر ~~عليه من الأذى في غيبته وحضوره وتجترىء أهله وخدمه وأولاده وجيرانه حتي ~~الحيوان البهيم قال بعض السلف اني لاعصي الله فاعرف ذلك في خلق امري ودابتي ~~وكذلك تجترى عليه نفسه فتأسد عليه وتصعب عليه فلو أرادها لخير لم تطاوعه ~~ولم تنقد له وتسوقه إلى ما فيه هلاكه شاء أم أبي وذلك لان الطاعة حصن الرب ~~تبارك وتعالى الذى من دخله كان من الآمنين فاذا فارق الحصن اجترىء عليه ~~قطاع الطريق وغيرهم وعلى حسب اجترائه على معاصى الله يكون اجتراء هذه ~~الآفات والنفوس عليه وليس شيء يرد عنه فان ذكر الله وطاعته والصدقة وإرشاد ~~الجاهل والامر بالمعروف والنهى عن المنكر وقاية ترد عن العبد بمنزلة القوة ~~التي ترد المرض وتقاومه فاذا سقطت القوة غلب وارد المرض وكان الهلاك ولا بد ~~للعبد من شيء يرد عنه فان موجب السيئات والحسنات يتدافع ويكون الحكم للغالب ~~كما تقدم وكلما قوى جانب الحسنات كان الرد أقوي كما تقدم PageV01P060 فان ~~الله يدافع عن الذين آمنوا والايمان قول وعمل فيحسب قوة الايمان تكون قوة ~~الدفع والله المستعان فصل # ومن عقوباتها أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه فأن كل أحد محتاج ~~إلى معرفة ما ينفعه وما يضره في معاشه ومعاده وأعلم الناس أعرفهم بذلك على ~~التفصيل وأقواهم وأكيسهم من قوى على نفسه وإرادته فاستعملها فيما ينفعه ~~وكفها عما يضره وفي ذلك تفاوت معارف الناس وهممهم ومنازلهم فاعرفهم من كان ~~عارفا باسباب السعادة والشقاوة وأرشدهم من آثر هذه على هذه كما ان أسفههم ~~من عكس الامر والمعاصي تخون العبد أحوج ما كان إلى نفسه في تحصيل هذا العلم ~~وإيثار الحظ الاشرف العالي الدائم على الحظ الخسيس الادني المنقطع فتحجبه ~~الذنوب عن كمال هذا العلم ومن الاشتغال بما هو أولى به وأنفع له في الدارين ~~فاذا وقع مكروه واحتاج إلى التخلص ms080 منه خانه قلبه ونفسه وجوارحه وكان بمنزلة ~~رجل معه سيف قد غشيه الحرب ولزم قرابه بحيث لا ينجذب مع صاحبه اذا جذبه ~~فعرض له عدو يريد قتله فوضع يده على قائم سيفه واجتهد ليخرجه فلم يخرج معه ~~فدهمه العدو وظفر به كذلك القلب يصدىء بالذنوب ويصير مثخنا بالمرض فاذا ~~احتاج إلى محاربة العدو لم يجد معه منه شيئا والعبد انما يحارب ويصاول ~~ويقدم بقلبه والجوارح تبع للقلب فاذا لم يكن عند ملكها قوة يدفع به فما ~~الظن بها عند عدم ملكها وكذلك النفس فانها تخبث بالشهوات والمعاصي وتضعف ~~أعني النفس المطمئنة وإن كانت الامارة تقوى وتتأسد وكلما قويت هذه ضعفت هذه ~~فبقى الحكم والتصرف للامارة وربما ماتت نفسه المطمئنة موتا لايرجي معه حياة ~~فهذا ميت في الدنيا ميت في البرزخ غير حي في الآخرة حياة ينتفع بها بل ~~حياته حياة يدرك بها الالم فقط والمقصود أن العبد إذا وقع في شدة أو كربة ~~أوبلية خانه قلبه ولسانه وجوارحه عما هو أنفع شيء له فلا ينجذب قلبه للتوكل ~~على الله تعالى والانابة اليه والجمعية عليه والتضرع والتذلل والانكسار بين ~~يديه ولا يطاوعه لسانه لذكره وان ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه فلا ~~ينحبس القلب على اللسان بحيث يؤثر فيه الذكر ولا ينحبس اللسان والقلب علي ~~المذكور بل إن ذكر أو دعا ذكر بقلب غافل لاه ساه ولو أراد من جوارحه أن ~~تعينه بطاعة تدفع عنه لم تنقد له ولم تطاوعه وهذا كله أثر الذنوب والمعاصي ~~كمن له جند يدفع عنه الاعداء فاهمل جنده وضيعهم وأضعفهم وقطع أخبارهم ثم ~~أراد منهم عند هجوم العدو عليه أن يستفرغوا وسعهم في الدفع عنه بغير قوة ~~هذا وثم أمر أخوف من PageV01P061 ذلك وأدهي وأمر وهو أن يخونه قلبه ولسانه ~~عند الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى فربما تعذر عليه النطق بالشهادة كما ~~شاهد الناس كثيرا من المحتضرين أصابهم ذلك حتى قيل لبعضهم قل لا إله إلا ~~الله فقال آه آه لا أستطيع أن أقولها وقيل ms081 لآخر قل لا إله إلا الله فقال ~~شاه رخ غلبنك ثم قضى وقيل لآخر قل لا إله إلا الله فقال # يارب قائلة يوما وقد تعبت % أين الطريق إلى حمام منجاب # ثم قضى وقيل لآخر قل لا إله إلا الله فجعل يهذي بالغناء ويقول تاتا ~~ننتنتا فقال وما ينفعني ما تقول ولم أدع معصية الا ركبتها ثم قضى ولم يقلها ~~وقيل لآخر ذلك فقال وما يغني عني وما أعلم اني صليت لله تعالى صلاة ثم قضى ~~ولم يقلها وقيل لآخر ذلك فقال هو كافر بما تقول وقضي وقيل لآخر ذلك فقال ~~كلما أردت أن أقولها فلساني يمسك عنها وأخبرني من حضر بعض الشحاذين عند ~~موته فجعل يقول لله فليس لله فليس حق قضي وأخبرني بعض التجار عن قرابة له ~~انه احتضر وهو عنده فجعلوا يلقنونه لا إله إلا الله وهو يقول هذه القطعة ~~رخيصة هذا مشتري جيد هذه كذا حتى قضي وسبحان الله كم شاهد الناس من هذا ~~عبرا والذي يخفي عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم وإذا كان العبد في ~~حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قد تمكن منه الشيطان واستعمله بما يريده ~~من المعاصي وقد أغفل قلبه عن ذكر الله تعالى وعطل لسانه من ذكره وجوارحه عن ~~طاعته فكيف الظن به عند سقوطه قواه واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألم ~~النزع وجمع الشيطان له كل قوته وهمته وحشد عليه بجميع ما يقدر عليه لينال ~~منه فرضته فان ذلك آخر العمل فاقوي ما يكون عليه شيطانه ذلك الوقت وأضعف ما ~~يكون هو في تلك الحالة فمن تري يسلم علي ذلك فهناك يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ~~ما يشاء فكيف يوفق لحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن ذكره واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا فبعيد من قلب بعيد من الله تعالى غافل عنه متعبد لهواه ~~مصير لشهواته ولسانه يابس من ذكره وجوارحه معطلة من طاعته مشتغلة بمعصية ms082 ~~الله أن يوفق لحسن الخاتمة ولقد قطع خوف الخاتمة ظهور المتقين وكأن ~~المسيئين الظالمين قد أخذوا توقيعا بالايمان أم لكم أيمان علينا بالغة الي ~~يوم القيامة ان لكم لما تحكمون سلهم أيهم بذلك زعيم # يا آمنا من قبيح الفعل يصنعه % هل أتاك تواقيع أم أنت تملكه # جمعت شيئين أمثا واتباع هوى % هذا وإحداهما في المرء تهلكه # والمحسنون على درب المخاوف قد % ساروا وذلك درب لست تسلكه PageV01P062 # فرطت في الزرع وقت البذر من سفه % فكيف عند حصاد الناس تدركه # هذا وأعجب شىء منك زهدك في % دار البقاء بعيش سوف تتركه # من السفيه اذا بالله أنت أم السمغبون % في البيع غبنا سوف تدركه فصل # ومن عقوباتها أنها تعمي القلب فان تعمه أضعفت بصيرته ولا بد وقد تقدم ~~بيان أنها تضعفه ولابد فاذا عمي القلب وضعف فانه من معرفة الهدى وقوته على ~~تنفيذه في نفسه وفي غيره بحيث تضعف بصيرته وقوته فان كمال الانسان مداره في ~~أصلين معرفة الحق من الباطل وإيثاره عليه وما تفاوتت منازل الخلق عند الله ~~تعالى في الدنيا والآخرة الا بقدر تفاوت منازلهم في هذين الأمرين وهما ~~اللذان أثني الله بهما سبحانه على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام في قوله ~~تعالى واذكر عبادنا إبراهيم واسحق ويعقوب أولى الأيدي والأبصار فالأيدي ~~القوة في تنفيذ الحق والأبصار البصائر في الدين فوصفهم بكمال إدراك الحق ~~وكمال تنفيذه وانقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام فهؤلاء أشرف الأقسام ~~من الخلق وأكرمهم على الله تعالى القسم الثاني عكس هؤلاء من لا بصيرة له في ~~الدين ولا قوة على تنفيذ الحق وهم أكثر هذا الخلق الذين رؤيتهم قذي للعيون ~~وحمي الأرواح وسقم القلوب يضيقون الديار ويغلون الأسعار ويستفارد من صحبتهم ~~الا العار والشنار القسم الثالث من له بصيرة في الهدى ومعرفة به لكنه ضعيف ~~لا قوة له على تنفيذه ولا الدعوة اليه وهذا حال المؤمن الضعيف والمؤمن ~~القوي خير واحب إلى الله منه القسم الرابع من له قوة وهمة وعزيمة لكنه ضعيف ~~البصيرة في الدين لا ms083 يكاد يميز بين أولياء الرحمن من أولياء الرحمن الشيطان ~~بل يحسب كل سوداء تمرة وكل بيضاء شحمة يحسب الورم شحما والدواء النافع سما ~~وليس في هؤلاء من يصلح للامامة فى الدين ولا هو موضعا لها سوي القسم الأول ~~قال الله تعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا ~~يوقنون فاخبر سبحانه ان بالصبر واليقين نالوا الامامة فى الدين وهؤلاء هم ~~الذين استثناهم الله سبحانه من جملة الخاسرين وأقسم بالعصر الذي هو زمن سعى ~~الخاسرين والرائحين على ان عداهم فهو من الخاسرين فقال تعالى @QB@ والعصر ~~إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر @QE@ فلم يكتف منهم بمعرفة الحق والصبر عليه حتي يوصى بعضهم بعضا ~~ويرشده اليه ويحثه عليه فاذا كان من عدا هؤلاء فهو من الخاسرين فمعلوم ان ~~المعاصي والذنوب تعمي بصيرة القلب فلا يدرك الحق كما ينبغي وتضعف قوته ~~وعزيمته فلا يصبر عليه بل قد تتوارد على القلب حتي ينعكس PageV01P063 ~~إدراكه كما ينعكس سيره فيدرك الباطل حقا والحق باطلا والمعروف منكرا ~~والمنكر معروفا فينتكس في سيره ويرجع عن سفره إلى الله والدار الآخرة إلى ~~سفره إلى مستقر النفوس المبطلة التي رضيت بالحياة الدنيا واطمأنت بها وغفلت ~~عن الله وآياته وتركت الاستعداد للقائه ولو لم يكن في عقوبة الذنوب الا هذه ~~وحدها لكانت كافية داعية إلى تركها والبعد منها والله المستعان وهذا كما ان ~~الطاعة تنور القلب وتجلوه وتصقله وتقويه وتثبته حتى يصير كالمرآة المجلوة ~~في جلائها وصفائها فيتمليء نورا فاذا دني الشيطان منه أصابه من نور ما يصيب ~~مسترق السمع من الشهب الثواقب فالشيطان يفرق من هذا القلب أشد من فرق الذئب ~~من الاسد حتى ان صاحبه ليصرع الشيطان فيخر صريعا فيجتمع عليه الشياطين ~~فيقول بعضهم لبعض ما شأنه فيقال أصابه أنسي وبه نظرة من الأنس # فيا نظرة من قلب حر منور % يكاد لها الشيطان بالنور يحرق أفيستوي هذا ~~القلب وقلب مظلم أرجاؤه مختلفة أهواؤه قد أتخذه الشيطان وطنه وأعده مسكنه ~~اذا تصبح بطلعته ms084 حياه وقال فديت من لا يفلح في دنياه ولا في اخراه # انا قرينك في الدنيا وفي الحشر بعدها % فانت قرين لى بكل مكان # فان كنت في دار الشقاء فانني % وأنت جميعا في شقا وهوان قال الله تعالى ~~ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وأنهم ليصدونهم عن ~~السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال ياليت بيني وبينك بعد ~~المشرقين فبئس القرين ولن ينفعكم اليوم إذا ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ~~فاخبر سبحانه ان من عشي عن ذكره وهو كتابه الذي أنزل علي رسول صلى الله ~~عليه وسلم وبارك فيه فاعرض عنه وعمى عنه وغشت بصيرته عن فمه وتدبره ومعرفة ~~مراد الله منه قيض الله له شيطانا عقوبة له في إعراضه عن كتابه فهو قرينه ~~الذي لا يفارقه لا في الاقامة ولا في المسير ومولاه وعشيره الذي هو بئس ~~المولى وبئس العشير # رضيعي لبان ثدي أن تقلما % بأسحم واج عوض لا يتفرق ثم أخبر سبحانه ان ~~الشيطان ليصد قرينه ووليه عن سبيله الموصل اليه والى جنته ويحسب هذا الضال ~~المضل الصدود أنه على طريق هدي حتي اذا جاء القرينان يوم القيامة يقول ~~أحدهما للآخر ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين كنت لى في الدنيا ~~أضللتني عن الهدى يعد إذ جاءني وصددتنى عن الحق واغوايتني حتى هلكت وبئس ~~القرين أنت لى اليوم ولما كان المصاب إذا شاركه غيره في مصيبة حصل بالتأسي ~~نوع تخفيف وتسلية أخبر الله سبحانه أن هذا غير موجود وغير حاصل في حق ~~المشتركين في العذاب وأن PageV01P064 القرين لا يجد راحة ولا أدنى فرح ~~بعذاب قرينه معه وإن كانت المصائب في الدنيا إذا عمت صارت مسلاة كما قالت ~~الخنساء فى أخيها صخر # ولولا كثرة الباكين حولى % على إخوانهم لقتلت نفسى # وما يبكون مثل أخى ولكن % أغري النفس عنه بانأسي # الا يا صخر لا أنساك حتى % أفارق عيشتي وورود رمسي # فمنع الله سبحانه هذا القدر من الراحة على أهل النار فقال ولن ينفعكم ~~اليوم ms085 اذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون فصل # ومن عقوباتها إنها مدد من الانسان يمد به عدوه عليه وحبش يقويه به على ~~حربه وذلك أن الله سبحانه ابتلى هذا الانسان بعدو لا يفارقه طرفة عين صاحبه ~~ينام ولا ينام عنه ويغفل ولا يغفل عنه يراه هو وقبيله من حيث لا يراه يبذل ~~جهده في معاداته بكل حال لا يدع أمر يكيده به يقدر على إيصاله اليه الا ~~أوصله ويستعين عليه ببني جنسه من شياطين الانس وغيرهم من شياطين الجن وقد ~~نصب له الحبائل وبغي له الغوائل ومد حوله الاشراك ونصب له الفخاخ والشباك ~~وقال لا عوانه دونكم عدوكم وعدو أبيكم لا يفوتكم ولا يكون حظه الجنة وحظكم ~~النار ونصيبه الرحمة ونصيبكم اللعنة وقد علمتم إن ما جرى علي وعليكم من ~~الخزي واللعن والابعاد من رحمة الله بسببه ومن أجله فابذلوا جهدكم أن ~~يكونوا شركاءنا في هذه البلية اذا قد فاتنا شركة صالحيهم في الجنة ولما علم ~~سبحانه أن آدم وبنيه قد بلوا بهذا العدو وسلطوا عليهم أمدهم بعساكر وجند ~~يلقون بها وأمد عدوهم أيضا بجند وعساكر يلقاهم به وأقام سوق الجهاد في هذه ~~الدار في مدة العمر التي هي بالاضافة إلى الآخرة كنفس واحد من أنفاسها ~~واشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله ~~فيقتلون ويقتلون وأخبر ان ذلك وعد مؤكد عليه في أشرف كتبه وهي التوارة ~~والانجيل والقرآن ثم أخبر انه لا أوفى بعهده منه سبحانه ثم أمرهم أن ~~يستبشروا بهذه الصفة التي من أراد أن يعرف قدرها فلينظر إلى المشتري من هو ~~والى الثمن المبذول في هذه السلعة والى من جرى على يديه هذا العقد فاي فوز ~~أعظم من هذا وأي تجارة أربح منه ثم أكد سبحانه معهم هذا الامر بقوله ياأيها ~~الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم تؤمنون بالله ورسوله ~~وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر ~~لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات PageV01P065 @QB@ تجري من تحتها ms086 الأنهار ومساكن ~~طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب ~~وبشر المؤمنين @QE@ ولم يسلط سبحانه هذا العدو على عبده المؤمن الذي هو أحب ~~المخلوقات اليه إلا لان الجهاد أحب شيء اليه وأهله أرفع الخلق عنده درجات ~~وأقربهم اليه وسيلة فعقد سبحانه لواء هذا الحرب لخلاصة مخلوقاته وهو القلب ~~الذي محل معرفته ومحبته وعبوديته والاخلاص له والتوكل عليه والانابة اليه ~~فولاه أمر هذا الحرب وأيده بجند من الملائكة لا يفارقونه له معقبات من بين ~~يده ومن خلفه يحفظونه من أمر الله يعقب بعضهم بعضا كلما جاء جند وذهب جاء ~~بدله آخر يثبتونه ويأمرونه بالخير ويحضونه عليه ويعدونه بكرامة الله ~~ويصبرونه ويقولون إنما هو صبر ساعة وقد استرحت راحة الأبد ثم أيده سبحانه ~~بجند آخر من وحيه وكلامه فارسل إليه رسوله صلى الله عليه وسلم وأنزل اليه ~~كتابه فازداد قوة إلى قوته ومددا إلى مدده وعدة إلى عدته وأمده مع ذلك ~~بالعقل وزيرا له ومدبرا وبالمعرفة مشيرة عليه ناصحة له وبالايمان مثبتا له ~~ومؤيدا وناصرا وباليقين كاشفا له عن حقيقة الامر حتى كأنه يعاين ما وعد ~~الله تعالى أولياءه وحزبه على جهاد أعدائه فالعقل يدبر جيشه والمعرفة تصنع ~~له أمور الحرب وأسبابها ومواضعها اللائفة بها والايمان يثبته ويقويه ويصبره ~~واليقين يقدم به ويحمل به الحملات الصادقة ثم مد سبحانه القائم بهذا الحرب ~~بالقوى الظاهرة والباطنة فجعل العين طليعة والأذن صاحب خبرة واللسان ~~ترجمانه واليدين والرجلين أعوانه وأقام ملائكته وحملة عرشه يستغفرون له ~~ويسئلون له أن يقيه السيئات ويدخله الجنات وتولى سبحانه الدفع والدفاع عنه ~~بنفسه وقال هؤلاء حزب الله وحزب الله هم المفلحون وهؤلاء جنده وإن جندنا ~~لهم الغالبون وعلم عباده كيفية هذا الحرب والجهاد فجمعها لهم في أربع كلمات ~~فقال يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ~~ولا يتم هذا امر الجهاد الا بهذه الامور الاربعة فلا يتم الصبر الا بمصابره ~~العدو وهو مقاومته ومنازلته فاذا صابر عدوه احتاج إلى أمر ms087 آخر وهي المرابطة ~~وهي لزوم ثغر القلب وحراسته لئلا يدخل منه العدو ولزوم ثغر العين والاذن ~~واللسان والبطن واليد والرجل فهذه الثغور يدخل منه العدو فيجوس خلال الديار ~~ويفسد ما قدر عليه فالمرابطة لزوم هذه الثغور ولا يخلى مكانها فيصادف العدو ~~والثغر خاليا فيدخل منها فهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خير ~~الخلق بعد النبيين والمرسلين صلى الله عليه وسلم أجمعين وأعظم حماية وحراسة ~~من الشيطان الرجيم وقد خلوا المكان الذي أمروا بلزومه يوم أحد فدخل منه ~~العدو فكان ما كان وإجماع هذه الثلاثة وعمودها الذي تقوم به هو تقوى الله ~~فلا ينفع الصبر ولا المصابرة ولا المرابطة الا بالتقوى ولا تقوم التقوى الا ~~علي ساق الصبر PageV01P066 فانظر الآن فيك إلى التقاء الجيشين واصطدام ~~العسكرين وكيف تداله مرة ويدال عليك أخري أقبل ملك الكفرة بجنوده وعساكره ~~فوجد القلب في حصنه جالسا على كرسي مملكته أمره نافذ في أعوانه وجنده قد ~~حصنوا به يقاتلون عنه ويدافعون عن حوزته فلم يمكنهم الهجوم عليه الا ~~بمخامرة بعض أمرائه وجنده عليه فسأل عن أخص الجند به وأقربهم منه منزلة ~~فقيل له هي النفس فقال لاعوانه أدخلوا عليها من مرادها وانظروا موقع محبتها ~~وما هو محبوبها فعدوها به ومنوها اياه وانقشوا صورة المحبوب فيها في يقظتها ~~ومنامها فاذا اطمأنت اليه وسكنت عنده فاطرحوا عليها كلاليب الشهوة ~~وخطاطيفها ثم جروها بها اليكم فاذا خامرة على القلب وصارة معكم عليه ملكتم ~~ثغر العين والاذن واللسان والفم واليد والرجل فرابطوا على هذا الثغور كل ~~المرابطة فمتي دخلتم منها إلى القلب فهو قتيل أو أسير أو جريح مثخن ~~بالجراحات ولا تخلوا هذه الثغور ولا تمكنوا سرية تدخل منها إلى القلب ~~فتخرجكم منها وان غلبتم فاجتهدوا في إضعاف السرية ووهنها حتي لاتصل إلى ~~القلب فان وصلت اليه وصلت ضعيفة لا تغني عنه شيئا فاذا استوليتم على هذه ~~الثغور فامنعوا اثغر العين أن يكون نظره إعتبارا بل أجعلوا نظره تفرحا ~~واستحسانا وتلهيا فان استرق نظرة عبرة فافسدوهم عليه بنظر ms088 الغفلة ~~والاستحسان والشهوة فانه أقرب اليه وأعلق بنفسه وأخف عليه ودونكم ثغر العين ~~فان منه تنالون بغيتكم فاني ما أفسدت بني آدم بشيء مثل النظر فاني أبذر به ~~في القلب بذر الشهوة ثم أسقيه بماء الامنية ثم لا أزال أعده وامنية حتى ~~أقوى عزيمته وأقوده بزمام الشهوة إلى انخلاع من العصمة فلا تهملوا أمر هذا ~~الثغر وأفسدوه بحسب استطاعتكم وهو نوا عليه أمره وقولوا له مقدار نظرة ~~تدعوك إلى تسبيح الخالق والرازق البديع والتأمل والتجمل صفته وحسن هذه ~~الصورة التي إنما خلقت ليستدل بها الناظر عليه وما خلق الله لك العينين سدي ~~وما خلق الله هذه الصورة ليحجبها عن النظر وإن ظفر تم به قليل العلم فاسد ~~العقل فقولوا له هذه الصورة مظهر من مظاهر الحق ومجلى من مجاليه فادعوه إلى ~~القول بالاتحاد فإن لم يقبل فالقول بالحلول العام والخاص ولا تقنعوا منه ~~بدون ذلك فانه يصير به من إخوان النصارى فمروه حينئذ بالعفة والصيانة ~~والعبادة والزهد في الدنيا واصطادوا عليه الجهال فهذا من أقرب خلفائي وأكبر ~~جندي بل أنا من جنده وأعوانه # | فصل ثم أمنعوا ثغر الاذن أن يدخل عليه مايفسد عليكم الأمر فاجتهدوا أن # لا تدخلوا منه الا الباطل فانه خفيف على النفس تستحليه وتستملحه وتخيروا ~~له أعذاب الالفاظ PageV01P067 وأسحرها للالباب أمزجوه بما تهوي النفس مزجا ~~وألقوا الكلمة فان رأيتم منه إصغاء اليها فزيدوه باخوانها فكلما صادفهم ~~صادقتم منه استحسان شيء فالهجوا له بذكره وإياكم أن يدخل من هذا الثغر شىء ~~من كلام الله أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم أو كلام النصحاء فان غلبتم ~~على ذلك ودخل شىء من ذلك فحولوا بينه وبين فهمه وتدبره والتفكر فيه والعظة ~~به و إما بادخال ضده عليه وإما بتهويل ذلك وتعظيمه وإن هذا أمر قد حيل بين ~~النفوس وبينه فلا سبيل لها اليه وهو حمل ثقيل عليها لا تستقل به ونحو ذلك ~~وإما بار خاصه على النفوس وأن الاشتغال ينبغي أن يكون بما هو أعلى عند ~~الناس وأعز عليهم ms089 وأغرب عندهم وزبونه أكثر وأما الحق فهو مهجور والقائل به ~~معرض نفسه للعدوان ولا ينبغي والربح بين الناس أولى بالايثار ونحو ذلك ~~فيدخلون الباطل عليه في كل قالب يقبله ويخف عليه ويخرجون له الحق في كل ~~قالب يكرهه ويثقل عليه وإذا شئت أن تعرف ذلك فانظر إلى إخوانهم من شياطين ~~الانس كيف يخرجون الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب كثرة الفضول ~~وتتبع عثرات الناس والتعرض من البلاء ما لا يطيق وإلفاء الفتن بين الناس ~~ونحو ذلك ويخرجون إتباع السنة ووصف الرب تعالى بما وصف به نفسه ووصفه به ~~رسوله صلى الله عليه وسلم في قالب التشبيه والتجسيم والتكليف ويسمون علوا ~~الله على خلق خلقه واستوائه على عرشه ومباينته لمخلوقاته تحيزا ويسمون ~~نزوله إلى سماء الدنيا وقوله من يسألني فاعطيه تحركا وانتقالا ويسمون ما ~~وصف به نفسه من اليد والوجه أمضاء وجوارح ويسمون ما يقوم به من أفعاله ~~حوادث وما يقوم من صفاته أعراضا ثم يتوصلون إلى نفي ما وصف به نفسه بهذه ~~الامور ويوهمون الاغمار وضعفاء البصائر أن إثبات الصفات التي نطق بها كتاب ~~الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تستلزم هذه الامور ويخرجون هذا التعطيل ~~في قالب التنزيه والتعظيم وأكثر الناس ضعفاء العقول يقبلون الشيء بلفظ ~~ويردونه بعينه بلفظ آخر قال الله تعالى وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين ~~الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرور فسماه زخرفا وهو القول ~~الباطل لان صاحبه يزخرفه ويزينه ما استطاع ويلقيه إلى سمع المغرور فيغتر به ~~والمقصود أن الشيطان قد لزم ثغر الاذن أن يدخل فيها ما يضر العبد ويمنع أن ~~يدخل اليها ما ينفعه وإن دخله بغير اختياره أفسد عليه PageV01P068 فصل # ثم يقول قوموا على ثغر اللسان فانه الثغر الاعظم وهو قبالة الملك فاجروا ~~عليه من الكلام ما يضره ولا ينفعه وامنعوه أن يجري عليه شيء مما ينفعه من ~~ذكر الله واستغفاره وتلاوة كتابه ونصيحته عباده أو التكلم بالعلم النافع ~~ويكون لكم في هذا الثغر أثر ان ms090 عظيمان لا تبالون بايهما ظفرتم أحدهما ~~التكلم بالباطل فانما المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم ومن أكبر جندكم ~~وأعوانكم الثاني السكوت عن الحق فان الساكت عن الحق أخ لكم أخرس كما أن ~~الاول أخ لكم ناطق وربما كان الاخ الثاني أنفع إخوانكم لكم أما سمعتم قول ~~الناصح المتكلم بالباطل شيطان ناطق والساكت عن الحق شيطان أخرس فالرباط ~~الرباط على هذا الثغر أن يتكلم بحق أو يمسك عن باطل وزينوا له التكلم ~~بالباطل بكل طريق وخوفوه من التكلم بالحق بكل طريق واعلموا يا بني ان ثغر ~~اللسان هو الذي أهلك منه بنو آدم وأكبهم منه على مناخرهم في النار فكم لي ~~من قتبل وأسير وجريح أخذته من هذا الثغر وأوصيكم بوصية فاحفظوا لينطق أحدكم ~~على لسان أخيه من الانس بالكلمة ويكون الآخر على لسان السامع فيبنطق ~~باستحسانها وتعظيمها والتعجب منها ويطلب من أخيه إعادتها وكونوا أعوانا على ~~الانس بكل طريق وأدخلوا عليهم من كل باب واقعدوا لهم كل مرصد أما سمعتم ~~قسمي الذي أقسمت به لربهم حيث قلت فيما أغويتني لاقعدن لهم صراصك المستقيم ~~ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولاتجد أكثرهم ~~شاكرين أما تروني قد قعدت لابن آدم بطرقه كلها فلا يفوتني من طريق الا قعدت ~~له من طريق غيره حتى أصبت منه حاجتي أو بعضها و قد حذرهم ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال لهم إن الشيطان قد قعد لابن آدم بطرقه كلها قعد له ~~بطريق الاسلام فقال له أتسلم وتذر دينك ودين آبائك فخالفه وأسلم فقعد له ~~بطريق الهجرة فقال أتهاجر وتذر أرضك وسماءك فخالفه وهاجر ثم قعد له بطريق ~~الجهاد فقال أتجاهد فتقتل ويقسم المال وتنكح الزوجة فخالفه وجاهد فكهذا ~~فاقعدوا لهم بكل طريق الخير فاذا أراد أحدهم ان يتصدق فاقعدوا له على طريق ~~الصدقة فقولوا له في نفسه أتخرج المال وتبقى مثل هذا السائل وتصير بمنزلته ~~أنت وهو سواء أو ما سمعتم ما القيته على لسان رجل سأله آخر أن ms091 يتصدق عليه ~~قال أموالنا اذا أعطيناكم وها صرنا مثلكم واقعدوا له بطريق الحج فقولوا له ~~طريقه مخوفة مشقة يتعرض سالكها لتلف النفس والمال وهكذا فاقعدوا له على ~~سائر طرق الخير بالتنفير منها وذكر صعوبتها وآفاتها ثم أقعدوا على المعاصي ~~فحسنوها في عين بني آدم وزينوها في قلوبهم PageV01P069 واجعلوا أكبر ~~أعوانكم على ذلك النساء فمن أبوابهن فادخلوا عليهم فنعم العون هن لكم ثم ~~الزموا ثغر اليدين والرجلين فامنعوها ان تبطش بما يضركم أو تمشى فيه ~~وأعلموا إن أكبر أعوانكم على لزوم هذه الثغور مصالحة النفس الامارة ~~فاعينوها واستعينوا بها وأمدوها واستمدوا منها وكونوا معها على حرب النفس ~~المطمئنة فاجتهدوا في كسرها وابطال قواها ولا سبيل إلى ذلك الا بقطع موادها ~~عنها فاذا إنقطعت موادها وقويت مواد النفس الامارة وطاعت لكم اعوانكم ~~فاستنزلوا القلب من حصنه وأعزلوه عن مملكته وولوا مكانه النفس فانها لا ~~تأمر الا بما تهوونه وتحبونه ولا تحببكم بما تكرهونه البتة مع إنها لا ~~تخالفكم في شيء تشيرون به عليها بل إذا أشرتم عليها بشيء بادرت إلى فعله ~~فان أحسستم من القلب منازعة إلى مملكته وأردتم الامن من ذلك فاعقدوا بينه ~~وبين النفس عقد النكاح فزينوها وجملوها وأروها إياه في أحسن صورة عروس توجد ~~وقولوا له ذق حلاوة طعم هذا الوصال والتمتع بهذه العروس كما ذقت طعم الحرب ~~وباشرت مرارة الطعن والضرب ثم وازن بين لذة هذه المسألة ومرارة تلك ~~المحاربة فدع الحرب تضع أوزارها فليست بيوم وينقضي وإنما هو حرب متصل ~~بالموت وقواك يضعف عن الحرب دائم واستعينوا يا بني بجندين عظيمين لن تغلبوا ~~معهما أحدهما جند الغفلة فاغفلوا قلوب بني آدم عن الله تعالى والدار الآخرة ~~بكل طريق فليس لكم شيء أبلغ من تحصيل غرضكم من ذلك فان القلب إذا غفل عن ~~الله تعالى تمكنتم منه ومن أعوانه الثاني جند الشهوة فزينوها في قلوبهم ~~وحسنوها في أعينهم وصولوا عليهم بهذين العسكرين فليس لكم في بني آدم أبلغ ~~منهما واستعينوا على الغفلة بالشهوات وعلى الشهوات بالغفلة وأقرنوا بين ms092 ~~الغافلين ثم استعينوا بهما على الذاكر ولايغلب واحد خمسة فان مع الغافلين ~~شيطانين صاروا أربعة وشيطان الذاكر معهم واذا رأيتم جماعة مجتمعين علي ما ~~يضركم من ذكر الله ومذاكرة أمر ونهيه ودينه ولم تقدورا على تفريقهم ~~فاستعينوا عليهم ببني جنسهم من الانس البطالين فقربوهم منهم وشوشوا عليهم ~~بهم وبالجملة فاعدوا للامور أقرانها وادخلوا على كل واحد من بني آدم من باب ~~إرادته وشهوته فساعدوه وعليها وكونوا له أعوانا على تحصيلها وإذا كان الله ~~قد أمرهم بالصبر أن يصبروا لكم ويصابرونكم ويرابطوا عليكم الثغور فاصبروا ~~أنتم وصابروا ورابطوا عليهم بالثغور وانتهزوا فرصكم فيهم عند الشهوة والغضب ~~فلا تصطادوا بني آدم في أعظم من هذين الموطنين واعلموا أن منهم من يكون ~~سلطان الشهوة عليه أغلب وسلطان غضبه ضعيف مقهور فخذوا عليه طريق الشهوة ~~ودعوا طريق الغضب ومنهم من يكون سلطان الغضب عليه أغلب فلا تخلوا طريق ~~الشهوة عليه ولا تعطلوا ثغرها فان من لم يملك نفسه PageV01P070 عند الغضب ~~فانه بالحري لا يملكها عند الشهوة فزوجوا بين غضبة وشهوته وأمزجوا أحدهم ~~بالآخر وادعوه إلى الشهوة من باب الغضب والى الغضب من طريق الشهوة واعلموا ~~أنه ليس لكم في بني آدم سلاح أبلغ من هذين السلاحين وإنما أخرجت ابويهم من ~~الجنة بالشهوة وإنما ألقيت العداوة بين أولادهم بالغضب فبه قطعت أرحامهم ~~وسفكت دماؤهم وبه قتل أحدا اني آدم أخاه واعلموا إن الغضب جمرة في قلب ابن ~~آدم والشهوة نار تثور من قلبه وإنما تطفي النار بالماء والصلاة والذكر ~~والتكبير وإياكم أن تمكنوا ابن آدم عند غضبه وشهوته من قربان الوضوء ~~والصلاة فان ذلك يطفي عنهم نار الغضب والشهوة وقد أمرهم نبيهم بذلك وقال إن ~~الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم من إحمرار عينيه وانتفاخ أوداجه فمن ~~أحس بذلك فليتوضأ وقال لهم إنما تطفي النار بالماء وقد أوصاهم الله أن ~~يستعينوا عليكم بالصبر والصلاة فحولوا بينهم وبين ذلك وانسوهم إياه ~~واستعينوا عليهم بالشهوة والغضب وأبلغ أسلحتكم فيهم وأنكاها الغفلة واتباع ~~الهوى وأعظم أسلحتهم ms093 فيكم وأمنهم حصونهم ذكر الله ومخالفة الهوى فاذا رأيتم ~~الرجل مخالفا لهواه فاهربوا من ظلمه ولا تدنوا منه والمقصود ان الذنوب ~~والمعاصي سلاح ومدد يمد بها العبد أعداه ويعينهم بها علي نفسه فيقاتلونه ~~بسلاحه والجاهل يكون معهم على نفسه وهذا غاية الجهل قال ما يبلغ الاعداء من ~~جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه ومن العجائب أن العبد يسعي بنفسه في هوان نفسه ~~وهو يزعم أنه لها مكرم ويجتهد في حرمانها من حظوظها وإشرافها وهو يزعم أنه ~~يسعى في حظها ويبذل جهده في تحقيرها وتصغيرها وتدنيسها وهو يزعم أنه لها ~~مكبر ومضيع لنفسه وهو يزعم أنه يسعي في صلاحها ويعليها ويرفعها ويكبرها ~~وكان بعض السلف يقول في خطبته ألارب مهين لنفسه وهو يزعم أنه لها مكرم ومذل ~~لنفسه وهو يزعم أنه لها معز ومصغر لنفسه وهو يزعم أنه لها مكبر ومضيع لنفسه ~~وهو يزعم أنه مراع لحقها وكفي بالمرأ جهلا أن يكون مع عدوه على نفسه يبلغ ~~منها بفعله مالا يبلغه عدوه والله المستعان # | فصل ومن عقوباتها أنها تنسى العبد نفسه فاذا نسي نفسه أهملها وأفسدها # وأهلكها فان قيل كيف ينسي العبد نفسه وإذا نسى نفسه فاى شيء يذكره وما ~~يعني نسيانه نفسه قيل نعم ينسى نفسه أعظم نسيان قال تعالى ولاتكونوا كالذين ~~نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون فلما نسوا ربهم سبحانه نسيهم ~~وأنساهم أنفسهم كما قال تعالى نسوا الله فنسيهم فعاقب PageV01P071 سبحانه ~~من نسيه عقوبتين أحدهما أنه سبحانه نسيه والثانية أنه أنساه نفسه ونسيانه ~~سبحانه للعبد إهماله وتركه وتخليه عنه وإضاعته ونسيانه فالهلاك أدنى اليه ~~من اليد للفم وأما إنساؤه نفسه فهو إنساؤه لحظوظها العالية وأسباب سعادتها ~~وفلاحها وإصلاحها وما يكملها بنسيه ذلك كله جميعه فلا يخطر بباله ولا يجعله ~~على ذكره ولا يصرف اليه همته فيرغب فيه فانه لا يمر بباله حتي يقصده ويؤثره ~~وأيضا فينسيه عيوب نفسه ونقصها وآفاتها فلا يخطر بباله إزالتها واصلاحها ~~وأيضا فينسيه أمراض نفسه وقلبه وآلامها فلا يخطر بقلبه مداواتها ولا السعى ms094 ~~في إزالة عللها وأمراضها التي تؤول بها إلى الفساد والهلاك فهو مريض مثخن ~~بالمرض ومرضه مترام به إلى التلف ولا يشعر بمرضه ولا يخطر بباله مداواته ~~وهذا من أعظم العقوبة للعامة والخاصة فاي عقوبة أعظم من عقوبة من أهمل نفسه ~~وضيعها ونسي مصالحها وداءها ودواءها وأسباب سعادتهما وصلاحها وفلاحها ~~وحياتها الابدية في النعيم المقيم ومن تأمل هذا الموضع تبين له أن أكثر هذا ~~الخلق قد نسوا أنفسهم حقيقة وضيعوها وأضاعوا حظها من الله وباعوها رخيصة ~~بثمن بخس بيع الغبن وإنما يظهر لهم هذا عند الموت ويظهر كل الظهور يوم ~~التغابن يوم يظهر للعبد أنه غبن في العقد الذي عقده لنفسه في هذه الدار ~~والتجارة التى أتجر فيها لمعاده فان كل أحد يتجر في هذه الدنيا لآخرته ~~فالخاسرون الذين يعتقدون أنهم أهل الربح والكسب إشتروا الحياة الدنيا وحظهم ~~فيها فأذهبوا طيباتهم ولذاتهم بالآخرة وحظهم فيها في حياتهم الدنيا وحظهم ~~فيها ولذاتهم بالآخرة واستمتعوا بها ورضوا بها واظمأنوا اليها وكان سعيهم ~~لتحصيلها فباعوا وأشتروا وأتجروا وباعوا آجلا بعاجل ونسيئة بنقد وغائبا ~~بناجز وقالوا هذا هو الزهرة ويقول أحدهم خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به فكيف ~~أبيع حاضرا نقداشا هذا في هذه الدار بغائب نسيئه في دار أخري غير هذه وينضم ~~إلى ذلك ضعف الايمان وقوة داعي الشهوة ومحبة العاجلة والتشبه ببني الجنس ~~فاكثر الخلق في هذه التجارة الخاسرة التي قال الله في أهلها أولئك الذين ~~اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون وقال ~~فيهم فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين فاذا كان يوم التغابن ظهر لهم ~~الغبن في هذه التجارة فتنقطع عليهم النفوس حسرات وأما الرابحون فانهم باعوا ~~فانيا بباق وخسيسا بنفيس وحقيرا بعظيم وقالوا ما مقدار هذه الدنيا من أولها ~~إلى آخرها حتي نبيع حظنا من الله تعالي والدار الآخرة بها فكيف بما ينال ~~العبد منها في هذا الزمن القصير الذي هو في الحقيقة كغفوة حلم لانسبة له ~~إلى الدار القرار البتة قال تعالى ويوم نحشرهم ms095 كأن لم يلبسوا إلا ساعة من ~~النهار بتعارفون بينهم وقال تعالى يسألونك عن الساعة PageV01P072 أيان ~~مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتاها إنما أنت منذر من يخشاها كأنهم ~~يوم يرونها لم يلبثوا إلا غشية أو ضحاها وقال تعالى كأنهم يوم يرون ما ~~يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار وقال تعالى كم ليتم في الأرض عدد سنين ~~قالوا لبثنا يوم أو بعض يوم فاسأل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم ~~كنتم تعلمون وقال تعالى ويوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا ~~يتخافتون بينهم أن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذا يقول أمثلهم ~~طريقة إن لبثتم الا يوما فهذه حقيقة هذه الدنيا عند موافاة يوم القيامة ~~فلما علموا قلة لبثهم فيها وإن لهم دار غير هذه الدار دار الحيوان ودار ~~البقاء رأوا من أعظم الغبن بيع دار البقاء بدار الفناء فاتجروا تجارة ~~الاكياس ولم يغتروا بتجارة السفهاء من الناس فظهر لهم لتغابن ربح تجارتهم ~~ومقدار ماشتروه وكل أحد في هذه الدنيا بائع مشتر متجر وكل الناس يغد فبايع ~~نفسه فمعتقها أو موبقها إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم ~~الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة ~~والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا بيعكم الذى بايعتم به ~~وذلك هو الفوز العظيم فهذا أول نقد من ثمن هذا التجارة فتاجروا أيها ~~المفلسون ويامن لا يقدر علي هذا الثمن ههنا ثمن آخر فان كنت من أهل هذه ~~التجارة فأعط هذا الثمن التائبون العابدون والحامدون السائحون الراكعون ~~الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر ~~المؤمنين يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ~~تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم ~~إن كنتم تعلمون والمقصود أن الذنوب تنسى العبد حظه من هذه التجارة الرابحة ~~وتشغله بالتجارة الخاسرة وكفى بذلك عقوبة والله المستعان # | فصل ومن عقوباتها انها تزيل النعم الحاضرة ms096 وتقطع النعم الواصلة فتزيل # الحاصل وتمنع الواصل فان نعم الله ما حفظ موجودها بمثل طاعته ولا استجلب ~~مفقودها بمثل طاعته فأن ماعند الله لا ينال الا بطاعته وقد جعل الله سبحانه ~~لكل شيء سببا وآفة تبطله فجعل أسباب نعمه الجالبة لها طاعته وآفاتها ~~المانعة منها معصيته فاذا أراد حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته ~~فيها وإذا أراد زوالها عنه خذله حتى عصاه بها ومن العجب علم العبد بذلك ~~مشاهدة في نفسه وغيره وسماعا لما غاب عنه من أخبار من أزيلت نعم الله عنهم ~~بمعاصيه وهو مقيم على معصية الله كأنه مستثني من هذه الجملة أو مخصوص من ~~هذا العموم وكأن هذا PageV01P073 أمر جار على الناس لا عليه وواصل إلى ~~الخلق لا اليه فأى جهل أبلغ من هذا وأي ظلم للنفس فوق هذا فالحكم لله العلى ~~الكبير فصل # ومن عقوباتها أنها تباعد عن العبد وليه وأنصح الخلق له وأنفعهم له ومن ~~سعادته في قربه منه وهو الملك الموكل به وتدنى منه عدوه وأغش الخلق له ~~وأعظمهم ضررا له وهو الشيطان فان العبد إذا عصى الله تباعد منه الملك بقدر ~~تلك المعصية حتي أنه يتباعد منه بالكذبة الواحدة مسافة بعيدة وفي بعض ~~الآثار إذا كذب العبد تباعد منه الملك ميلا من نتن ريحه فاذا كان هذا تباعد ~~الملك منه من كذبة واحدة فماذا يكون قدر تباعده منه مما هو أكبر من ذلك ~~وأفحش منه وقال بعض السلف إذا ركب الذكر عجت الأرض إلى الله وهربت الملائكة ~~إلى ربها وشكت إليه عظم ما رأت وقال بعض السلف إذا أصبح ابن آدم ابتدره ~~الملك والشيطان فان ذكر الله وكبره وحمده وهلله طرد الملك الشيطان وتولاه ~~وإن افتتح بغير ذلك ذهب الملك عنه وتولاه الشيطان ولا يزال الملك يقرب من ~~العبد حتي يصير الحكم والطاعة والغلبة له فتتولاه الملائكة فى حياته وعند ~~موته وعند مبعثه قال الله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا ms097 بالجنة التي كنتم ~~توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة وإذا تولاه الملك تولاه ~~أنصح الخلق له وأنفعهم وأبرهم له فثبته وعلمه وقوي جنانه وأيده قال تعالى ~~إذا يوحي ربك إلى الملائكة إني معكم فثبتوا الذين آمنوا ويقول الملك عند ~~الموت لا تخف ولا تحزن وأبشر بالذى يسرك ويثبته بالقول الثابت أحوج ما يكون ~~اليه في الحياة الدنيا وعند الموت وفي القبر عند المسألة فليس أحد أنفع ~~للعبد من صحبة الملك له وهو وليه في يقظته ومنامه وحياته وعند موته وفي ~~قبره ومؤنسه في وحشته وصاحبه في خلوته ومحدثه في سره ويحارب عنه عدوه ~~ويدافع عنه ويعينه عليه ويعده بالخير ويبشره به ويحثه على التصديق بالحق ~~كما جاء في الاثر الذى يروى مرفرعا وموقوفا للملك بقلب ابن آدم لمة ~~وللشيطان لمة فلمة الملك أيعاد بالخير وتصديق بالوعد ولمة الشيطان أيعاد ~~بالشر وتكذيب بالحق وإذا اشتد قرب الملك من العبد تكلم على لسانه وألقى على ~~لسانه القول السديد وإذا أبعد منه وقرب الشيطان من العبد تكلم على لسانه ~~قول الزور والفحش حتي يرى الرجل يتكلم على لسان الملك والرجل يتكلم على ~~لسان الشيطان وفي الحديث ان السكينة تنطق على لسان عمر رضى الله عنه وكان ~~أحدهم يسمع الكلمة الصالحة من الرجل الصالح فيقول PageV01P074 ما ألقاها ~~على لسانك الا الملك ويسمع ضدها فيقول ما ألقاها على لسانك الا الشيطان ~~فالملك يلقى في القلب الحق ويلقيه على اللسان والشيطان يلقي الباطل في ~~القلب ويجريه على اللسان فمن عقوبة المعاصى أنها تبعد من العبد وليه الذي ~~سعادته في قربه ومجاورته وموالاته وتدني منه عدوه الذي شقاءه وهلاكه وفساده ~~في قربه وموالاته حتى أن الملك لينافح عن العبد ويرد عنه اذا سفه عليه ~~السفيه وسبه كما اختصم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم رجلان فجعل أحدهما ~~يسب الآخر وهو ساكت فتكلم فتكلم بكلمة يرد بها على صاحبه فقام النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال يارسول الله لما رددت عليه بعض قوله قمت فقال ms098 كان ~~الملك ينافح عنك فلما رددت عليه جاء الشيطان فلم أكن لأجلس وإذا دعى العبد ~~المسلم في ظهر الغيب لاخيه أمن الملك على دعائه فاذا أذنب العبد الموحد ~~المتبع سبيله رسوله صلى الله عليه وسلم استغفر له جنلة العرش ومن حوله وإذا ~~نام العبد المؤمن بات في شعاره ملك فملك المؤمن يرد عليه ويحارب ويدافع عنه ~~ويعلمه ويثبته ويشجعه فلا يليق به أن ينسى جواره ويبالغ فى أذاه وطرده عنه ~~وإبعاده فانه ضيفه وجاره وإذا كان إكرام الضيف من الادميين والاحسان إلى ~~الجار من لزوم الايمان وموجباته فما الظن باكرام أكرم الاضياف وخير الجيران ~~وأبرهم وإذا أذى العبد الملك بأنواع المعاصى والظلم والفواحش دعا عليه ربه ~~وقال لاجزاك الله خيرا كما يدعوا له إذا أكرمه بالطاعة والاحسان قال بعض ~~الصحابة رضي الله عنهم إن معكم من لايفاركم فاستحيوا منهم وأكرموهم والأم ~~ممن لايستحيي من الكريم العظيم القادر ولا يكرمه ولا يوقره وقد نبه سبحانه ~~على هذا المعني بقوله وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون أى ~~استحيوا من هؤلاء الحافظين الكرام وأكرموهم وأجلوهم أن يروا منكم ما ~~تستيحون أن يريكم عليه من هو مثلكم والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا آدم ~~واذا كان ابن آدم يتأذى ممن يفجر ويعصي بين يديه وان كان قد يعمل مثله عمله ~~فما الظن باذى الملائكة الكرام الكاتبين والله المستعان فصل # ومن عقوباتها أنها تستجلب مراد هلاك العبد فى دنياه وآخرته فان الذنوب هي ~~أمراض القلوب متى استحكمت قتلت ولا بد وكما أن البدن لا يكون صحيحا الا ~~بغذاء يحفظ قوته واستفراغ يستفرغ المواد الفاسدة والاخلاط الردية التي متي ~~غلبت عليه أفسدته جميعه وحمية يمتنع بها من تناول ما يؤذيه ويخشى ضرره ~~فكذلك القلب لا تتم حياته الا بغذاء من PageV01P075 الايمان والاعمال ~~الصالحة تحفظ قوته واستفراغ بالتوبة التصوح يستفرغ المواد الفاسدة والاخلاط ~~الردية منه وحمية توجب له حفظ صحته ويجتنب ما يضادها وهي عبارة عن ترك ~~استعمال ما يضاد الصحة والتقوى اسم يتناول هذه ms099 الامور الثلاثة فما فات منها ~~فات من التقوى بقدره واذا تبين هذا فالذنوب مضادة لهذه الامور الثلاثة ~~فانها يستجلب المواد المؤذية وتستوجب التخليط المضاد للجميع وتمنع ~~الاستفراغ بالتوبة النصوح فانظر إلى بدن عليل قد تراكمت عليه الاخلاط ومواد ~~المرض وهو لا يستفرغها ولا يحتمى لها كيف تكون صحته وبقاؤه ولقد أحسن ~~القائل # جسمك بالحمية أحصنته % مخافة من ألم طاري # وكان أولى بك أن تحتمي % من المعاصي خشية الباري فمن حفظ القوة بامتثال ~~الأوامر واستعمل الحمية باجتناب النواهي واستفرغ التخليط بالتوبة النصوح لم ~~يدع للخير مطلبا ولا من الشر مهربا وبالله المستعان فصل # فإن لم ترعك هذه العقوبات ولم تجد لها تأثيرا في قلبك فاحضره العقوبات ~~الشرعية التي شرعها الله ورسوله على الجرائم كما قطع السارق فى ثلاثة دراهم ~~وقطع اليد والرجل على قطع الطريق على معصوم المال والنفس وشق الجلد بالسوط ~~على كلمة قذف بها المحصن أو قطرة خمر يدخلها جوفه وقتل بالحجارة أشنع قتلة ~~في إيلاج الحشفة في فرج حرام وخفف هذه العقوبة عمن لم تتم عليه نعمة ~~الاحصان بما أنه جلدة وينفي سنة عن وطنه وبلده إلى بلد الغربة وفرق بين رأس ~~العبد وبدنه اذا وقع علي ذات محرم أو ترك الصلاة المفروضة أو تكلم بكلمة ~~كفر وأمر بنقل من وطىء ذكرا مثله وقتل المفعول به وأمر بقتل من أتي بهيمة ~~وقتل البهيمة معه وغرم على تحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة في الجماعة وغير ~~ذلك من العقوبات التي رتبها الله على الجرائم وجعلها بحكمته علي حسب ~~الدواعى إلى تلك الجرائم وحسب الوازع عنها فما كان الوازع عنها طبعيا وما ~~ليس في الطباع داعيا اليه إكتفاء بالتحريم مع التعزيز ولن يرتب عليه حدا ~~كأكل الرجيع وشرب الدم وأكل الميتة وما كان في الطباع داعيا إليه ترتب عليه ~~من العقوبة بقدر مفسدته وبقدر داع الطبع اليه ولهذا لما كان داع الطباع إلى ~~الزناء من أقوى الدواعي كانت من عقوبته العظمى من أشنع القتلات وأعظمها ~~وعقوبته السهلة على أنواع الجلد مع ms100 زيادة التعذيب ولما كان اللواطة فيها ~~الامران كان حده القتل بكل حال ولما كان داعي السرقة قويا ومفسدتها كذلك ~~قطع فيها اليد وتأمل حكمته PageV01P076 في إفساد العضو الذى باشربه الجناية ~~كما أفسد على قاطع الطريق يده ورجله اللتين هما آلة قعطه ولم يفسد على ~~القاذف لسانه الذي جنابة إذ مفسدة قطعه تزيد على مفسدة الجناية ولايبلغها ~~فاكتفى من ذلك بإيلام جميع بدنه بالجلد فان قيل فهلا أفسد على الزاني فرجه ~~الذي باشربه المعصية قيل بوجوه أحدها أن مفسدة ذلك تريد علي مفسدة الجناية ~~إذ فيه قطع النسل وتعرضه للهلاك الثاني أن الفرج عضو مستور لا يحصل بقطعه ~~مقصود الحد من الردع والزجر لأمثاله من الجناية بخلاف قطع اليد الثالث انه ~~إذا قطع يده أبقى له يد أخرى تعوض عنها بخلاف الفرج الرابع ان لذة الزنا ~~عمت جميع البدن فكان الاحسن أن تعم العقوبة جميع البدن وذلك أولى من ~~نحصيصها ببضعة منه فعقوبات الشارع جاءت على أتم الوجوه وأوفقها للعقل ~~وأقومها بالمصلحة والمقصود ان الذنوب إنما ترتب عليها العقوبات الشرعية ~~والقدرية أو يجمعها الله العبد وقد يرفها عمن تاب وأحسن فصل # وعقوبات الذنوب نوعان شرعية وقدرية فاذا أقيمت الشرعية رفعت العقوبات ~~القدرية أو خففتها ولا يكاد الرب تعالى يجمع على عبده بين العقوبتين الا ~~اذا لم يف أحدهما يرفع موجب الذنب ولم يكن في زوال دائه واذا عطلت العقوبات ~~الشرعية استحالت قدرية وربما كانت أشد من الشرعية وربما كانت دونها ولكنها ~~تعم والشرعية تخص فان الرب تبارك وتعالى لا يعاقب شرعا الا من باشر الجناية ~~أو تسبب اليها وأما العقوبة القدرية فانها تقع عامة وخاصة فان المعصية إذا ~~خفيت لم تضر إلا صاحبها وإذا أعلنت ضرت الخاصة والعامة وإذا رأي الناس ~~المنكر فاشتركوا في ترك إنكاره أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه وقد تقدم ~~أن العقوبة الشرعية شرعها الله سبحانه علي قدر مفسدة الذنب وتقاضي الطبع ~~لها وجعلها سبحانه ثلاثة أنواع القتل والقطع والجلد وجعل القتل بازاء الكفر ~~وما يليه ويقربه ms101 وهو الزناء واللواطة فان هذا يفسد الأديان وهذا يفسد ~~الإنسان قال الإمام أحمد رحمه الله لا أعلم بعد القتل ذنبا أعظم من الزناء ~~واحتج بحديث عبد الله بن مسعود أنه قال يا رسول الله أي الذنب أعظم قال # أن تجعل لله ندا وهو خلقك قال قلت ثم أي قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم ~~معك قال قلت ثم أي قال أن تزني بحلية جارك فأنزل تصديقها في كتابه والذين ~~لا يدعون مع الله آلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق ولا ~~يزنون الآية والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر كل نوع أغلاه ليطابق جوابه سؤال ~~السأل فانه سئل عن أعظم الذنب فأجابه بما تضمن ذكر أعظم أنواعها وما هو ~~أعظم كل نوع PageV01P077 فأعظم أنواع الشرك أن يجعل العبد لله ندا وأعظم ~~أنواع القتل أن يقتل ولده خشية أن يشاركه في طعامه وشرابه وأعظم أنواع ~~الزناء أن يزني بحليلة جارة فأن مفسدة الزناء تتضاعف بتضاعف ما انتهكه من ~~الحق فالزناء بالمرأة التي لها زوج أعظم إثما وعقوبة من التي لا زوج لها إذ ~~فيه انتهاك حرمة الزوج وإفساد فراشه وتعليق نسب عليه لم يكن منه وغير ذلك ~~من أنواع أذاه فهو أعظم اثما وجرما من الزناء بغير ذات البعل فان كان زوجها ~~جارا له انضاف إلى ذلك سوء الجوار وإذا أجاره بأعلى أنواع الاذى وذلك من ~~أعظم البوائق وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يدخل الجنة ~~من لا يأمن جاره بوائقه ولا بائقه أعظم من الزناء بامرأته فالزناء بمائة ~~امرأة لا زوج لها أيسر عند الله من الزناء بامرأة الجار فان كان الجار أخا ~~له أو قريبا من أقاربه إنضم إلى ذلك قطيعة الرحم فيتضاعف الاثم فان كان ~~الجار غائبا في طاعة الله كالصلاة وطلب العلم والجهاد وتضاعف الاثم حتى ان ~~الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله يوقف له يوم القيامة ويقال خذ من حسناته ~~ما شئت قال النبي صلى الله عليه ms102 وسلم فما ظنكم أي ما ظنكم أنه يترك له من ~~حسنات قد حكم في أن يأخذ منها ما شاء على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة حيث لا ~~يترك الأب لابنه ولا الصديق لصديقه حقا يجب عليه فان اتفق أن تكون المرأة ~~رحما منه انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها فان اتفق أن يكون الزاني محصنا كان ~~الاثم أعظم فان كان شيخا كان أعظم إثما وهو أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم ~~الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم فان اقترن بذلك أن يكون فى شهر ~~حرام أو بلد حرام أو وقت معظم عند الله كأوقات الصلاة وأوقات الاجابة تضاعف ~~الإثم وعلى هذا فاعتبر مفاسد الذنوب وتضاعف درجاتها فى الإثم والعقوبة ~~والله المستعان فصل # وجعل سبحانه القطع بإذاء افساد الاموال الذي لا يمكن الاحتراز منه فإن ~~السارق لا يمكن الاحتراز منه لأنه يأخذ الأموال في الأختفاء وينقب الدور ~~ويتسور من غير الأبواب فهو كالسنور والحية التي تدخل عليك من حيث لا تعلم ~~فلم ترفع مفسدة سرقته إلى القتل ولا تندفع بالجلد فأحسن ما دفعت به مفسدته ~~أبانة العضو الذي تسلط به علي الجناية وجعل الجلد بأذاء إفساد العقول ~~وتمزيق الأعراض بالقذف فدارت عقوباته سبحانه الشرعية على هذه الأنواع ~~الثلاثة كما دارت الكفارات علي ثلاثة أنواع العتق وهو أعلاها والأطعام ~~والصيام ثم جعل سبحانه الذنوب ثلاثة أقسام قسما فيه الحد فهذا لم يشرع فيه ~~كفارة PageV01P078 اكتفاء بالحد وقنبما لم يترتب عليه حد فشرع فيه الكفارة ~~كالوطء في نهار رمضان والوطء في الإحرام الظهار وقتل الخطأ والحنث فى ~~اليمين وغير ذلك وقسما لم يترتب عليه حد ولا كفارة وهو نوعان أحدهما ما كان ~~الوازع عنه طبيعيا كأكل العذرة وشرب البول والدم والثاني ما كانت مفسدته ~~أدنى من مفسدة ما رتب عليه الحد كالنظرة والقبلة واللمس والمحادثة وسرقة ~~فلس ونحو ذلك وشرع الكفارات في ثلاثة أنواع أحدها ما كان مباح الاصل ثم عرض ~~تحريمه فباشره فى الحالة التي عرض فيها التحريم كالوطء في الإحرام واليام ms103 ~~وطرده الوطء فى الحيض والنفاس بخلاف الوطء فى الدبر ولهذا كان إلحاق بعض ~~الفقهاء له بالوطء فى الحيض لا يصح فإنه لايباح فى وقت دون وقت فهو بمنزلة ~~التلوط وشرب المسكر النوع الثاني ما عقد لله من نذر أو ما الله من يمين أو ~~حرمه الله ثم أراد حله فشرع الله سبحانه حله بالكفارة وسماها تحلة وليست ~~هذه الكفارة ماحية لهتك حرمة الإسم بالحنث كما ظنه بعض الفقهاء فان لحنث قد ~~يكون واجبا وقد يكون مستحبا وقد يكون مباحا وإنما الكفارة حل لما عقده ~~النوع الثالث ما 2 تكون فيه جابرة لما فات ككفارة قتل الخطأ وإن لم يكن ~~هناك إثم وكفارة قتل الصيد الخطأ وإن لم يكن هناك إثم فإن ذلك من باب ~~الجوابر والنوع الأول من باب الزواجر والنوع الوسط من باب التحلة لما منعه ~~العقد ولا يجتمع الحد والتعزيز فى معصية بل إن كان فيها حد اكتفى به وألا ~~اكتفى بالتعزيز ولا يجتمع الحد والكفارة فى معصية بل كل معصية فيها حد فلا ~~كفارة فيها وما فيه كفارة فلا حد فيه وهل يجتمع التعزيز والكفارة فى ~~المعصية التي لا حد فيها وجهان وهذا كالوطء فى الإحرام والصيام ووطء الحائض ~~إذا أوجبنا فيه الكفارة فقيل يجب فيه التعزيز لما انتهك من الحرمة بركوب ~~الجناية وقيل لا تعزيز في ذلك أكتفاء بالكفارة لأنها جابرة وماحية فصل # وأما العقوبات القدرية فهي نوعان نوع على القلوب والنفوس ونوع على ~~الأبدان والأموال والتي على القلوب نوعان أحدهما آلام وجودية يضرب بها ~~القلب والثاني قطع المواد التي بها حياته وصلاحه عنه وإذا قطعت عنه حصل له ~~اضدادها وعقوبة القلوب أشد العقوبتين وهى أصل عقوبة الأبدان وهذه العقوبة ~~تقوى وتتزايد حتى تسري من القلب إلى البدن كما يسري ألم البدن إلى القلب ~~فإذا فارقت النفس البدن صار الحكم متعلقا بها فظهرت عقوبة القلب حينئذ ~~وصارت علانية ظاهرة وهي المسماة بعذاب القبر PageV01P079 ونسبته إلى البزوخ ~~كنسبة عذاب الأبدان إلى هذه الدار فصل # والتي على الأبدان ms104 أيضا نوعان فى الدنيا ونوع في الآخرة وشدتها ودوامها ~~بحسب مفاسد مارتب عليه في الشدة والخفة فليس فى الدنيا والآخرة شر أصلا إلا ~~الذنوب وعقوباتها فالشر أسم لذلك كله وأصله من شر النفس وسيئات الأعمال ~~وهما الأصلان اللذان كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ منها فى خطبته ~~بقوله ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا وسيئات الأعمال من ~~شرور النفس فعاد الشر كله إلى شر النفس فإن سيئات الأعمال من فروعه وثمراته ~~وقد اختلف فى معنى قوله ومن سيئات أعمالنا هل معناه السىء من أعمالنا فيكون ~~من باب إضافة النوع إلى جنسه أو يكون بمعنى من وقيل معناه من عقوباتها التي ~~تسوء فيكون التقدير ومن عقوبات أعمالنا التي تسوءنا ويرجح هذا القول أن ~~الاستعاذة تكون قد تضمنت جميع الشر فإن شرور الأنفس تستلزم الأعمال السيئة ~~وهي تستلزم العقوبات السيئة فنبه بشرور الأنفس على ما تقضيه من قبح الأعمال ~~واكتفى بذكرها منه أو هي أصله ثم ذكر غاية الشر ومنتهاه وهو السيئات التى ~~تسوء العبد من عمله من العقوبات والآلام فتضمنت هذه الأستعاذة أصل الشر ~~وفروعه وغايته ومقتضاه ومن دعاء الملائكة للمؤمنين قولهم وقهم السيئات ومن ~~تق السيئات يومئذ فقدر رحمته فهذا يتضمن طلب وقايتهم من سيئات الأعمال ~~وعقوباتها التى تسوء صاحبها فإنه سبحانه متى وقاهم عمل السيء وقاهم جزاء ~~السيء وإن كان قوله ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته أظهر فى عقوبات الأعمال ~~المطلوب وقايتهم يومئذ فإن قيل فقد سألوه سبحانه أن يقيهم عذاب الجحيم وهذا ~~هو وقاية العقوبات السيئة فدل على أن المراد السيئة التى سألوا وقايتها ~~الأعمال السيئة ويكون الذى سأله الملائكة نظير ما ستعاذ منه النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولا يرد على هذا قوله يومئذ فإن المطلوب وقل شرور سيئات الأعمال ~~ذلك اليوم وهى سيئات فى نفسها قيل وقاية السيئات نوعان أحدهما وقاية فعلها ~~بالتوفيق فلا تصدر منه والثاني وقاية جزائها بالمغفرة فلا يعاقب عليها ~~فتضمنت الآية سؤال الأمرين والظرف تقييد للجملة الشرطية لا ms105 بالجملة الطلبية ~~وتأمل ما تضمنه هذا الخبر عن الملائكة من مدحهم بالإيمان والعمل الصالح ~~والإحسان إلى المؤمنين بالإستغفار لهم وقدموا بين يدي استغفارهم وتوسلهم ~~إلى الله سبحانه بسعة علمه وسعة رحمته فسعة علمه يتضمن علمه بذنوبهم ~~وأسبابها وضعفهم عن العصمة واستيلاء عدوهم وأنفسهم وهواهم وطباعهم ومازين ~~لهم من الدنيا وزينتها وعلمه بهم إذا نشأهم من الأرض PageV01P080 وإذا هم ~~أجنة فى بطون أمهاتهم وعلمه السابق بأنهم لا بد أن يعصوه وأنه يحب العفو ~~والمغفرة وغير ذلك من سعة علمه الذي لا يحيط به أحد سواه وسعة رحمته تتضمن ~~أنه لا يهلك عليه أحد من المؤمنين به من أهل توحيده ومحبته فإنه واسه ~~الرحمة لا يخرج عن دائرة رحمته إلا الأشقياء ولا أشقى ممن لم تسعه رحمته ~~التي وسعت كل شيء ثم سألوه أن يغفر للتائبين الذين اتبعوا سبيله وهو صراطه ~~الموصل إليه الذى هو معرفته ومحبته وطاعته فيما أمر وترك ما يكره واتبعوا ~~السبيل الذي يحبها ثم سألوه أن يقيهم عذاب الجحيم وأن يدخلهم والمؤمنين من ~~أصولهم وفروعهم وأزواجهم جنات عدن التي وعدهم بها وهو سبحانه وإن صلى الله ~~عليه وسلم كان لا يخلف الميعاد فإنه وعدهم بها بأسباب من جملتها دعاء ~~الملائكة لهم بأن يدخلهم إياها يدخلونها برحمته التي منها أن وفقهم ~~لأعمالها وأقام ملائكته يدعون لهم بدخلولها ثم أخبر سبحانه عن ملائكته أنهم ~~قالوا عقيب هذه الدعوة إنك أنت العزيز الحكيم أي مصدر ذلك وسببه وغايته ~~صادر عن كمال قدرتك وكمال علمك فإن العزة كمال القدرة والحكمة كمال العلم ~~وبهاتين الصفتين يقضي سبحانه وتعالى ما يشاء ويأمر وينهى ويثيب ويعاقب ~~فهاتان الصفتان مصدر الخلق والأمر والمقصود أن عقوبات السيئات تتنوع إلى ~~عقوبات شرعية وعقوبات قدرية وهي إما في القلب وإما في البدن وإما فيهما ~~وعقوبات في دار البرزخ بعد الموت وعقوبات يوم عود الأجسام في الدار الآخرة ~~فالذنب لا يخلو من عقوبة البتة ولكن لجهل العبد لا يشعر بما هو فيه من ~~العقوبة لأنه بمنزلة السكران والمخدر والنائم الذي ms106 لا يشعو بالآلم فإذا ~~استيقظ وصحي أحسن بالمؤلم فترتب العقوبات على الذنوب كترتب الإحراق علي ~~النار والكسر على الانكسار والإغتراف على الماء وفساد البدن على السموم ~~والأمراض للأسباب الجالبة لها وقد تقارن المضرة للذنب وقد تتأخر عنه إما ~~يسير وإما مدة كما يتأخر المرض عن سببه أن يقارنه وكثيرا ما يقع الغلط ~~للعبد في هذا المقام ويذنب الذنب فلا يري أثره عقيبه ولا يدري أنه يعمل ~~وعمله على التدريج شيئا فشيئا كما تعمل السموم والأشياء الضارة حذو القذة ~~بالقذة فإن تدارك العبد نفسه بالأدوية والاستفراغ والحمية وإلا فهو صائر ~~إلى الهلاك هذا إذا كان ذنبا واحدا لم يتداركه بما يزيل أثره فكيف بالذنب ~~على الذنب كل يوم وكل ساعة والله المستعان فصل # فاستحضر بعض العقوبات التى رتبها الله سبحانه وتعالى على الذنوب وجوز ~~وصولها إليك واجعل ذلك داعيا للنفس إلى هجرانها وأنا أسوق إليك منها طرفا ~~يكفي العاقل مع التصديق ببعضه فمنها الختم على القلوب والإسماع والغشاوة ~~على الإبصار والإقفال على القلوب PageV01P081 وجعل الأكنة عليها والرين ~~عليها والطبع عليها وتقليب الأفئدة والإبصار والحيلولة بين المرأ وقلبه ~~واغفال القلب عن ذكر الرب وإنساء العبد نفسه وترك إرادة الله تطهير القلب ~~وجعل الصدر ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء وصرف القلوب عن الحق وزيادتها ~~مرضا على مرضها وإركاسها وإنكاسها بحيث تقى سوسة كما ذكر الإمام أحمد عن ~~حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه أنه قال القلوب أربعة فقلب أجرد فيه سراج ~~يزهر فذلك قلب المؤمن وقلب أغلف فذلك قلب الكافر وقلب منكوس فذلك قلب ~~المنافق وقلب تمده مادتان مادة إيمان ومادة نفاق وهو لما غلب عليه منهما ~~ومنها التثبط عن الطاعة والابتعاد عنها ومنها جعل القلب أصم لا يسمع الحق ~~أبكم لا ينطق به أعمى لا يراه فيصير النسبة بين القلب وبين الحق الذى لا ~~ينفعه غيره كالنسبة بين أذن الأصم والأصوات وعين الأعمى والألوان ولسان ~~الأخرس والكلام وبهذا يعلم أن الصم والبكم والعمى للقلب بالذات والحقيقة ~~والجوارح بالفرض والتبعية فإنها لا ms107 تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى ~~الصدور وليس المراد نفى العمى الحسي عن البصر كيف وقد قال تعالى ليس على ~~الأعمى حرج @QB@ وقال @QE@ عبس وتولى أن جاءه الاعمى وإنما المراد أن العمى ~~التام على الحقيقة عمي القلب حتى أن عمي البصر بالنسبة إليه كالأعمى حتى ~~يصح نفيه بالنسبة إلى كماله وقوته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس ~~الشديد بالصرعة ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب وقوله صلى الله عليه وسلم ~~ليس المسكين بالطواف الذى ترده اللقمة واللقمتان ولكن المسكين الذى لا يسئل ~~الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه ونظائره كثيرة والمقصود أن من عقوبات ~~المعاصي جعل القلب أعمى أصم أبكم ومنها الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان وما ~~فيه فيخسف به إلى أسفل سافلين وصاحبه لا يشعر وعلامة الخسف به أنه لا يزال ~~جوالا حول السفليات والقاذورات والراذائل كما أن القلب الذى رفعه الله ~~وقربه إليه لا يزال جوالا حول البر والخير ومعالي الأمور والأعمال والأقوال ~~والأخلاق قال بعض السلف إن هذه القلوب جوالة فم 4 نها ما يجول حول العرش ~~ومنها ما يجول حول الحشر ومنها مسخ القلب فيمسخ كما تمسخ الصورة فيصير ~~القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته فمن القلوب ما ~~يمسخ على قلب خنزير لشدة شبه صاحبه به ومنها ما يمسخ على خلق كلب أو حمار ~~أو حية أو عقرب وغير ذلك وهذا تأويل سفيان بن عيينة فى قوله تعالى وما من ~~دابة فى الأرض ولا طائر يطير بجناحيه الا أمم أمثالكم قال منهم من يكون على ~~أخلاق السباع العادية ومنهم من يكون على أخلاق الكلاب وأخلاق الخنازير ~~وأخلاق الحمير ومنهم من يتطوس في ثيابه لحما بتطوس الطاووس فى ريشه ومنهم ~~من يكون بليد كالحمار ومنهم من يؤثر على نفسه كالديك ومنهم من يألف ويؤلف ~~كالحمام ومنهم الحقود PageV01P082 كالجمل ومنهم الذى هو خير كله كالغنم ~~ومنهم أشباه الذئاب ومنهم أشباه الثعالب التى يروغ كروغانها وقد شبه الله ~~تعالى أهل الجهل والغى ms108 بالحمر تارة وبالكلب تارة وبالانعام تارة وتقوي هذه ~~المشابهة باطنا حتي تظهر في الصورة الظاهرة ظهورا خفيا يراه المتفرسون ~~ويظهر فى الأعمال ظهورا يراه كل أحد ولا يزال يقوي حتي تعلو الصورة فنقلب ~~له الصورة بإذن الله وهو المسخ التام فيقلب الله سبحانه وتعالى الصورة ~~الظاهرة على صورة ذلك الحيوان كما فعل باليهود وأشباههم ويفعل بقوم من هذه ~~الأمة ويمسخم قردة وخنازير فسبحان الله كم من قلب منكوس وصاحبه لا يشعر ~~وقلب ممسوخ وقلب مخسوف به وكم من مفتون بثناء الناس عليه ومغرور بستر الله ~~عليه ومستدرج بنعم الله عليه وكل هذه عقوبات وإهانة ويظن الجاهل أنها كرامة ~~ومنها مكر الله بالماكر ومخادعته للمخادع واستهزاؤه بالمستهزىء وإزاغته ~~لقلب الزائغ عن الحق ومنها نكس القلب حتى يرى الباطل حقا والحق باطلا ~~والمعروف منكرا والمنكر معروفا ويفسد ويرى أنه يصلح ويصد عن سبيل الله وهو ~~يرى أنه يدعى إليها ويشتري الضلالة بالهدى وهو يرى أنه على الهدى ويتبع ~~هواه وهو يزعم أنه مطيع لمولاه وكل هذا من عقوبات الذنوب الجارية علي ~~القلوب ومنها حجاب القلب عن الرب فى الدنيا والحجاب الأكبر يوم القيامة كما ~~قال تعالى كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون فمنعتهم الذنوب أن يقطعوا ~~المسافة بينهم وبين قلوبهم فيصلوا اليها فيروا ما يصلحها ويزكيها وما ~~يفسدها ويشقيها وإن يقطعوا المسافة بين قلوبهم وبين ربهم فتصل القلوب إليه ~~فتفوز بقربه وكرامته وتقربه عينا وتطيب به نفسا بل كانت الذنوب حجابا بينهم ~~وبين قلوبهم وحجابا بينهم وبين ربهم وخالقهم ومنها المعيشة الضنك في الدنيا ~~وفي البرزخ والعذاب فى الآخرة قال تعالي @QB@ ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى @QE@ وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر ~~ولا ريب أنه من المعيشة الضنك والآية تتناول ما هو أعم منه وإن كانت نكرة ~~فى سياق الإثبات فإن عمومها من حيث المعنى فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك ~~على الإعراض عن ذكره فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه وإن تنعم ~~فى الدنيا ms109 بأصناف النعم ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي يقطع ~~القلوب والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه وإنما تواريه عند سكرات ~~الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسة إن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر فسكرها ~~هذه الأمور أعظم من سكر الخمر فإنه يفيق صاحبه ويصحوا وسكر الهوى وحب ~~الدنيا لا يصحوا صاحبه إلا إذا سكر في عسكر الأموات فالمعيشة الضنك لازمة ~~لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم فى دنياه ~~وفي البرزخ ويوم معاده ولا تقر العين ولا PageV01P083 يهدى القلب ولا تطمئن ~~النفس إلا بألهها ومعبودها الذى هو حق وكل معبود سواه باطل فمن قرت عينه ~~بالله قرت به كل عين ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه علي الدنيا حسرات ~~والله تعالى إنما جعل الحياة الطيبة لمن آمن بالله وعمل صالحا كما قال ~~تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم ~~أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون فضمن لأهل الإيمان والعمل الصالح الجزاء فى ~~الدنيا بالحياة الطيبة والحسني يوم القيامة فلهم أطيب الحياتين وهم أحياء ~~فى الدارين ونظير هذا قوله تعالى وللذين أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة ولدار ~~الآخرة خير ولنعم دار المتقين ونظيرها قوله تعالى وأن استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله ففاز ~~المتقون المحسنون بنعيم الدنيا والآخرة وحصلوا علي الحياة الطيبة فى ~~الدارين فإن طيب النفس وسرور القلب وفرحه ولذته وابتهاجه وطمأنينته ~~وانشراحه ونوره وسعته وعافيته من ترك الشهوات المحرمة والشبهات الباطلة هو ~~النعيم علي الحقيقة ولا نسبة لنعيم البدن إليه فقد قال بعض من ذاق هذه ~~اللذة لو علم الملوك وأبناء ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف وقال آخر إنه ~~يمر بالقلب أوقات أقول فيها إن أهل الجنة فى مثل هذا إنهم لفى عيش طيب وقال ~~الآخر إن فى الدنيا جنة هى في الدنيا كالجنة في الآخرة من لم يدخلها لم ~~يدخل جنة الآخرة وقد أشار ms110 النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الجنة بقوله ~~إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا وما رياض الجنة قال حلق الذكر وقال ما ~~بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ولاتظن أن قوله تعالى @QB@ إن الأبرار ~~لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم @QE@ يختص بيوم المعاد فقط بل هؤلاء فى نعيم ~~فى دورهم الثلاثة وهؤلاء فى جحيم فى دورهم الثلاثة وأي لذة ونعيم فى الدنيا ~~أطيب من بر القلب وسلامة الصدر ومعرفة الرب تعالى ومحبته والعمل على ~~موافقته وهل عيش في الحقيقة الا عيش القلب السليم وقد أثنى الله تعالى على ~~خليله عليه السلام بسلامة القلب فقال وإن من شيعته لإبراهيم إذا جاء ربه ~~بقلب سليم وقال حاكيا عنه أنه قال @QB@ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من ~~أتى الله بقلب سليم @QE@ والقلب السليم هو الذى سلم من الشرك والغل والحقد ~~والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة فسلم من كل آفة تبعده من الله ~~وسلم من كل شبهة تعارض خبره ومن كل شهوة تعارض أمره وسلم من كل إرادة تزاحم ~~مراده وسلم من كل قاطع يقطعه عن الله فهذا القلب السليم فى جنة معجلة فى ~~الدنيا وفى جنة فى البرزخ وفى جنة يوم المعاد ولا يتم له سلامته مطلقا حتى ~~يسلم من خمسة أشياء من شرك يناقض التوحيد وبدعة تخالف السنة وشهوة تخالف ~~الأمر وغفلة تناقض الذكر وهو يناقض التجريد والاخلاص يعم وهذه الخمسة حجب ~~عن الله وتحت كل واحد منها PageV01P084 أنواع كثيرة تتضمن أفراد الأشخاص لا ~~تحصر ولذلك اشتدت حاجة العبد بل ضرورته إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط ~~المستقيم فليس العبد أحوج إلى شيء منه إلى هذه الدعوة وليس شيء أنفع منها ~~فان الصراط المستقيم يتضمن علوما وإرادة وأعمالا وتروكا ظاهرة وباطنة تجري ~~عليه كل وقت فتفاصيل الصراط المستقيم قد يعلمها العبد وقد لا يعلمها وقد ~~يكون ما لا يعلمه أكثر مما يعلمه وما يعلمه قد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه ~~وهو من الصراط المستقيم وإن ms111 عجز عنه وما يقدر عليه قد تريده نفسه وقد لا ~~تريده كسلا وتهاونا أو لقيام مانع وغير ذلك وما تريده قد يفعله وقد لا ~~يفعله وما يفعله قد يقوم بشروط الاخلاص وقد لا يقوم وما يقوم فيه بشروط ~~الإخلاص قد يقوم فيه بكمال المتابعة وقد لا يقوم وما يقوم فيه بالمتابعة قد ~~يثبت عليه وقد صرف قلبه عنه وهذا كله واقع سار في الخلق فمستقل ومستكثر ~~وليس فى طباع العبد الهداية إلى ذلك كله بل متي وكل إلى طباعه حيل بينه ~~وبين ذلك وهذا هو الأركاس الذي أركس الله به المنافقين بذنوبهم فاعادهم إلى ~~طباعهم وما خلقت عليه نفوسهم من الجهل والظلم والرب تبارك وتعالى على صراط ~~مستقيم في قضائه وقدره وأمر ونهيه فيهدي من يشاء إلى صراط مستقيم بفضله ~~ورحمته وجعل الهداية حيث تصلح ويصرف من يشاء عن صراط مستقيم بعدله وحكمته ~~لعدم صلاحية المحل وذلك موجب صراط المستقيم الذي هو عليه فهو على صراط ~~مستقيم ونصب لعباده من أمره مستقيما دعاهم جميعا إليه حجة منه وعدلا وهدى ~~من يشاء منهم إلى سلوكه نعمة منه وفضلا ولم يخرج بهذا العدل وهذا الفضل عن ~~صراطه المستقيم الذي هو عليه فإذا كان يوم القيامة نصب لخلقه صراطا مستقيما ~~يوصلهم إلى جنته ثم صرف عنه من صرف عنه فى الدنيا وأقام من أقام فى الدنيا ~~وجعل نو المؤمنين به وبرسوله وما جاء به الذي كان فى قلوبهم فى الدنيا نورا ~~ظاهرا لهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم فى ظلمة الحشر وحفظ عليهم نورهم حتى ~~يقطعوه كما حفظ عليهم الإيمان حتى لقوه وأطفى نور المنافقين أحوج ما كانوا ~~إليه كما أطفأه من قلوبهم فى الدنيا وأقام أعمال العصاة بجنبتي الصراط ~~كلاليب وحسكا تخطفهم كما تخطفهم فى الدنيا عن الاستقامة عليه وجعل علي قدر ~~سيرهم وسرعتهم إليه فى الدنيا ونصب للمؤمنين حوضا يشربون منه بازاء شربهم ~~من شرعه فى الدنيا وحرم من الشرب منه هناك من حرم الشرب من شرعه ودينه ههنا ~~فنظروا إلى الآخرة ms112 كأنها رأى عين وتأمل حكمة الله سبحانه فى الدارين تعلم ~~حينئذ علما يقينا لاشك فيه أن الدنيا مزرعة الآخرة وعنوانها وانموذجها وأن ~~منازل الناس فيها من السعادة والشقاوة علي حسب منازلهم فى هذه الدار فى ~~الإيمان والعمل الصالح وضدها وبالله التوفيق فمن PageV01P085 أعظم عقوبات ~~الذنوب الخروج عن الصراط فى الدنيا والآخرة فصل # ولما كانت الذنوب متفاوتة فى درجاتها ومفاسدها تفاوت عقوباتها فى الدنيا ~~والآخرة بحسب تفاوتها ونحن نذكر فيها بعون الله فصلا وجيزا جامعا فتقول ~~أصلها نوعان ترك مأمور وفعل محضور وهما الذنبان اللذان ابتلى الله سبحانه ~~أبوي الجن والأنس بهما وكلاهما ينقسم باعتبار محله إلي ظاهر على الجوارح ~~وباطنا فى القلوب وباعتبار متعلقة إلى حق الله وحق خلقه وإن كان كل حق ~~لخلقه فهو متضمن لحقه لكن سمى حقا للخلق لأنه يجب بمطالبتهم ويسقط باسقاطهم ~~ثم هذه الذنوب تنقسم إلى أربعة أقسام ملكية وشيطانية وسبعية وبهيمية لا ~~تخرج عن ذلك فإن الذنوب الملكية أن من يتعاطا ما لا يصلح له من صفات ~~الربوبية كالعظمة والكبرياء والجبروت والقهر والعلو والظلم واستعباد الخلق ~~ونحو ذلك ويدخل فى هذا الشرك بالرب تعالى وهو نوعان شرك به فى أسمائه ~~وصفاته وجعل آلهة أخرى معه وشرك به فى معاملته وهذا الثاني قد لا يوجب دخول ~~النار وإن أحبط العمل الذي أشرك فيه مع الله غيره وهذا القسم أعظم أنواع ~~الذنوب ويدخل فيه القول على الله بلا علم فى خلقه وأمره فمن كان من أهل هذه ~~الذنوب فقد نازع الله سبحانه ربوبيته وملكيه وجعل له ندا وهذا أعظم الذنوب ~~عند الله ولا ينفع معه عمل فصل # وأما الشيطانية فالتشبه بالشيطان فى الحسد والبغي والغش والغل والخذاع ~~والمكر والامر بمعاصي الله وتحسينها والنهى عن طاعة الله وتهجينها ~~والابتداع فى دينه والدعوة إلى البدع والضلال وهذا النوع يلى النوع الأول ~~فى المفسدة وإن كانت مفسدته دونه فصل # وأما السبعية فذنوب العدوان والغضب وسفك الدماء والتوثب على الضعفاء ~~والعاجزين ويتولد منها أنواع أذي النوع الإنساني والجرأة على الظلم ms113 ~~والعدوان وأما الذنوب البهيمية فمثل الشرة والحرص علي قضاء شهوة البطن ~~والفرج ومنها يتولد الزنا والسرقة وأكل أموال اليتامى والبخل والشح والجبن ~~والهلع والجزع وغير ذلك وهذا القسم أكثر ذنوب الخلق لعجزهم عن الذنوب ~~السبعية والملكية ومنه يدخلون إلى سائر الأقسام فهو يجرهم إليها بزمام ~~فيدخلون منه إلى الذنوب السبعية ثم إلي الشيطانية ثم منازعة الربوبية ~~والشرك فى الوحدانية ومن تأمل هذا حق التأمل تبين له ان الذنوب دهليز الشرك ~~والكفر ومنازعة الله ربوبية PageV01P086 فصل # وقد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم والأئمة على أن من ~~الذنوب كبائر وصغائر قال الله تعالى @QB@ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ~~نكفر عنكم سيئاتكم @QE@ وقال تعالى والذين يجتنبون كبائر الاسم والفواحش ~~إلا اللمم وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال الصلوات الخمس ~~والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلي رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر ~~وهذه الأعمال المكفرة لها ثلاث درجات أحدها أن تقصر عن تكفير الصغائر ~~لضعفها وضعف الاخلاص فيها والقيام بحقوقها بمنزلة الدواء للضعيف الذى ينقص ~~عن مقاومة الداء كمية وكيفية الثانية أن تقاوم الصغائر ولا ترتقي إلى تكفير ~~شىء من الكبائر الثالثة أن تقوى على تكفير الصغائر وتبقى فيها قوة تكفر بها ~~بعض الكبائر فتأمل هذا فإنه يزيل عنك إشكالات كثيرة وفى الصحيح عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال الا أنبئكم بأكبر الكبائر قلنا بلى يا رسول فقال ~~الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور وروي فى الصحيح عنه صلى الله ~~عليه وسلم اجتنبوا السبع الموبقات قيل وما هن يا رسول الله قال الإشراك ~~بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله الا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل ~~الربا والتولى يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات وفى الصحيح عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي الذنب أكبر عند الله قال أن تجعل لله ندا ~~وهو خلفك قيل ثم أى قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قيل ثم أي قال أن ~~تزني بحليلة جارك فأنزل الله تعالى ms114 تصديقها والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون الآية واختلف ~~الناس فى الكبائر هل لها عدد يحصرها على قولين ثم الذين قالوا بحصرها ~~اختلفوا فى عددها فقال عبد الله بن مسعود هي أربعة وقال عبدالله بن عمر هى ~~سبعة وقال عبد الله بن عمرو ابن العاص هي تسعة وقال غيره هي إحدى عشر وقال ~~آخر هي سبعون وقال أبو طالب المكى جمعتها من أقوال الصحابة فوجدتها أربعة ~~فى القلب وهى الشرك بالله والإصرار على المعصية والقنوط من رحمة الله ~~والامن من مكر الله وأربعة فى اللسان وهى شهادة الزور وقذف المحصنات ~~واليمين الغموس والسحر وثلاثة فى البطن شرب الخمر وأكل مال اليتيم وأكل ~~الربا واثنتان فى الفرج وهما الزنا واللواطة واثنان فى اليدين وهما القتل ~~والسرقة وواحدة فى الرجلين وهى الفرار من الزحف وواحدة تتعلق بجميع الجسد ~~وهى عقوق الوالدين والذين لم يحصروها بعدد منهم من قال كلما نهى الله فى ~~القرآن فهو كبيرة وما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو صغيرة وقالت ~~طائفة ما اقترن بالنهى عنه وعيد من لعن PageV01P087 أو غضب أو عقوبة فهو ~~كبيرة ومالم يقرن به من ذلك شىء فهو صغيرة وقيل كلما رتب عليه حد فى الدنيا ~~أو وعيد فى الآخرة فهو كبيرة وما لم يرتب عليه لا هذا ولا هذا فهو صغيرة ~~وقيل كلما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر وما كان تحريمه فى ~~شريعة دون شريعة فهو صغيرة وقيل كلما لعن الله أو رسوله فاعله فهو كبيرة ~~وقيل كلما ذكر من أول سورة النساء إلى قوله @QB@ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون ~~عنه نكفر عنكم سيئاتكم @QE@ والذين لم يقسموها إلى كبائر وصغائر قالوا ~~الذنوب كلها بالنسبة إلى الجراءة علي الله سبحانه معصيته ومخالفة أمره ~~كبائر فانظر إلى من عصى أمره وانتهك محارمه توجب أن تكون الذنوب كلها كبائر ~~وهى مستوية فى هذه المفسدة قالوا ويوضح هذا إن الله سبحانه لا نضره ms115 الذنوب ~~ولا يتأثر بها فلا يكون بعضها بالنسبة اليه أكبر من بعض فلم يبق إلا مجرد ~~معصيته ومخالفته ولا فرق فى ذلك بين ذنب وذنب قالوا ويدل عليه أن مفسدة ~~الذنب تابعة للجراءة والثواثب على حق الرب تبارك وتعالى ولهذا لو شرب رجل ~~خمرا أو وطأ فرجا حراما وهو لا يعتقد تحريمه لكان قد جمع بين الجهل وبين ~~مفسدة ارتكاب الحرام ولو فعل ذلك من يعتقد تحريمه لكان أتي باحد المفسدتين ~~وهو الذى يستحق العقوبة دون الأول فدل علي أن مفسدة الذنب تابعة للجراءة ~~والتوثب قالوا ويدل على هذا أن المعصية تتضمن الاستهانة بأمر المطاع ونهيه ~~وإنتهاك حرمته وهذا لا فرق فيه بين ذنب وذنب قالوا فلا ينظر العبد إلى كبر ~~الذنب وصغره فى نفسه ولكن ينظر إلى قدر من عصاه وعظمته وإنتهاك حرمته ~~بالمعصية وهذا لا يقترن فيه الحال بين معصية ومعصية فإن ملكا عظيما مطاعا ~~لو أمر أحد مملوكيه أن يذهب فى مهم له إلى بلد بعيد وأمر آخر أن يذهب فى ~~شغل له إلى جانب الدار فعصياه وخالفا أمره لكانا فى مقته والسقوط من عينه ~~سواء قالوا ولهذا كانت معصية من ترك الحج من مكة وترك الجمعة وهو جار ~~المسجد أقبح عند الله من معصية من تركه من المكان البعيد والواجب علي هذا ~~أكثر من الواجب علي هذا ولو كان مع رجل مائتا درهم فمنع زكاتها ومع آخر ~~مائتا ألف درهم فمنع زكاتها لا يستويا فى منع ما وجب على كل واحد منهما ~~ولايبعد استواؤهما فى العقوبة إذا كان كلا منهما مصر على منع زكاة ماله ~~قليلا كان المال أو كثيرا فصل # وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال إن الله عز وجل أرسل رسله وأنزل كتبه ~~وخلق السموات والأرض ليعرف ويعبد ويوجد ويكون الدين كله له والطاعة ~~PageV01P088 كلها له والدعوة له كما قال تعالي وما خلقت الجن والانس إلا ~~ليعبدون وقال تعالى وماخلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وقال ~~تعالى الله الذي خلق سبع سموات ms116 ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا ~~أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وقال تعالى جعل ~~الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد ذلك ~~لتعلموا أن الله يعلم ما فى السموات والأرض وأن الله بكل شيء عليم فأخبر ~~سبحانه أن القصد بالخلق والأمر ان يعرف باسمائه وصفاته ويعبد وحده لايشرك ~~به وأن يقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض كما قال ~~تعالى @QB@ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم ~~الناس بالقسط @QE@ فأخبر سبحانه أنه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس ~~بالقسط وهو العدل ومن أعظم القسط التوحيد بل هو رأس العدل وقوامه وأن الشرك ~~ظلم كما قال تعالى @QB@ إن الشرك لظلم عظيم @QE@ فالشرك أظلم الظلم ~~والتوحيد أعدل العدل فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر ~~وتفاوتها فى درجاتها بحسب منافاتها له وما كان أشد موافقة لهذا المقصود فهو ~~أوجب الواجبات وأفرض الطاعات فتأمل هذا الأصل حق التأمل واعتبر به تفاصيله ~~تعرف به أحكم الحاكمين وأعلم العالمين فيما فرضه علي عباده وحرمه عليهم ~~وتفاوت مراتب الطاعات والمعاصي فلما كان الشرك بالله منافيا بالذات لهذا ~~المقصود كان أكبر الكبائر على الإطلاق وحرم الله الجنة على كل مشرك وأباح ~~دمه وماله وأهله لأهل التوحيد وأن يتخذوهم عبيدا لهم لما تركوا القيام ~~بعبوديته وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك عملا أو يقبل فيه شفاعة أو ~~يستجيب له فى الآخرة دعوة أو يقبل له عشرة فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله ~~حيث جعل له من خلقه ندا وذلك غاية الجهل به كما أنه غاية الظلم منه وإن كان ~~المشرك لم يظلم ربه وإنما ظلم نفسه ووقعت مسألة وهى أن المشرك إنما قصده ~~تعظيم جناب الرب تبارك وتعالى أو انه لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلا ~~بالوسائط والشفعاء كحال الملوك فالمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الربوبية ~~وإنما قصد تعظيمه وقال إنما أعبد هذه الوسائط لتقربني إليه وتدخلني عليه ~~فهو ms117 المقصود وهذه وسائل وشفعاء فلم كان هذا القدر موجب لسخطه وغضبه تبارك ~~وتعالى ومخلدا فى النار وموجبا سفك دماء أصحابه واستباحة حريمهم وأموالهم ~~وترتب على هذا سؤال آخر وهو أنه هل يجوز أن يشرع الله سبحانه لعباده التقرب ~~إليه بالشفعاء والوسائط فيكون تحريم هذا إنما استفيد من الشرع أم ذلك قبيح ~~في الفطر والعقول يمتنع أن تأتي به شريعة بل جاءت بتقرير ما في الفطر ~~والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كل قبيح وما السبب في كونه لايغفره من دون ~~PageV01P089 سائر الذنوب كما قال تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~مادون ذلك لمن يشاء فتأمل هذا السؤال واجمع قلبك وذهنك علي جوابه ولا ~~تستهونه فإن به يحصل الفرق بين المشركين والموحدين والعالمين بالله ~~والجاهلين وأهل الجنة وأهل النار فتقول وبالله التوفيق والتأييد ومنه نستمد ~~المعونة والتسديد فإنه من يهدى الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادى له ولا ~~مانع لما أعطى ولا معطى لما منع الشرك شركان شرك بتعلق بذات المعبود ~~وأسمائه وصفاته وأفعاله وشرك فى عبادته ومعاملته وإن كان صاحبه يعتقد أنه ~~سبحانه لاشريك له فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله والشرك الأول نوعان ~~أحدهما شرك التعطيل وهو أقبح أنواع الشرك كشرك فرعون إذ قال وما رب ~~العالمين وقال تعالى مخبرا عنه أنه قال وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا ~~لعلى أطلع إلى اله موسى وإني لأظنه كاذبا فالشرك والتعطيل متلازمان فكل ~~مشرك معطل وكل معطل مشرك لكن لا يستلزم أصل التعطيل بل قد يكون المشرك مقرا ~~بالخالق سبحانه وصفاته ولكن عطل حق التوحيد وأصل الشرك وقاعدته التي ترجع ~~إليها هو التعطيل وهو ثلاثة أقسام تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه وتعطيل ~~الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله وتعطيل ~~معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة ~~الوجود الذين يقولون ما ثم خالق ومخلوق ويقولون ههنا شيئا بل الحق المنزه ~~وهو عين الخلق المشبه ms118 ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته وأنه ~~لم يكن معدوما أصلا بل لم يزل ولا يزال والحوادث باسرها مستندة عندهم إلى ~~أسباب ووسائط اقتضيت إيجادها ليسمونها العقول والنفوس ومن هذا شرك من عظيم ~~أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة فلم يثبتوا ~~اسما ولا صفة بل جعلوا المخلوق أكمل منه إذا كمال الذات بأسمائها وصفاتها ~~فصل # النوع الثاني شرك من جعل معه إلها آخر ولم يعطل أسماءه وربوبيته وصفاته ~~كشرك النصارى الذي جعلوه ثلاثة فجعلوا المسيح إلها وأمه إلها ومن هذا شرك ~~المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلي النور وحوادث الشر إلى الظلمة ومن ~~هذا شرك القدرية القائلين بان الحيوان هو الذى يخلق أفعال نفسه وأنها تحدث ~~بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته ولهذا كانوا من أشباه المجوس ومن هذا شرك ~~الذي حاج إبراهيم فى ربه إذا قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحي ~~وأميت فهذا جعل نفسه ندا لله يحيي ويميت بزعمه كما يحيي PageV01P090 الله ~~ويميت فالزمه إبراهيم عليه السلام ورحمة الله وبركاته ان طرد قولك أن تقدر ~~علي الاتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها وليس هذا انتقالا ~~كما زعم بعض أهل الجدل بل الزاما على طرد الدليل أن كان حقا ومن هذا شرك ~~كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات ويجعلها أربابا مدبرة لامر هذا العالم كما ~~هو مذهب مشركى الصائبة وغيرهم ومن هذا شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم ~~ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الآله على الحقيقة ومنهم من يزعم أنه أكبر ~~الآلهة ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل ~~إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتني به ومنهم من يزعم أن معبودهم الادني ~~يقربه المعبود الذي هو فوقه والفوقاني يقر به إلى من هو فوقه حتي تقربه تلك ~~الآلهة إلى الله سبحانه فتارة تكثر الوسائط وتارة ثقل فصل # وأما الشرك فى العبادة فهو أسهل من هذا الشرك وأخف أمرا فانه يصدر ممن ~~يعتقد ms119 أنه لاإله إلا الله وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطى ولا يمنع إلا الله ~~وأنه لا إله غيره ولا رب سواه ولكن لا يخلص لله في معاملته وعبوديته بل ~~يعمل لحظ نفسه تارة وطلب الدنيا تارة ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند ~~الخلق تارة من عمله وسعيه نصيب ولنفسه وحظه وهوعه نصيب وللشيطان نصيب ~~وللخلق نصيب هذا حال أكثر الناس وهو الشرك الذي قال فيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما رواه ابن حبان فى صحيحه الشرك فى هذه الأمة أخفى من دبيب ~~النمل قالوا وكيف ننجوا منه يا رسول الله قال اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك ~~وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم فالرياء كله شرك قال تعالى قل إنما أنا بشر ~~مثلكم يوحي إلى إنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فاليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا أي كما أنه إله واحد لا إله سواه فكذلك ~~ينبغي أن تكون العبادة له وحده فكما تفرد بالالهية يحب أن يفرد بالعبودية ~~فالعمل الصالح هو الخالى من الرياء المقيد بالسنة وكان من دعاء عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه اللهم اجعل عملى كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا ~~تجعل لا حد فيه شيئا وهذا الشرك فى العبادة يبطل ثواب العمل وقد يعاقب عليه ~~إذا كان العمل واجبا فإنه ينزله منزلة من لم يعلمه فيعاقب على ترك الامر ~~فان الله سبحانه إنما أمر بعبادته خالصة قال تعالى وما أمروا الا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين حنفاء فمن لم يخلص لله فى عبادته لم يفعل ما أمر به ~~بل الذي أتي به شيء غير المأمور به فلا يصح ولا يقبل منه ويقول الله تعالى ~~أنا أغني الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشراك معى فيه غيري فهو للذى أشرك ~~به PageV01P091 وأنا منه برئ وهذا الشرك ينقسم إلي مغفور وغير مغفور وأكبر ~~وأصغر والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر وليس شيء منه مغفور فمنه الشرك ~~بالله في المحبة والتعظيم ms120 بأن يحب مخلوقا كما يحب الله فهذا من الشرك الذي ~~لا يغفره الله وهو الشرك الذى قال سبحانه فيه ومن الناس من يتخذ من دون ~~الله أندادا الآية وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعتهم الجحيم تالله ~~إن كما لفى ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين ومعلوم أنهم ما سووهم به ~~سبحانه فى الخلق والرزق والاماتة والاحياء والملك والقدرة وإنما سووهم به ~~فى الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل وهذا غاية الجهل والظلم فكيف يسوي من ~~خلق من التراب برب الارباب وكيف يسوي العبيد بما لك الرقاب وكيف يسوي ~~الفقير بالذات الضعيف بالذات العاجز بالذات المحتاج بالذات الذي ليس له من ~~ذاته الا العدم بالغنى بالذات القادر بالذات الذي غناه وقدرته وملكه وجوده ~~وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام من لوازم ذاته فأي ظلم أقبح من ~~هذا وأى حكم أشد جورا منه حيث عدل من لاعدل له يخلقه كما قال تعالى الحمد ~~لله الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون فعدل المشرك من خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور بمن لا يملك ~~لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض فيا لك من عدل تضمن ~~أكبر الظلم وأقبحه فصل # ويتبع هذا الشرك به سبحانه فى الاقوال والأفعال والإرادات والنيات فالشرك ~~فى الأفعال كالسجود لغيره والطواف بغير بيته وحلق الرأس عبودية وخضوعا ~~لغيره وتقبيل الاحجار غير الحجر الأسود الذى هو يمين الله فى الأرض أو ~~تقبيل القبور واستلامها والسجود لها وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~اتخذ قبور الانبياء والصالحين مساجد يصلى لله فيها فكيف بمن أتخذ القبور ~~أوثانا يعبدها من دون الله وفى الصحيحين عنه أنه قال لعن الله اليهود ~~والنصارى أتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وفى الصحيح عنه أن شرار الناس من ~~تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد وفي الصحيح أيضا عنه ~~أن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ~~فأنى أنهاكم عن ذلك وفى ms121 مسند الإمام أحمد رضى الله عنه وصحيح ابن حبان عنه ~~صلى الله عليه وسلم لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ~~وقال اشتد غضب الله علي قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وقال إن من كان ~~قبلكم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على PageV01P092 قبره مسجدا وصوروا ~~فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة فهذا حال من سجد لله ~~فى مسجد على قبر فكيف حال من سجد للقبر بنفسه وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد وقد حمى النبي صلى الله عليه وسلم جانب ~~التوحيد أعظم حماية حتى نهى عن صلاة التطوع لله سبحانه عند طلوع الشمس وعند ~~غروبها لئلا يكون ذريعة إلى التشبه بعباد الشمس الذين يسجدون لها فى هاتين ~~الحالتين وسد الذريعة بأن منع الصلاة بعد العصر والصبح لاتصال هذين الوقتين ~~بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس وأما السجود لغير الله فقال ~~لاينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله ولا ينبغي فى كلام الله ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم للذي هو في غاية الامتناع شرعا كقوله تعالى وما ينبغي للرحمن أن ~~يتخذ ولدا وقوله وما علمنا الشعر وما ينبغي له وقوله وما تنزلت به الشياطين ~~وما ينبغي له وقوله عن الملائكة وما كان ينبغي لنا أن تتخذ من دونك من ~~أولياء فصل # ومن الشرك به سبحانه الشرك به فى اللفظ كالحلف بغيره كما رواه أحمد وأبو ~~داود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف بغير الله فقد أشرك وصححه ~~الحاكم وابن حبان ومن ذلك قول القائل للمخلوق ما شاء الله وشئت كما ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل ما شاء الله وشئت قال أجعلتني لله ~~ندا قل ما شاء الله وحده وهذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة كقوله لمن ~~شاء منكم أن يستقيم فكيف من يقول أنا متوكل على الله وعليك وأنا فى حسب ~~الله وحسبك ومالى إلا الله وأنت ms122 وهذا من الله ومنك وهذا من بركات الله ~~وبركاتك والله لى فى السماء وأنت لي فى الأرض ويقول والله وحياة فلان أو ~~يقول نذرا لله ولفلان وأنا تائب لله ولفلان أو أرجوا الله وفلانا ونحو ذلك ~~فوازن بين هذه الالفاظ وبين قول القائل ما شاء الله وشئت ثم انظر أيهما ~~أفحش يتبين لك أن قائلها أولى لجواب النبي صلى الله عليه وسلم لقائل تلك ~~الكلمة وأنه إذا كان قد جعله ندا لله بها فهذا قد جعل من لا يداني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في شيء من الأشياء بل لعله أن يكون من أعدائه ندا ~~لرب العالمين فالسجود والعبادة والتوكل والانابة والتقوى والخشية والتحسب ~~والتوبة والنذر والحلف والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والاستغفار ~~وحلق الرأس خضوعا وتعبدا والطواف بالبيت والدعاء كل ذلك محض حق الله لا ~~يصلح ولا ينبغي لسواه من ملك مقرب ولا نبي مرسل وفى مسند أحمد الامام أن ~~رجلا أتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد PageV01P093 أذنب ذنبا فلما ~~وقف بين يديه قال اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال قد عرف الحق ~~لأهله فصل # وأما الشرك فى الارادات والنيات فذلك البحر الذى لا ساحل له وقل من ينجو ~~منه فمن أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئا غير التقرب إليه وطلب الجزاء ~~منه فقد أشرك فى نيته وإرادته والإخلاص أن يخلص لله فى أفعاله وأقواله ~~وإرادته ونيته وهذه هى الحنيفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم ~~ولا يقبل من أحد غيرها وهى حقيقة الإسلام كما قال تعالى ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين وهى ملة إبراهيم عليه ~~السلام التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء فصل # وإذا عرفت هذه المقدمة انفتح لك باب الجواب عن السؤال المذكور فنقول ومن ~~الله وحده نستمد الصواب حقيقة الشرك هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به ~~هذا هو التشبيه فى الحقيقة لا اثبات صفات الكمال التي وصف ms123 الله بها نفسه ~~ووصفه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعكس من نكس الله قلبه وأعمى عين ~~بصيرته وأركسه بلبسه الأمر وجعل التوحيد تشبيها والتشبيه تعظيما وطاعة ~~فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الالهية فإن من خصائص الألهية ~~التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف ~~والرجاء والتوكل به وحده فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق وجعل من لا ~~يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا أفضل من غيره تشبيها ~~بمن له الأمر كله فازمة الأمور كلها بيديه ومرجعها اليه فما شاء كان وما لم ~~يشأ لم يكن لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع بل إذ فتح لعبده باب رحمته ~~لم يمسكها أحد وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد فمن أقبح التشبيه تشبيه ~~هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات ومن خصائص الالهية الكمال ~~المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه وذلك يوجب أن تكون ~~العبادة كلها له وحده والتعظيم والاجلال والخشية والدعاء والرجاء والانابة ~~والتوكل والاستعانة وغاية الذل مع غاية الحب كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة ~~أن يكون له وحده ويمنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره فمن جعل شيئا من ذلك ~~لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لاشبيه له ولاند له وذلك أقبح التشبيه وأبطله ~~ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لايغفره مع أنه كتب ~~PageV01P094 على نفسه الرحمة ومن خصائص الألهية العبودية التي قامت على ~~ساقين لا قوام لها بدونهما غاية الحب مع غاية الذل هذا تمام العبودية ~~وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الاصلين فمن أعطى حبه وذله ~~وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه وهذا من المحال أن تأتي به شريعة ~~من الشرائع وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق ~~وعقولهم وأفسدتها عليهم واحتالتهم عنها ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له ~~من الله الحسنى فارسل اليهم ms124 رسله وأنزل عليهم كتبه بما يوافق فطرهم وعقولهم ~~فازدادوا بذلك نورا على نور يهدي الله لنوره من يشاء اذا عرف هذا فمن خصائص ~~الالهية السجود فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به ومنها التوكل فمن توكل ~~على غيره فقد شبهه به ومنها التوبة فمن تاب لغيره فقد شبهه به ومنها الحلف ~~باسمه تعظيما وإجلالا فمن حلف بغيره فقد شبهه به هذا فى جانب التشبيه وأما ~~فى جانب التشبه به فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى اطرائه فى المدح ~~والتعظيم والخضوع والرجاء وتعليق القلب به خوفا ورجاء والتجاء واستعانة فقد ~~بالله ونازعه فى ربوبيته وإلهيته وهو حقيقه بأن يهنيه غاية الهوان ويذله ~~غاية الذل ويجعله تحت أقدام خلقه وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال ~~يقول الله عز وجل العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدا منهما ~~عذبته وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذابا يوم ~~القيامة لتشبه بالله فى مجرد الصنعة فما الظن بالتشبه بالله فى الربوبية ~~والالهية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس عذابا يوم القيامة ~~المصورون يقال لهم أحيوا ما خلقتم وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلق فليخلقوا ذرة ~~فليخلقوا شعيرة فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منهما وأكبر والمقصود ~~أن هذا حال من تشبه به في صنعة صورة فكيف حال من تشبه به فى خواص ربوبيته ~~وإلهيته وكذلك من تشبه به فى الاسم الذي لا ينبغي إلا لله وحده كملك ~~الاملاك وحاكم الحكام ونحوه وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال أن أخنع الاسماء عند الله رجل يسمى بشاهان شاه ملك الملوك ولا ملك الا ~~الله وفي لفظ أغيظ رجل علي الله رجل يسمى بملك الاملاك فهذا مقت الله وغضبه ~~على من تشبه به فى الاسم الذى لا ينبغي الاله فهو سبحانه ملك الملوك وحده ~~وهو حاكم الحكام وحده فهو ms125 الذى يحكم علي الحكام كلهم ويقضي عليهم كلهم لا ~~غيره PageV01P095 فصل # إذا تبين هذا فههنا أصل عظيم يكشف سر المسألة وهو أن أعظم الذنوب عند ~~الله إساءة الظن به فان المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس فظن به ~~ما يناقض أسماؤه وصفاته ولهذا توعد الله سبحانه الظانين به ظن السوء بما لم ~~يتوعد به غيرهم كما قال تعالى عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم ~~وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا وقال تعالى لمن أنكر صفة من صفاته وذلكم ظنكم ~~الذي ظننتم بربكم أرداكم فاصبحتم من من الخاسرين وقال تعالى عن خليله ~~إبراهيم إنه قال لقومه ماذا تعبدون أإفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم ~~برب العالمين أي فما ظنكم أي يجازيكم به إذا لقيتموة وقد عبدتم غيره وماذا ~~ظننتم به حين عبدتم معه غيره وماظننتم باسمائه وصفاته وربوبيته من النقص ~~حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء ~~عليم وهو على كل شيء قدير وأنه غني عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه ~~وأنه قائم بالقسط على خلقه وأنه المتفرد بتدبير خلقه لا يشرك فيه غيره ~~والعالم بتفاصيل الأمور فلا يخفي عليه خافية من خلقه والكافي لهم وحده فلا ~~يحتاج إلى معين والرحمن بذاته فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه وهذا ~~بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء فأنهم يحتاج إلى من يعرفهم أحوال الرعية ~~وحوائجهم إلى من يعينهم علي قضاء حوائجهم والى من يسترحمهم وإلى من ~~يستعطفهم بالشفاعة فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم وضعفهم وعجزهم وقصور ~~علمهم فأما القادر على كل شيء الغني عن كل شىء الرحمن الرحيم الذى وسعت ~~رحمته كل شىء فادخال الوسائط بينه وبين خلقه نقص بحق ربوبيته وإلهيته ~~وتوحيده وظن به ظن سوء وهذا يستحيل ان يشرعه لعباده ويمتنع فى العقول ~~والفطر وقبحه مستقر في السليمة فوق كل قبيح يوضع هذا أن العابد معظم ~~لمعبوده متأله خاضع ذليل له ورب تعالى وحده هو ms126 الذى يستحق كمال التعظيم ~~والجلال والتأله والتذلل والخضوع وهذا خالص حقه فمن أقبح الظلم أن يعطى حقه ~~لغيره أو يشرك بينه وبينه فيه ولا سيما الذى جعل شريكه فى حقه هو عبده ~~ومملوكه كما قال تعالى ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من ~~شركاء فيما رزقناكم الآية أي إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريك له فى ~~رزقه فكيف تجعلون لى من عبيدي شركاء فيما أنا به متفرد وهو الآلهية التى ~~لاتنبغي لغيري ولا تصح لسوائي فمن زعم ذلك فما قدرني حق قدري ولا عظمني حق ~~عظمتي ولا أفردني بما أنا متفرد به وحدي دون خلقى فما قدر الله بحق قدره من ~~عبد معه غيره كما قال تعالى يا أيها الناس ضرب مثلا فاستمعوا له ~~PageV01P096 إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ~~إلى قوله لقوي عزيز فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره من لايقدر علي ~~خلق أضعف حيوان وأصغر وإن يسلبهم الذباب شيئا مما عليه لم يقدروا على ~~الاستعاذة منه قال تعالى وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة الآية فما قدر من هذا شأنه وعظمته حق قدره من أشرك معه فى عبادته ~~من ليس له شىء من ذلك البتة بل هو أعجز شىء وأضعفه فما قدر القوي العزيز حق ~~قدره من أشرك معه الضعيف الذليل وكذلك ما قدره حق قدره من قال أنه لم يرسل ~~إلى خلقه رسولا ولا أنزل كتابا بل نسبه إلى مال يليق به ولا يحسن منه من ~~إهمال خلقه وتضييعهم وتركهم سدي وخلقهم باطلا عبثا وكذا ما قدره حق قدره من ~~نفي حقائق أسمائه الحسنى وصفاته العلى فنفى سمعه وبصره وإرادته واختياره ~~وعلوه فوق خلقه وكلامه وتكليمه لمن شاء من خلقه بما يريد ونفى عموم قدرته ~~وتعلقها بأفعال عباده من طاعتهم ومعاصيهم فأخرجها عن قدرته ومشيئته وجعلهم ~~يخلقون لأنفسهم ما يشاؤن بدون مشيئه الرب فيكون فى ملكه مالا يشاء ms127 ويشاء ~~مالا يكون فتعالى عن قوله اشباه المجوس علوا كبيرا وكذلك ما قدره حق قدره ~~من قال أ يعاقب عبده على مالا يفعله عبده ولا له عليه قدرة ولا تأثير له ~~فيه البتة بل هو نفس فعل الرب جل جلاله فيعاقب عبده على فعله فهو سبحانه ~~الذي جبر العبد عليه وجبره على الفعل أعظم من أكراه المخلوق للمخلوق وإذا ~~كان من المستقر في الفطر والعقول إن السيد لو أكره عبده على فعل أو الجأه ~~اليه ثم عاقبه لكان قبيحا فأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين ~~كيف يجبر العبد على فعل لا يكون للعبد فيه صنع ولا تأثير ولا هو واقع ~~بارادته ولا فعله البتة ثم يعاقب عليه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وقول ~~هؤلاء شر من أشباه قول المجوس والطائفتان ما قدر الله حق قدره وكذلك ما ~~قدره حق قدره من لم يصنه عن نتن ولا حش ولا مكان يرغب عن ذكره بل جعله فى ~~كل مكان وصانه عن عرشه أن يكون مستويا عليه إليه تصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه وتعرج الملائكة والروح وتنزل من عنده وتدبر الأمر من السماء ~~إلى الأرض ثم تعرج إليه فصانه عن استوائه على سرير الملك ثم جعله فى كل ~~مكان يأنف الأنسان بل غيره من الحيوان أن يكون فيه وما قد الله حق قدره من ~~نفى حقيقة محبته ورحمته ورأفته ورضاه وغضبه ومقته ولا من نفي حقيقة حكمته ~~التي هي الغابات المحمودة المقصودة بفعله ولا من نفى حقيقة فعله ولم يجعل ~~له فعلا اختياريا يقوم به بل أفعاله مفعولات متفصلة عنه فنفي حقيقة مجيئه ~~وإتيانه واستوائه على عرشه وتكليمه موسى من جانب الطور ومجيئه يوم القيامة ~~لفصل القضاء بين عباده بنفسه إلى غير ذلك من أفعاله وأوصاف كماله التي ~~نفوها وزعموا أنهم ينفيها قد قدروه حق قدره PageV01P097 وكذلك لم يقدره حق ~~قدره من جعل له صاحبة وولدا وجعله سبحانه يحل فى جميع مخلوقاته أو جعله عين ~~هذا الوجود وكذلك لم يقدره حق ms128 قدره من قال إنه رفع أعداء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأهل بيته وأعلى ذكرهم وجعل الله فيهم الملك والخلافة ~~والعزو وضع أولياء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وأهانهم وأذلهم ~~وضرب عليهم الذل أين ما ثقفوا وهذا يتضمن غاية القدح فى جناب الرب تعالي عن ~~قول الرافضة علوا كبيرا وهذا القول مشتق من قول اليهود والنصارى فى رب ~~العالمين إنه أرسل ملكا ظالما فادعا النبوة لنفسه وكذب على الله وأخذ زمانا ~~طويلا يكذب على الله كل وقت ويقول قال كذا وأمر بكذا ونهى عن كذا وينسخ ~~شرائع أنبيائه ورسله ويستبيح دماء أتباعهم وأموالهم وحريمهم ويقول الله ~~أباح لى ذلك والرب تعالى يظهره ويؤيده ويعليه ويقربه ويجيب دعواته ويمكنه ~~ممن يخالفه ويقيم الادلة على صدقه ولا يعاديه أحد الاظفر به فيصدقه بقوله ~~وفعله وتقريره وتحدث أدلة تصديقه شيئا بعد شىء إلى يوم القيامة ومعلوم أن ~~هذا يتضمن أعظم القدح والطعن فى الرب سبحانه وتعالى وعلمه وحكمته وحمته ~~وربوبيته تعالى الله عن قول الجاحدين علوا كبيرا فوازن بين قول هؤلاء وقول ~~إخوانهم من الرافضة تجد القولين كما قال الشاعر # رضيعى لبان ثدى أم تقاسما % باسحم داج عوض لا يتفرق وكذلك لم يقدره حق ~~قدره من قال أنه يجوز أن يعذب أولياءه ومن لم يعصه طرفة عين ويدخلهم دار ~~النعيم وأن كل الأمرين بالنسبة إليه وإنما الخبر المحض جاء عنه بخلاف ذلك ~~فمعناه للخبر لا للمخالفة حكمته وعدله وقد أنكر سبحانه فى كتابه على من جوز ~~عليه ذلك غاية الانكار وجعل الحكم به من أسوء الاحكام وكذلك لم يقدره حق ~~قدره من زعم أنه لا يحيى الموتى ولا يبعث من فى القبور ولا يجمع الخلق ليوم ~~يجازى المحسن فيه باحسانه والمسيء فيه باساءته ويأخذ للمظلوم حقه من ظالمه ~~ويكرم للمتحملين المشاق فى هذه الدار من أجله وفى مرضاته بأفضل كرامته ~~ويبين لخنقه الذى يختلفون فيه ويعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين وكذلك ~~لم يقدره حق قدره من هان عليه ms129 أمره فعصاه ونهيه فارتكبه وحقه فضيعه وذكره ~~فأهمله وغفل قلبه عنه وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه وطاعة المخلوق أهم ~~عنده من طاعة الله فلله الفضلة من قلبه وعلمه وقوله وعمله وماله وسواه ~~المقدم فى ذلك لأنه المهم عنده يستخف بنظر الله إليه واطلاعه عليه وهو فى ~~قبضته وناصيته بيده ويعظم نظر المخلوق إليه وإطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه ~~ويستخفى من الناس ولا يستخفى من الله ويخشى الناس ولا يخشى الله ويعامل ~~الخلق بافضل ما عنده وما يقدر عليه وإن عامل PageV01P098 الله عامله باهون ~~ما عنده وأحقره وان قام فى خدمة من يحبه من البشر قام بالجد والإجتهاد وبذل ~~النصيحة وقد افرغ له قلبه وجوارحه وقدمه على كثير من مصالحه حتى إذا قام فى ~~حق ربه إن ساعد القدر قام قياما لايرضاه مخلوق من مخلوق مثله وبذل له من ~~ماله ما يستحي أن يواجه به مخلوق مثله فهل قدر الله حق قدره من هذا وصفه ~~وهل قدره حق قدره من شارك بينه وبين عدوه فى محض حقه من الإجلال والتعظيم ~~والطاعة والذل والخضوع والخوف والرجاء فلو جعل له من أقرب الخلق إليه شريكا ~~فى ذلك لكان ذلك جراءة وتوثبا على محض حقه واستهانة به وتشريكا بينه وبين ~~غيره فيما لا ينبغي ولا يصلح الاله سبحانه فكيف وإنما أشرك معه أبغض الخلق ~~إليه وأهونهم عليه وأمقتهم عنده وهو عدوه علي الحقيقة فإنه ماعبد من دون ~~الله إلا الشيطان كما قال تعالى ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولما عبد المشركون ~~الملائكة بزعمهم وقعت عبادتهم للشيطان وهم يظنون أنهم يعبدون الملائكة كما ~~قال تعالى ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ~~قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ~~فالشيطان يدعو المشركين إلى عبادته ويوهمهم أنه ملك كذلك عباد الشمس والقمر ~~والكواكب يزعمون إنهم يعبدون روحانيات هذه الكواكب وهي التى ms130 تخاطبهم وتقضي ~~لهم الحوائج ولهذا إذا طلعت الشمس قارنها الشيطان فيسجد لها الكفار فيقع ~~سجودهم له وكذلك عند غروبها وكذلك من عبد المسيح وأمه لم يعبدهما وإنما عبد ~~الشيطان فإنه يزعم أنه يعبد من أمره بعبادته وعبادة أمه ورضيها لهم وأمرهم ~~بها وهذا هو الشيطان الرجيم لعنة الله عليه لا عبد الله ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم فيدل هذا كله على قوله تعالي ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا ~~تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم فما عبد أحد ~~من بني آدم غير الله كائنا من كان الا وقعت عبادته للشيطان فيستمع العابد ~~بالمعبود فى حصول إغراضه ويستمتع المعبود بالعابد فى تعظيمه له وإشراكه مع ~~الله الذي هو غاية رضاه الشيطان ولهذا قال تعالى ويوم نحشرهم جميعا يا معشر ~~الجن قد استكثرتم من الإنس أي من إغوائهم وإضلالهم وقال أولياؤهم من الإنس ~~ربنا استمتع بعضنا ببعض وبعنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين ~~فيها إلا ما شاء الله ان ربك حكيم عليم فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذى ~~لاجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله وأنه لا يغفره بغير التوبة منه وإنه ~~يوجب الخلود فى النار وأنه ليس تحريمه وقبحه بمجرد النهى عنه بل يستحيل على ~~الله سبحانه أن يشرع لعباده إلها غيره كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كمال ~~ونعوت PageV01P099 جلاله وكيف يظن بالمنفرد بالربوبية والالهية والعظمة ~~والاجلال أن يأذن فى مشاركته فى ذلك أو يرضي به تعالى الله ذلك علوا كبيرا ~~فصل # فلما كان الشرك أكبر شيء منافاة للأمر الذى خلق الله له الخلق أمر لاجله ~~بالأمر الذي كان من أكبر الكبائر عند الله وكذلك الكبر وتوابعه كما تقدم ~~فإن الله سبحانه خلق الخلق وأنزل الكتاب لتكون الطاعة له وحده والشرك ~~والكبر ينافيان ذلك ولذلك حرم الله الجنة على أهل الشرك والكبر ولايدخلها ~~من كان فى قلبه مثقال ذرة من كبر فصل # ويلى ذلك فى كبر المفسدة القول على الله ms131 بلا علم فى أسمائه وصفاته ~~وأفعاله ووصفه بضد ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم فهذا ~~أشد شيء منافاة ومناقضة لكمال من له الخلق والأمر وقدح فى نفس الربوبية ~~وخصائص الرب فإن صدر ذلك عن علم فهو عناد أقبح من الشرك وأعظم إثما عند ~~الله فإن المشرك المقر بصفات الرب خير من المعطل الجاحد لصفات كماله كما أن ~~أقر بالملك للملك ولم يجحد ملكه ولا الصفات التى استحق بها الملك لكن جعل ~~معه شريكا فى بعض الأمور تقربا إليه خير ممن جحد صفات الملك وما يكون به ~~الملك ملكا هذا أمر مستقر فى سائر الفطر والعقول فأين القدح فى صفات الكمال ~~والجحد لها من عبادة واسطة بين المعبود الحق وبين العابد يتقرب إليه بعبادة ~~تلك الواسطة إعظاما له وإجلالا فداء التعطيل هذا الداء العضال الذى لا دواء ~~له ولهذا حكى الله عن إمام المعطلة فرعون أنه أنكر على موسى ما أخبر به من ~~أن ربه فوق السموات يا هامان ابن لي صرحا لعلى أبلغ الأسباب أسباب السموات ~~فاطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا واحتج الشيخ وأبو الحسن الاشعري فى ~~كتبه على المعطلة بهذه الآية وقد ذكرنا لفظه في غير هذا الكتاب وهو كتاب ~~اجتماع الجيوش الإسلامية على حرب المعطلة والجهمية في إثبات العلوم والقول ~~على الله بلا علم والشرك متلازمان ولما كانت هذه البدع المضلة جهلا بصفات ~~الله وتكذيبا بما أخبر به عن عن نفسه وأخبر به عنه رسوله صلى الله عليه ~~وسلم عنادا وجهلا كانت من أكبر الكبائر إن قصرت عن الكفر وكانت أحب إلى ~~إبليس من كبار الذنوب كما قال بعض السلف البدعة أحب إلي إبليس من المعصية ~~لان المعصية يتاب منها والبدعة لايتاب منها وقال إبليس لعنه الله أهلكت بني ~~آدم بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار فلما رأيت ذلك ~~PageV01P100 ثبتت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا ومعلوم أن المذنب إنما ضرره على نفسه وأما المبتدع ms132 فضرره على ~~النوع وفتنة المبتدع فى أصل الدين وفتنة المذنب فى الشهوة والمبتدع قد قعد ~~للناس على صراط الله المستقيم يصدهم عنه والمذنب ليس كذلك والمبتدع قادح فى ~~أوصاف الرب وكماله والمذنب ليس كذلك والمبتدع مناقض لما جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم والعاصي ليس كذلك والمبتدع يقطع على الناس طريق الآخرة ~~والعاصي بطيء السير بسبب ذنوبه فصل # ثم لما كان الظلم والعدوان منافيان للعدل الذي قامت به السموات والأرض ~~وأرسل الله سبحانه رسله صلى الله عليه وسلم وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط ~~كان أي الظلم من أكبر الكبائر عند الله وكانت درجته فى العظمة بحسب مفسدته ~~فى نفسه وكأن قتل الإنسان ولده الطفل الصغير الذي لا ذنب له وقد جبل الله ~~سبحانه القلوب على محبته ورحمته وعطفها عليه وخص الوالدين من ذلك بمزية ~~ظاهرة وقتله خشية أن يشاركه فى مطعمه ومشربه وماله من أقبح الظلم وأشده ~~وكذلك قتله أبويه الذين كانا سبب وجوده وكذلك قتله ذات رحمه وتتفاوت درجات ~~القتل بحسب قبحه وإستحقاق من قتله السعي فى إبقائه ونصيحته ولهذا كان أشد ~~الناس عذابا يوم القيامة من قتل نبيا أو قتله نبي ويليه من قتل إماما عادلا ~~أو عالما يأمر الناس بالقسط ويدعوهم إلى الله سبحانه وينصحهم فى دينهم وقد ~~جعل الله سبحانه جزاء قتل النفس المؤمنة عمدا الخلود فى النار وغضب الجبار ~~ولعنته وإعداد العذاب العظيم له هذا موجب قتل المؤمن عمدا ما لم يمنع منه ~~مانع ولا خلاف أن الإسلام الواقع بعد القتل طوعا واختيارا مانع من نفوذ زلك ~~الجزاء وهل تمنع توبة المسلم منه بعد وقوعه فيه قولان للسلف والخلف وهما ~~روايتان عن أحمد والذين قالوا لا تمنع التوبة من نفوذه رأوا أنه حق لآدمي ~~لم يستوفه فى دار الدنيا وخرج منه بظلامته فلا بد أن يستوفى له فى دار ~~العدل قالو فما استوفاه الوارث فإنما استوفى محضن حقه الذى خيره الله بين ~~استيفائه والعفو عنه وما ينفع المقتول من استيفاء وارثه وأي استدراك ~~لظلامته ms133 حصل باستيفاء وارثه وهذا أصح القولين فى المسألة أن حق المقتول لا ~~يسقط باستيفاء الوارث وهى وجهان لاصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما ورأت طائفة ~~أنه يسقط بالتوبة واستيفاء الوارث فإن التوبة تهدم ما قبلها والذنب الذي قد ~~جناه قد أقيم عليه حده قالوا وإذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر وهما ~~أعظم اثما من القتل فكيف تقصر عن محو أثر القتل وقد قبل الله توبة الكفار ~~الذين قتلوا أولياءهم وجعلهم PageV01P101 من خيار عباده ودعا الذين أحرقوا ~~أولياءهم وفتنوهم عن دينهم ودعاهم إلى التوبة وقال تعالي يا عبادي الذين ~~أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا وهذا ~~فى حق التائب وهى تتناول الكفر فما دونه قالوا وكيف يتوب العبد من الذنب ~~ويعاقب عليه بعد التوبة هذا معلوم انتفاؤه فى شرع لله وجزائه قالوا وتوبة ~~هذا المذنب تسليم نفسه ولا يمكن تسليمها إلى المقتول فأقام الشارع وليه ~~مقامه وجعل تسليم النفس إليه كتسليمها إلى المقتول بمنزلة تسليم المال الذي ~~عليه لوارثه فانه يقوم مقام تسليمه للموروث والتحقيق فى المسألة أن القتل ~~يتعلق به ثلاثة حقوق حق لله وحق للمظلوم المقتول وحق للولى فإذا سلم القاتل ~~نفسه طوعا واختيارا إلى الولى ندما علي ما فعل وخوفا من الله وتوبة نصوحا ~~يسقط حق الله بالتوبة وحق الولى بالإستيفاء أو الصلح أو العفو وبقى حق ~~المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن ويصلح بينه ~~وبينه فلا يبطل حق هذا ولا تبطل توبة هذا وأما مسألة المال فقد اختلف فيها ~~فقالت طائفة إذا أدي ما عليه من المال إلى الوارث فقد بريء من عهدته فى ~~الاخرة كما بريء منها فى الدنيا وقالت طائفة بل المطالبة لمن ظلمه بأخذه ~~باقية عليه يوم القيامة وهو لم يستدرك ظلامته بأخذ وارثه له فأنه منعه من ~~انتفاعه به فى طول حياته ومات ولم ينتفع به فهذا ظلم لم يستدركه وأنما ~~ينتفع به غيره بادراكه وبنوا هذا علي أنه لو انتقل من واحد ms134 إلي واحد وتعدد ~~الورثة كانت المطالبة للجميع لأنه حق كان يجب عليه دفعه إلي كل واحد منهم ~~عند كونه هو الوارث وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد وفصل شيخنا رحمه ~~الله بين الطائفتين فقال إن تمكن الموروث من أخذ ماله والمطالبة به فلم ~~يأخذه حتى مات صارت المطالبة به للوارث فى الآخرة كما هي له كذلك فى الدنيا ~~وإن لم يتمكن من طلبه وأخذه بل حال بينه وبينه ظلما وعدوانا فالطلب له فى ~~الآخرة وهذا التفصيل من أحسن ما يقال فإن المال إذا استهلكه الظالم على ~~الموروث وتعذر أخذه منه صار بمنزلة عبده الذي قتله قاتل وداره التى أحرقها ~~غيره وطعامه وشرابه الذى أكله وشربه غيره ومثل هذا إنما تلف على الموروث لا ~~على الوارث فحق المطالبة لمن تلف على ملكه فينبغي أن يقال فإذا كان المال ~~عقارا أو أرضا أو أعيانا قائمة باقية بعد الموت فهي ملك للوارث يجب على ~~الغاصب دفعها إليه كل وقت وإذا لم تدفع إليه أعيان ماله استحق المطالبة بها ~~عند الله تعالى كما يستحق المطالبة بها فى الدنيا وهذا سؤال قوى لا مخلص ~~منه إلا بان يقال المطالبة لهما جمعيا كما لو غصب ما لا مشتركا بين جماعة ~~استحق كل منهم المطالبة بحقه منه وكما لو استولى على وقف مرتب على بطون ~~فابطل حق البطون كلهم منه كانت المطالبة يوم القيامة لجميعهم PageV01P102 ~~ولم يكن بعضهم أولى بها من بعض والله أعلم فصل # ولما كانت مفسدة القتل هذه المفسدة قال الله تعالي من أجل ذلك كتبنا على ~~بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس ~~جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جمعيا وقد أشكل فهم هذا على كثير من ~~الناس وقالوا معلوم أن إثم قاتل مائة أعظم إثما عند الله من إثم قاتل نفس ~~واحدة وإنما أتوا من ظنهم أن التشبيه فى مقدار الإثم والعقوبة والقول لم ~~يدل على هذا ولا يلزم من تشبيه الشىء بالشىء أخذه ms135 بجميع أحكامه وقد قال ~~تعالى كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها وقال تعالى كانهم يوم ~~يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار وذلك لا يوجب أن لبثهم فى ~~الدنيا إنما كان هذا المقدار وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من صلى ~~العشاء فى جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الفجر فى جماعة فكأنما قام ~~الليل كله أى مع العشاء كما جاء فى لفظ آخر وأصرح من هذا قوله من صام رمضان ~~وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر وقوله صلى الله عليه وسلم من قرأ قل ~~هو الله أحد فكأنما قرأ ثلث القرآن ومعلوم أن ثواب فاعل هذه الأشياء لم ~~يبلغ ثواب المشبه به فيكون قدرها سواء ولو كان قدر الثواب سواء لم يكن ~~لمصلى الفجر والعشاء فى جماعة فى قيام الليل منفعه غير التعب والنصب وما ~~أوتي أحد بعد الإيمان أفضل من الفهم عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وذلك فضل الله يوتيه من يشاء فان قيل ففي أي شيء وقع التشبيه بين قاتل نفس ~~واحدة وبين قاتل الناس جميعا قيل في وجوه متعددة أحدها أن كل واحد منهما ~~عاص لله ورسوله صلى الله عليه وسلم مخالف لامره متعرض لعقوبته وكل منهما ~~قدباء بغضب من الله ولعنته واستحقاق الخلود في نار جهنم وأعدلهم عذابا ~~عظيما وإن تفاوتت درجات العذاب فليس إثم من قتل نبيا أو إماما عادلا يأمر ~~الناس بالقسط كمن قتل من لا مزية له من آحاد الناس الثاني أنهما سواء فى ~~استحقاق ازهاق النفس الثالث أنهما سواء فى الجراءة على سفك الدم الحرام فإن ~~من قتل نفسا بغير إستحقاق بل لمجرد الفساد فى الأرض ولأخذ ماله فأنه يجترى ~~على قتل كل من ظفر به وأمكنه قتله فهو معاد للنوع الإنساني ومنها أنه يسمي ~~قاتلا أو فاسقا أو ظالما أو عاصيا بقتله واحد كما يسمي كذلك بقتله الناس ~~جميعا ومنها أن الله سبحانه جعل المؤمنين فى تواددهم وتراحمهم وتعاطفهم ms136 ~~وتواصلهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوا تداعي له PageV01P103 سائر ~~الجسد بالحمى والسهر فإذا أتلف القاتل عضوا من ذلك الجسد فكأنما أتلف سائر ~~الجسد وآلم جميع أعضائه فمن آذي مؤمنا واحدا فقد آذى جميع المؤمنين وفى أذي ~~جميع المؤمنين أذى جميع الناس كلهم فإن الله إنما يدافع عن الناس بالمؤمنين ~~الذين بينهم فإيذاء الخفير إيذاء المخفر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لاتقتل النفس ظلما بغير حق ألا كان على ابن آدم الأول كفل منها لأنه أول من ~~سن القتل ولم يجىء هذا الوعيد فى أول زان ولا أول سارق ولا أول شارب مسكر ~~وإن كان أول المشركين قد يكون أولى بذلك من أول قاتل لأنه أول من سن الشرك ~~ولهذا رأي النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن لحى الخزاعي يعذب أعظم العذاب ~~فى النار لأنه أول من غير دين إبراهيم عليه السلام وقد قال تعالى ولاتكونوا ~~أول كافر به أي فيفتدي بكم من بعدكم فيكون إثم كفره عليكم وكذلك حكم من سن ~~سنة سيئة فاتبع عليها وفى جامع الترمذي عن إبن عباس رضي الله عنهما عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال يجىء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ~~ورأسه بيده واوداجه تشخب دما يقول يا رب سل هذا فيما قتلى فذكروا لابن عباس ~~التوجه فتلى هذه الآية ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ثم ~~قال ما نسخت هذه الآية ولا بدلت وأني له التوبة قال الترمذي هذا حديث حسن ~~وفى صحيح البخاري عن سمرة بن جندب قال أول ما ينتن من الإنسان بطنه فمن ~~استطاع منكم أن لا يأكل الا طيبا فليفعل ومن استطاع أن لا يحول بينه وبين ~~الجنة ملأ كف من دم أهرقه فليفعل وفى جامع الترمذي عن نافع قال نظر عبد ~~الله بن عمر يوما إلى الكعبة فقال ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن عند الله ~~أعظم حرمة منك قال الترمذي هذا حديث حسن وفى صحيح البخاري أيضا عن ابن عمر ~~قال قال ms137 رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال المؤمن فى فسخة من دينه ما ~~لم يصب دما حراما وذكر البخاري أيضا عن ابن عمر قال من ورطات الأمور التى ~~لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حلة وفى الصحيحين عن أبي ~~هريرة يرفعه سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر وفيهما أيضا عنه صلى الله عليه ~~وسلم لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وفى صحيح البخارى عنه صلى ~~الله عليه وسلم من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد مسيرة ~~أربعين عاما هذه عقوبة قاتل عدو الله إذا كان معاهدا فى عهده وأمانه فكيف ~~بعقوبة قاتل عبده المؤمن وإذا كانت إمرأة قد دخلت النار فى هرة حبستها حتى ~~ماتت جوعا وعطشا فرآها النبي صلى الله عليه وسلم فى النار والهرة تخدشها فى ~~وجهها وصدرها فكيف عقوبة من حبس مؤمنا حتى مات بغير جرم وفى بعض السنن عنه ~~صلى الله عليه وسلم لزوال الدنيا أهون علي الله من قتل مؤمن بغير حق ~~PageV01P104 فصل # ولما كانت مفسدة الزنا من أعظم المفاسد وهى منافية لمصلحة نظام العالم فى ~~حفظ الأنساب وحمايه الفروج وصيانة الحرمات وتوقى ما يوقع أعظم العداوة ~~والبغضاء بين الناس من إفساد كل منهم إمرأة صاحبه وبنته وأخته وأمه وفى ذلك ~~خراب العالم كانت تلى مفسدة القتل فى الكبر ولهذا قرنها الله سبحانه بها فى ~~كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم فى سننه كما تقدم قال الإمام أحمد ولا ~~أعلم بعد قتل النفس شيئا أعظم من الزناء وقد أكد سبحانه حرمته بقوله والذين ~~لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون الآية فقرن الزناء بالشرك وقتل النفس وجعل جزاء ذلك الخلود فى النار ~~فى العذاب المضاعف المهين ما لم يرفع العبد وجب ذلك بالتوبة والإيمان ~~والعمل الصالح وقد قال تعالى ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ~~فأخبر عن فحشه فى نفسه وهو القبيح الذي قد تناها ms138 قبحه حتى استقر فحشه فى ~~العقول حتى عند كثير من الحيوانات كما ذكر البخاري فى صحيحه عن عمرو بن ~~ميمون الاودي قال رأيت فى الجاهلية قردا زنا بقردة فأجتمع القرود عليهما ~~فرجموها حتى ماتا ثم أخبر عن غايته بأنه ساء سبيلا فأنه سبيل هلكة وبوارو ~~افتقار فى الدنيا وسبيل عذاب فى الآخرة وخزي ونكال ولما كان نكاح أزواج ~~الآباء من أقبحه خصه بمزيد ذم فقال أنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا وعلق ~~سبحانه فلاح العبد علي حفظ فرجه منه فلا سبيل له إلى الفلاح بدونه فقال قد ~~أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون إلى قوله فمن ابتغى وراء ذلك ~~فأولئك هم العادون وهذا يتضمن ثلاثة أمور من لم يحفظ فرجه يكن من المفلحين ~~وأنه من الملومين ومن العادين ففاته الفلاح واستحق إسم العدوان ووقع فى ~~اللوم فمقاساة ألم الشهوة ومعاناتها أيشر من بعض ذلك ونظير هذا أنه ذم ~~الإنسان وأنه خلق هلوعا لا يصبر على شر ولا خير بل إذا مسه الخير منع وبخل ~~وإذا مسه الشر جزع إلا من استثناه بعد ذلك من الناجين من خلقه فذكر منهم ~~الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ~~ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون وأمر الله تعالى نبيه أن يأمر ~~المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم وأن يعلمهم أنه مشاهد لاعمالهم مطلع ~~عليها يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر ~~جعل الأمر بغضه مقدما على حفظ الفرج فإن الحوادث مبدأها من النظر كما أن ~~معظم النار مبدأها من مستصفر الشرر ثم تكون نظرة ثم تكون خطرة ثم خطوة ثم ~~خطيئة ولهذا قيل من حفظ هذه الاربعة أحرز دينه اللحظات والخطرات واللفظات ~~والخطوات فينبغى للعبد أن يكون PageV01P105 بواب نفسه على هذه الأبواب ~~الأربعة ويلازم الرباط على ثغورها فمنها يدخل عليه العدو فيجوس خلال الديار ~~ويتبر ما علوا تتبيرا فصل # وأكثر ما تدخل المعاصي على العبد من هذه الأبواب الأربعة ms139 فنذكر فى كل ~~واحد منها فصلا يليق به فأما اللحظات فهي رائد الشهوة ورسولها وحفظها أصل ~~حفظ الفرج فمن أطلق نظره أورده موارد الهلاك وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ياعلى لاتتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية وفى ~~المسند عنه صلى الله عليه وسلم النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن غض بصره ~~عن محاسن إمرأة أو أمرد لله أورث فى قلبه حلاوة العابدة إلى يوم القيامة ~~هذا معنى الحديث وقال غضوا أبصاركم واحفظوا فروجكم وقال إياكم والجلوس على ~~الطريق قالوا يا رسول الله مجالسنا مالنا بد منها قال فإن كنتم لا بد ~~فاعلين فأعطوا الطريق حقه قالوا وما حقه قال غض البصر وكف الأذى ورد السلام ~~والنظر أصل عامة الحوادث التى تصيب الانسان ان فإن النظرة تولد خطرة ثم ~~تولد الخطرة فكرة ثم تولد الفكرة شهوة ثم تولد الشهوة إرادة ثم تقوى فتصبر ~~عزيمة جازمة فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع منه مانع وفى هذا قيل الصبر على ~~غض البصر أيسر من الصبر علي ألم ما بعده ولهذا قال الشاعر # كل الحوادث مبداها من النظر % ومعظم النار من مستصغر الشرر # كم نظرة بلغت فى قلب صاحبها % كمبلغ السهم بين القوس والوتر # والعبد ما دام ذا طرف يقلبه % فى أعين العين موقوف علي الخطر # يسر مقلته ماضر مهجته % لا مرحبا بسرور عاد بالضرر ومن آفاته أنه يورث ~~الحسرات والزفرات والحرقات فيرى العبد ما ليس قادرا عليه ولا صابرا عنه ~~وهذا من أعظم العذاب أن ترى ما لا صبر لك عنه ولا عن بعضه ولا قدرة لك عليه ~~قال الشاعر # وكنت متى أرسلت طرفك رائدا % لقلبك يوما أتعبتك المناظر # رأيت الذي لاكله أنت قادر % عليه ولا عن بعضه أنت صابر # وهذا البيت يحتاج إلي شرح ومراده أنك تري ما لا تصبر عن شيء منه لا تقدر ~~عليه فان قوله لا كمله أنت قادر عليه نفى لقدرته على الكل الذى لا ينتفي ~~إلا بنفي القدرة عن كل ms140 واحد واحد وكم من مرسل لحظاته فمن أقلعت إلا وهو ~~يتشحط بينهن قتيلا كما قيل # يا ناظرا ما أقلعت لحظاته % حتى تشحط بينهن قتيلا PageV01P106 ولى من ~~أبيات # مل السلامة فاغتدت لحظاته % وقفا علي طلل يظن جميلا # ما زال يتبع أثره لحظاته % حتي تشحط بينهن قتيلا ومن العجب أن لحظة ~~الناظر سهم لا يصل إلى المنظور إليه حتي يتبوء مكانا من قلب الناظر ولى من ~~قصيدة # ياراميا بسهام اللحظ مجتهدا % أنت القتيل بما ترمي فلا تصب # وباعت الطرف يرتاد الشفاء له % أحبس رسولك لا يأتيك بالعطب وأعجب من ذلك ~~أن النظرة تجرح القلب جرحا فيتبعها جرح علي جرح ثم لا يمنعه ألم الجراحة من ~~استدعا تكرارها ولى أيضا فى هذا المعنى # مازلت تتبع نظرة في نظرة فى نظرة % في أثر كل مليحة ومليح # وتظن ذاك دواء جرحك وهو في ال % تحقيق تجريح علي تجريح # فذبحت طرفك باللحاظ وبالبكا % فالقلب منك ذبيح أي ذبيح وقد قيل إن جنس ~~اللحظات أيسر من دوام الحسرات فصل # وأما الخطوات فشأنها أصعب فأنها مبدأ الخير والشر ومنها تتولد الإرادات ~~والهمم والعزائم فمن راعي خطراته ملك زمام نفسه وقهر هواه ومن غلبته خطراته ~~فهواه ونفسه له أغلب ومن استهان بالخطرات قادته قهرا إلى الهلكات ولا تزال ~~الخطرات تتردد على القلب حتى تصير مني باطلة كسراب بقيعة يحسبه الظمأن ماء ~~حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ~~وأحسن الناس همة وأوضعهم نفسا من رضى من الحقائق بالأماني الكاذبة ~~واستجلبها لنفسه وتحلى بها وهى لعمر الله رؤس من أموال المفلسين ومتاجر ~~الباطلين وهى قوة النفس الفارغة التى قد قنعت من الوصل بزورة الخيال ومن ~~الحقائق بكواذب الآمال كما قال الشاعر # أماني من سعد رواء علي الظما % سقننا بها سعدا علي ظماء بردا # مني إن تكن حقا تكن أحسن المني % وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا وهي أضر ~~شىء على الإنسان وتتولد من العجز والكسل وتولد التفريط والاضاعة والحسرة ~~والندامة والمتمني لما فاته ms141 مباشرة الحقيقة يحسبه تحت صورتها فى قلبه ~~وعانقها وضمها إليه فقنع بوصال صورة وهمية خالية صورها فكره وذلك لا يجدي ~~عليه شيئا وإنما مثله مثل PageV01P107 الجائع والظمآن يصور فى وهمه صورة ~~الطعام والشراب وهو يأكل ويشرب والسكون به إلى ذلك واستجلابه يدل علي خساسة ~~النفس ووضاعتها وإنما شرف النفس وزكاتها وطهارتها وعلوها بأن تنفى عنها كل ~~خطرة لا حقيقة لها ولا ترضى أن يخطرها بباله ويأنف لنفسه منها ثم الخطرت ~~بعد أقسام تدور على أربعة أصول خطرات يستجلب بها العبد منافع دنياه وخطرات ~~يستدفع بها مضار دنياه وخطرات يسجلب بها مصالح آخرته وخطرات يستدفع بها ~~مضار آخرته فليحصر العبد خطراته وأفكاره وهمومه فى هذه الاقسام الأربعة ~~فإذا انحصرت له فيها فما أمكن اجتماعه منها لم يتركه لغيره وإذا تزاحمت ~~عليه الخطرات كتزاحم متعلقاتها قدم الأهم فالاهم الذي يحشى فوته وأخر الذي ~~ليس باهم ولا يخاف فوته بقى قسمان آخران أحدهما مهم لا يفوت والثاني غير ~~مهم ولكنه يفوت ففي كل منهما يدعو إلى تقديمه فهنا يقع التردد والحيرة فيه ~~فإن قدم الأهم خشى فوات ما دونه وإن قدم ما دونه فإنه الاشتغال به عن المهم ~~وذلك بأن يعرض له أمران لا يمكن الجمع بينهما ولا يحصل أحدهما إلا بتفويت ~~الآخر فهو موضع إستعمال العقل والفقه والمعرفة ومن ههنا ارتفع من ارتفع ~~وأنجح من أنجح وخاب من خاب فأكثر من ترى ممن يعظم عقله ومعرفته يؤثر غير ~~المهم الذي لا يفوت علي المهم الذي يفوت ولا تجد أحدا يسلم من ذلك ولكن ~~مستقل ومستكثر والتحيكم فى هذا الباب للقاعدة الكبرى التى يكون عليها مدار ~~الشرع والقدر وإليها يرجح الخلق والأمر وهى إيثار أكبر المصلحتين وأعلاهما ~~وإن فاتت المصلحة التي هى دونها والدخول فى أدنى المفسدتين لدفع ما هو أكبر ~~منهما فتفوت مصلحة لتحصل ما هو وأكبر منهما ويرتكب مفسدة لدفع ما هو أعظم ~~منها فخطرات العاقل وفكسره لا يتجاوز ذلك وبذلك جاءت الشرائع ومصالح الدنيا ~~والآخرة لا تقوم إلا على ذلك ms142 وأعلى الفكر وأجلها وأنفعها ما كان لله والدار ~~الآخرة فما كان لله فهو أنواع الأول الفكرة فى آياته المنزلة وتعقلها ~~وفهمها وفهم مراده منها ولذلك أنزلها الله تعالى إلا لمجرد تلاوتها بل ~~التلاوة وسيلة قال بعض السلف أنزل القرآن ليعمل به فأتخذوا تلاوته عملا ~~الثاني الفكرة فى آياته المشهودة والأعتبار بها والأستدلال بها على أسمائه ~~وصفاته وحكمته واحسانه وبره وجوده وقد حث الله سبحانه عباده علي التفكر فى ~~آياته وتدبرها وتعقلها وذم الغافل عن ذلك الثالث الفكرة فى الآية وإحسانه ~~وإنعامه على خلقه بأصناف النعم وسعة مغفرته ورحمته وحلمه وهذه الأنواع ~~الثلاثة تستخرج من القلب معرفة الله ومحبته وخوفه ورجاءه ودوام الفكرة فى ~~ذلك مع الذكر يصبغ القلب فى المعرفة والمحبة صبغة تامة الرابع الفكرة فى ~~عيوب النفس وآفاتها وفى عيوب العمل وهذه الفكرة عظيمة النفع وهذا باب ~~PageV01P108 كل خير وتأثيرها فى كسر النفس الامارة بالسوء وحتى كسرت عاشت ~~النفس المطمئنة وانتعشت وصار الحكم لها فحى القلب ودارت كلمته فى مملكته ~~وبث أمراءه وجنوده فى مصالحه الخامس الفكرة فى واجب الوقت ووظيفته وجمع ~~الهم كله عليه فالعارف ابن وقته فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلها فجميع ~~المصالح إنما تنشأ من الوقت فمتى أضاع الوقت لم يستدركه أبدا قال الشافعي ~~رضى الله عنه صحبت الصوفية فلم أستفد منهم سوى حرفين أحدهما قولهم الوقت ~~سيف فإن لم تقطعه قطعك وذكر الكلمة الآخرى ونفسك إن أشغلتها بالحق وإلا ~~اشتغلتك بالباطل فوقت الإنسان هو عمره فى الحقيقة وهو مادة حيا الأبدية فى ~~النعيم المقيم ومادة المعيشة الضنك فى العذاب الأليم وهو يمر أسرع من مر ~~السحاب فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره وغير ذلك ليس محسوبا من ~~حياته وإن عاش فيه عيش البهائم فإذا قطع وقته فى الغفلة والشهوة والأماني ~~الباطلة وكان خير ما قطعه بالنوم والبطالة فموت هذا خيرا له من حياته وإذا ~~كان العبد وهو فى الصلاة ليس له من صلاته إلا ما عقل منها فليس له من عمره ms143 ~~إلا ما كان فيه بالله وله وما عدا هذه الأقسام من الخطرات والفكر فأما ~~وساوس شيطانية وإما أماني باطلة وخدع كاذبة بمنزلة خواطر المصابين فى ~~عقولهم من السكارى والمحشوشين والموسوسين ولسان حال هؤلاء يقول عند انكشاف ~~الحقائق # إن كان منزلتي فى الحب عندكم % ما قد لقيت فقد ضيعت أيامى # أمنية ظفرت نفسى بها زمنا % واليوم أحسبها أضغاث أحلام وأعلم أن ورود ~~الخاطر لا يضر وإنما يضر استدعاؤه ومحادثته فالخاطر كالمار على الطريق فإن ~~لم تستدعه وتتركه مرو انصرف عنك وإن استدعيته سحرك بحديثه وخدعه وغروره وهو ~~أخف شىء على النفس الفارغة بالباطلة وأثقل شىء على القلب والنفس الشريفة ~~السماوية المطمئنة وقد ركب الله سبحانه فى الإنسان نفسين نفسا أمارة ونفسا ~~مطمئنة وهما متعاديتان فكلما خف علي هذه ثقل علي هذه وكلما التذت به هذه ~~تألمت به الاخري فليس علي النفس الامارة أشق من العمل لله وايثار رضاه على ~~هواها وليس لها أنفع منه وكذا ليس علي النفس المطمئنة أشق من العمل لغير ~~الله وأجابة داعي الهوي وليس عليها شيء أضر منه والملك مع هذه عن يمين ~~القلب والشيطان مع تلك عن ميسرة القلب والحروب مستمرة لا تضع أوزارها إلا ~~أن تستوفى أجلها من الدنيا والباطل كله يتخير مع الشيطان والإمارة والحق ~~كله يتحيز مع الملك والمطمئنة والحرب دول وسجل والنصر مع الصبر ومن صبر ~~وصابر ورابط واتقى الله فله العافية في الدنيا والآخرة وقد حكم الله تعالى ~~حكما لا يبدل أبدا أن PageV01P109 العاقبة للتقوي والعاقبة للمتقين فالقلب ~~لوح فارغ والخواطر نقوش تنقش فيه فكيف يليق بالعاقل أن يكون نقوش لوحه ما ~~بين كذب وغرور وخدع وأماني باطلة وسراب لا حقيقة له فأي حكمة وعلم وهدي ~~ينتقش مع هذه النقوش وإذا أراد أن ينتقش ذلك فى لوح قلبه كان بمنزلة كتابة ~~العلم النافع فى محل مشغول بكتابة مالا منفعة فيه فإن لم يفرغ القلب من ~~الخواطر الردية لم يستقر فيه الخواطر النافعة فإنها لا تستقر إلا فى محل ~~فارغ كما قيل ms144 # أتانى هواها قبل أن أعرف الهوي % فصادف قلبا خايلا فتمكنا ولهذا كثير من ~~أرباب السلوك بنوا سلوكهم على حفظ الخواطر وأن لا يمكنوا خاطر يدخل قلوبهم ~~حتى تصبر القلوب فارغة قابلة للكشف وظهور حقائق العلويات فيها وهؤلاء حفظوا ~~شيئا وغابت عنهم أشياء فإنهم أخلوا القلوب من أن يطرقها خاطر فبقيت فارغة ~~لا شىء فيها فصادفها الشيطان خالية فبذر فيها الباطل فى قوالب وهمهم أنها ~~أعلى الأشياء وأشرفها وعوضهم بها عن الخواطر التى هى مادة العلم والهدي ~~وإذا خلى القلب عن هذه الخواطر جاء الشيطان فوجد المحل خاليا فشغله بما ~~يناسب حال صاحبه حيث لم يستطع أن يشغله بالخواطر السفلية فكيف بالعلوية ~~فشغله بارادة التجريد والفراغ من الإرادة التى لإصلاح للعبد ولا فلاح إلا ~~بأن تكون هى المستولية علي قلبه وهى إرادة مراد الله الديني الامري الذى ~~يحبه ويرضاه وشغل القلب واهتمامه بمعرفته علي التفصيل به والقيام به ~~وتنفيذه فى الخلق والتطرق إلى ذلك والتوصل إليه بالدخول فى الخلق لتنفيذه ~~فيرطلهم الشيطان عن ذلك بأن دعاهم إلى تركه وتعطليه من باب الزهد فى خواطر ~~الدنيا وأسبابها وأوهمهم أن كمالهم فى ذلك التجريد والفراغ وهيهات هيهات ~~إنما الكمال فى اجلاء القلب والسر من الخواطر والإرادات والفكر فى تحصيل ~~مراضى الرب تعالي من العبد ومن الناس والفكر فى طرق ذلك التوصل إليه فأكمل ~~الناس أكثرهم خواطر وفكر وإرادات لذلك كما إن أنقص الناس أكثرهم خواطر ~~وفكرا وإرادات لحظوظه وهواه وأين كانت والله المستعان وهذا عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه كانت تتزاحم عليه الخواطر فى مرضات الرب تعالى فربما استعملها ~~فى صلاته فكان يجهز جيشه وهو فى صلاته فيكون قد جمع بين الصلاة والجهاد ~~وهذا من باب تداخل العبادات فى العبادة الواحدة وهو من باب عزيز شريف لا ~~يدخل منه إلا صادق حاذق الطلب متضلع من العلم عالي الهمة بحيث يدخل فى ~~عبادة يظفر فيها بعبادات شتي وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فصل # وأما اللفظات فحفظها بأن لا يخرج لفظه ضائعة بل ms145 لا يتكلم إلا فيما يرجو ~~فيه الربح والزيادة PageV01P110 فى دينه فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر هل ~~فيها ربح أو فائدة أم لا فان لم يكن فيها ربح أمسك عنها وإن كان فيها ربح ~~نظر هل تفوته بها كلمة هي زربح منها فلا يضيعها بهذه وإذا أردت أن تستدل ~~على ما في القلوب فأستدل عليه بحركة اللسان فأنه يطلعك على ما في القلب ~~مصاحبه أم أبى قال يحيى بن معاذ القلب كالقدور تغلى بما فيها وألسنتها ~~مغارفها فانظر الرجل حين يتكلم فرن لسانه يغترف لك به مما فى قلبه حلو ~~وحامض وعذب وأجاج وغير ذلك ويبين لك طعم قلبه أغتراف لسانه أي كما تطعم ~~بلسانك فتذوق مافي قلبه من لسانه كما تذوق ما في القدر بلسانك وفى حديث أنس ~~المرفوع لا يسقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولايستقيم قلبه حتى يستقيم ~~لسانه وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل النار وفقال الفم ~~والفرج وقال الترمذي حديث حسن صحيح وقد سأل معاذ النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن العمل يدخله الجنة ويباعده من النار فأخبره صلى الله عليه وسلم برأسه ~~وعموده وذروة سنامه ثم قال آلا أخبركم بملاك ذلك كله قال بلى يا رسول الله ~~فأخذ بلسان نفسه ثم قال كف عليك هذا فقال وإنا لمواخذون بما نتكلم به فقال ~~ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس فى النار على وجوهم أو على مناخرهم ~~الاحصائد ألسنتهم قال الترمذي حديث حسن صحيح ومن العجب أن الإنسان يهون ~~عليه التحفظ والإحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ومن ~~النظر المحرم وغيرذلك ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه حتى يري الرجل يشار ~~إليه بالدين والزهد والعبادة وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها ~~بال يزال بالكلمة الواحدة بين المشرق والمغرب وكم ترى من رجل متورع عن ~~الفواحش والظلم ولسانه ثغري فى أعراضه الأحياء والأموات ولا يبالى مايقول ~~وإذا أردت أن تعرف ذلك فأنظر إلى ما رواه مسلم ms146 فى صحيحه من حديث حندت بن ~~عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رجل والله لا يغفر الله ~~لفلان فقال الله عزوجل من ذا الذي يتالى على إني لا أغفر لفلان قد غفرت له ~~وأحبطت عملك فهذا العابد الذي قد عبد الله ما شاء أن يعبده أحبطت هذه ~~الكلمة الواحدة عمله كله وفى حديث أبي هريرة نحو ذلك ثم قال أبو هريرة تكلم ~~بكلمة أو بقت دنياه وآخرته وفى الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقى لها بالا ~~يرفعه الله بها درجات وأن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها ~~بالا يهوي بها فى نار جهنم وعند مسلم أن العبد ليتكلم بالكلمة مايتبين ~~مافيها يهوي بها فى النار أبعد مما بين المغرب والمشرق وعند الترمذي عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم من حديث بلال بن الحارث المزنى أن أحدكم ~~PageV01P111 ليتكلم بالكلمة من رضوان الله مايظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب ~~الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ~~مايظن أن تبلغ مابلغت فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه فكان علقمة ~~يقول كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث وفى جامع الترمذي أيضا من ~~حديث أنس قال توفى رجل من الصحابة فقال رجل أبشر بالجنة فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أو لاتدري لعله تكلم فيما لايعنيه أو بخل بمالا ينقصه قال ~~حديث حسن وفى لفظ أن غلاما ما استشهد يوم أحد فوجد على بطنه صخرة مربوطة من ~~الجوع فمسحت أمه التراب عن وجهه وقالت هنيئا لك يا بني الجنة فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وما يردرك لعله كان يتكلم فيما لا الايعنيه ويمنع ~~مالا يضروه في الصحيحين من حديث أبى هريرة يرفعه من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فليقل خيرا أو ليصمت وفي لفظ لمسلم من كان يؤمن ms147 بالله واليوم الآخر ~~فرذا شهد أمر فليتكلم بخير أو ليسكت وذكر الترمذي بإسناد صحيح عنه صلى الله ~~عليه وسلم من حسن إسلام المرأ تركه ما لا يعنيه وعن سفيان بن عبد الله ~~الثقفي قال قلت يا رسول الله قل لى فى الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ~~قال قل آمنت بالله ثم استقم قال قلت يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي فأخذ ~~بلسان نفسه ثم قال هذا والحديث صحيح وعن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل كلام ابن آدم عليه لاله إلا أمر ~~بمعروف أو نهى عن منكر أو ذكر الله عز وجل قال الترمذي حديث حسن وفى حديث ~~آخر إذا أصبح العبد فإن الاعضاء كلها تكفر اللسان تقول اتق الله فإنما نحن ~~بك فإذا استقمت استقمنا وإن أعوججت أوعوججنا وقد كان بعض السلف يحاسب أحدهم ~~نفسه فى قوله يوم حار ويوم بارد ولقد روى بعض الاكابر من أهل العلم فى ~~النوم بعد موته فسئل عن حاله فقال أنا موقوف على كلمة قلتها قلت ما احوج ~~النالس إلى غيث فقيل لى وما يدريك أنا أعلم بمصلحة عبادي وقال بعض الصحابة ~~لخادمه يوما هات لى السفرة نعبث بها ثم قال استغفر الله ما أتكلم بكلمة إلا ~~وأنا أخطمها وأزمها إلا هذه الكلمة خرجت مني بغير خطام ولا زمام أو كما قال ~~والسير حركات الجوارح حركة اللسان وهى أضرها على العبد وأختلف السلف والخلف ~~هل يكتب جميع ما يلفظ به أو الخير والشر فقط على قولين أظهرهما الأول وقال ~~بعض السلف كل كلام بن آدم عليه لاله إلا ما كان من ذكر الله وما والاه وكان ~~الصديق رضى الله عنه يمسك بلسانه ويقول هذا أوردني الموارد والكلام أسيرك ~~فإذا خرج من فيك صرت أسيره والله عند لسان كل قائل وما يلفظ من قول الا ~~لديه رقيب عتيد وفى اللسان آفتان عظيمتان إن خلص العبد من احدهما لم يخلص ~~من ms148 الآخرة آفة الكلام وآفة السكوت وقد PageV01P112 يكون كل منهما أعظم إثما ~~من الاخري في وقتها فالساكت عن الحق شيطان أخرس عاص لله مراء مداهن إذا لم ~~يخف علي نفسه والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاص لله وأكثر الخلق منحرف فى ~~كلامه وسكوته فهم بين هذين النوعين وأهل الوسط وهم أهل الصراط المستقيم ~~كفوا ألسنتهم عن الباطل واطلقوها فيما يعود عليهم نفعه فى الآخرة فلا يرى ~~أحدهم أنه يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة فضلا أن تضره فى آخرته ~~وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها عليه ~~كلها ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله عز ~~وجل وما اتصل به # | فصل وأما الخطوات فحفظها بأن لا ينقل قدمه إلا فيما يرجوا ثوابه عند # الله تعالى فإن لم يكن فى خطاه مزيد ثواب فالقعود عنها خير له ويمكنه أن ~~يستخرج من كل مباح يخطو إليه قربة يتقرب بها وينويها لله فيقع خطاه قربة ~~وتنقلب عادته عبادة ومباحاته طاعات ولما كانت العثرة عثرتين عثرة الرجل ~~وعثرة اللسان جاءت إحدهما قرينة الآخرى فى قوله تعالى وعباد الرحمن الذين ~~يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما فوصفهم بالاستقامة ~~فى لفظاتهم وخطواتهم كما جمع بين اللحظات والخطرات فى قوله تعالى يعلم ~~خائنة الأعين وما تخفي الصدور # | فصل وهذا كله ذكرناه مقدمة بين يدي تحريم الفواحش ووجوب حفظ الفرج وقد # قال صلى الله عليه وسلم أكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج وفى ~~الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب ~~الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة وهذا الحديث فى اقتران ~~الزنا بالكفر وقتل النفس نظير الآية التى فى الفرقان ونظير حديث ابن مسعود ~~دبدا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأكثر وقوعا ثم بالذى يليه فالزنا ~~أكثر وقوعا من قتل النفس وقتل النفس أكثر وقوعا من الردة نعوذ بالله منها ~~وأيضا فإنه انتقال من الأكبر إلى ms149 ما هو أكبر منه مفسدة ومفسدة الزنا مناقضة ~~لصلاح العالم فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها ~~ونكست رؤسهم بين الناس وإن حملت من الزنا فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنا ~~والقتل وإن حملته الزوج أدخلت على أهلها وأهله أجنبيا ليس منهم فورثهم وليس ~~منهم ورآهم وخلابهم وانتسب إليهم وليس منهم إلى غير ذلك من مفاسد زناها ~~وأما زنا الرجل فإنه يوجد اختلاط الأنساب أيضا وإفساد PageV01P113 المرأة ~~المصونة وتعريضها للتلف والفساد ففي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين وإن ~~عمرت القبور فى البرزخ والنار فى الآخرة فكم فى الزنا من استحلال محرمات ~~وفوات حقوق ووقوع مظالم ومن خاصيته أنه الفقر ويقصد ويكسر صاحبه سواد الوجه ~~وثوب المقت بين الناس ومن خاصيته أيضا أنه يشتت القلب ويمرضه إن لم يمته ~~ويجلب الهم والحزن والخوف ويباعد صاحبه من الملك ويقربه من الشيطان فليس ~~بعد مفسدة القتل أعظم من مفسدته ولهذا شرع فيه القتل على أشنع الوجوه ~~وأفحشها وأصعبها ولو بلغ العبد أن إمرأته أو حرمته قتلت كان أسهل عليه من ~~أن يبلغه أنها زنت وقال سعيد بن عبادة رضي الله عنه لو رأيت رجلا مع إمرأتي ~~لضربته بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعجبون ~~من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة الله حرم ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن متفق عليه وفى الصحيحين أيضا عنه صلى الله ~~عليه وسلم إن الله يغار وإن المؤمن يغار غيرة الله أن يأتي العبد ما حرم ~~عليه وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم لا أحد أغير من الله من أجل ذلك ~~حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ~~ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ولا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك ~~أثني على نفسه وفى الصحيحين فى خطبته صلى الله عليه وسلم فى صلاة الكسوف ~~أنه قال يا أمة محمد ms150 والله إنه لا أحد أغير من الله أن يزنى عبده أو تزني ~~أمته يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ثم ~~رفع يديه فقال اللهم هل بلغت وفى ذكر هذه الكبيرة بخصوصها عقيب صلاة الكسوف ~~سر بديع لمن تأمله وظهور الزنا من أمارات خراب العالم وهو من أشراط الساعة ~~كما فى الصحيحين عن أنس بن مالك أنه قال لاحدثكم حديثا لايحدثكموه أحد بعدي ~~سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم يقول من أشراط الساعة أن يرفع العلم ~~ويظهر الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا ويقل الرجال وتكثر النساء حتى يكون ~~لخمسين إمرأة القيم الواحد وقد جرت سنة الله سبحانه فى خلقه أنه عند ظهور ~~الزنا يغضب الله سبحانه وتعالى ويشتد غضبه فلابد أن يؤثر غضبه فى الأرض ~~عقوبة قال عبد الله بن مسعود ما ظهر الربا والزنا فى قرية الا أذن الله ~~باهلاكها ورأي بعض أحبار بنى إسرائيل إبنا له يغامز إمراءة فقال مهلا يابني ~~فصرع الأب عن سريره فأنقطع نخاعه وأسقطت إمرأته وقيل له هكذا غضبك لى لا ~~يكون فى جنسك خير ابدا وخص سبحانه حد الزنا من بين سائر الحدود بثلاث خصائص ~~أحدها القتل فيه بأشنع القتلات وحيث خففه فجمع فيه بين العقوبة على البدن ~~بالجلد وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة الثاني أنه نهى عباده أن تأخذهم ~~بالزناة رأفة فى دينه بحيث تمتعهم من إقامة PageV01P114 الحد عليهم فإنه ~~سبحانه من رأفته بهم ورحمته بهم شرع هذه العقوبة فهو أرحم بكم منكم بهم ولم ~~تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة فلا يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من ~~الرأفة من إقامة أمره وهذا وإن كان عاما فى سائر الحدود ولكن ذكر فى حد ~~الزنا خاصة لشدة الحاجة إلى ذكره فإن الناس لا يجدون فى قلوبهم من الغلطة ~~والقسوة على الزاني ما يجدونه على السارق والقاذف وشارب الخمر فقلوبهم ترحم ~~الزاني أكثر مما ترحم من ارباب الجرائم والوقائع والواقع مما بعد ذلك فنهوا ~~أن تأخذهم هذه ms151 الرأفة وتحملهم على تعطيل حد الله عز وجل وسبب هذه الرحمة أن ~~هذا ذنب يقع من الأشراف والأوساط والأراذل وفي النفوس أقوى الدواعي إليه ~~والمشارك فيه كثير وأكثر أسبابه العشق والقلوب مجبولة على رحمة العاشق ~~وكثير من الناس يعد مساعدته طاعة وقرية وإن كانت الصورة المعشوقة محرمة ~~عليها ولا يستنكر هذا الأمر فهو مستقر عند من شاء الله من أشباه الأنعام ~~ولقد حكى لنا من ذلك شىء كثيرا كثرة عن ناقصي العقول والأديان كالخدم ~~والنساء وأيضا فإن هذا ذنب غالب ما يقع مع التراضي من الجانين فلا يقع فيه ~~من العدوان والظلم والإغتصاب ما تنفر النفوس منه وفيها شهوة غالبة له فتصور ~~ذلك لنفسها فتقوم بها رحمة تمنع إقامة الحد وهذا كله من ضعف الإيمان وكمال ~~الإيمان أن تقوم به قوة يقيم أمر الله ورحمة يرحم بها المحدود فيكون موافقا ~~لربه سبحانه فى أمره ورحمته الثالث أنه سبحانه أمر أن يكون حدهما بمشهد من ~~المؤمنين فلا يكون فى خلوة حيث لا يراهما أحد وذلك أبلغ فى مصلحة الحد ~~وحكمة الزجر وحد الزاني المحصن مشتق من عقوبة الله تعالى لقوم لوط بالقذف ~~بالحجارة وذلك لاشتراك الزنا واللواط فى الفحش وفى كل منهما فساد يناقض ~~حكمة الله فى خلقه وأمره فإن فى اللواط المفاسد ما يفوت الحصر والتعداد ~~ولأن يقتل المفعول به خير له من أن يؤتي فإنه يفسد فسادا لا يرجى له بعده ~~صلاح أبدا ويذهب خيره كله وتمص الأرض ماء الحياء من وجهه فلا يستحي بعد ذلك ~~لا من الله ولا من خلقه وتعمل فى قلبه وروحه نطفة الفاعل ما يعمل السم فى ~~البدن وقد أختلف الناس هل يدخل الجنة مفعول به على قولين سمعت شيخ الإسلام ~~رحمه الله يحكيهما والذين قالوا لا يدخل الجنة احتجوا بأمور منها أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لا يدخل الجنة ولد زنا فإذا كان هذا حال ولد الزنا ~~مع أنه لا ذنب له فى ذلك ولكنه مظنة كل شر وخبث وهو جدير ms152 أن لا يجيء منه ~~خيرا أبدا لأنه مخلوق من نطفة خبيثة وإذا كان الجسد الذي تربى على الحرام ~~النار أولى به فكيف بالجسد المخلوق من النطفة الحرام قالوا والمفعول به شر ~~من ولد الزنا وأخزى وأخبث وأوسخ وهو جدير أن لا يوفق ليخر وأن يحال بينه ~~وبينه وكلما عمل خيرا قيض الله ما يفسده PageV01P115 عقوبة له وقل أن ترى ~~من كان كذلك فى صغره إلا وهو فى كبره شر مما كان ولا يوفق لعمل صالح ولا ~~لعلم نافع ولا توبة نصوحا والتحقيق فى هذه المسألة أن يقال إن تاب المبتلى ~~بهذا البلاء وأتاب ورزق توبة نصوحا وعملا صالحا وكان فى كبره خيرا منه فى ~~صغره وبدل سيئآته بحسنات وغسل عار ذلك عنه بأنواع الطاعات والقربات وغض ~~بصره وحفظ فرجه عن المحرمات وصدق الله فى معاملته فهذا مغفور له وهو من أهل ~~الجنة فإن الله يغفر الذنوب جميعا وإذا كانت التوبة تمحو كل ذنب حتى الشرك ~~بالله وقتل أنبيائه وأوليائه والسحرا والكفر وغير ذلك فلا تقصر عن محو هذا ~~الذنب وقد استقرت حكمة الله به عدلا وفضلا أن التائب من الذنب كمن لا ذنب ~~له وقد ضمن الله سبحانه لمن تاب من الشرك وقتل النفس والزنا أنه يبدل ~~سيئاته حسنات وهذا حكم عام لكل تائب من ذنب وقد قال تعالى قل يا عبادى ~~الذين اسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ~~إنه هو الغفور الرحيم فلا يخرج من هذا العموم ذنب واحد ولكن هذا فى حق ~~التائبين خاصة وأما مفعول به كان فى كبره شرا مما كان في صغره لم يوفق ~~لتوبة نصوحا ولا لعمل صالح ولا استدرك ما فات ولا أحيى ما مات ولا بدل ~~السيئات بالحسنات فهذا بعيد أن يوفق عند الممات لخاتمة يدخل الجنة عقوبة له ~~على عمله فإن الله سبحانه وتعالى يعاقب على السيئة بسيئة أخرى وتتضاعف ~~عقوبة السيئآت بعضها ببعض كما يثيب على الحسنة بحسنة أخرى فتضاعف الحسنات ~~وإذا نظرت ms153 إلي حال كثير من المحتضرين وجدتهم يحال بينهم وبين حسن الخاتمة ~~عقوبة لهم على أعمال السيئة قال الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن ~~الاشبيلي رحمه الله وأعلم أن لسوء الخاتمة أعاذنا الله منها أسباب ولها طرق ~~وأبواب أعظمها الإنكباب على الدنيا وطلبها والحرص عليها والإعراض عن الأخرى ~~والإقدام والجرأة علي معاصي الله عز وجل وربما غلب على الإنسان ضرب من ~~الخطيئة ونوع من المعصية وجانب من الإعراض ونصيب من الجرأة والإقدام فملك ~~قلبه وسبي عقله وأطفأ نوره وأرسل عليه حجبه فلم تنفع فيه تذكرة ولا نجعت ~~فيه موعظة فربما جاءه الموت على ذلك فسمع النداء من مكان بعيد فلم يتبين له ~~المراد ولا علم ما أراد وإن كرر عليه الداعي وأعاد قال ويروي أن بعض رجال ~~الناصر نزل به الموت فجعل ابنه يقول له قل لا إله إلا الله فقال الناصر ~~مولاي فأعاد عليه القول فقال مثل ذلك أصابته غشية فلما أفاق قال الناصر ~~مولاي وكان هذا دأبة كلما له قيل لا إله إلا الله قال الناصر مولاي ثم قال ~~لإبنه يا فلان الناصر إنما يعرفك بسيفك والقتل القتل ثم مات على ذلك قال ~~عبد الحق رحمه الله وقيل لآخر ممن أعرفه قل لا إله إلا الله فجعل يقول ~~الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا والبستان PageV01P116 الفلاني افعلوا فيه ~~كذا وقال وفيما أذن أبو طاهر السلعي أن أحدث به عنه أن رجلا نزل به الموت ~~فقيل له قل لا إله إلا الله فجعل يقول بالفارسية ده يازده تفسيره عشر بإحدى ~~عشر وقيل لآخر قل لا إله إلا الله فجعل يقول أين الطريق إلى حمام منجاب قال ~~وهذا الكلام له قصة وذلك أن رجلا كان واقفا بازاء داره وكان بابها يشبه باب ~~هذا الحمام فمرت به جارية لها منظر فقالت أين الطريق إلى حمام منجاب فقال ~~هذا حمام منجاب فدخلت الدار ودخل وراءها فلما رأت نفسها فى داره وعلمت أنه ~~قد خدعها أظهرت له البشر والفرح بإحتماعها معه وقالت خدعة ms154 منها له وتحيلا ~~لتتخلص مما أوقعها فيه وخوفا من فعل الفاحشة يصلح أن يكون معنا ما يطيب به ~~عيشنا وتقربه عيوننا فقال لها الساعة آتيك بكل ما تريدين وتشتهين وخرج ~~وتركها فى الدار ولم يغلقها فأخذ ما يصلح ورجع فوجدها قد خرجت وذهبت ولم ~~تخنه فى شيء فهام الرجل وأكثر الذكر لها وجعل يمشي فى الطرق والأزقة ويقول # يارب قائلة يوما وقد تعبت % أين الطريق إلي حمام منجاب فبينا يقول ذلك ~~وإذا بجاريته أجابته من طاق قرنان # هل لا جعلت سريعا إذ ظفرت بها % حرزا على الدار أو قفلا على الباب # فازداد هيمانه واشتد هيجانه ولم يزل كذلك حتى كان هذا البيت آخر كلامه من ~~الدنيا قال ويرى أن رجلا عشق شخصا فاشتد كلفه به وتمكن حبه من قلبه حتى وقع ~~ألما به ولزم الفراش بسببه وتمنع ذلك الشخص عليه واشتد نفاره عنه فلم تزل ~~الوسائط يمشون بينهما حتى وعده أن يعوده فأخبر بذلك البائس ففرح واشتد ~~سروره وانجلى غمه وجعل ينتظر للمعياد الذي ضربه له فبينا هو كذلك إذ جاءه ~~الساعي بينهما فقال أنه وصل معى إلى بعض الطريق ورجع فرغبت إليه وكلمته ~~فقال أنه ذكرني وبرح بي ولا أدخل مداخل الريب ولا أعرض نفسي لمواقع ألهتم ~~فعاودته فأبى وانصرف فلما سمع البائس ذلك أسقط فى يده وعاد إلى أشد مما كان ~~به وبدت عليه علائم الموت فجعل يقول فى تلك الحال # أسلم ياراحة العليل % ويا شفاء المدنف النحيل # رضاك أشهى إلي فؤادى % من رحمة الخالق الجليل # فقلت له يافلان اتق الله قال قد كان فقمت عنه فما جاوزت باب داره حتى ~~سمعت صيحة الموت فعياذا بالله من سوء العاقبة وشؤم الخاتمة ولقد بكى سفيان ~~الثوري ليلة إلى الصباح فلما أصبح قيل له أكل هذا خوفا من الذنوب فأخذ تنبة ~~من الأرض وقال الذنوب أهون من هذه وإنما أبكى خوفا من الخاتمة وهذا من أعظم ~~الفقه أن يخاف الرجل أن تخدعه PageV01P117 ذنوبه عند الموت فتحول بينه وبين ~~الخاتمة الحسنى ms155 وقد ذكر الإمام أحمد عن أبى الدرداء أنه لما اختصر جعل يغمى ~~عليه ثم يفيق ويقرأ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ~~ونذرهم فى طغيانهم يعمهون فمن هذا خاف السلف من الذنوب أن تكون حجابا بينهم ~~وبين الخاتمة الحسني قال وأعلم أن سوء الخاتمة أعاذنا الله تعالى منها لا ~~تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه ما سمع بهذا ولا علم به ولله الحمد وإنما ~~تكون لمن فساد فى العقيدة أو اصرار على الكبيرة وإقدام على العظائم فربما ~~غلب ذلك عليه حتي نزل به الموت قبل التوبة فيأخذه قبل إصلاح الطوية ويصطلم ~~قبل الإنابة فيظفر به الشيطان عند تلك الصدمة ويختطفه عند تلك الدهشة ~~والعياذ بالله قال ويروي أنه كان بمصر رجل يلزم المسجد للأذان والصلات فيه ~~وعليه بهاء الطاعة ونور العبادة فرقى يوما المنارة على عادته للأذان وكان ~~تحت المنارة دارا لنصراني فاطلع فيها فرأي إبنة صاحب الدار فافتتن بها فترك ~~الأذان ونزل إليها ودخل الدار عليها فقالت له ما شأنك وما تريد قال اريدك ~~قالت لماذا قال قد سلبت لبي وأخذت بمجامع قلبي قالت لا أجيبك إلى رية أبدا ~~قال أتزوجك قالت أنت مسلم وأنا نصرانية وأبي لا يزوجني منك قال اتنصر قالت ~~إن فعلت أفعل فتنصر الرجل ليتزوجها وأقام معهم فى الدار فلما كان فى آثناء ~~ذلك اليوم رقى إلى سطح كان فى الدار فسقط منه فمات فلم يظفر بها وفاته دينه ~~فصل # ولما كانت مفسدة اللواط من أعظم المفاسد كانت عقوبتة فى الدنيا والآخرة ~~من اعظم العقوبات وقد أختلف الناس هل هو أغلظ عقوبة من الزنا أو الزنا أغلظ ~~عقوبة منه أو عقوبتهما سواء على ثلاثة أقوال فذهب أبو بكر الصديق وعلى بن ~~أبي طالب وخالد بن الوليد وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وخالد بن ~~زيد وعبد الله بن معمر والزهرى وربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك وإسحق بن ~~راهويه والإمام أحمد فى أصح الروايتين عنه والشافعي فى أحد قوليه إلى ms156 أن ~~عقوبته أغلظ من عقوبة الزنا وعقوبته القتل على كل حال محصنا كان أو غير ~~محصن وذهب عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعى ~~وقتادة والأوزاعى والشافعي فى ظاهر مذهبه والإمام أحمد فى الرواية الثانية ~~عنه وأبو يوسف ومحمد إلى عقوبته وعقوبة الزانى سواء وذهب الحاكم والإمام ~~أبو حنيفة إلى أن عقوبته دون عقوبة الزانى وهى التعزير قالوا لأنه معصية من ~~المعاصى لم يقدر الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم فيه حدا مقدرا فكان ~~PageV01P118 فيه التعزير كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير قالوا ولأنه وطؤ ~~في محل لا تشتهيه الطبائع بل ركبها الله تعالى على النفرة منه حتى الحيوان ~~البهيم فلم يكن فيه حد كوطىء الحمار وغيره قالو ولأنه لا يسمى زانيا لغة ~~ولا شرعا ولا عرفا فلا يدخل في النصوص من الدلالة على حد الزانيين قالوا ~~ولانا رأينا قواعد الشريعة أن المعصية إذا كان الوازع عنها طبعيا اكتفى ~~بذلك الوازع عن الحد واذا كان في الطبائع تقاضيها جعل فيها الحد بحسب ~~اقتضاء الطبائع لها ولهذا جعل الحد في الزنا والسرقة وشرب المسكر دون أكل ~~الميتة والدم ولحم الخنزير قالوا وطرد هذا لاحد في وطيء البهيمة ولا الميتة ~~وقد جبل الله تعالى الطبائع على النفرة من وطيء الرجل الرجل أشد نفرة كم ~~جبلها على النفرة من استدعاء الرجل من يطؤه بخلاف الزنا فان الداعى فيه من ~~الجانبين قالوا ولأن أحد النوعين اذا استمتع بشكله لم يجب عليه الحد كما لو ~~تساحقت المرأتان واستمتعت كل واحدة منهما بالاخرى قال أصحاب القول الأول ~~وهم جمهور الأمة وحكاه غير واحد إجماعا للصحابة ليس في المعاصى مفسدة أعظم ~~من مفسدة اللواط وهى تلى مفسدة الكفر وربما كانت أعظم من مفسدة القتل كما ~~سنبينه ان شاء الله تعالى قالوا ولم يبتلي الله تعالى بهذه الكبيرة قبل قوم ~~لوط أحدا من العالمين وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أمة غيرهم وجمع عليهم ~~أنواعا من العقوبات من الاهلاك وقلب ديارهم عليهم والخسف بهم ورجمهم ms157 ~~بالحجارة من السماء وطمس أعينهم وعذبهم وجعل عذابهم مستمرا فنكل بهم نكالا ~~لم ينكله بامة سواهم وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة التى تكاد الأرض تميد من ~~جوانبها إذا عملت عليها وتهرب الملائكة إلى أقطار السموات والأرض اذا ~~شهدوها خشية نزول العذاب على أهلها فيصيبهم معهم وتعج الأرض إلى ربها تبارك ~~وتعالى وتكاد الجبال تزول عن أماكنها وقتل المفعول به خير له من وطئه فانه ~~اذا وطأه الرجل قتله قتلا لا ترجي الحياة معه بخلاف قتله فانه مظلوم شهيد ~~وربما ينتفع به في آخرته قالوا والدليل على هذ أن الله سبحانه جعل حد ~~القاتل إلى خيره الولي إن شاء قتل وإن شاء عفى وحتم قتل اللوطي حدا كما ~~أجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودلت عليه سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها بل عليها عمل أصحابه ~~وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم أجمعين وقد ثبت عن خالد بن الوليد أنه وجد ~~في بعض نواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فكتب إلى أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه فاستشار أبو بكر الصديق الصحابة رضي الله عنهم فكان على بن أبي ~~طالب أشدهم قولا فيه فقال ما فعل هذ الا أمة من الأمم واحدة وقد علمتم ما ~~فعل الله بها أرى أن يحرق بالنار فكتب أبو بكر إلى خالد فحرقه وقال عبد ~~الله بن عباس ان ينظر أعلا ما في القرية PageV01P119 فيرمى اللوطى منها ~~منكسا ثم يتبع بالحجارة وأخذ ابن عباس هذا الحد من عقوبة الله للوطية قوم ~~لوط وابن عباس هو الذى روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجدتموه يعمل ~~عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به رواه أهل السنن وصححه ابن حبان ~~وغيره واحتج الامام أحمد بهذا الحديث واسناده على شرط البخارى قالوا وثبت ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لعن الله من عمل عمل قوم لوط لعن الله من ~~عمل عمل قوم لوط لعن الله من عمل ms158 عمل قوم لوط ولم تجىء عنه لعنة الزانى ~~ثلاث مرات في حديث واحد وقد لعن جماعة من أهل الكبائر فلم يتجاوز بهم في ~~اللعن مرة واحدة وكرر لعن اللوطية فاكده ثلاث مرات وأطبق أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على قتله لم يختلف منهم فيه رجلان وإنما اختلفت أقوالهم ~~في صفة قتله فظن بعض الناس ذلك اختلاف منهم فى قتله فحكاها مسألة نزاع بين ~~الصحابه وهي بينهم مسألة النزاع قالوا ومن تأمل قوله سبحانه ولا تقربوا ~~الزنا إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا وقوله فى اللواط أتأتون الفاحشة ما ~~سبقكم بها من أحد من العالمين تبين له تفاوت ما بينهما فانه سبحانه نكر ~~الفاحشة في الزنا أي هو فاحشة من الفواحش وعرفها في اللواط وذلك يفيد أنه ~~جامع لمعاني اسم الفاحشة كما تقول زيد الرجل ونعم الرجل زيد أي تأتون ~~الخصلة التى استقر فحشها عند كل أحد فهي لظهور فحشها وكماله غنية عن ذكرها ~~بحيث لا ينصرف الاسم إلى غيرها وهذا نظير قول فرعون لموسى وفعلت فعلتك التي ~~فعلت أى الفعلة الشنعاء الظاهرة المعلومة لكل أحد ثم أكد سبحانه شأن فحشها ~~بانها لم يعملها أحد من العالمين قبلهم فقال ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين ثم زاد فى التأكيد بان صرح بما تشمئز منه القلوب وتنبوا عنها ~~الاسماع وتنفر منه أشد النفور وهو إتيان الرجل رجلا مثله ينكحه كما ينكح ~~الأنثي فقال أئنكم لتأتون الرجال ثم نبه على استغنائهم عن ذلك وان الحامل ~~لهم عليه ليس الا مجرد الشهوة لا الحاجة التي لاجلها مال الذكر إلى الانثي ~~من قضاء الوطر ولذة الاستمتاع وحصول المودة والرحمة التي تنسي المرأه لها ~~أبويها وتذكر بعلها وحصول النسل الذى هو حفظ هذا النوع الذي هو أشرف ~~المخلوقات وتحصين المرأة وقضاء للوطر وحصول علاقة المصاهرة التي هي أخت ~~النسب وقيام الرجال على النساء وخروج أحب الخلق إلى الله من جماعهن ~~كالانبياء والاولياء والمؤمنين ومكاثرة النبي صلى الله عليه وسلم الانبياء ~~بامته إلى غير ms159 ذلك من مصالح النكاح والمفسدة التى في اللواط لقاوم ذلك كله ~~وربي عليه بما لا يمكن حصره وفساده ولا يعلم تفصيله الا الله عز وجل ثم أكد ~~سبحانه قبح ذلك بان اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر عليه الرجال وقلبوا ~~الطبيعة التي ركبها الله في الذكور وهي شهوة النساء دون الذكور فقلبوا ~~الامر وعكسوا الفطرة والطبيعة فاتوا الرجال شهوة من PageV01P120 دون النساء ~~ولهذا قلب الله سبحانه عليهم ديارهم فجعل عاليها سافلها وكذلك قلبوهم ~~ونكسوا في العذاب على رؤسهم ثم أكد سبحانه قبح ذلك بان حكم عليهم بالاسراف ~~وهو مجاوزة الحد فقال بل أنتم قوم مسرفون فتأمل هل جاء ذلك أو قريبا منه في ~~الزنا وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله ونجيناه من القرية التي كانت تعمل ~~الخبائث ثم أكد سبحانه عليهم الذم بوصفين في غاية القبح فقال إنهم كانوا ~~قوم سوء فاسقين وسماهم مفسدين في قول نبيهم فقال رب انصرني على القوم ~~المفسدين وسماهم ظالمين في قول الملائكة لابراهيم عليه السلام إنا مهلكوا ~~أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين فتأمل من عوقب بمثل هذه العقوبات ومن ~~ذمه الله بمثل هذه الذمات ولما جادل فيهم خليله إبراهيم الملائكة وقد ~~أخبروه باهلاكهم فقيل له يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم ~~آتيهم عذاب غير مردود وتأمل خبث اللوطية وفرط تمردهم على الله حيث جاؤا ~~نبيهم لوطا لما سمعوا بانه قد طرقه أضياف هم من أحسن البشر صورا فأقبل ~~اللوطية اليهم يهرعون فلما رآهم قال لهم يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ~~ففدا أضيافه ببناته يزوجهم بهم خوفا على نفسه وعلى أضيافه من العار الشديد ~~فقال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس ~~منكم رجل رشيد فردوا عليه ولكن رد جبار عنيد لقد علمت ما لنا في بناتك من ~~حق وإنك لتعلم ما نريد فنفث نبي الله نفثه مصدور وخرجت من قلب مكروب عميد ~~فقال لو أن لي بكم قوة أو ms160 آوي إلى ركن شديد فكشف له رسل الله عن حقيقة ~~الحال وأعلموه إنه ممن ليس يوصل اليهم ولا اليه بسببهم فلا تخف منهم ولا ~~تعبأ بهم وهون عليك فقالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا اليك ومبشروه بما ~~جاؤا به من الوعد له ولقومه من الوعيد المصيب فقالوا فاسر بأهلك بقطع من ~~الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح ~~أليس الصبح بقريب فاستبطأ نبي الله عليه السلام موعو هلاكهم وقال أريد أعجل ~~من هذا فقالت الملائكة أليس الصبح بقريب فوالله ما كان بين إهلاك أعداء ~~الله ونجاة نبيه وأوليائه الا ما بين السحر وطلوع الفجر وإذا بديارهم قد ~~اقتلعت من أصولها ورفعت نحو السماء حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب ونهيق ~~الحمير فبرز المرسوم الذي لا يرد من عند الرب الجليل على يدي عبده ورسوله ~~جبرائيل بان يقلبها عليهم كما أخبر به فى محكم التنزيل فقال عز من قائل ~~فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل فجعلهم ~~آية للعالمين وموعظة للمتقين ونكالا وسلفا لمن شاركهم فى أعمالهم من ~~المجرمين وجعل ديارهم بطريق السالكين إن في ذلك لايات للمتوسمين وإنها ~~لبسبيل مقيم إن في ذلك لآية للمؤمنين PageV01P121 أخذهم على غرة وهم نائمون ~~وجاءهم بماسه وهم فى سكرتهم يعمهون فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون تقلبت ~~علي تلك اللذات آلاما فأصبحوا بها يعذبون # مآرب كانت في الحياة لأهلها % عذبا فصارت فى الممات عذابا # ذهبت اللذا وأعقبت الحسرات وانقضت الشهوات وأورثه الشقوات تمتعوا قليلا ~~وعذبوا طويلا رتعوا مرتعا وخيما فأعقبهم عذابا أليما أسكرتهم خمرة تلك ~~الشهوات فاستقاموا منها إلا فى ديار المعذبين وأرقدتهم تلك الغفلة فما ~~استيقظوا منها إلا وهم فى منازل الهالكين فندموا والله أشد الندامة حين لا ~~ينفع الندم وبكوا على ما أسلفوه بدل الدموع بالدم فلو رأيت الاعلى والاسفل ~~من هذه الطائفة والنار تخرج من منافذ وجوههم وأبدانهم وهم بين اطباق الجحيم ~~وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم ms161 ويقال لهم وهم على وجوههم يسحبون ~~ذوقوا ما كنتم تكسبون إصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ~~ما كنتم تعملون ولقد قرب الله سبحانه مسافة العذاب بين هذه الامة وبين ~~إخوانهم فى العمل فقال مخوفا لهم بأعظم الوعيد وما هي من الظالمين ببعيد # فيا ناكح الذكرى ان تهنيكم البشرى % فيوم معاد الناس إن لكم أجرا # كلوا واشربوا وازنو ولوطوا واكثروا % فان لكم زفا إلى ناره الكبرى # فاخوانكم قد مهدوا الدار قبلكم % وقالوا الينا عجلوا لكم البشرى # وها نحن أسلاف لكم فى انتظاركم % سيجمعنا الجبار في ناره الكبرى # ولا تحسبوا أن الذين نكحتموا % يغيبون عنكم بل ترونهم جمرى # ويلعن كلا منهم لخليله % ويشقى به المحزون في الكرة الاخرى # يعذب كل منهم بشريكه % كما اشتركا في لذة توجب الوزرى فصل في الاجوبة عما ~~إحتج به من جعل عقوبة هذه الفاحشة دون عقوبة الزنا اما قولهم إنها معصية لم ~~يجعل الله فيه احدا معينا فجوابه من وجوه أحدها إن المبلغ عن الله جعل حد ~~صاحبها القتل حتما وما شرعه رسوله صلى الله عليه وسلم فانما بشرعه عن الله ~~فان أردتم ان حدها غير معلوم بالشرع فهو باطل وإن أردتم إنه غير ثابت بنص ~~الكتاب لم يلزم من ذلك إنتفاء حكمه لثبوته بالسنة الثاني إن هذا ينتقض ~~عليكم بالرجم فانه إنما ثبت بالسنة فان قلتم بل ثبت بقرآن نسخ لفظه وبقى ~~حكمه قلنا فننتقض عليكم بحد شارب PageV01P122 الخمر الثالث أن نفى دليل ~~معين لا يلزم نفى مطلق الدليل ولا نفى المدلول فكيف وقد قدمنا أن الدليل ~~الذي نفيتموه غير مشتق وأما قولكم أنه وطء لا تشتهيه الطباع بل ركب الله ~~الطباع على النفرة منه فهو كوطء الميتة والبهيمة فجوابه من وجوه أحدها أنه ~~قياس فاسد الاعتبار مردود بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع ~~الصحابة كما تقدم بيانه الثاني أن قياس وطء الامرد الجميل الذي تربي فتنته ~~على كل فتنة على وطء أتان أو إمرأة ميتة من أفسد القياس وهل تعدل ms162 ذلك أحد ~~قط باتان أو بقرة أو ميتة أو يسيء ذلك عقل عاشق أو أسر قلبه أو استولى على ~~فكره ونفسه فليس في القياس أفسد من هذ الثالث أن هذا منتقض بوطء الام ~~والبنت والاخت فان النفرة الطبيعية عنه كاملة مع أن الحد فيه من أغلظ ~~الحدود في أحد القولين وهو القتل بكل حال محصنا كان أو غير محصن وهذه إحدي ~~الروايتين عن الامام أحمد وهو قول إسحاق بن رهويه وجماعة من أهل الحديث وقد ~~روى أبو داود من حديث البراء بن عازب قال لقيت عمى ومعه الراية فقلت له إلى ~~أين تريد قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه ~~من بعده أن أضرب عنقه وآخذ ماله قال الترمذي هذ حديث حسن قال الجوزجاني عم ~~البراء اسمه الحارث بن عمرو في سنن أبي داود وابن ماجه من حديث ابن عباس ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من وقع على ذات محرم فاقتلوه ورفع ~~إلى الحجاج رجلا اغتصب أخته على نفسها فقال أحبسوه واسألوا من ها هنا من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوا عبد الله بن مطرف فقال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من تخطي حرم المؤمنين فخطوا وسطه بالسيف ~~وفيه دليل على القتل بالتوسيط وهذا دليل مستقل في المسألة وهو أن من لا ~~يباح وطؤه بحال فحد واطئه القتل دليله من وقع على أمه وابنته وكذلك يقال في ~~وطء ذوات المحارم من وطء من لا يباح وطؤه بحال كان حده القتل كاللوطي ~~والتحقيق ان يستدل على المسألتين بالنص والقياس يشهد لصحة كل منهما وقد ~~إتفق المسلمون على أن من زنا بذات محرم فعليه الحد وإنما اختلفوا في صفة ~~الحد هل هو القتل بكل حال أو حده حد الزاني على قولين فذهب الشافعي ومالك ~~وأحمد في إحدى روايتيه إن حده حد الزاني وذهب أحمد وإسحق وجماعة من أهل ~~الحديث إلى أن حده القتل بكل حال وكذلك إتفقوا ms163 كلهم على أنه لو أصابها باسم ~~النكاح عالما بالتحريم أنه يحد إلا أبا حنيفة وحده فانه رأي ذلك شبهة مسقطة ~~للحد والمنازعون يقولون اذا أصابها باسم النكاح فقد زاد الجريمة غلظا وشدة ~~فانه إرتكب محذورين عظيمين محذور العقد ومحذور الوطء فكيف تخفف عنه العقوبة ~~بضم محذور العقد إلى محذور الزنا وأما وطء الميتة ففيه قولان للفقهاء وهما ~~في مذهب أحمد وغيره PageV01P123 أحدهما انه يجب به الحد وهو قول الاوزاعي ~~فان فعله أعظم جرما وأكثر ذنبا لانه انضم إلى هتك فاحشة حرمة الميتة فصل # وأما وطء البهيمة فللفقهاء فيه ثلثة أقوال أحدها أنه يؤدب ولا حد عليه ~~وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه وهو قول إسحق والقول ~~الثاني أن حكمه حكم الزاني يجلد إن كان بكرا ويرجم إن كان محصنا وهذا قول ~~الحسن والقول الثالث أن حكمه حكم اللوطي نص عليه أحمد ويخرج على الروايتين ~~في حده هل هو القتل حتما أو هو كالزاني والذين قالوا حده القتل احتجوا بما ~~رواه أبو داود من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم من أتى بهيمة ~~فاقتلوه واقتلوها معه قالوا ولانه وطء لا يباح بحال فكان فيه القتل حدا ~~للوطء ومن لم يرد عليه الحد قالوا لم يصح فيه الحديث ولو صح لقلنا به ولم ~~يحل لنا مخالفته قال إسماعيل بن سعيد الشالنجي سألت أحمد عن الذي يأتي ~~البهيمة فوقف عندها ولم يثبت حديث عمرو بن أبي عمرو في ذلك أو قال الطحاوي ~~الحديث ضعيف وأيضا فرواية ابن عباس وقد أفتى بانه لا حد عليه قال أبو داود ~~وهذا يضعف الحديث ولا ريب ان الزاجر الطبعي عن اتيان البهيمة أقوى من ~~الزاجر الطبعي عن التلوط وليس الامران في طباع الناس سواء فالحاق أحدهما ~~بالآخر من أفسد القياس فصل # وأما قياسكم وطء الرجل لمثله على سحاق المرأتين فمن أفسد القياس إذلا ~~ايلاج هناك وإنما نظير مباشرة الرجل الرجل من غير إيلاج على أنه قد جاء في ~~بعض الاحاديث المرفوعة ms164 إذا أتت المرأة المرأة فهم زانيتان ولكن لا يجب الحد ~~بذلك لعدم الايلاج وإن اطلق عليهما اسم الزنا العام كزنا العين واليد ~~والرجل والفم وإذا ثبت هذا فاجمع المسلمون على أن حكم التلوط مع المملوك ~~كحكمه مع غيره ومن ظن أن تلوط الانسان مع مملوكه جائز واحتج على ذلك بقوله ~~تعالى إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين وقاس ذلك على ~~أمته المملوكة فهو كافر يستتاب كما يستتاب المرتد فان تاب والا قتل وضرب ~~عنقه وتلوط الانسان بمملوكه كتلوطه بمملوك غيره في الاثم والحكم فصل # فان قيل مع هذ كله فهل من دواء لهذا الداء العضال ورقية لهذا السحر ~~القتال وما PageV01P124 الاحتيال لدفع هذا الخيال وهل من طريق قاصد إلى ~~التوفيق وهل يمكن السكران بخمرة الهوى أن يفيق وهل يملك العاشق قلبه والعشق ~~قد وصل إلى سويدائه وهل للطبيب بعد ذلك حيلة في برئه من سويداه لان لامه ~~لائم التذ بملامه لذكره لمحبوبه وان عذله عذل أغراه عذله وسار به في طريق ~~مطلوبه ينادي عليه شاهد حاله بلسان مقاله # وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي % متأخر عنه ولا متقدم # وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا % ما من يهون عليك ممن يكرم # أشهبت أعدائي فصرت أحبهم % إذ كان حظي منك حظي منهم # أجد الملامة في هواك لذيذة % حبا لذكرك فليلمني اللوم ولعل هذا هو ~~المقصود بالسؤال الاول الذي وقع عليه الاستفتاء عليه والداء الذي طلب له ~~الدواء قيل نعم الجواب من أصله وما أنزل الله سبحانه من داء الا وأنزل له ~~دواء علمه من علمه وجهله والكلام في دواء هذا الداء من طريقين أحدهما جسم ~~مادته قبل حصولها والثاني قلعها بعد نزولها وكلاهما يسير على من يسره الله ~~عليه ومتعذر على من لم يعنه الله فان أزمة الامور بيديه وأما الطريق المانع ~~من حصول هذا الداء فامران أحدهما غض البصر كما تقدم فان النظرة سهم مسموم ~~من سهام إبليس ومن أطلق لحظاته دامت حسراته وفي غض البصر عدة منافع ms165 أحدها ~~أنه إمتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده وليس للعبد ~~في دنياه وآخرته أنفع من إمتثال أوامر ربه تبارك وتعالى وما سعد من سعد في ~~الدنيا والآخرة إلا بامتثال أوامره وما شقي من شقى في الدنيا والآخرة الا ~~بتضييع أوامره الثاني أنه يمنع من وصول أثر السم المسموم الذى لعل فيه ~~هلاكه إلى قلبه الثالث أنه يورث القلب أنسا بالله وجمعية على الله فان ~~إطلاق البصر يفرق القلب ويشتته ويبعده من الله وليس على العبد شيء أضر من ~~إطلاق البصر فانه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه الرابع أنه يقوي القلب ~~ويفرحه كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه الخامس أنه يكسب القلب نورا كما أن ~~إطلاقه يكسبه ظلمة ولهذا ذكر سبحانه آية النور عقيب الامر بغض البصر فقال ~~قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ثم قال أثر ذلك الله نور ~~السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن ~~الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات ~~اليه من كل جانب كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل ~~مكان فما شئت من بدعة وضلالة واتباع هوى وإجتناب هدى وإعراض عن أسباب ~~السعادة وإشتغال بأسباب الشقاوة فان ذلك انما يكشفه له النور الذي في القلب ~~فاذ PageV01P125 فقد ذلك النور بقى صاحبه كالاعمى الذي يجوس في حنادس ~~الظلام السادس أنه يورث الفراسة الصادقة التي يميز بها بين المحق والمبطل ~~والصادق والكاذب وكان شاه بن شجل الكرماني يقول من عمر ظاهره باتباع السنة ~~وباطنه بدوام المراقبة وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات واعتاد أكل ~~الحلال لم تخط له فراسة وكان شجاع هذا لا تخطي له فراسة والله سبحانه يجزي ~~العبد على عمله بما هو من جنس عمله ومن ترك شيئا عوضه الله خيرا منه فاذا ~~غض بصره عن محارم الله عوضه الله بان يطلق نور بصيرته عوضة عن حبسه بصره ~~لله ويفتح له ms166 باب العلم والايمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي ~~انما تنال ببصيرة القلب وضد هذا ما وصف الله به اللوطية من العمه الذي هو ~~ضد البصيرة فقال تعالى لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون فوصفهم بالسكرة التي ~~هي فساد العقل وعمه الذي هو فساد البصر فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل ~~وعمه البصيرة يسكر القلب كما قال القائل # سكران سكر هوى وسكر مدامة % ومتى إفاقة من به سكران # وقال الآخر # قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم % العشق أعظم مما بالمجانين # العشق لا يستفيق الدهر صاحبه % وإنما يصرع المجنون في الحين السابع إنه ~~يورث القلب ثباتا وشجاعة وقوة ويجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة ~~وسلطان القدرة والقوة كما في الأثر الذي يخالف هواه يفر الشيطان من ظله ~~ومثل هذا تجده في المتبع هواه من ذل النفس ووضاعتها ومهانتها وخستها ~~وحقارتها وما جعل الله سبحانه فيمن عصاه كما قال الحسن إنهم وان طقطقت بهم ~~البغال وهملجت بهم البراذين فان المعصية لا تفارق رقابهم أبي الله إلا أن ~~يذل من عصاه وقد جعل الله سبحانه العزقرين طاعته والذل قرين معصيته فقال ~~تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وقال تعالى ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم ~~الاعلون إن كنتم مؤمنين والايمان قول وعمل ظاهر وباطن وقال تعالى من كان ~~يريد العزة فلله العزة جميعا اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه أي ~~من كان يريد العزة فيطلبها بطاعة الله وذكره من الكلم الطيب والعمل الصالح ~~وفي دعاء القنوت انه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت ومن أطاع الله فقد ~~والاه فيما أطاعه فيه وله من العز بحسب طاعته ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه ~~فيه وله من الذل بحسب معصيته الثامن أنه يسد على الشيطان مدخله من القلب ~~فانه يدخل مع النظرة وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهوى في المكان ~~الخالي فيمثل له صورة المنظور اليه ويزينها ويجعلها صنما يعكف عليه القلب ~~ثم يعده ويمنيه ويوقد على القلب نار الشهوة ويلقى عليه حطب المعاصي ms167 التي لم ~~PageV01P126 يكن يتوصل اليها بدون تلك الصورة فيصير القلب في اللهب فمن ذلك ~~اللهب تلك الانفاس التي يجد فيها وهج النار وتلك الزفرات والحرقات فان ~~القلب قد أحاطت به النيران بكل جانب فهو في وسطها كالشاة في وسط التنور ~~لهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات بالصور المحرمة أن جعل لهم في البرزخ تنور ~~من نار وأودعت أرواحهم فيه إلى حشر أجسادهم كما أراها الله لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم في المنام في الحديث المتفق على صحته التاسع انه يفرغ القلب ~~للفكرة في مصالحه والاشتغال بها وإطلاق البصر يشتت عليه ذلك ويحول عليه ~~بينه وبينها فتنفرط عليه أموره ويقع في اتباع هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه ~~قال تعالى لا تطع من أغفلتا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ~~واطلاق النظر يوجب هذه الامور الثلثة بحبسه العاشر أن بين العين والقلب ~~منفذا أو طريقا يوجب اشتغال أحدهما عن الآخر وإن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده ~~فاذا فسد القلب فسد النظر واذا فسد النظر فسد القلب وكذلك في جانب الصلاح ~~فاذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات ~~والقاذورات والاوساخ فلا يصلح لسكني معرفة الله ومحبته والانابة اليه ~~والانس به والسرور بقربه فيه وإنما يسكن فيه اضداد ذلك فهذه اشارة إلى بعض ~~فوائد غض البصر تطلعك على ما ورائها فصل الثاني اشتغال القلب بما يصده عن ~~ذلك ويحول بينه وبين الوقوع فيه وهو إما خوف مقلق أو حب مزعج فمتى خلا ~~القلب من خوف ما فواته أضر عليه من حصول هذا المحبوب أو خوف ما حصوله أضر ~~عليه من فوات هذا المحبوب أو محبته ما هو أنفع له وخير له من هذا المحبوب ~~لم يجد بدا وفواته أضر عليه من فوات هذا المحبوب لم يجد بدا من عشق الصور ~~وشرح هذا ان النفس لا تترك محبوبا الا لمحبوب أعلى منه أو خشية مكروه حصوله ~~أضر عليه من فوات هذا المحبوب وهذ يحتاج صاحبه إلى أمرين ان ms168 فقدا أو حدا ~~منهما لم ينتفع بنفسه أحدهما بصيرة صحيحة يفرق بها بين درجات المحبوب ~~والمكروه فيؤثرا على المحبوبين على أدناهما ويحتمل أدنى المكروهين لتخلص من ~~أعلاهما وهذا خاصة العقل ولا يعد عاقلا من كان بضد ذلك بل قد تكون البهائم ~~أحسن حالا منه الثاني قوة عزم وصبر يتمكن بهما من هذا الفعل والترك فكثير ~~ما يعرف الرجل قدر التفاوت ولكن يأتي له ضعف نفسه وهمته وعزيمته على إيثار ~~الانفع من خسته وحرصه ووضاعة نفسه وخسة همته ومثل هذا لا ينتفع بنفسه ولا ~~ينتفع به غيره وقد منع الله سبحانه إمامة الدين الا من أهل PageV01P127 ~~الصبر واليقين فقال تعالى وبقوله يهتدي المهتدون وجعلنا منهم أئمة يهدون ~~بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون وهذا هو الذي ينتفع بعلمه وينتفع ~~به غيره من الناس وضد ذلك لا ينتفع بعلمه ولا ينتفع به غيره ومن الناس من ~~ينتفع بعلمه في نفسه ولا ينتفع به غيره فالاول يمشي في نوره ويمشي الناس في ~~نوره والثاني قد طفى نوره فهو يمشي في الظلمات ومن تبعه والثالث يمشي في ~~نوره وحده فصل اذا عرفت هذه المقدمة فلا يمكن ان يجتمع في القلب حب المحبوب ~~الاعلى وعشق الصور أبدا بل هما ضدان لا يجتمعان بل لا بد إن يخرج أحدهما ~~صاحبه فمن كانت قوة حبه كلها للمحبوب الاعلى الذي محبة ما سواه باطلة وعذاب ~~على صاحبها صرفه ذلك عن محبة ما سواه وان أحبه لن يحبه الا لاجله أو لكونه ~~وسيلة له إلى محبته أو قاطعا له عما يضاد محبته وينقصها والمحبة الصادقة ~~تقتضي توحيد المحبوب وان لا يشرك بينه وبين غيره في محبته واذا كان المحبوب ~~من الخلق يأنف ويغار ان يشرك في محبته غيره ويمقته لذلك ويبعده ولا يحظيه ~~بقربه ويعده كاذبا فى دعوي محبته مع انه ليس أهلا لصرف قوة المحبة اليه ~~فكيف بالحبيب الاعلى الذي لا تنبغي المحبة الا له وحده وكل محبة لغيره فهي ~~عذاب على صاحبها ووبالا ولهذا لا يغفر سبحانه ms169 أن يشرك به فى هذه المحبة ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فمحبة الصور تفوت محبة ما هو أنفع للعبد منها بل ~~يفوت محبة ما ليس له صلاح ولا نعيم ولا حيوة نافعة الا بمحبته وحده فليختر ~~إحدى المحبتين فانهما لا يجتمعان في القلب ولا يرتفعان منه بل من أعرض عن ~~محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه إبتلاه بمحبة غيره فيعذب به في الدنيا ~~وفي البرزخ وفي الآخرة إما بمحبة الاوثان أو محبته الصلبان أو بمحبة ~~النيران أو بمحبة المردان أو بمحبة النسوان أو بمحبة الاثمان أو بمحبة ~~العشراء والخلان أو بمحبة ما هو دون ذلك مما هو في غاية الحقارة والهوان ~~فالانسان عبد محبوبه كائنا ما كان كما قيل # أنت القتيل بكل من أحببته % فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي # فمن لم يكن إله مالكه ومولاه كان إله هواه قال تعالى أفرأيت من اتخذ إله ~~هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن ~~يهديه من بعد الله أفلا تذكرون فصل # وخاصية التعبد الحب مع الخضوع والذل للمحبوب فمن أحب شيئا وخضع له فقد ~~PageV01P128 تعبد قلبه له بل التعبد آخر مراتب الحب ويقال له التتيم أيضا ~~فان أول مراتبه العلاقة وسميت علاقة لتعلق الحب بالمحبوب قال الشاعر # وعلقت ليلى وهي ذات تمائم % ولم يبد للاتراب من ثديها ضخم # وقال الآخر # أعلاقة أم الوليد بعد ما % أفنان رأسك كالبغام الابيض ثم بعدها الصبابة ~~وسميت بذلك لانصباب القلب إلى المحبوب قال الشاعر # يشكى المحبون الصبابة ليتني % تحملت ما يلقون من بينهم وحدي # فكانت لقلبي لذة الحب كلها % فلم يلقها قبلى محب ولا بعدي # ثم الغرام وهو لزوم الحب للقلب لزوما لا ينفك عنه ومنه سمى الغريم غر بما ~~لملازمته صاحبه ومنه قوله تعالى إن عذابها كان غراما وقد أولع المتأخرون ~~باستعمال هذا اللفظ في الحب وقل أن تجده في أشعار العرب ثم العشق وهو سفر ~~إفراط المحبة ولهذا لا يوصف به الرب تبارك وتعالى ولا يطلق ms170 في حقه ثم الشوق ~~وهو سفر القلب إلى المحبوب أحث السفر وقد جاء إطلاقها في حق الرب تعالى كما ~~في مسند الامام أحمد من حديث عمار بن ياسر إنه صلا صلاة فاوجز فيه فقيل له ~~في ذلك فقال أما إني دعوت فيها بدعوات كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ~~بهن اللهم إني أسئلك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني اذا كانت الحياة ~~خيرا لى وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرا لى اللهم إني أسئلك خشيتك في الغيب ~~والشهادة وأسئلك كلمة الحق في الرضاء والغضب وأسئلك القصد في الفقر والغنى ~~وأسئلك نعيما لا ينفذ وأسئلك قرة عين لا تنقطع وأسئلك الرضاء بعد القضاء ~~وأسئلك برد العيش بعد الموت وأسئل لذة النظر إلى وجهك الكريم وأسئلك الشوق ~~إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الايمان ~~واجعلنا هداة مهتدين وفي أثر آخر طال شوق الابرار إلى وجهك وأنا إلى لقائهم ~~أشد شوقا وهذا هو المعنى الذي عبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله من أحب ~~لقاء الله أحب الله لقاءه وقال بعض أهل البصائر في قوله تعالى من كان يرجو ~~لقاء الله فان أجل الله لآت لما علم سبحانه شدة شوق أوليائه إلى لقائه وان ~~قلوبهم لا تهدي دون لقائه ضرب لهم أجلا موعدا للقائه تسكن نفوسهم به وأطيب ~~العيش واللذة على الاطلاق عيش المشتاقين المستأنسين فحياتهم هي الحياة ~~الطيبة في الحقيقة ولا حياة للعبد أطيب ولا أنعم ولا أهنأ منها فهى الحياة ~~الطيبة المذكورة في قوله تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثي وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة وليس المراد منها الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار ~~والابرار والفجار من طيب المأكل والمشرب والملبس والمنكح PageV01P129 بل ~~ربما زاد أعداء الله على أوليائه فى ذلك أضعافا مضاعفة وقد ضمن الله سبحانه ~~لكل من عمل صالحا أن يحييه حياة طيبة فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده وأي ~~حياة أطيب من حياة اجتمعت همومه كلها وصارت هى واحدة فى ms171 مرضات الله ولم ~~يستشعب قلبه بل أقبل على الله واجتمعت إرادته وإنكاره التي كانت منقسمة بكل ~~واد منها شعبة على الله فصار ذكر محبوبه الاعلى وحبه والشوق إلى لقائه ~~والانس بقربه وهو المتولى عليه وعليه تدور همومه وإرادته وتصوره بل خطرات ~~قلبه فان سكت سكت بالله وإن نطق نطق بالله وإن سمع فبه يسمع وإن أبصر فبه ~~يبصر وبه يبطش وبه يمشى وبه يتحرك وبه يسكن وبه يحيى وبه يموت وبه يبعث كما ~~فى صحيح البخارى عنه صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه ~~قال ما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب الي ~~بالنوافل حتي أحبه فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ~~ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها فيى يسمع بي يبصرو بي يبطش وبي ~~يمشى ولئن سئلني لاعطينه ولئن استعاذ بي لاعيذنه وما ترددت فى شيء أنا ~~فاعله ترددي عن قبضى روح عبدي المؤمن من يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له ~~منه فتضمن هذا الحديث الشريف الالهى الذي حرام على غليظ الطبع كثيف القلب ~~فهم معناه والمراد به حصر أسباب محبته فى أمرين أداء فرائضه والتقرب اليه ~~بالنوافل وأخبر سبحانه أن أداء فرائضه أحب مما تقرب اليه المتقربون ثم ~~بعدها النوافل وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتي يصير محبوبا لله فاذا ~~صار محبوبا لله أوجبت محبة الله له محبة منه أخرى فوق المحبة الاولى فشغلت ~~هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه وملكت عليه روحه ولم يبق ~~فيه سعة لغير محبوبه البتة فصار ذكر محبوبه وحبه مثله الأعلى مالكا لزمام ~~قلبه مستوليا على روحه إستيلاء المحبوب على محبه الصادق في محبته التي قد ~~اجتمعت قوى حبه كلها له ولا ريب ان هذا المحب ان سمع سمع لمحبوبه وان أبصر ~~أبصر به وان بطش بطش به وان مشي مشي به فهو في قلبه ومعه ومؤنسه وصاحبه ~~فالباء ههنا باء ms172 المصاحبة وهى مصاحبة لا نظير لها ولا تدرك بمجرد الاخبار ~~عنها والعلم بها فالمسألة خالية لا علمية محضة واذا كان المخلوق يجد هذا في ~~محبة المخلوق التي لم يخلق لها ولم يفطر عليها كما قال بعض المحبين # خيالك في عيني وذكرك في فمي % ومثواك في قلبي فأين تغيب # وقال الآخر # وتطلبهم عيني وهم في سوادها % ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعى # ومن عجب أني أحن اليهم % فأسئل عنهم من لقيت وهم معي PageV01P130 # وهذا ألطف من قول الآخر # إن قلت غبت فقلبي لا يصدقني % إذ أنت فيه مكان السر لم تغب # أو قلت ما غبت قال الطرف ذا كذب % فقد تحيرت بين الصدق والكذب فليس شيء ~~أدني من المحب لمحبوبه وربما تمكنت المحبة حتى يصير فى المحبة أدنى اليه من ~~نفسه بحيث ينسي نفسه ولا ينساه كما قيل # أريد لأنسي ذكره فكأنما % تمثل لي ليلى بكل سبيل # وقال الآخر # يراد من القلب نسيانكم % وتأبي الطباع على الناقل وخص في الحديث السمع ~~والبصر واليد والرجل بالذكر فان هذه الآلات آلات الادراك وآلات الفعل ~~والسمع والبصر يوردان على القلب الارادة والكراهة ويجلبان اليه الحب والبغض ~~فتستعمل اليد والرجل فاذا كان سمع العبد بالله وبصره به كان محفوظا في آلات ~~إدراكه فكان محفوظا في حبه وبغضه فحفظ في بطشه ومشيه وتأمل كيف اكتفي بذكر ~~السمع والبصر واليد والرجل عن اللسان فانه اذا كان ادرك السمع الذى يحصل ~~باختياره تارة وبغير أختياره تارة وكذلك البصر قد يقع بغير الاختيار فجأة ~~وكذلك حركة اليد والرجل التي لا بد للعبد منها فكيف بحركة اللسان التي لا ~~يقع الا بقصد واختيار وقد يستغنى العبد عنها الا حيث أمر بها وأيضا فانفعال ~~اللسان عن القلب أتم من انفعال سائر الجوارح فانه ترجمانه ورسوله وتأمل كيف ~~حقق تعالى كون العبد به عند سمعه وبصره الذى يبصر به وبطشه ومشيه بقوله كنت ~~سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي ~~بها تحقيقا لكونه مع عبده ms173 وكون عبده فى إدراكاته بسمعه وبصره وحركته بيديه ~~ورجله وتأمل كيف قال بي يسمع وبي يبصر وبي يبطش ولم يقل فلي يسمع ولى يبصر ~~ولى يبطش وربما يظن الظان ان اللام أولى بهذا الموضع إذ هي أدل على الغاية ~~ووقوع هذه الامور لله وذلك أخص من وقوعها به وهذا من الوهم والغلط إذ ليست ~~الباء ههنا بمجرد الاستعانة فان حركات الابرار والفجار وإدراكاتهم انما هي ~~بمعونة الله لهم وان الباء ههنا للمصاحبة إنما يسمع ويبصر ويبطش ويمشى وأنا ~~صاحبه ومعه كقوله في الحديث الآخر أنا مع عبدى ما ذكرني وتحركت بى شفتاه ~~وهذه المعية هي المعية الخاصة المذكورة في قوله تعالى إن الله معنا وقول ~~رسول النبى صلى الله عليه وسلم ما ظنك باثنين الله ثالثهما وقوله تعالى وإن ~~الله لمع المحسنين وقوله إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وقوله ~~واصبروا إن الله مع الصابرين وقوله كلا إن معي ربي سيهدين وقوله تعالى ~~لموسى PageV01P131 وهارون إنني معكما أسمع وأرى فهذه الباء مفيدة بمعني هذا ~~المعية دون اللام ولا يتأتى للعبد الاخلاص والصبر والتوكل ونزوله في منازل ~~العبودية الا بهذه الباء وهذه المعية فمتى كان العبد بالله هانت عليه ~~المشاق وانقلبت المخاوف في حقه أمانا فبالله يهون كل صعب ويسهل كل عسير ~~ويقرب كل بعيد وبالله تزول الاحزان والهموم والغموم فلا هم مع الله ولا غم ~~مع الله ولا حزن مع الله وحيث يفوت العبد معني هذه الباء فيصير قلبه حينئذ ~~كالحوت إذا فارق الماء يثب وينقلب حتي يعود اليه ولما حصلت هذه الموافقة مع ~~العبد لربه تعالى فى محابه حصلت موافقة الرب لعبده فى حوائجه ومطالبه فقال ~~ولئن سئلني لاعطينه ولئن استعاذ بى لأعيذنه أى كما وافقني في مرادي بامتثال ~~أوامري والتقرب إلى بمحابي فانا أوافقه في رغبته ورهبته فيما يسئلني أن ~~أفعل به ويستعيذني أن يناله مكروه وحقق هذه الموافقة من الجانبين حتى اقتضى ~~تردد الرب سبحانه في اماته عبده ولأته يكره الموت والرب تعالى يكره ما ms174 يكره ~~عبده ويكره مساءته فمن هذه الجهة تقتضى انه لا يميته ولكن مصلحته في إماتته ~~فانه ما لماته الا ليحييه وما أمرضه الا ليصحه وما أفقره الا ليغنيه وما ~~منعه الا ليعطيه ولم يخرج من الجنة فى صلب أبيه الا ليعيده اليها على أحسن ~~الاحوال ولم يقل لابيه أخرج منها الا ليعيده اليها فهذا هو الحبيب على ~~الحقيقة لا سواه بل لو كان في كل منبت شعر لعبد محبة تامة لله لكان بعض ما ~~يستحقه على عبده # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى % ما الحب الا للحبيب لاول # كم منزل فى الأرض يألفه الفتى % وحنينه أبدا لاول منزل فصل # ثم التتيمم وهو آخر مراتب الحب وهو تعبد المحب لمحبوبه يقال تيمه الحب ~~إذا عبده ومنه تيم الله أي عبد الله وحقيقة التعبد الذل والخضوع للمحبوب ~~ومنه قولهم طريق معبد أي مذلل قد ذللته الاقدام فالعبد هو الذي ذلله الحب ~~والخضوع لمحبوبه ولهذا كانت أشرف أحوال العبد ومقاماته في العبودية فلا ~~منزل له أشرف منها وقد ذكر الله سبحانه أكرم الخلق عليه وأحبهم اليه وهو ~~رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالعبودية في أشرف مقاماته وهي مقام الدعوة ~~اليه ومقام التحدي بالنبوة ومقام الاسرى فقال سبحانه وانه لما قام عبد الله ~~يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا وقال @QB@ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على ~~عبدنا فأتوا بسورة من مثله @QE@ وقال @QB@ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى @QE@ وفي حديث الشفاعة إذهبوا إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر PageV01P132 ~~فقال مقام الشفاعة بكمال عبوديته وكمال مغفرة الله له والله سبحانه خلق ~~الخلق لعباديته وحده لا شريك له التي هي أكمل أنواع المحبة مع أكمل أنواع ~~الخضوع والذل وهذا هو حقيقة الاسلام وملة إبراهيم التي من رغب عنها فقد سفه ~~نفسه قال تعالى @QB@ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه @QE@ الآية ولهذا ~~كان أعظم الذنوب عند الله الشرك والله ms175 لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء واصل الشرك بالله الا شراك مع الله في المحبة كما قال تعالى @QB@ ~~ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله @QE@ وأخبر سبحانه إن من الناس من يشرك به من دونه فيتخذ الانداد ~~من دونه يحبهم كحب الله وأخبر ان الذين آمنوا أشد حبا لله من أصحاب الانداد ~~لاندادهم وقيل بل المعني انهم أشد حبا لله من أصحاب الانداد فانهم وان ~~أحبوا الله لكن لما أشركوا بينه وبين اندادهم في المحبة ضعفت محبتهم لله ~~والموحدون لله لما خلصت محبتهم له كانت أشد من محبة أولئك والعدل برب ~~العالمين والتسوية بينه وبين الانداد هو في هذه المحبة ولما كان مراد الله ~~من خلقه هو خلوص هذه المحبة له أنكر على من اتخذ من دونه وليا أو شفيعا ~~غاية الانكار وجمع ذلك تارة وأقر واحدهما عن الآخر تارة بالانكار فقال ~~تعالى إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش يدبر الامر ما من شفيع الا من بعد اذنه وقال تعالى الله الذي خلق ~~السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من دونه ~~من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون وقال تعالى وأنذر به الذين الذين يخافون أن ~~يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون وقال فى الافرإد ~~@QB@ أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون ~~قل لله الشفاعة جميعا @QE@ وقال تعالى من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما ~~كسبوا شيئا ولا ماتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذب عظيم فاذا والى العبد ~~ربه وحده وأقام له وليا من شفعاء وعقد الموالاة بينه وبين عباده المؤمنين ~~فصاروا أولياءه في الله بخلاف من اتخذ مخلوقا أولياء من دون الله فهذا لون ~~وذاك لون والشفاعة الشركية الباطلة لون والشفاعة الحق الثابتة التي انما ~~تنال بالتوحيد لون ms176 وهذا موضع فرقان بين أهل التوحيد وأهل الشرك بالله والله ~~يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم والمقصود ان حقيقة العبودية وموجباته لا تخلص ~~مع الاشراك بالله في المحبة بخلاف المحبة لله فانها من لوازم العبودية ~~وموجباتها فان محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل تقديمه في الحب على ~~الانفس وعلى الاباء والانباء لايتم الايمان الا بها اذ محبته من محبة الله ~~وكذلك كل حب في الله ولله كما في الصحيحين عمه صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان وفي لفظ في الصحيح لا يجد عبد طعم ~~الايمان PageV01P133 الا من كان في قلبه ثلاث خصال أن يكون الله ورسوله أحب ~~اليه مما سواهما وان يحب المرأ لا يحبه الا الله وان يكره أن يرجع إلى ~~الكفر بعد اذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار وفي الحديث الذي في ~~السنن من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الايمان وفي ~~حديث آخر ما تحاب رجلان في الله الا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه فان هذه ~~المحبه من لوازم محبة الله وموجباتها وكل ما كانت أقوى كان أصلها كذلك فصل # وههنا أربعة أنواع من الحب يجب التفريق بينهما وإنما ضل من ضل بعدم ~~التمييز بينهما أحدهما محبة الله ولا تكفي وحدها في النجاة من الله من ~~عذابه والفوز بثوابه فان المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله ~~الثاني محبة ما يحب الله وهذه هي التي تدخله في الاسلام وتخرجه من الكفر ~~وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة وأشدهم فيها الثالث الحب لله وفيه ~~وهي من لوازم محبة ما يحب الله ولا يستقيم محبة ما يحب الله الا بالحب فيه ~~وله الرابع المحبة مع الله وهى المحبة الشركية وكل من أحب شيئا مع الله لا ~~لله ولا من أجله ولا فيه فقد اتخذه ندا من دون الله وهذه محبة المشركين ~~وبقى قسم خامس ليس مما نحن فيه وهى المحبة ms177 الطبيعية وهي ميل الانسان إلى ما ~~يلائم طبعه كمحبة العطشان للماء والجائع للطعام ومحبة النوم والزوجة والولد ~~فتلك لا تذم مالا إن ألهت عن ذكر الله وشغلته عن محبته كما قال تعالى @QB@ ~~يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله @QE@ فصل # ثم الخلة وهي تتضمن كمال المحبة ونهايتها بحيث لا يبقى في القلب لمحبه ~~سعة لغير محبوبه وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجه وهذا المنصب خاصة للخليلين ~~صلوات الله وسلامه عليهما إبراهيم ومحمد كما قال صلى الله عليه وسلم إن ~~الله إتحذني خليلا كما اتحذ إبراهيم خليلا وفي الصحيح عنه صلى الله عليه ~~وسلم لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لااتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم ~~خليل الله وفي حديث آخر اني أبرىء إلى كل خليل من خلته ولما سأل إبراهيم ~~عليه السلام الولد فاعطيه فتعلق حبه بقلبه فاخذ منه شعبه غار الحبيب على ~~خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره فامر بذبحه وكان الامر في المنام ليكون ~~تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاء وامتحانا ولم يكن المقصود ذبح الولد ولكن ~~المقصود ذبحه من قلبه ليخلص القلب للرب فلما بادر الخليل عليه الصلات ~~والسلام إلى الامتثال وقدم PageV01P134 محبة الله على محبة ولده حصل ~~المقصود فرفع الذبح وفدى بذبح عظيم فان الرب تعالى ما أمر بشيء ثم أبطله ~~رأسا بل لا بد أن يبقى بعضه أو بدله كما أبقى شريعة الفداء وكما أبقى ~~استحباب الصدقة عند المناجاة وكما أبقى الخمس صلوات بعد رفع الخمسين وأبقى ~~ثوابها وقال لا يبدل القول لدى خمس في الفعل وخمسون في الاجر فصل # وأما ما يظنه بعض الظانين ان المحبة أكمل من الخلة وان إبراهيم خليل الله ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم حبيب الله فمن جهله فان المحبة عامة والخلة خاصة ~~والخلة نهاية المحبة وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ان اتخذ إبراهيم ~~خليلا ونفى أن يكون له خليل غير ms178 وبه مع اخباره لحبه لعائشة ولابيها ولعمر ~~بن الخطاب وغيرهم وأيضا فان الله سبحانه يحب التوابنين ويحب الصابرين ويحب ~~المحسنين ويحب المتقين ويحب المقسطين وخلته خاصة بالخليلين عليهما الصلاة ~~والسلام والشاب التائب حبيب الله وإنما هذا عن قلة العلم والفهم عن الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم فصل # وقد تقدم أن العبد لا يترك ما يحب ويهواه إلا لما يحبه ويهواه ولكن يترك ~~أضعفهما محبة لاقواهما محبة كما انه يفعل ما يكره لحصول ما محبته أقوي عنده ~~من كراهة ما يفعله والخلاص من مكروه كراهته عنده أقوي من كراهة ما يفعله ~~وتقدم ان خاصية العقل إيثار على المحبوبين على أدناهما وأيسر المكروهين على ~~أقواهما وتقدم ان هذا الكمال قوة الحب والبغض ولم يتم له هذا إلا بامرين ~~قوة الادراك وشجاعة القلب فان التخلف عن ذلك والعمل بخلافه يكون اما بضعف ~~الادراك بحيث إن لم يدرك مراتب المحبوب والمكروه على ما كان عليه إما لضعف ~~في النفس وعجز في القلب لا يطاوعه الايثار الا صلح له مع علمه بانه الاصلح ~~فاذا صح إدراكه وقويت نفسه وتشجع القلب على إيثار المحبوب الاعلى والمكروه ~~الادني فقد وافق لاسباب السعادة فمن الناس من يكون سلطان شهوته أقوي من ~~سلطان عقله وإيمانه فيقهر الغلب الضعيف ومنهم من يكون سلطان إيمانه وعقله ~~أقوى من سلطان شهوته ورذا كان كثير من المرضى يحميه الطبيب عما يضره فتأبا ~~عليه نفسه وشهوته إلا تناوله ويقدم شهوته على عقله وتسميه الاطباء عديم ~~المرؤة فهكذا اكثر مرضى القلب يؤثرون ما يزيد مرضهم لقوة شهوتهم له فاصل ~~الشر من ضعف الادراك وضعف النفس ودنائتها وأصل الخير من كمال الادراك وقوة ~~النفس وشرفها وشجاعتها فالحب والارادة أصل كل فعل PageV01P135 ومبدأه ~~والبغض والكراهة أصل كل ترك ومبدأه وهاتان القوتان في القلب أصل سعادته ~~وشقاوته ووجود العقل الاختيارى لا يكون إلا بوجود سببه من الحب والارادة ~~وأما عدم الفعل فتارة يكون لعدم مقتضاه وسببه وتارة يكون بوجود البغض ~~والكراهة المانع منه وهذا متعلق الامر والنهى ms179 وهو يسمي الكف وهو متعلق ~~الثواب والعقاب وبهذا يزول الاشتباه في مسألة الترك هل هو أمر وجودي أو ~~عدمي والتحقيق انه قسمان فالترك المضاف إلى عدم السبب المقتضي عدمي والمضاف ~~إلى السبب المانع من الفعل وجودى فصل # وكل واحد من الفعل والترك الاختياريين فانما يؤثر الحي لما فيه من الحصول ~~والمنفعة التي يلتذ بحصولها أو زوال الالم الذي يحصل له الشفاء بزواله ~~ولهذا يقال شفاء صدره وشفاء قلبه قال # هي الشفاء لداء لو ظفرت بها % وليس منها الداء مبذول وهذا مطلوب يؤثره ~~العاقل حتي الحيوان البهيم ولكن يغلط فيه أكثر الناس غلطا قبيحا فيقصد حصول ~~اللذة بما يعقب عليه أعظم الالم فيؤلم نفسه من حيث يظن أنه يحصل لذتها ~~ويشفى قلبه بما يعقب عليه غاية المرض وهذا شأن من قصر نظره على العاجل ولم ~~يلاحظ العواقب وخاصة العقل النظر في العواقب فاعقل الناس من أثر لذة نفسه ~~وراحته في الآجلة الدائمة على العاجلة المنقضية الزائلة وأسفه الخلق من باع ~~نعيم الابد وطيب الحياة الدائمة واللذة العظمى التي لا تنغيص فيها ولا نقص ~~بوجه ما بلذة منقضية مشوبة بالآلام والمخاوف وهي سريعة الزوال وشيكة ~~الانقضاء قال بعض العلماء فكرت في سعي العقلاء فرأيت سعيهم كلهم في مطلوب ~~واحد وإن اختلفت طرقهم في تحصيله رأيتهم جميعهم إنما يسعون في دفع الهم ~~والغم عن نفوسهم فهذا في الاكل والشرب وهذا في التجارة والكسب وهذا بالنكاح ~~وهذا بسماع الغناء والاصوات المطربة وهذا باللهو واللعب فقلت هذا المطلوب ~~مطلوب العقلاء ولكن الطرق كلها غير موصلة اليه بل لعل أكثرها إنما يوصل إلى ~~ضده ولم أر في جميع هذه الطرق طريقا موصلا اليه بل لعل أكثرها إنما يؤثر ~~إلى الاقبال على الله وحده ومعالمته وحده وإيثار مرضاته على كل شيء فان ~~سالك هذا الطريق فاته حظه من الدنيا فقد ظفر بالحظ العالى الذى لا فوت معه ~~وإن حصل للعبد حصل له كل شيء وإن فاته فاته كل شيء وان ظفر بحظه من الدنيا ~~ناله على أهني ms180 الوجوه فليس للعبد أنفع من هذا الطريق ولا أوصل منه إلى لذته ~~وبهجته وسعادته وبالله التوفيق PageV01P136 فصل # والمحبوب قسمان محبوب لنفسه ومحبوب لغيره ولا بد أن ينتهي إلى المحبوب ~~لنفسه دفعا للتسلسل المحال وكل ما سوى المحبوب الحق فهو محبوب لغيره وليس ~~شيء يحب لنفسه الا الله وحده وكل ما سواه مما يحب فانما محبته تبع لمحبة ~~الرب تبارك وتعالى كمحبة ملائكته وانبيائه وأوليائه فانها تبع لمحبته ~~سبحانه وهي من لوازم محبته فان محبة المحبوب توجب محبة ما يحبه وهذا موضع ~~يجب الاعتناء به فانه محل فرقان بين المحبة النافعة لغيره والتي لا تنفع بل ~~قد تضر واعلم إنه لا يحبه لذاته الا من كماله من لوازم ذاته وإلهيته ~~وربوبيته وغناه من لوازم ذاته وما سواه فانما يبغض ويكره لمنافاته محابه ~~ومضادته لها وبغضه وكراهته بحسب قوة هذه المنافاة وضعفها فما كان أشد ~~منافاة لمحابه كان أشد كراهة من الاعيان والاوصاف والافعال والارادات ~~وغيرها فهذا ميزان عادل يوزن به موافقة الرب ومخالفته وموالاته ومعاداته ~~فاذا رأينا شخصا يحب ما يكرهه الرب تعالى ويكره ما يحبه علمنا ان فيه من ~~معاداته بحسب ذلك واذا رأينا الشخص يحب ما يحبه الرب ويكره ما يكرهه وكلما ~~كان الشيء أحب إلى الرب كان أحب اليه وأثره عنده وكلما كان أبغض اليه كان ~~أبغض اليه وأبعد منه علمنا ان فيه من موالات الرب بحسب ذلك فتمسك بهذا ~~الاصل غاية التمسك فى نفسك وفي غيرك فالولاية عبارة عن موافقة الولى الحميد ~~في محابه ومساخطه ليست بكثرة صوم ولا صلاة ولا رياضة والمحبوب لغيره قسمان ~~أيضا أحدهما ما يلتذ المحب بادراكه وحصوله والثاني ما يتألم به ولكن يحتمله ~~لافضائه إلى المحبوب كشرب الدواء الكريه قال تعالى @QB@ كتب عليكم القتال ~~وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر ~~لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون @QE@ فاخبر سبحانه أن القتال مكروه لهم مع ~~إنهم خير لهم لافضائه إلى أعظم محبوب وأنفعه والنفوس ms181 تحب الراحة والفراغة ~~والرفاهية وذلك شر لها لافضائه إلى فوات هذا المحبوب فالعاقل لا ينظر إلى ~~لذة المحبوب العاجل فيؤثرها وألم المكروه العاجل فيرغب عنه فان ذلك قد يكون ~~شرا له بل قد يجلب عليه غاية الألم وتفوته أعظم اللذة بل عقلاء الدنيا ~~يتحملون المشاق المكروهة لما يعقبهم من اللذة بعدها وإن كانت منقطعة ~~فالامور أربعة مكروه يوصل إلى مكروه ومكروه يوصل إلى محبوب ومحبوب يوصل إلى ~~محبوب ومحبوب يوصل إلى مكروه فالمحبوب الموصل إلى المحبوب قد اجتمع فيه ~~داعى الفعل من وجهين والمكروه الموصل إلى مكروه قد اجتمع فيه داعي الترك من ~~وجهين بقى قسمان الاخران يتجاوز بهما الداعيان وهما معترك الابتلاء ~~والامتحان فالنفس توثر أقربهما جوارا منهما وهو العاجل والعقل PageV01P137 ~~والعقل والايمان يؤثرا نفعهما وإبقائها والقلب بين الداعيين وهو إلى هذا ~~مرة والى هذا مرة وههنا محل الابتلاء شرعا وقدرا فداعي العقل والايمان ~~ينادي كل وقت حي على الفلاح عند الصباح يحمد القوم السري وفي الممات يحمد ~~العبد التقى فان اشتد ظلام ليل المحبة وتحكم سلطان الشهوة والارادة يقول # يا نفس اصبرى فما هى الا ساعة % ثم تنقضي ويذهب هذا كله ويزول فصل # وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل فأصل الاعمال الدينية حب الله ~~ورسوله كما إن أصل الاقوال الدينية تصديق الله ورسوله وكل إرادة تمنع كمال ~~حب الله ورسوله وتزاحم هذه المحبة وشبهه منع كمال التصديق في معارضة لاصل ~~الايمان أو مضعفة له فان قويت حتي عارضت أصلى الحب والتصديق كانت كفرا ~~وشركا أكبر وإن لم تعارضه قدحت في كماله وأثرت فيه ضعفا وفتورا في العزيمة ~~والطلب وهى تحجب الواصل وتقطع الطالب وتنكي الراغب فلا تصلح المولات إلا ~~بالمعادات كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين انه قال لقومه @QB@ ~~أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب ~~العالمين @QE@ فلم تصلح لخليل الله هذه الموالات والخلة إلا بتحقيق هذه ~~المعادات فان ولاية الله لا تصح إلا بالبراءة من كل معبود سواه ms182 قال تعالى ~~@QB@ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا ~~برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذ قال إبراهيم ~~لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة ~~باقية في عقبه لعلهم يرجعون @QE@ أي جعل هذه الموالات لله والبراءة من كل ~~معبود سواه كلمته باقية في عقبه يتوارثها الانبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض ~~وهي كلمة لا إله إلا الله وهي التي ورثها إمام الحنفاء لاتباعه الي يوم ~~القيامة وهى الكلمة التي قامت بها الأرض والسموات وفطر الله عليها جميع ~~المخلوقات وعليها أسست الملة ونصبت القبلة وجردت سيوف الجهاد وهى محض حق ~~الله على جميع العباد وهى الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار ~~والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار وهى النشور الذي لا تدخل الجنة إلا به ~~والحبل الذي لا يصل إلى الله من لم يتعلق بسببه وهى كلمة الاسلام ومفتاح ~~دار السلام وبها تنقسم الناس إلى شقى وسعيد ومقبول وطريد وبها انفصلت دار ~~الكفر من دار الاسلام وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان وهى العمود ~~الحامل للفرض والسنة ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة وروح هذه ~~الكلمة وسرها PageV01P138 إفراد الرب حبل ثناؤه وتقدست أسماؤه وتبارك اسمه ~~وتعالى جده ولا إله غيره بالمحبة والاجلال والتعظيم والخوف والرجاء وتوابع ~~ذلك من التوكل والانابه والرغبة والرهبة فلا يحب سواه بل كان ما كان يحب ~~غيره فانما هو تبعا لمحبته وكونه وسيلة إلى زيادة محبته ولا يخاف سواه ولا ~~يرجي سواه ولا يتوكل إلا عليه ولا يرغب إلا اليه ولا يرهب إلا منه ولا يحلف ~~إلا باسمه ولا ينذر إلا له ولا يتاب إلا اليه ولا يطاع إلا أمره ولا يحتسب ~~إلا به ولا يستعان في الشدائد إلا به ولا يلتجي إلا اليه ولا يسجد إلا له ~~ولا يذبح إلا له وباسمه يجتمع ms183 ذلك في حرف واحد وهو أن لا يعبد بجميع أنواع ~~العبادة إلا هو فهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله ولهذا حرم الله على ~~النار من شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة ومحال أن يدخل النار من ~~تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام بها كما قال تعالى @QB@ والذين هم بشهاداتهم ~~قائمون @QE@ فيكون قائما بشهادته في باطنه وظاهره وفي قلبه وقالبه فان من ~~الناس من تكون شهادته ميتة ومنهم من تكون نائمة اذا نبهت انتبهت ومنهم من ~~تكون مضطجعة ومنهم من تكون إلى القيام أقرب وهى في القلب بمنزلة الروح في ~~البدن فروح ميتة وروح مريضة إلى الموت أقرب وروح إلى الحياة أقرب وروح ~~صحيحة قائمة بمصالح البدن وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم إني ~~لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت الا وجدت روحه لها روحا فحياة هذه ~~الروح بهذه الكلمة فيها فكما ان حياة البدن بوجود الروح فيه وكما ان من مات ~~على هذه الكلمة فهو في الجنة يتقلب فيها فمن عاش على تحقيقها والقيام بها ~~فروحه تتقلب في جنة المأوى وعيشها أطيب عيش قال تعالى @QB@ وأما من خاف ~~مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى @QE@ فالجنة مأواه يوم ~~اللقاء وجنة المعرفة والمحبة والانس بالله والشوق إلى لقائه والفرح به ~~والرضى عنه وبه مأوى روحه في هذه الدار فمن كانت هذه الجنة مأواه ههنا كانت ~~جنة الخلد مأواه يوم المعاد ومن حرم هذه الجنة فهو لتلك الجنة أشد حرمانا ~~والابرار في نعين وان اشتد بهم العيش وضاقت بهم الدنيا والفجار في جحيم وإن ~~إتسعت عليهم الدنيا قال تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثي وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة وطيب الحياة جنة الدنيا قال تعالى فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا فاي نعيم ~~أطيب من شرح الصدر وأي عذاب أضيق من ضيق الصدر وقال تعالى ألا إن أولياء ~~الله لا ms184 خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في ~~الحيوة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ~~فالمؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشا وأنعمهم بالا وأشرحهم صدرا وأسرهم ~~قلبا وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~مررتم PageV01P139 برياض الجنة فارتعوا قالوا وما رياض الجنة وقال حلق ~~الذكر ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض ~~الجنة ومن هذا قوله وقد سئلوه عن وصاله في الصوم وقال اني لست كهيئتكم انى ~~أظل عند ربي يطعمني ويسقيني فاخبر صلى الله عليه وسلم إن ما يحصل له من ~~الغذاء عند ربه يقوم مقام الطعام والشراب والحسي وإن ما يحصل له من ذلك أمر ~~مختصا به لا يشركه فيه غيره فاذا أمسك عن الطعام والشراب فله عوض عنه يقوم ~~مقامه وينوب منابه ويغنى عنه كما قيل # لها أحاديث من ذكراك تشغلها % عن الشراب وتلهيها عن الزاد # لها بوجهك نور يستضيء به % ومن حديثك في أعقابها حادي # إذا اشتكت من كلال السير أوعدها % روح اللقاء فتحي عند ميعادى # وكل ما كان وجود الشيء أنفع للعبد وهو اليه أحوج كان تألمه بفقده أشد وكل ~~ما كان عدمه أنفع كان تألمه بوجوده أشد ولا شيء على الاطلاق أنفع للعبد من ~~إقباله على الله واشتغاله بذكره وتنعمه بحبه وإيثاره لمرضاته بل لا حياة له ~~ولا نعيم ولا سرور ولا بهجة الا بذلك فعدمه ءألم شيء له وأشد عذابا عليه ~~وإنما تغيب الروح عن شهود هذا الألم والعذاب لاشتغالها بغيره واستغراقها في ~~ذلك الغير فتغيب به عن شهود ما هي فيه من ألم العقوبة بفراق أحب شيء اليها ~~وأنفعه لها وهذا بمنزلة السكران المستغرق في سكره الذي احترقت داره وأمواله ~~وأهله وأولاده وهو لاستغراقه في السكر لا يشعر بألم ذلك الفوات وحسرته حتى ~~إذا صحى وكشف عنه غطاء السكر وانتبه من رقدة الخمر فهو أعلم بحاله حينئذ ~~وهكذا الحال ms185 سواء عند كشف الغطاء ومعاينة طلائع الآخرة والاشراف على مفارقة ~~الدنيا والانتقال منها إلى الله بل الالم والحسرة والعذاب هناك أشد باضعاف ~~أضعاف ذلك فان المصاب في الدنيا يرجو جبر مصيبته في الدنيا بالعوض ويعلم ~~إنه قد أصيب بشيء زائل لابقاء له فكيف بمن مصيبته بما لا عوض عنه ولا بدل ~~منه ولا نسبة بينه وبين الدنيا جميعا فلو قضي الله سبحانه بالموت من هذه ~~الحسرة والألم لكان العبد جديرا به وان الموت لا يعود أكبر أمنيته وأكبر ~~حسراته هذا لو كان الألم على مجرد الفوات كيف وهناك عن العذاب على الروح ~~والبدن أمور أخرى وجودية مالا يقدره قدره فتبارك من حمل هذا الخلق الضعيف ~~هذين الالمين العظيمين اللذين لا تحملهما الجبال الرواسي فاعرض على نفسك ~~الآن أعظم محبوب لك في الدنيا بحيث لا تطيب لك الحياة الا معه فاصبحت وقد ~~أخذ منك وحيل بينك وبينه أحوج ما كنت اليه كيف يكون حالك هذا ومنه كل عوض ~~فكيف بمن لا عوض عنه كما قيل PageV01P140 # من كل شيء اذا ضيعته عوض % وما من الله أن ضيعته عوض وفي الأثر الالهى بن ~~آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب وتكفلت برزقك فلا تتعب ابن آدم أطلبني تجدني ~~فان وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب اليك من كل شيء فصل # ولما كانت المحبة جنسا تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف كان أغلب ما ~~يذكر فيها في حق الله تعالى ما يختص به ويليق به من أنواعها ولا يصلح الا ~~له وحده مثل العبادة والانابة ونحوهما فان العبادة لا تصلح الا له وحده ~~وكذا الانابة وقد ذكر المحبة باسمها المطلق كقوله تعالى فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه وقوله تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله وأعظم أنواع المحبة المذمومة ~~المحبة مع الله التي سوى فيها المحب بين محبة الله ومحبته للند الذي إتخذه ~~من دون الله وأعظم أنواعها المحمودة محبة ms186 الله وحده وهذه المحبة هي أصل ~~السعادة ورأسها التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها والمحبة المذمومة ~~الشركية هي أصل الشقاوة ورأسها التي لا يبقي في العذاب الا أهلها فأهل ~~المحبة الذين أحبوا الله وعبدوه وحده لا شريك له لا يدخلون النار من دخلها ~~منهم بذنوبه فانه لا يبقى فيها منهم أحد مدار القرآن على الامر بتلك المحبة ~~ولوازمها والنهى عن المحبة الاخرى ولوازمها وضرب الامثال والمقاييس للنوعين ~~وذكر قصص النوعين وتفصيل أعمال النوعين وأوليائهم ومعبود كل منهما واخباره ~~عن فعله ولنوعين وعن حال النوعين في الدور الثلاثة دار الدنيا ودار البرزخ ~~ودار القرار والقران باقي شأن النوعين وأصل دعوة جميع الرسل من أولهم إلى ~~آخرهم انما هو عبادة الله وحده لا شريك له المتضمنة لكمال حبه وكمال الخضوع ~~والذل له والاجلال والتعظيم ولوازم ذلك من الطاعة والتقوى وقد ثبت في ~~الصحيحين من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال والذي نفسي بيده ~~لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من ولده ووالده والناس أجمعين وفي صحيح ~~البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يا رسول الله والله لانت أحب ~~الي من كل شيء إلا من نفسي فقال لا يا عمر حتى أكون أحب اليك من نفسك فقال ~~والذي بعثك بالحق لانت أحب الي من نفسي فقال الآن يا عمر فاذا كان هذا شأن ~~محبة عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ووجوب تقديمها على محبة النفس ووالده ~~وولده والناس أجمعين فما الظن بمحبة مرسله سبحانه وتعالى ووجوب تقديمها على ~~محبة ما سواه PageV01P141 ومحبة الرب تعالى تختص عن محبة غيره في قدرها ~~وصفتها وإفراده سبحانه بها فان الواجب له من ذلك كله أن يكون إلى العبد أحب ~~اليه من ولده ووالده بل من سمعه وبصره ونفسه التي بين جنبيه فيكون إلهه ~~الحق ومعبوده أحب اليه من ذلك كله والشيء قد يحب من وجه دون وجه وقد يحب ~~بغيره وليس شيء يحب لذاته من كل وجه ms187 إلا الله وحده ولا تصلح الالوهية إلا ~~له ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا والتأله هو المحبة والطاعة والخضوع ~~فصل # وكل حركة في العالم العلوي والسفلى فأصلها المحبة فهي علتها الفاعلية ~~والغائبة وذلك لان الحركات ثلاثة أنواع حركة إختيارية إرادية وحركة طبيعية ~~وحركة قسرية فالحركة الطبيعية أصلها السكون وإنما يتحرك الجسم اذا خرج عن ~~مستقره ومركزه الطبيعي فهو يتحرك للعود اليه وخروجه عن مركزه ومستقرة وإنما ~~يتحرك بتحرك القاسر المحرك له فله حركة قسرية تتحرك بتحريك محركه وقاسره ~~وحركة طبيعية بذاتها تطلب بها العود إلى مركزه وكلا حركتيه تابع للمحرك ~~القاسر فهو أصل الحركتين والحركة الاختيارية الارادية هي أصل الحركتين ~~الآخرتين وهي تابعة للارادة والمحبة فصارت الحركات الثلاث تابعة للمحبة ~~والارادة والدليل على انحصار الحركات في هذه الثلاث أن المتحرك إن كان له ~~شعور بالحركة فهي الارادية وان لم يكن له شعور بها فاما أن يكون على وفق ~~طبيعته الاولى فالاولى هي الطبيعية والثانية هي القسرية إذا فهمت هذا فما ~~في السموات والأرض وما بينهما من حركات الافلاك والشمس والقمر والنجوم ~~والرياح والسحاب والمطر والنبات وحركات الأجنة في بطون أمهاتها فانما هى ~~بواسطة الملائكة المدبرات أمرا والمقسمات أمرا كما دل على نصوص القرآن ~~والسنة في غير موضع والايمان بذلك من تمام الايمان بالملائكة فان الله وكل ~~بالرحم ملائكة وبالقطر ملائكة وبالنبات ملائكة وبالرياج ملائكة وبالافلاك ~~والشمس والقمر والنجوم ووكل بكل عبد أربعة من الملائكة كتبين على يمينه ~~وعلى شماله وحافظين من بين يديه ومن خلفه ووكل ملائكة بقبض روحه وتجهيزها ~~إلى مستقرها من الجنة والنار وملائكة بمسألته وإمتحانه في قبره وعذابه هناك ~~أو نعيمه وملائكة تسوقه إلى المحشر إذا قام من قبره وملائكة بتعذيبه في ~~النار أو نعيمه في الجنة ووكل بالجبال ملائكة وبالسحاب ملائكة تسوقه إلى ~~حيث أمرت به وملائكة بالقطر تنزله بأمر الله بقدر معلوم كما شاء الله ووكل ~~ملائكة بغرس الجنة وعمل آلاتها وفرشها وثيابها والقيام عليها وملائكة ~~بالنار كذلك فاعظم جند الله الملائكة ولفظ الملك ms188 يشعر بأنه رسول منفذ لامر ~~PageV01P142 فليس لهم من الامر شيء بل الامر كله لله وهم يدبرون الامر ~~ويقسمونه باذن الله وأمره قال تعالي إخبارا عنهم وما نتنزل الا بأمر ربك له ~~ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا وقال تعالى وكم من ~~ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا الا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ~~ويرضى وأقسم سبحانه بطوائف من الملائكة المنفذين لامره في الخليقة كما قال ~~تعالى والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالعاليات ذكرا @QB@ وقال @QE@ ~~والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ~~ذكرا عذرا أو نذرا وقال تعالى والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات ~~سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا وقد ذكرنا معني ذلك وسر الاقسام في ~~كتاب أقسام القرآن اذا عرف ذلك فجميع تلك المحبات والحركات والارادات ~~والافعال هي عباداتهم لرب الأرض والسموات وجميع الحركات الطبيعية والقسرية ~~تابعة لها فلولا الحب ما دارت الافلاك ولا تحركت الكواكب النيرات ولا هبت ~~الرياح المسخرات ولا مرت السحاب الحاملات ولا تحركت الأجنة في بطون الامهات ~~ولا أنصدع عن الحب أنواع النبات ولا اضطربت أمواج البحار الزاجرات ولا ~~تحركت المدبرات والمقسمات ولا سبحت بحمد فاطرها الأرض والسموات وما فيها من ~~أنواع المخلوقات فسبحان من تسبحه السموات والأرض ومن فيهن وان من شيء الا ~~يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا فصل # إذا عرف ذلك فكل حي له إرادة ومحبة وعمل يحسنه وكل متحرك فأصل حركته ~~المحبة والارادة والاصلاح للموجودات الا بان تكون حركاتها ومحبتها لفاطرها ~~وباريها وحده كما لا وجود لها الا بأبداعه وحده ولهذا قال تعالى لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان رب العرش عما يصفون ولم يقل سبحانه لما ~~وجدتا ولكانتا معدومتين ولا قال لعدمتا اذ هو سبحانه قادر على أن يبقيهما ~~على وجه الفساد لكن لا يمكن أن تكون على وجه الصلاح والاستقامة الا بان ~~يكون الله وحده وهو معبود لهما ومعبود ما حوتاه وسكن فيهما فلو كان ms189 للعالم ~~إلهان لفسد نظامه غاية الفساد فان كل إله يطلب مغالبة الآخر والعلو عليه ~~وتفرده دونه بالالهية اذ الشرك نقص في كمال الالهية والاله لا يرضى لنفسه ~~أن يكون إلها ناقصا فان قهر أحدهما الآخر كان هو الاله وحده والمقهور ليس ~~باله وان لم يقهر أحدهما الآخر لزم عجز كل منهما ونقصه ولم يكن تام الالهية ~~فيجب أن يكون فوقهما إله قاهر لهما حاكم عليهما وإلا ذهب كل منهما بما خلق ~~وطلب كل منهما العلو على الاخر PageV01P143 وفي ذلك فساد أمر السموات ~~والأرض ومن فيهما كما هو المعهود من فساد البلد اذا كان فيها ملكان ~~متكافئان وفسد الزوجة اذا كان لها بعلان والشول اذا كان فيه فحلان واصل ~~فساد العالم انما هو من فساد اختلاف الملوك والخلفاء ولهذ لم تطمع أعداء ~~الاسلام فيهم في زمن من الازمنة الا في زمن تعدد الملوك من المسلمين ~~واختلافهم وانفراد كل واحد منهم ببلاد وطلب بعضهم العلو على بعض فصلاح ~~السموات والأرض واستقامتهما وإنتظام أمر المخلوقات على أتم نظام ومن أظهر ~~الادلة على انه لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ~~ويميت وهو على كل شيء قدير وان كل معبود من لدن عرشه إلى قرار أرضه باطل ~~إلا وجهه الأعلى قال الله تعالى ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ~~اذا لذهب كل إله بما خلق ولعلى بعضهم على بعض سبحانه الله عما يصفون عالم ~~الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون وقال تعالى أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ~~ينشرون لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون ~~لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون وقال تعالى قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا ~~لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا قيل المعني لابتغوا السبيل اليه بالمغالبة ~~والقهر كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض ويدل عليه قوله في الاية الاخري ولعلى ~~بعضهم على بعض قال شيخنا والصحيح ان المعنى لابتغوا اليه سبيلا بالتقرب ms190 ~~اليه وطاعته فكيف تعبدونهم من دونه وهم لو كانوا آلهة كما يقولون لكانوا ~~عبيدا له قال ويدل على هذا وجوه منها قوله تعالى أولئك الذين يدعون يبتغون ~~إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه أي هؤلاء الذين ~~يعبدونهم من دوني هم عبادي كما أنتم عبادي ويرجون رحمتي ويخافون عذابي ~~فلماذا تعبدونهم من دوني الثاني انه سبحانه لم يقل لابتغوا عليه سبيلا قال ~~لابتغوا اليه سبيلا وهذا اللفظ إنما يستعمل في القرب كقوله تعالى اتقوا ~~الله وابتغوا الوسيلة وأما في المغالبة فانما يستعمل بعلى كقوله فان أطعنكم ~~فلا تبغوا عليهن سبيلا الثالث إنهم لم يقولوا إن آلهتهم تغالبه وتطلب العلو ~~عليه وهو سبحانه قال قل لو كان معه الهة كما يقولون وهم انما كانوا يقولون ~~ان آلهتهم تبتغي التقرب اليه وتقربهم زلفى اليه قال تعالى لو كان الامر كما ~~تقولون لكانت تلك الآلهة عبيدا له فلماذا تعبدون عبيده من دونه فصل # والمحبة لها آثار وتوابع ولوازم وأحكام سواء كانت محمودة أو مذمومة نافعة ~~أو ضارة من الوجه والذوق والحلاوة والشوق والانس والاتصال بالمحبوب والقرب ~~منه والانفصال عنه والبعد منه والصد والهجران والفرح والسرور والبكا والحزن ~~وغير ذلك من أحكامها PageV01P144 ولوازمها والمحبة المحمودة هي المحبة ~~النافعة التي تجلب لصاحبها ما ينفعه في دنياه وآخرته وهذه المحبة هي عنوان ~~السعادة وضدها هي التي تجلب لصاحبها ما يضره في دنياه وآخرته وهي عنوان ~~الشقاوة ومعلوم ان الحى العاقل لا يختار محبة ما يضره ويشقيه وإنما يصدر ~~ذلك عن جهله وظلمه فان النفس قد تهوي ما يضرها ولا ينفعها وذلك ظلم من ~~الانسان لنفسه اما ان تكون النفس جاهلة بحال محبوبها بان تهوي الشيء وتحبه ~~غير عالمة بما في محبته من المضرة وهذا حال من اتبع هواه بغير علم واما ~~عالمة بما في محبته من الضرر لكن يؤثر هواها على علمها وقد تتركب محبتها من ~~أمرين من إعتقاد فاسد وهوي مذموم وهذا حال من اتبع الظن وما تهوي الانفس ~~فلا تقع المحبة الفاسدة ms191 الا من جهل أو اعتقاد فاسد وهو غالب أو ما تركب من ~~ذلك فاعان بعضه بعضا فتنفق شبهة يشتبه بها الحق بالباطل يزين له أمر ~~المحبوب وشهوة تدعوه إلى وصوله فيتساعد جيش الشبهة والشهوة على جيش العقل ~~والايمان والغلبة لاقواهما اذا عرف هذا فتوابع كل نوع من أنواع المحبة له ~~حكم متبوعه فالمحبة النافعة المحمودة التي هي عنوان سعادة العبد وتوابعها ~~كله نافعة له حكمها حكم متبوعها فان بكي نفعه وإن حزن نفعه وإن فرح نفعه ~~وإن انبسط نفعه وإن انقبض نفعه فهو يتقلب في منازل المحبة وأحكامها في مزيد ~~وربح وقوة والمحبة والمضرة المذمومة توابعها وآثارها كلها ضارة لصاحبها ~~مبعدة له من ربه كيف ما تقلب في آثارها ونزل في منازلها فهو في خسارة وبعد ~~وهذا شأن كل فعل تولد عن طاعة ومعصية فكل ما تولد من الطاعه فهو زيادة ~~لصاحبه وقرب وكل ما تولد من المعصية فهو خسران لصاحبه وبعد قال تعالى ذلك ~~بانهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن موطئا يغيظ ~~الكفار ولا ينالون من عدو نيلا الا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا الا كتب ~~لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون فأخبر الله سبحانه في الاية الاولى ~~أن المتولد عن طاعتهم وأفعالهم يكتب لهم به عمل صالح وأخبر في الثانية أن ~~أعمالهم الصالحة التي باشروها تكتب لهم أنفسها والفرق بينهما ان الاول ليس ~~من فعلهم وإنما تولد عنه فكتب لهم به عمل صالح والثاني نفس أفعالهم فكتب ~~لهم فليتأمل قتيل المحبة هذا الفصل حق التأمل ليعلم ما له وما عليه # سيعلم يوم العرض أي بضاعة % أضاع وعند الوزن ما كان حصلا فصل # وكما ان المحبة والارادة أصل كل فعل كما تقدم فهى أصل كل دين سواء كان ~~حقا أم PageV01P145 باطلا فان الدين من الاعمال الباطنة والظاهرة والمحبة ~~والارادة أصل ذلك كله والدين هو الطاعة والعبادة ms192 والخلق فهو الطاعة اللازمة ~~الدائمة التي صارت خلقا وعادة ولهذا فسر الخلق بالذين في قوله تعالى وإنك ~~لعلى خلق عظيم قال الامام أحمد عن ابن عيينة قال ابن عباس لعلي دين عظيم ~~وسئلت عائشة عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه القرآن والدين ~~فيه معنى الاذلال والقهر فيه معنى الذل والخضوع والطاعة فلذلك يكون من ~~الاعلى إلى الاسفل كما يقال دنته فدان أي قهرته فذل قال الشاعر # هو أدنى الزمان أذكر هذا الدين % فاصبحوا بغرة وصيان ويكون من الادنى إلى ~~الاعلى كما يقال دنت الله ودنت لله وفلان لا يدين الله دينا ولا يدين الله ~~بدين فدان الله أي أطاع الله وأحبه وخافه ودان لله أي خشع له وخضع وذل ~~وانقاد والدين الباطل لا بد فيه من الخضوع والحب كالعبادة سواء بخلاف الدين ~~الظاهر فانه لا يستلزم الحب وإن كان فيه انقياد وذل في الظاهر وسمي الله ~~تعالى يوم القيامة يوم الدين لانه اليوم الذي يدين فيه الناس فيه باعمالهم ~~إن خير فخيرا وإن شرا فشر وذلك يتضمن جزاؤهم وحسابهم فلذلك فسروا بيوم ~~الجزاء ويوم الحساب وقال تعالى فلولا إن كنتم غير مدينين يرجعونها إن كنتم ~~صادقين أي هلا تردون الروح إلى مكانها إن كنتم غير مدبوبين ولا مقهورين ولا ~~مجزيين وهذه الآية تحتاج إلى تفسير فانها سيقت للاحتجاج عليهم في إنكارهم ~~البعث والحساب ولا بد أن يكون الدليل مستلزم لمدلوله بحيث ينتقل الذهن منه ~~إلى المدلول لما بينهما من التلازم فيكون الملزوم دليل على لازمه ولا يجب ~~العكس ووجه الاستدلال أنهم إذا أنكروا البعث والجزاء فقد كفروا بربهم ~~وأنكروا قدرته وربوبيته وحكمته فاما أن يقروا بان لهم ربا قاهرا متصرفا ~~فيهم يميتهم إذا شاء ويحييهم إذا شاء ويأمرهم وينهاهم ويثيب محسنهم ويعاقب ~~مسيئهم وأما أن لا يقروا برب هذا شأنه فان أقروا آمنوا بالبعث والنشور ~~والدين الامري والجزائي وإن أنكروه وكفروا به فقد زعموا إنهم غير مربوبين ~~ولا محكوم عليه ولا لهم رب يتصرف فيهم كما ms193 أراد فهلا يقدرون على دفع الموت ~~عنهم اذا جاءهم وعلى رد الروح إلى مستقرها إذا بلغت الحلقوم وهذا خطاب ~~للحاضرين وهم عند المحتضر وهم يعاينون موته أي فهلا يردون الروح إلى مكانها ~~إن كان لهم قدرة وتصرف ولستم بمربوبين ولا مقهورين لقاهر قادر يمضي عليكم ~~أحكامه وينفذ فيكم أوامره وهذه غاية التعجيز لهم إذا تبين عجزهم عن رد نفس ~~واحدة إلى مكانها ولو اجتمع على ذلك الثقلان فيالها من آية دالة على ~~وحدانيته وربوبيته سبحانه وتصرفه في عباده ونفوذ أحكامه فيهم وجريانها ~~عليهم والدين دينان دين شرعي أمري ودين حسابي جزائي وكلاهما لله وحده ~~فالدين كله أمرا PageV01P146 أو جزاء والمحبة أصل كل واحد من الدينين فان ~~ما شرعه وأمر به يحبه وبرضاه وما نهى عنه فانه يكرهه ويبغضه لمنافاته لما ~~يحبه ويرضاه فهو يحب ضده فعاد دينه الامري كله إلى محبته ورضاه ودين العبد ~~لله به إنما يقبل إذا كان عن محبة ورضي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذاق طعم الايمان من رضي بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا وهذا الدين ~~قائم بالمحبة وبسببها شرع ولاجلها شرع عليها أسس وكذلك دينه الجزائي فانه ~~يتضمن مجازات المحسن باحسانه والمسىء باساءته وكل من الامرين محبوب للرب ~~فانهما عدله وفضله وكلاهما من صفات كماله وهو سبحانه يحب صفاته وأسمائه ~~ويحب من يحبها وكل واحد من الدينين فهو صراطه المستقيم الذي هو عليه فهو ~~سبحانه على صراط مستقيم في أمره ونهيه وثوابه وعقابه كما قال تعالى إخبارا ~~عن نبيه هود عليه السلام إنه قال لقومه إني أشهد الله وأشهدوا إني بريء مما ~~تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ~~ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ولما علم نبي الله ~~أن ربه على صراط مستقيم في خلقه وأمره وثوابه وعقابه وقضائه وقدره ومنعه ~~وعطائه وعافيته وبلائه وتوفيقه وخذلانه لا يخرج في ذلك عن موجب كماله ~~المقدس الذي تقتضيه أسماؤه وصفاته ms194 من العدل والحكمة والرحمة والاحسان ~~والفضل ووضع الثواب في مواضعه والعقوبه في موضعها اللائق بها ووضع التوفيق ~~والخذلان والعطاء والمنع والهداية والاضلال كل ذلك في أماكنه ومحاله ~~اللائقة به بحيث يستحق على ذلك كمال الحمد والثناء أوجب له ذلك العلم ~~والعرفان إذ نادى على رؤس الملأ من قومه بجنان ثابت وقلب غير خائف بل متجرد ~~لله @QB@ إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه @QE@ الآية ثم ~~أخبر عن عموم قدرته وقهره بكل ما سواه وذل كل شيء لعظمته فقال @QB@ ما من ~~دابة إلا هو آخذ بناصيتها @QE@ فكيف أخاف من ناحيته بيد غيره وهو في قبضته ~~وتحت قهره وسلطانه دونه وهل هذا الامر إلا من أجهل الجهل وأقبح الظلم ثم ~~أخبر أنه سبحانه على صراط مستقيم فكل ما يقضيه ويقدره فلا يخاف العبد جوره ~~ولا ظلمه فلا أخاف ما دونه فإن ناصيته بيده ولا أخاف جوره وظلمه فانه على ~~صراط مستقيم وهو سبحانه ماض في عبده حكمه عدل فيه قضاؤه له الملك وله الحمد ~~لا يخرج في تصرفه في عباده عن العدل والفضل إن أعطي وأكرم وهدي ووفق فبفضله ~~ورحمته وإن منع وأهان وأضل وخذل وشقي فبعدله وحكمته وهو على صراط مستقيم في ~~هذا وهذا وفي الحديث الصحيح ما أصاب عبد قط هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك ~~ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسئلك اللهم بكل ~~اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو ~~استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم PageV01P147 ربيع قلبي ~~ونور صدري وجلاء همي وحزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله ~~فرجا مكانه وهذ يتناول حكم الرب الكوني والامري والقضاء الذي يكون باختيار ~~العبد وبغير اختياره وكلا الحكمين ماض في عبده وكلا القضائين عدل فيه فهذا ~~الحديث مشتق من هذه الآية بينهما أقرب نسب وبالله التوفيق فصل # ونختم الجواب بفصل متعلق بعشق الصور وما ms195 فيه من المفاسد العاجلة والآجلة ~~وإن كانت أضعاف ما يذكره ذاكر فإنه يفسد القلب بالذات وإذا فسد فسدت ~~الإرادات والأقوال والأعمال وفسد ثغر التوحيد كما تقدم وسنقرره أيضا إن شاء ~~الله تعالى والله سبحانه وتعالى إنما حكى هذا المرض عن طائفتين من الناس ~~وهم اللوطية والنساء فأخبر عن عشق امرأة العزيز ليوسف وما راودته وكادته به ~~وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفته وتقواه مع إن الذي ابتلي ~~به أمر لا يصبر عليه إلا من صبره الله عليه فإن موافقة الفعل بحسب قوة ~~الداعي وزوال المانع وكان الداعي ها هنا في غاية القوة وذلك لوجوه أحدها ما ~~ركب الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة كما يميل العطشان إلى ~~الماء والجائع إلى الطعام حتى إن كثيرا من الناس يصبر عن الطعام والشراب ~~ولا يصبر عن النساء وهذا لا يذم اذا صادف حلال بل يحمد كما في كتاب الزهد ~~للإمام أحمد من حديث يوسف بن عطية الصغار عن ثابت البناني عن أنس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم حبب الي من دنياكم الطيب والنساء أصبر عن الطعام ~~والشراب ولا أصبر عنهن الثاني أن يوسف عليه السلام كان شبا وشهوة الشباب ~~وحدته أقوى الثالث أنه كان عزبا لا زوجة له ولا سرية تكسر شدة الشهوة ~~الرابع أنه كان في بلاد غربة يتأتى للغريب فيها من قضاء الوطر ما لا يتأتى ~~لغيره في وطنه وأهله ومعارفه الخامس أن المرأة كانت ذات منصب وجمال بحيث أن ~~كل واحد من هذين الامرين يدعو إلى موافقتها السادس أنها غير آبية ولا ~~ممتنعة فإن كثيرا من الناس يزيل رغبته في لمرأة إباؤها وامتناعها لما يجد ~~في نفسه من ذل الخضوع والسؤال لها وكثير من الناس يزيده الأباء والإمتناع ~~زيادة حب كما قال الشاعر # وزادني كلفا في الحب إن منعت % أحب شيء إلى الإنسان ما منعا # فطباع الناس مختلفة في ذلك فمنهم من يتضاعف حبه عند بذل المرأة ورغبتها ~~وتضمحل عند إبائها وإمتناعها وأخبرني ms196 بعض القضاة أن إرادته وشهوته تضمحل ~~عند إمتناع زوجته أو سريته وإبائها بحيث لا يعاودها ومنهم من يتضاعف حبه ~~وإرادته بالمنع ويشتد شوقه بكل PageV01P148 ما منع وتحصل له من اللذة ~~بالظفر نظير ما يحصل من لذة بالظفر بالضد بعد إمتناعه ونفاره واللذة بإدراك ~~المسألة بعد إستصعابها وشدة الحرص على إدراكها السابع أنها طلبت وأرادت ~~وبذلت الجهد فكفته مؤنة الطلب وذل الرغبة اليها بل كانت هي الراغبة الذليلة ~~وهو العزيز المرغوب إليه الثامن إنه في دارها وتحت سلطانها وقهرها بحيث ~~يخشى إن لم يطاوعها من اذا هاله فاجتمع داعي الرغبة والرهبة التاسع إنه لا ~~يخشى أن تنمي عليه هي ولا أحد من جهتها فإنها هي الطالبة والرغبة وقد غلقت ~~الأبواب وغيبت الرقباء العاشر أنه كان مملوكا لها في الدار بحيث يدخل ويخرج ~~ويحضر معها ولا ينكر عليه وكان الأمن سابقا على الطلب وهو من أقوى الدواعي ~~كما قيل لامرأة شريفة من أشراف العرب ما حملك على الزنا قالت قرب الوساد ~~وملول السواد تعني قرب وساد الرجل من وسادتي وطول السواد بيننا الحادي عشر ~~أنها استعانت عليه بأئمة المكر والإحتيال فأرته إياهن وشكت حالها إليهن ~~لتستعين بهن عليه فاستعان هو بالله عليهن فقال وإلا تصرف عني كيدهن أصب ~~إليهن وأكن من الجاهلين الثاني عشر أنها تواعدته بالسجن والصغار وهذا أنواع ~~إكراه إذ هو تهديد ممن يغلب على الظن وقوع ما هدد به فيجتمع داعي الشهوة ~~وداعي السلامة من ضيق السجن والصغار الثالث عشر أن الزوج لم يظهر منه ~~الغيرة والنخوة ما يفرق به بينهما ويبعد كلا منهما عن صاحبه بل كان غاية ما ~~خاطبهما به أن قال ليوسف أعرض عن هذا وللمرأة إستغفري لذنبك إنك كنت من ~~الخاطئين وشدة الغيرة للرجل من أقوى الموانع وهنا لم يظهر منه غيرة ومع هذه ~~لدواعي كلها فآثر مرضات الله وخوفه وحمله حبه لله على أن اختار السجن على ~~الزنا فقال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن ~~نفسه ms197 وان ربه تعالى لم يعصمه ويصرف عنه كيدهن صبا إليهن بطبعه وكان من ~~الجاهلين وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه وفي هذه القصة من العبر والفوائد ~~والحكم ما يزيد على ألف فائدة لعلنا إن وفقنا الله أن نفردها في مصنف مستقل # | فصل والطائفة الثانية الذين حكى الله عنهم العشق هم اللوطية كما قال # تعالى وجاء أهل المدينة يستبشرون قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا ~~الله ولا تخزون قالوا ألم ننهك عن العالمين قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين ~~لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون فهذه عشقة فحكاه سبحانه عن طائفتين عشق كل ~~منهما ما حرم عليه من الصور ولم يبال بما في عشقه من الضرر وهذا داء أعي ~~الأطباء دواؤه وعز عليهم شفاؤه وهو والله الداء العضال والسم القتال ~~PageV01P149 الذي ما علق بقلب إلا وعز على الورى إستنقاذه من إسارة ولا ~~اشتعلت نار في مهجة إلا وصعب على الخلق تخليصها من ناره وهو أقسام وهو تارة ~~يكون كفر لمن إتخذ معشوقه ندا يحبه كما يحب الله فكيف إذا كانت محبته أعظم ~~من محبة الله في قلبه فهذا عشق لا يغفر لصاحبه فإنه من أعظم الشرك والله لا ~~يغفر أن يشرك به وإنما يغفر بالتوبة الماحية ما دون ذلك وعلامة هذا العشق ~~الشركي الكفرى أن يقدم العاشق رضاء معشوقه على رضاء ربه وإذا تعارض عنده حق ~~معشوقه وحقه وحق ربه وطاعته قدم حق معشوقه على حق ربه وآثر رضاه على رضاه ~~وبذل لمعشوقه أنفس ما يقدر عليه وبذل لربه إن بذل أردى ما عنده واستفرغ ~~وسعه في مرضات معشوقه وطاعته والتقرب إليه وجعل لربه إن أطاعه الفضلة التي ~~تفضل عن معشوقه من ساعاته فتأمل حال أكثر عشاق الصور هل تحدها مطابقة لذلك ~~ثم ضع حالهم في كفة وتوحيدهم في كفة وإيمانهم في كفة ثم زن وزنا يرضي الله ~~ورسوله ويطابق العدل وربم صرح العاشق منهم بأن وصل معشوقه أحب إليه من ~~توحيد ربه كما قال العاشق الخبيث # يترشفن من فمي رشفات ms198 % هن أحلى فيه من التوحيد # وكما صرح الخبيث الآخر بأن وصل معشوقه أشهى إليه من رحمة ربه فعياذا بك ~~اللهم من هذا الخذلان ومن هذا الحال قال الشاعر # وصلك أشهى إلى فؤادي % من رحمة الخالق الجليل # ولا ريب أن هذا العشق من أعظم الشرك وكثير من العشاق يصرح بأنه لم يبق في ~~قلبه موضع لغير معشوقه البتة بل قد ملك معشوقه عليه قلبه كله فصار عبدا ~~مخلصا من كل وجه لمعشوقه فقد رضي هذا من عبودية الخالق جل جلاله بعبودية ~~المخلوق مثله فإن العبودية أي كمال الحب والخضوع وهذا قد استغرق قوة حبه ~~وخضوعه وذله لمعشوقه فقد أعطاه حقيقة العبودية ولا نسبة بين مفسدة هذا ~~الأمر العظيم ومفسدة الفاحشة فإن تلك ذنب كبير لفاعله حكمه حكم أمثاله ~~ومفسدة هذا العشق مفسدة الشرك وكان بعض الشيوخ من العارفين يقول لئن أبتلى ~~بالفاحشة مع تلك الصورة أحب إلى من أن أبتلى فيها بعشق يتعبد لها قلبي ~~ويشغله عن الله فصل # ودواء هذا الداء القتال أن يعرف إنما إبتلى به من الداء المضاد للتوحيد ~~أولا ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بم يشغل قلبه عن دوام الفكر فيه ~~ويكثر اللجاء والتضرع PageV01P150 الى الله سبحانه في صرف ذلك عنه وأن يرجع ~~بقلبه إليه وليس له دواء أنفع من الإخلاص لله وهو الدواء الذي ذكره الله في ~~كتابه حيث قال كذلك @QB@ لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ~~@QE@ وأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء من العشق والفحشاء من الفعل بإخلاصه ~~فإن القلب إذا خلص وأخلص عمله لله لم يتمكن منه عشق الصور فإنه إنما تمكن ~~من قلب فارغ كما قال # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى % فصادف قلبا خاليا فتمكنا وليعلم العاقل ~~أن العقل والشرع قد يوجبان تحصيل المصالح وتكميلها وإعدام المفاسد وتقليلها ~~فإذا عرض للعاقل أمر يرى فيه المصلحة والمفسدة وجب عليه أمران أمر علمي ~~وأمر عملي فالعلمي طلب معرفة الراجح من طرفي المصلحة والمفسدة فإذا تبين له ~~الرجحان وجب عليه إتيان الأصلح ms199 له ومن المعلوم أنه ليس في عشق الصور مصلحة ~~دينية ولا دنيوية بل مفسدته الدينية والدنيوية أضعاف أضعاف ما يقدر فيه من ~~المصلحة وذلك من وجوه أحدها الإشتغال بذكر المخلوق وحبه عن حب الرب تعالى ~~وذكره فلا يجتمع في القلب هذا وهذا إلا ويقهر أحدهما صاحبه ويكون السلطان ~~والغلبة له الثاني عذاب قلبه بمعشوقه فإن من أحب شيئا غير الله عذب به ولا ~~بد كما قيل # فما في الأرض أشقى من محب % وإن وجد الهوى حلو المذاق # تراه باكيا في كل حين % مخافة فرقة أو لإشتياق # فيبكي إن ناؤا شوقا إليهم % ويبكي إن دنو خوف الفراق # فتسخن عينه عند الفراق % وتسخن عينه عند التلاق والعشق وإن استلذ به ~~صاحبه فهو من أعظم عذاب القلب الثالث أن العاشق قلبه أسير في قبضة معشوقه ~~يسومه الهوان ولكن لسكرة العشق لا يشعر بمصابه فقلبه كالعصفورة في كف الطفل ~~يسومها حياض الردى والطفل يلهو ويلعب فيعيش العاشق عيش الأسير الموثق ويعيش ~~الخلي عيش المسيب المطلق والعاشق كما قيل # طليق برأي العين وهو أسير % عليل على قطب الهلاك يدور # وميت يرى في صورة الحي غاديا % وليس له حتى النشور نشور # أخو غمرات ضاع فيهن قلبه % فليس له حتى الممات حضور الرابع أنه يشتغل به ~~عن مصالح دينه ودنياه فليس شيء أضيع لمصالح الدين والدنيا من عشق الصور أما ~~مصالح الدين فإنها منوطة بلم شعث القلب وإقباله على الله وعشق الصور أعظم ~~شيئا تشعيثا وتشتيتا له وأما مصالح الدنيا فهي تابعة في الحقيقة لمصالح ~~الدين فمن انفرطت PageV01P151 عليه مصالح دينه وضاعت عليه فمصالح دنياه ~~أضيع وأضيع الخامس أن آفات الدنيا والآخرة أسرع إلى عشاق الصور من النار في ~~يابس الحطب وسبب ذلك إن القلب كلما قرب من العشق قوى اتصاله به بعد من الله ~~فأبعد القلوب من الله قلوب عشاق الصور وإذا بعد القلب من الله طرقته الآفات ~~من كل ناحية فإن الشيطان يتولاه من تولاه عدوه واستولى عليه لم يأله وبالا ~~ولم يدع أذى يمكنه ms200 إيصاله إليه إلا أوصله فما الظن من قلب تمكن منه عدوه ~~وأحرص الخلق على عيبه وفساده وبعده من وليه ومن لا سعادة له ولا فلاح ولا ~~سرور إلا بقربه ولا ولايته السادس أنه إذا تمكن من القلب واستحكم وقوى ~~سلطانه أفسد الذهن وأحدث الوساوس وربما التحق صاحبه بالمجانين الذين فسدت ~~عقولهم فلا ينتفعون به وأخبار العشاق في ذلك موجودة في مواضعها بل بعضها ~~يشاهد بالعيان وأشرف ما في الإنسان عقله وبه يتميز عن سائر الحيوانات فإذا ~~عدم عقله التحق بالبهائم بل ربما كان حال الحيوان أصلح من حاله وهل أذهب ~~عقل مجنون ليلى وأضرابه إلا العشق وربما زاد جنونه على جنون غيره كما قيل # قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم % العشق أعظم مما بالمجانين # العشق لا يستفيق الدهر صاحبه % وإنما يصرع المجنون بالحين السابع أنه ~~ربما أفسد الحواس أو نقصها إما فسادا معنويا أو صوريا أما الفساد المعنوي ~~فهو تابع لفساد القلب فإن القلب إذا فسد فسدت العين والأذن واللسان فيرى ~~القبيح حسنا منه ومن معشوقه كما في المسند مرفوعا حبك الشيء يعمي ويصم فهو ~~يعمي عين القلب عن رؤية مساوي المحبوب وعيوبه فلا ترى العين ذلك ويصم أذنه ~~عن الإصغاء إلى العذل فيه فلا تسمع الأذن ذلك والرغبات تستر العيوب فإن ~~الراغب في شيء لا يرى عيوبه حتى إذ زالت رغبته فيه أبصر عيوبه فشدت الرغبة ~~غشاوة على العين تمنع من رؤية الشيء على ما هو عليه كما قيل # هويتك إذ عينى عليها غشاوة % فلما انجلت قطعت نفسي ألومها والداخل في ~~الشيء لا يرى عيوبه والخارج منه الذي لم يدخل فيه لا يرى عيوبه ولا يرى ~~عيوبه إلا من دخل فيه ثم خرج منه ولهذا كان الصحابة الذين دخلوا في الاسلام ~~بعد الكفر خير من الذين ولدوا في الاسلام قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~إنما ينتقض عرى الاسلام عروة عروة إذا ولد في الاسلام من لا يعرف الجاهلية ~~وأما فساده للحواس ظاهرا فإنه يمرض البدن وينهكه وربما ms201 أدى إلى تلفه كما هو ~~المعروف في أخبار من قتله العشق وقد رفع إلى ابن عباس وهو بعرفة شاب قد ~~انتحل حتى عاد جلدا على عظم فقال ما شأن PageV01P152 كما تقدم هو الإفراط ~~في المحبة بحيث يستولي المعشوق على القلب من العاشق حتى لا يخلو من تخيله ~~وذكره والفكر فيه بحيث لا يغيب عن خاطره وذهنه فعند ذلك تشتغل النفس ~~بالخواطر النفسانية فتتعطل تلك القوى فيحدث بتعطيلها من الآفات على البدن ~~والروح ما يضر دواؤه ويتعذر أفعاله وصفاته ومقاصده ويختل جميع ذلك فتعجز ~~البشر عن صلاحه كما قيل # الحب أول ما يكون لجاجة % يأتى بها وتسوقه الأقدار # حتى إذا خاض الفتى لجج الهوي % جاءت أمور لا تطاق كبار والعشق مباديه ~~سهلة حلوة وأوسطه هم وشغل قلب وسقم وآخره عطب وقتل إن لم يتداركه عناية من ~~الله كما قيل # وعش خاليا فالحب أوله عنا % وأوسطه سقم وآخره قتل وقال آخر # تولع بالعشق حتى عشق % فلما استقل به لم يطق # رأى لجة ظنها موجة % فلما تمكن منها غرق والذنب له فهو الجاني على نفسه ~~وقد قعد تحت المثل السائر يداك أو كياوفوك نفخ فصل # والعاشق له ثلاث مقامات مقام ابتداء ومقام توسط ومقام انتهاء فأما مقام ~~ابتدائه فالواجب عليه مدافعته بكل ما يقدر عليه إذا كان الوصول إلى معشوقه ~~متعذرا قدرا وشرعا فإن عجز عن ذلك وأبى قلبه إلا السفر إلى محبوبه وهذا ~~مقام التوسط والإنتهاء فعليه كتمانه ذلك وأن لا يفشيه إلى الخلق ولا يشمت ~~بمحبوبه ولا يهتكه بين الناس فيجمع بين الظلم والشرك فإن الظلم في هذا ~~الباب من أعظم أنواع الظلم وربما كان أعظم ضررا على المعشوق وأهله من ظلمه ~~في ماله فإنه يعرض المعشوق بهتكه في عشقه إلى وقوع الناس فيه وانقسامهم إلى ~~مصدق ومكذب وأكثر الناس يصدق في هذا الباب بأدنى شبهة وإذا قيل فلان فعل ~~بفلان أو بفلانه كذبه واحد وصدقه تسعمائة وتسعة وتسعين وخبر العاشق للهتك ~~عن المتهتك عند الناس في هذا الباب يفيد القطع ms202 اليقين بل إذا أخبرهم ~~المفعول به عن نفسه كذبا وافتراء على غيره جزموا بصدقة جزما لا يحتمل ~~النفيض بل لو جمعهما مكانا واحدا إتفاقا جزموا أن ذلك عن وعد وإتفاق بينهما ~~وجزمهم في هذا الباب على الظنون والتخييل والشبهة والأوهام والأخبار ~~الكاذبة كجزمهم بالحسيات المشاهدة وبذلك وقع أهل لإفك PageV01P153 في ~~الطيبة المطيبة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبرأة من فوق سبع ~~سموات بشبهة مجيء صفوان بن المعطل بها وحده خلف العسكر حتى هلك من هلك ~~ولولا أن تولى الله سبحانه براءتها والذب عنها وتكذيب قاذفها لكان أمرا آخر ~~والمقصودان في إظهار المبتلى عشق من لا يحل له الإتصال به من ظلمه وأذاه ما ~~هو عدوان عليه وعلى أهله وتعريض لتصديق كثير من الناس ظنونهم فيه فإن ~~استعان عليه ممن يستميله إليه إما برغبة أو رهبة تعدى الظلم وانتشر وصار ~~ذلك الواسطة بين الراشي والمرتشي وصار ذلك الواسطة ظالم وإذا كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد لعن الرائش وهو الواسطة ديوثا ظالما بين الراشي أو ~~المرتشي لإيصال الرشوة فما الظن بالديوث الواسطة بين العاشق والمعشوق في ~~الوصلة المحرمة فيتساعد العاشق على ظلم المعشوق وغيره ممن يتوقف حصول ~~غرضهما على ظلمه في نفس ومال أو عرض فإن كثيرا ما يتوقف حصول المطلوب غرضه ~~على قتل نفس يكون حياتها مانعة من غرضه وكم قتيل طل دمه بهذا السبب من زوج ~~وسيد قريب وكم خبثت امرأة على بعلها وجارية وعبد على سيدهما وقد لعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك وتبرأ منه وهو من أكبر الكبائر وإذا ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه وأن ~~يستام على سومه فكيف بمن يسعى بالتفريق بينه وبين امرأته وأمته حتى يتصل ~~بهما وعشاق الصور ومساعدوهم من الديثة لا يرون ذلك ذنبا فإن في طلب العاشق ~~وصل معشوقه ومشاركة الزوج والسيد ففي ذلك من إثم ظلم الغير ما لعله لا يقصر ~~عن إثم الفاحشة إن ms203 لم يربو عليها ولا يسقط حق الغير بالتوبة من الفاحشة فإن ~~التوبة وإن أسقطت حق الله فحق العبد باق له المطالبة به يوم القيامة فإن من ~~ظلم الوالد بإفساد ولده وفلذة كبده ومن هو أعز عليه من نفسه وظلم الزوج ~~بإفساد حبيبته والجناية على فراشه أعظم من ظلمه بأخذ ماله كله ولهذا يؤذيه ~~ذلك أعظم مما يؤذيه بأخذ ماله ولا يعدل ذلك عنده إلا سفك دمه فيا له من ظلم ~~أعظم إثما من فعل الفاحشة فإن كل ذلك حقا لغاز في سبيل الله وقف له الجاني ~~الفاعل يوم القيامة وقيل له خذ من حسناته ما شئت كما أخبر بذلك النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم قال صلى الله عليه وسلم فما ظنكم أي فما تظنون تبقى له ~~من حسناته فإن إنضاف الي ذلك أن يكون المظلوم جارا أو ذا رحم محرم تعدد ~~الظلم وصار ظلما مؤكدا لقطيعة الرحم وأذي الجار ولا يدخل الجنة قاطع رحم ~~ولا من لا يأمن جاره بوائقه فإن استعان العاشق على وصال معشوقه بشياطين ~~الجن إما بسحر أو استخدام أو نحو ذلك ضم إلى الشرك والظلم كفر السحر فإن لم ~~يفعله هو ورضي به كان راضيا بالكفر غير كاره لحصول مقصوده وهذا ليس ببعيد ~~من الكفر والمقصود أن التعاون في هذا الباب تعاون على الإثم والعدوان وأما ~~ما يقترن بحصول غرض العاشق PageV01P154 من الظلم المنتشر المتعدي ضرره فأمر ~~لا يخفى فإنه إذا حصل له مقصوده من المعشوق فللمعشوق أمور أخر يريد من ~~العاشق إعانته عليها فلا يجد من إعانته بدا فيبقى كل منهما يعين الآخر على ~~الظلم والعدوان فالمعشوق يعين العاشق على ظلم من اتصل به من أهله وأقاربه ~~وسيده وزوجه والعاشق يعين المعشوق على ظلم من يكون غرض المعشوق متوقفا على ~~ظلمه فكل منهما يعين الآخر على أغراضه التي يكون فيها ظلم الناس فيحصل ~~العدوان والظلم للناس بسبب اشتراكهما في القبح لتعاونهما بذلك على الظلم ~~وكما جرت به العادة بين العشاق والمعشوقين من إعانة العاشق ms204 لمعشوقه على ما ~~فيه ظلم وعدوان وبغي حتى ربما يسعى له في منصب لا يليق به ولا يصلح لمثله ~~في تحصيل مال من غير حله وفي استطالته على غيره فإذا اختصم معشوقه وغيره أو ~~تشاكيا لم يكن إلا في جانب المعشوق ظالما كان أو مظلوما هذا إلى ما ينضم ~~إلى ذلك من ظلم العاشق للناس بالتحيل على أخذ أموالهم والتوصل بهما إلى ~~معشوقه بسرقة أو غصب أو خيانة أو يمين كاذبة أو قطع طريق ونحو ذلك وربما ~~أدى ذلك إلى قتل النفس التي حرم الله ليأخذ ماله ليتوصل به إلى معشوقه فكل ~~هذه الآفات وأضعافها وأضعاف أضعافها تنشأ من عشق الصور وربما حمله على ~~الكفر الصريح وقد ننصر جماعة ممن نشأ في الإسلام بسبب العشق كما جرى لبعض ~~المؤذنين حين أبصر وهو على سطح مسجد امرأة جميلة ففتن بها فنزل ودخل عليها ~~وسألها نفسها فقالت هي نصرانية فإن دخلت في ديني تزوجت بك ففعل فرقي في ذلك ~~اليوم على درجة عندهم فسقط منها فمات ذكر هذا عبد الحق في كتاب العاقبة له ~~وإذا أراد النصارى أن ينصروا الأسير أروه امرأة جميلة وأمروها أن تطمعه في ~~نفسها حثى إذا تمكن حبها من قلبه بذلت له نفسها إن دخل في دينها فهنالك ~~يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل ~~الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء وفي العشق من ظلم كل واحد من العاشق ~~والمعشوق لصاحبه لمعاونته له على الفاحشة وظلمه لنفسه فكل منهما ظالم لنفسه ~~وصاحبه وظلمهما متعد إلى الغير كما تقدم وأعظم من ذلك ظلمهما بالشرك فقد ~~تضمن العشق أنواع الظلم كلها والمعشوق إذا لم يتق الله فإنه يعرض العاشق ~~للتلف وذلك ظلم منه بأن يطمعه في نفسه ويتزين له ويستميله بكل طريق حتى ~~يستخرج منه ماله ونفعه ولا يمكنه من نفسه لئلا يزول غرضه بقضاء وطره منه ~~فهو يسومه سوء العذاب والعاشق ربما قتل معشوقه ليشفي نفسه منه ولا سيما إذا ~~جاد بالوصال لغيره وكم ms205 للعشق من قتيل من الجانبين وكم قد زال من نعمة وأفقر ~~من غني وأسقط من مرتبة وشتت من شمل وكم أفسد من أهل للرجل وولد فإن المرأة ~~إذا رأت بعلها عاشقا لغيرها اتخذت هي معشوقا لنفسها PageV01P155 فيصير ~~الرجل مترددا بين خراب بيته بالطلاق وبين القيادة فمن الناس من يؤثر هذا ~~ومنهم من يؤثر هذا فعلى العاقل أن يحكم على نفسه سد عشق الصور لئلا يؤذيه ~~ويؤديه ذلك إلى الهلاك والى هذه المفاسد وأكثرها أو بعضها فمن فعل ذلك فهو ~~المفرط بنفسه والمغرر بها فإذا هلكت فهو الذي أهلكها فلولا تكراره النظر ~~إلى وجه معشوقه وطمعه في وصاله لم يتمكن عشقه من قلبه فإن أول أسباب العشق ~~الإستحسان سواء تولد عن نظر أو سماع فإن لم يقارنه طمع في الوصال وقارنه ~~الأياس من ذلك لم يحدث له العشق فإن إقترن به الطمع فصرفه عن فكره ولم يشغل ~~قلبه به لم يحدث له ذلك فإن أطاع مع ذلك الفكر في محاسن المعشوق وقارنه خوف ~~ما هو أكبر عنده من لذة وصاله إما خوف ديني كخوف النار وغضب الجبار واجتناب ~~الأوزار وغلب هذا الخوف على ذلك الطمع والفكر لم يحدث له العشق فإن فاته ~~هذا الخوف وقارنه خوف دنيوي كخوف إتلاف نفسه وماله وذهاب جاهه وسقوط مرتبته ~~عند الناس وسقوطه من عين من يعز عليه وغلب هذا الخوف لداعي العشق دفعه ~~وكذلك إذا خاف من فوات محبوب هو أحب إليه وأنفع له من ذلك المعشوق وقدم ~~محبته على محبة المعشوق إندفع عنه العشق فانتفاه ذلك كله أو غلبت محبة ~~المعشوق لذلك إنجذب إليه القلب بالكلية ومالت إليه النفس كل الميل فإن قيل ~~قد ذكرتم آفات العشق ومضاره ومفاسده فهلا ذكرتم منافعه وفوائده التي من ~~جملتها رقة الطبع وترويح النفس وخفتها وزوال تلفها ورياضتها وحملها على ~~مكارم الأخلاق من الشجاعة والكرم والمروءة ورقة الحاشية ولطف الجانب وقد ~~قيل ليحيى بن معاذ الرازي إن إبنك قد عشق فلانة فقال الحمد لله الذي صيره ~~إلى الطبع ms206 الآدمي وقال بعضهم العشق داء أفئدة الكرام وقال غيره العشق لا ~~يصلح إلا لذي مروءة طاهرة وخليقة ظاهرة أو لذي لسان فاضل وإحسان كامل أو ~~لذي أدب بارع وحسب ناصع وقال آخر العشق حنان الجبان ويصفي ذهن الغبي ويسخي ~~كف البخيل ويذل عزة الملوك ويسكن نوافر الأخلاق وهو أنيس من لا أنيس له ~~وجليس من لا جليس له وقال آخر العشق يزيل الأثقال ويلطف الروح ويصفي كدر ~~القلب ويوجب الإرتياح لأفعال الكرام كما قيل # سيهلك في الدنيا شفيق عليكم % إذا غاله من حادث الحب غائله # كريم يميت السر حتى كأنه % إذا استفهموه عن حديثك جاهله # يود بأن يمسي سقيما لعلها % إذا سمعت عنه بشكوى تراسله # ويهتز للمعروف في طلب العلى % لتحمد يوما عند ليلى شمائله # فالعشق يحمل على مكارم الأخلاق وقال بعض الحكماء العشق يروض النفس ويهذب ~~PageV01P156 الأخلاق إظهاره طبعي وإضماره تكلفي وقال الآخر من لم تبتهج ~~نفسه بالصوت الشجي والوجه البهي فهو فاسد المزاج يحتاج إلى علاج وأنشد في ~~ذلك المعنى # إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى % فما لك في طيب الحياة نصيب وقال ~~الآخر # إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى % فقم واعتلف تبنا فأنت حمار # وقال الآخر # اذا أنت لم تعشق ولم تدرى ما الهوى % فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا وقال ~~بعد العشاق أولي العفة والصيانة إذ عفوا تشرفوا وإذا عشقوا تظرفوا وقيل ~~لبعض العشاق ما كنت تصنع بمن تهوى لو ظفرت به فقال كنت أمتع طرفي بوجهه ~~وأروح قلبي بذكره وحديثه واستر منه مالا أحب كشفه ولا أصير بقبح الفعل إلى ~~ما ينقض عهده ثم أنشد # أخلو به فأعف عنه تكرما % خوف الديانة لست من عشاقه # كالماء في يد صائم يلتذ به % ظمأ فيصبر عن لذيذ مذاقه # وقال أبو إسحاق بن إبراهيم أرواح العشاق عطرة لطيفة وأبدانهم رقيقة خفيفة ~~نزهتهم الموانسة وكلامهم يحيي موات القلوب ويزيد في العقول ولولا العشق ~~والهوى لبطل نعيم الدنيا وقال آخر العشق للأرواح بمنزلة الغذاء للأبدان أن ms207 ~~تركته ضرك وإن أكثرت منه قتلك وفي ذلك قيل # خليلي إن الحب فيه لذاذة % وفيه شقاء دائم وكروب # على ذاك ما عيش يطيب بغيره % ولا عيش إلا بالحبيب يطيب # ولا خير في الدنيا بغير صبابة % ولا في نعيم ليس فيه حبيب وذكر الخرائطي ~~عن أبي غسان قال مر أبو بكر الصديق رضي الله عنه بجارية وهي تقول # وهويته من قبل قطع تمائمي % متمايلا مثل القضيب الناعم # فسألها أحرة أنت أم مملوكة قالت بل مملوكة فقال تهوين فتلكأت فأقسم عليها ~~فقالت # وأنا التي لعب الهوى بفؤادها % قتلت بحب محمد بن القاسم # فاشتراها من مولاها وبعث بها إلى محمد بن القاسم بن جعفر بن أبي طالب ~~فقال هؤلاء والله فتن الرجال وكم والله قد مات بهن كريم وعطب بهن سليم ~~وجاءت جارية عثمان بن عفان رضي الله عنه تستدعي على رجل من الأنصار قال لها ~~عثمان ما قصتك قالت كلفت يا أمير المؤمنين بإبن أخيه فما انفك أداعبه فقال ~~له عثمان إما أن تهبها إلى إبن أخيك أو أعطيك ثمنها من مالي فقال أشهدك يا ~~أمير المؤمنين إنها له ونحن لا ننكر فساد العشق الذي يتعلق به PageV01P157 ~~فعل الفاحشة بالمعشوق وإنما الكلام في العشق العفيف من الرجل الظريف الذي ~~يأبى له إيمانه ودينه وعفته ومروءته أن يفسد مابينه وبين الله وما بينه ~~وبين معشوقة بالحرام وهذا عشق السلف الكرام والأئمة الأعلام فهذا عبد الله ~~بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة عشق حتى اشتهر أمره ولم ~~ينكر عليه وعد ظالما من لامه ومن شعره # كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم % ولامك أقوام ولومهم ظلم # فنم عليك الكاشحون وقبلهم % عليك الهوى قد نم ما ينفع الكتم # فأصبحت كالنمري إذ مات حسرة % على أثر هندا وكمن شفه سقم # تجنبت إتيان الحبيب تأثما % إلا أن هجران الحبيب هو الإثم # فذق هجرها قد كنت تزعم أنه % رشاد ألاياء ربما كذب الزعم # وهذا عمر بن عبد العزيز وعشقه لجارية فاطمة بنت عبد الملك بن ms208 مروان ~~وإمرأته مشهورة وكانت جارية بارعة الجمال وكان معجبا بها وكان يطلبها من ~~إمرأته ويحرص على أن تههاله فتأبى ولم تزل الجارية في نفس عمر فلما استخلف ~~أمرت فاطمة بالجارية فاصلحت وكانت مثلا في حسنها وجمالها ثم دخلت على عمر ~~وقالت يا أمير المؤمنين إنك كنت معجبا بجاريتي فلانة فسألتنيها أن أهبها لك ~~فأبيت عليك والآن فقد طابت نفسي لك بها فلما قالت له ذلك استبان الفرح في ~~وجهه وقال عجلي بها علي فلما دخلت بها عليه ازداد به عجبا وقال لها ألقي ~~ثيابك ففعلت ثم قال لها على رسلك أخبريني لمن كنت ومن أين صرت لفاطمة فقالت ~~أغرم الحجاج عاملا له بالكوفة مالا وكنت في رفيقة ذلك قالت فأخذني وبعث بي ~~إلى عبد الملك فوهبني لفاطمة قال وما فعل ذلك العامل قالت هلك قال وهل ترك ~~ولدا قالت نعم قال فما حالهم قالت سيئة قال شدي عليك ثيابك واذهبي إلى ~~مكانك ثم كتب إلى عامله على العراق أن إبعث الي فلان بن فلان على البريد ~~فلما قدم قال له ارفع الي جميع ما أغرمه الحجاج لأبيك فلم يرفع إليه شيئا ~~إلا دفعه إليه ثم أمر بالجارية فدفعت إليه ثم قال له إياك وإياها فلعل أباك ~~قد وقع بها فقال الغلام هي لك يا أمير المؤمنين قال لا حاجة لي بها قال ~~فابتعها مني قال لست إذا ممن نهى نفسه عن الهوى فلما عزم الفتى على ~~الإنصراف قالت أين وجدك بي يا أمير المؤمنين قال على حاله ولقد زادني ولم ~~تزل الجارية في نفس عمر حتى مات رحمه الله وهذا أبو بكر بن محمد بن داود ~~الظاهري العالم المشهور في فنون العلم من الفقه والحديث والتفسير والأدب ~~وله قول في الفقه وهو من أكابر العلماء وعشقه مشهور قال نفطويه دخلت عليه ~~في مرضه الذي مات فيه فقلت كيف نجدك قال حب من تعلم أورثني ما ترى فقلت وما ~~يمنعك من الإستمتاع به مع القدرة عليه فقال الإستمتاع على وجهين أحدهما ms209 ~~PageV01P158 النظر المباح والآخر اللذة المحظورة فأما النظر المباح فهو ~~الذي أورثني ما ترى وأما اللذة المحظورة يمنعني منها ما حدثني أبي حدثنا ~~سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما يرفعه من عشق وكتم وعف وصبر غفر الله له وأدخله الجنة ثم ~~أنشد # انظر إلى السحر يجري من لواحظه % وانظر إلى دعج في طرفه الساج # وانظر إلى شعرات فوق عارضه % كأنهن نمال دب في عاج # ثم أنشد # ما لهم أنكروا سوادا بحديه % ولا ينكرون ورد الغصون # إن يك عيب خده بدو لشعر % فعيب العيون شعر الجفون فقلت له نفيت القياس في ~~الفقه وأثبته في الشعر فقال غلبة الوجد وملكة الوجه النفس دعت إليه ثم مات ~~من ليلته وبسبب معشوقه صنف كتاب الزهرة ومن كلامه فيه من ييأس بمن يهواه ~~ولم يمت من وقته سلاه وذلك أن أول روعات الناس تأتي القلب وهو غير مستعد ~~لها فأما الثانية تأتي القلب وقد وطأت لها الروعة والتقى هو وأبو العباس بن ~~شريح في مجلس أبي الحسن علي بن عيسى الوزير فتناظرا في مسألة من الإيلاء ~~قال له ابن شريح أنت بأن تقول من دامت لحظاته كثرت حسراته أحذق منك بالكلام ~~على الفقه فقال الآن كان ذلك فإني أقول # أنزه في روض المحاسن مقلتي % وأمنع نفسي أن تنال محرما # وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه % يصب على الصخر الأصم تهدما # وينطق طرفي عن مترجم خاطري % فلولا إختلاس وده لتكلما # رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم % فلست أرى ودا صحيحا مسلما # فقال له أبو العباس بن شريح بم تفخر علي ولو شئت لقلت # مطاعمه كالشهد في نغماته % قد بت أمنعه لذيذ سناته # بصبابه وبحسنه وحديثه % وأنزه اللحظات عن وجناته # حتى إذا ما الصبح راح عموده % ولي بخاتم ربه وبراته فقال أبو بكر يحفظ ~~عليه الوزير ما أقر به حتى يقيم شاهدين على أنه ولي بخاتم ربه وبراءته فقال ~~ابن شريح يلزمني في هذا ms210 ما يلزمك في قولك # أنزه في روض المحاسن مقلتي % وأمنع نفسي أن تنال محرما فضحك الوزير فقال ~~لقد جمعتما لطفا وظرفا ذكر ذلك أبو بكر الخطيب في تاريخه وجاءته يوما فتيا ~~مضمونها PageV01P159 # يا إبن داود يا فقيه العراق % إفتنا في فواتر الأحداق # هل عليها بما أتت من جناح % أم حلال لها دم العشاق فكتب تحت البيتين بخطه # عندي جواب سائل العشاق % فاسمعه من قرح الحشا مشتاق # لما سئلت عن الهوى هيجتني % وأرقت دمعا لم يكن مهراق # إن كان معشوقا يعذب عاشقا % كان المعذب أنعم العشاق قال صاحب كتاب منازل ~~الأحباب شهاب الدين محمود بن سليمان بن مهدي صاحب كتاب الإنشاء وقلت في ~~جواب البيتين على قافيتهما مجيبا للسائل # قل لمن جاء سائلا عن لحاظ % هن يلعبن في دم العشاق # ما على السيف في العدا من جناح % أن ثني الخد عن دم مهراق # وسيوف اللحاظ أولى بأن % تصفح عما جنت على العشاق # إنما كل من قتل شهيد % ولهذا يفني فنا وهو باق ونظير ذلك فتوى وردت على ~~الشيخ أبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني شيخ الحنابلة في وقته رحمه الله # قل للإمام أبي الخطاب مسألة % جاءت إليك وما أخال سواك لها # ماذا على رجل رام الصلاة فمذ % لاحت مخاطرة ذات الجمال لها فأجابه تحت ~~سؤاله # قل للأديب الذي وافى بمسألة % سرت فؤادي لما أن أصخت لها # إن الذي فتنته عن عبادة ربه % فريدة ذات حسن فانثنى ولها # إن تاب ثم قضا عنه عبادة ربه % فرحمة لله تغشى من عصى ولها وقال عبد الله ~~بن معمر القيسي حججت سنة ثم دخلت مسجد المدينة لزيارة قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم فبينما أنا جالس ذات ليلة بين القبر والمنبر إذا سمعت أنينا ~~فأصغيت إليه فإذا هو يقول # أشجاك نوح حمائم السدر % فأهجن منك بلابل الصدر # أم عز نومك ذكر غانية % أهدت إليك وساوس الفكر # يا ليلة طالت على دنف % يشكو السهاد وقلة الصبر # أسلمت من تهوى لحر جوى % متوقد كتوقد الجمر # فالبدر يشهد ms211 إنني كلف % مغرم بحب شبيهة البدر PageV01P160 # ما كنت أحسبني أهيم بحبها % حتى بليت وكنت لا أدري ثم انقطع الصوت فلم ~~أدر من أين جاء وإذا به قد عاد البكاء والأنين ثم أنشد يقول # أشجاك من ريا خيال زائر % والليل مسود الذوائب عاكر # واعتاد مهجتك الهوى برشيشة % وأهتاج مقلتك الخيال الزائر # ناديت ريا والظلام كأنه % يم تلاطم فيه موج زاخر # والبدر يسري في السماء كأنه % ملك ترجل والنجوم عساكر # وترى به الجوزاء ترقص في الدجى % رقص الحبيب علاه سكر طاهر # يا ليل طلت على محب ماله % إلا الصباح مساعد وموازر # فأجابني مت حتف أنفك واعلمن % إن الهوى لهو الهوان الحاضر قال وكنت ذهبت ~~عند ابتدائه بالأبيات فلم يتنبه إلا وأنا عنده فرأيت شابا مقتبلا شبابه قد ~~خرق الدمع في خده خرقين فسلمت عليه فقال إجلس من أنت فقلت عبد الله بن معمر ~~القيسي قال ألك حاجة قلت نعم كنت جالسا في الروضة فما راعني إلا صوتك ~~فبنفسي أفديك فما الذي تجده فقال أنا عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح ~~الأنصاري غدوت يوما إلى مسجد الأحزاب فصليت فيه ثم اعتزلت غير بعيد فإذا ~~بنسوة قد أقبلن يتهادين مثل القطا وإذا في وسطهن جارية بديعة الجمال كاملة ~~الملاحة فوقفت علي وقالت يا عتبة ما تقول في وصل من يطلب وصلك ثم تركتني ~~وذهبت فلم أسمع لها خبرا ولم أقف لها على أثر فأنا حيران أنتقل من مكان إلى ~~مكان ثم انصرع وأكب مغشيا عليه ثم أفاق كأنما أصبغت وجنتاه بورس ثم أنشد ~~يقول # أراكم بقلبي من بلاد بعيدة % فياهل تروني بالفؤاد على بعدي # فؤادي وطرفي ناسفان عليكم % وعندكم روحي وذكركم عندي # ولست ألذ العيش حتى أراكم % ولو كنت في الفردوس جنة الخلد فقلت يا إبن ~~أخي تب إلى ربك واستغفره من ذنبك فبين يديك هول المطلع فقال ما أنا بسائل ~~حتى يذوب العارضان فلم أزل معه حتى طلع الصباح فقلت قم بنا إلى مسجد ~~الأحزاب فلعل الله أن يكشف كربتك فقال أرجوا ms212 ذلك إن شاء الله ببركة طاعتك ~~فذهبنا حتى أتينا مسجد الأحزاب فسمعته يقول # يا للرجال ليوم الأربعاء أما % ينفك يحدث لي بعد النهار طربا # ما إن يزال غزال منه يقلقني % يأتي إلى مسجد الأحزاب منتقبا # يخبر الناس إن الأجر همته % وما أنا طالبا للأجر محتسبا PageV01P161 # لو كان يبغي ثوابا ما أتى صلفا % مضمخا بفتيت المسك مختضبا ثم جلسنا حتى ~~صلينا الظهر فإذا بالنسوة قد أقبلن وليست الجارية فيهن فوقفن عليه وقلن له ~~يا عتبة ما ظنك بطالبة وصلك وكاشفة بالك قال وما بالها قلن أخذها أبوها ~~وارتحل بها إلى أرض السماوة فسئلتهن عن الجارية فقلن هي ريا بنت الغطريف ~~السلمي فرفع عتبة اليهن رأسه وقال # خليلي ريا قد أجد بكورها % وسارت إلى أرض السماوة وغيرها # خليلي إني قد غشيت من البكا % فهل عند غيري مقلة أستعيرها فقلت له إني قد ~~وردت بمال جزيل أريد به أهل الستر ووالله لأبذلنه أمامك حتى تبلغ رضاك وفوق ~~الرضاء فقم بنا إلى مسجد الأنصار فقمنا وسرنا حتى أشرفنا على ملأ منهم ~~فسلمت فأحسنوا الرد فقلت أيها الملأ ما تقولون في عتبة وأبيه قالوا من ~~سادات العرب قلت فإنه قد رمى بداهية من الهوى وما أريد منكم إلا المساعدة ~~إلى السماوة فقالوا سمعا وطاعة فركبنا وركب القوم معنا حتى أشرفنا على ~~منازل بني سليم فأعلم الغطريف بنا فخرج مبادرا فاستقلبنا وقال حييتم ~~بالإكرام فقلنا وأنت فحياك الله إنا لك أضياف فقال نزلتم أكرم منزل فنادي ~~يا معشر العبيد أنزلوا القوم ففرشت الإنطاع والنمارق وذبحت الذبائح فقلنا ~~لسنا بذائقي طعامك حتى تقضي حاجتنا فقال وما حاجتكم قلنا نخطب عقليتك ~~الكريمة لعتبة بن الحباب بن المنذر فقال إن التي تخطبونها أمرها إلى نفسها ~~وأنا أدخل أخبرها ثم دخل مغضبا على إبنته فقال يا أبت مالي أرى الغضب في ~~وجهك فقال قد ورد الأنصار يخطبونك مني فقال سادات كرام إستغفر لهم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فلمن الخطبة منهم قال لعتبة قالت والله لقد سمعت عن ~~عتبة هذا ms213 إنه يفي بما وعد ويدرك إذا قصد فقال أقسمت لأزوجنك إياه أبدا ولقد ~~نمى الي بعض حديثك معه فقالت ما كان ذلك ولكن إذا أقسمت فإن الأنصار لا ~~يردون ردا قبيحا فأحسن لهم الرد فقال بأى شيء قالت اغلظ عليهم المهر فإنهم ~~قوم يرجعون ولا يحيبون فقال ما أحسن ما قلت فخرج مبادرا عليهم فقال إن فتات ~~الحي قد أجابت ولكني أريد لها مهر مثلها فمن القائم به فقال عبد الله بن ~~معمر أنا فقل ما شئت فقال ألف مثقال من الذهب ومائة ثوب من الأبراد وخمسة ~~أكرسة من عنبر فقال عبد الله لك ذلك كله فهل أحببت قال نعم قال عبد الله ~~فأنفذت نفرا من الأنصار إلى المدينة فأتوا بجميع ما طلب ثم صنعت الوليمة ~~فاقمنا على ذلك أياما ثم قال خذوا فتاتكم وانصرفوا مصاحبين ثم حملها في ~~هودج وجهز بثلاثين راحلة من المتاع والتحف فودعناه وسرنا حتى إذا بقي بيننا ~~وبين المدينة مرحلة واحدة خرجت علينا خيل تريد الغارة PageV01P162 أحسبها ~~من سليم فحمل عليها عتبة فقتل منهم رجالا وجندل منهم آخرين ثم رجع وبه طعنة ~~تفور دما فسقط إلى الأرض وأتانا نجدة فطردت الخيل عنا وقد قضى عتبة نحبه ~~فقلنا واعتبتاه فسمعتنا الجارية فألقت نفسها عن البعير وجعلت تصيح بحرقة ~~وأنشدت # تصبرت لا إني ثبرت وإنما % أعلل نفسي أنها بك لاحقة # فلو أنصفت روحي لكانت إلى الردى % أمامك من دون البرية سابقة # فما أحد بعدي وبعدك منصف % خليلا ولا نفس لنفس موافقة # ثم شهقت وقضت نحبها فاحتفرنا لهما قبرا واحدا ودفناهما فيه ثم رجعت إلى ~~المدينة فأقمت سبع سنين ثم ذهبت إلى الحجاز ووردت المدينة فقلت والله لآتين ~~قبر عتبة أزوره فأتيت القبر فإذا عليه شجرة عليها عصائب حمر وصفر فقلت ~~لأرباب المنزل ما يقال لهذه الشجرة قالوا شجرة العروسين ولو لم يكن في ~~العشق من الرخصة المخالفة للتشديد إلا الحديث الوارد بالحسن من الأسانيد ~~وهو حديث سويد بن سعيد بن علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات ms214 عن مجاهد عن ابن ~~العباس يرفعه من عشق وعف وكتم فمات فهو شهيد ورواه سويد أيضا عن ابن مسهر ~~عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا ورواه الخطيب عن الأزهري في الأم ~~عن المعافا بن زكريا عن قطبة عن ابن الفضل عن أحمد بن مسروق عنه ورواه ~~الزبير بن بكار عن عبد العزيز الماجشون عن عبد العزيز ابن أبي حاتم عن ابن ~~أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس وهذا سيد الأولين والآخرين ورسول رب ~~العالمين صلى الله عليه وسلم نظر إلى زينب بنت جحش رضي الله عنها فقال ~~سبحان مقلب القلوب وكانت تحت زيد بن حارثة مولاه فلما هم بطلاقها قال هل ~~اتق الله وامسك عليك زوجك فلما طلقها زوجها الله سبحانه من رسوله صلى الله ~~عليه وسلم من فوق سبع سموات فكان هو وليها وولي تزويجها من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعقد عقد نكاحها فوق عرشه وأنزل على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله ~~وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه وهذا داود نبي ~~الله عليه السلام لما كان تحته تسعة وتسعين امرأة ثم أحب تلك المرأة ~~وتزوجها وأكمل بها المأة قال الزهري أول حب كان في الإسلام حب النبي صلى ~~الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها وكان مسروق يسميها حبيبة رسول رب ~~العالمين صلى الله عليه وسلم وقال أبو القيس مولي عبد الله ابن عمرو ~~وأرسلني عبد الله بن عمرو إلى أم سلمة أسألها أكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقبل أهله وهو صائم فقالت لا فقال إن عائشة رضي الله عنها قالت كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقبلها وهو صائم فقالت أم سلمة رضي الله ~~PageV01P163 عنها إن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأي عائشة لم يتمالك ~~نفسه عنها وذكر سعيد بن إبراهيم عن عامر بن سعيد عن أبيه قال كان إبراهيم ms215 ~~خليل الله يزوره جبرائيل في كل يوم من الشام على البراق من شغفه به وقلة ~~صبره عنه وذكر الخرائطي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما اشترى جارية ~~رومية فكان يحبها حبا شديدا فوقعت ذات يوم عن بغلة له فجعل يمسح التراب عن ~~وجهها ويفديها ويقبلها وكانت تكثر من أن تقول له يا بطرون أنت قالون تعني ~~يا مولاي أنت جيد ثم إنها هربت منه فوجد عليها وجدا شديدا فقال # قد كنت أحسبني قالون فانصرفت % فاليوم أعلم إني غير قالون قال أبو محمد ~~بن حزم وقد أحب من الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين كثير وقال رجل لعمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه يا أمير المؤمنين رأيت امرأة فعشقتها فقال ذلك ما ~~لا يملك فالجواب وبالله التوفيق أن الكلام في هذا الباب لا بد فيه من ~~التمييز بين الواقع والجائز والنافع والضار ولا يستعجل عليه بالذم والإنكار ~~ولا بالمدح والقبول من حيث الجملة وإنما يتبين حكمه وينكشف أمره بذكر ~~متعلقه وإلا فالعشق من حيث هو لا يحمد ولا يذم ونحن نذكر النافع من الحب ~~والضار والجائز والحرام أعلم أن أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها وأعلاها ~~وأجلها محبة من جبلة القولب على محبته وفطرت الخليقة على تألهه وبها قامت ~~الأرض والسموات وعليها فطر المخلوقات وهي سر شهادة أن لا إله إلا الله فإن ~~الآله هو الذي تألهه القلوب بالمحبة والإجلال والتعظيم والذل والخضوع ~~وتعبده والعبادة لا تصح الاله وحده والعبادة هى كمال الحب مع كمال الخضوع ~~والذل والشرك في هذه العبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله والله ~~سبحانه يحب لذاته من سائر الوجوه وما سواه فإنما يحب تبعا لمحبته وقد دل ~~على وجوب محبته سبحانه جميع كتبه المنزلة ودعوة جميع رسله صلى الله عليه ~~وسلم أجمعين وفطرته التي فطر عليها عباده وما ركب فيها من العقول وما أسبغ ~~عليهم من النعم فإن القلوب مفطورة مجبولة على محبة من أنعم عليها وأحسن ~~إليها فكيف بمن كل الإحسان منه وما بخلقه جميعهم ms216 من نعمه وحده لا شريك له ~~كما قال تعالى وما بكم من نعمة فمن الله الآية وما تعرف به إلى عباده من ~~أسمائه الحسنى وصفاته العليا وما دلت عليه آثار مصنوعاته من كماله ونهاية ~~جلاله وعظمته والمحبة له داعيين الجلال والجمال والرب تعالى له الكمال ~~المطلق من ذلك فإنه جميل يحب الجمال بل الجمال كله له والإجمال كله منه فلا ~~يستحق أن يحب لذاته من كل وجه سواه قال الله تعالى قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن ~~دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه @QE@ الآية والولاية أصلها الحب ~~فلا موالات إلا بحب PageV01P164 كما أن العداوة أصلها البغض والله ولي ~~الذين آمنوا وهم أولياؤه فهم يوالونه بمحبتهم له وهو يواليهم بمحبته لهم ~~فالله يوالي عبده المؤمن بحسب محبته له ولهذا أنكر سبحانه على من اتخذ من ~~دونه أولياء بخلاف من والى أولياءه فإنه لم يتخذهم من دونه بل موالاته لهم ~~من تمام موالاته وقد أنكر على من سوى بينه وبين غيره في المحبة وأخبر أن من ~~فعل ذلك فقد اتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله وأخبر عمن سوي بينه وبين الأنداد في المحبة أنهم يقولون في النار ~~لمعبوديهم تالله إن كن لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وبهذا التوحيد ~~في المحبة أرسل الله سبحانه جميع رسله صلى الله عليه وسلم وأنزل جميع كتبه ~~وأطبقت عليه دعوة جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم ~~ولأجله خلقت السموات والأرض والجنة والنار فجعل الجنة لأهله والنار ~~للمشركين به وفيه وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يؤمن عبد حتى ~~يكون هو أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين فكيف بمحبة الرب جل جلاله ~~وقال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه لا حتى أكون أحب إليك من نفسك أي لا تؤمن ~~حتى تصل محبتك لي إلى هذه الغاية فإذا كان النبي ms217 صلى الله عليه وسلم أولى ~~بنا من أنفسنا بالمحبة ولوازمها أفليس الرب جل جلاله وتقدست أسماؤه وتبارك ~~اسمه وتعالى جده ولا إله غيره أولى بمحبته وعبادته من أنفسهم وكل ما منه ~~إلى عبده المؤمن يدعوه إلى محبة ما يحب العبد ويكرهه فعطاؤه ومنعه ومعافاته ~~وابتلائه وقبضه وبسطه وعدله وفضله وأمانته وإحياؤه ولطفه وبره ورحمته ~~وإحسانه وستره وعفوه وحلمه وصبره على عبده وإجابته لدعائه وكشف كربه وإغاثة ~~لهفته وتفريج كربته من غير حاجة منه إليه بل مع غناه التام عنه من جميع ~~الوجوه كل ذلك داع للقلوب إلى تألهه ومحبته بل تمكينه عبده من معصيته ~~وإعانته عليه وستره حتى يقضي وطره منها وكلائته وحراسته له وهو يقضي وطره ~~من معصيته وهو يعينه ويستعين عليها بنعمه من أقوى الدواعي إلى محبته فلو أن ~~مخلوقا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك لم يملك قلبه عن محبته فكيف لا يحب ~~العبد بكل قلبه وجوارحه من يحسن إليه على الدوام بعدد الأنفاس مع رساءته ~~فخيره إليك نازل وشرك إليه صاعد يتحبب إليه بنعمه وهو غني عنه والعبد يتبغض ~~اليه بالمعاصي وهو فقير إليه فلا إحسانه وبره وإنعامه عليه يصده عن معصيته ~~ولا معصية العبد ولومه يقطع إحسان ربه عنه فألأم اللؤم تخلف القلوب عن محبة ~~من هذا شأنه وتعلقها بمحبة سواه وأيضا فكل من تحبه من الخلق أو يحبك إنما ~~يريدك لنفسه وغرضه منك والرب سبحانه وتعالى يريد لك كما في الأثر الآلهي ~~عبدي كل يريدك لنفسه وأنا أريدك لك فكيف لا يستحيي العبد أن يكون ربه له ~~بهذه المنزلة PageV01P165 وهو معرض عنه مشغول بحب غيره وقد استغرق قلبه ~~محبة ما سواه وأيضا فكل من تعامله من الخلق ان لم يربح عليك لم يعاملك ولا ~~بدله من نوع من أنواع الربح والرب تعالى إنما يعاملك لتربح أنت عليه أعظم ~~الربح وأعلاه فالدرهم بعشرة أمثاله إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ~~والسيئة بواحدة وهي أسرع شيء محوا وأيضا فهو سبحانه خلقك لنفسه وكل شيء خلق ~~لك ms218 في الدنيا والآخرة فمن أولى منه باستفراغ الوسع في محبته وبذل الجهد في ~~مرضاته وأيضا فمطلبك بل مطالب الخلق كلهم جميعا لديه وهو أجود الاجودين ~~وأكرم الأكرمين ويعطي عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمله يشكر على القليل من ~~العمل وينميه ويغفر الكثير من الزلل ويمحوه ويسأله من في السموات والأرض كل ~~يوم هو في شأن لا يشغله سمع عن سمع ولا يغلطه كثرة المسائل ولا يتبرم ~~بالحاح الملحين بل يجب الملحين في الدعاء ويجب أن يسئل ويغضب اذا لم يسئل ~~فيستحي من عبده حيث لا يستحي العبد منه ويستره حيث لا يستر نفسه وبرحمة حيث ~~لا يرحم نفسه دعاه بنعمته وإحسابه وناداه إلى كرامته ورضوانه فأبي فأرسل ~~صلى الله عليه وسلم في طلبه وبعث معهم اليه عهده ثم نزل سبحانه بنفسه وقال ~~من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له أدعوك للوصل فتأبي أبعث رسلي في ~~الطلب أنزل اليك بنفسي ألقاك في النوم وكيف لا تحب القلوب من لا يأتي ~~بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات الا هو ولا يجيب الدعوات ويقيل العثرات ~~ويغفر الخطيئات ويستر العورات ويكشف الكربات ويغيث اللهفات وينيل الطلبات ~~سواه فهو أحق من ذكر وأحق من شكر وأحق من حمد وأحق من عبد وأنصر من ابتغى ~~وأرأف من ملك وأجود من سئل وأوسع من أعطي وأرحم من استرحم وأكرم من قصد ~~وأعز من التجيء اليه وأكفي من توكل عليه أرحم بعبده من الوالدة بولدها وأشد ~~فرحا بتوبة عباده التائبين من الفاقد لراحلته التي عليها طعامها وشرابه في ~~الأرض المهلكة اذا يأس من الحياة فوجدها وهو الملك فلا شريك له والفرد فلا ~~ندله كل شيء هالك الا وجهه لن يطاع الا بإذنه ولن يعصي إلا بعلمه يطاع ~~فيشكر وبتوفيقه ونعمته أطيع ويعصي فيغفر ويعف وحقه أضيع فهو أقرب شهيد ~~وأدنى حفيظ وأوفى وفي بالعهد وأعدل قائم بالقسط حال دون النفوس وأخذ ~~بالنواصي وكتب الآثار ونسخ الاجال فالقولب له مفضية والسر عنده علانية ~~والعلانية والغيوب لديه مكشوف وكل ms219 أحد اليه ملهوف وعنت الوجوه لنور وجهه ~~وعجزة القلوب عن إدراك كنهه ودلت الفطرة ة الادلة كلها على إمتناع مثله ~~وشبهه أشرقت لنور وجهه الظلمات إستنارت له الأرض والسموات وصلحت عليه جميع ~~المخلوقات لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يحفظ القسط ويرفعه يرفع اليه عمل ~~الليل قبل عمل النهار PageV01P166 وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه بالنور ~~لو كشفه لا حرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه ما # اعتاض باذل حبه لسواه من % عوض ولو ملك الوجود بأسره فصل # وههنا أمر عظيم يجب على اللبيب الاعتناء به وهو أن كمال اللذة والسرور ~~والفرح ونعيم القلب وإبتهاج الروح تابع لامرين أحدهما كمال المحبوب في نفسه ~~وجماله وإنه أولى بايثار المحبة من كل ما سواه والامر الثاني كمال محبته ~~واستفراغ الوسع في حبه وإيثار قربه والوصول اليه على كل شيء وكل عاقل يعلم ~~أن اللذة بحصول المحبوب بحسب قوته ومحبته فكل ما كانت المحبة أقوى كانت لذة ~~المحب أكمل فلذة من اشتد ظمؤه بادراك الماء الزلال ومن اشتد جوعه باكل ~~الطعام الشهى ونظائر ذلك على حسب شوقه وشدة إرداته ومحبته فاذا عرفت هذا ~~فاللذة والسرور والفرح أمر مطلوب في نفسها فهي تذم اذا أعقبت ألم أعظم منها ~~أو منعت لذة خيرا منها وأجل فكيف إذا أعقبت أعظم الحسرات وفوتت أعظم اللذات ~~والمسرات وتحمد إذا أعانت على لذة عظيمة دائمة مستقرة لا تنغيص فيها ولا ~~نكد بوجه ما وهي لذة الاخرة ونعيمها وطيب العيش فيها قال تعالى بل تؤثرون ~~الحيوة الدنيا الآية والله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليبتليهم وينيل من ~~أطاعه هذه اللذة الدائمة في دار الخلد وأما الدنيا فمنقطعة ولذاتها لا تصفو ~~أبدا ولا تدوم بخلاف الآخرة فان لذاتها دائمة ونعيمها خالص من كل كدر وألم ~~وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين مع الخلود أبدا فلا تعلم نفس ما أخفى ~~لهم من قرة أعين بل فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ~~وهذا المعني الذي ms220 قصده الناصح لقومه بقوله يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد ~~يا قوم انما هذه الحياة الدنيا متاع وان الآخرة هي دار القرار فاخبرهم ان ~~الدنيا متاع ليستمتع بها إلى غيرها وان الآخرة هي المستقر واذا عرفت أن ~~لذات الدنيا متاع وسبيل إلى لذات الاخرة ولذلك خلقت الدنيا لذاتها فكل لذة ~~أعانت على لذة الآخرة وأوصلت اليها لم يذم تناولها بل يحمد لحسب ايصالها ~~إلى لذة الآخرة اذا عرف فاعظم نعيم الآخرة ولذاتها النظر إلى وجه الله جل ~~جلاله وسماع كلامه والقرب منه كما ثبت في الصحيح في حديث الرؤية فوالله ما ~~أعطاهم شيئا أحب اليهم من النظر اليه وفي حديث اخر إنه اذا تجلى لهم ورأوه ~~نسوا ما هم فيه من النعيم وفي النسائي ومسند الامام أحمد من حديث عمار بن ~~ياسر رضي الله PageV01P167 عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه ~~واسئلك اللهم لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك وفي كتاب السنة ~~العبد الله بن الامام أحمد مرفوعا كأن الناس يوم القيمة لم يسمعوا القران ~~من الرحمن فاذا سمعوه من الرحمن فكأنهم لم يسمعوا قبل ذلك فاذا عرف هذا ~~فاعظم الاسباب التي تحصل هذه اللذة هو أعظم لذات الدنيا على الاطلاق وهي ~~لذة معرفته سبحانه ولذة محبته فان ذلك هو لذة الدنيا ونعيمها العالي ونسبة ~~لذاتها الفانية اليه كتلفة في بحر فان الروح والقلب والبدن انما خلق لذلك ~~فاطيب ما في الدنيا معرفته سبحانه ومحبته وألذ ما في الجنة رؤيته ومشاهدته ~~فمحبته ومعرفته قرة العيون ولذة الأرواح وبهجة القلوب ونعيم الدنيا وسرورها ~~من اللذة القاطعة عن ذلك تتقلب آلاما وعذابا ويبقى صاحبها في المعيشة الضنك ~~فليس الحياة الطيبة الا بالله وكان بعض المحبين تمر به أوقات فيقول إن كان ~~أهل الجنة في نعيم مثل هذا إنهم لفي عيش طيب وكان غيره يقول لو يعلم الملوك ~~وأبناء الملوك ما نحن فيه لجلدونا عليه بالسيوف وإذا كان صاحب المحبة ~~الباطلة التي هي عذاب على قلب المحب يقول في ms221 حاله # وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوي % فلا خير فمن لا يحب ويعشق # ويقول آخر # أف للدنيا متى ما لم يكن % صاحب الدنيا محب أو حبيب ويقول الآخر # ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها % وأنت وحيد مفرد غير عاشق # ويقول الآخر # أسكن إلى سكن تلذ بحبه % ونهب الزمان وأنت منفرد # ويقول الآخر # تشكي المحبون الصبابة ليتني % تحملت ما يتقون من بينهم وحدي # فكانت لقلبي لذة الحب كلها % فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي # فيكف بالمحبة التي هي حياة القلوب وغذاء الارواح وليس للقلب لذة ولا نعيم ~~ولا فلاح ولا حياة الا بها وإذا فقدها القلب كان المه أعظم من ألم العين ~~إذا فقدت نورها والأذن إذا فقدت سمعها والانف إذا فقد سمه واللسان إذا فقد ~~نطقه بل فساد القلب إذا خلى من محبة فاطره وبارئه وإلهه الحق أعظم من فساد ~~البدن إذا خلي منه الروح وهذا الأمر لا يصدق به الأمن فيه حياة وما لجرح ~~ميت ايلام والمقصود إن أعظم لذات الدنيا هي السبب الموصل إلى أعظم لذة في ~~الآخرة ولذات الدنيا أنواع فاعظمها وأكملها ما أوصل الى PageV01P168 لذة ~~الآخرة ويثاب الانسان على هذه اللذة أتم ثواب ولهذا كان المؤمن يثاب على ما ~~يقصد به وجه الله من أكله وشربه ولبسه ونكاحه وشفاء غيظ لقهر عدو الله ~~وعدوه فكيف بلذة ايمانه ومعرفته بالله ومحبته له وشوقه إلى لقائه وطمعه في ~~رؤية وجهه الكريم في جنات النعيم النوع الثاني لذة تمنع لذة الآخرة وتعقب ~~آلاما أعظم منها كلذة الذين اتخذوا من دون الله أوثانا مودة بينهم في ~~الحياة الدنيا يحبونهم كحب الله ويستمع بعضهم ببعض كما يقولون في الآخرة ~~اذا لقوا ربهم ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا آجلنا الذي أجلت لنا الآية ~~إلى قوله يكسبون ولذة أصحاب الفواحش والظلم والبغي في الأرض والعلو بغير ~~الحق وهذه اللذات في الحقيقة انما هي استدراج من الله لهم ليذيقهم بها أعظم ~~الآلام ويحرمهم بها أكمل اللذات بمنزلة من قدم لغيره طعام لذيد مسموم ms222 ~~يستدرجه به إلى هلاكه قال تعالى سنستدرجهم من حيث لا يعملون الآية إلى قوله ~~@QB@ إن كيدي متين @QE@ قال بعض السلف في تفسيرها كل ما أحدثوا ذنبا أحدثنا ~~لهم نعمة حتى اذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون الآية إلى ~~قوله @QB@ والحمد لله رب العالمين @QE@ وقال تعالى لاصحاب هذه اللذة ~~أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بلابل لا يشعرون ~~وقال في حقهم @QB@ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم ~~بها في الحياة الدنيا @QE@ الآية وهذه اللذة تنقلب آلاما من أعظم الآلام ~~كما قيل # يا رب كائنة في الحياة لاهلها % عذبا فصارت في المعاد عذابا # النوع الثالث لذة لا تعقب لذة في دار القرار ولا ألما يمنع وصول لذة دار ~~القرار وإن منعت كمالها وهذه اللذة المباحة التي لا يستعان بها على لذة ~~الآخرة فهذه زمانها يسير وليس لتمتع النفس بها قدر ولا بد أن يشتغل عما هو ~~خير وأنفع منها وهذا القسم هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله كل ~~لهو يلهو به الرجل فهو باطل الأرمية بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته ~~فانهن من الحق فما أعان على اللذة المطلوبة لذاتها فهو حق وما لم يعن عليها ~~فهو باطل فصل # فهذا الحب لا ينكر ولا يذم بل هو أحد أنواع الحب وكذلك حب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وإنما نعني بالمحبة الخاصة وهي التي تشغل قلب المحب وفكره ~~وذكره لمحبوبه والا فكل مسلم في قلبه محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~ولا يدخل الاسلام إلا بها والناس متفاوتون في درجات هذه المحبة تفاوت لا ~~يحصيه إلا الله فبين محبة الخليلين صلى الله عليه وسلم ومحبة غيرهما ما ~~بينهما فهذه المحبة هي التي تلطف وتخفف اثقال التكاليف وتسخي PageV01P169 ~~البخيل وتشجع الجبان وتصفي الذهن وتروض النفس وتطيب الحياة على الحقيقة لا ~~محبة الصور المحرمة وإذا بليت السرائر يوم اللقاء كانت سريرة صاحبها من خير ~~سرائر العباد كما قيل # سيبقى لكم ms223 في مضمر القلب والحشا % سريرة حب يوم تبلى السرائر # وهذه المحبة هي التي تنور الوجه وتشرح الصدر وتحيي القلب وكذلك محبة كلام ~~الله فانه من علامة حب الله وإذا أردت أن تعلم ما عندك وعند غيرك من محبة ~~الله فانظر محبة القرآن من قلبك وإلتذاذك سماعه أعظم من إلتذاذ أصحاب ~~الملاهي والغناء المطرب بسماعهم فإنه من المعلوم أن من أحب حبيبا كان كلامه ~~وحديثه احب شيئا اليه كما قيل # ان كنت تزعم حبي فلم هجرت كتابي % أما تأملت ما فيه من لذيذ خطابي # وقال عثمان ابن عفان رضي الله عنه لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله ~~وكيف يشبع المحب من كلام من هو غاية مطلوبه وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوما لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه إقرأ علي فقال أقرأ عليك وعليك أنزل ~~فقال إني أحب أن أسمعه من غيري فاستفتح فقرأ سورة النساء حتى إذا بلغ قوله ~~فكيف اذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا قال حسبك الآن ~~فرفع رأسه فاذا عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان من البكاء وكان ~~الصحابة اذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى يقولون يا أبا موسى إقرأ علينا ~~فيقرأوهم يستمعون فلمحبي القرآن من الوجد والذوق واللذة والحلاوة والسرور ~~أضعاف مالمحبي السماع الشيطاني فاذا رأيت الرجل ذوقه وشدة وجده وطربه وشوقه ~~سماعه الابيات دون سماع الآيات في سماع الالحان دون سماع القرآن وهو كما ~~قيل # نقرأ عليك الختمة وأنت جامد كالحجر % وبيت من الشعر ينشد فتميل كالنشوان # فهذا من أقوي الادلة على فراغ قلبه من محبة الله وكلامه وتعلقه بمحبة ~~سماع الشيطان والمغرور يعتقد انه على شيء ففي محبة الله وكلامه ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم أضعاف أضعاف ما ذكر السائل من فوائد العشق ومنافعه بل لا حب ~~على الحقيقة أنفع منه وكل حب سوى ذلك باطل ان لم يعن عليه ويسوق المحب اليه # | فصل وأما محبة النسوان فلا لوم على المحب فيها بل هي ms224 من كماله # وقد من الله سبحانه بها على عباده فقال ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة الآية فجعل المرأة سكنا للرجل ~~يسكن اليه قلبه وجعل بينهما خالص الحب وهو المودة المقترنة بالرحمة وقد قال ~~تعالى عقيب ذكره ما أحل لنا من النساء وما حرم منهن PageV01P170 يريد الله ~~ليبين لكن ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله حكيم إلى قوله خلق ~~الانسان ضعيفا وذكر سفيان الثوري في تفسيره عن ابن طاوس عن أبيه كان اذا ~~نظر إلى النساء لم يصبر عنهن وفي الصحيح من حديث جابر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه رأى إمرأة فأتى زينب فقضى حاجته منها وقال ان المرأة تقبل في ~~صورة شيطان وتدبر في صورة الشيطان فاذا رأى أحدكم امرأة فاعجبته فليأت أهله ~~فان ذلك يرد ما في نفسه ففي هذا الحديث عدة فوائد منها الارشاد إلى التسلي ~~عن المطلوب بجنسه كما يقوم الطعام مكان الطعام والثوب مقام الثوب ومنها ~~الامر بمداوات الاعجاب بالمرأة المورث لشهوتها بانفع الأدوية وهو قضاء وطره ~~من أهله وذلك ينقض شهوته بها وهذا كما أرشد المتحابين إلى النكاح كما في ~~سنن ابن ماجه مرفوعا لم ير للمتحابين مثل النكاح ونكاحه لمعشوقه هو دواء ~~العشق الذي جعله الله داءه شرعا وقدرا وبه تدواي نبي الله داود صلى الله ~~عليه وسلم ولم يرتكب نبي الله محرما وانما تزوج المرأة وضمها إلى نسائه ~~لمحبته لها وكانت توبته بحسب منزلته عند الله وعلو مرتبته ولا يليق بنا ~~المزيد على هذا وأما قصة زينب بنت جحش فزيد كان قد عزم على طلاقها ولم ~~توافقه وكان يستشير رسول الله صلى الله عليه وسلم في فراقها وهو يأمره ~~بامساكها فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم انه سيفارقها ولا بد فاخفى في ~~نفسه ان يتزوجها اذا فارقها زيد وخشى مقالة الناس ان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تزوج زوجة ابنه فانه كان قد تبني زيد قبل النبوة والرب ms225 تعالى ~~يريد أن يشرع شرعا عاما فيه مصالح عباده فلما طلقها زيد وانقضت عدتها منه ~~أرسله اليها يخطبها لنفسه فجاء زيد واستدبر الباب بظهره وعظمت في صدره لما ~~ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداها من وراء البا يا زينب ان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يخطبك فقالت ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي ~~وقامت إلى محرابها فصلت فتولى الله عز جل نكاحها من رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بنفسه وعقد النكاح له من فوق عرشه وجاء الوحي بذلك فلما قضى زيد منها ~~وطر ازوجنا كها فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم لوقته فدخل عليها فكانت ~~تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وتقول أنتن زوجتكن أهليكن ~~وزوجني الله عز وجل من فوق سبع سموات فهذه قصة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مع زينب ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم حبب اليه النساء كما في ~~الصحيح من حديث أنس ورواه النسائي في سننه والطبراني في الاوسط عنه صلى ~~الله عليه وسلم قال حبب الي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في ~~الصلاة هذا لفظ الحديث لا ما يرويه بعضهم حبب الي من دنياكم ثلاث زاد ~~الامام أحمد في كتاب الزهد في هذا الحديث اصبر عن الطعام والشراب ولا اصبر ~~PageV01P171 عنهن وقد حسده اعداء الله اليهود على ذلك وقالوا ما همه إلا ~~النكاح فرد الله سبحانه عن صلى الله عليه وسلم ونافح عنه فقال أم يحسدون ~~الناس على ما آتاهم الله من فضله الاية وهذا خليل الله أمام الحنفاء كان ~~عنده سارة أجمل نساء العالمين وأحب هاجر وتسرى بها وهذا داود عليه السلام ~~كان عنده تسعة وتسعون امراة فاحب تلك المراة وتزوجها فكمل المائة وهذا ~~سليمان ابنه عليه السلام كان يطوف في الليلة على تسعين امراة وقد سئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن أحب الناس اليه فقال عائشة رضى الله عنها وقال ~~عن خديجة إني رزقت حبها فمحبة النساء ms226 من كمال الانسان قال ابن عباس خير هذه ~~الامة أكثرهم نساء وقد ذكر الامام أحمد ان عبد الله بن عمر وقع في سهمه يوم ~~حلولا جارية كان عنقها ابريق فضة قال عبدالله فما صبرت عنها ان قبلتها ~~والناس ينظرون الي وبهذا احتج الامام أحمد على حواز الاستمتاع بالمسبية قبل ~~الاستبراء بغير الوطء بخلاف الامة المشتركة والفرق بينهما انه لا يتوهم ~~انفساخ الملك في المسبية بخلاف المشتركة فقد ينفسخ فيها الملك فيكون ~~مستمتعا بأمة غيره وقد شفع النبي صلى الله عليه وسلم لعاشق ان يواصله ~~معشوقه بان يتزوج به فأبت وذلك في قصة مغيث وبريرة فانه راه يمشي خلفها بعد ~~فراقها ودموعه تجري على خديه فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم لو ~~راجعتيه فقالت اتأمرني قال لا انما اشفع فقالت لا حاجة لي به فقال لعمه يا ~~عباس الا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغضها له ولم ينكر عليه حبها وان كانت ~~قد بانت منه فان هذا مالا يملكه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يساوي بين ~~نسائه بالقسم ويقول اللهم هذا قسمي فيما املك فلا تلمني فيما لا املك يعني ~~في الحب وقد قال تعالى @QB@ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ~~@QE@ يعني في الحب والجماع فلا تميلوا كل الميل ولم يزل الخلفاء الراشدين ~~الرحماء من الناس يشفعون للعشاق إلى معشوقهم الجائز وصلهن كما تقدم من فعل ~~أبي بكر وعثمان وكذلك علي أتي بغلام من العرب وجد في دار قوم بالليل فقال ~~له ما قصتك قال لست بسارق ولكني أصدقك # تعلقت في دار الرباحي خريده % يذل لها من حسن منظرها البدر # لها في بنات الروم حسن ومنظر % اذا افتخرت بالحسن عانقها الفخر # فلما طرقت الدار من حب مهجتي % اتيت وفيها من يوقدها الجمر # تبادرا اهل الدار بي ثم صيحوا % هو اللص محوم له القتل والاسر فلما سمع ~~علي بن أبي طالب رضى الله عنه قوله رق له وقال للمهلب بن رباح اسمح له بها ~~فقال يا ms227 امير المؤمنين سله من هو فقال النهاس بن عيبنة فقال خذها فهي لك ~~واشتري معاوية PageV01P172 جارية فاعجب بها اعجابا شديدا فسمعها يوما تنشد ~~أبياتا منها # وفارقته كالفصن يهتز في الثرى % طريرا وسيما بعد ماطر شاربه فسئلها ~~فأخبرته انها تحب سيدها فردها اليه وفي قلبه منها وذكر الزمخشري في ربيعه ~~ان زبيدة قرات في طريق مكة على حائط # اما في عباد الله أو في امائه % كريم يجلى الهم عن ذاهل العقل # له مقله اما الماء في قريحة % واما الحشا فالنار منه على رجل فنذرت ان ~~تحتال لقائلها ان عرفته حتى تجمع بينه وبين من يحبه فبينما هي في المزدلفة ~~اذ سمعت من ينشد البيتين فطلبته فزعم انه قالهما في ابنة عم له نذر اهلها ~~ان لا يزوجوها منه فوجهت إلى الحي وما زالت تبذل لهم المال حتى زوجوها منه ~~واذا المرأة اعشق منه لها فكانت تعده من اعظم حسناتها فتقول ما انا بشيء ~~اسر مني من جمعي بين ذلك الفتي والفتاة وقال الخرائطي وكان لسليمان بن عبد ~~الملك غلام وجارية يتحابان فكتب الغلام لها يوما # ولقد رأيتك في المنام كأنما % اسقيتني من ماء فيك البارد # وكان كفك في يدي وكأننا % بتنا جميعا في فراش واحد # فطفقت نومي كله متراقدا % لأراك في نومي ولست براقد # فاجابته الجارية # خيرا رأيت وكلما ابصرته % ستناله مني برغم الحاسد # اني لأرجو ان تكون معانقي % وتبيت مني فوق ثدي ناهد # واراك بين خلاخلي ودمالجي % واراك فوق ترائبي ومحاشدي # فبلغ ذلك سليمان فأنكحها الغلام واحسن حالهما على فرط غيرته وقال جامع ~~ابن مرجيه سألت سعيد بن المسيب مفتي المدينة هل من حب درهما من وزر فقال ~~سعيد انما تلام على ما تستطيع من الأمر فقال سعيد والله ما سألني أحد عن ~~هذا ولو سألني ما كنت اجيب الا به فعشق النساء ثلاث اقسام عشق هو قربة ~~وطاعة وهو عشق الرجل امرأته وجاريته وهذا العشق نافع فانه ادعي إلى المقاصد ~~التي شرع الله لها النكاح واكف للبصر والقلب عن ms228 التطلع إلى غير أهله ولهذا ~~يحمد هذا العاشق عند الله وعند الناس وعشق هو مقت عند الله وبعد من رحمته ~~وهو اضر شيء على العبد في دينه ودنياه وهو عشق المردان فما ابتلى به الا من ~~سقط من عين الله وطرد عن بابه وأبعد قلبه عنه وهو من اعظم الحجب القاطعة عن ~~الله كما قال بعض السلف إذا سقط العبد من عين الله ابتلاه PageV01P173 ~~بمحبة المردان وهذه المحبة هي التي جلبت على قوم لوط ما جلبت وما اوتوا لا ~~من هذا العشق قال الله تعالى لعمرك انهم لفي سكرتهم يعمهون ودواء هذا الداء ~~الردى الاستعانة بمقلب القلوب وصدق اللجأ اليه والاشتغال بذكره والتعوض ~~بحبه وقربه والتفكر بالالم الذي يعقبه هذا العشق واللذة التي تفوته به ~~فترتب عليه فوات اعظم محبوب وحصول اعظم مكروه فاذا قدمت نفسه على هذا ~~وآثرته فليكبر على نفسه تكبير الجنازة وليعلم ان البلاء قد احاط به والقسم ~~الثالث من العشق العشق المباح الذي لا يملك كعشق من صورت له امراة جميلة أو ~~رآها فجأة من غير تصد فاورثته ذلك عشق لها ولم يحدث له ذلك العشق معصية ~~فهذا لا يملك ولا يعاقب عليه والانفع له مدافعته والاشتغال بما هو انفع له ~~منه والواجب على هذا ان يكتم ويعف ويصبر على بلواه فيثيبه الله على ذلك ~~ويعوضه على صبرة لله وعفته وترك طاعته هواه وايثار مرضاة الله وما عنده فصل # والعشاق ثلاثة أقسام منهم من يعشق الجمال المطلق ومنهم من يعشق الجمال ~~المقيد سواء طمع بوصاله أو لم يطمع ومنهم من لا يعشق الا من طمع لوصاله ~~وبين هذه الانواع الثلاثة تفاوت في القوة والضعف فعاشق الجمال المطلق بهيم ~~قلبه في كل واد وله في كل صورة جميله مراد # فيوما بحزوى ويوم بالعقيق % وبالعذيب يوما ويوما بالخليصاء # وتارة ينتحي بنجد ولودية شعب العقيق وطورا قصر اينما # فهذا عشقه أوسع ولكنه غير ثابت كثير التنقل # يهيم بهذا ثم يعشق غيره % ويسلاهم من وقته حين يصبح # وعاشق الجمال المقيد ms229 اثبت على معشوقه وأدوم محبة له ومحبته اقوى من محبة ~~الاول لاجتماعهما في واحد ويقسم الاولى ولكن يضعفها عدم الطمع في الوصال ~~وعاشق الجمال الذي يطمع في وصاله اعقل العشاق واعرفهم وحبه اقوى لان الطمع ~~يمده ويقويه فصل # وأما حديث من عشق وعف فهذا ممن يرويه سويد بن سعيد وقد انكره حفاظ ~~الاسلام عليه قال ابن عدي في كامله هذا الحديث أحد ما انكر على سويد وكذلك ~~ذكره البيهقي وابن طاهر في الزخيرة والتذكرة وابو الفرج بن الجوزي وعده من ~~الموضوعات وانكره PageV01P174 ابو عبد الله الحاكم على تساهله وقال أنا ~~اتعجب منه قلت والصواب في الحديث انه من كلام ابن عباس رضي الله عنهما ~~موقوفا عليه فغلط سويد في رفعه قال أبو محمد بن خلف بن المرزبان حدثنا أبو ~~بكر بن الارزق عن سويد فعاتبته على ذلك فاسقط ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكان بعد ذلك يسأل عنه ولا يرفعه ولا بشبه هذا كلام النبوة واما ما رواه ~~الخطيب له عن الزهري حدثنا المعافا بن زكريا حدثنا قطبة بن الفضل حدثنا ~~أحمد بن محمد بن مسروق حدثنا سويد حدثنا ابن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه ~~عن عائشة مرفوعا فمن ابين الخطأ ولا يحمل هذا عن هشام عن أبيه عن عائشة مثل ~~هذا عنه من شم أدني رائحة من العلم من الحديث ونحن نشهد بالله ان عائشة ما ~~تكلمت بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قط ولا حدث به عنها عروة ولا ~~حدث به عنه هشام قط واما حديث ابن الماجشون عن عبدالله بن أبي حازم عن ابن ~~أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا فكذب على بن الماجشون فانه لم يحدث ~~بهذا ولم يحدث به عنه الزبير بن بكار وانما هذا من تركيب بعض الوضاعين ويا ~~سبحان الله كيف يحتمل هذا الاسناد مثل هذا المتن فقبح الله الواضعين وقد ~~ذكره أبو الفرج بن الجوزي من حديث محمد بن جعفر بن سهل حدثنا يعقوب بن ms230 عيسى ~~عن ولد عبد الرحمن بن عوف عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مرفوعا وهذا غلط قبيح ~~فان محمد بن جعفر هذا هو الخرائطي ووفاته سنة سبع وعشرين وثلاث مائة فمحال ~~ان يدرك شيخه يعقوب ابن أبي نجيح لا سيما وقد رواه في كتاب الاعتلال عن ~~يعقوب هذا عن الزبير عن عبد الملك عن عبد العزيز عن ابن أبي نجيح والخرائطي ~~هذا مشهور بالضعف في الرواية ذكره أبو الفرج في كتاب الضعفاء وكلام حفاظ ~~الاسلام في انكار هذا الحديث هو الميزان واليهم يرجع في هذا الشأن وما صححه ~~بل ولا حسنه أحد يعول في علم الحديث عليه ويرجع في الصحيح اليه ولا من ~~عادته التساهل والتسامح فانه لم يصف نفسه له ويكفي ان ابن طاهر الذي يتساهل ~~في احاديث التصوف ويروي منها الغث والسمين والمنجنقة والموقوذة قد انكره ~~وحكم ببطلانه نعم ابن عباس غير مستنكر ذلك عنه وقد ذكر أبو محمد بن حزم عنه ~~انه سئل عن الميت عشقا فقال قتيل الهوي لا عقل ولا قود ورفع اليه بعرفات ~~شاب قد صار كالفرخ فقال ما شأنه فقال العشق فجعل عامة يومه يستعيذ من العشق ~~فهذا تفسير من قال من عشق وعف وكتم ومات فهو شهيد ومما يوضح ذلك ان النبي ~~صلى الله عليه وسلم عد الشهداء في الصحيح فذكر المقتول في الجهاد والمبطون ~~والحريق والنفساء يقتلها اولدها والغريق وصاحب الهدم فلم يذكر منهم العاشق ~~يقتله العشق وحسب قتيل العشق ان يصح له هذا الاثر عن ابن عباس رضى الله ~~عنهما على انه لا يدخل الجنة حتى يصبر لله ويعف لله ويكتم لله وهذ لا يكون ~~PageV01P175 الا مع قدرته على معشوقه وايثار محبة الله وخوفه ورضاه وهذا ~~احق من دخل تحت قوله تعالى واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان ~~الجنة هي المأوى وتحت قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان فنسأل الله ~~العظيم رب العرش الكريم ان يجعلنا ممن آثر وابتغى حبه ورضاه على هواه بذلك ~~قربه ms231 ورضاه آمين يا رب العالمين صلى الله عليه وسلم واله وصحبه اجمعين آمين ~~PageV01P176 ms232