######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0000158 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي أو الداء والدواء #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن القيم #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0000158 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-158 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/158 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1418هـ - 1997م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار المعرفة - المغرب #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [لكل داء دواء] # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين # ما تقول السادة العلماء، أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين - في رجل ابتلي ~~ببلية وعلم أنها إن استمرت به أفسدت دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن ~~نفسه بكل طريق، فما يزداد إلا توقدا وشدة، فما الحيلة في دفعها؟ وما الطريق ~~إلى كشفها؟ فرحم الله من أعان مبتلى، والله في عون العبد ما كان العبد في ~~عون أخيه، أفتونا مأجورين رحمكم الله تعالى. # فأجاب الشيخ الإمام العالم، شيخ الإسلام مفتي المسلمين، شمس الدين أبو ~~عبد الله بن أبي بكر أيوب إمام المدرسة الجوزية رحمه الله تعالى. # لكل داء دواء # الحمد لله # أما بعد: فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له ~~شفاء» . # وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: «لكل داء ~~دواء فإذا أصاب دواء الداء برأ بإذن الله» . # وفي مسند الإمام أحمد من حديث أسامة بن شريك عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من ~~جهله» ، وفي لفظ: «إن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، أو دواء، إلا داء ~~واحدا، قالوا: يا رسول الله ما هو؟ قال: الهرم» قال الترمذي: هذا حديث ~~صحيح. # دواء العي السؤال # PageV01P007 # وهذا يعم أدواء القلب والروح والبدن وأدويتها، وقد جعل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - الجهل داء، وجعل دواءه سؤال العلماء. # فروى أبو داود في سننه من حديث جابر بن عبد الله قال: «خرجنا في سفر ~~فأصاب رجلا منا حجر، فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون ~~لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، ~~فمات، فلما قدمنا على رسول الله أخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله ألا ~~سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال ms001 إنما كان يكفيه أن يتيمم ~~ويعصر - أو يعصب - على جرحه خرقة ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده.» # فأخبر أن الجهل داء، وأن شفاءه السؤال. ### | [القرآن شفاء] # وقد أخبر سبحانه عن القرآن أنه شفاء، فقال الله تعالى: {ولو جعلناه قرآنا ~~أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} ~~[سورة فصلت: 44] وقال {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} [سورة ~~الإسراء: 82] . # و " من " هنا لبيان الجنس لا للتبعيض، فإن القرآن كله شفاء، كما قال في ~~الآية المتقدمة، فهو شفاء للقلوب من داء الجهل والشك والريب، فلم ينزل الله ~~سبحانه من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أشجع في إزالة الداء ~~من القرآن. # وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: «انطلق نفر من أصحاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب ~~فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ~~ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعله أن يكون ~~عند بعضهم شيء، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل ~~شيء لا ينفعه شيء، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: والله إني لأرقي، ~~ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق حتى تجعلوا لي جعلا، ~~فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ {الحمد لله رب ~~العالمين} فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي، وما به قلبة، فأوفوهم جعلهم ~~الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقي: لا نفعل حتى نأتي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P008 # فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فذكروا له ذلك، فقال: وما يدريك أنها رقية؟ ثم قال: قد أصبتم، ~~اقتسموا واضربوا لي معكم سهما.» # فقد أثر (هذا) الدواء في هذا الداء، وأزاله حتى كأن لم يكن، وهو أسهل ~~دواء وأيسره، ولو أحسن العبد التداوي بالفاتحة، ms002 لرأى لها تأثيرا عجيبا في ~~الشفاء. # ومكثت بمكة مدة يعتريني أدواء ولا أجد طبيبا ولا دواء، فكنت أعالج نفسي ~~بالفاتحة، فأرى لها تأثيرا عجيبا، فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألما، وكان كثير ~~منهم يبرأ سريعا. # ولكن هاهنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الأذكار والآيات والأدعية التي ~~يستشفى بها ويرقى بها، هي في نفسها نافعة شافية، ولكن تستدعي قبول المحل، ~~وقوة همة الفاعل وتأثيره، فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم ~~قبول المنفعل، أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء، كما يكون ذلك في ~~الأدوية والأدواء الحسية، فإن عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك ~~الدواء، وقد يكون لمانع قوي يمنع من اقتضائه أثره، فإن الطبيعة إذا أخذت ~~الدواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول، فكذلك القلب إذا ~~أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام، وكان للراقي نفس فعالة وهمة مؤثرة في إزالة ~~الداء. ### | [الدعاء يدفع المكروه] # وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول المطلوب، ولكن ~~قد يتخلف أثره عنه، إما لضعفه في نفسه - بأن يكون دعاء لا يحبه الله، لما ~~فيه من العدوان - وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت ~~الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا، فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا، ~~وإما لحصول المانع من الإجابة: من أكل الحرام، والظلم، ورين الذنوب على ~~القلوب، واستيلاء الغفلة والشهوة واللهو، وغلبتها عليها. # كما في مستدرك الحاكم من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة» . ### | دعاء الغافل # «واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه» فهذا دواء نافع مزيل ~~للداء، ولكن غفلة القلب عن الله تبطل قوته، وكذلك أكل الحرام يبطل قوته ~~ويضعفها. # كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «يا أيها الناس، # PageV01P009 # إن الله طيب، لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به ~~المرسلين، فقال: {ياأيها الرسل ms003 كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما ~~تعملون عليم} [المؤمنون: 51] وقال: {ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم} [البقرة: 172] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى ~~السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي ~~بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟» . # وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه: أصاب بني إسرائيل بلاء، ~~فخرجوا مخرجا، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم: إنكم تخرجون إلى ~~الصعيد بأبدان نجسة، وترفعون إلي أكفا قد سفكتم بها الدماء، وملأتم بها ~~بيوتكم من الحرام، الآن حين اشتد غضبي عليكم؟ ولن تزدادوا مني إلا بعدا. # وقال أبو ذر: يكفي من الدعاء مع البر، ما يكفي الطعام من الملح. ### | [فصل الدعاء من أنفع الأدوية] # فصل # الدعاء من أنفع الأدوية # والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدفعه، ويعالجه، ويمنع نزوله، ~~ويرفعه، أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن. # كما روى الحاكم في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ~~ونور السماوات والأرض» . # للدعاء مع البلاء مقامات. # وله مع البلاء ثلاث مقامات: # أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه. # الثاني: أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد، ولكن ~~قد يخففه، وإن كان ضعيفا. # الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه. # وقد روى الحاكم في صحيحه من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول # PageV01P010 # الله - صلى الله عليه وسلم: «لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ~~ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة» . # وفيه أيضا من حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الدعاء ~~ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء» . # وفيه أيضا من حديث ثوبان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا يرد القدر ~~إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم ms004 الرزق بالذنب ~~يصيبه» . ### | [فصل الإلحاح في الدعاء] # فصل # الإلحاح في الدعاء # ومن أنفع الأدوية: الإلحاح في الدعاء. # وقد روى ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم: «من لم يسأل الله يغضب عليه» . # وفي صحيح الحاكم من حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا تعجزوا ~~في الدعاء فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد» . # وذكر الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب الملحين في الدعاء» . # وفي كتاب الزهد للإمام أحمد عن قتادة قال: قال مورق: ما وجدت للمؤمن مثلا ~~إلا رجل في البحر على خشبة، فهو يدعو: يا رب يا رب لعل الله عز وجل أن ~~ينجيه. ### | [فصل من آفات الدعاء] # ومن الآفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء عليه: أن يستعجل العبد، ويستبطئ ~~الإجابة، فيستحسر ويدع الدعاء، وهو بمنزلة من بذر بذرا أو غرس غرسا، فجعل ~~يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله. # وفي البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي» . # وفي صحيح مسلم عنه: «لا يزال يستجاب للعبد، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ~~ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال يقول: قد دعوت، وقد ~~دعوت، فلم أر يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء» . # PageV01P011 # وفي مسند أحمد من حديث أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لا ~~يزال العبد بخير ما لم يستعجل، قالوا: يا رسول الله كيف يستعجل؟ قال: يقول ~~قد دعوت ربي فلم يستجب لي» . ### | [فصل أوقات الإجابة] # فصل # أوقات الإجابة # وإذا جمع مع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب، وصادف وقتا ~~من أوقات الإجابة الستة، وهي: # الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار ~~الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى ~~الصلاة ms005 من ذلك اليوم، وآخر ساعة بعد العصر. # وصادف خشوعا في القلب، وانكسارا بين يدي الرب، وذلا له، وتضرعا، ورقة. # واستقبل الداعي القبلة. # وكان على طهارة. # ورفع يديه إلى الله. # وبدأ بحمد الله والثناء عليه. # ثم ثنى بالصلاة على محمد عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. # ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار. # ثم دخل على الله، وألح عليه في المسألة، وتملقه ودعاه رغبة ورهبة. # وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده. # وقدم بين يدي دعائه صدقة، فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا، ولا سيما إن ~~صادف الأدعية التي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها مظنة الإجابة، ~~أو أنها متضمنة للاسم الأعظم. # أدعية مأثورة # فمنها ما في السنن (وفي) صحيح ابن حبان من حديث عبد الله بن بريدة عن ~~أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك ~~بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ~~ولم يكن له كفوا أحد، فقال: لقد سأل الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى، ~~وإذا دعي به أجاب وفي لفظ: لقد سألت الله باسمه الأعظم.» # PageV01P012 # وفي السنن وصحيح ابن حبان أيضا من حديث أنس بن مالك «أنه كان مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - جالسا ورجل يصلي، ثم دعا فقال: اللهم إني ~~أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض، يا ذا ~~الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: لقد دعا ~~الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى.» # أخرج الحديثين أحمد في مسنده. # وفي جامع الترمذي، من حديث أسماء بنت يزيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم} [سورة البقرة: 163] . # وفاتحة آل عمران {الم - الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ،» قال الترمذي: ~~هذا حديث حسن صحيح. # وفي مسند أحمد وصحيح ms006 الحاكم من حديث أبي هريرة وأنس بن مالك وربيعة بن ~~عامر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ألظوا بيا ذا الجلال ~~والإكرام» - يعني: تعلقوا بها والزموا وداوموا عليها. # وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان إذا أهمه الأمر رفع رأسه إلى السماء، وإذا اجتهد في ~~الدعاء، قال: يا حي يا قيوم» . # وفيه أيضا من حديث أنس بن مالك، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا حزبه أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث.» # وفي صحيح الحاكم من حديث أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن: البقرة، وآل عمران، وطه، قال ~~القاسم: فالتمستها فإذا هي آية {الحي القيوم) } » . # وفي جامع الترمذي وصحيح الحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «دعوة ذي النون، إذ دعا وهو في بطن الحوت " {لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} [سورة الأنبياء: 87] إنه لم يدع بها ~~مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له.» قال الترمذي: حديث صحيح. # PageV01P013 # وفي مستدرك الحاكم أيضا من حديث سعد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم أمر مهم، فدعا به يفرج الله عنه؟ دعاء ~~ذي النون» . # وفي صحيحه أيضا عنه أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: «هل ~~أدلكم على اسم الله الأعظم؟ دعاء يونس، فقال رجل: يا رسول الله، هل كان ~~ليونس خاصة؟ فقال ألا تسمع قوله: {فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي ~~المؤمنين} [سورة الأنبياء: 88] فأيما مسلم دعا بها في مرضه أربعين مرة فمات ~~في مرضه ذلك أعطي أجر شهيد، وإن برئ برئ مغفورا له» . # وفي الصحيحين من حديث ابن عباس «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش ~~العظيم، لا ms007 إله إلا الله رب السماوات السبع، ورب الأرض، ورب العرش الكريم. # » وفي مسند الإمام أحمد من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: ~~«علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل بي كرب أن أقول: لا إله ~~إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله وتبارك الله رب العرش العظيم، والحمد ~~لله رب العالمين» . # وفي مسنده أيضا من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم: «ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ~~ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو ~~لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت ~~به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء ~~حزني، وذهاب همي؛ إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحا، فقيل: يا ~~رسول الله، ألا نتعلمها؟ قال: بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها» . # وقال ابن مسعود: ما كرب نبي من الأنبياء، إلا استغاث بالتسبيح. # وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب المجابين، وفي الدعاء عن الحسن، قال: كان ~~رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار يكنى أبا معلق وكان ~~تاجرا يتجر بمال له ولغيره، يضرب به في الآفاق، وكان ناسكا ورعا، فخرج مرة ~~فلقيه لص مقنع في السلاح، فقال له: ضع ما معك فإني قاتلك، قال: فما تريده ~~من دمي؟ شأنك بالمال، قال: أما المال فلي، ولست أريد إلا دمك، قال: أما إذا ~~أبيت فذرني أصلي أربع ركعات، قال صل ما بدا لك، فتوضأ ثم صلى أربع ركعات، ~~فكان من دعائه في آخر سجوده أن قال: يا ودود يا ودود، يا ذا العرش # PageV01P014 # المجيد، يا فعالا لما تريد، أسألك بعزك الذي لا يرام، وبملكك الذي لا ~~يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني، ~~ثلاث مرات، فإذا هو بفارس قد أقبل بيده ms008 حربة قد وضعها بين أذني فرسه، فلما ~~بصر به اللص أقبل نحوه، فطعنه فقتله، ثم أقبل إليه، فقال: قم، فقال: من أنت ~~بأبي أنت وأمي؟ فقد أغاثني الله بك اليوم، فقال: أنا ملك من أهل السماء ~~الرابعة، دعوت بدعائك الأول فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك ~~الثاني، فسمعت لأهل السماء ضجة، ثم دعوت بدعائك الثالث، فقيل لي: دعاء ~~مكروب فسألت الله أن يوليني قتله، قال الحسن: فمن توضأ وصلى أربع ركعات، ~~ودعا بهذا الدعاء، استجيب له، مكروبا كان أو غير مكروب. ### | [فصل ظروف الدعاء] # فصل # ظروف الدعاء # وكثيرا ما تجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب لهم، فيكون قد اقترن بالدعاء ~~ضرورة صاحبه وإقباله على الله، أو حسنة تقدمت منه جعل الله سبحانه إجابة ~~دعوته شكرا لحسنته، أو صادف وقت إجابة، ونحو ذلك، فأجيبت دعوته، فيظن الظان ~~أن السر في لفظ ذلك الدعاء فيأخذه مجردا عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك ~~الداعي، وهذا كما إذا استعمل رجل دواء نافعا في الوقت الذي ينبغي استعماله ~~على الوجه الذي ينبغي، فانتفع به، فظن غيره أن استعمال هذا الدواء بمجرده ~~كاف في حصول المطلوب، كان غالطا، وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس. # ومن هذا قد يتفق دعاؤه باضطرار عند قبر فيجاب، فيظن الجاهل أن السر ~~للقبر، ولم يعلم أن السر للاضطرار وصدق اللجأ إلى الله، فإذا حصل ذلك في ~~بيت من بيوت الله، كان أفضل وأحب إلى الله. ### | [فصل شروط الدعاء المستجاب] # فصل # شروط الدعاء المستجاب # والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه، لا بحده فقط، فمتى ~~كان السلاح سلاحا تاما لا آفة به، والساعد ساعد قوي، والمانع مفقود؛ حصلت ~~به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير، فإن كان ~~الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو ~~كان ثم مانع من الإجابة، لم يحصل الأثر. ### | [فصل الدعاء والقدر] # فصل # الدعاء والقدر # PageV01P015 # وهاهنا سؤال مشهور وهو: # أن المدعو به إن كان ms009 قد قدر لم يكن بد من وقوعه، دعا به العبد أو لم يدع، ~~وإن لم يكن قد قدر لم يقع، سواء سأله العبد أو لم يسأله. # فظنت طائفة صحة هذا السؤال، فتركت الدعاء وقالت: لا فائدة فيه، وهؤلاء مع ~~فرط جهلهم وضلالهم، متناقضون فإن طرد مذهبهم يوجب تعطيل جميع الأسباب فيقال ~~لأحدهم: # إن كان الشبع والري قد قدرا لك فلابد من وقوعهما، أكلت أو لم تأكل، وإن ~~لم يقدرا لم يقعا أكلت أو لم تأكل. # وإن كان الولد قدر لك فلابد منه، وطئت الزوجة أو الأمة أو لم تطأ، وإن لم ~~يقدر لم يكن، فلا حاجة إلى التزويج والتسري، وهلم جرا. # فهل يقول هذا عاقل أو آدمي؟ بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب ~~التي بها قوامه وحياته، فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاء الذين هم كالأنعام ~~بل هم أضل سبيلا. # وتكايس بعضهم وقال: الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض يثيب الله عليه ~~الداعي، من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما ولا فرق عند هذا ~~المتكيس بين الدعاء والإمساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول ~~المطلوب، وارتباط الدعاء عندهم به كارتباط السكوت ولا فرق. # وقالت طائفة أخرى أكيس من هؤلاء: بل الدعاء علامة مجردة نصبها الله ~~سبحانه أمارة على قضاء الحاجة، فمتى وفق العبد للدعاء كان ذلك علامة له ~~وأمارة على أن حاجته قد انقضت، وهذا كما إذا رأيت غيما أسود باردا في زمن ~~الشتاء، فإن ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر. # قالوا: وهكذا حكم الطاعات مع الثواب، والكفر والمعاصي مع العقاب، هي ~~أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب لا أنها أسباب له. # وهكذا عندهم الكسر مع الانكسار، والحرق مع الإحراق، والإزهاق مع القتل ~~ليس # PageV01P016 # شيء من ذلك سببا البتة، ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه، إلا مجرد ~~الاقتران العادي، لا التأثير السببي وخالفوا بذلك الحس والعقل، والشرع ~~والفطرة، وسائر طوائف العقلاء، بل أضحكوا عليهم العقلاء. # وللصواب أن هاهنا قسما ثالثا، غير ما ذكره السائل، وهو أن ms010 هذا المقدور ~~قدر بأسباب، ومن أسبابه الدعاء، فلم يقدر مجردا عن سببه، ولكن قدر بسببه، ~~فمتى أتى العبد بالسبب، وقع المقدور، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور، ~~وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول ~~الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه، وكذلك قدر دخول الجنة ~~بالأعمال، ودخول النار بالأعمال، وهذا القسم هو الحق، وهذا الذي حرمه ~~السائل ولم يوفق له. # الدعاء من أقوى الأسباب # وحينئذ فالدعاء من أقوى الأسباب، فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح ~~أن يقال: لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال: لا فائدة في الأكل والشرب وجميع ~~الحركات والأعمال، وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء، ولا أبلغ في حصول ~~المطلوب. # عمر يستنصر بالدعاء # ولما كان الصحابة - رضي الله عنهم - أعلم الأمة بالله ورسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأفقههم في دينه، كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من ~~غيرهم. # وكان عمر - رضي الله عنه - يستنصر به على عدوه، وكان أعظم جنديه، وكان ~~يقول لأصحابه: لستم تنصرون بكثرة، وإنما تنصرون من السماء، وكان يقول: إني ~~لا أحمل هم الإجابة، ولكن هم الدعاء، فإذا ألهمتم الدعاء، فإن الإجابة معه، ~~وأخذ الشاعر هذا المعنى فنظمه فقال: # لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه ... من جود كفيك ما علمتني الطلبا # فمن ألهم الدعاء فقد أريد به الإجابة، فإن الله سبحانه يقول: {ادعوني ~~أستجب لكم} [سورة غافر: 60] وقال: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب ~~دعوة الداع إذا دعان} # PageV01P017 # وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: «من لم يسأل الله يغضب عليه» . # وهذا يدل على أن رضاءه في سؤاله وطاعته، وإذا رضي الرب تبارك وتعالى فكل ~~خير في رضاه، كما أن كل بلاء ومصيبة في غضبه. # وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد أثرا [ «أنا الله، لا إله إلا أنا، ~~إذا رضيت باركت، وليس لبركتي منتهى وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من ~~الولد» ] . # وقد دل ms011 العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم - على اختلاف أجناسها ومللها ~~ونحلها - على أن التقرب إلى رب العالمين، وطلب مرضاته، والبر والإحسان إلى ~~خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة ~~لكل شر، فما استجلبت نعم الله، واستدفعت نقمته، بمثل طاعته، والتقرب إليه، ~~والإحسان إلى خلقه. # ارتباط الخير والشر بالعمل # وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة، وحصول السرور في ~~الدنيا والآخرة في كتابه على الأعمال، ترتب الجزاء على الشرط، والمعلول على ~~العلة، والمسبب على السبب، وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع. # فتارة يرتب الحكم الخبري الكوني والأمر الشرعي على الوصف المناسب له ~~كقوله تعالى: {عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [سورة ~~الأعراف: 166] . # وقوله: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} [سورة الزخرف: 55] . # وقوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا} [المائدة: 83] ~~. # وقوله: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات ~~والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين ~~والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله ~~كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} [الأحزاب: 35] . # وهذا كثير جدا. # PageV01P018 # وتارة يرتبه عليه بصيغة الشرط والجزاء كقوله تعالى: {إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم} [سورة الأنفال: 29] . # وقوله: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} ~~[التوبة: 11] . # وقوله: {وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا} [سورة الجن: ~~16] . # ونظائره. # وتارة يأتي بلام التعليل كقوله: {ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب} ~~[سورة ص: 29] . # وقوله: {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [سورة ~~البقرة: 143] . # وتارة يأتي بأداة كي التي للتعليل كقوله: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء ~~منكم} [سورة الحشر: 77] . # وتارة يأتي بباء السببية، كقوله تعالى: {ذلك بما قدمت أيديكم} [سورة آل ~~عمران: 182] . # وقوله: {بما كنتم تعملون} [سورة المائدة: 105] . # وقوله: {بما كنتم تكسبون} ، وقوله: {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله} ~~[سورة آل عمران: 112] . # وتارة يأتي بالمفعول لأجله ظاهرا أو محذوفا، كقوله: {فرجل وامرأتان ممن ~~ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [سورة ms012 البقرة: 282] ~~. # وكقوله تعالى: {أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} [سورة ~~الأعراف: 172] # PageV01P019 # وقوله: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} [سورة ~~الأنعام: 156] ، أي: كراهة أن تقولوا. # وتارة يأتي بفاء السببية كقوله: {فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ~~فسواها} [سورة الشمس: 14] . # وقوله: {فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية} [سورة الحاقة: 10] . # وقوله: {فكذبوهما فكانوا من المهلكين} المؤمنون: 48] . # وتارة يأتي بأداة [لما] الدالة على الجزاء، كقوله: {فلما آسفونا انتقمنا ~~منهم} [سورة الزخرف: 55] . # ونظائره. # وتارة يأتي بإن وما عملت فيه، كقوله: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات} ~~[سورة الأنبياء: 90] . # وقوله في ضوء هؤلاء: {إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين} [الأنبياء: ~~77] . # وتارة يأتي بأداة " لولا "، الدالة على ارتباط ما قبلها بما بعدها، ~~كقوله: {فلولا أنه كان من المسبحين - للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} [سورة ~~الصافات: 143 - 144] . # وتارة يأتي " بلو " الدالة على الشرط كقوله: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون ~~به لكان خيرا لهم} [سورة النساء: 66] . # وبالجملة فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر ~~والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل ترتيب أحكام الدنيا والآخرة ~~ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال. # ومن تفقه في هذه المسألة وتأملها حق التأمل انتفع بها غاية النفع، ولم ~~يتكل على # PageV01P020 # القدر جهلا منه، وعجزا وتفريطا وإضاعة، فيكون توكله عجزا، وعجزه توكلا، ~~بل الفقيه كل الفقه الذي يرد القدر بالقدر، ويدفع القدر بالقدر، ويعارض ~~القدر بالقدر، بل لا يمكن لإنسان أن يعيش إلا بذلك، فإن الجوع والعطش ~~والبرد وأنواع المخاوف والمحاذير هي من القدر. # والخلق كلهم ساهون في دفع هذا القدر بالقدر، وهكذا من وفقه الله وألهمه ~~رشده يدفع قدر العقوبة الأخروية بقدر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة، ~~فهذا وزان القدر المخوف في الدنيا وما يضاده سواء، فرب الدارين واحد وحكمته ~~واحدة لا يناقض بعضها بعضا، ولا يبطل بعضها بعضا، فهذه المسألة من أشرف ~~المسائل لمن عرف قدرها، ورعاها حق رعايتها، والله المستعان. # لكن يبقى عليه أمران بهما تتم سعادته وفلاحه. # أحدهما: أن يعرف تفاصيل أسباب الشر ms013 والخير، ويكون له بصيرة في ذلك بما ~~يشاهده في العالم، وما جربه في نفسه وغيره، وما سمعه من أخبار الأمم قديما ~~وحديثا. # التاريخ تفصيل لما جاء عن الله # ومن أنفع ما في ذلك تدبر القرآن فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه، وفيه ~~أسباب الخير والشر جميعا مفصلة مبينة، ثم السنة، فإنها شقيقة القرآن، وهي ~~الوحي الثاني، ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما من غيرهما، وهما يريانك ~~الخير والشر وأسبابهما، حتى كأنك تعاين ذلك عيانا، وبعد ذلك إذا تأملت ~~أخبار الأمم، وأيام الله في أهل طاعته وأهل معصيته، طابق ذلك ما علمته من ~~القرآن والسنة، ورأيته بتفاصيل ما أخبر الله به، ووعد به، وعلمت من آياته ~~في الآفاق ما يدلك على أن القرآن حق، وأن الرسول حق، وأن الله ينجز وعده لا ~~محالة، فالتاريخ تفصيل لجزئيات ما عرفنا الله ورسوله من الأسباب الكلية ~~للخير والشر. ### | [فصل مغالطة النفس حول الأسباب] # فصل # مغالطة النفس حول الأسباب # الأمر الثاني أن يحذر مغالطة نفسه على هذه الأسباب وهذا من أهم الأمور ~~فإن العبد يعرف أن المعصية والغفلة من الأسباب المضرة له في دنياه وآخرته ~~ولا بد، ولكن تغالطه نفسه بالاتكال على عفو الله ومغفرته تارة، وبالتسويف ~~بالتوبة والاستغفار باللسان # PageV01P021 # تارة، وبفعل المندوبات تارة، وبالعلم تارة، وبالاحتجاج بالقدر تارة، ~~وبالاحتجاج بالأشباه والنظراء تارة، وبالاقتداء بالأكابر تارة أخرى. # خطأ في فهم الاستغفار # وكثير من الناس يظن أنه لو فعل ما فعل ثم قال: أستغفر الله، زال أثر ~~الذنب وراح هذا بهذا، وقال لي رجل من المنتسبين إلى الفقه: أنا أفعل ما ~~أفعل ثم أقول: سبحان الله وبحمده، مائة مرة وقد غفر ذلك أجمعه كما صح عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من قال في يوم سبحان الله وبحمده، ~~مائة مرة حطت خطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر» ، وقال لي آخر من أهل مكة: ~~نحن إذا فعل أحدنا ما فعل، اغتسل وطاف بالبيت أسبوعا وقد محي عنه ذلك، وقال ~~لي آخر: قد صح عن النبي ms014 - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أذنب عبد ذنبا، ~~فقال: أي رب أصبت ذنبا فاغفر لي، فغفر الله ذنبه، ثم مكث ما شاء الله، ثم ~~أذنب ذنبا آخر، فقال: أي رب أصبت ذنبا، فاغفر لي، فقال الله عز وجل: علم ~~عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، فليصنع ما شاء.» وقال: ~~أنا لا أشك أن لي ربا يغفر الذنب ويأخذ به، وهذا الضرب من الناس قد تعلق ~~بنصوص من الرجاء، واتكل عليها وتعلق بها بكلتا يديه وإذا عوتب على الخطايا ~~والانهماك فيها، سرد لك ما يحفظه من سعة رحمة الله ومغفرته ونصوص الرجاء، ~~وللجهال من هذا الضرب من الناس في هذا الباب غرائب وعجائب كقول بعضهم: # وكثر ما استطعت من الخطايا ... إذا كان القدوم على كريم # وقول الآخر: التنزه من الذنوب جهل بسعة عفو الله. # وقال الآخر: ترك الذنوب جراءة على مغفرة الله واستصغار. # وقال محمد بن حزم: رأيت بعض هؤلاء يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من ~~العصمة. # التعلق بالجبر # ومن هؤلاء المغرورين من يتعلق بمسألة الجبر، وأن العبد لا فعل له البتة ~~ولا اختيار، وإنما هو مجبور على فعل المعاصي. # التعلق بالإرجاء # ومن هؤلاء من يغتر بمسألة الإرجاء، وأن الإيمان هو مجرد التصديق، ~~والأعمال ليست من الإيمان، وأن إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل. # PageV01P022 # الخطأ في الحب # ومن هؤلاء من يغتر بمحبة الفقراء والمشايخ والصالحين، وكثرة التردد إلى ~~قبورهم، والتضرع إليهم، والاستشفاع بهم، والتوسل إلى الله بهم، وسؤاله ~~بحقهم عليه، وحرمتهم عنده. # ومنهم من يغتر بآبائه وأسلافه، وأن لهم عند الله مكانة وصلاحا، فلا يدعوه ~~أن يخلصوه كما يشاهد في حضرة الملوك، فإن الملوك تهب لخواصهم ذنوب أبنائهم ~~وأقاربهم، وإذا وقع أحد منهم في أمر مفظع خلصه أبوه وجده بجاهه ومنزلته. # الاغترار بالله # ومنهم من يغتر بأن الله عز وجل غني عن عذابه، وعذابه لا يزيد في ملكه ~~شيئا، ورحمته له لا تنقص من ملكه شيئا، فيقول: أنا مضطر إلى رحمته، وهو ~~أغنى ms015 الأغنياء، ولو أن فقيرا مسكينا مضطرا إلى شربة ماء عند من في داره شط ~~يجري لما منعه منها فالله أكرم وأوسع فالمغفرة لا تنقصه شيئا والعقوبة لا ~~تزيد في ملكه شيئا. # الاغترار بالفهم الفاسد والقرآن والسنة # ومنهم من يغتر بفهم فاسد فهمه هو وأضرابه من نصوص القرآن والسنة، فاتكلوا ~~عليه كاتكال بعضهم على قوله تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} [سورة الضحى: ~~55] . # قال وهو لا يرضى أن يكون في النار أحد من أمته، وهذا من أقبح الجهل، ~~وأبين الكذب عليه، فإنه يرضى بما يرضى به ربه عز وجل، والله تعالى يرضيه ~~تعذيب الظلمة والفسقة والخونة والمصرين على الكبائر، فحاشا رسوله أن يرضى ~~بما لا يرضى به ربه تبارك وتعالى. # وكاتكال بعضهم على قوله تعالى: {إن الله يغفر الذنوب جميعا} [سورة الزمر: ~~53] # وهذا أيضا من أقبح الجهل، فإن الشرك داخل في هذه الآية، فإنه رأس الذنوب ~~وأساسها، ولا خلاف أن هذه الآية في حق التائبين، فإنه يغفر ذنب كل تائب من ~~أي ذنب كان، ولو كانت الآية في حق غير التائبين لبطلت نصوص الوعيد كلها. # وأحاديث إخراج قوم من الموحدين من النار بالشفاعة. # وهذا إنما أتى صاحبه من قلة علمه وفهمه، فإنه سبحانه هاهنا عمم وأطلق، ~~فعلم أنه # PageV01P023 # أراد التائبين، وفي سورة النساء خصص وقيد فقال: {إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [سورة النساء: 48] ، فأخبر الله سبحانه أنه ~~لا يغفر الشرك، وأخبر أنه يغفر ما دونه، ولو كان هذا في حق التائب لم يفرق ~~بين الشرك وغيره، وكاغترار بعض الجهال بقوله تعالى: {ياأيها الإنسان ما غرك ~~بربك الكريم} [سورة الانفطار: 66] فيقول: كرمه، وقد يقول بعضهم: إنه لقن ~~المغتر حجته، وهذا جهل قبيح، وإنما غره بربه الغرور، وهو الشيطان، ونفسه ~~الأمارة بالسوء وجهله وهواه، وأتى سبحانه بلفظ الكريم وهو السيد العظيم ~~المطاع، الذي لا ينبغي الاغترار به، ولا إهمال حقه، فوضع هذا المغتر الغرور ~~في غير موضعه، واغتر بمن لا ينبغي الاغترار به. # وكاغترار بعضهم بقوله ms016 تعالى في النار: {لا يصلاها إلا الأشقى - الذي كذب ~~وتولى} [سورة الليل: 15 - 16] ، وقوله: {أعدت للكافرين} [سورة البقرة: 24] ~~. # ولم يدر هذا المغتر أن قوله: {فأنذرتكم نارا تلظى} هي نار مخصوصة من جملة ~~دركات جهنم، ولو كانت جميع جهنم فهو سبحانه لم يقل لا يدخلها بل قال {لا ~~يصلاها إلا الأشقى} ولا يلزم من عدم صليها، عدم دخولها، فإن الصلي أخص من ~~الدخول، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم. # ثم هذا المغتر لو تأمل الآية التي بعدها؛ لعلم أنه غير داخل فيها، فلا ~~يكون مضمونا له أن يجنبها. # وأما قوله في النار {أعدت للكافرين} ، فقد قال في الجنة: {أعدت للمتقين} ~~[سورة آل عمران: 133] ولا ينافي إعداد النار للكافرين أن يدخلها الفساق ~~والظلمة، ولا ينافي إعداد الجنة للمتقين أن يدخلها من في قلبه أدنى مثقال ~~ذرة من الإيمان، ولم يعمل خيرا قط. # PageV01P024 # وكاغترار بعضهم على صوم يوم عاشوراء، أو يوم عرفة، حتى يقول بعضهم: يوم ~~عاشوراء يكفر ذنوب العام كلها، ويبقى صوم عرفة زيادة في الأجر، ولم يدر هذا ~~المغتر، أن صوم رمضان، والصلوات الخمس، أعظم وأجل من صيام يوم عرفة، ويوم ~~عاشوراء، وهي إنما تكفر ما بينهما إذا اجتنبت الكبائر. # فرمضان إلى رمضان، والجمعة إلى الجمعة، لا يقويا على تكفير الصغائر، إلا ~~مع انضمام ترك الكبائر إليها، فيقوى مجموع الأمرين على تكفير الصغائر. # فكيف يكفر صوم يوم تطوع كل كبيرة عملها العبد وهو مصر عليها، غير تائب ~~منها؟ هذا محال على أنه لا يمتنع أن يكون صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء مكفرا ~~لجميع ذنوب العام على عمومه، ويكون من نصوص الوعد التي لها شروط وموانع، ~~ويكون إصراره على الكبائر مانعا من التكفير، فإذا لم يصر على الكبائر ~~لتساعد الصوم وعدم الإصرار، وتعاونهما على عموم التكفير، كما كان رمضان ~~والصلوات الخمس مع اجتناب الكبائر متساعدين متعاونين على تكفير الصغائر مع ~~أنه سبحانه قد قال: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} ~~[سورة النساء: 31] # فعلم أن جعل الشيء سببا للتكفير لا ms017 يمنع أن يتساعد هو وسبب آخر على ~~التكفير، ويكون التكفير مع اجتماع السببين أقوى وأتم منه مع انفراد أحدهما، ~~وكلما قويت أسباب التكفير كان أقوى وأتم وأشمل. # حسن الظن بالله # وكاتكال بعضهم على قوله - صلى الله عليه وسلم - حاكيا عن ربه " «أنا عند ~~حسن ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء» يعني ما كان في ظنه فإني فاعله به، ولا ~~ريب أن حسن الظن إنما يكون مع الإحسان، فإن المحسن حسن الظن بربه أن يجازيه ~~على إحسانه ولا يخلف وعده، ويقبل توبته. # وأما المسيء المصر على الكبائر والظلم والمخالفات فإن وحشة المعاصي ~~والظلم والحرام تمنعه من حسن الظن بربه، وهذا موجود في الشاهد، فإن العبد ~~الآبق الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به، ولا يجامع وحشة الإساءة إحسان ~~الظن أبدا، فإن المسيء مستوحش بقدر إساءته، وأحسن الناس ظنا بربه أطوعهم ~~له. # كما قال الحسن البصري: إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل وإن الفاجر ~~أساء الظن بربه فأساء العمل. # وكيف يكون محسن الظن بربه من هو شارد عنه، حال مرتحل في مساخطه وما ~~يغضبه، # PageV01P025 # متعرض للعنته قد هان حقه وأمره عليه فأضاعه، وهان نهيه عليه فارتكبه وأصر ~~عليه؟ وكيف يحسن الظن بربه من بارزه بالمحاربة، وعادى أولياءه، ووالى ~~أعداءه، وجحد صفات كماله، وأساء الظن بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم - وظن بجهله أن ظاهر ذلك ضلال وكفر؟ وكيف يحسن الظن ~~بربه من يظن أنه لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يرضى ولا يغضب؟ . # وقد قال الله في حق من شك في تعلق سمعه ببعض الجزئيات، وهو السر من ~~القول: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} [سورة ~~فصلت: 23] . # فهؤلاء لما ظنوا أن الله سبحانه لا يعلم كثيرا مما يعملون، كان هذا إساءة ~~لظنهم بربهم، فأرداهم ذلك الظن، وهذا شأن كل من جحد صفات كماله، ونعوت ~~جلاله، ووصفه بما لا يليق به، فإذا ظن هذا أنه يدخله الجنة كان هذا غرورا ~~وخداعا ms018 من نفسه، وتسويلا من الشيطان، لا إحسان ظن بربه. # فتأمل هذا الموضع، وتأمل شدة الحاجة إليه، وكيف يجتمع في قلب العبد تيقنه ~~بأنه ملاق الله، وأن الله يسمع ويرى مكانه، ويعلم سره وعلانيته، ولا يخفى ~~عليه خافية من أمره، وأنه موقوف بين يديه، ومسئول عن كل ما عمل، وهو مقيم ~~على مساخطه مضيع لأوامره، معطل لحقوقه، وهو مع هذا يحسن الظن به، وهل هذا ~~إلا من خدع النفوس، وغرور الأماني؟ # وقد قال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: دخلت أنا وعروة بن الزبير على عائشة - ~~رضي الله عنها - فقالت «لو رأيتما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرض ~~له، وكانت عندي ستة دنانير، أو سبعة، فأمرني رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن أفرقها، قالت: فشغلني وجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ~~عافاه الله، ثم سألني عنها فقال: ما فعلت؟ أكنت فرقت الستة الدنانير؟ فقلت: ~~لا والله لقد شغلني وجعك، قالت فدعا بها، فوضعها في كفه، فقال: ما ظن نبي ~~الله لو لقي الله وهذه عنده؟ وفي لفظ: ما ظن محمد بربه لو لقي الله وهذه ~~عنده.» # فيا لله ما ظن أصحاب الكبائر والظلمة بالله إذا لقوه ومظالم العباد ~~عندهم؟ فإن كان ينفعهم قولهم: حسنا ظنوننا بك، إنك لن تعذب ظالما ولا ~~فاسقا، فليصنع العبد ما شاء، وليرتكب كل ما نهاه الله عنه، وليحسن ظنه ~~بالله، فإن النار لا تمسه، فسبحان الله! ما يبلغ الغرور بالعبد، وقد قال ~~إبراهيم لقومه: {أئفكا آلهة دون الله تريدون - فما ظنكم برب العالمين} ~~[سورة الصافات: 86 - 87] . # PageV01P026 # أي ما ظنكم أن يفعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره. # ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل علم أن حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه، ~~فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل ظنه بربه أن يجازيه على أعماله ويثيبه ~~عليها ويتقبلها منه، فالذي حمله على العمل حسن الظن، فكلما حسن ظنه حسن ~~عمله، وإلا فحسن الظن مع اتباع الهوى عجز، كما في حديث الترمذي ms019 والمسند من ~~حديث شداد بن أوس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الكيس من دان نفسه ~~وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله» . # وبالجملة فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة، وأما مع انعقاد ~~أسباب الهلاك فلا يتأتى إحسان الظن. # الفرق بين حسن الظن والغرور # فإن قيل: بل يتأتى ذلك، ويكون مستند حسن الظن سعة مغفرة الله، ورحمته ~~وعفوه وجوده، وأن رحمته سبقت غضبه، وأنه لا تنفعه العقوبة، ولا يضره العفو. # قيل: الأمر هكذا، والله فوق ذلك وأجل وأكرم وأجود وأرحم، ولكن إنما يضع ~~ذلك في محله اللائق به، فإنه سبحانه موصوف بالحكمة، والعزة والانتقام، وشدة ~~البطش، وعقوبة من يستحق العقوبة، فلو كان معول حسن الظن على مجرد صفاته ~~وأسمائه لاشترك في ذلك البر والفاجر، والمؤمن والكافر، ووليه وعدوه، فما ~~ينفع المجرم أسماؤه وصفاته وقد باء بسخطه وغضبه، وتعرض للعنته، ووقع في ~~محارمه، وانتهك حرماته، بل حسن الظن ينفع من تاب وندم وأقلع، وبدل السيئة ~~بالحسنة، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة، ثم أحسن الظن، فهذا هو حسن ظن، ~~والأول غرور، والله المستعان. # ولا تستطل هذا الفصل، فإن الحاجة إليه شديدة لكل أحد يفرق بين حسن الظن ~~بالله وبين الغرور به، قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} [البقرة: ~~218] فجعل هؤلاء أهل الرجاء، لا البطالين والفاسقين. # PageV01P027 # قال تعالى: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ~~ربك من بعدها لغفور رحيم} [سورة النحل: 110] فأخبر سبحانه أنه بعد هذه ~~الأشياء غفور رحيم لمن فعلها، فالعالم يضع الرجاء مواضعه والجاهل المغتر ~~يضعه في غير مواضعه. ### | [فصل الذين اعتمدوا على عفو الله فضيعوا أمره ونهيه] # فصل # الذين اعتمدوا على عفو الله فضيعوا أمره ونهيه # وكثير من الجهال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، وضيعوا أمره ونهيه، ~~ونسوا أنه شديد العقاب، وأنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين، ومن اعتمد على ms020 ~~العفو مع الإصرار على الذنب فهو كالمعاند. # قال معروف: رجاؤك لرحمة من لا تطيعه من الخذلان والحمق. # وقال بعض العلماء: من قطع عضوا منك في الدنيا بسرقة ثلاثة دراهم، لا تأمن ~~أن تكون عقوبته في الآخرة على نحو هذا. # وقيل للحسن: نراك طويل البكاء، فقال: أخاف أن يطرحني في النار ولا يبالي. # وكان يقول: إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا بغير توبة، ~~يقول أحدهم: لأني أحسن الظن بربي، وكذب، لو أحسن الظن لأحسن العمل. # وسأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد كيف نصنع بمجالسة أقوام يخوفونا حتى ~~تكاد قلوبنا تطير؟ فقال: والله لأن تصحب أقواما يخوفونك حتى تدرك أمنا خير ~~لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف. # وقد ثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتاب ~~بطنه فيدور في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطوف به أهل النار، فيقولون: ~~يا فلان: ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول كنت ~~آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه» . # وذكر الإمام أحمد من حديث أبي رافع قال: «مر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالبقيع فقال: أف لك فظننت أنه يريدني، قال: لا، ولكن هذا قبر فلان، ~~بعثته ساعيا إلى آل فلان، فغل نمرة فدرع الآن مثلها من نار» . # PageV01P028 # وفي مسنده أيضا من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: «مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من ~~هؤلاء، قالوا: خطباء من أمتك من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر ~~وينسون أنفسهم» . # وفيه أيضا من حديثه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لما عرج ~~بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم، وصدورهم، فقلت: من ~~هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم» ~~. # وفيه أيضا عنه، قال: كان ms021 النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول: «يا ~~مقلب القلوب والأبصار، ثبت قلبي على دينك، فقلنا: يا رسول الله آمنا بك ~~وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع ~~الله يقلبها كيف شاء» . # وفيه أيضا عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لجبريل: «ما لي ~~لم أر ميكائيل ضاحكا قط؟ قال: ما ضحك منذ خلقت النار» . # وفي صحيح مسلم عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بأنعم ~~أهل الدنيا من أهل النار، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال له: يا ابن آدم هل ~~رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس ~~بؤسا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: يا ابن آدم ~~هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس ~~قط، ولا رأيت شدة قط» . # وفي المسند من حديث البراء بن عازب قال: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير، وفي ~~يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر - ~~مرتين أو ثلاثا - ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، ~~وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، ~~معهم كفن من أكفان أهل الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد ~~البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: اخرجي أيتها النفس ~~المطمئنة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من ~~في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، ~~فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت ~~على وجه الأرض، فيصعدون ms022 بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ~~ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: روح فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا ~~يسمونه بها في الدنيا، فيستفتحون له فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها ~~إلى # PageV01P029 # السماء التي تليها حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: ~~اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها ~~أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فقال: فتعاد روحه إلى الأرض، فيأتيه ملكان، ~~فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله عز وجل، فيقولان له: ما ~~دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ ~~فيقول: هو محمد رسول الله، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله عز ~~وجل فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فافرشوا له من ~~الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة قال: فيأتيه من روحها ~~وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، ~~طيب الريح، فيقول أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من ~~أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم ~~الساعة رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي، قال: وإن العبد الكافر إذا ~~كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، ~~سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى ~~يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، ~~قال: فتغرق في جسده فينتزعها، كما ينتزع السفود من الصوف المبتل، فيأخذها، ~~فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلونها في تلك المسوح، ويخرج ~~منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ~~ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة. فيقولون: روح فلان بن ~~فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، فيستفتح فلا يفتح له، ms023 ثم ~~قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {لا تفتح لهم أبواب السماء ولا ~~يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} [الأعراف: 40] فيقول الله عز ~~وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا، ثم قرأ: {ومن ~~يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان ~~سحيق} [سورة الحج: 31] فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان ~~له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه ~~لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، ~~فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي، فافرشوا له من النار، وافتحوا له بابا ~~إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، # PageV01P030 # ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح ~~الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، ~~فيقول: ومن أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، ~~فيقول: رب لا تقم الساعة.» # وفي لفظ لأحمد أيضا «ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، في يده مرزبة، لو ضرب بها ~~جبلا كان ترابا، ثم يعيده الله عز وجل كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح ~~صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين، قال البراء: ثم يفتح له باب إلى النار ~~ويمد له من فراش النار» . # وفي المسند أيضا عنه، قال: بينما نحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إذ بصر بجماعة، فقال: «علام اجتمع هؤلاء؟ قيل: على قبر يحفرونه، ففزع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبدر بين يدي أصحابه مسرعا، حتى انتهى ~~إلى القبر، فجثا على ركبتيه، فاستقبلته بين يديه لأنظر ما يصنع، فبكى حتى ~~بل الثرى من دموعه، ثم أقبل علينا، فقال: أي إخواني، لمثل هذا اليوم ~~فأعدوا» . # وفي المسند من حديث بريدة قال: «خرج إلينا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يوما فنادى ثلاث مرات: يا أيها الناس، أتدرون ما مثلي ومثلكم؟ ~~قالوا: الله ورسوله أعلم، ms024 فقال إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا يأتيهم ~~فبعثوا رجلا يتراءى لهم، فأبصر العدو، فأقبل لينذرهم، وخشي أن يدركه العدو ~~قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه: أيها الناس أتيتم، أيها الناس أتيتم، ثلاث ~~مرات» . # وفي صحيح مسلم من حديث جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ~~«كل مسكر حرام، وإن على الله عز وجل عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة ~~الخبال، قيل: وما طينة الخبال؟ قال عرق أهل النار أو عصارة أهل النار» . # وفي المسند أيضا من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: «أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما ~~فيها موضع أربع أصابع إلا وعليه ملك ساجد، لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم ~~قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات ~~تجأرون إلى الله عز وجل» قال أبو ذر: والله لوددت أني شجرة تعضد. # وفي المسند أيضا من حديث حذيفة قال: «كنا مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في جنازة فلما انتهينا إلى القبر قعد على ساقيه، فجعل يردد بصره ~~فيه، ثم قال: يضغط المؤمن فيه ضغطة تزول منها حمائله ويملأ على الكافر ~~نارا، والحمائل عروق الأنثيين.» # PageV01P031 # وفي المسند أيضا من حديث جابر قال: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى سعد بن معاذ حين توفي، فلما صلى عليه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ووضع في قبره، وسوي عليه، سبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فسبحنا طويلا، ثم كبر، فكبرنا، فقيل: يا رسول الله لم سبحت، ثم كبرت؟ فقال: ~~لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرج الله عنه» . # وفي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: «إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة ~~قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة، قالت: يا ويلها، أين تذهبون بها؟ ~~يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ms025 ولو سمعها الإنسان لصعق» . # وفي مسند أحمد من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: «تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل، ويزاد في حرها كذا وكذا، تغلي ~~منها الرءوس كما تغلي القدور، يعرقون فيها على قدر خطاياهم، منهم من يبلغ ~~إلى كعبه، ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى وسطه، ومنهم من ~~يلجمه العرق» . # وفيه عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كيف أنعم وصاحب ~~القرن قد التقم القرن؟ وحنى جبهته يسمع متى يؤمر فينفخ، فقال أصحابه: كيف ~~نقول؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» . # وفي المسند أيضا عن ابن عمر يرفعه: «من تعظم في نفسه، أو اختال في مشيته، ~~لقي الله وهو عليه غضبان» . # وفي الصحيحين عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن المصورين ~~يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم أحيوا ما خلقتم» . # وفيهما أيضا عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم إذا مات عرض ~~عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من ~~أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله عز وجل يوم ~~القيامة» . # وفيهما أيضا عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا صار أهل الجنة في ~~الجنة، وأهل النار في النار، جيء بالموت حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم ~~يذبح، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا ~~موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم» . # وفي المسند عنه قال: «من اشترى ثوبا بعشرة دراهم فيها درهم حرام لم يقبل ~~الله له # PageV01P032 # صلاة مادام عليه،» ثم أدخل إصبعيه في أذنيه ثم قال صمتا إن لم أكن سمعت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوله. # وفيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ترك ~~الصلاة سكرا مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها ms026 فسلبها، ومن ترك ~~الصلاة سكرا أربع مرات كان حقا على الله أن يسقيه طينة الخبال، قيل: وما ~~طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: عصارة أهل جهنم» . # وفيه أيضا عنه مرفوعا «من شرب الخمر مرة لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، ~~فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحا، فإن ~~تاب تاب الله عليه، فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة قال: فإن عاد كان ~~حقا على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة.» . # وفي المسند أيضا من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: «من مات مدمنا للخمر سقاه الله من نهر الغوطة، قيل: وما نهر الغوطة؟ ~~قال نهر يجري من فروج المومسات، يؤذي أهل النار ريح فروجهن» . # وفيه أيضا عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يعرض الناس يوم ~~القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك ~~تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه، أو آخذ بشماله» . # وفي المسند أيضا من حديث ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «إياكم ومحقرات الذنوب: فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه، وضرب لهن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثلا، كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع ~~القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا ~~سوادا وأججوا نارا، وأنضجوا ما قذفوا فيها» . # وفي الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ~~«يضرب الجسر على جهنم، فأكون أول من يجوز، ودعوى الرسل يومئذ، اللهم سلم ~~سلم، وعلى حافتيه كلاليب مثل شوك السعدان، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم ~~الموثق بعمله، ومنهم المجردل، ثم ينجو، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين ~~العباد، وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يرحم ممن كان يشهد أن لا إله ~~إلا الله، أمر الملائكة أن يخرجوهم، فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم ~~الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، فيخرجونهم ms027 قد امتحشوا فيصب ~~عليهم من ماء يقال له ماء الحياة، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل» . # وفي صحيح مسلم عنه قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن ~~أول الناس يقضى فيه # PageV01P033 # يوم القيامة ثلاثة: رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما ~~عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى قتلت، قال: كذبت، ولكن قاتلت ليقال: هو جرئ، ~~فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم ~~وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال: ما عملت فيها؟ قال ~~تعلمت فيك العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، فقال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال، ~~هو عالم، فقد قيل، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب ~~على وجهه حتى ألقي في النار» وفي لفظ «فهؤلاء أول خلق الله تسعر بهم النار ~~يوم القيامة» . # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: كما أن خير الناس الأنبياء فشر الناس ~~من تشبه بهم يوهم أنه منهم وليس منهم، فخير الناس بعدهم العلماء، والشهداء، ~~والصديقون، والمخلصون، وشر الناس من تشبه بهم يوهم أنه منهم وليس منهم. # وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «من ~~كانت عنده لأخيه مظلمة في مال أو عرض فليأته، فليستحلها منه قبل أن يؤخذ ~~وليس عنده دينار ولا درهم، فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته فأعطيها هذا، ~~وإلا أخذ من سيئات هذا فطرحت عليه ثم طرح في النار» . # وفي الصحيح من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع ~~أرضين» . # وفي الصحيحين عنه قال: قال رسول الله: «ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء ~~من سبعين جزءا من نار جهنم، قالوا: والله إن كانت لكافية، قال: فإنها قد ~~فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها» . # وفي المسند عن معاذ قال: أوصاني رسول الله - صلى الله عليه ms028 وسلم - فقال: ~~«لا تشرك بالله شيئا، وإن قتلت أو حرقت، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج ~~من أهلك ومالك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدا، فإن من ترك صلاة مكتوبة ~~متعمدا فقد برئت منه ذمة الله، ولا تشربن خمرا، فإنه رأس كل فاحشة، وإياك ~~والمعصية، فإن المعصية تحل سخط الله» . # والأحاديث في هذا الباب أضعاف أضعاف ما ذكرنا، فلا ينبغي لمن نصح نفسه أن ~~يتعامى عنها، ويرسل نفسه في المعاصي، ويتعلق بحسن الرجاء وحسن الظن. # قال أبو الوفاء بن عقيل: احذره ولا تغتر به، فإنه قطع اليد في ثلاثة ~~دراهم، وجلد الحد في مثل رأس الإبرة من الخمر، وقد دخلت المرأة النار في ~~هرة، واشتعلت الشملة نارا على من غلها وقد قتل شهيدا. # PageV01P034 # وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية حدثنا الأعمش عن سليمان بن ميسرة عن طارق ~~بن شهاب يرفعه قال: «دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل رجل النار في ذباب، ~~قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد ~~حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب، فقال ليس عندي شيء، قالوا قرب ولو ~~ذبابا، فخلوا سبيله، فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب، فقال: ما كنت لأقرب ~~لأحد شيئا من دون الله عز وجل، فضربوا عنقه، فدخل الجنة، وهذه الكلمة ~~الواحدة يتكلم بها العبد يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب. # » وربما اتكل بعض المغترين على ما يرى من نعم الله عليه في الدنيا وأنه ~~لا يغير ما به، ويظن أن ذلك من محبة الله له، وأنه يعطيه في الآخرة أفضل من ~~ذلك، فهذا من الغرور. # قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا رشدين بن سعد عن حرملة بن ~~عمران التجيبي عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «إذا رأيت الله عز وجل يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب ~~فإنما هو استدراج، ثم تلا قوله عز وجل: {فلما نسوا ما ذكروا به ms029 فتحنا عليهم ~~أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} [سورة ~~الأنعام: 44] .» # وقال بعض السلف: إذا رأيت الله يتابع عليك نعمه وأنت مقيم على معاصيه ~~فاحذره؛ فإنما هو استدراج منه يستدرجك به، وقد قال تعالى: {ولولا أن يكون ~~الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها ~~يظهرون - ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون - وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع ~~الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين} [سورة الزخرف: 33 - 35] . # وقد رد سبحانه على من يظن هذا الظن بقوله: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ~~ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمني - وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ~~فيقول ربي أهانني - كلا} [سورة الفجر: 15 - 17] أي ليس كل من نعمته ووسعت ~~عليه رزقه أكون قد أكرمته، وليس كل من ابتليته وضيقت عليه رزقه أكون قد ~~أهنته، بل أبتلي هذا بالنعم، وأكرم هذا بالابتلاء. # وفي جامع الترمذي عنه - صلى الله عليه وسلم: «إن الله يعطي الدنيا من يحب ~~ومن لا يحب ولا يعطي الإيمان إلا من يحب» # PageV01P035 # وقال بعض السلف: رب مستدرج بنعم الله عليه وهو لا يعلم، ورب مغرور بستر ~~الله عليه وهو لا يعلم، ورب مفتون بثناء الناس عليه وهو لا يعلم. ### | [فصل الاغترار بالدنيا] # فصل # الاغترار بالدنيا # وأعظم الخلق غرورا من اغتر بالدنيا وعاجلها، فآثرها على الآخرة، ورضي بها ~~من الآخرة، حتى يقول بعض هؤلاء: الدنيا نقد، والآخرة نسيئة، والنقد أحسن من ~~النسيئة. # ويقول بعضهم: ذرة منقودة، ولا درة موعودة. # ويقول آخر منهم: لذات الدنيا متيقنة، ولذات الآخرة مشكوك فيها، ولا أدع ~~اليقين بالشك. # وهذا من أعظم تلبيس الشيطان وتسويله، والبهائم العجم أعقل من هؤلاء؛ فإن ~~البهيمة إذا خافت مضرة شيء لم تقدم عليه ولو ضربت، وهؤلاء يقدم أحدهم على ~~ما فيه عطبه، وهو بين مصدق ومكذب. # فهذا الضرب إن آمن أحدهم بالله ورسوله ولقائه والجزاء، فهو من أعظم الناس ~~حسرة، لأنه أقدم على علم، وإن لم يؤمن بالله ورسوله فأبعد له. ms030 # وقول هذا القائل: النقد خير من النسيئة. # جوابه أنه إذا تساوى النقد والنسيئة فالنقد خير، وإن تفاوتا وكانت ~~النسيئة أكبر وأفضل فهي خير، فكيف والدنيا كلها من أولها إلى آخرها كنفس ~~واحد من أنفاس الآخرة؟ # كما في مسند أحمد والترمذي من حديث المستورد بن شداد قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في ~~اليم فلينظر بم يرجع؟» # فإيثار هذا النقد على هذه النسيئة، من أعظم الغبن وأقبح الجهل، وإذا كان ~~هذا نسبة الدنيا بمجموعها إلى الآخرة، فما مقدار عمر الإنسان بالنسبة إلى ~~الآخرة، فأيما أولى بالعاقل؟ إيثار العاجل في هذه المدة اليسيرة، وحرمان ~~الخير الدائم في الآخرة، أم ترك شيء حقير صغير منقطع عن قرب، ليأخذ ما لا ~~قيمة له ولا خطر له، ولا نهاية لعدده، ولا غاية لأمده؟ # وأما قول الآخر: لا أترك متيقنا لمشكوك فيه، فيقال له: إما أن تكون على ~~شك من وعد الله ووعيده وصدق رسله، أو تكون على # PageV01P036 # يقين من ذلك، فإن كنت على اليقين فما تركت إلا ذرة عاجلة منقطعة فانية عن ~~قرب، لأنه متيقن لا شك فيه ولا انقطاع له. # وإن كنت على شك فراجع آيات الرب تعالى الدالة على وجوده وقدرته ومشيئته، ~~ووحدانيته، وصدق رسله فيما أخبروا به عن الله، وتجرد وقم لله ناظرا أو ~~مناظرا، حتى يتبين لك أن ما جاءت به الرسل عن الله فهو الحق الذي لا شك ~~فيه، وأن خالق هذا العالم ورب السماوات والأرض يتعالى ويتقدس ويتنزه عن ~~خلاف ما أخبرت به رسله عنه، ومن نسبه إلى غير ذلك فقد شتمه وكذبه، وأنكر ~~ربوبيته وملكه، إذ من المحال الممتنع عند كل ذي فطرة سليمة، أن يكون الملك ~~الحق عاجزا أو جاهلا، لا يعلم شيئا، ولا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم، ولا يأمر ~~ولا ينهى، ولا يثيب ولا يعاقب، ولا يعز من يشاء، ولا يذل من يشاء، ولا يرسل ~~رسله إلى أطراف مملكته ونواحيها، ولا يعتني بأحوال رعيته، ms031 بل يتركهم سدى ~~ويخليهم هملا، وهذا يقدح في ملك آحاد ملوك البشر ولا يليق به، فكيف يجوز ~~نسبة الملك الحق المبين إليه؟ # وإذا تأمل الإنسان حاله من مبدأ كونه نطفة إلى حين كماله واستوائه تبين ~~له أن من عني به هذه العناية، ونقله إلى هذه الأحوال، وصرفه في هذه ~~الأطوار، لا يليق به أن يهمله ويتركه سدى، لا يأمره ولا ينهاه ولا يعرفه ~~بحقوقه عليه، ولا يثيبه ولا يعاقبه، ولو تأمل العبد حق التأمل لكان كل ما ~~يبصره وما لا يبصره دليلا له على التوحيد والنبوة والمعاد، وأن القرآن ~~كلامه، وقد ذكرنا وجه الاستدلال بذلك في كتاب إيمان القرآن عند قوله: {فلا ~~أقسم بما تبصرون - وما لا تبصرون - إنه لقول رسول كريم} [سورة الحاقة: 38 - ~~40] . # وذكرنا طرفا من ذلك عند قوله: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [سورة الذاريات: ~~21] . # وأن الإنسان دليل نفسه على وجود خالقه وتوحيده، وصدق رسله، وإثبات صفات ~~كماله. # فقد بان أن المضيع مغرور على التقديرين: تقدير تصديقه ويقينه، وتقدير ~~تكذيبه وشكه. # كيف يجتمع اليقين بالمعاد، والتخلف عن العمل؟ # فإن قلت: كيف يجتمع التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار ~~ويتخلف العمل؟ وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوب غدا إلى بين ~~يدي بعض الملوك # PageV01P037 # ليعاقبه أشد عقوبة، أو يكرمه أتم كرامة، ويبيت ساهيا غافلا لا يتذكر ~~موقفه بين يدي الملك، ولا يستعد له، ولا يأخذ له أهبته. # قيل: هذا لعمر الله سؤال صحيح وارد على أكثر هذا الخلق، فاجتماع هذين ~~الأمرين من أعجب الأشياء وهذا التخلف له عدة أسباب: # أحدها: ضعف العلم، ونقصان اليقين، ومن ظن أن العلم لا يتفاوت، فقوله من ~~أفسد الأقوال وأبطلها. # وقد سأل إبراهيم الخليل ربه أن يريه إحياء الموتى عيانا بعد علمه بقدرة ~~الرب على ذلك، ليزداد طمأنينة، ويصير المعلوم غيبا شهادة. # وقد روى أحمد في مسنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس ~~الخبر كالمعاينة» . # فإذا اجتمع إلى ضعف العلم عدم استحضاره، أو غيبته عن القلب ms032 في كثير من ~~أوقاته أو أكثرها لاشتغاله بما يضاده، وانضم إلى ذلك تقاضي الطبع، وغلبات ~~الهوى، واستيلاء الشهوة، وتسويل النفس، وغرور الشيطان، واستبطاء الوعد، ~~وطول الأمل، ورقدة الغفلة، وحب العاجلة، ورخص التأويل وإلف العوائد، فهناك ~~لا يمسك الإيمان إلا الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، وبهذا السبب ~~يتفاوت الناس في الإيمان والأعمال، حتى ينتهي إلى أدنى مثقال ذرة في القلب. # وجماع هذه الأسباب يرجع إلى ضعف البصيرة والصبر، ولهذا مدح الله سبحانه ~~أهل الصبر واليقين، وجعلهم أئمة في الدين، فقال تعالى: {منهم أئمة يهدون ~~بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة: 24] ### | [فصل الفرق بين حسن الظن والغرور] # فصل # الفرق بين حسن الظن والغرور # وقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور، وأن حسن الظن إن حمل على العمل، ~~وحث عليه، وساق إليه، فهو صحيح، وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي ~~فهو غرور، وحسن الظن هو الرجاء، فمن كان رجاؤه هاديا له إلى الطاعة، زاجرا ~~له عن المعصية، فهو رجاء صحيح، ومن كانت بطالته رجاء، ورجاؤه بطالة ~~وتفريطا، فهو المغرور. # ولو أن رجلا كانت له أرض يؤمل أن يعود عليه من مغلها ما ينفعه فأهملها ~~ولم يبذرها # PageV01P038 # ولم يحرثها، وحسن ظنه بأنه يأتي من مغلها ما يأتي من حرث وبذر وسقى ~~وتعاهد الأرض لعده الناس من أسفه السفهاء. # وكذلك لو حسن ظنه وقوي رجاؤه بأن يجيئه ولد من غير جماع أو يصير أعلم أهل ~~زمانه من غير طلب العلم، وحرص تام عليه، وأمثال ذلك. # فكذلك من حسن ظنه وقوي رجاؤه في الفوز بالدرجات العلا والنعيم المقيم، من ~~غير طاعة ولا تقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وبالله ~~التوفيق. # وقد قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~أولئك يرجون رحمة الله} [سورة البقرة: 218] . # فتأمل كيف جعل رجاءهم إتيانهم بهذه الطاعات؟ # وقال المغترون: إن المفرطين المضيعين لحقوق الله المعطلين لأوامره، ~~الباغين على عباده، المتجرئين على محارمه، أولئك يرجون رحمة الله. # وسر المسألة: أن الرجاء وحسن الظن ms033 إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي ~~اقتضتها حكمة الله في شرعه وقدره وثوابه وكرامته، فيأتي العبد بها ثم يحسن ~~ظنه بربه، ويرجوه أن لا يكله إليها، وأن يجعلها موصلة إلى ما ينفعه، ويصرف ~~ما يعارضها ويبطل أثرها. ### | [فصل الرجاء والأماني] # فصل # الرجاء والأماني # ومما ينبغي أن من رجا شيئا استلزم رجاؤه ثلاثة أمور: # أحدها: محبة ما يرجوه. # الثاني: خوفه من فواته. # الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان. # وأما رجاء لا يقارنه شيء من ذلك فهو من باب الأماني، والرجاء شيء ~~والأماني شيء آخر، فكل راج خائف، والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير ~~مخافة الفوات. # وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن ~~سلعة الله الجنة» . # PageV01P039 # وهو سبحانه كما جعل الرجاء لأهل الأعمال الصالحة، فكذلك جعل الخوف لأهل ~~الأعمال الصالحة، فعلم أن الرجاء والخوف النافع ما اقترن به العمل. # قال الله تعالى: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون - والذين هم بآيات ~~ربهم يؤمنون - والذين هم بربهم لا يشركون - والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم ~~وجلة أنهم إلى ربهم راجعون - أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} ~~[سورة المؤمنون: 57 - 61] . # وقد روى الترمذي في جامعه عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سألت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية فقلت: أهم الذين يشربون الخمر، ~~ويزنون، ويسرقون، فقال: «لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ~~ويتصدقون، ويخافون أن لا يتقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات.» وقد روي ~~من حديث أبي هريرة أيضا. # والله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف، ووصف الأشقياء بالإساءة ~~مع الأمن. # خوف الصحابة من الله # من تأمل أحوال الصحابة - رضي الله عنهم - وجدهم في غاية العمل مع غاية ~~الخوف، ونحن جميعا بين التقصير، بل التفريط والأمن، فهذا الصديق - رضي الله ~~عنه - يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن، ذكره أحمد عنه. # وذكر عنه ms034 أيضا أنه كان يمسك بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد، وكان ~~يبكي كثيرا، ويقول: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا. # وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل. # وأتى بطائر فقلبه ثم قال: ما صيد من صيد، ولا قطعت شجرة من شجرة، إلا بما ~~ضيعت من التسبيح، فلما احتضر، قال لعائشة: يا بنية، إني أصبت من مال ~~المسلمين هذه العباءة وهذه الحلاب وهذا العبد، فأسرعي به إلى ابن الخطاب، ~~وقال: والله لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد. # وقال قتادة: بلغني أن أبا بكر قال: ليتني خضرة تأكلني الدواب. # وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة الطور إلى أن بلغ: {إن عذاب ربك لواقع} ~~[سورة الطور: 77] فبكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه. # PageV01P040 # وقال لابنه وهو في الموت: ويحك ضع خدي على الأرض عساه أن يرحمني، ثم قال: ~~ويل أمي، إن لم يغفر لي (ثلاثا) ، ثم قضي. # وكان يمر بالآية في ورده بالليل فتخيفه، فيبقى في البيت أياما يعاد، ~~يحسبونه مريضا، وكان في وجهه - رضي الله عنه - خطان أسودان من البكاء. # وقال له ابن عباس، مصر الله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح، وفعل، فقال: ~~وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر. # وهذا عثمان بن عفان - رضي الله عنه - كان إذا وقف على القبر يبكي حتى تبل ~~لحيته، وقال: لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي، لاخترت ~~أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير. # وهذا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وبكاؤه وخوفه، وكان يشتد خوفه من ~~اثنتين: طول الأمل، واتباع الهوى، قال: فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما ~~اتباع الهوى فيصد عن الحق، ألا وإن الدنيا قد ولت مدبرة، والآخرة مقبلة، ~~ولكل واحدة بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن ~~اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل. # وهذا أبو الدرداء كان يقول: إن أشد ما أخاف على نفسي يوم القيامة أن يقال ~~لي: يا أبا الدرداء، قد ms035 علمت، فكيف عملت فيما علمت؟ وكان يقول: لو تعلمون ~~ما أنتم لاقون بعد الموت لما أكلتم طعاما على شهوة، ولا شربتم شرابا على ~~شهوة، ولا دخلتم بيتا تستظلون فيه، ولخرجتم إلى الصعدات تضربون صدوركم، ~~وتبكون على أنفسكم، ولوددت أني شجرة تعضد ثم تؤكل. # وكان عبد الله بن عباس أسفل عينيه مثل الشراك البالي من الدموع. # وكان أبو ذر يقول: يا ليتني كنت شجرة تعضد، ووددت أني لم أخلق وعرضت عليه ~~النفقة، فقال: ما عندنا عنز نحلبها وحمر ننقل عليها، ومحرر يخدمنا، وفضل ~~عباءة، وإني أخاف الحساب فيها. # وقرأ تميم الداري ليلة سورة الجاثية، فلما أتى على هذه الآية {أم حسب ~~الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} [سورة ~~الجاثية: 21] جعل يرددها ويبكي حتى أصبح. # PageV01P041 # وقال أبو عبيدة عامر بن الجراح: وددت أني كبش فذبحني أهلي، وأكلوا لحمي ~~وحسوا مرقي. وهذا باب يطول تتبعه. # قال البخاري في صحيحه: باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر. # وقال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا. # وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل ~~وميكائيل. # ويذكر عن الحسن: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق. # وكان عمر بن الخطاب يقول لحذيفة: أنشدك الله هل سماني لك رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، يعني في المنافقين، فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحدا. # فسمعت شيخنا - رضي الله عنه - يقول: ليس مراده لا أبرئ غيرك من النفاق، ~~بل المراد لا أفتح على نفسي هذا الباب، فكل من سألني هل سماني لك رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فأزكيه. # قلت: وقريب من هذا «قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي سأله أن يدعو ~~له أن يكون من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: سبقك بها عكاشة» ~~. ولم يرد أن عكاشة وحده أحق بذلك ممن عداه من الصحابة، ولكن لو ms036 دعا لقام ~~آخر وآخر وانفتح الباب، وربما قام من لم يستحق أن يكون منهم، فكان الإمساك ~~أولى، والله أعلم. ### | [فصل ضرر الذنوب في القلب كضرر السموم في الأبدان] # فصل # ضرر الذنوب في القلب كضرر السموم في الأبدان # فلنرجع إلى ما كنا فيه من ذكر دواء الداء الذي إن استمر أفسد دنيا العبد ~~وآخرته. # فما ينبغي أن يعلم، أن الذنوب والمعاصي تضر، ولا بد أن ضررها في القلب ~~كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا ~~والآخرة شر وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي، فما الذي أخرج الأبوين من ~~الجنة، دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان ~~والمصائب؟ # وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه ~~فجعل صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبدل بالقرب ~~بعدا، وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحا، وبالجنة نارا تلظى، وبالإيمان كفرا، ~~وبموالاة الولي الحميد # PageV01P042 # أعظم عداوة ومشاقة، وبزجل التسبيح والتقديس والتهليل زجل الكفر والشرك ~~والكذب والزور والفحش، وبلباس الإيمان لباس الكفر والفسوق والعصيان، فهان ~~على الله غاية الهوان، وسقط من عينه غاية السقوط، وحل عليه غضب الرب تعالى ~~فأهواه، ومقته أكبر المقت فأرداه، فصار قوادا لكل فاسق ومجرم، رضي لنفسه ~~بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة، فعياذا بك اللهم من مخالفة أمرك ~~وارتكاب نهيك. # وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رأس الجبال؟ وما الذي ~~سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز ~~نخل خاوية، ودمرت ما مر عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم، حتى صاروا ~~عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟ # وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن ~~آخرهم؟ # وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم، ثم قلبها ~~عليهم، فجعل عاليها سافلها، فأهلكهم جميعا، ثم أتبعهم حجارة من السماء ~~أمطرها عليهم، فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمة غيرهم، ولإخوانهم ~~أمثالها، وما هي من الظالمين ms037 ببعيد؟ # وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل، فلما صار فوق رءوسهم ~~أمطر عليهم نارا تلظى؟ # وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد ~~للغرق، والأرواح للحرق؟ # وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟ # وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات، ودمرها تدميرا؟ # وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟ # وما الذي بعث على بني إسرائيل قوما أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، ~~وقتلوا الرجال، وسبوا الذرية والنساء، وأحرقوا الديار، ونهبوا الأموال، ثم ~~بعثهم عليهم مرة ثانية فأهلكوا ما قدروا عليه وتبروا ما علوا تتبيرا؟ # وما الذي سلط عليهم أنواع العقوبات، مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد، ~~ومرة بجور # PageV01P043 # الملوك، ومرة بمسخهم قردة وخنازير، وآخر ذلك أقسم الرب تبارك وتعالى: ~~{ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} [سورة الأعراف: 167] ~~. # قال الإمام أحمد حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا صفوان بن عمر وحدثني عبد ~~الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: لما فتحت قبرص فرق بين أهلها، فبكى ~~بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء جالسا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء ~~ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله، فقال: ويحك يا جبير، ما أهون ~~الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم ~~الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى. # وقال علي بن الجعد: أنبأنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا البختري ~~يقول: أخبرني من سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لن يهلك الناس ~~حتى يعذروا من أنفسهم» . # وفي مسند أحمد من حديث أم سلمة قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: «إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده، فقلت: يا ~~رسول الله، أما فيهم يومئذ أناس صالحون؟ قال: بلى، قلت: كيف يصنع بأولئك؟ ~~قال: يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان» . # وفي مراسيل الحسن عن النبي ms038 - صلى الله عليه وسلم - «لا تزال هذه الأمة ~~تحت يد الله وفي كنفه ما لم يمالئ قراؤها أمراءها، وما لم يزك صلحاؤها ~~فجارها، وما لم يهن خيارها أشرارها، فإذا هم فعلوا ذلك رفع الله يده عنهم، ~~ثم سلط عليهم جبابرتهم فساموهم سوء العذاب، ثم ضربهم الله بالفاقة والفقر» ~~. # وفي المسند من حديث ثوبان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن ~~الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» . # وفيه أيضا عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تتداعى ~~عليكم الأمم من كل أفق، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قلنا: يا رسول الله، ~~أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تنزع ~~المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن، قالوا وما الوهن؟ قال: حب ~~الحياة وكراهة الموت» . # وفي المسند من حديث أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لما ~~عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء ~~يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم.» # PageV01P044 # وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: «يخرج في آخر الزمان قوم يختلون الدنيا بالدين، ويلبسون للناس مسوك ~~الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله عز ~~وجل: أبي يغترون؟ وعلي يجترئون؟ فبي حلفت، لأبعثن أولئك فتنة تدع الحليم ~~فيها حيران» . # وذكر ابن أبي الدنيا من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال علي: ~~يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، ~~مساجدهم يومئذ عامرة، وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر من تحت أديم السماء، ~~منهم خرجت الفتنة وفيهم تعود. # وذكر من حديث سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ~~قال: إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله عز وجل بهلاكها. # وفي مراسيل الحسن: إذا أظهر الناس العلم، ms039 وضيعوا العمل، وتحابوا بالألسن، ~~وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا بالأرحام، لعنهم الله عز وجل عند ذلك، فأصمهم ~~وأعمى أبصارهم. # وفي سنن ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: كنت عاشر عشرة ~~رهط من المهاجرين عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقبل علينا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بوجهه فقال: «يا معشر المهاجرين خمس خصال أعوذ ~~بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا ~~بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولا نقص قوم ~~المكيال والميزان إلا ابتلوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان، وما منع ~~قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء فلولا البهائم لم يمطروا، ولا ~~خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، ~~وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم» . # وفي المسند والسنن من حديث عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن أبي ~~عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: «إن من كان قبلكم، كان إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة جاءه الناهي ~~تعذيرا، فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه، كأنه لم يره على خطيئة ~~بالأمس، فلما رأى الله عز وجل ذلك منهم، ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم ~~على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون والذي نفس # PageV01P045 # محمد بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ~~ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم ~~كما لعنهم» . # وذكر ابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال: أوحى الله إلى ~~يوشع بن نون: إني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم، وستين ألفا من ~~شرارهم، قال: يا رب، هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: لم يغضبوا ~~لغضبي، وكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم. # وذكر أبو عمر بن عبد البر عن أبي عمران ms040 قال: بعث الله عز وجل ملكين إلى ~~قرية، أن دمراها بمن فيها، فوجدا رجلا قائما يصلي في مسجد، فقالا: يا رب، ~~إن فيها عبدك فلانا يصلي، فقال الله عز وجل: دمراها ودمراه معهم، فإنه ما ~~تمعر وجهه في قط. # وذكر الحميدي عن سفيان بن عيينة: قال: حدثني سفيان بن سعيد عن مسعر: «أن ~~ملكا أمر أن يخسف بقرية، فقال: يا رب، إن فيها فلانا العابد، فأوحى الله ~~إليه: أن به فابدأ، فإنه لم يتمعر وجهه في ساعة قط.» # وذكر ابن أبي الدنيا عن وهب بن منبه قال: لما أصاب داود الخطيئة قال: يا ~~رب اغفر لي: قال قد غفرت لك، وألزمت عارها بني إسرائيل، قال يا رب، كيف ~~وأنت الحكم العدل لا يظلم أحدا، أنا أعمل الخطيئة وتلزم عارها غيري، فأوحى ~~الله إليه، إنك لما عملت الخطيئة لم يعجلوا عليك بالإنكار. # وذكر ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك: أنه دخل على عائشة، هو ورجل آخر، ~~فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة، فقالت: إذا استباحوا ~~الزنا، وشربوا الخمر، وضربوا بالمعازف، غار الله عز وجل في سمائه، فقال ~~للأرض تزلزلي بهم، فإن تابوا ونزعوا، وإلا هدمها عليهم، قال: يا أم ~~المؤمنين، أعذابا لهم؟ قالت: بلى، موعظة ورحمة للمؤمنين، ونكالا وعذابا ~~وسخطا على الكافرين، فقال أنس: ما سمعت حديثا بعد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنا أشد فرحا به مني بهذا الحديث. # وذكر ابن أبي الدنيا حديثا مرسلا: «إن الأرض تزلزلت على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فوضع يده عليها ثم قال: اسكني، فإنه لم يأن لك بعد، ~~ثم التفت إلى أصحابه، فقال: إن ربكم ليستعتبكم فأعتبوه، ثم تزلزلت بالناس ~~على عهد عمر بن الخطاب فقال، يا أيها الناس ما كانت هذه الزلزلة إلا عن شيء ~~أحدثتموه، والذي نفسي بيده لئن عادت لا أساكنكم فيها أبدا» . # وفي مناقب عمر لابن أبي الدنيا «أن الأرض تزلزلت على عهد عمر، فضرب يده # PageV01P046 # عليها، وقال: ما لك؟ ما لك؟ ms041 أما إنها لو كانت القيامة حدثت أخبارها، سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا كان يوم القيامة فليس فيها ~~ذراع ولا شبر إلا وهو ينطق» . # وذكر الإمام أحمد عن صفية، قالت: زلزلت المدينة على عهد عمر، فقال: يا ~~أيها الناس ما هذا؟ وما أسرع ما أحدثتم، لئن عادت لا أساكنكم فيها. # وقال كعب: إنما زلزلت الأرض إذا عمل فيها بالمعاصي فترعد فرقا من الرب جل ~~جلاله أن يطلع عليها. # وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: أما بعد فإن هذا الرجف شيء يعاتب ~~الله عز وجل به العباد، وقد كتبت إلى الأمصار أن يخرجوا في يوم كذا وكذا في ~~شهر كذا وكذا، فمن كان عنده شيء فليتصدق به، فإن الله عز وجل يقول: {قد ~~أفلح من تزكى - وذكر اسم ربه فصلى} [سورة الأعلى: 14 - 15] . # وقولوا كما قال آدم: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن ~~من الخاسرين} [سورة الأعراف: 23] . # وقولوا كما قال نوح: {وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} [سورة هود: ~~47] . # وقولوا كما قال يونس: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} [سورة ~~الأنبياء: 87] . # وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء ~~بن أبي رباح عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~«إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتبعوا أذناب البقر، ~~وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا ~~دينهم» رواه أبو داود بإسناد حسن. # وذكر ابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر قال: لقد رأينا وما أحد أحق بديناره ~~ودرهمه من أخيه المسلم. # ولقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا ضن الناس ~~بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتركوا الجهاد في سبيل الله، وأخذوا ~~أذناب البقر، أنزل الله عليهم من السماء بلاء، فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا ~~دينهم» . # PageV01P047 # وقال الحسن: إن الفتنة والله ما هي إلا عقوبة من الله عز وجل على الناس. ms042 # ونظر بعض أنبياء بني إسرائيل إلى ما يصنع بهم بختنصر، فقال: بما كسبت ~~أيدينا سلطت علينا من لا يعرفك ولا يرحمنا. # وقال بختنصر لدانيال: ما الذي سلطني على قومك؟ قال: عظم خطيئتك وظلم قومي ~~أنفسهم. # وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عمار بن ياسر وحذيفة عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «أن الله عز وجل إذا أراد بالعباد نقمة أمات الأطفال، وأعقم ~~أرحام النساء، فتنزل النقمة، وليس فيهم مرحوم» . # وذكر عن مالك بن دينار قال: قرأت في الحكمة: يقول الله عز وجل: أنا الله ~~مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني ~~جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، ولكن توبوا إلي أعطفهم ~~عليكم. # وفي مراسيل الحسن: إذا أراد الله بقوم خيرا جعل أمرهم إلى حلمائهم، ~~وفيأهم عند سمحائهم، وإذا أراد الله بقوم شرا جعل أمرهم إلى سفهائهم، ~~وفيأهم عند بخلائهم. # وذكر الإمام أحمد وغيره عن قتادة قال: قال موسى: يا رب أنت في السماء ~~ونحن في الأرض، فما علامة غضبك من رضاك؟ قال: إذا استعملت عليكم خياركم فهو ~~من علامة رضائي عنكم، وإذا استعملت عليكم شراركم فهو من علامة سخطي عليكم. # وذكر ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض قال: أوحى الله إلى بعض الأنبياء: ~~إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني. # وذكر أيضا من حديث ابن عمر برفعه: «والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى ~~يبعث الله أمراء كذبة، ووزراء فجرة، وأعوانا خونة، وعرفاء ظلمة، وقراء ~~فسقة، سيماهم سيماء الرهبان، وقلوبهم أنتن من الجيف، أهواؤهم مختلفة، فيفتح ~~الله لهم فتنة غبراء مظلمة فيتهالكون فيها، والذي نفس محمد بيده لينقضن ~~الإسلام عروة عروة، حتى لا يقال: الله الله، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن ~~المنكر، أو ليسلطن الله عليكم أشراركم، فيسومونكم سوء العذاب، ثم يدعو ~~خياركم فلا يستجاب لهم، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليبعثن ~~الله عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم» . # وفي معجم الطبراني وغيره من حديث سعيد بن جبير ms043 عن ابن عباس قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم: «ما طفف قوم كيلا، ولا بخسوا ميزانا، إلا منعهم ~~الله عز وجل القطر، وما ظهر # PageV01P048 # في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت، وما ظهر في قوم الربا إلا سلط الله ~~عليهم الجنون، ولا ظهر في قوم القتل - يقتل بعضهم بعضا - إلا سلط الله ~~عليهم عدوهم، ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط إلا ظهر فيهم الخسف، وما ترك قوم ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع أعمالهم ولم يسمع دعاؤهم» ~~ورواه ابن أبي الدنيا من حديث إبراهيم بن الأشعث عن عبد الرحمن بن زيد عن ~~أبيه عن سعيد به. # وفي المسند وغيره من حديث عروة عن عائشة قالت: «دخل علي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وقد حفزه النفس، فعرفت في وجهه أن قد حفزه شيء، فما تكلم ~~حتى توضأ، وخرج، فلصقت بالحجرة، فصعد المنبر: فحمد الله وأثنى عليه، ثم ~~قال: يا أيها الناس، إن الله عز وجل يقول لكم: مروا بالمعروف وانهوا عن ~~المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتستنصروني فلا أنصركم، وتسألوني فلا ~~أعطيكم» . # وقال العمري الزاهد: إن من غفلتك عن نفسك، وإعراضك عن الله أن ترى ما ~~يسخط الله فتتجاوزه، ولا تأمر فيه، ولا تنهى عنه، خوفا ممن لا يملك لنفسه ~~ضرا ولا نفعا. # وقال: من ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مخافة من المخلوقين، ~~نزعت منه الطاعة، ولو أمر ولده أو بعض مواليه لاستخف بحقه. # وذكر الإمام أحمد في مسنده من حديث قيس بن أبي حازم قال: قال أبو بكر ~~الصديق: يا أيها الناس إنكم تتلون هذه الآية، وإنكم تضعونها على غير موضعها ~~{ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [سورة ~~المائدة: 105] . # وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الناس إذا رأوا ~~الظالم فلم يأخذوا على يديه - وفي لفظ: إذا رأوا المنكر فلم يغيروه - أوشك ~~أن يعمهم الله بعقاب من عنده» . # وذكر الأوزاعي عن يحيى بن أبي ms044 كثير سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم: «إذا خفيت الخطيئة لم تضر إلا صاحبها، وإذا ظهرت فلم ~~تغير، ضرت العامة» . # وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب: توشك القرى أن تخرب وهي عامرة، قيل ~~وكيف تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها أبرارها، وساد القبيلة منافقوها. # وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«سيظهر شرار أمتي على خيارها، حتى يستخفي المؤمن فيهم كما يستخفي المنافق ~~فينا اليوم» . # وذكر ابن أبي الدنيا من حديث ابن عباس يرفعه قال: «يأتي زمان يذوب فيه ~~قلب # PageV01P049 # المؤمن كما يذوب الملح في الماء، قيل: مم ذاك يا رسول الله؟ قال: مما يرى ~~من المنكر لا يستطيع تغييره» . # وذكر الإمام أحمد من حديث جرير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما ~~من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، وهم أعز وأكثر ممن يعمله، فلم يغيروه إلا عمهم ~~الله بعقاب» . # وفي صحيح البخاري، عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: «يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في ~~النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون: أي ~~فلان، ما شأنك؟ ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: بلى، كنت ~~آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه» . # وذكر الإمام أحمد عن مالك بن دينار قال: كان حبر من أحبار بني إسرائيل ~~يغشى منزله الرجال والنساء، فيعظهم ويذكرهم بأيام الله، فرأى بعض بنيه يوما ~~يغمز النساء، فقال: مهلا يا بني، مهلا يا بني فسقط من سريره، فانقطع نخاعه، ~~وأسقطت امرأته، وقتل بنوه، فأوحى الله إلى نبيهم: أن أخبر فلانا الخبر: أني ~~لا أخرج من صلبك صديقا أبدا، ما كان غضبك لي إلا أن قلت مهلا يا بني. # وذكر الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى ~~يهلكنه، وإن رسول ms045 الله - صلى الله عليه وسلم - ضرب لهن مثلا، كمثل القوم ~~نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل ~~يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادا، وأججوا نارا، وأنضجوا ما قذفوا فيها» . # وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال: «إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في ~~أعينكم من الشعر، وإن كنا لنعدها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~من الموبقات.» # وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت النار، لا هي أطعمتها، ~~ولا سقتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض» . # وفي الحلية لأبي نعيم عن حذيفة أنه قيل له: في يوم واحد تركت بنو إسرائيل ~~دينهم؟ قال: لا، ولكنهم كانوا إذا أمروا بشيء تركوه، وإذا نهوا عن شيء ~~ركبوه، حتى انسلخوا من دينهم كما ينسلخ الرجل من قميصه. # ومن هاهنا قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر، كما أن القبلة بريد ~~الجماع، والغناء بريد الزنا، والنظر بريد العشق، والمرض بريد الموت. # وفي الحلية أيضا عن ابن عباس أنه قال: يا صاحب الذنب لا تأمن سوء عاقبته، ~~ولما # PageV01P050 # يتبع الذنب أعظم من الذنب إذا عملته، قلة حيائك ممن على اليمين وعلى ~~الشمال - وأنت على الذنب - أعظم من الذنب، وضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع ~~بك أعظم من الذنب، وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب، وحزنك على ~~الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب، وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على ~~الذنب ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب، ويحك هل تدري ما ~~كان ذنب أيوب فابتلاه بالبلاء في جسده وذهاب ماله؟ استغاث به مسكين على ~~ظالم يدرؤه عنه، فلم يعنه، ولم ينه الظالم عن ظلمه، فابتلاه الله. # قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد قال: سمعت الأوزاعي يقول: سمعت بلال بن ~~سعد يقول: لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت. # وقال الفضيل بن عياض: بقدر ms046 ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما ~~يعظم عندك يصغر عند الله. # وقيل: أوحى الله تعالى إلى موسى، يا موسى إن أول من مات من خلقي إبليس، ~~وذلك أنه أول من عصاني، وإنما أعد من عصاني من الأموات. # وفي المسند وجامع الترمذي من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة ~~سوداء، فإذا تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك ~~الران الذي ذكره الله عز وجل: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} ~~[سورة المطففين: 14] .» # وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. # وقال حذيفة: إذا أذنب العبد ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء حتى يصير قلبه ~~كالشاة الريداء. # وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب حدثني عبيد ~~الله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «أما بعد يا معشر قريش، فإنكم أهل لهذا الأمر ما لم تعصوا ~~الله، فإذا عصيتموه بعث عليكم من يلحاكم كما يلحى هذا القضيب بقضيب في يده، ~~ثم لحا قضيبه فإذا هو أبيض يصلد» . # وذكر الإمام أحمد: عن وهب قال الرب عز وجل: قال في بعض ما يقول لبني ~~إسرائيل: إني إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي نهاية، وإذا ~~عصيت غضبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد ". ### | [فصل من آثار المعاصي] # PageV01P051 # وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة، المضرة بالقلب والبدن في الدنيا ~~والآخرة ما لا يعلمه إلا الله. # فمنها: حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ~~ذلك النور. # ولما جلس الإمام الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور ~~فطنته، وتوقد ذكائه، وكمال فهمه، فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك ~~نورا، فلا تطفئه بظلمة المعصية. # وقال الشافعي رحمه الله: # شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك ms047 المعاصي # وقال اعلم بأن العلم فضل ... وفضل الله لا يؤتاه عاصي # ومنها: حرمان الرزق، وفي المسند: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» ~~وقد تقدم، وكما أن تقوى الله مجلبة للرزق فترك التقوى مجلبة للفقر، فما ~~استجلب رزق الله بمثل ترك المعاصي. # ومنها: وحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله لا توازنها ولا تقارنها ~~لذة أصلا، ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة، وهذا أمر ~~لا يحس به إلا من في قلبه حياة، وما لجرح بميت إيلام، فلو لم تترك الذنوب ~~إلا حذرا من وقوع تلك الوحشة، لكان العاقل حريا بتركها. # وشكا رجل إلى بعض العارفين وحشة يجدها في نفسه فقال له: # إذا كنت قد أوحشتك الذنوب ... فدعها إذا شئت واستأنس # وليس على القلب أمر من وحشة الذنب على الذنب، فالله المستعان. # ومنها: الوحشة التي تحصل له بينه وبين الناس، ولاسيما أهل الخير منهم، ~~فإنه يجد وحشة بينه وبينهم، وكلما قويت تلك الوحشة بعد منهم ومن مجالستهم، ~~وحرم بركة الانتفاع بهم، وقرب من حزب الشيطان، بقدر ما بعد من حزب الرحمن، ~~وتقوى هذه الوحشة حتى تستحكم، فتقع بينه وبين امرأته وولده وأقاربه، وبينه ~~وبين نفسه، فتراه مستوحشا من نفسه. # PageV01P052 # وذكر أيضا عن وكيع حدثنا زكريا عن عامر قال: كتبت عائشة إلى معاوية: أما ~~بعد: فإن العبد إذا عمل بمعصية الله عد حامده من الناس ذاما. # ذكر أبو نعيم عن سالم بن أبي الجعد عن أبي الدرداء قال: ليحذر امرؤ أن ~~تلعنه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر، ثم قال: أتدري مم هذا؟ قلت: لا، قال: ~~إن العبد يخلو بمعاصي الله فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا ~~يشعر. # وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه عن محمد بن سيرين: أنه لما ~~ركبه الدين اغتم لذلك، فقال: إني لأعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين ~~سنة. # قد لا يؤثر الذنب في الحال # وهاهنا نكتة دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الذنب، وهي أنهم لا ms048 يرون ~~تأثيره في الحال، وقد يتأخر تأثيره فينسى، ويظن العبد أنه لا يغبر بعد ذلك، ~~وأن الأمر كما قال القائل: # إذا لم يغبر حائط في وقوعه ... فليس له بعد الوقوع غبار # وسبحان الله! ماذا أهلكت هذه النكتة من الخلق؟ وكم أزالت غبار نعمة؟ وكم ~~جلبت من نقمة؟ وما أكثر المغترين بها العلماء والفضلاء، فضلا عن الجهال، ~~ولم يعلم المغتر أن الذنب ينقض ولو بعد حين، كما ينقض السم، وكما ينقض ~~الجرح المندمل على الغش والدغل. # وقد ذكر الإمام أحمد عن أبي الدرداء: اعبدوا الله كأنكم ترونه، وعدوا ~~أنفسكم من الموتى، واعلموا أن قليلا يغنيكم، خير من كثير يلهيكم، واعلموا ~~أن البر لا يبلى، وأن الإثم لا ينسى. # ونظر بعض العباد إلى صبي، فتأمل محاسنه، فأتي في منامه وقيل له: لتجدن ~~غبها بعد أربعين سنة. # هذا مع أن للذنب نقدا معجلا لا يتأخر عنه، قال سليمان التيمي: إن الرجل ~~ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته. # وقال يحيى بن معاذ الرازي عجبت من ذي عقل يقول في دعائه: اللهم لا تشمت ~~بي الأعداء، ثم هو يشمت بنفسه كل عدو له، قيل: وكيف ذلك؟ قال يعصي الله ~~ويشمت به في القيامة كل عدو. # وقال ذو النون: من خان الله في السر هتك الله ستره في العلانية. # PageV01P053 # وقال بعض السلف: إني لأعصي الله فأرى ذلك في خلق دابتي، وامرأتي. # ومنها: تعسير أموره عليه، فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقا دونه أو متعسرا ~~عليه، وهذا كما أن من تلقى الله جعل له من أمره يسرا، فمن عطل التقوى جعل ~~له من أمره عسرا، ويا لله العجب! كيف يجد العبد أبواب الخير والمصالح ~~مسدودة عنه وطرقها معسرة عليه، وهو لا يعلم من أين أتي؟ # ومنها: ظلمة يجدها في قلبه حقيقة يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا ~~ادلهم، فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره، فإن الطاعة نور، ~~والمعصية ظلمة، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته، حتى يقع في البدع ~~والضلالات والأمور المهلكة وهو لا ms049 يشعر، كأعمى أخرج في ظلمة الليل يمشي ~~وحده، وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين، ثم تقوى حتى تعلو الوجه، وتصير ~~سوادا في الوجه حتى يراه كل أحد. # قال عبد الله بن عباس: إن للحسنة ضياء في الوجه، ونورا في القلب، وسعة في ~~الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادا في الوجه، ~~وظلمة في القبر والقلب، ووهنا في البدن، ونقصا في الرزق، وبغضة في قلوب ~~الخلق. # ومنها أن المعاصي توهن القلب والبدن، أما وهنها للقلب فأمر ظاهر، بل لا ~~تزال توهنه حتى تزيل حياته بالكلية. # وأما وهنها للبدن فإن المؤمن قوته من قلبه، وكلما قوي قلبه قوي بدنه، ~~وأما الفاجر فإنه - وإن كان قوي البدن - فهو أضعف شيء عند الحاجة، فتخونه ~~قوته عند أحوج ما يكون إلى نفسه فتأمل قوة أبدان فارس والروم، كيف خانتهم، ~~أحوج ما كانوا إليها، وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم؟ # ومنها: حرمان الطاعة، فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أن يصد عن طاعة تكون ~~بدله، ويقطع طريق طاعة أخرى، فينقطع عليه بالذنب طريق ثالثة، ثم رابعة، ~~وهلم جرا، فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة، كل واحدة منها خير له من الدنيا ~~وما عليها، وهذا كرجل أكل أكلة أوجبت له مرضة طويلة منعته من عدة أكلات ~~أطيب منها، والله المستعان. # طول العمر وقصره # ومنها: أن المعاصي تقصر العمر وتمحق بركته ولا بد، فإن البر كما يزيد في ~~العمر، فالفجور يقصر العمر. # وقد اختلف الناس في هذا الموضع. # PageV01P054 # فقالت طائفة: نقصان عمر العاصي هو ذهاب بركة عمره ومحقها عليه، وهذا حق، ~~وهو بعض تأثير المعاصي. # وقالت طائفة: بل تنقصه حقيقة، كما تنقص الرزق، فجعل الله سبحانه للبركة ~~في الرزق أسبابا كثيرة تكثره وتزيده، وللبركة في العمر أسبابا تكثره ~~وتزيده. # قالوا ولا تمنع زيادة العمر بأسباب كما ينقص بأسباب، فالأرزاق والآجال، ~~والسعادة والشقاوة، والصحة والمرض، والغنى والفقر، وإن كانت بقضاء الرب عز ~~وجل، فهو يقضي ما يشاء بأسباب جعلها موجبة لمسبباتها مقتضية لها. # وقالت طائفة ms050 أخرى: تأثير المعاصي في محق العمر إنما هو بأن حقيقة الحياة ~~هي حياة القلب، ولهذا جعل الله سبحانه الكافر ميتا غير حي، كما قال تعالى، ~~{أموات غير أحياء} [سورة النحل: 21] . # فالحياة في الحقيقة حياة القلب، وعمر الإنسان مدة حياته فليس عمره إلا ~~أوقات حياته بالله، فتلك ساعات عمره، فالبر والتقوى والطاعة تزيد في هذه ~~الأوقات التي هي حقيقة عمره، ولا عمر له سواها. # وبالجملة، فالعبد إذا أعرض عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته ~~الحقيقية التي يجد غب إضاعتها يوم يقول: {ياليتني قدمت لحياتي} [سورة ~~الفجر: 24] . # فلا يخلو إما أن يكون له مع ذلك تطلع إلى مصالحه الدنيوية والأخروية أو ~~لا، فإن لم يكن له تطلع إلى ذلك فقد ضاع عليه عمره كله، وذهبت حياته باطلا، ~~وإن كان له تطلع إلى ذلك طالت عليه الطريق بسبب العوائق، وتعسرت عليه أسباب ~~الخير بحسب اشتغاله بأضدادها، وذلك نقصان حقيقي من عمره. # وسر المسألة أن عمر الإنسان مدة حياته ولا حياة له إلا بإقباله على ربه، ~~والتنعم بحبه وذكره، وإيثار مرضاته. ### | [فصل توالد المعاصي] # فصل # توالد المعاصي # ومنها أن المعاصي تزرع أمثالها، وتولد بعضها بعضا، حتى يعز على العبد ~~مفارقتها والخروج منها، كما قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة السيئة ~~بعدها، وإن من ثواب # PageV01P055 # الحسنة الحسنة بعدها، فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها: اعملني ~~أيضا، فإذا عملها، قالت الثالثة كذلك وهلم جرا، فتضاعف الربح، وتزايدت ~~الحسنات. # وكذلك كانت السيئات أيضا، حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة، وصفات ~~لازمة، وملكات ثابتة، فلو عطل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه ~~الأرض بما رحبت، وأحس من نفسه بأنه كالحوت إذا فارق الماء، حتى يعاودها، ~~فتسكن نفسه، وتقر عينه. # ولو عطل المجرم المعصية وأقبل على الطاعة؛ لضاقت عليه نفسه وضاق صدره، ~~وأعيت عليه مذاهبه، حتى يعاودها، حتى إن كثيرا من الفساق ليواقع المعصية من ~~غير لذة يجدها، ولا داعية إليها، إلا بما يجد من الألم بمفارقتها. # كما صرح بذلك شيخ القوم الحسن ms051 بن هانئ حيث يقول: # وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها # وقال الآخر: # فكانت دوائي وهي دائي بعينه ... كما يتداوى شارب الخمر بالخمر # ولا يزال العبد يعاني الطاعة ويألفها ويحبها ويؤثرها حتى يرسل الله ~~سبحانه وتعالى برحمته عليه الملائكة تؤزه إليها أزا، وتحرضه عليها، وتزعجه ~~عن فراشه ومجلسه إليها. # ولا يزال يألف المعاصي ويحبها ويؤثرها، حتى يرسل الله إليه الشياطين، ~~فتؤزه إليها أزا. # فالأول قوي جند الطاعة بالمدد، فكانوا من أكبر أعوانه، وهذا قوي جند ~~المعصية بالمدد فكانوا أعوانا عليه. ### | [فصل المعصية تضعف إرادة الخير] # فصل # المعصية تضعف إرادة الخير # ومنها: - وهو من أخوفها على العبد - أنها تضعف القلب عن إرادته، فتقوي ~~إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئا فشيئا، إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة ~~التوبة بالكلية، فلو مات نصفه لما تاب إلى الله، فيأتي بالاستغفار وتوبة ~~الكذابين باللسان بشيء كثير، وقلبه معقود بالمعصية، مصر عليها، عازم على ~~مواقعتها متى أمكنه وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك ### | [فصل إلف المعصية] # فصل # إلف المعصية # PageV01P056 # ومنها: أنه ينسلخ من القلب استقباحها، فتصير له عادة، فلا يستقبح من نفسه ~~رؤية الناس له، ولا كلامهم فيه. # وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التهتك وتمام اللذة، حتى يفتخر أحدهم ~~بالمعصية، ويحدث بها من لم يعلم أنه عملها، فيقول: يا فلان، عملت كذا وكذا. # وهذا الضرب من الناس لا يعافون، وتسد عليهم طريق التوبة، وتغلق عنهم ~~أبوابها في الغالب، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي معافى ~~إلا المجاهرون، وإن من الإجهار أن يستر الله على العبد ثم يصبح يفضح نفسه ~~ويقول: يا فلان عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، فهتك نفسه، وقد بات يستره ربه» ~~. # المعاصي مواريث # ومنها أن كل معصية من المعاصي فهي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها ~~الله عز وجل. # فاللوطية: ميراث عن قوم لوط. # وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص، ميراث عن قوم شعيب. # والعلو في الأرض بالفساد، ميراث عن قوم فرعون. # والتكبر والتجبر ميراث عن قوم ms052 هود. # فالعاصي لابس ثياب بعض هذه الأمم، وهم أعداء الله. # وقد روى عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه عن مالك بن دينار قال: ~~أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك: لا يدخلوا مداخل ~~أعدائي، ولا يلبسوا ملابس أعدائي ولا يركبوا مراكب أعدائي، ولا يطعموا ~~مطاعم أعدائي، فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي. # وفي مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل ~~رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو ~~منهم» . ### | [فصل هوان العاصي على ربه] # فصل # هوان العاصي على ربه # PageV01P057 # ومنها: أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه. # قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم، وإذا هان ~~العبد على الله لم يكرمه أحد، كما قال الله تعالى: {ومن يهن الله فما له من ~~مكرم} [سورة الحج: 18] وإن عظمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم أو خوفا من ~~شرهم، فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه. # هوان المعاصي على المصرين # ومنها: أن العبد لا يزال يرتكب الذنب حتى يهون عليه ويصغر في قلبه، وذلك ~~علامة الهلاك، فإن الذنب كلما صغر في عين العبد عظم عند الله. # وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن مسعود قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في ~~أصل جبل يخاف أن يقع، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال به ~~هكذا فطار. ### | [فصل شؤم الذنوب] # فصل # شؤم الذنوب # ومنها: أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنبه، فيحترق هو وغيره ~~بشؤم الذنوب والظلم. # قال أبو هريرة: إن الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم. # وقال مجاهد: إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة، وأمسك المطر، ~~وتقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم. # وقال عكرمة: دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب، يقولون: منعنا ~~القطر بذنوب بني آدم. # فلا ms053 يكفيه عقاب ذنبه، حتى يلعنه من لا ذنب له. ### | [فصل المعصية تورث الذل] # فصل # المعصية تورث الذل # PageV01P058 # ومنها: أن المعصية تورث الذل ولا بد؛ فإن العز كل العز في طاعة الله ~~تعالى، قال تعالى: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} [سورة فاطر: 10] ~~أي فليطلبها بطاعة الله، فإنه لا يجدها إلا في طاعة الله. # وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك. # قال الحسن البصري: إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، إن ~~ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه. # وقال عبد الله بن المبارك: # رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها # وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها # وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها ### | [فصل المعاصي تفسد العقل] # فصل # المعاصي تفسد العقل # ومنها: أن المعاصي تفسد العقل، فإن للعقل نورا، والمعصية تطفئ نور العقل ~~ولا بد، وإذا طفئ نوره ضعف ونقص. # وقال بعض السلف: ما عصى الله أحد حتى يغيب عقله، وهذا ظاهر، فإنه لو حضر ~~عقله لحجزه عن المعصية وهو في قبضة الرب تعالى، أو تحت قهره، وهو مطلع ~~عليه، وفي داره على بساطه وملائكته شهود عليه ناظرون إليه، وواعظ القرآن ~~ينهاه، وواعظ الموت ينهاه، وواعظ النار ينهاه، والذي يفوته بالمعصية من خير ~~الدنيا والآخرة أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها، فهل يقدم على ~~الاستهانة بذلك كله، والاستخفاف به ذو عقل سليم؟ ### | [فصل الذنوب تطبع على القلوب] # فصل # الذنوب تطبع على القلوب # PageV01P059 # ومنها: أن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها، فكان من الغافلين. # كما قال بعض السلف في قوله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون} [سورة المطففين: 14] ، قال: هو الذنب بعد الذنب. # وقال الحسن: هو الذنب على الذنب، حتى يعمي القلب. # وقال غيره: لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم. # وأصل هذا أن القلب يصدأ من المعصية، فإذا زادت غلب الصدأ حتى يصير رانا، ~~ثم يغلب حتى يصير طبعا وقفلا وختما، ms054 فيصير القلب في غشاوة وغلاف، فإذا حصل ~~له ذلك بعد الهدى والبصيرة انعكس فصار أعلاه أسفله، فحينئذ يتولاه عدوه ~~ويسوقه حيث أراد. ### | [فصل الذنوب تدخل العبد تحت لعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم] # فصل # الذنوب تدخل العبد تحت لعنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # ومنها: أن الذنوب تدخل العبد تحت لعنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فإنه لعن على معاصي والتي غيرها أكبر منها، فهي أولى بدخول فاعلها تحت ~~اللعنة. # فلعن الواشمة والمستوشمة، والواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة، ~~والواشرة والمستوشرة. # ولعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهده. # ولعن المحلل والمحلل له. # ولعن السارق. # ولعن شارب الخمر وساقيها وعاصرها ومعتصرها، وبائعها ومشتريها، وآكل ثمنها ~~وحاملها والمحمولة إليه. # ولعن من غير منار الأرض وهي أعلامها وحدودها. # ولعن من لعن والديه. # ولعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا يرميه بسهم. # ولعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء. # PageV01P060 # ولعن من ذبح لغير الله. # ولعن من أحدث حدثا أو آوى محدثا. # ولعن المصورين. # ولعن من عمل عمل قوم لوط. # ولعن من سب أباه وأمه. # ولعن من كمه أعمى عن الطريق. # ولعن من أتى بهيمة. # ولعن من وسم دابة في وجهها. # ولعن من ضار مسلما أو مكر به. # ولعن زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. # ولعن من أفسد امرأة على زوجها، أو مملوكا على سيده. # ولعن من أتى امرأة في دبرها. # وأخبر أن من باتت مهاجرة لفراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح. # ولعن من انتسب إلى غير أبيه. # وأخبر أن من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه. # ولعن من سب الصحابة. # من لعنه الله # وقد لعن الله من أفسد في الأرض وقطع رحمه، وآذاه وآذى رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم -. # ولعن من كتم ما أنزل الله سبحانه من البينات والهدى. # ولعن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالفاحشة. # ولعن من جعل سبيل الكافر أهدى من سبيل المسلم. # ولعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة ~~تلبس لبسة الرجل. # ولعن الراشي والمرتشي ms055 والرائش، وهو: الواسطة في الرشوة. # ولعن على أشياء أخرى غير هذه. # فلو لم يكن في فعل ذلك إلا رضاء فاعله بأن يكون ممن يلعنه الله ورسوله ~~وملائكته لكان في ذلك ما يدعو إلى تركه. ### | [فصل حرمان دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم] # فصل # حرمان دعوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم. # PageV01P061 # ومنها: حرمان دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعوة الملائكة، فإن ~~الله سبحانه أمر نبيه أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وقال تعالى: {الذين ~~يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ~~ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب ~~الجحيم - ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم - وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد ~~رحمته وذلك هو الفوز العظيم} [سورة غافر: 7 - 9] . # فهذا دعاء الملائكة للمؤمنين التائبين المتبعين لكتابه وسنة رسوله الذين ~~لا سبيل لهم غيرهما، فلا يطمع غير هؤلاء بإجابة هذه الدعوة، إذ لم يتصف ~~بصفات المدعو له بها، والله المستعان. ### | [فصل ما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم من عقوبات العصاة] # فصل # ما رآه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من عقوبات العصاة # ومن عقوبات المعاصي ما رواه البخاري في صحيحه من حديث سمرة بن جندب قال: ~~«كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد ~~منكم البارحة رؤيا؟ فيقص عليه من شاء الله أن يقص، وأنه قال لنا ذات غداة: ~~إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما انبعثا لي، وإنهما قالا لي: انطلق وإني ~~انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو ~~يهوي بالصخرة لرأسه، فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر هاهنا فيقع الحجر، فيأخذه، ~~فلا يرجع إليه حتى يصبح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل في ~~المرة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق. # فانطلقنا، فأتينا على رجل مستلق لقفاه، ms056 وإذا آخر قائم عليه بكلوب من ~~حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه ويشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، ~~وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الجانب الآخر، فيفعل به مثل ما فعل بالجانب ~~الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصبح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه ~~فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى، قال: قلت: سبحان الله! ما هذان؟ فقالا ~~لي: انطلق انطلق. # PageV01P062 # فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، وإذا فيه لغط وأصوات، قال: فاطلعنا فيه، ~~فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ~~ذلك اللهب ضوضوا، فقال: قلت: من هؤلاء؟ قال: فقالا لي: انطلق انطلق. # فانطلقنا، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم، فإذا في النهر رجل سابح يسبح، ~~وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما ~~شاء الله أن يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه ~~فيلقمه حجرا، فينطلق فيسبح، ثم يرجع إليه كلما رجع إليه، فيفغر له فاه ~~فيلقمه حجرا، قلت لهما: ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق. # فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرآة، أو كأكره ما أنت راء رجلا مرأى، ~~وإذا هو عنده نار يحثها ويسعى حولها، قال: قلت لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: ~~انطلق انطلق. # فانطلقنا على روضة معتمة فيها من كل نور الربيع، وإذا بين ظهراني الروضة ~~رجل طويل، لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان ~~رأيتهم قط، قال: قلت: ما هذا؟ وما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق. # فانطلقنا، فأتينا إلى دوحة عظيمة لم أر دوحة قط أعظم منها، ولا أحسن، ~~قال: قالا لي: ارق فيها، فارتقينا فيها إلى مدينة مبنية بلبن ذهب، ولبن ~~فضة، قال: فأتينا باب المدينة، فاستفتحنا، ففتح لنا، فدخلناها، فتلقانا ~~رجال، شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر منهم كأقبح ما أنت راء، قال: ~~قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، قال: ms057 وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه ~~المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا، قد ذهب ذلك السوء ~~عنهم، قال: قالا لي: هذه جنة عدن وها ذاك منزلك. # قال: فسما بصري صعدا، فإذا قصر مثل الربابة البيضاء، قال: قالا لي: هذا ~~منزلك، قلت لهما: بارك الله فيكما، فذراني فأدخله، قالا: أما الآن فلا، ~~وأنت داخله. # قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجبا، فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: ~~أما إنا سنخبرك. # أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ ~~القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة. # وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه ~~إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو إلى بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق. # PageV01P063 # وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة ~~والزواني. # وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة، فإنه آكل الربا. # وأما الرجل الكريه المنظر الذي عند النار يحثها ويسعى حولها، فإنه مالك ~~خازن جهنم. # وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم. # وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود مات على الفطرة - وفي رواية ~~البرقاني: ولد على الفطرة - فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد ~~المشركين؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: وأولاد المشركين. # وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح، فإنهم قوم خلطوا ~~عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم.» ### | [فصل الذنوب تحدث الفساد في الأرض] # فصل # الذنوب تحدث الفساد في الأرض # ومن آثار الذنوب والمعاصي: أنها تحدث في الأرض أنواعا من الفساد في ~~المياه والهواء، والزرع، والثمار، والمساكن، قال تعالى: {ظهر الفساد في ~~البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} ~~[سورة الروم: 41] . # قال مجاهد: إذا ولي الظالم سعى بالظلم والفساد فيحبس الله بذلك القطر، ~~فيهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد، ثم قرأ: {ظهر الفساد في البر ~~والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} [سورة ms058 ~~الروم: 41] . # ثم قال: أما والله ما هو بحركم هذا، ولكن كل قرية على ماء جار فهو بحر، # وقال عكرمة: ظهر الفساد في البر والبحر، أما إني لا أقول لكم: بحركم هذا، ~~ولكن كل قرية على ماء. # وقال قتادة: أما البر فأهل العمود، وأما البحر فأهل القرى والريف، قلت: ~~وقد سمى الله تعالى الماء العذب بحرا، فقال: {وما يستوي البحران هذا عذب ~~فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج} [سورة فاطر: 12] . # PageV01P064 # وليس في العالم بحر حلو واقف، وإنما هي الأنهار الجارية، والبحر المالح ~~هو الساكن، فسمى القرى التي عليها المياه الجارية باسم تلك المياه. # وقال ابن زيد {ظهر الفساد في البر والبحر} قال: الذنوب. # قلت: أراد أن الذنوب سبب الفساد الذي ظهر، وإن أراد أن الفساد الذي ظهر ~~هو الذنوب نفسها فتكون اللام في قوله: {ليذيقهم بعض الذي عملوا} لام ~~العاقبة والتعليل، وعلى الأول فالمراد بالفساد: النقص والشر والآلام التي ~~يحدثها الله في الأرض عند معاصي العباد، فكلما أحدثوا ذنبا أحدث الله لهم ~~عقوبة، كما قال بعض السلف: كلما أحدثتم ذنبا أحدث الله لكم من سلطانه ~~عقوبة. # والظاهر - والله أعلم - أن الفساد المراد به الذنوب وموجباتها، ويدل عليه ~~قوله تعالى: {ليذيقهم بعض الذي عملوا} فهذا حالنا، وإنما أذاقنا الشيء ~~اليسير من أعمالنا، ولو أذاقنا كل أعمالنا لما ترك على ظهرها من دابة. # المعاصي سبب الخسف والزلازل # ومن تأثير معاصي الله في الأرض ما يحل بها من الخسف والزلازل، ويمحق ~~بركتها، وقد «مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ديار ثمود، فمنعهم ~~من دخول ديارهم إلا وهم باكون، ومن شرب مياههم، ومن الاستسقاء من آبارهم، ~~حتى أمر أن لا يعلف العجين الذي عجن بمياههم للنواضح، لتأثير شؤم المعصية ~~في الماء،» وكذلك شؤم تأثير الذنوب في نقص الثمار وما ترى به من الآفات. # وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده في ضمن حديث قال: وجدت في خزائن بعض بني ~~أمية، حنطة، الحبة بقدر نواة التمرة، وهي في صرة مكتوب عليها: كان هذا ينبت ~~في ms059 زمن من العدل، وكثير من هذه الآفات أحدثها الله سبحانه وتعالى بما أحدث ~~العباد من الذنوب. # وأخبرني جماعة من شيوخ الصحراء أنهم كانوا يعهدون الثمار أكبر مما هي ~~الآن، وكثير من هذه الآفات التي تصيبها لم يكونوا يعرفونها، وإنما حدثت من ~~قرب. # تأثير الذنوب في الصور # وأما تأثير الذنوب في الصور والخلق، فقد روى الترمذي في جامعه عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «خلق الله آدم وطوله في السماء ستون ذراعا، ولم ~~يزل الخلق ينقص حتى الآن» . # فإذا أراد الله أن يطهر الأرض من الظلمة والخونة والفجرة، يخرج عبدا من ~~عباده من أهل بيت نبيه - صلى الله عليه وسلم - فيملأ الأرض قسطا كما ملئت ~~جورا، ويقتل المسيح اليهود والنصارى، # PageV01P065 # ويقيم الدين الذي بعث الله به رسوله، وتخرج الأرض بركاتها، وتعود كما ~~كانت، حتى إن العصابة من الناس ليأكلون الرمانة ويستظلون بقحفها، ويكون ~~العنقود من العنب وقر بعير، ولبن اللقحة الواحدة لتكفي الفئام من الناس، ~~وهذه لأن الأرض لما طهرت من المعاصي ظهرت فيها آثار البركة من الله تعالى ~~التي محقتها الذنوب والكفر، ولا ريب أن العقوبات التي أنزلها الله في الأرض ~~بقيت آثارها سارية في الأرض تطلب ما يشاكلها من الذنوب التي هي آثار تلك ~~الجرائم التي عذبت بها الأمم، فهذه الآثار في الأرض من آثار تلك العقوبات، ~~كما أن هذه المعاصي من آثار تلك الجرائم، فتناسبت كلمة الله وحكمه الكوني ~~أولا وآخرا، وكان العظيم من العقوبة للعظيم من الجناية، والأخف للأخف، ~~وهكذا يحكم سبحانه بين خلقه في دار البرزخ ودار الجزاء. # وتأمل مقارنة الشيطان ومحله وداره، فإنه لما قارن العبد واستولى عليه ~~نزعت البركة من عمره، وعمله، وقوله، ورزقه، ولما أثرت طاعته في الأرض ما ~~أثرت، ونزعت البركة من كل محل ظهرت فيه طاعته، وكذلك مسكنه لما كان الجحيم ~~لم يكن هناك شيء من الروح والرحمة والبركة. ### | [فصل الذنوب تطفئ الغيرة] # فصل # الذنوب تطفئ الغيرة # ومن عقوبات الذنوب: أنها تطفئ من القلب نار الغيرة التي هي لحياته وصلاحه ms060 ~~كالحرارة الغريزية لحياة جميع البدن، فالغيرة حرارته وناره التي تخرج ما ~~فيه من الخبث والصفات المذمومة، كما يخرج الكير خبث الذهب والفضة والحديد، ~~وأشرف الناس وأعلاهم همة أشدهم غيرة على نفسه وخاصته وعموم الناس، ولهذا ~~كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أغير الخلق على الأمة، والله سبحانه أشد ~~غيرة منه، كما ثبت في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أتعجبون ~~من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني» . # وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال في خطبة الكسوف: «يا أمة محمد ما أغير من ~~الله أن يزني عبده أو تزني أمته» . # وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال: «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك ~~أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، ولا أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك ~~أثنى على نفسه» . # PageV01P066 # فجمع في هذا الحديث بين الغيرة التي أصلها كراهة القبائح وبغضها، وبين ~~محبة العذر الذي يوجب كمال العدل والرحمة والإحسان، والله سبحانه - مع شدة ~~غيرته - يحب أن يعتذر إليه عبده، ويقبل عذر من اعتذر إليه، وأنه لا يؤاخذ ~~عبيده بارتكاب ما يغار من ارتكابه حتى يعذر إليهم، ولأجل ذلك أرسل رسله ~~وأنزل كتبه إعذارا وإنذارا، وهذا غاية المجد والإحسان، ونهاية الكمال. # فإن كثيرا ممن تشتد غيرته من المخلوقين تحمله شدة الغيرة على سرعة ~~الإيقاع والعقوبة من غير إعذار منه، ومن غير قبول لعذر من اعتذر إليه، بل ~~يكون له في نفس الأمر عذر ولا تدعه شدة الغيرة أن يقبل عذره، وكثير ممن ~~يقبل المعاذير يحمله على قبولها قلة الغيرة حتى يتوسع في طرق المعاذير، ~~ويرى عذرا ما ليس بعذر، حتى يعتذر كثير منهم بالقدر، وكل منهما غير ممدوح ~~على الإطلاق. # وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن من الغيرة ما يحبها ~~الله، ومنها ما يبغضها الله، فالتي يبغضها الله الغيرة من غير ريبة» وذكر ~~الحديث. ms061 # وإنما الممدوح اقتران الغيرة بالعذر، فيغار في محل الغيرة، ويعذر في موضع ~~العذر، ومن كان هكذا فهو الممدوح حقا. # ولما جمع سبحانه صفات الكمال كلها كان أحق بالمدح من كل أحد، ولا يبلغ ~~أحد أن يمدحه كما ينبغي له، بل هو كما مدح نفسه وأثنى على نفسه، فالغيور قد ~~وافق ربه سبحانه في صفة من صفاته، ومن وافق الله في صفة من صفاته قادته تلك ~~الصفة إليه بزمامه، وأدخلته على ربه، وأدنته منه، وقربته من رحمته، وصيرته ~~محبوبا، فإنه سبحانه رحيم يحب الرحماء، كريم يحب الكرماء، عليم يحب ~~العلماء، قوي يحب المؤمن القوي، وهو أحب إليه من المؤمن الضعيف، حتى يحب ~~أهل الحياء، جميل يحب أهل الجمال، وتر يحب أهل الوتر. # ولو لم يكن في الذنوب والمعاصي إلا أنها توجب لصاحبها ضد هذه الصفات ~~وتمنعه من الاتصاف بها لكفى بها عقوبة، فإن الخطرة تنقلب وسوسة، والوسوسة ~~تصير إرادة، والإرادة تقوى فتصير عزيمة، ثم تصير فعلا، ثم تصير صفة لازمة ~~وهيئة ثابتة راسخة، وحينئذ يتعذر الخروج منهما كما يتعذر الخروج من صفاته ~~القائمة به. # والمقصود أنه كلما اشتدت ملابسته للذنوب أخرجت من قلبه الغيرة على نفسه ~~وأهله وعموم الناس، وقد تضعف في القلب جدا حتى لا يستقبح بعد ذلك القبيح لا ~~من نفسه ولا من غيره، وإذا وصل إلى هذا الحد فقد دخل في باب الهلاك. # PageV01P067 # وكثير من هؤلاء لا يقتصر على عدم الاستقباح، بل يحسن الفواحش والظلم ~~لغيره، ويزينه له، ويدعوه إليه، ويحثه عليه، ويسعى له في تحصيله، ولهذا كان ~~الديوث أخبث خلق الله، والجنة حرام عليه، وكذلك محلل الظلم والبغي لغيره ~~ومزينه له، فانظر ما الذي حملت عليه قلة الغيرة. # وهذا يدلك على أن أصل الدين الغيرة، ومن لا غيرة له لا دين له، فالغيرة ~~تحمي القلب فتحمي له الجوارح، فتدفع السوء والفواحش، وعدم الغيرة تميت ~~القلب، فتموت له الجوارح؛ فلا يبقى عندها دفع البتة. # ومثل الغيرة في القلب مثل القوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت ~~القوة وجد ms062 الداء المحل قابلا، ولم يجد دافعا، فتمكن، فكان الهلاك، ومثلها ~~مثل صياصي الجاموس التي تدفع بها عن نفسه وولده، فإذا تكسرت طمع فيها عدوه. ### | [فصل المعاصي تذهب الحياء] # فصل # المعاصي تذهب الحياء # ومن عقوباتها: ذهاب الحياء الذي هو مادة حياة القلب، وهو أصل كل خير، ~~وذهابه ذهاب الخير أجمعه. # وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الحياء خير كله» . # وقال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما ~~شئت» وفيه تفسيران: # أحدهما: أنه على التهديد والوعيد، والمعنى من لم يستح فإنه يصنع ما شاء ~~من القبائح، إذ الحامل على تركها الحياء، فإذا لم يكن هناك حياء يردعه عن ~~القبائح، فإنه يواقعها، وهذا تفسير أبي عبيدة. # والثاني: أن الفعل إذا لم تستح منه من الله فافعله، وإنما الذي ينبغي ~~تركه هو ما يستحى منه من الله، وهذا تفسير الإمام أحمد في رواية ابن هانئ. # فعلى الأول: يكون تهديدا، كقوله: {اعملوا ما شئتم} [سورة فصلت: 40] . # وعلى الثاني: يكون إذنا وإباحة. # فإن قيل: فهل من سبيل إلى حمله على المعنيين؟ # PageV01P068 # قلت: لا، ولا على قول من يحمل المشترك على جميع معانيه، لما بين الإباحة ~~والتهديد من المنافاة، ولكن اعتبار أحد المعنيين يوجب اعتبار الآخر. # والمقصود أن الذنوب تضعف الحياء من العبد، حتى ربما انسلخ منه بالكلية، ~~حتى إنه ربما لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه، بل كثير ~~منهم يخبر عن حاله وقبح ما يفعل، والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء، ~~وإذا وصل العبد إلى هذه الحالة لم يبق في صلاحه مطمع # وإذا رأى إبليس طلعة وجهه ... حيا وقال: فديت من لا يفلح # والحياء مشتق من الحياة، والغيث يسمى حيا - بالقصر - لأن به حياة الأرض ~~والنبات والدواب، وكذلك سميت بالحياء حياة الدنيا والآخرة، فمن لا حياء فيه ~~فهو ميت في الدنيا شقي في الآخرة، وبين الذنوب وبين قلة الحياء وعدم الغيرة ~~تلازم من الطرفين، وكل منهما يستدعي الآخر ويطلبه حثيثا، ومن استحى من ms063 الله ~~عند معصيته، استحى الله من عقوبته يوم يلقاه، ومن لم يستح من معصيته لم ~~يستح الله من عقوبته. ### | [فصل المعاصي تضعف في القلب تعظيم الرب] # فصل # المعاصي تضعف في القلب تعظيم الرب # ومن عقوبات الذنوب: أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله، وتضعف وقاره ~~في قلب العبد ولا بد، شاء أم أبى، ولو تمكن وقار الله وعظمته في قلب العبد ~~لما تجرأ على معاصيه، وربما اغتر المغتر، وقال: إنما يحملني على المعاصي ~~حسن الرجاء، وطمعي في عفوه، لا ضعف عظمته في قلبي، وهذا من مغالطة النفس؛ ~~فإن عظمة الله تعالى وجلاله في قلب العبد تقتضي تعظيم حرماته، وتعظيم ~~حرماته يحول بينه وبين الذنوب، والمتجرئون على معاصيه ما قدروا الله حق ~~قدره، وكيف يقدره حق قدره، أو يعظمه ويكبره، ويرجو وقاره ويجله، من يهون ~~عليه أمره ونهيه؟ هذا من أمحل المحال، وأبين الباطل، وكفى بالعاصي عقوبة أن ~~يضمحل من قلبه تعظيم الله جل جلاله، وتعظيم حرماته، ويهون عليه حقه. # ومن بعض عقوبة هذا: أن يرفع الله عز وجل مهابته من قلوب الخلق، ويهون ~~عليهم، ويستخفون به، كما هان عليه أمره واستخف به، فعلى قدر محبة العبد لله ~~يحبه الناس، وعلى قدر خوفه من الله يخافه الخلق، وعلى قدر تعظيمه لله ~~وحرماته يعظمه الناس، وكيف ينتهك عبد حرمات الله، ويطمع أن لا ينتهك الناس ~~حرماته أم كيف يهون عليه حق الله ولا يهونه الله على الناس؟ أم كيف يستخف ~~بمعاصي الله ولا يستخف به الخلق؟ # PageV01P069 # وقد أشار سبحانه إلى هذا في كتابه عند ذكر عقوبات الذنوب، وأنه أركس ~~أربابها بما كسبوا، وغطى على قلوبهم، وطبع عليها بذنوبهم، وأنه نسيهم كما ~~نسوه، وأهانهم كما أهانوا دينه، وضيعهم كما ضيعوا أمره، ولهذا قال تعالى في ~~آية سجود المخلوقات له: {ومن يهن الله فما له من مكرم} [سورة الحج: 18] ~~فإنهم لما هان عليهم السجود له واستخفوا به ولم يفعلوه أهانهم الله فلم يكن ~~لهم من مكرم بعد أن أهانهم الله، ومن ذا يكرم ms064 من أهانه الله؟ أو يهن من ~~أكرمه الله؟ ### | [فصل المعاصي تنسي الله] # فصل # المعاصي تنسي الله # ومن عقوباتها: أنها تستدعي نسيان الله لعبده، وتركه وتخليته بينه وبين ~~نفسه وشيطانه، وهنالك الهلاك الذي لا يرجى معه نجاة، قال الله: {ياأيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير ~~بما تعملون - ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم ~~الفاسقون} [سورة الحشر: 18 - 19] . # فأمر بتقواه ونهى أن يتشبه عباده المؤمنون بمن نسيه بترك تقواه، وأخبر ~~أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه، أي أنساه مصالحها، وما ينجيها من ~~عذابه، وما يوجب له الحياة الأبدية، وكمال لذتها وسرورها ونعيمها، فأنساه ~~الله ذلك كله جزاء لما نسيه من عظمته وخوفه، والقيام بأمره، فترى العاصي ~~مهملا لمصالح نفسه مضيعا لها، قد أغفل الله قلبه عن ذكره، واتبع هواه وكان ~~أمره فرطا، قد انفرطت عليه مصالح دنياه وآخرته، وقد فرط في سعادته الأبدية، ~~واستبدل بها أدنى ما يكون من لذة، إنما هي سحابة صيف، أو خيال طيف كما قيل: # أحلام نوم أو كظل زائل ... إن اللبيب بمثلها لا يخدع # وأعظم العقوبات نسيان العبد لنفسه، وإهماله لها، وإضاعته حظها ونصيبها من ~~الله، وبيعها ذلك بالغبن والهوان وأبخس الثمن، فضيع من لا غنى له عنه، ولا ~~عوض له منه، واستبدل به من عنه كل الغنى أو منه كل العوض: # من كل شيء إذا ضيعته عوض ... وما من الله إن ضيعت من عوض # PageV01P070 # فالله سبحانه يعوض عن كل شيء ما سواه ولا يعوض منه شيء، ويغني عن كل شيء ~~ولا يغني عنه شيء، ويجير من كل شيء ولا يجير منه شيء، ويمنع من كل شيء ولا ~~يمنع منه شيء، كيف يستغني العبد عن طاعة من هذا شأنه طرفة عين؟ وكيف ينسى ~~ذكره ويضيع أمره حتى ينسيه نفسه، فيخسرها ويظلمها أعظم الظلم؟ فما ظلم ~~العبد ربه ولكن ظلم نفسه، وما ظلمه ربه ولكن هو الذي ظلم نفسه. ### | [فصل المعاصي تخرج العبد من ms065 دائرة الإحسان] # فصل # المعاصي تخرج العبد من دائرة الإحسان # ومن عقوباتها: أنها تخرج العبد من دائرة الإحسان وتمنعه من ثواب ~~المحسنين، فإن الإحسان إذا باشر القلب منعه عن المعاصي، فإن من عبد الله ~~كأنه يراه، لم يكن كذلك إلا لاستيلاء ذكره ومحبته وخوفه ورجائه على قلبه، ~~بحيث يصير كأنه يشاهده، وذلك سيحول بينه وبين إرادة المعصية، فضلا عن ~~مواقعتها، فإذا خرج من دائرة الإحسان، فاته صحبة رفقته الخاصة، وعيشهم ~~الهنيء، ونعيمهم التام، فإن أراد الله به خيرا أقره في دائرة عموم ~~المؤمنين، فإن عصاه بالمعاصي التي تخرجه من دائرة الإيمان كما قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر ~~حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ~~ذات شرف يرفع إليه فيها الناس أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن» فإياكم إياكم، ~~والتوبة معروضة بعد. ### | [فصل العاصي يفوته ثواب المؤمنين] # فصل # العاصي يفوته ثواب المؤمنين # ومن فاته رفقة المؤمنين، وحسن دفاع الله عنهم، فإن الله يدافع عن الذين ~~آمنوا، وفاته كل خير رتبه الله في كتابه على الإيمان، وهو نحو مائة خصلة، ~~كل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها. # فمنها: الأجر العظيم: {وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما} [سورة النساء: ~~146] . # ومنها: الدفع عنهم شرور الدنيا والآخرة: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا} ~~[سورة الحج: 38] . # PageV01P071 # ومنها: استغفار حملة العرش لهم: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون ~~بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا} [سورة غافر: 7] . # ومنها: موالاة الله لهم، ولا يذل من والاه الله، قال الله تعالى: {الله ~~ولي الذين آمنوا} [سورة البقرة: 257] . # ومنها: أمره ملائكته بتثبيتهم: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ~~فثبتوا الذين آمنوا} [سورة الأنفال: 12] . # ومنها: أن لهم الدرجات عند ربهم والمغفرة والرزق الكريم. # ومنها: العزة: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون} ~~[سورة المنافقون: 8] . # ومنها: معية الله لأهل الإيمان: {وأن الله مع المؤمنين} [سورة الأنفال: ~~19] . # ومنها: الرفعة في الدنيا والآخرة: {يرفع الله ms066 الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات} [سورة المجادلة: 11] . # ومنها: إعطاؤهم كفلين من رحمته وإعطاؤهم نورا يمشون به ومغفرة ذنوبهم. # ومنها: الود الذي يجعله سبحانه لهم، وهو أنه يحبهم ويحببهم إلى ملائكته ~~وأنبيائه وعباده الصالحين. # ومنها: أمانهم من الخوف يوم يشتد الخوف: {فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون} [سورة الأنعام: 48] . # ومنها: أنهم المنعم عليهم الذين أمرنا أن نسأله أن يهدينا إلى صراطهم في ~~كل يوم وليلة سبع عشرة مرة. # ومنها: أن القرآن إنما هو هدى لهم وشفاء: # PageV01P072 # {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم ~~عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} [سورة فصلت: 44] . # والمقصود أن الإيمان سبب جالب لكل خير، وكل خير في الدنيا والآخرة فسببه ~~الإيمان، وكل شر في الدنيا والآخرة فسببه عدم الإيمان، فكيف يهون على العبد ~~أن يرتكب شيئا يخرجه من دائرة الإيمان، ويحول بينه وبينه، ولكن لا يخرج من ~~دائرة عموم المسلمين، فإن استمر على الذنوب وأصر عليها خيف عليه أن يرين ~~على قلبه، فيخرجه عن الإسلام بالكلية، ومن هاهنا اشتد خوف السلف، كما قال ~~بعضهم: أنتم تخافون الذنوب، وأنا أخاف الكفر. ### | [فصل المعاصي تضعف القلب] # فصل # المعاصي تضعف القلب # ومن عقوبتها: أنها تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة، أو تعوقه أو ~~توقفه وتقطعه عن السير، فلا تدعه يخطو إلى الله خطوة، هذا إن لم ترده عن ~~وجهته إلى ورائه، فالذنب يحجب الواصل، ويقطع السائر، وينكس الطالب، والقلب ~~إنما يسير إلى الله بقوته، فإذا مرض بالذنوب ضعفت تلك القوة التي تسيره، ~~فإن زالت بالكلية انقطع عن الله انقطاعا يبعد تداركه، والله المستعان. # فالذنب إما يميت القلب، أو يمرضه مرضا مخوفا، أو يضعف قوته ولا بد حتى ~~ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ منها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وهي: « [الهم، والحزن، والعجز، والكسل، والجبن، والبخل، وضلع الدين، ~~وغلبة الرجال] » وكل اثنين منها قرينان. # فالهم والحزن قرينان: فإن المكروه الوارد على القلب إن كان من أمر ms067 مستقبل ~~يتوقعه أحدث الهم، وإن كان من أمر ماض قد وقع أحدث الحزن. # والعجز والكسل قرينان: فإن تخلف العبد عن أسباب الخير والفلاح، إن كان ~~لعدم قدرته فهو العجز، وإن كان لعدم إرادته فهو الكسل. # والجبن والبخل قرينان: فإن عدم النفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن، وإن ~~كان بماله فهو البخل. # وضلع الدين وقهر الرجال قرينان: فإن استعلاء الغير عليه إن كان بحق فهو ~~من ضلع الدين، وإن كان بباطل فهو من قهر الرجال. # PageV01P073 # والمقصود أن الذنوب من أقوى الأسباب الجالبة لهذه الثمانية، كما أنها من ~~أقوى الأسباب الجالبة لجهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة ~~الأعداء، ومن أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم الله، وتحول عافيته إلى نقمته ~~وتجلب جميع سخطه. ### | [فصل المعاصي تزيل النعم] # فصل # المعاصي تزيل النعم # ومن عقوبات الذنوب: أنها تزيل النعم، وتحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة ~~إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب، كما قال علي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه -: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة. # وقد قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} ~~[سورة الشورى: 30] . # وقال تعالى: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ~~ما بأنفسهم} [سورة الأنفال: 53] . # فأخبر الله تعالى أنه لا يغير نعمه التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو ~~الذي يغير ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه ~~بأسباب سخطه، فإذا غير غير عليه، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد. # فإن غير المعصية بالطاعة، غير الله عليه العقوبة بالعافية، والذل بالعز. # وقال تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد ~~الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال} [سورة الرعد: 11] . # وفي بعض الآثار الإلهية، عن الرب تبارك وتعالى أنه قال: «وعزتي وجلالي، ~~لا يكون عبد من عبيدي على ما أحب، ثم ينتقل عنه إلى ما أكره، إلا انتقلت له ~~مما ms068 يحب إلى ما يكره، ولا يكون عبد من عبيدي على ما أكره، فينتقل عنه إلى ~~ما أحب، إلا انتقلت له مما يكره إلى ما يحب» . # وقد أحسن القائل: # إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن الذنوب تزيل النعم # PageV01P074 # وحطها بطاعة رب العبا ... د فرب العباد سريع النقم # وإياك والظلم مهما استطع ... ت فظلم العباد شديد الوخم # وسافر بقلبك بين الورى ... لتبصر آثار من قد ظلم # فتلك مساكنهم بعدهم ... شهود عليهم ولا تتهم # وما كان شيء عليهم أض ... ر من الظلم وهو الذي قد قصم # فكم تركوا من جنان ومن ... قصور وأخرى عليهم أطم # صلوا بالجحيم وفات النعي ... م وكان الذي نالهم كالحلم ### | [فصل المعاصي تلقي الرعب والخوف في القلوب] # فصل # المعاصي تلقي الرعب والخوف في القلوب # ومن عقوباتها ما يلقيه الله سبحانه وتعالى من الرعب والخوف في قلب ~~العاصي، فلا تراه إلا خائفا مرعوبا. # فإن الطاعة حصن الله الأعظم، من دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا ~~والآخرة، ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب، فمن أطاع الله انقلبت ~~المخاوف في حقه أمانا، ومن عصاه انقلبت مآمنه مخاوف، فلا تجد العاصي إلا ~~وقلبه كأنه بين جناحي طائر، إن حركت الريح الباب قال: جاء الطلب، وإن سمع ~~وقع قدم خاف أن يكون نذيرا بالعطب، يحسب أن كل صيحة عليه، وكل مكروه قاصد ~~إليه، فمن خاف الله آمنه من كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء: # بذا قضى الله بين الخلق مذ خلقوا ... أن المخاوف والأجرام في قرن # المعاصي توقع في الوحشة # ومن عقوباتها أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب فيجد المذنب نفسه ~~مستوحشا، قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه، وبين الخلق وبين نفسه، وكلما كثرت ~~الذنوب اشتدت الوحشة، وأمر العيش عيش المستوحشين الخائفين، وأطيب العيش عيش ~~المستأنسين، فلو نظر العاقل ووازن لذة المعصية وما توقعه من الخوف والوحشة، ~~لعلم سوء حاله، وعظيم غبنه، إذ باع أنس الطاعة وأمنها وحلاوتها بوحشة ~~المعصية وما توجبه من الخوف والضرر الداعي ms069 له. # كما قيل: # فإن كنت قد أوحشتك الذنوب ... فدعها إذا شئت واستأنس # PageV01P075 # وسر المسألة: أن الطاعة توجب القرب من الرب سبحانه، فكلما اشتد القرب قوي ~~الأنس، والمعصية توجب البعد من الرب، وكلما زاد البعد قويت الوحشة. # ولهذا يجد العبد وحشة بينه وبين عدوه للبعد الذي بينهما، وإن كان ملابسا ~~له، قريبا منه، ويجد أنسا قويا بينه وبين من يحب، وإن كان بعيدا عنه. # والوحشة سببها الحجاب، وكلما غلظ الحجاب زادت الوحشة، فالغفلة توجب ~~الوحشة، وأشد منها وحشة المعصية، وأشد منها وحشة الشرك والكفر، ولا تجد ~~أحدا ملابسا شيئا من ذلك إلا ويعلوه من الوحشة بحسب ما لابسه منه، فتعلو ~~الوحشة وجهه وقلبه فيستوحش ويستوحش منه. ### | [فصل المعاصي تمرض القلوب] # فصل # المعاصي تمرض القلوب # ومن عقوباتها: أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه، فلا ~~يزال مريضا معلولا لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه، فإن تأثير ~~الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، بل الذنوب أمراض القلوب ~~وداؤها، ولا دواء لها إلا تركها. # وقد أجمع السائرون إلى الله أن القلوب لا تعطى مناها حتى تصل إلى مولاها، ~~ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة، ولا تكون صحيحة سليمة حتى ينقلب ~~داؤها، فيصير نفس دوائها، ولا يصح لها ذلك إلا بمخالفة هواها، فهواها ~~مرضها، وشفاؤها مخالفته، فإن استحكم المرض قتل أو كاد. # وكما أن من نهى نفسه عن الهوى كانت الجنة مأواه، فكذا يكون قلبه في هذه ~~الدار في جنة عاجلة، لا يشبه نعيم أهلها نعيما البتة، بل التفاوت الذي بين ~~النعيمين، كالتفاوت الذي بين نعيم الدنيا والآخرة، وهذا أمر لا يصدق به إلا ~~من باشر قلبه هذا وهذا. # ولا تحسب أن قوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم - وإن الفجار لفي جحيم} ~~[سورة الانفطار: 13 - 14] مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط بل في دورهم ~~الثلاثة كذلك - أعني دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار - فهؤلاء في ~~نعيم، وهؤلاء في جحيم، وهل النعيم إلا نعيم القلب؟ وهل العذاب إلا عذاب ~~القلب؟ ms070 وأي عذاب أشد من الخوف والهم والحزن، وضيق الصدر، وإعراضه عن الله ~~والدار الآخرة، وتعلقه بغير الله، وانقطاعه عن الله، بكل واد منه شعبة؟ وكل ~~شيء تعلق به وأحبه من دون الله فإنه يسومه سوء العذاب. # PageV01P076 # فكل من أحب شيئا غير الله عذب به ثلاث مرات في هذه الدار، فهو يعذب به ~~قبل حصوله حتى يحصل، فإذا حصل عذب به حال حصوله بالخوف من سلبه وفواته، ~~والتنغيص والتنكيد عليه، وأنواع من العذاب في هذه المعارضات، فإذا سلبه ~~اشتد عليه عذابه، فهذه ثلاثة أنواع من العذاب في هذه الدار. # وأما في البرزخ: فعذاب يقارنه ألم الفراق الذي لا يرجو عودة وألم فوات ما ~~فاته من النعيم العظيم باشتغاله بضده، وألم الحجاب عن الله، وألم الحسرة ~~التي تقطع الأكباد، فالهم والغم والحزن تعمل في نفوسهم نظير ما يعمل الهوام ~~والديدان في أبدانهم، بل عملها في النفوس دائم مستمر، حتى يردها الله إلى ~~أجسادها، فحينئذ ينتقل العذاب إلى نوع هو أدهى وأمر، فأين هذا من نعيم من ~~يرقص قلبه طربا وفرحا وأنسا بربه، واشتياقا إليه، وارتياحا بحبه، وطمأنينة ~~بذكره؟ حتى يقول بعضهم في حال نزعه: واطرباه. # ويقول الآخر: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا لذيذ العيش فيها، ~~وما ذاقوا أطيب ما فيها. # ويقول الآخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه ~~بالسيوف. # ويقول الآخر: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. # فيا من باع حظه الغالي بأبخس الثمن، وغبن كل الغبن في هذا العقد وهو يرى ~~أنه قد غبن، إذا لم يكن لك خبرة بقيمة السلعة فسل المقومين، فيا عجبا من ~~بضاعة معك الله مشتريها وثمنها جنة المأوى، والسفير الذي جرى على يده عقد ~~التبايع وضمن الثمن عن المشتري هو الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد ~~بعتها بغاية الهوان، كما قال القائل: # إذا كان هذا فعل عبد بنفسه ... فمن ذا له من بعد ذلك يكرم # {ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ms071 ما يشاء} [سورة الحج: 18] . ### | [فصل المعاصي تعمي البصيرة] # فصل # المعاصي تعمي البصيرة # ومن عقوباتها: أنها تعمي بصيرة القلب، وتطمس نوره، وتسد طرق العلم، وتحجب ~~مواد الهداية. # PageV01P077 # وقد قال مالك للشافعي لما اجتمع به ورأى تلك المخايل: إني أرى الله تعالى ~~قد ألقى على قلبك نورا، فلا تطفئه بظلمة المعصية. # ولا يزال هذا النور يضعف ويضمحل، وظلام المعصية يقوى حتى يصير القلب في ~~مثل الليل البهيم، فكم من مهلك يسقط فيه ولا يبصر، كأعمى خرج بالليل في ~~طريق ذات مهالك ومعاطب، فيا عزة السلامة ويا سرعة العطب، ثم تقوى تلك ~~الظلمات، وتفيض من القلب إلى الجوارح، فيغشى الوجه منها سواد، بحسب قوتها ~~وتزايدها، فإذا كان عند الموت ظهرت في البرزخ، فامتلأ القبر ظلمة، كما قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم: «إن هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة، وإن ~~الله ينورها بصلاتي عليهم» . # فإذا كان يوم المعاد، وحشر العباد، علت الظلمة الوجوه علوا ظاهرا يراه كل ~~أحد، حتى يصير الوجه أسود مثل الحممة، فيالها من عقوبة لا توازن لذات ~~الدنيا بأجمعها من أولها إلى آخرها، فكيف بقسط العبد المنغص المنكد المتعب ~~في زمن إنما هو ساعة من حلم؟ والله المستعان. ### | [فصل المعاصي تصغر النفس] # فصل # المعاصي تصغر النفس # ومن عقوباتها: أنها تصغر النفس، وتقمعها، وتدسيها، وتحقرها، حتى تكون ~~أصغر كل شيء وأحقره، كما أن الطاعة تنميها وتزكيها وتكبرها، قال تعالى: {قد ~~أفلح من زكاها - وقد خاب من دساها} [سورة الشمس: 9 - 10] ، والمعنى قد أفلح ~~من كبرها وأعلاها بطاعة الله وأظهرها، وقد خسر من أخفاها وحقرها وصغرها ~~بمعصية الله. # وأصل التدسية: الإخفاء، ومنه قوله تعالى: {أم يدسه في التراب} [سورة ~~النحل: 59] . # فالعاصي يدس نفسه في المعصية، ويخفي مكانها، يتوارى من الخلق من سوء ما ~~يأتي به، وقد انقمع عند نفسه، وانقمع عند الله، وانقمع عند الخلق، فالطاعة ~~والبر تكبر النفس وتعزها وتعليها، حتى تصير أشرف شيء وأكبره، وأزكاه ~~وأعلاه، ومع ذلك فهي أذل شيء وأحقره وأصغره لله تعالى، وبهذا الذل حصل لها ~~هذا ms072 العز والشرف والنمو، فما أصغر النفوس مثل معصية الله، وما كبرها وشرفها ~~ورفعها مثل طاعة الله. # PageV01P078 ### | [فصل المعاصي في سجن الشيطان] # فصل # المعاصي في سجن الشيطان # ومن عقوباتها: أن العاصي دائما في أسر شيطانه، وسجن شهواته، وقيود هواه، ~~فهو أسير مسجون مقيد، ولا أسير أسوأ حالا من أسير أسره أعدى عدو له، ولا ~~سجن أضيق من سجن الهوى، ولا قيد أصعب من قيد الشهوة، فكيف يسير إلى الله ~~والدار الآخرة قلب مأسور مسجون مقيد؟ وكيف يخطو خطوة واحدة؟ # وإذا قيد القلب طرقته الآفات من كل جانب بحسب قيوده، ومثل القلب مثل ~~الطائر، كلما علا بعد عن الآفات، وكلما نزل استوحشته الآفات. # وفي الحديث: «الشيطان ذئب الإنسان» . # وكما أن الشاة التي لا حافظ لها وهي بين الذئاب سريعة العطب، فكذا العبد ~~إذا لم يكن عليه حافظ من الله فذئبه مفترسه ولا بد، وإنما يكون عليه حافظ ~~من الله بالتقوى، فهي وقاية وجنة، حصينة بينه وبين ذئبه، كما هي وقاية بينه ~~وبين عقوبة الدنيا والآخرة، وكلما كانت الشاة أقرب من الراعي كانت أسلم من ~~الذئب، وكلما بعدت عن الراعي كانت أقرب إلى الهلاك، فأسلم ما تكون الشاة ~~إذا قربت من الراعي، وإنما يأخذ الذئب القاصية من الغنم، وهي أبعد من ~~الراعي. # وأصل هذا كله: أن القلب كلما كان أبعد من الله كانت الآفات إليه أسرع، ~~وكلما قرب من الله بعدت عنه الآفات. # والبعد من الله مراتب، بعضها أشد من بعض، فالغفلة تبعد القلب عن الله، ~~وبعد المعصية أعظم من بعد الغفلة، وبعد البدعة أعظم من بعد المعصية، وبعد ~~النفاق والشرك أعظم من ذلك كله. ### | [فصل المعاصي تسقط الكرامة] # فصل # المعاصي تسقط الكرامة # ومن عقوباتها: سقوط الجاه والمنزلة والكرامة عند الله وعند خلقه، فإن ~~أكرم الخلق عند الله أتقاهم، وأقربهم منه منزلة أطوعهم له، وعلى قدر طاعة ~~العبد تكون له منزلته عنده، فإذا عصاه وخالف أمره سقط من عينه، فأسقطه من ~~قلوب عباده، وإذا لم يبق له جاه عند الخلق وهان عليهم عاملوه ms073 على حسب ذلك، ~~فعاش بينهم أسوأ عيش خامل الذكر، # PageV01P079 # ساقط القدر، زري الحال، لا حرمة له ولا فرح له ولا سرور، فإن خمول الذكر ~~وسقوط القدر والجاه معه كل غم وهم وحزن، ولا سرور معه ولا فرح، وأين هذا ~~الألم من لذة المعصية لولا سكر الشهوة؟ # ومن أعظم نعم الله على العبد: أن يرفع له بين العالمين ذكره، ويعلي قدره، ~~ولهذا خص أنبياءه ورسله من ذلك بما ليس لغيرهم، كما قال تعالى: {واذكر ~~عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار - إنا أخلصناهم بخالصة ~~ذكرى الدار} [سورة ص 45: - 46] . # أي: خصصناهم بخصيصة، وهو الذكر الجميل الذي يذكرون به في هذه الدار، وهو ~~لسان الصدق الذي سأله إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حيث قال: {واجعل ~~لي لسان صدق في الآخرين} [سورة الشعراء: 84] . # وقال سبحانه وتعالى عنه وعن بنيه: {ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان ~~صدق عليا} [سورة مريم: 50] . # وقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم: {ورفعنا لك ذكرك} [سورة الشرح: 4] . # فأتباع الرسل لهم نصيب من ذلك بحسب ميراثهم من طاعتهم ومتابعتهم، وكل من ~~خالفهم فإنه بعيد من ذلك بحسب مخالفتهم ومعصيتهم. ### | [فصل المعصية مجلبة للذم] # فصل # المعصية مجلبة للذم # ومن عقوباتها: أنها تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف، وتكسوه أسماء الذم ~~والصغار، فتسلبه اسم المؤمن، والبر، والمحسن، والمتقي، والمطيع، والمنيب، ~~والولي، والورع، والصالح، والعابد، والخائف، والأواب، والطيب، والمرضي ~~ونحوها. # وتكسوه اسم الفاجر، والعاصي، والمخالف، والمسيء، والمفسد، والخبيث، ~~والمسخوط، والزاني، والسارق، والقاتل، والكاذب، والخائن، واللوطي، وقاطع ~~الرحم، والغادر وأمثالها. # PageV01P080 # فهذه أسماء الفسوق و {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} [سورة الحجرات: 11] ~~الذي يوجب غضب الديان، ودخول النيران، وعيش الخزي والهوان. # وتلك أسماء توجب رضاء الرحمن، ودخول الجنان، وتوجب شرف المسمى بها على ~~سائر أنواع الإنسان، فلو لم يكن في عقوبة المعصية إلا استحقاق تلك الأسماء ~~وموجباتها لكان في العقل ناه عنها، ولو لم يكن في ثواب الطاعة إلا الفوز ~~بتلك الأسماء وموجباتها لكان في العقل آمر بها، ولكن لا مانع لما أعطى ~~الله، ولا معطي لما ms074 منع، ولا مقرب لما باعد، ولا مبعد لمن قرب، {ومن يهن ~~الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء} [سورة الحج: 18] ### | [فصل المعصية تؤثر في العقل] # فصل # المعصية تؤثر في العقل # ومن عقوباتها: أنها تؤثر بالخاصة في نقصان العقل، فلا تجد عاقلين أحدهما ~~مطيع لله والآخر عاص، إلا وعقل المطيع منهما أوفر وأكمل، وفكره أصح، ورأيه ~~أسد، والصواب قرينه. # ولهذا تجد خطاب القرآن إنما هو مع أولي العقول والألباب، كقوله: {واتقون ~~ياأولي الألباب} [سورة البقرة: 197] ، وقوله: {فاتقوا الله ياأولي الألباب ~~لعلكم تفلحون} [سورة المائدة: 100] ، وقوله: {وما يذكر إلا أولو الألباب} ~~[سورة البقرة: 269] ، ونظائر ذلك كثيرة. # وكيف يكون عاقلا وافر العقل من يعصي من هو في قبضته وفي داره، وهو يعلم ~~أنه يراه ويشاهده فيعصيه وهو بعينه غير متوار عنه، ويستعين بنعمه على ~~مساخطه، ويستدعي كل وقت غضبه عليه، ولعنته له، وإبعاده من قربه، وطرده عن ~~بابه، وإعراضه عنه، وخذلانه له، والتخلية بينه وبين نفسه وعدوه، وسقوطه من ~~عينه، وحرمانه روح رضاه # PageV01P081 # وحبه، وقرة العين بقربه، والفوز بجواره، والنظر إلى وجهه في زمرة ~~أوليائه، إلى أضعاف أضعاف ذلك من كرامته أهل الطاعة، وأضعاف أضعاف ذلك من ~~عقوبة أهل المعصية. # فأي عقل لمن آثر لذة ساعة أو يوم أو دهر، ثم تنقضي كأنها حلم لم يكن، على ~~هذا النعيم المقيم، والفوز العظيم؟ بل هو سعادة الدنيا والآخرة، ولولا ~~العقل الذي تقوم به عليه الحجة لكان بمنزلة المجانين، بل قد يكون المجانين ~~أحسن حالا منه وأسلم عاقبة، فهذا من هذا الوجه. # وأما تأثيرها في نقصان العقل المعيش، فلولا الاشتراك في هذا النقصان، ~~لظهر لمطيعنا نقصان عقل عاصينا، ولكن الجائحة عامة، والجنون فنون. # ويا عجبا لو صحت العقول لعلمت أن طريق تحصيل اللذة والفرحة والسرور وطيب ~~العيش، إنما هو في رضاء من النعيم كله في رضاه، والألم والعذاب كله في سخطه ~~وغضبه، ففي رضاه قرة العيون، وسرور النفوس، وحياة القلوب، ولذة الأرواح، ~~وطيب الحياة، ولذة العيش، وأطيب النعيم، ومما لو وزن منه ms075 مثقال ذرة بنعيم ~~الدنيا لم يف به، بل إذا حصل للقلب من ذلك أيسر نصيب لم يرض بالدنيا وما ~~فيها عوضا منه، ومع هذا فهو يتنعم بنصيبه من الدنيا أعظم من تنعم المترفين ~~فيها، ولا يشوب تنعمه بذلك الحظ اليسير ما يشوب تنعم المترفين من الهموم ~~والغموم والأحزان المعارضات، بل قد حصل له على النعيمين وهو ينتظر نعيمين ~~آخرين أعظم منهما، وما يحصل له في خلال ذلك من الآلام، فالأمر كما قال ~~تعالى: {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا ~~يرجون} [سورة النساء: 104] . # فلا إله إلا الله ما أنقص عقل من باع الدر بالبعر، والمسك بالرجيع، ~~ومرافقة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ~~بمرافقة الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا. ### | [فصل المعاصي توجب القطيعة بين العبد والرب] # فصل # المعاصي توجب القطيعة بين العبد والرب # ومن أعظم عقوباتها: أنها توجب القطيعة بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى، ~~وإذا وقعت القطيعة انقطعت عنه أسباب الخير واتصلت به أسباب الشر، فأي فلاح، ~~وأي رجاء، وأي عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير، وقطع ما بينه وبين وليه ~~ومولاه الذي لا غنى عنه طرفة عين، ولا بدل له منه، ولا عوض له عنه، واتصلت ~~به أسباب الشر، ووصل ما بينه # PageV01P082 # وبين أعدى عدو له: فتولاه عدوه وتخلى عنه وليه؟ فلا تعلم نفس ما في هذا ~~الانقطاع والاتصال من أنواع الآلام وأنواع العذاب. # قال بعض السلف: رأيت العبد ملقى بين الله سبحانه وبين الشيطان، فإن أعرض ~~الله عنه تولاه الشيطان، وإن تولاه الله لم يقدر عليه الشيطان، وقد قال ~~تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق ~~عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين ~~بدلا} [سورة الكهف: 50] . # يقول سبحانه لعباده: أنا أكرمت أباكم، ورفعت قدره، وفضلته على غيره، ~~فأمرت ملائكتي كلهم أن يسجدوا له، تكريما له وتشريفا، فأطاعوني، وأبى عدوي ~~وعدوه، فعصى أمري، ms076 وخرج عن طاعتي، فكيف يحسن بكم بعد هذا أن تتخذوه وذريته ~~أولياء من دوني، فتطيعونه في معصيتي، وتوالونه في خلاف مرضاتي وهم أعدى عدو ~~لكم؟ فواليتم عدوي وقد أمرتكم بمعاداته، ومن والى أعداء الملك، كان هو ~~وأعداؤه عنده سواء، فإن المحبة والطاعة لا تتم إلا بمعاداة أعداء المطاع ~~وموالاة أوليائه، وأما أن توالي أعداء الملك ثم تدعي أنك موال له، فهذا ~~محال. # هذا لو لم يكن عدو الملك عدوا لكم، فكيف إذا كان عدوكم على الحقيقة، ~~والعداوة التي بينكم وبينه أعظم من العداوة التي بين الشاة وبين الذئب؟ ~~فكيف يليق بالعاقل أن يوالي عدوه عدو وليه ومولاه الذي لا مولى له سواه، ~~ونبه سبحانه على قبح هذه الموالاة بقوله: {وهم لكم عدو} [سورة الكهف: 50] ، ~~كما نبه على قبحها بقوله تعالى: {ففسق عن أمر ربه} [سورة الكهف: 50] ، ~~فتبين أن عداوته لربه وعداوته لنا، كل منهما سبب يدعو إلى معاداته، فما هذه ~~الموالاة؟ وما هذا الاستبدال؟ بئس للظالمين بدلا. # ويشبه أن يكون تحت هذا الخطاب نوع من العتاب لطيف عجيب وهو أني عاديت ~~إبليس إذ لم يسجد لأبيكم آدم مع ملائكتي فكانت معاداته لأجلكم، ثم كان ~~عاقبة هذه المعاداة أن عقدتم بينكم وبينه عقد المصالحة # PageV01P083 ### | [فصل المعاصي تمحق البركة] # فصل # المعاصي تمحق البركة # ومن عقوباتها: أنها تمحق بركة العمر، وبركة الرزق، وبركة العلم، وبركة ~~العمل، وبركة الطاعة. # وبالجملة أنها تمحق بركة الدين والدنيا، فلا تجد أقل بركة في عمره ودينه ~~ودنياه ممن عصى الله، وما محقت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق، قال الله ~~تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء ~~والأرض} [الأعراف: 96] . # وقال تعالى: {وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا - لنفتنهم ~~فيه} [الجن: 16 - 17] . # وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه. # وفي الحديث: «إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل ~~رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإنه لا ينال ما عند الله إلا ~~بطاعته، وإن الله جعل الروح والفرح في ms077 الرضى واليقين، وجعل الهم والحزن في ~~الشك والسخط» . # وقد تقدم الأثر الذي ذكره أحمد في كتاب الزهد: «أنا الله، إذا رضيت ~~باركت، وليس لبركتي منتهى، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تدرك السابع من الولد» . # وليست سعة الرزق والعمل بكثرته، ولا طول العمر بكثرة الشهور والأعوام، ~~ولكن سعة الرزق وطول العمر بالبركة فيه. # وقد تقدم أن عمر العبد هو مدة حياته، ولا حياة لمن أعرض عن الله واشتغل ~~بغيره، بل حياة البهائم خير من حياته، فإن حياة الإنسان بحياة قلبه وروحه، ~~ولا حياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره، ومحبته، وعبادته وحده، والإنابة إليه، ~~والطمأنينة بذكره، والأنس بقربه، ومن فقد هذه الحياة فقد الخير كله، ولو ~~تعرض عنها بما تعوض مما في الدنيا، بل ليست الدنيا بأجمعها عوضا عن هذه ~~الحياة، فمن كل شيء يفوت العبد عوض، وإذا فاته الله لم يعوض عنه شيء البتة. # وكيف يعوض الفقير بالذات عن الغني بالذات، والعاجز بالذات عن القادر ~~بالذات، والميت عن الحي الذي لا يموت، والمخلوق عن الخالق، ومن لا وجود له ~~ولا شيء له من # PageV01P084 # ذاته البتة عمن غناه وحياته وكماله ووجوده ورحمته من لوازم ذاته؟ وكيف ~~يعوض من لا يملك مثقال ذرة عمن له ملك السماوات والأرض. # وإنما كانت معصية الله سببا لمحق بركة الرزق والأجل، لأن الشيطان موكل ~~بها وبأصحابها، فسلطانه عليهم، وحوالته على هذا الديوان وأهله وأصحابه، وكل ~~شيء يتصل به الشيطان ويقارنه، فبركته ممحوقة، ولهذا شرع ذكر اسم الله تعالى ~~عند الأكل والشرب واللبس والركوب والجماع لما في مقارنة اسم الله من ~~البركة، وذكر اسمه يطرد الشيطان فتحصل البركة ولا معارض له، وكل شيء لا ~~يكون لله فبركته منزوعة، فإن الرب هو الذي يبارك وحده، والبركة كلها منه، ~~وكل ما نسب إليه مبارك، فكلامه مبارك، ورسوله مبارك، وعبده المؤمن النافع ~~لخلقه مبارك، وبيته الحرام مبارك، وكنانته من أرضه، وهي الشام أرض البركة، ~~وصفها بالبركة في ست آيات من كتابه، فلا مبارك إلا هو وحده، ولا مبارك إلا ~~ما نسب إليه، أعني ms078 إلى ألوهيته ومحبته ورضاه، وإلا فالكون كله منسوب إلى ~~ربوبيته وخلقه، وكل ما باعده من نفسه من الأعيان والأقوال والأعمال فلا ~~بركة فيه، ولا خير فيه، وكل ما كان منه قريبا من ذلك ففيه من البركة على ~~حسب قربه منه. # وضد البركة اللعنة؛ فأرض لعنها الله أو شخص لعنه الله أو عمل لعنه الله ~~أبعد شيء من الخير والبركة، وكلما اتصل بذلك وارتبط به وكان منه بسبيل فلا ~~بركة فيه البتة. # وقد لعن عدوه إبليس وجعله أبعد خلقه منه، فكل ما كان جهته فله من لعنة ~~الله بقدر قربه واتصاله به، فمن هاهنا كان للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة ~~العمر والرزق والعلم والعمل، وكل وقت عصيت الله فيه، أو مال عصي الله به، ~~أو بدن أو جاه أو علم أو عمل فهو على صاحبه ليس له، فليس له من عمره وماله ~~وقوته وجاهه وعلمه وعمله إلا ما أطاع الله به. # ولهذا من الناس من يعيش في هذه الدار مائة سنة أو نحوها، ويكون عمره لا ~~يبلغ عشرين سنة أو نحوها، كما أن منهم من يملك القناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة ويكون ماله في الحقيقة لا يبلغ ألف درهم أو نحوها، وهكذا الجاه ~~والعلم. # وفي الترمذي عنه - صلى الله عليه وسلم - «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، ~~إلا ذكر الله وما والاه، أو عالم أو متعلم» . # وفي أثر آخر: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله» فهذا هو الذي ~~فيه البركة خاصة، والله المستعان. # PageV01P085 ### | [فصل المعصية تجعل صاحبها من السفلة] # فصل # المعصية تجعل صاحبها من السفلة # ومن عقوباتها: أنها تجعل صاحبها من السفلة بعد أن كان مهيئا لأن يكون من ~~العلية، فإن الله خلق خلقه قسمين: علية، وسفلة، وجعل عليين مستقر العلية، ~~وأسفل سافلين مستقر السفلة، وجعل أهل طاعته الأعلين في الدنيا والآخرة، ~~وأهل معصيته الأسفلين في الدنيا والآخرة، كما جعل أهل طاعته أكرم خلقه ~~عليه، وأهل معصيته أهون خلقه عليه، وجعل العزة لهؤلاء، والذلة والصغار ~~لهؤلاء، كما في ms079 مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، ~~وجعل الذل والصغار على من خالف أمري» # فكلما عمل العبد معصية نزل إلى أسفل، درجة، ولا يزال في نزول حتى يكون من ~~الأسفلين، وكلما عمل طاعة ارتفع بها درجة، ولا يزال في ارتفاع حتى يكون من ~~الأعلين. # وقد يجتمع للعبد في أيام حياته الصعود من وجه، والنزول من وجه، وأيهما ~~كان أغلب عليه كان من أهله، فليس من صعد مائة درجة ونزل درجة واحدة، كمن ~~كان بالعكس. # ولكن يعرض هاهنا للنفوس غلط عظيم، وهو أن العبد قد ينزل نزولا بعيدا أبعد ~~مما بين المشرق والمغرب، ومما بين السماء والأرض، فلا يفي صعوده ألف درجة ~~بهذا النزول الواحد، كما في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة الواحدة، لا يلقي لها بالا يهوي بها في ~~النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» . # فأي صعود يوازن هذه النزلة؟ والنزول أمر لازم للإنسان، ولكن من الناس من ~~يكون نزوله إلى غفلة، فهذا متى استيقظ من غفلته عاد إلى درجته، أو إلى أرفع ~~منها بحسب يقظته. # ومنهم من يكون نزوله إلى مباح لا ينوي به الاستعانة على الطاعة، فهذا متى ~~رجع إلى الطاعة فقد يعود إلى درجته، وقد لا يصل إليها، وقد يرتفع عنها، ~~فإنه قد يعود أعلى همة مما كان، وقد يكون أضعف همة، وقد تعود همته كما ~~كانت. # ومنهم من يكون نزوله إلى معصية، إما صغيرة أو كبيرة، فهذا يحتاج في عوده ~~إلى درجته إلى توبة نصوح، وإنابة صادقة. # واختلف الناس هل يعود بعد التوبة إلى درجته التي كان فيها، بناء على أن ~~التوبة # PageV01P086 # تمحو أثر الذنب، وتجعل وجوده كعدمه فكأنه لم يكن، أو لا يعود، بناء على ~~أن التوبة تأثيرها في إسقاط العقوبة، وأما الدرجة التي فاتته فإنه لا يصل ~~إليها. # قالوا: وتقرير ذلك: أنه كان مستعدا باشتغاله بالطاعة في ms080 الزمن الذي عصى ~~فيه لصعود آخر وارتقاء تحمله أعماله السالفة، بمنزلة كسب الرجل كل يوم ~~بجملة ماله الذي يملكه، وكلما تضاعف المال تضاعف الربح، فقد راح عليه في ~~زمن المعصية ارتفاع وربح تحمله أعماله، فإذا استأنف العمل استأنف صعودا من ~~نزول، وكان قبل ذلك صاعدا من أسفل إلى أعلى، وبينهما بون عظيم. # قالوا: ومثل ذلك رجلان يرتقيان في سلمين لا نهاية لهما، وهما سواء، فنزل ~~أحدهما إلى أسفل، ولو درجة واحدة، ثم استأنف الصعود، فإن الذي لم ينزل يعلو ~~عليه ولا بد. # وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بين الطائفتين حكما مقبولا فقال: # التحقيق أن من التائبين من يعود إلى أرفع من درجته، ومنهم من يعود إلى ~~مثل درجته، ومنهم من لا يصل إلى درجته. # قلت: وهذا بحسب قوة التوبة وكمالها، وما أحدثته المعصية للعبد من الذل ~~والخضوع والإنابة، والحذر والخوف من الله، والبكاء من خشية الله، فقد تقوى ~~هذه الأمور، حتى يعود التائب إلى أرفع من درجته، ويصير بعد التوبة خيرا منه ~~قبل الخطيئة، فهذا قد تكون الخطيئة في حقه رحمة، فإنها نفت عنه داء العجب، ~~وخلصته من ثقته بنفسه وإدلاله بأعماله، ووضعت خد ضراعته وذله وانكساره على ~~عتبة باب سيده ومولاه، وعرفته قدره، وأشهدته فقره وضرورته إلى حفظ مولاه ~~له، وإلى عفوه عنه ومغفرته له، وأخرجت من قلبه صولة الطاعة، وكسرت أنفه من ~~أن يشمخ بها أو يتكبر بها، أو يرى نفسه بها خيرا من غيره، وأوقفته بين يدي ~~ربه موقف الخطائين المذنبين، ناكس الرأس بين يدي ربه، مستحيا خائفا منه ~~وجلا، محتقرا لطاعته مستعظما لمعصيته، عرف نفسه بالنقص والذم. وربه متفرد ~~بالكمال والحمد والوفاء كما قيل: # استأثر الله بالوفاء وبالحم ... د وولى الملامة الرجلا # فأي نعمة وصلت من الله إليه استكثرها على نفسه ورأى نفسه دونها ولم يرها ~~أهلا، وأي نقمة أو بلية وصلت إليه رأى نفسه أهلا لما هو أكبر منها، ورأى ~~مولاه قد أحسن إليه، إذ لم يعاقبه على قدر جرمه ولا شطره، ولا ms081 أدنى جزء ~~منه. # PageV01P087 # فإن ما يستحقه من العقوبة لا تحمله الجبال الراسيات، فضلا عن هذا العبد ~~الضعيف العاجز، فإن الذنب وإن صغر، فإن مقابلة العظيم الذي لا شيء أعظم ~~منه، الكبير الذي لا شيء أكبر منه، الجليل الذي لا أجل منه ولا أجمل، ~~المنعم بجميع أصناف النعم دقيقها وجلها - من أقبح الأمور وأفظعها وأشنعها، ~~فإن مقابلة العظماء والأجلاء وسادات الناس بمثل ذلك يستقبحه كل أحد مؤمن ~~وكافر. وأرذل الناس وأسقطهم مروءة من قابلهم بالرذائل، فكيف بعظيم السماوات ~~والأرض، وملك السماوات والأرض، وإله أهل السماوات والأرض؟ ولولا أن رحمته ~~سبقت غضبه، ومغفرته سبقت عقوبته، وإلا لتدكدكت الأرض بمن قابله بما لا يليق ~~مقابلته به، ولولا حلمه ومغفرته لزلزلت السماوات والأرض من معاصي العباد، ~~قال تعالى: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما ~~من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا} [سورة فاطر: 41] . # فتأمل ختم هذه الآية باسمين من أسمائه، وهما: " الحليم، والغفور " كيف ~~تجد تحت ذلك أنه لولا حلمه عن الجناة ومغفرته للعصاة لما استقرت السماوات ~~والأرض؟ # وقد أخبر سبحانه عن كفر بعض عباده أنه: {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق ~~الأرض وتخر الجبال هدا} [سورة مريم: 90] . # وقد أخرج الله سبحانه الأبوين من الجنة بذنب واحد ارتكباه وخالفا فيه ~~نهيه، ولعن إبليس وطرده وأخرجه من ملكوت السماوات والأرض بذنب واحد ارتكبه ~~وخالف فيه أمره، ونحن معاشر الحمقى كما قيل: # نصل الذنوب إلى الذنوب ونرتجي ... درج الجنان لذي النعيم الخالد # ولقد علمنا أخرج الأبوين من ... ملكوته الأعلى بذنب واحد # والمقصود أن العبد قد يكون بعد التوبة خيرا مما كان قبل الخطيئة وأرفع ~~درجة، وقد تضعف الخطيئة همته وتوهن عزمه، وتمرض قلبه، فلا يقوى دواء التوبة ~~على إعادته إلى الصحة الأولى، فلا يعود إلى درجته، وقد يزول المرض بحيث ~~تعود الصحة كما كانت ويعود إلى مثل عمله، فيعود إلى درجته. # هذا كله إذا كان نزوله إلى معصية، فإن كان نزوله إلى أمر يقدح في أصل ~~إيمانه، مثل الشكوك والريب والنفاق، ms082 فذاك نزول لا يرجى لصاحبه صعود إلا ~~بتجديد إسلامه. ### | [فصل المعاصي تجرئ على الإنسان أعداءه] # فصل # المعاصي تجرئ على الإنسان أعداءه # PageV01P088 # ومن عقوباتها: أنها تجرئ على العبد ما لم يكن يجترئ عليه من أصناف ~~المخلوقات، فتجترئ عليه الشياطين بالأذى والإغواء والوسوسة والتخويف ~~والتحزين، وإنسائه ما به مصلحته في ذكره، ومضرته في نسيانه، فتجترئ عليه ~~الشياطين حتى تؤزه في معصية الله أزا. # وتجترئ عليه شياطين الإنس بما تقدر عليه من الأذى في غيبته وحضوره، ~~ويجترئ عليه أهله وخدمه وأولاده وجيرانه حتى الحيوان البهيم. # قال بعض السلف: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق امرأتي ودابتي. # وكذلك يجترئ عليه أولياء الأمر بالعقوبة التي إن عدلوا فيها أقاموا عليه ~~حدود الله، وتجترئ عليه نفسه فتتأسد عليه وتصعب عليه، فلو أرادها لخير لم ~~تطاوعه ولم تنقد له، وتسوقه إلى ما فيه هلاكه، شاء أم أبي. # وذلك لأن الطاعة حصن الرب تبارك وتعالى الذي من دخله كان من الآمنين، ~~فإذا فارق الحصن اجترأ عليه قطاع الطريق وغيرهم، وعلى حسب اجترائه على ~~معاصي الله يكون اجتراء هذه الآفات والنفوس عليه، وليس له شيء يرد عنه. فإن ~~ذكر الله وطاعته والصدقة وإرشاد الجاهل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~- وقاية ترد عن العبد، بمنزلة القوة التي ترد المرض وتقاومه، فإذا سقطت ~~القوة غلب وارد المرض فكان الهلاك، فلابد للعبد من شيء يرد عنه، فإن موجب ~~السيئات والحسنات تتدافع ويكون الحكم للغالب كما تقدم، وكلما قوي جانب ~~الحسنات كان الرد أقوى كما تقدم، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا، والإيمان ~~قول وعمل، فبحسب قوة الإيمان يكون الدفع، والله المستعان. ### | [فصل المعاصي تضعف العبد أمام نفسه] # فصل # المعاصي تضعف العبد أمام نفسه # ومن عقوباتها: أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه، فإن كل أحد يحتاج ~~إلى معرفة ما ينفعه وما يضره في معاشه ومعاده، وأعلم الناس أعرفهم بذلك على ~~التفصيل، وأقواهم وأكيسهم من قوي على نفسه وإرادته، فاستعملها فيما ينفعه ~~وكفها عما يضره، # PageV01P089 # وفي ذلك تتفاوت معارف الناس وهممهم ms083 ومنازلهم، فأعرفهم من كان عارفا ~~بأسباب السعادة والشقاوة، وأرشدهم من آثر هذه على هذه، كما أن أسفههم من ~~عكس الأمر. # والمعاصي تخون العبد أحوج ما كان إلى نفسه في تحصيل هذا العلم، وإيثار ~~الحظ الأشرف العالي الدائم على الحظ الخسيس الأدنى المنقطع، فتحجبه الذنوب ~~عن كمال هذا العلم، وعن الاشتغال بما هو أولى به، وأنفع له في الدارين. # فإذا وقع مكروه واحتاج إلى التخلص منه، خانه قلبه ونفسه وجوارحه، وكان ~~بمنزلة رجل معه سيف قد غشيه الصدأ ولزم قرابه، بحيث لا ينجذب مع صاحبه إذا ~~جذبه، فعرض له عدو يريد قتله، فوضع يده على قائم سيفه واجتهد ليخرجه، فلم ~~يخرج معه، فدهمه العدو وظفر به. # كذلك القلب يصدأ بالذنوب ويصير مثخنا بالمرض، فإذا احتاج إلى محاربة ~~العدو لم يجد معه منه شيئا، والعبد إنما يحارب ويصاول ويقدم بقلبه، ~~والجوارح تبع للقلب، فإذا لم يكن عند ملكها قوة يدفع بها، فما الظن بها؟ # وكذلك النفس فإنها تخبث بالشهوات والمعاصي وتضعف، أعني النفس المطمئنة، ~~وإن كانت الأمارة تقوى وتتأسد، وكلما قويت هذه ضعفت تلك، فيبقى الحكم ~~والتصرف للأمارة. # وربما ماتت نفسه المطمئنة موتا لا يرتجى معه حياة ينتفع بها، بل حياته ~~حياة يدرك بها الألم فقط. # والمقصود أن العبد إذا وقع في شدة أو كربة أو بلية خانه قلبه ولسانه ~~وجوارحه عما هو أنفع شيء له، فلا ينجذب قلبه للتوكل على الله تعالى ~~والإنابة إليه والجمعية عليه والتضرع والتذلل والانكسار بين يديه، ولا ~~يطاوعه لسانه لذكره، وإن ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه، فينحبس ~~القلب على اللسان بحيث يؤثر الذكر، ولا ينحبس القلب واللسان على الذكر، بل ~~إن ذكر أو دعا ذكر بقلب لاه ساه غافل، ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة ~~تدفع عنه لم تنقد له ولم تطاوعه. # وهذا كله أثر الذنوب والمعاصي كمن له جند يدفع عنه الأعداء، فأهمل جنده، ~~وضيعهم، وأضعفهم، وقطع أخبارهم، ثم أراد منهم عند هجوم العدو عليه أن ~~يستفرغوا وسعهم في الدفع عنه بغير ms084 قوة. # هذا، وثم أمر أخوف من ذلك وأدهى منه وأمر، وهو أن يخونه قلبه ولسانه عند # PageV01P090 # الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة، كما ~~شاهد الناس كثيرا من المحتضرين أصابهم ذلك، حتى قيل لبعضهم: قل لا إله إلا ~~الله، فقال: آه آه، لا أستطيع أن أقولها. # وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فقال: شاه رخ، غلبتك. ثم قضى. # وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فقال: # يا رب قائلة يوما وقد تعبت ... أين الطريق إلى حمام منجاب # ثم قضى. # وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء ويقول: تاتنا تننتا. ~~حتى قضى # وقيل لآخر ذلك، فقال: وما ينفعني ما تقول ولم أدع معصية إلا ركبتها؟ ثم ~~قضى ولم يقلها. # وقيل لآخر ذلك، فقال: وما يغني عني، وما أعرف أني صليت لله صلاة؟ ثم قضى ~~ولم يقلها. # وقيل لآخر ذلك، فقال: هو كافر بما تقول. وقضى. # وقيل لآخر ذلك، فقال: كلما أردت أن أقولها لساني يمسك عنها. # وأخبرني من حضر بعض الشحاذين عند موته، فجعل يقول: لله، فلس لله. حتى ~~قضى. # وأخبرني بعض التجار عن قرابة له أنه احتضر وهو عنده، وجعلوا يلقنونه: لا ~~إله إلا الله، وهو يقول: هذه القطعة رخيصة، هذا مشتر جيد، هذه كذا. حتى ~~قضى. # وسبحان الله! كم شاهد الناس من هذا عبرا؟ والذي يخفى عليهم من أحوال ~~المحتضرين أعظم وأعظم. # فإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قد تمكن منه ~~الشيطان، واستعمله فيما يريده من معاصي الله، وقد أغفل قلبه عن ذكر الله ~~تعالى، وعطل لسانه عن ذكره وجوارحه عن طاعته، فكيف الظن به عند سقوط قواه ~~واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألم النزع؟ # وجمع الشيطان له كل قوته وهمته، وحشد عليه بجميع ما يقدر عليه لينال منه ~~فرصته، فإن ذلك آخر العمل، فأقوى ما يكون عليه شيطانه ذلك الوقت، وأضعف ما ~~يكون هو في تلك # PageV01P091 # الحال، فمن ترى يسلم على ذلك؟ فهناك {يثبت الله ms085 الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما ~~يشاء} [سورة إبراهيم: 27] . # فكيف يوفق بحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن ذكره واتبع هواه ~~وكان أمره فرطا. فبعيد من قلبه بعيد من الله تعالى، غافل عنه متعبد لهواه ~~أسير لشهواته، ولسانه يابس من ذكره، وجوارحه معطلة من طاعته مشتغلة بمعصيته ~~- أن يوفق للخاتمة بالحسنى. # ولقد قطع خوف الخاتمة ظهور المتقين، وكأن المسيئين الظالمين قد أخذوا ~~توقيعا بالأمان {أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما ~~تحكمون - سلهم أيهم بذلك زعيم} [سورة القلم: 39 - 40] # كما قيل: # يا آمنا من قبيح الفعل منه أهل ... أتاك توقيع أمن أنت تملكه # جمعت شيئين أمنا واتباع هوى ... هذا وإحداهما في المرء تهلكه # والمحسنون على درب المخاوف قد ... ساروا وذلك درب لست تسلكه # فرطت في الزرع وقت البذر من سفه ... فكيف عند حصاد الناس تدركه # هذا وأعجب شيء منك زهدك في ... دار البقاء بعيش سوف تتركه # من السفيه إذا بالله أنت أم ال ... مغبون في البيع غبنا سوف يدركه ### | [فصل المعاصي تعمي القلب] # فصل # المعاصي تعمي القلب # ومن عقوباتها أنها تعمي القلب، فإن لم تعمه أضعفت بصيرته ولابد، وقد تقدم ~~بيان أنها تضعفه ولابد، فإذا عمي القلب وضعف، فاته من معرفة الهدى وقوته ~~على تنفيذه في نفسه وفي غيره، بحسب ضعف بصيرته وقوته. # فإن الكمال الإنساني مداره على أصلين: معرفة الحق من الباطل، وإيثاره ~~عليه. # وما تفاوتت منازل الخلق عند الله تعالى في الدنيا والآخرة إلا بقدر تفاوت ~~منازلهم في هذين # PageV01P092 # الأمرين، وهما اللذان أثنى الله بهما سبحانه على أنبيائه بهما في قوله ~~تعالى: {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} [سورة ~~ص: 45] . # فالأيدي: القوة في تنفيذ الحق، والأبصار: البصائر في الدين، فوصفهم بكمال ~~إدراك الحق وكمال تنفيذه، وانقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام، فهؤلاء ~~أشرف الأقسام من الخلق وأكرمهم على الله تعالى. # القسم الثاني: عكس هؤلاء، من لا بصيرة له في الدين، ولا ms086 قوة على تنفيذ ~~الحق، وهم أكثر هذا الخلق، وهم الذين رؤيتهم قذى العيون وحمى الأرواح وسقم ~~القلوب، يضيقون الديار ويغلون الأسعار، ولا يستفاد من صحبتهم إلا العار ~~والشنار. # القسم الثالث: من له بصيرة بالحق ومعرفة به، لكنه ضعيف لا قوة له على ~~تنفيذه ولا الدعوة إليه، وهذا حال المؤمن الضعيف، والمؤمن القوي خير وأحب ~~إلى الله منه. # القسم الرابع: من له قوة وهمة وعزيمة، لكنه ضعيف البصيرة في الدين، لا ~~يكاد يميز بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، بل يحسب كل سوداء تمرة وكل ~~بيضاء شحمة، يحسب الورم شحما والدواء النافع سما. # وليس في هؤلاء من يصلح للإمامة في الدين، ولا هو موضع لها سوى القسم ~~الأول، قال الله تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون} [سورة السجدة: 24] . # فأخبر سبحانه أن بالصبر واليقين نالوا الإمامة في الدين، وهؤلاء هم الذين ~~استثناهم الله سبحانه من جملة الخاسرين، وأقسم بالعصر - الذي هو زمن سعي ~~الخاسرين والرابحين - على أن من عداهم فهو من الخاسرين، فقال تعالى {والعصر ~~- إن الإنسان لفي خسر - إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر} [العصر: 1 - 3] . # ولم يكتف منهم بمعرفة الحق والصبر عليه، حتى يوصي بعضهم بعضا به ويرشده ~~إليه ويحضه عليه. # وإذا كان من عدا هؤلاء فهو خاسر، فمعلوم أن المعاصي والذنوب تعمي بصيرة ~~القلب فلا يدرك الحق كما ينبغي، وتضعف قوته وعزيمته فلا يصبر عليه، بل قد ~~يتوارد على القلب حتى # PageV01P093 # ينعكس إدراكه كما ينعكس سيره، فيدرك الباطل حقا والحق باطلا، والمعروف ~~منكرا والمنكر معروفا، فينتكس في سيره ويرجع عن سفره إلى الله والدار ~~الآخرة، إلى سفره إلى مستقر النفوس المبطلة التي رضيت بالحياة الدنيا، ~~واطمأنت بها، وغفلت عن الله وآياته، وتركت الاستعداد للقائه، ولو لم يكن في ~~عقوبة الذنوب إلا هذه وحدها لكانت داعية إلى تركها والبعد منها، والله ~~المستعان. # وهذا كما أن الطاعة تنور القلب وتجلوه وتصقله، وتقويه وتثبته حتى يصير ~~كالمرآة المجلوة في جلائها وصفائها فيمتلئ نورا، فإذا دنا ms087 الشيطان منه ~~أصابه من نوره ما يصيب مسترق السمع من الشهب الثواقب، فالشيطان يفرق من هذا ~~القلب أشد من فرق الذئب من الأسد، حتى إن صاحبه ليصرع الشيطان فيخر صريعا، ~~فيجتمع عليه الشياطين، فيقول بعضهم لبعض: ما شأنه؟ فيقال: أصابه إنسي، وبه ~~نظرة من الإنس: # فيا نظرة من قلب حر منور ... يكاد لها الشيطان بالنور يحرق # أفيستوي هذا القلب وقلب مظلم أرجاؤه، مختلفة أهواؤه، قد اتخذه الشيطان ~~وطنه وأعده مسكنه، إذا تصبح بطلعته حياه، وقال: فديت من لا يفلح في دنياه ~~ولا في أخراه؟ # قرينك في الدنيا وفي الحشر بعدها ... فأنت قرين لي بكل مكان # فإن كنت في دار الشقاء فإنني ... وأنت جميعا في شقا وهوان # قال الله تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين - ~~وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون - حتى إذا جاءنا قال ياليت ~~بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين - ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في ~~العذاب مشتركون} [سورة الزخرف: 36 - 39] . # فأخبر سبحانه أن من عشي عن ذكره، وهو كتابه الذي أنزل على رسوله، فأعرض ~~عنه، وعمي عنه، وعشت بصيرته عن فهمه وتدبره ومعرفة مراد الله منه - قيض ~~الله له شيطانا عقوبة له بإعراضه عن كتابه، فهو قرينه الذي لا يفارقه في ~~الإقامة ولا في المسير، ومولاه وعشيره الذي هو بئس المولى وبئس العشير. # رضيعا لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرق # ثم أخبر سبحانه أن الشيطان يصد قرينه ووليه عن سبيله الموصل إليه وإلى ~~جنته، ويحسب هذا الضال المصدود أنه على طريق هدى، حتى إذا جاء القرينان يوم ~~القيامة يقول أحدهما للآخر: {ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} ~~كنت لي في الدنيا، أضللتني # PageV01P094 # عن الهدى بعد إذ جاءني، وصددتني عن الحق وأغويتني حتى هلكت، وبئس القرين ~~أنت لي اليوم. # ولما كان المصاب إذا شاركه غيره في مصيبة، حصل له بالتأسي نوع تخفيف ~~وتسلية، أخبر الله سبحانه أن هذا غير موجود وغير حاصل في حق المشتركين في ~~العذاب، ms088 وأن القرين لا يجد راحة ولا أدنى فرح بعذاب قرينه معه، وإن كانت ~~المصائب في الدنيا إذا عمت صارت مسلاة، كما قالت الخنساء في أخيها صخر: # ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي # وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي # فمنع الله سبحانه هذا القدر من الراحة على أهل النار فقال: {ولن ينفعكم ~~اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} [سورة الزخرف: 39] ### | [فصل المعاصي عدو لدود] # فصل # المعاصي عدو لدود # ومن عقوباتها: أنها مدد من الإنسان يمد به عدوه عليه، وجيش يقويه به على ~~حربه، وذلك أن الله سبحانه ابتلى هذا الإنسان بعدو لا يفارقه طرفة عين، ولا ~~ينام منه ولا يغفل عنه، يراه هو وقبيله من حيث لا يراه، يبذل جهده في ~~معاداته في كل حال، ولا يدع أمرا يكيده به يقدر على إيصاله إليه إلا أوصله ~~إليه، ويستعين عليه ببني جنسه من شياطين الجن، وغيرهم من شياطين الإنس، فقد ~~نصب له الحبائل، وبغى له الغوائل، ومد حوله الأشراك، ونصب له الفخاخ ~~والشباك، وقال لأعوانه: دونكم عدوكم وعدو أبيكم لا يفوتكم ولا يكون حظه ~~الجنة وحظكم النار، ونصيبه الرحمة ونصيبكم اللعنة، وقد علمتم أن ما جرى علي ~~وعليكم من الخزي والإبعاد من رحمة الله بسببه ومن أجله، فابذلوا جهدكم أن ~~يكونوا شركاءنا في هذه البلية، إذ قد فاتنا شركة صالحيهم في الجنة. وقد ~~أعلمنا الله سبحانه بذلك كله من عدونا وأمرنا أن نأخذ له أهبته ونعد له ~~عدته. # ولما علم سبحانه أن آدم وبنيه قد بلوا بهذا العدو وأنه قد سلط عليهم ~~أمدهم بعساكر وجند يلقونهم بها، وأمد عدوهم أيضا بجند وعساكر يلقاهم بها، ~~وأقام سوق الجهاد في هذه الدار في مدة العمر التي هي بالإضافة إلى الآخرة ~~كنفس واحد من أنفاسها، واشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، وأخبر أن # PageV01P095 # ذلك وعد مؤكد عليه في أشرف كتبه، وهي التوراة والإنجيل والقرآن، وأخبر ~~أنه لا أوفى بعهده منه سبحانه، ms089 ثم أمرهم أن يستبشروا بهذه الصفقة التي من ~~أراد أن يعرف قدرها فلينظر إلى المشتري من هو؟ وإلى الثمن المبذول في هذه ~~السلعة، وإلى من جرى على يديه هذا العقد، فأي فوز أعظم من هذا؟ وأي تجارة ~~أربح منه؟ # ثم أكد سبحانه معهم هذا الأمر بقوله: {ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم على ~~تجارة تنجيكم من عذاب أليم - تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون - يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم - ~~وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين} [سورة الصف: 10 - 13] ~~. # ولم يسلط سبحانه هذا العدو على عبده المؤمن الذي هو أحب المخلوقات إليه، ~~إلا لأن الجهاد أحب شيء إليه، وأهله أرفع الخلق عنده درجات، وأقربهم إليه ~~وسيلة، فعقد سبحانه لواء هذه الحرب لخلاصة مخلوقاته، وهو القلب الذي محل ~~معرفته ومحبته، وعبوديته والإخلاص له، والتوكل عليه والإنابة إليه، فولاه ~~أمر هذه الحرب، وأيده بجند من الملائكة لا يفارقونه {له معقبات من بين يديه ~~ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [سورة الرعد: 11] . # يعقب بعضهم بعضا، كلما ذهب بدل جاء بدل آخر يثبتونه ويأمرونه بالخير ~~ويحضونه عليه، ويعدونه بكرامة الله ويصبرونه، ويقولون: إنما هو صبر ساعة ~~وقد استرحت راحة الأبد. # ثم أمده سبحانه بجند آخر من وحيه وكلامه، فأرسل إليه رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأنزل إليه كتابه، فازداد قوة إلى قوته، ومددا إلى مدده، وعدة ~~إلى عدته، وأمده مع ذلك بالعقل وزيرا له ومدبرا، وبالمعرفة مشيرة عليه ~~ناصحة له، وبالإيمان مثبتا له ومؤيدا وناصرا، وباليقين كاشفا له عن حقيقة ~~الأمر، حتى كأنه يعاين ما وعد الله تعالى أولياءه وحزبه على جهاد أعدائه، ~~فالعقل يدبر أمر جيشه، والمعرفة تصنع له أمور الحرب وأسبابها ومواضعها ~~اللائقة بها، والإيمان يثبته ويقويه ويصبره، واليقين يقدم به ويحمل به ~~الحملات الصادقة. # ثم أمد سبحانه القائم بهذه الحرب بالقوى الظاهرة والباطنة، فجعل العين ~~طليعته، والأذن صاحب خبره، ms090 واللسان ترجمانه، واليدين والرجلين أعوانه، ~~وأقام ملائكته وحملة عرشه يستغفرون له ويسألون له أن يقيه السيئات ويدخله ~~الجنات، وتولى سبحانه الدفع # PageV01P096 # والدفاع عنه بنفسه وقال: هؤلاء حزبي، وحزب الله هم المفلحون، قال الله ~~تعالى: {أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} [المجادلة: 22] . # وهؤلاء جندي {وإن جندنا لهم الغالبون} [سورة الصافات: 173] . # وعلم عباده كيفية هذه الحرب والجهاد، فجمعها لهم في أربع كلمات فقال: ~~{ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} ~~[سورة آل عمران: 200] . # ولا يتم أمر هذا الجهاد إلا بهذه الأمور الأربعة، فلا يتم الصبر إلا ~~بمصابرة العدو، وهو مقاومته ومنازلته، فإذا صابر عدوه احتاج إلى أمر آخر ~~وهي المرابطة، وهي لزوم ثغر القلب وحراسته لئلا يدخل منه العدو، ولزوم ثغر ~~العين والأذن واللسان والبطن واليد والرجل، فهذه الثغور يدخل منها العدو ~~فيجوس خلال الديار ويفسد ما قدر عليه، فالمرابطة لزوم هذه الثغور، ولا يخلي ~~مكانها فيصادف العدو الثغر خاليا فيدخل منه. # فهؤلاء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير الخلق بعد النبيين ~~والمرسلين، وأعظمهم حماية وحراسة من الشيطان، وقد أخلوا المكان الذي أمروا ~~بلزومه يوم أحد، فدخل منه العدو، فكان ما كان. # وجماع هذه الثلاثة وعمودها الذي تقوم به هو تقوى الله تعالى، فلا ينفع ~~الصبر ولا المصابرة ولا المرابطة إلا بالتقوى، ولا تقوم التقوى إلا على ساق ~~الصبر. # التقاء الجيشين فانظر الآن فيك إلى التقاء الجيشين، واصطدام العسكرين ~~وكيف تدال مرة، ويدال عليك أخرى؟ أقبل ملك الكفرة بجنوده وعساكره، فوجد ~~القلب في حصنه جالسا على كرسي مملكته، أمره نافذ في أعوانه، وجنده قد حفوا ~~به، يقاتلون عنه ويدافعون عن حوزته، فلم يمكنهم الهجوم عليه إلا بمخامرة ~~بعض أمرائه وجنده عليه، فسأل عن أخص الجند به وأقربهم منه منزلة، فقيل له: ~~هي النفس، فقال لأعوانه: ادخلوا عليها من مرادها، وانظروا مواقع محبتها وما ~~هو محبوبها فعدوها به ومنوها إياه وانقشوا صورة المحبوب فيها في يقظتها ~~ومنامها، فإذا اطمأنت إليه وسكنت عنده فاطرحوا عليها كلاليب ms091 الشهوة ~~وخطاطيفها، ثم جروها بها إليكم، فإذا خامرت على القلب وصارت معكم عليه ~~ملكتم ثغر العين والأذن # PageV01P097 # واللسان والفم واليد والرجل، فرابطوا على هذا الثغور كل المرابطة، فمتى ~~دخلتم منها إلى القلب فهو قتيل أو أسير، أو جريح مثخن بالجراحات، ولا تخلوا ~~هذه الثغور، ولا تمكنوا سرية تدخل فيها إلى القلب فتخرجكم منها، وإن غلبتم ~~فاجتهدوا في إضعاف السرية ووهنها، حتى لا تصل إلى القلب، فإن وصلت إليه ~~وصلت ضعيفة لا تغني عنه شيئا. # ثغر العين فإذا استوليتم على هذه الثغور فامنعوا ثغر العين أن يكون نظره ~~اعتبارا، بل اجعلوا نظره تفرجا واستحسانا وتلهيا، فإن استرق نظره عبرة ~~فأفسدوها عليه بنظر الغفلة والاستحسان والشهوة، فإنه أقرب إليه وأعلق بنفسه ~~وأخف عليه، ودونكم ثغر العين، فإن منه تنالون بغيتكم، فإني ما أفسدت بني ~~آدم بشيء مثل النظر، فإني أبذر به في القلب بذر الشهوة، ثم أسقيه بماء ~~الأمنية، ثم لا أزال أعده وأمنيه حتى أقوي عزيمته وأقوده بزمام الشهوة إلى ~~الانخلاع من العصمة، فلا تهملوا أمر هذا الثغر وأفسدوه بحسب استطاعتكم، ~~وهونوا عليه أمره، وقولوا له: مقدار نظرة تدعوك إلى تسبيح الخالق والتأمل ~~لبديع صنيعه، وحسن هذه الصورة التي إنما خلقت ليستدل بها الناظر عليه، وما ~~خلق الله لك العينين سدى، وما خلق الله هذه الصورة ليحجبها عن النظر، وإن ~~ظفرتم به قليل العلم فاسد العقل، فقولوا له: هذه الصورة مظهر من مظاهر الحق ~~ومجلى من مجاليه، فادعوه إلى القول بالاتحاد، فإن لم يقبل فالقول بالحلول ~~العام أو الخاص، ولا تقنعوا منه بدون ذلك، فإنه يصير به من إخوان النصارى، ~~فمروه حينئذ بالعفة والصيانة والعبادة والزهد في الدنيا، واصطادوا عليه وبه ~~الجهال، فهذا من أقرب خلفائي وأكبر جندي، بل أنا من جنده وأعوانه. ### | [فصل ثغر الأذن] # فصل # ثغر الأذن # ثم امنعوا ثغر الأذن أن يدخل عليه ما يفسد عليكم الأمر، فاجتهدوا أن لا ~~تدخلوا منه إلا الباطل، فإنه خفيف على النفس تستحليه وتستحسنه، تخيروا له ~~أعذب الألفاظ وأسحرها للألباب، وامزجوه بما ms092 تهوى النفس مزجا. # وألقوا الكلمة فإن رأيتم منه إصغاء إليها فزجوه بأخواتها، وكلما صادفتم ~~منه استحسان شيء فالهجوا له بذكره، وإياكم أن يدخل من هذا الثغر شيء من ~~كلام الله أو كلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو كلام النصحاء، فإن ~~غلبتم على ذلك ودخل من ذلك شيء، فحولوا بينه وبين فهمه وتدبره والتفكر فيه ~~والعظة به، إما بإدخال ضده عليه، وإما بتهويل ذلك # PageV01P098 # وتعظيمه وأن هذا أمر قد حيل بين النفوس وبينه فلا سبيل لها إليه، وهو حمل ~~يثقل عليها لا تستقل به، ونحو ذلك، وإما بإرخاصه على النفوس، وأن الاشتغال ~~ينبغي أن يكون بما هو أعلى عند الناس، وأعز عليهم، وأغرب عندهم، وزبونه ~~القابلون له أكثر، وأما الحق فهو مهجور، وقائله معرض نفسه للعداوة، والرابح ~~بين الناس أولى بالإيثار ونحو ذلك، فتدخلون الباطل عليه في كل قالب يقبله ~~ويخف عليه، وتخرجون له الحق في كل قالب يكرهه ويثقل عليه. # وإذا شئت أن تعرف ذلك فانظر إلى إخوانهم من شياطين الإنس، كيف يخرجون ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب كثرة الفضول، وتتبع عثرات الناس، ~~والتعرض من البلاء لما لا يطيق، وإلقاء الفتن بين الناس، ونحو ذلك، ويخرجون ~~اتباع السنة ووصف الرب تعالى بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - في قالب التجسيم والتشبيه والتكييف، ويسمون علو الله على خلقه ~~واستواءه على عرشه ومباينته لمخلوقاته، تحيزا، ويسمون نزوله إلى سماء ~~الدنيا، وقوله: من يسألني فأعطيه، تحركا وانتقالا، ويسمون ما وصف به نفسه ~~من اليد والوجه أعضاء وجوارح، ويسمون ما يقوم به من أفعاله حوادث، وما يقوم ~~من صفاته أعراضا، ثم يتوصلون إلى نفي ما وصف به نفسه بهذه الأمور، ويوهمون ~~الأغمار وضعفاء البصائر، أن إثبات الصفات التي نطق بها كتاب الله وسنة ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - تستلزم هذه الأمور، ويخرجون هذا التعطيل في ~~قالب التنزيه والتعظيم، وأكثر الناس ضعفاء العقول يقبلون الشيء بلفظ ~~ويردونه بعينه بلفظ آخر، قال الله تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي ms093 عدوا شياطين ~~الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} [سورة الأنعام: 112] ~~فسماه زخرفا، وهو باطل، لأن صاحبه يزخرفه ويزينه ما استطاع، ويلقيه إلى سمع ~~المغرور فيغتر به. # والمقصود: أن الشيطان قد لزم ثغر الأذن، أن يدخل فيها ما يضر العبد ولا ~~ينفعه، ويمنع أن يدخل إليها ما ينفعه، وإن دخل بغير اختياره أفسده عليه. ### | [فصل ثغر اللسان] # فصل # ثغر اللسان # ثم يقول: قوموا على ثغر اللسان، فإنه الثغر الأعظم، وهو قبالة الملك، ~~فأجروا عليه من الكلام ما يضره ولا ينفعه، وامنعوه أن يجري عليه شيء مما ~~ينفعه: من ذكر الله # PageV01P099 # تعالى واستغفاره، وتلاوة كتابه، ونصيحة عباده، والتكلم بالعلم النافع، ~~ويكون لكم في هذا الثغر أمران عظيمان، لا تبالون بأيهما ظفرتم: # أحدهما: التكلم بالباطل، فإنما المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم، ومن أكبر ~~جندكم وأعوانكم. # الثاني: السكوت عن الحق، فإن الساكت عن الحق أخ لكم أخرس، كما أن الأول ~~أخ ناطق، وربما كان الأخ الثاني أنفع أخويكم لكم، أما سمعتم قول الناصح: ~~المتكلم بالباطل شيطان ناطق، والساكت عن الحق شيطان أخرس؟ # فالرباط الرباط على هذا الثغر أن يتكلم بحق أو يمسك عن باطل، وزينوا له ~~التكلم بالباطل بكل طريق، وخوفوه من التكلم بالحق بكل طريق. # واعلموا يا بني أن ثغر اللسان هو الذي أهلك منه بني آدم، وأكبهم منه على ~~مناخرهم في النار، فكم لي من قتيل وأسير وجريح أخذته من هذا الثغر؟ # وأوصيكم بوصية فاحفظوها: لينطق أحدكم على لسان أخيه من الإنس بالكلمة، ~~ويكون الآخر على لسان السامع فينطق باستحسانها وتعظيمها والتعجب منها ويطلب ~~من أخيه إعادتها، وكونوا أعوانا على الإنس بكل طريق، وادخلوا عليهم من كل ~~باب، واقعدوا لهم كل مرصد، أما سمعتم قسمي الذي أقسمت به لربهم حيث قلت: ~~{فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم - ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن ~~خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين} [سورة الأعراف 16 - ~~17] . # أوما تروني قد قعدت لابن آدم بطرقه كلها، فلا يفوتني من طريق إلا قعدت ms094 له ~~بطريق غيره، حتى أصيب منه حاجتي أو بعضها؟ وقد حذرهم ذلك رسولهم - صلى الله ~~عليه وسلم - وقال لهم: «إن الشيطان قد قعد لابن آدم بطرقه كلها، وقعد له ~~بطريق الإسلام، فقال له: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك؟ فخالفه وأسلم، فقعد ~~له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك؟ فخالفه وهاجر، فقعد له ~~بطريق الجهاد، فقال: أتجاهد فتقتل فيقسم المال وتنكح الزوجة؟» # فكهذا فاقعدوا لهم بكل طرق الخير، فإذا أراد أحدهم أن يتصدق فاقعدوا له ~~على طريق الصدقة، وقولوا له في نفسه: أتخرج المال فتبقى مثل هذا السائل ~~وتصير بمنزلته أنت وهو سواء؟ أوما سمعتم ما ألقيت على لسان رجل سأله آخر أن ~~يتصدق عليه، قال: هي أموالنا إذا أعطيناكموها صرنا مثلكم. # PageV01P100 # واقعدوا له بطريق الحج، فقولوا: طريقه مخوفة مشقة، يتعرض سالكها لتلف ~~النفس والمال، وهكذا فاقعدوا له على سائر طرق الخير بالتنفير عنها وذكر ~~صعوبتها وآفاتها، ثم اقعدوا لهم على طرق المعاصي فحسنوها في أعين بني آدم، ~~وزينوها في قلوبهم، واجعلوا أكثر أعوانكم على ذلك النساء، فمن أبوابهن ~~فادخلوا عليهم، فنعم العون هن لكم. # ثم الزموا ثغر اليدين والرجلين، فامنعوها أن تبطش بما يضركم وتمشي فيه. # النفس الأمارة # واعلموا أن أكبر أعوانكم على لزوم هذه الثغور مصالحة النفس الأمارة، ~~فأعيوها واستعينوا بها، وأمدوها واستمدوا منها، وكونوا معها على حرب النفس ~~المطمئنة، فاجتهدوا في كسرها وإبطال قواها، ولا سبيل إلى ذلك إلا بقطع ~~موادها عنها، فإذا انقطعت موادها وقويت مواد النفس الأمارة، وانطاعت لكم ~~أعوانها، فاستنزلوا القلب من حصنه، واعزلوه عن مملكته، وولوا مكانه النفس ~~الأمارة، فإنها لا تأمر إلا بما تهوونه وتحبونه، ولا تجيئكم بما تكرهونه ~~ألبتة، مع أنها لا تخالفكم في شيء تشيرون به عليها، بل إذا أشرتم عليها ~~بشيء بادرت إلى فعله، فإن أحسستم من القلب منازعة إلى مملكته، وأردتم الأمن ~~من ذلك، فاعقدوا بينه وبين النفس عقد النكاح، فزينوها وجملوها، وأروها إياه ~~في أحسن صورة عروس توجد، وقولوا له ذق طعم هذا الوصال والتمتع بهذه العروس ms095 ~~كما ذقت طعم الحرب، وباشرت مرارة الطعن والضرب، ثم وازن بين لذة هذه ~~المسألة، ومرارة تلك المحاربة، فدع الحرب تضع أوزارها، فليست بيوم وتنقضي، ~~وإنما هو حرب متصل بالموت، وقواك تضعف عن حرب دائم. # واستعينوا يا بني بجندين عظيمين لن تغلبوا معهما: # أحدهما: جند الغفلة، فأغفلوا قلوب بني آدم عن الله تعالى والدار الآخرة ~~بكل طريق، فليس لكم شيء أبلغ في تحصيل غرضكم من ذلك، فإن القلب إذا غفل عن ~~الله تعالى تمكنتم منه ومن إغوائه. # الثاني: جند الشهوات، فزينوها في قلوبهم، وحسنوها في أعينهم، وصولوا ~~عليهم بهذين العسكرين، فليس لكم في بني آدم أبلغ منهما، واستعينوا على ~~الغفلة بالشهوات، وعلى الشهوات بالغفلة، واقرنوا بين الغافلين، ثم استعينوا ~~بهما على الذاكر، ولا يغلب واحد خمسة، فإن مع الغافلين شيطانين صاروا ~~أربعة، وشيطان الذاكر معهم، وإذا رأيتم جماعة مجتمعين على ما يضركم - من ~~ذكر الله ومذاكرة أمره ونهيه ودينه، ولم تقدروا على تفريقهم - فاستعينوا ~~عليهم ببني جنسهم من الإنس البطالين، فقربوهم منهم، وشوشوا عليهم بهم، # PageV01P101 # وبالجملة فأعدوا للأمور أقرانها، وادخلوا على كل واحد من بني آدم من باب ~~إرادته وشهوته، فساعدوه عليها، وكونوا له أعوانا على تحصيلها، وإذا كان ~~الله قد أمرهم أن يصبروا لكم ويصابروكم ويرابطوا عليكم الثغور، فاصبروا ~~أنتم وصابروا ورابطوا عليهم بالثغور، وانتهزوا فرصكم فيهم عند الشهوة ~~والغضب، فلا تصطادوا بني آدم في أعظم من هذين الموطنين. # واعلموا أن منهم من يكون سلطان الشهوة عليه أغلب وسلطان غضبه ضعيف مقهور، ~~فخذوا عليه طريق الشهوة، ودعوا طريق الغضب، ومنهم من يكون سلطان الغضب عليه ~~أغلب، فلا تخلوا طريق الشهوة قلبه، ولا تعطلوا ثغرها، فإن لم يملك نفسه عند ~~الغضب، فإنه الحري أن لا يملك نفسه عند الشهوة، فزوجوا بين غضبه وشهوته، ~~وامزجوا أحدهما بالآخر، وادعوه إلى الشهوة من باب الغضب، وإلى الغضب من ~~طريق الشهوة. # واعلموا أنه ليس لكم في بني آدم سلاح أبلغ من هذين السلاحين، وإنما أخرجت ~~أبويهم من الجنة بالشهوة، وإنما ألقيت العداوة بين أولادهم بالغضب، ms096 فبه ~~قطعت أرحامهم، وسفكت دماءهم، وبه قتل أحد ابني آدم أخاه. # واعلموا أن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، والشهوة تثور من قلبه، وإنما تطفأ ~~النار بالماء والصلاة والذكر والتكبير، فإياكم أن تمكنوا ابن آدم عند غضبه ~~وشهوته من قربان الوضوء والصلاة، فإن ذلك يطفئ عنهم نار الغضب والشهوة، وقد ~~أمرهم نبيهم بذلك فقال: «إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أما رأيتم من ~~احمرار عينيه وانتفاخ أوداجه، فمن أحس بذلك فليتوضأ» . # وقال لهم: «إنما تطفأ النار بالماء» ، وقد أوصاهم الله أن يستعينوا عليكم ~~بالصبر والصلاة، فحولوا بينهم وبين ذلك، وأنسوهم إياه، واستعينوا عليهم ~~بالشهوة والغضب، وأبلغ أسلحتكم فيهم وأنكاها: الغفلة واتباع الهوى. وأعظم ~~أسلحتهم فيكم وأمنع حصونهم ذكر الله ومخالفة الهوى، فإذا رأيتم الرجل ~~مخالفا لهواه فاهربوا من ظله ولا تدنوا منه. # والمقصود أن الذنوب والمعاصي سلاح ومدد يمد بها العبد أعداءه ويعينهم بها ~~على نفسه، فيقاتلون بسلاحه، ويكون معهم على نفسه، وهذا غاية الجهل. # ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه # ومن العجائب أن العبد يسعى بجهده في هوان نفسه، وهو يزعم أنه لها مكرم # PageV01P102 # ويجتهد في حرمانها أعلى حظوظها وأشرفها وهو يزعم أنه يسعى في حظها، ويبذل ~~جهده في تحقيرها وتصغيرها وتدنيسها، وهو يزعم أنه يعليها ويرفعها ويكبرها. # وكان بعض السلف يقول في خطبته: ألا رب مهين لنفسه وهو يزعم أنه لها مكرم، ~~ومذل لنفسه وهو يزعم أنه لها معز، ومصغر لنفسه وهو يزعم أنه لها مكبر، ~~ومضيع لنفسه وهو يزعم أنه مراع لحفظها، وكفى بالمرء جهلا أن يكون مع عدوه ~~على نفسه، يبلغ منها بفعله ما لا يبلغه عدوه، والله المستعان. ### | [فصل المعصية تنسي العبد نفسه] # فصل # المعصية تنسي العبد نفسه # ومن عقوباتها: أنها تنسي العبد نفسه، وإذا نسي نفسه أهملها وأفسدها ~~وأهلكها، فإن قيل: كيف ينسى العبد نفسه؟ وإذا نسي نفسه فأي شيء يذكر؟ وما ~~معنى نسيانه نفسه؟ # قيل: نعم ينسى نفسه أعظم نسيان، قال تعالى: {ولا تكونوا كالذين نسوا الله ~~فأنساهم ms097 أنفسهم أولئك هم الفاسقون} [سورة الحشر: 19] . # فلما نسوا ربهم سبحانه نسيهم وأنساهم أنفسهم، كما قال تعالى: {نسوا الله ~~فنسيهم} [سورة التوبة: 67] . # فعاقب سبحانه من نسيه عقوبتين: # إحداهما: أنه سبحانه نسيه. # والثانية: أنه أنساه نفسه. # ونسيانه سبحانه للعبد: إهماله، وتركه، وتخليه عنه، وإضاعته، فالهلاك أدنى ~~إليه من اليد للفم، وأما إنساؤه نفسه، فهو: إنساؤه لحظوظها العالية، وأسباب ~~سعادتها وفلاحها، وإصلاحها، وما تكمل به بنسيه ذلك كله جميعه فلا يخطر ~~بباله، ولا يجعله على ذكره، ولا يصرف إليه همته فيرغب فيه، فإنه لا يمر ~~بباله حتى يقصده ويؤثره. # وأيضا فينسيه عيوب نفسه ونقصها وآفاتها، فلا يخطر بباله إزالتها. # وأيضا فينسيه أمراض نفسه وقلبه وآلامها، فلا يخطر بقلبه مداواتها، ولا ~~السعي في إزالة عللها وأمراضها التي تئول بها إلى الفساد والهلاك، فهو مريض ~~مثخن بالمرض، ومرضه # PageV01P103 # مترام به إلى التلف، ولا يشعر بمرضه، ولا يخطر بباله مداواته، وهذا من ~~أعظم العقوبة العامة والخاصة. # فأي عقوبة أعظم من عقوبة من أهمل نفسه وضيعها، ونسي مصالحها وداءها ~~ودواءها، وأسباب سعادتها وفلاحها وصلاحها وحياتها الأبدية في النعيم ~~المقيم؟ # ومن تأمل هذا الموضع تبين له أن أكثر هذا الخلق قد نسوا حقيقة أنفسهم ~~وضيعوها وأضاعوا حظها من الله، وباعوها رخيصة بثمن بخس بيع الغبن، وإنما ~~يظهر لهم هذا عند الموت، ويظهر هذا كل الظهور يوم التغابن، يوم يظهر للعبد ~~أنه غبن في العقد الذي عقده لنفسه في هذه الدار، والتجارة التي اتجر فيها ~~لمعاده، فإن كل أحد يتجر في هذه الدنيا لآخرته. # فالخاسرون الذين يعتقدون أنهم أهل الربح والكسب اشتروا الحياة الدنيا ~~وحظهم فيها ولذاتهم، بالآخرة وحظهم فيها، فأذهبوا طيباتهم في حياتهم ~~الدنيا، واستمتعوا بها، ورضوا بها، واطمأنوا إليها، وكان سعيهم لتحصيلها، ~~فباعوا واشتروا واتجروا وباعوا آجلا بعاجل، ونسيئة بنقد، وغائبا بناجز، ~~وقالوا: هذا هو الحزم، ويقول أحدهم: # خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به # فكيف أبيع حاضرا نقدا مشاهدا في هذه الدار بغائب نسيئة في دار أخرى غير ~~هذه؟ وينضم إلى ذلك ضعف الإيمان وقوة داعي ms098 الشهوة، ومحبة العاجلة والتشبه ~~ببني الجنس، فأكثر الخلق في هذه التجارة الخاسرة التي قال الله في أهلها: ~~{أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينصرون} [سورة البقرة: 86] ، وقال فيهم: {فما ربحت تجارتهم وما كانوا ~~مهتدين} [سورة البقرة: 16] ، فإذا كان يوم التغابن ظهر لهم الغبن في هذه ~~التجارة، فتتقطع عليهم النفوس حسرات. # وأما الرابحون فإنهم باعوا فانيا بباق، وخسيسا بنفيس، وحقيرا بعظيم، ~~وقالوا: ما مقدار هذه الدنيا من أولها إلى آخرها، حتى نبيع حظنا من الله ~~تعالى والدار الآخرة بها؟ فكيف ينال العبد منها في هذا الزمن القصير الذي ~~هو في الحقيقة كغفوة حلم، لا نسبة له إلى # PageV01P104 # دار القرار ألبتة: قال تعالى: {ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من ~~النهار يتعارفون بينهم} [سورة يونس: 45] . # وقال تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها - فيم أنت من ذكراها - إلى ~~ربك منتهاها - إنما أنت منذر من يخشاها - كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا ~~عشية أو ضحاها} [سورة النازعات: 42 - 46] . # وقال تعالى: {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ} ~~[سورة الأحقاف: 35] . # وقال تعالى: {كم لبثتم في الأرض عدد سنين - قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ~~فاسأل العادين - قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون} [سورة ~~المؤمنين: 112 - 114] . # وقال تعالى: {يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا - يتخافتون ~~بينهم إن لبثتم إلا عشرا - نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن ~~لبثتم إلا يوما} [سورة طه: 102 - 104] . # فهذه حقيقة الدنيا عند موافاة يوم القيامة، فلما علموا قلة لبثهم فيها، ~~وأن لهم دارا غير هذه الدار، هي دار الحيوان ودار البقاء - رأوا من أعظم ~~الغبن بيع دار البقاء بدار الفناء، فاتجروا تجارة الأكياس، ولم يغتروا ~~بتجارة السفهاء من الناس، فظهر لهم يوم التغابن ربح تجارتهم ومقدار ما ~~اشتروه، وكل أحد في هذه الدنيا بائع مشتر متجر، وكل الناس يغدو فبائع نفسه ~~فمعتقها أو موبقها. # {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن ms099 لهم الجنة يقاتلون في ~~سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن ~~أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} ~~[سورة التوبة: 111] . # فهذا أول نقد من ثمن هذه التجارة، فتاجروا أيها المفلسون، ويا من لا يقدر ~~على هذا الثمن، هنا ثمن آخر، فإن كنت من أهل هذه التجارة فأعط هذا الثمن: # PageV01P105 # {التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون ~~بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين} [سورة ~~التوبة: 112] . # {ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم - تؤمنون ~~بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون} [سورة الصف: 10 - 11] . # والمقصود أن الذنوب تنسي العبد حظه من هذه التجارة الرابحة، وتشغله ~~بالتجارة الخاسرة، وكفى بذلك عقوبة، والله المستعان. ### | [فصل المعاصي تزيل النعم] # فصل # المعاصي تزيل النعم ومن عقوباتها أنها تزيل النعم الحاضرة، وتقطع النعم ~~الواصلة، فتزيل الحاصل، وتمنع الواصل، فإن نعم الله ما حفظ موجودها بمثل ~~طاعته، ولا استجلب مفقودها بمثل طاعته، فإن ما عنده لا ينال إلا بطاعته، ~~وقد جعل الله سبحانه لكل شيء سببا وآفة، سببا يجلبه، وآفة تبطله، فجعل ~~أسباب نعمه الجالبة لها طاعته، وآفاتها المانعة منها معصيته، فإذا أراد حفظ ~~نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها، وإذا أراد زوالها عنه خذله حتى ~~عصاه بها. # ومن العجب علم العبد بذلك مشاهدة في نفسه وغيره، وسماعا لما غاب عنه من ~~أخبار من أزيلت نعم الله عنهم بمعاصيه، وهو مقيم على معصية الله، كأنه ~~مستثنى من هذه الجملة، أو مخصوص من هذا العموم، وكأن هذا أمر جار على الناس ~~لا عليه، وواصل إلى الخلق لا إليه، فأي جهل أبلغ من هذا؟ وأي ظلم للنفس فوق ~~هذا؟ فالحكم لله العلي الكبير. ### | [فصل المعصية تباعد بين العبد والملك] # فصل # المعصية تباعد بين العبد والملك ومن عقوباتها: أنها تباعد عن العبد وليه ~~وأنفع الخلق له وأنصحهم له، ومن سعادته في قربه منه، وهو الملك ms100 الموكل به، ~~وتدني منه عدوه وأغش الخلق له، وأعظمهم # PageV01P106 # ضررا له، وهو الشيطان، فإن العبد إذا عصى الله تباعد منه الملك بقدر تلك ~~المعصية، حتى إنه يتباعد منه بالكذبة الواحدة مسافة بعيدة. # وفي بعض الآثار: إذا كذب العبد تباعد منه الملك ميلا من نتن ريحه، فإذا ~~كان هذا تباعد الملك منه من كذبة واحدة، فماذا يكون مقدار بعده منه مما هو ~~أكبر من ذلك، وأفحش منه؟ # وقال بعض السلف: إذا ركب الذكر عجت الأرض إلى الله وهربت الملائكة إلى ~~ربها، وشكت إليه عظيم ما رأت. # وقال بعض السلف: إذا أصبح ابن آدم ابتدره الملك والشيطان، فإن ذكر الله ~~وكبره وحمده وهلله، طرد الشيطان وتولاه الملك، وإن افتتح بغير ذلك ذهب ~~الملك عنه وتولاه الشيطان. # ولا يزال الملك يقرب من العبد حتى يصير الحكم والطاعة والغلبة له، ~~فتتولاه الملائكة في حياته وعند موته وعند بعثه، كما قال الله تعالى: {إن ~~الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون - نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة} [سورة فصلت: 30 - 31] . # وإذا تولاه الملك تولاه أنصح الخلق وأنفعهم وأبرهم، فثبته وعلمه، وقوى ~~جنانه، وأيده الله تعالى: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين ~~آمنوا} [سورة الأنفال: 12] . # فيقول الملك عند الموت: لا تخف ولا تحزن وأبشر بالذي يسرك، ويثبته بالقول ~~الثابت أحوج ما يكون إليه في الحياة الدنيا، وعند الموت، وفي القبر عند ~~المسألة. # فليس أحد أنفع للعبد من صحبة الملك له، وهو وليه في يقظته ومنامه، وحياته ~~وعند موته وفي قبره، ومؤنسه في وحشته، وصاحبه في خلوته، ومحدثه في سره، ~~ويحارب عنه عدوه، ويدافع عنه ويعينه عليه، ويعده بالخير ويبشره به، ويحثه ~~على التصديق بالحق، كما جاء في الأثر الذي يروى مرفوعا وموقوفا: «إن للملك ~~بقلب ابن آدم لمة، وللشيطان لمة، فلمة الملك: إيعاد بالخير وتصديق بالوعد، ~~ولمة الشيطان: إيعاد بالشر وتكذيب بالحق» . # وإذا اشتد قرب الملك من العبد تكلم على لسانه، ms101 وألقى على لسانه القول ~~السديد، وإذا بعد منه وقرب الشيطان، تكلم على لسانه، وألقى عليه قول الزور ~~والفحش، حتى يرى الرجل يتكلم على لسانه الملك والرجل يتكلم على لسانه ~~الشيطان # PageV01P107 # وفي الحديث: «إن السكينة تنطق على لسان عمر» - رضي الله عنه - وكان أحدهم ~~يسمع الكلمة الصالحة من الرجل الصالح فيقول: ما ألقاه على لسانك إلا الملك، ~~ويسمع ضدها فيقول: ما ألقاها على لسانك إلا الشيطان، فالملك يلقي بالقلب ~~الحق ويلقيه على اللسان، والشيطان يلقي الباطل في القلب ويجريه على اللسان. # فمن عقوبة المعاصي أنها تبعد من العبد وليه الذي سعادته في قربه ومجاورته ~~وموالاته، وتدني منه عدوه الذي شقاؤه وهلاكه وفساده في قربه وموالاته، حتى ~~إن الملك لينافح عن العبد، ويرد عنه إذا سفه عليه السفيه وسبه، كما اختصم ~~بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلان، فجعل أحدهما يسب الآخر وهو ~~ساكت، فتكلم بكلمة يرد بها على صاحبه، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: يا رسول الله لما رددت عليه بعض قوله قمت، فقال: «كان الملك ينافح ~~عنك، فلما رددت عليه جاء الشيطان فلم أكن لأجلس» . # وإذا دعا العبد المسلم لأخيه بظهر الغيب أمن الملك على دعائه، وقال: «ولك ~~بمثل» . # وإذا فرغ من قراءة الفاتحة أمنت الملائكة على دعائه. # وإذا أذنب العبد الموحد المتبع لسبيله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~استغفر له حملة العرش ومن حوله. # وإذا نام العبد على وضوء بات في شعار ملك. # فملك المؤمن يرد عنه ويحارب ويدافع عنه، ويعلمه ويثبته ويشجعه، فلا يليق ~~به أن يسيء جواره ويبالغ في أذاه وطرده عنه وإبعاده، فإنه ضيفه وجاره. # وإذا كان إكرام الضيف من الآدميين والإحسان إلى الجار من لوازم الإيمان ~~وموجباته، فما الظن بإكرام أكرم الأضياف، وخير الجيران وأبرهم؟ وإذا آذى ~~العبد الملك بأنواع المعاصي والظلم والفواحش دعا عليه ربه، وقال: لا جزاك ~~الله خيرا، كما يدعو له إذا أكرمه بالطاعة والإحسان. # قال بعض الصحابة - رضي الله عنهم -: إن معكم من لا يفارقكم، فاستحيوا ~~منهم ms102 وأكرموهم. # ولا ألأم ممن لا يستحي من الكريم العظيم القدر، ولا يجله ولا يوقره، وقد ~~نبه سبحانه على هذا المعنى بقوله: {وإن عليكم لحافظين - كراما كاتبين - ~~يعلمون ما تفعلون} [سورة الانفطار: 10 - 12] أي استحيوا من هؤلاء الحافظين ~~الكرام وأكرموهم، وأجلوهم أن يروا منكم ما # PageV01P108 # تستحيون أن يراكم عليه من هو مثلكم، والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو ~~آدم، وإذا كان ابن آدم يتأذى ممن يفجر ويعصي بين يديه، وإن كان يعمل مثل ~~عمله، فما الظن بأذى الملائكة الكرام الكاتبين؟ والله المستعان. ### | [فصل المعاصي مجلبة الهلاك] # فصل # المعاصي مجلبة الهلاك # ومن عقوباتها: أنها تستجلب مواد هلاك العبد من دنياه وآخرته، فإن الذنوب ~~هي أمراض، متى استحكمت قتلت ولابد، وكما أن البدن لا يكون صحيحا إلا بغذاء ~~يحفظ قوته، واستفراغ يستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الردية، التي متى غلبت ~~أفسدته، وحمية يمتنع بها مما يؤذيه ويخشى ضرره، فكذلك القلب لا تتم حياته ~~إلا بغذاء من الإيمان والأعمال الصالحة، تحفظ قوته، واستفراغ بالتوبة ~~النصوح، تستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الردية منه، وحمية توجب له حفظ ~~الصحة وتجنب ما يضادها، وهي عبارة عن استعمال ما يضاد الصحة. # والتقوى: اسم متناول لهذه الأمور الثلاثة، فما فات منها فات من التقوى ~~بقدره. # وإذا تبين هذا فالذنوب مضادة لهذه الأمور الثلاثة، فإنها تستجلب المواد ~~المؤذية وتوجب التخطيط المضاد للحمية، وتمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح. # فانظر إلى بدن عليل قد تراكمت عليه الأخلاط ومواد المرض، وهو لا ~~يستفرغها، ولا يحتمي لها، كيف تكون صحته وبقاؤه، ولقد أحسن القائل: # جسمك بالحمية حصنته ... مخافة من ألم طاري # وكان أولى بك أن تخشى ... من المعاصي خشية الباري # فمن حفظ القوة بامتثال الأوامر، واستعمل الحمية باجتناب النواهي، واستفرغ ~~التخطيط بالتوبة النصوح، لم يدع للخير مطلبا، ولا من الشر مهربا، والله ~~المستعان. ### | [فصل العقوبات الشرعية على المعاصي] # فصل # العقوبات الشرعية على المعاصي # فإن لم تردعك هذه العقوبات، ولم تجد لها تأثيرا في قلبك، فأحضره العقوبات ~~الشرعية التي شرعها الله ورسوله على الجرائم، كما قطع اليد في ms103 سرقة ثلاثة ~~دراهم، وقطع اليد والرجل في قطع الطريق على معصوم المال والنفس، وشق الجلد ~~بالسوط على كلمة قذف بها # PageV01P109 # المحصن، أو قطرة خمر يدخلها جوفه، وقتل بالحجارة أشنع قتلة في إيلاج ~~الحشفة في فرج حرام، وخفف هذه العقوبة عمن لم تتم عليه نعمة الإحصان بمائة ~~جلدة، وينفى سنة عن وطنه وبلده إلى بلد الغربة، وفرق بين رأس العبد وبدنه ~~إذا وقع على ذات رحم منه، أو ترك الصلاة المفروضة، أو تكلم بكلمة كفر، وأمر ~~بقتل من وطئ ذكرا مثله وقتل المفعول به، وأمر بقتل من أتى بهيمة وقتل ~~البهيمة معه، وعزم على تحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة في الجماعة، وغير ~~ذلك من العقوبات التي رتبها الله على الجرائم، وجعلها بحكمته على حسب ~~الدواعي إلى تلك الجرائم، وحسب الوازع عنها. # فما كان الوازع عنه طبيعيا وما ليس في الطباع داع إليه اكتفي بالتحريم مع ~~التعزير، ولم يرتب عليه حدا، كأكل الرجيع، وشرب الدم، وأكل الميتة. # وما كان في الطباع داع إليه رتب عليه من العقوبة بقدر مفسدته، وبقدر داعي ~~الطبع إليه. # ولهذا لما كان داعي الطباع إلى الزنا من أقوى الدواعي كانت عقوبته العظمى ~~من أشنع القتلات وأعظمها، وعقوبته السهلة أعلى أنواع الجلد مع زيادة ~~التغريب. # ولما كانت جريمة اللواط فيها الأمران، كان حده القتل بكل حال، ولما كان ~~داعي السرقة قويا ومفسدتها كذلك، قطع فيها اليد. # وتأمل حكمته في إفساد العضو الذي باشر به الجناية، كما أفسد على قاطع ~~الطريق يده ورجله اللتين هما آلة قطعه، ولم يفسد على القاذف لسانه الذي جنى ~~به، إذ مفسدته تزيد على مفسدة الجناية ولا يبلغها، فاكتفى من ذلك بإيلام ~~جميع بدنه بالجلد. # فإن قيل: فهلا أفسد على الزاني فرجه الذي باشر به المعصية. # قيل: لوجوه: # أحدها: أن مفسدة ذلك تزيد على مفسدة الجناية، إذ فيه قطع النسل وتعريضه ~~للهلاك. # الثاني: أن الفرج عضو مستور، لا يحصل بقطعه مقصود الحد من الردع والزجر ~~لأمثاله من الجناة، بخلاف قطع اليد. # الثالث: أنه إذا قطع ms104 يده أبقى له يدا أخرى تعوض عنها، بخلاف الفرج. # الرابع: أن لذة الزنا عمت جميع البدن، فكان الأحسن أن تعم العقوبة جميع ~~البدن، وذلك أولى من تخصيصها ببضعة منه. # PageV01P110 # فعقوبات الشارع جاءت على أتم الوجوه وأوفقها للعقل، وأقومها بالمصلحة. # والمقصود أن الذنوب إنما تترتب عليها العقوبات الشرعية أو القدرية أو ~~يجمعها الله للعبد، وقد يرفعها عمن تاب وأحسن. ### | [فصل عقوبات الذنوب شرعية وقدرية] # فصل # عقوبات الذنوب شرعية وقدرية # وعقوبات الذنوب نوعان: شرعية، وقدرية، فإذا أقيمت الشرعية رفعت العقوبة ~~القدرية وخففتها، ولا يكاد الرب تعالى يجمع على العبد بين العقوبتين إلا ~~إذا لم يف أحدهما برفع موجب الذنب، ولم يكف في زوال دائه، وإذا عطلت ~~العقوبات الشرعية استحالت قدرية، وربما كانت أشد من الشرعية، وربما كانت ~~دونها، ولكنها تعم، والشرعية تخص، فإن الرب تبارك وتعالى لا يعاقب شرعا إلا ~~من باشر الجناية أو تسبب إليها. # وأما العقوبة القدرية فإنها تقع عامة وخاصة، فإن المعصية إذا خفيت لم تضر ~~إلا صاحبها، وإذا أعلنت ضرت الخاصة والعامة، وإذا رأى الناس المنكر فتركوا ~~إنكاره أوشك أن يعمهم الله بعقابه. # وقد تقدم أن العقوبة الشرعية شرعها الله سبحانه على قدر مفسدة الذنب ~~وتقاضي الطبع لها، وجعلها سبحانه ثلاثة أنواع: القتل والقطع والجلد، وجعل ~~القتل بإزاء الكفر وما يليه ويقرب منه، وهو الزنا واللواط، فإن هذا يفسد ~~الأديان، وهذا يفسد الأنساب ونوع الإنسان. # قال الإمام أحمد: لا أعلم بعد القتل ذنبا أعظم من الزنا، واحتج بحديث عبد ~~الله بن مسعود أنه قال: «يا رسول الله: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ~~ندا وهو خلقك، قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: ~~قلت: ثم أي؟ قال أن تزاني بحليلة جارك فأنزل الله تصديقها» {والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون} [سورة الفرقان 68] . # والنبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر من كل نوع أعلاه ليطابق جوابه سؤال ~~السائل، فإنه سأله عن أعظم ms105 الذنب، فأجابه بما تضمن ذكر أعظم أنواعها، وما ~~هو أعظم كل نوع. # فأعظم أنواع الشرك أن يجعل العبد لله ندا. # PageV01P111 # وأعظم أنواع القتل: أن يقتل ولده خشية أن يشاركه في طعامه وشرابه. # وأعظم أنواع الزنا: أن يزني بحليلة جاره، فإن مفسدة الزنا تتضاعف بتضاعف ~~ما انتهكه من الحق. # فالزنا بالمرأة التي لها زوج أعظم إثما وعقوبة من التي لا زوج لها، إذ ~~فيه انتهاك حرمة الزوج، وإفساد فراشه وتعليق نسب عليه لم يكن منه، وغير ذلك ~~من أنواع أذاه، فهو أعظم إثما وجرما من الزنا بغير ذات البعل. # فالزنا بمائة امرأة لا زوج لها أيسر عند الله من الزنا بامرأة الجار، فإن ~~كان زوجها جارا له انضاف إلى ذلك سوء الجوار، وأذى جاره بأعلى أنواع الأذى ~~وذلك من أعظم البوائق. # وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يدخل الجنة من لا ~~يأمن جاره بوائقه» ولا بائقة أعظم من الزنا بامرأة الجار. # فإن كان الجار أخا له أو قريبا من أقاربه انضم إلى ذلك قطيعة الرحم، ~~فيتضاعف الإثم له، فإن كان الجار غائبا في طاعة الله كالصلاة وطلب العلم ~~والجهاد تضاعف له الإثم، حتى إن الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله يوقف له ~~يوم القيامة، ويقال خذ من حسناته ما شئت. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فما ظنكم؟ أي ما ظنكم أنه يترك له ~~حسنات، قد حكم في أن يأخذ منها ما شاء؟ على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة، حيث ~~لا يترك الأب لابنه ولا الصديق لصديقه حقا يجب عليه، فإن اتفق أن تكون ~~المرأة رحما منه انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها، فإن اتفق أن يكون الزاني محصنا ~~كان الإثم أعظم، فإن كان شيخا كان أعظم إثما، وهو أحد الثلاثة الذين لا ~~يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، فإن اقترن بذلك أن ~~يكون في شهر حرام أو بلد حرام أو وقت معظم عند الله، كأوقات الصلاة وأوقات ~~الإجابة، تضاعف الإثم. وعلى هذا فاعتبر ms106 مفاسد الذنوب وتضاعف درجاتها في ~~الإثم والعقوبة، والله المستعان. ### | [فصل القطع لإفساد الأموال] # فصل # القطع لإفساد الأموال # وجعل سبحانه القطع بإزاء فساد الأموال الذي لا يمكن الاحتراز منه، لأنه ~~يأخذ الأموال في الاختفاء، وينقب الدور، ويتسور من غير الأبواب، فهو ~~كالسنور والحية التي تدخل عليك من حيث لا تعلم، فلم ترتفع مفسدة سرقته إلى ~~القتل، ولا تندفع بالجلد، فأحسن ما # PageV01P112 # دفعت به مفسدته إبانة العضو الذي يتسلط به على الجناية، وجعل الجلد بإزاء ~~إفساد العقول وتمزيق الأعراض بالقذف. # فدارت عقوباته سبحانه الشرعية على هذه الأنواع الثلاثة، كما دارت ~~الكفارات على ثلاثة أنواع: العتق، وهو أعلاها، والإطعام، والصيام. # أقسام الذنوب # ثم إنه سبحانه جعل الذنوب ثلاثة أقسام: # قسما فيه الحد، فهذا لم يشرع فيه كفارة اكتفاء بالحد. # وقسما لم يرتب عليه حدا، فشرع فيه الكفارة، كالوطء في نهار رمضان، والوطء ~~في الإحرام، والظهار، وقتل الخطأ، والحنث في اليمين وغير ذلك. # وقسما لم يرتب عليه حدا ولا كفارة، وهو نوعان: # أحدهما: ما كان الوازع عنه طبيعيا، كأكل العذرة، وشرب البول والدم. # والثاني: ما كانت مفسدته أدنى من مفسدة ما رتب عليه الحد، كالنظر والقبلة ~~واللمس والمحادثة، وسرقة فلس، ونحو ذلك. # الكفارات في ثلاثة أنواع # وشرع الكفارات في ثلاثة أنواع: # أحدها: ما كان مباح الأصل، ثم عرض تحريمه فباشره في الحالة التي عرض فيها ~~التحريم، كالوطء في الإحرام والصيام، وطرده: الوطء في الحيض والنفاس، بخلاف ~~الوطء في الدبر، ولهذا كان إلحاق بعض الفقهاء له بالوطء في الحيض لا يصح، ~~فإنه لا يباح في وقت دون وقت، فهو بمنزلة التلوط، وشرب المسكر. # النوع الثاني: ما عقد لله من نذر أو بالله من يمين، أو حرمه الله ثم أراد ~~حله، فشرع الله سبحانه حله بالكفارة وسماها نحلة، وليست هذه الكفارة ماحية ~~لهتك حرمة الاسم بالحنث، كما ظنه بعض الفقهاء، فإن الحنث قد يكون واجبا، ~~وقد يكون مستحبا، وقد يكون مباحا، وإنما الكفارة حل لما عقده. # النوع الثالث: ما تكون فيه جابرة لما فات، ككفارة قتل ms107 الخطأ، وإن لم يكن ~~هناك إثم، وكفارة قتل الصيد خطأ، فإن ذلك من باب الجوابر، والنوع الأول من ~~باب الزواجر، والنوع الوسط من باب التحلة لما منه العقد. # PageV01P113 # لا يجتمع الحد والتعزير # لا يجتمع الحد والتعزير في معصية، بل إن كان فيها حد اكتفي به وإلا اكتفي ~~بالتعزير، ولا يجتمع الحد والكفارة في معصية، بل كل معصية فيها حد فلا ~~كفارة فيها، وما فيه كفارة فلا حد فيه، وهل يجتمع التعزير والكفارة في ~~المعصية التي لا حد فيها؟ # فيه وجهان: وهذا كالوطء في الإحرام والصيام، ووطء الحائض، وإذا أوجبنا ~~فيه الكفارة، فقيل: يجب فيه التعزير لما انتهك من الحرمة بركوب الجناية، ~~وقيل: لا تعزير في ذلك، اكتفاء بالكفارة لأنها جابرة وماحية. ### | [فصل العقوبات القدرية] ### | [العقوبات القدرية على القلوب] # فصل # العقوبات القدرية وأما العقوبات القدرية فهي نوعان: نوع على القلوب ~~والنفوس، ونوع على الأبدان والأموال. # والتي على القلوب نوعان: # أحدهما: آلام وجودية يضرب بها القلب. # والثاني: قطع المواد التي بها حياته وصلاحه عنه. # وإذا قطعت عنه حصل له أضدادها، وعقوبة القلوب أشد العقوبتين، وهي أصل ~~عقوبة الأبدان. # وهذه العقوبة تقوى وتتزايد، حتى تسري من القلب إلى البدن، كما يسري ألم ~~البدن إلى القلب، فإذا فارقت النفس البدن صار الحكم متعلقا بها فظهرت عقوبة ~~القلب حينئذ، وصارت علانية ظاهرة، وهي المسماة بعذاب القبر، ونسبته إلى ~~البرزخ كنسبة عذاب الأبدان إلى هذه الدار. ### | [فصل العقوبات القدرية على الأبدان] # فصل # العقوبات القدرية على الأبدان # والتي على الأبدان أيضا نوعان: # نوع في الدنيا. # ونوع في الآخرة. # PageV01P114 # وشدتها ودوامها بحسب مفاسد ما رتبت عليه في الشدة والخلقة، فليس في ~~الدنيا والآخرة شر أصلا إلا الذنوب وعقوباتها، فالشر اسم لذلك كله، وأصله ~~من شر النفس وسيئات الأعمال، وهما الأصلان اللذان كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يستعيذ منهما في خطبته بقوله: «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن ~~سيئات أعمالنا» . # وسيئات الأعمال من شرور النفس، فعاد الشر كله إلى شر النفس، فإن سيئات ~~الأعمال من فروعه وثمراته. # وقد ms108 اختلف في معنى قوله: «ومن سيئات أعمالنا» هل معناه: السيئ من ~~أعمالنا، فيكون من باب إضافة النوع إلى جنسه، أو تكون " من " بيانية؟ وقيل: ~~معناه: من عقوباتها التي تسوء، فيكون التقدير: ومن عقوبات أعمالنا التي ~~تسوءنا، ويرجح هذا القول: أن الاستعاذة تكون قد تضمنت جميع الشر، فإن شرور ~~الأنفس تستلزم الأعمال السيئة، وهي تستلزم العقوبات السيئة، فنبه بشرور ~~الأنفس على ما تقتضيه من قبح الأعمال، واكتفى بذكرها منه، أو هي أصله ثم ~~ذكر غاية الشر ومنتهاه، فهو السيئات التي تسوء العبد من عمله، من العقوبات ~~والآلام، فتضمنت هذه الاستعاذة أصل الشر وفروعه وغايته ومقتضاه. # ومن دعاء الملائكة للمؤمنين قولهم: {وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ ~~فقد رحمته} [سورة غافر: 9] . # فهذا يتضمن طلب وقايتهم من سيئات الأعمال وعقوباتها التي تسوء صاحبها، ~~فإنه سبحانه متى وقاهم عمل السيئ وقاهم جزاء السيئ، وإن كان قوله: {ومن تق ~~السيئات يومئذ فقد رحمته} أظهر في عقوبات الأعمال المطلوب وقايتها يومئذ. # فإن قيل: فقد سألوه سبحانه أن يقيهم عذاب الجحيم، وهذا هو وقاية العقوبات ~~السيئة، فدل على أن المراد بالسيئة التي سألوا وقايتها، الأعمال السيئة، ~~يكون الذي سأله الملائكة نظير ما استعاذ منه النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ولا يرد على هذا قوله: " يومئذ " فإن المطلوب وقاية شرور سيئات الأعمال ~~ذلك اليوم، وهي سيئات في أنفسها. # قيل: وقاية السيئات نوعان. # أحدهما: وقاية فعلها بالتوفيق فلا تصدر منه. # والثاني: وقاية جزائها بالمغفرة، فلا يعاقب عليها، فتضمنت الآية سؤال ~~الأمرين، والظرف تقييد للجملة الشرطية لا للجملة الطلبية. # PageV01P115 # وتأمل ما تضمنه هذا الخبر عن الملائكة من مدحهم بالإيمان والعمل الصالح ~~والإحسان إلى المؤمنين بالاستغفار لهم، وقدموا بين يدي استغفارهم توسلهم ~~إلى الله تعالى بسعة علمه وسعة رحمته، فسعة علمه يتضمن علمه بذنوبهم ~~وأسبابها وضعفهم عن العصمة، واستيلاء عدوهم وأنفسهم وهواهم وطباعهم وما زين ~~لهم من الدنيا وزينتها، وعلمه بهم إذ أنشأهم من الأرض، وإذ هم أجنة في بطون ~~أمهاتهم، وعلمه السابق بأنهم لا بد أن يعصوه، وأنه يحب العفو ms109 والمغفرة، ~~وغير ذلك من سعة علمه الذي لا يحيط به أحد سواه. # وسعة رحمته تتضمن أنه لا يهلك عليه أحد من المؤمنين به أهل توحيده ~~ومحبته، فإنه واسع الرحمة لا يخرج عن دائرة رحمته إلا الأشقياء، ولا أشقى ~~ممن لم تسعه رحمته التي وسعت كل شيء، ثم سألوه أن يغفر للتائبين الذين ~~اتبعوا سبيله، وهو صراطه الموصل إليه الذي هو معرفته ومحبته وطاعته، فتابوا ~~مما يكره، واتبعوا السبيل التي يحبها، ثم سألوه أن يقيهم عذاب الجحيم، وأن ~~يدخلهم والمؤمنين من أصولهم وفروعهم وأزواجهم جنات عدن التي وعدهم بها، وهو ~~سبحانه، وإن كان لا يخلف الميعاد، فإنه وعدهم بها بأسباب، ومن جملتها: دعاء ~~ملائكته لهم أن يدخلهم إياها برحمته التي منها أن وفقهم لأعمالهم وأقام ~~ملائكته يدعون لهم بها. # ثم أخبر سبحانه عن ملائكته أنهم قالوا عقيب هذه الدعوة: {إنك أنت العزيز ~~الحكيم} [سورة غافر: 8] . # أي مصدر ذلك وسببه وغايته صادر عن كمال قدرتك وكمال علمك، فإن العزة كمال ~~القدرة، والحكمة كمال العلم، وبهاتين الصفتين يقضي سبحانه وتعالى ما شاء، ~~ويأمر وينهى ويثيب ويعاقب، فهاتان الصفتان مصدر الخلق والأمر. # والمقصود أن عقوبات السيئات تتنوع إلى عقوبات شرعية، وعقوبات قدرية، وهي ~~إما في القلب، وإما في البدن، وإما فيهما، وعقوبات في دار البرزخ بعد ~~الموت، وعقوبات يوم عود الأجساد، فالذنب لا يخلو من عقوبة ألبتة، ولكن لجهل ~~العبد لا يشعر بما فيه من العقوبة، لأنه بمنزلة السكران والمخدر والنائم ~~الذي لا يشعر بالألم، فترتب العقوبات على الذنوب كترتب الإحراق على النار، ~~والكسر على الانكسار، والغرق على الماء، وفساد البدن على السموم، والأمراض ~~على الأسباب الجالبة لها، وقد تقارن المضرة الذنب وقد تتأخر عنه، إما يسيرا ~~وإما مدة، كما يتأخر المرض عن سببه أن يقارنه، وكثيرا ما يقع الغلط للعبد ~~في هذا المقام ويذنب الذنب فلا يرى أثره عقبه، ولا يدري أنه يعمل عمله على ~~التدريج شيئا فشيئا، كما تعمل السموم والأشياء # PageV01P116 # الضارة حذو القذة بالقذة، فإن تدارك العبد نفسه بالأدوية والاستفراغ ~~والحمية، ms110 وإلا فهو صائر إلى الهلاك، هذا إذا كان ذنبا واحدا لم يتداركه بما ~~يزيل أثره، فكيف بالذنب على الذنب كل يوم وكل ساعة؟ والله المستعان. ### | [فصل بعض عقوبات المعاصي] # فصل # بعض عقوبات المعاصي # فاستحضر بعض العقوبات التي رتبها الله سبحانه وتعالى على الذنوب وجوز ~~وصول بعضها إليك واجعل ذلك داعيا للنفس إلى هجرانها، وأنا أسوق إليك منها ~~طرفا يكفي العاقل مع التصديق ببعضه. # الختم على القلب # فمنها: الختم على القلوب والأسماع، والغشاوة على الأبصار، والأقفال على ~~القلوب، وجعل الأكنة عليها والرين عليها والطبع وتقليب الأفئدة والأبصار، ~~والحيلولة بين المرء وقلبه، وإغفال القلب عن ذكر الرب، وإنساء الإنسان ~~نفسه، وترك إرادة الله تطهير القلب، وجعل الصدر ضيقا حرجا كأنما يصعد في ~~السماء، وصرف القلوب عن الحق، وزيادتها مرضا على مرضها، وإركاسها وإنكاسها ~~بحيث تبقى منكوسة، كما ذكر الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه ~~- أنه قال: القلوب أربعة: فقلب أجرد فيه سراج يزهر: فذلك قلب المؤمن، وقلب ~~أغلف: فذلك قلب الكافر، وقلب منكوس: فذلك قلب المنافق، وقلب تمده مادتان: ~~مادة إيمان ومادة نفاق، وهو لما غلب عليه منهما. # ومنها: التثبيط عن الطاعة، والإقعاد عنها. # ومنها: جعل القلب أصم لا يسمع الحق، أبكم لا ينطق به، أعمى لا يراه، ~~فتصير النسبة بين القلب وبين الحق الذي لا ينفعه غيره، كالنسبة بين أذن ~~الأصم والأصوات، وعين الأعمى والألوان، ولسان الأخرس والكلام، وبهذا يعلم ~~أن العمى والصمم والبكم للقلب بالذات: الحقيقة، وللجوارح بالعرض والتبعية ~~{فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [سورة الحج: 46] ~~. # PageV01P117 # وليس المراد نفي العمى الحسي عن البصر، كيف وقد قال تعالى: {ليس على ~~الأعمى حرج} [سورة النور: 61] . # وقال: {عبس وتولى - أن جاءه الأعمى} [سورة عبس: 1 - 2] . # وإنما المراد العمى التام في الحقيقة: عمى القلب، حتى إن عمى البصر ~~بالنسبة إليه كلا عمى، حتى إنه يصح نفيه بالنسبة إلى كماله وقوته، كما قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الشديد بالصرعة، ولكنه الذي يملك نفسه ~~عند الغضب» ms111 وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس المسكين بالطواف الذي ترده ~~اللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس، ولا يفطن له فيتصدق ~~عليه» ونظائره كثيرة. # والمقصود أن من عقوبات المعاصي جعل القلب أعمى أصم أبكم. # خسف القلب # ومنها: الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان وما فيه، فيخسف به إلى أسفل ~~السافلين وصاحبه لا يشعر، وعلامة الخسف به أنه لا يزال جوالا حول السفليات ~~والقاذورات والرذائل، كما أن القلب الذي رفعه الله وقربه إليه لا يزال ~~جوالا حول العرش. # ومنها: البعد عن البر والخير ومعالي الأمور والأعمال والأقوال والأخلاق. # قال بعض السلف: إن هذه القلوب جوالة، فمنها ما يجول حول العرش، ومنها ما ~~يجول حول الحش. # مسخ القلب # ومنها: مسخ القلب، فيمسخ كما تمسخ الصورة، فيصير القلب على قلب الحيوان ~~الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته، فمن القلوب ما يمسخ على قلب خنزير ~~لشدة شبه صاحبه به، ومنها ما يمسخ على قلب كلب أو حمار أو حية أو عقرب وغير ~~ذلك، وهذا تأويل سفيان بن عيينة في قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا ~~طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم} [سورة الأنعام: 38] . # قال: منهم من يكون على أخلاق السباع العادية، ومنهم من يكون على أخلاق # PageV01P118 # الكلاب وأخلاق الخنازير وأخلاق الحمير، ومنهم من يتطوس في ثيابه كما ~~يتطوس الطاووس في ريشه، ومنهم من يكون بليدا كالحمار، ومنهم من يؤثر على ~~نفسه كالديك، ومنهم من يألف ويؤلف كالحمام، ومنهم الحقود كالجمل، ومنهم ~~الذي هو خير كله كالغنم، ومنهم أشباه الثعالب التي تروغ كروغانها، وقد شبه ~~الله تعالى أهل الجحيم والغي بالحمر تارة، وبالكلب تارة، وبالأنعام تارة، ~~وتقوى هذه المشابهة باطنا حتى تظهر في الصورة الظاهرة ظهورا خفيا، يراه ~~المتفرسون، وتظهر في الأعمال ظهورا يراه كل أحد، ولا يزال يقوى حتى تستشنع ~~الصورة، فتنقلب له الصورة بإذن الله، وهو المسخ التام، فيقلب الله سبحانه ~~وتعالى الصورة الظاهرة على صورة ذلك الحيوان، كما فعل باليهود وأشباههم، ~~ويفعل بقوم من هذه الأمة يمسخهم قردة وخنازير. # فسبحان ms112 الله! كم من قلب منكوس وصاحبه لا يشعر؟ وقلب ممسوخ وقلب مخسوف به؟ ~~وكم من مفتون بثناء الناس عليه ومغرور بستر الله عليه؟ ومستدرج بنعم الله ~~عليه؟ وكل هذه عقوبات وإهانات ويظن الجاهل أنها كرامة. # ومنها: مكر الله بالماكر، ومخادعته للمخادع، واستهزاؤه بالمستهزئ، ~~وإزاغته للقلب الزائغ عن الحق. # نكس القلب # ومنها: نكس القلب حتى يرى الباطل حقا والحق باطلا، والمعروف منكرا ~~والمنكر معروفا، ويفسد ويرى أنه يصلح، ويصد عن سبيل الله وهو يرى أنه يدعو ~~إليها، ويشتري الضلالة بالهدى، وهو يرى أنه على الهدى، ويتبع هواه وهو يزعم ~~أنه مطيع لمولاه؟ وكل هذا من عقوبات الذنوب الجارية على القلب. # حجب القلب عن الرب # ومنها: حجاب القلب عن الرب في الدنيا، والحجاب الأكبر يوم القيامة، كما ~~قال تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون} [سورة المطففين: 14 - 15] . # فمنعتهم الذنوب أن يقطعوا المسافة بينهم وبين قلوبهم، فيصلوا إليها فيروا ~~ما يصلحها ويزكيها، وما يفسدها ويشقيها، وأن يقطعوا المسافة بين قلوبهم ~~وبين ربهم، فتصل القلوب إليه فتفوز بقربه وكرامته، وتقر به عينا وتطيب به ~~نفسا، بل كانت الذنوب حجابا بينهم وبين ربهم وخالقهم. # PageV01P119 # ومنها: المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ، والعذاب في الآخرة، قال ~~تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} ~~[سورة طه: 124] . # وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر، ولا ريب أنه من المعيشة الضنك، والآية ~~تتناول ما هو أعم منه، وإن كانت نكرة في سياق الإثبات، فإن عمومها من حيث ~~المعنى، فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره، فالمعرض عنه ~~له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه، وإن تنعم في الدنيا بأصناف النعم، ففي قلبه ~~من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب، والأماني الباطلة والعذاب ~~الحاضر ما فيه، وإنما يواريه عنه سكرات الشهوات والعشق وحب الدنيا ~~والرياسة، وإن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر، فسكر هذه الأمور أعظم من سكر ~~الخمر، فإنه يفيق صاحبه ويصحو، وسكر الهوى وحب ms113 الدنيا لا يصحو صاحبه إلا ~~إذا كان صاحبه في عسكر الأموات، فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله ~~الذي أنزله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - في دنياه وفي البرزخ ويوم ~~معاده، ولا تقر العين، ولا يهدأ القلب، ولا تطمئن النفس إلا بإلهها ~~ومعبودها الذي هو حق، وكل معبود سواه باطل، فمن قرت عينه بالله قرت به كل ~~عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، والله تعالى إنما ~~جعل الحياة الطيبة لمن آمن به وعمل صالحا، كما قال تعالى: {من عمل صالحا من ~~ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون} [سورة النحل: 97] . # فضمن لأهل الإيمان والعمل الصالح الجزاء في الدنيا بالحياة الطيبة، ~~والحسنى يوم القيامة، فلهم أطيب الحياتين، فهم أحياء في الدارين. # ونظير هذا قوله تعالى: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة ~~خير ولنعم دار المتقين} [سورة النحل: 30] . # ونظيرها قوله تعالى: {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا ~~إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله} [سورة هود: 3] . # PageV01P120 # ففاز المتقون المحسنون بنعيم الدنيا والآخرة وحصلوا على الحياة الطيبة في ~~الدارين، فإن طيب النفس، وسرور القلب، وفرحه ولذته وابتهاجه وطمأنينته ~~وانشراحه ونوره وسعته وعافيته من ترك الشهوات المحرمة، والشبهات الباطلة - ~~هو النعيم على الحقيقة، ولا نسبة لنعيم البدن إليه. # فقد كان يقول بعض من ذاق هذه اللذة: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن ~~فيه لجالدونا عليه بالسيوف. # وقال آخر: إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل ~~هذا، إنهم لفي عيش طيب. # وقال آخر: إن في الدنيا جنة هي في الدنيا كالجنة في الآخرة، فمن دخلها ~~دخل تلك الجنة، ومن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وقد أشار النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى هذه الجنة بقوله: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، ~~قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر» وقال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من ~~رياض الجنة» . # نعيم الأبرار ms114 وجحيم الفجار ولا تظن أن قوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم ~~- وإن الفجار لفي جحيم} [سورة الانفطار: 13 - 14] مختص بيوم المعاد فقط، بل ~~هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاثة، وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة، وأي لذة ~~ونعيم في الدنيا أطيب من بر القلب، وسلامة الصدر، ومعرفة الرب تبارك وتعالى ~~ومحبته، والعمل على موافقته؟ وهل العيش في الحقيقة إلا عيش القلب السليم؟ ~~وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على خليله عليه السلام بسلامة قلبه، فقال: ~~{وإن من شيعته لإبراهيم - إذ جاء ربه بقلب سليم} [سورة الصافات: 83 - 84] . # وقال حاكيا عنه أنه قال: {يوم لا ينفع مال ولا بنون - إلا من أتى الله ~~بقلب سليم} [سورة الشعراء: 88 - 89] . # والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر ~~وحب الدنيا والرياسة، فسلم من كل آفة تبعده عن الله، وسلم من كل شبهة تعارض ~~خبره، ومن # PageV01P121 # كل شهوة تعارض أمره، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده، وسلم من كل قاطع يقطع ~~عن الله، فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا، وفي جنة في البرزخ، ~~وفي جنة يوم المعاد. # سلامة القلب # ولا تتم له سلامته مطلقا حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد، ~~وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض ~~التجريد والإخلاص. # وهذه الخمسة حجب عن الله، وتحت كل واحد منها أنواع كثيرة، تتضمن أفرادا ~~لا تنحصر. # الصراط المستقيم # ولذلك اشتدت حاجة العبد بل ضرورته، إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط ~~المستقيم، فليس شيء أحوج منه إلى هذه الدعوة، وليس شيء أنفع له منها. # فإن الصراط المستقيم يتضمن: علوما، وإرادة، وأعمالا، وتروكا ظاهرة وباطنة ~~تجري عليه كل وقت، فتفاصيل الصراط المستقيم قد يعلمها العبد وقد لا يعلمها، ~~وقد يكون ما لا يعلمه أكثر مما يعلمه، وما يعلمه قد يقدر عليه، وقد لا يقدر ~~عليه، وهو الصراط المستقيم وإن عجز عنه، وما يقدر عليه قد تريده نفسه وقد ~~لا تريده كسلا وتهاونا، أو لقيام مانع ms115 وغير ذلك، وما تريده قد يفعله وقد لا ~~يفعله، وما يفعله قد يقوم فيه بشروط الإخلاص وقد لا يقوم، وما يقوم فيه ~~بشروط الإخلاص قد يقوم فيه بكمال المتابعة وقد لا يقوم، وما يقوم فيه ~~بالمتابعة قد يثبت عليه وقد يصرف قلبه عنه، وهذا كله واقع سار في الخلق، ~~فمستقل ومستكثر. # وليس في طباع العبد الهداية إلى ذلك، بل متى وكل إلى طباعه حيل بينه وبين ~~ذلك كله، وهذا هو الإركاس الذي أركس الله به المنافقين بذنوبهم، فأعادهم ~~إلى طباعهم وما خلقت عليه نفوسهم من الجهل والظلم، والرب تبارك وتعالى على ~~صراط مستقيم في قضائه وقدره، ونهيه وأمره، فيهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ~~بفضله ورحمته، وجعله الهداية حيث تصلح، ويصرف من يشاء عن صراطه المستقيم ~~بعدله وحكمته، لعدم صلاحية المحل، وذلك موجب صراطه المستقيم الذي هو عليه، ~~فإذا كان يوم القيامة نصب لخلقه صراطا مستقيما يوصلهم إليه، فهو على صراط ~~مستقيم. # ونصب لعباده من أمره صراطا مستقيما دعاهم جميعا إليه حجة منه وعدلا، وهدى # PageV01P122 # من يشاء منهم إلى سلوكه نعمة منه وفضلا، ولم يخرج بهذا العدل وهذا الفضل ~~عن صراطه المستقيم الذي هو عليه، فإذا كان يوم لقائه نصب لخلقه صراطا ~~مستقيما يوصلهم إلى جنته، ثم صرف عنه من صرف عنه في الدنيا، وأقام عليه من ~~أقامه عليه في الدنيا، نورا ظاهرا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم في ظلمة ~~الحشر، وحفظ عليهم نورهم حتى قطعوه كما حفظ عليهم الإيمان حتى لقوه، وأطفأ ~~نور المنافقين أحوج ما كانوا إليه، كما أطفأه من قلوبهم في الدنيا. # وأقام أعمال العصاة بجنبتي الصراط كلاليب وحسكا تخطفهم كما خطفتهم في ~~الدنيا عن الاستقامة عليه، وجعل قوة سيرهم وسرعتهم على قدر قوة سيرهم ~~وسرعتهم في الدنيا، ونصب للمؤمنين حوضا يشربون منه بإزاء شربهم من شرعه في ~~الدنيا، وحرم من الشرب منه هناك من حرم الشرب من شرعه ودينه هاهنا. # فانظر إلى الآخرة كأنها رأي عين، وتأمل حكمة الله سبحانه في الدارين، ~~تعلم حينئذ علما يقينا لا ms116 شك فيه: أن الدنيا مزرعة الآخرة وعنوانها ~~وأنموذجها، وأن منازل الناس فيها من السعادة والشقاوة على حسب منازلهم في ~~هذه الدار في الإيمان والعمل الصالح وضدهما، وبالله التوفيق. # فمن أعظم عقوبات الذنوب - الخروج عن الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة. ### | [فصل أصل الذنوب] # فصل # أصل الذنوب # ولما كانت الذنوب متفاوتة في درجاتها ومفاسدها تفاوتت عقوباتها في الدنيا ~~والآخرة بحسب تفاوتها. # ونحن نذكر فيها بعون الله وحسن توفيقه فصلا وجيزا جامعا، فنقول: # أصلها نوعان: ترك مأمور، وفعل محظور، وهما الذنبان اللذان ابتلى الله ~~سبحانه بهما أبوي الجن والإنس. # وكلاهما ينقسم باعتبار محله إلى ظاهر على الجوارح، وباطن في القلوب. # وباعتبار متعلقه إلى حق الله وحق خلقه. # وإن كان كل حق لخلقه فهو متضمن لحقه، لكن سمي حقا للخلق لأنه يجب ~~بمطالبتهم ويسقط بإسقاطهم. # PageV01P123 # ثم هذه الذنوب تنقسم إلى أربعة أقسام: ملكية، وشيطانية، وسبعية، وبهيمية، ~~ولا تخرج عن ذلك. # فالذنوب الملكية أن يتعاطى ما لا يصح له من صفات الربوبية، كالعظمة، ~~والكبرياء، والجبروت، والقهر، والعلو، واستعباد الخلق، ونحو ذلك. # ويدخل في هذا شرك بالله تعالى، وهو نوعان: شرك به في أسمائه وصفاته وجعل ~~آلهة أخرى معه، وشرك به في معاملته، وهذا الثاني قد لا يوجب دخول النار، ~~وإن أحبط العمل الذي أشرك فيه مع الله غيره. # وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب، ويدخل فيه القول على الله بلا علم في خلقه ~~وأمره، فمن كان من أهل هذه الذنوب، فقد نازع الله سبحانه في ربوبيته وملكه، ~~وجعل له ندا، وهذا أعظم الذنوب عند الله، ولا ينفع معه عمل. # فصل الذنوب الشيطانية وأما الشيطانية: فالتشبه بالشيطان في الحسد، والبغي ~~والغش والغل والخداع والمكر، والأمر بمعاصي الله وتحسينها، والنهي عن طاعته ~~وتهجينها، والابتداع في دينه، والدعوة إلى البدع والضلال. # وهذا النوع يلي النوع الأول في المفسدة، وإن كانت مفسدته دونه. # فصل الذنوب السبعية وأما السبعية: فذنوب العدوان والغضب وسفك الدماء، ~~والتوثب على الضعفاء والعاجزين، ويتولد منها أنواع أذى النوع الإنساني ~~والجرأة على الظلم والعدوان. # الذنوب البهيمية وأما ms117 الذنوب البهيمية: فمثل الشره والحرص على قضاء شهوة ~~البطن والفرج، ومنها يتولد الزنا والسرقة وأكل أموال اليتامى، والبخل، ~~والشح، والجبن، والهلع، وغير ذلك. # PageV01P124 # وهذا القسم أكثر ذنوب الخلق لعجزهم عن الذنوب السبعية والملكية، ومنه ~~يدخلون إلى سائر الأقسام، فهو يجرهم إليها بالزمام، فيدخلون منه إلى الذنوب ~~السبعية، ثم إلى الشيطانية، ثم منازعة الربوبية، والشرك في الوحدانية، ومن ~~تأمل هذا حق التأمل، تبين له أن الذنوب دهليز الشرك والكفر ومنازعة الله ~~ربوبيته. ### | [فصل الذنوب كبائر وصغائر] # فصل # الذنوب كبائر وصغائر # وقد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم والأئمة، على أن من ~~الذنوب كبائر وصغائر، قال الله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [سورة النساء: 31] . # وقال تعالى: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم} [سورة ~~النجم: 32] . # وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الصلوات الخمس، والجمعة ~~إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» . # وهذه الأعمال المكفرة لها ثلاث درجات: # إحداها: أن تقصر عن تكفير الصغائر لضعفها وضعف الإخلاص فيها والقيام ~~بحقوقها، بمنزلة الدواء الضعيف الذي ينقص عن مقاومة الداء كمية وكيفية. # الثانية: أن تقاوم الصغائر ولا ترتقي إلى تكفير شيء من الكبائر. # الثالثة: أن تقوى على تكفير الصغائر وتبقى فيها قوة تكفر بها بعض ~~الكبائر. # فتأمل هذا فإنه يزيل عنك إشكالات كثيرة. # وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اجتنبوا السبع ~~الموبقات، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: الإشراك بالله، والسحر، وقتل ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم ~~الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» . # وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل: «أي الذنب أكبر عند ~~الله؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قيل: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة ~~أن يطعم معك، قيل: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك» فأنزل الله تعالى ~~تصديقها: # PageV01P125 # {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي ms118 حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون} [سورة الفرقان: 68] . # عدد الكبائر # واختلف الناس في الكبائر: هل لها عدد يحصرها؟ على قولين. # ثم الذين قالوا بحصرها اختلفوا في عددها، فقال عبد الله بن مسعود: هي ~~أربع، وقال عبد الله بن عمر: هي سبع، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هي ~~تسعة، وقال غيره: هي إحدى عشرة، وقال آخر: هي سبعون. # وقال أبو طالب المكي: جمعتها من أقوال الصحابة، فوجدتها: أربعة في القلب، ~~وهى: الشرك بالله، والإصرار على المعصية، والقنوط من رحمة الله، والأمن من ~~مكر الله. # وأربعة في اللسان، وهى: شهادة الزور، وقذف المحصنات، واليمين الغموس، ~~والسحر. # وثلاث في البطن: شرب الخمر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا. # واثنتان في الفرج، وهما: الزنا، واللواط. # واثنتان في اليدين، وهما: القتل، والسرقة. # وواحدة في الرجلين، وهى: الفرار من الزحف. # وواحد يتعلق بجميع الجسد، وهو: عقوق الوالدين. # والذين لم يحصروها بعدد، منهم من قال: كل ما نهى الله عنه في القرآن فهو ~~كبيرة، وما نهى عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو صغيرة. # وقالت طائفة: ما اقترن بالنهي عنه وعيد من لعن أو غضب أو عقوبة فهو ~~كبيرة، وما لم يقترن به شيء من ذلك فهو صغيرة. # وقيل: كل ما ترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، فهو كبيرة، وما ~~لم يرتب عليه لا هذا ولا هذا، فهو صغيرة. # وقيل: كل ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر، وما كان تحريمه في ~~شريعة دون شريعة فهو صغيرة. # وقيل: كل ما لعن الله أو رسوله فاعله فهو كبيرة. # وقيل: كل ما ذكر من أول سورة النساء إلى قوله: {إن تجتنبوا كبائر ما ~~تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} [سورة النساء: 31] . # PageV01P126 # الذين لم يقسموها إلى كبائر # والذين لم يقسموها إلى كبائر وصغائر، قالوا: الذنوب كلها بالنسبة إلى ~~الجراءة على الله سبحانه ومعصيته ومخالفة أمره، كبائر، فالنظر إلى من عصى ~~أمره وانتهك محارمه، يوجب أن تكون الذنوب كلها كبائر، وهي مستوية في هذه ~~المفسدة. # قالوا: ويوضح ms119 هذا أن الله سبحانه لا تضره الذنوب ولا يتأثر بها، فلا يكون ~~بعضها بالنسبة إليه أكبر من بعض، فلم يبق إلا مجرد معصيته ومخالفته، ولا ~~فرق في ذلك بين ذنب وذنب. # قالوا: ويدل عليه أن مفسدة الذنوب إنما هي تابعة للجراءة والتوثب على حق ~~الرب تبارك وتعالى، ولهذا لو شرب رجل خمرا، أو وطئ فرجا حراما، وهو لا ~~يعتقد تحريمه، لكان قد جمع بين الجهل وبين مفسدة ارتكاب الحرام، ولو فعل ~~ذلك من يعتقد تحريمه، لكان آتيا بإحدى المفسدتين، وهو الذي يستحق العقوبة ~~دون الأول، فدل على أن مفسدة الذنب تابعة للجراءة والتوثب. # قالوا: ويدل على هذا أن المعصية تتضمن الاستهانة بأمر المطاع ونهيه ~~وانتهاك حرمته، وهذا لا فرق فيه بين ذنب وذنب. # قالوا: فلا ينظر العبد إلى كبر الذنب وصغره في نفسه، ولكن ينظر إلى قدر ~~من عصاه وعظمته، وانتهاك حرمته بالمعصية، وهذا لا يفترق فيه الحال بين ~~معصية ومعصية، فإن ملكا مطاعا عظيما لو أمر أحد مملوكيه أن يذهب في مهم له ~~إلى بلد بعيد، وأمر آخر أن يذهب في شغل له إلى جانب الدار، فعصياه وخالفا ~~أمره، لكانا في مقته والسقوط من عينه سواء. # قالوا: ولهذا كانت معصية من ترك الحج من مكة وترك الجمعة وهو جار المسجد، ~~أقبح عند الله من معصية من ترك من المكان البعيد، والواجب على هذا أكثر من ~~الواجب على هذا، ولو كان مع رجل مائتا درهم ومنع زكاتها، ومع آخر مائتا ألف ~~درهم فمنع من زكاتها؛ لاستويا في منع ما وجب على كل واحد منهما، ولا يبعد ~~استواؤهما في العقوبة، إذا كان كل منهما مصرا على منع زكاة ماله، قليلا كان ~~المال أو كثيرا. ### | [فصل الحق في المسألة الحق في المسألة] # فصل # وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال: # إن الله عز وجل أرسل رسله، وأنزل كتبه، وخلق السماوات والأرض ليعرف ويعبد # PageV01P127 # ويوحد ويكون الدين كله لله، والطاعة كلها له، والدعوة له، كما قال تعالى: ~~{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ms120 [سورة الذاريات: 56] . # وقال تعالى: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} [سورة ~~الحجر: 85] . # وقال تعالى: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر ~~بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} ~~[الطلاق: 12] . # وقال تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن ~~الله بكل شيء عليم} [سورة المائدة: 97] . # فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر: أن يعرف بأسمائه وصفاته، ويعبد ~~وحده لا يشرك به، وأن يقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات ~~والأرض، كما قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد: 25] . # فأخبر سبحانه أنه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل، ~~ومن أعظم القسط التوحيد، وهو رأس العدل وقوامه، وإن الشرك لظلم عظيم، ~~فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل، فما كان أشد منافاة لهذا المقصود ~~فهو أكبر الكبائر، وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له، وما كان أشد ~~موافقة لهذا المقصود فهو أوجب الواجبات وأفرض الطاعات. # فتأمل هذا الأصل حق التأمل، واعتبر تفاصيله تعرف به حكمة أحكم الحاكمين، ~~وأعلم العالمين فيما فرضه على عباده، وحرمه عليهم، وتفاوت مراتب الطاعات ~~والمعاصي. # فلما كان الشرك بالله منافيا بالذات لهذا المقصود كان أكبر الكبائر على ~~الإطلاق، وحرم الله الجنة على كل مشرك، وأباح دمه وماله وأهله لأهل ~~التوحيد، وأن يتخذوهم عبيدا لهم لما تركوا القيام بعبوديته، وأبى الله ~~سبحانه أن يقبل من مشرك عملا أو يقبل فيه # PageV01P128 # شفاعة أو يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقيل له عثرة، فإن المشرك أجهل ~~الجاهلين بالله، حيث جعل له من خلقه ندا، وذلك غاية الجهل به، كما أنه غاية ~~الظلم منه، وإن كان المشرك لم يظلم ربه وإنما ظلم نفسه. ### | [فصل شرك الوساطة] # فصل # شرك الوساطة # ووقعت مسألة وهي: أن المشرك إنما قصده تعظيم جناب الرب تبارك وتعالى، ~~وأنه لعظمته لا ينبغي ms121 الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء كحال الملوك، ~~فالمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الربوبية، وإنما قصد تعظيمه، وقال: إنما ~~أعبد هذه الوسائط لتقربني إليه وتدلني وتدخلني عليه، فهو المقصود وهذه ~~وسائل وشفعاء، فلم كان هذا القدر موجبا لسخطه وغضبه تبارك وتعالى، ومخلدا ~~في النار، وموجبا لسفك دماء أصحابه، واستباحة حريمهم وأموالهم؟ # وترتب على هذا سؤال آخر، وهو أنه هل يجوز أن يشرع الله سبحانه لعباده ~~التقرب إليه بالشفعاء والوسائط، فيكون تحريم هذا إنما استفيد من الشرع، أم ~~ذلك قبيح في الفطر والعقول، يمتنع أن تأتي به شريعة؟ بل جاءت الشرائع ~~بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كل قبيح؟ وما السبب في ~~كونه لا يغفره من دون سائر الذنوب؟ كما قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [سورة النساء: 48] # فتأمل هذا السؤال، واجمع قلبك وذهنك على جوابه ولا تستهونه، فإن به يحصل ~~الفرق بين المشركين والموحدين، والعالمين بالله والجاهلين به، وأهل الجنة ~~وأهل النار. # نوعا الشرك # فنقول، وبالله التوفيق والتأييد، ومنه نستمد المعونة والتسديد، فإنه من ~~يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ولا مانع لما أعطى ولا معطي ~~لما منع. # الشرك شركان: # شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله. # وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ~~ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. # PageV01P129 # والشرك الأول نوعان: # أحدهما: شرك التعطيل: وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: {وما رب ~~العالمين} [سورة الشعراء: 23] . # وقال تعالى مخبرا عنه أنه قال لهامان: {وقال فرعون ياهامان ابن لي صرحا ~~لعلي أبلغ الأسباب - أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} ~~[سورة غافر: 36 - 37] فالشرك والتعطيل متلازمان: فكل مشرك معطل وكل معطل ~~مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل يكون المشرك مقرا بالخالق ~~سبحانه وصفاته، ولكنه معطل حق التوحيد. # التعطيل # وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها، هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام: ms122 # تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه. # وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس، بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله. # وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. # ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثم خالق ومخلوق ولا ~~هاهنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه. ومنه شرك الملاحدة ~~القائلين بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدوما أصلا، بل لم يزل ولا ~~يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها، ~~ويسمونها بالعقول والنفوس. ومن هذا شرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه ~~وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يثبتوا له اسما ولا صفة، بل جعلوا ~~المخلوق أكمل منه، إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها. ### | [فصل شرك من جعل مع الله إلها آخر] # فصل # شرك من جعل مع الله إلها آخر # النوع الثاني: شرك من جعل معه إلها آخر، ولم يعطل أسماءه وصفاته ~~وربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثلاثة، فجعلوا المسيح إلها، وأمه إلها. # ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر ~~إلى الظلمة. # PageV01P130 # ومن هذا شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه، ~~وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته، ولهذا كانوا من أشباه المجوس. # ومن هذا شرك - الذي حاج إبراهيم في ربه {إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ~~ويميت} [سورة البقرة: 258] . # فهذا جعل نفسه ندا لله، يحيي ويميت بزعمه، كما يحيي الله ويميت، فألزمه ~~إبراهيم أن طرد قولك أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي ~~بها الله منها، وليس هذا انتقالا كما زعم بعض أهل الجدل بل إلزاما على طرد ~~الدليل إن كان حقا. # ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات، ويجعلها أربابا مدبرة لأمر ~~هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم. # ومن هذا شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم. # ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه ~~أكبر الآلهة، ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا ms123 خصه بعبادته ~~والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به، ومنهم من يزعم أن معبوده ~~الأدنى يقربه إلى المعبود الذي هو فوقه، والفوقاني يقربه إلى من هو فوقه، ~~حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله سبحانه وتعالى، فتارة تكثر الوسائط وتارة ~~تقل. ### | [فصل الشرك في العبادة] # فصل # الشرك في العبادة # وأما الشرك في العبادة فهو أسهل من هذا الشرك، وأخف أمرا، فإنه يصدر ممن ~~يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا ~~الله، وأنه لا إله غيره، ولا رب سواه، ولكن لا يخص الله في معاملته ~~وعبوديته، بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة ~~والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحظه ~~وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب، وهذا حال أكثر الناس، وهو الشرك ~~الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه ابن حبان في صحيحه: ~~«الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، قالوا: كيف ننجو منه يا رسول ~~الله؟ قال: قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا ~~أعلم» . # PageV01P131 # فالرياء كله شرك، قال تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم ~~إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا} [سورة الكهف: 110] . # أي: كما أنه إله واحد، ولا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له ~~وحده، فكما تفرد بالإلهية يجب أن يفرد بالعبودية، فالعمل الصالح هو الخالي ~~من الرياء المقيد بالسنة. # وكان من دعاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: اللهم اجعل عملي كله صالحا ~~واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا. # وهذا الشرك في العبادة يبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه إذا كان العمل ~~واجبا، فإنه ينزله منزلة من لم يعمله، فيعاقب على ترك الأمر، فإن الله ~~سبحانه إنما أمر بعبادته عبادة خالصة، قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين حنفاء} [البينة: 5] . # فمن ms124 لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير ~~المأمور به، فلا يصح ولا يقبل منه، ويقول الله: " «أنا أغنى الشركاء عن ~~الشرك، فمن عمل عملا أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك به، وأنا منه بريء» ~~". # أقسام الشرك # وهذا الشرك ينقسم إلى مغفور وغير مغفور، وأكبر وأصغر، والنوع الأول ينقسم ~~إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفور، فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم: ~~أن يحب مخلوقا كما يحب الله، فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله، وهو الشرك ~~الذي قال سبحانه فيه: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله والذين آمنوا أشد حبا لله} [سورة البقرة: 165] وقال أصحاب هذا الشرك ~~لآلهتهم وقد جمعهم الجحيم: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين - إذ نسويكم برب ~~العالمين} [سورة الشعراء: 97 - 98] . # ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه في الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، ~~والملك، والقدرة، وإنما سووهم به في الحب، والتأله، والخضوع لهم والتذلل، ~~وهذا غاية الجهل والظلم، فكيف يسوى التراب برب الأرباب، وكيف يسوى العبيد ~~بمالك الرقاب، وكيف # PageV01P132 # يسوى الفقير بالذات الضعيف بالذات العاجز بالذات المحتاج بالذات، الذي ~~ليس له من ذاته إلا العدم، بالغني بالذات، القادر بالذات، الذي غناه، ~~وقدرته وملكه وجوده، وإحسانه، وعلمه، ورحمته، وكماله المطلق التام من لوازم ~~ذاته؟ # فأي ظلم أقبح من هذا؟ وأي حكم أشد جورا منه؟ حيث عدل من لا عدل له بخلقه، ~~كما قال تعالى: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور - ~~ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} [سورة الأنعام: 1] . # فعدل المشرك من خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، بمن لا يملك ~~لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، فيا لك من عدل تضمن ~~أكبر الظلم وأقبحه. ### | [فصل الشرك في الأفعال والأقوال والإرادات والنيات] # فصل # الشرك في الأفعال والأقوال والإرادات والنيات # ويتبع هذا الشرك الشرك به سبحانه في الأفعال، والأقوال، والإرادات، ~~والنيات، فالشرك في الأفعال كالسجود لغيره، والطواف بغير بيته، وحلق ms125 الرأس ~~عبودية وخضوعا لغيره، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذي هو يمين الله ~~في الأرض، وتقبيل القبور واستلامها، والسجود لها، وقد لعن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلي لله فيها، فكيف ~~بمن اتخذ القبور أوثانا يعبدها من دون الله؟ # ففي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لعن الله اليهود ~~والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . # وفي الصحيح عنه: «إن شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين ~~يتخذون القبور مساجد» . # وفي الصحيح أيضا عنه: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا ~~فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» . # وفي مسند الإمام أحمد - رضي الله عنه - وصحيح ابن حبان عنه - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» . # وقال: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . # PageV01P133 # وقال: «إن من كان قبلكم، كان إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره ~~مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» . # فهذا حال من سجد لله في مسجد على قبر، فكيف حال من سجد للقبر نفسه؟ # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» ، ~~وقد حمى النبي - صلى الله عليه وسلم - جانب التوحيد أعظم حماية، حتى نهى عن ~~صلاة التطوع لله سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لئلا يكون ذريعة إلى ~~التشبه بعباد الشمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين. # وسد الذريعة بأن منع الصلاة بعد العصر والصبح؛ لاتصال هذين الوقتين ~~بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس. # وأما السجود لغير الله فقال: «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله» . # و " لا ينبغي " في كلام الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - للذي هو في ~~غاية الامتناع شرعا، كقوله تعالى: {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} [سورة ~~مريم: 92] . # وقوله: {وما ينبغي له} [سورة يس: 69] . # وقوله: {وما تنزلت به الشياطين - وما ينبغي لهم} [سورة الشعراء: 210 - ~~211] . # وقوله: {ما كان ينبغي لنا ms126 أن نتخذ من دونك من أولياء} [سورة الفرقان: 18] ### | [فصل الشرك في اللفظ] # فصل # الشرك في اللفظ # ومن الشرك به سبحانه الشرك به في اللفظ، كالحلف بغيره، كما رواه أحمد ~~وأبو داود عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من حلف بغير الله فقد ~~أشرك» صححه الحاكم وابن حبان. # ومن ذلك قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، كما «ثبت عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله ~~ندا؟ قل ما شاء الله وحده.» # PageV01P134 # هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة، كقوله: {لمن شاء منكم أن يستقيم} ~~[سورة التكوير: 28] . # فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما ~~لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله ~~لي في السماء وأنت في الأرض. # أو يقول: والله، وحياة فلان، أو يقول نذرا لله ولفلان، وأنا تائب لله ~~ولفلان، أو أرجو الله وفلانا، ونحو ذلك. # فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول القائل: ما شاء الله وشئت. ثم انظر أيهما ~~أفحش، يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي - صلى الله عليه وسلم - لقائل ~~تلك الكلمة، وأنه إذا كان قد جعله ندا لله بها، فهذا قد جعل من لا يداني ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شيء من الأشياء - بل لعله أن يكون من ~~أعدائه - ندا لرب العالمين، فالسجود، والعبادة، والتوكل، والإنابة، ~~والتقوى، والخشية، والحسب، والتوبة، والنذر، والحلف، والتسبيح، والتكبير، ~~والتهليل، والتحميد، والاستغفار، وحلق الرأس خضوعا وتعبدا، والطواف بالبيت، ~~والدعاء، كل ذلك محض حق الله، لا يصلح ولا ينبغي لسواه: من ملك مقرب ولا ~~نبي مرسل. # وفي مسند الإمام أحمد «أن رجلا أتي به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قد أذنب ذنبا، فلما وقف بين يديه، قال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى ~~محمد، فقال: عرف الحق لأهله» . ### | [فصل الشرك في الإرادات والنيات] # فصل # الشرك في الإرادات والنيات # وأما الشرك في الإرادات ms127 والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقل من ~~ينجو منه، من أراد بعمله غير وجه الله، ونوى شيئا غير التقرب إليه، وطلب ~~الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته. # والإخلاص: أن يخلص لله في أفعاله وأقواله وإرادته ونيته، وهذه هي ~~الحنيفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد ~~غيرها، وهي حقيقة الإسلام. # {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} ~~[سورة آل عمران: 85] . # وهي ملة إبراهيم التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء. ### | [فصل حقيقة الشرك] # فصل # حقيقة الشرك # PageV01P135 # إذا عرفت هذه المقدمة انفتح لك باب الجواب عن السؤال المذكور، فنقول، ومن ~~الله وحده نستمد الصواب: # حقيقة الشرك: هو التشبه بالخالق وتشبيه المخلوق به، هذا هو التشبيه في ~~الحقيقة، لا إثبات صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله، ~~صلى الله عليه وسلم. فعكس الأمر من نكس الله قلبه وأعمى بصيرته وأركسه ~~بكسبه، وجعل التوحيد تشبيها والتشبيه تعظيما وطاعة، فالمشرك مشبه للمخلوق ~~بالخالق في خصائص الإلهية. # فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب ~~تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه ~~بالخالق وجعل من لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ~~فضلا عن غيره - شبيها بمن له الأمر كله، فأزمة الأمور كلها بيديه، ومرجعها ~~إليه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ~~بل إذا فتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد، وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه ~~أحد. # فمن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات. # ومن خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه ~~من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال ~~والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوبة والتوكل والاستعانة، وغاية الذل ~~مع غاية الحب - كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة ms128 أن يكون له وحده، ويمتنع عقلا ~~وشرعا وفطرة أن يكون لغيره، فمن جعل شيئا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير ~~بمن لا شبيه له ولا مثيل ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله، ولشدة قبحه ~~وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره، مع أنه كتب على نفسه ~~الرحمة. # ومن خصائص الإلهية: العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: ~~غاية الحب، مع غاية الذل. هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب ~~تفاوتهم في هذين الأصلين. # فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه، وهذا من ~~المحال أن تجيء به شريعة من الشرائع، وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل، ولكن ~~غيرت # PageV01P136 # الشياطين فطر الخلق وعقولهم وأفسدتها عليهم، واجتالتهم عنها، ومضى على ~~الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم ~~كتبه بما يوافق فطرهم وعقولهم، فازدادوا بذلك نورا على نور، {يهدي الله ~~لنوره من يشاء} [النور: 35] . # إذا عرف هذا فمن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق ~~به. # ومنها: التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به. # ومنها: التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به. # ومنها: الحلف باسمه تعظيما وإجلالا له، فمن حلف بغيره فقد شبهه به، هذا ~~في جانب التشبيه. # وأما في جانب التشبه به: فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح ~~والتعظيم والخضوع والرجاء، وتعليق القلب به خوفا ورجاء والتجاء واستعانة، ~~فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته وإلهيته، وهو حقيق بأن يهينه غاية ~~الهوان، ويذله غاية الذل، ويجعله تحت أقدام خلقه. # وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «يقول الله عز وجل: " العظمة ~~إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما عذبته ".» # وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذابا يوم القيامة ~~لتشبهه بالله في مجرد الصورة، فما الظن بالتشبه بالله في الربوبية ~~والإلهية؟ # كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أشد الناس عذابا يوم القيامة ~~المصورون، يقال ms129 لهم أحيوا ما خلقتم» . # وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «قال الله عز وجل: ~~[ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة] » ، ~~فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منها وأكبر. # والمقصود: أن هذا حال من تشبه به في صنعة صورة، فكيف حال من تشبه به في ~~خواص ربوبيته وإلهيته؟ وكذلك من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا لله ~~وحده، كملك الملوك، وحاكم الحكام، ونحوه. # وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن أخنع ~~الأسماء عند الله رجل يسمى # PageV01P137 # بشاهان شاه - أي ملك الملوك - لا ملك إلا الله» وفي لفظ: «أغيظ رجل على ~~الله رجل يسمى بملك الأملاك» . # فهذا مقت الله وغضبه على من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له، فهو ~~سبحانه ملك الملوك وحده، وهو حاكم الحكام وحده، فهو الذي يحكم على الحكام ~~كلهم، ويقضي عليهم كلهم، لا غيره. ### | [فصل سوء الظن بالله] # فصل # سوء الظن بالله # إذا تبين هذا فهاهنا أصل عظيم يكشف سر المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند ~~الله إساءة الظن به، فإن المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس، وظن ~~به ما يناقض أسماءه وصفاته، ولهذا توعد الله سبحانه الظانين به ظن السوء ~~بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى: {عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ~~ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا} [سورة الفتح: 6] . # وقال تعالى لمن أنكر صفة من صفاته: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ~~فأصبحتم من الخاسرين} [سورة فصلت: 23] . # قال تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال لقومه: {ماذا تعبدون - أئفكا آلهة ~~دون الله تريدون - فما ظنكم برب العالمين} [الصافات: 85 - 87] . # أي فما ظنكم أن يجازيكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ وما ظننتم به حين ~~عبدتم معه غيره؟ # وما ظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية ~~غيره؟ فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم، وهو ms130 على كل شيء قدير، ~~وأنه غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على ~~خلقه، وأنه المنفرد بتدبير خلقه لا يشركه فيه غيره، والعالم بتفاصيل ~~الأمور، فلا يخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده فلا يحتاج إلى ~~معين، والرحمن بذاته، فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه، وهذا بخلاف ~~الملوك وغيرهم من الرؤساء، فإنهم يحتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية # PageV01P138 # وحوائجهم، ويعينهم إلى قضاء حوائجهم، وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم ~~بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة، لحاجتهم وضعفهم وعجزهم وقصور علمهم. # فأما القادر على كل شيء، الغني عن كل شيء، الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته ~~كل شيء، فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه نقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، ~~وظن به ظن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر ~~جوازه، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبيح. # يوضح هذا: أن العابد معظم لمعبوده، متأله خاضع ذليل له، والرب تعالى وحده ~~هو الذي يستحق كمال التعظيم والجلال والتأله والخضوع والذل، وهذا خالص حقه، ~~فمن أقبح الظلم أن يعطي حقه لغيره، أو يشرك بينه وبينه فيه، ولا سيما إذا ~~كان الذي جعل شريكه في حقه هو عبده ومملوكه، كما قال تعالى: {ضرب لكم مثلا ~~من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه ~~سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون} [سورة الروم: ~~28] . # أي: إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريكه في رزقه، فكيف تجعلون لي من ~~عبيدي شركاء فيما أنا به منفرد؟ وهو الإلهية التي لا تنبغي لغيري، ولا تصح ~~لسواي. # فمن زعم ذلك فما قدرني حق قدري، ولا عظمني حق تعظيمي، ولا أفردني بما أنا ~~مفرد به وحدي دون خلقي، فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره، كما قال ~~تعالى: {ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن ~~يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه ms131 منه ضعف ~~الطالب والمطلوب - ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز} [سورة الحج: ~~73 - 74] . # فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره، ممن لا يقدر على خلق أضعف حيوان ~~وأصغره، وإن سلبهم الذباب شيئا مما عليه لم يقدر على استنقاذه منه، وقال ~~تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات ~~مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} [سورة الزمر: 67] فما قدر من هذا ~~شأنه وعظمته حق قدره من أشرك معه في عبادته من ليس له شيء من # PageV01P139 # ذلك ألبتة، بل هو أعجز شيء وأضعفه، فما قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك ~~معه الضعيف الذليل. # وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه لم يرسل إلى خلقه رسولا، ولا أنزل ~~كتابا، بل نسبه إلى ما لا يليق به ولا يحسن منه، من إهمال خلقه وتضييعهم ~~وتركهم سدى، وخلقهم باطلا وعبثا، ولا قدره حق قدره من نفى حقائق أسمائه ~~الحسنى وصفاته العلا، فنفى سمعه وبصره وإرادته واختياره وعلوه فوق خلقه، ~~وكلامه وتكليمه لمن شاء من خلقه بما يريده، أو نفى عموم قدرته وتعلقها ~~بأفعال عباده من طاعتهم ومعاصيهم، فأخرجها عن قدرته ومشيئته وخلقه، وجعلهم ~~يخلقون لأنفسهم ما يشاءون بدون مشيئة الرب، فيكون في ملكه ما لا يشاء، ~~ويشاء ما لا يكون. تعالى عن قول أشباه المجوس علوا كبيرا. # وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه يعاقب عبده على ما لا يفعله العبد، ~~ولا له عليه قدرة، ولا تأثير له فيه ألبتة، بل هو نفس فعل الرب جل جلاله، ~~فيعاقب عبده على فعله هو سبحانه الذي جبر العبد عليه. وجبره على الفعل أعظم ~~من إكراه المخلوق للمخلوق، وإذا كان من المستقر في الفطر والعقول أن السيد ~~لو أكره عبده على فعل، أو ألجأه إليه ثم عاقبه عليه لكان قبيحا، فأعدل ~~العادلين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين كيف يجبر العبد على فعل لا يكون ~~للعبد فيه صنع ولا تأثير، ولا هو واقع بإرادته، بل ولا هو فعله ms132 ألبتة، ثم ~~يعاقب عليه عقوبة الأبد؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقول هؤلاء شر من ~~أقوال المجوس. والطائفتان ما قدروا الله حق قدره. # وكذلك ما قدره حق قدره من لم يصنه عن نتن ولا حش، ولا مكان يرغب عن ذكره ~~بل جعله في كل مكان، صانه عن عرشه أن يكون مستويا عليه: {إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه} [سورة فاطر: 10] . # وتعرج الملائكة والروح إليه، وتنزل من عنده: {يدبر الأمر من السماء إلى ~~الأرض ثم يعرج إليه} [سورة السجدة: 5] . # فصانه عن استوائه على سرير الملك، ثم جعله في كل مكان يأنف الإنسان، بل ~~غيره من الحيوان أن يكون فيه. # وما قدر الله حق قدره من نفى حقيقة محبته ورحمته ورأفته ورضاه وغضبه ~~ومقته، ولا من نفى حقيقة حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله، ~~ولا من نفى حقيقة # PageV01P140 # فعله، ولم يجعل له فعلا اختياريا يقوم به، بل أفعاله مفعولات منفصلة عنه، ~~فنفى حقيقة مجيئه وإتيانه واستوائه على عرشه، وتكليمه موسى من جانب الطور، ~~ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده بنفسه، إلى غير ذلك من أفعاله ~~وأوصاف كماله، التي نفوها وزعموا أنهم بنفيها قدروه حق قدره. # وكذلك لم يقدره حق قدره من جعل له صاحبة وولدا، أو جعله سبحانه يحل في ~~جميع مخلوقاته، أو جعله عين هذا الوجود. # وكذلك لم يقدره حق قدره من قال: إنه رفع أعداء رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأهل بيته وأعلى ذكرهم، وجعل فيهم الملك والخلافة والعز، ووضع ~~أولياء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته وأهانهم وأذلهم وضرب ~~عليهم الذل أينما ثقفوا، وهذا يتضمن غاية القدح في جناب الرب. تعالى عن قول ~~الرافضة علوا كبيرا. # وهذا القول مشتق من قول اليهود والنصارى في رب العالمين أنه أرسل ملكا ~~ظالما، فادعى النبوة لنفسه، وكذب على الله، ومكث زمانا طويلا يكذب على الله ~~كل وقت، ويقول: قال الله كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، ينسخ شرائع أنبيائه ~~ورسله، ويستبيح دماء أتباعهم وأموالهم وحريمهم، ms133 ويقول: الله أباح لي ذلك، ~~والرب تعالى يظهره ويؤيده، ويعليه، ويعزه، ويجيب دعواته، ويمكنه ممن خالفه، ~~ويقيم الأدلة على صدقه، ولا يعاديه أحد إلا ظفر به، فيصدقه بقوله وفعله ~~وتقريره، ويحدث أدلة تصديقه شيئا بعد شيء. # ومعلوم أن هذا يتضمن أعظم القدح والطعن في الرب سبحانه وتعالى، وعلمه، ~~وحكمته، ورحمته، وربوبيته. تعالى عن قول الجاحدين علوا كبيرا. # فوازن بين قول هؤلاء، وقول إخوانهم من الرافضة، تجد القولين كما قال ~~الشاعر: # رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا تتفرق # وكذلك لم يقدره حق قدره من قال أنه يجوز أن يعذب أولياءه، ومن لم يعصه ~~طرفة عين، ويدخلهم دار الجحيم، وينعم أعداءه ومن لم يؤمن به طرفة عين، ~~ويدخلهم دار النعيم، وأن كلا الأمرين بالنسبة إليه سواء، وإنما الخبر المحض ~~جاء عنه بخلاف ذلك، فمعناه للخبر لا لمخالفة حكمته وعدله. # وقد أنكر سبحانه في كتابه على من جوز عليه ذلك غاية الإنكار، وجعل الحكم ~~به من أسوأ الأحكام. # قال تعالى: # PageV01P141 # {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل ~~للذين كفروا من النار - أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في ~~الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} [سورة ص: 27 - 28] . # وقال: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون - وخلق الله السماوات والأرض ~~بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون} [سورة الجاثية: 21 - 22] . # وقال: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين - ما لكم كيف تحكمون} [سورة القلم: 35 ~~- 36] وكذلك لم يقدره حق قدره من زعم أنه لا يحيي الموتى، ولا يبعث من في ~~القبور، ولا يجمع خلقه ليوم يجازي فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ~~ويأخذ للمظلوم حقه من ظالمه، ويكرم المتحملين المشاق في هذه الدار من أجله ~~وفي مرضاته بأفضل كرامته، ويبين لخلقه الذي يختلفون فيه، ويعلم الذين كفروا ~~أنهم كانوا كاذبين. # وكذلك لم يقدره حق قدره من هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه ~~فضيعه، وذكره فأهمله، وغفل قلبه عنه، ms134 وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه، ~~وطاعة المخلوق أهم من طاعته، فلله الفضلة من قلبه وقوله وعمله، هواه المقدم ~~في ذلك لأنه المهم عنده، يستخف بنظر الله إليه، واطلاعه عليه بكل قلبه ~~وجوارحه، ويستحي من الناس ولا يستحي من الله، ويخشى الناس ولا يخشى الله، ~~ويعامل الخلق بأفضل ما يقدر عليه، وإن عامل الله عامله بأهون ما عنده ~~وأحقره، وإن قام في خدمة من يحبه من البشر قام بالجد والاجتهاد وبذل ~~النصيحة، وقد أفرغ له قلبه وجوارحه، وقدمه على الكثير من مصالحه، حتى إذا ~~قام في حق ربه - إن ساعد القدر - قام قياما لا يرضاه مخلوق من مخلوق مثله، ~~وبذل له من ماله ما يستحي أن يواجه به مخلوقا مثله، فهل قدر الله حق قدره ~~من هذا وصفه؟ # وهل قدره حق قدره من شارك بينه وبين عدوه في محض حقه من الإجلال والتعظيم ~~والطاعة والذل والخضوع والخوف والرجاء؟ فلو جعل له من أقرب الخلق إليه ~~شريكا في ذلك لكان ذلك جراءة وتوثبا على محض حقه واستهانة به وتشريكا بينه ~~وبين غيره، ولا ينبغي ولا يصلح إلا له سبحانه، فكيف وإنما شرك بينه وبين ~~غيره أبغض الخلق إليه، وأهونهم عليه، وأمقتهم عنده، وهو عدوه على الحقيقة؟ ~~فإنه ما عبد من دون الله إلا الشيطان، كما قال تعالى: # PageV01P142 # {ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين - وأن ~~اعبدوني هذا صراط مستقيم} [سورة يس: 60 - 61] . # ولما عبد المشركون الملائكة بزعمهم وقعت عبادتهم في نفس الأمر للشياطين، ~~وهم يظنون أنهم يعبدون الملائكة. # كما قال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون - قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم ~~مؤمنون} [سورة سبأ: 40 - 41] . # فالشيطان يدعو المشرك إلى عبادته، ويوهمهم أنه ملك، وكذلك عباد الشمس ~~والقمر والكواكب، وهي التي تخاطبهم، وتقضي لهم الحوائج، ولهذا إذا طلعت ~~الشمس قارنها الشيطان، فيسجد لها الكفار، فيقع سجودهم له، وكذلك عند ~~غروبها، وكذلك من عبد ms135 المسيح وأمه لم يعبدهما وإنما عبد الشيطان. # فإنه يزعم أنه يعبد من أمره بعبادته وعبادة أمه، ورضيها لهم وأمرهم بها، ~~وهذا هو الشيطان الرجيم، لا عبد الله ورسوله، فنزل هذا كله على قوله تعالى: ~~{ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين - وأن ~~اعبدوني هذا صراط مستقيم} . # فما عبد أحد من بني آدم غير الله كائنا من كان إلا وقعت عبادته للشيطان، ~~فيستمتع العابد بالمعبود في حصول غرضه، ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه ~~له، وإشراكه مع الله الذي هو غاية رضا الشيطان، ولهذا قال تعالى: {ويوم ~~يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس} أي: من إغوائهم وإضلالهم ~~{وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت ~~لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} [سورة ~~الأنعام: 128] . # فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله، ~~وأنه لا يغفره بغير التوبة منه، وأنه يوجب الخلود في العذاب، وأنه ليس ~~تحريمه وقبحه بمجرد النهي عنه، بل يستحيل على الله سبحانه أن يشرع لعباده ~~عبادة إله غيره، كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كماله، ونعوت جلاله، وكيف ~~يظن بالمنفرد بالربوبية والإلهية والعظمة والإجلال أن يأذن في مشاركته في ~~ذلك، أو يرضى به؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # PageV01P143 ### | [فصل الشرك والكبر] # فصل # الشرك والكبر # فلما كان الشرك أكبر شيء منافاة للأمر الذي خلق الله له الخلق، وأمر ~~لأجله بالأمر، كان من أكبر الكبائر عند الله. # وكذلك الكبر وتوابعه كما تقدم، فإن الله سبحانه خلق الخلق وأنزل الكتاب ~~لتكون الطاعة له وحده، والشرك والكبر ينافيان ذلك. # ولذلك حرم الله الجنة على أهل الشرك والكبر، فلا يدخلها من كان في قلبه ~~مثقال ذرة من كبر. ### | [فصل القول على الله بغير علم] # فصل # القول على الله بغير علم # ويلي ذلك في كبر المفسدة: القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته ~~وأفعاله، ووصفه بضد ما وصف به ms136 نفسه ووصفه به رسوله، صلى الله عليه وسلم. ~~فهذا أشد شيء مناقضة ومنافاة لكمال من له الخلق والأمر، وقدح في نفس ~~الربوبية وخصائص الرب، فإن صدر ذلك عن علم فهو عناد أقبح من الشرك، وأعظم ~~إثما عند الله. # فإن المشرك المقر بصفات الرب خير من المعطل الجاحد لصفات كماله، كما أن ~~من أقر لملك بالملك، ولم يجحد ملكه ولا الصفات التي استحق بها الملك، لكن ~~جعل معه شريكا في بعض الأمور، يقربه إليه، خير ممن جحد صفات الملك وما يكون ~~به ملكا، وهذا أمر مستقر في سائر الفطر والعقول. # فأين القدح في صفات الكمال والجحد لها، من عبادة واسطة بين المعبود الحق ~~وبين العابد، يتقرب إليه بعبادة تلك الواسطة إعظاما له وإجلالا؟ # فداء التعطيل هذا الداء العضال الذي لا دواء له، ولهذا حكى الله عن إمام ~~المعطلة فرعون، أنه أنكر على موسى ما أخبر به من أن ربه فوق السماوات، ~~فقال: {ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب - أسباب السماوات فأطلع إلى ~~إله موسى وإني لأظنه كاذبا} [سورة غافر: 36 - 37] . # واحتج الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتبه على المعطلة بهذه الآية. # PageV01P144 # ولقد ذكرنا لفظه في غير هذا الكتاب. والقول على الله بلا علم والشرك ~~متلازمان. ولما كانت هذه البدع المضلة جهلا بصفات الله وتكذيبا بما أخبر به ~~عن نفسه وأخبر به عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عنادا وجهلا - كانت من ~~أكبر الكبائر، وإن قصرت عن الكفر وكانت أحب إلى إبليس من كبار الذنوب. # كما قال بعض السلف: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية: لأن المعصية يتاب ~~منها والبدعة لا يتاب منها. # وقال إبليس: أهلكت بني آدم بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا ~~الله، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون، لأنهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # ومعلوم أن المذنب إنما ضرره على نفسه، وأما المبتدع فضرره على النوع، ~~وفتنة المبتدع في أصل الدين، وفتنة المذنب في الشهوة، والمبتدع قد قعد ~~للناس على صراط الله المستقيم يصدهم ms137 عنه، والمذنب ليس كذلك، والمبتدع قادح ~~في أوصاف الرب وكماله، والمذنب ليس كذلك. # والمبتدع يقطع على الناس طريق الآخرة، والعاصي بطيء السير بسبب ذنوبه. ### | [فصل الظلم والعدوان] # فصل # الظلم والعدوان # ثم لما كان الظلم والعدوان منافيين للعدل الذي قامت به السماوات والأرض، ~~وأرسل له سبحانه رسله عليهم الصلاة والسلام، وأنزل كتبه ليقوم الناس به - ~~كان من أكبر الكبائر عند الله، وكانت درجته في العظمة بحسب مفسدته في نفسه، ~~وكان قتل الإنسان ولده الطفل الصغير الذي لا ذنب له وقد جبل الله سبحانه ~~القلوب على محبته ورحمته وعطفها عليهم، وخص الوالدين من ذلك بمزية ظاهرة، ~~فقتله خشية أن يشاركه في مطعمه ومشربه وماله، من أقبح الظلم وأشده، وكذلك ~~قتله أبويه اللذين كانا سبب وجوده، وكذلك قتله ذا رحمه. # وتتفاوت درجات القتل بحسب قبحه واستحقاق من قتله للسعي في إبقائه ~~ونصيحته. # ولهذا كان أشد الناس عذابا يوم القيامة من قتل نبيا أو قتله نبي. # ويليه من قتل إماما عادلا يأمر الناس بالقسط، ويدعوهم إلى الله سبحانه، ~~وينصحهم # PageV01P145 # في دينهم، وقد جعل الله سبحانه جزاء قتل النفس المؤمنة عمدا الخلود في ~~النار، وغضب الجبار ولعنته، وإعداد العذاب العظيم له، هذا موجب قتل المؤمن ~~عمدا ما لم يمنع منه مانع. # ولا خلاف أن الإسلام الواقع بعد القتل طوعا واختيارا مانع من نفوذ ذلك ~~الجزاء، وهل تمنع توبة المسلم منه بعد وقوعه فيه؟ قولان للسلف والخلف، وهما ~~روايتان عن الإمام أحمد. # توبة القاتل # والذين قالوا: لا تمنع التوبة من نفوذه. رأوا أنه حق لآدمي لم يستوفه في ~~دار الدنيا وخرج منه بظلامته، فلا بد أن يستوفى في دار العدل. # قالوا: وما استوفاه الوارث إنما استوفى محض حقه الذي خيره الله بين ~~استيفائه والعفو عنه، وما ينفع المقتول من استيفاء وارثه؟ وأي استدراك ~~لظلامته حصل باستيفاء وارثه؟ # وهذا أصح القولين في المسألة: أن حق المقتول لا يسقط باستيفاء الوارث ~~وهما وجهان لأصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما. # ورأت طائفة أنه يسقط بالتوبة واستيفاء الوارث، فإن التوبة تهدم ما ms138 قبلها، ~~والذنب الذي جناه قد أقيم عليه حده. # قالوا: وإذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر، وهما أعظم إثما من ~~القتل، فكيف تقصر عن محو أثر القتل؟ وقد قبل الله توبة الكفار الذين قتلوا ~~أولياءه، وجعلهم من خيار عباده، ودعا الذين أحرقوا أولياءه وفتنوهم عن ~~دينهم إلى التوبة، وقال تعالى: {قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} [سورة الزمر: 53] فهذا في ~~حق التائب، وهي تتناول الكفر وما دونه. # قالوا: وكيف يتوب العبد من الذنب ويعاقب عليه بعد التوبة؟ هذا معلوم ~~انتفاؤه في شرع الله وجزائه. # قالوا: وتوبة هذا المذنب تسليم نفسه، ولا يمكن تسليمها إلى المقتول، ~~فأقام الشارع وليه مقامه وجعل تسليم النفس إليه كتسليمها إلى المقتول، ~~بمنزلة تسليم المال الذي عليه لوارثه، فإنه يقوم مقام تسليمه للمورث. # والتحقيق في المسألة أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله وحق للمقتول، # PageV01P146 # وحق للولي، فإذا سلم القاتل نفسه طوعا واختيارا إلى الولي ندما على ما ~~فعل، وخوفا من الله، وتوبة نصوحا، سقط حق الله بالتوبة، وحق الولي ~~بالاستيفاء أو الصلح أو العفو، وبقي حق المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة ~~عن عبده التائب المحسن، ويصلح بينه وبينه، فلا يبطل حق هذا، ولا تبطل توبة ~~هذا. # التوبة من الحقوق المالية # وأما مسألة المال: فقد اختلف فيها، فقالت طائفة: إذا أدى ما عليه من ~~المال إلى الوارث برئ من عهدته في الآخرة، كما برئ منها في الدنيا. # وقالت طائفة: بل المطالبة لمن ظلمه بأخذه باقية عليه يوم القيامة، وهو لم ~~يستدرك ظلامته بأخذ وارثه له، فإنه منعه من انتفاعه به في طول حياته، ومات ~~ولم ينتفع به، وهذا ظلم لم يستدركه، وإنما ينتفع به غيره باستدراكه، وبنوا ~~على هذا أنه لو انتقل من واحد إلى واحد، وتعدد الورثة، كانت المطالبة ~~للجميع؛ لأنه حق كان يجب عليه دفعه إلى كل واحد منهم عند كونه هو الوارث، ~~وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد. # وفصل شيخنا ms139 - رحمه الله - بين الطائفتين، فقال: إن تمكن الموروث من أخذ ~~ماله والمطالبة به فلم يأخذه حتى مات، صارت المطالبة به للوارث في الآخرة، ~~كما هي كذلك في الدنيا، وإن لم يتمكن من طلبه وأخذه، بل حال بينه وبينه ~~ظلما وعدوانا، فالطلب له في الآخرة. # وهذا التفصيل من أحسن ما يقال، فإن المال إذا استهلكه الظالم على ~~الموروث، وتعذر أخذه منه، صار بمنزلة عبده الذي قتله قاتل، وداره التي ~~أحرقها غيره، وطعامه وشرابه الذي أكله وشربه غيره، ومثل هذا إنما تلف على ~~الموروث لا على الوارث، فحق المطالبة لمن تلف على ملكه. ويبقى أن يقال: ~~فإذا كان المال عقارا أو أرضا أو أعيانا قائمة باقية بعد الموت فهي ملك ~~الوارث يجب على الغاصب دفعها إليه كل وقت، فإذا لم يدفع إليه أعيان ماله ~~استحق المطالبة بها عند الله تعالى، كما يستحق المطالبة بها في الدنيا. # وهذا سؤال قوي لا مخلص منه إلا بأن يقال: المطالبة لهما جميعا، كما لو ~~غصب مالا مشتركا بين جماعة؛ استحق كل منهم المطالبة لحقه منه، كما لو ~~استولى على وقف مرتب على بطون، فأبطل حق البطون كلهم منه، كانت المطالبة ~~يوم القيامة لجميعهم، ولم يكن بعضهم أولى بها من بعض، والله أعلم. # PageV01P147 ### | [فصل جريمة القتل] # فصل # جريمة القتل # ولما كانت مفسدة القتل هذه المفسدة، قال الله تعالى: {من أجل ذلك كتبنا ~~على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل ~~الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} [سورة المائدة: 32] . # وقد أشكل فهم هذا على كثير من الناس، وقال: معلوم أن إثم قاتل مائة أعظم ~~عند الله من إثم قاتل نفس واحدة، وإنما أتوه من ظنهم أن التشبيه في مقدار ~~الإثم والعقوبة، واللفظ لم يدل على هذا، ولا يلزم من تشبيه الشيء بالشيء ~~أخذه بجميع أحكامه. # وقد قال تعالى: {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} [سورة ~~النازعات: 46] . # وقال تعالى: {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ms140 ساعة من نهار} ~~[سورة الأحقاف: 35] . # وذلك لا يوجب أن لبثهم في الدنيا إنما كان هذا المقدار. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما ~~قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله» ، أي: مع ~~العشاء كما جاء في لفظ آخر، وأصرح من هذا قوله: «من صام رمضان وأتبعه بست ~~من شوال فكأنما صام الدهر» ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من قرأ " {قل ~~هو الله أحد} " فكأنما قرأ ثلث القرآن» ، ومعلوم أن ثواب فاعل هذه الأشياء ~~لم يبلغ ثواب المشبه به، فيكون قدرهما سواء، ولو كان قدر الثواب سواء لم ~~يكن لمصلي العشاء والفجر جماعة في قيام الليل منفعة غير التعب والنصب، وما ~~أوتي أحد - بعد الإيمان - أفضل من الفهم عن الله ورسوله، صلى الله عليه ~~وسلم. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. # فإن قيل: ففي أي شيء وقع التشبيه بين قاتل نفس واحدة وقاتل الناس جميعا؟ # قيل: في وجوه متعددة: # أحدها: أن كلا منهما عاص لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - مخالف لأمره ~~متعرض لعقوبته، وكل منهما قد باء بغضب من الله ولعنته، واستحقاق الخلود في ~~نار جهنم، وإعداده عذابا عظيما، وإنما التفاوت في درجات العذاب، فليس إثم ~~من قتل نبيا أو إماما عادلا أو عالما يأمر الناس بالقسط، كإثم من قتل من لا ~~مزية له من آحاد الناس. # PageV01P148 # الثاني: أنهما سواء في استحقاق إزهاق النفس. # الثالث: أنهما سواء في الجراءة على سفك الدم الحرام، فإن من قتل نفسا ~~بغير استحقاق، بل لمجرد الفساد في الأرض، أو لأخذ ماله: فإنه يجترئ على قتل ~~كل من ظفر به وأمكنه قتله، فهو معاد للنوع الإنساني. # ومنها: أنه يسمى قاتلا أو فاسقا أو ظالما أو عاصيا بقتله واحدا، كما يسمى ~~كذلك بقتله الناس جميعا. # ومنها: أن الله سبحانه جعل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كالجسد ~~الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، فإذا أتلف ~~القاتل من هذا الجسد عضوا، فكأنما ms141 أتلف سائر الجسد، وآلم جميع أعضائه، فمن ~~آذى مؤمنا واحدا فكأنما آذى جميع المؤمنين، وفي أذى جميع المؤمنين أذى جميع ~~الناس، فإن الله إنما يدافع عن الناس بالمؤمنين الذين بينهم، فإيذاء الخفير ~~إيذاء المخفور، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقتل نفس ظلما ~~بغير حق، إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها؛ لأنه أول من سن القتل» . # ولم يجئ هذا الوعيد في أول زان ولا أول سارق ولا أول شارب مسكر، وإن كان ~~أول المشركين قد يكون أولى بذلك من أول قاتل؛ لأنه أول من سن الشرك؛ ولهذا ~~رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن لحي الخزاعي يعذب أعظم العذاب في ~~النار، لأنه أول من غير دين إبراهيم عليه السلام. # وقد قال تعالى: {ولا تكونوا أول كافر به} [سورة البقرة: 41] . # أي فيقتدي بكم من بعدكم، فيكون إثم كفره عليكم، وكذلك حكم من سن سنة سيئة ~~فاتبع عليها. # وفي جامع الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «يجيء المقتول يوم القيامة، ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب ~~دما، يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟» فذكروا لابن عباس التوبة، فتلا هذه ~~الآية: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها} [سورة النساء: 93] ~~. # ثم قال: ما نسخت هذه الآية ولا بدلت، وأنى له التوبة؟ قال الترمذي: هذا ~~حديث حسن. # PageV01P149 # وفيه أيضا عن نافع قال: نظر عبد الله بن عمر يوما إلى الكعبة، فقال: ما ~~أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن عند الله أعظم حرمة منك، قال الترمذي: هذا حديث ~~حسن. # وفي صحيح البخاري عن سمرة بن جندب قال: أول ما ينتن من الإنسان بطنه، فمن ~~استطاع منكم أن لا يأكل إلا طيبا فليفعل، ومن استطاع أن لا يحول بينه وبين ~~الجنة ملء كف من دم أهراقه فليفعل. # وفي صحيحه أيضا عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» . # وذكر ms142 البخاري أيضا عن ابن عمر قال: من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن ~~أوقع نفسه فيها: سفك الدم الحرام بغير حله. # وفي الصحيحين عن أبي هريرة يرفعه: «سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر» . # وفيهما أيضا عنه - صلى الله عليه وسلم - «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب ~~بعضكم رقاب بعض» . # وفي صحيح البخاري عنه - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل معاهدا لم يرح ~~رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما» . # هذه عقوبة قاتل عدو الله إذا كان في عهده وأمانه، فكيف عقوبة قاتل عبده ~~المؤمن؟ وإذا كانت امرأة قد دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعا وعطشا، ~~فرآها النبي - صلى الله عليه وسلم - في النار والهرة تخدشها في وجهها ~~وصدرها، فكيف عقوبة من حبس مؤمنا حتى مات بغير جرم؟ وفي بعض السنن عنه - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق» . ### | [فصل جريمة الزنى] # فصل # جريمة الزنى # ولما كانت مفسدة الزنى من أعظم المفاسد وهي منافية لمصلحة نظام العالم في ~~حفظ الأنساب، وحماية الفروج، وصيانة الحرمات، وتوقي ما يوقع أعظم العداوة ~~والبغضاء بين الناس، من إفساد كل منهم امرأة صاحبه وبنته وأخته وأمه، وفي ~~ذلك خراب العالم، كانت تلي مفسدة القتل في الكبر، ولهذا قرنها الله سبحانه ~~بها في كتابه، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في سنته كما تقدم. # قال الإمام أحمد: ولا أعلم بعد قتل النفس شيئا أعظم من الزنى. # وقد أكد سبحانه حرمته بقوله: # PageV01P150 # {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما - يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه مهانا - إلا من تاب} [سورة الفرقان: 68 - 70] . # فقرن الزنى بالشرك وقتل النفس، وجعل جزاء ذلك الخلود في العذاب المضاعف، ~~ما لم يرفع العبد موجب ذلك بالتوبة والإيمان والعمل الصالح، وقد قال تعالى: ~~{ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} [سورة الإسراء: 32] . # فأخبر عن فحشه في نفسه، وهو القبيح ms143 الذي قد تناهى قبحه حتى استقر فحشه في ~~العقول حتى عند كثير من الحيوان، كما ذكر البخاري في صحيحه عن عمرو بن ~~ميمون الأودي قال: رأيت في الجاهلية قردا زنى بقردة، فاجتمع القرود عليهما ~~فرجموهما حتى ماتا] . # ثم أخبر عن غايته بأنه " ساء سبيلا " فإنه سبيل هلكة وبوار وافتقار في ~~الدنيا، وعذاب وخزي ونكال في الآخرة. # ولما كان نكاح أزواج الآباء من أقبحه خصه بمزيد ذم، فقال: {إنه كان فاحشة ~~ومقتا وساء سبيلا} [سورة النساء: 22] . # وعلق سبحانه فلاح العبد على حفظ فرجه منه، فلا سبيل إلى الفلاح بدونه، ~~فقال: {قد أفلح المؤمنون - الذين هم في صلاتهم خاشعون - والذين هم عن اللغو ~~معرضون - والذين هم للزكاة فاعلون - والذين هم لفروجهم حافظون - إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} إلى قوله: {فمن ابتغى وراء ~~ذلك فأولئك هم العادون} [سورة المؤمنون: 1 - 7] . # وهذا يتضمن ثلاثة أمور: أن من لم يحفظ فرجه لم يكن من المفلحين، وأنه من ~~الملومين، ومن العادين، ففاته الفلاح، واستحق اسم العدوان، ووقع في اللوم، ~~فمقاساة ألم الشهوة ومعاناتها أيسر من بعض ذلك. # ونظير هذا أنه ذم الإنسان، وأنه خلق هلوعا لا يصبر على سراء ولا ضراء، # PageV01P151 # بل إذا مسه الخير منع وبخل، وإذا مسه الشر جزع، إلا من استثناه بعد ذلك ~~من الناجين من خلقه، فذكر منهم: {والذين هم لفروجهم حافظون - إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين - فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك ~~هم العادون} [سورة المعارج: 29 - 31] . # فأمر الله تعالى نبيه أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم، وحفظ فروجهم، وأن ~~يعلمهم أنه مشاهد لأعمالهم، مطلع عليها، {يعلم خائنة الأعين وما تخفي ~~الصدور} [سورة غافر: 19] . # ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر جعل الأمر بغضه مقدما على حفظ الفرج، فإن ~~الحوادث مبدؤها من البصر، كما أن معظم النار من مستصغر الشرر، فتكون نظرة، ~~ثم تكون خطرة، ثم خطوة، ثم خطيئة. # ولهذا قيل: من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه: اللحظات، والخطرات، واللفظات، ~~والخطوات. # فينبغي للعبد ms144 أن يكون بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة، ويلازم الرباط ~~على ثغورها، فمنها يدخل عليه العدو، فيجوس خلال الديار ويتبر ما علا ~~تتبيرا. ### | [فصل مدخل المعاصي النظرة] # فصل # مدخل المعاصي # وأكثر ما تدخل المعاصي على العبد من هذه الأبواب الأربعة، فنذكر في كل ~~باب منها فصلا يليق به. # النظرة # فأما اللحظات: فهي رائد الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ الفرج، فمن أطلق ~~بصره أورد نفسه موارد المهلكات. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك ~~الأولى وليست لك الأخرى» . # وفي المسند عنه - صلى الله عليه وسلم -: «النظرة سهم مسموم من سهام ~~إبليس، فمن غض بصره عن محاسن امرأة لله، أورث الله قلبه حلاوة إلى يوم ~~يلقاه» هذا معنى الحديث. # PageV01P152 # وقال: «غضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم» ، وقال: «إياكم والجلوس على ~~الطرقات، قالوا: يا رسول الله مجالسنا ما لنا بد منها، قال: فإن كنتم لا بد ~~فاعلين، فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حقه؟ قال: غض البصر وكف الأذى ورد ~~السلام» . # والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فالنظرة تولد خطرة، ثم تولد ~~الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير ~~عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد، ما لم يمنع منه مانع، وفي هذا قيل: الصبر ~~على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده. # قال الشاعر: # كل الحوادث مبداها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر # كم نظرة بلغت في قلب صاحبها ... كمبلغ السهم بين القوس والوتر # والعبد ما دام ذا طرف يقلبه ... في أعين العين موقوف على الخطر # يسر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحبا بسرور عاد بالضرر # ومن آفات النظر: أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات، فيرى العبد ما ليس ~~قادرا عليه ولا صابرا عنه، وهذا من أعظم العذاب، أن ترى ما لا صبر لك عن ~~بعضه، ولا قدرة على بعضه. # قال الشاعر: # وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر # رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت ms145 صابر # وهذا البيت يحتاج إلى شرح، ومراده: أنك ترى ما لا تصبر عن شيء منه ولا ~~تقدر عليه، فإن قوله: " لا كله أنت قادر عليه " نفي لقدرته على الكل الذي ~~لا ينتفي إلا بنفي القدرة عن كل واحد واحد. # وكم من أرسل لحظاته فما قلعت إلا وهو يتشحط بينهن قتيلا، كما قيل: # يا ناظرا ما أقلعت لحظاته ... حتى تشحط بينهن قتيلا # ولي من أبيات: # مل السلامة فاغتدت لحظاته ... وقفا على طلل يظن جميلا # ما زال يتبع إثره لحظاته ... حتى تشحط بينهن قتيلا # PageV01P153 # ومن العجب: أن لحظة الناظر سهم لا يصل إلى المنظور إليه حتى يتبوأ مكانا ~~من قلب الناظر، ولي من قصيدة: # يا راميا بسهام اللحظ مجتهدا ... أنت القتيل بما ترمي فلا تصب # يا باعث الطرف يرتاد الشفاء له ... احبس رسولك لا يأتيك بالعطب # وأعجب من ذلك: أن النظرة تجرح القلب جرحا، فيتبعها جرح على جرح، ثم لا ~~يمنعه ألم الجراحة من استدعاء تكرارها، ولي أيضا في هذا المعنى: # ما زلت تتبع نظرة في نظرة ... في إثر كل مليحة ومليح # وتظن ذاك دواء جرحك وهو في ال ... تحقيق تجريح على تجريح # فذبحت طرفك باللحاظ وبالبكا ... فالقلب منك ذبيح أي ذبيح # وقد قيل: إن حبس اللحظات أيسر من دوام الحسرات. ### | [فصل الخطرة] # وأما الخطرات: فشأنها أصعب، فإنها مبدأ الخير والشر، ومنها تتولد ~~الإرادات والهمم والعزائم، فمن راعى خطراته ملك زمام نفسه وقهر هواه، ومن ~~غلبته خطراته فهواه ونفسه له أغلب، ومن استهان بالخطرات قادته قهرا إلى ~~الهلكات، ولا تزال الخطرات تتردد على القلب حتى تصير منى باطلة. # {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده ~~فوفاه حسابه والله سريع الحساب} [سورة النور: 39] . # وأخس الناس همة وأوضعهم نفسا، من رضي من الحقائق بالأماني الكاذبة، ~~واستجلبها لنفسه وتجلى بها، وهي لعمر الله رءوس أموال المفلسين، ومتاجر ~~البطالين، وهي قوت النفس الفارغة، التي قد قنعت من الوصل بزورة الخيال، ومن ~~الحقائق بكواذب الآمال، كما قال الشاعر: # أماني من ms146 سعدى رواء على الظما ... سقتنا بها سعدى على ظمأ بردا # منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا # وهي أضر شيء على الإنسان، ويتولد منها العجز والكسل، وتولد التفريط ~~والحسرة # PageV01P154 # والندم، والمتمني لما فاتته مباشرة الحقيقة بجسمه حول صورتها في قلبه، ~~وعانقها وضمها إليه، فقنع بوصال صورة وهمية خيالية صورها فكره. # وذلك لا يجدي عليه شيئا، وإنما مثله مثل الجائع والظمآن، يصور في وهمه ~~صورة الطعام والشراب، وهو لا يأكل ولا ويشرب. # والسكون إلى ذلك واستجلابه يدل على خسارة النفس ووضاعتها، وإنما شرف ~~النفس وزكاؤها، وطهارتها وعلوها بأن ينفي عنها كل خطرة لا حقيقة لها، ولا ~~يرضى أن يخطرها بباله، ويأنف لنفسه منها. # ثم الخطرات بعد أقسام تدور على أربعة أصول: # خطرات يستجلب بها العبد منافع دنياه. # وخطرات يستدفع بها مضار دنياه. # وخطرات يستجلب بها مصالح آخرته. # وخطرات يستدفع بها مضار آخرته. # فليحصر العبد خطراته وأفكاره وهمومه في هذه الأقسام الأربعة، فإذا انحصرت ~~له فيها أمكن اجتماعه منها ولم يتركه لغيره، وإذا تزاحمت عليه الخطرات ~~لتزاحم متعلقاتها، قدم الأهم فالأهم الذي يخشى فوته، وأخر الذي ليس بأهم ~~ولا يخاف فوته. # بقي قسمان آخران: # أحدهما: مهم لا يفوت. # والثاني: غير مهم ولكنه يفوت. # ففي كل منهما ما يدعو إلى تقديمه، فهنا يقع التردد والحيرة، فإن قدم ~~المهم؛ خشي فوات ما دونه، وإن قدم ما دونه فاته الاشتغال به عن المهم، ~~وكذلك يعرض له أمران لا يمكن الجمع بينهما، ولا يحصل أحدهما إلا بتفويت ~~الآخر. # فهو موضع استعمال العقل والفقه والمعرفة، ومن هاهنا ارتفع من ارتفع وأنجح ~~من أنجح، وخاب من خاب، فأكثر من ترى ممن يعظم عقله ومعرفته، يؤثر غير المهم ~~الذي لا يفوت على المهم الذي يفوت، ولا تجد أحدا يسلم من ذلك، ولكن مستقل ~~ومستكثر. # والتحكيم في هذا الباب للقاعدة الكبرى التي عليها مدار الشرع والقدر، ~~وإليها مرجع الخلق والأمر، وهي إيثار أكبر المصلحتين وأعلاهما، وإن فاتت ~~المصلحة التي هي دونها، والدخول في أدنى ms147 المفسدتين لدفع ما هو أكبر منها. # PageV01P155 # فيفوت مصلحة لتحصيل ما هو أكبر منها، ويرتكب مفسدة لدفع ما هو أعظم منها. # خطرات العاقل # فخطرات العاقل وفكره لا يجاوز ذلك، وبذلك جاءت الشرائع، ومصالح الدنيا ~~والآخرة لا تقوم إلا على ذلك، وأعلى الفكر وأجلها وأنفعها: ما كان لله ~~والدار الآخرة، فما كان لله فهو أنواع: # أحدها: الفكرة في آياته المنزلة وتعقلها، وفهمها وفهم مراده منها، ولذلك ~~أنزلها الله تعالى، لا لمجرد تلاوتها، بل التلاوة وسيلة. # قال بعض السلف: أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذوا تلاوته عملا. # الثاني: الفكرة في آياته المشهودة والاعتبار بها، والاستدلال بها على ~~أسمائه وصفاته، وحكمته وإحسانه، وبره وجوده، وقد حض الله سبحانه عباده على ~~التفكر في آياته وتدبرها وتعقلها، وذم الغافل عن ذلك. # الثالث: الفكرة في آلائه وإحسانه، وإنعامه على خلقه بأصناف النعم، وسعة ~~رحمته ومغفرته وحلمه. # وهذه الأنواع الثلاثة تستخرج من القلب معرفة الله ومحبته وخوفه ورجاءه. ~~ودوام الفكرة في ذلك مع الذكر يصبغ القلب في المعرفة والمحبة صبغة تامة. # الرابع: الفكرة في عيوب النفس وآفاتها، وفي عيوب العمل، وهذه الفكرة ~~عظيمة النفع، وهذا باب لكل خير، وتأثيرها في كسر النفس الأمارة بالسوء، ~~ومتى كسرت عاشت النفس المطمئنة وانبعثت وصار الحكم لها، فحيي القلب، ودارت ~~كلمته في مملكته، وبث أمراءه وجنوده في مصالحه. # الخامس: الفكرة في واجب الوقت ووظيفته وجمع الهم كله عليه، فالعارف ابن ~~وقته، فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلها، فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت، ~~وإن ضيعه لم يستدركه أبدا. # قال الشافعي - رضي الله عنه -: " صحبت الصوفية فلم أستفد منهم سوى حرفين: ~~أحدهما قولهم: الوقت سيف، فإن قطعته وإلا قطعك ". # وذكر الكلمة الأخرى: " ونفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل ". # فوقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم ~~المقيم، ومادة المعيشة الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر أسرع من السحاب، ~~فما كان من وقته لله وبالله # PageV01P156 # فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبا من حياته، وإن عاش فيه عاش عيش ms148 ~~البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة، وكان خير ما ~~قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير له من حياته. # وإذا كان العبد - وهو في الصلاة - ليس له من صلاته إلا ما عقل منها فليس ~~له من عمره إلا ما كان فيه بالله ولله. # وما عدا هذه الأقسام من الخطرات والفكر، فإما وساوس شيطانية وإما أماني ~~باطلة، وخدع كاذبة، بمنزلة خواطر المصابين في عقولهم من السكارى والمحشوشين ~~والموسوسين، ولسان حال هؤلاء يقول عند انكشاف الحقائق: # إن كان منزلتي في الحشر عندكم ... ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي # أمنية ظفرت نفسي بها زمنا ... واليوم أحسبها أضغاث أحلام # واعلم أن ورود الخاطر لا يضر، وإنما يضر استدعاؤه ومحادثته، فالخاطر ~~كالمار على الطريق، فإن تركته مر وانصرف عنك، وإن استدعيته سحرك بحديثه ~~وغروره، وهو أخف شيء على النفس الفارغة الباطلة، وأثقل شيء على القلب ~~والنفس الشريفة السماوية المطمئنة. # وقد ركب الله سبحانه في الإنسان نفسين: نفسا أمارة ونفسا مطمئنة، وهما ~~متعاديتان، فكل ما خف على هذه ثقل على هذه، وكل ما التذت به هذه تألمت به ~~الأخرى، فليس على النفس الأمارة أشق من العمل لله وإيثار رضاه على هواها، ~~وليس لها أنفع منه، وليس على النفس المطمئنة أشق من العمل لغير الله، وما ~~جاء به داعي الهوى. # وليس عليها شيء أضر منه، والملك مع هذه عن يمنة القلب، والشيطان مع تلك ~~عن يسرة القلب، والحروب مستمرة لا تضع أوزارها إلا أن يستوفى أجلها من ~~الدنيا، والباطل كله يتحيز مع الشيطان والأمارة، والحق كله يتحيز مع الملك ~~والمطمئنة، والحرب دول وسجال، والنصر مع الصبر، ومن صبر وصابر ورابط واتقى ~~الله فله العاقبة في الدنيا والآخرة، وقد حكم الله تعالى حكما لا يبدل ~~أبدا: أن العاقبة للتقوى، والعاقبة للمتقين، فالقلب لوح فارغ، والخواطر ~~نقوش تنقش فيه، فكيف يليق بالعاقل أن يكون نقوش لوحه ما بين كذب وغرور ~~وخدع، وأماني باطلة، وسراب لا حقيقة له؟ فأي حكمة وعلم وهدى ينتقش مع هذه ~~النقوش؟ وإذا ms149 أراد أن ينتقش ذلك في لوح قلبه كان بمنزلة كتابة العلم النافع ~~في محل مشغول بكتابة ما لا منفعة فيه، فإن لم يفرغ القلب من الخواطر ~~الردية، لم تستقر فيه الخواطر النافعة، فإنها لا تستقر إلا في محل فارغ، ~~كما قيل: # PageV01P157 # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا فارغا فتمكنا # وهذا كثير من أرباب السلوك بنوا سلوكهم على حفظ الخواطر، وأن لا يمكنوا ~~خاطرا يدخل قلوبهم حتى تصير القلوب فارغة قابلة للكشف وظهور حقائق العلويات ~~فيها، وهؤلاء حفظوا شيئا وغابت عنهم أشياء، فإنهم أخلوا القلوب من أن ~~يطرقها خاطر فبقيت فارغة لا شيء فيها، فصادفها الشيطان خالية، فبذر فيها ~~الباطل في قوالب أوهمهم أنها أعلى الأشياء وأشرفها، وعوضهم بها عن الخواطر ~~التي هي مادة العلم والهدى، وإذا خلا القلب عن هذه الخواطر جاء الشيطان ~~فوجد المحل خاليا، فيشغله بما يناسب حال صاحبه، حيث لم يستطع أن يشغله ~~بالخواطر السفلية، فشغله بإرادة التجريد والفراغ من الإرادة التي لا صلاح ~~للعبد ولا فلاح إلا أن تكون هي المستولية على قلبه، وهي إرادة مراد الله ~~الديني الأمري الذي يحبه ويرضاه، وشغل القلب واهتمامه بمعرفته على التفصيل ~~به، والقيام به، وتنفيذه في الخلق، والتطرق إلى ذلك، والتوسل إليه بالدخول ~~في الخلق لتنفيذه، فيضلهم الشيطان عن ذلك بأن دعاهم إلى تركه وتعطيله من ~~باب الزهد في خواطر الدنيا وأسبابها. # وأوهمهم أن كمالهم في ذلك التجريد والفراغ، وهيهات هيهات، إنما الكمال في ~~امتلاء القلب من الخواطر والإرادات والفكر في تحصيل مراضي الرب تعالى من ~~العبد ومن الناس، والفكر في طرق ذلك والتوصل إليه، فأكمل الناس أكثرهم ~~خواطر وفكرا وإرادات لذلك، كما أن أنقص الناس أكثرهم خواطر وفكرا وإرادات ~~لحظوظه وهواه أين كانت، والله المستعان. # وهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كانت تتزاحم عليه الخواطر في مراضي ~~الرب تعالى، فربما استعملها في صلاته، فكان يجهز جيشه وهو في الصلاة، فيكون ~~قد جمع بين الجهاد والصلاة، وهذا من باب تداخل العبادات في العبادة ~~الواحدة، وهو من ms150 باب عزيز شريف، لا يدخل منه إلا صادق حاذق الطلب، متضلع من ~~العلم، عالي الهمة، بحيث يدخل في عبادة يظفر فيها بعبادات شتى، وذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء. ### | [فصل اللفظة] # وأما اللفظات: فحفظها بأن لا يخرج لفظة ضائعة، بل لا يتكلم إلا فيما يرجو ~~فيه الربح والزيادة في دينه، فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر: هل فيها ربح ~~وفائدة أم لا؟ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن كان فيها ربح، نظر: هل ~~تفوته بها كلمة أربح منها، فلا يضيعها بهذه، وإذا أردت أن تستدل على ما في ~~القلب، فاستدل عليه بحركة اللسان، فإنه يطلعك على ما في القلب، شاء صاحبه ~~أم أبى. # PageV01P158 # قال يحيى بن معاذ: القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها، ~~فانظر إلى الرجل حين يتكلم فإن لسانه يغترف لك بما في قلبه، حلو وحامض، ~~وعذب وأجاج، وغير ذلك، ويبين لك طعم قلبه اغتراف لسانه، أي كما تطعم بلسانك ~~طعم ما في القدور من الطعام فتدرك العلم بحقيقته، كذلك تطعم ما في قلب ~~الرجل من لسانه، فتذوق ما في قلبه من لسانه، كما تذوق ما في القدر بلسانك. # وفي حديث أنس المرفوع: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم ~~قلبه حتى يستقيم لسانه» . # «وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: ~~الفم والفرج» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. # وقد «سأل معاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - عن العمل الذي يدخله الجنة ~~ويباعده من النار، فأخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - برأسه وعموده وذروة ~~سنامه، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قال: بلى يا رسول الله، فأخذ ~~بلسان نفسه ثم قال: كف عليك هذا، فقال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ~~ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على وجوههم - أو على مناخرهم - إلا حصائد ~~ألسنتهم؟» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. # ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم ~~والزنى والسرقة وشرب الخمر، ومن ms151 النظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ ~~من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم ~~بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالا، ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد ~~مما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه ~~يفري في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي ما يقول. # وإذا أردت أن تعرف ذلك فانظر فيما رواه مسلم في صحيحه من حديث جندب بن ~~عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قال رجل: والله لا ~~يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى علي أني لا أغفر ~~لفلان؟ قد غفرت له وأحبطت عملك» فهذا العابد الذي قد عبد الله ما شاء أن ~~يعبده، أحبطت هذه الكلمة الواحدة عمله كله. # وفي حديث أبي هريرة نحو ذلك، ثم قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أوبقت دنياه ~~وآخرته. # وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن ~~العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا؛ يرفعه الله بها ~~درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله # PageV01P159 # لا يلقي لها بالا؛ يهوي بها في نار جهنم» ، وعند مسلم: «إن العبد ليتكلم ~~بالكلمة ما يتبين ما فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب» . # وعند الترمذي من حديث بلال بن الحارث المزني عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، ~~فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط ~~الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه» ، ~~وكان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث. # وفي جامع الترمذي أيضا من حديث أنس قال: «توفي رجل من الصحابة، فقال رجل: ~~أبشر بالجنة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وما يدريك؟ لعله تكلم ~~فيما لا يعنيه، أو بخل بما لا ms152 ينقصه» قال: حديث حسن. # وفي لفظ: «أن غلاما استشهد يوم أحد، فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع، ~~فمسحت أمه التراب عن وجهه وقالت: هنيئا لك يا بني الجنة، فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: وما يدريك؟ لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، ويمنع ما لا ~~يضره» . # وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة يرفعه: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ~~فليقل خيرا أو ليصمت» . # وفي لفظ لمسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شهد أمرا فليتكلم ~~بخير أو ليسكت» . # وذكر الترمذي بإسناد صحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من حسن ~~إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . # وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: «قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام ~~قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: قل آمنت بالله ثم استقم، قلت: يا رسول ~~الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: هذا» ، والحديث صحيح. # وعن أم حبيبة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر، ~~أو ذكر الله عز وجل» ، قال الترمذي: حديث حسن. # وفي حديث آخر: «إذا أصبح العبد، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، تقول: اتق ~~الله فينا فإنما نحن بك، فإذا استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا» . # وقد كان بعض السلف يحاسب أحدهم نفسه في قوله: يوم حار، ويوم بارد. # ولقد رئي بعض # PageV01P160 # الأكابر من أهل العلم في النوم فسئل عن حاله، فقال: أنا موقوف على كلمة ~~قلتها، قلت: ما أحوج الناس إلى غيث، فقيل لي: وما يدريك؟ أنا أعلم بمصلحة ~~عبادي. # وقال بعض الصحابة لجاريته يوما: هاتي السفرة نعبث بها، ثم قال: أستغفر ~~الله، ما أتكلم بكلمة إلا وأنا أخطمها وأزمها إلا هذه الكلمة خرجت مني بغير ~~خطام ولا زمام، أو كما قال. # وأيسر حركات الجوارح حركة اللسان وهي أضرها على العبد. # واختلف السلف والخلف هل يكتب جميع ما يلفظ ms153 به أو الخير والشر فقط؟ على ~~قولين أظهرهما الأول. # وقال بعض السلف: كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا ما كان من الله وما ~~والاه، وكان الصديق - رضي الله عنه - يمسك على لسانه ويقول: هذا أوردني ~~الموارد، والكلام أسيرك، فإذا خرج من فيك صرت أنت أسيره، والله عند لسان كل ~~قائل: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} . # وفي اللسان آفتان عظيمتان، إن خلص العبد من إحداهما لم يخلص من الأخرى: ~~آفة الكلام، وآفة السكوت، وقد يكون كل منهما أعظم إثما من الأخرى في وقتها، ~~فالساكت عن الحق شيطان أخرس، عاص لله، مراء مداهن إذا لم يخف على نفسه، ~~والمتكلم بالباطل شيطان ناطق، عاص لله، وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته ~~فهم بين هذين النوعين، وأهل الوسط - وهم أهل الصراط المستقيم - كفوا ~~ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة، فلا ترى ~~أحدهم يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة، فضلا أن تضره في آخرته، وإن ~~العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها عليه ~~كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله وما ~~اتصل به. ### | [فصل الخطوة] # الخطوة وأما الخطوات: فحفظها بأن لا ينقل قدمه إلا فيما يرجو ثوابه، # فإن لم يكن في خطاه مزيد ثواب، فالقعود عنها خير له، ويمكنه أن يستخرج من ~~كل مباح يخطو إليه قربة ينويها لله، فتقع خطاه قربة. # PageV01P161 # ولما كانت العثرة عثرتين: عثرة الرجل وعثرة اللسان، جاءت إحداهما قرينة ~~الأخرى في قوله تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا ~~خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} [سورة الفرقان: 63] . # فوصفهم بالاستقامة في لفظاتهم وخطواتهم، كما جمع بين اللحظات والخطرات في ~~قوله تعالى: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} [سورة غافر: 19] . # فصل # وهذا كله ذكرناه مقدمة بين يدي تحريم الفواحش ووجوب حفظ الفرج، وقد قال - ~~صلى الله عليه وسلم -: «أكثر ما يدخل الناس النار: الفم، والفرج» . # وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم -: «لا ms154 يحل دم امرئ مسلم إلا ~~بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» ~~، وهذا الحديث في اقتران الزنى بالكفر وقتل النفس، نظير الآية التي في ~~الفرقان، ونظير حديث ابن مسعود. # وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأكثر وقوعا، والذي يليه، ~~فالزنى أكثر وقوعا من قتل النفس، وقتل النفس أكثر وقوعا من الردة، وأيضا ~~فإنه تنقل من الأكبر إلى ما هو أكبر منه، ومفسدة الزنى مناقضة لصلاح ~~العالم: فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها، ونكست ~~رءوسهم بين الناس، وإن حملت من الزنى، فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنى ~~والقتل، وإن حملته على الزوج أدخلت على أهله وأهلها أجنبيا ليس منهم، ~~فورثهم وليس منهم، ورآهم وخلا بهم وانتسب إليهم وليس منهم، إلى غير ذلك من ~~مفاسد زناها. # وأما زنى الرجل فإنه يوجب اختلاط الأنساب أيضا، وإفساد المرأة المصونة ~~وتعريضها للتلف والفساد، وفي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين، وإن عمرت ~~القبور في البرزخ والنار في الآخرة، فكم في الزنى من استحلال لحرمات وفوات ~~حقوق ووقوع مظالم؟ # ومن خاصيته: أنه يوجب الفقر، ويقصر العمر، ويكسو صاحبه سواد الوجه، وثوب ~~المقت بين الناس. # ومن خاصيته أيضا: أنه يشتت القلب ويمرضه إن لم يمته، ويجلب الهم والحزن ~~والخوف، ويباعد صاحبه من الملك ويقربه من الشيطان، فليس بعد مفسدة القتل ~~أعظم من # PageV01P162 # مفسدته، ولهذا شرع فيه القتل على أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها، ولو بلغ ~~العبد أن امرأته أو حرمته قتلت كان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت. # «وقال سعد بن عبادة - رضي الله عنه -: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته ~~بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: تعجبون ~~من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن» . متفق عليه. # وفي الصحيحين أيضا عنه - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يغار، وإن ~~المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه» . # وفي ms155 الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم -: «لا أحد أغير من الله، من أجل ~~ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من ~~أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، ولا أحد أحب إليه المدح من الله، من ~~أجل ذلك أثنى على نفسه» . # وفي الصحيحين في خطبته - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الكسوف أنه قال: ~~«يا أمة محمد، والله إنه لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، ~~يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ثم رفع ~~يديه وقال: اللهم هل بلغت؟» . # وفي ذكر هذه الكبيرة بخصوصها عقب صلاة الكسوف سر بديع لمن تأمله، وظهور ~~الزنى من أمارات خراب العالم، وهو من أشراط الساعة، كما في الصحيحين عن أنس ~~بن مالك أنه قال: «لأحدثنكم حديثا لا يحدثكموه أحد بعدي، سمعته من النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ~~ويشرب الخمر ويظهر الزنى ويقل الرجال وتكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة ~~القيم الواحد. # » وقد جرت سنة الله سبحانه في خلقه أنه عند ظهور الزنى يغضب الله سبحانه ~~وتعالى ويشتد غضبه، فلا بد أن يؤثر غضبه في الأرض عقوبة. # قال عبد الله بن مسعود: ما ظهر الربا والزنى في قرية إلا أذن الله ~~بإهلاكها. # ورأى بعض أحبار بني إسرائيل ابنه يغمز امرأة، فقال: مهلا يا بني، فصرع ~~الأب عن سريره فانقطع نخاعه وأسقطت امرأته، وقيل له: هكذا غضبك لي؟ لا يكون ~~في جنسك خير أبدا. # وخص سبحانه حد الزنى من بين الحدود بثلاث خصائص: # أحدها: القتل فيه بأشنع القتلات، وحيث خففه جمع فيه بين العقوبة على ~~البدن بالجلد وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة. # PageV01P163 # الثاني: أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه، بحيث تمنعهم من ~~إقامة الحد عليهم، فإنه سبحانه من رأفته بهم ورحمته بهم شرع هذه العقوبة؛ ~~فهو أرحم بكم، ولم تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة، فلا ms156 يمنعكم أنتم ما ~~يقوم بقلوبكم من الرأفة من إقامة أمره. # وهذا - وإن كان عاما في سائر الحدود - ولكن ذكر في حد الزنى خاصة لشدة ~~الحاجة إلى ذكره، فإن الناس لا يجدون في قلوبهم من الغلظة والقسوة على ~~الزاني ما يجدونه على السارق والقاذف وشارب الخمر، فقلوبهم ترحم الزاني ~~أكثر مما ترحم غيره من أرباب الجرائم، والواقع شاهد بذلك، فنهوا أن تأخذهم ~~هذه الرأفة وتحملهم على تعطيل حد الله. # وسبب هذه الرحمة: أن هذا ذنب يقع من الأشراف والأوساط والأراذل، وفي ~~النفوس أقوى الدواعي إليه، والمشارك فيه كثير، وأكثر أسبابه العشق، والقلوب ~~مجبولة إلى رحمة العاشق، وكثير من الناس يعد مساعدته طاعة وقربة، وإن كانت ~~الصورة المعشوقة محرمة عليه، ولا يستنكر هذا الأمر، فهو مستقر عند ما شاء ~~الله من أشباه الأنعام، ولقد حكى لنا من ذلك شيئا كثيرا نقاص العقول ~~كالخدام والنساء. # وأيضا فإن هذا ذنب غالبا ما يقع مع التراضي من الجانبين، ولا يقع فيه من ~~العدوان والظلم والاغتصاب ما تنفر النفوس منه. # وفي النفوس شهوة غالبة له فيصور ذلك لها، فتقوم بها رحمة تمنع إقامة ~~الحد، وهذا كله من ضعف الإيمان. وكمال الإيمان أن تقوم به قوة يقيم بها أمر ~~الله، ورحمة يرحم بها المحدود، فيكون موافقا لربه تعالى في أمره ورحمته. # الثالث: أنه سبحانه أمر أن يكون حدهما بمشهد من المؤمنين، فلا يكون في ~~خلوة بحيث لا يراهما أحد، وذلك أبلغ في مصلحة الحد، والحكمة الزجر، وحد ~~الزاني المحصن مشتق من عقوبة الله تعالى لقوم لوط بالقذف بالحجارة، وذلك ~~لاشتراك الزنا واللواط في الفحش، وفي كل منهما فساد يناقض حكمة الله في ~~خلقه وأمره، فإن في اللواط من المفاسد ما يفوت الحصر والتعداد، ولأن يقتل ~~المفعول به خير له من أن يؤتى، فإنه يفسد فسادا لا يرجى له بعده صلاح أبدا، ~~ويذهب خيره كله، وتمص الأرض ماء الحياء من وجهه، فلا يستحي بعد ذلك من الله ~~ولا من خلقه، وتعمل في قلبه وروحه نطفة الفاعل ما يعمل ms157 السم في البدن. # وقد اختلف الناس هل يدخل الجنة مفعول به؟ على قولين، سمعت شيخ الإسلام ~~يحكيهما. # والذين قالوا: لا يدخل الجنة احتجوا بأمور: # منها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يدخل الجنة ولد زنية» ~~فإذا كان هذا حال ولد الزنى مع # PageV01P164 # أنه لا ذنب له في ذلك، ولكنه مظنة كل شر وخبث، وهو جدير أن لا يجيء منه ~~خير أبدا، لأنه مخلوق من نطفة خبيثة، وإذا كان الجسد الذي تربى على الحرام، ~~النار أولى به، فكيف بالجسد المخلوق من النطفة الحرام؟ # قالوا: والمفعول به شر من ولد الزنى، وأخزى وأخبث وأوقح، وهو جدير أن لا ~~يوفق لخير، وأن يحال بينه وبينه، وكلما عمل خيرا قيض الله له ما يفسده ~~عقوبة له، وقل أن ترى من كان كذلك في صغره إلا وهو في كبره شر مما كان، ولا ~~يوفق لعلم نافع، ولا عمل صالح، ولا توبة نصوح. # والتحقيق في المسألة أن يقال: إن تاب المبتلى بهذا البلاء وأناب، ورزق ~~توبة نصوحا وعملا صالحا، وكان في كبره خيرا منه في صغره، وبدل سيئاته ~~بحسنات، وغسل عار ذلك عنه بأنواع الطاعات والقربات، وغض بصره وحفظ فرجه عن ~~المحرمات، وصدق الله في معاملته، فهذا مغفور له وهو من أهل الجنة، فإن الله ~~يغفر الذنوب جميعا، وإذا كانت التوبة تمحو كل ذنب، حتى الشرك بالله وقتل ~~أنبيائه وأوليائه والسحر والكفر وغير ذلك، فلا تقصر عن محو هذا الذنب، وقد ~~استقرت حكمة الله تعالى به عدلا وفضلا أن: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» ~~، وقد ضمن الله سبحانه لمن تاب من الشرك وقتل النفس والزنى، أنه يبدل ~~سيئاته حسنات، وهذا حكم عام لكل تائب من ذنب. # وقد قال تعالى: {قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} [سورة الزمر: 53] . # فلا يخرج من هذا العموم ذنب واحد، ولكن هذا في حق التائبين خاصة. # وأما المفعول به إن كان في كبره شرا ms158 مما كان في صغره؛ لم يوفق لتوبة ~~نصوح، ولا لعمل صالح، ولا استدراك ما فات، ولا أبدل السيئات بالحسنات، فهذا ~~بعيد أن يوفق عند الممات لخاتمة يدخل بها الجنة، عقوبة له على عمله، فإن ~~الله سبحانه وتعالى يعاقب على السيئة بسيئة أخرى، وتتضاعف عقوبة السيئات ~~بعضها ببعض، كما يثيب على الحسنة بحسنة أخرى. # إذا نظرت إلى حال كثير من المحتضرين وجدتهم يحال بينهم وبين حسن الخاتمة، ~~عقوبة لهم على أعمالهم السيئة. # قال الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي رحمه الله: # واعلم أن لسوء الخاتمة - أعاذنا الله منها - أسبابا، ولها طرق وأبواب، ~~أعظمها # PageV01P165 # الانكباب على الدنيا، والإعراض عن الأخرى، والإقدام والجرأة على معاصي ~~الله عز وجل، وربما غلب على الإنسان ضرب من الخطيئة، ونوع من المعصية، ~~وجانب من الإعراض، ونصيب من الجرأة والإقدام، فملك قلبه، وسبى عقله وأطفأ ~~نوره وأرسل عليه حجبه فلم تنفع فيه تذكرة، ولا نجحت فيه موعظة، فربما جاءه ~~الموت على ذلك، فسمع النداء من مكان بعيد، فلم يتبين له المراد، ولا علم ما ~~أراد، وإن كرر عليه الداعي وأعاد. # قال: ويروى أن بعض رجال الناصر نزل الموت به، فجعل ابنه يقول: قل لا إله ~~إلا الله، فقال: الناصر مولاي، فأعاد عليه القول، فأعاد مثل ذلك، ثم أصابته ~~غشية، فلما أفاق قال: الناصر مولاي، وكان هذا دأبه كلما قيل له قل: لا إله ~~إلا الله، قال: الناصر مولاي، ثم قال لابنه: يا فلان، الناصر إنما يعرفك ~~بسيفك، والقتل القتل، ثم مات. # قال عبد الحق: وقيل لآخر - ممن أعرفه - قل لا إله إلا الله. فجعل يقول: ~~الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا، والبستان الفلاني افعلوا فيه كذا. # وقال: وفيما أذن أبو طاهر السلفي أن أحدث به عنه: أن رجلا نزل به الموت، ~~فقيل له: قل لا إله إلا الله، فجعل يقول بالفارسية: ده يازده ده وازده، ~~تفسيره: عشر بأحد عشر. # وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فجعل يقول: # أين الطريق إلى حمام منجاب # قال: وهذا الكلام ms159 له قصة، وذلك أن رجلا كان واقفا بإزاء داره، وكان بابها ~~يشبه باب هذا الحمام، فمرت به جارية لها منظر، فقالت: أين الطريق إلى حمام ~~منجاب؟ فقال: هذا حمام منجاب، فدخلت الدار ودخل وراءها، فلما رأت نفسها في ~~داره وعلمت أنه قد خدعها، أظهرت له البشرى والفرح باجتماعها معه، وقالت له: ~~يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا وتقر به عيوننا، فقال لها: الساعة آتيك ~~بكل ما تريدين وتشتهين، وخرج وتركها في الدار ولم يغلقها، فأخذ ما يصلح ~~ورجع، فوجدها قد خرجت وذهبت، ولم تخنه في شيء، فهام الرجل وأكثر الذكر لها، ~~وجعل يمشي في الطرق والأزقة ويقول: # يا رب قائلة يوما وقد تعبت ... كيف الطريق إلى حمام منجاب؟ # فبينما هو يوما يقول ذلك، إذا بجاريته أجابته من طاق: # هلا جعلت سريعا إذ ظفرت بها ... حرزا على الدار أو قفلا على الباب # فازداد هيمانه واشتد، ولم يزل على ذلك، حتى كان هذا البيت آخر كلامه من ~~الدنيا. # PageV01P166 # ولقد بكى سفيان الثوري ليلة إلى الصباح، فلما أصبح قيل له: كل هذا خوفا ~~من الذنوب؟ فأخذ تبنة من الأرض، وقال: الذنوب أهون من هذا، وإنما أبكي من ~~خوف سوء الخاتمة. # وهذا من أعظم الفقه: أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت، فتحول بينه ~~وبين الخاتمة الحسنى. # وقد ذكر الإمام أحمد عن أبي الدرداء أنه لما احتضر جعل يغمى عليه ثم يفيق ~~ويقرأ: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في ~~طغيانهم يعمهون} [سورة الأنعام: 110] . # فمن هذا خاف السلف من الذنوب، أن تكون حجابا بينهم وبين الخاتمة الحسنى. # قال: واعلم أن سوء الخاتمة - أعاذنا الله تعالى منها - لا تكون لمن ~~استقام ظاهره وصلح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم به ولله الحمد، وإنما تكون ~~لمن له فساد في العقد، أو إصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، فربما ~~غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة، فيأخذه قبل إصلاح الطوية، ~~ويصطلمه قبل الإنابة فيظفر به الشيطان عند تلك ms160 الصدمة، ويختطفه عند تلك ~~الدهشة، والعياذ بالله. # قال: ويروى أنه كان بمصر رجل يلزم مسجدا للأذان والصلاة، وعليه بهاء ~~الطاعة وأنوار العبادة، فرقي يوما المنارة على عادته للأذان، وكان تحت ~~المنارة دار لنصراني، فاطلع فيها، فرأى ابنة صاحب الدار فافتتن بها، فترك ~~الأذان، ونزل إليها، ودخل الدار عليها، فقالت له: ما شأنك وما تريد؟ قال: ~~أريدك، فقالت: لماذا؟ قال: قد سبيت لبي، وأخذت بمجامع قلبي، قالت: لا أجيبك ~~إلى ريبة أبدا، وقال: أتزوجك؟ قالت: أنت مسلم وأنا نصرانية وأبي لا يزوجني ~~منك، قال: أتنصر، قالت: إن فعلت أفعل، فتنصر الرجل ليتزوجها، وأقام معهم في ~~الدار، فلما كان في أثناء ذلك اليوم، رقي إلى سطح كان في الدار فسقط منه ~~فمات، فلم يظفر بها، وفاته دينه. # قال: ويروى أن رجلا عشق شخصا فاشتد كلفه به، وتمكن حبه من قلبه، حتى وقع ~~ألم به ولزم الفراش بسببه، وتمنع ذلك الشخص عليه، واشتد نفاره عنه، فلم تزل ~~الوسائط يمشون بينهما حتى وعده بأن يعوده، فأخبره بذلك الناس، ففرح واشتد ~~سروره وانجلى غمه، وجعل ينتظر الميعاد الذي ضرب له، فبينا هو كذلك إذ جاءه ~~الساعي بينهما، فقال: إنه وصل معي إلى بعض الطريق ورجع، ورغبت إليه وكلمته، ~~فقال: إنه ذكرني وصرح بي، ولا أدخل مداخل الريبة ولا أعرض نفسي لمواقع ~~التهم، فعاودته فأبى وانصرف، فلما سمع # PageV01P167 # البائس أسقط في يده، وعاد إلى أشد مما كان به، وبدت عليه علائم، فجعل ~~يقول في تلك الحال: # يا سلم يا راحة العليل ... ويا شفا المدنف النحيل # رضاك أشهى إلى فؤادي ... من رحمة الخالق الجليل # فقلت له: يا فلان اتق الله، قال: قد كان، فقمت عنه، فما جاوزت باب داره ~~حتى سمعت صيحة الموت، فعياذا بالله من سوء العاقبة، وشؤم الخاتمة. ### | [فصل عقوبة اللواط] # فصل # عقوبة اللواط # ولما كانت مفسدة اللواط من أعظم المفاسد؛ كانت عقوبته في الدنيا والآخرة ~~من أعظم العقوبات. # وقد اختلف الناس: هل هو أغلظ عقوبة من الزنى، أو الزنى أغلظ عقوبة منه، ~~أو عقوبتهما ms161 سواء؟ على ثلاثة أقوال: # فذهب أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن ~~الزبير، وعبد الله بن عباس، وخالد بن زيد، وعبد الله بن معمر، والزهري، ~~وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومالك، وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد - في أصح ~~الروايتين عنه - والشافعي - في أحد قوليه - إلى أن عقوبته أغلظ من عقوبة ~~الزنى، وعقوبته القتل على كل حال، محصنا كان أو غير محصن. # وذهب عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم ~~النخعي، وقتادة، والأوزاعي، والشافعي - في ظاهر مذهبه -، والإمام أحمد - في ~~الرواية الثانية عنه -، وأبو يوسف، ومحمد: إلى أن عقوبته وعقوبة الزاني ~~سواء. # وذهب الحاكم وأبو حنيفة إلى أن عقوبته دون عقوبة الزاني، وهي التعزير. # قالوا: لأنه معصية من المعاصي لم يقدر الله ولا رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - فيه حدا مقدرا، فكان فيه التعزير، كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير. # قالوا: ولأنه وطء في محل لا تشتهيه الطباع، بل ركبها الله تعالى على ~~النفرة منه حتى الحيوان البهيم، فلم يكن فيه حد كوطء الأتان وغيرها. # قالوا: ولأنه لا يسمى زانيا لغة ولا شرعا ولا عرفا، فلا يدخل في النصوص ~~الدالة على حد الزانين. # PageV01P168 # قالوا: وقد رأينا قواعد الشريعة، أن المعصية إذا كان الوازع عنها طبيعيا ~~اكتفي بذلك الوازع من الحد، وإذا كان في الطباع تقاضيها، جعل في الحد بحسب ~~اقتضاء الطباع لها، ولهذا جعل الحد في الزنى والسرقة وشرب المسكر دون أكل ~~الميتة والدم ولحم الخنزير. # قالوا: وطرد هذا، أنه لا حد في وطء البهيمة ولا الميتة، وقد جبل الله ~~سبحانه الطباع على النفرة من وطء الرجل رجلا مثله أشد نفرة، كما جبلها على ~~النفرة من استدعاء الرجل من يطؤه بخلاف الزنى، فإن الداعي فيه من الجانبين. # قالوا: ولأن أحد النوعين إذا استمتع بشكله لم يجب عليه الحد، كما تساحقت ~~المرأتان واستمتعت كل واحدة منهما بالأخرى. # قال أصحاب القول الأول: وهو جمهور الأمة، وحكاه غير واحد إجماعا للصحابة، ~~ليس في المعاصي أعظم مفسدة ms162 من هذه المفسدة، وهي تلي مفسدة الكفر، وربما ~~كانت أعظم من مفسدة القتل، كما سنبينه إن شاء الله تعالى. # قالوا: ولم يبتل الله تعالى بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحدا من العالمين، ~~وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أحدا غيرهم، وجمع عليهم من أنواع العقوبات بين ~~الإهلاك، وقلب ديارهم عليهم، والخسف بهم، ورجمهم بالحجارة من السماء، فنكل ~~بهم نكالا لم ينكله أمة سواهم، وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة التي تكاد ~~الأرض تميد من جوانبها إذا عملت عليها، وتهرب الملائكة إلى أقطار السماوات ~~والأرض إذا شاهدوها، خشية نزول العذاب على أهلها، فيصيبهم معهم، وتعج الأرض ~~إلى ربها تبارك وتعالى، وتكاد الجبال تزول عن أماكنها، وقتل المفعول به خير ~~له من وطئه، فإنه إذا وطئه قتله قتلا لا ترجى الحياة معه بخلاف قتله فإنه ~~مظلوم شهيد، وربما ينتفع به في آخرته. # قالوا: والدليل على هذا: أن الله سبحانه جعل حد القاتل إلى خيرة الولي، ~~إن شاء قتل وإن شاء عفا، وحتم قتل اللوطي حدا، كما أجمع عليه أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، ودلت عليه سنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الصريحة التي لا معارض لها، بل عليها عمل أصحابه وخلفائه الراشدين - ~~رضي الله عنهم أجمعين -. # وقد ثبت عن خالد بن الوليد: أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح كما ~~تنكح المرأة، فكتب إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فاستشار أبو بكر ~~الصديق الصحابة - رضي الله عنهم - فكان علي بن أبي طالب أشدهم قولا فيه، ~~فقال: ما فعل هذا إلا أمة من الأمم واحدة، وقد علمتم ما فعل الله بها، أرى ~~أن يحرق بالنار، فكتب أبو بكر إلى خالد فحرقه. # PageV01P169 # وقال عبد الله بن عباس: ينظر أعلى بناء في القرية، فيرمى اللوطي منها ~~منكبا، ثم يتبع بالحجارة. # وأخذ عبد الله بن عباس هذا الحد من عقوبة الله قوم لوط، وابن عباس هو ~~الذي روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من وجدتموه يعمل عمل ~~قوم لوط، فاقتلوا ms163 الفاعل والمفعول به» . # رواه أهل السنن وصححه ابن حبان وغيره، واحتج الإمام أحمد بهذا الحديث، ~~وإسناده على شرط البخاري. # قالوا: وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لعن الله من عمل عمل ~~قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط» ولم ~~يجئ عنه لعنة الزاني ثلاث مرات في حديث واحد، وقد لعن جماعة من أهل ~~الكبائر، فلم يتجاوز بهم في اللعن مرة واحدة، وكرر لعن اللوطية، وأكده ثلاث ~~مرات، وأطبق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قتله، لم يختلف ~~منهم فيه رجلان، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فظن الناس أن ذلك ~~اختلافا منهم في قتله، فحكاها مسألة نزاع بين الصحابة، وهي بينهم مسألة ~~إجماع لا مسألة نزاع. # قالوا: ومن تأمل قوله سبحانه: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء ~~سبيلا} [سورة الإسراء: 32] . # وقوله في اللواط: {أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} ~~[سورة الأعراف: 80] . # تبين له تفاوت ما بينهما، وأنه سبحانه نكر الفاحشة في الزنى، أي هو فاحشة ~~من الفواحش، وعرفها في اللواط، وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة، كما ~~تقول: زيد الرجل، ونعم الرجل زيد، أي أتأتون الخصلة التي استقر فحشها عند ~~كل أحد، فهي لظهور فحشها وكماله غنية عن ذكرها، بحيث لا ينصرف الاسم إلى ~~غيرها، وهذا نظير قول فرعون لموسى: {وفعلت فعلتك التي فعلت} [سورة الشعراء: ~~19] . # أي الفعلة الشنعاء الظاهرة المعلومة لكل أحد. # ثم أكد سبحانه شأن فحشها بأنها لم يعملها أحد من العالمين قبلهم، فقال: ~~{ما سبقكم بها من أحد من العالمين} ، ثم زاد في التأكيد بأن صرح بما تشمئز ~~منه القلوب، وتنبو # PageV01P170 # عنه الأسماع، وتنفر منه الطباع أشد نفرة، وهو إتيان الرجل رجلا مثله ~~ينكحه كما ينكح الأنثى، فقال: {إنكم لتأتون الرجال} [سورة الأعراف: 81] . # ثم نبه على استغنائهم عن ذلك، وأن الحامل لهم عليه ليس إلا مجرد الشهوة ~~لا الحاجة التي لأجلها مال الذكر إلى الأنثى، ومن قضاء الوطر ولذة ms164 ~~الاستمتاع، وحصول المودة والرحمة التي تنسى المرأة لها أبويها، وتذكر ~~بعلها، وحصول النسل الذي هو حفظ هذا النوع الذي هو أشرف المخلوقات، وتحصين ~~المرأة وقضاء وطرها، وحصول علاقة المصاهرة التي هي أخت النسب، وقيام الرجال ~~على النساء، وخروج أحب الخلق إلى الله من جماعهن كالأنبياء والأولياء ~~والمؤمنين، ومكاثرة النبي - صلى الله عليه وسلم - الأنبياء بأمته إلى غير ~~ذلك من مصالح النكاح، والمفسدة التي في اللواط تقاوم ذلك كله، وتربي عليه ~~بما لا يمكن حصر فساده، ولا يعلم تفصيله إلا الله. # ثم أكد قبح ذلك بأن اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر الله عليها الرجال، ~~وقلبوا الطبيعة التي ركبها الله في الذكور، وهي شهوة النساء دون الذكور، ~~فقلبوا الأمر، وعكسوا الفطرة والطبيعة فأتوا الرجال شهوة من دون النساء، ~~ولهذا قلب الله سبحانه عليهم ديارهم، فجعل عاليها سافلها، وكذلك قلبوا هم، ~~ونكسوا في العذاب على رؤوسهم. # ثم أكد سبحانه قبح ذلك بأن حكم عليهم بالإسراف وهو مجاوزة الحد، فقال: ~~{بل أنتم قوم مسرفون} [سورة الأعراف: 81] . # فتأمل هل جاء مثل ذلك أو قريب منه في الزنى؟ # وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله: {ونجيناه من القرية التي كانت تعمل ~~الخبائث} [سورة الأنبياء: 74] . # ثم أكد سبحانه عليهم الذم بوصفين في غاية القبح فقال: {إنهم كانوا قوم ~~سوء فاسقين} [سورة الأنبياء: 74] . # وسماهم مفسدين في قول نبيهم: {رب انصرني على القوم المفسدين} [سورة ~~العنكبوت: 30] . # PageV01P171 # وسماهم ظالمين في قول الملائكة لإبراهيم: {إنا مهلكو أهل هذه القرية إن ~~أهلها كانوا ظالمين} [سورة العنكبوت: 31] . # فتأمل من عوقب بمثل هذه العقوبات، ومن ذمه الله بمثل هذه المذمات، ولما ~~جادل فيهم خليله إبراهيم الملائكة، وقد أخبروه بإهلاكهم قيل له: {ياإبراهيم ~~أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود} [سورة هود: ~~76] . # وتأمل خبث اللوطية وفرط تمردهم على الله حيث جاءوا نبيهم لوطا لما سمعوا ~~بأنه قد طرقه أضياف هم من أحسن البشر صورا، فأقبل اللوطية إليهم يهرولون، ~~فلما رآهم قال لهم: {ياقوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} [سورة هود: ms165 78] . # ففدى أضيافه ببناته يزوجهم بهم خوفا على نفسه وأضيافه من العار الشديد، ~~فقال: {ياقوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي أليس ~~منكم رجل رشيد} ، فردوا عليه، ولكن رد جبار عنيد: {لقد علمت ما لنا في ~~بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد} [سورة هود: 79] . # فنفث نبي الله منه نفثة مصدور خرجت من قلب مكروب، فقال: {لو أن لي بكم ~~قوة أو آوي إلى ركن شديد} فنفس له رسل الله عن حقيقة الحال، وأعلموه أنهم ~~ممن ليسوا يوصل إليهم، ولا إليه بسببهم، فلا تخف منهم، ولا تعبأ بهم، وهون ~~عليك، فقالوا: {يالوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك} وبشروه بما جاءوا به من ~~الوعد له ولقومه من الوعيد المصيب فقالوا: {فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا ~~يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس ~~الصبح بقريب} [سورة هود: 81] . # فاستبطأ نبي الله موعد هلاكهم، وقال: أريد أعجل من هذا، فقالت الملائكة: ~~{أليس الصبح بقريب} فوالله ما كان بين إهلاك أعداء الله ونجاة نبيه ~~وأوليائه إلا ما بين السحر # PageV01P172 # وطلوع الفجر، وإذا بديارهم قد اقتلعت من أصلها، ورفعت نحو السماء حتى ~~سمعت الملائكة نباح الكلاب ونهيق الحمير، فبرز المرسوم الذي لا يرد من عند ~~الرب الجليل، إلى عبده ورسوله جبرائيل، بأن قلبها عليهم كما أخبر به في ~~محكم التنزيل، فقال عز من قائل: {فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ~~وأمطرنا عليها حجارة من سجيل} [سورة هود: 82] فجعلهم آية للعالمين وموعظة ~~للمتقين، ونكالا وسلفا لمن شاركهم في أعمالهم من المجرمين، وجعل ديارهم ~~بطريق السالكين، {إن في ذلك لآيات للمتوسمين - وإنها لبسبيل مقيم - إن في ~~ذلك لآية للمؤمنين} [سورة الحجر: 75 - 77] . # أخذهم على غرة وهم نائمون، وجاءهم بأسه وهم في سكرتهم يعمهون، فما أغنى ~~عنهم ما كانوا يكسبون، فقلبت تلك اللذة آلاما، فأصبحوا بها يعذبون. # مآرب كانت في الحياة لأهلها ... عذابا فصارت في الممات عذابا # ذهبت اللذات وأعقبت الحسرات، وانقضت الشهوات، وأورثت الشقوات، وتمتعوا ~~قليلا، ms166 وعذبوا طويلا، رتعوا مرتعا وخيما فأعقبهم عذابا أليما، أسكرتهم خمرة ~~تلك الشهوات، فما استفاقوا منها إلا في ديار المعذبين، وأرقدتهم تلك ~~الغفلة، فما استيقظوا منها إلا وهم في منازل الهالكين، فندموا والله أشد ~~الندامة حين لا ينفع الندم، وبكوا على ما أسلفوه بدل الدموع بالدم، فلو ~~رأيت الأعلى والأسفل من هذه الطائفة، والنار تخرج من منافذ وجوههم وأبدانهم ~~وهم بين أطباق الجحيم، وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كئوس الحميم، ويقال لهم ~~وهم على وجوههم يسحبون: {ذوقوا ما كنتم تكسبون - اصلوها فاصبروا أو لا ~~تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون} [سورة الطور: 16] . # وقد قرب الله سبحانه مسافة العذاب بين هذه الأمة وبين إخوانهم في العمل، ~~فقال مخوفا لهم أن يقع الوعيد: {وما هي من الظالمين ببعيد} [سورة هود: 83] ~~. # فيا ناكحي الذكران يهنيكم البشرى ... فيوم معاد الناس إن لكم أجرا # كلوا واشربوا وازنوا ولوطوا وأبشروا ... فإن لكم زفرا إلى الجنة الحمرا # فإخوانكم قد مهدوا الدار قبلكم ... وقالوا إلينا عجلوا لكم البشرى # PageV01P173 # وها نحن أسلاف لكم في انتظاركم # سيجمعنا الجبار في ناره الكبرى ... ولا تحسبوا أن الذين نكحتمو # يغيبون عنكم بل ترونهم جهرا ... ويلعن كلا منكما بخليله # ويشقى به المحزون في الكرة الأخرى ... يعذب كلا منهما بشريكه # كما اشتركا في لذة توجب الوزرا ### | [فصل عقوبة اللواط وعقوبة الزنى] # فصل # عقوبة اللواط وعقوبة الزنى # في الأجوبة عما احتج به من جعل عقوبة هذه الفاحشة دون عقوبة الزنى. # أما قولهم: إنها معصية لم يجعل الله فيه حدا معينا، فجوابه من وجوه: # أحدها: أن المبلغ عن الله جعل حد صاحبها القتل حتما، وما شرعه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فإنما شرعه عن الله، فإن أردتم أن حدها غير معلوم ~~بالشرع فهو باطل، وإن أردتم أنه غير ثابت بنص الكتاب لم يلزم من ذلك انتفاء ~~حكمه لثبوته بالسنة. # الثاني: أن هذا ينتقض عليكم بالرجم، فإنه إنما ثبت بالسنة. # فإن قلتم: بل ثبت بقرآن نسخ لفظه وبقي حكمه. # قلنا: فينقض عليكم بحد شارب الخمر. # الثالث: ms167 أن نفي دليل معين لا يستلزم نفي مطلق الدليل ولا نفي المدلول، ~~فكيف وقد قدمنا أن الدليل الذي نفيتموه غير منتف؟ # وأما قولكم: إنه وطء لا تشتهيه الطباع، بل ركب الله الطباع على النفرة ~~منه، فهو كوطء الميتة والبهيمة، فجوابه من وجوه: # أحدها: أنه قياس فاسد الاعتبار، مردود بسنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وإجماع الصحابة كما تقدم بيانه. # الثاني: أن قياس وطء الأمرد الجميل الذي فتنته تربو على كل فتنة، على وطء ~~أتان أو امرأة ميتة من أفسد القياس، وهل يعدل ذلك أحد قط بأتان أو بقرة أو ~~ميتة، أو سبى ذلك عقل عاشق، أو أسر قلبه، أو استولى على فكره ونفسه؟ فليس ~~في القياس أفسد من هذا. # الثالث: أن هذا منتقض بوطء الأم والبنت والأخت، فإن النفرة الطبيعية عنه ~~حاصلة مع أن الحد فيه من أغلظ الحدود - في أحد القولين - وهو القتل بكل حال ~~محصنا كان أو غير # PageV01P174 # محصن، وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو قول إسحاق بن راهويه ~~وجماعة من أهل الحديث. # وقد روى أبو داود والترمذي من حديث البراء بن عازب قال «لقيت عمي ومعه ~~الراية، فقلت: إلى أين تريد؟ قال بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى رجل نكح امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه وآخذ ماله. # » قال الترمذي: هذا حديث صحيح، قال الجوزجاني: عم البراء اسمه الحارث بن ~~عمرو. # في سنن أبي داود وابن ماجه من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من وقع على ذات محرم فاقتلوه» . # ورفع إلى الحجاج رجل اغتصب أخته على نفسها، فقال: احبسوه وسلوا من هاهنا ~~من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسألوا عبد الله بن مطرف، ~~فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من تخطى حرم المؤمنين، ~~فخطوا وسطه بالسيف» . # وفيه دليل على القتل بالتوسيط، وهذا دليل مستقل في المسألة، وأن من لا ~~يباح وطؤه بحال فحد وطئه القتل، دليله: من وقع على أمه أو ms168 ابنته، وكذلك ~~يقال في وطء ذوات المحارم، ووطء من لا يباح وطؤه بحال، فكان حده القتل ~~كاللوطي. # والتحقيق: أن يستدل على المسألتين بالنص، والقياس يشهد لصحة كل منهما، ~~وقد اتفق المسلمون على أن من زنى بذات محرمه فعليه الحد، وإنما اختلفوا في ~~صفة الحد، هل هو القتل بكل حال، أو حده حد الزاني، على قولين: # فذهب الشافعي ومالك وأحمد - في إحدى روايتيه -: أن حده حد الزاني. # وذهب أحمد وإسحاق وجماعة من أهل الحديث إلى: أن حده القتل بكل حال. # وكذلك اتفقوا كلهم على أنه لو أصابها باسم النكاح عالما بالتحريم أنه ~~يحد، إلا أبا حنيفة وحده، فإنه رأى ذلك شبهة مسقطة للحد. # ومنازعوه يقولون: إذا أصابها باسم النكاح فقد زاد الجريمة غلظا وشدة، ~~فإنه ارتكب محذورين عظيمين: محذور العقد، ومحذور الوطء، فكيف تخفف عنه ~~العقوبة بضم محذور الزنى؟ # وأما وطء الميتة ففيه قولان للفقهاء، وهما في مذهب أحمد وغيره. # PageV01P175 # أحدهما: أنه يجب به الحد، وهو قول الأوزاعي، فإن فعله أعظم جرما وأكبر ~~ذنبا انضم إلى فاحشته هتك حرمة الميتة. ### | [فصل واطئ البهيمة] # فصل # واطئ البهيمة # وأما واطئ البهيمة فللفقهاء فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يؤدب، ولا حد عليه، وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد ~~قوليه، وهو قول إسحاق. # والقول الثاني: أن حكمه حكم الزاني، يجلد إن كان بكرا، ويرجم إن كان ~~محصنا، وهذا قول الحسن. # والقول الثالث: أن حكمه حكم اللوطي، نص عليه أحمد، فيخرج على الروايتين ~~في حده، هل هو القتل حتما أو هو كالزاني؟ # والذين قالوا: " حده القتل " احتجوا بما رواه أبو داود من حديث ابن عباس ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أتى بهيمة فاقتلوه، واقتلوها معه» . # قالوا: ولأنه وطء لا يباح بحال؛ فكان فيه القتل كحد اللوطي. # ومن لم ير حدا قالوا: لم يصح فيه الحديث، ولو صح لقلنا به، ولم يحل لنا ~~مخالفته. # قال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد عن الذي يأتي البهيمة، فوقف ~~عندها، ولم يثبت حديث عمرو بن أبي ms169 عمرو في ذلك. # وقال الطحاوي: الحديث ضعيف، وأيضا فراويه ابن عباس، وقد أفتى بأنه لا حد ~~عليه، قال أبو داود: وهذا يضعف الحديث. # ولا ريب أن الزاجر الطبعي عن إتيان البهيمة أقوى من الزاجر الطبعي عن ~~التلوط، وليس الأمر أنهما في طباع الناس سواء، فإلحاق أحدهما بالآخر من ~~أفسد القياس كما تقدم. ### | [فصل اللواط والسحاق] # فصل # اللواط والسحاق # وأما قياسكم وطء الرجال لمثله على تدالك المرأتين، فمن أفسد القياس، إذ ~~لا إيلاج هناك، وإنما نظيره مباشرة الرجل الرجل من غير إيلاج، على أنه قد ~~جاء في بعض # PageV01P176 # الآثار المرفوعة: " «إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان» " ولكن لا يجب ~~الحد بذلك، لعدم الإيلاج، وإن أطلق عليهما اسم الزنى العام، كزنى العين ~~واليد والرجل والفم. # وإذا ثبت هذا: فأجمع المسلمون على أن حكم التلوط مع المملوك كحكمه مع ~~غيره، ومن ظن أن تلوط الإنسان بمملوكه جائز، واحتج على ذلك بقوله تعالى: ~~{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [سورة المعارج: 30] ~~. # وقاس ذلك على أمته المملوكة فهو كافر، يستتاب كما يستتاب المرتد، فإن تاب ~~وإلا ضربت عنقه، وتلوط الإنسان بمملوكه كتلوطه بمملوك غيره في الإثم ~~والحكم. ### | [فصل دواء اللواط] # فصل # دواء اللواط # فإن قيل: فهل مع هذا كله دواء لهذا الداء العضال؟ ورقية لهذا السحر ~~القتال؟ وما الاحتيال لدفع هذا الخبال؟ وهل من طريق قاصد إلى التوفيق؟ وهل ~~يمكن السكران بخمر الهوى أن يفيق؟ وهل يملك العاشق قلبه والعشق قد وصل إلى ~~سويدائه؟ وهل للطبيب بعد ذلك حيلة في برئه من سويدائه؟ وإن لامه لائم التذ ~~بملامه ذكرا لمحبوبه، وإن عذله عاذل أغراه عذله، وسار به في طريق مطلوبه، ~~ينادي عليه شاهد حاله بلسان مقاله: # وقف الهوى بي حيث أنت فليس ... لي متأخر عنه ولا متقدم # وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا ... ما من يهون عليك ممن يكرم # أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم # أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم # ولعل هذا هو المقصود بالسؤال ms170 الأول الذي وقع عليه الاستفتاء، والداء الذي ~~طلب له الدواء. # قيل: نعم، الجواب من رأس: " «ما أنزل الله سبحانه من داء إلا جعل له ~~دواء،» علمه من علمه وجهله من جهله ". # والكلام في دواء داء تعلق القلب بالمحبة الهوائية من طريقين: # أحدهما: حسم مادته قبل حصولها. # PageV01P177 # والثاني: قلعها بعد نزوله، وكلاهما يسير على من يسره الله عليه، ومتعذر ~~على من لم يعنه الله، فإن أزمة الأمور بيديه. # فأما الطريق المانع من حصول هذا الداء، فأمران: # منافع غض البصر # غض البصر كما تقدم، فإن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، ومن أطلق لحظاته ~~دامت حسراته، وفي غض البصر عدة منافع: # أحدها: أنه امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده، ~~فليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامره، وما شقي من شقي في ~~الدنيا والآخرة إلا بتضييع أوامره. # الثانية: أنه يمنع من وصول أثر السهم المسموم - الذي لعل فيه هلاكه - إلى ~~قلبه. # الثالثة: أنه يورث القلب أنسا بالله وجمعية عليه، فإن إطلاق البصر يفرق ~~القلب ويشتته، ويبعده عن الله، وليس على القلب شيء أضر من إطلاق البصر، ~~فإنه يورث الوحشة بين العبد وربه. # الرابعة: أنه يقوي القلب ويفرحه، كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه. # الخامسة: أنه يكسب القلب نورا، كما أن إطلاقه يلبسه ظلمة، ولهذا ذكر الله ~~سبحانه آية النور عقيب الأمر بغض البصر، فقال: {قل للمؤمنين يغضوا من ~~أبصارهم ويحفظوا فروجهم} [سورة النور: 30] . # ثم قال إثر ذلك: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} ~~[سورة النور: 35] . # أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه، وإذا ~~استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل ناحية، كما أنه إذا أظلم أقبلت ~~سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان، فما شئت من بدع وضلالة، واتباع هوى، ~~واجتناب هدى، وإعراض عن أسباب السعادة، واشتغال بأسباب الشقاوة، فإن ذلك ~~إنما يكشفه له النور الذي في القلب، فإذا نفذ ذلك النور بقي صاحبه كالأعمى ~~الذي يجوس ms171 في حنادس الظلام. # السادسة: أنه يورث فراسة صادقة يميز بها بين الحق والباطل، والصادق ~~والكاذب، # PageV01P178 # وكان شجاع الكرماني يقول: من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام ~~المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشبهات، واغتذى بالحلال، لم ~~تخطئ له فراسة وكان شجاعا لا تخطئ له فراسة. # والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، ومن ترك لله شيئا ~~عوضه الله خيرا منه، فإذا غض بصره عن محارم الله، عوضه الله بأن يطلق نور ~~بصيرته، عوضا عن حبس بصره لله، ويفتح عليه باب العلم والإيمان، والمعرفة ~~والفراسة الصادقة المصيبة التي إنما تنال ببصيرة، فقال تعالى: {لعمرك إنهم ~~لفي سكرتهم يعمهون} [سورة الحجر: 27] . # فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل، والعمه الذي هو فساد البصيرة، ~~فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل، وعمه البصيرة، وسكر القلب، كما قال ~~القائل: # سكران سكر هوى وسكر مدامة ... ومتى إفاقة من به سكران # وقال الآخر: # قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... العشق أعظم مما بالمجانين # العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين # السابعة: أنه يورث القلب ثباتا وشجاعة وقوة، فجمع الله له بين سلطان ~~النصرة والحجة، وسلطان القدرة والقوة، كما في الأثر: " الذي يخالف هواه، ~~يفر الشيطان من ظله ". # وضد هذا تجد في المتبع لهواه - من ذل النفس ووضاعتها ومهانتها وخستها ~~وحقارتها - ما جعله الله سبحانه فيمن حصاه. # كما قال الحسن: " إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، إن ذل ~~المعصية في رقابهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه ". # وقد جعل الله سبحانه العز قرين طاعته، والذل قرين معصيته، فقال تعالى: ~~{ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [سورة المنافقون: 8] . # وقال تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [سورة ~~آل عمران: 139] . # PageV01P179 # والإيمان قول وعمل، ظاهر وباطن، وقال تعالى: {من كان يريد العزة فلله ~~العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [سورة فاطر: 10] . # أي من كان يريد العزة فليطلبها بطاعة الله وذكره من الكلم الطيب والعمل ~~الصالح. # وفي دعاء ms172 القنوت: " إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت " ومن أطاع ~~الله فقد والاه فيما أطاعه فيه، وله من العز بحسب طاعته، ومن عصاه فقد ~~عاداه فيما عصاه فيه، وله من الذل بحسب معصيته. # الثامن: أنه يسدل على الشيطان مدخله من القلب، فإنه يدخل مع النظرة وينفذ ~~معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي، فيمثل له صورة ~~المنظور إليه ويزينها، ويجعلها صنما يعكف عليه القلب ثم يعده ويمنيه، ويوقد ~~على القلب نار الشهوة، ويلقي عليها حطب المعاصي التي لم يكن يتوصل إليها ~~بدون تلك الصورة، فيصير القلب في اللهب. # فمن ذلك اللهب تلك الأنفاس التي يجد فيها وهج النار، وتلك الزفرات ~~والحرقات، فإن القلب قد أحاطت به النيران بكل جانب، فهو في وسطها كالشاة في ~~وسط التنور، ولهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات للصور المحرمة: أن جعل لهم في ~~البرزخ تنور من النار، وأودعت أرواحهم فيه إلى يوم حشر أجسادهم، كما أراها ~~الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في المنام في الحديث المتفق على صحته. # التاسعة: أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها، وإطلاق البصر ~~ينسيه ذلك ويحول بينه وبينه، فينفرط عليه أمره ويقع في اتباع هواه وفي ~~الغفلة عن ذكر ربه، قال تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا} [سورة الكهف: 28] . # وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحسبه. # العاشرة: أن بين العين والقلب منفذا وطريقا يوجب انتقال أحدهما عن الآخر، ~~وأن يصلح بصلاحه، ويفسد بفساده، فإذا فسد القلب؛ فسد النظر، وإذا فسد ~~النظر؛ فسد القلب، وكذلك في جانب الصلاح، فإذا خربت العين وفسدت؛ خرب القلب ~~وفسد، وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ، فلا يصلح ~~لسكنى معرفة الله ومحبته والإنابة إليه، والأنس به والسرور بقربه فيه، ~~وإنما يسكن فيه أضداد ذلك. # فهذه إشارة إلى بعض فوائد غض البصر نطلعك على ما وراءها: # PageV01P180 # منع تعلق القلوب # الطريق الثاني المانع من حصول تعلق القلب: اشتغال القلب بما يصده عن ذلك، ms173 ~~ويحول بينه وبين الوقوع فيه، وهو إما خوف مقلق أو حب مزعج، فمتى خلا القلب ~~من خوف ما فواته أضر عليه من حصول هذا المحبوب، أو خوف ما حصوله أضر عليه ~~من فوات هذا المحبوب، أو محبته ما هو أنفع له وخير له من هذا المحبوب، ~~وفواته أضر عليه من فوات هذا المحبوب، لم يجد بدا من عشق الصور. # وشرح هذا: أن النفس لا تترك محبوبا إلا لمحبوب أعلى منه، أو خشية مكروه ~~حصوله أضر عليه من فوات هذا المحبوب، وهذا يحتاج صاحبه إلى أمرين إن فقدهما ~~أو أحدهما لم ينتفع بنفسه. # أحدهما: بصيرة صحيحة يفرق بها بين درجات المحبوب والمكروه، فيؤثر أعلى ~~المحبوبين على أدناهما، ويحتمل أدنى المكروهين ليخلص من أعلاهما، وهذا خاصة ~~العقل، ولا يعد عاقلا من كان بضد ذلك، بل قد تكون البهائم أحسن حالا منه. # الثاني: قوة عزم وصبر يتمكن به من هذا الفعل والترك، فكثيرا ما يعرف ~~الرجل قدر التفاوت، ولكن يأبى له ضعف نفسه وهمته وعزيمته على أشياء لا تنفع ~~من خسته وحرصه ووضاعة نفسه وخسة همته، ومثل هذا لا ينتفع بنفسه، ولا ينتفع ~~به غيره، وقد منع الله سبحانه إمامة الدين إلا من أهل الصبر واليقين، فقال ~~تعالى، وبقوله يهتدي المهتدون منهم: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما ~~صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [سورة السجدة: 24] . # وهذا هو الذي ينتفع بعلمه، وينتفع به الناس، وضده لا ينتفع به غيره، ومن ~~الناس من ينتفع بعلمه في نفسه ولا ينتفع به غيره، فالأول يمشي في نوره ~~ويمشي الناس في نوره، والثاني قد طفئ نوره، فهو يمشي في الظلمات ومن تبعه ~~في ظلمته، والثالث يمشي في نوره وحده. ### | [فصل توحيد المحبوب] # فصل # توحيد المحبوب # إذا عرفت هذه المقدمة فلا يمكن أن يجتمع في القلب حب المحبوب الأعلى وعشق ~~الصور أبدا، بل هما ضدان لا يتلاقيان، بل لا بد أن يخرج أحدهما صاحبه، فمن ~~كانت قوة حبه كلها للمحبوب الأعلى الذي محبة ما سواه باطلة وعذاب على ~~صاحبها صرفه ms174 ذلك عن # PageV01P181 # محبة ما سواه، وإن أحبه لم يحبه إلا لأجله، أو لكونه وسيلة إلى محبته، أو ~~قاطعا له عما يضاد محبته وينقصها، والمحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب، ~~وأن لا يشرك بينه وبين غيره في محبته، وإذا كان المحبوب من الخلق يأنف ~~ويغار أن يشرك معه محبة غيره في محبته، ويمقته لذلك، ويبعده لا يحظيه ~~بقربه، ويعده كاذبا في دعوى محبته، مع أنه ليس أهلا لصرف كل قوة المحبة ~~إليه، فكيف بالحبيب الأعلى الذي لا تنبغي المحبة إلا له وحده، وكل محبة ~~لغيره فهي عذاب على صاحبها ووبال؟ ولهذا لا يغفر الله سبحانه أن يشرك به في ~~هذه المحبة، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. # فمحبة الصور تفوت محبة ما هو أنفع للعبد، بل تفوت محبة ما ليس له صلاح ~~ولا نعيم، ولا حياة نافعة إلا بمحبته وحده، فليختر إحدى المحبتين فإنهما لا ~~يجتمعان في القلب ولا يرتفعان منه، بل من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق ~~إلى لقائه، ابتلاه بمحبة غيره؛ فيعذبه بها في الدنيا وفي البرزخ وفي ~~الآخرة، فإما أن يعذبه بمحبة الأوثان، أو بمحبة الصلبان، أو بمحبة المردان، ~~أو بمحبة النسوان، أو بمحبة العشراء والإخوان، أو بمحبة ما دون ذلك مما هو ~~في غاية الحقارة والهوان، فالإنسان عبد محبوبه كائنا من كان، كما قيل: # أنت القتيل بكل من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي # فمن لم يكن إلهه مالكه ومولاه، كان إلهه هواه، قال تعالى: {أفرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره ~~غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} [سورة الجاثية: 23] . ### | [فصل خاصية التعبد] # فصل # خاصية التعبد # وخاصية التعبد: الحب مع الخضوع، والذل للمحبوب، فمن أحب محبوبا وخضع له ~~فقد تعبد قلبه له، بل التعبد آخر مراتب الحب، ويقال له التتيم أيضا، فإن ~~أول مراتبه العلاقة، وسميت علاقة لتعلق المحب بالمحبوب. # قال الشاعر: # وعلقت ليلى وهي ذات تمائم ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم # وقال الآخر: ms175 # أعلاقة أم الوليد بعيد ما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس # PageV01P182 # ثم بعدها الصبابة، وسميت بذلك لانصباب القلب إلى المحبوب، قال الشاعر: # تشكى المحبون الصبابة ليتني ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدي # فكانت لقلبي لذة الحب كلها ... فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي # ثم الغرام، وهو لزوم الحب للقلب لزوما لا ينفك عنه، ومنه سمي الغريم ~~غريما؛ لملازمته صاحبه، ومنه قوله تعالى: {إن عذابها كان غراما} [سورة ~~الفرقان: 65] . # وقد أولع المتأخرون باستعمال هذا اللفظ في الحب، وقل أن تجده في أشعار ~~العرب. # ثم العشق وهو إفراط المحبة، ولهذا لا يوصف به الرب تبارك وتعالى، ولا ~~يطلق في حقه. # ثم الشوق وهو سفر القلب إلى المحبوب أحث السفر، وقد جاء إطلاقه في حق ~~الرب تعالى كما في مسند الإمام أحمد عن عمار بن ياسر: «أنه صلى صلاة فأوجز ~~فيها، فقيل له في ذلك، فقال أما إني دعوت فيها بدعوات كان النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - يدعو بهن: اللهم إني أسألك بعلمك الغيب، وقدرتك على ~~الخلق، أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، ~~اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب ~~والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة ~~عين لا تنقطع، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، ~~وأسألك الشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا ~~بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.» # وفي أثر آخر: " «طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم أشد شوقا» ~~". # وهذا هو المعنى الذي عبر عنه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «من أحب لقاء ~~الله أحب الله لقاءه» . # وقال بعض أهل البصائر في قوله تعالى: {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل ~~الله لآت} [سورة العنكبوت: 5] . # لما علم سبحانه شدة شوق أوليائه إلى لقائه، وأن قلوبهم لا تهتدي دون ~~لقائه، ضرب لهم أجلا وموعدا للقائه، وتسكن نفوسهم به، وأطيب العيش وألذه ~~على الإطلاق عيش المحبين المشتاقين المستأنسين، فحياتهم هي ms176 الحياة الطيبة ~~الحقيقية، ولا حياة للقلب # PageV01P183 # أطيب ولا أنعم ولا أهنأ منها، وهي الحياة الطيبة في قوله تعالى: {من عمل ~~صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} [سورة النحل: 97] . # ليس المراد منها الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار، والأبرار ~~والفجار، ومن طيب المأكل والملبس والمشرب والمنكح، بل ربما زاد أعداء الله ~~على أوليائه في ذلك أضعافا مضاعفة، وقد ضمن الله سبحانه لكل من عمل صالحا ~~أن يحييه حياة طيبة، فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده، وأي حياة أطيب من ~~حياة من اجتمعت همومه كلها وصارت هما واحدا في مرضاة الله؟ ولم يتشعب قلبه، ~~بل أقبل على الله، واجتمعت إرادته وأفكاره التي كانت متقسمة بكل واد منها ~~شعبة على الله، فصار ذكره بمحبوبه الأعلى وحبه والشوق إلى لقائه، والأنس ~~بقربه هو المستولي عليه، وعليه تدور همومه وإرادته وقصوده بكل خطرات قلبه، ~~فإن سكت سكت بالله، وإن نطق نطق بالله، وإن سمع فبه يسمع، وإن أبصر فبه ~~يبصر، وبه يبطش، وبه يمشي، وبه يسكن، وبه يحيا، وبه يموت، وبه يبعث، كما في ~~صحيح البخاري عنه - صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى، ~~أنه قال: " «ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي ~~يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره ~~الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي ~~يبصر، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في ~~شيء أنا فاعله، كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت، وأكره مساءته ~~ولا بد له منه ".» # فتضمن هذا الحديث الشريف الإلهي - الذي حرام على غليظ الطبع كسيف القلب ~~فهم معناه والمراد به - حصر أسباب محبته في أمرين: أداء فرائضه، والتقرب ~~إليه بالنوافل. # وأخبر سبحانه أن أداء فرائضه أحب ما يتقرب به إليه المتقربون، ثم بعدها ~~النوافل، وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتى يصير محبوبا لله، فإذا صار ~~محبوبا ms177 لله أوجبت محبته لله له محبة أخرى منه فوق المحبة الأولى، فشغلت هذه ~~المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه، وملكت عليه روحه، ولم يبق ~~فيه سعة لغير محبوبه ألبتة، فصار ذكر محبوبه وحبه ومثله الأعلى، ومالكا ~~لزمام قلبه مستوليا على روحه استيلاء المحبوب على محبة الصادق في محبته، ~~التي قد اجتمعت قوى محبة حبه كلها له. # ولا ريب أن هذا المحب إن سمع سمع بمحبوبه، وإن أبصر أبصر به، وإن بطش بطش ~~به، وإن مشى مشى به، فهو في قلبه ومعه وأنيسه وصاحبه، فالباء هاهنا ~~للمصاحبة، وهي مصاحبة لا نظير لها، ولا تدرك بمجرد الإخبار عنها والعلم ~~بها، فالمسألة حالية لا علمية محضة. # PageV01P184 # وإذا كان المخلوق يجد هذا في محبة المخلوق التي لم يخلق لها ولم يفطر ~~عليها، كما قال بعض المحبين: # خيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب # وقال الآخر: # ومن عجب أني أحن إليهم ... فأسأل عنهم من لقيت وهم معي # وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي # وهذا ألطف من قول الآخر: # إن قلت غبت فقلبي لا يصدقني ... إذ أنت فيه مكان السر لم تغب # أو قلت ما غبت قال الطرف ذا كذب ... فقد تحيرت بين الصدق والكذب # فليس شيء أدنى إلى المحب من محبوبه، وربما تمكنت منه المحبة، حتى يصير ~~أدنى إليه من نفسه، بحيث ينسى نفسه ولا ينساه، كما قال: # أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل # وقال الآخر: # يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل # وخص في الحديث السمع والبصر واليد والرجل بالذكر، فإن هذه الآلات آلات ~~الإدراك وآلات الفعل، والسمع والبصر يوردان على القلب الإرادة والكراهة، ~~ويجلبان إليه الحب والبغض، فيستعمل اليد والرجل، فإذا كان سمع العبد بالله، ~~وبصره بالله كان محفوظا في آلات إدراكه، وكان محفوظا في حبه وبغضه، فحفظ في ~~بطشه ومشيه. # وتأمل كيف اكتفى بذكر السمع والبصر واليد والرجل عن اللسان، فإنه إذا كان ~~إدراك السمع الذي يحصل باختياره تارة، ms178 وبغير اختياره تارة، وكذلك البصر قد ~~يقع بغير الاختيار فجأة، وكذلك حركة اليد والرجل التي لا بد للعبد منهما، ~~فكيف بحركة اللسان التي لا تقع إلا بقصد واختيار؟ وقد يستغني العبد عنها ~~إلا حيث أمر بها. # وأيضا فانفعال اللسان عن القلب أتم من انفعال سائر الجوارح، فإنه ترجمانه ~~ورسوله. # وتأمل كيف حقق تعالى كون العبد به سمعه وبصره وبطشه ومشيه بقوله: " «كنت ~~سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي ~~يمشي بها» " تحقيقا لكونه مع عبده، وكون عبده في إدراكاته، بسمعه وبصره ~~وحركاته بيديه ورجله. # PageV01P185 # وتأمل كيف قال: " فبي يسمع، وبي يبصر " ولم يقل: فلي يسمع، ولي يبصر، ~~وربما يظن الظنان أن اللام أولى بهذا الموضع، إذ هي أدل على الغاية، ووقوع ~~هذه الأمور لله، وذلك أخص من وقوعها به، وهذا من الوهم والغلط، إذ ليست ~~الباء هاهنا بمجرد الاستعانة، فإن حركات الأبرار والفجار وإدراكاتهم إنما ~~هي بمعونة الله لهم، وإن الباء هاهنا للمصاحبة، أي: إنما يسمع ويبصر ويبطش ~~ويمشي وأنا صاحبه معه، كقوله في الحديث الآخر: " «أنا مع عبدي ما ذكرني ~~وتحركت بي شفتاه» " وهذه هي المعية الخاصة المذكورة في قوله تعالى: {لا ~~تحزن إن الله معنا} [سورة التوبة: 40] . # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» ، ~~وقوله تعالى: {وإن الله لمع المحسنين} [سورة العنكبوت: 69] . # وقوله: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [سورة النحل: 128] . # وقوله: {واصبروا إن الله مع الصابرين} [سورة الأنفال: 46] . # وقوله: {كلا إن معي ربي سيهدين} [سورة الشعراء: 62] . # وقوله تعالى لموسى وهارون: {إنني معكما أسمع وأرى} [سورة طه: 46] . # فهذه الباء مفيدة لمعنى هذه المعية دون اللام، ولا يتأتى للعبد الإخلاص ~~والصبر والتوكل، ونزوله في منازل العبودية إلا بهذه الباء وهذه المعية. # فمتى كان العبد بالله هانت عليه المشاق، وانقلبت المخاوف في حقه، فبالله ~~يهون كل صعب، ويسهل كل عسير، ويقرب كل بعيد، وبالله تزول الهموم والغموم ~~والأحزان، فلا هم مع الله، ولا غم ولا حزن إلا ms179 حيث يفوته العبد معنى هذه ~~الباء، فيصير قلبه حينئذ كالحوت، إذا فارق الماء يثب وينقلب حتى يعود إليه. # ولما حصلت هذه الموافقة من العبد لربه في محابه؛ حصلت موافقة الرب لعبده ~~في حوائجه ومطالبه، فقال: «ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» ". ~~أي: كما وافقني في مرادي بامتثال أوامري والتقرب بمحابي، فأنا أوافقه في ~~رغبته ورهبته فيما يسألني أن أفعله به، ويستعيذني أن يناله، وقوي أمر هذه ~~الموافقة من الجانبين حتى اقتضى تردد الرب سبحانه # PageV01P186 # في إماتة عبده؛ لأنه يكره الموت، والرب تعالى يكره ما يكرهه عبده، ويكره ~~مساءته، فمن هذه الجهة يقتضي أن لا يميته ولكن مصلحته في إماتته، فإنه ما ~~أماته إلا ليحييه، ولا أمرضه إلا ليصحه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا منعه ~~إلا ليعطيه، ولم يخرج من الجنة في صلب أبيه إلا ليعيده إليها على أحسن ~~أحواله، ولم يقل لأبيه اخرج منها إلا وهو يريد أن يعيده إليها، فهذا هو ~~الحبيب على الحقيقة لا سواه، بل لو كان في كل منبت شعرة من العبد محبة تامة ~~لله، لكان بعض ما يستحقه على عبده. # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول # كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل ### | [فصل: آخر مراتب الحب] # فصل # آخر مراتب الحب # ثم التتيم، وهو آخر مراتب الحب، وهو تعبد المحب لمحبوبه، يقال تيمه الحب، ~~إذا عبده، ومنه: تيم الله، أي عبد الله، وحقيقة التعبد: الذل والخضوع ~~للمحبوب، ومنه قولهم: طريق معبد أي مذلل، قد ذللته الأقدام، فالعبد هو الذي ~~ذلله الحب والخضوع لمحبوبه، ولهذا كانت أشرف أحوال العبد ومقاماته في ~~العبودية، فلا منزل له أشرف منها. # وقد ذكر الله سبحانه أكرم الخلق عليه وأحبهم إليه، وهو رسوله محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - بالعبودية في أشرف مقاماته، وهي مقام الدعوة إليه، ومقام ~~التحدي بالنبوة، ومقام الإسراء، فقال سبحانه: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه ~~كادوا يكونون عليه لبدا} [سورة الجن: 19] . # وقال: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على ms180 عبدنا فأتوا بسورة من مثله} [سورة ~~البقرة: 23] . # وقال {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} ~~[سورة الإسراء: 1] . # حديث الشفاعة: «اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما ~~تأخر» ، فنال مقام الشفاعة بكمال عبوديته، وكمال مغفرة الله له، والله ~~سبحانه خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له، التي هي أكمل أنواع المحبة مع ~~أكمل أنواع الخضوع، وهذا هو حقيقة الإسلام وملة إبراهيم التي من رغب عنها ~~فقد سفه نفسه، قال تعالى: # PageV01P187 # {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين - إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين - ~~ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون - أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون ~~من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ~~ونحن له مسلمون} [سورة البقرة: 130 - 133] . # ولهذا كان أعظم الذنوب عند الله الشرك. ### | [الشرك في المحبة] # وأصل الشرك بالله، والإشراك في المحبة كما قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ ~~من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} [سورة ~~البقرة: 165] . # فأخبر سبحانه أن من الناس من يشرك به ندا يحبه كما يحب الله، وأخبر أن ~~الذين آمنوا أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم. # وقيل: بل المعنى أنهم أشد حبا لله، فإنهم وإن أحبوا الله، لكن لما شركوا ~~بينه وبين أندادهم في المحبة ضعفت محبتهم لله، والموحدون لله لما خلصت ~~محبتهم له كانت أشد من محبة أولئك، والعدل برب العالمين، والتسوية بينه ~~وبين الأنداد هو في هذه المحبة، كما تقدم. # ولما كان مراد الله من خلقه خلوص هذه المحبة له، أنكر على من اتخذ من ~~دونه وليا أو شفيعا غاية الإنكار، وجمع ذلك تارة، وإفراد أحدهما عن الآخر، ~~فقال تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى ms181 ~~على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه ~~أفلا تذكرون} [سورة يونس: 3] . # وقال تعالى: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} [سورة ~~السجدة: 4] . # وقال في الإفراد: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون ~~شيئا ولا يعقلون - قل لله الشفاعة جميعا} [سورة الزمر: 43 - 44] . # PageV01P188 # وقال تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ~~ولي ولا شفيع لعلهم يتقون} [سورة الأنعام: 51] . # وقال تعالى: {من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا ~~من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم} [سورة الجاثية: 10] . # فإذا والى العبد ربه وحده أقام له الشفعاء، وعقد الموالاة بينه وبين ~~عباده المؤمنين فصاروا أولياءه في الله، بخلاف من اتخذ مخلوقا وليا من دون ~~الله. # فهذا لون وذاك لون، كما أن الشفاعة الشركية الباطلة لون، والشفاعة الحق ~~الثابتة التي إنما تنال بالتوحيد لون، وهذا موضع فرقان بين أهل التوحيد ~~وأهل الإشراك، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. # والمقصود: أن حقيقة العبودية لا تحصل مع الإشراك بالله في المحبة، بخلاف ~~المحبة لله، فإنها من لوازم العبودية وموجباتها، فإن محبة الرسول - بل ~~تقديمه في الحب على الأنفس والآباء والأبناء - لا يتم الإيمان إلا بها، إذ ~~محبته من محبة الله، وكذلك كل حب في الله ولله، كما في الصحيحين عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان» . # وفي لفظ في الصحيحين: «لا يجد حلاوة الإيمان إلا من كان فيه ثلاث خصال: ~~أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، ~~وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في ~~النار» . # وفي الحديث الذي في السنن: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، ~~فقد استكمل ms182 الإيمان» . # وفي حديث آخر: «ما تحاب رجلان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حبا ~~لصاحبه» . # فإن هذه المحبة من لوازم محبة الله تعالى وموجباتها، وكلما كانت أقوى كان ~~أصلها كذلك. ### | [فصل أنواع المحبة] # فصل # أنواع المحبة # وهاهنا أربعة أنواع من المحبة يجب التفريق بينها، وإنما ضل من ضل بعدم ~~التمييز بينها. # PageV01P189 # أحدها: محبة الله، ولا تكفي وحدها في النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه، ~~فإن المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله. # الثاني: محبة ما يحب الله، وهذه هي التي تدخله في الإسلام، وتخرجه من ~~الكفر، وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة وأشدهم فيها. # الثالث: الحب لله وفيه، وهي من لوازم محبة ما يحب، ولا تستقيم محبة ما ~~يحب إلا فيه وله. # الرابع: المحبة مع الله، وهي المحبة الشركية، وكل من أحب شيئا مع الله لا ~~لله، ولا من أجله، ولا فيه، فقد اتخذه ندا من دون الله، وهذه محبة ~~المشركين. # وبقي قسم خامس ليس مما نحن فيه: وهي المحبة الطبيعية، وهي ميل الإنسان ~~إلى ما يلائم طبعه، كمحبة العطشان للماء، والجائع للطعام، ومحبة النوم ~~والزوجة والولد، فتلك لا تذم إلا إذا ألهت عن ذكر الله، وشغلت عن محبته، ~~كما قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر ~~الله} [سورة المنافقون: 9] . # وقال تعالى {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} [سورة النور: 37] ~~. ### | [فصل كمال المحبة] # فصل # كمال المحبة # ثم الخلة وهي تتضمن كمال المحبة ونهايتها، بحيث لا يبقى في القلب سعة ~~لغير محبوبه، وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجه ما، وهذا المنصب خاص للخليلين ~~- صلوات الله وسلامه عليهما -: إبراهيم ومحمد، كما قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا» . # وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لو كنت متخذا من أهل ~~الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله» . # وفي حديث آخر: «إني أبرأ إلى كل خليل من خلته» ولما سأل إبراهيم عليه ~~السلام ms183 الولد فأعطيه، وتعلق حبه بقلبه، فأخذ منه شعبة، غار الحبيب على ~~خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره، فأمره بذبحه، وكان الأمر في المنام ~~ليكون # PageV01P190 # تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاء وامتحانا، ولم يكن المقصود ذبح الولد، ولكن ~~المقصود ذبحه من قلبه؛ ليخلص القلب للرب، فلما بادر الخليل عليه الصلاة ~~والسلام إلى الامتثال، وقدم محبة الله على محبة ولده، حصل المقصود فرفع ~~الذبح، وفدي بذبح عظيم، فإن الرب تعالى ما أمر بشيء، ثم أبطله رأسا، بل لا ~~بد أن يبقي بعضه أو بدله، كما أبقى شريعة الفداء، وكما أبقى استحباب الصدقة ~~بين يدي المناجاة، وكما أبقى الخمس الصلوات بعد رفع الخمسين وأبقى ثوابها، ~~وقال: «ولا يبدل القول لدي، هي خمس في الفعل، وهي خمسون في الأجر ".» ### | [فصل المحبة والخلة] # فصل # المحبة والخلة # وأما ما يظنه بعض الغالطين - أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل ~~الله، ومحمدا حبيب الله - فمن جهله، فإن المحبة عامة، والخلة خاصة، والخلة ~~نهاية المحبة، وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله اتخذه خليلا ~~كما اتخذ إبراهيم خليلا ونفى أن يكون له خليل غير ربه مع إخباره بحبه ~~لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم. # وأيضا فإن الله سبحانه: {يحب التوابين ويحب المتطهرين} [سورة البقرة: ~~222] . # و {يحب الصابرين} [سورة آل عمران: 146] . # و {يحب المحسنين} [سورة آل عمران: 148] . # و {يحب المقسطين} [سورة المائدة: 42] . # والشاب التائب حبيب الله، وخلته خاصة بالخليلين، وإنما هذا من قلة العلم ~~والفهم عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. ### | [فصل إيثار الأعلى] # فصل # إيثار الأعلى # وقد تقدم أن العبد لا يترك ما يحبه ويهواه، ولكن يترك أضعفهما محبة ~~لأقواهما محبة، # PageV01P191 # كما أنه يفعل ما يكرهه؛ لحصول ما محبته أقوى عنده من كراهة ما يفعله، أو ~~لخلاصه من مكروه. # وتقدم أن خاصية العقل إيثار أعلى المحبوبين على أدناهما، وأيسر المكروهين ~~على أقواهما، وتقدم أن هذا من كمال قوة الحب والبغض. # ولا يتم له هذا إلا بأمرين: قوة الإدراك، وشجاعة القلب، فإن التخلف عن ~~ذلك ms184 والعمل بخلافه يكون إما لضعف الإدراك بحيث إنه لم يدرك مراتب المحبوب ~~والمكروه على ما هي عليه، إما لضعف في النفس، وعجز في القلب، بحيث لا ~~يطاوعه على إيثار الأصلح؛ لرفع علمه بأنه الأصلح، فإذا صح إدراكه، وقويت ~~نفسه، وتشجع قلبه على إيثار المحبوب الأعلى والمكروه الأدنى فقد وفق لأسباب ~~السعادة. # فمن الناس من يكون سلطان شهوته أقوى من سلطان عقله وإيمانه، فيقهر الغالب ~~الضعيف، ومنهم من يكون سلطان إيمانه وعقله أقوى من سلطان شهوته، وإذا كان ~~كثير من المرضى يحميه الطبيب عما يضره، فتأبى عليه نفسه وشهوته إلا تناوله، ~~ويقدم شهوته على عقله، وتسميه الأطباء: عديم المروءة، فهكذا أكثر مرضى ~~القلوب يؤثرون ما يزيد مرضهم، لقوة شهوتهم له. # فأصل الشر من ضعف الإدراك وضعف النفس ودناءتها، وأصل الخير من كمال ~~الإدراك وقوة النفس وشرفها وشجاعتها. # فالحب والإرادة أصل كل فعل ومبدؤه، والبغض والكراهة أصل كل ترك ومبدؤه، ~~وهاتان القوتان في القلب، أصل سعادة العبد وشقاوته. # ووجود الفعل الاختياري لا يكون إلا بوجود سببه من الحب والإرادة. # وأما عدم الفعل: فتارة يكون لعدم مقتضيه وسببه، وتارة يكون لوجود البغض ~~والكراهة المانعة منه، وهذا متعلق الأمر والنهي وهو الذي يسمى الكف، وهو ~~متعلق الثواب والعقاب، وبهذا يزول الاشتباه في مسألة الترك وهل هو أمر ~~وجودي أو عدمي؟ والتحقيق أنه قسمان: فالترك المضاف إلى عدم السبب المقتضي ~~عدمي، والمضاف إلى السبب المانع من الفعل وجودي. ### | [فصل إيثار الأنفع] # فصل # إيثار الأنفع # وكل واحد من الفعل والترك الاختياريين إنما يؤثره الحي لما فيه من حصول ~~المنفعة # PageV01P192 # التي يلتذ بحصولها، أو زوال الألم الذي يحصل له الشفاء بزواله، ولهذا ~~يقال: شفى صدره، وشفى قلبه، وقال: # هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها ... وليس منها شفاء الداء مبذول # وهذا مطلوب يؤثره العاقل بل الحيوان البهيم، ولكن يغلط فيه أكثر الناس ~~غلطا قبيحا، فيقصد حصول اللذة بما يعقب عليه أعظم الألم، فيؤلم نفسه من حيث ~~يظن أنه يحصل لذتها، ويشفي قلبه بما يعقب عليه غاية المرض، وهذا ms185 شأن من قصر ~~نظره على العاجل ولم يلاحظ العواقب، وخاصة العقل الناظر في العواقب، فأعقل ~~الناس من آثر لذته وراحته في الآجلة الدائمة على العاجلة المنقضية الزائلة، ~~وأسفه الخلق من باع نعيم الأبد وطيب الحياة الدائمة واللذة العظمى التي لا ~~تنغيص فيها ولا نقص بوجه ما، بلذة منقضية مشوبة بالآلام والمخاوف، وهي ~~سريعة الزوال وشيكة الانقضاء. # قال بعض العلماء: " فكرت فيما يسعى فيه العقلاء، فرأيت سعيهم كلهم في ~~مطلوب واحد وإن اختلفت طرقهم في تحصيله، رأيتهم جميعهم إنما يسعون في دفع ~~الهم والغم عن نفوسهم، فهذا بالأكل والشرب، وهذا بالتجارة والكسب، وهذا ~~بالنكاح، وهذا بسماع الغناء والأصوات المطربة، وهذا باللهو واللعب، فقلت: ~~هذا المطلوب مطلوب العقلاء، ولكن الطرق كلها غير موصلة إليه، بل لعل أكثرها ~~إنما يوصل إلى ضده، ولم أر في جميع هذه الطرق طريقا موصلة إليه إلا الإقبال ~~على الله وحده، ومعاملته وحده، وإيثار مرضاته على كل شيء ". # فإن سالك هذا الطريق إن فاته حظه من الدنيا فقد ظفر بالحظ العالي الذي لا ~~فوت معه، وإن حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته فاته كل شيء، وإن ظفر بحظه ~~من الدنيا ناله على أهنأ الوجوه، فليس للعبد أنفع من هذه الطرق، ولا أوصل ~~منها إلى لذته وبهجته وسعادته، وبالله التوفيق. ### | [فصل أقسام المحبوب] # فصل # أقسام المحبوب # والمحبوب قسمان: محبوب لنفسه، ومحبوب لغيره، والمحبوب لغيره، لا بد أن ~~ينتهي إلى المحبوب لنفسه، دفعا للتسلسل المحال، وكل ما سوى المحبوب الحق ~~فهو محبوب لغيره، وليس شيء يحب لذاته إلا الله وحده، وكل ما سواه مما يحب ~~فإنما محبته تبع لمحبة الرب تبارك وتعالى، كمحبة ملائكته وأنبيائه ~~وأوليائه، فإنها تبع لمحبته سبحانه، وهي من لوازم محبته، # PageV01P193 # فإن محبة المحبوب توجب محبة ما يحبه، وهذا موضع يجب الاعتناء به، فإنه ~~محل فرقان بين المحبة النافعة لغيره، والتي لا تنفع بل قد تضر. # فاعلم أنه لا يحب لذاته إلا من كان كماله من لوازم ذاته، وإلهيته ~~وربوبيته وغناه من لوازم ذاته، وما ms186 سواه فإنما يبغض ويكره لمنافاته محابه ~~ومضادته لها، وبغضه وكراهته بحسب قوة هذه المنافاة وضعفها، فما كان أشد ~~منافاة لمحابه، كان أشد كراهة من الأعيان والأوصاف والأفعال والإرادات ~~وغيرها، فهذا ميزان عادل توزن به موافقة الرب ومخالفته وموالاته ومعاداته، ~~فإذا رأينا شخصا يحب ما يكرهه الرب تعالى ويكره ما يحبه، علمنا أن فيه من ~~معاداته بحسب ذلك، وإذا رأينا الشخص يحب ما يحبه الرب ويكره ما يكرهه، ~~وكلما كان الشيء أحب إلى الرب كان أحب إليه وآثره عنده، وكلما كان أبغض ~~إليه كان أبغض إليه وأبعد منه، علمنا أن فيه من موالاة الرب بحسب ذلك. # فتمسك بهذا الأصل في نفسك وفي غيرك، فالولاية عبارة عن موافقة الولي ~~الحميد في محابه ومساخطه، وليست بكثرة صوم ولا صلاة ولا تمزق ولا رياضة. # والمحبوب لغيره قسمان أيضا: # أحدهما: ما يلتذ المحب بإدراكه وحصوله. # والثاني: ما يتألم به ولكن يحتمله لإفضائه إلى المحبوب، كشرب الدواء ~~الكريه، قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو ~~خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [سورة ~~البقرة: 216] . # فأخبر سبحانه أن القتال مكروه لهم مع أنه خير لهم لإفضائه إلى أعظم محبوب ~~وأنفعه، والنفوس تحت الراحة والدعة والرفاهية، ذلك شر لها لإفضائه إلى فوات ~~المحبوب، فالعاقل لا ينظر إلى لذة المحبوب العاجل فيؤثرها، وألم المكروه ~~العاجل فيرغب عنه، فإن ذلك قد يكون شرا له، بل قد يجلب عليه غاية الألم ~~ويفوته أعظم اللذة، بل عقلاء الدنيا يتحملون المشاق المكروهة لما يعقبهم من ~~اللذة بعدها، وإن كانت منقطعة. # فالأمور أربعة: مكروه يوصل إلى مكروه، ومكروه يوصل إلى محبوب، ومحبوب ~~يوصل إلى محبوب، ومحبوب يوصل إلى مكروه، فالمحبوب الموصل إلى المحبوب قد ~~اجتمع فيه داعي الفعل من وجهين، والمكروه الموصل إلى مكروه، قد اجتمع فيه ~~داعي الترك من وجهين. # بقي القسمان الآخران يتجاذبهما الداعيان - وهما معترك الابتلاء والامتحان ~~- فالنفس تؤثر أقربهما جوارا منها، وهو العاجل، والعقل والإيمان يؤثر ~~أنفعهما ms187 وأبقاهما، والقلب بين الداعيين، وهو إلى هذا مرة، وإلى هذا مرة، ~~وهاهنا محل الابتلاء شرعا وقدرا، فداعي العقل # PageV01P194 # والإيمان ينادي كل وقت: حي على الفلاح، عند الصباح يحمد القوم السرى، وفي ~~الممات يحمد العبد التقى، فإن اشتد ظلام ليل المحبة، وتحكم سلطان الشهوة ~~والإرادة، يقول: يا نفس اصبري فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويذهب هذا كله ~~ويزول. ### | [فصل الحب أصل كل عمل] # فصل # الحب أصل كل عمل # وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل، فأصل الأعمال الدينية حب الله ~~ورسوله، كما أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله، وكل إرادة تمنع كمال ~~الحب لله ورسوله وتزاحم هذه المحبة أو شبهة تمنع كمال التصديق، فهي معارضة ~~لأصل الإيمان أو مضعفة له، فإن قويت حتى عارضت أصل الحب والتصديق كانت كفرا ~~أو شركا أكبر، وإن لم تعارضه قدحت في كماله، وأثرت فيه ضعفا وفتورا في ~~العزيمة والطلب، وهي تحجب الواصل، وتقطع الطالب، وتنكس الراغب، فلا تصح ~~الموالاة إلا بالمعاداة كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين أنه قال ~~لقومه: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون - أنتم وآباؤكم الأقدمون - فإنهم عدو لي ~~إلا رب العالمين} [سورة الشعراء: 75 - 77] . # فلم يصح لخليل الله هذه الموالاة والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة، فإنه ~~لا ولاء إلا بالبراءة من كل معبود سواه، قال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة ~~في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون ~~الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله ~~وحده} [سورة الممتحنة: 4] . # وقال تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي ~~فطرني فإنه سيهدين - وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} [سورة ~~الزخرف: 26 - 28] . # أي جعل هذه الموالاة لله، والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في عقبه ~~يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض وهي كلمة: لا إله إلا الله، وهي ~~التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة. # كلمة التوحيد # PageV01P195 # وهي الكلمة التي قامت بها الأرض ms188 والسماوات، وفطر الله عليها جميع ~~المخلوقات، وعليها أسست الملة ونصبت القبلة، وجردت سيوف الجهاد، وهي محض حق ~~الله على جميع العباد، وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه ~~الدار، والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار، وهي المنشور الذي لا يدخل ~~الجنة إلا به، والحبل الذي لا يصل إلى الله من لم يتعلق بسببه، وهي كلمة ~~الإسلام، ومفتاح دار السلام، وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد، ومقبول ~~وطريد، وبها انفصلت دار الكفر من دار الإيمان، وتميزت دار النعيم من دار ~~الشقاء والهوان، وهي العمود الحامل للفرض والسنة، و «من كان آخر كلامه لا ~~إله إلا الله دخل الجنة» . # روح كلمة التوحيد # وروح هذه الكلمة وسرها: إفراد الرب - جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، وتبارك ~~اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره - بالمحبة والإجلال والتعظيم والخوف ~~والرجاء وتوابع ذلك: من التوكل والإنابة والرغبة والرهبة، فلا يحب سواه، ~~وكل ما كان يحب غيره فإنما يحب تبعا لمحبته، وكونه وسيلة إلى زيادة محبته، ~~ولا يخاف سواه، ولا يرجى سواه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ولا ~~يرهب إلا منه، ولا يحلف إلا باسمه، ولا ينظر إلا له، ولا يتاب إلا إليه، ~~ولا يطاع إلا أمره، ولا يتحسب إلا به، ولا يستغاث في الشدائد إلا به، ولا ~~يلتجأ إلا إليه، ولا يسجد إلا له، ولا يذبح إلا له وباسمه، ويجتمع ذلك في ~~حرف واحد، وهو: أن لا يعبد إلا إياه بجميع أنواع العبادة، فهذا هو تحقيق ~~شهادة أن لا إله إلا الله، ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله إلا ~~الله حقيقة الشهادة، ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام ~~بها، كما قال تعالى: {والذين هم بشهاداتهم قائمون} [سورة المعارج: 33] . # فيكون قائما بشهادته في ظاهره وباطنه، في قلبه وقالبه، فإن من الناس من ~~تكون شهادته ميتة، ومنهم من تكون نائمة، إذا نبهت انتبهت، ومنهم من تكون ~~مضطجعة، ومنهم من تكون إلى القيام أقرب، وهي في القلب بمنزلة الروح في ms189 ~~البدن، فروح ميتة، وروح مريضة إلى الموت أقرب، وروح إلى الحياة أقرب، وروح ~~صحيحة قائمة بمصالح البدن. # وفي الحديث الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم -: «إني لأعلم كلمة لا ~~يقولها عبد عند الموت إلا وجدت روحه لها روحا» فحياة هذه الروح بحياة هذه ~~الكلمة فيها، فكما أن حياة البدن بوجود الروح فيه، # PageV01P196 # وكما أن من مات على هذه الكلمة فهو في الجنة يتقلب فيها، فمن عاش على ~~تحقيقها والقيام بها فروحه تتقلب في جنة المأوى وعيشه وأطيب عيش قال: {وأما ~~من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى - فإن الجنة هي المأوى} [سورة ~~النازعات: 40 - 41] . # فالجنة مأواه يوم اللقاء. # وجنة المعرفة والمحبة والأنس بالله والشوق إلى لقائه والفرح به والرضا ~~به، وعنه مأوى روحه في هذه الدار، فمن كانت هذه الجنة مأواه هاهنا، كانت ~~جنة الخلد مأواه يوم الميعاد، ومن حرم هذه الجنة فهو لتلك الجنة أشد ~~حرمانا، والأبرار في النعيم وإن اشتد بهم العيش، وضاقت عليهم الدنيا، ~~والفجار في جحيم وإن اتسعت عليهم الدنيا، قال تعالى: {من عمل صالحا من ذكر ~~أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} [سورة النحل: 97] وطيب الحياة جنة ~~الدنيا، قال تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} [سورة الأنعام: 125] . # فأي نعيم أطيب من شرح الصدر؟ وأي عذاب أمر من ضيق الصدر؟ # وقال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون - الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون - لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل ~~لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم} [سورة يونس: 62 - 64] فالمؤمن المخلص لله ~~من أطيب الناس عيشا، وأنعمهم بالا، وأشرحهم صدرا، وأسرهم قلبا، وهذه جنة ~~عاجلة قبل الجنة الآجلة. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، ~~قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر» . # ومن هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض ~~الجنة» . # ومن هذا قوله وقد سألوه عن وصاله ms190 في الصوم: «إني لست كهيئتكم إني أظل عند ~~ربي يطعمني ويسقيني» . # فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن ما يحصل له من الغذاء عند ربه يقوم مقام ~~الطعام # PageV01P197 # والشراب الحسنى، وأن ما يحصل له من ذلك أمر يختص به ولا يشاركه فيه غيره، ~~فإذا أمسك عن الطعام والشراب فله عنه عوض يقوم مقامه وينوب منابه، ويغني ~~عنه، كما قيل: # لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد # لها بوجهك نور تستضيء به ... ومن حديثك في أعقابها حادي # إذا اشتكت من كلال السير أوعدها ... روح اللقاء فتحيا عند ميعاد # وكلما كان وجود الشيء أنفع للعبد وهو إليه أحوج، كان تألمه بفقده أشد، ~~وكلما كان عدمه أنفع له كان تألمه بوجوده أشد، ولا شيء على الإطلاق أنفع ~~للعبد من إقباله على الله، واشتغاله بذكره، وتنعمه بحبه، وإيثاره لمرضاته، ~~بل لا حياة له ولا نعيم ولا سرور ولا بهجة إلا بذلك، فعدمه آلم شيء له، ~~وأشده عليه، وإنما تغيب الروح عن شهود هذا العذاب والألم لاشتغالها بغيره، ~~واستغراقها في ذلك الغير، تتغيب به عن شهود ما هي فيه من ألم الفوات بفراق ~~أحب شيء إليها، وأنفعه لها، وهذه منزلة السكران المستغرق في سكره، الذي ~~احترقت داره وأمواله وأهله وأولاده، وهو لاستغراقه في السكر لا يشعر بألم ~~ذلك الفوات وحسرته، حتى إذا صحا، وكشف عنه غطاء السكر، وانتبه من رقدة ~~الخمر، فهو أعلم بحاله حينئذ. # وهكذا الحال سواء عند كشف الغطاء، ومعاينة طلائع الآخرة، والإشراف على ~~مفارقة الدنيا والانتقال منها إلى الله، بل الألم والحسرة والعذاب هنا أشد ~~بأضعاف مضاعفة، فإن المصاب في الدنيا يرجو جبر مصيبته بالعوض، ويعلم أنه قد ~~أصيب بشيء زائل لا بقاء له، فكيف بمن مصيبته بما لا عوض عنه، ولا بدل منه، ~~ولا نسبة بينه وبين الدنيا جميعها؟ فلو قضى الله سبحانه عليه بالموت من هذه ~~الحسرة والألم لكان العبد جديرا به، فإن الموت ليعود أعظم أمنيته وأكبر ~~حسراته، هذا لو كان الألم على مجرد الفوات، فكيف وهناك ms191 من العذاب على الروح ~~والبدن بأمور أخرى وجودية ما لا يقدره قدره؟ فتبارك من حمل هذا الخلق ~~الضعيف هذين الألمين العظيمين اللذين لا تحملهما الجبال الرواسي. # فاعرض على نفسك الآن أعظم محبوب لك في الدنيا، بحيث لا تطيب لك الحياة ~~إلا معه، فأصبحت وقد أخذ منك، وحيل بينك وبينه أحوج ما كنت إليه، كيف يكون ~~حالك؟ هذا ومنه كل عوض، فكيف بمن لا عوض عنه؟ كما قيل: # من كل شيء إذا ضيعته عوض ... وما من الله إن ضيعته عوض # وفي أثر إلهي: " «ابن آدم، خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا ~~تتعب، ابن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل ~~شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء» ". ### | [فصل المحبة المحمودة والمحبة المذمومة] # فصل # المحبة المحمودة والمحبة المذمومة # PageV01P198 # ولما كانت المحبة جنسا تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف، كان أغلب ما ~~يذكر فيها في حق الله تعالى ما يختص به ويليق به من أنواعها، وما لا تصلح ~~إلا له وحده، مثل العبادة والإنابة ونحوها، فإن العبادة لا تصلح إلا له ~~وحده، وكذا الإنابة، وقد ذكر المحبة باسمها المطلق كقوله تعالى: {فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه} [سورة المائدة: 54] . # وقوله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله} [سورة البقرة: 165] . # وأعظم أنواع المحبة المذمومة: المحبة مع الله التي يسوي المحب فيها بين ~~محبته لله ومحبته للند الذي اتخذه من دونه. # وأعظم أنواعها المحمودة: محبة الله وحده، وهذه المحبة هي أصل السعادة ~~ورأسها التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها، والمحبة المذمومة الشركية هي ~~أصل الشقاوة ورأسها التي لا يبقى في العذاب إلا أهلها، فأهل المحبة الذين ~~أحبوا الله وعبدوه وحده لا شريك له لا يدخلون النار، ومن دخلها منهم بذنوبه ~~فإنه لا يبقى فيها منهم أحد. # ومدار القرآن على الأمر بتلك المحبة ولوازمها، والنهي عن المحبة الأخرى ~~ولوازمها، وضرب الأمثال والمقاييس للنوعين، وذكر قصص النوعين، وتفصيل أعمال ms192 ~~النوعين وأوليائهم ومعبود كل منهما، وإخباره عن فعله بالنوعين، وعن حال ~~النوعين في الدور الثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، والقرآن ~~جاء في شأن النوعين. # وأصل دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم، إنما هي عبادة الله وحده لا ~~شريك له، المتضمنة لكمال حبه، وكمال الخضوع والذل له، والإجلال والتعظيم، ~~ولوازم ذلك من الطاعة والتقوى. # وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ~~والناس أجمعين» . # وفي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: «يا رسول الله ~~والله # PageV01P199 # لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك ~~من نفسك، قال: والذي بعثك بالحق لأنت أحب إلي من نفسي، قال: الآن يا عمر. # » فإذا كان هذا شأن محبة عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ووجوب ~~تقديمها على محبة نفس الإنسان وولده ووالده والناس أجمعين، فما الظن بمحبة ~~مرسله سبحانه وتعالى، ووجوب تقديمها على محبة ما سواه؟ . # ومحبة الرب سبحانه تختص عن محبة غيره في قدرها وصفتها وإفراده سبحانه ~~بها: فإن الواجب له من ذلك كله أن يكون أحب إلى العبد من ولده ووالده، بل ~~من سمعه وبصره ونفسه التي بين جنبيه، فيكون إلهه الحق ومعبوده أحب إليه من ~~ذلك كله، والشيء قد يحب من وجه دون وجه، وقد يحب بغيره، وليس شيء يحب لذاته ~~من كل وجه إلا الله وحده، ولا تصلح الألوهية إلا له، و {لو كان فيهما آلهة ~~إلا الله لفسدتا} [سورة الأنبياء: 22] . # والتأله: هو المحبة والطاعة والخضوع. ### | [فصل الحب أصل الحركة] # فصل # الحب أصل الحركة # وكل حركة في العالم العلوي والسفلي فأصلها المحبة، فهي عليها الفاعلية ~~والغائية، وذلك لأن الحركات ثلاثة أنواع: حركة اختيارية إرادية، وحركة ~~طبيعية، وحركة قسرية. # والحركة الطبيعية أصلها السكون، وإنما يتحرك الجسم إذا خرج عن مستقره ~~ومركزه الطبيعي، فهو يتحرك للعود إليه، وخروجه ms193 عن مركزه ومستقره إنما هو ~~بتحريك القاصر المحرك له، فله حركة قسرية تتحرك بتحريك محركه وقاسره، وحركة ~~طبيعية بذاتها يطلب بها العود إلى مركزه، وكلا حركتيه تابعة للقاسر المحرك، ~~فهو أصل الحركتين. # والحركة الاختيارية الإرادية هي أصل الحركتين الأخريين، وهي تابعة ~~للإرادة والمحبة. # والدليل على انحصار الحركات في هذه الثلاث: أن المتحرك إن كان له شعور ~~بالحركة فهي الإرادية، وإن لم يكن له شعور بها، فإما أن تكون على وفق طبعه ~~أو لا، فالأولى هي الطبيعية، والثانية القسرية، إذا ثبت هذا فما في ~~السماوات والأرض وما بينهما من حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم ~~والرياح والسحاب والمطر والنبات وحركات الأجنة في # PageV01P200 # بطون أمهاتها، فإنما هي بواسطة الملائكة والمدبرات أمرا والمقسمات أمرا، ~~كما دل على ذلك في نصوص من القرآن والسنة في غير موضع، والإيمان بذلك من ~~تمام الإيمان بالملائكة، فإن الله وكل بالرحم ملائكة، وبالقطر ملائكة، ~~وبالنبات ملائكة، وبالرياح ملائكة، وبالأفلاك والشمس والقمر والنجوم، ووكل ~~بكل عبد أربعة من الملائكة، كاتبين عن يمينه وشماله، وحافظين من بين يديه ~~ومن خلفه، ووكل ملائكة بقبض روحه وتجهيزها إلى مستقرها في الجنة والنار، ~~وملائكة بمساءلته وامتحانه في قبره، وملائكة بتعذيبه في النار أو نعيمه في ~~الجنة، ووكل بالجبال ملائكة، وبالسحاب ملائكة تسوقه حيث أمرت به، وبالقطر ~~ملائكة تنزل بأمر الله بقدر معلوم كما شاء الله، ووكل ملائكة بغرس الجنة ~~وعمل آلتها وفرشها والقيام عليها، وملائكة بالنار كذلك. # فأعظم جند الله الملائكة، ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ غيره وليس لهم ~~من الأمر شيء، بل الأمر كله لله، وهم يدبرون الأمر ويقسمونه بأمر الله ~~وإذنه، قال تعالى إخبارا عنهم: {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا ~~وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا} [سورة مريم: 64] . # وقال تعالى: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن ~~يأذن الله لمن يشاء ويرضى} [سورة النجم: 26] . # وأقسم سبحانه بطوائف من الملائكة المنفذين لأمره في الخليفة كما قال ~~تعالى: {والصافات صفا ms194 - فالزاجرات زجرا - فالتاليات ذكرا} [سورة الصافات: 1 ~~- 3] . # وقال: {والمرسلات عرفا - فالعاصفات عصفا - والناشرات نشرا - فالفارقات ~~فرقا - فالملقيات ذكرا - عذرا أو نذرا} [سورة المرسلات: 1 - 6] . # وقال تعالى: {والنازعات غرقا - والناشطات نشطا - والسابحات سبحا - ~~فالسابقات سبقا - فالمدبرات أمرا} [سورة النازعات: 1 - 5] . # وقد ذكرنا معنى ذلك وسر الإقسام به في كتاب (التبيان في أقسام القرآن) . # PageV01P201 # وإذا عرفت ذلك فجميع تلك المحبات والمحركات والإرادات والأفعال: هي عبادة ~~منهم لرب الأرض والسماوات، وجميع الحركات الطبيعية والقسرية تابعة لها، ~~فلولا الحب ما دارت الأفلاك، ولا تحركت الكواكب النيرات، ولا هبت الرياح ~~المسخرات، ولا مرت السحب الحاملات، ولا تحركت الأجنة في بطون الأمهات، ولا ~~انصدع عن الحب أنواع النبات، ولا اضطربت أمواج الزاخرات، ولا تحركت ~~المدبرات والمقسمات، ولا سبحت بحمد فاطرها الأرضون والسماوات، وما فيها من ~~أنواع المخلوقات، فسبحان من: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن ~~من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} [سورة ~~الإسراء: 44] . ### | [فصل الحب لله وحده] # فصل # الحب لله وحده # فإذا عرف ذلك فكل حي له إرادة ومحبة وعمل بحسبه، وكل متحرك فأصل حركته ~~المحبة والإرادة، ولا صلاح للموجودات إلا بأن تكون حركاتها ومحبتها لفاطرها ~~وبارئها وحده، كما لا وجود لها إلا بإبداعه وحده. # ولهذا قال تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [سورة الأنبياء: ~~22] . # ولم يقل سبحانه: لما وجدتا ولكانتا معدومتين، ولا قال: لعدمتا، إذ هو ~~سبحانه قادر على أن يبقيهما على وجه الفساد، لكن لا يمكن أن يكونا على وجه ~~الصلاح والاستقامة إلا بأن يكون الله وحده هو معبودهما، ومعبود ما حوتاه ~~وسكن فيهما، فلو كان في العالم إلهان لفسد نظامه غاية الفساد، فإن كل إله ~~كان يطلب مغالبة الآخر، والعلو عليه، وتفرده دونه بإلهيته، إذ الشركة نقص ~~في كمال الإلهية، والإله لا يرضى لنفسه أن يكون إلها ناقصا، فإن قهر أحدهما ~~الآخر كان هو الإله وحده، والمقهور ليس بإله، وإن لم يقهر أحدهما الآخر لزم ~~عجز كل منهما، ولم يكن تام الإلهية، ms195 فيجب أن يكون فوقهما إله قاهر لهما ~~حاكم عليهما، وإلا ذهب كل منهما بما خلق، وطلب كل منهما العلو على الآخر، ~~وفي ذلك فساد أمر السماوات والأرض ومن فيها، كما هو المعهود من فساد البلد ~~إذا كان فيها ملكان متكافئان، وفساد الزوجة إذا كان لها بعلان، والشول: إذا ~~كان فيه فحلان. # وأصل فساد العالم إنما هو من اختلاف الملوك والخلفاء، ولهذا لم يطمع ~~أعداء الإسلام # PageV01P202 # فيه في زمن من الأزمنة إلا في زمن تعدد الملوك من المسلمين واختلافهم، ~~وانفراد كل منهم ببلاد، وطلب بعضهم العلو على بعض. # فصلاح السماوات والأرض واستقامتها، وانتظام أمر المخلوقات على أتم نظام ~~من أظهر الأدلة على أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله ~~الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأن كل معبود من لدن عرشه إلى قرار ~~أرضه باطل إلا وجهه الأعلى، قال الله تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما كان ~~معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما ~~يصفون - عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون} [سورة المؤمنون: 91 - 93] ~~. # وقال تعالى: {أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون - لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون - لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون} [سورة الأنبياء: 21 - 23] . # وقال تعالى: {قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا} [سورة الإسراء: 42] . # فقيل: لابتغوا السبيل إليه بالمغالبة والقهر كما يفعل الملوك بعضهم مع ~~بعض، ويدل عليه قوله في الآية الأخرى: {ولعلا بعضهم على بعض} . # قال شيخنا - رضي الله عنه -: والصحيح أن المعنى: لابتغوا إليه سبيلا ~~بالتقرب إليه وطاعته، فكيف تعبدونهم من دونه؟ وهم لو كانوا آلهة كما يقولون ~~لكانوا عبيدا له، قال: ويدل على هذا وجوه: # منها: قوله تعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه} [سورة الإسراء: 57] . # أي هؤلاء الذين تعبدونهم من دوني هم عبادي كما أنتم ms196 عبادي، ويرجون رحمتي ~~ويخافون عذابي، فلماذا تعبدونهم من دوني؟ # الثاني: أنه سبحانه لم يقل لابتغوا عليه سبيلا، بل قال: لابتغوا إليه ~~سبيلا، وهذا اللفظ إنما يستعمل في التقرب، كقوله تعالى: {اتقوا الله ~~وابتغوا إليه الوسيلة} [سورة المائدة: 35] . # PageV01P203 # وأما في المغالبة فإنما يستعمل بعلى كقوله: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن ~~سبيلا} [سورة النساء: 34] . # والثالث: أنهم لم يقولوا إن آلهتهم تغالبه وتطلب العلو عليه، وهو سبحانه ~~قد قال: {قل لو كان معه آلهة كما يقولون} وهم إنما كانوا يقولون: إن آلهتهم ~~تبتغي التقرب إليه وتقربهم زلفى إليه، فقالوا: لو كان الأمر كما تقولون ~~لكانت تلك الآلهة عبيدا له، فلماذا تعبدون عبيده من دونه؟ ### | [فصل آثار المحبة] # فصل # آثار المحبة # والمحبة لها آثار وتوابع ولوازم وأحكام، سواء كانت محمودة أو مذمومة، ~~نافعة أو ضارة، من الوجد والذوق والحلاوة، والشوق والأنس، والاتصال ~~بالمحبوب والقرب منه، والانفصال عنه والبعد عنه، والصد والهجران، والفرح ~~والسرور، والبكاء والحزن، وغير ذلك من أحكامها ولوازمها. # والمحبة المحمودة: هي المحبة النافعة التي تجلب لصاحبها ما ينفعه في ~~دنياه وآخرته، وهذه المحبة هي عنوان السعادة، والضارة: هي التي تجلب ~~لصاحبها ما يضره في دنياه وآخرته، وهي عنوان الشقاوة. # ومعلوم أن الحي العاقل لا يختار محبة ما يضره ويشقيه، وإنما يصدر ذلك عن ~~جهل وظلم، فإن النفس قد تهوى ما يضرها ولا ينفعها، وذلك من ظلم الإنسان ~~لنفسه، إما بأن تكون جاهلة بحال محبوبها بأن تهوى الشيء وتحبه غير عالمة ~~بما في محبته من المضرة، وهذا حال من اتبع هواه بغير علم، وإما عالمة بما ~~في محبته من الضرر لكن تؤثر هواها على علمها، وقد تتركب محبتها على أمرين: ~~اعتقاد فاسد، وهو مذموم، وهذا حال من اتبع الظن وما تهوى الأنفس، فلا تقع ~~المحبة الفاسدة إلا من جهل أو اعتقاد فاسد أو هوى غالب، أو ما تركب من ذلك ~~فأعان بعضه بعضا فتنفق شبهة وشهوة، شبهة يشتبه بها الحق بالباطل وتزين له ~~أمر المحبوب، وشهوة تدعوه إلى حصوله، فيتساعد جيش الشبهة والشهوة ms197 على جيش ~~العقل والإيمان، والغلبة لأقواهما. # وإذا عرف هذا فتوابع كل نوع من أنواع المحبة له حكم متبوعه، فالمحبة ~~النافعة المحمودة التي هي عنوان سعادة العبد وتوابعها كلها نافعة له، ~~فحكمها حكم متبوعها، فإن # PageV01P204 # بكى نفعه، وإن حزن نفعه، وإن فرح نفعه، وإن انقبض نفعه، وإن انبسط نفعه، ~~فهو يتقلب في منازل المحبة وأحكامها في مزيد وربح وقوة. # والمحبة الضارة المذمومة، توابعها وآثارها كلها ضارة لصاحبها، مبعدة له ~~من ربه، كيفما تقلب في آثارها ونزل في منازلها في خسارة وبعد. # وهذا شأن كل فعل تولد عن طاعة ومعصية، فكل ما تولد من الطاعة فهو زيادة ~~لصاحبها وقربة، وكل ما تولد عن المعصية فهو خسران لصاحبه وبعد، قال تعالى: ~~{ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا ~~يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين - ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا ~~كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} [سورة التوبة: 120 - 121] . # فأخبر الله سبحانه في الآية الأولى: أن المتولد عن طاعتهم وأفعالهم يكتب ~~به عمل صالح، وأخبر في الثانية: أن أعمالهم الصالحة التي باشروها تكتب لهم ~~أنفسها، والفرق بينهما: أن الأول ليس من فعلهم، وإنما تولد عنه فكتب لهم به ~~عمل صالح، والثاني نفس أعمالهم فكتب لهم. # فليتأمل قتيل المحبة هذا الفصل حق التأمل؛ ليعلم ما له وما عليه. # سيعلم يوم العرض أي بضاعة ... أضاع وعند الوزن ما كان حصلا ### | [فصل المحبة أصل كل دين] # فصل # المحبة أصل كل دين # وكما أن المحبة والإرادة أصل كل فعل كما تقدم، فهي أصل كل دين سواء أكان ~~حقا أو باطلا، فإن الدين هو من الأعمال الباطنة والظاهرة، والمحبة والإرادة ~~أصل ذلك كله، والدين هو الطاعة والعبادة والخلق، فهو الطاعة اللازمة ~~الدائمة التي صارت خلقا وعادة، ولهذا فسر الخلق بالدين في قوله تعالى: ~~{وإنك لعلى خلق عظيم} [سورة القلم: 4] . # وقال الإمام ms198 أحمد عن ابن عيينة قال ابن عباس: لعلى دين عظيم. # «وسئلت عائشة عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: " كان خلقه ~~القرآن ".» # PageV01P205 # والدين فيه معنى الإذلال والقهر، وفيه معنى الذل والخضوع والطاعة، فلذلك ~~يكون من الأعلى إلى الأسفل، كما يقال: دنته فدان، أي قهرته فذل. # قال الشاعر: # هو دان الرباب إذ كرهوا الد ... ين فأضحوا بعزة وصيال # ويكون من الأدنى إلى الأعلى، كما يقال: دنت الله، ودنت لله، وفلان لا ~~يدين الله دينا، ولا يدين الله بدين، فدان الله: أي أطاع الله وأحبه وخافه، ~~ودان الله: تخشع له وخضع وذل وانقاد. # والدين الباطن لا بد فيه من الحب والخضوع كالعبادة سواء، بخلاف الدين ~~الظاهر، فإنه لا يستلزم الحب، وإن كان فيه انقياد وذل في الظاهر. # وسمى الله سبحانه يوم القيامة [يوم الدين] فإنه اليوم الذي يدين فيه ~~الناس فيه بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وذلك يتضمن جزاءهم ~~وحسابهم، فلذلك فسروه بيوم الجزاء، ويوم الحساب. # وقال تعالى: {فلولا إن كنتم غير مدينين - ترجعونها إن كنتم صادقين} [سورة ~~الواقعة: 86 - 87] . # أي هلا تردون الروح إلى مكانها إن كنتم غير مربوبين مقهورين ولا مجزيين، ~~وهذه الآية تحتاج إلى تفسير، فإنها سيقت للاحتجاج عليهم في إنكارهم البعث ~~والحساب، ولا بد أن يكون الدليل مستلزما لمدلوله، بحيث ينتقل الذهن منه إلى ~~المدلول، لما بينهما من التلازم، فيكون الملزوم دليلا على لازمه، ولا يجب ~~العكس. # ووجه الاستدلال: أنهم إذا أنكروا البعث والجزاء فقد كفروا بربهم، وأنكروا ~~قدرته وربوبيته وحكمته، فإما أن يقروا بأن لهم ربا قاهرا متصرفا فيهم، كما ~~سيميتهم إذا شاء ويحييهم إذا شاء، ويأمرهم وينهاهم، ويثيب محسنهم ويعاقب ~~مسيئهم، وإما أن لا يقروا برب هذا شأنه، فإن أقروا به آمنوا بالبعث ~~والنشور، والدين الأمري والجزائي، وإن أنكروه كفروا به، فقد زعموا أنهم غير ~~مربوبين ولا محكوم عليهم، ولا لهم رب يتصرف فيهم كما أراد، فهلا يقدرون على ~~دفع الموت عنهم إذا جاءهم، وعلى رد الروح إلى مستقرها إذا بلغت الحلقوم، ms199 ~~وهذا خطاب للحاضرين وهم عند المحتضر، وهم يعاينون موته، أي: فهلا تردون ~~الروح إلى مكانها إن كان لكم قدرة وتصرف، ولستم بمربوبين ولا بمقهورين ~~لقاهر قادر، تمضي عليكم أحكامه، وتنفذ أوامره، وهذه غاية التعجيز لهم، إذ ~~بين عجزهم عن رد نفس واحدة إلى # PageV01P206 # مكانها، ولو اجتمع على ذلك الثقلان، فيا لها من آية دالة على وحدانيته ~~وربوبيته سبحانه، وتصرفه في عباده، ونفوذ أحكامه فيهم، وجريانها عليهم. # الدين دينان # والدين دينان: دين شرعي أمري، ودين حسابي جزائي، وكلاهما لله وحده، ~~فالدين كله لله أمرا أو جزاء، والمحبة أصل كل واحد من الدينين، فإن ما شرعه ~~سبحانه وتعالى وأمر به يحبه ويرضاه، وما نهى عنه فإنه يكرهه ويبغضه؛ ~~لمنافاته لما يحبه ويرضاه، فهو يحب ضده، فعاد دينه الأمري كله إلى محبته ~~ورضاه. # ودين العبد لله به إنما يقبل إذا كان عن محبته ورضاه، كما قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، ~~وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولا» ، فهذا مدين قائم بالمحبة وبسببها ~~شرع، ولأجلها شرع، وعليها أسس، وكذلك دينه الجزائي، فإنه يتضمن مجازاة ~~المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، وكل من الأمرين محبوب للرب، فإنهما عدله ~~وفضله، وكلاهما من صفات كماله، وهو سبحانه يحب صفاته وأسماءه، ويحب من ~~يحبها، وكل واحد من الدينين فهو صراطه المستقيم الذي هو عليه سبحانه فهو ~~على صراط مستقيم، في أمره ونهيه، وثوابه وعقابه، كما قال تعالى إخبارا عن ~~نبيه هود عليه الصلاة والسلام إذ قال لقومه: {إني أشهد الله واشهدوا أني ~~بريء مما تشركون - من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون - إني توكلت على ~~الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} ~~[سورة هود: 54 - 56] . # ولما علم نبي الله هود عليه السلام أن ربه على صراط مستقيم في خلقه وأمره ~~ونهيه، وثوابه وعقابه، وقضائه وقدره، ومنعه وعطائه، وعافيته وبلائه، ~~وتوفيقه وخذلانه، لا يخرج في ذلك عن موجب كماله المقدس، الذي يقتضيه أسماؤه ~~وصفاته، ms200 من العدل والحكمة والرحمة والإحسان والفضل، ووضع الثواب مواضعه، ~~والعقوبة في موضعها اللائق بها، ووضع التوفيق والخذلان والعطاء والمنع ~~والهداية والإضلال، كل ذلك في أماكنه ومحاله اللائقة به، بحيث يستحق على ~~ذلك كمال الحمد والثناء، أوجب له ذلك العلم والعرفان، إذ نادى على رؤوس ~~الملأ من قومه بجنان ثابت وقلب غير خائف بل متجرد لله {إني أشهد الله ~~واشهدوا أني بريء مما تشركون - من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون - إني ~~توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط ~~مستقيم} . # ثم أخبر عن عموم قدرته وقهره لكل ما سواه، وذل كل شيء لعظمته، فقال: # PageV01P207 # {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} ، فكيف أخاف من ~~ناصيته بيد غيره، وهو في قهره وقبضته وتحت قهره وسلطانه دونه، وهل هذا إلا ~~من أجهل الجهل، وأقبح الظلم؟ # ثم أخبر أنه سبحانه على صراط مستقيم، فكل ما يقضيه ويقدره فلا يخاف العبد ~~جوره ولا ظلمه، فلا أخاف ما دونه، فإن ناصيته بيده، ولا أخاف جوره وظلمه، ~~فإنه على صراط مستقيم، فهو سبحانه ماض في عبده حكمه، عدل فيه قضاؤه، له ~~الملك وله الحمد، ولا يخرج في تصرفه في عباده عن العدل والفضل، إن أعطى ~~وأكرم وهدى ووفق فبفضله ورحمته، وإن منع وأهان وأضل وخذل وأشقى فبعدله ~~وحكمته، وهو على صراط مستقيم في هذا وهذا. # وفي الحديث الصحيح: «ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك ~~وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك اللهم ~~بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، ~~أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور ~~صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكانه ~~فرجا، قالوا: يا رسول الله ألا نتعلمهن؟ قال: بلى ينبغي لمن سمعهن أن ~~يتعلمهن» . # وهذا يتناول حكم ms201 الرب الكوني والأمري وقضاءه الذي يكون باختيار العبد ~~وغير اختياره، وكلا الحكمين ماض في عبده، وكلا القضائين عدل فيه، فهذا ~~الحديث مشتق من هذه الآية، بينهما أقرب نسب. ### | [فصل عشق الصور] # فصل # عشق الصور # ونختم الجواب بفصل متعلق بعشق الصور وما فيه من المفاسد العاجلة والآجلة، ~~وإن كانت أضعاف ما ذكره ذاكر، فإنه يفسد القلب بالذات، وإذا فسد القلب؛ ~~فسدت الإرادات والأقوال والأعمال، وفسد ثغر التوحيد كما تقدم، وكما سنقرره ~~أيضا إن شاء الله تعالى. # والله سبحانه وتعالى إنما حكى هذا المرض عن طائفتين من الناس، وهم ~~اللوطية والنساء، فأخبر عن عشق امرأة العزيز ليوسف، وما راودته وكادته به، ~~وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفته وتقواه، مع أن الذي ابتلي ~~به أمر لا يصبر عليه إلا من صبره # PageV01P208 # الله، فإن مواقعة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال المانع، وكان الداعي هاهنا ~~في غاية القوة، وذلك من وجوه: # أحدها: ما ركبه الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة، كما يميل ~~العطشان إلى الماء، والجائع إلى الطعام، حتى إن كثيرا من الناس يصبر عن ~~الطعام والشراب ولا يصبر عن النساء، وهذا لا يذم إذا صادف حلالا، بل يحمد ~~كما في كتاب الزهد للإمام أحمد من حديث يوسف بن عطية الصفار عن ثابت ~~البناني عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «حبب إلي من دنياكم ~~النساء والطيب، أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن» . # الثاني: أن يوسف عليه السلام كان شابا، وشهوة الشباب وحدته أقوى. # الثالث: أنه كان عزبا، ليس له زوجة ولا سرية تكسر شدة الشهوة. # الرابع: أنه كان في بلاد غربة، يتأتى للغريب فيها من قضاء الوطر ما لا ~~يتأتى له في وطنه وبين أهله ومعارفه. # الخامس: أن المرأة كانت ذات منصب وجمال، بحيث إن كل واحد من هذين الأمرين ~~يدعو إلى مواقعتها. # السادس: أنها غير ممتنعة ولا آبية، فإن كثيرا من الناس يزيل رغبته في ~~المرأة إباؤها وامتناعها، لما يجد في نفسه من ذل الخضوع ms202 والسؤال لها، وكثير ~~من الناس يزيده الإباء والامتناع إرادة وحبا، كما قال الشاعر: # وزادني كلفا في الحب أن منعت ... أحب شيء إلى الإنسان ما منعا # فطباع الناس مختلفة، فمنهم من يتضاعف حبه عند بذل المرأة ورغبتها، ويضمحل ~~عند إبائها وامتناعها، وأخبرني بعض القضاة أن إرادته وشهوته تضمحل عند ~~امتناع امرأته أو سريته وإبائها، بحيث لا يعاودها، ومنهم من يتضاعف حبه ~~وإرادته بالمنع فيشتد شوقه كلما منع، ويحصل له من اللذة بالظفر بالضد بعد ~~امتناعه ونفاره، واللذة بإدراك المسألة بعد استصعابها، وشدة الحرص على ~~إدراكها. # السابع: أنها طلبت وأرادت وبذلت الجهد، فكفته مؤنة الطلب وذل الرغبة ~~إليها، بل كانت هي الراغبة الذليلة، وهو العزيز المرغوب إليه. # الثامن: أنه في دارها، وتحت سلطانها وقهرها، بحيث يخشى إن لم يطاوعها من ~~أذاها له، فاجتمع داعي الرغبة والرهبة. # PageV01P209 # التاسع: أنه لا يخشى أن تنم عليه هي ولا أحد من جهتها، فإنها هي الطالبة ~~الراغبة، وقد غلقت الأبواب وغيبت الرقباء. # العاشر: أنه كان في الظاهر مملوكا لها في الدار، بحيث يدخل ويخرج ويحضر ~~معها ولا ينكر عليه، وكان الأنس سابقا على الطلب وهو من أقوى الدواعي، كما ~~قيل لامرأة شريفة من أشراف العرب: ما حملك على الزنى؟ قالت: قرب الوساد، ~~وطول السواد، تعني قرب وساد الرجل من وسادتي، وطول السواد بيننا. # الحادي عشر: أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال، فأرته إياهن، وشكت ~~حالها إليهن؛ لتستعين بهن عليه، واستعان هو بالله عليهن، فقال: {وإلا تصرف ~~عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} [سورة يوسف: 33] . # الثاني عشر: أنها توعدته بالسجن والصغار، وهذا نوع إكراه، إذ هو تهديد من ~~يغلب على الظن وقوع ما هدد به، فيجتمع داعي الشهوة، وداعي السلامة من ضيق ~~السجن والصغار. # الثالث عشر: أن الزوج لم يظهر منه الغيرة والنخوة ما يفرق به بينهما، ~~ويبعد كلا منهما عن صاحبه، بل كان غاية ما قابلها به أن قال ليوسف: {أعرض ~~عن هذا} وللمرأة: {واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين} وشدة الغيرة للرجل ~~من أقوى الموانع، ms203 وهنا لم يظهر منه غيرة. # ومع هذه الدواعي كلها فآثر مرضاة الله وخوفه، وحمله حبه لله على أن اختار ~~السجن على الزنى: {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} [سورة يوسف: 33] ~~. # وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه، وأن ربه تعالى إن لم يعصمه ويصرف عنه ~~كيدهن؛ صبا إليهن بطبعه، وكان من الجاهلين، وهذا من كمال معرفته بربه ~~وبنفسه. # وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على الألف فائدة، لعلنا ~~إن وفق الله أن نفردها في مصنف مستقل. # PageV01P210 ### | [فصل عشق اللوطية] # فصل # عشق اللوطية # والطائفة الثانية، الذين حكى الله عنهم العشق: هم اللوطية كما قال تعالى: ~~{وجاء أهل المدينة يستبشرون - قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون - واتقوا الله ~~ولا تخزون - قالوا أولم ننهك عن العالمين - قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين ~~- لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} [سورة الحجر: 67 - 72] . # فهذه الأمة عشقت فحكاه سبحانه عن طائفتين، عشق كل منهما ما حرم عليه من ~~الصور، ولم يبال بما في عشقه من الضرر. # وهذا داء أعيا الأطباء دواؤه، وعز عليهم شفاؤه، وهو والله الداء العضال، ~~والسم القتال، الذي ما علق بقلب إلا وعز على الورى خلاصه من إساره، ولا ~~اشتعلت ناره في مهجة إلا وصعب على الخلق تخليصها من ناره. # وهو أقسام: # تارة يكون كفرا: لمن اتخذ معشوقه ندا يحبه كما يحب الله، فكيف إذا كانت ~~محبته أعظم من محبة الله في قلبه؟ فهذا عشق لا يغفر لصاحبه، فإنه من أعظم ~~الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، وإنما يغفر بالتوبة الماحية ما دون ذلك. # وعلامة العشق الشركي الكفري: أن يقدم العاشق رضاء معشوقه على ربه، وإذا ~~تعارض عنده حق معشوقه وحظه، وحق ربه وطاعته، قدم حق معشوقه على حق ربه، ~~وآثر رضاه على رضاه، وبذل له أنفس ما يقدر عليه، وبذل لربه - إن بذل - أردأ ~~ما عنده، واستفرغ وسعه في مرضاة معشوقه وطاعته والتقرب إليه، وجعل لربه - ~~إن أطاعه - الفضلة التي تفضل معشوقه من ساعاته. # فتأمل حال ms204 أكثر عشاق الصور تجدها مطابقة لذلك، ثم ضع حالهم في كفة، ~~وتوحيدهم وإيمانهم في كفة، ثم زن وزنا يرضى الله به ورسوله ويطابق العدل، ~~وربما صرح العاشق منهم بأن وصل معشوقه أحب إليه من توحيد ربه، كما قال ~~العاشق الخبيث: # يترشفن من فمي رشفات ... هن أحلى فيه من التوحيد # وكما صرح الخبيث الآخر أن وصل معشوقه أشهى إليه من رحمة ربه، وقد مر. # PageV01P211 # بلا ريب إن هذا العشق من أعظم الشرك، وكثير منهم يصرح بأنه لم يبق في ~~قلبه موضع لغير معشوقه ألبتة، بل قد ملك عليه قلبه كله فصار عبدا محضا من ~~كل وجه لمعشوقه، فقد رضي هذا من عبودية الخالق جل جلاله بعبودية مخلوق ~~مثله: فإن العبودية هي كمال الحب والخضوع، وهذا قد استفرغ قوة حبه وخضوعه ~~وذله لمعشوقه فقد أعطاه حقيقة العبودية. # ولا نسبة بين مفسدة هذا الأمر العظيم ومفسدة الفاحشة، فإن تلك ذنب كبير ~~لفاعله حكم أمثاله، ومفسدة هذا العشق مفسدة الشرك، وكان بعض الشيوخ من ~~العارفين يقول: لأن أبتلى بالفاحشة مع تلك الصورة أحب إلي من أن أبتلى فيها ~~بعشق يتعبد لها قلبي ويشغله عن الله. ### | [فصل دواء العشق] # فصل # دواء العشق # ودواء هذا الداء القتال: أن يعرف أن ما ابتلي به من هذا الداء المضاد ~~للتوحيد، إنما هو من جهله وغفلة قلبه عن الله تعالى، فعليه أن يعرف توحيد ~~ربه وسنته أولا، ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بما يشغل قلبه عن ~~دوام الفكرة فيه، ويكثر اللجأ والتضرع إلى الله سبحانه في صرف ذلك عنه، وأن ~~يراجع بقلبه إليه، وليس له دواء أنفع من الإخلاص لله، وهو الدواء الذي ذكره ~~الله في كتابه حيث قال: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين} [سورة يوسف: 24] . # وأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء من العشق والفحشاء من الفعل بإخلاصه، فإن ~~القلب إذا أخلص وأخلص عمله لله لم يتمكن منه عشق الصور فإنه إنما يتمكن من ~~قلب فارغ، كما قال: # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ms205 ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا # وليعلم العاقل أن العقل والشرع يوجبان تحصيل المصالح وتكميلها، وإعدام ~~المفاسد وتقليلها، فإذا عرض للعاقل أمر يرى فيه مصلحة ومفسدة، وجب عليه ~~أمران: أمر علمي، وأمر عملي، فالعلمي: معرفة الراجح من طرفي المصلحة ~~والمفسدة، فإذا تبين له الرجحان وجب عليه إيثار الأصلح له. # PageV01P212 # أضرار العشق # ومن المعلوم أنه ليس في عشق الصور مصلحة دينية ولا دنيوية، بل مفسدته ~~الدينية والدنيوية أضعاف أضعاف ما يقدر فيه من المصلحة، وذلك من وجوه: # أحدها: الاشتغال بحب المخلوق وذكره عن حب الرب تعالى وذكره، فلا يجتمع في ~~القلب هذا وهذا إلا ويقهر أحدهما الآخر، ويكون السلطان والغلبة له. # الثاني: عذاب قلبه به، فإن من أحب شيئا غير الله عذب به ولا بد، كما قيل: # فما في الأرض أشقى من محب ... وإن وجد الهوى حلو المذاق # تراه باكيا في كل حين ... مخافة فرقة أو لاشتياق # فيبكي إن نأوا شوقا إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق # فتسخن عينه عند الفراق ... وتسخن عينه عند التلاقي # والعشق وإن استلذ به صاحبه، فهو أعظم من عذاب القلب. # الثالث: أن قلبه أسير قبضة غيره يسومه الهوان، ولكن لسكرته لا يشعر ~~بمصابه، فقلبه كعصفورة في كف طفل يسومها حياض الردى، والطفل يلهو ويلعب، ~~كما قال بعض هؤلاء: # ملكت فؤادي بالقطيعة والجفا ... وأنت خلي البال تلهو وتلعب # فعيش العاشق عيش الأسير الموثق، وعيش الخلي عيش المسيب المطلق. # طليق برأي العين وهو أسير ... عليل على قطب الهلاك يدور # وميت يرى في صورة الحي غاديا ... وليس له حتى النشور نشور # أخو غمرات ضاع فيهن قلبه ... فليس له حتى الممات حضور # الرابع: أنه يشتغل به عن مصالح دينه ودنياه، فليس شيء أضيع لمصالح الدين ~~والدنيا من عشق الصور، أما مصالح الدين فإنها منوطة بلم شعث القلب وإقباله ~~على الله، وعشق الصور أعظم شيء تشعيثا وتشتيتا له. # وأما مصالح الدنيا فهي تابعة في الحقيقة لمصالح الدين، فمن انفرطت عليه ~~مصالح دينه وضاعت عليه، فمصالح دنياه أضيع وأضيع. # الخامس: أن آفات الدنيا والآخرة ms206 أسرع إلى عشاق الصور من النار في يابس ~~الحطب، وسبب ذلك: أن القلب كلما قرب من العشق وقوي اتصاله به بعد من الله، ~~فأبعد # PageV01P213 # القلوب من الله قلوب عشاق الصور، وإذا بعد القلب من الله طرقته الآفات، ~~وتولاه الشيطان من كل ناحية، واستولى عليه لم يدع أذى يمكنه إيصاله إليه ~~إلا أوصله، فما الظن بقلب تمكن منه عدوه وأحرص الخلق على غيه وفساده، وبعد ~~منه وليه، ومن لا سعادة له ولا فرح ولا سرور إلا بقربه وولايته؟ # السادس: أنه إذا تمكن من القلب واستحكم وقوي سلطانه، أفسد الذهن، وأحدث ~~الوسواس، وربما ألحق صاحبه بالمجانين الذين فسدت عقولهم فلا ينتفعون بها. # وأخبار العشاق في ذلك موجودة في مواضعها، بل بعضها مشاهد بالعيان، وأشرف ~~ما في الإنسان عقله، وبه يتميز عن سائر الحيوانات، فإذا عدم عقله التحق ~~بالحيوان البهيم، بل ربما كان حال الحيوان أصلح من حاله، وهل أذهب عقل ~~مجنون ليلى وأضرابه إلا ذلك؟ وربما زاد جنونه على جنون غيره كما قيل: # قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... العشق أعظم مما بالمجانين # العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين # السابع: أنه ربما أفسد الحواس أو بعضها، إما إفسادا معنويا أو صوريا، أما ~~الفساد المعنوي فهو تابع لفساد القلب، فإن القلب إذا فسد فسدت العين والأذن ~~واللسان، فيرى القبيح حسنا منه ومن معشوقه كما في المسند مرفوعا: «حبك ~~الشيء يعمي ويصم» فهو يعمي عين القلب عن رؤية مساوئ المحبوب وعيوبه، فلا ~~ترى العين ذلك، ويصم أذنه عن الإصغاء إلى العدل فيه، فلا تسمع الأذن ذلك، ~~والرغبات تستر العيوب، فالراغب في الشيء لا يرى عيوبه، حتى إذ زالت رغبته ~~فيه أبصر عيوبه، فشدة الرغبة غشاوة على العين، تمنع من رؤية الشيء على ما ~~هو به، كما قيل: # هويتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلما انجلت قطعت نفسي ألومها # والداخل في الشيء لا يرى عيوبه، والخارج منه الذي لم يدخل فيه لا يرى ~~عيوبه، ولا يرى عيوبه إلا من دخل فيه، ثم ms207 خرج منه، ولهذا كان الصحابة الذين ~~دخلوا في الإسلام بعد الكفر خيرا من الذين ولدوا في الإسلام. # قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إنما تنتقض عرى الإسلام عروة عروة، ~~إذا ولد في الإسلام من لا يعرف الجاهلية. # وأما فساد الحواس ظاهرا، فإنه يمرض البدن وينهكه، وربما أدى إلى تلفه، ~~كما هو المعروف في أخبار من قتلهم العشق. # PageV01P214 # وقد رفع إلى ابن عباس وهو بعرفة شاب قد انتحل حتى عاد جلدا على عظم، ~~فقال: ما شأن هذا؟ قالوا: به العشق، فجعل ابن عباس يستعيذ بالله من العشق ~~عامة يومه. # الثامن: أن العشق كما تقدم هو الإفراط في المحبة، بحيث يستولي المعشوق ~~على قلب العاشق، حتى لا يخلو من تخيله وذكره والفكر فيه، بحيث لا يغيب عن ~~خاطره وذهنه، فعند ذلك تشتغل النفس عن استخدام القوة الحيوانية والنفسانية ~~فتتعطل تلك القوة، فيحدث بتعطيلها من الآفات على البدن والروح ما يعز دواؤه ~~ويتعذر، فتتغير أفعاله وصفاته ومقاصده، ويختل جميع ذلك، فتعجز البشر عن ~~صلاحه، كما قيل: # الحب أول ما يكون لجاجة ... يأتي بها وتسوقه الأقدار # حتى إذا خاض الفتى لجج الهوى ... جاءت أمور لا تطاق كبار # والعشق مباديه سهلة حلوة، وأوسطه هم وشغل قلب وسقم، وآخره عطب وقتل، إن ~~لم تتداركه عناية من الله تعالى، كما قيل: # وعش خاليا فالحب أوله عنا ... وأوسطه سقم وآخره قتل # وقال آخر: # تولع بالعشق حتى عشق ... فلما استقل به لم يطق # رأى لجة ظنها موجة ... فلما تمكن منها غرق # والذنب له، فهو الجاني على نفسه، وقد قعد تحت المثل السائر: " يداك ~~أوكتا، وفوك نفخ ". ### | [فصل مقامات العاشق] # فصل # مقامات العاشق # والعاشق له ثلاث مقامات: مقام ابتداء، ومقام توسط، ومقام انتهاء. # فأما مقام ابتدائه: قالوا: يجب عليه مدافعته بكل ما يقدر عليه، إذا كان ~~الوصول إلى معشوقه متعذرا قدرا وشرعا، فإن عجز عن ذلك وأبى قلبه إلا السفر ~~إلى محبوبه - وهذا مقام التوسط والانتهاء - فعليه كتمانه ذلك، وأن لا يفشيه ~~إلى الخلق، ولا يشمت بمحبوبه ويهتكه بين ms208 الناس، فيجمع بين الشرك والظلم، ~~فإن الظلم في هذا الباب من أعظم أنواع # PageV01P215 # الظلم، وربما كان أعظم ضررا على المعشوق وأهله من ظلمه في ماله، فإنه ~~يعرض المعشوق بهتكه في عشقه إلى وقوع الناس فيه، وانقسامهم إلى مصدق ومكذب، ~~وأكثر الناس يصدق في هذا الباب بأدنى شبهة، وإذا قيل فلان فعل بفلان أو ~~بفلانة، كذبه واحد وصدقه تسعمائة وتسعة وتسعون. # وخبر العاشق المتهتك عند الناس في هذا الباب يفيد القطع اليقيني، بل إذا ~~أخبرهم المفعول به عن نفسه كذبا وافتراء على غيره جزموا بصدقه جزما لا ~~يحتمل النقيض، بل لو جمعهما مكان واحد اتفاقا؛ لجزموا أن ذلك عن وعد واتفاق ~~بينهما، وجزمهم في هذا الباب على الظنون والتخيل والشبه والأوهام والأخبار ~~الكاذبة، كجزمهم بالحسيات المشاهدة، وبذلك وقع أهل الإفك في الطيبة ~~المطيبة، حبيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، المبرأة من فوق سبع ~~سماوات، بشبهة مجيء صفوان بن المعطل بها وحده خلف العسكر حتى هلك من هلك، ~~ولولا أن تولى الله سبحانه براءتها، والذب عنها، وتكذيب قاذفها، لكان أمرا ~~آخر. # والمقصود: أن في إظهار المبتلى عشق من لا يحل له الاتصال به من ظلمه ~~وأذاه ما هو عدوان عليه وعلى أهله، وتعرض لتصديق كثير من الناس ظنونهم فيه، ~~فإن استعان عليه بمن يستميله إليه، إما برغبة أو رهبة، تعدى الظلم وانتشر، ~~وصار ذلك الواسطة ديوثا ظالما، وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ~~لعن الرائش - وهو الواسطة بين الراشي والمرتشي في إيصال الرشوة - فما ظنك ~~بالديوث الواسطة بين العاشق والمعشوق في الوصل، فيتساعد العاشق والديوث على ~~ظلم المعشوق وظلم غيره ممن يتوقف حصول غرضه على ظلمه في نفس أو مال أو عرض، ~~فإن كثيرا ما يتوقف المطلوب فيه على قتل نفس يكون حياتها مانعة من غرضه، ~~وكم قتيل طل دمه بهذا السبب، من زوج وسيد وقريب، وكم خببت امرأة على بعلها، ~~وجارية وعبد على سيدهما، وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فعل ~~ذلك وتبرأ منه، وهو ms209 من أكبر الكبائر. # وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى أن يخطب الرجل على خطبة ~~أخيه، وأن يستام على سوم أخيه، فكيف بمن يسعى في التفريق بين رجل وبين ~~امرأته وأمته حتى يتصل بهما؟ # وعشاق الصور ومساعدوهم من الديايثة لا يرون ذلك ذنبا، فإن طلب العاشق وصل ~~معشوقه ومشاركة الزوج والسيد، ففي ذلك من إثم ظلم الغير ما لعله لا يقصر عن ~~إثم الفاحشة، وإن لم يرب عليها، ولا يسقط حق الغير بالتوبة من الفاحشة، فإن ~~التوبة وإن أسقطت حق الله فحق العبد باق له المطالبة به يوم القيامة، فإن ~~من ظلم الوالد إفساد ولده وفلذة كبده، ومن هو أعز عليه من نفسه، فظلم الزوج ~~بإفساد حبيبته والجناية على فراشه - أعظم من ظلمه بأخذ ماله كله، ولهذا ~~يؤذيه ذلك أعظم مما يؤذيه أخذ ماله، ولا يعدل ذلك عنده إلا سفك دمه، فيا له ~~من ظلم أعظم إثما من فعل الفاحشة، فإن كان ذلك حقا لغاز # PageV01P216 # في سبيل الله وقف له الجاني الفاعل يوم القيامة، وقيل له: «خذ من حسناته ~~ما شئت،» كما أخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فما ظنكم؟ أي: فما تظنون يبقى له ~~من حسناته؟ فإن انضاف إلى ذلك أن يكون المظلوم جارا، أو ذا رحم محرم، تعدد ~~الظلم فصار ظلما مؤكدا لقطيعة الرحم وإيذاء الجار، ولا يدخل الجنة قاطع ~~رحم، ولا من لا يأمن جاره بوائقه. # فإن استعان العاشق على وصال معشوقه بشياطين الجن - إما بسحر أو استخدام ~~أو نحو ذلك - ضم إلى الشرك والظلم كفر السحر، فإن لم يفعله هو ورضي به، كان ~~راضيا بالكفر غير كاره لحصول مقصده، وهذا ليس ببعيد من الكفر. # والمقصود أن التعاون في هذا الباب، تعاون على الإثم والعدوان. # وأما ما يقترن بحصول غرض العاشق من الظلم المنتشر المتعدي ضرره فأمر لا ~~يخفى، فإنه إذا حصل له مقصوده من المعشوق، فللمعشوق أغراض أخر يريد من ~~العاشق إعانته عليها، فلا يجد من ms210 إعانته بدا، فيبقى كل منهما يعين الآخر ~~على الظلم والعدوان، فالمعشوق يعين العاشق على ظلم من يتصل به من أهله ~~وأقاربه وسيده وزوجه، والعاشق يعين المعشوق على ظلم من يكون غرض المعشوق ~~متوقفا على ظلمه، فكل منهما يعين الآخر على أغراضه التي فيها ظلم الناس، ~~فيحصل العدوان والظلم بسبب اشتراكهما في القبح لتعاونهما بذلك على الظلم، ~~كما جرت به العادة بين العشاق والمعشوقين، من إعانة العاشق لمعشوقه على ما ~~فيه ظلم وعدوان وبغي، حتى ربما يسعى له في منصب لا يليق به ولا يصلح لمثله، ~~وفي تحصيل مال من غير حله، وفي استطالته على غيره، فإذا اختصم معشوقه وغيره ~~أو تشاكيا لم يكن إلا في جانب المعشوق ظالما كان أو مظلوما، هذا إلى ما ~~ينضم إلى ذاك من ظلم العاشق للناس بالتحيل على أخذ أموالهم، والتوصل بها ~~إلى معشوقه بسرقة أو غصب أو خيانة أو يمين كاذبة أو قطع طريق ونحو ذلك، ~~وربما أدى ذلك إلى قتل النفس التي حرم الله، ليأخذ ماله ليتوصل به إلى ~~معشوقه. # فكل هذه الآفات وأضعافها وأضعاف أضعافها تنشأ من عشق الصور، وربما حمل ~~على الكفر الصريح، وقد تنصر جماعة ممن نشئوا في الإسلام بسبب العشق، كما ~~جرى لبعض المؤذنين حين أبصر امرأة جميلة على سطح، ففتن بها، ونزل، ودخل ~~عليها، وسألها نفسها، فقالت: هي نصرانية، فإن دخلت في ديني تزوجت بك، ففعل، ~~فرقي في ذلك اليوم على درجة عندهم فسقط منها فمات، ذكر هذا عبد الحق في ~~كتاب العاقبة له. # وإذا أراد النصارى أن ينصروا الأسير، أروه امرأة جميلة وأمروها أن تطمعه ~~في نفسها # PageV01P217 # حتى إذا تمكن حبها من قلبه، بذلت له نفسها إن دخل في دينها، فهنالك: ~~{يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل ~~الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} [سورة إبراهيم: 27] . # وفي العشق من ظلم كل واحد من العاشق والمعشوق لصاحبه بمعاونته له على ~~الفاحشة، وظلمه لنفسه ما فيه، فكل منهما ظالم لنفسه وصاحبه، وظلمهما متعد ~~إلى ms211 الغير كما تقدم، وأعظم من ذلك ظلمهما بالشرك، فقد تضمن العشق أنواع ~~الظلم كلها. # والمعشوق إذا لم يتق الله فإنه يعرض العاشق للتلف، وذلك ظلم منه، بأن ~~يطمعه في نفسه ويتزين له ويستميله بكل طريق حتى يستخرج منه ماله ونفعه ولا ~~يمكنه من نفسه، لئلا يزول غرضه بقضاء وطره منه، فهو يسومه سوء العذاب، ~~والعاشق ربما قتل معشوقه ليشفي نفسه منه، ولا سيما إذا جاد بالوصال لغيره، ~~فكم للعشق من قتيل من الجانبين، وكم أزال من نعمة، وأفقر من غنى، وأسقط من ~~مرتبة، وشتت من شمل، وكم أفسد من أهل للرجل وولده، فإن المرأة إذا رأت ~~بعلها عاشقا لغيرها اتخذت هي معشوقا لنفسها، فيصير الرجل مترددا بين خراب ~~بيته بالطلاق وبين القيادة، فمن الناس من يؤثر هذا، ومنهم من يؤثر هذا. # فعلى العاقل أن لا يحكم على نفسه عشق الصور، لئلا يؤديه ذلك إلى هذه ~~المفاسد أو أكثرها أو بعضها، فمن فعل ذلك فهو المفرط بنفسه المغرر بها، ~~فإذا هلكت فهو الذي أهلكها، فلولا تكراره النظر إلى وجه معشوقه وطمعه في ~~وصاله لم يتمكن عشقه من قلبه، فإن أول أسباب العشق الاستحسان سواء تولد عن ~~نظر أو سماع، فإن لم يقارنه طمع في الوصال وقارنه الإياس من ذلك لم يحدث له ~~العشق، فإن اقترن به الطمع فصرفه عن فكره ولم يشغل قلبه به؛ لم يحدث له ~~ذلك، فإن أطال مع ذلك الفكر في محاسن المعشوق وقارنه خوف ما هو أكبر عنده ~~من لذة وصاله، إما خوف ديني كدخول النار، وغضب الجبار، واحتقاب الأوزار، ~~وغلب هذا الخوف على ذلك الطمع والفكر؛ لم يحدث له ذلك العشق، فإن فاته هذا ~~الخوف فقارنه خوف دنيوي كخوف إتلاف نفسه، أو ماله، أو ذهاب جاهه وسقوط ~~مرتبته عند الناس، وسقوطه من عين من يعز عليه، وغلب هذا الخوف لداعي العشق ~~دفعه، وكذلك إذا خاف من فوات محبوب هو أحب إليه وأنفع له من ذلك المعشوق، ~~وقدم محبته على محبة ذلك المعشوق؛ اندفع عنه العشق، فإن ms212 انتفى ذلك كله، ~~وغلبت محبة المعشوق لذلك، انجذب إليه القلب بالكلية، ومالت إليه النفس كل ~~الميل. # فإن قيل: قد ذكرتم آفات العشق ومضاره ومفاسده، فهلا ذكرتم منافعه وفوائده ~~التي من جملتها: رقة الطبع، وترويح النفس وخفتها، وزوال ثقلها ورياضتها، ~~وحملها على مكارم الأخلاق، من الشجاعة، والكرم، والمروءة، ورقة الحاشية، ~~ولطف الجانب. # PageV01P218 # وقد قيل ليحيى بن معاذ الرازي: إن ابنك قد عشق فلانة، فقال: الحمد لله ~~الذي صيره إلى طبع الآدمي. # وقال بعضهم: العشق دواء أفئدة الكرام. # وقال غيره: العشق لا يصلح إلا لذي مروءة ظاهرة، وخليقة طاهرة، أو لذي ~~لسان فاضل، وإحسان كامل، أو لذي أدب بارع، وحسب ناصع. # وقال آخر: العشق يشجع جنان الجبان، ويصفي ذهن الغبي، ويسخي كف البخيل، ~~ويذل عزة الملوك، ويسكن نوافر الأخلاق، وهو أنيس من لا أنيس له، وجليس من ~~لا جليس له. # وقال آخر: العشق يزيل الأثقال، ويلطف الروح، ويصفي كدر القلب، ويوجب ~~الارتياح لأفعال الكرام، كما قال الشاعر: # سيهلك في الدنيا شفيق عليكم ... إذا غاله من حادث الحب غائله # كريم يميت السر حتى كأنه ... إذا استفهموه عن حديثك جاهله # يود بأن يمسي سقيما لعلها ... إذا سمعت عنه بشكوى تراسله # ويهتز للمعروف في طلب العلا ... لتحمد يوما عند ليلى شمائله # فالعشق يحمل على مكارم الأخلاق. # وقال بعض الحكماء: العشق يروض النفس، ويهذب الأخلاق، وإظهاره طبيعي، ~~وإضماره تكليفي. # وقال الآخر: من لم يهيج نفسه بالصوت الشجي، والوجه البهي، فهو فاسد ~~المزاج، يحتاج إلى علاج، وأنشدوا في ذلك: # إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فما لك في طيب الحياة نصيب # وقال آخر: # إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فأنت وعير في الفلاة سواء # وقال آخر: # إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فقم فاعتلف تبنا فأنت حمار # PageV01P219 # وقال بعض العشاق أولو العفة والصيانة: عفوا تشرفوا، واعشقوا تظفروا. # وقيل لبعض العشاق: ما كنت تصنع لو ظفرت بمن تهوى؟ فقال: كنت أمتع طرفي ~~بوجهه، وأروح قلبي بذكره وحديثه، وأستر منه ما لا يحب ms213 كشفه، ولا أصير بقبيح ~~الفعل إلى ما ينقض عهده، ثم أنشد: # أخلو به فأعف عنه تكرما ... خوف الديانة لست من عشاقه # كالماء في يد صائم يلتذه ... ظمأ فيصبر عن لذيذ مذاقه # وقال أبو إسحاق بن إبراهيم: أرواح العشاق عطرة لطيفة، وأبدانهم رقيقة ~~خفيفة، نزهتهم المؤانسة، وكلامهم يحيي موات القلوب، ويزيد في العقول، ولولا ~~العشق والهوى لبطل نعيم الدنيا. # وقال آخر: العشق للأرواح بمنزلة الغذاء للأبدان، إن تركته ضرك، وإن أكثرت ~~منه قتلك، وفي ذلك قيل: # خليلي إن الحب فيه لذاذة ... وفيه شقاء دائم وكروب # على ذاك ما عيش يطيب بغيره ... ولا عيش إلا بالحبيب يطيب # ولا خير في الدنيا بغير صبابة ... ولا في نعيم ليس فيه حبيب # وذكر الخرائطي عن أبي غسان قال: مر أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~بجارية وهي تقول: # وهويته من قبل قطع تمائمي ... متمايلا مثل القضيب الناعم # سألها: أحرة أنت أم مملوكة؟ قالت: بل مملوكة، فقال: من هواك؟ فتلكأت، ~~فأقسم عليها، فقالت: # وأنا التي لعب الهوى بفؤادها ... قتلت بحب محمد بن القاسم # فاشتراها من مولاها، وبعث بها إلى محمد بن القاسم بن جعفر بن أبي طالب ~~فقال: هؤلاء والله فتن الرجال، وكم والله مات بهن كريم، وعطب بهن سليم. # وجاءت جارية إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - تستعدي على رجل من ~~الأنصار، فقال لها عثمان: ما قصتك؟ فقالت: كلفت يا أمير المؤمنين بابن ~~أخيه، فما أنفك أراعيه، فقال عثمان: إما أن تهبها إلى ابن أخيك، أو أعطيك ~~ثمنها من مالي، فقال: أشهدك يا أمير المؤمنين أنها له. # ونحن لا ننكر فساد العشق الذي متعلقه فعل الفاحشة بالمعشوق، وإنما الكلام ~~في # PageV01P220 # العشق العفيف من الرجل الظريف، الذي يأبى له دينه وعفته ومروءته أن يفسد ~~ما بينه وبين الله، وما بينه وبين معشوقه بالحرام، وهذا عشق السلف الكرام ~~والأئمة الأعلام، فهذا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء ~~السبعة، عشق حتى اشتهر أمره، ولم ينكر عليه، وعد ظالما من لامه، ومن شعره: ms214 # كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم ... ولامك أقوام ولومهم ظلم # فنم عليك الكاشحون، وقبلهم ... عليك الهوى قد نم لو ينفع الكتم # فأصبحت كالهندي إذ مات حسرة ... على إثر هند أو كمن شفه سقم # تجنبت إتيان الحبيب تأثما ... ألا إن هجران الحبيب هو الإثم # فذق هجرها قد كنت تزعم أنه ... رشاد ألا يا ربما كذب الزعم # وهذا عمر بن عبد العزيز وعشقه مشهور لجارية فاطمة بنت عبد الملك، وكانت ~~جارية بارعة الجمال، وكان معجبا بها، وكان يطلبها من امرأته، ويحرص على أن ~~تهبها له، فتأبى، ولم تزل الجارية في نفس عمر، فلما استخلف، أمرت فاطمة ~~بالجارية فأصلحت، وكانت مثلا في حسنها وجمالها، ثم دخلت على عمر، وقالت: يا ~~أمير المؤمنين، إنك كنت معجبا بجاريتي فلانة، وسألتها، فأبيت عليك، والآن ~~قد طابت نفسي لك بها، فلما قالت له ذلك؛ استبان الفرح في وجهه، وقال عجلي ~~علي بها، فلما دخلت بها عليه، ازداد بها عجبا، وقال لها: ألقي ثيابك، ~~ففعلت، ثم قال لها: على رسلك، أخبريني لمن كنت؟ ومن أين صرت لفاطمة؟ فقالت: ~~أغرم الحجاج عاملا له بالكوفة مالا، وكنت في رقيق ذلك العامل، قالت: فأخذني ~~وبعث بي إلى عبد الملك، فوهبني لفاطمة، قال: وما فعل ذلك العامل؟ قالت: ~~هلك، قال: وهل ترك ولدا؟ قالت: نعم، قال: فما حالهم؟ قالت: سيئة، فقال: شدي ~~عليك ثيابك، واذهبي إلى مكانك، ثم كتب إلى عامله على العراق: أن ابعث إلي ~~فلان بن فلان على البريد، فلما قدم، قال له: ارفع إلي جميع ما أغرمه الحجاج ~~لأبيك، فلم يرفع إليه شيئا إلا دفعه إليه، ثم أمر بالجارية فدفعت إليه، ثم ~~قال له: إياك وإياها، فلعل أباك قد ألم بها، فقال الغلام: هي لك يا أمير ~~المؤمنين، قال: لا حاجة لي بها، قال: فابتعها مني، قال: لست إذا ممن نهى ~~النفس عن الهوى، فلما عزم الفتى على الانصراف بها، قالت: أين وجدك بي يا ~~أمير المؤمنين؟ قال: على حاله، ولقد زاد، ولم تزل الجارية في نفس عمر، حتى ms215 ~~مات رحمه الله. # وهذا أبو بكر بن محمد بن داود الظاهري العالم المشهور في فنون العلم: من ~~الفقه، والحديث، والتفسير، والأدب، وله قوله في الفقه، وهو من أكابر ~~العلماء، وعشقه مشهور. # قال نفطويه: دخلت عليه في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف تجدك؟ فقال: حب ~~من تعلم أورثني ما ترى، فقلت: وما يمنعك من الاستمتاع به مع القدرة عليه؟ ~~فقال: # PageV01P221 # الاستمتاع على وجهين: أحدهما: النظر المباح، والآخر: اللذة المحظورة، ~~فأما النظر المباح فهو الذي أورثني ما ترى، وأما اللذة المحظورة فيمنعني ~~منها ما حدثني أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى ~~القتاب عن مجاهد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - يرفعه: «من عشق وكتم وعف ~~وصبر، غفر الله له وأدخله الجنة ".» # ثم أنشد: # انظر إلى السحر يجري من لواحظه ... وانظر إلى دعج في طرفه الساجي # وانظر إلى شعرات فوق عارضه ... كأنهن نمال دب في عاج # ثم أنشد: # ما لهم أنكروا سوادا بخديه ... ولا ينكرون ورد الغصون؟ # إن يكن عيب خده برد الشعر ... فعيب العيون شعر الجفون # فقلت له: نفيت القياس في الفقه، وأثبته في الشر؟ فقال: غلبة الوجد وملكة ~~النفس دعت إليه، ثم مات من ليلته، وبسبب معشوقه صنف كتاب الزهرة. # ومن كلامه فيه: " من يئس ممن يهواه، ولم يمت من وقته سلاه، وذلك أول ~~روعات اليأس تأتي القلب وهو غير مستعد لها، فأما الثانية فتأتي القلب وقد ~~وطأته لها الروعة الأولى ". # والتقى هو وأبو العباس بن سريج في مجلس أبي الحسن علي بن عيسى الوزير، ~~فتناظرا في مسألة من الإيلاء، فقال له ابن سريج: أنت بأن تقول: من دامت ~~لحظاته؛ كثرت حسراته، أحذق منك بالكلام على الفقه، فقال: لئن كان ذلك فإني ~~أقول: # أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما # وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... يصب على الصخر الأصم تهدما # وينطق طرفي عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي وده لتكلما # رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فلست أرى ودا صحيحا ms216 مسلما # فقال له أبو العباس بن سريج: بم تفخر علي؟ ولو شئت لقلت: # ومطاعمه كالشهد في نغماته ... قد بت أمنعه لذيذ سناته # بصبابة وبحسنه وحديثه ... وأنزه اللحظات عن وجناته # حتى إذا ما الصبح راح عموده ... ولى بخاتم ربه وبراته # فقال أبو بكر: يحفظ عليه الوزير ما أقر به حتى يقيم شاهدا على أنه ولى ~~بخاتم ربه وبراءته، فقال ابن سريج: يلزمني في هذا ما يلزمك في قولك: # PageV01P222 # أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما # فضحك الوزير، وقال: لقد جمعتما لطفا وظرفا، ذكر ذلك أبو بكر الخطيب في ~~تاريخه. # وجاءته يوما فتيا مضمونها: # يا ابن داود يا فقيه العراق ... أفتنا في قواتل الأحداق # هل عليها بما أتت من جناح ... أم حلال لها دم العشاق # فكتب بخطه تحت البيتين: # عندي جواب مسائل العشاق ... فاسمعه من قرح الحشا مشتاق # لما سألت عن الهوى هيجتني ... وأرقت دمعا لم يكن بمراق # إن كان معشوقا يعذب عاشقا ... كان المعذب أنعم العشاق # قال صاحب كتاب " منازل الأحباب "، شهاب الدين محمد بن سليمان بن فهد صاحب ~~كتاب الإنشاء: وقلت في جواب البيتين على قافيتهما مجيبا للسائل: # قل لمن جاء سائلا عن لحاظ ... هن يلعبن في دم العشاق # ما على السيف في الورى من جناح ... إن ثنى الحد عن دم مهراق # وسيوف اللحاظ أولى بأن تص ... فح عما جنت على العشاق # إنما كل من قتلن شهيد ... ولهذا يفنى ضنى وهو باق # ونظير ذلك فتوى وردت على الشيخ أبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكوذاني شيخ ~~الحنابلة في وقته رحمه الله: # قل للإمام أبي الخطاب: مسألة ... جاءت إليك وما خلق سواك لها # ماذا على رجل رام الصلاة فمذ ... لاحت لخاطره ذات الجمال لها # فأجابه تحت السؤال: # قل للأديب الذي وافى بمسألة ... سرت فؤادي لما أن أصخت لها # إن التي فتنته عن عبادته ... خريدة ذات حسن فانثنى ولها # إن تاب ثم قضى عنه عبادته ... فرحمة الله تغشى من عصى ولها # وقال عبد الله بن معمر القيسي: حججت سنة، ثم ms217 دخلت ذات ليلة مسجد المدينة ~~لزيارة قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبينما أنا جالس بين القبر ~~والمنبر، إذ سمعت أنينا فأصغيت إليه فإذا هو يقول: # أشجاك نوح حمائم السدر ... فأهجن منك بلابل الصدر # PageV01P223 # أم عز نومك ذكر غانية ... أهدت إليك وساوس الفكر # يا ليلة طالت على دنف ... يشكو السهاد وقلة الصبر # أسلمت من تهوى لحر جوى ... متوقد كتوقد الجمر # فالبدر يشهد أنني كلف ... مغرى بحب شبيهة البدر # ما كنت أحسبني أهيم بحبها ... حتى بليت وكنت لا أدري # ثم انقطع الصوت، فلم أدر من أين جاء، وإذا به قد عاد البكاء والأنين، ثم ~~أنشد: # أشجاك من ريا خيال زائر ... والليل مسود الذوائب عاكر # واغتال مهجتك الهوى برسيسة ... واهتاج مقلتك الخيال الزائر # ناديت ريا والظلام كأنه ... يم تلاطم فيه موج زاخر # والبدر يسري في السماء كأنه ... ملك ترجل والنجوم عساكر # وترى به الجوزاء ترقص في الدجى ... رقص الحبيب علاه سكر ظاهر # يا ليل طلت على محب ما له ... إلا الصباح مساعد ومؤازر # فأجابني مت حتف أنفك واعلمن ... أن الهوى لهو الهوان الحاضر # قال: وكنت ذهبت عند ابتدائه بالأبيات فلم يتنبه إلا وأنا عنده، فرأيت ~~شابا مقتبلا شبابه قد خرق الدمع في خده خرقين، فسلمت عليه، فقال: اجلس، من ~~أنت؟ فقلت عبد الله بن معمر القيسي، قال: ألك حاجة؟ قلت: نعم كنت جالسا في ~~الروضة، فما راعني إلا صوتك، فبنفسي أفديك فما الذي تجده؟ فقال أنا عتبة بن ~~الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري، غدوت يوما إلى مسجد الأحزاب فصليت ~~فيه، ثم اعتزلت غير بعيد، فإذا بنسوة قد أقبلن يتهادين مثل القطا، وإذا في ~~وسطهن جارية بديعة الجمال، كاملة الملاحة، فوقفت علي، فقالت: يا عتبة، ما ~~تقول في وصل من يطلب وصلك؟ ثم تركتني وذهبت، فلم أسمع لها خبرا، ولا قفوت ~~لها أثرا، وأنا حيران أنتقل من مكان إلى آخر، ثم صرخ وأكب مغشيا عليه، ثم ~~أفاق، كأنما صبغت وجنتاه بورس، ثم أنشد: # أراكم بقلبي من بلاد بعيدة ... فيا هل تروني ms218 بالفؤاد على بعدي # فؤادي وطرفي يأسفان عليكم ... وعندكم روحي وذكركم عندي # ولست ألذ العيش حتى أراكم ... ولو كنت في الفردوس في جنة الخلد # فقلت: يا ابن أخي، تب إلى ربك واستغفره من ذنبك، فبين يديك هول المطلع، ~~فقال: ما أنا بسال حتى يئوب القارظان، ولم أزل معه إلى أن طلع الصبح، فقلت: ~~قم بنا # PageV01P224 # إلى مسجد الأحزاب، فلعل الله أن يكشف كربتك، فقال: أرجو ذلك إن شاء الله ~~ببركة طاعتك، فذهبنا حتى أتينا مسجد الأحزاب، فسمعته يقول: # يا للرجال ليوم الأربعاء أما ... ينفك يحدث لي بعد النهى طربا # ما إن يزال غزال منه يقتلني ... يأتي إلى مسجد الأحزاب منتقبا # يخبر الناس أن الأجر همته ... وما أتى طالبا للأجر محتسبا # لو كان يبغي ثوابا ما أتى صلفا ... مضمخا بفتيت المسك مختضبا # ثم جلسنا حتى صلينا الظهر، فإذا بالنسوة قد أقبلن وليست الجارية فيهن، ~~فوقفن عليه، وقلن له: يا عتبة ما ظنك بطالبة وصلك، وكاسفة بالك؟ قال: وما ~~بالها، قلن: أخذها أبوها وارتحل بها إلى أرض السماوة، فسألتهن عن الجارية، ~~فقلن: هي ريا بنت الغطريف السلمي، فرفع عتبة رأسه إليهن وقال: # خليلي ريا قد أجد بكورها ... وسارت إلى أرض السماوة غيرها # خليلي إني قد عشيت من البكا ... فهل عند غيري مقلة أستعيرها # فقلت له: إني قد وردت بمال جزيل أريد به أهل الستر، ووالله لأبذلنه أمامك ~~حتى تبلغ رضاك وفوق الرضا، فقم بنا إلى مسجد الأنصار، فقمنا وسرنا حتى ~~أشرفنا على ملأ منهم، فسلمت، فأحسنوا الرد، فقلت: أيها الملأ، ما تقولون في ~~عتبة وأبيه؟ قالوا: من سادات العرب، قلت: فإنه قد رمي بداهية من الهوى وما ~~أريد منكم إلا المساعدة إلى السماوة، فقالوا: سمعا وطاعة، فركبنا وركب ~~القوم معنا حتى أشرفنا على منازل بني سليم، فأعلم الغطريف بنا، فخرج مبادرا ~~فاستقبلنا، وقال: حييتم يا كرام، فقلنا: وأنت فحياك إنا لك أضياف، فقال: ~~نزلتم أكرم منزل، ثم نادى: يا معشر العبيد، أنزلوا القوم، ففرشت الأنطاع ~~والنمارق، وذبحت الذبائح، فقلنا: لسنا بذائقي طعامك حتى ms219 تقضي حاجتنا، فقال: ~~وما حاجتكم؟ قلنا: نخطب عقيلتك الكريمة لعتبة بن الحباب بن المنذر، فقال: ~~إن التي تخطبونها أمرها إلى نفسها، وأنا أدخل أخبرها، ثم دخل مغضبا على ~~ابنته، فقالت: يا أبت ما لي أرى الغضب في وجهك؟ ، فقال: قد ورد الأنصار ~~يخطبونك مني، فقالت: سادات كرام، استغفر لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فلمن الخطبة منهم؟ فقال: لعتبة بن الحباب، قالت: والله لقد سمعت عن عتبة ~~هذا: إنه يفي بما وعد، ويدرك إذا قصد، فقال: أقسمت لا أزوجنك به أبدا، ولقد ~~نمى إلي بعض حديثك معه، فقالت: ما كان ذلك، ولكن إذ أقسمت، فإن الأنصار لا ~~يردون ردا قبيحا، حسن لهم الرد، فقال: بأي شيء؟ قالت: أغلظ عليهم المهر، ~~فإنهم يرجعون ولا يجيبون، فقال: ما أحسن ما قلت، فخرج مبادرا عليهم، فقال: ~~إن فتاة الحي قد أجابت، ولكني أريد لها مهر مثلها، فمن القائم به؟ فقال عبد ~~الله بن معمر: أنا، # PageV01P225 # فقل ما شئت، فقال: ألف مثقال من الذهب، ومائة ثوب من الأبراد، وخمسة ~~أكرشة من عنبر، فقال عبد الله: لك ذلك كله، فهل أجبت، قال: نعم، قال عبد ~~الله: فأنفذت نفرا من الأنصار إلى المدينة، فأتوا بجميع ما طلب، ثم صنعت ~~الوليمة، وأقمنا على ذلك أياما، ثم قال: خذوا فتاتكم وانصرفوا مصاحبين، ثم ~~حملها في هودج، وجهزها بثلاثين راحلة من المتاع والتحف، فودعناه وسرنا، حتى ~~إذا بقي بيننا وبين المدينة مرحلة واحدة، خرجت علينا خيل تريد الغارة # أحسبها من سليم، فحمل عليها عتبة بن الحباب، فقتل منهم رجالا، وجرح ~~آخرين، ثم رجع وبه طعنة تفور دما، فسقط إلى الأرض، وانثنى بخده، فطردت عنا ~~الخيل وقد قضى عتبة نحبه، فقلنا: واعتبتاه، فسمعتنا الجارية، فألقت نفسها ~~من البعير، وجعلت تصيح بحرقة، وأنشدت: # تصبرت لا أني صبرت وإنما ... أعلل نفسي أنها بك لاحقه # فلو أنصفت روحي لكانت إلى الردى ... أمامك من دون البرية سابقه # فما أحد بعدي وبعدك منصف ... خليلا ولا نفس لنفس موافقه # ثم شهقت وقضت نحبها، فاحتفرنا لهما قبرا ms220 واحدا ودفناهما فيه، ثم رجعت إلى ~~المدينة، فأقمت سبع سنين، ثم ذهبت إلى الحجاز ووردت المدينة فقلت: والله ~~لآتين قبر عتبة أزوره، فأتيت القبر، فإذا عليه شجرة عليها عصائب حمر وصفر، ~~فقلت: لأرباب المنزل ما يقال لهذه الشجرة؟ قالوا: شجرة العروسين. # ولو لم يكن في العشق من الرخصة المخالفة للتشديد إلا الحديث الوارد ~~بالحسن من الأسانيد، وهو حديث سويد بن سعيد بن علي بن مسهر عن أبي يحيى ~~القتات عن مجاهد عن ابن عباس يرفعه: «من عشق وعف، وكتم فمات فهو شهيد» ~~ورواه سويد أيضا عن ابن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا، ~~ورواه الخطيب عن الأزهري عن المعافى بن زكريا عن قطبة عن ابن الفضل عن أحمد ~~بن مسروق عنه، ورواه الزبير بن بكار عن عبد العزيز الماجشون عن عبد العزيز ~~بن أبي حازم عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد عن ابن عباس. # وهذا سيد الأولين والآخرين ورسول رب العالمين - صلى الله عليه وسلم - نظر ~~إلى زينب بنت جحش - رضي الله عنها - فقالت: سبحان مقلب القلوب، وكانت تحت ~~زيد بن حارثة مولاه، فلما هم بطلاقها، قال له: اتق الله وأمسك عليك زوجك، ~~فلما طلقها، زوجها الله سبحانه من رسوله - صلى الله عليه وسلم - من فوق سبع ~~سماوات، فكان هو وليها وولي تزويجها من رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وعقد ~~نكاحها من فوق عرشه، وأنزل على رسوله - صلى الله عليه وسلم -: # PageV01P226 # {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله ~~وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} [سورة ~~الأحزاب: 37] . # وهذا داود نبي الله عليه السلام، لما كان تحته تسع وتسعون امرأة، ثم أحب ~~تلك المرأة فتزوجها وكمل بها المائة. # قال الزهري: أول حب كان في الإسلام، حب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عائشة - رضي الله عنها -، وكان مسروق يسميها حبيبة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وقال أبو قيس مولى عبد الله بن عمرو: أرسلني عبد الله ms221 بن عمرو إلى أم ~~سلمة؛ أسألها: «أكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبل أهله وهو صائم؟ ~~فقالت: لا، فقال: إن عائشة - رضي الله عنها - قالت: إن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يقبلها وهو صائم، فقالت أم سلمة - رضي الله عنها -: إن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رأى عائشة لا يتمالك عنها» . # وذكر سعيد بن إبراهيم عن عامر بن سعيد عن أبيه، قال: كان إبراهيم الخليل ~~عليه السلام يزور هاجر في كل يوم من الشام على البراق من شغفه بها، وقلة ~~صبره عنها. # وذكر الخرائطي أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - اشترى جارية رومية، ~~فكان يحبها حبا شديدا، فوقعت ذات يوم عن بغلة له، فجعل يمسح التراب عن ~~وجهها ويقبلها، وكانت تكثر من أن تقول: يا بطرون أنت قالون، تعني: يا مولاي ~~أنت جيد، ثم إنها هربت منه، فوجد عليها وجدا شديدا، وقال: # قد كنت أحسبني قالون فانصرفت ... فاليوم أعلم أني غير قالون # قال أبو محمد بن حزم: وقد أحب من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين ~~كثير، وقال رجل لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: يا أمير المؤمنين، رأيت ~~امرأة فعشقتها، فقال: ذلك ما لا تملك. # فالجواب، وبالله التوفيق: أن الكلام في هذا الباب لا بد فيه من التمييز ~~بين الواقع والجائز، والنافع والضار، ولا يحكم عليه بالذم والإنكار، ولا ~~بالمدح والقبول من حيث الجملة، وإنما يبين حكمه، وينكشف أمره بذكر متعلقه، ~~وإلا فالعشق من حيث هو لا يحمد ولا يذم، ونحن نذكر النافع من الحب والضار، ~~والجائز والحرام. ### | [المحبة النافعة] # PageV01P227 # اعلم أن أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها وأعلاها وأجلها محبة من جبلت ~~القلوب على محبته، وفطرت الخليقة على تأليهه، وبها قامت الأرض والسماوات، ~~وعليها فطرت المخلوقات، وهي سر شهادة أن لا إله إلا الله، فإن الإله هو ~~الذي تأله القلوب بالمحبة والإجلال، والتعظيم والذل له والخضوع والتعبد، ~~والعبادة لا تصلح إلا له وحده، والعبادة هي: كمال الحب مع كمال الخضوع ~~والذل، والشرك في هذه العبودية من ms222 أظلم الظلم الذي لا يغفره الله، والله ~~تعالى يحب لذاته من جميع الوجوه، وما سواه فإنما يحب تبعا لمحبته. # وقد دل على وجوب محبته سبحانه جميع كتبه المنزلة، ودعوة جميع رسله، ~~وفطرته التي فطر عباده عليها، وما ركب فيهم من العقوق، وما أسبغ عليهم من ~~النعم، فإن القلوب مفطورة مجبولة على محبة من أنعم عليها وأحسن إليها، فكيف ~~بمن كان الإحسان منه؟ وما بخلقه جميعهم من نعمة فمنه وحده لا شريك له، كما ~~قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} ~~[سورة النحل: 53] . # وما تعرف به إلى عباده من أسمائه الحسنى وصفاته العلا، وما دلت عليه آثار ~~مصنوعاته من كماله ونهاية جلاله وعظمته. # والمحبة لها داعيان: الجمال، والجلال والرب تعالى له الكمال المطلق من ~~ذلك، فإنه جميل يحب الجمال، بل الجمال كله له، والإجلال كله منه، فلا يستحق ~~أن يحب لذاته من كل وجه سواه، قال الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله} [سورة آل عمران: 31] . # وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل ~~الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم - ~~إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون - ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} ~~[سورة المائدة: 54 - 56] . # PageV01P228 # فالولاية أصلها الحب، فلا موالاة إلا بحب، كما أن العداوة أصلها البغض، ~~والله ولي الذين آمنوا وهم أولياؤه، فهم يوالونه بمحبتهم له، وهو يواليهم ~~بمحبته لهم، فالله يوالي عبده المؤمن بحسب محبته له. # ولهذا أنكر سبحانه على من اتخذ من دونه أولياء، بخلاف من والى أولياءه، ~~فإنه لم يتخذهم من دونه، بل موالاته لهم من تمام موالاته. # وقد أنكر على من سوى بينه وبين غيره في المحبة، وأخبر أن من فعل ذلك فقد ~~اتخذ من دونه أندادا يحبهم كحب ms223 الله، قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون ~~الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} [سورة البقرة: ~~165] . # وأخبر عمن سوى بينه وبين الأنداد في الحب، أنهم يقولون في النار ~~لمعبوديهم: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين - إذ نسويكم برب العالمين} [سورة ~~الشعراء: 97 - 98] . # وبهذا التوحيد في الحب أرسل الله سبحانه جميع رسله، وأنزل جميع كتبه، ~~وأطبقت عليه دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم، ولأجله خلقت السماوات ~~والأرض والجنة والنار، فجعل الجنة لأهله، والنار للمشركين به فيه. # وقد أقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه: «لا يؤمن عبد حتى يكون هو ~~أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» ، فكيف بمحبة الرب جل جلاله؟ # وقال لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «لا، حتى أكون أحب إليك من نفسك» ~~أي لا تؤمن حتى تصل محبتك إلى هذه الغاية. # وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بنا من أنفسنا في المحبة ~~ولوازمها أفليس الرب جل جلاله وتقدست أسماؤه أولى بمحبته وعبادته من ~~أنفسهم، وكل ما منه إلى عبده المؤمن يدعو إلى محبته، مما يحب العبد ويكره - ~~فعطاؤه ومنعه، ومعافاته وابتلاؤه، وقبضه وبسطه، وعدله وفضله، وإماتته ~~وإحياؤه، ولطفه وبره، ورحمته وإحسانه، وستره وعفوه، وحلمه وصبره على عبده، ~~وإجابته لدعائه، وكشف كربه، وإغاثة لهفته، وتفريج كربته من غير حاجة منه ~~إليه، بل مع غناه التام عنه من جميع الوجوه، كل ذلك داع للقلوب إلى تأليهه ~~ومحبته، بل تمكينه عبده من معصيته وإعانته عليها، وستره حتى يقضي وطره ~~منها، وكلاءته وحراسته له، ويقضي وطره من معصيته، يعينه ويستعين عليها ~~بنعمه - من أقوى الدواعي إلى محبته، فلو أن مخلوقا فعل بمخلوق أدنى شيء من ~~ذلك لم تملك قلبه عن محبته، فكيف لا يحب العبد بكل قلبه وجوارحه # PageV01P229 # من يحسن إليه على الدوام بعدد الأنفاس، مع إساءته؟ فخيره إليه نازل، وشره ~~إليه صاعد، يتحبب إليه بنعمه وهو غني عنه، والعبد يتبغض إليه بالمعاصي وهو ~~فقير إليه، فلا إحسانه وبره وإنعامه إليه يصده عن ms224 معصيته، ولا معصية العبد ~~ولؤمه يقطع إحسان ربه عنه. # فألأم اللؤم تخلف القلوب عن محبة من هذا شأنه، وتعلقها بمحبة سواه. # وأيضا فكل من تحبه من الخلق أو يحبك إنما يريدك لنفسه وغرضه منك، والله ~~سبحانه وتعالى يريدك لك، كما في الأثر الإلهي: [ «عبدي كل يريدك لنفسه، ~~وأنا أريدك لك» ] ، فكيف لا يستحي العبد أن يكون ربه له بهذه المنزلة، وهو ~~معرض عنه، مشغول بحب غيره، قد استغرق قلبه بمحبة سواه؟ # وأيضا، فكل من تعامله من الخلق إن لم يربح عليك لم يعاملك، ولا بد له من ~~نوع من أنواع الربح، والرب تعالى إنما يعاملك لتربح أنت عليه أعظم الربح ~~وأعلاه، فالدرهم بعشرة أمثاله إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة ~~بواحدة وهي أسرع شيء محوا. # وأيضا هو سبحانه خلقك لنفسه، وخلق كل شيء لك في الدنيا والآخرة، فمن أولى ~~منه باستفراغ الوسع في محبته، وبذل الجهد في مرضاته؟ # وأيضا فمطالبك - بل مطالب الخلق كلهم جميعا - لديه، وهو أجود الأجودين، ~~وأكرم الأكرمين، أعطى عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمله، يشكر القليل من ~~العمل وينميه، ويغفر الكثير من الزلل ويمحوه، {يسأله من في السماوات والأرض ~~كل يوم هو في شأن} ، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه كثرة المسائل، ولا ~~يتبرم بإلحاح الملحين، بل يحب الملحين في الدعاء، ويحب أن يسأل، ويغضب إذا ~~لم يسأل، يستحي من عبده حيث لا يستحي العبد منه، ويستره حيث لا يستر نفسه، ~~ويرحمه حيث لا يرحم نفسه، دعاه بنعمه وإحسانه وأياديه إلى كرامته ورضوانه، ~~فأبى، فأرسل رسله في طلبه، وبعث إليه معهم عهده، ثم نزل إليه سبحانه نفسه، ~~وقال: «من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له؟» كما قيل: " أدعوك وللوصل ~~تأبى، أبعث رسولي في الطلب، أنزل إليك بنفسي، ألقاك في النوم ". # وكيف لا تحب القلوب من لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا ~~هو، ولا يجيب الدعوات، ويقيل العثرات، ويغفر الخطيئات، ويستر العورات، ~~ويكشف الكربات، ويغيث اللهفات، وينيل الطلبات سواه؟ . # فهو أحق ms225 من ذكر، وأحق من شكر، وأحق من عبد، وأحق من حمد، وأنصر من ابتغي، ~~وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، وأرحم من استرحم، وأكرم من ~~قصد، وأعز من التجئ إليه وأكفى من توكل عليه، أرحم بعبده من الوالدة # PageV01P230 # بولدها، وأشد فرحا بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه ~~وشرابه في الأرض المهلكة إذا يئس من الحياة ثم وجدها. # وهو الملك لا شريك له، والفرد فلا ند له، كل شيء هالك إلا وجهه، لن يطاع ~~إلا بإذنه، ولن يعصى إلا بعلمه، يطاع فيشكر، وبتوفيقه ونعمته أطيع، ويعصى ~~فيغفر ويعفو، وحقه أضيع، فهو أقرب شهيد، وأجل حفيظ، وأوفى بالعهد، وأعدل ~~قائم بالقسط، حال دون النفوس، وأخذ بالنواصي وكتب الآثار، ونسخ الآجال، ~~فالقلوب له مفضية، والسر عنده علانية، والغيب لديه مكشوف، وكل أحد إليه ~~ملهوف، وعنت الوجوه لنور وجهه، وعجزت القلوب عن إدراك كنهه، ودلت الفطر ~~والأدلة كلها على امتناع مثله وشبهه، أشرقت لنور وجهه الظلمات، واستنارت له ~~الأرض والسماوات، وصلحت عليه جميع المخلوقات، لا ينام ولا ينبغي له أن ~~ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار ~~قبل عمل الليل، حجابه النور، ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه ~~بصره من خلقه: # ما اعتاض باذل حبه لسواه من ... عوض ولو ملك الوجود بأسره ### | [فصل كمال اللذة في كمال المحبوب وكمال المحبة] # فصل # كمال اللذة في كمال المحبوب وكمال المحبة # وهذا أمر عظيم يجب على اللبيب الاعتناء به، وهو أن كمال اللذة والفرح ~~والسرور ونعيم القلب وابتهاج الروح تابع لأمرين: أحدهما: كمال المحبوب في ~~نفسه وجماله، وأنه أولى بإيثار المحبة من كل ما سواه. # والأمر الثاني: كمال محبته، واستفراغ الوسع في حبه، وإيثار قربه والوصول ~~إليه على كل شيء. # وكل عاقل يعلم أن اللذة بحصول المحبوب بحسب قوة محبته، فكلما كانت المحبة ~~أقوى كانت لذة المحب أكمل، فلذة العبد من اشتد ظمؤه بإدراك الماء الزلال، ~~ومن اشتد جوعه بأكل الطعام الشهي، ونظائر ذلك ms226 على حسب شوقه وشدة إرادته ~~ومحبته. # وإذا عرفت هذا، فاللذة والسرور والفرح أمر مطلوب في نفسه، بل هو مقصود كل ~~حي وعاقل، إذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها فهي تذم إذا أعقبت ألما أعظم منها، ~~أو منعت لذة خيرا منها وأجل، فكيف إذا أعقبت أعظم الحسرات، وفوتت أعظم ~~اللذات # PageV01P231 # والمسرات؟ وتحمد إذا أعانت على لذة عظيمة دائمة مستقرة لا تنغيص فيها ولا ~~نكد بوجه ما، وهي لذة الآخرة ونعيمها وطيب العيش فيها، قال تعالى: {بل ~~تؤثرون الحياة الدنيا - والآخرة خير وأبقى} [سورة الأعلى: 16 - 17] . # وقال السحرة لفرعون لما آمنوا: # {فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا - إنا آمنا بربنا ليغفر ~~لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى} [سورة طه: 72 - ~~73] . # والله سبحانه وتعالى خلق الخلق لينيلهم هذه اللذة الدائمة في دار الخلد، ~~وأما الدنيا فمنقطعة، ولذاتها لا تصفو أبدا ولا تدوم، بخلاف الآخرة، فإن ~~لذاتها دائمة، ونعيمها خالص من كل كدر وألم، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين مع الخلود أبدا، ولا تعلم نفس ما أخفى الله لعباده فيها من قرة ~~أعين، بل فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهذا ~~المعنى الذي قصده الناصح لقومه: # {ياقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد - ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع ~~وإن الآخرة هي دار القرار} [سورة غافر: 38 - 39] . # فأخبرهم أن الدنيا يستمتع بها إلى غيرها، وأن الآخرة هي المستقر. # وإذا عرفت أن لذات الدنيا ونعيمها متاع، ووسيلة إلى لذات الآخرة، ولذلك ~~خلقت الدنيا ولذاتها، فكل لذة أعانت على لذة الآخرة وأوصلت إليها لم يذم ~~تناولها، بل يحمد بحسب إيصالها إلى لذة الآخرة. # رؤية الله # إذا عرف هذا فأعظم نعيم الآخرة ولذاتها: هو النظر إلى وجه الرب جل جلاله، ~~وسماع كلامه منه، والقرب منه، كما ثبت في الصحيح في حديث الرؤية: «فوالله ~~ما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه» ، وفي حديث آخر: «إنه إذا تجلى ~~لهم ورأوه؛ نسوا ما هم فيه من النعيم» ms227 . # PageV01P232 # وفي النسائي ومسند الإمام أحمد عن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعائه: «وأسألك اللهم لذة النظر إلى وجهك ~~الكريم، والشوق إلى لقائك» وفي كتاب السنة لعبد الله ابن الإمام أحمد ~~مرفوعا: «كأن الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن، إذا سمعوه من الرحمن ~~فكأنهم لم يسمعوا قبل ذلك» . # وإذا عرف هذا، فأعظم الأسباب التي تحصل هذه اللذة هو أعظم لذات الدنيا ~~على الإطلاق، وهي لذة معرفته سبحانه، ولذة محبته، فإن ذلك هو جنة الدنيا ~~ونعيمها العالي، ونسبة لذاتها الفانية إليه كتفلة في بحر، فإن الروح والقلب ~~والبدن إنما خلق لذلك، فأطيب ما في الدنيا معرفته ومحبته وألذ ما في الجنة ~~رؤيته ومشاهدته، فمحبته ومعرفته قرة العيون، ولذة الأرواح، وبهجة القلوب، ~~ونعيم الدنيا وسرورها، بل لذات الدنيا القاطعة عن ذلك تتقلب آلاما وعذابا، ~~ويبقى صاحبها في المعيشة الضنك، فليست الحياة الطيبة إلا بالله. # وكان بعض المحبين تمر به أوقات فيقول: إن كان أهل الجنة في نعيم مثل هذا ~~إنهم لفي عيش طيب، وقد تقدم ذلك، وكان غيره يقول: لو يعلم الملوك وأبناء ~~الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. # وإذا كان صاحب المحبة الباطلة التي هي عذاب على قلب المحب، يقول في حاله: # وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى ... فلا خير فيمن لا يحب ويعشق # ويقول غيره: # أف للدنيا إذا ما لم يكن ... صاحب الدنيا محبا أو حبيبا # ويقول آخر: # ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها ... وأنت وحيد مفرد غير عاشق # ويقول الآخر: # اسكن إلى سكن تلذ بحبه ... ذهب الزمان وأنت منفرد # ويقول الآخر: # تشكى المحبون الصبابة ليتني ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدي # فكانت لقلبي لذة الحب كلها ... فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي # فكيف بالمحبة التي هي حياة القلوب، وغذاء الأرواح، وليس للقلب لذة، ولا ~~نعيم، ولا فلاح، ولا حياة إلا بها، وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم ~~العين إذا فقدت نورها، والأذن إذا فقدت سمعها، والأنف إذا فقد ms228 شمه، واللسان ~~إذا فقد نطقه، بل فساد القلب إذا خلا من محبة فاطره # PageV01P233 # وبارئه وإلهه الحق أعظم من فساد البدن إذا خلا منه الروح، وهذا الأمر لا ~~يصدق به إلا من فيه حياة، # وما لجرح ميت إيلام. # والمقصود: أن أعظم لذات الدنيا هو السبب الموصل إلى أعظم لذة في الآخرة، ~~ولذات الدنيا ثلاثة أنواع: # فأعظمها وأكملها: ما أوصل لذة الآخرة، ويثاب الإنسان على هذه اللذة أتم ~~ثواب، ولهذا كان المؤمن يثاب على ما يقصد به وجه الله، من أكله، وشربه، ~~ولباسه، ونكاحه، وشفاء غيظه بقهر عدو الله وعدوه، فكيف بلذة إيمانه، ~~ومعرفته بالله، ومحبته له، وشوقه إلى لقائه، وطمعه في رؤية وجهه الكريم في ~~جنات النعيم؟ # النوع الثاني: لذة تمنع لذة الآخرة، وتعقب آلاما أعظم منها، كلذة الذين ~~اتخذوا من دون الله أوثانا مودة بينهم في الحياة الدنيا يحبونهم كحب الله، ~~ويستمتعون بعضهم ببعض، كما يقولون في الآخرة إذا لقوا ربهم: # {ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم ~~خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم - وكذلك نولي بعض الظالمين ~~بعضا بما كانوا يكسبون} [سورة الأنعام: 128 - 129] . # ولذة أصحاب الفواحش والظلم والبغي في الأرض والعلو بغير الحق. # وهذه اللذات في الحقيقة إنما هي استدراج من الله لهم ليذيقهم بها أعظم ~~الآلام، ويحرمهم بها أكمل اللذات، بمنزلة من قدم لغيره طعاما لذيذا مسموما؛ ~~يستدرجه به إلى هلاكه، قال تعالى: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون - وأملي لهم ~~إن كيدي متين} [سورة الأعراف: 182 - 183] . # قال بعض السلف في تفسيرها: كلما أحدثوا ذنبا أحدثنا لهم نعمة: {حتى إذا ~~فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون - فقطع دابر القوم الذين ~~ظلموا والحمد لله رب العالمين} [سورة الأنعام: 44 - 45] . # وقال تعالى لأصحاب هذه اللذة: # {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين - نسارع لهم في الخيرات بل لا ~~يشعرون} [سورة المؤمنون: 55 - 56] . # PageV01P234 # وقال في حقهم: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم ~~بها في الحياة الدنيا وتزهق ms229 أنفسهم وهم كافرون} [سورة التوبة: 55] . # وهذه اللذة تنقلب آخرا آلاما من أعظم الآلام، كما قيل: # مآرب كانت في الحياة لأهلها ... عذابا فصارت في المعاد عذابا # النوع الثالث: لذة لا تعقب لذة في دار القرار ولا ألما، ولا تمنع أصل لذة ~~دار القرار، وإن منعت كمالها، وهذه اللذة المباحة التي لا يستعان بها على ~~لذة الآخرة، فهذه زمانها يسير، ليس لتمتع النفس بها قدر، ولا بد أن تشتغل ~~عما هو خير وأنفع منها. # وهذا القسم هو الذي عناه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «كل لهو ~~يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، ~~فإنهن من الحق» . # فما أعان على اللذة المطلوبة لذاتها فهو حق، وما لم يعن عليها فهو باطل. ### | [فصل الحب الذي لا ينكر ولا يذم] # فصل # الحب الذي لا ينكر ولا يذم # فهذا الحب لا ينكر ولا يذم، بل هو أحد أنواع الحب، وكذلك حب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وإنما نعني المحبة الخاصة، التي تشغل قلب المحب ~~وفكره وذكره بمحبوبه، وإلا فكل مسلم في قلبه محبة الله ورسوله، لا يدخل ~~الإسلام إلا بها، والناس متفاوتون في درجات هذه المحبة تفاوتا لا يحصيه إلا ~~الله، فبين محبة الخليلين ومحبة غيرهما ما بينهما، فهذه المحبة هي التي ~~تلطف وتخفف أثقال التكاليف، وتسخي البخيل، وتشجع الجبان، وتصفي الذهن، ~~وتروض النفس، وتطيب الحياة على الحقيقة، لا محبة الصور المحرمة، وإذا بليت ~~السرائر يوم اللقاء، وكانت سريرة صاحبها من خير سرائر العباد، كما قيل: # سيبقى لكم في مضمر القلب والحشا ... سريرة حب يوم تبلى السرائر # وهذه المحبة هي التي تنور الوجه، وتشرح الصدر، وتحيي القلب، وكذلك محبة ~~كلام الله، فإنه من علامة حب الله، وإذا أردت أن تعلم ما عندك وعند غيرك من ~~محبة الله، فانظر محبة القرآن من قلبك، والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ ~~أصحاب الملاهي والغناء المطرب بسماعهم، فإن من المعلوم أن من أحب محبوبا ~~كان كلامه وحديثه أحب شيء إليه كما قيل: # PageV01P235 # إن كنت ms230 تزعم حبي فلم هجرت كتابي؟ ... أما تأملت ما فيه من لذيذ خطابي # وقال عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام ~~الله، وكيف يشبع المحب من كلام محبوبه وهو غاية مطلوبه؟ وقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يوما لعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: «اقرأ علي، ~~فقال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فاستفتح سورة ~~النساء، حتى إذا بلغ قوله: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على ~~هؤلاء شهيدا} [سورة النساء: 41] ، قال: حسبك الآن، فرفع رأسه فإذا عينا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تذرفان من البكاء» . # وكان الصحابة إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى يقولون: يا أبا موسى ذكرنا ~~ربنا، فيقرأ، وهم يستمعون، فلمحبي القرآن - من الوجد، والذوق، واللذة، ~~والحلاوة، والسرور - أضعاف ما لمحبي السماع الشيطاني، فإذا رأيت الرجل، ~~ذوقه، ووجده، وطربه، وتشوقه إلى سماع الأبيات دون سماع الآيات، وسماع ~~الألحان دون سماع القرآن، كما قيل: # تقرأ عليك الختمة وأنت جامد كالحجر، وبيت من الشعر ينشد تميل كالسكران. # فهذا من أقوى الأدلة على فراغ قلبه من محبة الله وكلامه، وتعلقه بمحبة ~~سماع الشيطان، والمغرور يعتقد أنه على شيء. # ففي محبة الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - أضعاف أضعاف ما ذكر ~~السائل من فوائد العشق ومنافعه، بل لا حب على الحقيقة أنفع منه، وكل حب سوى ~~ذلك باطل إن لم يعن عليه ويسق المحب إليه. ### | [فصل محبة الزوجات] # فصل # محبة الزوجات # وأما محبة الزوجات: فلا لوم على المحب فيها بل هي من كماله، وقد امتن ~~الله سبحانه بها على عباده فقال: # PageV01P236 # {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ~~ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [سورة الروم: 21] . # فجعل المرأة سكنا للرجل، يسكن قلبه إليها، وجعل بينهما خالص الحب، وهو ~~المودة المقترنة بالرحمة، وقد قال تعالى عقيب ذكره ما أحل لنا من النساء ~~وما حرم منهن: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم ms231 سنن الذين من قبلكم ويتوب ~~عليكم والله عليم حكيم - والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون ~~الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما - يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ~~ضعيفا} [سورة النساء: 26 - 28] . # ذكر سفيان الثوري في تفسيره عن ابن طاوس عن أبيه: كان إذا نظر إلى النساء ~~لم يصبر. # وفي الصحيح من حديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه رأى ~~امرأة، فأتى زينب فقضى حاجته منها، وقال: إن المرأة تقبل في صورة شيطان، ~~وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله، فإن ذلك ~~يرد ما في نفسه» ، ففي هذا الحديث عدة فوائد: # منها: الإرشاد إلى التسلي عن المطلوب بجنسه، كما يقوم الطعام مكان ~~الطعام، والثوب مقام الثوب. # ومنها: الأمر بمداواة الإعجاب بالمرأة المورث لشهوتها بأنفع الأدوية، وهو ~~قضاء وطره من أهله، وذلك ينقض شهوته لها، وهذا كما أرشد المتحابين إلى ~~النكاح، كما في سنن ابن ماجه مرفوعا: «لم ير للمتحابين مثل النكاح» . # فنكاح المعشوقة هو دواء العشق الذي جعله الله دواء شرعا، وقد تداوى به ~~داود عليه السلام ولم يرتكب نبي الله محرما، وإنما تزوج المرأة وضمها إلى ~~نسائه لمحبته لها، وكانت توبته بحسب منزلته عند الله وعلو مرتبته، ولا يليق ~~بنا المزيد على هذا. # وأما قصة زينب بنت جحش: فزيد كان قد عزم على طلاقها ولم توافقه، وكان ~~يستشير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فراقها، وهو يأمره بإمساكها، ~~فعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه مفارقها لا بد، فأخفى في نفسه ~~أنه يتزوجها إذا فارقها زيد، وخشي مقالة الناس: إن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - تزوج زوجة ابنه، فإنه كان قد تبنى زيدا قبل النبوة، والرب ~~تعالى يريد أن يشرع شرعا عاما فيه مصالح عباده، فلما طلقها زيد، وانقضت ~~عدتها منه، أرسله إليها يخطبها لنفسه، فجاء زيد واستدبر # PageV01P237 # الباب بظهره، وعظمت في صدره لما ذكرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فناداها من وراء الباب: يا زينب إن رسول ms232 الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يخطبك، فقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، وقامت إلى محرابها فصلت، ~~فتولى الله عز وجل نكاحها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه، وعقد ~~النكاح له فوق عرشه، وجاء الوحي بذلك: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها} ~~[سورة الأحزاب: 37] . # فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لوقته فدخل عليها، فكانت تفخر على ~~نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وتقول: أنتن زوجكن أهاليكن، ~~وزوجني الله من فوق سبع سماوات، فهذه قصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مع زينب. # ولا ريب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد حبب إليه النساء، كما في ~~الصحيح عن أنس عنه - صلى الله عليه وسلم -: «حبب إلي من دنياكم النساء ~~والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» هذا لفظ الحديث، لا ما يرويه بعضهم: ~~«حبب إلي من دنياكم ثلاث،» زاد الإمام أحمد في كتاب الزهد في هذا الحديث: ~~«أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن» ، وقد حسده أعداء الله اليهود على ~~ذلك فقالوا: ما همه إلا النكاح، فرد الله سبحانه عن رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - ونافح عنه، فقال: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد ~~آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما} [سورة النساء: 54] . # وهذا خليل الله إبراهيم كان عنده سارة أجمل نساء العالمين، وأحب هاجر ~~وتسرى بها. # وهذا داود عليه السلام كان عنده تسعة وتسعون امرأة، فأحب تلك المرأة ~~وتزوجها فكمل المائة، وهذا سليمان ابنه عليه السلام كان يطوف في الليلة على ~~تسعين امرأة. # «وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أحب الناس إليه، فقال: عائشة ~~- رضي الله عنها - وقال عن خديجة: إني رزقت حبها» . # فمحبة النساء من كمال الإنسان، قال ابن عباس: خير هذه الأمة أكثرها نساء، ~~وقد ذكر الإمام أحمد أن عبد الله بن عمر وقع في سهمه يوم جلولاء جارية كأن ~~عنقها إبريق من فضة، قال عبد الله: فما صبرت عنها أن قبلتها والناس ينظرون، ~~وبهذا ms233 احتج الإمام أحمد على جواز الاستمتاع من المسبية قبل الاستبراء بغير ~~الوطء، بخلاف الأمة المشتراة. # والفرق بينهما أن انفساخ الملك لا يتوهم في المسبية بخلاف المشتراة، فقد ~~ينفسخ فيها الملك، فيكون مستمتعا بأمة غيره. # PageV01P238 # وقد شفع النبي - صلى الله عليه وسلم - لعاشق أن تواصله معشوقته بأن تتزوج ~~به فأبت، وذلك في قصة مغيث وبريرة «لما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يمشي خلفها ودموعه تجري على خديه، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: لو راجعتيه؟ فقالت: أتأمرني يا رسول الله، قال: لا، إنما أشفع، فقالت: ~~لا حاجة لي به، فقال لعمه: يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغضها ~~له، ولم ينكر عليه حبها، وإن كانت قد بانت منه» . # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يساوي بين نسائه في القسم ويقول: ~~«اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك» يعني في الحب، وقد قال ~~تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} [سورة النساء: 129] ~~، يعني في الحب والجماع. # ولم يزل الخلفاء الراشدون والرحماء من الناس يشفعون للعشاق إلى معشوقهم ~~الجائز وصلهن، كما تقدم من فعل أبي بكر وعثمان، وكذلك علي - رضي الله عنه - ~~أتي بغلام من العرب وجد في دار قوم بالليل، فقال له: ما قصتك؟ قال: لست ~~بسارق، ولكني أصدقك: # تعلقت في دار الرياحي خودة ... يذل لها من حسن منظرها البدر # لها في بنات الروم حسن ومنظر ... إذا افتخرت بالحسن خافتها الفخر # فلما طرقت الدار من حر مهجتي ... أبيت وفيها من توقدها الجمر # تبادر أهل الدار بي ثم صيحوا ... هو اللص محتوما له القتل والأسر # فلما سمع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - شعره، رق له، وقال للمهلب بن ~~رباح: اسمح له بها، فقال: يا أمير المؤمنين، سله من هو؟ فقال: النهاس بن ~~عيينة، فقال: خذها فهي لك. # واشترى معاوية جارية فأعجب بها إعجابا شديدا، فسمعها يوما تنشد أبياتا ~~منها: # وفارقته كالغصن يهتز في الثرى ... طريرا وسيما بعد ما طر شاربه ms234 # فسألها، فأخبرته أنها تحب سيدها، فردها إليه وفي قلبه منها. # وذكر الزمخشري في ربيعة أن زبيدة قرأت في طريق مكة على حائط: # أما في عباد الله أو في إمائه ... كريم يجلي الهم عن ذاهب العقل # له مقلة أما الأماقي قريحة ... وأما الحشا فالنار منه على رجل # فنذرت أن تحتال لقائلها إن عرفته حتى تجمع بينه وبين من يحبه، فبينا هي ~~بالمزدلفة، # PageV01P239 # إذ سمعت من ينشدهما، فطلبته، فزعم أنه قالهما في ابنة عم له نذر أهلها أن ~~لا يزوجوها منه، فوجهت إلى الحي، وما زالت تبذل لهم المال حتى زوجوها منه، ~~وإذا المرأة أعشق له منه لها، فكانت تعده من أعظم حسناتها، وتقول: ما أنا ~~بشيء أسر مني من جمعي بين ذلك الفتى والفتاة. # وقال الخرائطي: وكان لسليمان بن عبد الملك غلام وجارية يتحابان، فكتب ~~الغلام إليها يوما: # ولقد رأيتك في المنام كأنما ... عاطيتني من ريق فيك البارد # وكأن كفك في يدي وكأننا ... بتنا جميعا في فراش واحد # فطفقت يومي كله متراقدا ... لأراك في نومي ولست براقد # فأجابته الجارية: # خيرا رأيت وكل ما أبصرته ... ستناله مني برغم الحاسد # إني لأرجو أن تكون معانقي ... فتبيت مني فوق ثدي ناهد # وأراك بين خلاخلي ودمالجي ... وأراك فوق ترائبي ومجاسدي # فبلغ سليمان ذلك فأنكحها الغلام وأحسن حالهما على فرط غيرته. # وقال جامع بن برخية: سألت سعيد بن المسيب مفتي المدينة: هل في حب دهمنا ~~من وزر؟ # فقال سعيد: إنما تلام على ما تستطيع من الأمر، فقال سعيد: والله ما سألني ~~أحد عن هذا، ولو سألني ما كنت أجيب إلا به. # أقسام عشق النساء # فعشق النساء ثلاثة أقسام: قسم هو قربة وطاعة، وهو عشق امرأته وجاريته، ~~وهذا العشق نافع؛ فإنه أدعى إلى المقاصد التي شرع الله لها النكاح، وأكف ~~للبصر والقلب عن التطلع إلى غير أهله، ولهذا يحمد هذا العاشق عند الله، ~~وعند الناس. # وعشق: هو مقت عند الله وبعد من رحمته، وهو أضر شيء على العبد في دينه ~~ودنياه، وهو عشق المردان، فما ابتلي به ms235 إلا من سقط من عين الله، وطرد عن ~~بابه، وأبعد قلبه عنه، وهو من أعظم الحجب القاطعة عن الله، كما قال بعض ~~السلف: إذا سقط العبد من عين # PageV01P240 # الله، ابتلاه بمحبة المردان، وهذه المحبة هي التي جلبت على قوم لوط ما ~~جلبت، فما أتوا إلا من هذا العشق، قال الله تعالى: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم ~~يعمهون} [سورة الحجر: 72] . # ودواء هذا الداء: الاستعانة بمقلب القلوب، وصدق اللجأ إليه، والاشتغال ~~بذكره، والتعويض بحبه وقربه، والتفكر في الألم الذي يعقبه هذا العشق، ~~واللذة التي تفوته به، فيترتب عليه فوات أعظم محبوب، وحصول أعظم مكروه، ~~فإذا أقدمت نفسه على هذا وآثرته، فليكبر على نفسه تكبير الجنازة، وليعلم أن ~~البلاء قد أحاط به. # والقسم الثالث: العشق المباح، وهو الواقع من غير قصد، كعشق من وصفت له ~~امرأة جميلة، أو رآها فجأة من غير قصد، فتعلق قلبه بها، ولم يحدث له ذلك ~~العشق معصية، فهذا لا يملك ولا يعاقب، والأنفع له مدافعته، والاشتغال بما ~~هو أنفع له منه، ويجب الكتم والعفة والصبر فيه على البلوى، فيثبته الله على ~~ذلك، ويعوضه على صبره لله وعفته، وتركه طاعة هواه، وإيثار مرضاة الله وما ~~عنده. ### | [فصل أقسام الناس في العشق] # فصل # أقسام الناس في العشق # والناس في العشق ثلاثة أقسام: # منهم: من يعشق الجمال المطلق، وقلبه يهيم في كل واد، له في كل صورة جميلة ~~مراد. # ومنهم: من يعشق الجمال المقيد، سواء طمع في وصاله أو لا. # ومنهم: من لا يعشق إلا من يطمع في وصاله. # وبين هذه الأنواع الثلاثة تفاوت في القوة والضعف. # فعاشق الجمال المطلق، يهيم قلبه في كل واد، وله في كل صورة جميلة مراد: # فيوما بحزوى، ويوما # بالعقيق وبال # عذيب يوما ويوما بالخليصاء ... وتارة ينتحي نجدا وآونة # شعب العقيق وطورا قصر تيماء # فهذا عشقه أوسع، ولكنه غير ثابت كثير التنقل: # يهيم بهذا ثم يعشق غيره ... ويسلاهم من وقته حين يصبح # وعاشق الجمال المقيد أثبت على معشوقه، وأدوم محبة له، ومحبته أقوى من ~~محبة الأول، لاجتماعهما ms236 في واحد، ولكن يضعفهما عدم الطمع في الوصال، وعاشق ~~الجمال الذي يطمع في وصاله أعقل العشاق وأعرفهم، وحبه أقوى لأن الطمع يمده ~~ويقويه. # PageV01P241 ### | [فصل حديث من عشق فعف] # فصل # حديث " من عشق فعف " # وأما حديث: " «من عشق فعف» " فهذا يرويه سويد بن سعيد، وقد أنكره حفاظ ~~الإسلام عليه. # قال ابن عدي في كامله: هذا الحديث أحد ما أنكر على سويد، وكذلك ذكره ~~البيهقي وابن طاهر في الذخيرة والتذكرة، وأبو الفرج ابن الجوزي وعده من ~~الموضوعات، وأنكره أبو عبد الله الحاكم على تساهله، وقال أنا أتعجب منه. # قلت: والصواب في الحديث أنه من كلام ابن عباس - رضي الله عنهما - موقوفا ~~عليه، فغلط سويد في رفعه. # قال أبو محمد بن خلف بن المرزبان: حدثنا أبو بكر بن الأزرق عن سويد به، ~~فعاتبته على ذلك، فأسقط ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان بعد ذلك ~~يسأل عنه فلا يرفعه، ولا يشبه هذا كلام النبوة. # وأما ما رواه الخطيب له عن الزهري: حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا قطبة ~~بن الفضل، حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق، حدثنا سويد بن مسهر عن هشام بن ~~عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا، فمن أبين الخطأ ولا يحمل هشام عن أبيه عن ~~عائشة مثل هذا عند من شم أدنى رائحة من الحديث، ونحن نشهد بالله أن عائشة ~~ما حدثت بهذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قط، ولا حدث به عروة ~~عنها، ولا حدث به هشام قط. # وأما حديث ابن الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبي نجيح عن مجاهد ~~عن ابن عباس مرفوعا، فكذب على ابن الماجشون، فإنه لم يحدث بهذا، ولا حدث به ~~عنه الزبير بن بكار، وإنما هذا من تركيب بعض الوضاعين، ويا سبحان الله! كيف ~~يحتمل هذا الإسناد مثل هذا المتن؟ فقبح الله الوضاعين. # وقد ذكره أبو الفرج ابن الجوزي، من حديث محمد بن جعفر بن سهل: حدثنا ~~يعقوب بن عيسى، عن ولد عبد الرحمن بن عوف، عن ابن أبي نجيح، ms237 عن مجاهد ~~مرفوعا، وهذا غلط قبيح، فإن محمد بن جعفر هذا هو الخرائطي، ووفاته سنة سبع ~~وعشرين وثلاثمائة، فمحال أن يدرك شيخه يعقوب ابن أبي نجيح، لا سيما وقد ~~رواه في كتاب الاعتدال، عن # PageV01P242 # يعقوب هذا عن الزبير عن عبد الملك عن عبد العزيز عن ابن أبي نجيح، ~~والخرائطي هذا مشهور بالضعف في الرواية، ذكره أبو الفرج في كتاب الضعفاء. # وكلام حفاظ الإسلام في إنكار هذا الحديث هو الميزان، وإليهم يرجع في هذا ~~الشأن، ولا صححه ولا حسنه أحد يعول في علم الحديث عليه، ويرجع في التصحيح ~~إليه، ولا من عادته التسامح والتساهل، فإنه لم يصف نفسه له، ويكفي أن ابن ~~طاهر الذي يتساهل في أحاديث التصوف، ويروي منها الغث والسمين، قد أنكره ~~وشهد ببطلانه. # نعم ابن عباس لا ينكر ذلك عنه. # وقد ذكر أبو محمد بن حزم عنه: أنه سئل عن الميت عشقا، فقال: قتيل الهوى ~~لا عقل له ولا قود. # ورفع إليه بعرفات شاب قد صار كالفرخ، فقال: ما شأنه؟ قالوا: العشق، فجعل ~~عامة يومه يستعيذ من العشق وقد تقدم. # فهذا نفس ما روي عنه ذلك. # ومما يوضح ذلك «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عد الشهداء في الصحيح، ~~فذكر المقتول في الجهاد، والمبطون، والحرق، والنفساء يقتلها ولدها، والغرق، ~~وصاحب ذات الجنب،» ولم يذكر منهم من يقتله العشق. # وحسب قتيل العشق أن يصح له هذا الأثر عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، ~~على أنه لا يدخل الجنة حتى يصبر لله، ويعف لله، ويكتم لله، لكن العاشق إذا ~~صبر وعف وكتم مع قدرته على معشوقه، وآثر محبة الله وخوفه ورضاه، هذا أحق من ~~دخل تحت قوله تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة ~~هي المأوى} [سورة النازعات: 40 - 41] . # وتحت قوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [سورة الرحمن: 46] . # فنسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يجعلنا ممن آثر حبه على هواه، ~~وابتغى بذلك قربه ورضاه. PageV01P243 ms238