######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0098093 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الداء والدواء = الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن القيم #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0098093 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-98093 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/98093 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد أجمل الإصلاحي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1429 #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مجمع الفقه الإسلامي بجدة، ط دار عالم الفوائد بجدة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 #
# أثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال # (17) # الداء والدواء # تأليف # الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ايوب ابن قيم الجوزية # (691 - 751) # حققه # محمد أجمل الإصلاحي # خرج أحاديثه # زائد بن أحمد النشيري # إشراف # بكر بن عبد الله أبو زيد # تمويل # مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية # دار عالم الفوائد # للنشر والتوزيع # PageV00P000 #
# بسم الله الرحمن الرحيم # PageV00P000 #
# مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحى الخيرية # SULAMIAN BIN ABUL AZIZ AL RAJHI CHARITABLE FOUNDATION # حقوق الطبع محفوظة # لمؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحى الخيرية # الطبعة الأولى 1429 ه # د ار عالما الفوائد للنشر والتوزيع # مكة المكرمة ص. ب 2928 هالف 5505305 فاكس 5542309 # الصف والإخرج دار عالم الفؤائد للنشر والتوزيع # PageV00P000 #
# راجع هذا الجزء # سليمان بن عبد الله العميد # علي بن محمد العمران # PageV00P000 #
# بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة التحقيق # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله نبينا محمد وعلى آله ~~وصحبه أجمعين. # أما بعد فإن هذا الكتاب الذي اشتهر بعنوان "الجواب الكافي لمن سأل عن ~~الدواء الشافي"، وطبع مرات باسم "الداء والدواء"، من أنفع الكتب في تهذيب ~~النفوس، واستثارتها للكف عن المعاصي والتوبة النصوح. # وقد أفرد لمعالجة مرض من أخطر أمراض القلوب، "مخالف لسائر الأمراض في ~~ذاته وأسبابه وعلاجه، وإذا تمكن واستحكم عز على الأطباء دواؤه، وأعيا ~~العليل داؤه". وهو مرض العشق الذي قال فيه # الشاعر: # الحب داء عضال لا دواء له ... يحار فيه الأطباء النحارير # قدكنت أحسب أن العاشقين غلوا ... في وصفه فإذا بالقوم تقصير # ومؤلفه رحمه الله من أطباء القلوب البارعين الذين لا يرجعون في مداواتهم ~~لأمراض القلوب إلى حكماء اليونان، وإنما يصدرون عن كتاب الله الحكيم، الذي ~~فيه هدى وموعظة وشفاء لما في الصدور، وسنة # رسول الله الذي إنما بعث لتعليم الناس الكتاب والحكمة، وإصلاح عقيدتهم ~~وسلوكهم، وتزكية نفوسهم، وهدايتهم لمراشد الأمور، فكانت الجماعة التي تخرجت ~~على يديه خير أمة أخرجت للناس، ms001 لم يعرف في التاريخ البشري لها نظير. # PageV00P000 #
# وكان أصل الكتاب استفتاء ورد على المؤلف، فسئل عن رجل ابتلي ببلية إن ~~استمرت به أفسدت دنياه واخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق، فما ~~تزداد إلا توقدا وشدة. ونظر المجيب إلى الحالة المستعصية، وعموم البلوى، ~~فرأى أن التفصيل أولى في هذا المقام من الإيجاز، ومقتضى النصح للسائل ~~والشفقة عليه وعلى أمثاله أن يستوعب القول في أسباب المرض وعواقبه الوخيمة، ~~وأن يرشد إلى طرق الوقاية وسبل الخلاص. فكتب فصولا نفيسة في الدعاء وشروط ~~قبوله والأسباب المانعة من ترتب أثره، وفي الفرق بين حسن الظن بالله ~~والاغترار برحمته، وفي أضرار المعاصي واثارها في حياة الأفراد والأمم ~~وعقوباتها في الدنيا والآخرة، وحقيقة التعبد لله والإشراك به، والسر في كون ~~الشرك لا يغفر من سائر الذنوب، ومضادة عشق الصور للتوحيد، ومفاسده الأخرى ~~العاجلة والاجلة، وهكذا أصبح الجواب عن ذلك السؤال كتابا مفصلا. # ولئن كان المجتمع الذي عاش فيه المؤلف رحمه الله بحاجة إلى هذا الكتاب، ~~على ما فيه من تمسك بالدين ومحافظة على الأخلاق والآداب = إن مجتمعاتنا ~~إليه لأحوج، إذ صارت تمور بأسباب الفساد، بعد ما نجح الغواة في كثير من ~~البلدان الإسلامية في استدراج المرأة المسلمة تحت شعارات خادعة إلى نزع ~~الحجاب والاختلاط بالرجال فصار المعروف منكرا، والمنكر معروفا. ثم تفنن ~~إخوان الشياطين في # إيجاد وسائل جديدة لإثارة الغريزة الجنسية وإشاعة الفاحشة في الذين ~~امنوا، فقد علموا أن الانحلال الخلقي هو أقرب طريق إلى تدمير الأمة، والله ~~المستعان. # وقد صدر الكتاب قديما في الهند سنة 1357 ه، ثم طبع في مصر، # PageV00P000 #
# وتوالت بعد ذلك طبعاته. وكان منها طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ~~رحمه الله، الذي اعتمد فيها على نسخة خطية من القرن الثالث عشر. ثم صدرت ~~طبعات أخر، اعتمد في كل منها -زعموا- على نسخة واحدة متأخرة أو غير صالحة ~~للاعتماد عليها. وقد بذل أصحابها جهدا مشكورا في تصحيحها وتخريج أحاديثها ~~وحسن إخراجها، غير أنها جميعا ms002 لم يتبع فيها المنهج العلمي المعروف في تحقيق ~~النصوص. # أما هذه الطبعة التي بين أيديكم، فهي صادرة عن أربع نسخ خطية من القرن ~~الثامن، وقد كتبت إحداها بعد وفاة المؤلف رحمه الله بتسع عشرة سنة، مع ~~الاستئناس بنسختين من القرن الثاني عشر. وقد عني فيها بتحرير متن الكتاب ~~عناية بالغة، بالإضافة إلى التوثيق والتخريج والفهارس الوافية المتنوعة. # وقد أعددت دراسة للكتاب تشتمل على توثيق نسبة الكتاب، وتحقيق عنوانه، ~~وتحليل مباحثه، وتفصيل موارده، ووصف النسخ المعتمدة في هذه الطبعة، والمنهج ~~الذي أتبع في إعدادها. # وبعد، فإني أحمد الله عز وجل على أن وفق لإخراج هذه النشرة العلمية من ~~الكتاب، وهو المسؤول أن يتقبل هذا العمل، وينفع به، ويبارك فيه. ورضي الله ~~عن مؤلفه الإمام ابن قيم الجوزية، وأعلى درجاته في جنات النعيم. وصلى الله ~~وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. # محمد أجمل أيوب الإصلاحي الرياض # 9 جمادى الأولى 1428 ه # PageV00P000 #
### | توثيق نسبة الكتاب # ذكر المترجمون لابن القيم رحمه الله هذا الكتاب ضمن مؤلفاته، وأولهم ~~تلميذه الحافظ ابن رجب رحمه الله (1)، ثم شمس الدين الداوودي (2)، وحاجي ~~خليفة (3)، وابن العماد (4)، والشوكاني (5)، # وغيرهم (6). ولما كان الكتاب في أصله جوابا عن استفتاء ورد على المؤلف، ~~نص على اسمه في بداية الكتاب في جميع النسخ الخطية. # وقد وقفت على نسخة منه عليها ختم "الخزانة الحجازية" لفؤاد سليم الحجازي ~~(7)، كتب بعضهم في صفحة عنوانها: "كتاب الداء والدواء لابن الجوزي"، ولكنه ~~خلط ظاهر بلا شك بين مؤلف الكتاب "ابن قيم الجوزية"، و"ابن الجوزي" (8). ~~وهو ناشئ هنا من جهل أو غفلة، فإن اسم المؤلف مع نعوته وألقابه ثابت في ~~فاتحة هذه النسخة أيضا مثل غيرها. # والدلائل على صحة نسبة الكتاب إلى الإمام ابن القيم رحمه الله ~~PageV00P000 #
# بادية في صفحاته: في مباحثه ومواقفه ومنهجه وأسلوبه وغير ذلك. # وأشير هنا إلى أظهرها: # 1) أحال فيه المؤلف على بعض كتبه مصرحا باسمه أو مشيرا إليه. # فأحال في موضعين على كتابه "أيمان القرآن"، وهو ms003 المطبوع بعنوان "التبيان ~~في أقسام القرآن". قال في الموضع الأول (ص 83): "ولو تأمل العبد حق التأمل ~~لكان كل ما يبصره وما لا يبصره دليلا # على التوحيد والنبوة والمعاد وأن القرآن كلامه. وقد ذكرنا وجه الاستدلال ~~بذلك في كتاب (أيمان القرآن) عند قوله {فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا ~~تبصرون (39) إنه لقول رسول كريم} [الحاقة: 38 - 40]. وذكرنا طرفا من ذلك ~~عند قوله: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21)} [الذاريات: 21] ### | .... # ". # وهذا المبحث موجود في كتاب التبيان (ص 109، 190). # وأورد في الموضع الآخر الآيات التي أقسم الله فيها بطوائف الملائكة ~~المنفذين لأمره في الخليقة، ثم قال: "وقد ذكرنا معنى ذلك وسر الإقسام به في ~~كتاب (أيمان القرآن) " (ص 469). وهذا البحث أيضا # موجود في الكتاب المطبوع (ص 83، 89، 258). # وذكر في موضع آخر أن الشيخ أبا الحسن الأشعري رحمه الله قد استدل في كتبه ~~على المعطلة بقوله تعالى: {يا هامان ابن لي صرحا} [غافر: 36]، ثم قال: "قد ~~ذكرنا لفظه في غير هذا الكتاب" (ص 330). وقد نقل ابن القيم لفظ الأشعري في ~~كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" (ص 295)، ثم في "الصواعق المرسلة" (1244). # 2) نقل في عدة مواضع كلام شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية كما # PageV00P000 #
# سيأتي. # 3) كلام المؤلف على بعض المسائل في هذا الكتاب تراه بنصه أو بلفظ قريب ~~منه في مؤلفاته الأخرى. ومن ذلك قوله: "وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع" ~~(ص 31). يعني ترتيب الله سبحانه في كتابه # حصول الخيرات والشرور في الدنيا والآخرة على الأعمال، كترتيب الجزاء على ~~الشرط، والمعلول على العلة، والمسبب على السبب. وإذا رجعت إلى كتابه مفتاح ~~دار السعادة (1/ 363) وجدته يقول: "ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو ~~مائة موضع أو مائتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة". # ومن ذلك أنه ذكر مسألة في التوبة، وهي أن التائب هل يعود بعد التوبة إلى ~~درجته التي كان فيها أو لا يعود، ثم حكى قول شيخ الإسلام بأن من التائبين ~~من يعود إلى أرفع من درجته، ومنهم من يعود إلى مثل درجته، ومنهم ms004 من لا يصل ~~إلى درجته (ص 207). وقد تكلم المؤلف على هذه المسألة في مدارج السالكين (1/ ~~368)، وأفاض القول فيها في طريق الهجرتين (ص 556 - 545)، ونقل قول شيخ ~~الإسلام في الكتابين. # ومن ذلك أيضا قوله: إن ما في قصة يوسف عليه السلام من الفوائد والعبر ~~والحكم يزيد على ألف فائدة (ص 487)، وقال نحوه في شفاء العليل (ص 224). ثم ~~وجوه الابتلاء التي فصلها هنا ذكر جملة منها في مدارج السالكين (2/ 156)، ~~وطريق الهجرتين (496)، وروضة المحبين (449). وصرح في المدارج أنها مما سمعه ~~من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. # PageV00P000 #
# ومن ذلك كلام المصنف على حديث "من عشق فكتم وعف وصبر فمات، فهو شهيد" (ص ~~568)، ونجد الكلام بعينه في زاد المعاد (4/ 275)، وروضة المحبين (ص 287). # 4) حكى المؤلف عن نفسه أنه مكث مرة بمكة، تعتريه الأمراض، ولا يجد طبيبا، ~~فكان يعالج نفسه بسورة الفاتحة (ص 8). وقد حكى مثله في زاد المعاد (4/ ~~178)، ومدارج السالكين (1/ 57 - 58). # PageV00P000 #
### | عنوان الكتاب # أول ما طبع هذا الكتاب في الهند سنة 1357 ه بعنوان "الجواب الكافي لمن ~~سأل عن الدواء الشافي"، ثم طبع في القاهرة طبعتين مختلفتين بالعنوان نفسه، ~~فاشتهر هذا العنوان. ولعل أول طبعة خالفته هي التي أخرجها الشيخ محمد محيي ~~الدين عبد الحميد رحمه الله سنة 1377 ه في القاهرة بعنوان "الداء والدواء". ~~ولكن في العام نفسه صدرت في القاهرة أيضا طبعة أخرى عني بها الشيخ محمود ~~عبد الوهاب فايد رحمه الله بالعنوان الأول. وقد ألف الناس هذا العنوان، ~~ولعلهم أعجبوا به لما فيه من السجع السهل، فوسمت به معظم الطبعات التي صدرت ~~من هذا الكتاب. فهل كلا العنوانين صواب، أو أحدهما أرجح من الآخر؟ # لم يسم المؤلف كتابه في مقدمته، بل ليس فيه مقدمة أصلا، إذ أخذ المؤلف في ~~الإجابة عن السؤال الذي ورد عليه رأسا حسب طريقة المفتين؛ ولا أشار إليه في ~~كتبه الأخرى (1). ولكن أقدم من ذكره من مؤلفاته -وهو تلميذه الحافظ ابن رجب ~~رحمه الله- سماه "الداء والدواء"، وكذا من اعتمد عليه كالداوودي وابن ms005 ~~العماد وغيرهما. # والشوكاني أيضا ذكره بهذا العنوان مع أنه لم يصدر فيما يبدو عن ذيل طبقات ~~الحنابلة. # وبين يدي ثلاث نسخ من الكتاب، كلها نسخت في حياة الحافظ ابن رجب (736 - ~~795)، وأقدمها نسخة الإسكوريال المكتوبة سنة PageV00P000 #
# 770 ه، والثانية مؤرخة في سنة 785 ه، والثالثة كتبت قبل سنة 791 ه، وهذه ~~كلها متفقة على عنوان "الداء والدواء". وقد اطلعت على نسخ متأخرة أيضا بهذا ~~العنوان من القرنين الثاني عشر والثالث عشر (1). # أما العنوان الآخر "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، فقد ذكره ~~حاجي خليفة المتوفى سنة 1067 ه، ثم نقل أول الكتاب، وأثنى عليه (2). وهذا ~~دليل على أنه وقف على نسخة منه بهذا العنوان. # وقد ورد العنوان الأول أيضا في كتابه (3)، ولكنه مأخوذ من ذيل طبقات ~~الحنابلة أو غيره من كتب التراجم، فإن حاجي خليفة لو وقف على نسخة بهذا ~~العنوان لنقل منها بداية الكتاب، وتبين له أنه الكتاب السابق نفسه الذي ~~ذكره بعنوان "الجواب الكافي ... " (4). # وعندي صورة من نسخة محفوظة في مكتبة جامعة ييل، وقدر واضع فهرسها أنها من ~~القرن الثامن، وعنوانها: "كتاب الجواب الكافي في سؤال الدواء الشافي" كذا، ~~والظاهر أنه ليس بخط كاتب النسخة، # ولكن لا أدري أهذه صورة محرفة من العنوان المشهور الذي ثبت من قبل في بعض ~~النسخ، أم هي الصيغة البدائية التي تطورت بعد تحسينها إلى PageV00P000 #
# الصيغة المعروفة (1). # مهما يكن الأمر، فقد تبين مما سبق أن العنوان الأول -وهو الداء والدواء- ~~أحق بالترجيح. يقول الشيخ بكر أبو زيد: "وهما اسمان وضعا لمسمى واحد، وهو ~~جواب لسؤال ورد عليه، والمناسبة لكل واحد من الاسمين ظاهرة، لكنها بهذا ~~الاسم "الداء والدواء" أظهر، فإنه استهل جواب السؤال بقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل الله له شفاء" وأحاديث نحوه. وقال ~~أيضا في أثناء الكتاب: "فلنرجع إلى ما كنا فيه من ذكر دواء الداء" (2). # وزد على ما ذكره الشيخ النصوص الآتية من الكتاب: # - "وهل مع ذلك كله ms006 من دواء لهذا الداء العضال ... " (413). # - "ولعل هذا هو المقصود بالسؤال الذي وقع عليه الاستفتاء، والداء الذي ~~طلب له الدواء" (414). # - "والكلام في دواء هذا الداء" (415). # - "ودواء هذا الداء القتال" (490). # - "ودواء هذا الداء الدوي" (566). # هذه النصوص، وما سبق من أن الحافظ ابن رجب وغيره ممن ترجم PageV00P000 #
# للمؤلف إنما ذكره بعنوان "الداء والدواء"، وأنه هو الوارد في مخطوطات ~~الكتاب لا سيما القريبة من زمن المؤلف = كل ذلك يرجح هذا العنوان على غيره. # هذا، وفي مكتبة الأوقاف ببغداد نسخة من الكتاب، تاريخ نسخها سنة 1100ه، ~~وكان مكتوبا في صفحة عنوانها: "هذا كتاب دواء الداء"، فكتب بعضهم فوقه بخط ~~مختلف: "هذا دواء القلوب"، ثم # ضرب شخص آخر على العبارة السابقة، وكتب بجانبها: "دواء القلوب"، وقيد ~~الكتاب في المكتبة بهذا العنوان في فن التصوف، وهكذا سماه الأستاذ عبد الله ~~الجبوري في فهرس مكتبة الأوقاف (1). # والظاهر أن الورقة الأولى التي كان فيها عنوان الكتاب واسم المؤلف قد ~~ضاعت من الأصل، فتتبع بعض من قرأ النسخة عبارات المصنف التى سقناها انفا ~~كقوله: "فلنرجع إلى ما كنا فيه من ذكر (دواء # الداء) "، فكتب: "هذا كتاب دواء الداء"، وكان الرجل مصيبا في استنباطه، ~~غير بعيد عن العنوان الصحيح. ولما رأى بعضهم أن هذا العنوان يوهم أن الكتاب ~~في طب الأبدان، نبه على موضوعه بقوله: "إن هذا دواء القلوب"، وذلك أيضا ~~واقع في حاق الصواب. أما الذي أفسد الأمر فهو ثالثهم الذي توهم أن "دواء ~~القلوب" في العبارة السابقة هو عنوان الكتاب، فأثبته بجانبها بعد ما ضرب ~~عليها ضربات! أما الأستاذ عبد الله الجبوري الذي فهرس النسخة، وأثبت ~~بدايتها وخاتمتها، ثم نقل عن معجم المطبوعات لسركيس أن الكتاب مطبوع في ~~PageV00P000 #
# القاهرة ة فلا شك أنه اكتشف أن هذا الكتاب هو "الجواب الكافي لمن سأل عن ~~الدواء الشافي"،؛ لأن معجم سركيس لم يرد فيه عنوان "دواء القلوب" البتة، لا ~~في مصنفات ابن القيم ولا غيره، وإنما ذكر هو "الجواب الكافي ... " مع ~~الإشارة إلى طبعته الصادرة في ms007 مصر عام 1954 م، فكان حريا بالأستاذ الجبوري ~~أن يصرح في الفهرس بأن هذه النسخة الموسومة ب "دواء القلوب" هي لكتاب ابن ~~القيم المطبوع بعنوان "الجواب الكافي ... " أو "الداء والدواء"، مشيرا إلى ~~ما حصل في صفحة عنوانها من تغيير. ولكن فاته ذلك، فالتبس الأمر بعض ~~الالتباس (1). PageV00P000 #
### | موضوع الكتاب # الكتاب جواب عن استفتاء ورد على المؤلف رحمه الله، ونصه: "ما تقول السادة ~~العلماء أئمة الدين -رضي الله عنهم أجمعين- في رجل ابتلي ببلية، وعلم أنها ~~إن استمرت به أفسدت عليه دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل ~~طريق، فما تزداد إلا توقدا وشدة؛ فما الحيلة في دفعها؟ وما الطريق إلى ~~كشفها؟ ". # لم يفصح السائل عن نوع البلية كما ترى، والمؤلف رحمه الله أيضا قد شرع في ~~الإجابة دون أن يسميها، وكتب فصولا في الدعاء وآثار المعاصي وعقوباتها ~~القدرية والشرعية، وذكر كبائر الذنوب، ومنها الشرك وقتل النفس، ثم بين عظم ~~مفسدة الزنى واللواط. فلما وصل إلى هذا الموضع قال: # "فإن قيل: وهل مع ذلك كله من دواء لهذا الداء العضال، ورقية لهذا السحر ~~القتال؟ وما الاحتيال لدفع هذا الخبال؟ ... وهل يملك العاشق قلبه، والعشق ~~قد وصل إلى سويدائه؟ ... ولعل هذا هو # المقصود بالسؤال الذي وقع عليه الاستفتاء، والداء الذي طلب له الدواء" ~~(413 - 414). # ثم رد على السؤال قائلا: "قيل: نعم، الجواب من رأس (وما أنزل الله سبحانه ~~من داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله) ". ثم تكلم على ~~علاج هذا الداء من طريقين أحدهما: حسم مادته قبل حصولها، والثاني: قلعها ~~بعد نزولها. # وختم الجواب ببيان ما في عشق الصور من المفاسد العاجلة # PageV00P000 #
# والاجلة، وذكر أن الله سبحانه إنما حكى هذا المرض في كتابه عن طائفتين من ~~الناس، وهما قوم لوط والنساء، ثم قال: "وهذا داء أعيا الأطباء دواؤه، وعز ~~عليهم شفاؤه. وهو لعمر الله- الداء العضال، والسم القتال ... " (491). # وتبين من هذا أن الاستفتاء الذي ورد على المؤلف كان عن داء العشق: كيف ms008 ~~يمكن مداواته وإنقاذ صاحبه مما ابتلي به من تباريحه؟ ولفظ الاستفتاء يدل ~~على أن السؤال عن مرض حاصل لا عن متوقع، # فكان للمؤلف أن يقتصر على بيان الطرق المفضية إلى الخلاص منه، كما فعل في ~~الفصل المحكم الذي كتبه في زاد المعاد بعنوان "فصل في هديه - صلى الله عليه ~~وسلم - في علاج العشق". استهله بقوله: # "هذا مرض من أمراض القلب، مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه، وعلاجه، ~~وإذا تمكن واستحكم عز على الأطباء دواؤه، وأعيا العليل داؤه. وإنما حكاه ~~الله سبحانه في كتابه عن طائفتين من الناس: عن النساء وعشاق الصبيان ~~المردان، فحكاه عن امرأة العزيز في شأن يوسف، وحكاه عن قوم لوط" (1). # ثم ذكر ثماني حالات، ووصف لكل حالة علاجها. وكأن هذا الفصل من كتاب الزاد ~~-من حيث دقته وتحريره- هو الجواب المطلوب عن الاستفتاء الوارد عليه. # أما الكتاب الحافل الذي بين أيدينا، فقد سلك فيه المؤلف رحمه الله مسلكا ~~آخر ارتضاه ودافع عنه، وحكى عن شيخه أنه كان ينتهجه أيضا، PageV00P000 #
# فقال في كتابه مدارج السالكين: "ومن الجود بالعلم أن السائل إذا سألك عن ~~مسألة استقصيت له جوابها جوابا شافيا، لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع به ~~الضرورة ... ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في ذلك ~~أمرا عجيبا: كان إذا سئل عن مسألة حكمية، ذكر في # جوابها مذاهب الأئمة الأربعة إذا قدر، ومأخذ الخلاف وترجيح القول الراجح، ~~وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته، فيكون فرحه ~~بتلك المتعلقات واللوازم أعظم من فرحه # بمسألته ... " (1). # وفي موضع آخر جعل ذلك دليلا على كمال نصح المفتي للسائل وكمال علمه ~~وإرشاده (2). ولا شك أن الجواب عن بعض المسائل الفرعية قد يكون محل انتقاد ~~إذا خرج عن المألوف في الاستطالة # والتشعب وكثرة الاستطراد، مما يضطر المجيب كلما بعد عن الغرض أن يعود إلى ~~ما بدأ، فيتضجر السائل، ويمل القارئ، ولكن إذا كان السؤال عن مرض خطير من ~~أمراض القلوب كمرض العشق المخالف لسائر الأمراض في ms009 ذاته وأسبابه وعلاجه كما ~~قال المؤلف، وهو مرض لا يخلو منه زمان ولا مكان، ولكنه قد يبلغ في بعض ~~المجتمعات- لكثرة دواعيه- من الفشو في الخاصة بعد العامة مبلغا ينذر بسقوط ~~المجتمع في الهاوية = إذا كان السؤال عن مثل هذا المرض الذي يكاد يكون وباء ~~فتاكا # فلا ريب أن من كمال نصح المفتي وأمانته وعلمه وفقهه أن يكون جوابه مفصلا ~~مستوعبا لجوانب الموضوع. فلا يصح له أن يقتضب الكلام أو PageV00P000 #
# يوجزه، بل يجب عليه أن يفضله تفصيلا، ويبشر وينذر، ويذكر المنجيات ~~والموبقات، ويبين أسباب المرض وأماراته وعواقبه، ولا يقتصر على الإرشاد إلى ~~سبل الخلاص منه، بل يدل على طرق الوقاية # من الوقوع فيه أيضا. ثم يعتني قبل ذلك بتهيئة قلب المبتلى للاستماع إلى ~~كلامه والعمل بما يصف له من أنواع العلاج. # وهكذا كان جواب ابن القيم رحمه الله، جواب عالم رباني ناصح حكيم، جوابا ~~مبسوطا مفصلا، غاية في بابه. # PageV00P000 #
### | ترتيب مباحث الكتاب # شرع المؤلف رحمه الله في الجواب عن الاستفتاء رأسا بقوله: "الحمد لله. ~~ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ... ". ومضى يكتب ~~مرتجلا على سجيته، متنقلا من مبحث إلى آخر، حتى أصبحت الفتوى كتابا كبيرا. ~~ومع ذلك جاءت مطالب الكتاب مرتبة متدرجة متناسقة خلاف ما يظن في مثل هذا ~~التأليف. ويمكننا أن نقسم مباحثه إلى خمسة أقسام: # 1) فصول في الدعاء وحسن الظن بالله تعالى مع الحذر من الاغترار به (4 - ~~98). # افتتح الكلام بالحديث الذي أوردناه انفا، وذكر أن الله تعالى أخبر عن ~~القرآن أنه شفاء، ثم نبه على أن الأذكار والآيات والأدعية التي يستشفى بها ~~هي في نفسها نافعة وشافية ولكن تستدعي قبول المحل وقوة همة الفاعل وتأثيره. ~~ثم ذكر أسبابا أخرى لتخلف الشفاء، وشروط قبول الدعاء، والافات التي تحول ~~دون تأثيره. # ثم عقد فصلا مهما للإجابة عن "سؤال مشهور"، وهو أن المطلوب بالدعاء إن ms010 ~~كان مقدرا فلا بد من وقوعه، دعا به العبد أم لم يدع؛ وإلا لم يقع سواء سأله ~~العبد أم لم يسأله فما فائدة الدعاء؟ وبين أن المقدور قدر وقوعه بأسباب، ~~ومنها الدعاء، ثم ذكر أن الله سبحانه جعل الأعمال في كتابه سببا لحصول ~~الخيرات والشرور في الدنيا والآخرة، فالمؤمن يدفع قدر العقوبة الأخروية ~~بقدر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة. ثم حذر من مغالطة نفس الإنسان إياه ~~بالاتكال على عفو الله ومغفرته تارة، # PageV00P000 #
# وبالتسويف بالتوبة تارة، وبالاحتجاج بالقدر تارة. # ثم فصل صور الاغترار، وحكى أقوال المغترين، وبين الفرق بين حسن الظن ~~بالله والاغترار به، مشيرا إلى خوف الصحابة على أنفسهم من النفاق، وهم من ~~هم في تقوى الله وعبادته. وفي خلال ذلك أورد # أحاديث واثارا وأقوالا لردع الجهال العصاة المغترين بالله. وهو فصل طويل ~~نفيس. # ثم قال: "فلنرجع إلى ما كنا فيه من ذكر دواء الداء الذي إن استمر أفسد ~~دنيا العبد وآخرته". # 2) العقوبات القدرية للمعاصي (98 - 258). # قرر أولا أن كل شر وداء في الدنيا والآخرة سببه الذنوب والمعاصي. وأشار ~~إلى أن المعصية هي التي أخرجت الأبوين من الجنة، كما أخرجت إبليس من ملكوت ~~السماء، وذكر الأمم التي استحقت # عذاب الله بسبب معاصيها في عصور مختلفة، وأورد أحاديث واثارا في آثار ~~المعاصي وعواقبه. # ثم أفاض القول في أضرار المعاصي للعبد في دينه ودنياه وآخرته، واستغرق ~~هذا المبحث أكثر من مائة صفحة. وذكر في آخر فصوله أن المعاصي مدد من ~~الإنسان يعين به عدوه على نفسه، وجيش يقويه به على حربه، وبين حيل الشيطان ~~ووصيته لجنوده بغزو قلب الإنسان والدخول عليه من كل مدخل، والقعود له بكل ~~طريق. # 3) العقوبات الشرعية للمعاصي (258 - 413). # بعد ذكر آثار المعاصي في حياة الأفراد والأمم، تطرق الكلام إلى # PageV00P000 #
# بيان الحدود والتعزيرات، لتكون هذه رادعة لمن لم يتعظ بتلك. وقسم ~~العقوبات الشرعية إلى ثلاثة أنواع: القتل، والقطع، والجلد؛ والعقوبات ~~القدرية إلى نوعين: نوع على القلب، ونوع على البدن، # وأورد طرفا منها مرة أخرى، ms011 ليستحضرها العبد، ويكف عن الذنوب. # ثم قسم الذنوب إلى أربعة أقسام: الملكية والشيطانية والسبعية والبهيمية، ~~ثم عقد فصلا في أن الذنوب كبائر وصغائر، وكشف الغطاء عن القول بأن الذنوب ~~كلها كبائر بالنظر إلى الجرأة على الله. # ثم تكلم على مسألة، وهي أن تحريم الشرك هل هو مستفاد من الشرع فحسب، أو ~~هو قبيح في الفطر والعقول، وممتنع أن تأتي به شريعة؟ وما السر في كون الشرك ~~لا يغفر من بين سائر الذنوب؟ وقد # فصل القول في هذه المسألة ببيان أنواع الشرك وحقيقته وخصائص الإلهية، ~~وكون الشرك أكبر الكبائر عند الله. # وتكلم بعد ذلك على مفسدة القتل باختصار، ثم تناول مفسدة الزنى واللواط ~~بالتفصيل، فإن الفتوى كلها دائرة على هذه المفسدة. فذكر أربعة مداخل ~~للمعاصي: اللحظات، والخطرات، واللفظات، # والخطوات. ثم شرح مفسدة الزنى وما اختص حده به من بين الحدود، ثم بين عظم ~~مفسدة اللواط وشدة فحشها، ورد على من جعل عقوبته دون عقوبة الزنى، وانجر ~~الكلام إلى وطء الميتة والبهيمة والسحاق، ثم حكم التلوط مع المملوك. # 4) علاج داء العشق (413 - 508). # هذا القسم هو أصل الجواب ومقصود السائل. وقد بين المؤلف فيه # PageV00P000 #
# أن الكلام في دواء هذا الداء من طريقين: أحدهما حسم مادتة قبل حصولها، ~~والثاني قلعها بعد نزولها. # أما الطريق الأول المانع من حصول الداء، فهو أمران: أحدهما غض البصر، ~~وذكر المؤلف جملة من فوائده. والأمر الثاني أن يشتغل القلب بما يصده عن ~~الوقوع في شرك العشق. وهو إما خوف مقلق أو # حب مزعج. ثم تكلم على الحب، وقال: لا يمكن أن يجتمع في القلب حب المحبوب ~~الأعلى وعشق الصور، بل هما ضدان لا يتلاقيان. # والمحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب، وأوضح أن أصل الشرك بالله هو ~~الإشراك به في المحبة، وذكر مراتب المحبة، وأن العاقل يؤثر أعلى المحبة على ~~أدناها، وأن أصل السعادة محبة الله وحده ومحبة ما يحبه # الله. # أما الطريق الثاني وهو قلع مادة العشق بعد نزولها، فبدأ الكلام عليه بأن ~~هذا المرض إنما حكاه ms012 الله سبحانه عن طائفتين من الناس، وهما اللوطية ~~والنساء، وفصل توافر الدواعي القوية إلى الفاحشة في قصة يوسف، وكيف آثر ~~يوسف عليه السلام مرضاة الله وخوفه، وحمله حبه لله على أن اختار السجن على ~~ما دعته إليه امرأة العزيز. # ثم ذكر أن عشق الصور أقسام، وأنه تارة يكون كفرا، كمن اتخذ معشوقه ندا ~~يحبه كما يحب الله، بل يقدم بعضهم رضا معشوقه على رضا ربه، قال: "فهذا ~~العشق الكفري الشركي لا يغفر لصاحبه. وهكذا حال أكثر عشاق الصور إذا ~~تأملته". # ثم بين علاج هذا الداء القتال، وهو أن يعرف الإنسان أن ما ابتلي به هو ~~مضاد للتوحيد، ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بما يشغل قلبه # PageV00P000 #
# عن دوام الفكرة فيه، ويكثر اللجأ والتضرع إلى الله سبحانه في صرف ذلك ~~عنه. # ثم بين مفاسد العشق الدينية والدنيوية، وأشار إلى ثلاثة مقامات للعاشق ~~وما يجب عليه فيها. ثم كشف عما في العشق من صور الظلم والعدوان، وانتهى إلى ~~أنه قد تضمن أنواع الظلم كلها. # 5) إيراد الخصم بذكر فوائد العشق، والرد عليه (508 - 573). # هذا القسم تكملة للقسم السابق. أورد فيه على لسان المعترض فوائد العشق ~~ومنافعه، وطائفة من قصص العشاق، وإعانة الصالحين إياهم على بلوغ مآربهم. ثم ~~رد عليه بأن العشق من حيث هو لا يحمد ولا يذم، وإنما يتبين حكمه بذكر ~~متعلقه. فمنه النافع والضار والجائز والحرام. ثم ذكر أن أنفع المحبة على ~~الإطلاق وأوجبها وأعلاها حب الله سبحانه، وأن أعظم لذات الدنيا هي الموصلة ~~إلى أعظم لذة في الآخرة. # ثم عقد فصلا على أن محبة النسوان لا لوم فيها على المحب، بل هي من كماله. ~~فنكاح المعشوقة هو دواء العشق الذي جعله الله دواءه شرعا وقدرا. ثم ذكر أن ~~العشق ثلاثة أقسام: أحدها قربة وطاعة، وهو عشق الرجل امرأته وجاريته. ~~والثاني مقت من الله، وهو عشق المردان، وسماه "الداء الدوي"، وذكر علاجه. ~~والثالث عشق مباح لا يملك، كمن وصفت له امرأة جميلة أو رآها فجأة من غير ~~قصد، ms013 فأورثه ذلك عشقا لها، ولم يحدث له ذلك العشق معصية. وذكر أن الأنفع له ~~مدافعته والاشتغال بما هو أنفع له، ويجب عليه أن يكتم ويعف، ويصبر على ~~بلواه. فيثيبه الله على ذلك، ويعوضه على صبره لله، وعفته، وتركه طاعة هواه، ~~وايثار مرضاة الله وما عنده. # PageV00P000 #
# وفي آخر هذا القسم -وهو آخر فصول الكتاب- تكلم على حديث "من عشق فعف ... ~~" الذي احتج به الخصم. # PageV00P000 #
### | موارد الكتاب # من الكتب التي صدر عنها المؤلف ما صرح باسمه، ومنها ما سمى صاحبه، ومنها ~~ما نقل منه دون إشارة، فهي ثلاثة أقسام، والقسم الرابع ما سمعه ورواه عن ~~شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. # أولا: أما القسم الأول، فمن أهمه وأكثره ورودا: الصحيحان، ومسند أحمد، ثم ~~السنن، والمستدرك، وصحيح ابن حبان. ويمكن معرفة أماكن ورودها بالرجوع إلى ~~فهرس الكتب المذكورة في المتن. أما # الكتب الأخرى التى سماها المؤلف، فنذكرها فيما يلي مرتبة على حروف ~~المعجم. وقد أثبتنا بعد اسم الكتاب أرقام الصفحات التي ذكر فيها: # - اعتلال القلوب للخرائطي (571). # - تاريخ بغداد للخطيب (518). # - تذكرة الموضوعات لابن طاهر (568). # - تفسير سفيان الثوري (553). # - حلية الأولياء لأبي نعيم (125). # - ذخيرة الحفاظ لابن طاهر (568). # - ربيع الأبرار للزمخشري (563). # - الزهد للإمام أحمد (14، 30، 200). وزيادات ابنه عبد الله (11، 130، ~~142، 483، 557). # - الزهرة لأبي بكر محمد بن داود الظاهري (516). # PageV00P000 #
# - السنة لعبد الله ابن الإمام أحمد (543). # - الضعفاء لابن الجوزي (571). # - العاقبة لعبد الحق الإشبيلي (505). وقد نقل نصوصا منها دون تسمية ~~الكتاب في ص (386 - 392). # - الكامل لابن عدي (568). # - كتب الأشعري (330). # - كتاب المجابين في الدعاء لابن أبي الدنيا (23). # - مسائل الإمام أحمد رواية ابن هانئ (169). # - مسائل الإمام أحمد رواية الشالنجي (411). # - معجم الطبراني (118). كذا قال دون تحديد، ولعل المقصود: المعجم الكبير، ~~والحديث الذي نقله لم يرد في شيء من المعاجم الثلاثة المطبوعة. # - مناقب عمر لابن أبي الدنيا (112). # - الموضوعات لابن الجوزي (568). # ثانيا: أسماء المؤلفين الذين لم يذكر المؤلف كتبهم التي صدر عنها، مع ~~الإشارة إليها إن أمكن الوقوف عليها. # - الإمام أحمد (558). # النقل من كتابه "العلل ومعرفة الرجال". وفي مواضع ms014 كثيرة نقل من كتاب ~~"الزهد" (76، 101، 171، 124، 129، 131). وفي مواضع # PageV00P000 #
# أخرى من "المسند" (113، 123، 124، 310). وفي بعض المواضع يغلب الظن أنه ~~نقل عن كتاب الزهد، ولكن النص المنقول لا يوجد في المطبوعة. # - ابن الجوزي (571). # يجوز أن يكون النقل هنا من كتابه "العلل المتناهية" أو من "ذم الهوى"، ~~فالنص وارد في الكتابين. # - ابن حزم (531). # النص المنقول في كتابه "طوق الحمامة"، ولكن يبدو أنه نقله بواسطة، كما ~~سيأتي في القسم الثالث. # - الخرائطي (512). # النقل من "اعتلال القلوب". ونقل منه في ص (514) أيضا دون ذكره. وبعض ~~الحكايات التي أسندها إلى الخرائطي (531، 563) ليست في المطبوع من كتاب ~~الاعتلال. # - الخطيب (569): من "تاريخ بغداد". # - صاحب كتاب "منازل الأحباب" شهاب الدين محمود بن سليمان (519). # نقل أربعة أبيات له، ولكنها لم ترد في كتابه "منازل الأحباب". # - ابن أبي الدنيا (105، 106، 109 - 112، 115 - 122،119) نقل المؤلف من ~~كتاب "العقوبات"، وهي نصوص كثيرة، وجلها متتابعة، وإن كان قد أسند بعضها ~~إلى مسند أحمد وجامع الترمذي وسنن # PageV00P000 #
# ابن ماجه، لورودها في الكتب المذكورة ومنزلتها في كتب الحديث. # - أبو عبد الله الحاكم (569). # والنقل من "تاريخ نيسابور"، كما صرح بذلك في زاد المعاد (4/ 277). # - أبوطالب المكي (292): من "قوت القلوب". # - الطحاوي (411): من "شرح مشكل الآثار". # - أبو عبيد (169): من "غريب الحديث". # - أبو الوفاء ابن عقيل (75). # - علي بن الجعد (102): من مسنده. # - أبو عمر ابن عبد البر (109). # - محمد بن خلف بن المرزبان (569). لعل النقل من كتاب "ذم الهوى" لابن ~~الجوزي. # ثالثا: قد ينقل المؤلف بعض النصوص دون التصريح بمصدره. # ومن ذلك: # - نقل كلاما أسنده إلى "بعض العلماء" (455). والمقصود ابن حزم، وقد لخص ~~المؤلف كلامه الوارد في كتابه "الأخلاق والسير". # - يظهر أن مصدر بعض النقول كتاب "الواضح المبين فيمن استشهد من المحبين" ~~لمغلطاي (510 - 513). وقد نقل المؤلف طائفة من قصص الحب (520 - 532)، وهي ~~واردة في "منازل الأحباب" لشهاب # PageV00P000 #
# الدين الحلبي، الذي ذكره المؤلف في موضع -كما سبق- وعرفه ب "صاحب منازل ~~الأحباب"، فجائز أن يكون قد نقلها من كتاب المنازل، ولكن بعض القرائن تشير ~~إلى أن مصدرها أيضا ms015 "الواضح # المبين" لمغلطاي. # وهكذا نقل المؤلف في موضع (531) عن ابن حزم قولا ورد في كتابه "طوق ~~الحمامة"، ولكن لفظه في كتاب ابن القيم يدل على أنه منقول من كتاب "الواضح ~~المبين". # - قد وضع بعضهم "فتوى في العشق"، ونسبها إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه ~~الله، فأثبت الإمام ابن القيم في كتابه روضة المحبين (233) أنها مكذوبة على ~~شيخ الإسلام. من هذه الفتوى نقل ابن القيم أقوالا في فوائد العشق (558 - ~~511) في الفصل الذي عقده للرد على المعترض المحتج بمنافع العشق. وهذا لا ~~ضير فيه؛ لأن مثل هذه الأقوال تتناقلها كتب الأدب. ولكنه نقل قبل هذا الفصل ~~(506) كلاما مفيدا لصاحب الفتوى نفسه فيما يجب على المبتلى بعشق الصور، ~~فليته أسنده إلى "بعضهم"! # رابعا: نقل المؤلف عن شيخه في عدة مواضع مصرحا باسمه (73، 97، 208، 335، ~~383، 472). وفي موضعين نقل قولا له بلفظ "ويقول الآخر"، ضمن أقوال العارفين ~~في النعيم الذي يتمتعون به لأنسهم بربهم، وطمأنينتهم بذكره، وارتياحهم ~~بحبه، فقال: "ويقول الآخر: إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة ~~الآخرة" (187). # PageV00P000 #
# وقد نسب المؤلف هذا القول في مدارج السالكين (1/ 536)، والوابل الصيب ~~(109) إلى شيخ الإسلام، وصرح بأنه سمعه يقول ذلك، والظاهر من السياق أنه من ~~كلام شيخ الإسلام نفسه، لا من # حكايته لكلام بعض المتقدمين. # وفي موضع آخر (482 - 487) أورد المؤلف رحمه الله ثلاثة عشر وجها من وجوه ~~قوة الداعي إلى الفاحشة في قصة امرأة العزيز، وذكر جملة منها في طريق ~~الهجرتين (496)، وروضة المحبين (449)، # ومدارج السالكين (2/ 156)؛ وصرح في الأخير بأنها مما سمعه من شيخ الإسلام ~~ابن تيمية رحمه الله. # وليس في ذلك ما يستنكر، فشيخ الإسلام شيخ المؤلف ومرشده، والمؤلف ناشر ~~علوم شيخه وشارحها. # PageV00P000 #
### | أهمية الكتاب والثناء عليه # لا يخفى على من أجال النظر في الفقرات السابقة أهمية هذا الكتاب القيم من ~~حيث موضوعه الخطير وما انطوى عليه من مباحث جليلة نافعة. فقد تصدى فيه ~~المؤلف رحمه الله لعلاج داء دوي يشقى به # المريض، ويحار فيه الطبيب النحرير، ووصف له ms016 كل السبل المانعة والدافعة ~~مما وفقه الله إليه من خلال تدبره لكتابه العزيز ومدارسته لسنة رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وقد تكلم المؤلف في غضونه على مسائل مهمة عرضنا لها في بيان ترتيب ~~الكتاب. وهو نفسه ينبه أحيانا على أهمية بعض المباحث وشدة الحاجة إليها، ~~وذلك من كمال نصحه وأمانته وإشفاقه على قارئ كتابه، ليقف عند تلك المباحث ~~ويتأملها، ولا يمر بها عجلا. # ومن ذلك أنه لما تكلم على مسألة دفع القدر بالقدر قال: "فهذه المسألة من ~~أشرف المسائل لمن عرف قدرها ورعاها حق رعايتها" (ص 35). # وقال أيضا: "ومن فقه هذه المسألة وتأملها حق التأمل، انتفع بها غاية ~~النفع، ولم يتكل على القدر جهلا منه وعجزا وتفريطا وإضاعة، فيكون توكله ~~عجزا وعجزه توكلا" (ص 34). # وهكذا عند ما بين أن حسن الظن بالله تعالى لا يجتمع مع الإساءة، ولن يكون ~~محسن الظن بربه مقيما على معاصيه معطلا لحقوقه، التفت إلى القارئ وقال له: ~~"فتأمل هذا الموضع، وتأمل شدة الحاجة إليه" # (ص 46). وبعد توضيح الفرق بين حسن الظن بالله والاغترار بعفوه # PageV00P000 #
# ورحمته اتجه إليه مرة أخرى وقال: "ولا تستطل هذا الفصل، فإن الحاجة إليه ~~شديدة لكل أحد" (ص 50). # وقال في موضع: "فتأمل هذا، فإنه يزيل عنك إشكالات كثيرة" (ص 290). # وقال في موضع آخر: "هذا موضع يجب الاعتناء به". (ص 451). # وفي الكتاب فصول نفيسة في حقيقة الشرك وأنواعه وخصائص الإلهية، وبيان ~~السر في كون الشرك أكبر الكبائر وأن قبحه مغروس في الفطر والعقول قبل أن ~~تنزل الشرائع بتحريمه. وقد نقل هذه الفصول باختصار وتصرف تقي الدين ~~المقريزي في كتابه "تجريد التوحيد المفيد" (1). # وقد ذكر الشيخ أبو السمح عبد الظاهر بن محمد في مقدمته لهذا الكتاب أنه ~~أول كتاب هداه الله به وأنقذه من الضلال. ولعله يقصد هذه الفصول التي لخصها ~~المقريزي في كتابه اللطيف. والشيخ أبو السمح من علماء الأزهر وقد استقدمه ~~الملك عبد العزيز رحمه الله، وأسند إليه الإمامة والخطابة في الحرم المكي ~~الشريف مع إدارة دار الحديث في ms017 مكة المكرمة (1345 - 1375 ه) (2). # وقال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله: "وفي هذا الكتاب من لطائف العلم ~~وحقائقه وبيان محاسبة النفس ومراقبتها مالا يستغني عنه طالب PageV00P000 #
# علم" (1). # وقد سبقت الإشارة إلى أهمية هذا الكتاب لشبابنا في زمننا هذا خاصة، إذ ~~نزع الحجاب في معظم المجتمعات الإسلامية، وانتشر السفور، وعم الاختلاط بين ~~الجنسين، وكثرت المغريات، وغزت # الفضائيات والشبكة العنكبوتية بألوان جديدة من مظاهر الفسق والفجور، ~~فاشتدت الحاجة إلى "حراسة الفضيلة" (2) وتثبيت الشباب، وتحصين الثغور. ~~PageV00P000 #
### | طبع الكتاب وتحقيقه # الطبعة الأولى للكتاب صدرت في الهند في مدينة "آره" سنة 1307 ه (89 - ~~1890 م) وكانت طبعة حجرية في 202 صفحة، بعنوان "الجواب الكافي لمن سأل عن ~~الدواء الشافي" (1). # ثم طبع الكتاب في القاهرة سنة 1322 ه (1904 م) بمطبعة المتقدم في 176 ~~صفحة. # لم أقف على هاتين الطبعتين، ولا على طبعة السلفية التي ذكر أنها صدرت سنة ~~1346 ه (2). ولكن طبعة أخرى ظهرت في العام نفسه على نفقة الشيخ أبي السمح ~~عبد الظاهر بن محمد، والشيخ محمد صالح نصيف رحمهما الله. وقد طبعت في مطبعة ~~أمين عبد الرحمن بشارع محمد علي في القاهرة، وهي بين يدي. عدد صفحاتها 334، ~~وفي أولها كلمة الناشر في صفحتين، ثم ترجمة المؤلف في ثلاث صفحات. وفي ~~آخرها فهرس الموضوعات وجدول التصحيحات في 20 صفحة. وقد رقمت هذه الصفحات ~~الخمس والعشرون بحروف الأبجد. والجدير بالذكر أن هذه الطبعة الصادرة في سنة ~~1346 ه (1928 م) هي "الطبعة الثالثة" حسب ما كتب على الغلاف. فمتى صدرت ~~الطبعتان الأولى # والثانية؟ لم أر من أشار إليهما. # ثم صدرت طبعتان عام 1377 ه (1958 م): إحداهما في 224 صفحة بتصحيح الشيخ ~~محمود عبد الوهاب فايد (المدرس بالأزهر PageV00P000 #
# الشريف) رحمه الله، والتزم طبعها مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده ~~بالقاهرة. والأخرى بعناية الشيخ محمد عمرو الدين عبد الحميد رحمه الله، ~~أصدرتها مطبعة المدني بالقاهرة في 359 صفحة بالإضافة إلى مقدمة المصحح في 8 ~~صفحات. ms018 # وهذه أول نشرة للكتاب صدرت بعنوان "الداء والدواء"، ولها ميزة أخرى، وهي ~~أن ناشرها قد صرح بأنه اعتمد في إخراجها على نسخة خطية. ومع أنه لم يذكر ~~مكانها، وصفها بأنها "بالغة الحد في الدقة والضبط"، ثم نشر في أول الكتاب ~~صفحات مصورة منها تبين أنها بخط الشيخ عبد الله بن فائز بن منصور أبا الخيل ~~الذي كتبها سنة 1247 ه (1). # وقد طبع الكتاب بعد ذلك طبعات يصعب حصرها، وقد وقفت على كثير منها، ولكن ~~التي تستحق الذكر منها لاعتمادها على نسخ خطية ثلاث: # طبعة دار ابن كثير في دمشق - بيروت سنة 1408 ه (1988 م) بعناية الشيخ ~~يوسف علي بديوي الذي ذكر أنه اعتمد فيها على نسخة الظاهرية. # وعن هذه النسخة أخرج الكتاب الشيخ عامر بن علي ياسين سنة 1417 ه (1997 ~~م)، ووصفها بأنها "جيدة على العموم، لكن فيها تصحيفات وتحريفات ليست ~~بالقليلة، وفيها أيضا كثير من المواضع # الباهتة التي تتعذر قراءتها إلا بالتخمين والافتراض" (ص 26). وأشار مرة ~~أخرى إلى كثرة السقط والتحريف فيها (ص 29). وقد صدرت هذه PageV00P000 #
# الطبعة عن دار ابن خزيمة بالرياض. # والنشرة الثالثة هي التي عني بها الشيخ علي بن حسن الحلبي. وقد صدرت ~~طبعتها الأولى سنة 1416 ه (1996 م) عن دار ابن الجوزي بالدمام. وبين يدي ~~طبعتها الثامنة التي ظهرت سنة 1425 ه. وقد ذكر في حاشية مقدمته أنه حقق ~~الكتاب عن نسخة مخطوطة، ونشر في آخره صورة أول هذه "النسخة المعتمدة" ~~وآخرها. وهي نسخة مكتوبة سنة 1195 ه، ولكن الغريب أن أول نشرته وآخرها غير ~~مطابق لما جاء في النسخة المذكورة (1). # وقد حقق الكتاب سنة 1425 ه عن أربع نسخ خطية في رسالتين جامعيتين، ~~أعدتهما لنيل شهادة الماجستير باحثتان أشرف عليهما الشيخ عبد الله بن صالح ~~البراك. وذلك في قسم الثقافة الإسلامية بكلية التربية بجامعة الملك سعود ~~(الرياض). # واعتمد في هذا التحقيق على أربع نسخ: نسخة الإسكوريال (770 ه)، ونسخة ~~مركز الملك فيصل (785 ه)، والنسخة المعتمدة في طبعة دار ms019 ابن الجوزي (1195 ~~ه)، ونسخة الظاهرية المعتمدة في طبعتي دار ابن كثير ودار ابن خزيمة (غير ~~مؤرخة). PageV00P000 #
### | النسخ المعتمدة في هذه الطبعة # تحتفظ خزائن الكتب في الشرق والغرب بأكثر من خمس وعشرين نسخة خطية من هذا ~~الكتاب. وقد تيسر الحصول -بفضل الله سبحانه- على أربع نسخ قديمة كلها من ~~القرن الثامن، ونسخت إحداهما بعد وفاة المؤلف بتسع عشرة سنة. وهذه هي ~~الأصول المعتمدة في هذه الطبعة، وقد أضيفت إليها نسختان من النسخ المتأخرة ~~للاستئناس بهما. # وقبل أن آخذ في وصفها أحب أن أشكر لكل من كانت له يد في الحصول عليها، ~~ولا سيما فضيلة الشيخ عبد الله بن صالح البراك الذي تكرم بتزويدنا صورة من ~~نسخة الإسكوريال، والأستاذ وليد بن أحمد الحسين رئيس تحرير مجلة الحكمة ~~الذي أسعفنا بصورة من نسخة بايزيد العمومي. أما أخي الشيخ عبد العزيز بن ~~فيصل الراجحي مدير قسم المخطوطات في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات ~~الإسلامية، فلم يأل جهدا -كعهده- في تيسير الاستفادة من مقتنيات القسم. # فجزاهم الله جميعا خير الجزاء. # وإليكم الآن وصفها: # (1) نسخة الإسكوريال (س): # رقمها في مكتبة الإسكوريال: 743. وهي بخط النسخ في 126 ورقة، عدد الأسطر ~~في كل صفحة بين 22 و 23 سطرا. كتبت هذه النسخة سنة 770 كما في خاتمتها التي ~~نصها: "تم بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه في خامس عشرين صفر -ختم ~~بالخير والظفر- لسنة سبعين وسبعمائة. والصلوات التامات # PageV00P000 #
# الكاملات على سيد الأبرار وخير الأخيار محمد المصطفى وعلى آله وصحبه وسلم ~~تسليما دائما كثيرا". # وهذه أقدم النسخ المعروفة لكتاب الداء والدواء. # تبدأ النسخة بعد البسملة و "رب يسر وأعن برحمتك" بالعبارة الآتية: "سئل ~~شيخ الإسلام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الشامي تغمده الله برحمته، ~~وأسكنه جنته، فقال السائل ... ". # وهي بداية غريبة، فإن المؤلف رحمه الله كنيته أبو عبد الله، وهو محمد بن ~~أبي بكر، وهو شامي أيضا، ولكن ما اشتهر به هو أنه "أبو عبد الله محمد بن ~~أبي بكر ابن قيم الجوزية". ms020 أما الصورة الواردة في # فاتحة هذه النسخة، فكأن المقصود بها إخفاء اسم المؤلف شيئا ما عن بعض ~~المقلدة أو بعض المناوئين، لكيلا يصد بعضهم تعصبه على المؤلف عن قراءة ~~الكتاب أو يحمله على التعدي عليه. # أما صفحة العنوان فتحمل اسم الكتاب وختمين وعددا من قيود التملك والقراءة ~~وغيرها. عنوان الكتاب: "كتاب الداء والدواء"، ولكنه لم يكتب في موضعه، بل ~~في النصف الأسفل من الصفحة، ولعله ليس بخط ناسخ الأصل. # أما القيود، فأقدمها قيد مطالعة مؤرخة في سنة 778، ونصه: "نظر فيه داعيا ~~لمالكه بحسن الخاتمة محمد بن محمد بن عبد الرحيم القادري المغربي ... ". # ومن قيود التملك: ### | 1 - # "قد إنتظمت المجموعة الشريفة هذه في سلك ملك الفقير إلى # PageV00P000 #
# الله الغني محمود بن الحسين بن محمود بن علي المكتني بأبي حمد الله ~~القاضي الحنيفي الحنفي، وقت صلاة العصر، بصحافية شيراز، حجة خمس وستين ~~وثمانمائة، والمحرر مريض، وأمره على السلطان عريض # بثلاثمائة مخفية، ومهماته مكفية، والحمد لله رب العالمين". ### | 2 - # "تم دخل في نوبة الفقير إلى الله تعالى محمد بن مصطفى بن محمد بن عباد ~~الله الرومي الحنفي -عفا عنهم ربهم العافي- في سنة 947" ### | 3 - # "الحمد لله، من نعم الله على عبده أحمد بن شعبان الشافعي". # وفي أعلى الصفحة وأسفلها عبارتان بخط فارسي دقيق، وهما من تقييد أحد قراء ~~النسخة الذي علق في مواضع منها، كما سيأتي. وفي الصفحة نفسها جاءت العبارة ~~الآتية: "نودي على النيل المبارك في يوم الثلاثاء الواقع في سابع والعشرون ~~(كذا) من شهر صفر المظفر سنة ثمان وأربعين وتسعمائة". # لم يذكر الناسخ اسمه، ولا أشار إلى الأصل الذي نقل منه، ولم أجد فيها من ~~علامات البلاغ ما يدل على أنه قابل النسخة على أصلها، ولكن فيها تصحيحات ~~قليلة بخطه (100/ ب، 110/ أ، 116/ ب)، ثم هي قوبلت على نسخة أخرى، وقيدت ~~الفروق في الحاشية مع كتابة حرف الخاء فوقها. ومن أمثلته: # - (2/ أ): "فلم يضيفوهم". وضعت علامة فوق الواو، وكتب في الحاشية: "خ ~~فأبوا أن يضيفوهم". # - (2/ أ): "وقد أخبر سبحانه عن ms021 القرآن أنه شفاء". وضعت العلامة # PageV00P000 #
# فوق (عن) وكتب: "خ أن القرآن شفاء". # - (2/ ب): "أثرت وأزالت الداء". العلامة فوق (أثرت) وفي الحاشية: "خ أثر ~~في إزالة الداء". # - (5/ أ): "أن تكفني شر هذا اللص". وفي الحاشية: "خ تكفيني". # - (12/ أ): "إلى السماء التي قبلها". وفي الحاشية: "خ تليها". # - (28/ ب): "لعن من أكمه أعمى عن الطريق". وفي الحاشية: "خ كمه". # وانظر أيضا: (10/ أ، 12/ ب، 14/ أ، 17/ أ، 18/ أ، 21/ أ، 23/ ب، 25/ أ، ~~33/ أ، 43/ أ، 44/ أ، 44/ ب، 46/ ب، 47/ أ). # وبالخط نفسه توجد تصحيحات، إذ استوقف الكاتب بعض المواضع التي فيها تصحيف ~~أو سقط، فكتب في الحاشية ما رآه صوابا بعد علامة "ظ"، وقد أصاب أحيانا. ومن ~~أمثلته: # - (ق 2/ ب): "تعتريني أدا". كذا جاء في النسخة، فكتب في الحاشية: "ظ ~~أدواء"، يعني: الظاهر أن الصواب: "تعتريني أدواء". وقد صدق، والذي في الأصل ~~تحريف. # - (ق 14/ أ): "ثم علينا فقال: أي إخواني". وضع علامة فوق (علينا)، وعلق ~~في الحاشية: "ظ أقبل أو نحوه". يعني: سقط كلمة "أقبل" أو نحوها قبل ~~"علينا". # - (ق 31/ أ): "وجد في خزائن بني أمية حنطة الحبة كقدر نواة الثمرة". هنا ~~كتب في الحاشية: "ظ حبة الحنطة". والحق أن ما في # PageV00P000 #
# المتن صواب، وكلمة "الحبة" ليست مضافا إليها كما ظن الكاتب، وإنما هي ~~مرفوعة على الابتداء. # - (ق 59/ ب): "لجالدونا عليه بالسيوف". علق عليه: "ظ لجادلونا". وهذا ~~خطأ، والصواب كما في المتن. # وقد قرأ النسخة بعض العلماء المتأخرين، فعلق عليها في مواضع كثيرة بخط ~~فارسي دقيق، نبه فيها أحيانا على بعض مباحث الكتاب كقوله: "تعريف القلب ~~السليم" (60/ أ)، و "بشارة عظيمة" (54/ ب)، و"تنبيه عظيم" (30/ ب). ونقل ~~بعض الأحيان نصوصا من الكتب، كنقله من كتاب "خالصة الحقائق" (41/ ب) و ~~"واقعات الشيخ أبي الحسن الرفاء" (92/ أ). ولما نقل المؤلف قول "بعضهم: ~~أنتم تخافون الذنوب وأنا أخاف الكفر" علق عليه: "وهذا منسوب إلى الثوري ~~رحمه الله" (34/ ب). # ولهذا الكاتب تأويلات غريبة للنصوص، فعلق على ما ورد من أن الحجر الأسود ~~يمين الله في الأرض: "والحجر ms022 على يمين الخارج من البيت، فكأنه يمين بيته" ~~(65/ ب). # وذكر المؤلف أن بعض السلف إذا سمع الكلمة الصالحة من الرجل قال: "ما ~~ألقاها على لسانك إلا ملك، وإذا سمع ضدها قال: ما ألقاها على لسانك إلا ~~الشيطان"، فعلق على ذلك: "والمراد بالملك: العقل المتصف بصفته، وبالشيطان: ~~الهوى، فتكون استعارة" (53/ أ). # وهذا ونحوه -على خطئه- محتمل، إذ علقه في حاشية النسخة، ولكنه أساء في ~~موضع إساءة بالغة، إذ محا كلمات من المتن، وكتب # PageV00P000 #
# مكانها كلمات أخرى، ولما ضاق المكان أضاف كلمتين فوق السطر بعلامة "صح". ~~قال المؤلف رحمه الله: "وقد نقل الله سبحانه آدم وحواء من الجنة بذنب واحد ~~ارتكباه، وخالفا فيه نهيه. ولعن إبليس، وطرده، وأخرجه من ملكوت السماء بذنب ~~ارتكبه". # فغيره هذا القارئ إلى: " ... من الجنة إلى الأرض بذنب واحد بالغفلة عن ~~مخالفة نهيه. ولعن إبليس ... وأخرجه من مشاركة أهل السماء في السعادة بذنب ~~ارتكبه". وذلك بأنه محا الكلمات "ارتكباه، # وخالفا فيه"، وكتب مكانها: "بالغفلة عن مخالفة". وهكذا في الجملة الثانية ~~محا كلمة "ملكوت"، وكتب: "مشاركة أهل". ثم زاد في الأولى بعد "من الجنة" ~~فوقها: "إلى الأرض"، وفي الثانية بعد "أهل السماء" فوقها أيضا: "في ~~السعادة". # وهذا التصرف منه جناية وعدوان. # (2) مصورة مركز الملك فيصل (ف). # رقمها في المركز: 1504 - ف. ولا نعرف أين أصلها. وهي في 393 صفحة، وفي كل ~~صفحة 17 سطرا. وقد كتبت سنة 785، كما في خاتمتها: "تم الكتاب والحمد لله رب ~~العالمين ... في عشية الجمعة لخمس عشرة خلت من شهر شوال المبارك عام خمس ~~(كذا) وثمانين وسبعمائة، أحسن الله خاتمته وتقضيه، ونفع كاتبه وقارئه بما ~~فيه، بمنه وكرمه". # هذا الناسخ أيضا لم يذكر اسمه، ولا أشار إلى الأصل الذي نقل منه نسخته. # PageV00P000 #
# وقد ورد عنوان الكتاب والمؤلف بخط الناسخ في صفحة العنوان على هذا الوجه: ~~"كتاب الداء والدواء، تأليف الشيخ الإمام العالم شيخ الإسلام مفتي الفرق ~~شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد إمام ms023 المدرسة ~~الجوزية رحمه الله ورضي عنه آمين آمين". # وبجانب هذه العبارة قيد تملك نصه: "من كتب محمد عطائي، اشترى محمد ~~الحجازي من مخلفات # عطائي بحرف (كذا) ". # وقد اشترى محمد الحجازي هذا نسخة من شرح الشافية للجاربردي أيضا من ~~مخلفات عطائي، وهي محفوظة في مكتبة كوبريلي برقم 302، وكتب عليها: "من كتب ~~الفقير محمد بن محمد الحجازي إمام المسجد الحرام وخطيبه بالشراء من مخلفات ~~محمد عطائي في آخر رجب سنة ثمانين وألف" (1). # يفيد هذا القيد أن المشتري من رجال القرن الحادي عشر وأنه كان إماما ~~وخطيبا في المسجد الحرام (2). أما محمد عطائي، فلعله "محمد بن يحيى المتخلص ~~-على الطريقة التركية- بعطائي، المعروف # بنوعي زاده" المتوفى سنة 1044 ه. وهو مؤرخ تركي، وله معرفة بالأدب العربي ~~وفقه الحنفية (3). PageV00P000 #
# بداية هذه النسخة بعد البسملة والحوقلة: # "ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين في رجل ابتلي ~~ببلية ... فأجاب الشيخ الإمام العالم شيخ الإسلام مفتي الفرق شمس الدين أبو ~~عبد الله ... ". # كتبت النسخة بخط نسخي واضح، وكلها بخط الناسخ إلا ورقة واحدة (ص 257 - ~~258) فإنها بخط مغاير متأخر. ويظهر من الاستدراكات وكلمة "بلغ" في بعض ~~المواضع (ص 179، 211) أنها # قوبلت على أصلها. ونجد في النسخة اهتماما بالغا بوضع علامة للدلالة على ~~بداية فقرة جديدة، وقد يكون ذلك من عمل بعض من قرأ النسخة. # وقد علق أحد القراء أيضا على النسخة، فصحح، واستدرك، ولكنه هو أيضا تصرف ~~بعض الأحيان في المتن لإصلاح ما خيل إليه أنه خطأ. # ومن أمثلة ذلك أنه ورد في النسخة (ص 149): "بل اجعلوا نظره تفرجا ~~واستحسانا والشهوة ... " فمحا لام التعريف من كلمة "الشهوة"، ووضع عليها ~~تنوين الفتحة: "شهوة"، ليصح عطفها على ما قبلها. # ولو رجع إلى نسخة أخرى من الكتاب لتبين له أن في نسخته سقطا، والصواب: " ~~... استحسانا (وتلهيا. فإن استرق نظرة عبرة فأفسدوها عليه بنظر الغفلة ~~والاستحسان) والشهوة". وقد سقط ما بين القوسين لانتقال نظر الناسخ. # ومن ذلك أيضا أنه ورد في النسخة (ص 156): "ومنهم من يكون سلطان ms024 الغضب ~~عليه أغلب"، فغير كلمة "سلطان" إلى "شيطان"، مع ورود مثله في السطر السابق: ~~"وسلطان غضبه ضعيف ... ". # PageV00P000 #
# (3) نسخة بايزيد العمومي (ز): # هذه النسخة محفوظة في مكتبة بايزيد العمومي برقم 1598، وهي بخط النسخ في ~~89 ورقة، وفي كل صفحة 25 سطرا. وهي أيضا خلو من اسم الناسخ وتاريخ النسخ، ~~غير أن في آخرها قيد تملك مؤرخا في سنة 791. فهي إذن من نسخ القرن الثامن، ~~وقد كتبت قبل التاريخ المذكور. # في صفحة العنوان كتب اسم الكتاب: "كتاب الداء والدواء"، واسم المؤلف، ~~وفيها عله قيود تملك ومطالعة. وفي أعلاها عبارة ضرب عليها حتى لا تقرأ، ~~ونحوها في حاشيتها اليمنى. # وفي أسفل الصفحة ختم يحمل العبارة الآتية: "وقف هذا الكتاب عمر اغا ~~المشهور بإنسان زاده". وهذا الختم نفسه تراه في آخر النسخة، وفي أثنائها (ق ~~48/ أ) أيضا. # أما قيود التملك والمطالعة فهي: ### | 1 - # "من تمليكة الفقير الحقير عثمان مير در خزينة سنة 1166". # وبجانبه ختم صغير يقرأ فيه اسمه "عثمان". هذا في أعلى الصفحة، ثم كتب قيد ~~آخر تحت عنوان الكتاب في الحاشية اليسرى نصها: "مما أنعم الله تعالى صاحب ~~هذا الكتاب اللطيف عبد الله عثمان مير # الضعيف در خزينه غفر الله خفي ذنوبه، وستر عيوبه مع المسلمين، وأيقضه ~~(كذا) من نوم الغفلة ... ". ### | 2 - # تحت اسم المؤلف: # PageV00P000 #
# "من كتب العبد الفقير إلى الله الآمل العفو من ربه، محمد بن ... بتاريخ ~~ثالث عشر ذي القعدة الحرام سنة ... ". ### | 3 - # وتحته: "من كتب العبد الفقير إلى رحمة ربه القدير محمد بن المرحوم حجار ~~الحجاري الحنبلي غفر الله له آمين". ### | 4 - # وعن يمينه: "انتقل إلى ملك كاتبه بالابتياع الشرعي سنة خمسين وتسعمائة. ~~أبو الخير بن إبراهيم الحجازي الحنبلي لطف الله به آمين". # كذا قيد هنا عام الشراء سنة 950، ولكن في آخر النسخة صرح بشرائه عام 954، ~~وقال: # "انتقل إلى ملك كاتبه بالابتياع الشرعي من الشيخ ... الماتاني (1) في ~~مستهل شهر ربيع الثاني من شهور سنة أربع وخمسين وتسعمائة. أبو الخير ~~الحجازي". ### | 5 - # وتحته قيد مطالعة ms025 نصه: # "طالع فيه داعيا لمالكه بالرشد والتوفيق في مسالكه أفقر عباد الله محمد ~~بن عناية الله المغربي الحنفي أحد خدمة العلم الشريف بالقدس المنيف عفي ~~عنه". # وقبل صفحة العنوان أضيفت ورقة أخرى تحمل عنوان الكتاب واسم المؤلف ~~وعبارات منها قيدان للتملك أحدهما: "من كتب مستجي PageV00P000 #
# زاده عبد الله ... ". وهو عبد الله بن عثمان بن موسى المدعو بمستجي زاده ~~المتوفى سنة 1148 (1). والقيد الثاني صاحبه: "علي بن محمد بن بير أحمد ~~الليثي". # وفي آخر النسخة ختم وقفية عمر آغا، وتحته قيد مطالعة لا يظهر منه إلا ~~"طالع فيه"، والباقي ممحو. وتحته قيد تملك نصه: "مالكه من فضل الله محمد بن ~~يوسف المصري ثم الشافعي رحم الله من يرحمه". # وتحته عن يمينه عبارة ضرب عليها حتى لا يمكن قراءته. وعن يساره قيد آخر ~~أشرنا إليه من قبل لدلالته على أن النسخة قد كتبت في القرن الثامن، ونصه: ~~"انتقل إلى ملك أحمد بن علي بن يوسف عفا الله عنه، وذلك في شهر ربيع الأول ~~سنة إحدى وتسعين وسبعمائة". # وعن يمينه قيد شراء أبي الخير الحجازي للنسخة في 954، وقد نقلناه آنفا. # بداية هذه النسخة بعد البسملة و "حسبي الله ونعم الوكيل اللهم وفق": # "سئل الشيخ الإمام العالم العلامة المتقين الحافظ الناقد شمس الدين أبي ~~عبد الله محمد بن الشيخ تقي الدين أبي محمد أبي بكر المعروف بابن قيم ~~الجوزية زاده الله من فضله: ما تقول السادة الفقهاء ... ". # كذا ورد "أبي عبد الله" في هذه العبارة بالجر، ثم كذا وردت فيها ~~PageV00P000 #
# الكنيتان لوالد ابن القيم: "أبي محمد أبي بكر". وذلك أن "أبا بكر" هو ~~اسمه، و"أبا محمد" كنيته. ومحمد هو ابن القيم نفسه. # الجدير بالذكر أن هذه العبارة بنصها واردة في بداية نسخة الظاهرية. # والنسختان متفقتان أيضا في الأسقاط، وأكبرها في (ق 47/ أ) مقداره نحو ~~سبعة أسطر من النسخة، وقد سقطت لانتقال النظر. وهذه العبارة نفسها ساقطة من ~~نسخة الظاهرية. وذلك دليل على أن إحداهما نسخت من الأخرى أو ms026 أنهما منسوختان ~~من أصل واحد. # قوبلت النسخة على الأصل، إذ ورد في آخرها: "بلغ مقابلة حسب الطاقة". ~~ويؤيد ذلك تصحيحات في حواشيها، والدوائر المنقوطة في المتن، وكلمة "بلغ" في ~~(ق 41/ أ). # وقد تنقلت النسخة في أيد كثرة، كما رأينا في قيود التملك، فمن الطبيعي أن ~~تحمل أوراقها تعليقا لهذا أو ذاك. وقد زاد بعضهم أحيانا كلمات بين السطور ~~لإصلاح النص -في زعمه- أو تفسيره. ومن أمثلة ذلك: # - (2/ أ): "فهذا دواء نافع مزيل للدعاء". كذا ورد في النسخة، فضبط بعضهم ~~"مزيل" بتشديد الياء، وكتب فوقها: "أي مقو"! ولم يعرف أن "للدعاء" تحريف ~~صوابه: "للداء". # - (3/ أ): "وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده". زاد بعد "أسمائه" كلمة ~~"الحسنى". # - (4/ ب): "وكذلك قدر دخول الجنة بالأعمال". النص ناقص، وتكملته: "ودخول ~~النار بالأعمال"، وهي ساقطة من هذه النسخة، فزاد # PageV00P000 #
# بعد "بالأعمال": "الصالحة". # - (4/ ب): "وإنما تنصرون من السماء". زاد بعدها: "بالدعاء". # - (5/ ب): "وبالاحتجاج بالأشباه والنظر والاقتداء بالأكابر تارة". # كلمة "والنظر" في هذه العبارة تحريف، والصواب: "والنظراء". فلما أشكلت ~~على بعضهم زاد بعدها: "إليهم". # وقد وقع محو وتغيير بعض الأحيان. ومن أمثلة ذلك: # - (3/ أ): "رفع رأسه إلى السماء". هنا محا بعضهم حرفي الراء وا لهمز؛، ~~وغير "سه" إلي "يديه". # - ومن ذلك أن البيت الآتي قد وقع في جميع النسخ على هذا الوجه (1): # ولقد علمنا أنه قد أخرج الأبوين من ... ملكوتها الأعلى بذنب واحد والبيت ~~من البحر الكامل، وظاهر أن في صدره زيادةا ختل بها الوزن، فلو حذفت "أنه ~~قد" استقام. وكان مقتضى الأمانة أن ينبه على ذلك في الحاشية ولكن أحد ~~القراء قد محا الكلمتين من النسخة، وترك مكانهما بياضا (ق 28/ ب). # (4) نسخة جامعة ييل (ل): # هذه النسخة محفوظة في مكتبة جامعة ييل بالولايات المتحدة برقم 94. وهي في ~~221 ورقة، وعدد الأسطر في كل صفحة 15 سطرا. PageV00P000 #
# خطها نسخي واضح، وليس فيها اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ، ورجح مفهرس ~~المكتبة أنها من القرن الثامن. # سمي الكتاب في صفحة العنوان: "كتاب الجواب الكافي في سؤال ms027 الدواء ~~الشافي". والظاهر أن الورقة الأولى من الأصل قد فقدت، فأضيفت إليه ورقة، ~~وكتب فيها هذا العنوان استنباطا من نص الكتاب. # وقد سبق الكلام عليه في مبحث "عنوان الكتاب". # وكتب في أسفل الصفحة: "من كتب حمزة بن توكل الحاجب رحمه الله تعالى". ~~وبجانبه قيد تملك لم يظهر كاملا في الصورة. # بداية هذه النسخة بعد البسملة و "رب يسر وأعن": "سئل شيخ الإسلام شمس ~~الدين ابن قيم الجوزية: ما تقول السادة العلماء ... ". # فلا ترى فيها الإكثار من النعوت كالنسخ الأخرى. # وفي النسخة تصحيحات قليلة بخط الناسخ تدل على المقابلة، وتصحيحات ~~وتعليقات أخرى لبعض القراء. وقد نقل نصا طويلا من "الحصين الحصين" في (8/ ~~ب-9/ 1)، كما وضع عناوين لبعض # المباحث. # (5) نسخة أوقاف بغداد (خا): # رقمها في مكتبة الأوقاف ببغداد: 4732. وهي في 158 ورقة، وفي كل صفحة 21 ~~سطرا. وهي مكتوبة بالخط الفارسي. لم يكتب الناسخ اسمه، ولكنه نص في الخاتمة ~~على أنه "وافق الفراغ منه في # أواسط يوم الأربعاء في شهر رمضان المبارك سنة مائة وألف" (1100). # وقد قيدت هذه النسخة في فهرس مكتبة الأوقاف بعنوان "دواء # PageV00P000 #
# القلوب" أخذا مما ورد على صفحة العنوان. وقد مضى الكلام مفصلا على ذلك في ~~مبحث عنوان الكتاب. # وفي صفحة العنوان عدة تملكات. ظهر منها اثنان، يعرف من أحدهما أن الكتاب ~~كان في ملك الحاج إسماعيل حقي سنة 1256 في إزمير. # والقيد الثاني يفيد أنه كان من كتب عبد الرحيم بن محمد المعروف بمفتي ~~زاده المدرس بمدرسة أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه (1). # في النسخة تصحيحات واستدراكات تدل على مقابلتها بالأصل، وفيها تعليقات ~~وتقييدات أخرى باللغة التركية. # بداية النسخة بعد البسملة و "رب يسر يا كريم": "سئل شيخ الإسلام شمس ~~الدين ابن قيم الجوزية: ما تقول السادة العلماء". وهي موافقة لبداية نسخة ~~جامعة ييل (ل). وهما تتفقان في مواضع أخرى أيضا، فلعلهما ترجعان إلى أصل ~~واحد. # (6) مصورة مركز الملك فيصل (خب): # لا يعرف مصدر هذه النسخة المصورة، وهي محفوظة في مكتبة مركز الملك فيصل ~~للبحوث ms028 والدراسات الإسلامية برقم 325. ف. # وكانت ضمن مجموع يبلغ عدد أوراقه 334 ورقة. النسخة في 143 ورقة بخط ~~النسخ، وفي كل صفحة 28 سطرا. PageV00P000 #
# لم يكتب الناسخ اسمه، ولا أشار إلى الأصل المنقول منه، غير أنه أثبت ~~تاريخ الفراغ من كتابة النسخة في آخرها. وهو السابع من شهر ذي القعدة سنة ~~1195 ه. ولعل الورقة الأولى منها ضاعت، فذهب معها عنوان الكتاب. # وقد قوبلت النسخة على الأصل. يدل على ذلك بعض التصحيحات وقيد "بلغ ~~مقابلة" في بعض الورقات. هذه النسخة هي التي زعم محقق طبعة دار ابن الجوزي ~~أنه اعتمد عليها. # PageV00P000 #
# منهج التحقيق # اعتمدت في تحقيق نص الكتاب على النسخ الأربع الأولى ذوات الرموز (س، ف، ~~ز، ل)، إذ هي أقدم النسخ التي وقفت عليها، وهي منحدرة من أصول مختلفة. ثم ~~رجعت إلى النسختين المتأخرتين (خا، # خب) للتأييد والاستئناس. والجدير بالذكر أن النسخ (ز، ل، خا) استخدمت ~~لأول مرة في هذه النشرة. # نسخة الإسكوريال (س) أقرب هذه النسخ إلى زمن المؤلف، إذ كتبت بعد وفاة ~~المؤلف بتسع عشرة سنة، ولكنها لا تفضل كثيرا على غيرها في الصحة والإتقان. ~~ومن هنا لم أتخذها أصلا في إثبات النص، # بل أثبث عند اختلاف النسخ ما ظهر لي رجحانه مع التنبيه على ما في سائرها. ~~وكان الاهتمام منصبا على القراءة الدقيقة لهذه النسخ مع التنبيه لما قد ~~يكون فيها من سقط وتصحيف وتصرفات القراء. # وقد أثبت الفروق المهمة في الحواشي، وأغفلت اختلافها في عبارات تنزيه ~~الله سبحانه وتمجيده، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والترضي عن ~~صحابته. وكذلك الفروق غير المهمة التي تكثر في مثل هذه النسخ، ولا يفيد ~~إثباتها إلا إثقال الحواشي. # وقد عنيت بضبط ما يشكل من النص، وتفسير الألفاظ والتعبيرات الغريبة، ~~وتوثيق النقول، والربط بين هذا الكتاب والكتب الأخرى للمؤلف. # لم أضع عناوين جانبية، ورأيت أن تحبير بعض الكلمات أو الجمل الواردة في ~~النص يغني عن مثل هذه العناوين. # PageV00P000 #
# وقد تولى تخريج ms029 الأحاديث والآثار الواردة في الكتاب أخي الشيخ زائد بن ~~أحمد النشيري فجزاه الله خيرا، وإذا اجتمع في حاشية واحدة تعليقي وتعليق ~~الشيخ زائد ميزت بينهما بالرمز إليه بحرف الزاي، وإلى نفسي بحرف الصاد، وقد ~~اكتفيت أحيانا بإثبات الرمز في آخر التعليق الأول. # وأخيرا أعددت فهارس متنوعة تكشف عما يتضمن الكتاب من اللطائف والفوائد، ~~بالإضافة إلى الفهرس المفصل لمطالب الكتاب. # وبعد، فهذه أول نشرة علمية للكتاب أرجو أن يكون نصها مقاربا لما صدر عن ~~المؤلف رحمه الله. # PageV00P000 #
# نماذج مصورة # من النسخ الخطية المعتمدة # PageV00P000 #
# صفحة العنوان من النسخة (س) # PageV00P000 #
# الورقة الأولى من النسخة (س) # PageV00P000 #
# خاتمة النسخة (س) # PageV00P000 #
# صفحة العنوان من النسخة (ف) # PageV00P000 #
# الورقة الأولى/ ب من النسخة (ف) # PageV00P000 #
# خاتمة النسخة (ف) # PageV00P000 #
# صفحة العنوان من النسخة (ز) # PageV00P000 #
# الورقة الأولى/ ب من النسخة (ز) # PageV00P000 #
# خاتمة النسخة (ز) # PageV00P000 #
# صفحة العنوان من النسخة (ل) # PageV00P000 #
# الورقة الأولى/ ب من النسخة (ل) # PageV00P000 #
# خاتمة النسخة (ل) # PageV00P000 #
# الورقة الأولى/ ب من النسخة (خا) # PageV00P000 #
# خاتمة النسخة (خا) # PageV00P000 #
# الورقة الأولى/ ب من النسخة (خب) # PageV00P000 #
# خاتمة النسخة (خب) # PageV00P000 #
# أثار الإمام ابن قيم الجوزية ومالحقها من أعمال # (17) # الداء والدواء # تأليف # الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب ابن قيم الجوزية # (691 - 751) # حققه # محمد أجمل الإصلاحي # خرج أحاديثه # زائد بن أحمد النشيري # إشراف # بكر بن عبد الله أبو زيد # تمويل # مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية # دار عالم الفوائد # للنشر والتوزيع # PageV01P001 #
# أثار الإمام ابن قيم الجوزية ومالحقها من أعمال # (17) # الداء والدواء # تأليف # الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب ابن قيم الجوزية # (691 - 751) # حققه # محمد أجمل الإصلاحي # خرج أحاديثه # زائد بن أحمد النشيري ms030 # إشراف # بكر بن عبد الله أبو زيد # تمويل # مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية # دار عالم الفوائد # للنشر والتوزيع # PageV01P002 #
# بسم الله الرحمن الرحيم # ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (1) # ما تقول السادة العلماء أئمة الدين (2) - رضي الله عنهم أجمعين (3) - في ~~رجل ابتلي ببلية، وعلم أنها إن استمرت به أفسدت عليه (4) دنياه وآخرته، وقد ~~اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق، فما تزداد (5) إلا توقدا وشدة؛ فما ~~الحيلة في دفعها؟ وما الطريق إلى كشفها؟ فرحم الله من أعان مبتلى (6)، ~~"والله في عون العبد ما كان العبد (7) في عون أخيه" (8)، أفتونا مأجورين ~~(9). # فأجاب الشيخ الإمام العالم شيخ الإسلام مفتي الفرق شمس الدين PageV01P003 #
# أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب إمام المدرسة الجوزية بدمشق ~~المحروسة رضي الله عنه (1): # الحمد لله (2). ثبت في صحيح البخاري (3) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له ~~شفاء". # وفي صحيح مسلم (4) من حديث جابر (5) بن عبد الله قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " ### | لكل داء دواء # ، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله". # وفي مسند الإمام أحمد (6) من حديث أسامة بن شريك عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، ~~وجهله من PageV01P004 #
# جهله". # وفي لفظ (1): "إن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء ~~واحدا" قالوا: يا رسول الله ما هو؟ قال: "الهرم". قال الترمذي: هذا حديث ~~حسن صحيح (2). # وهذا يعم أدواء القلب والروح والبدن، وأدويتها. # وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - (3) الجهل داء، وجعل دواءه سؤال ~~العلماء: فروى أبو داود في سننه (4) من حديث جابر بن عبد الله قال: خرجنا ~~PageV01P005 #
# في سفر، فأصاب رجلا منا حجر، فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه (1)، ~~فقال (2): هل تجدون لي رخصة ms031 في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر ~~على الماء. فاغتسل، فمات. فلما قدمنا على رسول الله [2/ أ]- صلى الله عليه ~~وسلم - أخبر بذلك فقال: "قتلوه، قتلهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا! فإنما ~~شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر -أو يعصب- على جرحه خرقة، ~~ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده". # فأخبر أن الجهل داء، وأن شفاءه السؤال. # وقد أخبر سبحانه عن القرآن أنه شفاء (3).، فقال تعالى: {ولو جعلناه قرآنا ~~أعجميا لقالوا لولا صلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} ~~[فصلت: 44]. # وقال: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} [الإسراء: 82]، و"من" ~~ها هنا لبيان الجنس لا للتبعيض (4)، فإن ### | القرآن كله شفاء # ، كما قال في الآية الأخرى (5). فهو شفاء للقلوب من داء الجهل والشك ~~والريب، فلم ينزل الله سبحانه من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا ~~أنجع (6) في إزالة الداء من القرآن. PageV01P006 #
# وقد ثبت في الصحيحين (1) من حديث أبي سعيد قال: انطلق نفر من أصحاب النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - (2) في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء ~~العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم (3). فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل ~~شيء، لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعله أن ~~يكون عند بعضهم شيء (4). فأتوهم، فقالوا: أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا ~~له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم (5)، والله ~~إني لأرقي، ولكن والله استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق حتى تجعلوا لنا ~~جعلا. # فصالحوهم على قطيع من الغنم. فانطلق يتفل عليه، ويقرأ {الحمد لله رب ~~العالمين (2)} [الفاتحة: 2]. فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي، وما به قلبة ~~(6). فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي ~~رقى: لا نفعل حتى نأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - (7)، فنذكر له الذي ~~كان، فننظر بما يأمرنا. فقدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فذكروا له ذلك، فقال: "وما ms032 يدريك أنها رقية؟ " ثم قال: "قد أصبتم، اقتسموا ~~واضربوا لي معكم سهما". PageV01P007 #
# فقد أثر هذا الدواء في هذا (1) الداء، وأزاله حتى كأن لم يكن. وهو أسهل ~~دواء وأيسره. ولو أحسن العبد التداوي بالفاتحة لرأى لها تأثيرا عجيبا في ~~الشفاء. # ومكثت بمكة مدة تعتريني (2) أدواء، ولا أجد طبيبا ولا دواء، فكنت أعالج ~~نفسي بالفاتحة، فأرى لها تأثيرا [2/ ب] عجيبا (3). فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ~~(4) ألما، وكان (5) كثير منهم يبرأ سريعا (6). # ولكن ها هنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الأذكار والآيات والأدعية التي ~~يستشفى بها ويرقى بها، هي في نفسها نافعة شافية، ولكن تستدعي قبول المحل، ~~وقوة همة الفاعل وتأثيره. فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم ~~قبول المنفعل، أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء، كما يكون ذلك في ~~الأدوية والأدواء الحسية، فإن عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك ~~الدواء، وقد يكون لمانع (7) قوي يمنع من اقتضائه أثره. فإن الطبيعة إذا ~~أخذت الدواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول، وكذلك القلب ~~إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول PageV01P008 #
# تام (1)، وكان للراقي نفس فعالة وهمة مؤثرة، أثر في إزالة الداء (2). # وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن ~~قد يتخلف عنه أثره (3)، إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما ~~فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت ~~الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا، ~~وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام، والظلم، ورين الذنوب على ~~القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو (4) واللهو وغلبتها عليها (5). # كما في صحيح الحاكم (6) من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب ~~PageV01P009 #
# غافل لاه" (1). # فهذا دواء نافع مزيل للداء، ولكن غفلة القلب عن الله تبطل قوله. # وكذلك أكل الحرام ms033 يبطل قوته ويضعفها، كما في صحيح مسلم (2) من حديث أبي ~~هريرة: قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيها الناس، إن الله ~~طيب، لا يقبل إلا طيبا. وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ~~{يا أيها الرسل [3/ أ] كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ~~(51)} [المؤمنون: 51]، وقال: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم} البقرة: 172] ". ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى ~~السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي ~~بالحرام، فأنى يستجاب لذلك! PageV01P010 #
# وذكر عبد الله ابن الإمام (1) أحمد في كتاب الزهد لأبيه (2): أصاب بني ~~إسرائيل بلاء، فخرجوا مخرجا، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم: ~~تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة، وترفعون إلي أكفا قد سفكتم بها الدماء ~~وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن حين اشتد غضبي عليكم، ولن تزدادوا مني ~~إلا بعدا. # وقال أبو ذر: يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح (3). # فصل # والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ~~ويرفعه، أو يخففه إذا نزل. # وهو سلاح المؤمن، كما روى الحاكم في صحيحه (4) من حديث علي بن أبي طالب ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الدعاء سلاح المؤمن، ~~PageV01P011 #
# وعما د الدين، ونور السموات والأرض". # وله مع البلاء ثلاث مقامات: # أحدها: أن يكون أقوى من البلاء، فيدفعه. # الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد. ~~ولكن (1) قد يخففه، وإن كان ضعيفا. # الثالث: أن يتقاوما، ويمنع كل واحد منهما صاحبه. # وقد روى الحاكم في صحيحه (2) من حديث عائشة قالت: قال لي رسول الله- صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ~~ينزل. وإن البلاء لينزل، فيلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة". # وفيه أيضا (3) من حديث ابن عمر عن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، ms034 فعليكم عباد الله بالدعاء". ~~PageV01P012 #
# وفيه أيضا (1) من حديث ثوبان: "لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد لعمر ~~إلا البر، دان الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه". # فصل # ومن أنفع الأدوية: [3/ ب] الإلحاح في الدعاء وقد (2) روى ابن ماجه في ~~سننه (3) من حديث أبي هريرة قال: قال PageV01P013 #
# رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يسأل الله يغضب عليه". # وفي صحيح الحاكم (1) من حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا ~~تعجزوا في الدعاء، فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد". # وذكر الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله يحب الملحين في الدعاء" (2). # وفي كتاب الزهد للإمام أحمد (3) عن قتادة قال: قال مورق: ما وجدت للمؤمن ~~مثلا إلا رجلا في البحر على خشبة، فهو يدعو: يارب PageV01P014 #
# يارب، لعل الله عز وجل أن ينجيه. # فصل # ومن الآفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء عليه: أن يستعجل العبد، ويستبطىء ~~الإجابة، فيستحسر، ويدع الدعاء. وهو بمنزلة من (1) بذر بذرا، أو غرس غراسا، ~~فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وادراكه، تركه وأهمله! وفي صحيح ~~البخاري (2) من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ~~(3): "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت، فلم يستجب لي". # وفي صحيح مسلم (4) عنه: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة ~~رحيم، ما لم يستعجل". قيل: يا رسول الله، وما الاستعجال (5)؟ قال: "يقول: ~~قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجيب (6) لي. فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء". ~~PageV01P015 #
# وفي مسند أحمد (1) من حديث أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل" قالوا: يا رسول الله، كيف يستعجل؟ ~~قال: "يقول: قد (2) دعوت ربي، فلم يستجب لي". # فصل # وإذا جمع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب، وصادف وقتا من ~~أوقات الإجابة الستة وهي: الثلث الأخير (3) من الليل، ms035 وعند الأذان، وبين ~~الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإمام يوم الجمعة ~~على المنبر حتى تقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم (4)؛ وصادف ~~خشوعا في القلب، وانكسارا بين يدي الرب، وذلا له، وتضرعا ورقة؛ واستقبل [4/ ~~أ] الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله تعالى، وبدأ بحمد ~~الله والثناء عليه، ثم ثنى بالصلاة على محمد عبده ورسوله - صلى الله عليه ~~وسلم -، ثم قدم بين يدي PageV01P016 #
# حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله، وألح عليه (1) في المسألة، ~~وتملقه، ودعاه رغبة ورهبة (2)، وتوسل إليه بأسمائه (3) وصفاته وتوحيده، ~~وقدم بين يدي دعائه صدقة = فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا، ولا سيما إن ~~صادف الأدعية التي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها مظنة الإجابة، ~~أو أنها متضمنة للاسم الأعظم: فمنها ما في السنن وصحيح ابن حبان من حديث ~~عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - سمع رجلا ~~يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد # أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن ~~له كفوا أحد. فقال: "لقد سأل الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي ~~به أجاب" (4). PageV01P017 #
# وفي لفظ: "لقد سألت الله باسمه الأعظم" (1). # وفي السنن وصحيح ابن حبان أيضا من حديث أنس بن مالك أنه كان مع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - جالسا، ورجل يصلي، ثم دعا فقال (2): اللهم إني ~~أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض، يا ذا ~~الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم. فقال النبي- صلى الله عليه وسلم -: "لقد ~~دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى" (3). # وأخرج الحديثين الإمام أحمد في مسنده (4). # وفي جامع الترمذي (5) من حديث أسماء بنت يزيد أن النبي- صلى الله عليه ~~وسلم - PageV01P018 #
# قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن ms036 الرحيم (163)} [البقرة: 163] وفاتحة آل عمران: {الم (1) الله لا إله ~~إلا هو الحي القيوم (2)} [آل عمران: 1 - 2]. قال الترمذي: هذا حديث حسن ~~صحيح. # وفي مسند أحمد (1) وصحيح الحاكم من حديث أبي هريرة، وأنس بن مالك، وربيعة ~~بن عامر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ألظو ب (يا ذا الجلال ~~والإكرام) " (2). يعني: [4/ ب] تعلقوا بها، والزموها، وداوموا عليها. # وفي جامع الترمذي (3) من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان إذا أهمه (4) الأمر رفع رأسه (5) إلى السماء، [فقال: "سبحان الله ~~PageV01P019 #
# العظيم"] (1)، وإذا اجتهد في الدعاء قال: "يا حي يا قيوم". # وفيه أيضا (2) من حديث أنس بن مالك قال: كان النبي- صلى الله عليه وسلم - ~~إذا كربه (3) أمر قال: "يا حي ياقيوم برحمتك أستغيث". # وفي صحيح الحاكم (4) من حديث أبي أمامة عن النبي- صلى الله عليه وسلم - ~~أنه (5) قال: "اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن: البقرة وآل عمران ~~وطه". قال القاسم: فالتمستها، فإذا هي آية {الحي القيوم (2)}. # وفي جامع الترمذي وصحيح الحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي- صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "دعوة ذي النون إذ دعا، وهو في بطن الحوت: {لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87)} [الأنبياء: 87] إنه لم يدع (6) ~~بها مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له" (7). قال الترمذي: PageV01P020 #
# حديث صحيح (1). # وفي صحيح الحاكم (2) أيضا من حديث سعد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ألا أخبركم بشيء، إذا نزل برجل منكم [كرب أو بلاء من بلايا الدنيا] (3) ~~فدعا به يفرج الله عنه؟ دعاء ذي النون". # وفي صحيحه أيضا (4) عنه أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول (5): ~~"هل أدلكم PageV01P021 #
# على اسم الله الأعظم؟ دعاء يونس". فقال رجل: يا رسول الله، هل (1) كانت ~~ليونس خاصة؟ فقال: "ألا تسمع قوله: {فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ~~ننجي المؤمنين (88)} [الأنبياء: 88] فأيما مسلم دعا بها في مرضه أربعين ~~مرة، فمات في مرضه ذلك، أعطي أجر شهيد. ms037 وإن برأ برأ مغفورا له". # وفي الصحيحين (2) من حديث ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب ~~العرش العظيم (3)، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم". # وفي مسند الإمام أحمد (4) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ~~علمني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) -إذا نزل بي كرب- أن أقول: "لا إله ~~إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله [5/ أ]، وتبارك الله رب العرش العظيم، ~~والحمد لله رب العالمين". # وفي مسنده (5) أيضا من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول PageV01P022 #
# الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن، فقال: اللهم ~~إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك. # أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدا من خلقك، أو ~~أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ~~ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب همي، إلا أذهب الله عز وجل همه ~~وحزنه، وأبدله مكانه فرحا". فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟ قال: "بلى، ~~ينبغي لمن سمعها (1) أن يتعلمها" (2). # وقال ابن مسعود: ما كرب نبي من الأنبياء إلا استغاث بالتسبيح (3). # وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب المجابين في الدعاء (4) عن الحسن (5) قال: ~~كان رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار يكنى أبا معلق، ~~وكان PageV01P023 #
# تاجرا، يتجر بمال له ولغيره، يضرب به في (1) الآفاق، وكان ناسكا ورعا. ~~فخرج مرة، فلقيه لص مقنع في السلاح، فقال له: ضع ما معك، فإني قاتلك. قال: ~~ما تريد إلى دمي؟ شأنك بالمال. قال: أما المال فلي، ولست أريد إلا دمك. قال ~~(2): أما إذ (3) أبيت، فذرني أصلي أربع ركعات. قال صل ما بدا لك. فتوضأ، ثم ~~صلى (4) أربع ركعات. # فكان (5) من دعائه في آخر سجدة أن ms038 قال: يا ودود (6)، يا ذا العرش المجيد، ~~يا فعال (7) لما يريد، أسألك بعزك الذي لا يرام، وملكك الذي لا يضام، ~~وبنورك الذي ملأ أركان عرشك: أن تكفيني (8) شر هذا اللص. # يا مغيث أغثني، يا مغيث أغثني (9) ثلاث مرات. فإذا هو بفارس قد أقبل، ~~بيده حربة، قد وضعها بين أذني فرسه. فلما بصر به اللص أقبل نحوه، فطعنه، ~~فقتله. ثم أقبل إليه، فقال: قم، فقال: من أنت، بأبي أنت (10) وأمي؟ فقد ~~أغاثني الله بك اليوم. فقال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة، دعوت بدعائك ~~الأول، فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم PageV01P024 #
# دعوت بدعائك الثاني، فسمعت لأهل السماء ضجة. ثم دعوت بدعائك الثالث، فقيل ~~لي (1): دعاء مكروب. فسألت الله [5/ ب] أن يوليني قتله. # قال الحسن (2): فمن توضأ، وصلى أربع ركعات، ودعا بهذا الدعاء، استجيب له، ~~مكروبا كان (3) أو غير مكروب. # فصل # وكثيرا ما تجد أدعية دعا بها قوم، فأستجيب لهم، ويكون قد اقترن بالدعاء ~~ضرورة صاحبه، وإقباله على الله، أو حسنة تقدمت منه جعل الله سبحانه إجابة ~~دعوته شكرا لحسنته، أو صادف وقت إجابة ونحو ذلك، فأجيبت دعوته. فيظن الظان ~~أن السر في لفظ ذلك الدعاء، فيأخذه مجردا عن (4) تلك الأمور التي قارنته من ~~ذلك الداعي. وهذا كما إذا استعمل رجل دواء نافعا في الوقت الذي ينبغي على ~~الوجه الذي ينبغي، فانتفع به، فظن (5) غيره أن استعمال هذا الدواء بمجرده ~~كاف (6) في # حصول المطلوب، كان غالطا. وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس. # ومن هذا أنه (7) قد يتفق دعاؤه باضطرار عند قبر فيجاب، فيظن الجاهل أن ~~السر للقبر، ولم يعلم أن السر للاضطرار وصدق اللجأ إلى PageV01P025 #
# الله. فإذا حصل ذلك في بيت من بيوت الله كان أفضل وأحب إلى الله. # فصل # والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحد (1) فقط، فمتى ~~(2) كان السلاح سلاحا تاما لا آفة به، والساعد ساعد قوي (3)، والمانع ~~مفقود، حصلت به النكاية في العدو. ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف ~~التأثير. # فإذا ms039 كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في ~~الدعاء، أو كان ثم مانع من الإجابة، لم يحصل الأثر. # فصل # وههنا سؤال مشهور، وهو أن المدعو به إن كان قد قدر لم يكن بد من وقوعه، ~~دعا به العبد أو لم يدع. وإن لم يكن قد قدر لم يقع، سواء سأله العبد أو لم ~~يسأله (4). # فظنت طائفة صحة هذا السؤال، فتركت الدعاء، وقالت: لا فائدة PageV01P026 #
# فيه! وهؤلاء -مع فرط جهلهم وضلالهم- متناقضون، فإن طرد مذهبهم يوجب تعطيل ~~جميع الأسباب. # فيقال لأحدهم: إن كان الشبع والري قد قدرا لك فلابد (1) من وقوعهما، أكلت ~~أو لم تأكل. وإن [6/ أ] لم يقدرا لم يقعا، أكلت أو لم تأكل. # وإن كان الولد قدر لك فلابد منه، وطئت الزوجة والأمة (2) أو لي تطأ. وإن ~~لم يقدر لم يكن، فلا حاجة إلى التزوج والتسري. وهلم جرا. # فهل يقول هذا عاقل أوآدمي؟ بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب ~~التي بها قوامه وحياته. فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاء الذين هم كالأنعام، ~~بل هم أضل سبيلا. # وتكايس بعضهم، وقال: الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض، يثيب الله ~~عليه الداعي، من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما. # ولا فرق عند هذا (3) الكيس بين الدعاء وبين الإمساك عنه بالقلب واللسان ~~في التأثير في حصول المطلوب، وارتباط الدعاء عندهم به كارتباط السكوت، ولا ~~فرق. # وقالت طائفة أخرى أكيس من هؤلاء: بل الدعاء علامة مجردة نصبها الله ~~سبحانه أمارة على قضاء الحاجة. فمتى وفق العبد للدعاء كان ذلك علامة له ~~وأمارة على أن حاجته قد قضيت. وهذا كما إذا رأينا غيما PageV01P027 #
# أسود باردا في زمن الشتاء، فإن ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر. # قالوا (1): وهكذا حكم الطاعات مع الثواب، والكفر والمعاصي مع العقاب، هي ~~أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب، لا أنها أسباب له. # وهكذا عندهم الكسر مع الانكسار، والحريق (2) مع الإحراق، والإزهاق مع ~~القتل. ليس شيء من ذلك سببا ms040 ألبتة، ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه إلا ~~مجرد إلاقتران العادي، لا التأثير السببي (3). # وخالفوا بذلك الحس، والعقل، والشرع، والفطرة، وسائر طوائف العقلاء، بل ~~أضحكوا عليهم العقلاء (4)! والصواب أن ها هنا قسما ثالثا غير ما ذكره ~~السائل، وهو أن هذا المقدور (5) قدر بأسباب، ومن أسبابه الدعاء. فلم يقدر ~~مجردا عن سببه، ولكن قدر بسببه. فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور (6)، ~~ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور. وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل ~~والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان ~~بذبحه (7). وكذلك [6/ ب] قدر دخول الجنة بالأعمال، PageV01P028 #
# ودخول النار بالأعمال (1). # وهذا القسم هو الحق، وهو الذي حرمه السائل ولم يوفق له. # وحينئذ ف ### | الدعاء من أقوى الأسباب # . فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال: لا فائدة في الدعاء، ~~كما لا يقال: لا فائدة في الأكل والشرب وجميع الحركات والأعمال! وليس شيء ~~من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب. # ولما كان الصحابة رضي الله عنهم أعلم الأمة بالله ورسوله، وأفقههم في ~~دينه، كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم. # وكان عمر بن الخطاب (2) رضي الله عنه يستنصر به على عدوه، وكان (3) أعظم ~~جنديه (4)، وكان يقول للصحابة (5): لستم تنصرون بكثرة، وإنما تنصرون من ~~السماء (6). # وكان يقول: إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن هم الدعاء. فإذا ألهمت الدعاء ~~فإن الإجابة معه (7). # وأخذ الشاعر هذا، فنظمه، فقال: PageV01P029 #
# لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه ... من جود كفك ما عودتني الطلبا (1) # فمن ألهم الدعاء فقد أريد به الإجابة، فإن الله سبحانه يقول: {ادعوني ~~أستجب لكم} [غافر: 60] وقال: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان} [البقرة: 186]. # وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من لم يسأل الله يغضب عليه" (2). # وهذا يدل على أن رضاه في سؤاله وطاعته. وإذا رضي الرب تبارك وتعالى فكل ~~(3) خير في ms041 رضاه، كما أن كل بلاء ومصيبة في غضبه. # وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد (4) أثرا (3): "أنا الله، لا إله إلا ~~أنا، إذا رضيت باركت، وليس لبركتي منتهى (6). وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ ~~السابع من الولد". # وقد (7) دل العقل والنقل والفطر وتجارب الأمم -على اختلاف أجناسها ومللها ~~ونحلها- على أن التقرب إلى رب العالمين وطلب مرضاته، والبر والإحسان إلى ~~خلقه، من أعظم الأسباب الجالبة لكل PageV01P030 #
# خير. وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر. فما استجلبت [7/ أ] نعم ~~الله واستدفعت نقمه بمثل طاعته والتقرب إليه، والإحسان إلى خلقه. # وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة (1) وحصول الشرور في ~~الدنيا والآخرة (2) في كتابه على الأعمال، ترتيب (3) الجزاء على الشرط، ~~والمعلول على العلة، والمسبب على السبب. # وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع (4). # فتارة يرتب الحكم الخبري الكوني والأمري (5) الشرعي على الوصف المناسب ~~له، كقوله تعالى: {فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ~~(166)} [الأعراف: 166]، وقوله: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} [الزخرف: 55]، ~~وقوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] وقوله: {إن ~~المسلمين والمسلمات} إلى قوله. {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله ~~لهم مغفرة وأجرا عظيما} [الأحزاب: 35] وهذا كثير جدا. PageV01P031 #
# وتارة يرتبه عليه بصيغة الشرط والجزاء، كقوله: {إن تتقوا الله يجعل لكم ~~فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم} [الأنفال: 29]، وقوله: {فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} [التوبة: 11] وقوله: {وألو ~~استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا (16)} [الجن: 16]، ونظائره. # وتارة يأتي بلام التعليل، كقوله: {ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ~~(29)} [ص: 29] وقوله: {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} ~~[البقرة: 143]. # وتارة يأتي بأداة (كي) التي للتعليل، كقوله: {كي لا يكون دولة بين ~~الأغنياء منكم} [الحشر: 7]. # وتارة يأتي بباء السببية كقوله تعالى: {ذلك بما قدمت أيديكم} [آل عمران: ~~182،والأنفال: 51] وقوله: {بما كنتم تعملون} [الأعراف: 43] (1) و {بما ~~كانوا يكسبون} [الأنعام: 129] (2) وقوله: {ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا} (3) ~~[الأعراف: 146]. PageV01P032 #
# وتارة يأتي بالمفعول لأجله ظاهرا أو محذوفا (1)، كقوله: ms042 {فرجل وامرأتان ~~ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282]، ~~وقوله: {أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (172)} [الأعراف: ~~172]، وقوله: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} [الأنعام: ~~156] أي كراهة أن تقولوا. # وتارة يأتي بفاء السببية، كقوله: {فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم ~~بذنبهم فسواها (14)} [الشمس: 14] وقوله: {فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة ~~رابية (10)} [الحاقة: 10] وقوله: {فكذبوهما فكانوا من المهلكين (48)} ~~[المؤمنون: 48]، ونظائره. # وتارة يأتي بأداة (لما) الدالة على الجزاء، كقوله: {فلما آسفونا انتقمنا ~~منهم} [الزخرف: 55]، ونظائره. # وتارة يأتي بإن وما [7/ ب] عملت فيه، كقوله: {إنهم كانوا يسارعون في ~~الخيرات} [الأنبياء: 90]، وقوله في ضد هؤلاء: {إنهم كانوا قوم سوء ~~فأغرقناهم أجمعين (77)} [الأنبياء: 77]. # وتارة يأتي بأداة (لولا) الدالة على ارتباط ما قبلها بما بعدها، كقوله: ~~{فلولا أنه كان من المسبحين (143) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144)} ~~[الصافات: 143 - 144]. # وتارة يأتي ب (لو) الدالة على الشرط،- كقوله: هو {ولو أنهم فعلوا ما ~~يوعظون به لكان خيرا لهم} [النساء: 66] PageV01P033 #
# وبالجملة، فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب (1) الجزاء بالخير ~~والشر والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل ترتب (2) أحكام الدنيا ~~(3) والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال. # ومن فقه (4) هذه المسألة، وتأملها حق التأمل، انتفع بها غاية النفع، ولم ~~يتكل (5) على القدر جهلا منه وعجزا وتفريطا وإضاعة، فيكون توكله عجزا، ~~وعجزه توكلا. # بل الفقيه كل الفقيه الذي يرد القدر بالقدر، ويدفع القدر بالقدر، ويعارض ~~القدر بالقدر، بل لا يمكن الإنسان يعيش (6) إلا بذلك، فإن الجوع والعطش ~~والبرد وأنول المخاوف والمحاذير هي من القدر، # والخلق كلهم ساعون (7) في دفع هذا القدر بالقدر (8). # وهكذا (9)، من وفقه الله، وألهمه رشده، يدفع قدر العقوبة (10) ~~PageV01P034 #
# الأخروية بقدر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة، فهذا وزان القدر المخوف ~~في الدنيا وما يضاده سواء (1). فرب الدارين واحد، وحكمته واحدة، لا يناقض ~~بعضها بعضا، ولا يبطل بعضها بعضا. # فهذه المسألة من أشرف المسائل لمن عرف قدرها، ورعاها حق رعايتها، والله ~~المستعان. # لكن يبقى عليه أمران، ms043 بهما تتم سعادته وفلاحه: أحدهما؛ أن يعرف تفاصيل ~~أسباب الشر والخير، ويكون له بصيرة في ذلك بما يشاهده (2) في العالم، وما ~~جربه في نفسه وغيره، وما سمعه من أخبار الأمم قديما وحديثا. # ومن أنفع ما في ذلك تدبر القرآن، فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه، وفيه ~~أسباب الشر والخير (3) جميعا مفصلة مبينة. ثم السنة، فإنها شقيقة القرآن، ~~وهي الوحي الثاني. ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما عن غيرهما، وهما ~~يريانك الخير والشر وأسبابهما، حتى كأنك تعاين ذلك عيانا. # وبعد ذلك [8/ أ] إذا تأملت أخبار الأمم وأيام الله في أهل طاعته وأهل ~~معصيته طابق ذلك ما علمته من القرآن والسنة، ورأيت تفاصيل (4) ما أخبر الله ~~به ووعد به (5)، وعلمت من آياته في الآفاق ما يدلك على أن PageV01P035 #
# القرآن حق، وأن الرسول حق، وأن الله ينجز وعده لا محالة. فالتاريخ تفصيل ~~لجزئيات ما عرفنا الله ورسوله به (1) من الأسباب الكلية للخير والشر. # فصل # والأمر الثاني (2): أن يحذر مغالطة نفسه له (3) على هذه الأسباب. # وهذا من أهم الأمور، فإن العبد يعرف أن المعصية والغفلة من الأسباب ~~المضرة له في دنياه (4) وآخرته، ولا بد، ولكن تغالطه نفسه (5) بالاتكال على ~~عفو الله ومغفرته تارة، وبالتسويف بالتوبة تارة، وبالاستغفار باللسان تارة، ~~وبفعل المندوبات تارة، وبالعلم تارة، وبالاحتجاج بالقدر تارة، وبالاحتجاج ~~بالأشباه والنظراء والاقتداء (6) بالأكابر تارة. # وكثير من الناس يظن أنه لو فعل ما فعل، ثم قال: "أستغفر الله" زال أثر ~~الذنب، وراح هذا بهذا! # وقال لي رجل من المنتسبين إلى الفقه: أنا أفعل ما أفعل، ثم أقول: سبحان ~~الله وبحمده مائة مرة، وقد غفر ذلك أجمعه، كما صح عن النبي PageV01P036 #
# - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من قال في يوم: سبحان الله وبحمده مائة ~~مرة حطت عنه خطاياه (1)، ولو كانت مثل زبد البحر" (2). # وقال لي آخر من أهل مكة: نحن أحدنا إذا فعل ما فعل اغتسل (3) وطاف (4) ~~بالبيت أسبوعا (3)، وقد محيي عنه ذلك. # وقال لي آخر: قد صح عن النبي ms044 - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أذنب عبد ~~ذنبا، فقال: أي رب أصبت ذنبا فاغفره لي، فغفر له (6). ثم مكث ما شاء الله، ~~ثم أذنب ذنبا آخر، فقال: أي رب أصبت ذنبا، فاغفره لي، فغفره له. ثم مكث ما ~~شاء الله، ثم أذنب ذنبا آخر، فقال: أي رب أصبت ذنبا، فاغفره لي (7). فقال ~~الله عز وجل: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ به. # قد غفرت لعبدي، فليصنع ما شاء! " (8). PageV01P037 #
# قال: وأنا لا أشك أن لي ربا يغفر الذنب، ويأخذ به. # وهذا الضرب من الناس قد تعلق بنصوص الرجاء، واتكل عليها، وتعلق بها (1) ~~بكلتا يديه. وإذا عوتب على الخطايا والانهماك فيها سرد لك ما يحفظه من سعة ~~رحمة الله ومغفرته ونصوص الرجاء. # وللجهال [8/ ب] من هذا الضرب من الناس في هذا الباب غرائب وعجائب، كقول ~~بعضهم: # وكثر ما استطعت من الخطايا ... إذا كان القدوم على كريم (2) وقول الآخر: ~~التنزه من الذنوب جهل بسعة عفو الله! وقول الآخر (3): ترك الذنوب جراءة على ~~مغفرة الله، واستصغار لها! # وقال أبو محمد ابن حزم: رأيت بعض هؤلاء يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك ~~من العصمة! # ومن هؤلاء المغرورين من يتعلق بمسألة الجبر، وأن العبد لا فعل له البتة ~~ولا اختيار، وإنما هو مجبور على فعل المعاصي. PageV01P038 #
# ومن هؤلاء من يغتر بمسألة الإرجاء، وأن الإيمان هو مجرد التصديق، ~~والأعمال ليست من الإيمان، وإيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل. # ومن هؤلاء من يغتر بمحبة الفقراء والمشايخ والصالحين، وكثرة التردد إلى ~~قبورهم، والتضرع إليهم، والاستشفاع بهم، والتوسل إلى الله بهم، وسؤاله ~~بحقهم عليه وحرمتهم عنده. # ومنهم من يغتر بآبائه وأسلافه، وأن لهم عند الله مكانة وصلاحا، فلا يدعون ~~(1) أن يخلصوه، كما يشاهد في حضرة الملوك، فإن الملوك تهب لخواصهم ذنوب ~~أبنائهم وأقاربهم، وإذا وقع أحد منهم في أمر مفظع خلصه أبوه وجده بجاهه ~~ومنزلته. # ومنهم من يغتر بأن الله عز وجل غنى عن عذابه، وأن عذابه (2) لا يزيد في ms045 ~~ملكه شيئا، ورحمته له لا ينقص من ملكه شيئا، فيقول: أنا مضطر إلى رحمته، ~~وهو أغنى الأغنياء (3). ولو أن فقيرا مسكينا، # مضطرا (4) إلى شربة ماء، عند من في داره شط يجري، لما منعه منها؛ فالله ~~أكرم وأوسع، فالمغفرة لا تنقصه شيئا، والعقوبة لا تزيد (5) في ملكه شيئا. ~~PageV01P039 #
# ومنهم من يغتر بفهم فاسد فهمه (1) هو وأضرابه من نصوص القرآن والسنة (2)، ~~فاتكلوا عليه، كاتكال بعضهم على قوله تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى (5)} ~~[الضحى: 5] قالوا (3): وهو لا يرضى أن يكون في النار أحد (4) من أمته! وهذا ~~من أقبح الجهل، وأبين الكذب عليه. فإنه يرضى بما يرضي (5) ربه عز وجل، ~~والله تعالى يرضيه تعذيب الظلمة [9/ أ] والفسقة والخونة والمصرين على ~~الكبائر. فحاشا رسوله أن لا يرضى مما يرضى به ربه (6) تبارك وتعالى. # وكاتكال بعضهم على قوله تعالى: {إن الله يغفر الذنوب جميعا}. وهذا أيضا ~~من أقبح الجهل. فإن الشرك داخل في هذه الآية، فإنه رأس الذنوب وأساسها، ولا ~~خلاف أن هذه الآية في حق التائبين، فإنه يغفر كل ذنب للتائب (7)، أي ذنب ~~كان (8). ولو كانت الآية في حق غير التائبين (9) لبطلت نصوص الوعيد كلها، ~~وأحاديث إخراج PageV01P040 #
# قوم من الموحدين (1) من النار بالشفاعة. # وهذا إنما أتي صاحبه من قلة علمه وفهمه، فإنه سبحانه ههنا عمم وأطلق فعلم ~~أنه أراد التائبين. وفي سورة النساء خصص وقيد، فقال: {إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48]، فأخبر سبحانه أنه لا ~~يغفر (2) الشرك، وأخبر أنه يغفر ما دونه. ولو كان هذا في # حق التائب لم يفرق بين الشرك وغيره (3). # وكاغترار بعض الجهال بقوله تعالى: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ~~(6)} (4) [الانفطار: 6] فيقول: كرمه! وقد يقول بعضهم: إنه لقن المغتر حجته، ~~وهذا جهل قبيح. وإنما غره بربه الغرور -وهو الشيطان- ونفسه الأمارة بالسوء، ~~وجهله، وهواه. # وأتى سبحانه بلفظ "الكريم"، وهو السيد العظيم المطاع (5) الذي لا ينبغي ~~الاغترار به ولا إهمال حقه، فوضع هذا المغتر الغرور في غير ms046 موضعه، واغتر ~~بمن لا ينبغي الاغترار به. # وكاغترار بعضهم بقوله تعالى في النار: {لا يصلاها إلا الأشقى (15) الذي ~~كذب وتولى (16)} [الليل: 15 - 16]، وقوله: {أعدت للكافرين} [البقرة: 24]. # ولم يدر هذا المغتر أن قوله: {فأنذرتكم نارا تلظى (14)} [الليل: 14] هو ~~لنار PageV01P041 #
# مخصوصة من جملة دركات جهنم. ولو كانت جميع جهنم، فهو سبحانه لم يقل: "لا ~~يدخلها"، بل قال: {لا يصلاها إلا الأشقى} ولا يلزم (1) من عدم صليها عدم ~~دخولها، فإن الصلي أخص من الدخول، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم. # ثم إن هذا المغتر لو تأمل الآية التي بعدها لعلم أنه غير داخل فيها، فلا ~~يكون مضمونا له أن يجنبها. # وأما قوله في النار: {أعدت للكافرين} [البقرة: 24]، فقد قال في الجنة: ~~{أعدت للمتقين (133)} [آل عمران: 133]. ولا ينافي إعداد النار للكافرين أن ~~تدخلها الفساق والظلمة، ولا ينافي إعداد الجنة للمتقين أن يدخلها من في ~~قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، [9/ ب] ولم يعمل خيرا قط. # وكاتكال (2) بعضهم على صوم يوم عاشوراء، أو يوم عرفة (3)، حتى يقول ~~بعضهم: يوم عاشوراء (4) يكفر ذنوب العام (5) كلها، ويبقى صوم يوم عرفة (6) ~~زيادة في الأجر (7). ولم يدر هذا المغتر أن صوم رمضان PageV01P042 #
# والصلوات الخمس أعظم وأجل من صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء، وهي إنما تكفر ~~ما بينها (1) إذا اجتنبت الكبائر (2). # فرمضان [إلى رمضان] (3) والجمعة إلى الجمعة لا يقوى على تكفير الصغائر ~~الله مع انضمام ترك الكبائر إليها، فيقوى مجموع الأمرين (4) على تكفير ~~الصغائر. فكيف يكفر صوم يوم تطوع كل كبيرة عملها العبد، وهو مصر عليها، غير ~~تائب منها؛ هذا محال، على أنه لا يمتنع أن يكون صوم # يوم عرفة (5) ويوم عاشوراء مكفرا لجميع ذنوب العام على عمومه، ويكون من ~~نصوص الوعد (6) التي لها شروط وموانع، ويكون إصراره على الكبائر مانعا من ~~التكفير. فإذا لم يصر على الكبائر تساعد الصوم وعدم الإصرار وتعاونا على ~~عموم التكفير، كما كان رمضان والصلوات PageV01P043 #
# الخمس مع اجتناب الكبائر متساعدين متعاونين على تكفير الصغائر، مع أنه ms047 ~~سبحانه قد قال (1): {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} ~~[النساء: 31]. # فعلم أن جعل الشيء سببا للتكفير لا يمنع (2) أن يتساعد هو وسبب آخر على ~~التكفير، ويكون التكفير مع اجتماع السببين أقوى وأتم منه مع انفراد أحدهما، ~~وكلما قويت أسباب التكفير كان أقوى وأتم وأشمل (3). # وكاتكال بعضهم على قوله - صلى الله عليه وسلم - حاكيا عن ربه: "أنا عند ~~حسن ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء" (4) يعني: ما كان في ظنه، فإني فاعله به ~~(5). # ولا ريب أن حسن الظن إنما يكون مع "الإحسان" فإن المحسن حسن الظن بربه ~~أنه يجازيه (6) على إحسانه، ولا يخلف وعده، ويقبل توبته. وأما المسيء المصر ~~على الكبائر والظلم والمخالفات، فإن وحشة PageV01P044 #
# المعاصي والظلم والإجرام تمنعه (1) من حسن الظن بربه. وهذا موجود في ~~الشاهد، فإن العبد إلآبق المسيء (2) الخارج عن طاعة سيده لا يحسن [10/ 1] ~~الظن به (3). # ولا يجامع وحشة الإساءة إحسان الظن (4) أبدا، فإن المسيء مستوحش بقدر ~~إساءته. وأحسن الناس ظنا بربه أطوعهم له، كما قال الحسن البصري: إن المؤمن ~~أحسن الظن بربه، فأحسن العمل. وإن # الفاجر أساء الظن بربه، فأساء العمل (5). # وكيف يكون محسن الظن (6) بربه من هو شارد عنه، حال مرتحل في مساخطه وما ~~يغضبه (7)، متعرض (8) للعنته، قد هان حقه وأمره عليه فأضاعه، وهان نهيه ~~عليه فارتكبه، وأصر عليه! # وكيف يحسن الظن به (9) من بارزه بالمحاربة، وعادى أولياءه، ووالى أعداءه، ~~وجحد صفات كماله، وأساء الظن بما وصف به نفسه PageV01P045 #
# ووصفته به رسله (1)، وظن بجهله أن ظاهر ذلك ضلال وكفر؟. # وكيف يحسن الظن به من يظن (2) أنه لا يتكلم، ولا يأمر، ولا ينهى، ولا ~~يرضى، ولا يغضب؟ # وقد قال تعالى في حق من شك في تعلق سمعه ببعض الجزئيات، وهو السر من ~~القول: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (23)} ~~[فصلت: 23]، فهؤلاء لما ظنوا أن الله سبحانه لا يعلم كثيرا مما يعملون، كان ~~هذا إساءة لظنهم برئهم، فأرداهم ذلك الظن. # وهذا شأن كل من جحد ms048 صفات كماله ونعوت جلاله ووصفه بما لا يليق به. فإذا ~~ظن هذا أنه يدخله الجنة كان هذا غرورا وخداعا من نفسه، وتسويلا من الشيطان، ~~لا إحسان ظن بربه (3). # فتأمل هذا الموضع، وتأمل شدة الحاجة إليه! وكيف يجتمع في قلب العبد تيقنه ~~بأنه ملاق الله، وأن الله (4) يسمع كلامه، ويرى مكانه، ويعلم سره وعلانيته، ~~ولا يخفى عليه خافية من أمره، وأنه (5) موقوف بين يديه ومسؤول عن كل ما ~~عمل، وهو مقيم على مساخطه، مضيع لأوامره، معطل لحقوقه. وهو مع هذا محسن ~~الظن (6) PageV01P046 #
# به؟ وهل هذا إلا من خدع النفوس وغرور الأماني؟ # وقد قال أبو أمامة بن سهل (1) بن حنيف: دخلت أنا وعروة بن الزبير على ~~عائشة رضي الله عنها فقالت: لو (2) رأيتما رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في مرض له، وكانت عندي ستة دنانير- أو سبعة- فأمرني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -[10/ ب] أن أفرقها. قالت: فشغلني وجع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، حتى عافاه الله. ثم سألني عنها فقال: "ما فعلت؟ أكنت فرقت الستة ~~الدنانير (3)؟ " فقلت: لا، والله لقد كان شغلني (4) وجعك. قالت: فدعا بها، ~~فوضعها في كفه، فقال: "ما ظن نبي الله لو لقي الله، وهذه عنده؟ " (5) وفي ~~لفظ: "ما ظن محمد بربه لو لقي الله، وهذه عنده؟ ". # فيالله! ما ظن أصحاب الكبائر والظلمة بالله إذا لقوه، ومظالم العباد ~~PageV01P047 #
# عندهم؟ فإن كان ينفعهم قولهم: "حسنا ظنوننا بك (1) "، لم يعذب ظالم ولا ~~فاسق (2). فليصنع العبد ما شاء، وليرتكب كل ما نهاه الله عنه، وليحسن ظنه ~~بالله، فإن النار لا تمسه! فسبحان الله، ما يبلغ الغرور بالعبد!. # وقد قال إبراهيم لقومه: {أئفكا آلهة دون الله تريدون (86) فما ظنكم برب ~~العالمين (87)} [الصافات: 86 - 87] أي: فما (3) ظنكم به أن يفعل بكم إذا ~~لقيتموه، وقد عبدتم غيره؟ # ومن تأمل هذا الموضع (4) حق التأمل علم أن ### | حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه. # فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل حسن ظنه بربه أن يجازيه على أعماله، ~~ويثيبه عليها، ms049 ويتقبلها منه. فالذي (5) حمله على العمل حسن الظن، وكلما (6) ~~حسن ظنه حسن عمله، وإلا فحسن الظن مع اتباع الهوى عجز، كما في الترمذي ~~والمسند من حديث شداد بن أوس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (7): ~~"الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت. والعاجز من أتبع نفسه هواها، ~~وتمنى على PageV01P048 #
# الله" (1). # وبالجملة، فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاح. وأما مع انعقاد ~~أسباب الهلاك، فلا يتأتى إحسان الظن. # فإن قيل: بل يتأتى ذلك، ويكون مستند حسن الظن سعة مغفرة الله ورحمته ~~وعفوه وجوده، وأن رحمته سبقت غضبه، وأنه لا تنفعه العقوبة ولا يضره العفو. # قيل: الأمر هكذا، والله فوق ذلك، وأجل (2) وأكرم وأجود وأرحم. ولكن إنما ~~يضع ذلك في محله اللائق به، فإنه سبحانه موصوف بالحكمة، والعزة، والانتقام ~~وشدة البطش، وعقوبة من يستحق العقوبة. # فلو كان [11/ أ] معول حسن الظن على مجرد صفاته وأسمائه لاشترك في ذلك ~~البر والفاجر، والمؤمن والكافر، ووليه وعدوه. فما ينفع المجرم أسماؤه ~~وصفاته، وقد باء بسخطه وغضبه، وتعرض للعنته، وأوضع في محارمه، وانتهك ~~حرماته؟ بل حسن الظن ينفع من تاب، وندم، وأقلع، وبدل السيئة بالحسنة، ~~واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة، ثم حسن الظن. فهذا حسن الظن (3)، والأول ~~غرور! والله المستعان. PageV01P049 #
# ولا تستطل هذا الفصل، فإن الحاجة إليه شديدة لكل أحد، ففرق (1) بين حسن ~~الظن بالله وبين الغرة (2) به. # قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك ~~يرجون رحمت الله} [البقرة: 218] (3)، فجعل هؤلاء أهل الرجاء، لا البطالين ~~(4) والفاسقين. # وقال (5) تعالى: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا ~~وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} [النحل: 110]، فأخبر سبحانه أنه بعد ~~هذه الأشياء غفور رحيم لمن فعلها. # فالعالم (6) يضع الرجاء مواضعه، والجاهل المغتر يضعه في غير مواضعه. ~~PageV01P050 #
# فصل # وكثير من الجهال اعتمدوا على (1) رحمة الله وعفوه وكرمه، وضيعوا أمره ~~ونهيه، ونسوا أنه شديد العقاب، وأنه لا يرد بأسه ms050 عن القوم المجرمين. # ومن اعتمد على العفو مع الإصرار فهو كالمعاند. # وقال معروف (2): رجاؤك لرحمة من لا تطيعه من الخذلان والحمق (3). # وقال بعض العلماء: من قطع عضوا منك (4) في الدنيا بسرقة ثلاثة دراهم، لا ~~تأمن أن تكون عقوبته في الآخرة على نحو هذا (5). # وقيل للحسن: نراك طويل البكاء! فقال: أخاف أن يطرحني في النار، ولا يبالي ~~(6). # وسأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد، كيف نصنع بمجالسة أقوام PageV01P051 #
# يخوفونا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال: والله لأن تصحب أقواما يخوفونك حتى ~~تدرك أمنا خير لك من أن تصحب قوما يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف (1). # وقد ثبت في الصحيحين (2) من حديث أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -يقول: "يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق ~~أقتاب بطنه (3)، فيدور في النار كما يدور [11/ ب] الحمار برحاه، فيطيف به ~~أهل النار، فيقولون: يا فلان ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف، وتنهانا ~~(4) عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر ~~وآتيه". # وذكر الإمام أحمد (5) من حديث أبي رافع قال: مر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - PageV01P052 #
# بالبقيع فقال: "أف لك، أف لك! " فظننت أنه يريدني. فقال: "لا، ولكن هذا ~~قبر فلان بعثته ساعيا على (1) آل فلان، فغل نمر (2)، فدرع الآن مثلها من ~~نار". # وفي مسنده أيضا (3) من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، ~~PageV01P053 #
# فقلت: من هؤلاء؟ قالوا (1): خطباء من أهل الدنيا (2)، كانوا يأمرون الناس ~~بالبر، وينسون أنفسهم، أفلا يعقلون (3)؟ ". # وفيه أيضا (4) من حديثه، قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: "لما ~~عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم. # فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال (5): هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ~~ويقعون في أعراضهم". # وفيه أيضا (6) عنه، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول: ~~"يا مقلب القلوب ms051 (7) ثبت قلبي على دينك". فقلنا: يا رسول الله، امنا بك ~~وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع ~~الله، يقلبها كيف يشاء". PageV01P054 #
# وفيه أيضا (1) عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لجبريل: ~~"مالي لم أر (2) ميكائيل ضاحكا قط؟ " قال: ما ضحك منذ خلقت النار". # وفي صحيح مسلم (3) عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"يؤتى بأنعم أهل الدنيا من (4) أهل النار، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال ~~له: يا ابن آدم، هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا ~~رب. # ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صبغة، ~~فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا، والله ~~يا رب ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة (5) قط". PageV01P055 #
# وفي المسند (1) من حديث البراء بن عازب، قال: خرجنا مع النبي (2) - صلى ~~الله عليه وسلم -[12/ أ] في جنازة رجل من الأنصار، انتهينا إلى القبر، ولما ~~يلحد، فجلس النبي (3) - صلى الله عليه وسلم -، وجلسنا حوله، كأن على رؤوسنا ~~الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه، فقال: "استعيذوا بالله من ~~عذاب القبر" مرتين أو ثلاثا. ثم قال: "إن العبد المؤمن إذا كان (4) في ~~انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، ~~كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة (5)، حتى ~~يجلسوا منه مد البصر. ثم يجيء (6) ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: ~~اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. فتخرج تسيل ~~كما تسيل القطرة من في السقاء (7)، PageV01P056 #
# فيأخذها. فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها ~~(1) في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه ~~الأرض. فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ ms052 من الملائكة إلا قالوا: ما هذا ~~الروح الطيب (2)؟ فيقولون: فلان (3) بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا ~~يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به (4) إلى السماء الدنيا (5) فيستفتحون ~~له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى ~~به (6) إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، ~~وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة ~~أخرى". # قال: "فتعاد روحه، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ~~ربي الله عز وجل (7). فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام (8). # فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. # فيقولان له (9): وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فامنت به (10)، ~~PageV01P057 #
# وصدقت. فينادي مناد من السماء أن (1) صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، ~~وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة" (2). # قال: "فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره". # قال: "ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر [12/ ب] ~~بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء ~~بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. # فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة (3)، حتى أرجع إلى أهلي ومالي". # قال: "وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، ~~نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح (4)، فيجلسون منه مد ~~البصر، ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، ~~اخرجي (5) إلى سخط من الله وغضب". # قال: "فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود (6) من الصوف المبتل، ~~فيأخذها (7). فإذا أخذها (8) لم يدعوها في يده طرفة عين حتى PageV01P058 #
# يجعلوها في تلك المسوح. ويخرج منها كأنتن ريح جيفة (1) وجدت على وجه ~~الأرض. فيصعدون بها، فلا يمرون بها (2) على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما ~~هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان (3) بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى ~~(4) بها في الدنيا (5)، فيستفتح فلا يفتح له". ثم قرأ ms053 (6) رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: {لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج ~~الجمل في سم الخياط} [الأعراف: 40]. "فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في ~~سجين في الأرض السفلى (7). فيطرح روحه طرحا". ثم قرأ: {ومن يشرك بالله ~~فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} [الحج: ~~31]. # "فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ ~~فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. ~~فيقولان له (8): ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. ~~فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، ~~وافتحوا له بابا إلى النار. فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى ~~تختلف فيه أضلاعه. ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: ~~أبشر بالذي يسوءك! هذا يومك الذي PageV01P059 #
# كنت توعد. فيقول: ومن أنت (1)؟ فوجهك الوجه يجيء (2) بالشر، فيقول: أنا ~~عملك الخبيث. فيقول: [13/ أ] رب لا تقم الساعة". # وفي لفظ لأحمد أيضا (3): "ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، في يده مرزبه (4)، ~~لو ضرب بها جبلا كان ترابا. فيضربه ضربة، فيصير ترابا (5). # ثم يعيده الله عز وجل كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة (6) ~~PageV01P060 #
# يسمعها كل شيء إلا الثقلين". قال البراء: "ثم يفتح له باب إلى النار، ~~ويمهد له من فرش النار" (1). # وفي المسند أيضا (2) عنه، قال: بينما نحن مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، إذ بصر بجماعة، فقال: علام اجتمع هؤلاء؟ قيل: على قبر يحفرونه. ~~ففزع رسول الله (3) - صلى الله عليه وسلم -، فبدر بين يدي أصحابه مسرعا حتى ~~انتهى إلى القبر، فجثا على ركبتيه، فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع. ~~فبكى حتى بل الثرى من دموعه، ثم أقبل علينا، فقال: "أي إخواني، لمثل هذا ~~اليوم فأعدوا". PageV01P061 #
# وفي المسند (1) من حديث بريدة، قال: خرج إلينا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يوما (2)، فنادى ms054 ثلاث مرات: "يا أيها الناس، تدرون ما مثلى ومثلكم؟ ~~" فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: "إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا ~~يأتيهم، فبعثوا رجلا يتراءى لهم، فأبصر العدو، فأقبل لينذرهم، # وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه: أيها الناس أتيتم، ~~أيها الناس أتيتم؛ ثلاث مرات". # وفي صحيح مسلم (3) من حديث جابر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - "كل ما أسكر (4) حرام، وان على الله عز وجل عقدا (5) لمن شرب (6) ~~المسكر أن يسقيه من طينة الخبال". قيل: وما طينة الخبال؟ قال: "عرق أهل ~~النار، أو عصارة أهل النار". PageV01P062 #
# وفي المسند (1) أيضا من حديث أبي ذر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إني أرى ما لا ترون، وأسمع (2) ما لا تسمعون. أطت السماء، وحق لها ~~أن تئط! ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليه ملك ساجد. لو تعلمون ما أعلم ~~لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى ~~الصعدات (3) تجأرون إلى الله عز وجل". قال أبوذر: والله لوددت أني شجرة ~~تعضد (4)! وفي المسند (5) أيضا من حديث حذيفة، قال: كنا مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - PageV01P063 #
# في جنازة، فلما [13/ ب] انتهينا إلى القبر قعد على شأفته، فجعل يردد بصره ~~فيه، ثم قال: "يضغط المؤمن فيه ضغطة تزول منها حمائله، ويملأ على الكافر ~~نارا". والحمائل: عروق الأنثيين (1). # وفي المسند (2) أيضا من حديث جابر، قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى سعد بن معاذ حين توفي، فلما صلى عليه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ووضع في قبره، وسوي عليه، سبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فسبحنا طويلا، ثم كبر، فكبرنا. فقيل: يا رسول الله، لم سبحت ثم كبرت؟ ~~فقال: "لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره، حتى فرج الله عنه". ~~PageV01P064 #
# وفي صحيح البخاري (1) من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال ms055 على أعناقهم، فإن كانت ~~صالحة قالت: قدموني، قدموني؛ وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها! أين ~~تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها # الإنسان لصعق". # وفي مسند الإمام (2) أحمد (3) من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل، ويزاد في حرها ~~كذا وكذا. تغلي منها الرؤوس (4)، كما تغلي القدور. يعرقون فيها (5) على قدر ~~خطاياهم، منهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ ~~إلى وسطه، ومنهم من يلجمه العرق". # وفيه (6) عن ابن عباس (7)، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: "كيف ~~أنعم، PageV01P065 #
# وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته يسمع متى يؤمر، فينفخ"؟ فقال ~~أصحابه: كيف نقول؟ قال: "قولوا: حسبنا الله، ونعم الوكيل، على الله ~~توكلنا". # وفي المسند أيضا (1) عن ابن عمر يرفعه: "من تعظم في نفسه، أو اختال في ~~مشيته، لقي الله تبارك وتعالى، وهو عليه غضبان". PageV01P066 #
# وفي الصحيحين (1) عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن ~~المصورين يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم". # وفيهما أيضا (2) عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (3) [14/ 1]: "إن ~~أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي. إن كان من أهل الجنة فمن أهل ~~الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك ~~الله عز وجل يوم القيامة". # وفيهما أيضا (4) عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا صار أهل ~~الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، جيء بالموت حتى يوقف بين الجنة ~~والنار، ثم يذبح، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة، خلود فلا موت؛ ويا أهل ~~النار، خلود فلا موت. فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار ~~حزنا إلى حزنهم". # وفي المسند (5) عنه قال: "من اشترى ثوبا بعشرة دراهم، فيها درهم ~~PageV01P067 #
# حرام، لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه". ثم أدخل إصبعيه في أذنيه، ثم ~~قال: ms056 صمتا إن لم أكن سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوله. # وفيه (1) عن عبد الله بن عمرو عن النبي (2) - صلى الله عليه وسلم -: "من ~~ترك الصلاة سكرا مرة واحدة، فكأنما كانت له الدنيا وما عليها، فسلبها. ومن ~~ترك الصلاة سكرا أربع مرات كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال". # قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: "عصارة أهل جهنم". # (1) وفيه أيضا (3) عنه (4) مرفوعا: "من شرب الخمر (5) شربة لم يقبل الله ~~PageV01P068 #
# دله صلاة أربعين صباحا. فإن تاب تاب الله عليه". فإن عاد لم يقبل (1) له ~~صلاة أربعين صباحا. فإن تاب تاب الله عليه (2). فلا أدري في الثالثة أو في ~~الرابعة قال: "فإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من ردغة الخبال (3) يوم ~~القيامة". # وفي المسند (4) أيضا (5) من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "من مات مدمنا للخمر سقاه الله من نهر الغوطة". قيل: وما نهر ~~الغوطة؟ قال: "نهر يجري من فروج المومسات، يؤذي أهل النار ريح فروجهن". ~~PageV01P069 #
# وفيه عنه (1) أيضا (2) قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تعرض ~~الناس يوم القيامة ثلاث عرضات. فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة ~~فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فاخذ بيمينه وآخذ بشماله (3) ". # وفي المسند أيضا (4) [14/ ب] من حديث ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - PageV01P070 #
# قال: "إياكم ومحقرات الذنوب، فانهن يجتمعن علي الرجل حتى يهلكنه". وضرب ~~لهن (1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثلا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، ~~فحضر صنيع القوم (2)، فجعل الرجل ينطلق، فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، ~~حتى جمعوا سوادا، وأججوا نارا، وأنضجوا ما قذفوا # فيها". # وفي الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "يضرب الجسر على جهنم، فأكون أول من يجيز، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم ~~سلم، وحافتيه كلاليب مثل شوك السعدان، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق ~~(3) بعمله، ومنهم المخردل (4) ثم ينجو، # حتى ms057 إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج من الناس من أراد ~~أن يرحم ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمر الملائكة أن يخرجوهم، ~~فيعرفونهم بعلامة آثار السجود. وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر ~~السجود، فيخرجونهم، قد امتحشوا (5)، فيصب عليهم من ماء (6) PageV01P071 #
# يقال له ماء الحياة، فينبتون نبات الحبة (1) في حميل السيل" (2). # وفي صحيح مسلم (3) عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~"إن أول الناس (4) يقضى فيه يوم القيامة ثلاثة: رجل استشهد، فأتي به، فعرفه ~~نعمه، فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى قتلت. قال: كذبت، ~~ولكن قاتلت ليقال: هو جريء، فقد قيل. ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في ~~النار. ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها. ~~فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمت فيك العلم وعلمته، وقرأت فيك (5) القرآن. ~~فقال كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: هو عالم (6)، وقرأت القرآن ليقال (7): هو ~~قارئ، فقد قيل. ثم أمر (8) به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع ~~الله عليه رزقه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، ~~فقال: ما عملت فيها؟ فقال (9): ما [15/ أ] تركت من PageV01P072 #
# سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنك (1) فعلت ~~ليقال: هو جواد، فقد قيل (2). ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في ~~النار". # وفي لفظ: "فهؤلاء أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة" (3). # وسمعت شيخ الإسلام (4) يقول: كما أن خير الناس الأنبياء، فشر الناس من ~~تشبه بهم من الكذابين (5)، وادعى أنه منهم، وليس منهم (6). # فخير الناس بعدهم العلماء والشهداء والمتصدقون المخلصون، فشر الناس (7) ~~من تشبه بهم، يوهم أنه منهم، وليس منهم. # وفي صحيح البخاري (8) من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "من كانت عنده لأخيه مظلمة في مال أو عرض فليأته، فليستحلها منه (9) قبل ~~أن يؤخذ، وليس عنده ms058 دينار ولا درهم، فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته، ~~فأعطيها هذ؛ وإلا أخذ من سيئات هذا، فطرحت عليه، ثم PageV01P073 #
# طرح في النار". # وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - (1): "من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع ~~أرضين" (2). # وفي الصحيحين (3) عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ناركم ~~هذه التي يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءا من نار جهنم" قالوا: والله ~~إن كانت لكافية. قال: "فإنها قد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل ~~حرها". # وفي المسند (4) عن معاذ قال: أوصاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فقال: "لا تشرك بالله شيئا، وإن قتلت وحرقت. ولا تعقن والديك، وإن أمراك أن ~~تخرج من أهلك ومالك. ولاتتركن صلاة مكتوبة متعمدا، فإن من ترك PageV01P074 #
# صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله. ولا تشربن (1) خمرا، فإنه رأس ~~كل فاحشة. وإياك والمعصية، فإن المعصية تحل سخط الله". # والأحاديث في هذا الباب أضعاف أضعاف ما ذكرنا، فلا ينبغي لمن نصح نفسه أن ~~يتعامى عنها، ويرسل نفسه في المعاصي، ويتعلق بحبل الرجاء وحسن الظن. # قال أبو الوفاء بن عقيل: [15/ ب] احذره ولا تغتر (2)، فإنه قطع اليد في ~~ثلاثة دراهم (3)، وجلد الحد في مثل رأس الإبرة من الخمر (4)، وقد دخلت ~~امرأة النار في هرة (5)، واشتعلت (6) الشملة نارا على من غلها وقد ~~PageV01P075 #
# قتل شهيدا (1). # وقال الإمام أحمد (2): حدثنا أبو معاوية (3)، حدثنا الأعمش، عن سليمان بن ~~ميسرة، عن طارق بن شهاب يرفعه قال: "دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل النار رجل ~~في ذباب". قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال مر رجلان على قوم لهم صنم لا ~~يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا. فقالوا لأحدهما: قرب، فقال (4): ليس عندي شيء. ~~قالوا له (5): قرب ولو ذبابا. فقرب ذبابا، فخلوا سبيله، فدخل النار. وقالوا ~~للآخر: قرب، فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون ms059 الله عز وجل، فضربوا عنقه، ~~فدخل الجنة". # وهذه الكلمة الواحدة يتكلم بها العبد يهوي بها في النار أبعد ما بين ~~المشرق والمغرب (6). PageV01P076 #
# وربما اتكل بعض المغترين على ما يرى من نعم الله عليه في الدنيا، وأنه لا ~~يغير به (1)، ويظن أن ذلك (2) من محبة الله له، وأنه يعطيه في الآخرة أفضل ~~من ذلك، وهذا من الغرور. # قال الإمام أحمد (3): حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين بن سعد (4)، عن ~~حرملة بن عمران (5) التجيبي، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيت الله عز وجل يعطي العبد من الدنيا على ~~معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج". ثم تلا قوله عز وجل: # {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما ~~أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44)} [الأنعام: 44] PageV01P077 #
# وقال بعض السلف: إذا رأيت الله يتابع نعمه عليك (1)، وأنت مقيم على ~~معاصيه، فاحذره؛ فإنما هو استدراج (2) يستدرجك به (3). # وقد قال تعالى: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون (33) ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها ~~يتكئون (34) وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك ~~للمتقين (35)} [الزخرف: 33 - 35] وقد رد سبحانه على من يظن هذا [16/ أ] ~~الظن بقوله: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ~~(15) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) كلا} [الفجر: ~~15 - 17] أي: ليس كل من نعمته ووسعت عليه رزقه أكون قد أكرمته، ولا كل من ~~ابتليته وضيقت عليه رزقه أكون قد أهنته. بل أبتلي هذا بالنعمة، وأكرم هذا ~~بالابتلاء. # وفي جامع الترمذي (4) عنه - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله يعطي الدنيا ~~من يحب ومن PageV01P078 #
# لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب". # وقال بعض السلف: رب مستدرج بنعم الله (1) عليه، وهو لا يعلم ورب مغرور ~~بستر الله عليه، وهو لا يعلم ms060 (2). ورب مفتون بثناء الناس عليه (3)، وهو لا ~~يعلم. # فصل # وأعظم الخلق غرورا من اغتر بالدنيا وعاجلها، فآثرها (4) على الآخرة، ورضي ~~بها من الآخرة (5)، حتى يقول بعض هؤلاء: الدنيا نقد، والآخرة نسيئة، والنقد ~~أنفع من النسيئة! ويقول بعضهم: ذرة منقودة، ولا درة موعودة! ويقول آخر ~~منهم: لذات الدنيا متيقنة، ولذات الآخرة مشكوك PageV01P079 #
# فيها، ولا أدع اليقين للشك (1)! # وهذا من أعظم تلبيس الشيطان وتسويله. والبهائم العجم أعقل من هؤلاء، فإن ~~البهيمة إذا خافت مضرة شيء لم تقدم عليه، ولو ضربت، وهؤلاء يقدم أحدهم على ~~عطبه، وهو بين مصدق ومكذب. فهذا الضرب إن آمن أحدهم بالله ورسوله (2) ~~ولقائه والجزاء، فهو من أعظم الناس (3) حسرة؛ لأنه أقدم على علم. وإن لم ~~يؤمن بالله ورسوله (4)، فأبعد له! # وقول هذا القائل: "النقد خير من النسيئة"، فجوابه (5) أنه إذا تساوى ~~النقد والنسيئة، فالنقد خير. وإن تفاوتا وكانت النسيئة أكثر (6) وأفضل، فهي ~~خير. فكيف والدنيا كلها (7) من أولها إلى آخرها كنفس واحد من أنفاس الآخرة! ~~كما في مسند الإمام أحمد والترمذي (8) من حديث المستورد بن شداد قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل ~~أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع" (9)؟. PageV01P080 #
# فإيثار هذا النقد على هذه النسيئة من أعظم الغبن وأقبح الجهل. # وإذا (1) كان هذا نسبة الدنيا بمجموعها إلى الآخرة، [16/ ب] فما مقدار ~~عمر الإنسان بالنسبة إلى الآخرة؟ فأيما أولى بالعاقل: إيثار العاجل في هذه ~~المدة اليسيرة وحرمان الخير الدائم في الآخرة، أم ترك شيء حقير صغير (2) ~~منقطع عن قرب ليأخذ ما لا قيمة له (3)، ولا خطر له (4)، ولا نهاية لعدده، ~~ولا غاية لأمده. # وأما قول الآخر: "لا أترك متيقنا لمشكوك (5) فيه"، فيقال له: إما أن تكون ~~على شك من وعد الله ووعيده وصدق رسله، أو تكون على يقين من ذلك. فإن كنت ~~على يقين، فما تركت إلا ذرة عاجلة منقطعة فانية عن قرب، لأمر متيقن لا شك ~~فيه ولا انقطاع له. # وإن كنت على ms061 شك، فراجع آيات الرب تعالى الدالة على وجوده وقدرته ومشيئته ~~ووحدانيته، وصدق رسله فيما أخبروا به عنه (6). PageV01P081 #
# وتجرد، وقم لله ناظرا أو مناظرا، حتى يتبين لك أن ما جاءت به الرسل عن ~~الله فهو الحق الذي لا شك فيه، وأن خالق هذا العالم ورب السموات والأرض ~~يتعالى ويتقدس ويتنزه عن خلاف ما أخبرت به رسله عنه. ومن نسبه إلى غير ذلك ~~فقد شتمه، وكذبه، وأنكر ربوبيته وملكه. إذ من المحال الممتنع عند كل ذي ~~فطرة سليمة أن يكون الملك الحق عاجزا أو جاهلا، لا يعلم شيئا، ولا يسمع ~~(1)، ولا يبصر، ولا يتكلم، ولا يأمر ولا ينهى، ولا يثيب ولا يعاقب، ولا يعز ~~من يشاء ولا يذل (2) من يشاء، ولا يرسل رسله إلى أطراف مملكته ونواحيها، ~~ولا يعتني بأحوال رعيته، بل يتركهم سدى، ويخليهم هملا. # وهذا يقدح في ملك آحاد ملوك البشر ولا يليق به، فكيف يجوز نسبة الملك ~~الحق المبين إليه؟ # وإذا تأمل الإنسان حاله من مبدأ كونه (3) نطفة إلى حين كماله واستوائه ~~(4)، تبين له أن (5) من عني به هذه العناية (6)، ونقله إلى هذه الأحوال، ~~وصرفه في هذه الأطوار، لا يليق به أن يهمله ويتركه سدى، لا يأمره ولا ~~ينهاه، ولا يعرفه حقوقه عليه، ولا يثيبه ولا يعاقبه. # ولو تأمل العبد حق التأمل لكان كل ما يبصره وما لا يبصره دليلا له ~~PageV01P082 #
# على التوحيد والنبوة والمعاد وأن القرآن كلامه. وقد ذكرنا وجه الاستدلال ~~بذلك في [17/ أ] كتاب "أيمان القرآن" (1) عند قوله: {فلا أقسم بما تبصرون ~~(38) وما لا تبصرون (39) إنه لقول رسول كريم (40)} [الحاقة: 38 - 40]. # وذكرنا (2) طرفا من ذلك عند قوله: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21)} ~~[الذاريات: 21]، وأن الإنسان دليل لنفسه (3) على وجود خالقه، وتوحيده، وصدق ~~رسله، وإثبات صفات كماله (4). # فقد بان أن المضيع مغرور على التقديرين: تقدير تصديقه ويقينه، وتقدير ~~تكذيبه وشكه (5). # فإن قلت: كيف يجتمع التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة ~~والنار، ويتخلف العمل (6)؟ وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه ms062 مطلوب ~~غدا إلى بين يدي بعض الملوك (7) ليعاقبه أشد # عقوبة، أو يكرمه أتم كرامة، ويبيت (8) ساهيا غافلا، لا يتذكر (9) ~~PageV01P083 #
# موقفه (1) بين يدي الملك، ولا يستعد له، ولا يأخذ له أهبته (2)؟ # قيل: هذا- لعمر الله- سؤال صحيح وارد على أكثر هذا الخلق. # واجتماع هذين الأمرين من أعجب الأشياء. # وهذا التخلف له عدة أسباب: # أحدها: ضعف العلم ونقصان اليقين. ومن ظن أن العلم لا يتفاوت، فقوله من ~~أفسد الأقوال وأبطلها. وقد سأل إبراهيم الخليل ربه أن يريه إحياء الموتى ~~عيانا، بعد علمه بقدرة الرب على ذلك، ليزداد # طمأنينة، ويصير المعلوم غيبا (3) شهادة. # وقد روى أحمد في مسنده (4) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~"ليس الخبر كالمعاينة" (5). PageV01P084 #
# فإذا اجتمع إلى ضعف العلم عدم استحضاره وغيبته عن القلب في كثير من ~~أوقاته أو أكثرها، لاشتغاله بما يضاده، وانضم إلى ذلك تقاضي الطبع، وغلبات ~~الهوى، واستيلاء الشهوة، وتسويل النفس، وغرور # الشيطان، واستبطاء الوعد، وطول الأمل، ورقدة الغفلة، وحب العاجلة، ورخص ~~التأويل، وإلف العوائد = فهناك لا يمسك الإيمان إلا الذي يمسك السموات ~~والأرض أن تزولا. # ولهذا السبب (1) يتفاوت الناس في الإيمان حتى ينتهي إلى أدنى أدنى (2) ~~مثقال ذرة في القلب (3). # وجماع هذه الأسباب يرجع (4) إلى ضعف البصيرة والصبر (5). # ولهذا مدح الله سبحانه أهل الصبر (6) واليقين، [17/ ب] وجعلهم أئمة ~~الدين، فقال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون (24)} [السجدة: 24]. PageV01P085 #
# فصل # فقد تبين (1) الفرق بين حسن الظن والغرور، وأن حسن الظن إن حمل على ~~العمل، وحث عليه، وساق إليه، فهو صحيح. وإن دعا إلى البطالة والانهماك في ~~المعاصي، فهو غرور. # وحسن الظن هو الرجاء. فمن كان رجاؤه حاديا (2) له على الطاعة، زاجرا له ~~عن المعصية، فهو رجاء صحيح. ومن كانت بطالته رجاء، ورجاؤه بطالة وتفريطا، ~~فهو المغرور. # ولو أن رجلا له أرض يؤمل أن يعود عليه من مغلها ما ينفعه فأهملها، ولم ~~يبذرها، ولم يحرثها، وأحسن ظنه بأنه يأتي من مغلها ما يأتي من حرث ms063 (3)، ~~وبذر، وسقى، وتعاهد الأرض، لعده الناس من # أسفه السفهاء. # وكذلك لو حسن ظنه وقوى رجاءه (4) بأن يجيئه ولد من غير جماع، أو يصير ~~أعلم أهل زمانه (5) من غير طلب للعلم (6) وحرص تام عليه، وأمثال ذلك. ~~PageV01P086 #
# فكذلك (1) من حسن ظنه وقوى رجاءه في الفوز بالدرجات العلى والنعيم ~~المقيم، من غير طاعة ولا تقرب إلى الله تعالى (2) بامتثال أوامره واجتناب ~~نواهيه. وبالله التوفيق. # وقد قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~أولئك يرجون رحمت الله} [البقرة: 218]. # فتأمل كيف جعل رجاءهم إتيانهم بهذه الطاعات! وقال المغترون (3): إن ~~المفرطين المضيعين لحقوق الله (4)، المعطلين لأوامره، الباغين على عباده، ~~المتجرئين على محارمه = أولئك يرجون رحمة الله! # وسر المسألة أن الرجاء وحسن الظن إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي ~~اقتضتها حكمة الله في شرعه، وقدره، وثوابه وكرامته؛ فيأتي العبد بها، ثم ~~يحسن (5) ظنه بربه، ويرجوه أن لا يكله إليها، وأن يجعلها # موصلة إلى ما ينفعه، ويصرف ما يعارضها، ويبطل أثرها. # فصل # ومما ينبغي أن يعلم أن من رجا شيئا استلزم رجاؤه أمورا: # أحدها: محبة ما يرجوه. # الثاني: خوفه من فواته. PageV01P087 #
# الثالث: [18/ أ] سعيه في تحصيله بحسب الإمكان. # وأما رجاء لا يقارنه (1) شيء من ذلك، فهو من باب الأماني! والرجاء شيء، ~~والأماني شيء آخر. ف ### | كل راج خائف، # والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير مخافة الفوات. # وفي جامع الترمذي (2) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله PageV01P088 #
# - صلى الله عليه وسلم -: "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل. ألا إن سلعة ~~الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة". # وهو سبحانه كما جعل الرجاء لأهل الأعمال الصالحة، فكذلك جعل الخوف لأهل ~~الأعمال (1). فعلم أن الرجاء والخوف النافع هو ما اقترن (2) به العمل. قال ~~الله تعالى: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) والذين هم بآيات ربهم ~~يؤمنون (58) والذين هم بربهم لا يشركون (59) والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم ~~وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (60) أولئك يسارعون في ms064 الخيرات وهم لها سابقون ~~(61)} [المؤمنون: 57 - 61]. PageV01P089 #
# وقد روى الترمذي في جامعه (1) عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية فقلت (2): أهم الذين يشربون ~~الخمر ويزنون ويسرقون؟ فقال: "لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ~~ويصلون (3) ويتصدقون، ويخافون أن لا يتقبل منهم. أولئك يسارعون في ~~الخيرات". # وقد روي من حديث أبي هريرة أيضا (4). PageV01P090 #
# والله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف، ووصف الأشقياء بالإساءة ~~مع الأمن. ومن تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع ~~غاية الخوف. ونحن جمعنا بين التقصير- بل التفريط- والأمن! فهذا الصديق ~~يقول: "وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن". ذكره # أحمد عنه (1). # وذكر عنه أنه كان يمسك بلسانه ويقول: هذا أوردني الموارد! (2) وكان يبكي ~~كثيرا، ويقول: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا (3). # وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل (4). PageV01P091 #
# وأتي بطائر، فقلبه، ثم قال: ما صيد من صيد ولا قطعت من شجرة إلا بما ضيعت ~~من [18/ ب] التسبيح (1). # ولما احتضر قال لعائشة: يا بنية، إني أصبت من مال المسلمين هذه العباءة، ~~وهذا الحلاب (2)، وهذا العبد، فأسرعي به إلى ابن الخطاب (3). # وقال: والله لوددت أني كنت (4) هذه الشجرة، تؤكل وتعضد! (5) وقال قتادة: ~~بلغني أن أبا بكر قال: وددت أني خضرة تأكلني الدواب (6). # وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة الطور (7) حتى بلغ: {إن عذاب ربك لواقع (7)} ~~[الطور: 7]، فبكى (8)، واشتد بكاؤه، حتى مرض وعادوه (9). PageV01P092 #
# وقال لابنه وهو في الموت: ويحك ضع خدي على الأرض عساه أن يرحمني. ثم قال: ~~ويل أمي (1) إن لم يغفر لي (2)، ثلاثا، ثم قضى (3). # وكان يمر بالآية في ورده بالليل، فتخنقه (4)، فيبقى في البيت أياما (5) ~~يعاد، يحسبونه مريضا (6). # وكان في وجهه رضي الله عنه خطان أسودان من البكاء (7) وقال له ابن عباس: ~~مصر الله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح، وفعل وفعل، فقال: وددت أني أنجو، لا ~~أجر ولا وزر (8). # وهذا ms065 عثمان بن عفان -رضي الله عنه - كان إذا وقف على القبر يبكي ~~PageV01P093 #
# حتى يبل لحيته (1). # وقال: لو أنني بين الجنة والنار، لا أدري إلى أيهما (2) يؤمر بي، لاخترت ~~أن أكون رمادا، قبل أن أعلم إلى أيهما أصير (3). # وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبكاؤه وخوفه. وكان يشتد خوفه من ~~اثنتين (4): طول الأمل، واتباع الهوى. قال: فأما طول الأمل فينسي الآخرة، ~~وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق. ألا وإن الدنيا قد ولت مدبرة، والآخرة ~~مقبلة، ولكل واحدة منهما (5) بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من ~~أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل (6). PageV01P094 #
# وهذا أبو الدرداء كان يقول: إن أشد ما أخاف على نفسي يوم القيامة أن يقال ~~لي: يا أبا الدرداء قد علمت، فكيف عملت فيما علمت؟ (1) # وكان يقول: لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت لما [19/ أ] أكلتم طعاما ~~على شهوة، ولا شربتم شرابا على شهوة، ولا دخلتم بيتا (2) تستظلون فيه، ~~ولخرجتم إلى الصعيد، تضربون صدوركم، وتبكون على أنفسكم. ولوددت أني شجرة ~~تعضد ثم تؤكل (3). # وكان عبد الله بن عباس أسفل عينيه مثل الشراك البالي من الدموع (4). # وكان أبو ذر يقول: ياليتني كنت شجرة تعضد، ووددت أني لم أخلق (5). # وعرضت عليه النفقة فقال: عندنا عنز (6) نحلبها، وأحمرة ننقل عليها، ومحرر ~~يخدمنا، وفضل عباءة. وإني أخاف الحساب PageV01P095 #
# فيها (1). # وقرأ تميم الداري ليلة سورة الجاثية، فلما أتى على هذه الآية {أم حسب ~~الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ~~ومماتهم ساء ما يحكمون (21)} [الجاثية: 21] جعل يرددها ويبكي حتى أصبح (2). # وقال أبو عبيدة بن الجراح: وددت أني كبش، فذبحني أهلي، وأكلوا لحمي، ~~وحسوا مرقي (3). # وهذا باب يطول تتبعه. # قال البخاري في صحيحه (4): "باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر. ~~وقال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا (5). ~~وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب ms066 النبي- صلى الله عليه وسلم - ~~كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد (6) يقول PageV01P096 #
# إنه على إيمان جبريل وميكائيل (1). ويذكر عن الحسن: ما خافه إلا مؤمن، ~~ولا أمنه إلا منافق" (2). # وكان عمر بن الخطاب يقول لحذيفة: أنشدك الله، هل سماني لك رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -؟ يعني في المنافقين فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحدا ~~(3). # فسمعت شيخنا رحمه الله (4) يقول: ليس مراده أني لا أبرىء غيرك من النفاق، ~~بل المراد: لا أفتح علي هذا الباب، فكل من سألني: هل سماني لك رسول الله- ~~صلى الله عليه وسلم -؟ [19/ ب] فأزكيه. # قلت: وقريب من هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي سأله أن يدعو ~~له أن يكون من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: "سبقك بها ~~عكاشة" (5). ولم يرد أن عكاشة وحده أحق بذلك ممن عداه من PageV01P097 #
# الصحابة. ولكن لو دعا له (1) لقام (2) آخر وآخر، وانفتح الباب، وربما قام ~~من لم يستحق أن يكون منهم. فكان الإمساك أولى، والله أعلم. # فصل # فلنرجع إلى ما كنا فيه من ذكر دواء الداء الذي إن استمر أفسد دنيا العبد ~~وآخرته. # فمما ينبغي أن يعلم أن الذنوب تضر ولابد، وأن ضررها في القلوب كضرر ~~السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر. وهل في الدنيا والآخرة شر ~~وداء (3) إلا وسببه الذنوب والمعاصي؟ # فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم (4) والبهجة والسرور ~~إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء، ~~وطرده ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه (5)، فجعلت صورته (6) أقبح صورة وأشنعها؛ ~~وباطنه أقبح من صورته وأشنع؟ وبدل بالقرب بعدا، وبالرحمة لعنة، وبالجمال ~~قبحا، وبالجنة نارا تلظى، وبالإيمان كفرا، وبموالاة الولي الحميد أعظم ~~PageV01P098 #
# عداوة ومشاقة، وبزجل التسبيح والتقديس والتهليل زجل الكفر والشرك (1) ~~والكذب والزور والفحش، وبلباس الإيمان لباس الكفر والفسوق والعصيان. فهان ~~على الله غاية الهوان، وسقط من عينه غاية السقوط، وحل عليه غضب الرب تعالى ~~فأهواه، ومقته أكبر المقت فأرداه (2). فصار قوادا ms067 لكل فاسق ومجرم رضي لنفسه ~~بالقيادة، بعد تلك العبادة والسيادة (3). فعياذا بك اللهم من مخالفة (4) ~~أمرك [20/ أ] وارتكاب نهيك. # وما الذي غرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟ # وما الذي سلط الريح العقيم (5) على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه ~~الأرض، كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمرت ما مرت (6) عليه من ديارهم وحروثهم ~~وزروعهم (7) ودوابهم حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة. # وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا ~~عن آخرهم؟ PageV01P099 #
# وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم، ثم قلبها عليهم ~~(1)، فجعل عاليها سافلها، فأهلكهم جميعا. ثم أتبعهم حجارة من السماء أمطرها ~~عليهم، فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمة غيرهم. ولإخوانهم ~~أمثالها، وما هي من الظالمين ببعيد! وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب ~~العذاب كالظلل، فلما صار فوق رؤوسهم أمطر (2) عليهم نارا تلظى؟ # وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم. فالأجساد ~~للغرق، والأرواح للحرق؟ وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله (3)؟ وما ~~الذي أهلك القرون من (4) بعد نوح بأنول العقوبات (5)، ودمرها تدميرا؟ وما ~~الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟ وما الذي بعث على بني ~~إسرائيل قوما أولي بأس شديد، فجاسوا خلال الديار، وقتلوا الرجال، وسبوا ~~الذرية والنساء، وأحرقوا الديار، ونهبوا الأموال. ثم بعثهم عليهم مرة ~~ثانية، فأهلكوا ما قدروا عليه، PageV01P100 #
# وتبروا ما علوا تتبيرا؟ # وما الذي سلط عليهم أنول العقوبات مرة بالقتل (1) والسبي (2) وخراب ~~البلاد (3)، ومرة بجور الملوك، ومرة بمسخهم قردة وخنازير؟ وآخر ذلك أقسم ~~الرب تبارك وتعالى: {ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} ~~[الأعراف: 167]. # قال الإمام أحمد (4): حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثني ~~عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، قال: لما فتحت قبرس (5) فرق بين ~~أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض (6)، ورأيت (7) أبا الدرداء جالسا [20/ ب] وحده ~~(8) يبكي، فقلت: يا أبا ms068 الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام ~~وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا ~~أمره! بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمر الله، فصاروا إلى ما ~~ترى! PageV01P101 #
# وقال علي بن الجعد (1): أنبأنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا ~~البختري يقول: أخبرني من سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لن يهلك ~~الناس حتى يعذروا من أنفسهم". # وفي مسند أحمد (2) من حديث أم سلمة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - PageV01P102 #
# يقول: "إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده". # فقلت: يا رسول الله أما فيهم يومئذ أناس صالحون؟ قال: "بلى". # قالت: فكيف يصنع بأولئك؟ قال: "يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى ~~مغفرة من الله ورضوان". # وفي مراسيل الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تزال هذه الأمة ~~تحت يد الله وفي كنفه، ما لم يمالىء قراؤها أمراءها، وما لم يزك صلحاؤها ~~فجارها، وما لم يهن خيارها شرارها. فإذا هم فعلوا ذلك رفع الله يده عنهم، ~~ثم سلط عليهم جبابرتهم، فساموهم سوء العذاب، ثم ضربهم الله بالفاقة # والفقر" (1). # وفي المسند (2) من حديث ثوبان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه". # وفيه أيضا (3) عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يوشك أن ~~تتداعى PageV01P103 #
# عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة على قصعتها". قلنا: يا رسول ~~الله أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: "أنتم يومئذكثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل. ~~تنزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن". # قالوا (1): وما الوهن؟ قال: "حب الحياة، وكراهة الموت". # وفي المسند (2) من حديث أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم. # فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ " قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون ~~في أعراضهم. # وفي جامع ms069 الترمذي (3) من حديث أبي هريرة [21/ أ] قال: قال رسول ~~PageV01P104 #
# الله - صلى الله عليه وسلم -: "يخرج في آخر الزمان قوم يختلون الدنيا ~~بالدين (1)، ويلبسون للناس (2) مسوك الضأن (3) من اللين، ألسنتهم أحلى من ~~السكر (4)، وقلوبهم قلوب الذئاب. يقول الله عز وجل: أبي يغترون؟ وعلي ~~يجترئون؟ فبي حلفت، لأبعثن على أولئك منهم (5) فتنة تدع الحليم # فيهم (6) حيرانا (7) "، وذكر ابن أبي الدنيا (8) من حديث جعفر بن محمد عن ~~أبيه عن جده PageV01P105 #
# قال: قال علي: يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من ~~القرآن إلا رسمه. مساجدهم يومئذ عامرة، وهي خراب من الهدى. # علماؤهم شر (1) من تحت أديم السماء. منهم خرجت الفتنة، وفيهم تعود. # وذكر (2) من حديث سماك بن حرب (3)، عن عبد الرحمن بن PageV01P106 #
# عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: إذا ظهر الزنى والربا (1) في قرية أذن ~~الله عز وجل بهلاكها. # وفي مراسيل الحسن: "إذا أظهر الناس العلم، وضيعوا العمل، وتحابوا ~~بالألسن، وتباغضوا (2) بالقلوب، وتقاطعوا بالأرحام = لعنهم الله عز وجل عند ~~ذلك، فأصمهم، وأعمى أبصارهم (3). # وفي سنن ابن ماجه (4) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: كنت عاشر ~~عشرة وهي من المهاجرين عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأقبل علينا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوجهه، فقال: "يا معشر المهاجرين، خمس ~~خصال وأعوذ بالله أن تدركوهن: ماظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ~~ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. ولا نقص قوم ~~المكيال (5) والميزان إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور PageV01P107 #
# السلطان. وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، فلولا ~~البهائم لم يمطروا. ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم (1) عدوهم من ~~غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في ~~كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم". # وفي المسند والسنن (2) من حديث عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن ms070 ~~أبي عبيدة، عن عبد الله (3) بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: [21/ ب] "إن من كان قبلكم كان إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة جاءه ~~الناهي تعذيرا (4)، فإذا كان الغد جالسه وواكله وشاربه، كأنه لم يره على ~~خطيئة بالأمس. فلما رأى الله عز وجل ذلك منهم (5) ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ~~ثم لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى بن مريم. # ذلك بما عصوا، وكانوا يعتدون. والذي نفس محمد بيده، لتأمرن بالمعروف، ~~ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ~~ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعننكم PageV01P108 #
# كما لعنهم". # وذكر ابن أبي الدنيا (1) عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال: أوحى الله إلى ~~يوشع بن نون: إني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من ~~شرارهم. قال: يا رب، هؤلاء الأشرار، فما بال # الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، وكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم. # وذكر أبو عمر بن عبد البر عن أبي هزان (2) قال: بعث الله عز وجل ملكين ~~إلى قرية أن: دمراها بمن فيها. فوجدا فيها رجلا قائما يصلي في مسجد (3)، ~~فقالا: يا رب إن فيها عبدك فلانا يصلي. فقال الله عز وجل: دمراها، ودمراه ~~معها (4)، فإنه ما تمعر وجهه في قط. # وذكر الحميدي عن سفيان بن عيينة قال: حدثني سفيان بن سعيد، عن مسعر أن ~~ملكا أمر أن يخسف قرية، فقال: يا رب إن فيها فلانا العابد. فأوحى الله عز ~~وجل إليه أن: به فابدأ، فإنه لم يتمعر وجهه في # ساعة قط (5). PageV01P109 #
# وذكر ابن أبي الدنيا (1) عن وهب بن منبه قال: لما أصاب داود الخطيئة قال: ~~يارب اغفر لي. قال: قد غفرت لك، وألزمت عارها بني إسرائيل. قال: يا رب كيف، ~~وأنت الحكم العدل لا تظلم أحدا، أعمل # أنا الخطيئة (2)، ويلزم عارها غيري؟ فأوحى الله إليه: إنك لما عملت ~~الخطيئة (3) لم يعجلوا عليك بالإنكار. # وذكر ابن أبي الدنيا (4) عن أنس بن مالك أنه دخل على عائشة هو ms071 ~~PageV01P110 #
# ورجل آخر، فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة، فقالت: إذا ~~استباحوا الزنا (1)، وشربوا الخمر (2)، وضربوا بالمعازف، غار الله عز وجل ~~في سمائه، فقال [22/ أ] للأرض: "تزلزلي بهم". فإن تابوا ونزعوا، وإلا هدمها ~~عليهم. قال: يا أم المؤمنين، أعذابا لهم؟ قالت: بل موعظة ورحمة للمؤمنين، ~~ونكالا وعذابا وسخطا (3) على الكافرين. فقال أنس: ما سمعت حديثا بعد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنا أشد فرحا مني بهذا الحديث. # وذكر ابن أبي الدنيا (4) حديثا مرسلا أن الأرض تزلزلت على عهد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، فوضع يده عليها، ثم قال (5): "اسكني فإنه لم يأن ~~لك بعد". ثم التفت إلى أصحابه، فقال: "إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه". ثم ~~تزلزلت بالناس على عهد عمر بن الخطاب، فقال: أيها الناس ما كانت هذه ~~الزلزلة إلا عن شيء أحدثتموه. والذي نفسي بيده لئن عادت لا أساكنكم فيها ~~أبدا! PageV01P111 #
# وفي مناقب عمر لابن أبي الدنيا (1) أن الأرض زلزلت (2) على عهد عمر، فضرب ~~يده عليها، وقال (3): مالك؟ مالك؟ أما إنها لو كانت القيامة حدثت أخبارها. ~~سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا كان يوم القيامة فليس ~~فيها ذراع ولا شبر إلا وهو ينطق". # وذكر الإمام أحمد (4) عن صفية قالت: زلزلت (5) المدينة على عهد عمر، ~~فقال: يا أيها الناس ما هذا؟ ما أسرع ما أحدثتم، لئن عادت لا أساكنكم فيها. # وقال كعب: إنما تزلزل (6) الأرض إذا عمل فيها بالمعاصي، فترعد فرقا من ~~الرب جل جلاله أن يطلع عليها (7). # وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: أما بعد، فإن هذا الرجف (8) شيء ~~يعاتب الله عز وجل به العباد. وقد كتبت إلى الأمصار أن PageV01P112 #
# يخرجوا (1) في يوم كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، فمن كان عنده شيء فليتصدق ~~به، فإن الله عز وجل يقول: {قد أفلح من تزكى (14) وذكر اسم ربه فصلى (15)} ~~[الأعلى: 14 - 15] وقولوا كما قال آدم: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن ms072 من الخاسرين (23)} [الأعراف: 23]، وقولوا كما قال نوح: ~~{وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين (47)} [هود: 47] وقولوا كما قال ~~يونس: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87)} [الأنبياء: 87] ~~(2). # وقال الإمام أحمد (3): حدثنا أسود بن عامر، ثنا أبو بكر، عن PageV01P113 #
PageV01P114 #
# الأعمش، [22/ ب] عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا ~~بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله- أنزل الله بهم ~~بلاء، فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم". ورواه أبو داود بإسناد حسن. # وذكر ابن أبي الدنيا (1) من حديث ابن عمر قال: لقد رأيتنا وما أحد أحق ~~بديناره ودرهمه من أخيه المسلم. ولقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول: "إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتركوا الجهاد، ~~وأخذوا أذناب البقر = أنزل الله عليهم من السماء بلاء، فلا يرفعه عنهم حتى ~~يراجعوا دينهم". # وقال الحسن: إن الفتنة والله ما هي إلا عقوبة من الله عز وجل على الناس ~~(2). # ونظر بعض أنبياء بني إسرائيل إلى ما يصنع بهم بخت نصر، فقال: بما كسبت ~~أيدينا سلطت علينا من لا يعرفك ولا يرحمنا (3). # وقال بخت نصر لدانيال: ما الذي سلطني على قومك؟ قال: عظم خطيئتك، وظلم ~~قومي أنفسهم (4). PageV01P115 #
# وذكر ابن أبي الدنيا (1) من حديث عمار بن ياسر وحذيفة عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إن الله عز وجل إذا أراد بالعباد نقمة أمات الأطفال، ~~وأعقم أرحام النساء، فتنزل النقمة، وليس فيهم مرحوم". # وذكر (2) عن مالك بن دينار، قال: قرأت في الحكمة: يقول الله عز وجل: أنا ~~الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فمن (3) أطاعني جعلتهم عليه رحمة (4)، ~~ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة. فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك (5)، ولكن توبوا ~~إلي أعطفهم عليكم. # ومن مراسيل الحسن: إذا أراد الله بقوم خيرا جعل أمرهم إلى حلمائهم (6)، ~~وفيئهم عند سمحائهم. وإذا أراد بقوم شرا جعل أمرهم إلى PageV01P116 #
# سفهائهم، ms073 وفيئهم عند بخلائهم (1). # وذكر الإمام أحمد (2) وغيره عن قتادة: قال موسى (3): يا رب أنت في ~~السماء، ونحن في الأرض، فما علامة غضبك من رضاك؟ قال: إذا استعملت عليكم ~~خياركم فهو من علامة (4) رضاي عنكم؟ وإذا استعملت [23/ أ] عليكم شراركم فهو ~~علامة سخطي عليكم. # وذكر ابن أبي الدنيا (5) عن الفضيل بن عياض قال: أوحى الله إلى بعض ~~الأنبياء: إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني. # وذكر أيضا (6) من حديث ابن عمر يرفعه: "والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة ~~حتى يبعث الله أمراء كذبة، ووزراء فجرة، وأعوانا خونة، وعرفاء ظلمة، وقراء ~~فسقة. سيماهم سيما الرهبان (7)، وقلوبهم أنتن من PageV01P117 #
# الجيف. أهواؤهم مختلفة، فيتيح الله لهم فتنة غبراء مظلمة، فيتهاوكون (1) ~~فيها. والذي نفس محمد (2) بيده، لينقضن الإسلام عروة عروة، حتى لا يقال: ~~الله الله. لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، # أو ليسلطن الله عليكم شراركم فليسومنكم (3) سوء العذاب. ثم يدعو خياركم، ~~فلا يستجاب لهم. لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليبعثن الله عليكم ~~من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم". # وفي معجم الطبراني وغيره (4) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما طفف قوم كيلا ولا ~~بخسوا ميزانا إلا منعهم الله عز وجل القطر. وما ظهر في قوم الزنا إلا ظهر ~~فيهم الموت. وما ظهر في قوم الربا إلا سلط الله عليهم الجنون، ولا ظهر في ~~قوم القتل -يقتل بعضهم بعضا- إلا سلط الله عليهم عدؤهم، ولا ظهر في قوم عمل ~~قوم لوط إلا ظهر فيهم الخسف. وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~إلا لم ترفع أعمالهم، ولم يسمع PageV01P118 #
# دعاؤهم". # ورواه ابن أبي الدنيا (1) من حديث إبراهيم بن الأشعث، عن عبد الرحمن بن ~~زيد (2)، عن أبيه، عن سعيد، به. # وفي المسند (3) وغيره من حديث عروة عن عائشة قالت: دخل علي PageV01P119 #
# رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد حفزه النفس، فعرفت في ms074 وجهه أن قد ~~حفزه شيء، فما تكلم حتى توضأ، وخرج، فلصقت (1) بالحجرة، فصعد المنبر، فحمد ~~الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس إن الله عز وجل يقول [23/ ب] لكم: ~~مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتستنصروني فلا ~~أنصركم، وتسألوني فلا أعطيكم". # وقال العمري الزاهد (2): إن من غفلتك عن نفسك وإعراضك عن الله أن ترى ما ~~يسخط الله، فتتجاوزه، ولا تأمر فيه، ولا تنهى عنه، خوفا ممن لا يملك (3) ~~ضرا ولا نفعا. # وقال: من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافة من المخلوقين نزعت ~~منه الطاعة، ولو أمر ولده أو بعض مواليه لاستخف (4) بحقه (5). # وذكر الإمام أحمد في مسنده (6) من حديث قيس بن أبي حازم قال: PageV01P120 #
# قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أيها الناس إنكم تتلون هذه الآية، ~~وإنكم تضعونها على غير مواضعها (1): {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا ~~يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105]. وإني سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه- وفي ~~لفظ: إذا رأوا المنكر، فلم يغيروه- أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده". # وذكر الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أخفيت (2) الخطيئة لم تضر إلا ~~صاحبها، وإذا ظهرت (3) فلم تغير ضرت العامة" (4). PageV01P121 #
# وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب (1) رضي الله عنه: توشك القرى أن ~~تخرب، وهي عامرة. قيل: وكيف تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها أبرارها ~~(2)، وساد القبيلة منافقها. # وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية عن النبي- صلى الله عليه وسلم -قال: ~~"سيظهر شرار أمتي على خيارها حتى يستخفي المؤمن فيهم (3) كما يستخفي ~~المنافق فينا اليوم" (4). # وذكر ابن أبي الدنيا (5) من حديث ابن عباس يرفعه قال: "يأتي زمان ~~PageV01P122 #
# يذوب فيه قلب المؤمن، كما يذوب الملح في الماء". قيل: مم (1) ذاك يا رسول ~~الله؟ قال: "مما يرى من المنكر ms075 لا يستطيع تغييره (2) ". # وذكر الإمام أحمد (3) من حديث [24/ أ] جرير أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، هم أعز وأكثر ممن يعمله، لم ~~يغيروه (4)، إلا عمهم الله بعقاب". # وفي صحيح البخاري (5) عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق ~~أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع عليه أهل النار، ~~فيقولون: أي فلان، ما شأنك؟ ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن # المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر ~~PageV01P123 #
# واتيه". # وذكر الإمام أحمد (1) عن مالك بن دينار قال: كان حبر من أحبار بني ~~إسرائيل يغشى منزله الرجال والنساء، فيعظهم، ويذكرهم بأيام الله. # فرأى بعض بنيه يوما يغمز النساء، فقال: مهلا يا بني، مهلا يا بني. # فسقط من سريره، فانقطع نخاعه، وأسقطت امرأته، وقتل بنوه. فأوحى الله إلى ~~نبيهم أن أخبر فلانا الحبر أني لا أخرج (2) من صلبك (3) صديقا أبدا. ما كان ~~غضبك لي إلا أن قلت: مهلا يا بني، مهلا يا بني! وذكر الإمام أحمد (4) من ~~حديث عبد الله بن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إياكم ~~ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن علي الرجل حتى يهلكنه". وأن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ضرب لهن مثلا كمثل القوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع ~~القوم، فجعل الرجل ينطلق، فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود (3)، حتى جمعوا ~~سوادا، وأججوا نارا، وأنضجوا # ما قذفوا فيها. # وفي صحيح البخاري (6) عن أنس بن مالك قال: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في ~~أعينكم من الشعر (7)،- إن كنا لنعدها على عهد رسول PageV01P124 #
# - صلى الله عليه وسلم - من الموبقات. # وفي الصحيحين (1) من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "عذبت امرأة في هرة حبستها (2) حتى ماتت، فدخلت النار. لا هي ~~أطعمتها، ولا سقتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض". # وفي الحلية لأبي نعيم ms076 (3) عن حذيفة أنه قيل له: في يوم واحد تركت بنو ~~إسرائيل دينهم؟ قال: لا، ولكنهم كانوا إذا أمروا بشيء تركوه، وإذا نهوا عن ~~شيء ركبوه، حتى [24/ ب] انسلخوا من دينهم، كما ينسلخ الرجل من قميصه. # ومن ها هنا قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر، كما أن القبلة بريد ~~الجماع، والغناء بريد الزنا، والنظر بريد العشق، والمرض بريد الموت (4). # وفي الحلية أيضا (5) عن ابن عباس أنه قال: يا صاحب الذنب لا PageV01P125 #
# تأمن سوء عاقبته (1)، ولما يتبع الذنب أعظم من الذنب إذا عملته (2): قلة ~~حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال، وأنت على الذنب، أعظم من الذنب. وضحكك، ~~وأنت لا تدري ما الله صانع بك، أعظم من الذنب (3). وفرحك بالذنب إذا ظفرت ~~به (4) أعظم من الذنب. وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب. وخوفك من ~~الريح إذا حركت ستر بابك، وأنت على الذنب، ولا يضطرب فؤادك من نظر الله ~~إليك، أعظم من الذنب. ويحك! هل تدري ما كان ذنب أيوب، فابتلاه الله بالبلاء ~~في جسده وذهاب ماله؟ استغاث به مسكين على ظالم يدرؤه عنه (5)، فلم يغثه ~~(6)، ولم ينه الظالم عن ظلمه، فابتلاه الله. # وقال الإمام أحمد (7): حدثنا الوليد قال: سمعت الأوزاعي يقول: سمعت بلال ~~بن سعد (8) يقول: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر PageV01P126 #
# من عصيت (1)؟ # وقال الفضيل بن عياض: بقدر ما يصغر الذنب عندك، يعظم عند الله. وبقدر ما ~~يعظم عندك، يصغر عند الله (2). # وقيل: أوحى الله تعالى إلى موسى: يا موسى إن أول من مات من خلقي إبليس، ~~وذلك أنه عصاني، وإنما أعد من عصاني من الأموات (3). # وفي المسند وجامع الترمذي (4) من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن المؤمن إذا أذنب نكت في قلبه نكتة ~~سوداء، فإن (5) تاب، ونزع، واستغفر، صقل قلبه. وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، ~~فذلك الران الذي ذكر الله عز وجل: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ~~(14)} [المطففين: 14]. قال ms077 الترمذي: هذا حديث صحيح (6). # وقال حذيفة: إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء حتى يصير PageV01P127 #
# قلبه كالشاة الربداء (1). # وقال الإمام أحمد (2): حدثنا [25/ 1] يعقوب، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن ~~شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (3)، عن عبد الله بن مسعود أن ~~رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال: "أما بعد يا معشر قريش، فإنكم أهل ~~لهذا الأمر، ما لم تعصوا الله. فإذا عصيتموه بعث عليكم من يلحاكم كما يلحى ~~هذا القضيب"- لقضيب في يده- ثم لحى قضيبه، فإذا هو أبيض يصلد (4). # وذكر الإمام أحمد (5) عن وهب أن (6) الرب عز وجل قال في بعض ما يقول لبني ~~إسرائيل: إني إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت (7) باركت، وليس لبركتي نهاية. وإذا ~~عصيت غضبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي PageV01P128 #
# تبلغ السابع من الولد. # وذكر أيضا (1) عن وكيع، حدثنا زكريا، عن عامر قال: كتبت عائشة إلى ~~معاوية: أما بعد، فإن العبد إذا عمل بمعصية الله عاد حامده من الناس ذاما. # وذكر أبو نعيم (2) عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي الدرداء قال: ليحذر امرؤ ~~أن تلعنه قلوب المؤمنين، من حيث لا يشعر. ثم قال: أتدري مم هذا؟ قلت: لا. ~~قال: إن العبد يخلو بمعاصي الله (3)، فيلقي # الله بغضه في (4) قلوب المؤمنين، من حيث لا يشعر. PageV01P129 #
# وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه (1) عن محمد بن سيرين: أنه ~~لما ركبه الدين اغتم لذلك، فقال: إني لأعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين ~~سنة! وها هنا نكتة دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الذنب، وهي أنهم لا يرون ~~تأثيره في الحال، وقد يتأخر تأثيره فينسى (2)، ويظن العبد أنه لا يغبر (3) ~~بعد ذلك، وأن الأمر كما قال القائل: # إذا لم يغبر حائط في وقوعه ... فليس له بعد الوقوع غبار (4) # وسبحان الله! ماذا (5) أهلكت هذه البلية (6) من الخلق! وكم أزالت من ~~نعمة! وكم جلبت من نقمة! # وما أكثر المغترين بها من العلماء، فضلا عن الجهال! ولم يعلم (7) المغتر ms078 ~~أن الذنب ينقض، ولو بعد حين، كما ينقض السم، وكما ينقض الجرح المندمل على ~~الغش والدغل. PageV01P130 #
# وقد ذكر الإمام أحمد (1) عن أبي الدرداء: اعبدوا الله كأنكم ترونه، وعدوا ~~أنفسكم في الموتى، واعلموا أن قليلا يغنيكم خير من كثير يلهيكم (2). ~~واعلموا أن البر [25/ ب] لا يبلى، وأن الإثم لا ينسى. # ونظر بعض العباد إلى صبي، فتأمل محاسنه، فأتي في منامه، وقيل له: لتجدن ~~غبها بعد أربعين سنة (3). # هذا، مع أن للذنب نقدا معجلا لا يتأخر عنه. قال سليمان التيمي: إن الرجل ~~ليصيب الذنب في السر، فيصبح وعليه مذلته (4). # وقال يحيى بن معاذ الرازي (5): عجبت من ذي عقل يقول في PageV01P131 #
# دعائه: اللهم لا تشمت بي الأعداء، ثم هو يشمت بنفسه كل عدو له! قيل: وكيف ~~ذلك؟ قال: يعصي الله فيشمت به في القيامة كل عدو (1). # فصل # وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة والمضرة (2) بالقلب والبدن والدنيا ~~(3) والآخرة ما لا يعلمه إلا الله (4). # فمنها: ### | حرمان العلم # ، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور. # ولما جلس الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه (5) أعجبه ما رأى من وفور ~~فطنته، وتوقد ذكائه، وكمال فهمه؛ فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك ~~نورا، فلا تطفئه بظلمة المعصية (6). # وقال الشافعي (7): # شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي # وقال اعلم بأن العلم فضل ... وفضل الله لا يؤتاه عاص (8) PageV01P132 #
# ومنها: ### | حرمان الرزق # . وفي المسند: "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه". وقد تقدم (1). # وكما أن تقوى الله مجلبة للرزق، فترك التقوى مجلبة للفقر. فما استجلب رزق ~~الله بمثل ترك المعاصي. # ومنها: وحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله، لا يوازنها ولا ~~يقارنها (2) لذة أصلا. ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك ~~الوحشة. وهذا أمر لا يحس به إلا من في قلبه حياة. و"ما لجرح بميت إيلام" ~~(3). # فلو لم يترك الذنوب إلا حذرا من وقوع تلك الوحشة، لكان العاقل حريا ~~بتركها. # وشكا رجل إلى ms079 بعض العارفين وحشة يجدها في نفسه فقال له (4): إذا كنت قد ~~أوحشتك الذنوب ... فدعها إذا شئت واستأنس (5) PageV01P133 #
# وليس على القلب أمر من وحشة الذنب على الذنب، فالله المستعان (1). # ومنها: الوحشة التي تحصل له بينه وبين الناس، ولا سيما أهل الخير منهم، ~~فإنه يجد وحشة بينه وبينهم، وكلما قويت تلك الوحشة بعد منهم ومن مجالستهم، ~~[26/ أ] وحرم بركة الانتفاع بهم، وقرب من حزب الشيطان بقدر ما بعد من حزب ~~الرحمن. وتقوى هذه الوحشة حتى تستحكم، فتقع بينه وبين امرأته وولده ~~وأقاربه، وبينه وبين نفسه، فتراه مستوحشا من نفسه! # وقال بعض السلف: إني لأعصي الله، فأرى ذلك في خلق دابتي وامرأتي (2). # ومنها: تعسير أموره عليه. فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقا دونه، أو متعسرا ~~عليه. وهذا كما أن من اتقى الله جعل له من أمره يسرا، فمن عطل التقوى جعل ~~له من أمره عسرا. # ويالله العجب! كيف يجد العبد أبواب الخير والمصالح مسدودة عنه، وطرقها ~~معسرة عليه، وهو لا يعلم من أين أتي؟ # ومنها: ظلمة يجدها في قلبه حقيقة، يحس بها كما يحس بظلمة PageV01P134 #
# الليل البهيم إذا ادلهم، فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره. ~~فإن الطاعة نور، والمعصية ظلمة، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته، حتى يقع ~~في البدع والضلالات والأمور المهلكة، وهو لا يشعر، كأعمى خرج في ظلمة الليل ~~يمشي وحده. وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين، ثم تقوى حتى تعلو الوجه ~~وتصير سوادا فيه (1) يراه كل أحد. # قال عبد الله بن عباس (2): إن للحسنة ضياء في الوجه، ونورا في القلب، ~~وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق. وإن للسيئة سوادا في ~~الوجه، و ### | ظلمة في القلب، # ووهنا في البدن، ونقصا في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق (3). PageV01P135 #
# ومنها: أن المعاصي توهن القلب والبدن. # أما وهنها للقلب، فأمر ظاهر بل لا تزال توهنه حتى تزيل حياته وأما وهنها ~~للبدن، فإن المؤمن قوته من قلبه (1)، وكلما قوي قلبه قوي بدنه. ms080 وأما الفاجر ~~(2)، فإنه وإن كان قوي البدن، فهو أضعف شيء عند الحاجة، فتخونه قوته أحوج ~~ما يكون إلى نفسه. وتأمل قوة أبدان فارس والروم، كيف خانتهم أحوج ما كانوا ~~إليها (3)؛ وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم؟ # ومنها: ### | حرمان الطاعة # . فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أنه (4) يصد عن طاعة تكون بدله، ويقطع طريق ~~طاعة أخرى، فينقطع عليه (5) طريق ثالثة، ثم رابعة، وهلم جرا. فينقطع عليه ~~(6) بالذنب طاعات كثيرة، كل واحدة منها (7) خير له من الدنيا وما عليها. ~~وهذا كرجل أكل أكلة أوجبت له مرضة [26/ ب] طويلة منعته من عدة أكلات أطيب ~~منها، فالله المستعان (8). PageV01P136 #
# ومنها: أن المعاصي ت ### | قصر العمر # (1)، وتمحق بركته، ولابد؛ فإن البر كما يزيد في العمر، فالفجور (2) يقصر ~~العمر. # وقد اختلف (3) الناس في هذا الموضع. فقالت طائفة: نقصان عمر العاصي هو ~~ذهاب بركة عمره ومحقها عليه. وهذا حق، وهو بعض تأثير المعاصي. # وقالت طائفة: بل تنقصه (4) حقيقة، كما ينقص الرزق. فجعل الله سبحانه ~~للبركة في الرزق أسبابا تكثره وتزيده، وللبركة في العمر أسبابا تكثره ~~وتزيده (5). # قالوا: ولا يمتنع زيادة العمر بأسباب، كما ينقص بأسباب. # والأرزاق (6) والآجال، والسعادة والشقاوة، والصحة والمرض، والغنى والفقر، ~~وإن كانت بقضاء الرب عز وجل، فهو يقضي ما يشاء بأسباب جعلها موجبة ~~لمسبباتها مقتضية لها. # وقالت طائفة أخرى: تأثير المعاصي في محق العمر إنما هو بأن PageV01P137 #
# حقيقة الحياة هي حياة القلب، ولهذا (1) جعل الله سبحانه الكافر ميتا غير ~~حي، كما قال تعالى: {أموات غير أحياء} [النحل: 21]، فالحياة في الحقيقة ~~حياة القلب، وعمر الإنسان مدة حياته، فليس عمره إلا أوقات حياته بالله، ~~فتلك ساعات عمره. فالبر والتقوى والطاعة تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة ~~عمره، ولا عمر له سواها. # وبالجملة، فالعبد إذا أعرض عن الله، واشتغل بالمعاصي، ضاعت عليه أيام ~~حياته الحقيقية التي يجد غب إضاعتها يوم يقول: {يقول يا ليتني قدمت لحياتي ~~(24)} [الفجر: 24]. فلا يخلو إما أن يكون له (2) مع ذلك تطلع إلى مصالحه ~~الدنيوية والأخروية، أو ms081 لا. فإن لم يكن له تطلع إلى ذلك (3)، فقد ضاع عليه ~~عمره كله، وذهبت حياته باطلا. وإن كان له تطلع إلى ذلك (4) طالت عليه ~~الطريق بسبب العوائق، وتعسرت عليه أسباب الخير، بحسب اشتغاله بأضدادها، ~~وذلك نقصان حقيقي من عمره. # وسر المسألة أن عمر الإنسان مدة حياته، ولا حياة له إلا بإقباله على ربه ~~(5)، والتنعم بحبه وذكره، وإيثار مرضاته. PageV01P138 #
# فصل # ومنها: أن المعاصي تزرع أمثالها ويولد (1) بعضها بعضا حتى يعز (2) على ~~العبد مفارقتها والخروج منها، كما قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة ~~السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها (3). فالعبد إذا عمل [27/ ~~أ] حسنة قالت أخرى إلى جانبها: اعملني أيضا، فإذا عملها قالت الثانية كذلك، ~~وهلم جرا، فتضاعف الربح (4)، وتزايدت الحسنات. وكذلك جانب (5) السيئات ~~أيضا، حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة. ~~فلو عطل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأحس ~~من نفسه بأنه كالحوت إذا فارق الماء، حتى يعاودها، فتسكن نفسه، وتقر عينه. # ولو عطل المجرم المعصية وأقبل على الطاعة لضاقت عليه نفسه، وضاق صدره، ~~وأعيت عليه مذاهبه، حتى يعاودها. حتى إن كثيرا من الفساق ليواقع (6) ~~المعصية من غير لذة يجدها، ولا داعية إليها، إلا لما PageV01P139 #
# يجد من الألم بمفارقتها؛ كما صرح بذلك شيخ القوم الحسن بن هانئ # حيث يقول: # وكاس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها (1) # وقال آخر (2): # فكانت دوائى وهي دائي بعينه ... كما يتداوى شارب الخمر بالخمر (3) # ولايزال العبد يعاني الطاعة، ويألفها، ويحبها، ويؤثرها حتى يرسل الله ~~سبحانه برحمته عليه الملائكة تؤزه إليها (4) أزا، وتحرضه عليها، وتزعجه عن ~~فراشه ومجلسه إليها (5). ولا يزال يألف المعاصي، # ويحبها، ويؤثرها (6)، حتى يرسل الله عليه الشياطين فتؤزه إليها أزا. # فالأول قوى جند الطاعة بالمدد، فصاروا من أكبر أعوانه. وهذا PageV01P140 #
# قوى جند المعصية بالمدد، فكانوا (1) أعوانا عليه. # فصل # ومنها -وهو من أخوفها على العبد- أنها تضعف القلب عن إرادته (2)، فتقوى ~~إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة ms082 شيئا فشيئا إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة ~~التوبة بالكلية، فلو مات نصفه لما تاب إلى الله. # فيأتي من الاستغفار وتوبة الكذابين باللسان بشيء كثير، وقلبه معقود ~~بالمعصية، مصر عليها، عازم على مواقعتها متى أمكنته (3). # وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك. # فصل (4) # ومنها: أنه ينسلخ (5) من القلب استقباحها، فتصير (6) له عادة، فلا يستقبح ~~من نفسه رؤية الناس له، ولا كلامهم فيه. # وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التهتك وتمام اللذة، [27/ ب] حتى يفتخر ~~أحدهم بالمعصية، ويحدث بها من لم يعلم أنه عملها، فيقول: يا فلان عملت كذا ~~وكذا! PageV01P141 #
# وهذا الضرب من الناس لا يعافون، وتسد عليهم طريق التوبة، وتغلق (1) عنهم ~~أبوابها في الغالب، كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم -: "كل أمتي معافى ~~إلا المجاهرين. وإن من الإجهار أن يستر الله على العبد، ثم يصبح (2) يفضح ~~نفسه، ويقول: يا فلان عملت يوم كذا وكذا: كذا وكذا، فيهتك # نفسه، وقد بات يستره ربه" (3). # ومنها: أن كل معصية من المعاصي فهي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها ~~الله عز وجل. فاللوطية: ميراث عن قوم لوط. وأخذ الحق بالزائد، ودفعه ~~بالناقص: ميراث عن قوم شعيب. والعلو في الأرض # والفساد: ميراث عن فرعون وقومه (4). والتكبر والتجبر: ميراث عن قوم هود. ~~فالعاصي لابس ثياب بعض هذه الأمم، وهم أعداء الله. # وقد روى عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد (5) لأبيه عن مالك بن، دينار ~~قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك: لا تدخلوا ~~مداخل أعدائي، ولا تلبسوا ملابس أعدائي، ولا تركبوا مراكب أعدائي، ولا ~~تطعموا مطاعم أعدائي؛ فتكونوا أعدائي، كما هم PageV01P142 #
# أعدائي (1) # وفي مسند أحمد (2) من حديث عبد الله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، ~~وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري. ومن تشبه ~~بقوم فهو منهم". PageV01P143 #
# فصل # ومنها: أن ms083 المعصية سبب لهوان العبد على ربه، وسقوطه من عينه. # قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم (1). # وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد، كما قال تعالى: {ومن يهن الله فما ~~له من مكرم} [الحج: 18]. وإن عظمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم أو خوفا ~~(2) من شرهم، فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه. # ومنها: أن العبد لا يزال يرتكب (3) الذنب، حتى يهون عليه، ويصغر في قلبه. ~~وذلك علامة الهلاك، فإن الذنب كلما صغر [28/ أ] في عين العبد عظم عند الله. # وقد ذكر البخاري في صحيحه (4) عن ابن مسعود (5) قال: إن المؤمن يرى ذنوبه ~~كأنه (6) في أصل جبل يخاف أن يقع عليه. وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على ~~أنفه، فقال به هكذا، فطار. PageV01P144 #
# فصل # ومنها: أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنوبه، فيحترق هو وغيره ~~بشؤم الذنوب والظلم (1). # قال أبو هريرة: إن الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم (2). # وقال مجاهد (3): إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة، وأمسك ~~(4) المطر؛ وتقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم (5). PageV01P145 #
# وقال عكرمة: دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا ~~القطر بذنوب بني آدم (1). # فلا يكفيه عقاب ذنبه، حتى يبوء بلعنة (2) من لاذنب له. # فصل # ومنها: أن المعصية تورث الذل، ولابد؛ فإن العز كل العز (3) في طاعة الله ~~تعالى. قال تعالى: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} [فاطر: 10] أي: ~~فليطلبها بطاعة الله، فإنه لا يجدها إلا في طاعته. # وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك، ولا تذلني بمعصيتك (4). # قال الحسن البصري: إنهم، وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين (5)، ~~إن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم (6). أبى الله إلا أن PageV01P146 #
# يذل من عصاه (1). # وقال عبد الله بن المبارك (2): # رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها # وترك الذنوب حياة القلوب ### | .... # وخير لنفسك عصيانها # وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها (3) # فصل # ومنها: أن المعاصي تفسد العقل. فإن ms084 للعقل نورا، والمعصية تطفئ نور العقل، ~~ولابد؛ وإذا طفئ نوره ضعف ونقص. # وقال بعض السلف: ما عصى الله أحد حتى يغيب عقله (4). # وهذا ظاهر، فإنه لو حضره عقله (5) لحجزه عن المعصية، وهو في قبضة الرب ~~تعالى وتحت قهره، وهو (6) مطلع عليه، وفي داره وعلى بساطه، وملائكته شهود ~~عليه ناظرون إليه، وواعظ القرآن ينهاه، وواعظ PageV01P147 #
# الإيمان ينهاه، وواعظ الموت ينهاه (1)، وواعظ النار ينهاه، والذي [28/ ب] ~~يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور ~~واللذة بها، فهل يقدم على الاستهانة بذلك كله والاستخفاف به ذو عقل سليم؟ # فصل # ومنها: أن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها، فكان من الغافلين؛ كما ~~قال بعض السلف في قوله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ~~(14)} [المطففين: 14] قال: هو الذنب بعد الذنب (2). # وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب (3). # وقال غيره: لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم (4). # وأصل هذا أن القلب يصدأ من المعصية، فإن (5) زادت غلب PageV01P148 #
# الصدأ (1) حتى يصير رانا (2)، ثم يغلب حتى يصير طبعا وقفلا وختما، فيصير ~~القلب في غشاوة وغلاف. فإن حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس فصار (3) ~~أعلاه أسفله، فحينئذ يتولاه عدوه، ويسوقه حيث أراد (4). # فصل (5) # ومنها: أن الذنوب تدخل العبد تحت لعنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~فإنه لعن على معاص، وغيرها أكبر منها، فهي أولى بدخول فاعلها تحت اللعنة. # فلعن الواشمة والمستوشمة، والواصلة والموصولة (6)، والنامصة والمتنمصة، ~~والواشرة والمستوشرة. # ولعن آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه. # ولعن المحلل والمحلل له. # ولعن السارق. # ولعن شارب الخمر، وساقيها، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومشتريها، واكل ~~ثمنها، وحاملها، والمحمولة إليه. PageV01P149 #
# ولعن من غير منار الأرض، وهي أعلامها وحدودها. # ولعن من لعن والديه. # ولعن من اتخذ شيئا فيه الروح (1) غرضا يرميه بالسهام. # ولعن المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء. # ولعن من ذبح لغير الله. # ولعن من أحدث حدثا أو آوى محدثا. # ولعن المصورين. # ولعن من عمل عمل ms085 قوم لوط. # ولعن من سب أباه (2) ومن سب أمه. # ولعن من كمه (3) أعمى عن الطريق. # ولعن من أتى بهيمة. # ولعن من وسم دابة في وجهها. # ولعن من ضار بمسلم أو مكر به. # ولعن زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد [19/ أ] والسرج. ~~PageV01P150 #
# ولعن من أفسد امرأة على زوجها، أو مملوكا على سيده. # ولعن من أتى امرأة في دبرها. # وأخبر أن من باتت مهاجرة لفراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح. # ولعن من انتسب إلى غير أبيه. # وأخبر أن من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه. # ولعن من سب أصحابه. # وقد لعن الله من أفسد في الأرض، وقطع رحمه (1)، وآذاه وآذى رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - (2). # ولعن من كتم ما أنزل الله سبحانه من البينات والهدى (3). # ولعن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالفاحشة (4). # ولعن من جعل سبيل الكافر أهدى من سبيل المؤمن (5). PageV01P151 #
# ولعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجل يلبس لبسة المرأة (1)، ~~والمرأة تلبس لبسة الرجل. # ولعن الراشي، والمرتشي، والرائش، وهو الواسطة في الرشوة. # ولعن علي أشياء أخر غير هذه (2). # فلو لم يكن في فعل ذلك إلا رضا فاعله بأن يكون ممن يلعنه الله ورسوله ~~وملائكته، لكان في ذلك ما يدعو إلى تركه. # فصل (3) # ومنها: حرمان دعوة رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ودعوة الملائكة. فإن ~~الله سبحانه أمر نبيه أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وقال تعالى: {الذين ~~يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ~~ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب ~~الجحيم (7) ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (8) وقهم السيئات} (4) [غافر: 7 - 9]. ~~PageV01P152 #
# فهذا دعاء الملائكة للمؤمنين التائبين، المتبعين لكتابه وسنة رسوله، ~~الذين لا سبيل لهم (1) غيرهما (2). فلا يطمع غير هؤلاء (3) بإجابة هذه ~~الدعوة إذ لم يتصف بصفات المدعو له بها. والله المستعان (4). # فصل # ومن عقوبات المعاصي: ما رواه البخاري في صحيحه (5) من حديث ms086 سمرة بن جندب ~~قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم -[29/ ب] مما يكثر أن يقول لأصحابه: ~~هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا؟ فيقص عليه من شاء الله أن يقص. وإنه قال لنا ~~ذات غداة: "إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، # وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما. وإنا أتينا على رجل مضطجع، ~~وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه، فيثلغ (6) رأسه، ~~فيتدهده (7) الحجر ها هنا، فيتبع الحجر، فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح ~~رأسه كما كان. ثم يعود عليه، فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى" (8). قال: ~~"قلت لهما: سبحان الله! ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق. # فانطلقنا، فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه PageV01P153 #
# بكلوب (1) من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه، فيشرشر شدقه (2) إلى ~~قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه. ثم يتحول إلى الجانب الآخر، فيفعل ~~به مثل ما فعل بالجانب الأول. فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب ~~كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل مثل مافعل (3) في المرة الأولى". قال: "قلت ~~سبحان الله! ما هذان (4)؟ فقالا لي: انطلق انطلق. # فانطلقنا، فأتينا على مثل التنور، وإذا (5) فيه لغط وأصوات". قال: ~~"فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، ~~فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا (6) ". فقال: "قلت ما هؤلاء (7)؟ قال: "قالا ~~لي: انطلق انطلق". # قال: "فانطلقنا، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم، فإذا (8) في النهر رجل ~~سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك ~~السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك (9) الذي قد جمع عنده الحجارة (10)، ~~فيفغر له فاه، فيلقمه حجرا، فينطلق، فيسبح، ثم PageV01P154 #
# يرجع إليه. كلما رجع إليه فغر له فاه، فألقمه حجرا (1) قلت لهما (2): ما ~~هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق. # فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرآة (3)، كأكره (4) ما أنت راء رجلا ~~مرأى، وإذا هو عنده نار يحشها (5) ويسعى حولها". قال: "قلت ms087 لهما: ما هذا؟ ~~قالا لي: انطلق انطلق. # فانطلقنا، فأتينا على روضة معتمة (6) فيها من كل نور الربيع، وإذا بين ~~ظهراني الروضة (7) رجل طويل لا أكاد أرى رأسه [30/ أ] طولا في السماء، وإذا ~~حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم (8) قط". قال: "قلت: ما هذا؟ وما هؤلاء ~~(9)؟ "قال: "قالا لي: انطلق انطلق. # فانطلقنا، فأتينا إلى دوحة عظيمة لم أر دوحة قط (10) أعظم منها ولا أحسن ~~(11)! " قال: "قالا لي: ارق فيها، فارتقينا فيها إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ~~ولبن فضة". قال: "فأتينا باب المدينة، فاستفتحنا، ففتح لنا، PageV01P155 #
# فدخلناها، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر منهم كاقبح ~~ما أنت راء". قال: "قالا لهم: اذهبوا، فقعوا في ذلك النهر". قال: "وإذا نهر ~~معترض يجري كأن ماءه المحض (1) في البياض. # فذهبوا، فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا، وقد ذهب ذلك السوء عنهم". # قال: "قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك". # قال: "فسما بصري صعدا، فإذا قصر (2) مثل الربابة البيضاء" (3). # قال: "قالا لي: هذاك (4) منزلك". قال: "قلت لهما: بارك الله فيكما، ~~فذراني فأدخله. قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله". # قال: "قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجبا، فما هذا الذي رأيت؟ " قال: ~~"قالا (5): أما إنا سنخبرك: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه ~~بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن، فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة. # وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه ~~إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق. # وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة ~~والزواني. PageV01P156 #
# وأما الرجل الذي أتيت (1) عليه يسبح في النهر، ويلقم الحجارة، فإنه آكل ~~الربا. # وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها، فإنه مالك ~~خازن جهنم (2). # وأما الرجل الطويل الذي (3) في الروضة، فإنه إبراهيم. وأما الولدان الذين ~~حوله، فكل مولود مات على الفطرة"- وفي رواية البرقاني: "ولد على الفطرة"- ~~فقال بعض المسلمين؛ يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال ms088 رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "وأولاد المشركين. # وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن، وشطر منهم قبيح، فإنهم قوم خلطوا ~~عملا صالحا [30/ ب] وآخر سيئا، تجاوز الله عنهم" (4). # فصل # ومن آثار الذنوب والمعاصي: أنها تحدث في الأرض أنواعا (5) من الفساد في ~~المياه، والهواء، والزروع (6)، والثمار، والمساكن. # قال تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض ~~الذي عملوا لعلهم يرجعون (41)} [الروم: 41]. PageV01P157 #
# قال مجاهد (1): إذا ولى الظالم سعى بالظلم والفساد، فيحبس الله بذلك ~~القطر، فيهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد. ثم قرأ: {ظهر الفساد في ~~البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} الآية، ثم قال: أما والله ما هو بحركم ~~هذا، ولكن كل قرية على ماء جار فهو بحر. # وقال عكرمة: ظهر الفساد في البر والبحر، أما إني لا أقول: بحركم هذا، ~~ولكن كل قرية على ماء (2). # وقال قتادة: أما البر فأهل العمود، وأما البحر فأهل القرى والريف (3) # قلت: وقد (4) سمى الله تعالى الماء العذب (5) بحرا، فقال: {وهو الذي مرج ~~البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج} (6) [الفرقان: 53]. # وليس في العالم بحر حلو واقف، وإنما هي (7) الأنهار الجارية، والبحر ~~PageV01P158 #
# المالح هو الساكن، فسمى (1) القرى. التي على المياه الجارية باسم تلك ~~المياه. # وقال ابن زيد: {ظهر الفساد في البر والبحر} [الروم: 41] قال: الذنوب (2). # قلت: أراد أن الذنوب (3) سبب الفساد الذي ظهر. وإن أراد أن الفساد الذي ~~ظهر هو الذنوب نفسها، فيكون قوله (4) {ليذيقهم} لام العاقبة والتعليل. # وعلى الأول، فالمراد بالفساد النقص والشر والآلام التي يحدثها الله في ~~الأرض عند معاصي العباد، فكلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم عقوبة، كما قال بعض ~~السلف: كلما أحدثتم ذنبا أحدث الله لكم من سلطانه عقوبة (5). # والظاهر- والله أعلم- أن "الفساد" المراد به الذنوب وموجباتها (6). # ويدل عليه قوله: {ليذيقهم بعض الذي عملوا}. فهذا حالنا، وإنما أذاقنا ~~الشيء اليسير من أعمالنا، فلو (7) أذاقنا كل أعمالنا لما PageV01P159 #
# ترك (1) على ظهرها من دابة. # ومن تأثير معاصي الله في الأرض: ما ms089 يحل بها من الخسف، والزلازل، ومحق ~~بركتها (2). وقد مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ديار ثمود، ~~فمنعهم من دخول ديارهم، ومن شرب مياههم (3)، ومن الاستقاء من آبارهم (4)، ~~حتى أمر أن يعلف (5) العجين الذي عجن [31/ أ] بمائهم (6) للنواضح (7)، ~~لتأثير شؤم المعصية في الماء. # وكذلك شؤم تأثير الذنوب في نقص الثمار وما ترمى (8) به من الآفات. وقد ~~ذكر الإمام أحمد في مسنده (9) في ضمن حديث قال: وجدت في خزائن بني أمية ~~حنطة، الحبة بقدر نواة التمر (10). وهي في PageV01P160 #
# صرة مكتوب عليها: هذا كان ينبت في زمن العدل (1). # وكثير من هذه الآفات أحدثها الله سبحانه بما أحدث العباد من الذنوب. ~~وأخبرني جماعة من شيوخ الصحراء أنهم كانوا يعهدون الثمار أكبر مما هي الآن، ~~وكثير من هذه الآفات التي تصيبها (2) لم يكونوا يعرفونها، وإنما (3) حدثت ~~من قرب. # وأما تأثير الذنوب (4) في الصور والخلق، فقد روى الترمذي في جامعه (5) ~~عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "خلق الله آدم، وطوله في السماء ستون ~~(6) ذراعا، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن". # ولما يطهر (7) الله سبحانه الأرض من الظلمة والفجرة والخونة (8)، ~~PageV01P161 #
# ويخرج عبدا من عباده من أهل بيت نبيه (1) - صلى الله عليه وسلم -، فيملأ ~~الأرض قسطا (2) كما ملئت جورا (3)، ويقتل المسيح اليهود والنصارى، ويقيم ~~الدين الذي بعث الله به رسوله (4) - تخرج الأرض (5) بركتها، وتعود كما ~~كانت، حتى إن العصابة من الناس ليأكلون الرمانة، ويستظلون بقحفها (6)، ~~ويكون العنقود من العنب وقر بعير (7)، وإن اللقحة (8) الواحدة لتكفي # الفئام (9) من الناس (10). وهذا لأن الأرض لما طهرت من المعاصي ظهرت (11) ~~فيها آثار البركة من الله تعالى التي محقتها الذنوب والكفر. # ولا ريب أن العقوبات التي أنزلها الله في الأرض بقيت آثارها سارية في ~~الأرض تطلب ما يشاكلها من الذنوب التي هي آثار تلك الجرائم التي عذبت بها ~~الأمم. فهذه الآثار في الأرض (12) من آثار تلك العقوبات، PageV01P162 #
# كما أن هذه المعاصي من آثار تلك الجرائم. فتناسبت حكمة الله (1) وحكمه ~~الكوني أولا ms090 وآخرا، وكان العظيم من العقوبة للعظيم من الجناية، والأخف ~~للأخف. وهكذا يحكم سبحانه بين خلقه في دار # البرز ودار الجزاء. # وتافل مقارنة الشيطان [31/ ب] ومحله وداره، فإنه لما قارن (2) العبد ~~واستولى عليه، نزعت البركة من عمره، وعمله، وقوله، ورزقه. ولما أثرت طاعته ~~في الأرض ما أثرت نزعت البركة من كل محل ظهرت فيه طاعته. وكذلك مسكنه لما ~~كان الجحيم لم يكن هناك شيء من الروح والرحمة والبركة. # فصل # ومن عقوبات الذنوب: أنها تطفئ من القلب نار المغيرة التي هي لحياته ~~وصلاحه كالحرارة الغريزية لحياة جميع البدن. فالغيرة حرارته وناره التي ~~تخرج ما فيه من الخبث والصفات المذمومة، كما يخرج الكير خبث الذهب والفضة ~~والحديد. وأشرف الناس وأعلاهم همة أشدهم (3) غيرة على نفسه، وخاصته، وعموم ~~الناس. # ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أغير الخلق على الأمة، والله ~~سبحانه أشد غيرة منه، كما ثبت في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: "أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني" (4). ~~PageV01P163 #
# وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال في خطبة الكسوف: "يا أمة محمد، ما أحد أغير ~~من الله أن يزني عبده، أو تزني أمته" (1). # وفي الصحيح أيضا عنه أنه (2) قال: "لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك ~~أرسل الرسل مبشرين ومنذرين. ولا أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك ~~أثنى على نفسه" (3). # فجمع في هذا الحديث بين الغيرة التي أصلها كراهة القبائح وبغضها (4)، ~~ومحبة العذر الذي يوجب كمال العدل والرحمة والإحسان. وأنه سبحانه مع شدة ~~غيرته يحب أن يعتذر إليه عبده، ويقبل # عذر من اعتذر إليه، وأنه لا يؤاخذ عبيده بارتكاب ما يغار من ارتكابه حتى ~~يعذر إليهم. ولأجل ذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه إعذارا وإنذارا. # وهذا غاية المجد والإحسان، ونهاية الكمال، فإن كثيرا ممن تشتد غيرته من ~~المخلوقين تحمله شدة المغيرة على سرعة الإيقاع (5) والعقوبة ms091 PageV01P164 #
# من غير إعذار منه، ومن غير قبولي لعذر من اعتذر إليه؛ بل يكون له في نفس ~~الأمر عذر، ولا تدعه شدة المغيرة أن يقبل عذره. وكثير [32/ أ] ممن يقبل ~~المعاذير يحمله على قبولها قلة المغيرة حتى يتوسع في طرق المعاذير، ويرى ~~(1) عذرا ما ليس بعذر، حتى يعذر كثير منهم بالقدر. # وكل منهما غير ممدوح على الإطلاق. وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: "إن من الغيرة ما يحبها الله، ومنها ما يبغضه الله. فالتي ~~يبغضها (2) الغيرة في غير ريبة" (3). وذكر الحديث (4). وإنما الممدوح ~~اقتران المغيرة PageV01P165 #
# بالعذر، فيغار في محل المغيرة، ويعذر في موضع العذر. ومن كان هكذا فهو ~~الممدوح حقا. # ولما جمع سبحانه صفات الكمال كلها كان أحق بالمدح من كل أحد، ولا يبلغ ~~أحد أن يمدحه كما ينبغي له، بل هو كما مدح نفسه وأثنى على نفسه. # فالغيور قد وافق ربه سبحانه في صفة من صفاته، ومن وافق (1) الله في صفة ~~من صفاته قادته تلك الصفة إليه بزمامه (2)، وأدخلته على ربه، وأدنته منه، ~~وقربته من رحمته، وصيرته محبوبا له. فإنه سبحانه رحيم يحب الرحماء، كريم ~~يحب الكرماء، عليم يحب العلماء، قوي يحب المؤمن القوي، وهو أحب إليه من ~~المؤمن الضعيف، (3) حيي يحب أهل الحياء (4)، جميل يحب الجمال، وتر يحب ~~الوتر (5). PageV01P166 #
# ولو لم يكن في الذنوب والمعاصي إلا أنها توجب لصاحبها ضد هذه الصفات، ~~وتمنعه من الاتصاف بها لكفى بها عقوبة. فإن الخطرة تنقلب وسوسة، والوسوسة ~~تفسير إرادة، والإرادة تقوى فتصير عزيمة، # ثم تفسير فعلا، ثم تفسير صفة لازمة وهيئة ثابتة راسخة، وحينئذ يتعذر ~~الخروج منها كما يتعذر عليه (1) الخروج من صفاته القائمة به (2). # والمقصود وفي أنه كلما اشتدت ملابسته الذنوب (3) أخرجت من القلب الغيرة ~~على نفسه وأهله وعموم الناس، وقد تضعف في القلب جدا حتى لا يستقبح بعد ذلك ~~القبيح، لا من نفسه ولا من غيره. وإذا وصل إلى هذا الحد فقد دخل في باب ~~الهلاك. # وكثير ms092 من هؤلاء لا يقتصر على عدم الاستقباح، بل يحسن الفواحش والظلم ~~لغيره، ويزينه له، ويدعوه إليه، ويحثه عليه، ويسعى له في تحصيله. ولهذا كان ~~الديوث أخبث خلق الله، والجنة حرام عليه (4). # وكذلك محلل الظلم والبغي لغيره، ومزينه له. فانظر [32/ ب] ما الذي حملت ~~عليه قلة المغيرة! # وهذا يدلك على أن أصل الدين الغيرة، ومن لا غيرة له لا دين له. # فالغيرة تحمي القلب، فتحمى له الجوارح، فتدفع السوء والفواحش. ~~PageV01P167 #
# وعدم الغيرة يميت (1) القلب، فتموت الجوارح، فلا يبقى عندها دفع البتة. # ومثل الغيرة في القلب كمثل (2) القوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت ~~القوة وجد الداء المحل قابلا، ولم يجد دافعا، فتمكن، فكان الهلاك. ومثلها ~~مثل صياصي الجاموس (3) التي يدفع (4) بها عن نفسه وولده، فإذا كسرت طمع فيه ~~عدوه. # فصل # ومن عقوباتها: ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب، وهو أصل كل خير، ~~وذهابه ذهاب الخير أجمعه. # وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الحياء خير كله" (5). # وقال: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي (6) فاصنع ~~ما شئت! " (7). # وفيه تفسيران: # أحدهما: أنه على التهديد والوعيد، والمعنى: من لم يستح فإنه PageV01P168 #
# يصنع ما شاء (1) من القبائح، إذ الحامل على تركها الحياء، فإذا لم يكن ~~هناك حياء يزعه (2) من القبائح، فإنه يواقعها. وهذا تفسير أبي عبيد (3). # والثاني: أن الفعل إذا لم تستح (4) منه من الله فافعله، وإنما الذي (5) ~~ينبغي تركه ما يستحى منه من الله (6). وهذا تفسير الإمام أحمد في رواية ابن ~~هانئ (7). # فعلى الأول يكون تهديدا، كقوله: {اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40]، وعلى ~~الثاني يكون إذنا وإباحة. # فإن قيل: فهل من سبيل إلى حمله على المعنيين؟ # قلت: لا، ولا على قول من يحمل المشترك على جميع معانيه، لما بين الإباحة ~~والتهديد من المنافاة، ولكن اعتبار أحد المعنيين يوجب اعتبار الآخر. # والمقصود أن الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية، ~~حتى إنه ربما لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ms093 ولا باطلاعهم عليه، بل كثير ~~منهم يخبر عن حاله (8) وقبيح (9) ما يفعله، والحامل له PageV01P169 #
# على ذلك انسلاخه من الحياء. وإذا وصل العبد إلى هذه الحال (1) لم يبق في ~~صلاحه (2) مطمع، كما قيل (3): # وإذا رأى إبليس طلعة وجهه ... حيا، وقال: فديت من لايفلح (4) # والحياء مشتق من الحياة، والغيث يسمى (5) "حيا" بالقصر لأن به حياة الأرض ~~[33/ أ] والنبات والدواب، وكذلك (6) بالحياء حياة الدنيا والآخرة، فمن لا ~~حياء فيه ميت في الدنيا شقئ في الآخرة. # وبين الذنوب وبين قلة الحياء وعدم الغيرة تلازم من الطرفين، وكل منهما ~~يستدعي الآخر، ويطلبه حثيثا. ومن استحيا من الله عند معصيته استحيا الله من ~~عقوبته يوم يلقاه، ومن لم يستحي من معصيته لم يستحي من عقوبته (7). # فصل # ومن عقوبات الذنوب: أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله، وتضعف وقاره ~~في قلب العبد، ولابد، شاء أم أبى. ولو تمكن وقار الله وعظمته في قلب العبد ~~لما تجرأ على معاصيه. PageV01P170 #
# وربما اغتر المغتر وقال: إنما يحملني على المعاصى حسن الرجاء وطمعي في ~~عفوه، لا ضعف عظمته في قلبي. # وهذا من مغالطة النفس، فإن عظمة الله وجلاله في قلب العبد وتعظيم حرماته ~~تحول بينه وبين الذنوب. فالمتجرئون (1) على معاصيه ما قدروه (2) حق قدره، ~~وكيف يقدره حق قدره أو يعظمه ويكبره ويرجو وقاره ويجله من يهون عليه أمره ~~ونهيه؟ هذا من أمحل المحال (3)، وأبين الباطل! # وكفى بالعاصي عقوبة أن يضمحل من قلبه تعظيم الله جل جلاله، وتعظيم ~~حرماته، ويهون عليه حقه. ومن بعض عقوبة هذا: أن يرفع الله عز وجل مهابته من ~~قلوب الخلق، ويهون عليهم، ويستخفون به، كما هان عليه أمره، واستخف به. فعلى ~~قدر محبة العبد لله (4) يحبه الناس. # وعلى قدر خوفه من الله يخافه الناس (5)، وعلى قدر تعظيمه لله (6) وحرماته ~~يعظم الناس (7) حرماته. # وكيف ينتهك عبد حرمات الله، ويطمع أن لا ينتهك الناس حرماته؟ أم كيف يهون ~~عليه حق الله، ولا يهونه الله على الناس؟ أم كيف يستخف PageV01P171 #
ms094 # بمعاصي الله، ولا يستخفا به الخلق؟ # وقد أشار سبحانه إلى هذا (1) في كتابه عند ذكر عقوبات الذنوب، وأنه أركس ~~أربابها بما كسبوا، وغطى على قلوبهم، وطبع (2) عليها بذنوبهم، وأنه نسيهم ~~كما نسوه، وأهانهم كما أهانوا دينه، وضيعهم كما [33/ ب] ضيعوا أمره. # ولهذا قال تعالى في آية سجود المخلوقات له: {ومن يهن الله فما له من ~~مكرم} [الحج: 18]، فإنهم (3) لما هان عليهم السجود له، واستخفوا به، ولم ~~يفعلوه، أهانهم، فلم يكن لهم من مكرم بعد أن أهانهم. ومن ذا يكرم من أهانه ~~الله، أو يهين من أكرمه الله (4)؟ # فصل # ومن عقوباتها: أنها تستدعي نسيان الله لعبده، وتركه، وتخليته بينه وبين ~~نفسه وشيطانه. وهناك الهلاك الذي لا يرجى (5) معه نجاة. # قال قال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا ~~الله إن الله خبير بما تعملون (18) ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم ~~أنفسهم أولئك هم الفاسقون (19)} [الحشر: 18 - 19]. # فأمر (6) بتقواه، ونهى أن يتشبه عباده المؤمنون بمن نسيه بترك ~~PageV01P172 #
# تقواه، وأخبر أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه، أي أنساه مصالحها، ~~وما ينجيها من عذابه، وما يوجب له الحياة الأبدية وكمال لذتها (1) وسرورها ~~ونعيمها، فأنساه ذلك كله جزاء لما نسيه من عظمته وخوفه والقيام بأمره. فترى ~~العاصي مهملا لمصالح نفسه، مضيعا لها، قد أغفل الله قلبه عن ذكره، واتبع ~~هواه، وكان أمره فرطا. قد انفرطت عليه مصالح دنياه وآخرته، وقد فرط في ~~سعادته الأبدية، واستبدل بها أدنى ما يكون من لذة إنما هي سحابة صيف (2) أو ~~خيال طيف! # أحلام نوم أو كظل زائل ... إن اللبيب بمثلها لا يخدع (3) # وأعظم العقوبات نسيان العبد لنفسه، وإهماله لها، وإضاعته (4) حظها ~~ونصيبها من الله، وبيعها ذلك بالغبن والهوان وأبخس الثمن. # فضيع من لا غنى له عنه، ولا عوض له منه، واستبدل به من عنه كل الغنى، ~~ومنه كل العوض. # من كل شيء إذاضيعته عوض ... وما من الله إن ضيعته عوض (5) PageV01P173 #
# فالله سبحانه يعوض عن كل ما ms095 سواه (1)، ولا يعوض منه شيء. # ويغني عن كل شيء، ولا يغني عنه شيء. ويمنع من كل شيء (2)، ولا يمنع منه ~~شيء. ويجير من كل شيء، ولا يجير منه شيء (3). فكيف يستغني العبد عن طاعة من ~~هذا شأنه [34/ أ] طرفة عين؟ # وكيف ينسى ذكره ويضيع أمره حتى ينسيه نفسه، فيخسرها، ويظلمها أعظم الظلم؟ ~~فما ظلم العبد ربه، ولكن ظلم (4) نفسه. وما ظلمه ربه، ولكن هو الذي ظلم ~~نفسه! # فصل # ومن عقوباتها: أنها تخرج العبد من دائرة "الإحسان" وتمنعه ثواب المحسنين. ~~فإن "الإحسان إذا باشر القلب منعه من المعاصي (5)، فإن من عبد الله كأنه ~~يراه لم يكن ذلك إلا لاستيلاء ذكره ومحبته وخوفه ورجائه على قلبه، بحيث ~~يصير كأنه يشاهده، وذلك يحول بينه وبين إرادة المعصية، فضلا عن مواقعتها. ~~فإذا خرج من دائرة "الإحسان فاته صحبة رفقه (6) الخاصة، وعيشهم الهنيء، ~~ونعيمهم التام. PageV01P174 #
# فإن أراد الله به خيرا أقره في دائرة عموم المؤمنين، فإن عصاه بالمعاصي ~~التي تخرجه من دائرة الإيمان، كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم -: "لا ~~يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ~~يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع إليه فيها الناس (1) ~~أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن. فإياكم إياكم، والتوبة معروضه بعد" (2) = ~~خرج (3) من دائرة الإيمان، وفاته رفقة المؤمنين وحسن دفاع الله عنهم (4)، ~~فإن الله يدفع عن الذين آمنوا، وفاته (5) كل خير رتبه الله في كتابه على ~~الإيمان، وهو نحو مائة خصلة، كل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها: فمنها: ~~الأجر العظيم: {وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (146)} [النساء: 146]. # ومنها: الدفع عنهم شرور الدنيا والآخرة (6). {إن الله يدفع عن الذين ~~آمنوا} (7) [الحج: 38]. PageV01P175 #
# ومنها: استغفار حملة العرش لهم (1). {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون ~~بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا} [غافر: 7]. # ومنها: موالاة الله لهم، ولا يذل من (2) والاه الله. {الله ولي الذين ~~آمنوا} [البقرة: 257]. # ومنها: أمر ملائكته بتثبيتهم (3). {إذ يوحي ربك ms096 إلى الملائكة أني معكم ~~فثبتوا الذين آمنوا} [الأنفال: 12]. # ومنها: أن لهم الدرجات (4) عند ربهم، والمغفرة، والرزق الكريم (5). # ومنها: العزة. {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون: 8]. # ومنها: معية الله لأهل الإيمان. {وأن الله مع المؤمنين} [الأنفال: 19]. # ومنها: [34/ ب] الرفعة في الدنيا والآخرة. {يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11]. # ومنها: إعطاؤهم كفلين من رحمته، وإعطاؤهم نورا يمشون به، ومغفرة ذنوبهم ~~(6). PageV01P176 #
# ومنها: الود الذي يجعله سبحانه لهم (1)، وهو أنه يحبهم ويحببهم إلى ~~ملائكته وأنبيائه وعباده الصالحين. # ومنها: أمانهم من الخوف يوم يشتد الخوف. {فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون (48)} (2) [الأنعام: 48]. # ومنها: أنهم المنعم عليهم الذين أمرنا أن نسأله أن يهدينا إلى صراطهم في ~~كل يوم وليلة سبع عشرة مرة. # ومنها: أن القرآن إنما هو هدى لهم وشفاء. {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ~~والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ~~(44)} [فصلت: 44]. # والمقصود أن الإيمان سبب جالب لكل خير، وكل خير في الدنيا والآخرة فسببه ~~الإيمان (3)، وكل شر في الدنيا والآخرة فسببه عدم الإيمان. فكيف يهون على ~~العبد أن يرتكب شيئا يخرجه من دائرة الإيمان ويحول بينه وبينه؟ ولكن لا ~~يخرج من دائرة عموم المسلمين، فإن استمر على الذنوب وأصر عليها خيف عليه أن ~~يرين على قلبه، فيخرجه عن الإسلام بالكلية. ومن هنا اشتد خوف السلف، كما ~~قال بعضهم: أنتم تخافون الذنوب، وأنا أخاف الكفر (4)! PageV01P177 #
# فصل # ومن عقوباتها: أنها تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة، أو تعوقه، أو ~~توقفه وتقطعه عن السير، فلا تدعه يخطو إلى الله خطوة. هذا إن لم ترده عن ~~وجهته إلى ورائه! فالذنب يحجب الواصل، ويقطع # السائر، وينكس الطالب. والقلب إنما يسير إلى الله بقوته، فإذا مرض ~~بالذنوب ضعفت تلك القوة التي تسيره. فإن زالت بالكلية انقطع عن الله ~~انقطاعا يبعد تداركه، والله المستعان. # فالذنب إما أن يميت القلب، أو يمرضه مرضا مخوفا، أو يضعف (1) قوته، ولا ~~بد، حتى ينتهي ms097 ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ منها (2) النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. وهي: [35/ أ] الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن ~~والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال (3). # وكل اثنين منها قرينان: فالهم والحزن قرينان، فإن المكروه الوارد على ~~القلب إن كان من أمر مستقبل يتوقعه أحدث الهم، وإن كان من أمر ماض قد وقع ~~أحدث الحزن. PageV01P178 #
# والعجز والكسل قرينان، فإن تخلف العبد عن أسباب الخير والفلاح إن كان ~~لعدم قدرته فهو العجز، وإن كان لعدم إرادته فهو الكسل. # والجبن والبخل قرينان، فإن عدم النفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن، وإن ~~كان بماله فهو البخل. # وضلع الدين وقهر الرجال قرينان، فإن استعلاء الغير عليه إن كان بحق فهو ~~من ضلع الدين، وإن كان بباطل فهو قهر الرجال (1). # والمقصود أن الذنوب من أقوى الأسباب الجالبة لهذه الثمانية، كما أنها من ~~أقوى الأسباب الجالبة لجهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة ~~الأعداء (2)؛ ومن أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم الله # وتحول عافيته، وفجاءة نقمته، وجميع سخطه (3). # فصل # ومن عقوبات الذنوب أنها تزيل النعم وتحل النقم. فما زالت عن العبد نعمة ~~إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب؛ كما قال علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع بلاء إلا بتوبة (4). PageV01P179 #
# وقد قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ~~(30)} [الشورى: 30]. # وقال تعالى (1): {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم} [الأنفال: 53]. # فأخبر تعالى (2) أنه لا يغير نعمه التي أنعم (3) بها على أحد حتى يكون هو ~~الذي يغير ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه ~~بأسباب سخطه. فإذا غير غير (4) عليه جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد. فإن ~~غير المعصية بالطاعة غير الله عليه العقوبة بالعافية، والذل بالعز. # وقال تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد ~~الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من ms098 دونه من وال (11)} [الرعد: 11]. # وفي بعض (5) [35/ ب] الآثار الإلهية عن الرب تبارك وتعالى أنه قال: وعزتي ~~وجلالي، لا يكون عبد من عبيدي (6) على ما أحب، ثم ينتقل عنه PageV01P180 #
# إلى ما أكره (1)، إلا انتقلت له مما يحب إلى ما يكره (2). ولا يكون عبد ~~من عبيدي على ما أكره، ثم ينتقل عنه إلى ما أحب، إلا انتقلت له مما يكره ~~إلى ما يحب (3). # وقد أحسن (4) القائل: # إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم (5) # وحطها بطاعة رب العباد ... فرب العباد سريع النقم # وإياك والظلم مهما استطعت ... فظلم العباد شديد الوخم # وسافر بقلبك بين الورى ... لتبصر اثار من قد ظلم # فتلك مساكنهم بعدهم ... شهود عليهم ولا تتهم # وما كان شيء عليهم أضر ... من الظلم، وهوالذي قد قصم # فكم تركوا من جنان ومن ... قصور وأخرى عليهم أطم (6) # صلوا بالجحيم وفات النعيم ... وكان الذي نالهم كالحلم (7) PageV01P181 #
# فصل # ومن عقوباتها: ما يلقيه الله سبحانه من الرعب والخوف في قلب العاصي، فلا ~~تراه إلا خائفا مرعوبا. # فإن الطاعة حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبة الدنيا ~~والآخرة، ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب. فمن أطاع الله انقلبت ~~المخاوف في حقه أمانا، ومن عصاه # انقلبت مآمنه (1) مخاوف. فلا تجد العاصي إلا وقلبه كأنه بين جناحي طائر، ~~إن حركت الريح الباب قال: جاء الطلب، وإن سمع وقع قدم خاف أن يكون نذيرا ~~بالعطب. يحسب كل صيحة عليه، وكل مكروه قاصدا (2) إليه. فمن خاف الله آمنه ~~من كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء. # بذا قضى الله بين الناس مذ خلقوا ... أن المخاوف والإجرام في قرن # فصل (3) # ومن عقوباتها: أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب، [36/ أ] فيجد المذنب ~~نفسه مستوحشا، قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه، وبينه وبين الخلق، وبينه وبين ~~نفسه. وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة. وأمر PageV01P182 #
# العيش عيش المستوحشين الخائفين، وأطيب العيش عيش المستأنسين. # فلو نظر (1) العاقل، ووازن ms099 بين لذة المعصية وما توقعه (2) من الخوف ~~والوحشة، لعلم سوء حاله وعظيم غبنه، إذ باع أنس الطاعة وأمنها وحلاوتها ~~بوحشة المعصية وما توجبه من الخوف. # فإن كنت قد أوحشتك الذنوب ... فدعها إذا شئت واستأنس (3) وسر المسألة أن ~~الطاعة توجب القرب من الرب، وكلما (4) اشتد القرب قوي الإنس؛ والمعصية توجب ~~البعد من الرب، وكلما ازداد البعد قويت الوحشة. ولهذا يجد العبد وحشة بينه ~~وبين عدوه للبعد الذي بينهما، وإن كان ملابسا له قريبا منه، ويجد أنسا ~~وقربا (5) بينه وبين من يحب، وإن كان بعيدا عنه. # والوحشة سببها الحجاب، وكلما غلظ الحجاب زادت الوحشة (6). # فالغفلة توجب الوحشة، وأشد منها وحشة المعصية، وأشد منها وحشة الشرك ~~والكفر. ولا تجد أحدا يلابس شيئا من ذلك إلا ويعلوه من الوحشة بحسب ما ~~لابسه منه، فتعلو الوحشة وجهه وقلبه، # فيستوحش (7)، ويستوحش منه. PageV01P183 #
# فصل # ومن عقوباتها: أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه، فلا ~~يزال مريضا معلولا، لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه. فإن تأثير ~~الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، بل الذنوب أمراض القلوب ~~وأدواؤها (1)، ولا دواء لها إلا تركها. # وقد أجمع السائرون إلى الله أن القلوب لا تعطى مناها حتى تصل إلى مولاها ~~(2)، ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة، ولا تكون صحيحة سليمة حتى ~~ينقلب داؤها فيصير نفس دوائها. ولا يصح لها (3) ذلك إلا بمخالفة هواها، ~~فهواها (4) مرضها، وشفاؤها مخالفته، فإن استحكم المرض قتل أو كاد. # وكما أن من نهى نفسه عن الهوى كانت الجنة مأواه، فكذا يكون قلبه في هذه ~~الدار في جنة عاجلة لا يشبه نعيم أهلها نعيم البتة، بل التفاوت [36/ ب] ~~الذي بين النعيمين كالتفاوت الذي بين نعيم الدنيا # والآخرة. وهذا أمر لا يصدق به إلا من باشر قلبه هذا وهذا. # ولا تحسب أن قوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم ~~(14)} [الانفطار: 13 - 14]، مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط، بل في ~~دورهم الثلاثة هم كذلك، أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ms100 ودار PageV01P184 #
# القرار، فهؤلاء في نعيم، وهؤلاء في جحيم. وهل النعيم إلا نعيم القلب؟ وهل ~~العذاب إلا عذاب القلب؟ # وأي عذاب أشد من الخوف، والهم، والحزن، وضيق الصدر، وإعراضه عن الله ~~والدار الآخرة، وتعلقه بغير الله، وانقطاعه عن الله، بكل واد منه شعبة؟ وكل ~~شيء (1) تعلق به وأحبه من دون الله فإنه يسومه سوء العذاب. # فكل من أحب شيئا (2) غير الله عذب به (3) ثلاث مرات في هذه الدار: فهو ~~يعذب به قبل حصوله حتى يحصل. فإذا حصل عذب به حال حصوله بالخوف من سلبه ~~وفواته، والتنغيص والتنكيد عليه، وأنواع المعارضات. فإذا سلبه اشتد عذابه ~~عليه (4). فهذه ثلاثة أنواع من العذاب في هذه الدار. # وأما في البرزخ، فعذاب يقارنه ألم الفراق الذي لا يرجو (5) عوده، وألم ~~فوات ما فاته من النعيم العظيم باشتغاله بضده، وألم الحجاب عن الله، وألم ~~الحسرة التي تقطع الأكباد. فالهم والغم والحسرة والحزن تعمل في نفوسهم نظير ~~ما تعمل الهوام والديدان في أبدانهم، بل عملها في النفوس دائم مستمر حتى ~~يردها الله إلى أجسادها، فحينئذ ينتقل العذاب إلى نوع هو أدهى وأمر. ~~PageV01P185 #
# فأين هذا من نعيم من يرقص قلبه طربا وفرحا، وأنسا بربه، واشتيافا إليه، ~~وارتياحا بحبه، وطمأنينة بذكره، حتى يقول بعضهم في حال نزعه: واطرباه! (1) # ويقول الآخر: إن كان أهل الجنة في مثل هذه الحال (2)، إنهم لفي عيش طيب ~~(3)! # ويقول الآخر: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا لذيذ العيش فيها، ~~وما ذاقوا أطيب ما فيها! (4) ويقول الآخر (5): لو علم الملوك وأبناء الملوك ~~ما نحن فيه [37/ أ] PageV01P186 #
# لجالدونا عليه بالسيوف. # ويقول الآخر: إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الاخرة (1). # فيا من باع حظه الغالي بأبخس الثمن، وغبن كل الغبن في هذا العقد، وهو يرى ~~أنه قد غبن، إذا لم يكن لك خبرة بقيمة السلع فسل، المقومين! # فيا عجبا من بضاعة معك، الله مشتريها، وثمنها جنة المأوى، والسفير الذي ~~جرى على يده (2) عقد التبايع وضمن ms101 الثمن عن المشتري هو الرسول، وقد بعتها ~~بغاية الهوان! # إذا كان هذا فعل عبد بنفسه ... فمن ذاله من بعد ذلك يكرم (3) # {ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18)} [الحج: 18]. # فصل # ومن عقوباتها: أنها تعمي بصيرة القلب (4)، وتطمس نوره، وتسد طرق العلم ~~(5)، وتحجب مواد الهداية. PageV01P187 #
# وقد قال مالك للشافعي (1) لما اجتمع به ورأى تلك المخايل (2): إني أرى ~~الله قد ألقى على قلبك نورا، فلا تطفئه بظلمة المعصية (3). # ولا يزال هذا النور يضعف ويضمحل، وظلام المعصية يقوى، حتى يصير القلب في ~~مثل الليل البهيم. فكم من مهلك يسقط فيه، وهو لا يبصره (4)، كأعمى خرج ~~بالليل في طريق ذات مهالك ومعاطب. فيا عزة السلامة، ويا سرعة العطب! # ثم تقوى تلك الظلمات، وتفيض من القلب إلى الجوارح، فيغشى الوجه منها سواد ~~(5) بحسب قوتها وتزايدها. فإذا كان عند الموت ظهرت في البرزخ، فامتلأ القبر ~~ظلمة، كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم -: "إن هذه القبور ممتلئة على ~~أهلها ظلمة وإن الله منورها بصلاتي عليهم" (6). # فإذا كان يوم المعاد وحشر الأجساد علت الوجوه علوا ظاهرا يراه كل أحد، ~~حتى يصير الوجه أسود مثل الحممة. فيالها عقوبة (7) لا توازن لذات الدنيا ~~بأجمعها من أولها إلى آخرها! فكيف بقسط العبد المنغص المنكد المتعب في زمن ~~إنما هو ساعة من حلم! فالله المستعان. PageV01P188 #
# فصل # ومن عقوباتها: أنها تصغر النفس، وتقمعها، وتدسيها (1)، وتحقرها، حتى تصير ~~[37/ ب] أصغر شيء وأحقره (2)، كما أن الطاعة تنميها وتزكيها وتكبرها. # قال تعالى: {قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها (10)} [الشمس: 9 - ~~10]. # والمعنى قد أفلح من كبرها وأعلاها بطاعة الله وأظهرها. وقده خسر من ~~أخفاها وحقرها وصغرها بمعصية الله. # وأصل التدسية الإخفاء. ومنه قوله تعالى: {أم يدسه في التراب} [النحل: ~~59]. فالعاصي (3) يدس نفسه في المعصية، ويخفي مكانها، ويتوارى (4) من الخلق ~~من سوء ما يأتي به، قد انقمع عند نفسه، وانقمع عند الله، وانقمع عند الخلق. # فالطاعة والبر تكبر النفس، وتعزها، وتعليها، حتى تفسير أشرف شيء، ms102 وأكبره، ~~وأزكاه، وأعلاه؛ ومع ذلك فهي أذل شيء وأحقره وأصغره لله تعالى. وبهذا الذل ~~حصل لها هذا العز والشرف (5) والنمو، # فما صغر النفوس مثل معصية الله، وما كبرها وشرفها ورفعها مثل طاعة الله. ~~PageV01P189 #
# فصل # ومن عقوباتها: أن العاصي دائما في أسر شيطانه، وسجن شهواته، وقيود هواه؛ ~~فهو أسير مسجون مقيد. ولا أسير أسوأ حالا من أسير أسره أعدى عدو له، ولا ~~سجن أضيق من سجن الهوى، ولا قيد أصعب من قيد الشهوة. فكيف يسير إلى الله ~~والدار الآخرة قلب مأسور مسجون مقيد؟ وكيف يخطو خطوة واحدة؟ وإذا تقيد ~~القلب طرقته الآفات من كل جانب بحسب قيوده. ومثل القلب مثل الطائر، وكلما ~~علا بعد عن الآفات، وكلما نزل احتوشته الآفات (1). # وفي الحديث: "الشيطان ذئب الإنسان" (2). PageV01P190 #
# وكما أن الشاة التي لا حافظ لها وهي بين الذئاب سريعة العطب، فكذا العبد ~~إذا لم يكن عليه حافظ من الله (1)، فذئبه مفترسه، ولابد. # وإنما يكون عليه حافظ من الله (2) بالتقوى، فهي وقاية وجنة حصينة بينه ~~وبين ذئبه، كما هي وقاية بينه وبين عقوبة الدنيا والآخرة. وكلما كانت الشاة ~~أقرب من الراعي كانت أسلم من الذئب، وكلما بعدت عن الراعي كانت أقرب إلى ~~الهلاك. [38/ أ] فأحمى ما تكون الشاة إذا قربت من الراعي، وإنما يأخذ الذئب ~~القاصي (3) من الغنم، وهي أبعدهن من الراعي (4). # وأصل هذا كله أن القلب كلما كان أبعد من الله كانت الآفات إليه (5) أسرع، ~~وكلما قرب من الله بعدت عنه الآفات. # والبعد من الله مراتب بعضها أشد من بعض. فالغفلة تبعد العبد (6) ~~PageV01P191 #
# عن الله، وبعد المعصية أعظم (1) من بعد الغفلة، وبعد البدعة أعظم من بعد ~~المعصية، وبعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله. # فصل # ومن عقوباتها: سقوط الجاه والمنزلة والكرامة عند الله وعند خلقه. # فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم، وأقربهم منه منزلة أطوعهم له، وعلى قدر ~~طاعة العبد له تكون منزلته عنده. فإذا عصاه وخالف أمره سقط من عينه، فأسقطه ~~من قلوب عباده. ms103 وإذا لم يبق له جاء عند الخلق وهان عليهم عاملوه على حسب ~~ذلك، فعاش بينهم أسوأ عيش خامل الذكر، ساقط القدر، زري الحال (2)، لا حرمة ~~له، فلا فرح (3) له ولا سرور. فإن خمول الذكر وسقوط القدر والجاه (4) معه ~~كل غم وهم (5) وحزن، ولا سرور معه (6) ولا فرح. وأين هذا الألم من لذة ~~المعصية، لولا سكر الشهوة؟ # ومن أعظم نعم الله على العبد أن يرفع له بين العالمين ذكره ويعلي قدره. ~~ولهذا خص أنبياءه ورسله من ذلك بما ليس لغيرهم، كما قال تعالى: {واذكر ~~عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار (45) إنا أخلصناهم ~~بخالصة ذكرى الدار (46)} [ص: 45 - 46]. أي خصصناهم PageV01P192 #
# بخصيصة، وهو الذكر الجميل الذي يذكرون به في هذه الدار (1)، وهو لسان ~~الصدق الذي سأله إبراهيم الخليل حيث قال: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين ~~(84)} [الشعراء: 84]. وقال سبحانه عنه وعن بنيه: {ووهبنا لهم من رحمتنا ~~وجعلنا لهم لسان صدق عليا (50)} [مريم: 50]. وقال لنبيه - صلى الله عليه ~~وسلم -: {ورفعنا لك ذكرك (4)} [الشرح: 4]. # فأتباع الرسل لهم نصيب من ذلك بحسب ميراثهم من طاعتهم ومتابعتهم. وكل من ~~خالفهم فاته من ذلك بحسب مخالفتهم ومعصيتهم. # فصل # [38/ ب] ومن عقوباتها: أنها تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف، وتكسوه ~~أسماء الذم والصغار. فتسلبه اسم المؤمن، والبر، والمحسن، والمتقي، والمطيع، ~~والمنيب، والولي، والورع، والمصلح، والعابد، # والخائف، والأواب، والطيب، والمرضي (2)، ونحوها. PageV01P193 #
# وتكسوه اسم الفاجر، والعاصي، والمخالف، والمسيء، والمفسد، والخبيث، ~~والمسخوط، والزاني، والسارق، والقاتل، والكاذب، والخائن، واللوطي، والغادر، ~~وقاطع الرحم (1)، وأمثالها. # فهذه أسماء الفسوق و {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} [الحجرات: 11] التي ~~توجب (2) غضب الديان، ودخول النيران، وعيش الخزي والهوان. وتلك أسماء توجب ~~رضي الرحمن، ودخول الجنان، وتوجب شرف المسمى بها على سائر نوع الإنسان. # فلو لم يكن في عقوبة المعصية إلا استحقاق تلك الأسماء وموجباتها لكان في ~~العقل ناه عنها. ولو لم يكن في ثواب الطاعة إلا الفوز بتلك الأسماء ~~وموجباتها لكان في العقل آمر بها. ولكن لا مانع لما أعطى الله (3)، ولا ~~معطي ms104 لما منع، ولا مقرب لمن باعد، ولا مبعد لمن قرب {ومن يهن الله فما له ~~من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18)} [الحج: 18] # فصل # ومن عقوباتها: أنها تؤثر بالخاصية في نقصان العقل. فلا تجد عاقلين أحدهما ~~مطيع لله، والآخر عاص، إلا وعقل المطيع منهما أوفر وأكمل، وفكره أصح، ورأيه ~~أسد، والصواب قرينه. # ولهذا تجد خطاب القرآن إنما هو مع أولي العقول والألباب، PageV01P194 #
# كقوله: {واتقون يا أولي الألباب (197)} [البقرة: 197]، وقوله: {فاتقوا ~~الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا (10)} [الطلاق: ~~10]، وقوله: {وما يذكر إلا أولو الألباب (269)} [البقرة: 269]. ونظائر ذلك ~~(1) كثيرة. # وكيف يكون عاقلا وافر العقل من يعصي من هو في قبضته وفي داره، وهو يعلم ~~أنه يراه ويشاهده، فيعصيه، وهو بعينه غير متوار عنه، ويستعين بنعمه على ~~مساخطه، ويستدعي كل وقت غضبه عليه، ولعنته له، وإبعاده من قربه، وطرده عن ~~بابه، وإعراضه عنه، وخذلانه له، والتخلية [39/ أ] بينه وبين نفسه وعدوه، ~~وسقوطه من عينه، وحرمانه روح رضاه وحبه، وقرة العين بقربه، والفوز بجواره، ~~والنظر إلى وجهه في زمرة أوليائه، إلى أضعاف أضعاف ذلك من كرامة (2) أهل ~~الطاعة، وأضعاف أضعاف ذلك من عقوبة أهل المعصية؟ فأي عقل لمن آثر لذة ساعة ~~أو يوم أو دهر، ثم تنقضي كأنها حلم لم يكن، على هذا النعيم المقيم والفوز ~~العظيم، بل هو سعادة الدنيا والآخرة؟ ولولا العقل الذي تقوم به عليه الحجة ~~لكان بمنزلة المجانين، بل قد يكون (3) المجانين أحسن حالا منه وأسلم عاقبة. ~~فهذا من هذا الوجه. # وأما تأثيرها في نقصان العقل المعيشي، فلولا الاشتراك في هذا النقصان ~~لظهر لمطيعنا نقصان عقل عاصينا، ولكن الجائحة عامة، والجنون فنون! ~~PageV01P195 #
# ويا عجبا لو صحت العقول لعلمت أن طريق (1) تحصيل اللذة والفرحة والسرور ~~وطيب العيش إنما هو في رضي من النعيم كله في رضاه، والألم والعذاب كله في ~~سخطه وغضبه. ففي رضاه قرة العيون، # وسرور النفوس وحياة القلوب، ولذة الأرواح، وطيب الحياة، ولذة العيش، ~~وأطيب النعيم، مما لو ms105 وزن منه مثقال ذرة بنعيم الدنيا لم يف به، بل إذا حصل ~~للقلب من ذلك أيسر نصيب لم يرض بالدنيا وما فيها عوضا منه. ومع هذا (2) فهو ~~يتنعم بنصيبه من الدنيا أعظم من تنعم المترفين فيها، ولا يشوب تنعمه بذلك ~~الحظ اليسير ما يشوب تنعم المترفين من الهموم والغموم والأحزان والمعارضات، ~~بل قد حصل على النعيمين، وهو ينتظر نعيمين آخرين أعظم منهما. وما يحصل له ~~في خلال ذلك (3) من الآلام، فالأمر كما قال الله سبحانه: {إن تكونوا تألمون ~~فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما ~~(104)} [النساء: 104]. # فلا إله إلا الله، ما أنقص عقل من باع الدر بالبعر، والمسك بالرجيع، ~~ومرافقة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~بمرافقة الذين غضب الله عليهم، ولعنهم، وأعد لهم جهنم # وساءت مصيرا! # فصل # ومن أعظم عقوباتها: [39/ ب] أنها توجب القطيعة بين العبد وبين ربه تبارك ~~وتعالى، وإذا وقعت القطيعة انقطعت عنه أسباب الخير، PageV01P196 #
# واتصلت به أسباب الشر. فأي فلاح وأي رجاء وأي عيش لمن انقطعت عنه أسباب ~~الخير، وقطع ما بينه (1) وبين وليه ومولاه الذي لا غنى له عنه طرفة عين، ~~ولابد له منه (2)، ولا عوض له عنه، واتصلت به أسباب الشر، ووصل ما بينه ~~وبين أعدى عدو له، فتولاه عدوه، وتخلى عنه وليه؟ فلا تعلم نفس ما في هذا ~~الانقطاع والاتصال من أنواع الآلام وأنواع العذاب! # قال بعض السلف: رأيت العبد ملقى بين الله سبحانه وبين الشيطان، فإن أعرض ~~الله عنه (3) تولاه الشيطان، وإن تولاه الله لم يقدر عليه الشيطان (4). # وقد قال تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من ~~الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس ~~للظالمين بدلا (50)} [الكهف: 50]. PageV01P197 #
# يقول سبحانه لعباده: أنا أكرمت (1) أباكم، ورفعت قدره، وفضلته على غيره، ~~فأمرت ملائكتي كلهم أن يسجدوا له تكريما (2) وتشريفا، فأطاعوني، وأبى عدوي ~~وعدوه، فعصى أمري، وخرج عن طاعتي. ms106 # فكيف يحسن بكم بعد هذا أن تتخذوه (3) وذريته أولياء من دوني، فتطيعونه في ~~معصيتي، وتوالونه في خلاف مرضاتي، وهم (4) أعدى عدو لكم؟ فواليتم عدوي، وقد ~~أمرتكم بمعاداته. # ومن وإلى أعداء الملك كان هو وأعداؤه عنده سواء، فإن المحبة والطاعة لا ~~تتم إلا بمعاداة أعداء المطاع وموالاة أوليائه. وأما أن توالي أعداء الملك ~~ثم تدعي أنك موال له، فهذا محال. هذا لو لم يكن (5) عدو الملك عدوا لكم، ~~فكيف إذا كان عدوا لكم (6) على الحقيقة، والعداوة التي بينكم وبينه أعظم من ~~العداوة التي بين الشاة والذئب؟ فكيف يليق بالعاقل أن يوالي عدوه وعدو وليه ~~ومولاه الذي لا مولى له سواه؟ # ونبه [40/ أ] سبحانه على قبح هذه الموالاة بقوله: {وهم لكم عدو} [الكهف: ~~50]، كما نبه على قبحها بقوله: {ففسق عن أمر ربه} [الكهف: 50]. فتبين أن ~~عداوته لربه وعداوته لنا، كل منهما سبب يدعو إلى معاداته، فما هذه ~~الموالاة؟ وما هذا الاستبدال؟ بئس للظالمين بدلا! PageV01P198 #
# ويشبه أن يكون تحت هذا الخطاب نوع من العتاب لطيف عجيب، وهو أني عاديت ~~إبليس إذ لم يسجد لأبيكم آدم مع ملائكتي، فكانت (1) معاداته لأجلكم، ثم كان ~~عاقبة هذه المعاداة أن عقدتم بينكم وبينه عقد المصالحة! # فصل # ومن عقوباتها: أنها تمحق بركة العمر، وبركة الرزق، وبركة العلم، وبركة ~~العمل، وبركة الطاعة. وبالجملة، تمحق بركة الدين والدنيا. فلا تجد أقل بركة ~~في عمره ودينه ودنياه ممن عصى الله. وما محقت البركة من الأرض إلا بمعاصي ~~الخلق. قال تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من ~~السماء والأرض} [الأعراف: 96]. وقال تعالي: {وألو استقاموا على الطريقة ~~لأسقيناهم ماء غدقا (16)} (2) [الجن: 16] وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب ~~يصيبه (3). # وفي الحديث: "إن روح القدس نفث في روعي أنه (4) لن تموت نفس حتى تستكمل ~~رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته ~~(5) " (6). و"إن الله جعل الروح والفرح في الرضا PageV01P199 #
# واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط" (1). # وقد تقدم الأثر (2) الذي ms107 ذكره أحمد في كتاب الزهد: "أنا الله، إذا رضيت ~~باركت، وليس لبركتي منتهى. وإذا غضبت لعنت، ولعنتي PageV01P200 #
# تدرك (1) السابع من الولد". # وليست سعة الرزق والعمل (2) بكثرته، ولا طول العمر بكثرة الشهور والأعوم، ~~ولكن سعة الرزق والعمر بالبركة فيه. # وقد تقدم (3) أن عمر العبد هو مدة حياته، ولا حياة لمن أعرض عن الله، ~~واشتغل بغيره. بل حياة البهائم خير من حياته، فإن حياة الإنسان بحياة قلبه ~~وروحه، ولا حياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره، ومحبته، # وعبادته (4) وحده، والإنابة إليه، والطمأنينة بذكره، والإنس بقربه. # [40/ ب] ومن فقد هذه الحياة فقد (5) فقد الخير كله، ولو تعوض عنها بما ~~تعوض. فما في الدنيا (6) بل ليست الدنيا بأجمعها عوضا عن هذه الحياة! فمن ~~كل شيء يفوت العبد عوض، وإذا فاته الله لم يعوض عنه شيء البتة. # وكيف يعوض الفقير بالذات عن الغني بالذات، والعاجز بالذات عن القادر ~~بالذات، والميت عن الحي الذي لا يموت، والمخلوق عن الخالق، ومن لا وجود له ~~ولا شيء له من ذاته البتة عمن غناه وحياته # وكماله ووجوده ورحمته من لوازم ذاته؟ وكيف يعوض من لا يملك مثقال ذرة عمن ~~له ملك السموات والأرض؟ PageV01P201 #
# وإنما كانت معصية الله سببا لمحق بركة (1) الرزق والأجل؛ لأن الشيطان ~~موكل بها وبأصحابها، فسلطانه عليهم، وحوالته على هذا الديوان، وأهله أصحابه ~~(2)؛ وكل شيء يتصل به الشيطان ويقارنه (3)، فبركته ممحوقة. ولهذا شرع ذكر ~~اسم الله تعالى عند الأكل والشرب واللبس والركوب والجماع، لما في مقارنة ~~اسم الله من البركة. وذكر اسمه يطرد الشيطان، فتحصل البركة، ولا معارض لها. # وكل شيء لا يكون لله، فبركته منزوعة، فإن الرب هو الذي تبارك (4) وحده، ~~والبركة كلها منه، وكل ما نسب إليه مبارك. # فكلامه (5) مبارك، ورسوله مبارك، وعبده المؤمن النافع لخلقه مبارك، وبيته ~~الحرام مبارك (6)، وكنانته من أرضه -وهي الشام (7) - أرض البركة، وصفها ~~بالبركة في ست آيات من كتابه (8). فلا PageV01P202 #
# متبارك (1) إلا هو وحده، ولا مبارك إلا ما نسب إليه، أعني: إلى محبته ms108 ~~وألوهيته ورضاه، وإلا فالكون كله منسوب إلى ربوبيته وخلقه. وكل ما باعده من ~~نفسه من الأعيان والأقوال والأعمال فلا بركة فيه ولا خير فيه، وكل ما كان ~~قريبا منه (2) من ذلك ففيه من البركة على حسب قربه منه. # وضد البركة اللعنة. فأرض لعنها الله، أو شخص لعنه (3) أو عمل لعنه = أبعد ~~شيء من الخير والبركة. وكل ما اتصل بذلك، وارتبط به، وكان منه بسبيل، فلا ~~بركة فيه البتة. وقد لعن عدوه إبليس، [41/ أ] وجعله أبعد خلقه منه، فكل ما ~~كان من جهته فله من لعنة الله بقدر قربه # منه واتصاله به. # فمن ها هنا كان للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة العمر والرزق (4) والعلم ~~والعمل. فكل وقت (5) عصيت الله فيه، أو مال عصي الله به، أو بدن، أو جاه، ~~أو علم، أو عمل، فهو على صاحبه، ليس له. فليس عمره وماله وقوته وجاهه وعلمه ~~وعمله إلا ما أطاع الله به. # ولهذا من الناس من يعيش في هذه الدار مائة سنة أو نحوها، ويكون عمره لا ~~يبلغ عشر سنين أو نحوها؛ كما أن منهم من يملك القناطير PageV01P203 #
# المقنطرة من الذهب والفضة، ويكون ماله في الحقيقة لا يبلغ ألف درهم أو ~~نحوها. وهكذا الجاه والعلم. # وفي الترمذي (1) عنه - صلى الله عليه وسلم -: "الدنيا ملعونة، ملعون ما ~~فيها، إلا ذكر الله عز وجل وما والاه، وعالم أو متعلم". # وفي أثر آخر: "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ما كان لله" (2). # فهذا هو الذي فيه البركة خاصة. والله المستعان (3). PageV01P204 #
# فصل # ومن عقوباتها: أنها تجعل صاحبها من السفلة بعد أن كان مهيأ لأن يكون من ~~العلية. فإن الله خلق خلقه قسمين: علية وسفلة، وجعل عليين مستقر العلية، ~~وأسفل سافلين مستقر السفلة. وجعل أهل طاعته الأعلين في الدنيا والآخرة، ~~وأهل معصيته الأسفلين في الدنيا والآخرة (1)، كما جعل أهل طاعته أكرم خلقه ~~عليه، وأهل معصيته أهون خلقه عليه (2)، وجعل العزة لهؤلاء (3)، والذلة ~~والصغار لهؤلاء. كما في مسند أحمد من حديث عبد ms109 الله بن عمر (4) عن النبي- ~~صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "جعل الذلة والصغار على من خالف أمري". # فكلما (5) عمل العبد معصية نزل إلى أسفل درجة، ولا يزال في نزول حتى يكون ~~من الأسفلين. وكلما عمل طاعة (6) ارتفع بها درجة، ولا يزال في ارتفاع حتى ~~يكون من الأعلين. وقد يجتمع للعبد في أيام حياته الصعود من وجه، والنزول من ~~وجه، وأيهما كان أغلب عليه كان من أهله. فليس من صعد مائة درجة ونزل درجة ~~واحدة كمن كان [41/ ب] بالعكس. PageV01P205 #
# ولكن يعرض ها هنا للنفوس غلط عظيم، وهو أن العبد قد ينزل نزولا بعيدا ~~أبعد مما (1) بين المشرق والمغرب ومما (2) بين السماء والأرض، فلا يفي ~~صعوده ألف درجة بهذا النزول الواحد، كما في الصحيح عن النبي- صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة الواحدة، لا يلقي لها بالا، يهوي ~~بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب" (3). # فأي صعود يوازي (4) هذه النزلة؟. # والنزول أمر لازم للإنسان، ولكن من الناس من يكون نزوله إلى غفلة، فهذا ~~متى (5) استيقظ من غفلته عاد إلى درجته، أو إلى أرفع منها بحسب يقظته. # ومنهم من يكون نزوله إلى مباح لا ينوي به الاستعانة (6) على الطاعة. فهذا ~~متى رجع إلى الطاعة (7) فقد يعود إلى درجته، وقد لا يصل إليها، وقد يرتفع ~~عنها. فإنه قد يعود أعلى همة مما كان (8)، وقد يكون أضعف همة، وقد تعود ~~همته كما كانت. PageV01P206 #
# ومنهم من يكون نزوله إلى معصية: إما صغيرة أو كبيرة (1)، فهذا يحتاج في ~~عوده إلى درجته إلى توبة نصوح دانابة صادقة. # واختلف الناس: هل يعود بعد التوبة (2) إلى درجته التي كان فيها، بناء على ~~أن التوبة تمحو أثر الذنب، وتجعل وجوده كعدمه، فكأنه لم يكن؛ أو لا يعود ~~بناء على أن التوبة تأثيرها في (3) إسقاط العقوبة، وأما الدرجة التي فاتته ~~فإنه لا يصل إليها (4)؟ # قالوا (5): وتقرير ذلك أنه كان مستعدا باشتغاله بالطاعة في الزمن الذي ~~عصى فيه لصعود آخر، وارتفاعه (6) بجملة أعماله ms110 السالفة بمنزلة كسب الرجل كل ~~يوم بجملة ماله الذي يملكه، وكلما تضاعف المال تضاعف الربح. فقد راح عليه ~~في زمن المعصية ارتفاع وربح بجملة أعماله، فإذا (7) استأنف العمل استأنف ~~صعودا من نزول، وكان قبل ذلك صاعدا من صعود (8)، وبينهما بون عظيم. # قالوا: ومثل ذلك رجلان مرتقيان في سلمين لا نهاية لهما، وهما سواء، فنزل ~~أحدهما إلى أسفل ولو درجة واحدة، ثم استأنف الصعود، PageV01P207 #
# فإن الذي لم ينزل يعلو عليه، ولا بد. # وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية بين الطائفتين [42/ أ] حكما مقبولا فقال: ~~التحقيق أن من التائبين من يعود إلى أرفع من درجته، ومنهم من يعود إلى مثل ~~درجته (1)، ومنهم من لا يصل إلى درجته (2). # قلت: وهذا بحسب قوة التوبة وكمالها، وما أحدثته المعصية للعبد من الذل ~~والخضوع والإنابة، والحذر والخوف من الله، والبكاء من خشيته؛ فقد تقوى هذه ~~الأمور حتى يعود التائب إلى أرفع من درجته، # ويصير بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة. فهذا قد تكون الخطيئة في حقه ~~رحمة، فإنها نفت عنه داء العجب، وخلصته من ثقته (3) بنفسه وأعماله، ووضعت ~~خد ضراعته وذله وانكساره على عتبة باب سيده ومولاه، وعرفته قدره، وأشهدته ~~فقره وضرورته إلى حفظ سيده له، وإلى عفوه عنه ومغفرته له، وأخرجت من قلبه ~~صولة الطاعة، وكسرت أنفه من (4) أن يشمخ بها، أو يتكبر بها، أو يرى نفسه ~~بها خيرا من غيره؛ وأوقفته بين يدي ربه موقف الخطائين المذنبين ناكس الرأس ~~بين يدي ربه، مستحييا # منه، خائفا وجلا، محتقرا لطاعته، مستعظما لمعصيته، قد عرف (5) نفسه ~~بالنقص والذم، وربه منفردا بالكمال والحمد والوفاء، كما قيل: PageV01P208 #
# استأثر الله بالوفاء وبال ... حمد وولى الملامة الرجلا (1) # فأي نعمة وصلت من الله إليه استكثرها على نفسه، ورأى نفسه دونها، ولم ~~يرها أهلا لها. وأي نقمة أو بلية وصلت إليه رأى نفسه أهلا لما هو أكبر (2) ~~منها، ورأى مولاه قد أحسن إليه، إذ لم يعاقبه على قدر جرمه ولا شطره ولا ~~أدنى جزء منه. فإن ما يستحقه ms111 من العقوبة لا تحمله الجبال الراسيات، فضلا عن ~~هذا العبد الضعيف العاجز. # فإن الذنب وإن صغر، فإن مقابلة العظيم الذي لا شيء أعظم منه، الكبير الذي ~~لا شيء أكبر منه، الكريم الذي لا أجل منه ولا أجمل، المنعم بجميع أصناف ~~النعم دقيقها وجليلها = من أقبح الأمور وأفظعها وأشنعها. فإن مقابلة ~~العظماء والأجلاء وسادات الناس بمثل ذلك (3) يستقبحه كل أحد مؤمن وكافر. ~~وأرذل الناس وأسقطهم مروءة من قابلهم بالرذائل، فكيف بعظيم السموات والأرض، ~~وملك السموات والأرض [42/ ب]، وإله أهل السموات والأرض (4)؟ # ولولا أن رحمته غلبت غضبه، ومغفرته سبقت عقوبته، وألا (5) PageV01P209 #
# لتدكدكت الأرض بمن قابله بما لا تليق مقابلته به. ولولا حلمه ومغفرته (1) ~~لزالت (2) السموات والأرض من معاصي العباد. قال تعالى: {إن الله يمسك ~~السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان ~~حليما غفورا (41)} [فاطر: 41]. # فتأمل ختم هذه الآية باسمين من أسمائه، وهما: الحليم الغفور (3)، كيف تجد ~~تحت ذلك أنه لولا حلمه عن الجناة ومغفرته للعصاة لما استقرت السموات ~~والأرض. # وقد أخبر سبحانه عن بعض كفر عباده أنه: {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق ~~الأرض وتخر الجبال هدا (90)} [مريم: 90]. # وقد أخرج الله سبحانه الأبوين (4) من الجنة بذنب واحد ارتكباه، وخالفا ~~فيه نهيه (5). ولعن إبليس، وطرده، وأخرجه من ملكوت السماء (6) بذنب (7) ~~ارتكبه، وخالف فيه (8) أمره. ونحن- معاشر # الحمقى- كما قيل: PageV01P210 #
# نصل الذنوب إلى الذنوب ونرتجي ... درك الجنان لدى النعيم الخالد (1) # ولقد علمنا أخرج الأبوين من ... ملكوتها الأعلى بذنب واحد (2) # والمقصود أن العبد قد يكون بعد التوبة خيرا مما كان قبل الخطيئة وأرفع ~~درجة. وقد تضعف الخطيئة همته، وتوهن عزمه، وتمرض قلبه، فلا يقوى دواء ~~التوبة على إعادته إلى الصحة الأولى، فلا يعود إلى # درجته. وقد يزول المرض بحيث تعود الصحة كما كانت، ويعود إلى مثل عمله، ~~فيعود إلى درجته. # هذا كله (3) إذا كان نزوله إلى معصية. فإن (4) كان نزوله إلى أمر ~~PageV01P211 #
# يقدح في أصل إيمانه مثل الشكوك والريب والنفاق، فذاك نزول ms112 لا يرجى لصاحبه ~~صعود إلا بتجديد إسلامه من رأس (1). # فصل # ومن عقوباتها: أنها تجرىء على العبد من لم يكن يجترىء عليه من أصناف ~~المخلوقات. فيجترىء عليه الشياطين بالأذى (2)، والإغواء، والوسوسة، ~~والتخويف، والتحزين، وإنسائه ما مصلحته في ذكره، # ومضرته في نسيانه؛ فتجترىء (3) عليه الشياطين حتى تؤزه إلى معصية الله ~~أزا. # ويجترىء عليه شياطين [43/ أ] الإنس بما تقدر عليه من أذاه في غيبته ~~وحضوره. ويجترىء عليه أهله وخدمه وأولاده (4) وجيرانه، حتى الحيوان البهيم! ~~قال بعض السلف: إني لأعصي الله، فأعرف ذلك في خلق امرأتي ودابتي (5). وكذلك ~~يجترىء عليه أولياء الأمر بالعقوبة التي إن عدلوا فيها أقاموا عليه حدود ~~الله (6). وكذلك تجترىء عليه نفسه، فتتأسد عليه، وتستصعب عليه (7)، فلو ~~أرادها لخير لم تطاوعه، ولم تنقد له. وتسوقه إلى ما فيه هلاكه، شاء أم أبى. ~~PageV01P212 #
# وذلك لأن (1) الطاعة حصن الرب تبارك وتعالى الذي من دخله كان من الآمنين، ~~فإذا فارق الحصين اجترأ عليه قطاع الطريق وغيرهم، وعلى حسب اجترائه على ~~معاصي الله يكون اجتراء هذه الآفات والنفوس عليه. # وليس له (2) شيء يرد عنه، فإن ذكر الله، وطاعته، والصدقة، وإرشاد الجاهل، ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر= وقاية ترد عن العبد، بمنزلة القوة التي ~~ترد المرض وتقاومه، فإذا سقطت القوة غلب وارد المرض، فكان (3) الهلاك. # فلابد للعبد من شيء يرد عنه، فإن موجب السيئات والحسنات يتدافع (4)، ~~ويكون الحكم للغالب كما تقدم. وكلما قوي جانب الحسنات كان الرد أقوى، فإن ~~الله يدافع (5) عن الذين آمنوا، والإيمان # قول وعمل، فبحسب قوة الإيمان يكون الدفع. والله المستعان. # فصل # ومن عقوباتها: أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه. فإن كل أحد محتاج ~~(6) إلى معرفة (7) ما ينفعه وما يضره في معاشه ومعاده، وأعلم الناس أعرفهم ~~(8) بذلك على التفصيل، وأقواهم وأكيسهم من قوي على PageV01P213 #
# نفسه وإرادته (1)، فاستعملها (2) فيما ينفعه، وكفها عما يضره. # وفي ذلك تفاوتت (3) معارف الناس وهممهم ومنازلهم. فأعرفهم من كان عارفا ~~بأسباب السعادة والشقاوة، وأرشدهم من آثر هذه على هذه، كما أن أسفههم ms113 من ~~عكس الأمر. # والمعاصي تخون العبد أحوج ما كان إلى نفسه في تحصيل هذا العلم وإيثار ~~الحظ الأشرف العالي الدائم على الحظ الخسيس الأدنى المنقطع، فتحجبه الذنوب ~~عن كمال هذا العلم [43/ ب]، وعن الاشتغال # بما هو أولى به وأنفع له في الدارين. # فإذا (4) وقع في مكروه، واحتاج إلى التخلص منه، خانه قلبه ونفسه وجوارحه، ~~وكان بمنزلة رجل معه سيف قد غشيه الجرب (5)، ولزم قرابه (6) بحيث لا ينجذب ~~مع صاحبه إذا جذبه، فعرض له عدو يريد قتله، فوضع يده على قائم سيفه، واجتهد ~~ليخرجه، فلم يخرج معه، فدهمه العدو، وظفر به. PageV01P214 #
# كذلك القلب يصدأ بالذنوب ويجرب، ويصير مثخنا بالمرض، فإذا احتاج إلى ~~محاربة العدو به (1) لم يجد معه (2) شيئا. والعبد إنما يحارب ويصاول (3) ~~ويقدم بقلبه، والجوارح تبع للقلب، فإذا لم يكن عند ملكها قوة يدفع بها، فما ~~الظن بها! # وكذلك النفس، فإنها تتخنث بالشهوات والمعاصي، وتضعف، أعني النفس ~~المطمئنة، وإن كانت الأمارة تقوى وتتأسد. وكلما قويت هذه ضعفت تلك، فيبقى ~~الحكم والتصرف للأمارة. وربما ماتت نفسه المطمئنة موتا لا يرجى معه حياة، ~~فهذا ميت في الدنيا، ميت في البرزخ، غير حي في الآخرة حياة ينتفع بها، بل ~~حياته حياة يدرك بها الألم فقط. # والمقصود أن العبد إذا وقع في شدة أو كربة أو بلية خانه قلبه ولسانه ~~وجوارحه عما هو أنفع شيء له (4)، فلا ينجذب قلبه للتوكل على الله، والإنابة ~~إليه، والجمعية عليه، والتضرع والتذلل والانكسار بين يديه. # ولا يطاوعه لسانه لذكره، وإن ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه، ~~فينحبس القلب على اللسان بحيث يؤثر (5) الذكر، ولا ينحبس القلب واللسان (6) ~~على المذكور، بل إن ذكر أو دعا ذكر بقلب لاه ساه غافل. # ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة تدفع عنه لم تنقد له، ولم تطاوعه. ~~PageV01P215 #
# وهذا كله أثر الذنوب والمعاصي، كمن له جند (1) يدفعون عنه الأعداء، فأهمل ~~جنده، وضيعهم، وأضعفهم، وقطع أخبارهم، ثم أراد منهم عند هجوم العدو عليه أن ~~يستفرغوا وسعهم في ms114 الدفع عنه بغير قوة! هذا، وثم أمر أخوف من ذلك وأدهى منه ~~وأمر، وهو أن (2) يخونه قلبه ولسانه عند إلاحتضار والانتقال إلى الله ~~تعالى، [44/ أ] فربما تعذر عليه النطق بالشهادة، كما شاهد (3) الناس كثيرا ~~من المحتضرين أصابهم ذلك، حتى قيل لبعضهم: قل: لا إله إلا الله، فقال: آه! ~~آه! لا أستطيع # أن أقولها! # وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله فقال: شاه، رخ (4)، غلبتك. ثم وقيل لآخر: ~~قل: لا إله إلا الله، فقال: # يا رب قائلة يوما وقد تعبت ... كيف الطريق إلى حمام منجاب (5) # ثم قضى (6). PageV01P216 #
# وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء ويقول: تاننا (1) ~~تنتنا، حتى قضى (2). # وقيل لآخر ذلك فقال: وما ينفعني ما تقول، ولم أدع معصية إلا ركبتها، ثم ~~قضى، ولم يقلها. # وقيل لآخر ذلك، فقال: وما يغني عني، وما أعرف (3) أني صليت لله صلاة، ولم ~~يقلها (4). # وقيل لآخر ذلك، فقال: هو كافر بما يقول، وقضى (5). # وقيل لآخر ذلك، فقال: كلما أردت أن أقولها فلساني (6) يمسك عنها. # وأخبرني من حضر بعض الشحاذين (7) عند موته، فجعل يقول: لله فلس (8)، لله ~~فلس، حتى قضى. PageV01P217 #
# وأخبرني بعض التجار عن قرابة له أنه احتضر، وهو عنده، فجعلوا يلقنونه: لا ~~إله إلا الله، وهو يقول: هذه القطعة رخيصة، هذه مشترى جيد، هذه كذا، حتى ~~قضى. # وسبحان الله (1)! كم شاهد الناس من هذا عبرا! والذي يخفى عليهم من أحوال ~~المحتضرين أعظم وأعظم. # وإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قد تمكن منه ~~الشيطان، واستعمله فيما يريده من معاصي الله (2)، وقد أغفل قلبه عن الله ~~(3)، وعطل لسانه عن ذكره، وجوارحه عن طاعته، فكيف الظن به عند سقوط قواه، ~~واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألم النزع (4)، # وجمع الشيطان له كل قوته وهمته، وحشده (5) عليه بجميع ما يقدر عليه، ~~لينال منه فرصته، فإن ذلك آخر العمل، فأقوى ما يكون عليه شيطانه ذلك الوقت، ~~وأضعف ما يكون هو في تلك الحال (6)؟ فمن ترى ms115 يسلم على ذلك؟ # فهناك {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (27)} [إبراهيم: 27]. PageV01P218 #
# فكيف يوفق [44/ ب] لحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن ذكره، واتبع ~~هواه، وكان أمره فرطا؟ فبعيد من قلب بعيد من الله تعالى، غافل عنه، متعبد ~~(1) لهواه، أسير لشهواته (2)؛ ولسان (3) يابس من ذكره، وجوارح (4) معطلة من ~~طاعته مشتغلة بمعصيته = أن توفق (5) للخاتمة بالحسنى. # ولقد قطع خوف الخاتمة ظهور المتقين، وكأن المسيئين الظالمين قد أخذوا ~~توقيعا بالأمان! (6) {أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما ~~تحكمون (39)} [القلم: 39]. # يا آمنا مع قبيح الفعل منه أهل ... أتاك توقيع أمن أنت تملكه (7) # جمعت شيئين أمنا واتباع هوى ... هذا وإحداهما في المرء تهلكه (8) # والمحسنون على درب المخاوف قد ... ساروا وذلك درب لست تسلكه # فرطت في الزرع وقت البذر من سفه ... فكيف عند حصاد الناس تدركه # هذا وأعجب شيء منك زهدك في ... دار البقاء بعيش سوف تتركه (9) ~~PageV01P219 #
# من السفيه إذا بالله أنت أم ال ... مغبون في البيع غبنا سوف يدركه (1) # فصل # ومن عقوباتها: أنها تعمي القلب، فإن لم تعمه أضعفت بصيرته، ولابد. وقد ~~تقدم بيان أنها تضعفه، ولابد. فإذا عمي القلب وضعف فاته من معرفة الهدى، ~~وقوته على تنفيذه في نفسه وفي غيره، بحسب ضعف بصيرته وقوته. # فإن الكمال الإنساني مداره على أصلين: معرفة الحق من الباطل، وإيثاره ~~عليه. وما تفاوتت منازل الخلق عند الله في الدنيا والآخرة إلا بقدر تفاوت ~~منازلهم في هذين الأمرين. وهما اللذان (2) أثنى الله سبحانه على أنبيائه ~~بهما (3) في قوله: {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي ~~والأبصار (45)} [ص: 45]. فالأيدي: القوى في تنفيذ الحق، والأبصار: البصائر ~~في الدين. فوصفهم بكمال إدراك الحق، وكمال تنفيذه (4). # وانقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام: فهؤلاء أشرف أقسام الخلق ~~وأكرمهم على الله. # [45/ أ] القسم الثاني: عكس هؤلاء، لا بصيرة في الدين، ولا قوة على تنفيذ ~~الحق. وهم أكثر هذا الخلق الذين رؤيتهم ms116 قذى العيون، وحمى PageV01P220 #
# الأرواح، وسقم القلوب، يضيقون الديار، ويغلون الأسعار، ولا يستفاد ~~بصحبتهم إلا العار والشنار! # القسم الثالث: من له بصيرة بالحق ومعرفة به، لكنه ضعيف لا قوة له على ~~تنفيذه ولا الدعوة إليه. وهذا حال المؤمن الضعيف، والمؤمن القوي خير وأحب ~~إلى الله منه (1). # القسم الرابع: من له قوة وهمة وعزيمة، لكنه ضعيف البصيرة في الدين، لا ~~يكاد يميز بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، بل يحسب كل سوداء تمرة، وكل ~~بيضاء شحمة، يحسب الورم شحما، والدواء النافع سما. # وليس في هؤلاء من يصلح للإمامة في الدين، ولا هو موضعا (2) لها سوى القسم ~~الأول. قال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون (24)} [السجدة: 24] (3). فأخبر سبحانه أن بالصبر واليقين ~~نالوا الإمامة في الدين. # وهؤلاء هم الذين استثناهم الله سبحانه من جملة الخاسرين، وأقسم بالعصر- ~~الذي هو زمن سعي الخاسرين والرابحين- على أن من عداهم فهو من الخاسرين، ~~فقال تعالى: {والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3)} [العصر: 1 - 3]. فلم يكتف منهم ~~بمعرفة الحق والصبر عليه، حتى يوصي بعضهم PageV01P221 #
# بعضا به، ويرشده إليه، ويحضه عليه. # وإذا كان من عدا هؤلاء خاسرا، فمعلوم أن المعاصي والذنوب تعمي بصيرة ~~القلب فلا يدرك الحق كما ينبغي، وتضعف قوته وعزيمته فلا يصبر عليه. بل قد ~~تتوارد (1) على القلب حتى ينعكس إدراكه، كما ينعكس سيره، فيدرك الباطل حقا، ~~والحق باطلا، والمعروف منكرا، والمنكر معروفا. فينتكس في سيره، ويرجع عن ~~سفره إلى الله والدار الآخرة، إلى سفره إلى (2) مستقر النفوس المبطلة التي ~~رضيت بالحياة الدنيا، واطمأنت بها، وغفلت عن الله وآياته، وتركت الاستعداد ~~للقائه. # [45/ ب] ولو لم يكن في عقوبة الذنوب إلا هذه العقوبة وحدها لكانت كافية ~~داعية إلى تركها والبعد منها، والله المستعان. # وهذا كما أن الطاعة تنور القلب، وتجلوه (3) وتصقله، وتقويه وتثبته، حتى ~~يصير كالمراة المجلوة في جلائها (4) وصفائها ويمتلىء (5) نورا؛ فإذا دنا ~~الشيطان منه أصابه من نوره ما يصيب مسترقي ms117 السمع (6) من الشهب الثواقب. ~~فالشيطان يفرق من هذا القلب أشد من فرق الذئب من الأسد، حتى إن صاحبه ليصرع ~~الشيطان، فيخر صريعا، فيجتمع عليه الشياطين، فيقول بعضهم لبعض: ما شأنه؟ ~~فيقال: أصابه إنسي، وبه PageV01P222 #
# نظرة من الإنس! # فيا نظرة من قلب حر منور ... يكاد لها الشيطان بالنور يحرق # أفيستوي هذا القلب، وقلب مظلمة (1) أرجاؤه، مختلفة أهواؤه، قد اتخذه ~~الشيطان وطنه، وأعده مسكنه. إذا تصبح بطلعته حياه، وقال: فديت من لا يفلح ~~في دنياه ولا في أخراه (2)! # قرينك في الدنيا وفي الحشر بعدها ... فأنت قرين لي بكل مكان # فإن كنت في دار الشقاء فإنني ... وأنت جميعا في شقا وهوان # قال تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) ~~وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) حتى إذا جاءنا قال يا ~~ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38) ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم ~~أنكم في العذاب مشتركون (39)} [الزخرف: 36 - 39]. # فأخبر سبحانه أن من عشا عن ذكره -وهو كتابه الذي أنزله (3) على رسوله- ~~فأعرض عنه، وعمي عنه، وعشت بصيرته عن فهمه وتدبره ومعرفة مراد الله منه = ~~قيض الله له شيطانا عقوبة له بإعراضه عن كتابه. # فهو قرينه الذي لا يفارقه في الإقامة ولا في المسير، ومولاه وعشيره الذي ~~هو بئس المولى وبئس العشير. PageV01P223 #
# رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرق (1) # ثم أخبر سبحانه أن الشيطان [46/ أ] يصد قرينه ووليه عن سبيله الموصل إليه ~~وإلى جنته، ويحسب هذا الضال المصدود أنه على طريق هدى، حتى إذا جاء ~~القرينان يوم القيامة يقول أحدهما للآخر: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين، ~~فبئس القرين كنت لي في الدنيا! أضللتني عن الهدى بعد إذ جاءني، وصددتني عن ~~الحق، وأغويتني حتى هلكت، وبئس القرين أنت لي (2) اليوم! ولما كان المصاب ~~إذا شاركه غيره في مصيبته حصل بالتأسي نوع تخفيف وتسلية = أخبر سبحانه أن ~~هذا غير موجود وغير حاصل في حق المشتركين في العذاب، وأن القرين لا يجد ms118 ~~راحة ولا أدنى فرح (3) بعذاب قرينه معه، وإن كانت المصائب في الدنيا إذا ~~عمت صارت مسلاة كما قالت الخنساء في أخيها صخر: # فلولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي # وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي (4) # فمنع الله سبحانه هذا القدر من الراحة عن أهل النار فقال: {ولن ينفعكم ~~اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (39)} [الزخرف: 39]. PageV01P224 #
# فصل # ومن عقوباتها: أنها مدد من الإنسان يمد به عدوه عليه، وجيش يقويه به (1) ~~على حربه. # وذلك أن الله سبحانه ابتلى هذا الإنسان بعدو لا يفارقه طرفة عين. # ينام، ولا ينام عنه (2). ويغفل، ولا يغفل عنه. يراه هو وقبيله من حيث لا ~~يراه. يبذل جهده في معاداته في كل حال، ولا يدع أمرا يكيده به يقدر على ~~إيصاله إليه إلا أوصله، ويستعين عليه ببني أبيه (3) من شياطين الجن وغيرهم ~~من شياطين الإنس. قد نصب (4) له الحبائل، وبغاه الغوائل، ومد حوله الأشراك، ~~ونصب له الفخاخ والشباك، وقال لأعوانه: دونكم عدوكم وعدو أبيكم، لا ~~يفوتنكم، ولا يكن حظه الجنة وحظكم النار، ونصيبه الرحمة ونصيبكم اللعنة! ~~وقد علمتم أن ما جرى (5) علي وعليكم من الخزي واللعن والإبعاد من رحمة الله ~~فبسببه ومن أجله. فابذلوا جهدكم أن يكونوا شركاءنا (6) في هذه البلية، إذ ~~قد فاتنا شركة [46/ ب] صالحيهم في الجنة. وقد أعلمنا سبحانه بذلك كله من ~~عدونا، وأمرنا أن نأخذ له أهبته، ونعد له عدته. # ولما علم سبحانه أن آدم وبنيه قد بلوا بهذا العدو، وأنه قد سلط ~~PageV01P225 #
# عليهم، أمدهم بعساكر وجند (1) يلقونه بها، وأمد عدوهم أيضا بجند وعساكر ~~(2) يلقاهم بها، وأقام سوق الجهاد في هذه الدار في مدة العمر التي هي ~~بالإضافة إلى الآخرة كنفس واحد من أنفاسها، واشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، وأخبر أن ~~ذلك وعد مؤكد عليه في أشرف كتبه، وهي التوراة والإنجيل والقرآن. ثم أخبر ~~أنه (3) لا أوفى بعهده منه سبحانه، ثم أمرهم أن يستبشروا ms119 بهذه الصفقة التي ~~من أراد أن يعرف قدرها فلينظر إلى المشتري من هو؟ وإلى الثمن المبذول في ~~هذه السلعة، وإلى من جرى على يديه هذا العقد. فأي فوز أعظم من هذا؟ وأي ~~تجارة أربح منه؟ (4) ثم أكد سبحانه معهم هذا الأمر بقوله: {يا أيها الذين ~~آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون بالله ورسوله ~~وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (11) ~~يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات ~~عدن ذلك الفوز العظيم (12) وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر ~~المؤمنين (13)} [الصف: 10 - 13]. # ولم يسلط سبحانه هذا العدو على عبده المؤمن الذي هو أحب أنواع ~~PageV01P226 #
# المخلوقات إليه إلا لأن الجهاد (1) أحب شيء إليه، وأهله أرفع الخلق عنده ~~درجات، وأقربهم إليه وسيلة. فعقد سبحانه لواء هذا الحرب (2) لخلاصة ~~مخلوقاته، وهو القلب الذي هو محل معرفته، ومحبته، وعبوديته، والإخلاص له، ~~والتوكل عليه، والإنابة إليه. فولاه أمر هذا الحرب، وأيده بجند من الملائكة ~~لا يفارقونه، معقبات (3) من بين يديه ومن خلفه، يعقب بعضهم بعضا، كلما ذهب ~~بدل جاء بدل آخر، يثبتونه، ويأمرونه بالخير، ويحضونه عليه، ويعدونه بكرامة ~~الله، ويصبرونه، ويقولون: إنما هو صبر ساعة، وقد استرحت [47/ 1] راحة ~~الأبد. # ثم أمده سبحانه بجند آخر من وحيه وكلامه، فأرسل إليه رسوله، وأنزل إليه ~~كتابه، فازداد قوة إلى قوته، ومددا إلى مدده (4)، وعدة إلى عدته. # وأمده (5) مع ذلك بالعقل وزيرا له ومدبرا، وبالمعرفة مشيرة عليه ناصحة ~~له، وبالإيمان مثبتا له ومؤيدا وناصرا (6)، وباليقين كاشفا له عن حقيقة ~~الأمر. حتى كأنه يعاين (7) ما وعد الله به (8) أولياءه وحزبه PageV01P227 #
# على جهاد أعدائه. فالعقل يدبر أمر جيشه، والمعرفة تضع (1) له أمور الحرب ~~وأسبابها في مواضعها (2) اللائقة بها، والإيمان يثبته ويقويه ويصبره، ~~واليقين يقدم به ويحمل به الحملات الصادقة. # ثم أمد سبحانه القائم بهذا الحرب (3) بالقوى الظاهرة والباطنة، فجعل ~~العين طليعته، والأذن صاحب خبره، واللسان ترجمانه، واليدين والرجلين ~~أعوانه، وأقام ms120 ملائكته وحملة عرشه يستغفرون له ويسألون له أن يقيه السيئات ~~ويدخله الجنات. # وتولى سبحانه الدفع والدفاع عنه بنفسه، وقال: هؤلاء حزبي، وحزب الله هم ~~المفلحون (4). وهؤلاء جندي {وإن جندنا لهم الغالبون (173)} [الصافات: 173] ~~وعلم عباده كيفية هذا الحرب والجهاد، فجمعها لهم في أربع كلمات، فقال: {يا ~~أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون (200)} ~~[آل عمران: 200]. # ولا يتم أمر هذا الجهاد (5) إلا بهذه الأمور الأربعة فلا يتم له (6) ~~الصبر إلا بمصابرة العدو، وهي مواقفته (7) ومنازلته، فإذا صابر عدوه ~~PageV01P228 #
# احتاج إلى أمر آخر وهو المرابطة، وهي لزوم ثغر القلب وحراسته لئلا يدخل ~~منه العدو، ولزوم ثغر العين والأذن واللسان والبطن واليد والرجل. فهذه ~~الثغور منها يدخل (1) العدو، فيجوس خلال الديار، ويفسد ما قدر (2) عليه، ~~فالمرابطة لزوم هذه الثغور. ولا يخلي مكانها، فيصادف العدو الثغر خاليا، ~~فيدخل منه. # فهؤلاء أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم - خير الخلق بعد النبيين ~~والمرسلين، وأعظمهم حماية وحراسة من الشيطان، وقد أخلوا المكان الذي أمروا ~~بلزومه يوم أحد، فدخل منه العدو، فكان ما كان. # وجماع [47/ ب] هذه الثلاثة (3) وعمودها الذي تقوم به هو تقوى الله، فلا ~~ينفع الصبر ولا المصابرة ولا المرابطة إلا بالتقوى، ولا تقوم التقوى إلا ~~على ساق الصبر. # فانظر الآن فيك إلى التقاء الجيشين واصطفاف العسكرين، وكيف تدال مرة، ~~ويدال (4) عليك أخرى؟ # أقبل ملك الكفر بجنوده وعساكره، فوجد القلب في حصنه جالسا على كرسي ~~مملكته (5)، أمره نافذ في أعوانه، وجنده قد حفوا به، PageV01P229 #
# يقاتلون عنه، ويدافعون عن حوزته، فلم يمكنه الهجوم عليه إلا بمخامرة بعض ~~أمرائه وجنده عليه. فسأل عن أخص الجند به وأقربهم منه منزلة، فقيل له: هي ~~النفس، فقال لأعوانه: ادخلوا عليها من مرادها وانظروا مواقع محبتها وما هو ~~محبوبها، فعدوها به، ومنوها إياه، وانقشوا صورة المحبوب فيها في يقظتها ~~ومنامها، فإذا اطمأنت إليه وسكنت عنده فاطرحوا عليها كلاليب الشهوة ~~وخطاطيفها، ثم جروها بها إليكم. # فإذا خامرت على القلب، وصارت معكم عليه، ملكتم ثغر العين ms121 والأذن واللسان ~~والفم واليد والرجل، فرابطوا على هذه الثغور كل المرابطة. فمتى (1) دخلتم ~~منها إلى القلب فهو قتيل أو أسير أو جريح مثخن بالجراحات. ولا تخلوا هذه ~~الثغور، ولا تمكنوا سرية تدخل منها إلى القلب، فتخرجكم منها. وإن غلبتم ~~فاجتهدوا في إضعاف السرية ووهنها حتى لا تصل إلى القلب، وإن وصلت إليه ~~ضعيفة لا تغني عنه شيئا. # فإذا استوليتم على هذه الثغور فامنعوا ثغر العين أن يكون نظره اعتبارا، ~~بل اجعلوا نظره تفرجا واستحسانا وتلهيا. فإن استرق نظرة عبرة فأفسدوها عليه ~~بنظر الغفلة والاستحسان والشهوة (2)، فإنه أقرب إليه، وأعلق بنفسه، وأخف ~~عليه. ودونكم ثغر العين، فإن (3) منه تنالون بغيتكم، فإني ما أفسدت بني آدم ~~بشيء مثل النظر، فإني أبذر به في القلب بذر الشهوة، ثم أسقيه بماء الأمنية، ~~ثم لا أزال أعده وأمنيه حتى PageV01P230 #
# أقوي عزيمته، وأقوده [48/ أ] بزمام الشهوة إلى الانخلاع من العصمة. # فلا تهملوا أمر هذا الثغر، وأفسدوه بحسب استطاعتكم، وهونوا عليه أمره، ~~وقولوا له: ما مقدار نظرة تدعوك إلى تسبيح الخالق، والتأمل لبديع صنعته ~~وحسن هذه الصورة التي إنما خلقت ليستدل بها الناظر عليه؟ وما خلق الله لك ~~العينين سدى، وما خلق (1) هذه الصورة ليحجبها عن النظر! # وإن ظفرتم به قليل العلم فاسد العقل، فقالوا: هذه الصورة مظهر (2) من ~~مظاهر الحق ومجلى من مجاليه، فادعوه إلى القول بالاتحاد، فإن لم يقبل ~~فالقول بالحلول العام أو الخاص (3). ولا تقنعوا # منه بدون ذلك، فإنه يصير به من إخوان النصارى، فمروه حينئذ بالعفة ~~والصيانة والعبادة والزهد في الدنيا، واصطادوا عليه الجهال. فهذا من أقرب ~~خلفائي (4) وأكبر جندي، بل أنا من جنده وأعوانه! # فصل (5) # ثم امنعوا ثغر الأذن أن يدخل منه (6) ما يفسد عليكم الأمر، فاجتهدوا ~~PageV01P231 #
# أن لا تدخلوا (1) منه إلا الباطل (2)، فإنه خفيف على النفس تستحليه ~~وتستملحه، وتخيروا (3) له أعذب الألفاظ وأسحرها للألباب، وامزجوه بما تهوى ~~النفوس مزجا. وألقوا الكلمة، فإن رأيتم منه إصغاء إليها فزجوه بأخواتها. ~~وكلما صادفتم منه استحسان شيء فالهجوا له ms122 (4) بذكره. # وإياكم أن يدخل من هذا الثغر شيء من كلام الله أو كلام رسوله (5) - صلى ~~الله عليه وسلم - أو كلام النصحاء! فإن غلبتم على ذلك، ودخل من ذلك شيء ~~(6)، فحولوا بينه وبين فهمه وتدبره، والتفكر فيه (7)، والعظة به، إما ~~بإدخال ضده عليه، وإما بتهويل ذلك وتعظيمه، وأن هذا أمر قد حيل بين النفوس ~~وبينه، فلا سبيل لها إليه، وهو حمل ثقيل عليها لا تستقل به، ونحو ذلك؛ وإما ~~بإرخاصه على النفوس وأن الاشتغال ينبغي أن يكون أهم (8) بما هو أعلى (9) ~~عند الناس، وأعز عليهم، وأغرب عندهم، وزبونه القابلون (10) له أكثر. وأما ~~الحق (11) فهو مهجور، PageV01P232 #
# وقابله (1) [48/ ب] معرض نفسه للعداوة، والرائج بين الناس أولى بالإيثار، ~~ونحو ذلك. فيدخلون الباطل عليه (2) في كل قالب يقبله ويخف عليه، ويخرجون له ~~الحق في كل قالب يكرهه ويثقل عليه. # وإذا شئت أن تعرف ذلك فانظر إلى إخوانهم من شياطين الإنس، كيف يخرجون ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب كثرة الفضول، وتتبع عثرات الناس، ~~والتعرض من البلاء لما لا يطيق (3)، # وإلقاء الفتن بين الناس، ونحو ذلك. ويخرجون اتباع السنة، ووصف الرب تعالى ~~بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، في قالب التشبيه والتجسيم والتكييف. # ويسمون علو الله على خلقه، واستواءه على عرشه، ومباينته لمخلوقاته ~~"تحيزا"، ويسمون نزوله إلى سماء الدنيا (4) وقوله: "من يسألني فأعطيه" (5) ~~تحركا وانتقالا، ويسمون ما وصف به نفسه من اليد # والوجه أعضاء وجوارح، ويسمون ما يقوم به من أفعاله "حوادث"، وما يقوم به ~~من صفاته (6) "أعراضا". ثم يتوصلون إلى نفي ما وصف به نفسه بنفي هذه ~~الأمورا ويوهمون الأغمار وضعفاء البصائر أن إثبات الصفات PageV01P233 #
# التي نطق بها كتاب الله وسنة رسوله يستلزم هذه الأمورا ويخرجون هذا ~~التعطيل في قالب التنزيه والتعظيم. # وأكثر الناس ضعفاء العقول يقبلون الشيء بلفظ، ويردونه بعينه بلفظ آخر ~~(1)! قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا} [الأنعام: 112]. فسماه "زخرفا" وهو باطل (2)؛ ~~لأن صاحبه ms123 يزخرفه ويزينه ما استطاع، ويلقيه إلى سمع المغرور، فيغتر به. # والمقصود أن الشيطان قد لزم ثغر الأذن (3)، يدخل فيها ما يضر العبد ولا ~~ينفعه، ويمنع أن يدخل إليها ما ينفعه، وإن دخل بغير اختياره أفسده عليه ~~(4). # فصل (5) # ثم يقول: قوموا على ثغر اللسان، فإنه الثغر الأعظم، [49/ أ] وهو قبالة ~~الملك (6)، فأجروا عليه من الكلام ما يضره ولا ينفعه، وامنعوه أن يجري عليه ~~شيء مما ينفعه من ذكر الله تعالى، واستغفاره، وتلاوة كتابه، ونصيحة عباده، ~~أو التكلم بالعلم النافع. PageV01P234 #
# ويكون لكم في هذا الثغر أمران (1) عظيمان لا تبالون بأيهما ظفرتم: أحديث: ~~التكلم بالباطل، فإن المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم، ومن أكبر جندكم ~~وأعوانكم. # والثاني (2): السكوت عن الحق، فإن الساكت عن الحق أخ لكم أخرس، كما أن ~~الأول أخ لكم ناطق، وربما كان الأخ الثاني أنفع إخوانكم لكم. أما سمعتم قول ~~الناصح: المتكلم بالباطل شيطان ناطق، والساكت عن الحق شيطان أخرس (3). # فالرباط الرباط على هذا الثغر أن يتكلم بحق، أو يمسك عن باطل (4). وزينوا ~~له التكلم بالباطل بكل طريق. وخوفوه من التكلم بالحق بكل طريق. # واعلموا يابني أن ثغر اللسان هو الذي أهلك منه بني آدم، وأكبهم منه (5) ~~على مناخرهم في النار، فكم لي من قتيل وأسير وجريح أخذته من هذا الثغر! # وأوصيكم (6) بوصية، فاحفظوها: لينطق أحدكم على لسان أخيه من الإنس ~~بالكلمة، ويكون الآخر على لسان السامع، فينطق باستحسانها PageV01P235 #
# وتعظيمها والتعجب منها، ويطلب من أخيه إعادتها. # وكونوا أعوانا على الإنس بكل طريق، وادخلوا عليهم من كل باب، واقعدوا لهم ~~كل مرصد (1). أما سمعتم قسمي الذي أقسمت به لربهم حيث قلت: {قال فبما ~~أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن ~~خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (17)} [الأعراف: 16 - ~~17]. # أو ما (2) تروني قد قعدت لابن آدم بطرقه كلها، فلا يفوتني من طريق إلا ~~قعدت له بطريق غيره (3) حتى أصيب (4) منه حاجتي أو بعضها. وقد حذرهم ذلك ~~رسولهم (5)، فقال لهم: "إن ms124 الشيطان قد قعد لابن آدم بطرقه (6) كلها، فقعد ~~له بطريق الإسلام، فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك؟ فخالفه، وأسلم. فقعد ~~[49/ ب] له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك؟ فخالفه، وهاجر. ~~فقعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد، فتقتل، فيقسم المال (7)، وتنكح الزوجة! ~~" (8). PageV01P236 #
# فهكذا (1) فاقعدوا لهم بكل طرق الخير (2). فإذا أراد أحدهم أن يتصدق ~~فاقعدوا له على طريق الصدقة، وقولوا له في نفسه: أتخرج المال، فتبقى مثل ~~هذا السائل، وتصير بمنزلته أنت وهو سواء؟ أو ما سمعتم ما ألقيت على لسان ~~رجل سأله آخر (3) أن يتصدق عليه، وقال: هي أموالنا، إن أعطيناكموها صرنا ~~مثلكم. # واقعدوا له (4) بطريق الحج، فقالوا: طريقه مخوفة مشقة، يتعرض سالكها لتلف ~~النفس والمال. # وهكذا فاقعدوا له على سائر طرق الخير بالتنفير منها وذكر صعوبتها ~~وآفاتها. # ثم اقعدوا على طرق المعاصي، فحسنوها في أعين بني آدم (5)، وزينوها في ~~قلوبهم، واجعلوا أكبر (6) أعوانكم على ذلك النساء، فمن PageV01P237 #
# أبوابهن فادخلوا عليهم، فنعم العون (1) هن لكم! ثم الزموا ثغر اليدين ~~والرجلين فامنعوها أن تبطش بما يضركم أو تمشي فيه. # واعلموا أن أكبر عونكم (2) على لزوم هذه الثغور مصالحة النفس الأمارة. ~~فأعينوها واستعينوا بها، وأمدوها (3) واستمدوا منها. وكونوا معها على حرب ~~النفس المطمئنة، فاجتهدوا في كسرها وإبطال # قواها (4)، ولا سبيل إلى ذلك إلا بقطع موادها عنها. فإذا (5) انقطعت ~~موادها، وقويت مواد النفس الأمارة، وأطاعت (6) لكم أعوانها، فاستنزلوا ~~القلب من حصنه، واعزلوه عن مملكته، وولوا مكانه النفس. # فإنها لا تأمر إلا بما تهوونه وتحبونه ولا تجيئكم (7) بما تكرهونه البتة، ~~مع أنها لا تخالفكم في شيء تشيرون به عليها، بل إذا أشرتم عليها بشيء بادرت ~~إلى فعله. # فإن أحسستم من القلب منازعة إلى مملكته، وأردتم الأمن من ذلك (8)، ~~فاعقدوا بينه وبين النفس عقد النكاح، فزينوها، وجملوها، PageV01P238 #
# وأروها إياه في أحسن صورة عروس توجد، وقولوا له: ذق طعم هذا الوصال ~~والتمتع بهذه العروس، كما ذقت [50/ 1] طعم الحرب، وباشرت مرارة الطعن ~~والضرب. ثم وازن بين لذة هذه ms125 المسالمة (1) ومرارة تلك المحاربة، فدع الحرب ~~تضع أوزارها، فليست بيوم وينقضي، وإنما هو حرب متصل بالموت، وقواك تضعف عن ~~حراب دائم (2). # واستعينوا يا بني بجندين عظيمين لن تغلبوا معهما: أحدهما: جند الغفلة، ~~فأغفلوا قلوب بني آدم عن الله والدار الآخرة بكل طريق، فليس لكم شيء أبلغ ~~في تحصيل غرضكم من ذلك، فإن القلب إذا غفل عن الله تمكنتم منه ومن أعوانه ~~(3). # والثاني: جند الشهوات فزينوها في قلوبهم، وحسنوها في أعينهم. # وصولوا عليهم بهذين العسكرين، فليس لكم في بني آدم أبلغ منهما. واستعينوا ~~على الغفلة بالشهوات، وعلى الشهوات بالغفلة، واقرنوا بين الغافلين، ثم ~~استعينوا بهما على الذاكر، ولا يغلب واحد خمسة، فإن مع الغافلين شيطانين، ~~صاروا أربعة، وشيطان الذاكر معهم. # وإذا رأيتم جماعة مجتمعين على ما يضركم من ذكر الله أو مذاكرة (4) أمره ~~ونهيه ودينه، ولم تقدروا على تفريقهم، فاستعينوا عليهم ببني PageV01P239 #
# جنسهم من الإنس البطالين، فقربوهم منهم، وشوشوا عليهم بهم. # وبالجملة فأعدوا للأمور أقرانها، وادخلوا على كل واحد من بني آدم من باب ~~إرادته وشهوته، فساعدوه عليها، وكونوا عونا له (1) على تحصيلها. وإذا كان ~~الله قد أمرهم أن يصبروا لكم، ويصابروكم، ويرابطوا عليكم الثغور؛ فاصبروا ~~أنتم، وصابروا، ورابطوا عليهم الثغور، وانتهزوا فرصكم فيهم عند الشهوة ~~والغضب، فلا تصطادون (2) بني آدم في أعظم من هذين الموطنين! # واعلموا أن منهم من يكون سلطان الشهوة عليه أغلب، وسلطان غضبه ضعيف ~~مقهور، فخذوا عليه طريق الشهوة، ودعوا طريق الغضب. ومنهم من يكون سلطان (3) ~~الغضب عليه أغلب، فلا تخلوا # طريق الشهوة عليه، ولاتعطلوا ثغرها (4)، فإن من لم يملك نفسه عند الغضب ~~فإنه بالحرى أن لا يملكها (5) عند الشهوة. فزوجوا بين غضبه وشهوته، وامزجوا ~~أحدهما بالآخر، وادعوه إلى الشهوة [50/ ب] من باب الغضب، وإلى الغضب من ~~طريق الشهوة. # واعلموا أنه ليس لكم في بني آدم سلاح أبلغ من هذين السلاحين. # وإنما أخرجت أبويهم من الجنة بالشهوة، وإنما ألقيت العداوة بين ~~PageV01P240 #
# أولادهم بالغضب. فيه قطعت أرحامهم، وسفكت دماءهم، وبه قتل أحد ms126 ابني آدم ~~أخاه. # واعلموا أن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، والشهوة نار تثور من قلبه، وإنما ~~تطفأ النار بالماء والصلاة والذكر والتكبير (1)، فإياكم أن تمكنوا ابن آدم ~~عند غضبه وشهوته من قربان الوضوء والصلاة، فإن ذلك يطفئ عنهم نار الغضب ~~والشهوة. وقد أمرهم نبيهم بذلك، فقال: "إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم. أما ~~رأيتم من احمرار عينيه وانتفاخ أوداجه؟ فمن أحس بذلك فليتوضأ" (2). وقال ~~لهم: "إنما تطفأ النار بالماء" (3). PageV01P241 #
# وقد أوصاهم الله أن يستعينوا عليكم بالصبر والصلاة، فحولوا بينهم وبين ~~ذلك، وأنسوهم إياه، واستعينوا عليهم بالشهوة والغضب. وأبلغ أسلحتكم فيهم ~~وأنكاها: الغفلة، واتباع الهوى. وأعظم أسلحتهم فيكم وأمنع حصونهم: ذكر ~~الله، ومخالفة الهوى. فإذا رأيتم الرجل مخالفا لهواه، فاهربوا من ظله (1)، ~~ولا تدنوا منه. # والمقصود أن الذنوب والمعاصي سلاح ومدد يمد بها العبد أعداءه، ويعينهم ~~بها على نفسه، فيقاتلونه بسلاحه، ويكون معهم على نفسه. وهذا غاية الجهل، ~~وما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه (2) # ومن العجائب أن العبد يسعى بجهده (3) في هوان نفسه، وهو يزعم PageV01P242 #
# أنه لها مكرم. ويجتهد في حرمانها أعلى حظوظها وأشرفها، وهو يزعم أنه يسعى ~~في حظها. ويبذل جهده في تحقيرها وتصغيرها وتدسيتها، وهو يزعم أنه (1) ~~يعليها ويرفعها ويكبرها! وكان بعض السلف يقول في خطبته: ألا رب مهين لنفسه ~~وهو يزعم أنه لها مكرم، ومذل لنفسه وهو يزعم أنه لها معز، ومصغر لنفسه وهو ~~يزعم أنه لها مكبر، ومضيع لنفسه وهو يزعم أنه (2) مراع لحقها. وكفى # بالمرء جهلا أن يكون مع عدوه على نفسه، يبلغ منها بفعله (3) [51/ أ] ما ~~لا يبلغه عدوه (4). والله المستعان. # فصل # ومن عقوباتها: أنها تنسي العبد نفسه، فإذا نسي نفسه أهملها وأفسدها ~~وأهلكها. # فإن قيل: كيف ينسى العبد نفسه (5)؟ وإذا نسي نفسه، فأي شيء يذكر؟ وما ~~معنى نسيانه نفسه؟ # قيل: نعم، ينسى نفسه أعظم نسيان. قال تعالى (6): {ولا تكونوا كالذين نسوا ~~الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (19)} [الحشر: 19]. PageV01P243 #
# فلما ms127 نسوا ربهم سبحانه نسيهم وأنساهم أنفسهم كما قال: {نسوا الله فنسيهم} ~~[التوبة: 67] فعاقب سبحانه من نسيه عقوبتين: إحداهما: أنه سبحانه نسيه. ~~والثانية: أنه أنساه نفسه. # ونسيانه سبحانه للعبد: إهماله، وتركه، وتخليه عنه (1)، وإضاعته؛ فالهلاك ~~أدنى إليه من اليد للفم! # وأما إنساؤه نفسه فهو: إنساؤه لحظوظها العالية وأسباب سعادتها وفلاحها ~~وصلاحها وما تكمل به، ينسيه ذلك (2) جميعه، فلا يخطره بباله، ولا يجعله على ~~ذكره، ولا يصرف إليه همته فيرغب فيه، فإنه لا يمر بباله حتى يقصده ويؤثره. # وأيضا فينسيه عيوب نفسه ونقصها وآفاتها، فلا يخطر بباله إزالتها وإصلاحها ~~(3). # وأيضا ينسيه أمراض نفسه وقلبه وآلامها، فلا يخطر بقلبه مداواتها، ولا ~~السعي في إزالة عللها وأمراضها التي تؤول به إلى الفساد والهلاك. # فهو مريض مثخن بالمرض، ومرضه مترام به إلى التلف، ولا يشعر بمرضه، ولا ~~يخطر بباله مداواته. وهذا من أعظم العقوبة العامة (4) والخاصة. # فأي عقوبة أعظم من عقوبة من أهمل نفسه، وضيعها، ونسي PageV01P244 #
# مصالحها، وداءها ودواءها، وأسباب سعادتها وفلاحها وصلاحها وحياتها ~~الأبدية في النعيم المقيم؟ # ومن تأمل هذا الموضع تبين له أن أكثر هذا الخلق قد نسوا أنفسهم حقيقة، ~~وضيعوها، وأضاعوا حظها من الله، وباعوها رخيصة بثمن بخس بيع الغبن. وإنما ~~يظهر لهم هذا (1) عند الموت، ويظهر كل الظهور يوم التغابن، يوم يظهر للعبد ~~أنه غبن في العقد الذي عقده لنفسه في هذه الدار، والتجارة التي اتجر فيها ~~(2) لمعاده، فإن كل أحد يتجر (3) في هذه الدنيا [51/ ب] لآخرته (4). # فالخاسرون الذين يعتقدون أنهم أهل الربح والكسب اشتروا الحياة الدنيا ~~وحظهم فيها ولذاتهم بالآخرة وحظهم فيها، فأذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، ~~واستمتعوا بها، ورضوا بها، واطمأنوا إليها. وكان سعيهم لتحصيلها، فباعوا، ~~واشتروا، واتجروا. وباعوا آجلا بعاجل، ونسيئة بنقد، وغائبا بناجز؛ وقالوا: ~~هذا هو الحزم. ويقول أحدهم: خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به (5) وكيف أبيع ~~حاضرا نقدا مشاهدا في هذه الدار بغائب نسيئة في دار PageV01P245 #
# أخرى غير هذه (1)؟ وينضم إلى ذلك ضعف الإيمان، وقوة داعي الشهوة، ومحبة ~~العاجلة، ms128 والتشبه ببني الجنس. # فأكثر الخلق في هذه التجارة الخاسرة التي قال الله سبحانه في أهلها: ~~{أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينصرون (86)} [البقرة: 86]. وقال فيهم: {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ~~(16)} [البقرة: 16]. فإذا كان يوم التغابن ظهر لهم الغبن في # هذه التجارة، فتتقطع (2) عليها النفوس حسرات. # وأما الرابحون، فإنهم باعوا فانيا بباق، وخسيسا بنفيس، وحقيرا بعظيم، ~~وقالوا: ما مقدار هذه الدنيا من أولها إلى آخرها حتى نبيع حظنا (3) من الله ~~والدار الآخرة بها؟ فكيف بما ينال العبد منها (4) في هذا الزمن القصير الذي ~~هو في الحقيقة كغفوة حلم، لا نسبة له إلى دار البقاء البتة؟ # قال تعالى: {ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون ~~بينهم} [يونس: 45]. # وقال تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها (42) فيم أنت من ذكراها (43) ~~إلى ربك منتهاها (44) إنما أنت منذر من يخشاها (45) كأنهم يوم يرونها لم ~~يلبثوا إلا عشية أو ضحاها (46)} [النازعات: 42 - 46]. PageV01P246 #
# وقال تعالى: {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار} ~~[الأحقاف: 35]. # وقال تعالى: ({قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين (112) قالوا لبثنا يوما أو ~~بعض يوم فاسأل العادين (113) قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون ~~(114)} [المؤمنون: 112 - 114]. # وقال تعالى: {يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ [52/أ] زرقا (102) ~~يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (103) نحن أعلم بما يقولون إذ يقول ~~أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (104)} [طه: 102 - 104]. # فهذا حقيقة هذه الدنيا عند موافاة القيامة (1). فلما علموا قلة لبثهم ~~فيها، وأن لهم دارا غير هذه الدار، هي دار الحيوان ودار البقاء = رأوا من ~~أعظم الغبن بيع دار البقاء بدار الفناء، فاتجروا تجارة الأكياس، ولم يغتروا ~~بتجارة السفهاء من الناس، فظهر لهم يوم التغابن ربح تجارتهم ومقدار ما ~~اشتروه. وكل أحد (2) في هذه الدنيا (3) بائع مشتر متجر، وكل الناس يغدو، ~~فبائع نفسه فموبقها، أو مبتاعها فمعتقها (4). # {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في ms129 ~~سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة PageV01P247 #
# والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم ~~به وذلك هو الفوز العظيم (111)} [التوبة: 111] # فهذا أول نقده من ثمن هذه التجارة، فتاجروا أيها المفلسون (1)! ويا من لا ~~يقدر على هذا الثمن، ها هنا ثمن اخر، فإن كنت من أهل هذه التجارة فأعط هذا ~~الثمن: {التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون ~~بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين (112)} ~~[التوبة: 112]. # {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) ~~تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم ~~إن كنتم تعلمون (11)} [الصف: 10 - 11]. # والمقصود أن الذنوب تنسي العبد حظه من هذه (2) التجارة الرابحة، وتشغله ~~بالتجارة الخاسرة، وكفى بذلك عقوبة. والله المستعان. # فصل # ومن عقوباتها: أنها تزيل النعم الحاضرة، وتقطع (3) النعم الواصلة، فتزيل ~~الحاصل، وتمنع الواصل (4). فإن نعم الله ما حفظ موجودها بمثل طاعته، ولا ~~استجلب مفقددها بمثل طاعته، فمان ما عنده لا ينال إلا PageV01P248 #
# بطاعته. # وقد جعل الله سبحانه لكل شيء سببا وآفة: سببا يجلبه، وآفة تبطله. # فجعل أسباب نعمه الجالبة لها طاعته، وآفاتها المانعة منها (1) معصيته. # فإذا أراد حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها، وإذا أراد ~~زوالها عنه خذله حتى عصاه بها. # ومن [52/ ب] العجب علم العبد بذلك مشاهدة في نفسه وغيره، وسماعا لما غاب ~~عنه من أخبار من أزيلت نعم الله عنهم بمعاصيه، وهو مقيم على معصية الله، ~~كأنه مستثنى من هذه الجملة، أو مخصوص من هذا العموم، وكان هذا أمر جار على ~~الناس لا عليه (2)، وواصل إلى الخلق لا إليه! # فأي جهل أبلغ من هذا؟ وأي ظلم للنفس فوق هذا؟ فالحكم لله العلي الكبير. # فصل # ومن عقوباتها: أنها تباعد عن العبد وليه، وأنفع الخلق له، وأنصحهم له، ~~ومن سعادته في قربه منه، وهو الملك الموكل به. وتدني # منه عدوه، وأغش الخلق له وأعظمهم ضررا له، وهو الشيطان. فإن العبد إذا ms130 ~~عصى الله تباعد منه الملك بقدر تلك المعصية، حتى إنه يتباعد عنه بالكذبة ~~الواحدة مسافة بعيدة. PageV01P249 #
# وفي بعض الآثار: "إذا كذب العبد تباعد منه الملك ميلا من نتن ريحه" (1). ~~فإذا كان هذا تباعد الملك منه من كذبة واحدة، فماذا يكون مقدار بعده منه ~~مما هو أكبر من ذلك وأفحش منه؟ # وقال بعض السلف: إذا ركب الذكر الذكر عجت الأرض إلى الله، وهربت الملائكة ~~إلى ربها، وشكت إليه عظيم ما رأت (2). # وقال بعض السلف: إذا أصبح العبد ابتدره الملك والشيطان، فإن (3) ذكر الله ~~وكبره وحمده وهلله طرد الملك الشيطان وتولاه، وإن افتتح بغير ذلك ذهب الملك ~~عنه (4)، وتولاه الشيطان (5). # ولا يزال الملك يقرب من العبد حتى يصير الحكم والغلبة والطاعة ~~PageV01P250 #
# له. فتتولاه الملائكة في حياته، وعند موته، وعند بعثه، كما قال تعالى: ~~{إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ~~ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون (30) نحن أولياؤكم في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة} [فصلت: 30 - 31]. # وإذا تولاه الملك تولاه أنصح الخلق (1) وأنفعهم وأبرهم، فثبته، وعلمه، ~~وقوى جنانه، وأيده. قال تعالى: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا ~~الذين آمنوا} [الأنفال: 12]. ويقول له الملك عند الموت: لا تخف، ولا تحزن، ~~وأبشر بالذي يسرك (2). ويثبته بالقول الثابت أحوج ما يكون إليه في الحياة ~~الدنيا، وعند الموت، وفي القبر عند المساءلة. # فليس أحد أنفع للعبد من صحبة الملك له، وهو [53/ أ] وليه في يقظته ~~ومنامه، وحياته، وعند موته، وفي قبره، ومؤنسه (3) في وحشته، وصاحبه في ~~خلوته، ومحدثه في سره. يحارب عنه عدوه، ويدافعه عنه، ويعينه عليه، ويعده ~~بالخير، ويبشره به، ويحثه على التصديق بالحق، كما جاء في الأثر (4) الذي ~~يروى مرفوعا وموقوفا: "إن للملك بقلب ابن آدم لمة، وللشيطان لمة. فلمة ~~الملك إيعاد بالخير وتصديق بالوعد، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق" ~~(5). PageV01P251 #
# وإذا اشتد قرب الملك من العبد تكلم على لسانه، وألقى على لسانه القول ~~السديد. وإذا بعد منه، ms131 وقرب منه الشيطان، تكلم على لسانه، وألقى عليه (1) ~~قول الزور والفحش، حتى ترى (2) الرجل يتكلم على لسانه الملك، والرجل يتكلم ~~على لسانه الشيطان. # وفي الحديث: "إن السكينة تنطق على لسان عمر" (3). PageV01P252 #
# وكان أحدهم يسمع الكلمة الصالحة من الرجل، فيقول: ما ألقاها على لسانك ~~إلا الملك (1). ويسمع ضدها، فيقول: ما ألقاها على لسانك إلا الشيطان. ~~فالملك يلقي في القلب الحق، ويلقيه على اللسان. # والشيطان يلقي الباطل في القلب، ويجريه على اللسان. # فمن عقوبة المعاصي أنها تبعد من العبد وليه الذي سعادته في قربه ومجاورته ~~وموالاته، وتدني منه عدوه الذي هلاكه وشقاوته (2) وفساده في قربه وموالاته، ~~حتى إن الملك لينافح عن العبد ويرد عنه إذا سفه عليه السفيه وسبه، كما ~~اختصم بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلان، فجعل أحدهما يسب الاخر ~~وهو ساكت، فتكلم بكلمة يرد بها على صاحبه، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، فقال: يا رسول الله لما رددت عليه بعض قوله قمت. فقال: "كان الملك ينافح ~~عنك، فلما رددت عليه جاء الشيطان، فلم أكن لأجلس" (3). PageV01P253 #
# وإذا دعا العبد المسلم لأخيه بظهر الغيب أمن الملك على دعائه، وقال: لك ~~بمثله (1). وإذا فرغ من قراءة الفاتحة أمنت الملائكة على دعائه (2). # وإذا أذنب العبد المؤمن الموحد المتبع لسبيله وسنة رسوله استغفر له حملة ~~العرش ومن حوله (3). # وإذا نام على وضوء بات في شعاره ملك (4). PageV01P254 #
# فملك المؤمن يرد عنه ويحارب ويدافع، ويعلمه، ويثبته، [53/ ب] ويشجعه. فلا ~~يليق به أن يسيء جواره، ويبالغ في أذاه وطرده عنه وإبعاده، فإنه ضيفه ~~وجاره. وإذا كان إكرام الضيف من الآدميين # والإحسان إلى الجار من لزوم الإيمان وموجباته، فما الظن (1) بإكرام أكرم ~~الأضياف وخير الجير ان وأبرهم؟ وإذا آذى العبد الملك بأنواع المعاصي والظلم ~~والفواحش دعا عليه ربه وقال: لا جزاك الله خيرا (2)، كما يدعو له إذا أكرمه ~~بالطاعة والإحسان. # قال بعض الصحابة: "إن معكم من لا يفارقكم، فاستحيوا منهم وأكرموهم" (3). ~~ولا ألأم ممن لا يستحي من ms132 الكريم العظيم القدر، ولا PageV01P255 #
# يجله، ولا يوقره. وقد نبه سبحانه على هذا المعنى بقوله: {وإن عليكم ~~لحافظين (10) كراما كاتبين (11)} [الانفطار: 10 - 11] أي: استحيوا هؤلاء ~~(1) الحافظين الكرام، وأكرموهم، وأجلوهم أن يروا منكم ما تستحيوا (2) أن ~~يراكم عليه من هو مثلكم. # والملائكة تتاذى مما يتأذى منه بنو آدم (3). فإذا كان ابن آدم يتأذى ممن ~~يفجر ويعصي بين يديه، وإن كان قد يعمل مثل عمله، فما الظن بأذى الملائكة ~~الكرام الكاتبين؟ والله المستعان. PageV01P256 #
# فصل # ومن عقوباتها: أنها تستجلب مواد هلاك العبد في دنياه وآخرته. # فإن الذنوب هي أمراض متى استحكمت قتلت، ولابد. وكما أن البدن لا يكون ~~صحيحا إلا بغذاء يحفظ قوته، واستفرغ يستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط ~~الرديئة التي متى غلبت عليه أفسدته، وحمية يمتنع بها من تناول ما يؤذيه ~~ويخشى ضرره؛ فكذلك القلب لا تتم حياته إلا بغذاء من الإيمان والأعمال ~~الصالحة يحفظ قوته، واستفرغ بالتوبة النصوح يستفرغ (1) المواد الفاسدة ~~والأخلاط الرديئة منه، وحمية توجب له حفظ الصحة وتجنب ما يضادها، وهي عبارة ~~عن ترك استعمال ما يضاد الصحة. والتقوى اسم متناول (2) لهذه إلامور ~~الثلاثة، فما فات منها فات من التقوى بقدره. # وإذا تبين هذا فالذنوب مضادة لهذه الأمور الثلاثة، فإنها تستجلب المواد ~~المؤذية، وتوجب التخليط المضاد للحمية، وتمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح. # فانظر إلى بدن عليل قد تراكمت عليه الأخلاط الرديئة (3) ومواد [54/ أ] ~~المرض، وهو لا يستفرغها ولا يحتمي لها، كيف تكون صحته وبقاؤه؟ ولقد أحسن ~~(4) القائل: PageV01P257 #
# جسمك بالحمية حصنته ... مخافة من ألم طاري # وكان أولى بك أن تحتمي ... من المعاصي خشية النار (1) # فمن حفظ القوة بامتثال الأوامر، واستعمل الحمية باجتناب النواهي، واستفرغ ~~التخليط بالتوبة النصوح = لم يدع للخير مطلبا، ولا من الشر مهربا. والله ~~المستعان. # فصل # فإن لم ترعك (2) هذه العقوبات، ولم تجد (3) لها تأثيرا في قلبك، فأحضره ~~(4) العقوبات الشرعية التي شرعها الله ورسوله على الجرائم، كما قطع اليد في ~~سرقة ثلاثة دراهم، وقطع اليد والرجل في قطع الطريق على معصوم المال ms133 والنفس. ~~وشق الجلد بالسوط على كلمة قذف لمحصن، أو قطرة خمر يدخلها جوفه. وقتل ~~بالحجارة أشنع قتلة في إيلاج الحشفة في فرج حرام، وخفف هذه العقوبة عمن لم ~~يتم عليه نعمة الإحصان بمائة جلدة ونفي سنة عن وطنه وبلده إلى بلاد الغربة. ~~وفرق بين رأس العبد وبدنه إذا وقع على ذات رحم محرم منه (5)، أو ترك الصلاة ~~المفروضة، أو تكلم بكلمة كفر. وأمر بقتل من وطئ ذكرا مثله PageV01P258 #
# وقتل المفعول به. وأمر بقتل من أتى بهيمة وقتل البهيمة معه. وعزم على ~~تحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة في الجماعة. وغير ذلك من العقوبات التي ~~رتبها على الجرائم، وجعلها بحكمته على حسب الدواعي إلى تلك الجرائم (1)، ~~وحسب الوازع عنها. # فما كان الوازع عنه طبيعيا (2) وليس في الطباع داع إليه اكتفى فيه ~~بالتحريم مع التعزير ولم يرتب عليه حدا كأكل الرجيع، وشرب الدم، وأكل ~~الميتة. وما كان في الطباع داع إليه رتب عليه من العقوبة بقدر مفسدته وبقدر ~~داعي الطبع إليه (3). # ولهذا لما كان داعي الطباع إلى الزنى من أقوى الدواعي كانت عقوبته العظمى ~~أشنع القتلات (4) وأعظمها، وعقوبته السهلة أعلى أنواع الجلد مع زيادة ~~التغريب. ولما كان اللواط فيه الأمران كان حده القتل بكل حال. ولما كان ~~داعي السرقة قويا، ومفسدتها كذلك، قطع فيها (5) اليد. # وتأمل حكمته في إفساد العضو الذي باشر به الجناية، كما أفسد على [54/ ب] ~~قاطع الطريق يده ورجله اللتين هما آلة قطعه، ولم يفسد على القاذف لسانه ~~الذي جنى به، إذ مفسدة قطعه تزيد على مفسدة الجناية ولا تبلغها، فاكتفى من ~~ذلك بإيلام جميع بدنه بالجلد. PageV01P259 #
# فإن قيل: فهلا أفسد على الزاني فرجه الذي باشر به المعصية؟ # قيل (1): لوجوه: # أحدها: أن مفسدة ذلك تزيد على مفسدة الجناية، إذ فيه قطع النسل وتعريضه ~~للهلاك. # الثاني: أن الفرج عضو مستور لا يحصل بقطعه مقصود الحد من الردع والزجر ~~لأمثاله من الجناة، بخلاف قطع اليد. # الثالث: أنه إذا قطع يده أبقى له يدا أخرى تعوض عنها، ms134 بخلاف الفرج. # الرابع: أن لذة الزنى عمت جميع البدن، فكان الأحسن أن تعم العقوبة جميع ~~البدن، وذلك أولى من تخصيصها ببضعة منه. # فعقوبات الشارع جاءت على أتم الوجوه، وأوفقها للعقل، وأقومها بالمصلحة. # والمقصود أن الذنوب إما أن تترتب (2) عليها العقوبات الشرعية أو القدرية ~~(3)، أو يجمعهما الله للعبد، وقد يرفعهما (4) عفن تاب وأحسن. # فصل # وعقوبات الذنوب نوعان: شرعية وقدرية. فإذا أقيمت الشرعية (5) PageV01P260 #
# رفعت العقوبات القدرية أو خففتها. ولا يكاد الرب تعالى يجمع على عبده (1) ~~بين العقوبتين، إلا إذا لم تف إحداهما برفع موجب الذنب ولم تكف في زوال ~~دائه (2). # وإذا عطلت العقوبات الشرعية استحالت قدرية، وربما كانت أشد من الشرعية، ~~وربما كانت دونها، ولكنها تعم، والشرعية تخص، فإن الرب تبارك وتعالى لا ~~يعاقب شرعا إلا من باشر الجناية أو تسبب إليها. # وأما العقوبة القدرية فإنها تقع عامة وخاصة، فإن المعصية إذا خفيت لم تضر ~~إلا صاحبها، وإذا أعلنت ضرت الخاصة والعامة. وإذا رأى الناس المنكر ~~فاشتركوا في ترك إنكاره أوشك أن يعمهم الله بعقابه. # وقد تقدم أن العقوبة الشرعية شرعها الله سبحانه على قدر مفسدة الذنب ~~وتقاضي الطبع له (3)، وجعلها سبحانه ثلاثة أنواع: القتل، والقطع، والجلد. ~~[55/ أ] وجعل القتل بإزاء الكفر وما يليه ويقرب منه، وهو الزنا واللواط، ~~فإن هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد الإنساب ونوع الإنسان. # قال الإمام أحمد: لا أعلم بعد القتل ذنبا أعظم من الزنى (4)، واحتج بحديث ~~عبد الله بن مسعود أنه قال: يا رسول الله أي الذنب أعظم (5)؟ # قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك ~~مخافة أن يطعم معك". قال: قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني PageV01P261 #
# بحليلة جارك. فأنزل الله سبحانه تصديقها: {والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} [الفرقان: 68] ~~(1). # والنبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر من كل نوع أعلاه، ليطابق جوابه سؤال ~~السائل، فإنه سأله عن أعظم الذنب، فأجابه بما تضمن ذكر ms135 أعظم أنواعها، وما ~~هو أعظم كل نوع. # فأعظم أنواع الشرك: أن يجعل العبد لله ندا. # وأعظم أنواع القتل: أن يقتل ولده خشية أن يشاركه في طعامه وشرابه. # وأعظم أنواع الزنى: أن يزني بحليلة جاره، فإن مفسدة الزنى تتضاعف بتضاعف ~~ما انتهكه من الحق. # فالزنى (2) بالمرأة التي لها زوج أعظم إثما وعقوبة من التي لا زوج لها، ~~إذ فيه انتهاك حرمة الزوج، وإفساد فراشه، وتعليق نسب عليه لم يكن منه، وغير ~~ذلك من أنواع أذاه. فهو أعظم إثما وجرما من الزنى بغير ذات البعل. # فإن كان زوجها جارا له انضاف إلى ذلك (3) سوء الجوار وأذى PageV01P262 #
# جاره (1) بأعلى أنواع الأذى، وذلك من أعظم البوائق. وقد ثبت عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه" ~~(2). ولا بائقة أعظم من الزنى بامرأته، فالزنى بمائة امرأة لا زوج لها أيسر ~~عند الله من الزنى بامرأة الجار. # فإن كان الجار أخا له أو قريبا من أقاربه انضم إلى ذلك قطيعة الرحم، ~~فيتضاعف (3) الإثم. # فإن كان الجار غائبا في طاعة الله كالصلاة وطلب العلم والجهاد تضاعف ~~الإثم، حتى إن الزاني بامرأة المغازي في سبيل الله يوقف له يوم القيامة، ~~ويقال (4): خذ من حسناته ما شئت. قال النبي- صلى الله عليه وسلم -: "فما ~~ظنكم؟ " (5) أي ما ظنكم أن (6) يترك له من حسنات؟ [55/ ب] قد حكم في أن ~~يأخذ منها ما شاء، على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة، حيث لا يترك PageV01P263 #
# الأب لابنه ولا الصديق لصديقه حقا يجب له (1) عليه. # فإن اتفق أن تكون المرأة رحما منه انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها. # فإن اتفق أن يكون الزاني محصنا كان الإثم أعظم، فإن كان شيخا كان أعظم ~~إثما (2)، وهو أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ~~ولهم عذاب أليم (3). # فإن اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام، أو بلد حرام، أو وقت معظم عند الله ~~كأوقات الصلاة وأوقات الإجابة = تضاعف الإثم. # وعلى هذا فاعتبر ms136 مفاسد الذنوب، وتضاعف درجاتها في الإثم والعقوبة. والله ~~المستعان. # فصل # وجعل سبحانه القطع بإزاء إفساد الأموال الذي لا يمكن الاحتراز منه، فإن ~~السارق لا يمكن الاحتراز منه؛ لأنه يأخذ المال في اختفاء، وينقب الدور، ~~ويتسور من غير الأبواب، فهو كالسنور أو الحية (4) التي تدخل عليك من حيث لا ~~تعلم. فلم ترتفع مفسدة سرقته إلى القتل، ولا تندفع بالجلد، فأحسن ما دفعت ~~به مفسدته إبانة العضو الذي يتسلط به على الجناية. PageV01P264 #
# وجعل الجلد بإزاء إفساد العقول (1) وتمزيق الأعراض بالقذف. # فدارت عقوباته -سبحانه- الشرعية على هذه الأنواع الثلاثة، كما دارت ~~الكفارات على ثلاثة أنواع: العتق وهو أعلاها، والإطعام، والصيام. # ثم إنه سبحانه جعل ### | الذنوب ثلاثة أقسام: # قسما (2) فيه الحد، فهذا لم يشرع فيه كفارة، اكتفاء بالحد. # وقسما لم يرتب عليه حدا، فشرع فيه الكفارة كالوطء في نهار رمضان، والوطء ~~في الإحرام، والظهار، وقتل الخطأ، والحنث في اليمين، وغير ذلك. # وقسما لم يرتب عليه حدا ولا كفارة، وهو نوعان: # أحدهما: ما كان الوازع عنه طبعيا كأكل العذرة، وشرب البول والدم. # والثاني: ما كانت مفسدته أدنى من مفسدة ما رتب عليه الحد كالنظر، ~~والقبلة، واللمس، والمحادثة، وسرقة فلس، ونحو ذلك. # وشرع ### | الكفارة [56/ أ] في ثلاثة أنواع: # أحدها: ما كان (3) مباح الأصل ثم عرض تحريمه، فباشره في الحال التي عرض ~~فيها التحريم، كالوطء في الإحرام والصيام (4) وطرده الوطء PageV01P265 #
# في الحيض والنفاس، بخلاف الوطء في الدبر، ولهذا كان إلحاق بعض الفقهاء له ~~بالوطء في الحيض (1) لا يصح، فإنه لا يباح (2) في وقت دون وقت، فهو بمنزلة ~~التلوط وشرب المسكر. # النوع الثاني: ما عقده لله من نذر، أو بالله من يمين، أو حرمه الله ثم ~~أراد حله؛ فشرع الله سبحانه حله بالكفارة، وسماها تحلة. وليست هذه الكفارة ~~ماحية لهتك حرمة الاسم (3) بالحنث كما ظنه بعض الفقهاء، فإن الحنث قد يكون ~~واجبا، وقد يكون مستحبا (4)، وقد يكون مباحاة وإنما الكفارة حل لما عقده. # النوع الثالث: ما تكون (5) فيه جابرة لما فات، ككفارة قتل ms137 الخطأ (6) وإن ~~لم يكن هناك إثم، وكفارة قتل الصيد خطأ، فإن ذلك من باب الجوابر. والنوع ~~الأول من باب الزواجر، والنوع الوسط من باب التحلة لما منعه العقد. # ولا يجتمع الحد والتعزير في معصية، بل إن كان فيها حد اكتفي به، وإلا ~~اكتفى بالتعزير. ولا يجتمع الحد والكفارة في معصية، بل كل معصية فيها حد ~~(7) فلا كفارة فيها، وما فيه كفارة فلا حد فيه. PageV01P266 #
# وهل يجتمع التعزير والكفارة في المعصية التي لاحد فيها؟ فيه وجهان. وهذا ~~كالوطء في الإحرام والصيام، ووطء الحائض، إذا أوجبنا فيه الكفارة. فقيل: ~~يجب التعزير لما انتهك من الحرمة بركوب الجناية. # وقيل: لا تعزير في ذلك اكتفاء بالكفارة؛ لأنها (1) جابرة وماحية. # فصل # وأما العقوبات القدرية فهي نوعان: نوع على القلوب والنفوس، ونوع على ~~الأبدان والأموال. # والتي على القلوب (2) نوعان: # أحدهما: الام وجودية يضرب بها القلب. # والثاني: قطع المواد التي بها حياته وصلاحه عنه. وإذا قطعت (3) عنه حصل ~~له أضدادها. # وعقوبة القلوب أشد العقوبتين، وهي أصل عقوبة الأبدان. وهذه العقوبة تقوى ~~وتتزايد حتى تسري من القلب إلى البدن، كما يسري ألم البدن إلى القلب. فإذا ~~[56/ ب] فارقت النفس البدن صار الحكم متعلقا بها، فظهرت عقوبة القلب حينئذ، ~~وصارت عيانية (4) ظاهرة، وهي المسماة بعذاب القبر. ونسبته إلى البرزخ كنسبة ~~عذاب الأبدان إلى هذه الدار. PageV01P267 #
# فصل # والتي على الأبدان أيضا نوعان: نوع في الدنيا. ونوع في الأخرى. # وشدتها ودوامها بحسب مفاسد ما رتبت عليه في الشدة والخفة. # فليس في الدنيا والآخرة (1) شر أصلا إلا الذنوب وعقوباتها، فالشر (2) اسم ~~لذلك كله. وأصله من شر النفس وسيئات الأعمال، وهما الأصلان اللذان كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ منهما في خطبته بقوله: "ونعوذ بالله ~~من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا" (3). وسيئات الأعمال من # شرور النفس، فعاد الشر كله إلى شر النفس، فإن سيئات الأعمال من فروعه ~~وثمراته. # وقد اختلف في معنى قوله: "ومن سيئات أعمالنا"، هل معناه: PageV01P268 #
# السيىء من أعمالنا، فيكون من ms138 باب إضافة النوع إلى جنسه ويكون بمعنى "من"؟ ~~وقيل: معناه: من عقوباتها التي تسوء، فيكون التقدير: ومن عقوبات أعمالنا ~~التي تسوؤنا (1). # ويرجح هذا القول أن الاستعاذة تكون قد تضمنت جميع الشر، فإن شرور الأنفس ~~تستلزم الأعمال السيئة، وهي تستلزم العقوبات السيئة فنبه بشرور الأنفس على ~~ما تقتضيه من قبح الأعمال، واكتفى بذكرها منه إذ هي أصله. ثم ذكر غاية الشر ~~ومنتهاه، وهو السيئات التي تسوء العبد من عمله من العقوبات والآلام. فتضمنت ~~هذه الاستعاذة أصل الشر، وفروعه، وغايته، ومقتضاه (2). # ومن دعاء الملائكة للمؤمنين قولهم: {وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ ~~فقد رحمته} [غافر: 9]. فهذا يتضمن طلب وقايتهم (3) من سيئات الأعمال ~~وعقوباتها التي تسوء صاحبها، فإنه سبحانه متى وقاهم العمل السيىء وقاهم ~~جزاءه السيىء، وإن كان قوله (4): {ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته} أظهر في ~~عقوبات الأعمال المطلوب وقايتها يومئذ. # فإن قيل: فقد سألوه سبحانه أن يقيهم عذاب الجحيم، وهذا هو وقاية [57/ أ] ~~العقوبات السيئة، فدل على أن المراد بالسيئات التي سألوا وقايتها: الأعمال ~~السيئة، ويكون الذي سأله الملائكة نظير ما استعاذ منه PageV01P269 #
# النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولا يرد على هذا قوله (يومئذ) فإن المطلوب ~~وقاية شرور سيئات الأعمال ذلك اليوم، وهي سيئات في أنفسها. # قيل: وقاية السيئات نوعان: أحدهما: وقاية فعلها بالتوفيق فلا تصدر منه. ~~والثاني: وقاية جزائها بالمغفرة فلا يعاقب عليها. فقد تضمنت (1) الآية سؤال ~~الأمرين، والظرف تقييد للجملة الشرطية لا # للجملة الطلبية (2). # وتأمل ما تضمنه هذا الخبر عن الملائكة من مدحهم بالإيمان والعمل الصالح ~~والإحسان إلى المؤمنين بالاستغفار لهم. وقدموا بين يدي استغفارهم توسلهم ~~إلى الله سبحانه بسعة علمه وسعة رحمته (3). # فسعة علمه تتضمن علمه بذنوبهم وأسبابها، وضعفهم عن العصمة، واستيلاء ~~عدوهم وأنفسهم وهواهم وطباعهم، وما زين لهم من الدنيا وزينتها؛ وعلمه بهم ~~إذ أنشأهم من الأرض وإذ هم أجنة في بطون أمهاتهم، وعلمه السابق بأنه (4) ~~لابد أن يعصوه، وأنه يحب العفو والمغفرة، وغير ذلك من سعة علمه الذي لا ~~يحيط به أحد سواه. ms139 # وسعة رحمته تتضمن أنه لا يهلك عليه أحد من المؤمنين به (5) أهل توحيده ~~ومحبته، فإنه واسع الرحمة، لا يخرج عن دائرة رحمته إلا PageV01P270 #
# الأشقياء، ولا أشقى ممن لم تسعه رحمته التي (1) وسعت كل شيء. # ثم سألوه (2) أن يغفر للتائبين الذين اتبعوا سبيله -وهو صراطه الموصل ~~إليه الذي هو معرفته ومحبته وطاعته- فتابوا مما يكره، واتبعوا السبيل التي ~~يحبها. # ثم سألوه أن يقيهم عذاب الجحيم، وأن يدخلهم والمؤمنين من أصولهم وفروعهم ~~وأزواجهم جنات عدن التي وعدهم بها. وهو سبحانه وإن كان لا يخلف الميعاد ~~فإنه وعدهم بها (3) بأسباب من جملتها: دعاء ملائكته لهم بأن يدخلهم إياها ~~برحمته، فدخلوها (4) برحمته التي منها أن وفقهم لأعمالها، وأقام ملائكته ~~يدعون لهم بدخولها. # ثم أخبر سبحانه عن ملائكته أنهم [57/ ب] قالوا عقيب هذه الدعوة: # {إنك أنت العزيز الحكيم (8)} أي مصدر ذلك وسببه وغايته صادر عن كمال ~~قدرتك وكمال علمك. فالعزة كمال القدرة، والحكمة كمال العلم. وبهاتين ~~الصفتين يقضي سبحانه ما يشاء (5)، ويأمر وينهى، ويثيب ويعاقب. فهاتان ~~الصفتان مصدر الخلق والأمر. # والمقصود: أن عقوبات السيئات تتنوع إلى: عقوبات شرعية. PageV01P271 #
# وعقوبات قدرية. وهي إما في القلب، وإما في البدن، وإما فيهما. # وعقوباب في دار البرزخ (1) بعد الموت. وعقوباب يوم حشر الأجساد. # فالذنب لا يخلو من عقوبة البتة، ولكن لجهل العبد لا يشعر بما هو (2) فيه ~~من العقوبة؛ لأنه بمنزلة السكران والمخدر والنائم الذي لا يشعر بالألم، ~~فإذا استيقظ وصحا أحس بالمؤلم. فترتب العقوبات على الذنوب (3) كترتب ~~الإحراق على النار، والكسر على الانكسار (4)، والإغراق على الماء، وفساد ~~البدن على السموم، والأمراض على الأسباب الجالبة لها. # وقد تقارن المضرة للذنب، وقد تتأخر عنه إما يسيرا وإما مدة (5)، كما ~~يتأخر المرض عن سببه أو يقارنه. وكثيرا ما يقع الغلط للعبد في هذا المقام، ~~ويذنب الذنب فلا يرى أثره عقيبه، ولا يدري أنه يعمل عمله على التدريج شيئا ~~فشيئا، كما تعمل السموم والأشياء الضارة حذو القذة بالقذة. فإن تدارك العبد ~~بالأدوية والاستفراغ والحمية وإلا (6) فهو صائر ms140 إلى الهلاك. هذا إذا كان ~~ذنبا واحدا لم يتداركه بما يزيل أثره، فكيف بالذنب على الذنب كل يوم (7) ~~وكل ساعة؟ فالله المستعان. PageV01P272 #
# فصل # فاستحضر بعض العقوبات التي رتبها الله سبحانه على الذنوب، وجوز وصول ~~بعضها إليك، واجعل ذلك (1) داعيا للنفس إلى هجرانها. # وأنا أسوق لك منها طرفا يكفي العاقل مع التصديق ببعضه. # فمنها: الختم على القلوب والأسماع، والغشاوة على الأبصار، والإقفال على ~~القلوب، وجعل الأكنة عليها، والرين عليها والطبع، وتقليب الأفئدة والأبصار، ~~والحيلولة بين المرء وقلبه، وإغفال القلب # عن ذكر الرب، وإنساء [58/ أ] الإنسان نفسه، وترك إرادة الله تطهير القلب، ~~وجعل الصدر ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء، وصرف القلوب عن الحق، وزيادتها ~~مرضا على مرضها، وإركاسها ونكسها بحيث تبقى منكوسة؛ كما ذكر الإمام أحمد ~~(2) عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال: القلوب أربعة: فقلب أجرد فيه ~~سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن. وقلب أغلف، فذلك قلب الكافر. وقلب منكوس، فذلك ~~PageV01P273 #
# قلب المنافق. وقلب تمده مادتان: مادة إيمان ومادة نفاق، وهو لما غلب عليه ~~منهما (1). # ومنها: التثبيط عن الطاعة والإقعاد عنها. # ومنها: جعل القلب أصم لا يسمع الحق، أبكم لا ينطق به، أعمى لا يراه؛ ~~فيصير النسبة بين القلب وبين الحق الذي لا ينفعه غيره كالنسبة بين أذن ~~الأصم والأصوات، وعين الأعمى والألوان، ولسان الأخرس والكلام. # وبهذا يعلم (2) أن الصمم والبكم والعمى للقلب بالذات والحقيقة، وللجوارح ~~بالعرض والتبعية. {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ~~(46)} [الحج: 46]. وليس المراد نفي العمى الحسي عن البصر، كيف وقد قال ~~تعالى: {ليس على الأعمى حرج} [النور: 61]، وقال: # {عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2)} [عبس: 1 - 2]. وإنما المراد أن العمى ~~التام في الحقيقة عمى القلب، حتى إن عمى البصر بالنسبة إليه كلا عمى، حتى ~~إنه يصح نفيه بالنسبة إلى كماله وقوته، كما قال (3) - صلى الله عليه وسلم ~~-: "ليس الشديد بالصرعة، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب، (4). # وقوله: "ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، ولكن ~~PageV01P274 #
# المسكين الذي لا يسأل الناس، ولا يفطن له فيتصدق عليه" (1) ونظائره ~~كثيرة. # والمقصود أن من عقوبات المعاصي جعل القلب أعمى أصم أبكم. # ومنها: الخسف بالقلب، كما يخسف بالمكان وما فيه، فيخسف به إلى أسفل ~~سافلين، وصاحبه لا يشعر. وعلامة الخسف به أن لا يزال جوالا حول السفليات ~~والقاذورات والرذائل، كما أن القلب الذي رفعه الله وقربه إليه لا يزال ~~جوالا حول البر والخير ومعالي الأعمال والأقوال والأخلاق. # قال [58/ ب] بعض السلف: إن هذه القلوب جوالة، فمنها ما يجول حول العرش، ~~ومنها ما يجول حول الحش (2). # ومنها: مسخ القلب، فيمسخ كما تمسخ الصورة، فيصير القلب على قلب الحيوان ~~الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته. فمن القلوب ما يمسخ على خلق خنزير ~~(3) لشدة شبه صاحبه به (4)، ومنها ما PageV01P275 #
# يمسخ على خلق (1) كلب أو حمار أو حية أو عقرب وغير ذلك (2). # وهذا تأويل سفيان بن عيينة في قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا ~~طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم} [الأنعام: 38] قال: منهم من يكون على ~~أخلاق السباع العادية، ومنهم من يكون على أخلاق الكلاب وأخلاق الخنزير (3) ~~وأخلاق الحمار، ومنهم من يتطوس في ثيابه كما يتطوس # الطاووس في ريشه، ومنهم من يكون بليدا كالحمار، ومنهم من يؤثر على نفسه ~~كالديك، ومنهم من يألف ويؤلف كالحمام، ومنهم الحقود كالجمل، ومنهم الذي هو ~~خير كله كالغنم، ومنهم أشباه الذئاب، ومنهم أشباه الثعالب التي تروغ ~~كروغانها (4). # وقد شبه الله تعالى أهل الجهل (5) والغي بالحمر تارة (6)، وبالكلب تارة ~~(7)، وبالأنعام تارة (8). وتقوى هذه المشابهة باطنا، حتى تظهر في ~~PageV01P276 #
# الصورة الظاهرة ظهورا خفيفا (1) يراه المتفرسون، وتظهر في الأعمال ظهورا ~~يراه كل أحد. ولا يزال يقوى حتى يستتبع (2) الصورة، فتنقلب له الصورة بإذن ~~الله، وهو المسخ التام، فيقلب الله سبحانه (3) الصورة الظاهرة على صورة ذلك ~~الحيوان، كما فعل باليهود وأشباههم، ويفعل بقوم من هذه الأمة: يمسخهم قردة ~~وخنازير (4). # فسبحان الله، كم من قلب منكوس وصاحبه لا يشعر! وقلب ممسوخ، وقلب مخسوف ms142 ~~به! وكم من مفتون بثناء الناس عليه، ومغرور بستر الله عليه"، ومستدرج بنعم ~~الله عليه! وكل هذه عقوبات وإهانة، ويظن الجاهل أنها (5) كرامة. # ومنها: مكر الله بالماكر، ومخادعته للمخادع، واستهزاؤه بالمستهزئ، ~~وإزاغته لقلب الزائغ عن الحق. # ومنها: نكس القلب حتى يرى الباطل حقا والحق باطلا، والمعروف PageV01P277 #
# منكرا والمنكر معروفا، ويفسد ويرى أنه يصلح، [59/ أ] ويصد عن سبيل الله ~~وهو يرى أنه يدعو إليها (1)، ويشتري الضلالة بالهدى وهو يرى أنه على الهدى، ~~ويتبع (2) هواه وهو يزعم أنه مطيع لمولاه. وكل هذا من عقوبات الذنوب ~~الجارية على القلوب. # ومنها: حجاب القلب عن الرب في الدنيا، والحجاب الأكبر يوم القيامة، كما ~~قال تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) كلا إنهم عن ربهم ~~يومئذ لمحجوبون (15)} [المطففين: 14 - 15]. فمنعتهم الذنوب أن يقطعوا ~~المسافة بينهم وبين قلوبهم، فيصلوا إليها، فيروا ما يصلحها ويزكيها، وما ~~يفسدها ويشقيها؟ وأن يقطعوا المسافة بين قلوبهم وبين ربهم، فتصل القلوب ~~إليه، فتفوز بقربه وكرامته، وتقر به عينا، وتطيب به نفسا، بل كانت الذنوب ~~حجابا بينهم وبين قلوبهم، وحجابا بينهم وبين ربهم وخالقهم. # ومنها: المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ، والعذاب في الآخرة. قال ~~تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ~~(124)} [طه: 124]. # وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر (3)، ولا ريب أنه من المعيشة ~~PageV01P278 #
# الضنك، والآية تتناول ما هو أعم منه، وإن كانت نكرة في سياق الإثبات، فإن ~~عمومها من حيث المعنى (1)، فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ~~ذكره. # فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة (2) بحسب إعراضه، وإن تنعم في الدنيا ~~بأصناف النعيم، ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب ~~والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه، وإنما يواريه عنه سكر الشهوات ~~والعشق وحب الدنيا والرياسة، إن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر! فسكر هذه ~~الأمور أعظم من سكر الخمر، فإنه يفيق صاحبه ويصحو، وسكر الهوى وحب الدنيا ~~لا يصحو (3) صاحبه إلا إذا PageV01P279 #
ms143 # صار (1) في عسكر الأموات. # فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - في دنياه، وفي البرزخ، ويوم معاده. # ولا تقر العين، ولا يهدأ القلب، ولا تطمئن النفس إلا بإلهها ومعبودها ~~الذي هو حق، وكل معبود سواه باطل. فمن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن ~~لم تقر عينه [59/ ب] بالله (2) تقطعت نفسه على الدنيا حسرات. والله تعالى ~~إنما جعل الحياة الطيبة لمن آمن به وعمل صالحا، كما قال تعالى: {من عمل ~~صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ~~ما كانوا يعملون (97)} [النحل: 97]. فضمن لأهل الإيمان والعمل الصالح ~~الجزاء في الدنيا بالحياة الطيبة وبالحسنى يوم القيامة، فلهم أطيب ~~الحياتين، وهم أحياء في الدارين. # ونظيبر هذا قوله تعالى: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة ~~خير ولنعم دار المتقين (30)} [النحل: 30]. # ونظيرها قوله تعالى: {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا ~~إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله} [هود: 3]. # ففاز المتقون المحسنون بنعيم الدنيا والآخرة، وحصلوا على الحياة الطيبة ~~في الدارين، فإن طيب النفس وسرور القلب وفرحه ولذته وابتهاجه وطمأنينته ~~وانشراحه ونوره وسعته وعافيته من الشهوات PageV01P280 #
# المحرمة والشبهات الباطلة = هو النعيم على الحقيقة. ولا نسبة لنعيم البدن ~~إليه، فقد كان يقول بعض من ذاق هذه اللذة: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما ~~نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف (1). # وقال آخر: إنه ليمر (2) بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل ~~هذا إنهم لفي عيش طيب (3). # وقال آخر: إن في الدنيا جنة، هي في الدنيا كالجنة في الآخرة، فمن دخلها ~~دخل تلك الجنة، ومن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة (4). # وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذه الجنة بقوله: "إذا مررتم ~~برياض الجنة فارتعوا". قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: "حلق الذكر" (5). ~~PageV01P281 #
# وقال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" (1). # ولا تظن أن (2) قوله تعالى: {إن ms144 الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي ~~جحيم (14)} [الانفطار: 13 - 14]، مختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم ~~في دورهم الثلاثة، وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة. وأي لذة ونعيم (3) في ~~الدنيا أطيب من بر القلب، وسلامة الصدر، ومعرفة الرب # تعالى ومحبته، والعمل على موافقته؟ وهل العيش في الحقيقة إلا عيش [60/ أ] ~~القلب السليم؟ # وقد أثنى الله تعالى على خليله بسلامة قلبه فقال: {وإن من شيعته لإبراهيم ~~(83) إذ جاء ربه بقلب سليم (84)} [الصافات: 83 - 84]. وقال حاكيا عنه أنه ~~قال (4): {يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89)} ~~[الشعراء: 88 - 89]. # والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك، والغل، والحقد، والحسد، والشح، ~~والكبر، وحب الدنيا والرياسة. فسلم من كل آفة تبعده من الله (5)، وسلم من ~~كل شبهة تعارض خبره، ومن كل شهوة # تعارض أمره، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده، وسلم من كل قاطع PageV01P282 #
# يقطع عن الله. فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا، وفي جنة في ~~البرزخ (1)، وفي الجنة يوم المعاد. # ولا تتم له سلامته (2) مطلقا حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض ~~التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى ~~يناقض التجريد والإخلاص. وهذه الخمسة # حجب عن الله، وتحت كل واحد (3) منها أنواع كثيرة تتضمن أفرادا لا تنحصر. # ولذلك اشتدت حاجة العبد بل ضرورته إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط ~~المستقيم. فليس العبد أحوج منه إلى هذه الدعوة، وليس شيء انفع له (4) منها. ~~فإن الصراط المستقيم يتضمن علوما وإرادات وأعمالا وتروكا ظاهرة وباطنة تجري ~~عليه كل وقت، فتفاصيل الصراط المستقيم قد يعلمها العبد، وقد لا يعلمها، وقد ~~يكون ما لا يعلمه أكثر مما يعلمه. # وما يعلمه (5) قد يقدر عليه، وقد لا يقدر عليه (6)، وهو من الصراط ~~المستقيم وإن عجز عنه. وما يقدر عليه قد تريده نفسه، وقد لا تريده (7) كسلا ~~وتهاونا أو لقيام مانع (8) وغير ذلك. وما تريده قد يفعله، وقد لا ~~PageV01P283 #
# يفعله. وما يفعله ms145 قد يقوم فيه بشروط الإخلاص، وقد لا يقوم. وما يقوم فيه ~~بشروط الإخلاص قد يقوم فيه بكمال المتابعة، وقد لا يقوم. وما يقوم فيه (1) ~~بالمتابعة قد يثبت عليه، وقد يصرف قلبه عنه. # وهذا كله واقع سار في الخلق، فمستقل ومستكثر. # وليس في [60/ ب] طباع العبد الهداية إلى ذلك، بل متى وكل إلى طباعه حيل ~~بينه وبين ذلك كله (2). وهذا هو الإركاس الذي أركس الله به المنافقين ~~بذنوبهم، فأعادهم إلى طباعهم، وما خلقت عليه نفوسهم من الجهل والظلم (3). # والرب تبارك وتعالى على صراط مستقيم في قضائه وقدره، ونهيه وأمره (4) ~~فيهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم (5) بفضله ورحمته وجعله الهداية حيث ~~تصلح، ويصرف من يشاء عن صراطه المستقيم (6) بعدله وحكمته لعدم صلاحية ~~المحل، وذلك موجب صراطه المستقيم الذي هو عليه. PageV01P284 #
# فهو على صراط مستقيم (1)، ونصب (2) لعباده من أمره صراطا مستقيما دعاهم ~~جميعا إليه حجة منه وعدلا، وهدى من شاء منهم إلى سلوكه نعمة منه وفضلا، ولم ~~يخرج بهذا العدل وهذا الفضل (3) عن صراطه المستقيم (4) الذي هو عليه. # فإذا كان يوم لقائه (5) نصب لخلقه صراطا مستقيما يوصلهم إلى جنته، ثم صرف ~~عنه من صرف عنه في الدنيا، وأقام عليه من أقامه عليه (6) في الدنيا، وجعل ~~نور المؤمنين به وبرسوله وما جاء به الذي كان في قلوبهم في الدنيا نورا ~~ظاهرا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم في ظلمة الجسر (7)، وحفظ عليهم نورهم حتى ~~قطعوه (8)، كما حفظ عليهم الإيمان به حتى لقوه. وأطفأ نور المنافقين أحوج ~~ما كانوا إليه، كما أطفأه من قلوبهم في الدنيا. وأقام أعمال العصاة بجنبتي ~~الصراط كلاليب وحسكا تخطفهم، كما خطفتهم في الدنيا عن الاستقامة عليه، وجعل ~~قوة سيرهم وسرعتهم عليه على قدر قوة سيرهم وسرعتهم إليه في الدنيا (9). ~~PageV01P285 #
# ونصب للمؤمنين حوضا يشربون منه بإزاء شربهم من شرعه في الدنيا، وحرم من ~~الشرب منه (1) هناك من حرمه من الشرب من شرعه ودينه ها هنا (2). # فانظر إلى الآخرة كأنها رأي عين، وتأمل حكمة الله سبحانه في الدارين، ms146 ~~تعلم حينئذ علما يقينا لاشك فيه أن الدنيا مزرعة الآخرة وعنوانها ~~وأنموذجها، وأن منازل الناس فيها في السعادة [61/ أ] والشقاوة على حسب ~~منازلهم في هذه الدار في الإيمان والعمل الصالح وضدهما. # وبالله التوفيق. # ف ### | من أعظم عقوبات الذنوب: الخروج عن الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة # فصل # ولما كانت الذنوب متفاوتة في درجاتها ومفاسدها تفاوتت عقوباتها في الدنيا ~~والآخرة بحسب تفاوتها. # ونحن نذكر فيها بعون الله وتوفيقه (3) فصلا وجيزا جامعا، فنقول: ~~PageV01P286 #
# أصلها نوعان: ترك مأمورا وفعل محظور. وهما الذنبان اللذان ابتلى الله ~~سبحانه بهما أبوي الجن والإنس. # وكلاهما ينقسم باعتبار محله إلى ظاهر على الجوارح، وباطن في القلب. # وباعتبار متعلقه إلى حق لله، وحق لخلقه (1). وإن كان كل حق لخلقه فهو ~~متضمن لحقه (2)، لكن سمي حقا للخلق لأنه يجب بمطالبتهم ويسقط بإسقاطهم. # ثم هذه الذنوب تنقسم إلى أربعة أقسام: ملكية، وشيطانية، وسبعيه، وبهيمية، ~~ولا تخرج (3) عن ذلك. # ف ### | الذنوب الملكية: # أن يتعاطى ما لا يصلح له من صفات الربوبية كالعظمة، والكبرياء، والجبروت، ~~والقهر، والعلو، واستعباد الخلق، ونحو ذلك. # ويدخل في هذا (4): الشرك بالرب تعالى، وهو نوعان: شرك به في أسمائه ~~وصفاته، وجعل الهة أخرى (5) معه. وشرك به في معاملته، وهذا الثاني قد لا ~~يوجب دخول النار، وإن أحبط العمل الذي أشرك فيه مع الله غيره. PageV01P287 #
# وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب. ويدخل فيه القول على الله بلا علم في خلقه ~~وأمره. فمن كان من أهل هذه الذنوب فقد نازع الله سبحانه ربوبيته وملكه، ~~وجعل له ندا. وهذا (1) أعظم الذنوب عند الله، ولا ينفع معه عمل. # فصل # وأما الشيطانية، فالتشبه بالشيطان في الحسد، والبغي، والغش والغل، ~~والخداع، والمكر، والأمر بمعاصي الله (2) وتحسينها، والنهي عن طاعته، ~~وتهجينها، والابتداع في دينه، والدعوة إلى البدع والضلال. # وهذا النوع يلي النوع الأول في المفسدة، وإن كانت مفسدته دونه [61/ ب]. # فصل # وأما السبعية، فذنوب العدوان، والغضب، وسفك الدماء، والتوثب على الضعفاء ~~والعاجزين. ويتولد منها أنواع أذى النوع الإنساني، والجرأة على الظلم ~~والعدوان. ms147 # وأما ### | الذنوب البهيمية، # فمثل الشره والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج. ومنها يتولد الزنى، ~~والسرقة، وأكل أموال اليتامى (3)، والبخل والشح، والجبن، والهلع، والجزع، ~~وغير ذلك. # وهذا القسم أكثر ذنوب الخلق لعجزهم عن الذنوب السبعية PageV01P288 #
# والملكية. ومنه يدخلون إلى سائر الأقسام، فهو يجرهم إليها بالزمام، ~~فيدخلون منه إلى الذنوب السبعية، ثم إلى الشيطانية، ثم إلى منازعة الربوبية ~~والشرك في الوحدانية. # ومن تأمل هذا حق التأمل تبين له أن الذنوب دهليز (1) الشرك، والكفر، ~~ومنازعة الله ربوبيته (2). # فصل # وقد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم والأئمة على أن من ~~الذنوب كبائر وصغائر. قال تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم} [النساء: 31]. وقال تعالى: ({الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ~~إلا اللمم} [النجم: 32] (3). # وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (4): "الصلوات الخمس ~~والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت ~~الكبائر" (5). # وهذه الأعمال المكفرة لها ثلاث درجات: إحداها (6): أن تقصر عن تكفير ~~الصغائر، لضعفها وضعف PageV01P289 #
# الإخلاص فيها والقيام بحقوقها؛ بمنزلة الدواء الضعيف (1) الذي ينقص عن ~~مقاومة الداء كمية وكيفية. # الثانية: أن تقاوم الصغائر، ولا ترتقي إلى تكفير شيء من الكبائر. # الثالثة: أن تقوى على تكفير الصغائر، وتبقى فيها قوة تكفر بها بعض ~~الكبائر. # فتأمل هذا، فإنه يزيل عنك إشكالات كثيرة. # وفي الصحيحين (2) عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (3): "ألا أنبئكم ~~بأكبر الكبائر؟ " قلنا: بلى يا رسول الله. قال: "الإشراك بالله، وعقوق ~~الوالدين، وشهادة الزور". # [62/ أ] وفي الصحيحين (4) عنه - صلى الله عليه وسلم -: "اجتنبوا السبع ~~الموبقات". # قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: "الشرك بالله (5)، والسحر، وقتل النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، ~~وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". PageV01P290 #
# وفي الصحيحين (1) عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل: أي الذنب أكبر عند ~~الله؟ قال: "أن تدعو لله ندا، وهو خلقك". قيل: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك ~~مخافة أن يطعم معك". ms148 قيل (2): ثم أي؟ قال: "أن تزاني بحليلة جارك". # فأنزل الله تعالى تصديقها: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} [الفرقان: 68]. # واختلف الناس في الكبائر، هل (3) لها عدد يحصرها؟ على قولين. # ثم الذين (4) قالوا بحصرها اختلفوا في عددها: # فقال عبد الله بن مسعود: هي أربع (5). # وقال عبد الله بن عمر: هي سبع (6). # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هي تسعة (7). PageV01P291 #
# وقال غيره: هي أحد عشر (1). # وقال آخر: هي سبعون (2). # وقال أبو طالب المكي: جمعتها من أقوال الصحابة، فوجدتها: أربعة في القلب، ~~وهي: الشرك، والإصرار على المعصية، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر ~~الله. وأربعة في اللسان، وهي: شهادة # الزور، وقذف المحصنات، واليمين الغموس، والسحر. وثلاث (3) في البطن: شرب ~~الخمر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا. واثنان في الفرج، وهما: الزنا، ~~واللواطة. واثنان في اليدين، وهما: القتل، والسرقة. # وواحد في الرجلين، وهو الفرار من الزحف. وواحد يتعلق بجميع الجسد وهو ~~عقوق الوالدين (4). # والذين لم يحصروها بعدد، منهم من قال: كل ما نهى الله (5) عنه في القرآن ~~فهو كبيرة، وما نهى عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو صغيرة (6). # وقالت طائفة: ما اقترن بالنهي عنه وعيد من لعن أو غضب أو عقوبة ~~PageV01P292 #
# فهو كبيرة، وما لم يقترن به شيء من ذلك فهو صغيرة (1). # وقيل: كل ما رتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو كبيرة. وما لم ~~يرتب عليه لا هذا ولا هذا فهو صغيرة (2). # وقيل: كل ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من [62/ ب] الكبائر، وما كان ~~تحريمه في شريعة دون شريعة فهو صغيرة. # وقيل: كل ما لعن الله أو رسوله فاعله فهو كبيرة. # وقيل: هي ما ذكر (3) من أول سورة النساء إلى قوله: {إن تجتنبوا كبائر ما ~~تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} [النساء: 31] (4). # والذين لم يقسموها إلى كبائر وصغائر (5) قالوا: الذنوب كلها PageV01P293 #
# بالنسبة إلى الجراءة على الله سبحانه ومعصيته ms149 ومخالفة أمره كبائر، فالنظر ~~إلى من عصي أمره وانتهكت محارمه يوجب أن تكون الذنوب كلها كبائر، وهي ~~مستوية في هذه المفسدة. # قالوا: ويوضح هذا أن الله سبحانه لا تضره الذنوب ولا يتأثر بها، فلا يكون ~~بعضها بالنسبة إليه أكبر من بعض، فلم يبق إلا مجرد معصيته ومخالفته، ولا ~~فرق في ذلك بين ذنب وذنب. # قالوا: ويدل عليه أن مفسدة الذنوب إنما هي متابعة للجراءة والتوثب على حق ~~الرب تعالى. ولهذا لو شرب رجل خمرا أو وطئ فرجا حراما وهو لا يعتقد تحريمه ~~لكان قد جمع بين الجهل وبين مفسدة ارتكاب الحرام. ولو فعل ذلك من يعتقد ~~تحريمه لكان آتيا بإحدى المفسدتين، وهو الذي يستحق العقوبة دون الأول. فدل ~~على أن مفسدة الذنب متابعة للجراءة والتوثب. # قالوا: ويدل على هذا أن المعصية تتضمن الاستهانة بأمر المطاع ونهيه، ~~وانتهاك حرمته. وهذا لا فرق فيه بين ذنب وذنب. # قالوا: فلا ينظر العبد إلى كبر الذنب وصغره في نفسه، ولكن ينظر إلى قدر ~~من عصاه وعظمته، وانتهاك حرمته بالمعصية. وهذا لا يفترق فيه الحال بين ~~معصية ومعصية، فإن ملكا مطاعا عظيما (1) لو أمر أحد مملوكيه أن يذهب في مهم ~~له إلى بلد بعيد، وأمر اخر أن يذهب في شغل له إلى جانب الدار، فعصياه ~~وخالفا أمره، لكانا في مقته والسقوط من عينه سواء. PageV01P294 #
# قالوا: ولهذا كانت معصية من ترك الحج من مكة أو ترك (1) الجمعة وهو جار ~~المسجد أقبح عند الله من معصية من تركه من المكان البعيد. # والواجب على هذا أكثر من الواجب على هذا. ولو كان مع رجل مائتا درهم فمنع ~~(2) زكاتها، ومع آخر مائتا ألف ألف فمنع زكاتها [63/ أ] لاستويا (3) في منع ~~ما وجب على كل واحد منهما. ولا يبعد استواؤهما في العقوبة إذ كان كل منهما ~~مصرا على منع زكاة ماله، قليلا كان المال أو كثيرا. # فصل # وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال: إن الله عز وجل أرسل رسله، وأنزل ~~كتبه، وخلق السموات والأرض، ليعرف، ويوحد، ms150 ويعبد، ويكون الدين كله له (4)، ~~والطاعة كلها له، والدعوة له، كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون (56)} [الذاريات: 56]. # وقال تعالى: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} [الحجر: ~~85]. # وقال تعالى {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن ~~لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما (12)} ~~[الطلاق: 12]. PageV01P295 #
# وقال تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن ~~الله بكل شيء عليم (97)} [المائدة: 97]. # فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر أن يعرف بأسمائه وصفاته، ويعبد وحده ~~لا يشرك به، وأن يقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات ~~والأرض، كما قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد: 25]، فأخبر أنه أرسل رسله، وأنزل ~~كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل (1). ومن أعظم القسط: التوحيد، بل هو ~~رأس العدل وقوامه، وإن الشرك لظلم عظيم. فالشرك (2) أظلم الظلم، والتوحيد ~~أعدل العدل. فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر، وتفاوتها ~~في درجاتها بحسب منافاتها له. وما كان أشد موافقة لهذا المقصود (3) فهو ~~أوجب الواجبات، وأفرض الطاعات. # فتأمل هذا الأصل حق التأمل، واعتبر به تفاصيله تعرف به حكمة أحكم ~~الحاكمين وأعلم العالمين فيما فرضه على عباده، وحرمه عليهم؛ وتفاوت مراتب ~~الطاعات والمعاصي. # ولما (4) كان الشرك بالله منافئا بالذات [63/ ب] لهذا المقصود كان أكبر ~~الكبائر على الإطلاق، وحرم الله الجنة على كل مشرك، وأباح دمه PageV01P296 #
# وماله وأهله (1) لأهل التوحيد وأن يتخذوهم عبيدا لهم، لما تركوا (2) ~~القيام بعبوديته. وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك (3) عملا، أو يقبل فيه ~~شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقيل له فيها عثرة، فإن المشرك ~~أجهل الجاهلين بالله، حيث جعل له من خلقه ندا، وذلك غاية الجهل به، كما أنه ~~غاية الظلم منه؛ وإن كان المشرك لم يظلم ربه، ms151 وإنما ظلم نفسه (4). # ووقعت مسألة، وهي (5) أن المشرك إنما قصده تعظيم جناب الرب تبارك وتعالى، ~~وأنه لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء كحال الملوك، ~~فالمشرك لم يقصد إلاستهانة بجناب الربوبية، وإنما قصد تعظيمه، وقال: إنما ~~أعبد هذه الوسائط لتقربني إليه، وتدخلني عليه، فهو المقصود، وهذه وسائل ~~وشفعاء. فلم كان هذا القدر موجبا لسخطه وغضبه تبارك وتعالى، ومخلدا في ~~النار، وموجبا لسفك دماء أصحابه واستباحة حريمهم وأموالهم؟ # وترتب (6) على هذا سؤال آخر، وهو أنه هل يجوز أن يشرع الله PageV01P297 #
# سبحانه لعباده التقرب إليه بالشفعاء والوسائط (1)، فيكون تحريم هذا إنما ~~استفيد من الشرع، أم ذلك قبيح في الفطر والعقول، ممتنع (2) أن تأتي به ~~شريعة، بل جاءت الشرائع بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح ~~من كل قبيح؟ وما السر في كونه لا يغفر من بين سائر الذنوب، كما قال تعالى: ~~{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48]. # فتأمل هذا السؤال، واجمع قلبك وذهنك على جوابه، ولا تستهونه، فإنه (3) به ~~يحصل الفرق بين الموحدين والمشركين (4)، والعالمين بالله والجاهلين به، ~~وأهل الجنة وأهل النار. فنقول، وبالله التوفيق والتأييد، ومنه نستمد ~~المعونة والتسديد، فإنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ~~[64/ أ] ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع: # الشرك شركان: # شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله. # وشرك في عبادته ومعاملته (5)، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له ~~في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله (6). PageV01P298 #
# والشرك الأول نوعان: # أحدهما: شرك التعطيل. وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: وما رب ~~العالمين؟ (1)، وقال لهامان: ابن لي صرحا، لعلي أطلع إلى إله موسى، وإني ~~لأظنه من الكاذبين (2). والشرك والتعطيل متلازمان. فكل مشرك معطل، وكل معطل ~~مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرا بالخالق ~~سبحانه وصفاته، ولكنه عطل حق التوحيد (3). # وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع ms152 (4) إليها هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام: ~~تعطيل (5) المصنوع عن صانعه وخالقه. # وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس، بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله ~~(6). # وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. # ومن هذا: شرك (7) طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثم خالق ~~ومخلوق، ولا ها هنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق PageV01P299 #
# المشبه (1). # ومنه (2): شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن ~~معدوما أصلا بل لم يزل ولا يزال. والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ~~ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها العقول والنفوس. # ومن هذا: شرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية ~~والقرامطة، فلم يثبتوا له اسما ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه إذ كمال ~~الذات بأسمائها وصفاتها. # فصل # النوع الثاني: شرك من جعل معه إلها اخر، ولم يعطل أسماءه وصفاته ~~وربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح الها وأمه ~~إلها. # ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر ~~[64/ ب] إلى الظلمة. # ومن هذا: شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه، ~~وأنها (3) تحدث بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته، ولهذا كانوا أشباه المجوس. ~~PageV01P300 #
# ومن هذا: شرك الذي حاج إبراهيم في ربه {إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ~~ويميت قال أنا أحيي وأميت} [البقرة: 258] فهذا جعل نفسه ندا لله، يحيي ~~ويميت بزعمه كما يحيي الله ويميت (1). فألزمه إبراهيم أن طرد قولك أن تقدر ~~على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها. # وليس هذا انتقالا كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزام (2) على طرد الدليل إن ~~كان حقا. # ومن هذا: شرك كثيبر ممن يشرك بالكواكب العلويات، ويجعلها أربابا مدبرة ~~لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم. # ومن هذا: شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم. # ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة. ومنهم من يزعم أنه ~~أكبر الالهة. ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الالهة، ms153 وأنه إذا خصه بعبادته ~~والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به. ومنهم من يزعم أن معبوده ~~الأدنى يقربه إلى المعبود الذي هو فوقه، والفوقاني يقربه إلى من هو فوقه، ~~حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله سبحانه؛ فتارة تكثر الوسائط، وتارة تقل (3). # فصل # وأما الشرك في العبادة، فهو أسهل من هذا الشرك، وأخف أمرا، فإنه يصدر ممن ~~يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر وينفع ويعطي ويمنع PageV01P301 #
# إلا الله، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، ولكن لا يخلص لله في معاملته ~~وعبوديته، بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة ~~والمنزلة والجاه عند الخلق تارة. فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحظه ~~وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب. وهذا حال أكثر الناس. # وهو الشرك الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه ابن حبان ~~في صحيحه (1): "الشرك في هذه الأمة [65/ أ] أخفى من دبيب النمل". # قالوا: وكيف ننجو منه يا رسول الله؟ قال: "قل: اللهم إني أعوذ بك أن ~~PageV01P302 #
# أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم". # فالرياء كله شرك. قال تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم ~~إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا (110)} [الكهف: 110]. أي كما أنه إله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي ~~أن تكون العبادة له وحده. فكما (1) تفرد بالإلهية يجب أن يفرد (2) ~~بالعبودية. فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء، المقيد بالسنة. # وكان من دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللهم اجعل عملي كله صالحا، ~~واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا (3). # وهذا الشرك في العبادة يبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه إذا كان العمل ~~واجبا، فإنه ينزله منزلة من لم يعمله، فيعاقب على ترك الأمر. # فإن الله سبحانه إنما أمر بعبادته خالصة (4). قال تعالى: {وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} [البينة: 5]. فمن لم يخلص لله في ms154 ~~عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور به (5)، فلا ~~يصح، ولا يقبل منه. # ويقول الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل "عملا ~~PageV01P303 #
# أشرك معي (1) فيه غيري، فهو للذي أشرك به، وأنا منه بريء" (2). # وهذا الشرك ينقسم إلى مغفور وغير مغفور، وأكبر وأصغر. # و ### | النوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفورا # (3). # فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم أن يحب مخلوقا كما يحب الله، فهذا ~~من الشرك الذي لا يغفره الله. وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه (4):) {ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله} [البقرة: 165]. # وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعتهم (5) الجحيم: {تالله إن كنا لفي ~~ضلال مبين (97) إذ نسويكم برب العالمين (98)} [الشعراء: 97 - 98]. # ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه في الخلق والرزق والإماتة والإحياء ~~والملك والقدرة، وإنما سووهم به (6) في الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل. ~~وهذا غاية الظلم والجهل. فكيف يسوى [65/ ب] التراب برب الأرباب؟ وكيف يسوى ~~العبيد (7) بمالك الرقاب؟ وكيف يسوى الفقير بالذات، الضعيف بالذات، العاجز ~~PageV01P304 #
# بالذات (1)، المحتاج بالذات، الذي ليس له من ذاته إلا العدم = بالغني ~~بالذات، القادر بالذات، الذي غناه وقدرته وملكه (2) وجوده وإحسانه وعلمه ~~ورحمته وكماله المطلق التام من لوازم ذاته؟ # فأي ظلم أقبح من هذا؟ وأي حكم أشد جورا منه حيث عدل من لاعدل له بخلقه؛ ~~كما قال تعالى: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ~~ثم الذين كفروا بربهم يعدلون (1)} [الأنعام: 1]، فعدل المشرك من خلق ~~السموات والأرض وجعل الظلمات والنور بمن لا # يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض. فيا لك من عدل ~~تضمن أكبر الظلم وأقبحه (3)! # فصل (4) # ويتبع هذا الشرك (5) الشرك به سبحانه في الأفعال والأقوال والإرادات ~~والنيات. # فالشرك في الأفعال كالسجود لغيره، والطواف بغير بيته، وحلق الرأس عبودية ~~وخضوعا لغيره، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذي هو يمينه في الأرض، ms155 و ~~(6) تقبيل القبور واستلامها والسجود لها. PageV01P305 #
# وقد لعن النبي (1) - صلى الله عليه وسلم - من اتخذ قبور الأنبياء ~~والصالحين مساجد يصلى لله فيها، فكيف بمن اتخذ القبور أوثانا يعبدها من دون ~~الله! ففي الصحيحين (2) عنه أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد" (3). # وفي الصحيح عنه (4): "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، ~~والذين يتخذون القبور مساجد" (5). # وفي الصحيح أيضا عنه: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد. ألا ~~(6)، فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن PageV01P306 #
# ذلك" (1) # وفي مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان (2) عنه - صلى الله عليه وسلم -: ~~"لعن الله زوارات (3) القبور [66/ أ] والمتخذين عليها المساجد والسرج". # وقال: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (4). ~~PageV01P307 #
# وقال: "إن من كان قبلكم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره ~~مسجدا، وصوروا فيه تلك الصورة (1). أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" ~~(2). # فهذا حال من سجد لله في مسجد على قبر، فكيف حال (3) من سجد للقبر نفسه! # وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" (4). # وقد حمى (5) النبي- صلى الله عليه وسلم - جانب التوحيد أعظم حماية، حتى ~~نهى عن صلاة التطوع لله سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها (6)، لئلا يكون ~~PageV01P308 #
# ذريعة إلى التشبه بعباد الشمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين، وسد ~~الذريعة بأن منع من الصلاة بعد العصر والصبح (1) لاتصال هذين الوقتين ~~بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس. # وأما السجود لغير الله فقال: "لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله" (2). # "ولا ينبغي لا في كلام الله ورسوله للذي هو في غاية الامتناع شرعا (3)، ~~كقوله تعالى: {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (92)} [مريم: 92]، وقوله: ~~{وما علمناه الشعر وما ينبغي له} [يس: 69]، وقوله: {وما تنزلت به ~~PageV01P309 #
# الشياطين (210) وما ينبغي لهم} [الشعراء: 210 - 211]، وقوله عن الملائكة: ~~{ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء} [الفرقان: ms156 18]. # فصل # ومن الشرك به سبحانه: الشرك به في اللفظ، كالحلف بغيره، كما رواه الإمام ~~أحمد (1) وأبو داود عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من حلف بغير الله ~~فقد أشرك". صححه الحاكم وابن حبان (2). # ومن ذلك قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، كما ثبت عن النبي (3) - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت، فقال: "أجعلتني ~~(4) لله ندا؟ قل: ما شاء الله وحده" (5). PageV01P310 #
# هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة، كقوله: {لمن شاء منكم أن يستقيم ~~(28)} [التكوير: 28] فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب ~~الله وحسبك، ومالي إلا الله وأنت، # وهذا [66/ ب] من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في ~~السماء (1)، وأنت لي في الأرض، أو يقول: والله وحياة فلان، أو يقول: نذرا ~~لله (2) ولفلان، أو أنا تائب لله ولفلان، أو أرجو الله وفلانا، ونحو ذلك؟ # فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول القائل (3): ما شاء الله وشئت، ثم انظر: ~~أيهما أفحش يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~القائل تلك الكلمة، وأنه (4) إذا كان قد جعله لله ندا بها (5)، فهذا (6) قد ~~جعل من لا يداني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شيء من الأشياء، بل ~~لعله أن يكون من أعدائه، PageV01P311 #
# ندا لرب العالمين. # فالسجود، والعبادة، والتوكل، والإنابة، والتقوى، والخشية، والتحسب، ~~والتوبة، والنذر، والحلف، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، والتحميد، ~~والاستغفار، وحلق الرأس خضوعا وتعبدا، والطواف # بالبيت، والدعاء- كل ذلك محض حق الله الذي لا يصلح ولا ينبغي لسواه من ~~ملك مقرب ولا نبي مرسل (1). # وفي مسند الإمام أحمد (2) أن رجلا أتي به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قد أذنب ذنبا، فلما وقف بين يديه قال: اللهم إني أتوب إليك، ولا أتوب إلى ~~محمد. فقال: "عرف الحق لأهله". # فصل # وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقل من ~~ينجو منه. فمن أراد بعمله غير وجه ms157 الله، أو نوى (3) شيئا غير التقرب إليه ~~وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته. PageV01P312 #
# والإخلاص أن يخلص لله في أقواله (1) وأفعاله وإراداته ونيته. وهذه هي ~~الحنيفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد ~~غيرها. وهي حقيقة الإسلام، {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين (85)} [آل عمران: 85]، وهي ملة إبراهيم التي من رغب ~~عنها فهو من أسفه السفهاء. # فصل (2) # إذا عرفت هذه المقدمة انفتح لك باب الجواب عن السؤال المذكور، فنقول ومن ~~الله وحده نستمد (3) الصواب: [67/ أ] حقيقة الشرك هو التشبه بالخالق ~~والتشبيه للمخلوق به. هذا هو "التشبيه" في الحقيقة، لا إثبات صفات الكمال ~~التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله سبحانه (4)، فعكس من نكس الله ~~قلبه، وأعمى عين بصيرته، وأركسه بلبسه الأمر وجعل التوحيد تشبيها والتشبيه ~~تعظيما وطاعة فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية. فإن ### | من خصائص الإلهية # التفرد (5) بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك PageV01P313 #
# يوجب تعلق الدعاء (1) والخوف والرجاء والتوكل به وحده. فمن علق ذلك ~~بمخلوق فقد شبهه بالخالق (2)، وجعل ما لا يملك لنفسه ضرا (3) ولا نفعا ~~ولاموتا ولا حياة ولا نشورا، فضلا عن غيره، شبيها لمن له الأمر كله. فأزمة ~~الأمور كلها بيديه (4)، ومرجعها إليه (5)، فما شاء كان، # وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. بل إذا فتح ~~لعبده باب رحمة لم يمسكها أحد، وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد. # فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات. # و ### | من خصائص الإلهية # : الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا نقص (6) فيه بوجه من الوجوه. ~~وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية ~~والدعاء والرجاء والإنابة (7) والتوبة والتوكل والاستعانة وغاية الذل مع ~~غاية الحب = كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة أن يكون له وحده، ويمنع عقلا ~~وشرعا وفطرة أن يكون لغيره. فمن جعل شيئا (8) من ذلك ms158 لغيره فقد شبه ذلك ~~الغير بمن لا شبيه له، ولا مثل له (9)، ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه ~~وأبطله. ولشدة قبحه PageV01P314 #
# وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره، مع أنه كتب على نفسه ~~الرحمة. # ومن خصائص الإلهية: العبودية التي قامت على ساقين (1) لا قوام لها ~~بدونهما: غاية الحب مع غاية الذل. هذا تمام العبودية (2)، وتفاوت منازل ~~الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير ~~الله فقد شبهه به في خالص [67/ ب] حقه، وهذا من المحال أن تجيء به شريعة من ~~الشرائع، وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل، ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق ~~وعقولهم، وأفسدتها عليهم، واجتالتهم (3) عنها. ومضى على الفطرة الأولى من ~~سبقت له من الله الحسنى، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه بما يوافق ~~فطرهم وعقولهم، فازدادوا بذلك نورا على نور، {يهدي الله لنوره من يشاء} ~~[النور: 35]. # إذا عرف هذا فمن خصائص الإلهية: السجود، فمن سجد (4) لغيره فقد شبه ~~المخلوق به. # ومنها: التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به. PageV01P315 #
# ومنها: التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به (1). # ومنها: الحلف باسمه تعظيما وإجلالا له (2)، فمن حلف بغيره فقد شبهه به. # هذا في جانب التشبيه. # وأما في جانب التشبه به، فمن تعاظم وتكبر، ودعا الناس إلى إطرائه في ~~المدح، والتعظيم، والخضوع، والرجاء، وتعليق القلب به خوفا ورجاء والتجاء ~~واستعانة به، فقد تشبه بالله، ونازعه ربوبيته (3) # وإلهيته، وهو حقيق بأن يهينه الله غاية الهوان، ويذله غاية الذل، ويجعله ~~تحت أقدام خلقه. وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "يقول الله عز ~~وجل: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا (4) منهما عذبته" ~~(5). # وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة (6) بيده من أشد الناس عذابا يوم ~~القيامة لتشبهه (7) بالله في مجرد الصنعة، فما الظن بالتشبه بالله في ~~الربوبية والإلهية؟ كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "أشد الناس عذابا يوم ~~القيامة PageV01P316 #
# المصورون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم" ms159 (1). # وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "قال الله عز وجل: ومن ~~أظلم ممن ذهب يخلق خلقا (2) كخلقي؟ فليخلقوا ذرة! (3) فليخلقوا (4) شعيرة" ~~(5). # فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منهما (6) وأكبر. # والمقصود أن هذا حال من تشبه به في صنعة صورة (7)، فكيف حال من تشبه به ~~في خواص ربوبيته وإلهيته؟ وكذلك من تشبه به في الاسم (8) الذي لا ينبغي إلا ~~لله وحده (9)، كملك الأملاك، وحاكم الحكام، ونحوه. # وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -[68/أ] أنه قال: "إن ~~أخنع الأسماء عند الله رجل تسمى بشاهان شاه: ملك الملوك (10)، ولا ملك ~~PageV01P317 #
# إلا الله" (1). # وفي لفظ: "أغيظ رجل على الله رجل تسمى بملك الأملاك" (2). # فهذا مقت الله وغضبه على من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له. فهو ~~سبحانه ملك الملوك وحده (3)، وهو حاكم الحكام وحده، فهو الذي يحكم على ~~الحكام كلهم، ويقضي عليهم كلهم، لا غيره. # فصل # إذا تبين هذا، فههنا أصل عظيم يكشف سر المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند ~~الله إساءة الظن به (4)، فإن المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس، ~~وظن (5) به ما يناقض (6) أسماءه وصفاته. ولهذا توعد الله سبحانه الظانين به ~~ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى: # {عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ~~(6)} [الفتح: 6]. وقال تعالى لمن أنكر صفة من صفاته: {وذلكم ظنكم الذي ~~ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (23)} [فصلت: 23]. PageV01P318 #
# وقال تعالى حاكيا (1) عن خليله إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - (2) إنه ~~قال لقومه: {ماذا تعبدون (85) أئفكا آلهة دون الله تريدون (86) فما ظنكم ~~برب العالمين (87)} [الصافات: 85 - 87]. أي فما ظنكم أن يجازيكم به إذا ~~لقيتموه، وقد عبدتم غيره؟ وماذا ظننتم به حتى (3) عبدتم معه غيره؟ وما ~~ظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك (4) إلى عبودية ~~غيره؟ فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء ms160 قدير، ~~وأنه غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه ~~(5)، وأنه المتفرد (6) بتدبير خلقه، لا يشركه فيه غيره (7)، والعالم ~~بتفاصيل الأمورا فلا تخفى (8) عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده فلا ~~يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه. # وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء، فإنهم محتاجون إلى من يعرفهم أحوال ~~الرعية وحوائجهم، وإلى من يعينهم على قضاء PageV01P319 #
# حوائجهم، وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم (1) بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ~~ضرورة لحاجتهم، وعجزهم، وضعفهم، وقصور علمهم. # فأما القادر على كل شيء، الغني بذاته عن كل شيء، العالم بكل شيء، الرحمن ~~الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء [68/ب] فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص ~~(2) بحق ربوبيته، وإلهيته، وتوحيده (3)؛ وظن به ظن السوء. وهذا يستحيل أن ~~يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق ~~كل قبيح. # ويوضح هذا أن العابد معظم لمعبوده، متأله له، خاضع ذليل له. # والرب تعالى وحده هو الذي يستحق كمال التعظيم والإجلال والتأله والخضوع ~~والذل. وهذا خالص حقه، فمن أقبح الظلم أن يعطى حقه (4) لغيره، أو يشرك بينه ~~وبينه فيه، ولا سيما إذا كان الذي جعل شريكه في حقه هو عبده ومملوكه، كما ~~قال تعالى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ~~ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} [الروم: 28]. # أي إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريكه في رزقه، فكيف تجعلون لي من ~~عبيدي شركاء فيما أنا منفرد (5) به، وهو الإلهية التي لا تنبغي لغيري، ولا ~~تصلح لسواي؟ فمن زعم ذلك فما قدرني حق قدري، PageV01P320 #
# ولا عظمني حق تعظيمي، ولا أفردني بما أنا منفرد (1) به وحدي دون خلقى ~~(2). # فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره، كما قال تعالى: {يا أيها الناس ~~ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له وإن ms161 يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ~~(73) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (74)} [الحج: 73 - 74]. # فما قدر الله حق قدره من عبد معه من لا يقدر على خلق أضعف حيوان وأصغره، ~~وإن سلبه (3) الذباب شيئا مما عليه لم يقدر على استنقاذ منه (4). # وقال تعالى: ({وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (67)} [الزمر: 67]. فما ~~قدر من هذا شأنه وعظمته حق قدره من أشرك معه في عبادته من ليس له شيء من ~~ذلك البتة، بل هو أعجز شيء وأضعفه! فما قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك ~~معه الضعيف الذليل! [69/أ] وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه لم يرسل إلى ~~خلقه رسولا ولا أنزل كتابا، بل نسبه إلى ما لا يليق به ولا يحسن ~~PageV01P321 #
# منه (1)، من إهمال خلقه، وتضييعهم، وتركهم سدى، وخلقهم باطلا عبثا. # ولا قدره حق قدره من نفى حقائق (2) أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فنفى ~~سمعه وبصره، وإرادته واختياره، وعلوه فوق خلقه، وكلامه، وتكليمه لمن شاء من ~~خلقه بما يريد (3)؛ أو نفى عموم قدرته # وتعلقها بأفعال عباده من طاعاتهم (4) ومعاصيهم، فأخرجها عن قدرته ومشيئته ~~وخلقه، وجعلهم يخلقون لأنفسهم ما يشاؤون بدون مشيئة الرب؛ فيكون في ملكه ما ~~لا يشاء، ويشاء ما لا يكون! تعالى الله (5) عن قول أشباه المجوس علوا ~~كبيرا. # وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه يعاقب عبده على ما لا يفعله العبد، ~~ولا له عليه قدرة، ولا تأثير له فيه البتة، بل هو نفس فعل الرب جل جلاله، ~~فيعاقب عبده على فعله، وهو (6) سبحانه الذي جبر العبد عليه، وجبره على ~~الفعل أعظم من إكراه المخلوق للمخلوق. وإذا كان من المستمر في الفطر ~~والعقول أن السيد لو أكره عبده على فعل أو ألجأه إليه ثم عاقبه عليه لكان ~~قبيحا، فأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين كيف يجبر العبد على ~~فعل لا يكون للعبد فيه صنع ولا تأثير، ولا ms162 هو واقع بإرادته، بل ولا هو فعله ~~البتة، ثم يعاقب عليه عقوبة الأبد؟ PageV01P322 #
# تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقول هؤلاء شر من قول أشباه المجوس، ~~والطائفتان ما قدروا الله حق قدره. # وكذلك ما قدره (1) حق قدره من لم يصنه عن بئر (2) ولا حش ولا مكان يرغب ~~عن ذكره، بل جعله في كل مكان؛ وصانه عن عرشه أن يكون مستويا عليه، يصعد ~~إليه (3) الكلم الطيب والعمل الصالح (4)، وتعرج الملائكة والروح إليه وتنزل ~~من عنده، ويدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه (5). فصانه عن ~~استوائه على سرير الملك، ثم جعله في كل مكان يأنف الإنسان بل غيره من ~~الحيوان أن يكون فيه. # وما قدره (6) حق قدره من نفى حقيقة [69/ ب] محبته ورحمته ورأفته ورضاه ~~وغضبه ومقته، ولا من نفى حقيقة حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة ~~بفعله، ولا من نفى حقيقة فعله ولم يجعل له فعلا اختياريا يقوم به، بل ~~أفعاله مفعولات منفصلة عنه، فنفى حقيقة مجيئه (7) وإتيانه، واستوائه على ~~عرشه، وتكليمه موسى من جانب الطور، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين ~~عباده بنفسه، إلى غير ذلك من أفعاله وأوصاف كماله التي نفوها، وزعموا أنهم ~~بنفيها قد قدروه حق قدره. PageV01P323 #
# وكذلك لم يقدره حق قدره من جعل له صاحبة وولدا، أو جعله (1) يحل في ~~مخلوقاته، أو جعله عين (2) هذا الوجود. # وكذلك لم يقدره حق قدره من قال: إنه رفع أعداء رسوله وأهل بيته، وأعلى ~~(3) ذكرهم، وجعل فيهم الملك والخلافة والعز، ووضع أولياء رسوله وأهل بيته، ~~وأهانهم، وأذلهم، وضرب عليهم الذلة (4) أينما ثقفوا. وهذا يتضمن غاية القدح ~~في الرب، تعالى عن قول الرافضة علوا كبيرا. # وهذا القول مشتق من قول اليهود والنصارى في رب العالمين: إنه أرسل ملكا ~~ظالما، فادعى النبوة لنفسه، وكذب على الله، ومكث زمنا طويلا (5) يكذب عليه ~~كل وقت، ويقول: قال كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذاة وينسخ شرائع أنبيائه ~~ورسله، ويستبيح دماء أتباعهم وأموالهم وحريمهم، ويقول: الله أباح لي ذلك! ms163 ~~والرب تعالي يظهره، ويؤيده (6)، ويعليه، ويعزه (7)، ويجيب دعواته (8)، ~~ويمكنه ممن يخالفه، ويقيم الأدلة على صدقه، ولا يعاديه أحد إلا ظفر به، ~~فيصدقه بقوله وفعله # وتقريره، ويحدث أدلة تصديقه شيئا بعد شيء. ومعلوم أن هذا يتضمن ~~PageV01P324 #
# أعظم القدح والطعن في الرب سبحانه وتعالى وعلمه وحكمته ورحمته وربوبيته. ~~تعالى الله عن قول الجاحدين علوا كبيرا. # فوازن بين قول هؤلاء وبين قول (1) إخوانهم من الرافضة تجد القولين: # رضيعي لبان ثدي أم تقاسما (2) ... بأسحم داج عوض لا نتفرق (3) # وكذلك لم يقدره حق قدره من قال: إنه يجوز أن يعذب أولياءه [70/ أ] ومن لم ~~يعصه طرفة عين ويدخلهم دار الجحيم، وينعم أعداءه ومن لم يؤمن به طرفة عين ~~ويدخلهم دار النعيم، وإن كلا الأمرين بالنسبة إليه سواء، وإنما الخبر المحض ~~جاء عنه بخلاف ذلك، فمنعناه للخبر، لا لمخالفة حكمته (4) وعدله. وقد أنكر ~~سبحانه في كتابه (5) على من جوز عليه ذلك غاية الإنكار (6)، وجعل الحكم به ~~من أسوأ الأحكام. # وكذلك لم يقدره حق قدره من زعم أنه لا يحيى الموتى، ولا يبعث من في ~~القبور، ولا يجمع (7) خلقه ليوم يجازي المحسن فيه (8) بإحسانه والمسيء ~~بإساءته، ويأخذ للمظلوم فيه حقه من ظالمه، ويكرم PageV01P325 #
# المتحملين للمشاق (1) في هذه الدار من أجله وفي مرضاته بأفضل كرامته، ~~ويبين (2) لخلقه الذي يختلفون فيه، ويعلم (3) الذين كفروا أنهم كانوا ~~كاذبين. # وكذلك لم يقدره حق قدره من هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه ~~فضيعه، وذكره فأهمله وغفل قلبه عنه، وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه، وطاعة ~~المخلوق أهم عنده من طاعته. فلله # الفضلة من قلبه وقوله وعمله، وسواه المقدم في ذلك؛ لأنه المهم عنده. ~~يستخف بنظر الله إليه واطلاعه عليه، وهو في قبضته، وناصيته بيده. ويعظم نظر ~~المخلوق إليه واطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه (4). # ويستحيي من الناس، ولا يستحيي من الله. ويخشى الناس، ولا يخشى الله. ~~ويعامل الخلق بأفضل ما يقدر عليه، وإن عامل الله عامله بأهون ما عنده ~~وأحقره، وإن قام في خدمة إلهه ms164 من البشر قام بالجد والاجتهاد وبذل النصيحة ~~(5)، وقد فرغ له قلبه وجوارحه، وقدمه على كثير من مصالحه، حتى إذا قام في ~~حق ربه -إن ساعد القدر- قام قياما لا يرضى مثله مخلوق من مخلوق، وبذل له من ~~ماله ما يستحيي أن يواجه به مخلوق لمثله! فهل قدر الله حق قدره من هذا ~~وصفه؟ # وهل قدره حق قدره من شارك بينه وبين عدوه [70/ ب] في محض PageV01P326 #
# حقه من الإجلال والتعظيم والطاعة والذل والخضوع والخوف والرجاء؟ فلو جعل ~~له من أقرب الخلق إليه شريكا في ذلك لكان ذلك جراءة وتوثبا على محض حقه، ~~واستهانة به، وتشريكا بينه وبين غيره فيما لا ينبغي ولا يصلح إلا له ~~سبحانه، فكيف وإنما شرك بينه (1) وبين أبغض الخلق إليه، وأهونهم عليه، ~~وأمقتهم عنده. وهو عدوه على الحقيقة، فإنه ما عبد من دون الله إلا الشيطان، ~~كما قال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم ~~عدو مبين (60) وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (61)} [يس: 60 - 61] (2). # ولما عبد المشركون الملائكة بزعمهم وقعت عبادتهم للشيطان، وهم يظنون أنهم ~~يعبدون الملائكة (3). كما قال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا ~~يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (41)} [سبأ: 40 - 41]. # فالشيطان يدعو المشرك إلى عبادته، ويوهمه أنه ملك. # وكذلك عباد الشمس والقمر والكواكب يزعمون أنهم يعبدون روحانيات هذه ~~الكواكب، وهي التي تخاطبهم، وتقضي لهم الحوائج. # ولهذا إذا طلعت الشمس قارنها الشيطان، فيسجد لها الكفار، فيقع سجودهم له، ~~وكذلك عند غروبها. # وكذلك من عبد المسيح وأمه لم يعبدهما، وإنما عبد الشيطان، فإنه ~~PageV01P327 #
# يزعم أنه يعبد من أمره بعبادته وعبادة أمه، ورضيها لهم، وأمرهم بها. # وهذا هو الشيطان الرجيم لعنة الله عليه، لا عبد الله ورسوله. # فنزل (1) هذا كله على قوله تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا ~~تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (60)} [يس: 60] (2). فما عبد أحد من بني ~~آدم ms165 (3) غير الله كائنا من كان إلا وقعت عبادته للشيطان، فيستمتع (4) ~~العابد بالمعبود في حصول غرضه، ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه له ~~واشراكه مع الله الذي هو غاية رضي الشيطان. # ولهذا قال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس} ~~أي من إغوائهم وإضلالهم {وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض ~~وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا [71/أ] قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما ~~شاء الله إن ربك حكيم عليم (128)} [الأنعام: 128]. # فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله، ~~وأنه لا يغفر بغير التوبة منه، وأنه يوجب الخلود في العذاب (5)، وأنه ليس ~~تحريمه وقبحه بمجرد النهي عنه، بل يستحيل على الله سبحانه أن يشرع عبادة ~~إله غيره، كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كماله ونعوت جلاله. وكيف يظن ~~بالمنفرد (6) بالربوبية والإلهية والعظمة PageV01P328 #
# والجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك أو يرضى به؟ تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا. # فصل # فلما كان الشرك أكبر شيء منافاة للأمر الذي خلق الله له الخلق وأمر لأجله ~~بالأمر كان أكبر الكبائر عند الله. # وكذلك الكبر وتوابعه كما تقدم، فإن الله سبحانه خلق الخلق وأنزل الكتب ~~لتكون الطاعة له وحده، والشرك والكبر ينافيان ذلك. # ولذلك حرم الله الجنة على أهل الشرك والكبر، فلا يدخلها (1) من كان في ~~قلبه مثقال ذرة من كبر (2). # فصل # ويلي ذلك في كبر المفسدة (3): القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته ~~وأفعاله، ووصفه بضد ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله. # فهو (4) أشد شيء مناقضة ومنافاة لكمال (5) من له الخلق والأمر، وقدح في ~~نفس الربوبية وخصائص الرب. PageV01P329 #
# فإن صدر ذلك عن علم فهو عناد أقبح من الشرك، وأعظم إثما عند الله. فإن ~~المشرك المقر بصفات الرب خير من المعطل الجاحد لصفات كماله. كما (1) أن من ~~أقر لملك (2) بالملك، ولم يجحد ملكه، ولا الصفات التي استحق بها الملك، لكن ~~جعل معه شريكا في بعض الأمور يقربه إليه ms166 = خير ممن جحد (3) صفات الملك وما ~~يكون به ملكا. # هذا أمر مستقر في سائر الفطر والعقول. فأين القدح في صفات الكمال والجحد ~~لها، من عبادة واسطة بين المعبود الحق وبين العابد (4) يتقرب إليه بعبادة ~~تلك الواسطة إعظاما له وإجلالا؟ فداء التعطيل هو (5) الداء [71/ ب] العضال ~~الذي لا دواء له. # ولهذا حكى الله عن إمام المعطلة فرعون أنه أنكر على موسى ما أخبر به من ~~(6) أن ربه فوق السموات، فقال: {يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب ~~(36) أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} [غافر: 36 - ~~37]. واحتج الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتبه على # المعطلة بهذه الآية، وقد ذكرنا لفظه في غير هذا الكتاب (7). # والقول على الله بلا علم والشرك متلازمان. PageV01P330 #
# ولما كانت البدع المضلة جهلا بصفات الله وتكذيبا بما أخبر به عن نفسه ~~وأخبر به عنه رسوله (1) عنادا وجهلا (2) كانت من أكبر الكبائر -إن (3) قصرت ~~عن الكفر- وكانت أحب إلى إبليس من كبار الذنوب، كما قال بعض السلف: البدعة ~~أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها ~~(4). وقال إبليس: أهلكت بني آدم بالذنوب، وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا ~~الله. فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون، ولا يتوبون؛ لأنهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا! (5) ومعلوم أن المذنب إنما ضرره على نفسه، وأما ~~المبتدع فضرره على النوع. وفتنة المبتدع في أصل الدين، وفتنة المذنب في ~~الشهوة. # والمبتدع قد قعد للناس على صراط الله المستقيم يصدهم عنه، والمذنب ~~PageV01P331 #
# ليس كذلك. والمبتاع قادح في أوصاف الرب وكماله (1)، والمذنب ليس كذلك. ~~والمبتدع مناقض لما جاء به الرسول، والعاصي ليس كذلك. والمبتدع يقطع على ~~الناس طريق الآخرة، والعاصي بطيء السير بسبب ذنوبه. # فصل # ثم لما كان الظلم والعدوان منافيا للعدل الذي قامت به (2) السموات ~~والأرض، وأرسل الله سبحانه رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس به = كان من أكبر ~~الكبائر عند الله، وكانت درجته في العظم بحسب مفسدته في نفسه. # وكان (3) قتل الإنسان ولده ms167 [72/ أ] الطفل الصغير الذي لا ذنب له، وقد جبل ~~الله سبحانه القلوب على رحمته، وعطفها عليه (4)، وخص الوالدين من ذلك بمزية ~~ظاهرة، فقتله خشية أن يشاركه في مطعمه ومشربه وماله = من أقبح الظلم وأشدة. ~~وكذلك قتله أبويه الذين كانا سبب وجوده، وكذلك قتله ذا رحمه. # وت ### | تفاوت (5) درجات القتل # بحسب قبحه، واستحقاق من قتله السعي (6) في إبقائه ونصيحته. ولهذا كان أشد ~~الناس عذابا يوم القيامة من قتل نبيا، أو قتله نبي. ويليه من قتل إماما، أو ~~عالما يأمر الناس PageV01P332 #
# بالقسط، ويدعوهم إلى الله، وينصحهم في دينهم. # وقد جعل الله سبحانه جزاء قتل النفس المؤمنة عمدا الخلود في النار، وغضب ~~الجبار، ولعنته، وإعداد العذاب العظيم له (1). هذا موجب قتل المؤمن عمدا، ~~ما لم يمنع منه مانع. ولا خلاف أن الإسلام # الواقع بعد القتل طوعا واختيارا مانع (2) من نفوذ ذلك الجزاء. # وهل تمنع توبة المسلم منه بعد وقوعه؟ (3) فيه قولان للسلف والخلف، وهما ~~روايتان عن أحمد. # والذين قالوا: لا تمنع التوبة من نفوذه، رأوا أنه حق لإدمي لم يستوفه في ~~دار الدنيا، وخرج منها بظلامته، فلابد أن يستوفى له في دار العدل. # قالوا: وما استوفاه الوارث وإنما استوفى محض حقه الذي خيره الله بين ~~استيفائه والعفو عنه، وما ينفع المقتول من استيفاء وارثه، وأي استدراك ~~لظلامته حصل له باستيفاء وارثه؟ وهذا أصح القولين في المسألة أن حق المقتول ~~لا يسقط باستيفاء الوارث. وهما وجهان لأصحاب أحمد والشافعي وغيرهم. # ورأت طائفة (4) أنه يسقط بالتوبة واستيفاء الوارث، فإن التوبة تهدم ~~PageV01P333 #
# ما قبلها، والذنب الذي قد جناه قد أقيم عليه حده. # قالوا: وإذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر وما هو أعظم إثما (1) من ~~القتل فكيف تقصر عن هو أثر القتل؟ وقد قبل الله توبة الكفار الذين قتلوا ~~أولياءه، وجعلهم من خيار عباده، ودعا الذين [72/ ب] حرقوا أولياءه (2) ~~وفتنوهم عن دينهم (3) إلى التوبة، وقال: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ms168 الذنوب جميعا إنه هو الغفور ~~الرحيم (53)} [الزمر: 53]. فهذه في حق التائب، وهي تتناول الكفر وما دونه. # قالوا: وكيف يتوب العبد من الذنب، ويعاقب عليه بعد التوبة؟ هذا معلوم ~~انتفاؤه في شرع الله وجزائه. # قالوا: وتوبة هذا المذنب تسليم نفسه، ولا يمكن تسليمها إلى المقتول، ~~فأقام الشارع وليه مقامه، وجعل تسليم النفس إليه كتسليمها إلى المقتول، ~~بمنزلة تسليم المال الذي عليه لوارثه، فإنه يقوم مقام # تسليمه للمورث (4). # والتحقيق في هذه المسألة (5) أن القتل يتعلق به ثلاث (6) حقوق: حق لله، ~~وحق للمقتول، وحق للولي. فإذا سلم القاتل نفسه طوعا واختيارا إلى الولي ~~ندما على ما فعل، وخوفا من الله، وتوبة نصوحا، PageV01P334 #
# سقط حق الله بالتوبة، وحق الولي بالاستيفاء أو الصلح أو العفو (1)، وبقي ~~حق المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن، ويصلح بينه ~~وبينه، فلا يذهب حق هذا، ولا تبطل توبة هذا. # وأما مسألة المال (2) فقد اختلف فيها، فقالت طائفة: إذا أدى ما عليه من ~~المال إلى الوارث فقد برئ من عهدته في الآخرة، كما بريء منها (3) في ~~الدنيا. # وقالت طائفة: بل المطالبة لمن ظلمه بأخذه باقية عليه يوم القيامة، وهو لم ~~يستدرك ظلامته بأخذ وارثه له، فإنه منعه من انتفاعه به في طول حياته، ومات ~~ولم ينتفع به. وهذا ظلم لم يستدركه هو، وإنما انتفع غيره باستدراكه. # وبنوا على هذا أنه لو انتقل من واحد إلى واحد وتعدد الورثة كانت المطالبة ~~به للجميع؛ لأنه حق كان يجب عليه دفعه إلى كل واحد منهم عند كونه هو ~~الوارث. وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد. # وفصل شيخنا بين الطائفتين، فقال: إن تمكن الموروث (4) من أخذ ماله ~~والمطالبة به فلم يأخذه حتى مات صارت المطالبة به للوارث في الآخرة، كما هي ~~كذلك في الدنيا. وإن لم يتمكن من طلبه [73/ أ] وأخذه بل حال بينه وبينه ~~ظلما وعدوانا فالطلب له في الآخرة. PageV01P335 #
# وهذا التفصيل من أحسن ما يقال، فإن المال إذا استهلكه الظالم على ~~الموروث، ms169 وتعذر عليه أخذه منه، صار بمنزلة عبده الذي قتله قاتل، وداره التي ~~أحرقها غيره، وطعامه وشرابه الذي أكله وشربه غيره. # ومثل هذا إنما تلف على الموروث (1) لا على الوارث، فحق المطالبة لمن تلف ~~على ملكه. # بقي (2) أن يقال: فإذا كان المال عقارا أو أرضا أو أعيانا (3) قائمة ~~باقية بعد الموت، فهي ملك للوارث (4)، يجب على الغاصب دفعها إليه كل وقت ~~(5). فإذا لم يدفع إليه أعيان ماله استحق المطالبة بها عند الله، كما يستحق ~~المطالبة (6) بها في الدنيا. # وهذا سؤال قوي لا مخلص منه إلا بأن يقال: المطالبة لهما (7) جميعا، كما ~~لو غصب مالا مشتركا بين جماعة استحق كل منهم المطالبة بحقه منه، وكما لو ~~استولى على وقف مرتب على بطون، فأبطل حق # البطون كلهم منه، كانت المطالبة يوم القيامة لجميعهم، ولم يكن بعضهم أولى ~~بها (8) من بعض. والله أعلم. PageV01P336 #
# فصل # ولما كانت مفسدة القتل هذه المفسدة (1) قال تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على ~~بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس ~~جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم ~~إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون (32)} [المائدة: 32]. # وقد أشكل فهم هذا (2) على كثير من الناس، وقالوا: معلوم أن إثم قاتل مائة ~~أعظم عند الله من إثم قاتل نفس واحدة. وإنما أتوا من ظنهم أن التشبيه في ~~مقدار الإثم والعقوبة، واللفظ لم يدل على هذا، ولا يلزم من تشبيه الشيء ~~بالشيء أخذه بجميع أحكامه. # وقد قال تعالى: {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها (46)} ~~[النازعات: 46] وقال: {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من ~~نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون (35)} [الأحقاف: 35]. وذلك لا يوجب ~~أن (3) لبثهم في الدنيا إنما كان هذا المقدار. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام ~~نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله" (4)، أي مع ~~العشاء، كما جاء ms170 في لفظ [73/ ب] آخر (5). PageV01P337 #
# وأصرح من هذا قوله: "من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر" ~~(1)، وقوله: "من قرأ {قل هو الله أحد (1)} فكأنما قرأ ثلث القرآن" (2). # ومعلوم أن ثواب فاعل هذه الأشياء لم يبلغ ثواب المشبه به، فيكون قدرهما ~~سواء. ولو كان قدر الثواب سواء لم يكن لمصلي العشاء والفجر جماعة (3) منفعة ~~في قيام الليل غير التعب والنصب. # وما أوتي عبد بعد الإيمان أفضل من الفهم عن الله ورسوله، وذلك فضل الله ~~يوتيه من يشاء. # فإن قيل: ففي أي شيء وقع التشبيه بين قاتل نفس واحدة وقاتل الناس جميعا؟ ~~PageV01P338 #
# قيل: في وجوه متعددة: # أحدها: أن كلا (1) منهما عاص لله ورسوله، مخالف (2) لأمره، متعرض ~~لعقوبته. وكل منهما قد باء بغضب الله (3)، ولعنته، واستحقاق الخلود في نار ~~جهنم، وأعد له عذابا عظيما، وإن تفاوتت دركات # العذاب، فليس إثم من قتل نبيا أو إماما عادلا أو عالما يأمر الناس بالقسط ~~كإثم من قتل من لا مزية له (4) من آحاد الناس. # الثاني: أنهما سواء في استحقاق إزهاق النفس. # الثالث: أنهما سواء في الجراءة على سفك الدم الحرام، فإن من قتل نفسا ~~بغير استحقاق، بل لمجرد الفساد في الأرض أو لأخذ ماله، فإنه يتجرأ على قتل ~~كل (5) من ظفر به، وأمكنه قتله، فهو معاد للنوع الإنساني. # ومنها (6): أنه يسمى قاتلا أو فاسقا أو ظالما أو (7) عاصيا بقتله واحدا، ~~كما يسمى كذلك بقتله الناس جميعا. # ومنها: أن الله سبحانه جعل المؤمنين (8) في توادهم وتراحمهم PageV01P339 #
# وتواصلهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو (1) تداعى له سائر الجسد ~~بالحمى والسهر (2). فإذا أتلف القاتل من هذا الجسد عضوا، فكأنما أتلف سائر ~~الجسد، وآلم جميع أعضائه. فمن آذى مؤمنا واحدا، فكأنما آذى جميع المؤمنين. ~~ومن آذى جميع المؤمنين آذى جميع الناس (3)، فإن الله إنما يدفع عن الناس ~~بالمؤمنين الذين بينهم، فإيذاء الخفير إيذاء المخفر (4). # وقد قال النبي- صلى الله عليه وسلم -: "لا تقتل نفس ظلما بغير حق إلا كان ~~على ms171 ابن آدم الأول كفل من دمها (5)؛ لأنه أول من سن القتل" (6). ولم يجىء ~~هذا الوعيد في أول زان، ولا أول سارق، ولا أول شارب مسكر (7)؛ وإن كان أول ~~المشركين قد يكون أولى بذلك من أول قاتل؛ لأنه أول من سن الشرك. ولهذا رأى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن لحي يعذب أعظم العذاب في النار؛ لأنه ~~أول من غير دين إبراهيم (8). PageV01P340 #
# وقال تعالى: {ولا تكونوا أول كافر به} [البقرة: 41]، أي فيقتدي بكم من ~~بعدكم، فيكون إثم كفره عليكم. وكذلك حكم من سن سنة سيئة فاتبع عليها. # وفي جامع الترمذي (1) عن ابن عباس عن النبي- صلى الله عليه وسلم -قال: ~~"يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة، ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دما، ~~يقول: يا رب سل هذا: فيم قتلني؟ " فذكروا لابن عباس التوبة، فتلا (2) ~~PageV01P341 #
# هذه الآية {ومن يقتل مؤمنا م} [النساء: 93]، ثم قال: ما نسخت هذه الآية ~~ولا بدلت، وأنى له التوبة! قال الترمذي (1): هذا حديث حسن. # وفيه أيضا (2) عن نافع قال: نظر عبد الله بن عمر يوما (3) إلى الكعبة، ~~فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم عند الله (4) حرمة منك. قال ~~الترمذي (5): هذا حديث حسن. # وفي صحيح البخاري (6) عن جندب (7) قال: أول ما ينتن من PageV01P342 #
# الإنسان بطنه. فمن استطاع منكم أن لا يأكل إلا طيبا فليفعل، ومن استطاع ~~أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم أهراقه فليفعل". # وفي صحيحه أيضا (1) عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما". # وذكر البخاري (2) أيضا عن ابن عمر قال: "من (3) ورطات الأمور التي لا ~~مخرج لمن أوقع نفسه فيها (4): سفك الدم الحرام بغير حله". # وفي الصحيحين عن أبي هريرة (5) يرفعه (6): "سباب المسلم فسوق، وقتاله ~~كفر". # وفيهما أيضا (7) عنه - صلى الله عليه وسلم -: "لاترجعوا [74/ ب] بعدي ~~كفارا، يضرب # بعضكم رقاب بعض". PageV01P343 #
# وفي صحيح البخاري (1) عنه - صلى ms172 الله عليه وسلم -: "من قتل معاهدا لم يرح ~~رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما". # هذه (2) عقوبة قاتل (3) عدو الله إذا كان في عهده وأمانه (4)، فكيف عقوبة ~~قاتل عبده المؤمن؟ # وإذا كانت امرأة قد دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعا وعطشا، فرآها ~~النبي- صلى الله عليه وسلم - في النار، والهرة تخدشها في وجهها وصدرها (5)، ~~فكيف عقوبة من حبس مؤمنا حتى مات بغير جرم؟ # وفي بعض السنن (6) عنه - صلى الله عليه وسلم -: "لزوال الدنيا أهون على ~~الله من قتل PageV01P344 #
# مؤمن بغير حق". # فصل # ولما كانت مفسدة الزنى من أعظم المفاسد، وهي منافية لمصلحة نظام العالم ~~في حفظ الإنساب، وحماية الفروج، وصيانة الحرمات، وتوقي ما يوقع أعظم ~~العداوة والبغضاء بين الناس من إفساد كل منهم امرأة صاحبه وابنته وأخته ~~وأمه، وفي ذلك خراب العالم = كانت تلي مفسدة القتل في الكبر. ولهذا قرنها ~~الله سبحانه بها (1) في كتابه، ورسوله بها في سنته (2)، كما تقدم. # قال الإمام أحمد: ولا أعلم بعد قتل النفس شيئا أعظم من الزنى (3). # وقد أكد سبحانه حرمته بقوله: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ~~(68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (69) إلا من تاب} ~~[الفرقان: 68 - 70]، فقرن الزنى بالشرك وقتل النفس، وجعل جزاء ذلك # الخلود في العذاب المضاعف (4) مالم يرفع (5) العبد موجب PageV01P345 #
# ذلك (1) بالتوبة والإيمان والعمل الصالح. # وقال تعالى: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا (32)} [الإسراء: ~~32]، فأخبر عن فحشه في نفسه، وهو القبيح الذي قد تناهى قبحه حتى استقر فحشه ~~في العقول حتى عند كثير من الحيوان، كما ذكر البخاري في صحيحه (2) 751/ 1، ~~عن عمرو بن ميمون الأودي قال: "رأيت في الجاهلية قردا (3) زنى بقردة، ~~فاجتمع القرود عليهما، فرجموهما حتى ماتا". ثم أخبر عن غايته بأنه ساء ~~سبيلا، فإنه سبيل هلكة وبوار وافتقار في الدنيا، وسبيل عذاب وخزي ونكال في ~~الآخرة. # ولما كان ms173 نكاح أزواج الآباء من أقبحه خصه بمزيد ذم، فقال: {إنه كان فاحشة ~~ومقتا وساء سبيلا (22)} [النساء: 22]. # وعلق سبحانه فلاح العبد على حفظ فرجه منه، فلا سبيل له إلى الفلاح بدونه، ~~فقال: {قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) والذين هم عن ~~اللغو معرضون (3) والذين هم للزكاة فاعلون (4) والذين هم لفروجهم حافظون ~~(5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6) فمن ابتغى ~~وراء ذلك فأولئك هم العادون (7)} [المؤمنون: 1 - 7]. # وهذا يتضمن ثلاثة أمور (4): أن من لم يحفظ فرجه لم يكن من PageV01P346 #
# المفلحين، وأنه من الملومين، ومن العادين. ففاته الفلاح، واستحق اسم ~~العدوان، ووقع في اللوم. فمقاساة ألم الشهوة ومعاناتها أيسر من بعض ذلك. # ونظير هذا (1) أنه سبحانه ذم الإنسان، وأنه خلق هلوعا لا يصبر على سراء ~~ولا ضراء (2)، بل إذا مسه الخير منع وبخل، وإذا مسه الشر جزع، إلا من ~~استثناه بعد ذلك من الناجين من خلقه، فذكر منهم: {والذين هم لفروجهم حافظون ~~(29) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (30) فمن ابتغى ~~وراء ذلك فأولئك هم العادون (31)} [المعارج: 29 - 31]. # وأمر تعالى (3) نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر المؤمنين بغض ~~أبصارهم وحفظ فروجهم، وأن يعلمهم أنه مشاهد لأعمالهم (4)، مطلع عليها (5)، ~~{يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (19)} [غافر: 19]. ولما كان مبدأ ذلك ~~من قبل البصر جعل الأمر بغضه مقدما على حفظ الفرج، فإن الحوادث مبداها من ~~النظر، كما أن معظم النار من مستصغر الشرر (6). فتكون نظرة، ثم خطرة، ثم ~~خطوة، ثم خطيئة. # ولهذا قيل: من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه [75/ ب]: اللحظات، والخطرات، ~~واللفظات، والخطوات. فينبغي للعبد أن يكون بواب نفسه على هذه الأبواب ~~الأربعة، ويلازم الرباط على ثغورها، فمنها يدخل PageV01P347 #
# عليه العدو، فيجوس خلال الديار، ويتبر ما علا (1) تتبيرا! # فصل # وأكثر ما تدخل (2) المعاصي على العبد من هذه الأبواب الأربعة، فنذكر في ~~كل واحد منها فصلا يليق به: فأما ### | اللحظات # فهي رائد الشهوة ورسولها (3)، وحفظها أصل حفظ الفرج. فمن ms174 أطلق بصره أورده ~~موارد الهلكات. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك ~~الأولى، وليست لك الآخرة (4) " (5). # وفي المسند (6) عنه - صلى الله عليه وسلم -: "النظرة سهم مسموم من سهام ~~إبليس، PageV01P348 #
# فمن غض بصره عن محاسن امرأة لله (1) أورث الله قلبه (2) حلاوة إلى يوم ~~يلقاه". هذا معنى الحديث. # وقال: "غضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم" (3). PageV01P349 #
# وقال: "إياكم والجلوس على الطرقات". قالوا: يا رسول الله، مجالسنا ما لنا ~~منها بد. قال: "فإن كنتم لابد فاعلين، فأعطوا الطريق حقه لا. قالوا: وما ~~حقه؟ قال: "غض البصر، وكف الأذى، ورد # السلام" (1). # والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فإن النظرة تولد خطرة، ثم ~~تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى ~~فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل، ولا بد، ما لم يمنع منه مانع. # وفي هذا (2) قيل: الصبر على غض البصر (3) أيسر من الصبر على ألم ما بعده ~~(4). # قال (5) الشاعر: # كل الحوادث مبداها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر # كم نظرة بلغت من قلب صاحبها ... كمبلغ السهم بين القوس والوتر (6) ~~PageV01P350 #
# والعبد مادام ذا طرف يقلبه ... في أعين العين موقوف على الخطر (1) # يسر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحبا بسرور عاد بالضرر (2) # ومن آفات النظر: أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات، فيرى العبد (3) ما ~~ليس قادرا عليه ولا صابرا عنه. وهذا من أعظم العذاب أن ترى ما لا صبر لك عن ~~بعضه، ولا قدرة لك على بعضه (4). # قال الشاعر: # وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر # رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر (5) # وهذا البيت يحتاج إلى شرح. ومراده أنك ترى ما لا تصبر عن شيء منه، ولا ~~تقدر على شيء منه. فإن قوله: "لا كله أنت قادر عليه" نفي لقدرته على الكل، ~~التي لا تنتفي إلا بنفي القدرة عن كل واحد. PageV01P351 #
# وكم ممن أرسل لحظاته، فما أقلعت إلا وهو ms175 يتشحط بينهن (1) قتيلا، كما قيل: # يا ناظرا ما أقلعت لحظاته ... حتى تشحط بينهن قتيل (2) # ولي من أبيات (3): # مل السلامة فاغتدت لحظاته ... وقفا على طلل يظن جميلا (4) # ما زال يمبع إثره لحظاته ... حتى تشحط بينهن قتيلا (5) # ومن العجب أن لحظة الناظر سهم لا يصل إلى المنظور إليه حتى يتبوأ مكانا ~~من قلب الناظر (6). ولي من قصيدة: PageV01P352 #
# يا راميا بسهام اللحظ مجتهدا ... أنت القتيل بما ترمي فلا تصب # وباعث الطرف يرتاد الشفاء له ... احبس رسولك لا يأتيك بالعطب (1) # وأعجب من ذلك أن النظرة تجرح القلب، فيتبعها جرحا على جرح، ثم لا يمنعه ~~ألم الجراحة من استدعاء تكرارها. ولي أيضا في هذا المعنى: # مازلت تتبع نظرة في نظرة ... في إثر كل مليحة ومليح # وتظن ذاك دواء جرحك وهو في الت ... حقيق تجريح على تجريح # فذبحت طرفك باللحاظ وبالبكا ... فالقلب منك ذبيح اي ذبيح (2) # وقد قيل: حبس اللحظات أيسر من دوام الحسرات (3). # فصل # وأما الخطرات فشأنها أصعب، فإنها مبدأ الخير والشر، ومنها تتولد الإرادات ~~والهمم والعزائم. فمن راعى خطراته ملك زمام نفسه، وقهر هواه. ومن غلبته ~~خطراته فهواه ونفسه له أغلب، ومن استهان # بالخطرات [76/ ب] قادته قسرا إلى الهلكات. # ولا تزال الخطرات تتردد على القلب حتى تصير منى باطلة: PageV01P353 #
# {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده ~~فوفاه حسابه والله سريع الحساب (39)} [النور: 39]. # وأخس الناس همة وأوضعهم نفسا من رضي من الحقائق بالأماني الكاذبة، ~~واستجلبها (1) لنفسه، وتحلى بها، وهي -لعمر الله- رؤوس أموال المفلسين، ~~ومتاجر البطالين. وهي قوت النفس (2) الفارغة التي قد قنعت من الوصل بزورة ~~الخيال، ومن الحقائق بكواذب الآمال، كما قال الشاعر: # منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا (3) # وهي أضر شيء على الإنسان، وتتولد من العجز والكسل، وتولد التفريط والحسرة ~~والندم. والمتمني (4) لما فاته مباشرة الحقيقة بحسه نحت (5) صورتها في ~~قلبه، وعانقها، وضمها إليه، فقنع بوصال صورة وهمية خيالية (6) صورها فكره، ~~وذلك لا يجدي ms176 عليه شيئا، وإنما مثله مثل الجائع والظمآن يصور في وهمه صورة ~~الطعام والشراب، وهو يأكل ويشرب. PageV01P354 #
# والسكون إلى ذلك واستحلاؤه (1) يدل على خساسة النفس ووضاعتها، وإنما شرف ~~النفس وزكاتها وطهارتها وعلوها بأن ينفي عنها كل خطرة لا حقيقة لها، ولا ~~يرضى أن يخطرها بباله، ويأنف لنفسه # منها. # ثم الخطرات بعد أقسام تدور على أربعة أصول: # خطرات يستجلب بها منافع دنياه. # وخطرات يستدفع بها مضار دنياه. # وخطرات يستجلب بها مصالح (2) آخرته. # وخطرات يستدفع بها مضار آخرته. # فليحصر (3) خطراته وأفكاره وهمومه في هذه الأقسام الأربعة. فإذا انحصرت ~~له فيها (4)، فما أمكن اجتماعه منها لم يتركه لغيره. وإذا تزاحمت عليه ~~الخطرات لتزاحم متعلقاتها قدم الأهم الذي يخشى فوته # وأخر الذي [77/ أ] ليس بأهم ولا يخاف (5) فوته. # بقي قسمان آخران: أحدهما مهم لا يفوت. والثاني غير مهم، ولكنه يفوت. ففي ~~كل منهما ما يدعو إلى تقديمه، فهنا يقع التردد والحيرة. فإن قدم المهم خشي ~~فوات ما دونه، وإن قدم ما دونه فاته PageV01P355 #
# الاشتغال به عن المهم. # وكذلك (1) يعرض له أمران لا يمكن الجمع بينهما، ولا يحصل (2) أحدهما إلا ~~بتفويت الآخر، فهذا موضع استعمال العقل (3) والفقه والمعرفة. ومن ها هنا ~~ارتفع من ارتفع، وأنجح من أنجح، وخاب من # خاب. فأكثر من ترى ممن يعظم عقله ومعرفته يؤثر غير المهم الذي لا يفوت ~~على المهم الذي يفوت. ولا تجد أحدا يسلم من ذلك، ولكن مستقل ومستكثر. # والتحكيم في هذا الباب للقاعدة الكبرى التي عليها مدار الشرع والقدر، ~~وإليها مرجع (4) الخلق والأمر، وهي إيثار أكبر المصلحتين وأعلاهما، وإن ~~فأتت المصلحة التي هي دونها، والدخول في أدنى # المفسدتين لدفع ما هو أكبر منها، فيفوت مصلحة لتحصيل (5) ما هو أكبر ~~منها، ويرتكب مفسدة لدفع ما هو أعظم منها. فخطرات العاقل وفكره لا تتجاوز ~~(6) ذلك. وبذلك جاءت الشرائع، ومصالح الدنيا والآخرة لا تقوم (7) إلا على ~~ذلك. # وأعلى الفكر وأجلها وأنفعها ما كان لله والدار الآخرة. فما كان لله ~~PageV01P356 #
# أنواع: # أحدها: الفكرة ms177 في آياته المنزلة، وتعقلها (1) وفهم مراده منها. # ولذلك أنزلها الله تعالى، لا لمجرد تلاوتها، بل التلاوة وسيلة. قال بعض ~~السلف: أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذوا تلاوته عملا (2). # الثاني: الفكرة في آياته المشهودة، والاعتبار بها، والاستدلال بها على ~~أسمائه وصفاته، وحكمته وإحسانه، وبره وجوده. وقد حض الله سبحانه عباده على ~~التفكر (3) في آياته وتدبرها وتعقلها، وذم الغافل عن ذلك. # الثالث: الفكرة في آلائه، وإحسانه، وإنعامه على خلقه بأصناف النعم، وسعة ~~رحمته ومغفرته وحلمه. # [77/ ب] وهذه الأنواع الثلاثة تستخرج من القلب معرفة الله، ومحبته، ~~وخوفه، ورجاءه. ودوام الفكرة في ذلك مع الذكر يصبغ القلب في المعرفة ~~والمحبة صبغة (4). # الرابع: الفكرة (5) في عيوب النفس وآفاتها وفي عيوب العمل. # وهذه الفكرة عظيمة النفع، وهي باب لكل خير، وتأثيرها في كسر النفس ~~الأمارة. ومتى كسرت عاشت النفس المطمئنة، وانتعشت، وصار PageV01P357 #
# الحكم لها، فحيي القلب ودارت كلمته في مملكته، وبث أمراءه وجنوده في ~~مصالحه. # الخامس: الفكرة في واجب الوقت ووظيفته، وجمع الهم كله عليه. فالعارف ابن ~~وقته (1)، فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلها. # فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت، وإن ضيعه لم يستدركه أبدا. # قال الشافعي: رضي الله عنه (2): صحبت الصوفية، فلم أستفد منهم سوى حرفين: ~~أحدهما قولهم: الوقت سيف، فإن قطعته، وألا قطعك (3). وذكر الكلمة الأخرى ~~(4). # فوقت الإنسان هو (5) عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم ~~المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر أسرع PageV01P358 #
# من مر السحاب. فما كان من وقته لله وبالله، فهو حياته وعمره. وغير ذلك ~~ليس محسوبا من حياته، وإن عاش فيه عيش البهائم. فإذا قطع وقته في الغفلة ~~والسهو (1) والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت ~~هذا خير له من حياته. وإذا كان العبد، وهو في الصلاة، ليس له (2) إلا ما ~~عقل منها، فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله وله (3). # وما عدا هذه الأقسام من الخطرات والفكر، فإما وساوس شيطانية (4)، وإما ~~أماني باطلة وخدع كاذبة ms178 (5)، بمنزلة خواطر المصابين في عقولهم من السكارى ~~والممسوسين (6) والموسوسين. # ولسان حال هؤلاء يقول عند إنكشاف الحقائق (7): # إن كان منزلتي في الحشرعندكم ... ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي (8) ~~PageV01P359 #
# أمنية ظفرت نفسي بها زمنا [78/ أ] واليوم أحسبها أضغاث أحلام (1) # واعلم أن ورود الخاطر لا يضر، وإنما يضر استدعاؤه ومحادثته. # فالخاطر كالمار على الطريق، فإن لم تستدعه وتركته مر وانصرف عنك (2)، وإن ~~استدعيته سحرك بحديثه وخدعه وغروره. وهو أخف شيء على النفس الفارغة ~~الباطلة، وأثقل شيء على القلب والنفس الشريفة السماوية المطمئنة. # وقد ركب الله سبحانه في الإنسان نفسا أمارة ونفسا مطمئنة، وهما ~~متعاديتان، فكل ما (3) خف على هذه ثقل على هذه، وكل ما التذت به هذه تألمت ~~به الأخرى. فليس على النفس الأمارة أشق من العمل لله، وإيثار رضاه على ~~هواها؛ وليس لها أنفع منه. وليس على النفس المطمئنة أشق من العمل لغير ~~الله، وإجابة (4) داعي الهوى؛ وليس عليها أضر (5) منه. والملك مع هذه عن ~~يمنة القلب، والشيطان مع تلك عن يسرة القلب. والحروب مستمرة لا تضع أوزارها ~~إلى أن تستوفي أجلها # من الدنيا. والباطل كله يتحيز مع الشيطان والأمارة، والحق كله يتحيز مع ~~الملك والمطمئنة. والحروب دول وسجال، والنصر مع الصبر. ومن PageV01P360 #
# صبر، وصابر، ورابط، واتقى الله، فله (1) العاقبة في الدنيا والآخرة (2). # وقد حكم الله حكما لا يبدل أبدا أن العاقبة للتقوى، والعاقبة للمتقين ~~(3). # فالقلب لوح فارغ، والخواطر نقوش تنقش فيه، فكيف يليق بالعاقل أن تكون ~~نقوش لوحه ما بين كذب، وغرور، وخدع، وأماني باطلة، وسراب لا حقيقة له؟ فأي ~~حكمة وعلم وهدى ينتقش مع (4) هذه النقوش؟ وإذا أراد أن ينتقش ذلك في لوح ~~قلبه كان بمنزلة كتابة العلم النافع في محل مشغول بكتابة ما لا منفعة فيه. ~~فإن لم يفرغ القلب من الخواطر الردية لم يستقر فيه الخواطر النافعة، فإنها ~~لا تستقر إلا في محل فارغ، كما قيل: # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا (5) # [78/ ب] ولهذا كثير من أرباب السلوك ms179 بنوا سلوكهم (6) على حفظ الخواطر، ~~وأن لا يمكنوا خاطرا يدخل قلوبهم، حتى تصير القلوب فارغة قابلة للكشف وظهور ~~حقائق العلويات (7) فيها. # وهؤلاء حفظوا شيئا، وغابت عنهم أشياء، فإنهم أخلوا القلوب من PageV01P361 #
# أن يطرقها خاطر، فبقيت فارغة لا شيء فيها، فصادفها الشيطان خالية، فبذر ~~فيها الباطل في قوالب أوهمهم (1) أنها أعلى الأشياء وأشرفها، وعوضهم بها عن ~~الخواطر التي هي مادة العلم والهدى. وإذا خلا القلب عن هذه الخواطر جاء ~~الشيطان فوجد المحل خاليا، فشغله بما يناسب حال صاحبه، حيث لم يستطع أن ~~يشغله بالخواطر السفلية، فشغله بإرادة التجريد والفراغ (2) من الإرادة التي ~~لا صلاح للعبد ولا فلاح إلا بأن تكون هي المستولية على قلبه. وهي: إرادة ~~مراد الله الديني (3) الأمري # الذي يحبه ويرضاه، وشغل القلب (4) واهتمامه بمعرفته على التفصيل به، ~~والقيام به وتنفيذه في الخلق، والطرق إلى ذلك، والتوصل إليه بالدخول في ~~الخلق (5) لتنفيذه. فبرطلهم (6) الشيطان عن ذلك بأن دعاهم إلى تركه ~~وتعطيله، من باب الزهد في خواطر الدنيا وأسبابها، وأوهمهم أن كمالهم في ذلك ~~التجريد والفراغ. وهيهات (7)! # إنما الكمال في امتلاء القلب والسر من الخواطر والإرادات والفكر في تحصيل ~~مراضي الرب تعالى من العبد ومن الناس، والفكر في طرق ذلك والتوصل إليه. ~~فأكمل الناس أكثرهم خواطر وفكرا صارادات لذلك، كما أن أنقص الناس أكثرهم ~~خواطر وفكرا وإرادات لحظوظه وهواه أين PageV01P362 #
# كانت. والله المستعان. # وهذا عمر بن الخطاب كانت تتزاحم عليه الخواطر في مراضي الرب تعالى، فربما ~~استعملها في صلاته، فكان يجهز (1) جيشه وهو في صلاته (2)، فيكون قد جمع بين ~~الجهاد والصلاة. # وهذا من باب تداخل العبادات في العبادة الواحدة. وهو باب عزيز شريف لا ~~يعرفه (3) إلا صادق الطلب، متضلع من العلم، عالي الهمة، بحيث يدخل في عبادة ~~يظفر فيها بعبادات شتى (4). وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. # فصل # وأما اللفظات، فحفظها بأن لا يخرج لفظة ضائعة، بل لا يتكلم إلا فيما يرجو ~~فيه الربح والزيادة في دينه. فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر: هل ms180 فيها ربح ~~وفائدة أم لا؛ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن كان فيها ربح نظر: هل ~~يفوته بها كلمة هي أربح منها، فلا يضيعها بهذه. # وإذا أردت أن [79/ أ] تستدل على ما في القلب، فاستدل عليه (5) ~~PageV01P363 #
# بحركة اللسان، فإنه يطلع ما في القلب (1)، شاء صاحبه أم أبى. # قال يحيي بن معاذ: القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها. ~~فانظر الرجل (2) حين يتكلم، فإن لسانه يغترف (3) لك مما في قلبه (4): حلو ~~وحامض، وعذب وأجاج، وغير ذلك. ويبين لك طعم قلبه اغتراف لسانه (5). # أي كما تطعم بلسانك طعم ما في القدر من الطعام، فتدرك العلم بحقيقته، ~~كذلك تطعم ما في قلب الرجل من لسانه، فتذوق ما في قلبه (6) من لسانه، كما ~~تذوق ما في القدر بلسانك. # وفي حديث أنس المرفوع: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم ~~قلبه (7) حتى يستقيم لسانه" (8). PageV01P364 #
# وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: "الفم ~~والفرج" (1). # قال الترمذي حديث صحيح (2). # وقد سأل معاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - عن العمل الذي يدخله الجنة ~~ويباعده من النار، فأخبره برأسه، وعموده، وذروة سنامه؛ ثم قال: "ألا أخبرك ~~بملاك ذلك؟ " قال: بلى يا رسول الله. فأخذ بلسان نفسه (3)، ثم قال: "كف ~~عليك هذا". فقال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "ثكلتك أمك يا معاذا ~~وهل يكب الناس في النار (4) على وجوههم- أو على مناخرهم- إلا حصائد ~~ألسنتهم؟ " (5) قال الترمذي: حديث PageV01P365 #
# صحيح (1). # ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم ~~والزنا والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ ~~من حركة لسانه، حتى ترى الرجل (2) يشار إليه بالدين والزهد والعبادة (3)، ~~وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يزل (4) بالكلمة ~~الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب (5)! وكم ترى من رجل متورع عن ~~الفواحش والظلم، ولسانه PageV01P366 #
# يفري في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي ما ms181 يقول! # وإذا أردت أن تعرف ذلك، فانظر إلى ما رواه مسلم في صحيحه (1) من حديث ~~جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله [79/ ب]- صلى الله عليه وسلم -: "قال ~~رجل: والله لا يغفر الله لفلان. فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى علي ~~أني لا أغفر لفلان؟ قد غفرت له، وأحبطت عملك". # فهذا العابد (2) الذي قد عبد الله ما شاء أن يعبده، أحبطت هذه الكلمة ~~الواحدة عمله كله! # وفي حديث أبي هريرة نحو ذلك، ثم قال أبو هريرة: "تكلم بكلمة أوبقت دنياه ~~وآخرته" (3). # وفي الصحيحين (4) من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إن العبد PageV01P367 #
# ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها (1) ~~درجات. وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها ~~(2) في جهنم". # وعند مسلم (3): "إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين ما فيها، يهوي بها في ~~النار أبعد ما بين (4) المشرق والمغرب". # وعند الترمذي (5) من حديث بلال بن الحارث المزني (6) عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - (7): PageV01P368 #
# "إن أحدكم (1) ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يظن (2) أن تبلغ ما ~~بلغت، فيكتب الله له (3) بها رضوانه إلى يوم يلقاه. وإن أحدكم ليتكلم ~~بالكلمة من سخط الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له (4) بها سخطه ~~إلى يوم يلقاه". # فكان (5) علقمة يقول (6): كم من كلام قد منعنيه (7) حديث بلال بن الحارث ~~(8)! # وفي جامع الترمذي أيضا (9) من حديث أنس قال: توفي رجل من PageV01P369 #
# الصحابة، فقال رجل: أبشر بالجنة، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "أو لا تدري فلعله (1) تكلم فيما لا يعنيه، أو بخل بما لا ينقصه". قال: ~~حديث حسن (2). # وفي لفظ: أن غلاما استشهد يوم أحد، فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع، ~~فمسحت أمه التراب عن وجهه، وقالت: هنيئا لك يا بني، لك الجنة (3). فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وما يدريك، لعله كان يتكلم فيما لا ms182 يعنيه، ~~ويمنع ما لا يضره". # وفي الصحيحين (4) من حديث أبي هريرة يرفعه: "من كان يؤمن بالله [80/ أ] ~~واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت". # وفي لفظ لمسلم (5): "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فإذا شهد أمرا ~~فليتكلم بخير (6) أو ليسكت". PageV01P370 #
# وذكر الترمذي (1) بإسناد صحيح عنه - صلى الله عليه وسلم -: "من حسن إسلام ~~المرء تركه ما لا يعنيه". # وعن سفيان بن عبد الله (2) الثقفي قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في ~~الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك. قال: "قل: آمنت بالله، ثم استقم". قلت ~~(3): يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: "هذا". ~~والحديث صحيح (4). # وعن أم حبيبة زوج النبي- صلى الله عليه وسلم -، عن النبي (5) - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "كلام ابن PageV01P371 #
# آدم (1) عليه لا له، إلا أمر بمعروف، أو نهي عن المنكر (2)، أو ذكر الله" ~~(3) قال الترمذي: حديث حسن (4). # وفي حديث آخر: إذا أصبح العبد (5) فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان (6)، ~~تقول: اتق الله فينا (7)، وإنما نحن بك. فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت ~~اعوججنا (8). PageV01P372 #
# وقد كان السلف يحاسب أحدهم نفسه في قوله: يوم حار، ويوم بارد. # ولقد رئي بعض الأكابر من أهل العلم (1) في النوم، فسئل عن حاله، فقال: ~~أنا موقوف على كلمة قلتها. قلت: ما أحوج الناس إلى غيث! فقيل لي: وما ~~يدريك؟ أنا أعلم بمصلحة عبادي. # وقال بعض الصحابة لخادمه (2) يوما: هات (3) السفرة نعبث بها. ثم قال: ~~أستغفر الله، ما أتكلم بكلمة إلا وأنا أخطمها وأزفها، إلا هذه الكلمة خرجت ~~مني بغير خطام ولا زمام (4). أو كما قال. PageV01P373 #
# وأيسر (1) حركات الجوارح حركة اللسان، وهي أضرها على العبد. # واختلف السلف والخلف هل يكتب جميع ما يلفظ به العبد، أو الخير والشر فقط ~~(2)؟ على قولين، أظهرهما الأول (3). # وقال بعض السلف (4): كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا ما كان من ذكر الله ~~وما والاه. # وكان الصديق رضي الله عنه يمسك بلسانه ويقول: ms183 هذا أوردني الموارد (5). # والكلام أسيرك، فإذا خرج من فيك صرت أسيره. والله عند لسان PageV01P374 #
# كل قائل: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (18)} [ق: 18]. # وفي اللسان آفتان عظيمتان، إن [80/ ب] خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى: ~~آفة الكلام، وآفة السكوت. وقد يكون كل منهما أعظم إثما من الأخرى في وقتها. ~~فالساكت عن الحق شيطان أخرس عاص لله مراء مداهن إذا لم يخف على نفسه (1)، ~~والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاص لله. وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته، ~~فهم بين هذين النوعين. # وأهل الوسط -وهم أهل الصراط المستقيم- كفوا ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها ~~فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة. فلا يرى أحدهم أنه يتكلم بكلمة تذهب عليه ~~ضائعة بلا منفعة، فضلا عن (2) أن تضره في آخرته. # وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها ~~عليه كلها؛ ويأتي بسيئات أمثال الجبال (3)، فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ~~ذكر الله وما اتصل به. # فصل # وأما الخطوات:، فحفظها (4) بأن لا يثقل قدمه إلا فيما يرجو ثوابه، فإن لم ~~يكن في خطاه مزيد ثواب، فالقعود عنها خير له. ويمكنه أن PageV01P375 #
# يستخرج من كل مباح يخطو إليه قربة ينويها لله، فتقع (1) خطاه قربة. # ولما كانت العثرة عثرتين: عثرة الرجل، وعثرة اللسان جاءت إحداهما قرينة ~~الأخرى في قوله تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا ~~خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (63)} [الفرقان: 63]، فوصفهم بالاستقامة في ~~لفظاتهم وخطواتهم، كما جمع بين اللحظات والخطرات # في قوله (2): {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (19)} [غافر: 19]. # فصل # وهذا كله ذكرناه مقدمه (3) بين يدي تحريم الفواحش ووجوب حفظ الفرج. # وقد قال النبي (4) - صلى الله عليه وسلم -: "أكثر ما يدخل الناس النار: ~~الفم والفرج" (5). # وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا ~~بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" ~~(6). PageV01P376 #
# وهذا الحديث في اقتران الزنى بالكفر وقتل النفس نظير الآية التي في ~~الفرقان (1)، ونظير ms184 حديث ابن مسعود (2). # [81/ أ] وبدأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم -بالأكثر وقوعا، ثم بالذي ~~يليه. فالزنى أكثر وقوعا من قتل النفس، وقتل النفس أكثر وقوعا من الردة. ~~وأيضا فإنه انتقال من الأكبر إلى ما هو أكبر (3) منه. # ومفسدة الزنا مناقضة لصلاح العالم، فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على ~~أهلها وزوجها (4) وأقاربها، ونكست رؤوسهم بين الناس. وإن حملت من الزنى، ~~فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنى والقتل، وإن حملته الزوج أدخلت (5) على أهله ~~وأهلها أجنبيا ليس منهم فورثهم وليس منهم، ورآهم، وخلا بهم، وانتسب إليهم، ~~وليس منهم؛ إلى غير ذلك من مفاسد زناها. وأما زنى الرجل فإنه يوجب اختلاط ~~الإنساب أيضا، وإفساد المرأة المصونة، وتعريضها للتلف والفساد. # وفي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين، وإن عمرت القبور (6) في البرزخ، ~~والنار في الآخرة. فكم (7) في الزنى من استحلال PageV01P377 #
# محرمات (1)، وفوات حقوق، ووقوع مظالم! # ومن خاصيته (2): أنه يوجب الفقر، ويقصر العمر، ويكسو صاحبه سواد الوجه ~~وثوب المقت بين الناس. # ومن خاصيته أيضا: أنه يشتت القلب، ويمرضه إن لم يمته. # ويجلب الهم والحزن والخوف، ويباعد صاحبه من الملك، ويقرب منه الشيطان ~~(3). # فليس بعد مفسدة القتل أعظم من مفسدته (4). ولهذا شرع (5) فيه القتل على ~~أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها. ولو بلغ العبد أن امرأته أو حرمته قتلت كان ~~أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت. # وقال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح (6). ~~فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "تعجبون من غيرة سعد؟ ~~والله لأنا أغير منه، والله أغير مني. ومن أجل غيرة الله حرم (7) الفواحش ~~ماظهر منها وما بطن". متفق عليه (8). PageV01P378 #
# وفي الصحيحين أيضا (1) عنه - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله يغار، وإن ~~المؤمن يغار (2)، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه" (3). # وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم -: "لا أحد أغير [81/ ب] من الله، ~~من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا أحد أحب إليه العذر ms185 من ~~الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين. ولا أحد أحب إليه المدح من ~~الله، من أجل ذلك أثنى على نفسه" (4). # وفي الصحيحين في خطبته - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الكسوف أنه قال: ~~"يا أمة محمد، والله إنه لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته. ~~يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا". ثم رفع ~~يديه، وقال: "اللهم هل بلغت؟ " (5). # وفي ذكر هذه الكبيرة بخصوصها عقيب صلاة الكسوف سر بديع لمن تأمله. # وظهور الزنى من أمارات خراب العالم، وهو من أشراط الساعة، كما في ~~الصحيحين عن أنس بن مالك أنه قال: لأحدثنكم حديثا لا PageV01P379 #
# يحدثكموه أحد بعدي سمعته من النبي - صلى الله عليه وسلم - (1). سمعت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر ~~الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا، ويقل الرجال، وتكثر النساء حتى يكون ~~لخمسين امرأة القيم الواحد" (2). # وقد جرت سنة الله سبحانه في خلقه أنه عند ظهور الزنى يغضب الله سبحانه، ~~ويشتد غضبه، فلا بد (3) أن يؤثر غضبه في الأرض عقوبة. # قال عبد الله بن مسعود: ما ظهر الربا والزنى في قرية إلا أذن الله ~~بإهلاكها (4). # ورأى بعض أحبار بني إسرائيل ابنا له يغامز امرأة، فقال: مهلا يابني، فصرع ~~الأب عن سريره، فانقطع نخاعه، وأسقطت امرأته. وقيل له: هكذا غضبت لي؟ لا ~~يكون في جنسك حبر (5) أبدا (6). # وخص سبحانه حد الزنى من بين الحدود بثلاث خصائص: أحدها: القتل فيه أشنع ~~القتلات، وحيث خففه فجمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد، وعلى القلب ~~بتغريبه عن وطنه (7) سنة. PageV01P380 #
# الثاني: أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه، بحيث تمنعهم من ~~إقامة الحد عليهم. فإنه سبحانه من رأفته ورحمته بهم شرع هذه [82/ أ] ~~العقوبة، فهو أرحم منكم (1)، ولم تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة، فلا ~~يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من الرأفة (2) من إقامة أمره. # وهذا وإن كان عاما في ms186 سائر الحدود، ولكن ذكر في حد الزنى خاصة، لشدة ~~الحاجة إلى ذكره. فإن الناس لا يجدون في قلوبهم من الغلظة والقسوة على ~~الزاني ما يجدونه على السارق والقاذف وشارب # الخمر، فقلوبهم ترحم الزاني أكثر مما ترحم غيره من أرباب الجرائم، ~~والواقع شاهد بذلك، فنهوا أن تأخذهم هذه الرأفة، وتحملهم على تعطيل حد ~~الله. # وسبب هذه الرحمة أن هذا ذنب يقع من الأشراف والأوساط والأرذال (3)، وفي ~~النفوس أقوى الدواعي إليه، والمشارك فيه كثير، وأكثر أسبابه العشق، والقلوب ~~مجبولة على رحمة العاشق، وكثير من # الناس يعد مساعدته طاعة وقربة، وإن كانت الصورة المعشوقة محرمة عليه. ولا ~~يستنكر (4) هذا الأمر، فهو مستقر عند ما شاء الله من أشباه الأنعام. ولقد ~~حكي لنا من ذلك شيء كثير، أكثره عن ناقصي العقول (5) كالخدام والنساء. ~~PageV01P381 #
# وأيضا فإن هذا ذنب غالب ما يقع مع التراضي من الجانبين، ولا يقع فيه من ~~العدوان والظلم والاغتصاب ما ينفر النفوس منه، وفيها شهوة غالبة له، فتصور ~~ذلك لنفسها، فيقوم بها رحمة تمنع إقامة الحد. # وهذا كله من ضعف الإيمان. وكمال الإيمان أن يقوم به قوة يقيم بها (1) أمر ~~الله، ورحمة يرحم بها المحدود، فيكون موافقا لربه تعالى في (2) أمره ~~ورحمته. # الثالث: أنه سبحانه أمر أن يكون حدهما بمشهد من المؤمنين، فلا يكون خلوة ~~حيث لا يراهما أحد. وذلك أبلغ في مصلحة الحد وحكمة الزجر (3). # وحد الزاني المحصن مشتق من عقوبة الله سبحانه لقوم لوط بالقذف بالحجارة. ~~وذلك لاشتراك الزنى واللواط في الفحش، وفي كل منهما فساد يناقض (4) حكمة ~~الله في خلقه وأمره. فإن في اللواط من المفاسد ما يفوت الحصر (5) والتعداد. ~~ولأن يقتل المفعول به خير له من أن يؤتى، [82/ ب] فإنه يفسد فسادا لا يرجى ~~له بعده صلاح أبدا. ويذهب خيره كله، وتمص الأرض ماوية الحياء (6) من وجهه، ~~فلا يستحي بعد PageV01P382 #
# ذلك لا من الله ولا من خلقه، وتعمل في قلبه وروحه نطفة الفاعل ما يعمل ~~السم في البدن (1). # وقد اختلف الناس: هل ms187 يدخل الجنة مفعول به؟ على قولين سمعت شيخ الإسلام ~~يحكيهما. والذين قالوا: لا يدخل الجنة، احتجوا بأمور: منها: أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "لا يدخل الجنة ولد زنية" (2). فإذا كان هذا حال ولد ~~الزنى، مع أنه لا ذنب له في ذلك، ولكنه مظنة كل شر وخبث، وهو جدير أن لا ~~يجيء منه خير أبدا؛ لأنه مخلوق من نطفة خبيثة، وإذا كان الجسد الذي تربى ~~على الحرام، النار أولى به، فكيف بالجسد المخلوق من النطفة الحرام؟ ~~PageV01P383 #
# قالوا: والمفعول به شر من ولد الزنى، وأخزى (1)، وأخبث، وأوقح (2). وهو ~~جدير أن لا يوفق لخير، وأن يحال بينه وبينه، وكلما عمل خيرا قيض ما يفسده ~~عقوبة له. وقل أن ترى من كان كذلك في صغره إلا وهو (3) في كبره شر (4) مما ~~كان. ولا يوفق لعلم نافع، ولا عمل صالح، ولا توبة نصوح. # والتحقيق في المسألة أن يقال: إن (5) تاب المبتلى بهذا البلاء، وأناب، ~~ورزق توبة نصوحا وعملا صالحا، وكان في كبره خيرا منه في صغره، وبذل سيئآته ~~بحسنات، وغسل عار ذلك عنه بأنواع الطاعات والقربات، وغض بصره، وحفظ فرجه من ~~المحرمات، وصدق الله في معاملته = فهذا مغفور له، وهو من أهل الجنة. فإن ~~الله يغفر الذنوب جميعا، وإذا كانت التوبة تمحو كل ذنب حتى الشرك بالله، ~~وقتل أنبيائه وأوليائه، والسحر، والكفر، وغير ذلك، فلا تقصر عن محو هذا ~~الذنب (6). # وقد استقرت حكمة الله به (7) عدلا وفضلا أن التائب من الذنب كمن ~~PageV01P384 #
# لا ذنب له (1)، وقد ضمن الله سبحانه لمن تاب من الشرك وقتل النفس (2) ~~والزنى أنه يبدل سيئاته حسناب (3). وهذا حكم عام لكل تائب من كل ذنب (4). ~~وقد قال تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53)} [الزمر: 53]، ~~فلا يخرج (5) من هذا العموم ذنب واحد. ولكن هذا في حق التائبين خاصة. # وأما مفعول به كان في كبره شرا مما كان في صغره، ms188 لم يوفق لتوبة نصوح ولا ~~لعمل صالح، ولا استدرك ما فات، ولا أحيا ما أمات، ولا بدل السيئات بالحسنات ~~= فهذا بعيد أن يوفق عند الممات لخاتمة يدخل بها الجنة عقوبة له على عمله. ~~فإن الله سبحانه يعاقب على السيئة بسيئة أخرى، فتتضاعف (6) عقوبة السيئات ~~بعضها ببعض (7)، كما يثيب على PageV01P385 #
# الحسنة بحسنة أخرى (1). # وإذا نظرت إلى كثير من المحتضرين وجدتهم يحال بينهم وبين حسن الخاتمة ~~(2)، عقوبة لهم على أعمالهم السيئة. قال الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عبد ~~الرحمن الإشبيلي رحمه الله (3): "واعلم أن لسوء الخاتمة- أعاذنا الله منها- ~~أسبابا (4)، ولها طرق وأبواب، أعظمها: الإكباب على الدنيا، والإعراض عن ~~الأخرى، والإقدام والجرأة على معاصي الله عز وجل. وربما غلب على الإنسان # ضرب من الخطيئة، ونوع من المعصية، وجانب من الإعراض، ونصيب من الجرأة ~~والإقدام، فملك قلبه، وسبق عقله، وأطفأ نوره، وأرسل عليه حجبه (5)، فلم ~~تنفع فيه تذكرة، ولا نجعت فيه موعظة. فربما جاءه الموت على ذلك، فسمع ~~النداء من مكان بعيد، فلم يتبين له المراد، ولا علم ما أراد، وإن كرر عليه ~~الداعي وأعاد! ". # قال: "ويروى أن بعض رجال الناصر (6) نزل به الموت، فجعل ابنه يقول: قل: ~~لا إله إلا الله، فقال: الناصر مولاي! فأعاد (7) عليه القول، فأعاد مثل ~~ذلك. ثم أصابته غشية، فلما أفاق قال: الناصر مولاي. وكان PageV01P386 #
# هذا دأبه، كلما قيل له: قل: لا إله إلا الله، قال: الناصر مولاي (1). ثم ~~قال لابنه: يا فلان، الناصر إنما يعرفك بسيفك، والقتل، القتل (2). ثم مات". # قال عبد الحق: "وقيل لآخر ممن أعرفه: قل: لا إله إلا الله، فجعل يقول: ~~الدار الفلانية أصلحوا (3) فيها كذا، والبستان الفلاني افعلوا فيه كذا". # وقال: "وفيما أذن لي [83/ ب] أبو طاهر السلفي أن أحدث به (4) عنه أن رجلا ~~نزل به الموت، فقيل له: قل: لا إله إلا الله، فجعل يقول بالفارسية: ده، ~~يازده. تفسيره: عشرة بإحدى عشرة (5). # وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فجعل يقول: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ ~~(6) قال: ms189 "وهذا الكلام له قصة. وذلك أن رجلا كان واقفا بإزاء داره، وكان ~~بابها يشبه باب هذا الحمام، فمرت به جارية لها منظر، فقالت: PageV01P387 #
# أين الطريق إلى حمام منجاب؟ فقال: هذا حمام منجاب. فدخلت الدار، ودخل ~~وراءها. فلما رأت نفسها في داره، وعلمت أنه قد خدعها، أظهرت له (1) البشر ~~والفرح باجتماعها معه، وقالت له: يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا، وتقر ~~به عيوننا (2). فقال لها: الساعة آتيك بكل ما تريدين وتشتهين. وخرج، وتركها ~~في الدار، ولم يغلقها. # فأخذ ما يصلح، ورجع، فوجدها قد خرجت، وذهبت، ولم تخنه في شيء. فهام ~~الرجل، وأكثر الذكر لها، وجعل يمشي (3) في الطرق والأزقة ويقول (4): # يا رب قائلة يوما وقد تعبت ... كيف الطريق إلى حمام منجاب # فبينا هو يوما يقول ذلك، وإذا بجارية أجابته من طاق (5): # قرنان هلا جعلت إذ ظفرت بها ... حرزا على الدار أوقفلا على الباب (6) # فازداد هيمانه، واشتد هيجانه، ولم يزل على ذلك حتى كان هذا البيت آخر ~~كلامه من الدنيا". # قال: "ويروى أن رجلا (7) علق شخصا، فاشتد كلفه به، وتمكن PageV01P388 #
# حبه من قلبه، حتى وقع لما به (1)، ولزم الفراش بسببه. وتمنع ذلك الشخص ~~عليه، واشتد نفاره عنه. فلم تزل الوسائط يمشون بينهما، حتى وعده أن يعوده. ~~فأخبر بذلك البائس، ففرح، واشتد سروره، وانجلى غمه، وجعل ينتظره للميعاد ~~الذي ضربه (2) له. فبينا هو كذلك، إذ جاءه الساعي بينهما، فقال: إنه وصل ~~معي إلى بعض الطريق، ورجع، فرغبت إليه، وكلمته، فقال: إنه ذكرني، وبرح بي، ~~ولا أدخل مداخل الريب، ولا أعرض نفسي لمواقع التهم. فعاودته، فأبى، وانصرف. ~~فلما (3) # سمع البائس [84/ أ] أسقط في يده، وعاد إلى أشد مما كان به (4)، وبدت عليه ~~علائم الموت. فجعل يقول في تلك الحال: # أسلم، يا راحة العليل ... ويا شفا المدنف النحيل PageV01P389 #
# رضاك أشهى إلى فؤادي ... من رحمة الخالق الجليل (1) # فقلت له: يا فلان (2)، اتق الله. قال: قد كان. فقمت عنه، فما جاوزت باب ~~داره، حتى سمعت ضجة ms190 الموت (3). # فعيافا بالله من سوء العاقبة، وشؤم الخاتمة" (4). # "ولقد بكى سفيان الثوري ليلة إلى الصباح، فلما أصبح قيل له: كل هذا خوفا ~~من الذنوب؟ فأخذ تبنة من الأرض، وقال: الذنوب أهون من هذا، وإنما أبكي من ~~خوف الخاتمة (5) " (6). # وهذا من أعظم الفقه: أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت، فتحول بينه ~~وبين الخاتمة بالحسنى. # وقد ذكر الإمام أحمد (7) عن أبي الدرداء أنه لما احتضر جعل يغمى ~~PageV01P390 #
# عليه، ثم يفيق ويقرأ: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ~~ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110)} [الأنعام: 110]. فمن هذا خاف السلف من ~~الذنوب أن تكون حجابا بينهم وبين الخاتمة بالحسنى. # قال (1): "واعلم أن سوء الخاتمة- أعاذنا الله منها- لا تكون لمن استقام ~~ظاهره، وصلح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم به، ولله الحمد. # وإنما تكون لمن له فساد في العقيدة (2)، أو إصرار على الكبائر، وإقدام ~~على العظائم. فربما غلب ذلك عليه، حتى ينزل به الموت قبل التوبة، فيأخذه ~~قبل إصلاح الطوية، ويصطلم (3) قبل الإنابة، فيظفر به الشيطان عند تلك ~~الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة. والعياذ بالله". # قال: "ويروى أنه كان بمصر رجل يلزم مسجدا للأذان والصلاة (4)، وعليه بهاء ~~الطاعة وأنوار العبادة، فرقي يوما المنارة على عادته للأذان، وكان تحت ~~المنارة دار لنصراني، فاطلع فيها، فرأى ابنة صاحب الدار، فافتتن بها، فترك ~~الأذان ونزل إليها، ودخل الدار عليها، فقالت له: ما شأنك؟ وما تريد؟ قال: ~~أريدك. قالت: لماذا؟ قال: قد سبيت لبي، وأخذت بمجامع قلبي. قالت: لا أجيبك ~~إلى ريبة (5) أبدا. قال: أتزوجك. قالت: أنت مسلم، وأنا {84/ ب} نصرانية، ~~وأبي لا يزوجني منك. قال لها: أتنصر. قالت: إن فعلت أفعل. فتنصر الرجل ~~PageV01P391 #
# ليتزوجها، وأقام معهم في الدار فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقي إلى سطح ~~كان في الدار (1)، فسقط منه، فمات. فلم يظفر بها (2)، وفاته دينه! (3) ". # فصل # ولما كانت مفسدة اللواط من أعظم المفاسد كانت عقوبته في الدنيا والآخرة ~~من أعظم العقوبات. # وقد اختلف الناس: هل هو أغلظ ms191 عقوبة من الزنى، أو الزنى أغلظ عقوبة منه، ~~أو عقوبتهما سواء؟ على ثلاثة أقوال (4): # فذهب أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن ~~الزبير، وعبد الله بن عباس، وجابر بن زيد، و [عبيد الله بن] عبد الله بن ~~معمر (5)، والزهري، وربيعة بن أبي PageV01P392 #
# عبد الرحمن (1)، ومالك، د سحاق بن راهويه، والإمام أحمد (2) في أصح ~~الروايتين عنه (3)، والشافعي في أحد قوليه- إلى أن عقوبته أغلظ من عقوبة ~~الزنا، وعقوبته القتل على كل حال محصنا كان أو غير محصن. # وذهب عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب (4)، وإبراهيم ~~النخعي (5)، وقتادة، والأوزاعي، والشافعي في PageV01P393 #
# ظاهر مذهبه، والإمام أحمد في الرواية الثانية عنه، وأبو يوسف ومحمد = إلى ~~أن عقوبته وعقوبة الزاني (1) سواء. # وذهب الحكم (2) وأبو حنيفة إلى أن عقوبته دون عقوبة الزاني، وهي التعزير. # قالوا: لأنه معصية من المعاصي لم يقدر الله ولا رسوله فيه حدا مقدرا، ~~فكان فيه التعزير، كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير. # قالوا: ولأنه وطء في محل لا يشتهيه الطباع (3)، بل ركبها الله تعالى على ~~النفرة منه حتى الحيوان البهيم، فلم يكن فيه حد، كوطء الحمار وغيره. # قالوا: ولأنه لا يسمى زانيا لغة ولا شرعا ولا عرفا، فلا يدخل في النصوص ~~الدالة على حد الزانيين. PageV01P394 #
# قالوا: ولأنا رأينا قواعد الشريعة (1) أن المعصية إذا كان الوازع عنها ~~طبعيا اكتفي بذلك الوازع من الحد، وإذا كان في الطباع تقاضيها جعل فيها ~~[85/ أ] الحد بحسب (2) اقتضاء الطباع لها. ولهذا جعل الحد في الزنى والسرقة ~~وشرب المسكر دون أكل الميتة والدم ولحم الخنزير. # قالوا: وطرد هذا أنه لا حد في وطء البهيمة ولا الميتة. وقد جبل الله ~~سبحانه الطباع على النفرة من وطء الرجل مثله أشد نفرة، كما جبلها على ~~النفرة من استدعاء الرجل من يطؤه، بخلاف الزنى فإن الداعي فيه من الجانبين. # قالوا: ولأن أحد النوعين إذا استمتع بشكله لم يجب عليه الحد، كما لو ~~تساحقت المرأتان واستمتعت كل ms192 واحدة منهما بالأخرى. # قال أصحاب القول الأول- وهم جمهور الأمة، وحكاه غير واحد إجماعا ~~للصحابة-: ليس في المعاصي مفسدة أعظم (3) من هذه المفسدة، وهي تلي مفسدة ~~الكفر، وربما كانت أعظم من مفسدة القتل، # كما سنبينه إن شاء الله. # قالوا: ولم يبتل الله تعالى بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحدا من العالمين، ~~وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أمة غيرهم، وجمع عليهم من PageV01P395 #
# أنواع العقوبات من الإهلاك (1) وقلب ديارهم عليهم، والخسف بهم، ورجمهم ~~بالحجارة من السماءة فنكل بهم نكالا لم ينكله بأمة سواهم. # وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة التي تكاد الأرض تميد من جوانبها (2) إذا ~~عملت عليها، وتهرب الملائكة إلى أقطار السموات والأرض إذا شاهدوها، خشية ~~نزول العذاب على أهلها، فيصيبهم معهم؛ وتعج الأرض إلى ربها تبارك وتعالى، ~~وتكاد الجبال تزول عن أماكنها. # وقتل المفعول به (3) خير له من وطئه، فإنه إذا وطئه الرجل قتله قتلا (4) ~~لا ترجى الحياة معه؛ بخلاف قتله فإنه مظلوم شهيد، وربما ينتفع به في آخرته. # قالوا: والدليل على هذا أن الله سبحانه جعل حد القاتل إلى خيرة الولي، إن ~~شاء قتل، وإن شاء عفا؛ وحتم قتل اللوطي حدا، كما أجمع عليه أصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، ودلت عليه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~(5) الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها، بل عليها عمل أصحابه وخلفائه ~~الراشدين. # وقد ثبت عن خالد بن الوليد أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلا [85/ أ] ينكح ~~كما تنكح المرأة، فكتب إلى أبي بكر الصديق، PageV01P396 #
# فاستشار أبو بكر الصحابة رضي الله عنهم، فكان (1) علي بن أبي طالب أشدهم ~~قولا فيه، فقال: ما فعل هذا إلا أمة من الأمم واحدة (2)، وقد علمتم ما فعل ~~الله بها. أرى أن يحرق بالنار. فكتب أبو بكر إلى خالد فحرقه (3). # وقال عبد الله بن عباس: ينظر أعلى بناء في القرية، فيرمى اللوطي منه ~~منكبا (4)، ثم يتبع بالحجارة (5). وأخذ عبد الله بن عباس هذا الحد من عقوبة ~~الله للوطية قوم لوط. ms193 # وابن عباس هو الذي روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ي: "من وجدتموه ~~يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به". رواه أهل السنن (6)، وصححه ~~PageV01P397 #
# ابن حبان وغيره، واحتج الإمام أحمد بهذا الحديث. وإسناده على شرط ~~البخاري. # قالوا: وثبت عنه أنه (1) قال: "لعن الله من عمل عمل قوم لوط. لعن الله من ~~عمل عمل قوم لوط. لعن الله من عمل عمل قوم لوط" (2). # ولم تجىء عنه لعنة الزاني في (3) حديث واحد، وقد لعن جماعة من أهل ~~الكبائر فلم يتجاوز بهم في اللعنة مرة واحدة، وكرر لعن اللوطية فأكده ثلاث ~~مرات. PageV01P398 #
# وأطبق أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم -على قتله، لم يختلف (1) فيه ~~منهم رجلان. وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله (2)، فظن بعض الناس أن ذلك ~~اختلاف منهم في قتله، فحسماها مسألة نزل بين الصحابة وهي بينهم مسألة إجماع ~~(3)، لا مسألة نزل. # قالوا: ومن تأمل قوله سبحانه: ({ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء ~~سبيلا (32)} [الإسراء: 32]، وقوله في اللواط: {أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها ~~من أحد من العالمين (80)} [الأعراف: 80] تبين له تفاوت ما بينهما. فإنه (4) ~~سبحانه نكر الفاحشة في الزنى، أي هو (5) فاحشة من # الفواحش، وعرفها في اللواط، وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة، كما ~~تقول: زيد الرجل (6)، ونعم الرجل زيد. أي: أتأتون الخصلة التي استقر فحشها ~~عند كل أحد (7)؟ فهي لظهور فحشها (8) # وكماله غنية عن ذكرها، بحيث [86/ أ] لا ينصرف الاسم إلى غيرها. # وهذا نظير قول فرعون لموسى (9): {وفعلت فعلتك التي فعلت} [الشعراء: 19] ~~أي: الفعلة الشنعاء الظاهرة المعلومة لكل أحد. PageV01P399 #
# ثم أكد سبحانه بيان فحشها (1) بانها (2) لم يعملها أحد من العالمين ~~قبلهم، فقال: {ما سبقكم بها من أحد من العالمين (80)} (3) [الأعراف: 80]. # ثم زاد في التأكيد بأن صرح بما تشمئز منه القلوب، وتنبو عنه الأسماع، ~~وتنفر منه أشد النفرة (4) الطباع، وهو إتيان الرجل رجلا مثله، ينكحه كما ~~ينكح الأنثى، فقال: {إنكم لتأتون الرجال} [الأعراف: 81]. # ثم نبه على استغنائهم عن ذلك، ms194 وأن الحامل لهم عليه ليس إلا مجرد الشهوة، ~~لا الحاجة التي لأجلها مال الذكر إلى الأنثى (5)، من قضاء الوطر ولذة ~~الاستمتاع، وحصول المودة والرحمة التي تنسى المرأة # لها أبويها وتذكر بعلها، وحصول النسل الذي هو (6) حفظ هذا النوع الذي هو ~~أشرف المخلوقات، وتحصين المرأة وقضاء وطرها، وحصول علاقة المصاهرة التي هي ~~أخت النسب (7)، وقيام الرجال على النساء، وخروج أحب الخلق إلى الله من ~~جماعهن كالأنبياء والأولياء والصالحين (8)، ومكاثرة النبي- صلى الله عليه ~~وسلم - الأنبياء بأمته، إلى غير ذلك من مصالح النكاح. والمفسدة التي في ~~اللواط تقاوم ذلك كله، وتربي PageV01P400 #
# عليه (1) بما لا يمكن حصر فساده، ولا يعلم تفصيله إلا الله. # ثم أكد قبح ذلك بأن اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر عليها الرجال، ~~وقلبوا الطبيعة التي ركبها الله في المذكور، وهي شهوة النساء دون شهوة ~~المذكور. فقلبوا الأمر، وعكسوا الفطرة والطبيعة، فأتوا # الرجال شهوة من دون النساء (2). ولهذا قلب الله سبحانه عليهم ديارهم، ~~فجعل عاليها سافلها. وكذلك قلبوا هم ونكسوا (3) في العذاب على رؤوسهم (4). # ثم أكد سبحانه قبح ذلك بأن حكم عليهم بالإسراف، وهو مجاوزة الحد، فقال: ~~{بل أنتم قوم مسرفون (81)} [الأعراف: 81]. # فتأمل هل جاء ذلك أو قريبا منه في الزنى؟ وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله: ~~{ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث} [الأنبياء: 74] ". ثم أكد ~~عليهم الذم بوصفين في غاية القبح، فقال: {إنهم كانوا [86/ب] قوم سوء فاسقين ~~(74)}. # وسماهم "مفسدين" في قول نبيهم: {قال رب انصرني على القوم المفسدين (30)} ~~[العنكبوت: 30]. وسماهم "ظالمين" في قول الملائكة لإبراهيم: / {إنا مهلكو ~~أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين (31)} [العنكبوت: 31]. PageV01P401 #
# فتأمل من عوقب بمثل هذه العقوبات، ومن ذمه الله (1) بمثل هذه المذمات! ~~ولما جادل فيهم خليله إبراهيم الملائكة، وقد أخبروه بإهلاكهم، قيل له: {يا ~~إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (76)} ~~[هود: 76]. # وتأمل خبث اللوطية وفرط تمردهم على الله، حيث (2) جاؤوا نبيهم لوطا لما ~~سمعوا بأنه قد طرقه أضياف هم من ms195 أحسن البشر صورا، فأقبل اللوطية إليه (3) ~~يهرولون. فلما رآهم قال لهم: {يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} [هود: 78]، ~~ففدى أضيافه ببناته، يزوجهم بهن، خوفا على نفسه وأضيافه من العار الشديد، ~~فقال: {يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس ~~منكم رجل رشيد (78)} [هود: 78]، فردوا عليه، ولكن رد جبار عنيد: {لقد علمت ~~ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (79)} [هود: 79]. فنفث نبي الله ~~نفثة مصدور، وخرجت من قلب مكروب عميد (4)، فقال: {لو أن لي بكم قوة أو آوي ~~إلى ركن شديد (80)} [هود: 80]. # فنفس له رسل الله، وكشفوا له عن حقيقة الحال، وأعلموه أنهم ليسوا (5) ممن ~~يوصل إليهم ولا إليه بسببهم، فلا تخف منهم، ولا تعبأ بهم، وهون عليك، ~~فقالوا: {قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك} [هود: 81]، وبشروه بما ~~جاؤوا به من الوعد له، ولقومه من الوعيد المصيب، فقالوا: {فأسر بأهلك بقطع ~~من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم PageV01P402 #
# إن موعدهم الصبح} (1) [هود: 81]. فاستبطأ نبي الله موعد هلاكهم (2)، ~~وقال: أريد أعجل [87/ أ] من هذا، فقالت الملائكة: {أليس الصبح بقريب (81)}. # فوالله ما كان بين هلاك أعداء الله ونجاة نبيه وأوليائه إلا ما بين السحر ~~وطلوع الفجر، وإذا بديارهم قد اقتلعت من أصولها، ورفعت نحو السماء، حتى ~~سمعت الملائكة نباح الكلاب ونهيق الحمير. فبرز # المرسوم الذي لا يرد من عند الرب الجليل إلى عبده ورسوله جبريل بأن ~~يقلبها عليهم، كما أخبر به في محكم التنزيل، فقال عز من قائل: {فلما جاء ~~أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل} [هود: 82]. # فجعلهم آية للعالمين، وموعظة للمتقين، ونكالا وسلفا لمن شاركهم في ~~أعمالهم من المجرمين، وجعل ديارهم بطريق السالكين. # {إن في ذلك لآيات للمتوسمين (75) وإنها لبسبيل مقيم (76) إن في ذلك لآية ~~للمؤمنين (77)} [الحجر: 75 - 77]. # أخذهم على غرة وهم نائمون، وجاءهم بأسه وهم في سكرتهم يعمهون، فما أغنى ~~عنهم ما كانوا يكسبون، فانقلبت (3) تلك اللذات ms196 آلاما فأصبحوا بها يعذبون: ~~PageV01P403 #
# مآرب كانت في الحياة لأهلها ... عذابا فصارت في الممات عذابا (1) # ذهبت اللذات، وأعقبت الحسرات. وانقضت الشهوة، وأورثت الشقوة. تمتعوا ~~قليلا، وعذبوا طويلا. رتعوا مرتعا وخيما، فأعقبهم عذابا أليما. أسكرتهم ~~خمرة تلك الشهوة، فما استفاقوا منها إلا في ديار # المعذبين. وأرقدتهم تلك الغفلة، فما استيقظوا إلا وهم في منازل الهالكين. ~~فندموا والله أشد الندامة حين لا ينفع الندم. وبكوا على ما أسلفوه بدل ~~الدموع بالدم. # فلو رأيت الأعلى والأسفل من هذه الطائفة، والنار تخرج من منافذ وجوههم ~~وأبدانهم، وهم بين أطباق الجحيم، وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم، ~~ويقال لهم، وهم على وجوههم يسحبون: {ذوقوا ما كنتم تكسبون (24)} [الزمر: ~~24]، {اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون ~~(16)} [الطور: 16]. # ولقد قرب الله سبحانه مسافة العذاب بين هذه الأمة وبين إخوانهم في [87/ ~~ب] العمل، فقال مخوفا لهم أن يقع الوعيد: {وما هي من الظالمين ببعيد (83)} ~~[هود: 83]. # فيا ناكحي الذكران يهنيكم البشرى ... فيوم معاد الناس إن لكم أجرا # كلوا واشربوا وازنوا ولوطوا وأبشروا ... فإنكم زفا إلى الجنة الحمرا (2) ~~PageV01P404 #
# فإخوانكم قد مهدوا الدار قبلكم ... وقالوا: إلينا عجلوا لكم (1) البشرى # وها نحن أسلاف لكم في انتظاركم ... سيجمعنا الجبار في ناره الكبرى (2) # ولا تحسبوا أن الذين نكحتم ... يغيبون عنكم بل ترونهم جهرا # ويلعن كل منكم لخليله ... ويشقى به المحزون في الكرة الأخرى # يعذب كل منهم بشريكه ... كما اشتركا في لذة توجب الوزرا # فصل # في الأجوبة عما احتج به من جعل عقوبة هذه الفاحشة دون عقوبة الزنى أما ~~قولهم: إنها معصية لم يجعل الله فيها حدا معينا، فجوابه من وجوه: # أحدها: أن المبلغ عن الله جعل حد صاحبها القتل حتفا، وما شرعه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فإنما شرعه عن الله. فإن أردتم أن حدها غير معلوم ~~بالشرع فهو باطل، وإن أردتم أنه غير ثابت بنص الكتاب لم يلزم من ذلك انتفاء ~~حكمه لثبوته بالسنة. # الثاني: أن هذا ينتقض عليكم بالرجم، فإنه ms197 إنما ثبت بالسنة. # فإن قلتم: بل ثبت بقرآن نسخ لفظه وبقي حكمه، قلنا: فينتقض عليكم بحد شارب ~~الخمر. # الثالث: أن نفي دليل معين لا يستلزم نفي مطلق الدليل ولا نفي PageV01P405 #
# المدلول، فكيف وقد قدمنا أن الدليل الذي نفيتموه غير منتف؟ # وأما قولكم: إنه وطء في محل لا تشتهيه الطباع، بل ركب الله الطباع على ~~النفرة منه، فهو كوطء الميتة والبهيمة، فجوابه من وجوه: أحدها: أنه قياس ~~فاسد إلاعتبار، مردود بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع ~~الصحابة، كما تقدم بيانه. # الثاني: أن قياس وطء الأمرد الجميل الذي فتنته تربي على كل فتنة (1)، ~~[88/أ] على وطء أتان أو امرأة ميتة، من أفسد القياس. وهل تغزل أحد قط بأتان ~~أو بقرة أو ميتة، أو سبى ذلك عقل عاشق، أو أسر قلبه، أو استولى على فكره ~~ونفسه؟ فليس في القياس أفسد من هذا. # الثالث: أن هذا منتقض بوطء الأم والبنت والأخت، فإن النفرة الطبيعية عنه ~~حاصلة، مع أن الحد فيه من أغلظ الحدود في أحد القولين، وهو القتل بكل حال ~~محصنا كان أو غير محصن. وهذا إحدى # الروايتين (2) عن الإمام أحمد، وهو قول إسحاق بن راهويه وجماعة من أهل ~~الحديث. # وقد روى أبو داود (3) من حديث البراء بن عازب قال: لقيت عمي PageV01P406 #
# ومعه الراية، فقلت: إلى أين تريد (1)؟ قال: بعثني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى رجل نكح امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه، وآخذ ماله. # قال الترمذي: هذا حديث حسن (2). قال الجوزجاني: عم البراء اسمه الحارث بن ~~عمرو (3). # وفي سنن ابن ماجه (4) من حديث ابن عباس (5) قال: قال رسول الله ~~PageV01P407 #
# - صلى الله عليه وسلم -: "من وقع على ذات محرم فاقتلوه". # ورفع إلى الحجاج رجل اغتصب أخته على نفسها، فقال: احبسوه، واسألوا (1) من ~~ها هنا من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم -. فسألوا عبد الله بن ~~مطرف، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول (2): "من تخطى حرم ~~المؤمنين فخطوا ms198 وسطه بالسيف" (3). PageV01P408 #
# وفيه دليل على القتل بالتوسيط. وهذا دليل مستقل في المسألة، وهو أن من لا ~~يباح (1) وطؤه بحال فحد وطئه القتل. دليله: من وقع على أمه وابنته. وكذلك ~~يقال في وطء ذوات المحارم ووطء من لا يباح له وطؤه بحال، فكان (2) حده ~~القتل، كاللوطي. # والتحقيق أن يستدل على المسألتين بالنص. والقياس يشهد لصحة كل منهما. # وقد (3) اتفق المسلمون على أن من زنى بذات محرم فعليه الحد، وإنما ~~اختلفوا في صفة الحد: هل هو القتل بكل حال، أو حده حد الزاني؟ على قولين: # فذهب الشافعي ومالك وأحمد في إحدى روايتيه (4) أن [88/ ب] حده حد الزاني. # وذهب أحمد وإسحاق وجماعة من أهل الحديث إلى أن حده القتل بكل حال. # وكذلك اتفقوا كلهم على أنه لو أصابها باسم النكاح عالما- أنه يحد، إلا ~~أبا حنيفة وحده (5)، فإنه رأى ذلك شبهة مسقطة للحد. # ومنازعوه يقولون: إذا أصابها باسم النكاح فقد زاد الجريمة غلظا وشدة، ~~PageV01P409 #
# فإنه ارتكب محذورين عظيمين: محذور العقد، ومحذور الوطء، فكيف تخفف عنه ~~العقوبة بضم محذور العقد إلى محذور الزنا؟ # وأما وطء الميتة، ففيه قولان للفقهاء، وهما في مذهب أحمد وغيره. أحدهما: ~~يجب به الحد، وهو قول الأوزاعي، فإن فعله أعظم جرما وأكثر ذنبا لأنه انضم ~~إلى فاحشته هتك حرمة الميتة. # فصل # وأما (1) وطء البهيمة، فللفقهاء فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يؤدب (2)، ولا حد عليه. وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي في ~~أحد قوليه، وقول إسحاق. # والقول الثاني (3): أن حكمه حكم الزاني؛ يجلد إن كان بكرا، ويرجم إن كان ~~محصنا. وهذا قول الحسن. # والقول الثالث: أن حكمه حكم اللوطي. نص عليه أحمد، فيخرج على الروايتين ~~في حده: هل هو القتل حتفا، أو هو كالزاني؟ # والذين قالوا: حده القتل، احتجوا بما رواه أبو داود (4) من حديث ~~PageV01P410 #
# ابن عباس عن النبي- صلى الله عليه وسلم -. "من أتى بهيمة فاقتلوه ~~واقتلوها معه". # قالوا: ولأنه وطء لا يباح بحال، فكان فيه القتل كحد اللوطي. # ومن لم ير عليه ms199 حدا قالوا: لم يصح فيه الحديث، ولو صح لقلنا به، ولم يحل ~~لنا مخالفته. قال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد عن الذي يأتي ~~البهيمة، فوقف عندها، ولم يثبت حديث عمرو بن # أبي عمرو في ذلك (1). وقال الطحاوي: الحديث ضعيف. وأيضا فراويه (2) ابن ~~عباس، وقد أفتى بأنه لا حد عليه (3). قال أبو داود: وهذا PageV01P411 #
# يضعف الحديث. # ولا ريب أن الزاجر الطبعي عن إتيان البهيمة أقوى من الزاجر الطبعي (1) عن ~~التلوط، وليس الأمران في طباع [89/ أ] الناس سواء، فإلحاق أحدهما بالآخر من ~~أفسد القياس، كما تقدم. # فصل # وأما قياسكم وطء الرجل لمثله على تدالك المرأتين، فمن أفسد القياس، إذ لا ~~إيلاج هناك، وإنما نظيره مباشرة الرجل الرجل من غير إيلاج، على أنه قد جاء ~~في بعض الآثار المرفوعة: "إذا أتت المرأة المرأة # فهما زانيتان" (2)، ولكن لا يجب الحد بذلك لعدم الإيلاج، وإن أطلق ~~PageV01P412 #
# عليهما اسم الزنى العام، كزنى العين واليد والرجل والفم. # إذا ثبت هذا فأجمع المسلمون على أن حكم التلوط مع المملوك كحكمه مع غيره. ~~ومن ظن أن تلوط الإنسان بمملوكه جائز، واحتج على ذلك بقوله تعالى: {إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (30)} [المعارج: 30] وقاس ذلك ~~على أمته المملوكة، فهو كافر يستتاب، كما يستتاب المرتد. فإن تاب وإلا ضربت ~~عنقه. وتلوط الإنسان بمملوكه كتلوطه بمملوك غيره في الإثم والحكم. # فصل # فإن قيل: وهل (1) مع ذلك كله من دواء لهذا الداء العضال، ورقية لهذا ~~السحر القتال؟ وما الاحتيال لدفع هذا الخبال؟ PageV01P413 #
# وهل من طريق قاصد إلى التوفيق؟ وهل يمكن السكران بخمرة الهوى أن يفيق؟ # وهل يملك العاشق قلبه، والعشق قد وصل إلى سويدائه؟ وهل للطبيب بعد ذلك ~~حيلة في برئه (1) من سوء دائه؟ # إن لامه لائم التذ بملامه ذكرا (2) لمحبوبه، وإن عذله عاذل أغراه عذله ~~(3)، وسار به في طريق مطلوبه. ينادي عليه شاهد حاله، بل لسان قاله (4): # وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم ms200 # وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا ... ما من يهون عليك ممن يكرم # أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم # أجد الملامة في هواك لذيذة ... حيا لذكرك فليلمني اللوم (5) # ولعل هذا هو المقصود بالسؤال الأول الذي وقع عليه الاستفتاء، والداء الذي ~~طلب له الدواء. # قيل: نعم، الجواب من رأس "وما أنزل الله سبحانه من داء إلا PageV01P414 #
# أنزل [89/ ب] له دواء. علمه من علمه، وجهله من جهله" (1). # والكلام في دواء هذا الداء من طريقين: # أحدهما: حسم مادته قبل حصولها. # والثاني: قلعها بعد نزولها. # وكلاهما يسير على من يسره الله عليه، ومتعذر على من لم يعنه، فإن أزمة ~~الأمور بيديه. # فاما الطريق المانع من حصول هذا الداء، فأمران: # أحدهما: غض البصر (2)، كما تقدم، فإن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس. ~~ومن أطلق لحظاته دامت حسراته. وفي غض البصر عدة منافع، وهو بعض أجزاء هذا ~~الدواء النافع (3). # أحدها: أنه امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده، ~~فليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربه تبارك وتعالى. وما ~~سعد من سعد في الدنيا والآخرة إلا بامتثال أوامره (4)، وما شقي من شقي في ~~الدنيا والآخرة إلا بتضييع أوامره. # الثانية: أنه يمتنع من وصول أثر السهم المسموم الذي لعل فيه هلاكه ~~PageV01P415 #
# إلى قلبه. # الثالثة: أنه يورث القلب أنسا بالله وجمعية على الله، فإن إطلاق البصر ~~يفرق القلب، ويشتته، ويبعده من الله. وليس على العبد شيء أضر من إطلاق ~~البصر، فإنه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه. # الرابعة: أنه يقوي القلب ويفرحه، كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه. # الخامسة: أنه يكسب القلب نورا، كما أن إطلاقه يكسبه (1) ظلمة. # ولهذا ذكر سبحانه آية النور عقيب الأمم بغض البصر فقال: {قل للمؤمنين ~~يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك} [النور: 30]. ثم قال (2) إثر ذلك: ~~{الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} [النور: 35] أي: ~~مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه. # وإذا استنار ms201 القلب أقبلت (3) وفود الخيرات إليه من كل ناحية، كما أنه إذا ~~أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان. فما شئت من بدع وضلالة، ~~واتباع هوى، واجتناب هدى، وإعراض عن أسباب السعادة، واشتغال بأسباب ~~الشقاوة! فإن ذلك إنما [90/ أ] يكشفه له النور # الذي في القلب، فإذا فقد (4) ذلك النور بقي صاحبه كالأعمى الذي ~~PageV01P416 #
# يجوس في حنادس الظلمات. # السادسة: أنه يورثه فراسة صادقة يميز بها بين المحق والمبطل (1) والصادق ~~والكاذب. # وكان شجاع الكرماني (2) يقول: من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام ~~المراقبة؛ وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات، واغتذى بالحلال = لم ~~تخطىء فراسته. وكان شجاع هذا لا # تخطىء له فراسة (3). # والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، ومن ترك لله شيئا ~~(4) عوضه الله خيرا منه، فإذا غض بصره عن محارم الله عوضه الله (5) بأن ~~يطلق نور بصيرته عوضا عن حبسه (6) بصره لله، ويفتح عليه (7) باب العلم ~~والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي إنما تنال PageV01P417 #
# ببصيرة القلب (1). # وضد هذا ما وصف الله به اللوطية من العمه الذي هو ضد البصيرة، فقال ~~تعالى: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72)} [الحجر: 72]، فوصفهم بالسكرة ~~التي هي فساد العقل، والعمه الذي هو فساد البصيرة. # فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل (2)، وعمه البصيرة، وسكر القلب (3)، كما ~~قال القائل: # سكران سكر هوى وسكر مدامة ... ومتى إفاقة من به سكران (4)؟ # وقال الآخر (5): # قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... العشق أعظم مما بالمجانين # العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين (6) ~~PageV01P418 #
# السابعة: أنه يورث القلب ثباتا وشجاعة وقوة، فيجمع الله له بين سلطان ~~البصيرة والحجة وسلطان القدرة والقوة، كما في الأثر: الذي يخالف هواه يفرق ~~الشيطان (1) من ظله (2). # وضد هذا (3) تجد في (4) المتبع لهواه من ذل النفس ووضاعتها ومهانتها ~~وخستها وحقارتها ما جعله الله سبحانه فيمن عصاه، كما قال الحسن: إنهم وإن ~~طقطقت بهم البغال (5)، وهملجت بهم البراذين، إن ذل المعصية في رقابهم. أبى ms202 ~~الله إلا أن يذل من عصاه (6). # وقد جعل الله سبحانه العز قرين طاعته، والذل قرين معصيته، فقال تعالى: ~~{ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون: 8] وقال: {ولا تهنوا ولا ~~تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139)} [آل عمران: 139]. # والإيمان قول وعمل، ظاهر وباطن. # وقال تعالى [90/ ب]: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10]. أي: من كان يريد العزة ~~فليطلبها بطاعة الله وذكره من الكلم الطيب والعمل الصالح. PageV01P419 #
# وفي دعاء القنوت: "إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت" (1). # ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه، وله من العز بحسب طاعته. ومن ~~عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه، وله من الذل بحسب معصيته. # الثامنة: أنه يسد على الشيطان مدخله إلى القلب، فإنه يدخل مع النظرة، ~~وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي، فيمثل له حسن ~~(2) صورة المنظور إليه، ويزينها، ويجعلها صنما يعكف عليه القلب. ثم (3) ~~يعده، ويمنيه، ويوقد على القلب نار الشهوة، ويلقي عليه (4) حطب المعاصي ~~التي لم يكن يتوصل إليها بدون تلك الصورة، فيصير القلب في اللهيب (5). فمن ~~ذلك اللهيب (6) تلك الأنفاس التي يجد PageV01P420 #
# فيها وهج النار، وتلك الزفرات والحرقات. فإن القلب قد أحاطت به النيران ~~من كل جانب، فهو (1) في وسطها كالشاة في وسط التنور. # ولهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات للصور المحرمة (2) أن جعل لهم في البرزخ ~~تنور (3) من نار، وأودعت أرواحهم فيه إلى يوم حشر أجسادهم، كما أراه الله ~~تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في المنام في الحديث المتفق على صحته ~~(4). # التاسعة: أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها، وإطلاق البصر ~~يشتته عن ذلك، ويحول بينه وبينه، فينفرط (5) عليه أموره، ويقع في اتباع ~~هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه. قال تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~واتبع هواه وكان أمره فرطا (28)} [الكهف: 28]. # وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحسبه. # العاشرة: أن بين العين والقلب منفذا وطريقا يوجب ms203 انفعال أحدهما عن الآخر، ~~وأن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده. فإذا (6) فسد القلب فسد النظر، وإذا فسد ~~النظر فسد القلب. وكذلك في جانب الصلاح (7)، فإذا خربت العين وفسدت [91/ 1] ~~خرب القلب وفسد، وصار كالمزبلة التي PageV01P421 #
# هي محل (1) النجاسات والقاذورات والأوساخ، فلا يصلح لسكنى معرفة الله ~~ومحبته والإنابة إليه والإنس به والسرور بقربه فيه، وإنما يسكن فيه أضداد ~~ذلك. # فهذه إشارة إلى بعض فوائد غض البصر تطلعك على ما وراءها. # فصل # الثاني (2): اشتغال القلب بما يصده عن ذلك، ويحول بينه وبين الوقوع فيه. ~~وهو (3) إما خوف مقلق، أو حب مزعج. فمتى خلا القلب من خوف ما فواته أضر ~~عليه من حصول هذا المحبوب، أو خوف ما حصوله أضر عليه من ذوات هذا المحبوب ~~(4)، أو محبة ما هو أنفع له وخير له من هذا المحبوب وفواته أضر عليه من ~~ذوات هذا المحبوب = لم يجد بدا من عشق الصور. # وشرح هذا أن النفس لا تترك محبوبا إلا لمحبوب أعلى منه، أو خشية مكروه ~~حصوله أضر عليها من ذوات هذا المحبوب. وهذا يحتاج صاحبه إلى أمرين إن فقدا ~~أو أحدهما لم ينتفع بنفسه: # أحدهما: بصيرة صحيحة يفرق بها بين درجات المحبوب والمكروه، فيؤثر أعلى ~~المحبوبين على أدناهما، ويحتمل أدنى PageV01P422 #
# المكروهين ليخلص من أعلاهما. وهذا خاصة العقل، ولا يعد عاقلا من كان بضد ~~ذلك، بل قد تكون البهائم أحسن حالا منه. # الثاني: قوة عزم وصبر يتمكن بها من هذا الفعل والترك. فكثيرا ما يعرف (1) ~~الرجل قدر التفاوت، ولكن يأبى له ضعف نفسه وهمته وعزيمته على إيثار الأنفع، ~~من جشعه وحرصه ووضاعة نفسه وخسة # همته. ومثل هذا لا ينتفع بنفسه، ولا ينتفع به غيره. # وقد منع الله سبحانه إمامة الدين إلا من أهل الصبر واليقين، فقال تعالى ~~وبقوله يهتدي المهتدون: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون (24)} (2) [السجدة: 24]. # وهذا هو الذي ينتفع بعلمه (3)، وينتفع به (4) الناس. وضده لا ينتفع ~~بعلمه، ولا ينتفع (5) به غيره. ومن الناس من ينتفع بعلمه ms204 في نفسه، ولا ~~ينتفع به غيره (6). فالأول يمشي في نوره ويمشي الناس في نوره. والثاني قد ~~طفىء نوره فهو يمشي في الظلمات ومن تبعه في ظلمته [91/ ب]. # والثالث يمشي في نوره وحده. PageV01P423 #
# فصل # إذا عرفت هذه المقدمة، فلا يمكن أن يجتمع في القلب (1) حب المحبوب الأعلى ~~وعشق الصور أبدا، بل هما ضدان لا يتلاقيان، بل لابد أن يخرج أحدهما صاحبه. ~~فمن كانت قوة حبه كلها للمحبوب # الأعلى الذي محبة ما سواه باطلة وعذاب على صاحبها، صرفه ذلك عن محبة ما ~~سواه. وإن أحبه (2) لم يحبه إلا لأجله ولكونه وسيلة له إلى محبته، أو قاطعا ~~له عما يضاد محبته وينقضها (3). # والمحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب، وأن لا يشرك (4) بينه وبين غيره في ~~محبته. وإذا كان المحبوب من الخلق يأنف ويغار أن يشرك محبه غيره (5) في ~~محبته، ويمقته لذلك (6)، ويبعده، ولا يحظيه بقربه، # ويعده كاذبا في دعوى محبته، مع أنه ليس أهلا لصرف قوة المحبة إليه، فكيف ~~بالحبيب الأعلى الذي لا تنبغي المحبة إلا له وحده، وكل محبة لغيره فهي عذاب ~~على صاحبها ووبال؟ ولهذا لا يغفر الله سبحانه أن يشرك به في هذه المحبة، ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. # فمحبة الصور تفوت محبة (7) ما هو أنفع للعبد منها، بل (8) تفوت ~~PageV01P424 #
# محبة ما ليس له صلاح ولا نعيم ولا حياة نافعة إلا بمحبته (1) وحده. # فليختر إحدى المحبتين، فإنهما لا تجتمعان في القلب ولا ترتفعان منه. # بل من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه ابتلاه بمحبة غيره، ~~فيعذبه بها في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة. فإما أن يعذبه بمحبة الأوثان، ~~أو بمحبة الصلبان، أو بمحبة النيران، أو محبة المردان، أو # محبة النسوان، أو محبة الأثمان (2)، أو محبة العشراء والخلان (3)، أو ~~محبة (4) ما دون ذلك مما هو في غاية الحقارة والهوان، فالإنسان عبد محبوبه ~~كائنا ما كان! كما قيل: # أنت القتيل بكل من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي (5) فمن لم ~~يكن إلهه (6) مالكه ms205 ومولاه، كان إلهه هواه. قال تعالى: {أفرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن ~~يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23)} [الجاثية: 23] PageV01P425 #
# فصل # وخاصية التعبد (1): الحب مع الخضوع والذل للمحبوب، فمن أحب شيئا وخضع له ~~فقد تعبد قلبه له. بل التعبد آخر مراتب الحب، ويقال له التتيم أيضا (2). ~~فإن أول مراتبه: العلاقة، وسميت "علاقة " لتعلق القلب (3) بالمحبوب. قال ~~(4): # وعلقت ليلى وهي ذات تمائم ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم (5) # وقال آخر (6): # أعلاقة أم الوليد بعد ما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس (7) # ثم بعدها الصبابة، وسميت بذلك لانصباب القلب إلى المحبوب. PageV01P426 #
# قال (1): # تشكى المحبون الصبابة ليتني ... تحملت مايلقون من بينهم وحدي (2) # فكانت لقلبي لذة الحب كلها ... فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي (3) # ثم الغرام، وهو لزوم الحب للقلب لزوما لا ينفك عنه. ومنه سمي الغريم ~~غريفا لملازمته صاحبه (4). ومنه قوله تعالى: {إن عذابها كان غراما (65)} ~~[الفرقان: 65]. وقد أولع (5) المتأخرون باستعمال هذا اللفظ في الحب، وقل أن ~~تجده في أشعار العرب. # ثم العشق، وهو إفراط المحبة. ولهذا لا يوسف به الرب تعالى، ولا يطلق في ~~حقه (6). # ثم الشوق، وهو سفر القلب إلى المحبوب أحث السفر (7). وقد جاء إطلاقه في ~~حق الرب تعالى (8)، كما في مسند الإمام أحمد (9) من PageV01P427 #
# حديث عمار بن ياسر أنه (1) صلى صلاة فأوجز فيها، فقيل له في ذلك، فقال: ~~أما (2) إني دعوت فيها بدعوات كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو بهن: ~~"اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني إذا كانت الحياة ~~خيرا لي (3)، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي. اللهم وأسالك خشيتك في الغيب ~~والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا (4)، وأسألك # القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، ~~وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم (5)، وأسألك ~~الشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. اللهم زينا ms206 بزينة ~~الإيمان" واجعلنا هداة مهتدين". # [92/ ب] وفي أثر آخر: "طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم أشد ~~شوقا" (6). PageV01P428 #
# وهذا هو المعنى الذي عبر عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "من ~~أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" (1). # وقال بعض أهل البصائر (2) في قوله تعالى: {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل ~~الله لآت} [العنكبوت: 5]: لما علم الله سبحانه شدة شوق أوليائه إلى لقائه، ~~وأن قلوبهم لا تهدأ دون لقائه، ضرب لهم أجلا وموعدا للقاء تسكن نفوسهم به. # وأطيب العيش وألذه على الإطلاق عيش المحبين المشتاقين المستأنسين، ~~فحياتهم هي الحياة الطيبة في الحقيقة، ولا حياة للعبد أطيب ولا أنعم ولا ~~أهنأ منها. وهي الحياة الطيبة المذكورة في قوله تعالى: {من عمل صالحا من ~~ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} [النحل: 97]. ليس المراد منها ~~الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار (3)، والأبرار والفجار، من طيب ~~المأكل والملبس والمشرب والمنكح؛ بل ربما زاد أعداء الله على أوليائه في ~~ذلك أضعافا مضاعفة. # وقد ضمن الله سبحانه لكل من عمل صالحا أن يحييه حياة طيبة، PageV01P429 #
# فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده. وأي حياة أطيب من حياة من اجتمعت ~~همومه كلها، وصارت هما واحدا في مرضاة الله، ولم شعث قلبه بالإقبال على ~~الله (1)، واجتمعت إراداته وأفكاره التي كانت منقسمة -بكل واد منها شعبة- ~~على الله. فصار ذكر محبوبه الأعلى، وحبه، # والشوق إلى لقائه، والأنس بقربه = هو المستولي عليه (2). وعليه تدور ~~همومه وإراداته وقصوده (3)، بل خطرات قلبه. فإن سكت سكت بالله، وإن نطق نطق ~~بالله. وإن سمع فبه يسمع، وإن أبصر فبه يبصر. وبه يبطش، وبه يمشي، وبه ~~يتحرك، وبه يسكن. وبه يحيا، وبه يموت، وبه يبعث؛ # كما في صحيح البخاري عنه - صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن ربه تبارك ~~وتعالى أنه قال: # "ما تقرب (4) إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه. ولا يزال عبدي يتقرب ~~إلي بالنوافل حتى أحبه. فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي ms207 ~~يبصر به [93/ أ]، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها (5). فبي يسمع، ~~وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي. PageV01P430 #
# ولئن (1) سألني لأعطينه (2)، ولئن استعاذني (3) لأعيذنه. وما ترددت عن ~~شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا ~~بد له منه" (4). # فتضمن هذا الحديث الشريف الإلهي -الذي حرام على غليظ الطبع كثيف القلب ~~فهم معناه والمراد به- حصر أسباب محبته في أمرين: أداء فرائضه، والتقرب ~~إليه (5) بالنوافل. # وأخبر سبحانه أن أداء فرائضه أحب ما تقرب به إليه (6) المتقربون، ~~PageV01P431 #
# ثم بعدها النوافل؛ وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتى يصير محبوبا ~~لله. فإذا صار محبوبا لله أوجبت محبة الله له محبة أخرى منه لله، فوق ~~المحبة الأولى (1)، فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام # بغير محبوبه، وملكت عليه روحه، ولم يبق فيه سعة لغير محبوبه البتة. # فصار ذكر محبوبه وحبه ومثله الأعلى مالكا لزمام قلبه، مستوليا على روحه، ~~استيلاء المحبوب على محبه (2) الصادق في محبته التي (3) قد اجتمعت قوى حبه ~~كلها له (4). # ولا ريب أن هذا المحب إن سمع سمع بمحبوبه، وإن أبصر أبصر به، وإن بطش بطش ~~به، وإن مشى مشى به. فهو في قلبه (5)، ومعه، وأنيسه، وصاحبه. فالباء هاهنا ~~باء المصاحبة (6)، وهي مصاحبة لا نظير لها، ولا تدرك بمجرد الإخبار عنها ~~والعلم بها، فالمسألة حالية لا علمية محضة. # وإذا كان المخلوق يجد هذا في محبة المخلوق (7) التي لم يخلق لها ولم يفطر ~~عليها، كما قال بعض المحبين: # خيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب؟ (8) ~~PageV01P432 #
# وقال اخر (1): # ومن عجب أني أحن إليهم ... وأسأل عنهم من لقيت وهم معي (2) # وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي (3) # وهذا ألطف من قول الآخر: # إن قلت غبت فقلبي لا يصدقني ... إذ أنت فيه مكان السر لم تغب # أو قلت ما غبت قال الطرف ذا كذب ... فقد تحيرت بين الصدق والكذب (4) # فليس شيء أدنى إلى ms208 المحب من محبوبه، وربما تمكنت منه المحبة حتى يصير ~~أدنى إليه من نفسه، بحيث ينسى نفسه [93/ ب] ولا ينساه (5)، كما قال (6): ~~PageV01P433 #
# أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل (1) # وقال آخر (2): # يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل (3) # وخص في الحديث (4) السمع والبصر واليد والرجل بالذكر، فإن هذه الآلات ~~آلات الإدراك، وآلات الفعل، والسمع والبصر يوردان على القلب الإرادة ~~والكراهة، ويجلبان إليه الحب والبغض، فيستعمل اليد والرجل. فإذا كان سمع ~~العبد بالله وبصره بالله كان محفوظا في آلات إدراكه، وكان (5) محفوظا في ~~حبه وبغضه، فحفظ في بطشه ومشيه. # وتأمل كيف اكتفى بذكر السمع والبصر واليد والرجل عن اللسان. # فإنه إذا كان إدراك السمع الذي يحصل باختياره تارة وبغير اختياره تارة، ~~وكذلك البصر قد يقع بغير الاختيار فجأة (6)، وكذلك حركة اليد والرجل التي ~~لابد للعبد منها؛ فكيف بحركة اللسان التي لا تقع (7) إلا بقصد واختيار، وقد ~~يستغني العبد عنها إلا حيث أمر بها؟ وأيضا فانفعال اللسان عن القلب أتم من ~~انفعال سائر الجوارح، فإنه ترجمانه ورسوله (8). PageV01P434 #
# وتأمل كيف حقق تعالى كون العبد به عند سمعه وبصره وبطشه ومشيه، بقوله: ~~"كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله ~~التي يمشي بها" تحقيقا لكونه مع عبده، # وكون عبده به، في إدراكاته بسمعه وبصره، وحركاته بيده ورجله؟ وتأمل كيف ~~قال: "فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش"، ولم يقل: فلي يسمع، ولي يبصر، ولي ~~يبطش؟ (1). # وربما يظن الظان أن اللام أولى بهذا الموضع، إذ هي أدل على الغاية ووقوع ~~هذه الأمور لله، وذلك أخص من وقوعها به. # وهذا من الوهم والغلط، إذ ليست الباء ها هنا لمجرد الاستعانة، فإن حركات ~~الأبرار والفجار وإدراكاتهم إنما هي بمعونة الله لهم، وإنما الباء ها هنا ~~للمصاحبة، أي: إنما يسمع ويبصر ويبطش ويمشي، وأنا صاحبه ومعه (2)، كقوله في ~~الحديث (3) الآخر: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه" (4). ~~PageV01P435 #
# وهذه هي (1) المعية الخاصة ms209 [94/ أ] المذكورة في قوله: {لا تحزن إن الله ~~معنا} [التوبة: 40]، وقول النبي- صلى الله عليه وسلم -: "ما ظنك باثنين ~~الله ثالثهما" (2)، وقوله تعالى: {وإن الله لمع المحسنين (69)} [العنكبوت: ~~69] وقوله: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (128)} [النحل: 128] ~~وقوله: {واصبروا إن الله مع الصابرين (46)} [الأنفال: 46] وقوله: {قال كلا ~~إن معي ربي سيهدين (62)} [الشعراء: 62]، وقوله تعالى لموسى وهارون: {إنني ~~معكما أسمع وأرى (46)} [طه: 46] (3). # فهذه الباء مفيدة لمعنى هذه المعية (4) دون اللام. ولا يتأتى للعبد ~~الإخلاص والصبر والتوكل ونزوله في منازل العبودية إلا بهذه الباء وهذه ~~المعية. # فمتى كان العبد بالله هانت عليه المشاق، وانقلبت المخاوف في حقه أمانا. ~~فبالله يهون كل صعب، ويسهل كل عسير، ويقرب كل بعيد. PageV01P436 #
# وبالله تزول الهموم والغموم (1) والأحزان. فلا هم مع الله، ولا غم (2)، ~~ولا حزن، إلا حيث يفوته (3) معنى هذه الباء، فيصير قلبه حينئذ كالحوت إذا ~~فارق الماء، يثب ويتقلب (4) حتى يعود إليه. # ولما حصلت (5) هذه الموافقة من العبد لربه في محابه حصلت موافقة الرب ~~لعبده في حوائجه ومطالبه، فقال: "ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني ~~لأعيذنه" أي: كما وافقني في مرادي بأمتثال أوامري # والتقرب إلي بمحابي، فأنا أوافقه في رغبته ورهبته فيما يسألني أن أفعله ~~به (6)، ويستعيذني أن يناله. # وقوي أمر هذه الموافقة من الجانبين، حتى اقتضى تردد الرب سبحانه؛ في ~~إماتة عبده، لأنه يكره الموت، والرب تعالى يكره ما يكرهه عبده ويكره ~~مساءته؛ فمن هذه الجهة يقتضي أن لا يميته. ولكن مصلحته في إماتته، فإنه ما ~~أماته إلا ليحييه، ولا أمرضه (7) إلا ليصحه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا ~~منعه إلا ليعطيه، ولم يخرجه من الجنة في صلب أبيه إلا ليعيده إليها على ~~أحسن أحواله، ولم يقل لأبيه: اخرج منها، إلا هو يريد أن يعيده إليها (8). ~~PageV01P437 #
# فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا سواه، بل لو كان في كل منبت شعرة من العبد ~~محبة تامة لله لكان بعض ما يستحقه على عبده: # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا ms210 للحبيب الأول # كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل (1) # فصل # ثم التتيم، وهو اخر مراتب الحب، وهو تعبد المحب لمحبوبه. # يقال: تيمه الحب إذا عبده. ومنه تيم الله، أي عبد الله. وحقيقة التعبد: ~~الذل والخضوع للمحبوب. ومنه قولهم: "طريق معبد" أي مذلل قد ذللته الأقدام. ~~فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه. ولهذا كانت أشرف أحوال العبد ~~ومقاماته هي العبودية، فلا منزل له أشرف منها. # وقد ذكر الله سبحانه أكرم الخلق عليه وأحبهم إليه -وهو رسوله محمد (صلى ~~الله عليه وسلم) - بالعبودية في أشرف مقاماته، وهي: مقام الدعوة إليه، ~~ومقام التحدي بالنبوة، ومقام الإسراء (2)، فقال: {وأنه لما قام عبد الله ~~يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19)} [الجن: 19] وقال: {وإن كنتم في ريب مما ~~نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} [البقرة: 23] وقال: {سبحان الذي أسرى ~~بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى}. PageV01P438 #
# وفي حديث الشفاعة: "اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه ~~وما تأخر" (1). فنال مقام الشفاعة بكمال عبوديته وكمال مغفرة الله له. # والله (2) سبحانه خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له، التي هي أكمل أنول ~~المحبة، مع أكمل أنواع الخضوع والذل. وهذا هو حقيقة الإسلام وملة إبراهيم ~~التي من رغب عنها فقد سفه نفسه. قال (3) تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم ~~إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ~~(130) إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين (131) ووصى بها إبراهيم ~~بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~(132) أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي ~~قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له ~~مسلمون (133)} [البقرة: 130 - 133]. # ولهذا كان أعظم الذنوب عند الله الشرك، [95/ أ]، والله لا يغفر أن يشرك ~~به. # و ### | أصل (4) الشرك بالله الإشراك به في المحبة، # كما قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من ms211 دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا PageV01P439 #
# أشد حبا لله} [البقرة: 165]، فأخبر سبحانه أن من الناس من يشرك به، فيتخذ ~~من دونه ندا يحبه كحب الله، وأخبر أن الذين آمنوا أشد حبا لله من أصحاب ~~الأنداد لأندادهم. # وقيل: بل المعنى أنهم أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لله، فإنهم وإن أحبوا ~~الله، لكن لما أشركوا (1) بينه وبين أندادهم في المحبة ضعفت محبتهم لله ~~(2). والموحدون لله لما خلصت (3) محبتهم له كانت أشد من محبة أولئك. والعدل ~~برب العالمين والتسوية بينه وبين الأنداد هو في هذه المحبة، كما تقدم. # ولما كان مراد الله من خلقه هو خلوص هذه المحبة له أنكر على من اتخذ من ~~دونه وليا أو شفيعا (4) غاية الإنكار، وجمع ذلك تارة، وأفرد أحدهما عن ~~الآخر بالإنكار تارة، فقال تعالى: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ~~أفلا تتذكرون (4)} (5) [السجدة: 4]، وقال: {وأنذر به الذين يخافون أن ~~يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون (51)} [الأنعام: ~~51]. # وقال في الإفراد: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا ~~PageV01P440 #
# لا يملكون شيئا ولا يعقلون (43)} [الزمر: 43]، وقال تعالى: {من ورائهم ~~جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم ~~عذاب عظيم (10)} [الجاثية: 10]. # فإذا والى (1) العبد ربه وحده أقام له الشفعاء، وعقد الموالاة (2) بينه ~~وبين عباده المؤمنين، فصاروا أولياءه في الله، بخلاف من اتخذ مخلوقا وليا ~~من دون الله. # فهذا لون وذاك لون، كما أن الشفاعة الشركية الباطلة لون، والشفاعة الحق ~~الثابتة التي إنما تنال بالتوحيد لون. وهذا موضع فرقان بين أهل التوحيد ~~وأهل الإشراك. والله يهدي من يشاء إلى صراط # مستقيم. # والمقصود أن حقيقة العبودية لا تحصل مع الإشراك بالله في المحبة، بخلاف ~~المحبة لله، فإنها من لوازم العبودية [95/ ب] وموجباتها، فإن محبة الرسول ~~-بل تقديمه في الحب (3) على الأنفس (4) والآباء ms212 # والأبناء- لا يتم الإيمان إلا بها، إذ محبته من محبة الله. وكذلك كل حب ~~في الله ولله، كما في الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ثلاث ~~من كن فيه وجد حلاوة الإيمان"- وفي لفظ في الصحيح: "لايجد حلاوة الإيمان ~~إلا من كان فيه ثلاث خصال-: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن ~~يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه ~~PageV01P441 #
# الله منه، كما يكره أن يلقى في النار" (1). # وفي الحديث الذي في السنن: "من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، ~~فقد استكمل الإيمان" (2). # وفي حديث اخر: "ما تحاب رجلان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حبا ~~لصاحبه" (3). PageV01P442 #
# فإن هذه المحبة من لوازم محبة الله وموجباتها وكلما كانت أقوى كان أصلها ~~كذلك. # فصل # وههنا أربعة أنواع من المحبة يجب التفريق بينها، وإنما ضل من ضل بعدم ~~التمييز بينها: # أحدها: محبة الله. ولا تكفي وحدها في النجاة من عذابه والفوز بثوابه (1)، ~~فإن المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله. # الثاني: محبة ما يحبه الله (2). وهذه هي التي تدخله في الإسلام، وتخرجه ~~من الكفر، وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة وأشدهم PageV01P443 #
# فيها. # الثالث: الحب لله وفيه. وهي من لوازم محبة ما يحب، ولا يستقيم محبة ما ~~يحب إلا بالحب فيه وله. # الرابع (1): المحبة مع الله. وهي المحبة الشركية، وكل من أحب شيئا مع ~~الله، لا لله ولا من أجله ولا فيه، فقد اتخذه ندا من دون الله، وهذه محبة ~~المشركين. # وبقي قسم خامس: ليس مما نحن فيه، وهو المحبة الطبعية، وهي ميل الإنسان ~~إلى ما يلائم طبعه، كمحبة العطشان للماء، والجائع للطعام، ومحبة النوم ~~والزوجة (2) والولد. فتلك لا تذم إلا إذا ألهت عن ذكر الله وشغلت عن محبته، ~~كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر ~~الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (9)} [المنافقون: 9] وقال: {رجال ms213 لا ~~تلهيهم تجارة [96/أ] ولا بيع عن ذكر الله} [النور: 37]. # فصل # ثم الخلة، وهي تتضمن (3) كمال المحبة ونهايتها، بحيث لا يبقى في قلب ~~المحب سعة لغير محبوبه، وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجه ما (4). وهذا ~~المنصب خلص (5) لخليلين صلوات الله وسلامه PageV01P444 #
# عليهما: إبراهيم ومحمد، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله اتخذني ~~خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا" (1). # وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم -: "لو كنت متخذا من أهل الأرض ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله" (2). # وفي حديث اخر: "إني أبرأ إلى كل خليل من خلته" (3). # ولما سأل إبراهيم الولد، فأعطيه، وتعلق حبه بقلبه، فأخذ منه شعبة؛ غار ~~الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره، فأمره بذبحه (4). وكان الأمر ~~في المنام، ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاء # وامتحانا. ولم يكن المقصود ذبح الولد، ولكن المقصود ذبحه من قلبه، ليخلص ~~القلب للرب. فلما بادر الخليل إلى الامتثال، وقدم محبة الله على محبة ولده؛ ~~حصل المقصود، فرفع الذبح. وفدي بذبح عظيم، فإن الرب تعالى ما أمر بشيء ثم ~~أبطله (5) رأسا، بل لابد أن يبقى بعضه أو بدله، كما أبقى شرعية الفداء، ~~وكما أبقى استحباب الصدقة بين يدي المناجاة، وكما أبقى الخمس صلوات بعد رفع ~~الخمسين وأبقى ثوابها PageV01P445 #
# وقال: " لا يبدل (1) القول لدي، هي خمس، وهي خمسون في الأجر" (2). # فصل # وأما ما يظنه بعض الغالطين أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل ~~الله (3)، ومحمد حبيب الله، فمن جهله. فإن المحبة عامة، والخلة خاصة، ~~والخلة نهاية المحبة. وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - إن الله اتخذه ~~خليلا، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره (4) بمحبته (5) لعائشة ~~ولأبيها # ولعمر بن الخطاب وغيرهم (6). # وأيضا فإن الله (7) سبحانه يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الصابرين، ~~[96/ ب] ويحب المحسنين، ويحب المتقين (8)، ويحب المقسطين. وخلته خاصة ~~بالخليلين. والشاب التائب حبيب الله (9). PageV01P446 #
# وإنما هذا (1) من قلة العلم والفهم عن الله ورسوله. # فصل ms214 # وقد تقدم (2) أن العبد لا يترك ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه (3)، ~~لكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة؛ كما أنه يفعل ما يكرهه لحصول ما ~~محبته أقوى عنده من كراهة ما يفعله، أو لخلاصه من مكروه كراهته عنده أقوى ~~من كراهة ما يفعله (4). # وتقدم أن خاصية العقل (5) إيثار أعلى المحبوبين على أدناهما، وأيسر ~~المكروهين على أقواهما. وتقدم (6) أن هذا كمال قوة الحب والبغض. # ولا يتم له هذا إلا بأمرين: قوة الإدراك، وشجاعة القلب. فإن التخلف (7) ~~عن ذلك والعمل بخلافه يكون إما لضعف الإدراك بحيث إنه PageV01P447 #
# لم يدرك مراتب المحبوب والمكروه على ما هي (1) عليه، وإما لضعف في النفس ~~وعجز في القلب لا يطاوعه لإيثار الأصلح له، مع (2) علمه بأنه الأصلح. فإذا ~~صح إدراكه، وقويت نفسه، وتشجع (3) القلب على إيثار المحبوب الأعلى والمكروه ~~الأدنى، فقد وفق لأسباب السعادة. # فمن الناس من يكون سلطان شهوته أقوى من سلطان عقله وإيمانه، فيقهر الغالب ~~الضعيف (4). ومنهم من يكون سلطان إيمانه وعقله أقوى (5) من سلطان شهوته. # وإذا كان كثير من المرضى يحميه الطبيب عما يضره، فتأبى عليه نفسه وشهوته ~~إلا تناوله، ويقدم شهوته على عقله، وتسميه الأطباء "عديم المروءة"؛ فهكذا ~~أكثر مرضى القلوب يؤثرون ما يزيد مرضهم لقوة شهوتهم له (6). # فأصل الشر من ضعف الإدراك، وضعف النفس ودناءتها. وأصل الخير من كمال ~~الإدراك، وقوة النفس وشرفها وشجاعتها. # ف ### | الحب والإرادة أصل كل فعل ومبدؤه، # والبغض والكراهة أصل كل ترك (7) ومبدؤه. وهاتان القوتان في القلب أصل ~~سعادة العبد وشقاوته. PageV01P448 #
# ووجود الفعل الاختياري لا يكون إلا بوجود سببه من الحب والإرادة. وأما ~~عدم الفعل فتارة يكون لعدم مقتضيه وسببه، وتارة يكون لوجود البغض والكراهة ~~المانع منه. وهذا متعلق الأمر والنهي، وهو # الذي (1) يسمى الكف، وهو متعلق الثواب والعقاب. # وبهذا (2) يزول الاشتباه في مسألة الترك، هل هو أمر وجودي أو عدمي؟ ~~والتحقيق أنه قسمان: فالترك المضاف إلى عدم السبب المقتضي عدمي، والمضاف ~~إلى السبب المانع من الفعل وجودي (3). # فصل # وكل واحد ms215 من الفعل والترك الاختياريين إنما يؤثره الحي لما فيه من حصول ~~المنفعة التي يلتذ بحصولها، أو زوال الألم (4) الذي يحصل له الشفاء بزواله ~~(5). ولهذا يقال: شفى صدره، وشفى قلبه. قال: # هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها ... وليس منها شفاء الداء مبذول (6) # وهذا مطفوب يؤثره العاقل، بل الحيوان البهيم؛ ولكن يغلط فيه أكثر الناس ~~غلطا قبيحا، فيقصد حصول اللذة بما يعقب عليه (7) أعظم PageV01P449 #
# الألم، فيؤلم نفسه من حيث يظن أنه يحصل لذتها، ويشفي (1) قلبه بما يعقب ~~عليه غاية المرض. # وهذا شأن من قصر نظره على العاجل، ولم يلاحظ العواقب. # وخاصة العقل: النظر في العواقب (2)، فأعقل الناس من آثر لذته وراحته ~~الآجلة الدائمة على العاجلة المنقضية الزائلة، وأسفه الخلق من باع نعيم ~~الأبد وطيب الحياة الدائمة واللذة العظمى التي لا تنغيص (3) فيها ولا نقص ~~(4) بوجه ما، بلذة منغصة مشوبة بالآلام والمخاوف، وهي سريعة الزوال (5) ~~وشيكة الانقضاء. # قال بعض العلماء (6): فكرت فيما يسعى فيه العقلاء، فرأيت سعيهم كله في ~~مطلوب واحد، وإن اختلفت طرقهم في تحصيله، رأيتهم جميعهم إنما يسعون في دفع ~~الهم والغم عن نفوسهم. فهذا بالأكل # والشرب (7)، وهذا بالتجارة والكسب، وهذا بالنكاح، وهذا بسماع الغناء ~~والأصوات المطربة، وهذا باللهو واللعب. فقلت: هذا المطلوب مطلوب العقلاء، ~~ولكن الطرق كلها غير [97/ ب] موصلة إليه، بل لعل أكثرها إنما يوصل إلى ضده. ~~ولم أر في جميع هذه الطرق طريقا موصلة PageV01P450 #
# إلا (1) الإقبال على الله ومعاملته وحده، وإيثار مرضاته على كل شيء. # فإن سالك هذه الطريق إن فاته حظه من الدنيا فقد ظفر بالحظ العالي الذي لا ~~فوت معه، وإن حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته فاته كل شيء. وإن ظفر بحظه ~~من الدنيا ناله على أهنأ الوجوه. فليس للعبد أنفع من هذه الطريق ولا أوصل ~~منها إلى لذته وبهجته وسعادته. وبالله التوفيق. # فصل # والمحبوب قسمان: محبوب لنفسه، ومحبوب لغيره. والمحبوب لغيره لابد أن ~~ينتهي إلى المحبوب لنفسه، دفعا للتسلسل المحال. وكل ما سوى المحبوب الحق ~~فهو ms216 محبوب لغيره، وليس شيء يحب لنفسه إلا # الله وحده، وكل ما سواه مما يحب وإنما محبته تبع لمحبة الرب تعالى (2)، ~~كمحبة ملائكته وأنبيائه وأوليائه، فإنها تبع لمحبته سبحانه، وهي من لوازم ~~محبته، فإن محبة المحبوب توجب محبة (3) ما يحبه. # وهذا موضع يجب الاعتناء به، فإنه محل فرقان بين المحبة النافعة لغيره، ~~والتي (4) لا تنفع، بل قد تضر. # فاعلم أنه لا يحب لذاته إلا من كماله من لوازم ذاته، وإلهيته وربوبيته ~~وغناه من لوازم ذاته. وما سواه وإنما يبغض ويكره لمنافاته PageV01P451 #
# محابه ومضادته لها، وبغضه وكراهته بحسب قوة هذه المنافاة وضعفها، فما كان ~~أشد منافا (1) لمحابه كان أشد كراهة من الأعيان والأوصاف والأفعال ~~والإرادات وغيرها. # فهذا (2) ميزان عادل يوزن به موافقة الرب ومخالفته، وموالاته ومعاداته. ~~فإذا رأينا شخصا يحب ما يكرهه (3) الرب تعالى، ويكره ما يحبه، علمنا أن فيه ~~من معاداته بحسب ذلك. وإذا رأينا الشخص يحب ما يحبه (4) الرب، ويكره ما ~~يكرهه، وكلما كان الشيء أحب إلى الرب كان أحب إليه وآثر عنده، وكلما كان ~~أبغض إلى الرب كان أبغض إليه وأبعد منه = علمنا أن فيه من موالاة الرب بحسب ~~ذلك. # فتمسك بهذا [98/أ] الأصل غاية التمسك في نفسك وفي غيرك. # فالولاية عبارة عن موافقة الولي (5) الحميد في محابه ومساخطه، ليست بكثرة ~~صوم ولا صلاة ولا تمزق ولا رياضة. # والمحبوب لغيره قسمان أيضا: # أحدهما: ما يلتذ المحب بإدراكه وحصوله. # والثاني: ما يتألم به (6)، ولكن يحتمله (7) لإفضائه إلى محبوبه، ~~PageV01P452 #
# كشرب الدواء الكريه. # قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216)} ~~[البقرة: 216]، فأخبر سبحانه أن القتال مكروه لهم، مع أنه خير لهم لإفضائه ~~إلى أعظم محبوب (1) وأنفعه. # والنفوس تحب الراحة والدعة (2) والرفاهية، وذلك شر لها لإفضائه إلى فوات ~~هذا المحبوب. فالعاقل لا ينظر إلى لذة المحبوب العاجل فيؤثرها، وألم ~~المكروه العاجل فيرغب عنه، فإن ذلك قد يكون ms217 شرا له؛ # بل قد يجلب عليه غاية الألم، ويفوته أعظم اللذة. بل (3) عقلاء الدنيا ~~يتحملون المشاق المكروهة لما يعقبهم (4) من اللذة بعدها، وإن كانت منقطعة. # فالأمور أربعة: # مكروه يوصل إلى مكروه. # ومكروه يوصل إلى محبوب. # ومحبوب يوصل إلى محبوب. # ومحبوب يوصل إلى مكروه (5) PageV01P453 #
# فالمحبوب الموصل إلى المحبوب قد اجتمع فيه داعي الفعل من وجهين، والمكروه ~~الموصل إلى مكروه قد اجتمع فيه (1) داعي الترك من وجهين. # بقي القسمان الآخران يتجاذبهما الداعيان، وهما معترك الابتلاء والامتحان. ~~فالنفس تؤثر أقربهما جوارا منهما، وهو العاجل. والعقل والإيمان يؤثران (2) ~~أنفعهما وأبقاهما. والقلب بين الداعيين، وهو إلى هذا مرة، وإلى هذا مرة. # وها هنا محل الابتلاء شرعا وقدرا. فداعي العقل والإيمان ينادي (3) كل ~~وقت: حي على الفلاح، عند الصباح يحمد القوم السرى (4)، وفي الممات يحمد ~~العبد التقى. فإن اشتد ظلام ليل المحبة، وتحكم سلطان الشهوة والإرادة يقول ~~(5): يا نفس اصبري، فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... [98/ ب] ويذهب هذا كله ~~ويزول (6) PageV01P454 #
# فصل # وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل، فأصل الأعمال الدينية حب الله ~~ورسوله، كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله. # وكل إرادة تمنع كمال الحب لله ورسوله وتزاحم هذه المحبة، أو شبهة تمنع ~~كمال التصديق؛ فهي معارضة لأصل الإيمان أو مضعفة له. # فإن قويت حتى عارضت أصل الحب والتصديق كانت كفرا وشركا أكبر، وإن لم ~~تعارضه قدحت في كماله، وأثرت فيه ضعفا وفتورا في العزيمة والطلب. وهي تحجب ~~الواصل، وتقطع الطالب، وتنكس الراغب. # فلا تصح الموالاة إلا بالمعاداة، كما قال تعالى عن إمام (1) الحنفاء ~~المحبين أنه قال لقومه: {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) أنتم وآباؤكم ~~الأقدمون (76) فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (77)} [الشعراء: 75 - 77]. فلم ~~تصح لخليل الله الموالاة (2) والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة فإنه لا ولاء ~~إلا ببراء (3)، أو، (4) لا ولاء لله إلا بالبراءة (5) من كل معبود سواه. ~~قال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم ~~إنا برآء ms218 منكم ومما تعبدون من دون الله} [الممتحنة: 4]. PageV01P455 #
# وقال تعالى (1): {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (26) ~~إلا الذي فطرني فإنه سيهدين (27)} [الزخرف: 26، 27]. أي جعل هذه الموالاة ~~لله والبراءة (2) من كل معبود سواه كلمة باقية في عقبه، يتوارثها الأنبياء ~~وأتباعهم بعضهم عن بعض. وهي كلمة (3) لا إله إلا الله، وهي التي ورثها إمام ~~الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة. # وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسماوات، وفطر الله عليها جميع ~~المخلوقات. وعليها أسست الملة، ونصبت القبلة، وجردت سيوف الجهاد، وهي محض ~~حق الله على جميع العباد. وهي الكلمة # العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار، والمنجية من عذاب القبر وعذاب ~~النار. وهي المنشور الذي لا يدخل أحد (4) الجنة إلا به، والحبل الذي لا يصل ~~إلى الله من لم يتعلق (5) بسببه. # وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام. وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد، ~~ومقبول وطريد. وبها انفصلت دار الكفر من دار الإيمان، وتميزت دار النعيم من ~~دار الشقاء والهوان. وهي العمود الحامل للفرض والسنة، "ومن كان آخر كلامه: ~~لا إله إلا الله، دخل الجنة" (6). PageV01P456 #
# وروح هذه الكلمة وسرها: إفراد الرب -جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، وتبارك ~~اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره- بالمحبة والإجلال والتعظيم والخوف ~~والرجاء، وتوابع ذلك من التوكل (1) والإنابة والرغبة # والرهبة. فلا يحب سواه، وكل ما يحب غيره وإنما يحب تبعا لمحبته وكونه ~~وسيلة إلى زيادة محبته. ولا يخاف سواه ولا يرجى سواه، ولا يتوكل إلا عليه، ~~ولا يرغب إلا إليه، ولا يرهب إلا منه، ولا يحلف إلا باسمه، ولا ينذر إلا ~~له، ولا يتاب إلا إليه، ولا يطاع إلا أمره، ولا يتحسب إلا به، ولا يستغاث ~~(2) في الشدائد إلا به، ولا يلتجأ (3) إلا إليه، ولا يسجد إلا له، ولا يذبح ~~إلا له وباسمه. ويجتمع ذلك كله في حرف واحد، وهو أن لا يعبد إلا إياه بجميع ~~أنواع العبادة، فهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله. # ولهذا حرم الله على النار من ms219 شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة (4). ~~ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام PageV01P457 #
# بها، كما قال تعالى: {والذين هم بشهاداتهم قائمون (33)} [المعارج: 33]، ~~فيكون قائما بشهادته في ظاهره وباطنه، في قلبه وقالبه. فإن من الناس من ~~تكون شهادته ميتة، ومنهم من تكون نائمة إذا نبهت انتبهت، ومنهم من تكون ~~مضطجعة، ومنهم من تكون إلى القيام أقرب. وهي في القلب بمنزلة # الروح في البدن، فروح ميتة وروح مريضة إلى الموت أقرب، وروح إلى الحياة ~~أقرب، وروح صحيحة قائمة بمصالح البدن. # وفي الحديث الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم -[99/ ب]: "إني لأعلم كلمة ~~لا يقولها عبد عند الموت إلا وجدت روحه لها روحا" (1). # فحياة الروح بحياة هذه الكلمة (2) فيها، كما أن حياة البدن بوجود الروح ~~فيه. وكما أن من مات على هذه الكلمة فهو في الجنة يتقلب فيها، فمن عاش على ~~تحقيقها والقيام بها فروحه تتقلب في جنة المأوى، وعيشه أطيب عيش. قال ~~تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) فإن الجنة هي ~~المأوى (41)} [النازعات: 40، 41]. # فالجنة مأواه يوم اللقاء، وجنة المعرفة والمحبة والإنس بالله PageV01P458 #
# والشوق إلى لقائه والفرح (1) والرضى به وعنه مأوى روحه في هذه الدار. # فمن كانت هذه الجنة مأواه ها هنا، كانت جنة الخلد مأواه يوم المعاد. # ومن حرم هذه الجنة، فهو لتلك أشد حرمانا. والأبرار في النعيم، وإن اشتد ~~بهم العيش، وضاقت عليهم الدنيا. والفجار في جحيم، وإن اتسعت عليهم الدنيا. # قال تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} ~~[النحل: 97]. # وطيب الحياة جنة الدنيا. # وقال تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا} [الأنعام: 125]. # فأي نعيم أطيب من شرح الصدر؟ وأي عذاب أمر من ضيق الصدر؟ وقال تعالى: ~~{ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون (63) لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل ms220 لكلمات الله ~~ذلك هو الفوز العظيم (64)} [يونس: 62 - 64]. # فالمؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشا، وأنعمهم بالا، وأشرحهم صدرا، ~~وأسرهم قلبا. وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة. # قال النبي- صلى الله عليه وسلم -: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا". ~~قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: "حلق الذكر" (2). PageV01P459 #
# ومن هذا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض ~~الجنة" (1). # ومن هذا قوله، وقد سألوه عن وصاله في الصوم، فقال: "إني لست كهيئتكم، إني ~~أظل عند ربي يطعمني ويسقيني" (2). فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن ما يحصل ~~له من الغذاء عند ربه يقوم مقام الطعام والشراب الحسي، وأن ما يحصل له من ~~ذلك أمر يختص (3) به، لا يشركه فيه غيره، فإذا أمسك عن الطعام والشراب فله ~~عنه عوض يقوم مقامه، وينوب منابه، ويغني عنه، كما قيل (4): # لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد # لها بوجهك نور تستضيء به ... ومن حديثك في أعقابها حاد (5) # إذاشكت من كلال السير أوعدها ... روح اللقاء فتحيا عند ميعاد (6) ~~PageV01P460 #
# فصل (1) # وكلما كان وجود الشيء أنفع للعبد وهو إليه أحوج، كان تألمه بفقده أشد. ~~وكلما كان عدمه أنفع له (2) كان تألمه بوجوده أشد (3). ولا شيء على الإطلاق ~~أنفع للعبد من إقباله على الله، واشتغاله بذكره (4)، وتنعمه بحبه، وإيثاره ~~لمرضاته؛ بل لا حياة له ولا نعيم ولا سرور (5) ولا بهجة إلا بذلك. فعدمه ~~آلم شيء له، وأشده عذابا عليه. وإنما يغيب الروح عن شهود هذا الألم والعذاب ~~اشتغالها بغيره، واستغراقها في ذلك الغير، فتغيب به (6) عن شهود ما هي فيه ~~من ألم الفوت بفراق أحب شيء إليها وأنفعه لها. # وهذا بمنزلة السكران، المستغرق في سكره، الذي احترقت (7) داره وأمواله ~~وأهله وأولاده، وهو لاستغراقه في السكر لا يشعر بألم ذلك (8) الفوت وحسرته، ~~حتى إذا صحا وكشف عنه غطاء السكر، وانتبه من رقدة الخمر (9)، فهو أعلم ~~بحاله حينئذ. PageV01P461 #
# وهكذا الحال سواء عند كشف الغطاء، ومعاينة طلائع الآخرة، والإشراف على ms221 ~~مفارقة الدنيا، والانتقال منها إلى الله؛ بل الألم والحسرة والعذاب هناك ~~أشد بأضعاف مضاعفة. فإن المصاب في الدنيا يرجو جبر مصيبته بالعوض، ويعلم ~~أنه قد أصيب بشيء زائل لا بقاء له؛ فكيف بمن مصيبته بما لا عوض عنه، ولا ~~بدل منه (1)، ولا نسبة بينه وبين الدنيا جميعها؟ فلو قضى الله سبحانه ~~بالموت من هذه الحسرة [100/ أ] والألم لكان العبد جديرا به، وإن الموت ~~ليعود أعظم أمنيته وأكبر حسراته. # هذا (2) لو كان الألم على مجرد الفوات (3)، فكيف وهناك من العذاب على ~~الروح والبدن بأمور أخرى وجودية ما لا يقدر قدره؟ فتبارك من حمل هذا الخلق ~~الضعيف هذين الألمين العظيمين اللذين # لا تحملهما الجبال الرواسي! فأعرض الآن على نفسك أعظم محبوب لك في الدنيا ~~بحيث لا تطيب لك الحياة إلا معه، فأصبحت وقد أخذ منك، وحيل بينك وبينه، ~~أحوج ما كنت إليه، كيف يكون حالك؟ هذا، ومنه كل عوض، فكيف بمن لا عوض عنه؟ # من كل شيء إذا ضيعته عوض ... وما من الله إن ضيعته عوض (4) # وفي أثر إلهي: "ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، ~~ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن PageV01P462 #
# فتك فاتك كل شيء. وأنا أحب إليك من كل شيء" (1). # فصل # ولما كانت المحبة جنسا تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف، كان أغلب ما ~~يذكر (2) فيها في حق الله تعالى ما يختص به ويليق به من أنواعها، ولا يصلح ~~إلا له وحده، مثل العبادة والإنابة ونحوهما (3)؛ فإن العبادة لا تصلح إلا ~~له وحده، وكذلك الإنابة (4). # وقد تذكر المحبة باسمها المطلق، كقوله تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه} [المائدة: 54]، وقوله: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165]. # وأعظم أنواع المحبة المذمومة: المحبة مع الله، التي يسوي المحب فيها بين ~~محبته لله ومحبته للند (5) الذي اتخذه من دونه. وأعظم أنواعها المحمودة: ~~محبة الله وحده، ومحبة ما أحب. وهذه المحبة هي أصل ms222 # السعادة ورأسها، التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها. والمحبة المذمومة ~~الشركية هي أصل الشقاوة ورأسها، التي لا يبقي في العذاب إلا أهلها. فأهل ~~المحبة الذين أحبوا الله، وعبدوه وحده لا شريك له، PageV01P463 #
# لايدخلون النار، ومن دخلها منهم بذنوبه فإنه [101/ أ] لا يبقى (1) فيها ~~منهم أحد. # ومدار القرآن (2) على الأمر بتلك المحبة ولوازمها، والنهي عن المحبة ~~الأخرى (3) ولوازمها، وضرب الأمثال والمقاييس للنوعين، وذكر قصص النوعين، ~~وتفصيل أعمال النوعين وأوليائهم ومعبود كليهما # وأخباره عن فعله بالنوعين، وعن حال النوعين (4) في الدور الثلاثة: دار ~~الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار. فالقرآن في شأن النوعين. # وأصل دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم إنما هو (5) عبادة الله وحده لا ~~شريك له، المتضمنة لكمال حبه، وكمال الخضوع والذل له، والإجلال والتعظيم، ~~ولوازم ذلك من الطاعة والتقوى. # وقد ثبت في الصحيحين (6) من حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ~~ووالده والناس أجمعين". # وفي صحيح البخاري (7) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: PageV01P464 #
# يا رسول الله، والله (1) لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال: "لا ~~يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك". فقال: والذي (2) بعثك بالحق لأنت أحب ~~إلي من نفسي. قال: "الآن يا عمر". # فإذا كان هذا شأن محبة عبده ورسوله، ووجوب تقديمها على محبة نفس الإنسان ~~وولده ووالده والناس أجمعين، فما الظن بمحبة مرسله سبحانه وتعالى ووجوب ~~تقديمها على محبة ما سواه؟ # ومحبة الرب تعالى تختص عن محبة غيره في قدرها وصفتها وإفراده سبحانه بها. ~~فإن الواجب له من ذلك أن يكون أحب إلى العبد من ولده ووالده، بل من سمعه ~~وبصره ونفسه التي بين جنبيه، فيكون إلهه الحق ومعبوده أحب إليه من ذلك كله. # والشيء قد يحب من وجه دون وجه (3)، وقد يحب لغيره. وليس شيء يحب لذاته من ~~كل وجه إلا الله وحده، ولا تصلح الألوهية ms223 إلا له، و {لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] والتأله (4) هو المحبة، والطاعة، والخضوع (5). ~~PageV01P465 #
# فصل # وكل حركة في العالم العلوي والسفلي فأصلها المحبة، فهي علتها الفاعلية ~~[101/ ب] والغائية (1). # وذلك لأن الحركات ثلاثة أنواع: حركة اختيارية إرادية، وحركة طبيعية، ~~وحركة قسرية. # والحركة الطبيعية (2) أصلها السكون، وإنما يتحرك الجسم إذا خرج عن مستقره ~~ومركزه الطبيعي (3)، فهو يتحرك للعود إليه. وخروجه عن مركزه ومستقره إنما ~~هو بتحريك القاسر المحرك له. فله حركة قسرية بمحركه (4) وقاسره، وحركة ~~طبيعية بذاته يطلب بها العود إلى مركزه. # وكلا حركتيه (5) تابعة للقاسر المحرك، فهو أصل الحركتين. # والحركة الاختيارية الإرادية هي (6) أصل الحركتين الأخريين، وهي متابعة ~~للإرادة والمحبة، فصارت الحركات الثلاث تابعة للمحبة والإرادة. PageV01P466 #
# والدليل (1) على انحصار الحركات في هذه الثلاث أن المتحرك إن كان له شعور ~~بالحركة فهي الإرادية، وإن لم يكن له شعور بها، فإما أن تكون على وفق طبعه ~~أو لا. فالأولى هي الطبيعية (2)، والثانية القسرية. # إذا ثبت هذا، فما في السموات والأرض وما بينهما من حركات الأفلاك والشمس ~~والقمر والنجوم والرياح والسحاب والمطر والنبات وحركات الأجنة في بطون ~~أمهاتها، وإنما هي بواسطة الملائكة المدبرات أمرا والمقسمات أمرا، كما دل ~~على ذلك نصوص القرآن والسنة في غير موضع. # والإيمان بذلك من تمام الإيمان بالملائكة، فإن الله وكل بالرحم ملائكة، ~~وبالقطر ملائكة، وبالنبات (3) ملائكة، وبالرياح، وبالأفلاك، وبالشمس والقمر ~~والنجوم. # ووكل بكل عبد أربعة من الملائكة: كاتبين على يمينه (4) وشماله، وحافظين ~~من بين يديه ومن خلفه. ووكل ملائكة بقبض روحه وتجهيزها إلى مستقرها من ~~الجنة أو النار (5)، وملائكة بمسألته وامتحانه في قبره وعذابه هناك أو ~~نعيمه (6)، وملائكة تسوقه إلى المحشر إذا قام من قبره، PageV01P467 #
# وملائكة بتعذيبه في النار أو نعيمه (1) في الجنة. # ووكل بالجبال ملائكة، وبالسحاب ملائكة تسوقه حيث أمرت به، وبالقطر ملائكة ~~تنزله بأمر الله بقدر معلوم كما شاء الله، ووكل ملائكة بغرس الجنة [102/ أ] ~~وعمل آلتها (2) وفرشها وبنائها (3) والقيام عليها، وملائكة بالنار كذلك. # فأعظم جند ms224 الله الملائكة. ولفظ "الملك" يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره ~~وليس (4) لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله لله. وهم يدبرون الأمر، ويقسمونه ~~بأمر الله وإذنه. # قال تعالى إخبارا عنهم: {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما ~~خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (64)} [مريم: 64]، وقال تعالى: {وكم من ~~ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ~~ويرضى (26)} [النجم: 26]. # وأقسم سبحانه بطوائف الملائكة المنفذين لأمره في الخليقة، كما قال: ~~{والصافات صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) فالتاليات ذكرا (3)} [الصافات: 1 - ~~3] وقال: {والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا (2) والسابحات سبحا (3) ~~فالسابقات سبقا (4) فالمدبرات أمرا (5)} [النازعات: 1 - 5]. PageV01P468 #
# وقد ذكرنا معنى ذلك وسر الإقسام به في كتاب "أيمان القرآن" (1). # وإذا (2) عرف ذلك فجميع تلك المحبات والحركات والإرادات والأفعال هي ~~عبادة منهم لرب الأرض والسماوات، وجميع الحركات الطبيعية (3) والقسرية ~~تابعة لها. فلولا الحب ما دارت الأفلاك، ولا تحركت الكواكب النيرات (4)، ~~ولا هبت الرياح المسخرات، ولا مرت السحب الحاملات، ولا تحركت الأجنة في ~~بطون الأمهات، ولا انصاع عن الحب أنواع النبات، ولا اضطربت أمواج البحار ~~الزاخرات، ولا تحركت (5) المدبرات والمقسمات، ولا سبحت بحمد فاطرها الأرضون ~~والسماوات، وما فيها (6) من أنواع المخلوقات. فسبحان من (7) تسبحه السماوات ~~السبع والأرض ومن فيهن، {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ~~إنه كان حليما غفورا (44)} [الإسراء: 44]. # فصل # إذا عرف (8) ذلك فكل حي له إرادة ومحبة وعمل بحسبه، وكل متحرك فاصل حركته ~~(9): المحبة والإرادة. ولا صلاح للموجودات إلا PageV01P469 #
# بأن تكون حركاتها (1) ومحبتها لفاطرها وبارئها وحده، كما لا وجود لها إلا ~~بإبداعه (2) وحده. # ولهذا قال تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22]، ~~ولم يقل سبحانه: لما وجدتا ولكانتا معدومتين، ولا قال (3): لعدمتا، إذ هو ~~سبحانه قادر على أن يبقيهما على وجه الفساد، لكن لا يمكن أن يكونا على وجه ~~الصلاح والاستقامة، إلا بأن يكون الله وحده هو (4) معبودهما ومعبود ما ~~حولاه وسكن فيهما. فلو كان ms225 للعالم إلهان لفسد نظامه غاية الفساد، فإن كل ~~إله كان يطلب مغالبة الآخر، والعلو عليه، وتفرده دونه بالإلهية؛ إذ الشرك ~~نقص ينافي كمال الإلهية، والإله لا يرضى لنفسه أن يكون إلها ناقصا. فإن قهر ~~أحدهما الآخر كان هو الإله وحده، والمقهور ليس بإله. وإن لم يقهر أحدهما ~~الآخر لزم عجز كل منهما ونقصه، ولم يكن تام الإلهية، فيجب أن يكون فوقهما ~~إله قاهر لهما، حاكم عليهما، وإلا ذهب كل منهما بما خلق، وطلب كل منهما ~~العلو على الآخر. وفي ذلك فساد أمر (5) السماوات والأرض ومن فيهما (6)، كما ~~هو المعهود من فساد البلد إذا كان فيه ملكان متكافئان (7)، وفساد الزوجة ~~إذا كان لها PageV01P470 #
# بعلان، والشول (1) إذا كان فيه (2) فحلان. # وأصل فساد العالم إنما هو من اختلاف الملوك والخلفاء. ولهذا لم يطمع ~~أعداء الإسلام فيه في زمن من الأزمنة إلا في زمن تعدد ملوك المسلمين ~~واختلافهم وانفراد كل (3) منهم ببلاد، وطلب بعضهم العلو على بعض. # فصلاح السماوات والأرض (4) واستقامتهما وانتظام أمر المخلوقات على أتم ~~نظام من أظهر الأدلة على أنه لا إله إلا الله (5) وحده لا شريك له، له ~~الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأن كل معبود من لدن عرشه (6) إلى ~~قرار أرضه باطل إلا وجهه الأعلى. # قال تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما ~~خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (91) عالم الغيب والشهادة ~~فتعالى عما يشركون (92)} [المؤمنون: 91، 92] (7). # وقال تعالى: {أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) لو كان فيهما ~~PageV01P471 #
# آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله [103/أ] رب العرش عما يصفون (22) لا ~~يسأل عما يفعل وهم يسألون (23)} [الأنبياء: 22، 23]. # وقال تعالى: {قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا (42)} [الإسراء: 42]. # فقيل: المعنى: لابتغوا السبيل إليه بالمغالبة والقهر، كما يفعل الملوك ~~بعضهم مع بعض. ويدل عليه قوله في الآية الأخرى: {ولعلا بعضهم على بعض سبحان ~~الله عما يصفون ms226 (91)} [المؤمنون: 91]. # قال شيخنا (1): والصحيح أن المعنى: لابتغوا إليه سبيلا بالتقرب إليه ~~وطاعته، فكيف تعبدونهم من دونه، وهم لو كانوا آلهة كما تقولون لكانوا عبيدا ~~له؟ # قال: ويدل على هذا وجوه: منها: قوله تعالي: {أولئك الذين يدعون يبتغون ~~إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان ~~محذورا (57)} [الإسراء: 57]. أي هؤلاء الذين تعبد ونهم من دوني هم (2) ~~عبادي، كما أنتم عبادي (3)، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، فلماذا تعبدونهم ~~دوني؟ (4) # الثاني: أنه سبحانه لم يقل: لابتغوا عليه سبيلا، بل قال: لابتغوا ~~PageV01P472 #
# إليه سبيلا. وهذا اللفظ إنما يستعمل في التقرب، كقوله تعالى: {اتقوا الله ~~وابتغوا إليه الوسيلة} [المائدة: 35]. وأما في المغالبة وإنما يستعمل بعلى ~~كقوله: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا} [النساء: 34]. # الثالث: أنهم لم يقولوا: إن آلهتهم تغالبه وتطلب العلو عليه، وهو سبحانه ~~قد قال: {قل لو كان معه آلهة كما يقولون} [الإسراء: 42]، وهم إنما كانوا ~~يقولون: إن آلهتهم تبتغي التقرب إليه، وتقربهم زلفى إليه، فقال: لو كان ~~الأمر كما تقولون لكانت تلك الآلهة عبيدا له، فلماذا تعبدون عبيده من دونه؟ # فصل # والمحبة لها آثار وتوابع ولوازم وأحكام، سواء كانت محمودة أو مذمومة، ~~نافعة أو ضارة، من الذوق، والوجد (1)، والحلاوة، والشوق، والإنس، والاتصال ~~بالمحبوب والقرب منه، والانفصال عنه والبعد منه، والصد والهجران، والفرح ~~والسرور، والبكاء والحزن، وغير ذلك من أحكامها ولوازمها. # والمحبة المحمودة هي المحبة النافعة التي تجلب لصاحبها ما ينفعه في دنياه ~~وآخرته، وهذه المحبة هي عنوان سعادته [103/ ب] والضارة هي التي تجلب ~~لصاحبها ما يضره في دنياه وآخرته، وهي عنوان شقاوته (2). # ومعلوم أن الحي العاقل لا يختار محبة ما يضره ويشقيه، وإنما يصدر ذلك عن ~~جهل وظلم، فإن النفس قد تهوى ما يضرها ولا ينفعها PageV01P473 #
# - وذلك ظلم من الإنسان (1) لنفسه- إما بأن تكون (2) جاهلة بحال محبوبها ~~بأن تهوى الشيء وتحبه غير عالمة بما في محبته من المضرة، وهذا حال من أتبع ~~هواه بغير علم؛ وإما عالمة بما في محبته من المضرة، # لكن ms227 توثر هواها على علمها؛ وقد تتركب (3) محبتها من أمرين: اعتقاد فاسد، ~~وهوى مذموم. وهذا حال من أتبع الظن وما تهوى الأنفس. # فلا تقع المحبة الفاسدة إلا من جهل واعتقاد فاسد، أو هوى غالب، أو ما ~~تركب من ذلك، وأعان بعضه بعضا، فتتفق شبهة يشتبه (4) بها الحق بالباطل تزين ~~(5) له أمر المحبوب، وشهوة تدعوه إلى حصوله. فيتساعد جيش الشبهة والشهوة ~~على جيش العقل والإيمان، والغلبة لأقواهما. # وإذا عرف هذا، فتوابع كل نوع من أنواع المحبة (6) له حكم متبوعه (7). ~~فالمحبة النافعة المحمودة التي هي عنوان سعادة العبد، توابعها كلها نافعة ~~له، حكمها حكم متبوعها. فإن بكى نفعه، وإن حزن # نفعه، وإن فرح نفعه، وإن انقبض نفعه (8)، وإن انبسط نفعه. فهو يتقلب ~~PageV01P474 #
# في منازل المحبة وأحكامها في مزيد وربح وقوة. # والمحبة الضارة المذمومة، توابعها وآثارها كلها ضارة لصاحبها، مبعدة له ~~من ربه، كيفما تقلب في آثارها ونزل في منازلها فهو في خسارة وبعد. # وهذا شأن كل فعل تولد عن طاعة ومعصية. فكل ما تولد عن الطاعة فهو زيادة ~~(1) لصاحبه وقربة (2)، وكل ما تولد عن المعصية فهو خسران لصاحبه وبعد. قال ~~تعالى: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون ~~موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين (120) ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون ~~واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون (121)} [التوبة: 120، ~~121]. # فأخبر سبحانه في الآية الأولى (3) أن المتولد عن طاعتهم وأفعالهم (4) ~~يكتب لهم به عمل صالح. وأخبر في الثانية (5) أن أعمالهم الصالحة التي ~~باشروها تكتب لهم أنفسها. والفرق بينهما أن الأول ليس من فعلهم، وإنما تولد ~~عنه فكتب لهم به عمل صالح (6). والثاني نفس أفعالهم فكتبت (7) لهم. ~~PageV01P475 #
# فليتأمل قتيل المحبة هذا الفصل حق التأمل ليعلم ما له وما عليه: سيعلم ~~يوم العرض أي بضاعة ... أضاع وعند الوزن ما كان حضلا (1) # فصل # وكما أن المحبة ms228 (2) والإرادة أصل كل فعل كما تقدم، فهي أصل كل دين سواء ~~كان حقا أو باطلا. فإن الدين هو من الأعمال الباطنة والظاهرة، والمحبة ~~والإرادة أصل ذلك كله. # والدين هو الطاعة والعادة (3) والخلق. فهو الطاعة اللازمة الدائمة التي ~~صارت خلقا وعادة. ولهذا فسر الخلق بالدين في قوله تعالى: {وإنك لعلى خلق ~~عظيم (4)} [القلم: 4]. # قال الإمام أحمد: عن ابن عيينة، قال ابن عباس: لعلى دين عظيم (4). # وسئلت عائشة عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: كان خلقه ~~القرآن (5). # والدين فيه معنى الإذلال والقهر، وفيه معنى الذل والخضوع PageV01P476 #
# والطاعة. فلذلك يكون من الأعلى إلى الأسفل، كما يقال: دنته فدان، أي ~~قهرته فذل. قال الشاعر: # هو دان الرباب إذ كرهوا ال ### | .... # دين فأضحوا بعزة وصيال (1) # ويكون من الأدنى للأعلى، كما يقال: دنت الله، ودنت لله، وفلان لا يدين ~~الله دينا، ولا يدين الله بدين. فدان الله أي: أطاع الله وأحبه وخافه. ودان ~~لله أي: خشع له وخضع وذل وانقاد. # والدين (2) الباطن لا بد فيه من الحب والخضوع كالعبادة سواء، بخلاف الدين ~~الظاهر (3) فإنه لا يستلزم الحب، وإن كان فيه انقياد وذل في الظاهر. # وسمى الله سبحانه يوم القيامة "يوم الدين" لأنه اليوم الذي يدين فيه ~~الناس بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا [104/ ب] فشر (4). وذلك يتضمن ~~جزاءهم وحسابهم، فلذلك فسر بيوم الجزاء ويوم الحساب. # وقال تعالى: {فلولا إن كنتم غير مدينين (86) ترجعونها} (5) [الواقعة: 86، ~~87]، أي: هلا تردون الروح إلى مكانها، إن كنتم غير مربوبين ولا مقهورين (6) ~~ولا مجزيين. PageV01P477 #
# وهذه الآية تحتاج إلى تفسير (1). فإنها سيقت للاحتجاج عليهم في إنكارهم ~~البعث والحساب، ولا بد أن يكون الدليل مستلزما لمدلوله، بحيث ينتقل الذهن ~~منه إلى المدلول، لما بينهما من التلازم، فكل ملزوم دليل على لازمه، ولا ~~يجب العكس. # ووجه الاستدلال أنهم إذا أنكروا البعث والجزاء فقد كفروا بربهم، وأنكروا ~~(2) قدرته وربوبيته وحكمته. فإما أن يقروا بأن لهم ربا قاهرا لهم، متصرفا ~~فيهم كما يشاء، يميتهم إذا شاء، ويحييهم إذا ms229 شاء، ويأمرهم وينهاهم، ويثيب ~~محسنهم ويعاقب مسيئهم؛ واما أن لا يقروا برب هذا شأنه. فإن أقروا به آمنوا ~~بالبعث والنشور والدين الأموي والجزائي. وإن أنكروه وكفروا به فقد زعموا ~~أنهم غير مربوبين ولا محكوم عليهم، ولا لهم رب يتصرف فيهم كما أراد، فهلا ~~يقدرون على دفع الموت عنهم إذا جاءهم، وعلى رد الروح إلى مستقرها إذا بلغت ~~الحلقوم؟ # وهذا خطاب للحاضرين (3) عند المحتضر، وهم يعاينون موته. # أي: فهلا تردون روحه إلى مكانها إن كان لكم قدرة وتصرف، ولستم مربوبين ~~ولا مقهورين لقاهر قادر يمضي عليكم أحكامه، وينفذ فيكم أوامره؟ # وهذا غاية التعجيز لهم إذ تبين عجزهم عن رد نفس واحدة من مكان ~~PageV01P478 #
# إلى مكان، ولو اجتمع على ذلك الثقلان! فيالها من آية دالة على ربوبيته ~~سبحانه، ووحدانيته، وتصرفه في عباده، ونفوذ أحكامه فيهم وجريانها عليهم! # والدين دينان: دين شرعي أمري، ودين حسابي جزائي. وكلاهما لله وحده، ~~فالدين كله لله أمرا أو جزاء. والمحبة أصل كل واحد من الدينين. # فإن ما شرعه سبحانه وأمر به يحبه ويرضاه، وما نهى عنه فإنه يكرهه ويبغضه ~~لمنافاته [105/ أ] يحبه ويرضاه، فهو يحب ضده. فعاد دينه الأموي كله (1) إلى ~~محبته ورضاه. ودين العبد لله (2) به إنما يقبل إذا كان عن محبة ورضى (3)، ~~كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، ~~وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا" (4). فهذا الدين قائم بالمحبة، وبسببها شرع، ~~ولأجلها شرع (5)، وعليها أسس. # وكذلك دينه الجزائي، فإنه يتضمن مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ~~وكل من الأمرين محبوب للرب، فإنهما عدله وفضله، وكلاهما من صفات كماله. وهو ~~سبحانه يحب أسماءه وصفاته، ويحب من يحبها. PageV01P479 #
# وكل واحد من الدينين فهو صراطه المستقيم الذي هو عليه سبحانه، فهو على ~~صراط مستقيم في أمره ونهيه وثوابه وعقابه، كما قال تعالى إخبارا عن نبيه ~~هود أنه قال لقومه: {أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون (54) من دونه ~~فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55) إني توكلت على الله ربي ms230 وربكم ما من دابة ~~إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم (56)} [هود: 54 - 56]. # ولما علم نبي الله أن ربه على صراط مستقيم في خلقه وأمره، وثوابه وعقابه، ~~وقضائه وقدره، ومنعه وعطائه، وعافيته وبلائه، وتوفيقه وخذلانه، لا يخرج (1) ~~في ذلك عن موجب كماله المقدس الذي تقتضيه أسماؤه وصفاته من العدل، والحكمة، ~~والرحمة والإحسان والفضل، ووضع الثواب في موضعه، والعقوبة في موضعها اللائق ~~بها، ووضع التوفيق والخذلان والعطاء والمنع والهداية والإضلال كل ذلك في ~~أماكنه ومحاله اللائقة به، بحيث يستحق على ذلك كمال الحمد والثناء = أوجب ~~له ذلك العلم والعرفان أن (2) نادى على رؤوس الملأ من قومه بجنان ثابت وقلب ~~غير خائف بل متجرد لله: {إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو ~~آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} (3). # ثم (4) أخبر عن عموم قدرته وقهره لكل ما سواه، وذل كل شيء لعظمته، فقال: ~~{ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} فكيف أخاف ما ناصيته PageV01P480 #
# بيد غيره، وهو في قبضته وتحت قهره وسلطانه (1) دونه، وهل هذا إلا من (2) ~~أجهل الجهل وأقبح الظلم! # ثم أخبر أنه سبحانه (3) على صراط مستقيم، في كل [105/ ب] ما (4) يقضيه ~~ويقدره، فلا يخاف العبد جوره ولا ظلمه، فلا أخاف ما دونه فإن ناصيته بيده، ~~ولا أخاف جوره ولا ظلمه فإنه على صراط مستقيم. فهو سبحانه ماض في عبده ~~حكمه، عدل فيه قضاؤه، له الملك وله الحمد. # لا يخرج تصرفه في عباده عن العدل والفضل (5): إن أعطى وأكرم وهدى ووفق، ~~فبفضله ورحمته. وإن منع وأهان (6) وأضل وخذل وأشقى، فبعدله وحكمته. وهو على ~~صراط مستقيم في هذا وهذا (7). # وفي الحديث الصحيح: "ما أصاب عبد ا قط (8) هم ولا حزن، فقال: اللهم إني ~~عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك ~~بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، ~~أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ms231 العظيم (9) ربيع قلبي، ~~ونور صدري، PageV01P481 #
# وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي = إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكانه فرحا ~~(1) " (2). # وهذا يتناول حكم الرب الكوني والأمري وقضاءه الذي يكون باختيار العبد ~~وغير اختياره، فكلا الحكمين (3) ماض في عبده، وكلا القضائين عدل فيه. فهذا ~~الحديث مشتق من هذه الآية، بينهما أقرب نسب (4). # فصل # ونختم (5) الجواب بفصل يتعلق بعشق الصور، وما فيه من المفاسد العاجلة ~~والآجلة، وإن كانت أضعاف ما يذكره ذاكر، فإنه يفسد القلب بالذات. وإذا فسد ~~فسدت الإرادات والأقوال والأعمال، وفسد نفس التوحيد (6) كما تقدم، وكما ~~سنقرره أيضا إن شاء الله. # والله سبحانه إنما حكى هذا المرض عن طائفتين من الناس، وهما اللوطية ~~والنساء. فأخبر عن عشق امرأة العزيز ليوسف وما راودته وكادته به، وأخبر عن ~~الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفته وتقواه، مع أن الذي ابتلي به أمر لا ~~يصبر عليه إلا من صبره الله عليه. فإن موافقة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال ~~المانع، وكان الداعي ها هنا في غاية القوة، PageV01P482 #
# وذلك من وجوه (1): # أحدها: ما ركبه الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة كما يميل ~~العطشان إلى الماء (2) والجائع إلى الطعام، حتى إن كثيرا من الناس يصبر عن ~~الطعام والشراب ولا يصبر عن النساء. وهذا لا يذم إذا صادف حلا بل يحمد، كما ~~في كتاب الزهد للإمام أحمد (3) من حديث PageV01P483 #
# يوسف بن عطية الصفار، عن ثابت (1) عن أنس، عن النبي- صلى الله عليه وسلم ~~-: "حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر ~~عنهن". # الثاني: أن يوسف عليه السلام كان شابا، وشهوة الشباب وحدته أقوى. # الثالث: أنه كان عزبا ليس له زوجة ولا سرية تكسر شدة الشهوة (2). # الرابع: أنه كان في بلاد غربة يتأتى للغريب فيها من قضاء الوطر مالا ~~يتأتى له في وطنه بين أهله ومعارفه. # الخامس: أن المرأة كانت ذات منصب وجمال بحيث إن كل واحد من هذين الأمرين ~~يدعو إلى مواقعتها (3). # السادس: أنها ms232 غير ممتنعة ولا آبية، فإن (4) كثيرا من الناس يزيل رغبته في ~~المرأة إباؤها وامتناعها، يجد في نفسه من ذل الخضوع والسؤال لها. وكثير من ~~الناس يزيده الإباء والامتناع إرادة وحبا، كما قال # الشاعر: # وزادني كلفا في الحب أن منعت ... أحب شي؟ إلى الإنسان ما منعا (5) ~~PageV01P484 #
# فطباع الناس مختلفة في ذلك، فمنهم من يتضاعف حبه عند بذل المرأة ورغبتها، ~~ويضمحل عند إبائها وامتناعها. # وأخبرني بعض القضاة أن إرادته وشهوته تضمحل (1) عند امتناع امرأته أو ~~سريته (2) وإبائها بحيث لا يعاودها. ومنهم من يتضاعف حبه وإرادته بالمنع، ~~وتشتد شهوته (3) كلما منع، ويحصل له من اللذة بالظفر نظير ما يحصل (4) من ~~لذة بالظفر بالصيد (5) بعد امتناعه ونفاره، واللذة بإدراك المسألة بعد ~~استعصائها (6) وشدة الحرص على إدراكها. # السابع: أنها طلبت وأرادت وراودت (7) وبذلت الجهد، فكفته مؤنة الطلب وذل ~~الرغبة إليها، بل كانت هي الراغبة الذليلة، وهو العزيز المرغوب إليه. # الثامن: [106/ ب] أنه في دارها وتحت سلطانها وقهرها بحيث (8) يخشى إن لم ~~يطاوعها من أذاها له؛ فاجتمع داعي الرغبة والرهبة. # التاسع: أنه لا يخشى أن تنم عليه هي ولا أحد من جهتها، فإنها هي (9) ~~الطالبة والراغبة، وقد غلقت الأبواب، وغيبت الرقباء. PageV01P485 #
# العاشر: أنه كان في الظاهر مملوكا لها في الدار بحيث يدخل ويخرج ويحضر ~~معها ولا ينكر عليه، فكان (1) الإنس سابقا على الطلب، وهو من أقوى الدواعي؛ ~~كما قيل لامرأة شريفة من أشراف العرب (2): ما حملك على الزنى؟ قالت: "قرب ~~الوساد، وطول السواد" (3). تعني قرب وساد الرجل من وسادي (4)، وطول السواد ~~بيننا. # الحادي عشر: أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال، فأرته إياهن، وشكت ~~حالها إليهن، لتستعين بهن عليه؛ فاستعان هو بالله عليهن، فقال: {وإلا تصرف ~~عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (33)} [يوسف: 33]. # الثاني عشر: أنها تواعدته (5) بالسجن والصغار. وهذا نوع إكراه، إذ هو (6) ~~تهديد ممن يغلب (7) على الظن وقوع ما هدد به، فيجتمع (8) داعي الشهوة وداعي ~~السلامة من ضيق السجن والصغار. PageV01P486 #
# الثالث عشر: أن الزوج لم ms233 يظهر منه من الغيرة والنخوة ما يفرق به بينهما، ~~ويبعد كلا منهما عن صاحبه، بل كان غاية ما قابلهما به أن قال ليوسف: {أعرض ~~عن هذا}. وللمرأة: {واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين (29)} [يوسف: 29] ~~وشدة الغيرة في الرجل من أقوى الموانع، وهذا لم يظهر منه غيرة. # ومع هذه الدواعي كلها، فآثر مرضاة الله وخوفه، وحمله حبه لله على أن ~~اختار السجن (1) على الزنى، فقال: {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني} ~~[يوسف: 33]، وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه، وأن ربه تعالى إن لم يعصمه ~~ويصرفه (2) عنه صبأ إليهن بطبعه، وكان من الجاهلين. وهذا من كمال معرفته ~~بربه وبنفسه. # وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة (3)، ~~لعلنا إن وفق (4) الله [107/ أ] أن نفردها في مصنف مستقل (5). # فصل # والطائفة الثانية الذين حكى (6) عنهم العشق هم (7) اللوطية، كما قال ~~تعالى: {وجاء أهل المدينة يستبشرون (67) قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (68) ~~PageV01P487 #
# {واتقوا الله ولا تخزون (69) قالوا أولم ننهك عن العالمين (70) قال هؤلاء ~~بناتي إن كنتم فاعلين (71) لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72)} [الحجر: 67 ~~- 72]، فهذه عشقت. # فحكاه (1) سبحانه عن طائفتين عشق كل منهما ما حرم عليه من الصور، ولم ~~يبال بما (2) في عشقه من الضرر. # وهذا داء أعيا الأطباء دواؤه، وعز عليهم شفاؤه. وهو -لعمر الله- الداء ~~العضال، والسم القتال، الذي ما علق بقلب إلا وعز على الورى استنقاذه من ~~إساره، ولا اشتعلت ناره في مهجة إلا وصعب على الخلق تخليصها من ناره. # وهو أقسام. فإنه تارة يكون كفرا، كمن اتخذ معشوقه ندا يحبه كما يحب الله، ~~فكيف إذا كانت محبته أعظم من محبة الله في قلبه؟ فهذا عشق لا يغفر لصاحبه، ~~فإنه من أعظم الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به؛ وإنما يغفر بالتوبة ~~الماحية. # وعلامة هذا العشق الشركي الكفري أن يقدم العاشق رضا معشوقه على رضا ربه، ~~وإذا تعارض عنده حق معشوقه وحظه وحق ربه وطاعته قدم حق معشوقه (3) على حق ~~ربه، وآثر رضاه ms234 على رضاه (4)، وبذل لمعشوقه أنفس ما يقدر عليه، وبذل لربه ~~-إن بذل- أردأ ما عنده، PageV01P488 #
# واستفرغ وسعه في مرضاة معشوقه وطاعته والتقرب إليه، وجعل لربه -إن أطاعه- ~~الفضلة التي تفضل عن معشوقه من ساعاته (1). # فتأمل حال أكثر عشاق الصور (2)، هل (3) تجدها مطابقة لذلك؟ ثم ضع حالهم ~~في كفة، وتوحيدهم وإيمانهم في كفة، وزن وزنا يرضي الله ورسوله، ويطابق ~~العدل. # وربما صرح العاشق منهم بأن وصل معشوقه أحب إليه من توحيد ربه، كما قال ~~العاشق الخبيث (4): # يترشفن من فمي رشفات ... هن أحلى فيه من التوحيد (5) # وكما صرح الخبيث (6) الآخر بأن وصل معشوقه أشهى إليه من رحمة ربه، ~~-فعياذا بك اللهم من هذا الخذلان (7) - فقال: [107/ ب] # وصلك أشهى إلى فؤادي ... من رحمة الخالق الجليل (8) # ولا ريب أن هذا العشق من أعظم الشرك. PageV01P489 #
# وكثير من العشاق يصرح بأنه لم يبق في قلبه موضع لغير معشوقه البتة، بل قد ~~ملك معشوقه عليه قلبه كله (1)، فصار عبدا محضا من كل وجه لمعشوقه! فقد رضي ~~هذا من عبودية الخالق جل جلاله بعبودية (2) مخلوق مثله، فإن العبودية هي ~~كمال الحب والخضوع، وهذا قد استفرغ قوة حبه وخضوعه وذله لمعشوقه، فقد أعطاه ~~حقيقة العبودية. # ولا نسبة بين مفسدة هذا الأمر العظيم ومفسدة الفاحشة، فإن تلك ذنب كبير، ~~لفاعله حكم أمثاله؛ ومفسدة هذا العشق مفسدة الشرك. # وكان بعض الشيوخ من العارفين (3) يقول: لأن أبتلى بالفاحشة مع تلك الصورة ~~أحب إلى من أن أبتلى فيها بعشق يتعبد لها قلبي ويشغله عن الله. # فصل # ودواء هذا الداء القتال: أن يعرف ما (4) ابتلي به من الداء المضاد ~~PageV01P490 #
# للتوحيد أولا، ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بما يشغل قلبه عن ~~دوام الفكرة فيه، ويكثر اللجأ والتضرع إلى الله سبحانه في صرف ذلك عنه وأن ~~يراجع بقلبه إليه. # وليس له دواء أنفع من الإخلاص لله. وهو الدواء الذي ذكره الله في كتابه ~~حيث قال: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24)} (1) ~~[يوسف: 24]. فأخبر سبحانه أنه ms235 صرف عنه السوء من العشق والفحشاء من الفعل ~~بإخلاصه (2). فإن القلب إذا خلص (3) # وأخلص عمله لله لم يتمكن منه عشق الصور، فإنه إنما يتمكن من قلب فارغ، ~~كما قال (4): # فصادف قلبا خاليا فتمكنا (5) وليعلم العاقل أن العقل والشرع يوجبان (6) ~~تحصيل المصالح PageV01P491 #
# وتكميلها وإعدام المفاسد وتقليلها. فإذا (1) عرض للعاقل أمر يرى فيه ~~مصلحة ومفسدة (2) وجب عليه أمران: أمر علمى، وأمر عملي. فالعلمي طلب معرفة ~~الراجح من طرفي المصلحة والمفسدة، فإذا [108/ أ]، تبين له الرجحان وجب عليه ~~إيثار (3) الأصلح له. # ومن المعلوم أنه ليس في عشق الصور مصلحة دينية ولا دنيوية، بل مفسدته ~~الدينية والدنيوية أضعاف أضعاف ما يقدر فيه من المصلحة، وذلك من وجوه: # أحدها: الاشتغال بحب المخلوق وذكره عن حب الرب تعالى وذكره. فلا يجتمع في ~~القلب هذا وهذا إلا ويقهر أحدهما صاحبه، ويكون السلطان والغلبة له. # الثاني: عذاب قلبه بمعشوقه. فإن من أحب شيئا غير الله عذب به، ولابد: # فما في الأرض أشقى من محب ... وإن وجد الهوى حلو المذاق # تراه باكيا في كل حين ... مخافة فرقة أو لاشتياق (4) # فيبكي إن نأوا شوقا إليهم ... ويبكي إن دنوا حذر الفراق # فتسخن عينه عند الفراق ... وتسخن عينه عند التلاقي (5) PageV01P492 #
# والعشق، وإن استعذبه العاشق، فهو من أعظم عذاب القلب. # الثالث: أن العاشق قلبه أسير في قبضة معشوقه، يسومه الهوان (1)، ولكن ~~لسكرة العشق لا يشعر بمصابه، فقلبه # كعصفورة في كف طفل يسومها ... حياض الردى والطفل يلهو ويلعب (2) # فعيش العاشق عيش الأسير الموثق، وعيش الخلي عيش المسيب المطلق. فالعاشق ~~كما قيل (3): # طليق برأي العين وهو أسير ... عليل على قطب الهلاك يدور (4) # وميت يرى في صورة الحي غاديا ... وليس له حتى النشور نشور PageV01P493 #
# أخو غمرات ضاع فيهن قلبه ... فليس له حتى الممات حضور # الرابع: أنه (1) يشتغل به عن مصالح دينه ودنياه. فليس شيء أضيع (2) ~~لمصالح الدين والدنيا من عشق الصور. # أما مصالح الدين فإنها منوطة بلم شعث القلب وإقباله على الله، وعشق الصور ~~أعظم شيء تشعيثا ms236 وتشتيتا [108/ ب] له (3). # وأما مصالح الدنيا فهي متابعة في الحقيقة لمصالح الدين، فمن انفرطت عليه ~~مصالح دينه وضاعت عليه، فمصالح دنياه أضيع وأضيع. # الخامس: أن (4) آفات الدنيا والآخرة أسرع إلى عشاق الصور من النار في ~~يابس الحطب. # وسبب ذلك أن القلب كلما قرب من العشق وقوي اتصاله به (5) بعد من الله، ~~فأبعد القلوب من الله قلوب عشاق الصور. وإذا بعد القلب من الله طرقته ~~الآفات من كل ناحية، فإن الشيطان يتولاه. ومن تولاه عدوه (6) واستولى عليه ~~لم يأله وبالا، ولم يدع أذى يمكنه إيصاله إليه إلا أوصله. # فما الظن بقلب تمكن منه عدؤه وأحرص الخلق على غيه (7) وفساده، وبعد منه ~~وليه ومن لا سعادة له ولا فلاح ولا سرور إلا بقربه وولايته؟ PageV01P494 #
# السادس: أنه إذا تمكن من القلب واستحكم وقوي سلطانه أفسد الذهن، وأحدث ~~الوسواس. وربما التحق صاحبه بالمجانين الذين فسدت عقولهم فلا ينتفعون بها. ~~وأخبار العشاق (1) في ذلك موجودة في # مواضعها، بل بعضيها مشاهد بالعيان. # وأشرف ما في الإنسان عقله، وبه يتميز عن سائر الحيوانات؛ فإذا عدم عقله ~~التحق بالحيوان البهيم، بل ربما كان حال الحيوان أصلح من حاله. وهل أذهب ~~عقل مجنون ليلى وأضرابه إلا العشق؟ # وربما زاد جنونه على جنون غيره، كما قيل: # قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... العشق أعظم مما بالمجانين # العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين (2) # السابع: أنه ربما أفسد الحواس أو بعضها (3) إما فسادا معنويا أو صوريا ~~(4). # أما الفساد المعنوي فهو تابع لفساد القلب، فإن القلب إذا فسد فسدت العين ~~والأذن واللسان، فيرى القبيح حسنا منه ومن معشوقه، كما في المسند (5) ~~مرفوعا: "حبك للشيء يعمي [109/أ]، ويصم". فهو يعمي PageV01P495 #
# عين القلب عن رؤية مساوي المحبوب وعيوبه، فلا ترى العين ذلك، ويصم أذنه ~~عن الإصغاء إلى العذل فيه، فلا تسمع الأذن ذلك. # والرغبات تستر العيوب، فالراغب في الشيء لا يرى عيوبه حتى إذا زالت رغبته ~~فيه أبصر عيوبه. فشدة الرغبة غشاوة على العين تمنع ms237 من رؤية الشيء على (1) ~~ما هو به، كما قيل: # هويتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلما انجلت قطعت نفسي ألومها (2) # والداخل في الشيء لا يرى عيوبه، والخارج منه الذي لم يدخل فيه لا يرى ~~عيوبه. ولا يرى عيوبه (3) إلا من دخل فيه ثم خرج منه. ولهذا كان الصحابة ~~الذين دخلوا في الإسلام بعد الكفر خيرا من الذين ولدوا في الإسلام. قال عمر ~~بن الخطاب: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا ولد في الإسلام من لم يعرف ~~الجاهلية (4). PageV01P496 #
# وأما إفساده للحواس ظاهرا (1)، فإنه يمرض البدن وينهكه، وربما أدى إلى ~~تلفه، كما هو معروف في أخبار من قتلهم العشق. # وقد رفع إلى ابن عباس -وهو بعرفة- شاب قد إنتحل (2) حتى عاد عظما بلا لحم ~~(3) فقال: ما شأن هذا؟ قالوا: به العشق. فجعل ابن عباس يستعيذ بالله (4) من ~~العشق عامة يومه (5). # الثامن: أن العشق -كما تقدم- هو الإفراط في المحبة بحيث يستولي المعشوق ~~على قلب العاشق حتى لا يخلو (6) من تخيله وذكره والفكر فيه، بحيث لا يغيب ~~عن خاطره وذهنه. فعند ذلك تشتغل النفس عن استخدام القوى الحيوانية ~~والنفسانية، فتتعطل تلك القوى، فيحدث بتعطلها (7) PageV01P497 #
# من الآفات على البدن والروح ما يعز دواؤه أو يتعذر (1)، فتتغير أفعاله ~~وصفاته ومقاصده، ويختل جميع ذلك، فيعجز البشر عن صلاحه، كما قيل (2): # الحب أول ما يكون لجاجة ... تأتي به وتسوقه الأقدار (3) # حتى إذا خاض الفتى لجج الهوى ... جاءت أمور لا تطاق كبار # [109/ ب] والعشق مبادئه سهلة حلوة، وأوسطه هم وشغل قلب وسقم، وآخره عطب ~~وقتل، إن لم يتداركه (4) عناية من الله، كما قيل: # وعش خاليا فالحب أوله عنا ... وأوسطه سقم، وآخره قتل (5) # وقال آخر: # تولع بالعشق حتى عشق ... فلما استقل به لم يطق # رأى لجة ظنها موجة ... فلما تمكن منها غرق (6) PageV01P498 #
# والذنب له، فهو الجاني على نفسه، وقد قعد تحت المثل السائر: "يداك أوكتا، ~~وفوك نفخ" (1). # فصل # والعاشق له ثلاث مقامات: مقام ابتداء، ومقام توسط، ومقام انتهاء. # فأما مقام ابتدائه، فالواجب ms238 عليه فيه (2) مدافعته بكل ما يقدر عليه، إذا ~~كان الوصول إلى معشوقه متعذرا قدرا أو شرعا. # فإن عجز عن ذلك، وأبى قلبه إلا السفر إلى محبوبه -وهذا مقام التوسط ~~والانتهاء- فعليه كتمان ذلك، وأن لا يفشيه (3) إلى الخلق، ولا يشبب بمحبوبه ~~ويهتكه بين الناس، فيجمع بين الشرك والظلم. فإن الظلم في هذا الباب من أعظم ~~أنواع الظلم، وربما كان أعظم ضررا على المعشوق وأهله من ظلمه في ماله. فإنه ~~يعرض المعشوق بتهتكه في عشقه إلى وقوع الناس فيه (4)، وانقسامهم إلى مصدق ~~ومكذب، وأكثر الناس يصدق في هذا الباب بأدنى شبهة. وإذا قيل: فلان فعل ~~بفلان أو # فلانة كذبه واحد، وصدقه تسعمائة وتسعة وتسعون! وخبر العاشق المتهتك عند ~~الناس في هذا الباب يفيد القطع اليقيني، PageV01P499 #
# بل إذا أخبرهم المفعول به عن نفسه (1) كذبا وافتراء على غيره جزموا بصدقه ~~جزما لا يحتمل النقيض (2)، بل لو جمعهما مكان واحد اتفاقا جزموا أن ذلك عن ~~وعد واتفاق بينهما. وجزمهم في هذا الباب على الظنون والتخيل والشبه (3) ~~والأوهام والأخبار الكاذبة، كجزمهم بالحسيات المشاهدة. # وبذلك وقع أهل الإفك في الطيبة المطيبة حبيبة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، المبرأة من فوق سبع سماوات، بشبهة مجيء صفوان بن المعطل بها وحده ~~خلف العسكرة حتى هلك من هلك. ولولا أن تولى الله سبحانه (4) براءتها والذب ~~عنها وتكذيب قاذفها، وألا كان أمرا آخر (5). # والمقصود أن في إظهار المبتلى عشق (6) من لا يحل له الاتصال به من ظلمه ~~وأذاه ما هو عدوان عليه وعلى أهله، وتعريض لتصديق كثير من الناس ظنونهم ~~فيه. PageV01P500 #
# فإن استعان عليه بمن يستميله إليه، إما برغبة أو رهبة (1)، تعدى الظلم ~~وانتشر، وصار ذلك الواسطة ديوثا ظالما (2). وإذا كان النبي- صلى الله عليه ~~وسلم - قد لعن الرائش (3) -وهو الواسطة بين الراشي والمرتشي في إيصال ~~الرشوة- فما الظن بالديوث الواسطة (4) بين العاشق والمعشوق في # الوصلة المحرمة؟ فيتساعد العاشق والديوث على ظلم المعشوق وظلم غيره ممن ~~يتوقف حصول غرضهما على ظلمه في نفس أو مال أو ms239 عرض. # فإنه كثيرا ما يتوقف المطلوب فيه على قتل نفس تكون حياتها مانعة من غرضه. ~~فكم من قتيل طل دمه بهذا السبب من زوج وسيد وقريب! وكم خببت (5) امرأة على ~~بعلها، وجارية وعبد على سيدهما! وقد لعن PageV01P501 #
# رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فعل ذلك، وتبرأ منه (1)، وهو من ~~أكبر الكبائر. # وإذا كان النبي- صلى الله عليه وسلم - قد نهى أن يخطب الرجل على خطبة ~~أخيه، أو يستام على سوم أخيه (2)، فكيف بمن يسعى في التفريق بينه وبين ~~امرأته وأمته حتى يتصل بهما؟ وعشاق الصور ومساعدوهم من الديثة (3) لا يرون ~~ذلك ذنبا (4). # فإن طلب العاشق وصل معشوقه ومشاركة الزوج والسيد، ففي ذلك من إثم ظلم ~~الغير ما لعله لا يقصر عن إثم الفاحشة إن لم يرب (5) عليها. # ولا يسقط حق الغير بالتوبة من الفاحشة. فإن التوبة وإن أسقطت حق الله فحق ~~العبد باق، له المطالبة به يوم القيامة. فإن ظلم الوالد بإفساد فلذة كبده ~~(6) ومن هو أعز عليه من نفسه، [110/ ب] وظلم الزوج PageV01P502 #
# بإفساد حبيبته (1) والجناية على فراشه أعظم من ظلمه بأخذ ماله كله (2). # ولهذا يؤذيه ذلك أعظم مما يؤذيه أخذ ماله، ولا يعدل ذلك عنده إلا سفك ~~دمه. فيا له من ظلم أعظم إثما من فعل الفاحشة! # فإن كان ذلك حقا لغاز في سبيل الله وقف له الجاني الفاعل يوم القيامة، ~~وقيل له: "خذ من حسناته ما شئت"، كما أخبر بذلك النبي- صلى الله عليه وسلم ~~-. # ثم قال النبي (3) - صلى الله عليه وسلم -: "فما ظنكم" (4)؛ أي فما تظنون ~~يبقي له من حسناته؟ # فإن انضاف إلى ذلك أن يكون المظلوم جارا أو ذا رحم تعدد الظلم وصار ظلما ~~مؤكدا بقطيعة الرحم وأذى الجار. و"لا يدخل الجنة قاطع رحم لا (5) ولا "من ~~لا يأمن جاره بوائقه" (6). # فإن استعان العاشق على وقال معشوقه بشياطين الجن (7) -إما بسحر أو ~~استخدام أو نحو ذلك (8) - ضم إلى الشرك والظلم كفر السحر. # فإن لم يفعله هو ورضي به كان راضيا بالكفر ms240 غير كاره لحصول مقصده به (9)، ~~وهذا ليس ببعيد من الكفر. PageV01P503 #
# والمقصود أن التعاون في هذا الباب تعاون على الإثم والعدوان. # وأما ما يقترن بحصول غرض العاشق من الظلم المنتشر المتعدي ضرره، فأمر لا ~~يخفى. فإنه إذا حصل له مقصوده من المعشوق، فللمعشوق أغراض أخر يريد من ~~العاشق إعانته عليها، فلا يجد من إعانته # بلا، فيبقى (1) كل منهما يعين الآخر على الظلم والعدوان. # فالمعشوق يعين العاشق على ظلم من يتصل به من أهله وأقاربه وسيده وزوجه، ~~والعاشق يعين المعشوق على ظلم من يكون غرض المعشوق متوقفا على ظلمه. فكل ~~منهما يعين الآخر على أغراضه التي # يكون (2) فيها ظلم الناس، فيحصل العدوان والظلم للناس، بسبب اشتراكهما في ~~القبح لتعاونهما بذلك على الظلم، كما جرت العادة بين العشاق والمعشوقين من ~~إعانة العاشق لمعشوقه على ما فيه ظلم وبغي وعدوان (3)، حتى ربما يسعى له ~~[111/ أ] في منصب لا يليق به ولا يصلح لمثله، وفي تحصيل مال من غير حله، ~~وفي استطالته على غيره. فإذا اختصم معشوقه وغيره أو تشاكيا لم يكن إلا في ~~جانب المعشوق ظالما كان أو مظلوما. # هذا إلى ما ينضم إلى ذلك من ظلم العاشق للناس بالتحيل على أخذ أموالهم، ~~والتوصل بها إلى المعشوق (4) بسرقة أو غصب أو خيانة أو يمين (5) كاذبة أو ~~قطع طريق ونحو ذلك. وربما أدى ذلك إلى قتل النفس PageV01P504 #
# التي حرمها الله ليأخذ ماله، يتوصل (1) به إلى معشوقه. # فكل (2) هذه الآفات وأضعافها وأضعاف أضعافها تنشأ من عشق الصور. وربما ~~حمل على الكفر الصريح. وقد تنصر جماعة ممن نشأ في الإسلام بسبب العشق، كما ~~جرى لبعض المؤذنين حين أبصر امرأة جميلة على سطح، ففتن بها، فنزل ودخل ~~عليها، وسألها نفسها، فقالت: هي نصرانية، فإن دخلت في ديني تزوجت بك، ففعل. ~~فرقي ذلك اليوم (3) على درجة عندهم، فسقط منها (4)، فمات. ذكر هذا عبد الحق ~~في كتاب "العاقبة" له (5). # وإذا أراد النصارى أن ينصروا الأسير أروه امرأة جميلة، وأمروها أن تطمعه ~~في نفسها، حتى ms241 إذا تمكن حبها من قلبه بذلت له نفسها إن دخل في دينها. ~~فهنالك: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (27)} [إبراهيم: 27]. # وفي العشق من ظلم كل واحد من العاشق والمعشوق (6) لصاحبه بمعاونته له على ~~الفاحشة، وظلمه لنفسه (7). فكل منهما ظالم لنفسه PageV01P505 #
# وصاحبه، وظلمهما متعد إلى الغير كما تقدم. وأعظم من ذلك ظلمهما بالشرك. ~~فقد تضمن العشق أنواع الظلم كلها. # والمعشوق إذا لم يتق الله، فإنه يعرض العاشق للتلف -وذلك ظلم منه- بأن ~~يطمعه في نفسه، ويتزين له، ويستميله بكل طريق، حتى يستخرج منه ماله ونفعه، ~~ولا يمكنه من نفسه لئلا يزول غرضه بقضاء # وطره منه، فهو (1) يسومه سوء العذاب. والعاشق ربما قتل معشوقه ليشفي نفسه ~~منه، ولا سيما إذا جاد بالوصال لغيره. # فكم للعشق من قتيل من الجانبين! وكم قد أزال [111/ ب] من نعمة، وأفقر من ~~غنى، وأسقط من مرتبة، وشتت من شمل! وكم أفسد من أهل للرجل وولد! فإن المرأة ~~إذا رأت بعلها عاشقا لغيرها اتخذت هي معشوقا لنفسها، فيصير الرجل مترددا ~~بين خراب بيته بالطلاق وبين القيادة. فمن # الناس من يؤثر هذا، ومنهم من يؤثر هذا (2). # فعلى العاقل (3) أن لا يحكم على نفسه عشق الصور، لئلا يؤديه ذلك إلى هذه ~~المفاسد أو أكثرها أو بعضها. فمن فعل ذلك فهو المفرط بنفسه المغرر بها، ~~فإذا هلكت فهو الذي أهلكها. فلولا (4) تكراره النظر إلى وجه معشوقه وطمعه ~~في وصاله لم يتمكن عشقه من قلبه. # فإن أول أسباب العشق الاستحسان، سواء تولد عن نظر أو سماع. PageV01P506 #
# فإن لم يقارنه طمع في الوصال، وقارنه الإياس من ذلك؛ لم يحدث له العشق. ~~فإن اقترن به الطمع، فصرفه عن فكره (1) ولم يشتغل قلبه به (2)؛ لم يحدث له ~~ذلك. # فإن أطال مع ذلك الفكر في محاسن المعشوق، وقارنه خوف ما هو أكبر عنده من ~~لذة وصاله: إما خوف ديني كدخول النار، وغضب الجبار، واحتقاب الأوزار؛ وغلب ~~هذا الخوف على ms242 ذلك الطمع # والفكر، لم يحدث له العشق. # فإن فاته هذا الخوف، فقارنه خوف دنيوي، كخوف تلاف (3) نفسه وماله، وذهاب ~~جاهه وسقوط مرتبته عند الناس، وسقوطه من عين من يعز عليه؛ وغلب هذا الخوف ~~لداعي العشق = دفعه. # وكذلك إذا خاف من ذوات محبوب هو أحب إليه وأنفع له من ذلك المعشوق، وقدم ~~محبته على محبة المعشوق؛ اندفع عنه العشق. PageV01P507 #
# فإن انتفى ذلك كله، أو غلبت محبة المعشوق لذلك؛ انجذب إليه القلب بكليته، ~~ومالت إليه النفس كل الميل. # فإن قيل (1): قد ذكرتم آفات العشق ومضاره ومفاسده، فهلا ذكرتم منافعه ~~وفوائده التي من جملتها: رقة الطبع، وترويح النفس، وخفتها، وزوال ثقلها، ~~ورياضتها، وحملها على مكارم الأخلاق من الشجاعة والكرم والمروءة ورقة ~~الحاشية ولطف الجانب. # وقد (2) قيل ليحيى بن معاذ الرازي: إن ابنك عشق فلانة، فقال: الحمد لله ~~الذي صيره إلى طبع الآدمي (3)! وقال بعضهم: العشق داء أفئدة الكرام (4). # وقال غيره: العشق لا يصلح إلا لذي مروءة ظاهرة وخليقة طاهرة، أو لذي لسان ~~فاضل وإحسان كامل، أو لذي أدب بارع وحسب ناصع (5). # وقال آخر: العشق يشجع جنان الجبان، ويصفي ذهن الغبي، ويسخي كف البخيل، ~~ويذل عزة الملوك، ويسكن نوافر الأخلاق (6). # وهو أنيس من لا أنيس له، وجليس من لا جليس له (7). PageV01P508 #
# وقال آخر: العشق يزيل الأثقال، ويلطف الروح، ويصفي كدر القلب، ويوجب ~~الارتياح لأفعال الكرام (1) كما قال (2): # سيهلك في الدنيا شفيق عليكم ... إذا غاله من حادث الحب غائله (3) # كريم يميت السر حتى كأنه ... إذا استفهموه عن حديثك جاهله # يود بأن يمسي سقيما لعلها ... إذا سمعت عنه بشكوى تراسله # ويهتز للمعروف في طلب العلى ... لتحمد يوما عند ليلى شمائله # فالعشق يحمل على مكارم الأخلاق. # وقال بعض الحكماء (4): العشق يروض النفس، ويهذب الأخلاق. # إظهاره (5) طبعي، وإضماره تكلفي (6). # وقال آخر: من لم تبتهج (7) نفسه بالصوت الشجي والوجه البهي، فهو فاسد ~~المزاج، محتاج إلى علاج (8). # وأنشدوا في ذلك: PageV01P509 #
# إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فأنت وعير في ms243 الفلاة سواء (1) # وقال آخر: # إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من جانب الصخر جلمدا (2) # وقال آخر: # إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فقم واعتلف تبنا فأنت حمار (3) # وقال آخر: # إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فمالك في طيب الحياة نصيب # وقال بعض العشاق أولو العفة والصيانة: عفوا تشرفوا واعشقوا تظرفوا (4). # وقيل لبعض العشاق: ما كنت تصنع لو ظفرت (5) بمن تهوى؟ # فقال: كنت (6) أمتع طرفي بوجهه، وأروح قلبي بذكره وحديثه، وأستر منه ما ~~لا يحب كشفه، ولا أصير بقبح الفعل إلى ما ينقض عهده. ثم PageV01P510 #
# أنشد [112/ ب]: # أخلو به فأعف عنه تكرما ... خوف الديانة لست من عشاقه (1) # كالماء في يد صائم يلتذه ظما فيصبرعن لذيذ مذاقه (2) # وقال إسحاق بن إبراهيم (3): أرواح العشاق عطرة لطيفة، وأبدانهم رقيقة ~~خفيفة، نزهتهم المؤانسة، وكلامهم يحيي موات القلوب، ويزيد في العقول؛ ولولا ~~العشق والهوى لبطل نعيم الدنيا. # وقال آخر: العشق للأرواح بمنزلة الغذاء للأبدان. إن تركته ضرك، وإن أكثرت ~~منه قتلك (4). وفي ذلك قيل: # خليلي إن الحب فيه لذاذة ... وفيه شقاء دائم وكروب # على ذاك ما عيش يطيب بغيره ... ولا عيش إلا بالحبيب يطيب # ولا خير في الدنيا بغير صبابة ... ولافي نعيم ليس فيه حبيب (5) ~~PageV01P511 #
# وذكر الخرائطي (1) عن أبي غسان قال: مر أبو بكر الصديق رضي الله عنه ~~بجارية وهي تقول: # وهويته من قبل قطع تمائمي ... متمايسا مثل القضيب الناعم # فسألها: أحرة (2) أنت أم مملوكة؟ قالت: بل مملوكة. فقال: من هواك (3)؟ ~~فتلكأت، فأقسم عليها (4)، فقالت: # وأنا التي لعب الهوى بفؤادها ... قتلت بحب محمد بن القاسم # فاشتراها من مولاها، وبعث بها إلى محمد بن القاسم بن جعفر بن أبي طالب ~~(5)، وقال: هؤلاء فتن الرجال. وكم -والله- قد مات بهن كريم، وعطب بهن سليم! # وجاءت عثمان بن عفان جارية تستدعي على رجل من الأنصار، فقال لها عثمان: ~~ما قصتك؟ فقالت: كلفت يا أمير المؤمنين بابن أخيه، فما أنفك أراعيه. فقال ~~له عثمان: إما أن تهبها ms244 لابن أخيك، أو أعطيك PageV01P512 #
# ثمنها من مالي. فقال: أشهدك يا أمير المؤمنين أنها له (1). # ونحن (2) لا ننكر فساد العشق الذي متعلقه فعل الفاحشة بالمعشوق، وإنما ~~الكلام في العشق العفيف من الرجل الظريف الذي يأبى له دينه وعفته ومروءته ~~أن يفسد ما بينه وبين الله، وما بينه وبين # معشوقه بالحرام. وهذا كعشق السلف الكرام والأئمة الأعلام. فهذا عبيد الله ~~بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة (3) عشق حتى اشتهر أمره، ~~ولم ينكر عليه، وعد ظالما من لامه. ومن شعره (4): # كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم ### | .... # ولامك أقوام ولومهم ظلم # فنم عليك الكاشحون وقبلهم ### | .... # عليك الهوى قد نم لو ينفع الكتم (5) # فأصبحت كالنهدي إذ مات حسرة ... على إثر هند أو كمن شفه سقم (6) # تجنبت إتيان الحبيب تأثما ... ألا إن هجران الحبيب هو الإثم # فذق هجرها قد كنت تزعم أنه ... رشاد ألا يا ربما كذب الزعم # وهذا عمر بن عبد العزيز، عشقه لجارية فاطمة بنت عبد الملك بن PageV01P513 #
# مروان امرأته مشهور (1). وكانت جارية بارعة الجمال، وكان معجبا بها، وكان ~~يطلبها من امرأته ويحرص على أن تهبها له، فتأبى. ولم تزل الجارية في نفس ~~عمر، فلما استخلف أمرت فاطمة بالجارية، # فأصلحت، وكانت مثلا في حسنها وجمالها، ثم دخلت على عمر، وقالت: يا أمير ~~المؤمنين إنك كنت معجبا بجاريتي فلانة، وسألتنيها فأبيت عليك، والآن فقد ~~طابت (2) نفسي لك بها. فلما قالت له ذلك (3) استبان الفرح في وجهه، وقال: ~~عجلي بها علي. فلما أدخلتها عليه ازداد بها عجبا، وقال لها: ألقي ثيابك، ~~ففعلت. ثم قال لها على رسلك، أخبريني لمن كنت؟ ومن أين صرت لفاطمة؟ فقالت: ~~أغرم الحجاج عاملا له بالكوفة مالا، وكنت في رقيق ذلك العامل (4) فأخذني، ~~وبعث بي إلى عبد الملك، فوهبني لفاطمة. قال: وما فعل ذلك العامل؟ قالت: ~~هلك. قال: وهل ترك ولدا؟ قالت: نعم. قال: فما حالهم؟ قالت: سيئة. فقال: شدي ~~عليك ثيابك، واذهبي إلى مكانك. ثم كتب إلى عامله على العراق أن ms245 ابعث إلى ~~فلان بن فلان على البريد. فلما قدم قال له (5): ارفع إلي جميع ما غرمه ~~الحجاج لأبيك. فلم يرفع إليه (6) شيئا إلا PageV01P514 #
# دفعه إليه (1). ثم أمر بالجارية فدفعت إليه. ثم قال له: إياك وإياها، ~~فلعل أباك كان ألم بها. فقال (2) الغلام: هي لك يا أمير المؤمنين. قال: لا ~~حاجة لي بها. قال: فابتعها مني. قال لست إذا ممن نهى النفس عن الهوى. فلما ~~عزم الفتى على الانصراف بها قالت: أين وجدك بي يا أمير المؤمنين؟ قال: على ~~حاله، ولقد زاد! ولم تزل الجارية في نفس عمر حتى مات رحمه الله. # وهذا أبو بكر محمد (3) بن داود الظاهري، العلم (4) المشهور في فنون العلم ~~من الفقه والحديث والتفسير والأدب، وله قول في الفقه، وهو من أكابر ~~العلماء، وعشقه مشهور (5). # قال نفطويه: دخلت عليه في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف تجدك؟ فقال (6): ~~حب من تعلم أورثني ما ترى. فقلت: وما يمنعك من الاستمتاع به مع القدرة ~~عليه؟ فقال: الاستمتاع على وجهين: أحدهما النظر المباح، والآخر اللذة ~~المحظورة. فأما النظر المباح فهو الذي أورثني ما ترى. وأما اللذة المحظورة ~~فمنعني منها ما حدثني أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، عن أبي ~~يحيي القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس يرفعه: "من عشق وكتم وعف وصبر غفر الله ~~له، PageV01P515 #
# وأدخله الجنة" (1). ثم أنشد: # انظر إلى السحر يجري في لواحظه ... وانظر إلى دعج في طرفه الساجي (2) # وانظر إلى شعرات فوق عارضه ... كأنهن نمال دب في عاج # ثم أنشد: # مالهم أنكروا سوادا بخدي ... ه ولا ينكرون ورد الغصون # إن يكن عيب خده بدد الشع ... ر فعيب العيون شعر الجفون (3) # فقلت له: نفيت القياس في الفقه، وأثبته في الشعر. فقال: غلبة الوجد وملكة ~~النفس دعوا إليه. ثم مات من ليلته (4). # وبسبب معشوقه صنف كتاب "الزهرة". ومن كلامه فيه (5): من يئس ممن (6) ~~يهواه ولم يمت (7) من وقته سلاه [141/ أ] وذلك أن أول روعات اليأس (8) تأتي ~~القلب، وهو غير مستعد ms246 لها، فأما الثانية فتأتي القلب، وقد وطأته لها الروعة ~~الأولى (9). PageV01P516 #
# والتقى هو وأبو العباس بن سريج (1) في مجلس أبي الحسن علي بن عيسى الوزير ~~(2) فتناظرا في مسألة من الإيلاء، فقال له ابن سريج: أنت بأن تقول: "من ~~دامت لحظاته كثرت حسراته" (3) أحذق منك بالكلام على الفقه! # فقال: لئن كان ذلك فإني أقول: # أنره في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما # وأحمل من ثقل الهوى ما لو انه ... يصب على الصخر الأصم تهدما # وينطق طرفي عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي رده لتكلما (4) # رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فلست أرى ودا صحيحا مسلما # فقال له (5) أبو العباس بن سريج: بم تفخر علي؟ ولو شئت قلت: # ومطاعم كالشهد في نغماته ... قد بت أمنعه لذيذ سناته PageV01P517 #
# ضنا به وبحسنه وحديثه ... وأنزه اللحظات في وجناته (1) # حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولى بخاتم ربه وبراته # فقال أبو بكر: يحفظ عليه الوزير ما أقر به حتى يقيم شاهدين على أنه ولى ~~بخاتم ربه وبراءته. # فقال ابن سريج: يلزمني في هذا ما يلزمك في قولك: # أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما # فضحك الوزير فقال: لقد جمعتما لطفا وظرفا. # ذكر ذلك أبو بكر الخطيب في تاريخه (2). # وجاءته يوما فتيا مضمونها: # يا ابن داود يا فقيه العراق ... أفتنا في قواتل الأحداق (3) # هل عليها بما أتت من جناح ... أم حلال لها دم العشاق # فكتب الجواب قحما البيتين بخطه: # عندي جواب مسائل العشاق ... فأسمعه من قرح الحشا مشتاق PageV01P518 #
# لما سألت عن الهوى هيجتني ... وأرقت دمعا لم يكن بمراق # إن كان معشوق يعذب عاشقا ... كان المعذب أنعم العشاق (1) # قال صاحب كتاب "منازل الأحباب" (2) شهاب الدين محمود بن سلمان بن فهد ~~صاحب الإنشاء (3): وقلت في جواب البيتين على وزنهما (4) مجيبا للسائل: # قل لمن جاء سائلا عن لحاظ ... هن يلعبن في دم العشاق # ما على السيف في الورى من جناح ... إن ثنى الحد عن دم مهراق # وسيوف اللحاظ ms247 أولى بأن تص ... فح عما جنت على العشاق PageV01P519 #
# إنما كل من قتلن شهيد (1) ... ولهذا يفنى ضنى وهو باق (2) # ونظير ذلك فتوى وردت على الشيخ أبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني شيخ ~~الحنابلة في وقته (3): # قل للإمام أبي الخطاب مسألة ... جاءت إليك وما خلق سواك لها # ماذا على رجل رام الصلاة فمذ ... لاحت لخاطره ذات الجمال لها (4) # فأجابه تحت سؤاله: # قل للأديب الذي وافى بمسألة ... سرت فؤادي لما أن أصخت لها # إن الذي فتنته عن عبادته ... خريدة ذات حسني فانثنى ولها (5) # إن تاب ثم قضى عنه عبادته ... فرحمة الله تغشى من عصى ولها (6) # وقال عبد الله بن معمر القيسي (7): حججت سنة، ثم دخلت مسجد المدينة ~~لزيارة قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فبينا أنا جالس ذات ليلة (8) ~~بين القبر PageV01P520 #
# والمنبر إذ سمعت أنينا، فأصغيت إليه، فإذا هو يقول: # أشجاك نوح حمائم السدر ... فأهجن منك بلابل الصدر # أم عز نومك ذكر غانية ... أهدت إليك وساوس الفكر (1) # يا ليلة طالت على دنف ... يشكو السهاد وقلة الصبر # أسلمت من يهوى لحر جوى ... متوقد كتوقد الجمر (2) # فالبدر يشهد أنني كلف ... مغرى بحب شبيهة البدر # [115/ أ] ما كنت أحسبني أهيم بها ... حتى بليت وكنت لا أدري # ثم انقطع الصوت، فلم أدر من أين جاء، وإذا به قد أعاد البكاء والأنين، ثم ~~أنشد: # أشجاك من ريا خيال زائر ... والليل مسود الذوائب عاكر (3) # واعتاد مهجتك الهوى برسيسه ... واهتاج مقلتك الخيال الزائر (4) # ناديت ريا والظلام كأنه ... يم تلاطم فيه موج زاخر # والبدر يسري في السماء كانه ... ملك ترجل والنجوم عساكر # وترى به الجوزاء ترقص في الدجى ... رقص الحبيب علاه سكر ظاهر (5) ~~PageV01P521 #
# يا ليل طلت على محب ما له ... إلا الصباح مساعد ومؤازر # فأجابني مت حتف أنفك واعلمن ... أن الهوى لهو الهوان الحاضر # قال: وكنت ذهبت عند ابتدائه بالأبيات (1)، فلم ينته إلا وأنا عنده. # فرأيت شابا مقتبلا (2) شبابه، قد خرق الدمع في خده خرقين، فسلمت عليه، ~~فقال: اجلس، من أنت؟ ms248 فقلت: عبد الله بن معمر القيسي. قال: ألك حاجة؟ قلت: ~~نعم، كنت جالسا في الروضة، فما راعني إلا صوتك. فبنفسي أفديك، فما الذي ~~تجد؟ فقال: أنا عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري (3)، غدوت ~~يوما إلى مسجد الأحزاب، فصليت فيه، ثم اعتزلت غير بعيد، فإذا (4) بنسوة قد ~~أقبلن يتهادين مثل القطا، وفي وسطهن جارية بديعة الجمال كاملة الملاحة، ~~فوقفت علي # وقالت: يا عتبة ما تقول في وصل من يطلب وصلك؛ ثم تركتني وذهبت، فلم أسمع ~~لها خبرا، ولا قفوت لها أثرا، وأنا حيران أنتقل من مكان إلى مكان. ثم صرخ ~~وأكب مغشيا عليه، ثم أفاق كأنما (5) صبغت وجنتاه بورس، ثم أنشأ يقول (6): ~~PageV01P522 #
# أراكم بقلبي من بلاد بعيدة ... فيا هل تروني بالفؤاد على بعد # فؤادي وطرفي يأسفان عليكم ... وعندكم روحي وذكركم عندي # ولست ألد العيش حتى أراكم ... ولو كنت في الفردوس في جنة الخلد # فقلت: يا ابن أخي تب إلى ربك، واستغفر من ذنبك (1)، فبين يديك هول المطلع ~~(2). فقال: ما أنا بسال حتى يؤوب القارظان (3)! ولم أزل معه إلى أن طلع ~~الصبح (4)، فقلت: قم بنا إلى مسجد الأحزاب، فلعل الله أن يكشف كربتك. قال: ~~أرجو ذاك إن شاء الله ببركة طلعتك. # فذهبنا حتى أتينا مسجد الأحزاب، فسمعته يقول: # يا للرجال ليوم الأربعاء أما ... ينفك يحدث لي بعد النهى طربا # ما إن يزال غزال منه يقلقني ... يأتي إلى مسجد الأحزاب منتقبا (5) # يخبر الناس أن الأجر همته ... وما أتى طالبا للأجر محتسبا # لوكان يبغي ثوابا ما أتى صلفا ... مضمخا بفتيت المسك مختضبا (6) ~~PageV01P523 #
# ثم جلسنا حتى صلينا الظهر. فإذا بالنسوة قد أقبلن، وليست الجارية فيهن، ~~فوقفن عليه، وقلن له: يا عتبة ما ظنك بطالبة وصلك وكاسفة بالك (1)؟ قال: ~~وما بالها؟ قلن: أخذها أبوها، وارتحل بها إلى # أرض السماوة. فسألتهن عن الجارية، فقلن: هي ريا ابنة الغطريف السلمي. ~~فرفع عتبة رأسه إليهن، وقال: # خليلي ريا قد أجد بكورها ... وسارت إلى أرض السماوة عيرها (2) # خليلي إني قد عشيت من ms249 البكا ... فهل عند غيري مقلة أستعيرها (3) # فقلت له: إني قد وردت بمال جزيل أريد به أهل الستر (4)، ووالله لأبذلنه ~~أمامك حتى تبلغ رضاك وفوق الرضا! فقم بنا إلى مسجد الأنصار. فقمنا وسرنا ~~حتى أشرفنا على ملأ منهم، فسلمت، فأحسنوا الرد. فقلت: أيها الملأ ما تقولون ~~في عتبة وأبيه؟ قالوا: من سادات العرب. فقلت: إنه قد رمي بداية من الهوى، ~~وما أريد منكم إلا المساعدة إلى السماوة. فقالوا: سمعا وطاعة. # فركبنا، وركب القوم معنا، حتى أشرفنا على منازل بني سليم. # فاعلم الغطريف بنا، فخرج مبادرا، فاستقبلنا، وقال: حييتم بالإكرام. # فقلنا: وأنت فحياك الله، إنا لك أضياف. فقال: نزلتم أكرم منزل. # فنادى: يا معشر العبيد أنزلوا القوم. ففرشت الأنطاع والنمارق (5)، ~~PageV01P524 #
# وذبحت الذبائح. فقلنا: لسنا بذائقي طعامك حتى تقضي حاجتنا. # فقال: وما حاجتكم؟ قلنا: نخطب عقيلتك الكريمة لعتبة بن الحباب بن المنذر. ~~فقال: إن التي تخطبونها أمرها إلى نفسها، وأنا أدخل أخبرها (1). # ثم دخل مغضبا على ابنته، فقالت: يا أبت ما لي أرى الغضب في وجهك؟ فقال: ~~قد ورد الأنصار يخطبونك (2) مني. قالت: سادة (3) كرام، استغفر لهم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، فلمن الخطبة منهم؟ قال: لعتبة بن الحباب. قالت: ~~والله لقد سمعت عن عتبة هذا أنه يفي بما وعد، ويدرك # إذا قصد. فقال: أقسمت لا زوجتك (4) به أبدا، ولقد نمى إلي بعض حديثك معه. ~~فقالت: ما كان ذلك (5)، ولكن إذ أقسمت فإن (6) الأنصار لا يردون (7) ردا ~~قبيحا، فاحسن لهم الرد. فقال: بأي شيء؟ قالت: أغلظ لهم المهر (8)، فإنهم ~~يرجعون ولا يجيبون. فقال: ما أحسن ما قلت! ثم خرج مبادرا فقال: إن فتاة ~~الحي قد أجابت، ولكني (9) أريد لها PageV01P525 #
# مهر مثلها (1)، فمن القائم به؟ فقال عبد الله بن معمر: أنا، فقل ما شئت! ~~فقال: ألف مثقال من الذهب، ومائة ثوب من الأبراد، وخمسة أكرشة عنبر (2). ~~فقال عبد الله: لك ذلك، فهل أجبت؟ قال: نعم، قال عبد الله: فأنفذت نفرا من ~~الأنصار إلى المدينة، فأتوا بجميع ما طلب. ms250 ثم صنعت # الوليمة وأقمنا على ذلك أياما. ثم قال: خذوا فتاتكم، وانصرفوا مصاحبين. # ثم حملها في هودج، وجهزها بثلاثين راحلة من المتاع والتحف، فودعناه، ~~وسرنا، حتى إذا بقي بيننا وبين المدينة مرحلة واحدة خرجت علينا خيل تريد ~~الغارة، أحسبها من سليم، فحمل عليها عتبة بن # الحباب، فقتل منهم رجالا، وجدل آخرين. ثم رجع وبه طعنة تفور دما، فسقط ~~إلى الأرض. [116/ ب] وأتتنا نجدة (3)، فطردت عنا الخيل. # وقد قضى عتبة نحبه، فقلنا: وا عتبتاه! فسمعتنا (4) الجارية، فألقت نفسها ~~عن البعير، وجعلت (5) تصيح بحرقة وأنشدت: # تصبرت لا أني صبرت وإنما ... أعلل نفسي أنها بك لاحقه # فلو أنصفت روحي لكانت إلى الردى ... أمامك من دون البرية سابقه ~~PageV01P526 #
# فما أحد بعدي وبعدك منصف ... خليلا ولا نفس لنفس موافقه # ثم شهقت، وقفت نحبها. فاحتفرنا لهما قبرا واحدا، ودفناهما فيه. ثم رجعت، ~~فأقمت (1) سبع سنين. ثم ذهبت إلى الحجاز، ووردت المدينة، فقلت: والله لآتين ~~قبر عتبة أزوره. فأتيت القبر، فإذا عليه # شجرة عليها عصائب حمر وصفر. فقلت لأرباب المنزل: ما يقال لهذه الشجرة؟ ~~قالوا: شجرة العروسين! ولو لم يكن في العشق من الرخصة المخالفة للتشديد إلا ~~الحديث الوارد بالحسن من الأسانيد، وهو حديث سويد بن سعيد، عن علي بن مسهر، ~~عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس يرفعه: "من عشق وعف وكتم فمات، ~~فهو شهيد" (2). # ورواه سويد أيضا عن ابن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ~~مرفوعا. # ورواه الخطيب، عن الأزهري، عن المعافى بن زكريا، عن قطبة بن الفضل (3)، ~~عن أحمد بن مسروق عنه. PageV01P527 #
# ورواه الزبير بن بكار، عن عبد العزيز الماجشون (1)، عن عبد العزيز بن أبي ~~حازم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس. # وهذا سيد الأولين والآخرين ورسول رب العالمين نظر إلى زينب بنت جحش فقال: ~~"سبحان مقلب القلوب" (2). وكانت تحت زيد بن حارثة مولاه، فلما هم بطلاقها ~~قال له: "اتق الله وأمسك عليك زوجك". # فلما طلقها زوجها الله سبحانه من ms251 رسوله من (3) فوق سبع سماوات، فكان هو ~~وليها وولي تزويجها من رسوله. وعقد [171/ أ]، عقد نكاحها PageV01P528 #
# فوق عرشه، وأنزل على رسوله: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه ~~أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله ~~أحق أن تخشاه} [الأحزاب: 37]. # وهذا داود نبي الله لما كان تحته تسع وتسعون امرأة، ثم أحب تلك المرأة، ~~فتزوجها، وكمل بها المائة! (1) # وقال الزهري: أول حب (2) كان في الإسلام حب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عائشة (3)، وكان مسروق يسميها "حبيبة رسول رب العالمين" (4). PageV01P529 #
# وقال أبو قيس مولى عبد الله بن عمرو: أرسلني عبد الله بن عمرو إلى أم ~~سلمة أسألها: أكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبل وهو صائم فقالت: لا. ~~فقال: إن عائشة قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبلها وهو صائم. ~~فقالت أم سلمة: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رأى عائشة لا ~~يتمالك عنها (1). # وذكر سعد (2) بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: كان إبراهيم خليل ~~الله - صلى الله عليه وسلم -يزور هاجر في كل يوم من الشام على البراق من ~~PageV01P530 #
# شغفه بها وقلة صبره عنها (1). # وذكر الخرائطي (2) أن عبد الله بن عمر اشترى جارية رومية، فكان يحبها حبا ~~شديدا، فوقعت ذات يوم عن بغلة له، فجعل يمسح التراب عن وجهها، ويفديها (3). ~~وكانت تكثر أن تقول له: يا بطرون، أنت قالون. تعني (4): يا مولاي أنت جيد. ~~ثم إنها هربت منه، فوجد عليها وجدا شديدا، وقال: # قد كنت أحسبني قالون فانصرفت ... فاليوم أعلم أني غير قالون # قال أبو محمد بن حزم: وقد أحب من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين كثير ~~(5). PageV01P531 #
# وقال رجل لعمر بن الخطاب: يا امير الؤمنين رأيت امرأة, فعشقتها. فقال: ~~ذاك مالا تملك (1). # فالجواب- وبالله التوفيق- أن الكلام في هذا الباب لا بد فيه من التمييز ~~بين الواقع والجائز (2) والنافع والضار. ولا يسجل (3) عليه بالذم والإنكار ~~ولا بالمدح [117/ ب] ms252 والقبول من حيث الجملة (4). وإنما يتبين حكمه وينكشف ~~أمره بذكر متعلقه، وإلا فالعشق من حيث هو لا يحمد # ولا يذم. ونحن نذكر النافع من الحب والضار والجائز والحرام. # اعلم أن أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها وأعلاها وأجلها محبة من جبلت ~~القلوب على محبته، وفطرت الخليقة على تألهه. وبها قامت الأرض والسماوات، ~~وعليها فطرت المخلوقات. وهي سر شهادة أن لا إله إلا الله، فإن "الإله" هو ~~الذي تألهه القلوب بالمحبة والإجلال والتعظيم والذل والخضوع، وتعبده. ~~والعبادة لا تصح إلا له وحده، و"العبادة" هي كمال الحب مع كمال الخضوع ~~والذل. والشرك في هذه العبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله. والله ~~تعالى حيث لذاته من # جميع الوجوه، وما سواه وإنما يحب تبعا لمحبته. PageV01P532 #
# وقد دل على وجوب محبته سبحانه جميع (1) كتبه المنزلة، ودعوة جميع رسله، ~~وفطرته التي فطر عباده عليها، وما ركب فيهم من العقول، وما أسبغ عليهم من ~~النعم- فإن القلوب مفطورة مجبولة على محبة من أنعم عليها وأحسن إليها، فكيف ~~بمن كل (2) "الإحسان منه، وما بخلقه جميعهم من نعمة فمنه (3) وحده لا شريك ~~له، كما قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه ~~تجأرون (53)} [النحل: 53]؟ - وما تعرف به إلى عباده من أسمائه الحسنى ~~وصفاته العلا، وما دلت عليه آثار مصنوعاته من كماله ونهاية جلاله (4) ~~وعظمته. # والمحبة لها داعيان: الجمال والإجمال (5)، والرب تعالى له الكمال المطلق ~~من ذلك، فإنه جميل يحب الجمال (6)، بل الجمال كله له، والإجمال (7) كله ~~منه. فلا يستحق أن يحب لذاته من كل وجه سواه. # قال تعالي: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: ~~31]. # وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم PageV01P533 #
# يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ~~ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (54) ~~إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون ms253 الزكاة ~~وهم راكعون (55) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم ~~الغالبون (56)} [المائدة: 54 - 56]. # والولاية أصلها الحب، فلا موالاة إلا بحب. كما أن العداوة أصلها البغض. ~~والله ولي الذين آمنوا، وهم أولياؤه، فهم يوالونه بمحبتهم له، وهو يواليهم ~~بمحبته لهم. فالله (1) يوالي عبده بحسب محبته له. # ولهذا أنكر سبحانه على من اتخذ من دونه أولياء، بخلاف من وإلى أولياءه، ~~فإنه لم يتخذهم من دونه، بل موالاته (2) لهم من تمام موالاته. # وقد أنكر على من سوى بينه وبين غيره في المحبة، وأخبر أن من فعل ذلك فقد ~~اتخذ من دونه أندادا يحبهم (3) كحب الله، والذين آمنوا أشد حبا لله. وأخبر ~~عمن سوى بينه وبين الأنداد في الحب أنهم يقولون في النار لمعبوديهم: {تالله ~~إن كنا لفي ضلال مبين (97) إذ نسويكم برب العالمين (98)} [الشعراء: 97، ~~98]. # وبهذا التوحيد في الحب أرسل الله سبحانه جميع رسله، وأنزل جميع كتبه، ~~وأطبقت عليه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم، ولأجله خلق السماوات والأرض ~~والجنة والنار، فجعل الجنة لأهله، والنار # للمشركين به فيه (4). PageV01P534 #
# وقد أقسم النبي- صلى الله عليه وسلم -أنه "لا يؤمن عبد حتى يكون هو أحب ~~إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (1) فكيف بمحبة الرب جل جلاله؟ # وقال لعمر بن الخطاب: "لا حتى أكون أحب إليك من نفسك" (2). # أي لا تؤمن حتى تصل محبتك لي إلى هذه الغاية. # وإذا كان النبي- صلى الله عليه وسلم - أولى بنا من أنفسنا في المحبة ~~ولوازمها، أفليس الرب- جل جلاله، وتقدست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جده، ~~ولا إله غيره- أولى بمحبيه (3) وعباده من أنفسهم؟ # وكل ما منه إلى عبده المؤمن يدعوه إلى محبته، مما يحب العبد أو يكره. ~~فعطاؤه ومنعه (4)، ومعافاته وابتلاؤه، وقبضه وبسطه، وعدله وفضله، وإماتته ~~وإحياؤه، ولطفه وبره، ورحمته [118/ ب] وإحسانه، وستره وعفوه، وحلمه وصبره ~~على عبده، وإجابته لدعائه، وكشف كربه، وإغاثة لهفته، وتفريج كربته -من غير ~~حاجة منه إليه، بل (5) مع غناه التام عنه من جميع الوجوه (6) - كل ذلك (7) ~~داع للقلوب إلى تألهه ومحبته. # بل تمكينه ms254 عبده من معصيته، وإعانته عليه وستره حتى يقضي وطره PageV01P535 #
# منها، وكلاءته وحراسته له وهو يقضي وطره من معصيته، بعينه، ويستعين عليها ~~بنعمه = من أقوى الدواعي إلى محبته. # فلو أن مخلوقا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك لم يملك قلبه عن محبته، فكيف ~~لا يحب العبد بكل قلبه وجوارحه من يحسن إليه على الدوام بعدد الأنفاس، مع ~~إساءته؟ فخيره إليه نازل، وشره إليه صاعد، # يتحبب إليه بنعمه وهو غني عنه، والعبد يتبغض إليه بالمعاصي وهو فقير إليه ~~(1)! فلا إحسانه وبره وإنعامه عليه يصده عن معصيته، ولا معصية العبد ولؤمه ~~يقطع إحسان ربه عنه! # فألأم اللؤم تخلف القلوب عن محبة من هذا شأنه، وتعلقها بمحبة سواه! # وأيضا فكل من تحبه من الخلق ويحبك إنما يريدك لنفسه وغرضه منك، والله ~~سبحانه وتعالى يريدك لك، كما في الأثر الإلهي: "عبدي، كل يريدك لنفسه، وأنا ~~أريدك لك" (2) فكيف لا يستحي العبد أن يكون ربه له (3) بهذه المنزلة، وهو ~~معرض عنه، مشغول بحب غيره، قد استغرق (4) قلبه محبة سواه؟ # وأيضا فكل من تعامله من الخلق إن لم يربح عليك لم يعاملك، PageV01P536 #
# ولا بد له (1) من نوع من أنواع الربح. والرب تعالى إنما يعاملك لتربح أنت ~~عليه أعظم الربح وأعلاه. فالدرهم بعشرة أمثاله إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف ~~كثيرة، والسيئة بواحدة، وهي أسرع شيء محوا. # وأيضا فهو سبحانه خلقك لنفسه، وخلق كل شيء لك في الدنيا والآخرة. فمن ~~أولى منه باستفراغ الوسع في محبته وبذل الجهد في مرضاته؟ # وأيضا فمطالبك بل مطالب الخلق كلهم جميعا لديه، وهو أجود الأجودين، وأكرم ~~الأكرمين، وأعطى عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمله. # يشكر القليل من العمل وينميه [119/ أ]، ويغفر الكثير من الزلل ويمحوه ~~(2). {يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (29)} [الرحمن: 29]. # لا يشغله سمع عن سمع، ولا يغلطه كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، ~~بل يحب الملحين في الدعاء. ويحب أن يسأل، ويغضب (3) إذا لم يسال. يستحي من ~~عبده حيث (4) لا ms255 يستحي العبد منه، ويستره حيث لا يستر نفسه، ويرحمه حيث لا ~~يرحم نفسه. دعاه بنعمه وإحسانه (5) وأياديه إلى كرامته ورضوانه، فأبى. ~~فأرسل رسله في طلبه، وبعث إليه معهم عهده. ثم نزل سبحانه إليه بنفسه، وقال: ~~"من يسألني PageV01P537 #
# فأعطيه؟ من يستغفرني فاغفر له؟ " (1). # أدعوك للوصل تأبى ... أبعث رسولي في الطلب (2) # أنزل إليك بنفسي ... ألقاك في النوام! (3) # وكيف لا تحب القلوب من لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا ~~هو، ولا يجيب الدعوات إلا هو، ولا يقيل (4) العثرات ويغفر الخطيئات ويستر ~~العورات ويكشف الكربات ويغيث اللهفات وينيل الطلبات سواه؟ # فهو "أحق من ذكر، وأحق من شكر، وأحق من عبد، وأحق من حمد، وأنصر من ~~ابتغي، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، وأرحم من استرحم، وأكرم ~~من قصد" (5)، وأعز من التجىء إليه، وأكفى من توكل عليه (6). أرحم بعبده من ~~الوالدة بولدها (7)، وأشد PageV01P538 #
# فرحا بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض ~~المهلكة، إذا يئس من الحياة ثم وجدها (1). # وهو الملك لا شريك له، والفرد فلا ند (2) له. كل شيء هالك إلا وجهه. لن ~~يطاع إلا بإذنه، ولن يعصى إلا بعلمه. يطاع فيشكر، وبتوفيقه ونعمته أطيع. ~~ويعصى فيغفر ويعفو (3)، وحقه أضيع. # فهو أقرب شهيد وأجل حفيظ. وأوفى وفي بالعهد، وأعدل قائم بالقسط. حال دون ~~النفوس، وأخذ بالنواصي، وكتب الآثار" ونسخ الآجال. فالقلوب له مفضية، والسر ~~عنده علانية. والغيب لديه (4) # مكشوف، وكل أحد إليه ملهوف (5). # عنت الوجوه لنور وجهه، وعجزت القلوب عن إدراك كنهه، ودلت الفطر والأدلة ~~كلها على امتناع مثله وشبهه. أشرقت لنور وجهه الظلمات، واستنارت له الأرض ~~والسماوات، وصلحت عليه جميع # المخلوقات. "لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام. يحفظ القسط، ويرفعه. [119/ ~~ب] يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل. حجابه النور، ~~لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه PageV01P539 #
# بصره من خلقه" (1). # ما اعتاض باذل حبه لسواه ... من عوض ولو ملك الوجود ms256 بأسره # فصل # وهاهنا أمر عظيم يجب على اللبيب الاعتناء به، وهو أن كمال اللذة والفرح ~~والسرور ونعيم القلب وابتهاج الروح تابع لأمرين: # أحدهما: كمال المحبوب في نفسه وجماله وأنه أولى بإيثار الحب (2) من كل ما ~~سواه. # والأمر الثاني: كمال محبته، واستفرغ الوسع في حبه، وإيثار قربه والوصول ~~إليه على كل شيء. # وكل عاقل يعلم أن اللذة بحصول المحبوب بحسب قوة محبته. # فكلما كانت المحبة أقوى (3) كانت لذة المحب (4) أكمل. فلذة من اشتد ظمؤه ~~بإدراك الماء الزلال، ومن اشتد جوعه بأكل الطعام الشهي ونظائر ذلك على حسب ~~شوقه وشدة إرادته ومحبته. # وإذا (5) عرف هذا فاللذة والسرور والفرح أمر مطلوب في نفسه، بل هو مقصود ~~كل حي، وإذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها، فهي PageV01P540 #
# تذم (1) إذا أعقبت ألما أعظم منها، أو منعت لذة خيرا وأجل منها. فكيف إذا ~~أعقبت أعظم الحسرات، وفوتت أعظم اللذات والمسرات؟ وتحمد إذا أعانت على لذة ~~عظيمة دائمة مستقرة لا تنغيص فيها ولا نكد بوجه ما (2)، وهي لذة الآخرة ~~ونعيمها وطيب العيش فيها (3). قال تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا (16) ~~والآخرة خير وأبقى (17)} [الأعلى: 16، 17]، وقال السحرة لفرعون لما آمنوا: ~~{فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) إنا آمنا بربنا ليغفر ~~لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (73)} (4) [طه: 72، ~~73]. # والله سبحانه خلق الخلق لينيلهم هذه اللذة الدائمة في دار الخلد، وأما ~~الدنيا فمنقطعة، ولذاتها لا تصفو أبدا ولا تدوم، بخلاف الآخرة فإن لذاتها ~~دائمة، ونعيمها خالص من كل كدر وأم، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مع ~~الخلود أبدا. ولا تعلم نفس ما أخفى الله لعباده فيها (5) من قرة أعين، بل ~~فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب [120/ أ] بشر. # وهذا المعنى الذي قصده الناصح لقومه بقوله: {يا قوم اتبعون أهدكم سبيل ~~الرشاد (38) يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار ~~(39)} (6) [غافر: 38، 39] فأخبرهم أن الدنيا متاع PageV01P541 #
# يستمتع (1) بها إلى غيرها، وأن ms257 الآخرة هي المستقر. # وإذا عرف أن لذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذات الآخرة (2)، ولذلك ~~خلقت الدنيا ولذاتها، فكل لذة أعانت على لذة الآخرة وأوصلت إليها لم يذم ~~تناولها، بل يحمد بحسب إيصالها إلى لذة الآخرة. # إذا عرف هذا، فأعظم نعيم الآخرة ولذاتها: النظر إلى وجه الرب جل جلاله، ~~وسماع كلامه منه، والقرب منه؛ كما ثبت في الصحيح في حديث الرؤية: "فوالله ~~ما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه" (3). # وفي حديث آخر: "إنه إذا تجلى لهم ورأوه نسوا ما هم فيه من النعيم" (4). # وفي النسائي ومسند الإمام أحمد من حديث عمار بن ياسر عن PageV01P542 #
# النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعائه: "وأسألك لذة النظر إلى وجهك ~~والشوق إلى لقائك" (1). # وفي كتاب السنة لعبد الله ابن الإمام أحمد (2) مرفوعا: "كأن الناس يوم ~~القيامة لم يسمعوا القرآن. إذا سمعوه (3) من الرحمن، فكأنهم (4) لم يسمعوه ~~قبل ذلك". # وإذا عرف هذا، فأعظم الأسباب التي تحصل هذه اللذة هو أعظم لذات الدنيا ~~على الإطلاق، وهو لذة معرفته سبحانه ولذة محبته، فإن ذلك هو جنة الدنيا ~~ونعيمها العالي؛ ونسبة لذاتها الفانية إليه كتفلة في بحر، فإن الروح والقلب ~~والبدن إنما خلق لذلك. فأطيب ما في الدنيا معرفته ومحبته، وأنشد ما (5) في ~~الجنة رؤيته ومشاهدته. فمحبته ومعرفته قرة العيون، ولذة الأرواح، وبهجة ~~القلوب، ونعيم الدنيا وسرورها. بل لذات الدنيا القاطعة عن ذلك تنقلب آلاما ~~وعذابا، ويبقى صاحبها في PageV01P543 #
# المعيشة الضنك، فليست الحياة الطيبة إلا بالله. # وكان بعض المحبين تمر به أوقات، فيقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، ~~إنهم لفي عيش طيب! (1) # وكان غيره [120/ ب] يقول: لو علم الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه ~~بالسيوف (2). # وإذا كان صاحب المحبة الباطلة التي هي عذاب على قلب المحب (3) يقول في ~~حاله: # وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى ... ولا خير فيمن لا يحب ويعشق (4) # ويقول الآخر (5): # أف للدنيا متى ما لم يكن (6) ... صاحب الدنيا محبا أو حبيبا (7) ~~PageV01P544 #
# ويقول الآخر: ms258 # ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها ... وأنت وحيد مفرد غير عاشق (1) # ويقول الآخر: # اسكن إلى سكن تلذ بحبه ... ذهب الزمان وأنت منفرد (2) # ويقول الآخر: # تشكى المحبون الصبابة ليتني ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدي # فكانت لقلبي لذة الحب كلها ... فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي (3) # فكيف بالمحبة التي هي حياة القلوب وغذاء الأرواح، وليس للقلب PageV01P545 #
# لذة ولا نعيم ولا فلاح ولا حياة إلا بها، وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم ~~من ألم العين إذا فقدت نورها، والأذن إذا فقدت سمعها، والأنف إذا فقد شمه، ~~واللسان إذا فقد نطقه؟ بل فساد القلب إذا خلا من محبة فاطره وبارئه وإلهه ~~الحق أعظم من فساد البدن (1) إذا خلا من الروح. وهذا أمر # لا يصدق به إلا من فيه حياة، و"ما لجرع بيت إيلام" (2)! # والمقصود أن أعظم لذات الدنيا هو السبب الموصل إلى أعظم لذة في الآخرة. # و ### | لذات الدنيا ثلاثة أنواع: # فأعظمها وأكملها: ما أوصل إلى لذة الآخرة. ويثاب الإنسان على هذه اللذة ~~أتم ثواب. ولهذا كان المؤمن يثاب على ما يقصد به وجه الله من أكله وشربه ~~ولبسه ونكاحه، وشفاء غيظه بقهر (3) عدو الله وعدوه، فكيف بلذة إيمانه ~~ومعرفته بالله، ومحبته له (4)، وشوقه إلى لقائه، وطمعه في رؤية وجهه الكريم ~~في جنات النعيم؟ # النوع الثاني: لذة تمنع لذة الآخرة، وتعقب آلاما أعظم منها، كلذة الذين ~~اتخذوا من دون الله أوثانا مودة بينهم في الحياة الدنيا، يحبونهم كحب الله، ~~ويستمتعون بعضهم ببعض، كما يقولون في الآخرة إذا لقوا ربهم: {ربنا استمتع ~~بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت [121/أ] لنا قال النار مثواكم خالدين ~~فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128) وكذلك نولي بعض PageV01P546 #
# الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (129)} [الأنعام:128 - 129]، ولذة أصحاب ~~الفواحش والظلم والبغي في الأرض والعلو بغير الحق. # وهذه اللذات في الحقيقة إنما هي استدراج من الله لهم، ليذيقهم بها أعظم ~~الآلام، ويحرمهم بها أكمل اللذات، بمنزلة من قدم لغيره طعاما لذيذا مسموما ms259 ~~يستدرجه به (1) إلى هلاكه. # قال تعالى: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (182) وأملي لهم إن كيدي متين ~~(183)} [الأعراف: 182، 183]. # قال بعض السلف في تفسيرها: كلما أحدثوا ذنبا أحدثنا لهم نعمة (2). {حتى ~~إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) فقطع دابر القوم ~~الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين (45)} [الأنعام: 44، 45]. # وقال تعالى في أصحاب (3) هذه اللذات: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال ~~وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (56)} [المؤمنون: 55، 56]. # وقال في حقهم: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم ~~بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (55)} [التوبة: 55]. # وهذه اللذات تنقلب آخرا آلاما من أعظم الآلام، كما قيل: PageV01P547 #
# مآرب كانت في الحياة لأهلها ... عذابا فصارت في المعاد عذابا (1) # النوع الثالث: لذة لا تعقب لذة في دار القرار ولا ألما، ولا تمنع أصل لذة ~~دار القرار، وإن منعت كمالها (2). وهذه ### | اللذة المباحة # التي لا يستعان بها على لذة الآخرة. فهذه زمانها يسير، ليس لتمتع النفس ~~بها قدر، ولابد أن تشغل (3) عما هو خير وأنفع منها (4). # وهذا القسم هو الذي عناه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "كل لهو ~~يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته؛ ~~فإنهن من الحق" (5). # فما أعان على اللذة المطلوبة لذاتها فهو حق، وما لم يعن عليها فهو باطل ~~(6). # فصل # فهذا الحب لا ينكر ولا يذم، بل هو أحمد أنواع الحب (7). . وكذلك ~~PageV01P548 #
# حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما نعني المحبة الخاصة، وهي التي ~~تشغل قلب المحب (1) وفكره وذكره لمحبوبه، [121/ ب] وإلا فكل مسلم في قلبه ~~محبة لله (2) ورسوله، لا يدخل في الإسلام إلا بها. والناس متفاوتون في ~~درجات هذه المحبة تفاوتا لا يحصيه إلا الله، فبين محبة الخليلين ومحبة ~~غيرهما ما بينهما. # فهذه المحبة التي تلطف الروح (3)، وتخفف أثقال التكاليف، وتسخي البخيل، ~~وتشجع الجبان، وتصفي الذهن، وتروض النفس، وتطيب الحياة على الحقيقة، لا ~~محبة الصور المحرمة. وإذا بليت السرائر يوم اللقاء كانت سريرة ms260 صاحبها من ~~خير (4) سرائر العباد، كما قيل: # سيبقى لكم في مضمر القلب والحشا ... سريرة حب يوم تبلى السرائر (5) # وهذه المحبة التي تنور الوجه، وتشرح الصدر، وتحيي القلب. # وكذلك ### | محبة كلام الله # ، فإنه من علامة محبة الله. وإذا أردت أن تعلم (6) ما عندك وعند غيرك من ~~محبة الله، فانظر إلى محبة القرآن (7) من PageV01P549 #
# قلبك، والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب (1) الملاهي والغناء المطرب ~~(2) بسماعهم، فإنه من المعلوم أن من أحب محبوبا كان كلامه وحديثه أحب شيء ~~إليه، كما قيل: # إن كنت تزعم حبي ... فلم هجرت كتابي # أما تأملت ما في ... ه من لذيذ خطابي (3) # وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: لو طهرت قلوبنا لما شبعت (4) من كلام ~~الله (5). # وكيف يشبع المحب من كلام محبوبه، وهو غاية مطلوبه! وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يوما لعبد الله بن مسعود: "اقرأ علي"، فقال: أقرأ عليك، وعليك ~~أنزل؟ فقال: "إني أحب أن أسمعه من غيري". # فاستفتح، وقرأ سورة النساء، حتى إذا بلغ قوله: {فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41)} [النساء: 41] قال: "حسبك". فرفع ~~رأسه، فإذا عينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تذرفان من البكاء" (6). ~~PageV01P550 #
# وكان الصحابة إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى يقولون: يا أبا موسى ذكرنا ~~ربنا، فيقرأ وهم يستمعون (1). # فلمحبي القرآن من الوجد والذوق واللذة [122/ أ] والحلاوة والسرور أضعاف ~~ما لمحبي السماع الشيطاني. فإذا رأيت الرجل: ذوقه وجده وطربه ونشوته (2) في ~~سماع الأبيات دون سماع الآيات، وفي سماع الألحان دون سماع القرآن، وهو كما ~~قيل: # تقرا عليك الختمه (3) ... وأنت جامد كالحجر # وبيت من الشعر ينشد (4) ... تميل كالنشوان (5) PageV01P551 #
# فهذا من أقوى الأدلة عدى فراغ قلبه من محبة الله وكلامه، وتعلقه بمحبة ~~سماع الشيطان؛ والمغرور يعتقد أنه على شيء! # ففي محبة الله وكلامه ورسوله أضعاف أضعاف ما ذكر (1) السائل من فوائد ~~العشق ومنافعه، بل لا حب على الحقيقة أنفع منه؛ وكل حب سوى ذلك باطل، إن لم ~~يعن ms261 عليه ويشوق المحب (2) إليه. # فصل # وأما محبة النسوان فلا لوم على المحب فيها، بل هي من كماله (3). # وقد امتن الله سبحانه بها (4) على عباده فقال: {ومن آياته أن خلق لكم من ~~أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون (21)} [الروم: 21]. فجعل المرأة سكنا للرجل يسكن قلبه إليها، وجعل ~~بينهما خالص الحب، وهو المودة المقترنة بالرحمة. # وقد قال تعالى عقيب ذكره ما أحل لنا من النساء وما حرم منهن: {يريد الله ~~ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (26) ~~والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ~~(27) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28)} [النساء: 26 - 28]. # ذكر سفيان الثوري في تفسيره عن ابن طاووس عن أبيه: PageV01P552 #
# قال (1): إذا نظر إلى النساء لم يصبر (2). # وفي الصحيح من حديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه رأى ~~امرأة، فأتى زينب، فقضى حاجته منها، وقال: "إن المرأة تقبل في صورة شيطان، ~~وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله، فإن ذلك ~~يرد ما في نفسه" (3). # ففي هذا الحديث عدة فوائد: # منها: الإرشاد إلى التسلي عن المطلوب بجنسه، كما يقوم الطعام (4) مقام ~~الطعام [122/ ب]، والثوب مقام الثوب. # ومنها: الأمر بمداواة الإعجاب بالمرأة المورث لشهوتها بأنفع الأدوية، وهو ~~قضاء وطره من أهله، وذلك ينقض شهوته لها. # وهذا كما أرشد المتحابين إلى النكاح، كما في سنن ابن ماجه (5) ~~PageV01P553 #
# مرفوعا: "لم ير للمتحابين مثل النكاح". # فنكاح المعشوقة هو دواء العشق الذي جعله الله (1) دواءه شرعا وقدرا. وبه ~~تداوى داود - صلى الله عليه وسلم -، ولم يرتكب نبي الله مرما، وإنما تزوج ~~المرأة، وضمها إلى نسائه لمحبته لها، وكانت توبته بحسب منزلته عند الله ~~وعلؤ مرتبته. ولا يليق بنا المزيد على هذا (2). # وأما قصة زينب بنت جحش، فزيد كان قد عزم على طلاقها ولم توافقه، وكان ~~يستشير النبي - صلى الله عليه وسلم - في فراقها ms262 (3)، وهو يأمره بإمساكها، ~~فعلم PageV01P554 #
# رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه مفارقها ولا بد، فأخفى في نفسه أن ~~يتزوجها إذا فارقها زيد، وخشي مقالة الناس أن رسول الله (1) - صلى الله ~~عليه وسلم - تزوج زوجة ابنه، فإنه كان قد تبنى زيدا قبل النبوة، والرب ~~تعالى يريد أن يشرع شرعا عاما (2) فيه مصالح عباده. فلما طلقها زيد، وانقضت ~~عدتها منه (3)، أرسله إليها يخطبها لنفسه. فجاء زيد، واستدبر الباب بظهره، ~~وعظمت في صدره لما ذكرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فناداها من ~~وراء الباب: يا زينب إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطبك. فقالت: ما ~~أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، وقامت إلى محرابها، فصلت. فتولى الله عز ~~وجل نكاحها من رسوله (4) بنفسه، وعقد النكاح له فوق عرشه، وجاء الوحي بذلك: ~~{فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها} [الأحزاب: 37]، فقام رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لوقته، فدخل عليها (5). فكانت (6) تفخر على نساء النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بذلك (7)، وتقول: أنتن زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من ~~فوق سبع سماوات (8)! # فهذه قصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع زينب (9). PageV01P555 #
# [123/ أ] ولا ريب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد حبب إليه ~~النساء (1)، كما في الصحيح من حديث أنس عنه - صلى الله عليه وسلم -: "حبب ~~إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة" (2). # هذا لفظ الحديث، لا ما يرويه بعضهم (3):"حبب إلي من دنياكم ثلاث ... ". ~~PageV01P556 #
# زاد الإمام أحمد في كتاب الزهد (1) في هذا الحديث: "أصبر عن الطعام ~~والشراب، ولا أصبر عنهن". # وقد حسده أعداء الله اليهود على ذلك، فقالوا: ما همه إلا النكاح، فرد ~~الله سبحانه عن رسوله، ونافح عنه، فقال: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم ~~الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ~~(54)} [النساء: 54] (2). # وهذا خليل الله إبراهيم إمام الحنفاء كان عنده سارة أجمل نساء العالمين، ~~وأحب هاجر، وتسرى بها. # وهذا داود كان عنده تسعة ms263 وتسعون امرأة، فأحب تلك المرأة، وتزوج بها، فكمل ~~المائة (3). PageV01P557 #
# وهذا سليمان ابنه كان يطوف في الليلة على تسعين امرأة (1). # وقد سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أحب الناس إليه، فقال: ~~"عائشة (2). # وقال عن خديجة (3): "إني رزقت حبها" (4). # فمحبة النساء من كمال الإنسان. قال ابن عباس: خير هذه الأمة أكثرها نساء ~~(5). # وقد ذكر الإمام أحمد (6) أن عبد الله بن عمر وقع في سهمه يوم PageV01P558 #
# جلولاء جارية كأن عنقها إبريق فضة. قال عبد الله: فما صبرت أن قبلتها، ~~والناس ينظرون. # وبهذا احتج الإمام أحمد على جواز الاستمتاع من المسبية قبل الاستبراء ~~بغير الوطء، بخلاف الأمة المشتراة. والفرق بينهما أنه لا يتوهم انفساخ ~~الملك في المسبية، بخلاف المشتراة فقد ينفسخ فيها (1) # الملك، فيكون مستمتعا بأمة غيره (2). # وقد شفع النبي - صلى الله عليه وسلم - لعاشق أن تواصله معشوقته (3) بأن ~~تتزوج به، فأبت. وذلك في قصة مغيث وبريرة، فإنه رآه يمشي خلفها بعد فراقها، ~~ودموعه تجري [123/ ب] على خديه، فقال لها: "لو راجعتيه"! (4) فقالت: ~~أتأمرني يا رسول الله؟ قال: "لا، إنما أشفع". فقالت (5): لا حاجة لي به. ~~فقال لعمه: "يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة، PageV01P559 #
# ومن بغضها له؟ " (1) ولم ينكر عليه حبها، وإن كانت قد بانت منه، فإن هذا ~~ما لا يملكه (2). # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسوي بين نسائه في القسم، ويقول: ~~"اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك" (3). يعني الحب. # وقد قال تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} [النساء: ~~129]، يعني: في الحب والجماع. PageV01P560 #
# ولم يزل الخلفاء الراشدون والرحماء من الناس يشفعون في العشاق إلى ~~معشوقهم الجائز وصلهن، كما تقدم من فعل أبي بكر وعثمان. # وكذلك علي أتي بغلام من العرب وجد في دار قوم بالليل، فقال له: ما قصتك؟ ~~قال: لست بسارق، ولكني أصدقك: # تعلقت في دار الرياحي خودة ... يذل لها من حسن منظرها البدر (1) # لها في بنات الروم حسن ms264 ومنظر ... إذا افتخرت بالحسن جانبها الفخر (2) # فلما طرقت الدار من حر مهجة ... أتيت وفيها من توقدها الجمر (3) # تبادر أهل الدار لي ثم صيحوا ... هو اللص محتوما له القتل والأسر (4) # فلما سمع علي رضي الله عنه شعره رق له، وقال للمهلب بن رياح (5): اسمح له ~~بها، فقال: يا أمير المؤمنين سله من هو؟ فقال: PageV01P561 #
# النهاس بن عيينة (1). فقال: خذها، فهي لك (2). # واشترى معاوية جارية، فاعجب بها إعجابا شديدا، فسمعها يوما تنشد أبياتا ~~منها: # وفارقته كالغصن يهتز في الثرى ... طريرا وسيما بعد ما طر شاربه # فسألها، فأخبرته أنها تحب سيدها، فردها إليه، وفي قلبه منها (3). ~~PageV01P562 #
# وذكر الزمخشري في ربيعه (1) أن زبيدة (2) قرأت في طريق مكة على حائط: # أما في عباد الله أو في إمائه ... كريم يجلي الهم عن ذاهب العقل له مقلة ~~أما الماقي قريحة ... وأما الحشا فالنار منه على رجل فنذرت أن تحتال ~~لقائلهما إن عرفته حتى تجمع بينه وبين من يحبه. # فبينا هي بالمزدلفة إذ سمعت من ينشد البيتين، فطلبته، فزعم أنه قالهما في ~~ابنة عم له، نذر أهلها أن لا يزوجوها منه. فوجهت إلى الحي، ومازالت تبذل ~~لهم المال حتى زوجوها منه؛ وإذا المرأة أعشق له منه # لها. فكانت تعده من أعظم حسناتها، وتقول: ما أنا بشيء أسر مني من جمعي ~~بين ذلك الفتى والفتاة. # قال الخرائطي (3): وكان لسليمان بن عبد الملك غلام وجارية يتحابان، فكتب ~~الغلام لها يوما: # ولقد رأيتك في المنام كأنما ... عاطيتني من ريق فيك البارد # وكأن كفك في يدي وكأننا ... بتنا جميعا في فراش واحد # فطفقت يومي متراقدا ... لأراك في نومي ولست براقد (4) PageV01P563 #
# فأجابته الجارية؟ # خيرا رأيت وكل ما أبصرته ... ستناله مني برغم الحاسد # إني لأرجو أن تكون معانقي ... فتبيت فوق ثدي ناهد # وأراك بين خلاخلي ودمالجي ... وأراك فوق ترائبي ومجاسدي (1) # فبلغ ذلك سليمان، فانكحها الغلام، وأحسن حالهما (2)، على فرط غيرته. # وقال جامع بن مرخية (3): # سألت سعيد بن المسيب مفتي ال ... مدينة هل في حب دهماء ms265 من وزر (4) # فقال سعيد بن المسيب إنما ... تلام على ما تستطيع من الأمر (5) ~~PageV01P564 #
# فقال سعيد: والله ما سألني أحد عن هذا، ولو سألني ما كنت (1) أجيب إلا به ~~(2). # فعشق النساء (3) ثلاثة أقسام: # عشق هو قربة وطاعة، وهو عشق الرجل امرأته وجاريته. وهذا العشق نافع فإنه ~~أدعى إلى المقاصد التي شرع الله لها النكاح، وأكف للبصر والقلب عن التطلع ~~(4) إلى غير أهله. ولهذا يحمد هذا العاشق عند الله وعند الناس. # وعشق هو مقت من الله، وبعد من رحمته، وهو أضر شيء على العبد في دينه ~~ودنياه؛ وهو عشق المردان. فما ابتلي [124/ ب] به (5) إلا من سقط من عين ~~الله، وطرده عن بابه (6)، وأبعد قلبه عنه. وهو من أعظم الحجب القاطعة عن ~~الله، كما قال بعض السلف: إذا سقط العبد من عين # الله ابتلاه بمحبة المردان. PageV01P565 #
# وهذه المحبة هي (1) التي جلبت على قوم لوط ما جلبت، فما اتوا إلا من هذا ~~العشق (2) قال تعالى {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72)} [الحجر: 72]. # ودواء هذا الداء الدوي: الاستعانة (3) بمقلب القلوب، وصدق اللجأ إليه، ~~والاشتغال بذكره، والتعوض بحبه وقربه، والتفكر في الألم الذي يعقبه هذا ~~العشق، واللذة التي تفوته به؛ فيترتب عليه فوات أعظم محبوب، وحصول أعظم ~~مكروه. فإن أقدمت نفسه على هذا وآثرته، فليكبر عليها تكبيره على الجنازة، ~~وليعلم أن البلاء قد أحاط به! # والقسم الثالث من العشق: عشق مباح لا يملك، كعشق من وصفت له امرأة جميلة، ~~أو رآها فجأة من غير قصد، فأورثه ذلك عشقا لها، ولم يحدث له ذلك العشق ~~معصية؛ فهذا لا يملك ولا يعاقب عليه. والأنفع له مدافعته، والاشتغال بما هو ~~أنفع له. والواجب على هذا أن يكتم، ويعف، ويصبر على بلواه. فيثيبه الله على ~~ذلك، ويعوضه على صبره لله، وعفته، وتركه طاعة هواه، وإيثار مرضاة الله وما ~~عنده. PageV01P566 #
# فصل # والعشاق ثلاثة أقسام (1): # منهم من يعشق الجمال المطلق. # ومنهم من يعشق الجمال المقيد، سواء طمع بوصاله أو لم يطمع. # ومنهم من ms266 لا يعشق إلا من يطمع في الوصول إليه. # وبين هذه الأنواع تفاوت في القوة والضعف. فعاشق الجمال المطلق قلبه (2) ~~يهيم في كل واد، وله في كل صورة جميلة مراد! # يوما بحزوى ويوما بالعذيب ويو ... ما بالعقيق ويوما بالخليصاء # وتارة تنتحي نجدا وآونة ... شعب العقيق وطورا قصر تيماء (3) # فهذا عشقه واسع، ولكنه غير ثابت كثير التنقل (4). # يهيم بهذا ثم يعشق غيره ... ويسلاهم من وقته حين يصبح (5) PageV01P567 #
# وعاشق الجمال المقيد أثبت على معشوقه، وأدوم محبة له. ومحبته أقوى من ~~[125/ أ] محبة الأول لاجتماعها في واحد، وتقسم الأولى، ولكن يضعفها عدم ~~الطمع في الوصال. # وعاشق الجمال الذي يطمع في وصاله أعقل العشاف وأعرفهم، وحبه أقوى لأن ~~الطمع يمده ويقويه. # فصل # وأما حديث "من عشق فعف (1) "، فهذا يرويه سويد بن سعيد، فقد أنكره حفاظ ~~الإسلام عليه (2). # قال ابن عدي في كامله (3): هذا الحديث أحد ما أنكر على سويد. # وكذا ذكره البيهقي، وابن طاهر في الذخيرة (4)، والتذكرة (5). # وأبو الفرج بن الجوزي، وعده في الموضوعات (6). PageV01P568 #
# وأنكره أبو عبد الله الحاكم (1) -على تساهله- وقال: أنا أتعجب منه (2). # قلت: والصواب في الحديث أنه من كلام ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا ~~عليه، فغلط سويد في رفعه (3). قال محمد بن خلف بن # المرزبان (4): حدثنا أبو بكر الأزرق، عن سويد به، فعاتبته على ذلك، فأسقط ~~ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -. فكان (5) بعد ذلك يسأل (6) عنه، فلا ~~يرفعه (7). # ولا يشبه هذا كلام النبوة. # وأما رواية الخطيب (8) له عن الأزهري: حدثنا المعافى بن زكريا، ~~PageV01P569 #
# حدثنا قطبة بن الفضل، حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق، حدثنا سويد، حدثنا ~~ابن مسهر (1)، عن هشام بن عروة (2)، عن أبيه، عن عائشة مرفوعاة فمن أبين ~~الخطأ. ولا يحتمل (3) هشام عن أبيه عن عائشة (4) مثل هذا عند من شم أدنى ~~رائحة من الحديث (5). # ونحن نشهد الله أن عائشة ما حدثت بهذا عن رسول الله (6) - صلى الله عليه ~~وسلم - قط، ولا حدث به عنها عروة، ولا حدث به عنه هشام ms267 قط. # وأما حديث ابن الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن ابن أبي نجيح، عن ~~مجاهد، عن ابن عباس مرفوعاة [125/ ب] فكذب على ابن الماجشون، فإنه لم يحدث ~~(7) بهذا ولا حدث به عنه الزبير بن بكار، وإنما هذا من تركيب بعض الوضاعين. # ويا سبحان الله! كيف يحتمل هذا الإسناد مثل هذا المتن؟ فقبح الله ~~PageV01P570 #
# الوضاعين! # وقد ذكره أبو الفرج (1) من حديث محمد بن جعفر بن سهل، حدثنا يعقوب بن ~~عيسى من ولد عبد الرحمن (2) بن عوف، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مرفوعا. # وهذا غلط قبيح، فإن محمد بن جعفر هذا هو الخرائطي، ووفاته سنة سبع وعشرين ~~وثلاث مائة، فمحال أن يدرك شيخه يعقوب ابن أبي نجيح، لا سيما وقد رواه في ~~كتاب الاعتلال (3) عن يعقوب هذا، عن الزبير، عن عبد الملك، عن عبد العزيز، ~~عن ابن أبي نجيح. # والخرائطي هذا (4) مشهور بالضعف في الرواية، ذكره أبو الفرج (5) في كتاب ~~الضعفاء (6). # وكلام حفاظ الإسلام في إنكار هذا الحديث هو الميزان، وإليهم PageV01P571 #
# يرجع في هذا الشأن. وما صححه، بل ولا حسنه أحد يعول في علم الحديث عليه، ~~ويرجع في التصحيح (1) إليه؛ ولا من عادته التساهل والتسامح، فإنه لم يطنف ~~(2) نفسه له. ويكفي أن ابن طاهر الذي يتساهل في أحاديث التصوف، ويروي منها ~~الغث والسمين والمنخنقة والموقودة قد أنكره، وحكم ببطلانه (3). # نعم، ابن عباس غير مستنكر ذلك عنه. وقد ذكر أبو محمد ابن حزم عنه أنه سئل ~~عن الميت عشقا، فقال: قتيل الهوى، لا عقل ولا قود! (4) ورفع إليه بعرفات ~~شاب قد صار (5) كالفرخ، فقال: ما شأنه؟ قالوا: العشق. فجعل عامة يومه ~~يستعيذ من العشق (6). فهذا نفس من قال: من عشق وعف وكتم ومات، فهو شهيد. # ومما يوضح ذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم - عد الشهداء في الصحيح، ~~فذكر المقتول في الجهاد، والمبطون، والحرق، والنفساء يقتلها ولدها، والغرق، ~~وصاحب ذات الجنب (7)، ولم يعد منهم العاشق يقتله العشق. PageV01P572 #
# وحسب قتيل العشق أن يصح ms268 (1) له هذا الأثر عن ابن عباس (2) على أنه لا ~~يدخل تحته حتى يصبر لله، ويعف لله، ويكتم لله. وهذا لا يكون إلا مع قدرته ~~على معشوقه، وإيثار محبة الله وخوفه ورضاه. # وهذا من أحق من دخل تحت قوله: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ~~(40) فإن الجنة هي المأوى (41)} [النازعات: 40، 41] وتحت قوله: {ولمن خاف ~~مقام ربه جنتان (46)} [الرحمن: 46]. # فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا ممن آثر حبه على هواه، ~~وابتغى بذلك [126/ أ] قربه ورضاه (3). PageV01P573 ms269