######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000060 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن القيم #META# 010.AuthorNAME :: أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي #META# 011.AuthorBORN :: 691 هـ #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الفوائد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الطرائف والقصص :: كتب الأخلاق والسلوك :: مجموعة ابن القيم :: مجموعة ابن القيم في التزكية والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الفوائد #META# 030.LibURI :: JK_000060 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1393 - 1973 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الشيخ محي الدين السنة قامع البدعة أبو عبد الله الشهير بابن قيم ~~الجوزية رحمه الله ورضى عنه # | قاعدة جليلة اذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه # والق سمعك واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه اليه فانه خاطب ~~منه لك على لسان رسوله قال تعالي @QB@ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ~~ألقى السمع وهو شهيد @QE@ وذلك ان تمام التأثير لما كان موقوفا على مؤثر ~~مقتض ومحل قابل وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه تضمنت الآية ~~بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه وأدله على المراد فقوله @QB@ إن في ذلك ~~لذكرى @QE@ اشار إلى ما تقدم من أول السورة إلى ههنا وهذا هو المؤثر وقوله ~~@QB@ لمن كان له قلب @QE@ فهذا هو المحل القابل والمراد به القلب الحي الذي ~~يعقل عن الله كما قال تعالى @QB@ إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان ~~حيا @QE@ أي حي القلب وقوله @QB@ أو ألقى السمع @QE@ أي وجه سمعه وأصغى ~~حاسة سمعه إلى ما يقال له وهذا شرط التأثر بالكلام وقوله @QB@ وهو شهيد ~~@QE@ أي شاهد القلب حاضر غير غائب قال ابن قتيبة استمع كتاب الله وهو شاهد ~~القلب والفهم ليس بغافل ولا ساه وهو اشارة إلى المانع من حصول التأثير وهو ~~سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له والنظر فيه وتأمله فاذا حصل المؤثر ~~وهو القرآن والمحل القابل وهو القلب الحي ووجد الشرط وهو الاصغاء وانتفى ~~المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه الي شيء آخر ~~حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر PageV01P003 # فان قيل اذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه فما وجه دخول أداة أو في ~~قوله # @QB@ أو ألقى السمع @QE@ والموضع موضع واو الجمع لا موضع أو التي هي لأحد ~~الشيئين قيل هذا سؤال جيد والجواب عنه أن يقال خرج الكلام بأو باعتبار حال ~~المخاطب المدعو فأن من الناس من يكون حي القلب واعيه تام الفطرة فإذا فكر ~~بقلبه ms001 وجال بفكره دله قلبه وعقله على صحة القرآن وأنه الحق وشهد قلبه بما ~~أخبر به القرآن فكان ورود القرآن على قلبه نورا على نور الفطرة وهذا وصف ~~الذين قيل فيهم @QB@ ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ~~@QE@ وقال في حقهم الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ~~المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا ~~شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله ~~لنوره من يشاء فهذا نور الفطرة على نور الوحي وهذا حال صاحب القلب الحي ~~الواعي قال ابن القيم وقد ذكرنا ما تضمنت هذه الآية من الأسرار والعبر في ~~كتاب اجتماع الجيوش الاسلامية على غزو المعطلة والجهمية فصاحب القلب يجمع ~~بين قلبه وبين معاني القرآن فيجدها كأنها قد كتبت فيه فهو يقرأها عن ظهر ~~قلب ومن الناس من لا يكون تام الاستعداد واعي القلب كامل الحياة فيحتاج إلى ~~شاهد يميز له بين الحق والباطل ولم تبلغ حياة قلبه ونوره وزكاء فطرته مبلغ ~~صاحب القلب الحي الواعي فطريق حصول هدايته ان يفرغ سمعه للكلام وقلبه ~~لتأمله والتفكير فيه وتعقل معانيه فيعلم حينئذ انه الحق فالأول حال من رأى ~~بعينه ما دعى اليه وأخبر به والثاني حال من علم صدق المخبر وتيقنه وقال ~~يكفيني خبره فهو في مقام الايمان والأول في مقام الاحسان هذا قد وصل إلى ~~علم اليقين وترقي قلبه منه إلى فنزلة عين اليقين وذاك معه التصديق الجازم ~~الذي خرج به من الكفر ودخل به في الاسلام فعين اليقين نوعان نوع في الدنيا ~~ونوع في الآخرة فالحاصل في الدنيا نسبته إلى القلب كنسبة الشاهد ~~PageV01P004 # إلى العين وما أخبرت به الرسل من الغيب يعاين في الآخرة بالابصار وفي ~~لدنيا بالبصائر فهو عين يقين في المرتبتين # | فصل وقد جمعت هذه السورة من أصول الايمان ما يكفي ويشفي ويغني عن # كلام أهل الكلام ومعقول أهل المعقول فانها تضمنت تقرير المبدأ والمعاد ~~والتوحيد والنبوة ms002 والايمان بالملائكة وانقسام الناس إلى هالك شقي وفائز ~~سعيد وأوصاف هؤلاء وهؤلاء وتضمنت اثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عما يضاد ~~كمله من النقائص والعيوب وذكر فيها القيامتين الصغرى والكبرى والعالمين ~~الأكبر وهو عالم الآخرة والأصغر وهو عالم الدنيا وذكر فيها خلق الانسان ~~ووفاته واعادته وحاله عند وفاته ويوم معاده واحاطته سبحانه به من كل وجه ~~حتى علمه بوساوس نفسه واقامة الحفظة عليه يحصون عليه كل لفظة يتكلم بها ~~وانه يوافيه يوم القيامة ومعه سائق يسوقه اليه وشاهد يشهد عليه فاذا أحضره ~~السائق قال @QB@ هذا ما لدي عتيد @QE@ أي هذا الذي أمرت باحضاره قد احضرته ~~فيقال عند احضاره @QB@ ألقيا في جهنم كل كفار عنيد @QE@ كما يحضر الجاني ~~الي حضرة السلطان فيقال هذا فلان قد أحضرته فيقول اذهبوا به إلى السجن ~~وعاقبوه بما يستحقه # وتأمل كيف دلت السورة صريحا على أن الله سبحانه يعيد هذا الجسد بعينه ~~الذي أطاع وعصى فينعمه ويعذبه كما ينعم الروح التي آمنت بعينها ويعذب التي ~~كفرت بعينها لا انه سبحانه يخلق روحا أخرى غير هذه فينعمها ويعذبها كما ~~قاله من لم يعرف المعاد الذي أخبرت به الرسل حيث زعم ان الله سبحانه يخلق ~~بدنا غير هذا البدن من كل وجه عليه يقع النعيم والعذاب والروح عنده عرض من ~~أعراض البدن فيخلق روحا غير هذه الروح وبدنا غير هذا البدن PageV01P005 ~~وهذا غير ما اتفقت عليه الرسل ودل عليه القرآن والسنة وسائر كتب الله تعالي ~~وهذا في الحقيقة انكار للمعاد وموافقة لقول من أنكره من المكذبين فانهم لم ~~ينكروا قدرة الله علي خلق أجسام أخر غير هذه الأجسام يعذبها وينعمها كيف ~~وهم يشهدون النوع الانساني يخلق شيئا بعد شيء فكل وقت يخلق الله سبحانه ~~أجساما وأرواحا غير الأجسام التي فنيت فكيف يتعجبون من شيء يشاهدونه عيانا ~~وانما تعجبوا من عودهم باعيانهم بعد أن مزقهم البلي وصاروا عظاما ورفاتا ~~فتعجبوا ان يكونوا هم باعيانهم مبعوثين للجزاء ولهذا @QB@ قالوا أئذا متنا ~~وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون @QE@ وقالوا @QB@ ذلك رجع بعيد @QE@ ولو ms003 ~~كان الجزاء انما هو لاجسام غير هذه ل يكن ذلك بعثا ولا رجعا بل يكون ابتداء ~~ولم يكن لقوله @QB@ قد علمنا ما تنقص الأرض منهم @QE@ كبير معني فأنه ~~سبحانه جعل هذا جوابا لسؤال مقدر وهو انه يميز تلك الأجزاء التي اختلطت ~~بالارض واستحالت الي العناصر بحيث لا تتميز فأخبر سبحانه انه قد علم ما ~~تنقصه الأرض من لحومهم وعظامهم وأشعارهم وانه كما هو عالم بتلك الأجزاء فهو ~~قادر على تحصيلها وجمعها بعد تفرقها وتأليفها خلقا جديدا وهو سبحانه يقرر ~~المعاد بذكر كمال علمه وكمال قدرته وكمال حكمته فان شبه المنكرين له كلها ~~تعود إلى ثلاثة أنواع أحدها اختلاط اجزائهم بأجزاء الأرض علي وجه لا يتميز ~~ولا يحصل معها تميز شخص عن شخص الثاني ان القدرة لا تتعلق بذلك الثالث ان ~~ذلك أمر لا فائدة فيه أو انما الحكمة اقتضت دوام هذا النوع الانساني شيئا ~~بعد شيء هكذا ابدا كلما مات جيل خلفه جيل آخر فأما ان يميت النوع الانساني ~~كله ثم يحيه بعد ذلك فلا حكمة في ذلك فجاءت براهين المعاد في القرآن مبينة ~~على ثلاثة أصول أحدها تقرير كمال علم الرب سبحانه كما قال في جواب من قال ~~من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ~~وقال @QB@ وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل إن ربك هو الخلاق العليم ~~@QE@ وقال @QB@ قد علمنا @QE@ PageV01P006 @QB@ ما تنقص الأرض منهم @QE@ ~~والثاني تقرير كمال قدرته كقوله أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم وقوله @QB@ بلى قادرين على أن نسوي بنانه @QE@ وقوله ذلك بأن ~~الله هو الحق وانه يحي الموتى وانه على كل شيء قدير ويجمع سبحانه بين ~~الأمرين كما في قوله أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق ~~مثلهم بلى وهو الخلاق العليم الثالث كمال حكمته كقوله وما خلقنا السموات ~~والأرض وما بينهما لاعبين وقوله @QB@ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما ~~باطلا @QE@ وقوله @QB@ أيحسب الإنسان أن يترك سدى @QE@ وقوله @QB@ أفحسبتم ~~أنما ms004 خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق @QE@ ~~وقوله @QB@ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون @QE@ ولهذا كان الصواب ان ~~المعاد معلوم بالعقل مع الشرع وان كمال الرب تعالي وكمال اسمائه وصفاته ~~تقتضيه وتوجبه وأنه منزه عما يقوله منكروه كما ينزه كماله عن سائر العيوب ~~والنقائص ثم أخبر سبحانه أن المنكرين لذلك لما كذبوا بالحق اختلط عليهم ~~أمرهم @QB@ فهم في أمر مريج @QE@ مختلط لا يحصلون منه على شيء ثم دعاهم الي ~~النظر في العالم العلوي وبنائه وارتفاعه واستوائه وحسنه والتئامه ثم إلى ~~العالم السفلي وهو الأرض وكيف بسطها وهيأها بالبسط لما يراد منها وثبتها ~~بالجبال وأودع فيها المنافع وأنبت فيها من كل صنف حسن من أصناف النبات على ~~اختلاف أشكاله وألوانه ومقاديره ومنافعه وصفاته وأن ذلك تبصرة اذا تأملها ~~العبد المنيب وتبصر بها تذكر ما دلت عليه مما اخبرت به الرسل من التوحيد ~~والمعاد فالناظر فيها يتبصر أولا ثم يتذكر ثانيا وان هذا لا يحصل الا لعبد ~~منيب الي الله بقلبه وجوارحه ثم دعاهم الي التفكر في مادة أرزاقهم وأقواتهم ~~وملابسهم ومراكبهم وجناتهم وهو الماء الذي أنزله من السماء وبارك فيه حتي ~~أنبت به جنات مختلفة الثمار والفواكه ما بين أبيض وأسود وأحمر وأصفر وحلو ~~وحامض وبين ذلك مع اختلاف منابعها وتنوع أجناسها وأنبت به PageV01P007 ~~الحبوب كلها علي تنوعها واختلاف منافعها وصفاتها واشكالها ومقاديرها ثم ~~أفرد النخل لما فيه من موضع العبرة والدلالة التي لا تخفي علي المتأمل ~~وأحيا به الأرض بعد موتها ثم قال كذلك الخروج أي مثل هذا الاخراج من الأرض ~~الفواكه والثمار والأقوات والحبوب خروجكم من الأرض بعد ما غيبتم فيها وقد ~~ذكرنا هذا القياس وامثاله من المقاييس الواقعة في القرآن في كتابنا المعالم ~~وبينا بعض ما فيها من الاسرار والعبر ثم انتقل سبحانه الي تقرير النبوة ~~باحسن تقرير وأوجر لفظ وأبعده عن كل شبهه وشك فأخبر انه ارسل إلى قوم نوح ~~وعاد وثمود وقوم ms005 لوط وقوم فرعون رسلا فكذبوهم فاهلكهم بأنواع الهلاك وصدق ~~فيهم وعيده الذي أو عدتهم به رسله ان لم يؤمنوا وهذا تقرير لنبوتهم ولنبوة ~~من أخبر بذلك عنهم من غير أن يتعلم ذلك من معلم ولا قرأه في كتاب بل أخبر ~~به إخبارا مفصلا مطابقا لما عند أهل الكتاب ولا يرد على هذا الا سؤال البهت ~~والمكابرة على جحد الضروريات بانه لم يكن شيء من ذلك أو أن حوادث الدهر ~~ونكباته أصابتهم كما أصابت غيرهم وصاحب هذا السؤال يعلم من نفسه انه باهت ~~مباحث جاحد لما شهد به العيان وتناقلته القرن قرنا بعد قررن فانكاره بمنزلة ~~انكار وجود المشهورين من الملوك والعلماء والبلاد النائية ثم عاد سبحانه ~~الي تقرير المعاد بقوله @QB@ أفعيينا بالخلق الأول @QE@ يقال لكل من عجز عن ~~شيء عيى به وعيى فلان بهذا الأمر قال الشاعر # عيوا بأمرهم كما % عييت ببيضتها الحمامة ومنه قوله تعالى @QB@ ولم يعي ~~بخلقهن @QE@ قال ابن عباس يريد افعجزنا وكذلك قال مقاتل قلت هذا تفسير ~~بلازم اللفظة وحقيقتها أعم من ذلك فان العرب تقول أعياني أن اعرف كذا وعييت ~~به اذا لم تهتد له لوجهه ولم تقدر على معرفته وتحصيله فتقول أعياني دواؤك ~~اذا لم تهتد ولم تقف عليه ولازم هذا المعنى العجز عنه والبيت الذي استشهدوا ~~به شاهد لهذا المعنى فان الحمامة لم تعجز عن PageV01P008 بيضتها ولكن ~~أعيادها اذا أرادت أن تبيض أين ترمي بالبيضة فهي تدور وتجول حتى ترمي بها ~~فاذا باضت أعياها أين تحفظها وتودعها حتى لا تنال فهي تنقلها من مكان إلى ~~مكان وتحار أين تجعل مقرها كما هو حال من عي بأمره فلم يدر من أين يقصد له ~~ومن أين يأتيه وليس المراد بالاعياء في هذه الآية التعب كما يظنه من لم ~~يعرف تفسير القرآن بل هذا المعنى هو الذي نفاه سبحانه عن نفسه في آخر ~~السورة بقوله @QB@ وما مسنا من لغوب @QE@ ثم أخبر سبحانه انهم @QB@ في لبس ~~من خلق جديد @QE@ أي أنهم التبس عليهم اعادة الخلق خلقا جديدا ثم ms006 نبههم على ~~ما هو من أعظم آيات قدرته وشواهد ربوبيته وأدلة المعاد وهو خلق الانسان ~~فانه من أعظم الأدلة علي التوحيد والمعاد وأي دليل أوضح من تركيب هذه ~~الصورة الآدمية بأعضائها وقواها وصفاتها وما فيها من اللحم والعظم والعروق ~~والأعصاب والرباطات والمنافذ والآلات والعلوم والارادات والصناعات كل ذلك ~~من نطفة ماء فلو أنصف العبد ربه لاكتفى بفكره في نفسه واستدل بوجوده على ~~جميع ما أخبرت به الرسل عن الله واسمائه وصفاته ثم أخبر سبحانه عن احاطة ~~علمه به حتى علم وساوس نفسه ثم أخبر عن قربه إليه بالعلم والاحاطه وان ذلك ~~أدنى إليه من العرق الذي هو داخل بدنه فهو أقرب إليه بالقدرة عليه والعلم ~~به من ذلك العرق وقال شيخنا المراد بقول نحن أى ملائكتنا كما قال @QB@ فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه @QE@ اى اذا قرأه عليك رسولنا جبريل قال ويدل عليه قوله ~~@QB@ إذ يتلقى المتلقيان @QE@ فقيد القرب المذكور بتلقي الملكين ولو كان ~~المراد به قرب الذات لم يتقيد بوقت تلقي الملكين فلا في صحبه الآية لحلولى ~~ولا معطل ثم أخبر سبحانه أن على يمينه وشماله ملكين يكتبان أعماله وأقواله ~~ونبه باحصاء الاقوال وكتابتها على كتابة الاعمال التي هي أقل وقوعا وأعظم ~~أثرا من الاقوال وهي غايات الاقوال ونهايتها ثم أخبر عن القيامة الصغرى وهي ~~سكرة الموت وانها تجيء بالحق وهو لقاؤه سبحانه والقدوم عليه وعرض الروح ~~عليه والثواب والعقاب الذي تعجل PageV01P009 لها قبل القيامة الكبرى ثم ذكر ~~القيامة الكبرى بقول @QB@ ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد @QE@ ثم أخبر عن ~~أحوال الخلق فى هذا اليوم وان كل أحد يأتي الله سبحانه ذلك اليوم ومعه سائق ~~يسوقه وشهيد يشهد عليه وهذا غير شهادة جوارحه وغير شهادة الأرض التي كان ~~عليها له عليه وغير شهادة رسوله والمؤمنين فان الله سبحانه يستشهد على ~~العبد الحفظة والأنبياء والأمكنة التى عملوا عليها الخير والشر والجلود ~~التى عصوه بها ولا يحكم بينهم بمجرد علمه وهو أعدل العادلين وأحكم الحاكمين # ولهذا أخبر نبيه أنه يحكم بين الناس بما ms007 سمعه من اقرارهم وشهادة البينة ~~لا بمجرد علمه فكيف يسوغ لحاكم أن يحكم بمجرد علمه من غير بينة ولا اقرار ~~ثم أخبر سبحانه ان الانسان فى غفلة من هذا الشأن الذى هو حقيق بأن لا يغفل ~~عنه وان لا يزال على ذكره وباله وقال @QB@ في غفلة من هذا @QE@ ولم يقل عنه ~~كما قال @QB@ وإنهم لفي شك منه مريب @QE@ ولم يقل فى شك فيه وجاء هذا فى ~~المصدر وان لم يجىء فى الفعل فلا يقال غفلت منه ولا شككت منه كأن غفلته ~~وشكه ابتداء منه فهو مبدأ غفلته وشكه وهذا أبلغ من أن يقال فى غفلة عنه وشك ~~فيه فإنه جعل ما ينبغى أن يكون مبدأ التذكرة واليقين ومنشأهما مبدأ للغفلة ~~والشك ثم أخبر أن غطاء الغفلة والذهول يكشف عنه ذلك اليوم كما يكشف غطاء ~~النوم عن القلب فيستيقظ وعن العين فتنفتح فنسبه كشف هذا الغطاء عن العبد ~~عند المعاينة كنسبه كشف غطاء النوم عنه عند الانتباه ثم أخبر سبحانه أن ~~قرينه وهو الذى قرن به فى الدنيا من الملائكة يكتب عمله وقوله يقول لما ~~يحضره هذا الذى كنت وكلتنى به في الدنيا قد أحضرته وأتيتك به هذا قول مجاهد ~~وقال ابن قتيبة المعنى هذا ما كتبته عليه وأحصيته من قوله وعمله حاضر عندى ~~والتحقيق ان الآية نتضمن الأمرين اى هذا الشخص الذي وكلت به وهذا عمله الذي ~~أحصيته عليه فحينئذ يقال @QB@ ألقيا في جهنم @QE@ وهذا اما أن يكون خطابا ~~للسائق والشهيد PageV01P010 أو خطابا للملك الموكل بعذابه وان كان واحدا ~~وهو مذهب معروف من مذاهب العرب فى خطابها أو تكون الالف منقلبة عن نون ~~التأكيد الخفيفة ثم أجري الوصل مجري الوقف ثم ذكر صفات هذا الملقى فذكر له ~~ست صفات أحدها أنه كفار لنعم الله وحقوقه كفار بدينه وتوحيده واسمائه ~~وصفاته كفار برسله وملائكته كفار بكتبه ولقائه الثانية انه معاند للحق ~~بدفعه جحدا وعنادا الثالثة انه مناع للخير وهذا يعم منعه للخير الذى هو ~~احسان إلى نفسه من الطاعات والقرب إلى ms008 الله والخير الذى هو احسان إلى الناس ~~فليس فيه خير لنفسه ولا لبنى جنسه كما هو الحال أكثر الخلق الرابعة أنه مع ~~منعه للخير معتد على الناس ظلوم غشوم معتد عليهم بيده ولسانه الخامسة انه ~~مريب أي صاحب ريب وشك ومع هذا فهو آت لكل ريبة يقال فلان مريب اذا كان صاحب ~~ريبة السادسة انه مع ذلك مشرك بالله قد اتخذ مع الله الها آخر يعبده ويحبه ~~ويغضب له ويرضي له ويحلف باسمه وينذر له ويوالي فيه ويعادى فيه فيختصم هو ~~وقرينه من الشياطين ويحيل الامر عليه وانه هو الذى أطغاه وأضله فيقول قرينه ~~لم يكن لى قوة أن أضله وأطغيه ولكن كان فى ضلال بعيد اختاره لنفسه وآثره ~~على الحق كما قال ابليس لاهل النار @QB@ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لي @QE@ وعلي هذا فالقرين هنا هو شيطانه يختصمان عند الله ~~وقالت طائفة بل قرينه ههنا هو الملك فيدعى عليه انه زاد عليه فيما كتبه ~~عليه وطغى وانه لم يفعل ذلك كله وانه أعجله بالكتابة عن التوبة ولم يمهله ~~حتى يتوب فيقول الملك ما زدت فى الكتابة على ما عمل ولا أعجلته عن التوبة ~~@QB@ ولكن كان في ضلال بعيد @QE@ فيقول الرب تعالي @QB@ لا تختصموا لدي ~~@QE@ وقد أخبر سبحانه عن اختصام الكفار والشياطين بين يديه فى سورة الصافات ~~والأعراف واخبر عن اختصام الناس بين يديه فى سورة الزمر وأخبر عن اختصام ~~أهل النار فيها فى سورة الشعراء وسورة ص ثم اخبر سبحانه انه لا يبدل القول ~~لديه فقيل المراد بذلك قوله @QB@ لأملأن جهنم من الجنة والناس @QE@ ~~PageV01P011 أجمعين ووعده لاهل الايمان بالجنة وان هذا لا يبدل ولا يخلف ~~قال ابن عباس يريد مالو عدي خلف لاهل طاعتى ولا أهل معصيتي قال مجاهد قد ~~قضيت ما أنا قاض وهذا اصح القولين فى الآية وفيها قول آخر ان المعنى ما ~~يغير القول عندى بالكذب والتلبيس كما يغير عند الملوك والحكام فيكون المراد ~~بالقول قول المختصمين وهو اختيار الفراء وابن ms009 قتيبة قال الفراء المعني ما ~~يكذب عندى لعلمى بالغيب وقال ابن قتيبة اى ما يحرف القول عندى ولا يزاد فيه ~~ولا ينقص منه قال لانه قال القول عندى ولم يقل قولي وهذا كما يقال لا يكذب ~~عندى فعلي القول الاول يكون قوله @QB@ وما أنا بظلام للعبيد @QE@ من تمام ~~قوله @QB@ ما يبدل القول لدي @QE@ فى المعنى أى ما قلته ووعدت به لا بد من ~~فعله ومع هذا فهو عدل لا ظلم فيه ولا جور وعلى الثاني يكون قد وصف نفسه ~~بأمرين أحدهما ان كمال علمه واطلاعه يمنع من تبديل القول بين يديه وترويج ~~الباطل عليه وكمال عدله وغناه يمنع من ظلمه لعبيده ثم أخبر عن سعة جهنم ~~وانها كلما القى فيها تقول هل من مزيد وأخطأ من قال ان ذلك للنفى اى ليس من ~~مزيد والحديث الصحيح يرد هذا التأويل ثم أخبر عن تقريب الجنة من المتقين ~~وان أهلها هم الذين اتصفوا بهذه الصفات الاربع أحداها ان يكون أوابا أي ~~رجاعا إلى الله من معصيته إلى طاعته ومن الغفلة عنه الي ذكره قال عبيد بن ~~عمير الاواب الذي يتذكر ذنوبه ثم يستغفر منها وقال مجاهد هو الذي اذا ذكر ~~ذنبه في الخلاء استغفر منه وقال سعيد بن المسيب هو الذى يذنب ثم يتوب ثم ~~يذنب ثم يتوب الثانية ان يكون حفيظا قال ابن عباس لما ائتمنه الله عليه ~~وافترضه وقال قتادة حافظ لما استودعه الله من حقه ونعمته ولما كانت النفس ~~لها قوتان قوة الطلب وقوة الامساك كان الأواب مستعملا لقوة الطلب فى رجوعه ~~إلى الله ومرضاته وطاعته والحفيظ مستعملا لقوة الحفظ فى الامساك عن معاصيه ~~ونواهيه فالحفيظ الممسك نفسه عما حرم عليه والأواب المقبل على الله بطاعته ~~الثالثة PageV01P012 قوله @QB@ من خشي الرحمن بالغيب @QE@ يتضمن الاقرار ~~بوجوده وربوبيته وقدرته وعلمه واطلاعه على تفاصيل أحوال العبد ويتضمن ~~الاقرار بكتبه ورسله وأمره ونهيه ويتضمن الاقرار بوعده ووعيده ولقائه فلا ~~تصح خشية الرحمن بالغيب الا بعد هذا كله الرابعة قوله @QB@ وجاء بقلب منيب ~~@QE@ قال ms010 ابن عباس راجع عن معاصى الله مقبل علي طاعة الله وحقيقة الانابة ~~عكوف القلب علي طاعة الله ومحبته والاقبال عليه ثم ذكر سبحانه جزاء من قامت ~~به هذه الأوصاف بقوله @QB@ ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود لهم ما يشاؤون ~~فيها ولدينا مزيد @QE@ ثم خوفهم بان يصيبهم من الهلاك ما أصاب من قبلهم ~~وانهم كانوا أشد منهم بطشا ولم يدفع عنهم الهلاك شدة بطشهم ولهم عند الهلاك ~~تقلبوا وطافوا فى البلاد وهل يجدون محيصا ومنجى من عذاب الله قال قتادة حاص ~~أعداء الله فوجدوا أمر الله لهم مدركا وقال الزجاج طوفوا وفتشوا فلم يرو ~~محيصا من الموت وحقيقة ذلك أنهم طلبوا المهرب من الموت فلم يجدوه ثم أخبر ~~سبحانه ان فى هذا الذى ذكر ذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد ثم ~~أخبر انه خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ولم يمسه من تعب ولا ~~اعياء تكذيب لاعدائه من اليهود حيث قالوا انه استراح فى اليوم السابع ثم ~~أمر نبيه بالتأسى به سبحانه فى الصبر على ما يقول اعداؤه فيه كما انه ~~سبحانه صبر على قول اليهود انه استراح ولا أحد أصبر علي أذى يسمعه منه ثم ~~أمره بما يستعين به على الصبر وهو التسبيح بحمد ربه قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها وبالليل وأدبار السجود فقيل هو الوتر وقيل الركعتان بعد المغرب ~~والاول قول ابن عباس والثاني قول عمر وعلي وأبي هريرة والحسن بن على واحدي ~~الروايتين عن ابن عباس وعن ابن عباس رواية ثالثة انه التسبيح باللسان أدبار ~~الصلاة المكتوبات ثم ختم السورة بذكر المعاد ونداء المنادى برجوع الأرواح ~~الي أجسادها للحشر وأخبر ان هذا النداء من مكان قريب يسمعه كل أحد يوم ~~يسمعون الصيحة بالحق PageV01P013 بالبعث ولقاء الله يوم تشقق الأرض عنهم ~~كما تشقق عن النبات فيخرجون سراعا من غير مهلة ولا بطء ذلك حشر يسير عليه ~~سبحانه ثم أخبر سبحانه انه عالم بما يقول اعداؤه وذلك يتضمن مجازاته لهم ~~بقولهم اذ لم يخف عليه ms011 وهو سبحانه يذكر علمه وقدرته لتحقيق الجزاء ثم أخبره ~~انه ليس بمسلط عليهم ولا قهار ولم يبعث ليجبرهم على الاسلام ويكرههم عليه ~~وأمره أن يذكر بكلامه من يخاف وعيده فهو الذي ينتفع بالتذكير وأما من لا ~~يؤمن بلقائه ولا يخاف وعيده ولا يرجو ثوابه فلا ينتفع بالتذكير فائدة # قول النبى لعمر وما يدريك ان الله اطلع علي أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم ~~فقد غفرت لكم أشكل علي كثير من الناس معناه فأن ظاهره PageV01P014 إباحة كل ~~الأعمال لهم وتخييرهم فيما شاؤا منها وذلك ممتنع فقالت طائفة منهم ابن ~~الجوزي ليس المراد من قوله اعملوا الاستقبال وانما هو للماضي وتقديره أي ~~عمل كان لكم فقد غفرته قال ويدل على ذلك شيئان أحدهما أنه لو كان للمستقبل ~~كان جوابه قوله فسأغفر لكم والثانى انه كان يكون اطلاقا فى الذنوب ولا وجه ~~لذلك وحقيقة هذا الجواب اني قد غفرت لكم بهذه الغزوة ما سلف من ذنوبكم لكنه ~~ضعيف من وجهين أحدهما ان لفظ اعملوا يأباه فانه للاستقبال دون الماضى وقوله ~~قد غفرت لكم لا يوجب أن يكون اعملوا مثله فان قوله قد غفرت تحقيق لوقوع ~~المغفرة فى المستقبل كقوله @QB@ أتى أمر الله @QE@ وجاء ربك ونظائره الثاني ~~أن نفس الحديث يرده فان سببه قصة حاطب PageV01P015 وتجسسه علي النبى وذلك ~~ذنب واقع بعد غزوة بدر لا قبلها وهو سبب الحديث فهو مراد منه قطعا فالذي ~~نظن فى ذلك والله أعلم ان هذا خطاب لقوم قد علم الله سبحانه أنهم لا ~~يفارقون دينهم بل يموتون على الاسلام وانهم قد يقارفون بعض ما يقارفه غيرهم ~~من الذنوب ولكن لا يتركهم سبحانه مصرين عليها بل يوفقهم لتوبة نصوح ~~واستغفار وحسنات تمحو أثر ذلك ويكون تخصيصهم بهذا دون غيرهم لانه قد تحقق ~~ذلك فيهم وأنهم مغفور لهم ولا يمنع ذلك كون المغفرة حصلت بأسباب تقوم بهم ~~كما لا يقتضي ذلك أن يعطلوا الفرائض وثوقا بالمغفرة فلو كانت قد حصلت بدون ~~الاستمرار علي القيام بالأوامر لما احتاجوا بعد ذلك إلى ms012 صلاة ولا صيام ولا ~~حج ولا زكاة ولا جهاد وهذا محال ومن أوجب الواجبات التوبة بعد الذنب فضمان ~~المغفرة لا يوجب تعطيل اسباب المغفرة ونظير هذا قوله فى الحديث الآخر أذنب ~~عبد ذنبا فقال أى رب أذنبت ذنبا فاغفره لى فغفر له ثم مكث ما شاء الله أن ~~يمكث ثم أذنب ذنبا آخر فقال أى رب أصبت ذنبا فاغفر لى فغفر له ثم مكث ما ~~شاء الله أن يمكث ثم أذنب ذنبا آخر فقال رب أصبت ذنبا فاغفره لى فقال الله ~~علم عبدى ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدى فليعمل ما شاء فليس ~~فى هذا اطلاق واذن منه سبحانه له فى المحرمات والجرائم وانما يدل على أنه ~~يغفر له ما دام كذلك اذا أذنب تاب PageV01P016 واختصاص هذا العبد بهذا لانه ~~قد علم انه لا يصر على ذنب وانه كلما أذنب تاب حكم يعم كل من كانت حاله ~~حاله لكن ذلك العبد مقطوع له بذلك كما قطع به لاهل بدر وكذلك كل من بشره ~~رسول الله بالجنة أو أخبره بأنه مغفور له لم يفهم منه هو ولا غيره من ~~الصحابة اطلاق الذنوب والمعاصى له ومسامحته بترك الواجبات بل كان هؤلاء أشد ~~اجتهادا وحذرا وخوفا بعد البشارة منهم قبلها كالعشرة المشهود لهم بالجنة ~~وقد كان الصديق شديد الحذر والمخافة وكذلك عمر فلهم علموا أن البشارة ~~المطلقة مقيدة بشروطها والاستمرار عليها إلى الموت ومقيدة بانتقاء موانعها ~~ولم يفهم أحد منهم من ذلك الاطلاق الاذن فيما شاؤا من الأعمال # | فائدة جليلة قوله تعالى # @QB@ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه ~~النشور @QE@ أخبر سبحانه أنه جعل الأرض ذلولا منقادة للوطء عليها وحفرها ~~وشقها والبناء عليها ولم يجعلها مستصعبة ممتنعة على من أراد ذلك منها واخبر ~~سبحانه انه جعلها مهادا وفراشا وبساطا وقرارا وكفاتا وأخبر أنه دحاها ~~وطحاها واخرج منها ماءها ومرعاها وثبتها بالجبال ونهج فيها الفجاج والطرق ~~وأجرى فيها الأنهار والعيون وبارك فيها وقدر فيها ms013 أقواتها ومن بركتها ان ~~الحيوانات كلها وأرزاقها وأقواتها تخرج منها ومن بركاتها انك تودع فيها ~~الحب فتخرجه لك أضعاف أضعاف ما كان ومن بركاتها انها تحمل الأذى علي ظهرها ~~وتخرج لك من بطنها أحسن الأشياء وأنفعها فتواري منه كل قبيح وتخرج له كل ~~مليح ومن بركتها أنها تستر قبائح العبد وفضلات بدنه وتواريها وتضمه وتؤويه ~~وتخرج له طعامه وشرابه فهى أحمل شىء للأذى وأعوده بالنفع فلا كان من التراب ~~خير منه وأبعد من الأذى وأقرب إلى الخير PageV01P017 # والمقصود انه سبحانه جعل لنا الأرض كالجمل الذلول الذي كيفما يقاد ينقاد ~~وحسن التعبير بمناكبها عن طرقها وفجاجها لما تقدم من وصفها بكونها ذلولا ~~فالماشي عليها يطأ علي مناكبها وهو أعلى شيء فيها ولهذا فسرت المناكب ~~بالجبل كمناكب الانسان وهي أعاليه قالوا وذلك تنبيه علي أن المشي في سهولها ~~أيسر وقالت طائفة بل المناكب الجوانب والنواحي ومنه مناكب الانسان لجوانبه ~~والذي يظهر ان المراد بالمناكب الأعالي وهذا الوجه الذي يمشي عليه الحيوان ~~هو العالي من الأرض دون الوجه المقابل له فان سطح الكره أعلاها والمشي انما ~~يقع في سطحها وحسن التعبير عنه بالمناكب لما تقدم من وصفها بأنها ذلول ثم ~~أمرهم أن يأكلوا من رزقه الذي أودعه فيها فذللها لهم ووطأها وفتق فيها ~~السبل والطرق التي يمشون فيها وأودعها رزقهم فذكر تهيئة المسكن للانتفاع ~~والتقلب فيه بالذهاب والمجيء والأكل مما أودع فيها للساكن ثم نبه بقوله ~~وإليه النشور على انا في هذا المسكن غير مستوطنين ولا مقيمين بل دخلناه ~~عابري سبيل فلا يحسن ان نتخذه وطنا ومستقرا وإنما دخلناه لنتزود منه إلى ~~دار القرار فهو منزل عبور لا مستقر حبور ومعبر وممر لا وطن ومستقر فتضمنت ~~الآية الدلالة على ربوبيته ووحدانيته وقدرته وحكمته ولطفه والتذكير بنعمه ~~واحسانه والتحذير من الركون إلى الدنيا واتخاذها وطنا ومستقرا بل نسرع فيها ~~السير إلى داره وجنته فالله في ما ضمن هذه الآية من معرفته وتوحيده ~~والتذكير بنعمه والحث على السير اليه والاستعداد للقائه والقدوم عليه ~~والاعلام بأنه ms014 سبحانه يطوي هذه الدار كأن لم تكن وانه يحي أهلها بعد ما ~~أماتهم واليه النشور # | فائدة للانسان قوتان قوة علمية نظرية وقوة عملية ارادية وسعادته # التامة موقوفة على استكمال قوتيه العلمية الارادية واستكمال القوة ~~العلمية انما يكون بمعرفة PageV01P018 فاطره وبارئه ومعرفة أسمائه وصفاته ~~ومعرفة الطريق التي توصل اليه ومعرفة آفاتها ومعرفة نفسه ومعرفة عيوبها ~~فبهذه المعارف الخمسة يحصل كمال قوته العلمية وأعلم الناس أعرفهم بها ~~وأفقههم فيها استكمال القوة العلمية الارادية لا تحصل الا بمراعاة حقوقه ~~سبحانه على العبد والقيام بها اخلاصا وصدقا ونصحا واحسانا ومتابعة وشهودا ~~لمنته عليه وتقصيره هو في أداء حقه فهو مستحي من مواجهته بتلك الخدمة لعلمه ~~انها دون ما يستحقه عليه ودون دون ذلك وانه لا سبيل له إلى استكمال هاتين ~~القوتين الا بمعونته فهو مضطر إلى ان يهديه الصراط المستقيم الذي هدى اليه ~~أولياءه وخاصته وان يجنبه الخروج عن ذلك الصراط اما بفساد في قوته العلمية ~~فيقع في الضلال واما في قوته العملية فيوجب له الغضب # فكمال الانسان وسعادته لا تتم الا بمجموع هذه الأمور وقد تضمنتها سورة ~~الفاتحة وأنتظمتها أكمل انتظام فان قوله @QB@ الحمد لله رب العالمين الرحمن ~~الرحيم مالك يوم الدين @QE@ يتضمن الاصل الاول وهو معرفة الرب تعالى ومعرفة ~~اسمائه وصفاته وأفعاله والأسماء المذكورة في هذه السورة هي أصول الاسماء ~~الحسنى وهي اسم الله والرب والرحمن فأسم الله متضمن لصفات الألوهية واسم ~~الرب متضمن الربوبية واسم الرحمن متضمن لصفات الاحسان والجود والبر ومعاني ~~أسمائه تدور لى هذا وقوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ يتضمن معرفة ~~الطريق الموصلة اليه وانها ليست الا عبادته وحده بما يحبه ويرضاه واستعانته ~~على عبادته وقوله @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ يتضمن بيان ان العبد لا ~~سبيل له إلى سعادته الا باستقامته على الصراط المستقيم وانه لا سبيل له الي ~~الاستقامة الا بهداية ربه له كما لا سبيل له إلى عبادته بمعونته فلا سبيل ~~له الي الاستقامة علي الصراط الا بهدايته وقوله @QB@ غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين @QE@ يتضمن بيان طرفي الانحراف ms015 عن الصراط المستقيم وان الانحراف ~~إلى أحد الطرفين انحراف الي الضلال الذي هو فساد العلم والاعتقاد والانحراف ~~إلى الطرف الآخر انحراف الي الغضب الذي سببه فساد القصد والعمل PageV01P019 ~~فأول السورة رحمة وأوسطها هداية وآخرها نعمة وحظ العبد من النعمة على قدر ~~حظه من الهداية وحظه منها على قدر حظه من الرحمة فعاد الأمر كله إلى نعمته ~~ورحمته والنعمة والرحمة من لوازم ربوبيته فلا يكون الا رحيما منعما وذلك من ~~موجبات الهيته فهو الأله الحق وان جحده الجاحدون وعدل به المشركون فمن تحقق ~~بمعاني الفاتحة علما ومعرفة وعملا وحالا فقد فاز من كماله بأوفر نصيب وصارت ~~عبوديته عبودية الخاصة الذين ارتفعت درجتهم عن عوام المتعبدين والله ~~المستعان # | فائدة الرب تعالى يدعو عباده في القرآن الي معرفته من طريقين احدهما # النظر في مفعولاته والثاني التفكر في آياته وتدبرها فتلك آياته المشهودة ~~وهذه آياته المسموعة المعقولة فالنوع الأول كقوله ان في خلق السموات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس الي آخرها ~~وقوله إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ~~وهو كثير في القرآن والثاني كقوله @QB@ أفلا يتدبرون القرآن @QE@ وقوله ~~@QB@ أفلم يدبروا القول @QE@ وقوله @QB@ كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ~~آياته @QE@ وهو كثير أيضا # فأما المفعولات فأنها دالة على الأفعال والأفعال دالة على الصفات فان ~~المفعول يدل علي فاعل فعله وذلك يستلزم وجوده وقدرته ومشيئته وعلمه ~~لاستحالة صدور الفعل الاختيارى من معدوم أو موجود لا قدرة له ولا حياة ولا ~~علم ولا ارادة ثم ما في المفعولات من التخصيصات المتنوعة دال على ارادة ~~الفاعل وان فعله ليس بالطبع بحيث يكون واحدا غير متكرر وما فيها من المصالح ~~والحكم والغايات المحمودة دال على حكمته تعالى وما فيها من النفع والاحسان ~~والخير دال على رحمته وما فيها من البطش والأنتقام والعقوبة دال ~~PageV01P020 على غضبه وما فيها من الاكرام والتقريب والعناية دال على محبته ~~وما فيها من الاهانة والابعاد والخذلان دال على بغضه ومقته وما فيها من ~~ابتداء ms016 الشيء في غاية النقص والضعف ثم سوقه إلى تمامه ونهايته دال على وقوع ~~المعاد وما فيها من أحوال النبات والحيوان وتصرف المياه دليل على امكان ~~المعاد وما فيها من ظهور آثار الرحمة والنعمة على خلقه دليل على صحة ~~النبوات وما فيها من الكمالات التي لو عدمتها كانت ناقصة دليل على أن معطي ~~تلك الكمالات أحق بها فمفعولاته من أدل شيء على صفاته وصدق ما أخبرت به ~~رسله عنه فالمصنوعات شاهدة تصدق الآيات المسموعات منبهه علي الاستدلال ~~بالآيات المصنوعات قال تعالى @QB@ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق @QE@ أي أن القرآن حق فاخبر انه لا بد من ان يريهم من ~~آياته المشهودة ما يبين لهم أن آياته المتلوة حق ثم أخبر بكفاية شهادته على ~~صحة خبره بما أقام من الدلائل والبراهين علي صدق رسوله فآياته شاهدة بصدقة ~~وهو شاهد بصدق رسوله بآياته وهو الشاهد والمشهود له وهو الدليل والمدلول ~~عليه فهو الدليل بنفسه على نفسه كما قال بعض العارفين كيف أطلب لدليل على ~~من هو دليل علي كل شيء فأي دليل طلبته عليه فوجده أظهر منه ولهذا قال الرسل ~~لقومهم @QB@ أفي الله شك @QE@ فهو أعرف من كل معروف وأبين من كل دليل ~~فالأشياء عرفت به في الحقيقة وان كان عرف بها في النظر والاستدلال بأفعاله ~~واحكامه عليه # | فائدة في المسند وصحيح أبي الحاتم من حديث عبد الله بن مسعود قال # قال رسول الله ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال اللهم اني عبدك وابن عبدك ~~ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت ~~به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت PageV01P021 ~~به في علم الغيب عندك ان تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب ~~همي وغمي الا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا قالوا يا رسول الله ~~أفلا نتعلمهن قال بلى ينبغي لمن سمعهن ان يتعلمهن فتضمن هذا الحديث العظيم ~~أمورا ms017 من المعرفة والتوحيد والعبودية منها ان الداعي به صدر سؤاله بقوله ~~اني عبدك ابن عبدك ابن أمتك وهذا يتناول من فوقه من آبائه وأمهاته إلى ~~ابويه آدم وحواء وفي ذلك تملق له واستخذا بين يديه واعتراف بانه مملوكه ~~وآباؤه مماليكه وان العبد ليس له غير باب سيده وفضله واحسانه وان سيده ان ~~اهمله وتخلى عنه هلك ولم يؤوه أحد ولم يعطف عليه بل يضيع أعظم ضيعة فتحت ~~هذا الاعتراف اني لا غنى بي عنك طرفة عين وليس لى من أعوذ به وألوذ به غير ~~سيدي الذي انا عبده وفي ضمن ذلك الاعتراف بأنه مربوب مدبر مأمور منهى انما ~~يتصرف بحكم العبودية لا بحكم الاختيار لنفسه فليس هذا شأن العبد بل شأن ~~الملوك والأحرار واما العبيد فتعرفهم على محض العبودية فهؤلاء عبيد الطاعة ~~المضافون اليه سبحانه في قوله @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان @QE@ وقوله ~~@QB@ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا @QE@ ومن عداهم عبيد القهر ~~والربوبية فاضافتهم اليه كاضافة سائر البيوت إلى ملكه واضافة أولئك كاضافة ~~البيت الحرام اليه اضافة ناقته اليه وداره التي هي الجنة اليه واضافة ~~عبودية رسوله اليه بقوله @QB@ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا @QE@ ~~@QB@ سبحان الذي أسرى بعبده @QE@ @QB@ وأنه لما قام عبد الله يدعوه @QE@ ~~وفي التحقيق بمعنى قوله اني عبدك التزام عبوديته من الذل والخضوع والانابة ~~وامتثال امر سيده واجتناب نهيه ودوام الافتقار اليه واللجأ اليه والاستعانة ~~به والتوكل عليه وعياذ العبد به ولياذه به وان لم لا يتعلق قلبه بغيره محبة ~~وخوفا ورجاء وفيه أيضا أني عبد من جميع الوجوه صغيرا وكبيرا حيا وميتا ~~ومطيعا وعاصيا معافى ومبتلي بالروح والقلب واللسان والجوارح وفي ايضا ان ~~مالي ونفسي ملك لك فان العبد وما PageV01P022 يملك لسيده وفيه ايضا انك أنت ~~الذي مننت علي بكل مل انا فيه من نعمة فذلك كله من انعامك على عبدك وفيه ~~ايضا اني لا أتصرف فيما خولتني من مالي ونفسي الا بأمرك كما لا يتصرف العبد ~~الا باذن سيده واني ms018 لا املك لنفسي ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا ~~نشورا فان صح له شهود ذلك فقد قال اني عبدك حقيقة ثم قال ناصيتي بيدك أي ~~انت المتصرف في تصرفي كيف تشاء لست انا المتصرف في نفسي وكيف يكون له في ~~نفسه تصرف من نفسه بيد ربه وسيده وناصيته بيده وقلبه بين أصبعين من أصابعه ~~وموته وحياته وسعادته وشقاوته وعافيته وبلاؤه كله اليه سبحانه ليس إلى ~~العبد منه شيء بل هو في قبضة سيده اضعف من مملوك ضعيف حقير ناصيته بيد ~~سلطان قاهر مالك له تحت تصرفه وقهره بل الأمر فوق ذلك ومتى شهد العبد ان ~~ناصيته ونواصي العباد كلها بيد الله وحده يصرفهم كيف يشاء لم يخفهم بعد ذلك ~~ولم يرجهم ولم ينزلهم منزلة المالكين بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين ~~المتصرف فيهم سواهم والمدبر لهم غيرهم فمن شهد نفسه بهذا المشهد صار فقره ~~وضرورته إلى ربه وصفا لازما له ومتى شهد الناس كذلك لم يفتقر اليهم ولم ~~يعلق أمله ورجاءه بهم فاستقام توحيده وتوكله وعبوديته ولذا قال هود لقومه ~~@QB@ إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي ~~على صراط مستقيم @QE@ وقوله ماض في حكمك عدل في قضاؤك تضمن هذا الكلام ~~أمرين أحدهما مضاء حكمه في عبده والثاني يتضمن حمده وعدله وهو سبحانه له ~~الملك وله الحمد وهذا معنى قول نبيه هود @QB@ ما من دابة إلا هو آخذ ~~بناصيتها @QE@ ثم قال @QB@ إن ربي على صراط مستقيم @QE@ أي مع كونه مالكا ~~قاهرا متصرفا في عباده نواصيهم بيده فهو على صراط مستقيم وهو العدل الذي ~~يتصرف به فيهم فهو على صراط مستقيم في قوله وفعله وقضائه وقدره وأمره ونهيه ~~وثوابه وعقابه فخبره كله صدق وقضاؤه كله عدل وأمره كله مصلحة والذي نهى عنه ~~كله ومفسدة وثوابه لمن يستحق الثواب بفضله ورحمته وعقابه لمن يستحق العقاب ~~بعدله وحكمته وفرق بين PageV01P023 الحكم والقضاء وجعل المضاء للحكم والعدل ~~لقضاء فان حكمه سبحانه يتناول حكمه الدينى الشرعى وحكمه ms019 الكونى القدرى ~~والنوعان نافذان في العبد ان ماضيان فيه وهو مقهور تحت الحكمين قد مضيا فيه ~~ونفذا فيه شاء أم أبي لكن الحكم الكونى لا يمكنه مخالفته واما الديني ~~الشرعى فقد يخالفه # ولما كان القضاء هو الاتمام والاكمال وذلك انما يكون بعد مضيه ونفوذه قال ~~عدل في قضاؤك أي الحكم الذي أكملته وأتممته ونفذته في عبدك عدل منك فيه ~~واما الحكم فهو ما يحكم به سبحانه وقد يشاء تنفيذه وقد لا ينفذه فان كان ~~حكما دينيا فهو ماض فى العبد وان كان كونيا فان نفذه سبحانه مضي فيه وان لم ~~ينفذه اندفع عنه فهو سبحانه يقضى ما يقضى به وغيره قد يقضي بقضاء ويقدر أمر ~~ولا يستطيع تنفيذه وهو سبحانه يقضي ويمضى فله القضاء والامضاء وقوله عدل فى ~~قضاؤك يتضمن جميع أقضيته فى عبده من كل الوجوه من صحة وسقم وغني وفقر ولذة ~~وألم وحياة وموت وعقوبة وتجاوز وغير ذلك قال تعالي وما أصابكم من مصيبة ~~فيما كسبت أيديكم وقال @QB@ وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان ~~كفور @QE@ فكل ما يقضى علي العبد فهو عدل فيه # فان قيل فالمعصية عندكم بقضائه وقدره فما وجه العدل فى قضائها فان العدل ~~فى العقوبة عليها ظاهر قيل هذا سؤال له شأن ومن أجله زعمت طائفة ان العدل ~~هو المقدور والظلم ممتنع لذاته قالوا لان الظلم هو التصرف فى ملك الغير ~~والله له كل شيء فلا يكون تصرفه فى خلقه الا عدلا وقالت طائفة بل العدل انه ~~لا يعاقب على ما قضاه وقدره فلما حسن منه العقوبة على الذنب علم انه ليس ~~بقضائه وقدره فيكون العدل هو جزاؤه علي الذنب بالعقوبة والذم إما فى الدنيا ~~وإما فى الآخرة وصعب على هؤلاء الجمع بين العدل وبين القدر فزعموا ان من ~~أثبت القدر لم يمكنه ان يقول بالعدل ومن قال بالعدل لم يمكنه ان يقول ~~بالقدر كما صعب عليهم الجمع بين التوحيد واثبات الصفات فزعموا انه لا ~~يمكنهم اثبات التوحيد الا بانكار الصفات فصار توحيدهم ms020 تعطيلا PageV01P024 ~~وعدلهم تكذيبا بالقدر وأما أهل السنة فهم مثبتون للأمرين والظلم عندهم هو ~~وضع الشيء فى غير موضعه كتعذيب المطيع ومن لا ذنب له وهذا قد نزه الله نفسه ~~عنه فى غير موضع من كتابه وهو سبحانه وان أضل من شاء وقضي بالمعصية والغى ~~على من شاء فذلك محض العدل فيه لانه وضع الاضلال والخذلان فى موضعه اللائق ~~به كيف ومن أسمائه الحسني العدل الذي كل أفعاله وأحكامه سداد وصواب وحق وهو ~~سبحانه قد أوضح السبل وأرسل الرسل وأنزل الكتب وأزاح العلل ومكن من أسباب ~~الهداية والطاعة بالاسماع والابصار والعقول وهذا عدله ووفق من شاء بمزيد ~~عناية وأراد من نفسه ان يعينه ويوفقه فهذا فضله وخذل من ليس بأهل لتوفيقه ~~وفضله وخلي بينه وبين نفسه ولم يرد سبحانه من نفسه أن يوفقه فقطع عنه فضله ~~ولم يحرمه عدله وهذا نوعان أحدهما ما يكون جزاء منه للعبد على اعراضه عنه ~~وايثار عدوه فى الطاعة والموافقة عليه وتناسى ذكره وشكره فهو أهل ان يخذله ~~ويتخلى عنه والثاني ان لا يشاء له ذلك ابتداء لما يعلم منه انه لا يعرف قدر ~~نعمة الهداية ولا يشكره عليه ولا يثنى عليه بها ولا يحبه فلا يشاؤها له ~~لعدم صلاحية محله قال تعالى @QB@ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من ~~الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين @QE@ وقال @QB@ ولو علم ~~الله فيهم خيرا لأسمعهم @QE@ فاذا قضى على هذه النفوس بالضلال والمعصية كان ~~ذلك محض العدل كما اذا قضى على الحية بان تقتل وعلى العقرب وعلى الكلب ~~العقور كان ذلك عدلا فيه وان كان مخلوقا على هذه الصفة وقد استوفينا الكلام ~~فى هذا فى كتابنا الكبير فى القضاء والقدر # والمقصود أن قوله ماض فى حكمك عدل فى قضاؤك رد على الطائفتين القدرية ~~الذين ينكرون عموم أقضية الله فى عبده ويخرجون أفعال العباد عن كونها ~~بقضائه وقدره ويردون القضاء إلى الأمر والنهى وعلى الجبرية الذين يقولون كل ~~مقدور عدل فلا يبقى لقوله عدل فى قضاؤك فائدة فان ms021 العدل عندهم كل ما يمكن ~~PageV01P025 فعله والظلم هو المحال لذاته فكأنه قال ماض ونافذ فى قضاؤك ~~وهذا هو الأول بعينه وقوله أسألك بكل اسم الي آخره توسل اليه بأسمائه كلها ~~ما علم العبد منها وما لم يعلم وهذه أحب الوسائل اليه فانها وسيلة بصفاته ~~وأفعاله التي هى مدلول اسمائه وقوله ان تجعل القرآن ربيع قلبى ونور صدرى ~~الربيع المطر الذي يحيى الأرض شبه القرآن به لحياة القلوب به وكذلك شبهه ~~الله بالمطر وجمع بين الماء الذى تحصل به الحياة والنور الذى تحصل به ~~الاضاءة والاشراق كما جمع بينهما سبحانه فى قوله أنزل من السماء ماء فسالت ~~أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما توقدون عليه فى النار ابتغاء ~~حلية وفى قوله @QB@ مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب ~~الله بنورهم @QE@ ثم قال @QB@ أو كصيب من السماء @QE@ وفي قوله الله نور ~~السموات والأرض مثل نوره الآيات ثم قال ألم تر أن الله يزجي السحاب ثم يؤلف ~~بينه الآية فتضمن الدعاء أن يحيي قلبه بربيع القرآن وان ينور به صدره ~~فتجتمع له الحياة والنور قال تعالى @QB@ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له ~~نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها @QE@ # ولما كان الصدر أوسع من القلب كان النور الحاصل له يسري منه إلى القلب ~~لأنه قد حصل لما هو أوسع منه ولما كانت حياة البدن والجوارح كلها بحياة ~~القلب تسري الحياة منه الي الصدر ثم إلى الجوارح سأل الحياة له بالربيع ~~الذي هو مادتها ولما كان الحزن والهم والغم يضاد حياة القلب واستنارته سأل ~~أن يكون ذهابها بالقرآن فانها أحرى أن لا تعود وأما اذا ذهبت بغير القرآن ~~من صحة أو دنيا أو جاه أو زوجة أو ولد فانها تعود بذهاب ذلك والمكروه ~~الوارد على القلب ان كان من أمر ماض أحدث الحزن زان كان من مستقبل أحدث ~~الهم وان كان من أمر حاضر أحدث الغم والله أعلم PageV01P026 # | فائدة أنزه الموجودات وأظهرها وأنورها وأشرفها ms022 وأعلاها ذاتا وقدرا # وأوسعها عرش الرحمن جل جلاله ولذلك صلح لاستوائه عليه وكل ما كان أقرب ~~إلى العرش كان أنور وأنزه وأشرف مما بعد عنه ولهذا كانت جنة الفردوس أعلى ~~الجنان وأشرفها وأنورها وأجلها لقربها من العرش اذ هو سقفها وكل ما بعد عنه ~~كان أظلم وأضيق ولهذا كان أسفل سافلين شر الأمكنة وأضيقها وأبعدها من كل ~~خير وخلق الله القلوب وجعلها محلا لمعرفته ومحبته وارادته فهي عرش المثل ~~الأعلى الذي هو معرفته ومحبته وارادته قال تعالى @QB@ للذين لا يؤمنون ~~بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم @QE@ وقال تعالى ~~وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم وقال تعالى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ فهذا من ~~المثل الأعلى وهو مستو علي قلب المؤمن فهو عرشه وان لم يكن أطهر الأشياء ~~وأنزهها وأطيبها وأبعدها من كل دنس وخبث لم يصلح لاستواء المثل الأعلي عليه ~~معرفة ومحبة وارادة فاستوى عليه مثل الدنيا الأسفل ومحبتها وارادتها ~~والتعلق بها فضاق وأظلم وبعد من كماله وفلاحه حتي تعود القلوب علي قلبين ~~قلب هو عرش الرحمن ففيه النور والحياة والفرح والسرور والبهجة وذخائر الخير ~~وقلب هو عرش الشيطان فهناك الضيق والظلمة والموت والحزن والغم والهم فهو ~~حزين علي ما مضى مهموم بما يستقبل مغموم في الحال وقد روى الترمذي وغيره عن ~~النبي أنه قال اذا دخل النور القلب انفسخ وانشرح قالوا فما علامة ذلك يا ~~رسول الله قال الانابة إلى دار الخلود والتجاني عن دار الغرور والاستعداد ~~للموت قبل نزوله والنور الذي يدخل القلب انما هو آثار المثل الأعلى فلذلك ~~ينفسخ وينشرح واذا لم يكن فيه معرفة الله ومحبته فحظه الظلمة والضيق ~~PageV01P027 فائدة تأمل خطاب القرآن تجد ملكا له الملك كله وله الحمد كله ~~أزمة الأمور كلها بيده ومصدرها منه ومرادها اليه مستويا على سرير ملكه لا ~~تخفى عليه خافية في أقطار مملكته عالما بما في نفوس عبيده مطلعا علي ~~أسرارهم وعلانيتهم منفردا بتدبير المملكة يسمع ms023 ويرى ويعطي ويمنع ويثيب ~~ويعاقب ويكرم ويهين ويخلق ويرزق ويميت ويحيي ويقدر و يقضي ويدبر الأمور ~~نازلة من عنده دقيقها وجليلها وصاعدة اليه لا تتحرك في ذرة الا باذنه ولا ~~تسقط ورقة الا بعلمه فتأمل كيف تجده يثني على نفسه ويمجد نفسه ويحمد نفسه ~~وينصح عباده ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم ويرغبهم فيه ويحذرهم مما ~~فيه هلاكهم ويتعرف اليهم بأسمائه وصفاته ويتححب اليهم بنعمه وآلائه فيذكرهم ~~بنعمه عليهم ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها ويحذرهم من نقمه ويذكرهم بما ~~اعد لهم من الكرامة ان اطاعوه وما أعد لهم ما العقوبة ان عصوه ويخبرهم ~~بصنعه في أوليائه وأعدائه وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء ويثني على أوليائه ~~بصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم ويذم أعداءه بسىء أعمالهم وقبيح صفاتهم ويضرب ~~الأمثال وينوع الأدلة والبراهين ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الأجوبة ويصدق ~~الصادق ويكذب الكاذب ويقول الحق ويهدي السبيل ويدعو إلى دار السلام ويذكر ~~أوصافها وحسنها ونعيمها ويحذر من دار البوار ويذكر عذابها وقبحها وآلامها ~~ويذكر عباده فقرهم اليه وشدة حاجتهم اليه من كل وجه وانهم لا غنى لهم عنه ~~طرفة عين ويذكر غناه عنهم وعن جميع الموجودات وانه الغنى بنفسه عن كل ما ~~سواه وكل ما سواه فقير اليه بنفسه وانه لا ينال أحد ذرة من الخبر فما فوقها ~~الا بفضله ورحمته ولا ذرة من الشر فما فوقها الا بعدله وحكمته ويشهد من ~~خطابه عتابه لاحبابه الطف عتاب وانه مع ذلك مقيل عثراتهم وغافر زلاتهم ~~ومقيم اعذارهم ومصلح فسادهم والدافع PageV01P028 عنهم والمحامي عنهم ~~والناصر لهم والكفيل بمصالحهم والمنجي لهم من كل كرب والموفي لهم بوعده ~~وانه وليهم الذي لا ولى لهم سواه فهو مولاهم الحق ونصيرهم علي عدوهم فنعم ~~المولى ونعم النصير فاذا شهدت القلوب من القرآن ملكا عظيما رحيما جوادا ~~جميلا هذا شانه فكيف لا تحبه وتنافس في القرب منه وتنفق انفاسها في التودد ~~اليه ويكون احب اليها من كل ما سواه ورضاه آثر عندها من رضا كل ما سواه ~~وكيف لا تلهج ms024 بذكره ويصير حبه والشوق اليه والأنس به هو غذائها وقوتها ~~ودواؤها بحيث ان فقدت ذلك فسدت وهلكت ولم تنفع بحياتها # | فائدة قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده وهذا كما انه # في الذوات والأعيان فكذلك هو في الاعتقادات والارادات فاذا كان القلب ~~ممتلئا بالباطل اعتقادا ومحبة لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع كما ان ~~اللسان اذا اشتغل بالتكلم بما لا ينفع لم يتمكن صاحبه من النطق بما ينفعه ~~الا اذا فزع لسانه من النطق بالباطل وكذلك الجوارح اذا اشتغلت بغير الطاعة ~~لم يمكن شغلها بالطاعة الا اذا فرغها من ضدها فكذلك القلب المشغول بمحبة ~~غير الله وارادته والشوق إليه والأنس به إلا يمكن شغله بمحبة الله واردته ~~وحبه والشوق إلى لقائه لا بتفريغه من تعلقه بغيره ولا حركة اللسان بذكره ~~والجوارح بخدمته الا اذا فرغها من ذكر غيره وخدمته فاذا امتلأ القلب بالشغل ~~بالمخلوق والعلوم التي لا تنفع لم يبقى فيها موضع للشغل بالله ومعرفة ~~اسمائه وصفاته وأحكامه وسر ذلك ان اصغاء القلب كاصغاء الأذن فاذا صغى إلى ~~غير حديث الله لم يبق فيه اصغاء ولا فهم لحديثه كما اذا مال إلى غير محبة ~~الله لم يبق فيه ميل إلى محبته فاذا نطق القلب بغير ذكره لم يبق فيه محل ~~للنطق بذكره كاللسان ولهذا في الصحيح عن النبي انه قال لان يمتلىء جوف ~~احدكم قيحا حتي يريه خير له من أن يمتلىء PageV01P029 شعرا فبين أن الجوف ~~يمتلىء بالشعر فكذلك يمتلىء بالشبه والشكوك والخيالات والتقديرات التي لا ~~وجود لها والعلوم التي لا تنفع والمفاكهات والمضاحكات والحكايات ونحوها ~~واذا امتلأ القلب بذلك جاءته حقائق القرآن والعلم الذي به كماله وسعادته ~~فلم تجد فيه فراغا لها ولا قبولا فتعدته وجاوزته الي محل سواه كما اذا بذلت ~~النصيحة لقلب ملآن من ضدها لا منفذ لها فيه فانه فيه لا يقبلها ولا تلج فيه ~~لكن تمر مجتازة لا مستوطنة ولذلك قيل # نزه فؤادك من سوانا تلقنا % فجنابنا حل لكل منزه # والصبر طلسم ms025 لكنز وصالنا % من حل ذا الطلسم فاز بكنزه وبالله التوفيق # | فائدة قوله تعالى ألهاكم التكاثر إلى آخرها أخلصت هذه السورة للوعد # الوعيد والتهديد وكفى بها موعظة لمن عقلها فقوله تعالى ألهاكم أي شغلكم ~~على وجه لا تعتذرون فيه فان الالهاء عن الشيء هو الاشتغال عنه فان كان بقصد ~~فهو محل التكليف وان كان بغير قصد كقوله في الخميصة انها ألهتني آنفا عن ~~صلاتي كان صاحبه معذورا وهو نوع من النسيان وفي الحديث فلها عن الصبي أي ~~ذهل عنه ويقال لها بالشيء أي اشتغل به ولها عنه اذا انصرف عنه واللهو للقلب ~~واللعب للجوارح ولهذا يجمع بينهما ولهذا كان قوله ألهاكم التكاثر ابلغ في ~~الذم من شغلكم فان العامل قد يستعمل جوارحه بما يعمل وقلبه غير لاه به ~~فاللهو هو ذهول واعراض والتكاثر تفاعل من الكثرة أي مكاثرة بعضكم لبعض ~~واعرض عن ذكر المتكاثر به ارادة لاطلاقه وعمومه وان كل ما يكاثر به العبد ~~غيره سوى طاعة الله ورسوله وما يعود عليه بنفع معاده فهو داخل في هذا ~~التكاثر فالتكاثر في كل شيء من مال أو جاه أو رياسة أو نسوة أو حديث او ~~PageV01P030 علم ولا سيما اذا لم يحتج اليه والتكاثر فى الكتب والتصانيف ~~وكثرة المسائل وتفريعها وتوليدها والتكاثر ان يطلب الرجل ان يكون اكثر من ~~غيره وهذا مذموم الا فيما يقرب إلى الله فالتكاثر فيه منافسة فى الخيرات ~~ومسابقة اليها وفى صحيح مسلم من حديث عبد الله بن الشخير انه انتهى الي ~~النبي وهو يقرأ ألهاكم التكاثر قال يقول ابن آدم مالى وهل لك من مالك الا ~~ما تصدقت فأمضيت أو أكلت فافنيت أو لبست فابليت تنبيه # من لم ينتفع بعينه لم ينتفع باذنه للعبد ستر بينه وبين الله وستر بينه ~~وبين الناس فمن هتك الستر الذى بينه وبين الله حقك الله الستد الذي بينه ~~وبين الناس للعبد رب هو ملاقيه وبيت هو ساكنه فينبغى له ان يسترضى ربه قبل ~~لقائه ويعمر بيته قبل انتقاله اليه اضاعة الوقت اشد ms026 من الموت لان اضاعة ~~الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة والموت يقطعك عن الدنيا واهلها الدنيا ~~من أولها إلى آخرها لا تساوى غم ساعة فكيف بغم العمر محبوب اليوم يعقب ~~المكروه غدا ومكروه اليوم يعقب المحبوب غدا أعظم الربح في الدنيا ان تشغل ~~نفسك كل وقت بما هو أولي بها وأنفع لها فى معادها كيف يكون عاقلا من باع ~~الجنة بما فيها بشهوة ساعة يخرج العارف من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين ~~بكاؤه على نفسه وثناؤه على ربه المخلوق اذا خفته استوحشت منه وهربت منه ~~والرب تعالى اذا خفته أنست به وقربت اليه لو نفع العلم بلا عمل لما ذم الله ~~سبحانه أحبار أهل الكتاب ولو نفع العمل بلا اخلاص لما ذم المنافقين دافع ~~الخطرة فان لم تفعل صارت فكرة فدافع الفكرة فان لم تفعل صارت شهوة فحاربها ~~فان لم تفعل صارت عزيمة وهمة فان لم تدافعها صارت فعلا فان لم تتداركه بضده ~~صار عادة فيصعب عليك الانتقال عنها التقوي ثلاث مراتب احداها حمية القلب ~~والجوارح عن الآثام PageV01P031 والمحرمات الثانية حميتها عن المكروهات ~~الثالثة الحميه عن الفضول وما لا يعنى فالاولى تعطى العبد حياته والثانية ~~تفيده صحته وقوته والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته # غموض الحق حين تذب عنه % يقلل ناصر الخصم المحق # تضل عن الدقيق فهو م قوم % فتقضى للمجل علي المدق # بالله أبلغ ما أسعى وأدركه % لابي ولا يشفع لى من الناس # اذا أيست وكاد اليأس يقطعني % جاء الرجا مسرعا من جانب اليأس # من خلقه الله للجنة لم تزل هداياها تأتيه من المكاره ومن خلقه للنار لم ~~تزل هداياها تأتيه من الشهوات لما طلب آدم الخلود فى الجنة من جانب الشجرة ~~عوقب بالخروج منها ولما طلب يوسف الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤيا لبث ~~فيه بضع سنين اذا جرى على العبد مقدور يكرهه فله فيه ستة مشاهد أحدها مشهد ~~التوحيد وان الله هو الذى قدره وشاءه وخلقه وما شاء الله كان وما لم يشاء ~~لم يكن الثاني ms027 مشهد العدل وانه ماض فيه حكمه عدل فيه قضاؤه الثالث مشهد ~~الرحمة وان رحمته فى هذا المقدور غالبه لغضبه وانتقامه ورحمته حشوة الرابع ~~مشهد الحكمة وان حكمته سبحانه اقتضت ذلك لم يقدره سدى ولا قضاه عبثا الخامس ~~مشهد الحمد وان له سبحانه الحمد التام علي ذلك من جميع وجوهه السادس مشهد ~~العبودية وانه عبد محض من كل وجه تجرى عليه أحكام سيده وأقضيته بحكم كونه ~~ملكه وعبده فيصرفه تحت أحكامه القدرية كما يصرفه تحت أحكامه الدينية فهو ~~محل لجريان هذه الأحكام عليه # قلة التوفيق وفساد الرأى وخفاء الحق وفساد القلب وخمول الذكر واضاعة ~~الوقت ونفره الخلق والوحشة بين العبد وبين ربه ومنع اجابة الدعاء وقسوة ~~القلب ومحق البركة فى الرزق والعمر وحرمان العلم ولباس الذل واهانة العدو ~~وضيق PageV01P032 الصدر والابتلاء بقرناء السوء الذين يفسدون القلب ويضيعون ~~الوقت وطول الهم والغم وضنك المعيشة وكسف البال تتولد من المعصية والغفلة ~~عن ذكر الله كما يتولد الزرع عن الماء والاحراق عن النار وأضداد هذه تتولد ~~عن الطاعة # | فصل طوبى لمن أنصف ربه فاقر له بالجهل فى علمه والآفات فى عمله # والعيوب فى نفسه والتفريط فى حقه والظلم فى معاملته فان آخذه بذنوبه رأى ~~عدله وان لم يؤاخذه بها رأي فضله وان عمل حسنة رآها من منته وصدقته عليه ~~فان قبلها فمنه وصدقة ثانية وان ردها فلكون مثلها لا يصلح ان يواجه به وان ~~عمل سيئة رآها من تخليه عنه وخذلانه له وامساك عصمته عنه وذلك من عدله فيه ~~فيرى فى ذلك فقره إلى ربه وظلمه فى نفسه فان غفرها له فبمحض احسانه وجوده ~~وكرمه ونكتة المسألة وسرها انه لا يري ربه الامحسنا ولا يرى نفسه الا مسيئا ~~أو مفرطا أو مقصرا فيرى كل ما يسره من فضل ربه عليه واحسانه اليه وكل ما ~~يسوءه من ذنوبه وعدل الله فيه المحبون اذا خربت منازل أحبائهم قالوا سقيا ~~لسكانها وكذلك المحب اذا أتت عليه الأعوام تحت التراب ذكر حينئذ حسن طاعته ~~فى الدنيا وتودده اليه ms028 وتجدد رحمته وسقياه لمن كان ساكنا في تلك الأجسام ~~البالية # | فائدة الغيرة غيرتان غيرة على الشيء وغيرة من الشيء فالغيرة على # المحبوب حرصك عليه والغيرة من المكروه ان يزاحمك عليه فالغيرة على ~~المحبوب لا تتم الا بالغيرة من المزاحم وهذه تحمد حيث يكون المحبوب تقبح ~~المشاركة في حبه كالمخلوق واما من تحسن المشاركة في حبه كالرسول والعالم بل ~~الحبيب القريب سبحانه فلا PageV01P033 يتصور غيرة المزاحمة عليه بل هو حسد ~~والغيرة المحمودة في حقه أن يغار المحب على محبته له ان يصرفها إلى غيره أو ~~يغار عليها ان يطلع عليها الغير فيفسدها عليه أو يغار على أعماله ان يكون ~~فيها شيء لغير محبوبة أو يغار عليها ان يشوبها ما يكره محبوبه من رياء أو ~~إعجاب أو محبة لاشراف غيره عليها أو غيبته عن شهود منته عليه فيها # وبالجملة فغيرته تقتضي ان تكون أحواله وأعماله وأفعاله كلها لله وكذلك ~~يغار علي أوقاته أن يذهب منها وقت في غير رضى محبوبة فهذه الغيرة من جهة ~~العبد وهي غيرة من المزاحم له المعوق القاطع له عن مرضاة محبوبة وأما غيرة ~~محبوبه عليه فهي كراهية ان ينصرف قلبه عن محبته إلى محبة غيره بحيث يشاركه ~~في حبه ولهذا كانت غيرة الله ان يأتي العبد ماحرم عليه ولاجل غيرته سبحانه ~~حرم الفاحشة ما ظهر منها وما بطن لأن الخلق عبيده واماؤه فهو يغار علي ~~امائه كما يغار السيد على جواريه ولله المثل الأعلي ويغار علي عبيده ان ~~تكون محبتهم لغيره بحيث تحملهم تلك المحبة على عشق الصور ونيل الفاحشة منها # من عظم وقار الله في قلبه ان يعصيه وقره الله في قلوب الخلق ان يذلوه اذا ~~علقت شروش المعرفة في ارض القلب نبتت فيه شجرة المحبة فاذا تمكنت وقويت ~~أثمرت الطاعة فلا تزال الشجرة تؤتي أكلها كل حين باذن الله ربها اول منازل ~~القوم اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا وأوسطها هو الذي يصلي ~~عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى والنور وآخرها تحيتهم يوم يلقونه ms029 ~~سلام ارض الفطرة رحبة قابلة لما يغرس فيها فان غرست شجرة الايمان والتقوى ~~أورثت حلاوة الابد وان غرست شجرة الجهل والهوى فكل الثمر من ارجع إلى الله ~~واطلبه من عينك وسمعك وقلبك ولسانك ولا تشرد عنه من هذه الأربعة فما رجع من ~~رجع اليه بتوفيقه الا منها وما شرد من شرد عنه بخذلانه الا منها فالموفق ~~يسمع ويبصر ويتكلم ويبطش بمولاه والمخذول يصدر ذلك عنه بنفسه وهواه ~~PageV01P034 # مثال تولد الطاعة ونموها وتزايدها كمثل نواة غرستها فصارت شجرة ثم أثمرت ~~فأكلت ثمرها وغرست نواها فكلما أثمر منها شيء جنيت ثمرة وغرست نواه وكذلك ~~تداعي المعاصي فليتدبر اللبيب هذا المثال فمن ثواب الحسنة الحسنة بعدها ومن ~~عقوبة السيئة السيئة بعدها ليس العجب من مملوك يتذلل لله ويتعبد له ولا يمل ~~من خدمته مع حاجته وفقره اليه انما العجب من مالك يتحبب إلى مملوكه بصنوف ~~انعامه ويتودد اليه بأنواع احسانه مع غناه عنه كفى بك عزا انك له عبد % ~~وكفى بك فخرا انه لك رب # | فصل ايك والمعاصي فانها ازلت عز # إسجدوا وأخرجت اقطاع اسكن يا لها لحظة أثمرت حرارة القلق الف سنة مازال ~~يكتب بدم الندم سطور الحزن في القصص ويرسلها مع أنفاس الأسف حتى جاءه توقيع ~~فتاب عليه فرح ابليس بنزول آدم من لجنة وما علم أن هبوط الغائص في اللجة ~~خلف الدر صعود كم بين قوله لآدم @QB@ إني جاعل في الأرض خليفة @QE@ وقوله ~~لك @QB@ اذهب فمن تبعك منهم @QE@ ما جرى على آدم هو المراد من وجوده لو لم ~~تذنبوا يا آدم لا تجزع من قولي لك اخرج منها فلك ولصالح ذريتك خلفتها يا ~~آدم كنت تدخل علي دخول الملوك علي الملوك واليوم تدخل علي دخول العبيد علي ~~الملوك يا آدم لا تجزع من كأس زلل كانت سبب كيسك فقد استخرج منك داء العجب ~~والبست خلعة العبودية وعسى أن تكرهوا يا آدم لم أخرج اقطاعك الي غيرك انما ~~نحيتك عنه لا كمل عمارته لك وليبعث الي العمال نفقة تتجافى جنوبهم تالله ms030 ما ~~نفعه عند معصيته عز # اسجدوا ولا شرف وعلم آدم ولا خصيصة لما خلقت بيدي ولا فخر @QB@ ونفخت فيه ~~من روحي @QE@ وانما انتفع بذل @QB@ ربنا ظلمنا أنفسنا @QE@ لما لبس درع ~~التوحيد على بدن الشكر وقع سهم العدو منه في غير مقتل PageV01P035 فجرحه ~~فوضع عليه جبار الانكسار فعاد كما كان فقام الجريح كان لم يكن به قلبة فصل # نجائب النجاة مهيأة للمراد واقدم المطرود موثوقة بالقيود هبت عواصف ~~الأقدار في بيداء الاكوان فتقلب الوجود ونجم الخير فلما ركدت الريح اذا أبو ~~طالب غريق في لجة الهلاك وسلمان على ساحل السلامة والوليد بن PageV01P036 # المغيرة يقدم قومه في التيه وصهيب قد قدم بقافلة الروم والنجاشي في أرض ~~PageV01P038 الحبشة يقول لبيك اللهم لبيك وبلال ينادي الصلاة خير من النوم ~~PageV01P039 وأبو جهل في رقدة المخالفة لما قضى في القدم بسابقه سلمان عرج ~~به دليل التوفيق عن طريق آبائه في التمجس فأقبل يناظر أباه في دين الشرك ~~فلما علاه بالحجة لم يكن له جواب الا القيد وهذا جواب يتداوله أهل الباطل ~~من يوم حرفوه وبه أجاب فرعون موسى لئن اتخذت الها غيري وبه أجاب الجهمية ~~الامام أحمد لما عرضوه على السياط وبه أجاب أهل البدع شيخ الاسلام حين ~~استدعوه السجن وها نحن علي الاثر فنزل به ضيف ولنبلونكم فنال باكرامة مرتبة ~~سلمان منا أهل البيت فسمع ان ركبا على نية السفر فسرق نفسه من أبيه ولا قطع ~~فركب راحلة العزم يرجو ادراك مطلب السعادة فغاص في بحر البحث ليقع بدرة ~~الوجود فوقف نفسه على خدمة الادلاء وقوف الاذلاء فلما أحس الرهبان بانقراض ~~دولتهم سلموا اليه اعلام الأعلام على نبوة نبينا وقالوا ان زمانه قد أظل ~~فأحذر ان تضل فرحل مع رفقة لم يرفقوا به فشروه بثمن بخس دراهم معدودة ~~فأتباعه يهودى بالمدينة فلما رأى الحره توقد حرا شوقه ولم يعلم رب المنزل ~~بوجد النازل فبينا هو يكابد ساعات الانتظار قدم البشير بقدوم البشير وسلمان ~~في رأس نخلة وكاد القلق يلقيه لولا ان الحزم أمسكه كما جرى ms031 يوم إن كادت ~~لتبدي به لولا ان ربطنا علي قلبها فعجل النزول لتلقي ركب البشارة ولسان ~~حاله يقول # خليلي من نجد قفا بي على الربا % فقد هب من تلك الديار نسيم فصاح به سيده ~~مالك انصرف الي شغلك فقال # كيف انصرافي ولي في داركم شغل # ثم أخذ لسان حاله يترنم لو سمع الأطروش خليلي لا والله ما انا منكما % ~~اذا علم من آل ليلي بداليا PageV01P040 # فلما لقى الرسول عارض نسخة الرهبان بكتاب الأصل فوافقه يا محمد انت تريد ~~أبا طالب ونحن نريد سلمان أبو طالب اذا سئل عن اسمه قال عبد مناف واذا ~~انتسب افتخر بالآباء واذاذكرت الأموال عبد الابل وسلمان اذا سئل عن اسمه ~~قال عبد الله وعن نسبه قال ابن الاسلام وعن ماله قال الفقر وعن حانوته قال ~~المسجد وعن كسبه قال الصبر وعن لباسه قال التقوى والتواضع وعن وساده قال ~~السهر وعن فخره قال سلمان منا وعن قصده قال يريدون وجهه وعن سيره قال إلى ~~الجنة وعن دليله في الطريق قال إمام الخلق وهادئ الائمة # اذا نحن ادلجن وانت امامنا % كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا # وان نحن اضللنا الطريق ولم نجد % دليلا كفانا نور وجهك هاديا # الذنوب جراحات ورب جرح وقع في مقتل لو خرج عقلك من سلطان هواك عادت ~~الدولة له دخلت دار الهوى فقامرت بعمرك اذا عرضت نظرة لا تحل فاعلم انها ~~مسعر حرب فاستتر منها بحجاب قل للمؤمنين فقد سلمت من الاثر وكفى الله ~~المؤمنين القتال بحر الهوى اذا مد أغرق واخوف المنافذ على السابح فتح البصر ~~في الماء # ما أحد أكرم من مفرد % في قبره اعماله تونسه # منعما في القبر في روضه % ليس كعبده قبره محبسه # علي قدر فضل المرء يأتي خطوبه % ويعرف عند الصبر فيما يصيبه # ومن قل فيما يتقيه اصطباره % فقد قل مما يرتجيه نصيبه # كم قطع زرع قبل التمام فما ظن الزرع المستحصد اشتر نفسك فالسوق قائمة ~~والثمن موجود لابد من سنة الغفلة ورقاد الهوى ولكن كن خفيف النوم فحراس ms032 ~~البلد يصيحون دنا الصباح نور العقل يضيء في ليل الهوى فتلوح جادة الصواب ~~فيتلمح البصير في ذلك النور عواقب الأمور اخرج بالعزم من هذا PageV01P041 ~~الفناء الضيق المحشو بالآفات الي ذلك الفناء الرحب الذي فيه مالا عين رأت ~~فهناك لا يتعذر مطلوب ولا يفقد محبوب يا بائعا نفسه بهوى من حبه ضنا ووصله ~~أذى وحسنه إلى فنا لقد بعت انفس الأشياء بثمن بخس كأنك لم تعرف قدر السلعة ~~وبلا خسة الثمن حتى اذا قدمت يوم التغابن تبين لك ان الغبن في عقد التبايع ~~لا اله الا الله سلعة الله مشتريها وثمنها الجنة والدلال الرسول ترضي ~~ببيعها بجزء يسير مما لا يساوي كله جناح بعوضة # اذا كان شيء لا يساوي جميعه % جناح بعوضة عند من صرت عبده # ويملك جزء منه كلك ما الذى % يكون على ذا الحال قدرك عنده # وبعت به نفسا قد استامها بما % لديه من الحسنى وقد زال وده # يا مخنت العزم اين انت والطريق طريق تعب فيه آدم وناح لاجله نوح ورمى في ~~النار الخليل واضجع للذبح اسماعيل وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع ~~سنين ونشر بالمنشار زكريا وذبح السيد الحصور يحيى وقاسى الضر أيوب وزاد على ~~المقدار بكاء داود وسار مع الوحش عيسي وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد تزها ~~انت باللهو واللعب # فيا دارها بالحزن ان مزارها % قريب ولكن دون ذلك أهوال # الحرب قائمة وانت اعزل في النظارة فأن حركت ركابك فللهزيمة من لم يباشر ~~حر الهجير في طلاب المجد لم يقل في ظلال الشرف # تقول سليمى لو أقمت بارضنا % ولم تدارني للمقام أطوف # قيل لبعض العباد إلى كم تتعب نفسك فقال راحتها اريد يا مكر ما بجلة ~~PageV01P042 الأيمان بعد حلة العافية وهو يخلقهما في مخالفة الخالق لا تنكر ~~السلب يستحق من استعمل نعمة المنعم فيما يكره ان يسلبها عرائس الموجودات قد ~~تزينت للناظرين ليبلوهم ايهم يؤثرهن على عرائس الآخرة فمن عرف قدر التفاوت ~~آثر ما ينبغي ايثاره # وحسان الكون لما أن بدت % اقبلت نحوي وقالت ms033 لي إلى # فتعاميت كأن لم أرها % عندما ابصرت مقصودي لدي # كواكب هم العارفين في روج عزائمهم سيارة ليس فيها زحل يا من انحرف عن ~~جادتهم كن في أواخر الركب ونم اذا نمت علي الطريق فالأمير يراعي الساقة قيل ~~للحسن سبقنا القوم على خيل دهم ونحن على حمر معقره فقال ان كنت على طريقهم ~~فما أسرع اللحاق بهم # | فائدة من فقد أنسه بالله بين الناس ووجده في الوحدة فهو صادق ضعيف # ومن وجده بين الناس وفقده في الخلوة فهو معلول ومن فقده بين الناس وفي ~~الخلوة فهو ميت مطرود ومن وجده في الخلوة وفي الناس فهو المحب الصادق القوى ~~في حاله ومن كان فتحه في الخلوة لم يكن مزيده الا منها ومن كان فتحه بيت ~~الناس ونصحهم وارشادهم كان مزيده معهم ومن كان فتحه في وقوفه مع مراد الله ~~حيث أقامه وفي أي شيء استعمله كان مزيده في خلوته ومع الناس فأشرف الأحوال ~~أن لا تختار لنفسك حالة سوى ما يختاره لك ويقيمك فيه فكن مع مراده منك ولا ~~تكن مع مرادك منه مصابيح القلوب الطاهرة في اصل الفطره منيرة قبل ~~PageV01P043 الشرائع يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار وحد قس وما رأي ~~الرسول وكفر ابن أبي وقد صلى معه في المسجد مع الص بري ولا ماء وكم من ~~عطشان في اللجة سبق العلم بنبوة موسى وايمان آسية فسيق تابوته إلى بيتها ~~فجاء طفل منفرد عن أم إلى امرأة خالية عن ولد فلله كم في هذه القصة من عبرة ~~كم ذبح فرعون في طلب موسى من ولد ولسان القدر يقول لا نربيه الا في حجرك ~~PageV01P044 # كان ذو البجادين يتيما في الصغر فكفله عمه فنازعته نفسه إلى اتباع الرسول ~~فهم بالنهوض فاذا بقية المرض مانعه فقعد ينتظر العم فلما تكاملت صحته نفذ ~~الصبر فناداه ضمير الوجد # الي كم حبسها تشكو المضيقا % أثرها ربما وجدت طريقا # فقال يا عم طال انتظاري لاسلامك وما أرى منك نشاطا فقال والله لئن أسلمت ~~لانتزعن كل ما ms034 أعطيتك فصاح لسان الشوق نظرة من محمد أحب الي من الدنيا وما ~~فيها # ولو قيل للمجنون ليلى ووصلها % تريد أم الدنيا وما في طواياها # لقال تراب من غبار نعالها % ألذ إلى نفسي وأشفى لبلواها # فلما تجرد للسير إلى الرسول جرده عمه من الثياب فناولته الام بجادا فقطعه ~~لسفر الوصل نصفين أتزر بأحدهما با وارتدي بالآخر فلما نادى صائح الجهاد قنع ~~ان يكون في سافة الأحباب والمحب لا يرى طول الطريق لان المقصود يعينه # ألا بلغ الله الحمى من يريده % وبلغ أكناف الحمى من يريدها # فلما قضى نحبه نزل الرسول يمهد لد لحده وجعل يقول اللهم أني أمسيت عنه ~~راضيا فارض عنه فصاح ابن مسعود يا ليتني كنت صاحب القبر # فيا مخنث العزم أقل ما في الرقعة البيذق فلما نهض تفرزن رأى بعض ~~PageV01P045 الحكماء برذونا يسقى عليه فقال لو هملج هذا الركب اقدام العزم ~~بالسلوك اندفع من بين أيديها سد القواطع القواطع محن يتبين بها الصادق من ~~الكاذب فاذا خضتها انقلبت أعوانا لك توصلك إلى المقصود # | فصل الدنيا كأمرأه بغى لا تثبت مع زوج انما تخطب الأزواج ليستحسنوا # عليها فلا ترضى بالدياثه # ميزت بين جمالها وفعالها % فأذا الملاحة بالقباحة لا تفى # حلفت لنا ان لا تخون عهودنا % فكأنها حلفت لنا ان لا تفى # السير في طلبها سير في أرض مسبعة والسباحة فيها سباحة في غدير التمساح ~~المفروح به منها هو عين المحزون عليه آلامها متولدة من لذاتها واحزانها من ~~أفراحها # مآرب كانت في الشباب لأهلها % عذاب فصارت في المشيب عذابا # طائر الطبع يرى الحبة وعين العقل ترى الشرك غير ان عين الهوى عميا # وعين الرضا عن كل عيب كليلة % كما أن عين السخط تبدى المساويا # تزخرفت الشهوات لأعين الطباع فغض عنها الذين يؤمنون بالغيب ووقع تابعوها ~~في بيداء الحسرات و باؤلئك على هدى من ربهم واؤلئك هم المفلحون وهؤلاء يقال ~~لهم @QB@ كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون @QE@ لما عرف الموفقون قدر الحياة ~~الدنيا وقلة المقام فيها أما وافيها الهوى طلبا لحياة الأبد ms035 لما استيقظوا ~~من نوم الغفلة استرجعوا بالجد ما انهبه العدو منهم في زمن البطالة فلما ~~طالت عليهم الطريق تلمحوا المقصد فقرب عليهم البعيد وكلما أمرت لهم الحياة ~~حلى لهم تذكر @QB@ هذا يومكم الذي كنتم توعدون @QE@ # وركب سروا الليل ملق رواقه % على كل مغبر المطالع قائم # حدوا عزمات ضاعت الأرض بينها % فصار سراهم في طلوع العزائم PageV01P046 # تريهم نجوم الليل ما يتبعونه % على عاتق الشعرى وهام النعائم # اذا اطردت في معرك الجد قصفوا % رماح العطايا في صدور المكارم # | فصل من اعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه وأن تسمع داعيه ثم # تتأخر عن الاجابة وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعمل غيره وان تعرف ~~قدر غضبه ثم تتعرض له وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس ~~بطاعته وأن تذوق عصرة القلب عند الخوض في غير حديثه والحديث عنه ثم لا ~~تشتاق إلى انشراح الصدر بذكره ومناجاته وأن تذوق العذاب عند تعلق القلب ~~بغيره ولا تهرب منه إلى نعيم الاقبال عليه والانابه اليه واعجب من هذا علمك ~~انك لابد لك منه وانك أحوج شيء اليه وأنت عنه معرض وفيما يبعدك عنه راغب # | فائدة ما أخذ العبد ما حرم عليه الا من جهتين احداهما سوء ظنه # بربه وانه لو أطاعه وآثره لم يعطه خيرا منه حلالا والثانية ان يكون عالما ~~بذلك وان من ترك لله شيئا أعاضه خيرا منه ولكن تغلب شهوته صبره وهواه عقل ~~فالأول من ضعف علمه والثاني من ضعف عقله وبصيرته قال يحي بن معاذ من جمع ~~الله عليه قلبه في الدعاء لم يرده قلت اذا اجتمع عليه قلبه وصدقت ضرورته ~~وفاقته وقوي رجاؤه فلا يكاد يرد دعاؤه # | فصل لما رأى المتيقظون سطوة لدنيا بأهلها وخداع الامل لاربابه وتملك # الشيطان وقياد النفوس راوا الدولة للنفس الامارة لجأوا إلى حصن التضرع ~~والالتجاء كما PageV01P047 يأوي العبد المذعور الي حرم سيده سيده شهوات ~~الدنيا كلعب الخيال ونظر الجاهل مقصور على الظاهر فاما ذو العقل فيرى ما ~~ووراء الستر لاح لهم ms036 المشتهى فلما مدوا أيدى التناول بأن لابصار البصائر ~~خبط الفخ فطاروا بأجنحة الحذر وصوبوا إلى الرحيل الثاني ياليت قومي يعلمون ~~تلمح القوم الوجود ففهموا المقصود فاجمعوا الرحيل قبل الرحيل وشمروا للسير ~~في سواء السبيل فالناس مشتغلون بالفضلات وهم في قطع الفلوات وعصافير الهوى ~~في وثاق الشبكة ينتظرون الذبح وقع ثعلبان في شبكة فقال أحدهما للآخر أين ~~الملتقى بعد هذا فقال بعد يومين في الدباغة تالله ما كانت الأيام الا مناما ~~فليستيقظوا وقد حصلوا على الظفر ما مضى من الدنيا أحلام وما بقى منها أماني ~~والوقت ضائع بينهما # كيف يسلم من له زوجة لا ترحمه وولد لا يعذره وجار لا يأمنه وصاحب لا ~~ينصحه وشريك لا ينصفه وعدو لا ينام عن معاداته ونفس أمارة بالسوء ودنيا ~~متزينة وهوى مرد وشهوة غالبة له وغضب قاهر وشيطان مزين وضعف مستول عليه فأن ~~تولاه الله وجذبه اليه انقهرت له هذه كلها وان تخلى عنه ووكله إلى نفسه ~~اجتمعت عليه فكانت الهلكة # لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما واعتقدوا عدم ~~الاكتفاء بهما وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ عرض لهم ~~من ذلك فساد في فطرهم وظلمة فى قلوبهم وكدر فى افهامهم ومحق فى عقولهم ~~وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتى ربي فيها الصغير وهرم عليها الكبير فلم ~~يروها مكرا فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البدع مقام السنن والنفس مقام ~~العقل والهوى مقام الرشد والظلال مقام الهدى والمنكر مقام المعروف والجهل ~~مقام العلم والرياء مقام الاخلاص والباطل مقام الحق والكذب مقام الصدق ~~والمداهنة مقام النصيحة والظلم مقام العدل فصارت الدولة PageV01P048 ~~والغلبة لهذه الأمور وأهلها هم المشار اليهم وكانت قبل ذلك لاضدادها وكان ~~أهلها هم المشار اليهم # فاذا رأيت دولة هذه الأمور قد أقبلت وراياتها قد نصبت وجيوشها قد ركبت ~~فبطن الأرض والله خير من ظهرها وقلل الجبال خير من السهول ومخالطة الوحش ~~أسلم من مخالطة الناس # اقشعرت الأرض وأظلمت السماء وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة ~~وذهبت البركات وقلت الخيرات ms037 وهزلت الوحوش وتكدرت الحياة من فسق الظلمة وبكي ~~ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة وشكا الكرام ~~الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبايح وهذا ~~والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه ومؤذن بليل بلاء قد ادلهم ظلامه ~~فاعزلوا عن طريق هذا السبيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح ~~وكأنكم بالباب وقد أغلق وبالرهن وقد غلق وبالجناح وقد علق @QB@ وسيعلم ~~الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون @QE@ # اشتر نفسك اليوم فان السوق قائمة والثمن موجود والبضائع رخيصة وسيأتي على ~~تلك السوق والبضايع يوم لا تصل فيها إلى قليل ولا كثير ذلك يوم التغابن يوم ~~يعض الظالم على يديه # اذا انت لم ترحل بزاد من التقى % وأبصرت يوم الحشر من قد تزودا # ندمت على ان لا تكون كمثله % وانك لم ترصد كما كان ارصدا # العمل بغير اخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملا يثقله ولا ينفعه ~~اذا حملت علي القلب هموم الدنيا واثقالها وتهاونت بأوراده التي هى قوته ~~وحياته كنت كالمسافر الذى يحمل دابته فوق طاقتها ولا يوفيها علفها فما أسرع ~~ما تقف به # ومشتت العزمات ينفق عمره % حيران لا ظفر ولا اخفاق PageV01P049 # هل السائق العجلان يملك امره % فما كل سير اليعملات وحيد # رويدا باخفاف المطى فانما % تداس جباه تحتها وخدود # من تلمح حلاوة العافية هان عليه مرارة الصبر الغاية اول فى التقدير آخر ~~فى الوجود مبدأ فى نظر العقل منتهى فى منازل الوصول الفت عجز العادة فلو ~~علت بك همتك ربا المعالي لاحت لك انوار العزائم انما تفاوت القوم بالهمم لا ~~بالصور تزول همة الكساح دلاه فى جب العذرة بينك وبين الفائزين جبل الهوى ~~نزلوا بين يديه ونزلت خلفه فاطو فضل منزل تلحق بالقوم الدنيا مضمار سباق ~~وقد انعقد الغبار وخفى السابق والناس فى المضمار بين فارس وراجل واصحاب حمر ~~معقرة # سوف ترى اذا انجلى الغبار % أفرس تحتك أم حمار # فى الطبع شره والحمية أوفق لص الحرص لا يمشي الا فى ظلام الهوي حبة ~~المشتهى ms038 تحت فخ التلف فتفكر الذبح وقد هان الصبر قوة الطمع في بلوغ الأمل ~~توجب الاجتهاد فى الطلب وشدة الحذر من فوت المأمول البخيل فقير لا يؤجر على ~~فقره الصبر على عطش الضر ولا الشرب من شرعه من تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها ~~لا تسأل سوى مولاك فسؤال العبد غير سيده تشنيع عليه غرس الخلوة يثمر الأنس ~~استوحش مما لا يدوم معك واستأنس بمن لا يفارقك عزلة الجاهل فساد واما عزلة ~~العالم فمعها حذاؤها وسقاؤها اذا اجتمع العقل واليقين في بيت العرلة ~~واستحضر الفكر وجرت بينهم مناجاة # اتاك حديث لا يمل سماعه % شهى الينا نثره ونظامه # اذا ذكرته النفس زال عناؤها % وزال عن القلب المعني ظلامه # اذا خرجت من عدوك لفظة سفه فلا تلحقها بمثلها تلقحها ونسل الخصام نسل ~~مذموم حميتك لنفسك أثر الجهل بها فلو عرفتها حق معرفتها اعنت الخصم عليها ~~إذا اقتدحت نار الانتقام من نار الغضب ابتدأت باحراق القادح اوثق ~~PageV01P050 غضبك بسلسلة الحلم فانه كلب إن أفلت اتلف من سبقت له سابقة ~~السعادة دل على الدليل قبل الطلب اذا اراد القدر شخصا بذر فى أرض قلبه بذر ~~التوفيق ثم سقاه بماء الرغبة والرهبة ثم أقام عليه باطوار المراقبة واستخدم ~~له حارس العلم فاذا الزرع قائم على سوقه اذا طلع نجم الهمة في ظلام ليل ~~البطالة وردفه قمر العزيمة أشرقت أرض القلب بنور ربها اذا جن الليل تغالب ~~النوم والسهر فالخوف والشوق في مقدم عسكر اليقظة والكسل والتواني فى كتيبة ~~الغفلة فاذا حمل العزم حمل علي الميمنة وانهزمت جنود التفريط فما يطلع ~~الفجر الا وقد قسمت السهمان وبردت الغنيمة لاهلها سفر الليل لا يطيقه الا ~~مضمر المجاعة النجائب فى الأول وحاملات الزاد فى الأخير لا تسأم من الوقوف ~~علي الباب ولو طردت ولا تقطع الاعتذار ولو رددت فان فتح الباب للمقبولين ~~دونك فاهجم هجوم الكذابين وادخل دخول الطفيلية وابسط كف وتصدق علينا يا ~~مستفتحا باب المعاش بغير إقليد التقوي كيف توسع طريق الخطايا وتشكو ضيق ~~الرزق ولو وقفت عند ms039 مراد التقوي لم يفتك مراد المعاصي سد فى باب الكسب وان ~~العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه # تالله ما جئتكم زائرا % الا وجدت الأرض تطوي لى # ولا انثني عزمى عن بابكم % الا تعثرت باذيالى # الأرواح فى الأشباح كالاطيار فى الابراج وليس ما أعد للاستفراخ كمن هيء ~~للسباق من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه من ~~العمل وبأى شغل يشغله كن من أبناء الآخرة ولا تكن من أبناء الدنيا فان ~~الولد يتبع الأم الدنيا لا تساوي نقل أقدامك اليها فكيف تعدو خلفها الدنيا ~~جيفة والأسد لا يقع علي الجيف الدنيا مجاز والآخرة وطن والأوطار انما تطلب ~~فى الأوطان # الاجتماع بالاخوان قسمان احدهما اجتماع علي مؤانسة الطبع وشغل الوقت فهذا ~~PageV01P051 مضرته أرجح من منفعته وأقل ما فيه انه يفسد القلب ويضيع الوقت ~~الثاني الاجتماع بهم علي التعاون علي أسباب النجاة والتواصى بالحق والصبر ~~فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها ولكن فيه ثلاث آفات احداها تزين بعضهم لبعض ~~الثانية الكلام والخلطة أكثر من الحاجة الثالثة ان يصير ذلك شهوة وعادة ~~ينقطع بها عن المقصود وبالجملة فالاجتماع والخلطة لقاح اما للنفس الأمارة ~~واما للقلب والنفس المطمئنة والنتيجة مستفادة من اللقاح فمن طلب لقاحه طابت ~~ثمرته وهكذا الأرواح الطيبة لقاحها من الملك والخبيثة لقاحها من الشيطان ~~وقد جعل الله سبحانه بحكمته الطيبات للطيبين والطيبين للطيبات وعكس ذلك ~~قاعدة # ليس في الوجود الممكن سبب واحد مستقل بالتأثير بل لا يؤثر سبب البتة الا ~~بانضمام سبب آخر اليه وانتفاء مانع يمنع تأثيره هذا فى الأسباب المشهودة ~~بالعيان وفى الأسباب الغائبة والأسباب المعنوية كتأثير الشمس فى الحيوان ~~والنبات فانه موقوف علي أسباب أخر من وجود محل قابل وأسباب أخر تنضم إلى ~~ذلك السبب وكذلك حصول الولد موقوف علي عدة أسباب غير وطء الفحل وكذلك جميع ~~الأسباب مع مسبباتها فكل ما يخاف ويرجى من المخلوقات فأعلي غاياته أن يكون ~~جزء سبب غير مستقل بالتأثير ولا يستقل بالتأثير وحده دون توقف تأثيره علي ~~غيره الا الله الواحد ms040 القهار فلا ينبغى أن يرجى ولا يخاف غيره وهذا برهان ~~قطعى على أن تعلق الرجاء والخوف بغيره باطل فانه لو فرض ان ذلك سبب مستقل ~~وحده بالتأثير لكانت سببيته من غيره لا منه فليس له من نفسه قوة يفعل بها ~~فانه لا حول ولا قوة الا بالله فهو الذى بيده الحول كله والقوة كلها فالحول ~~والقوة التى يرجى لاجلهما المخلوق ويخاف انما هما لله وبيده فى الحقيقة ~~فكيف يخاف ويرجى من لا حول له ولا قوة بل خوف المخلوق ورجاؤه أحد أسباب ~~الحرمان ونزول المكروه بمن يرجوه ويخافه فانه على قدر خوفك من PageV01P052 ~~غير الله يسلط عليك وعلى قدر رجائك لغيره يكون الحرمان وهذا حال الخلق ~~أجمعه وان ذهب عن أكثرهم علما وحالا فما شاء الله كان ولا بد وما لم يشأ لم ~~يكن ولو اتفقت عليه الخليقة # التوحيد مفزع اعدائه واوليائه فاما اعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا ~~وشدائدها @QB@ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم ~~إلى البر إذا هم يشركون @QE@ واما أولياؤه فينجيهم به من كربات الدنيا ~~والآخرة وشدائدها ولذلك فزع اليه يونس فنجاه الله من تلك الظلمات وفزع اليه ~~اتباع الرسل فنجوا به مما عذب به المشركون فى الدنيا وما أعد لهم فى الآخرة ~~ولما فزع اليه فرعون عند معاينة الهلاك وادراك الغرق له لم ينفعه لان ~~الايمان عند المعاينة لا يقبل هذه سنة الله فى عباده فما دفعت شدائد الدنيا ~~بمثل التوحيد ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد ودعوة ذي النون التى ما دعا ~~بها مكروب الا فرج الله كربه بالتوحيد فلا يلقى فى الكرب العظام الا الشرك ~~ولا ينجى منها الا التوحيد فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها وبالله ~~التوفيق فائدة اللذة تابعة للمحبة تقوى بقوتها وتضعف بضعفها فكلما كانت ~~الرغبة فى المحبوب والشوق اليه أقوى كانت اللذة بالوصول اليه أتم والمحبة ~~والشوق تابع لمعرفته والعلم به فكلما كان العلم به اتم كانت محبته أكمل ~~فإذا رجع كمال النعيم فى الآخرة وكمال اللذة ms041 إلى العلم والحب فمن كان يؤمن ~~بالله واسمائه وصفاته ودينه أعرف كان له أحب وكانت لذته بالوصول اليه ~~مجاورته والنظر الي جهه وسماع كلامه أتم وكل لذة ونعيم وسرور وبهجة ~~بالاضافة إلى ذلك كقطرة فى بحر فكيف يؤثر من له عقل لذة ضعيفة قصيرة مشوبة ~~بالآلام علي لذة عظيمة دائمة ابد الآباد وكمال العبد بحسب هاتين القوتين ~~العلم والحب وافضل العلم العلم بالله وأعلى الحب الحب له وأكمل اللذة ~~بحسبهما والله المستعان PageV01P053 قاعدة # طالب الله والدار الآخره لا يستقيم له سيره وطلبه الا بحبسين حبس قلبه فى ~~طلبه ومطلوبه وحبسه عن الالتفات إلى غيره وحبس لسانه عما لا يفيد وحبسه علي ~~ذكر الله وما يزيد فى ايمانه ومعرفته وحبس جوارحه عن المعاصي والشهوات ~~وحبسها على الواجبات والمندوبات فلا يفارق الحبس حتى يلقى ربه فيخلصه من ~~السجن إلى أوسع فضاء وأطيبه ومتى لم يصبر على هذين الحبسين وفر منهما إلى ~~فضاء الشهوات أعقبه ذلك الحبس الفظيع عند خروجه من الدنيا فكل خارج من ~~الدنيا اما متخلص من الحبس واما ذاهب الي الحبس وبالله التوفيق # ودع ابن عون رجلا فقال عليك بتقوي الله فأن المتقى ليست عليه وحشة وقال ~~زيد بن أسلم كان يقال من أتقى الله أحبه الناس وإن كرهوا وقال الثوري لابن ~~أبي ذئب ان أتقيت الله كفاك الناس وان اتقيت الناس لن يغنوا عنك من الله ~~شيئا وقال سليمان بن داود أوتينا مما أوتي الناس ومما لم يؤتوا وعلمنا مما ~~علم الناس ومما لم يعلموا فلم نجد شيئا أفضل من تقوي الله فى السر ~~والعلانية والعدل فى الغضب والرضا والقصد فى الفقر والغنى وفى الزهد للامام ~~أحمد أثر الهى ما من مخلوق اعتصم بمخلوق دوني الا قطعت أسباب السموات ~~والأرض دونه فان سألنى لم أعطه وان دعاني لم أجبه وان استغفرني لم أغفر له ~~وما من مخلوق اعتصم بي دون خلقى الا ضمنت السموات والأرض رزقه فأن سألنى ~~أعطيته وان دعاني أجبته وان استغفرني غفرت له # | فائدة جليلة جمع ms042 النبى بين تقوي الله وحسن الخلق لان تقوى الله # يصلح ما بين العبد وبين ربه وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه فتقوى ~~الله توجب له محبة الله وحسن الخلق يدعو الي محبته PageV01P054 # | فائدة جليلة بين العبد وبين الله والجنة قنطرة تقطع بخطوتين خطوة عن # نفسه وخطوة عن الخلق فيسقط نفسه ويلغيها فيما بينه وبين الناس ويسقط ~~الناس ويلغيهم فيما بينه وبين الله فلا يلتفت الا إلى من دله على الله وعلى ~~الطريق الموصلة اليه # صاح بالصحابة واعظ اقترب للناس حسابهم فجزعت للخوف قلوبهم فجرت من الحذر ~~العيون فسالت أودية بقدرها تزينت الدنيا لعلي فقال أنت طالق ثلاثا لا رجعة ~~لي فيك وكانت تكفيه واحده للسن لكنه جمع الثلاث لئلا يتصور للهوى جواز ~~المراجعه ودينه الصحيح وطبعه السليم يأنفان من المحلل كيف وهو أحد رواة ~~حديث لعن الله المحلل # ما فى هذه الدار موضع خلوة فاتخذه فى نفسك لا بد ان تجذبك الجواذب ~~فاعرفها وكن منها على حذر لا تضرك الشواغل اذا خلوت منها وأنت فيها نور ~~الحق أضوأ من الشمس فيحق لخفافيش البصائر أن تعشو عنه الطريق إلى الله خال ~~من أهل الشك ومن الذين يتبعون الشهوات وهو معمور بأهل اليقين والصبر وهم ~~على الطريق كالأعلام وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون # | قاعدة لشهادة ان لا اله الا الله عند الموت تأثير عظيم فى تكفير # السيئات واحباطها لانها شهادة من عبد موقن بها عارف بمضمونها قد ماتت منه ~~الشهوات ولانت نفسه المتمردة وانقادت بعد إبائها واستعصائها واقبلت بعد ~~اعراضها وذلت بعد عزها وخرج منها حرصا على الدنيا وفضولها واستخذت بين يدى ~~ربها وفاطرها ومولاها الحق اذل ما كانت له وارجى ما كانت لعفوه ومغفرته ~~ورحمته وتجرد PageV01P055 منها التوحيد بانقطاع اسباب الشرك وتحقق بطلانه ~~فزالت منها تلك المنازعات التى كانت مشغولة بها واجتمع همها علي من ايقنت ~~بالقدوم عليه والمصير اليه فوجه العبد وجهه بكليته اليه واقبل بقلبه وروحه ~~وهمه عليه فاستسلم وحده ظاهرا وباطنا واستوى ms043 سره وعلانيته فقال لا اله الا ~~الله مخلصا من قلبه وقد تخلص قلبه من التعلق بغيره والالتفات الي ما سواه ~~قد خرجت الدنيا كلها من قلبه وشارف القدوم على ربه وخمدت نيران شهوته ~~وامتلأ قلبه من الآخره فصارت نصب عينيه وصارت الدنيا وراء ظهره فكانت تلك ~~الشهادة الخالصة خاتمة عمله فطهرته من ذنوبه وادخلته علي ربه لانه لقى ربه ~~بشهادة صادقة خالصة وافق ظاهرها باطنها وسرها علانيتها فلو حصلت له الشهادة ~~علي هذا الوجه فى أيام الصحة لاستوحش من الدنيا واهلها وفر إلى الله من ~~الناس وانس به دون ما سواه لكنه شهد بها بقلب مشحون بالشهوات وحب الحياه ~~واسبابها ونفس مملوءه بطلب الحظوظ والالتفات إلى غير الله فلو تجردت ~~كتجردها عند الموت لكان لها نبا آخر وعيش آخر سوى عيشها البهيمى والله ~~المستعان # ماذا يملك من أمره من ناصيته بيد الله ونفسه بيده وقلبه بين أصبعين من ~~أصابعه يقلبه كيف يشاء وحياته بيده وموته بيده وسعادته بيده وشقاوته بيده ~~وحركاته وسكناته وأقواله وأفعاله بأذنه ومشيئته فلا يتحرك الا باذنه ولا ~~يفعل الا بمشيئته ان وكله إلى نفسه وكله الي عجز وضيعه وتفريط وذنب وخطيئة ~~وان وكله إلى غيره وكله إلى من لا يملك له ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ~~ولا نشورا وان تخلى عنه استولى عليه عدوه وجعله اسيرا له فهو لا غنى له عنه ~~طرفة عين بل هو مضطر اليه علي مدى الأنفاس فى كل ذرة من ذراته باطنا وظاهرا ~~فاقته تامة اليه ومع ذلك فهو متخلف عنه معرض عنه يتبغض اليه بمعصيته مع شدة ~~الضرورة اليه من كل وجه قد صار لذكره نسيا واتخذه وراءه ظهريا هذا واليه ~~مرجعه وبين يديه موقفه PageV01P056 # فرغ خاطرك للهم بما أمرت به ولا تشغله بما ضمن لك فان الرزق والأجل ~~قرينان مضمونان فما دام الأجل باقيا كان الرزق آتيا واذا سد عليك بحكمته ~~طريقا من طرقه فتح لك برحمته طريقا أنفع لك منه فتأمل حال الجنين يأتيه ~~غذاؤه وهو ms044 الدم من طريق واحدة وهو السرة فلما خرج من بطن الأم وانقطعت تلك ~~الطريق فتح له طريقين اثنين وأجرى له فيهما رزقا اطيب والذ من الأول لبنا ~~خالصا سائغا فاذا تمت مدة الرضاع وانقطعت الطريقان بالفطام فتح طرقا اربعة ~~أكمل منها طعامان وشرابان فالطعامان من الحيوان والنبات والشرابان من ~~المياه والألبان وما يضاف اليهما من المنافع والملاذ فاذا مات انقطعت عنه ~~هذه الطرق الأربعة لكنه سبحانه فتح له إن كان سعيدا طرقا ثمانية وهى ابواب ~~الجنة الثمانية يدخل من ايها شاء فهكذا الرب سبحانه لا يمنع عبده المؤمن ~~شيئا من الدنيا الا ويؤتيه أفضل منه وأنفع له وليس ذلك لغير المؤمن فأنه ~~يمنعه الحظ الأدني الخسيس ولا يرضي له به ليعطيه الحظ الأعلى النفيس والعبد ~~لجهله بمصالح نفسه وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه لا يعرف التفاوت بين ما منع ~~منه وبين ما ذخر له بل هو مولع بحب العاجل وان كان دنيئا وبقلة الرغبة في ~~الآجل وان كان عليا ولو انصف العبد ربه وانى له بذلك لعلم أن فضله عليه ~~فيما منعه من الدنيا ولذاتها ونعيمها أعظم من فضله عليه فيما آتاه من ذلك ~~فما منعه الا ليعطيه ولا ابتلاه الا ليعافيه ولا امتحنه الا ليصافيه ولا ~~أماته الا ليحييه ولا أخرجه الي هذه الدار الا ليتأهب منها للقدوم عليه ~~وليسلك الطريق الموصلة اليه فجعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو ~~أراد شكورا وأبى الظالمون الا كفورا والله المستعان من عرف نفسه اشتغل ~~باصلاحها عن عيوب الناس من عرف ربه اشتغل به عن هوى نفسه أنفع العمل أن ~~تغيب فيه عن الناس بالاخلاص وعن نفسك بشهود المنة فلا ترى فيه نفسك ولا ترى ~~الخلق PageV01P057 # دخل الناس النار من ثلاثة أبواب باب شبهة اورثت شكا في دين الله وباب ~~شهوة اورثت تقديم الهوى على طاعته ومرضاته وباب غضب أورث العدوان على خلقه # أصول الخطايا كلها ثلاثة الكبر وهو الذى أصار ابليس الي ما أصاره والحرص ~~وهو الذى أخرج آدم ms045 من الجنة والحسد وهو الذى جرأ أحدا بني آدم علي أخيه فمن ~~وقى شر هذه الثلاثة فقد وقى الشر فالكفر من الكبر والمعاصى من الحرص والبغى ~~والظلم من الحسد # جعل الله بحكمته كل جزء من أجزاء ابن آدم ظاهرة وباطنة آلة لشيء اذا ~~استعمل فيه فهو كماله فالعين آلة للنظر والاذن آلة للسماع والأنف آلة للشم ~~واللسان آلة للنطق والفرج للنكاح واليد للبطش والرجل للمشى والقلب للتوحيد ~~والمعرفة والروح للمحبه والعقل آلة للتفكر والتدبر لعواقب الامور الدينية ~~والدنيويه وايثار ما ينبغى ايثاره وأهمال ما ينبغى اهماله # أخسر الناس صفقة من اشتغل عن الله بنفسه بل أخسر منه من اشتغل عن نفسه ~~بالناس فى السنن من حديث أبي سعيد يرفعه اذا أصبح ابن آدم فان الأعضاء كلها ~~تكفر اللسان تقول اتق الله فأنما نحن بك فان استقمت استقمنا وان اعوججت ~~اعوججنا قوله تكفر اللسان قيل معناه تخضع له وفى الحديث ان الصحابة لما ~~دخلوا علي النجاشي لم يكفروا له أى لم يسجدوا ولم يخضعوا ولذلك قال له عمرو ~~بن العاص أيها الملك انهم لا يكفرون لك وانما خضعت للسان لانه بريد القلب ~~وترجمانه والواسطة بينه وبين الأعضاء وقولها انما نحن بك أي نجاتنا بك ~~وهلاكنا بك ولهذا قالت فان استقمت استقمنا وان اعوججت اعوججنا PageV01P058 # | فصل جمع النبى فى قوله فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب بين مصالح # الدنيا والآخرة ونعيمها ولذاتها انما ينال بتقوى الله وراحة القلب والبدن ~~وترك الاهتمام والحرص الشديد والتعب والعناد والكد والشقاء فى طلب الدنيا ~~انما ينال بالاجمال في الطلب فمن اتقى الله فاز بلذة الآخرة ونعيمها ومن ~~أجمل فى الطلب استراح من نكد الدنيا وهمومها فالله المستعان # قد نادت الدنيا علي نفسها % لو كان فى ذا الخلق من يسمع # كم واثق بالعيش أهلكته % وجامع فرقت ما يجمع # | فائدة جمع النبي بين المأثم والمغرم فان المأثم يوجب خسارة الآخرة # والمغرم يوجب خسارة الدنيا # | فائدة قال تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا علق سبحانه الهداية # بالجهاد فاكمل الناس هداية ms046 أعظمهم جهادا وأفرض الجهاد جهاد النفس وجهاد ~~الهوي وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا فمن جاهد هذه الاربعة فى الله هداه الله ~~سبل رضاه الموصلة الي جنته ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من ~~الجهاد قال الجنيد والذين جاهدوا أهواءهم فينا بالتوبة لنهدينهم سبل ~~الاخلاص ولا يتمكن من جهاد عدوه في الظاهر الا من جاهد هذه الأعداء باطنا ~~فمن نصر عليها نصر على عدوه ومن نصرت عليه نصر عليه عدوه PageV01P059 # | فصل القى الله سبحانه العداوة بين الشيطان وبين الملك والعداوة بين # العقل وبين الهوى والعداوة بين النفس الأمارة وبين القلب وابتلى العبد ~~بذلك وجمع له بين هؤلاء وأمد كل حزب بجنود وأعوان فلا تزال الحرب سجالا ~~ودولا بين الفريقين إلى أن يستولى أحدهما علي الآخر ويكون الآخر مقهورا معه ~~فاذا كانت النوبة للقلب والعقل والملك فهنالك السرور والنعيم واللذة ~~والبهجة والفرح وقرة العين وطيب الحياة وانشراح الصدر والفوز بالغنائم واذا ~~كانت النوبة للنفس والهوي والشيطان فهنالك الغموم والهموم والأحزان وأنواع ~~المكاره وضيق الصدر وحبس الملك فما ظنك بملك استولى عليه عدوه فانزله عن ~~سرير ملكه وأسره وحبسه وحال بينه وبين خزائنه وذخائره وخدمه وصيرها له ومع ~~هذا فلا يتحرك الملك لطلب ثأره ولا يستغيث بمن يغيثه ولا يستنجد بمن ينجده ~~وفوق هذا الملك ملك قاهر لا يقهر وغالب لا يغلب وعزيز لا يذل فارسل اليه إن ~~استنصرتنى نصرتك وان استغثت بي اغثتك وان التجأت الي أخذت بثأرك وان هربت ~~إلى واويت الي سلطتك علي عدوك وجعلته تحت أسرك فان قال هذا الملك المأسور ~~قد شد عدوى وثاقى وأحكم رباطى واستوثق منى بالقيود ومنعني من النهوض اليك ~~والفرار اليك والمسير الي بابك فان أرسلت جندا من عندك يحل وثاقى ويفك ~~قيودى ويخرجنى من حبسه امكنني أن اوافى بابك والا لم يمكننى مفارقة محبسي ~~ولا كسر قيودى فان قال ذلك احتجاجا على ذلك السلطان ودفعا لرسالته ورضا بما ~~هو فيه عند عدوه خلاه السلطان الأعظم وحاله وولاه ما تولي وان قال ms047 ذلك ~~افتقارا اليه واظهارا لعجزه وذله وانه أضعف واعجز أن يسير اليه بنفسه ويخرج ~~من حبس عدوه ويتخلص منه بحوله وقوته وأن من تمام نعمته ذلك عليه كما أرسل ~~اليه هذه الرسالة أن يمده من جنده PageV01P060 ومماليكه بمن يعينه على ~~الخلاص ويكسر باب محبسه ويفك قيوده فأن فعل به ذلك فقد اتم انعامه عليه وان ~~تخلى عنه فلم يظلمه ولا منعه حقا هوله وان حمده وحكمته اقتضي منعه وتخليته ~~فى محبسه ولا سيما اذا علم أن الحبس حبسه وان هذا العدو الذى حبسه مملوك من ~~مماليكه وعبد من عبيده ناصيته بيده لا يتصرف الا باذنه ومشيئته فهو غير ~~ملتفت اليه ولا خائف منه ولا معتقد أن له شيئا من الامر ولا بيده نفع ولا ~~ضر بل هو ناطر الي مالكه ومتولى أمره ومن ناصيته بيده قد افرده بالخوف ~~والرجاء والتضرع اليه والالتجاء والرغبة والرهبة فهناك تأتيه جيوش النصر ~~والظفر # أعلى الهمم فى طلب علم الكتاب والسنة والفهم عن الله ورسوله نفس المراد ~~وعلم حدود المنزل وأخس همم طلاب العلم قصر همته علي تتبع شواذ المسائل وما ~~لم ينزل ولا هو واقع أو كانت همته معرفة الاختلاف وتتبع أقوال الناس وليس ~~له همة إلى معرفة الصحيح من تلك الأقوال وقل أن ينتفع واحد من هؤلاء بعلمه ~~وأعلي الهمم فى باب الارادة أن تكون الهمة متعلقة بمحبة الله والوقوف مع ~~مراده الدينى الأمرى واسفلها أن تكون الهمة واقفة مع مراد صاحبها من الله ~~فهو انما يعبده لمراده منه لا لمراد الله منه فالاول يريد الله ويريد مراده ~~والثاني يريد من الله وهو فارغ عن إرادته # علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون اليها الناس بأقوالهم ويدعونهم ~~إلى النار بافعالهم فكلما قالت أقوالهم للناس هلموا قالت أفعالهم لا تسمعوا ~~منهم فلو كان ما دعوا اليه حقا كانوا أول المستجيبين له فهم فى الصوره ~~أدلاء وفي الحقيقة قطاع الطرق اذا كان الله وحده حظك ومرادك فالفضل كله ~~تابع لك يزدلف إليك أى أنواعه تبدأ ms048 به واذا كان حظك ما تنال منه فالفضل ~~موقوف عنك لانه بيده تابع له فعل من أفعاله فإذا حصل لك حصل لك الفضل بطريق ~~الضمن والتبع واذا كان الفضل مقصودك لم يحصل الله بطريق الضمن والتبع فأن ~~PageV01P061 كنت قد عرفته وأنست به ثم سقطت إلى طلب الفضل حرمك اياه عقوبة ~~لك ففاتك الله وفاتك الفضل # | فصل لما خرج رسول الله من حصر العدو دخل فى حصر النصر # فعبثت أيدى سراياه بالنصر فى الأطراف فطار ذكره فى الآفاق فصار الخلق معه ~~ثلاثة أقسام مؤمن به ومسالم له وخائف منه ألقى بذر الصبر فى مزرعة فاصبر ~~كما صبر أولو العزم من الرسل فاذا أغصان النبات تهتز بخزامي والحرمات قصاص ~~فدخل مكة دخولا ما دخله أحد قبله ولا بعده حوله المهاجرون والأنصار لا يبين ~~منهم الا الحدق والصحابة على مراتبهم والملائكة فوق رؤوسهم وجبريل يتردد ~~بينه وبين ربه وقد أباح له حرمه الذي لم يحله لاحد سواه فلما قايس بين هذا ~~اليوم وبين يوم واذ يمكر الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك فاخرجوه ~~ثاني اثنين # دخل وذقنه تمس قربوس سرجه خضوعا وذلا لمن ألبسه ثوب هذا العز الذى رفعت ~~اليه فيه الخليقة رؤوسها ومدت اليه الملوك أعناقها فدخل مكة مالكا مؤيدا ~~منصورا وعلا كعب بلال فوق الكعبة بعد أن كان يجر فى الرمضاء على جمر الفتنة ~~فنشر بزا طوى عن القوم من يوم قوله أحد أحد ورفع صوته بالاذان فأجابته ~~القبائل من كل ناحية فاقبلوا يؤمون الصوت فدخلوا فى دين الله أفواجا وكانوا ~~قبل ذلك يأتون آحادا فلما جلس الرسول على منبر العز وما نزل عنه قط مدت ~~الملوك أعناقها بالخضوع اليه فمنهم من سلم اليه مفاتيح البلاد ومنهم من ~~سأله الموادعة والصلح ومنهم من أقر بالجزيه والصغار ومنهم من أخذ فى الجمع ~~والتأهب للحرب ولم يدر أنه لم يزد على جمع الغنائم وسوق الأسارى اليه فلما ~~تكامل نصره وبلغ الرسالة وأدى الامانة وجاءه منشور انا فتحنا لك فتحا مبينا ~~ليغفر لك ms049 الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا ~~مستقيما وينصرك PageV01P062 @QB@ الله نصرا عزيزا @QE@ وبعده توقيع @QB@ ~~إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا @QE@ جاءه ~~رسول ربه يخبره بين المقام في الدنيا وبين لقائه فاختار لقاء ربه شوقا اليه ~~فتزينت الجنان ليوم قدوم روحه الكريمة لا كزينة المدينه يوم قدوم الملك اذا ~~كان عرش الرحمن فقد اهتز لموت بغض اتباعه فرحا واستبشارا بقدوم روحه فكيف ~~بروح سيد الخلائق فيا منتسبا إلى غير هذا الجناب ويا واقفا بغير هذا الباب ~~ستعلم يوم الحشر اى سريرة تكون عليها يوم تبلى السرائر # | فصل يا مغرورا بالاماني لعن ابليس وأهبط من منزل العز بترك سجدة واحده # امر بها واخرج آدم من الجنه بلقمة تناولها وحجب القاتل عنها بعد ان رآها ~~عيانا بملء كف من دم وامر بقتل الزاني اشنع القتلات بايلاج قدر الانملة ~~فيما لا يحل وأمر بأيساع الظهر سياطا بكلمة قذف أو بقطرة سكر وابان عضوا من ~~اعضائك بثلاثة دراهم فلا تأمنه ان يحبسك في النار بمعصية واحدة من معاصيه ~~@QB@ ولا يخاف عقباها @QE@ دخلت امرأة النار في هرة وان الرجل ليتكلم ~~بالكلمة لا يلقى لها بالا يهوي بها في النار ابعد ما بين المشرق والمغرب ~~وان الرجل ليعمل بطاعة الله ستين سنة فأذا كان عند الموت جار في الوصيه ~~فيختم له بسوء عمله فيدخل النار العمر بى خره والعمل بخاتمته من احدث قبل ~~السلام بطل ما مضى من صلاته ومن أفطر قبل غروب الشمس ذهب صيامه ضائعا ومن ~~أساء في آخر عمره لقى ربه في ذلك الوجه لو قدمت لقمه وجدتها ولكن يؤذيك ~~الشره كم جاء الثواب يسعى اليك فوقف بالباب فرده بواب سوف ولعل وعسى كيف ~~الفلاح PageV01P063 بين ايمان ناقص وأمل زائد ومرض لا طبيب له ولا عائد ~~وهوى مستيقظ وعقل راقد ساهيا في غمرته عمها في سكرته سابحا في لجة جهله ~~مستوحشا من ربه مستأنسا بخلقه ذكر الناس فاكهته وقوته وذكر الله حبسه وموته ms050 ~~لله منه جزء يسير من ظاهره وقلبه ويقينه لغيره # لا كان من سواك فيه بقية % يجد السبيل بها اليه العذل # | فصل كان أول المخلوقات القلم ليكتب المقادير قبل كونها وجعل آدم وآخر # المخلوقات وفي ذلك حكم أحدها تمهيد الدار قبل الساكن الثانية انه الغاية ~~التي خلق لاجلها ما سواه من السموات والأرض والشمس والقمر والبر والبحر ~~الثالثة ان احذق الصناع يختم عمله بأحسنه وغايته كما يبدؤه باساسه ومبادئه ~~الرابعة ان النفوس متطلعة إلى النهايات والأواخر دائما ولهذا قال موسي ~~للسحرة ولا @QB@ ألقوا ما أنتم ملقون @QE@ فلما راى الناس فعلهم تطلعوا إلى ~~ما يأتي بعده الخامسة ان الله سبحانه أخر أفضل الكتب والانبياء والأمم إلى ~~آخر الزمان وجعل الآخرة خيرا من الأولى والنهايات أكمل من البدايات فكم بين ~~قول الملك للرسول اقرا فيقول ما انا بقاريء وبين قوله تعالى @QB@ اليوم ~~أكملت لكم دينكم @QE@ السادسة ان سبحانه جمع ما فرقه في العالم في آدم فهو ~~العالم الصغير وفيه ما في العالم الكبير السابعة ان خلاصة الوجود وثمرته ~~فناسب ان يكون خلقه بعد الموجودات الثامنة ان من كرامته علي خالقه أنه هيأ ~~له مصالحه وحوائجه وآلات معيشته وأسباب حياته فما رفع رأسه الا وذلك كله ~~حاضر عتيد التاسعة انه سبحانه أراد أن يظهر شرفه وفضله على سائر المخلوقات ~~فقدمها عليه في الخلق ولهذا قالت الملائكة ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقا ~~اكرم عليه منا فلما خلق آدم وأمرهم بالسجود له ظهر فضله وشرفه عليهم بالعلم ~~والمعرفة فلما وقع في الذنب ظنت الملائكة أن ذلك الفضل PageV01P064 قد نسخ ~~ولم تطلع على عبودية التوبة الكامنه فلما تاب إلى ربه وأنى بتلك العبودية ~~علمت الملائكة ان لله في خلقه سرا لا يعلمه سواه العاشرة انه سبحانه لما ~~افتتح خلق هذا العالم بالقلم من أحسن المناسبة أن يختمه بخلق الانسان فان ~~القلم آلة العلم والانسان هو العالم ولهذا اظهر سبحانه فضل آدم على ~~الملائكة بالعلم الذي خص به دونهم وتأمل كيف كتب سبحانه عذر آدم قبل ms051 هبوطه ~~إلى الأرض ونبه الملائكة على فضله وشرفه ونوه باسمه قبل ايجاده بقوله @QB@ ~~إني جاعل في الأرض خليفة @QE@ وتأمل كيف وسمه بالخلافة وتلك ولاية له قبل ~~وجوده وأقام عذره قبل الهبوط بقوله @QB@ في الأرض @QE@ والمحب يقيم عذر ~~المحبوب قبل جنايته فلما صوره ألقاه على باب الجنة أربعين سنة لان داب ~~المحب الوقوف على باب الحبيب رمى به في طريق ذل @QB@ لم يكن شيئا @QE@ لئلا ~~يعجب يوم اسجدوا كان أبليس يمر على جسده فيعجب منه ويقول لأمر قد خلقت ثم ~~يدخل من فيه ويخرج من دبره ويقول لئن سلطت عليك لأهلكنك ولئن سلطت علي ~~لأعصينك ولم يعلم ان هلاكه على يده رأى طينا مجموعا فاحتقر فلما صور الطين ~~صورة دب فيه داء الحسد فلما نفخ فيه الروح مات الحاسد فلما بسط له بساط ~~العز عرضت عليه المخلوقات فاستحضر مدعى # ونحن نسبح الي حاكم أنبئوني وقد أخفى الوكيل عنه بينة وعلم فنكسوا رؤوس ~~الدعاوى على صدور الاقرار فقام منادي التفضيل في أندية الملائكة ينادى ~~اسجدوا فتطهروا من حديث دعوي ونحن بماء العذر في آنية @QB@ لا علم لنا @QE@ ~~فسجدوا على طهارة التسليم وقام ابليس ناحية لم يسجد لانه خبث وقد تلون ~~بنجاسة الاعتراض وما كانت نجاسته تتلافى بالتطهير لانها عينية فلما تم كمال ~~آدم قال لا بد من خال جمال على وجه اسجدوا فجرى القدر بالذنب ليتبين اثر ~~العبودية في الذل يا آدم لو عفى لك عن تلك اللقمة لقال الحاسدون كيف فضل ذو ~~شره لم يصبر على شجرة لولا نزولك ما تصاعدت صعداء الأنفاس ولا نزلت رسائل ~~هل من وسائل ولا فاحت PageV01P065 روائح ولخلوف فم الصائم فتبين حينئذ ان ~~ذلك التناول لم يكن عن شره يا آدم ضحكك في الجنة لك وبكاؤك في دار التكليف ~~لنا ما ضر من كسره عزى اذا جبره فضلي انما تليق خلعة العز ببدن الانكسار ~~أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي مازالت تلك الأكلة تعاده حتى استولى داؤه ~~على أولاده فأرسل اليهم اللطيف الخبير الدواء على أيدي ms052 أطباء الوجود فاما ~~يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى فحماهم الطبيب بالمناهى ~~وحفظ القوة بالأوامر واستفرغ اخلاطهم الرديئه بالتوبة فجاءت العافية من كل ~~ناحية # فيا من ضيع القوة ولم يحفظها وخلط في مرضه وما احتمى ولا صبر على مرارة ~~الاستفراغ لا تنكر قرب الهلاك فالداء مترام إلى الفساد لو ساعد القدر فاعنت ~~الطبيب علي نفسك بالحمية من شهوة خسيسة ظفرت بأنواع اللذات وأصناف ~~المشتهيات ولك بخار الشهوة غطى عين البصيرة فظننت ان الحزم بيع الوعد ~~بالنقد يالها بصيرة عمياء جزعت من صبر ساعة واحتملت ذل الأبد سافرت في طلب ~~الدنيا وهى عنها زائلة وقعدت عن السفر إلى الآخرة وهى اليها راحلة اذا رأيت ~~الرجل يشتري الخسيس بالنفيس ويبيع العظيم بالحقير فاعلم بانه سفيه # | فصل لما سلم لآدم اصل العبودية لم يقدح فيه الذنب ابن آدم لو # لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة ~~لما علم السيد ان ذنب عبده لم يكن قصدا لمخالفته ولا قدحا في حكمته علمه ~~كيف يعتذر اليه فتلقى آدم م ربه كلمات فتاب عليه العبد لا يريد بمعصيته ~~مخالفة سيده ولا الجرأة على محارمه ولكن غلبات الطبع وتزيين النفس والشيطان ~~وقهر الهوى والثقة بالعفو ورجاء المغفرة هذا من جانب العبد وأما من جانب ~~الربوبية فجريان الحكم واظهار عز الربوبيه وذل العبودية وكمال الاحتياج ~~وظهور آثار الأسماء الحسنى PageV01P066 كالعفو والغفور والتواب والحليم لمن ~~جاء تائبا نادما والمنتقم والعدل وذي البطش الشديد لمن أصر ولزم المجرة فهو ~~سبحانه يريد أن يرى عبده تفرده بالكمال ونقص العبد وحاجته اليه ويشهده كمال ~~قدرته وعزته وكمال مغفرته وعفوه ورحمته وكمال بره وستره وحلمه وتجاوزه ~~وصفحه وان رحمته به احسان اليه لا معارضة وانه ان لم يتغمده برحمته وفضله ~~فهو هالك لا محالة فلله كم من تقدير الذنب من حكمة وكم فيه مع تحقيق التوبة ~~للعبد من مصلحة ورحمة التوبة من الذنب كشرب الدواء للعليل ورب علة كانت سبب ~~الصحة # لعل عتبك ms053 محمود عواقبه % وربما صحت الأجساد بالعلل # لولا تقدير الذنب هلك ابن آدم من العجب ذنب يذل به احب اليه من طاعة يدل ~~بها عليه شمعة النصر انما تنزل في شمعدان الانكسار لا يكرم العبد نفسه بمثل ~~اهانتها ولا يعزها بمثل ذلها ولا يريحها بمثل تعبها كما قيل # سأتعب نفسي أو أصادف راحة % فان هوان النفس في كرم النفس # ولا يشبعها بمثل جوعها ولا يؤمنها بمثل خوفها ولا يؤنسها بمثل وحشتها من ~~كل ما سوى فاطرها وبارئها ولا يحييها بمثل امانتها كما قيل # موت النفوس جياتها % من شاء أن يحيا يموت # شراب الهوى حلو ولكنه يورث الشرق من تذكر خنق الفخ هان عليه هجران الحبة ~~يا معرقلا في شرك الهوى جمزة عزم وقد خرقت الشبكة لا بد من نفوذ القدر ~~فاجنح للسلم لله ملك السموات والأرض واستقرض منك حبة فبخلت بها وخلق سبعة ~~ابحر وأحب منك دمعة فقحطت عينك بها اطلاق البصر ينقش قي القلب صورة المنظور ~~والقلب كعبة والمعبود لا يرضى بمزاحمة PageV01P067 الأصنام لذات الدنيا ~~كسوداء وقد غلبت عليك والحور العين يعجبن من سوء اختيارك عليهن غير أن ~~زوبعة الهوى اذا ثارت سفت في عين البصيرة فخفيت الجادة سبحان الله تزينت ~~الجنة للخطاب فجدوا في تحصيل المهر وتعرف رب العزة الي المحبين باسمائه ~~وصفاته فعملوا على اللقاء وأنت مشغول بالجيف # لا كان من لسواك منه قلبه % ولك اللسان مع الوداد الكاذب # المعرفة بساط لا يطأ عليه الا مقرب والمحبة نشيد لا يطرب عليه الا محب ~~مغرم الحب غدير في صحراء ليست عليه جادة فلهذا قل وارده المحب يهرب إلى ~~العزلة والخلوة بمحبوبه والأنس بذكره كهرب الحوت إلى الماء والطفل إلى أمه # وأخرج من بين البيوت لعلنى % أحدث عنك القلب بالسر خاليا # ليس للعابد مستراح الا تحت شجرة طوبي ولا للمحب قرار الا يوم المزيد ~~اشتغل به في الحياة يكفك ما بعد الموت يا منفقا بضاعة العمر في مخالفة ~~حبيبه والبعد منه ليس في أعدائك أضر عليك منك # ما تبلغ الأعداء ms054 من جاهل % من يبلغ الجاهل من نفسه # الهمة العليه من استعد صاحبها للقاء الحبيب وقدم التقادم بين يدي الملتقى ~~فاستبشر عند القدوم @QB@ وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ~~وبشر المؤمنين @QE@ تالله ما عدا عليك العدو الا بعد ان تولى عنك الولى فلا ~~تظن ان الشيطان غلب ولكن الحافظ أعرض احذر نفسك فما أصابك بلاء قط الا منها ~~ولا تهادنها فوالله ما أكرمها من لم يهنها ولا أعزها من لم يذلها ولا جبرها ~~من لم يكسرها ولا أراحها من لم يتبعها ولا أمنها من لم يخوفها ولا فرحها من ~~لم يحزنها سبحان الله ظاهرك متجمل بلباس التقوى وباطنك باطية PageV01P068 ~~لخمر الهوى فكلما طيبت الثوب فاحت رائحة المسكر من تحته فتباعد منك ~~الصادقون وانحاز اليك الفاسقون يدخل عليك لص الهوى وأنت في زاوية التعبد ~~فلايرى منك طردا له فلا يزال بك حتي يخرجك من المسجد أصدق في الطلب وقد ~~جاءتك المعونة فقال رجل لمعروف علمنى المحبة فقال المحبه لا تجيء بالتعليم # هو الشوق مدلولا على مقتل الفنا % اذا لم يعد صبا بلقيا حبيبه # ليس العجيب من قوله يحبونه انما العجب من قوله يحبهم ليس العجب من فقير ~~مسكين يحب محسنا اليه أنما العجب من محسن يحب فقيرا مسكينا # | فصل القرآن كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده وصفاته فتارة يتجلى في # جلباب الهيبة والعظمة والجلال فتخضع الأعناق وتنكسر النفوس وتخشع الاصوات ~~ويذوب الكبر كما يذوب الملح في الماء وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال ~~وهو كمال الاسماء وجمال الصفات وجمال الافعال الدال على كمال الذات فيستنفد ~~حبه من قلب العبد قوة الحب كلها بحب ما عرفه من صفات جماله ونعوت كماله ~~فيصبح فؤاد عبده فارغا الا من محبته فاذا أراد منه الغيران يعلق تلك المحبة ~~به ابى قلبه واحشاؤه ذلك كل الاباء كما قيل # يراد من القلب نسيانكم % وتأبى الطباع على الناقل # فتبقى المحبة له طبعا لا تكلفا واذا تجلى بصفات الرحمة والبر واللطف ~~والاحسان انبعثت قوة الرجاء من العبد وانبسط ms055 أمله وقوي طمعه وسار إلى ربه ~~وحادى الرجاء يحدو ركاب سيره وكلما قوي الرجاء جد في العمل كما ان الباذر ~~كلما قوي طمعه في المغل غلق ارضه بالبذر واذا ضعف رجاؤه قصر في البذر واذا ~~تجلى بصفات العدل والانتقام PageV01P069 والغضب والسخط والعقوبة انقمعت ~~النفس الأمارة وبطلت أو ضعفت قواها من الشهوة والغضب واللهو واللعب والحرص ~~علي المحرمات وانقبضت أعنة رعوناتها فأحضرت المطية حظها من الخوف والخشية ~~والحذر واذا تجلى بصفات الامر والنهي والعهد والوصية وارسال الرسل وانزال ~~الكتب شرع الشرائع انبعثت منها قوة الامتثال والتنفيذ لأوامره والتبليغ لها ~~والتواصي بها وذكرها وتذكرها والتصديق بالخبر والامتثال للطلب والاجتناب ~~للنهى واذا تجلى بصفة السمع والبصر والعلم انبعث من العبد قوة الحياء ~~فيستحي ربه ان يراه على ما يكره أو يسمع منه ما يكره أو يخفى في سريرته ما ~~يمقته عليه فتبقى حركاته وأقواله وخواطره موزونة بميزان الشرع غير مهملة ~~ولا مرسله تحت حكم الطبيعة والهوى واذا تجلى بصفات الكفاية والحسب والقيام ~~بمصالح العباد وسوق أرزاقهم اليهم ودفع المصائب عنهم ونصره لأوليائه ~~وحمايته لهم ومعيته الخاصة لهم انبعثت من العبد قوة التوكل عليه والتفويض ~~اليه والرضا به وما في كل ما يجريه علي عبده ويقيمه مما يرضى به هو سبحانه ~~والتوكل معنى يلتئم من علم العبد بكفاية الله وحسن اختياره لعبده وثقته به ~~ورضاه بما يفعله به ويختاره له واذا تجلى بصفات العز والكبرياء اعطت نفسه ~~المطمئنة ما وصلت اليه من الذل لعظمته والانكسار لعزته والخضوع لكبريائه ~~وخشوع القلب والجوارح له فتعلوه السكينة والوقار في قلبه ولسانه وجوارحه ~~وسمته ويذهب طيشه وقوته وحدته # وجماع ذلك انه سبحانه يتعرف الي العبد بصفات آلهيته تارة وبصفات ربوبيته ~~تارة فيوجب له شهود صفات الآلهية المحبة الخاصة والشوق إلى لقائه والانس ~~والفرح به والسرور بخدمته والمنافسة في قربه والتودد اليه بطاعته واللهج ~~بذكره والفرار من الخلق اليه ويصير هو وحده همه دون ما سواه ويوجب له شهود ~~صفات الربوبية التوكل عليه والافتقار اليه والاستعانة به والذل والخضوع ms056 ~~والانكسار له وكمال ذلك أن يشهد ربوبيته فى الهيته والهيته في ربوبيته ~~وحمده في ملكه وعزه في عفوه PageV01P070 وحكمته في قضائه وقدره ونعمته في ~~بلائه وعطاءه في منعه وبره ولطفه وأحسانه ورحمته في قيوميته وعذله في ~~انتقامه وجوده وكرمه في مغفرته وستره وتجاوزه ويشهد حكمته ونعمته في أمره ~~ونهيه وعزه في رضاه وغضبه وحلمه في إمهاله وكرمه فى إقباله وغناه في اعراضه # وانت اذا تدبرت القرآن واجرته من التحريف وأن تقضي عليه بآراء المتكلمين ~~وافكار المتكلفين أشهدك ملكا قيوما فوق سماواته علي عرشه يدبر أمر عباده ~~يأمر وينهي ويرسل الرسل وينزل الكتب ويرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ~~ويعز ويذل ويخفض ويرفع يرى من فوق سبع ويسمع ويعلم السر والعلانية فعال لما ~~يريد موصوف بكل كمال منزه عن كل عيب لا تتحرك ذرة فما فوقها الا بأذنه ولا ~~تسقط ورقه إلا بعلمه ولا يشفع زهد عنده إلا بأذنه ليس لعباده من دونه ولى ~~ولا شفيع # | فصل لما بايع الرسول أهل العقبة أمر أصحابه بالهجرة الي المدينة # فعلمت قريش أن أصحابه قد كثروا وأنهم سيمنعونه فاعلمت آراءها في استخراج ~~الحيل فمنهم من رأى الحبس ومنهم من رأى النفي ثم اجتمع رأيهم على القتل ~~فجاء البريد بالخبر من السماء وأمره أن يفارق المضجع فبات علي مكانه ونهض ~~الصديق لرفقة السفر فلما فارقا بيوت مكة اشتد الحذر بالصديق فجعل يذكر ~~الرصد فيسير أمامه وتارة يذكر الطلب فيتأخر وراءه وتارة عن يمينه وتارة عن ~~شماله الي أن انتهيا إلى الغار فبدأ الصديق بدخوله ليكون وقاية له ان كان ~~ثم موذ وأنبت الله شجرة لم تكن قبل فأظلمت المطلوب وأضلت الطالب وجاءت ~~عنكبوت فحازت وجه الغار فحاكت ثوب نسجها علي منوال الستر فاحكمت الشقة حتى ~~عمى على القائف المطلب وأرسل حمامتين فاتخذتا هناك عشا جعل PageV01P071 على ~~أبصار الطالبين غشاوة وهذا أبلغ في الاعجاز من مقاومة القوم بالجنود فلما ~~وقف القوم على رؤوسهم وصار كلامهم بسمع الرسول والصديق قال الصديق وقد اشتد ~~به القلق يا رسول ms057 الله لو أن أحدهم نظر الي ما تحت قدميه لابصرنا تحت قدميه ~~فقال رسول الله يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما لما رأى الرسول حزنه ~~قد اشتد لاكن علي نفسه قوي قلبه ببشارة @QB@ لا تحزن إن الله معنا @QE@ ~~فظهر سر هذا الاقتران في المعية لفظا كما ظهر حكما ومعنى اذا يقال رسول ~~الله وصاحب رسول الله فلما مات قيل خليفة رسول الله ثم انقطعت اضافة ~~الخلافة بموته فقيل أمير المؤمنين فاقاما في الغار ثلاثا ثم خرجا منه ولسان ~~القدر يقول لتدخلنها دخولا لم يدخله أحد قبلك ولا ينبغي لاحد من بعدك فلما ~~استقلا علي البيداء لحقهما سراقة بن مالك فلما شارف الظفر أرسل عليه الرسول ~~سهما من سهام الدعاء فساخت قوائم فرسه في الأرض إلى بطنها فلما علم انه لا ~~سبيل له عليهما أخذ يعرض المال علي من قد رد مفاتيح الكنوز ويقدم الزاد الي ~~شبعان أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني كان تحفة ثاني اثنين مدخرة للصديق دون ~~الجميع فهو الثاني في الاسلام وفي بذل النفس وفي الزهد وفي الصحبة وفي ~~الخلافة وفي العمر وفي سبب الموت لان الرسول مات عن أثر السم وأبو بكر سم ~~فمات اسلم على يديه من العشرة عثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد ~~بن أبي وقاص وكان عنده يوم أسلم أربعون الف درهم فانفقها أحوج ما كان ~~الاسلام اليها فلهذا اجلبت نفقته عليه ما نفعنى مال ما نفعنى مال أبي بكر ~~فهو خير من مؤمن آل فرعون لان ذلك كان يكتم ايمانه والصديق اعلن به وخير من ~~مؤمن آل ياسين لان ذلك جاهد ساعة والصديق جاهد سنين عاين طائر الفاقة يحوم ~~حول حب الإيثار ويصيح من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فألقى له حب المال ~~علي روض الرضا واستلقى على فراش الفقر فنقل الطائر الحب إلى حوصلة المضاعفة ~~ثم علا على افنان شجرة الصدق يغرد PageV01P072 بفنون المدح ثم قال في ~~محاريب الاسلام يتلو @QB@ وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى @QE@ نطقت ms058 ~~بفضله الآيات والاخبار واجتمع على بيعته المهاجرون والانصار فيا مبغضيه في ~~قلوبكم من ذكره نار كلما تليت فضائله علا عليهم الصغار أتري لم يسمع ~~الروافض الكفار @QB@ ثاني اثنين إذ هما في الغار @QE@ دعى الي الاسلام فما ~~تلعثم ولا أبى وسار علي المحجة فما زل ولا كبا وصبر فى مدته من مدى العدى ~~علي وقع الشبا واكثر فى الانفاق فما قلل حتى تخلل بالعبا تالله لقد زاد علي ~~السبك فى كل دينار دينار @QB@ ثاني اثنين إذ هما في الغار @QE@ من كان قرين ~~النبي في شبابه من ذا الذي سبق إلي الإيمان من أصحابه من الذى أفتى بحضرته ~~سريعا في جوابه من أول من صلي معه من آخر من صلى به من الذي ضاجعه بعد ~~الموت فى ترابه فاعرفوا حق الجار نهض يوم الردة بفهم واستيقاظ وأبان من نص ~~الكتاب معنى دق عن حديد الالحاظ فالمحب يفرح بفضائله والمبغض يغتاظ حسرة ~~الرافضي أن يفر من مجلس ذكره ولكن أين الفرار كم وقى الرسول بالمال والنفس ~~وكان أخص به فى حياته وهو ضجيعه فى الرمس فضائله جليلة وهى خلية عن اللبس ~~ياعجبا من يغطى عين ضوء الشمس في نصف النهار لقد دخلا غارا لا يسكنه لابث ~~فاستوحش الصديق من خوف الحوادث فقال الرسول ما ظنك باثنين والله الثالث ~~فنزلت السكينة فارتفع خوف الحادث فزال القلق وطاب عيش الماكث فقام مؤذن ~~النصر ينادى على رؤوس منائر الامصار @QB@ ثاني اثنين إذ هما في الغار @QE@ ~~حبه والله رأس الحنيفة وبغضه يدل على خبث الطوية فهو خير الصحابة والقرابة ~~والحجة على ذلك قوية لولا صحة مامته ما قيل ابن الحنيفة مهلا فأن ذم ~~الروافض قد فار والله ما أحببناه لهوانا ولا نعتقد في غيره هوانا ولكن ~~أخذنا بقول على وكفانا رضيك رسول الله لديننا أفلا نرضاك لدنيانا تالله لقد ~~أخذت من الروافض بالثار PageV01P073 تالله لقد وجب حق الصديق علينا فنحن ~~نقضي بمدائحه ونفر بما نقر به من السنى عينا فمن كان رافضيا فلا يعد الينا ~~وليقل لي ms059 أعذار تنبيه # اجتنب من يعادى أهل الكتاب والسنة لئلا يعديك خسرانه احترز من عدوين هلك ~~بهما أكثر الخلق صاد عن سبيل الله بشبهاته وزخرف قوله ومفتون بدنياه ~~ورئاسته من خلق فيه قوة واستعداد لشيء كانت لذته فى استعمال تلك القوة فيه ~~فلذة من خلقت منه قوه وأستعداد للجماع أستعمال قوته فيه ولذ 1 ة من خلقت ~~فيه قوة الغضب والثواب باستعمال قوته الغضبية فى متعلقها ومن خلقت فيه قوة ~~الاكل والشرب فلذته باستعمال قوته فيهما ومن خلقت فيه قوة العلم والمعرفة ~~فلذته باستعمال قوته وصرفها إلى العلم ومن خلقت فيه قوة الحب لله والانابة ~~اليه والعكوف بالقلب عليه والشوق اليه والأنس به فلذته ونعيمه استعمال هذه ~~القوة فى ذلك وسائر اللذات دون هذه اللذة مضمحلة فانية واحمد عاقبتها أن ~~تكون لا له ولا عليه تنبيه # يا أيها الأعزلاحذر فراسة المتقى فانه يرى عورة عملك من وراء ستر أتقوا ~~فراسة المؤمن سبحان الله فى النفس كبر ابليس وحسد قابيل وعتو عاد وطغيان ~~ثمود وجرأة نمرود واستطالة فرعون وبغى قارون وقحة هامان PageV01P074 وهوى ~~بلعام وحيل اصحاب السبت وتمرد لوليد وجهل أبي جهل وفيها من أخلاق البهائم ~~حرص الغراب وشره الكلب ورعونة الطاووس ودناءة الجعل وعقوق الضب وحقد الجمل ~~ووثوب الفهد وصولة الاسد وفسق الفأرة وخبث الحية وعبث القرد وجمع النملة ~~ومكر الثعلب وخفة الفراش ونوم الضبع غير أن الرياضة والمجاهدة تذهب ذلك فمن ~~استرسل مع طبعه فهو من هذا الجند ولا تصلح سلعته لعقد @QB@ إن الله اشترى ~~من المؤمنين أنفسهم @QE@ فما اشترى الا سلعة هذبها الايمان فخرجت من طبعها ~~إلى بلد سكانه التائبون العابدون سلم المبيع قبل أن يتلف في يدك فلا يقبله ~~المشتري قد علم المشتري بعيب السلعة قبل أن يشتريها فسلمها ولك الامان من ~~الرد قدر السلعة يعرف بقدر مشتريها والثمن المبذول فيه والمنادى عليها فاذا ~~كان المشتري عظيما والثمن خطيرا والمنادى جليلا كانت السلعة نفيسة # يا بائعا نفسه بيع الهوان لو استرجعت ذا البيع قبل الفوت لم تخب # وبائعا ms060 طيب عيش ما له خطر % بطيف عيش من الآلام منتهب # غبنت والله غبنا فاحشا ولدى % يوم التغابن تلقى غاية الحرب # وواردا صفو عيش كله كدر % أمامك الورد حقا ليس بالكذب # وحاطب الليل في الظلماء منتصبا % لكل داهية تدني من العطب # ترجوا الشفاء بأحداق بها مرض % فهل سمعت ببرء جاء من عطب # ومفنيا نفسه في إثر أقبحهم % وصفاللطخ جمال فيه مستلب # وواهبا نفسه من مثل ذا سفها % لو كنت تعرف قدر النفس لم تهب # شاب الصبا والتصابي لم يشب % وضاع وقتك بين اللهو واللعب # وشمس عمرك قد حان الغروب لها % والفيء في الأفق الشرقي لم يغب ~~PageV01P075 # وفاز بالوصل من قد جدوا انقشعت % عن أفقه ظلمات الليل والسحب # كم ذا التخلف والدنيا قد ارتحلت % ورسل ربك قد وافتك فى الطلب # ما فى الديار وقد سارت ركائب من % تهواه للصب من شكر ولا أرب # فافرش الخد ذياك التراب وقل % ما قاله صاحب الأشواق والحقب # ما ربع مية محفوفا يطيف به % غيلان أشهى له من ربعك الخرب # منازلا كان يهواها ويألفها % ايام كان منال الوصل عن كثب # ولا الخدود ولو أدمين من ضرج % اشهى إلى ناظرى من ربعك الخرب # وكلما جليت تلك الربوع له % يهوى اليها هوى الماء فى الصبب # أحيى له الشوق تذكار العهود بها % فلو دعى القلب للسلوان لم يجب # هذا وكم منزل فى الأرض يألفه % وماله فى سواها الدهر من رغب # ما فى الخيام اخو وجدير يحك إن % بثثته بعض شان الحب فاغترب # واسر فى غمرات الليل متهديا % بنفحة الطيب لا بالعود والحطب # وعاد كل أخى جبن ومعجزة % وحارب النفس لا تلقيك فى الحرب # وخذ لنفسك نورا تستضىء به % يوم اقتسام الورى الانوار بالرتب # ان كان يوجب صبري رحمتي فرضا % بسوء حالى وحل للضنا بدني # منحتك الروح لا أبغى لها ثمنا % الا رضاك ووافقرى الا الثمن # أحن بأطراف النهار صبابه % وبالليل يدعوني الهوى فأجيب # واذا لم يكن من العشق بد % فمن عجز عشق غير الجميل PageV01P076 # فلو أن ما أسعى لعيش معجل ms061 % كفانى منه بعض ما أنا فيه # ولكنما أسمى لملك مخلد % فوا أسفا إن لم أكن بملاقيه # يا من هو من أرباب الخبرة هل عرفت قيمة نفسك انما خلقت الأكوان كلها لك ~~يا من غذى بلبان البر وقلب بأيدى الالطاف كل الأشياء شجرة وأنت الثمرة ~~وصورة وأنت المعنى وصدف وأنت الدر ومخيض وأنت الزبد منشور اختيارنا لك واضح ~~الخط ولكن استخراجك ضعيف متي رمت طلبى فاطلبني عندك اطلبني منك تجدني قريبا ~~ولا تطلبني من غيرك فانا أقرب اليك منه لو عرفت قدر نفسك عندنا ما أهنتها ~~بالمعاصي انما أبعدنا ابليس اذ لم يسجد لك وأنت في صلب أبيك فوا عجبا كيف ~~صالحته وتركتنا لو كان في قلبك محبة لبان أثرها علي جسدك # ولما ادعيت الحب قالت كذبتي % ألست أري الأعضاء منك كواسيا # لو تغذى القلب بالمحبة لذهبت عنه بطنة الشهوات # ولو كنت عذري الصبابة لم تكن % بطينا وأنساك الهوى كثرة الأكل # لو صحت محبتك لاستوحشت ممن لا يذكرك بالحبيب واعجبا لمن يدعى المحبة ~~ويحتاج الي من يذكره بمحبوبة فلا يذكره الا بمذكر أقل ما في المحبة أنها لا ~~تنسيك تذكر المحبوب # ذكرتك لا أني نستك ساعة % وايسر ما في الذكر ذكر لساني # اذا سافر المحب للقاء محبوبه ركبت جنوده معه فكان الحب في مقدمة العسكر ~~والرجاء يحدو بالمطى والشوق يسوقها والخوف يجمعها علي الطريق فاذا شارف ~~قدوم بلد الوصل خرجت تقادم الحبيب باللقاء # فداو سقما بجسم انت متلفه % وابرد غراما بقلب انت مضرمه # ولا تكلني على بعد الديار الي % صبرى الضعيف فصبري أنت تعلمه PageV01P077 # تلقى قلبه فقد ارسلته عجلا % إلى لقائك والأشواق تقدمه # فاذا دخل علي الحبيب افيضت عليه الخلع من كل ناحية ليمتحن أيسكن اليها ~~فتكون حظه أم يكون التفاته إلى من ألبسه اياها ملأوا مراكب القلوب متاعا لا ~~تنفق الا على الملك فلما هبت رياح السحر اقلعت تلك المراكب فما طلع الفجر ~~الا وهي بالمينا قطعوا بادية الهوى باقدام الجد فما كان الا القليل حتى ~~قدموا من السفر فاعقبهم ms062 الراحة في طريق التلقى فدخلوا بلد الوصل وقد حاز ~~ربح الأبد فرغ القوم قلوبهم من الشواغل فضربت فيها سرادقات المحبة فاقاموا ~~العيون تحرس تارة وترش أخرى سرادق المحبة لا يضرب الا في قاع نزه فارغ # نزه فؤادك من سوانا والقنا % فنجنابنا حل لكل منزه # الصبر طلسم لكنز وصالنا % من حل ذا الطلسم فاز بكنزه # اعرف قدر ما ضاع منك وابك بكاء من يدري مقدار الفائت لو تخيلت قرب ~~الأحباب لاقمت المأتم على بعدك لو استنشقت ريح الأسحار لافاق منك قلبك ~~المخمور من استطال الطريق ضعف مشيه # وما انت بالمشتاق ان قلت بيننا % طوال الليالى أو بعيد المفاوز # أما علمت أن الصادق اذا هم القى بين عينيه عزمه اذا نزل آب في القلب حل ~~آذار في العين هان سهر الحراس لما علموا ان أصواتهم بسمع الملك من لاح له ~~حال الآخرة هان عليه فراق الدنيا اذا لاح للباشق الصيد نسي مألوف الكف يا ~~أقدام الصبر احملي بقى القليل تذكر حلاوة الوصال يهن عليك مر المجاهدة قد ~~علمت أين المنزل فاحد لها تسر أعلي الهمم همة من استعد صاحبها للقاء الحبيب ~~قدم التقادم بين يدي الملتقى فاستبشر بالرضا عند القدوم وقدموا لانفسهم ~~الجنه ترضي منك باداء الفرائض والنار تندفع PageV01P078 عنك بترك المعاصي ~~والمحبة لا تقنع منك الا ببذل الروح لله ما أحلى زمان تسعى فيه أقدام ~~الطاعة علي ارض الاشتياق لما سلم القوب النفوس إلى رائض الشرع علمها الوفاق ~~في خلاف الطبع فاستقامت مع الطاعة كيف دارت دارت معها # واني اذا اصطكت رقاب مطيهم % وثور حاد بالرفاق عجول # اخالف بين الراحتين على الحشا % وأنظر أني ملثم فأميل # | فصل علمت كلبك فهو يترك شهوته في تناول ما صاده احتراما لنعمتك وخوفا # من سطوتك وكم علمك معلم الشرع وأنت لا تقبل حرم صيد الجاهل والممسك لنفسه ~~فما ظن الجاهل الذي أعماله لهوي نفسه جمع فيك عقل الملك وشهوة البهيمة وهوى ~~الشيطان وأنت للغالب عليك من الثلاثة أن غلبت شهوتك وهواك زدت على مرتبة ~~ملك ms063 وان غلبك هواك وشهوتك نقصت عن مرتبة كلب لما صاد الكلب لربه أبيح صيده ~~ولما أمسك علي نفسه حرم ما صاده مصدر ما في العبد من الخير والشر والصفات ~~الممدوحة والمذمومة من صفة المعطي المانع فهو سبحانه يصرف عباده بين مقتضى ~~هذين الاسمين فحظ العبد الصادق من عبوديته بهما الشكر عند العطاء والافتقار ~~عند المنع فهو سبحانه يعطيه ليشكره ويمنعه ليفتقر اليه فلا يزال شكورا ~~فقيرا # قوله تعالى @QB@ وكان الكافر على ربه ظهيرا @QE@ هذا من ألطف خطاب القرآن ~~وأشرف معانيه وان المؤمن دائما مع الله علي نفسه وهواه وشيطانه وعدو ربه ~~وهذا معنى كونه من حزب الله وجنده وأوليائه فهو مع الله علي عدوه الداخل ~~فيه والخارج عنه يحاربهم ويعاديهم ويغضبهم له سبحانه كما يكون خواص الملك ~~معه علي حرب اعدائه والبعيدون منه فارغون من ذلك غير مهتمين به PageV01P079 ~~والكافر مع شيطانه ونفسه وهواه علي ربه وعبارات السلف علي هذه تدور ذكر بن ~~أبي حاتم عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير قال عونا للشيطان علي ربه ~~بالعداوة والشرك وقال ليث عن مجاهد قال يظاهر الشيطان علي معصية الله يعينه ~~عليها وقال زيد بن أسلم ظهيرا أي مواليا والمعني أنه يوالي عدوه علي معصيته ~~والشرك به فيكون مع عدوه معينا له علي مساخط ربه # فالمعية الخاصة لتي للمؤمن مع ربه وإله قد صارت لهذا الكافر والفاجر مع ~~الشيطان ومع نفسه وهواه وقربانه ولهذا صدر الآية بقوله @QB@ ويعبدون من دون ~~الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم @QE@ وهذه العبادة هي الموالاة والمحبة والرضا ~~بمعبوديهم المتضمنة لمعيتهم الخاصة فظاهروا أعداء الله على معاداته ~~ومخالفته ومساخطه بخلاف وليه سبحانه فانه معه علي نفسه وشيطانه وهواه وهذا ~~المعنى من كنوز القرآن لمن فهمه وعقله وبالله التوفيق # قوله تعالى @QB@ والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ~~@QE@ قال مقاتل اذا وعظوا بالقرآن لم يقعوا عليه صما لم يسمعوه وعميانا لم ~~يبصروه ولكنهم سمعوا وأبصروا وأيقنوا به وقال ابن عباس لم يكونوا عليها صما ms064 ~~وعميانا بل كانوا خائفين خاشعين وقال الكلبي يخرون عليها سمعا وبصرا وقال ~~الفراء اذا تلي عليهم القرآن لم يقعدوا على حالهم الأولي كأنهم لم يسمعوه ~~فذلك الخرور وسمعت العرب تقول قعد يشتمنى كقولك قام يشتمنى واقبل يشتمنى ~~والمعني على ما ذكر لم يصيروا عندها صما وعميانا وقال الزجاج المعني اذا ~~تليت عليهم خروا سجدا وبكيا سامعين مبصرين كما أمروا به وقال ابن قتيبة أي ~~لم يتغافلوا عنها كانهم صم لم يسمعوها وعمى لم يروها قلت ههنا أمران ذكر ~~الخرور وتسليط النفي عليه وهل هو خرور القلب أو خرور البدن PageV01P080 ~~للسجود وهل لمعنى لم كن خرورهم عن صمم وعمه فلهم عليها خرورا بالقلب خضوعا ~~أو بالبدن سجودا أو ليس هناك خرور وعبر به عن القعود # أصول المعاصي كلها كبارها وصغارها ثلاثة تعلق القلب بغير الله وطاعة ~~القوة الغضبية والقوة الشهوانية وهي الشرك والظلم والفواحش فغاية التعلق ~~بغير الله شرك وان يدعى معه اله آخر وغاية طاعة القوة الغضبية القتل وغاية ~~القوة الشهوانية الزنا ولهذا جمع الله سبحانه بين الثلاثة في قوله @QB@ ~~والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون @QE@ وهذه الثلاثة يدعو بعضها إلى بعض فالشرك يدعو إلى ~~الظلم والفواحش كما ان الاخلاص والتوحيد يصرفهما عن صاحبه قال تعالى # @QB@ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين @QE@ فالسوء ~~العشق والفحشاء الزنا وكذلك الظلم يدعو إلى الشرك والفاحشة فان الشرك اظلم ~~لظلم كما أن أعدل العدل التوحيد فالعدل قرين التوحيد والظلم قرين الشرك ~~ولهذا يجمع سبحانه بينهما أما الاول ففي قوله شهد اللهأنه لا اله الا هو ~~والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط وأما الثاني فكقوله تعالى @QB@ إن ~~الشرك لظلم عظيم @QE@ والفاحشة تدعو إلى الشرك والظلم ولا سيما اذا قويت ~~ارادتها ولم تحصل الا بنوع من الظلم بالظلم والاستعانة بالسحر والشيطان وقد ~~جمع سبحانه بين الزنا والشرك في قوله # @QB@ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو ~~مشرك ms065 وحرم ذلك على المؤمنين @QE@ فهذه الثلاثة يجر بعضها إلى بعض ويامر ~~بعضها ببعض ولهذا كلما كان القلب أضعف توحيدا وأعظم شركا كان أكثر فاحشة ~~واعظم تعلقا بالصور وعشقا لها ونظير هذا قوله تعالى وما أوتيتم من شيء ~~فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ~~والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش واذا ما غضبوا هم يغفرون فاخبر أن ما ~~عنده خير لمن آمن به وتوكل عليه وهذا هو التوحيد ثم قال @QB@ والذين ~~يجتنبون كبائر الإثم والفواحش @QE@ فهذا اجتناب داعي القوة الشهوانية ثم ~~قال PageV01P081 @QB@ وإذا ما غضبوا هم يغفرون @QE@ فهذا مخالفة القوة ~~الغضبية فجمع بين التوحيد والعفة والعدل التي هي جماع الخير كله # | فائدة هجر القرآن أنواع أحدها هجر سماعه والايمان به والاصغاء اليه # والثاني هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وان قرأه وآمن به والثالث ~~هجر تحكيمه والتحاكم اليه في أصول الدين وفروعه واعتقاد أنه لا يفيد اليقين ~~وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم والرابع هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد ~~المتكلم به منه والخامس هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلب ~~وأدوائها فيطلب شفاء دائه من غيره ويهجر التداوي به وكل هذا داخل في قوله ~~@QB@ وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا @QE@ وأن كان بعض ~~الهجر اهون من بعض وكذلك لحرج الذي فى الصدور منه فانه تارة يكون حرجا من ~~إنزاله وكونه حقا من عند الله وتارة يكون من جهة لتكلم به أو كونه مخلوقا ~~من بعض مخلوقاته الهم غيره أن تكلم به وتارة يكون من جهة كفايته وعدمها ~~وأنه لا يكفي العباد بل هم محتاجون معه إلى المعقولات والأقيسة أو الأراء ~~أو السياسات وتارة يكون من جهة دلالته وما أريد به حقائقه المفهومة منه عند ~~الخطاب أو أريد به تأويلها واخراجها عن حقائقها الي تأويلات مستكرهة مشتركة ~~وتارة يكون من جهة كون تلك الحقائق وان كانت مرادة فهي ثابتة في نفس الامر ~~أو أوهم أنها مرادة لضرب المصلحة فكل ms066 هؤلاء في صدورهم حرج من القرآن وهم ~~يعلمون ذلك من نفوسهم ويجدونه في صدورهم ولا تجد مبتدعا في دينه قط الا وفي ~~قلب حرج من الآيات التي تخالف بدعته كما نك لا تجد ظالما فاجرا الا وفى ~~صدره حرج من الآيات التي تحول بينه وبين ارادته فتدبر هذا لمعنى ثم ارض ~~لنفسك بما تشاء PageV01P082 # | فائدة كمال النفس المطلوب ما تضمن أمرين أحدهما أن يصير هيئة راسخة ~~وصفة # لازمة له الثاني أن يكون صفة كمال في نفسه فاذا لم يكن كذلك لم يكن ~~كمالافلا يليق بمن يسعى فى كمال نفسه المنافسة عليه ولا الأسف على فوته ~~وذلك ليس الا معرفة بارئها وفاطرها ومعبودها والهها لحق الذي لا صلاح لها ~~ولا نعيم ولا لذة الا بمعرفته وارادة وجهه وسلوك الطريق الموصلة اليه والى ~~رضاه وكرامته وأن تعتاد ذلك فيصير لها هيئة راسخة لازمة وما عدا ذلك من ~~العلوم والارادات والأعمال فهي بين مالا ينفعها ولا يكملها وما يعود بضررها ~~ونقصها وألمها ولا سيما اذا صار هيئة راسخة لها فانها تعذب وتتألم به بحسب ~~لزومه لها وأما الفضائل المنفصلة عنها كالملابس والمراكب والمساكن والجاه ~~والمال فتلك فى الحقيقة عوار اعيرتها مدة ثم يرجع فيها المعير فتتألم ~~وتتعذب برجوعه فيها بحسب تعلقها بها ولا سيما اذا كانت هي غاية كمالها فاذا ~~سلبتها أحضرت أعظم النقص والألم والحسرة فليتدبر من يريد سعادة نفسه ولذتها ~~هذه النكتة فاكثر هذا الخلق انما يسعون في حرمان نفوسهم وألمها وحسرتها ~~ونقصها من حيث يظنون أنهم يريدون سعادتها ونعيمها فلذتها بحسب ما حصل لها ~~من تلك المعرفة والمحبة والسلوك وألمها وحسرتها بحسب ما فاتها من ذلك ومتى ~~عدم ذلك وخلا منه لم يبق فيه الا القوى البدنية النفسانية التي بها يأكل ~~ويشرب وينكح ويغضب وينال سائر لذاته ومرافق حياته ولا يلحقه من جهتها شرف ~~ولا فضيلة بل خساسة ومنقصة اذ كان انما يناسب بتلك القوى البهائم ويتصل ~~بجنسها ويدخل في جملتها ويصير كأحدها وربما زادت في تناولها عليه واختصت ~~دونه ms067 بسلامة عافيتها والأمن من جلب الضرر عليها فكمال تشاركك فيه البهائم ~~وتزيد عليك وتختص عنك فيه بسلامة العاقبة حقيق أن تهجره الي الكمال الحقيقى ~~الذي لا كمال سواه وبالله التوفيق PageV01P083 # | فائدة جليلة اذا أصبح العبد وأمسي وليس همه الا الله وحده تحمل الله # سبحانه حوائجه كلها وحمل عنه كل ما أهمه وفرغ قلبه لمحبته ولسانه لذكره ~~وجوارحه لطاعته وان أصبح وأمسي والدنيا همه حمله الله همومها وغمومها ~~وأنكادها ووكله إلى نفسه فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق ولسانه عن ذكره ~~بذكرهم وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره ~~كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره لكل من أعرض عن عبودية اللله ~~وطاعته ومحبته بلى بعبودية لمخلوق ومحبته وخدمته قال تعالى @QB@ ومن يعش عن ~~ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين @QE@ قال سفيان بن عيينة لا تأتون ~~بمثل مشهور للعرب الا جئتكم به من القرآن فقال له قائل فأين في القرآن اعط ~~أخاك تمرة فان لم يقبل فاعطه جمرة فقال في قوله # @QB@ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا @QE@ الآية # | فائدة العلم نقل صورة المعلوم من الخارج واثباتها في النفس ولعمل نقل # صورة علمية من النفس واثباتها في الخارج فان كان الثابت في النفس مطابقا ~~للحقيقة في نفسها فهو علم صحيح وكثيرا ما يثبت ويترا أي في النفس صور ليس ~~لها وجود حقيقى فيضنها الذي قد أثبتها في نفسه علما وانما هي مقدرة لا ~~حقيقية لها واكثر علوم الناس من هذا الباب وما كان منها مطابقا للحقيقة في ~~الخارج فهو نوعان نوع تكمل النفس بادراكه والعلم به وهو العلم بالله ~~وأسمائه وصفاته وأفعاله وكتبه وأمره ونهيه ونوع لا يحصل به للنفس كمال وهو ~~كل علم لا يضر الجهل به فانه لا ينفع العلم به وكان النبي يستعيذ بالله من ~~علم لا ينفع وهذا حال أكثر لعلوم الصحيحة المطابقة التي لا يضر الجهل بها ~~شيئا كالعلم بالفلك PageV01P084 ودقائقه ودرجاته وعدد الكواكب ومقاديرها ~~والعلم بعدد ms068 الجبال والوانها ومساحتها ونحو ذلك فشرف العلم بحسب شرف معلومه ~~وشدة الحاجة اليه وليس ذلك الا العلم بالله وتوابع ذلك واما العلم فآفته ~~عدم مطابقته لمراد الله الدينى الذي يحبه الله ويرضاه وذلك يكون من فساد ~~العلم تارة ومن فساد الارادة تارة ففساد من جهة العلم ان يعتقد ان هذا ~~مشروع محبوب لله وليس كذلك أو يعتقد انه يقر به الي الله وان لم يكن مشروعا ~~فيظن انه يتقرب الي الله بهذا العمل وان لم يعلم انه مشروع وأما فساده من ~~جهة القصد فان لا يقصد به وجه الله والدار الآخرة بل يقصد به الدنيا والخلق ~~وهاتان الآفتان في العلم والعمل لا سبيل إلى السلامة منهما الا بمعرفة ما ~~جاء به الرسول في باب العلم والمعرفة وارادة وجه الله والدار الآخرة في باب ~~القصد والرادة فمتى خلا من هذه المعرف وهذه الارادة فسد علمه وعمله ~~والأيمان واليقين يورثان صحة المعرفة وصحة الارادة يورثان الايمان ويمدانه ~~ومن هنا يتبين انحراف اكثر الناس عن الأيمان ولانحرافهم عن صحة المعرفة ~~وصحة الارادة ولا يتم الايمان الا بتلقي المعرفة من مشكاة النبوة وتجريد ~~الارادة عن شوائب الهوى وارادة الخلق فيكون علمه مقتبسا من مشكاة الوحى ~~وارادته لله والدار الآخرة فهذا أصح الناس علما وعملا وهو من الأئمة الذين ~~يهدون بأمر الله ومن خلفاء رسوله في أمته # | قاعدة الايمان له ظاهر وباطن وظاهره قول اللسان وعمل الجوارح وباطنه # تصديق القلب وانقياده ومحبته فلا ينفع ظاهر لا باطن له وان حقن به الدماء ~~وعصم به المال والذرية ولا يجزىء باطن لا ظاهر له الا اذا تعذر بعجز أو ~~إكراه وخوف هلاك فتخلف العمل ظاهرا مع عدم المانع دليل علي فساد الباطن ~~وخلوه من الايمان ونقصه دليل نقصه وقوته دليل قوته فالايمان قلب الاسلام ~~ولبه PageV01P085 واليقين قلب الايمان ولبه وكل علم وعمل لا يزيد الايمان ~~واليقين قوة فمدخول وكل ايمان لا يبعث على العمل فمدخول # | قاعدة التوكل على الله نوعان احدهما توكل عليه في جلب حوائج العبد ms069 # وحظوظه الدنيوية أو دفع مكروهاته ومصائبه الدنيوية والثاني التوكل عليه ~~في حصول ما يحبه هو ويرضاه من الايمان واليقين والجهاد والدعوة اليه وبين ~~النوعين من الفضل ما لا يحصيه الا الله فمتى توكل عليه العبد في النوع ~~الثاني حق توكله كفاه النوع الأول تمام الكفاية ومتي توكل عليه في النوع ~~الأول دون الثاني كفاه أيضا لكن لا يكون له عاقبة المتوكل عليه فيما يحبه ~~ويرضاه فاعظم التوكل عليه التوكل في الهداية وتجريد التوحيد ومتابعة الرسول ~~وجهاد أهل الباطل فهذا توكل الرسل وخاصة اتباعهم # التوكل تارة يكون توكل اضطرار والجاء بحيث لا يجد العبد ملجأ ولا وزرا ~~الا التوكل كما اذا ضاقت عليه الأسباب وضاقت عليه نفسه وظن ان لا ملجأ من ~~الله الا اليه وهذا لا يتخلف عنه الفرج والتيسير البتة وتارة يكون توكل ~~اختيار وذلك التوكل مع وجود السبب المفضي إلى المراد فان كان السبب مأمورا ~~به ذم على تركه وان قام السبب وترك التوكل ذم على تركه أيضا فانه واجب ~~باتفاق الأمة ونص القرآن والواجب القيام بهما والجمع بينهما وان كان السبب ~~محرما حرم عليه مباشرته وتوحد السبب في حقه في التوكل فلم يبق سبب سواه فان ~~التوكل من أقوى الأسباب في حصول المراد ودفع المكروه بل هو أقوى الأسباب ~~على الاطلاق وان كان السبب مباحا نظرت هل يضعف قيامك به التوكل أو لا يضعفه ~~فان أضعفه وفرق عليك قلبك وشتت همك فتركه اولى وان لم يضعفه فمباشرته أولى ~~لأن حكمه أحكم الحاكمين اقتضت ربط المسبب به فلا تعطل حكمته PageV01P086 ~~مهما أمكنك القيام بها ولا سيما اذا فعلته عبودية فتكون قد أتيت بعبودية ~~القلب بالتوكل وعبودية الجوارح بالسبب المنوى به القربة والذي يحقق لتوكل ~~القيام بالأسباب المأمور بها فمن عطلها لم يصح توكله كما أن القيام ~~بالأسباب المفضية الي حصول الخير يحقق رجاءه فمن لم يقم بها كان رجاؤه ~~تمنيا كما أن من عطلها يكون توكله عجزا وعجزه توكلا # وسر التوكل وحقيقته هو اعتماد القلب علي الله وحده ms070 فلا يضره مباشرة ~~الأسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها والركون اليها كما لا ينفعه قوله ~~توكلت علي الله مع اعتماده على غيره وركونه اليه وثقته به فتوكل اللسان شيء ~~وتوكل القلب شيء كما أن توبة اللسان مع اصرار القلب شيء وتوبة القلب وان لم ~~ينطق اللسان شيء فقول العبد توكلت على الله مع اعتماد قلبه على غيره مثل ~~قوله تبت الي الله وهو مصر على معصيته مرتكب لها # | فائدة الجاهل يشكو الله الي الناس وهذا غاية الجهل بالمشكو والمشكو # اليه فانه لو عرف ربه لما شكاه ولو عرف الناس لما شكا اليهم ورأى بعض ~~السلف رجلا يشكو الي رجل فاقته وضرورته فقال يا هذا والله ما زدت على ان ~~شكوت من يرحمك وفي ذلك قيل # اذا شكوت الي ابن آدم انما % تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم # والعارف انما يشكو إلى الله وحده وأعرف العارفين من جعل شكواه الي الله ~~من نفسه لا من الناس فهو يشكو من موجبات تسليط الناس عليه فهو ناظر إلى ~~قوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فما كسبت أيديكم وقوله @QB@ وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك @QE@ وقوله أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أني ~~هذا PageV01P087 @QB@ قل هو من عند أنفسكم @QE@ فالمراتب ثلاثة أخسها أن ~~تشكو الله إلى خلقه وأعلاها أن تشكو نفسك اليه وأوسطها أن تشكو خلقه اليه # | قاعدة جليلة قال الله تعالى # يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله والرسول اذا دعاكم لما يحيكم واعلموا ~~أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه واليه تحشرون فتضمنت هذه الآية أمورا ~~أحدها ان الحياة النافعة انما تحصل بالاستجابة لله ورسوله فمن لم تحصل له ~~هذه الاستجابة فلا حياة له وان كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل ~~الحيوانات فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله والرسول ظاهرا ~~وباطنا فهؤلاء هم الأحياء وان ماتوا وغيرهم أموات وان كانوا احياء الأبدان ~~ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول فان كان ما دعا ~~اليه ففيه ms071 الحياة فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة وفيه من الحياة بحسب ~~ما استجاب للرسول قال مجاهد لما يحيكم يعني للحق وقال قتادة هو هذا القرآن ~~فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة وقال السدى هو ~~الاسلام أحياهم به بعد موتهم بالكفر وقال ابن إسحاق وعروة بن الزبير واللفظ ~~له لما يحيكم يعنى للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل وقواكم بعد الضعف ~~ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم وهذه كل عبارات عن حقيقة واحدة وهى ~~القيام بما جاء به الرسول ظاهرا وباطنا قال الواحدى والأكثرون على ان معنى ~~قوله لما يحيكم هو الجهاد وهو قول ابن إسحاق واختيار أكثر أهل المعاني قال ~~الفراء اذا دعاكم الي احياء أمركم بجهاد عدوكم يريد ان أمرهم انما يقوى ~~بالحرب والجهاد فلو تركوا لجهاد ضعف أمرهم واجترأ عليهم عدوهم قلت الجهاد ~~من أعظم ما يحيهم به فى الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة أما في الدنيا فان ~~قوتهم وقهرهم لعدوهم بالجهاد وأما في البرزخ فقد قال تعالى ولا تحسبن ~~PageV01P088 @QB@ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون @QE@ وأما في الآخرة فان حظ المجاهدين والشهداء من حياتها ونعيمها ~~أعظم من حظ غيرهم ولهذا قال ابن قتيبة لما يحيكم يعني الشهادة وقال بعض ~~المفسرين لما يحيكم يعني الجنة فانها دار الحيوان وفيها الحياة الدائمة ~~الطيبة حكاة أبو علي الجرجاني والآية تتناول هذا كله فان الايمان والاسلام ~~والقرآن والجهاد يحي القلوب الحياة الطيبة وكمال الحياة في الجنة والرسول ~~داع الي الايمان والى الجنة فهو داع إلى الحياة في الدنيا والآخرة والانسان ~~مضطر إلى نوعين من الحياة حياة بدنه التي بها يدرك النافع والضار ويؤثر ما ~~ينفعه على ما يضره ومتي نقصت فيه هذه الحياة ناله من الألم والضعف بحسب ذلك ~~ولذلك كانت حياة المريض والمحزون وصاحب الهم والغم والخوف والفقر والذل دون ~~حياة من هو معافى من ذلك وحياة قلبه وروحه التي بها يميز بين الحق والباطل ~~والغى والرشاد والهوى ms072 والضلال فيختار الحق علي ضده فتفيده هذه الحياة قوة ~~التميز بين النافع والضار في العلوم والارادات والأعمال وتفيده قوة الايمان ~~والارادة والحب للحق وقوة البغض والكراهة للباطل فشعوره وتمييزه وحبه ~~ونفرته بحسب نصيبه من هذه الحياة كما ان البدن الحى يكون شعوره واحساسه ~~بالنافع والمؤلم أتم ويكون ميله الي النافع ونفرته عن المؤلم أعظم فهذا ~~بحسب حياة البدن وذاك بحساب حياة القلب فاذا بطلت حياته بطل تمييزه وان كان ~~له نوع تمييز لم يكن فيه قوة يؤثر بها النافع علي الضار كما ان الانسان لا ~~حياة له حتي ينفخ فيه الملك الذي هو رسول الله من روحه فيصير حيا بذلك ~~النفخ وان كان قبل ذلك من جملة الأموات فكذلك لا حياة لروحه وقلبه حتى ينفخ ~~فيه الرسول من الروح الذي ألقى اليه قال تعالى # @QB@ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده @QE@ وقال @QB@ ~~يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده @QE@ وقال وكذلك أوحينا اليك روحا ~~من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا لايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من ~~نشاء من عبادنا فاخبر أن وحيه روح ونور فالحياة والاستنارة موقوفة على نفخ ~~الرسول PageV01P089 الملكي فمن أصابه نفخ الرسول الملكي ونفخ الرسول البشري ~~حصلت له الحياتان ومن حصل له نفخ الملك دون نفخ الرسول حصلت له احدى ~~الحياتين وفاتته الأخرى الأخرى قال تعالى @QB@ أو من كان ميتا فأحييناه ~~وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها @QE@ ~~فجمع له بين النور والحياة كما جمع لمن أعرض عن كتابة بين الموت والظلمة ~~قال ابن عباس وجميع المفسرين كان كافرا ضالا فهديناه # وقوله @QB@ وجعلنا له نورا يمشي به في الناس @QE@ يتضمن امورا احدها انه ~~يمشي في الناس بالنور وهم في الظلمة فمثله ومثلهم كمثل قوم أظلم عليهم ~~الليل فضلوا ولم يهتدوا للطريق وآخر معه نور يمشي به في الطريق ويراها ويرى ~~ما يحذره فيها وثانيها انه يمشي فيهم بنوره فهم يقتبسون منه لحاجتهم ms073 إلى ~~النور وثالثها انه يمشي بنوره يوم القيامة على الصراط اذا بقى اهل الشرك ~~والنفاق في ظلمات شركهم ونفاقهم # وقوله # واعلموا ان الله يحؤل بين المرء وقلبه المشهور في الآية انه يحول بين ~~المؤمن وبين الكفر وبين الكافر وبين الايمان ويحول بين اهل طاعته وبين ~~معصيته وبين اهل معصيته وبين طاعته وهذا قول ابن عباس وجمهور المفسرين وفي ~~الآية قول آخر ان المعنى انه سبحانه قريب من قلبه لا تخفى عليه خافيه فهو ~~بينه وبين قلبه ذكره الواحدي عن قتادة وكان هذا انسب بالسياق لأن الاستجابة ~~اصلها بالقلب فلا تنفع الاستجابة بالبدن دون القلب فان الله سبحانه بين ~~العبد وبين قلبه فيعلم هل استجاب له قلبه وهل أضمر ذلك أو أضمر خلافه وعلي ~~القول الأول فوجه المناسبة انكم ان تثاقلتم عن الاستجابة و أبطأتم عنها فلا ~~تأمنوا أن الله يحول بينكم وبين قلوبكم فلا يمكنكم بعد ذلك من الاستجابة ~~عقوبة لكم على تركها بعد وضوح الحق واستبانة فيكون كقوله @QB@ ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة @QE@ وقوله @QB@ فلما زاغوا ~~أزاغ الله قلوبهم @QE@ وقوله PageV01P090 @QB@ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا ~~من قبل @QE@ ففي الآية تحذير عن ترك الاستجابة بالقلب وان استجاب بالجوارح ~~وفي الآية سر آخر وهو أنه جمع لهم بين الشرع والأمر به وهو الاستجابة وبين ~~القدر والايمان به فهي كقوله لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤن الا أن يشاء ~~الله رب العالمين وقوله @QB@ فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله ~~@QE@ والله أعلم # | فائدة جليلة قوله تعالى # @QB@ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ~~أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون @QE@ وقوله عز وجل ~~وان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا فالآية الأولى ~~في الجهاد الذي هو كمال القوة الغضبية والثانية في النكاح الذي هو كمال ~~القوة الشهوانية فالعبد يكره مواجهة عدوه بقوته الغضبية خشية علي نفسه منه ~~وهذا المكروه خير ms074 له في معاشه ومعاده ويحب الموادعة و المتاركة وهذا ~~المحبوب شر له في معاشه ومعاده وكذلك يكره المرأة لوصف من أوصافها وله في ~~امساكها خير كثير لا يعرفه ويحب المرأة لوصف من أصافها وله في أمساكها شر ~~كثير لا يعرفه لانسان كما وصفه وصفه به خالقه ظلوم جهول فلا ينبغي أن يجعل ~~المعيار على ما يصره وينفعه ميله وحبه ونفرته وبغضه بل المعيار علي ذلك ما ~~اختاره الله له بأمره ونهيه فانفع الأشياء له علي الاطلاق طاعة ربه بظاهره ~~وباطنه وأضر الأشياء عليه علي الاطلاق معصيته بظاهره وباطنه فاذا قام ~~بطاعته وعبوديته مخلصا له فكل ما يجري عليه مما يكرهه يكون خيرا له وذا ~~تخلي عن طاعته وعبوديته فكل ما هو فيه من محبوب هو شر له فمن صحت له معرفة ~~ربه والفقه في أسمائه وصفاته علم يقينا ان المكروهات التي تصيبه والمحن لتي ~~تنزل به فيها PageV01P091 ضروب من المصالح والمنافع لتي لا يحصيها علمه ولا ~~فكرته بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب # فعامة مصالح النفوس في مكروهاتها كما أن عامة مضارها وأسباب هلكتها في ~~محبوباتها فانظر إلى غارس جنة من الجنات خبير بالفلاحة غرس جنة وتعاهدها ~~بالسقى والاصلاح حتي أثمرت أشجارها فاقبل عليها يفصل اوصالها ويقطع أغصانها ~~لعلمه انها لو خليت على حالها لم تطب ثمرتها فيطعمها من شجرة طيبة الثمرة ~~حتي اذا التحمت بها واتحدت وأعطت ثمرتها اقبل بقلمها ويقطع أغصانها الضعيفة ~~التي تذهب قوتها ويذيقها ألم القطع والحديد لمصلحتها وكمالها لتصلح ثمرتها ~~ان تكون بحضرة الملوك ثم لا يدعها ودواعي طبعها من الشرب كل وقت بل يعطشها ~~وقتا ويسقيها وقتا ولا يترك الماء عليها دائما وان كان ذلك انضر لورقها ~~واسرع لنباتها ثم يعمد إلى تلك الزينة التى زينت بها من الأوراق فيلقى عنها ~~كثيرا منها لان تلك الزينة تحول بين ثمرتها وبين كمال نضجها واستوائها كما ~~في شجر العنب ونحوه فهو يقطع اعضاءها بالحديد ويلقى عنها كثيرا من زينتها ~~وذلك عين مصلحتها فلو ms075 انها ذات تمييز وادراك كالحيوان لتوهمت ان ذلك إفساد ~~لها واضرار بها وانما هو عين مصلحتها # وكذلك الأب الشفيق علي ولده العالم بمصلحته اذا رأى مصلحته في اخراج الدم ~~الفاسد عنه بضع جلده وقطع عروقه واذاقه الالم الشديد وان رأى شفاة في قطع ~~عضو من أعضائه أبانه عنه كان ذلك رحمة به وشفقة عليه وان رأى مصلحته فى ان ~~يمسك عنه العطاء لم يعطه ولم يوسع عليه لعلمه ان ذلك أكبر الأسباب إلى ~~فساده وهلاكه وكذلك يمنعه كثيرا من شهواته حمية له ومصلحة لا بخلا عليه ~~فأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأعلم العالمين الذي هو أرحم بعبادة منهم ~~بأنفسهم ومن آبائهم وأمهاتهم اذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرا لهم من أن لا ~~ينزله بهم نظرا منه لهم واحسانا اليهم ولطفا بهم ولو مكنوا من الاحتيار ~~لانفسهم PageV01P092 لعجزوا عن القيام بمصالحهم علما وارادة وعملا لكنه ~~سبحانه تولى تدبير أمورهم بموجب علمه وحكمته ورحمته أحبوا أم كرهوا فعرف ~~ذلك الموقنون باسمائه وصفاته فلم يتهموه في شيء من أحكامه وخفي ذلك على ~~الجهل به وبأسمائه وصفاته فنازعوه تدبيره وقدحوا فى حكمته ولم ينقادوا ~~لحكمه وعارضوا حكمه بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة وسياساتهم الجائرة فلا ~~لربهم عرفوا ولا لمصالحهم حصلوا والله الموفق # ومتى ظفر العبد بهذه المعرفة سكن في الدنيا قبل الآخرة في جنة لا يشبه ~~فيها إلا نعيم الآخرة فانه لا يزال راضيا عن ربه والرضا جنة الدنيا ومستراح ~~العارفين فانه طيب النفس بما يجري عليه من المقادير التى هي عين اختيار ~~الله له وطمأنينتها إلى أحكامه الدينية وهذا هو الرضا بالله ربا وبالاسلام ~~دينا وبمحمد رسولا وما ذاق طعم الايمان من لم يحصل له ذلك وهذا الرضا هو ~~بحسب معرفته بعدل الله وحكمته ورحمته وحسن اختياره فكلما كان بذلك أعرف كان ~~به أرضي فقضاء الرب سبحانه في عبده دائر بين العدل والمصلحة والحكمة ~~والرحمة لا يخرج عن ذلك البته كما قال في الدعاء المشهور اللهم اني عبدك ~~ابن عبدك أبن أمتك ناصيتي بيدك ms076 ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم ه ~~لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به ~~فى علم الغيب عندك ان تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب ~~همي وغمي ما قالها أحد قط الا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرجا قالوا ~~أفلا نتعلمهن يا رسول الله قال بلا ينبغى لمن يسمعهن أن يتعلمهن # والمقصود قوله عدل في قضاؤك وهذا يتناول كل قضاء يقضيه علي عبده من عقوبة ~~أو ألم وسبب ذلك فهو الذي قضى بالسبب وقضي بالمسبب وهو عدل في هذا القضاء ~~وهذا القضاء خير للمؤمن كما قال والذى نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء ~~الا كان خيرا له وليس ذلك الا للمؤمن قال العلامة ابن القيم فسألت شيخنا هل ~~يدخل فى ذلك قضاء الذنب فقال نعم بشرطه PageV01P093 فاجمل فى لفظه بشرطه ما ~~يترتب على الذنب من الآثار المحبوبة لله من التوبة والانكسار والندم ~~والخضوع والذل والبكاء وغير ذلك # | فائدة لا تتم الرغبة فى الآخرة الا بالزهد فى الدنيا ولا يستقيم الزهد # فى الدنيا الا بعد نظرين صحيحين نظر فى الدنيا وسرعة زوالها وفنائها ~~واضمحلالها ونقصها وخستها وألم المزاحمة عليها والحرص عليها وما فى ذلك من ~~الغصص والنغص والانكاد وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب من الحسرة ~~والأسف فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها وهم حال الظفر بها وغم وحزن بعد ~~فواتها فهذا أحد النظرين # النظر الثاني النظر في الآخرة واقبالها ومجيئها ولا بد ودوامها وبقائها ~~وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات والتفاوت الذي بينه وبين ما هنا فهى كمال ~~الله سبحانه @QB@ والآخرة خير وأبقى @QE@ فهى خيرات كاملة دائمة وهذه ~~خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة فاذا تم له هذان النظران آثر ما يقتضي العقل ~~ايثاره وزهد فيما يقتضي الزهد فيه فكل أحد مطبوع على ان لا يترك النفع ~~العاجل واللذة الحاضرة إلى النفع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة إلى اذا ~~تبين له فضل الأجل على ms077 العاجل وقويت رغبته فى الأعلى الأفضل فاذا آثر ~~الفاني الناقص كان ذلك اما لعدم تبين الفضل له وأما لعدم رغبته في الافضل # وكل واحد من الامرين يدل على ضعف الايمان وضعف العقل والبصيرة فان الراغب ~~فى الدنيا الحريص عليه المؤثر لها اما ان يصدق بان ما هناك أشرف وأفضل ~~وأبقى وإما أن لا يصدق بذلك كان عادما للايمان رأسا وان صدق بذلك ولم يؤثره ~~كان فاسد العقل سيء الاختيار لنفسه وهذا تقسيم حاضر ضروري لا ينفك العبد من ~~أحد القسمين منه فايثار الدنيا على الآخرة PageV01P094 أما من فساد فى ~~الايمان واما من فساد فى العقل وما أكثر ما يكون منهما ولهذا نبذها رسول ~~الله وراء ظهره هو وأصحابه وصرفوا عنها قلوبهم واطرحوها ولم يألفوها ~~وهجورها ولم يميلوا اليها وعدوها سجنا لا جنة فزهدوا فيها حقيقة الزهد ولو ~~أرادوها لنالوا منها كل محبوب لوصلوا منها إلى كل مرغوب فقد عرضت عليه ~~مفاتيح كنوزها فردها وفاضت على أصحابه فآثروا بها ولم يبيعوا حظهم من ~~الآخرة بها وعلموا أنها معبر وممر لا دار مقام ومستقر وأنها دار عبور لا ~~دار سرور وانها سحابة صيف تنقشع عن قليل وخيال طيف ما استتم الزيارة حتى ~~أذن بالرحيل قال النبي مالى وللدنيا انما انا كراكب قال فى ظل شجرة ثم راح ~~وتركها وقال ما الدنيا في الآخرة الا كما يدخل أحدكم أصبعه فى اليم فلينظر ~~بما ترجع وقال خالقها سبحانه أنما مثل حياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء ~~فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى اذا أخذت الأرض زخرفها ~~وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها ~~حصيدا كأن لم تغن بالامس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون والله يدعو إلى دار ~~السلام ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم فاخبر عن خسة الدنيا وزهد فيها وأخبر ~~عن دار السلام ودعا اليها وقال تعالى @QB@ واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ~~كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح ~~وكان ms078 الله على كل شيء مقتدرا المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات ~~الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا @QE@ وقال تعالى @QB@ اعلموا أنما ~~الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ~~كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة ~~عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور @QE@ ~~وقال تعالى # وزين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله وعنده ~~حسن PageV01P095 المآب قل أؤنتبكم بخير منكم للذين اتقوا عند ربهم جنات ~~تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير ~~بالعباد وقال تعالي @QB@ وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في ~~الآخرة إلا متاع @QE@ # وقد توعد سبحانه أعظم الوعيد لمن رضي بالحياة الدنيا وأطمأن بها وغفل عن ~~آياته ولم يرج لقاءه فقال @QB@ إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة ~~الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما ~~كانوا يكسبون @QE@ وعير سبحانه من رضى بالدنيا من المؤمنين فقال يا أيها ~~الذين آمنوا مالكم اذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم الي الأرض ~~أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة الا ~~قليل وعلي قدر رغبة العبد فى الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله ~~وطلب الآخرة ويكفى في بالزهد فى الدنيا قوله تعالى أفرأيت ان متعناهم سنين ~~ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يتمتعون وقوله ويوم نحشرهم ~~كأن لم يلبثوا الا ساعة من النهار يتعارفون بينهم وقوله كأنهم يوم يرون ما ~~يوعدون لم يلبثو الا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك الا القوم الفاسقون وقوله ~~تعالى يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها ~~إنما أنت منذر من يخشاها كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا الا عشية اوضحاها ~~وقوله @QB@ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة @QE@ وقوله ms079 ~~@QB@ قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل ~~العادين قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون @QE@ وقوله يون ينفخ ~~فى الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم ان لبثتم الا عشرا نحن ~~أعلم بما يقولون اذ يقول أمثلهم طريقة ان لبثتم الا يوما والله المستعان ~~وعليه التكلان PageV01P096 # | قاعدة أساس كل خير أن تعلم أن ما شاء الله كان وما لم # يشأ لم يكن فتيقن حينئذ أن الحسنات من نعمه فتشكره عليها وتتضرع اليه أن ~~لا يقطعها عنك وان السيئات من خذلانه وعقوبته فتبتهل اليه أن يحول بينك ~~وبينها ولا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك وقد أجمع العارفون ~~على أن كل خير فأصله بتوفيق الله للعبد وكل شر فأصله خذلانه لعبده وأجمعوا ~~أن التوفيق أن لا يكلك الله نفسكوان الخذلان أن يخلي بينك وبين نفسك فاذا ~~كان كل خير فأصله التوفيق وهو بيد الله إلى نفسك وأن لا بيد العبد فمفتاحه ~~الدعاء والافتقار وصدق اللجأ والرغبة والرهبة اليه فمتي أعطى العبد هذا ~~المفتاح فقد أراد أن يفتح له ومتي أضله عن المفتاح بقى باب الخير مرتجا ~~دونه # قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب اني لا أحمل هم الاجابة ولكن هم الدعاء ~~فاذا ألهمت الدعاء فان الاجابة معه وعلى قدرنية العبد وهمته ومراده ورغبته ~~فى ذلك يكون توفيقه سبحانه واعانته فالمعونة من الله تنزل علي العباد علي ~~قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك فالله ~~سبحانه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به ~~والخذلان في مواضعه اللائقة به هو العليم الحكيم وما أتي من أتي الا من قبل ~~أضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه الا ~~بقيامة بالشكر وصدق الافتقار والدعاء وملاك ذلك الصبر فانه من الايمان ~~بمنزلة الرأس من الجسد فاذا قطع الرأس فلا بقاء للجسد ما ضرب عبد بعقوبة ~~أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله خلقت ms080 النار لاذابة القلوب القاسية أبعد ~~القلوب من الله القلب القاسي اذا قسي القلب قحطت العين قسوة القلب من أربعة ~~أشياء اذا جاوزت قدر الحاجة الأكل والنوم والكلام والمخالطة كما ~~PageV01P097 ان البدن اذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب فكذلك القلب اذا ~~مرض بالشهوات لم تنجع فيه المواعظ ومن أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على ~~شهوته القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها القلوب ~~آنية الله فى أرضه فأحبها اليه أرقها وأصلبها وأصفاها شغلوا قلوبهم بالدنيا ~~ولو شغلوها بالله والدار الآخرة لجالت فى معاني كلامه وآياته المشهودة ~~ورجعت الي أصحابها بغرائب الحكم وطرف الفوائد اذا غذى القلب بالتذكر وسقى ~~بالتفكر ونقى من الدغل رأى العجائب وألهم الحكمة ليس كل من تحلى بالمعرفة ~~والحكمة وانتحلها كان من أهلها بل أهل المعرفة والحكمة الذين أحيوا قلوبهم ~~بقتل الهوى وأما من قتل قلبه فأحيى الهوى المعرفة والحكمة عارية على لسانه ~~خراب القلب من الأمن والغفلة وعمارته من الخشية والذكر اذا زهدت القلوب فى ~~موائد الدنيا قعدت علي موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة واذا رضيت بموائد ~~الدنيا فاتتها تلك الموائد الشوق الي الله ولقائه نسيم يهب على القلب يروح ~~عنه وهج الدنيا من وطن قلبه عند ربه سكن واستراح ومن أرسله فى الناس اضطرب ~~واشتد به القلق لا تدخل محبة الله فى قلب فيه حب الدنيا الا كما يدخل الجمل ~~فى سم الابرة اذ أحب الله عبدا اصطنعه لنفسه واجتباه لمحبته واستخلصه ~~لعبادته فشغل همه به ولسانه بذكره وجوارحه بخدمته والقلب يمرض كما يمرض ~~البدن وشفاؤه في التوبة والحمية ويصدأ كما تصدأ المرآة وجلاؤه بالذكر ويعري ~~كما يعري الجسم وزينته التقوى ويجوع ويظمأ كما يجوع البدن وطعامه وشرابه ~~المعرفة والمحبة والتوكل والانابة والخدمة إياك والغفلة عمن جعل لحياتك ~~أجلا ولأيامك وأنفاسك أمدا ومن كل ما سواه بد ولا بذلك منه من ترك الاختيار ~~والتدبير فى طلب زيادة دنيا أو جاه أو فى خوف نقصان أو فى التخلص من عدو ~~توكلا علي الله ms081 وثقة بتدبيره له وحسن اختياره له فالقى كنفه بين يديه وسلم ~~الأمر اليه ورضي بما يقضيه له استراح من PageV01P098 الهموم والغموم ~~والأحزان ومن أبي الا تدبيره لنفسه وقع فى النكد والنصب وسوء الحال والتعب ~~فلا عيش يصفو ولا قلب يفرح ولا عمل يزكو ولا أمل يقوم ولا راحة تدوم والله ~~سبحانه سهل لخلقه السبيل اليه وحجبهم عنه بالتدبير فمن رضى بتدبير الله له ~~وسكن إلى اختياره وسلم لحكمه أزال ذلك الحجاب فأفضى القلب إلى ربه واطمأن ~~إليه وسكن المتوكل لا يسأل غير الله ولا يرد علي الله ولا يدخر مع الله من ~~شبغل بنفسه شغل عن غيره ومن شغل بربه شغل عن نفسه الاخلاص هو ما لا يعلمه ~~ملك فيكتبه ولا عدو فيفسده ولا يعجب به صاحبه فيبطله الرضا سكون القلب تحت ~~مجارى الأحكام الناس فى الدنيا معذبون على قدر هممهم بها للقلب ستة مواطن ~~يجول فيها لا سابع لها ثلاثة سافلة وثلاثة عالية فالسافلة دنيا تزين له ~~ونفس تحدثه وعدو يوسوس له فهذه مواطن الأرواح السافلة التي لا تزال تجول ~~فيها والثلاثة العالية علم يتبين له وعقل يرشده واله يعبده والقلوب جوالة ~~فى هذه المواطن اتباع لهوى وطول الأمل مادة كل فساد فان اتباع الهوى يعمى ~~عن الحق معرفة وقصدا وطول الأمل ينسى الآخرة ويصد عن الاستعداد لها لا يشم ~~عبد رائحة الصدق ويداهن نفسه أو يداهن غيره اذا أراد الله بعبد خيرا جعله ~~معترفا بذنبه ممسكا عن ذنب غيره جوادا بما عنده زاهدا فيما عنده محتملا ~~لأذى غيره وان أراد به شرا عكس ذلك عليه الهمة العلية لا تزال حائمة حول ~~ثلاثة أشياء تعرف لصفة من الصفات العليا تزداد بمعرفتها محبة وإرادة ~~وملاحظة لمنة تزداد بملاحظتها شكر أو اطاعة وتذكر لذنب تزداد بتذكره توبة ~~وخشية فاذا تعلقت الهمة بسوى هذه الثلاثة جالت فى أودية الوساوس والخطرات ~~من عشق الدنيا نظرت الي قدرها عنده فصيرته من خدمها وعبيدها واذلته ومن ~~أعرض عنها نظرت الي كبر قدره فخدمته وذلت له ms082 انما يقطع السفر PageV01P099 ~~ويصل المسافر بلزوم الجادة وسير الليل فاذا حاد المسافر عن الطريق ونام ~~الليل كله فمتى يصل إلى مقصده # | فائدة جليلة كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها فلا بد أن # يقول علي الله غير الحق فى فتواه وحكمه فى خبره والزامه لان أحكام الرب ~~سبحانه كثيرا ما تأتي على خلاف أغراض الناس ولا سيما أهل الرياسة والذين ~~يتبعون الشبهات فانهم لا تتم لهم أغراضهم الا بمخالفة الحق ودفعه كثيرا ~~فاذا كان العالم والحاكم محبين للرياسة متبعين للشهوات لم يتم لما ذلك الا ~~بدفع ما يضاده من الحق ولا سيما اذا قامت له شبهة فتتفق الشبهة والشهوة ~~ويثور الهوى فيخفى الصواب وينطمس وجه الحق وان كان الحق ظاهرا لا خفاء به ~~ولا شبة فيه أقدم على مخالفته وقال لي مخرج بالتوبة وفى هؤلاء وأشباههم قال ~~تعالى @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات @QE@ وقال ~~تعالى فيهم أيضا فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدني ~~ويقولون سيغفر لنا وان يأتيهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ~~أن لا يقولوا على الله الا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين ~~يتقون أفلا تعقلون فاخبر سبحانه أنهم اخذوا العرض الأدني مع علمهم بتحريمه ~~عليهم وقالوا سيغفر لنا وان عرض لهم عرض آخر أخذوه فهم مصرون على ذلك وذلك ~~هو الحامل لهم على ان يقولوا على الله غير الحق فيقولون هذا حكمه وشرعه ~~ودينه وهم يعلمون أن دينه وشرعه وحكمه خلاف ذلك أولا يعلمون أن ذلك دينه ~~وشرعه وحكمه فتارة يقولون على الله مالا يعلمون وتارة يقولون عليه ما ~~يعلمون بطلانه # وأما الذين يتقون فيعلمون أن الدار الآخرة خير من الدنيا فلا يحملهم ~~PageV01P100 حب الرياسة والشهوة على أن يؤثروا الدنيا على الآخرة وطريق ذلك ~~أن يتمسكوا بالكتاب والسنة ويستعينوا بالصبر والصلاة ويتفكروا في الدنيا ~~وزوالها وخستها والآخرة واقبالها ودوامها وهؤلاء لا بد أن يبتدعوا فى الدين ~~مع الفجور في العمل فيجتمع لهم الأمران فان ms083 اتباع الهوى يعمى عين القلب فلا ~~يميز بين السنة والبدعة أو ينكسه فيرى البدعة سنة والسنة بدعة فهذه آفة ~~العلماء اذا آثروا الدنيا واتبعوا الرياسات والشهوات وهذه الآيات فيهم إلى ~~قوله # @QB@ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان ~~من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله ~~كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث @QE@ فهذا مثل عالم السوء الذي ~~يعمل بخلاف علمه # وتأمل ما تضمنته هذه الآية من ذمة وذلك من وجوه أحدها انه ضل بعد العلم ~~واختار الكفر على الايمان عمدا ولا جهلا وثانيها أنه فارق الايمان مفارقه ~~من لا يعود اليه أبدا فانه انسلخ من الآيات بالجملة كما تنسلخ الحية من ~~قشرها ولو بقى معه منها شيء لم ينسلخ منها وثالثها أن الشيطان أدركه ولحقه ~~بحيث ظفر به وافترسه ولهذا قال فاتبعه الشيطان ولم يقل تبعه فان فى معنى ~~اتبعه أدركه ولحقه وهو أبلغ من تبعه لفظا ومعنى ورابعها أنه غوى بعد الرشد ~~والغى الضلال فى العلم والقصد وهو أخص بفساد القصد والعمل كما أن الضلال ~~أخص فساد العلم والاعتقاد فاذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر وإن اقترنا ~~فالفرق ما ذكر وخامسها أنه سبحانه لم يشأ أن يرفعه بالعلم فكان سبب هلاكه ~~لأنه لم رفع به فصار وبالا عليه فلو لم يكن عالما كان خيرا له وأخف لعذابه ~~وسادسها انه سبحانه اخبر عن خسة همته وأنه اختار الاسفل الادني على الاشرف ~~الاعلى وسابعها أن اختياره للادني لم يكن عن خاطر وحديث نفس ولكنه كان عن ~~اخلاد إلى الأرض وميل بكليته إلى ما هناك وأصل الاخلاد اللزوم على الدوام ~~PageV01P101 كأنه قيل لزم الميل إلى الأرض ومن هذا يقال أخلد فلان بالمكان ~~اذا لزم الاقامة به قال مالك بن نويرة # بأبناء حى من قبائل مالك % وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا # وعبر عن ميله إلى الدنيا باخلاده إلى الأرض لان الدنيا هي الأرض وما فيها ~~وما يستخرج منها من الزينة والمتاع ms084 وثامنها أنه رغب عن هداه واتبع هواه ~~فجعل هواه اماما له يقتدي به ويتبعه وتاسعها أنه شبهه بالكلب الذي هو أخس ~~الحيوانات همه وأسقطها نفسا وأبخلها وأشدها كلبا ولهذا سمى كلبا وعاشرها ~~أنه شبه لهثه على الدنيا وعدم صبره عنها وجزعه لفقدها وحرصه على تحصيلها ~~بلهث الكلب فى حالتي تركه والحمل عليه بالطرد وهكذا هذا ان ترك فهو لهثان ~~على الدنيا وان وعظ وزجر فهو كذلك فاللهث لا يفارقه فى كل حال كلهث الكلب ~~قال ابن قتيبة كل شيء يلهث فانما يلهث من اعياء أو عطش الا الكلب فانه يلهث ~~فى حال الكلال وحال الراحة وحال الري وحال العطش فضربه الله مثلا لهذا ~~الكافر فقال ان وعظته فهو ضال وان تركته فهو ضال كالكلب ان طردته لهث وان ~~تركته على حاله لهث وهذا التمثيل لم يقع بكل كلب وانما وقع بالكلب اللاهث ~~وذلك أخس ما يكون وأشنعه # | فصل فهذا حال العالم المؤثر الدنيا علي الآخرة وأما العابد الجاهل # فآفته من إعراضه عن العلم وأحكامه وغلبة خياله وذوقه ووجده وما تهواه ~~نفسه ولهذا قال سفيان ابن عيينة وغيره احذروا فتنة العالم الفاجر وفتنة ~~العابد الجاهل فان فتنتهما فتنة لكل مفتون فهذا بجهله يصد عن العلم وموجبه ~~وذاك بغية يدعو إلى الفجور وقد ضرب الله سبحانه مثل النوع الآخر بقوله @QB@ ~~كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله ~~رب العالمين فكان عاقبتهما @QE@ PageV01P102 أنهما فى النار خلدين فيها ~~وذلك جزاء الظالمين وقصته معروفة فانه بنى أساس أمره على عبادة الله بجهل ~~فاوقعه الشيطان بجهله وكفره بجهله فهذا امام كل عابد جاهل يكفر ولا يدري ~~وذاك امام كل عالم فاجر يختار الدنيا على الآخرة وقد جعل سبحانه رضى العبد ~~بالدنيا وطمأنينته وغفلته عن معرفة آياته وتدبرها والعمل بها سبب شقائه ~~وهلاكه ولا يجتمع هذان أعنى الرضى بالدنيا والغفلة عن آيات الرب الا في قلب ~~من لا يؤمن بالمعاد ولا يرجو لقاء رب العباد والا فلو رسخ قدمه ms085 فى الايمان ~~بالمعاد لما رضى الدنيا ولا اطمأن اليها ولا أعرض عن آيات الله وأنت اذا ~~تأملت احوال الناس وجدت هذا الضرب هو الغالب علي الناس وهم عمار الدنيا ~~وأقل الناس عددا من هو على خلاف ذلك وهو من أشد الناس غربة بينهم لهم شان ~~وله شأن علمه غير علومهم وإرادته غير إرادتهم وطريقه غير طريقهم فهو فى واد ~~وهم فى واد قال تعالي @QB@ إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا ~~واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا ~~يكسبون @QE@ # ثم ذكر وصف ضد هؤلاء ومآلهم وعاقبتهم بقوله @QB@ إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم @QE@ ~~فهؤلاء ايمانهم بلقاء الله أورثهم عدم الرضا بالدنيا والطمأنينة اليها ~~ودوام ذكر آياته فهذه مواريث الايمان بالمعاد وتلك مواريث عدم الايمان به ~~والغفلة عنه # | فائدة عظيمة افضل ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب العبد ونال به # العبد الرفعة فى الدنيا والآخرة هو العلم والأيمان ولهذا قرن بينهما ~~سبحانه فى قوله @QB@ وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب ~~الله إلى يوم البعث @QE@ وقوله @QB@ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات @QE@ وهؤلاهم خلاصة الوجود ولبه والمؤهلون للمراتب ~~العالية ولكن أكثر الناس غالطون فى حقيقة مسمى العلم والايمان اللذين بهما ~~PageV01P103 السعادة والرفقة وفى حقيقتهما حتي ان كل طائفة تظن ان ما معها ~~من العلم والايمان هو هذا الذي به تنال السعادة وليس كذلك بل أكثرهم ليس ~~معهم ايمان ينجى ولا علم يرفع بل قد سدوا على نفوسهم طرق العلم والايمان ~~اللذين جاء بهما الرسول ودعا اليهما الأمة وكان عليهما هو وأصحابه من بعده ~~وتابعوهم على منهاجهم وآثارهم # فكل طائفة اعتقدت ان العلم ما معها وفرحت وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل ~~حزب بما لديهم فرحون واكثر ما عندهم كلام وآراء وخرص والعلم وراء الكلام ~~كما قال حماد بن زيد قلت لايوب العلم اليوم اكثر أو فيما تقدم فقال الكلام ~~اليوم اكثر والعلم فيما ms086 تقدم أكثر # ففرق هذا الراسخ بين العلم والكلام فالكتب كثيرة جدا والكلام والجدال ~~والمقدرات الذهنية كثيرة والعلم بمعزل عن أكثرها وهو ما جاء به الرسول عن ~~الله قال تعالى # @QB@ فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم @QE@ وقال # ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من لعلم وقال فى القرآن انزله بعلمه أى ~~وفيه علمه # ولما بعد العهد بهذا العلم آل الأمر بكثير من الناس إلى أن اتخذوا هواجس ~~الافكار وسوانح الخواطر والآراء علما ووضعوا فيها الكتب وأنفقوا فيها ~~الانفاس فضيعوا فيها الزمان وملأوا بها الصحف مدادا والقلوب سوادا حتى صرح ~~كثير منهم انه ليس فى القرآن والسنة علم وان أدلتها لفظية لا تفيد يقينا ~~ولا علما وصرخ الشيطان بهذه الكلمة فيهم وأذن بها بين أظهرهم حتي أسمعها ~~دانيهم لقاصيهم فانسلخت بها القلوب من العلم والايمان كانسلاخ الحية من ~~قشرها والثوب عن لابسه قال الامام العلامة شمس الدين ابن القيم ولقد أخبرني ~~بعض أصحابنا عن بعض اتباع اتباع تلاميذ هؤلاء انه رآه يشتغل في بعض كتبهم ~~ولم يحفظ القرآن فقال له لو حفظت القرآن أولا كان أولي فقال وهل فى القرآن ~~علم قال ابن القيم وقال لي بعض أئمة هؤلاء انما نسمع الحديث لاجل البركة لا ~~لنستفيد PageV01P104 منه العلم لان غيرنا قد كفانا هذه المؤونة فعمدتنا على ~~ما فهموه قرروه ولا شك ان من كان هذا مبلغه من العلم فهو كما قال القائل # نزلوا بمكة فى قبائل هاشم % ونزلت بالبطحاء أبعد منزل # قال وقال لي شيخنا مرة فى وصف هؤلاء انهم طافوا على أرباب المذاهب ففازوا ~~بأخس المطالب ويكفيك دليلا على ان هذا الذى عندهم ليس من عند الله ما ترى ~~فيه من التنقائض والاختلاف ومصادمة بعضه لبعض قال تعالي @QB@ ولو كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ وهذا يدل على ان ما كان من ~~عنده سبحانه لا يختلف وأن ما اختلف وتناقض فليس من عنده وكيف تكون الآراء ~~والخيالات وسوانح الافكار دينا يدان به ويحكم به على ms087 الله ورسوله سبحانك ~~هذا بهتان عظيم # وقد كان علم الصحابة الذى يتذاكرون فيه غير علوم هؤلاء المختلفين ~~الخراصين كما حكى الحاكم فى ترجمة أبى عبد الله البخارى قال كان أصحاب رسول ~~الله اذا اجتمعوا انما يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم ليس بينهم رأى ولا ~~قياس ولقد أحسن القائل # العلم قال الله قال رسوله % قال الصحابة ليس بالتمويه # ما العلم نصبك للخلاف سفاهة % بين الرسول وبين رأى فقيه # كلا ولا جحد الصفات ونفيها % حذرا من التمثيل والتشبيه فصل # وأما الايمان فأكثر الناس أو كلهم يدعونه وما أكثر الناس ولو حرصت ~~بمؤمنين وأكثر المؤمنين انما عندهم ايمان مجمل وأما الايمان المفصل بما جاء ~~به الرسول معرفة وعلما وإقرارا ومحبة ومعرفة بضده وكراهيته وبغضه فهذا ~~ايمان PageV01P105 خواص الامة وخاصة الرسول وهو ايمان الصديق وحزبه وكثير ~~من الناس حظهم من الايمان الاقرار بوجود الصانع وأنه وحده الذي خلق السموات ~~والأرض وما بينهما وهذا لم يكن ينكره عباد الأصنام من قريش ونحوهم وآخرون ~~الايمان عندهم هو التكلم بالشهادتين سواء كان معه عمل أو لم يكن وسواء وافق ~~تصديق القلب أو خالفه وآخرون عندهم الايمان مجرد تصديق القلب بأن الله ~~سبحانه خالق السموات والأرض وأن محمدا عبده ورسوله وان لم يقر بلسانه ولم ~~يعمل شيئا بل ولو سب الله ورسوله وأتى بكل عظيمة وهو يعتقد وحدانية الله ~~ونبوة رسوله فهو مؤمن وآخرون عندهم الايمان هو جحد صفات الرب تعالي من علوه ~~على عرشه وتكلمه بكلماته وكتبه وسمعه وبصره ومشيئته وقدرته وارادته وحبه ~~وبغضه وغير ذلك مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فالايمان عندهم انكار حقائق ~~ذلك كله وجحده والوقوف مع ما تقتضيه آراء المتهوكين وأفكار المخرصين الذين ~~يرد بعضهم على بعض وينقض بعضهم قول بعض الذين هم كما قال عمر بن الخطاب ~~والامام أحمد مختلفون فى الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مفارقة الكتاب ~~وآخرون عندهم الايمان عبادة الله بحكم أذواقهم ومواجيدهم وما تهواه نفوسهم ~~من غير تقييد بما جاء به الرسول وآخرون الايمان عندهم ما ms088 وجدوا عليه آباءهم ~~وأسلافهم بحكم الاتفاق كائنا ما كان بل ايمانهم مبنى علي مقدمتين احداهما ~~أن هذا قول أسلافنا وآبائنا والثانية أن ما قالوه فهو الحق وآخرون عندهم ~~الايمان مكارم الاخلاق وحسن المعاملة وطلاقة الوجه واحسان الظن بكل أحد ~~وتخلية الناس وغفلاتهم وآخرون عندهم الايمان التجرد من الدنيا وعلائقها ~~وتفريغ القلب منها والزهد فيها فاذا رأوا رجلا هكذا جعلوه من سادات أهل ~~الايمان وان كان منسلخا من الايمان علما وعملا وأعلي من هؤلاء من جعل ~~الايمان هو مجرد العلم وان لم يقارنه عمل وكل هؤلاء لم يعرفوا حقيقة ~~الايمان ولا قاموا به ولا قام بهم وهم أنواع منهم من جعل الايمان ما يضاد ~~الايمان ومنهم PageV01P106 من جعل الايمان ما لا يعتبر فى الايمان ومنهم من ~~جعله ما هو شرط فيه ولا يكفى في حصوله ومنهم من اشترط فى ثبوته ما يناقضه ~~ويضاده ومنهم من اشترط فيه ما ليس منه بوجه الايمان # والايمان وراء ذلك كله وهو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول علما ~~والتصديق به عقدا والاقرار به نطقا والانقياد له محبة وخضوعا والعمل به ~~باطنا وظاهرا وتنفيذه والدعوة اليه بحسب الامكان وكماله في الحب فى الله ~~والبغض فى الله والعطاء لله والمنع لله وأن يكون الله وحده الهه ومعبوده ~~والطريق اليه تجريد متابعة رسوله ظاهرا وباطنا وتغميض عين القلب عن ~~الالتفات الي سوى الله ورسوله وبالله التوفيق من اشتغل بالله عن نفسه كفاء ~~الله مؤونة نفسه ومن اشتغل بالله عن الناس كفاه الله مؤونة الناس ومن اشتغل ~~بنفسه عن الله وكله الله الي نفسه ومن اشتغل بالناس عن الله وكله الله ~~اليهم # | فائدة جليلة انما يجد المشقة فى ترك المألوفات والعوائد من تركها لغير # الله فأما من تركها صادقا مخلصا من قلبه لله فانه لا يجد فى تركها مشقة ~~الا فى أول وهلة ليمتحن اصادق هو فى تركها أم كاذب فان صبر على تلك المشقة ~~قليلا استحالت لذة قال ابن سيرين سمعت شريحا يحلف بالله ما ترك ms089 عبد لله ~~شيئا فوجد فقده وقولهم من ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه حق والعوض أنواع ~~مختلفة وأجل ما يعوض به الأنس بالله ومحبته وطمأنينة القلب به وقوته ونشاطه ~~وفرحه ورضاه عن ربه تعالى # أغبى الناس من ضل في آخر سفره وقد قارب المنزل العقول المؤيدة ~~PageV01P107 بالتوفيق ترى ان ما جاء به الرسول هو الحق الموافق للعقل ~~والحكمة والعقول المضروبة بالخذلان تري المعارضة بين العقل والنقل وبين ~~الحكمة والشرع أقرب الوسائل إلى الله ملازمة السنة والوقوف معها فى الظاهر ~~والباطن ودوام الافتقار إلى الله وإرادة وجهه وحده بالاقوال والافعال وما ~~وصل أحد الي الله الا من هذه الثلاثة وما انقطع عنه أحد الا بانقطاعه عنها ~~أو عن أحدها الاصول التي انبنى عليها سعادة العبد ثلاثة ولكل واحد منها ضد ~~فمن فقد ذلك الاصل حصل علي ضده التوحيد وضده الشرك والسنة وضدها البدعة ~~والطاعة وضدها المعصية ولهذه الثلاثة ضد واحد وهو خلو القلب من الرغبة فى ~~الله وفيما عنده ومن الرهبة منه ومما عنده # | قاعدة جليلة قال الله تعالي # @QB@ وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين @QE@ وقال @QB@ ومن يشاقق ~~الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى @QE@ ~~الآية والله تعالى قد بين فى كتابه سبيل المؤمنين مفصلة وسبيل المجرمين ~~مفصلة وعاقبة هؤلاء مفصلة وعاقبة هؤلاء مفصلة وأعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء ~~وأولياء هؤلاء وأولياء هؤلاء وخذلانه لهؤلاء وتوفيقه لهؤلاء والاسباب التى ~~وفق بها هؤلاء والاسباب التى خذل بها هؤلاء وجلا سبحانه الأمرين في كتابه ~~وكشفهما وأوضحهما وبينهما غاية البيان حتى شاهدتهما البصائر كمشاهدة ~~الابصار للضياء والظلام # فالعالمون بالله وكتابه ودينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية وسبيل ~~المجرمين معرفة تفصيلية فاستبانت لهم السبيلان كما يستيبين للسالك الطريق ~~الموصل الي مقصوده والطريق الموصل إلى الهلكة فهؤلاء أعلم الخلق وأنفعهم ~~للناس وأنصحهم لهم وهم الادلاء الهداة برز الصحابة علي جميع من أتي بعدهم ~~إلى يوم PageV01P108 القيامة فانهم نشأوا فى سبيل الظلال والكفر والشرك ~~والسبل الموصلة الي الهلاك وعرفوها مفصلة ms090 ثم جاءهم الرسول فأخرجهم من تلك ~~الظلمات إلى سبيل الهدى وصراط الله المستقيم فخرجوا من الظلمة الشديدة إلى ~~النور التام ومن الشرك إلى التوحيد ومن الجهل إلى العلم ومن الغى إلى ~~الرشاد ومن الظلم إلى العدل ومن الحيرة والعمى إلى الهدى والبصائر فعرفوا ~~مقدار ما نالوه وظفروا به ومقدار ما كانوا فيه فان الضد يظهر حسنه الضد ~~وانما تتبين الأشياء بأضدادها فازدادوا رغبة ومحبة فيما انتقلوا اليه ونفرة ~~وبغضا لما انتقلوا عنه وكانوا أحب الناس فى التوحيد والايمان والاسلام ~~وأبغض الناس فى ضده عالمين بالسبيل على التفصيل # وأما من جاء بعد الصحابة فمنهم من نشأ فى الاسلام غير عالم تفصيل ضده ~~فالتبس عليه بعض تفاصيل سبيل المؤمنين بسبيل المجرمين فان اللبس انما يقع ~~اذا ضعف العلم بالسبيلين أو أحدهما كما قال عمر بن الخطاب انما تنقض عري ~~الاسلام عروة اذا نشأ فى الاسلام من لم يعرف الجاهلية وهذا من كمال علم عمر ~~رضي الله عنه فانه اذا لم يعرف الجاهلية وحكمها وهو كل ما خالف ما جاء به ~~الرسول فانه من الجاهلية فانها منسوبة إلى الجهل وكل ما خالف الرسول فهو من ~~الجهل فمن لم يعرف سبيل المجرمين ولم تستبن له أوشك أن يظن فى بعض سبيلهم ~~انها من سبيل المؤمنين كما وقع فى هذه الأمة من أمور كثيرة فى باب الإعتقاد ~~والعلم والعمل هي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل أدخلها من لم يعرف ~~انها من سبيلهم في سبيل المؤمنين ودعا اليها وكفر من خالفها واستحل منه ما ~~حرمه الله ورسوله كما وقع لاكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج ~~والروافض وأشباههم ممن ابتدع بدعة ودعا اليها وكفر من خالفها # والناس فى هذا الموضع أربع فرق الاولي من استبان له سبيل المؤمنين وسبيل ~~المجرمين على التفصيل علما وعملا وهؤلاء أعلم الخلق الفرقة الثانية من ~~PageV01P109 عميت عنه السبيلان من أشباه الأنعام وهؤلاء بسبيل المجرمين ~~أحضر ولها أسلك الفرقة الثالثة من صرف عنايته إلى معرفة سبيل المؤمنين دون ~~ضدها فهو يعرف ms091 ضدها من حيث الجملة والمخالفة وأن كل ما خالف سبيل المؤمنين ~~فهو باطل وان لم يتصوره على التفصيل بل اذا سمع شيئا مما خالف سبيل ~~المؤمنين صرف سمعه عنه ولم يشغل نفسه بفهمه ومعرفة وجه بطلانه وهو بمنزلة ~~من سلمت نفسه من ارادة الشهوات فلم تخطر بقلبه ولم تدعه اليها نفسه بخلاف ~~الفرقة الأولى فانهم يعرفونها وتميل اليها نفوسهم ويجاهدونها علي تركها ~~الله وقد كتبوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه عن هذه المسالة أيما أفضل رجل لم ~~تخطر له الشهوات ولم تمر بباله أو رجل نازعته اليها نفسه فتركها لله فكتب ~~عمر ان الذى تشتهى نفسه المعاصي ويتركها لله عز وجل من الذين امتحن الله ~~قلوبهم للتقوى لهم مفغرة وأجر عظيم وهكذا من عرف البدع والشرك والباطل ~~وطرقه فأبغضها لله وحذرها وحذر منها ودفعها عن نفسه ولم يدعها تخدش وجه ~~ايمانه ولا تورثه شبهة ولا شكا بل يزداد بمعرفتها بصيرة فى الحق ومحبة له ~~وكراهة لها ونفرة عنها أفضل ممن لا تخطر بباله ولا تمر بقلبه فانه كلما مرت ~~بقلبه وتصورت له ازداد محبة للحق ومعرفة بقدره وسرورا به فيقوى ايمانه به ~~كما ان صاحب خواطر الشهوات والمعاصي كلما مرت به فرغب عنها إلى ضدها ازداد ~~محبة لضدها ورغبة فيه وطلبا له وحرصا عليه فما ابتلي الله سبحانه عبده ~~المؤمن بمحبة الشهوات والمعاصي وميل نفسه اليها الا ليسوقه بها الي محبة ما ~~هو أفضل منها وخير له وأنفع وأدوم وليجاهد نفسه على تركها له سبحانه فتورثه ~~تلك المجاهدة الوصول إلى المحبوب الأعلى فكلما نازعته نفسه إلى تلك الشهوات ~~وشتدت ارادته لها وشوقه اليها صرف ذلك الشوق والارادة والمحبة إلى النوع ~~العالي الدائم فكان طلبه له أشد وحرصه عليه أتم بخلاف النفس الباردة ~~الخالية من ذلك فانها وان كانت طالبة للأعلى لكن بين الطلبين فرق عظيم ألا ~~ترى ان من مشي إلى محبوبة على الجمر PageV01P110 والشوك أعظم ممن مشي إليه ~~راكبا على النجائب فليس من آثر محبوبه مع منازعة نفسه كمن ms092 آثره مع عدم ~~منازعتها إلى غيره فهو سبحانه يبتلي عبده بالشهوات إما حجابا له عنه أو ~~حاجبا له يوصله إلى رضاه وقربه وكرامته الفرقة الرابعة فرقة عرفت سبيل الشر ~~والبدع والكفر مفصلة وسبيل المؤمنين مجملة وهذا حال كثير ممن اعتنى بمقالات ~~الأمم ومقالات أهل البدع فعرفها على التفصيل ولم يعرف ما جاء به الرسول ~~كذلك بل عرفه معرفة مجملة وان تفصلت له في بعض الأشياء ومن تأمل كتبهم رأى ~~ذلك عيانا وكذلك من كان عارفا بطرق الشر والظلم والفساد على التفصيل سالكا ~~لها اذا تاب ورجع عنها إلى سبيل الأبرار يكون علمه بها مجملا غير عارف بها ~~على التفصيل معرفة من أفنى عمره فى تصرفها وسلوكها # والمقصود ان الله سبحانه يحب أن تعرف سبيل أعدائه لتجتنب تبغض كما يجب أن ~~تعرف سبيل أوليائه لتحب وتسلك وفى هذه المعرفة من الفوائد والأسرار مالا ~~يعلمه الا الله من معرفة عموم ربوبيته سبحانه وحكمته وكمال أسمائه وصفاته ~~وتعلقها بمتعلقاتها واقتضائها لآثارها وموجباتها وذلك من أعظم الدلالة على ~~ربوبيته وملكه وإلهيته وحبه وبغضه وثوابه وعقابه والله أعلم # أرباب الحوائج على باب الملك يسألون قضاء حوائجهم وأولياؤه المحبون له ~~الذين هو همهم ومرادهم جلساؤه وخواصه فاذا أراد قضاء حاجة واحد من أولئك ~~اذن لبعض جلسائه وخاصته أن يشفع فيه رحمة له وكرامة للشافع وسائر الناس ~~مطرودون عن الباب مضروبون بسياط العبد # | فصل عشرة أشياء ضائعة لا ينتفع بها علم لا يعمل به وعمل لا # اخلاص فيه ولا اقتداء ومال لا ينفق منه فلا يستمتع به جامعة في الدنيا ~~ولا يقدمه PageV01P111 امامه إلى الآخرة وقلب فارغ من محبة الله والشوق ~~اليه والأنس به وبدن معطل من طاعته وخدمته ومحبة لا تتقيد برضاء المحبوب ~~وامتثال أوامره ووقت معطل عن استدراك فارطه أو اغتنام بر وقربه وفكر يجول ~~فيما لا ينفع وخدمة من لا تقربك خدمته إلى الله ولا تعود عليك بصلاح دنياك ~~وخوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله وهو أسبر فى قبضته ولا يملك لنفسه حذرا ~~ولا ms093 نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا # وأعظم هذه الاضاعات اضاعتان هما أصل كل اضاعة اضاعة القلب واضاعة الوقت ~~فاضاعة القلب من ايثار الدنيا على الآخرة واضاعة الوقت من طول الأمل فاجتمع ~~الفساد كله فى اتباع الهوى وطول الأمل والصلاح كله فى اتباع لهدى ~~والاستعداد للقاء والله المستعان # العجب ممن تعرض له حاجة فيصرف رغبته وهمته فيها الي الله ليقضيها له ولا ~~يتصدى للسؤال لحياة قلبه من موت الجهل والاعراض وشفائه من داء الشهوات ~~والشبهات ولكن اذا مات القلب لم يشعر بمعصيته # | فصل لله سبحانه على عبده أمر أمره به وقضاء يقضيه عليه ونعمة ينعم # بها عليه فلا ينفك من هذه الثلاثة والقضاء نوعان اما مصائب واما معائب ~~وله عليه عبودية فى هذه المراتب كلها فأحب الخلق اليه من عرف عبوديته فى ~~هذه المراتب ووفاها حقها فهذا اقرب الخلق اليه وأبعدهم منه من جهل عبوديته ~~فى هذه المراتب فعطلها علما وعملا فعبوديته فى الأمر وامتثاله اخلاصا ~~واقتداءا برسول الله وفى النهى اجتنابه خوفا منه واجلالا ومحبة وعبوديته فى ~~قضاء المصائب الصبر عليها ثم الرضا بها وهو أعلى منه ثم الشكر عليها وهو ~~أعلى من الرضا وهذا إنما يأتى منه اذا تمكن حبه من قلبه وعلم حسن اختياره ~~له وبره به ولطفه به PageV01P112 وإحسانه اليه بالمصيبة وان كره المصيبة ~~وعبوديته فى قضاء المعائب المبادرة إلى التوبة منها والتنصل والوقوف في ~~مقام الاعتذار والانكسار عالما بانه لا يرفعها عنه الا هو ولا يقيه شرها ~~سواه وأنها ان استمرت أبعدته من ربه وطردته من بابه فيراها من الضر الذي لا ~~يكشفه غيره حتى انه ليراها أعظم من ضر البدن فه عائذ برضاه من سخطه وبعفوه ~~من عقوبته وبه منه مستجير وملتجىء منه اليه بعلم أنه ان تخلى عنه وخلى بينه ~~وبين نفسه فعده أمثالها وشر منها وانه لا سبيل له إلى الاقلاع والتوبة الا ~~بتوفيقه وإعانته وأن ذلك بيده سبحانه لا بيد العبد فهو أعجز وأضعف وأقل من ~~أن يوفق نفسه أو يأتي ms094 بمرضاة سيده بدون إذنه ومشيئته وإعانته فهو ملتجىء ~~اليه متضرع ذليل مسكين ملق نفسه بين يديه طريح بابه مستخذله أذل شيء واكسره ~~له وأفقره وأحوجه اليه وأرغبه فيه واحبه له بدنه متصرف فى اشغاله وقلبه ~~ساجد بين يديه يعلم يقينا انه لا خبر فيه ولا له ولا به ولا منه وان الخير ~~كله لله وفى يديه وبه ومنه فهو ولي نعمته ومبتدئه بها من غير استحقاق ~~ومجريها عليه مع تمقته اليه باعراضه وغفلته ومعصيته فحظه سبحانه الحمد ~~والشكر والثناء وحظ العبد الذم والنقص والعيب قد استأثر بالمحامد والمدح ~~والثناء وولى العبد الملامة والنقائص ولعيوب فالحمد كله له والخير كله في ~~يديه والفضل كله له والثناء كله له والمنة كلها له فمنه الاحسان ومن العبد ~~الاساءة ومنه التودد الي العبد بنعمه ومن العبد التبغض اليه بمعاصيه ومنه ~~النصح لعبده ومن العبد الغش له فى معاملته # وأما عبودية النعم فمعرقتها والاعتراف بها أولا ثم العياذ به ان يقع فى ~~قلبه نسبتها وإضافتها الي سواه وان كان سببا من الأسباب فهو مسببه ومقيمه ~~فالنعمة منه وحده بكل وجه واعتبار ثم الثناء بها عليه ومحبته عليها وشكره ~~بأن يستعملها فى طاعته ومن لطائف التعبد بالنعم أن يكثر قليلها عليه ويستقل ~~كثير شكره عليها وبعلم انها وصلت اليه من سيده من غير ثمن بذله فيها ولا ~~وسيلة منه توسل PageV01P113 بها اليه ولا استحقاق منه لها وانها لله فى ~~الحقيقة لا للعبد فلا تزيده النعم الا انكسارا وذلا وتواضعا ومحبة للمنعم ~~وكلما جدد له نعمه أحدث لها عبودية ومحبة وخضوعا وذلا وكلما أحدث له قبضا ~~احدث له رضي وكلما أحدث ذنبا أحدث له توبة وانكسارا واعتذارا فهذا هو العبد ~~الكيس والعاجز بمعزل عن ذلك وبالله التوفيق # | فصل من ترك الاختيار والتدبير فى رجاء زيادة أو خوف نقصان أو طلب # صحة أو فرار من سقم وعلم ان الله على كل شيء قدير وأنه المتفرد بالاختيار ~~والتدبير وأن تدبيره لعبده خير من تدبير العبد لنفسه وانه أعلم بمصلحته ms095 من ~~العبد وأقدر على جلبها وتحصيلها منه وانصح للعبد منه لنفسه وأرحم منه بنفسه ~~وأبر به منه بنفسه وعلم مع ذلك أنه لا يستطيع أن يتقدم بين يدي تدبيره خطوة ~~واحدة ولا يتأخر عن تدبيره له خطوة واحدة فلا متقدم له بين يدي قضائه وقدره ~~ولا يتأخر فألقى نفسه بين يديه وسلم الأمر كله اليه وانطرح بين يديه انطراح ~~عبد مملوك ضعف بين يدي ملك عزيز قاهر له التصرف في عبده بكل ما يشاء وليس ~~للعبد التصرف فيه بوجه من الوجوه فاستراح حينئذ من الهموم والغموم والأنكاد ~~والحسرات وحمل كله حوائجه ومصالحه من لا يبالي بحملها ولا يثقله ولا يكترث ~~بها فتولاها دونه وأراه لطفه وبره ورحمته واحسانه فيها من غير تعب من العبد ~~ولا نصب ولا اهتمام منه لانه قد صرف اهتمامه كله اليه وجعله وحده همه فصرف ~~عنه اهتمامه بحوائجه ومصالح دنياه وفرغ قلبه منها فما أطيب عيشه وما انعم ~~قلبه وأعظم سروره وفرحه وإن أبي الا تدبيره لنفسه واختياره لها واهتمامه ~~بحظه دون حق ربه خلاه وما اختاره وولاه ما تولي فحضره الهم والغم والحزن ~~والنكد الخوف والتعب وكسف البال وسوء الحال فلا قلب PageV01P114 يصفو ولا ~~عمل يزكو ولا أمل يحصل ولا راحة يفوز بها ولا لذة بينها بها بل بل قد حيل ~~بينه وبين مسرته وفرحه وقره عينه فهو يكدح فى الدنيا كدح الوحش ولا يظفر ~~منه بأمل ولا يتزود منها لمعاد والله سبحانه أمر العبد بأمر وضمن له ضمانا ~~فان قام بأمره بالنصح والصدق والاخلاص والاجتهاد قام الله سبحانه له بما ~~ضمنه له من الرزق والكفاية والنصر وقضاء الحوائج فانه سبحانه ضمن الرزق لمن ~~عبده والنصر لمن توكل عليه واستنصر به والكفاية لمن كان هو همه ومراده ~~والمغفرة لمن استغفره وقضاء الحوائج لمن صدقه فى طلبها ووثق به وقوى رجاؤه ~~وطمعه فى فضله وجوده فالفطن الكيس انما يهتم بأمره وإقامته وتوفيته لا ~~بضمانه فأنه الوفي الصادق ومن أوفى بعهده من الله فمن علامات السعادة صرف ms096 ~~اهتمامه إلى أمر الله دون ضمانه ومن علامات الحرمان فراغ قلبه من الاهتمام ~~بأمره وحبه وخشيته والاهتمام بضمانه والله المستعان # قال بشر بن الحارث اهل الآخرة ثلاثة عابد وزاهد وصديق فالعابد يعبد الله ~~مع العلائق والزاهد يعبده على ترك العلائق والصديق يعبده على الرضا ~~والموافقة أن أراه أخذ الدنيا أخذها وان أراه تركها تركها إذا كان الله ~~ورسوله في جانب فاحذر ان تكون في الجانب الآخر فأن ذلك يفضي إلى المشاقة ~~والمحادة وهذا أصلها ومنه اشتقاقها فان المشاقة إن يكون فى شق ومن يخالفه ~~في شق والمحادة ان يكون حد وهو فى حد ولا تستسهل هذا فان مبادئه تجر إلى ~~غايته وقليله يدعو إلى كثيره وكن فى الجانب الذي يكون فيه الله ورسوله وان ~~كان الناس كلهم فى الجانب الآخر فان لذلك عواقب هى أحمد العواقب وأفضلها ~~وليس للعبد انفع من ذلك فى دنياه قبل آخرته واكثر الخلق انما يكونون من ~~الجانب الآخر ولاسيما اذا قويت الرغبة والرهبة فهناك لا تكاد تجد أحدا فى ~~الجانب الذى فيه الله ورسوله بل يعده الناس ناقص العقل سيء الاختيار لنفسه ~~وربما نسبوه الي الجنون وذلك من مواريث أعداء الرسل فأنهم نسبوهم غلى ~~الجنون لما كانوا في شق PageV01P115 وجانب والناس فى شق وجانب آخر ولكن من ~~وطن نفسه على ذلك فانه يحتاج إلى علم راسخ بما جاء به الرسول يكون يقينا له ~~لا ريب عنده فيه والي صبر تام علي معاداة من عاداه ولومه من لامه ولا يتم ~~له ذلك الا برغبة قوية فى الله والدار والآخرة بحيث تكون الآخرة احب اليه ~~من الدنيا وآثر عنده منها ويكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما وليس شيء ~~أصعب علي الانسان من ذلك فى مبادىء الأمر فان نفسه وهواه وطبعه وشيطانه ~~وإخوانه ومعاشيره من ذلك الجانب يدعنه إلى العاجل فاذا خالفوهم تصدوا ~~الحربة فان صبر وثبت جاءه العون من الله وصار ذلك الصعب سهلا وذلك الألم ~~لذة فان الرب شكور فلا بد أن يذيقه لذة تحيزه ms097 الي الله والى رسوله ويريه ~~كرامة ذلك فيشتد به سروره وغبطته ويبتهج به قلبه ويظفر بقوته وفرحه وسروره ~~ويبقى من كان محاربا له على ذلك بين هائب له مسالم له ومساعد وتارك ويقوى ~~جنده ويضعف جند العدو ولا تستصعب مخالفة الناس والتحيز إلى الله ورسوله ولو ~~كنت وحدك فان الله معك وأنت بعينه وكلاءته وحفظه لك وانما امتحن يقينك ~~وصبرك اعظم الأعوان لك على بعد عون الله هذا بعون اله التجرد من الطمع ~~والفزع فمتى تجردت منهما هان عليك التحيز إلى الله ورسوله وكنت دائما فى ~~الجانب الذى فيه الله ورسوله ومتي قام بك الطمع فلا تطمع فى هذا الأمر ولا ~~تحدث نفسك به فان قلت فبأي شيء أستعين على التجرد من الطمع ومن الفزع قلت ~~بالتوحيد والتوكل والثقة بالله وعلمك بأنه لا يأتي بالحسنات الاهو ولا يذهب ~~بالسيآت الا هو وأن الأمر كله لله ليس لاحد مع الله شيء نصيحة # هلم الي الدخول على الله ومجاورته فى دار السلام بلا نصيب ولا تعب ولا ~~عناء بل من أقرب الطرق وأسهلها وذلك انك فى وقت بين وقتين وهو فى الحقيقة ~~PageV01P116 عمرك وهو وقتك الحاضر بين ما مضى وما يستقبل فالذى مضي تصلحه ~~بالتوبة والندم والاستغفار وذلك شيء لا تعب عليك فيه ولا نصب ولا معاناة ~~عمل شاق انما هو عمل قلب وتمتنع فيما يستقبل من الذنوب وامتناعك ترك وراحة ~~ليس هو عملا بالجوارح يشق عليك معاناته وانما هو عزم ونية جازمه تريح بدنك ~~وقلبك وسرك فما مضى تصلحه بالتوبة وما يستقبل تصلحه بالامتناع والعزم ~~والنية وليس للجوارح فى هذين نصب ولا تعب ولكن الشأن فى عمرك وهو وقتك الذي ~~بين الوقتين فأن أضعته أضعت سعادتك ونجاتك وان حفظته مع إصلاح الوقتين ~~اللذين قبله وبعده بما ذكرت نجوت وفزت بالراحة واللذة والنعيم وحفظه أشق من ~~إصلاح ما قبله وما بعده فان حفظه أن تلزم نفسك بما هو أولى بها وانفع لها ~~وأعظم تحصيلا لسعادتها وفى هذا تفاوت الناس أعظم تفاوت فهى ms098 والله أيامك ~~الخالية التى تجمع فيها الزاد لمعادك إما إلى الجنة إما إلى النار فان ~~اتخذت إليها سبيلا إلى ربك بلغت السعادة العظمى والفوز الأكبر فى هذه المدة ~~اليسيرة التى لا نسبة لها إلى الأبد وان آثرت الشهوات والراحات واللهو ~~واللعب انقضت عنك بسرعة واعقبتك الألم العظيم الدائم الذي مقاساته ومعاناته ~~اشق وأصعب وأدوم من معاناة الصبر عن محارم الله والصبر على طاعته ومخالفة ~~الهوى لأجله # | فصل علامة صحة الارادة أن يكون هم المريد رضا ربه واستعداده للقائه # وحزنه على وقت مر فى غير مرضاته وأسفه على قربه والأنس به وجماع ذلك أن ~~يصبح ويمسي وليس له هم غيره PageV01P117 # | فصل اذا استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله واذا فرحوا بالدنيا # فافرح أنت بالله واذا انسوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله واذا تعرفوا إلى ~~ملوكهم وكبرائهم وتقربوا اليهم لينالوا بهم العزة والرفعة فتعرف أنت الي ~~الله وتودد اليه تنل بذلك غاية العز والرفعة قال بعض الزهاد ما علمت أن ~~أحدا سمع بالجنة والنار تأتي عليه ساعة لا يطيع الله فيها بذكرا وصلاة أو ~~قراة أو احسان فقال له رجل اني أكثر البكاء فقال انك ان تضحك وأنت مقر ~~بخطيئتك خير من أن تبكي وأنت مدل بعملك وان المدل لا يصعد عمله فوق رأسه ~~فقال أوصني فقال دع الدنيا لأهلها كما تركوهم الآخره لأهلها وكن فى الدنيا ~~كالنحلة ان أكلت أكلت طيبا وأن أطعمت أطعمت طيبا وان سقطت على شيء لم تكسره ~~ولم تخدشه # | فصل الزهد أقسام زهد في الحرام وهو فرض عين وزهد في الشبهات وهو # بحسب مراتب الشبهة فان قويت التحقت بالواجب وان ضعفت كان مستحبا وزهد فى ~~الفضول وزهد فيما لا يعنى من الكلام والنظر والسؤال واللقاء وغيره وزهد فى ~~الناس وزهد فى النفس بحيث تهون عليه نفسه فى الله وزهد جامع لذلك كله وهو ~~الزهد فيما سوى الله وفى كل ما شغلك عنه وافضل الزهد إخفاء الزهد وأصعبه ~~الزهد فى الحظوظ والفرق بينه وبين الورع أن الزهد ترك مالا ms099 ينفع فى الآخرة ~~والورع ترك ما يخشى ضررة في الآخرة والقلب المعلق بالشهوات لا يصح له زهد ~~ولا ورع PageV01P118 # قال يحيى بن معاذ عجبت من ثلاث رجل يرائي بعمله مخلوقا مثله ويترك أن ~~يعمله الله ورجل يبخل بماله وربه يستقرضه منه فلا يقرضه منه شيئا ورجل يرغب ~~فى صحبة المخلوقين ومودتهم والله يدعوه إلى صحبته ومودته # | فائدة جليلة قال سهل بن عبد الله ترك الأمر عند الله أعظم من # ارتكاب النهى لأن آدم نهى عن أكل الشجرة فأكل منها فتاب عليه وابليس أمر ~~أن يسجد لآدم فلم يسجد فلم يتب عليه قلت هذه مسالة عظيمة لها شان وهى أن ~~ترك الأوامر أعظم عند الله من أرتكاب المناهى وذلك من وجوه عديدة أحدها ما ~~ذكره سهل من شأن آدم وعدو الله ابليس الثاني أن ذنب ارتكاب النهى مصدره فى ~~الغالب الشهوة والحاجة وذنب ترك الأمر مصدره فى الغالب الكبر والعزة ولا ~~يدخل الجنة من فى قلبه مثقال ذرة من كبر ويدخلها من مات علي التوحيد وان ~~زنى وسرق الثالث أن فعل المأمور أحب إلى الله من ترك المنهى كما دل على ذلك ~~النصوص كقوله أحب الاعمال الي الله الصلاة على وقتها وقوله ألا أنبئكم بخير ~~أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها فى درجاتكم وخير لكم من أن تلقوا عدوكم ~~فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلي يا رسول الله قال ذكر الله ~~وقوله اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة وغير ذلك من النصوص وترك المناهى عمل ~~فانه كف النفس عن الفعل ولهذا علق سبحانه المحبة بفعل الأوامر كقوله @QB@ ~~إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا @QE@ @QB@ والله يحب المحسنين @QE@ ~~وقوله @QB@ وأقسطوا إن الله يحب المقسطين @QE@ @QB@ والله يحب الصابرين ~~@QE@ وأما فى جانب المناهى فأكثر ما جاء النفي للمحبة وقوله @QB@ والله لا ~~يحب الفساد @QE@ وقوله @QB@ والله لا يحب كل مختال فخور @QE@ وقوله @QB@ ~~ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين @QE@ وقوله @QB@ لا يحب الله الجهر ~~بالسوء من القول إلا من ظلم @QE@ وقوله @QB@ إن الله لا يحب من ms100 @QE@ ~~PageV01P119 @QB@ كان مختالا فخورا @QE@ ونظائره وأخبر فى موضع آخر أنه ~~يكرهها ويسخطها كقوله @QB@ كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها @QE@ وقوله @QB@ ~~ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله @QE@ # اذا عرف هذا ففعل ما يحبه سبحانه مقصود بالذات ولهذا يقدر ما يكرهه ~~ويسخطه لافضائه إلى ما يحب كما قدر المعاصى والكفر والفسوق لما ترتب علي ~~تقديرها مما يحبه من لوازمها من الجهاد واتخاذ الشهداء وحصول التوبة من ~~العبد والتضرع اليه والاستكانة واظهار عدله وعفوه وانتقامه وعزه وحصول ~~المولاة والمعاداة لأجله وغير ذلك من الآثار التى وجودها بسبب تقديره ما ~~يكره أحب اليه من ارتفاعها بارتفاع أسبابها وهو سبحانه لا يقدر ما يحب ~~لافضائه إلى حصول ما يكرهه ويسخطه كما يقدر ما يكرهه لافضائه إلى ما يحبه ~~فعلم أن فعل ما يحبه احب اليه مما يكرهه يوضحه الوجه الرابع أن فعل المأمور ~~مقصود لذاته وترك المنهى مقصود لتكميل فعل المأمور فهو منهى عنه لاجل كونه ~~يخل بفعل المأمور أو يضعفه وينقصه كما نبه سبحانه على ذلك فى النهى عن ~~الخمر والميسر بكونهما يصدان عن ذكر الله وعن الصلاة فالمنهيات قواطع ~~وموانع صادة عن فعل المأمورات أو عن كمالها فالنهى عنها من باب المقصود ~~لغيره والامر بالواجبات من باب المقصود لنفسه يوضحه الوجه الخامس أن فعل ~~المأمورات من باب حفظ قوة الايمان وبقائها وترك المنهيات من باب الحمية عما ~~يشوش قوة الايمان ويخرجها عن الاعتدال وحفظ القوة مقدم على الحمية فان ~~القوة كلما قويت دفعت المواد الفاسدة وإذا ضعفت غلبت المواد الفاسدة ~~فالحمية مراد لغيرها وهو حفظ القوة وزيادتها وبقاؤها ولهذا كلما قويت قوة ~~الايمان دفعت المواد الرديئة ومنعت من غلبتها وكثرتها بحسب القوة وضعفها ~~واذا ضعفت غلبت المواد الفاسدة فتأمل هذا الوجه الوجه السادس أن فعل ~~المأمورات حياة القلب وغذاؤه وزينته وسروره وقرة عينه ولذته ونعيمه وترك ~~المنهيات بدون ذلك لا يحصل له شيئا من ذلك فانه لو ترك جميع المنهيات ولم ~~PageV01P120 يأت بالايمان والأعمال المأمور بها لم ينفعه ذلك الترك شيئا ~~وكان خالدا ms101 فى النار وهذا يتبين بالوجه السابع أن من فعل المأمورات ~~والمنهيات فهو اما ناج مطلقا ان غلبت حسناته سيئاته وإما ناج بعد أن يؤخذ ~~منه الحق ويعاقب على سيئاته فمآله إلى النجاة وذلك بفعل المأمور ومن ترك ~~المأمورات والمنهيات فهو هالك غير ناج ولا ينجو إلا بفعل المأمور وهو ~~التوحيد # فان قيل فهو انما هلك بارتكاب المحظور وهو الشرك قيل يكفي فى الهلاك ترك ~~نفس التوحيد المامور به وان لم يأت بضد وجودى من الشرك بل متي خلا قلبه من ~~التوحيد رأسا فلم يوحد الله فهو هالك وان لم يعبد معه غيره فاذا انضاف اليه ~~عبادة غيره عذب على ترك التوحيد المأمور به وفعل الشرك المنهى عنه يوضحه ~~الوجه الثامن ان المدعو الي الايمان إذا قال لا أصدق ولا أكذب ولا أحب ولا ~~أبغض ولا أعبده ولا أعبد غيره كان كافرا بمجرد الترك والاعراض بخلاف ما اذا ~~قال أنا أصدق الرسول وأحبه وأؤمن به وأفعل ما أمرني ولكن شهوتي وارادتي ~~وطبعى حاكمة على لا تدعني أترك ما نهاني عنه وانا أعلم أنه قد نهاني وكره ~~لى فعل المنهى ولكن لا صبر لى عنه فهذا لا يعد كافرا بذلك ولا حكمه حكم ~~الأول فان هذا مطيع من وجه وتارك المأمور جملة لا يعد مطيعا بوجه يوضحه ~~الوجه التاسع ان الطاعة والمعصية انما تتعلق بالأمر أصلا وبالنهى تبعا ~~فالمطيع ممتثل المأمور والعاصي تارك المأمور قال تعالى @QB@ لا يعصون الله ~~ما أمرهم @QE@ وقال موسى لأخيه ما منعك اذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعني أفعصيت ~~أمرى وقال عمرو بن العاص عند موته أنا الذى أمرتني فعصيت ولكن لا آله الا ~~أنت وقال الشاعر أمرتك أمرا جازما فعصيتني # والمقصود من إرسال الرسل طاعة المرسل ولا تحصل الا بامتثال أوامره ~~واجتناب المناهي من تمام امتثال الأوامر ولوازمه ولهذا لو اجتنب المناهى ~~ولم يفعل ما أمر به لم يكن مطيعا وكان عاصيا بخلاف ما لو أتي بالمأمورات ~~وارتكب PageV01P121 المناهى فانه وان عد عاصيا مذنبا فانه مطيع بامتثال ms102 ~~الأمر عاص بارتكاب النهى بخلاف تارك الامر فانه لا يعد مطيعا باجتناب ~~المنهيات خاصة الوجه العاشر ان امتثال الامر عبودية وتقرب وخدمة وتلك ~~العبادة التى خلق لاجلها الخلق كما قال تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون @QE@ فاخبر سبحانه أنه انما خلقهم للعبادة وكذلك انما أرسل ~~إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه ليعبدوه فالعبادة هي الغاية التي خلقوا لها ~~ولم يخلقوا لمجرد الترك فانه أمر عدمى لا كمال فيه من حيث هو عدم بخلاف ~~امتثال المأمور فانه أمر وجودي مطلوب الحصول وهذا يتبين بالوجه الحادي عشر ~~وهو أن المطلوب بالنهى عدم الفعل وهو أمر عدمى والمطلوب بالأمر ايجاد فعل ~~وهو أمر وجودى فمتعلق الامر الايجاد ومتعلق النهى الاعدام أو العدم وهو أمر ~~لا كمال فيه الا اذا تضمن أمرا وجوديا فان العدم من حيث هو عدم لا كمال فيه ~~ولا مصلحة الا اذا تضمن أمرا وجوديا مطلقا وذلك الامر الوجودى مطلوب مأمور ~~به فعادت حقيقة النهى الي الامر وان المطلوب به ما فى ضمن النهى من الامر ~~الوجودى المطلوب به وهذا يتضح بالوجه الثاني عشر وهو ان الناس اختلفوا فى ~~المطلوب بالنهى علي أقوال احدها أن المطلوب به كف النفس عن الفعل وحبسها ~~عنه وهو أمر وجودى قالوا لان التكليف انما يتعلق بالمقدور والعدم المحض غير ~~مقدور وهذا قول الجمهور وقال أبو هاشم وغيره بل المطلوب عدم الفعل ولهذا ~~يحصل المقصود من بقائه على العدم وان لم يخطر بباله الفعل فضلا ان يقصد ~~الكف عنه ولو كان المطلوب الكف لكان عاصيا اذا لم يات به ولان الناس يمدحون ~~بعدم فعل القبيح من لم يخطر بباله فعله والكف عنه وهذا أحد قولى القاضي أبي ~~بكر ولاجله التزم أن عدم الفعل مقدور للعبد وداخل تحت الكسب قال والمقصود ~~بالنهى الابقاء على العدم الأصلى وهو مقدور وقالت طائفة المطلوب بالنهى فعل ~~الضد فانه هو المقدور وهو المقصود للناهى فانه انما نهاه عن الفاحشة طلبا ~~PageV01P122 للعفة وهى المأمور بها ونهاه عن الظلم طلبا للعدل المأمور ms103 به ~~وعن الكذب طلبا للصدق المامور به وهكذا جميع المنهيات فعند هؤلاء ان حقيقة ~~النهى الطلب لضد لمنهى عنه فعاد الأمر إلى ان الطلب انما تعلق بفعل المأمور # والتحقيق ان المطلوب نوعان مطلوب لنفسه وهو المأمور به ومطلوب اعدامه ~~لمضادته المأمور به وهو المنهى عنه لما فيه من المفسدة المضادة للمأمور به ~~فاذا لم يخطر ببال المكلف ولا دعته نفسه اليه بل استمر على العدم الأصلي لم ~~يثب على تركه وان خطر بباله وكف نفسه عنه لله وتركه اختيار أثيب عل كف نفسه ~~وامتناعه فانه فعل وجودى والثواب انما يقع علي الأمر الوجودي دون العدم ~~المحض وان تركه مع عزمه الجازم على فعله لكن تركه عجزا فهذا وان لم يعاقب ~~عقوبة الفاعل لكن يعاقب على عزمه وارادته الجازمة التى انما تخلف مرادها ~~عجزا وقد دلت على ذلك النصوص الكثيرة فلا يلتفت الي ما خالفها كقوله تعالى ~~@QB@ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء @QE@ وقوله فى كاتم الشهادة @QB@ فإنه آثم قلبه @QE@ وقوله ~~@QB@ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم @QE@ وقوله @QB@ يوم تبلى السرائر @QE@ ~~وقوله إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول فى النار قالوا هذا ~~القاتل فما بال المقتول قال انه أراد قتل صاحبه وقوله فى الحديث الآخر ورجل ~~قال لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته وهما فى الوزر سواء وقول من ~~قال ان المطلوب بالنهى فعل الضد ليس كذلك فان المقصود عدم الفعل والتلبس ~~بالضدين فان مالا يتم الواجب الا به فهو غير مقصود بالقصد الأول وأن كان ~~المقصود بالقصد الأول المامور الذي نهى عما يمنعه ويضعفه فالمنهى عنه مطلوب ~~اعدامه طلب الوسائل والذرائع والمأمور به مطلوب ايجاده طلب المقاصد ~~والغايات وقول أبي هاشم ان تارك القبائح يحمد وان لم يخطر بباله كف النفس ~~فان أراد PageV01P123 بحمده انه لا يذم فصحيح وان أراد انه يثني عليه بذلك ~~ويحب عليه ويستحق الثواب فغير صحيح فان الناس لا يحمدون المحبوب على ترك ~~الزنا ms104 ولا الأخرس على عدم الغيبة والسب وانما يحمدون القادر الممتنع عن ~~قدرة وداع الي الفعل وقول القاضي الابقاء علي العدم الأصلى مقدور فان أراد ~~به كف النفس ومنعها فصحيح وان أراد مجرد العدم فليس كذلك وهذا يتبين بالوجه ~~الثالث عشر وهو أن الأمر بالشيء نهى عن ضده من طريق اللزوم العقلي لا القصد ~~الطلبى فان الأمر انما مقصود فعل المأمور فاذا كان من لوازمه ترك الضد صار ~~تركه مقصودا لغيره وهذا هو الصواب فى مسالة الأمر بالشيء هل هو نهى عن ضده ~~أم لا فهو نهى عنه من جهة اللزوم لا من جهة القصد والطلب وكذلك النهى عن ~~الشيء مقصود الناهى بالقصد الأول الانتهاء عن المنهى عنه وكونه مشتغلا بضده ~~جاء من جهة اللزوم العقلى لكن انما نهى عما يضاد ما أمر به كما تقدم فكان ~~المأمور به هو المقصود بالقصد الاول فى الموضعين # وحرف المسألة ان طلب الشيء طلب له بالذات ولما هو من ضرورته باللزوم ~~والنهي عن الشيء طلب لتركه بالذات ولفعل ما هو من ضرورة الترك باللزوم ~~والمطلوب فى الموضعين فعل وكف وكلاهما أمر وجودي الوجه الرابع عشر ان الأمر ~~والنهى فى باب الطلب نظير النفي والاثبات فى باب الخبر والمدح والثناء لا ~~يحصلان بالنفى المحض ان لم يتضمن ثبوتا فان النفى كاسمه عدم لا كمال فيه ~~ولا مدح فاذا تضمن ثبوتا صح المدح به كنفى النسيان المستلزم لكمال العلم ~~وبيانه ونفى اللغوب والاعياء والتعب المستلزم لكمال القوة والقدرة ونفى ~~السنة والنوم المستلزم لكمال الحياة والقومية ونفى الولد والصاحبة المستلزم ~~لكمال الغنى والملك والربوبية ونفى الشريك والولى والشفيع بدون الاذن ~~المستلزم لكمال التوحيد والتفرد بالكمال والآلهية والملك ونفى الظلم ~~المتضمن لكمال العدل ونفى ادراك الابصار له المتضمن لعظمته وأنه أجل من أن ~~يدرك وان رأته PageV01P124 الأبصار والا فليس فى كونه لا يرى مدح بوجه من ~~الوجوه فان العدم المحض كذلك # واذا عرف هذا فالمنهى عنه ان لم يتضمن أمرا وجوديا ثبوتيا لم يمدح بتركه ~~ولم يستحق الثواب ms105 والثناء بمجرد الترك الايستحق المدح والثناء بمجرد الوصف ~~العدمى الوجه الخامس عشر ان الله سبحانه جعل جزاء المامورات عشرة أمثال ~~نعلها وجزاء المنهيات مثل واحد وهذا يدل على أن فعل ما أمر به احب اليه من ~~ترك ما نهى عنه ولو كان الأمر بالعكس لكانت السيئة بعشرة والحسنة بواحدة أو ~~تساويا الوجه السادس عشر ان المنهى عنه المقصود اعدامه وأن لا يدخل في ~~الوجود سواء نوى ذلك أو لم ينوه وسواء خطر بباله أو لم يخطر فالمقصود أن لا ~~يكون وأما المأمور به فالمقصود كونه ايجاد والتقرب به نية وفعلا # وسر المسألة أن وجود ما طلب ايجاده أحب اليه من عدم ما طلب اعدامه وعدم ~~ما أحبه أكره اليه من وجود ما يبغضه فمحبته لفعل ما أمر به أعظم من كراهته ~~لفعل ما نهى عنه يوضحه الوجه السابع عشر ان فعل ما يحبه والاعانة عليه ~~وجزاؤه وما يترتب عليه من المدح والثناء من رحمته وفعل مايكره وجزاؤهما ~~يترتب عليه من الذم والألم والعقاب من غضبه ورحمته سابقة على غضبه غالبة له ~~وكل ما كان من صفة الرحمة فهو غالب لما كان من صفة الغضب فانه سبحانه لا ~~يكون إلا رحيما ورحمته من لوازم ذاته كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره ~~وإحسانه فيستحيل أن يكون على خلاف ذلك وليس كذلك غضبه فانه ليس من لوازم ~~ذاته ولا يكون غضبانا دائما غضبا لا يتصور انفكاكه بل يقول رسله وأعلم ~~الخلق به يوم القيامة إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب ~~بعده مثله ورحمته وسعت كل شيء وغضبه لم يسع كل شيء وهو سبحانه كتب علي نفسه ~~الرحمة ولم يكتب على نفسه الغضب ووسع كل شيء رحمة وعلما ولم يسع كل شيء ~~غضبا وانتقاما فالرحمة وما كان بها ولوازمها وآثارها غالبة على الغضب ~~PageV01P125 وما كان منه وآثاره فوجود ما كان بالرحمة أحب اليه من وجود ما ~~كان من لوازم الغضب ولهذا كانت الرحمة احب اليه من العذاب والعفو أحب ms106 اليه ~~من الانتقام فوجود محبوبه أحب اليه من فوات مكروهه ولا سيما اذا كان فى ~~فوات مكروهه فوات ما يحبه من لوازمه فانه يكره فوات تلك اللوازم المحبوبة ~~كما يكره وجود ذلك الملزوم المكروه الوجه الثامن عشر ان أثار ما يكرهه وهو ~~المنهيات أسرع زوالا بما يحبه من زوال آثار ما يحبه بما يكرهه فآثار كراهته ~~سريعة الزوال وقد يزيلها سبحانه بالعفو والتجاوز وتزول لتوبة والاستغفار ~~والأعمال الصالحة والمصائب الكفرة والشفاعة والحسنات يذهبن والسيئات ولو ~~بلغت ذنوب العبد عنان السماء ثم استغفره غفر له ولو لقيه بقراب الأرض خطايا ~~ثم لقيه لا يشرك به شيئا لأتاه بقرابها مغفرة وهو سبحانه يغفر الذنوب وان ~~تعاظمت ولا يبالى فيبطلها ويبطل آثارها بأدنى سعى من العبد وتوبة نصوح وندم ~~علي ما فعل وما ذاك الا لوجود ما يحبه من توبة العبد وطاعته وتوحيده فدل ~~علي أن وجود ذلك أحب اليه وأرضي له يوضحه الوجه التاسع عشر وهو انه سبحانه ~~قدر ما يبغضه ويكرهه من المنهيات لما يترتب عليها مما يحبه ويفرح به من ~~المأمورات فأنه سبحانه أفرح بتوبة عبده من الفاقد الواجد والعقيم الوالد ~~والظمآن الوارد وقد ضرب رسول الله لفرحه بتوبة العبد مثلا ليس فى المفروح ~~به أبلغ منه وهذا الفرح إنما كان بفعل المأمور به وهو التوبة فقدر الذنب ~~لما يترتب عليه من هذا الفرح العظيم الذى وجوده أحب اليه من فواته ووجوده ~~بدون لازمه ممتنع فدل على أن وجود ما يحب أحب اليه من فوات ما يكره وليس ~~المراد بذلك أن كل فرد من أفراد ما يحب أحب اليه من فوات كل فرد مما يكره ~~حتى تكون ركعتا الضحى أحب اليه من فوات قتل المسلم وانما المراد أن جنس فعل ~~المأمورات افضل من جنس ترك المحظورات كما اذا فضل الذكر علي الأنثى والانسى ~~على الملك فالمراد الجنس لا عموم الأعيان PageV01P126 # والمقصود أن هذا الفرح الذى لا فرح يشبهه فعل مأمور التوبة يدل على أن ~~هذا المأمور أحب اليه من فوات ms107 المحظور الذى تفوت به التوبة وأثرها ومقتضاها ~~فان قيل انما فرح بالتوبة لانها ترك للمنهى فكان الفرح بالترك قيل ليس كذلك ~~فان الترك المحض لا يوجب هذا الفرح بل ولا الثواب ولا المدح وليست التوبة ~~تركا وان كان الترك من لوازمها وانما هى فعل وجودى يتضمن اقبال التائب على ~~ربه وإنابته اليه والتزام طاعته ومن لوازم ذلك ترك ما نهى عنه ولهذا قال ~~تعالى @QB@ وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه @QE@ فالتوبة رجوع مما يكره ~~إلى ما يحب وليست مجرد الترك فان من ترك الذنب تركا مجردا ولم يرجع منه إلى ~~ما يحبه الرب تعالى لم يكن تائبا فالتوبة رجوع واقبال وانابة لا ترك محض ~~الوجه العشرون ان المأمور به اذا فات فاتت الحياة المطلوبة للعبد وهى التي ~~قال تعالى فيها # @QB@ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ~~@QE@ وقال @QB@ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ~~كمن مثله في الظلمات @QE@ وقال فى حق الكفار @QB@ أموات غير أحياء @QE@ ~~وقال @QB@ إنك لا تسمع الموتى @QE@ وأما المنهى عنه فغايته أن يوجد المرض ~~وحياة مع السقم خير من موت فان قيل ومن المنهى عنه ما يوجب الهلاك وهو ~~الشرك قيل الهلك انما حصل بعدم التوحيد المأمور به الحياة فلما فقد حصل ~~الهلاك فما هلك إلا من عدم اتيانه بالمأمور به وهو وهذا وجه حاد وعشرون فى ~~المسألة وهو أن فى المأمورات ما يجب فواته الهلاك والشقاء الدائم وليس فى ~~المنهيات ما يقتضي ذلك الوجه الثاني والعشرون ان فعل المأمور يتضى ترك ~~المنهى عنه اذا فعل علي وجهه من الاخلاص والمتابعة والنصح لله فيه قال ~~تعالى @QB@ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر @QE@ ومجرد ترك المنهى لا ~~يقتضي فعل المأمور ولا يستلزمه الوجه الثالث والعشرون ان ما يحبه من ~~المأمورات فهو متعلق بصفاته وما يكرهه من المنهيات فمتعلق بمفعولاته وهذا ~~وجه دقيق يحتاج إلى بيان فنقول PageV01P127 # المنهيات شرور وتفضي الي شرور والمأمورات خير وتفضي الي الخيرات والخير ~~بيديه ms108 سبحانه والشر ليس اليه فان الشر لا يدخل فى صفاته ولا فى أفعاله ولا ~~فى أسمائه وانما هو من المفعولات مع أنه شر بالاضافة والنسبة الي العبد ~~والا من حيث إضافته ونسبته الي الخالق سبحانه فليس بشر من هذه الجهة فغاية ~~ارتكاب النهى ان يوجب شرا بالاضافة الي العبد مع انه فى نفسه ليس بشر وأما ~~فوات المأمور فيفوت به والخير الذى بفواته يحصل ضده من الشر وكلما كان ~~المأمور أحب إلى الله سبحانه كان الشر الحاصل بفواته أعظم كالتوحيد ~~والايمان وسر هذه الوجوه أن المأمور محبوبه والمنهى مكروهه ووقوع محبوبه ~~أحب اليه من فوات مكروهه وفوات محبوبه أكره اليه من وقوع مكروهه والله أعلم # | فصل مبنى الدين على قاعدتين الذكر والشكر قال تعالى # @QB@ فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون @QE@ وقال النبي لمعاذ والله ~~اني لأحبك فلا تنسى أن تقول دبر كل صلاة اللهم أعني علي ذكرك وشكرك وحسن ~~عبادتك وليس المراد بالذكر مجرد الذكر اللسان بل الذكر القلبى واللسانى ~~وذكره يتضمن ذكر أسمائه وصفاته وذكر أمره ونهيه وذكره بكلامه وذلك يستلزم ~~معرفته والايمان به وبصفات كماله ونعوت جلاله والثناء عليه بأنواع المدح ~~وذلك لا يتم الا بتوحيده فذكره الحقيقى يستلزم ذلك كله ويستلزم ذكر نعمه ~~وآلائه وإحسانه الي خلقه # وأما الشكر فهو القيام بطاعته والتقرب اليه بأنواع محابه ظاهرا وباطنا ~~وهذان الأمران هما جماع الدين فذكره مستلزم لمعرفته وشكره متضمن لطاعته ~~وهذان هما الغاية التي خلق لأجلها الجن والانس والسموات والأرض ووضع لاجلها ~~الثواب والعقاب وأنزل الكتب وارسل الرسل وهى الحق الذي به خلقت PageV01P128 ~~السماوات والأرض وما بينهما وضدها هو الباطل والعبث الذي يتعالى ويتقدس عنه ~~وهو ظن أعدائه به قال تعالى وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا وقال وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما ~~خلقناهما إلا بالحق وقال وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ~~وان الساعة لآتية وقال بعد ذكر آياته في أول سورة يونس @QB@ ما خلق الله ~~ذلك ms109 إلا بالحق @QE@ وقال @QB@ أيحسب الإنسان أن يترك سدى @QE@ وقال @QB@ ~~أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون @QE@ وقال @QB@ وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن ~~يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل ~~شيء علما وقال جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدى والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن ~~الله بكل شيء عليم فثبت بما ذكر أن غاية الخلق والأمر أن يذكر وأن يشكر ~~يذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر وهو سبحانه ذاكر لمن ذكره شاكر لمن شكره ~~فذكره سبب لذكره وشكره سبب لزيادته من فضله فالذكر للقلب واللسان والشكر ~~للقلب محبة وإنابة وللسان ثناد وحمد وللجوارح طاعة وخدمة # | فصل تكرر في القرآن جعل الأعمال القائمة بالقلب والجوارح سبب الهداية # والإضلال فيقوم بالقلب والجوارح أعمال تقتضي الهدى اقتضاء السبب لمسببه ~~والمؤثر لأثره وكذلك الضلال فأعمال البر تثمر الهدى وكلما ازداد منها ازداد ~~هدى وأعمال الفجور بالضد وذلك أن الله سبحانه يحب أعمال البر فيجازى عليها ~~بالهدى والفلاح ويبغض أعمال الفجور ويجازي عليها بالضلال والشقاء وأيضا ~~فانه البر ويحب أهل البر فيقرب قلوبهم منه بحسب ما قاموا به من البر ~~PageV01P129 ويبغض الفجور وأهله فيبعد قلوبهم منه بحسب ما اتصفوا به من ~~الفجور فمن الأصل الأول قوله تعالى @QB@ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى ~~للمتقين @QE@ وهذا يتضمن أمرين أحدهما انه يهدي به من اتقى ما خطه قبل نزول ~~الكتاب فان الناس على اختلاف مللهم ونحلهم قد استقر عندهم أن الله سبحانه ~~يكره الظلم والفواحش والفساد في الأرض ويمقت فاعل ذلك ويحب العدل والإحسان ~~والجود والصدق والإصلاح في الأرض ويحب فاعل ذلك فلما نزل الكتاب أثاب ~~سبحانه أهل البر بأن وفقهم للإيمان به جزاء لهم على برهم وطاعتهم وخذل أهل ~~الفجور والفحش والظلم بأن حال بينهم وبين الاهتداء به والأمر الثاني أن ~~العبد إذا آمن بالكتاب واهتدى به ms110 مجملا وقبل أوامره وصدق بأخباره كان ذلك ~~سببا لهداية أخرى تحصل له على التفصيل فان الهداية لا نهاية لها ولو بلغ ~~العبد فيها ما بلغ ففوق هدايته هداية أخرى وفوق تلك الهداية هداية أخرى إلى ~~غير غاية فكلما اتقى العبد ربه ارتقى إلى هداية أخرى فهو في مزيد هداية ما ~~دام في مزيد من التقوى وكلما فوت خطا من التقوى فاته حظ من الهداية بحسبه ~~فكلما اتقى زاد هداه وكلما اهتدى زادت تقواه قال تعالى @QB@ قد جاءكم من ~~الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من ~~الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب @QE@ وقال @QB@ سيذكر من يخشى ~~@QE@ وقال @QB@ وما يتذكر إلا من ينيب @QE@ وقال @QB@ إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم @QE@ فهداهم أولا للإيمان فلما آمنوا ~~هداهم للإيمان هداية بعد هداية ونظير هذا قوله @QB@ ويزيد الله الذين ~~اهتدوا هدى @QE@ وقوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا @QE@ ومن الفرقان ما يعطيهم من لنور الذي يفرقون به بين الحق ~~والباطل والنصر والعز الذي يتمكنون به من إقامة الحق وكسر الباطل فسر ~~الفرقان بهذا وبهذا وقال تعالى @QB@ إن في ذلك لآية لكل عبد منيب @QE@ وقال ~~PageV01P130 @QB@ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور @QE@ في سورة لقمان وسورة ~~إبراهيم وسبأ والشورى فأخبر عن آياته المشهودة العيانية أنها إنما ينتفع ~~بها أهل الصبر والشكر كما أخبر عن آياته الإيمانية القرآنية أنها إنما ~~ينتفع بها أهل التقوى والخشية والإنابة ومن كان قصده اتباع رضوانه وأنها ~~يتذكر بها من يخشاه سبحانه كما قال طه أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة ~~لمن يخشى وقال في لساعة @QB@ إنما أنت منذر من يخشاها @QE@ وأما من لا يؤمن ~~بها ولا يرجوها ولا يخشاها فلا تنفعه الآيات العيانية ولا القرآنية ولهذا ~~لما ذكر سبحانه في سورة هود عقوبات الأمم المكذبين للرسل وما حل بهم في ~~الدنيا من الخزي قال ms111 بعد ذلك @QB@ إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة @QE@ ~~فأخبر أن عقوباته للمكذبين عبرة لمن خاف عذاب الآخرة وأما من لا يؤمن بها ~~ولا يخاف عذابها فلا يكون ذلك عبرة وآية في حقه اذا سمع ذلك قال لم يزل في ~~الدهر الخير والشر والنعيم والبؤس والسعادة والشقاوة وربما أحال ذلك على ~~أسباب فلكية وقوى نفسانية وإنما كان الصبر والشكر سببا لانتفاع صاحبهما ~~بالآيات ينبني على الصبر والشكر فنصفه صبر ونصفه شكر فعلى حسب صبر العبد ~~وشكره تكون قوة إيمانه وآيات الله إنما ينتفع بها من آمن بالله ولا يتم له ~~الإيمان إلا بالصبر والشكر فإن رأس الشكر التوحيد ورأس الصبر ترك إجابة ~~داعي الهوى فإذا كان مشركا متبعا هواه لم يكن صابرا ولا شكورا فلا تكون ~~الآيات نافعة له ولا مؤثرة فيه إيمانا # | فصل وأما الأصل الثاني وهو اقتضاء الفجور والكبر والكذب للضلال فكثير # أيضا في القرآن كقوله تعالى @QB@ يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به ~~إلا @QE@ PageV01P131 @QB@ الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ~~ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء @QE@ وقال تعالى فما لكم في ~~المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا وقال تعالى @QB@ وقالوا قلوبنا غلف ~~بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون @QE@ وقال تعالى @QB@ ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة @QE@ فأخبر أنه عاقبهم على تخلفهم عن ~~الإيمان لما جاءهم وعرفوه وأعرضوا عنه بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم وحال بينهم ~~وبين الإيمان كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا أستجيبوا لله وللرسول إذا ~~دعاكم لما يحييكم واعلم أن الله يحول بين المرء وقلبه فأمرهم بالأستجابة له ~~ولرسوله حين يدعوهم إلى ما فيه حياتهم ثم حذرهم من التخلف والتأخر عن ~~الأستجابة الذي يكون سببا لأن يحول بينهم وبين قلوبهم قال تعالى @QB@ فلما ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا ms112 يهدي القوم الفاسقين @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون @QE@ فأخبر سبحانه أن كسبهم غطى على ~~قلوبهم وحال بينها وبين الايمان بآياته فقالوا أساطير الأولين وقال تعالى ~~في المنافقين @QB@ نسوا الله فنسيهم @QE@ فجازاهم على نسيانهم له أن نسيهم ~~فلم يذكرهم بالهدى والرحمة وأخبر أنه أنساهم أنفسهم فلم يطلبوا كمالها ~~بالعلم النافع والعمل الصالح وهما الهدى ودين الحق فأنساهم طلب ذلك ومحبته ~~ومعرفته والحرص عليه عقوبة لنسيانهم له وقال تعالى في حقهم @QB@ أولئك ~~الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم ~~تقواهم @QE@ فجمع لهم بين اتباع الهوى والضلال الذي هو ثمرته وموجبه كما ~~جمع للمهتدين بين التقوى والهدى PageV01P132 # | فصل وكما يقره سبحانه بين الهدى والتقى والضلال والغي فكذلك يقرن بين # الهدى والرحمة والضلال والشقاء فمن الأول قوله @QB@ أولئك على هدى من ~~ربهم وأولئك هم المفلحون @QE@ وقال @QB@ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ~~وأولئك هم المهتدون @QE@ وقال عن المؤمنين ربنا لا تزغ قلوبنا بعد ذ هديتنا ~~وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب وقال أهل الكهف @QB@ ربنا آتنا من ~~لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا @QE@ وقال @QB@ لقد كان في قصصهم عبرة ~~لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء ~~وهدى ورحمة لقوم يؤمنون @QE@ وقال ما أنزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم ~~الذي أختلفوا فيه وهدي ورحمة لقوم يؤمنون وقال أنزلنا عليك الكتاب تبيانا ~~لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين @QB@ وقال @QE@ يا أيها الناس قد جاءتكم ~~موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ثم أعاد سبحانه ~~ذكرهما فقال قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا # وقد تنوعت عبارات السلف في تفسير الفضل والرحمة والصحيح أنهما الهدى ~~والنعمة ففضله هداه ورحمته نعمته ولذلك يقرن بين الهدى والنعمة كقوله في ~~سورة الفاتحة اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ومن ذلك قوله ~~لنبيه يذكره بنعمه عليه ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا ~~فأغنى فجمع له ms113 بين هدايته له وإنعامه عليه بإيوائه وإغنائه ومن ذلك قول نوح ~~يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده وقول شعيب ~~أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وقال عن الخضر فوجدا ~~عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما وقال لرسوله إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا لغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته ~~عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك PageV01P133 الله نصرا عزيزا @QB@ وقال ~~@QE@ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله ~~عليك عظيما @QB@ وقال @QE@ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم أحد ~~أبدا ففضله هدايته ورحمته وإنعامه وإحسانه إليهم وبره بهم وقال فأما ~~يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى والهدى منعه من الضلال ~~والرحمة منعه من الشقاء وهذا هو الذي ذكره في أول السورة في قوله طه ما ~~أنزلنا عليك القرآن لتشقى فجمع له بين إنزال القرآن عليه ونفى الشقاء عنه ~~كما قال في آخرها في حق اتباعه فلا يضل ولا يشقى فالهدى والفضل والنعمة ~~ولرحمة متلازمات لا ينفك بعضها عن بعض كما أن الضلال والشقاء متلازمان لا ~~ينفك أحدهما عن الآخر قال تعالى إن المجرمين في ضلال وسعر والسعر جمع سعير ~~وهو العذاب الذي هو غاية الشقاء وقال تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا ~~يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون وقال تعالى عنهم ~~وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير # ومن هذا انه سبحانه يجمع بين الهدى وانشراح الصدر والحياة الطيبة وبين ~~الضلال وضيق الصدر والمعيشة والضنك قال تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح ~~صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل له صدره ضيقا حرجا @QB@ وقال @QE@ أفمن ~~شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه وكذلك يجمع بين ms114 الهدى والإنابة ~~وبين الضلال وقسوة القلب قال تعالى الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ~~ينيب وقال تعالى فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين # | فصل والهدى والرحمة وتوابعها من الفضل والإنعام كله من صفة العطاء # والإضلال PageV01P134 والعذاب وتوابعها من صفة المنع وهو سبحانه يصرف ~~خلقه بين عطائه ومنعه وذلك كله صادر عن حكمة بالغة وملك تام وحمد تام فلا ~~إله إلا الله # | فصل إذا رأيت النفوس المبطله الفارغة من الإرادة والطلب لهذا الشان قد # تشبثت بها هذا العالم السفلي وقد تشبثت به فكلها إليه فأنه اللائق بها ~~لفساد تركيبها ولا تنقش عليها ذلك فانه سريع الانحلال عنها ويبقى تشبثها به ~~مع انقطاعه عنها عذابا عليها بحسب ذلك التعلق فتبقى شهوتها وإرادتها فيها ~~وقد حيل بينها وبين ما تشتهي على وجه يئست معه من حصول شهوتها ولذتها فلو ~~تصور العاقل ما في ذلك من الألم والحسرة لبادر إلى قطع هذا التعلق كما ~~يبادر إلى حسم مواد الفساد ومع هذا فانه ينال نصيبه من ذلك وقلبه وهمه ~~متعلق بالمطلب الأعلى والله المستعان # | فصل إياك والكذب فانه يفسد عليك تصور المعلومات على ما هي عليه ويفسد # عليك تصورها وتعليمها للناس فان الكاذب يصور المعدوم موجودا والموجود ~~معدوما والحق باطلا والباطل حقا والخير شرا والشر خيرا فيفسد عليه تصوره ~~وعلمه عقوبة له ثم يصور ذلك في نفس المخاطب المغتر به الراكن إليه فيفسد ~~عليه تصوره وعلمه ونفس الكاذب معرضه عن الحقيقة الموجودة نزاعة إلى العدم ~~مؤثرة للباطل وإذا فسدت عليه قوة تصوره وعلمه التي هي مبدأ كل فعل إرادي ~~فسدت عليه تلك الأفعال وسرى حكم الكذب إليها فصار صدورها عنه كصدور الكذب ~~عن اللسان فلا ينتفع بلسانه ولا بأعماله ولهذا كان الكذب أساس الفجور كما ~~قال النبي إن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وأول ما ~~يسري الكذب من النفس إلى اللسان فيفسده ثم يسري إلى الجوارح PageV01P135 ~~فيفسد عليها أعمالها كما أفسد على اللسان أقواله فيعم ms115 الكذب أقواله وأعماله ~~وأحواله فيستحكم عليه الفساد ويترامى داؤه إلى الهلكة إن لم تدركه الله ~~بدواء الصدق يقلع تلك من أصلها ولهذا كان أصل أعمال القلوب كلها الصدق ~~وأضدادها من الرياء والعجب والكبر والفخر والخيلاء والبطر والأشر والعجز ~~والكسل والجبن والمهانة وغيرها أصلها الكذب فكل عمل صالح ظاهر أو باطن ~~فمنشؤة الصدق وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤة الكذب والله تعالى يعاقب ~~الكذاب بأن ويقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه ويثيب الصادق بأن يوفقه للقيام ~~بمصالح دنياه وآخرته فما استجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق ولا ~~مفاسدها ومضارهما بمثل الكذب قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين وقال تعالى هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم @QB@ وقال @QE@ ~~فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم @QB@ وقال @QE@ وجاء المعذرون ~~من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم ~~عذاب أليم # | فصل في قوله تعالى # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله ~~يعلم وأنتم لا تعلمون # في هذه الآية عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد فان العبد إذا علم أن المكروه ~~قد يأتي بالمحبوب والمحبوب قد يأتي بالمكروه لم يأمن أن توافيه المضرة من ~~جانب المسرة ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة لعدم علمه بالعواقب ~~فان الله يعلم منها مالا يعلمه العبد وأوجب له ذلك أمورا منها أنه لا انفع ~~له من امتثال الأمر وان شق عليه في الابتداء لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات ~~ولذات وأفراح وان كرهته نفسه فهو خير لها وأنفع وكذلك لا شيء أضر عليه من ~~PageV01P136 ارتكاب النهى وان هويته نفسه ومالت إليه وإن عواقبه كلها آلام ~~وأحزان وشرور ومصائب وخاصة العقل تحمل الألم اليسير لما يعقبه من اللذة ~~العظيمة والخير الكثير واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبه من الألم العظيم ~~والشر الطويل فنظر الجاهل لا يجاوز المباديء إلى غاياتها والعاقل الكيس ~~دائما ينظر إلى الغايات من وراء ستور مبادئها فيرى ما وراء تلك ms116 الستور من ~~الغايات المحمودة والمذمومة فيرى المناهي كطعام لذيذ قد خلط فيه سم قاتل ~~فكلما دعنه لذته إلى تناوله نهاه ما فيه من السم ويرى الأوامر كدواء كريه ~~المذاق مفض إلى العافية والشفاء وكلما نهاه كراهة مذاقه عن تناوله أمره ~~نفعه بالتناول ولكن هذا يحتاج إلى فضل علم تدرك به الغايات من مبادئها وقوة ~~صبر يوطن به نفسه على تحمل مشقة الطريق لما يؤول اعند الغاية فإذا فقد ~~اليقين والصبر تعذر عليه ذلك وإذا قوى يقينه وصبره هان عليه كل مشقة ~~يتحملها في طلب الخير الدائم واللذة الدائمة # ومن أسرار هذه الآية إنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب ~~الأمور والرضا بما يختاره له ويقضيه له لما يرجو فيه من حسن العاقبة ومنها ~~أنه لا يقترح على ربه ولا يختار عليه ولا يسأله ما ليس له به علم فلعل ~~مضرته وهلاكه فيه وهولا يعلم فلا يختار على ربه شيئا بل يسأله حسن الاختيار ~~له وأن يرضيه بما يختاره فلا أنفع له من ذلك ومنها انه إذا فوض إلى ربه ~~ورضى بما يختاره له أمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر وصرف ~~عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه وأراه من حسن عواقب اختياره له ~~ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه ومنها أنه يريحه من الأفكار ~~المتعبة في أنواع الاختيارات ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد ~~منه في عقبة وينزل في أخرى ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه فلو رضى ~~باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه وإلا جرى عليه ~~القدر وهو مذموم غير ملطوف به فيه لأنه مع اختياره لنفسه ومتى صح تفويضه ~~ورضاه اكتنفه في PageV01P137 المقدور العطف عليه اللطف به فيصير بين عطفه ~~ولطفه فعطفه يقيه ما يحذره ولطفه يهون عليه ما قدره إذا نفذ القدر في العبد ~~كان من أعظم أسباب نفوذه تحيله في رده فلا أنفع له من الاستسلام وإلقاء ~~نفسه بين يدي ms117 القدر طريحا كالميتة فان السبع لا يرضى بأكل الجيف # | فصل لا ينتفع بنعمة الله بالإيمان والعلم إلا من عرف نفسه ووقف بها # عند قدرها ولم يتجاوزه إلى ما ليس له ولم يتعد طوره ولم يقل هذا لي وتيقن ~~أنه لله وبالله ومن الله فهو الإيمان به ابتداء وإدامة لا سبب من العبد ولا ~~استحقاق منه فتذله نعم الله عليه وتكسره كسرة من لا يرى لنفسه ولا فيها ~~خيرا البتة وان الخير الذي وصل إليه فهو لله وبه ومنه فتحدث له النعم ذلا ~~وانكسارا عجيبا لا يعبر عنه فكلما جدد له نعمة ازداد له ذلا وانكسارا ~~وخشوعا ومحبة وخوفا ورجاء وهذا نتيجة علمين شريفين علمه بربه وكماله وبره ~~وغناه وجوده وإحسانه ورحمته وأن الخير كله في يديه وهو ملكه يؤتى منه من ~~يشاء ويمنع منه من يشاء وله الحمد على هذا وهذا أكمل حمد وأتمه وعلمه بنفسه ~~ووقوفه على حدها وقدرها ونقصها وظلمها وجهلها وأنها لا خير فيها ألبته ولا ~~لها ولا بها ولا منها وأنها ليس لها من ذاتها إلا العدم فكذلك من صفاتها ~~وكمالها ليس لها إلا العدم الذي لا شيء أحقر منه ولا أنقص فما فيها من ~~الخير تابع لوجودها الذي ليس إليها ولا بها فإذا صار هذان العلمان صيغة لها ~~لا صيغة على لسانها علمت حينئذ إن الحمد كله لله والأمر كله له والخير كله ~~في يديه وانه هو المستحق للحمد والثناء والمدح دونها وأنها هي أولى بالذم ~~والعيب واللوم ومن فاته التحقيق بهذين العلمين تلونت به أقواله وأعماله ~~PageV01P138 وأحواله وتخبطت عليه ولم يهتد إلى الصراط المستقيم الموصل له ~~إلى الله فإيصال العبد بتحقيق هاتين المعرفتين علما وحالا وانقطاعه ~~بفواتهما وهذا معنى قولهم من عرف نفسه عرف ربه فانه من عرف نفسه بالجهل ~~والظلم والعيب والنقائص والحاجة والفقر والذل والمسكنة والعدم عرف ربه بضد ~~ذلك فوقف بنفسه عند قدرها ولم يتعد بها طورها وأثنى على ربه ببعض ما هو ~~أهله وانصرفت قوة حبه وخشيته ورجائه وإنابته وتوكله ms118 إليه وحده وكان أحب شيء ~~إليه وأخوف شيء عنده وأرجاه له وهذا هو حقيقة العبودية والله المستعان # ويحكى أن بعض الحكماء كتب على باب بيته أنه لن ينتفع بحكمتنا إلا من عرف ~~نفسه ووقف بها عند قدرها فمن كان كذلك فليدخل وإلا فليرجع حتى يكون بهذه ~~الصفة # | فصل الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة فإنها أما # أن توجب ألما وعقوبة وإما أن تقطع لذة أكمل منها وإما أن تضيع وقتا ~~إضاعته حسرة وندامة وأما أن تثلم عرضا توفيره أنفع للعبد من ثلمه وأما أن ~~تذهب مالا بقاؤه خير له من ذهابه وإما أن تضع قدرا وجاها قيامه خير من وضعه ~~وأما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة وأما أن تطرق لوضيع ~~إليك طريقا لم يكن يجدها قبل ذلك وأما أن تجلب هما وغما وحزنا وخوفا لا ~~يقارب لذة الشهوة وإما أن تنسى علما ذكره ألذ من نيل الشهوة وأما أن تشمت ~~عدوا وتحزن وليا وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة وأما أن تحدث عيبا ~~يبقى صفة لا تزول فان الأعمال تورث الصفات والأخلاق # | فصل للأخلاق حد متى جاوزته صارت عدوانا ومتى قصرت عنه كان نقصا ومهانة # PageV01P139 فللغضب حد وهو الشجاعة المحمودة والأنفة من الرذائل والنقائص ~~وهذا كماله فإذا جاوز حده تعدى صاحبه وجار وإن نقص عنه جبن ولم يأنف من ~~الرذائل وللحرص حد وهو الكفاية في أمور الدنيا وحصول البلاغ منها فمتى نقص ~~من ذلك كان مهانة وإضاعة ومتى زاد عليه كان شرها ورغبة فيما لا تحمد الرغبة ~~فيه وللحسد حد وهو المنافسة في طلب الكمال والأنفة أن يتقدم عليه نظيرة ~~فمتى تعدى ذلك صار بغيا وظلما يتمنى معه زوال النعمة عن المحسود ويحرص على ~~إيذائه ومتى نقص عن ذلك كان دناءة وضعف همة وصغر نفس قال النبي لا حسد إلا ~~في اثنين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل أتاه الله ~~الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها الناس فهذا ms119 حسد منافسة يطالب الحاسد به نفسه ~~أن يكون مثل المحسود لا حسد مهانة يتمنى به زوال النعمة عن المحسود وللشهوة ~~حد وهو راحة القلب والعقل من كد الطاعة واكتساب الفضائل والاستعانة بقضائها ~~على ذلك فمتى زادت على ذلك صارت نهمة وشبقا والتحق صاحبها بدرجة الحيوانات ~~ومتى نقصت عنه ولم يكن فراغا في طلب الكمال والفضل كانت ضعفا وعجزا ومهانة ~~وللراحة حد وهو اجمام النفس والقوى المدركة والفعالة للاستعداد للطاعة ~~واكتساب الفضائل وتوفرها على ذلك بحيث لا يضعفها الكد والتعب ويضعف أثرها ~~فمتى زاد على ذلك صار توانيا وكسلا وإضاعة وفات به اكثر مصالح العبد ومتى ~~نقص عنه صار مضرا بالقوى موهنا لها وربما انقطع به كالمنبت الذي لا أرضا ~~قطع ولا ظهر أبقى والجود له حد بين طرفين فمتى جاوز حده صار إسرافا وتبذيرا ~~أو متى نقص عنه كان بخلا وتقتيرا وللشجاعة حد متي جاوزته صارت تهورا ومتي ~~نقصت عنه صارت جبنا وخورا وحدها الأقدام في مواضع الأقدام والأحجام في ~~مواضع الأحجام كما قال معاوية لعمرو بن العاص أعياني أن أعرف أشجاعا أنت أم ~~جبانا تقدم حتى أقول من أشجع الناس وتجبن حتى أقول من أجبن الناس فقال ~~PageV01P140 # شجاع إذا ما امكنتني فرصة % فان لم تكن لي فرصة فجبان # والغيرة لها حد إذا جاوزته صارت تهمة وظنا سيئا بالبريء وإن قصرت عنه ~~كانت تغافلا ومبادىء دياثة وللتوضع حد إذا جاوزه كان ذلا ومهانة ومن قصر ~~عنه انحرف إلى الكبر والفخر وللعز حد إذا جاوزه كان كبرا وخلقا مذموما وإن ~~قصر عنه انحرف إلى الذل و المهانة # وضابط هذا كله العدل وهو الأخذ بالوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط ~~وعليه بناء مصالح الدنيا والآخرة بل لا تقوم مصلحة البدن إلا به فانه متى ~~خرج بعض أخلاطه عن العدل وجاوزه أو نقص عنه ذهب من صحته وقوته بحسب ذلك ~~وكذلك الأفعال الطبيعية كالنوم والسهر والأكل والشرب والجماع والحركة ~~والرياضة والخلوة والمخالطة وغير ذلك إذا كانت وسطا بين الطرفين المذمومين ~~كانت عدلا وإن ms120 انحرفت إلى أحدهما كانت نقصا وأثمرت نقصا فمن أشرف العلوم ~~وانفعها علم الحدود ولا سيما حدود المشروع المأمور والمنهى فأعلم الناس ~~أعلمهم بتلك الحدود حتى لا يدخل فيها ما ليس منها ولا يخرج منها مه هو داخل ~~فيها قال تعالى الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل ~~الله على رسوله فأعدل الناس من قام بحدود الأخلاق والأعمال والمشروعات ~~معرفة وفعلا وبالله التوفيق # | فصل قال أبو الدرداء رضي الله عنه يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف # يغبنون به قيام الحمقى وصومهم والذرة من صاحب تقوى أفضل من أمثال الجبال ~~عبادة من المغترين وهذا من جواهر الكلام وأدلة على كمال فقه الصحابة ~~وتقدمهم على من بعدهم في كل خير رضى الله عنهم # فاعلم أن العبد إنما يقطع منازل السير إلى الله بقلبه وهمته ولا ببدنه ~~والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب لا تقوى الجوارح قال تعالى ذلك ومن يعظم ~~شعائر الله PageV01P141 # فانها من تقوى القلوب @QB@ وقال @QE@ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ~~ولكن يناله التقوى منكم وقال النبي التقوى ههنا وأشار إلى صدره فالكيس يقطع ~~من المسافة بصحة العزيمة وعلو الهمة وتجريد القصد وصحة النية مع العمل ~~القليل أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير والسفر الشاق ~~فان العزيمة والمحبة تذهب المشقة وتطيب السير والتقدم والسبق إلى الله ~~سبحانه إنما هو بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة فيتقدم صاحب الهمة مع سكونه ~~صاحب العمل الكثير بمراحل فإن ساواه في همته تقدم عليه بعمله وهذا موضع ~~يحتاج إلى تفصيل يوافق فيه الإسلام والإحسان # فاكمل الهدى هدى رسول الله وكان موفيا كل واحد منهما حقه فكان مع كماله ~~وإرادته وأحواله مع الله يقوم حتى ترم قدماه ويصوم حتى يقال لا يفطر ويجاهد ~~في سبيل الله ويخالط أصحاب ولا يحتجب عنهم ولا يترك شيئا من النوافل ~~والاوراد لتلك الواردات التي تعجز عن حملها قوى البشر والله تعالى أمر ~~عباده إن يقوموا بشرائع الإسلام على ظواهرهم وحقائق الإيمان على بواطنهم ~~ولا يقبل ms121 واحدا منهما إلا بصاحبه وقرينه وفي المسند مرفوعا الإسلام علانية ~~والإيمان في القلب فكل إسلام ظاهر لا ينفذ صاحبه منه إلى حقيقة الإيمان ~~الباطنة فليس بنافع حتى يكون معه شيء من الإيمان الباطن وكل حقيقة باطنة لا ~~يقوم صاحبها بشرائع الإسلام الظاهرة لا تنفع ولو كانت ما كانت فلو تمزق ~~القلب بالمحبة والخوف ولم يتعبد بالأمر وظاهر الشرع لم ينجه ذلك من النار ~~كما أنه لو قام بظواهر الإسلام وليس في باطنه حقيقة الإيمان لم ينجه من ~~النار # وإذا عرف هذا فالصادقون السائرون إلى الله والدار الآخرة قسمان قسم صرفوا ~~ما فضل من أوقاتهم بعد الفرائض إلى النوافل البدنية وجعلوها دأبهم من غير ~~حرص منهم على تحقيق أعمال القلوب ومنازلها وأحكامها وأن لم يكونوا خالين من ~~أصلها ولكن هممهم مصروفة إلى الاستكثار من الأعمال وقسم صرفوا PageV01P142 ~~ما فضل من الفرائض والسنن إلى الاهتمام بصلاح قلوبهم وعكوفها على الله وحده ~~والجمعية عليه وحفظ الخواطر والإرادات معه وجعلوه قوة تعبده بأعمال القلوب ~~من تصحيح المحبة والخوف والخوف والرجاء والتوكل والإنابة ورأوا أن أيسر ~~نصيب من الواردات التي ترد على قلوبهم من الله أحب إليهم من كثير من ~~التطوعات البدنية فإذا حصل لأحدهم جمعية ووارد أنس أو حب أو اشتياق أو ~~انكسار وذل لم يستبدل به شيئا سواه البتة إلا أن يجيء الأمر فيبادر إليه ~~بذلك الوارد إن أمكنه وإلا بادر إلى الأمر ولو ذهب الوارد فإذا جاءت ~~النوافل فههنا معترك التردد فإن أمكن القيام إليها به فذاك فذلك به وإلا ~~نظر في الأرجح والأحب إلى الله هل هو القيام إلى تلك النافلة ولو ذهب وارده ~~كإغاثة الملهوف وإرشاد ضال وجبر مكسور واستفادة إيمان ونحو ذلك فههنا ينبغي ~~تقديم النافلة الراجحة ومتى قدمهما لله رغبة فيه وتقربا إليه فإنه يرد عليه ~~ما فات من وارده أقوى مما كان في وقت آخر وإن كان الوارد أرجح من النافلة ~~فالحزم له الاستمرار في وارده حتى يتوارى عنه فإنه يفوت والنافلة لا تفوت ~~وهذا موضع يحتاج ms122 إلى فضل فقه في الطريق ومراتب الأعمال وتقديم الأهم منها ~~فالأهم والله الموفق لذلك لا إله غيره ولا رب سواه # | فصل أصل الأخلاق المذمومة كلها الكبر والمهانة والدناءة وأصل الأخلاق # المحمودة كلها الخشوع وعلو الهمة فالفخر والبطر والأشر والعجب والحسد ~~والبغي والخيلاء والظلم والقسوة والتجبر والأعراض وإباء قبول النصيحة ~~والاستئثار وطلب العلو وحب الجاه والرئاسة وأن يحمد بما لم يفعل وأمثال ذلك ~~كلها ناشئة من الكبر وأما الكذب والخسة والخيانة والرياء والمكر والخديعة ~~والطمع والفزع والجبن والبخل والعجز والكسل والذل لغير الله واستبدال الذي ~~هو PageV01P143 أدنى بالذي هو خير ونحو ذلك فأنها من المهانة والدناءة وصغر ~~النفس وأما الأخلاق الفاضلة كالصبر والشجاعة والعدل والمروءة والعفة ~~والصيانة والجود والحلم والعفو والصفح والاحتمال والإيثار وعزة النفس عن ~~الدناآت والتواضع والقناعة والصدق والأخلاق والمكافأة على الإحسان بمثله أو ~~أفضل والتغافل عن زلات الناس وترك الانشغال بما لا يعنيه وسلامة القلب من ~~تلك الأخلاق المذمومة ونحو ذلك فكلها ناشئة عن الخشوع وعلو الهمة والله ~~سبحانه أخبر عن الأرض بأنها تكون خاشعة ثم ينزل عليها الماء فتهتز وتربو ~~وتأخذ زينتها وبهجتها فكذلك المخلوق منها إذا أصابه حظه من التوفيق وأما ~~النار فطبعها العلو والإفساد ثم تخمد فتصير أحقر شيء وأذله وكذلك المخلوق ~~منها فهي دائما بين العلو إذا هاجت واضطربت وبين الخسة والدناءة إذا خمدت ~~وسكنت والأخلاق المذمومة تابعة للنار والخلوق منها والأخلاق الفاضلة تابعة ~~للأرض والمخلوق منها فمن علت همته وخشعت نفسه اتصف بكل خلق جميل ومن دنت ~~همته وطغت نفسه اتصف بكل خلق رذيل # | فصل المطلب الأعلى موقوف حصوله على همة عالية ونية صحيحة فمن فقدهما # تعذر عليه الوصول إليه فان الهمة إذا كانت عالية تعلقت به وحده دون غيره ~~وإذا كانت النية صحيحة سلك العبد الطريق الموصلة إليه فالنية تفرد له ~~الطريق والهمة تفرد له المطلوب فإذا توحد مطلوبه والطريق الموصلة إليه كان ~~الوصول غايته وإذا كانت همته سافلة تعلقت بالسفليات ولم تتعلق بالمطلب ~~الأعلى وإذا كانت النية غير صحيحة كانت طريقة ms123 غير موصلة إليه فمدار الشان ~~على همة العبد ونيته وهما مطلوبه ولا يتم له إلا بترك ثلاثة أشياء العوائد ~~والرسوم والأوضاع التي أحدثها الناس الثاني هجر العوائق التي تعوقه عن ~~إفراد مطلوبه وطريقة PageV01P144 وقطعها الثالث قطع علائق القلب التي تحول ~~بينه وبين تجريد التعلق بالمطلوب والفرق بنيها أن العوائق هي الحوادث ~~الخارجية والعلائق هي التعلقات القلبية بالمباحات ونحوها وأصل ذلك ترك ~~الفضول التي تشغل عن المقصود من الطعام والشراب والمنام والخلطة فيأخذ من ~~ذلك ما يعينه على طلبه ويرفض منه ما يقطعه عنه أو يضعف طلبه والله المستعان # | فصل من كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال رجل عنده # ما أحب أن أكون من أصحاب اليمين أحب أن أكون من المقربين فقال عبد الله ~~لكن ههنا رجل ود وأنه مات لم يبعث يعني نفسه وخرج ذات يوم فاتبعه ناس فقال ~~لهم ألكم حاجة قالوا لا ولكن أردنا أن نمشي معك قال ارجعوا فإنه ذلة ~~للتتابع وفتنة للمتبوع وقال لو تعلمون مني ما أعلم من نفسي لحثوتم على رأسي ~~التراب وقال حبذا المكروهان الموت والفقر وأيم الله إن هو إلا الغنى والفقر ~~وما أبالي بأيهما بليت أرجو الله في كل واحد منهما إن كان الغنى إن فيه ~~للعطف وأن كان الفقر أن فيه للصبر وقال أنكم في ممر الليل والنهار في آجل ~~منقوصة وأعمال محفوظة والموت يأتي بغتة فمن زرع خيرا فيوشك أن يحصد رغبته ~~ومن زرع شرا فيوشك أن يحصد ندامة ولكل زارع مثل ما زرع لا يسبق بطىء بحظه ~~ولا يدرك حريص ما لم يقدر له من أعطى خيرا فالله أعطاه ومن وقى شرا فالله ~~وقاه المتقون سادة والفقهاء قادة ومجالستهم زيادة إنما هما اثنتان الهدى ~~والكلام فأفضل الكلام كلام الله وأفضل الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها ~~وكل محدثة بدعة فلا يطولن عليكم الأمد ولا يلهينكم الأمل فإن كل ما هو آت ~~قريب الأوان البعيد ما ليس آتيا الأوان الشقي من شقي في بطن أمه وأن ms124 السعيد ~~من وعظ PageV01P145 بغيره إلا وان قتال المسلم كفر وسبابه فسوق ولا يحل ~~لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام حتى يسلم عليه إذا لقيه ويجيبه إذا دعاه ~~ويعوده إذا مرض ألا وأن شر الروايا روايا الكذب ألا وأن الكذب لا يصلح منه ~~جد ولا هزل ولا أن يعد الرجل صبيه شيئا ثم لا ينجزه ألا وأن الكذب يهدي إلى ~~الفجور والفجور يهدي إلى النار والصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة ~~وأنه يقال للصادق صدق وبر ويقال للكاذب كذب وفجر وأن محمدا حدثنا أن الرجل ~~ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا ويكذب حتى يكتب عند الله كذابا إن أصدق ~~الحديث كتاب الله وأوثق العرى كلمة التقى وخير الملة ملة إبراهيم وأحسن ~~السنن سنة محمد وخير الهدى هدى الأنبياء وأشرف الحديث ذكر الله وخير القصص ~~القرآن وخير الأمور عواقبها وشر الأمور محدثاتها وما قل وكفى خير مما كثر ~~وألهى ونفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها وشر المعذرة حين يحضر الموت وشر ~~الندامة ندامة يوم القيامة وشر الضلالة الضلالة بعد الهوى وخير الغنى غنى ~~النفس وخير الزاد التقوى وخير ما ألقى في القلب اليقين والريب من الكفر وشر ~~العمى عمى القلب والخمر جماع الأثم والنساء حبائل الشيطان والشباب شعبة من ~~الجنون والنوح من عمل الجاهلية ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا ولا ~~يذكر الله إلا هجرا وأعظم الخطايا الكذب ومن يعف يعف الله عنه ومن يكظم ~~الغيظ يأجره الله ومن يغفر يغفر الله له ومن يصبر على الرزية يعقبه الله ~~وشر المكاسب كسب الربا وشر المآكل مال اليتيم وإنما يكفي أحدكم ما قنعت به ~~نفسه وإنما يصير إلى أربعة أذرع والأمر إلى آخره وملاك العمل خواتمه وأشرف ~~الموت قتل الشهداء ومن يستكبر يضعه الله ومن يعص الله يطع الشيطان ينبغي ~~لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس مفطرون ~~وبحزنه إذا الناس يفرحون وببكائه إذا الناس PageV01P146 # يضحكون وبصمته إذا الناس يخوضون وبخشوعه إذا الناس ms125 يختالون وينبغي لحامل ~~القرآن أن يكون باكيا محزونا حكيما حليما سكينا ولا ينبغي لحامل القرآن ان ~~يكون جافيا ولا غافلا ولا سخابا ولا صياحا ولا حديدا من تطاول تعظما حطه ~~الله ومن تواضع تخشعا رفعه الله وأن للملك لمة وللشيطان لمة الملك إيعاد ~~بالخير وتصديق بالحق فإذا رأيتم ذلك فاحمدوا الله ولمة الشيطان إيعاد بالشر ~~وتكذيب بالحق فإذا رأيتهم ذلك فتعوذوا بالله أن الناس قد أحسنوا القول فمن ~~وافق قوله فعله فذاك الذي أصاب حظه ومن خالف قوله فعله فذاك إنما يوبخ نفسه ~~لا ألفين أحدكم جيفة ليل قطرب نهار إني لا بغض الرجل أن أراه فارغا ليس في ~~شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة ومن لم تأمره الصلاة بالمعروف وتنهه عن ~~المنكر لم يزدد بها من الله بعدا من اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله ولا ~~تحمد أحدا على رزق الله ولا تلوم أحدا على ما لم يؤتك الله فأن رزق الله لا ~~يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهة كاره وان الله بقسطه وحلمه وعدله جعل الروح ~~والفرح في اليقين والرضا وجعل لهم والحزن في الشك والسخط ما دمت في صلاة ~~فأنت تقرع باب الملك ومن يقرع باب الملك يفتح له أني لا حسب الرجل ينسى ~~العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها كونوا ينابيع العلم مصابيح الهدى أحلاس ~~البيوت سرج الليل جدد القلوب خلقان الثياب تعرفون في السماء وتخفون على أهل ~~الأرض إن للقلوب شهوة وأدبارا فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها ودعوها عند ~~فتفرقها وأدبارها ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية أنكم ترون ~~الكافر من أصح الناس جسما وأمرضه قلبا وتلقون المؤمن من أصح الناس قلبا ~~وأمرضه جسما وأيم الله لو مرضت قلوبكم وصحت أجسامكم لكنتم أهون على الله من ~~الجعلان لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يحل بذروته ولا يحل بذروته حتى ~~يكون الفقر أحب إليه من الغنى والتواضع أحب إليه من الشرف وحتى يكون حامده ~~وذامه وعنده سواه وان الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه فيرجع ms126 وما معه منه شيء ~~يأتي الرجل ولا PageV01P147 يملك له ولا نفسه ضرا ولا نفعا فيقسم له بالله ~~أنك لذيت وذويت فيرجع وما حبى من حاجته بشيء ويسخط الله عليه لو سخرت من ~~كلب لخشيت أن أحول كلبا الأثم حواز القلوب ما كان من نظر فإن للشيطان فيها ~~مطمعا مع كل فرحة ترحة وما ملىء بيت حبرة الاملئ عبرة وما منكم إلا ضيف ~~وماله عارية فالضيف مرتحل والعارية مؤداة إلى أهلها يكون في آخر الزمان ~~أقوم أفضل أعمالهم التلاوم بينهم يسمون الأنتان إذا احب الرجل أن ينصف من ~~نفسه فليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتي إليه الحق ثقيل مريء والباطل خفيف ~~وبي رب شهوة تورث حزنا طويلا ما على وجه الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من ~~لسان إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن بهلاكها من استطاع منكم أن يجعل ~~كنزه في السماء حيث لا يأكله السوس ولا يناله السراق فليفعل فإن قلب الرجل ~~مع كنزه لا يقلدون أحدكم دينه رجلا فأن آمن آمن وإن كفر كفر وإن كنتم لا بد ~~مقتدين فاقتدوا بالميت فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة لا يكن أحدكم إمعة ~~قالوا وما الإمعة قال يقول أنا مع الناس ان اهتدوا اهتديت وإن ضلوا ضللت ~~ألا ليوطن أحدكم نفسه على أنه ان كفر الناس لا يكفر وقال له رجل علمني ~~كلمات جوامع نوافع فقال أعبد الله لا تشرك به شيئا وزل مع القرآن حيث زال ~~ومن جاءك بالحق فاقبل منه وان كان بعيدا بغيضا ومن جاءك بالباطل فاردد عليه ~~وان كان حبيبا قريبا يؤتي بالعبد يوم القيامة فيقال له أد أمانتك فيقول يا ~~رب من أين وقد ذهبت الدنيا فتمثل على هيئتها يوم أخذها في قعر جهنم فيزل ~~فيأخدها فيضعها على عاتقه فيصعد بها حتى إذا ظن أنه خارج بنها هوت وهوي في ~~أثرها أبد الآبدين اطلب قلبك في ثلاثة مواطن عند سماع القرآن وفي مجالس ~~الذكر وفي أوقات الخلوة فان لم تجده في هذه المواطن ms127 فسل الله أن ~~PageV01P148 يمن عليك بقلب فانه لا قلب لك قال الجنيد دخلت على شاب فسألني ~~عن التوبة فأجبته فسألني عن حقيقتها فقلت أن تنصب ذنبك بين عينيك حتى يأتيك ~~الموت فقال لي مه ما هذا حقيقة التوبة فقلت له فما حقيقة التوبة عندك يا ~~فتى قال أن تنسى ذنبك وتركني ومضي فكيف هو عندك يا أبا قاسم فقلت القول ما ~~قال الفتى قال كيف قلت إذا كنت معه في حال ثم نقلني من حال الجفا إلى حال ~~الوفا فذكرني للجفا في حال الوفا جفا # | فصل لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند # الناس إلا كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت فإذا حدثتك نفسك بطلب ~~الإخلاص فاقبل على الطمع أولا فأذبحه بسكين اليأس وأقبل على المدح والثناء ~~فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في ~~الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص فأن قلت وما الذي يسهل علي ذبح الطمع ~~والزهد في الثناء والمدح قلت أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقينا أنه ليس ~~من شيء يطمع فيه الا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره ولا يؤتى العبد ~~منها شيئا سواه وأما ازهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه ليس أحد ~~ينفع مدحه ويزين ويضر ذمة ويشين الا الله وحده كما قال ذلك الأعرابي للنبي ~~ان مدحي زين وذمي شين فقال ذلك الله عز وجل فازهد في مدح من لا يزينك مدحه ~~وفي ذم من لا يشنيك ذم وارغب في مدح من كل الزين في مدحه وكل الشين في ذمه ~~ولن يقدر على ذلك الا بالصبر واليقين فمتى فقدت الصبر واليقين كنت كمن أراد ~~السفر في البحر في غير مركب قال تعالى فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك ~~الذين لا يوقنون وقال تعالى وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون PageV01P149 # | فصل لذة كل أحد على حسب قدره وهمته وشرف نفسه فأشرف الناس نفسا # وأعلاهم همة وأرفعهم ms128 قدرا من لذته في معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه ~~والتودد إليه بما يحبه ويرضاه فلذته في إقباله عليه وعكوف همته عليه ودون ~~ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله حتى تنتهي إلى من لذته في أخس الأشياء من ~~القاذورات والفواحش في كل شيء من الكلام والفعال والأشغال فلو عرضت عليه ما ~~يلتذ به الأول لم تسمح نفسه بقبوله ولا الالتفات إليه وربما تألمت من ذلك ~~كما أن الأول إذا عرض عليه ما يلتذ به هذا لم تسمح نفسه به ولم تلتفت إليه ~~ونفرت نفسه منه وأكمل الناس لذة من جمع له بين لذة القلب والروح ولذة البدن ~~فهو يتناول لذاته المباحة على وجه لا ينقص حظه من الدار والآخرة ولا يقطع ~~عليه لذة المعرفة والمحبة والأنس بربه فهذا ممن قال تعالى فيه قل من حرم ~~زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هل هي للذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة وأبخسهم حظا من اللذة من تناولها على وجه ~~يحول بينه وبين لذات الآخرة فيكون ممن يقال لهم يوم استيفاء اللذات أذهبتم ~~طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فهؤلاء تمتعوا بالطيبات وأولئك ~~تمتعوا بالطيبات وافترقوا في وجه التمتع فأولئك تمتعوا بها على الوجه الذي ~~إذن لهم فيه فجمع لهم بين لذة الدنيا والآخرة وهؤلاء تمتعوا بها على الوجه ~~الذي دعاهم إليه الهوى والشهوة وسواء إذن لهم فيه أم لا فانقطعت عنهم لذة ~~الدنيا وفاتتهم لذة الآخرة فلا لذة الدنيا دامت لهم ولا لذة الآخرة حصلت ~~لهم فمن أحب اللذة ودوامها والعيش الطيب فليجعل لذة الدنيا موصلا له إلى ~~لذة الآخر بأن يستعين بها على فراغ قلبه لله وإرادته وعبادته فيتناولها ~~بحكم الاستعانة والقوة على طلبه لا بحكم مجرد الشهوة والهوى وان كان ممن ~~زويت عنه لذات الدنيا وطيباتها فليجعل ما نقص منها زيادة في PageV01P150 ~~لذة الآخرة ويجم نفسه ههنا بالترك ليستوفيها كاملة هناك فطيبات الدنيا ~~ولذاتها نعم العون لمن صح طلبه لله والدار الآخرة وكانت همه لما ms129 هناك وبئس ~~القاطع لمن كانت هي مقصودة وهمته وحولها يدندن وفواتها في الدنيا نعم العون ~~لطالب الله والدار الآخرة وبئس القاطع النازع من الله والدار الآخرة فمن ~~أخذ منافع الدنيا على وجه لا ينقص حظه من الآخرة ظفر بهما جميعا وإلا ~~خسرهما جميعا سبحان الله رب العالمين لو لم يكن في ترك الذنوب والمعاصي إلا ~~إقامة المروءة وصون العرض وحفظ الجاه وصيانة المال الذي جعله الله قواما ~~لمصالح الدنيا والآخرة ومحبة الخلق وجوار القول بينهم وصلاح المعاش وراحة ~~البدن وقوة القلب وطيب النفس ونعيم القلب وانشراح الصدر والأمن من مخاوف ~~الفساق والفجار وقلة الهم والغم والحزن وعز النفس عن احتمال الذل وصون نور ~~القلب إن تطفئه ظلمة المعصية وحصول المخرج له مما ضاق على الفساق والفجار ~~وتيسر الرزق عليه من حيث لا يحتسب وتيسير ما عسر على أرباب الفسوق والمعاصي ~~وتسهيل الطاعات عليه وتيسير العلم والثناء الحسن في الناس وكثرة الدعاء له ~~والحلاوة التي يكتسبها وجهه المهابة التي تلقي له في قلوب الناس وانتصارهم ~~وحميتهم له إذا أوذي وظلم وذبهم عن عرضه إذا اغتابه مغتاب وسرعة إجابة ~~دعائه وزوال الوحشة التي بينه وبين الله وقرب الملائكة منه وبعد شياطين ~~الإنس والجن منه وتنافس الناس على خدمته وقضاء حوائجه وخطبتهم لمودته ~~وصحبته وعدم خوفه من الموت بل يفرح به لقدومه على ربه ولقائه له ومصيره ~~إليه وصغر الدنيا في قلبه وكبر الآخرة عنده وحرصه على الملك الكبير والفوز ~~العظيم فيها وذوق حلاوة الطاعة ووجد حلاوة الإيمان ودعاء حملة العرش ومن ~~حوله من الملائكة له وفرح الكاتبين به ودعائهم له كل وقت والزيادة في عقله ~~وفهمه وإيمانه ومعرفته وحصول محبة الله له وإقباله عليه وفرحه بتويته وهكذا ~~يجازيه بفرح وسرور لا نسبة له إلى فرحه وسروره بالمعصية بوجه من الوجوه ~~PageV01P151 # فهذه بعض آثار ترك المعاصي في الدنيا فإذا مات تلقته الملائكة بالبشرى من ~~ربه بالجنة وبأنه لا خوف عليه ولا حزن وينتقل من سجن الدنيا وضيقها إلى ~~روضه من رياض الجنة ينعم ms130 فيها إلى يوم القيامة فإذا كان يوم القيامة كان ~~الناس في الحر والعرق وهو في ظل العرش فإذا انصرفوا من بين يدي الله أخذ به ~~ذات اليمين مع أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو فضل عظيم # | فصل ذكر ابن سعد في الطبقات عن عمر بن عبد العزيز انه كان # إذا خطب على المنبر فخاف على نفسه العجب قطعه وإذا كتب كتابا فخاف فيه ~~العجب مزقه ويقول اللهم أني أعوذ بك من شر نفسي أعلم أن العبد إذا شرع في ~~قول أو عمل يبتغي فيه مرضاة الله مطالعا فيه منة الله عليه به وتوفيقه له ~~فيه وأنه بالله لا بنفسه ولا بمعرفته وفكره وحوله وقوته بل هو بالذي أنشأ ~~له اللسان والقلب والعين والأذن فالذي من عليه بذلك هو الذي من عليه بالقول ~~الفعل فإذا لم يغب ذلك عن ملاحظته ونظر قلبه لم يحضره العجب الذي أصله رؤية ~~نفسه وغيبته عن شهود منة ربه وتوفيقه وإعانته فإذا غاب عن تلك الملاحظة ~~وثبت النفس وقامت في مقام الدعوى فوقع العجب ففسد عليه القول والعمل فتارة ~~يحال بينه وبين تمامه ويقطع عليه ويكون ذلك رحمة به حتى لا يغيب عن مشاهدة ~~المنة والتوفيق وتارة يتم له ولكن لا يكون له ثمرة وإن أثمر أثمر ثمرة ~~ضعيفة غير محصلة للمقصود وتارة يكون ضرره عليه أعظم من انتفاعه ويتولد له ~~منه مفاسد شتى بحسب غيبته عن ملاحظة التوفيق والمنة ورؤية نفسه وإن القول ~~والفعل به # ومن هذا الموضع يصلح الله سبحانه أقوال عبده وأعماله ويعظم له ثمرتها أو ~~يفسدها عليه ويمنعه ثمرتها فلا شيء أفسد للأعمال من العجب ورؤية النفس فإذا ~~أراد الله PageV01P152 بعده خيرا أشهده منته وتوفيقه وإعانته له في كل ما ~~يقوله ويفعله فلا يعجب به ثم اشهده تقصيره فيه وأنه لا يرضى لربه به فيتوب ~~إليه منه ويستغفره ويستحي أن يطلب عليه أجرا وإذا لم يشهده ذلك وغيبه عنه ~~فرأى نفسه في العمل ورآه بعين الكمال ms131 والرضا لم يقع ذلك العمل منه موقع ~~القبول والرضا والمحبة فالعارف يعمل العمل لوجه مشاهدا فيه منته وفضله ~~وتوفيقه معتذرا منه إليه مستحييا منه إذ لم يوفه حقه والجاهل يعمل العمل ~~لحظه وهواه ناظرا فيه إلى نفسه يمن به على ربه راضيا بعمله فهذا لون وذاك ~~لون آخر # | فصل الوصول إلى المطلوب موقوف على هجر العوائد وقطع العوائق فالعوائد # السكون إلى الدعة والراحة وما ألفه الناس واعتادوه من الرسوم والأوضاع ~~التي جعلوها بمنزلة الشرع المتبع بل هي عندهم أعظم من الشرع فانهم ينكرون ~~على من خرج عنها وخالفها ما لا ينكرون على من خالف صريح الشرع وربما كفروه ~~أو بدعوه وضللوه أو هجروه وعاقبوه لمخالفة تلك الرسوم وأماتوا لها السنن ~~ونصبوها أندادا للرسول يوالون عليها ويعادون فالمعروف عندهم ما وافقهم ~~والمنكر ما خالفها # وهذه الأوضاع والرسوم قد استولت على طوائف بني آدم من الملوك والولاة ~~والفقهاء والصوفية والفقراء والمطوعين والعامة فربى فيها الصغير ونشأ عليها ~~الكبير واتخذت سننا بل هي أعظم عند أصحابها من السنن الواقف معها محبوس ~~والمتقيد بها منقطع عم بها المصاب وهجر لأجلها السنة والكتاب من استنصر بها ~~فهو عند الله مخذول ومن اقتدى بها دون كتاب الله وسنة رسوله فهو عند الله ~~غير مقبول وهذه أعظم الحجب والموانع بين العبد وبين النفوذ إلى الله ورسوله ~~PageV01P153 # | فصل وأما العوائق فهي أنواع المخالفات ظاهرها وباطنها فإنها تعوق # القلب عن سيره إلى الله وتقطع عليه طريقة وهي ثلاثة أمور شرك وبدعة ~~ومعصية فيزول عائق الشرك بتجريد التوحيد وعائق البدعة بتحقيق السنة وعائق ~~المعصية بتصحيح التوبة وهذه العوائق لا تتبين للعبد يأخذ في أهبة السفر ~~ويتحقق بالسير إلى الله والدار والآخرة فحينئذ تظهر له هذه العوائق ويحسن ~~بتعويقها له بحسب قوة سيره وتجرده للسفر وإلا فما دام قاعدا لا يظهر له ~~كوامنها وقواطعها # | فصل وأما العلائق فهي كل ما تعلق به القلب دون الله ورسوله من # ملاذ الدنيا وشهواتها ورياستها وصحبة الناس والتعلق بهم ولا سبيل له إلى ~~قطع هذه ms132 الأمور الثلاثة ورفضها إلا بقوة التعلق بالمطلب الأعلى وإلا فقطعها ~~عليه بدون تعلقه بمطلوبه ممتنع فإن النفس لا تترك مألوفها ومحبوبها إلا ~~لمحبوب هو أحب إليها منه وآثر عندها منه وكلما قوي تعلقه بمطلوبه ضعف تعلقه ~~بغيره وكذا بالعكس والتعلق بالمطلوب هو شدة الرغبة فيه وذلك على قدر معرفته ~~به وشرفه وفضله على ما سواه # | فصل لما كمل الرسول مقام الافتقار إلى الله سبحانه أحوج الخلائق # كلهم إليه في الدنيا والآخرة أما حاجتهم إليه في الدنيا فأشد من حاجتهم ~~إلى الطعام والشراب والنفس الذي به حياة أبدانهم وأما حاجتهم إليه في ~~الآخرة فإنهم يستشفعون بالرسل إلى الله حتى يريحهم من ضيق مقامهم فكلهم ~~يتأخر عن الشفاعة فيشفع لهم وهو الذي يستفتح لهم باب الجنة PageV01P154 # | فصل من علامات السعادة والفلاح أن العبد كلما زيد في علمه زيد في # تواضعه ورحمته وكلما زيد في خوفه وحذره وكلما زيد في عمره نقص من حرصه ~~وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في قربه ~~من الناس وقضاء حوائجهم والتواضع لهم # وعلامات الشقاوة أنه كلما زيد في علمه زيد في كبره وتيهه وكلما زيد في ~~عمله زيد في فخره واحتقاره للناس وحسن ظنه بنفسه وكلما زيد في عمره زيد قي ~~حرصه وكلما زيد في ماله زيد في بخله وإمساكه وكلما زيد في قدره وجاهه زيد ~~في كبره وتيهه وهذه الأمور ابتلاء من الله وامتحان يبتلي بها عباده فيسعد ~~بها أقوام ويشفى بها أقوام وكذلك الكرامات امتحان وابتلاء كالملك والسلطان ~~والمال قال تعالى عن نبيه سليمان لما رأى عرش بلقيس عنده هذا من فضل ربي ~~ليبلوني أأشكر أم أكفر فالنعم ابتلاء من الله وامتحان يظهر بها شكر الشكور ~~وكفر الكفور كما أن المحن بلوى منه سبحانه فهو يبتلي بالنعم كما يبتلي ~~بالمصائب قال تعالى فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي ~~أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا أي ليس كل ms133 من ~~وسعت عليه وأكرمته ونعمته يكون ذلك إكراما مني له ولا كل من ضيقت عليه رزقه ~~وابتليته يكون ذلك إهانة مني له # | فصل من أراد علو بنيانه فعليه بتوثيق أساسه وإحكامه وشدة الاعتناء به # فإن علو البنيان على قدر توثيق الأساس وإحكامه فالأعمال والدرجات بنيان ~~وأساسها الإيمان ومتى كان الأساس وثيقا حمل البنيان واعتلى عليه وإذا تهدم ~~شيء من PageV01P155 البنيان سهل تداركه وإذا كان الأساس غير وثيق لم يرتفع ~~البنيان ولم يثبت وإذا تهدم شيء من الأساس سقط البنيان أو كاد فالعارف همته ~~تصحيح الأساس وإحكامه والجاهل يرفع في البناء عن غير أساس فلا يلبث بنيانه ~~أن يسقط قال تعالى أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس ~~بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم فالأساس لبناء الأعمال ~~كالقوة لبدن الإنسان فإذا كانت القوة قوية حملت البدن ودفعت عنه كثيرا من ~~الآفات وإذا كانت القوة ضعيفة ضعف حملها للبدن وكانت الآفات إليه أسرع شيء # فاحمل بنيانك على قوة أساس الإيمان فإذا تشعث شيء من أعالي البناء وسطحه ~~كان تداركه أسهل عليك من خراب الأساس وهذا الأساس أمران صحة المعرفة بالله ~~وأمره وأسمائه وصفاته والثاني تجريد الانقياد له ولرسوله دون ما سواه فهذا ~~أوثق أساس أسس العبد عليه بنيانه وبحسبه يعتلى البناء ما شاء فأحكم الأساس ~~واحفظ القوة ودم على الحمية واستفرغ إذا زاد بك الخلط والقصد القصد وقد ~~بلغت المراد وإلا فما دامت القوة ضعيفة والمادة الفاسدة موجودة والاستفراغ ~~معدوما # فاقر السلام على الحياة فإنها % قد آذنتك بسرعة التوديع # فإذا كمل البناء فبيضه بحسن الخلق والإحسان إلى الناس ثم حظه بسور من ~~الحذر لا يقتحمه عدو ولا تبدو منه العورة ثم أرخ الستور على أبوابه ثم اقفل ~~الباب الأعظم بالسكوت عما تخشى عاقبته ثم ركب له مفتاحا من ذكر الله به ~~تفتحه وتغلقه فإن فتحت فتحت بالمفتاح وإن أغلقت الباب أغلقته به فتكون ~~حينئذ قد بنيت حصنا تحصنت فيه من أعدائك إذا طاف به ms134 العدو لم يجد منه مدخلا ~~فييأس منك ثم تعاهد بناء الحصن كل وقت فإن العدو إذا لم يطمع في الدخول من ~~الباب نقب عليك النقوب من بعيد بمعاول الذنوب فإن أهملت أمره وصل إليك ~~النقب فإذا العدو معك في داخل الحصن فيصعب عليك إخراجه وتكون معه على ~~PageV01P156 ثلاث خلال إما أن يغلبك على الحصن ويستولي عليه وإما أن يساكنك ~~فيه وإما أن يشغلك بمقابلته عن تمام مصلحتك وتعود إلى سد النقب ولم شعث ~~الحصن وإذا دخل نقبه إليك نالك منه ثلاث آفات إفساد الحصن والإغارة على ~~حواصله وذخائره ودلالة السراق من بني جنسه على عورته فلا يزال يبلي منه ~~بغارة حتى يضعفوا قواه ويوهنوا عزمه فيتخلى عن الحصن ويخلي بينهم وبينه # وهذه حال أكثر النفوس مع هذا العدو ولهذا تراهم يسخطون ربهم برضا أنفسهم ~~بل برضا مخلوق مثلهم لا يملك لهم ضرا ولا نفعا ويضيعون كسب الدين بكسب ~~الأموال ويهلكون أنفسهم بما لا يبقى لهم ويحرصون على الدنيا وقد أدبرت عنهم ~~ويزهدون في الآخرة وقد هجمت عليهم ويخالفون ربهم باتباع أهوائهم ويتكلون ~~على الحياة ولا يذكرون الموت ويذكرون شهواتهم وحظوظهم وينسون ما عهد الله ~~إليهم ويهتمون بما ضمنه الله ولا يهتمون بما أمرهم به ويفرحون بالدنيا ~~ويحزنون على فوات حظهم منها ولا يحزنون على فوات الجنة وما فيها ولا يفرحون ~~بالإيمان فرحهم بالدرهم والدينار ويفسدون حقهم وهداهم بضلالهم ومعروفهم ~~بمنكرهم ويلبسوا إيمانهم بظنونهم ويخلطون حلالهم بحرامهم ويترددون في حيرة ~~آرائهم وأفكارهم ويتركون هدى الله الذي أهداه إليهم ومن العجب أن هذا العدو ~~يستعمل صاحب الحصن في هدم حصنه بيديه # | فصل أركان الكفر أربعة الكبر والحسد والغضب والشهوة فالكبر يمنعه # الانقياد والحسد يمنعه قبول النصيحة وبذلها والغضب يمنعه العدل والشهوة ~~تمنعه التفرغ للعبادة فإذا انهدم ركن الكبر سهل عليه الانقياد وإذا انهدم ~~ركن الحسد سهل عليه قبول النصح وبذله وإذا انهدم ركن الغضب سهل عليه العدل ~~والتواضع وإذا انهدم ركن الشهوة سهل عليه الصبر والعفاف والعبادة وزوال ~~الجبال عن أماكنها PageV01P157 أيسر ms135 من زوال هذه الأربعة عمن بلى بها ولا ~~سيما إذا صارت هيئات راسخه وملكات وصفات ثابتة فإنه لا يستقيم له معها عمل ~~البتة ولا تزكو نفسه مع قيامها بها وكلما اجتهد في العمل أفسدته عليه هذه ~~الأربعة وكل الآفات متولدة منها وإذا استحكمت في القلب أرته الباطل في صورة ~~الحق والحق في صورة الباطل والمعروف في صورة المنكر والمنكر في صورة ~~المعروف وقربت منه الدنيا وبعدت منه الآخرة وإذا تأملت كفر الأمم رأيته ~~ناشئا منها وعليها يقع العذاب وتكون خفته وشدته بحسب خفتها وشدتها فمن ~~فتحها على نفسه فتح عليه أبواب الشرور كلها عاجلا وآجلا ومن أغلقها على ~~نفسه أغلق عنه أبوب الشرورفاتها تمنع الانقياد والإخلاص والتوبة والإنابة ~~وقبول الحق ونصيحة المسلمين والتواضع لله ولخلقه # ومنشأ هذه الأربعة من جهله بربه وجهله بنفسه فإنه لو عرف ربه بصفات ~~الكمال ونعوت الجلال وعرف نفسه بالنقائص والآفات لم يتكبر ولم يغضب لها ولم ~~يحسد أحدا على ما أتاه الله فإن الحسد في الحقيقة نوع من معاداة الله فإنه ~~يكره نعمة الله على عبده وقد أحبها الله وأحب زوالها عنه والله يكره ذلك ~~فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته وكراهته ولذلك كان إبليس عدوه حقيقة ~~لأن ذنبه كان عن كبر وحسد فقلع هاتين الصفتين بمعرفة الله وتوحيده والرضا ~~به وعنه والإنابة إليه وقلع الغضب بمعرفة النفس وأنها لا تستحق أن يغضب لها ~~وينتقم لها فإن ذلك إيثار لها بالرضا والغضب على خالقها وفاطرها وأعظم ما ~~تدفع به هذه الآفة أن يعودها أن تغضب له سبحانه وترضي له فكلما دخلها شيء ~~من الغضب والرضا له خرج منها مقابله من الغضب والرضا لها وكذا بالعكس # وأما الشهوة فدواؤها صحة العلم والمعرفة بأن إعطاءها شهواتها أعظم أسباب ~~حرمانها إياها ومنعها منها وحميتها أعظم أسباب اتصالها إليها فكلما فتحت ~~عليها باب الشهوات كنت ساعيا في حرمانها إياها وكلما أغلقت عنها ذلك الباب ~~كنت ساعيا في إيصالها إليها على أكمل الوجوه PageV01P158 فالغضب مثل السبع ~~إذا أفلته صاحبه ms136 بدأ بأكله والشهوة مثل النار إذا أضرمها صاحبها بدأت ~~بإحراقه والكبر بمنزلة منازعة الملك ملكه فإن لم يهلكك طردك عنه والحسد ~~بمنزلة معاداة من هو أقدر منك والذي يغلب شهوته وغضبه يفرق الشيطان من ظله ~~ومن تغلبه شهوته وغضبه يفرق من خياله # | فصل عظيم النفع # الجهال بالله وأسمائه وصفاته المعطلون لحقائقها يبغضون الله إلى خلقه ~~ويقطعون عليهم طريق محبته والتودد إليه بطاعته من حيث لا يعلمون ونحن نذكر ~~من ذلك أمثلة تحتذي عليها فمنها أنهم يقررون في نفوس الضعفاء أن الله ~~سبحانه لا تنفع معه طاعة وان طال زمانها وبالغ العبد وأتى بها ظاهره وباطنه ~~وأن العبد ليس على ثقة ولا أمن من مكره بل شأنه سبحانه أن يأخذ المطيع ~~المتقي من المحراب إلى الماخور ومن التوحيد والمسبحة إلى الشرك والمزمار ~~ويقلب قلبه من الإيمان الخالص إلى الكفر ويروون في ذلك آثار صحيحة لم ~~يفهموها وباطلة لم يقلها المعصوم ويزعمون أن هذا حقيقة التوحيد ويتلون على ~~ذلك قوله تعالى لا يسأل عما يفعل وقوله أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله ~~إلا القوم الخاسرون وقوله واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ويقيمون ~~إبليس حجة لهم على هذه المعرفة وأنه كان طاووس الملائكة وأنه لم يترك في ~~السماء رقعة ولا في الأرض بقعة إلا وله فيها سجدة أو ركعة لكن جنى عليه ~~جاني القدر وسطا عليه الحكم فقلب عينه الطيبة وجعلها أخبث شيء حتى قال بعض ~~عارفيهم إنك ينبغي أن تخاف الله كما تخاف الأسد الذي يثب عليك بغير جرم منك ~~ولا ذنب أتيته إليه ويحتجون بقول النبي إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ~~ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار ~~فيدخلها ويروون عن بعض السلف أكبر الكبائر لا الله من مكر الله والقنوط من ~~رحمة PageV01P159 وذكر الإمام أحمد عن عون بن عبد الله أو غيره أنه سمع ~~رجلا يدعو الهم لا تؤمني مكرك فأنكر ذلك وقال قل اللهم لا تجعلني ممن يأمن ms137 ~~مكرك وبنوا ذلك على أصلهم الباطل وهو إنكار الحكمة والتعليل والأسباب وأن ~~الله لا يفعل لحكمة ولا سبب وإنما يفعل بمشيئة مجردة من الحكم والتعليل ~~والسبب فلا يفعل لشيء ولا بشيء وأنه لا يجوز عليه أن يعذب أهل طاعته أشد ~~العذاب وينعم أعداءه وأهل معصيته بجزيل الثواب وأن الأمرين بالنسبة إليه ~~سواء ولا يعلم امتناع ذلك إلا بخبر من الصادق أنه لا يفعله فحينئذ يعلم ~~امتناعه لوقوع الخبر بأنه لا يكون لا لأنه في نفسه باطل وظلم فإن الظلم في ~~نفسه مستحيل فإنه غير ممكن بل هو بمنزلة جعل الجسم الواحد في مكانين في آن ~~واحد والجمع بين الليل والنهار في ساعة واحدة وجعل الشيء موجودا ومعدوما ~~معا في آن واحد فهذا حقيقة الظلم عندهم فإذا رجع العامل إلى نفسه قال من لا ~~يستقر له أمر ولا يؤمن له مكر كيف يوثق بالتقرب إليه وكيف يعول على طاعنه ~~واتباع أوامره وليس لنا سوى هذه المدة اليسيرة فإذا هجرنا فيها اللذات ~~وتركنا الشهوات وتكلفتا أثقال العبادات وكنا مع ذلك على غير ثقة منه أن ~~يقلب علينا الإيمان كفرا والتوحيد شركا والطاعة معصية والبر فجورا ويديم ~~علينا العقوبات كنا خاسرين في الدنيا والآخرة فإذا استحكم هذا الإعتقاد في ~~قلوبهم وتخمر في نفوسهم صاروا إذا أمروا بالطاعات وهجر اللذات بمنزلة إنسان ~~جعل يقول لولده معلمك إن كتبت وأحسنت وتأدبت ولم تعصه ربما أقام لك حجة ~~وعاقبك وإن كسلت وبطلت وتعطلت وتركت ما أمرك به ربما قربك وأكرمك فيودع ~~بهذا القول قلب الصبي ما لا يثق بعده إلى وعيد المعلم على الإساءة ولا وعده ~~على الإحسان وان كبر الصبي وصلح للمعاملات والمناصب قال له هذا سلطان بلدنا ~~يأخذ اللص من الحبس فيجعله وزيرا أميرا ويأخذ الكيس المحسن لشغله فيخلده ~~الحبس ويقتله ويصلبه فإذا قال له ذلك أو حشه سلطانه وجعله على غير ثقة من ~~وعده ووعيده وأزال محبته من قلبه وجعله يخافه مخافة الظالم الذي يأخذ ~~المحسن بالعقوبة PageV01P160 والبريء بالعذاب فأفلس هذا المسكين من ms138 اعتقاد ~~كون الأعمال نافعة أو ضارة فلا بفعل الخير يستأنس ولا بفعل الشر يستوحش وهل ~~في التنفير عن الله وتبغيضه إلى عبادة أكثر من هذا ولو اجتهد الملاحدة على ~~تبغيض الدين والتنفير عن الله لما أتوا بأكثر من هذا وصاحب هذه الطريقة يظن ~~أنه يقرر التوحيد والقدر ويرد على أهل البدع وينصر الدين ولعمر الله العدو ~~العاقل أقل ضررا من الصديق الجاهل وكتب الله المنزلة كلها ورسله كلهم شهادة ~~بضد ذلك ولا سيما القرآن فلو سلك الدعاة المسلك الذي دعا الله ورسوله به ~~الناس إليه لصلح العالم صلاحا لا فساد معه فالله سبحانه أخبر وهو الصادق ~~الوفي أنه إنما يعامل الناس بكسبهم ويجازيهم بأعمالهم ولا يخاف المحسن ليده ~~ظلما ولا هضما ولا يخاف بخسا ولا رهقا ولا يضيع عمل محسن أبدا ولا يضيع على ~~العبد مثقال ذرة لا يظلمها وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ~~وإن كان مثقال حبة من خردل جازاه بها ولا يضيعها عليه وأنه يجزي بالسيئة ~~مثلها ويحبطها بالتوبة والندم والاستغفار والحسنات والمصائب ويجزي بالحسنة ~~عشر أمثالها ويضاعفها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وهو الذي أصلح ~~الفاسدين وأقبل بقلوب المعرضين وتاب على المذنبين وهدى الضالين وأنقذ ~~الهالكين وعلم الجاهلين وبصر المتحيزين وذكر الغافلين وآوى الشاردين وإذا ~~أوقع عقابا أوقعه بعد شدة التمرد والعتو عليه ودعوة العبد إلى الرجوع إلى ~~إليه والإقرار بربوبيته وحقه مرة بعد مرة حتى إذا يأس من استجابته والإقرار ~~بربوبيته ووحدانيته أخذه ببعض كفره وعتوه وتمرده بحيث يعذر العبد من نفسه ~~ويعترف بأنه سبحانه لم يظلمه وأنه هو الظالم لنفسه كما قال تعالى عن أهل ~~النار فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير وقال عمن أهلكهم في الدنيا أنهم ~~لما رأوا آياته وأحسوا حصيدا بعذابه قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما ~~زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين وقال أصحاب الجنة التي أفسدها ~~عليهم لما رأوها PageV01P161 @QB@ قالوا @QE@ سبحان ربنا إنا كنا ظالمين ~~قال الحسن لقد دخلوا النار وأن حمده لفي قلوبهم ms139 ما وجدوا عليه حجة ولا ~~سبيلا ولهذا قال تعالى نقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ~~فهذه الجملة في موضع الحال أي قطع دابرهم حال كونه سبحانه محمودا على ذلك ~~فقطع دابرهم قطعا مصاحبا لحمده فهو قطع وإهلاك يحمد عليه الرب تعالى لكما ~~حكمته وعدله ووضعه العقوبة في موضعها الذي لا يليق به غيرها فوضعها في ~~الموضع الذي يقول من علم الحال لا تليق العقوبة إلا بهذا المحل ولا يليق به ~~إلا العقوبة ولهذا قال عقيب إخباره عن الحكم بين عباده ومصير أهل السعادة ~~إلى الجنة وأهل الشقاء إلى النار وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب ~~العالمين فحذف فاعل القول إشعارا بالعموم وأن الكون كله قال الحمد لله رب ~~العالمين لما شاهدوا من حكمه الحق وعدله وفضله ولهذا قال في حق أهل النار ~~قيل ادخلوا أبواب جهنم كأن الكون كله يقول ذلك حتى تقوله أعضاؤهم وأرواحهم ~~وأرضهم وسماؤهم وهو سبحانه بخبر أنه إذا هلك أعداءه أنجى أولياءه ولا يعمهم ~~بالهلاك بمحض المشيئة ولما سأله نوح نجاة ابنه أخبر أنه يغرقه بسوء عمله ~~وكفره ولم يقل إني أغرقه بمحض مشيئتي وإرادتي بلا سبب ولا ذنب وقد ضمن ~~سبحانه زيادة الهداية للمجاهدين في سبله ولم يخبر أنه يضلهم ويبطل سعيهم ~~وكذلك ضمن زيادة الهداية للمتقين الذين يتبعون رضوانه وأخبر أنه لا يضل إلا ~~الفاسقين الذين ينقضون عهده من بعد ميثاقه وأنه إنما يضل من آثر الضلال ~~واختاره على الهدى فيطبع حينئذ على سمعه وقلبه وأنه يقلب قلب من لم يرض ~~بهداه إذا جاءه ولم يؤمن به ودفعه ورده فيقلب فؤاده وبصره عقوبة له على رده ~~ودفعه لما تحققه وعرفه وأنه سبحانه لو علم في تلك المحال التي حكم عليها ~~بالضلال والشقاء خيرا لأفهمها وهداها ولكنها لا تصلح لنعمته ولا تليق بها ~~كرامته وقد أزاح سبحانه العلل وأقام الحجج ومكن من أسباب الهداية وأنه لا ~~يضل إلا الفاسقين والظالمين ولا يطبع PageV01P162 إلا على قلوب المعتدين ~~ولا يركس في الفتنة إلا ms140 المنافقين بكسبهم وأن الرين الذي غطى به قلوب ~~الكفار وهو عين كسبهم وأعمالهم كما قال كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون وقال عن أعدائه من اليهود وقالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها ~~بكفرهم وأخبر أنه لا يضل من هداه حتى يبن له ما يتقي فيختار لشقوته وسوء ~~طبيعته الضلال على الهدى والغي على الرشاد ويكون مع نفسه وشيطانه وعدو ربه ~~عليه # وأما المكر الذي وصف به نفسه فهو مجازاته للماكرين بأوليائه ورسله فيقابل ~~مكرهم السيء بمكره الحسن فيكون المكر منهم أقبح شيء ومنه أحسن شيءلأنه عدل ~~ومجازاة وكذلك المخادعة منه جزاء على مخادعة رسله أوليائه فلا أحسن من تلك ~~المخادعة والمكر وأما كون الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه ~~وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فإن هذا عمل أهل الجنة فيما يظهر للناس ~~ولو كان عملا صالحا مقبولا للجنة قد أحبه الله ورضيه لم يبطله عليه وقوله ~~لم يبق بينه وبينها إلا ذراع يشكل على هذا التأويل فيقال لما كان العمل ~~بآخره وخاتمته لم يصبر هذا العامل على عمله حتى يتم له بل كان فيه آفة ~~كامنة ونكتة خذل بها في آخر عمره فخانته تلك الآفة والداهية والباطنة في ~~وقت الحاجة فرجع إلى موجبها وعملت عملها ولو لم يكن هناك غش وآفة لم يقلب ~~الله إيمانه لقد أورده مع صدقه فيه وإخلاصه بغير سبب منه يقتضي إفساده عليه ~~والله يعلم من سائر العباد ما لا يعلمه بعضهم من بعض # وأما شأن إبليس فإن الله سبحانه قال للملائكة إني أعلم مالا تعلمون فالرب ~~تعالى كان يعلم ما في قلب إبليس من الكفر والكبر والحسد مالا يعلمه ~~الملائكة فلما أمروا بالسجود ظهر ما في قلوبهم من الطاعة والمحبة والخشية ~~والانقياد فبادروا إلى الامتثال وظهر ما في قلب عدوه من الكبر والغش والحسد ~~فأبى واستكبر وكان من الكافرين PageV01P163 # وأما خوف أوليائه من مكره فحق فإنهم يخافون أن يخذلهم بذنوبهم وخطاياهم ~~فيصيرون إلى الشقاء فخوفهم من ذنوبهم ورجاؤهم ms141 لرحمته وقوله أفأمنوا مكر ~~الله إنما هو في حق الفجار والكفار ومعنى الآية فلا يعصي ويأمن مقابلة الله ~~له على مكر السيئات بمكره به إلا القوم الخاسرون والذي يخافه العارفون ~~بالله من مكره أن يؤخر عنهم عذاب الأفعال فيحصل منهم نوع اغترار فيأنسوا ~~بالذنوب فيجيئهم العذاب على غرة وفترة وأمر آخر وهو أن يغفلوا عنه وينسوا ~~ذكره فيتخلى عنهم إذا تخلوا عن ذكره وطاعته فيسرع إليهم البلاء والفتنة ~~فيكون مكره بهم تخليه عنهم وأمر آخر أن يعلم من ذنوبهم وعيوبهم ما لا ~~يعلمونه من نفوسهم فيأتيهم المكر من حيث لا يشعرون وأمر آخر أن يمتحنهم ~~ويبتليهم بما لا صبر لهم عليه فيفتنون به وذلك مكر # | فصل السنة شجرة والشهور فروعها والأيام أغصانها والساعات أوراقها # والأنفاس ثمرها فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة ومن كانت في ~~معصية فثمرته حنظل وإنما يكون الجداد يوم المعاد فعند الجداد يتبين حلو ~~الثمار من مرها والإخلاص والتوحيد شجرة في القلب فروعها الأعمال وثمرها طيب ~~الحياة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعة ~~ولا ممنوعة فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا كذلك والشرك والكذب والرياء ~~شجرة في القلب ثمرها في لدنيا والخوف والهم والغم وضيق الصدر وظلمة القلب ~~وثمرها في الآخرة الزقوم والعذاب المقيم وقد ذكر الله هاتين الشجرتين في ~~سورة إبراهيم # | فصل إذا بلغ العبد أعطى عهده الذي عهده إليه خالقه ومالكه فإذا أخذ # عهده بقوة وقبول PageV01P164 وعزم على تنفيذ ما فيه صلح للمراتب والمناصب ~~التي يصلح لها الموفون بعهودهم فإذا هز نفسه عند أخذ العهد وانتحاها وقال ~~قد أهلت لعهد ربي فمن أولى بقبوله وفهمه وتنفيذه مني فحرص أولا على فهم ~~عهده وتدبره وتعرفه وصايا سيده له ثم وطن نفسه على امتثال ما في عهده ~~والعمل به وتنفيذه حسبما تضمنه عهده فأبصر بقلبه حقيقة العهد وما تضمنه ~~فاستحدث همة أخرى وعزيمة غير العزيمة التي كان فيها وقت الصبا قبل وصول ~~العهد فاستقال من ظلمة غرة الصبا والانقياد للعادة ms142 والمنشأ وصبر على شرف ~~الهمة وهتك ستر الظلمة إلى نور اليقين فأدرك بقدر صبره وصدق اجتهاده ما ~~وهبه الله له من فضله فأول مراتب سعادته أن تكون له أذن واعية وقلب يعقل ما ~~تعيه الأذن فإذا سمع وعقل واستبانت له الجادة ورأى عليها تلك الأعلام ورأى ~~أكثر الناس منحرفين عنها يمينا وشمالا فلزمها ولم ينحرف مع المنحرفين الذين ~~كان سبب انحرافهم عدم قبول العهد أو قبلوه بكره ولم يأخذوه بقوة ولا عزيمة ~~ولا حدثوا أنفسهم بفهمه وتدبره والعمل بما فيه وتنفيذ وصاياه بل عرض غيهم ~~العهد ومعهم ضراوة الصبا ودين العادة وما ألفوا عليه الآباء والأمهات ~~فتلقوا العهد تلقي من هو مكتف بما وجد عليه آباءه وسلفه وعادتهم لا تكفي من ~~يجمع همه وقلبه على فهم العهد والعمل به حتى كأن ذلك العهد أتاه وحده وقيل ~~له تأمل ما فيه ثم اعمل بموجبه فإذا لم يتلق عهده هذا التلقي اخلد إلى سير ~~القرابة وما استمرت عليه عادة أهله وأصحابه وجيرانه وأهل بلده فإن علت همته ~~أخلد إلى ما عليه سلفه ومن تقدمه من غير التفات إلى تدبر العهد وفهمه فرضى ~~لنفسه أن يكون دينه دين العادة فإذا شامة الشيطان ورأى هذا مبلغ همته ~~وعزيمته رماه بالعصبية والحمية للآباء وسلفه وزين له أن هذا هو الحق وما ~~خالفه باطل ومثل له الهدى في صورة الضلال والضلال في صورة الهدى بتلك ~~العصبية والحمية التي أسست على غير علم فرضاه أن يكون مع عشيرته وقومه له ~~ما لهم وعليه ما عليهم فخذل عن الهدى وولاه الله ما تولى فلو جاءه كل هدى ~~يخالف قومه وعشيرته لم يره PageV01P165 إلا ضلالة وإذا كانت همته أعلى من ~~ذلك ونفسه أشرف وقدره أعلى أقبل على حفظ عهده وفهمه وتدبره وعلم أن لصاحب ~~العهد شأنا ليس كشأن غيره فأخذ نفسه بمعرفته من نفس العهد فوجده قد تعرف ~~إليه وعرفه نفسه وصفاته وأسماءه وأفعاله وأحكامه فعرف من ذلك العهد قيوما ~~بنفسه مقيما لغيره غنيا عن كل ما سواه وكل ms143 ما سواه فقير إليه مستو على عرشه ~~فوق جميع خلقه يرى ويسمع ويرضي ويغضب ويحب ويبغض ويدبر أمر مملكته وهو فوق ~~عرشه متكلم آمر ناه يرسل رسله إلى أقطار مملكته بكلامه الذي يسمعه من يشاء ~~من خلقه وأنه قائم بالقسط مجاز بالإحسان والإساءة وأنه حليم غفور شكور جواد ~~محسن موصوف بكل كمال منزه عن كل عيب ونقص وأنه لا مثل له ويشهد حكمته في ~~تدبير مملكته وكيف يقدر مقاديره بمشيئة غير مضادة لعدله وحكمته وتظاهر عنده ~~العقل والشرع والفطرة فصدق كل منهما صاحبيه وفهم عن الله سبحانه ما وصف به ~~نفسه في كتابه من حقائق أسمائه التي بها نزل الكتاب وبها نطق ولها أثبت ~~وحقق وبها تعرف إلا عبادة حتى أقرت به العقول وشهدت به الفطر فإذا عرف ~~بقلبه وتيقن صفات صاحب العهد وأشرقت أنوارها على قلبه فصارت له كالمعاينة ~~فرأى حينئذ تعلقها بالخلق والأمر وارتباطهما بها وسريان آثارهما في العالم ~~الحسي والعالم الروحي ورأى تصرفها في الخلائق كيف عمت وخصت وقربت وأبعدت ~~وأعطت ومنعت فشاهد بقلبه مواقع عدله سبحانه وقسطه وفضله ورحمته واجتمع له ~~الإيمان بلزوم حجته مع نفوذ أقضيته وكمال قدرته مع كمال عدله وحكمته ونهاية ~~علوه على جميع خلقه مع إحاطته ومعيته وعظمته وجلاله وكبريائه وبطشه ~~وانتقامه مع رحمته وبره ولطفه وجوده وعفوه وحلمه ورأى لزوم الحجة مع قهر ~~المقادير التي لا خروج لمخلوق عنها وكيف اصطحاب الصفات وتوافقها وشهادة ~~بعضها لبعض وانعطاف الحكمة التي هي نهاية وغاية على المقادير التي هي أول ~~وبداية ورجوع فروعها إلى أصولها ومبادئها إلى PageV01P166 غاياتها حتى كأنه ~~مشاهد مباديء الحكمة وتأسيس القضايا على وفق الحكمة والعدل والمصلحة ~~والرحمة والإحسان لا تخرج قضية عن ذلك إلى انقضاء الأكوان وانفصال الأحكام ~~يوم الفصل بين العباد وظهور عدله وحكمته وصدق رسله وما أخبرت به عنه لجميع ~~الخليقة إنسها وجنها مؤمنها وكافرها وحينئذ يتبين من صفات جلاله ونعوت ~~كماله للخلق ما لم يكونوا يعرفونه قبل ذلك حتى أن أعرف خلقه به في الدنيا ~~يثني عليه ms144 يومئذ من صفات كماله ونعوت جلاله ما لم يكن يحسنه في الدنيا وكما ~~يظهر ذلك لخلقه تظهر لهم الأسباب التي بها زاغ الزائغون وضل الضالون وانقطع ~~المنقطعون فيكون الفرق بين العلم يومئذ بحقائق الأسماء والصفات العلم بها ~~في الدنيا كالفرق بين العلم بالجنة والنار ومشاهدتهما وأعظم من ذلك وكذلك ~~يفهم من العبد كيف اقتضت أسماؤه وصفاته لوجود النبوة والشرائع وأن لا يترك ~~خلقه سدى وكيف اقتضت ما تضمنته من الأوامر والنواهي وكيف اقتضت وقوع الثواب ~~والعقاب والمعاد وأن ذلك من موجبات أسمائه وصفاته بحيث ينزه عما زعم أعداؤه ~~من إنكار ذلك ويرى شمول القدرة وإحاطتها بجميع الكائنات حتى لا يشذ عنها ~~مثقال ذرة ويرى أنه لو كان معه إله آخر لفسد هذا العالم فكانت تفسد ~~السماوات والأرض ومن فيهن وأنه سبحانه لو جاز عليه النوم أو الموت لتدكدك ~~هذا العالم بأسره ولم يثبت طرفة عين ويرى ذلك الإسلام والإيمان اللذين تعبد ~~الله بهما جميع عباده كيف انبعاثهما من الصفات المقدسة وكيف اقتضيا الثواب ~~والعقاب عاجلا وآجلا ويرى مع ذلك أنه لا يستقيم قبول هذا العهد والتزامه ~~لمن جحد صفاته وأنكر علوه على خلقه وتكلمه بكتبه وعهوده كما لا يستقيم ~~قبوله لمن أنكر حقيقة سمعه وبصره وحياته وإرادته وقوته وأن هؤلاء هم الذين ~~ردوا عهده وأبوا قبوله وأن من قبلهم منهم لم يقبله بجميع ما فيه وبالله ~~التوفيق PageV01P167 # | فصل خلق بدن ابن آدم من الأرض وروحه من ملكوت السماء وقرن بينهما # فإذا أجاع بدنه وأسهره وأقامه في الخدمة وجدت روحه خفة وراحة فتاقت إلى ~~الموضع الذي خلقت منه واشتاقت إلى عالمها العلوي وإذا أشبعه ونعمه ونومه ~~واشتغل بخدمته وراحته أخلد البدن إلى الموضع الذي خلق منه فانجذبت الروح ~~معه فصارت في السجن فلولا أنها ألفت السجن لاستغاثت من ألم وفارقتها ~~وانقطاعها عن عالمها الذي خلقت منه كما يستغيث المعذب # وبالجملة فكما خف البدن لطفت الروح وخفت وطلبت عالمها العلوي وكلما ثقل ~~وأخلد إلى الشهوات والراحة ثقلت الروح وهبطت من عالمها وصارت ms145 أرضية سفلية ~~فترى الرجل روحه في الرفيق الأعلى وبدنه عندك فيكون نائما على فراشه وروحه ~~عند سدرة المنتهى تجول حول العرش وآخر واقف في الخدمة ببدنه وروحه في السفل ~~تجول حول السفليات فإذا فارقت الروح البدن التحقت برفيقها الأعلى أو الأدنى ~~فعند الرفيق الأعلى كل قرة عين وكل نعيم وسرور وبهجة ولذة وحياة طيبة وعند ~~الرفيق الأسفل كل هم وغم وضيق وحزن وحياة نكدة ومعيشة ضنك قال تعالى ومن ~~أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا فذكره كلامه الذي أنزله على رسوله والإعراض ~~عنه ترك تدبره والعمل به والمعيشة الضنك فأكثر ما جاء في التفسير أنها عذاب ~~القبر قاله ابن مسعود وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وابن عباس وفيه حديث ~~مرفوع وأصل الضنك في اللغة الضيق والشدة وكل ما ضاق فهو ضنك يقال منزل ضنك ~~وعيش الضنك فهذه المعيشة الضنك في مقابلة التوسيع على النفس والبدن ~~بالشهوات واللذات والراحة فإن النفس كلما وسعت عليها ضيقت على القلب حتى ~~تصير معيشة ضنكا وكلما ضيقت عليها وسعت على القلب حتى ينشرح وينفسخ فضنك ~~المعيشة في PageV01P168 الدنيا بموجب التقوى سعتها في البرزخ والآخرة وسعة ~~المعيشة في الدنيا بحكم الهوى ضنكها في البرزخ والآخرة فآثر أحسن المعيشتين ~~وأطيبهما وأدومهما وأشق البدن بنعيم الروح ولا تشق الروح بنعيم البدن فإن ~~نعيم الروح وشقاءها أعظم وأدوم ونعيم البدن وشقاؤه أقصر وأهون والله ~~المستعان # العارف لا يأمر الناس بترك الدنيا فإنهم لا يقدرون على تركها ولكن يأمرهم ~~بترك الذنوب مع إقامتهم على دنياهم فترك الدنيا فضيلة وترك الذنوب فريضة ~~فكيف يؤمر بالفضيلة من لم يقم الفريضة فإن صعب عليهم ترك الذنوب فاجتهد أن ~~تحبب الله إليهم بذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وصفات كماله ونعوت جلاله فإن ~~القلوب مفطورة على محبته فإذا تعلقت بحبه هان عليها ترك الذنوب والاستقلال ~~منها والإصرار عليها وقد قال يحيى بن معاذ طلب العاقل للدنيا خير من ترك ~~الجاهل لها العارف يدعو الناس إلى الله من دنياهم فتسهل عليهم الإجابة ~~والزاهد يدعوهم إلى الله ms146 بترك الدنيا فتشق عليهم الإجابة فإن الفطام عن ~~الثدي الذي ما عقل الإنسان نفسه إلا وهو يرتضع منه شديد ولكن بخير من ~~المرضعات أزكاهن وأفضلهن فإن للبن تأثيرا في طبيعة المرتضع ورضاع المرأة ~~الحمقى يعود بحمق الولد وأنفع الرضاعة ما كان من المجاعة فإن قويت على ~~مرارة الفطام وإلا فارتضع بقدر فإن من البشم ما يقتل # | فصل بين رعاية الحقوق مع الضر ورعايتها مع العافية بون بعيد أن عبدي # كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة ~~فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ليس العجب من صحيح فارغ واقف مع ~~الخدمة إنما العجب من ضعيف سقيم تعتوره الأشغال وتختلف عليه الأحوال وقلبه ~~واقف في الخدمة غير متخلف بما يقدر عليه PageV01P169 # | فصل معرفة الله سبحانه نوعان معرفة إقرار وهي التي اشترك فيها الناس # البر والفاجر والمطيع والعاصي والثاني معرفة توجب الحياء منه والمحبة له ~~وتعلق القلب به والشوق إلى لقائه وخشيته والإنابة إليه والأنس به والفرار ~~من الخلق إليه وهذه هي المعرفة الخالصة الجارية على لسن القوم وتفاوتهم ~~فيهالا يحصيه إلا الذي عرفهم بنفسه وكشف لقلوبهم من معرفته ما أخفاه عن ~~سواهم وكل أشار إلى هذه المعرفة بحسب مقامه وما كشف له منها وقد قال اعرف ~~الخلق به لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وأخبر أنه سبحانه يفتح ~~عليه يوم القيامة من محامدة بما لا يحسنه الآن # ولهذه المعرفة بابان واسعان باب التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها ~~والفهم الخاص عن الله ورسوله والباب الثاني التفكر في آياته المشهودة وتأمل ~~حكمته فيها وقدرته ولطفه وإحسانه وعدله وقيامه بالقسط على خلقه وجماع ذلك ~~الفقه في معاني أسمائه الحسنى وجلالها وكمالها وتفرده بذلك وتعلقها بالخلق ~~والأمر فيكون فقيها في أوامره ونواهيه فقيها في قضائه وقدره فقيها في ~~أسمائه وصفاته فقيها في الحكم الديني الشرعي والحكم الكوني القدري وذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم # | فصل الدراهم أربعة دراهم اكتسب بطاعة الله ms147 وأخرج في حق الله فذاك خير # الدراهم ودرهم اكتسب بمعصية الله وأخرج في معصية الله فذاك شر الدراهم ~~ودرهم اكتسب بأذى مسلم وأخرج في أذى مسلم فهو كذلك ودرهم اكتسب بمباح وأنفق ~~في شهوة مباحة فذاك لا له ولا عليه هذه أصول الدراهم ويتفرع PageV01P170 ~~عليها داهم أخر منها درهم اكتسب بحق وأنفق في باطل ودرهم اكتسب بباطل وأنفق ~~في حق فإنفاقه كفارته ودرهم اكتسب من شبهة فكفارته أن ينفق في طاعة وكما ~~يتعلق الثواب والعقاب والمدح والذم بإخراج الدرهم فكذلك يتعلق باكتسابه ~~وكذلك يسأل عنه مستخرجه ومصروفه من أين اكتسبه وفيما أنفقه # | فصل المواساة للمؤمن أنواع مواساة بالمال ومواساة الجاه ومواساة # بالبدن والخدمة ومواساة بالنصيحة والإرشاد ومواساة بالدعاء والاستغفار ~~لهم ومواساة بالتوجع لهم على قدر الإيمان تكون هذه المواساة فكلما ضعف ~~الإيمان ضعفت المواساة وكلما قوي قويت وكان رسول الله أعظم الناس مواساة ~~لأصحابه بذلك كله فلأتباعه من المواساة بحسب اتباعهم له ودخلوا على بشر ~~الحافي في يوم شديد البرد وقد تجرد وهو ينتفض فقالوا ما هذا يا أبا نصر ~~فقال ذكرت الفقراء وبردهم وليس لي ما أواسيهم به فأحببت أن أواسيهم في ~~بردهم # | فصل الجهل بالطريق وآفاتها والمقصود يوجب التعب الكثير مع الفائدة # القليلة فإن صاحبه إما أن يجتهد في نافلة مع إضاعة الفرض أو في عمل ~~بالجوارح لم يواطئه عمل القلب أو عمل بالباطن والظاهر لم يتقيد بالإقتداء ~~أو همة إلى عمل لم ترق بصاحبها إلى ملاحظة المقصود أو عمل لم يتحرز من ~~آفاته المفسدة له حال العمل وبعده أو عمل غفل فيه عن مشاهدة المنة فلم ~~يتجرد عن مشاركة النفس فيه أو عمل لم يشهد تقصيره فيه فيقوم بعده في مقام ~~الاعتذار منه أو عمل لم يوفه حقه من النصح والإحسان وهو يظن أنه وفاه فهذا ~~كله مما ينقص الثمرة مع كثرة التعب والله الموفق PageV01P171 # | فصل إذا عزم العبد على السفر إلى الله تعالى وإرادته عرضت له الخوادع # والقواطع فينخدع أولا بالشهوات والرياسات والملاذ والمناكح والملابس فإن ms148 ~~وقف معها انقطع وإن رفضها ولم يقف معها وصدق في طلبه ابتلي بوطء عقبه ~~وتقبيل يده والتوسعة له في المجلس والإشارة إليه بالدعاء ورجاء بركته ونحو ~~ذلك فإن وقف معه وانقطع به عن الله وكان حظه منه وإن قطعه ولم يقف معه ~~ابتلى بالكرامات والكشوفات فإن وقف معها انقطع بها عن الله وكانت حظه إن لم ~~يقف معها ابتلى بالتجريد والتخلي ولذة الجمعية وعزة الوحدة والفراغ من ~~الدنيا فإن وقف مع ذلك انقطع المقصود وإن لم يقف معه وسار ناظرا إلى مراد ~~الله منه وما يحبه منه بحيث يكون عبده الموقوف على محابه ومراضيه أين كانت ~~وكيف كانت تعب بها أو استراح تنعم أو تألم أخرجته إلى الناس أو عزلته عنهم ~~لا يختار لنفسه غير ما يختاره له وليه وسيده واقف مع أمره ينفذه بحسب ~~الإمكان ونفسه عنده أهون عليه أن يقدم راحتها ولذتها على مرضاة سيده وأمره ~~فهذا هو العبد الذي قد وصل ونفذ ولم يقطعه عن سيده شيء وبالله التوفيق # | فصل النعم ثلاثة نعمة حاصلة يعلم بها العبد ونعمة منتظرة يرجوها ونعمة # وهو فيها لا يشعر بها فإذا أراد الله إتمام نعمته على عبده عرفة نعمته ~~الحاضرة وأعطاه من شكره قيدا به حتى لا تشرد فإنها تشرد بالمعصية وتقيد ~~بالشكر ورفقة لعمل يستجلب به النعمة المنتظرة وبصره بالطرق التي تسدها ~~وتقطع طريقها ورفقة لاجتنابها وإذا بها قد وافت إليه على أتم الوجوه وعرفه ~~النعم التي PageV01P172 هو فيها فلا يشعر بها ويحكي أن أعرابيا دخل على ~~الرشيد فقال أمير المؤمنين ثبت الله عليك النعم التي أنت فيها بإدامة شكرها ~~وحقق لك النعم التي ترجوها بحسن الظن به ودوام طاعته وعرفك النعم التي أنت ~~فيها ولا تعرفها لتشكرها فأعجبه ذلك منه وقال ما أحسن تقسيمه # | قاعدة جليلة مبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار فإنها # توجب التصورات والتصورات تدعو إلى الإيرادات والإيرادات تقتضي وقوع الفعل ~~وكثرة تكراره تعطي العدة فصلح هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار وفسادها ~~بفسادها فصلاح ms149 الخواطر بأن تكون مراقبة لوليها وألهها صاعدة إليه دائرة على ~~مرضاته ومحابه فإنه سبحانه به كل صلاح ومن عنده كل هدى ومن توفيقه كل رشد ~~ومن توليه لعبده كل حفظ ومن توليه وإعراضه عنه كل ضلال وشقاء فيضفر العبد ~~بكل خير وهدى ورشد بقدر إثبات عين فكرته في آلائه ونعمه وتوحيده وطرق ~~معرفته وطرق عبوديته وإنزاله إياه حاضرا معه مشاهدا له ناظرا إليه رقيبا ~~عليه مطلعا على خواطره وإرادته وهمه فحينئذ يستحي منه ويجله أن يطلعه منه ~~على عورة يكره أن يطلع عليها مخلوق مثله أو يرى نفسه خاطرا يمقته عليه # فمتى أنزل ربه هذه المنزلة منه رفعه وقربه منه وأكرمه واجتباه وولاه ~~وبقدر ذلك يبعد عن الأوساخ والدناآت والخواطر الرديئة والأفكار الدنيئة كما ~~أنه بعد منه واعرض عنه وقرب من الأوساخ والدناآت والأقذار ويقطع عن جميع ~~الكمالات ويتصل بجميع النقائص فالإنسان خير المخلوقات إذا تقرب من بارئه ~~والتزم أوامره ونواهيه وعمل بمرضاته وآثره على هواه PageV01P173 وشر ~~المخلوقات إذا تباعد عنه ولم يتحرك قلبه لقربه وطاعته وابتغاء مرضاته فمتى ~~اختار التقرب إليه وآثره على نفسه وهواه فقد حكم قلبه عقله وإيمانه على ~~نفسه وشيطانه وحكم رشده على غيه وهداه على هواه ومتى اختار التباعد منه فقد ~~حكم نفسه وهواه وشيطانه على عقله وقلبه ورشده # وأعلم أن الخاطرات والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر فيأخذها الفكر ~~فيؤديها إلى التذكر فيأخذها الذكر فيؤديها إلى الإرادة فتأخذها الإرادة ~~فتؤديها إلى الجوارح والعمل فتستحكم فتصير عادة فردها من مبادئها أسهل من ~~قطعها بعد قوتها وتمامها ومعلوم أنه لم يعط الإنسان إماتة الخواطر ولا ~~القوة على قطعها فإنها تهجم عليه هجوم النفس إلا أن قوة الإيمان والعقل ~~تعينه على قبول أحسنها ورضاه به ومساكنته له وعلى رفع أقبحها وكراهته له ~~نفرته منه كما قال الصحابة يا رسول الله إن أحدنا يجد في نفسه ما لأن يحترق ~~حتى يصير حممة أحب إليه من أن يتكلم به فقال أو قد وجدتموه قالوا نعم قال ~~ذاك صريح الإيمان وفي ms150 لفظ الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة وفيه قولان ~~أحدهما أن رده وكراهيته صريح الإيمان والثاني أن وجوده وإلقاء الشيطان له ~~في النفس صريح الإيمان فإنه إنما ألقاه في النفس طلبا لمعارضة الإيمان و ~~إزالته به وقد خلق الله سبحانه النفس شبيهة بالرحا الدائرة التي لا تسكن ~~ولا بد لها من شيء تطحنه فإن وضع فيها حب طحنته وإن وضع فيها تراب أو حصا ~~طحنته فلأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحب الذي يوضع في ~~الرحا ولا تبقى تلك الرحا معطلة قط بل لا بد لها من شيء يوضع فيها فمن ~~الناس من تطحن رحاه حبا يخرج دقيقا ينفع به نفسه وغيره وأكثرهم يطحن رملا ~~وحصا وتبنا ونحو ذلك فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحينه ~~PageV01P174 # | فصل فإذا دفعت الخاطر الوارد عليك اندفع عنك ما بعده وإن قبلته صار # فكرا جوالا فاستخدم الإرادة فتساعدت هي والفكر على استخدام الجوارح فإن ~~تعذر استخدامها رجعا إلى القلب بالمني والشهوة وتوجهه إلى جهة المراد ومن ~~المعلوم أن إصلاح الخواطر أسهل من إصلاح الأفكار وإصلاح الأفكار أسهل من ~~إصلاح الإرادات وإصلاح الإرادات أسهل من تدارك فساد العمل وتداركه أسهل من ~~قطع العوائد فأنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون مالا يعنيك ~~فالفكر فيما لا يعني باب كل شر ومن فكر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه واشتغل ~~عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه فالفكر والخواطر والإرادة والهمة ~~أحق شيء بإصلاحه من نفسك فإن هذه خاصتك وحقيقتك التي تبتعد بها أو تقرب من ~~إلهك ومعبودك الذي لا سعادة لك إلا في قربه ورضاه عنك وكل الشقاء في بعدك ~~عنه وسخطه عليك ومن كان في خواطره ومجالات فكره دنيئا خسيسا لم يكن في سائر ~~أمره إلا كذلك وإياك أن تمكن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك فإنه يفسدها ~~عليك فسادا يصعب تداركه ويلقي إليك أنواع الوساوس والأفكار المضرة ويحول ~~بينك وبين الفكر فيما ينفعك وأنت الذي أعنته ms151 على نفسك بتمكينه من قلبك ~~وخواطرك فملكها عليك فمثالك معه مثال صاحب رحا يطحن فيها جيد الحبوب فأتاه ~~شخص معه حمل تراب وبعر وفحم وغثاء ليطحنه في طاحونته فإن طرده ولم يمكنه من ~~إلقاء ما معه في الطاحون استمر على طحن ما ينفعه وإن مكنه في إلقاء ذلك في ~~الطاحون أفسد ما فيها من الحب و خرج الطحين كله فاسدا والذي يلقيه الشيطان ~~في النفس لا يخرج عن الفكر فيما كان ودخل الوجود لو كان على خلاف وذلك ~~وفيما لم يكن لو كان كيف كان يكون أو فيما يملك الفكر فيه من أنواع ~~PageV01P175 الفواحش والحرام أو في خيالات وهمية لاحقيقة لها وإما في باطل ~~أو فيما لا سبيل إلى إدراكه من أنواع ما طوى عنه علمه فيلقيه في تلك ~~الخواطر التي لا يبلغ منها غاية ولا يقف منها على نهاية فيجعل ذلك مجال ~~فكره ومسرح وهمه # وجماع إصلاح ذلك أن تشغل فكرك في باب العلوم والتصورات بمعرفة ما يلزمك ~~التوحيد وحقوقه وفي الموت وما بعده إلى الدخول إلى الجنة والنار وفي آفات ~~الأعمال وطرق التحرز منها وفي باب الإرادات والعزوم أن تشغل نفسك بإرادة ما ~~ينفعك إرادته وطرح إرادة ما يضرك إرادته وعند العارفين أن تمني الخيانة ~~واشغال الفكر والقلب بها أضر على القلب من نفس الخيانة ولا سيما إذا فرغ ~~قلبه منها بعد مباشرتها فإن تمنيها يشغل القلب بها ويملؤه منها ويجعلها همه ~~ومراده وأنت تجد في الشاهد أن الملك من البشر إذا كان في بعض حاشيته وخدمه ~~من هو متمن لخيانته مشغول القلب والفكر بها ممتلىء منها وهو مع ذلك في ~~خدمته وقضاء أشغاله فإذا اطلع على سره وقصد مقته غاية المقت وابغضه وقابله ~~بما يستحقه وكان أبغض إليه من رجل بعيد عنه جنى بعض الجنايات وقلبه وسره مع ~~الملك غير منطو على تمني الخيانة ومحبتها والحرص عليها فالأول يتركها عجزا ~~واشتغالا بما هو فيه وقلبه ممتلىء بها والثاني يفعلها وقلبه كاره لها ليس ~~فيه إضمار الخيانة ولا ms152 الإصرار عليها فهذا احسن حالا وأسلم عاقبة من الأول # وبالجملة فالقلب لا يخلو من الفكر وأما في واجب آخرته ومصالحها وإما في ~~مصالح دنياه ومعاشه وإما في الوساوس والأماني الباطلة والمقدرات المفروضة ~~وقد تقدم أن النفس مثلها كمثل رحا تدور بما يلقي فيها فإن ألقيت فيها حبا ~~دارت به وإن ألقيت فيها زجاجا وحصا وبعرا دارت به والله سبحانه هو قيم تلك ~~الرحا ومالكها ومصرفها وقد أقام لها ملكا يلقي فيها ما ينفعها فتدور به ~~شيطانا يلقى فيها ما يضرها فتدور به فالملك يلم بها مرة والشيطان يلم بها ~~مرة فالحب الذي يقيه PageV01P176 الملك ايعاد بالخير وتصديق بالوعد والحب ~~الذي يلقيه الشيطان ايعاد بالشر وتكذيب بالوعد والطحين على قدر الحب وصاحب ~~الحب المضر لا يتمكن من إلقائه إلا إذا وجد الرحى فارغة من الحب النافع ~~وقيمها قد أهملها وأعرض عنها فحينئذ يبادر إلى إلقاء ما معه فيها # وبالجملة فقيم الرحا إذا تخلى عنها وعن إصلاحها وإلقاء الحب النافع فيها ~~وجد العدو السبيل إلى إفسادها وإرادتها بما معه وأصل صلاح هذه الرحى ~~بالاشتغال بما يعنيك وفسادها كله في الاشتغال بما لا يعنيك وما أحسن ما قال ~~بعض العقلاء لما وجدت أنواع الذخائر منصوبة غرضا للمتألف ورأيت الزوال ~~حاكما عليها مدركا لها انصرفت عن جميعها إلى ما لا ينازع فيه الحجا أنه ~~أنفع الذخائر وأفضل المكاسب وأربح المتاجر والله المستعان # قال شقيق بن إبراهيم اغلق باب التوفيق عن الخلق من ستة أشياء اشتغالهم ~~بالنعمة عن شكرها ورغبتهم في العلم وتركهم العمل والمسارعة إلى الذنب ~~وتأخير التوبة والاغترار بصحبة الصالحين وترك الإقتداء بفعالهم وادبار ~~الدنيا عنهم وهم يتبعونها وإقبال الآخرة عليهم وهم معرضون عنها قلت وأصل ~~ذلك عدم الرغبة والرهبة وأصله ضعف اليقين وأصله ضعف البصيرة واصله مهانة ~~النفس ودناءتها واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير وإلا فلو كانت النفس ~~شريفة كبيرة لم ترض بالدون فأصل الخير كله بتوفيق الله ومشيئته وشرف النفس ~~ونبلها وكبرها وأصل الشر خستها ودناءتها وصغرها قال تعالى ms153 قد أفلح من زكاها ~~وقد خاب من دساها أي أفلح من كبرها وكثرها ونماها بطاعة الله وخاب من صغرها ~~وحقرها بمعاصي الله فالنفوس الشريفة لا ترضي من الأشياء إلا بأعلاها ~~وأفضلها وأحمدها عاقبة والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات وتقع عليها كما ~~يقع الذباب على الأقذار فالنفس الشريفة العلية لا ترضى بالظلم ولا بالفواحش ~~ولا بالسرقة والخيانة لأنها أكبر من ذلك وأجل والنفس المهينة PageV01P177 ~~الحقيرة والخسيسة بالضد من ذلك فكل نفس تميل إلى ما يناسبها ويشاكلها وهذا ~~معنى قوله تعالى قل كل يعمل على شاكلته أي على ما يشاكله ويناسبه فهو يعمل ~~على طريقته التي تناسب أخلاقه وطبيعته وكل إنسان يجري على طريقته ومذهبه ~~وعادته التي ألفها وجبل عليها فالفاجر يعمل بما يشبه طريقته من مقابلة ~~النعم بالمعاصي والإعراض عن النعم والمؤمن يعمل بما يشاكله من شكر النعم ~~ومحبته والثناء عليه والتودد إليه والحياء منه والمراقبة له وتعظيمه ~~وإجلاله فصل # من لم يعرف نفسه كيف يعرف خالقه فأعلم أن الله تعالى خلق في صدرك بيتا ~~وهو القلب ووضع في صدره عرشا لمعرفته يستوي عليه المثل الأعلى فهو مستو على ~~عرشه بذاته بائن من خلقه والمثل الأعلى من معرفته ومحبته وتوحيده مستو على ~~سرير القلب وعلى السرير بساط من الرضا ووضع عن يمينه وشماله مرافق شرائعه ~~وأوامره وفتح إليه بابا من جنة رحمته والأنس به والشوق إلى لقائه وأمطره من ~~وابل كلامه ما أنبت فيه أصناف الرياحين والأشجار المثمرة من أنواع الطاعات ~~والتهليل والتسبيح والتحميد والتقديس وجعل في وسط البستان شجرة معرفة فهي ~~تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها من المحبة والإنابة والخشية والفرح به ~~والابتهاج بقربه وأجرى إلى تلك الشجرة ما يسقيها من تدبير كلامه وفهمه ~~والعمل بوصاياه وعلق في ذلك البيت قنديلا أسرجه بضياء معرفته والإيمان به ~~وتوحيده فهو يستمد من شجرة مباركة زيتونه لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها ~~يضيء ولو لم تمسسه نار ثم أحاط عليه حائطا يمنعه من دخول الآفات والمفسدين ~~ومن يؤذي البستان فلا يلحقه إذا ms154 هم وأقام عليه حرسا من الملائكة يحفظونه في ~~يقظته ومنامه ثم أعلم صاحب البيت والبستان بالساكن فيه فهو دائما همه إصلاح ~~السكن ولم شعثه ليرضاه الساكن منزلا وإذا أحس بأدنى شعث في السكن ~~PageV01P178 بادر إلى إصلاحه ولمه خشية انتقال الساكن منه فنعم الساكن ونعم ~~المسكن فسبحان الله رب العالمين كم بين هذا البيت وبيت قد استولى عليه ~~الخراب وصار مأوى للحشرات والهوام ومحلا لإلقاء الأنتان والقاذورات فيه فمن ~~أراد التخلي وقضاء الحاجة وجد خربة لا ساكن فيها ولا حافظ لها وهي معدة ~~لقضاء الحاجة مظلمة الأرجاء منتنة الرائحة قد عمها الخراب وملأتها ~~القاذورات فلا يأنس بها ولا ينزل فيها إلا من يناسبه سكناها من الحشرات ~~والديدان والهوام الشيطان جالس على سريرها وعلى السرير بساط من الجهل وتخفق ~~فيه الأهواء وعم يمينه وشماله مرافق الشهوات وقد فتح إليه باب من حقل ~~الخذلان والوحشة والركون إلى الدنيا والطمأنينة بها والزهد في الآخرة وأمطر ~~من وابل الجهل والهوى والشرك والبدع وما أنبت فيه أصناف الشوك والحنظل ~~والأشجار المثمرة بأنواع المعاصي والمخالفات من الزوائد والتنديبات ~~والنوادر والهزليات والمضحكات والأشعار الغزليات والخمريات التي تهيج على ~~ارتكاب المحرمات وتزهد في الطاعات وجعل في وسط الحقل شجرة الجهل به ~~والإعراض عنه فهي تؤتي أكلها كل حين من الفسوق والمعاصي واللهو واللعب ~~والمجون والذهاب مع كل ريح واتباع كل شهوة ومن ثمرها العموم والغموم ~~والأحزان والآلام ولكنها متوارية بإشغال النفس بلهوها ولعبها فإذا أفاقت من ~~سكرها أحضرت كل هم وغم وحزن وقلق ومعيشة ضنك وأجرى إلى تلك الشجرة ما ~~يسقيها من اتباع الهوى وطول الأمل والغرور ثم ترك ذلك البيت وظلماته وخراب ~~حيطانه بحيث لا يمنع منه مفسد ولا حيوان ولا مؤذ ولا قذر فسبحان خالق هذا ~~البيت وذلك البيت فمن عرف بيته وقدر الساكن فيه وقدر ما فيه من الكنوز ~~والذخائر والآلات انتفع بحياته ونفسه ومن جهل ذلك جهل نفسه وأضاع سعادته ~~وبالله التوفيق # سأل سهل التستري الرجل يأكل في اليوم أكلة قال أكل الصديقين قيل له ms155 ~~فأكلتين قال أكل المؤمنين قيل له فثلاث أكلات فقال قل لأهله يبنوا ~~PageV01P179 له معلفا قال الأسود بن سالم ركعتين أصليهما لله أحب إلي من ~~الجنة بما فيها فقيل له هذا خطأ فقال دعونا من كلامكم الجنة رضى نفسي ~~والركعتان رضى ربي ورضى ربي أحب إلي من رضى نفسي العارف في الأرض ريحانه من ~~رياحين الجنة إذا شمها المريد اشتاقت نفسه إلى الجنة قلب المحب بين جلال ~~محبوبه وجماله فإذا لاحظ جلاله هابه وعظمه وإذا لاحظ جماله أحبه واشتاق ~~إليه # | فائدة من الناس من يعرف الله بالجود والإفضال والإحسان ومنهم من يعرفه # بالعفو والحلم والتجاوز ومنهم من يعرفه بالبطش والانتقام ومنهم من يعرفه ~~بالعلم والحكمة ومنه من يعرفه بالعزة والكبرياء ومنهم من يعرفه بالرحمة ~~والبر واللطف ومنهم من يعرفه بالقهر والملك ومنهم من يعرفه بإجابة دعوته ~~وإغاثة لهفته وقضاء حاجته وأعم هؤلاء معرفة من عرفه من كلامه فإنه يعرف ربا ~~قد اجتمعت له صفات الكمال ونعوت الجلال منزه عن المثال برئ من النقائص ~~والعيوب له كل اسم حسن وكل وصف كمال فعال لما يريد فوق كل شيء ومع كل شيء ~~وقادر على كل شيء ومقيم لكل شيء آمرناه متكلم بكلماته الدينية والكونية ~~أكبر من كل شيء وأجمل من كل شيء أرحم الراحمين وأقدر القادرين واحكم ~~الحاكمين فالقرآن أنزل لتعريف عباده به وبصراطه الموصل إليه وبحال السالكين ~~بعد الوصول إليه # | فائدة من الآفات الخفية العامة أن يكون العبد في نعمة أنعم الله بها # عليه واختارها له فيملها العبد ويطلب الانتقال منها إلى ما يزعم لجهله ~~أنه خير له منها وربه برحمته لا يخرجه من تلك النعمة وبعذره بجهله وسوء ~~اختياره لنفسه حتى إذا ضاق ذرعا PageV01P180 بتلك النعمة وسخطها وتبرم بها ~~واستحكم ملكه لها سلبه الله إياها فإذا انتقل إلى ما طلبه ورأى التفاوت بين ~~ما كان فيه وما صار إليه اشتد قلقه وندمه وطلب العودة إلى ما كان فيه فإذا ~~أراد الله بعبده خيرا ورشدا أشهده أن ما هو فيه نعمة من ms156 نعمه عليه ورضاه به ~~وأوزعه شكره عليه فإذا حدثته نفسه بالانتقال عنه استخار ربه استخارة جاهل ~~بمصلحته عاجز عنها مفوض إلى الله طالب منه حسن اختياره له وليس على العبد ~~أضر من ملله لنعم الله فإنه لا يراها نعمة ولا يشكره عليها ولا يفرح بها بل ~~يسخطها ويشكوها ويعدها مصيبة هذا وهي من أعظم نعم الله عليه فأكثر الناس ~~أعداء نعم الله عليهم ولا يشعرون بفتح الله عليهم نعمه وهم مجتهدون في ~~دفعها وردها جهلا وظلما فكم من سعت إلى أحدهم من نعمة وهو ساع في ردها ~~بجهده وكم وصلت إليه وهو ساع في دفعها وزوالها بظلمه وجهله قال تعالى ذلك ~~بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وقال ~~تعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فليس للنعم أعدى من ~~نفس العبد فهو مع عدوه ظهير على نفسه فعدوه يطرح النار في نعمه وهو ينفخ ~~فيها فهو الذي مكنه من طرح النار ثم أعانه بالنفخ فإذا اشتد ضرامها استغاث ~~من الحريق وكان غايته معاتبة الأقدار # وعاجز الرأي مضياع لفرصته % حتى إذا فات أمر عاتب القدرا # | فصل ومن أعز أنواع المعرفة معرفة الرب سبحانه بالجمال وهي معرفة خواص # الخلق وكلهم عرفه بصفة من صفاته وأتمهم معرفة من عرفه بكماله وجلاله ~~وجماله سبحانه ليس كمثله شيء في سائر صفاته ولو فرضت الخلق كلهم على أجملهم ~~صورة وكلهم على تلك الصورة ونسبت جمالهم الظاهر والباطن إلى جمال الرب ~~سبحانه لكان أقل من نسبة سراج ضعيف إلى قرص الشمس ويكفي في جماله أنه لو ~~كشف الحجاب PageV01P181 عن وجهه لأحرقت سبحانه ما انتهى إليه بصره من خلقه ~~ويكفي في جماله أن كل جمال ظاهر وباطن في الدنيا والآخرة فمن آثار صنعته ~~فما الظن بمن صدر عنه هذا الجمال ويكفي في جماله أنه له العزة جميعا والقوة ~~جميعا والجود كله والإحسان كله والعلم كله والفضل كله ولنور وجهه أشرقت ~~الظلمات كما قال النبي في دعاء الطائف ms157 أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له ~~الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة وقال عبد الله بن مسعود ليس عند ربكم ~~ليل ولا نهار نور السموات والأرض من نور وجهه فهو سبحانه نور السموات ~~والأرض ويوم القيامة إذا جاء لفصل القضاء وتشرق الأرض بنوره ومن أسمائه ~~الحسنى الجميل وفي الصحيح عنه إن الله جميل يحب الجمال # وجماله سبحانه على أربع مراتب جمال الذات وجمال الصفات وجمال الأفعال ~~وجمال الأسماء فأسماؤه كلها حسنى وصفاته كلها صفات كمال وأفعاله كلها حكمة ~~ومصلحة وعدل ورحمة وأما جمال الذات وما هو عليه فأمر لا يدركه سواه ولا ~~يعلمه غيره وليس عند المخلوقين منه إلا تعريفات تعرف بها إلي من أكرمه من ~~عباده فإن ذلك الجمال مصون عن الأغيار محجوب بستر الرداء والإزار كما قال ~~رسوله فيما يحكى عنه الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ولما كانت الكبرياء أعظم ~~وأوسع كانت أحق باسم الرداء فإنه سبحانه الكبير المتعال فهو سبحانه العلي ~~العظيم قال ابن عباس حجب الذات بالصفات وحجب الصفات بالأفعال فما ظنك بجمال ~~حجب بأوصاف الكمال وستر بنعوت العظمة والجلال # ومن هذا المعنى يفهم بعض معاني جمال ذاته فإن العبد يترقى من معرفة ~~الأفعال إلى معرفة الصفات ومن معرفة الصفات إلى معرفة الذات فإذا شاهد شيئا ~~من جمال الأفعال استدل به على جمال الصفات ثم استبدل بجمال الصفات على جمال ~~الذات ومن ههنا يتبين أنه سبحانه له الحمد كله وأن أحدا من خلقه لا يحصي ~~ثناء PageV01P182 عليه بل هو كما أثنى على نفسه وإنه يستحق أن يعبد لذاته ~~ويحب لذاته ويشكر لذاته وأنه سبحانه يحب نفسه ويثني على نفسه ويحمد نفسه ~~وأن محبته لنفسه وحمده لنفسه وثناءه وعلى نفسه وتوحيده لنفسه هو في الحقيقة ~~الحمد والثناء والحب والتوحيد فهو سبحانه كما أثنى على نفسه وفوق ما يثنى ~~به عليه خلقه وهو سبحانه كما يحب كما يحب ذاته يحب صفاته وأفعاله فكل ~~أفعاله حسن محبوب وإن كان في مفعولاته ما يبغضه ويكرهه فليس في أفعاله ما ~~هو مكروه ms158 مسخوط وليس في الوجود ما يحب لذاته ويحمد لذاته إلا هو سبحانه وكل ~~ما يحب سواه فإن كانت محبته نابعة لمحبته سبحانه بحيث يحب لأجله فمحبته ~~صحيحة وإلا فهي محبة باطلة وهذا هو حقيقة الإلهية فإن الإله الحق هو الذي ~~يحب لذاته ويحمد لذاته فكيف إذا انضاف إلى ذلك إحسانه وإنعامه وحلمه ~~وتجاوزه وعفوه وبره ورحمته فعلى العبد أن يعلم انه لا إله إلا الله فيحبه ~~ويحمده لذاته وكماله وان يعلم أنه لا محسن على الحقيقة بأصناف النعم ~~الظاهرة والباطنة إلا هو فيحبه لإحسانه وإنعامه ويحمده على ذلك فيحبه من ~~الوجهين جميعا وكما أنه ليس كمثله شيء فليس كمحبته محبة والمحبة مع الخضوع ~~هي العبودية التي خلق الخلق لأجلها فإنها غاية الحب بغاية الذل ولا يصلح ~~ذلك إلا له سبحانه والإشراك به في هذا هو الشرك الذي لا يغفره الله ولا ~~يقبل لصاحبه عملا # وحمده يتضمن أصلين الإخبار بمحامده وصفات كماله والمحبة له عليها فمن ~~أخبر بمحاسن غيره من غير محبة له لم يكن حامدا ومن أحبه من غير إخبار ~~بمحاسنه لم يكن حامدا حتى يجمع الأمرين وهو سبحانه يحمد نفسه بنفسه ويحمد ~~نفسه بما يجريه على ألسنة الحامدين له من ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده ~~المؤمنين فهو الحامد لنفسه بهذا وهذا فإن حمدهم له بمشيئته وإذنه وتكوينه ~~فإنه هو الذي جعل الحامد حامدا والمسلم مسلما والمصلي مصليا والتائب تائبا ~~فمنه ابتدأت النعم وإليه انتهت فابتدأت بحمده وانتهت إلى حمده وهو الذي ~~الهم عبده التوبة وفرح PageV01P183 بها أعظم فرح وهي من فضله وجوده وألهم ~~عبده الطاعة وأعانه عليها ثم أثابه عليها وهي من فضله وجوده وهو سبحانه غني ~~عن كل ما سواه بكل وجه وما سواه فقير إليه بكل وجه والعبد مفتقر إليه لذاته ~~في الأسباب والغايات فإن مالا يكون به لا يكون وما لا يكون له لا ينفع # | فصل وقوله في الحديث إن الله جميل يحب الجمال يتناول جمال الثياب # المسؤول عنه في نفس الحديث ويدخل فيه بطريق العموم الجمال ms159 من كل شيء كما ~~في الحديث الآخر إن الله نظيف يحب النظافة وفي الصحيح إن الله طيب لا يقبل ~~إلا طيبا وفي السنن إن الله يحب أن يرى اثر نعمته على عبده وفيها عن أبي ~~الأحوص الجشمي قال رآني النبي وعلى أطمار فقال هل لك من مال قلت نعم قال من ~~أي المال قلت من كل ما آتى الله من الإبل والشاه قال فلتر نعمته وكرامته ~~عليك فهو سبحانه يحب ظهور أثر نعمته على عبده فإنه من الجمال الذي يحبه ~~وذلك من شكره على نعمه وهو جمال باطن فيحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر ~~بالنعمة والجمال الباطن بالشكر عليها ولمحبته سبحانه للجمال أنزل على عباده ~~لباسا وزينة تجمل ظواهرهم وتقوى تجمل بواطنهم فقال يا بني آدم قد أنزلنا ~~عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خيرا وقال في أهل الجنة ~~ولقاهم نظرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا فجمل وجوههم بالنظرة ~~وبواطنهم بالسرور وأبدانهم بالحرير وهو سبحانه كما يحب الجمال في الأقوال ~~والأفعال واللباس والهيأة يبغض القبيح من الأقوال والافعال والثياب والهيأة ~~فيبغض القبيح وأهله ويحب الجمال وأهله ولكن ضل في هذا الموضوع فريقان فريق ~~قالوا كل ما خلقه جميل فهو يحب كل ما خلقه ونحن نحب جميع PageV01P184 ما ~~خلقه فلا نبغض منه شيئا قالوا ومن رأى الكائنات منه رآها كلها جميلة وأنشد ~~منشدهم # وإذا رأيت الكائنات بعينهم % فجميع ما يحوي الوجود مليح # واحتجوا بقوله تعالى الذي أحسن كل شيء خلقه وقوله صنع الله الذي أتقن كل ~~شيء وقوله ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت والعارف عندهم هو الذي يصرح ~~بإطلاق الجمال ولا يرى في الوجود قبيحا وهؤلاء قد عدمت الغيرة لله من ~~قلوبهم والبغض في الله والمعاداة فيه وإنكار المنكر والجهاد في سبيله ~~وإقامة حدوده ويرى جمال الصور من الذكور والإناث من الجمال الذي يحبه الله ~~فيتعبدون بفسقهم وربما غلا بعضهم حتى يزعم أن معبوده يظهر في تلك الصورة ~~ويحل فيها وأن كان اتحاديا قال هي ms160 مظهر من مظاهر الحق ويسميها المظاهر ~~الجمالية # | فصل وقابلهم في الفريق الثاني فقالوا قد ذم الله سبحانه جمال الصور # وتمام القامة والخلقة فقال عن النافقين وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم @QB@ ~~وقال @QE@ وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا أي أموالا ومناظر ~~قال الحسن هو الصور وفي صحيح مسلم عنه إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ~~وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم قالوا ومعلوم أنه لم ينف نظر الإدراك وإنما ~~نفى نظر المحبة قالوا وقد حرم علينا لباس الحرير والذهب وآنية والذهب الفضة ~~وذلك من أعظم جمال الدنيا وقال ولا تمدن عينك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ~~زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه وفي الحديث البذاذة من الإيمان وقد ذم الله ~~المسرفين والسرف كما يكون في الطعام والشراب يكون في اللباس # وفصل النزاع أن يقال الجمال في الصورة واللباس والهيأة ثلاثة أنواع منه ~~ما يحمد ومنه ما يذم ومنه مالا يتعلق به مدح ولا ذم فالمحمود منه ما كان ~~PageV01P185 لله وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة له كما كان ~~النبي يتجمل للوفود وهو نظير لباس آله الحرب للقتال ولباس الحرير في الحرب ~~والخيلاء فيه فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه ~~والمذموم منه ما كان للدنيا والرياسة والفخر والخيلاء والتوسل إلى الشهوات ~~وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه فإن كثيرا من النفوس ليس لها همة في ~~سوى ذلك وأما مالا يحمد ولا يذم هو ما خلا عن هذين القصدين وتجرد عن ~~الوصفين # والمقصود أن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين فأوله معرفة وآخره ~~سلوك فيعرف الله سبحانه بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء ويعبد بالجمال الذي ~~يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق فيحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق ~~وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل وجوارحه بالطاعة وبدنه بإظهار ~~نعمه عليه في لباسه وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور ~~والمكروهة والختان وتقليم الأظفار فيعرفه بصفات بالجمال ويتعرف إليه ~~بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة فيعرفه ms161 بالجمال الذي هو وصفه ويعبده ~~بالجمال الذي هو شرعه ودينه فجمع الحديث قاعدتين المعرفة والسلوك # | فصل ليس للعبد شيء أنفع من صدقه ربه في جميع أموره مع صدق # العزيمة فيصدقه في عزمه وفي فعله قال تعالى فإذا عزم الأمر فلو صدقوا ~~الله لكان خيرا لهم فسعادته في صدق العزيمة وصدق الفعل فصدق العزيمة جمعها ~~وجزمها وعدم التردد فيها بل تكون عزيمة لا يشوبها تردد ولا تلوم فإذا صدقت ~~عزيمته بقى عليه صدق الفعل وهو استفراغ الوسع وبذل الجهد فيه وأن لا يتخلف ~~عنه بشيء من ظاهره وباطنه فعزيمة القصد تمنعه من ضعف الإرادة والهمة وصدق ~~الفعل يمنعه من الكسل والفتور ومن صدق الله في جميع أموره صنع الله له فوق ~~ما يصنع لغيره PageV01P186 وهذا الصدق معنى يلتئم من صحة الإخلاص وصدق ~~التوكل فأصدق الناس من صح إخلاصه وتوكله # | فائدة جليلة في القدر # رب ذو إرادة أمر عبدا ذا إرادة فإن وفقه وأراد من نفسه أن يعينه ويلهمه ~~فعل ما أمر به وإن خذله وخلاه وإرادته ونفسه وهو من هذه الحثيثة لا يختار ~~إلا ما تهواه نفسه وطبعه فهو من حيث هو إنسان لا يريد إلا ذلك ولذلك ذمة ~~الله في كتابه من هذه الحثيثة ولم يمدحه إلا بأمر زائد على تلك الحثيثة وهو ~~كونه مسلما ومؤمنا وصابرا ومحسنا وشكورا وتقيا وبرا ونحو ذلك وهذا أمر زائد ~~على مجرد كونه إنسانا وإرادته صالحة ولكن لا يكفي مجرد صلاحيتها إن لم تؤيد ~~بقدر زائد على ذلك وهو التوفيق كما أنه لا يكفي في الرؤية مجرد صلاحية ~~العين للإدراك إن لم يحصل سبب آخر من النور المنفصل عنها # | فصل من أعظم الظلم والجهل أن تطلب التعظيم والتوقير من الناس وقلبك # خال من تعظيم الله وتوقيره فإنك توقر المخلوق وتجله أن يراك في حال لا ~~توقر الله أن يراك عليها قال تعالى ما لكم لا ترجون لله وقارا أي لا ~~تعاملونه معاملة من توقرونه والتوقير والعظمة ومنه قوله تعالى وتوقروه قال ~~الحسن ما لكم ms162 لا تعرفون لله حقا ولا تشكرونه وقال مجاهد لا تبالون عظمة ~~ربكم وقال ابن زيد لا ترون لله طاعة وقال ابن عباس لا تعرفون حق عظمته وهذه ~~الأقوال ترجع إلى معنى واحد وهو أنهم لو عظموا الله وعرفوا حق عظمته وحدوه ~~وأطاعوه وشكروه فطاعته سبحانه اجتناب معاصيه والحياء منه بحسب وقاره ~~PageV01P187 في القلب ولهذا قال بعض السلف ليعظم وقار الله في قلب أحدكم أن ~~يذكره عند ما يستحي من ذكره فيقرن اسمه به كما تقول قبح الله الكلب ~~والخنزير والنتن ونحو ذلك فهذا من وقار الله ومن وقاره أن لا تعدل به شيئا ~~من خلقه لا في اللفظ بحيث تقول والله وحياتك مالي إلا الله وأنت وما شاء ~~الله وشئت ولا في الحب والتعظيم والإجلال ولا في الطاعة فتطيع المخلوق في ~~أمره ونهيه كما تطيع الله بل أعظم كما عليه اكثر الظلمة والفجرة ولا في ~~الخوف والرجاء ويجعله أهون الناظرين إليه ولا يستهين بحقه ويقول هو مبنى ~~على المسامحة ولا يجعله على الفضلة ويقدم حق المخلوق عليه ولا يكون الله ~~ورسوله في حد وناحية والناس في ناحية وحد فيكون في الحد والشق الذي فيه ~~الناس دون الحد والشق الذي فيه الله ورسوله ولا يعطي الخلوق في مخاطبته ~~قلبه ولبه ويعطى الله في خدمته بدنه ولسانه دون قلبه وروحه ولا يجعل مراد ~~نفسه مقدما على مراد ربه # فهذا كله من عدم وقار الله في القلب ومن كان كذلك فإن الله لا يلقى له في ~~قلوب الناس وقارا ولا هيبة بل يسقط وقاره وهيبته في قلوبهم وإن وقروه مخافة ~~شره فذاك وقار بغض لا وقار حب وتعظيم ومن وقار الله أن يستحي من إطلاعه على ~~سره وضميره فيرى فيه ما يكره ومن وقاره أن يستحي منه في الخلوة أعظم مما ~~يستحي من أكابر الناس # والمقصود أن من لا يوقر الله وكلامه وما آتاه من العلم والحكمة كيف يطلب ~~من الناس توقيره وتعظيمه القرآن والعلم وكلام الرسول صلات من الحق وتنبيهات ~~وروادع وزواجر ms163 واردة إليك والشيب زاجر ورادع وموقظ قائم بك فلا ما ورد إليك ~~وعظك ولا ما قام بك نصحك ومع هذا تطلب التوقير والتعظيم من غيرك فأنت كمصاب ~~لم تؤثر فيه مصيبة وعظا وانزجارا وهو يطلب من غيره أن يتعظ وينزجر بالنظر ~~إلى مصابه فالضرب لم يؤثر فيه زجرا وهو يريد الانزجار ممن نظر إلى ضربه من ~~سمع بالمثلات والعقوبات PageV01P188 والآيات في حق غيره وليس الله كمن رآها ~~عيانا في غيره فكيف بمن وجدها في نفسه سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ~~فآياته في الآفاق مسموعة معلومة وآياته في النفس مشهودة مرئية فعياذا بالله ~~من الخذلان قال تعالى إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل ~~آية حتى يروا العذاب الأليم @QB@ وقال @QE@ ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة ~~وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله # والعاقل المؤيد بالتوفيق يعتبر بدون هذا ويتم نقائص خلقته بفضائل أخلاقه ~~وأعماله فكلما امتحى من جثمانه أثر زاد إيمانه وكلما نقص من قوى بدنه زاد ~~في قوة إيمانه ويقينه ورغبته في الله والدار الآخرة وإن لم يكن هكذا فالموت ~~خير له لأنه يقف به على حد معين من الألم والفساد بخلاف العيوب والنقائص مع ~~طول العمر فإنها زيادة في ألمه وهمه وغمه وحسرته وإنما حسن طول العمر ونفع ~~ليحصل التذكر والاستدراك واغتنام الغرض والتوبة النصوح كما قال تعالى أولم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر فمن لم يورثه التعمير وطول البقاء إصلاح ~~معائبه وتدارك فارطه واغتنام بقية أنفاسه فيعمل على حياة قلبه وحصول النعيم ~~المقيم وإلا فلا خير له في حياته فإن العبد على جناح سفر إما إلى الجنة ~~وإما إلى النار فإذا طال عمره وحسن عمله كان طول سفره زيادة له في حصول ~~النعيم واللذة فإنه كلما طال السفر أيها كانت الصبابة أجل وأفضل وإذا طال ~~عمره وساء عمله كان طول سفره زيادة في ألمه وعذابه ونزولا له إلى أسفل ~~فالمسافر إما صاعد وإما نازل وفي ms164 الحديث المرفوع خيركم من طال عمره وحسن ~~عمله وشركم من طال عمره وقبيح عمله # فالطالب الصادق في طلبه كما خرب شيء من ذاته جعله عمارة لقلبه وروحه ~~وكلما نقص شيء من دنياه جعله زيادة في آخرته وكلما منع شيئا من لذات دنياه ~~جعله زيادة في لذات آخرته وكلما ناله هم أو حزن أو غم جعله في أفراح آخرته ~~PageV01P189 فنقصان بدنه ودنياه ولذته وجاهه ورئاسته إن زاد في حصول ذلك ~~وتوفيره عليه في معاده كان رحمة به وخيرا له وإلا كان حرمانا وعقوبة على ~~ذنوب ظاهرة أو باطنه أو ترك واجب ظاهر أو باطن فإن حرمان خير الدنيا ~~والآخرة مرتب على هذه الأربعة وبالله التوفيق فائده # الناس منذ خلقوا لم يزالوا مسافرين وليس لهم حط عن رحالهم إلا في الجنة ~~أو النار والعاقل يعلم أن السفر مبني على المشقة وركوب الأخطار ومن المحال ~~عادة أن يطلب فيه نعيم ولذة وراحة إنما ذلك بعد انتهاء السفر ومن المعلوم ~~أن كل وطأة قدم أو كل آن من آنات السفر غير واقفة ولا المكلف واقف وقد ثبت ~~أنه مسافر على الحال التي يجب أن يكون المسافر عليها من تهيئة الزاد الموصل ~~وإذا نزل أو نام أو استراح فعلى قدم الاستعداد للسير # | فائدة عند العارفين إن الاشتغال بالمشاهدة عن البر في السير في السر # وقوف لأنه في زمن المشاهدة لو كان صاحب عمل ظاهر أو باطن أو ازدياد من ~~معرفة وإيمان مفصل كان أولى به فإن اللطيفة الإنسانية تحشر على صورة عملها ~~ومعرفتها وهمتها وإرادتها والبدن يحشر على صورة عمله الحسن أو القبيح وإذا ~~انتقلت من هذه الدار شاهدت حقيقة ذلك وعلى قدر قرب قلبك من الله تبعد من ~~الأنس بالناس ومساكنتهم وعلى قدر صيانتك لسرك وإرادتك يكون حفظه وملاك ذلك ~~صحة التوحيد ثم صحة العلم بالطريق ثم صحة الإرادة ثم صحة العمل والحذر ~~PageV01P190 كل الحذر من قصد الناس لك وإقبالهم عليك وأن يعثروا على موضع ~~غرضك فإنها الآفة العظمى # | فائدة كل ذي لب يعلم ms165 أنه لا طريق للشيطان عليه إلا من ثلاث # جهات أحدها التزيد والإسراف فيزيد على قدر الحاجة فتصير فضلة وهي حظ ~~الشيطان ومدخله إلى القلب وطريق الاحتراز من إعطاء النفس تمام مطلوبها من ~~غذاء أو نوم أو لذة أو راحة فمتى أغلقت هذا الباب حصل الأمان من دخول العدو ~~منه الثانية الغفلة فإن الذاكر في حصن الذكر فمتى غفل فتح باب الحصن فولجه ~~العدو فيعسر عليه أو يصعب إخراجه الثالثة تكلف مالا يعنيه من جميع الأشياء # | فائدة طالب النفوذ إلى الله والدار الآخرة بل وإلى كل علم وصناعة # ورئاسة بحيث يكون رأسا في ذلك مقتدى به فيه يحتاج إن يكون شجاعا مقداما ~~حاكما على وهمه غير مقهور تحت سلطان تخيله زاهدا في كل ما سوى مطلوبه عاشقا ~~لما توجه إليه عارفا بطريق الوصول إليه والطرق القواطع عنه مقدام الهمة ~~ثابت الجأش لا يثنيه عن مطلوبه لوم لأثم ولا عذل عاذل كثير السكون دائم ~~الفكر غير مائل مع لذة المدح ولا ألم الذم قائما بما يحتاج إليه من أسباب ~~معونته لا تستفزه المعارضات شعاره الصبر وراحته التعب محبا لمكارم الأخلاق ~~حافظا لوقته لا يخالط الناس إلا على حذر كالطائر الذي يلتقط الحب بينهم ~~قائما على نفسه بالرغبة والرهبة طامعا في نتائج الاختصاص على بني جنسه غير ~~مرسل شيئا من حواسه عبثا ولا مسرحا PageV01P191 خواطره في مراتب الكون ~~وملاك ذلك هجر العوائد وقطع العلائق الحائلة بينك وبين المطلوب وعند العوام ~~أن لزوم الأدب مع الحجاب خير من اطراح الأدب مع الكشف # | فائدة من الذاكرين من يبتديء بذكر اللسان وان كان على غفلة ثم لا # يزال فيه حتى يحضر قلبه فيتواطئا على الذكر ومنهم من لا يرى ذلك ولا ~~يبتدىء على غفلة بل يسكن حتى يحضر قلبه فيشرع في الذكر بقلبه فإذا قوى ~~استتبع لسانه فتواطئا جميعا فالأول ينتقل الذكر من لسانه إلى قلبه والثاني ~~ينتقل من قلبه إلى لسانه من غير أن يخلو قلبه منه بل يسكن أولا حتى يحس ~~بظهور الناطق فيه ms166 فإذا أحس بذلك نطق قلبه ثم انتقل النطق القلبي إلى الذكر ~~اللساني ثم يستغرق في ذلك حتى يجد كل شيء منه ذاكرا وأفضل الذكر وأنفعه ما ~~واطأ فيه القلب اللسان وكان من الأذكار النبوية وشهد الذاكر معانيه ومقاصده # | فصل أنفع الناس لك رجل مكنك من نفسه حتى تزرع فيه خيرا أو # تصنع إليه معروفا فأنه نعم العون لك على منفعتك وكمالك فانتفاعك به في ~~الحقيقة مثل انتفاعه بك أو أكثر وأضر الناس عليك من مكن نفسه منك حتى تعصي ~~الله فيه فإنه عون لك على مضرتك ونقصك # | فصل اللذة المحرمة ممزوجة بالقبح حال تناولها مثمرة للألم بعد # انقضائها فإذا اشتدت الداعية منك إليها ففكر في انقطاعها وبقاء قبحها ~~وألمها ثم وازن بين الأمرين PageV01P192 وانظر ما بينهما من التفاوت والتعب ~~بالطاعة ممزوج بالحسن مثمر للذة والراحة فإذا ثقلت على النفس ففكر في ~~انقطاع تعبها وبقاء حسنها ولذتها وسرورها ووازن بين الأمرين وآثر الراجح ~~على المرجوح فإن تألمت بالسبب فانظر إلى ما في المسبب من الفرحة والسرور ~~واللذة يهن عليك مقاساته وإن تألمت بترك اللذة المحرمة فانظر إلى الألم ~~الذي يعقبه ووازن بين الألمين وخاصية العقل تحصيل أعظم المنفعتين بتفويت ~~أدناهما واحتمال أصغر الألمين لدفع أعلاهما # وهذا يحتاج إلى علم بالأسباب ومقتضياتها وإلى عقل يختار به الأولى وإلا ~~نفع به له منها فمن وفر قسمه من العقل والعلم واختار الأفضل وآثره ومن نقص ~~حظه منهما أو من أحدهما اختار خلافه ومن فكر في الدنيا والآخرة علم أنه لا ~~ينال واحدا منهما إلا بمشقة فليتحمل المشقة لخيرهما وأبقاهما # | فصل لله على العبد في كل عضو من أعضائه أمر وله عليه فيه # نهي وله فيه نعمة وله به منفعة ولذة فإن قام لله في ذلك العضو بأمره ~~واجتنب فيه نهيه فقد أدى شكر نعمته عليه فيه وسعى في تكميل انتفاعه ولذته ~~به وان عطل أمر الله ونهيه فيه عطله الله من انتفاعه بذلك العضو وجعله من ~~أكبر أسباب ألمه ومضرته وله عليه في كل ms167 وقت من أوقاته عبودية تقدمه إليه ~~تقربه منه فإن شغل وقته بعبودية الوقت تقدم إلى ربه وان شغله بهوى أرواحه ~~وبطالة تأخر فالعبد لا يزال في التقدم أو تأخر ولا وقوف في الطريق البتة ~~قال تعالى لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر # | فصل أقام الله سبحانه هذا الخلق بين الأمر والنهي والعطاء والمنع # فافترقوا فرقتين فرقة قابلت أمره بالترك ونهيه بالارتكاب وعطاءه بالغفلة ~~عن الشكر ومنعه PageV01P193 بالسخط وهؤلاء أعداؤه وفيهم من العداوة بحسب ما ~~فيهم من ذلك وقسم قالوا إنما نحن عبيدك فإن أمرتنا سارعنا إلى الإجابة وان ~~نهيتنا أمسكنا نفوسنا وكففناها عما نهيتنا عنه وان أعطيتنا حمدناك وشكرناك ~~وان منعتنا تضر إليك وذكرناك فليس بين هؤلاء وبين الجنة إلا ستر الحياة ~~الدنيا فإذا مزقه عليهم الموت صاروا إلى النعيم المقيم وقرة الأعين كما أن ~~أولئك ليس بينهم وبين النار إلا ستر الحياة فإذا مزقه الموت صاروا إلى ~~الحسرة والألم # فإذا تصادمت جيوش الدنيا والآخرة في قلبك وأردت أن تعلم من أي الفريقين ~~أنت فانظر مع من تميل منهما ومع من تقاتل إذ لا يمكنك الوقوف بين الجيشين ~~فأنت مع أحدهما لا محالة فالفريق الأول استغشوا الهوى فخالفوه واستنصحوا ~~العقل فشاوروه وفرغوا قلوبهم للفكر فيما خلقوا له وجوارحهم للعمل بما أمروا ~~به وأوقاتهم لعمارتها بما يعمر منازلهم في الآخرة واستظهروا على سرعة الأجل ~~بالمبادرة إلى الأعمال وسكنوا الدنيا وقلوبهم مسافرة عنها واستوطنوا الآخرة ~~قبل انتقالهم إليها واهتموا بالله وطاعنه على قدر حاجتهم إليها وتزودوا ~~للآخرة على قدر مقامهم فيها فعجل لهم سبحانه من نعيم الجنة وروحها أن آنسهم ~~بنفسه وأقبل بقلوبهم إليه وجمعها على محبته وشوقهم إلى لقائه ونعمهم بقربه ~~وفرغ قلوبهم مما ملأ قلوب غيرهم من محبة الدنيا والهم والحزن على فوتها ~~والغم من خوف ذهابها فاستلانوا ما استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه ~~الجاهلون صحبوا الدنيا بأبدانهم والملأ الأعلى بأرواحهم # | فصل التوحيد أصلف شيء وأنزهه وأنظفه وأصفاه فأدنى شيء يخدشه ويدنسه # ويؤثر فيه فهو كأبيض ثوب يكون ms168 يؤثر فيه أدنى أثر وكالمرآة الصافية جدا ~~أدنى شيء يؤثر فيها ولهذا تشوشه اللحظة واللفظة والشهوة الخفية فإن بادر ~~صاحبه PageV01P194 وقلع ذلك الأثر بضده وإلا استحكم وصار طبعا يتعسر عليه ~~قلعه # وهذه الآثار والطبوع التي تحصل فيه منها ما يكون سريع الحصول سريع الزوال ~~ومنها ما يكون سريع الحصول بطيء الزوال ومنها ما يكون بطيء الحصول سريع ~~الزوال ومنها ما يكون بطيء الحصول بطيء الزوال ولكن من الناس من يكون ~~توحيده كبيرا عظيما ينغمر فيه كثير من تلك الآثار ويستحيل فيه بمنزلة الماء ~~الكثير الذي يخالطه أدنى نجاسة أو وسخ فيغتر به صاحب التوحيد الذي هو دونه ~~فيخلط توحيده الضعيف بما خلط به صاحب التوحيد العظيم الكثير توحيده فيظهر ~~تأثيره فيه ما لم يظهر في التوحيد الكثير وأيضا فإن المحل الصافي جدا يظهر ~~لصاحبه مما يدنسه مالا يظهر في المحل الذي لم يبلغ في الصفاء مبلغه ~~فيتداركه بالإزالة دون هذا فإنه لا يشعر به وأيضا فإن قوة الإيمان والتوحيد ~~إذا كانت قوية جدا أحالت المواد الرديئة وقهرتها بخلاف القوة الضعيفة وأيضا ~~فإن صاحب المحاسن الكثيرة والغامرة للسيئات ليسامح بما لا يسامح به من أتى ~~مثل تلك السيئات وليست له مثل تلك المحاسن كما قيل # وإذا الحبيب أتى بذنب واحد % جاءت محاسنه بألف شفيع # وأيضا فإن صدق الطلب وقوة الإرادة وكمال الانقياد يحيل تلك العوارض ~~والغواشي الغريبة إلى مقتضاه وموجبه كما أن الكذب وفساد القصد وضعف ~~الانقياد يحيل الأقوال والأفعال الممدوحة إلى مقتضاه وموجبه كما يشاهد ذلك ~~في الإخلاط الغالبة وإحالتها لصالح الأغذية إلى طبعها # | فائدة ترك الشهوات لله وإن أنجى من عذاب الله وأوجب الفوز برحمته # فذخائر الله وكنوز البر ولذة الأنس والشوق إليه والفرح والابتهاج به لا ~~يحصل في قلب فيه غيره وإن كان من أهل العبادة والزهد والعلم فإن سبحانه أبى ~~أن يجعل PageV01P195 ذخائره في قلب فيه سواه وهمته ومتعلقة بغيره وإنما ~~يودع ذخائره في قلب يرى الفقر غنى مع الله والغنى فقرا دون الله والعز ذلا ~~دونه ms169 والذل عزا ومعه والنعيم عذابا دونه والعذاب نعيما معه وبالجملة فلا ~~يرى الحياة إلا به ومع الموت والألم والهم والغم والحزن إذا لم يكن معه ~~فهذا له جنتان جنة في الدنيا معجلة وجنة يوم القيامة # | فائدة الإنابة هي عكوف القلب على الله عز وجل كاعتكاف البدن في المسجد # لا يفارقه وحقيقة ذلك عكوف القلب على محبته وذكره بالإجلال والتعظيم ~~وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له والمتابعة لرسوله ومن لم يعكف قلبه ~~على الله وحده عكف على التماثيل المتنوعة كما قال إمام الخنفاء لقومه ما ~~هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون فاقتسم هو وقومه حقيقة العكوف فكان حظ ~~قومه العكوف على التماثيل وكان حظه العكوف على الرب الجليل والتماثيل جمع ~~تمثال وهو الصور الممثلة فتعلق القلب بغير الله واشتغاله به والركون إليه ~~عكوف منه على التماثيل التي قامت بقلبه وهو نظير العكوف على تماثيل الأصنام ~~ولهذا كان شرك عباد الأصنام بالعكوف بقلوبهم وهممهم وإرادتهم على تماثيلهم ~~فإذا كان في القلب تماثيل قد ملكته واستعبدته بحيث يكون عاكفا عليها فهو ~~نظير عكوف الأصنام عليها ولهذا سماه النبي عبدا لها ودعا عليه بالتعس ~~والنكس فقال تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش # الناس في هذه الدار على جناح سفر كلهم وكل مسافر فهو ظاعن إلى مقصده ~~ونازل على من يسر بالنزول عليه وطالب الله والدار الآخرة إنما هو ظاعن إلى ~~الله في حال سفره ونازل عليه عند القدوم عليه فهذه همته في سفره وفي ~~PageV01P196 انقضائه يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ~~فادخلي في عبادي وادخلي جنتي @QB@ وقالت امرأة فرعون @QE@ رب ابن لي عندك ~~بيتا في الجنة فطلبت كون البيت عنده قبل طلبها أن يكون في الجنة فإن الجار ~~قبل الدار من كلام الشيخ على # قيل لي في نوم كاليقظة أو يقظة كالنوم لا تبد فاقة إلى غيري فأضاعفها ~~عليك مكافأة لخروجك عن حدك في عبوديتك ابتليتك بالفقر لتصير ذهبا خالصا فلا ~~تزيفن بعد السبك حكمت ms170 بالفقر ولنفسي بالغنى فان وصلتها بي وصلتك بالغنى وان ~~وصلتها بغيري حسمت عنك مواد معونتي طردا لك عن بابي لا تركن إلى شيء دوننا ~~فإنه وبال عليك وقاتل لك إن ركنت إلى العمل رددناه عليك وإن ركنت إلى ~~المعرفة نكرناها عليك وإن ركنت إلى الوجد استدرجناك فيه وان ركنت إلى العلم ~~أو قفناك معه وان ركنت إلى المخلوقين وكلناك إليهم ارضنا لك ربا نرضاك لنا ~~عبدا # | فائدة الشهقة التي تعرض عند سماع القرآن أو غيره لها أسباب أحدها يلوح # له عند سماع درجة ليست له فيرتاح إليها فتحدث له الشهقة فهذه شهقة شوق ~~وثانيها أن يلوح له ذنب ارتكبه فيشهق خوفا وحزنا على نفسه وهذه شهقة خشية ~~وثالثها أن يلوح له نقص فيه لا يقدر على دفعه فيحدث له ذلك حزنا فيشهق شهقة ~~حزن ورابعها أن يلوح له كمال محبوبه ويرى الطريق إليه مسدودة عنه فيحدث ذلك ~~شهقة أسف وحزن وخامسها أن يكون قد توارى عنه محبوبه واشتغل بغيره فذكره ~~السماع محبوبه فلاح له جماله ورأى الباب مفتوحا والطريق ظاهرة فشهق فرحا ~~وسرورا بما لاح وبكل حال فسبب الشهقة قوة الوارد وضعف PageV01P197 المحل عن ~~الاحتمال والقوة أن يعمل ذلك الوارد عمله داخلا ولا يظهر عليه وذلك أقوى له ~~وأدوم فإنه إذا أظهره ضعف أثره وأوشك انقطاعه هذا حكم الشهقة من الصادق فإن ~~الشاهق إما صادق وإما سارق وإما منافق # | قاعدة جليلة أصل الخير والشر من قبل التفكر فإن الفكر مبدأ الإرادة # والطلب في الزهد والترك والحب والبغض وانفع الفكر الفكر في مصالح المعاد ~~وفي طرق اجتلابها وفي دفع مفاسد المعاد وفي طرق اجتنابها فهذه أربعة أفكار ~~هي أجل الأفكار ويليها أربعة فكر في مصالح الدنيا وطرق تحصيلها وفكر في ~~مفاسد الدنيا وطرق الاحتراز منها فعلى هذه الأقسام الثمانية دارت أفكار ~~العقلاء ورأس القسم الأول الفكر في آلاء الله ونعمه وأمره ونهيه وطرق العلم ~~به وبأسمائه وصفاته من كتابه وسنة نبيه وما ولاهما وهذا الفكر يثمر لصاحبه ~~المحبة والمعرفة فإذا فكر ms171 في الآخرة وشرفها ودوامها وفي الدنيا وخستها ~~وفنائها أثمر له ذلك الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا وكلما فكر في قصر ~~الأمل وضيق الوقت أورثه ذلك الجد والاجتهاد وبذل الوسع في اغتنام الوقت ~~وهذه الأفكار تعلى همته وتحييها بعد موتها وسفولها وتجعله في واد والناس في ~~واد وبازاء هذه الأفكار الأفكار الرديئة التي تجول في قلوب أكثر هذا الخلق ~~كالفكر فيما لم يكلف الفكر فيه ولا أعطى الإحاطة به من فضول العلم الذي لا ~~ينفع كالفكر في كيفية ذات الرب وصفاته مما لا سبيل للعقول إلى إدراكه ومنها ~~الفكر في الصناعات الدقيقة التي لا تنفع بل تضر كالفكر في الشطرنج ~~والموسيقى وأنواع الأشكال والتصاوير ومنها الفكر في العلوم التي لو كانت ~~صحيحة لم يعط الفكر فيها النفس كمالا ولا شرفا كالفكر في دقائق المنطق ~~والعلم الرياضي والطبيعي واكثر علوم الفلاسفة التي لو بلغ الإنسان غايتها ~~لم يكمل بذلك ولم يزك نفسه ومنها الفكر في الشهوات PageV01P198 واللذات ~~وطرق تحصيلها وهذا وإن كان لنفس فيه لذة لكن لا عاقبة له ومضرته في عاقبة ~~الدنيا قبل الآخرة أضعاف مسرته ومنها الفكر فيما لم يكن لو كان كيف كان ~~يكون كالفكر فيما إذا صار ملكا أو وجد كنزا أو ملك ضيعة ماذا يصنع وكيف ~~يتصرف ويأخذ ويعطي وينتقم ونحو ذلك من أفكار السفل ومنها الفكر في جزيئات ~~أحوال الناس وما جراياتهم ومداخلهم ومخارجهم وتوابع ذلك من فكر النفوس ~~المبطلة الفارغة من الله ورسوله والدار الآخرة ومنها الفكر في دقائق الحيل ~~والمكر التي يتوصل بها إلى أغراضه وهواه مباحة كانت أو محرمة ومنها الفكر ~~في أنواع الشعر وصروفه وأفانينه في المدح والهجاء والغزل والمراثي ونحوها ~~فإنه يشغل الإنسان عن الفكر فيما فيه سعادته وحياته الدائمة ومنها الفكر في ~~المقدرات الذهنية التي لا وجود لها في الخارج ولا بالناس حاجة إليها البتة ~~وذلك موجود في كل علم حتى في علم الفقه والأصول والطب فكل هذه الأفكار ~~مضرتها أرجح من منفعتها ويكتفي في مضرتها شغلها عن الفكر ms172 فيما هو أولى به ~~وأعود عليه بالنفع عاجلا وآجلا # | قاعدة الطلب لقاح الإيمان فإذا اجتمع الإيمان والطلب أثمر العمل # الصالح وحسن الظن بالله لقاح الافتقار والاضطرار إليه فإذا اجتمعا أثمر ~~إجابة الدعاء والخشية لقاح المحبة فإذا اجتمعا أثمر امتثال الأوامر وأجتناب ~~والنواهي والصبر لقاح اليقين فإذا اجتمعا أورثا الإمامة في الدين قال تعالى ~~وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون وصحة ~~الاقتداء بالرسول لقاح الإخلاص فإذا اجتمعا أثمر قبول العمل والاعتداد به ~~والعمل لقاح العلم فإذا اجتمعا كان الفلاح والسعادة وإن انفرد أحدهما عن ~~الآخر لم يفد شيئا والحلم لقاح العلم فإذا اجتمعا حصلت سيادة الدنيا ~~والآخرة وحصل الانتفاع بعلم العالم وإن انفرد PageV01P199 أحدهما عن صاحبه ~~فات النفع والانتفاع والعزيمة لقاح البصيرة فإذا اجتمعا نال صاحبهما خير ~~الدنيا والآخرة وبلغت به همته من العلياء كل مكان فتخلف الكمالات إما من ~~عدم البصيرة وإما من عدم العزيمة وحسن القصد لقاح لصحة الذهن فإذا فقدا ~~فقدا الخير كله وإذا اجتمعا أثمرا أنواع الخيرات وصحة الرأي لقاح الشجاعة ~~فإذا اجتمعا كان النصر والظفر وإن قعدا فالخذلان والخيبة وإن وجد الرأي بلا ~~شجاعة فالجبن والعجز وإن حصلت الشجاعة بلا رأي فالتهور والعطب والصبر لقاح ~~البصيرة فإذا اجتمعا فالخير في اجتماعهما قال الحسن إذا شئت أن ترى بصير ~~إلا صبر له رأيته وإذا شئت أن ترى صابرا إلا بصيرة له رأيته فإذا رأيت ~~صابرا بصيرا فذاك والنصيحة لقاح العقل فكلما قويت النصيحه قوى العقل ~~واستنار والتذكر والتفكر كل منهما لقاح الآخر إذا اجتمعا انتجا الزهد في ~~الدنيا والرغبة في الآخرة والتقوى لقاح التوكل فإذا اجتمعا استقام القلب ~~ولقاح أخذ أهبة الاستعداد للقاء قصر الأمل فإذا اجتمعا فالخير كله في ~~اجتماعهما والشر في فرقتهما ولقاح الهمة العالية النية الصحيحة فإذا اجتمعا ~~بلغ العبد غاية المراد # | قاعدة للعبد بين يدي الله موقفان موقف بين يديه في الصلاة وموقف بين # يديه يوم لقائه فمن قام بحق الموقف الأول هون عليه الموقف الآخر ومن ~~استهان بهذا ms173 الموقف ولم يوفه حقه شدد عليه ذلك الموقف قال تعالى ومن الليل ~~فاسجد له وسبحه ليلا طويلا إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ~~ثقيلا # | قاعدة اللذة من حيث هي مطلوبة للإنسان بل ولكل حي فلا تذم من # جهة كونها لذة وإنما تذم ويكون تركها خيرا من نيلها وانفع إذا تضمنت فوات ~~لذة PageV01P200 أعظم منها وأكمل أو أعقبت ألما حصوله اعظم من ألم فواتها ~~فههنا يظهر الفرق بين العاقل الفطن والأحمق الجاهل ضمن عرف العقل بين فمتى ~~علاف التفاوت بين اللذتين والألمين وأنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر هان ~~عليه ترك أدنى اللذتين لتحصيل أعلاهما واحتمال أيسر الألمين لدفع أعلاهما ~~وإذا تقررت هذه القاعدة فلذة الآخرة أعظم وأدوم ولذة الدنيا أصغر واقصر ~~وكذلك ألم الآخرة وألم الدنيا والمعول في ذلك على الإيمان واليقين فإذا قوى ~~اليقين وباشر القلب آثر الأعلى على الأدنى في جانب اللذة واحتمل الألم ~~الأسهل على الأصعب والله المستعان # | فائدة قوله تعالى وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين # جمع في هذا الدعاء بين حقيقة التوحيد وإظهار الفقر والفاقة إلى ربه ووجود ~~طعم المحبة في المتملق له والإقرار له بصفة الرحمة وإنه أرحم الراحمين ~~والتوسل إليه بصفاته سبحانه وشدة حاجته وهو فقره ومتى وجد المبتلى هذا كشف ~~عنه بلواه وقد جرب أنه من قالها سبع مرات ولا سيما مع هذه المعرفة كشف الله ~~ضره # | فائدة قوله تعالى عن يوسف نبيه أنه قال # أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما والحقني بالصالحين جمعت هذه ~~الدعوة الإقرار بالتوحيد والاستلام للرب وإظهار الافتقار إليه والبراءة من ~~موالاة غيره سبحانه وكون الوفاة على الإسلام اجل غايات العبد وان ذلك بيد ~~الله لا بيد العبد والاعتراف بالمعاد وطلب مرافقة السعداء PageV01P201 # | فائدة قول الله تعالى # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه متضمن لكنز من الكنوز وهو أن يطلب كل شيء لا ~~يطلب إلا ممن عنده خزائنه ومفاتيح تلك الخزائن بيديه وأن طلبه من غيره طلب ~~ممن ليس عنده ولا يقدر ms174 عليه وقوله وإن إلى ربك المنتهى متضمن لكنز عظيم وهو ~~أن كل مراد إن لم يرد لأجله ويتصل به وإلا فهو مضمحل منقطع فإنه ليس إليه ~~المنتهى وليس المنتهى إلا إلى الذي انتهت إليه الأمور كلها فانتهت إلى خلقه ~~ومشيئته وحكمته وعلمه فهو غاية كل مطلوب وكل محبوب لا يحب لأجله فمحبته ~~عناء وعذاب وكل عمل لا يراد لأجله فهو ضائع وباطل وكل قلب لا يصل إليه فهو ~~شقي محجوب عن سعادته وفلاحه فاجتمع ما يراد منه كله في قوله وإن من شيء إلا ~~عندنا خزائنه واجتمع ما يراد له كله في قوله وان إلى ربك المنتهى فليس ~~وراءه سبحانه غاية تطلب وليس دونه غاية إليها المنتهى # وتحت هذا سر عظيم من أسرار التوحيد وهو أن القلب لا يستقر ولا يطمئن ~~ويسكن إلا بالوصول إليه وكل ما سواه مما يحب ويراد فمراد لغيره وليس المراد ~~المحبوب لذاته إلا واحد إليه المنتهى ويستحيل أن يكون المنتهى إلى اثنين ~~كما يستحيل أن يكون ابتداء المخلوقات من اثنين فمن كان انتهاء محبته ورغبته ~~وإرادته وطاعته إلى غيره بطل عليه ذلك وزال عنه وفارقه أحوج ما كان إليه ~~ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفر بنعمه ولذته ~~وبهجته وسعادته أبد الآباد # العبد دائما متقلب بين أحكام الأوامر وأحكام النوازل فهو محتاج بل مضطر ~~إلى العون عند الأوامر وإلى اللطف عند النوازل وعلى قدر قيامه بالأوامر ~~يحصل له من اللطف عند النوازل فإن كمل القيام بالأوامر ظاهرا وباطنا ناله ~~اللطف PageV01P202 ظاهرا وباطنا وإن قام بصورها دون حقائقها وبواطنها ناله ~~اللطف في الظاهر وقل نصيبه من اللطف في الباطن فإن قلت وما اللطف الباطن ~~فهو ما يحصل للقلب عند النوازل من السكينة والطمأنينة وزوال القلق ~~والاضطراب والجزع فيستخذى بين يدي سيده ذليلا له مستكينا ناظرا إليه بقلبه ~~ساكنا إليه بروحه وسره قد شغله مشاهدة لطفه به عن شدة ما هو فيه من الألم ~~وقد غيبه عن شهود ذلك معرفته بحسن اختياره له وأنه ms175 عبد محض يجري عليه سيده ~~أحكامه رضى أو سخط فإن رضى نال الرضا وإن سخط فحظه السخط فهذا اللطف الباطن ~~ثمرة تلك المعاملة الباطنة يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها # | فائدة جليلة لا يزال منقطعا عن الله حتى تتصل إرادته ومحبته بوجه # الأعلى والمراد بهذا الاتصال أن تفضي المحبة إليه وتتعلق به وحده فلا ~~يحجبها شيء دونه وأن تتصل المعرفة بأسمائه وصفاته وأفعاله فلا يطمس نورها ~~ظلمة التعطيل كما لا يطمس نور المحبة ظلمة الشرك وأن يتصل ذكره به سبحانه ~~فيزول بين الذاكر والمذكور حجاب الغفلة والتفاته في حال الذكر إلى غير ~~مذكوره فحينئذ يتصل الذكر به ويتصل العمل بأوامره ونواهيه فيفعل الطاعة لا ~~أنه أمر بها وأحبها ويترك المناهي لكونه نهى عنها وابغضها فهذا معنى اتصال ~~العمل بأمره ونهيه وحقيقة زوال العلل الباعثة على الفعل والترك من الأغراض ~~والحظوظ العاجلة ويتصل التوكل والحب به بحيث يصير واثقا به سبحانه مطمئنا ~~إليه راضيا بحسن تدبيره له غير متهم له في حال من الأحوال ويتصل فقره ~~وفاقته به سبحانه دون سواه ويتصل خوفه ورجاؤه وفرحه وسروره وابتهاجه به ~~وحده فلا يخاف غيره ولا يرجوه ولا يفرح به كل الفرح ولا يسر به غاية السرور ~~وإن ناله بالمخلوق بعض الفرح والسرور فليس الفرح التام والسرور الكامل ~~والابتهاج والنعيم وقرة العين وسكون PageV01P203 القلب إلا به سبحانه وما ~~سواه إن أعان على هذا المطلوب فرح به وسر به وإن حجب عنه فهو بالحزن به ~~والوحشة منه واضطراب القلب بحصوله أحق منه بأن يفرح به فلا فرحة ولا سرور ~~إلا به أو بما أوصل إليه وأعان على مرضاته وقد أخبر سبحانه أنه لا يحب ~~الفرحين بالدنيا وزينتها وأمر بالفرح بفضله ورحمته وهو الإسلام والإيمان ~~والقرآن كما فسره الصحابة والتابعون والمقصود أن من اتصلت له هذه الأمور ~~بالله سبحانه فقد وصل وإلا فهو مقطوع عن ربه متصل بحظه ونفسه ملبس عليه في ~~معرفته وإرادته وسلوكه # | قاعدة جليلة قد فكرت في هذا الأمر فإذا أصله أن تعلم أن النعم ms176 # كلها من الله وحده نعم الطاعات ونعم اللذات فترغب إليه أن يلهمك ويوزعك ~~شكرها قال تعالى وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ~~@QB@ وقال @QE@ فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون @QB@ وقال @QE@ واشكروا ~~نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون وكما أن تلك النعم منه ومن ومجرد فضله ~~فذكرها وشكرها لا ينال إلا بتوفيقه والذنوب من خذلانه وتخليه عن عبده ~~وتخليته بينه وبين نفسه وإن لم يكشف ذلك عن عبده فلا سبيل له إلى كشفه عن ~~نفسه فإذا هو مضطر إلى التضرع والابتهال إليه أن تدفع عنه أسبابها حتى لا ~~تصدر منه وإذا وقعت بحكم المقادير ومقتضى البشرية فهو مضطر إلى التضرع ~~والدعاء أن يدفع عنه موجباتها وعقوباتها فلا ينفك عن العبد عن ضرورته إلى ~~هذه الأصول الثلاثة ولا فلاح له إلا بها الشكر وطلب العافية والتوبة النصوح # ثم فكرت فإذا مدار ذلك على الرغبة والرهبة وليسا بيد العبد بل بيد مقلب ~~القلوب ومصرفها كيف يشاء فإن وفق عبده اقبل بقلبه إليه وملأه رغبة ورهبة ~~وأن خذله له تركه ونفسه ولم يأخذ بقلبه إليه ولم يسأله ذلك وما شاء الله ~~كان وما لم يشاء لم يكن PageV01P204 # ثم فكرت هل للتوفيق والخذلان سبب أم هما بمجرد المشية لا سبب لهما فإذا ~~سببهما أهلية المحل وعدمها فهو سبحانه خالق المحال متفاوتة في الاستعداد ~~والقبول أعظم تفاوت فالجمادات لا تقبل ما يقبله الحيوان وكذلك النوعان كل ~~منهما متفاوت في القبول فالحيوان الناطق يقبل ما لا يقبله البهيم وهو ~~متفاوت في القبول أعظم تفاوت وكذلك الحيوان البهيم متفاوت في القبول لكن ~~ليس بين النوع الواحد م ن التفاوت كما بين النوع الإنساني فإذا كان المحل ~~قابلا للنعمة بحيث يعرفها ويعرف قدرها وخطرها ويشكر المنعم بها ويثني عليه ~~بها ويعظمه عليها ويعلم أنها من محض الجود وعين المنة من غير أن يكون هو ~~مستحقا لها ولا هي له ولا به وإنما هي لله وحده وبه وحده فوحده بنعمته ~~إخلاصا وصرفها في محبته شكرا ms177 وشهدها من محض جوده منه وعرف قصوره وتقصيره في ~~شكرها عجز أو ضعفا وتفريطا وعلم أنه أن أدامها عليه فذلك محض صدقته وفضله ~~وإحسانه وإن سلبه إياها فهو أهل لذلك مستحق له وكلما زاده من نعمه ازداد ~~زلالة وانكسارا وخضوعا بين يديه وقياما بشكره وخشيته له سبحانه أن يسلبه ~~إياها لعدم توفيته شكرها كما سلب نعمته عمن لم يعرفها ولم يرعها حق رعايتها ~~فإن لم يشكر نعمته وقابلها بضد ما يلق أن يقابل به سلبه إياها ولا بد قال ~~تعالى وكذلك فتنا بعضهم ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين وهم الذين عرفوا قدر النعمة وقبلوها وأحبوها وأثنوا على ~~المنعم بها وأحبوه وقاموا بشكره وقال تعالى وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن ~~حتى نؤتي مثل ما أوتى رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالاته # | فصل وسبب الخذلان عدم صلاحية المحل وأهليته وقبوله للنعمة بحيث لو # وافته النعم لقال هذا لي وإنما أوتيته لأني أهله ومستحقه كما قال تعالى ~~قال إنما أوتيته على علم عندي أي على علم علمه عندي استحق به ذلك وأستوجبه ~~واستأهله قال PageV01P205 الفراء أي على فضل عندي إني كنت أهله ومستحقا له ~~إذ أعطيته وقال مقاتل يقول على خير علمه الله عندي وذكر عبد الله بن الحارث ~~بن نوفل سليمان بن داود فيما أوتي من الملك ثم قرأ قوله تعالى هذا من فضل ~~ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ولم يقل هذا من كرامتي ثم ذكر قارون وقوله إنما ~~أوتيته على علم عندي يعني أن سليمان رأى ما أوتيته من فضل الله عليه ومنته ~~وأنه ابتلى به شكره وقارون رأى ذلك من نفسه واستحقاقه وكذلك قوله سبحانه ~~ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي أي أنا أهله وحقيق به ~~فاختصاصي به كاختصاص المالك بملكه والمؤمن يري ذلك ملكا لربه وفضلا منه من ~~به على عبده من غير استحقاق منه بل صدقة تصدق بها على عبده وله أن لا يتصدق ~~بها ms178 فلو منعه إياها لم يكن قد منعه شيئا هو له يستحقه عليه فإذا لم يشهد ~~ذلك رأي فيه أهلا ومستحقا فأعجبه نفسه وطغت بالنعمة وعلت بها واستطالت على ~~غيرها فكان حظها منها الفرح والفخر كما قال تعالى ولئن أذقنا الإنسان منا ~~رحمة ثم نزعتاها منه إنه ليؤس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ~~ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور فذمه باليأس والكفر عند الامتحان بالبلاء ~~وبالفرح والفخر عند الابتلاء بالنعماء واستبدل بحمد الله وشكره والثناء ~~عليه إذ كشف عنه البلاء قوله ذهب السيئات عني لو أنه قال اذهب الله السيئات ~~عني برحمته ومنه لما ذم على ذلك بل كان محمودا عليه ولكنه غفل عن المنعم ~~بكشفها ونسب الذهاب إليها فرح وافتخر فإذا علم الله سبحانه هذا من قلب عبد ~~فذلك من أعظم أسباب خذلانه وتخليه عنه فإن محله لا تناسبه النعمة المطلقة ~~التامة كما قال تعالى إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ~~ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون فاخبر سبحانه ~~أن محلهم غير قابل لنعمته ومع عدم القبول ففيهم مانع آخر يمنع وصولها إليهم ~~وهو توليهم وإعراضهم إذا عرفوها وتحققوها PageV01P206 # ومما ينبغي أن يعلم أن أسباب الخذلان من بقاء النفس على ما خلقت عليه في ~~الأصل وإهمالها وتخليتها فأسباب الخذلان منها وفيها وأسباب التوفيق من جعل ~~الله سبحانه لها قابلة للنعمة فأسباب التوفيق منه ومن فضله وهو الخالق لهذه ~~وهذه كما خلق أجزاء الأرض هذه قابلة للنبات وهذه غير قابلة له وخلق الشجر ~~هذه تقبل الثمرة وهذه لا تقبلها وخلق النحلة قابلة لأن يخرج من بطونها شراب ~~مختلف ألوانه والزنبور غير قابل لذلك وخلق الأرواح الطيبة قابلة لذكره ~~وشكره وحجته وإجلاله وتعظيمه وتوحيده ونصيحة عباده وخلق الأرواح الخبيثة ~~غير قابلة لذلك بل لضده وهو الحكيم العليم قال شيخ الإسلام بحر العلوم مفتي ~~الفرق أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله # | فصل قال الله تعالى # ألم أحسب الناس أن يتركوا ms179 أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين ~~من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين أم حسب الذين يعملون ~~السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت ~~وهو السميع العليم ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم احسن الذي ~~كانوا يعملون ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك ~~به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعلمون والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لندخلنهم في الصالحين ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذى في ~~الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم ~~أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن ~~المنافقين وقال الله تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~PageV01P207 الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول ~~الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب وقال الله ~~تعالى لما ذكر المرتد والمكره بقوله من كفر بالله من بعد إيمانه قال بعد ~~ذلك ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من ~~بعدها لغفور رحيم فالناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين إما أن يقول أحدهم ~~آمنا وإما أن لا يقول آمنا بل يستمر على عمل السيئات فمن قال آمنا امتحنه ~~الرب عز وجل وابتلاه وألبسه الابتلاء والاختبار ليبين الصادق من الكاذب ومن ~~لم يقل آمنا فلا يحسب أنه يسبق الرب لتجربته فإن أحدا لن يعجز الله تعالى ~~هذه سنته تعالى يرسل الرسل إلى الخلق فيكذبهم الناس ويؤذنهم قال تعالى ~~وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن وقال تعالى كذلك ما أني الذين ~~من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون وقال تعالى ما يقال لك إلا ما قد ~~قيل للرسل من قبلك ومن آمن بالرسل وأطاعهم عادوه ms180 وآذوه فابتلى بما يؤلمه ~~وإن لم يؤمن بهم عوقب فحصل ما يؤلمه أعظم وأدوم فلا بد من حصول الألم لكل ~~نفس سواء آمنت أم كفرت لكن المؤمن يحصل له الألم في بد من الدنيا ابتداء ثم ~~تكون له العاقبة والآخرة والكافر تحصل له النعمة ابتداء ثم يصير في الألم ~~سال رجل الشافعي فقال يا أبا عبد الله أيما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلي ~~فقال الشافعي لا يمكن حتى يبتلي فإن الله ابتلي نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ~~ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فلما صبروا مكنهم فلا يظن أحد أنه ~~يخلص من الألم البتة وهذا اصل عظيم فينبغي للعاقل أن يعرفه وهذا يحصل لكل ~~أحد فإن الإنسان مدني بالطبع لا بد له من أن يعيش مع الناس والناس لهم ~~إرادات وتصورات يطلبون منه أن يوافقهم عليها وإن لم يوافقوهم آذوه وعذبوه ~~وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب تارة منهم وتاره من غيرهم ومن اختبر ~~أحواله وأحوال الناس وجد من هذا شيئا كثيرا كقوم يريدون الفواحش والظلم ~~PageV01P208 ولهم أقوال باطلة في الدين أو شرك فهم مرتكبون بعض ما ذكره ~~الله من المحرمات في قوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون وهم في مكان مشترك كدار جامعة أو خان أو ~~قيسرية أو مدرسة أو رباط أو قرية أو درب أو مدينة فيها غيرهم وهم لا ~~يتمكنون مما لا يريدون إلا بموافقة ألئك أو بسكوتهم عن الإنكار عليهم ~~فيطلبون من أولئك الموافقه أو السكوت فإن وافقوهم أو سكتوا سلموا من شرهم ~~في الابتلاء ثم قد يتسلطون هم أنفسهم على أولئك يهينونهم ويعاقبونهم أضعاف ~~ما كما أولئك يخافونه ابتداء كمن يطلب منه شهادة الزور أو الكلام في الدين ~~بالباطل إما في الخبر وإما في الأمر أو المعاونة على الفاحشة والظلم فإن لم ~~يجبهم آذوه وعادوه وإن أجابهم فهم أنفسهم يتسلطون ms181 عليه فيهينونه ويؤذونه ~~أضعاف ما كان يخافه وإلا عذب بغيرهم فالواجب ما في حديث عائشة الذي بعثت به ~~إلى معاوية ويروي موقوفا ومرفوعا من أرضي الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة ~~الناس وفي لفظ رضي الله عنه وأرضي عنه الناس ومن أرضي الناس بسخط الله لم ~~يغنوا عنه من الله شيئا وفي لفظ عاد حامده من الناس ذاما # وهذا يجري فيمن يعين الملوك والرؤساء على أغراضهم الفاسدة وفيمن يعين أهل ~~البدع المنتسبين إلى العلم والدين على بدعهم فمن هداه الله وأرشده امتنع من ~~فعل المحرم وصبر على أذاهم وعداوتهم ثم تكون العاقبة في الدنيا والآخرة كما ~~جرى للرسل واتباعهم مع من آذاهم وعاداهم مثل المهاجرين في هذه الأمة ومن ~~ابتلي من علمائها وعبادها وتجارها وولاتها وقد يجوز في بعض الأمور إظهار ~~الموافقة وإبطان المخالفة كالمكره على الكفر كما هو مبسوط في غير هذا ~~الموضع إذ المقصود هنا أنه لا بد من الابتلاء بما يؤذي الناس فلا خلاص لأحد ~~مما يؤذيه البتة ولهذا ذكر الله تعالى في غير موضع PageV01P209 انه لا بد ~~أن يبتلي الناس والابتلاء يكون بالسراء والضراء ولا بد أن يبتلى الإنسان ~~بما يسره وبما يسوؤه فهو محتاج إلى أن يكون صابرا شكورا قال تعالى إنا ~~جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم احسن عملا وقال تعالى وبلوناهم ~~بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون وقال تعالى فأما يأتينكم مني هدى فمن اتبع ~~هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى وقال تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم ويعلم الصابرين هذا في آل عمران وقد قال قبل ذلك في البقرة نزل ~~أكثرها قبل آل عمران أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا ~~من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه ~~متى نصر الله إلا إن نصر الله قريب وذلك أن النفس لا تزكو وتصلح حتى تمحص ~~بالبلاء كالذهب الذي ms182 لا يخلص جيده من رديئه حتى يفتن في كبر الامتحان إذ ~~كانت النفس جاهلة ظالمة وهي منشأ كل شر يحصل للعبد فلا يحصل له شر إلا منها ~~قال تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وقال ~~تعالى أو لما أصابتكم مصيبة من مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو ~~من عند أنفسكم @QB@ وقال @QE@ وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيدكم ويعفو ~~عن كثير وقال تعالى ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ومالهم من دونه من ~~وال وقد ذكر عقوبات الأمم من آدم إلى آخر وقت وفي كل ذلك يقول إنهم ظلموا ~~أنفسهم فهم الظالمون لا المظلومون وأول من اعترف بذلك أبواهم قالا ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وقال لإبليس ~~لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين وإبليس إنما اتبعه الغواة منهم كما ~~قال فبما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين وقال تعالى إن عبادي PageV01P210 ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك ~~من الغاوين والغي اتباع هوى النفس وما زال السلف معترفون بذلك كقول أبي بكر ~~وعمر وابن مسعود أقول فيها برأبي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ~~ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه وفي الحديث الإلهي حديث أبي ذر الذي ~~يرويه الرسول عن ربه عز وجل يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم ~~إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه وفي ~~الحديث الصحيح حديث سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا آله إلا ~~أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت ~~وأبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من ~~قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من ms183 يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنا ~~بها فمات من ليلته دخل الجنة وفي حديث أبي بكر الصديق من طريق أبي هريرة ~~وعبد الله بن عمرو أن رسول الله علمه ما يقوله إذا أصبح وإذا أمسى وإذا أخذ ~~مضجعه اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه ~~اشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وان أقترف ~~على نفسي سوأ أو أجرة إلى مسلم قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك ~~وكان النبي يقول في خطبته الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا ومن سيئات أعمالنا وقد قال النبي إني أخذ بحجركم عن النار وأنتم ~~تهافتون تهافت الفراش شبههم بالفراش لجهله وخفة حركته وهي صغيرة النفس ~~فإنها جاهلة سريعة الحركة وفي الحديث مثل القلب مثل ريشة ملقاة بأرض فلاة ~~وفي حديث آخر للقلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا ومعلوم سرعة ~~حركة الريشة والقدر مع الجهل ولهذا يقال لمن أطاع من يغويه أنه استخفه قال ~~عن فرعون إنه استخف قومه فأطاعوه وقال تعالى فاصبر إن وعد الله حق ولا ~~يستخفنك الذين لا يوقنون PageV01P211 فإن الخفيف لا يثبت بل يطيش وصاحب ~~اليقين ثابت يقال أيقن إذا كان مستقرا واليقين واستقرار لإيمان في القلب ~~علما وعملا فقد يكون علم العبد جيدا لكن نفسه لا تصبر عند المصائب بل تطيش ~~قال الحسن البصري إذا شئت أن ترى بصيرا لا صبر له رأيته وإذا شئت أن ترى ~~صابرا لا بصيرة له رأيته فإذا رأيت بصيرا صابرا فذاك قال تعالى وجعلنا منهم ~~أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ولهذا تشبه النفس ~~بالنار في سرعة حركتها وإفسادها وغضبها وشهوتها من النار والشيطان من النار ~~وفي السنن عن النبي أنه قال الغضب من الشيطان والشيطان من النار وإنما تطفأ ~~النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوظأ وفي الحديث الآخر الغضب جمرة توقد في ~~جوف ابن آدم ألا ترى إلى حمرة عينيه وانتفاخ ms184 أوداجه وهو غليان دم القلب ~~لطلب الانتقام وفي الحديث المتفق على صحته إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى ~~الدم وفي الصحيحين أن رجلين استبا عند النبي وقد اشتد غضب أحدهما فقال ~~النبي إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم وقد قال تعالى ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ~~وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم وقال تعالى ~~خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله إنه سميع عليم وقال تعالى ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما ~~يصفون وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون # تم الكتاب والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على رسولنا محمد النبي الأمي ~~وعلى آله وصحبه وتابعيه والمقتدين بآثارهم إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن ~~الحمد لله رب العالمين PageV01P212 ms185