######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0006832 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الفوائد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن القيم #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0006832 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-6832 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/6832 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1393 هـ - 1973 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الشيخ محي الدين السنة قامع البدعة أبو عبد الله الشهير بابن قيم ~~الجوزية رحمه الله ورضى عنه ### | قاعدة جليلة إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه # وألق سمعك واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه فانه خاطب ~~منه لك على لسان رسوله قال تعالى {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى ~~السمع وهو شهيد} وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفا على مؤثر مقتض ومحل ~~قابل وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه تضمنت الآية بيان ذلك ~~كله بأوجز لفظ وأبينه وأدله على المراد فقوله {إن في ذلك لذكرى} اشار إلى ~~ما تقدم من أول السورة الى ههنا وهذا هو المؤثر وقوله {لمن كان له قلب} ~~فهذا هو المحل القابل والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله كما قال ~~تعالى {إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا} أي حي القلب وقوله {أو ~~ألقى السمع} أي وجه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له وهذا شرط التأثر ~~بالكلام وقوله {وهو شهيد} أي شاهد القلب حاضر غير غائب قال ابن قتيبة استمع ~~كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم ليس بغافل ولا ساه وهو إشارة إلى المانع ~~من حصول التأثير وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له والنظر فيه ~~وتأمله فإذا حصل المؤثر وهو القرآن والمحل القابل وهو القلب الحي ووجد ~~الشرط وهو الإصغاء وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب ~~وانصرافه عنه إلى شيء آخر حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر # PageV01P003 # فإن قيل إذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه فما وجه دخول أداة أو في ~~قوله # {أو ألقى السمع} والموضع موضع واو الجمع لا موضع أو التي هي لأحد الشيئين ~~قيل هذا سؤال جيد والجواب عنه أن يقال خرج الكلام بأو باعتبار حال المخاطب ~~المدعو فإن من الناس من يكون حي القلب واعيه تام الفطرة فإذا فكر بقلبه ms001 ~~وجال بفكره دله قلبه وعقله على صحة القرآن وأنه الحق وشهد قلبه بما أخبر به ~~القرآن فكان ورود القرآن على قلبه نورا على نور الفطرة وهذا وصف الذين قيل ~~فيهم {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} وقال في حقهم ~~الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ~~الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ~~فهذا نور الفطرة على نور الوحي وهذا حال صاحب القلب الحي الواعي قال ابن ~~القيم وقد ذكرنا ما تضمنت هذه الآية من الأسرار والعبر في كتاب اجتماع ~~الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية فصاحب القلب يجمع بين قلبه وبين ~~معاني القرآن فيجدها كأنها قد كتبت فيه فهو يقرأها عن ظهر قلب ومن الناس من ~~لا يكون تام الاستعداد واعي القلب كامل الحياة فيحتاج إلى شاهد يميز له بين ~~الحق والباطل ولم تبلغ حياة قلبه ونوره وزكاء فطرته مبلغ صاحب القلب الحي ~~الواعي فطريق حصول هدايته أن يفرغ سمعه للكلام وقلبه لتأمله والتفكير فيه ~~وتعقل معانيه فيعلم حينئذ أنه الحق فالأول حال من رأى بعينه ما دعي إليه ~~وأخبر به والثاني حال من علم صدق المخبر وتيقنه وقال يكفيني خبره فهو في ~~مقام الإيمان والأول في مقام الإحسان هذا قد وصل إلى علم اليقين وترقى قلبه ~~منه إلى فنزلة عين اليقين وذاك معه التصديق الجازم الذي خرج به من الكفر ~~ودخل به في الإسلام فعين اليقين نوعان نوع في الدنيا ونوع في الآخرة ~~فالحاصل في الدنيا نسبته إلى القلب كنسبة الشاهد # PageV01P004 # إلى العين وما أخبرت به الرسل من الغيب يعاين في الآخرة بالأبصار وفي ~~لدنيا بالبصائر فهو عين يقين في المرتبتين ### | فصل وقد جمعت هذه السورة من أصول الإيمان ما يكفي ويشفي ويغني عن # كلام أهل الكلام ومعقول أهل المعقول فإنها تضمنت تقرير المبدأ والمعاد ~~والتوحيد والنبوة ms002 والإيمان بالملائكة وانقسام الناس إلى هالك شقي وفائز ~~سعيد وأوصاف هؤلاء وهؤلاء وتضمنت إثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عما يضاد ~~كمله من النقائص والعيوب وذكر فيها القيامتين الصغرى والكبرى والعالمين ~~الأكبر وهو عالم الآخرة والأصغر وهو عالم الدنيا وذكر فيها خلق الإنسان ~~ووفاته وإعادته وحاله عند وفاته ويوم معاده وإحاطته سبحانه به من كل وجه ~~حتى علمه بوساوس نفسه وإقامة الحفظة عليه يحصون عليه كل لفظة يتكلم بها ~~وأنه يوافيه يوم القيامة ومعه سائق يسوقه إليه وشاهد يشهد عليه فإذا أحضره ~~السائق قال {هذا ما لدي عتيد} أي هذا الذي أمرت بإحضاره قد أحضرته فيقال ~~عند إحضاره {ألقيا في جهنم كل كفار عنيد} كما يحضر الجاني إلى حضرة السلطان ~~فيقال هذا فلان قد أحضرته فيقول اذهبوا به إلى السجن وعاقبوه بما يستحقه # وتأمل كيف دلت السورة صريحا على أن الله سبحانه يعيد هذا الجسد بعينه ~~الذي أطاع وعصى فينعمه ويعذبه كما ينعم الروح التي آمنت بعينها ويعذب التي ~~كفرت بعينها لا أنه سبحانه يخلق روحا أخرى غير هذه فينعمها ويعذبها كما ~~قاله من لم يعرف المعاد الذي أخبرت به الرسل حيث زعم أن الله سبحانه يخلق ~~بدنا غير هذا البدن من كل وجه عليه يقع النعيم والعذاب والروح عنده عرض من ~~أعراض البدن فيخلق روحا غير هذه الروح وبدنا غير هذا البدن # PageV01P005 # وهذا غير ما اتفقت عليه الرسل ودل عليه القرآن والسنة وسائر كتب الله ~~تعالى وهذا في الحقيقة إنكار للمعاد وموافقة لقول من أنكره من المكذبين ~~فإنهم لم ينكروا قدرة الله على خلق أجسام أخر غير هذه الأجسام يعذبها ~~وينعمها كيف وهم يشهدون النوع الإنساني يخلق شيئا بعد شيء فكل وقت يخلق ~~الله سبحانه أجساما وأرواحا غير الأجسام التي فنيت فكيف يتعجبون من شيء ~~يشاهدونه عيانا وإنما تعجبوا من عودهم بأعيانهم بعد أن مزقهم البلى وصاروا ~~عظاما ورفاتا فتعجبوا أن يكونوا هم بأعيانهم مبعوثين للجزاء ولهذا {قالوا ~~أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون} وقالوا {ذلك رجع بعيد} ولو ms003 كان ~~الجزاء إنما هو لأجسام غير هذه ل يكن ذلك بعثا ولا رجعا بل يكون ابتداء ولم ~~يكن لقوله {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} كبير معنى فإنه سبحانه جعل هذا ~~جوابا لسؤال مقدر وهو أنه يميز تلك الأجزاء التي اختلطت بالأرض واستحالت ~~إلى العناصر بحيث لا تتميز فأخبر سبحانه أنه قد علم ما تنقصه الأرض من ~~لحومهم وعظامهم وأشعارهم وأنه كما هو عالم بتلك الأجزاء فهو قادر على ~~تحصيلها وجمعها بعد تفرقها وتأليفها خلقا جديدا وهو سبحانه يقرر المعاد ~~بذكر كمال علمه وكمال قدرته وكمال حكمته فإن شبه المنكرين له كلها تعود إلى ~~ثلاثة أنواع أحدها اختلاط أجزائهم بأجزاء الأرض على وجه لا يتميز ولا يحصل ~~معها تميز شخص عن شخص الثاني أن القدرة لا تتعلق بذلك الثالث أن ذلك أمر لا ~~فائدة فيه أو إنما الحكمة اقتضت دوام هذا النوع الإنساني شيئا بعد شيء هكذا ~~أبدا كلما مات جيل خلفه جيل آخر فأما أن يميت النوع الإنساني كله ثم يحيه ~~بعد ذلك فلا حكمة في ذلك فجاءت براهين المعاد في القرآن مبينة على ثلاثة ~~أصول أحدها تقرير كمال علم الرب سبحانه كما قال في جواب من قال من يحي ~~العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم وقال {وإن ~~الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل إن ربك هو الخلاق العليم} وقال {قد علمنا} # PageV01P006 # {ما تنقص الأرض منهم} والثاني تقرير كمال قدرته كقوله أو ليس الذي خلق ~~السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم وقوله {بلى قادرين على أن نسوي ~~بنانه} وقوله ذلك بأن الله هو الحق وانه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير ~~ويجمع سبحانه بين الأمرين كما في قوله أو ليس الذي خلق السموات والأرض ~~بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم الثالث كمال حكمته كقوله ~~وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين وقوله {وما خلقنا السماء ~~والأرض وما بينهما باطلا} وقوله {أيحسب الأنسان أن يترك سدى} وقوله ~~{أفحسبتم أنما ms004 خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق} ~~وقوله {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} ولهذا كان الصواب أن المعاد ~~معلوم بالعقل مع الشرع وأن كمال الرب تعالى وكمال أسمائه وصفاته تقتضيه ~~وتوجبه وأنه منزه عما يقوله منكروه كما ينزه كماله عن سائر العيوب والنقائص ~~ثم أخبر سبحانه أن المنكرين لذلك لما كذبوا بالحق اختلط عليهم أمرهم {فهم ~~في أمر مريج} مختلط لا يحصلون منه على شيء ثم دعاهم إلى النظر في العالم ~~العلوي وبنائه وارتفاعه واستوائه وحسنه والتئامه ثم إلى العالم السفلي وهو ~~الأرض وكيف بسطها وهيأها بالبسط لما يراد منها وثبتها بالجبال وأودع فيها ~~المنافع وأنبت فيها من كل صنف حسن من أصناف النبات على اختلاف أشكاله ~~وألوانه ومقاديره ومنافعه وصفاته وأن ذلك تبصرة إذا تأملها العبد المنيب ~~وتبصر بها تذكر ما دلت عليه مما أخبرت به الرسل من التوحيد والمعاد فالناظر ~~فيها يتبصر أولا ثم يتذكر ثانيا وأن هذا لا يحصل إلا لعبد منيب إلى الله ~~بقلبه وجوارحه ثم دعاهم إلى التفكر في مادة أرزاقهم وأقواتهم وملابسهم ~~ومراكبهم وجناتهم وهو الماء الذي أنزله من السماء وبارك فيه حتى أنبت به ~~جنات مختلفة الثمار والفواكه ما بين أبيض وأسود وأحمر وأصفر وحلو وحامض ~~وبين ذلك مع اختلاف منابعها وتنوع أجناسها وأنبت به # PageV01P007 # الحبوب كلها على تنوعها واختلاف منافعها وصفاتها وأشكالها ومقاديرها ثم ~~أفرد النخل لما فيه من موضع العبرة والدلالة التي لا تخفى علي المتأمل ~~وأحيا به الأرض بعد موتها ثم قال كذلك الخروج أي مثل هذا الإخراج من الأرض ~~الفواكه والثمار والأقوات والحبوب خروجكم من الأرض بعد ما غيبتم فيها وقد ~~ذكرنا هذا القياس وأمثاله من المقاييس الواقعة في القرآن في كتابنا المعالم ~~وبينا بعض ما فيها من الأسرار والعبر ثم انتقل سبحانه إلى تقرير النبوة ~~بأحسن تقرير وأوجر لفظ وأبعده عن كل شبهة وشك فأخبر أنه أرسل إلى قوم نوح ~~وعاد وثمود وقوم ms005 لوط وقوم فرعون رسلا فكذبوهم فأهلكهم بأنواع الهلاك وصدق ~~فيهم وعيده الذي أو عدتهم به رسله إن لم يؤمنوا وهذا تقرير لنبوتهم ولنبوة ~~من أخبر بذلك عنهم من غير أن يتعلم ذلك من معلم ولا قرأه في كتاب بل أخبر ~~به إخبارا مفصلا مطابقا لما عند أهل الكتاب ولا يرد على هذا إلا سؤال البهت ~~والمكابرة على جحد الضروريات بأنه لم يكن شيء من ذلك أو أن حوادث الدهر ~~ونكباته أصابتهم كما أصابت غيرهم وصاحب هذا السؤال يعلم من نفسه أنه باهت ~~مباحث جاحد لما شهد به العيان وتناقلته القرن قرنا بعد قررن فإنكاره بمنزلة ~~إنكار وجود المشهورين من الملوك والعلماء والبلاد النائية ثم عاد سبحانه ~~إلى تقرير المعاد بقوله {أفعيينا بالخلق الأول} يقال لكل من عجز عن شيء عيي ~~به وعيي فلان بهذا الأمر قال الشاعر # عيوا بأمرهم كما ... عييت ببيضتها الحمامة ومنه قوله تعالى {ولم يعي ~~بخلقهن} قال ابن عباس يريد أفعجزنا وكذلك قال مقاتل قلت هذا تفسير بلازم ~~اللفظة وحقيقتها أعم من ذلك فان العرب تقول أعياني أن أعرف كذا وعييت به ~~إذا لم تهتد له لوجهه ولم تقدر على معرفته وتحصيله فتقول أعياني دواؤك إذا ~~لم تهتد ولم تقف عليه ولازم هذا المعنى العجز عنه والبيت الذي استشهدوا به ~~شاهد لهذا المعنى فان الحمامة لم تعجز عن # PageV01P008 # بيضتها ولكن أعيادها إذا أرادت أن تبيض أين ترمي بالبيضة فهي تدور وتجول ~~حتى ترمي بها فإذا باضت أعياها أين تحفظها وتودعها حتى لا تنال فهي تنقلها ~~من مكان إلى مكان وتحار أين تجعل مقرها كما هو حال من عى بأمره فلم يدر من ~~أين يقصد له ومن أين يأتيه وليس المراد بالإعياء في هذه الآية التعب كما ~~يظنه من لم يعرف تفسير القرآن بل هذا المعنى هو الذي نفاه سبحانه عن نفسه ~~في آخر السورة بقوله {وما مسنا من لغوب} ثم أخبر سبحانه أنهم {في لبس من ~~خلق جديد} أي أنهم التبس عليهم إعادة الخلق خلقا جديدا ثم ms006 نبههم على ما هو ~~من أعظم آيات قدرته وشواهد ربوبيته وأدلة المعاد وهو خلق الإنسان فإنه من ~~أعظم الأدلة على التوحيد والمعاد وأي دليل أوضح من تركيب هذه الصورة ~~الآدمية بأعضائها وقواها وصفاتها وما فيها من اللحم والعظم والعروق ~~والأعصاب والرباطات والمنافذ والآلات والعلوم والإرادات والصناعات كل ذلك ~~من نطفة ماء فلو أنصف العبد ربه لاكتفى بفكره في نفسه واستدل بوجوده على ~~جميع ما أخبرت به الرسل عن الله وأسمائه وصفاته ثم أخبر سبحانه عن إحاطة ~~علمه به حتى علم وساوس نفسه ثم أخبر عن قربه إليه بالعلم والإحاطة وأن ذلك ~~أدنى إليه من العرق الذي هو داخل بدنه فهو أقرب إليه بالقدرة عليه والعلم ~~به من ذلك العرق وقال شيخنا المراد بقول نحن أي ملائكتنا كما قال {فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه} أي إذا قرأه عليك رسولنا جبريل قال ويدل عليه قوله {إذ ~~يتلقى المتلقيان} فقيد القرب المذكور بتلقي الملكين ولو كان المراد به قرب ~~الذات لم يتقيد بوقت تلقي الملكين فلا في صحبه الآية لحلولي ولا معطل ثم ~~أخبر سبحانه أن على يمينه وشماله ملكين يكتبان أعماله وأقواله ونبه بإحصاء ~~الأقوال وكتابتها على كتابة الأعمال التي هي أقل وقوعا وأعظم أثرا من ~~الأقوال وهي غايات الأقوال ونهايتها ثم أخبر عن القيامة الصغرى وهي سكرة ~~الموت وأنها تجيء بالحق وهو لقاؤه سبحانه والقدوم عليه وعرض الروح عليه ~~والثواب والعقاب الذي تعجل # PageV01P009 # لها قبل القيامة الكبرى ثم ذكر القيامة الكبرى بقول {ونفخ في الصور ذلك ~~يوم الوعيد} ثم أخبر عن أحوال الخلق في هذا اليوم وأن كل أحد يأتي الله ~~سبحانه ذلك اليوم ومعه سائق يسوقه وشهيد يشهد عليه وهذا غير شهادة جوارحه ~~وغير شهادة الأرض التي كان عليها له عليه وغير شهادة رسوله والمؤمنين فإن ~~الله سبحانه يستشهد على العبد الحفظة والأنبياء والأمكنة التي عملوا عليها ~~الخير والشر والجلود التي عصوه بها ولا يحكم بينهم بمجرد علمه وهو أعدل ~~العادلين وأحكم الحاكمين # ولهذا أخبر نبيه أنه يحكم بين الناس بما ms007 سمعه من إقرارهم وشهادة البينة ~~لا بمجرد علمه فكيف يسوغ لحاكم أن يحكم بمجرد علمه من غير بينة ولا إقرار ~~ثم أخبر سبحانه أن الإنسان في غفلة من هذا الشأن الذي هو حقيق بأن لا يغفل ~~عنه وأن لا يزال على ذكره وباله وقال {في غفلة من هذا} ولم يقل عنه كما قال ~~{وإنهم لفي شك منه مريب} ولم يقل في شك فيه وجاء هذا في المصدر وان لم يجىء ~~في الفعل فلا يقال غفلت منه ولا شككت منه كأن غفلته وشكه ابتداء منه فهو ~~مبدأ غفلته وشكه وهذا أبلغ من أن يقال في غفلة عنه وشك فيه فإنه جعل ما ~~ينبغي أن يكون مبدأ التذكرة واليقين ومنشأهما مبدأ للغفلة والشك ثم أخبر أن ~~غطاء الغفلة والذهول يكشف عنه ذلك اليوم كما يكشف غطاء النوم عن القلب ~~فيستيقظ وعن العين فتنفتح فنسبة كشف هذا الغطاء عن العبد عند المعاينة ~~كنسبة كشف غطاء النوم عنه عند الانتباه ثم أخبر سبحانه أن قرينه وهو الذي ~~قرن به في الدنيا من الملائكة يكتب عمله وقوله يقول لما يحضره هذا الذي كنت ~~وكلتني به في الدنيا قد أحضرته وأتيتك به هذا قول مجاهد وقال ابن قتيبة ~~المعنى هذا ما كتبته عليه وأحصيته من قوله وعمله حاضر عندي والتحقيق أن ~~الآية نتضمن الأمرين أي هذا الشخص الذي وكلت به وهذا عمله الذي أحصيته عليه ~~فحينئذ يقال {ألقيا في جهنم} وهذا إما أن يكون خطابا للسائق والشهيد # PageV01P010 # أو خطابا للملك الموكل بعذابه وإن كان واحدا وهو مذهب معروف من مذاهب ~~العرب في خطابها أو تكون الألف منقلبة عن نون التأكيد الخفيفة ثم أجري ~~الوصل مجرى الوقف ثم ذكر صفات هذا الملقى فذكر له ست صفات أحدها أنه كفار ~~لنعم الله وحقوقه كفار بدينه وتوحيده وأسمائه وصفاته كفار برسله وملائكته ~~كفار بكتبه ولقائه الثانية أنه معاند للحق بدفعه جحدا وعنادا الثالثة أنه ~~مناع للخير وهذا يعم منعه للخير الذي هو إحسان إلى نفسه من الطاعات والقرب ~~إلى ms008 الله والخير الذي هو إحسان إلى الناس فليس فيه خير لنفسه ولا لبني جنسه ~~كما هو الحال أكثر الخلق الرابعة أنه مع منعه للخير معتد على الناس ظلوم ~~غشوم معتد عليهم بيده ولسانه الخامسة أنه مريب أي صاحب ريب وشك ومع هذا فهو ~~آت لكل ريبة يقال فلان مريب إذا كان صاحب ريبة السادسة أنه مع ذلك مشرك ~~بالله قد اتخذ مع الله إلها آخر يعبده ويحبه ويغضب له ويرضى له ويحلف باسمه ~~وينذر له ويوالي فيه ويعادي فيه فيختصم هو وقرينه من الشياطين ويحيل الأمر ~~عليه وأنه هو الذي أطغاه وأضله فيقول قرينه لم يكن لي قوة أن أضله وأطغيه ~~ولكن كان في ضلال بعيد اختاره لنفسه وآثره على الحق كما قال إبليس لأهل ~~النار {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} وعلى هذا ~~فالقرين هنا هو شيطانه يختصمان عند الله وقالت طائفة بل قرينه ههنا هو ~~الملك فيدعي عليه أنه زاد عليه فيما كتبه عليه وطغى وأنه لم يفعل ذلك كله ~~وأنه أعجله بالكتابة عن التوبة ولم يمهله حتى يتوب فيقول الملك ما زدت في ~~الكتابة على ما عمل ولا أعجلته عن التوبة {ولكن كان في ضلال بعيد} فيقول ~~الرب تعالى {لا تختصموا لدي} وقد أخبر سبحانه عن اختصام الكفار والشياطين ~~بين يديه في سورة الصافات والأعراف وأخبر عن اختصام الناس بين يديه في سورة ~~الزمر وأخبر عن اختصام أهل النار فيها في سورة الشعراء وسورة ص ثم أخبر ~~سبحانه أنه لا يبدل القول لديه فقيل المراد بذلك قوله {لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس} # PageV01P011 # أجمعين ووعده لأهل الإيمان بالجنة وأن هذا لا يبدل ولا يخلف قال ابن عباس ~~يريد مالو عدي خلف لأهل طاعتي ولا أهل معصيتي قال مجاهد قد قضيت ما أنا قاض ~~وهذا أصح القولين في الآية وفيها قول آخر أن المعنى ما يغير القول عندي ~~بالكذب والتلبيس كما يغير عند الملوك والحكام فيكون المراد بالقول قول ~~المختصمين وهو اختيار الفراء وابن ms009 قتيبة قال الفراء المعنى ما يكذب عندي ~~لعلمي بالغيب وقال ابن قتيبة أي ما يحرف القول عندي ولا يزاد فيه ولا ينقص ~~منه قال لأنه قال القول عندي ولم يقل قولي وهذا كما يقال لا يكذب عندي فعلى ~~القول الأول يكون قوله {وما أنا بظلام للعبيد} من تمام قوله {ما يبدل القول ~~لدي} في المعنى أي ما قلته ووعدت به لا بد من فعله ومع هذا فهو عدل لا ظلم ~~فيه ولا جور وعلى الثاني يكون قد وصف نفسه بأمرين أحدهما أن كمال علمه ~~واطلاعه يمنع من تبديل القول بين يديه وترويج الباطل عليه وكمال عدله وغناه ~~يمنع من ظلمه لعبيده ثم أخبر عن سعة جهنم وأنها كلما ألقى فيها تقول هل من ~~مزيد وأخطأ من قال أن ذلك للنفي أي ليس من مزيد والحديث الصحيح يرد هذا ~~التأويل ثم أخبر عن تقريب الجنة من المتقين وأن أهلها هم الذين اتصفوا بهذه ~~الصفات الأربع إحداها أن يكون أوابا أي رجاعا إلى الله من معصيته إلى طاعته ~~ومن الغفلة عنه إلى ذكره قال عبيد بن عمير الأواب الذي يتذكر ذنوبه ثم ~~يستغفر منها وقال مجاهد هو الذي إذا ذكر ذنبه في الخلاء استغفر منه وقال ~~سعيد بن المسيب هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب الثانية أن يكون ~~حفيظا قال ابن عباس لما ائتمنه الله عليه وافترضه وقال قتادة حافظ لما ~~استودعه الله من حقه ونعمته ولما كانت النفس لها قوتان قوة الطلب وقوة ~~الإمساك كان الأواب مستعملا لقوة الطلب في رجوعه إلى الله ومرضاته وطاعته ~~والحفيظ مستعملا لقوة الحفظ في الإمساك عن معاصيه ونواهيه فالحفيظ الممسك ~~نفسه عما حرم عليه والأواب المقبل على الله بطاعته الثالثة # PageV01P012 # قوله {من خشي الرحمن بالغيب} يتضمن الإقرار بوجوده وربوبيته وقدرته وعلمه ~~واطلاعه على تفاصيل أحوال العبد ويتضمن الإقرار بكتبه ورسله وأمره ونهيه ~~ويتضمن الإقرار بوعده ووعيده ولقائه فلا تصح خشية الرحمن بالغيب إلا بعد ~~هذا كله الرابعة قوله {وجاء بقلب منيب} قال ms010 ابن عباس راجع عن معاصي الله ~~مقبل على طاعة الله وحقيقة الإنابة عكوف القلب على طاعة الله ومحبته ~~والإقبال عليه ثم ذكر سبحانه جزاء من قامت به هذه الأوصاف بقوله {ادخلوها ~~بسلام ذلك يوم الخلود لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد} ثم خوفهم بأن يصيبهم ~~من الهلاك ما أصاب من قبلهم وأنهم كانوا أشد منهم بطشا ولم يدفع عنهم ~~الهلاك شدة بطشهم ولهم عند الهلاك تقلبوا وطافوا في البلاد وهل يجدون محيصا ~~ومنجى من عذاب الله قال قتادة حاص أعداء الله فوجدوا أمر الله لهم مدركا ~~وقال الزجاج طوفوا وفتشوا فلم يرو محيصا من الموت وحقيقة ذلك أنهم طلبوا ~~المهرب من الموت فلم يجدوه ثم أخبر سبحانه أن في هذا الذى ذكر ذكرى لمن كان ~~له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ثم أخبر أنه خلق السموات والأرض وما بينهما ~~في ستة أيام ولم يمسه من تعب ولا إعياء تكذيب لأعدائه من اليهود حيث قالوا ~~أنه استراح في اليوم السابع ثم أمر نبيه بالتأسي به سبحانه في الصبر على ما ~~يقول أعداؤه فيه كما أنه سبحانه صبر على قول اليهود أنه استراح ولا أحد ~~أصبر على أذى يسمعه منه ثم أمره بما يستعين به على الصبر وهو التسبيح بحمد ~~ربه قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وبالليل وأدبار السجود فقيل هو الوتر وقيل ~~الركعتان بعد المغرب والأول قول ابن عباس والثاني قول عمر وعلي وأبي هريرة ~~والحسن بن علي وإحدى الروايتين عن ابن عباس وعن ابن عباس رواية ثالثة أنه ~~التسبيح باللسان أدبار الصلاة المكتوبات ثم ختم السورة بذكر المعاد ونداء ~~المنادي برجوع الأرواح إلى أجسادها للحشر وأخبر أن هذا النداء من مكان قريب ~~يسمعه كل أحد يوم يسمعون الصيحة بالحق # PageV01P013 # بالبعث ولقاء الله يوم تشقق الأرض عنهم كما تشقق عن النبات فيخرجون سراعا ~~من غير مهلة ولا بطء ذلك حشر يسير عليه سبحانه ثم أخبر سبحانه أنه عالم بما ~~يقول أعداؤه وذلك يتضمن مجازاته لهم بقولهم إذ لم يخف عليه ms011 وهو سبحانه يذكر ~~علمه وقدرته لتحقيق الجزاء ثم أخبره أنه ليس بمسلط عليهم ولا قهار ولم يبعث ~~ليجبرهم على الإسلام ويكرههم عليه وأمره أن يذكر بكلامه من يخاف وعيده فهو ~~الذي ينتفع بالتذكير وأما من لا يؤمن بلقائه ولا يخاف وعيده ولا يرجو ثوابه ~~فلا ينتفع بالتذكير فائدة # قول النبي لعمر وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم ~~فقد غفرت لكم أشكل على كثير من الناس معناه فإن ظاهره # PageV01P014 # إباحة كل الأعمال لهم وتخييرهم فيما شاؤا منها وذلك ممتنع فقالت طائفة ~~منهم ابن الجوزي ليس المراد من قوله اعملوا الاستقبال وإنما هو للماضي ~~وتقديره أي عمل كان لكم فقد غفرته قال ويدل على ذلك شيئان أحدهما أنه لو ~~كان للمستقبل كان جوابه قوله فسأغفر لكم والثاني أنه كان يكون إطلاقا في ~~الذنوب ولا وجه لذلك وحقيقة هذا الجواب أني قد غفرت لكم بهذه الغزوة ما سلف ~~من ذنوبكم لكنه ضعيف من وجهين أحدهما أن لفظ اعملوا يأباه فإنه للاستقبال ~~دون الماضي وقوله قد غفرت لكم لا يوجب أن يكون اعملوا مثله فإن قوله قد ~~غفرت تحقيق لوقوع المغفرة في المستقبل كقوله {أتى أمر الله} وجاء ربك ~~ونظائره الثاني أن نفس الحديث يرده فإن سببه قصة حاطب # PageV01P015 # وتجسسه على النبي وذلك ذنب واقع بعد غزوة بدر لا قبلها وهو سبب الحديث ~~فهو مراد منه قطعا فالذي نظن في ذلك والله أعلم أن هذا خطاب لقوم قد علم ~~الله سبحانه أنهم لا يفارقون دينهم بل يموتون على الإسلام وأنهم قد يقارفون ~~بعض ما يقارفه غيرهم من الذنوب ولكن لا يتركهم سبحانه مصرين عليها بل ~~يوفقهم لتوبة نصوح واستغفار وحسنات تمحو أثر ذلك ويكون تخصيصهم بهذا دون ~~غيرهم لأنه قد تحقق ذلك فيهم وأنهم مغفور لهم ولا يمنع ذلك كون المغفرة ~~حصلت بأسباب تقوم بهم كما لا يقتضي ذلك أن يعطلوا الفرائض وثوقا بالمغفرة ~~فلو كانت قد حصلت بدون الاستمرار على القيام بالأوامر لما احتاجوا بعد ذلك ~~إلى ms012 صلاة ولا صيام ولا حج ولا زكاة ولا جهاد وهذا محال ومن أوجب الواجبات ~~التوبة بعد الذنب فضمان المغفرة لا يوجب تعطيل أسباب المغفرة ونظير هذا ~~قوله في الحديث الآخر أذنب عبد ذنبا فقال أي رب أذنبت ذنبا فاغفره لي فغفر ~~له ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم أذنب ذنبا آخر فقال أي رب أصبت ذنبا ~~فاغفر لي فغفر له ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم أذنب ذنبا آخر فقال رب ~~أصبت ذنبا فاغفره لي فقال الله علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد ~~غفرت لعبدي فليعمل ما شاء فليس في هذا إطلاق وإذن منه سبحانه له في ~~المحرمات والجرائم وإنما يدل على أنه يغفر له ما دام كذلك إذا أذنب تاب # PageV01P016 # واختصاص هذا العبد بهذا لأنه قد علم أنه لا يصر على ذنب وأنه كلما أذنب ~~تاب حكم يعم كل من كانت حاله حاله لكن ذلك العبد مقطوع له بذلك كما قطع به ~~لأهل بدر وكذلك كل من بشره رسول الله بالجنة أو أخبره بأنه مغفور له لم ~~يفهم منه هو ولا غيره من الصحابة إطلاق الذنوب والمعاصي له ومسامحته بترك ~~الواجبات بل كان هؤلاء أشد اجتهادا وحذرا وخوفا بعد البشارة منهم قبلها ~~كالعشرة المشهود لهم بالجنة وقد كان الصديق شديد الحذر والمخافة وكذلك عمر ~~فلهم علموا أن البشارة المطلقة مقيدة بشروطها والاستمرار عليها إلى الموت ~~ومقيدة بانتقاء موانعها ولم يفهم أحد منهم من ذلك الإطلاق الإذن فيما شاؤا ~~من الأعمال ### | فائدة جليلة قوله تعالى # {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه ~~النشور} أخبر سبحانه أنه جعل الأرض ذلولا منقادة للوطء عليها وحفرها وشقها ~~والبناء عليها ولم يجعلها مستصعبة ممتنعة على من أراد ذلك منها وأخبر ~~سبحانه أنه جعلها مهادا وفراشا وبساطا وقرارا وكفاتا وأخبر أنه دحاها ~~وطحاها وأخرج منها ماءها ومرعاها وثبتها بالجبال ونهج فيها الفجاج والطرق ~~وأجرى فيها الأنهار والعيون وبارك فيها وقدر فيها ms013 أقواتها ومن بركتها أن ~~الحيوانات كلها وأرزاقها وأقواتها تخرج منها ومن بركاتها أنك تودع فيها ~~الحب فتخرجه لك أضعاف أضعاف ما كان ومن بركاتها أنها تحمل الأذى على ظهرها ~~وتخرج لك من بطنها أحسن الأشياء وأنفعها فتوارى منه كل قبيح وتخرج له كل ~~مليح ومن بركتها أنها تستر قبائح العبد وفضلات بدنه وتواريها وتضمه وتؤويه ~~وتخرج له طعامه وشرابه فهي أحمل شيء للأذى وأعوده بالنفع فلا كان من التراب ~~خير منه وأبعد من الأذى وأقرب إلى الخير # PageV01P017 # والمقصود أنه سبحانه جعل لنا الأرض كالجمل الذلول الذي كيفما يقاد ينقاد ~~وحسن التعبير بمناكبها عن طرقها وفجاجها لما تقدم من وصفها بكونها ذلولا ~~فالماشي عليها يطأ على مناكبها وهو أعلى شيء فيها ولهذا فسرت المناكب ~~بالجبل كمناكب الإنسان وهي أعاليه قالوا وذلك تنبيه على أن المشي في سهولها ~~أيسر وقالت طائفة بل المناكب الجوانب والنواحي ومنه مناكب الإنسان لجوانبه ~~والذي يظهر أن المراد بالمناكب الأعالي وهذا الوجه الذي يمشي عليه الحيوان ~~هو العالي من الأرض دون الوجه المقابل له فان سطح الكرة أعلاها والمشي إنما ~~يقع في سطحها وحسن التعبير عنه بالمناكب لما تقدم من وصفها بأنها ذلول ثم ~~أمرهم أن يأكلوا من رزقه الذي أودعه فيها فذللها لهم ووطأها وفتق فيها ~~السبل والطرق التي يمشون فيها وأودعها رزقهم فذكر تهيئة المسكن للانتفاع ~~والتقلب فيه بالذهاب والمجيء والأكل مما أودع فيها للساكن ثم نبه بقوله ~~وإليه النشور على أنا في هذا المسكن غير مستوطنين ولا مقيمين بل دخلناه ~~عابري سبيل فلا يحسن أن نتخذه وطنا ومستقرا وإنما دخلناه لنتزود منه إلى ~~دار القرار فهو منزل عبور لا مستقر حبور ومعبر وممر لا وطن ومستقر فتضمنت ~~الآية الدلالة على ربوبيته ووحدانيته وقدرته وحكمته ولطفه والتذكير بنعمه ~~وإحسانه والتحذير من الركون إلى الدنيا واتخاذها وطنا ومستقرا بل نسرع فيها ~~السير إلى داره وجنته فالله في ما ضمن هذه الآية من معرفته وتوحيده ~~والتذكير بنعمه والحث على السير إليه والاستعداد للقائه والقدوم عليه ~~والإعلام بأنه ms014 سبحانه يطوي هذه الدار كأن لم تكن وأنه يحي أهلها بعد ما ~~أماتهم وإليه النشور ### | فائدة للإنسان قوتان قوة علمية نظرية وقوة عملية إرادية وسعادته # التامة موقوفة على استكمال قوتيه العلمية الارادية واستكمال القوة ~~العلمية إنما يكون بمعرفة # PageV01P018 # فاطره وبارئه ومعرفة أسمائه وصفاته ومعرفة الطريق التي توصل إليه ومعرفة ~~آفاتها ومعرفة نفسه ومعرفة عيوبها فبهذه المعارف الخمسة يحصل كمال قوته ~~العلمية وأعلم الناس أعرفهم بها وأفقههم فيها استكمال القوة العلمية ~~الإرادية لا تحصل إلا بمراعاة حقوقه سبحانه على العبد والقيام بها إخلاصا ~~وصدقا ونصحا وإحسانا ومتابعة وشهودا لمنته عليه وتقصيره هو في أداء حقه فهو ~~مستحي من مواجهته بتلك الخدمة لعلمه أنها دون ما يستحقه عليه ودون دون ذلك ~~وأنه لا سبيل له إلى استكمال هاتين القوتين إلا بمعونته فهو مضطر إلى أن ~~يهديه الصراط المستقيم الذي هدى إليه أولياءه وخاصته وأن يجنبه الخروج عن ~~ذلك الصراط إما بفساد في قوته العلمية فيقع في الضلال واما في قوته العملية ~~فيوجب له الغضب # فكمال الإنسان وسعادته لا تتم إلا بمجموع هذه الأمور وقد تضمنتها سورة ~~الفاتحة وانتظمتها أكمل انتظام فإن قوله {الحمد لله رب العالمين الرحمن ~~الرحيم مالك يوم الدين} يتضمن الأصل الأول وهو معرفة الرب تعالى ومعرفة ~~أسمائه وصفاته وأفعاله والأسماء المذكورة في هذه السورة هي أصول الأسماء ~~الحسنى وهي اسم الله والرب والرحمن فاسم الله متضمن لصفات الألوهية واسم ~~الرب متضمن الربوبية واسم الرحمن متضمن لصفات الإحسان والجود والبر ومعاني ~~أسمائه تدور لى هذا وقوله {إياك نعبد وإياك نستعين} يتضمن معرفة الطريق ~~الموصلة إليه وأنها ليست إلا عبادته وحده بما يحبه ويرضاه واستعانته على ~~عبادته وقوله {اهدنا الصراط المستقيم} يتضمن بيان أن العبد لا سبيل له إلى ~~سعادته إلا باستقامته على الصراط المستقيم وأنه لا سبيل له إلى الاستقامة ~~إلا بهداية ربه له كما لا سبيل له إلى عبادته بمعونته فلا سبيل له إلى ~~الاستقامة على الصراط إلا بهدايته وقوله {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ~~يتضمن بيان طرفي الانحراف ms015 عن الصراط المستقيم وأن الانحراف إلى أحد الطرفين ~~انحراف إلى الضلال الذي هو فساد العلم والاعتقاد والانحراف إلى الطرف الآخر ~~انحراف إلى الغضب الذي سببه فساد القصد والعمل # PageV01P019 # فأول السورة رحمة وأوسطها هداية وآخرها نعمة وحظ العبد من النعمة على قدر ~~حظه من الهداية وحظه منها على قدر حظه من الرحمة فعاد الأمر كله إلى نعمته ~~ورحمته والنعمة والرحمة من لوازم ربوبيته فلا يكون إلا رحيما منعما وذلك من ~~موجبات الهيته فهو الإله الحق وإن جحده الجاحدون وعدل به المشركون فمن تحقق ~~بمعاني الفاتحة علما ومعرفة وعملا وحالا فقد فاز من كماله بأوفر نصيب وصارت ~~عبوديته عبودية الخاصة الذين ارتفعت درجتهم عن عوام المتعبدين والله ~~المستعان ### | فائدة الرب تعالى يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين أحدهما # النظر في مفعولاته والثاني التفكر في آياته وتدبرها فتلك آياته المشهودة ~~وهذه آياته المسموعة المعقولة فالنوع الأول كقوله إن في خلق السموات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس إلى آخرها ~~وقوله إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ~~وهو كثير في القرآن والثاني كقوله {أفلا يتدبرون القرآن} وقوله {أفلم ~~يدبروا القول} وقوله {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته} وهو كثير ~~أيضا # فأما المفعولات فإنها دالة على الأفعال والأفعال دالة على الصفات فإن ~~المفعول يدل على فاعل فعله وذلك يستلزم وجوده وقدرته ومشيئته وعلمه ~~لاستحالة صدور الفعل الاختياري من معدوم أو موجود لا قدرة له ولا حياة ولا ~~علم ولا إرادة ثم ما في المفعولات من التخصيصات المتنوعة دال على إرادة ~~الفاعل وأن فعله ليس بالطبع بحيث يكون واحدا غير متكرر وما فيها من المصالح ~~والحكم والغايات المحمودة دال على حكمته تعالى وما فيها من النفع والإحسان ~~والخير دال على رحمته وما فيها من البطش والانتقام والعقوبة دال # PageV01P020 # على غضبه وما فيها من الإكرام والتقريب والعناية دال على محبته وما فيها ~~من الإهانة والإبعاد والخذلان دال على بغضه ومقته وما فيها من ابتداء ms016 الشيء ~~في غاية النقص والضعف ثم سوقه إلى تمامه ونهايته دال على وقوع المعاد وما ~~فيها من أحوال النبات والحيوان وتصرف المياه دليل على إمكان المعاد وما ~~فيها من ظهور آثار الرحمة والنعمة على خلقه دليل على صحة النبوات وما فيها ~~من الكمالات التي لو عدمتها كانت ناقصة دليل على أن معطي تلك الكمالات أحق ~~بها فمفعولاته من أدل شيء على صفاته وصدق ما أخبرت به رسله عنه فالمصنوعات ~~شاهدة تصدق الآيات المسموعات منبهة على الاستدلال بالآيات المصنوعات قال ~~تعالى {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} أي أن ~~القرآن حق فأخبر أنه لا بد من أن يريهم من آياته المشهودة ما يبين لهم أن ~~آياته المتلوة حق ثم أخبر بكفاية شهادته على صحة خبره بما أقام من الدلائل ~~والبراهين على صدق رسوله فآياته شاهدة بصدقه وهو شاهد بصدق رسوله بآياته ~~وهو الشاهد والمشهود له وهو الدليل والمدلول عليه فهو الدليل بنفسه على ~~نفسه كما قال بعض العارفين كيف أطلب لدليل على من هو دليل على كل شيء فأي ~~دليل طلبته عليه فوجده أظهر منه ولهذا قال الرسل لقومهم {أفي الله شك} فهو ~~أعرف من كل معروف وأبين من كل دليل فالأشياء عرفت به في الحقيقة وإن كان ~~عرف بها في النظر والاستدلال بأفعاله وأحكامه عليه ### | فائدة في المسند وصحيح أبي الحاتم من حديث عبد الله بن مسعود قال # قال رسول الله ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك وابن عبدك ~~ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت ~~به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت # PageV01P021 # به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني ~~وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا قالوا يا رسول ~~الله أفلا نتعلمهن قال بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن فتضمن هذا الحديث ~~العظيم أمورا ms017 من المعرفة والتوحيد والعبودية منها أن الداعي به صدر سؤاله ~~بقوله إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك وهذا يتناول من فوقه من آبائه وأمهاته ~~إلى أبويه آدم وحواء وفي ذلك تملق له واستخذا بين يديه واعتراف بأنه مملوكه ~~وآباؤه مماليكه وأن العبد ليس له غير باب سيده وفضله وإحسانه وأن سيده إن ~~أهمله وتخلى عنه هلك ولم يؤوه أحد ولم يعطف عليه بل يضيع أعظم ضيعة فتحت ~~هذا الاعتراف أني لا غنى بي عنك طرفة عين وليس لي من أعوذ به وألوذ به غير ~~سيدي الذي أنا عبده وفي ضمن ذلك الاعتراف بأنه مربوب مدبر مأمور منهي إنما ~~يتصرف بحكم العبودية لا بحكم الاختيار لنفسه فليس هذا شأن العبد بل شأن ~~الملوك والأحرار وأما العبيد فتعرفهم على محض العبودية فهؤلاء عبيد الطاعة ~~المضافون إليه سبحانه في قوله {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} وقوله {وعباد ~~الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} ومن عداهم عبيد القهر والربوبية ~~فأضافتهم إليه كإضافة سائر البيوت إلى ملكه وإضافة أولئك كإضافة البيت ~~الحرام إليه اضافة ناقته إليه وداره التي هي الجنة إليه وإضافة عبودية ~~رسوله إليه بقوله {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} {سبحان الذي أسرى ~~بعبده} {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} وفي التحقيق بمعنى قوله أني عبدك ~~التزام عبوديته من الذل والخضوع والإنابة وامتثال أمر سيده واجتناب نهيه ~~ودوام الافتقار اليه واللجأ إليه والاستعانة به والتوكل عليه وعياذ العبد ~~به ولياذه به وإن لم لا يتعلق قلبه بغيره محبة وخوفا ورجاء وفيه أيضا أني ~~عبد من جميع الوجوه صغيرا وكبيرا حيا وميتا ومطيعا وعاصيا معافى ومبتلى ~~بالروح والقلب واللسان والجوارح وفي أيضا أن مالي ونفسي ملك لك فإن العبد ~~وما # PageV01P022 # يملك لسيده وفيه أيضا أنك أنت الذي مننت علي بكل مل أنا فيه من نعمة فذلك ~~كله من إنعامك على عبدك وفيه أيضا أني لا أتصرف فيما خولتني من مالي ونفسي ~~إلا بأمرك كما لا يتصرف العبد إلا بإذن سيده وأني ms018 لا أملك لنفسي ضرا ولا ~~نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فإن صح له شهود ذلك فقد قال أني عبدك ~~حقيقة ثم قال ناصيتي بيدك أي أنت المتصرف في تصرفي كيف تشاء لست أنا ~~المتصرف في نفسي وكيف يكون له في نفسه تصرف من نفسه بيد ربه وسيده وناصيته ~~بيده وقلبه بين أصبعين من أصابعه وموته وحياته وسعادته وشقاوته وعافيته ~~وبلاؤه كله إليه سبحانه ليس إلى العبد منه شيء بل هو في قبضة سيده أضعف من ~~مملوك ضعيف حقير ناصيته بيد سلطان قاهر مالك له تحت تصرفه وقهره بل الأمر ~~فوق ذلك ومتى شهد العبد أن ناصيته ونواصي العباد كلها بيد الله وحده يصرفهم ~~كيف يشاء لم يخفهم بعد ذلك ولم يرجهم ولم ينزلهم منزلة المالكين بل منزلة ~~عبيد مقهورين مربوبين المتصرف فيهم سواهم والمدبر لهم غيرهم فمن شهد نفسه ~~بهذا المشهد صار فقره وضرورته إلى ربه وصفا لازما له ومتى شهد الناس كذلك ~~لم يفتقر إليهم ولم يعلق أمله ورجاءه بهم فاستقام توحيده وتوكله وعبوديته ~~ولذا قال هود لقومه {إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ ~~بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} وقوله ماض في حكمك عدل في قضاؤك تضمن هذا ~~الكلام أمرين أحدهما مضاء حكمه في عبده والثاني يتضمن حمده وعدله وهو ~~سبحانه له الملك وله الحمد وهذا معنى قول نبيه هود {ما من دابة إلا هو آخذ ~~بناصيتها} ثم قال {إن ربي على صراط مستقيم} أي مع كونه مالكا قاهرا متصرفا ~~في عباده نواصيهم بيده فهو على صراط مستقيم وهو العدل الذي يتصرف به فيهم ~~فهو على صراط مستقيم في قوله وفعله وقضائه وقدره وأمره ونهيه وثوابه وعقابه ~~فخبره كله صدق وقضاؤه كله عدل وأمره كله مصلحة والذي نهى عنه كله ومفسدة ~~وثوابه لمن يستحق الثواب بفضله ورحمته وعقابه لمن يستحق العقاب بعدله ~~وحكمته وفرق بين # PageV01P023 # الحكم والقضاء وجعل المضاء للحكم والعدل لقضاء فإن حكمه سبحانه يتناول ~~حكمه الديني الشرعي وحكمه ms019 الكوني القدري والنوعان نافذان في العبد ان ~~ماضيان فيه وهو مقهور تحت الحكمين قد مضيا فيه ونفذا فيه شاء أم أبى لكن ~~الحكم الكوني لا يمكنه مخالفته وأما الديني الشرعي فقد يخالفه # ولما كان القضاء هو الإتمام والإكمال وذلك إنما يكون بعد مضيه ونفوذه قال ~~عدل في قضاؤك أي الحكم الذي أكملته وأتممته ونفذته في عبدك عدل منك فيه ~~وأما الحكم فهو ما يحكم به سبحانه وقد يشاء تنفيذه وقد لا ينفذه فإن كان ~~حكما دينيا فهو ماض في العبد وإن كان كونيا فإن نفذه سبحانه مضى فيه وإن لم ~~ينفذه اندفع عنه فهو سبحانه يقضي ما يقضي به وغيره قد يقضي بقضاء ويقدر أمر ~~ولا يستطيع تنفيذه وهو سبحانه يقضي ويمضي فله القضاء والإمضاء وقوله عدل في ~~قضاؤك يتضمن جميع أقضيته في عبده من كل الوجوه من صحة وسقم وغنى وفقر ولذة ~~وألم وحياة وموت وعقوبة وتجاوز وغير ذلك قال تعالى وما أصابكم من مصيبة ~~فيما كسبت أيديكم وقال {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الأنسان كفور} ~~فكل ما يقضى على العبد فهو عدل فيه # فإن قيل فالمعصية عندكم بقضائه وقدره فما وجه العدل في قضائها فإن العدل ~~في العقوبة عليها ظاهر قيل هذا سؤال له شأن ومن أجله زعمت طائفة أن العدل ~~هو المقدور والظلم ممتنع لذاته قالوا لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير ~~والله له كل شيء فلا يكون تصرفه في خلقه إلا عدلا وقالت طائفة بل العدل أنه ~~لا يعاقب على ما قضاه وقدره فلما حسن منه العقوبة على الذنب علم أنه ليس ~~بقضائه وقدره فيكون العدل هو جزاؤه على الذنب بالعقوبة والذم إما في الدنيا ~~وإما في الآخرة وصعب على هؤلاء الجمع بين العدل وبين القدر فزعموا أن من ~~أثبت القدر لم يمكنه أن يقول بالعدل ومن قال بالعدل لم يمكنه أن يقول ~~بالقدر كما صعب عليهم الجمع بين التوحيد وإثبات الصفات فزعموا أنه لا ~~يمكنهم إثبات التوحيد إلا بإنكار الصفات فصار توحيدهم ms020 تعطيلا # PageV01P024 # وعدلهم تكذيبا بالقدر وأما أهل السنة فهم مثبتون للأمرين والظلم عندهم هو ~~وضع الشيء في غير موضعه كتعذيب المطيع ومن لا ذنب له وهذا قد نزه الله نفسه ~~عنه في غير موضع من كتابه وهو سبحانه وإن أضل من شاء وقضى بالمعصية والغي ~~على من شاء فذلك محض العدل فيه لأنه وضع الإضلال والخذلان في موضعه اللائق ~~به كيف ومن أسمائه الحسنى العدل الذي كل أفعاله وأحكامه سداد وصواب وحق وهو ~~سبحانه قد أوضح السبل وأرسل الرسل وأنزل الكتب وأزاح العلل ومكن من أسباب ~~الهداية والطاعة بالأسماع والأبصار والعقول وهذا عدله ووفق من شاء بمزيد ~~عناية وأراد من نفسه أن يعينه ويوفقه فهذا فضله وخذل من ليس بأهل لتوفيقه ~~وفضله وخلى بينه وبين نفسه ولم يرد سبحانه من نفسه أن يوفقه فقطع عنه فضله ~~ولم يحرمه عدله وهذا نوعان أحدهما ما يكون جزاء منه للعبد على إعراضه عنه ~~وإيثار عدوه في الطاعة والموافقة عليه وتناسي ذكره وشكره فهو أهل أن يخذله ~~ويتخلى عنه والثاني أن لا يشاء له ذلك ابتداء لما يعلم منه أنه لا يعرف قدر ~~نعمة الهداية ولا يشكره عليه ولا يثني عليه بها ولا يحبه فلا يشاؤها له ~~لعدم صلاحية محله قال تعالى {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله ~~عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} وقال {ولو علم الله فيهم خيرا ~~لأسمعهم} فإذا قضى على هذه النفوس بالضلال والمعصية كان ذلك محض العدل كما ~~إذا قضى على الحية بأن تقتل وعلى العقرب وعلى الكلب العقور كان ذلك عدلا ~~فيه وإن كان مخلوقا على هذه الصفة وقد استوفينا الكلام في هذا في كتابنا ~~الكبير في القضاء والقدر # والمقصود أن قوله ماض في حكمك عدل في قضاؤك رد على الطائفتين القدرية ~~الذين ينكرون عموم أقضية الله في عبده ويخرجون أفعال العباد عن كونها ~~بقضائه وقدره ويردون القضاء إلى الأمر والنهي وعلى الجبرية الذين يقولون كل ~~مقدور عدل فلا يبقى لقوله عدل في قضاؤك فائدة فإن ms021 العدل عندهم كل ما يمكن # PageV01P025 # فعله والظلم هو المحال لذاته فكأنه قال ماض ونافذ في قضاؤك وهذا هو الأول ~~بعينه وقوله أسألك بكل اسم إلى آخره توسل إليه بأسمائه كلها ما علم العبد ~~منها وما لم يعلم وهذه أحب الوسائل إليه فإنها وسيلة بصفاته وأفعاله التي ~~هي مدلول أسمائه وقوله أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري الربيع المطر ~~الذي يحيي الأرض شبه القرآن به لحياة القلوب به وكذلك شبهه الله بالمطر ~~وجمع بين الماء الذي تحصل به الحياة والنور الذي تحصل به الإضاءة والإشراق ~~كما جمع بينهما سبحانه في قوله أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية وفى قوله ~~{مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم} ثم قال ~~{أو كصيب من السماء} وفي قوله الله نور السموات والأرض مثل نوره الآيات ثم ~~قال ألم تر أن الله يزجي السحاب ثم يؤلف بينه الآية فتضمن الدعاء أن يحيي ~~قلبه بربيع القرآن وأن ينور به صدره فتجتمع له الحياة والنور قال تعالى {أو ~~من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ~~ليس بخارج منها} # ولما كان الصدر أوسع من القلب كان النور الحاصل له يسري منه إلى القلب ~~لأنه قد حصل لما هو أوسع منه ولما كانت حياة البدن والجوارح كلها بحياة ~~القلب تسري الحياة منه إلى الصدر ثم إلى الجوارح سأل الحياة له بالربيع ~~الذي هو مادتها ولما كان الحزن والهم والغم يضاد حياة القلب واستنارته سأل ~~أن يكون ذهابها بالقرآن فإنها أحرى أن لا تعود وأما إذا ذهبت بغير القرآن ~~من صحة أو دنيا أو جاه أو زوجة أو ولد فإنها تعود بذهاب ذلك والمكروه ~~الوارد على القلب إن كان من أمر ماض أحدث الحزن زان كان من مستقبل أحدث ~~الهم وإن كان من أمر حاضر أحدث الغم والله أعلم # PageV01P026 ### | فائدة أنزه الموجودات وأظهرها وأنورها وأشرفها ms022 وأعلاها ذاتا وقدرا # وأوسعها عرش الرحمن جل جلاله ولذلك صلح لاستوائه عليه وكل ما كان أقرب ~~إلى العرش كان أنور وأنزه وأشرف مما بعد عنه ولهذا كانت جنة الفردوس أعلى ~~الجنان وأشرفها وأنورها وأجلها لقربها من العرش إذ هو سقفها وكل ما بعد عنه ~~كان أظلم وأضيق ولهذا كان أسفل سافلين شر الأمكنة وأضيقها وأبعدها من كل ~~خير وخلق الله القلوب وجعلها محلا لمعرفته ومحبته وإرادته فهي عرش المثل ~~الأعلى الذي هو معرفته ومحبته وإرادته قال تعالى {للذين لا يؤمنون بالآخرة ~~مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم} وقال تعالى وهو الذي يبدأ ~~الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو ~~العزيز الحكيم وقال تعالى {ليس كمثله شيء} فهذا من المثل الأعلى وهو مستو ~~على قلب المؤمن فهو عرشه وإن لم يكن أطهر الأشياء وأنزهها وأطيبها وأبعدها ~~من كل دنس وخبث لم يصلح لاستواء المثل الأعلى عليه معرفة ومحبة وإرادة ~~فاستوى عليه مثل الدنيا الأسفل ومحبتها وإرادتها والتعلق بها فضاق وأظلم ~~وبعد من كماله وفلاحه حتى تعود القلوب على قلبين قلب هو عرش الرحمن ففيه ~~النور والحياة والفرح والسرور والبهجة وذخائر الخير وقلب هو عرش الشيطان ~~فهناك الضيق والظلمة والموت والحزن والغم والهم فهو حزين على ما مضى مهموم ~~بما يستقبل مغموم في الحال وقد روى الترمذي وغيره عن النبي أنه قال إذا دخل ~~النور القلب انفسخ وانشرح قالوا فما علامة ذلك يا رسول الله قال الإنابة ~~إلى دار الخلود والتجاني عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله والنور ~~الذي يدخل القلب إنما هو آثار المثل الأعلى فلذلك ينفسخ وينشرح وإذا لم يكن ~~فيه معرفة الله ومحبته فحظه الظلمة والضيق # PageV01P027 # فائدة تأمل خطاب القرآن تجد ملكا له الملك كله وله الحمد كله أزمة الأمور ~~كلها بيده ومصدرها منه ومرادها إليه مستويا على سرير ملكه لا تخفى عليه ~~خافية في أقطار مملكته عالما بما في نفوس عبيده مطلعا على أسرارهم ~~وعلانيتهم منفردا بتدبير المملكة يسمع ms023 ويرى ويعطي ويمنع ويثيب ويعاقب ويكرم ~~ويهين ويخلق ويرزق ويميت ويحيي ويقدر ويقضي ويدبر الأمور نازلة من عنده ~~دقيقها وجليلها وصاعدة إليه لا تتحرك في ذرة إلا بإذنه ولا تسقط ورقة إلا ~~بعلمه فتأمل كيف تجده يثني على نفسه ويمجد نفسه ويحمد نفسه وينصح عباده ~~ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم ويرغبهم فيه ويحذرهم مما فيه هلاكهم ~~ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته ويتححب إليهم بنعمه وآلائه فيذكرهم بنعمه ~~عليهم ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها ويحذرهم من نقمه ويذكرهم بما أعد لهم ~~من الكرامة إن أطاعوه وما أعد لهم ما العقوبة إن عصوه ويخبرهم بصنعه في ~~أوليائه وأعدائه وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء ويثني على أوليائه بصالح ~~أعمالهم وأحسن أوصافهم ويذم أعداءه بسىء أعمالهم وقبيح صفاتهم ويضرب ~~الأمثال وينوع الأدلة والبراهين ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الأجوبة ويصدق ~~الصادق ويكذب الكاذب ويقول الحق ويهدي السبيل ويدعو إلى دار السلام ويذكر ~~أوصافها وحسنها ونعيمها ويحذر من دار البوار ويذكر عذابها وقبحها وآلامها ~~ويذكر عباده فقرهم إليه وشدة حاجتهم إليه من كل وجه وأنهم لا غنى لهم عنه ~~طرفة عين ويذكر غناه عنهم وعن جميع الموجودات وأنه الغني بنفسه عن كل ما ~~سواه وكل ما سواه فقير إليه بنفسه وأنه لا ينال أحد ذرة من الخبر فما فوقها ~~إلا بفضله ورحمته ولا ذرة من الشر فما فوقها إلا بعدله وحكمته ويشهد من ~~خطابه عتابه لأحبابه ألطف عتاب وأنه مع ذلك مقيل عثراتهم وغافر زلاتهم ~~ومقيم أعذارهم ومصلح فسادهم والدافع # PageV01P028 # عنهم والمحامي عنهم والناصر لهم والكفيل بمصالحهم والمنجي لهم من كل كرب ~~والموفي لهم بوعده وأنه وليهم الذي لا ولي لهم سواه فهو مولاهم الحق ~~ونصيرهم على عدوهم فنعم المولى ونعم النصير فإذا شهدت القلوب من القرآن ~~ملكا عظيما رحيما جوادا جميلا هذا شأنه فكيف لا تحبه وتنافس في القرب منه ~~وتنفق أنفاسها في التودد إليه ويكون أحب إليها من كل ما سواه ورضاه آثر ~~عندها من رضا كل ما سواه وكيف لا تلهج بذكره ms024 ويصير حبه والشوق إليه والأنس ~~به هو غذائها وقوتها ودواؤها بحيث إن فقدت ذلك فسدت وهلكت ولم تنفع بحياتها ### | فائدة قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده وهذا كما أنه # في الذوات والأعيان فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات فإذا كان القلب ~~ممتلئا بالباطل اعتقادا ومحبة لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع كما أن ~~اللسان إذا اشتغل بالتكلم بما لا ينفع لم يتمكن صاحبه من النطق بما ينفعه ~~إلا إذا فزع لسانه من النطق بالباطل وكذلك الجوارح إذا اشتغلت بغير الطاعة ~~لم يمكن شغلها بالطاعة إلا إذا فرغها من ضدها فكذلك القلب المشغول بمحبة ~~غير الله وإرادته والشوق إليه والأنس به إلا يمكن شغله بمحبة الله واردته ~~وحبه والشوق إلى لقائه لا بتفريغه من تعلقه بغيره ولا حركة اللسان بذكره ~~والجوارح بخدمته إلا إذا فرغها من ذكر غيره وخدمته فإذا امتلأ القلب بالشغل ~~بالمخلوق والعلوم التي لا تنفع لم يبقى فيها موضع للشغل بالله ومعرفة ~~أسمائه وصفاته وأحكامه وسر ذلك أن إصغاء القلب كإصغاء الأذن فإذا صغى إلى ~~غير حديث الله لم يبق فيه إصغاء ولا فهم لحديثه كما إذا مال إلى غير محبة ~~الله لم يبق فيه ميل إلى محبته فإذا نطق القلب بغير ذكره لم يبق فيه محل ~~للنطق بذكره كاللسان ولهذا في الصحيح عن النبي أنه قال لأن يمتلىء جوف ~~أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلىء # PageV01P029 # شعرا فبين أن الجوف يمتلىء بالشعر فكذلك يمتلىء بالشبه والشكوك والخيالات ~~والتقديرات التي لا وجود لها والعلوم التي لا تنفع والمفاكهات والمضاحكات ~~والحكايات ونحوها وإذا امتلأ القلب بذلك جاءته حقائق القرآن والعلم الذي به ~~كماله وسعادته فلم تجد فيه فراغا لها ولا قبولا فتعدته وجاوزته إلى محل ~~سواه كما إذا بذلت النصيحة لقلب ملآن من ضدها لا منفذ لها فيه فإنه فيه لا ~~يقبلها ولا تلج فيه لكن تمر مجتازة لا مستوطنة ولذلك قيل # نزه فؤادك من سوانا تلقنا ... فجنابنا حل لكل منزه # والصبر طلسم لكنز ms025 وصالنا ... من حل ذا الطلسم فاز بكنزه وبالله التوفيق ### | فائدة قوله تعالى ألهاكم التكاثر إلى آخرها أخلصت هذه السورة للوعد # الوعيد والتهديد وكفى بها موعظة لمن عقلها فقوله تعالى ألهاكم أي شغلكم ~~على وجه لا تعتذرون فيه فإن الإلهاء عن الشيء هو الاشتغال عنه فإن كان بقصد ~~فهو محل التكليف وإن كان بغير قصد كقوله في الخميصة إنها ألهتني آنفا عن ~~صلاتي كان صاحبه معذورا وهو نوع من النسيان وفي الحديث فلها عن الصبي أي ~~ذهل عنه ويقال لها بالشيء أي اشتغل به ولها عنه إذا انصرف عنه واللهو للقلب ~~واللعب للجوارح ولهذا يجمع بينهما ولهذا كان قوله ألهاكم التكاثر أبلغ في ~~الذم من شغلكم فإن العامل قد يستعمل جوارحه بما يعمل وقلبه غير لاه به ~~فاللهو هو ذهول وإعراض والتكاثر تفاعل من الكثرة أي مكاثرة بعضكم لبعض ~~وأعرض عن ذكر المتكاثر به إرادة لإطلاقه وعمومه وأن كل ما يكاثر به العبد ~~غيره سوى طاعة الله ورسوله وما يعود عليه بنفع معاده فهو داخل في هذا ~~التكاثر فالتكاثر في كل شيء من مال أو جاه أو رياسة أو نسوة أو حديث أو # PageV01P030 # علم ولا سيما إذا لم يحتج إليه والتكاثر في الكتب والتصانيف وكثرة ~~المسائل وتفريعها وتوليدها والتكاثر أن يطلب الرجل أن يكون أكثر من غيره ~~وهذا مذموم إلا فيما يقرب إلى الله فالتكاثر فيه منافسة في الخيرات ومسابقة ~~إليها وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن الشخير أنه انتهى إلى النبي وهو ~~يقرأ ألهاكم التكاثر قال يقول ابن آدم مالي وهل لك من مالك إلا ما تصدقت ~~فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت تنبيه # من لم ينتفع بعينه لم ينتفع بأذنه للعبد ستر بينه وبين الله وستر بينه ~~وبين الناس فمن هتك الستر الذي بينه وبين الله حقك الله الستد الذي بينه ~~وبين الناس للعبد رب هو ملاقيه وبيت هو ساكنه فينبغي له أن يسترضي ربه قبل ~~لقائه ويعمر بيته قبل انتقاله إليه إضاعة الوقت أشد من ms026 الموت لأن إضاعة ~~الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها الدنيا ~~من أولها إلى آخرها لا تساوي غم ساعة فكيف بغم العمر محبوب اليوم يعقب ~~المكروه غدا ومكروه اليوم يعقب المحبوب غدا أعظم الربح في الدنيا أن تشغل ~~نفسك كل وقت بما هو أولى بها وأنفع لها في معادها كيف يكون عاقلا من باع ~~الجنة بما فيها بشهوة ساعة يخرج العارف من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين ~~بكاؤه على نفسه وثناؤه على ربه المخلوق إذا خفته استوحشت منه وهربت منه ~~والرب تعالى إذا خفته أنست به وقربت إليه لو نفع العلم بلا عمل لما ذم الله ~~سبحانه أحبار أهل الكتاب ولو نفع العمل بلا إخلاص لما ذم المنافقين دافع ~~الخطرة فإن لم تفعل صارت فكرة فدافع الفكرة فان لم تفعل صارت شهوة فحاربها ~~فإن لم تفعل صارت عزيمة وهمة فإن لم تدافعها صارت فعلا فإن لم تتداركه بضده ~~صار عادة فيصعب عليك الانتقال عنها التقوى ثلاث مراتب إحداها حمية القلب ~~والجوارح عن الآثام # PageV01P031 # والمحرمات الثانية حميتها عن المكروهات الثالثة الحمية عن الفضول وما لا ~~يعني فالأولى تعطي العبد حياته والثانية تفيده صحته وقوته والثالثة تكسبه ~~سروره وفرحه وبهجته # غموض الحق حين تذب عنه ... يقلل ناصر الخصم المحق # تضل عن الدقيق فهو م قوم ... فتقضي للمجل على المدق # بالله أبلغ ما أسعى وأدركه ... لابي ولا يشفع لي من الناس # إذا أيست وكاد اليأس يقطعني ... جاء الرجا مسرعا من جانب اليأس # من خلقه الله للجنة لم تزل هداياها تأتيه من المكاره ومن خلقه للنار لم ~~تزل هداياها تأتيه من الشهوات لما طلب آدم الخلود في الجنة من جانب الشجرة ~~عوقب بالخروج منها ولما طلب يوسف الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤيا لبث ~~فيه بضع سنين إذا جرى على العبد مقدور يكرهه فله فيه ستة مشاهد أحدها مشهد ~~التوحيد وأن الله هو الذي قدره وشاءه وخلقه وما شاء الله كان وما لم يشاء ~~لم يكن الثاني مشهد ms027 العدل وأنه ماض فيه حكمه عدل فيه قضاؤه الثالث مشهد ~~الرحمة وأن رحمته في هذا المقدور غالبه لغضبه وانتقامه ورحمته حشوه الرابع ~~مشهد الحكمة وأن حكمته سبحانه اقتضت ذلك لم يقدره سدى ولا قضاه عبثا الخامس ~~مشهد الحمد وأن له سبحانه الحمد التام على ذلك من جميع وجوهه السادس مشهد ~~العبودية وأنه عبد محض من كل وجه تجري عليه أحكام سيده وأقضيته بحكم كونه ~~ملكه وعبده فيصرفه تحت أحكامه القدرية كما يصرفه تحت أحكامه الدينية فهو ~~محل لجريان هذه الأحكام عليه # قلة التوفيق وفساد الرأي وخفاء الحق وفساد القلب وخمول الذكر وإضاعة ~~الوقت ونفرة الخلق والوحشة بين العبد وبين ربه ومنع إجابة الدعاء وقسوة ~~القلب ومحق البركة في الرزق والعمر وحرمان العلم ولباس الذل وإهانة العدو ~~وضيق # PageV01P032 # الصدر والابتلاء بقرناء السوء الذين يفسدون القلب ويضيعون الوقت وطول ~~الهم والغم وضنك المعيشة وكسف البال تتولد من المعصية والغفلة عن ذكر الله ~~كما يتولد الزرع عن الماء والإحراق عن النار وأضداد هذه تتولد عن الطاعة ### | فصل طوبى لمن أنصف ربه فأقر له بالجهل في علمه والآفات في عمله # والعيوب في نفسه والتفريط في حقه والظلم في معاملته فإن آخذه بذنوبه رأى ~~عدله وإن لم يؤاخذه بها رأى فضله وإن عمل حسنة رآها من منته وصدقته عليه ~~فإن قبلها فمنة وصدقة ثانية وإن ردها فلكون مثلها لا يصلح أن يواجه به وإن ~~عمل سيئة رآها من تخليه عنه وخذلانه له وإمساك عصمته عنه وذلك من عدله فيه ~~فيرى في ذلك فقره إلى ربه وظلمه في نفسه فإن غفرها له فبمحض إحسانه وجوده ~~وكرمه ونكتة المسألة وسرها أنه لا يرى ربه الامحسنا ولا يرى نفسه إلا مسيئا ~~أو مفرطا أو مقصرا فيرى كل ما يسره من فضل ربه عليه وإحسانه إليه وكل ما ~~يسوءه من ذنوبه وعدل الله فيه المحبون إذا خربت منازل أحبائهم قالوا سقيا ~~لسكانها وكذلك المحب إذا أتت عليه الأعوام تحت التراب ذكر حينئذ حسن طاعته ~~في الدنيا وتودده اليه وتجدد ms028 رحمته وسقياه لمن كان ساكنا في تلك الأجسام ~~البالية ### | فائدة الغيرة غيرتان غيرة على الشيء وغيرة من الشيء فالغيرة على # المحبوب حرصك عليه والغيرة من المكروه أن يزاحمك عليه فالغيرة على ~~المحبوب لا تتم إلا بالغيرة من المزاحم وهذه تحمد حيث يكون المحبوب تقبح ~~المشاركة في حبه كالمخلوق وأما من تحسن المشاركة في حبه كالرسول والعالم بل ~~الحبيب القريب سبحانه فلا # PageV01P033 # يتصور غيرة المزاحمة عليه بل هو حسد والغيرة المحمودة في حقه أن يغار ~~المحب على محبته له أن يصرفها إلى غيره أو يغار عليها أن يطلع عليها الغير ~~فيفسدها عليه أو يغار على أعماله أن يكون فيها شيء لغير محبوبه أو يغار ~~عليها أن يشوبها ما يكره محبوبه من رياء أو إعجاب أو محبة لإشراف غيره ~~عليها أو غيبته عن شهود منته عليه فيها # وبالجملة فغيرته تقتضي أن تكون أحواله وأعماله وأفعاله كلها لله وكذلك ~~يغار على أوقاته أن يذهب منها وقت في غير رضى محبوبه فهذه الغيرة من جهة ~~العبد وهي غيرة من المزاحم له المعوق القاطع له عن مرضاة محبوبه وأما غيرة ~~محبوبه عليه فهي كراهية أن ينصرف قلبه عن محبته إلى محبة غيره بحيث يشاركه ~~في حبه ولهذا كانت غيرة الله أن يأتي العبد ماحرم عليه ولأجل غيرته سبحانه ~~حرم الفاحشة ما ظهر منها وما بطن لأن الخلق عبيده وإماؤه فهو يغار على ~~إمائه كما يغار السيد على جواريه ولله المثل الأعلى ويغار على عبيده أن ~~تكون محبتهم لغيره بحيث تحملهم تلك المحبة على عشق الصور ونيل الفاحشة منها # من عظم وقار الله في قلبه أن يعصيه وقره الله في قلوب الخلق أن يذلوه إذا ~~علقت شروش المعرفة في أرض القلب نبتت فيه شجرة المحبة فإذا تمكنت وقويت ~~أثمرت الطاعة فلا تزال الشجرة تؤتي أكلها كل حين باذن الله ربها أول منازل ~~القوم اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا وأوسطها هو الذي يصلي ~~عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى والنور وآخرها تحيتهم يوم يلقونه ~~سلام ms029 أرض الفطرة رحبة قابلة لما يغرس فيها فإن غرست شجرة الإيمان والتقوى ~~أورثت حلاوة الأبد وإن غرست شجرة الجهل والهوى فكل الثمر من ارجع إلى الله ~~واطلبه من عينك وسمعك وقلبك ولسانك ولا تشرد عنه من هذه الأربعة فما رجع من ~~رجع إليه بتوفيقه إلا منها وما شرد من شرد عنه بخذلانه إلا منها فالموفق ~~يسمع ويبصر ويتكلم ويبطش بمولاه والمخذول يصدر ذلك عنه بنفسه وهواه # PageV01P034 # مثال تولد الطاعة ونموها وتزايدها كمثل نواة غرستها فصارت شجرة ثم أثمرت ~~فأكلت ثمرها وغرست نواها فكلما أثمر منها شيء جنيت ثمره وغرست نواه وكذلك ~~تداعي المعاصي فليتدبر اللبيب هذا المثال فمن ثواب الحسنة الحسنة بعدها ومن ~~عقوبة السيئة السيئة بعدها ليس العجب من مملوك يتذلل لله ويتعبد له ولا يمل ~~من خدمته مع حاجته وفقره إليه إنما العجب من مالك يتحبب إلى مملوكه بصنوف ~~إنعامه ويتودد إليه بأنواع إحسانه مع غناه عنه كفى بك عزا أنك له عبد ... ~~وكفى بك فخرا أنه لك رب ### | فصل اياك والمعاصي فانها أزالت عز اسجدوا # وأخرجت إقطاع أسكن يا لها لحظة أثمرت حرارة القلق ألف سنة مازال يكتب بدم ~~الندم سطور الحزن في القصص ويرسلها مع أنفاس الأسف حتى جاءه توقيع فتاب ~~عليه فرح إبليس بنزول آدم من لجنة وما علم أن هبوط الغائص في اللجة خلف ~~الدر صعود كم بين قوله لآدم {إني جاعل في الأرض خليفة} وقوله لك {اذهب فمن ~~تبعك منهم} ما جرى على آدم هو المراد من وجوده لو لم تذنبوا يا آدم لا تجزع ~~من قولي لك اخرج منها فلك ولصالح ذريتك خلفتها يا آدم كنت تدخل علي دخول ~~الملوك على الملوك واليوم تدخل علي دخول العبيد على الملوك يا آدم لا تجزع ~~من كأس زلل كانت سبب كيسك فقد استخرج منك داء العجب وألبست خلعة العبودية ~~وعسى أن تكرهوا يا آدم لم أخرج إقطاعك إلى غيرك إنما نحيتك عنه لا كمل ~~عمارته لك وليبعث إلى العمال نفقة تتجافى جنوبهم تالله ما ms030 نفعه عند معصيته ~~عز # اسجدوا ولا شرف وعلم آدم ولا خصيصة لما خلقت بيدي ولا فخر {ونفخت فيه من ~~روحي} وإنما انتفع بذل {ربنا ظلمنا أنفسنا} لما لبس درع التوحيد على بدن ~~الشكر وقع سهم العدو منه في غير مقتل # PageV01P035 # فجرحه فوضع عليه جبار الانكسار فعاد كما كان فقام الجريح كأن لم يكن به ~~قلبة فصل # نجائب النجاة مهيأة للمراد واقدم المطرود موثوقة بالقيود هبت عواصف ~~الأقدار في بيداء الأكوان فتقلب الوجود ونجم الخير فلما ركدت الريح إذا أبو ~~طالب غريق في لجة الهلاك وسلمان على ساحل السلامة والوليد بن # PageV01P036 # المغيرة يقدم قومه في التيه وصهيب قد قدم بقافلة الروم والنجاشي في أرض # PageV01P038 # الحبشة يقول لبيك اللهم لبيك وبلال ينادي الصلاة خير من النوم # PageV01P039 # وأبو جهل في رقدة المخالفة لما قضى في القدم بسابقة سلمان عرج به دليل ~~التوفيق عن طريق آبائه في التمجس فأقبل يناظر أباه في دين الشرك فلما علاه ~~بالحجة لم يكن له جواب إلا القيد وهذا جواب يتداوله أهل الباطل من يوم ~~حرفوه وبه أجاب فرعون موسى لئن اتخذت إلها غيري وبه أجاب الجهمية الإمام ~~أحمد لما عرضوه على السياط وبه أجاب أهل البدع شيخ الإسلام حين استدعوه ~~السجن وها نحن على الأثر فنزل به ضيف ولنبلونكم فنال بإكرامه مرتبة سلمان ~~منا أهل البيت فسمع أن ركبا على نية السفر فسرق نفسه من أبيه ولا قطع فركب ~~راحلة العزم يرجو إدراك مطلب السعادة فغاص في بحر البحث ليقع بدرة الوجود ~~فوقف نفسه على خدمه الأدلاء وقوف الأذلاء فلما أحس الرهبان بانقراض دولتهم ~~سلموا إليه أعلام الأعلام على نبوة نبينا وقالوا إن زمانه قد أظل فاحذر أن ~~تضل فرحل مع رفقة لم يرفقوا به فشروه بثمن بخس دراهم معدودة فأتباعه يهودي ~~بالمدينة فلما رأى الحرة توقد حرا شوقه ولم يعلم رب المنزل بوجد النازل ~~فبينا هو يكابد ساعات الانتظار قدم البشير بقدوم البشير وسلمان في رأس نخلة ~~وكاد القلق يلقيه لولا أن الحزم أمسكه كما جرى يوم ms031 إن كادت لتبدي به لولا ~~أن ربطنا على قلبها فعجل النزول لتلقي ركب البشارة ولسان حاله يقول # خليلي من نجد قفا بي على الربا ... فقد هب من تلك الديار نسيم فصاح به ~~سيده مالك انصرف إلى شغلك فقال # كيف انصرافي ولي في داركم شغل # ثم أخذ لسان حاله يترنم لو سمع الأطروش خليلي لا والله ما أنا منكما ... ~~إذا علم من آل ليلى بداليا # PageV01P040 # فلما لقي الرسول عارض نسخة الرهبان بكتاب الأصل فوافقه يا محمد أنت تريد ~~أبا طالب ونحن نريد سلمان أبو طالب إذا سئل عن اسمه قال عبد مناف وإذا ~~انتسب افتخر بالآباء واذاذكرت الأموال عبد الإبل وسلمان إذا سئل عن اسمه ~~قال عبد الله وعن نسبه قال ابن الإسلام وعن ماله قال الفقر وعن حانوته قال ~~المسجد وعن كسبه قال الصبر وعن لباسه قال التقوى والتواضع وعن وساده قال ~~السهر وعن فخره قال سلمان منا وعن قصده قال يريدون وجهه وعن سيره قال إلى ~~الجنة وعن دليله في الطريق قال إمام الخلق وهادئ الأئمة # إذا نحن ادلجن وأنت إمامنا ... كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا # وإن نحن أضللنا الطريق ولم نجد ... دليلا كفانا نور وجهك هاديا # الذنوب جراحات ورب جرح وقع في مقتل لو خرج عقلك من سلطان هواك عادت ~~الدولة له دخلت دار الهوى فقامرت بعمرك إذا عرضت نظرة لا تحل فاعلم أنها ~~مسعر حرب فاستتر منها بحجاب قل للمؤمنين فقد سلمت من الأثر وكفى الله ~~المؤمنين القتال بحر الهوى إذا مد أغرق وأخوف المنافذ على السابح فتح البصر ~~في الماء # ما أحد أكرم من مفرد ... في قبره أعماله تونسه # منعما في القبر في روضة ... ليس كعبده قبره محبسه # على قدر فضل المرء يأتي خطوبه ... ويعرف عند الصبر فيما يصيبه # ومن قل فيما يتقيه اصطباره ... فقد قل مما يرتجيه نصيبه # كم قطع زرع قبل التمام فما ظن الزرع المستحصد اشتر نفسك فالسوق قائمة ~~والثمن موجود لابد من سنة الغفلة ورقاد الهوى ولكن كن خفيف النوم فحراس ~~البلد ms032 يصيحون دنا الصباح نور العقل يضيء في ليل الهوى فتلوح جادة الصواب ~~فيتلمح البصير في ذلك النور عواقب الأمور أخرج بالعزم من هذا # PageV01P041 # الفناء الضيق المحشو بالآفات إلى ذلك الفناء الرحب الذي فيه مالا عين رأت ~~فهناك لا يتعذر مطلوب ولا يفقد محبوب يا بائعا نفسه بهوى من حبه ضنا ووصله ~~أذى وحسنه إلى فنا لقد بعت أنفس الأشياء بثمن بخس كأنك لم تعرف قدر السلعة ~~وبلا خسة الثمن حتى إذا قدمت يوم التغابن تبين لك ان الغبن في عقد التبايع ~~لا إله إلا الله سلعة الله مشتريها وثمنها الجنة والدلال الرسول ترضى ~~ببيعها بجزء يسير مما لا يساوي كله جناح بعوضة # إذا كان شيء لا يساوي جميعه ... جناح بعوضة عند من صرت عبده # ويملك جزء منه كلك ما الذي ... يكون على ذا الحال قدرك عنده # وبعت به نفسا قد استامها بما ... لديه من الحسنى وقد زال وده # يا مخنت العزم أين أنت والطريق طريق تعب فيه آدم وناح لأجله نوح ورمي في ~~النار الخليل وأضجع للذبح إسماعيل وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع ~~سنين ونشر بالمنشار زكريا وذبح السيد الحصور يحيى وقاسى الضر أيوب وزاد على ~~المقدار بكاء داود وسار مع الوحش عيسى وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد تزها ~~أنت باللهو واللعب # فيا دارها بالحزن ان مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال # الحرب قائمة وأنت أعزل في النظارة فإن حركت ركابك فللهزيمة من لم يباشر ~~حر الهجير في طلاب المجد لم يقل في ظلال الشرف # تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ... ولم تدارني للمقام أطوف # قيل لبعض العباد إلى كم تتعب نفسك فقال راحتها أريد يا مكر ما بجلة # PageV01P042 # الإيمان بعد حلة العافية وهو يخلقهما في مخالفة الخالق لا تنكر السلب ~~يستحق من استعمل نعمة المنعم فيما يكره أن يسلبها عرائس الموجودات قد تزينت ~~للناظرين ليبلوهم أيهم يؤثرهن على عرائس الآخرة فمن عرف قدر التفاوت آثر ما ~~ينبغي إيثاره # وحسان الكون لما أن بدت ... أقبلت نحوي وقالت لي ms033 إلي # فتعاميت كأن لم أرها ... عندما أبصرت مقصودي لدي # كواكب هم العارفين في روج عزائمهم سيارة ليس فيها زحل يا من انحرف عن ~~جادتهم كن في أواخر الركب ونم إذا نمت على الطريق فالأمير يراعي الساقة قيل ~~للحسن سبقنا القوم على خيل دهم ونحن على حمر معقرة فقال إن كنت على طريقهم ~~فما أسرع اللحاق بهم ### | فائدة من فقد أنسه بالله بين الناس ووجده في الوحدة فهو صادق ضعيف # ومن وجده بين الناس وفقده في الخلوة فهو معلول ومن فقده بين الناس وفي ~~الخلوة فهو ميت مطرود ومن وجده في الخلوة وفي الناس فهو المحب الصادق القوي ~~في حاله ومن كان فتحه في الخلوة لم يكن مزيده إلا منها ومن كان فتحه بيت ~~الناس ونصحهم وإرشادهم كان مزيده معهم ومن كان فتحه في وقوفه مع مراد الله ~~حيث أقامه وفي أي شيء استعمله كان مزيده في خلوته ومع الناس فأشرف الأحوال ~~أن لا تختار لنفسك حالة سوى ما يختاره لك ويقيمك فيه فكن مع مراده منك ولا ~~تكن مع مرادك منه مصابيح القلوب الطاهرة في أصل الفطرة منيرة قبل # PageV01P043 # الشرائع يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار وحد قس وما رأى الرسول وكفر ~~ابن أبي وقد صلى معه في المسجد مع الص بري ولا ماء وكم من عطشان في اللجة ~~سبق العلم بنبوة موسى وإيمان آسية فسيق تابوته إلى بيتها فجاء طفل منفرد عن ~~أم إلى امرأة خالية عن ولد فلله كم في هذه القصة من عبرة كم ذبح فرعون في ~~طلب موسى من ولد ولسان القدر يقول لا نربيه إلا في حجرك # PageV01P044 # كان ذو البجادين يتيما في الصغر فكفله عمه فنازعته نفسه إلى اتباع الرسول ~~فهم بالنهوض فإذا بقية المرض مانعة فقعد ينتظر العم فلما تكاملت صحته نفذ ~~الصبر فناداه ضمير الوجد # إلى كم حبسها تشكو المضيقا ... أثرها ربما وجدت طريقا # فقال يا عم طال انتظاري لإسلامك وما أرى منك نشاطا فقال والله لئن أسلمت ~~لأنتزعن كل ما أعطيتك ms034 فصاح لسان الشوق نظرة من محمد أحب إلي من الدنيا وما ~~فيها # ولو قيل للمجنون ليلى ووصلها ... تريد أم الدنيا وما في طواياها # لقال تراب من غبار نعالها ... ألذ إلى نفسي وأشفى لبلواها # فلما تجرد للسير إلى الرسول جرده عمه من الثياب فناولته الأم بجادا فقطعه ~~لسفر الوصل نصفين اتزر بأحدهما با وارتدي بالآخر فلما نادى صائح الجهاد قنع ~~أن يكون في سافة الأحباب والمحب لا يرى طول الطريق لأن المقصود يعينه # ألا بلغ الله الحمى من يريده ... وبلغ أكناف الحمى من يريدها # فلما قضى نحبه نزل الرسول يمهد لد لحده وجعل يقول اللهم إني أمسيت عنه ~~راضيا فارض عنه فصاح ابن مسعود يا ليتني كنت صاحب القبر # فيا مخنث العزم أقل ما في الرقعة البيذق فلما نهض تفرزن رأى بعض # PageV01P045 # الحكماء برذونا يسقى عليه فقال لو هملج هذا الركب أقدام العزم بالسلوك ~~اندفع من بين أيديها سد القواطع القواطع محن يتبين بها الصادق من الكاذب ~~فإذا خضتها انقلبت أعوانا لك توصلك إلى المقصود ### | فصل الدنيا كامرأة بغي لا تثبت مع زوج إنما تخطب الأزواج ليستحسنوا # عليها فلا ترضى بالدياثة # ميزت بين جمالها وفعالها ... فإذا الملاحة بالقباحة لا تفي # حلفت لنا أن لا تخون عهودنا ... فكأنها حلفت لنا أن لا تفي # السير في طلبها سير في أرض مسبعة والسباحة فيها سباحة في غدير التمساح ~~المفروح به منها هو عين المحزون عليه آلامها متولدة من لذاتها وأحزانها من ~~أفراحها # مآرب كانت في الشباب لأهلها ... عذاب فصارت في المشيب عذابا # طائر الطبع يرى الحبة وعين العقل ترى الشرك غير أن عين الهوى عميا # وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا # تزخرفت الشهوات لأعين الطباع فغض عنها الذين يؤمنون بالغيب ووقع تابعوها ~~في بيداء الحسرات وباؤلئك على هدى من ربهم واؤلئك هم المفلحون وهؤلاء يقال ~~لهم {كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون} لما عرف الموفقون قدر الحياة الدنيا ~~وقلة المقام فيها أما وافيها الهوى طلبا لحياة الأبد لما استيقظوا ms035 من نوم ~~الغفلة استرجعوا بالجد ما انهبه العدو منهم في زمن البطالة فلما طالت عليهم ~~الطريق تلمحوا المقصد فقرب عليهم البعيد وكلما أمرت لهم الحياة حلى لهم ~~تذكر {هذا يومكم الذي كنتم توعدون} # وركب سروا الليل ملق رواقه ... على كل مغبر المطالع قائم # حدوا عزمات ضاعت الأرض بينها ... فصار سراهم في طلوع العزائم # PageV01P046 # تريهم نجوم الليل ما يتبعونه ... على عاتق الشعري وهام النعائم # إذا اطردت في معرك الجد قصفوا ... رماح العطايا في صدور المكارم ### | فصل من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه وأن تسمع داعيه ثم # تتأخر عن الإجابة وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعمل غيره وأن تعرف ~~قدر غضبه ثم تتعرض له وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس ~~بطاعته وأن تذوق عصرة القلب عند الخوض في غير حديثه والحديث عنه ثم لا ~~تشتاق إلى انشراح الصدر بذكره ومناجاته وأن تذوق العذاب عند تعلق القلب ~~بغيره ولا تهرب منه إلى نعيم الإقبال عليه والإنابة إليه وأعجب من هذا علمك ~~أنك لابد لك منه وأنك أحوج شيء إليه وأنت عنه معرض وفيما يبعدك عنه راغب ### | فائدة ما أخذ العبد ما حرم عليه إلا من جهتين إحداهما سوء ظنه # بربه وأنه لو أطاعه وآثره لم يعطه خيرا منه حلالا والثانية أن يكون عالما ~~بذلك وأن من ترك لله شيئا أعاضه خيرا منه ولكن تغلب شهوته صبره وهواه عقل ~~فالأول من ضعف علمه والثاني من ضعف عقله وبصيرته قال يحي بن معاذ من جمع ~~الله عليه قلبه في الدعاء لم يرده قلت إذا اجتمع عليه قلبه وصدقت ضرورته ~~وفاقته وقوي رجاؤه فلا يكاد يرد دعاؤه ### | فصل لما رأى المتيقظون سطوة لدنيا بأهلها وخداع الأمل لأربابه وتملك # الشيطان وقياد النفوس رأوا الدولة للنفس الأمارة لجأوا إلى حصن التضرع ~~والالتجاء كما # PageV01P047 # يأوي العبد المذعور إلى حرم سيده سيده شهوات الدنيا كلعب الخيال ونظر ~~الجاهل مقصور على الظاهر فأما ذو العقل فيرى ما ووراء الستر لاح لهم ~~المشتهى فلما ms036 مدوا أيدي التناول بأن لابصار البصائر خبط الفخ فطاروا بأجنحة ~~الحذر وصوبوا إلى الرحيل الثاني ياليت قومي يعلمون تلمح القوم الوجود ~~ففهموا المقصود فأجمعوا الرحيل قبل الرحيل وشمروا للسير في سواء السبيل ~~فالناس مشتغلون بالفضلات وهم في قطع الفلوات وعصافير الهوى في وثاق الشبكة ~~ينتظرون الذبح وقع ثعلبان في شبكة فقال أحدهما للآخر أين الملتقى بعد هذا ~~فقال بعد يومين في الدباغة تالله ما كانت الأيام الا مناما فليستيقظوا وقد ~~حصلوا على الظفر ما مضى من الدنيا أحلام وما بقي منها أماني والوقت ضائع ~~بينهما # كيف يسلم من له زوجة لا ترحمه وولد لا يعذره وجار لا يأمنه وصاحب لا ~~ينصحه وشريك لا ينصفه وعدو لا ينام عن معاداته ونفس أمارة بالسوء ودنيا ~~متزينة وهوى مرد وشهوة غالبة له وغضب قاهر وشيطان مزين وضعف مستول عليه فإن ~~تولاه الله وجذبه إليه انقهرت له هذه كلها وان تخلى عنه ووكله إلى نفسه ~~اجتمعت عليه فكانت الهلكة # لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما واعتقدوا عدم ~~الاكتفاء بهما وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ عرض لهم ~~من ذلك فساد في فطرهم وظلمة في قلوبهم وكدر في أفهامهم ومحق في عقولهم ~~وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتى ربي فيها الصغير وهرم عليها الكبير فلم ~~يروها مكرا فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البدع مقام السنن والنفس مقام ~~العقل والهوى مقام الرشد والظلال مقام الهدى والمنكر مقام المعروف والجهل ~~مقام العلم والرياء مقام الإخلاص والباطل مقام الحق والكذب مقام الصدق ~~والمداهنة مقام النصيحة والظلم مقام العدل فصارت الدولة # PageV01P048 # والغلبة لهذه الأمور وأهلها هم المشار إليهم وكانت قبل ذلك لأضدادها وكان ~~أهلها هم المشار إليهم # فإذا رأيت دولة هذه الأمور قد أقبلت وراياتها قد نصبت وجيوشها قد ركبت ~~فبطن الأرض والله خير من ظهرها وقلل الجبال خير من السهول ومخالطة الوحش ~~أسلم من مخالطة الناس # اقشعرت الأرض وأظلمت السماء وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة ~~وذهبت البركات وقلت الخيرات وهزلت الوحوش ms037 وتكدرت الحياة من فسق الظلمة وبكى ~~ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة وشكا الكرام ~~الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبايح وهذا ~~والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه ومؤذن بليل بلاء قد ادلهم ظلامه ~~فاعزلوا عن طريق هذا السبيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح ~~وكأنكم بالباب وقد أغلق وبالرهن وقد غلق وبالجناح وقد علق {وسيعلم الذين ~~ظلموا أي منقلب ينقلبون} # اشتر نفسك اليوم فإن السوق قائمة والثمن موجود والبضائع رخيصة وسيأتي على ~~تلك السوق والبضايع يوم لا تصل فيها إلى قليل ولا كثير ذلك يوم التغابن يوم ~~يعض الظالم على يديه # إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... وأبصرت يوم الحشر من قد تزودا # ندمت على أن لا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد كما كان أرصدا # العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملا يثقله ولا ينفعه ~~إذا حملت على القلب هموم الدنيا وأثقالها وتهاونت بأوراده التي هي قوته ~~وحياته كنت كالمسافر الذي يحمل دابته فوق طاقتها ولا يوفيها علفها فما أسرع ~~ما تقف به # ومشتت العزمات ينفق عمره ... حيران لا ظفر ولا إخفاق # PageV01P049 # هل السائق العجلان يملك أمره ... فما كل سير اليعملات وحيد # رويدا بأخفاف المطى فإنما ... تداس جباه تحتها وخدود # من تلمح حلاوة العافية هان عليه مرارة الصبر الغاية أول في التقدير آخر ~~في الوجود مبدأ في نظر العقل منتهى في منازل الوصول ألفت عجز العادة فلو ~~علت بك همتك ربا المعالي لاحت لك أنوار العزائم إنما تفاوت القوم بالهمم لا ~~بالصور تزول همة الكساح دلاه في جب العذرة بينك وبين الفائزين جبل الهوى ~~نزلوا بين يديه ونزلت خلفه فاطو فضل منزل تلحق بالقوم الدنيا مضمار سباق ~~وقد انعقد الغبار وخفي السابق والناس في المضمار بين فارس وراجل وأصحاب حمر ~~معقرة # سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار # في الطبع شره والحمية أوفق لص الحرص لا يمشي إلا في ظلام الهوى حبة ~~المشتهى تحت فخ ms038 التلف فتفكر الذبح وقد هان الصبر قوة الطمع في بلوغ الأمل ~~توجب الاجتهاد في الطلب وشدة الحذر من فوت المأمول البخيل فقير لا يؤجر على ~~فقره الصبر على عطش الضر ولا الشرب من شرعة من تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها ~~لا تسأل سوى مولاك فسؤال العبد غير سيده تشنيع عليه غرس الخلوة يثمر الأنس ~~استوحش مما لا يدوم معك واستأنس بمن لا يفارقك عزلة الجاهل فساد وأما عزلة ~~العالم فمعها حذاؤها وسقاؤها إذا اجتمع العقل واليقين في بيت العرلة ~~واستحضر الفكر وجرت بينهم مناجاة # أتاك حديث لا يمل سماعه ... شهى إلينا نثره ونظامه # إذا ذكرته النفس زال عناؤها ... وزال عن القلب المعنى ظلامه # إذا خرجت من عدوك لفظة سفه فلا تلحقها بمثلها تلقحها ونسل الخصام نسل ~~مذموم حميتك لنفسك أثر الجهل بها فلو عرفتها حق معرفتها أعنت الخصم عليها ~~إذا اقتدحت نار الانتقام من نار الغضب ابتدأت بإحراق القادح أوثق # PageV01P050 # غضبك بسلسلة الحلم فإنه كلب إن أفلت أتلف من سبقت له سابقة السعادة دل ~~على الدليل قبل الطلب إذا أراد القدر شخصا بذر في أرض قلبه بذر التوفيق ثم ~~سقاه بماء الرغبة والرهبة ثم أقام عليه بأطوار المراقبة واستخدم له حارس ~~العلم فإذا الزرع قائم على سوقه إذا طلع نجم الهمة في ظلام ليل البطالة ~~وردفه قمر العزيمة أشرقت أرض القلب بنور ربها إذا جن الليل تغالب النوم ~~والسهر فالخوف والشوق في مقدم عسكر اليقظة والكسل والتواني في كتيبة الغفلة ~~فإذا حمل العزم حمل على الميمنة وانهزمت جنود التفريط فما يطلع الفجر إلا ~~وقد قسمت السهمان وبردت الغنيمة لأهلها سفر الليل لا يطيقه إلا مضمر ~~المجاعة النجائب في الأول وحاملات الزاد في الأخير لا تسأم من الوقوف على ~~الباب ولو طردت ولا تقطع الاعتذار ولو رددت فإن فتح الباب للمقبولين دونك ~~فاهجم هجوم الكذابين وادخل دخول الطفيلية وابسط كف وتصدق علينا يا مستفتحا ~~باب المعاش بغير إقليد التقوى كيف توسع طريق الخطايا وتشكو ضيق الرزق ولو ~~وقفت عند مراد التقوى ms039 لم يفتك مراد المعاصي سد في باب الكسب وإن العبد ~~ليحرم الرزق بالذنب يصيبه # تالله ما جئتكم زائرا ... إلا وجدت الأرض تطوي لي # ولا انثنى عزمي عن بابكم ... إلا تعثرت بأذيالي # الأرواح في الأشباح كالأطيار في الأبراج وليس ما أعد للاستفراخ كمن هيء ~~للسباق من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه من ~~العمل وبأي شغل يشغله كن من أبناء الآخرة ولا تكن من أبناء الدنيا فإن ~~الولد يتبع الأم الدنيا لا تساوي نقل أقدامك إليها فكيف تعدو خلفها الدنيا ~~جيفة والأسد لا يقع على الجيف الدنيا مجاز والآخرة وطن والأوطار إنما تطلب ~~في الأوطان # الاجتماع بالإخوان قسمان أحدهما اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت فهذا # PageV01P051 # مضرته أرجح من منفعته وأقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت الثاني ~~الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر فهذا من ~~أعظم الغنيمة وأنفعها ولكن فيه ثلاث آفات احداها تزين بعضهم لبعض الثانية ~~الكلام والخلطة أكثر من الحاجة الثالثة أن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها ~~عن المقصود وبالجملة فالاجتماع والخلطة لقاح أما للنفس الأمارة وأما للقلب ~~والنفس المطمئنة والنتيجة مستفادة من اللقاح فمن طلب لقاحه طابت ثمرته ~~وهكذا الأرواح الطيبة لقاحها من الملك والخبيثة لقاحها من الشيطان وقد جعل ~~الله سبحانه بحكمته الطيبات للطيبين والطيبين للطيبات وعكس ذلك قاعدة # ليس في الوجود الممكن سبب واحد مستقل بالتأثير بل لا يؤثر سبب البتة إلا ~~بانضمام سبب آخر إليه وانتفاء مانع يمنع تأثيره هذا في الأسباب المشهودة ~~بالعيان وفي الأسباب الغائبة والأسباب المعنوية كتأثير الشمس في الحيوان ~~والنبات فإنه موقوف على أسباب أخر من وجود محل قابل وأسباب أخر تنضم إلى ~~ذلك السبب وكذلك حصول الولد موقوف على عدة أسباب غير وطء الفحل وكذلك جميع ~~الأسباب مع مسبباتها فكل ما يخاف ويرجى من المخلوقات فأعلى غاياته أن يكون ~~جزء سبب غير مستقل بالتأثير ولا يستقل بالتأثير وحده دون توقف تأثيره على ~~غيره إلا الله الواحد القهار فلا ms040 ينبغي أن يرجى ولا يخاف غيره وهذا برهان ~~قطعي على أن تعلق الرجاء والخوف بغيره باطل فإنه لو فرض أن ذلك سبب مستقل ~~وحده بالتأثير لكانت سببيته من غيره لا منه فليس له من نفسه قوة يفعل بها ~~فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله فهو الذي بيده الحول كله والقوة كلها فالحول ~~والقوة التي يرجى لأجلهما المخلوق ويخاف إنما هما لله وبيده في الحقيقة ~~فكيف يخاف ويرجى من لا حول له ولا قوة بل خوف المخلوق ورجاؤه أحد أسباب ~~الحرمان ونزول المكروه بمن يرجوه ويخافه فإنه على قدر خوفك من # PageV01P052 # غير الله يسلط عليك وعلى قدر رجائك لغيره يكون الحرمان وهذا حال الخلق ~~أجمعه وإن ذهب عن أكثرهم علما وحالا فما شاء الله كان ولا بد وما لم يشأ لم ~~يكن ولو اتفقت عليه الخليقة # التوحيد مفزع أعدائه وأوليائه فأما أعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا ~~وشدائدها {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى ~~البر إذا هم يشركون} وأما أولياؤه فينجيهم به من كربات الدنيا والآخرة ~~وشدائدها ولذلك فزع إليه يونس فنجاه الله من تلك الظلمات وفزع إليه أتباع ~~الرسل فنجوا به مما عذب به المشركون في الدنيا وما أعد لهم في الآخرة ولما ~~فزع إليه فرعون عند معاينة الهلاك وإدراك الغرق له لم ينفعه لأن الإيمان ~~عند المعاينة لا يقبل هذه سنة الله في عباده فما دفعت شدائد الدنيا بمثل ~~التوحيد ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد ودعوة ذي النون التي ما دعا بها ~~مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد فلا يلقى في الكرب العظام إلا الشرك ولا ~~ينجي منها إلا التوحيد فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها وبالله ~~التوفيق فائدة اللذة تابعة للمحبة تقوى بقوتها وتضعف بضعفها فكلما كانت ~~الرغبة في المحبوب والشوق إليه أقوى كانت اللذة بالوصول إليه أتم والمحبة ~~والشوق تابع لمعرفته والعلم به فكلما كان العلم به أتم كانت محبته أكمل ~~فإذا رجع كمال النعيم في الآخرة وكمال اللذة إلى العلم ms041 والحب فمن كان يؤمن ~~بالله وأسمائه وصفاته ودينه أعرف كان له أحب وكانت لذته بالوصول إليه ~~مجاورته والنظر الي جهه وسماع كلامه أتم وكل لذة ونعيم وسرور وبهجة ~~بالإضافة إلى ذلك كقطرة في بحر فكيف يؤثر من له عقل لذة ضعيفة قصيرة مشوبة ~~بالآلام على لذة عظيمة دائمة أبد الآباد وكمال العبد بحسب هاتين القوتين ~~العلم والحب وأفضل العلم العلم بالله وأعلى الحب الحب له وأكمل اللذة ~~بحسبهما والله المستعان # PageV01P053 # قاعدة # طالب الله والدار الآخرة لا يستقيم له سيره وطلبه إلا بحبسين حبس قلبه في ~~طلبه ومطلوبه وحبسه عن الالتفات إلى غيره وحبس لسانه عما لا يفيد وحبسه على ~~ذكر الله وما يزيد في إيمانه ومعرفته وحبس جوارحه عن المعاصي والشهوات ~~وحبسها على الواجبات والمندوبات فلا يفارق الحبس حتى يلقى ربه فيخلصه من ~~السجن إلى أوسع فضاء وأطيبه ومتى لم يصبر على هذين الحبسين وفر منهما إلى ~~فضاء الشهوات أعقبه ذلك الحبس الفظيع عند خروجه من الدنيا فكل خارج من ~~الدنيا إما متخلص من الحبس وإما ذاهب إلى الحبس وبالله التوفيق # ودع ابن عون رجلا فقال عليك بتقوى الله فإن المتقى ليست عليه وحشة وقال ~~زيد بن أسلم كان يقال من اتقى الله أحبه الناس وإن كرهوا وقال الثوري لابن ~~أبي ذئب إن اتقيت الله كفاك الناس وإن اتقيت الناس لن يغنوا عنك من الله ~~شيئا وقال سليمان بن داود أوتينا مما أوتي الناس ومما لم يؤتوا وعلمنا مما ~~علم الناس ومما لم يعلموا فلم نجد شيئا أفضل من تقوى الله في السر ~~والعلانية والعدل في الغضب والرضا والقصد في الفقر والغنى وفي الزهد للإمام ~~أحمد أثر إلهي ما من مخلوق اعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أسباب السموات ~~والأرض دونه فإن سألني لم أعطه وإن دعاني لم أجبه وإن استغفرني لم أغفر له ~~وما من مخلوق اعتصم بي دون خلقي إلا ضمنت السموات والأرض رزقه فإن سألني ~~أعطيته وإن دعاني أجبته وإن استغفرني غفرت له ### | فائدة جليلة جمع النبى بين ms042 تقوى الله وحسن الخلق لأن تقوى الله # يصلح ما بين العبد وبين ربه وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه فتقوى ~~الله توجب له محبة الله وحسن الخلق يدعو إلى محبته # PageV01P054 ### | فائدة جليلة بين العبد وبين الله والجنة قنطرة تقطع بخطوتين خطوة عن # نفسه وخطوة عن الخلق فيسقط نفسه ويلغيها فيما بينه وبين الناس ويسقط ~~الناس ويلغيهم فيما بينه وبين الله فلا يلتفت إلا إلى من دله على الله وعلى ~~الطريق الموصلة إليه # صاح بالصحابة واعظ اقترب للناس حسابهم فجزعت للخوف قلوبهم فجرت من الحذر ~~العيون فسالت أودية بقدرها تزينت الدنيا لعلي فقال أنت طالق ثلاثا لا رجعة ~~لي فيك وكانت تكفيه واحدة للسن لكنه جمع الثلاث لئلا يتصور للهوى جواز ~~المراجعة ودينه الصحيح وطبعه السليم يأنفان من المحلل كيف وهو أحد رواة ~~حديث لعن الله المحلل # ما في هذه الدار موضع خلوة فاتخذه في نفسك لا بد أن تجذبك الجواذب ~~فاعرفها وكن منها على حذر لا تضرك الشواغل إذا خلوت منها وأنت فيها نور ~~الحق أضوأ من الشمس فيحق لخفافيش البصائر أن تعشو عنه الطريق إلى الله خال ~~من أهل الشك ومن الذين يتبعون الشهوات وهو معمور بأهل اليقين والصبر وهم ~~على الطريق كالأعلام وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون ### | قاعدة لشهادة أن لا إله إلا الله عند الموت تأثير عظيم في تكفير # السيئات وإحباطها لأنها شهادة من عبد موقن بها عارف بمضمونها قد ماتت منه ~~الشهوات ولانت نفسه المتمردة وانقادت بعد إبائها واستعصائها وأقبلت بعد ~~إعراضها وذلت بعد عزها وخرج منها حرصا على الدنيا وفضولها واستخذت بين يدي ~~ربها وفاطرها ومولاها الحق أذل ما كانت له وأرجى ما كانت لعفوه ومغفرته ~~ورحمته وتجرد # PageV01P055 # منها التوحيد بانقطاع أسباب الشرك وتحقق بطلانه فزالت منها تلك المنازعات ~~التي كانت مشغولة بها واجتمع همها على من أيقنت بالقدوم عليه والمصير إليه ~~فوجه العبد وجهه بكليته إليه وأقبل بقلبه وروحه وهمه عليه فاستسلم وحده ~~ظاهرا وباطنا واستوى سره وعلانيته ms043 فقال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه وقد ~~تخلص قلبه من التعلق بغيره والالتفات إلى ما سواه قد خرجت الدنيا كلها من ~~قلبه وشارف القدوم على ربه وخمدت نيران شهوته وامتلأ قلبه من الآخرة فصارت ~~نصب عينيه وصارت الدنيا وراء ظهره فكانت تلك الشهادة الخالصة خاتمة عمله ~~فطهرته من ذنوبه وأدخلته على ربه لأنه لقي ربه بشهادة صادقة خالصة وافق ~~ظاهرها باطنها وسرها علانيتها فلو حصلت له الشهادة على هذا الوجه في أيام ~~الصحة لاستوحش من الدنيا وأهلها وفر إلى الله من الناس وأنس به دون ما سواه ~~لكنه شهد بها بقلب مشحون بالشهوات وحب الحياة وأسبابها ونفس مملوءة بطلب ~~الحظوظ والالتفات إلى غير الله فلو تجردت كتجردها عند الموت لكان لها نبأ ~~آخر وعيش آخر سوى عيشها البهيمي والله المستعان # ماذا يملك من أمره من ناصيته بيد الله ونفسه بيده وقلبه بين أصبعين من ~~أصابعه يقلبه كيف يشاء وحياته بيده وموته بيده وسعادته بيده وشقاوته بيده ~~وحركاته وسكناته وأقواله وأفعاله بإذنه ومشيئته فلا يتحرك إلا بإذنه ولا ~~يفعل إلا بمشيئته إن وكله إلى نفسه وكله إلى عجز وضيعة وتفريط وذنب وخطيئة ~~وإن وكله إلى غيره وكله إلى من لا يملك له ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ~~ولا نشورا وإن تخلى عنه استولى عليه عدوه وجعله أسيرا له فهو لا غنى له عنه ~~طرفة عين بل هو مضطر إليه على مدى الأنفاس في كل ذرة من ذراته باطنا وظاهرا ~~فاقته تامة إليه ومع ذلك فهو متخلف عنه معرض عنه يتبغض إليه بمعصيته مع شدة ~~الضرورة إليه من كل وجه قد صار لذكره نسيا واتخذه وراءه ظهريا هذا وإليه ~~مرجعه وبين يديه موقفه # PageV01P056 # فرغ خاطرك للهم بما أمرت به ولا تشغله بما ضمن لك فإن الرزق والأجل ~~قرينان مضمونان فما دام الأجل باقيا كان الرزق آتيا وإذا سد عليك بحكمته ~~طريقا من طرقه فتح لك برحمته طريقا أنفع لك منه فتأمل حال الجنين يأتيه ~~غذاؤه وهو الدم من ms044 طريق واحدة وهو السرة فلما خرج من بطن الأم وانقطعت تلك ~~الطريق فتح له طريقين اثنين وأجرى له فيهما رزقا أطيب وألذ من الأول لبنا ~~خالصا سائغا فإذا تمت مدة الرضاع وانقطعت الطريقان بالفطام فتح طرقا أربعة ~~أكمل منها طعامان وشرابان فالطعامان من الحيوان والنبات والشرابان من ~~المياه والألبان وما يضاف إليهما من المنافع والملاذ فإذا مات انقطعت عنه ~~هذه الطرق الأربعة لكنه سبحانه فتح له إن كان سعيدا طرقا ثمانية وهي أبواب ~~الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء فهكذا الرب سبحانه لا يمنع عبده المؤمن ~~شيئا من الدنيا إلا ويؤتيه أفضل منه وأنفع له وليس ذلك لغير المؤمن فإنه ~~يمنعه الحظ الأدنى الخسيس ولا يرضى له به ليعطيه الحظ الأعلى النفيس والعبد ~~لجهله بمصالح نفسه وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه لا يعرف التفاوت بين ما منع ~~منه وبين ما ذخر له بل هو مولع بحب العاجل وإن كان دنيئا وبقلة الرغبة في ~~الآجل وإن كان عليا ولو أنصف العبد ربه وأنى له بذلك لعلم أن فضله عليه ~~فيما منعه من الدنيا ولذاتها ونعيمها أعظم من فضله عليه فيما آتاه من ذلك ~~فما منعه إلا ليعطيه ولا ابتلاه إلا ليعافيه ولا امتحنه إلا ليصافيه ولا ~~أماته إلا ليحييه ولا أخرجه إلى هذه الدار إلا ليتأهب منها للقدوم عليه ~~وليسلك الطريق الموصلة إليه فجعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو ~~أراد شكورا وأبى الظالمون إلا كفورا والله المستعان من عرف نفسه اشتغل ~~بإصلاحها عن عيوب الناس من عرف ربه اشتغل به عن هوى نفسه أنفع العمل أن ~~تغيب فيه عن الناس بالإخلاص وعن نفسك بشهود المنة فلا ترى فيه نفسك ولا ترى ~~الخلق # PageV01P057 # دخل الناس النار من ثلاثة أبواب باب شبهة أورثت شكا في دين الله وباب ~~شهوة أورثت تقديم الهوى على طاعته ومرضاته وباب غضب أورث العدوان على خلقه # أصول الخطايا كلها ثلاثة الكبر وهو الذي أصار إبليس إلى ما أصاره والحرص ~~وهو الذي أخرج آدم من الجنة ms045 والحسد وهو الذي جرأ أحدا بني آدم على أخيه فمن ~~وقي شر هذه الثلاثة فقد وقى الشر فالكفر من الكبر والمعاصي من الحرص والبغي ~~والظلم من الحسد # جعل الله بحكمته كل جزء من أجزاء ابن آدم ظاهرة وباطنة آلة لشيء إذا ~~استعمل فيه فهو كماله فالعين آلة للنظر والأذن آلة للسماع والأنف آلة للشم ~~واللسان آلة للنطق والفرج للنكاح واليد للبطش والرجل للمشي والقلب للتوحيد ~~والمعرفة والروح للمحبة والعقل آلة للتفكر والتدبر لعواقب الأمور الدينية ~~والدنيوية وإيثار ما ينبغي إيثاره وإهمال ما ينبغي إهماله # أخسر الناس صفقة من اشتغل عن الله بنفسه بل أخسر منه من اشتغل عن نفسه ~~بالناس في السنن من حديث أبي سعيد يرفعه إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها ~~تكفر اللسان تقول اتق الله فإنما نحن بك فان استقمت استقمنا وإن اعوججت ~~اعوججنا قوله تكفر اللسان قيل معناه تخضع له وفي الحديث أن الصحابة لما ~~دخلوا على النجاشي لم يكفروا له أي لم يسجدوا ولم يخضعوا ولذلك قال له عمرو ~~بن العاص أيها الملك إنهم لا يكفرون لك وإنما خضعت للسان لأنه بريد القلب ~~وترجمانه والواسطة بينه وبين الأعضاء وقولها إنما نحن بك أي نجاتنا بك ~~وهلاكنا بك ولهذا قالت فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا # PageV01P058 ### | فصل جمع النبي في قوله فاتقوا الله وأجملوا في الطلب بين مصالح # الدنيا والآخرة ونعيمها ولذاتها إنما ينال بتقوى الله وراحة القلب والبدن ~~وترك الاهتمام والحرص الشديد والتعب والعناد والكد والشقاء في طلب الدنيا ~~إنما ينال بالإجمال في الطلب فمن اتقى الله فاز بلذة الآخرة ونعيمها ومن ~~أجمل في الطلب استراح من نكد الدنيا وهمومها فالله المستعان # قد نادت الدنيا على نفسها ... لو كان في ذا الخلق من يسمع # كم واثق بالعيش أهلكته ... وجامع فرقت ما يجمع ### | فائدة جمع النبي بين المأثم والمغرم فإن المأثم يوجب خسارة الآخرة # والمغرم يوجب خسارة الدنيا ### | فائدة قال تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا علق سبحانه الهداية # بالجهاد فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادا ms046 وأفرض الجهاد جهاد النفس وجهاد ~~الهوى وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله ~~سبل رضاه الموصلة إلى جنته ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من ~~الجهاد قال الجنيد والذين جاهدوا أهواءهم فينا بالتوبة لنهدينهم سبل ~~الإخلاص ولا يتمكن من جهاد عدوه في الظاهر إلا من جاهد هذه الأعداء باطنا ~~فمن نصر عليها نصر على عدوه ومن نصرت عليه نصر عليه عدوه # PageV01P059 ### | فصل ألقى الله سبحانه العداوة بين الشيطان وبين الملك والعداوة بين # العقل وبين الهوى والعداوة بين النفس الأمارة وبين القلب وابتلى العبد ~~بذلك وجمع له بين هؤلاء وأمد كل حزب بجنود وأعوان فلا تزال الحرب سجالا ~~ودولا بين الفريقين إلى أن يستولي أحدهما على الآخر ويكون الآخر مقهورا معه ~~فإذا كانت النوبة للقلب والعقل والملك فهنالك السرور والنعيم واللذة ~~والبهجة والفرح وقرة العين وطيب الحياة وانشراح الصدر والفوز بالغنائم وإذا ~~كانت النوبة للنفس والهوى والشيطان فهنالك الغموم والهموم والأحزان وأنواع ~~المكاره وضيق الصدر وحبس الملك فما ظنك بملك استولى عليه عدوه فأنزله عن ~~سرير ملكه وأسره وحبسه وحال بينه وبين خزائنه وذخائره وخدمه وصيرها له ومع ~~هذا فلا يتحرك الملك لطلب ثأره ولا يستغيث بمن يغيثه ولا يستنجد بمن ينجده ~~وفوق هذا الملك ملك قاهر لا يقهر وغالب لا يغلب وعزيز لا يذل فأرسل إليه إن ~~استنصرتني نصرتك وإن استغثت بي أغثتك وإن التجأت إلي أخذت بثأرك وإن هربت ~~إلي وأويت إلي سلطتك على عدوك وجعلته تحت أسرك فإن قال هذا الملك المأسور ~~قد شد عدوي وثاقي وأحكم رباطي واستوثق مني بالقيود ومنعني من النهوض إليك ~~والفرار إليك والمسير إلى بابك فإن أرسلت جندا من عندك يحل وثاقي ويفك ~~قيودي ويخرجني من حبسه أمكنني أن أوافي بابك وإلا لم يمكنني مفارقة محبسي ~~ولا كسر قيودي فإن قال ذلك احتجاجا على ذلك السلطان ودفعا لرسالته ورضا بما ~~هو فيه عند عدوه خلاه السلطان الأعظم وحاله وولاه ما تولى وإن قال ذلك ~~افتقارا ms047 إليه وإظهارا لعجزه وذله وأنه أضعف وأعجز أن يسير إليه بنفسه ويخرج ~~من حبس عدوه ويتخلص منه بحوله وقوته وأن من تمام نعمته ذلك عليه كما أرسل ~~إليه هذه الرسالة أن يمده من جنده # PageV01P060 # ومماليكه بمن يعينه على الخلاص ويكسر باب محبسه ويفك قيوده فإن فعل به ~~ذلك فقد أتم إنعامه عليه وان تخلى عنه فلم يظلمه ولا منعه حقا هوله وأن ~~حمده وحكمته اقتضى منعه وتخليته في محبسه ولا سيما إذا علم أن الحبس حبسه ~~وأن هذا العدو الذي حبسه مملوك من مماليكه وعبد من عبيده ناصيته بيده لا ~~يتصرف إلا بإذنه ومشيئته فهو غير ملتفت إليه ولا خائف منه ولا معتقد أن له ~~شيئا من الأمر ولا بيده نفع ولا ضر بل هو ناطر إلى مالكه ومتولي أمره ومن ~~ناصيته بيده قد أفرده بالخوف والرجاء والتضرع إليه والالتجاء والرغبة ~~والرهبة فهناك تأتيه جيوش النصر والظفر # أعلى الهمم في طلب علم الكتاب والسنة والفهم عن الله ورسوله نفس المراد ~~وعلم حدود المنزل وأخس همم طلاب العلم قصر همته على تتبع شواذ المسائل وما ~~لم ينزل ولا هو واقع أو كانت همته معرفة الاختلاف وتتبع أقوال الناس وليس ~~له همة إلى معرفة الصحيح من تلك الأقوال وقل أن ينتفع واحد من هؤلاء بعلمه ~~وأعلى الهمم في باب الإرادة أن تكون الهمة متعلقة بمحبة الله والوقوف مع ~~مراده الديني الأمري وأسفلها أن تكون الهمة واقفة مع مراد صاحبها من الله ~~فهو إنما يعبده لمراده منه لا لمراد الله منه فالأول يريد الله ويريد مراده ~~والثاني يريد من الله وهو فارغ عن إرادته # علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم ويدعونهم ~~إلى النار بأفعالهم فكلما قالت أقوالهم للناس هلموا قالت أفعالهم لا تسمعوا ~~منهم فلو كان ما دعوا إليه حقا كانوا أول المستجيبين له فهم في الصورة ~~أدلاء وفي الحقيقة قطاع الطرق إذا كان الله وحده حظك ومرادك فالفضل كله ~~تابع لك يزدلف إليك أي أنواعه تبدأ به وإذا ms048 كان حظك ما تنال منه فالفضل ~~موقوف عنك لأنه بيده تابع له فعل من أفعاله فإذا حصل لك حصل لك الفضل بطريق ~~الضمن والتبع وإذا كان الفضل مقصودك لم يحصل الله بطريق الضمن والتبع فإن # PageV01P061 # كنت قد عرفته وأنست به ثم سقطت إلى طلب الفضل حرمك إياه عقوبة لك ففاتك ~~الله وفاتك الفضل ### | فصل لما خرج رسول الله من حصر العدو دخل في حصر النصر # فعبثت أيدي سراياه بالنصر في الأطراف فطار ذكره في الآفاق فصار الخلق معه ~~ثلاثة أقسام مؤمن به ومسالم له وخائف منه ألقى بذر الصبر في مزرعة فاصبر ~~كما صبر أولو العزم من الرسل فإذا أغصان النبات تهتز بخزامى والحرمات قصاص ~~فدخل مكة دخولا ما دخله أحد قبله ولا بعده حوله المهاجرون والأنصار لا يبين ~~منهم إلا الحدق والصحابة على مراتبهم والملائكة فوق رؤوسهم وجبريل يتردد ~~بينه وبين ربه وقد أباح له حرمه الذي لم يحله لأحد سواه فلما قايس بين هذا ~~اليوم وبين يوم وإذ يمكر الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك فأخرجوه ~~ثاني اثنين # دخل وذقنه تمس قربوس سرجه خضوعا وذلا لمن ألبسه ثوب هذا العز الذي رفعت ~~إليه فيه الخليقة رؤوسها ومدت إليه الملوك أعناقها فدخل مكة مالكا مؤيدا ~~منصورا وعلا كعب بلال فوق الكعبة بعد أن كان يجر في الرمضاء على جمر الفتنة ~~فنشر بزا طوى عن القوم من يوم قوله أحد أحد ورفع صوته بالأذان فأجابته ~~القبائل من كل ناحية فأقبلوا يؤمون الصوت فدخلوا في دين الله أفواجا وكانوا ~~قبل ذلك يأتون آحادا فلما جلس الرسول على منبر العز وما نزل عنه قط مدت ~~الملوك أعناقها بالخضوع إليه فمنهم من سلم إليه مفاتيح البلاد ومنهم من ~~سأله الموادعة والصلح ومنهم من أقر بالجزية والصغار ومنهم من أخذ في الجمع ~~والتأهب للحرب ولم يدر أنه لم يزد على جمع الغنائم وسوق الأسارى إليه فلما ~~تكامل نصره وبلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاءه منشور إنا فتحنا لك فتحا مبينا ~~ليغفر لك الله ما ms049 تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا ~~مستقيما وينصرك # PageV01P062 # {الله نصرا عزيزا} وبعده توقيع {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس ~~يدخلون في دين الله أفواجا} جاءه رسول ربه يخبره بين المقام في الدنيا وبين ~~لقائه فاختار لقاء ربه شوقا إليه فتزينت الجنان ليوم قدوم روحه الكريمة لا ~~كزينة المدينة يوم قدوم الملك إذا كان عرش الرحمن فقد اهتز لموت بغض أتباعه ~~فرحا واستبشارا بقدوم روحه فكيف بروح سيد الخلائق فيا منتسبا إلى غير هذا ~~الجناب ويا واقفا بغير هذا الباب ستعلم يوم الحشر أي سريرة تكون عليها يوم ~~تبلى السرائر ### | فصل يا مغرورا بالأماني لعن إبليس وأهبط من منزل العز بترك سجدة واحدة # أمر بها وأخرج آدم من الجنة بلقمة تناولها وحجب القاتل عنها بعد أن رآها ~~عيانا بملء كف من دم وأمر بقتل الزاني أشنع القتلات بإيلاج قدر الأنملة ~~فيما لا يحل وأمر بإيساع الظهر سياطا بكلمة قذف أو بقطرة سكر وأبان عضوا من ~~أعضائك بثلاثة دراهم فلا تأمنه أن يحبسك في النار بمعصية واحدة من معاصيه ~~{ولا يخاف عقباها} دخلت امرأة النار في هرة وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا ~~يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب وإن الرجل ~~ليعمل بطاعة الله ستين سنة فإذا كان عند الموت جار في الوصية فيختم له بسوء ~~عمله فيدخل النار العمر بى خره والعمل بخاتمته من أحدث قبل السلام بطل ما ~~مضى من صلاته ومن أفطر قبل غروب الشمس ذهب صيامه ضائعا ومن أساء في آخر ~~عمره لقى ربه في ذلك الوجه لو قدمت لقمة وجدتها ولكن يؤذيك الشره كم جاء ~~الثواب يسعى إليك فوقف بالباب فرده بواب سوف ولعل وعسى كيف الفلاح # PageV01P063 # بين إيمان ناقص وأمل زائد ومرض لا طبيب له ولا عائد وهوى مستيقظ وعقل ~~راقد ساهيا في غمرته عمها في سكرته سابحا في لجة جهله مستوحشا من ربه ~~مستأنسا بخلقه ذكر الناس فاكهته وقوته وذكر الله حبسه وموته لله منه ms050 جزء ~~يسير من ظاهره وقلبه ويقينه لغيره # لا كان من سواك فيه بقية ... يجد السبيل بها إليه العذل ### | فصل كان أول المخلوقات القلم ليكتب المقادير قبل كونها وجعل آدم وآخر # المخلوقات وفي ذلك حكم أحدها تمهيد الدار قبل الساكن الثانية أنه الغاية ~~التي خلق لأجلها ما سواه من السموات والأرض والشمس والقمر والبر والبحر ~~الثالثة أن أحذق الصناع يختم عمله بأحسنه وغايته كما يبدؤه بأساسه ومبادئه ~~الرابعة أن النفوس متطلعة إلى النهايات والأواخر دائما ولهذا قال موسى ~~للسحرة ولا {ألقوا ما أنتم ملقون} فلما رأى الناس فعلهم تطلعوا إلى ما يأتي ~~بعده الخامسة أن الله سبحانه أخر أفضل الكتب والأنبياء والأمم إلى آخر ~~الزمان وجعل الآخرة خيرا من الأولى والنهايات أكمل من البدايات فكم بين قول ~~الملك للرسول اقرأ فيقول ما أنا بقارىء وبين قوله تعالى {اليوم أكملت لكم ~~دينكم} السادسة ان سبحانه جمع ما فرقه في العالم في آدم فهو العالم الصغير ~~وفيه ما في العالم الكبير السابعة ان خلاصة الوجود وثمرته فناسب أن يكون ~~خلقه بعد الموجودات الثامنة أن من كرامته على خالقه أنه هيأ له مصالحه ~~وحوائجه وآلات معيشته وأسباب حياته فما رفع رأسه إلا وذلك كله حاضر عتيد ~~التاسعة أنه سبحانه أراد أن يظهر شرفه وفضله على سائر المخلوقات فقدمها ~~عليه في الخلق ولهذا قالت الملائكة ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقا أكرم ~~عليه منا فلما خلق آدم وأمرهم بالسجود له ظهر فضله وشرفه عليهم بالعلم ~~والمعرفة فلما وقع في الذنب ظنت الملائكة أن ذلك الفضل # PageV01P064 # قد نسخ ولم تطلع على عبودية التوبة الكامنة فلما تاب إلى ربه وأنى بتلك ~~العبودية علمت الملائكة أن لله في خلقه سرا لا يعلمه سواه العاشرة أنه ~~سبحانه لما افتتح خلق هذا العالم بالقلم من أحسن المناسبة أن يختمه بخلق ~~الإنسان فإن القلم آلة العلم والإنسان هو العالم ولهذا أظهر سبحانه فضل آدم ~~على الملائكة بالعلم الذي خص به دونهم وتأمل كيف كتب سبحانه عذر آدم قبل ~~هبوطه إلى ms051 الأرض ونبه الملائكة على فضله وشرفه ونوه باسمه قبل إيجاده بقوله ~~{إني جاعل في الأرض خليفة} وتأمل كيف وسمه بالخلافة وتلك ولاية له قبل ~~وجوده وأقام عذره قبل الهبوط بقوله {في الأرض} والمحب يقيم عذر المحبوب قبل ~~جنايته فلما صوره ألقاه على باب الجنة أربعين سنة لأن دأب المحب الوقوف على ~~باب الحبيب رمى به في طريق ذل {لم يكن شيئا} لئلا يعجب يوم اسجدوا كان ~~إبليس يمر على جسده فيعجب منه ويقول لأمر قد خلقت ثم يدخل من فيه ويخرج من ~~دبره ويقول لئن سلطت عليك لأهلكنك ولئن سلطت علي لأعصينك ولم يعلم أن هلاكه ~~على يده رأى طينا مجموعا فاحتقر فلما صور الطين صورة دب فيه داء الحسد فلما ~~نفخ فيه الروح مات الحاسد فلما بسط له بساط العز عرضت عليه المخلوقات ~~فاستحضر مدعي # ونحن نسبح إلى حاكم أنبئوني وقد أخفى الوكيل عنه بينة وعلم فنكسوا رؤوس ~~الدعاوى على صدور الإقرار فقام منادي التفضيل في أندية الملائكة ينادي ~~اسجدوا فتطهروا من حديث دعوى ونحن بماء العذر في آنية {لا علم لنا} فسجدوا ~~على طهارة التسليم وقام إبليس ناحية لم يسجد لأنه خبث وقد تلون بنجاسة ~~الاعتراض وما كانت نجاسته تتلافى بالتطهير لأنها عينية فلما تم كمال آدم ~~قال لا بد من خال جمال على وجه اسجدوا فجرى القدر بالذنب ليتبين أثر ~~العبودية في الذل يا آدم لو عفى لك عن تلك اللقمة لقال الحاسدون كيف فضل ذو ~~شره لم يصبر على شجرة لولا نزولك ما تصاعدت صعداء الأنفاس ولا نزلت رسائل ~~هل من وسائل ولا فاحت # PageV01P065 # روائح ولخلوف فم الصائم فتبين حينئذ أن ذلك التناول لم يكن عن شره يا آدم ~~ضحكك في الجنة لك وبكاؤك في دار التكليف لنا ما ضر من كسره عزي إذا جبره ~~فضلي إنما تليق خلعة العز ببدن الانكسار أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ~~مازالت تلك الأكلة تعاده حتى استولى داؤه على أولاده فأرسل إليهم اللطيف ~~الخبير الدواء على أيدي أطباء الوجود ms052 فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي ~~فلا يضل ولا يشقى فحماهم الطبيب بالمناهي وحفظ القوة بالأوامر واستفرغ ~~أخلاطهم الرديئة بالتوبة فجاءت العافية من كل ناحية # فيا من ضيع القوة ولم يحفظها وخلط في مرضه وما احتمى ولا صبر على مرارة ~~الاستفراغ لا تنكر قرب الهلاك فالداء مترام إلى الفساد لو ساعد القدر فأعنت ~~الطبيب على نفسك بالحمية من شهوة خسيسة ظفرت بأنواع اللذات وأصناف ~~المشتهيات ولك بخار الشهوة غطى عين البصيرة فظننت أن الحزم بيع الوعد ~~بالنقد يالها بصيرة عمياء جزعت من صبر ساعة واحتملت ذل الأبد سافرت في طلب ~~الدنيا وهي عنها زائلة وقعدت عن السفر إلى الآخرة وهي إليها راحلة إذا رأيت ~~الرجل يشتري الخسيس بالنفيس ويبيع العظيم بالحقير فاعلم بأنه سفيه ### | فصل لما سلم لآدم أصل العبودية لم يقدح فيه الذنب ابن آدم لو # لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة ~~لما علم السيد أن ذنب عبده لم يكن قصدا لمخالفته ولا قدحا في حكمته علمه ~~كيف يعتذر إليه فتلقى آدم م ربه كلمات فتاب عليه العبد لا يريد بمعصيته ~~مخالفة سيده ولا الجرأة على محارمه ولكن غلبات الطبع وتزيين النفس والشيطان ~~وقهر الهوى والثقة بالعفو ورجاء المغفرة هذا من جانب العبد وأما من جانب ~~الربوبية فجريان الحكم وإظهار عز الربوبية وذل العبودية وكمال الاحتياج ~~وظهور آثار الأسماء الحسنى # PageV01P066 # كالعفو والغفور والتواب والحليم لمن جاء تائبا نادما والمنتقم والعدل وذي ~~البطش الشديد لمن أصر ولزم المجرة فهو سبحانه يريد أن يرى عبده تفرده ~~بالكمال ونقص العبد وحاجته إليه ويشهده كمال قدرته وعزته وكمال مغفرته ~~وعفوه ورحمته وكمال بره وستره وحلمه وتجاوزه وصفحه وأن رحمته به إحسان إليه ~~لا معارضة وأنه إن لم يتغمده برحمته وفضله فهو هالك لا محالة فلله كم من ~~تقدير الذنب من حكمة وكم فيه مع تحقيق التوبة للعبد من مصلحة ورحمة التوبة ~~من الذنب كشرب الدواء للعليل ورب علة كانت سبب الصحة # لعل عتبك محمود عواقبه ms053 ... وربما صحت الأجساد بالعلل # لولا تقدير الذنب هلك ابن آدم من العجب ذنب يذل به أحب إليه من طاعة يدل ~~بها عليه شمعة النصر إنما تنزل في شمعدان الانكسار لا يكرم العبد نفسه بمثل ~~إهانتها ولا يعزها بمثل ذلها ولا يريحها بمثل تعبها كما قيل # سأتعب نفسي أو أصادف راحة ... فان هوان النفس في كرم النفس # ولا يشبعها بمثل جوعها ولا يؤمنها بمثل خوفها ولا يؤنسها بمثل وحشتها من ~~كل ما سوى فاطرها وبارئها ولا يحييها بمثل امانتها كما قيل # موت النفوس جياتها ... من شاء أن يحيا يموت # شراب الهوى حلو ولكنه يورث الشرق من تذكر خنق الفخ هان عليه هجران الحبة ~~يا معرقلا في شرك الهوى جمزة عزم وقد خرقت الشبكة لا بد من نفوذ القدر ~~فاجنح للسلم لله ملك السموات والارض واستقرض منك حبة فبخلت بها وخلق سبعة ~~أبحر وأحب منك دمعة فقحطت عينك بها إطلاق البصر ينقش قي القلب صورة المنظور ~~والقلب كعبة والمعبود لا يرضى بمزاحمة # PageV01P067 # الأصنام لذات الدنيا كسوداء وقد غلبت عليك والحور العين يعجبن من سوء ~~اختيارك عليهن غير أن زوبعة الهوى إذا ثارت سفت في عين البصيرة فخفيت ~~الجادة سبحان الله تزينت الجنة للخطاب فجدوا في تحصيل المهر وتعرف رب العزة ~~إلى المحبين بأسمائه وصفاته فعملوا على اللقاء وأنت مشغول بالجيف # لا كان من لسواك منه قلبه ... ولك اللسان مع الوداد الكاذب # المعرفة بساط لا يطأ عليه إلا مقرب والمحبة نشيد لا يطرب عليه إلا محب ~~مغرم الحب غدير في صحراء ليست عليه جادة فلهذا قل وارده المحب يهرب إلى ~~العزلة والخلوة بمحبوبه والأنس بذكره كهرب الحوت إلى الماء والطفل إلى أمه # وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك القلب بالسر خاليا # ليس للعابد مستراح إلا تحت شجرة طوبى ولا للمحب قرار إلا يوم المزيد ~~اشتغل به في الحياة يكفك ما بعد الموت يا منفقا بضاعة العمر في مخالفة ~~حبيبه والبعد منه ليس في أعدائك أضر عليك منك # ما تبلغ الأعداء من جاهل ms054 ... من يبلغ الجاهل من نفسه # الهمة العلية من استعد صاحبها للقاء الحبيب وقدم التقادم بين يدي الملتقى ~~فاستبشر عند القدوم {وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر ~~المؤمنين} تالله ما عدا عليك العدو إلا بعد أن تولى عنك الولي فلا تظن أن ~~الشيطان غلب ولكن الحافظ أعرض احذر نفسك فما أصابك بلاء قط إلا منها ولا ~~تهادنها فوالله ما أكرمها من لم يهنها ولا أعزها من لم يذلها ولا جبرها من ~~لم يكسرها ولا أراحها من لم يتبعها ولا أمنها من لم يخوفها ولا فرحها من لم ~~يحزنها سبحان الله ظاهرك متجمل بلباس التقوى وباطنك باطية # PageV01P068 # لخمر الهوى فكلما طيبت الثوب فاحت رائحة المسكر من تحته فتباعد منك ~~الصادقون وانحاز إليك الفاسقون يدخل عليك لص الهوى وأنت في زاوية التعبد ~~فلايرى منك طردا له فلا يزال بك حتى يخرجك من المسجد أصدق في الطلب وقد ~~جاءتك المعونة فقال رجل لمعروف علمني المحبة فقال المحبة لا تجيء بالتعليم # هو الشوق مدلولا على مقتل الفنا ... إذا لم يعد صبا بلقيا حبيبه # ليس العجيب من قوله يحبونه إنما العجب من قوله يحبهم ليس العجب من فقير ~~مسكين يحب محسنا إليه إنما العجب من محسن يحب فقيرا مسكينا ### | فصل القرآن كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده وصفاته فتارة يتجلى في # جلباب الهيبة والعظمة والجلال فتخضع الأعناق وتنكسر النفوس وتخشع الأصوات ~~ويذوب الكبر كما يذوب الملح في الماء وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال ~~وهو كمال الأسماء وجمال الصفات وجمال الأفعال الدال على كمال الذات فيستنفد ~~حبه من قلب العبد قوة الحب كلها بحب ما عرفه من صفات جماله ونعوت كماله ~~فيصبح فؤاد عبده فارغا إلا من محبته فإذا أراد منه الغيران يعلق تلك المحبة ~~به أبى قلبه وأحشاؤه ذلك كل الإباء كما قيل # يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل # فتبقى المحبة له طبعا لا تكلفا وإذا تجلى بصفات الرحمة والبر واللطف ~~والإحسان انبعثت قوة الرجاء من العبد وانبسط أمله وقوي ms055 طمعه وسار إلى ربه ~~وحادى الرجاء يحدو ركاب سيره وكلما قوي الرجاء جد في العمل كما أن الباذر ~~كلما قوي طمعه في المغل غلق أرضه بالبذر وإذا ضعف رجاؤه قصر في البذر وإذا ~~تجلى بصفات العدل والانتقام # PageV01P069 # والغضب والسخط والعقوبة انقمعت النفس الأمارة وبطلت أو ضعفت قواها من ~~الشهوة والغضب واللهو واللعب والحرص على المحرمات وانقبضت أعنة رعوناتها ~~فأحضرت المطية حظها من الخوف والخشية والحذر وإذا تجلى بصفات الأمر والنهي ~~والعهد والوصية وإرسال الرسل وإنزال الكتب شرع الشرائع انبعثت منها قوة ~~الامتثال والتنفيذ لأوامره والتبليغ لها والتواصي بها وذكرها وتذكرها ~~والتصديق بالخبر والامتثال للطلب والاجتناب للنهي وإذا تجلى بصفة السمع ~~والبصر والعلم انبعث من العبد قوة الحياء فيستحي ربه أن يراه على ما يكره ~~أو يسمع منه ما يكره أو يخفي في سريرته ما يمقته عليه فتبقى حركاته وأقواله ~~وخواطره موزونة بميزان الشرع غير مهملة ولا مرسلة تحت حكم الطبيعة والهوى ~~وإذا تجلى بصفات الكفاية والحسب والقيام بمصالح العباد وسوق أرزاقهم إليهم ~~ودفع المصائب عنهم ونصره لأوليائه وحمايته لهم ومعيته الخاصة لهم انبعثت من ~~العبد قوة التوكل عليه والتفويض إليه والرضا به وما في كل ما يجريه على ~~عبده ويقيمه مما يرضى به هو سبحانه والتوكل معنى يلتئم من علم العبد بكفاية ~~الله وحسن اختياره لعبده وثقته به ورضاه بما يفعله به ويختاره له وإذا تجلى ~~بصفات العز والكبرياء أعطت نفسه المطمئنة ما وصلت إليه من الذل لعظمته ~~والانكسار لعزته والخضوع لكبريائه وخشوع القلب والجوارح له فتعلوه السكينة ~~والوقار في قلبه ولسانه وجوارحه وسمته ويذهب طيشه وقوته وحدته # وجماع ذلك أنه سبحانه يتعرف إلى العبد بصفات إلهيته تارة وبصفات ربوبيته ~~تارة فيوجب له شهود صفات الإلهية المحبة الخاصة والشوق إلى لقائه والأنس ~~والفرح به والسرور بخدمته والمنافسة في قربه والتودد إليه بطاعته واللهج ~~بذكره والفرار من الخلق إليه ويصير هو وحده همه دون ما سواه ويوجب له شهود ~~صفات الربوبية التوكل عليه والافتقار إليه والاستعانة به والذل والخضوع ~~والانكسار له ms056 وكمال ذلك أن يشهد ربوبيته في إلهيته وإلهيته في ربوبيته ~~وحمده في ملكه وعزه في عفوه # PageV01P070 # وحكمته في قضائه وقدره ونعمته في بلائه وعطاءه في منعه وبره ولطفه ~~وإحسانه ورحمته في قيوميته وعذله في انتقامه وجوده وكرمه في مغفرته وستره ~~وتجاوزه ويشهد حكمته ونعمته في أمره ونهيه وعزه في رضاه وغضبه وحلمه في ~~إمهاله وكرمه في إقباله وغناه في إعراضه # وأنت إذا تدبرت القرآن وأجرته من التحريف وأن تقضي عليه بآراء المتكلمين ~~وأفكار المتكلفين أشهدك ملكا قيوما فوق سماواته على عرشه يدبر أمر عباده ~~يأمر وينهي ويرسل الرسل وينزل الكتب ويرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ~~ويعز ويذل ويخفض ويرفع يرى من فوق سبع ويسمع ويعلم السر والعلانية فعال لما ~~يريد موصوف بكل كمال منزه عن كل عيب لا تتحرك ذرة فما فوقها إلا بإذنه ولا ~~تسقط ورقة إلا بعلمه ولا يشفع زهد عنده إلا بإذنه ليس لعباده من دونه ولي ~~ولا شفيع ### | فصل لما بايع الرسول أهل العقبة أمر أصحابه بالهجرة إلى المدينة # فعلمت قريش أن أصحابه قد كثروا وأنهم سيمنعونه فاعلمت آراءها في استخراج ~~الحيل فمنهم من رأى الحبس ومنهم من رأى النفي ثم اجتمع رأيهم على القتل ~~فجاء البريد بالخبر من السماء وأمره أن يفارق المضجع فبات علي مكانه ونهض ~~الصديق لرفقة السفر فلما فارقا بيوت مكة اشتد الحذر بالصديق فجعل يذكر ~~الرصد فيسير أمامه وتارة يذكر الطلب فيتأخر وراءه وتارة عن يمينه وتارة عن ~~شماله إلى أن انتهيا إلى الغار فبدأ الصديق بدخوله ليكون وقاية له إن كان ~~ثم موذ وأنبت الله شجرة لم تكن قبل فأظلمت المطلوب وأضلت الطالب وجاءت ~~عنكبوت فحازت وجه الغار فحاكت ثوب نسجها على منوال الستر فأحكمت الشقة حتى ~~عمي على القائف المطلب وأرسل حمامتين فاتخذتا هناك عشا جعل # PageV01P071 # على أبصار الطالبين غشاوة وهذا أبلغ في الإعجاز من مقاومة القوم بالجنود ~~فلما وقف القوم على رؤوسهم وصار كلامهم بسمع الرسول والصديق قال الصديق وقد ~~اشتد به القلق يا رسول الله لو ms057 أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا تحت ~~قدميه فقال رسول الله يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما لما رأى ~~الرسول حزنه قد اشتد لاكن على نفسه قوي قلبه ببشارة {لا تحزن إن الله معنا} ~~فظهر سر هذا الاقتران في المعية لفظا كما ظهر حكما ومعنى اذا يقال رسول ~~الله وصاحب رسول الله فلما مات قيل خليفة رسول الله ثم انقطعت إضافة ~~الخلافة بموته فقيل أمير المؤمنين فأقاما في الغار ثلاثا ثم خرجا منه ولسان ~~القدر يقول لتدخلنها دخولا لم يدخله أحد قبلك ولا ينبغي لأحد من بعدك فلما ~~استقلا على البيداء لحقهما سراقة بن مالك فلما شارف الظفر أرسل عليه الرسول ~~سهما من سهام الدعاء فساخت قوائم فرسه في الأرض إلى بطنها فلما علم أنه لا ~~سبيل له عليهما أخذ يعرض المال على من قد رد مفاتيح الكنوز ويقدم الزاد إلى ~~شبعان أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني كان تحفة ثاني اثنين مدخرة للصديق دون ~~الجميع فهو الثاني في الإسلام وفي بذل النفس وفي الزهد وفي الصحبة وفي ~~الخلافة وفي العمر وفي سبب الموت لأن الرسول مات عن أثر السم وأبو بكر سم ~~فمات أسلم على يديه من العشرة عثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد ~~بن أبي وقاص وكان عنده يوم أسلم أربعون ألف درهم فأنفقها أحوج ما كان ~~الإسلام إليها فلهذا اجلبت نفقته عليه ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر ~~فهو خير من مؤمن آل فرعون لأن ذلك كان يكتم إيمانه والصديق أعلن به وخير من ~~مؤمن آل ياسين لأن ذلك جاهد ساعة والصديق جاهد سنين عاين طائر الفاقة يحوم ~~حول حب الإيثار ويصيح من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فألقى له حب المال ~~على روض الرضا واستلقى على فراش الفقر فنقل الطائر الحب إلى حوصلة المضاعفة ~~ثم علا على أفنان شجرة الصدق يغرد # PageV01P072 # بفنون المدح ثم قال في محاريب الإسلام يتلو {وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ~~ماله يتزكى} نطقت بفضله الآيات ms058 والأخبار واجتمع على بيعته المهاجرون ~~والأنصار فيا مبغضيه في قلوبكم من ذكره نار كلما تليت فضائله علا عليهم ~~الصغار أترى لم يسمع الروافض الكفار {ثاني اثنين إذ هما في الغار} دعي إلى ~~الإسلام فما تلعثم ولا أبى وسار على المحجة فما زل ولا كبا وصبر في مدته من ~~مدى العدى على وقع الشبا وأكثر في الإنفاق فما قلل حتى تخلل بالعبا تالله ~~لقد زاد على السبك في كل دينار دينار {ثاني اثنين إذ هما في الغار} من كان ~~قرين النبي في شبابه من ذا الذي سبق إلى الإيمان من أصحابه من الذي أفتى ~~بحضرته سريعا في جوابه من أول من صلى معه من آخر من صلى به من الذي ضاجعه ~~بعد الموت في ترابه فاعرفوا حق الجار نهض يوم الردة بفهم واستيقاظ وأبان من ~~نص الكتاب معنى دق عن حديد الإلحاظ فالمحب يفرح بفضائله والمبغض يغتاظ حسرة ~~الرافضي أن يفر من مجلس ذكره ولكن أين الفرار كم وقى الرسول بالمال والنفس ~~وكان أخص به في حياته وهو ضجيعه في الرمس فضائله جليلة وهي خلية عن اللبس ~~ياعجبا من يغطي عين ضوء الشمس في نصف النهار لقد دخلا غارا لا يسكنه لابث ~~فاستوحش الصديق من خوف الحوادث فقال الرسول ما ظنك باثنين والله الثالث ~~فنزلت السكينة فارتفع خوف الحادث فزال القلق وطاب عيش الماكث فقام مؤذن ~~النصر ينادي على رؤوس منائر الأمصار {ثاني اثنين إذ هما في الغار} حبه ~~والله رأس الحنيفة وبغضه يدل على خبث الطوية فهو خير الصحابة والقرابة ~~والحجة على ذلك قوية لولا صحة مامته ما قيل ابن الحنيفة مهلا فأن ذم ~~الروافض قد فار والله ما أحببناه لهوانا ولا نعتقد في غيره هوانا ولكن ~~أخذنا بقول علي وكفانا رضيك رسول الله لديننا أفلا نرضاك لدنيانا تالله لقد ~~أخذت من الروافض بالثأر # PageV01P073 # تالله لقد وجب حق الصديق علينا فنحن نقضي بمدائحه ونفر بما نقر به من ~~السنى عينا فمن كان رافضيا فلا يعد إلينا وليقل لي أعذار تنبيه ms059 # اجتنب من يعادي أهل الكتاب والسنة لئلا يعديك خسرانه احترز من عدوين هلك ~~بهما أكثر الخلق صاد عن سبيل الله بشبهاته وزخرف قوله ومفتون بدنياه ~~ورئاسته من خلق فيه قوة واستعداد لشيء كانت لذته في استعمال تلك القوة فيه ~~فلذة من خلقت منه قوة واستعداد للجماع استعمال قوته فيه ولذ 1 ة من خلقت ~~فيه قوة الغضب والثواب باستعمال قوته الغضبية في متعلقها ومن خلقت فيه قوة ~~الأكل والشرب فلذته باستعمال قوته فيهما ومن خلقت فيه قوة العلم والمعرفة ~~فلذته باستعمال قوته وصرفها إلى العلم ومن خلقت فيه قوة الحب لله والإنابة ~~إليه والعكوف بالقلب عليه والشوق إليه والأنس به فلذته ونعيمه استعمال هذه ~~القوة في ذلك وسائر اللذات دون هذه اللذة مضمحلة فانية وأحمد عاقبتها أن ~~تكون لا له ولا عليه تنبيه # يا أيها الأعزلاحذر فراسة المتقى فإنه يرى عورة عملك من وراء ستر اتقوا ~~فراسة المؤمن سبحان الله في النفس كبر إبليس وحسد قابيل وعتو عاد وطغيان ~~ثمود وجرأة نمرود واستطالة فرعون وبغي قارون وقحة هامان # PageV01P074 # وهوى بلعام وحيل أصحاب السبت وتمرد لوليد وجهل أبي جهل وفيها من أخلاق ~~البهائم حرص الغراب وشره الكلب ورعونة الطاووس ودناءة الجعل وعقوق الضب ~~وحقد الجمل ووثوب الفهد وصولة الأسد وفسق الفأرة وخبث الحية وعبث القرد ~~وجمع النملة ومكر الثعلب وخفة الفراش ونوم الضبع غير أن الرياضة والمجاهدة ~~تذهب ذلك فمن استرسل مع طبعه فهو من هذا الجند ولا تصلح سلعته لعقد {إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم} فما اشترى إلا سلعة هذبها الإيمان فخرجت من ~~طبعها إلى بلد سكانه التائبون العابدون سلم المبيع قبل أن يتلف في يدك فلا ~~يقبله المشتري قد علم المشتري بعيب السلعة قبل أن يشتريها فسلمها ولك ~~الأمان من الرد قدر السلعة يعرف بقدر مشتريها والثمن المبذول فيه والمنادي ~~عليها فإذا كان المشترى عظيما والثمن خطيرا والمنادي جليلا كانت السلعة ~~نفيسة # يا بائعا نفسه بيع الهوان لو استرجعت ذا البيع قبل الفوت لم تخب # وبائعا طيب عيش ms060 ما له خطر ... بطيف عيش من الآلام منتهب # غبنت والله غبنا فاحشا ولدى ... يوم التغابن تلقى غاية الحرب # وواردا صفو عيش كله كدر ... أمامك الورد حقا ليس بالكذب # وحاطب الليل في الظلماء منتصبا ... لكل داهية تدني من العطب # ترجوا الشفاء بأحداق بها مرض ... فهل سمعت ببرء جاء من عطب # ومفنيا نفسه في أثر أقبحهم ... وصفاللطخ جمال فيه مستلب # وواهبا نفسه من مثل ذا سفها ... لو كنت تعرف قدر النفس لم تهب # شاب الصبا والتصابي لم يشب ... وضاع وقتك بين اللهو واللعب # وشمس عمرك قد حان الغروب لها ... والفيء في الأفق الشرقي لم يغب # PageV01P075 # وفاز بالوصل من قد جدوا انقشعت ... عن أفقه ظلمات الليل والسحب # كم ذا التخلف والدنيا قد ارتحلت ... ورسل ربك قد وافتك في الطلب # ما في الديار وقد سارت ركائب من ... تهواه للصب من شكر ولا أرب # فافرش الخد ذياك التراب وقل ... ما قاله صاحب الأشواق والحقب # ما ربع مية محفوفا يطيف به ... غيلان أشهى له من ربعك الخرب # منازلا كان يهواها ويألفها ... أيام كان منال الوصل عن كثب # ولا الخدود ولو أدمين من ضرج ... أشهى إلى ناظري من ربعك الخرب # وكلما جليت تلك الربوع له ... يهوى إليها هوى الماء في الصبب # أحيي له الشوق تذكار العهود بها ... فلو دعي القلب للسلوان لم يجب # هذا وكم منزل في الأرض يألفه ... وماله في سواها الدهر من رغب # ما في الخيام أخو وجدير يحك إن ... بثثته بعض شأن الحب فاغترب # وأسر في غمرات الليل متهديا ... بنفحة الطيب لا بالعود والحطب # وعاد كل أخي جبن ومعجزة ... وحارب النفس لا تلقيك في الحرب # وخذ لنفسك نورا تستضيء به ... يوم اقتسام الورى الأنوار بالرتب # إن كان يوجب صبري رحمتي فرضا ... بسوء حالي وحل للضنا بدني # منحتك الروح لا أبغي لها ثمنا ... إلا رضاك ووافقري الا الثمن # أحن بأطراف النهار صبابة ... وبالليل يدعوني الهوى فأجيب # وإذا لم يكن من العشق بد ... فمن عجز عشق غير الجميل # PageV01P076 # فلو أن ما أسعى لعيش معجل ... كفاني منه ms061 بعض ما أنا فيه # ولكنما أسمى لملك مخلد ... فوا أسفا إن لم أكن بملاقيه # يا من هو من أرباب الخبرة هل عرفت قيمة نفسك إنما خلقت الأكوان كلها لك ~~يا من غذى بلبان البر وقلب بأيدي الألطاف كل الأشياء شجرة وأنت الثمرة ~~وصورة وأنت المعنى وصدف وأنت الدر ومخيض وأنت الزبد منشور اختيارنا لك واضح ~~الخط ولكن استخراجك ضعيف متى رمت طلبي فاطلبني عندك اطلبني منك تجدني قريبا ~~ولا تطلبني من غيرك فأنا أقرب إليك منه لو عرفت قدر نفسك عندنا ما أهنتها ~~بالمعاصي إنما أبعدنا إبليس إذ لم يسجد لك وأنت في صلب أبيك فوا عجبا كيف ~~صالحته وتركتنا لو كان في قلبك محبة لبان أثرها على جسدك # ولما ادعيت الحب قالت كذبتي ... ألست أرى الأعضاء منك كواسيا # لو تغذى القلب بالمحبة لذهبت عنه بطنة الشهوات # ولو كنت عذري الصبابة لم تكن ... بطينا وأنساك الهوى كثرة الأكل # لو صحت محبتك لاستوحشت ممن لا يذكرك بالحبيب واعجبا لمن يدعي المحبة ~~ويحتاج إلى من يذكره بمحبوبه فلا يذكره إلا بمذكر أقل ما في المحبة أنها لا ~~تنسيك تذكر المحبوب # ذكرتك لا أني نستك ساعة ... وأيسر ما في الذكر ذكر لساني # إذا سافر المحب للقاء محبوبه ركبت جنوده معه فكان الحب في مقدمة العسكر ~~والرجاء يحدو بالمطى والشوق يسوقها والخوف يجمعها على الطريق فإذا شارف ~~قدوم بلد الوصل خرجت تقادم الحبيب باللقاء # فداو سقما بجسم أنت متلفه ... وأبرد غراما بقلب أنت مضرمه # ولا تكلني على بعد الديار إلى ... صبري الضعيف فصبري أنت تعلمه # PageV01P077 # تلقى قلبه فقد أرسلته عجلا ... إلى لقائك والأشواق تقدمه # فإذا دخل على الحبيب أفيضت عليه الخلع من كل ناحية ليمتحن أيسكن إليها ~~فتكون حظه أم يكون التفاته إلى من ألبسه إياها ملأوا مراكب القلوب متاعا لا ~~تنفق إلا على الملك فلما هبت رياح السحر أقلعت تلك المراكب فما طلع الفجر ~~الا وهي بالمينا قطعوا بادية الهوى بأقدام الجد فما كان إلا القليل حتى ~~قدموا من السفر فأعقبهم الراحة في ms062 طريق التلقي فدخلوا بلد الوصل وقد حاز ~~ربح الأبد فرغ القوم قلوبهم من الشواغل فضربت فيها سرادقات المحبة فأقاموا ~~العيون تحرس تارة وترش أخرى سرادق المحبة لا يضرب إلا في قاع نزه فارغ # نزه فؤادك من سوانا والقنا ... فنجنابنا حل لكل منزه # الصبر طلسم لكنز وصالنا ... من حل ذا الطلسم فاز بكنزه # اعرف قدر ما ضاع منك وابك بكاء من يدري مقدار الفائت لو تخيلت قرب ~~الأحباب لأقمت المأتم على بعدك لو استنشقت ريح الأسحار لأفاق منك قلبك ~~المخمور من استطال الطريق ضعف مشيه # وما أنت بالمشتاق إن قلت بيننا ... طوال الليالي أو بعيد المفاوز # أما علمت أن الصادق إذا هم ألقى بين عينيه عزمه إذا نزل آب في القلب حل ~~آذار في العين هان سهر الحراس لما علموا أن أصواتهم بسمع الملك من لاح له ~~حال الآخرة هان عليه فراق الدنيا إذا لاح للباشق الصيد نسي مألوف الكف يا ~~أقدام الصبر احملي بقي القليل تذكر حلاوة الوصال يهن عليك مر المجاهدة قد ~~علمت أين المنزل فاحد لها تسر أعلى الهمم همة من استعد صاحبها للقاء الحبيب ~~قدم التقادم بين يدي الملتقى فاستبشر بالرضا عند القدوم وقدموا لانفسهم ~~الجنة ترضى منك بأداء الفرائض والنار تندفع # PageV01P078 # عنك بترك المعاصي والمحبة لا تقنع منك إلا ببذل الروح لله ما أحلى زمان ~~تسعى فيه أقدام الطاعة على أرض الاشتياق لما سلم القوب النفوس إلى رائض ~~الشرع علمها الوفاق في خلاف الطبع فاستقامت مع الطاعة كيف دارت دارت معها # وإني إذا اصطكت رقاب مطيهم ... وثور حاد بالرفاق عجول # أخالف بين الراحتين على الحشا ... وأنظر أني ملثم فأميل ### | فصل علمت كلبك فهو يترك شهوته في تناول ما صاده احتراما لنعمتك وخوفا # من سطوتك وكم علمك معلم الشرع وأنت لا تقبل حرم صيد الجاهل والممسك لنفسه ~~فما ظن الجاهل الذي أعماله لهوى نفسه جمع فيك عقل الملك وشهوة البهيمة وهوى ~~الشيطان وأنت للغالب عليك من الثلاثة إن غلبت شهوتك وهواك زدت على مرتبة ~~ملك وإن غلبك ms063 هواك وشهوتك نقصت عن مرتبة كلب لما صاد الكلب لربه أبيح صيده ~~ولما أمسك على نفسه حرم ما صاده مصدر ما في العبد من الخير والشر والصفات ~~الممدوحة والمذمومة من صفة المعطي المانع فهو سبحانه يصرف عباده بين مقتضى ~~هذين الاسمين فحظ العبد الصادق من عبوديته بهما الشكر عند العطاء والافتقار ~~عند المنع فهو سبحانه يعطيه ليشكره ويمنعه ليفتقر إليه فلا يزال شكورا ~~فقيرا # قوله تعالى {وكان الكافر على ربه ظهيرا} هذا من ألطف خطاب القرآن وأشرف ~~معانيه وأن المؤمن دائما مع الله على نفسه وهواه وشيطانه وعدو ربه وهذا ~~معنى كونه من حزب الله وجنده وأوليائه فهو مع الله على عدوه الداخل فيه ~~والخارج عنه يحاربهم ويعاديهم ويغضبهم له سبحانه كما يكون خواص الملك معه ~~على حرب أعدائه والبعيدون منه فارغون من ذلك غير مهتمين به # PageV01P079 # والكافر مع شيطانه ونفسه وهواه على ربه وعبارات السلف على هذه تدور ذكر ~~بن أبي حاتم عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير قال عونا للشيطان على ربه ~~بالعداوة والشرك وقال ليث عن مجاهد قال يظاهر الشيطان على معصية الله يعينه ~~عليها وقال زيد بن أسلم ظهيرا أي مواليا والمعنى أنه يوالي عدوه على معصيته ~~والشرك به فيكون مع عدوه معينا له على مساخط ربه # فالمعية الخاصة لتي للمؤمن مع ربه وإله قد صارت لهذا الكافر والفاجر مع ~~الشيطان ومع نفسه وهواه وقربانه ولهذا صدر الآية بقوله {ويعبدون من دون ~~الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم} وهذه العبادة هي الموالاة والمحبة والرضا ~~بمعبوديهم المتضمنة لمعيتهم الخاصة فظاهروا أعداء الله على معاداته ~~ومخالفته ومساخطه بخلاف وليه سبحانه فإنه معه على نفسه وشيطانه وهواه وهذا ~~المعنى من كنوز القرآن لمن فهمه وعقله وبالله التوفيق # قوله تعالى {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا} ~~قال مقاتل إذا وعظوا بالقرآن لم يقعوا عليه صما لم يسمعوه وعميانا لم ~~يبصروه ولكنهم سمعوا وأبصروا وأيقنوا به وقال ابن عباس لم يكونوا عليها صما ~~وعميانا بل ms064 كانوا خائفين خاشعين وقال الكلبي يخرون عليها سمعا وبصرا وقال ~~الفراء اذا تلي عليهم القرآن لم يقعدوا على حالهم الأولى كأنهم لم يسمعوه ~~فذلك الخرور وسمعت العرب تقول قعد يشتمني كقولك قام يشتمني وأقبل يشتمني ~~والمعنى على ما ذكر لم يصيروا عندها صما وعميانا وقال الزجاج المعنى إذا ~~تليت عليهم خروا سجدا وبكيا سامعين مبصرين كما أمروا به وقال ابن قتيبة أي ~~لم يتغافلوا عنها كأنهم صم لم يسمعوها وعمي لم يروها قلت ههنا أمران ذكر ~~الخرور وتسليط النفي عليه وهل هو خرور القلب أو خرور البدن # PageV01P080 # للسجود وهل لمعنى لم كن خرورهم عن صمم وعمه فلهم عليها خرورا بالقلب ~~خضوعا أو بالبدن سجودا أو ليس هناك خرور وعبر به عن القعود # أصول المعاصي كلها كبارها وصغارها ثلاثة تعلق القلب بغير الله وطاعة ~~القوة الغضبية والقوة الشهوانية وهي الشرك والظلم والفواحش فغاية التعلق ~~بغير الله شرك وأن يدعى معه إله آخر وغاية طاعة القوة الغضبية القتل وغاية ~~القوة الشهوانية الزنا ولهذا جمع الله سبحانه بين الثلاثة في قوله {والذين ~~لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون} وهذه الثلاثة يدعو بعضها إلى بعض فالشرك يدعو إلى الظلم والفواحش ~~كما أن الإخلاص والتوحيد يصرفهما عن صاحبه قال تعالى # {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} فالسوء العشق ~~والفحشاء الزنا وكذلك الظلم يدعو إلى الشرك والفاحشة فإن الشرك اظلم لظلم ~~كما أن أعدل العدل التوحيد فالعدل قرين التوحيد والظلم قرين الشرك ولهذا ~~يجمع سبحانه بينهما أما الأول ففي قوله شهد اللهأنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط وأما الثاني فكقوله تعالى {إن الشرك ~~لظلم عظيم} والفاحشة تدعو إلى الشرك والظلم ولا سيما إذا قويت إرادتها ولم ~~تحصل إلا بنوع من الظلم بالظلم والاستعانة بالسحر والشيطان وقد جمع سبحانه ~~بين الزنا والشرك في قوله # {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ~~وحرم ذلك ms065 على المؤمنين} فهذه الثلاثة يجر بعضها إلى بعض ويأمر بعضها ببعض ~~ولهذا كلما كان القلب أضعف توحيدا وأعظم شركا كان أكثر فاحشة وأعظم تعلقا ~~بالصور وعشقا لها ونظير هذا قوله تعالى وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة ~~الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين ~~يجتنبون كبائر الأثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون فأخبر أن ما عنده ~~خير لمن آمن به وتوكل عليه وهذا هو التوحيد ثم قال {والذين يجتنبون كبائر ~~الأثم والفواحش} فهذا اجتناب داعي القوة الشهوانية ثم قال # PageV01P081 # {وإذا ما غضبوا هم يغفرون} فهذا مخالفة القوة الغضبية فجمع بين التوحيد ~~والعفة والعدل التي هي جماع الخير كله ### | فائدة هجر القرآن أنواع أحدها هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه # والثاني هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به والثالث ~~هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه واعتقاد أنه لا يفيد اليقين ~~وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم والرابع هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد ~~المتكلم به منه والخامس هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلب ~~وأدوائها فيطلب شفاء دائه من غيره ويهجر التداوي به وكل هذا داخل في قوله ~~{وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا} وإن كان بعض الهجر ~~أهون من بعض وكذلك لحرج الذي في الصدور منه فإنه تارة يكون حرجا من إنزاله ~~وكونه حقا من عند الله وتارة يكون من جهة لتكلم به أو كونه مخلوقا من بعض ~~مخلوقاته ألهم غيره أن تكلم به وتارة يكون من جهة كفايته وعدمها وأنه لا ~~يكفي العباد بل هم محتاجون معه إلى المعقولات والأقيسة أو الآراء أو ~~السياسات وتارة يكون من جهة دلالته وما أريد به حقائقه المفهومة منه عند ~~الخطاب أو أريد به تأويلها وإخراجها عن حقائقها إلى تأويلات مستكرهة مشتركة ~~وتارة يكون من جهة كون تلك الحقائق وإن كانت مرادة فهي ثابتة في نفس الأمر ~~أو أوهم أنها مرادة لضرب المصلحة فكل هؤلاء في ms066 صدورهم حرج من القرآن وهم ~~يعلمون ذلك من نفوسهم ويجدونه في صدورهم ولا تجد مبتدعا في دينه قط إلا وفي ~~قلب حرج من الآيات التي تخالف بدعته كما نك لا تجد ظالما فاجرا إلا وفي ~~صدره حرج من الآيات التي تحول بينه وبين إرادته فتدبر هذا لمعنى ثم ارض ~~لنفسك بما تشاء # PageV01P082 ### | فائدة كمال النفس المطلوب ما تضمن أمرين أحدهما أن يصير هيئة راسخة وصفة # لازمة له الثاني أن يكون صفة كمال في نفسه فإذا لم يكن كذلك لم يكن ~~كمالافلا يليق بمن يسعى في كمال نفسه المنافسة عليه ولا الأسف على فوته ~~وذلك ليس إلا معرفة بارئها وفاطرها ومعبودها والهها لحق الذي لا صلاح لها ~~ولا نعيم ولا لذة إلا بمعرفته وإرادة وجهه وسلوك الطريق الموصلة إليه وإلى ~~رضاه وكرامته وأن تعتاد ذلك فيصير لها هيئة راسخة لازمة وما عدا ذلك من ~~العلوم والإرادات والأعمال فهي بين مالا ينفعها ولا يكملها وما يعود بضررها ~~ونقصها وألمها ولا سيما إذا صار هيئة راسخة لها فإنها تعذب وتتألم به بحسب ~~لزومه لها وأما الفضائل المنفصلة عنها كالملابس والمراكب والمساكن والجاه ~~والمال فتلك في الحقيقة عوار أعيرتها مدة ثم يرجع فيها المعير فتتألم ~~وتتعذب برجوعه فيها بحسب تعلقها بها ولا سيما إذا كانت هي غاية كمالها فإذا ~~سلبتها أحضرت أعظم النقص والألم والحسرة فليتدبر من يريد سعادة نفسه ولذتها ~~هذه النكتة فأكثر هذا الخلق إنما يسعون في حرمان نفوسهم وألمها وحسرتها ~~ونقصها من حيث يظنون أنهم يريدون سعادتها ونعيمها فلذتها بحسب ما حصل لها ~~من تلك المعرفة والمحبة والسلوك وألمها وحسرتها بحسب ما فاتها من ذلك ومتى ~~عدم ذلك وخلا منه لم يبق فيه إلا القوى البدنية النفسانية التي بها يأكل ~~ويشرب وينكح ويغضب وينال سائر لذاته ومرافق حياته ولا يلحقه من جهتها شرف ~~ولا فضيلة بل خساسة ومنقصة إذ كان إنما يناسب بتلك القوى البهائم ويتصل ~~بجنسها ويدخل في جملتها ويصير كأحدها وربما زادت في تناولها عليه واختصت ~~دونه بسلامة عافيتها ms067 والأمن من جلب الضرر عليها فكمال تشاركك فيه البهائم ~~وتزيد عليك وتختص عنك فيه بسلامة العاقبة حقيق أن تهجره إلى الكمال الحقيقي ~~الذي لا كمال سواه وبالله التوفيق # PageV01P083 ### | فائدة جليلة إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده تحمل الله # سبحانه حوائجه كلها وحمل عنه كل ما أهمه وفرغ قلبه لمحبته ولسانه لذكره ~~وجوارحه لطاعته وإن أصبح وأمسى والدنيا همه حمله الله همومها وغمومها ~~وأنكادها ووكله إلى نفسه فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق ولسانه عن ذكره ~~بذكرهم وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره ~~كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره لكل من أعرض عن عبودية اللله ~~وطاعته ومحبته بلي بعبودية لمخلوق ومحبته وخدمته قال تعالى {ومن يعش عن ذكر ~~الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} قال سفيان بن عيينة لا تأتون بمثل ~~مشهور للعرب إلا جئتكم به من القرآن فقال له قائل فأين في القرآن أعط أخاك ~~تمرة فإن لم يقبل فأعطه جمرة فقال في قوله # {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا} الآية ### | فائدة العلم نقل صورة المعلوم من الخارج وإثباتها في النفس ولعمل نقل # صورة علمية من النفس وإثباتها في الخارج فإن كان الثابت في النفس مطابقا ~~للحقيقة في نفسها فهو علم صحيح وكثيرا ما يثبت ويترا أي في النفس صور ليس ~~لها وجود حقيقى فيضنها الذي قد أثبتها في نفسه علما وإنما هي مقدرة لا ~~حقيقية لها وأكثر علوم الناس من هذا الباب وما كان منها مطابقا للحقيقة في ~~الخارج فهو نوعان نوع تكمل النفس بإدراكه والعلم به وهو العلم بالله ~~وأسمائه وصفاته وأفعاله وكتبه وأمره ونهيه ونوع لا يحصل به للنفس كمال وهو ~~كل علم لا يضر الجهل به فإنه لا ينفع العلم به وكان النبي يستعيذ بالله من ~~علم لا ينفع وهذا حال أكثر لعلوم الصحيحة المطابقة التي لا يضر الجهل بها ~~شيئا كالعلم بالفلك # PageV01P084 # ودقائقه ودرجاته وعدد الكواكب ومقاديرها والعلم بعدد الجبال وألوانها ms068 ~~ومساحتها ونحو ذلك فشرف العلم بحسب شرف معلومه وشدة الحاجة إليه وليس ذلك ~~إلا العلم بالله وتوابع ذلك وأما العلم فآفته عدم مطابقته لمراد الله ~~الديني الذي يحبه الله ويرضاه وذلك يكون من فساد العلم تارة ومن فساد ~~الإرادة تارة ففساد من جهة العلم أن يعتقد أن هذا مشروع محبوب لله وليس ~~كذلك أو يعتقد أنه يقر به إلى الله وإن لم يكن مشروعا فيظن أنه يتقرب إلى ~~الله بهذا العمل وإن لم يعلم أنه مشروع وأما فساده من جهة القصد فان لا ~~يقصد به وجه الله والدار الآخرة بل يقصد به الدنيا والخلق وهاتان الآفتان ~~في العلم والعمل لا سبيل إلى السلامة منهما إلا بمعرفة ما جاء به الرسول في ~~باب العلم والمعرفة وإرادة وجه الله والدار الآخرة في باب القصد والرادة ~~فمتى خلا من هذه المعرف وهذه الإرادة فسد علمه وعمله والإيمان واليقين ~~يورثان صحة المعرفة وصحة الإرادة يورثان الإيمان ويمدانه ومن هنا يتبين ~~انحراف أكثر الناس عن الأيمان ولانحرافهم عن صحة المعرفة وصحة الإرادة ولا ~~يتم الإيمان إلا بتلقي المعرفة من مشكاة النبوة وتجريد الإرادة عن شوائب ~~الهوى وإرادة الخلق فيكون علمه مقتبسا من مشكاة الوحي وإرادته لله والدار ~~الآخرة فهذا أصح الناس علما وعملا وهو من الأئمة الذين يهدون بأمر الله ومن ~~خلفاء رسوله في أمته ### | قاعدة الإيمان له ظاهر وباطن وظاهره قول اللسان وعمل الجوارح وباطنه # تصديق القلب وانقياده ومحبته فلا ينفع ظاهر لا باطن له وإن حقن به الدماء ~~وعصم به المال والذرية ولا يجزىء باطن لا ظاهر له إلا إذا تعذر بعجز أو ~~إكراه وخوف هلاك فتخلف العمل ظاهرا مع عدم المانع دليل على فساد الباطن ~~وخلوه من الإيمان ونقصه دليل نقصه وقوته دليل قوته فالإيمان قلب الإسلام ~~ولبه # PageV01P085 # واليقين قلب الإيمان ولبه وكل علم وعمل لا يزيد الإيمان واليقين قوة ~~فمدخول وكل إيمان لا يبعث على العمل فمدخول ### | قاعدة التوكل على الله نوعان أحدهما توكل عليه في جلب حوائج العبد # وحظوظه الدنيوية ms069 أو دفع مكروهاته ومصائبه الدنيوية والثاني التوكل عليه ~~في حصول ما يحبه هو ويرضاه من الإيمان واليقين والجهاد والدعوة إليه وبين ~~النوعين من الفضل ما لا يحصيه إلا الله فمتى توكل عليه العبد في النوع ~~الثاني حق توكله كفاه النوع الأول تمام الكفاية ومتى توكل عليه في النوع ~~الأول دون الثاني كفاه أيضا لكن لا يكون له عاقبة المتوكل عليه فيما يحبه ~~ويرضاه فأعظم التوكل عليه التوكل في الهداية وتجريد التوحيد ومتابعة الرسول ~~وجهاد أهل الباطل فهذا توكل الرسل وخاصة أتباعهم # التوكل تارة يكون توكل اضطرار وإلجاء بحيث لا يجد العبد ملجأ ولا وزرا ~~إلا التوكل كما إذا ضاقت عليه الأسباب وضاقت عليه نفسه وظن أن لا ملجأ من ~~الله إلا إليه وهذا لا يتخلف عنه الفرج والتيسير البتة وتارة يكون توكل ~~اختيار وذلك التوكل مع وجود السبب المفضي إلى المراد فإن كان السبب مأمورا ~~به ذم على تركه وإن قام السبب وترك التوكل ذم على تركه أيضا فإنه واجب ~~باتفاق الأمة ونص القرآن والواجب القيام بهما والجمع بينهما وإن كان السبب ~~محرما حرم عليه مباشرته وتوحد السبب في حقه في التوكل فلم يبق سبب سواه فإن ~~التوكل من أقوى الأسباب في حصول المراد ودفع المكروه بل هو أقوى الأسباب ~~على الإطلاق وإن كان السبب مباحا نظرت هل يضعف قيامك به التوكل أو لا يضعفه ~~فإن أضعفه وفرق عليك قلبك وشتت همك فتركه أولى وإن لم يضعفه فمباشرته أولى ~~لأن حكمة أحكم الحاكمين اقتضت ربط المسبب به فلا تعطل حكمته # PageV01P086 # مهما أمكنك القيام بها ولا سيما إذا فعلته عبودية فتكون قد أتيت بعبودية ~~القلب بالتوكل وعبودية الجوارح بالسبب المنوي به القربة والذي يحقق لتوكل ~~القيام بالأسباب المأمور بها فمن عطلها لم يصح توكله كما أن القيام ~~بالأسباب المفضية إلى حصول الخير يحقق رجاءه فمن لم يقم بها كان رجاؤه ~~تمنيا كما أن من عطلها يكون توكله عجزا وعجزه توكلا # وسر التوكل وحقيقته هو اعتماد القلب على الله وحده فلا يضره ms070 مباشرة ~~الأسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها والركون إليها كما لا ينفعه قوله ~~توكلت على الله مع اعتماده على غيره وركونه إليه وثقته به فتوكل اللسان شيء ~~وتوكل القلب شيء كما أن توبة اللسان مع إصرار القلب شيء وتوبة القلب وإن لم ~~ينطق اللسان شيء فقول العبد توكلت على الله مع اعتماد قلبه على غيره مثل ~~قوله تبت إلى الله وهو مصر على معصيته مرتكب لها ### | فائدة الجاهل يشكو الله إلى الناس وهذا غاية الجهل بالمشكو والمشكو # إليه فإنه لو عرف ربه لما شكاه ولو عرف الناس لما شكا إليهم ورأى بعض ~~السلف رجلا يشكو إلى رجل فاقته وضرورته فقال يا هذا والله ما زدت على أن ~~شكوت من يرحمك وفي ذلك قيل # اذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم # والعارف إنما يشكو إلى الله وحده وأعرف العارفين من جعل شكواه إلى الله ~~من نفسه لا من الناس فهو يشكو من موجبات تسليط الناس عليه فهو ناظر إلى ~~قوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فما كسبت أيديكم وقوله {وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك} وقوله أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا # PageV01P087 # {قل هو من عند أنفسكم} فالمراتب ثلاثة أخسها أن تشكو الله إلى خلقه ~~وأعلاها أن تشكو نفسك إليه وأوسطها أن تشكو خلقه إليه ### | قاعدة جليلة قال الله تعالى # يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم لما يحيكم واعلموا ~~أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه واليه تحشرون فتضمنت هذه الآية أمورا ~~أحدها أن الحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ورسوله فمن لم تحصل له ~~هذه الاستجابة فلا حياة له وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل ~~الحيوانات فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله والرسول ظاهرا ~~وباطنا فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان ~~ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول فإن كان ما دعا ~~إليه ففيه الحياة فمن ms071 فاته جزء منه فاته جزء من الحياة وفيه من الحياة بحسب ~~ما استجاب للرسول قال مجاهد لما يحيكم يعني للحق وقال قتادة هو هذا القرآن ~~فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة وقال السدي هو ~~الإسلام أحياهم به بعد موتهم بالكفر وقال ابن إسحق وعروة بن الزبير واللفظ ~~له لما يحيكم يعني للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل وقواكم بعد الضعف ~~ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم وهذه كل عبارات عن حقيقة واحدة وهي ~~القيام بما جاء به الرسول ظاهرا وباطنا قال الواحدي والأكثرون على أن معنى ~~قوله لما يحيكم هو الجهاد وهو قول ابن إسحق واختيار أكثر أهل المعاني قال ~~الفراء إذا دعاكم إلى إحياء أمركم بجهاد عدوكم يريد أن أمرهم إنما يقوي ~~بالحرب والجهاد فلو تركوا لجهاد ضعف أمرهم واجترأ عليهم عدوهم قلت الجهاد ~~من أعظم ما يحيهم به في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة أما في الدنيا فإن ~~قوتهم وقهرهم لعدوهم بالجهاد وأما في البرزخ فقد قال تعالى ولا تحسبن # PageV01P088 # {الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} وإما في ~~الآخرة فإن حظ المجاهدين والشهداء من حياتها ونعيمها أعظم من حظ غيرهم ~~ولهذا قال ابن قتيبة لما يحيكم يعني الشهادة وقال بعض المفسرين لما يحيكم ~~يعني الجنة فإنها دار الحيوان وفيها الحياة الدائمة الطيبة حكاه أبو علي ~~الجرجاني والآية تتناول هذا كله فإن الإيمان والإسلام والقرآن والجهاد يحي ~~القلوب الحياة الطيبة وكمال الحياة في الجنة والرسول داع إلى الإيمان وإلى ~~الجنة فهو داع إلى الحياة في الدنيا والآخرة والإنسان مضطر إلى نوعين من ~~الحياة حياة بدنه التي بها يدرك النافع والضار ويؤثر ما ينفعه على ما يضره ~~ومتى نقصت فيه هذه الحياة ناله من الألم والضعف بحسب ذلك ولذلك كانت حياة ~~المريض والمحزون وصاحب الهم والغم والخوف والفقر والذل دون حياة من هو ~~معافى من ذلك وحياة قلبه وروحه التي بها يميز بين الحق والباطل والغي ~~والرشاد والهوى والضلال فيختار ms072 الحق على ضده فتفيده هذه الحياة قوة التميز ~~بين النافع والضار في العلوم والإرادات والأعمال وتفيده قوة الإيمان ~~والإرادة والحب للحق وقوة البغض والكراهة للباطل فشعوره وتمييزه وحبه ~~ونفرته بحسب نصيبه من هذه الحياة كما أن البدن الحي يكون شعوره وإحساسه ~~بالنافع والمؤلم أتم ويكون ميله إلى النافع ونفرته عن المؤلم أعظم فهذا ~~بحسب حياة البدن وذاك بحساب حياة القلب فإذا بطلت حياته بطل تمييزه وإن كان ~~له نوع تمييز لم يكن فيه قوة يؤثر بها النافع على الضار كما أن الإنسان لا ~~حياة له حتى ينفخ فيه الملك الذي هو رسول الله من روحه فيصير حيا بذلك ~~النفخ وان كان قبل ذلك من جملة الأموات فكذلك لا حياة لروحه وقلبه حتى ينفخ ~~فيه الرسول من الروح الذي ألقى إليه قال تعالى # {ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده} وقال {يلقي الروح ~~من أمره على من يشاء من عباده} وقال وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما ~~كنت تدري ما الكتاب ولا لايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ~~فأخبر أن وحيه روح ونور فالحياة والاستنارة موقوفة على نفخ الرسول # PageV01P089 # الملكي فمن أصابه نفخ الرسول الملكي ونفخ الرسول البشري حصلت له الحياتان ~~ومن حصل له نفخ الملك دون نفخ الرسول حصلت له إحدى الحياتين وفاتته الأخرى ~~الأخرى قال تعالى {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} فجمع له بين النور والحياة كما ~~جمع لمن أعرض عن كتابه بين الموت والظلمة قال ابن عباس وجميع المفسرين كان ~~كافرا ضالا فهديناه # وقوله {وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} يتضمن أمورا أحدها أنه يمشي في ~~الناس بالنور وهم في الظلمة فمثله ومثلهم كمثل قوم أظلم عليهم الليل فضلوا ~~ولم يهتدوا للطريق وآخر معه نور يمشي به في الطريق ويراها ويرى ما يحذره ~~فيها وثانيها أنه يمشي فيهم بنوره فهم يقتبسون منه لحاجتهم إلى النور ms073 ~~وثالثها أنه يمشي بنوره يوم القيامة على الصراط إذا بقي أهل الشرك والنفاق ~~في ظلمات شركهم ونفاقهم # وقوله # واعلموا أن الله يحؤل بين المرء وقلبه المشهور في الآية أنه يحول بين ~~المؤمن وبين الكفر وبين الكافر وبين الإيمان ويحول بين أهل طاعته وبين ~~معصيته وبين أهل معصيته وبين طاعته وهذا قول ابن عباس وجمهور المفسرين وفي ~~الآية قول آخر أن المعنى أنه سبحانه قريب من قلبه لا تخفى عليه خافية فهو ~~بينه وبين قلبه ذكره الواحدي عن قتادة وكان هذا أنسب بالسياق لأن الاستجابة ~~أصلها بالقلب فلا تنفع الاستجابة بالبدن دون القلب فإن الله سبحانه بين ~~العبد وبين قلبه فيعلم هل استجاب له قلبه وهل أضمر ذلك أو أضمر خلافه وعلى ~~القول الأول فوجه المناسبة أنكم إن تثاقلتم عن الاستجابة وأبطأتم عنها فلا ~~تأمنوا أن الله يحول بينكم وبين قلوبكم فلا يمكنكم بعد ذلك من الاستجابة ~~عقوبة لكم على تركها بعد وضوح الحق واستبانة فيكون كقوله {ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} وقوله {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} ~~وقوله # PageV01P090 # {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل} ففي الآية تحذير عن ترك الاستجابة ~~بالقلب وان استجاب بالجوارح وفي الآية سر آخر وهو أنه جمع لهم بين الشرع ~~والأمر به وهو الاستجابة وبين القدر والإيمان به فهي كقوله لمن شاء منكم أن ~~يستقيم وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين وقوله {فمن شاء ذكره وما ~~يذكرون إلا أن يشاء الله} والله أعلم ### | فائدة جليلة قوله تعالى # {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} وقوله عز وجل وإن ~~كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا فالآية الأولى في ~~الجهاد الذي هو كمال القوة الغضبية والثانية في النكاح الذي هو كمال القوة ~~الشهوانية فالعبد يكره مواجهة عدوه بقوته الغضبية خشية على نفسه منه وهذا ~~المكروه خير له في معاشه ms074 ومعاده ويحب الموادعة والمتاركة وهذا المحبوب شر ~~له في معاشه ومعاده وكذلك يكره المرأة لوصف من أوصافها وله في إمساكها خير ~~كثير لا يعرفه ويحب المرأة لوصف من أصافها وله في إمساكها شر كثير لا يعرفه ~~لانسان كما وصفه وصفه به خالقه ظلوم جهول فلا ينبغي أن يجعل المعيار على ما ~~يصره وينفعه ميله وحبه ونفرته وبغضه بل المعيار على ذلك ما اختاره الله له ~~بأمره ونهيه فأنفع الأشياء له على الإطلاق طاعة ربه بظاهره وباطنه وأضر ~~الأشياء عليه على الإطلاق معصيته بظاهره وباطنه فإذا قام بطاعته وعبوديته ~~مخلصا له فكل ما يجري عليه مما يكرهه يكون خيرا له وذا تخلى عن طاعته ~~وعبوديته فكل ما هو فيه من محبوب هو شر له فمن صحت له معرفة ربه والفقه في ~~أسمائه وصفاته علم يقينا أن المكروهات التي تصيبه والمحن لتي تنزل به فيها # PageV01P091 # ضروب من المصالح والمنافع لتي لا يحصيها علمه ولا فكرته بل مصلحة العبد ~~فيما يكره أعظم منها فيما يحب # فعامة مصالح النفوس في مكروهاتها كما أن عامة مضارها وأسباب هلكتها في ~~محبوباتها فانظر إلى غارس جنة من الجنات خبير بالفلاحة غرس جنة وتعاهدها ~~بالسقي والإصلاح حتى أثمرت أشجارها فأقبل عليها يفصل أوصالها ويقطع أغصانها ~~لعلمه أنها لو خليت على حالها لم تطب ثمرتها فيطعمها من شجرة طيبة الثمرة ~~حتى إذا التحمت بها واتحدت وأعطت ثمرتها اقبل بقلمها ويقطع أغصانها الضعيفة ~~التي تذهب قوتها ويذيقها ألم القطع والحديد لمصلحتها وكمالها لتصلح ثمرتها ~~أن تكون بحضرة الملوك ثم لا يدعها ودواعي طبعها من الشرب كل وقت بل يعطشها ~~وقتا ويسقيها وقتا ولا يترك الماء عليها دائما وإن كان ذلك أنضر لورقها ~~وأسرع لنباتها ثم يعمد إلى تلك الزينة التي زينت بها من الأوراق فيلقي عنها ~~كثيرا منها لأن تلك الزينة تحول بين ثمرتها وبين كمال نضجها واستوائها كما ~~في شجر العنب ونحوه فهو يقطع أعضاءها بالحديد ويلقي عنها كثيرا من زينتها ~~وذلك عين مصلحتها فلو أنها ذات تمييز وإدراك ms075 كالحيوان لتوهمت أن ذلك إفساد ~~لها وإضرار بها وإنما هو عين مصلحتها # وكذلك الأب الشفيق على ولده العالم بمصلحته إذا رأى مصلحته في إخراج الدم ~~الفاسد عنه بضع جلده وقطع عروقه وأذاقه الألم الشديد وإن رأى شفاة في قطع ~~عضو من أعضائه أبانه عنه كان ذلك رحمة به وشفقة عليه وإن رأى مصلحته في أن ~~يمسك عنه العطاء لم يعطه ولم يوسع عليه لعلمه أن ذلك أكبر الأسباب إلى ~~فساده وهلاكه وكذلك يمنعه كثيرا من شهواته حمية له ومصلحة لا بخلا عليه ~~فأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأعلم العالمين الذي هو أرحم بعباده منهم ~~بأنفسهم ومن آبائهم وأمهاتهم إذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرا لهم من أن لا ~~ينزله بهم نظرا منه لهم وإحسانا إليهم ولطفا بهم ولو مكنوا من الاحتيار ~~لأنفسهم # PageV01P092 # لعجزوا عن القيام بمصالحهم علما وإرادة وعملا لكنه سبحانه تولى تدبير ~~أمورهم بموجب علمه وحكمته ورحمته أحبوا أم كرهوا فعرف ذلك الموقنون بأسمائه ~~وصفاته فلم يتهموه في شيء من أحكامه وخفي ذلك على الجهل به وبأسمائه وصفاته ~~فنازعوه تدبيره وقدحوا في حكمته ولم ينقادوا لحكمه وعارضوا حكمه بعقولهم ~~الفاسدة وآرائهم الباطلة وسياساتهم الجائرة فلا لربهم عرفوا ولا لمصالحهم ~~حصلوا والله الموفق # ومتى ظفر العبد بهذه المعرفة سكن في الدنيا قبل الآخرة في جنة لا يشبه ~~فيها إلا نعيم الآخرة فإنه لا يزال راضيا عن ربه والرضا جنة الدنيا ومستراح ~~العارفين فإنه طيب النفس بما يجري عليه من المقادير التي هي عين اختيار ~~الله له وطمأنينتها إلى أحكامه الدينية وهذا هو الرضا بالله ربا وبالإسلام ~~دينا وبمحمد رسولا وما ذاق طعم الإيمان من لم يحصل له ذلك وهذا الرضا هو ~~بحسب معرفته بعدل الله وحكمته ورحمته وحسن اختياره فكلما كان بذلك أعرف كان ~~به أرضى فقضاء الرب سبحانه في عبده دائر بين العدل والمصلحة والحكمة ~~والرحمة لا يخرج عن ذلك البتة كما قال في الدعاء المشهور اللهم إني عبدك ~~ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل ms076 في قضاؤك أسألك بكل اسم ه ~~لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به ~~في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب ~~همي وغمي ما قالها أحد قط إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرجا قالوا ~~أفلا نتعلمهن يا رسول الله قال بلا ينبغي لمن يسمعهن أن يتعلمهن # والمقصود قوله عدل في قضاؤك وهذا يتناول كل قضاء يقضيه على عبده من عقوبة ~~أو ألم وسبب ذلك فهو الذي قضى بالسبب وقضى بالمسبب وهو عدل في هذا القضاء ~~وهذا القضاء خير للمؤمن كما قال والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء ~~إلا كان خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمن قال العلامة ابن القيم فسألت شيخنا هل ~~يدخل في ذلك قضاء الذنب فقال نعم بشرطه # PageV01P093 # فأجمل في لفظة بشرطه ما يترتب على الذنب من الآثار المحبوبة لله من ~~التوبة والانكسار والندم والخضوع والذل والبكاء وغير ذلك ### | فائدة لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا ولا يستقيم الزهد # في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين نظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها ~~واضمحلالها ونقصها وخستها وألم المزاحمة عليها والحرص عليها وما في ذلك من ~~الغصص والنغص والأنكاد وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب من الحسرة ~~والأسف فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها وهم حال الظفر بها وغم وحزن بعد ~~فواتها فهذا أحد النظرين # النظر الثاني النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولا بد ودوامها وبقائها ~~وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات والتفاوت الذي بينه وبين ما هنا فهى كمال ~~الله سبحانه {والآخرة خير وأبقى} فهي خيرات كاملة دائمة وهذه خيالات ناقصة ~~منقطعة مضمحلة فإذا تم له هذان النظران آثر ما يقتضي العقل إيثاره وزهد ~~فيما يقتضي الزهد فيه فكل أحد مطبوع على أن لا يترك النفع العاجل واللذة ~~الحاضرة إلى النفع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة الى إذا تبين له فضل ~~الآجل على العاجل وقويت رغبته في ms077 الأعلى الأفضل فإذا آثر الفاني الناقص كان ~~ذلك إما لعدم تبين الفضل له وإما لعدم رغبته في الأفضل # وكل واحد من الأمرين يدل على ضعف الإيمان وضعف العقل والبصيرة فإن الراغب ~~في الدنيا الحريص عليه المؤثر لها إما أن يصدق بأن ما هناك أشرف وأفضل ~~وأبقى وإما أن لا يصدق بذلك كان عادما للإيمان رأسا وإن صدق بذلك ولم يؤثره ~~كان فاسد العقل سيء الاختيار لنفسه وهذا تقسيم حاضر ضروري لا ينفك العبد من ~~أحد القسمين منه فإيثار الدنيا على الآخرة # PageV01P094 # إما من فساد في الإيمان وإما من فساد في العقل وما أكثر ما يكون منهما ~~ولهذا نبذها رسول الله وراء ظهره هو وأصحابه وصرفوا عنها قلوبهم وأطرحوها ~~ولم يألفوها وهجورها ولم يميلوا إليها وعدوها سجنا لا جنة فزهدوا فيها ~~حقيقة الزهد ولو أرادوها لنالوا منها كل محبوب لوصلوا منها إلى كل مرغوب ~~فقد عرضت عليه مفاتيح كنوزها فردها وفاضت على أصحابه فآثروا بها ولم يبيعوا ~~حظهم من الآخرة بها وعلموا أنها معبر وممر لا دار مقام ومستقر وأنها دار ~~عبور لا دار سرور وأنها سحابة صيف تنقشع عن قليل وخيال طيف ما استتم ~~الزيارة حتى آذن بالرحيل قال النبي مالي وللدنيا إنما أنا كراكب قال في ظل ~~شجرة ثم راح وتركها وقال ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في ~~اليم فلينظر بما ترجع وقال خالقها سبحانه إنما مثل حياة الدنيا كماء ~~أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا ~~أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو ~~نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ~~والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فأخبر عن خسة ~~الدنيا وزهد فيها وأخبر عن دار السلام ودعا إليها وقال تعالى {واضرب لهم ~~مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح ~~هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء ms078 مقتدرا المال والبنون زينة الحياة ~~الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا} وقال تعالى ~~{اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال ~~والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما ~~وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع ~~الغرور} وقال تعالى # وزين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله وعنده ~~حسن # PageV01P095 # المآب قل أؤنتبكم بخير منكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد وقال ~~تعالى {وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع} # وقد توعد سبحانه أعظم الوعيد لمن رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها وغفل عن ~~آياته ولم يرج لقاءه فقال {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا ~~واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا ~~يكسبون} وعير سبحانه من رضي بالدنيا من المؤمنين فقال يا أيها الذين آمنوا ~~مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة ~~الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة الا قليل وعلى قدر رغبة ~~العبد في الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب الآخرة ويكفي في ~~بالزهد في الدنيا قوله تعالى أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا ~~يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يتمتعون وقوله ويوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ~~ساعة من النهار يتعارفون بينهم وقوله كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثو ~~إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون وقوله تعالى يسألونك عن ~~الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها إنما أنت منذر من ~~يخشاها كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا الا عشية اوضحاها وقوله {ويوم تقوم ~~الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة} وقوله {قال كم لبثتم في ms079 الأرض عدد ~~سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا لو ~~أنكم كنتم تعلمون} وقوله يون ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا ~~يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم ~~طريقة إن لبثتم إلا يوما والله المستعان وعليه التكلان # PageV01P096 ### | قاعدة أساس كل خير أن تعلم أن ما شاء الله كان وما لم # يشأ لم يكن فتيقن حينئذ أن الحسنات من نعمه فتشكره عليها وتتضرع إليه أن ~~لا يقطعها عنك وأن السيئات من خذلانه وعقوبته فتبتهل إليه أن يحول بينك ~~وبينها ولا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك وقد أجمع العارفون ~~على أن كل خير فأصله بتوفيق الله للعبد وكل شر فأصله خذلانه لعبده وأجمعوا ~~أن التوفيق أن لا يكلك الله نفسكوان الخذلان أن يخلي بينك وبين نفسك فإذا ~~كان كل خير فأصله التوفيق وهو بيد الله إلى نفسك وأن لا بيد العبد فمفتاحه ~~الدعاء والافتقار وصدق اللجأ والرغبة والرهبة إليه فمتى أعطى العبد هذا ~~المفتاح فقد أراد أن يفتح له ومتى أضله عن المفتاح بقي باب الخير مرتجا ~~دونه # قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إني لا أحمل هم الإجابة ولكن هم الدعاء ~~فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه وعلى قدرنية العبد وهمته ومراده ورغبته ~~في ذلك يكون توفيقه سبحانه وإعانته فالمعونة من الله تنزل على العباد على ~~قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك فالله ~~سبحانه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به ~~والخذلان في مواضعه اللائقة به هو العليم الحكيم وما أتي من أتي إلا من قبل ~~إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه إلا ~~بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء وملاك ذلك الصبر فإنه من الإيمان ~~بمنزلة الرأس من الجسد فإذا قطع الرأس فلا بقاء للجسد ما ضرب عبد بعقوبة ~~أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله خلقت النار لإذابة القلوب القاسية ms080 أبعد ~~القلوب من الله القلب القاسي إذا قسي القلب قحطت العين قسوة القلب من أربعة ~~أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة الأكل والنوم والكلام والمخالطة كما # PageV01P097 # أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب فكذلك القلب إذا مرض ~~بالشهوات لم تنجع فيه المواعظ ومن أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته ~~القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها القلوب آنية الله ~~في أرضه فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها شغلوا قلوبهم بالدنيا ولو ~~شغلوها بالله والدار الآخرة لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة ورجعت ~~إلى أصحابها بغرائب الحكم وطرف الفوائد إذا غذي القلب بالتذكر وسقي بالتفكر ~~ونقي من الدغل رأى العجائب وألهم الحكمة ليس كل من تحلى بالمعرفة والحكمة ~~وانتحلها كان من أهلها بل أهل المعرفة والحكمة الذين أحيوا قلوبهم بقتل ~~الهوى وأما من قتل قلبه فأحيى الهوى المعرفة والحكمة عارية على لسانه خراب ~~القلب من الأمن والغفلة وعمارته من الخشية والذكر إذا زهدت القلوب في موائد ~~الدنيا قعدت على موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة وإذا رضيت بموائد الدنيا ~~فاتتها تلك الموائد الشوق إلى الله ولقائه نسيم يهب على القلب يروح عنه وهج ~~الدنيا من وطن قلبه عند ربه سكن واستراح ومن أرسله في الناس اضطرب واشتد به ~~القلق لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم ~~الابرة اذ أحب الله عبدا اصطنعه لنفسه واجتباه لمحبته واستخلصه لعبادته ~~فشغل همه به ولسانه بذكره وجوارحه بخدمته والقلب يمرض كما يمرض البدن ~~وشفاؤه في التوبة والحمية ويصدأ كما تصدأ المرآة وجلاؤه بالذكر ويعرى كما ~~يعرى الجسم وزينته التقوى ويجوع ويظمأ كما يجوع البدن وطعامه وشرابه ~~المعرفة والمحبة والتوكل والإنابة والخدمة إياك والغفلة عمن جعل لحياتك ~~أجلا ولأيامك وأنفاسك أمدا ومن كل ما سواه بد ولا بذلك منه من ترك الاختيار ~~والتدبير في طلب زيادة دنيا أو جاه أو في خوف نقصان أو في التخلص من عدو ~~توكلا على الله وثقة بتدبيره له وحسن ms081 اختياره له فألقى كنفه بين يديه وسلم ~~الأمر إليه ورضي بما يقضيه له استراح من # PageV01P098 # الهموم والغموم والأحزان ومن أبى إلا تدبيره لنفسه وقع في النكد والنصب ~~وسوء الحال والتعب فلا عيش يصفو ولا قلب يفرح ولا عمل يزكو ولا أمل يقوم ~~ولا راحة تدوم والله سبحانه سهل لخلقه السبيل إليه وحجبهم عنه بالتدبير فمن ~~رضي بتدبير الله له وسكن إلى اختياره وسلم لحكمه أزال ذلك الحجاب فأفضى ~~القلب إلى ربه واطمأن إليه وسكن المتوكل لا يسأل غير الله ولا يرد على الله ~~ولا يدخر مع الله من شبغل بنفسه شغل عن غيره ومن شغل بربه شغل عن نفسه ~~الإخلاص هو ما لا يعلمه ملك فيكتبه ولا عدو فيفسده ولا يعجب به صاحبه ~~فيبطله الرضا سكون القلب تحت مجاري الأحكام الناس في الدنيا معذبون على قدر ~~هممهم بها للقلب ستة مواطن يجول فيها لا سابع لها ثلاثة سافلة وثلاثة عالية ~~فالسافلة دنيا تزين له ونفس تحدثه وعدو يوسوس له فهذه مواطن الأرواح ~~السافلة التي لا تزال تجول فيها والثلاثة العالية علم يتبين له وعقل يرشده ~~وإله يعبده والقلوب جوالة في هذه المواطن إتباع لهوى وطول الأمل مادة كل ~~فساد فإن اتباع الهوى يعمي عن الحق معرفة وقصدا وطول الأمل ينسي الآخرة ~~ويصد عن الاستعداد لها لا يشم عبد رائحة الصدق ويداهن نفسه أو يداهن غيره ~~إذا أراد الله بعبد خيرا جعله معترفا بذنبه ممسكا عن ذنب غيره جوادا بما ~~عنده زاهدا فيما عنده محتملا لأذى غيره وإن أراد به شرا عكس ذلك عليه الهمة ~~العلية لا تزال حائمة حول ثلاثة أشياء تعرف لصفة من الصفات العليا تزداد ~~بمعرفتها محبة وإرادة وملاحظة لمنة تزداد بملاحظتها شكر او اطاعة وتذكر ~~لذنب تزداد بتذكره توبة وخشية فإذا تعلقت الهمة بسوى هذه الثلاثة جالت في ~~أودية الوساوس والخطرات من عشق الدنيا نظرت إلى قدرها عنده فصيرته من خدمها ~~وعبيدها وأذلته ومن أعرض عنها نظرت إلى كبر قدره فخدمته وذلت له إنما يقطع ~~السفر # PageV01P099 # ويصل ms082 المسافر بلزوم الجادة وسير الليل فإذا حاد المسافر عن الطريق ونام ~~الليل كله فمتى يصل إلى مقصده ### | فائدة جليلة كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها فلا بد أن # يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه في خبره وإلزامه لأن أحكام الرب ~~سبحانه كثيرا ما تأتي على خلاف أغراض الناس ولا سيما أهل الرياسة والذين ~~يتبعون الشبهات فإنهم لا تتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيرا ~~فإذا كان العالم والحاكم محبين للرياسة متبعين للشهوات لم يتم لما ذلك إلا ~~بدفع ما يضاده من الحق ولا سيما إذا قامت له شبهة فتتفق الشبهة والشهوة ~~ويثور الهوى فيخفى الصواب وينطمس وجه الحق وإن كان الحق ظاهرا لا خفاء به ~~ولا شبة فيه أقدم على مخالفته وقال لي مخرج بالتوبة وفي هؤلاء وأشباههم قال ~~تعالى {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات} وقال تعالى فيهم ~~أيضا فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر ~~لنا وإن يأتيهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا ~~على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون فأخبر سبحانه أنهم أخذوا العرض الأدنى مع علمهم بتحريمه عليهم ~~وقالوا سيغفر لنا وإن عرض لهم عرض آخر أخذوه فهم مصرون على ذلك وذلك هو ~~الحامل لهم على أن يقولوا على الله غير الحق فيقولون هذا حكمه وشرعه ودينه ~~وهم يعلمون أن دينه وشرعه وحكمه خلاف ذلك أولا يعلمون أن ذلك دينه وشرعه ~~وحكمه فتارة يقولون على الله مالا يعلمون وتارة يقولون عليه ما يعلمون ~~بطلانه # وأما الذين يتقون فيعلمون أن الدار الآخرة خير من الدنيا فلا يحملهم # PageV01P100 # حب الرياسة والشهوة على أن يؤثروا الدنيا على الآخرة وطريق ذلك أن ~~يتمسكوا بالكتاب والسنة ويستعينوا بالصبر والصلاة ويتفكروا في الدنيا ~~وزوالها وخستها والآخرة وإقبالها ودوامها وهؤلاء لا بد أن يبتدعوا في الدين ~~مع الفجور في العمل فيجتمع لهم الأمران فإن اتباع الهوى يعمي عين ms083 القلب فلا ~~يميز بين السنة والبدعة أو ينكسه فيرى البدعة سنة والسنة بدعة فهذه آفة ~~العلماء إذا آثروا الدنيا واتبعوا الرياسات والشهوات وهذه الآيات فيهم إلي ~~قوله # {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من ~~الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل ~~الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} فهذا مثل عالم السوء الذي يعمل ~~بخلاف علمه # وتأمل ما تضمنته هذه الآية من ذمه وذلك من وجوه أحدها أنه ضل بعد العلم ~~واختار الكفر على الإيمان عمدا ولا جهلا وثانيها أنه فارق الإيمان مفارقة ~~من لا يعود إليه أبدا فإنه انسلخ من الآيات بالجملة كما تنسلخ الحية من ~~قشرها ولو بقي معه منها شيء لم ينسلخ منها وثالثها أن الشيطان أدركه ولحقه ~~بحيث ظفر به وافترسه ولهذا قال فأتبعه الشيطان ولم يقل تبعه فإن في معنى ~~أتبعه أدركه ولحقه وهو أبلغ من تبعه لفظا ومعنى ورابعها أنه غوي بعد الرشد ~~والغي الضلال في العلم والقصد وهو أخص بفساد القصد والعمل كما أن الضلال ~~أخص فساد العلم والاعتقاد فإذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر وإن اقترنا ~~فالفرق ما ذكر وخامسها أنه سبحانه لم يشأ أن يرفعه بالعلم فكان سبب هلاكه ~~لأنه لم رفع به فصار وبالا عليه فلو لم يكن عالما كان خيرا له وأخف لعذابه ~~وسادسها أنه سبحانه أخبر عن خسة همته وأنه اختار الأسفل الأدنى على الأشرف ~~الأعلى وسابعها أن اختياره للأدنى لم يكن عن خاطر وحديث نفس ولكنه كان عن ~~إخلاد إلى الأرض وميل بكليته إلى ما هناك وأصل الإخلاد اللزوم على الدوام # PageV01P101 # كأنه قيل لزم الميل إلى الأرض ومن هذا يقال أخلد فلان بالمكان إذا لزم ~~الإقامة به قال مالك بن نويرة # بأبناء حي من قبائل مالك ... وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا # وعبر عن ميله إلى الدنيا بإخلاده إلى الأرض لأن الدنيا هي الأرض وما فيها ~~وما يستخرج منها من الزينة والمتاع وثامنها أنه رغب عن ms084 هداه واتبع هواه ~~فجعل هواه إماما له يقتدي به ويتبعه وتاسعها أنه شبهه بالكلب الذي هو أخس ~~الحيوانات همة وأسقطها نفسا وأبخلها وأشدها كلبا ولهذا سمي كلبا وعاشرها ~~أنه شبه لهثه على الدنيا وعدم صبره عنها وجزعه لفقدها وحرصه على تحصيلها ~~بلهث الكلب في حالتي تركه والحمل عليه بالطرد وهكذا هذا إن ترك فهو لهثان ~~على الدنيا وإن وعظ وزجر فهو كذلك فاللهث لا يفارقه في كل حال كلهث الكلب ~~قال ابن قتيبة كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب فإنه يلهث ~~في حال الكلال وحال الراحة وحال الري وحال العطش فضربه الله مثلا لهذا ~~الكافر فقال إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث وإن ~~تركته على حاله لهث وهذا التمثيل لم يقع بكل كلب وإنما وقع بالكلب اللاهث ~~وذلك أخس ما يكون وأشنعه ### | فصل فهذا حال العالم المؤثر الدنيا على الآخرة وأما العابد الجاهل # فآفته من إعراضه عن العلم وأحكامه وغلبة خياله وذوقه ووجده وما تهواه ~~نفسه ولهذا قال سفيان ابن عيينة وغيره احذروا فتنة العالم الفاجر وفتنة ~~العابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون فهذا بجهله يصد عن العلم وموجبه ~~وذاك بغيه يدعو إلى الفجور وقد ضرب الله سبحانه مثل النوع الآخر بقوله ~~{كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف ~~الله رب العالمين فكان عاقبتهما} # PageV01P102 # أنهما في النار خلدين فيها وذلك جزاء الظالمين وقصته معروفة فإنه بنى ~~أساس أمره على عبادة الله بجهل فأوقعه الشيطان بجهله وكفره بجهله فهذا إمام ~~كل عابد جاهل يكفر ولا يدري وذاك إمام كل عالم فاجر يختار الدنيا على ~~الآخرة وقد جعل سبحانه رضى العبد بالدنيا وطمأنينته وغفلته عن معرفة آياته ~~وتدبرها والعمل بها سبب شقائه وهلاكه ولا يجتمع هذان أعنى الرضى بالدنيا ~~والغفلة عن آيات الرب إلا في قلب من لا يؤمن بالمعاد ولا يرجو لقاء رب ~~العباد وإلا فلو رسخ قدمه في الإيمان بالمعاد لما ms085 رضي الدنيا ولا اطمأن ~~إليها ولا أعرض عن آيات الله وأنت إذا تأملت أحوال الناس وجدت هذا الضرب هو ~~الغالب على الناس وهم عمار الدنيا وأقل الناس عددا من هو على خلاف ذلك وهو ~~من أشد الناس غربة بينهم لهم شأن وله شأن علمه غير علومهم وإرادته غير ~~إرادتهم وطريقه غير طريقهم فهو في واد وهم في واد قال تعالى {إن الذين لا ~~يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا ~~غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} # ثم ذكر وصف ضد هؤلاء ومآلهم وعاقبتهم بقوله {إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم} ~~فهؤلاء إيمانهم بلقاء الله أورثهم عدم الرضا بالدنيا والطمأنينة إليها ~~ودوام ذكر آياته فهذه مواريث الإيمان بالمعاد وتلك مواريث عدم الإيمان به ~~والغفلة عنه ### | فائدة عظيمة أفضل ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب العبد ونال به # العبد الرفعة في الدنيا والآخرة هو العلم والإيمان ولهذا قرن بينهما ~~سبحانه في قوله {وقال الذين أوتوا العلم والأيمان لقد لبثتم في كتاب الله ~~إلى يوم البعث} وقوله {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات} وهؤلاهم خلاصة الوجود ولبه والمؤهلون للمراتب العالية ولكن أكثر ~~الناس غالطون في حقيقة مسمى العلم والإيمان اللذين بهما # PageV01P103 # السعادة والرفقة وفي حقيقتهما حتى أن كل طائفة تظن أن ما معها من العلم ~~والإيمان هو هذا الذي به تنال السعادة وليس كذلك بل أكثرهم ليس معهم إيمان ~~ينجي ولا علم يرفع بل قد سدوا على نفوسهم طرق العلم والإيمان اللذين جاء ~~بهما الرسول ودعا إليهما الأمة وكان عليهما هو وأصحابه من بعده وتابعوهم ~~على منهاجهم وآثارهم # فكل طائفة اعتقدت أن العلم ما معها وفرحت وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل ~~حزب بما لديهم فرحون وأكثر ما عندهم كلام وآراء وخرص والعلم وراء الكلام ~~كما قال حماد بن زيد قلت لأيوب العلم اليوم أكثر أو فيما تقدم فقال الكلام ~~اليوم أكثر والعلم فيما تقدم أكثر # ففرق هذا ms086 الراسخ بين العلم والكلام فالكتب كثيرة جدا والكلام والجدال ~~والمقدرات الذهنية كثيرة والعلم بمعزل عن أكثرها وهو ما جاء به الرسول عن ~~الله قال تعالى # {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم} وقال # ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من لعلم وقال في القرآن أنزله بعلمه أي ~~وفيه علمه # ولما بعد العهد بهذا العلم آل الأمر بكثير من الناس إلى أن اتخذوا هواجس ~~الأفكار وسوانح الخواطر والآراء علما ووضعوا فيها الكتب وأنفقوا فيها ~~الأنفاس فضيعوا فيها الزمان وملأوا بها الصحف مدادا والقلوب سوادا حتى صرح ~~كثير منهم أنه ليس في القرآن والسنة علم وأن أدلتها لفظية لا تفيد يقينا ~~ولا علما وصرخ الشيطان بهذه الكلمة فيهم وأذن بها بين أظهرهم حتى أسمعها ~~دانيهم لقاصيهم فانسلخت بها القلوب من العلم والإيمان كانسلاخ الحية من ~~قشرها والثوب عن لابسه قال الإمام العلامة شمس الدين ابن القيم ولقد أخبرني ~~بعض أصحابنا عن بعض أتباع أتباع تلاميذ هؤلاء أنه رآه يشتغل في بعض كتبهم ~~ولم يحفظ القرآن فقال له لو حفظت القرآن أولا كان أولى فقال وهل في القرآن ~~علم قال ابن القيم وقال لي بعض أئمة هؤلاء إنما نسمع الحديث لأجل البركة لا ~~لنستفيد # PageV01P104 # منه العلم لأن غيرنا قد كفانا هذه المؤونة فعمدتنا على ما فهموه قرروه ~~ولا شك أن من كان هذا مبلغه من العلم فهو كما قال القائل # نزلوا بمكة في قبائل هاشم ... ونزلت بالبطحاء أبعد منزل # قال وقال لي شيخنا مرة في وصف هؤلاء أنهم طافوا على أرباب المذاهب ففازوا ~~بأخس المطالب ويكفيك دليلا على أن هذا الذي عندهم ليس من عند الله ما ترى ~~فيه من التنقائض والاختلاف ومصادمة بعضه لبعض قال تعالى {ولو كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} وهذا يدل على أن ما كان من عنده سبحانه ~~لا يختلف وأن ما اختلف وتناقض فليس من عنده وكيف تكون الآراء والخيالات ~~وسوانح الأفكار دينا يدان به ويحكم به على الله ورسوله سبحانك هذا ms087 بهتان ~~عظيم # وقد كان علم الصحابة الذي يتذاكرون فيه غير علوم هؤلاء المختلفين ~~الخراصين كما حكى الحاكم في ترجمة أبي عبد الله البخاري قال كان أصحاب رسول ~~الله إذا اجتمعوا إنما يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم ليس بينهم رأي ولا ~~قياس ولقد أحسن القائل # العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه # ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه # كلا ولا جحد الصفات ونفيها ... حذرا من التمثيل والتشبيه فصل # وأما الإيمان فأكثر الناس أو كلهم يدعونه وما أكثر الناس ولو حرصت ~~بمؤمنين وأكثر المؤمنين إنما عندهم إيمان مجمل وأما الإيمان المفصل بما جاء ~~به الرسول معرفة وعلما وإقرارا ومحبة ومعرفة بضده وكراهيته وبغضه فهذا ~~إيمان # PageV01P105 # خواص الأمة وخاصة الرسول وهو إيمان الصديق وحزبه وكثير من الناس حظهم من ~~الإيمان الإقرار بوجود الصانع وأنه وحده الذي خلق السموات والأرض وما ~~بينهما وهذا لم يكن ينكره عباد الأصنام من قريش ونحوهم وآخرون الإيمان ~~عندهم هو التكلم بالشهادتين سواء كان معه عمل أو لم يكن وسواء وافق تصديق ~~القلب أو خالفه وآخرون عندهم الإيمان مجرد تصديق القلب بأن الله سبحانه ~~خالق السموات والأرض وأن محمدا عبده ورسوله وإن لم يقر بلسانه ولم يعمل ~~شيئا بل ولو سب الله ورسوله وأتى بكل عظيمة وهو يعتقد وحدانية الله ونبوة ~~رسوله فهو مؤمن وآخرون عندهم الإيمان هو جحد صفات الرب تعالى من علوه على ~~عرشه وتكلمه بكلماته وكتبه وسمعه وبصره ومشيئته وقدرته وإرادته وحبه وبغضه ~~وغير ذلك مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فالإيمان عندهم إنكار حقائق ذلك ~~كله وجحده والوقوف مع ما تقتضيه آراء المتهوكين وأفكار المخرصين الذين يرد ~~بعضهم على بعض وينقض بعضهم قول بعض الذين هم كما قال عمر بن الخطاب والإمام ~~أحمد مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مفارقة الكتاب وآخرون ~~عندهم الإيمان عبادة الله بحكم أذواقهم ومواجيدهم وما تهواه نفوسهم من غير ~~تقييد بما جاء به الرسول وآخرون الإيمان عندهم ما وجدوا عليه آباءهم ~~وأسلافهم ms088 بحكم الاتفاق كائنا ما كان بل إيمانهم مبني على مقدمتين إحداهما ~~أن هذا قول أسلافنا وآبائنا والثانية أن ما قالوه فهو الحق وآخرون عندهم ~~الإيمان مكارم الأخلاق وحسن المعاملة وطلاقة الوجه وإحسان الظن بكل أحد ~~وتخلية الناس وغفلاتهم وآخرون عندهم الإيمان التجرد من الدنيا وعلائقها ~~وتفريغ القلب منها والزهد فيها فإذا رأوا رجلا هكذا جعلوه من سادات أهل ~~الإيمان وإن كان منسلخا من الإيمان علما وعملا وأعلى من هؤلاء من جعل ~~الإيمان هو مجرد العلم وإن لم يقارنه عمل وكل هؤلاء لم يعرفوا حقيقة ~~الإيمان ولا قاموا به ولا قام بهم وهم أنواع منهم من جعل الإيمان ما يضاد ~~الإيمان ومنهم # PageV01P106 # من جعل الإيمان ما لا يعتبر في الإيمان ومنهم من جعله ما هو شرط فيه ولا ~~يكفي في حصوله ومنهم من اشترط في ثبوته ما يناقضه ويضاده ومنهم من اشترط ~~فيه ما ليس منه بوجه الإيمان # والإيمان وراء ذلك كله وهو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول علما ~~والتصديق به عقدا والإقرار به نطقا والانقياد له محبة وخضوعا والعمل به ~~باطنا وظاهرا وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان وكماله في الحب في الله ~~والبغض في الله والعطاء لله والمنع لله وأن يكون الله وحده إلهه ومعبوده ~~والطريق إليه تجريد متابعة رسوله ظاهرا وباطنا وتغميض عين القلب عن ~~الالتفات إلى سوى الله ورسوله وبالله التوفيق من اشتغل بالله عن نفسه كفاء ~~الله مؤونة نفسه ومن اشتغل بالله عن الناس كفاه الله مؤونة الناس ومن اشتغل ~~بنفسه عن الله وكله الله إلى نفسه ومن اشتغل بالناس عن الله وكله الله ~~إليهم ### | فائدة جليلة إنما يجد المشقة في ترك المألوفات والعوائد من تركها لغير # الله فأما من تركها صادقا مخلصا من قلبه لله فانه لا يجد في تركها مشقة ~~إلا في أول وهلة ليمتحن أصادق هو في تركها أم كاذب فان صبر على تلك المشقة ~~قليلا استحالت لذة قال ابن سيرين سمعت شريحا يحلف بالله ما ترك عبد لله ~~شيئا فوجد ms089 فقده وقولهم من ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه حق والعوض أنواع ~~مختلفة وأجل ما يعوض به الأنس بالله ومحبته وطمأنينة القلب به وقوته ونشاطه ~~وفرحه ورضاه عن ربه تعالى # أغبى الناس من ضل في آخر سفره وقد قارب المنزل العقول المؤيدة # PageV01P107 # بالتوفيق ترى أن ما جاء به الرسول هو الحق الموافق للعقل والحكمة والعقول ~~المضروبة بالخذلان ترى المعارضة بين العقل والنقل وبين الحكمة والشرع أقرب ~~الوسائل إلى الله ملازمة السنة والوقوف معها في الظاهر والباطن ودوام ~~الافتقار إلى الله وإرادة وجهه وحده بالأقوال والأفعال وما وصل أحد إلى ~~الله إلا من هذه الثلاثة وما انقطع عنه أحد إلا بانقطاعه عنها أو عن أحدها ~~الأصول التي انبنى عليها سعادة العبد ثلاثة ولكل واحد منها ضد فمن فقد ذلك ~~الأصل حصل على ضده التوحيد وضده الشرك والسنة وضدها البدعة والطاعة وضدها ~~المعصية ولهذه الثلاثة ضد واحد وهو خلو القلب من الرغبة في الله وفيما عنده ~~ومن الرهبة منه ومما عنده ### | قاعدة جليلة قال الله تعالى # {وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين} وقال {ومن يشاقق الرسول من ~~بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى} الآية والله ~~تعالى قد بين في كتابه سبيل المؤمنين مفصلة وسبيل المجرمين مفصلة وعاقبة ~~هؤلاء مفصلة وعاقبة هؤلاء مفصلة وأعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء وأولياء هؤلاء ~~وأولياء هؤلاء وخذلانه لهؤلاء وتوفيقه لهؤلاء والأسباب التي وفق بها هؤلاء ~~والأسباب التي خذل بها هؤلاء وجلا سبحانه الأمرين في كتابه وكشفهما ~~وأوضحهما وبينهما غاية البيان حتى شاهدتهما البصائر كمشاهدة الأبصار للضياء ~~والظلام # فالعالمون بالله وكتابه ودينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية وسبيل ~~المجرمين معرفة تفصيلية فاستبانت لهم السبيلان كما يستيبين للسالك الطريق ~~الموصل إلى مقصوده والطريق الموصل إلى الهلكة فهؤلاء أعلم الخلق وأنفعهم ~~للناس وأنصحهم لهم وهم الأدلاء الهداة برز الصحابة على جميع من أتى بعدهم ~~إلى يوم # PageV01P108 # القيامة فإنهم نشأوا فى سبيل الظلال والكفر والشرك والسبل الموصلة إلى ~~الهلاك وعرفوها مفصلة ثم جاءهم الرسول فأخرجهم ms090 من تلك الظلمات إلى سبيل ~~الهدى وصراط الله المستقيم فخرجوا من الظلمة الشديدة إلى النور التام ومن ~~الشرك إلى التوحيد ومن الجهل إلى العلم ومن الغي إلى الرشاد ومن الظلم إلى ~~العدل ومن الحيرة والعمى إلى الهدى والبصائر فعرفوا مقدار ما نالوه وظفروا ~~به ومقدار ما كانوا فيه فإن الضد يظهر حسنه الضد وإنما تتبين الأشياء ~~بأضدادها فازدادوا رغبة ومحبة فيما انتقلوا إليه ونفرة وبغضا لما انتقلوا ~~عنه وكانوا أحب الناس في التوحيد والإيمان والإسلام وأبغض الناس في ضده ~~عالمين بالسبيل على التفصيل # وأما من جاء بعد الصحابة فمنهم من نشأ في الإسلام غير عالم تفصيل ضده ~~فالتبس عليه بعض تفاصيل سبيل المؤمنين بسبيل المجرمين فإن اللبس إنما يقع ~~إذا ضعف العلم بالسبيلين أو أحدهما كما قال عمر بن الخطاب إنما تنقض عرى ~~الإسلام عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية وهذا من كمال علم عمر ~~رضي الله عنه فإنه إذا لم يعرف الجاهلية وحكمها وهو كل ما خالف ما جاء به ~~الرسول فإنه من الجاهلية فإنها منسوبة إلى الجهل وكل ما خالف الرسول فهو من ~~الجهل فمن لم يعرف سبيل المجرمين ولم تستبن له أوشك أن يظن في بعض سبيلهم ~~أنها من سبيل المؤمنين كما وقع في هذه الأمة من أمور كثيرة في باب الاعتقاد ~~والعلم والعمل هي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل أدخلها من لم يعرف ~~أنها من سبيلهم في سبيل المؤمنين ودعا إليها وكفر من خالفها واستحل منه ما ~~حرمه الله ورسوله كما وقع لأكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج ~~والروافض وأشباههم ممن ابتدع بدعة ودعا إليها وكفر من خالفها # والناس في هذا الموضع أربع فرق الأولى من استبان له سبيل المؤمنين وسبيل ~~المجرمين على التفصيل علما وعملا وهؤلاء أعلم الخلق الفرقة الثانية من # PageV01P109 # عميت عنه السبيلان من أشباه الأنعام وهؤلاء بسبيل المجرمين أحضر ولها ~~أسلك الفرقة الثالثة من صرف عنايته إلى معرفة سبيل المؤمنين دون ضدها فهو ~~يعرف ضدها من حيث الجملة ms091 والمخالفة وأن كل ما خالف سبيل المؤمنين فهو باطل ~~وإن لم يتصوره على التفصيل بل إذا سمع شيئا مما خالف سبيل المؤمنين صرف ~~سمعه عنه ولم يشغل نفسه بفهمه ومعرفة وجه بطلانه وهو بمنزلة من سلمت نفسه ~~من إرادة الشهوات فلم تخطر بقلبه ولم تدعه إليها نفسه بخلاف الفرقة الأولى ~~فإنهم يعرفونها وتميل إليها نفوسهم ويجاهدونها على تركها الله وقد كتبوا ~~إلى عمر بن الخطاب يسألونه عن هذه المسالة أيما أفضل رجل لم تخطر له ~~الشهوات ولم تمر بباله أو رجل نازعته إليها نفسه فتركها لله فكتب عمر أن ~~الذي تشتهي نفسه المعاصي ويتركها لله عز وجل من الذين امتحن الله قلوبهم ~~للتقوى لهم مفغرة وأجر عظيم وهكذا من عرف البدع والشرك والباطل وطرقه ~~فأبغضها لله وحذرها وحذر منها ودفعها عن نفسه ولم يدعها تخدش وجه إيمانه ~~ولا تورثه شبهة ولا شكا بل يزداد بمعرفتها بصيرة في الحق ومحبة له وكراهة ~~لها ونفرة عنها أفضل ممن لا تخطر بباله ولا تمر بقلبه فإنه كلما مرت بقلبه ~~وتصورت له ازداد محبة للحق ومعرفة بقدره وسرورا به فيقوى إيمانه به كما أن ~~صاحب خواطر الشهوات والمعاصي كلما مرت به فرغب عنها إلى ضدها ازداد محبة ~~لضدها ورغبة فيه وطلبا له وحرصا عليه فما ابتلى الله سبحانه عبده المؤمن ~~بمحبة الشهوات والمعاصي وميل نفسه إليها إلا ليسوقه بها إلى محبة ما هو ~~أفضل منها وخير له وأنفع وأدوم وليجاهد نفسه على تركها له سبحانه فتورثه ~~تلك المجاهدة الوصول إلى المحبوب الأعلى فكلما نازعته نفسه إلى تلك الشهوات ~~وشتدت إرادته لها وشوقه إليها صرف ذلك الشوق والإرادة والمحبة إلى النوع ~~العالي الدائم فكان طلبه له أشد وحرصه عليه أتم بخلاف النفس الباردة ~~الخالية من ذلك فإنها وإن كانت طالبة للأعلى لكن بين الطلبين فرق عظيم ألا ~~ترى أن من مشى إلى محبوبه على الجمر # PageV01P110 # والشوك أعظم ممن مشى إليه راكبا على النجائب فليس من آثر محبوبه مع ~~منازعة نفسه كمن آثره مع عدم منازعتها ms092 إلى غيره فهو سبحانه يبتلي عبده ~~بالشهوات إما حجابا له عنه أو حاجبا له يوصله إلى رضاه وقربه وكرامته ~~الفرقة الرابعة فرقة عرفت سبيل الشر والبدع والكفر مفصلة وسبيل المؤمنين ~~مجملة وهذا حال كثير ممن اعتنى بمقالات الأمم ومقالات أهل البدع فعرفها على ~~التفصيل ولم يعرف ما جاء به الرسول كذلك بل عرفه معرفة مجملة وإن تفصلت له ~~في بعض الأشياء ومن تأمل كتبهم رأى ذلك عيانا وكذلك من كان عارفا بطرق الشر ~~والظلم والفساد على التفصيل سالكا لها إذا تاب ورجع عنها إلى سبيل الأبرار ~~يكون علمه بها مجملا غير عارف بها على التفصيل معرفة من أفنى عمره في ~~تصرفها وسلوكها # والمقصود أن الله سبحانه يحب أن تعرف سبيل أعدائه لتجتنب تبغض كما يجب أن ~~تعرف سبيل أوليائه لتحب وتسلك وفي هذه المعرفة من الفوائد والأسرار مالا ~~يعلمه إلا الله من معرفة عموم ربوبيته سبحانه وحكمته وكمال أسمائه وصفاته ~~وتعلقها بمتعلقاتها واقتضائها لآثارها وموجباتها وذلك من أعظم الدلالة على ~~ربوبيته وملكه وإلهيته وحبه وبغضه وثوابه وعقابه والله أعلم # أرباب الحوائج على باب الملك يسألون قضاء حوائجهم وأولياؤه المحبون له ~~الذين هو همهم ومرادهم جلساؤه وخواصه فإذا أراد قضاء حاجة واحد من أولئك ~~أذن لبعض جلسائه وخاصته أن يشفع فيه رحمة له وكرامة للشافع وسائر الناس ~~مطرودون عن الباب مضروبون بسياط العبد ### | فصل عشرة أشياء ضائعة لا ينتفع بها علم لا يعمل به وعمل لا # إخلاص فيه ولا اقتداء ومال لا ينفق منه فلا يستمتع به جامعه في الدنيا ~~ولا يقدمه # PageV01P111 # أمامه إلى الآخرة وقلب فارغ من محبة الله والشوق إليه والأنس به وبدن ~~معطل من طاعته وخدمته ومحبة لا تتقيد برضاء المحبوب وامتثال أوامره ووقت ~~معطل عن استدراك فارطه أو اغتنام بر وقربة وفكر يجول فيما لا ينفع وخدمة من ~~لا تقربك خدمته إلى الله ولا تعود عليك بصلاح دنياك وخوفك ورجاؤك لمن ~~ناصيته بيد الله وهو أسبر في قبضته ولا يملك لنفسه حذرا ولا نفعا ولا موتا ~~ولا ms093 حياة ولا نشورا # وأعظم هذه الإضاعات إضاعتان هما أصل كل إضاعة إضاعة القلب وإضاعة الوقت ~~فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة وإضاعة الوقت من طول الأمل فاجتمع ~~الفساد كله في إتباع الهوى وطول الأمل والصلاح كله فى اتباع لهدى ~~والاستعداد للقاء والله المستعان # العجب ممن تعرض له حاجة فيصرف رغبته وهمته فيها إلى الله ليقضيها له ولا ~~يتصدى للسؤال لحياة قلبه من موت الجهل والإعراض وشفائه من داء الشهوات ~~والشبهات ولكن إذا مات القلب لم يشعر بمعصيته ### | فصل لله سبحانه على عبده أمر أمره به وقضاء يقضيه عليه ونعمة ينعم # بها عليه فلا ينفك من هذه الثلاثة والقضاء نوعان إما مصائب وإما معائب ~~وله عليه عبودية في هذه المراتب كلها فأحب الخلق إليه من عرف عبوديته في ~~هذه المراتب ووفاها حقها فهذا أقرب الخلق إليه وأبعدهم منه من جهل عبوديته ~~في هذه المراتب فعطلها علما وعملا فعبوديته في الأمر وامتثاله اخلاصا ~~واقتداءا برسول الله وفي النهي اجتنابه خوفا منه وإجلالا ومحبة وعبوديته في ~~قضاء المصائب الصبر عليها ثم الرضا بها وهو أعلى منه ثم الشكر عليها وهو ~~أعلى من الرضا وهذا إنما يأتى منه إذا تمكن حبه من قلبه وعلم حسن اختياره ~~له وبره به ولطفه به # PageV01P112 # وإحسانه إليه بالمصيبة وإن كره المصيبة وعبوديته في قضاء المعائب ~~المبادرة إلى التوبة منها والتنصل والوقوف في مقام الاعتذار والانكسار ~~عالما بأنه لا يرفعها عنه إلا هو ولا يقيه شرها سواه وأنها إن استمرت ~~أبعدته من ربه وطردته من بابه فيراها من الضر الذي لا يكشفه غيره حتى انه ~~ليراها أعظم من ضر البدن فه عائذ برضاه من سخطه وبعفوه من عقوبته وبه منه ~~مستجير وملتجىء منه اليه بعلم أنه إن تخلى عنه وخلى بينه وبين نفسه فعده ~~أمثالها وشر منها وأنه لا سبيل له إلى الإقلاع والتوبة إلا بتوفيقه وإعانته ~~وأن ذلك بيده سبحانه لا بيد العبد فهو أعجز وأضعف وأقل من أن يوفق نفسه أو ~~يأتي بمرضاة سيده بدون إذنه ms094 ومشيئته وإعانته فهو ملتجىء إليه متضرع ذليل ~~مسكين ملق نفسه بين يديه طريح بابه مستخذله أذل شيء وأكسره له وأفقره ~~وأحوجه إليه وأرغبه فيه وأحبه له بدنه متصرف في أشغاله وقلبه ساجد بين يديه ~~يعلم يقينا انه لا خبر فيه ولا له ولا به ولا منه وأن الخير كله لله وفي ~~يديه وبه ومنه فهو ولي نعمته ومبتدئه بها من غير استحقاق ومجريها عليه مع ~~تمقته إليه بإعراضه وغفلته ومعصيته فحظه سبحانه الحمد والشكر والثناء وحظ ~~العبد الذم والنقص والعيب قد استأثر بالمحامد والمدح والثناء وولى العبد ~~الملامة والنقائص ولعيوب فالحمد كله له والخير كله في يديه والفضل كله له ~~والثناء كله له والمنة كلها له فمنه الإحسان ومن العبد الإساءة ومنه التودد ~~إلى العبد بنعمه ومن العبد التبغض إليه بمعاصيه ومنه النصح لعبده ومن العبد ~~الغش له في معاملته # وأما عبودية النعم فمعرقتها والاعتراف بها أولا ثم العياذ به أن يقع في ~~قلبه نسبتها وإضافتها إلى سواه وإن كان سببا من الأسباب فهو مسببه ومقيمه ~~فالنعمة منه وحده بكل وجه واعتبار ثم الثناء بها عليه ومحبته عليها وشكره ~~بأن يستعملها في طاعته ومن لطائف التعبد بالنعم أن يكثر قليلها عليه ويستقل ~~كثير شكره عليها وبعلم أنها وصلت إليه من سيده من غير ثمن بذله فيها ولا ~~وسيلة منه توسل # PageV01P113 # بها إليه ولا استحقاق منه لها وأنها لله في الحقيقة لا للعبد فلا تزيده ~~النعم إلا انكسارا وذلا وتواضعا ومحبة للمنعم وكلما جدد له نعمة أحدث لها ~~عبودية ومحبة وخضوعا وذلا وكلما أحدث له قبضا أحدث له رضى وكلما أحدث ذنبا ~~أحدث له توبة وانكسارا واعتذارا فهذا هو العبد الكيس والعاجز بمعزل عن ذلك ~~وبالله التوفيق ### | فصل من ترك الاختيار والتدبير في رجاء زيادة أو خوف نقصان أو طلب # صحة أو فرار من سقم وعلم أن الله على كل شيء قدير وأنه المتفرد بالاختيار ~~والتدبير وأن تدبيره لعبده خير من تدبير العبد لنفسه وأنه أعلم بمصلحته من ~~العبد وأقدر على ms095 جلبها وتحصيلها منه وأنصح للعبد منه لنفسه وأرحم منه بنفسه ~~وأبر به منه بنفسه وعلم مع ذلك أنه لا يستطيع أن يتقدم بين يدي تدبيره خطوة ~~واحدة ولا يتأخر عن تدبيره له خطوة واحدة فلا متقدم له بين يدي قضائه وقدره ~~ولا يتأخر فألقى نفسه بين يديه وسلم الأمر كله إليه وانطرح بين يديه انطراح ~~عبد مملوك ضعف بين يدي ملك عزيز قاهر له التصرف في عبده بكل ما يشاء وليس ~~للعبد التصرف فيه بوجه من الوجوه فاستراح حينئذ من الهموم والغموم والأنكاد ~~والحسرات وحمل كله حوائجه ومصالحه من لا يبالي بحملها ولا يثقله ولا يكترث ~~بها فتولاها دونه وأراه لطفه وبره ورحمته وإحسانه فيها من غير تعب من العبد ~~ولا نصب ولا اهتمام منه لأنه قد صرف اهتمامه كله إليه وجعله وحده همه فصرف ~~عنه اهتمامه بحوائجه ومصالح دنياه وفرغ قلبه منها فما أطيب عيشه وما أنعم ~~قلبه وأعظم سروره وفرحه وإن أبى إلا تدبيره لنفسه واختياره لها واهتمامه ~~بحظه دون حق ربه خلاه وما اختاره وولاه ما تولى فحضره الهم والغم والحزن ~~والنكد الخوف والتعب وكسف البال وسوء الحال فلا قلب # PageV01P114 # يصفو ولا عمل يزكو ولا أمل يحصل ولا راحة يفوز بها ولا لذة بينها بها بل ~~بل قد حيل بينه وبين مسرته وفرحه وقرة عينه فهو يكدح في الدنيا كدح الوحش ~~ولا يظفر منه بأمل ولا يتزود منها لمعاد والله سبحانه أمر العبد بأمر وضمن ~~له ضمانا فإن قام بأمره بالنصح والصدق والإخلاص والاجتهاد قام الله سبحانه ~~له بما ضمنه له من الرزق والكفاية والنصر وقضاء الحوائج فإنه سبحانه ضمن ~~الرزق لمن عبده والنصر لمن توكل عليه واستنصر به والكفاية لمن كان هو همه ~~ومراده والمغفرة لمن استغفره وقضاء الحوائج لمن صدقه في طلبها ووثق به وقوي ~~رجاؤه وطمعه في فضله وجوده فالفطن الكيس إنما يهتم بأمره وإقامته وتوفيته ~~لا بضمانه فإنه الوفي الصادق ومن أوفى بعهده من الله فمن علامات السعادة ~~صرف اهتمامه إلى أمر الله ms096 دون ضمانه ومن علامات الحرمان فراغ قلبه من ~~الاهتمام بأمره وحبه وخشيته والاهتمام بضمانه والله المستعان # قال بشر بن الحارث أهل الآخرة ثلاثة عابد وزاهد وصديق فالعابد يعبد الله ~~مع العلائق والزاهد يعبده على ترك العلائق والصديق يعبده على الرضا ~~والموافقة إن أراه أخذ الدنيا أخذها وإن أراه تركها تركها إذا كان الله ~~ورسوله في جانب فاحذر أن تكون في الجانب الآخر فإن ذلك يفضي إلى المشاقة ~~والمحادة وهذا أصلها ومنه اشتقاقها فإن المشاقة أن يكون في شق ومن يخالفه ~~في شق والمحادة ان يكون حد وهو في حد ولا تستسهل هذا فإن مبادئه تجر إلى ~~غايته وقليله يدعو إلى كثيره وكن في الجانب الذي يكون فيه الله ورسوله وان ~~كان الناس كلهم في الجانب الآخر فإن لذلك عواقب هي أحمد العواقب وأفضلها ~~وليس للعبد أنفع من ذلك في دنياه قبل آخرته وأكثر الخلق إنما يكونون من ~~الجانب الآخر ولاسيما إذا قويت الرغبة والرهبة فهناك لا تكاد تجد أحدا في ~~الجانب الذي فيه الله ورسوله بل يعده الناس ناقص العقل سيء الاختيار لنفسه ~~وربما نسبوه إلى الجنون وذلك من مواريث أعداء الرسل فإنهم نسبوهم غلى ~~الجنون لما كانوا في شق # PageV01P115 # وجانب والناس في شق وجانب آخر ولكن من وطن نفسه على ذلك فإنه يحتاج إلى ~~علم راسخ بما جاء به الرسول يكون يقينا له لا ريب عنده فيه وإلى صبر تام ~~على معاداة من عاداه ولومة من لامه ولا يتم له ذلك إلا برغبة قوية في الله ~~والدار والآخرة بحيث تكون الآخرة أحب إليه من الدنيا وآثر عنده منها ويكون ~~الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وليس شيء أصعب على الإنسان من ذلك في ~~مبادىء الأمر فإن نفسه وهواه وطبعه وشيطانه وإخوانه ومعاشيره من ذلك الجانب ~~يدعنه إلى العاجل فإذا خالفوهم تصدوا الحربة فإن صبر وثبت جاءه العون من ~~الله وصار ذلك الصعب سهلا وذلك الألم لذة فإن الرب شكور فلا بد أن يذيقه ~~لذة تحيزه إلى الله وإلى رسوله ms097 ويريه كرامة ذلك فيشتد به سروره وغبطته ~~ويبتهج به قلبه ويظفر بقوته وفرحه وسروره ويبقى من كان محاربا له على ذلك ~~بين هائب له مسالم له ومساعد وتارك ويقوى جنده ويضعف جند العدو ولا تستصعب ~~مخالفة الناس والتحيز إلى الله ورسوله ولو كنت وحدك فإن الله معك وأنت ~~بعينه وكلاءته وحفظه لك وإنما امتحن يقينك وصبرك اعظم الأعوان لك على بعد ~~عون الله هذا بعون اله التجرد من الطمع والفزع فمتى تجردت منهما هان عليك ~~التحيز إلى الله ورسوله وكنت دائما في الجانب الذي فيه الله ورسوله ومتى ~~قام بك الطمع فلا تطمع في هذا الأمر ولا تحدث نفسك به فإن قلت فبأي شيء ~~أستعين على التجرد من الطمع ومن الفزع قلت بالتوحيد والتوكل والثقة بالله ~~وعلمك بأنه لا يأتي بالحسنات الاهو ولا يذهب بالسيآت إلا هو وأن الأمر كله ~~لله ليس لأحد مع الله شيء نصيحة # هلم إلى الدخول على الله ومجاورته في دار السلام بلا نصيب ولا تعب ولا ~~عناء بل من أقرب الطرق وأسهلها وذلك أنك في وقت بين وقتين وهو في الحقيقة # PageV01P116 # عمرك وهو وقتك الحاضر بين ما مضى وما يستقبل فالذي مضى تصلحه بالتوبة ~~والندم والاستغفار وذلك شيء لا تعب عليك فيه ولا نصب ولا معاناة عمل شاق ~~إنما هو عمل قلب وتمتنع فيما يستقبل من الذنوب وامتناعك ترك وراحة ليس هو ~~عملا بالجوارح يشق عليك معاناته وإنما هو عزم ونية جازمة تريح بدنك وقلبك ~~وسرك فما مضى تصلحه بالتوبة وما يستقبل تصلحه بالامتناع والعزم والنية وليس ~~للجوارح في هذين نصب ولا تعب ولكن الشأن في عمرك وهو وقتك الذي بين الوقتين ~~فإن أضعته أضعت سعادتك ونجاتك وإن حفظته مع إصلاح الوقتين اللذين قبله ~~وبعده بما ذكرت نجوت وفزت بالراحة واللذة والنعيم وحفظه أشق من إصلاح ما ~~قبله وما بعده فإن حفظه أن تلزم نفسك بما هو أولى بها وأنفع لها وأعظم ~~تحصيلا لسعادتها وفي هذا تفاوت الناس أعظم تفاوت فهي والله أيامك الخالية ~~التي ms098 تجمع فيها الزاد لمعادك إما إلى الجنة إما إلى النار فإن اتخذت إليها ~~سبيلا إلى ربك بلغت السعادة العظمى والفوز الأكبر في هذه المدة اليسيرة ~~التي لا نسبة لها إلى الأبد وإن آثرت الشهوات والراحات واللهو واللعب انقضت ~~عنك بسرعة وأعقبتك الألم العظيم الدائم الذي مقاساته ومعاناته أشق وأصعب ~~وأدوم من معاناة الصبر عن محارم الله والصبر على طاعته ومخالفة الهوى لأجله ### | فصل علامة صحة الإرادة أن يكون هم المريد رضا ربه واستعداده للقائه # وحزنه على وقت مر في غير مرضاته وأسفه على قربه والأنس به وجماع ذلك أن ~~يصبح ويمسي وليس له هم غيره # PageV01P117 ### | فصل إذا استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله وإذا فرحوا بالدنيا # فافرح أنت بالله وإذا أنسوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله وإذا تعرفوا إلى ~~ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة فتعرف أنت إلى ~~الله وتودد إليه تنل بذلك غاية العز والرفعة قال بعض الزهاد ما علمت أن ~~أحدا سمع بالجنة والنار تأتي عليه ساعة لا يطيع الله فيها بذكرا وصلاة أو ~~قراة أو إحسان فقال له رجل إني أكثر البكاء فقال إنك إن تضحك وأنت مقر ~~بخطيئتك خير من أن تبكي وأنت مدل بعملك وإن المدل لا يصعد عمله فوق رأسه ~~فقال أوصني فقال دع الدنيا لأهلها كما تركوهم الآخرة لأهلها وكن في الدنيا ~~كالنحلة إن أكلت أكلت طيبا وإن أطعمت أطعمت طيبا وإن سقطت على شيء لم تكسره ~~ولم تخدشه ### | فصل الزهد أقسام زهد في الحرام وهو فرض عين وزهد في الشبهات وهو # بحسب مراتب الشبهة فإن قويت التحقت بالواجب وإن ضعفت كان مستحبا وزهد في ~~الفضول وزهد فيما لا يعني من الكلام والنظر والسؤال واللقاء وغيره وزهد في ~~الناس وزهد في النفس بحيث تهون عليه نفسه في الله وزهد جامع لذلك كله وهو ~~الزهد فيما سوى الله وفي كل ما شغلك عنه وأفضل الزهد إخفاء الزهد وأصعبه ~~الزهد في الحظوظ والفرق بينه وبين الورع أن الزهد ترك مالا ينفع في الآخرة ~~والورع ms099 ترك ما يخشى ضرره في الآخرة والقلب المعلق بالشهوات لا يصح له زهد ~~ولا ورع # PageV01P118 # قال يحيى بن معاذ عجبت من ثلاث رجل يرائي بعمله مخلوقا مثله ويترك أن ~~يعمله الله ورجل يبخل بماله وربه يستقرضه منه فلا يقرضه منه شيئا ورجل يرغب ~~في صحبة المخلوقين ومودتهم والله يدعوه إلى صحبته ومودته ### | فائدة جليلة قال سهل بن عبد الله ترك الأمر عند الله أعظم من # ارتكاب النهي لأن آدم نهي عن أكل الشجرة فأكل منها فتاب عليه وإبليس أمر ~~أن يسجد لآدم فلم يسجد فلم يتب عليه قلت هذه مسألة عظيمة لها شأن وهي أن ~~ترك الأوامر أعظم عند الله من ارتكاب المناهي وذلك من وجوه عديدة أحدها ما ~~ذكره سهل من شأن آدم وعدو الله إبليس الثاني أن ذنب ارتكاب النهي مصدره في ~~الغالب الشهوة والحاجة وذنب ترك الأمر مصدره في الغالب الكبر والعزة ولا ~~يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ويدخلها من مات على التوحيد وإن ~~زنى وسرق الثالث أن فعل المأمور أحب إلى الله من ترك المنهي كما دل على ذلك ~~النصوص كقوله أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها وقوله ألا أنبئكم بخير ~~أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من أن تلقوا عدوكم ~~فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى يا رسول الله قال ذكر الله ~~وقوله اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة وغير ذلك من النصوص وترك المناهي عمل ~~فإنه كف النفس عن الفعل ولهذا علق سبحانه المحبة بفعل الأوامر كقوله {إن ~~الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا} {والله يحب المحسنين} وقوله {وأقسطوا ~~إن الله يحب المقسطين} {والله يحب الصابرين} وأما في جانب المناهي فأكثر ما ~~جاء النفي للمحبة وقوله {والله لا يحب الفساد} وقوله {والله لا يحب كل ~~مختال فخور} وقوله {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} وقوله {لا يحب ~~الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} وقوله {إن الله لا يحب من} # PageV01P119 # {كان مختالا فخورا} ونظائره ms100 وأخبر في موضع آخر أنه يكرهها ويسخطها كقوله ~~{كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها} وقوله {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله} # إذا عرف هذا ففعل ما يحبه سبحانه مقصود بالذات ولهذا يقدر ما يكرهه ~~ويسخطه لإفضائه إلى ما يحب كما قدر المعاصي والكفر والفسوق لما ترتب على ~~تقديرها مما يحبه من لوازمها من الجهاد واتخاذ الشهداء وحصول التوبة من ~~العبد والتضرع إليه والاستكانة وإظهار عدله وعفوه وانتقامه وعزه وحصول ~~المولاة والمعاداة لأجله وغير ذلك من الآثار التي وجودها بسبب تقديره ما ~~يكره أحب إليه من ارتفاعها بارتفاع أسبابها وهو سبحانه لا يقدر ما يحب ~~لإفضائه إلى حصول ما يكرهه ويسخطه كما يقدر ما يكرهه لإفضائه إلى ما يحبه ~~فعلم أن فعل ما يحبه أحب إليه مما يكرهه يوضحه الوجه الرابع أن فعل المأمور ~~مقصود لذاته وترك المنهي مقصود لتكميل فعل المأمور فهو منهي عنه لأجل كونه ~~يخل بفعل المأمور أو يضعفه وينقصه كما نبه سبحانه على ذلك في النهي عن ~~الخمر والميسر بكونهما يصدان عن ذكر الله وعن الصلاة فالمنهيات قواطع ~~وموانع صادة عن فعل المأمورات أو عن كمالها فالنهي عنها من باب المقصود ~~لغيره والأمر بالواجبات من باب المقصود لنفسه يوضحه الوجه الخامس أن فعل ~~المأمورات من باب حفظ قوة الإيمان وبقائها وترك المنهيات من باب الحمية عما ~~يشوش قوة الإيمان ويخرجها عن الاعتدال وحفظ القوة مقدم على الحمية فإن ~~القوة كلما قويت دفعت المواد الفاسدة وإذا ضعفت غلبت المواد الفاسدة ~~فالحمية مراد لغيرها وهو حفظ القوة وزيادتها وبقاؤها ولهذا كلما قويت قوة ~~الإيمان دفعت المواد الرديئة ومنعت من غلبتها وكثرتها بحسب القوة وضعفها ~~وإذا ضعفت غلبت المواد الفاسدة فتأمل هذا الوجه الوجه السادس أن فعل ~~المأمورات حياة القلب وغذاؤه وزينته وسروره وقرة عينه ولذته ونعيمه وترك ~~المنهيات بدون ذلك لا يحصل له شيئا من ذلك فإنه لو ترك جميع المنهيات ولم # PageV01P120 # يأت بالإيمان والأعمال المأمور بها لم ينفعه ذلك الترك شيئا وكان خالدا ~~في النار وهذا يتبين ms101 بالوجه السابع أن من فعل المأمورات والمنهيات فهو إما ~~ناج مطلقا إن غلبت حسناته سيئاته وإما ناج بعد أن يؤخذ منه الحق ويعاقب على ~~سيئاته فمآله إلى النجاة وذلك بفعل المأمور ومن ترك المأمورات والمنهيات ~~فهو هالك غير ناج ولا ينجو إلا بفعل المأمور وهو التوحيد # فإن قيل فهو إنما هلك بارتكاب المحظور وهو الشرك قيل يكفي في الهلاك ترك ~~نفس التوحيد المأمور به وإن لم يأت بضد وجودي من الشرك بل متى خلا قلبه من ~~التوحيد رأسا فلم يوحد الله فهو هالك وان لم يعبد معه غيره فإذا انضاف إليه ~~عبادة غيره عذب على ترك التوحيد المأمور به وفعل الشرك المنهي عنه يوضحه ~~الوجه الثامن أن المدعو إلى الإيمان إذا قال لا أصدق ولا أكذب ولا أحب ولا ~~أبغض ولا أعبده ولا أعبد غيره كان كافرا بمجرد الترك والإعراض بخلاف ما إذا ~~قال أنا أصدق الرسول وأحبه وأؤمن به وأفعل ما أمرني ولكن شهوتي وإرادتي ~~وطبعي حاكمة علي لا تدعني أترك ما نهاني عنه وأنا أعلم أنه قد نهاني وكره ~~لي فعل المنهي ولكن لا صبر لي عنه فهذا لا يعد كافرا بذلك ولا حكمه حكم ~~الأول فإن هذا مطيع من وجه وتارك المأمور جملة لا يعد مطيعا بوجه يوضحه ~~الوجه التاسع أن الطاعة والمعصية إنما تتعلق بالأمر أصلا وبالنهي تبعا ~~فالمطيع ممتثل المأمور والعاصي تارك المأمور قال تعالى {لا يعصون الله ما ~~أمرهم} وقال موسى لأخيه ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعني أفعصيت أمرى ~~وقال عمرو بن العاص عند موته أنا الذي أمرتني فعصيت ولكن لا إله إلا أنت ~~وقال الشاعر أمرتك أمرا جازما فعصيتني # والمقصود من إرسال الرسل طاعة المرسل ولا تحصل إلا بامتثال أوامره ~~واجتناب المناهي من تمام امتثال الأوامر ولوازمه ولهذا لو اجتنب المناهي ~~ولم يفعل ما أمر به لم يكن مطيعا وكان عاصيا بخلاف ما لو أتى بالمأمورات ~~وارتكب # PageV01P121 # المناهي فإنه وإن عد عاصيا مذنبا فإنه مطيع بامتثال الأمر عاص بارتكاب ~~النهي ms102 بخلاف تارك الأمر فإنه لا يعد مطيعا باجتناب المنهيات خاصة الوجه ~~العاشر أن امتثال الأمر عبودية وتقرب وخدمة وتلك العبادة التي خلق لأجلها ~~الخلق كما قال تعالى {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} فأخبر سبحانه أنه ~~إنما خلقهم للعبادة وكذلك إنما أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه ليعبدوه ~~فالعبادة هي الغاية التي خلقوا لها ولم يخلقوا لمجرد الترك فإنه أمر عدمي ~~لا كمال فيه من حيث هو عدم بخلاف امتثال المأمور فإنه أمر وجودي مطلوب ~~الحصول وهذا يتبين بالوجه الحادي عشر وهو أن المطلوب بالنهي عدم الفعل وهو ~~أمر عدمي والمطلوب بالأمر إيجاد فعل وهو أمر وجودي فمتعلق الأمر الايجاد ~~ومتعلق النهي الإعدام أو العدم وهو أمر لا كمال فيه إلا إذا تضمن أمرا ~~وجوديا فإن العدم من حيث هو عدم لا كمال فيه ولا مصلحة إلا إذا تضمن أمرا ~~وجوديا مطلقا وذلك الأمر الوجودي مطلوب مأمور به فعادت حقيقة النهي إلى ~~الأمر وأن المطلوب به ما في ضمن النهي من الأمر الوجودي المطلوب به وهذا ~~يتضح بالوجه الثاني عشر وهو أن الناس اختلفوا في المطلوب بالنهي على أقوال ~~أحدها أن المطلوب به كف النفس عن الفعل وحبسها عنه وهو أمر وجودي قالوا لأن ~~التكليف إنما يتعلق بالمقدور والعدم المحض غير مقدور وهذا قول الجمهور وقال ~~أبو هاشم وغيره بل المطلوب عدم الفعل ولهذا يحصل المقصود من بقائه على ~~العدم وإن لم يخطر بباله الفعل فضلا أن يقصد الكف عنه ولو كان المطلوب الكف ~~لكان عاصيا إذا لم يأت به ولأن الناس يمدحون بعدم فعل القبيح من لم يخطر ~~بباله فعله والكف عنه وهذا أحد قولي القاضي أبي بكر ولأجله التزم أن عدم ~~الفعل مقدور للعبد وداخل تحت الكسب قال والمقصود بالنهي الإبقاء على العدم ~~الأصلي وهو مقدور وقالت طائفة المطلوب بالنهي فعل الضد فإنه هو المقدور وهو ~~المقصود للناهي فإنه إنما نهاه عن الفاحشة طلبا # PageV01P122 # للعفة وهي المأمور بها ونهاه عن الظلم طلبا للعدل المأمور به وعن الكذب ~~طلبا ms103 للصدق المأمور به وهكذا جميع المنهيات فعند هؤلاء أن حقيقة النهي ~~الطلب لضد لمنهى عنه فعاد الأمر إلى أن الطلب إنما تعلق بفعل المأمور # والتحقيق أن المطلوب نوعان مطلوب لنفسه وهو المأمور به ومطلوب إعدامه ~~لمضادته المأمور به وهو المنهي عنه لما فيه من المفسدة المضادة للمأمور به ~~فإذا لم يخطر ببال المكلف ولا دعته نفسه إليه بل استمر على العدم الأصلي لم ~~يثب على تركه وإن خطر بباله وكف نفسه عنه لله وتركه اختيار أثيب عل كف نفسه ~~وامتناعه فإنه فعل وجودي والثواب إنما يقع على الأمر الوجودي دون العدم ~~المحض وإن تركه مع عزمه الجازم على فعله لكن تركه عجزا فهذا وإن لم يعاقب ~~عقوبة الفاعل لكن يعاقب على عزمه وإرادته الجازمة التي إنما تخلف مرادها ~~عجزا وقد دلت على ذلك النصوص الكثيرة فلا يلتفت إلى ما خالفها كقوله تعالى ~~{وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاء} وقوله في كاتم الشهادة {فإنه آثم قلبه} وقوله {ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم} وقوله {يوم تبلى السرائر} وقوله إذا تواجه المسلمان بسيفهما ~~فالقاتل والمقتول في النار قالوا هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه أراد ~~قتل صاحبه وقوله في الحديث الآخر ورجل قال لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان ~~فهو بنيته وهما في الوزر سواء وقول من قال أن المطلوب بالنهي فعل الضد ليس ~~كذلك فإن المقصود عدم الفعل والتلبس بالضدين فإن مالا يتم الواجب إلا به ~~فهو غير مقصود بالقصد الأول وإن كان المقصود بالقصد الأول المأمور الذي نهى ~~عما يمنعه ويضعفه فالمنهي عنه مطلوب إعدامه طلب الوسائل والذرائع والمأمور ~~به مطلوب إيجاده طلب المقاصد والغايات وقول أبي هاشم إن تارك القبائح يحمد ~~وإن لم يخطر بباله كف النفس فإن أراد # PageV01P123 # بحمده أنه لا يذم فصحيح وإن أراد أنه يثني عليه بذلك ويحب عليه ويستحق ~~الثواب فغير صحيح فإن الناس لا يحمدون المحبوب على ترك الزنا ولا الأخرس ~~على عدم ms104 الغيبة والسب وإنما يحمدون القادر الممتنع عن قدرة وداع إلى الفعل ~~وقول القاضي الإبقاء على العدم الأصلي مقدور فإن أراد به كف النفس ومنعها ~~فصحيح وإن أراد مجرد العدم فليس كذلك وهذا يتبين بالوجه الثالث عشر وهو أن ~~الأمر بالشيء نهي عن ضده من طريق اللزوم العقلي لا القصد الطلبي فإن الأمر ~~إنما مقصود فعل المأمور فإذا كان من لوازمه ترك الضد صار تركه مقصودا لغيره ~~وهذا هو الصواب في مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده أم لا فهو نهي عنه ~~من جهة اللزوم لا من جهة القصد والطلب وكذلك النهي عن الشيء مقصود الناهي ~~بالقصد الأول الانتهاء عن المنهي عنه وكونه مشتغلا بضده جاء من جهة اللزوم ~~العقلي لكن إنما نهى عما يضاد ما أمر به كما تقدم فكأن المأمور به هو ~~المقصود بالقصد الأول في الموضعين # وحرف المسألة أن طلب الشيء طلب له بالذات ولما هو من ضرورته باللزوم ~~والنهي عن الشيء طلب لتركه بالذات ولفعل ما هو من ضرورة الترك باللزوم ~~والمطلوب في الموضعين فعل وكف وكلاهما أمر وجودي الوجه الرابع عشر أن الأمر ~~والنهي في باب الطلب نظير النفي والإثبات في باب الخبر والمدح والثناء لا ~~يحصلان بالنفي المحض إن لم يتضمن ثبوتا فإن النفي كاسمه عدم لا كمال فيه ~~ولا مدح فإذا تضمن ثبوتا صح المدح به كنفي النسيان المستلزم لكمال العلم ~~وبيانه ونفي اللغوب والإعياء والتعب المستلزم لكمال القوة والقدرة ونفي ~~السنة والنوم المستلزم لكمال الحياة والقومية ونفي الولد والصاحبة المستلزم ~~لكمال الغنى والملك والربوبية ونفي الشريك والولي والشفيع بدون الإذن ~~المستلزم لكمال التوحيد والتفرد بالكمال والإلهية والملك ونفي الظلم ~~المتضمن لكمال العدل ونفي إدراك الأبصار له المتضمن لعظمته وأنه أجل من أن ~~يدرك وإن رأته # PageV01P124 # الأبصار وإلا فليس في كونه لا يرى مدح بوجه من الوجوه فإن العدم المحض ~~كذلك # وإذا عرف هذا فالمنهي عنه إن لم يتضمن أمرا وجوديا ثبوتيا لم يمدح بتركه ~~ولم يستحق الثواب والثناء بمجرد الترك الايستحق ms105 المدح والثناء بمجرد الوصف ~~العدمي الوجه الخامس عشر أن الله سبحانه جعل جزاء المأمورات عشرة أمثال ~~نعلها وجزاء المنهيات مثل واحد وهذا يدل على أن فعل ما أمر به أحب إليه من ~~ترك ما نهى عنه ولو كان الأمر بالعكس لكانت السيئة بعشرة والحسنة بواحدة أو ~~تساويا الوجه السادس عشر أن المنهي عنه المقصود إعدامه وأن لا يدخل في ~~الوجود سواء نوى ذلك أو لم ينوه وسواء خطر بباله أو لم يخطر فالمقصود أن لا ~~يكون وأما المأمور به فالمقصود كونه ايجاد والتقرب به نية وفعلا # وسر المسألة أن وجود ما طلب إيجاده أحب إليه من عدم ما طلب إعدامه وعدم ~~ما أحبه أكره إليه من وجود ما يبغضه فمحبته لفعل ما أمر به أعظم من كراهته ~~لفعل ما نهى عنه يوضحه الوجه السابع عشر أن فعل ما يحبه والإعانة عليه ~~وجزاؤه وما يترتب عليه من المدح والثناء من رحمته وفعل مايكره وجزاؤهما ~~يترتب عليه من الذم والألم والعقاب من غضبه ورحمته سابقة على غضبه غالبة له ~~وكل ما كان من صفة الرحمة فهو غالب لما كان من صفة الغضب فإنه سبحانه لا ~~يكون إلا رحيما ورحمته من لوازم ذاته كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره ~~وإحسانه فيستحيل أن يكون على خلاف ذلك وليس كذلك غضبه فإنه ليس من لوازم ~~ذاته ولا يكون غضبانا دائما غضبا لا يتصور انفكاكه بل يقول رسله وأعلم ~~الخلق به يوم القيامة إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب ~~بعده مثله ورحمته وسعت كل شيء وغضبه لم يسع كل شيء وهو سبحانه كتب على نفسه ~~الرحمة ولم يكتب على نفسه الغضب ووسع كل شيء رحمة وعلما ولم يسع كل شيء ~~غضبا وانتقاما فالرحمة وما كان بها ولوازمها وآثارها غالبة على الغضب # PageV01P125 # وما كان منه وآثاره فوجود ما كان بالرحمة أحب إليه من وجود ما كان من ~~لوازم الغضب ولهذا كانت الرحمة أحب إليه من العذاب والعفو أحب إليه من ~~الانتقام فوجود ms106 محبوبه أحب إليه من فوات مكروهه ولا سيما إذا كان في فوات ~~مكروهه فوات ما يحبه من لوازمه فإنه يكره فوات تلك اللوازم المحبوبة كما ~~يكره وجود ذلك الملزوم المكروه الوجه الثامن عشر أن آثار ما يكرهه وهو ~~المنهيات أسرع زوالا بما يحبه من زوال آثار ما يحبه بما يكرهه فآثار كراهته ~~سريعة الزوال وقد يزيلها سبحانه بالعفو والتجاوز وتزول لتوبة والاستغفار ~~والأعمال الصالحة والمصائب الكفرة والشفاعة والحسنات يذهبن والسيئات ولو ~~بلغت ذنوب العبد عنان السماء ثم استغفره غفر له ولو لقيه بقراب الأرض خطايا ~~ثم لقيه لا يشرك به شيئا لأتاه بقرابها مغفرة وهو سبحانه يغفر الذنوب وإن ~~تعاظمت ولا يبالي فيبطلها ويبطل آثارها بأدنى سعي من العبد وتوبة نصوح وندم ~~على ما فعل وما ذاك إلا لوجود ما يحبه من توبة العبد وطاعته وتوحيده فدل ~~على أن وجود ذلك أحب إليه وأرضى له يوضحه الوجه التاسع عشر وهو أنه سبحانه ~~قدر ما يبغضه ويكرهه من المنهيات لما يترتب عليها مما يحبه ويفرح به من ~~المأمورات فإنه سبحانه أفرح بتوبة عبده من الفاقد الواجد والعقيم الوالد ~~والظمآن الوارد وقد ضرب رسول الله لفرحه بتوبة العبد مثلا ليس في المفروح ~~به أبلغ منه وهذا الفرح إنما كان بفعل المأمور به وهو التوبة فقدر الذنب ~~لما يترتب عليه من هذا الفرح العظيم الذي وجوده أحب إليه من فواته ووجوده ~~بدون لازمه ممتنع فدل على أن وجود ما يحب أحب إليه من فوات ما يكره وليس ~~المراد بذلك أن كل فرد من أفراد ما يحب أحب إليه من فوات كل فرد مما يكره ~~حتى تكون ركعتا الضحى أحب إليه من فوات قتل المسلم وإنما المراد أن جنس فعل ~~المأمورات أفضل من جنس ترك المحظورات كما إذا فضل الذكر على الأنثى والإنسي ~~على الملك فالمراد الجنس لا عموم الأعيان # PageV01P126 # والمقصود أن هذا الفرح الذي لا فرح يشبهه فعل مأمور التوبة يدل على أن ~~هذا المأمور أحب إليه من فوات المحظور الذي تفوت به ms107 التوبة وأثرها ومقتضاها ~~فإن قيل إنما فرح بالتوبة لأنها ترك للمنهي فكان الفرح بالترك قيل ليس كذلك ~~فإن الترك المحض لا يوجب هذا الفرح بل ولا الثواب ولا المدح وليست التوبة ~~تركا وإن كان الترك من لوازمها وإنما هي فعل وجودي يتضمن إقبال التائب على ~~ربه وإنابته إليه والتزام طاعته ومن لوازم ذلك ترك ما نهى عنه ولهذا قال ~~تعالى {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} فالتوبة رجوع مما يكره إلى ما يحب ~~وليست مجرد الترك فإن من ترك الذنب تركا مجردا ولم يرجع منه إلى ما يحبه ~~الرب تعالى لم يكن تائبا فالتوبة رجوع وإقبال وإنابة لا ترك محض الوجه ~~العشرون أن المأمور به إذا فات فاتت الحياة المطلوبة للعبد وهي التي قال ~~تعالى فيها # {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} وقال ~~{أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات} وقال في حق الكفار {أموات غير أحياء} وقال {إنك لا تسمع الموتى} ~~وأما المنهي عنه فغايته أن يوجد المرض وحياة مع السقم خير من موت فإن قيل ~~ومن المنهي عنه ما يوجب الهلاك وهو الشرك قيل الهلك إنما حصل بعدم التوحيد ~~المأمور به الحياة فلما فقد حصل الهلاك فما هلك إلا من عدم إتيانه بالمأمور ~~به وهو وهذا وجه حاد وعشرون في المسألة وهو أن في المأمورات ما يجب فواته ~~الهلاك والشقاء الدائم وليس في المنهيات ما يقتضي ذلك الوجه الثاني ~~والعشرون أن فعل المأمور يتضى ترك المنهي عنه إذا فعل على وجهه من الإخلاص ~~والمتابعة والنصح لله فيه قال تعالى {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} ~~ومجرد ترك المنهي لا يقتضي فعل المأمور ولا يستلزمه الوجه الثالث والعشرون ~~أن ما يحبه من المأمورات فهو متعلق بصفاته وما يكرهه من المنهيات فمتعلق ~~بمفعولاته وهذا وجه دقيق يحتاج إلى بيان فنقول # PageV01P127 # المنهيات شرور وتفضي الي شرور والمأمورات خير وتفضي إلى الخيرات والخير ~~بيديه سبحانه والشر ليس إليه ms108 فإن الشر لا يدخل في صفاته ولا في أفعاله ولا ~~في أسمائه وإنما هو من المفعولات مع أنه شر بالإضافة والنسبة إلى العبد ~~وإلا من حيث إضافته ونسبته إلى الخالق سبحانه فليس بشر من هذه الجهة فغاية ~~ارتكاب النهى أن يوجب شرا بالإضافة إلى العبد مع أنه في نفسه ليس بشر وأما ~~فوات المأمور فيفوت به والخير الذي بفواته يحصل ضده من الشر وكلما كان ~~المأمور أحب إلى الله سبحانه كان الشر الحاصل بفواته أعظم كالتوحيد ~~والإيمان وسر هذه الوجوه أن المأمور محبوبه والمنهي مكروهه ووقوع محبوبه ~~أحب إليه من فوات مكروهه وفوات محبوبه أكره إليه من وقوع مكروهه والله أعلم ### | فصل مبنى الدين على قاعدتين الذكر والشكر قال تعالى # {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} وقال النبي لمعاذ والله إني ~~لأحبك فلا تنسى أن تقول دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ~~وليس المراد بالذكر مجرد الذكر اللسان بل الذكر القلبي واللساني وذكره ~~يتضمن ذكر أسمائه وصفاته وذكر أمره ونهيه وذكره بكلامه وذلك يستلزم معرفته ~~والإيمان به وبصفات كماله ونعوت جلاله والثناء عليه بأنواع المدح وذلك لا ~~يتم إلا بتوحيده فذكره الحقيقي يستلزم ذلك كله ويستلزم ذكر نعمه وآلائه ~~وإحسانه إلى خلقه # وأما الشكر فهو القيام بطاعته والتقرب إليه بأنواع محابه ظاهرا وباطنا ~~وهذان الأمران هما جماع الدين فذكره مستلزم لمعرفته وشكره متضمن لطاعته ~~وهذان هما الغاية التي خلق لأجلها الجن والإنس والسموات والأرض ووضع لأجلها ~~الثواب والعقاب وأنزل الكتب وأرسل الرسل وهي الحق الذي به خلقت # PageV01P128 # السماوات والأرض وما بينهما وضدها هو الباطل والعبث الذي يتعالى ويتقدس ~~عنه وهو ظن أعدائه به قال تعالى وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما ~~باطلا ذلك ظن الذين كفروا وقال وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ~~ما خلقناهما إلا بالحق وقال وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ~~وإن الساعة لآتية وقال بعد ذكر آياته في أول سورة يونس {ما خلق الله ذلك ~~إلا بالحق} وقال {أيحسب ms109 الأنسان أن يترك سدى} وقال {أفحسبتم أنما خلقناكم ~~عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} وقال {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} الله ~~الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على ~~كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وقال جعل الله الكعبة البيت ~~الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله ~~يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم فثبت بما ذكر أن ~~غاية الخلق والأمر أن يذكر وأن يشكر يذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر وهو ~~سبحانه ذاكر لمن ذكره شاكر لمن شكره فذكره سبب لذكره وشكره سبب لزيادته من ~~فضله فالذكر للقلب واللسان والشكر للقلب محبة وإنابة وللسان ثناد وحمد ~~وللجوارح طاعة وخدمة ### | فصل تكرر في القرآن جعل الأعمال القائمة بالقلب والجوارح سبب الهداية # والإضلال فيقوم بالقلب والجوارح أعمال تقتضي الهدى اقتضاء السبب لمسببه ~~والمؤثر لأثره وكذلك الضلال فأعمال البر تثمر الهدى وكلما ازداد منها ازداد ~~هدى وأعمال الفجور بالضد وذلك أن الله سبحانه يحب أعمال البر فيجازي عليها ~~بالهدى والفلاح ويبغض أعمال الفجور ويجازي عليها بالضلال والشقاء وأيضا ~~فإنه البر ويحب أهل البر فيقرب قلوبهم منه بحسب ما قاموا به من البر # PageV01P129 # ويبغض الفجور وأهله فيبعد قلوبهم منه بحسب ما اتصفوا به من الفجور فمن ~~الأصل الأول قوله تعالى {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} وهذا ~~يتضمن أمرين أحدهما أنه يهدي به من اتقى ما خطه قبل نزول الكتاب فإن الناس ~~على اختلاف مللهم ونحلهم قد استقر عندهم أن الله سبحانه يكره الظلم ~~والفواحش والفساد في الأرض ويمقت فاعل ذلك ويحب العدل والإحسان والجود ~~والصدق والإصلاح في الأرض ويحب فاعل ذلك فلما نزل الكتاب أثاب سبحانه أهل ~~البر بأن وفقهم للإيمان به جزاء لهم على برهم وطاعتهم وخذل أهل الفجور ~~والفحش والظلم بأن حال بينهم وبين الاهتداء به والأمر الثاني أن العبد إذا ~~آمن بالكتاب واهتدى به مجملا وقبل أوامره وصدق ms110 بأخباره كان ذلك سببا لهداية ~~أخرى تحصل له على التفصيل فإن الهداية لا نهاية لها ولو بلغ العبد فيها ما ~~بلغ ففوق هدايته هداية أخرى وفوق تلك الهداية هداية أخرى إلى غير غاية ~~فكلما اتقى العبد ربه ارتقى إلى هداية أخرى فهو في مزيد هداية ما دام في ~~مزيد من التقوى وكلما فوت خطا من التقوى فاته حظ من الهداية بحسبه فكلما ~~اتقى زاد هداه وكلما اهتدى زادت تقواه قال تعالى {قد جاءكم من الله نور ~~وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى ~~النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} وقال تعالى {الله يجتبي إليه من يشاء ~~ويهدي إليه من ينيب} وقال {سيذكر من يخشى} وقال {وما يتذكر إلا من ينيب} ~~وقال {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم} فهداهم أولا ~~للإيمان فلما آمنوا هداهم للإيمان هداية بعد هداية ونظير هذا قوله {ويزيد ~~الله الذين اهتدوا هدى} وقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله ~~يجعل لكم فرقانا} ومن الفرقان ما يعطيهم من لنور الذي يفرقون به بين الحق ~~والباطل والنصر والعز الذي يتمكنون به من إقامة الحق وكسر الباطل فسر ~~الفرقان بهذا وبهذا وقال تعالى {إن في ذلك لآية لكل عبد منيب} وقال # PageV01P130 # {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} في سورة لقمان وسورة إبراهيم وسبأ ~~والشورى فأخبر عن آياته المشهودة العيانية أنها إنما ينتفع بها أهل الصبر ~~والشكر كما أخبر عن آياته الإيمانية القرآنية أنها إنما ينتفع بها أهل ~~التقوى والخشية والإنابة ومن كان قصده اتباع رضوانه وأنها يتذكر بها من ~~يخشاه سبحانه كما قال طه أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى وقال ~~في لساعة {إنما أنت منذر من يخشاها} وأما من لا يؤمن بها ولا يرجوها ولا ~~يخشاها فلا تنفعه الآيات العيانية ولا القرآنية ولهذا لما ذكر سبحانه في ~~سورة هود عقوبات الأمم المكذبين للرسل وما حل بهم في الدنيا من الخزي قال ~~بعد ذلك {إن في ms111 ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة} فأخبر أن عقوباته للمكذبين ~~عبرة لمن خاف عذاب الآخرة وأما من لا يؤمن بها ولا يخاف عذابها فلا يكون ~~ذلك عبرة وآية في حقه اذا سمع ذلك قال لم يزل في الدهر الخير والشر والنعيم ~~والبؤس والسعادة والشقاوة وربما أحال ذلك على أسباب فلكية وقوى نفسانية ~~وإنما كان الصبر والشكر سببا لانتفاع صاحبهما بالآيات ينبني على الصبر ~~والشكر فنصفه صبر ونصفه شكر فعلى حسب صبر العبد وشكره تكون قوة إيمانه ~~وآيات الله إنما ينتفع بها من آمن بالله ولا يتم له الإيمان إلا بالصبر ~~والشكر فإن رأس الشكر التوحيد ورأس الصبر ترك إجابة داعي الهوى فإذا كان ~~مشركا متبعا هواه لم يكن صابرا ولا شكورا فلا تكون الآيات نافعة له ولا ~~مؤثرة فيه إيمانا ### | فصل وأما الأصل الثاني وهو اقتضاء الفجور والكبر والكذب للضلال فكثير # أيضا في القرآن كقوله تعالى {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به ~~إلا} # PageV01P131 # {الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به ~~أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون} وقال تعالى {يثبت الله الذين ~~آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل ~~الله ما يشاء} وقال تعالى فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما ~~كسبوا وقال تعالى {وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما ~~يؤمنون} وقال تعالى {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} ~~فأخبر أنه عاقبهم على تخلفهم عن الإيمان لما جاءهم وعرفوه وأعرضوا عنه بأن ~~قلب أفئدتهم وأبصارهم وحال بينهم وبين الإيمان كما قال تعالى يا أيها الذين ~~آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلم أن الله يحول بين ~~المرء وقلبه فأمرهم بالاستجابة له ولرسوله حين يدعوهم إلى ما فيه حياتهم ثم ~~حذرهم من التخلف والتأخر عن الاستجابة الذي يكون سببا لأن يحول بينهم وبين ~~قلوبهم قال تعالى {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين} وقال ms112 تعالى {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} فأخبر ~~سبحانه أن كسبهم غطى على قلوبهم وحال بينها وبين الإيمان بآياته فقالوا ~~أساطير الأولين وقال تعالى في المنافقين {نسوا الله فنسيهم} فجازاهم على ~~نسيانهم له أن نسيهم فلم يذكرهم بالهدى والرحمة وأخبر أنه أنساهم أنفسهم ~~فلم يطلبوا كمالها بالعلم النافع والعمل الصالح وهما الهدى ودين الحق ~~فأنساهم طلب ذلك ومحبته ومعرفته والحرص عليه عقوبة لنسيانهم له وقال تعالى ~~في حقهم {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم والذين اهتدوا ~~زادهم هدى وآتاهم تقواهم} فجمع لهم بين اتباع الهوى والضلال الذي هو ثمرته ~~وموجبه كما جمع للمهتدين بين التقوى والهدى # PageV01P132 ### | فصل وكما يقره سبحانه بين الهدى والتقى والضلال والغي فكذلك يقرن بين # الهدى والرحمة والضلال والشقاء فمن الأول قوله {أولئك على هدى من ربهم ~~وأولئك هم المفلحون} وقال {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم ~~المهتدون} وقال عن المؤمنين ربنا لا تزغ قلوبنا بعد ذ هديتنا وهب لنا من ~~لدنك رحمة إنك أنت الوهاب وقال أهل الكهف {ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا ~~من أمرنا رشدا} وقال {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا ~~يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} ~~وقال ما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة ~~لقوم يؤمنون وقال أنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى ~~للمسلمين {وقال} يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في ~~الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ثم أعاد سبحانه ذكرهما فقال قل بفضل الله ~~وبرحمته فبذلك فليفرحوا # وقد تنوعت عبارات السلف في تفسير الفضل والرحمة والصحيح أنهما الهدى ~~والنعمة ففضله هداه ورحمته نعمته ولذلك يقرن بين الهدى والنعمة كقوله في ~~سورة الفاتحة اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ومن ذلك قوله ~~لنبيه يذكره بنعمه عليه ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا ~~فأغنى فجمع له بين هدايته له وإنعامه ms113 عليه بإيوائه وإغنائه ومن ذلك قول نوح ~~يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده وقول شعيب ~~أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وقال عن الخضر فوجدا ~~عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما وقال لرسوله إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا لغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته ~~عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك # PageV01P133 # الله نصرا عزيزا {وقال} وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن ~~تعلم وكان فضل الله عليك عظيما {وقال} ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى ~~منكم أحد أبدا ففضله هدايته ورحمته وإنعامه وإحسانه إليهم وبره بهم وقال ~~فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى والهدى منعه من ~~الضلال والرحمة منعه من الشقاء وهذا هو الذي ذكره في أول السورة في قوله طه ~~ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى فجمع له بين إنزال القرآن عليه ونفى الشقاء ~~عنه كما قال في آخرها في حق أتباعه فلا يضل ولا يشقى فالهدى والفضل والنعمة ~~ولرحمة متلازمات لا ينفك بعضها عن بعض كما أن الضلال والشقاء متلازمان لا ~~ينفك أحدهما عن الآخر قال تعالى إن المجرمين في ضلال وسعر والسعر جمع سعير ~~وهو العذاب الذي هو غاية الشقاء وقال تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والأنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا ~~يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون وقال تعالى عنهم ~~وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير # ومن هذا أنه سبحانه يجمع بين الهدى وانشراح الصدر والحياة الطيبة وبين ~~الضلال وضيق الصدر والمعيشة والضنك قال تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح ~~صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل له صدره ضيقا حرجا {وقال} أفمن شرح الله ~~صدره للإسلام فهو على نور من ربه وكذلك يجمع بين الهدى والإنابة وبين ~~الضلال ms114 وقسوة القلب قال تعالى الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ~~وقال تعالى فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين ### | فصل والهدى والرحمة وتوابعها من الفضل والإنعام كله من صفة العطاء # والإضلال # PageV01P134 # والعذاب وتوابعها من صفة المنع وهو سبحانه يصرف خلقه بين عطائه ومنعه ~~وذلك كله صادر عن حكمة بالغة وملك تام وحمد تام فلا إله إلا الله ### | فصل إذا رأيت النفوس المبطلة الفارغة من الإرادة والطلب لهذا الشأن قد # تشبثت بها هذا العالم السفلي وقد تشبثت به فكلها إليه فإنه اللائق بها ~~لفساد تركيبها ولا تنقش عليها ذلك فإنه سريع الانحلال عنها ويبقى تشبثها به ~~مع انقطاعه عنها عذابا عليها بحسب ذلك التعلق فتبقى شهوتها وإرادتها فيها ~~وقد حيل بينها وبين ما تشتهي على وجه يئست معه من حصول شهوتها ولذتها فلو ~~تصور العاقل ما في ذلك من الألم والحسرة لبادر إلى قطع هذا التعلق كما ~~يبادر إلى حسم مواد الفساد ومع هذا فإنه ينال نصيبه من ذلك وقلبه وهمه ~~متعلق بالمطلب الأعلى والله المستعان ### | فصل إياك والكذب فإنه يفسد عليك تصور المعلومات على ما هي عليه ويفسد # عليك تصورها وتعليمها للناس فإن الكاذب يصور المعدوم موجودا والموجود ~~معدوما والحق باطلا والباطل حقا والخير شرا والشر خيرا فيفسد عليه تصوره ~~وعلمه عقوبة له ثم يصور ذلك في نفس المخاطب المغتر به الراكن إليه فيفسد ~~عليه تصوره وعلمه ونفس الكاذب معرضة عن الحقيقة الموجودة نزاعة إلى العدم ~~مؤثرة للباطل وإذا فسدت عليه قوة تصوره وعلمه التي هي مبدأ كل فعل إرادي ~~فسدت عليه تلك الأفعال وسرى حكم الكذب إليها فصار صدورها عنه كصدور الكذب ~~عن اللسان فلا ينتفع بلسانه ولا بأعماله ولهذا كان الكذب أساس الفجور كما ~~قال النبي إن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وأول ما ~~يسري الكذب من النفس إلى اللسان فيفسده ثم يسري إلى الجوارح # PageV01P135 # فيفسد عليها أعمالها كما أفسد على اللسان أقواله فيعم الكذب أقواله ~~وأعماله وأحواله ms115 فيستحكم عليه الفساد ويترامى داؤه إلى الهلكة إن لم تدركه ~~الله بدواء الصدق يقلع تلك من أصلها ولهذا كان أصل أعمال القلوب كلها الصدق ~~وأضدادها من الرياء والعجب والكبر والفخر والخيلاء والبطر والأشر والعجز ~~والكسل والجبن والمهانة وغيرها أصلها الكذب فكل عمل صالح ظاهر أو باطن ~~فمنشؤه الصدق وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤه الكذب والله تعالى يعاقب ~~الكذاب بأن ويقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه ويثيب الصادق بأن يوفقه للقيام ~~بمصالح دنياه وآخرته فما استجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق ولا ~~مفاسدها ومضارهما بمثل الكذب قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين وقال تعالى هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم {وقال} فإذا ~~عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم {وقال} وجاء المعذرون من الأعراب ~~ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ### | فصل في قوله تعالى # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله ~~يعلم وأنتم لا تعلمون # في هذه الآية عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد فإن العبد إذا علم أن المكروه ~~قد يأتي بالمحبوب والمحبوب قد يأتي بالمكروه لم يأمن أن توافيه المضرة من ~~جانب المسرة ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة لعدم علمه بالعواقب ~~فإن الله يعلم منها مالا يعلمه العبد وأوجب له ذلك أمورا منها أنه لا أنفع ~~له من امتثال الأمر وإن شق عليه في الابتداء لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات ~~ولذات وأفراح وإن كرهته نفسه فهو خير لها وأنفع وكذلك لا شيء أضر عليه من # PageV01P136 # ارتكاب النهي وإن هويته نفسه ومالت إليه وإن عواقبه كلها آلام وأحزان ~~وشرور ومصائب وخاصة العقل تحمل الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة ~~والخير الكثير واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبه من الألم العظيم والشر ~~الطويل فنظر الجاهل لا يجاوز المباديء إلى غاياتها والعاقل الكيس دائما ~~ينظر إلى الغايات من وراء ستور مبادئها فيرى ما وراء تلك الستور من الغايات ~~المحمودة ms116 والمذمومة فيرى المناهي كطعام لذيذ قد خلط فيه سم قاتل فكلما دعنه ~~لذته إلى تناوله نهاه ما فيه من السم ويرى الأوامر كدواء كريه المذاق مفض ~~إلى العافية والشفاء وكلما نهاه كراهة مذاقه عن تناوله أمره نفعه بالتناول ~~ولكن هذا يحتاج إلى فضل علم تدرك به الغايات من مبادئها وقوة صبر يوطن به ~~نفسه على تحمل مشقة الطريق لما يؤول اعند الغاية فإذا فقد اليقين والصبر ~~تعذر عليه ذلك وإذا قوي يقينه وصبره هان عليه كل مشقة يتحملها في طلب الخير ~~الدائم واللذة الدائمة # ومن أسرار هذه الآية أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب ~~الأمور والرضا بما يختاره له ويقضيه له لما يرجو فيه من حسن العاقبة ومنها ~~أنه لا يقترح على ربه ولا يختار عليه ولا يسأله ما ليس له به علم فلعل ~~مضرته وهلاكه فيه وهولا يعلم فلا يختار على ربه شيئا بل يسأله حسن الاختيار ~~له وأن يرضيه بما يختاره فلا أنفع له من ذلك ومنها أنه إذا فوض إلى ربه ~~ورضي بما يختاره له أمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر وصرف ~~عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه وأراه من حسن عواقب اختياره له ~~ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه ومنها أنه يريحه من الأفكار ~~المتعبة في أنواع الاختيارات ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد ~~منه في عقبة وينزل في أخرى ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه فلو رضي ~~باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه وإلا جرى عليه ~~القدر وهو مذموم غير ملطوف به فيه لأنه مع اختياره لنفسه ومتى صح تفويضه ~~ورضاه اكتنفه في # PageV01P137 # المقدور العطف عليه اللطف به فيصير بين عطفه ولطفه فعطفه يقيه ما يحذره ~~ولطفه يهون عليه ما قدره إذا نفذ القدر في العبد كان من أعظم أسباب نفوذه ~~تحيله في رده فلا أنفع له من الاستسلام وإلقاء نفسه بين يدي القدر طريحا ~~كالميتة فإن ms117 السبع لا يرضى بأكل الجيف ### | فصل لا ينتفع بنعمة الله بالإيمان والعلم إلا من عرف نفسه ووقف بها # عند قدرها ولم يتجاوزه إلى ما ليس له ولم يتعد طوره ولم يقل هذا لي وتيقن ~~أنه لله وبالله ومن الله فهو الإيمان به ابتداء وإدامة لا سبب من العبد ولا ~~استحقاق منه فتذله نعم الله عليه وتكسره كسرة من لا يرى لنفسه ولا فيها ~~خيرا البتة وأن الخير الذي وصل إليه فهو لله وبه ومنه فتحدث له النعم ذلا ~~وانكسارا عجيبا لا يعبر عنه فكلما جدد له نعمة ازداد له ذلا وانكسارا ~~وخشوعا ومحبة وخوفا ورجاء وهذا نتيجة علمين شريفين علمه بربه وكماله وبره ~~وغناه وجوده وإحسانه ورحمته وأن الخير كله في يديه وهو ملكه يؤتي منه من ~~يشاء ويمنع منه من يشاء وله الحمد على هذا وهذا أكمل حمد وأتمه وعلمه بنفسه ~~ووقوفه على حدها وقدرها ونقصها وظلمها وجهلها وأنها لا خير فيها البتة ولا ~~لها ولا بها ولا منها وأنها ليس لها من ذاتها إلا العدم فكذلك من صفاتها ~~وكمالها ليس لها إلا العدم الذي لا شيء أحقر منه ولا أنقص فما فيها من ~~الخير تابع لوجودها الذي ليس إليها ولا بها فإذا صار هذان العلمان صيغة لها ~~لا صيغة على لسانها علمت حينئذ أن الحمد كله لله والأمر كله له والخير كله ~~في يديه وأنه هو المستحق للحمد والثناء والمدح دونها وأنها هي أولى بالذم ~~والعيب واللوم ومن فاته التحقيق بهذين العلمين تلونت به أقواله وأعماله # PageV01P138 # وأحواله وتخبطت عليه ولم يهتد إلى الصراط المستقيم الموصل له إلى الله ~~فإيصال العبد بتحقيق هاتين المعرفتين علما وحالا وانقطاعه بفواتهما وهذا ~~معنى قولهم من عرف نفسه عرف ربه فإنه من عرف نفسه بالجهل والظلم والعيب ~~والنقائص والحاجة والفقر والذل والمسكنة والعدم عرف ربه بضد ذلك فوقف بنفسه ~~عند قدرها ولم يتعد بها طورها وأثنى على ربه ببعض ما هو أهله وانصرفت قوة ~~حبه وخشيته ورجائه وإنابته وتوكله إليه وحده وكان أحب ms118 شيء إليه وأخوف شيء ~~عنده وأرجاه له وهذا هو حقيقة العبودية والله المستعان # ويحكى أن بعض الحكماء كتب على باب بيته انه لن ينتفع بحكمتنا إلا من عرف ~~نفسه ووقف بها عند قدرها فمن كان كذلك فليدخل وإلا فليرجع حتى يكون بهذه ~~الصفة ### | فصل الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة فإنها إما # إن توجب ألما وعقوبة وإما أن تقطع لذة أكمل منها وإما أن تضيع وقتا ~~إضاعته حسرة وندامة وإما أن تثلم عرضا توفيره أنفع للعبد من ثلمه وإما أن ~~تذهب مالا بقاؤه خير له من ذهابه وإما أن تضع قدرا وجاها قيامه خير من وضعه ~~وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة وإما أن تطرق لوضيع ~~إليك طريقا لم يكن يجدها قبل ذلك وإما أن تجلب هما وغما وحزنا وخوفا لا ~~يقارب لذة الشهوة وإما أن تنسي علما ذكره ألذ من نيل الشهوة وإما أن تشمت ~~عدوا وتحزن وليا وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة وإما أن تحدث عيبا ~~يبقى صفة لا تزول فإن الأعمال تورث الصفات والأخلاق ### | فصل للأخلاق حد متى جاوزته صارت عدوانا ومتى قصرت عنه كان نقصا ومهانة # PageV01P139 # فللغضب حد وهو الشجاعة المحمودة والأنفة من الرذائل والنقائص وهذا كماله ~~فإذا جاوز حده تعدى صاحبه وجار وإن نقص عنه جبن ولم يأنف من الرذائل وللحرص ~~حد وهو الكفاية في أمور الدنيا وحصول البلاغ منها فمتى نقص من ذلك كان ~~مهانة وإضاعة ومتى زاد عليه كان شرها ورغبة فيما لا تحمد الرغبة فيه وللحسد ~~حد وهو المنافسة في طلب الكمال والأنفة أن يتقدم عليه نظيره فمتى تعدى ذلك ~~صار بغيا وظلما يتمنى معه زوال النعمة عن المحسود ويحرص على إيذائه ومتى ~~نقص عن ذلك كان دناءة وضعف همة وصغر نفس قال النبي لا حسد إلا في اثنين رجل ~~آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي ~~بها ويعلمها الناس فهذا حسد منافسة يطالب الحاسد ms119 به نفسه أن يكون مثل ~~المحسود لا حسد مهانة يتمنى به زوال النعمة عن المحسود وللشهوة حد وهو راحة ~~القلب والعقل من كد الطاعة واكتساب الفضائل والاستعانة بقضائها على ذلك ~~فمتى زادت على ذلك صارت نهمة وشبقا والتحق صاحبها بدرجة الحيوانات ومتى ~~نقصت عنه ولم يكن فراغا في طلب الكمال والفضل كانت ضعفا وعجزا ومهانة ~~وللراحة حد وهو إجمام النفس والقوى المدركة والفعالة للاستعداد للطاعة ~~واكتساب الفضائل وتوفرها على ذلك بحيث لا يضعفها الكد والتعب ويضعف أثرها ~~فمتى زاد على ذلك صار توانيا وكسلا وإضاعة وفات به أكثر مصالح العبد ومتى ~~نقص عنه صار مضرا بالقوى موهنا لها وربما انقطع به كالمنبت الذي لا أرضا ~~قطع ولا ظهر أبقى والجود له حد بين طرفين فمتى جاوز حده صار إسرافا وتبذيرا ~~أو متى نقص عنه كان بخلا وتقتيرا وللشجاعة حد متى جاوزته صارت تهورا ومتى ~~نقصت عنه صارت جبنا وخورا وحدها الإقدام في مواضع الإقدام والإحجام في ~~مواضع الإحجام كما قال معاوية لعمرو بن العاص أعياني أن أعرف أشجاعا أنت أم ~~جبانا تقدم حتى أقول من أشجع الناس وتجبن حتى أقول من أجبن الناس فقال # PageV01P140 # شجاع إذا ما أمكنتني فرصة ... فإن لم تكن لي فرصة فجبان # والغيرة لها حد إذا جاوزته صارت تهمة وظنا سيئا بالبريء وإن قصرت عنه ~~كانت تغافلا ومبادىء دياثة وللتوضع حد إذا جاوزه كان ذلا ومهانة ومن قصر ~~عنه انحرف إلى الكبر والفخر وللعز حد إذا جاوزه كان كبرا وخلقا مذموما وإن ~~قصر عنه انحرف إلى الذل والمهانة # وضابط هذا كله العدل وهو الأخذ بالوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط ~~وعليه بناء مصالح الدنيا والآخرة بل لا تقوم مصلحة البدن إلا به فإنه متى ~~خرج بعض أخلاطه عن العدل وجاوزه أو نقص عنه ذهب من صحته وقوته بحسب ذلك ~~وكذلك الأفعال الطبيعية كالنوم والسهر والأكل والشرب والجماع والحركة ~~والرياضة والخلوة والمخالطة وغير ذلك إذا كانت وسطا بين الطرفين المذمومين ~~كانت عدلا وإن انحرفت إلى أحدهما كانت نقصا ms120 وأثمرت نقصا فمن أشرف العلوم ~~وأنفعها علم الحدود ولا سيما حدود المشروع المأمور والمنهي فأعلم الناس ~~أعلمهم بتلك الحدود حتى لا يدخل فيها ما ليس منها ولا يخرج منها مه هو داخل ~~فيها قال تعالى الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل ~~الله على رسوله فأعدل الناس من قام بحدود الأخلاق والأعمال والمشروعات ~~معرفة وفعلا وبالله التوفيق ### | فصل قال أبو الدرداء رضي الله عنه يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف # يغبنون به قيام الحمقى وصومهم والذرة من صاحب تقوى أفضل من أمثال الجبال ~~عبادة من المغترين وهذا من جواهر الكلام وأدله على كمال فقه الصحابة ~~وتقدمهم على من بعدهم في كل خير رضي الله عنهم # فاعلم أن العبد إنما يقطع منازل السير إلى الله بقلبه وهمته ولا ببدنه ~~والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب لا تقوى الجوارح قال تعالى ذلك ومن يعظم ~~شعائر الله # PageV01P141 # فإنها من تقوى القلوب {وقال} لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم وقال النبي التقوى ههنا وأشار إلى صدره فالكيس يقطع من المسافة ~~بصحة العزيمة وعلو الهمة وتجريد القصد وصحة النية مع العمل القليل أضعاف ~~أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير والسفر الشاق فإن العزيمة ~~والمحبة تذهب المشقة وتطيب السير والتقدم والسبق إلى الله سبحانه إنما هو ~~بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة فيتقدم صاحب الهمة مع سكونه صاحب العمل الكثير ~~بمراحل فإن ساواه في همته تقدم عليه بعمله وهذا موضع يحتاج إلى تفصيل يوافق ~~فيه الإسلام والإحسان # فأكمل الهدي هدي رسول الله وكان موفيا كل واحد منهما حقه فكان مع كماله ~~وإرادته وأحواله مع الله يقوم حتى ترم قدماه ويصوم حتى يقال لا يفطر ويجاهد ~~في سبيل الله ويخالط أصحاب ولا يحتجب عنهم ولا يترك شيئا من النوافل ~~والأوراد لتلك الواردات التي تعجز عن حملها قوى البشر والله تعالى أمر ~~عباده أن يقوموا بشرائع الإسلام على ظواهرهم وحقائق الإيمان على بواطنهم ~~ولا يقبل واحدا منهما إلا بصاحبه وقرينه ms121 وفي المسند مرفوعا الإسلام علانية ~~والإيمان في القلب فكل إسلام ظاهر لا ينفذ صاحبه منه إلى حقيقة الإيمان ~~الباطنة فليس بنافع حتى يكون معه شيء من الإيمان الباطن وكل حقيقة باطنة لا ~~يقوم صاحبها بشرائع الإسلام الظاهرة لا تنفع ولو كانت ما كانت فلو تمزق ~~القلب بالمحبة والخوف ولم يتعبد بالأمر وظاهر الشرع لم ينجه ذلك من النار ~~كما أنه لو قام بظواهر الإسلام وليس في باطنه حقيقة الإيمان لم ينجه من ~~النار # وإذا عرف هذا فالصادقون السائرون إلى الله والدار الآخرة قسمان قسم صرفوا ~~ما فضل من أوقاتهم بعد الفرائض إلى النوافل البدنية وجعلوها دأبهم من غير ~~حرص منهم على تحقيق أعمال القلوب ومنازلها وأحكامها وإن لم يكونوا خالين من ~~أصلها ولكن هممهم مصروفة إلى الاستكثار من الأعمال وقسم صرفوا # PageV01P142 # ما فضل من الفرائض والسنن إلى الاهتمام بصلاح قلوبهم وعكوفها على الله ~~وحده والجمعية عليه وحفظ الخواطر والإرادات معه وجعلوه قوة تعبده بأعمال ~~القلوب من تصحيح المحبة والخوف والخوف والرجاء والتوكل والإنابة ورأوا أن ~~أيسر نصيب من الواردات التي ترد على قلوبهم من الله أحب إليهم من كثير من ~~التطوعات البدنية فإذا حصل لأحدهم جمعية ووارد أنس أو حب أو اشتياق أو ~~انكسار وذل لم يستبدل به شيئا سواه البتة إلا أن يجيء الأمر فيبادر إليه ~~بذلك الوارد إن أمكنه وإلا بادر إلى الأمر ولو ذهب الوارد فإذا جاءت ~~النوافل فههنا معترك التردد فإن أمكن القيام إليها به فذاك فذلك به وإلا ~~نظر في الأرجح والأحب إلى الله هل هو القيام إلى تلك النافلة ولو ذهب وارده ~~كإغاثة الملهوف وإرشاد ضال وجبر مكسور واستفادة إيمان ونحو ذلك فههنا ينبغي ~~تقديم النافلة الراجحة ومتى قدمهما لله رغبة فيه وتقربا إليه فإنه يرد عليه ~~ما فات من وارده أقوى مما كان في وقت آخر وإن كان الوارد أرجح من النافلة ~~فالحزم له الاستمرار في وارده حتى يتوارى عنه فإنه يفوت والنافلة لا تفوت ~~وهذا موضع يحتاج إلى فضل فقه في الطريق ms122 ومراتب الأعمال وتقديم الأهم منها ~~فالأهم والله الموفق لذلك لا إله غيره ولا رب سواه ### | فصل أصل الأخلاق المذمومة كلها الكبر والمهانة والدناءة وأصل الأخلاق # المحمودة كلها الخشوع وعلو الهمة فالفخر والبطر والأشر والعجب والحسد ~~والبغي والخيلاء والظلم والقسوة والتجبر والإعراض وإباء قبول النصيحة ~~والاستئثار وطلب العلو وحب الجاه والرئاسة وأن يحمد بما لم يفعل وأمثال ذلك ~~كلها ناشئة من الكبر وأما الكذب والخسة والخيانة والرياء والمكر والخديعة ~~والطمع والفزع والجبن والبخل والعجز والكسل والذل لغير الله واستبدال الذي ~~هو # PageV01P143 # أدنى بالذي هو خير ونحو ذلك فإنها من المهانة والدناءة وصغر النفس وأما ~~الأخلاق الفاضلة كالصبر والشجاعة والعدل والمروءة والعفة والصيانة والجود ~~والحلم والعفو والصفح والاحتمال والإيثار وعزة النفس عن الدناآت والتواضع ~~والقناعة والصدق والأخلاق والمكافأة على الإحسان بمثله أو أفضل والتغافل عن ~~زلات الناس وترك الانشغال بما لا يعنيه وسلامة القلب من تلك الأخلاق ~~المذمومة ونحو ذلك فكلها ناشئة عن الخشوع وعلو الهمة والله سبحانه أخبر عن ~~الأرض بأنها تكون خاشعة ثم ينزل عليها الماء فتهتز وتربو وتأخذ زينتها ~~وبهجتها فكذلك المخلوق منها إذا أصابه حظه من التوفيق وأما النار فطبعها ~~العلو والإفساد ثم تخمد فتصير أحقر شيء وأذله وكذلك المخلوق منها فهي دائما ~~بين العلو إذا هاجت واضطربت وبين الخسة والدناءة إذا خمدت وسكنت والأخلاق ~~المذمومة تابعة للنار والخلوق منها والأخلاق الفاضلة تابعة للأرض والمخلوق ~~منها فمن علت همته وخشعت نفسه اتصف بكل خلق جميل ومن دنت همته وطغت نفسه ~~اتصف بكل خلق رذيل ### | فصل المطلب الأعلى موقوف حصوله على همة عالية ونية صحيحة فمن فقدهما # تعذر عليه الوصول إليه فإن الهمة إذا كانت عالية تعلقت به وحده دون غيره ~~وإذا كانت النية صحيحة سلك العبد الطريق الموصلة إليه فالنية تفرد له ~~الطريق والهمة تفرد له المطلوب فإذا توحد مطلوبه والطريق الموصلة إليه كان ~~الوصول غايته وإذا كانت همته سافلة تعلقت بالسفليات ولم تتعلق بالمطلب ~~الأعلى وإذا كانت النية غير صحيحة كانت طريقه غير موصلة إليه فمدار الشأن ms123 ~~على همة العبد ونيته وهما مطلوبه ولا يتم له إلا بترك ثلاثة أشياء العوائد ~~والرسوم والأوضاع التي أحدثها الناس الثاني هجر العوائق التي تعوقه عن ~~إفراد مطلوبه وطريقه # PageV01P144 # وقطعها الثالث قطع علائق القلب التي تحول بينه وبين تجريد التعلق ~~بالمطلوب والفرق بنيها أن العوائق هي الحوادث الخارجية والعلائق هي ~~التعلقات القلبية بالمباحات ونحوها وأصل ذلك ترك الفضول التي تشغل عن ~~المقصود من الطعام والشراب والمنام والخلطة فيأخذ من ذلك ما يعينه على طلبه ~~ويرفض منه ما يقطعه عنه أو يضعف طلبه والله المستعان ### | فصل من كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال رجل عنده # ما أحب أن أكون من أصحاب اليمين أحب أن أكون من المقربين فقال عبد الله ~~لكن ههنا رجل ود وأنه مات لم يبعث يعني نفسه وخرج ذات يوم فاتبعه ناس فقال ~~لهم ألكم حاجة قالوا لا ولكن أردنا أن نمشي معك قال ارجعوا فإنه ذلة ~~للتتابع وفتنة للمتبوع وقال لو تعلمون مني ما أعلم من نفسي لحثوتم على رأسي ~~التراب وقال حبذا المكروهان الموت والفقر وأيم الله إن هو إلا الغنى والفقر ~~وما أبالي بأيهما بليت أرجو الله في كل واحد منهما إن كان الغنى إن فيه ~~للعطف وإن كان الفقر إن فيه للصبر وقال إنكم في ممر الليل والنهار في آجل ~~منقوصة وأعمال محفوظة والموت يأتي بغتة فمن زرع خيرا فيوشك أن يحصد رغبته ~~ومن زرع شرا فيوشك أن يحصد ندامة ولكل زارع مثل ما زرع لا يسبق بطيء بحظه ~~ولا يدرك حريص ما لم يقدر له من أعطى خيرا فالله أعطاه ومن وقى شرا فالله ~~وقاه المتقون سادة والفقهاء قادة ومجالستهم زيادة إنما هما اثنتان الهدى ~~والكلام فأفضل الكلام كلام الله وأفضل الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها ~~وكل محدثة بدعة فلا يطولن عليكم الأمد ولا يلهينكم الأمل فإن كل ما هو آت ~~قريب الأوان البعيد ما ليس آتيا الأوان الشقي من شقي في بطن أمه وإن السعيد ~~من وعظ # PageV01P145 # بغيره ألا ms124 وإن قتال المسلم كفر وسبابه فسوق ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه ~~فوق ثلاثة أيام حتى يسلم عليه إذا لقيه ويجيبه إذا دعاه ويعوده إذا مرض ألا ~~وإن شر الروايا روايا الكذب ألا وإن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل ولا أن ~~يعد الرجل صبيه شيئا ثم لا ينجزه ألا وإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور ~~يهدي إلى النار والصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة وأنه يقال ~~للصادق صدق وبر ويقال للكاذب كذب وفجر وأن محمدا حدثنا أن الرجل ليصدق حتى ~~يكتب عند الله صديقا ويكذب حتى يكتب عند الله كذابا إن أصدق الحديث كتاب ~~الله وأوثق العرى كلمة التقى وخير الملة ملة إبراهيم وأحسن السنن سنة محمد ~~وخير الهدي هدي الأنبياء وأشرف الحديث ذكر الله وخير القصص القرآن وخير ~~الأمور عواقبها وشر الأمور محدثاتها وما قل وكفى خير مما كثر وألهى ونفس ~~تنجيها خير من إمارة لا تحصيها وشر المعذرة حين يحضر الموت وشر الندامة ~~ندامة يوم القيامة وشر الضلالة الضلالة بعد الهوى وخير الغنى غنى النفس ~~وخير الزاد التقوى وخير ما ألقي في القلب اليقين والريب من الكفر وشر العمى ~~عمى القلب والخمر جماع الإثم والنساء حبائل الشيطان والشباب شعبة من الجنون ~~والنوح من عمل الجاهلية ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا ولا يذكر ~~الله إلا هجرا وأعظم الخطايا الكذب ومن يعف يعف الله عنه ومن يكظم الغيظ ~~يأجره الله ومن يغفر يغفر الله له ومن يصبر على الرزية يعقبه الله وشر ~~المكاسب كسب الربا وشر المأكل مال اليتيم وإنما يكفي أحدكم ما قنعت به نفسه ~~وإنما يصير إلى أربعة أذرع والأمر إلى آخره وملاك العمل خواتمه وأشرف الموت ~~قتل الشهداء ومن يستكبر يضعه الله ومن يعص الله يطع الشيطان ينبغي لحامل ~~القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس مفطرون وبحزنه ~~إذا الناس يفرحون وببكائه إذا الناس # PageV01P146 # يضحكون وبصمته إذا الناس يخوضون وبخشوعه إذا الناس يختالون وينبغي لحامل ~~القرآن أن ms125 يكون باكيا محزونا حكيما حليما سكينا ولا ينبغي لحامل القرآن أن ~~يكون جافيا ولا غافلا ولا سخابا ولا صياحا ولا حديدا من تطاول تعظما حطه ~~الله ومن تواضع تخشعا رفعه الله وإن للملك لمة وللشيطان لمة الملك إيعاد ~~بالخير وتصديق بالحق فإذا رأيتم ذلك فاحمدوا الله ولمة الشيطان إيعاد بالشر ~~وتكذيب بالحق فإذا رأيتهم ذلك فتعوذوا بالله إن الناس قد أحسنوا القول فمن ~~وافق قوله فعله فذاك الذي أصاب حظه ومن خالف قوله فعله فذاك إنما يوبخ نفسه ~~لا ألفين أحدكم جيفة ليل قطرب نهار إني لا بغض الرجل أن أراه فارغا ليس في ~~شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة ومن لم تأمره الصلاة بالمعروف وتنهه عن ~~المنكر لم يزدد بها من الله بعدا من اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله ولا ~~تحمد أحدا على رزق الله ولا تلوم أحدا على ما لم يؤتك الله فإن رزق الله لا ~~يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهة كاره وإن الله بقسطه وحلمه وعدله جعل الروح ~~والفرح في اليقين والرضا وجعل لهم والحزن في الشك والسخط ما دمت في صلاة ~~فأنت تقرع باب الملك ومن يقرع باب الملك يفتح له أني لا حسب الرجل ينسى ~~العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها كونوا ينابيع العلم مصابيح الهدى أحلاس ~~البيوت سرج الليل جدد القلوب خلقان الثياب تعرفون في السماء وتخفون على أهل ~~الأرض إن للقلوب شهوة وإدبارا فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها ودعوها عند ~~فتفرقها وإدبارها ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية إنكم ترون ~~الكافر من أصح الناس جسما وأمرضه قلبا وتلقون المؤمن من أصح الناس قلبا ~~وأمرضه جسما وأيم الله لو مرضت قلوبكم وصحت أجسامكم لكنتم أهون على الله من ~~الجعلان لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يحل بذروته ولا يحل بذروته حتى ~~يكون الفقر أحب إليه من الغنى والتواضع أحب إليه من الشرف وحتى يكون حامده ~~وذامه وعنده سواه وإن الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه فيرجع وما معه منه شيء ~~يأتي ms126 الرجل ولا # PageV01P147 # يملك له ولا نفسه ضرا ولا نفعا فيقسم له بالله أنك لذيت وذويت فيرجع وما ~~حبي من حاجته بشيء ويسخط الله عليه لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبا ~~الإثم حواز القلوب ما كان من نظر فإن للشيطان فيها مطمعا مع كل فرحة ترحة ~~وما ملىء بيت حبرة الاملئ عبرة وما منكم إلا ضيف وماله عارية فالضيف مرتحل ~~والعارية مؤداة إلى أهلها يكون في آخر الزمان أقوم أفضل أعمالهم التلاوم ~~بينهم يسمون الأنتان إذا أحب الرجل أن ينصف من نفسه فليأت إلى الناس الذي ~~يحب أن يؤتى إليه الحق ثقيل مريء والباطل خفيف وبي رب شهوة تورث حزنا طويلا ~~ما على وجه الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان إذا ظهر الزنا والربا في ~~قرية أذن بهلاكها من استطاع منكم أن يجعل كنزه في السماء حيث لا يأكله ~~السوس ولا يناله السراق فليفعل فإن قلب الرجل مع كنزه لا يقلدون أحدكم دينه ~~رجلا فإن آمن آمن وإن كفر كفر وإن كنتم لا بد مقتدين فاقتدوا بالميت فإن ~~الحي لا تؤمن عليه الفتنة لا يكن أحدكم أمعة قالوا وما الأمعة قال يقول أنا ~~مع الناس إن اهتدوا اهتديت وإن ضلوا ضللت ألا ليوطن أحدكم نفسه على أنه إن ~~كفر الناس لا يكفر وقال له رجل علمني كلمات جوامع نوافع فقال اعبد الله لا ~~تشرك به شيئا وزل مع القرآن حيث زال ومن جاءك بالحق فاقبل منه وإن كان ~~بعيدا بغيضا ومن جاءك بالباطل فاردد عليه وإن كان حبيبا قريبا يؤتى بالعبد ~~يوم القيامة فيقال له أد أمانتك فيقول يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا فتمثل ~~على هيئتها يوم أخذها في قعر جهنم فيزل فيأخدها فيضعها على عاتقه فيصعد بها ~~حتى إذا ظن أنه خارج بنها هوت وهوى في أثرها أبد الآبدين أطلب قلبك في ~~ثلاثة مواطن عند سماع القرآن وفي مجالس الذكر وفي أوقات الخلوة فإن لم تجده ~~في هذه المواطن فسل الله أن # PageV01P148 # يمن عليك ms127 بقلب فإنه لا قلب لك قال الجنيد دخلت على شاب فسألني عن التوبة ~~فأجبته فسألني عن حقيقتها فقلت أن تنصب ذنبك بين عينيك حتى يأتيك الموت ~~فقال لي مه ما هذا حقيقة التوبة فقلت له فما حقيقة التوبة عندك يا فتى قال ~~أن تنسى ذنبك وتركني ومضى فكيف هو عندك يا أبا قاسم فقلت القول ما قال ~~الفتى قال كيف قلت إذا كنت معه في حال ثم نقلني من حال الجفا إلى حال الوفا ~~فذكرني للجفا في حال الوفا جفا ### | فصل لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند # الناس إلا كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت فإذا حدثتك نفسك بطلب ~~الإخلاص فأقبل على الطمع أولا فاذبحه بسكين اليأس وأقبل على المدح والثناء ~~فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في ~~الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص فإن قلت وما الذي يسهل علي ذبح الطمع ~~والزهد في الثناء والمدح قلت أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقينا أنه ليس ~~من شيء يطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره ولا يؤتى العبد ~~منها شيئا سواه وأما ازهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه ليس أحد ~~ينفع مدحه ويزين ويضر ذمه ويشين إلا الله وحده كما قال ذلك الأعرابي للنبي ~~إن مدحي زين وذمي شين فقال ذلك الله عز وجل فازهد في مدح من لا يزينك مدحه ~~وفي ذم من لا يشنيك ذم وارغب في مدح من كل الزين في مدحه وكل الشين في ذمه ~~ولن يقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين فمتى فقدت الصبر واليقين كنت كمن أراد ~~السفر في البحر في غير مركب قال تعالى فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك ~~الذين لا يوقنون وقال تعالى وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون # PageV01P149 ### | فصل لذة كل أحد على حسب قدره وهمته وشرف نفسه فأشرف الناس نفسا # وأعلاهم همة وأرفعهم قدرا من لذته في معرفة ms128 الله ومحبته والشوق إلى لقائه ~~والتودد إليه بما يحبه ويرضاه فلذته في إقباله عليه وعكوف همته عليه ودون ~~ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله حتى تنتهي إلى من لذته في أخس الأشياء من ~~القاذورات والفواحش في كل شيء من الكلام والفعال والأشغال فلو عرضت عليه ما ~~يلتذ به الأول لم تسمح نفسه بقبوله ولا الالتفات إليه وربما تألمت من ذلك ~~كما أن الأول إذا عرض عليه ما يلتذ به هذا لم تسمح نفسه به ولم تلتفت إليه ~~ونفرت نفسه منه وأكمل الناس لذة من جمع له بين لذة القلب والروح ولذة البدن ~~فهو يتناول لذاته المباحة على وجه لا ينقص حظه من الدار والآخرة ولا يقطع ~~عليه لذة المعرفة والمحبة والأنس بربه فهذا ممن قال تعالى فيه قل من حرم ~~زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هل هي للذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة وأبخسهم حظا من اللذة من تناولها على وجه ~~يحول بينه وبين لذات الآخرة فيكون ممن يقال لهم يوم استيفاء اللذات أذهبتم ~~طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فهؤلاء تمتعوا بالطيبات وأولئك ~~تمتعوا بالطيبات وافترقوا في وجه التمتع فأولئك تمتعوا بها على الوجه الذي ~~أذن لهم فيه فجمع لهم بين لذة الدنيا والآخرة وهؤلاء تمتعوا بها على الوجه ~~الذي دعاهم إليه الهوى والشهوة وسواء أذن لهم فيه أم لا فانقطعت عنهم لذة ~~الدنيا وفاتتهم لذة الآخرة فلا لذة الدنيا دامت لهم ولا لذة الآخرة حصلت ~~لهم فمن أحب اللذة ودوامها والعيش الطيب فليجعل لذة الدنيا موصلا له إلى ~~لذة الآخر بأن يستعين بها على فراغ قلبه لله وإرادته وعبادته فيتناولها ~~بحكم الاستعانة والقوة على طلبه لا بحكم مجرد الشهوة والهوى وإن كان ممن ~~زويت عنه لذات الدنيا وطيباتها فليجعل ما نقص منها زيادة في # PageV01P150 # لذة الآخرة ويجم نفسه ههنا بالترك ليستوفيها كاملة هناك فطيبات الدنيا ~~ولذاتها نعم العون لمن صح طلبه لله والدار الآخرة وكانت همه لما هناك وبئس ~~القاطع لمن كانت ms129 هي مقصوده وهمته وحولها يدندن وفواتها في الدنيا نعم العون ~~لطالب الله والدار الآخرة وبئس القاطع النازع من الله والدار الآخرة فمن ~~أخذ منافع الدنيا على وجه لا ينقص حظه من الآخرة ظفر بهما جميعا وإلا ~~خسرهما جميعا سبحان الله رب العالمين لو لم يكن في ترك الذنوب والمعاصي إلا ~~إقامة المروءة وصون العرض وحفظ الجاه وصيانة المال الذي جعله الله قواما ~~لمصالح الدنيا والآخرة ومحبة الخلق وجوار القول بينهم وصلاح المعاش وراحة ~~البدن وقوة القلب وطيب النفس ونعيم القلب وانشراح الصدر والأمن من مخاوف ~~الفساق والفجار وقلة الهم والغم والحزن وعز النفس عن احتمال الذل وصون نور ~~القلب أن تطفئه ظلمة المعصية وحصول المخرج له مما ضاق على الفساق والفجار ~~وتيسر الرزق عليه من حيث لا يحتسب وتيسير ما عسر على أرباب الفسوق والمعاصي ~~وتسهيل الطاعات عليه وتيسير العلم والثناء الحسن في الناس وكثرة الدعاء له ~~والحلاوة التي يكتسبها وجهه المهابة التي تلقى له في قلوب الناس وانتصارهم ~~وحميتهم له إذا أوذي وظلم وذبهم عن عرضه إذا اغتابه مغتاب وسرعة إجابة ~~دعائه وزوال الوحشة التي بينه وبين الله وقرب الملائكة منه وبعد شياطين ~~الإنس والجن منه وتنافس الناس على خدمته وقضاء حوائجه وخطبتهم لمودته ~~وصحبته وعدم خوفه من الموت بل يفرح به لقدومه على ربه ولقائه له ومصيره ~~إليه وصغر الدنيا في قلبه وكبر الآخرة عنده وحرصه على الملك الكبير والفوز ~~العظيم فيها وذوق حلاوة الطاعة ووجد حلاوة الإيمان ودعاء حملة العرش ومن ~~حوله من الملائكة له وفرح الكاتبين به ودعائهم له كل وقت والزيادة في عقله ~~وفهمه وإيمانه ومعرفته وحصول محبة الله له وإقباله عليه وفرحه بتويته وهكذا ~~يجازيه بفرح وسرور لا نسبة له إلى فرحه وسروره بالمعصية بوجه من الوجوه # PageV01P151 # فهذه بعض آثار ترك المعاصي في الدنيا فإذا مات تلقته الملائكة بالبشرى من ~~ربه بالجنة وبأنه لا خوف عليه ولا حزن وينتقل من سجن الدنيا وضيقها إلى ~~روضة من رياض الجنة ينعم فيها إلى يوم القيامة فإذا ms130 كان يوم القيامة كان ~~الناس في الحر والعرق وهو في ظل العرش فإذا انصرفوا من بين يدي الله أخذ به ~~ذات اليمين مع أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو فضل عظيم ### | فصل ذكر ابن سعد في الطبقات عن عمر بن عبد العزيز أنه كان # إذا خطب على المنبر فخاف على نفسه العجب قطعه وإذا كتب كتابا فخاف فيه ~~العجب مزقه ويقول اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي اعلم أن العبد إذا شرع في ~~قول أو عمل يبتغي فيه مرضاة الله مطالعا فيه منة الله عليه به وتوفيقه له ~~فيه وأنه بالله لا بنفسه ولا بمعرفته وفكره وحوله وقوته بل هو بالذي أنشأ ~~له اللسان والقلب والعين والأذن فالذي من عليه بذلك هو الذي من عليه بالقول ~~الفعل فإذا لم يغب ذلك عن ملاحظته ونظر قلبه لم يحضره العجب الذي أصله رؤية ~~نفسه وغيبته عن شهود منة ربه وتوفيقه وإعانته فإذا غاب عن تلك الملاحظة ~~وثبت النفس وقامت في مقام الدعوى فوقع العجب ففسد عليه القول والعمل فتارة ~~يحال بينه وبين تمامه ويقطع عليه ويكون ذلك رحمة به حتى لا يغيب عن مشاهدة ~~المنة والتوفيق وتارة يتم له ولكن لا يكون له ثمرة وإن أثمر أثمر ثمرة ~~ضعيفة غير محصلة للمقصود وتارة يكون ضرره عليه أعظم من انتفاعه ويتولد له ~~منه مفاسد شتى بحسب غيبته عن ملاحظة التوفيق والمنة ورؤية نفسه وأن القول ~~والفعل به # ومن هذا الموضع يصلح الله سبحانه أقوال عبده وأعماله ويعظم له ثمرتها أو ~~يفسدها عليه ويمنعه ثمرتها فلا شيء أفسد للأعمال من العجب ورؤية النفس فإذا ~~أراد الله # PageV01P152 # بعده خيرا أشهده منته وتوفيقه وإعانته له في كل ما يقوله ويفعله فلا يعجب ~~به ثم أشهده تقصيره فيه وأنه لا يرضى لربه به فيتوب إليه منه ويستغفره ~~ويستحي أن يطلب عليه أجرا وإذا لم يشهده ذلك وغيبه عنه فرأى نفسه في العمل ~~ورآه بعين الكمال والرضا لم يقع ذلك العمل ms131 منه موقع القبول والرضا والمحبة ~~فالعارف يعمل العمل لوجه مشاهدا فيه منته وفضله وتوفيقه معتذرا منه إليه ~~مستحييا منه إذ لم يوفه حقه والجاهل يعمل العمل لحظه وهواه ناظرا فيه إلى ~~نفسه يمن به على ربه راضيا بعمله فهذا لون وذاك لون آخر ### | فصل الوصول إلى المطلوب موقوف على هجر العوائد وقطع العوائق فالعوائد # السكون إلى الدعة والراحة وما ألفه الناس واعتادوه من الرسوم والأوضاع ~~التي جعلوها بمنزلة الشرع المتبع بل هي عندهم أعظم من الشرع فإنهم ينكرون ~~على من خرج عنها وخالفها ما لا ينكرون على من خالف صريح الشرع وربما كفروه ~~أو بدعوه وضللوه أو هجروه وعاقبوه لمخالفة تلك الرسوم وأماتوا لها السنن ~~ونصبوها أندادا للرسول يوالون عليها ويعادون فالمعروف عندهم ما وافقهم ~~والمنكر ما خالفها # وهذه الأوضاع والرسوم قد استولت على طوائف بني آدم من الملوك والولاة ~~والفقهاء والصوفية والفقراء والمطوعين والعامة فربي فيها الصغير ونشأ عليها ~~الكبير واتخذت سننا بل هي أعظم عند أصحابها من السنن الواقف معها محبوس ~~والمتقيد بها منقطع عم بها المصاب وهجر لأجلها السنة والكتاب من استنصر بها ~~فهو عند الله مخذول ومن اقتدى بها دون كتاب الله وسنة رسوله فهو عند الله ~~غير مقبول وهذه أعظم الحجب والموانع بين العبد وبين النفوذ إلى الله ورسوله # PageV01P153 ### | فصل وأما العوائق فهي أنواع المخالفات ظاهرها وباطنها فإنها تعوق # القلب عن سيره إلى الله وتقطع عليه طريقه وهي ثلاثة أمور شرك وبدعة ~~ومعصية فيزول عائق الشرك بتجريد التوحيد وعائق البدعة بتحقيق السنة وعائق ~~المعصية بتصحيح التوبة وهذه العوائق لا تتبين للعبد يأخذ في أهبة السفر ~~ويتحقق بالسير إلى الله والدار والآخرة فحينئذ تظهر له هذه العوائق ويحسن ~~بتعويقها له بحسب قوة سيره وتجرده للسفر وإلا فما دام قاعدا لا يظهر له ~~كوامنها وقواطعها ### | فصل وأما العلائق فهي كل ما تعلق به القلب دون الله ورسوله من # ملاذ الدنيا وشهواتها ورياستها وصحبة الناس والتعلق بهم ولا سبيل له إلى ~~قطع هذه الأمور الثلاثة ورفضها إلا بقوة ms132 التعلق بالمطلب الأعلى وإلا فقطعها ~~عليه بدون تعلقه بمطلوبه ممتنع فإن النفس لا تترك مألوفها ومحبوبها إلا ~~لمحبوب هو أحب إليها منه وآثر عندها منه وكلما قوي تعلقه بمطلوبه ضعف تعلقه ~~بغيره وكذا بالعكس والتعلق بالمطلوب هو شدة الرغبة فيه وذلك على قدر معرفته ~~به وشرفه وفضله على ما سواه ### | فصل لما كمل الرسول مقام الافتقار إلى الله سبحانه أحوج الخلائق # كلهم إليه في الدنيا والآخرة أما حاجتهم إليه في الدنيا فأشد من حاجتهم ~~إلى الطعام والشراب والنفس الذي به حياة أبدانهم وأما حاجتهم إليه في ~~الآخرة فإنهم يستشفعون بالرسل إلى الله حتى يريحهم من ضيق مقامهم فكلهم ~~يتأخر عن الشفاعة فيشفع لهم وهو الذي يستفتح لهم باب الجنة # PageV01P154 ### | فصل من علامات السعادة والفلاح أن العبد كلما زيد في علمه زيد في # تواضعه ورحمته وكلما زيد في خوفه وحذره وكلما زيد في عمره نقص من حرصه ~~وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في قربه ~~من الناس وقضاء حوائجهم والتواضع لهم # وعلامات الشقاوة أنه كلما زيد في علمه زيد في كبره وتيهه وكلما زيد في ~~عمله زيد في فخره واحتقاره للناس وحسن ظنه بنفسه وكلما زيد في عمره زيد قي ~~حرصه وكلما زيد في ماله زيد في بخله وإمساكه وكلما زيد في قدره وجاهه زيد ~~في كبره وتيهه وهذه الأمور ابتلاء من الله وامتحان يبتلي بها عباده فيسعد ~~بها أقوام ويشفى بها أقوام وكذلك الكرامات امتحان وابتلاء كالملك والسلطان ~~والمال قال تعالى عن نبيه سليمان لما رأى عرش بلقيس عنده هذا من فضل ربي ~~ليبلوني أأشكر أم أكفر فالنعم ابتلاء من الله وامتحان يظهر بها شكر الشكور ~~وكفر الكفور كما أن المحن بلوى منه سبحانه فهو يبتلي بالنعم كما يبتلي ~~بالمصائب قال تعالى فأما الأنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي ~~أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا أي ليس كل من ~~وسعت عليه وأكرمته ونعمته ms133 يكون ذلك إكراما مني له ولا كل من ضيقت عليه رزقه ~~وابتليته يكون ذلك إهانة مني له ### | فصل من أراد علو بنيانه فعليه بتوثيق أساسه وإحكامه وشدة الاعتناء به # فإن علو البنيان على قدر توثيق الأساس وإحكامه فالأعمال والدرجات بنيان ~~وأساسها الإيمان ومتى كان الأساس وثيقا حمل البنيان واعتلى عليه وإذا تهدم ~~شيء من # PageV01P155 # البنيان سهل تداركه وإذا كان الأساس غير وثيق لم يرتفع البنيان ولم يثبت ~~وإذا تهدم شيء من الأساس سقط البنيان أو كاد فالعارف همته تصحيح الأساس ~~وإحكامه والجاهل يرفع في البناء عن غير أساس فلا يلبث بنيانه أن يسقط قال ~~تعالى أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا ~~جرف هار فانهار به في نار جهنم فالأساس لبناء الأعمال كالقوة لبدن الإنسان ~~فإذا كانت القوة قوية حملت البدن ودفعت عنه كثيرا من الآفات وإذا كانت ~~القوة ضعيفة ضعف حملها للبدن وكانت الآفات إليه أسرع شيء # فاحمل بنيانك على قوة أساس الإيمان فإذا تشعث شيء من أعالي البناء وسطحه ~~كان تداركه أسهل عليك من خراب الأساس وهذا الأساس أمران صحة المعرفة بالله ~~وأمره وأسمائه وصفاته والثاني تجريد الانقياد له ولرسوله دون ما سواه فهذا ~~أوثق أساس أسس العبد عليه بنيانه وبحسبه يعتلي البناء ما شاء فاحكم الأساس ~~واحفظ القوة ودم على الحمية واستفرغ إذا زاد بك الخلط والقصد القصد وقد ~~بلغت المراد وإلا فما دامت القوة ضعيفة والمادة الفاسدة موجودة والاستفراغ ~~معدوما # فاقر السلام على الحياة فإنها ... قد آذنتك بسرعة التوديع # فإذا كمل البناء فبيضه بحسن الخلق والإحسان إلى الناس ثم حظه بسور من ~~الحذر لا يقتحمه عدو ولا تبدو منه العورة ثم ارخ الستور على أبوابه ثم أقفل ~~الباب الأعظم بالسكوت عما تخشى عاقبته ثم ركب له مفتاحا من ذكر الله به ~~تفتحه وتغلقه فإن فتحت فتحت بالمفتاح وإن أغلقت الباب أغلقته به فتكون ~~حينئذ قد بنيت حصنا تحصنت فيه من أعدائك إذا طاف به العدو لم يجد منه مدخلا ms134 ~~فييأس منك ثم تعاهد بناء الحصن كل وقت فإن العدو إذا لم يطمع في الدخول من ~~الباب نقب عليك النقوب من بعيد بمعاول الذنوب فإن أهملت أمره وصل إليك ~~النقب فإذا العدو معك في داخل الحصن فيصعب عليك إخراجه وتكون معه على # PageV01P156 # ثلاث خلال إما أن يغلبك على الحصن ويستولي عليه وإما أن يساكنك فيه وإما ~~أن يشغلك بمقابلته عن تمام مصلحتك وتعود إلى سد النقب ولم شعث الحصن وإذا ~~دخل نقبه إليك نالك منه ثلاث آفات إفساد الحصن والإغارة على حواصله وذخائره ~~ودلالة السراق من بني جنسه على عورته فلا يزال يبلى منه بغارة حتى يضعفوا ~~قواه ويوهنوا عزمه فيتخلى عن الحصن ويخلي بينهم وبينه # وهذه حال أكثر النفوس مع هذا العدو ولهذا تراهم يسخطون ربهم برضا أنفسهم ~~بل برضا مخلوق مثلهم لا يملك لهم ضرا ولا نفعا ويضيعون كسب الدين بكسب ~~الأموال ويهلكون أنفسهم بما لا يبقى لهم ويحرصون على الدنيا وقد أدبرت عنهم ~~ويزهدون في الآخرة وقد هجمت عليهم ويخالفون ربهم باتباع أهوائهم ويتكلون ~~على الحياة ولا يذكرون الموت ويذكرون شهواتهم وحظوظهم وينسون ما عهد الله ~~إليهم ويهتمون بما ضمنه الله ولا يهتمون بما أمرهم به ويفرحون بالدنيا ~~ويحزنون على فوات حظهم منها ولا يحزنون على فوات الجنة وما فيها ولا يفرحون ~~بالإيمان فرحهم بالدرهم والدينار ويفسدون حقهم وهداهم بضلالهم ومعروفهم ~~بمنكرهم ويلبسوا إيمانهم بظنونهم ويخلطون حلالهم بحرامهم ويترددون في حيرة ~~آرائهم وأفكارهم ويتركون هدى الله الذي أهداه إليهم ومن العجب أن هذا العدو ~~يستعمل صاحب الحصن في هدم حصنه بيديه ### | فصل أركان الكفر أربعة الكبر والحسد والغضب والشهوة فالكبر يمنعه # الانقياد والحسد يمنعه قبول النصيحة وبذلها والغضب يمنعه العدل والشهوة ~~تمنعه التفرغ للعبادة فإذا انهدم ركن الكبر سهل عليه الانقياد وإذا انهدم ~~ركن الحسد سهل عليه قبول النصح وبذله وإذا انهدم ركن الغضب سهل عليه العدل ~~والتواضع وإذا انهدم ركن الشهوة سهل عليه الصبر والعفاف والعبادة وزوال ~~الجبال عن أماكنها # PageV01P157 # أيسر من زوال هذه الأربعة عمن ms135 بلي بها ولا سيما إذا صارت هيئات راسخة ~~وملكات وصفات ثابتة فإنه لا يستقيم له معها عمل البتة ولا تزكو نفسه مع ~~قيامها بها وكلما اجتهد في العمل أفسدته عليه هذه الأربعة وكل الآفات ~~متولدة منها وإذا استحكمت في القلب أرته الباطل في صورة الحق والحق في صورة ~~الباطل والمعروف في صورة المنكر والمنكر في صورة المعروف وقربت منه الدنيا ~~وبعدت منه الآخرة وإذا تأملت كفر الأمم رأيته ناشئا منها وعليها يقع العذاب ~~وتكون خفته وشدته بحسب خفتها وشدتها فمن فتحها على نفسه فتح عليه أبواب ~~الشرور كلها عاجلا وآجلا ومن أغلقها على نفسه أغلق عنه أبوب الشرورفاتها ~~تمنع الانقياد والإخلاص والتوبة والإنابة وقبول الحق ونصيحة المسلمين ~~والتواضع لله ولخلقه # ومنشأ هذه الأربعة من جهله بربه وجهله بنفسه فإنه لو عرف ربه بصفات ~~الكمال ونعوت الجلال وعرف نفسه بالنقائص والآفات لم يتكبر ولم يغضب لها ولم ~~يحسد أحدا على ما أتاه الله فإن الحسد في الحقيقة نوع من معاداة الله فإنه ~~يكره نعمة الله على عبده وقد أحبها الله وأحب زوالها عنه والله يكره ذلك ~~فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته وكراهته ولذلك كان إبليس عدوه حقيقة ~~لأن ذنبه كان عن كبر وحسد فقلع هاتين الصفتين بمعرفة الله وتوحيده والرضا ~~به وعنه والإنابة إليه وقلع الغضب بمعرفة النفس وأنها لا تستحق أن يغضب لها ~~وينتقم لها فإن ذلك إيثار لها بالرضا والغضب على خالقها وفاطرها وأعظم ما ~~تدفع به هذه الآفة أن يعودها أن تغضب له سبحانه وترضى له فكلما دخلها شيء ~~من الغضب والرضا له خرج منها مقابله من الغضب والرضا لها وكذا بالعكس # وأما الشهوة فدواؤها صحة العلم والمعرفة بأن إعطاءها شهواتها أعظم أسباب ~~حرمانها إياها ومنعها منها وحميتها أعظم أسباب اتصالها إليها فكلما فتحت ~~عليها باب الشهوات كنت ساعيا في حرمانها إياها وكلما أغلقت عنها ذلك الباب ~~كنت ساعيا في إيصالها إليها على أكمل الوجوه # PageV01P158 # فالغضب مثل السبع إذا أفلته صاحبه بدأ بأكله والشهوة مثل النار ms136 إذا ~~أضرمها صاحبها بدأت بإحراقه والكبر بمنزلة منازعة الملك ملكه فإن لم يهلكك ~~طردك عنه والحسد بمنزلة معاداة من هو أقدر منك والذي يغلب شهوته وغضبه يفرق ~~الشيطان من ظله ومن تغلبه شهوته وغضبه يفرق من خياله ### | فصل عظيم النفع # الجهال بالله وأسمائه وصفاته المعطلون لحقائقها يبغضون الله إلى خلقه ~~ويقطعون عليهم طريق محبته والتودد إليه بطاعته من حيث لا يعلمون ونحن نذكر ~~من ذلك أمثلة تحتذي عليها فمنها أنهم يقررون في نفوس الضعفاء أن الله ~~سبحانه لا تنفع معه طاعة وإن طال زمانها وبالغ العبد وأتى بها ظاهره وباطنه ~~وأن العبد ليس على ثقة ولا أمن من مكره بل شأنه سبحانه أن يأخذ المطيع ~~المتقي من المحراب إلى الماخور ومن التوحيد والمسبحة إلى الشرك والمزمار ~~ويقلب قلبه من الإيمان الخالص إلى الكفر ويروون في ذلك آثار صحيحة لم ~~يفهموها وباطلة لم يقلها المعصوم ويزعمون أن هذا حقيقة التوحيد ويتلون على ~~ذلك قوله تعالى لا يسأل عما يفعل وقوله أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله ~~إلا القوم الخاسرون وقوله واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ويقيمون ~~إبليس حجة لهم على هذه المعرفة وأنه كان طاووس الملائكة وأنه لم يترك في ~~السماء رقعة ولا في الأرض بقعة إلا وله فيها سجدة أو ركعة لكن جنى عليه ~~جاني القدر وسطا عليه الحكم فقلب عينه الطيبة وجعلها أخبث شيء حتى قال بعض ~~عارفيهم أنك ينبغي أن تخاف الله كما تخاف الأسد الذي يثب عليك بغير جرم منك ~~ولا ذنب أتيته إليه ويحتجون بقول النبي إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ~~ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار ~~فيدخلها ويروون عن بعض السلف أكبر الكبائر لا الله من مكر الله والقنوط من ~~رحمة # PageV01P159 # وذكر الإمام أحمد عن عون بن عبد الله أو غيره أنه سمع رجلا يدعو الهم لا ~~تؤمني مكرك فأنكر ذلك وقال قل اللهم لا تجعلني ممن يأمن مكرك وبنوا ذلك على ~~أصلهم ms137 الباطل وهو إنكار الحكمة والتعليل والأسباب وأن الله لا يفعل لحكمة ~~ولا سبب وإنما يفعل بمشيئة مجردة من الحكم والتعليل والسبب فلا يفعل لشيء ~~ولا بشيء وأنه لا يجوز عليه أن يعذب أهل طاعته أشد العذاب وينعم أعداءه ~~وأهل معصيته بجزيل الثواب وأن الأمرين بالنسبة إليه سواء ولا يعلم امتناع ~~ذلك إلا بخبر من الصادق أنه لا يفعله فحينئذ يعلم امتناعه لوقوع الخبر بأنه ~~لا يكون لا لأنه في نفسه باطل وظلم فإن الظلم في نفسه مستحيل فإنه غير ممكن ~~بل هو بمنزلة جعل الجسم الواحد في مكانين في آن واحد والجمع بين الليل ~~والنهار في ساعة واحدة وجعل الشيء موجودا ومعدوما معا في آن واحد فهذا ~~حقيقة الظلم عندهم فإذا رجع العامل إلى نفسه قال من لا يستقر له أمر ولا ~~يؤمن له مكر كيف يوثق بالتقرب إليه وكيف يعول على طاعنه واتباع أوامره وليس ~~لنا سوى هذه المدة اليسيرة فإذا هجرنا فيها اللذات وتركنا الشهوات وتكلفتا ~~أثقال العبادات وكنا مع ذلك على غير ثقة منه أن يقلب علينا الإيمان كفرا ~~والتوحيد شركا والطاعة معصية والبر فجورا ويديم علينا العقوبات كنا خاسرين ~~في الدنيا والآخرة فإذا استحكم هذا الاعتقاد في قلوبهم وتخمر في نفوسهم ~~صاروا إذا أمروا بالطاعات وهجر اللذات بمنزلة إنسان جعل يقول لولده معلمك ~~إن كتبت وأحسنت وتأدبت ولم تعصه ربما أقام لك حجة وعاقبك وإن كسلت وبطلت ~~وتعطلت وتركت ما أمرك به ربما قربك وأكرمك فيودع بهذا القول قلب الصبي ما ~~لا يثق بعده إلى وعيد المعلم على الإساءة ولا وعده على الإحسان وإن كبر ~~الصبي وصلح للمعاملات والمناصب قال له هذا سلطان بلدنا يأخذ اللص من الحبس ~~فيجعله وزيرا أميرا ويأخذ الكيس المحسن لشغله فيخلده الحبس ويقتله ويصلبه ~~فإذا قال له ذلك أو حشه سلطانه وجعله على غير ثقة من وعده ووعيده وأزال ~~محبته من قلبه وجعله يخافه مخافة الظالم الذي يأخذ المحسن بالعقوبة # PageV01P160 # والبريء بالعذاب فأفلس هذا المسكين من اعتقاد كون الأعمال نافعة أو ms138 ضارة ~~فلا بفعل الخير يستأنس ولا بفعل الشر يستوحش وهل في التنفير عن الله ~~وتبغيضه إلى عباده أكثر من هذا ولو اجتهد الملاحدة على تبغيض الدين ~~والتنفير عن الله لما أتوا بأكثر من هذا وصاحب هذه الطريقة يظن أنه يقرر ~~التوحيد والقدر ويرد على أهل البدع وينصر الدين ولعمر الله العدو العاقل ~~أقل ضررا من الصديق الجاهل وكتب الله المنزلة كلها ورسله كلهم شهادة بضد ~~ذلك ولا سيما القرآن فلو سلك الدعاة المسلك الذي دعا الله ورسوله به الناس ~~إليه لصلح العالم صلاحا لا فساد معه فالله سبحانه أخبر وهو الصادق الوفي ~~أنه إنما يعامل الناس بكسبهم ويجازيهم بأعمالهم ولا يخاف المحسن ليده ظلما ~~ولا هضما ولا يخاف بخسا ولا رهقا ولا يضيع عمل محسن أبدا ولا يضيع على ~~العبد مثقال ذرة لا يظلمها وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ~~وإن كان مثقال حبة من خردل جازاه بها ولا يضيعها عليه وأنه يجزي بالسيئة ~~مثلها ويحبطها بالتوبة والندم والاستغفار والحسنات والمصائب ويجزي بالحسنة ~~عشر أمثالها ويضاعفها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وهو الذي أصلح ~~الفاسدين وأقبل بقلوب المعرضين وتاب على المذنبين وهدى الضالين وأنقذ ~~الهالكين وعلم الجاهلين وبصر المتحيزين وذكر الغافلين وآوى الشاردين وإذا ~~أوقع عقابا أوقعه بعد شدة التمرد والعتو عليه ودعوة العبد إلى الرجوع إلى ~~إليه والإقرار بربوبيته وحقه مرة بعد مرة حتى إذا يأس من استجابته والإقرار ~~بربوبيته ووحدانيته أخذه ببعض كفره وعتوه وتمرده بحيث يعذر العبد من نفسه ~~ويعترف بأنه سبحانه لم يظلمه وأنه هو الظالم لنفسه كما قال تعالى عن أهل ~~النار فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير وقال عمن أهلكهم في الدنيا أنهم ~~لما رأوا آياته وأحسوا حصيدا بعذابه قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما ~~زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين وقال أصحاب الجنة التي أفسدها ~~عليهم لما رأوها # PageV01P161 # {قالوا} سبحان ربنا إنا كنا ظالمين قال الحسن لقد دخلوا النار وإن حمده ~~لفي قلوبهم ما وجدوا عليه حجة ولا ms139 سبيلا ولهذا قال تعالى نقطع دابر القوم ~~الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين فهذه الجملة في موضع الحال أي قطع ~~دابرهم حال كونه سبحانه محمودا على ذلك فقطع دابرهم قطعا مصاحبا لحمده فهو ~~قطع وإهلاك يحمد عليه الرب تعالى لكما حكمته وعدله ووضعه العقوبة في موضعها ~~الذي لا يليق به غيرها فوضعها في الموضع الذي يقول من علم الحال لا تليق ~~العقوبة إلا بهذا المحل ولا يليق به إلا العقوبة ولهذا قال عقيب إخباره عن ~~الحكم بين عباده ومصير أهل السعادة إلى الجنة وأهل الشقاء إلى النار وقضي ~~بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين فحذف فاعل القول إشعارا بالعموم ~~وأن الكون كله قال الحمد لله رب العالمين لما شاهدوا من حكمة الحق وعدله ~~وفضله ولهذا قال في حق أهل النار قيل ادخلوا أبواب جهنم كأن الكون كله يقول ~~ذلك حتى تقوله أعضاؤهم وأرواحهم وأرضهم وسماؤهم وهو سبحانه بخبر أنه إذا ~~هلك أعداءه أنجى أولياءه ولا يعمهم بالهلاك بمحض المشيئة ولما سأله نوح ~~نجاة ابنه أخبر أنه يغرقه بسوء عمله وكفره ولم يقل إني أغرقه بمحض مشيئتي ~~وإرادتي بلا سبب ولا ذنب وقد ضمن سبحانه زيادة الهداية للمجاهدين في سبله ~~ولم يخبر أنه يضلهم ويبطل سعيهم وكذلك ضمن زيادة الهداية للمتقين الذين ~~يتبعون رضوانه وأخبر أنه لا يضل إلا الفاسقين الذين ينقضون عهده من بعد ~~ميثاقه وأنه إنما يضل من آثر الضلال واختاره على الهدى فيطبع حينئذ على ~~سمعه وقلبه وأنه يقلب قلب من لم يرض بهداه إذا جاءه ولم يؤمن به ودفعه ورده ~~فيقلب فؤاده وبصره عقوبة له على رده ودفعه لما تحققه وعرفه وأنه سبحانه لو ~~علم في تلك المحال التي حكم عليها بالضلال والشقاء خيرا لأفهمها وهداها ~~ولكنها لا تصلح لنعمته ولا تليق بها كرامته وقد أزاح سبحانه العلل وأقام ~~الحجج ومكن من أسباب الهداية وأنه لا يضل إلا الفاسقين والظالمين ولا يطبع # PageV01P162 # إلا على قلوب المعتدين ولا يركس في الفتنة إلا المنافقين بكسبهم وأن ~~الرين الذي ms140 غطى به قلوب الكفار وهو عين كسبهم وأعمالهم كما قال كلا بل ران ~~على قلوبهم ما كانوا يكسبون وقال عن أعدائه من اليهود وقالوا قلوبنا غلف بل ~~طبع الله عليها بكفرهم وأخبر أنه لا يضل من هداه حتى يبن له ما يتقي فيختار ~~لشقوته وسوء طبيعته الضلال على الهدى والغي على الرشاد ويكون مع نفسه ~~وشيطانه وعدو ربه عليه # وأما المكر الذي وصف به نفسه فهو مجازاته للماكرين بأوليائه ورسله فيقابل ~~مكرهم السيء بمكره الحسن فيكون المكر منهم أقبح شيء ومنه أحسن شيءلأنه عدل ~~ومجازاة وكذلك المخادعة منه جزاء على مخادعة رسله أوليائه فلا أحسن من تلك ~~المخادعة والمكر وأما كون الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه ~~وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فإن هذا عمل أهل الجنة فيما يظهر للناس ~~ولو كان عملا صالحا مقبولا للجنة قد أحبه الله ورضيه لم يبطله عليه وقوله ~~لم يبق بينه وبينها إلا ذراع يشكل على هذا التأويل فيقال لما كان العمل ~~بآخره وخاتمته لم يصبر هذا العامل على عمله حتى يتم له بل كان فيه آفة ~~كامنة ونكتة خذل بها في آخر عمره فخانته تلك الآفة والداهية والباطنة في ~~وقت الحاجة فرجع إلى موجبها وعملت عملها ولو لم يكن هناك غش وآفة لم يقلب ~~الله إيمانه لقد أورده مع صدقه فيه وإخلاصه بغير سبب منه يقتضي إفساده عليه ~~والله يعلم من سائر العباد ما لا يعلمه بعضهم من بعض # وأما شأن إبليس فإن الله سبحانه قال للملائكة إني أعلم مالا تعلمون فالرب ~~تعالى كان يعلم ما في قلب إبليس من الكفر والكبر والحسد مالا يعلمه ~~الملائكة فلما أمروا بالسجود ظهر ما في قلوبهم من الطاعة والمحبة والخشية ~~والانقياد فبادروا إلى الامتثال وظهر ما في قلب عدوه من الكبر والغش والحسد ~~فأبى واستكبر وكان من الكافرين # PageV01P163 # وأما خوف أوليائه من مكره فحق فإنهم يخافون أن يخذلهم بذنوبهم وخطاياهم ~~فيصيرون إلى الشقاء فخوفهم من ذنوبهم ورجاؤهم لرحمته وقوله أفأمنوا مكر ~~الله ms141 إنما هو في حق الفجار والكفار ومعنى الآية فلا يعصى ويأمن مقابلة الله ~~له على مكر السيئات بمكره به إلا القوم الخاسرون والذي يخافه العارفون ~~بالله من مكره أن يؤخر عنهم عذاب الأفعال فيحصل منهم نوع اغترار فيأنسوا ~~بالذنوب فيجيئهم العذاب على غرة وفترة وأمر آخر وهو أن يغفلوا عنه وينسوا ~~ذكره فيتخلى عنهم إذا تخلوا عن ذكره وطاعته فيسرع إليهم البلاء والفتنة ~~فيكون مكره بهم تخليه عنهم وأمر آخر أن يعلم من ذنوبهم وعيوبهم ما لا ~~يعلمونه من نفوسهم فيأتيهم المكر من حيث لا يشعرون وأمر آخر أن يمتحنهم ~~ويبتليهم بما لا صبر لهم عليه فيفتنون به وذلك مكر ### | فصل السنة شجرة والشهور فروعها والأيام أغصانها والساعات أوراقها # والأنفاس ثمرها فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة ومن كانت في ~~معصية فثمرته حنظل وإنما يكون الجداد يوم المعاد فعند الجداد يتبين حلو ~~الثمار من مرها والإخلاص والتوحيد شجرة في القلب فروعها الأعمال وثمرها طيب ~~الحياة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعة ~~ولا ممنوعة فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا كذلك والشرك والكذب والرياء ~~شجرة في القلب ثمرها في لدنيا والخوف والهم والغم وضيق الصدر وظلمة القلب ~~وثمرها في الآخرة الزقوم والعذاب المقيم وقد ذكر الله هاتين الشجرتين في ~~سورة إبراهيم ### | فصل إذا بلغ العبد أعطى عهده الذي عهده إليه خالقه ومالكه فإذا أخذ # عهده بقوة وقبول # PageV01P164 # وعزم على تنفيذ ما فيه صلح للمراتب والمناصب التي يصلح لها الموفون ~~بعهودهم فإذا هز نفسه عند أخذ العهد وانتحاها وقال قد أهلت لعهد ربي فمن ~~أولى بقبوله وفهمه وتنفيذه مني فحرص أولا على فهم عهده وتدبره وتعرفه وصايا ~~سيده له ثم وطن نفسه على امتثال ما في عهده والعمل به وتنفيذه حسبما تضمنه ~~عهده فأبصر بقلبه حقيقة العهد وما تضمنه فاستحدث همة أخرى وعزيمة غير ~~العزيمة التي كان فيها وقت الصبا قبل وصول العهد فاستقال من ظلمة غرة الصبا ~~والانقياد للعادة والمنشأ وصبر على شرف الهمة ms142 وهتك ستر الظلمة إلى نور ~~اليقين فأدرك بقدر صبره وصدق اجتهاده ما وهبه الله له من فضله فأول مراتب ~~سعادته أن تكون له أذن واعية وقلب يعقل ما تعيه الأذن فإذا سمع وعقل ~~واستبانت له الجادة ورأى عليها تلك الأعلام ورأى أكثر الناس منحرفين عنها ~~يمينا وشمالا فلزمها ولم ينحرف مع المنحرفين الذين كان سبب انحرافهم عدم ~~قبول العهد أو قبلوه بكره ولم يأخذوه بقوة ولا عزيمة ولا حدثوا أنفسهم ~~بفهمه وتدبره والعمل بما فيه وتنفيذ وصاياه بل عرض غيهم العهد ومعهم ضراوة ~~الصبا ودين العادة وما ألفوا عليه الآباء والأمهات فتلقوا العهد تلقي من هو ~~مكتف بما وجد عليه آباءه وسلفه وعادتهم لا تكفي من يجمع همه وقلبه على فهم ~~العهد والعمل به حتى كأن ذلك العهد أتاه وحده وقيل له تأمل ما فيه ثم اعمل ~~بموجبه فإذا لم يتلق عهده هذا التلقي أخلد إلى سير القرابة وما استمرت عليه ~~عادة أهله وأصحابه وجيرانه وأهل بلده فإن علت همته أخلد إلى ما عليه سلفه ~~ومن تقدمه من غير التفات إلى تدبر العهد وفهمه فرضي لنفسه أن يكون دينه دين ~~العادة فإذا شامه الشيطان ورأى هذا مبلغ همته وعزيمته رماه بالعصبية ~~والحمية للآباء وسلفه وزين له أن هذا هو الحق وما خالفه باطل ومثل له الهدى ~~في صورة الضلال والضلال في صورة الهدى بتلك العصبية والحمية التي أسست على ~~غير علم فرضاه أن يكون مع عشيرته وقومه له ما لهم وعليه ما عليهم فخذل عن ~~الهدى وولاه الله ما تولى فلو جاءه كل هدى يخالف قومه وعشيرته لم يره # PageV01P165 # إلا ضلالة وإذا كانت همته أعلى من ذلك ونفسه أشرف وقدره أعلى أقبل على ~~حفظ عهده وفهمه وتدبره وعلم أن لصاحب العهد شأنا ليس كشأن غيره فأخذ نفسه ~~بمعرفته من نفس العهد فوجده قد تعرف إليه وعرفه نفسه وصفاته وأسماءه ~~وأفعاله وأحكامه فعرف من ذلك العهد قيوما بنفسه مقيما لغيره غنيا عن كل ما ~~سواه وكل ما سواه فقير إليه مستو ms143 على عرشه فوق جميع خلقه يرى ويسمع ويرضى ~~ويغضب ويحب ويبغض ويدبر أمر مملكته وهو فوق عرشه متكلم آمر ناه يرسل رسله ~~إلى أقطار مملكته بكلامه الذي يسمعه من يشاء من خلقه وأنه قائم بالقسط مجاز ~~بالإحسان والإساءة وأنه حليم غفور شكور جواد محسن موصوف بكل كمال منزه عن ~~كل عيب ونقص وأنه لا مثل له ويشهد حكمته في تدبير مملكته وكيف يقدر مقاديره ~~بمشيئة غير مضادة لعدله وحكمته وتظاهر عنده العقل والشرع والفطرة فصدق كل ~~منهما صاحبيه وفهم عن الله سبحانه ما وصف به نفسه في كتابه من حقائق أسمائه ~~التي بها نزل الكتاب وبها نطق ولها أثبت وحقق وبها تعرف إلا عباده حتى أقرت ~~به العقول وشهدت به الفطر فإذا عرف بقلبه وتيقن صفات صاحب العهد وأشرقت ~~أنوارها على قلبه فصارت له كالمعاينة فرأى حينئذ تعلقها بالخلق والأمر ~~وارتباطهما بها وسريان آثارهما في العالم الحسي والعالم الروحي ورأى تصرفها ~~في الخلائق كيف عمت وخصت وقربت وأبعدت وأعطت ومنعت فشاهد بقلبه مواقع عدله ~~سبحانه وقسطه وفضله ورحمته واجتمع له الإيمان بلزوم حجته مع نفوذ أقضيته ~~وكمال قدرته مع كمال عدله وحكمته ونهاية علوه على جميع خلقه مع إحاطته ~~ومعيته وعظمته وجلاله وكبريائه وبطشه وانتقامه مع رحمته وبره ولطفه وجوده ~~وعفوه وحلمه ورأى لزوم الحجة مع قهر المقادير التي لا خروج لمخلوق عنها ~~وكيف اصطحاب الصفات وتوافقها وشهادة بعضها لبعض وانعطاف الحكمة التي هي ~~نهاية وغاية على المقادير التي هي أول وبداية ورجوع فروعها إلى أصولها ~~ومبادئها إلى # PageV01P166 # غاياتها حتى كأنه مشاهد مبادىء الحكمة وتأسيس القضايا على وفق الحكمة ~~والعدل والمصلحة والرحمة والإحسان لا تخرج قضية عن ذلك إلى انقضاء الأكوان ~~وانفصال الأحكام يوم الفصل بين العباد وظهور عدله وحكمته وصدق رسله وما ~~أخبرت به عنه لجميع الخليقة انسها وجنها مؤمنها وكافرها وحينئذ يتبين من ~~صفات جلاله ونعوت كماله للخلق ما لم يكونوا يعرفونه قبل ذلك حتى إن أعرف ~~خلقه به في الدنيا يثني عليه يومئذ من صفات كماله ونعوت ms144 جلاله ما لم يكن ~~يحسنه في الدنيا وكما يظهر ذلك لخلقه تظهر لهم الأسباب التي بها زاغ ~~الزائغون وضل الضالون وانقطع المنقطعون فيكون الفرق بين العلم يومئذ بحقائق ~~الأسماء والصفات العلم بها في الدنيا كالفرق بين العلم بالجنة والنار ~~ومشاهدتهما وأعظم من ذلك وكذلك يفهم من العبد كيف اقتضت أسماؤه وصفاته ~~لوجود النبوة والشرائع وأن لا يترك خلقه سدى وكيف اقتضت ما تضمنته من ~~الأوامر والنواهي وكيف اقتضت وقوع الثواب والعقاب والمعاد وأن ذلك من ~~موجبات أسمائه وصفاته بحيث ينزه عما زعم أعداؤه من إنكار ذلك ويرى شمول ~~القدرة وإحاطتها بجميع الكائنات حتى لا يشذ عنها مثقال ذرة ويرى أنه لو كان ~~معه إله آخر لفسد هذا العالم فكانت تفسد السماوات والأرض ومن فيهن وأنه ~~سبحانه لو جاز عليه النوم أو الموت لتدكدك هذا العالم بأسره ولم يثبت طرفة ~~عين ويرى ذلك الإسلام والإيمان اللذين تعبد الله بهما جميع عباده كيف ~~انبعاثهما من الصفات المقدسة وكيف اقتضيا الثواب والعقاب عاجلا وآجلا ويرى ~~مع ذلك أنه لا يستقيم قبول هذا العهد والتزامه لمن جحد صفاته وأنكر علوه ~~على خلقه وتكلمه بكتبه وعهوده كما لا يستقيم قبوله لمن أنكر حقيقة سمعه ~~وبصره وحياته وإرادته وقوته وأن هؤلاء هم الذين ردوا عهده وأبوا قبوله وأن ~~من قبلهم منهم لم يقبله بجميع ما فيه وبالله التوفيق # PageV01P167 ### | فصل خلق بدن ابن آدم من الأرض وروحه من ملكوت السماء وقرن بينهما # فإذا أجاع بدنه وأسهره وأقامه في الخدمة وجدت روحه خفة وراحة فتاقت إلى ~~الموضع الذي خلقت منه واشتاقت إلى عالمها العلوي وإذا أشبعه ونعمه ونومه ~~واشتغل بخدمته وراحته أخلد البدن إلى الموضع الذي خلق منه فانجذبت الروح ~~معه فصارت في السجن فلولا أنها ألفت السجن لاستغاثت من ألم وفارقتها ~~وانقطاعها عن عالمها الذي خلقت منه كما يستغيث المعذب # وبالجملة فكما خف البدن لطفت الروح وخفت وطلبت عالمها العلوي وكلما ثقل ~~وأخلد إلى الشهوات والراحة ثقلت الروح وهبطت من عالمها وصارت أرضية سفلية ~~فترى الرجل روحه ms145 في الرفيق الأعلى وبدنه عندك فيكون نائما على فراشه وروحه ~~عند سدرة المنتهى تجول حول العرش وآخر واقف في الخدمة ببدنه وروحه في السفل ~~تجول حول السفليات فإذا فارقت الروح البدن التحقت برفيقها الأعلى أو الأدنى ~~فعند الرفيق الأعلى كل قرة عين وكل نعيم وسرور وبهجة ولذة وحياة طيبة وعند ~~الرفيق الأسفل كل هم وغم وضيق وحزن وحياة نكدة ومعيشة ضنك قال تعالى ومن ~~أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا فذكره كلامه الذي أنزله على رسوله والإعراض ~~عنه ترك تدبره والعمل به والمعيشة الضنك فأكثر ما جاء في التفسير أنها عذاب ~~القبر قاله ابن مسعود وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وابن عباس وفيه حديث ~~مرفوع وأصل الضنك في اللغة الضيق والشدة وكل ما ضاق فهو ضنك يقال منزل ضنك ~~وعيش الضنك فهذه المعيشة الضنك في مقابلة التوسيع على النفس والبدن ~~بالشهوات واللذات والراحة فإن النفس كلما وسعت عليها ضيقت على القلب حتى ~~تصير معيشة ضنكا وكلما ضيقت عليها وسعت على القلب حتى ينشرح وينفسخ فضنك ~~المعيشة في # PageV01P168 # الدنيا بموجب التقوى سعتها في البرزخ والآخرة وسعة المعيشة في الدنيا ~~بحكم الهوى ضنكها في البرزخ والآخرة فآثر أحسن المعيشتين وأطيبهما وأدومهما ~~وأشق البدن بنعيم الروح ولا تشق الروح بنعيم البدن فإن نعيم الروح وشقاءها ~~أعظم وأدوم ونعيم البدن وشقاؤه أقصر وأهون والله المستعان # العارف لا يأمر الناس بترك الدنيا فإنهم لا يقدرون على تركها ولكن يأمرهم ~~بترك الذنوب مع إقامتهم على دنياهم فترك الدنيا فضيلة وترك الذنوب فريضة ~~فكيف يؤمر بالفضيلة من لم يقم الفريضة فإن صعب عليهم ترك الذنوب فاجتهد أن ~~تحبب الله إليهم بذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وصفات كماله ونعوت جلاله فإن ~~القلوب مفطورة على محبته فإذا تعلقت بحبه هان عليها ترك الذنوب والاستقلال ~~منها والإصرار عليها وقد قال يحيى بن معاذ طلب العاقل للدنيا خير من ترك ~~الجاهل لها العارف يدعو الناس إلى الله من دنياهم فتسهل عليهم الإجابة ~~والزاهد يدعوهم إلى الله بترك الدنيا فتشق عليهم الإجابة ms146 فإن الفطام عن ~~الثدي الذي ما عقل الإنسان نفسه إلا وهو يرتضع منه شديد ولكن بخير من ~~المرضعات أزكاهن وأفضلهن فإن للبن تأثيرا في طبيعة المرتضع ورضاع المرأة ~~الحمقى يعود بحمق الولد وأنفع الرضاعة ما كان من المجاعة فإن قويت على ~~مرارة الفطام وإلا فارتضع بقدر فإن من البشم ما يقتل ### | فصل بين رعاية الحقوق مع الضر ورعايتها مع العافية بون بعيد إن عبدي # كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة ~~فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ليس العجب من صحيح فارغ واقف مع ~~الخدمة إنما العجب من ضعيف سقيم تعتوره الأشغال وتختلف عليه الأحوال وقلبه ~~واقف في الخدمة غير متخلف بما يقدر عليه # PageV01P169 ### | فصل معرفة الله سبحانه نوعان معرفة إقرار وهي التي اشترك فيها الناس # البر والفاجر والمطيع والعاصي والثاني معرفة توجب الحياء منه والمحبة له ~~وتعلق القلب به والشوق إلى لقائه وخشيته والإنابة إليه والأنس به والفرار ~~من الخلق إليه وهذه هي المعرفة الخالصة الجارية على لسن القوم وتفاوتهم ~~فيهالا يحصيه إلا الذي عرفهم بنفسه وكشف لقلوبهم من معرفته ما أخفاه عن ~~سواهم وكل أشار إلى هذه المعرفة بحسب مقامه وما كشف له منها وقد قال أعرف ~~الخلق به لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وأخبر أنه سبحانه يفتح ~~عليه يوم القيامة من محامده بما لا يحسنه الآن # ولهذه المعرفة بابان واسعان باب التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها ~~والفهم الخاص عن الله ورسوله والباب الثاني التفكر في آياته المشهودة وتأمل ~~حكمته فيها وقدرته ولطفه وإحسانه وعدله وقيامه بالقسط على خلقه وجماع ذلك ~~الفقه في معاني أسمائه الحسنى وجلالها وكمالها وتفرده بذلك وتعلقها بالخلق ~~والأمر فيكون فقيها في أوامره ونواهيه فقيها في قضائه وقدره فقيها في ~~أسمائه وصفاته فقيها في الحكم الديني الشرعي والحكم الكوني القدري وذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ### | فصل الدراهم أربعة دراهم اكتسب بطاعة الله وأخرج في حق الله فذاك ms147 خير # الدراهم ودرهم اكتسب بمعصية الله وأخرج في معصية الله فذاك شر الدراهم ~~ودرهم اكتسب بأذى مسلم وأخرج في أذى مسلم فهو كذلك ودرهم اكتسب بمباح وأنفق ~~في شهوة مباحة فذاك لا له ولا عليه هذه أصول الدراهم ويتفرع # PageV01P170 # عليها داهم أخر منها درهم اكتسب بحق وأنفق في باطل ودرهم اكتسب بباطل ~~وأنفق في حق فإنفاقه كفارته ودرهم اكتسب من شبهة فكفارته أن ينفق في طاعة ~~وكما يتعلق الثواب والعقاب والمدح والذم بإخراج الدرهم فكذلك يتعلق ~~باكتسابه وكذلك يسأل عنه مستخرجه ومصروفه من أين اكتسبه وفيما أنفقه ### | فصل المواساة للمؤمن أنواع مواساة بالمال ومواساة الجاه ومواساة # بالبدن والخدمة ومواساة بالنصيحة والإرشاد ومواساة بالدعاء والاستغفار ~~لهم ومواساة بالتوجع لهم على قدر الإيمان تكون هذه المواساة فكلما ضعف ~~الإيمان ضعفت المواساة وكلما قوي قويت وكان رسول الله أعظم الناس مواساة ~~لأصحابه بذلك كله فلأتباعه من المواساة بحسب اتباعهم له ودخلوا على بشر ~~الحافي في يوم شديد البرد وقد تجرد وهو ينتفض فقالوا ما هذا يا أبا نصر ~~فقال ذكرت الفقراء وبردهم وليس لي ما أواسيهم به فأحببت أن أواسيهم في ~~بردهم ### | فصل الجهل بالطريق وآفاتها والمقصود يوجب التعب الكثير مع الفائدة # القليلة فإن صاحبه إما أن يجتهد في نافلة مع إضاعة الفرض أو في عمل ~~بالجوارح لم يواطئه عمل القلب أو عمل بالباطن والظاهر لم يتقيد بالاقتداء ~~أو همة إلى عمل لم ترق بصاحبها إلى ملاحظة المقصود أو عمل لم يتحرز من ~~آفاته المفسدة له حال العمل وبعده أو عمل غفل فيه عن مشاهدة المنة فلم ~~يتجرد عن مشاركة النفس فيه أو عمل لم يشهد تقصيره فيه فيقوم بعده في مقام ~~الاعتذار منه أو عمل لم يوفه حقه من النصح والإحسان وهو يظن أنه وفاه فهذا ~~كله مما ينقص الثمرة مع كثرة التعب والله الموفق # PageV01P171 ### | فصل إذا عزم العبد على السفر إلى الله تعالى وإرادته عرضت له الخوادع # والقواطع فينخدع أولا بالشهوات والرياسات والملاذ والمناكح والملابس فإن ~~وقف معها انقطع وإن رفضها ms148 ولم يقف معها وصدق في طلبه ابتلي بوطء عقبه ~~وتقبيل يده والتوسعة له في المجلس والإشارة إليه بالدعاء ورجاء بركته ونحو ~~ذلك فإن وقف معه وانقطع به عن الله وكان حظه منه وإن قطعه ولم يقف معه ~~ابتلي بالكرامات والكشوفات فإن وقف معها انقطع بها عن الله وكانت حظه إن لم ~~يقف معها ابتلي بالتجريد والتخلي ولذة الجمعية وعزة الوحدة والفراغ من ~~الدنيا فإن وقف مع ذلك انقطع المقصود وإن لم يقف معه وسار ناظرا إلى مراد ~~الله منه وما يحبه منه بحيث يكون عبده الموقوف على محابه ومراضيه أين كانت ~~وكيف كانت تعب بها أو استراح تنعم أو تألم أخرجته إلى الناس أو عزلته عنهم ~~لا يختار لنفسه غير ما يختاره له وليه وسيده واقف مع أمره ينفذه بحسب ~~الإمكان ونفسه عنده أهون عليه أن يقدم راحتها ولذتها على مرضاة سيده وأمره ~~فهذا هو العبد الذي قد وصل ونفذ ولم يقطعه عن سيده شيء وبالله التوفيق ### | فصل النعم ثلاثة نعمة حاصلة يعلم بها العبد ونعمة منتظرة يرجوها ونعمة # وهو فيها لا يشعر بها فإذا أراد الله إتمام نعمته على عبده عرفه نعمته ~~الحاضرة وأعطاه من شكره قيدا به حتى لا تشرد فإنها تشرد بالمعصية وتقيد ~~بالشكر ورفقة لعمل يستجلب به النعمة المنتظرة وبصره بالطرق التي تسدها ~~وتقطع طريقها ورفقة لاجتنابها وإذا بها قد وافت إليه على أتم الوجوه وعرفه ~~النعم التي # PageV01P172 # هو فيها فلا يشعر بها ويحكى أن أعرابيا دخل على الرشيد فقال أمير ~~المؤمنين ثبت الله عليك النعم التي أنت فيها بإدامة شكرها وحقق لك النعم ~~التي ترجوها بحسن الظن به ودوام طاعته وعرفك النعم التي أنت فيها ولا ~~تعرفها لتشكرها فأعجبه ذلك منه وقال ما أحسن تقسيمه ### | قاعدة جليلة مبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار فإنها # توجب التصورات والتصورات تدعو إلى الإيرادات والإيرادات تقتضي وقوع الفعل ~~وكثرة تكراره تعطي العدة فصلح هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار وفسادها ~~بفسادها فصلاح الخواطر بأن تكون مراقبة لوليها ms149 وإلهها صاعدة إليه دائرة على ~~مرضاته ومحابه فإنه سبحانه به كل صلاح ومن عنده كل هدى ومن توفيقه كل رشد ~~ومن توليه لعبده كل حفظ ومن توليه وإعراضه عنه كل ضلال وشقاء فيضفر العبد ~~بكل خير وهدى ورشد بقدر إثبات عين فكرته في آلائه ونعمه وتوحيده وطرق ~~معرفته وطرق عبوديته وإنزاله إياه حاضرا معه مشاهدا له ناظرا إليه رقيبا ~~عليه مطلعا على خواطره وإرادته وهمه فحينئذ يستحي منه ويجله أن يطلعه منه ~~على عورة يكره أن يطلع عليها مخلوق مثله أو يرى نفسه خاطرا يمقته عليه # فمتى أنزل ربه هذه المنزلة منه رفعه وقربه منه وأكرمه واجتباه وولاه ~~وبقدر ذلك يبعد عن الأوساخ والدناآت والخواطر الرديئة والأفكار الدنيئة كما ~~أنه بعد منه وأعرض عنه وقرب من الأوساخ والدناآت والأقذار ويقطع عن جميع ~~الكمالات ويتصل بجميع النقائص فالإنسان خير المخلوقات إذا تقرب من بارئه ~~والتزم أوامره ونواهيه وعمل بمرضاته وآثره على هواه # PageV01P173 # وشر المخلوقات إذا تباعد عنه ولم يتحرك قلبه لقربه وطاعته وابتغاء مرضاته ~~فمتى اختار التقرب إليه وآثره على نفسه وهواه فقد حكم قلبه عقله وإيمانه ~~على نفسه وشيطانه وحكم رشده على غيه وهداه على هواه ومتى اختار التباعد منه ~~فقد حكم نفسه وهواه وشيطانه على عقله وقلبه ورشده # وأعلم أن الخاطرات والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر فيأخذها الفكر ~~فيؤديها إلى التذكر فيأخذها الذكر فيؤديها إلى الإرادة فتأخذها الإرادة ~~فتؤديها إلى الجوارح والعمل فتستحكم فتصير عادة فردها من مبادئها أسهل من ~~قطعها بعد قوتها وتمامها ومعلوم أنه لم يعط الإنسان إماتة الخواطر ولا ~~القوة على قطعها فإنها تهجم عليه هجوم النفس إلا أن قوة الإيمان والعقل ~~تعينه على قبول أحسنها ورضاه به ومساكنته له وعلى رفع أقبحها وكراهته له ~~نفرته منه كما قال الصحابة يا رسول الله إن أحدنا يجد في نفسه ما لأن يحترق ~~حتى يصير حممة أحب إليه من أن يتكلم به فقال أو قد وجدتموه قالوا نعم قال ~~ذاك صريح الإيمان وفي لفظ الحمد لله الذي رد ms150 كيده إلى الوسوسة وفيه قولان ~~أحدهما أن رده وكراهيته صريح الإيمان والثاني أن وجوده وإلقاء الشيطان له ~~في النفس صريح الإيمان فإنه إنما ألقاه في النفس طلبا لمعارضة الإيمان ~~وإزالته به وقد خلق الله سبحانه النفس شبيهة بالرحا الدائرة التي لا تسكن ~~ولا بد لها من شيء تطحنه فإن وضع فيها حب طحنته وإن وضع فيها تراب أو حصا ~~طحنته فلأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحب الذي يوضع في ~~الرحا ولا تبقى تلك الرحا معطلة قط بل لا بد لها من شيء يوضع فيها فمن ~~الناس من تطحن رحاه حبا يخرج دقيقا ينفع به نفسه وغيره وأكثرهم يطحن رملا ~~وحصا وتبنا ونحو ذلك فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحينه # PageV01P174 ### | فصل فإذا دفعت الخاطر الوارد عليك اندفع عنك ما بعده وإن قبلته صار # فكرا جوالا فاستخدم الإرادة فتساعدت هي والفكر على استخدام الجوارح فإن ~~تعذر استخدامها رجعا إلى القلب بالمني والشهوة وتوجهه إلى جهة المراد ومن ~~المعلوم أن إصلاح الخواطر أسهل من إصلاح الأفكار وإصلاح الأفكار أسهل من ~~إصلاح الإرادات وإصلاح الإرادات أسهل من تدارك فساد العمل وتداركه أسهل من ~~قطع العوائد فأنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون مالا يعنيك ~~فالفكر فيما لا يعني باب كل شر ومن فكر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه واشتغل ~~عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه فالفكر والخواطر والإرادة والهمة ~~أحق شيء بإصلاحه من نفسك فإن هذه خاصتك وحقيقتك التي تبتعد بها أو تقرب من ~~إلهك ومعبودك الذي لا سعادة لك إلا في قربه ورضاه عنك وكل الشقاء في بعدك ~~عنه وسخطه عليك ومن كان في خواطره ومجالات فكره دنيئا خسيسا لم يكن في سائر ~~أمره إلا كذلك وإياك أن تمكن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك فإنه يفسدها ~~عليك فسادا يصعب تداركه ويلقي إليك أنواع الوساوس والأفكار المضرة ويحول ~~بينك وبين الفكر فيما ينفعك وأنت الذي أعنته على نفسك بتمكينه من قلبك ~~وخواطرك ms151 فملكها عليك فمثالك معه مثال صاحب رحا يطحن فيها جيد الحبوب فأتاه ~~شخص معه حمل تراب وبعر وفحم وغثاء ليطحنه في طاحونته فإن طرده ولم يمكنه من ~~إلقاء ما معه في الطاحون استمر على طحن ما ينفعه وإن مكنه في إلقاء ذلك في ~~الطاحون أفسد ما فيها من الحب وخرج الطحين كله فاسدا والذي يلقيه الشيطان ~~في النفس لا يخرج عن الفكر فيما كان ودخل الوجود لو كان على خلاف وذلك ~~وفيما لم يكن لو كان كيف كان يكون أو فيما يملك الفكر فيه من أنواع # PageV01P175 # الفواحش والحرام أو في خيالات وهمية لاحقيقة لها وإما في باطل أو فيما لا ~~سبيل إلى إدراكه من أنواع ما طوى عنه علمه فيلقيه في تلك الخواطر التي لا ~~يبلغ منها غاية ولا يقف منها على نهاية فيجعل ذلك مجال فكره ومسرح وهمه # وجماع إصلاح ذلك أن تشغل فكرك في باب العلوم والتصورات بمعرفة ما يلزمك ~~التوحيد وحقوقه وفي الموت وما بعده إلى الدخول إلى الجنة والنار وفي آفات ~~الأعمال وطرق التحرز منها وفي باب الإرادات والعزوم أن تشغل نفسك بإرادة ما ~~ينفعك إرادته وطرح إرادة ما يضرك إرادته وعند العارفين أن تمني الخيانة ~~وإشغال الفكر والقلب بها أضر على القلب من نفس الخيانة ولا سيما إذا فرغ ~~قلبه منها بعد مباشرتها فإن تمنيها يشغل القلب بها ويملؤه منها ويجعلها همه ~~ومراده وأنت تجد في الشاهد أن الملك من البشر إذا كان في بعض حاشيته وخدمه ~~من هو متمن لخيانته مشغول القلب والفكر بها ممتلىء منها وهو مع ذلك في ~~خدمته وقضاء أشغاله فإذا اطلع على سره وقصد مقته غاية المقت وأبغضه وقابله ~~بما يستحقه وكان أبغض إليه من رجل بعيد عنه جنى بعض الجنايات وقلبه وسره مع ~~الملك غير منطو على تمني الخيانة ومحبتها والحرص عليها فالأول يتركها عجزا ~~واشتغالا بما هو فيه وقلبه ممتلىء بها والثاني يفعلها وقلبه كاره لها ليس ~~فيه إضمار الخيانة ولا الإصرار عليها فهذا أحسن حالا وأسلم عاقبة ms152 من الأول # وبالجملة فالقلب لا يخلو من الفكر وأما في واجب آخرته ومصالحها وإما في ~~مصالح دنياه ومعاشه وإما في الوساوس والأماني الباطلة والمقدرات المفروضة ~~وقد تقدم أن النفس مثلها كمثل رحا تدور بما يلقى فيها فإن ألقيت فيها حبا ~~دارت به وإن ألقيت فيها زجاجا وحصا وبعرا دارت به والله سبحانه هو قيم تلك ~~الرحا ومالكها ومصرفها وقد أقام لها ملكا يلقي فيها ما ينفعها فتدور به ~~شيطانا يلقي فيها ما يضرها فتدور به فالملك يلم بها مرة والشيطان يلم بها ~~مرة فالحب الذي يقيه # PageV01P176 # الملك إيعاد بالخير وتصديق بالوعد والحب الذي يلقيه الشيطان إيعاد بالشر ~~وتكذيب بالوعد والطحين على قدر الحب وصاحب الحب المضر لا يتمكن من إلقائه ~~إلا إذا وجد الرحى فارغة من الحب النافع وقيمها قد أهملها وأعرض عنها ~~فحينئذ يبادر إلى إلقاء ما معه فيها # وبالجملة فقيم الرحا إذا تخلى عنها وعن إصلاحها وإلقاء الحب النافع فيها ~~وجد العدو السبيل إلى إفسادها وإرادتها بما معه وأصل صلاح هذه الرحى ~~بالاشتغال بما يعنيك وفسادها كله في الاشتغال بما لا يعنيك وما أحسن ما قال ~~بعض العقلاء لما وجدت أنواع الذخائر منصوبة غرضا للمتألف ورأيت الزوال ~~حاكما عليها مدركا لها انصرفت عن جميعها إلى ما لا ينازع فيه الحجا أنه ~~أنفع الذخائر وأفضل المكاسب وأربح المتاجر والله المستعان # قال شقيق بن إبراهيم أغلق باب التوفيق عن الخلق من ستة أشياء اشتغالهم ~~بالنعمة عن شكرها ورغبتهم في العلم وتركهم العمل والمسارعة إلى الذنب ~~وتأخير التوبة والاغترار بصحبة الصالحين وترك الاقتداء بفعالهم وإدبار ~~الدنيا عنهم وهم يتبعونها وإقبال الآخرة عليهم وهم معرضون عنها قلت وأصل ~~ذلك عدم الرغبة والرهبة وأصله ضعف اليقين وأصله ضعف البصيرة وأصله مهانة ~~النفس ودناءتها واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير وإلا فلو كانت النفس ~~شريفة كبيرة لم ترض بالدون فأصل الخير كله بتوفيق الله ومشيئته وشرف النفس ~~ونبلها وكبرها وأصل الشر خستها ودناءتها وصغرها قال تعالى قد أفلح من زكاها ~~وقد خاب من ms153 دساها أي أفلح من كبرها وكثرها ونماها بطاعة الله وخاب من صغرها ~~وحقرها بمعاصي الله فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها ~~وأفضلها وأحمدها عاقبة والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات وتقع عليها كما ~~يقع الذباب على الأقذار فالنفس الشريفة العلية لا ترضى بالظلم ولا بالفواحش ~~ولا بالسرقة والخيانة لأنها أكبر من ذلك وأجل والنفس المهينة # PageV01P177 # الحقيرة والخسيسة بالضد من ذلك فكل نفس تميل إلى ما يناسبها ويشاكلها ~~وهذا معنى قوله تعالى قل كل يعمل على شاكلته أي على ما يشاكله ويناسبه فهو ~~يعمل على طريقته التي تناسب أخلاقه وطبيعته وكل إنسان يجري على طريقته ~~ومذهبه وعادته التي ألفها وجبل عليها فالفاجر يعمل بما يشبه طريقته من ~~مقابلة النعم بالمعاصي والإعراض عن النعم والمؤمن يعمل بما يشاكله من شكر ~~النعم ومحبته والثناء عليه والتودد إليه والحياء منه والمراقبة له وتعظيمه ~~وإجلاله فصل # من لم يعرف نفسه كيف يعرف خالقه فاعلم أن الله تعالى خلق في صدرك بيتا ~~وهو القلب ووضع في صدره عرشا لمعرفته يستوي عليه المثل الأعلى فهو مستو على ~~عرشه بذاته بائن من خلقه والمثل الأعلى من معرفته ومحبته وتوحيده مستو على ~~سرير القلب وعلى السرير بساط من الرضا ووضع عن يمينه وشماله مرافق شرائعه ~~وأوامره وفتح إليه بابا من جنة رحمته والأنس به والشوق إلى لقائه وأمطره من ~~وابل كلامه ما أنبت فيه أصناف الرياحين والأشجار المثمرة من أنواع الطاعات ~~والتهليل والتسبيح والتحميد والتقديس وجعل في وسط البستان شجرة معرفة فهي ~~تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها من المحبة والإنابة والخشية والفرح به ~~والابتهاج بقربه وأجرى إلى تلك الشجرة ما يسقيها من تدبير كلامه وفهمه ~~والعمل بوصاياه وعلق في ذلك البيت قنديلا أسرجه بضياء معرفته والإيمان به ~~وتوحيده فهو يستمد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها ~~يضيء ولو لم تمسسه نار ثم أحاط عليه حائطا يمنعه من دخول الآفات والمفسدين ~~ومن يؤذي البستان فلا يلحقه إذا هم وأقام عليه حرسا من الملائكة يحفظونه ms154 في ~~يقظته ومنامه ثم أعلم صاحب البيت والبستان بالساكن فيه فهو دائما همه إصلاح ~~السكن ولم شعثه ليرضاه الساكن منزلا وإذا أحس بأدنى شعث في السكن # PageV01P178 # بادر إلى إصلاحه ولمه خشية انتقال الساكن منه فنعم الساكن ونعم المسكن ~~فسبحان الله رب العالمين كم بين هذا البيت وبيت قد استولى عليه الخراب وصار ~~مأوى للحشرات والهوام ومحلا لإلقاء الأنتان والقاذورات فيه فمن أراد التخلي ~~وقضاء الحاجة وجد خربة لا ساكن فيها ولا حافظ لها وهي معدة لقضاء الحاجة ~~مظلمة الأرجاء منتنة الرائحة قد عمها الخراب وملأتها القاذورات فلا يأنس ~~بها ولا ينزل فيها إلا من يناسبه سكناها من الحشرات والديدان والهوام ~~الشيطان جالس على سريرها وعلى السرير بساط من الجهل وتخفق فيه الأهواء وعم ~~يمينه وشماله مرافق الشهوات وقد فتح إليه باب من حقل الخذلان والوحشة ~~والركون إلى الدنيا والطمأنينة بها والزهد في الآخرة وأمطر من وابل الجهل ~~والهوى والشرك والبدع وما أنبت فيه أصناف الشوك والحنظل والأشجار المثمرة ~~بأنواع المعاصي والمخالفات من الزوائد والتنديبات والنوادر والهزليات ~~والمضحكات والأشعار الغزليات والخمريات التي تهيج على ارتكاب المحرمات ~~وتزهد في الطاعات وجعل في وسط الحقل شجرة الجهل به والإعراض عنه فهي تؤتي ~~أكلها كل حين من الفسوق والمعاصي واللهو واللعب والمجون والذهاب مع كل ريح ~~واتباع كل شهوة ومن ثمرها العموم والغموم والأحزان والآلام ولكنها متوارية ~~بإشغال النفس بلهوها ولعبها فإذا أفاقت من سكرها أحضرت كل هم وغم وحزن وقلق ~~ومعيشة ضنك وأجرى إلى تلك الشجرة ما يسقيها من اتباع الهوى وطول الأمل ~~والغرور ثم ترك ذلك البيت وظلماته وخراب حيطانه بحيث لا يمنع منه مفسد ولا ~~حيوان ولا مؤذ ولا قذر فسبحان خالق هذا البيت وذلك البيت فمن عرف بيته وقدر ~~الساكن فيه وقدر ما فيه من الكنوز والذخائر والآلات انتفع بحياته ونفسه ومن ~~جهل ذلك جهل نفسه وأضاع سعادته وبالله التوفيق # سأل سهل التستري الرجل يأكل في اليوم أكلة قال أكل الصديقين قيل له ~~فأكلتين قال أكل المؤمنين قيل له فثلاث ms155 أكلات فقال قل لأهله يبنوا # PageV01P179 # له معلفا قال الأسود بن سالم ركعتين أصليهما لله أحب إلي من الجنة بما ~~فيها فقيل له هذا خطأ فقال دعونا من كلامكم الجنة رضى نفسي والركعتان رضى ~~ربي ورضى ربي أحب إلي من رضى نفسي العارف في الأرض ريحانة من رياحين الجنة ~~إذا شمها المريد اشتاقت نفسه إلى الجنة قلب المحب بين جلال محبوبه وجماله ~~فإذا لاحظ جلاله هابه وعظمه وإذا لاحظ جماله أحبه واشتاق إليه ### | فائدة من الناس من يعرف الله بالجود والإفضال والإحسان ومنهم من يعرفه # بالعفو والحلم والتجاوز ومنهم من يعرفه بالبطش والانتقام ومنهم من يعرفه ~~بالعلم والحكمة ومنه من يعرفه بالعزة والكبرياء ومنهم من يعرفه بالرحمة ~~والبر واللطف ومنهم من يعرفه بالقهر والملك ومنهم من يعرفه بإجابة دعوته ~~وإغاثة لهفته وقضاء حاجته وأعم هؤلاء معرفة من عرفه من كلامه فإنه يعرف ربا ~~قد اجتمعت له صفات الكمال ونعوت الجلال منزه عن المثال برئ من النقائص ~~والعيوب له كل اسم حسن وكل وصف كمال فعال لما يريد فوق كل شيء ومع كل شيء ~~وقادر على كل شيء ومقيم لكل شيء آمرناه متكلم بكلماته الدينية والكونية ~~أكبر من كل شيء وأجمل من كل شيء أرحم الراحمين وأقدر القادرين وأحكم ~~الحاكمين فالقرآن أنزل لتعريف عباده به وبصراطه الموصل إليه وبحال السالكين ~~بعد الوصول إليه ### | فائدة من الآفات الخفية العامة أن يكون العبد في نعمة أنعم الله بها # عليه واختارها له فيملها العبد ويطلب الانتقال منها إلى ما يزعم لجهله ~~أنه خير له منها وربه برحمته لا يخرجه من تلك النعمة وبعذره بجهله وسوء ~~اختياره لنفسه حتى إذا ضاق ذرعا # PageV01P180 # بتلك النعمة وسخطها وتبرم بها واستحكم ملكه لها سلبه الله إياها فإذا ~~انتقل إلى ما طلبه ورأى التفاوت بين ما كان فيه وما صار إليه اشتد قلقه ~~وندمه وطلب العودة إلى ما كان فيه فإذا أراد الله بعبده خيرا ورشدا أشهده ~~أن ما هو فيه نعمة من نعمه عليه ورضاه به وأوزعه شكره عليه ms156 فإذا حدثته نفسه ~~بالانتقال عنه استخار ربه استخارة جاهل بمصلحته عاجز عنها مفوض إلى الله ~~طالب منه حسن اختياره له وليس على العبد أضر من ملله لنعم الله فإنه لا ~~يراها نعمة ولا يشكره عليها ولا يفرح بها بل يسخطها ويشكوها ويعدها مصيبة ~~هذا وهي من أعظم نعم الله عليه فأكثر الناس أعداء نعم الله عليهم ولا ~~يشعرون بفتح الله عليهم نعمه وهم مجتهدون في دفعها وردها جهلا وظلما فكم من ~~سعت إلى أحدهم من نعمة وهو ساع في ردها بجهده وكم وصلت إليه وهو ساع في ~~دفعها وزوالها بظلمه وجهله قال تعالى ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها ~~على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وقال تعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم فليس للنعم أعدى من نفس العبد فهو مع عدوه ظهير على نفسه ~~فعدوه يطرح النار في نعمه وهو ينفخ فيها فهو الذي مكنه من طرح النار ثم ~~أعانه بالنفخ فإذا اشتد ضرامها استغاث من الحريق وكان غايته معاتبة الأقدار # وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا ### | فصل ومن أعز أنواع المعرفة معرفة الرب سبحانه بالجمال وهي معرفة خواص # الخلق وكلهم عرفه بصفة من صفاته وأتمهم معرفة من عرفه بكماله وجلاله ~~وجماله سبحانه ليس كمثله شيء في سائر صفاته ولو فرضت الخلق كلهم على أجملهم ~~صورة وكلهم على تلك الصورة ونسبت جمالهم الظاهر والباطن إلى جمال الرب ~~سبحانه لكان أقل من نسبة سراج ضعيف إلى قرص الشمس ويكفي في جماله أنه لو ~~كشف الحجاب # PageV01P181 # عن وجهه لأحرقت سبحانه ما انتهى إليه بصره من خلقه ويكفي في جماله أن كل ~~جمال ظاهر وباطن في الدنيا والآخرة فمن آثار صنعته فما الظن بمن صدر عنه ~~هذا الجمال ويكفي في جماله أنه له العزة جميعا والقوة جميعا والجود كله ~~والإحسان كله والعلم كله والفضل كله ولنور وجهه أشرقت الظلمات كما قال ~~النبي في دعاء الطائف أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ms157 وصلح عليه أمر ~~الدنيا والآخرة وقال عبد الله بن مسعود ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور ~~السموات والأرض من نور وجهه فهو سبحانه نور السموات والأرض ويوم القيامة ~~إذا جاء لفصل القضاء وتشرق الأرض بنوره ومن أسمائه الحسنى الجميل وفي ~~الصحيح عنه إن الله جميل يحب الجمال # وجماله سبحانه على أربع مراتب جمال الذات وجمال الصفات وجمال الأفعال ~~وجمال الأسماء فأسماؤه كلها حسنى وصفاته كلها صفات كمال وأفعاله كلها حكمة ~~ومصلحة وعدل ورحمة وأما جمال الذات وما هو عليه فأمر لا يدركه سواه ولا ~~يعلمه غيره وليس عند المخلوقين منه إلا تعريفات تعرف بها إلى من أكرمه من ~~عباده فإن ذلك الجمال مصون عن الأغيار محجوب بستر الرداء والإزار كما قال ~~رسوله فيما يحكى عنه الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ولما كانت الكبرياء أعظم ~~وأوسع كانت أحق باسم الرداء فإنه سبحانه الكبير المتعال فهو سبحانه العلي ~~العظيم قال ابن عباس حجب الذات بالصفات وحجب الصفات بالأفعال فما ظنك بجمال ~~حجب بأوصاف الكمال وستر بنعوت العظمة والجلال # ومن هذا المعنى يفهم بعض معاني جمال ذاته فإن العبد يترقى من معرفة ~~الأفعال إلى معرفة الصفات ومن معرفة الصفات إلى معرفة الذات فإذا شاهد شيئا ~~من جمال الأفعال استدل به على جمال الصفات ثم استبدل بجمال الصفات على جمال ~~الذات ومن ههنا يتبين أنه سبحانه له الحمد كله وأن أحدا من خلقه لا يحصي ~~ثناء # PageV01P182 # عليه بل هو كما أثنى على نفسه وأنه يستحق أن يعبد لذاته ويحب لذاته ويشكر ~~لذاته وأنه سبحانه يحب نفسه ويثني على نفسه ويحمد نفسه وأن محبته لنفسه ~~وحمده لنفسه وثناءه وعلى نفسه وتوحيده لنفسه هو في الحقيقة الحمد والثناء ~~والحب والتوحيد فهو سبحانه كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني به عليه خلقه ~~وهو سبحانه كما يحب كما يحب ذاته يحب صفاته وأفعاله فكل أفعاله حسن محبوب ~~وإن كان في مفعولاته ما يبغضه ويكرهه فليس في أفعاله ما هو مكروه مسخوط ~~وليس في الوجود ما يحب لذاته ms158 ويحمد لذاته إلا هو سبحانه وكل ما يحب سواه ~~فإن كانت محبته نابعة لمحبته سبحانه بحيث يحب لأجله فمحبته صحيحة وإلا فهي ~~محبة باطلة وهذا هو حقيقة الإلهية فإن الإله الحق هو الذي يحب لذاته ويحمد ~~لذاته فكيف إذا انضاف إلى ذلك إحسانه وإنعامه وحلمه وتجاوزه وعفوه وبره ~~ورحمته فعلى العبد أن يعلم أنه لا إله إلا الله فيحبه ويحمده لذاته وكماله ~~وأن يعلم أنه لا محسن على الحقيقة بأصناف النعم الظاهرة والباطنة إلا هو ~~فيحبه لإحسانه وإنعامه ويحمده على ذلك فيحبه من الوجهين جميعا وكما أنه ليس ~~كمثله شيء فليس كمحبته محبة والمحبة مع الخضوع هي العبودية التي خلق الخلق ~~لأجلها فإنها غاية الحب بغاية الذل ولا يصلح ذلك إلا له سبحانه والإشراك به ~~في هذا هو الشرك الذي لا يغفره الله ولا يقبل لصاحبه عملا # وحمده يتضمن أصلين الإخبار بمحامده وصفات كماله والمحبة له عليها فمن ~~أخبر بمحاسن غيره من غير محبة له لم يكن حامدا ومن أحبه من غير إخبار ~~بمحاسنه لم يكن حامدا حتى يجمع الأمرين وهو سبحانه يحمد نفسه بنفسه ويحمد ~~نفسه بما يجريه على ألسنة الحامدين له من ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده ~~المؤمنين فهو الحامد لنفسه بهذا وهذا فإن حمدهم له بمشيئته وإذنه وتكوينه ~~فإنه هو الذي جعل الحامد حامدا والمسلم مسلما والمصلي مصليا والتائب تائبا ~~فمنه ابتدأت النعم واليه انتهت فابتدأت بحمده وانتهت إلى حمده وهو الذي ~~ألهم عبده التوبة وفرح # PageV01P183 # بها أعظم فرح وهي من فضله وجوده وألهم عبده الطاعة وأعانه عليها ثم أثابه ~~عليها وهي من فضله وجوده وهو سبحانه غني عن كل ما سواه بكل وجه وما سواه ~~فقير إليه بكل وجه والعبد مفتقر إليه لذاته في الأسباب والغايات فإن مالا ~~يكون به لا يكون وما لا يكون له لا ينفع ### | فصل وقوله في الحديث إن الله جميل يحب الجمال يتناول جمال الثياب # المسؤول عنه في نفس الحديث ويدخل فيه بطريق العموم الجمال من كل شيء كما ~~في الحديث الآخر ms159 إن الله نظيف يحب النظافة وفي الصحيح إن الله طيب لا يقبل ~~إلا طيبا وفي السنن إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده وفيها عن أبي ~~الأحوص الجشمي قال رآني النبي وعلي أطمار فقال هل لك من مال قلت نعم قال من ~~أي المال قلت من كل ما أتى الله من الإبل والشاه قال فلتر نعمته وكرامته ~~عليك فهو سبحانه يحب ظهور أثر نعمته على عبده فإنه من الجمال الذي يحبه ~~وذلك من شكره على نعمه وهو جمال باطن فيحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر ~~بالنعمة والجمال الباطن بالشكر عليها ولمحبته سبحانه للجمال أنزل على عباده ~~لباسا وزينة تجمل ظواهرهم وتقوى تجمل بواطنهم فقال يا بني آدم قد أنزلنا ~~عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خيرا وقال في أهل الجنة ~~ولقاهم نظرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا فجمل وجوههم بالنظرة ~~وبواطنهم بالسرور وأبدانهم بالحرير وهو سبحانه كما يحب الجمال في الأقوال ~~والأفعال واللباس والهيأة يبغض القبيح من الأقوال والأفعال والثياب والهيأة ~~فيبغض القبيح وأهله ويحب الجمال وأهله ولكن ضل في هذا الموضوع فريقان فريق ~~قالوا كل ما خلقه جميل فهو يحب كل ما خلقه ونحن نحب جميع # PageV01P184 # ما خلقه فلا نبغض منه شيئا قالوا ومن رأى الكائنات منه رآها كلها جميلة ~~وأنشد منشدهم # وإذا رأيت الكائنات بعينهم ... فجميع ما يحوي الوجود مليح # واحتجوا بقوله تعالى الذي أحسن كل شيء خلقه وقوله صنع الله الذي أتقن كل ~~شيء وقوله ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت والعارف عندهم هو الذي يصرح ~~بإطلاق الجمال ولا يرى في الوجود قبيحا وهؤلاء قد عدمت الغيرة لله من ~~قلوبهم والبغض في الله والمعاداة فيه وإنكار المنكر والجهاد في سبيله ~~وإقامة حدوده ويرى جمال الصور من الذكور والإناث من الجمال الذي يحبه الله ~~فيتعبدون بفسقهم وربما غلا بعضهم حتى يزعم أن معبوده يظهر في تلك الصورة ~~ويحل فيها وإن كان اتحاديا قال هي مظهر من مظاهر الحق ويسميها المظاهر ~~الجمالية ms160 ### | فصل وقابلهم في الفريق الثاني فقالوا قد ذم الله سبحانه جمال الصور # وتمام القامة والخلقة فقال عن النافقين وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم {وقال} ~~وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا أي أموالا ومناظر قال الحسن ~~هو الصور وفي صحيح مسلم عنه إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر ~~إلى قلوبكم وأعمالكم قالوا ومعلوم أنه لم ينف نظر الإدراك وإنما نفى نظر ~~المحبة قالوا وقد حرم علينا لباس الحرير والذهب وآنية والذهب الفضة وذلك من ~~أعظم جمال الدنيا وقال ولا تمدن عينك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة ~~الحياة الدنيا لنفتنهم فيه وفي الحديث البذاذة من الإيمان وقد ذم الله ~~المسرفين والسرف كما يكون في الطعام والشراب يكون في اللباس # وفصل النزاع أن يقال الجمال في الصورة واللباس والهيأة ثلاثة أنواع منه ~~ما يحمد ومنه ما يذم ومنه مالا يتعلق به مدح ولا ذم فالمحمود منه ما كان # PageV01P185 # لله وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة له كما كان النبي ~~يتجمل للوفود وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال ولباس الحرير في الحرب ~~والخيلاء فيه فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه ~~والمذموم منه ما كان للدنيا والرياسة والفخر والخيلاء والتوسل إلى الشهوات ~~وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه فإن كثيرا من النفوس ليس لها همة في ~~سوى ذلك وأما مالا يحمد ولا يذم هو ما خلا عن هذين القصدين وتجرد عن ~~الوصفين # والمقصود أن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين فأوله معرفة وآخره ~~سلوك فيعرف الله سبحانه بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء ويعبد بالجمال الذي ~~يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق فيحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق ~~وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل وجوارحه بالطاعة وبدنه بإظهار ~~نعمه عليه في لباسه وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور ~~والمكروهة والختان وتقليم الأظفار فيعرفه بصفات بالجمال ويتعرف إليه ~~بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه ويعبده ~~بالجمال الذي ms161 هو شرعه ودينه فجمع الحديث قاعدتين المعرفة والسلوك ### | فصل ليس للعبد شيء أنفع من صدقه ربه في جميع أموره مع صدق # العزيمة فيصدقه في عزمه وفي فعله قال تعالى فإذا عزم الأمر فلو صدقوا ~~الله لكان خيرا لهم فسعادته في صدق العزيمة وصدق الفعل فصدق العزيمة جمعها ~~وجزمها وعدم التردد فيها بل تكون عزيمة لا يشوبها تردد ولا تلوم فإذا صدقت ~~عزيمته بقي عليه صدق الفعل وهو استفراغ الوسع وبذل الجهد فيه وأن لا يتخلف ~~عنه بشيء من ظاهره وباطنه فعزيمة القصد تمنعه من ضعف الإرادة والهمة وصدق ~~الفعل يمنعه من الكسل والفتور ومن صدق الله في جميع أموره صنع الله له فوق ~~ما يصنع لغيره # PageV01P186 # وهذا الصدق معنى يلتئم من صحة الإخلاص وصدق التوكل فأصدق الناس من صح ~~إخلاصه وتوكله ### | فائدة جليلة في القدر # رب ذو إرادة أمر عبدا ذا إرادة فان وفقه وأراد من نفسه أن يعينه ويلهمه ~~فعل ما أمر به وإن خذله وخلاه وإرادته ونفسه وهو من هذه الحثيثة لا يختار ~~إلا ما تهواه نفسه وطبعه فهو من حيث هو إنسان لا يريد إلا ذلك ولذلك ذمه ~~الله في كتابه من هذه الحثيثة ولم يمدحه إلا بأمر زائد على تلك الحثيثة وهو ~~كونه مسلما ومؤمنا وصابرا ومحسنا وشكورا وتقيا وبرا ونحو ذلك وهذا أمر زائد ~~على مجرد كونه إنسانا وإرادته صالحة ولكن لا يكفي مجرد صلاحيتها إن لم تؤيد ~~بقدر زائد على ذلك وهو التوفيق كما أنه لا يكفي في الرؤية مجرد صلاحية ~~العين للإدراك إن لم يحصل سبب آخر من النور المنفصل عنها ### | فصل من أعظم الظلم والجهل أن تطلب التعظيم والتوقير من الناس وقلبك # خال من تعظيم الله وتوقيره فانك توقر المخلوق وتجله أن يراك في حال لا ~~توقر الله أن يراك عليها قال تعالى ما لكم لا ترجون لله وقارا أي لا ~~تعاملونه معاملة من توقرونه والتوقير والعظمة ومنه قوله تعالى وتوقروه قال ~~الحسن ما لكم لا تعرفون لله حقا ولا تشكرونه وقال ms162 مجاهد لا تبالون عظمة ~~ربكم وقال ابن زيد لا ترون لله طاعة وقال ابن عباس لا تعرفون حق عظمته وهذه ~~الأقوال ترجع إلى معنى واحد وهو أنهم لو عظموا الله وعرفوا حق عظمته وحدوه ~~وأطاعوه وشكروه فطاعته سبحانه اجتناب معاصيه والحياء منه بحسب وقاره # PageV01P187 # في القلب ولهذا قال بعض السلف ليعظم وقار الله في قلب أحدكم أن يذكره عند ~~ما يستحي من ذكره فيقرن اسمه به كما تقول قبح الله الكلب والخنزير والنتن ~~ونحو ذلك فهذا من وقار الله ومن وقاره أن لا تعدل به شيئا من خلقه لا في ~~اللفظ بحيث تقول والله وحياتك مالي إلا الله وأنت وما شاء الله وشئت ولا في ~~الحب والتعظيم والإجلال ولا في الطاعة فتطيع المخلوق في أمره ونهيه كما ~~تطيع الله بل أعظم كما عليه أكثر الظلمة والفجرة ولا في الخوف والرجاء ~~ويجعله أهون الناظرين إليه ولا يستهين بحقه ويقول هو مبني على المسامحة ولا ~~يجعله على الفضلة ويقدم حق المخلوق عليه ولا يكون الله ورسوله في حد وناحية ~~والناس في ناحية وحد فيكون في الحد والشق الذي فيه الناس دون الحد والشق ~~الذي فيه الله ورسوله ولا يعطي الخلوق في مخاطبته قلبه ولبه ويعطي الله في ~~خدمته بدنه ولسانه دون قلبه وروحه ولا يجعل مراد نفسه مقدما على مراد ربه # فهذا كله من عدم وقار الله في القلب ومن كان كذلك فإن الله لا يلقي له في ~~قلوب الناس وقارا ولا هيبة بل يسقط وقاره وهيبته في قلوبهم وإن وقروه مخافة ~~شره فذاك وقار بغض لا وقار حب وتعظيم ومن وقار الله أن يستحي من اطلاعه على ~~سره وضميره فيرى فيه ما يكره ومن وقاره أن يستحي منه في الخلوة أعظم مما ~~يستحي من أكابر الناس # والمقصود أن من لا يوقر الله وكلامه وما آتاه من العلم والحكمة كيف يطلب ~~من الناس توقيره وتعظيمه القرآن والعلم وكلام الرسول صلات من الحق وتنبيهات ~~وروادع وزواجر واردة إليك والشيب زاجر ورادع وموقظ قائم ms163 بك فلا ما ورد إليك ~~وعظك ولا ما قام بك نصحك ومع هذا تطلب التوقير والتعظيم من غيرك فأنت كمصاب ~~لم تؤثر فيه مصيبة وعظا وانزجارا وهو يطلب من غيره أن يتعظ وينزجر بالنظر ~~إلى مصابه فالضرب لم يؤثر فيه زجرا وهو يريد الانزجار ممن نظر إلى ضربه من ~~سمع بالمثلات والعقوبات # PageV01P188 # والآيات في حق غيره وليس الله كمن رآها عيانا في غيره فكيف بمن وجدها في ~~نفسه سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم فآياته في الآفاق مسموعة معلومة ~~وآياته في النفس مشهودة مرئية فعياذا بالله من الخذلان قال تعالى إن الذين ~~حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ~~{وقال} ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء ~~قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله # والعاقل المؤيد بالتوفيق يعتبر بدون هذا ويتم نقائص خلقته بفضائل أخلاقه ~~وأعماله فكلما امتحى من جثمانه أثر زاد إيمانه وكلما نقص من قوى بدنه زاد ~~في قوة إيمانه ويقينه ورغبته في الله والدار الآخرة وإن لم يكن هكذا فالموت ~~خير له لأنه يقف به على حد معين من الألم والفساد بخلاف العيوب والنقائص مع ~~طول العمر فإنها زيادة في ألمه وهمه وغمه وحسرته وإنما حسن طول العمر ونفع ~~ليحصل التذكر والاستدراك واغتنام الغرض والتوبة النصوح كما قال تعالى أولم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر فمن لم يورثه التعمير وطول البقاء إصلاح ~~معائبه وتدارك فارطه واغتنام بقية أنفاسه فيعمل على حياة قلبه وحصول النعيم ~~المقيم وإلا فلا خير له في حياته فإن العبد على جناح سفر إما إلى الجنة ~~وإما إلى النار فإذا طال عمره وحسن عمله كان طول سفره زيادة له في حصول ~~النعيم واللذة فإنه كلما طال السفر أيها كانت الصبابة أجل وأفضل وإذا طال ~~عمره وساء عمله كان طول سفره زيادة في ألمه وعذابه ونزولا له إلى أسفل ~~فالمسافر إما صاعد وإما نازل وفي الحديث المرفوع خيركم من طال عمره وحسن ms164 ~~عمله وشركم من طال عمره وقبيح عمله # فالطالب الصادق في طلبه كما خرب شيء من ذاته جعله عمارة لقلبه وروحه ~~وكلما نقص شيء من دنياه جعله زيادة في آخرته وكلما منع شيئا من لذات دنياه ~~جعله زيادة في لذات آخرته وكلما ناله هم أو حزن أو غم جعله في أفراح آخرته # PageV01P189 # فنقصان بدنه ودنياه ولذته وجاهه ورئاسته إن زاد في حصول ذلك وتوفيره عليه ~~في معاده كان رحمة به وخيرا له وإلا كان حرمانا وعقوبة على ذنوب ظاهرة أو ~~باطنة أو ترك واجب ظاهر أو باطن فإن حرمان خير الدنيا والآخرة مرتب على هذه ~~الأربعة وبالله التوفيق فائدة # الناس منذ خلقوا لم يزالوا مسافرين وليس لهم حط عن رحالهم إلا في الجنة ~~أو النار والعاقل يعلم أن السفر مبني على المشقة وركوب الأخطار ومن المحال ~~عادة أن يطلب فيه نعيم ولذة وراحة إنما ذلك بعد انتهاء السفر ومن المعلوم ~~أن كل وطأة قدم أو كل آن من آنات السفر غير واقفة ولا المكلف واقف وقد ثبت ~~أنه مسافر على الحال التي يجب أن يكون المسافر عليها من تهيئة الزاد الموصل ~~وإذا نزل أو نام أو استراح فعلى قدم الاستعداد للسير ### | فائدة عند العارفين أن الاشتغال بالمشاهدة عن البر في السير في السر # وقوف لأنه في زمن المشاهدة لو كان صاحب عمل ظاهر أو باطن أو ازدياد من ~~معرفة وإيمان مفصل كان أولى به فإن اللطيفة الإنسانية تحشر على صورة عملها ~~ومعرفتها وهمتها وإرادتها والبدن يحشر على صورة عمله الحسن أو القبيح وإذا ~~انتقلت من هذه الدار شاهدت حقيقة ذلك وعلى قدر قرب قلبك من الله تبعد من ~~الأنس بالناس ومساكنتهم وعلى قدر صيانتك لسرك وإرادتك يكون حفظه وملاك ذلك ~~صحة التوحيد ثم صحة العلم بالطريق ثم صحة الإرادة ثم صحة العمل والحذر # PageV01P190 # كل الحذر من قصد الناس لك وإقبالهم عليك وأن يعثروا على موضع غرضك فإنها ~~الآفة العظمى ### | فائدة كل ذي لب يعلم أنه لا طريق للشيطان عليه إلا من ms165 ثلاث # جهات أحدها التزيد والإسراف فيزيد على قدر الحاجة فتصير فضلة وهي حظ ~~الشيطان ومدخله إلى القلب وطريق الاحتراز من إعطاء النفس تمام مطلوبها من ~~غذاء أو نوم أو لذة أو راحة فمتى أغلقت هذا الباب حصل الأمان من دخول العدو ~~منه الثانية الغفلة فإن الذاكر في حصن الذكر فمتى غفل فتح باب الحصن فولجه ~~العدو فيعسر عليه أو يصعب إخراجه الثالثة تكلف مالا يعنيه من جميع الأشياء ### | فائدة طالب النفوذ إلى الله والدار الآخرة بل وإلى كل علم وصناعة # ورئاسة بحيث يكون رأسا في ذلك مقتدى به فيه يحتاج أن يكون شجاعا مقداما ~~حاكما على وهمه غير مقهور تحت سلطان تخيله زاهدا في كل ما سوى مطلوبه عاشقا ~~لما توجه إليه عارفا بطريق الوصول إليه والطرق القواطع عنه مقدام الهمة ~~ثابت الجأش لا يثنيه عن مطلوبه لوم لأثم ولا عذل عاذل كثير السكون دائم ~~الفكر غير مائل مع لذة المدح ولا ألم الذم قائما بما يحتاج إليه من أسباب ~~معونته لا تستفزه المعارضات شعاره الصبر وراحته التعب محبا لمكارم الأخلاق ~~حافظا لوقته لا يخالط الناس إلا على حذر كالطائر الذي يلتقط الحب بينهم ~~قائما على نفسه بالرغبة والرهبة طامعا في نتائج الاختصاص على بني جنسه غير ~~مرسل شيئا من حواسه عبثا ولا مسرحا # PageV01P191 # خواطره في مراتب الكون وملاك ذلك هجر العوائد وقطع العلائق الحائلة بينك ~~وبين المطلوب وعند العوام أن لزوم الأدب مع الحجاب خير من إطراح الأدب مع ~~الكشف ### | فائدة من الذاكرين من يبتديء بذكر اللسان وإن كان على غفلة ثم لا # يزال فيه حتى يحضر قلبه فيتواطئا على الذكر ومنهم من لا يرى ذلك ولا ~~يبتدىء على غفلة بل يسكن حتى يحضر قلبه فيشرع في الذكر بقلبه فإذا قوي ~~استتبع لسانه فتواطئا جميعا فالأول ينتقل الذكر من لسانه إلى قلبه والثاني ~~ينتقل من قلبه إلى لسانه من غير أن يخلو قلبه منه بل يسكن أولا حتى يحس ~~بظهور الناطق فيه فإذا أحس بذلك نطق قلبه ثم انتقل ms166 النطق القلبي إلى الذكر ~~اللساني ثم يستغرق في ذلك حتى يجد كل شيء منه ذاكرا وأفضل الذكر وأنفعه ما ~~واطأ فيه القلب اللسان وكان من الأذكار النبوية وشهد الذاكر معانيه ومقاصده ### | فصل أنفع الناس لك رجل مكنك من نفسه حتى تزرع فيه خيرا أو # تصنع إليه معروفا فإنه نعم العون لك على منفعتك وكمالك فانتفاعك به في ~~الحقيقة مثل انتفاعه بك أو أكثر وأضر الناس عليك من مكن نفسه منك حتى تعصي ~~الله فيه فإنه عون لك على مضرتك ونقصك ### | فصل اللذة المحرمة ممزوجة بالقبح حال تناولها مثمرة للألم بعد # انقضائها فإذا اشتدت الداعية منك إليها ففكر في انقطاعها وبقاء قبحها ~~وألمها ثم وازن بين الأمرين # PageV01P192 # وانظر ما بينهما من التفاوت والتعب بالطاعة ممزوج بالحسن مثمر للذة ~~والراحة فإذا ثقلت على النفس ففكر في انقطاع تعبها وبقاء حسنها ولذتها ~~وسرورها ووازن بين الأمرين وآثر الراجح على المرجوح فإن تألمت بالسبب فانظر ~~إلى ما في المسبب من الفرحة والسرور واللذة يهن عليك مقاساته وإن تألمت ~~بترك اللذة المحرمة فانظر إلى الألم الذي يعقبه ووازن بين الألمين وخاصية ~~العقل تحصيل أعظم المنفعتين بتفويت أدناهما واحتمال أصغر الألمين لدفع ~~أعلاهما # وهذا يحتاج إلى علم بالأسباب ومقتضياتها وإلى عقل يختار به الأولى وإلا ~~نفع به له منها فمن وفر قسمه من العقل والعلم واختار الأفضل وآثره ومن نقص ~~حظه منهما أو من أحدهما اختار خلافه ومن فكر في الدنيا والآخرة علم أنه لا ~~ينال واحدا منهما إلا بمشقة فليتحمل المشقة لخيرهما وأبقاهما ### | فصل لله على العبد في كل عضو من أعضائه أمر وله عليه فيه # نهي وله فيه نعمة وله به منفعة ولذة فإن قام لله في ذلك العضو بأمره ~~واجتنب فيه نهيه فقد أدى شكر نعمته عليه فيه وسعى في تكميل انتفاعه ولذته ~~به وإن عطل أمر الله ونهيه فيه عطله الله من انتفاعه بذلك العضو وجعله من ~~أكبر أسباب ألمه ومضرته وله عليه في كل وقت من أوقاته عبودية تقدمه إليه ~~تقربه ms167 منه فإن شغل وقته بعبودية الوقت تقدم إلى ربه وإن شغله بهوى أرواحه ~~وبطالة تأخر فالعبد لا يزال في التقدم أو تأخر ولا وقوف في الطريق البتة ~~قال تعالى لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ### | فصل أقام الله سبحانه هذا الخلق بين الأمر والنهي والعطاء والمنع # فافترقوا فرقتين فرقة قابلت أمره بالترك ونهيه بالارتكاب وعطاءه بالغفلة ~~عن الشكر ومنعه # PageV01P193 # بالسخط وهؤلاء أعداؤه وفيهم من العداوة بحسب ما فيهم من ذلك وقسم قالوا ~~إنما نحن عبيدك فإن أمرتنا سارعنا إلى الإجابة وإن نهيتنا أمسكنا نفوسنا ~~وكففناها عما نهيتنا عنه وإن أعطيتنا حمدناك وشكرناك وان منعتنا تضر إليك ~~وذكرناك فليس بين هؤلاء وبين الجنة إلا ستر الحياة الدنيا فإذا مزقه عليهم ~~الموت صاروا إلى النعيم المقيم وقرة الأعين كما أن أولئك ليس بينهم وبين ~~النار إلا ستر الحياة فإذا مزقه الموت صاروا إلى الحسرة والألم # فإذا تصادمت جيوش الدنيا والآخرة في قلبك وأردت أن تعلم من أي الفريقين ~~أنت فانظر مع من تميل منهما ومع من تقاتل إذ لا يمكنك الوقوف بين الجيشين ~~فأنت مع أحدهما لا محالة فالفريق الأول استغشوا الهوى فخالفوه واستنصحوا ~~العقل فشاوروه وفرغوا قلوبهم للفكر فيما خلقوا له وجوارحهم للعمل بما أمروا ~~به وأوقاتهم لعمارتها بما يعمر منازلهم في الآخرة واستظهروا على سرعة الأجل ~~بالمبادرة إلى الأعمال وسكنوا الدنيا وقلوبهم مسافرة عنها واستوطنوا الآخرة ~~قبل انتقالهم إليها واهتموا بالله وطاعنه على قدر حاجتهم إليها وتزودوا ~~للآخرة على قدر مقامهم فيها فعجل لهم سبحانه من نعيم الجنة وروحها أن آنسهم ~~بنفسه وأقبل بقلوبهم إليه وجمعها على محبته وشوقهم إلى لقائه ونعمهم بقربه ~~وفرغ قلوبهم مما ملأ قلوب غيرهم من محبة الدنيا والهم والحزن على فوتها ~~والغم من خوف ذهابها فاستلانوا ما استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه ~~الجاهلون صحبوا الدنيا بأبدانهم والملأ الأعلى بأرواحهم ### | فصل التوحيد أصلف شيء وأنزهه وأنظفه وأصفاه فأدنى شيء يخدشه ويدنسه # ويؤثر فيه فهو كأبيض ثوب يكون يؤثر فيه أدنى أثر وكالمرآة الصافية جدا ms168 ~~أدنى شيء يؤثر فيها ولهذا تشوشه اللحظة واللفظة والشهوة الخفية فإن بادر ~~صاحبه # PageV01P194 # وقلع ذلك الأثر بضده وإلا استحكم وصار طبعا يتعسر عليه قلعه # وهذه الآثار والطبوع التي تحصل فيه منها ما يكون سريع الحصول سريع الزوال ~~ومنها ما يكون سريع الحصول بطيء الزوال ومنها ما يكون بطيء الحصول سريع ~~الزوال ومنها ما يكون بطيء الحصول بطيء الزوال ولكن من الناس من يكون ~~توحيده كبيرا عظيما ينغمر فيه كثير من تلك الآثار ويستحيل فيه بمنزلة الماء ~~الكثير الذي يخالطه أدنى نجاسة أو وسخ فيغتر به صاحب التوحيد الذي هو دونه ~~فيخلط توحيده الضعيف بما خلط به صاحب التوحيد العظيم الكثير توحيده فيظهر ~~تأثيره فيه ما لم يظهر في التوحيد الكثير وأيضا فان المحل الصافي جدا يظهر ~~لصاحبه مما يدنسه مالا يظهر في المحل الذي لم يبلغ في الصفاء مبلغه ~~فيتداركه بالإزالة دون هذا فإنه لا يشعر به وأيضا فإن قوة الإيمان والتوحيد ~~إذا كانت قوية جدا أحالت المواد الرديئة وقهرتها بخلاف القوة الضعيفة وأيضا ~~فإن صاحب المحاسن الكثيرة والغامرة للسيئات ليسامح بما لا يسامح به من أتى ~~مثل تلك السيئات وليست له مثل تلك المحاسن كما قيل # وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع # وأيضا فإن صدق الطلب وقوة الإرادة وكمال الانقياد يحيل تلك العوارض ~~والغواشي الغريبة إلى مقتضاه وموجبه كما أن الكذب وفساد القصد وضعف ~~الانقياد يحيل الأقوال والأفعال الممدوحة إلى مقتضاه وموجبه كما يشاهد ذلك ~~في الأخلاط الغالبة وإحالتها لصالح الأغذية إلى طبعها ### | فائدة ترك الشهوات لله وإن أنجى من عذاب الله وأوجب الفوز برحمته # فذخائر الله وكنوز البر ولذة الأنس والشوق إليه والفرح والابتهاج به لا ~~يحصل في قلب فيه غيره وإن كان من أهل العبادة والزهد والعلم فإن سبحانه أبى ~~أن يجعل # PageV01P195 # ذخائره في قلب فيه سواه وهمته ومتعلقة بغيره وإنما يودع ذخائره في قلب ~~يرى الفقر غنى مع الله والغنى فقرا دون الله والعز ذلا دونه والذل عزا ومعه ~~والنعيم عذابا دونه والعذاب ms169 نعيما معه وبالجملة فلا يرى الحياة إلا به ومع ~~الموت والألم والهم والغم والحزن إذا لم يكن معه فهذا له جنتان جنة في ~~الدنيا معجلة وجنة يوم القيامة ### | فائدة الإنابة هي عكوف القلب على الله عز وجل كاعتكاف البدن في المسجد # لا يفارقه وحقيقة ذلك عكوف القلب على محبته وذكره بالإجلال والتعظيم ~~وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له والمتابعة لرسوله ومن لم يعكف قلبه ~~على الله وحده عكف على التماثيل المتنوعة كما قال إمام الخنفاء لقومه ما ~~هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون فاقتسم هو وقومه حقيقة العكوف فكان حظ ~~قومه العكوف على التماثيل وكان حظه العكوف على الرب الجليل والتماثيل جمع ~~تمثال وهو الصور الممثلة فتعلق القلب بغير الله واشتغاله به والركون إليه ~~عكوف منه على التماثيل التي قامت بقلبه وهو نظير العكوف على تماثيل الأصنام ~~ولهذا كان شرك عباد الأصنام بالعكوف بقلوبهم وهممهم وإرادتهم على تماثيلهم ~~فإذا كان في القلب تماثيل قد ملكته واستعبدته بحيث يكون عاكفا عليها فهو ~~نظير عكوف الأصنام عليها ولهذا سماه النبي عبدا لها ودعا عليه بالتعس ~~والنكس فقال تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش # الناس في هذه الدار على جناح سفر كلهم وكل مسافر فهو ظاعن إلى مقصده ~~ونازل على من يسر بالنزول عليه وطالب الله والدار الآخرة إنما هو ظاعن إلى ~~الله في حال سفره ونازل عليه عند القدوم عليه فهذه همته في سفره وفي # PageV01P196 # انقضائه يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في ~~عبادي وادخلي جنتي {وقالت امرأة فرعون} رب ابن لي عندك بيتا في الجنة فطلبت ~~كون البيت عنده قبل طلبها أن يكون في الجنة فإن الجار قبل الدار من كلام ~~الشيخ على # قيل لي في نوم كاليقظة أو يقظة كالنوم لا تبد فاقة إلى غيري فأضاعفها ~~عليك مكافأة لخروجك عن حدك في عبوديتك ابتليتك بالفقر لتصير ذهبا خالصا فلا ~~تزيفن بعد السبك حكمت بالفقر ولنفسي بالغنى فإن وصلتها بي وصلتك ms170 بالغنى وإن ~~وصلتها بغيري حسمت عنك مواد معونتي طردا لك عن بابي لا تركن إلى شيء دوننا ~~فانه وبال عليك وقاتل لك إن ركنت إلى العمل رددناه عليك وإن ركنت إلى ~~المعرفة نكرناها عليك وإن ركنت إلى الوجد استدرجناك فيه وإن ركنت إلى العلم ~~أو قفناك معه وإن ركنت إلى المخلوقين وكلناك إليهم أرضنا لك ربا نرضاك لنا ~~عبدا ### | فائدة الشهقة التي تعرض عند سماع القرآن أو غيره لها أسباب أحدها يلوح # له عند سماع درجة ليست له فيرتاح إليها فتحدث له الشهقة فهذه شهقة شوق ~~وثانيها أن يلوح له ذنب ارتكبه فيشهق خوفا وحزنا على نفسه وهذه شهقة خشية ~~وثالثها أن يلوح له نقص فيه لا يقدر على دفعه فيحدث له ذلك حزنا فيشهق شهقة ~~حزن ورابعها أن يلوح له كمال محبوبه ويرى الطريق إليه مسدودة عنه فيحدث ذلك ~~شهقة أسف وحزن وخامسها أن يكون قد توارى عنه محبوبه واشتغل بغيره فذكره ~~السماع محبوبه فلاح له جماله ورأى الباب مفتوحا والطريق ظاهرة فشهق فرحا ~~وسرورا بما لاح وبكل حال فسبب الشهقة قوة الوارد وضعف # PageV01P197 # المحل عن الاحتمال والقوة أن يعمل ذلك الوارد عمله داخلا ولا يظهر عليه ~~وذلك أقوى له وأدوم فإنه إذا أظهره ضعف أثره وأوشك انقطاعه هذا حكم الشهقة ~~من الصادق فإن الشاهق إما صادق وإما سارق وإما منافق ### | قاعدة جليلة أصل الخير والشر من قبل التفكر فإن الفكر مبدأ الإرادة # والطلب في الزهد والترك والحب والبغض وأنفع الفكر الفكر في مصالح المعاد ~~وفي طرق اجتلابها وفي دفع مفاسد المعاد وفي طرق اجتنابها فهذه أربعة أفكار ~~هي أجل الأفكار ويليها أربعة فكر في مصالح الدنيا وطرق تحصيلها وفكر في ~~مفاسد الدنيا وطرق الاحتراز منها فعلى هذه الأقسام الثمانية دارت أفكار ~~العقلاء ورأس القسم الأول الفكر في آلاء الله ونعمه وأمره ونهيه وطرق العلم ~~به وبأسمائه وصفاته من كتابه وسنة نبيه وما ولاهما وهذا الفكر يثمر لصاحبه ~~المحبة والمعرفة فإذا فكر في الآخرة وشرفها ودوامها وفي الدنيا وخستها ms171 ~~وفنائها أثمر له ذلك الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا وكلما فكر في قصر ~~الأمل وضيق الوقت أورثه ذلك الجد والاجتهاد وبذل الوسع في اغتنام الوقت ~~وهذه الأفكار تعلي همته وتحييها بعد موتها وسفولها وتجعله في واد والناس في ~~واد وبإزاء هذه الأفكار الأفكار الرديئة التي تجول في قلوب أكثر هذا الخلق ~~كالفكر فيما لم يكلف الفكر فيه ولا أعطى الإحاطة به من فضول العلم الذي لا ~~ينفع كالفكر في كيفية ذات الرب وصفاته مما لا سبيل للعقول إلى إدراكه ومنها ~~الفكر في الصناعات الدقيقة التي لا تنفع بل تضر كالفكر في الشطرنج ~~والموسيقى وأنواع الأشكال والتصاوير ومنها الفكر في العلوم التي لو كانت ~~صحيحة لم يعط الفكر فيها النفس كمالا ولا شرفا كالفكر في دقائق المنطق ~~والعلم الرياضي والطبيعي وأكثر علوم الفلاسفة التي لو بلغ الإنسان غايتها ~~لم يكمل بذلك ولم يزك نفسه ومنها الفكر في الشهوات # PageV01P198 # واللذات وطرق تحصيلها وهذا وإن كان لنفس فيه لذة لكن لا عاقبة له ومضرته ~~في عاقبة الدنيا قبل الآخرة أضعاف مسرته ومنها الفكر فيما لم يكن لو كان ~~كيف كان يكون كالفكر فيما إذا صار ملكا أو وجد كنزا أو ملك ضيعة ماذا يصنع ~~وكيف يتصرف ويأخذ ويعطي وينتقم ونحو ذلك من أفكار السفل ومنها الفكر في ~~جزيئات أحوال الناس وما جراياتهم ومداخلهم ومخارجهم وتوابع ذلك من فكر ~~النفوس المبطلة الفارغة من الله ورسوله والدار الآخرة ومنها الفكر في دقائق ~~الحيل والمكر التي يتوصل بها إلى أغراضه وهواه مباحة كانت أو محرمة ومنها ~~الفكر في أنواع الشعر وصروفه وأفانينه في المدح والهجاء والغزل والمراثي ~~ونحوها فإنه يشغل الإنسان عن الفكر فيما فيه سعادته وحياته الدائمة ومنها ~~الفكر في المقدرات الذهنية التي لا وجود لها في الخارج ولا بالناس حاجة ~~إليها البتة وذلك موجود في كل علم حتى في علم الفقه والأصول والطب فكل هذه ~~الأفكار مضرتها أرجح من منفعتها ويكتفي في مضرتها شغلها عن الفكر فيما هو ~~أولى به وأعود عليه بالنفع ms172 عاجلا وآجلا ### | قاعدة الطلب لقاح الإيمان فإذا اجتمع الإيمان والطلب أثمر العمل # الصالح وحسن الظن بالله لقاح الافتقار والاضطرار إليه فإذا اجتمعا أثمر ~~إجابة الدعاء والخشية لقاح المحبة فإذا اجتمعا أثمر امتثال الأوامر واجتناب ~~والنواهي والصبر لقاح اليقين فإذا اجتمعا أورثا الإمامة في الدين قال تعالى ~~وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون وصحة ~~الاقتداء بالرسول لقاح الإخلاص فإذا اجتمعا أثمر قبول العمل والاعتداد به ~~والعمل لقاح العلم فإذا اجتمعا كان الفلاح والسعادة وإن انفرد أحدهما عن ~~الآخر لم يفد شيئا والحلم لقاح العلم فإذا اجتمعا حصلت سيادة الدنيا ~~والآخرة وحصل الانتفاع بعلم العالم وإن انفرد # PageV01P199 # أحدهما عن صاحبه فات النفع والانتفاع والعزيمة لقاح البصيرة فإذا اجتمعا ~~نال صاحبهما خير الدنيا والآخرة وبلغت به همته من العلياء كل مكان فتخلف ~~الكمالات إما من عدم البصيرة وإما من عدم العزيمة وحسن القصد لقاح لصحة ~~الذهن فإذا فقدا فقدا الخير كله وإذا اجتمعا أثمرا أنواع الخيرات وصحة ~~الرأي لقاح الشجاعة فإذا اجتمعا كان النصر والظفر وإن قعدا فالخذلان ~~والخيبة وإن وجد الرأي بلا شجاعة فالجبن والعجز وإن حصلت الشجاعة بلا رأي ~~فالتهور والعطب والصبر لقاح البصيرة فإذا اجتمعا فالخير في اجتماعهما قال ~~الحسن إذا شئت أن ترى بصير إلا صبر له رأيته وإذا شئت أن ترى صابرا إلا ~~بصيرة له رأيته فإذا رأيت صابرا بصيرا فذاك والنصيحة لقاح العقل فكلما قويت ~~النصيحة قوي العقل واستنار والتذكر والتفكر كل منهما لقاح الآخر إذا اجتمعا ~~أنتجا الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والتقوى لقاح التوكل فإذا اجتمعا ~~استقام القلب ولقاح أخذ أهبة الاستعداد للقاء قصر الأمل فإذا اجتمعا فالخير ~~كله في اجتماعهما والشر في فرقتهما ولقاح الهمة العالية النية الصحيحة فإذا ~~اجتمعا بلغ العبد غاية المراد ### | قاعدة للعبد بين يدي الله موقفان موقف بين يديه في الصلاة وموقف بين # يديه يوم لقائه فمن قام بحق الموقف الأول هون عليه الموقف الآخر ومن ~~استهان بهذا الموقف ولم يوفه حقه شدد عليه ذلك ms173 الموقف قال تعالى ومن الليل ~~فاسجد له وسبحه ليلا طويلا إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ~~ثقيلا ### | قاعدة اللذة من حيث هي مطلوبة للإنسان بل ولكل حي فلا تذم من # جهة كونها لذة وإنما تذم ويكون تركها خيرا من نيلها وأنفع إذا تضمنت فوات ~~لذة # PageV01P200 # أعظم منها وأكمل أو أعقبت ألما حصوله أعظم من ألم فواتها فههنا يظهر ~~الفرق بين العاقل الفطن والأحمق الجاهل ضمن عرف العقل بين فمتى علاف ~~التفاوت بين اللذتين والألمين وأنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر هان عليه ترك ~~أدنى اللذتين لتحصيل أعلاهما واحتمال أيسر الألمين لدفع أعلاهما وإذا تقررت ~~هذه القاعدة فلذة الآخرة أعظم وأدوم ولذة الدنيا أصغر واقصر وكذلك ألم ~~الآخرة وألم الدنيا والمعول في ذلك على الإيمان واليقين فإذا قوي اليقين ~~وباشر القلب آثر الأعلى على الأدنى في جانب اللذة واحتمل الألم الأسهل على ~~الأصعب والله المستعان ### | فائدة قوله تعالى وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين # جمع في هذا الدعاء بين حقيقة التوحيد وإظهار الفقر والفاقة إلى ربه ووجود ~~طعم المحبة في المتملق له والإقرار له بصفة الرحمة وأنه أرحم الراحمين ~~والتوسل إليه بصفاته سبحانه وشدة حاجته وهو فقره ومتى وجد المبتلى هذا كشف ~~عنه بلواه وقد جرب أنه من قالها سبع مرات ولا سيما مع هذه المعرفة كشف الله ~~ضره ### | فائدة قوله تعالى عن يوسف نبيه أنه قال # أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين جمعت هذه ~~الدعوة الإقرار بالتوحيد والاستلام للرب وإظهار الافتقار إليه والبراءة من ~~موالاة غيره سبحانه وكون الوفاة على الإسلام أجل غايات العبد وأن ذلك بيد ~~الله لا بيد العبد والاعتراف بالمعاد وطلب مرافقة السعداء # PageV01P201 ### | فائدة قول الله تعالى # وأن من شيء إلا عندنا خزائنه متضمن لكنز من الكنوز وهو أن يطلب كل شيء لا ~~يطلب إلا ممن عنده خزائنه ومفاتيح تلك الخزائن بيديه وأن طلبه من غيره طلب ~~ممن ليس عنده ولا يقدر عليه وقوله وأن إلى ربك المنتهى متضمن ms174 لكنز عظيم وهو ~~أن كل مراد إن لم يرد لأجله ويتصل به وإلا فهو مضمحل منقطع فإنه ليس إليه ~~المنتهى وليس المنتهى إلا إلى الذي انتهت إليه الأمور كلها فانتهت إلى خلقه ~~ومشيئته وحكمته وعلمه فهو غاية كل مطلوب وكل محبوب لا يحب لأجله فمحبته ~~عناء وعذاب وكل عمل لا يراد لأجله فهو ضائع وباطل وكل قلب لا يصل إليه فهو ~~شقي محجوب عن سعادته وفلاحه فاجتمع ما يراد منه كله في قوله وإن من شيء إلا ~~عندنا خزائنه واجتمع ما يراد له كله في قوله وأن إلى ربك المنتهى فليس ~~وراءه سبحانه غاية تطلب وليس دونه غاية إليها المنتهى # وتحت هذا سر عظيم من أسرار التوحيد وهو أن القلب لا يستقر ولا يطمئن ~~ويسكن إلا بالوصول إليه وكل ما سواه مما يحب ويراد فمراد لغيره وليس المراد ~~المحبوب لذاته إلا واحد إليه المنتهى ويستحيل أن يكون المنتهى إلى اثنين ~~كما يستحيل أن يكون ابتداء المخلوقات من اثنين فمن كان انتهاء محبته ورغبته ~~وإرادته وطاعته إلى غيره بطل عليه ذلك وزال عنه وفارقه أحوج ما كان إليه ~~ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفر بنعمه ولذته ~~وبهجته وسعادته أبد الآباد # العبد دائما متقلب بين أحكام الأوامر وأحكام النوازل فهو محتاج بل مضطر ~~إلى العون عند الأوامر وإلى اللطف عند النوازل وعلى قدر قيامه بالأوامر ~~يحصل له من اللطف عند النوازل فإن كمل القيام بالأوامر ظاهرا وباطنا ناله ~~اللطف # PageV01P202 # ظاهرا وباطنا وإن قام بصورها دون حقائقها وبواطنها ناله اللطف في الظاهر ~~وقل نصيبه من اللطف في الباطن فإن قلت وما اللطف الباطن فهو ما يحصل للقلب ~~عند النوازل من السكينة والطمأنينة وزوال القلق والاضطراب والجزع فيستخذى ~~بين يدي سيده ذليلا له مستكينا ناظرا إليه بقلبه ساكنا إليه بروحه وسره قد ~~شغله مشاهدة لطفه به عن شدة ما هو فيه من الألم وقد غيبه عن شهود ذلك ~~معرفته بحسن اختياره له وأنه عبد محض يجري عليه سيده أحكامه رضي ms175 أو سخط فإن ~~رضي نال الرضا وإن سخط فحظه السخط فهذا اللطف الباطن ثمرة تلك المعاملة ~~الباطنة يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها ### | فائدة جليلة لا يزال منقطعا عن الله حتى تتصل إرادته ومحبته بوجه # الأعلى والمراد بهذا الاتصال أن تفضي المحبة إليه وتتعلق به وحده فلا ~~يحجبها شيء دونه وأن تتصل المعرفة بأسمائه وصفاته وأفعاله فلا يطمس نورها ~~ظلمة التعطيل كما لا يطمس نور المحبة ظلمة الشرك وأن يتصل ذكره به سبحانه ~~فيزول بين الذاكر والمذكور حجاب الغفلة والتفاته في حال الذكر إلى غير ~~مذكوره فحينئذ يتصل الذكر به ويتصل العمل بأوامره ونواهيه فيفعل الطاعة لا ~~أنه أمر بها وأحبها ويترك المناهي لكونه نهى عنها وأبغضها فهذا معنى اتصال ~~العمل بأمره ونهيه وحقيقة زوال العلل الباعثة على الفعل والترك من الأغراض ~~والحظوظ العاجلة ويتصل التوكل والحب به بحيث يصير واثقا به سبحانه مطمئنا ~~إليه راضيا بحسن تدبيره له غير متهم له في حال من الأحوال ويتصل فقره ~~وفاقته به سبحانه دون سواه ويتصل خوفه ورجاؤه وفرحه وسروره وابتهاجه به ~~وحده فلا يخاف غيره ولا يرجوه ولا يفرح به كل الفرح ولا يسر به غاية السرور ~~وإن ناله بالمخلوق بعض الفرح والسرور فليس الفرح التام والسرور الكامل ~~والابتهاج والنعيم وقرة العين وسكون # PageV01P203 # القلب إلا به سبحانه وما سواه إن أعان على هذا المطلوب فرح به وسر به وإن ~~حجب عنه فهو بالحزن به والوحشة منه واضطراب القلب بحصوله أحق منه بأن يفرح ~~به فلا فرحة ولا سرور إلا به أو بما أوصل إليه وأعان على مرضاته وقد أخبر ~~سبحانه أنه لا يحب الفرحين بالدنيا وزينتها وأمر بالفرح بفضله ورحمته وهو ~~الإسلام والإيمان والقرآن كما فسره الصحابة والتابعون والمقصود أن من اتصلت ~~له هذه الأمور بالله سبحانه فقد وصل وإلا فهو مقطوع عن ربه متصل بحظه ونفسه ~~ملبس عليه في معرفته وإرادته وسلوكه ### | قاعدة جليلة قد فكرت في هذا الأمر فإذا أصله أن تعلم أن النعم # كلها من الله وحده نعم الطاعات ونعم ms176 اللذات فترغب إليه أن يلهمك ويوزعك ~~شكرها قال تعالى وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ~~{وقال} فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون {وقال} واشكروا نعمة الله إن كنتم ~~إياه تعبدون وكما أن تلك النعم منه ومن ومجرد فضله فذكرها وشكرها لا ينال ~~إلا بتوفيقه والذنوب من خذلانه وتخليه عن عبده وتخليته بينه وبين نفسه وإن ~~لم يكشف ذلك عن عبده فلا سبيل له إلى كشفه عن نفسه فإذا هو مضطر إلى التضرع ~~والابتهال إليه أن تدفع عنه أسبابها حتى لا تصدر منه وإذا وقعت بحكم ~~المقادير ومقتضى البشرية فهو مضطر إلى التضرع والدعاء أن يدفع عنه موجباتها ~~وعقوباتها فلا ينفك عن العبد عن ضرورته إلى هذه الأصول الثلاثة ولا فلاح له ~~إلا بها الشكر وطلب العافية والتوبة النصوح # ثم فكرت فإذا مدار ذلك على الرغبة والرهبة وليسا بيد العبد بل بيد مقلب ~~القلوب ومصرفها كيف يشاء فإن وفق عبده أقبل بقلبه إليه وملأه رغبة ورهبة ~~وإن خذله له تركه ونفسه ولم يأخذ بقلبه إليه ولم يسأله ذلك وما شاء الله ~~كان وما لم يشاء لم يكن # PageV01P204 # ثم فكرت هل للتوفيق والخذلان سبب أم هما بمجرد المشية لا سبب لهما فإذا ~~سببهما أهلية المحل وعدمها فهو سبحانه خالق المحال متفاوتة في الاستعداد ~~والقبول أعظم تفاوت فالجمادات لا تقبل ما يقبله الحيوان وكذلك النوعان كل ~~منهما متفاوت في القبول فالحيوان الناطق يقبل ما لا يقبله البهيم وهو ~~متفاوت في القبول أعظم تفاوت وكذلك الحيوان البهيم متفاوت في القبول لكن ~~ليس بين النوع الواحد م ن التفاوت كما بين النوع الإنساني فإذا كان المحل ~~قابلا للنعمة بحيث يعرفها ويعرف قدرها وخطرها ويشكر المنعم بها ويثني عليه ~~بها ويعظمه عليها ويعلم أنها من محض الجود وعين المنة من غير أن يكون هو ~~مستحقا لها ولا هي له ولا به وإنما هي لله وحده وبه وحده فوحده بنعمته ~~إخلاصا وصرفها في محبته شكرا وشهدها من محض جوده منة وعرف قصوره ms177 وتقصيره في ~~شكرها عجز أو ضعفا وتفريطا وعلم أنه إن أدامها عليه فذلك محض صدقته وفضله ~~وإحسانه وإن سلبه إياها فهو أهل لذلك مستحق له وكلما زاده من نعمه ازداد ~~زلالة وانكسارا وخضوعا بين يديه وقياما بشكره وخشيته له سبحانه أن يسلبه ~~إياها لعدم توفيته شكرها كما سلب نعمته عمن لم يعرفها ولم يرعها حق رعايتها ~~فإن لم يشكر نعمته وقابلها بضد ما يلق أن يقابل به سلبه إياها ولا بد قال ~~تعالى وكذلك فتنا بعضهم ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين وهم الذين عرفوا قدر النعمة وقبلوها وأحبوها وأثنوا على ~~المنعم بها وأحبوه وقاموا بشكره وقال تعالى وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن ~~حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالاته ### | فصل وسبب الخذلان عدم صلاحية المحل وأهليته وقبوله للنعمة بحيث لو # وافته النعم لقال هذا لي وإنما أوتيته لأني أهله ومستحقه كما قال تعالى ~~قال إنما أوتيته على علم عندي أي على علم علمه عندي أستحق به ذلك وأستوجبه ~~وأستأهله قال # PageV01P205 # الفراء أي على فضل عندي إني كنت أهله ومستحقا له إذ أعطيته وقال مقاتل ~~يقول على خير علمه الله عندي وذكر عبد الله بن الحارث بن نوفل سليمان بن ~~داود فيما أوتي من الملك ثم قرأ قوله تعالى هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر ~~أم أكفر ولم يقل هذا من كرامتي ثم ذكر قارون وقوله إنما أوتيته على علم ~~عندي يعني أن سليمان رأى ما أوتيته من فضل الله عليه ومنته وأنه ابتلى به ~~شكره وقارون رأى ذلك من نفسه واستحقاقه وكذلك قوله سبحانه ولئن أذقناه رحمة ~~منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي أي أنا أهله وحقيق به فاختصاصي به ~~كاختصاص المالك بملكه والمؤمن يري ذلك ملكا لربه وفضلا منه من به على عبده ~~من غير استحقاق منه بل صدقة تصدق بها على عبده وله أن لا يتصدق بها فلو ~~منعه إياها لم يكن قد منعه ms178 شيئا هو له يستحقه عليه فإذا لم يشهد ذلك رأي ~~فيه أهلا ومستحقا فأعجبه نفسه وطغت بالنعمة وعلت بها واستطالت على غيرها ~~فكان حظها منها الفرح والفخر كما قال تعالى ولئن أذقنا الأنسان منا رحمة ثم ~~نزعتاها منه إنه ليؤس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب ~~السيئات عني إنه لفرح فخور فذمه باليأس والكفر عند الامتحان بالبلاء ~~وبالفرح والفخر عند الابتلاء بالنعماء واستبدل بحمد الله وشكره والثناء ~~عليه إذ كشف عنه البلاء قوله ذهب السيئات عني لو أنه قال أذهب الله السيئات ~~عني برحمته ومنه لما ذم على ذلك بل كان محمودا عليه ولكنه غفل عن المنعم ~~بكشفها ونسب الذهاب إليها فرح وافتخر فإذا علم الله سبحانه هذا من قلب عبد ~~فذلك من أعظم أسباب خذلانه وتخليه عنه فإن محله لا تناسبه النعمة المطلقة ~~التامة كما قال تعالى إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ~~ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون فأخبر سبحانه ~~أن محلهم غير قابل لنعمته ومع عدم القبول ففيهم مانع آخر يمنع وصولها إليهم ~~وهو توليهم وإعراضهم إذا عرفوها وتحققوها # PageV01P206 # ومما ينبغي أن يعلم أن أسباب الخذلان من بقاء النفس على ما خلقت عليه في ~~الأصل وإهمالها وتخليتها فأسباب الخذلان منها وفيها وأسباب التوفيق من جعل ~~الله سبحانه لها قابلة للنعمة فأسباب التوفيق منه ومن فضله وهو الخالق لهذه ~~وهذه كما خلق أجزاء الأرض هذه قابلة للنبات وهذه غير قابلة له وخلق الشجر ~~هذه تقبل الثمرة وهذه لا تقبلها وخلق النحلة قابلة لأن يخرج من بطونها شراب ~~مختلف ألوانه والزنبور غير قابل لذلك وخلق الأرواح الطيبة قابلة لذكره ~~وشكره وحجته وإجلاله وتعظيمه وتوحيده ونصيحة عباده وخلق الأرواح الخبيثة ~~غير قابلة لذلك بل لضده وهو الحكيم العليم قال شيخ الإسلام بحر العلوم مفتي ~~الفرق أبو العباس احمد بن تيمية رحمه الله ### | فصل قال الله تعالى # الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد ms179 فتنا الذين ~~من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين أم حسب الذين يعملون ~~السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت ~~وهو السميع العليم ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي ~~كانوا يعملون ووصينا الأنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك ~~به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعلمون والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لندخلنهم في الصالحين ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في ~~الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم ~~أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن ~~المنافقين وقال الله تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل # PageV01P207 # الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول ~~والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب وقال الله تعالى لما ~~ذكر المرتد والمكره بقوله من كفر بالله من بعد إيمانه قال بعد ذلك ثم إن ~~ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم فالناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين إما أن يقول أحدهم آمنا وإما ~~أن لا يقول آمنا بل يستمر على عمل السيئات فمن قال آمنا امتحنه الرب عز وجل ~~وابتلاه وألبسه الابتلاء والاختبار ليبين الصادق من الكاذب ومن لم يقل آمنا ~~فلا يحسب أنه يسبق الرب لتجربته فإن أحدا لن يعجز الله تعالى هذه سنته ~~تعالى يرسل الرسل إلى الخلق فيكذبهم الناس ويؤذنهم قال تعالى وكذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن وقال تعالى كذلك ما أني الذين من قبلهم من ~~رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون وقال تعالى ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل ~~من قبلك ومن آمن بالرسل وأطاعهم عادوه وآذوه فابتلى بما يؤلمه وإن لم يؤمن ms180 ~~بهم عوقب فحصل ما يؤلمه أعظم وأدوم فلا بد من حصول الألم لكل نفس سواء آمنت ~~أم كفرت لكن المؤمن يحصل له الألم في بد من الدنيا ابتداء ثم تكون له ~~العاقبة والآخرة والكافر تحصل له النعمة ابتداء ثم يصير في الألم سأل رجل ~~الشافعي فقال يا أبا عبد الله أيما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلي فقال ~~الشافعي لا يمكن حتى يبتلى فإن الله ابتلي نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ~~ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فلما صبروا مكنهم فلا يظن أحد أنه ~~يخلص من الألم البتة وهذا أصل عظيم فينبغي للعاقل أن يعرفه وهذا يحصل لكل ~~أحد فإن الإنسان مدني بالطبع لا بد له من أن يعيش مع الناس والناس لهم ~~إرادات وتصورات يطلبون منه أن يوافقهم عليها وإن لم يوافقوهم آذوه وعذبوه ~~وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب تارة منهم وتارة من غيرهم ومن اختبر ~~أحواله وأحوال الناس وجد من هذا شيئا كثيرا كقوم يريدون الفواحش والظلم # PageV01P208 # ولهم أقوال باطلة في الدين أو شرك فهم مرتكبون بعض ما ذكره الله من ~~المحرمات في قوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والأثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون وهم في مكان مشترك كدار جامعة أو خان أو قيسرية أو ~~مدرسة أو رباط أو قرية أو درب أو مدينة فيها غيرهم وهم لا يتمكنون مما لا ~~يريدون إلا بموافقة ألئك أو بسكوتهم عن الإنكار عليهم فيطلبون من أولئك ~~الموافقة أو السكوت فإن وافقوهم أو سكتوا سلموا من شرهم في الابتلاء ثم قد ~~يتسلطون هم أنفسهم على أولئك يهينونهم ويعاقبونهم أضعاف ما كما أولئك ~~يخافونه ابتداء كمن يطلب منه شهادة الزور أو الكلام في الدين بالباطل إما ~~في الخبر وإما في الأمر أو المعاونة على الفاحشة والظلم فإن لم يجبهم آذوه ~~وعادوه وإن أجابهم فهم أنفسهم يتسلطون عليه فيهينونه ويؤذونه أضعاف ما كان ~~يخافه ms181 وإلا عذب بغيرهم فالواجب ما في حديث عائشة الذي بعثت به إلى معاوية ~~ويروى موقوفا ومرفوعا من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس وفي ~~لفظ رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه ~~من الله شيئا وفي لفظ عاد حامده من الناس ذاما # وهذا يجري فيمن يعين الملوك والرؤساء على أغراضهم الفاسدة وفيمن يعين أهل ~~البدع المنتسبين إلى العلم والدين على بدعهم فمن هداه الله وأرشده امتنع من ~~فعل المحرم وصبر على أذاهم وعداوتهم ثم تكون العاقبة في الدنيا والآخرة كما ~~جرى للرسل وأتباعهم مع من آذاهم وعاداهم مثل المهاجرين في هذه الأمة ومن ~~ابتلي من علمائها وعبادها وتجارها وولاتها وقد يجوز في بعض الأمور إظهار ~~الموافقة وإبطان المخالفة كالمكره على الكفر كما هو مبسوط في غير هذا ~~الموضع إذ المقصود هنا أنه لا بد من الابتلاء بما يؤذي الناس فلا خلاص لأحد ~~مما يؤذيه البتة ولهذا ذكر الله تعالى في غير موضع # PageV01P209 # أنه لا بد أن يبتلي الناس والابتلاء يكون بالسراء والضراء ولا بد أن ~~يبتلى الإنسان بما يسره وبما يسوؤه فهو محتاج إلى أن يكون صابرا شكورا قال ~~تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وقال تعالى ~~وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون وقال تعالى فإما يأتينكم مني هدى ~~فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره ~~يوم القيامة أعمى وقال تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين هذا في آل عمران وقد قال قبل ذلك في ~~البقرة نزل أكثرها قبل آل عمران أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ~~آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب وذلك أن النفس لا تزكو وتصلح ~~حتى تمحص بالبلاء كالذهب الذي لا يخلص جيده من رديئه حتى يفتن ms182 في كبر ~~الامتحان إذ كانت النفس جاهلة ظالمة وهي منشأ كل شر يحصل للعبد فلا يحصل له ~~شر إلا منها قال تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك وقال تعالى أو لما أصابتكم مصيبة من مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى ~~هذا قل هو من عند أنفسكم {وقال} وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيدكم ويعفو ~~عن كثير وقال تعالى ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ومالهم من دونه من ~~وال وقد ذكر عقوبات الأمم من آدم إلى آخر وقت وفي كل ذلك يقول إنهم ظلموا ~~أنفسهم فهم الظالمون لا المظلومون وأول من اعترف بذلك أبواهم قالا ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وقال لإبليس ~~لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين وإبليس إنما اتبعه الغواة منهم كما ~~قال فبما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين وقال تعالى إن عبادي # PageV01P210 # ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين والغي اتباع هوى النفس وما ~~زال السلف معترفون بذلك كقول أبي بكر وعمر وابن مسعود أقول فيها برأبي فإن ~~يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه ~~وفي الحديث الإلهي حديث أبي ذر الذي يرويه الرسول عن ربه عز وجل يا عبادي ~~إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن ~~وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه وفي الحديث الصحيح حديث سيد الاستغفار أن ~~يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ~~ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت وأبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي ~~فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من ~~يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى ms183 موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة وفي ~~حديث أبي بكر الصديق من طريق أبي هريرة وعبد الله بن عمرو أن رسول الله ~~علمه ما يقوله إذا أصبح وإذا أمسى وإذا أخذ مضجعه اللهم فاطر السماوات ~~والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا اله إلا أنت أعوذ ~~بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وان أقترف على نفسي سوأ أو أجرة إلى مسلم ~~قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك وكان النبي يقول في خطبته الحمد ~~لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا وقد ~~قال النبي إني آخذ بحجركم عن النار وأنتم تهافتون تهافت الفراش شبههم ~~بالفراش لجهله وخفة حركته وهي صغيرة النفس فإنها جاهلة سريعة الحركة وفي ~~الحديث مثل القلب مثل ريشة ملقاة بأرض فلاة وفي حديث آخر للقلب أشد تقلبا ~~من القدر إذا استجمعت غليانا ومعلوم سرعة حركة الريشة والقدر مع الجهل ~~ولهذا يقال لمن أطاع من يغويه أنه استخفه قال عن فرعون إنه استخف قومه ~~فأطاعوه وقال تعالى فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون # PageV01P211 # فإن الخفيف لا يثبت بل يطيش وصاحب اليقين ثابت يقال أيقن إذا كان مستقرا ~~واليقين واستقرار لإيمان في القلب علما وعملا فقد يكون علم العبد جيدا لكن ~~نفسه لا تصبر عند المصائب بل تطيش قال الحسن البصري إذا شئت أن ترى بصيرا ~~لا صبر له رأيته وإذا شئت أن ترى صابرا لا بصيرة له رأيته فإذا رأيت بصيرا ~~صابرا فذاك قال تعالى وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون ولهذا تشبه النفس بالنار في سرعة حركتها وإفسادها وغضبها ~~وشهوتها من النار والشيطان من النار وفي السنن عن النبي أنه قال الغضب من ~~الشيطان والشيطان من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوظأ ~~وفي الحديث الآخر الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم ألا ترى إلى حمرة عينيه ~~وانتفاخ أوداجه وهو غليان دم القلب لطلب الانتقام ms184 وفي الحديث المتفق على ~~صحته إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وفي الصحيحين أن رجلين استبا ~~عند النبي وقد اشتد غضب أحدهما فقال النبي إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ~~عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وقد قال تعالى ادفع بالتي ~~هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين ~~صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ~~إنه هو السميع العليم وقال تعالى خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ~~وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم وقال تعالى ادفع ~~بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ~~وأعوذ بك رب أن يحضرون # تم الكتاب والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على رسولنا محمد النبي الأمي ~~وعلى آله وصحبه وتابعيه والمقتدين بآثارهم إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن ~~الحمد لله رب العالمين PageV01P212 ms185