######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000087 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن القيم #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله #META# 011.AuthorBORN :: 691 #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأخلاق والسلوك :: مجموعة ابن القيم :: مجموعة ابن القيم في التزكية والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: إغاثة اللهفان #META# 030.LibURI :: JK_000087 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد حامد الفقي #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار المعرفة #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1395 - 1975 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي ظهر لأوليائه بنعوت جلاله وأنار ~~قلوبهم بمشاهدة صفات كماله وتعرف إليهم بما أسداه إليهم من إنعامه وإفضاله ~~فعلموا أنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ~~ولا في أفعاله بل هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به أحد من خلقه في ~~إكثاره وإقلاله لا يحصي أحد ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه على لسان من ~~أكرمهم بإرساله الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء والباطن ~~الذي ليس دونه شيء ولا يحجب المخلوق عنه تستره بسر باله الحي القيوم الواحد ~~الأحد الفرد الصمد المنفرد بالبقاء وكل مخلوق منتهى إلى زواله السميع الذي ~~يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات فلا يشغله سمع عن سمع ~~ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين في سؤاله البصير الذي يرى دبيب ~~النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء حيث كانت من سهله أو ~~جباله وألطف من ذلك رؤيته لتقلب قلب عبده ومشاهدته لاختلاف أحواله فإن أقبل ~~إليه تلقاه وإنما إقبال العبد عليه من إقباله وإن أعرض عنه لم يكله إلى ~~عدوه ولم يدعه في إهماله بل يكون أرحم به من الوالدة بولدها الرفيقة به في ~~حمله ورضاعه وفصاله فإن تاب فهو أفرح بتوبته من الفاقد لراحلته التي عليها ~~طعامه وشرابه في الأرض الدوية المهلكة إذا وجدها وقد تهيأ لموته وانقطاع ~~أوصاله وإن أصر على الإعراض ولم يتعرض لأسباب الرحمة بل أصر على العصيان في ~~إدباره وإقباله PageV01P003 وصالح عدو الله وقاطع سيده فقد استحق الهلاك ~~ولا يهلك على الله إلا الشقى الهالك لعظيم رحمته وسعة إفضاله وأشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا أحدا فردا صمدا جل عن الأشباه ~~والأمثال وتقدس عن الأضداد والأنداد والشركاء والأشكال لا مانع لما أعطى ~~ولا معطي لما منع ولا راد لحكمه ولا معقب لأمره : وإذا أراد الله بقوم سوءا ~~فلا مرد له ومالهم ms001 من دونه من وال [ الرعد : ] وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~القائم له بحقه وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه أرسله رحمة للعالمين إماما ~~للمتقين وحسرة على الكافرين وحجة على العباد أجمعين بعثه على حين فترة من ~~الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل وافترض على العباد طاعته ومحبته ~~وتعظيمه وتوقيره والقيام بحقوقه وسد إلى جنته جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا ~~من طريقه فشرح له صدره ووضع عنه وزره ورفع له ذكره وجعل الذل والصغار على ~~من خالف أمره وأقسم بحياته في كتابه المبين وقرن اسمه باسمه فلا يذكر إلا ~~ذكر معه كما في التشهد والخطب والتأذين فلم يزل صلى الله عليه وسلم قائما ~~بأمر الله لا يرده عنه راد مشمرا في مرضاة الله لا يصده عن ذلك صاد إلى أن ~~أشرقت الدنيا برسالته ضياء وابتهاجا ودخل الناس في دين الله أفواجا أفواجا ~~وسارت دعوته مسير الشمس في الأقطار وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار ~~ثم استأثر الله به لينجز له ما وعده به في كتابه المبين بعد أن بلغ الرسالة ~~وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق الجهاد وأقام الدين وترك أمته ~~على البيضاء الواضحة البينة للسالكين وقال : هذه سبيلي ادعوا إلى الله على ~~بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين [ يوسف : 108 ] ~~PageV01P004 # أما بعد : فإن الله سبحانه لم يخلق خلقه سدى هملا بل جعلهم موردا للتكليف ~~ومحلا للأمر والنهي وألزمهم فهم ما أرشدهم إليه مجملا ومفصلا وقسمهم إلى ~~شقي وسعيد وجعل لكل واحد من الفريقين منزلا وأعطاهم مواد العلم والعمل : من ~~القلب والسمع والبصر والجوارح نعمة منه وتفضيلا فمن استعمل ذلك في طاعته ~~وسلك به طريق معرفته على ما أرشد إليه ولم يبغ عنه عدولا فقد قام بشكر ما ~~أوتيه من ذلك وسلك به إلى مرضاة الله سبيلا ومن استعمله في إرادته وشهواته ~~ولم يرع حق خالقه فيه يخسر إذا سئل عن ذلك ويحزن حزنا طويلا فإنه لابد من ~~الحساب على حق ms002 هذه الأعضاء لقوله تعالى : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك ~~كان عنه مسئولا [ الاسراء : 36 ] # ولما كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرف في الجنود الذي تصدر كلها عن ~~أمره ويستعملها فيما شاء فكلها تحت عبوديته وقهره وتكتسب منه الاستقامة ~~والزيغ وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله قال النبي : ألا وإن في الجسد ~~مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله فهو ملكها وهي المنفذة لما يأمرها به القابلة ~~لما يأتيها من هديته ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته ~~وهو المسئول عنها كلها لأن كل راع مسئول عن رعيته : كان الاهتمام بتصحيحه ~~وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون والنظر في أمراضه وعلاجها أهم ما تنسك ~~به الناسكون ولما علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه ~~أجلب عليه بالوساوس وأقبل بوجوه الشهوات إليه وزين له من الأحوال والأعمال ~~ما يصده به عن الطريق وأمده من أسباب الغى بما يقطعه عن أسباب التوفيق ونصب ~~له من المصايد والحبائل ما إن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له ~~بها التعويق فلا نجاة من مصايده ومكايده إلا بدوام الاستعانة بالله تعالى ~~والتعرض لأسباب مرضاته والتجاء القلب إليه وإقباله عليه في حركاته وسكناته ~~والتحقق بذل العبودية الذي هو أولى ما تلبس به الإنسان ليحصل له الدخول ~~ضمان @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان @QE@ [ الحجر : 42 ] فهذه الإضافة ~~هي القاطعة بين العبد وبين الشياطين وحصولها سبب تحقيق مقام العبودية لرب ~~العالمين وإشعار القلب PageV01P005 إخلاص العمل ودوام اليقين فإذا أشرب ~~القلب العبودية والإخلاص صار عند الله من المقربين وشمله استثناء @QB@ إلا ~~عبادك منهم المخلصين @QE@ [ الحجر : 40 ] # ولما من الله الكريم بلطفه بالاطلاع على ما اطلع عليه من أمراض القلوب ~~وأدوائها وما يعرض لها من وساوس الشياطين أعدائها وما تثمر تلك الوساوس من ~~الأعمال وما يكتسب القلب بعدها من الأحوال فإن العمل السيىء مصدره عن فساد ~~قصد القلب ثم يعرض للقلب من فساد العمل قسوة فيزداد مرضا على مرضه ms003 حتى يموت ~~ويبقى لا حياة فيه ولا نور له وكل ذلك من انفعاله بوسوسة الشيطان وركونه ~~إلى عدوه الذي لا يفلح إلا من جاهره بالعصيان : أردت أن أقيد ذلك في هذا ~~الكتاب لأستذكره معترفا فيه لله بالفضل والإحسان ولينتفع به من نظر فيه ~~داعيا لمؤلفه بالمغفرة والرحمة والرضوان وسميته : إغاثة اللهفان من مصايد ~~الشيطان ورتبته على ثلاثة عشر بابا : الباب الأول : في انقسام القلوب إلى ~~صحيح وسقيم وميت الباب الثاني : في ذكر حقيقة مرض القلب الباب الثالث : في ~~انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبيعية وشرعية الباب الرابع : في أن حياة ~~القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته كل شر وفتنة فيه الباب الخامس ~~: في أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا للحق مريدا له مؤثرا ~~له على غيره الباب السادس : في أنه لا سعادة للقلب ولا نعيم ولا صلاح إلا ~~بأن يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه وأحب إليه من كل ما سواه ~~الباب السابع : في أن القرا ن الكريم متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع ~~أمراضه الباب الثامن : في زكاة القلب الباب التاسع : في طهارة القلب من ~~أدرانه وأنجاسه الباب العاشر : في علامات مرض القلب وصحته PageV01P006 ~~الباب الحادي عشر : في علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه الباب الثاني ~~عشر : في علاج مرض القلب بالشيطان الباب الثالث عشر : في مكايد الشيطان ~~التي يكيد بها ابن ا دم وهو الباب الذي لأجله وضع الكتاب وفيه فصول جمة ~~الفوائد حسنة المقاصد والله تعالى يجعله خالصا لوجهه مؤمنا من الكرة ~~الخاسرة وينفع به مصنفه وكاتبه والناظر فيه في الدنيا والا خرة إنه سميع ~~عليم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم # | الباب الأول في انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت لما كان # القلب يوصف بالحياة وضدها انقسم بحسب ذلك إلى هذه الأحوال الثلاثة فالقلب ~~الصحيح : هو القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به كما ~~قال تعالى : يوم لا ينفع مال ms004 ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم [ الشعراء ~~: 88 ] والسليم هو السالم وجاء على هذا المثال لأنه للصفات كالطويل والقصير ~~والظريف فالسليم القلب الذي قد صارت السلامة صفة ثابتة له كالعليم والقدير ~~وأيضا فإنه ضد المريض والسقيم والعليل # وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم والأمر الجامع لذلك : أنه ~~الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه ومن كل شبهة تعارض خبره فسلم ~~من عبودية ما سواه وسلم من تحكيم غير رسوله فسلم في محبة الله مع تحكيمه ~~لرسوله في خوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والذل له وإيثار مرضاته ~~في كل حال والتباعد من سخطه بكل طريق وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلح ~~إلا لله وحده قالقلب السليم : هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك ~~بوجه ما بل قد خلصت عبوديته لله تعالى : إرادة ومحبة وتوكلا وإنابة وإخباتا ~~وخشية ورجاء وخلص عمله لله PageV01P007 فإن أحب أحب في الله وإن أبغض أبغض ~~في الله وإن أعطى أعطى لله وإن منع منع لله ولا يكفيه هذا حتى يسلم من ~~الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسوله فيعقد قلبه معه عقدا محكما على ~~الائتمام والاقتداء به وحده دون كل أحد في الأقوال والأعمال من أقوال القلب ~~وهي العقائد وأقوال اللسان وهي الخبر عما في القلب وأعمال القلب وهي ~~الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها وأعمال الجوارح فيكون الحاكم عليه في ~~ذلك كله دقعه وجله هو ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فلا ~~يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل كما قال تعالى : يأيها الذين آمنوا ~~لا تقدموا بين يدى الله ورسوله [ الحجرات : 1 ] أي لا تقولوا حتى يقول ولا ~~تفعلوا حتى يأمر قال بعض السلف : ما من فعلة وإن صغرت إلا ينشر لها ديوانان ~~: لم وكيف أى لم فعلت وكيف فعلت فالأول سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه : ~~هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل وغرض من أغراض الدنيا في محبة المدح ms005 من الناس ~~أو خوف ذمهم أو استجلاب محبوب عاجل أو دفع مكروه عاجل أم الباعث على الفعل ~~القيام بحق العبودية وطلب التودد والتقرب إلى الرب سبحانه وتعالى وابتغاء ~~الوسيلة إليه # ومحل هذا السؤال : أنه هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك أم فعلته ~~لحظك وهواك # والثاني : سؤال عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك التعبد أي ~~هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولي أم كان عملا لم أشرعه ولم ~~أرضه # فالأول سؤال عن الإخلاص والثاني عن المتابعة فإن الله سبحانه لا يقبل ~~عملا إلا بهما # فطريق التخلص من السؤال الأول : بتجريد الإخلاص وطريق التخلص من السؤال ~~الثاني : بتحقيق المتابعة وسلامة القلب من إرادة تعارض الإخلاص وهوى يعارض ~~الاتباع فهذا حقيقة سلامة القلب الذي ضمنت له النجاة والسعادة PageV01P008 # | فصل في القلب الميت # والقلب الثاني : ضد هذا وهو القلب الميت الذي لا حياة به فهو لا يعرف ربه ~~ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه بل هو واقف مع شهواته ولذاته ولو كان فيها ~~سخط ربه وغضبه فهو لا يبالي إذا فاز بشهوته وحظه رضى ربه أم سخط فهو متعبد ~~لغير الله : حبا وخوفا ورجاء ورضا وسخطا وتعظيما وذلا إن أحب أحب لهواه وإن ~~أبغض أبغض لهواه وإن أعطى أعطى لهواه وإن منع منع لهواه فهواه ا ثر عنده ~~وأحب إليه من رضا مولاه فالهوى إمامه والشهوة قائده والجهل سائقه والغفلة ~~مركبه فهو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور وبسكرة الهوى وحب العاجلة ~~مخمور ينادى إلى الله وإلى الدار الا خرة من مكان بعيد ولا يستجيب للناصح ~~ويتبع كل شيطان مريد الدنيا تسخطه وترضيه والهوى يصمه عما سوى الباطل ~~ويعميه فهو في الدنيا كما قيل في ليلى : # عدو لمن عادت وسلم لأهلها % ومن قربت ليلى أحب وأقربا فمخالطة صاحب هذا ~~القلب سقم ومعاشرته سم ومجالسته هلاك # | فصل في القلب المريض # والقلب الثالث : قلب له حياة وبه علة فله مادتان تمده هذه مرة وهذه أخرى ~~وهو لما غلب عليه ms006 منهما ففيه من محبة الله تعالى والإيمان به والإخلاص له ~~والتوكل عليه : ما هو مادة حياته وفيه من محبة الشهوات وإيثارها والحرص على ~~تحصيلها والحسد والكبر والعجب وحب العلو والفساد في الأرض بالرياسة : ما هو ~~مادة هلاكه وعطبه وهو ممتحن بين داعبيين : داع يدعوه إلى الله ورسوله ~~والدار الآخرة وداع يدعوه إلى العاجلة وهو إنما يجيب أقربهما منه بابا ~~وأدناهما إليه جوارا قالقلب الأول حى مخبت لين واع والثاني يابس ميت ~~والثالث مريض فإما إلى السلامة أدنى وإما إلى العطب أدنى # وقد جمع الله سبحانه بين هذه القلوب الثلاثة في قوله : وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما ~~يلقي الشيطان PageV01P009 @QB@ ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ~~ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين ~~لفي شقاق بعيد وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت ~~له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم @QE@ [ الحج : 52 54 ~~] # فجعل الله سبحانه وتعالى القلوب في هذه الا يات ثلاثة : قلبين مفتونين ~~وقلبا ناجيا فالمفتونان : القلب الذي فيه مرض والقلب القاسي والناجي : ~~القلب المؤمن المخبت إلى ربه وهو المطمئن إليه الخاضع له المستسلم المنقاد # وذلك : أن القلب وغيره من الأعضاء يراد منه أن يكون صحيحا سليما لا ا فة ~~به يتأتى منه ما هيىء له وخلق لأجله وخروجه عن الاستقامة إما ليبسه وقساوته ~~وعدم التأتي لما يراد منه كاليد الشلاء واللسان الأخرس والأنف الأخشم وذكر ~~العنين والعين التي لا تبصر شيئا وإما بمرض وآفة فيه تمنعه من كمال هذه ~~الأفعال ووقوعها على السداد فلذلك انقسمت القلوب إلى هذه الأقسام الثلاثة # فالقلب الصحيح السليم : ليس بينه وبين قبول الحق ومحبته وإيثاره سوى ~~إدراكه فهو صحيح الإدراك للحق تام الانقياد والقبول له # والقلب الميت القاسي : لا يقبله ولا ينقاد له # والقلب المريض : إن غلب عليه مرضه التحق بالميت القاسي وإن غلبت عليه ~~صحته التحق ms007 بالسليم # فما يلقيه الشيطان في الأسماع من الألفاظ وفي القلوب من الشبه والشكوك : ~~فتنة لهذين القلبين وقوة للقلب الحي السليم لأنه يرد ذلك ويكرهه ويبغضه ~~ويعلم أن الحق في خلافه فيخبت للحق ويطمئن وينقاد ويعلم بطلان ما ألقاه ~~الشيطان فيزداد إيمانا بالحق ومحبة له وكفرا بالباطل وكراهة له فلا يزال ~~القلب المفتون في مرية من إلقاء الشيطان وأما القلب الصحيح السليم فلا يضره ~~ما يلقيه الشيطان أبدا # قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وا له وسلم تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا فأي قلب أشربها ~~نكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تعود القلوب ~~على قلبين : قلب PageV01P010 أسود مربادزا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ~~ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه وقلب أبيض فلا تضره فتنة ما دامت السموات ~~والأرض فشبه عرض الفتن على PageV01P011 القلوب شيئا فشيئا كعرض عيدان ~~الحصير وهي طاقاتها شيئا فشيئا وقسم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين : ~~قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها كما يشرب السفنج الماء فتنكت فيه نكتة سوداء ~~فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه حتى يسود وينتكس وهو معنى قوله كالكوز ~~مجخيا أي مكبوبا منكوسا فإذا اسود وانتكس عرض له من هاتين الا فتين مرضان ~~خطران متراميان به إلى الهلاك : أحدهما : اشتباه المعروف عليه بالمنكر فلا ~~يعرف معروفا ولا ينكر منكرا وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف ~~منكرا والمنكر معروفا والسنة بدعة والبدعة سنة والحق باطلا والباطل حقا ~~الثاني : تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~وانقياده للهوى واتباعه له # وقلب أبيض قد أشرق فيه نور الإيمان وأزهر فيه مصباحه فإذا عرضت عليه ~~الفتنة أنكرها وردها فازداد نوره وإشراقه وقوته والفتن التي تعرض على ~~القلوب هي أسباب مرضها وهي فتن الشهوات وفتن الشبهات فتن الغي والضلال فتن ~~المعاصي والبدع فتن الظلم والجهل فالأولى توجب فساد القصد والإرادة ~~والثانية ms008 توجب فساد العلم والاعتقاد # وقد قسم الصحابة رضي الله تعالى عنهم القلوب إلى أربعة كما صح عن حذيفة ~~بن اليمان : القلوب أربعة : قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وقلب ~~أغلف فذلك قلب الكافر وقلب منكوس فذلك قلب المنافق عرف ثم أنكر وأبصر ثم ~~عمى وقلب تمده مادتان : مادة إيمان ومادة نفاق وهو لما غلب عليه منهما 1 # فقوله : قلب أجرد أي متجرد مما سوى الله ورسوله فقد تجرد وسلم مما سوى ~~الحق و فيه سراج يزهر وهو مصباح الإيمان : فأشار بتجرده إلى سلامته من ~~شبهات PageV01P012 الباطل وشهوات الغى وبحصول السراج فيه إلى إشراقه ~~واستنارته بنور العلم والإيمان وأشار بالقلب الأغلف إلى قلب الكافر لأنه ~~داخل في غلافه وغشائه فلا يصل إليه نور العلم والإيمان كما قال تعالى حاكيا ~~عن اليهود : @QB@ وقالوا قلوبنا غلف @QE@ [ البقره : 88 ] وهو جمع أغلف وهو ~~الداخل في غلافه كقلف وأقلف وهذه الغشاوة هي الأكنة التي ضربها الله على ~~قلوبهم عقوبة له على رد الحق والتكبر عن قبوله فهي أكنة على القلوب ووقر في ~~الأسماع وعمى في الأبصار وهي الحجاب المستور عن العيون في قوله تعالى : ~~@QB@ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا ~~مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا @QE@ [ الأنعام : ~~25 ] فإذا ذكر لهذه القلوب تجريد التوحيد وتجريد المتابعة ولى أصحابها على ~~أدبارهم نفورا # وأشار بالقلب المنكوس وهو المكبوب إلى قلب المنافق كما قال تعالى : @QB@ ~~فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا @QE@ [ النساء : 88 ] ~~أي نكسهم وردهم في الباطل الذي كانوا فيه بسبب كسبهم وأعمالهم الباطلة وهذا ~~شر القلوب وأخبثها فإنه يعتقد الباطل حقا ويوالي أصحابه والحق باطلا ويعادى ~~أهله فالله المستعان # وأشار بالقلب الذي له مادتان إلى القلب الذي لم يتمكن فيه الإيمان ولم ~~يزهر فيه سراجه حيث لم يتجرد للحق المحض الذي بعث الله به رسوله بل فيه ~~مادة منه ومادة من خلافه فتارة يكون للكفر أقرب منه للإيمان وتارة يكون ~~للإيمان أقرب ms009 منه للكفر والحكم للغالب وإليه يرجع PageV01P013 # | الباب الثاني في ذكر حقيقة مرض القلب قال الله تعالى عن المنافقين # : @QB@ في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا @QE@ [ البقره : 10 ] وقال تعالى ~~: @QB@ ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض @QE@ [ الحج : 53 ] ~~وقال تعالى : @QB@ يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن ~~بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض @QE@ [ الأحزاب : 32 ] أمرهن أن لا يلن في ~~كلامهن كما تلين المرأة المعطية الليان في منطقها فيطمع الذي في قلبه مرض ~~الشهوة ومع ذلك فلا يخشن في القول بحيث يلتحق بالفحش بل يقلن قولا معروفا ~~وقال تعالى : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغر ينك بهم [ الأحزاب : 60 ] وقال تعالى : @QB@ وما جعلنا أصحاب ~~النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين ~~أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب ~~والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا ~~@QE@ [ المدثر : 31 ] أخبر الله سبحانه عن الحكمة التي جعل لأجلها عدة ~~الملائكة الموكلين بالنار تسعة عشر فذكر سبحانه خمس حكم : فتنة الكافرين ~~فيكون ذلك زيادة في كفرهم وضلالهم وقوة يقين أهل الكتاب فيقوى يقينهم ~~بموافقة الخبر بذلك لما عندهم عن أنبيائهم من غير تلق من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عنهم فتقوم الحجة على معاندهم وينقاد للإيمان من يرد الله ~~أن يهديه وزيادة إيمان الذين آمنوا بكمال تصديقهم بذلك والإقرار به وانتفاء ~~الريب عن أهل الكتاب لجزمهم بذلك وعن المؤمنين لكمال تصديقهم به فهذه أربعة ~~حكم : فتنة الكفار ويقين أهل الكتاب وزيادة إيمان المؤمنين وانتفاء الريب ~~عن المؤمنين وأهل الكتاب PageV01P014 والخامسة : حيرة الكافر ومن في قلبه ~~مرض وعمى قلبه عن المراد بذلك فيقول : @QB@ ماذا أراد الله بهذا مثلا @QE@ ~~[ البقره : 26 ] وهذا حال القلوب عند ورود الحق المنزل عليها : قلب يفتتن ~~به كفرا وجحودا وقلب يزداد به إيمانا وتصديقا وقلب يتيقنه فتقوم عليه به ~~الحجة وقلب يوجب له حيرة وعمى ms010 فلا يدري ما يراد به واليقين وعدم الريب في ~~هذا الموضع إن رجعا إلى شيء واحد كان ذكر عدم الريب مقررا لليقين ومؤكدا له ~~ونافيا عنه ما يضاده بوجه من الوجوه وإن رجعا إلى شيئين بأن يكون اليقين ~~راجعا إلى الخبر المذكور عن عدة الملائكة وعدم الريب عائدا إلى عموم ما ~~أخبر الرسول به لدلالة هذا الخبر الذي لا يعلم إلا من جهة الرسل على صدقه ~~فلا يرتاب من قد عرف صحة هذا الخبر بعد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ظهرت ~~فائدة ذكره والمقصود : ذكر مرض القلب وحقيقته وقال تعالى : @QB@ يا أيها ~~الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ~~@QE@ [ يونس : 57 ] فهو شفاء لما في الصدور من مرض الجهل والغى فإ ن الجهل ~~مرض شفاؤه العلم والهدى والغي مرض شفاؤه الرشد وقد نزه الله سبحانه نبيه عن ~~هذين الداءين فقال : @QB@ والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى @QE@ [ ~~النجم : 1 ] ووصف رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم خلفاءه بضدهما فقال ~~: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي وجعل كلامه سبحانه ~~موعظة للناس عامة وهدى ورحمة لمن آمن به خاصة وشفاء تاما لما في الصدور فمن ~~استشفى به صح وبرىء من مرضه ومن لم يستشف به فهو كما قيل : PageV01P015 # إذا بل من داء به ظن أنه % نجا وبه الداء الذي هو قاتله # وقال تعالى : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنن ولا يزيد ~~الظالمين إلا خسارا [ الإسراء : 82 ] والأظهر أن من ههنا لبيان الجنس ~~فالقرآن جميعه شفاء ورحمة للمؤمنين # | فصل في أسباب ومشخصات مرض البدن والقلب # ولما كان مرض البدن خلاف صحته وصلاحه وهو خروجه عن اعتداله الطبيعي لفساد ~~يعرض له يفسد به إدراكه وحركته الطبيعية فإما أن يذهب إدراكه بالكلية ~~كالعمى والصمم والشلل وإما أن ينقص إداركه لضعف في آلات الإدراك مع استقامة ~~إدراكه وإما أن يدرك الأشياء على خلاف ما هي عليه كما يدرك الحلو مرا ~~والخبيث طيبا والطيب ms011 خبيثا # وأما فساد حركته الطبيعية فمثل أن تضعف قوته الهاضمة أو الماسكة أو ~~الدافعة أو الجاذبة فيحصل له من الألم بحسب خروجه عن الاعتدال ولكن مع ذلك ~~لم يصل إلى حد الموت والهلاك بل فيه نوع قوة على الإدراك والحركة # وسبب هذا الخروج عن الاعتدال : إما فساد في الكمية أو في الكيفية # فالأول : إما لنقص في المادة فيحتاج إلى زيادتها وإما لزيادة فيها فيحتاج ~~إلى نقصانها # والثاني : إما بزيادة الحرارة أو البرودة أو الرطوبة أو اليبوسة أو ~~نقصانها عن القدر الطبيعي فيداوي بمقتضى ذلك ومدار الصحة على حفظ القوة ~~والحمية عن المؤذى واستفراغ المواد الفاسدة ونظر الطبيب دائر على هذه ~~الأصول الثلاثة وقد تضمنها الكتاب العزيز وأرشد إليها من أنزله شفاء ورحمة ~~PageV01P016 فأما حفظ القوة : فإنه سبحانه أمر المسافر والمريض أن يفطرا في ~~رمضان ويقضي المسافر إذا قدم والمريض إذا برىء حفظا لقوتهما عليهما فإن ~~الصوم يزيد المريض ضعفا والمسافر يحتاج إلى توفير قوته عليه لمشقة السفر ~~والصوم يضعفها وأما الحمية عن المؤذي : فإنه سبحانه حمى المريض عن استعمال ~~الماء البارد في الوضوء والغسل إذا كان يضره وأمره بالعدول إلى التيمم حمية ~~له عن ورود المؤذي عليه من ظاهر بدنه فكيف بالمؤذي له في باطنه # وأما استفراغ المادة الفاسدة : فإنه سبحانه أباح للمحرم الذي به أذى من ~~رأسه أن يحلقه فيستفرغ بالحلق الأبخرة المؤذية له وهذا من أسهل أنواع ~~الاستفراغ وأخفها فنبه به على ما هو أحوج إليه منه # وذاكرت مرة بعض رؤساء الطب بمصر بهذا فقال : والله لو سافرت إلى الغرب في ~~معرفة هذه الفائدة لكان سفرا قليلا أو كما قال # وإذا عرف هذا فالقلب محتاج إلى ما يحفظ عليه قوته وهو الإيمان وأوراد ~~الطاعات وإلى حمية عن المؤذي الضار وذلك باجتناب الا ثام والمعاصي وأنواع ~~المخالفات وإلى استفراغه من كل مادة فاسدة تعرض له وذلك بالتوبة النصوح ~~واستغفار غافر الخطيئات ومرضه هو نوع فساد يحصل له يفسد به تصوره للحق ~~وإرادته له فلا يرى الحق حقا أو يراه ms012 على خلاف ما هو عليه أو ينقص إدراكه ~~له وتفسد به إرادته له فيبغض الحق النافع أو يحب الباطل الضار أو يجتمعان ~~له وهو الغالب ولهذا يفسر المرض الذي يعرض له تارة بالشك والريب كما قال ~~مجاهد وقتادة في قوله تعالى @QB@ في قلوبهم مرض @QE@ [ البقره : 10 ] أي شك ~~وتارة بشهوة الزنا كما فسر به قوله تعالى : فيطمع الذي في قلبه PageV01P017 ~~مرض [ ] فالأول مرض الشبهة والثاني مرض الشهوة # والصحة تحفظ بالمثل والشبه والمرض يدفع بالضد والخلاف وهو يقوى بمثل سببه ~~ويزول بضده والصحة تحفظ بمثل سببها وتضعف أو تزول بضده ولما كان البدن ~~المريض يؤذيه ما لا يؤذي الصحيح : من يسير الحر والبرد والحركة ونحو ذلك ~~فكذلك القلب إذا كان فيه مرض ا ذاه أدنى شيء : من الشبهة أو الشهوة حيث لا ~~يقوى على دفعهما إذا وردا عليه والقلب الصحيح القوي يطرقه أضعاف ذلك وهو ~~يدفعه بقوته وصحته # وبالجملة فإذا حصل للمريض مثل سبب مرضه زاد مرضه وضعفت قوته وترامى إلى ~~التلف ما لم يتدارك ذلك بأن يحصل له ما يقوى قوته ويزيل مرضه # | الباب الثالث في انقسام أدوية أمراض القلب إلى قسمين : طبيعية وشرعية # مرض القلب نوعان : نوع لا يتألم به صاحبه في الحال : وهو النوع المتقدم ~~كمرض الجهل ومرض الشبهات والشكوك ومرض الشهوات وهذا النوع هو أعظم النوعين ~~ألما ولكن لفساد القلب لا يحس بالألم ولأن سكرة الجهل والهوى تحول بينه ~~وبين إدراك الألم وإلا فألمه حاضر فيه حاصل له وهو متوار عنه باشتغاله بضده ~~وهذا أخطر المرضين وأصعبهما وعلاجه إلى الرسل وأتباعهم فهم أطباء هذا المرض # والنوع الثاني : مرض مؤلم له في الحال كالهم والغم والغيظ وهذا المرض قد ~~يزول بأدوية طبيعية كإزالة أسبابه أو بالمداواة بما يضاد تلك الأسباب وما ~~يدفع موجبها مع قيامها وهذا كما أن القلب قد يتألم بما يتألم به البدن ~~ويشقى بما يشقى به البدن فكذلك البدن يتألم كثيرا بما يتألم به القلب ~~ويشقيه ما يشقيه PageV01P018 # أمراض القلب التي تزول بالأدوية الطبيعية من ms013 جنس أمراض البدن وهذه قد لا ~~توجب وحدها شقاءه وعذابه بعد الموت وأما أمراضه التي لا تزول إلا بالأدوية ~~الايمانية النبوية فهي التي توجب له الشقاء والعذاب الدائم إن لم يتداركها ~~بأدويتها المضادة لها فإذا استعمل تلك الأدوية حصل له الشفاء ولهذا يقال ~~شفى غيظه فإذا استولى عليه عدوه آلمه ذلك فإذا انتصف منه اشتفى قلبه قال ~~تعالى : قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم ~~مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء [ التوبه : 14 ] فأمر ~~بقتال عدوهم وأعلمهم أن فيه ست فوائد # فالغيظ يؤلم القلب ودواؤه في شفاء غيظه فإن شفاه بحق اشتفى وإن شفاه بظلم ~~وباطل زاده مرضا من حيث ظن أنه يشفيه وهو كمن شفى مرض العشق بالفجور ~~بالمعشوق فإن ذلك يزيد مرضه ويوجب له أمراضا أخر أصعب من مرض العشق كما ~~سيأتى إن شاء الله تعالى وكذلك الغم والهم والحزن أمراض للقلب وشفاؤها ~~بأضدادها : من الفرح والسرور فإن كان ذلك بحق اشتفى القلب وصح وبرىء من ~~مرضه وإن كان بباطل توارى ذلك واستتر ولم يزل وأعقب أمراضا هي أصعب وأخطر # وكذلك الجهل مرض يؤلم القلب فمن الناس من يداويه بعلوم لا تنفع ويعتقد ~~أنه قد صح من مرضه بتلك العلوم وهي في الحقيقة إنما تزيده مرضا إلى مرضه ~~لكن اشتغل القلب بها عن إدراك الألم الكامن فيه بسبب جهله بالعلوم النافعة ~~التي هي شرط في صحته وبرئه قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في ~~الذين أفتوا بالجهل فهلك المستفتي بفتواهم : قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ ~~لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال فجعل الجهل مرضا وشفاءه سؤال أهل العلم # وكذلك الشاك في الشيء المرتاب فيه يتألم قلبه حتى يحصل له العلم واليقين ~~ولما كان PageV01P019 ذلك يوجب له حرارة قيل لمن حصل له اليقين : ثلج صدره ~~وحصل له برد اليقين وهو كذلك يضيق بالجهل والضلال عن طريق رشده وينشرح ~~بالهدى والعلم قال تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ms014 ومن ~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء [ الأنعام : 125 ] # وسيأتي ذكر مرض ضيق الصدر وسببه وعلاجه إن شاء الله تعالى والمقصود : أن ~~من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبيعية ومنها مالا يزول إلا بالأدوية ~~الشرعية الإيمانية والقلب له حياة وموت ومرض وشفاء وذلك أعظم مما للبدن # | الباب الرابع في أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته # مادة كل شر فيه # | أصل كل خير وسعادة للعبد بل لكل حي ناطق : كمال حياته ونوره فالحياة # والنور مادة الخير كله قال الله تعالى : أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا ~~له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها [ الأنعام : ~~122 ] فجمع بين الأصلين : الحياة والنور فبالحياة تكون قوته وسمعه وبصره ~~وحياؤه وعفته وشجاعته وصبره وسائر أخلاقه الفاضلة ومحبته للحسن وبغضه ~~للقبيح فكلما قويت حياته قويت فيه هذه الصفات وإذا ضعفت حياته ضعفت فيه هذه ~~الصفات وحياؤه من القبائح هو بحسب حياته في نفسه فالقلب الصحيح الحى إذا ~~عرضت عليه القبائح نفر منها بطبعه وأبغضها ولم يلتفت إليها بخلاف القلب ~~الميت فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح كما قال عبدالله بن مسعود رضي الله ~~تعالى عنه هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف وينكر به المنكر ~~PageV01P020 # وكذلك القلب المريض بالشهوة فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب ~~قوة المرض وضعفه # وكذلك إذا قوى نوره وإشراقه انكشفت له صور المعلومات وحقائقها على ما هي ~~عليه فاستبان حسن الحسن بنوره وآثره بحياته وكذلك قبح القبيح وقد ذكر ~~سبحانه وتعالى هذين الأصلين في مواضع من كتابه فقال تعالى : وكذلك أو حينا ~~إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [ الشورى : 52 ] ~~فجمع بين الروح الذي يحصل به الحياة والنور الذي يحصل به الإضاءة والإشراق ~~وأخبر أن كتابه الذي أنزله على رسوله صلى الله ms015 عليه وسلم متضمن للأمرين فهو ~~روح تحيا به القلوب ونور تستضىء وتشرق به كما قال تعالى : أومن كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج ~~منها [ الأنعام : 122 ] أي أومن كان كافرا ميت القلب مغمورا في ظلمة الجهل ~~: فهديناه لرشده ووفقناه للإيمان وجعلنا قلبه حيا بعد موته مشرقا مستنيرا ~~بعد ظلمته فجعل الكافر لانصرافه عن طاعته وجهله بمعرفته وتوحيده وشرائع ~~دينه وترك الأخذ بنصيبه من رضاه والعمل بما يؤديه إلى نجاته وسعادته : ~~بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافعة ولا يدفع عنها من مكروه فهديناه ~~للإسلام وأنعشناه به فصار يعرف مضار نفسه ومنافعها ويعمل في خلاصها من سخط ~~الله تعالى وعقابه فأبصر الحق بعد عماه عنه وعرفه بعد جهله به واتبعه بعد ~~إعراضه عنه وحصل له نور وضياء يستضىء به فيمشي بنوره بين الناس وهم في سدف ~~الظلام كما قيل : # ليلى بوجهك مشرق % وظلامه في الناس ساري # الناس في سدف الظلام % ونحن في ضوء النهار # ولهذا يضرب الله سبحانه وتعالى المثلين المائي والنارى لوحيه ولعباده أما ~~الأول فكما قال في سورة الرعد : أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حليه أو متاع ~~زبد مثله كذكلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع ~~الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال PageV01P021 # فضرب لوحيه المثل بالماء لما يحصل به من الحياة وبالنار لما يحصل بها من ~~الاضاءة والإشراق وأخبر سبحانه أن الأودية تسيل بقدرها فواد كبير يسع ماء ~~كثيرا وواد صغير يسع ماء قليلا كذلك القلوب مشبهة بالأودية فقلب كبير يسع ~~علما كثيرا وقلب صغير إنما يسع بقدره وشبه ما تحمله القلوب من الشبهات ~~والشهوات بسبب مخالطة الوحي لها وإمازته لما فيها من ذلك بما يحتمله السيل ~~من الزبد وشبه بطلان تلك الشبهات باستقرار العلم النافع فيها بذهاب ذلك ~~الزبد وإلقاء الوادى له وإنما يستقر فيه الماء الذي به النفع ms016 وكذلك في ~~المثل الذي بعده : يذهب الخبث الذي في ذلك الجوهر ويستقر صفوه وأما ضرب ~~هذين المثلين للعباد فكما قال في سورة البقرة : مثلهم كمثل الذي استوقد ~~نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم ~~عمى فهم لا يرجعون 2 فهذا المثل الناري ثم قال : أو كصيب من السماء فيه ~~ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت 1 فهذا ~~المثل المائي # وقد ذكرنا الكلام على أسرار هذين المثلين وبعض ما تضمناه من الحكم في ~~كتاب المعالم وغيره # والمقصود : أن صلاح القلب وسعادته وفلاحه موقوف على هذين الأصلين قال ~~تعالى إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيزا 2 فأخبر أن الانتفاع ~~بالقرآن والإنذار به إنما يحصل لمن هو حي القلب كما قال في موضع آخر @QB@ ~~إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب @QE@ 3 وقال تعالى يأيها الذين آمنوا ~~استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم 4 فأخبر سبحانه وتعالى أن ~~حياتنا إنما هي باستجابتنا لما يدعونا إليه الله والرسول من العلم والإيمان ~~فعلم أن موت القلب وهلاكه بفقد ذلك # وشبه سبحانه من لا يستجيب لرسوله بأصحاب القبور وهذا من أحسن التشبيه فإن ~~أبدانهم قبور لقلوبهم فقد ماتت قلوبهم وقبرت في أبدانهم فقال الله تعالى إن ~~الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور 5 ولقد أحسن القائل : ~~PageV01P022 # وفي الجهل قبل الموت موت لأهله % وأجسامهم قبل القبور قبور # وأرواحهم في وحشة من جسومهم % وليس لهم حتى النشور نشور ولهذا جعل سبحانه ~~وحيه الذي يلقيه إلى الأنبياء روحا كما قال تعالى : يلقي الروح من أمره على ~~من يشاء من عباده 1 في موضعين من كتابه وقال : وكذلك أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا 2 لأن حياة الأرواح والقلوب به وهذه الحياة الطيبة هي التي خص بها ~~سبحانه من قبل وحيه وعمل به فقال : من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم ms017 بأحسن ما كانوا يعملون 3 فخصهم سبحانه ~~وتعالى بالحياة الطيبة في الدارين ومثله قوله تعالى : وأن استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله 4 ومثله ~~قوله تعالى : للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير وزيادة ~~ولنعم دار المتقين 5 ومثله قوله تعالى @QB@ للذين أحسنوا في هذه الدنيا ~~حسنة وأرض الله واسعة @QE@ فبين سبحانه أنه يسعد المحسن بإحسانه في الدنيا ~~وفي الآخرة كما أخبر أنه يشقى المسيء بإساءته في الدنيا والآخرة قال تعالى ~~: @QB@ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى @QE@ 6 ~~وقال تعالى وقد جمع بين النوعين : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ~~ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأ نما يصعد في السماء كذلك يجعل الله ~~الرجس على الذين لا يؤمنون 7 # فأهل الهدى والإيمان لهم شرح الصدر واتساعه وانفساحه وأهل الضلال لهم ضيق ~~الصدر والحرج # وقال تعالى : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه 8 # فأهل الإيمان في النور وانشراح الصدر وأهل الضلال في الظلمة وضيق الصدر # وسيأتي في باب طهارة القلب مزيد تقرير لهذا إن شاء تعالى # والمقصود : أن حياة القلب وإضاءته مادة كل خير فيه وموته وظلمته مادة كل ~~شر فيه PageV01P023 # | الباب الخامس في أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا # للحق مريدا له مؤثرا له على غيره # لما كان في القلب قوتان : قوة العلم والتمييز وقوة الإرادة والحب كان ~~كماله وصلاحه باستعمال هاتين القوتين فيما ينفعه ويعود عليه بصلاحه وسعادته ~~فكماله باستعمال قوة العلم في إدراك الحق ومعرفته والتمييز بينه وبين ~~الباطل وباستعمال قوة الإرادة والمحبة في طلب الحق ومحبته وإيثاره على ~~الباطل فمن لم يعرف الحق فهو ضال ومن عرفه وآثر غيره عليه فهو مغضوب عليه ~~ومن عرفه واتبعه فهو منعم عليه # وقد أمرنا سبحانه وتعالى أن نسأله في صلاتنا أن يهدينا صراط الذين أنعم ~~الله عليهم غير المغضوب ms018 عليهم ولا الضالين ولهذا كان النصاري أخص بالضلال ~~لأنهم أمة جهل واليهود أخص بالغضب لأنهم أمة عناد وهذه الأمة هم المنعم ~~عليهم ولهذا قال سفيان ابن عيينة من فسد من عبادنا ففيه شبه من النصاري ومن ~~فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود لأن النصاري عبدوا بغير علم واليهود ~~عرفوا الحق وعدلوا عنه # وفي المسند والترمذي من حديث عدي بن حاتم عن النبيقال : اليهود مغضوب ~~عليهم والنصاري ضالون # وقد جمع الله سبحانه بين الأصلين في غير موضع من كتابه فمنها قوله تعالى ~~: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي ~~وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون 1 فجمع سبحانه بين الاستجابة له والإيمان به ~~ومنها قوله عن رسوله فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي ~~أنزل معه أولئك هم المفلحون 2 وقال تعالى : @QB@ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ~~هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ~~والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك ~~على @QE@ PageV01P024 @QB@ هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون @QE@ 3 وقال ~~الله تعالى في وسط السورة : ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة ~~والكتاب والنبيعين وآتي المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة إلى آخر الآية 4 ~~وقال تعالى : والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر 5 # فأقسم سبحانه وتعالى بالدهر الذي هو زمن الأعمال الرابحة والخاسرة على أن ~~كل واحد في خسر إلا من كمل قوته العلمية بالإيمان بالله وقوته العملية ~~بالعمل بطاعته فهذا كماله في نفسه ثم كمل غيره بوصيته له بذلك وأمره إياه ~~به وبملاك ذلك وهو الصبر فكمل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح وكمل غيره ~~بتعليمه إياه ذلك ووصيته له بالصبر عليه ولهذا قال الشافعي رحمه الله لو ~~فكر الناس في سورة : والعصر لكفتهم # وهذا المعنى في القرآن في مواضع كثيرة : يخبر سبحانه أن أهل ms019 السعادة هم ~~الذين عرفوا الحق واتبعوه وأن أهل الشقاوة هم الذين جهلوا الحق وضلوا عنه ~~أو علموه وخالفوه واتبعوا غيره # وينبغي أن تعرف أن هاتين القوتين لا تتعطلان في القلب بل إن استعمل قوته ~~العلمية في معرفة الحق وإدراكه وإلا استعملها في معرفة ما يليق به ويناسبه ~~من الباطل وإن استعمل قوته الإرادية العملية في العمل به وإلا استعملها في ~~ضده فالإنسان حارث همام بالطبع كما قال النبي أصدق الأسماء : حارث وهمام # فالحارث الكاسب العامل والهمام المريد فإن النفس متحركة بالإرادة وحركتها ~~الإرادية لها من لوازم ذاتها والإرادة تستلزم مرادا يكون متصورا لها متميزا ~~عندها فإن لم تتصور الحق وتطلبه وتريده تصورت الباطل وطلبته وأرادته ولابد ~~وهذا يتبين بالباب الذي بعده فنقول : PageV01P025 # | الباب السادس في أنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاح # إلا بأن يكون الله هو إلهه وفاطره وحده وهو معبوده وغاية مطلوبه وأحب ~~إليه من كل ما سواه # معلوم أن كل حي سوى الله سبحانه : من ملك أو إنس أو جن أو حيوان فهو فقير ~~إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره ولا يتم ذلك إلا بتصوره للنافع والضار ~~والمنفعة من جنس النعيم واللذة والمضرة من جنس الألم والعذاب # فلابد له من أمرين : أحدهما معرفة ما هو المحبوب المطلوب الذي ينتفع به ~~ويلتذ بإدراكه والثاني : معرفة المعين الموصل المحصعل لذلك المقصود وبإزاء ~~ذلك أمران آخران أحدهما : مكروه بغيض ضار والثاني : معين دافع له عنه فهذه ~~أربعة أشياء : # أحدهما : أمر هو محبوب مطلوب الوجود الثاني : أمر مكروه مطلوب العدم ~~الثالث : الوسيلة إلى حصول المطلوب المحبوب الرابع : الوسيلة إلى دفع ~~المكروه فهذه الأمور الأربعة ضرورية للعبد بل ولكل حيوان لا يقوم وجوده ~~وصلاحه إلا بها # فإذا تقرر ذلك فالله تعالى هو الذي يجب أن يكون هو المقصود المدعو ~~المطلوب الذي يراد وجهه ويبتغى قربه ويطلب رضاه وهو المعين على حصول ذلك ~~وعبودية ما سواه والالتفات إليه والتعلق به : هو المكروه الضار والله هو ~~المعين على دفعه فهو ms020 سبحانه الجامع لهذه الأمور الأربعة دون ما سواه فهو ~~المعبود المحبوب المراد وهو المعين لعبده على وصوله إليه وعبادته له ~~والمكروه البغيض إنما يكون بمشيئته وقدرته وهو المعين لعبده على دفعه عنه ~~كما قال أعرف الخلق به : أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من PageV01P026 ~~عقوبتك وأعوذ بك منك وقال : اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك ~~وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك ~~إلا إليك فمنه المنجي وإليه الملجأ وبه الاستعاذة من شر ما هو كائن بمشيئته ~~وقدرته فالإعاذة فعله والمستعاذ منه فعله أو مفعوله الذي خلقه بمشيئته # فالأمر كله له والحمد كله له والملك كله له والخير كله في يديه لا يحصي ~~أحد من خلقه ثناء عليه بل هو كما أثني على نفسه وفوق ما يثني عليه كل أحد ~~من خلقه ولهذا كان صلاح العبد وسعادته في تحقيق معنى قوله : إياك نعبد ~~وإياك نستعين [ الفاتحه : 4 ] فإن العبودية تتضمن المقصود المطلوب لكن على ~~أكمل الوجوه والمستعان هو الذي يستعان به على المطلوب فالأول : من معنى ~~ألوهيته والثاني : من معنى ربوبيته فإن الإله هو الذي تألهه القلوب : محبة ~~وإنابة وإجلالا وإكراما وتعظيما وذلا وخضوعا وخوفا ورجاء وتوكلا والرب هو ~~الذي يربى عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى مصالحه فلا إله إلا هو ولا رب إلا ~~هو فكما أن ربوبية ما سواه أبطل الباطل فكذلك إلهية ما سواه # وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه كقوله : فاعبده ~~وتوكل عليه [ هود : 123 ] وقوله عن نبيه شعيب : وما توفيقي إلا بالله عليه ~~توكلت وإليه أنيب [ هود : 88 ] وقوله : وتوكل على الحى الذي لا يموت وسبح ~~بحمده [ الفرقان : 58 ] وقوله : وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا ~~إله إلا هو فاتخذه وكيلا [ المزمل : 8 ] وقوله : قل هو ربي لا إله إلا هو ~~عليه توكلت وإليه متاب [ الرعد : 30 ] وقوله عن الحنفاء أتباع إبراهيم عليه ~~السلام : ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ms021 [ الممتحنة : 4 ] ~~PageV01P027 فهذه سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين الجامعين لمعنيى التوحيد ~~اللذين لا سعادة للعبد بدونهما ألبتة # الوجه الثاني : أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته ~~والانابة إليه ومحبته والاخلاص له فبذكره تطمئن قلوبهم وتسكن نفوسهم ~~وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم ويتم نعيمهم فلا يعطيهم في الآخرة شيئا هو ~~أحب إليهم ولا أقر لعيونهم ولا أنعم لقلوبهم : من النظر اليه وسماع كلامه ~~منه بلا واسطة ولم يعطهم في الدنيا شيئا خيرا لهم ولا أحب إليهم ولا أقر ~~لعيونهم من الإيمان به ومحبته والشوق إلى لقائه والأنس بقربه والتنعم بذكره ~~وقد جمع النبي بين هذين الأمرين في الدعاء الذي رواه النسائي والإمام أحمد ~~وابن حبان في صحيحه وغيرهم من حديث عمار بن ياسر : أن رسول الله كان يدعو ~~به : اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي ~~وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك ~~كلمة الحق في الغضب والرضى وأسلك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ~~ينفد وأسألك قرة عين لاتنقطع وأسألك الرضى بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد ~~الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ~~ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين # فجمع في هذا الدعاء العظيم القدر بين أطيب شىء في الدنيا وهو الشوق إلى ~~لقائه سبحانه وأطيب شىء في الآخرة وهو النظر إلى وجهه سبحانه ولما كان كمال ~~ذلك وتمامه موقوفا على عدم ما يضر في الدنيا ويفتن في الدين قال : في غير ~~ضراء مضرة ولا فتنة مضلة # ولما كان كمال العبد في أن يكون عالما بالحق متبعا له معلما لغيره مرشدا ~~له قال : واجعلنا هداة مهتدين # ولما كان الرضى النافع المحصل للمقصود هو الرضى بعد وقوع القضاء لاقبله ~~فإن ذلك عزم على الرضى فإذا وقع القضاء انفسخ ذلك العزم سأل الرضى بعده فإن ~~المقدور يكتنفه أمران : الاستخارة قبل وقوعه والرضى بعد وقوعه فمن سعادة ~~العبد ms022 أن يجمع بينهما كما في المسند وغيره عنهإن من سعادة ابن آدم استخارة ~~الله ورضاه PageV01P028 بما قضى الله وإن من شقاوة ابن آدم ترك استخارة ~~الله وسخطه بما قضى الله تعالى # ولما كانت خشية الله عز وجل رأس كل خير في المشهد والمغيب سأله خشيته في ~~الغيب والشهادة # ولما كان أكثر الناس إنما يتكلم بالحق في رضاه فإذا غضب أخرجه غضبه إلى ~~الباطل وقد يدخله أيضا رضاه في الباطل سأل الله عز وجل أن يوفقه لكلمة الحق ~~في الغضب والرضى ولهذا قال بعض السلف : لا تكن ممن إذا رضي أدخله رضاه في ~~الباطل وإذا غضب أخرجه غضبه من الحق # ولما كان الفقر والغنى بليتين ومحنتين يبتلي الله بهما عبده ففي الغنى ~~يبسط يده وفي الفقر يقبضها سأل الله عز وجل القصد في الحالتين وهو التوسط ~~الذي ليس معه إسراف ولا تقتير # ولما كان النعيم نوعين : نوعا للبدن ونوعا للقلب وهو قرة العين وكماله ~~بدوامه واستمراره جمع بينهما في قوله : أسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا ~~تنقطع ولما كانت الزينة زينتين : زينة البدن وزينة القلب وكانت زينة القلب ~~أعظمهما قدرا وأجلهما خطرا وإذا حصلت زينة البدن على أكمل الوجوه في العقبى ~~سأل ربه الزينة الباطنة فقال زينا بزينة الإيمان # ولما كان العيش في هذه الدار لا يبرد لأحد كائنا من كان بل هو محشو ~~بالغصص والنكد ومحفوف بالآلام الباطنة والظاهرة سأل برد العيش بعد الموت # والمقصود : أنه جمع في هذا الدعاء بين أطيب ما في الدنيا وأطيب ما في ~~الآخرة فإن حاجة العباد إلى ربهم في عبادتهم إياه وتأليههم له كحاجتهم إليه ~~في خلقه لهم ورزقه إياهم PageV01P029 ومعافاة أبدانهم وستر عوراتهم وتأمين ~~روعاتهم بل حاجتهم إلى تأليهه ومحبته وعبوديته أعظم فإن ذلك هو الغاية ~~المقصودة لهم ولا صلاح لهم ولا نعيم ولا فلاح ولا لذة ولا سعادة بدون ذلك ~~بحال ولهذا كانت لا اله إلا الله أحسن الحسنات وكان توحيد الإلهية رأس ~~الأمر وأما توحيد الربوبية الذي أقر به المسلم ms023 والكافر وقرره أهل الكلام في ~~كتبهم فلا يكفي وحده بل هو الحجة عليهم كما بين ذلك سبحانه في كتابه الكريم ~~في عدة مواضع ولهذا كان حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ~~كما في الحديث الصحيح الذي رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبيقال : ~~أتدري ما حق الله على عباده قلت : الله ورسوله أعلم قال : حقه على عباده أن ~~يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت ~~: الله ورسوله أعلم قال : حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار ولذلك يحب سبحانه ~~عباده المؤمنين الموحدين ويفرح بتوبتهم كما أن في ذلك أعظم لذة فليس في ~~الكائنات شيء غير الله عز وجل يسكن القلب إليه ويطمئن به ويأنس به ويتنعم ~~بالتوجه إليه ومن عبد غيره سبحانه وحصل له به نوع منفعة ولذة فمضرته بذلك ~~أضعاف أضعاف منفعته وهو بمنزلة أكل الطعام المسموم اللذيذ وكما أن السموات ~~والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا كما قال تعالى : لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا [ الأنبياء : 22 ] فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير ~~الله تعالى فسد فسادا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود منه ويكون ~~الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه ويخافه ويتوكل عليه وينيب ~~إليه الوجه الثالث : أن فقر العبد إلى أن يعبد الله سبحانه وحده لا يشرك به ~~شيئا ليس له نظير فيقاس به لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الغذاء ~~والشراب والنفس فيقاس بها لكن بينهما فروق كثيرة فإن حقيقة العبد قلبه ~~وروحه ولا صلاح له إلا بالهه الحق الذي لا إله إلا هو فلا يطمئن إلا بذكره ~~ولا يسكن إلا بمعرفته وحبه وهو كادح إليه كدحا فملاقيه ولا بد له من لقائه ~~ولا صلاح له إلا بتوحيد محبته وعبادته وخوفه ورجائه ولو حصل له من اللذات ~~والسرور بغيره ما حصل فلا يدوم له ذلك بل ينتقل من نوع إلى نوع ومن ms024 شخص إلى ~~شخص ويتنعم بهذا في حال وبهذا في حال وكثيرا ما يكون ذلك PageV01P030 الذي ~~يتنعم به هو أعظم أسباب ألمه ومضرته وأما إلهه الحق فلا بد له منه في كل ~~وقت وفي كل حال وأينما كان فنفس الإيمان به ومحبته وعبادته وإجلاله وذكره ~~هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه كما عليه أهل الإيمان ودلت عليه السنة ~~والقرآن وشهدت به الفطرة والجنان لا كما يقوله من قل نصيبه من التحقيق ~~والعرفان وبخس حظه من الإحسان : إن عبادته وذكره وشكره تكليف ومشقة لمجرد ~~الابتلاء والامتحان أو لأجل مجرد التعويض بالثواب المنفصل كالمعاوضة ~~بالأثمان أو لمجرد رياضة النفس وتهذيبها ليرتفع عن درجة البهيم من الحيوان ~~كما هي مقالات من بخس حظه من معرفة الرحمن وقل نصيبه من ذوق حقائق الإيمان ~~وفرح بما عنده من زبد الأفكار وزبالة الأذهان بل عبادته ومعرفته وتوحيده ~~وشكره قرة عين الإنسان وأفضل لذة للروح والقلب والجنان وأطيب نعيم ناله من ~~كان أهلا لهذا الشان والله المستعان وعليه التكلان # وليس المقصود بالعبادات والأوامر المشقة والكلفة بالقصد الأول وإن وقع ~~ذلك ضمنا وتبعا في بعضها لأسباب اقتضته لابد منها هي من لوازم هذه النشأة # فأوامراه سبحانه وحقه الذي أوجبه على عباده وشرائعه التي شرعها لهم هي ~~قرة العيون ولذة القلوب ونعيم الأرواح وسرورها وبها شفاؤها وسعادتها ~~وفلاحها وكمالها في معاشها ومعادها بل لا سرور لها ولا فرح ولا لذة ولا ~~نعيم في الحقيقة إلا بذلك كما قال تعالى : يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ~~ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا هو خير مما يجمعون [ يونس : 57 ] قال أبو سعيد الخدري : فضل الله ~~: القرآن ورحمته : أن جعلكم من أهله وقال هلال بن يساف : بالإسلام الذي ~~هداكم إليه وبالقرآن الذي علمكم إياه هو خير مما تجمعون : من الذهب والفضة ~~وكذلك قال : ابن عباس والحسن وقتادة : فضله : الإسلام ورحمته : القرآن ~~وقالت طائفة من السلف : فضله القرآن ورحمته الإسلام # والتحقيق : أن كلا منهما فيه الوصفان ms025 الفضل والرحمة وهما الأمران اللذان ~~امتن الله بهما على رسوله عليه الصلاة والسلام فقال : وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [ الشورى : 52 ] والله ~~سبحانه إنما رفع من رفع بالكتاب والإيمان ووضع من وضع بعدمها PageV01P031 # فإن قيل : فقد وقع تسمية ذلك تكليفا في القرآن كقوله : لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها [ البقره : 286 ] وقوله : لا نكلف نفسا إلا وسعها [ الأنعام : ~~152 ] # قيل : نعم إنما جاء ذلك في جانب النفي ولم يسم سبحانه أوامره ووصاياه ~~وشرائعه تكليفا قط بل سماها روحا ونورا وشفاء وهدى ورحمة وحياة وعهدا ووصية ~~ونحو ذلك # الوجه الرابع : أن أفضل نعيم الآخرة وأجله وأعلاه على الإطلاق هو النظر ~~إلى وجه الرب عز وجل وسماع خطابه كما في صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه عن ~~النبي إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد : يا أهل الجنة إن لكم عند الله ~~موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون : ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ~~ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال : فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم ~~شيئا أحب إليهم من النظر إليه وفي حديث آخر : فلا يلتفتون إلى شيء من ~~النعيم ما داموا ينظرون إليه فبين عليه الصلاة والسلام أنهم مع كمال تنعمهم ~~بما أعطاهم ربهم في الجنة لم يعطهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وإنما كان ~~ذلك أحب إليهم لأن ما يحصل لهم به من اللذة والنعيم والفرح والسرور وقرة ~~العين فوق ما يحصل لهم من التمتع بالأكل والشرب والحور العين ولا نسبة بين ~~اللذتين والنعيمين ألبتة ولهذا قال سبحانه وتعالى في حق الكفار : كلا إنهم ~~عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم [ المطففين : 15 ] فجمع ~~عليهم نوعي العذاب : عذاب النار وعذاب الحجاب عنه سبحانه كما جمع لأوليائه ~~نوعي النعيم : نعيم التمتع بما في الجنة ونعيم التمتع برؤيته وذكر سبحانه ~~هذه الأنواع الأربعة في هذه السورة فقال في حق الأبرار : إن الأبرار لفي ~~نعيم على الارائك ينظرون [ المطففين : 23 ] ولقد ms026 هضم معنى الآية من قال : ~~ينظرون إلى أعدائهم يعذبون أو ينظرون إلى قصورهم وبساتينهم أو ينظر بعضهم ~~إلى بعض وكل هذا عدول عن المقصود إلى غيره وإنما المعنى ينظرون إلى وجه ~~ربهم ضد حال الكفار الذين هم عن ربهم لمحجوبون : ثم إنهم لصالوا الجحيم [ ~~المطففين : 32 ] وتأمل كيف قابل سبحانه ما قاله الكفار في أعدائهم في ~~الدنيا وسخروا به منهم بضده في القيامة فإن الكفار كانوا إذا مر بهم ~~المؤمنون يتغامزون ويضحكون منهم و إذا رأوهم قالوا إن هؤلآء لضالون [ ~~المطففين : 32 ] فقال تعالى : PageV01P032 فاليوم الذين آمنوا من الكفار ~~يضحكون [ المطففين : 34 ] مقابلة لتغامزهم وضحكهم منهم ثم قال : على ~~الأرائك ينظرون [ المطففين : 23 ] فأطلق النظر ولم يقيده بمنظور دون منظور ~~وأعلى ما نظروا إليه وأجله وأعظمه هو الله سبحانه والنظر إليه أجل أنواع ~~النظر وأفضلها وهو أعلى مراتب الهداية فقابل بذلك قولهم إن هؤلاء لضالون ~~فالنظر إلى الرب سبحانه مراد من هذين الموضعين ولا بد إما بخصوصه وإما ~~بالعموم والإطلاق ومن تأمل السياق لم يجد الآيتين تحتملان غير إرادة ذلك ~~خصوصا أو عموما # | فصل في أن لذة النظر إلى وجه الله يوم القيامة تابعة للتلذذ بمعرفته # ومحبته في الدنيا وكما أنه لا نسبة لنعيم ما في الجنة إلى نعيم النظر إلى ~~وجهه الأعلى سبحانه فلا نسبة لنعيم الدنيا إلى نعيم محبته ومعرفته والشوق ~~إليه والأنس به بل لذة النظر إليه سبحانه تابعة لمعرفتهم به ومحبتهم له فإن ~~اللذة تتبع الشعور والمحبة فكلما كان المحب أعرف بالمحبوب وأشد محبة له كان ~~التذاذه بقربه ورؤيته ووصوله إليه أعظم # الوجه الخامس أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضر ولا عطاء ولا منع ولا ~~هدى ولا ضلال ولا نصر ولا خذلان ولا خفض ولا رفع ولا عز ولا ذل بل الله ~~وحده هو الذي يملك له ذلك كله قال الله تعالى ما يفتح الله للناس من رحمة ~~فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم وقال تعالى ~~وإن ms027 يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب ~~به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم وقال تعالى إن ينصركم الله فلا غالب ~~لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده الآية وقال تعالى عن صاحب يس ~~أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون ~~وقال تعالى يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله ~~يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون وقال تعالى أمن هذا ~~الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا PageV01P033 في غرور ~~أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجو في عتو ونفور فجمع سبحانه بين ~~النصر والرزق فإن العبد مضطر إلى من يدفع عنه عدوه بنصره ويجلب له منافعه ~~برزقه فلا بد له من ناصر ورازق والله وحده هو الذي ينصر ويرزق فهو الرزاق ~~ذو القوة المتين ومن كمال فطنة العبد ومعرفته أن يعلم أنه إذا مسه الله ~~بسوء لم يرفعه عنه غيره وإذا ناله بنعمة لم يرزقه إياها سواه ويذكر أن الله ~~تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه أدرك لي لطيف الفطنة وخفي اللطف فإني أحب ذلك ~~قال : يا رب وما لطيف الفطنة قال : إن وقعت عليك ذبابة فاعلم أني أنا ~~أوقعتها فاسألني أرفعها قال : وما خفي اللطف قال : إذا أتتك حبة فاعلم أني ~~أنا ذكرتك بها وقد قال تعالى عن السحرة : وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن ~~الله [ البقره : 102 ] فهو سبحانه وحده الذي يكفي عبده وينصره ويرزقه ~~ويكلؤه # قال الإمام أحمد : حدثنا عبدالرزاق أخبرنا معمر قال : سمعت وهبا يقول : ~~قال الله تعالى في بعض كتبه : بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته السموات بمن ~~فيهن والأرضون بمن فيهن فإني أجعل له من ذلك مخرجا ومن لم يعتصم بي فإني ~~أقطع يديه من أسباب السماء وأخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء ~~ثم أكله ms028 إلى نفسه كفى لعبدي ملآي إذا كان عبدي في طاعتي أعطيه قبل أن ~~يسألني وأستجيب له قبل أن يدعوني فأنا أعلم بحاجته التي ترفق به منه قال ~~أحمد : وحدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو سعيد المؤدب حدثنا من سمع عطاء ~~الخراساني قال : لقيت وهب بن منبه وهو يطوف بالبيت فقلت له : حدثني حديثا ~~أحفظه عنك في مقامي هذا وأوجز قال : نعم أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود : ~~يا داود أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم بي عبد من عبيدي دون خلقي أعرف ذلك من ~~نيته فتكيده السماوات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن إلا جعلت له ~~من بينهن مخرجا أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني أعرف ~~ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء من يده وأسخت الأرض من تحت قدميه ثم لا ~~أبالي بأي واد هلك وهذا الوجه أظهر للعامة من الذي قبله ولهذا خوطبوا به في ~~القرآن أكثر من الأول ومنه دعت الرسل إلى الوجه الأول وإذا تدبر اللبيب ~~القرآن وجد الله سبحانه يدعو عباده PageV01P034 بهذا الوجه إلى الوجه الأول ~~وهذا الوجه يقتضي التوكل على الله تعالى والاستعانة به ودعاءه ومسألته دون ~~ما سواه ويقتضي أيضا : محبته وعبادته لإحسانه إلى عبده وإسباغ نعمه عليه ~~فإذا أحبوه وعبدوه وتوكلوا عليه من هذا الوجه دخلوا منه إلى الوجه الأول # ونظير ذلك : من ينزل به بلاء عظيم أو فاقة شديدة أو خوف مقلق فجعل يدعو ~~الله سبحانه ويتضرع إليه حتى فتح له من لذيذ مناجاته وعظيم الإيمان به ~~والإنابة إليه ما هو أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولا ولكنه لم يكن ~~يعرف ذلك أولا حتى يطلبه ويشتاق إليه وفي نحو ذلك قال القائل : # جزى الله يوم الروع خيرا % فإنه أرانا على علاته أم ثابت # أرانا مصونات الحجال ولم نكن % نراهن إلا عند نعت النواعت # الوجه السادس : أن تعلق العبد بما سوى الله تعالى مضرة عليه إذا أخذ منه ~~فوق القدر الزائد على حاجته غير مستعين به ms029 على طاعته فإذا نال من الطعام ~~والشراب والنكاح واللباس فوق حاجته ضره ذلك ولو أحب سوى الله ما أحب فلا بد ~~أن يسلبه ويفارقه فإن أحبه لغير الله فلابد أن تضره محبته ويعذب بمحبوبه ~~إما في الدنيا وإما في الآخرة والغالب أنه يعذب به في الدارين قال تعالى : ~~والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ~~يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم ~~لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون [ التوبه : 34 ] وقال تعالى : فلا تعجبك ~~أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون [ التوبه : 55 ] ولم يصب من قال : إن الآية على التقديم ~~والتأخير كالجرجاني حيث قال : ينتظم قوله في الحياة الدنيا بعد فصل آخر ليس ~~بموضعه على تأويل فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما ~~يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة وهذا القول يروى عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما وهو منقطع واختاره قتادة وجماعة وكأنهم لما أشكل عليهم وجه تعذيبهم ~~بالأموال والأولاد في الدنيا وأن سرورهم ولذتهم ونعيمهم بذلك فروا إلى ~~التقديم والتأخير # وأما الذين رأوا أن الآية على وجهها ونظمها فاختلفوا في هذا التعذيب فقال ~~الحسن البصري : يعذبهم بأخذ الزكاة منها والإنفاق في الجهاد واختاره ابن ~~جرير وأوضحه فقال : العذاب بها إلزامهم بما أوجب الله عليهم فيها من حقوقه ~~وفرائضه إذ كان يؤخذ منه ذلك PageV01P035 وهو غير طيب النفس ولا راج من ~~الله جزاء ولا من الآخذ منه حمدا ولا شكرا بل على صغار منه وكره # وهذا أيضا عدول عن المراد بتعذيبهم في الدنيا بها وذهاب عن مقصود الآية # وقالت طائفة : تعذيبهم بها أنهم يتعرضون بكفرهم لغنيمة أموالهم وسبي ~~أولادهم فإن هذا حكم الكافر وهم في الباطن كذلك وهذا أيضا من جنس ما قبله ~~فإن الله سبحانه أقر المنافقين وعصم أموالهم وأولادهم بالإسلام الظاهر ~~وتولى سرائرهم فلو كان المراد ما ذكره هؤلاء لوقع مراده سبحانه : من غنيمة ~~أموالهم ms030 وسبى أولادهم فإن الإرادة ههنا كونية بمعنى المشيئة وما شاء الله ~~كان ولابد وما لم يشأ لم يكن # والصواب والله أعلم أن يقال : تعذيبهم بها هو الأمر المشاهد من تعذيب ~~طلاب الدنيا ومحبيها ومؤثريها على الآخرة : بالحرص على تحصيلها والتعب ~~العظيم في جمعها ومقاساة أنواع المشاق في ذلك فلا تجد أتعب ممن الدنيا أكبر ~~همه وهو حريص بجهده على تحصيلها والعذاب هنا هو الألم والمشقة والنصب كقوله ~~السفر قطعة من العذاب وقوله : إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه أي يتألم ~~ويتوجع لا أنه يعاقب بأعمالهم وهكذا من الدنيا كل همه أو أكبر همه كما ~~قالفي الحديث الذي رواه الترمذي وغيره من حديث أنس رضي الله عنه : من كانت ~~الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ومن ~~كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من ~~الدنيا إلا ما قدر له # ومن أبلغ العذاب في الدنيا : تشتيت الشمل وتفريق القلب وكون الفقر نصب ~~عيني العبد لا يفارقه ولولا سكرة عشاق الدنيا بحبها لاستغاثوا من هذا ~~العذاب على أن أكثرهم PageV01P036 لا يزال يشكو ويصرخ منه وفي الترمذي أيضا ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيقال : يقول الله تبارك وتعالى : ابن آدم ~~تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك وإن لا تفعل ملأت يديك شغلا ولم أسد ~~فقرك وهذا أيضا من أنواع العذاب وهو اشتغال القلب والبدن بتحمل أنكاد ~~الدنيا ومحاربة أهلها إياه ومقاساة معاداتهم كما قال بعض السلف : من أحب ~~الدنيا فليوطن نفسه على تحمل المصائب ومحب الدنيا لا ينفك من ثلاث : هم ~~لازم وتعب دائم وحسرة لا تنقضي وذلك أن محبها لا ينال منها شيئا إلا طمحت ~~نفسه إلى ما فوقه كما في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام لو ~~كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثا وقد مثل عيسى بن مريم عليه ~~السلام : محب الدنيا بشارب الخمر كلما ازداد شربا ازداد عطشا # وذكر ابن ms031 أبي الدنيا أن الحسن البصري كتب إلى عمر بن عبدالعزيز أما بعد : ~~فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة إنما أنزل إليها آدم عليه السلام عقوبة ~~فاحذرها يا أمير المؤمنين فإن الزاد منها تركها والغنى فيها فقرها لها في ~~كل حين قتيل تذل من أعزها وتفقر من جمعها هي كالسم يأكله من لا يعرفه وهو ~~حتفه فكن فيها كالمداوي جراحه يحتمي قليلا مخافة ما يكره طويلا ويصبر على ~~شدة الدواء مخافة طول البلاء فاحذر هذه الدار الغرارة الخداعة الخيالة التي ~~قد تزينت بخدعها وفتنت بغرورها وختلت بآمالها وتشوفت لخطابها فأصبحت ~~كالعروس المجلوة فالعيون إليها ناظرة والقلوب عليها والهة والنفوس لها ~~عاشقة وهي لأزواجها كلهم قاتلة فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى ~~ونسى المعاد فشغل بها لبه حتى زلت عنها قدمه فعظمت عليها ندامته وكثرت ~~حسرته واجتمعت عليه سكرات الموت وألمه وحسرات الفوت وعاشق لم ينل منها ~~بغيته فعاش بغصته وذهب بكمده ولم يدرك منها ما طلب ولم تسترح نفسه من التعب ~~فخرج بغير PageV01P037 زاد وقدم على غير مهاد فكن أسر ما تكون فيها أحذر ما ~~تكون لها فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه وصل ~~الرخاء منها بالبلاء وجعل البقاء فيها إلى فناء سرورها مشوب بالحزن أمانيها ~~كاذبة وآمالها باطلة وصفوها كدر وعيشها نكد فلو كان ربنا لم يخبر عنها خبرا ~~ولم يضرب لها مثلا لكانت قد أيقظت النائم ونبهت الغافل فكيف وقد جاء من ~~الله فيها واعظ وعنها زاجر فمالها عند الله قدر ولا وزن ولا نظر إليها منذ ~~خلقها ولقد عرضت على نبينا بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصها عند الله جناح ~~بعوضة فأبى أن يقبلها كره أن يحب ما أبغض خالقه أو يرفع ما وضع مليكه ~~فزواها عن الصالحين اختيارا وبسطها لاعدائه اغترارا فيظن المغرور بها ~~المقتدر عليها أنه أكرم بها ونسى ما صنع الله عز وجل برسوله حين شد الحجر ~~على بطنه وقال الحسن أيضا : إن قوما أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب ms032 ~~فأهينوها فأهنأ ما تكون إذا أهنتموها وهذا باب واسع وأهل الدنيا وعشاقها ~~أعلم بما يقاسونه من العذاب وأنواع الألم في طلبها ولما كانت هي أكبر هم من ~~لا يؤمن بالآخرة ولا يرجو لقاء ربه كان عذابه بها بحسب حرصه عليها وشدة ~~اجتهاده في طلبها وإذا أردت أن تعرف عذاب أهلها بها فتأمل حال عاشق فان في ~~حب معشوقه وكلما رام قربا من معشوقه نأى عنه ولا يفي له ويهجره ويصل عدوه ~~فهو مع معشوقه في أنكد عيش يختار الموت دونه فمعشوقه قليل الوفاء كثير ~~الجفاء كثير الشركاء سريع الاستحالة عظيم الخيانة كثير التلون لا يأمن ~~عاشقه معه على نفسه ولا على ماله مع أنه لا صبر له عنه ولا يجد عنه سبيلا ~~إلى سلوة تريحه ولا وصال يدوم له فلو لم يكن لهذا العاشق عذاب إلا هذا ~~العاجل لكفى به فكيف إذا حيل بينه وبين لذاته كلها وصار معذبا بنفس ما كان ~~ملتذا به على قدر لذته به التي شغلته عن سعيه في طلب زاده ومصالح معاده # وسنعود إلى تمام الكلام في هذا الباب في باب ذكر علاج مرض القلب بحب ~~الدنيا إن شاء الله تعالى إذ المقصود بيان أن من أحب شيئا سوى الله تعالى ~~ولم تكن محبته له PageV01P038 لله تعالى ولا لكونه معينا له على طاعة الله ~~تعالى : عذب به في الدنيا قبل يوم القيامة كما قيل : # أنت القتيل بكل من أحببته % فاختر لنفسك في الهوى من تصطفى # فإذا كان يوم المعاد ولى الحكم العدل سبحانه كل محب ما كان يحبه في ~~الدنيا فكان معه : إما منعما أو معذبا ولهذا يمثل لصاحب المال ماله شجاعا ~~أقرع يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه يقول : أنا مالك أنا كنزك ويصفح له صفائح من ~~نار يكوى بها جبينه وجنبه وظهره وكذلك عاشق الصور إذا اجتمع هو ومعشوقه على ~~غير طاعة الله تعالى جمع الله بينهما في النار وعذب كل منهما بصاحبه قال ~~تعالى : الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين [ الزخرف : 67 ] وأخبر ms033 ~~سبحانه أن الذين توادوا في الدنيا على الشرك يكفر بعضهم ببعض يوم القيامة ~~ويلعن بعضهم بعضا ومأواهم النار وما لهم من ناصرين # فالمحب مع محبوبه دنيا وأخرى ولهذا يقول الله تعالى يوم القيامة للخلق : ~~أليس عدلا مني أن أولي كل رجل منكم ما كان يتولى في دار الدنيا وقال المرء ~~مع من أحب وقال الله تعالى : ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت ~~مع الرسول سبيلا يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر ~~بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا [ الفرقان : 29 ] وقال تعالى : ~~احشروا الذين ظلموا وأزاواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى ~~صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسئولون مالكم لا تناصرون [ الصافات : 22 ] قال ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أزواجهم : أشباههم ونظراؤهم وقال تعالى : ~~وإذا النفوس زوجت [ التكوير : 7 ] فقرن كل شكل إلى شكله وجعل معه قرينا ~~وزوجا : البر مع البر والفاجر مع الفاجر # والمقصود : أن من أحب شيئا سوى الله عز وجل فالضرر حاصل له بمحبوبه : إن ~~وجد وإن فقد فإنه إن فقده عذب بفواته وتألم على قدر تعلق قلبه به وإن وجده ~~كان ما يحصل PageV01P039 له من الألم قبل حصوله ومن النكد في حال حصوله ومن ~~الحسرة عليه بعد فوته : أضعاف أضعاف ما في حصوله له من اللذة : # فما في الأرض أشقى من محب % وإن وجد الهوى حلو المذاق # تراه باكيا في كل حال % مخافة فرقة أو لاشتياق # فيبكي إن نأوا شوقا إليهم % ويبكي إن دنوا حذر الفراق # فتسخن عينه عند التلاقي % وتسخن عينه عند الفراق # وهذا أمر معلوم بالاستقراء والاعتبار والتجارب ولهذا قال النبيفي الحديث ~~الذي رواه الترمذي وغيره : الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما ~~والاه فذكره : جميع أنواع طاعته فكل من كان في طاعته فهو ذاكر له وإن لم ~~يتحرك لسانه بالذكر وكل من والاه الله فقد أحبه وقربه فاللعنة لا تنال ذلك ~~بوجه وهي نائلة كل ما عداه # الوجه السابع : أن اعتماد ms034 العبد على المخلوق وتوكله عليه يوجب له الضرر ~~من جهته هو ولابد عكس ما أمله منه فلابد أن يخذل من الجهة التي قدر أن ينصر ~~منها ويذم من حيث قدر أن يحمد وهذا أيضا كما أنه ثابت بالقرآن والسنة فهو ~~معلوم بالاستقراء والتجارب قال تعالى : واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا ~~لهم عززا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا [ مريم : 81 ] وقال تعالى ~~: واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند ~~محضرون [ يس : 75 ] أي يغضبون لهم ويحاربون كما يغضب الجند ويحارب عن ~~أصحابه وهم لا يستطيعون نصرهم بل هم كل عليهم وقال تعالى : وما ظلمناهم ~~ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شىء لما ~~جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب [ هود 101 ] أي غير تخسير وقال تعالى : ~~فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين [ الشعراء 213 ] وقال تعالى : ~~لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا فإن المشرك يرجو بشركه النصر ~~تارة والحمد والثناء تارة فأخبر سبحانه أن مقصوده ينعكس عليه ويحصل له ~~الخذلان والذم والمقصود : أن هذين الوجهين في المخلوق ضدهما في الخالق ~~سبحانه فصلاح القلب PageV01P040 وسعادته وفلاحه في عبادة الله تعالى ~~والاستعانة به وهلاكه وشقاؤه وضرره العاجل والآجل في عبادة المخلوق ~~والاستعانة به # الوجه الثامن : أن الله سبحانه غني كريم عزيز رحيم فهو محسن إلى عبده مع ~~غناه عنه يريد به الخير ويكشف عنه الضر لا لجلب منفعة إليه من العبد ولا ~~لدفع مضرة بل رحمة منه وإحسانا فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثر بهم من قلة ~~ولا ليعتز بهم من ذلة ولا ليرزقوه ولا لينفعوه ولا ليدفعوا عنه كما قال ~~تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن ~~يطمعون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين [ الذاريات : 56 ] وقال تعالى : ~~وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم ms035 يكن له ولي ~~من الذل وكبره تكبيرا [ الإسراء : 111 ] فهو سبحانه لا يوالى من يواليه من ~~الذل كما يولاى المخلوق المخلوق وإنما يوالي أولياءه إحسانا ورحمة ومحبة ~~لهم وأما العباد فإنهم كما قال تعالى : والله الغني وأنتم الفقراء [ محمد : ~~38 ] فهم لفقرهم وحاجتهم إنما يحسن بعضهم إلى بعض لحاجته إلى ذلك وانفاعه ~~به عاجلا أو آجلا ولولا تصور ذلك النفع لما أحسن إليه فهو في الحقيقة إنما ~~أراد الإحسان إلى نفسه وجعل إحسانه إلى غيره وسيلة وطريقا إلى وصول نفع ذلك ~~الإحسان إليه فإنه إما أن يحسن إليه لتوقع جزائه في العاجل فهو محتاج إلى ~~ذلك الجزاء أو معاوضة بإحسانه أو لتوقع حمده وشكره وهو أيضا إنما يحسن إليه ~~ليحصل منه ما هو محتاج إليه من الثناء والمدح فهو محسن إلى نفسه بإحسانه ~~إلى الغير وإما أن يريد الجزاء من الله تعالى في الآخرة فهو أيضا محسن إلى ~~نفسه بذلك وإنما أخر جزاءه إلى يوم فقره وفاقته فهو غير ملوم في هذا القصد ~~فإنه فقير محتاج وفقره وحاجته أمر لازم له من لوازم ذاته فكماله أن يحرص ~~على ما ينفعه ولا يعجز عنه وقال تعالى : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم [ ~~الإسراء : 7 ] وقال : وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون [ ~~البقره : 272 ] وقال تعالى فيما رواه عنه رسوله يا عبادي إنكم لن تبلغوا ~~نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ~~ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا ~~PageV01P041 # فالمخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول بل إنما يقصد انتفاعه بك والرب ~~تعالى إنما يريد نفعك لا انتفاعه به وذلك منفعة محضة لك خالصة من المضرة ~~بخلاف إرادة المخلوق نفعك فإنه قد يكون فيه مضرة عليك ولو بتحمل منته # فتدبر هذا فإن ملاحظته تمنعك أن ترجو المخلوق أو تعامله دون الله عز وجل ~~أو تطلب منه نفعاأو دفعاأو تعلق قلبك به فإنه إنما يريد انتفاعه بك لا محض ms036 ~~نفعك وهذا حال الخلق كلهم بعضهم مع بعض وهو حال الولد مع والده والزوج مع ~~زوجه والمملوك مع سيده والشريك مع شريكه فالسعيد من عاملهم لله تعالى لا ~~لهم وأحسن إليهم لله تعالى وخاف الله تعالى فيهم ولم يخفهم مع الله تعالى ~~ورجا الله تعالى بالإحسان إليهم ولم يرجهم مع الله وأحبهم لحب الله ولم ~~يحبهم مع الله تعالى كما قال أولياء الله عز وجل : إنما نطعمكم لوجه الله ~~لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا [ الإنسان : 9 ] # الوجه التاسع : أن العبد المخلوق لا يعلم مصلحتك حتى يعرفه الله تعالى ~~إياها ولا يقدر على تحصيلها لك حتى يقدره الله تعالى عليها ولا يريد ذلك ~~حتى يخلق الله فيه إرادة ومشيئة فعاد الأمر كله لمن ابتدأ منه وهو الذي ~~بيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله فتعلق القلب بغيره رجاء وخوفا وتوكلا ~~وعبودية : ضرر محض لا منفعة فيه وما يحصل بذلك من المنفعة فهو سبحانه وحده ~~الذي قدرها ويسرها وأوصلها إليك # الوجه العاشر : أن غالب الخلق إنما يريدون قضاء حاجاتهم منك وإن أضر ذلك ~~بدينك ودنياك فهم إنما غرضهم قضاء حوائجهم ولو بمضرتك والرب تبارك وتعالى ~~إنما يريدك لك ويريد الإحسان إليك لك لا لمنفعته ويريد دفع الضرر عنك فكيف ~~تعلق أملك ورجاءك وخوفك بغيره وجماع هذا أن تعلم : أن الخلق كلهم لو ~~اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو ~~اجتمعوا كلهم على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله تعالى عليك ~~قال الله تعالى : قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون [ التوبه : 51 ] PageV01P042 خاتمة لهذا الباب لما كان ~~الإنسان بل وكل حي متحرك بالإرادة لا ينفك عن علم وإرادة وعمل بتلك الإرادة ~~وله مراد مطلوب وطريق وسبب يوصل إليه معين عليه وتارة يكون السبب منه وتارة ~~يكون من خارج منفصل عنه وتارة منه ومن الخارج فصار الحي مجبولا على أن يقصد ~~شيئا ويريده ويستعين ms037 بشيء ويعتمد عليه في حصول مراده # والمراد قسمان : أحدهما : ما هو مراد لنفسه والثاني : ما هو مراد لغيره ~~والمستعان قسمان أحدهما ما هو مستعان بنفسه والثاني ما هو تبع له وآلة فهذه ~~أربعة أمور : مراد لنفسه ومراد لغيره ومستعان بنفسه ومستعان بكونه آلهة ~~وتبعا للمستعان بنفسه # فلابد للقلب من مطلوب يطمئن إليه وتنتهي إليه محبته ولابد من شيء يتوصل ~~به ويستعين به في حصول مطلوبه والمستعان مدعو ومسئول والعبادة والاستعانة ~~كثيرا ما يتلازمان فمن اعتمد القلب عليه في رزقه ونصره ونفعه خضع له وذل له ~~وانقاد له وأحبه من هذه الجهة وإن لم يحبه لذاته لكن قد يغلب عليه حكم ~~الحال حتى يحبه لذاته وينسى مقصوده منه وأما من أحبه القلب وأراده وقصده ~~فقد لا يستعين به ويستعين بغيره عليه كمن أحب مالا أو منصبا أو امرأة فإن ~~علم أن محبوبه قادر على تحصيل غرضه استعان به فاجتمع له محبته والاستعانة ~~به # فالأقسام أربعة : محبوب لنفسه وذاته مستعان بنفسه فهذا أعلى الأقسام وليس ~~ذلك إلا لله وحده وكل ما سواه فإنما ينبغي أن يحب تبعا لمحبته ويستعان به ~~لكونه آلة وسببا الثاني : محبوب لغيره ومستعان به أيضا كالمحبوب الذي هو ~~قادر على تحصيل غرض محبه الثالث : محبوب مستعان عليه بغيره الرابع : مستعان ~~به غير محبوب في نفسه # فإذا عرف ذلك تبين من أحق هذه الأقسام الأربعة بالعبودية والاستعانة وأن ~~محبة غيره واستعانته به إن لم تكن وسيلة إلى محبته واستعانته وإلا كانت ~~مضرة على العبد ومفسدتها أعظم من مصلحتها والله المستعان وعليه التكلان ~~PageV01P043 # | الباب السابع في أن القرآن متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه # قال الله عز وجل : يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في ~~الصدور [ يونس : 57 ] وقال تعالى : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة ~~للمؤمنين وقد تقدم أن جماع أمراض القلب هي أمراض الشبهات والشهوات والقرآن ~~شفاء للنوعين ففيه من البينات والبراهين القطعية ما يبين الحق من الباطل ~~فتزول أمراض الشبه المفسدة للعلم ms038 والتصور والإدراك بحيث يرى الأشياء على ما ~~هي عليه وليس تحت أديم السماء كتاب متضمن للبراهين والآيات على المطالب ~~العالية : من التوحيد وإثبات الصفات وإثبات المعاد والنبوات ورد النحل ~~الباطلة والآراء الفاسدة مثل القرآن فإنه كفيل بذلك كله متضمن له على أتم ~~الوجوه وأحسنها وأقربها إلى العقول وأفصحها بيانا فهو الشفاء على الحقيقة ~~من أدواء الشبه والشكوك ولكن ذلك موقوف على فهمه ومعرفة المراد منه فمن ~~رزقه الله تعالى ذلك أبصر الحق والباطل عيانا بقلبه كما يرى الليل والنهار ~~وعلم أن ما عداه من كتب الناس وآرائهم ومعقولاتهم : بين علوم لا ثقة بها ~~وإنما هي آراء وتقليد وبين ظنون كاذبة لا تغني عن الحق شيئا وبين أمور ~~صحيحة لا منفعة للقلب فيها وبين علوم صحيحة قد وعروا الطريق إلى تحصيلها ~~وأطالوا الكلام في إثباتها مع قلة نفعها فهي لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا ~~سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل وأحسن ما عند المتكلمين وغيرهم فهو في القرآن ~~أصح تقريرا وأحسن تفسيرا فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد كما قيل ~~: # لولا التنافس في الدنيا لما وضعت % كتب التناظر لا المغني ولا العمد # يحللون بزعم منهم عقدا % وبالذي وضعوه زادت العقد PageV01P044 فهم يزعمون ~~أنهم يدفعون بالذي وضعوه الشبه والشكوك والفاضل الذكي يعلم أن الشبه ~~والشكوك زادت بذلك ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من ~~كتاب الله تعالى وكلام رسوله ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين المتشككين ~~الشاكين الذين أخبر الواقف على نهايات إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم ~~حيث يقول : # نهاية إقدام العقول عقال % وأكثر سعي العالمين ضلال # وأرواحنا في وحشة من جسومنا % وحاصل دنيانا أذى ووبال # ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا % سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا لقد تأملت ~~الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ~~ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ في الإثبات : الرحمن على العرش استوى [ ~~طه : 5 ] : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [ فاطر : 10 ] وأقرأ ~~في النفي ms039 : ليس كمثله شىء [ الشورى : 11 ] ولا يحيطون به علما [ طه : 110 ] ~~ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي # فهذا إنشاده وألفاظه في آخر كتبه وهو أفضل أهل زمانه على الإطلاق في علم ~~الكلام والفلسفة وكلام أمثاله في مثل ذلك كثير جدا قد ذكرناه في كتاب ~~الصواعق وغيره وذكرنا قول بعض العارفين بكلام هؤلاء : آخر أمر المتكلمين ~~الشك وآخر أمر المتصوفين الشطح والقرآن يوصلك إلى نفس اليقين في هذه ~~المطالب التي هي أعلى مطالب العباد ولذلك أنزله من تكلم به وجعله شفاء لما ~~في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين وأما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من ~~الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والتزهيد في الدنيا والترغيب في ~~الآخرة والأمثال والقصص التي فيها أنواع العبر والاستبصار فيرغب القلب ~~السليم إذا أبصر ذلك فيما ينفعه في معاشه ومعاده ويرغب عما يضره فيصير ~~القلب محبا للرشد مبغضا للغي فالقرآن مزيل للإمراض الموجهة للإرادات ~~الفاسدة فيصلح القلب فتصلح إرادته ويعود إلى فطرته التي فطر عليها فتصلح ~~أفعاله PageV01P045 الاختيارية الكسبية كما يعود البدن بصحته وصلاحه إلى ~~الحال الطبيعي فيصير بحيث لا يقبل إلا الحق كما أن الطفل لا يقبل إلا اللبن # وعاد الفتى كالطفل ليس بقابل % سوى المحض شيئا واستراحت عواذله فيتغذى ~~القلب من الإيمان والقرآن بما يزكيه ويقويه ويؤيده ويفرحه ويسره وينشطه ~~ويثبت ملكه كما يتغذى البدن بما ينميه ويقويه وكل من القلب والبدن محتاج ~~إلى أن تربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح فكما أن البدن محتاج إلى أن يزكو ~~بالأغدية المصلحة له والحمية عما يضره فلا ينمو إلا بإعطائه ما ينفعه ومنع ~~ما يضره فكذلك القلب لا يزكو ولا ينمو ولا يتم صلاحه إلا بذلك ولا سبيل له ~~إلى الوصول إلى ذلك إلا من القرآن وإن وصل إلى شيء منه من غيره فهو نزر ~~يسير لا يحصل له به تمام المقصود وكذلك الزرع لا يتم إلا بهذين الأمرين ~~فحينئذ يقال : زكا الزرع وكمل # ولما كانت حياته ونعيمه لا تتم إلا بزكاته وطهارته لم يكن بد ms040 من ذكر هذا ~~وهذا فنقول : # | الباب الثامن في زكاة القلب الزكاة في اللغة : هي النماء والزيادة # في الصلاح وكمال الشيء يقال : زكا الشيء إذا نما قال الله تعالى : خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها [ التوبه : 103 ] فجمع بين الأمرين : ~~الطهارة والزكاة لتلازمهما فإن نجاسة الفواحش والمعاصي في القلب بمنزلة ~~الأخلاط الرديئة في البدن وبمنزلة الرغل في الزرع وبمنزلة الخبث في الذهب ~~والفضة والنحاس والحديد فكما أن البدن إذا استفرغ من الأخلاط الرديئة تخلصت ~~القوة الطبيعية منها فاستراحت فعملت عملها بلا معوق ولا ممانع فنما البدن ~~فكذلك القلب إذا تخلص من الذنوب بالتوبة فقد استفرغ من تخليطه فتخلصت قوة ~~القلب وإرادته للخير فاستراح PageV01P046 من تلك الجواذب الفاسدة والمواد ~~الرديئة : زكا ونما وقوى واشتد وجلس على سرير ملكه ونفذ حكمه في رعيته ~~فسمعت له وأطاعت فلا سبيل له إلى زكاته إلا بعد طهارته كما قال تعالى : قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما ~~يصنعون [ النور : 30 ] فجعل الزكاة بعد غض البصر وحفظ الفرج # ولهذا كان غض البصر عن المحارم يوجب ثلاث فوائد عظيمة الخطر جليلة القدر ~~: إحداها : حلاوة الإيمان ولذته التي هي أحلى وأطيب وألذ مما صرف بصره ~~وتركه لله تعالى فإن من ترك شيئا لله عوضه الله عز وجل خيرا منه والنفس ~~مولعة بحب النظر إلى الصور الجميلة والعين رائد القلب فيبعث رائده لنظر ما ~~هناك فإذا أخبره بحسن المنظور إليه وجماله تحرك اشتياقا إليه وكثيرا ما ~~يتعب ويتعب رسوله ورائده كما قيل : # وكنت متى أرسلت طرفك رائدا % لقلبك يوما أتعبتك المناظر # رأيت الذي لا كله أنت قادر % عليه ولا عن بعضه أنت صابر فإذا كف الرائد ~~عن الكشف والمطالعة استراح القلب من كلفة الطلب والإرادة فمن أطلق لحظاته ~~دامت حسراته فإن النظر يولد المحبة فتبدأ علاقة يتعلق بها القلب بالمنظور ~~إليه ثم تقوى فتصير صبابة ينصب إليه القلب بكليته ثم تقوى فتصير غراما يلزم ~~القلب كلزوم الغريم الذي لا يفارق غريمه ثم ms041 يقوى فيصير عشقا وهو الحب ~~المفرط ثم يقوى فيصير شغفا وهو الحب الذي قد وصل إلى شغاف القلب وداخله ثم ~~يقوى فيصير تتيما والتتيم التعبد ومنه تيمه الحب إذا عبده ويتم الله عبد ~~الله فيصير القلب عبدا لمن لا يصلح أن يكون هو عبدا له وهذا كله جناية ~~النظر فحينئذ يقع القلب في الأسر فيصير أسيرا بعد أن كان ملكا ومسجونا بعد ~~أن كان مطلقا يتظلم من الطرف ويشكوه والطرف يقول : أنا رائدك ورسولك وأنت ~~بعثتني وهذا إنما تبتلي به القلوب الفارغة من حب الله والإخلاص له فإن ~~القلب لابد له من التعلق بمحبوب فمن لم يكن الله وحده محبوبه وإلهه ومعبوده ~~فلابد أن يتعبد قلبه لغيره قال تعالى عن يوسف الصديق عليه السلام : كذلك ~~لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين [ يوسف : 24 ] فامرأة ~~العزيز لما كانت مشركة وقعت فيما وقعت فيه مع كونها ذات زوج ويوسف عليه ~~السلام لما كان مخلصا لله تعالى نجا من ذلك مع كونه شابا عزبا غريبا ~~PageV01P047 @QB@ مملوكا @QE@ الفائدة الثانية في غض البصر : نور القلب ~~وصحة الفراسة قال أبو شجاع الكرماني : من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه ~~بدوام المراقبة وكف نفسه عن الشهوات وغض بصره عن المحارم واعتاد أكل الحلال ~~لم تخظىء له فراسة وقد ذكر الله سبحانه قصة قوم لوط وما ابتلوا به ثم قال ~~بعد ذلك : إن في ذلك لآيات للمتوسمين [ الحجر : 75 ] وهم المتفرسون الذين ~~سلموا من النظر المحرم والفاحشة وقال تعالى عقيب أمره للمؤمنين بغض أبصارهم ~~وحفظ فروجهم : الله نور السموات والأرض [ النور : 35 ] # وسر هذا : أن الجزاء من جنس العمل فمن غض بصره عما حرم الله عز وجل عليه ~~عوضه الله تعالى من جنسه ما هو خير منه فكما أمسك نور بصره عن المحرمات ~~أطلق الله نور بصيرته وقلبه فرأى به ما لم يره من أطلق بصره ولم يغضه عن ~~محارم الله تعالى وهذا أمر يحسه الإنسان من نفسه فإن القلب كالمرآة والهوى ~~كالصدأ فيها فإذا خلصت المرآة ms042 من الصدأ انطبعت فيها صور الحقائق كما هي ~~عليه وإذا صدئت لم تنطبع فيها صور المعلومات فيكون علمه وكلامه من باب ~~الخرص والظنون # الفائدة الثالثة : قوة القلب وثباته وشجاعته فيعطيه الله تعالى بقوته ~~سلطان النصرة كما أعطاه بنوره سلطان الحجة فيجمع له بين السلطانين ويهرب ~~الشيطان منه كما في الأثر : إن الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله ولهذا ~~يوجد في المتبع هواه من ذل النفس وضعها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه ~~فإنه سبحانه جعل العز لمن أطاعه والذل لمن عصاه قال تعالى : ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين [ المنافقون : 8 ] وقال تعالى : ولا تهنوا ولا تحزنوا ~~وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين [ آل عمران : 139 ] وقال تعالى : من كان يريد ~~العزة فلله العزة جميعا [ فاطر : 10 ] أي من كان يطلب العزة فليطلبها بطاعة ~~الله : بالكلم الطيب والعمل الصالح وقال بعض السلف : الناس يطلبون العز ~~بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله وقال الحسن : وإن هملجت بهم ~~البراذين وطقطقت بهم البغال إن ذل المعصية لفي قلوبهم أبى الله عز وجل إلا ~~أن يذل من عصاه وذلك أن من أطاع الله تعالى فقد والاه ولا يذل من والاه ربه ~~كما في دعاء القنوت : إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت PageV01P048 # والمقصود : أن زكاة القلب موقوفة على طهارته كما أن زكاة البدن موقوفة ~~على استفراغه من أخلاطه الرديئة الفاسدة قال تعالى : ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم [ ~~النور : 21 ] ذكر ذلك سبحانه عقيب تحريم الزنا والقذف ونكاح الزانية فدل ~~على أن التزكى هو باجتناب ذلك وكذلك قوله تعالى في الاستئذان على أهل ~~البيوت : وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم [ النور : 28 ] فإنهم إذا ~~أمروا بالرجوع لئلا يطلعوا على عورة لم يحب صاحب المنزل أن يطلع عليها كان ~~ذلك أزكى لهم كما أن رد البصر وغضه أزكى لصاحبه وقال تعالى قد أفلح من تزكى ~~وذكر اسم ربه ms043 فصلى وقال تعالى عن موسى عليه السلام في خطابه لفرعون هل لك ~~إلى أن تزكى [ النازعات : 18 ] وقال تعالى : وويل للمشركين الذين لا يؤتون ~~الزكاة [ ] قال أكثر المفسرين من السلف ومن بعدهم : هي التوحيد : شهادة أن ~~لا إله إلا الله والإيمان الذي به يزكو القلب فإنه يتضمن نفي إلهية ما سوى ~~الحق من القلب وذلك طهارته وإثبات إلهيته سبحانه وهو أصل كل زكاة ونماء فإن ~~التزكي وإن كان أصله النماء والزيادة والبركة فإنه إنما يحصل بإزالة الشر ~~فلهذا صار التزكي ينتظم الأمرين جميعا فأصل ما تزكو به القلوب والأرواح : ~~هو التوحيد والتزكية جعل الشيء زكيا إما في ذاته وإما في الإعتقاد والخبر ~~عنه كما يقال عدلته وفسقته إذا جعلته كذلك في الخارج أو في الإعتقاد والخبر ~~وعلى هذا فقوله تعالى : فلا تزكوا أنفسكم [ النجم : 32 ] هو على غير معنى : ~~قد أفلح من زكاها [ الشمس : 9 ] أي لا تخبروا بزكاتها وتقولوا : نحن زاكون ~~صالحون متقون ولهذا قال عقيب ذلك : هو أعلم بمن اتقى [ الشمس : 9 ] وكان ~~اسم زينب برة فقال : تزكي نفسها فسماها رسول اللهزينب وقال : الله أعلم ~~بأهل البر منكم وكذلك قوله : PageV01P049 ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم أي ~~يعتقدون زكاءها ويخبرون به كما يزكي المزكي الشاهد فيقول عن نفسه ما يقول ~~المزكي فيه ثم قال الله تعالى : بل الله يزكي من يشاء [ النساء : 49 ] أي ~~هو الذي يجعله زاكيا ومثله قوله : قد أفلح من تزكى [ الأعلى : 14 ] # وقد اختلف في الضمير المرفوع في قوله : زكاها فقيل : هو لله أي أفلحت نفس ~~زكاها الله عز وجل وخابت نفس دساها وقيل : إن الضمير يعود على فاعل أفلح ~~وهو من سواء كانت موصولة أو موصوفة فإن الضمير لو عاد على الله سبحانه لقال ~~: قد أفلح من زكاه وقد خاب من دساه والأولون يقولون : من وإن كان لفظها ~~مذكرا فإذا وقعت على مؤنث جاز إعادة الضمير عليها بلفظ المؤنث مراعاة ~~للمعنى وبلفظ المذكر مراعاة للفظ وكلاهما من الكلام الفصيح وقد وقع في ~~القرآن ms044 اعتبار لفظها ومعناها فالأول كقوله : ومنهم من يستمع إليك [ الأنعام ~~: 25 ] فأفرد الضمير والثاني كقوله : ومنهم من يستمعون إليك [ يونس : 42 ] # قال المرجحون للقول الأول : يدل على صحة قولنا : ما رواه أهل السنن من ~~حديث ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها قالت : أتيت ليلة فوجدت رسول ~~اللهيقول : رب أعط نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها ~~فهذا الدعاء كالتفسير لهذه الآية وأن الله تعالى هو الذي يزكي النفوس فتصير ~~زاكية فالله هو المزكي والعبد هو المتزكي والفرق بينهما فرق ما بين الفاعل ~~والمطاوع قالوا : والذي جاء في القرآن من إضافة الزكاة إلى العبد إنما هو ~~بالمعنى الثاني دون الأول كقوله : قد أفلح من تزكى [ الأعلى : 14 ] وقوله : ~~هل لك إلى أن تزكى [ النازعات : 18 ] أي تقبل تزكية الله تعالى لك فتزكى ~~قالوا : وهذا هو الحق فإنه لا يفلح إلا من زكاة الله تعالى قالوا : وهذا ~~اختيار ترجمان القرآن ابن عباس فإنه قال في رواية علي بن أبي طلحة وعطاء ~~والكلبي قد أفلح من زكى الله تعالى نفسه وقال ابن زيد قد أفلح من زكى الله ~~نفسه PageV01P050 واختاره ابن جرير قالوا : ويشهد لهذا القول أيضا قوله في ~~أول السورة : فألهمها فجورها وتقواها [ الشمس : 8 ] قالوا : وأيضا فإنه ~~سبحانه وتعالى أخبر أنه خالق النفس وصفاتها وذلك هو معنى التسوية # قال أصحاب القول الآخر : ظاهر الكلام ونظمه الصحيح : يقتضي أن يعود ~~الضمير على من أي أفلح من زكى نفسه هذا هو المفهوم المتبادر إلى الفهم بل ~~لا يكاد يفهم غيره كما إذا قلت : هذه جارية قد ربح من اشتراها وصلاة قد سعد ~~من صلاها وضالة قد خاب من آواها ونظائر ذلك # قالوا : والنفس مؤنثة فلو عاد الضمير على الله سبحانه لكان وجه الكلام : ~~قد أفلحت نفس زكاها أو أفلحت من زكاها لوقوع من على النفس قالوا : وإن جاز ~~تفريغ الفعل من التاء لأجل لفظ من كما تقول : قد أفلح من قامت منكن فذاك ~~حيث لا يقع اشتباه والتباس ms045 فإذا وقع الاشتباه لم يكن بد من ذكر ما يزيله ~~قالوا : و من موصولة بمعنى الذي ولو قيل : قد أفلح الذي زكاها الله لم يكن ~~جائزا لعود الضمير المؤنث على الذي وهو مذكر قالوا : وهو سبحانه قصد نسبة ~~الفلاح إلى صاحب النفس إذا زكى نفسه ولهذا فرغ الفعل من التاء وأتى ب من ~~التي هي بمعنى الذي وهذا الذي عليه جمهور المفسرين حتى أصحاب ابن عباس رضي ~~الله عنهما وقال قتادة : قد أفلح من زكاها من عمل خيرا زكاها بطاعة الله عز ~~وجل وقال أيضا : قد أفلح من زكى نفسه بعمل صالح وقال الحسن : قد أفلح من ~~زكى نفسه فأصلحها وحملها على طاعة الله تعالى وقد خاب من أهلكها وحملها على ~~معصية الله تعالى قال ابن قتيبة : يريد أفلح من زكى نفسه أي نماها وأعلاها ~~بالطاعة والبر والصدقة واصطناع المعروف وقد خاب من دساها أي نقصها وأخفاها ~~بترك عمل البر وركوب المعاصي والفاجر أبدا خفى المكان زمن المروءة غامض ~~الشخص ناكس الرأس فمرتكب الفواحش قد دس نفسه وقمعها ومصطنع المعروف قد شهر ~~نفسه ورفعها وكانت أجواد العرب تنزل الرئى ويفاع الأرض PageV01P051 لتشهر ~~أماكنها للمعتفين وتوقد النيران في الليل للطارقين وكانت اللئام تنزل ~~الأولاج والأطراف والأهضام لتخفي أما كنها على الطالبين فأولئك أعلوا ~~أنفسهم وزكوها وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسوها وأنشد : # وبواب بيتك في معلم % رحيب المباءة والمسرح # كفيت العفاة طلاب القرى % ونبح الكلاب لمستنبح فهذان قولان مشهوران في ~~الآية وفيها قول ثالث : أن المعنى : خاب من دس نفسه مع الصالحين وليس منهم ~~حكاه الواحدي قال : ومعنى هذا : أنه أخفى نفسه في الصالحين يري الناس أنه ~~منهم وهو منطو على غير ما ينطوي عليه الصالحون وهذا وإن كان حقا في نفسه ~~لكن في كونه هو المراد بالآية نظر وإنما يدخل في الآية بطريق العموم فإن ~~الذي يدس نفسه بالفجور إذا خالط أهل الخير دس نفسه فيهم والله تعالى أعلم # | الباب التاسع في طهارة القلب من أدرانه وأنجاسه هذا الباب وإن كان # داخلا ms046 فيما قبله كما بينا أن الزكاة لا تحصل إلا بالطهارة ولكنا أفردناه ~~بالذكر لبيان معنى طهارته وشدة الحاجة إليها ودلالة القرآن والسنة عليها ~~قال الله تعالى : يأيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر [ المدثر : ~~1 ] وقال تعالى : أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا ~~خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم [ المائدة : 41 ] وجمهور المفسرين من السلف ~~ومن بعدهم على أن المراد بالثياب ههنا القلب والمراد بالطهارة إصلاح ~~الأعمال والأخلاق PageV01P052 قال الواحدي : اختلف المفسرون في معناه فروى ~~عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال يعني من الإثم ومما كانت الجاهلية ~~تجيزه وهذا قول قتادة ومجاهد قالا نفسك فطهرها من الذنب ونحوه قول الشعبي ~~وإبراهيم والضحاك والزهري وعلى هذا القول : الثياب عبارة عن النفس والعرب ~~تكنى بالثياب عن النفس ومنه قول الشماخ : # رموها بأثواب خفاف فلا ترى % لها شبها إلا النعام المنفرا رموها يعني ~~الركاب بأبدانهم وقال عنترة : # فشككت بالرمح الأصم ثيابه % ليس الكريم على القنى بمحرم يعني نفسه # وقال في رواية الكلبي : يعني لا تغدر فتكون غادرا دنس الثيباب وقال سعيد ~~بن جبير : كان الرجل إذا كان غادرا قيل : دنس الثياب وخبيث الثيباب وقال ~~عكرمة : لا تلبس ثوبك على معصية ولا على فجرة وروى ذلك عن ابن عباس واحتج ~~بقول الشاعر : # وإني بحمد الله لا ثوب غادر % لبست ولا من خزية أتقنع وهذا المعنى أراد ~~من قال في هذه الآية وعملك فأصلح وهو قول أبي رزين ورواية منصور عن مجاهد ~~وأبي روق وقال السدى : يقال للرجل إذا كان صالحا : إنه لطاهر الثياب وإذا ~~كان فاجرا : إنه لخبيث الثيباب قال الشاعر : # لا هم إن عامر بن جهم % أوذم حجا في ثياب دسم يعني أنه متدنس بالخطايا ~~وكما وصفوا الغادر الفاجر بدنس الثوب وصفوا الصالح بطهارة الثوب قال امرؤ ~~القيس : # ثياب بني عوف طهارى نقية يريد أنهم لا يغدرون بل يفون وقال الحسن : خلقك ~~فحسنه وهذا قول القرطبي وعلى هذا : الثياب عبارة عن الخلق لأن خلق الإنسان ms047 ~~يشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه PageV01P053 وروى العوفى عن ابن ~~عباس في هذه الآية لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طيب والمعنى طهرها ~~من أن تكون مغصوبة أو من وجه لا يحل اتخاذها منه وروى عن سعيد بن جبير : ~~وقلبك : ونيتك فطهر وقال أبو العباس : الثياب اللباس ويقال : القلب وعلى ~~هذا ينشد : # فسلعى ثيابي من ثيابك تنسلي وذهب بعضهم في تفسير هذه الآية إلى ظاهرها ~~وقال : إنه أمر بتطهير ثيابه من النجاسات التي لا تجوز معها الصلاة وهو قول ~~ابن سيرين وابن زيد وذكر أبو إسحاق : وثيابك فقصر قال : لأن تقصير الثوب ~~أبعد من النجاسة فإنه إذا انجر على الأرض لم يؤمن أن يصيبه ما ينجسه وهذا ~~قول طاوس وقال ابن عرفة معناه : نساءك طهرهن وقد يكنى عن النساء بالثياب ~~واللباس قال تعالى : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم ~~وأنتم لباس لهن [ البقره : 178 ] ويكنى عنهن بالإزار ومنه قول الشاعر : # ألا أبلغ أبا حفص رسولا % فدى لك من أخى ثقة : إزارى أي أهلي ومنه قول ~~البراء بن معرور للنبيليلة العقبة لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا أي نساءنا # قلت : الآية تعم هذا كله وتدل عليه بطريق التنبيه واللزوم إن لم تتناول ~~ذلك لفظا فإن المأمور به إن كان طهارة القلب فطهارة الثوب وطيب مكسبه تكميل ~~لذلك فإن خبث الملبس يكسب القلب هيئة خبيثة كما أن خبث المطعم يكسبه ذلك ~~ولذلك حرم لبس جلود النمور والسعباع بنهي النبيعن ذلك في عدة أحاديث صحاح ~~لا معارض لها لما تكسب القلب من الهيئة المشابهة لتلك الحيوانات فإن ~~الملابسة PageV01P054 الظاهرة تسري إلى الباطن ولذلك حرم لبس الحرير والذهب ~~على الذكور لما يكتسب القلب من الهيئة التي تكون لمن ذلك لبسه من النساء ~~وأهل الفخر والخيلاء # والمقصود : أن طهارة الثوب وكونه من مكسب طيب هو من تمام طهارة القلب ~~وكمالها فإن كان المأمور به ذلك فهو وسيلة مقصودة لغيرها فالمقصود لنفسه ~~أولى أن يكون مأمورا به وإن كان المأمور ms048 به طهارة القلب وتزكية النفس فلا ~~يتم إلا بذلك فتبين دلالة القرآن على هذا وهذا # وقوله : أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم [ المائدة : 41 ] عقيب ~~قوله : سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد ~~مواضعه [ المائده : 41 ] مما يدل على أن العبد إذا اعتاد سماع الباطل ~~وقبوله أكسبه ذلك تحريفا للحق عن مواضعه فإنه إذا قبل الباطل أحبه ورضيه ~~فإذا جاء الحق بخلافه رده وكذبه إن قدر على ذلك وإلا حرفه كما تصنع الجهمية ~~بآيات الصفات وأحاديثها يردون هذه بالتأويل الذي هو تكذيب بحقائقها وهذه ~~بكونها أخبار آحاد لا يجوز الاعتماد عليها في باب معرفة الله تعالى وأسمائه ~~وصفاته فهؤلاء وإخوانهم من الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم فإنها لو طهرت ~~لما أعرضت عن الحق وتعوضت بالباطل عن كلام الله تعالى ورسوله كما أن ~~المنحرفين من أهل الإرادة لما لم تطهر قلوبهم تعوضوا بالسماع الشيطاني عن ~~السماع القرآني الإيماني قال عثمان بن عفان رضي الله عنه : لو طهرت قلوبنا ~~لما شبعت من كلام الله # فالقلب الطاهر لكمال حياته ونوره وتخلصه من الأدران والخبائث لا يشبع من ~~القرآن ولا يتغذى إلا بحقائقه ولا يتداوى إلا بأدويته بخلاف القلب الذي لم ~~يطهره الله تعالى فإنه يتغذى من الأغذية التي تناسبه بحسب ما فيه من ~~النجاسة فإن القلب النجس كالبدن العليل المريض لا تلائمه الأغذية التي ~~تلائم الصحيح # ودلت الآية على أن طهارة القلب موقوفة على إرادة الله تعالى وأنه سبحانه ~~لما لم يرد أن يطهر قلوب القائلين بالباطل المحرفين للحق لم يحصل لها ~~الطهارة PageV01P055 ولا يصح أن تفسر الإرادة ههنا بالإرادة الدينية وهي ~~الأمر والمحبة فإنه سبحانه قد أراد ذلك لهم أمرا ومحبة ولم يرده منهم كونا ~~فأراد الطهارة لهم وأمرهم بها ولم يرد وقوعها منهم لما له في ذلك من الحكمة ~~التي فواتها أكره إليه من فوات الطهارة منهم # وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتابنا الكبير في القدر # ودلت الآية على أن من لم ms049 يطهر الله قلبه فلابد أن يناله الخزي في الدنيا ~~والعذاب في الآخرة بحسب نجاسة قلبه وخبثه ولهذا حرم الله سبحانه الجنة على ~~من في قلبه نجاسة وخبث ولا يدخلها إلا بعد طيبه وطهره فإنها دار الطيبين ~~ولهذا يقال لهم : طبتم فادخلوها خالدين [ الزمر : 73 ] أي ادخلوها بسبب ~~طيبكم والبشارة عند الموت لهؤلاء دون غيرهم كما قال تعالى : الذين تتوفاهم ~~الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون [ النحل : ~~32 ] فالجنة لا يدخلها خبيث ولا من فيه شيء من الخبث فمن تطهر في الدنيا ~~ولقي الله طاهرا من نجاساته دخلها بغير معوق ومن لم يتطهر في الدنيا فإن ~~كانت نجاسته عينية كالكافر لم يدخلها بحال وإن كانت نجاسته كسبية عارضة ~~دخلها بعدما يتطهر في النار من تلك النجاسة ثم لا يخرج منها حتى إن أهل ~~الإيمان إذا جازوا الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فيهذبون وينقون ~~من بقايا بقيت عليهم قصرت بهم عن الجنة ولم توجب لهم دخول النار حتى إذا ~~هذعبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة # والله سبحانه بحكمته جعل الدخول عليه موقوفا على الطهارة فلا يدخل المصلي ~~عليه حتى يتطهر وكذلك جعل الدخول إلى جنته موقوفا على الطيب والطهارة فلا ~~يدخلها إلا طيب طاهر فهما طهارتان : طهارة البدن وطهارة القلب ولهذا شرع ~~للمتوضىء أن يقول عقيب وضوئه أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فطهارة القلب ~~بالتوبة وطهارة البدن بالماء فلما اجتمع له الطهران صلح للدخول على الله ~~تعالى والوقوف بين يديه ومناجاته PageV01P056 # وسألت شيخ الإسلام عن معنى دعاء النبياللهم طهرني من خطاياي بالماء ~~والثلج والبرد كيف يطهر الخطايا بذلك وما فائدة التخصيص بذلك وقوله في لفظ ~~آخر : والماء البارد والحار أبلغ في الإنقاء # فقال : الخطايا توجب للقلب حرارة ونجاسة وضعفا فيرتخى القلب وتضطرم فيه ~~نار الشهوة وتنجسه فإن الخطايا والذنوب له بمنزلة الحطب الذي يمد النار ~~ويوقدها ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدت نار ms050 القلب وضعفه والماء يغسل الخبث ~~ويطفىء النار فإن كان باردا أورث الجسم صلابة وقوة فإن كان معه ثلج وبرد ~~كان أقوى في التبريد وصلابة الجسم وشدته فكان أذهب لأثر الخطايا هذا معنى ~~كلامه وهو محتاج إلى مزيد بيان وشرح # فاعلم أن ههنا أربعة أمور : أمران حسيان وأمران معنويان فالنجاسة التي ~~تزول بالماء هي ومزيلها حسيان وأثر الخطايا التي تزول بالتوبة والاستغفار ~~هي ومزيلها معنويان وصلاح القلب وحياته ونعيمه لا يتم إلا بهذا وهذا فذكر ~~النبيمن كل شطر قسما نبه به على القسم الآخر فتضمن كلامه الأقسام الأربعة ~~في غاية الاختصار وحسن البيان كما في حديث الدعاء بعد الوضوء اللهم اجعلني ~~من التوابين واجعلني من المتطهرين فإنه يتضمن ذكر الأقسام الأربعة ومن كمال ~~بيانه وتحقيقه لما يخبر به ويأمر به : تمثيله الأمر المطلوب المعنوي بالأمر ~~المحسوس وهذا كثير في كلامه كقوله في حديث علي بن أبي طالب سل الله الهدى ~~والسداد واذكر بالهدى هدايتك الطريق وبالسداد سداد السهم إذ هذا من أبلغ ~~التعليم والنصح حيث أمره أن يذكر إذا سأل الله الهدى إلى طريق رضاه وجنته : ~~كونه مسافرا وقد ضل عن الطريق ولا يدري أين يتوجه فطلع له رجل خبير بالطريق ~~عالم بها فسأله أن يدله على PageV01P057 الطريق فهذا شأن طريق الآخرة ~~تمثيلا لها بالطريق المحسوس للمسافر وحاجة المسافر إلى الله سبحانه : إلى ~~أن يهديه تلك الطريق أعظم من حاجة المسافر إلى بلد إلى من يدله على الطريق ~~الموصل إليها وكذلك السداد وهو إصابة القصد قولا وعملا فمثله مثل رامي ~~السهم إذا وقع سهمه في نفس الشيء الذي رماه فقد سدد سهمه وأصاب ولم يقع ~~باطلا فهكذا المصيب للحق في قوله وعمله بمنزلة المصيب في رميه وكثيرا ما ~~يقرن في القرآن هذا وهذا فمنه قوله تعالى : وتزودوا فإن خير الزاد التقوى [ ~~البقره : 197 ] أمر الحجاج بأن يتزودوا لسفرهم ولا يسافروا بغير زاد ثم ~~نبههم على زاد سفر الآخرة وهو التقوى فكما أنه لا يصل المسافر إلى مقصده ~~إلا بزاد يبلغه إياه ms051 فكذلك المسافر إلى الله تعالى والدار الآخرة لا يصل ~~إلا بزاد من التقوى فجمع بين الزادين ومنه قوله تعالى : يا بني آدم قد ~~أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير [ الأعراف : ~~26 ] فجمع بين الزينتين : زينة الظاهر والباطن وكمال الظاهر والباطن ومنه ~~قوله تعالى : فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى [ طه : 123 ] فنفى عنه الضلال ~~الذي هو عذاب القلب والروح والشقاء الذي هو عذاب البدن والروح أيضا فهو ~~منعم القلب والبدن بالهدى والفلاح ومنه قول امرأة العزيز عن يوسف عليه ~~السلام لما أرته النسوة اللائمات لها في حبه : فذلكن الذي لمتنني فيه [ ~~يوسف : 32 ] فأرتهن جماله الظاهر ثم قالت : ولقد راودته عن نفسه فاستعصم [ ~~يوسف : 32 ] فأخبرت عن جماله الباطن بعفته فأخبرتهن بجمال باطنه وأرتهن ~~جمال ظاهره # فنبهبقوله اللهم طهرني من خطاياي بالماء والثلج والبرد على شدة حاجة ~~البدن والقلب إلى ما يطهرهما ويبردهما ويقويهما وتضمن دعاؤه سؤال هذا وهذا ~~والله تعالى أعلم # وقريب من هذا : أنهكان إذا خرج من الخلاء قال : غفرانك وفي هذا من السر ~~والله أعلم : أن النجو يثقل البدن ويؤذيه باحتباسه والذنوب تثقل القلب ~~وتؤذيه باحتباسها فيه فهما مؤذيان مضران بالبدن والقلب فحمد الله عند خروجه ~~PageV01P058 على خلاصه من هذا المؤذي لبدنه وخفة البدن وراحته وسأل أن ~~يخلصه من المؤذي الآخر ويريح قلبه منه ويخففه وأسرار كلماته وأدعيتهفوق ما ~~يخطر بالبال # | فصل فيما في الشرك والزنا واللواطة من الخبث # وقد وسم الله سبحانه الشرك والزنا واللواطة بالنجاسة والخبث في كتابه دون ~~سائر الذنوب وإن كانت مشتملة على ذلك لكن الذي وقع في القرآن قوله تعالى : ~~يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس [ التوبه : 28 ] وقوله تعالى في حق ~~اللوطية : ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل ~~الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين [ الأنبياء : 74 ] وقالت اللوطية : ~~أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون [ النمل : 56 ] فأقروا مع شركهم ~~وكفرهم أنهم هم الأخابث الأنجاس وأن لوطا وآله مطهرون من ذلك ms052 باجتنابهم له ~~وقال تعالى في حق الزناة : الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات [ النور : ~~26 ] # فأما نجاسة الشرك فهي نوعان : نجاسة مغلظة ونجاسة مخففة فالمغلظة : الشرك ~~الأكبر الذي لا يغفره الله عز وجل فإن الله لا يغفر أن يشرك به والمخففة : ~~الشرك الأصغر كيسير الرياء والتصنع للمخلوق والحلف به وخوفه ورجائه ونجاسة ~~الشرك عينية ولهذا جعل سبحانه الشرك نجسا بفتح الجيم ولم يقل : إنما ~~المشركون نجس بالكسر فإن النجس عين النجاسة والنجس بالكسر هو المتنجس ~~فالثوب إذا أصابه بول أو خمر نجس والبول والخمر نجس فأنجس النجاسة الشرك ~~كما أنه أظلم الظلم فإن النجس في اللغة والشرع هو المستقذر الذي يطلب ~~مباعدته والبعد منه بحيث لا يلمس ولا يشم ولا يرى PageV01P059 فضلا أن ~~يخالط ويلابس لقدارته ونفرة الطباع السليمة عنه وكلما كان الحق أكمل حياة ~~وأصح حياء كان إبعاده لذلك أعظم ونفرته منه أقوى # فالأعيان النجسة إما أن تؤذي البدن أو القلب أو تؤذيهما معا والنجس قد ~~يؤذي برائحته وقد يؤذي بملابسته وإن لم تكن له رائحة كريهة # والمقصود : أن النجاسة تارة تكون محسوسة ظاهرة وتارة تكون معنوية باطنة ~~فيغلب على الروح والقلب الخبث والنجاسة حتى إن صاحب القلب الحي ليشم من تلك ~~الروح والقلب رائحة خبيثة يتأذى بها كما يتأذى من شم رائحة النتن ويظهر ذلك ~~كثيرا في عرقه حتى ليوجد لرائحة عرقه نتنا فإن نتن الروح والقلب يتصل بباطن ~~البدن أكثر من ظاهره والعرق يفيض من الباطن ولهذا كان الرجل الصالح طيب ~~العرق وكان رسول اللهأطيب الناس عرقا قالت أم سليم وقد سألها رسول الله ~~عليه الصلاة والسلام عنه وهي تلتقطه هو من أطيب الطيب فالنفس النجسة ~~الخبيثة يقوى خبثها ونجاستها حتى يبدو على الجسد والنفس الطيبة بضدها فإذا ~~تجردت وخرجت من البدن وجد لهذه كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض ولتلك ~~كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض # والمقصود : أن الشرك لما كان أظلم الظلم وأقبح القبائح وأنكر المنكرات ~~كان أبغض الأشياء إلى الله تعالى وأكرها له وأشدها ms053 مقتا لديه ورتب عليه من ~~عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه وأخبر أنه لا يغفره وأن ~~أهله نجس ومنعهم من قربان حرمه وحرم ذبائحهم ومناكحتهم وقطع الموالاة بينهم ~~وبين المؤمنين وجعلهم أعداء له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين وأباح ~~لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم وأن يتخذوهم عبيدا وهذا لأن الشرك ~~هضم لحق الربوبية وتنقيص لعظمة الألهية وسوء ظن PageV01P060 برب العالمين ~~كما قال تعالى : ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين ~~بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم ~~وساءت مصيرا [ الفتح : 6 ] فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على ~~أهل الشرك فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به ولو أحسنوا به الظن لوحدوه ~~حق توحيده ولهذا أخبر سبحانه عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره في ثلاثة ~~مواضع من كتابه وكيف يقدره حق قدره من جعل له عدلا وندا يحبه ويخافه ويرجوه ~~ويذل له ويخضع له ويهرب من سخطه ويؤثر مرضاته قال تعالى : ومن الناس من ~~يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله [ البقره : 165 ] وقال تعالى : ~~الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون [ الأنعام : 1 ] أي يجعلون له عدلا في العبادة والمحبة ~~والتعظيم وهذه هي التسوية التي أثبتها المشركون بين الله وبني آلهتهم ~~وعرفوا وهم في النار أنها كانت ضلالا وباطلا فيقولون لألهتهم وهم في النار ~~معهم رتالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين [ الشعراء : 98 ] ~~ومعلوم أنهم ما سووهم به في الذات والصفات والأفعال ولا قالوا : إن آلهتهم ~~خلقت السموات والأرض وأنها تحيي وتميت وإنما سووها به في محبتهم لها ~~وتعظيمهم لها وعبادتهم إياها كما ترى عليه أهل الإشراك ممن ينتسب إلى ~~الإسلام ومن العجب أنهم ينسبون أهل التوحيد إلى التنقص بالمشايخ والأنبياء ~~والصالحين وما ذنبهم إلا أن قالوا : إنهم عبيد لا يملكون لأنفسهم ولا ~~لغيرهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وأنهم لا ms054 يشفعون لعابديهم ~~أبدا بل قد حرم الله شفاعتهم لهم ولا يشفعون لأهل التوحيد إلا بعد إذن الله ~~لهم في الشفاعة فليس لهم من الأمر شيء بل الأمر كله لله والشفاعة كلها له ~~سبحانه والولاية له فليس لخلقه من دونه ولي ولا شفيع PageV01P061 فالشرك ~~والتعطيل مبنيان على سوء الظن بالله تعالى ولهذا قال إبراهيم إمام الحنفاء ~~لخصمائه من المشركين : @QB@ أئفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب ~~العالمين @QE@ [ الصافات : 86 ] وإن كان المعنى ما ظنكم به أن يعاملكم ~~ويجازيكم به وقد عبدتم معه غيره وجعلتم له ندا فأنت تجد تحت هذا التهديد : ~~ما ظننتم بربكم من السوء حتى عبدتم معه غيره فإن المشرك إما أن يظن أن الله ~~سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم من : من وزير أو ظهير أو عون وهذا ~~أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته وكل ما سواه فقير إليه بذاته ~~وإما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك وإما أن يظن بأنه ~~لا يعلم حتى يعلمه الواسطة أولا يرحم حتى يجعله الواسطة يرحم أو لا يكفي ~~عبده وحده أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة كما يشفع ~~المخلوق عند المخلوق فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به ~~وتكثره به من القلة وتعززه به من الذلة أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا ~~الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه كما هو حال ملوك الدنيا وهذا أصل شرك ~~الخلق أو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم حتى يرفع الوسائط ذلك أو يظن ~~أن للمخلوق عليه حقا فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه ويتوسل إليه بذلك ~~المخلوق كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم ولا يمكنهم ~~مخالفته وكل هذا تنقص للربوبية وهضم لحقها ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة ~~الله تعالى وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه من قلب المشرك بسبب ~~قسمته ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به فينقص ويضعف أو ms055 يضمحل ذلك التعظيم ~~والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه لكفى ~~في شفاعته # فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه والتنقص لازم له ضرورة شاء المشرك أم أبى ~~ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته أن لا يغفره وأن يخلد صاحبه في ~~العذاب الأليم ويجعله أشقى البرية فلا تجد مشركا قط إلا وهو متنقص لله ~~سبحانه وإن زعم أنه يعظمه بذلك كما أنك لا تجد مبتدعا إلا وهو متنقص للرسول ~~وإن زعم أنه معظم له بتلك البدعة فإنه يزعم أنها خير من السنة وأولى ~~بالصواب أو يزعم أنها هي السنة إن كان جاهلا مقلدا وإن كان مستبصرا في ~~بدعته فهو مشاق لله ورسوله PageV01P062 # فالمتنقصون المنقوصون عند الله تعالى ورسوله وأوليائه : هم أهل الشرك ~~والبدعة ولا سيما من بنى دينه على أن كلام الله ورسوله أدلة لفظية لا تفيد ~~اليقين ولا تغني من اليقين والعلم شيئا فيا لله للمسلمين أي شىء فات من هذا ~~التنقضص # وكذلك من نفى صفات الكمال عن الرب تعالى خشية ما يتوهمه من التشبيه ~~والتجسيم فقد جاء من التنقص بضد ما وصف الله سبحانه به نفسه من الكمال # والمقصود : أن هاتين الطائفتين هم أهل التنقص في الحقيقة بل هم أعظم ~~الناس تنقصا لبس عليهم الشيطان حتى ظنوا ان تنقصهم هو الكمال ولهذا كانت ~~البدعة قرينة الشرك في كتاب الله تعالى قال تعالى : قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما ~~لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون [ الأعراف : 33 ] ~~فالإثم والبغي قرينان والشرك والبدعة قرينان # | فصل وأما نجاسة الذنوب والمعاصي فإنها بوجه آخر فإنها لا تستلزم # تنقيص الربوبية ولا سوء الظن بالله عز وجل ولهذا لم يرتب الله سبحانه ~~عليها من العقوبات والأحكام ما رتبه على الشرك وهكذا استقرت الشريعة على ~~أنه يعفي عن النجاسة المخفقة كالنجاسة في محل الاستجمار وأسفل الخف والحذاء ~~أو بول الصبي الرضيع وغير ذلك ما لا ms056 يعفى عن المغلظة وكذلك يعفي عن الصغائر ~~ما لا يعفي عن الكبائر ويعفي لأهل التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشرك ~~مالا يعفى لمن ليس كذلك فلو لقي الموحد الذي لم يشرك بالله شيئا ~~PageV01P063 ألبتة ربه بقراب الأرض خطاياه أتاه بقرابها مغفرة ولا يحصل هذا ~~لمن نقص توحيده وشابه بالشرك فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى ~~معه ذنب فإنه يتضمن من محبة الله تعالى وإجلاله وتعظيمه وخوفه ورجائه وحده ~~ما يوجب غسل الذنوب ولو كانت قراب الأرض فالنجاسة عارضة والدافع لها قوى ~~فلا تثبت معه ولكن نجاسة الزنا واللواطة أغلظ من غيرها من النجاسات من جهة ~~أنها تفسد القلب وتضعف توحيده جدا ولهذا كان أحظى الناس بهذه النجاسة ~~أكثرهم شركا فكلما كان الشرك في العبد أغلب كانت هذه النجاسة والخبائث فيه ~~أكثر وكلما كان أعظم إخلاصا كان منها أبعد كما قال تعالى عن يوسف الصديق ~~عليه السلام : @QB@ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ~~@QE@ [ يوسف : 24 ] فان عشق الصور المحرمة نوع تعبد لها بل هو من أعلى ~~أنواع التعبد ولا سيما إذا استولى على القلب وتمكن منه صار تتيما والتتيم ~~التعبد فيصير العاشق عابدا لمعشوقه وكثيرا ما يغلب حبه وذكره والشوق إليه ~~والسعي في مرضاته وإيثار محابه على حب الله وذكره والسعي في مرضاته بل ~~كثيرا ما يذهب ذلك من قلب العاشق بالكلية ويصير متعلقا بمعشوقه من الصور ~~كما هو مشاهد فيصير المعشوق هو إلهه من دون الله عز وجل يقدم رضاه وحبه على ~~رضى الله وحبه ويتقرب إليه ما لا يتقرب إلى الله وينفق في مرضاته ما لا ~~ينفقه في مرضاة الله ويتجنب من سخطه ما لا يتجنب من سخط الله تعالى فيصير ~~آثر عنده من ربه : خبا وخضوعا وذلا وسمعا وطاعة # ولهذا كان العشق والشرك متلازمين وإنما حكى الله سبحانه العشق عن ~~المشركين من قوم لوط وعن امرأة العزيز وكانت إذ ذاك مشركة فكلما قوى شرك ~~العبد بلى بعشق الصور وكلما قوى توحيده صرف ms057 ذلك عنه والزنا واللواطة كمال ~~لذتهما إنما يكون مع العشق ولا يخلو صاحبهما منه وإنما لتنقله من محل إلى ~~محل لا يبقى عشقه مقصورا على محل واحد بل ينقسم على سهام كثيرة لكل محبوب ~~نصيب من تألهه وتعبده PageV01P064 فليس في الذنوب أفسد للقلب والدين من ~~هاتين الفاحشتين ولهما خاصية في تبعيد القلب من الله فإنهما من أعظم ~~الخبائث فإذا انصبغ القلب بهما بعد ممن هو طيب لا يصعد إليه إلا طيب وكلما ~~ازداد خبثا ازداد من الله بعدا ولهذا قال المسيح فيما رواه الإمام أحمد في ~~كتاب الزهد لا يكون البطالون من الحكماء ولا يلج الزناة ملكوت السماء # ولما كانت هذه حال الزنا كان قريبا للشرك في كتاب الله تعالى قال الله ~~تعالى : @QB@ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا ~~زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين @QE@ [ النور : 3 ] # والصواب : القول بأن هذه الآية محكمة يعمل بها لم ينسخها شيء وهي مشتملة ~~على خبر وتحريم ولم يأت من ادعى نسخها بحجة ألبتة والذي أشكل منها على كثير ~~من الناس واضح بحمد الله تعالى فإنهم أشكل عليهم قوله : الزاني لا ينكح إلا ~~زانية أو مشركة هل هو خبر أو نهي أو إباحة فإن كان خبرا فقد رأينا كثيرا من ~~الزناة ينكح عفيفة وإن كان نهيا فيكون قد نهى الزاني أن يتزوج إلا بزانية ~~أو مشركة فيكون نهيا له عن نكاح المؤمنات العفائف وإباحة له في نكاح ~~المشركات والزواني والله سبحانه لم يرد ذلك قطعا فلما أشكل عليهم ذلك طلبوا ~~للآية وجها يصح حملها عليه فقال بعضهم : المراد من النكاح الوطء والزنا ~~فكأنه قال : الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة # وهذا فاسد فإنه لا فائدة فيه ويصان كلام الله تعالى عن حمله على مثل ذلك ~~فإنه من المعلوم أن الزاني لا يزنى إلا بزانية فأى فائدة في الإخبار بذلك ~~ولما رأى الجمهور فساد هذا التأويل أعرضوا عنه # ثم قالت طائفة : هذا عام اللفظ خاص المعنى والمراد به ms058 رجل واحد وامرأة ~~واحدة وهي # عناق البغي وصاحبها فإنه أسلم واستأذن رسول الله في نكاحها فنزلت هذه ~~الآية PageV01P065 # وهذا أيضا فاسد فإن هذه الصورة المعينة وإن كانت سبب النزول فالقرآن لا ~~يقتصر به على محال أسبابه ولو كان كذلك لبطل الاستدلال به على غيرها # وقالت طائفة : بل الآية منسوخة بقوله : @QB@ وأنكحوا الأيامى منكم @QE@ [ ~~النور : 32 ] وهذا أفسد من الكل فإنه لا تعارض بين هاتين الآيتين ولا تناقض ~~إحداهما الأخرى بل أمر سبحانه بإنكاح الأيامي وحرم نكاح الزانية كما حرم ~~نكاح المعتدة والمحرمة وذوات المحارم فأين الناسخ والمنسوخ في هذا # فإن قيل : فما وجه الآية قيل : وجهها والله أعلم أن المتزوج أمر أن يتزوج ~~المحصنة العفيفة وإنما أبيح له نكاح المرأة بهذا الشرط كما ذكر ذلك سبحانه ~~في سورتي النساء والمائدة والحكم المعلق على الشرط ينتفي عند انتفائه ~~والإباحة قد علقت على شرط الإحصان فإذا انتفى الإحصان انتفت الإباحة ~~المشروطة به فالمتزوج إما أن يلتزم حكم الله وشرعه الذي شرعه على لسان ~~رسوله أو لا يلتزمه فإن لم يلتزمه فهو مشرك لا يرضى بنكاحه إلا من هو مشرك ~~مثله وإن التزمه وخالفه ونكح ما حرم عليه لم يصح النكاح فيكون زانيا فظهر ~~معنى قوله : @QB@ لا ينكح إلا زانية أو مشركة @QE@ [ النور : 3 ] وتبين ~~غاية البيان وكذلك حكم المرأة # وكما أن هذا الحكم هو موجب القرآن وصريحه فهو موجب الفطرة ومقتضى العقل ~~فإن الله سبحانه حرم على عبده أن يكون قرنانا ديوثا زوج بغى فإن الله تعالى ~~فطر الناس على استقباح ذلك واستهجانه ولهذا إذا بالغوا في سب الرجل قالوا : ~~زوج قحبة فحرم الله على المسلم أن يكون كذلك # فظهرت حكمة التحريم وبان معنى الآية والله الموفق # ومما يوضح التحريم وأنه هو الذي يليق بهذه الشريعة الكاملة : أن هذه ~~الجناية من المرأة تعود بفساد فراش الزوج وفساد النسب الذي جعله الله تعالى ~~بين الناس لتمام مصالحهم PageV01P066 وعده من جملة نعمه عليهم فالزنا يفضي ~~إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب فمن محاسن الشريعة : تحريم ms059 نكاح الزانية ~~حتى تتوب وتستبرأ # وأيضا فإن الزانية خبيثة كما تقدم بيانه والله سبحانه جعل النكاح سببا ~~للمودة والرحمة والمودة وخالص الحب فكيف تكون الخبيثة مودودة للطيب زوجا له ~~والزوج سمى زوجا من الازدواج وهو الاشتباه فالزوجان الإثنان المتشابهان ~~والمنافرة ثابتة بين الطيب والخبيث شرعا وقدرا فلا يحصل معها الازدواج ~~والتراحم والتواد فلقد أحسن كل الإحسان من ذهب إلى هذا المذهب ومنع الرجل ~~أن يكون زوج قحبة # فأين هذا من قول من جوز أن يتزوجها ويطأها الليلة وقد وطئها الزاني ~~البارحة وقال : ماء الزاني لا حرمة له فهب أن الأمر كذلك فماء الزوج له ~~حرمة فكيف يجوز اجتماعه مع ماء الزاني في رحم واحد # والمقصود : أن الله سبحانه سمى الزواني والزناة خبيثين وخبيثات وجنس هذا ~~الفعل قد شرعت فيه الطهارة وإن كان حلالا وسمي فاعله جنبا لبعده عن قراءة ~~القرآن وعن الصلاة وعن المساجد فمنع من ذلك كله حتى يتطهر بالماء فكذلك إذا ~~كان حراما يبعد القلب عن الله تعالى وعن الدار الآخرة بل يحول بينه وبين ~~الإيمان حتى يحدث طهرا كاملا بالتوبة وطهرا لبدنه بالماء وقول اللوطية : ~~@QB@ أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون @QE@ [ ] من جنس قوله سبحانه في ~~أصحاب الأخدود : @QB@ وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ~~@QE@ [ ] وقوله تعالى : @QB@ قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل @QE@ [ ] # وهكذا المشرك إنما ينقم على الموحد تجريده للتوحيد وأنه لا يشوبه ~~بالإشراك وهكذا المبتدع : إنما ينقم على السني تجريده متابعة الرسول وأنه ~~لم يشبها بآراء الرجال ولا بشيء مما خالفها فصبر الموحد المتبع للرسول على ~~ما ينقمه عليه أهل الشرك والبدعة خير له وأنفع وأسهل عليه من صبره على ما ~~ينقمه الله ورسوله عليه من موافقة أهل الشرك والبدعة # إذا لم يكن بد من الصبر فاصطبر % على الحق ذاك الصبر تحمد عقباه ~~PageV01P067 # | الباب العاشر في علامات مرض القلب وصحته كل عضو من أعضاء البدن # خلق لفعل خاص به كماله في ms060 حصول ذلك الفعل منه ومرضه : أن يتعذر عليه ~~الفعل الذي خلق له حتى لا يصدر منه أو يصدر مع نوع من الاضطراب فمرض اليد : ~~أن يتعذر عليها البطش ومرض العين : أن يتعذر عليها النظر والرؤية ومرض ~~اللسان : أن يتعذر عليه النطق ومرض البدن : أن يتعذر عليه حركته الطبيعية ~~أو يضعف عنها ومرض القلب : أن يتعذر عليه ما خلق له من معرفة الله ومحبته ~~والشوق إلى لقائه والإنابة إليه وإيثار ذلك على كل شهوة فلو عرف العبد كل ~~شيء ولم يعرف ربه فكأنه لم يعرف شيئا ولو نال كل حظ من حظوظ الدنيا ولذاتها ~~وشهواتها ولم يظفر بمحبة الله والشوق إليه والأنس به فكأنه لم يظفر بلذة ~~ولا نعيم ولا قرة عين بل إذا كان القلب خاليا عن ذلك عادت تلك الحظوظ ~~واللذات عذابا له ولابد فيصير معذبا بنفس ما كان منعما به من جهتين : من ~~جهة حسرة فوته وأنه حيل بينه وبينه مع شدة تعلق روحه به ومن جهة فوت ما هو ~~خير له وأنفع وأدوم حيث لم يحصل له فالمحبوب الحاصل فات والمحبوب الأعظم لم ~~يظفر به وكل من عرف الله أحبه وأخلص العبادة له ولا بد ولم يؤثر عليه شيئا ~~من المحبوبات فمن آثر عليه شيئا من المحبوبات فقلبه مريض كما أن المعدة إذا ~~اعتادت أكل الخبيث وآثرته على الطيب سقطت عنها شهوة الطيب وتعوضت بمحبة ~~غيره # وقد يمرض القلب ويشتد مرضه ولا يعرف به صاحبه لاشتغاله وانصرافه عن معرفة ~~صحته وأسبابها بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته وعلامة ذلك أنه لا تؤلمه ~~جراحات القبائح ولا يوجعه جهله بالحق وعقائده الباطلة فإن القلب إذا كان ~~فيه حياة تألم بورود القبيح عليه وتألم بجهله بالحق بحسب حياته # وما لجرح بميت إيلام PageV01P068 وقد يشعر بمرضه ولكن يشتد عليه تحمل ~~مرارة الدواء والصبر عليها فهو يؤثر بقاء الله على مشقة الدواء فإن دواءه ~~في مخالفة الهوى وذلك أصعب شيء على النفس وليس لها أنفع منه # وتارة يوطن نفسه على الصبر ms061 ثم ينفسخ عزمه ولا يستمر معه لضعف علمه ~~وبصيرته وصبره : كمن دخل في طريق مخوف مفض إلى غاية الأمن وهو يعلم أنه إن ~~صبر عليه انقضى الخوف وأعقبه الأمن فهو محتاج إلى قوة صبر وقوة يقين بما ~~يصير إليه ومتى ضعف صبره ويقينه رجع من الطريق ولم يتحمل مشقتها ولا سيما ~~إن عدم الرفيق واستوحش من الوحدة وجعل يقول : أين ذهب الناس فلي بهم أسوة ~~وهذه حال أكثر الخلق وهي التي أهلكتهم فالبصير الصادق لا يستوحش من قلة ~~الرفيق ولا من فقده إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا فتفرد ~~العبد في طريق طلبه دليل على صدق الطلب # ولقد سئل إسحاق بن راهويه عن مسألة فأجاب فقيل له : إن أخاك أحمد بن حنبل ~~يقول فيها بمثل ذلك فقال : ما ظننت أن أحدا يوافقني عليها ولم يستوحش بعد ~~ظهور الصواب له من عدم الموافقة فإن الحق إذا لاح وتبين لم يحتج إلى شاهد ~~يشهد به والقلب يبصر الحق كما تبصر العين الشمس فإذا رأى الرائي الشمس لم ~~يحتج في علمه بها واعتقاده أنها طالعة إلى من يشهد بذلك ويوافقة عليه # وما أحسن ما قال أبو محمد عبدالرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في ~~كتاب الحوادث والبدع : حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق ~~واتباعه وإن كان الممتسك به قليلا والمخالف له كثيرا لأن الحق هو الذي كانت ~~عليه الجماعة الأولى من عهد النبيوأصحابه ولا نظر إلى كثرة أهل البدع بعدهم ~~قال عمرو بن ميمون الأودي : صحبت معاذا باليمن فما فارقته حتى واريته في ~~التراب بالشام ثم صحبت بعده أفقه الناس عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ~~فسمعته يقول : عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ثم سمعته يوما من ~~الأيام وهو يقول : سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها فصلوا الصلاة ~~لميقاتها فهي الفريضة وصلوا معهم فإنها لكم نافلة قال قلت : يا أصحاب محمد ~~ما أدري ما تحدثونا ms062 قال : وماذاك قلت : تأمرني بالجماعة وتحضني عليها ثم ~~تقول : صل الصلاة وحدك وهي PageV01P069 الفريضة وصل مع الجماعة وهي نافلة ~~قال : يا عمرو بن ميمون قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية تدري ما ~~الجماعة قلت : لا قال : إن جمهور الجماعة : الذين فارقوا الجماعة الجماعة ~~ما وافق الحق وإن كنت وحدك وفي طريق أخرى فضرب على فخذي وقال : ويحك إن ~~جمهور الناس فارقوا الجماعة وإن الجماعة ما وافق طاعة الله عز وجل قال نعيم ~~بن حماد : يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد ~~وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ ذكره البيهقي وغيره # وقال أبو شامة عن مبارك عن الحسن البصري قال السنة والذي لا إله إلا هو ~~بين الغالي والجافي فاصبروا عليها رحمكم الله فإن أهل السنة كانوا أقل ~~الناس فيما مضى وهم أقل الناس فيما بقي : الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف ~~في إترافهم ولا مع أهل البدع في بدعهم وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم ~~فكذلك إن شاء الله فكونوا وكان محمد بن أسلم الطوسي الإمام المتفق على ~~إمامته مع رتبته أتبع الناس للسنة في زمانه حتى قال : ما بلغني سنة عن رسول ~~اللهإلا عملت بها ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكبا فما مكنت من ذلك فسئل ~~بعض أهل العلم في زمانه عن السواد الأعظم الذين جاء فيهم الحديث إذا اختلف ~~الناس فعليكم بالسواد الأعظم فقال : محمد بن أسلم الطوسي هو السواد الأعظم ~~وصدق والله فإن العصر إذا كان فيه عارف بالسنة داع إليها فهو الحجة وهو ~~الإجماع وهو السوار الأعظم وهو سبيل المؤمنين التي من فارقها واتبع سواها ~~ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا # والمقصود : أن من علامات أمراض القلوب عدولها عن الأغذية النافعة ~~الموافقة لها إلى الأغذية الضارة وعدولها عن دوائها النافع إلى دائها الضار ~~فهنا أربعة أمور : غذاء نافع ودواء شاف وغذاء ضار ودواء مهلك # فالقلب الصحيح يؤثر النافع الشافي على الضار المؤذي والقلب المريض بضد ms063 ~~ذلك # وأنفع الأغذية غذاء الإيمان وأنفع الأدوية دواء القرآن وكل منهما فيه ~~الغذاء والدواء # ومن علامات صحته ايضا : أن يرتحل عن الدنيا حتى ينزل بالآخرة ويحل فيها ~~حتى يبقى كأنه من أهلها وأبنائها جاء إلى هذه الدار غريبا يأخذ منها حاجته ~~ويعود إلى وطنه PageV01P070 كما قال عليه السلام لعبد الله بن عمر كن في ~~الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور : # فحي على جنات عدن فإنها % منازلك الأولى وفيها المخيم # ولكننا سبي العدو فهل ترى % نعود إلى أوطاننا ونسلم وقال علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه إن الدنيا قد ترحلت مدبرة وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة ولكل ~~منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم ~~عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل # وكلما صح القلب من مرضه ترحل إلى الآخرة وقرب منها حتى يصير من أهلها ~~وكلما مرض القلب واعتل آثر الدنيا واستوطنها حتى يصير من أهلها # ومن علامات صحة القلب أنه لا يزال يضرب على صاحبه حتى ينيب إلى الله ~~ويخبت إليه ويتعلق به تعلق المحب المضطر إلى محبوبه الذي لا حياة له ولا ~~فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا برضاه وقربه والأنس به فبه يطمئن وإليه يسكن ~~وإليه يأوي وبه يفرح وعليه يتوكل وبه يثق وأياه يرجو وله يخاف فذكره : قوته ~~وغذاؤه ومحبته والشوق إليه : حياته ونعيمه ولذته وسروره والالتفاف إلى غيره ~~والتعلق بسواه داؤه والرجوع اليه دواؤه فإذا حصل له ربه سكن إليه واطمأن به ~~وزال ذلك الاضطراب والقلق وانسدت تلك الفاقة فإن في القلب فاقة لا يسدها ~~شيء سوى الله تعالى أبدا وفيه شعث لا يلمه غير الإقبال عليه وفيه مرض لا ~~يشفيه غير الإخلاص له وعبادته وحده فهو دائما يضرب على صاحبه حتى يسكن ~~ويطمئن إلى الهه ومعبوده فحينئذ يباشر روح الحياة ويذوق طعمها ويصير له ~~حياة أخرى غير حياة الغافلين المعرضين عن هذا الأمر الذي له خلق الخلق ~~ولأجله خلقت الجنة والنار وله أرسلت ms064 الرسل ونزلت الكتب ولو لم يكن جزاء إلا ~~نفس وجوده لكفى به جزاء وكفى بفوته حسرة وعقوبة PageV01P071 # قال بعض العارفين مساكين أهل الدينا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما ~~فيها قيل : وما أطيب ما فيها قال : محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه ~~والتنعم بذكره وطاعته # وقال آخر : إنه ليمر بي أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذا ~~إنهم لفي عيش طيب # وقال آخر : والله ما طابت الدنيا إلا بمحبته وطاعته ولا الجنة إلا برؤيته ~~ومشاهدته وقال أبو الحسين الوراق : حياة القلب في ذكر الحي الذي لا يموت ~~والعيش الهني الحياة مع الله تعالى لا غير # ولهذا كان الفوت عند العارفين بالله أشد عليهم من الموت لأن الفوت انقطاع ~~عن الحق والموت انقطاع عن الخلق فكم بين الانقطاعين # وقال آخر : من قرت عينه بالله تعالى قرت به كل عين ومن لم تقر عينه بالله ~~تقطع قلبه على الدنيا حسرات # وقال يحيى بن معاذ : من سر بخدمة الله سرت الأشياء كلها بخدمته ومن قرت ~~عينه بالله قرت عيون كل أحد بالنظر إليه # ومن علامات صحة القلب : أن لا يفتر عن ذكر ربه ولا يسأم من خدمته ولا ~~يأنس بغيره إلا بمن يدله عليه ويذكره به ويذاكره بهذا الأمر # ومن علامات صحته : أنه إذا فاته ورده وجد لفواته ألما أعظم من تألم ~~الحريص بفوات ماله وفقده # ومن علامات صحته : أنه يشتاق إلى الخدمة كما يشتاق الجائع إلى الطعام ~~والشراب # ومن علامات صحته : أنه إذا دخل في الصلاة ذهب عنه همه وغمه بالدنيا واشتد ~~عليه خروجه منها ووجد فيها راحته ونعيمه وقرت عينه وسرور قلبه # ومن علامات صحته : أن يكون همه واحدا وأن يكون في الله # ومن علامات صحته : أن يكون أشح بوقته أن يذهب ضائعا من أشد الناس شحا ~~بماله # ومنها : أن يكون اهتمامه بتصحيح العمل أعظم منه بالعمل فيحرص على الإخلاص ~~فيه والنصحية والمتابعة والإحسان ويشهد مع ذلك منة الله عليه فيه وتقصيره ~~في حق الله PageV01P072 # فهذه ms065 ست مشاهد لا يشهدها إلا القلب الحي السليم # وبالجملة فالقلب الصحيح : هو الذي همه كله في الله وحبه كله له وقصده له ~~وبدنه له وأعماله له ونومه له ويقظته له وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من ~~كل حديث وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابه : الخلوة به آثر عنده من الخلطة ~~إلا حيث تكون الخلطة أحب إليه وأرضى له قرة عينه به وطمأنينته وسكونه إليه ~~فهو كلما وجد من نفسه التفاتا إلى غيره تلا عليها @QB@ يا أيتها النفس ~~المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية @QE@ [ ] فهو يردد عليها الخطاب بذلك ~~ليسمعه من ربه يوم لقائه فينصبغ القلب بين يدي إلهه ومعبوده الحق بصبغة ~~العبودية فتصير العبودية صفة له وذوقا لا تكلفا فيأتي بها توددا وتحببا ~~وتقربا كما يأتي المحب المقيم في محبة محبوبه بخدمته وقضاء أشغاله فكلما ~~عرض له أمر من ربه أو نهي أحس من قلبه ناطقا ينطق لبيك وسعديك إني سامع ~~مطيع ممتثل ولك علي المنة في ذلك والحمد فيه عائد إليك # وإذا أصابه قدر وجد من قلبه ناطقا يقول أنا عبدك ومسكينك وفقيرك وأنا ~~عبدك الفقير العاجز الضعيف المسكين وأنت ربي العزيز الرحيم لا صبر لي إن لم ~~تصبرني ولا قوة لي إن لم تحملني وتقوني لا ملجأ لي منك إلا إليك ولا مستعان ~~لي إلا بك ولا انصراف لي عن بابك ولا مذهب لي عنك # فينطرح بمجموعه بين يديه ويعتمد بكليته عليه فإن أصابه بما يكره قال : ~~رحمة أهديت إلي ودواء نافع من طبيب مشفق وإن صرف عنه ما يحب قال : شرا صرف ~~عني # وكم رمت أمرا خرت لي في انصرافه % وما زلت بي منى أبر وأرحما فكل ما مسه ~~به من السراء والضراء اهتدى بها طريقا إليه وانفتح له منه باب يدخل منه ~~عليه كما قيل : # ما مسني قدر بكره % أو رضى إلا اهتديت به إليك طريقا # أمض القضاء على الرضى منى به % إني وجدتك في البلاء رفيقا ولله هاتيك ~~القلوب وما انطوت عليه من الضمائر وماذا أودعته ms066 من الكنوز والذخائر ولله ~~طيب أسرارها ولا سيما يوم تبلى السرائر # سيبدو لها طيب ونور وبهجة % وحسن ثناء يوم تبلى السرائر PageV01P073 ~~بالله لقد رفع لها علم عظيم فشمرت إليه واستبان لها صراط مستقيم فاستقامت ~~عليه ودعاها ما دون مطلوبها الأعلى فلم تستجب إليه واختارت على ما سواه ~~وآثرت ما لديه # | الباب الحادي عشر في علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه هذا # الباب كالأساس والأصل لما بعده من الأبواب فإن سائر أمراض القلب إنما ~~تنشأ من جانب النفس فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصب ثم تنبعث منها إلى ~~الأعضاء وأول ما تنال القلب وقد كان رسول اللهيقول في خطبة الحاجة الحمد ~~لله نستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا # وفي المسند والترمذي من حديث حصين بن عبيد ورد أن رسول اللهقال له : يا ~~حصين كم تعبد قال : سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء قال : فمن الذي تعد ~~لرغبتك ورهبتك قال : الذي في السماء قال : أسلم حتى أعلمك كلمات ينفعك الله ~~بها فأسلم فقال : قل : اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي # وقد استعاذمن شرها عموما ومن شر ما يتولد منها من الأعمال ومن شر ما ~~يترتب على ذلك من المكاره والعقوبات وجمع بين الاستعاذة من شر النفس ومن ~~سيئات الأعمال وفيه وجهان : PageV01P074 # أحدهما : أنه من باب إضافة النوع إلى جنسه أي أعوذ بك من هذا النوع من ~~الأعمال # والثاني : أن المراد به عقوبات الأعمال التي تسوء صاحبها # فعلى الأول : يكون قد استعاذ من صفة النفس وعملها # وعلى الثاني : يكون قد استعاذ من العقوبات وأسبابها # ويدخل العمل السيء في شر النفس فهل المعنى : ما يسوءني من جزاء عملي أو ~~من عملي السيء وقد يترجح الأول فإن الاستعاذة من العمل السيء بعد وقوعه ~~إنما هي استعاذة من جزائه وموجبه وإلا فالموجود لا يمكن رفعه بعينه # وقد اتفق السالكون إلى الله على اختلاف طرقهم وتباين سلوكهم على أن النفس ~~قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب وأنه لا يدخل عليه سبحانه ms067 ولا يوصل ~~إليه إلا بعد إماتتها وتركها بمخالفتها والظفر بها # فإن الناس على قسمين : قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته وصار طوعا لها ~~تحت أوامرها وقسم ظفروا بنفوسهم فقهروها فصارت طوعا لهم منقادة لأوامرهم # قال بعض العارفين : انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم فمن ظفر بنفسه ~~أفلح وأنجح ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك قال تعالى : @QB@ فأما من طغى وآثر ~~الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن ~~الهوى فإن الجنة هي المأوى @QE@ [ ] # فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا والرب يدعو عبده إلى خوفه ~~ونهي النفس عن الهوى والقلب بين الداعيين يميل إلى هذا الداعي مرة وإلى هذا ~~مرة وهذا موضع المحنة والابتلاء وقد وصف سبحانه النفس في القرآن بثلاثة ~~صفات : المطمئنة والأمارة بالسوء واللوامة # فاختلف الناس : هل النفس واحدة وهذه أوصاف لها أم للعبد ثلاث أنفس : نفس ~~مطمئنة ونفس لوامة ونفس أمارة # فالأول قول الفقهاء والمتكلمين وجمهور المفسرين وقول محققي الصوفية ~~والثاني قول كثير من أهل التصوف PageV01P075 # والتحقيق : أنه لا نزاع بين الفريقين فإنها واحدة باعتبار ذاتها وثلاث ~~باعتبار صفاتها فإذا اعتبرت بنفسها فهي واحدة وإن اعتبرت مع كل صفة دون ~~الأخرى فهي متعددة وما أظنهم يقولون إن لكل أحد ثلاث أنفس : كل نفس قائمة ~~بذاتها مساوية للأخرى في الحد والحقيقة وأنه إذا قبض العبد قبضت له ثلاث ~~أنفس كل واحدة مستقلة بنفسها # وحيث ذكر سبحانه النفس وأضافها إلى صاحبها فإنما ذكرها بلفظ الإفراد ~~وهكذا في سائر الأحاديث ولم يجىء في موضع واحد نفوسك و نفوسه ولا أنفسك و ~~أنفسه وإنما جاءت مجموعه عند إرادة العموم كقوله @QB@ وإذا النفوس زوجت ~~@QE@ أو عند إضافتها إلى الجمع كقولهإنما أنفسنا بيد الله ولو كانت في ~~الإنسان ثلاث أنفس لجاءت مجموعة إذا أضيفت إليه ولو في موضع واحد # فالنفس إذا سكنت إلى الله واطمأنت بذكره وأنابت إليه واشتاقت إلى لقائه ~~وأنست بقربه فهي مطمئنة وهي التي يقال لها عند الوفاة @QB@ يا أيتها النفس ~~المطمئنة ارجعي إلى ms068 ربك راضية مرضية @QE@ [ ] قال ابن عباس : @QB@ يا أيتها ~~النفس المطمئنة @QE@ [ الفجر : 27 ] يقول : المصدقة وقال قتادة : هو المؤمن ~~اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله وقال الحسن المطمئنة بما قال الله والمصدقة ~~بما قال وقال مجاهد هي المنيبة المخبتة التي أيقنت أن الله ربها وضربت جأشا ~~لأمره وطاعته وأيقنت بلقائه وحقيقة الطمأنينة : السكون والاستقرار فهي التي ~~قد سكنت إلى ربها وطاعته وأمره وذكره ولم تسكن إلى سواه فقد اطمأنت إلى ~~محبته وعبوديته وذكره واطمأنت إلى أمره ونهيه وخبره واطمأنت إلى لقائه ~~ووعده واطمأنت إلى التصديق بحقائق أسمائه وصفاته واطمأنت إلى الرضى به ربا ~~وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا واطمأنت إلى قضائه وقدره واطمأنت إلى كفايته ~~وحسبه وضمانه فاطمأنت بأنه وحده ربها وإلهها ومعبودها ومليكها ومالك أمرها ~~كله وأن مرجعها إليه وأنها لا غنى لها عنه طرفة عين PageV01P076 # وإذا كانت بضد ذلك فهي أمارة بالسوء تأمر صاحبها بما تهواه : من شهوات ~~الغي واتباع الباطل فهي مأوى كل سوء وإن أطاعها قادته إلى كل قبيح وكل ~~مكروه وقد أخبر سبحانه أنها أمارة بالسوء ولم يقل آمرة لكثرة ذلك منها وأنه ~~عادتها ودأبها إلا إذا رحمها الله وجعلها زاكية تأمر صاحبها بالخير فذلك من ~~رحمة الله لا منها فإنها بذاتها أمارة بالسوء لأنها خلقت في الأصل جاهلة ~~ظالمة إلا من رحمة الله والعدل والعلم طارىء عليها بإلهام ربها وفاطرها لها ~~ذلك فإذا لم يلهمها رشدها بقيت على ظلمها وجهلها فلم تكن أمارة إلا بموجب ~~الجهل والظلم فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما زكت منهم نفس واحدة # فإذا أراد الله سبحانه بها خيرا جعل فيها ما تزكو به وتصلح : من الإرادات ~~والتصورات وإذا لم يرد بها ذلك تركها على حالها التي خلقت عليها من الجهل ~~والظلم # وسبب الظلم : إما جهل وإما حاجة وهي في الأصل جاهلة والحاجة لازمة لها ~~فلذلك كان أمرها بالسوء لازما لها إن لم تدركها رحمة الله وفضله # وبهذا يعلم أن ضرورة العبد إلى ربه فوق كل ضرورة ولا تشبهها ضرورة تقاس ms069 ~~بها فإنه إن أمسك عنه رحمته وتوفيقه وهدايته طرفة عين خسر وهلك # | فصل وأما اللوامة فاختلف في اشتقاق هذه اللفظة هل هي من التلوم # وهو التلون والتردد أو هي من اللوم وعبارات السلف تدور على هذين المعنيين # قال سعيد بن جبير : قلت لابن عباس : ما اللوامة قال : هي النفس اللؤوم # وقال مجاهد : هي التي تندم على ما فات وتلوم عليه # وقال قتادة : هي الفاجرة وقال عكرمة : تلوم على الخير والشر وقال عطاء عن ~~ابن عباس كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة تلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد ~~احسانا وتلوم المسىء نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته # وقال الحسن إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته ~~يستقصرها في كل ما يفعل فيندم ويلوم نفسه وإن الفاجر ليمضي قدما لا يعاتب ~~نفسه PageV01P077 # فهذه عبارات من ذهب إلى أنها من اللوم وأما من جعلها من التلوم فلكثرة ~~ترددها وتلومها وأنها لا تستقر على حال واحدة والأول أظهر فإن هذا المعنى ~~لو أريد لقيل : المتلومة كما يقال : المتلونة والمترددة ولكن هو من لوازم ~~القول الأول فإنها لتلومها وعدم ثباتها تفعل الشىء ثم تلوم عليه فالتلوم من ~~لوازم اللوم # والنفس قد تكون تارة أمارة وتارة لوامة وتارة مطمئنة بل في اليوم الواحد ~~والساعة الواحدة يحصل منها هذا وهذا والحكم للغالب عليها من أحوالها فكونها ~~مطمئنة وصف مدح لها وكونها أمارة بالسوء وصف ذم لها وكونها لوامة ينقسم إلى ~~المدح والذم بحسب ما تلوم عليه # والمقصود : ذكر علاج مرض القلب باستيلاء النفس الأمارة عليه وله علاجان : # محاسبتها ومخالفتها وهلاك القلب من إهمال محاسبتها ومن موافقتها واتباع ~~هواها وفي الحديث الذي رواه أحمد وغيره من حديث شداد بن أوس قال : قال رسول ~~الله الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها ~~وتمنى على الله دان نفسه : أي حاسبها # وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال حاسبوا أنفسكم ~~قبل أن تحاسبوا وزنوا ms070 أنفسكم قبل أن توزنوا فإنه أهون عليكم في الحساب غدا ~~أن تحاسبوا أنفسكم اليوم وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم ~~خافية # وذكر أيضا عن الحسن قال : لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه : وماذا أردت ~~تعملين وماذا أردت تأكلين وماذا أردت تشربين والفاجر يمضي قدما قدما لا ~~يحاسب نفسه # وقال قتادة في قوله تعالى @QB@ وكان أمره فرطا @QE@ [ الكهف : 28 ] : ~~أضاع نفسه وغبن مع ذلك تراه حافظا لماله مضيعا لدينه # وقال الحسن : إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت ~~المحاسبة من همته PageV01P078 # وقال ميمون بن مهران : لا يكون العبد تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من ~~الشريك لشريكه ولهذا قيل : النفس كالشريك الخوان إن لم تحاسبه ذهب بمالك ~~وقال ميمون بن مهران أيضا : إن التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان عاص ومن ~~شريك شحيح وذكر الإمام أحمد عن وهب قال : مكتوب في حكمة آل داود : حق على ~~العاقل : أن لا يغفل عن أربع ساعات : ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها ~~نفسه وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه ~~وساعة يتخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل فإن في هذه الساعة ~~عونا على تلك الساعات وإجماما للقلوب وقد روي هذا مرفوعا من كلام النبي ~~رواه أبو حاتم وابن حبان وغيره # وكان الأحنف بن قيس يجيء إلى المصباح فيضع أصبعه فيه ثم يقول : حس يا ~~حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا ما حملك على ما صنعت يوم كذا # وكتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله : حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة ~~فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضى والغبطة ومن ~~ألهته حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة # وقال الحسن : المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه لله وإنما خف الحساب يوم ~~القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا وإنما شق الحساب يوم القيامة على ~~قوم أخذوا هذا الأمر من غير ms071 محاسبة إن المؤمن يفاجئه الشيء ويعجبه فيقول : ~~والله إني لأشتهيك وإنك لمن حاجتي ولكن والله ما من صلة إليك هيهات هيهات ~~حيل بيني وبينك ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول : ما أردت إلى هذا ~~مالي ولهذا والله لا أعود إلى هذا أبدا إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن وحال ~~بينهم وبين هلكتهم إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته لا يأمن ~~شيئا حتى يلقى الله يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره وفي لسانه وفي ~~جوارحه مأخوذ عليه في ذلك كله # قال مالك بن دينار : رحم الله عبدا قال لنفسه : ألست صاحبة كذا ألست ~~صاحبة كذا ثم زمها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله عز وجل فكان لها قائدا # وقد مثلت النفس مع صاحبها بالشريك في المال فكما أنه لا يتم مقصود الشركة ~~من PageV01P079 الربح إلا بالمشارطة على ما يفعل الشريك أولا ثم بمطالعة ما ~~يعمل والإشراف عليه ومراقبته ثانيا ثم بمحاسبته ثالثا ثم يمنعه من الخيانة ~~إن أطلع عليه رابعا فكذلك النفس : يشارطها أولا على حفظ الجوارح السبعة ~~التي حفظها هو رأس المال والربح بعد ذلك فمن ليس له رأس مال فكيف يطمع في ~~الربح وهذه الجوارح السبعة وهي العين والأذن والفم والفرج واليد والرجل : ~~هي مراكب العطب والنجاة فمنها عطب من عطب بإهمالها وعدم حفظها ونجا من ~~بحفظها ومراعتها فحفظها أساس كل خير وإهمالها أساس كل شر قال تعالى : @QB@ ~~قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم @QE@ [ النور : 30 ] وقال ~~تعالى : @QB@ ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال ~~طولا @QE@ [ الاسراء : 37 ] وقال : @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع ~~والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا @QE@ [ الاسراء : 36 ] وقال : @QB@ ~~وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن @QE@ [ الاسراء : 53 ] وقال : يأيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا [ الأحزاب : 70 ] وقال : يكأيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد [ الحشر : 18 ] # فإذا شارطها على حفظ هذه الجوارح انتقل منها ms072 إلى مطالعتها والإشراف عليها ~~ومراقبتها فلا يهملها فإنه إن أهملها لحظة رتعت في الخيانة ولا بد فإن ~~تمادى على الإهمال تمادت في الخيانة حتى تذهب رأس المال كله فمتى أحس ~~بالنقصان انتقل إلى المحاسبة فحينئذ يتبين له حقيقة الربح والخسران فإذا ~~أحس بالخسران وتيقنه استدرك منها ما يستدركه الشريك من شريكه : من الرجوع ~~عليه بما مضى والقيام بالحفظ والمراقبة في مراقبته ومحاسبته وليحذر من ~~إهماله # ويعينه على هذه المراقبة والمحاسبة : معرفته أنه كلما اجتهد فيها اليوم ~~استراح منها غدا إذا صار الحساب إلى غيره وكلما أهملها اليوم اشتد عليه ~~الحساب غدا # ويعينه عليها أيضا : معرفته أن ربح هذه التجارة سكنى الفردوس والنظر إلى ~~وجه الرب سبحانه وخسارتها : دخول النار والحجاب عن الرب تعالى فإذا تيقن ~~هذا هان عليه الحساب اليوم فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر أن لا ~~يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها ~~فكل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة PageV01P080 لا حظ لها يمكن أن يشتري ~~بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد فإضاعة هذه الأنفاس أو ~~اشتراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه : خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل ~~الناس وأحمقهم وأقلهم عقلا وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن : ~~@QB@ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها ~~وبينه أمدا بعيدا @QE@ [ آل عمران : 30 ] # | فصل ومحاسبة النفس نوعان : نوع قبل العمل ونوع بعده فأما النوع # الأول : فهو أن يقف عند أول همه وإرادته ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له ~~رجحانه على تركه # قال الحسن رحمه الله : رحم الله عبدا وقف عند همه فإن كان لله مضى وإن ~~كان لغيره تأخر # وشرح هذا بعضهم فقال : إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهم به العبد وقف ~~أولا ونظر : هل ذلك العمل مقدور له أو غير مقدور ولا مستطاع فإن لم يكن ~~مقدورا لم يقدم عليه وإن كان مقدورا وقف وقفة أخرى ونظر ms073 : هل فعله خير له ~~من تركه أو تركه خير له من فعله فإن كان الثاني تركه ولم يقدم عليه وإن كان ~~الأول وقف وقفة ثالثة ونظر : هل الباعث عليه إرادة وجه الله عز وجل وثوابه ~~أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق فإن كان الثاني لم يقدم عليه وإن ~~أفضى به إلى مطلوبه لئلا تعتاد النفس الشرك ويخف عليها العمل لغير الله ~~فبقدر ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله تعالى حتى يصير أثقل شيء ~~عليها وإن كان الأول وقف وقفة أخرى ونظر : هل هو معان عليه وله أعوان ~~يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك أم لا فإن لم يكن له أعوان ~~أمسك عنه كما أمسك النبيعن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار PageV01P081 ~~وإن وجده معانا عليه فليقدم عليه فإنه منصور ولا يفوت النجاح إلا من فوت ~~خصلة من هذه الخصال وإلا فمع اجتماعها لا يفوته النجاح # فهذه أربعة مقامات يحتاج إلى محاسبة نفسه عليها قبل العمل فما كل ما يريد ~~العبد فعله يكون مقدورا له ولا كل ما يكون مقدورا له يكون فعله خيرا له من ~~تركه ولا كل ما يكون فعله خيرا له من تركه يفعله لله ولا كل ما يفعله لله ~~يكون معانا عليه فإذا حاسب نفسه على ذلك تبين له ما يقدم عليه وما يحجم عنه # | فصل النوع الثاني : محاسبة النفس بعد العمل وهو ثلاثة أنواع : # أحدها : محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى فلم توقعها على ~~الوجه الذي ينبغي # وحق الله تعالى في الطاعة ستة أمور تقدمت وهي : الإخلاص في العمل ~~والنصيحة لله فيه ومتابعة الرسول فيه وشهود مشهد الإحسان فيه وشهود منة ~~الله عليه وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله # فيحاسب نفسه : هل وفى هذه المقامات حقها وهل أتى بها في هذه الطاعة # الثاني : أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيرا له من فعله # الثالث : أن يحاسب نفسه على أمر مباح أو معتاد : لم فعله وهل ms074 أراد به ~~الله والدار الآخرة فيكون رابحا أو أراد به الدنيا وعاجلها فيخسر ذلك الربح ~~ويفوته الظفر به # | فصل وأخر ما عليه الإهمال وترك المحاسبة والاسترسال وتسهيل الأمور # وتمشيتها فإن هذا يؤول به إلى الهلاك وهذه حال أهل الغرور : يغمض عينيه ~~عن العواقب ويمشى الحال ويتكل على العفو فيهمل محاسبة نفسه والنظر في ~~العاقبة وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة PageV01P082 الذنوب وأنس بها وعسر ~~عليها فطامها ولو حضره رشده لعلم أن الحمية أسهل من الفطام وترك المألوف ~~والمعتاد # قال ابن أبي الدنيا : حدثني رجل من قريش ذكر أنه من ولد طلحة ابن ~~عبيدالله قال : كان توبة بن الصمة بالرقة وكان محاسبا لنفسه فحسب يوما فإذا ~~هو ابن ستين سنة فحسب أيامها فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم فصرخ ~~وقال : يا ويلتي ألقى ربي بأحد وعشرين ألف ذنب كيف وفي كل يوم آلاف من ~~الذنوب ثم خر مغشيا عليه فإذا هو ميت فسمعوا قائلا يقول : يا لك ركضة إلى ~~الفردوس الأعلى # وجماع ذلك : أن يحاسب نفسه أولا على الفرائض فإن تذكر فيها نقصا تداركه ~~إما بقضاء أو إصلاح ثم يحاسبها على المناهي فإن عرف أنه ارتكب منها شيئا ~~تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية ثم يحاسب نفسه على الغفلة فإن ~~كان قد غفل عما خلق له تداركه بالذكر والإقبال على الله تعالى ثم يحاسبها ~~بما تكلم به أو مشت إليه رجلاه أو بطشت يداه أو سمعته أذناه : ماذا أرادت ~~بهذا ولمن فعلته وعلى أي وجه فعلته ويعلم أنه لابد أن ينشر لكل حركة وكلمة ~~منه ديوانان : ديوان لمن فعلته وكيف فعلته فالأول سؤال عن الإخلاص والثاني ~~سؤال عن المتابعة وقال تعالى : فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون [ ~~الحجر : 92 ] وقال تعالى : فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين ~~فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين [ الأعراف : 6 ] وقال تعالى : ليسئل ~~الصادقين عن صدقهم [ الأحزاب : 8 ] # فإذا سئل الصادقون وحوسبوا على صدقهم فما الظن بالكاذبين # قال مقاتل : يقول تعالى : أخذنا ميثاقهم لكي يسأل ms075 الله الصادقين يعني ~~النبيين عن تبليغ الرسالة وقال مجاهد : يسأل المبلغين المؤدين عن الرسل ~~يعني : هل بلغوا عنهم كما يسأل الرسل هل بلغوا عن الله تعالى # والتحقيق : أن الآية تتناول هذا وهذا فالصادقون هم الرسل والمبلغون عنهم ~~فيسأل الرسل عن التبليغ ويسأل المبلغين عنهم عن تبليغ ما بلغهم الرسل ثم ~~يسأل الذين بلغتهم الرسالة ماذا أجابوا المرسلين كما قال تعالى : ويوم ~~يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين [ المائده : 109 ] PageV01P083 # قال قتادة : كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون : ماذا كنتم تعبدون ~~وماذا أجبتم المرسلين فيسأل عن المعبود وعن العبادة # وقال تعالى : @QB@ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم @QE@ [ التكاثر : 8 ] قال ~~محمد بن جرير : يقول تعالى : ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم ~~فيه في الدنيا : ماذا عملتم فيه من أين وصلتم إليه وفيم أصبتموه وماذا ~~عملتم به # وقال قتادة : إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمه وحقه والنعيم ~~المسئول عنه نوعان : نوع أخذ من حله وصرف في حقه فيسأل عن شكره ونوع يأخذ ~~بغير حله وصرف في غير حقه فيسأل عن مستخرجه ومصرفه # فإذا كان العبد مسئولا ومحاسبا على كل شىء حتى على سمعه وبصره وقلبه كما ~~قال تعالى : @QB@ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا @QE@ [ ~~الاسراء : 34 ] فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب # وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله ~~ولتنظر نفس ما قدمت لغد [ الحشر : 18 ] يقول تعالى : لينظر أحدكم ما قدم ~~ليوم القيامة من الأعمال : أمن الصالحات التي تنجيه أم السيئات التي توبقه # قال قتادة : ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد # والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس وفساده بإهمالها والاسترسال معها # | فصل وفي محاسبة النفس عدة مصالح منها : الاطلاع على عيوبها ومن # لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته فإذا اطلع على عيبها مقتها في ذات ~~الله تعالى # وقد روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : لا يفقه الرجل كل ms076 ~~الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا # وقال مطرف بن عبدالله : لولا ما أعلم من نفسي لقليت الناس PageV01P084 # وقال مصرف في دعائه بعرفة : اللهم لا ترد الناس لأجلي # وقال بكر بن عبدالله المزني : لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غفر ~~لهم لولا أني كنت فيهم # وقال أيوب السعختياني : إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل ولما احتضر ~~سفيان الثوري دخل عليه أبو الأشهب وحماد بن سلمة فقال له حماد : يا أبا ~~عبدالله أليس قد أمنت مما كنت تخافه وتقدم على من ترجوه وهو أرحم الراحمين ~~فقال : يا أبا سلمه أتطمع لمثلي أن ينجو من النار قال : إي والله إني لأرجو ~~لك ذلك # وذكر عن مسلم بن سعيد الواسطي قال : أخبرني حماد بن جعفر بن زيد : أن ~~أباه أخبره قال : خرجنا في غزاة إلى كابل وفي الجيش : صلة بن أشيم فنزل ~~الناس عند العتمة فصلوا ثم اضطجع فقلت : لأرمقن عمله فالتمس غفلة الناس حتى ~~إذا قلت : هدأت العيون وثب فدخل غيضة قريبا منا فدخلت على أثره فتوضأ ثم ~~قام يصلي وجاء أسد حتى دنا منه فصعدت في شجرة فتراه التفت أوعده جروا فلما ~~سجد قلت : الآن يفترسه فجلس ثم سلم ثم قال : أيها السبع طلب الرزق من مكان ~~آخر فولى وإن له لزئيرا أقول : تصدع الجبال منه قال : فما زال كذلك يصلي ~~حتى كان عند الصبح جلس فحمد الله تعالى بمحامد لم أسمع بمثلها ثم قال : ~~اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار ومثلي يصغر أن يجترىء أن يسألك الجنة ~~قال : ثم رجع واصبح كأنه بات على الحشايا وأصبحت وبي من الفترة شىء الله به ~~عالم # وقال يونس بن عبيد : إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن في ~~نفسي منها واحدة # وقال محمد بن واسع : لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد يجلس إلي وذكر ابن أبي ~~الدنيا عن الخلد بن أيوب قال : كان راهب في بني اسرائيل في ms077 صومعة ~~PageV01P085 منذ ستين سنة فأتي في منامه فقيل له : إن فلانا الإسكافي خير ~~منك ليلة بعد ليلة فأتى الإسكافي فسأله عن عمله فقال : إني رجل لا يكاد يمر ~~بي أحد إلا ظننت أنه في الجنة وأنا في النار ففضل على الراهب بإزرائه على ~~نفسه # وذكر داود الطائي عند بعض الأمراء فأثنوا عليه فقال : لو يعلم الناس بعض ~~ما نحن فيه ما ذل لنا لسان بذكر خير أبدا # وقال أبو حفص : من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ولم يخالفها في جميع ~~الأحوال ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أوقاته كان مغرورا ومن نظر إليها ~~باستحسان شىء منها فقد أهلكها # فالنفس داعية إلى المهالك معينة للأعداء طامحة إلى كل قبيح متبعة لكل سوء ~~فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة # فالنعمة التي لا خطر لها : الخروج منها والتخلص من رقها فإنها أعظم حجاب ~~بين العبد وبين الله تعالى وأعرف الناس بها أشدهم إزراء عليها ومقتا لها # قال ابن أبي حاتم في تفسيره : حدثنا علي بن الحسين المقدمي حدثنا عامر بن ~~صالح عن أبيه عن ابن عمر : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : اللهم اغفر ~~لي ظلمي وكفري فقال قائل : يا أمير المؤمنين هذا الظلم فما بال الكفر قال : ~~إن الإنسان لظلوم كفار # قال : وحدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود عن الصلت بن دينار حدثنا عقبة ~~ابن صهبان الهنائي قال سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله عز وجل : @QB@ ~~ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله @QE@ [ فاطر : 32 ] فقالت : يا بني هؤلاء في ~~الجنة أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله شهد له رسول ~~اللهبالجنة والرزق وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به وأما ~~الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم فجعلت نفسها معنا PageV01P086 # وقال الإمام أحمد حدثنا حجاج حدثنا شريك عن عاصم عن أبي وائل عن مسروق ~~قال : دخل عبدالرحمن على أم سلمة رضي الله عنها ms078 فقالت : سمعت النبييقول : ~~إن من أصحابي لمن لا يراني بعد أن أموت أبدا فخرج عبد الرحمن من عندها ~~مذعورا حتى دخل على عمر رضي الله عنه فقال له : اسمع ما تقول أمك فقام عمر ~~رضى الله عنه حتى أتاها فدخل عليها فسألها ثم قال : أنشدك بالله أمنهم أنا ~~قالت : لا ولن أبريء بعدك أحدا # فسمعت شيخنا يقول : إنما أرادت أنى لا أفتح عليها هذا الباب ولم ترد أنك ~~وحدك البرىء من ذلك دون سائر الصاحبة # ومقت النفس في ذات الله من صفات الصديقين ويدنو العبد به من الله تعالى ~~في لحظة واحدة أضعاف أضعاف ما يدنو بالعمل # ذكر ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال : إن قوما من بني إسرائيل كانوا ~~في مسجد لهم في يوم عيد فجاء شاب حتى قام على باب المسجد فقال : ليس مثلي ~~يدخل معكم أنا صاحب كذا أنا صاحب كذا يزري على نفسه فأوحى الله عز وجل إلى ~~نبيهم : أن فلانا صديق # وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن الحسن بن أنس حدثنا منذر عن وهب : أن ~~رجلا سائحا عبدالله عز وجل سبعين سنة ثم خرج يوما فقلل عمله وشكا إلى الله ~~تعالى منه واعترف بذنبه فأتاه آت من الله فقال : إن مجلسك هذا أحب إلى من ~~عملك فيما مضى من عمرك # قال أحمد : وحدثنا عبدالصمد أبو هلال عن قتادة قال : قال عيسى بن مريم ~~عليه السلام : سلوني فإني لين القلب صغير عند نفسي PageV01P087 # وذكر أحمد أيضا عن عبدالله بن رياح الأنصاري قال : كان داود عليه السلام ~~ينظر أعمص حلقة في بني إسرائيل فيجلس بين ظهرانيهم ثم يقول : يا رب مسكين ~~بين ظهراني مساكين # وذكر عن عمران بن موسى القصير قال : قال موسى عليه السلام يا رب أين ~~أبغيك قال : ابغنى عند المنكسرة قلوبهم فإني أدنو منهم كل يوم باعا ولولا ~~ذلك انهدموا # وفي كتاب الزهد للإمام أحمد : أن رجلا من بني إسرائيل تعبد ستين سنة في ~~طلب حاجة فلم يظفر بها فقال في نفسه ms079 : والله لو كان فيك خير لظفرت بحاجتك ~~فأتى في منامه فقيل له : أرأيت ازدراءك نفسك تلك الساعة فإنه خير من عبادتك ~~تلك السنين # ومن فوائد محاسبة النفس : أنه يعرف بذلك حق الله تعالى ومن لم يعرف حق ~~الله تعالى عليه فإن عبادته لا تكاد تجدى عليه وهي قليلة المنفعة جدا # وقد قال الإمام أحمد : حدثنا حجاج حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال : بلغني ~~أن نبي الله موسى عليه السلام مر برجل يدعو ويتضرع فقال : يا رب ارحمه فإني ~~قد رحمته فأوحى الله تعالى إليه : لو دعاني حتى ينقطع قواه ما أستجيب له ~~حتى ينظر في حقي عليه # فمن أنفع ما للقلب النظر في حق الله على العباد فإن ذلك يورثه مقت نفسه ~~والإزراء عليها ويخلصه من العجب ورؤية العمل ويفتح له باب الخضوع والذل ~~والانكسار بين يدي ربه واليأس من نفسه وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ~~ومغفرته ورحمته فإن من حقه أن يطاع ولا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر ~~فلا يكفر # فمن نظر في هذا الحق الذي لربه عليه علم علم اليقين أنه غير مؤد له كما ~~ينبغي وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة وأنه إن أحيل على عمله هلك فهذا محل ~~نظر أهل المعرفة بالله تعالى وبنفوسهم وهذا الذي أيأسهم من أنفسهم وعلق ~~رجاءهم كله بعفو الله ورحمته # وإذا تأملت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك ينظرون في حقهم على الله ولا ~~ينظرون في حق الله عليهم ومن ههنا انقطعوا عن الله وحجبت قلوبهم عن معرفته ~~ومحبته والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه # فمحاسبة النفس هو نظر العبد في حق الله عليه أولا ثم نظره : هل قام به ~~كما ينبغي PageV01P088 ثانيا وأفضل الفكر الفكر في ذلك فإنه يسير القلب إلى ~~الله ويطرحه بين يديه ذليلا خاضعا منكسرا كسرا فيه جبره ومفتقرا فقرا فيه ~~غناه وذليلا ذلا فيه عزه ولو عمل من الأعمال ما عساه أن يعمل فإنه إذا ms080 فاته ~~هذا فالذي فاته من البر أفضل من الذي أتى # وقال الإمام أحمد : حدثنا ابن القاسم حدثنا صالح المدني عن أبي عمران ~~الجوني عن أبي الخلد أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام : إذا ذكرتنى ~~فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك وكن عند ذكرى خاشعا مطمئنا وإذا ذكرتني فاجعل ~~لسانك من وراء قلبك وإذا قمت بين يدى فقم مقام العبد الحقير الذليل وذم ~~نفسك فهي أولى بالذم وناجنى حين تناجينى بقلب وجل ولسان صادق ومن فوائد نظر ~~العبد في حق الله عليه أن لا يتركه ذلك يدل بعمل أصلا كائنا ما كان ومن أدل ~~بعمله لم يصعد إلى الله تعالى كما ذكر الإمام أحمد عن بعض أهل العلم بالله ~~أنه قال له رجل : إني لأقوم في صلاتي فأبكى حتى يكاد ينبت البقل من دموعى ~~فقال له : إنك أن تضحك وأنت تعترف لله بخطيئتك خير من أن تبكى وأنت مدل ~~بعملك فإن صلاة الدال لا تصعد فوقه # فقال له : أوصنى قال : عليك بالزهد في الدنيا وأن لا تنازعها أهلها وأن ~~تكون كالنحلة إن أكلت أكلت طيبا وإن وضعت وضعت طيبا وإن وقعت على عود لم ~~تضره ولم تكسره وأوصيك بالنصح لله عز وجل نصح الكلب لأهله فإنهم يجيعونه ~~ويطردونه ويأبى إلا أن يحوطهم وينصحهم # ومن هذا أخذ الشاطبي قوله : و # قد قيل : كن كالكلب يقصيه أهله % ولا يأتلى في نصحهم متبذلا # وقال الإمام أحمد : حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا الجريرى قال بلغني أن ~~رجلا من بني إسرائيل كانت له إلى الله عز وجل حاجة فتعبد واجتهد ثم طلب إلى ~~الله تعالى حاجته فلم ير نجاحا فبات ليلة مزريا على نفسه وقال : يا نفس ~~مالك لا تقضي حاجتك فبات محزونا قد أزرى على نفسه وألزم إطلاقه نفسه فقال : ~~أما والله ما من قبل ربي أتيت ولكن من قبل نفسي أتيت وألزم نفسه الملامة ~~فقضيت حاجته PageV01P089 # | الباب الثاني عشر في علاج مرض القلب بالشيطان هذا الباب من أهم # أبواب الكتاب وأعظمها نفعا والمتأخرون من ms081 أرباب السلوك لم يعتنوا به ~~اعتناءهم بذكر النفس وعيوبها وآفاتها فإنهم توسعوا في ذلك وقصروا في هذا ~~الباب # ومن تأمل القرآن والسنة وجد اعتناءهما بذكر الشيطان وكيده ومحاربته أكثر ~~من ذكر النفس فإن النفس المذمومة ذكرت في قوله : @QB@ إن النفس لأمارة ~~بالسوء @QE@ [ يوسف : 53 ] واللوامة في قوله : @QB@ ولا أقسم بالنفس ~~اللوامة @QE@ [ القيامة : 2 ] وذكرت النفس المذمومة في قوله : @QB@ ونهى ~~النفس عن الهوى @QE@ [ النازعات : 40 ] وأما الشيطان فذكر في عدة مواضع ~~وأفردت له سورة تامة فتحذير الرب تعالى لعباده منه جاء أكثر من تحذيره من ~~النفس وهذا هو الذي لا ينبغي غيره فإن شر النفس وفسادها ينشأ من وسوسته فهي ~~مركبه وموضع شرعه ومحل طاعته وقد أمر الله سبحانه بالاستعاذة منه عند قراءة ~~القرآن وغير ذلك وهذا لشدة الحاجة إلى التعوذ منه ولم يأمر بالاستعاذة من ~~النفس في موضع واحد وإنما جاءت الاستعاذة من شرها في خطبة الحاجة في قوله ~~ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا كما تقدم ذلك في الباب الذي ~~قبله # وقد جمع النبيبين الاستعاذة من الأمرين في الحديث الذي رواه الترمذي ~~وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال : ~~يا رسول الله علمني شيئا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت قال : قل : اللهم عالم ~~الغيب والشهادة فاطر السموات والأرض رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا ~~أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره ~~إلى مسلم قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك PageV01P090 # فقد تضمن هذا الحديث الشريف الاستعاذة من الشر وأسبابه وغايته فإن الشر ~~كله إما أن يصدر من النفس أو من الشيطان وغايته : إما أن تعود على العامل ~~أو على أخيه المسلم فتضمن الحديث مصدري الشر اللذين يصدر عنهما وغايتيه ~~اللتين يصل إليهما $ فصل قال تعالى @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما ~~سلطانه على ms082 الذين يتولونه والذين هم به مشركون @QE@ [ النحل : 98 ] # ومعنى استعذ بالله : امتنع به واعتصم به والجأ إليه ومصدره العوذ والعياذ ~~والمعاذ وغالب استعماله في المستعاذ به ومنه قولهلقد عذت بمعاذ وأصل اللفظة ~~: من اللجأ إلى الشيء والاقتراب منه ومن كلام العرب أطيب اللحم عوذه : أي ~~الذي قد عاذ بالعظم واتصل به وناقة عائذ : يعوذ بها ولدها وجمعها عوذ كحمر ~~ومنه في حديث الحذيبية معهم العوذ المطافيل والمطافيل : [ جمع ] مطفل وهي ~~الناقة التي معها فصيلها # قالت طائفة منهم صاحب جامع الأصول : استعار ذلك للنساء أي معهم النساء ~~وأطفالهم ولا حاجة إلى ذلك بل اللفظ على حقيقته أي قد خرجوا إليك بدوابهم ~~PageV01P091 ومراكبهم حتى أخرجوا معهم النوق التي معها أولادها فأمر سبحانه ~~بالاستعاذة به من الشيطان عند قراءة القرآن وفي ذلك وجوه : # منها : أن القرآن شفاء لما في الصدور يذهب لما يلقيه الشيطان فيها من ~~الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة فهو دواء لما أمره فيها الشيطان فأمر ~~أن يطرد مادة الداء ويخلى منه القلب ليصادف الدواء محلا خاليا فيتمكن منه ~~ويؤثر فيه كما قيل : # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى % فصادف قلبا خاليا فتمكنا فيجيء هذا ~~الدواء الشافي إلى القلب قد خلا من مزاحم ومضاد له فينجع فيه # ومنها : أن القرآن مادة الهدى والعلم والخير في القلب كما أن الماء مادة ~~النبات والشيطان نار يحرق النبات أولا فأولا فكلما أحس بنبات الخير من ~~القلب سعى في إفساده وإحراقه فأمر أن يستعيذ بالله عز وجل منه لئلا يفسد ~~عليه ما يحصل له بالقرآن # والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله أن الاستعاذة في الوجه الأول لأجل ~~حصول فائدة القرآن وفي الوجه الثاني لأجل بقائها وحفظها وثباتها # وكأن من قال : إن الاستعاذة بعد القراءة لاحظ هذا المعنى وهو لعمر الله ~~ملحظ جيد إلا أن السنة وآثار الصحابة إنما جاءت بالاستعاذة قبل الشروع في ~~القراءة وهو قول جمهور الأمة من السلف والخلف وهو محصل للأمرين # ومنها : أن الملائكة تدنو من قارىء القرآن وتستمع لقراءته كما في ms083 حديث ~~أسيد بن حضير لما كان يقرأ ورأى مثل الظلة فيها مثل المصابيح فقال عليه ~~الصلاة والسلام : تلك الملائكة والشيطان ضد الملك وعدوه فأمر القارىء أن ~~يطلب من الله تعالى مباعدة عدوه عنه حتى يحضره خاص ملائكته فهذه منزلة لا ~~يجتمع فيها الملائكة والشياطين PageV01P092 # ومنها : أن الشيطان يجلب على القارىء بخيله ورجله حتى يشغله عن المقصود ~~بالقرآن وهو تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد به المتكلم به سبحانه فيحرص بجهده ~~على أن يحول بين قلبه وبين مقصود القرآن فلا يكمل انتفاع القارىء به فأمر ~~عند الشروع أن يستعيذ بالله عز وجل منه # ومنها : أن القارىء يناجي الله تعالى بكلامه والله تعالى أشد أذنا ~~للقارىء الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته والشيطان إنما ~~قراءته الشعر والغناء فأمر القارىء أن يطرده بالاستعاذة عند مناجأة الله ~~تعالى واستماع الرب قراءته # ومنها : أن الله سبحانه أخبر أنه ما أرسل من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ~~ألقى الشيطان في أمنيته والسلف كلهم على أن المعنى : إذا تلا ألقى الشيطان ~~في تلاوته قال الشاعر في عثمان : # تمنى كتاب الله أول ليله % وآخره لاقى حمام المقادر فإذا كان هذا فعله مع ~~الرسل عليهم السلام فكيف بغيرهم ولهذا يغلط القارىء تارة ويخلط عليه ~~القراءة ويشوشها عليه فيخبط عليه لسانه أو يشوش عليه ذهنه وقلبه فإذا حضر ~~عند القراءة لم يعدم منه القارىء هذا أو هذا وربما جمعهما له فكان من أهم ~~الأمور : الاستعاذة بالله تعالى منه # ومنها : أن الشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهم بالخير أو يدخل ~~فيه فهو يشتد عليه حينئذ ليقطعه عنه وفي الصحيح عن النبيإن شيطانا تفلت على ~~البارحة فأراد أن يقطع على صلاتي الحديث وكلما كان الفعل أنفع للعبد وأحب ~~إلى الله تعالى كان اعتراض الشيطان له أكثر وفي مسند الإمام أحمد من حديث ~~سبرة بن أبي الفاكه أنه سمعيقول : إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرافه فقعد له ~~بطريق الإسلام فقال : أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك فعصاه ~~PageV01P093 فأسلم ms084 ثم قعد له بطريق الهجرة فقال : أتهاجر وتذر أرضك وسماءك ~~وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول فعصاه وهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد وهو ~~جهاد النفس والمال فقال : تقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال قال : ~~فعصاه فجاهد # فالشيطان بالرصيد للإنسان على طريق كل خير # وقال منصور عن مجاهد رحمه الله : ما من رفقة تخرج إلى مكة إلا جهز معهم ~~إبليس مثل عدتهم رواه ابن أبي حاتم في تفسيره فهو بالرصد ولا سيما عند ~~قراءة القرآن فأمر سبحانه العبد أن يحارب عدوه الذي يقطع عليه الطريق ~~ويستعيذ بالله تعالى منه أولا ثم يأخذ في السير كما أن المسافر إذا عرض له ~~قاطع طريق اشتغل بدفعه ثم اندفع في سيره # ومنها : أن الاستعاذة قبل القراءة عنوان وإعلام بأن المأتى به بعدها ~~القرآن ولهذا لم تشرع الاستعاذة بين يدي كلام غيره بل الاستعاذة مقدمة ~~وتنبيه للسامع أن الذي يأتي بعدها هو التلاوة فإذا سمع السامع الاستعاذة ~~استعد لاستماع كلام الله تعالى ثم شرع ذلك للقارىء وإن كان وحده لما ذكرنا ~~من الحكم وغيرها # فهذه بعض فوائد الاستعاذة # وقد قال أحمد في رواية حنبل : لا يقرأ في صلاة ولا غير صلاة إلا استعاذ ~~لقوله عز وجل : @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم @QE@ ~~[ النحل : 98 ] # وقال في رواية ابن مشيش : كلما قرأ يستعيذ وقال عبدالله بن أحمد : سمعت ~~أبي إذا قرأ استعاذ يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع ~~العليم # وفي المسند والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري قال : كان النبيإذا قام إلى ~~الصلاة استفتح ثم يقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم : من ~~همزه ونفخه ونفثه PageV01P094 وقال ابن المنذر : جاء عن النبيأنه كان يقول ~~قبل القراءة : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم واختار الشافعي وأبو حنيفة ~~والقاضي في الجامع أنه كان يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وهو رواية ~~عن أحمد لظاهر الآية وحديث ابن المنذر # وعن أحمد من رواية عبدالله : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ~~لحديث ms085 أبي سعيد وهو مذهب الحسن وابن سيرين ويدل عليه ما رواه أبو داود في ~~قصة الإفك : أن النبيجلس وكشف عن وجهه وقال : أعوذ بالله السميع العليم من ~~الشيطان الرجيم # وعن أحمد رواية أخرى أنه يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو ~~السميع العليم وبه قال سفيان الثوري ومسلم بن يسار واختاره القاضي في ~~المجرد وابن عقيل لأن قوله : @QB@ فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم @QE@ [ ~~النحل : 98 ] ظاهره أنه يستعيذ بقوله : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وقوله ~~في الآية الأخرى : @QB@ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم @QE@ [ فصلت : ~~36 ] يقتضي أن يلحق بالاستعاذة وصفه بأنه هو السميع العليم في جملة مستقلة ~~بنفسها مؤكذة بحرف إن لأنه سبحانه هكذا ذكر # وقال إسحاق : الذي أختاره ما ذكر عن النبي اللهم إني أعوذ بك من الشيطان ~~الرجيم من همزه ونفخه ونفثه # وقد جاء في الحديث تفسير ذلك قال : وهمزه المؤتة ونفخه : الكبر ونفثه : ~~الشعر # وقال تعالى : @QB@ وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن ~~يحضرون @QE@ [ المؤمنون : 97 ] والهمزات : جمع همزة كتمرات وتمرة وأصل ~~الهمز الدفع قال أبو عبيد عن الكسائي : همزته ولمزته ولهزته ونهزته إذا ~~دفعته والتحقيق : أنه دفع بنخز وغمز يشبه الطعن فهو دفع خاص فهمزات ~~الشياطين : دفعهم الوساوس والإغواء إلى القلب قال ابن عباس والحسن : همزات ~~الشياطين : نزغاتهم ووساوسهم وفسرت همزاتهم بنفخهم ونفثهم وهذا قول مجاهد ~~وفسرت بخنقهم وهو الموتة التي تشبه الجنون # وظاهر الحديث أن الهمز نوع غير النفخ والنفث وقد يقال وهو الأظهر إن ~~همزات الشياطين إذا أفردت دخل فيها جميع إصاباتهم لابن آدم وإذا قرنت ~~بالنفخ والنفث كانت نوعا خاصا كنظائر ذلك PageV01P095 # ثم قال : @QB@ وأعوذ بك رب أن يحضرون @QE@ [ المؤمنون : 98 ] قال ابن زيد ~~: في أموري وقال الكلبي : عند تلاوة القرآن وقال عكرمة : عند النزع والسياق ~~فأمره أن يستعيذ من نوعي شر إصابتهم بالهمز وقربهم ودنوهم منه # فتضمنت الاستعاذة أن لا يمسوه ولا يقربوه وذكر ذلك سبحانه عقيب قوله : ~~@QB@ ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم ms086 بما يصفون @QE@ [ المؤمنون : 96 ] ~~فأمره أن يحترز من شر شياطين الإنس بدفع إساءتهم إليه بالتي هي أحسن وأن ~~يدفع شر شياطين الجن بالاستعاذة منهم # ونظير هذا قوله في سورة الأعراف : @QB@ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين @QE@ [ الأعراف : 199 ] فأمره بدفع شر الجاهلين بالإعراض عنهم ثم ~~أمره بدفع شر الشيطان بالاستعاذة منه فقال وإما ينزغنك من الشيطان نزع ~~فاستعذ بالله إنه سميع عليم [ الأعراف : 200 ] ونظير ذلك قوله في سورة فصلت ~~: ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هى أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولى حميم [ فصلت : 34 ] # فهذا لدفع شر شياطين الإنس ثم قال : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله إنه هو السميع العليم [ فصلت : 36 ] فأكد بإن وبضمير الفصل وأتى ~~باللام في : السميع العليم وقال في الأعراف : إنه سميع عليم وسر ذلك والله ~~أعلم أنه حيث اقتصر على مجرد الإسم ولم يؤكده أريد إثبات مجرد الوصف الكافى ~~في الاستعاذة والإخبار بأنه سبحانه يسمع ويعلم فيسمع استعاذتك فيجيبك ويعلم ~~ما تستعيذ منه فيدفعه عنك فالسمع لكلام المستعيذ والعلم بالفعل المستعاذ ~~منه وبذلك يحصل مقصود الاستعاذة وهذا المعنى شامل للموضعين وامتاز المذكور ~~في سورة فصلت بمزيد التأكيد والتعريف والتخصيص لأن سياق ذلك بعد إنكاره ~~سبحانه على الذين شكوا في سمعه لقولهم وعلمه بهم كما جاء في الصحيحين من ~~حديث ابن مسعود قال : اجتمع عند البيت ثلاثة نفر قرشيان وثقفي أو ثقفيان ~~وقرشي كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم فقالوا : أترون الله يسمع ما نقول ~~فقال أحدهم : يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا فقال الآخر : إن سمع بعضه ~~سمع كله فأنزل الله عز وجل : وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا ~~أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ~~ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم PageV01P096 من الخاسرين [ فصلت : 22 ~~] فجاء التوكيد في قوله : إنه هو السميع العليم في سياق هذا الإنكار : أي ~~هو وحده الذي له كمال قوة السمع وإحاطة العلم ms087 لا كما يظن به أعداؤه ~~الجاهلون : أنه لا يسمع إن أخفوا وأنه لا يعلم كثيرا مما يعملون وحسن ذلك ~~أيضا : أن المأمور به في سورة فصلت دفع إساءتهم إليه بإحسانه إليهم وذلك ~~أشق على النفوس من مجرد الإعراض عنهم ولهذا عقبة بقوله وما يلقاها إلا ذو ~~حظ عظيم [ فصلت : 35 ] فحسن التأكيد لحاجة المستعيذ # وأيضا فإن السياق ههنا لإثبات صفات كماله وأدلة ثبوتها وآيات ربوبيته ~~وشواهد توحيده ولهذا عقب ذلك بقوله ومن آياته الليل والنهار [ فصلت : 37 ] ~~وبقوله : ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة [ فصلت : 39 ] فأتى بأداة التعريف ~~الدالة على أن من أسمائه السميع العليم كما جاءت الأسماء الحسنى كلها معرفة ~~والذي في الأعراف في سياق وعيد المشركين وإخوانهم من الشياطين ووعد ~~المستعيذ بأن له ربا يسمع ويعلم وآلهة المشركين التي عبدوها من دونه ليس ~~لهم أعين يبصرون بها ولا آذان يسمعون بها فإنه سميع عليم وآلهتهم لا تسمع ~~ولا تبصر ولا تعلم فكيف تسوونها به في العبادة فعلمت أنه لا يليق بهذا ~~السياق غير التنكير كما لا يليق بذلك غير التعريف والله أعلم بأسرار كلامه ~~ولما كان المستعاذ منه في سورة حم المؤمن هو شر مجادلة الكفار في آياته وما ~~ترتب عليها من أفعالهم المرئية بالبصر قال : إن الذين يجادلون في آيات الله ~~بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو ~~السميع البصير [ غافر : 56 ] فإنه لما كان المستعاذ منه كلامه وأفعالهم ~~المشاهدة عيانا قال : إنه هو السميع البصير وهناك المستعاذ منه غير مشاهد ~~لنا فإنه يرانا هو وقبيله من حيث لا نراه بل هو معلوم بالإيمان وإخبار الله ~~ورسوله PageV01P097 # | فصل فالقرآن أرشد إلى دفع هذين العدوين بأسهل الطرق بالاستعاذة # والإعراض عن الجاهلين ودفع ودفع إساءتهم بالإحسان وأخبر عن عظم حظ من ~~لقاه ذلك فإنه ينال بذلك كف شر عدوه وانقلابه صديقا ومحبة الناس له وثناءهم ~~عليه وقهر هواه وسلامة قلبه من الغلوالحقد وطمأنينة الناس حتى عدوه إليه ~~هذا غير ما ms088 يناله من كرامة الله وحسن ثوابه ورضاه عنه وهذا غاية الحظ عاجلا ~~وآجلا ولما كان ذلك لا ينال إلا بالصبر قال : وما يلقاها إلا الذين صبروا ~~فإن النزق الطائش لا يصبر على المقابلة # ولما كان الغضب مركب الشيطان فتتعاون النفس الغضبية والشيطان على النفس ~~المطمئنة التي تأمر بدفع الإساءة بالإحسان أمر أن يعاونها بالاستعاذة منه ~~فتمد الاستعاذة النفس المطمئنة فتقوى على مقاومة جيش النفس الغضبية ويأتي ~~مدد الصبر الذي يكون النصر معه وجاء مدد الإيمان والتوكل فأبطل سلطان ~~الشيطان ف إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون [ ] # قال مجاهد وعكرمة والمفسرون : ليس له حجة # والصواب : أن يقال : ليس له طريق يتسلط به عليهم : لا من جهة الحجة ولا ~~من جهة القدرة والقدرة داخلة في مسمى السلطان وإنما سميت الحجة سلطانا لأن ~~صاحبها يتسلط بها تسلط صاحب القدرة بيده وقد أخبر سبحانه أنه لا سلطان ~~لعدوه على عباده المخلصين المتوكلين فقال في سورة الحجر : قال رب بما ~~أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال ~~هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ~~[ الحجر : 39 ] # وقال في سورة النحل : إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون [ النحل : 99 ] ~~فتضمن ذلك أمرين : أحدهما نفي سلطانه وإبطاله على أهل التوحيد والإخلاص ~~والثاني إثبات سلطانه على أهل الشرك وعلى من تولاه PageV01P098 ولما علم ~~عدو الله أن الله تعالى لا يسلطه على أهل التوحيد والإخلاص قال : فبعزتك ~~لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين [ ص : 83 ] # فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله عز وجل وأخلص له وتوكل عليه لا يقدر على ~~إغوائه وإضلاله وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع الله فهؤلاء ~~رعيته فهو وليهم وسلطانهم ومتبوعهم # فإن قيل : فقد أثبت له السلطان على أوليائه في هذا الموضع فكيف ينفيه في ~~قوله : ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ms089 فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين وما كان له ~~عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك [ سبأ : 20 ] # قيل : إن كان الضمير في قوله : وما كان له عليهم من سلطان [ ] عائدا على ~~المؤمنين فالسؤال ساقط ويكون الاستثناء منقطعا : أي لكن امتحناهم بإبليس ~~لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وإن كان عائدا على ما عاد عليه في ~~قوله : @QB@ ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه @QE@ [ سبأ : 20 ] وهو ~~الظاهر ليصح الاستثناء المنقطع بوقوعه بعد النفي ويكون المعنى : وما سلطناه ~~عليهم إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة # قال ابن قتيبة : إن إبليس لما سأل الله تعالى النظرة فأنظره قال : ~~لأغوينهم ولأضلنهم ولآمرنهم بكذا ولأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا وليس هو في ~~وقت هذه المقالة مستيقنا أن ما قدره فيه يتم وإنما قال ظانا فلما اتبعوه ~~وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم فقال تعالى : وما كان تسليطنا إياه إلا ~~لنعلم المؤمنين من الشاكين يعني نعلمهم موجودين ظاهرين فيحق القول ويقع ~~الجزاء # وعلى هذا فيكون السلطان ههنا على من لم يؤمن بالآخرة وشك فيها وهم الذين ~~تولوه وأشركوا به فيكون السلطان ثابتا لا منفيا فتتفق هذه الآية مع سائر ~~الآيات # فإن قيل : فما تصنع بالتي في سورة إبراهيم حيث يقول لأهل النار : ~~PageV01P099 @QB@ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~@QE@ [ إبراهيم : 22 ] وهذا وإن كان قوله فالله سبحانه أخبر به عنه مقررا ~~له لا منكرا فدل على أنه كذلك # قيل : هذا سؤال جيد وجوابه : أن السلطان المنفي في هذا الموضع : هو الحجة ~~والبرهان أي ما كان لي عليكم من حجة وبرهان أحتج به عليكم كما قال ابن عباس ~~: ما كان لي من حجة أحتج بها عليكم أي : ما أظهرت لكم حجة إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي وصدقتم مقالتي واتبعتموني بلا برهان ولا حجة وأما السلطان الذي ~~أثبته في قوله : @QB@ إنما سلطانه على الذين يتولونه @QE@ [ النحل : 100 ] ~~فهو تسلطه عليهم بالإغواء والإضلال وتمكنه منهم بحيث يؤزهم ms090 إلى الكفر ~~والشرك ويزعجهم إليه ولا يدعهم يتركونه كما قال تعالى : @QB@ ألم تر أنا ~~أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا @QE@ [ ] قال ابن عباس : تغريهم ~~إغراء وفي رواية تشليهم إشلاء وفي لفظ تحرضهم تحريضا وفي آخر تزعجهم إلى ~~المعاصي إزعاجا وفي آخر توقدهم أي تحركهم كما يحرك الماء بالإيقاد تحته قال ~~الأخفش : توهجهم # وحقيقة ذلك : أن الأز هو التحريك والتهييج ومنه يقال لغليان القدر : ~~الأزيز لأن الماء يتحرك عند الغليان ومنه الحديث : لجوفه أزيز كأزيز المرجل ~~من البكاء قال أبو عبيدة : الأزيز الالتهاب والحركة كالتهاب النار في الحطب ~~يقال : از قدرك أي ألهب تحتها بالنار وأيزت القدر إذا اشتد غليانها فقد حصل ~~للأز معنيان : أحدهما : التحريك والثاني : إلايقاد والإلهاب وهما متقاربان ~~فإنه تحريك خاص بإزعاج وإلهاب # فهذا من السلطان الذي له على أوليائه وأهل الشرك ولكن ليس له على ذلك ~~سلطان حجة وبرهان وإنما استجابوا له بمجرد دعوته إياهم لما وافقت أهواءهم ~~وأغراضهم فهم الذين أعانوا على أنفسهم ومكنوا عدوهم من سلطانه عليهم ~~بموافقته ومتابعته فلما أعطوا PageV01P100 بأيديهم واستأسروا له سلط عليهم ~~عقوبة لهم وبهذا يظهر معنى قوله سبحانه : @QB@ ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا @QE@ [ النساء : 141 ] فالآية على عمومها وظاهرها وإنما ~~المؤمنون يصدر منهم من المعصية والمخالفة التي تضاد الإيمان ما يصير به ~~للكافرين عليهم سبيل بحسب تلك المخالفة فهم الذين تسببوا إلى جعل السبيل ~~عليهم كما تسببوا إليه يوم أحد بمعصية الرسول ومخالفته والله سبحانه لم ~~يجعل للشيطان على العبد سلطانا حتى جعل له العبد سبيلا إليه بطاعته والشرك ~~به فجعل الله حينئذ له عليه تسلطا وقهرا فمن وجد خيرا فليحمد الله تعالى ~~ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه # فالتوحيد والتوكل والإخلاص يمنع سلطانه والشرك وفروعه يوجب سلطانه ~~والجميع بقضاء من أزمة الأمور بيده ومردها إليه وله الحجة البالغة فلو شاء ~~لجعل الناس أمة واحدة ولكن أبت حكمته وحمده وملكه إلا ذلك : فلله الحمد رب ~~السموات ورب الأرض رب العالمين وله الكبرياء في السموات والأرض وهو ms091 العزيز ~~الحكيم [ السجانيه : 36 ] PageV01P101 # | الباب الثالث عشر في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم قال الله # تعالى إخبارا عن عدوه إبليس لما سأله عن امتناعه عن السجود لآدم واحتجاجه ~~بأنه خير منه وإخراجه من الجنة أنه سأله أن ينظره فأنظره ثم قال عدو الله : ~~@QB@ فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن ~~خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين @QE@ [ الأعراف : 17 ~~] # قال جمهور المفسرين والنحاة : حذف على فانتصب الفعل والتقدير : لأقعدن ~~لهم على صراطك والظاهر : أن الفعل مضمر فإن القاعد على الشيء ملازم له ~~فكأنه قال : لألزمنه ولأرصدنه ولأعوجنه ونحو ذلك # قال ابن عباس : دينك الواضح وقال ابن مسعود : هو كتاب الله وقال جابر : ~~هو الإسلام وقال مجاهد : هو الحق # والجميع عبارات عن معنى واحد وهو الطريق الموصل إلى الله تعالى وقد تقدم ~~حديث سبرة بن الفاكه : إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه كلها الحديث فما من ~~طريق خير إلا والشيطان قاعد عليه يقطعه على السالك # وقوله : @QB@ ثم لآتينهم من بين أيديهم @QE@ [ الأعراف : 17 ] قال ابن ~~عباس في رواية عطية عنه : من قبل الدنيا وفي رواية علي عنه أشككهم في ~~آخرتهم # وكذلك قال الحسن : من قبل الآخرة تكذيبا بالبعث والجنة والنار # وقال مجاهد : من بين أيديهم : من حيث يبصرون PageV01P102 @QB@ ومن خلفهم ~~@QE@ قال ابن عباس أرغبهم في دنياهم وقال الحسن : من قبل دنياهم أزينها لهم ~~وأشهيها لهم # وعن ابن عباس رواية أخرى : من قبل الآخرة # وقال أبو صالح أشككهم في الآخرة وأباعدها عليهم وقال مجاهد أيضا : من حيث ~~لا يبصرون # @QB@ وعن أيمانهم @QE@ قال ابن عباس : أشبه عليهم أمر دينهم وقال أبو ~~صالح الحق أشككهم فيه وعن ابن عباس أيضا : من قبل حسناتهم # قال الحسن من قبل الحسنات أثبطهم عنها # وقال أبو صالح أيضا : من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم : ~~أنفقه عليهم وأرغبهم فيه # وقال الحسن : @QB@ وعن شمائلهم @QE@ السيئات يأمرهم بها ويحثهم عليها ~~ويزينها في أعينهم # وصح عن ابن عباس رضي الله ms092 عنه أنه قال : ولم يقل من فوقهم لأنه علم أن ~~الله من فوقهم قال الشعبي : فالله عز وجل أنزل الرحمة عليهم من فوقهم # وقال قتادة : أتاك الشيطان يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك ~~لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله # قال الواحدي : وقول من قال : الأيمان كناية عن الحسنات والشمائل كناية عن ~~السيئات حسن لأن العرب تقول : اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك تريد : ~~اجعلني من المقدمين عندك ولا تجعلني من المؤخرين وأنشد لابن الدمينة : # ألبنى أفي يمني يديك جعلتني % فأفرح أم صيرتني في شمالك # وروى أبو عبيد عن الأصمعي : هو عندنا باليمين : أي بمنزلة حسنة وبضد ذلك ~~: هو عندنا بالشمال وأنشد : # رأيت بني العلات لما تظافروا % يحوزون سهمي بينهم في الشمائل PageV01P103 ~~أي ينزلوني بالمنزلة السيئة # وحكى الأزهري عن بعضهم في هذه الآية لأغوينهم حتى يكذبوا بما تقدم من ~~أمور الأمم السالفة ومن خلفهم بأمر البعث وعن أيمانهم وعن شمائلهم : أي ~~لأضلنهم فيما يعملون لأن الكسب يقال فيه : ذلك بما كسبت يداك وإن كانت ~~اليدان لم تجنيا شيئا لأنهما الأصل في التصرف فجعلتا مثلا لجميع ما يعمل ~~بغيرهما # وقال آخرون منهم أبو إسحاق والزمخشري واللفظ لأبي إسحاق ذكر هذه الوجوه ~~للمبالغة في التوكيد أي : لآتينهم من جميع الجهات والحقيقة والله أعلم ~~أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم # وقال الزمخشري : ثم لآتينهم من الجهات الأربع التي يأتي منها العدو في ~~الغالب وهذا مثل لوسوسته إليهم وتسويله ما أمكنه وقدر عليه كقوله : واستفزز ~~من استطعت منهم بسوطك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك [ الاسراء : 64 ] # وهذا يوافق ما حكيناه عن قتادة : أتاك من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك ~~وهذا القول أعم فائدة ولا يناقض ما قال السلف فإن ذلك على جهة التمثيل لا ~~التعيين # قال شقيق : ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربعة مراصد : من بين يدي ~~ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي فيقول : لا تخف فإن الله غفور رحيم ms093 فأقرأ ~~@QB@ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى @QE@ [ طه : 82 ] وأما ~~من خلفي فيخوفني الضيعة على من أخلفه فاقرأ : @QB@ وما من دابة في الأرض ~~إلا على الله رزقها @QE@ [ هود : 6 ] ومن قبل يميني يأتيني من قبل النساء ~~فاقرأ : @QB@ والعاقبة للمتقين @QE@ [ الأعراف : 128 ] ومن قبل شمالي ~~فيأتيني من قبل الشهوات فاقرأ : @QB@ وحيل بينهم وبين ما يشتهون @QE@ [ سبأ ~~: 24 ] # قلت : السبل التي يسلكها الإنسان أربعة لا غير فإنه تارة يأخذ على جهة ~~يمينه وتارة على شماله وتارة أمامه وتارة يرجع خلفه فأي سبيل سلكلها من هذه ~~وجد الشيطان عليها رصدا له فإن سلكها في طاعة وجده عليها يثبعطه عنها ~~ويقطعه أو يعوقه ويبطئه وإن سلكها لمعصية وجده عليها حاملا له وخادما ~~ومعينا وممنيا ولو اتفق له الهبوط إلى أسفل لأتاه من هناك PageV01P104 # ومما يشهد لصحة أقوال السلف قوله تعالى : @QB@ وقيضنا لهم قرناء فزينوا ~~لهم ما بين أيديهم وما خلفهم @QE@ [ فصلت : 25 ] # قال الكلبي : ألزمناهم قرناء من الشياطين وقال مقاتل هيأنا لهم قرناء من ~~الشياطين # وقال ابن عباس : ما بين أيديهم من أمر الدنيا وما خلفهم من أمر الآخرة # والمعنى زينوا لهم الدنيا حتى آثروها ودعوهم إلى التكذيب بالآخرة ~~والإعراض عنها # وقال الكلبي : زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة : أنه لا جنة ولا ~~نار ولا بعث وما خلفهم من أمر الدنيا : ما هم عليه من الضلالة وهذا اختيار ~~الفراء # وقال ابن زيد : زينوا لهم ما مضى من خبث أعمالهم وما يستقبلون منها ~~والمعنى على هذا زينوا لهم ما عملوه فلم يتوبوا منه وما يعزمون عليه فلا ~~ينوون تركه # فنقول عدو الله تعالى : @QB@ ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم @QE@ [ ~~الأعراف : 17 ] يتناول الدنيا والآخرة وقوله : @QB@ وعن أيمانهم وعن ~~شمائلهم @QE@ [ الأعراف : 17 ] فإن ملك الحسنات عن اليمين يستحث صاحبه على ~~فعل الخير فيأتيه الشيطان من هذه الجهة يثبطه عنه وإن ملك الشيئات عن ~~الشمال ينهاه عنها فيأتيه الشيطان من تلك الجهة يحرضه عليها وهذا يفصل ما ~~أجمله في قوله : @QB@ فبعزتك ms094 لأغوينهم أجمعين @QE@ [ ص : 82 ] وقال تعالى : ~~إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله وقال ~~لأنخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان ~~الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد ~~خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمنعيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا [ النساء : ~~118 ] قال الضحاك : مفروضا أي معلوما وقال الزجاج : أي نصيبا افترضته على ~~نفسي قال الفراء : يعني ما جعل له عليه السبيل من الناس فهو كالمفروض قلت : ~~حقيقة الفرض هو التقدير والمعنى : أن من اتبع الشيطان وأطاعه فهو من نصيبه ~~المفروض وحظعه المقسوم فكل من أطاع عدو الله فهو من مفروضه فالناس قسمان : ~~نصيب الشيطان ومفروضه وأولياء الله وحزبه وخاصته # وقوله : ولأضلنهم يعني عن الحق ولأمنينهم قال ابن عباس : يريد تعويق ~~التوبة وتأخيرها PageV01P105 # وقال الكلبي : أمنيهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث # وقال الزجاج : أجمع لهم مع الإضلال أن أوهمهم أنهم ينالون مع ذلك حظهم من ~~الآخرة # وقيل : لأمنينهم ركوب الأهواء الداعية إلى العصيان والبدع # قيل : أمنيهم طول البقاء في نعيم الدنيا فأطيل لهم الأمل ليؤثروها على ~~الآخرة # وقوله : ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام البتك القطع وهو في هذا الموضع : ~~قطع آذان البحيرة عن جميع المفسرين ومن ههنا كره جمهور أهل العلم تثقيب ~~أذني الطفل للحلق ورخص بعضهم في ذلك للأنثى دون الذكر لحاجتها إلى الحلية ~~واحتجوا بحديث أمع زرع وفيه أناس من حلي أذنى وقال النبي كنت لك كأبي زرع ~~لأمع زرع ونص أحمد رحمه الله على جواز ذلك في حق البنت وكراهته في حق الصبي # وقوله : ولآمرنهم فليغيرن خلق الله قال ابن عباس : يريد دين الله وهو قول ~~إبراهيم ومجاهد والحسن والضحاك وقتاة والسدى وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ~~ومعنى ذلك : هو أن الله تعالى فطر عباده على الفطرة المستقيمة وهي ملة ~~الإسلام كما قال تعالى : فأقم وجهك للدعين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن ms095 أكثر الناس لا يعلمون ~~منيبين إليه واتقوه [ الروم : 30 ] ولهذا قال ما من مولود إلا يولد على ~~الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ~~فهل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها ثم قرأ أبو هريرة فطرة ~~الله التي فطر الناس عليها الآية [ الروم : 30 ] + متفق عليه + PageV01P106 ~~فجمع عليه الصلاة والسلام بين الأمرين : تغيير الفطرة بالتهويد والتنصير ~~وتغيير الخلقة بالجدع وهما الأمران اللذان أخبر إبليس أنه لابد أن يغيرهما ~~فغير فطرة الله بالكفر وهو تغيير الخلقة التي خلقوا عليها وغير الصورة ~~بالجدع والبتك فغير الفطرة إلى الشرك والخلقة إلى البتك والقطع فهذا تغيير ~~خلقة الروح وهذا تغيير خلقة الصورة # ثم قال : يعدهم ويمنيعهم فوعده : ما يصل إلى قلب الإنسان نحو : سيطول ~~عمرك وتنال من الدنيا لذتك وستعلو على أقرانك وتظفر بأعدائك والدنيا دول ~~ستكون لك كما كانت لغيرك ويطول أمله ويعده بالحسنى على شركه ومعاصيه ويمنيه ~~الأماني الكاذبة على اختلاف وجوهها والفرق بين وعده وتمنيته أنه يعد الباطل ~~ويمنى المحال والنفس المهينة التي لا قدر لها تغتذي بوعده وتمنيته كما قال ~~القائل : # منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى % وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا # فالنفس المبطلة الخسيسة تلتذ بالأماني الباطلة والوعود الكاذبة وتفرح بها ~~كما يفرح بها النساء والصبيان ويتحركون لها فالأقوال الباطلة مصدرها وعد ~~الشيطان وتمنيته فإن الشيطان يمنى أصحابها الظفر بالحق وإدراكه ويعدهم ~~الوصول إليه من غير طريقه فكل مبطل فله نصيب من قوله : يعدهم ويمنيهم وما ~~يعدهم الشيطان إلا غرورا # ومن ذلك قوله تعالى : الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم ~~مغفرة منه وفضلا [ البقره : 268 ] قيل : يعدكم الفقر يخوفكم به يقول : إن ~~أنفقتم أموالكم افتقرتم ويأمركم بالفحشاء قالوا : هي البخل في هذا الموضع ~~خاصة ويذكر عن مقاتل والكلبي : كل فحشاء في القرآن فهي الزنا إلا في هذا ~~الموضع فإنها البخل # والصواب : أن الفحشاء على بابها وهي كل فاحشة فهي صفة لموصوف محذوف فحذف ~~موصوفها إرادة للعموم : أي بالفعلة الفحشاء ms096 والخلة الفحشاء ومن جملتها ~~البخل فذكر سبحانه وعد الشيطان وأمره : يأمرهم بالشر ويخوفهم من فعل الخير ~~وهذان الأمران هما جماع ما يطلبه الشيطان من الإنسان فإنه إذا خوفه من فعل ~~الخير تركه وإذا أمره بالفحشاء وزينها له ارتكبها وسمى سبحانه تخويفه وعد ~~الانتظار الذي خوفه إياه كما ينتظر الموعود ما وعد به ثم ذكر سبحانه وعده ~~على طاعته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه وهي المغفرة PageV01P107 والفضل ~~فالمغفرة : وقاية الشر والفضل : إعطاء الخير وفي الحديث المشهور : إن للملك ~~بقلب ابن آدم لمة وللشيطان لمة فلمة الملك : إيعاد بالخير وتصديق بالوعد ~~ولمة الشيطان : إيعاد بالشر وتكذيب بالوعد ثم قرأ : الشيطان يعدكم الفقر ~~ويأمركم بالفحشاء الآية [ البقره : 268 ] فالملك والشيطان يتعاقبان على ~~القلب تعاقب الليل والنهار فمن الناس من يكون ليله أطول من نهاره وآخر بضده ~~ومنهم من يكون زمنه نهارا كله وآخر بضده نستعيذ بالله تعالى من شر الشيطان # | فصل ومن كيده للإنسان : أنه يورده الموارد التي يخيل إليه أن فيها # منفعته ثم يصدره المصادر التي فيها عطبه ويتخلى عنه ويسلمه ويقف يشمت به ~~ويضحك منه فيأمره بالسرقة والزنا والقتل ويدل عليه ويفضحه قال تعالى : وإذ ~~زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ~~فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى مالا ترون ~~إني أخاف الله والله شديد العقاب [ الأنفال : 48 ] فإنه تراءى للمشركين عند ~~خروجهم إلى بدر في صورة سراقة بن مالك وقال : أنا جار لكم من بني كنانة أن ~~يقصدوا أهلكم وذراريكم بسوء فلما رأى عدو الله جنود الله تعالى من الملائكة ~~نزلت لنصر رسوله فر عنهم وأسلمهم كما قال حسان : PageV01P108 # دلاهم بغرور ثم أسلمهم % إن الخبيث لمن والاه غرار # وكذلك فعل بالراهب الذي قتل المرأة وولدها أمره بالزنا ثم بقتلها ثم دل ~~أهلها عليه وكشف أمره لهم ثم أمره بالسجود له فلما فعل فر عنه وتركه وفيه ~~أنزل الله سبحانه : كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال ms097 إني ~~بريء منك إني أخاف الله رب العالمين [ الحشر : 16 ] وهذا السياق لا يختص ~~بالذي ذكرت عنه هذه القصة بل هو عام في كل من أطاع الشيطان في أمره له ~~بالكفر لينصره ويقضي حاجته فإنه يتبرأ منه ويسلمه كما يتبرأ من أوليائه ~~جملة في النار ويقول لهم : إني كفرت بما أشركتمون من قبل [ ] فأوردهم شر ~~الموارد وتبرأ منهم كل البراءة # وتكلم الناس في قول عدو الله إني أخاف الله فقال قتادة وابن إسحق : صدق ~~عدو الله في قوله إني أرى ما لا ترون وكذب في قوله إني أخاف الله والله ما ~~به مخافة الله ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة فأوردهم وأسلمهم وكذلك عادة ~~عدوالله بمن أطاعه وقالت طائفة : إنما خاف بطش الله تعالى به في الدنيا كما ~~يخاف الكافر والفاجر أن يقتل أو يؤخذ بجرمه لا أنه خاف عقابه في الآخرة ~~وهذا أصح وهذا الخوف لا يستلزم إيمانا ولا نجاة # قال الكلبي : خاف أن يأخذه جبريل فيعرضهم حاله فلا يطيعونه # وهذا فاسد فإنه إنما قال لهم ذلك بعد أن فر ونكص على عقبيه إلا أن يريد ~~أنه إذا عرف المشركون أن الذي أجارهم وأوردهم إبليس لم يطيعوه فيما بعد ذلك ~~وقد أبعد النجعة إن أراد ذلك وتكلف غير المراد # وقال عطاء : إني أخاف الله أن يهلكني فيمن يهلك وهذا خوف هلاك الدنيا فلا ~~ينفعه PageV01P109 # وقال الزجاج وابن الانباري : ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر زاد ابن ~~الانباري قال : أخاف أن يكون الوقت المعلوم الذي يزول معه إنظاري قد حضر ~~فيقع بي العذاب فإنه لما عاين الملائكة خاف أن يكون وقت الانظار قد انقضى ~~فقال ما قال إشفاقا على نفسه # | فصل ومن كيد عدوع الله تعالى : أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه # فلا يجاهدونهم ولا يأمرونهم بالمعروف ولا ينهونهم عن المنكر وهذا من أعظم ~~كيده بأهل الإيمان وقد أخبرنا الله تعالى سبحانه عنه بهذا قال : إنما ذلكم ~~الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوفم وخافون إن كنتم مؤمنين ms098 [ آل عمران : 175 ~~] # المعنى عند جميع المفسرين : يخوفكم بأوليائه قال قتادة : يعظمهم في ~~صدوركم ولهذا قال فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين فكلما قوي إيمان ~~العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان وكلما ضعف إيمانه قوي خوفه منهم # ومن مكايده أنه يسحر العقل دائما حتى يكيده ولا يسلم من سحره إلا من شاء ~~الله فيزين له الفعل الذي يضره حتى يخيل إليه أنه من أنفع الأشياء وينفر من ~~الفعل الذي هو أنفع الأشياء له حتى يخيل له أنه يضره فلا إله إلا الله كم ~~فتن بهذا السحر من إنسان وكم حال به بين القلب وبين الإسلام والإيمان ~~والإحسان وكم جلا الباطل وأبرزه في صورة مستحسنة وشنع الحق وأخرجه في صورة ~~مستهجنة وكم بهرج من الزيوف على الناقدين وكم روج من الزغل على العارفين ~~فهو الذي سحر العقول حتى ألقى أربابها في الأهواء المختلفة والآراء ~~المتشعبة وسلك بهم من سبل الضلال كل مسلك وألقاهم من المهالك في مهلك بعد ~~مهلك وزين لهم عبادة الأصنام وقطيعة الأرحام ووأد البنات ونكاح الأمهات ~~ووعدهم الفوز بالجنات مع الكفر والفسوق والعصيان وأبرز لهم الشرك في صورة ~~التعظيم والكفر بصفات الرب تعالى وعلوه وتكلمه بكتبه في قالب التنزيه وترك ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب التودد إلى الناس وحسن الخلق معهم ~~والعمل بقوله : عليكم أنفسكم [ المائده : 105 ] والإعراض عما جاء به الرسول ~~عليه الصلاة والسلام في قالب التقليد PageV01P110 والاكتفاء بقول من هو ~~أعلم منهم والنفاق والإدهان في دين الله في قالب العقل المعيشي الذي يندرج ~~به العبد بين الناس # فهو صاحب الأبوين حين أخرجهما من الجنة وصاحب قابيل حين قتل أخاه وصاحب ~~قوم نوح حين أغرقوا وقوم عاد حين أهلكوا بالريح العقيم وصاحب قوم صالح حين ~~أهلكوا بالصيحة وصاحب الأمة اللوطية حين خسف بهم وأتبعوا بالرجم بالحجارة ~~وصاحب فرعون وقومه حين أخذوا الأخذة الرابية وصاحب عباد العجل حين جرى ~~عليهم ما جرى وصاحب قريش حين دعوا يوم بدر وصاحب كل هالك ومفتون # | فصل وأول كيده ms099 ومكره : أنه كاد الأبوين بالأيمان الكاذبة : أنه ناصح # لهما وأنه إنما يريد خلودهما في الجنة قال تعالى : فوسوس لهما الشيطان ~~ليبدي لهما ما وورى عنهما من سوءاتهما وقال ما نها كما ربكما عن هذه الشجرة ~~إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ~~فدلاهما بغرور [ الأعراف : 20 ] فالوسوسة : حديث النفس والصوت الخفي وبه ~~سمي صوت الحلي وسواسا ورجل موسوس بكسر الواو ولا يفتح فإنه لحن وإنما قيل ~~له : موسوس لأن نفسه توسوس إليه قال تعالى : ونعلم ما توسوس به نفسه [ ق : ~~16 ] # وعلم عدو الله أنهما إذا أكلا من الشجرة بدت لهما عوراتهما فإنها معصية ~~والمعصية تهتك ستر ما بين الله وبين العبد فلما عصيا انهتك ذلك الستر فبدت ~~لهما سوآتهما فالمعصية تبدي السوأة الباطنة والظاهرة ولهذا رأى النبيفي ~~رؤياه الزناة والزواني عراة بادية سوآتهم وهكذا إذا رؤي الرجل أو المرأة في ~~منامه مكشوف السوأة فإنه يدل على فساد في دينه قال الشاعر : PageV01P111 # إني كأني أرى من لا حياء له % ولا أمانة وسط الناس عريانا فإن الله ~~سبحانه أنزل لباسين : لباسا ظاهرا يواري العورة ويسترها ولباسا باطنا من ~~التقوى يجمل العبد ويستره فإذا زال عنه هذا اللباس انكشفت عورته الباطنة ~~كما تنكشف عورته الظاهرة بنزع ما يسترها # ثم قال مانها كما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أي : إلا كراهة ~~أن تكونا ملكين وكراهة أن تخلدا في الجنة ومن ههنا دخل عليهما لما عرف ~~أنهما يريدان الخلود فيها وهذا باب كيده الأعظم الذي يدخل منه على ابن آدم ~~فإنه يجري منه مجرى الدم حتى يصادف نفسه ويخالطه ويسألها عما تحبه وتؤثره ~~فإذا عرفه استعان بها على العبد ودخل عليه من هذا الباب وكذلك علم إخوانه ~~وأولياءه من الإنس إذا أرادوا أغراضهم الفاسدة من بعضهم بعضا أن يدخلوا ~~عليهم من الباب الذي يحبونه ويهوونه فإنه باب لا يخذل عن حاجته من دخل منه ~~ومن رام الدخول من غيره فالباب عليه مسدود وهو عن طريق ms100 مقصده مصدود # فشام عدو الله الأبوين فأحس منهما إيناسا وركونا إلى الخلد في تلك الدار ~~في النعيم المقيم فعلم أنه لا يدخل عليهما من غير هذا الباب فقاسمهما بالله ~~إنه لهما لمن الناصحين وقال : مانها كما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ~~ملكين أو تكونا من الخالدين # وكان عبدالله بن عباس يقرؤها ملكين بكسر اللام ويقول لم يطمعا أن يكونا ~~من الملائكة ولكن استشرفا أن يكونا ملكين فأتاهما من جهة الملك ويدل على ~~هذه القراءة قوله في الآية الأخرى : قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ~~وملك لا يبلى [ طه : 130 ] # وأما على القراءة المشهورة فيقال : كيف أطمع عدو الله آدم عليه السلام أن ~~يكون بأكله من الشجرة من الملائكة وهو يرى الملائكة لا تأكل ولا تشرب وكان ~~آدم عليه السلام أعلم بالله وبنفسه وبالملائكة من أن يطمع أن يكون منهم ~~بأكله ولا سيما مما نهاه الله عز وجل عنه # فالجواب : أن آدم وحواء عليهما السلام لم يطمعا في ذلك أصلا وإنما كذبهما ~~عدو الله وغرهما بأن سمى تلك الشجرة شجرة الخلد فهذا أول المكر والكيد ومنه ~~ورث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تحب النفوس مسمياتها فسموا ~~الخمر : أم الأفراح PageV01P112 وسموا أخاها بلقيمة الراحة وسموا الربا ~~بالمعاملة وسمو المكوس بالحقوق السلطانية وسموا أقبح الظلم وأفحشه شرع ~~الديوان وسموا أبلغ الكفر وهو جحد صفات الرب تنزيها وسموا مجالس الفسوق ~~مجالس الطيبة فلما سماها شجرة الخلد قال : مانها كما عن هذه الشجرة إلا ~~كراهة أن تأكلا منها فتخلدا في الجنة ولا تموتا فتكونان مثل الملائكة الذين ~~لا يموتون ولم يكن آدم عليه السلام قد علم أنه يموت بعد واشتهى الخلود في ~~الجنة وحصلت الشبهة من قول العدو وإقسامه بالله جهد أيمانه أنه ناصح لهما ~~فاجتمعت الشبهة والشهوة وساعد القدر فأخذتهما سنة الغفلة واستيقظ لهما ~~العدو كما قيل : # واستيقظوا وأراد الله غفلتهم % لينفذ القدر المحتوم في الأزل إلا أن هذا ~~الجواب يعترض عليه قوله أو تكونا من الخالدين # فيقال : الماكر ms101 المخادع لا بد أن يكون فيما يمكر به ويكيد من التناقض ~~والباطل ما يدل على مكره وكيده ولا حاجة بنا إلى تصحيح كلام عدو الله ~~واعتذار عنه وإنما يعتذر عن الأب في كون ذلك راج عليه وولج سمعه فهو لم ~~يجزم لهما بأنهما إن أكلا منها صارا ملكين وإنما ردد الأمر بين أمرين : ~~أحدهما ممتنع والآخر : ممكن وهذا من أبلغ أنواع الكيد والمكر ولهذا لما ~~أطمعه في الأمر الممكن جزم له به ولم يردده فقال يا آدم هل أدلك على شجرة ~~الخلد وملك لا يبلى [ ] فلم يدخل أداة الشك ههنا كما أدخلها في قوله : إلا ~~أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين [ الأعراف : 20 ] فتأمله ثم قال : ~~وقاسمهما إني لكما من الناصحين [ الأعراف : 21 ] # فتضمن هذا الخبر أنواعا من التأكيد : # أحدها : تأكيده بالقسم # الثاني : تأكيده بإن # الثالث : تقديم المعمول على العامل إيذانا بالاختصاص أي نصيحتي مختصة ~~بكما وفائدتها إليكما لا إلي # الرابع : إتيانه باسم الفاعل على الثبوت واللزوم دون الفعل الدال على ~~التجدد : أي النصح صفتي وسجيتي ليس أمرا عارضا لي PageV01P113 الخامس : ~~إتيانه بلام التأكيد في جواب القسم السادس : أنه صور نفسه لهما ناصحا من ~~جملة الناصحين فكأنه قال لهما : الناصحون لكما في ذلك كثير وأنا واحد منهم ~~كما تقول لمن تأمره بشىء : كل أحد معي على هذا وأنا من جملة من يشير عليك ~~به # سعى نحوها حتى تجاوز حده % وكثر فارتابت ولو شاء قللا وورث عدو الله هذا ~~المكر لأوليائه وحزبه عند خداعهم للمؤمنين كما كان المنافقون يقولون لرسول ~~اللهإذا جاءوه : @QB@ نشهد إنك لرسول الله @QE@ [ المنافقون : 1 ] فأكدوا ~~خبرهم بالشهادة وبإن وبلام التأكيد وكذلك قوله سبحانه : @QB@ ويحلفون بالله ~~إنهم لمنكم وما هم منكم @QE@ [ التوبه : 56 ] # ثم قال تعالى : @QB@ فدلاهما بغرور @QE@ [ ] قال أبو عبيدة : خذلهما ~~وخلاهما من تدلية الدلو وهو إرسالها في البئر # وذكر الأزهري لهذه اللفظة أصلين : أحدهما قال : أصله الرجل العطشان يتدلى ~~في البئر ليروى من الماء فلا يجد فيها ماء فيكون قد تدلى فيها بالغرور ~~فوضعت التدلية ms102 موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعا فيقال : دلاه إذا أطمعه ومنه ~~قول أبي جندب الهذلي : # أحص فلا أجير ومن أجره % فليس كمن تدلى بالغرور أحص : أي أقطع # الثاني : فدلاهما بغرور أي جرأهما على أكل الشجرة وأصله : دللهما من ~~الدلال والدالة وهي الجراءة قال شمر : يقال : مادللك علي : أي ماجرأك علي ~~وأنشد لقيس ابن زهير : # أظن الحلم دل علي قومي % وقد يستجهل الرجل الحليم PageV01P114 قلت : أصل ~~التدلية في اللغة الإرسال والتعليق يقال : دلى الشىء في مهواة إذا أرسله ~~بتعليق وتدلى الشيء بنفسه ومنه قوله تعالى : @QB@ فأرسلوا واردهم فأدلى ~~دلوه @QE@ [ يوسف : 19 ] قال عامة أهل اللغة يقال : أدلى دلوه إذا أرسلها ~~في البئر ودلاها بالتخفيف إذا نزعها من البئر فأدلى دلوه يدليه إدلاء إذا ~~أرسلها ودلاها يدلوها دلوا إذا نزعها وأخرجها ومنه الإدلاء وهو التوصل إلى ~~الرجل برحم منه ويشاركه في الاشتقاق الأكبر الدلالة وهي التوصل إلى الشيء ~~بإبانته وكشفه ومنه الدل وهو ما يدل على العبد من أفعاله وكان عبدالله ابن ~~مسعود يشبه برسول اللهفي هديه ودله وسمته فالهدى الطريقة التي عليها العبد ~~من أخلاقه وأعماله والدل ما يدل من ظاهره على باطنه والسمت هيأته ووقاره ~~ورزانته # والمقصود : ذكر كيد عدو الله ومكره بالأبوين # قال مطرف بن عبد الله : قال لهما إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما ~~فاتبعاني أرشدكما وحلف لهما وإنما يخدع المؤمن بالله قال قتادة : وكان بعض ~~أهل العلم يقول : من خادعنا بالله خدعنا فالمؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم ~~وفي الصحيح أن عيسى بن مريم عليه السلام رأى رجلا يسرق فقال : سرقت فقال : ~~لا والله الذي لا إله إلا هو فقال المسيح : آمنت بالله وكذبت بصري # وقد تأوله بعضهم على أنه لما حلف له جوز أن يكون قد أخذ من ماله فظنه ~~المسيح سرقة وهذا تكلف وإنما كان الله سبحانه وتعالى في قلب المسيح عليه ~~السلام أجل وأعظم من أن يحلف به أحد كاذبا فلما حلف له السارق دار الأمر ~~بين تهمته وتهمة بصره فرد التهمة إلى بصره ms103 لما اجتهد له في اليمين كما ظن ~~آدم عليه السلام صدق إبليس لما حلف له بالله عز وجل وقال : ما ظننت أحدا ~~يحلف بالله تعالى كاذبا # | فصل ومن كيده العجيب : أنه يشام النفس حتى يعلم أي القوتين تغلب # عليها : قوة الإقدام والشجاعة أم قوة الانكفاف والإحجام والمهانة ~~PageV01P115 فإن رأى الغالب على النفس المهانة والإحجام أخذ في تثبيطه ~~وإضعاف همته وإرادته عن المأمور به وثقله عليه فهون عليه تركه حتى يتركه ~~جملة أو يقصر فيه ويتهاون به وإن رأى الغالب عليه قوة الإقدام وعلو الهمة ~~أخذ يقلل عنده المأمور به ويوهمه أنه لا يكفيه وأنه يحتاج معه إلى مبالغة ~~وزيادة فيقصر بالأول ويتجاوز الثاني كما قال بعض السلف : ما أمر الله تعالى ~~بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان : إما إلى تفريط وتقصير وإما إلى مجاوزة وغلو ~~ولا يبالي بأيهما ظفر # وقد اقتطع أكثر الناس إلا أقل القليل في هذين الواديين : وادي التقصير ~~ووادي المجاوزة والتعدي والقليل منهم جدا الثابت على الصراط الذي كان عليه ~~رسول اللهوأصحابه # فقوم قصر بهم عن الإتيان بواجبات الطهارة وقوم تجاوز بهم إلى مجاوزة الحد ~~بالوسواس # وقوم قصر بهم عن إخراج الواجب من المال وقوم تجاوز بهم حتى أخرجوا جميع ~~ما في أيديهم وقعدوا كلا على الناس مستشرفين إلى ما بأيديهم # وقوم قصر بهم عن تناول ما يحتاجون إليه من الطعام والشراب واللباس حتى ~~أضروا بأبدانهم وقلوبهم وقوم تجاوز بهم حتى أخذوا فوق الحاجة فأضروا ~~بقلوبهم وأبدانهم # وكذلك قصر بقوم في حق الأنبياء وورثتهم حتى قتلوهم وتجاوز بآخرين حتى ~~عبدوهم # وقصر بقوم في خلطة الناس حتى اعتزلوهم في الطاعات كالجمعة والجماعات ~~والجهاد وتعلم العلم وتجاوز بقوم حتى خالطوهم في الظلم والمعاصي والآثام # وقصر بقوم حتى امتنعوا من ذبح عصفور أو شاة ليأكله وتجاوز بآخرين حتى ~~جرأهم على الدماء المعصومة # وكذلك قصر بقوم حتى منعهم من الاشتغال بالعلم الذي ينفعهم وتجاوز بآخرين ~~حتى جعلوا العلم وحده هو غايتهم دون العمل به # وقصر بقوم حتى أطعمهم من العشب ونبات البرية ms104 دون غذاء بني آدم وتجاوز ~~بآخرين حتى أطعمهم الحرام الخالص # وقصر بقوم حتى زين لهم ترك سنة رسول اللهمن النكاح فرغبوا عنه بالكلية ~~وتجاوز بآخرين حتى ارتكبوا ما وصلوا إليه من الحرام PageV01P116 # وقصر بقوم حتى جفوا الشيوخ من أهل الدين والصلاح وأعرضوا عنهم ولم يقوموا ~~بحقهم وتجاوز بأخرين حتى عبدوهم مع الله تعالى # وكذلك قصر بقوم حتى منعهم قبول أقوال أهل العلم والالتفات إليها بالكلية ~~وتجاوز بآخرين حتى جعلوا الحلال ما حللوه والحرام ما حرموه وقدموا أقوالهم ~~على سنة رسول اللهالصحيحة الصريحة # وقصر بقوم حتى قالوا : إن الله سبحانه لا يقدر على أفعال عباده ولا شاءها ~~منهم ولكنهم يعملونها بدون مشيئة الله تعلى وقدرته وتجاوز بآخرين حتى قالوا ~~: إنهم لا يفعلون شيئا البته وإنما الله سبحانه هو فاعل تلك الأفعال حقيقة ~~فهي نفس فعله لا أفعالهم والعبيد ليس لهم قدرة ولا فعل ألبتة # وقصر بقوم حتى قالوا : إن رب العالمين ليس داخلا في خلقه ولا بائنا عنهم ~~ولا هو فوقهم ولا تحتهم ولا خلفهم ولا أمامهم ولا عن أيمانهم ولا عن ~~شمائلهم وتجاوز بآخرين حتى قالوا : هو في كل مكان بذاته كالهواء الذي هو ~~داخل في كل مكان # وقصر بقوم حتى قالوا : لم يتكلم الرب سبحانه بكلمة واحدة البتة وتجاوز ~~بآخرين حتى قالوا : لم يزل أزلا وأبدا قائلا : يا إبليس ما منعك أن تسجد ~~لما خلقت بيدي ويقول لموسى @QB@ اذهب إلى فرعون @QE@ فلا يزال هذا الخطاب ~~قائما به ومسموعا منه كقيام صفة الحياة به # وقصر بقوم حتى قالوا : إن الله سبحانه لا يشفع أحدا في أحد البته ولا ~~يرحم أحدا بشفاعة أحد وتجاوز بآخرين حتى زعموا أن المخلوق يشفع عنده بغير ~~إذنه كما يشفع ذو الجاه عند الملوك ونحوهم # وقصر بقوم حتى قالوا : إيمان أفسق الناس وأظلمهم كإيمان جبريل وميكائيل ~~فضلا عن أبي بكر وعمر وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا من الإسلام بالكبيرة ~~الواحدة # وقصر بقوم حتى نفوا حقائق أسماء الرب تعالى وصفاته وعطلوه منها وتجاوز ~~بآخرين حتى شبهوه بخلقة ومثلوه ms105 بهم وقصر بقوم حتى عادوا أهل بيت رسول الله ~~وقاتلوهم واستحلوا حرمتهم وتجاوز بقوم حتى ادعوا فيهم خصائص النبوة : من ~~العصمة وغيرها وربما ادعوا فيهم الإلهية PageV01P117 # وكذلك قصر باليهود في المسيح حتى كذبوه ورموه وأمه بما برأهما الله تعالى ~~منه وتجاوز بالنصارى حتى جعلوه ابن الله وجعلوه إلها يعبد مع الله # وقصر بقوم حتى نفوا الأسباب والقوى والطبائع والغرائز وتجاوز بآخرين حتى ~~جعلوها أمرا لازما لا يمكن تغييره ولا تبديله وربما جعلها بعضهم مستقلة ~~بالتأثير # وقصر بقوم حتى تعبدوا بالنجاسات وهم النصاري وأشباههم وتجاوز بقوم حتى ~~أفضى بهم الوسواس إلى الآصار والأغلال وهم أشباه اليهود # وقصر بقوم حتى تزينوا للناس وأظهروا لهم من الأعمال والعبادات ما ~~يحمدونهم عليه وتجاوز بقوم حتى أظهروا لهم من القبائح ومن الأعمال السيئة ~~ما يسقطون به جاههم عندهم وسموا أنفسهم الملامتية # وقصر بقوم حتى أهملوا أعمال القلوب ولم يلتفتوا إليها وعدوها فضلا أو ~~فضولا وتجاوز بآخرين حتى قصروا نظرهم وعملهم عليها ولم يلتفتوا إلى كثير من ~~أعمال الجوارح وقالوا : العارف لا يسقط وارده لورده # وهذا باب واسع جدا لو تتبعناه لبلغ مبلغا كثيرا وإنما أشرنا إليه أدنى ~~إشارة # | فصل ومن حيله ومكايده : الكلام الباطل والآراء المتهافتة والخيالات # المتناقضة التي هي زبالة الأذهان ونحاتة الأفكار والزبد الذي يقذف به ~~القلوب المظلمة المتحيرة التي تعدل الحق بالباطل والخطأ بالصواب قد تقاذفت ~~بها أمواج الشبهات وزانت عليها غيوم الخيالات فمركبها القيل والقال والشك ~~والتشكيك وكثرة الجدال ليس لها حاصل من اليقين يعول عليه ولا معتقد مطابق ~~للحق يرجع إليه يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا فقد اتخذوا لأجل ذلك ~~القرآن مهجورا وقالوا من عند أنفسهم فقالوا منكرا من القول وزورا فهم في ~~شكهم يعمهون وفي حيرتهم يترددون نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا ~~يعلمون واتبعوا ما تلته الشياطين على ألسنة أسلافهم من أهل الضلال فهم إليه ~~يحاكمون وبه يتخاصمون فارقوا الدليل واتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل ~~وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل PageV01P118 # | فصل ومن ms106 كيده بهم وتحيله على إخراجهم من العلم والدين : أن ألقى # على ألسنتهم أن كلام الله ورسوله ظواهر لفظية لا تفيد اليقين وأوحى إليهم ~~أن القواطع العقلية والبراهين اليقينية في المناهج الفلسفية والطرق ~~الكلامية فحال بينهم وبين اقتباس الهدى واليقين من مشكاة القرآن وأحالهم ~~على منطق يونان وعلى ما عندهم من الدعاوى الكاذبة العرية عن البرهان وقال ~~لهم : تلك علوم قديمة صقلتها العقول والأذهان ومرت عليها القرون والأزمان ~~فانظر كيف تلطف بكيده ومكره حتى أخرجهم من الإيمان كإخراج الشعرة من العجين # | فصل ومن كيده : ما ألقاه إلى جهال المتصوفة من الشطح والطامات # وأبرزه لهم في قالب الكشف من الخيالات فأوقعهم في أنواع الأباطيل ~~والترهات وفتح لهم أبواب الدعاوي الهائلات وأوحى إليهم : أن وراء العلم ~~طريقا إن سلكوه أفضى بهم إلى كشف العيان وأغناهم عن التقيد بالسنة والقرآن ~~فحسن لهم رياضة النفوس وتهذيبها وتصفية الأخلاق والتجافي عما عليه أهل ~~الدنيا وأهل الرياسة والفقهاء وأرباب العلوم والعمل على تفريغ القلب وخلوه ~~من كل شيء حتى ينتقش فيه الحق بلا واسطة تعلم فلما خلا من صورة العلم الذي ~~جاء به الرسول نقش فيه الشيطان بحسب ما هو مستعد له من أنواع الباطل وخيله ~~للنفس حتى جعله كالمشاهد كشفا وعيانا فإذا أنكره عليهم ورثة الرسل قالوا : ~~لكم العلم الظاهر ولنا الكشف الباطن ولكم ظاهر الشريعة وعندنا باطن الحقيقة ~~ولكم القشور ولنا اللباب فلما تمكن هذا من قلوبهم سلخها من الكتاب والسنة ~~والآثار كما ينسلخ الليل من النهار ثم أحالهم في سلوكهم على تلك الخيالات ~~وأوهمهم أنها من الآيات البينات وأنها من قبل الله سبحانه إلهامات وتعريفات ~~فلا تعرض على السنة والقرآن ولا تعامل إلا بالقبول والإذعان # فلغير الله لا له سبحانه ما يفتحه عليهم الشيطان من الخيالات والشطحات ~~وأنواع PageV01P119 الهذيان وكلما ازدادوا بعدا وإعراضا عن القرآن وما جاء ~~به الرسول كان هذا الفتح على قلوبهم أعظم # | فصل ومن أنواع مكايده ومكره : أن يدعو العبد بحسن خلقه وطلاقته # وبشره إلى أنواع من الآثام والفجور فيلقاه من ms107 لا يخلصه من شره إلا تجهمه ~~والتعبيس في وجهه والإعراض عنه فيحسن له العدو أن يلقاه ببشره وطلاقة وجهه ~~وحسن كلامه فيتعلق به فيروم التخلص منه فيعجز فلا يزال العدو يسعى بينهما ~~حتى يصيب حاجته فيدخل على العبد بكيده من باب حسن الخلق وطلاقة الوجه ومن ~~ههنا وصى أطباء القلوب بالإعراض عن أهل البدع وأن لا يسلم عليهم ولا يريهم ~~طلاقة وجهه ولا يلقاهم إلا بالعبوس والإعراض # وكذلك أوصوا عند لقاء من يخاف الفتنة بلقائه من النساء والمردان وقالوا : ~~متى كشفت للمرأة أو الصبي بياض أسنانك كشفا لك عما هنا لك ومتى لقيتهما ~~بوجه عابس وقيت شرهما # ومن مكايده : أنه يأمرك أن تلقى المساكين وذوي الحاجات بوجه عبوس ولا ~~تريهم بشرا ولا طلاقة فيطمعوا فيك ويتجرأوا عليك وتسقط هيبتك من قلوبهم ~~فيحرمك صالح أدعيتهم وميل قلوبهم إليك ومحبتهم لك فيأمرك بسوء الخلق ومنع ~~البشر والطلاقة مع هؤلاء وبحسن الخلق والبشر مع أولئك ليفتح لك باب الشر ~~ويغلق عنك باب الخير # | فصل ومن مكايده أنه يأمرك بإعزاز نفسك وصونها حيث يكون رضى الرب # تعالى في إذلالها وابتذالها كجهاد الكفار والمنافقين وأمر الفجار والظلمة ~~بالمعروف ونهيهم عن المنكر فيخيل إليك أن ذلك تعريض لنفسك إلى مواطن الذل ~~وتسليط الأعداء وطعنهم فيك فيزول جاهك فلا يقبل منك بعد ذلك ولا يسمع منك ~~PageV01P120 # ويأمرك بإذلالها وامتهانها حيث تكون مصلحتها في إعزازها وصيانتها كما ~~يأمرك بالتبذل لذوي الرياسات وإهانة نفسك لهم ويخيل إليك أنك تعزها بهم ~~وترفع قدرها بالذل لهم ويذكرك قول الشاعر : # أهين لهم نفسي لأرفعها بهم % ولن تكرم النفس التي لا تهينها وغلط هذا ~~القائل : فإن ذلك لا يصلح إلا لله وحده فإنه كلما أهان العبد نفسه له أكرمه ~~وأعزه بخلاف المخلوق فإنك كلما أهنت نفسك له ذللت عند الله وعند أوليائه ~~وهنت عليه # | فصل ومن كيده وخداعه : أنه يأمر الرجل بانقطاعه في مسجد أو رباط # أو زاوية أو تربة ويحبسه هناك وينهاه عن الخروج ويقول له : متى خرجت ~~تبذلت للناس وسقطت من ms108 أعينهم وذهبت هيبتك من قلوبهم وربما ترى في طريقك ~~منكرا وللعدو في ذلك مقاصد خفية يريدها منه : منها الكبر واحتقار الناس ~~وحفظ الناموس وقيام الرياسة ومخالطة الناس تذهب ذلك وهو يريد أن يزار ولا ~~يزور ويقصده الناس ولا يقصدهم ويفرح بمجيء الأمراء إليه واجتماع الناس عنده ~~وتقبيل يده فيترك من الواجبات والمستحبات والقربات ما يقربه إلى الله ~~ويتعوض عنه بما يقرب الناس إليه # وقد كان رسول اللهيخرج إلى السوق قال بعض الحفاظ : وكان يشتري حاجته ~~ويحملها بنفسه ذكره أبو الفرج ابن الجوزي وغيره # وكان أبو بكر رضي الله عنه يخرج إلى السوق يحمل الثياب فيبيع ويشتري # ومر عبدالله بن سلام رضي الله عنه وعلى رأسه حزمة حطب فقيل له : ما يحملك ~~على هذا وقد أغناك الله عز وجل فقال : أردت أن أدفع به الكبر فإني سمعت ~~رسول اللهيقول : لا يدخل الجنة عبد في قلبه مثقال ذرة من الكبر # وكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يحمل الحطب وغيره من حوائج نفسه وهو ~~أمير على المدينة ويقول : افسحوا لأميركم افسحوا لأميركم PageV01P121 # وخرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما وهو خليفة في حاجة له ماشيا فأعيى ~~فرأى غلاما على حمار له فقال : يا غلام احملني فقد أعييت فنزل الغلام عن ~~الدابة وقال : اركب يا أمير المؤمنين فقال : لا اركب أنت وأنا خلفك فركب ~~خلف الغلام حتى دخل المدينة والناس يرونه # | فصل ومن كيده : أنه يغري الناس بتقبيل يده والتمسح به والثناء عليه # وسؤاله الدعاء ونحو ذلك حتى يرى نفسه ويعجبه شأنه فلو قيل له : إنك من ~~أوتاد الأرض وبك يدفع البلاء عن الخلق ظن ذلك حقا وربما قيل له : إنه يتوسل ~~به إلى الله تعالى ويسأل الله تعالى به وبحرمته فيقضي حاجتهم فيقع ذلك في ~~قلبه ويفرح به ويظنه حقا وذلك كل الهلاك فإذا رأى من أحد من الناس تجافيا ~~عنه أو قلة خضوع له تذمر لذلك ووجد في باطنه وهذا شر من أرباب الكبائر ~~المصرين عليها وهم أقرب إلى السلامة ms109 منه # | فصل ومن كيده : أنه يحسن إلى أرباب التخلي والزهد والرياضة العمل # بها جسهم وواقعهم دون تحكيم أمر الشارع ويقولون : القلب إذا كان محفوظا ~~مع الله كانت هواجسه وخواطره معصومة من الخطأ وهذا من أبلغ كيد العدو فيهم # فإن الخواطر والهواجس ثلاثة أنواع : رحمانية وشيطانية ونفسانية كالرؤيا ~~فلو بلغ العبد من الزهد والعبادة ما بلغ فمعه شيطانه ونفسه لا يفارقانه إلى ~~الموت والشيطان يجري منه مجرى الدم والعصمة إنما هي للرسل صلوات الله ~~وسلامه عليهم الذين هم وسائط بين الله عز وجل وبين خلقه في تبليغ أمره ~~ونهيه ووعده ووعيده ومن عداهم يصيب ويخطىء وليس بحجة على الخلق # وقد كان سيد المحدثين الملهمين : عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول الشيء ~~فيرده عليه PageV01P122 من هو دونه فيتبين له الخطأ فيرجع إليه وكان يعرض ~~هواجسه وخواطره على الكتاب والسنة ولا يلتفت إليها ولا يحكم بها ولا يعمل ~~بها # وهؤلاء الجهال يرى أحدهم أدنى شيء فيحكم هواجسه وخواطره على الكتاب ~~والسنة ولا يلتفت إليهما ويقول : حدثني قلبي عن ربي ونحن أخذنا عن الحي ~~الذي لا يموت وأنتم أخذتم عن الوسائط ونحن أخذنا بالحقائق وأنتم اتبعتم ~~الرسوم وأمثال ذلك من الكلام الذي هو كفر وإلحاد وغاية صاحبه أن يكون جاهلا ~~يعذر بجهله حتى قيل لبعض هؤلاء : لا تذهب فتسمع الحديث من عبدالرزاق فقال : ~~ما يصنع بالسماع من عبدالرزاق من يسمع من الملك الخلاق # وهذا غاية الجهل فإن الذي سمع من الملك الخلاق موسى بن عمران كليم الرحمن ~~وأما هذا وأمثاله فلم يحصل لهم السماع من بعض ورثة الرسول وهو يدعي أنه ~~يسمع الخطاب من مرسله فيستغني به عن ظاهر العلم ولعل الذي يخاطبهم هو ~~الشيطان أو نفسه الجاهلة أو هما مجتمعين ومنفردين # ومن ظن أنه يستغني عما جاء به الرسول بما يلقى في قلبه من الخواطر ~~والهواجس فهو من أعظم الناس كفرا وكذلك إن ظن أنه يكتفي بهذا تارة وبهذا ~~تارة فما يلقي في القلوب لا عبرة به ولا التفات إليه إن لم ms110 يعرض على ما جاء ~~به الرسول ويشهد له بالموافقة وإلا فهو من إلقاء النفس والشيطان # وقد سئل عبدالله بن مسعود عن مسئلة المفوضة شهرا فقال بعد الشهر : أقول ~~فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ~~برىء PageV01P123 منه ورسوله وكتب كاتب لعمر رضي الله عنه بين يديه : هذا ~~ما أرى الله عمر فقال : لا امحه واكتب : هذا ما رأى عمر # وقال عمر رضي الله عنه أيضا : أيها الناس اتهموا الرأى على الدين فلقد ~~رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله عليه السلام لرددته # واتهام الصحابة لآرائهم كثير مشهور وهم أبر الأمة قلوبا وأعمقها علما ~~وأبعدها من الشيطان فكانوا أتبع الأمة للسنة وأشدهم اتهاما لآرائهم وهؤلاء ~~ضد ذلك # وأهل الاستقامة منهم سلكوا على الجادة ولم يلتفتوا إلى شيء من الخواطر ~~والهواجس والإلهامات حتى يقوم عليها شاهدان # قال الجنيد : قال أبو سليمان الداراني : ربما يقع في قلبي النكتة من نكت ~~القوم أياما فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين من الكتاب والسنة # وقال أبو يزيد : لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يتربع في الهواء ~~فلا تغتروا به حتى تنظروا : كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود ~~PageV01P124 # وقال أيضا : من ترك قراءة القرآن ولزوم الجماعات وحضور الجنائز وعيادة ~~المرضى وادعى بهذا الشأن فهو مدع # وقال سري السقطى : من ادعى باطن علم ينقضه ظاهر حكم فهو غالط # وقال الجنيد : مذهبنا هذا مقيد بالأصول بالكتاب والسنة فمن لم يحفظ ~~الكتاب ويكتب الحديث ويتفقه لا يقتدى به # وقال أبو بكر الدقاق : من ضيع حدود الأمر والنهي في الظاهر حرم مشاهدة ~~القلب في الباطن # وقال أبو الحسين النوري من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد العلم ~~الشرعي فلا تقربه ومن رأيته يدعي حالة لا يشهد لها حفظ ظاهره فاتهمه على ~~دينه # وقال الجريري : أمرنا هذا كله مجموع على فصل واحد : أن تلزم قلبك ~~المراقبة ويكون العلم على ظاهرك قائما # وقال أبو حفص الكبير الشان : من ms111 لم يزن أحواله وأفعاله بالكتاب والسنة ~~ولم يتهم خواطره فلا تعدوه في ديوان الرجال # وما أحسن ما قال أبو أحمد الشيرازي : كان الصوفية يسخرون من الشيطان ~~والآن الشيطان يسخر منهم # ونظير هذا ما قاله بعض أهل العلم : كان الشيطان فيما مضى يهب من الناس ~~واليوم الرجل الذي يهب من الشيطان # | فصل ومن كيده : أمرهم بلزوم زي واحد ولبسة واحدة وهيئة ومشية معينة # وشيخ معين وطريقة مخترعة ويفرض عليهم لزوم ذلك بحيث يلزمونه كلزوم ~~الفرائض فلا يخرجون عنه ويقدحون فيمن خرج عنه ويذمونه وربما يلزم أحدهم ~~موضعا معينا للصلاة لا يصلي إلا فيه وقد نهى رسول الله أن يوطن الرجل ~~المكان للصلاة PageV01P125 كما يوطن البعير وكذلك ترى أحدهم لا يصلي إلا ~~على سجاده ولم يصل عليه السلام على سجادة قط ولا كانت السجادة تفرش بين ~~يديه بل كان يصلي على الأرض وربما سجد في الطين وكان يصلي على الحصير فيصلي ~~على ما اتفق بسطه فإن لم يكن ثمة شيء صلى على الأرض # وهؤلاء اشتغلوا بحفظ الرسوم عن الشريعة والحقيقة فصاروا واقفين مع الرسوم ~~المبتدعة ليسوا مع أهل الفقه ولا مع أهل الحقائق فصاحب الحقيقة أشد شيء ~~عليه التقيد بالرسوم الوضعية وهي من أعظم الحجب بين قلبه وبين الله فمتى ~~تقيد بها حبس قلبه عن سيره وكان أخس أحواله الوقوف معها ولا وقوف في السير ~~بل إما تقدم وإما تأخر كما قال تعالى : @QB@ لمن شاء منكم أن يتقدم أو ~~يتأخر @QE@ [ المدثر : 37 ] فلا وقوف في الطريق إنما هو ذهاب وتقدم أو رجوع ~~وتأخر # ومن تأمل هدي رسول اللهوسيرته وجده مناقضا لهدي هؤلاء فإنه كان يلبس ~~القميص تارة والقباء تارة والجبة تارة والإزار والرداء تارة ويركب البعير ~~وحده ومردفا لغيره ويركب الفرس مسرجا وعريانا ويركب الحمار ويأكل ما حضر ~~ويجلس على الأرض تارة وعلى الحصير تارة وعلى البساط تارة ويمشي وحده تارة ~~ومع أصحابه تارة وهديه عدم التكلف والتقيد بغير ما أمره به ربه فبين هديه ~~وهدي هؤلاء بون بعيد # | فصل ومن كيده ms112 الذي بلغ به من الجهال ما بلغ : الوسواس الذي # كادهم به في أمر الطهارة والصلاة عند عقد النية حتى ألقاهم في الآصار ~~والأغلال وأخرجهم عن اتباع سنة رسول الله وخيل إلى أحدهم أن ما جاءت به ~~السنة لا يكفي حتى يضم إليه غيره فجمع لهم بين هذا الظن الفاسد والتعب ~~الحاضر وبطلان الأجر أو تنقيصه PageV01P126 # ولا ريب أن الشيطان هو الداعي إلى الوسواس : فأهله قد أطاعوا الشيطان ~~ولبوا دعوته واتبعوا أمره ورغبوا عن اتباع سنة رسول اللهوطريقته حتى إن ~~أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله أو اغتسل كاغتساله لم يطهر ولم ~~يرتفع حدثه ولولا العذر بالجهل لكان هذا مشاقة للرسول فقد كان رسول ~~اللهيتوضأ بالمدع وهو قريب من ثلث رطل بالدمشقي ويغتسل بالصاع وهو نحو رطل ~~وثلث والموسوس يرى أن ذلك القدر لا يكفيه لغسل يديه وصح عنه عليه السلام ~~أنه توضأ مرة مرة ولم يزد على ثلاث بل أخبر أن : من زاد عليها فقد أساء ~~وتعدى وظلم فالموسوس مسيء متعد ظالم بشهادة رسول الله فكيف يتقرب إلى الله ~~بما هو مسىء به متعد فيه لحدوده # وصح عنه أنه كان يغتسل هو وعائشة رضي الله عنها من قصعة بينهما فيها أثر ~~العجين ولو رأى الموسوس من يفعل هذا لأنكر عليه غاية الإنكار وقال : ما ~~يكفي هذا القدر لغسل اثنين كيف والعجين يحلله الماء فيغيره هذا والرشاش ~~ينزل في الماء فينجسه عند بعضهم ويفسده عند آخرين فلا تصح به الطهارة ~~وكانيفعل ذلك مع غير عائشة مثل ميمونة وأم سلمة وهذا كله في الصحيح # وثبت أيضا في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال : كان الرجال ~~والنساء على عهد رسول اللهيتوضئون من إناء واحد والآنية التي كان عليه ~~السلام وأزواجه وأصحابه ونساؤهم يغتسلون منها لم تكن من كبار الآنية ولا ~~كانت لها مادة تمدها كأنبوب الحمام ونحوه ولم يكونوا يراعون فيضانها حتى ~~يجري الماء من حافاتها كما يراعيه جهال الناس ممن بلى بالوسواس في جرن ~~الحمام # فهدي رسول ms113 اللهالذي من رغب عنه فقد رغب عن سنته جواز الاغتسال من الحياض ~~والآنية وإن كانت ناقصة غير فائضة ومن انتظر الحوض حتى PageV01P127 يفيض ثم ~~استعمله وحده ولم يمكن أحدا أن يشاركه في استعماله فهو مبتدع مخالف للشريعة # قال شيخنا : ويستحق التعزير البليغ الذي يزجره وأمثاله عن أن يشرعوا في ~~الدين ما لم يأذن به الله ويعبدوا الله بالبدع لا بالاتباع # ودلت هذه السنن الصحيحة على أن النبيوأصحابه لم يكونوا يكثرون صب الماء ~~ومضى على هذا التابعون لهم بإحسان # قال سعيد بن المسيب : إني لاستنجي من كوز الحب وأتوضأ وأفضل منه لأهلي # وقال الإمام أحمد : من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء # وقال المروزى : وضأت أبا عبدالله بالعسكر فسترته من الناس لئلا يقولوا ~~إنه لايحسن الوضوء لقلة صبه الماء # وكان أحمد يتوضأ فلا يكاد يبل الثرى # وثبت عنهفي الصحيح : أنه توضأ من إناء فأدخل يده فيه ثم تمضض واستنشق ~~وكذلك كان في غسله يدخل يده في الإناء ويتناول الماء منه والموسوس لا يجوز ~~ذلك ولعله أن يحكم بنجاسة الماء ويسلبه طهوريته بذلك # وبالجملة فلا تطاوعه نفسه لاتباع رسول الله وأن يأتي بمثل ما أتى به أبدا ~~وكيف يطاوع الموسوس نفسه أن يغتسل هو وامرأته من إناء واحد قدر الفرق قريبا ~~من خمسة أرطال بالدمشقي يغمسان أيديهما فيه ويفرغان عليهما فالمسوس يشمئز ~~من ذلك كما يشمئز إذا ذكر الله وحده # قال أصحاب الوسواس : إنما حملنا على ذلك الاحتياط لديننا والعمل بقوله دع ~~ما يريبك إلى مالا يريبك وقوله : من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه : ~~وقوله الإثم ما حاك في الصدر PageV01P128 # وقال بعض السلف : الإثم حور القلوب وقد وجد النبي تمرة فقال لولا أني ~~أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها أفلا يرى أنه ترك أكلها احتياطا # وقد أفتى مالك رحمه الله فيمن طلق امرأته وشك : هل هي واحدة أم ثلاث : ~~بأنها ثلاث احتياطا للفروج # وأفتى من حلف بالطلاق : أن في هذه اللوزة حبتين وهو لا يعلم ذلك فبان ~~الأمر كما حلف عليه : أنه حانث ms114 لأنه حلف على ما لا يعلم # وقال فيمن طلق واحدة من نسائه ثم أنسيها : يطلق عليه جميع نسائه احتياطا ~~وقطعا للشك # وقال أصحاب مالك فيمن حلف بيمين ثم نسيها : إنه يلزمه جميع ما يحلف به ~~عادة فيلزمه الطلاق والعتاق والصدقة بثلث المال وكفارة الظهار وكفارة ~~اليمين بالله تعالى والحج ماشيا ويقع الطلاق في جميع نسائه ويعتق عليه جميع ~~عبيده وإمائه وهذا أحد القولين عندهم ومذهب مالك أيضا أنه إذا حلف ليفعلن ~~كذا : أنه على حنث حتى يفعله فيحال بينه وبين امرأته # ومذهبه أيضا : أنه إذا قال : إذا جاء رأس الحول فأنت طالق ثلاثا : أنها ~~تطلق في الحال وهذا كله احتياط # وقال الفقهاء : من خفي عليه موضع النجاسة من الثوب وجب عليه غسله كله ~~وقالوا : إذا كان معه ثياب طاهرة وتنجس منها ثياب وشك فيها صلى في ثوب بعد ~~ثوب بعدد النجس وزاد صلاة لتيقن براءة ذمته # وقالوا : إذا اشتبهت الأواني الطاهرة بالنجسة أراق الجميع وتيمم وكذلك ~~إذا اشتبهت عليه القبلة فلا يدرى في أي جهة فإنه يصلي أربع صلوات عند بعض ~~الأئمة لتبرأ ذمته بيقين # وقالوا : من ترك صلاة من يوم ثم نسيها وجب عليه أن يصلي خمس صلوات وقد ~~أمر النبي عليه الصلاة والسلام من شك في صلاته : أن يبني على اليقين ~~PageV01P129 # وحرم أكل الصيد إذا شك صاحبه هل مات بسهمه أو بغيره كما إذا وقع في الماء # وحرم أكله إذا خالط كلبه كلبا آخر للشك في تسمية صاحبه عليه # وهذا باب يطول تتبعه # فالاحتياط والأخذ باليقين غير مستنكر في الشرع وإن سميتموه وسواسا # وقد كان عبدالله بن عمر يغسل داخل عينيه في الطهارة حتى عمي # وكان أبو هريرة إذا توضأ أشرع في العضد وإذا غسل رجليه أشرع في الساقين # فنحن إذا احتطنا لأنفسنا وأخذنا باليقين وتركنا ما يريب إلى ما لا يريب ~~وتركنا المشكوك فيه للمتيقن المعلوم وتجنبنا محل الاشتباه لم نكن بذلك عن ~~الشريعة خارجين ولافي البدعة والجين وهل هذا إلا خير من التسهيل والاسترسال ~~حتى لا ms115 يبالي العبد بدينه ولا يحتاط له بل يسهل الأشياء ويمشي حالها ولا ~~يبالي كيف توضأ ولا بأي ماء توضأ ولا بأي مكان صلى ولا يبالي ما أصاب ذيله ~~وثوبه ولا يسأل عما عهد بل يتغافل ويحسن ظنه فهو مهمل لدينه لا يبالي ما شك ~~فيه ويحمل الأمور على الطهارة وربما كانت أفحش النجاسة ويدخل بالشك ويخرج ~~بالشك فأين هذا ممن استقصى في فعل ما أمر به واجتهد فيه حتى لا يخل بشيء ~~منه وإن زاد على المأمور فإنما قصده بالزيادة تكميل المأمور وأن لا ينقص ~~منه شيئا # قالوا : وجماع ما ينكرونه علينا احتياط في فعل مأمور أو احتياط في اجتناب ~~محظور # وذلك خير وأحسن عاقبة من التهاون بهذين فإنه يفضي غالبا إلى النقص من ~~الواجب والدخول في المحرم وإذا وازنا بين هذه المفسدة ومفسدة الوسواس كانت ~~مفسدة الوسواس أخف هذا إن ساعدناكم على تسميته وسواسا وإنما نسميه احتياطا ~~واستظهارا فلستم بأسعد منا بالسنة ونحن حولها ندندن وتكميلها نريد # وقال أهل الاقتصاد والاتباع : قال الله تعالى : لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر [ الأحزاب : 21 ] وقال تعالى : ~~@QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله @QE@ [ النساء : 21 ] ~~وقال تعالى : @QB@ واتبعوه لعلكم تهتدون @QE@ [ الأعراف : 158 ] وقال تعالى ~~: وأن هذا صراطي مستقيما فا تبعوه ولا تتبعوا السبلى فتفرق بكم عن سبيله ~~ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون [ الأنعام : 153 ] PageV01P130 # وهذا الصراط المستقيم الذي وصانا باتباعه هو الصراط الذي كان عليه رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه وهو قصد السبيل وما خرج عنه ~~فهو من السبل الجائرة وإن قاله من قاله لكن الجور قد يكون جورا عظيما عن ~~الصراط وقد يكون يسيرا وبين ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله وهذا كالطريق ~~الحسي فإن السالك قد يعدل عنه ويجور جورا فاحشا وقد يجور دون ذلك فالميزان ~~الذي يعرف به الاستقامة على الطريق والجور عنه هو ما كان رسول الله وأصحابه ~~عليه والجائر عنه إما مفرط ظالم ms116 أو مجتهد متأول أو مقلد جاهل فمنهم المستحق ~~للعقوبة ومنهم المغفور له ومنهم المأجور أجرا واحدا بحسب نياتهم ومقاصدهم ~~واجتهادهم في طاعة الله تعالى ورسوله أو تفريطهم # ونحن نسوق من هدي رسول الله وهدي أصحابه ما يبين أي الفريقين أولى ~~باتباعه ثم نجيب عما احتجوا به بعون الله وتوفيقه # ونقدم قبل ذلك ذكر النهي عن الغلو وتعدي الحدود والإسراف وأن الاقتصاد ~~والاعتصام بالسنة عليهما مدار الدين # قال الله تعالى : @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم @QE@ [ المائده : ~~77 ] وقال تعالى : @QB@ ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين @QE@ [ الأنعام : ~~141 ] وقال تعالى : تلك حدود الله فلا تعتدوها [ البقره : 229 ] وقال تعالى ~~: ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [ البقره : 190 ] وقال تعالى : @QB@ ~~ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين @QE@ [ الأعراف : 55 ] # وقال ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله غداة العقبة وهو على ناقته : ~~القط لي حصى فلقطت له سبع حصيات من حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول : ~~أمثال هؤلاء فارموا ثم قال : أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك ~~الذين من قبلكم الغلو في الدين رواه الإمام أحمد والنسائي وقال أنس رضي ~~الله عنه : قال رسول اللهلا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم فإن قوما ~~شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات : ~~رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم PageV01P131 فنهى النبيعن التشديد في ~~الدين وذلك بالزيادة على المشروع وأخبر أن تشديد العبد على نفسه هو السبب ~~لتشديد الله عليه إما بالقدر وإما بالشرع # فالتشديد بالشرع : كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل فيلزمه الوفاء به ~~وبالقدر كفعل أهل الوسواس فإنهم شددوا على أنفسهم فشدد عليهم القدر حتى ~~استحكم ذلك وصار صفة لازمة لهم # قال البخاري : وكره أهل العلم الإسراف فيه يعني الوضوء وأن يجاوزوا فعل ~~النبي وقال ابن عمر رضي الله عنهما : إسباغ الوضوء : الإنقاء # فالفقه كل الفقه الاقتصاد في الدين والاعتصام بالسنة قال أبي بن كعب : ~~عليكم بالسبيل والسنة فإنه ما من عبد على السبيل ms117 والسنة ذكر الله عز وجل ~~فاقشعر جلده من خشية الله تعالى إلا تحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة ~~اليابسة ورقها وإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة ~~فاحرصوا إذا كانت أعمالكم اقتصادا أن تكون على منهاج الأنبياء وسنتهم # قال الشيخ أبو محمد المقدسي في كتابه ذم الوسواس : # الحمد لله الذي هدانا بنعمته وشرفنا بمحمدوبرس الته ووفقنا للاقتداء به ~~والتمسك بسنته ومن علينا باتباعه الذي جعله علما على محبته ومغفرته وسببا ~~لكتابة رحمته وحصول هدايته فقال سبحانه : @QB@ قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم @QE@ [ آل عمران : 31 ] وقال تعالى ~~: @QB@ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم ~~بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي @QE@ [ الأعراف : 156 ] ثم ~~قال : فآمنوا بالله ورسوله النبيالأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه ~~لعلكم تهتدون [ الأعراف : 158 ] أما بعد : فإن الله سبحانه جعل الشيطان ~~عدوا للإنسان يقعد له الصراط المستقيم ويأتيه من كل جهة وسبيل كما أخبر ~~الله تعالى عنه أنه قال : لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين ~~أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين [ الأعراف ~~: 17 ] وحذرنا الله عز وجل من متابعته وأمرنا بمعاداته ومخالفته فقال ~~PageV01P132 سبحانه : إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا [ فاطر : 6 ] وقال : ~~يا بني آدم لآيفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة [ الأعراف : 27 ] ~~وأخبرنا بما صنع بأبوينا تحذيرا لنا من طاعته وقطعا للعذر في متابعته ~~وأمرنا الله سبحانه وتعالى باتباع صراطه المستقيم ونهانا عن اتباع السبل ~~فقال سبحانه : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم ~~عن سبيله [ الأنعام : 153 ] وسبيل الله وصراطه المستقيم : هو الذي كان عليه ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وصحابته بدليل قوله عز وجل : يس ~~والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم [ يس : 3 ] وقال : وإنك ~~لعلى هدى مستقيم [ الشورى : 67 ] وقال : إنك لتهدي إلى صراط مستقيم [ ] فمن ~~اتبع رسول الله في ms118 قوله وفعله فهو على صراط الله المستقيم وهو ممن يحبه ~~الله ويغفر له ذنوبه ومن خالفه في قوله أو فعله فهو مبتدع متبع لسبيل ~~الشيطان غير داخل فيمن وعد الله بالجنة والمغفرة والإحسان # | فصل ثم إن طائفة الموسوسين قد تحقق منهم طاعة الشيطان حتى اتصفوا # بوسوسته وقبلوا قوله وأطاعوه ورغبوا عن اتباع رسول الله وصحابته حتى إن ~~أحدهم ليرى أنه إذا توضأوضوء رسول الله أو صلى كصلاته فوضوؤه باطل وصلاته ~~غير صحيحة ويرى أنه إذا فعل مثل فعل رسول الله في مواكلة الصبيان وأكل طعام ~~عامة المسلمين أنه قد صار نجسا يجب عليه تسبيع يده وفمه كما لو ولغ فيهما ~~أو بال عليهما هر # ثم إنه بلغ من استيلاء إبليس عليهم أنهم أجابوه إلى ما يشبه الجنون ~~ويقارب مذهب السوفسطائية الذين ينكرون حقائق الموجودات والأمور المحسوسات ~~وعلم الإنسان بحال نفسه من الأمور الضروريات اليقينيات وهؤلاء يغسل أحدهم ~~عضوه غسلا يشاهده ببصره ويكبر ويقرأ بلسانه بحيث تسمعه أذناه ويعلمه بقلبه ~~بل يعلمه غيره منه ويتيقنه PageV01P133 ثم يشك هل فعل ذلك أم لا وكذلك ~~يشككه الشيطان في نيته وقصده التي يعملها من نفسه يقينا بل يعلمها غيره منه ~~بقرائن أحواله ومع هذا يقبل قول إبليس في أنه ما نوى الصلاة ولا أرادها ~~مكابرة منه لعيانه وجحدا ليقين نفسه حتى تراه متلددا متحيرا كأنه يعالج ~~شيئا يجتذبه أو يجد شيئا في باطنه يستخرجه كل ذلك مبالغة في طاعة إبليس ~~وقبول وسوسته ومن انتهت طاعته لإبليس إلى هذا الحد فقد بلغ النهاية في ~~طاعته # ثم إنه يقبل قوله في تعذيب نفسه ويطيعه في الإضرار بجسده تارة بالغوص في ~~الماء البارد وتارة بكثرة استعماله وإطالة العرك وربما فتح عينيه في الماء ~~البارد وغسل داخلهما حتى يضر ببصره وربما أفضى إلى كشف عورته للناس وربما ~~صار إلى حال يسخر منه الصبيان ويستهزيء به من يراه # قلت ذكر أبو الفرج بن الجوزي عن أبي الوفاء بن عقيل أن رجلا قال له أنغمس ~~في الماء مرارا كثيرة وأشك ms119 هل صح لي الغسل أم لا فما ترى في ذلك فقال له ~~الشيخ اذهب فقد سقطت عنك الصلاة قال وكيف قال لأن النبي قال رفع القلم عن ~~ثلاثة المجنون حتى يفيق والنائم حتى يستيقظ والصبي حتى يبلغ ومن ينغمس في ~~الماء مرارا ويشك هل أصابه الماء أم لا فهو مجنون # قال وربما شغله بوسواسه حتى تفوته الجماعة وربما فاته الوقت ويشغله ~~بوسوسته في النية حتى تفوته التكبيرة الأولى وربما فوت عليه ركعة أو أكثر ~~ومنهم من يحلف أنه لا يزيد على هذا ثم يكذب # قلت وحكى لي من أثق به عن موسوس عظيم رأيته أنا يكرر عقد النية مرارا ~~عديدة فيشق على المأمومين مشقة كبيرة فعرض له أن حلف بالطلاق أنه لا يزيد ~~على تلك المرة فلم يدعه إبليس حتى زاد ففرق بينه وبين امرأته فأصابه لذلك ~~غم شديد وأقاما متفرقين PageV01P134 دهرا طويلا حتى تزوجت تلك المرأة برجل ~~آخر وجاءه منها ولد ثم إنه حنث في يمين حلفها ففرق بينهما وردت إلى الأول ~~بعد أن كاد يتلف لمفارقتها # وبلغني عن آخر أنه كان شديد التنطع في التلفظ بالنية والتقعر في ذلك ~~فاشتد به التنطع والتقعر يوما إلى أن قال أصلى أصلى مرارا صلاة كذا وكذا ~~وأراد أن يقول أداء فأعجم الدال وقال أذاء لله فقطع الصلاة رجل إلى جانبه ~~فقال ولرسوله وملائكته وجماعة المصلين # قال ومنهم من يتوسوس في إخراج الحرف حتى يكرره مرارا # قال فرأيت منهم من يقول الله أكككبر قال وقال لي إنسان منهم قد عجزت عن ~~قول السلام عليكم فقلت له قل مثل ما قد قلت الآن وقد استرحت # وقد بلغ الشيطان منهم أن عذبهم في الدنيا قبل الآخرة وأخرجهم عن اتباع ~~الرسول وأدخلهم في جملة أهل التنطع والغلو وهم يحسنون صنعا # فمن أراد التخلص من هذه البلية فليستشعر أن الحق في اتباع رسول الله في ~~قوله وفعله وليعزم على سلوك طريقته عزيمة من لا يشك أنه على الصراط ~~المستقيم وأن ما خالفه من تسويل إبليس ووسوسته ms120 ويوقن أنه عدو له لا يدعوه ~~إلى خير إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير وليترك التعريج على كل ما ~~خالف طريقة رسول الله كائنا ما كان فإنه لا يشك أن رسول الله كان على ~~الصراط المستقيم ومن شك في هذا فليس بمسلم ومن علمه فإلى أين العدول عن ~~سنته وأي شيء يبتغي العبد غير طريقته ويقول لنفسه ألست تعلمين أن طريقة ~~رسول الله هي الصراط المستقيم فإذا قالت له بلى قال لها فهل كان يفعل هذا ~~فستقول لا فقل لها فماذا بعد الحق إلا الضلال وهل بعد طريق الجنة إلا طريق ~~النار وهل بعد سبيل الله وسبيل رسوله إلا سبيل الشيطان فإن اتبعت ~~PageV01P135 سبيله كنت قرينه وستقولين يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس ~~القرين ولينظر أحوال السلف في متابعتهم لرسول الله فليقتد بهم وليختر ~~طريقهم فقد روينا عن بعضهم أنه قال لقد تقدمني قوم لو لم يجاوزوا بالوضوء ~~الظفر ما تجاوزته # قلت هو إبراهيم النخعي # وقال زين العابدين يوما لابنه يا بني اتخذ لي ثوبا ألبسه عند قضاء الحاجة ~~فإني رأيت الذباب يسقط على الشيء ثم يقع على الثوب ثم انتبه فقال ما كان ~~للنبي وأصحابه إلا ثوب واحد فتركه # وكان عمر رضي الله تعالى عنه يهم بالأمر ويعزم عليه فإذا قيل له لم يفعله ~~رسول الله انتهى حتى إنه قال لقد هممت أن أنهى عن لبس هذه الثياب فإنه قد ~~بلغني أنها تصبغ ببول العجائز فقال له أبي مالك أن تنهى فإن رسول الله قد ~~لبسها ولبست في زمانه ولو علم الله أن لبسها حرام لبينه لرسوله فقال عمر ~~صدقت # ثم ليعلم أن الصحابة ما كان فيهم موسوس ولو كانت الوسوسة فضيلة لما ~~ادخرها الله عن رسوله وصحابته وهم خير الخلق وأفضلهم ولو أدرك رسول الله ~~الموسوسين لمقتهم ولو أدركهم عمر رضي الله تعالى عنه لضربهم وأدبهم ولو ~~أدركهم الصحابة لبدعوهم وها أنا أذكر ما جاء في خلاف مذهبهم على ما يسره ~~الله تعالى مفصلا # | الفصل الأول ms121 في النية في الطهارة والصلاة # النية هي القصد والعزم على فعل الشيء ومحلها القلب لا تعلق لها باللسان ~~أصلا ولذلك لم ينقل عن النبي ولا عن أصحابه في النية لفظ بحال ولا سمعنا ~~PageV01P136 عنهم ذكر ذلك وهذه العبارات التي أحدثت عند افتتاح الطهارة ~~والصلاة قد جعلها الشيطان معتركا لأهل الوسواس يحسبهم عندها ويعذبهم فيها ~~ويوقعهم في طلب تصحيحها فترى أحدهم يكررها ويجهد نفسه في التلفظ بها وليست ~~من الصلاة في شيء وإنما النية قصد فعل الشيء فكل عازم على فعل فهو ناويه لا ~~يتصور انفكاك ذلك عن النية فإنه حقيقتها فلا يمكن عدمها في حال وجودها ومن ~~قعد ليتوضأ فقد نوى الوضوء ومن قام ليصلي فقد نوى الصلاة ولا يكاد العاقل ~~يفعل شيئا من العبادات ولا غيرها بغير نية فالنية أمر لازم لأفعال الإنسان ~~المقصودة لا يحتاج إلى تعب ولا تحصيل ولو أراد إخلاء أفعاله الإختيارية عن ~~نية لعجز عن ذلك ولو كلفه الله عز وجل الصلاة والوضوء بغير نية لكلفه ما لا ~~يطيق ولا يدخل تحت وسعه وما كان هكذا فما وجه التعب في تحصيله وإن شك في ~~حصول نيته فهو نوع جنون فإن علم الإنسان بحال نفسه أمر يقيني فكيف يشك فيه ~~عاقل من نفسه ومن قام ليصلي صلاة الظهر خلف الإمام فكيف يشك في ذلك ولو ~~دعاه داع إلى شغل في تلك الحال لقال إني مشتغل أريد صلاة الظهر ولو قال له ~~قائل في وقت خروجه إلى الصلاة أين تمضي لقال أريد صلاة الظهر مع الإمام ~~فكيف يشك عاقل في هذا من نفسه وهو يعلمه يقينا # بل أعجب من هذا كله أن غيره يعلم بنيته بقرائن الأحوال فإنه إذا رأى ~~إنسانا جالسا في الصف في وقت الصلاة عند اجتماع الناس علم أنه ينتظر الصلاة ~~وإذا رآه قد قام عند إقامتها ونهوض الناس إليها علم أنه إنما قام ليصلي فإن ~~تقدم بين يدي المأمومين علم أنه يريد إمامتهم فإن رآه في الصف علم أنه يريد ~~الإئتمام # قال فإذا ms122 كان غيره يعلم نيته الباطنة بما ظهر من قرائن الأحوال فكيف ~~يجهلها من نفسه مع اطلاعه هو على باطنه فقبوله من الشيطان أنه ما نوى تصديق ~~له في جحد العيان وإنكار الحقائق المعلومة يقينا ومخالفة للشرع ورغبة عن ~~السنة وعن طريق الصحابة # ثم إن النية الحاصلة لا يمكن تحصيلها والموجودة لا يمكن إيجادها لأن من ~~شرط إيجاد PageV01P137 الشيء كونه معدوما فإن إيجاد الموجود محال وإذا كان ~~كذلك فما يحصل له بوقوفه شيء ولو وقف ألف عام # قال ومن العجب أنه يتوسوس حال قيامه حتى يركع الإمام فإذا خشي فوات ~~الركوع كبر سريعا وأدركه فمن لم يحصل النية في الوقوف الطويل حال فراغ باله ~~كيف يحصلها في الوقت الضيق مع شغل باله بفوات الركعة # ثم ما يطلبه إما أن يكون سهلا أو عسيرا فإن كان سهلا فكيف يعسره وإن كان ~~عسيرا فكيف تيسر عند ركوع الإمام سواء وكيف خفى ذلك على النبي وصحابته من ~~أولهم إلى آخرهم والتابعين ومن بعدهم وكيف لم ينتبه له سوى من استحوذ عليه ~~الشيطان أفيظن بجهله أن الشيطان ناصح له أما علم أنه لا يدعو إلى هدى ولا ~~يهدي إلى خير وكيف يقول في صلاة رسول الله وسائر المسلمين الذين لم يفعلوا ~~فعل هذا الموسوس أهي ناقصة عنده مفضولة أم هي التامة الفاضلة فما دعاه إلى ~~مخالفتهم والرغبة عن طريقهم # فإن قال هذا مرض بليت به قلنا نعم سببه قبولك من الشيطان ولم يعذر الله ~~تعالى أحدا بذلك ألا ترى أن آدم وحواء لما وسوس لهما الشيطان فقبلا منه ~~أخرجا من الجنة ونودي عليهما بما سمعت وهما أقرب إلى العذر لأنهما لم يتقدم ~~قبلهما من يعتبران به وأنت قد سمعت وحذرك الله تعالى من فتنته وبين لك ~~عداوته وأوضح لك الطريق فمالك عذر ولا حجة في ترك السنة والقبول من الشيطان # قلت قال شيخنا ومن هؤلاء من يأتي بعشر بدع لم يفعل رسول الله ولا أحد من ~~أصحابه واحدة منها فيقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ms123 نويت أصلي صلاة ~~الظهر فريضة الوقت أداء لله تعالى إماما أو مأموما أربع ركعات مستقبل ~~القبلة ثم يزعج أعضاءه ويحني جبهته ويقيم عروق عنقه ويصرخ بالتكبير كأنه ~~يكبر على العدو ولو مكث أحدهم عمر نوح عليه السلام يفتش هل فعل رسول الله ~~أو أحد من أصحابه شيئا من ذلك لما ظفر به إلا أن يجاهر بالكذب البحت فلو ~~كان PageV01P138 في هذا خير لسبقونا ولدلونا عليه فإن كان هذا هدى فقد ضلوا ~~عنه وإن كان الذي كانوا عليه هو الهدى والحق فماذا بعد الحق إلا الضلال # قال ومن أصناف الوسواس ما يفسد الصلاة مثل تكرير بعض الكلمة كقوله في ~~التحيات ات ات التحي التحي وفي السلام أس أس وقوله في التكبير أكككبر ونحو ~~ذلك فهذا الظاهر بطلان الصلاة به وربما كان إماما فأفسد صلاة المأمومين ~~وصارت الصلاة التي هي أكبر الطاعات أعظم إبعاد له عن الله من الكبائر وما ~~لم تبطل به الصلاة من ذلك فمكروه وعدول عن السنة ورغبة عن طريقة رسول الله ~~وهديه وما كان عليه أصحابه وربما رفع صوته بذلك فآذى سامعيه وأغرى الناس ~~بذمه والوقيعة فيه فجمع على نفسه طاعة إبليس ومخالفة السنة وارتكاب شر ~~الأمور ومحدثاتها وتعذيب نفسه وإضاعة الوقت والإشتغال بما ينقص أجره وفوات ~~ما هو أنفع له وتعريض نفسه لطعن الناس فيه وتغرير الجاهل بالإقتداء به فإنه ~~يقول لولا أن ذلك فضل لما اختاره لنفسه وأساء الظن بما جاءت به السنة وأنه ~~لا يكفي وحده وانفعال النفس وضعفها للشيطان حتى يشتد طمعه فيه وتعريضه نفسه ~~للتشديد عليه بالقدر عقوبة له وإقامته على الجهل ورضاه بالخبل في العقل كما ~~قال أبو حامد الغزالي وغيره الوسوسة سببها إما جهل بالشرع وإما خبل في ~~العقل وكلاهما من أعظم النقائص والعيوب # فهذه نحو خمسة عشر مفسدة في الوسواس ومفاسده أضعاف ذلك بكثير # وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عثمان بن أبي العاص قال قلت يا رسول الله ~~إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي يلبسها علي فقال ms124 رسول الله ذاك شيطان ~~يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا ففعلت ذلك ~~فأذهبه الله تعالى عني # فأهل الوسواس قرة عين خنزب وأصحابه نعوذ بالله عز وجل منه PageV01P139 # | فصل ومن ذلك الإسراف في ماء الوضوء والغسل وقد روى أحمد في # مسنده من حديث عبدالله بن عمرو أن رسول الله مر بسعد وهو يتوضأ فقال لا ~~تسرف فقال يا رسول الله أو في الماء إسراف قال نعم وإن كنت على نهر جار # وفي جامع الترمذي من حديث أبي بن كعب أن النبي قال إن للوضوء شيطانا يقال ~~له الولهان فاتقوا وسواس الماء # وفي المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء أعرابي ~~إلى رسول الله يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثا ثلاثا وقال هذا الوضوء فمن زاد ~~على هذا فقد أساء وتعدى وظلم # وفي كتاب الشافي لأبي بكر عبدالعزيز من حديث أم سعد قالت قال رسول الله ~~يجزىء من الوضوء مد والغسل صاع وسيأتي قوم يستقلون ذلك فأولئك خلاف أهل ~~سنتي والآخذ بسنتي في حظيرة القدس متنزه أهل الجنة وفي سنن الأثرم من حديث ~~سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبدالله قال : يجزىء من الوضوء المد ومن ~~الغسل من الجنابة الصاع فقال رجل : ما يكفيني فغضب جابر حتى تربد وجهه ثم ~~قال : قد كفى من هو خير منك وأكثر شعرا وقد رواه الإمام أحمد في مسنده ~~مرفوعا ولفظه عن جابر قال : قال رسول الله يجزىء من الغسل الصاع ومن الوضوء ~~المد وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها : أنها كانت تغتسل هي ~~والنبيمن إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبا من ذلك وفي سنن النسائي عن ~~عبيد بن عمير : أن عائشة رضي الله عنها قالت : لقد رأيتني أغتسل ~~PageV01P140 أنا ورسول الله من هذا فإذا تور موضوع مثل الصاع أو دونه نشرع ~~فيه جميعا فأفيض بيدي على رأسي ثلاث مرات وما أنقض لي شعرا # وفي سنن أبي داود والنسائي عن ms125 عباد بن تميم عن أم عمارة بنت كعب أن النبي ~~توضأ فأتي بماء في إناء قدر ثلثي المد وقال عبدالرحمن بن عطاء : سمعت سعيد ~~بن المسيب يقول : إن لي ركوة أو قدحا ما يسع إلا نصف المد أو نحوه أبول ثم ~~أتوضأ منه وأفضل منه فضلا قال عبدالرحمن : فذكرت ذلك لسليمان بن يسار فقال ~~: وأنا يكفيني مثل ذلك قال عبدالرحمن : فذكرت : ذلك لأبي عبيدة بن محمد بن ~~عمار بن ياسر فقال : وهكذا سمعنا من أصحاب رسول الله رواه الأثرم في سننه # وقال إبراهيم النخعي : كانوا أشد استيفاء للماء منكم وكانوا يرون أن ربع ~~المد يجزىء من الوضوء # وهذا مبالغة عظيمة فإن ربع المد لا يبلغ أوقية ونصفا بالدمشقي # وفي الصحيحين عن أنس قال : كان رسول اللهيتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى ~~خمسة أمدادا وفي صحيح مسلم عن سفينة قال : كان رسول اللهيغسله الصاع من ~~الجنابة ويوضئه المد # وتوضأ القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق بقدر نصف المد أو أزيد بقليل # وقال إبراهيم النخعي : إني لأتوضأ من كوز الحب مرتين # وقال محمد بن عجلان : الفقه في دين الله إسباغ الوضوء وقلة إهراق الماء # وقال الإمام أحمد : كان يقال : من قلة فقه الرجل ولعه بالماء # وقال الميموني : كنت أتوضأ بماء كثير فقال لي أحمد : يا أبا الحسن أترضى ~~أن تكون كذا فتركته PageV01P141 وقال عبدالله بن أحمد : قلت لأبي : إني ~~لأكثر الوضوء فنهاني عن ذلك وقال : يا بني يقال : إن للوضوء شيطانا يقال له ~~الولهان قال لي ذلك غير مرة ينهاني عن كثرة صب الماء وقال لي : أقلل من هذا ~~الماء يا بني # وقال إسحاق بن منصور : قلت لأحمد : نزيد على ثلاث في الوضوء فقال : لا ~~والله إلا رجل مبتلى # وقال أسود بن سالم الرجل الصالح شيخ الإمام أحمد : كنت مبتلى بالوضوء ~~فنزلت دجلة أتوضأ فسمعت هاتفا يقول : يا أسود يحيى عن سعيد : الوضوء ثلاث ~~ما كان أكثر لم يرفع فالتفت فلم أر أحدا # وقد روى أبو داود في سننه من حديث عبدالله ms126 بن مغفل قال : سمعت رسول ~~اللهيقول : سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء # فإذا قرنت هذا الحديث بقوله تعالى : إن الله لا يحب المعتدين [ البقره : ~~190 ] وعلمت أن الله يحب عبادته أنتج لك من هذا أن وضوء الموسوس ليس بعبادة ~~يقبلها الله تعالى وإن أسقطت الفرض عنه فلا تفتح أبواب الجنة الثمانية ~~لوضوئه يدخل من أيها شاء # ومن مفاسد الوسواس : أنه يشغل ذمته بالزائد على حاجته إذا كان الماء ~~مملوكا لغيره كماء الحمام فيخرج منه وهو مرتهن الذمة بما زاد على حاجته ~~ويتطاول عليه الدين حتى يرتهن من ذلك بشيء كثير جدا يتضرر به في البرزخ ~~ويوم القيامة # | فصل ومن ذلك الوسواس في انتقاض الطهارة لا يلتفت إليه وفي صحيح # مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله إذا وجد أحدكم ~~في بطنه شيئا فأشكل عليه : أخرج منه شيء أم لا فلا يخرج من المسجد حتى يسمع ~~صوتا أو يجد ريحا PageV01P142 وفي الصحيحين عن عبدالله بن زيد قال : شكي ~~إلى رسول الله الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة قال : لا ينصرف حتى ~~يسمع صوتا أو يجد ريحا # وفي المسند وسنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللهقال : إن ~~الشيطان يأتي أحدكم وهو في الصلاة فيأخذ بشعرة من دبره فيمدها فيرى أنه قد ~~أحدث فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ولفظ أبي داود : إذا أتى الشيطان ~~أحدكم فقال له : إنك قد أحدثت فليقل له : كذبت إلا ما وجد ريحا بأنفه أو ~~سمع صوتا بأذنه # فأمر عليه الصلاة والسلام بتكذيب الشيطان فيما يحتمل صدقه فيه فكيف إذا ~~كان كذبه معلوما متيقنا كقوله للموسوس : لم تفعل كذا وقد فعله # قال الشيخ أبو محمد : ويستحب للإنسان أن ينضح فرجه وسراويله بالماء إذا ~~بال ليدفع عن نفسه الوسوسة فمتى وجد بللا قال : هذا من الماء الذي نضحته ~~لما روى أبو داود بإسناده عن سفيان بن الحكم الثقفي أو الحكم بن سفيان قال ~~: كان ms127 النبيإذا بال توضأ وينتضح وفي رواية : رأيت رسول اللهبال ثم نضح فرجه ~~وكان ابن عمر ينضح فرجه حتى يبل سراويله وشكا إلى الإمام أحمد بعض أصحابه ~~أنه يجد البلل بعد الوضوء فأمره أن ينضح فرجه إذا بال قال : ولا تجعل ذلك ~~من همتك واله عنه # وسئل الحسن أو غيره عن مثل هذا فقال : اله عنه فأعاد عليه المسألة فقال : ~~أتستدره لا أب لك أله عنه # | فصل ومن هذا ما يفعله كثير من الموسوسين بعد البول وهو عشرة أشياء # : السلت والنتر والنحنحة والمشي والقفز والحبل والتفقد والوجور والحشو ~~والعصابة والدرجة PageV01P143 أما السلت فيسلته من أصله إلى رأسه على أنه ~~قد روي في ذلك حديث غريب لا يثبت ففي المسند وسنن ابن ماجه عن عيسى بن داود ~~عن أبيه قال : قال رسول الله إذا بال أحدكم فليمسح ذكره ثلاث مرات # وقال جابر بن زيد : إذا بلت فامسح أسفل ذكرك فإنه ينقطع رواه سعيد عنه # قالوا : ولأنه بالسلت والنتر يستخرج ما يخشى عوده بعد الاستنجاء # قالوا : وإن احتاج إلى مشي خطوات لذلك ففعل فقد أحسن والنحنحة ليستخرج ~~الفضلة وكذلك القفز يرتفع عن الأرض شيئا ثم يجلس بسرعة والحبل يتخذ بعضهم ~~حبلا يتعلق به حتى يكاد يرتفع ثم ينخرط منه حتى يقعد والتفقد يمسك الذكر ثم ~~ينظر في المخرج هل بقى فيه شيء أم لا والوجور يمسكه ثم يفتح الثقب ويصب فيه ~~الماء والحشو يكون معه ميل وقطن يحشوه به كما يحشو الدمل بعد فتحها ~~والعصابة يعصبه بخرقة والدرجة يصعد في سلم قليلا ثم ينزل بسرعة والمشي يمشي ~~خطوات ثم يعيد الاستجمار # قال شيخنا : وذلك كله وسواس وبدعة فراجعته في السلت والنتر فلم يره وقال ~~: لم يصح الحديث قال : والبول كاللبن في الضرع إن تركته قر وإن حلبته در # قال : ومن اعتاد ذلك ابتلي منه بما عوفي منه من لها عنه # قال : ولو كان هذا سنة لكان أولى الناس به رسول الله عليه الصلاة والسلام ~~وأصحابه وقد قال اليهودي لسلمان : لقد علمكم نبيكم كل ms128 شيء حتى الخرأة فقال ~~: أجل فأين علمنا نبيناذلك أو شيئا منه بلى علم المستحاضة أن تتلجم وعلى ~~قياسها من به سلس البول أن يتحفظ ويشد عليه خرقة # | فصل ومن ذلك أشياء سهل فيها المبعوث بالحنيفية السمحة فشدد فيها # هؤلاء فمن ذلك المشي حافيا في الطرقات ثم يصلي ولا يغسل رجليه فقد روى ~~أبو داود في PageV01P144 سننه : عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت : قلت : ~~يا رسول الله إن لنا طريقا إلى المسجد منتنة فكيف نفعل إذا تطهرنا قال : أو ~~ليس بعدها طريق أطيب منها قالت قلت : بلى قال : فهذه بهذه وقال عبدالله بن ~~مسعود : كنا لا نتوضأ من موطىء # وعن علي رضي الله عنه : أنه خاض في طين المطر ثم دخل المسجد فصلى ولم ~~يغسل رجليه # وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن الرجل يطأ العذرة قال : إن كانت يابسة ~~فليس بشيء وإن كانت رطبة غسل ما أصابه # وقال حفص : أقبلت مع عبدالله بن عمر عامدين إلى المسجد فلما انتهينا عدلت ~~إلى المطهرة لأغسل قدمي من شيء أصابهما فقال عبدالله : لا تفعل فإنك تطأ ~~الموطىء الرديء ثم تطأ بعده الموطىء الطيب أو قال : النظيف فيكون ذلك طهورا ~~فدخلنا المسجد جميعا فصلينا # وقال أبو الشعثاء : كان ابن عمر يمشي بمنى في الفروث والدماء اليابسة ~~حافيا ثم يدخل المسجد فيصلي فيه ولا يغسل قدميه # وقال عمران بن حدير : كنت أمشي مع أبي مجلر إلى الجمعة وفي الطريق عذرات ~~يابسة فجعل يتخطاها ويقول : ما هذه إلا سودات ثم جاء حافيا إلى المسجد فصلى ~~ولم يغسل قدميه # وقال عاصم الأحوال : أتينا أبا العالية فدعونا بوضوء فقال : مالكم ألستم ~~متوضئين قلنا : PageV01P145 بلى ولكن هذه الأقذار التي مررنا بها قال : هل ~~وطئتم على شيء رطب تعلق بأرجلكم قلنا : لا فقال : فكيف بأشد من هذه الأقذار ~~يجف فينسفها الريح في رؤوسكم ولحاكم # | فصل ومن ذلك أن الخف والحذاء إذا أصابت النجاسة أسفله أجزأ دلكه # بالأرض مطلقا وجازت الصلاة فيه بالسنة الثابتة نص عليه أحمد واختاره ~~المحققون من ms129 أصحابه # قال أبو البركات : ورواية : أجزأ الدلك مطلقا هي الصحيحة عندي : لما روى ~~أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول اللهقال : إذا وطىء أحدكم بنعله الأذى فإن ~~التراب له طهور وفي لفظ : إذا وطىء أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب ~~رواهما أبو داود # وروى أبو سعيد الخدرى أن رسول الله صلى فخلع نعليه فخلع الناس نعالهم ~~فلما انصرف قال : لم خلعتم قالوا : يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا فقال : ~~إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ~~ثم لينظر فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما رواه الإمام أحمد ~~وتأويل ذلك : على ما يستقذر من مخاط أو نحوه من الطاهرات لا يصح لوجوه : # أحدها : أن ذلك لا يسمى خبثا # الثاني : أن ذلك لا يؤمر بمسحه عند الصلاة فإنه لا يبطلها # الثالث : أنه لا تخلع النعل لذلك في الصلاة فإنه عمل لغير حاجة فأقل ~~أحواله الكراهة # الرابع : أن الدارقطني روى في سننه في حديث الخلع من رواية ابن عباس : أن ~~النبي عليه الصلاة والسلام قال : إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما دم حلمة ~~والحلم كبار القراد PageV01P146 ولأنه محل يتكرر ملاقاته للنجاسة غالبا ~~فأجزأ مسحه بالجامد كمحل الاستجمار بل أولى فإن محل الاستجمار يلاقي ~~النجاسة في اليوم مرتين أو ثلاثا # | فصل وكذلك ذيل المرأة على الصحيح وقالت امرأة لأم سلمة : إني أطيل # ذيلي وأمشي في المكان القذر فقالت : قال رسول الله يطهره ما بعده رواه ~~أحمد وأبو داود وقد رخص النبي عليه الصلاة والسلام للمرأة أن ترخي ذيلها ~~ذراعا ومعلوم أنه يصيب القذر ولم يأمرها بغسل ذلك بل أفتاهن بأنه تطهره ~~الأرض # | فصل ومما لا تطيب به قلوب الموسوسين : الصلاة في النعال وهي سنة رسول # الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه فعلا منه وأمرا فروى أنس بن ~~مالك رضي الله عنه أن رسول الله كان يصلي في نعليه متفق عليه # وعن شداد بن أوس قال : قال رسول الله خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في ~~خفافهم ms130 ولا نعالهم رواه أبو داود # وقيل للإمام أحمد : أيصلي الرجل في نعليه فقال إي والله # وترى أهل الوسواس إذا بلي أحدهم بصلاة الجنازة في نعليه قام على عقبيهما ~~كأنه واقف على الجمر حتى لا يصلي فيهما PageV01P147 # وفي حديث أبي سعيد الخدري : إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى على ~~نعليه قذرا فليمسحه وليصل فيهما # | فصل ومن ذلك : أن سنة رسول الله الصلاة حيث كان وفي أي # مكان اتفق سوى ما نهي عنه من المقبرة والحمام وأعطان الإبل فصح عنه عليه ~~الصلاة والسلام أنه قال : جعلت ليالأرض مسجدا وطهورا فحيثما أدركت رجلا من ~~أمتي الصلاة فليصل وكان يصلي في مرابض الغنم وأمر بذلك ولم يشترط حائلا # قال ابن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة في ~~مرابض الغنم إلا الشافعي فإنه قال : أكره ذلك إلا إذا كان سليما من أبعارها # وقال أبو هريرة رضي الله عنه : قال رسول الله صلوا في مرابض الغنم ولا ~~تصلوا في أعطان الإبل رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح # وروي الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلوا في ~~مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل أو مبارك الإبل وفي المسند أيضا من ~~حديث عبدالله بن المغفل قال : قال رسول الله صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا ~~في أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطين # وفي الباب عن جابر بن سمرة والبراء بن عازب وأسيد بن الحضير وذي الغرة ~~كلهم رووا عن النبي صلوا في مرابض الغنم وفي بعض ألفاظ الحديث : صلوا في ~~مرابض الغنم فإن فيها بركة PageV01P148 وقال : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة ~~والحمام رواه أهل السنن كلهم إلا النسائي فأين هذا الهدي من فعل من لا يصلي ~~إلا على سجادة تفرش فوق البساط فوق الحصير ويضع عليها المنديل ولا يمشي على ~~الحصير ولا على البساط بل يمشي عليها نقرا كالعصفور فما أحق هؤلاء بقول ابن ~~مسعود : لأنتم أهدى من أصحاب محمد أو أنتم على شعبة ضلالة ms131 # وقد صلى النبيعلى حصير قد اسود من طول ما لبس فنضح له بالماء وصلى عليه ~~ولم يفرش له فوقه سجادة ولا منديل وكان يسجد على التراب تارة وعلى الحصى ~~تارة وفي الطين تارة حتى يرى أثره على جبهته وأنفه # وقال ابن عمر : كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في المسجد ولم يكونوا يرشون ~~شيئا من ذلك رواه البخاري ولم يقل : وتبول وهو عند أبي داود بإسناد صحيح ~~بهذه الزيادة # | فصل ومن ذلك : أن الناس في عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم كانوا # يأتون المساجد حفاة في الطين وغيره # قال يحيى بن وثاب : قلت لابن عباس : الرجل يتوضأ يخرج إلى المسجد حافيا ~~قال : لا بأس به # وقال كميل بن زياد : رأيت عليا رضي الله عنه يخوض طين المطر ثم دخل ~~السمجد فصلى ولم يغسل رجليه # وقال إبراهيم النخعي : كانوا يخوضون الماء والطين إلى المسجد فيصلون # وقال يحيى بن وثاب : كانوا يمشون في ماء المطر وينتضح عليهم # رواها سعيد بن منصور في سننه PageV01P149 # وقال ابن المنذر : وطىء ابن عمر بمنى وهو حاف في ماء وطين ثم صلى ولم ~~يتوضأ قال : وممن رأى ذلك علقمة والأسود وعبدالله بن مغفل وسعيد بن المسيب ~~والشعبي والإمام أحمد وأبو حنيفة ومالك وأحد الوجهين للشافعية قال : وهو ~~قول عامة أهل العلم ولأن تنجيسها فيه مشقة عظيمة منتفية بالشرع كما في ~~أطعمة الكفار وثيابهم وثياب الفساق شربة المسكر وغيرهم # قال أبو البركات ابن تيمية : وهذا كله يقوي طهارة الأرض بالجفاف لأن ~~الإنسان في العادة لا يزال يشاهد النجاسات في بقعة بقعة من طرقاته التي ~~يكثر فيها تردده إلى سوقه ومسجده وغيرهما فلو لم تطهر إذا أذهب الجفاف ~~أثرها للزمه تجنب ما يشاهده من بقاع النجاسة بعد ذهاب أثرها ولما جاز له ~~التحفي بعد ذلك وقد علم أن السلف الصالح لم يحترزوا من ذلك ويعضده أمره ~~عليه الصلاة والسلام بمسح النعلين بالأرض لمن أتى المسجد ورأى فيهما خبثا ~~ولو تنجست الأرض بذلك نجاسة لا تطهر بالجفاف لأمر بصيانة طريق المسجد عن ms132 ~~ذلك لأنه يسلكه الحافي وغيره # قلت : وهذا اختيار شيخنا رحمه الله # وقال أبو قلابة : جفاف الأرض طهورها # | فصل ومن ذلك : أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن المذي فأمر # بالوضوء منه فقال : كيف ترى بما أصاب ثوبي منه قال : تأخذ كفا من ماء ~~فتنضح به حيث ترى أنه أصابه رواه أحمد والترمذي والنسائي # فجوز نضح ما أصابه المذي كما أمر بنضح بول الغلام # قال شيخنا : وهذا هو الصواب لأن هذه نجاسة يشق الاحتزاز منها لكثرة ما ~~يصيب ثياب الشاب العزب فهي أولى بالتخفيف من بول الغلام ومن أسفل الخف ~~والحذاء PageV01P150 # | فصل ومن ذلك : إجماع المسلمين على ما سنه لهم النبيمن جواز # الاستجمار بالأحجار في زمن الشتاء والصيف مع أن المحل يعرق فينضح على ~~الثوب ولم يأمر بغسله # ومن ذلك : أنه يعفي عن يسير أرواث البغال والحمير والسباع في إحدى ~~الروايتين عن أحمد اختارها شيخنا لمشقة الاحتراز # قال الوليد بن مسلم : قلت للأوزاعي : فأبوال الدواب مما لا يؤكل لحمه ~~كالبغل والحمار والفرس فقال : قد كانوا يبتلون بذلك في مغازيهم فلا يغسلونه ~~من جسد ولا ثوب # ومن ذلك : نص أحمد على أن الودي يعفى عن يسيره كالمذي وكذلك يعفى عن يسير ~~القىء نص عليه أحمد # وقال شيخنا : لا يجب غسل الثوب ولا الجسد من المدة والقيح والصديد قال : ~~ولم يقم دليل على نجاسته # وذهب بعض أهل العلم إلى أنه طاهر حكاه أبو البركات وكان ابن عمر رضي الله ~~عنهما لا ينصرف منه من الصلاة وينصرف من الدم وعن الحسن نحوه # وسئل أبو مجلز عن القيح يصيب البدن والثوب فقال : ليس بشيء إنما ذكر الله ~~الدم ولم يذكر القيح # وقال إسحاق بن راهويه : كل ما كان سوى الدم فهو عندي مثل العرق المنتن ~~وشبهه ولا يوجب وضوءا # وسئل أحمد رحمه الله : الدم والقيح عندك سواء فقال : لا الدم لم يختلف ~~الناس فيه والقيح قد اختلف الناس فيه وقال مرة : القيح والصديد والمدة عندي ~~أسهل من الدم # ومن ذلك : ما قاله أبو حنيفة : أنه ms133 لو وقع بعر الفأر في حنطة فطحنت أو في ~~دهن مائع جاز أكله ما لم يتغير لأنه لا يمكن صونه عنه قال : فلو وقع في ~~الماء نجسه PageV01P151 # وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى جواز أكل الحنطة التي أصابها بول الحمير عند ~~الدياس من غير غسل قال : لأن السلف لم يحترزوا من ذلك # وقالت عائشة رضي الله عنهما : كنا نأكل اللحم والدم خطوط على القدر # وقد أباح الله عز وجل صيد الكلب وأطلق ولم يأمر بغسل موضع فمه من الصيد ~~ومعضه ولا تقويره ولا أمر به رسوله ولا أفتى به أحد من الصحابة # ومن ذلك : ما أفتى به عبدالله بن عمر وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب ~~وطاوس وسالم ومجاهد والشعبي وابراهيم النخعي والزهري ويحيى بن سعيد ~~الأنصاري والحكم والأوزاعي ومالك واسحق بن راهويه وأبو ثور والإمام أحمد في ~~أصح الروايتين وغيرهم أن الرجل إذا رأى على بدنه أو ثوبه نجاسة بعد الصلاة ~~لم يكن عالما بها أو كان يعلمها لكنه نسيها أو لم ينسها لكنه عجز عن ~~إزالتها : أن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه # | فصل ومن ذلك : أن النبي : يصلي وهو حامل أمامة بنت ابنته # زينب فإذا ركع وضعها وإذا قام حملها متفق عليه # ولأبي داود : أن ذلك كان في إحدى صلاتي العشي # وهو دليل على جواز الصلاة في ثياب المربية والمرضع والحائض والصبي ما لم ~~يتحقق نجاستها # وقال أبو هريرة : كنا مع النبيفي صلاة العشاء فلما سجد وثب الحسن والحسين ~~على ظهره فلما رفع رأسه أخذهما بيديه من خلفه أخذا رفيقا ووضعهما على الأرض ~~فإذا عاد عادا حتى قضى صلاته رواه الامام أحمد # وقال شداد بن الهاد : عن أبيه خرج علينا رسول اللهوهو حامل الحسن أو ~~الحسين فوضعه ثم كبر للصلاة فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها فلما ~~قضى الصلاة قال : إن ابني ارتحلني فكرهت أن اعجله ورواه أحمد والنسائي # وقالت عائشة رضي الله عنها : كان رسول اللهيصلي بالليل وأنا إلى جنبه ~~وأنا حائض وعلي مرط وعليه بعضه ms134 رواه أبو داود PageV01P152 # وقالت : كنت أنا ورسول اللهنبيت في الشعار الواحد وأنا طامث حائض فإن ~~أصابه منى شىء غسل مكانه ولم يعده وصلى فيه رواه أبو داود # | فصل ومن ذلك : أن النبيكان يلبس الثياب التي نسجها المشركون ويصلي # فيها # وتقدم قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهمه أن ينهى عن ثياب بلغه ~~أنها تصبغ بالبول وقال أبي له : مالك أن تنهى عنها فإن رسول اللهلبسها ~~ولبست في زمانه ولو علم الله أنها حرام لبينه لرسوله قال : صدقت # قلت : وعلى قياس ذلك : الجوخ بل أولى بعدم النجاسة من هذه الثياب فتجنبه ~~من باب الوسواس ولما قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجابية استعار ثوبا ~~من نصراني فلبسه حتى خاطوا له قميصه وغسلوه وتوضأ من جرة نصرانية # وصلى سلمان وأبو الدرداء رضي الله عنهما في بيت نصرانية فقال لها أبو ~~الدرداء : هل في بيتك مكان طاهر فنصلي فيه فقالت : طهرا قلوبكما ثم صليا ~~أين أحببتما فقال له سلمان : خذها من غير فقيه # | فصل ومن ذلك : أن الصحابة والتابعين كانوا يتوضئون من الحياض # والأواني المكشوفة ولا يسألون : هل أصابتها نجاسة أو وردها كلب أو سبع ~~ففي الموطأ عن يحيى بن سعيد : أن عمر رضي الله عنه خرج في ركب فيهم عمرو بن ~~العاص حتى وردوا حوضا فقال عمرو : يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع فقال ~~عمر رضي الله عنه : لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا PageV01P153 # وفي سنن ابن ماجه أن رسول الله سئل : أنتوضأ بما أفضلت الحمر قال : نعم ~~وبما أفضلت السباع # ومن ذلك : أنه لو سقط عليه شىء من ميزاب لا يدري هل هو ماء أو بول لم يجب ~~عليه أن يسأل عنه فلو سأل لم يجب على المسئول أن يجيبه ولم علم أنه نجس ولا ~~يجب عليه غسل ذلك # ومر عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما فسقط عليه شىء من ميزاب ومعه صاحب ~~له فقال : يا صاحب الميزاب ماؤك طاهر أو نجس فقال عمر ms135 رضي الله عنه : يا ~~صاحب الميزاب لا تخبرنا ومضى ذكره أحمد # قال شيخنا : وكذلك إذا أصاب رجله أو ذيله بالليل شىء رطب ولا يعلم ما هو ~~لم يجب عليه أن يشمه ويتعرف ما هو واحتج بقصة عمر رضي الله عنه في الميزاب ~~وهذا هو الفقه فإن الأحكام إنما تترتب على المكلف بعد علمه بأسبابها وقبل ~~ذلك هي على العفو فما عفا الله عنه فلا ينبغي البحث عنه # | فصل ومن ذلك : الصلاة مع يسير الدم ولا يعيد # قال البخاري : قال الحسن رحمه الله : ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم # قال : وعصر ابن عمر رضي الله عنه بثرة فخرج منها دم فلم يتوضأ وبصق ابن ~~أبي أوفى دما ومضى في صلاته وصلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجرحه يثعب ~~دما PageV01P154 ومن ذلك أن المراضع ما زلن من عهد رسول اللهوإلى الآن ~~يصلين في ثيابهن والرضعاء يتقيئون ويسيل لعابهم على ثياب المرضعة وبدنها ~~فلا يغسلن شيئا من ذلك ولأن ريق الرضيع مطهر لفمه لأجل الحاجة كما أن ريق ~~الهرة مطهر لفمها # وقد قال رسول الله إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات وكان ~~يصغي لها الإناء حتى تشرب وكذلك فعل أبو قتادة مع العلم اليقيني أنها تأكل ~~الفأر والحشرات والعلم القطعي أنه لم يكن بالمدينة حياض فوق القلتين تردها ~~السنانير وكلاهما معلوم قطعا # ومن ذلك : أن الصحابة ومن بعدهم كانوا يصلون وهم حاملو سيوفهم وقد أصابها ~~الدم وكانوا يمسحونها ويجتزئون بذلك # وعلى قياس هذا مسح المرآة الصقيلة إذا أصابتها النجاسة فإنه يطهرها # وقد نص أحمد على طهارة سكين الجزار بمسحها # ومن ذلك : أنه نص على حبل الغسال أنه ينشر عليه الثوب النجس ثم تجففه ~~الشمس فينشر عليه الثوب الطاهر فقال : لا بأس به وهذا كقول أبي حنيفة : إن ~~الأرض النجسة يطهرها الريح والشمس وهو وجه لأصحاب أحمد حتى إنه يجوز التيمم ~~بها وحديث ابن عمر رضي الله عنهما كالنص في ذلك وهو قوله كانت الكلاب تقبل ~~وتدبر وتبول في المسجد ولم ms136 يكونوا يرشون شيئا من ذلك PageV01P155 وهذا لا ~~يتوجه إلا على القول بطهارة الأرض بالريح والشمس # ومن ذلك : أن الذي دلت عليه سنة رسول اللهوآثار أصحابه : أن الماء لا ~~ينجس إلا بالتغير وإن كان يسيرا # وهذا قول أهل المدينة وجمهور السلف وأكثر أهل الحديث وبه أفتى عطاء بن ~~أبي رباح وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد والأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن ~~أنس وعبد الرحمن بن مهدي واختاره ابن المنذر وبه قال أهل الظاهر ونص عليه ~~أحمد في إحدى روايتيه واختاره جماعة من أصحابنا منهم ابن عقيل في مفرداته ~~وشيخنا أبو العباس وشيخه ابن أبي عمر # وقال ابن عباس رضي الله عنهما : قال رسول اللهالماء لا ينجسه شىء رواه ~~الإمام أحمد وفي المسند والسنن عن أبي سعيد قال : قيل : يا رسول الله ~~أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال : ~~الماء طهور لا ينجسه شىء قال الترمذي : هذا حديث حسن وقال الإمام أحمد : ~~حديث بئر بضاعة صحيح # وفي لفظ للإمام أحمد : إنه يستقى لك من بئر بضاعة وهي بئر يطرح فيها ~~محايض النساء ولحم الكلاب وعذر الناس فقال رسول الله إن الماء طهور لا ~~ينجسه شىء # وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي أمامه مرفوعا الماء لا ينجسه شىء إلا ما ~~غلب على ريحه أو طعمه أو لونه # وفيها من حديث أبي سعيد : أن رسول الله سئل عن لحياض التي بين مكة ~~والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر وعن الطهارة بها فقال : لها ما حملت ~~في بطونها ولنا ما غبر طهور # وإن كان في إسناد هذين الحديثين مقال : فانا ذكرناهما للاستشهاد لا ~~للاعتماد # وقال البخاري : قال الزهري : لا بأس بالماء ما لم يتغير منه طعم أو ريح ~~أو لون PageV01P156 # وقال الزهري أيضا : إذا ولغ الكلب في الإناء ليس له وضوء غيره يتوضأ به ~~ثم يتيمم # قال سفيان : هذا الفقه بعينه يقول الله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا [ ~~المائده : 6 ] وهذا ماء وفي النفس منه شىء يتوضأ به ثم ms137 يتيمم ونص أحمد رحمه ~~الله : في حب زيت ولغ فيه كلب فقال : يؤكل # | فصل ومن ذلك : أن النبيكان يجيب من دعاه فيأكل من طعامه وأضافه # يهودي بخبز شعير وإهالة سنخة وكان المسلمون يأكلون من أطعمة أهل الكتاب # وشرط عمر رضي الله تعالى عنه عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين وقال : ~~أطعموهم مما تأكلون وقد أحل الله عز وجل ذلك في كتابه ولما قدم عمر رضي ~~الله عنه الشام صنع له أهل الكتاب طعاما فدعوه فقال : اين هو قالوا : في ~~الكنيسة فكره دخولها وقال لعلي رضي الله عنه : اذهب بالناس فذهب علي ~~بالمسلمين فدخلوا وأكلوا وجعل علي رضي الله عنه : ينظر إلى الصور وقال : ما ~~على أمير المؤمنين لو دخل فأكل # وكان النبي عليه السلام يقبل ابني ابنته في أفواههما ويشرب من موضع فم ~~عائشة وضي الله عنها ويتعرق العرق فيضع فاه على موضع فيها وهي حائض # وحمل أبو بكر رضي الله عنه الحسن على عاتقه ولعابه يسيل عليه # وأتى رسول الله عليه السلام بصبي فوضعه في حجره فبال عليه فدعا بماء ~~فنضحه ولم يغسله # وكان يؤتي بالصبيان فيضعهم في حجره يبرك عليهم ويدعو لهم PageV01P157 # وهذا الذي ذكرناه قليل من كثير من السنة ومن له اطلاع على ما كان عليه ~~رسول اللهوأصحابه لا يخفى عليه حقيقة الحال # وقد روى الإمام أحمد في مسنده عنه بعثت بالحنيفية السمحة فجمع بين كونها ~~حنيفية وكونها سمحة فهي حنيفية في التوحيد سمحة في العمل وضد الأمرين : ~~الشرك وتحريم الحلال وهما اللذان ذكرهما النبيفيما يروى عن ربه تبارك ~~وتعالى أنه قال : إني خلقت عبادي حنفاء وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن ~~دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا # فالشرك وتحريم الحلال قرينان وهما اللذان عابهما الله تعالى في كتابه على ~~المشركين في سورة الأنعام والأعراف # وقد ذم النبي المتنطعين في الدين وأخبر بهلكتهم حيث يقول ألا هلك ~~المتنطعون ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون # وقال ابن أبي شيبة ms138 : حدثنا أبو أسامه عن مسعر قال : أخرج إلي معن بن عبد ~~الرحمن كتابا وحلف بالله أنه خط أبيه فإذا فيه : قال عبد الله : والله الذي ~~لا إله غيره ما رأيت أحدا كان أشد على المتنطعين من رسول اللهولا رأيت أحدا ~~أشد خوفا عليهم من أبي بكر وإني لأظن عمر رضي الله عنه كان أشد أهل الأرض ~~خوفا عليهم وكان عليه الصلاة والسلام يبغض المتعمقين حتى إنه لما واصل بهم ~~ورأى الهلال قال : لو تأخر الهلال لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم ~~كالمنكل بهم PageV01P158 # وكان الصحابة أقل الأمة تكلفا اقتداء بنبيهم قال الله تعالى قل ما أسألكم ~~عليه من أجر وما أنا من المتكلفين [ ] # وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : من كان منكم مستنا فليستن بمن قد ~~مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد كانوا أفضل هذه الأمة : ~~أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ~~ولإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم على أثرهم وسيرتهم فإنهم كانوا ~~على الهدى المستقيم # وقال أنس رضي الله عنه : كنا عند عمر رضي الله عنه فسمعته يقول نهينا عن ~~التكلف # وقال مالك قال عمر بن عبد العزيز : سن رسول اللهوولاة الأمور بعده سننا ~~الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس ~~لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر فيما خالفها من اقتدى بها فهو مهتد ومن ~~استنصر بها فهو منصور ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما ~~تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا # وقال مالك : بلغني أن عمر بن الخطاب كان يقول : سنت لكم السنن وفرضت لكم ~~الفرائض وتركتم على الواضحة إلا أن تميلوا بالناس يمينا وشمالا وقال صلى ~~الله يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال ~~المبطلين وتأويل الجاهلين # فأخبر أن الغالين يحرفون ما جاء به والمبطلون ينتحلون بباطلهم غير ما كان ~~عليه والجاهلون يتأولونه على غير تأويله وفساد الإسلام من هؤلاء الطوائف ~~الثلاثة فلولا أن الله تعالى ms139 يقيم لدينه من ينفى عنه ذلك لجرى عليه ما جرى ~~على أديان الأنبياء قبله من هؤلاء PageV01P159 # | فصل ومن ذلك الوسوسة في مخارج الحروف والتنطع فيها ونحن نذكر ما # ذكره العلماء بألفاظهم : قال أبو الفرج بن الجوزي : قد لبس إبليس على بعض ~~المصلين في مخارج الحروف فتراه يقول : الحمد الحمد فيخرج بإعادة الكلمة عن ~~قانون أدب الصلاة وتارة يلبس عليه في تحقيق التشديد في إخراج ضاد المغضوب ~~قال : ولقد رأيت من يخرج بصاقه مع إخراج الضاد لقوة تشديده والمراد تحقيق ~~الحرف حسب وإبليس يخرج هؤلاء بالزيادة عن حد التحقيق ويشغلهم بالمبالغة في ~~الحروف عن فهم التلاوة وكل هذه الوساوس من إبليس # وقال محمد بن قتيبة في مشكل القرآن : وقد كان الناس يقرؤن القرآن بلغاتهم ~~ثم خلف من بعدهم قوم من أهل الأمصار وأبناء العجم ليس لهم طبع اللغة ولا ~~علم التكلف فهفوا في كثير من الحروف وذلوا فأخلوا ومنهم رجل ستر الله عليه ~~عند العوام بالصلاح وقربه من القلوب بالدين فلم أر فيمن تتبعت في وجوه ~~قراءته أكثر تخليطا ولا أشد اضطرابا منه لأنه يستعمل في الحرف ما يدعه في ~~نظيره ثم يؤصل أصلا ويخالف إلى غيره بغير علة ويختار في كثير من الحروف ما ~~لا مخرج له إلا على طلب الحيلة الضعيفة هذا إلى نبذه في قراءته مذاهب العرب ~~وأهل الحجاز بإفراطه في المد والهمز والإشباع وإفحاشه في الإضجاع والإدغام ~~وحمله المتعلمين على المذهب الصعب وتعسيره على الأمة ما يسره الله تعالى ~~وتضييقه ما فسحه ومن العجب أنه يقرىء الناس بهذه المذاهب ويكره الصلاة بها ~~ففي أي موضع يستعمل هذه القراءة إن كانت الصلاة لا تجوز بها وكان ابن عيينة ~~يرى لمن قرأ في صلاته بحرفه أو ائتم بإمام يقرأ بقراءته أن يعيد ووافقه على ~~ذلك كثير من خيار المسلمين منهم بشر بن الحارث والإمام أحمد بن حنبل وقد ~~شغف بقراءته عوام الناس وسوقتهم وليس ذلك إلا لما يرونه من مشقتها وصعوبتها ~~وطول اختلاف المتعلم إلى المقرىء فيها فإذا رأوه ms140 قد اختلف في أم الكتاب ~~عشرا وفي مائة آية شهرا وفي السبع الطوال حولا ورأوه PageV01P160 عند ~~قراءته مائل الشدقين دار الوريدين راشح الجبين توهموا أن ذلك لفضله في ~~القراءة وحذقه بها وليس هكذا كانت قراءة رسول الله ولا خيار السلف ولا ~~التابعين ولا القراء العالمين بل كانت سهلة رسلة # وقال الخلال في الجامع : عن أبي عبدالله إنه قال : لا أحب قراءة فلان ~~يعني هذا الذي أشار إليه ابن قتيبة وكرهها كراهية شديدة وجعل يعجب من ~~قراءته وقال : لا يعجبني فإن كان رجل يقبل منك فانهه # وحكى عن ابن المبارك عن الربيع بن أنس : أنه نهاه عنها # وقال الفضل بن زياد : إن رجلا قال لأبي عبدالله : فما أترك من قراءته قال ~~: الإدغام والكسر ليس يعرف في لغة من لغات العرب # وسأله عبدالله ابنه عنها فقال : أكره الكسر الشديد والإضجاع # وقال في موضع آخر : إن لم يدغم ولم يضجع ذلك الإضجاع فلا بأس به # وسأله الحسن بن محمد بن الحارث : أتكره أن يتعلم الرجل تلك القراءة قال ~~أكرهه أشد كراهة إنما هي قراءة محدثة وكرهها شديدا حتى غضب # وروى عنه ابن سنيد أنه سئل عنها فقال : أكرهها أشد الكراهة قيل له : ما ~~تكره منها قال : هي قراءة محدثة ما قرأ بها أحد # وروى جعفر بن محمد عنه أنه سئل عنها فكرهها وقال : كرهها ابن إدريس وأراه ~~قال : وعبدالرحمن بن مهدي وقال : ما أدري إيش هذه القراءة ثم قال : ~~وقراءتهم ليست تشبه كلام العرب # وقال عبدالرحمن بن مهدي : لو صليت خلف من يقرأ بها لأعدت الصلاة ~~PageV01P161 # ونص أحمد رحمه الله على أنه يعيد وعنه رواية أخرى : أنه لا يعيد # والمقصود : أن الأئمة كرهوا التنطع والغلو في النطق بالحرف # ومن تأمل هدي رسول الله وإقراراه أهل كل لسان على قراءتهم تبين له أن ~~التنطع والتشدق والوسوسة في إخراج الحروف ليس من سنته # | فصل في الجواب عما احتج به أهل الوسواس أما قولهم : إن # ما نفعله احتياط لا وسواس # قلنا : سموه ما شئتم فنحن نسألكم ms141 : هل هو موافق لفعل رسول اللهوأمره وما ~~كان عليه أصحابه أو مخالف # فإن زعمتم أنه موافق فبهت وكذب صريح فإذن لابد من الإقرار بعدم موافقته ~~وأنه مخالف له فلا ينفعكم تسمية ذلك احتياطا وهذا نظير من ارتكب محظورا ~~وسماه بغير اسمه كما يسمي الخمر بغير اسمها والربا معاملة والتحليل الذي ~~لعن رسول اللهفاعله : نكاحا ونقر الصلاة الذي أخبر رسول اللهأن فاعله لم ~~يصل وأنه لا تجزيه صلاته ولا يقبلها الله تعالى منه : تخفيفا فهكذا تسمية ~~الغلو في الدين والتنطع : احتياطا # وينبغي أن يعلم أن الاحتياط الذي ينفع صاحبه ويثيبه الله عليه : الاحتياط ~~في موافقة السنة وترك مخالفتها فالاحتياط كل الاحتياط في ذلك وإلا فما ~~احتاط لنفسه من خرج عن السنة بل ترك حقيقة الاحتياط في ذلك # وكذلك المتسرعون إلى وقوع الطلاق في موارد النزاع الذي اختلف فيه الأئمة ~~كطلاق PageV01P162 المكره وطلاق السكران والبتة وجمع الثلاث والطلاق بمجرد ~~النية والطلاق المؤجل المعلوم مجيء أجله واليمين بالطلاق وغير ذلك مما ~~تنازع فيه العلماء إذا أوقعه المفتي تقليدا بغير برهان وقال : ذلك احتياط ~~للفروج فقد ترك معنى الاحتياط فإنه يحرم الفرج على هذا ويبيحه لغيره فأين ~~الاحتياط ههنا بل لو أبقاه على حاله حتى تجمع الأمة على تحريمه وإخراجه عمن ~~هو حلال له أو يأتي برهان من الله ورسوله على ذلك لكان قد عمل بالاحتياط ~~ونص على مثل ذلك الإمام أحمد في طلاق السكران # فقال في رواية أبي طالب : والذي لا يأمر بالطلاق فإنما أتى خصلة واحدة ~~والذي يأمر بالطلاق فقد أتى خصلتين : حرمها عليه وأحلها لغيره فهذا خير من ~~هذا فلا يمكن الاحتياط في وقوع الطلاق إلا حيث أجمعت الأمة أو كان هناك نص ~~عن الله ورسوله يجب المصير إليه # قال شيخنا : والاحتياط حسن ما لم يفض بصاحبه إلى مخالفة فإذا أفضى إلى ~~ذلك فالاحتياط ترك هذا الاحتياط # وبهذا خرج الجواب عن احتجاجهم بقوله من ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه ~~وعرضه وقوله : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وقوله الإثم ما ms142 حاك في الصدر ~~فهذا كله من أقوى الحجج على بطلان الوسواس فإن الشبهات ما يشتبه فيه الحق ~~بالباطل والحلال بالحرام على وجه لا يكون فيه دليل على أحد الجانبين أو ~~تتعارض الأمارتان عنده فلا تترجح في ظنه إحداهما فيشتبه عليه هذا بهذا ~~فأرشده النبيإلى ترك المشتبه والعدول إلى الواضح الجلي # ومعلوم أن غاية الوسواس أن يشتبه على صاحبه : هل هو طاعة وقربة أم معصية ~~وبدعة هذا أحسن أحواله والواضح الجلي هو اتباع طريق رسول الله وما سنه ~~للأمة قولا وعملا فمن أراد ترك الشبهات عدل عن ذلك المشتبه إلى هذا الواضح ~~فكيف ولا شبهة بحمد الله هناك إذ قد ثبت بالسنة أنه تنطع وغلو فالمصير إليه ~~ترك للسنة وأخذ بالبدعة وترك لما يحبه الله تعالى ويرضاه وأخذ بما يكرهه ~~ويبغضه ولا يتقرب به إليه ألبتة فإنه لا يتقرب إليه إلا بما شرع لا بما ~~يهواه العبد ويفعله من تلقاء PageV01P163 نفسه فهذا هو الذي يحيك في الصدر ~~ويتردد في القلب وهو حواز القلوب # وأما التمرة التي ترك رسول اللهأكلها وقال : أخشى أن تكون من الصدقة فذلك ~~من باب اتقاء الشبهات وترك ما اشتبه فيه الحلال بالحرام فإن التمرة كانت قد ~~وجدها في بيته وكان يؤتى بتمر الصدقة يقسمه على من تحل له الصدقة ويدخل ~~بيته تمر يقتات منه أهله فكان في بيته النوعان فلما وجد تلك التمرة لم يدر ~~عليه الصلاة والسلام من أي النوعين هي فأمسك عن أكلها فهذا الحديث أصل في ~~الورع واتقاء الشبهات فما لأهل الوسواس وماله # وأما قولكم : إن مالكا أفتى فيمن طلق ولم يدر : أواحدة طلق أم ثلاثا : ~~إنها ثلاث احتياطا فنعم هذا قول مالك فكان ماذا أفحجة هو على الشافعي وأبي ~~حنيفة وأحمد وعلى كل من خالفه في هذه المسألة حتى يجب عليهم أن يتركوا ~~قولهم لقوله وهذا القول مما يحتج له لا مما يحتج به على أن هذا ليس من باب ~~الوسواس في شيء وإنما حجة هذا القول : أن الطلاق يوجب تحريم الزوجة والرجعة ms143 ~~ترفع ذلك التحريم فهو يقول : قد تيقن سبب التحريم وهو الطلاق وشك في رفعه ~~بالرجعة فإنه يحتمل أن يكون رجعيا فترفعه الرجعة ويحتمل أن يكون ثلاثا فلا ~~ترفعه الرجعة فقد تيقن سبب التحريم وشك فيما يرفعه # والجمهور يقولون : النكاح متيقن والقاطع له المزيل لحل الفرج مشكوك فيه ~~فإنه يحتمل أن يكون المأتي به رجعيا فلا ييزل النكاح ويحتمل أن يكون بائنا ~~فيزيله فقد تيقنا يقين النكاح وشككنا فيما يزيله فالأصل بقاء النكاح حتى ~~يتيقن بما يرفعه # فإن قلتم : فقد تيقن التحريم وشك في التحليل قلنا : الرجعية ليست بحرام ~~عندكم ولهذا تجوزون وطأها ويكون رجعة إذا نوى به الرجعة # فإن قلتم : بل هي حرام والرجعة حصلت بالنية حال الوطء قلنا : لا ينفعكم ~~ذلك أيضا PageV01P164 فإنه إنما تيقن تحريما يزول بالرجعة ولم يتيقن تحريما ~~لا تؤثر فيه الرجعة # وليس المقصود تقرير هذه المسئلة والمقصود أنه لا راحة في ذلك لأهل ~~الوسواس # | فصل وأما من حلف بالطلاق : أن في هذه اللوزة حبتين ونحو ذلك # مما لا يتيقنه الحالف فبان كما حلف عليه # فهذا لا يحنث عند الأكثرين وكذلك لو لم يتبين الحال واستمر مجهولا فإن ~~النكاح ثابت بيقين فلا يزيله بالشك # ولمالك أصل نازعه فيه غيره وهو إيقاع الطلاق بالشك في الحنث وإيقاعه ~~بالشك في عدده كما تقدم وإيقاعه بالشك في المطلقة كما لو طلق واحدة من ~~نسائه ثم أنسيها ووقف الحال مدة الإيلاء ولم يتبين طلق عليه الجميع # وكما لو حلف أن هذا فلان أو حيوان وهو غير متيقن له بل هو شاك حال الحلف ~~فتبين أن الأمر كما حلف عليه فإنه يحنث عنده وتطلق امرأته فمن حلف على رجل ~~أنه زيد فتبين أنه غيره أو لم يتبين : أهو المحلوف عليه أم لا حنث عنده وإن ~~تبين أنه المحلوف عليه وكان حال اليمين لا يعلم حقيقته ولا يغلب على ظنه ~~ولا طريق له إلى العلم به في العادة فإنه يحنث عنده لشكه حال الحلف فالحالف ~~يحنث بالمخالفة لما حلف عليه أما في ms144 الطلب فبأن يفعل ما حلف على تركه وأما ~~في الخبر فبأن يتبين كذبه وعند مالك يحنث بأمر آخر وهو الشك حال اليمين ~~سواء تبين صدقه أم لا # وأبلغ من هذا : أنه يحنث من حلف بالطلاق على إنسان إلى جانبه إنسان أو ~~حجر : أنه حجر ونحو ذلك مما لا شك فيه # وعمدته في الموضعين : أن الحالف هازل فإن من قال : أنت طالق إذ لم تكوني ~~امرأة أو إن لم أكن رجلا لا معنى لكلامه إلا الهزل فإن هذا مما لا غرض ~~للعقلاء فيه قالوا إن لم يكن هذا هزلا فإن الهزل لا حقيقة له PageV01P165 # وربما عللوا الحنث بأنه أراد أن يجزم الطلاق ثم ندم فوصله بما لا يفيد ~~ليرفعه # وأما في القسم الأول : فأصله فيه : تغليب الحنث بالشك كمن حلف ثم شك : هل ~~حنث أم لا فإنهم يأمرونه بفراق زوجته وهل هو للوجوب أم للاستحباب على قولين ~~الأول : لابن القاسم والثاني : لمالك # فمالك يراعي بقاء النكاح وقد شككنا في زواله والأصل البقاء وابن القاسم ~~يقول : # قد صار حل الوطء مشكوكا فيه فيجب عليه مفارقتها والأكثرون يقولون : لا ~~يجب عليه مفارقتها ولا يستحب له فإن قاعدة الشريعة : أن الشك لا يقوى على ~~إزالة الأصل المعلوم ولا يزول اليقين إلا بيقين أقوى منه أو مساو له # | فصل وأما من طلق واحدة من نسائه ثم أنسيها أو طلق واحدة مبهمة # ولم يعينها فقد اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة على أقوال : فقال أبو ~~حنيفة والشافعي والثوري وحماد : يختار أيتهن شاء فيوقع عليها الطلاق في ~~المبهمة وأما في المنسية فيمسك عنهن وينفق عليهن حتى ينكشف الأمر فإن مات ~~الزوج قبل أن يقرع فقال أبو حنيفة : يقسم بينهن كلهن ميراث امرأة # وقال الشافعي : يوقف ميراث امرأة حتى يصطلحن # وقالت المالكية : إذا طلق واحدة منهن غير معلومة عنده بأن قال : أنت طالق ~~ولا يدري من هي طلق الجميع وإن طلق واحدة معلومة ثم أنسيها وقف عنهن حتى ~~يتذكر فإن طال ذلك ضرب له مدة المولى فإن تذكر ms145 فيها وإلا طلق عليه الجميع ~~ولو قال : # إحداكن طالق ولم يعينها بالنية طلق الجميع # وقال أحمد : يقرع بينهن في الصورتين نص على ذلك في رواية جماعة من أصحابه ~~وحكاه عن علي وابن عباس # وظاهر المذهب الذي عليه جل الأصحاب أنه لا فرق بين المبهمة والمنسية ~~PageV01P166 # وقال صاحب المغني : يخرج المبهمة بالقرعة وأما المنسية فإنه يحرم عليه ~~الجميع حتى تتبين المطلقة ويؤخذ بنفقة الجميع فإن مات أقرع بينهن للميراث ~~قال : وقد روى إسماعيل ابن سعيد عن أحمد ما يدل على أن القرعة لا تستعمل في ~~المنسية لمعرفة الحل وإنما تستعمل لمعرفة الميراث فإنه قال : سألت أحمد عن ~~الرجل يطلق امرأة من نسائه ولا يعلم أيتهن طلق قال : أكره أن أقول في ~~الطلاق بالقرعة قلت : أفرأيت إن مات هذا قال : أقول بالقرعة وذلك لأنه تصير ~~القرعة على المال قال : وجماعة من روى عنه القرعة في المطلقة المنسية إنما ~~هو في التوريث وأما في الحل فلا ينبغي أن تثبت القرعة قال : وهذا قول أكثر ~~أهل العلم واحتج الشيخ لصحة قوله : بأنه اشتبهت عليه زوجته بأجنبية فلم تحل ~~له إحداهما بالقرعة كما لو اشتبهت عليه بأجنبية لم يكن له عليها عقد ولأن ~~القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة فلا ترفع الطلاق عمن وقع عليها ولاحتمال ~~كون المطلقة غير من خرجت عليها القرعة ولهذا لو ذكر أن المطلقة غيرها حرمت ~~عليه ولو ارتفع التحريم أو زال بالطلاق لما عاد بالذكر فيجب بقاء التحريم ~~بعد القرعة كما كان قبلها قال : وقد قال الخرقي فيمن طلق امرأته فلم يدر ~~أواحدة طلق أم ثلاثا ومن حلف بالطلاق لا يأكل تمرة فوقعت في تمر فأكل منه ~~واحدة : لا تحل له امرأته حتى يعلم أنها ليست التي وقعت اليمين عليها ~~فحرمها مع أن الأصل بقاء النكاح ولم يعارضه يقين التحريم فههنا أولى قال : ~~وهكذا الحكم في كل موضع أوقع الطلاق على امرأة بعينها ثم اشتبهت بغيرها مثل ~~أن يرى امرأة في روزنة أو مولية فيقول : أنت طالق ولا يعلم ولا ms146 يعلم عينها ~~من نسائه وكذلك إذا أوقع الطلاق على واحدة من نسائه في مسألة الطائر وشبهها ~~فإنه يحرم عليه جميع نسائه حتى تتبين المطلقة ويؤخذ بنفقة الجميع لأنهن ~~محبوسات عليه وإن أقرع بينهن لم تفد القرعة شيئا ولا يحل لمن وقعت عليها ~~القرعة التزويج لأنها يجوز أن تكون غير المطلقة ولا يحل للزوج غيرها ~~لاحتمال أن تكون المطلقة # وقال أصحابنا : إذا أقرع بينهن فخرجت القرعة على إحداهن ثبت حكم الطلاق ~~فيها PageV01P167 فحل لها النكاح بعد انقضاء عدتها وحل للزوج من سواها كما ~~لو كان الطلاق في واحدة غير معينة # وقال شيخنا : الصحيح استعمال القرعة في الصورتين # قلت : وهو منصوص أحمد في رواية الجماعة وأما رواية الشالنجي فإنه توقف ~~وكره أن يقول في الطلاق بالقرعة ولم يعين المنسية ولا المبهمة وأكثر نصوصه ~~على القرعة في الصورتين # قال في رواية الميموني فيمن له أربع نسوة طلق واحدة منهن ولم يدر : يقرع ~~بينهن وكذلك في الأعبد فإن أقرع بينهن فوقعت القرعة على واحدة ثم ذكر التي ~~طلق رجعت هذه التي وقعت عليها القرعة ويقع الطلاق على التي ذكر فإن تزوجت ~~فذاك شيء قد مر # وكذلك نقل أبو الحرث عنه في رجل له أربع نسوة طلق إحداهن ولم يكن له نية ~~في واحدة بعينها يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة فهي المطلقة وكذلك إن ~~قصد إلى واحدة بعينها ونسيها # فنص على القرعة في الصورتين مسويا بينهما # والذي أفتى به علي رضى الله عنه هو في المنسية وبه احتج أحمد رحمه الله # قال وكيع : سمعت عبدالله قال : سألت أبا جعفر عن رجل كان له أربع نسوة ~~وطلق إحداهن لا يدري أيتهن طلق فقال قال على رضي الله عنه : يقرع بينهن # والأدلة الدالة على القرعة تتناول الصورتين والمنسية قد صارت كالمجهولة ~~شرعا فلا فرق بينها وبين المبهمة المجهولة ولأن في الايقاف والإمساك حتى ~~يتذكر وتحريم الجميع عليه وإيجاب النفقة على الجميع عدة مفاسد له وللزوجات ~~مندفعة شرعا ولأن القرعة أقرب إلى مقاصد الشرع ومصلحة الزوج والزوجات من ms147 ~~تركهن معلقات لا ذوات زوج ولا أيامى وتركه هو معلقا لاذا زوج ولا عزبا وليس ~~في الشريعة نظير ذلك بل ليس فيها وقف الأحكام بل الفصل وقطع الخصومات بأقرب ~~الطرق فإذا ضاقت الطرق ولم يبق إلا القرعة تعينت طريقا كما عينها الشارع في ~~عدة قضايا حيث لم يكن هناك غيرها ولم PageV01P168 يوقف الأمر إلى وقت ~~الانكشاف فإنه إذا علم أنه لا سبيل له إلى انكشاف الحال كان إيقاف الأمر ~~إلى آخر العمر من أعظم المفاسد التي لا تأتي بها الشريعة وغاية ما يقدر أن ~~القرعة تصيب التي لم يقع عليها الطلاق وتخطىء المطلقة وهذا لا يضرها ههنا ~~فإنها لما جهل كونها هي التي وقع عليها الطلاق صار المجهول كالمعدوم وكل ما ~~يقدر من المفسدة في ذلك فمثلها في العتق سواء وقد دلت سنة رسول الله عليه ~~الصلاة والسلام الصحيحة الصريحة على إخراج المعتق من غيره بالقرعة وقد نص ~~أحمد على حلع البضع بالقرعة # فقال في رواية ابن منصور وحنبل : إذا زوجها الوليان من رجلين ولم يعلم ~~السابق منهما أقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حكم أنه الأول # فإذا قويت القرعة على تعيين الزوج في حل البضع له فلأن تقوى على تعيين ~~المطلقة في تحريم بضعها عنه أولى فإن الطلاق مبنى على التغليب والسراية وهو ~~أسرع نفوذا وثبوتا من النكاح من وجوه كثيرة # وقول الشيخ أبي محمد قدس الله تعالى روحه : إنه اشتبهت عليه زوجته ~~بأجنبية فلم تحل له إحداهما بالقرعة كما لو اشتبهت بأجنبية لم يكن عليها ~~عقد # جوابه : بالفرق بين حالتي الدوام والابتداء فإنه هناك شك في هذه الأجنبية ~~هل حصل عقد أم لا والأصل فيها التحريم فإذا اشتبهت بها الزوجة لم يقدم على ~~واحدة منهما وههنا ثبت الحل والنكاح وحصل الشك بعده هل يزول في هذه أو في ~~هذه فإما أن يحرما جميعا أو يحلا جميعا أو يقال له : اختر من ينزل عليه ~~التحريم أو يوقف الأمر أبدا أو يستعمل القرعة والأقسام الأربعة الأول باطلة ~~لا أصل لها ms148 في السنة ولم يعتبرها الشارع بخلاف القرعة وبالجملة فلا يصح ~~إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى إذ هناك تحريم متيقن ونحن PageV01P169 نشك في ~~حله وهنا حل متيقن نشك في تحريمه بالنستة إلى كل واحدة # قوله : ولأن القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة ولا ترفع الطلاق على من ~~وقع عليه # فيقال : إذا جهلت المطلقة ولم يكن له سبيل إلى تعيينها قامت القرعة مقام ~~الشاهد والمخبر بأنها المطلقة للضرورة حيث تعينت طريقا فالمطلقة المجهولة ~~قد صار طلاقها بعينها كالمعدوم ولو كانت مطلقة في نفس الأمر فإن الشارع لم ~~يكلفنا بما في نفس الأمر بل بما ظهر وبدا ولهذا لو نسي الطلاق بالكلية ~~وأقام على وطئها حتى توفي كانت أحكامه أحكام الزوج والنسب لاحق به والميراث ~~ثابت وهي مطلقة في نفس الأمر ولكن ليست مطلقة في حكم الله كما لو طلع ~~الهلال في نفس الأمر ولم يره أحد من الناس أو كان الهلال تحت الغيم فإنه لا ~~يترتب عليه حكم الشهر ولا يكون طالعا في حكم الله تعالى وإن كان طالعا في ~~نفس الأمر ونظائر هذا كثيرة جدا # فغاية الأمر : أن هذه مطلقة في نفس الأمر ولا علم له بطلاقها فلا تكون ~~مطلقة في الحكم كما لو نسي طلاقها # قوله : ولهذا لو ذكر أن المطلقة غيرها حرمت عليه ولو ارتفع التحريم أو ~~زال الطلاق لما عاد بالذكر # جوابه : أن القرعة إنما عملت مع استمرار النسيان فإذا زال النسيان بطل ~~عمل القرعة كما أن المتيمم إذا قدر على استعمال الماء بطل حكم تيممه فإن ~~التراب إنما يعمل عند العجز عن الماء فإذا قدر عليه بطل حكمه ونظائر ذلك ~~كثيرة # منها : أن الاجتهاد إنما يعمل به عند عدم النص فإذا تبين النص فلا اجتهاد ~~إلا في إبطال ما خالفه # قوله : وقد قال الخرقي فيمن طلق امرأته ولم يدر أواحدة طلق أم ثلاثا ~~يلزمه الثلاث ومن حلف بالطلاق أن لا يأكل تمرة فوقعت في تمر فأكل منه واحدة ~~لا تحل له امرأته حتى يعلم PageV01P170 أنها ليست التي وقعت ms149 اليمين عليها ~~فحرمها مع أن الأصل بقاء النكاح ولم يعارضه يقين التحريم فههنا أولى # فيقال : الخرقي نص على المسئلتين مفرقا بينهما في مختصره فقال : وإذا طلق ~~واحدة من نسائه وأنسيها أخرجت بالقرعة وقال : ما حكاه الشيخ عنه في ~~الموضعين فأما من شك : هل طلق واحدة أم ثلاثا فأكثر النصوص أنه إنما يلزمه ~~واحدة وهو ظاهر المذهب والخرقي اختار الرواية الأخرى وهي مذهب مالك وقد ~~تقدم مأخذ القولين وبيان الراجح منهما # وعلى القول بلزوم الثلاث فالفرق بين ذلك وبين إخراج المنسية بالقرعة : أن ~~المجهول في الشرع كالمعدوم فقد جهلنا وقوع الطلاق بأي الزوجتين فلم يتحقق ~~تحريم إحداهما ولم يكن لنا سبيل إلى تحريمهما ولا إباحتهما والوقف مفسدة ~~ظاهرة فتعينت القرعة بخلاف من أوقع على زوجته طلاقا وشك في عدده فإنه قد شك ~~: هل يرتفع ذلك الطلاق بالرجعة أولا يرتفع بها فألزمه بالثلاث فظهر الفرق ~~بينهما على هذا القول وأما على المشهور من المذهب فلا إشكال # وأما من حلف بالطلاق لا يأكل تمرة فوقعت في تمر فأكل منه واحدة فقد قال ~~الخرقي : إنه يمنع من وطء زوجته حتى يتيقن وهذا يحتمل الكراهة والتحريم ~~ومذهب الشافعي وأبي حنيفة : أنه لا يحنث ولا يحرم عليه وطء زوجته هو اختيار ~~أبي الخطاب وهو الصحيح وإن أراد به التحريم فهو يشبه ما قاله هو ومالك فيمن ~~طلق وشك هل طلق واحدة أم ثلاثا # | فصل وأما من حلف على يمين ثم نسيها وقولهم : يلزمه جميع ما # يحلف به فقول شاذ جدا وليس عن مالك إنما قاله بعض أصحابه وسائر أهل العلم ~~على خلافه وأنه لا يلزمه شيء حتى يتيقن كما لو شك : هل حلف أو لا # فإن قيل فينبغي أن يلزمه كفارة يمين لأنها الأقل # قيل : موجب الأيمان مختلف فما من يمين إلا وهي مشكوك فيها هل حلف بها أم ~~لا PageV01P171 وعلى قول شيخنا : يلزمه كفارة يمين حسب لأن ذلك موجب ~~الأيمان كلها عنده # | فصل وأما من حلف ليفعلن كذا ولم يعين وقتا فعند الجمهور هو على ms150 # التراخي إلى آخر عمره إلا أن يعين بنيته وقتا فيتقيد به فإن عزم على ~~الترك بالكلية حنث حال ه زمه نص عليه أحمد وقال مالك : هو على حنث حتى يفعل ~~فيحال بينه وبين امرأته إلى أن يأتي بالمحلوف عليه وهذا صحيح على أصله في ~~سد الذرائع فإنه إذا كان على التراخي إلى وقت الموت لم يكن لليمين فائدة ~~وصار لا فرق بين الحلف وعدمه والحمل في ذلك على القرينة والعرف إن لم تكن ~~نية ولا يكاد اليمين يتجرد عن هذه الثلاثة # | فصل وأما تعليق الطلاق بوقت يجىء لا محالة كرأس الشهر والسنة وآخر # النهار ونحوه فللفقهاء في ذلك أربعة أقوال : # أحدها : أنها لا تطلق بحال وهذا مذهب ابن حزم واختيار أبي عبدالرحمن ~~الشافعي وهو من أجل أصحاب الوجوه # وحجتهم : أن الطلاق لا يقبل التعليق بالشرط كما لا يقبله النكاح والبيع ~~والإجارة والإبراء # قالوا : والطلاق لا يقع في الحال ولا عند مجىء الوقت أما في الحال فلأنه ~~لم يوقعه منجزا وأما عند مجىء الوقت فلأنه لم يصدر منه طلاق حينئذ ولم ~~يتجدد سوى مجىء الزمان ومجى الزمان لا يكون طلاقا # وقابل هذا القول آخرون وقالوا : يقع الطلاق في الحال وهذا مذهب مالك ~~وجماعة من التابعين PageV01P172 # وحجتهم : أن قالوا : لو لم يقع في الحال لحصل منه استباحة وطء مؤقت وذلك ~~غير جائز في الشرع لأن استباحة الوطء فيه لا تكون إلا مطلقا غير مؤقت ولهذا ~~حرم نكاح المتعة لدخول الأجل فيه وكذلك وطء المكاتبة ألا ترى أنه لوعرى من ~~الأجل بأن يقول : إن جئتني بألف درهم فأنت حرة لم يمنع ذلك الوطء # قال الموقعون عند الأجل : لا يجوز أن يؤخذ حكم الدوام من حكم الابتداء ~~فإن الشريعة فرقت بينهما في مواضع كثيرة فإن ابتداء عقد النكاح في الإحرام ~~فاسد دون دوامه وابتداء عقده على المعتدة فاسد دون دوامه وابتداء عقده على ~~الأمة مع الطول وعدم خوف العنت فاسد دون دوامه وابتداء عقده على الزانية ~~فاسد عند أحمد ومن وافقه دون دوامه ونظائر ms151 ذلك كثيرة جدا # قالوا : والمعنى الذي حرم لأجله نكاح المتعة : كون العقد مؤقتا من أصله ~~وهذا العقد مطلق وإنما عرض له ما يبطله ويقطعه فلا يبطل كما لو علق الطلاق ~~بشرط وهو يعلم أنها تفعله أو يفعله هو ولا بد ولكن يجوز تخلفه # والقول الثالث : أنه إن كان الطلاق المعلق بمجيء الوقت المعلوم ثلاثا وقع ~~في الحال وإن كان رجعيا لم يقع قبل مجيئه وهذا إحدى الروايتين عن الإمام ~~أحمد نص عليه في رواية مهنا : إذا قال : أنت طالق ثلاثا قبل موتي بشهر : هي ~~طالق الساعة كان سعيد ابن المسيب والزهري لا يوقتون في الطلاق قال مهنا : ~~فقلت له : أفتتزوج هذه التي قال لها : أنت طالق ثلاثا قبل موتي بشهر قال لا ~~: ولكن يمسك عن الوطء أبدا حتى يموت هذا لفظه # وهو في غاية الإشكال فإنه قد أوقع عليها الطلاق منجزا فكيف يمنعها من ~~التزويح PageV01P173 # وقوله : يمسك عن الوطء أبدا يدل على أنها زوجته إلا أنه لا يطؤها وهذا لا ~~يكون # مع وقوع الطلاق فإن الطلاق إذا وقع زالت أحكام الزوجية كلها فقد يقال : ~~أخذ بالاحتياط فأوقع الطلاق ومنعها من التزويج للخلاف في ذلك فحرم وطأها ~~وهو أثر الطلاق ومنعها من التزويج لأن النكاح لم ينقطع بإجماع ولا نص # ووجه هذا : أنه إذا كان الطلاق ثلاثا لم يحل وطؤها بعد الأجل فيصير حال ~~الوطء مؤقتا وإن كان رجعيا جاز له وطؤها بعد الأجل فلا يصير الحال مؤقتا ~~وهذا أفقه من القول الأول # والقول الرابع : أنها لا تطلق إلا عند مجىء الأجل وهو قول الجمهور وإنما ~~تنازعوا هل هو مطلق في الحال ومجىء الوقت شرط لنفوذ الطلاق كما لو وكله في ~~الحال وقال : لاتتصرف إلى رأس الشهر فمجىء رأس الشهر شرط لنفوذ تصرفه لا ~~لحصول الوكالة بخلاف ما إذا قال : إذا جاء رأس الشهر فقد وكلتك ولهذا يفرق ~~الشافعي بينهما فيصحح الأولى ويبطل الثانية أو يقال : ليس مطلقا في الحال ~~وإنما هو مطلق عند مجىء الأجل فيقدر حينئذ أنه قال : أنت ms152 طالق فيكون حصول ~~الشرط وتقدير حصول : أنت طالق معا فعلى التقدير الأول : السبب تقدم وتأخر ~~شرط تأثيره وعلى التقدير الثاني : نفس السبب تأخر تقديرا إلى مجىء الوقت ~~وكأنه قال : إذا جاء رأس الشهر فحينئذ أنا قائل لك : أنت طالق فإذا جأء رأس ~~الشهر قدر قائلا لذلك اللفظ المتقدم # فمذهب الحنفية : أن الشرط يمتنع به وجود العلة فإذا وجد الشرط وجدت العلة ~~فيصير وجودها مضافا إلى الشرط وقبل تحققه لم يكن المعلق عليه علة بخلاف ~~الوجوب فإنه ثابت قبل مجىء الشرط فإذا قال : إن دخلت الدار فأنت طالق ~~فالعلة للوقوع : التلفظ بالطلاق والشرط الدخول وتأثيره في امتناع وجود ~~العلة قبله فإذا وجد وجدت # وأصحاب الشافعي يقولون : أثر الشرط في تراخي الحكم والعلة قد وجدت وإنما ~~تراخي تأثيرها إلى وقت مجيء الشرط فالمتقدم علة قد تأخر تأثيرها إلى مجىء ~~الشرط PageV01P174 # | فصل وأما ما أفتى به الحسن وإبراهيم النخعي ومالك في إحدى الروايتين # عنه : أن من شك هل انتقض وضوءه أم لا وجب عليه أن يتوضأ احتياطا ولا يدخل ~~في الصلاة بطهارة مشكوك فيها # فهذه مسألة نزاع بين الفقهاء # وقد قال الجمهور منهم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وأصحابهم ومالك في ~~الرواية الأخرى عنه إنه لا يجب عليه الوضوء وله أن يصلي بذلك الوضوء الذي ~~تيقنه وشك في انتقاضه واحتجوا بما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال : قال رسول الله إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه : ~~أخرج منه شيء أم لا فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا وهذا يعم ~~المصلي وغيره # وأصحاب القول الأول يقولون : الصلاة ثابتة في ذمته بيقين وهو يشك في ~~براءة الذمة منها بهذا الوضوء فإنه على تقدير بقائه هي صحيحة وعلى تقدير ~~انتقاضه باطلة فلم يتيقن براءة ذمته ولأنه شك في شرط الصلاة : هل هو باق أم ~~لا فلا يدخل فيها بالشك # والآخرون يجيبون عن هذا بأنها صلاة مستندة إلى طهارة معلومة قد شك في ~~بطلانها فلا يلتفت إلى ms153 الشك ولا يزيل اليقين به كما لو شك : هل أصاب ثوبه ~~أو بدنه نجاسة فإنه لا يجب عليه غسله وقد دخل في الصلاة بالشك # ففرقوا بينهما بفرقين : # أحدهما : أن اجتناب النجاسة ليس بشرط ولهذا لا يجب نيته وإنما هو مانع ~~والأصل عدمه بخلاف الوضوء فإنه شرط وقد شك في ثبوته فأين هذا من هذا # الثاني : أنه قد كان قبل الوضوء محدثا وهو الأصل فيه فإذا شك في بقائه ~~كان ذلك رجوعا إلى الأصل وليس الأصل فيه النجاسة حتى نقول : إذا شك في ~~حصوله رجعنا إلى الأصل النجاسة فهنا يرجع إلى أصل الطهارة وهناك يرجع إلى ~~أصل الحدث PageV01P175 # قال الآخرون : أصل الحدث قد زال بيقين الطهارة فصارت هي الأصل فإذا شككنا ~~في الحدث رجعنا إليه فأين هذا من الوسواس المذموم شرعا وعقلا وعرفا # | فصل وأما قولكم : إن من خفي عليه موضع النجاسة من الثوب وجب # عليه غسله كله : فليس هذا من باب الوسواس وإنما ذلك من باب ما لا يتم ~~الواجب إلا به فإنه قد وجب عليه غسل جزء من ثوبه ولا يعلمه بعينه ولا سبيل ~~إلى العلم بأداء هذا الواجب إلا بغسل جميعه # | فصل وأما مسألة الثياب التي اشتبه الطاهر منها بالنجس فهذه مسألة # نزاع فذهب مالك في رواية عنه وأحمد : إلى أنه يصلي في ثوب بعد ثوب حتى ~~يتيقن أنه صلى في ثوب طاهر # وقال الجمهور ومنهم أبو حنيفة والشافعي ومالك في الرواية الأخرى إنه ~~يتحرى فيصلي في واحد منها صلاة واحدة كما يتحرى في القبلة # وقال المزني وأبو ثور : بل يصلي عريانا ولا يصلي في شيء منها لأن الثوب ~~النجس في الشرع كالمعدوم والصلاة فيه حرام وقد عجز عن السترة بثوب طاهر ~~فسقط فرض السترة وهذا أضعف الأقوال # والقول بالتحري هو الراجح الظاهر سواء كثر عدد الثياب الطاهرة أو قل وهو ~~اختيار شيخنا وابن عقيل يفصل فيقول : إن كثر عدد الثياب تحرى دفعا للمشقة ~~وإن قل عمل باليقين # قال شيخنا : اجتناب النجاسة من باب المحظور فإذا تحرى وغلب ms154 على ظنه طهارة ~~ثوب منها فصلى فيه لم يحكم ببطلان صلاته بالشك فإن الأصل عدم النجاسة وقد ~~شك فيها في هذا الثوب فيصلي فيه كما لو استعار ثوبا أو اشتراه ولا يعلم ~~حاله PageV01P176 وقول أبي ثور في غاية الفساد فإنه لو تيقن نجاسة الثوب ~~لكانت صلاته فيه خيرا وأحب إلى الله من صلاته متجردا بادى السوءة للناظرين ~~وبكل حال فليس هذا من الوسواس المذموم # | فصل وأما مسألة اشتباه الأواني فكذلك ليست من باب الوسواس وقد # اختلف فيها الفقهاء اختلافا متباينا # فقال أحمد : يتيمم ويتركها وقال مرة يريقها ويتيمم ليكون عادما للماء ~~الطهور بيقين # وقال أبو حنيفة : إن كان عدد الأواني الطاهرة أكثر تحرى وإن تساوت أو ~~كثرت النجسة لم يتحر وهذا اختيار أبي بكر وابن شاقلا والنجاد من أصحاب أحمد ~~وقال الشافعي وبعض المالكية : يتحرى بكل حال وقال عبدالله بن الماجشون : ~~يتوضأ بكل واحد منها وضوءا ويصلي وقال محمد بن مسلمة من المالكية : يتوضأ ~~من أحدها ويصلي ثم يغسل ما أصابه منه ثم يتوضأ من الآخر ويصلي # وقالت طائفة منهم شيخنا يتوضأ من أيها شاء بناء على أن الماء لا ينجس إلا ~~بالتغير فتستحيل المسألة وليس هذا موضع ذكر حجج هذه الأقوال وترجيح راجحها # | فصل وأما إذا اشتبهت عليه القبلة فالذي عليه أهل العلم كلهم : أنه # يجتهد ويصلي صلاة واحدة PageV01P177 # وشذ بعض الناس فقال : يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات وهذا قول شاذ مخالف ~~للسنة وإنما التزمه قائله في مسألة اشتباه الثياب وهذا ونحوه من وجوه ~~الالتزامات عند المضايق طردا لدليل المستدل : مما لا يلتفت إليها ولا يعول ~~عليها # ونظيره : التزام من التزم اشتراط النية لإزالة النجاسة لما ألزمهم أصحاب ~~أبي حنيفة بذلك قال بعضهم : نقول به # ونظيره : إدراك الجمعة بإدراك تكبيرة مع الإمام لما ألزمت الحنفية من ~~نازعها في ذلك بالتسوية بين الجمعة والجماعة التزمه بعضهم وقال : نقول به # | فصل وأما من ترك صلاة من يوم لا يعلم عينها فاختلف الفقهاء في # هذه المسئلة على أقوال : # أحدها : أنه يلزمه ms155 خمس صلوات نص عليه أحمد وهو قول مالك والشافعي وأبي ~~حنيفة وإسحق لأنه لا سبيل له إلى العلم ببراءة ذمته يقينا إلا بذلك # القول الثاني : أنه يصلي رباعية ينوي بها ما عليه ويجلس عقيب الثانية ~~والثالثة والرابعة وهذا قول الأوزاعي وزفر بن الهذيل ومحمد بن مقاتل من ~~الحنفية بناء على أنه يخرج من الصلاة بدون الصلاة على النبي وبدون السلام ~~وأن نية الفرضية تكفي من غير تعيين كما في الزكاة ولا يضر جلوسه عقيب ~~الثالثة إن كانت المنسية رباعية لأنه زيادة من جنس الصلاة لا على وجه العمد # القول الثالث : أنه يجزيه أن يصلي فجرا ومغربا ورباعية ينوي ما عليه وهذا ~~قول سفيان الثوري ومحمد بن الحسن ويخرج على المذهب إذا قلنا بأن نية ~~المكتوبة تكفي من غير تعيين # وقد قال عبدالله بن أحمد : سمعت أبي يسأل : ما تقول في رجل ذكر أن عليه ~~صلاة لم يعينها فصلى ركعتين وجلس وتشهد ونوى بها الغداة ولم يسلم ثم قام ~~فأتى بركعة وجلس فتشهد ونوى بها المغرب وقام ولم يسلم وأتى برابعة ثم جلس ~~فتشهد ونوى بها ظهرا أو عصرا أو عشاء الآخرة ثم سلم فقال له أبي : هذا ~~يجزيه ويقضي عنه على مذهب العراقيين PageV01P178 لأنهم اعتمدوا في التشهد ~~على خبر ابن مسعود : إذا قلت هذا فقد تمت صلاتك وأما على مذهب صاحبنا أبي ~~عبدالله الشافعي ومذهبنا لا يجزىء عنه لأنا نذهب إلى قوله : تحريمها ~~التكبير وتحليلها التسليم ونذهب إلى الصلاة على رسول الله فيها هذا لفظه # قال أبو البركات : هذا من أحمد : يبين أن قضاء الواحدة لا يجزيه لتعذر ~~التحليل المعتبر لا لفوات نية التعيين فإذا قضى ثلاثا كما قال الثوري اندفع ~~المفسد وبكل حال فليس في هذا راحة للموسوسين # | فصل وأما من شك في صلاته فإنه يبني على اليقين لأنه لا تبرأ # ذمته منه بالشك # وأما تحريم أكل الصيد إذا شك صاحبه : هل مات بالجرح أو بالماء وتحريم ~~أكله PageV01P179 إذا خالط كلابه كلبا من غيره فهو الذي أمر به رسول ms156 ~~اللهلأنه قد شك في سبب الحل والأصل في الحيوان التحريم فلا يستباح بالشك في ~~شرط حله بخلاف ما إذا كان الأصل فيه الحل فإنه لا يحرم بالشك في سبب تحريمه ~~كما لو اشترى ماء أو طعاما أو ثوبا لا يعلم حاله جاز شربه وأكله ولبسه وإن ~~شك : هل تنجس أم لا فإن الشرط متى شق اعتباره أو كان الأصل عدم المانع لم ~~يلتفت إلى ذلك # فالأول : كما إذا أتى بلحم لا يعلم : هل سمى عليه ذابحه أم لا وهل ذكاه ~~في الحلق واللبة واستوفى شروط الذكاة أم لا لم يحرم أكله لمشقة التفتيش عن ~~ذلك وقد قالت عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله إن ناسا من الأعراب ~~يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا فقال : سموا أنتم وكلوا ~~مع أنه قد نهى عن أكل ما لم يذكر عليه اسم الله تعالى # والثاني كما ذكرنا من الماء والطعام واللباس فإن الأصل فيها الطهارة وقد ~~شك في وجود المنجس فلا يلتفت إليه # | فصل وأما ما ذكرتموه عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما فشيء # تفردا به دون الصحابة ولم يوافق ابن عمر على ذلك أحد منهم وكان ابن عمر ~~رضي الله عنهما يقول : إن بي وسواسا فلا تقتدوا بي # وظاهر مذهب الشافعي وأحمد : أن غسل داخل العينين في الوضوء لا يستحب وإن ~~أمن الضرر لأنه لم ينقل عن رسول اللهأنه فعله قط ولا أمر به وقد نقل وضوءه ~~جماعة كعثمان وعلي وعبدالله بن زيد والربيع بنت معوذ وغيرهم فلم يقل أحد ~~منهم : إنه غسل داخل عينيه وفي وجوبه في الجنابة روايتان عن أحمد أصحهما ~~أنه لا يجب وهو قول الجمهور وعلى هذا فلا يجب غسلهما من النجاسة وأولى لأن ~~المضرة به أغلب لزيادة التكرار والمعالجة PageV01P180 # وقالت الشافعية والحنفية : يجب لأن إصابة النجاسة لهما تندر فلا يشق ~~غسلهما منها وغلا بعض الفقهاء من أصحاب أحمد فأوجب غسلهما في الوضوء وهو ~~قول لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه والصحيح ms157 أنه لا يجب غسلهما في وضوء ولا ~~جنابة ولا من نجاسة # وأما فعل أبي هريرة رضي الله عنه فهو شيء تأوله وخالفه فيه غيره وكانوا ~~ينكرونه عليه وهذه المسئلة تلقب بمسئلة إطالة الغرة وإن كانت الغرة في ~~الوجه خاصة # وقد اختلف الفقهاء في ذلك وفيها روايتان عن الإمام أحمد # إحداهما : يستحب إطالتها وبها قال أبو حنيفة والشافعي واختارها أبو ~~البركات ابن تيمية وغيره # والثانية : لا يستحب وهي مذهب مالك وهي اختيار شيخنا أبي العباس # فالمستحبون يحتجون بحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم : أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من أثر الوضوء ~~فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله متفق عليه ولأن الحلية تبلغ من المؤمن ~~حيث يبلغ الوضوء # قال النافون للاستحباب : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : ~~إن الله حد حدودا فلا تعتدوها والله سبحانه قد حد المرفقين والكعبين فلا ~~ينبغي تعديهما ولأن رسول اللهلم ينقل من نقل عنه وضوءه أنه تعداها ولأن ذلك ~~أصل الوسواس ومادته ولأن فاعله إنما يفعله قربة وعبادة والعبادات مبناها ~~على الاتباع ولأن ذلك ذريعة إلى الغسل إلى الفخذ وإلى الكتف وهذا مما يعلم ~~أن النبي وأصحابه لم يفعلوه ولا مرة وحدة ولأن هذا من الغلو وقد قال صلى ~~الله تعالى عليه وسلم إياكم والغلو في الدين ولأنه تعمق وهو منهي عنه ولأنه ~~عضو من أعضاء الطهارة فكره مجاوزته كالوجه PageV01P181 # وأما الحديث فراويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه نعيم المجمر وقد قال ~~: لا أدري قوله : فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل من قول رسول الله أو ~~من قول أبي هريرة رضي الله عنه روي ذلك عنه الإمام أحمد في المسند # وأما حديث الحلية فالحلية المزينة ما كان في محله فإذا جاوز محله لم يكن ~~زينة # | فصل وأما قولكم : إن الوسواس خير مما عليه أهل التفريط والاسترسال # وتمشية الأمر كيف اتفق إلى آخره # فلعمر الله إنهما لطرفا إفراط وتفريط وغلو وتقصير وزيادة ms158 ونقصان وقد نهى ~~الله سبحانه وتعالى عن الأمرين في غير موضع كقوله : ولا تجعل يدك مغلولة ~~إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط [ الإسراء : 29 ] وقوله : وآت ذا القربى حقه ~~والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا [ الروم : 38 ] وقوله : والذين إذا ~~أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما [ الفرقان : 67 ] وقوله : ~~وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين [ الأعراف : 31 ] # فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه وخير الناس النمط الأوسط الذين ~~ارتفعوا عن تقصير المفرطين ولم يلحقوا بغلو المعتدين وقد جعل الله سبحانه ~~هذه الأمة وسطا وهي الخيار العدل لتوسطها بين الطرفين المذمومين والعدل هو ~~الوسط بين طرفى الجور والتفريط والآفات إنما تتطرق إلى الأطراف والأوساط ~~محمية بأطرافها فخيار الأمور أوساطها قال الشاعر : # كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت % بها الحوادث حتى أصبحت طرفا # | فصل ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس وما نجا منها إلا من # لم يرد الله تعالى فتنته : ما أوحاه قديما وحديثا إلى حزبه وأوليائه من ~~الفتنة بالقبور حتى آل الأمر فيها إلى PageV01P182 أن عبد أربابها من دون ~~الله وعبدت قبورهم واتخذت أوثانا وبنيت عليها الهياكل وصورت صور أربابها ~~فيها ثم جعلت تلك الصور أجسادا لها ظل ثم جعلت أصناما وعبدت مع الله تعالى # وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه حيث ~~يقول : قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ~~ومكروا مكرا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ~~ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا [ نوح : 21 ] # قال ابن جرير : وكان من خبر هؤلاء فيما بلغنا : ما حدثنا به ابن حميد ~~حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس : أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا ~~قوما صالحين من بني آدم وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم ~~الذين كانوا يقتدون بهم : لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم ~~فصورهم فلما ماتوا ms159 وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال : إنما كانوا يعبدونهم ~~وبهم يسقون المطر فعبدوهم قال سفيان عن أبيه عن عكرمة قال : كان بين آدم ~~ونوح عليهما السلام عشرة قرون كلهم على الإسلام حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا ~~عبدالرزاق عن معمر عن قتادة في هذه الآية قال : كانت آلهة يعبدها قوم نوح ~~ثم عبدتها العرب بعد ذلك فكان ود لكلب بدومة الجندل وكان سواع لهذيل وكان ~~يغوث لبني غطيف من مراد وكان يعوق لهمدان وكان نسر لذي الكلاع من حمير وقال ~~الوالبي عن ابن عباس : هذه أصنام كانت تعبد في زمان نوح عليه السلام # وقال البخاري : حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن ابن جريج قال : قال ~~عطاء عن ابن عباس : صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد أما ود ~~فكانت لكلب بدومة الجندل وأما سواع فكانت لهذيل وأما يغوث فكانت لمراد ثم ~~لبني غطيف بالجرف عند سبأ وأما يعوق فكانت لهمدان وأما نسر فكانت لحمير لآل ~~ذي الكلاع PageV01P183 أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى ~~الشيطان إلى قومهم : أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا ~~وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسى العلم عبدت # وقال غير واحد من السلف : كان هؤلاء قوما صالحين في قوم نوح عليه السلام ~~فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم ~~فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين : فتنة القبور وفتنة التماثيل وهما الفتنتان ~~اللتان أشار إليهما رسول اللهفي الحديث المتفق على صحته عن عائشة رضي الله ~~عنها : أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت لرسول اللهكنيسة رأتها بأرض الحبشة ~~يقال لها : مارية فذكرت له ما رأت فيها من الصور فقال رسول الله أولئك قوم ~~إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه ~~تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله تعالى # وفي لفظ آخر في الصحيحين : أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها # فجمع في هذا الحديث بين ms160 التماثيل والقبور وهذا كان سبب عبادة اللات # فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد : أفرأيتم اللات ~~والعزى [ النجم : 19 ] قال : كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره ~~وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : كان يلت السويق للحاج # فقد رأيت أن سبب عبادة ود ويغوث ويعوق ونسرا واللات إنما كانت من تعظيم ~~قبورهم ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبي # قال شيخنا : وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على ~~القبور هي التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من ~~الشرك فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين وتماثيل يزعمون أنها ~~طلاسم للكواكب ونحو ذلك فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى ~~النفوس من الشرك بخشبة أو حجر ولهذا نجد أهل الشرك كثيرا يتضرعون عندها ~~ويخشعون ويخضعون ويعبدونهم بقلوبهم عبادة PageV01P184 لا يفعلونها في بيوت ~~الله ولا وقت السحر ومنهم من يسجد لها وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها ~~والدعاء ما لا يرجونه في المساجد فلأجل هذه المفسدة حسم النبي صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا وإن لم ~~يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته كما يقصد بصلاته بركة المساجد كما نهى عن ~~الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها ~~للشمس فنهى أمته عن الصلاة حينئذ وإن لم يقصد المصلي ما قصده المشركون سدا ~~للذريعة # قال : وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركا بالصلاة في تلك ~~البقعة فهذا عين المحادة لله ولرسوله والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن ~~به الله تعالى فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول ~~اللهأن الصلاة عند القبور منهي عنها وأنه لعن من اتخذها مساجد فمن أعظم ~~المحدثات وأسباب الشرك : الصلاة عندها واتخاذها مساجد وبناء المساجد عليها ~~وقد تواترت النصوص عن النبي عليه الصلاة والسلام بالنهي عن ذلك والتغليظ ~~فيه فقد صرح عامة الطوائف ms161 بالنهي عن بناء المساجد عليها متابعة منهم للسنة ~~الصحيحة الصريحة وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك ~~وطائفة أطلقت الكراهة والذي ينبغي أن تحمل على كراهة التحريم إحسانا للظن ~~بالعلماء وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول اللهلعن فاعله ~~والنهي عنه ففي صحيح مسلم عن جندب بن عبدالله البجلي قال : سمعت رسول ~~اللهقبل أن يموت بخمس وهو يقول : إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل ~~فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من ~~أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور ~~أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك # وعن عائشة وعبدالله بن عباس قالا : لما نزل برسول اللهطفق يطرح خميصة له ~~على وجهه فإذا اغتم كشفها فقال وهو كذلك : لعنة الله على اليهود ~~PageV01P185 والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا متفق عليه # وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول اللهقال : قاتل ~~الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد # وفي رواية مسلم : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد # فقد نهى عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته ثم إنه لعن وهو في السياق من ~~فعل ذلك من أهل الكتاب ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك # قالت عائشة رضي الله عنها : قال رسول اللهفي مرضه الذي لم يقم منه : لعن ~~الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ولولا ذلك لأبرز قبره غير ~~أنه خشى أن يتخذ مسجدا + متفق عليه + # وقولها : خشى هو بضم الخاء تعليلا لمنع إبراز قبره # وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ~~أن النبيقال : إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون ~~القبور مساجد # وعن زيد بن ثابت أن رسول اللهقال : لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد رواه الإمام أحمد # وعن ابن عباس قال : لعن رسول اللهزائرات ms162 القبور والمتخذين عليها المساجد ~~والسرج رواه الإمام أحمد وأهل السنن # وفي صحيح البخاري : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أنس بن مالك يصلي ~~عند قبر فقال : القبر القبر وهذا يدل على أنه كان من المستقر عند الصحابة ~~رضي الله عنهم ما نهاهم عنه نبيهم من الصلاة عند القبور وفعل أنس رضي الله ~~عنه لا يدل على اعتقاده جوازه فإنه لعله لم يره أو لم يعلم أنه قبر أو ذهل ~~عنه فلما نبهه عمر رضي الله تعالى عنه تنبه وقال أبو سعيد الخدري رضي الله ~~تعالى عنه : قال رسول الله الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام رواه ~~الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة + وصححه أبو حاتم بن حبان + PageV01P186 # وأبلغ من هذا : أنه نهى عن الصلاة إلى القبر فلا يكون القبر بين المصلي ~~وبين القبلة # فروى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوي رحمه الله أن رسول اللهقال : لا ~~تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها # وفي هذا إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة فهذا ~~أبعد شيء عن مقاصد الرسول وهو باطل من عدة أوجه : # منها : أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة كما ~~يقوله المعللون بالنجاسة # ومنها : أنهلعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد ومعلوم ~~قطعا أن هذا ليس لأجل النجاسة فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء ولأن قبور ~~الأنبياء من أطهر البقاع وليس للنجاسة عليها طريق ألبتة فإن الله حرم على ~~الأرض أن تأكل أجسادهم فهم في قبورهم طريون # ومنها : أنه نهى عن الصلاة إليها # ومنها : أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ولو كان ذلك ~~لأجل النجاسة لكان ذكر الحشوش والمجازر ونحوها أولى من ذكر القبور # ومنها : أن موضع مسجدهكان مقبرة للمشركين فنبش قبورهم وسواها واتخذه ~~مسجدا ولم ينقل ذلك التراب بل سوى الأرض ومهدها وصلى فيه كما ثبت في ~~الصحيحين عن أنس بن مالك قال : لما قدم النبيالمدينة فنزل بأعلى المدينة في ~~حي يقال لهم : بنو عمرو ms163 بن عوف فأقام النبيفيهم أربع عشرة ليلة ثم أرسل إلى ~~ملأ بني النجار فجاءوا متقلدي السيوف وكأني أنظر إلى النبيعلى راحلته وأبو ~~بكر ردفه وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب وكان يحب أن يصلي ~~حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم وأنه أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ~~ملأ بني النجار فقال : يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا قالوا : لا والله ~~ما نطلب ثمنه إلا إلى الله PageV01P187 فكان فيه ما أقول لكم : قبور ~~المشركين وفيه خرب وفيه نخل فأمر النبيبقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب ~~فسويت وبالنخل فقطع فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه الحجارة وجعلوا ~~ينقلون الصخر وهم يرتجزون وذكر الحديث # ومنها : أن فتنة الشرك بالصلاة في القبور ومشابهة عباد الأوثان أعظم ~~بكثير من مفسدة الصلاة بعد العصر والفجر فإذا نهى عن ذلك سدا لذريعة التشبه ~~التي لا تكاد تخطر ببال المصلي فكيف بهذه الذريعة القريبة التي كثيرا ما ~~تدعو صاحبها إلى الشرك ودعاء الموتى واستغاثتهم وطلب الحوائج منهم واعتقاد ~~أن الصلاة عند قبورهم أفضل منها في المساجد وغير ذلك مما هو محادة ظاهرة ~~لله ورسوله فأين التعليل بنجاسة البقعة من هذه المفسدة ومما يدل على أن ~~النبيقصد منع هذه الأمة من الفتنة بالقبور كما افتتن بها قوم نوح ومن بعدهم # ومنها : أنه لعن المتخذين عليها المساجد ولو كان ذلك لأجل النجاسة لأمكن ~~أن يتخذ عليها المسجد مع تطيينها بطين طاهر فتزول اللعنة وهو باطل قطعا # ومنها : أنه قرن في اللعن بين متخذي المساجد عليها وموقدي السرج عليها ~~فهما في اللعنة قرينان وفي ارتكاب الكبيرة صنوان فإن كل ما لعن رسول ~~اللهفهو من الكبائر ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما لعن فاعله لكونه ~~وسيلة إلى تعظيمها وجعلها نصبا يوفض إليه المشركون كما هو الواقع فهكذا ~~اتخاذ المساجد عليها ولهذا قرن بينهما فإن اتخاذ المساجد عليها تعظيم لها ~~وتعريض للفتنة بها ولهذا حكى الله سبحانه وتعالى عن المتغلبين على أمر ~~أصحاب الكهف أنهم قالوا : لنتخذن عليهم مسجدا [ الكهف : 21 ms164 ] # ومنها : أنهقال : اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فذكره ذلك عقيب قوله : اللهم لا تجعل قبري وثنا ~~يعبد تنبيه منه على سبب لحوق اللعن لهم وهو توصلهم بذلك إلى أن تصير أوثانا ~~تعبد PageV01P188 # وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه وفهم عن الرسولمقاصده جزم ~~جزما لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه باللعن والنهي بصيغتيه : صيغة لا ~~تفعلوا وصيغة إني أنهاكم ليس لأجل النجاسة بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة ~~بمن عصاه وارتكب ما عنه نهاه واتبع هواه ولم يخش ربه ومولاه وقل نصيبه أو ~~عدم في تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله فإن هذا وأمثاله من النبيصيانة لحمى ~~التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه فأبى ~~المشركون إلا معصية لأمره وارتكابا لنهيه وغرهم الشيطان فقال : بل هذا ~~تعظيم لقبور المشايخ والصالحين وكلما كنتم أشد لها تعظيما وأشد فيهم غلوا ~~كنتم بقربهم أسعد ومن أعدائهم أبعد # ولعمر الله من هذا الباب بعينه دخل على عباد يغوث ويعوق ونسر ومنه دخل ~~على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة فجمع المشركون بين الغلو فيهم ~~والطعن في طريقتهم وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم وإنزالهم منازلهم ~~التي أنزلهم الله إياها : من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم وهذا غاية ~~تعظيمهم وطاعتهم # فأما المشركون فعصوا أمرهم وتنقصوهم في صورة التعظيم لهم قال الشافعي : ~~أكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من ~~الناس # وممن علل بالشرك ومشابهة اليهود والنصارى : الأثرم في كتاب ناسخ الحديث ~~ومنسوخه فقال بعد أن ذكر حديث أبي سعيد : أن النبيقال : جعلت لي الأرض ~~مسجدا إلا المقبرة والحمام وحديث زيد بن جبير عن داود بن الحصين عن نافع عن ~~ابن عمر : أن النبي نهى عن الصلاة في سبع مواطن وذكر منها المقبرة قال ~~الأثرم : إنما كرهت الصلاة في المقبرة للتشبه بأهل الكتاب لأنهم يتخذون ~~قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد PageV01P189 # | فصل ms165 ومن ذلك اتخاذها عيدا والعيد : ما يعتاد مجيئه وقصده : # من مكان وزمان # فأما الزمان فكقوله يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى : عيدنا أهل الإسلام ~~رواه أبو داود وغيره # وأما المكان فكما روي أبو داود في سننه أن رجلا قال : يا رسول الله إني ~~نذرت أن أنحر إبلا ببوانة فقال : أبها وثن من أوثان المشركين أو عيد من ~~أعيادهم قالا : لا قال : فأوف بنذرك وكقوله : لا تجعلوا قبري عيدا # والعيد : مأخوذ من المعاودة والاعتياد فإذا كان اسما للمكان فهو المكان ~~الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة أو لغيرها كما أن المسجد الحرام ~~ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله تعالى عيدا للحنفاء ومثابة كما جعل ~~أيام التعبد فيها عيدا # وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض ~~الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر وأيام منى كما عوضهم عن أعياد المشركين ~~المكانية بالكعبة البيت الحرام وعرفة ومنى والمشاعر PageV01P190 فاتخاذ ~~القبور عيدا هو من أعياد المشركين التي كانوا عليها قبل الإسلام وقد نهى ~~عنه رسول الله في سيد القبور منبها به على غيره # فقال أبو داود : حدثنا أحمد بن صالح قال : قرأت على عبدالله بن نافع ~~أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبرى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : ~~قال رسول اللهلا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا على فإن ~~صلاتكم تبلغني حيث كنتم وهذا + إسناد حسن + رواته كلهم ثقات مشاهير # وقال أبو يعلى الموصلي في مسنده : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا زيد ~~بن الحباب حدثنا جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين حدثنا علي بن عمر عن ~~أبيه عن علي ابن الحسين : أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر ~~النبيفيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال : ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي ~~عن رسول الله قال : لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا فإن تسليمكم ~~يبلغني أينما كنتم رواه أبو عبدالله محمد بن عبدالواحد المقدسي في مختاراته # وقال سعيد بن منصور في ms166 السنن : حدثنا حبان بن علي حدثني محمد بن عجلان عن ~~أبي سعيد مولى المهري قال : قال رسول اللهلا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم ~~قبورا وصلوا على حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني # وقال سعيد : حدثنا عبدالعزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال : رآني ~~الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة ~~يتعشى فقال : هلم إلى العشاء فقلت : لا أريده فقال : مالي رأيتك عند القبر ~~فقلت : سلمت على النبي فقال : إذا دخلت المسجد فسلم ثم قال : إن رسول ~~اللهقال : لا تتخذوا بيتي عيدا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر لعن PageV01P191 ~~الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وصلوا علي فإن صلاتكم ~~تبلغني حيثما كنتم ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء فهذان المرسلان من هذين ~~الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث لا سيما وقد احتج به من أرسله ~~وذلك يقتضي ثبوته عنده هذا لو لم يكن روى من وجوه مسندة غير هذين فكيف وقد ~~تقدم مسندا # قال شيخ الإسلام قدس الله روحه : ووجه الدلالة : أن قبر رسول اللهأفضل ~~قبر على وجه الأرض وقد نهى عن اتخاذه عيدا فقبر غيره أولى بالنهي كائنا من ~~كان ثم إنه قرن ذلك بقوله : ولا تتخذوا بيوتكم قبورا أي لا تعطلوها من ~~الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور فأمر بتحري النافلة في ~~البيوت ونهى عن تحري العبادة عند القبور وهذا ضد ما عليه المشركون من ~~النصارى وأشباههم ثم إنه عقب النهي عن اتخاذه عيدا بقوله : وصلوا علي فإن ~~صلاتكم تبلغني حيث كنتم يشير بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام ~~يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدا وقد حرف هذه ~~الأحاديث بعض من أخذ شبها من النصارى بالشرك وشبها من اليهود بالتحريف فقال ~~: هذا أمر بملازمة قبره والعكوف عنده واعتياد قصده وانتيابه ونهي أن يجعل ~~كالعيد الذي إنما يكون في العام مرة أو مرتين فكأنه قال : لا تجعلوه بمنزلة ~~العيد الذي يكون من ms167 الحول إلى الحول واقصدوه كل ساعة وكل وقت وهذا مراغمة ~~ومحادة لله ومناقضة لما قصده الرسول وقلب للحقائق ونسبة الرسولإلى التدليس ~~والتلبيس بعد التناقض فقاتل الله أهل الباطل أنى يؤفكون ولا ريب أن من أمر ~~الناس باعتياد أمر وملازمته وكثرة انتيابه بقوله : لا تجعلوه عيدا فهو إلى ~~التلبيس وضد البيان أقرب منه إلى الدلالة والبيان فإن لم يكن هذا تنقيصا ~~فليس للتنقيص حقيقة فينا كمن يرمى أنصار الرسولوحزبه بدائه ومصابه وينسل ~~كأنه بريء ولا ريب أن ارتكاب كل كبيرة بعد الشرك أسهل إثما وأخف عقوبة من ~~تعاطي مثل ذلك في دينه وسنته وهكذا PageV01P192 غيرت ديانات الرسل ولولا أن ~~الله أقام لدينه الأنصار والأعوان الدابين عنه لجرى عليه ما جرى على ~~الأديان قبله # ولو أراد رسول اللهما قاله هؤلاء الضلال لم ينه عن اتخاذ قبور الأنبياء ~~مساجد ويلعن ويلعن فاعل ذلك فإنه إذا لعن من اتخذها مساجد يعبد الله فيها ~~فكيف يأمر بملازمتها والعكوف عندها وأن يعتاد قصدها وانتيابها ولا تجعل ~~كالعيد الذي يجيء من الحول إلى الحول وكيف يسأل ربه أن لا يجعل قبره وثنا ~~يعبد وكيف يقول أعلم الخلق بذلك ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ ~~مسجدا وكيف يقول : لا تجعلوا قبري عيدا وصلوا على حيثما كنتم وكيف لم يفهم ~~أصحابه وأهل بيته من ذلك ما فهمه هؤلاء الضلال الذين جمعوا بين الشرك ~~والتحريف # وهذا أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين رضي الله عنهما نهى ذلك ~~الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره واستدل بالحديث وهو الذي رواه وسمعه من ~~أبيه الحسين عن جده على رضي الله عنه وهو أعلم بمعناه من هؤلاء الضلال ~~وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر إذا لم ~~يكن يريد المسجد ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدا # قال شيخنا : فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين ~~لهم من رسول اللهقرب النسب وقرب الدار لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا ms168 ~~له أضبط # | فصل ثم إن في اتخاذ القبور أعيادا من المفاسد العظيمة التي لا # يعلمها إلا الله تعالى ما يغضب لأجله كل من في قلبه وقار لله تعالى وغيرة ~~على التوحيد وتهجين وتقبيح للشرك # ولكن ما لجرح بميت إيلام PageV01P193 # فمن مفاسد اتخاذها أعيادا : الصلاة إليها والطواف بها وتقبيلها واستلامها ~~وتعفير الخدود على ترابها وعبادة أصحابها والاستغاثة بهم وسؤالهم النصر ~~والرزق والعافية وقضاء الديون وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وغير ذلك من ~~أنواع الطلبات التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم # فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيدا وقد نزلوا عن الأكوار والدواب إذا رأوها ~~من مكان بعيد فوضعوا لها الجباه وقبلوا الأرض وكشفوا الرءوس وارتفعت ~~أصواتهم بالضجيج وتبا كوا حتى تسمع لهم النشيج ورأوا أنهم قد أربوا في ~~الربح على الحجيج فاستغاثوا بمن لا يبدي ولا يعيد ونادوا ولكن من مكان بعيد ~~حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر ~~ولا أجر من صلى إلى القبلتين فتراهم حول القبر ركعا سجدا يبتغون فضلامن ~~الميت ورضوانا وقد ملئوا أكفهم خيبة وخسرانا فلغير الله بل للشيطان ما يراق ~~هناك من العبرات ويرتفع من الأصوات ويطلب من الميت من الحاجات ويسأل من ~~تفريج الكربات وإغناء ذوي الفاقات ومعافاة أولى العاهات والبليات ثم انثنوا ~~بعد ذلك حول القبر طائفين تشبيها له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركا ~~وهدى للعالمين ثم أخذوا في التقبيل والاستلام أرأيت الحجر الأسود وما يفعل ~~به وفدالبيت الحرام ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود التي يعلم الله أنها ~~لم تعفر كذلك بين يديه في السجود ثم كملوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك ~~والحلاق واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق ~~وقربوا لذلك الوثن القرابين وكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب ~~العالمين فلو رأيتهم يهنىء بعضهم بعضا ويقول : أجزل الله لنا ولكم أجرا ~~وافرا وحظا فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر ~~بحج المتخلف إلى البيت الحرام ms169 فيقول : لا ولو بحجك كل عام # هذا ولم نتجاوز فيما حكيناه عنهم ولا استقصينا جميع بدعهم وضلالهم : إذ ~~هي فوق ما يخطر بالبال أو يدور في الخيال وهذا كان مبدأ عبادة الأصنام في ~~قوم نوح كما تقدم وكل من شم أدنى رائحة من العلم والفقه يعلم أن من أهم ~~الأمور سد الذريعة إلى هذا المحذور PageV01P194 وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ~~ما نهي عنه لما يؤول إليه وأحكم في نهيه عنه وتوعده عليه وأن الخير والهدى ~~في اتباعه وطاعته والشر والضلال في معصيته ومخالفته # ورأيت لأبي الوفاء بن عقيل في ذلك فصلا حسنا فذكرته بلفظه قال : لما صعبت ~~التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها ~~لأنفسهم فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم قال : وهم عندي كفار ~~بهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع : من إيقاد ~~النيران وتقبيلها وتخليقها وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها : يا ~~مولاي افعل بي كذا وكذا وأخذ تربتها تبركا وإفاضة الطيب على القبور وشد ~~الرحال إليها وإلقاء الخرق على الشجر اقتداءبمن عبداللات والعزى والويل ~~عندهم لمن لم يقبل مشهد الكف ولم يتمسح بآجرة مسجد الملموسة يوم الأربعاء ~~ولم يقل الحمالون على جنازته : الصديق أبو بكر أو محمد وعلى أو لم يعقد على ~~قبر أبيه أزجا بالجص والآجر ولم يخرق ثيابه إلى الذيل ولم يرق ماء الورد ~~على القبر انتهى # ومن جمع بين سنة رسول اللهفي القبور وما أمر به ونهى عنه وما كان عليه ~~أصحابه وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأي أحدهما مضادا للآخر مناقضا له ~~بحيث لا يجتمعان أبدا # فنهى رسول اللهعن الصلاة إلى القبور وهؤلاء يصلون عندها ونهى عن اتخاذها ~~مساجد وهؤلاء يبنون عليها المساجد ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله تعالى # ونهى عن إيقاد السرج عليها وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل ~~عليها # ونهى أن تتخذ عيداوهؤلاء يتخذونها أعيادا ومناسك ويجتمعون لها كاجتماعهم ~~للعيد أو أكثر # وأمر بتسويتها كما روى مسلم في صحيحه ms170 عن أبي الهياج الأسدي قال : قال علي ~~PageV01P195 بن أبي طالب رضي الله عنه : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول ~~اللهأن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته وفي صحيحه أيضا ~~عن ثمامة بن شفي قال : كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفى صاحب ~~لنا فأمر فضالة بقبره فسوي ثم قال : سمعت رسول اللهيأمر بتسويتها وهؤلاء ~~يبالغون في مخالفة هذين الحديثين ويرفعونها عن الأرض كالبيت ويعقدون عليها ~~القباب # ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه كما روى مسلم في صحيحه عن جابر قال : ~~نهى رسول اللهعن تجصيص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه بناء # ونهى عن الكتابة عليها كما روى أبو داود والترمذي في سننهما عن جابر رضي ~~الله عنه أن رسول الله نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها قال الترمذي : + ~~حديث حسن صحيح + وهؤلاء يتخذون عليها الألواح ويكتبون عليها القرآن وغيره # ونهى أن يزاد عليها غير ترابها كما روى أبو داود من حديث جابر أيضا : أن ~~رسول الله نهى أن يجصص القبر أو يكتب عليه أو يزاد عليه وهؤلاء يزيدون عليه ~~سوى التراب الآجر والأحجار والجص # ونهى عمر بن عبدالعزيز أن يبنى القبر بآجر وأوصى أن لا يفعل ذلك بقبره # وأوصى الأسود بن يزيد : أن لا تجعلوا على قبري آجرا # وقال إبراهيم النخعي : كانوا يكرهون الآجر على قبورهم # وأوصى أبو هريرة حين حضرته الوفاة : أن لا تضربوا علي فسطاطا # وكره الإمام أحمد أن يضرب على القبر فسطاط # والمقصود : أن هؤلاء المعظعمين للقبور المتخذينها أعيادا الموقدين عليها ~~السرج الذين يبنون عليها المساجد والقباب مناقضون لما أمر به رسول الله ~~PageV01P196 محادون لما جاء به وأعظم ذلك اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها ~~وهو من الكبائر وقد صرح الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم بتحريمه قال أبو محمد ~~المقدسي : ولو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن النبيمن فعله ولأن فيه ~~تضييعا للمال في غير فائدة وإفراطا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام قال ~~: ولا يجوز اتخاذ المساجد على ms171 القبور لهذا الخبر ولأن النبيقال : لعن الله ~~اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا + متفق عليه + وقالت ~~عائشة : إنما لم يبرز قبر رسول اللهلئلا يتخذ مسجدا لأن تخصيص القبور ~~بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها وقد روينا أن ~~ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم والتمسح بها والصلاة ~~عندها انتهى # وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا ووضعوا له ~~مناسك حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابا وسماه مناسك حج المشاهد مضاهاة منه ~~بالقبور للبيت الحرام ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الاسلام ودخول في دين ~~عباد الأصنام فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول اللهوقصده : ~~من النهي عما تقدم ذكره في القبور وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه ولا ريب أن في ~~ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره فمنها : تعظيمها الموقع في الافتتان ~~بها ومنها : اتخاذها عيدا ومنها : السفر إليها ومنها : مشابهة عبادة ~~الأصنام بما يفعل عندها : من العكوف عليها والمجاورة عندها وتعليق الستور ~~عليها وسدانتها وعبادها يرجعحون المجاورة عندها على المجاورة عند المسجد ~~الحرام ويرون سدانتها أفضل من خدمة المساجد والويل عندهم لقيتمها ليلة ~~يطفىء القنديل المعلق عليها ومنها : النذر لها ولسدنتها ومنها : اعتقاد ~~المشركين بها أن بها يكشف البلاء وينصر على الاعداء ويستنزل غيث السماء ~~وتفرج الكروب وتقضى الحوائج وينصر المظلوم ويجار الخائف إلى غير ذلك ومنها ~~: الدخول في لعنة الله تعالى ورسوله باتخاذ المساجد عليها وإيقاد السرج ~~عليها ومنها : الشرك الأكبر الذي يفعل عندها ومنها : إيذاء أصحابها بما ~~يفعله المشركون بقبورهم فإنهم يؤذيهم ما يفعل عند قبورهم ويكرهونه غاية ~~الكراهة كما أن المسيح يكره PageV01P197 ما يفعله النصارى عند قبره وكذلك ~~غيره من الأنبياء والأولياء والمشايخ يؤذيهم ما يفعله أشباه النصارى عند ~~قبورهم ويوم القيامة يتبرءون منهم كما قال تعالى : ويوم نحشرهم وما يعبدون ~~من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادى هؤلاء أم هم ضلوا السبيل قالوا ~~سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك ms172 من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم ~~حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا [ الفرقان : 17 ] قال الله للمشركين : فقد ~~كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا [ الفرقان : 19 ] الآية وقال ~~تعالى : وقال تعالى وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمى إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق الآية ~~وقال تعالى ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ~~قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون [ ~~سبأ : 41 ] # ومنها : مشابهة اليهود والنصارى في اتخاذ المساجد والسرج عليها ومنها : ~~محادة الله ورسوله ومناقضة ما شرعه فيها ومنها : التعب العظيم مع الوزر ~~الكثير والإثم العظيم ومنها : إماتة السنن وإحياء البدع # ومنها : تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله فإن عباد القبور يعطونها ~~من التعظيم والاحترام والخشوع ورقة القلب والعكوف بالهمة على الموتى مالا ~~يفعلونه في المساجد ولا يحصل لهم فيها نظيره ولا قريب منه ومنها : أن ذلك ~~يتضمن عمارة المشاهد وخراب المساجد ودين الله الذي بعث به رسوله بضد ذلك ~~ولهذا لما كانت الرافضة من أبعد الناس عن العلم والدين عمروا المشاهد ~~وأخربوا المساجد # ومنها : أن الذي شرعه الرسولعند زيارة القبور : إنما هو تذكرالآخرة ~~والإحسان إلى المزور بالدعاء له والترحم عليه والاستغفار له وسؤال العافية ~~له فيكون الزائر محسنا إلى نفسه وإلى الميت فقلب هؤلاء المشركون الأمر ~~وعكسوا الدين وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت ودعاءه والدعاء به ~~وسؤاله حوائجهم واستنزال البركات منه ونصره لهم على الأعداء ونحو ذلك ~~فصاروا مسيئين إلى نفوسهم وإلى الميت PageV01P198 ولو لم يكن إلا بحرمانه ~~بركة ما شرعه الله تعالى من الدعاء له والترحم عليه والاستغفار له # فاسمع الآن زيارة أهل الإيمان التي شرعها الله تعالى على لسان رسوله ثم ~~وازن بينها وبين زيارة أهل الإشراك التي شرعها لهم الشيطان واختر لنفسك # قالت عائشة رضي الله عنها : كان رسول اللهكلما كان ليلتها منه يخرج من ~~آخر الليل إلى البقيع ms173 فيقول : السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما ~~توعدون غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع ~~الغرقد رواه مسلم # وفي صحيحه عنها أيضا : أن جبريل أتاه فقال : إن ربك يأمرك أن تأتي أهل ~~البقيع فتستغفر لهم قالت قلت : كيف أقول لهم يا رسول الله قال : قولي : ~~السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا ~~والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون # وفي صحيحه أيضا عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال : كان رسول اللهيعلمهم ~~إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا : السلام على أهل الديار وفي لفظ السلام ~~عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل ~~الله لنا ولكم العافية وعن بريدة قال : قال رسول الله كنت نهيتكم عن زيارة ~~القبور فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجرا رواه أحمد والنسائي ~~PageV01P199 # وكان رسول اللهقد نهى الرجال عن زيارة القبور سدا للذريعة فلما تمكن ~~التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه ونهاهم أن ~~يقولوا هجرا فمن زارها على غير الوجه المشروع الذي يحبه الله ورسوله فإن ~~زيارته غير مأذون فيها ومن أعظم الهجر : الشرك عندها قولا وفعلا # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله زوروا ~~القبور فإنها تذكر الموت # وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : أن رسول اللهقال : إني كنت ~~نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة رواه الإمام أحمد # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : مر رسول اللهبقبور المدينة ~~فأقبل عليهم بوجهه فقال : السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم ~~ونحن بالأثر رواه أحمد والترمذي وحسنه وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن ~~رسول اللهقال : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور فإنها تزهد في ~~الدنيا وتذكر الآخرة رواه ابن ماجه # وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله كنت ~~نهيتكم عن زيارة ms174 القبور فزوروها فإن فيها عبرة # فهذه الزيارة التي شرعها رسول اللهلأمته وعلمهم إياها هل تجد فيها شيئا ~~مما يعتمده أهل الشرك والبدع أم تجدها مضادة لما هم عليه من كل وجه # وما أحسن ما قال مالك بن أنس رحمه الله : لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما ~~أصلح أولها ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم عوضوا عن ~~ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك # ولقد جرد السلف الصالح التوحيد وحموا جانبه حتى كان أحدهم إذا سلم على ~~PageV01P200 النبي ثم أراد الدعاء استقبل القبلة وجعل ظهره إلى جدار القبر ~~ثم دعا # فقال سلمة بن وردان : رأيت أنس بن مالك رضي الله عنه يسلم على النبي ثم ~~يسند ظهره إلى جدار القبر ثم يدعو # ونص على ذلك الأئمة الأربعة : أنه يستقبل القبلة وقت الدعاء حتى لا يدعو ~~عند القبر فإن الدعاء عبادة # وفي الترمذي وغيره مرفوعا الدعاء هو العبادة # فجرد السلف العبادة لله ولم يفعلوا عند القبور منها إلا ما أذن فيه رسول ~~الله من السلام على أصحابها والاستغفار لهم والترحم عليهم # وبالجملة فالميت قد انقطع عمله فهو محتاج إلى من يدعو له ويشفع له ولهذا ~~شرع في الصلاة عليه من الدعاء له وجوبا واستحبابا ما لم يشرع مثله في ~~الدعاء للحي # قال عوف بن مالك : صلى رسول اللهعلى جنارة فحفظت من دعائه وهو يقول : ~~اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء ~~والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا ~~خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من ~~عذاب القبر أو من عذاب النار حتى تمنيت أن أكون أنا الميت لدعاء رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على ذلك الميت رواه مسلم # وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم يقول في صلاته على الجنازة : اللهم أنت ربها وأنت خلقتها وأنت ~~هديتها ms175 للإسلام وأنت قبضت روحها وأنت أعلم بسرها وعلانيتها جئنا شفعاء ~~فاغفر له رواه الامام أحمد # وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم قال : إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء # وقالت عائشة وأنس عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : ما من ميت ~~يصليعليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه رواه ~~مسلم PageV01P201 # وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم يقول : ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا ~~يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه رواه مسلم # فهذا مقصود الصلاة على الميت وهو الدعاء له والاستغفار والشفاعة فيه # ومعلوم أنه في قبره أشد حاجة منه على نعشه فإنه حينئذ معرض للسؤال وغيره ~~وقد كان النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقف على القبر بعد الدفن ~~فيقول : سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل # فعلم أنه أحوج إلى الدعاء له بعد الدفن فإذا كنا على جنازته ندعو له لا ~~ندعو به ونشفع له لا نشفع به فبعد الدفن أولى وأحرى # فبدل أهل البدع والشرك قولا غير الذي قيل لهم : بدلوا الدعاء له بدعائه ~~نفسه والشفاعة له بالاستشفاع به وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسول ~~اللهإحسانا إلى الميت وإحسانا إلى الزائر وتذكيرا بالآخرة : سؤال الميت ~~والإقسام به على الله وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة وحضور ~~القلب عندها وخشوعه أعظم منه في المساجد وأوقات الأسحار # ومن المحال أن يكون دعاء الموتى أو الدعاء بهم أو الدعاء عندهم مشروعا ~~وعملا صالحا ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله ثم يرزقه ~~الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون # فهذه سنة رسول اللهفي أهل القبور بضعا وعشرين سنة حتى توفاه الله تعالى ~~وهذه سنة خلفائه الراشدين وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان هل ~~يمكن بشرعلى وجه الأرض أن يأتى ms176 عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو ~~منقطع : أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها ~~فضلا أن يصلوا عندها أو يسألوا الله بأصحابها أو يسألوهم حوائجهم فليوقفونا ~~على أثر واحد أو حرف واحد في ذلك بلى يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التي خلفت ~~بعدهم بكثير من ذلك وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان ذلك أكثر حتى لقد وجد ~~في ذلك عدة PageV01P202 مصنفات ليس فيها عن رسول الله ولا عن خلفائه ~~الراشدين ولا عن أصحابه حرف واحد من ذلك بلى فيها من خلاف ذلك كثير كما ~~قدمناه من الأحاديث المرفوعة # وأما آثار الصحابة فأكثر من أن يحاط بها وقد ذكرنا إنكار عمر رضي الله ~~عنه على أنس رضي الله عنه صلاته عند القبر وقوله له القبر القبر # وقد ذكر محمد بن إسحاق في مغازيه من زيادات يونس بن بكير عن أبي خلدة ~~خالد بن دينار قال : حدثنا أبو العالية قال : لما فتحنا تستر وجدنا في بيت ~~مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف له فأخذنا المصحف فحملناه ~~إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فدعا له كعبا فنسخه بالعربية فأنا أول رجل ~~من العرب قرأه قرأته مثل ما أقرأ القرآن فقلت لأبي العالية : ما كان فيه ~~قال سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد قلت : فما صنعتم بالرجل ~~قال : حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة فلما كان الليل دفناه وسوينا ~~القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه فقلت : وما يرجون منه قال : كانت ~~السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير فيمطرون فقلت : من كنتم تظنون الرجل ~~قال : رجل يقال له : دانيال فقلت : مذ كم وجدتموه مات قال : مذ ثلاثمائة ~~سنة قلت : ما كان تغير منه شيء قال : لا إلا شعيرات من قفاه إن لحوم ~~الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع ففي هذه القصة ما فعله ~~المهاجرون والأنصار من تعمية قبره PageV01P203 لئلا يفتتن به الناس ولم ~~يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به ms177 ولو ظفر به المستأخرون لجالدوا عليه بالسيوف ~~ولعبدوه من دون الله فهم قد اتخذوا من القبور أوثانا من لا يدانى هذا ولا ~~يقاربه وأقاموا لها سدنة وجعلوها معابد أعظم من المساجد # فلو كان الدعاء عند القبور والصلاة عندها والتبرك بها فضيلة أو سنة أو ~~مباحا لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر علما لذلك ودعوا عنده وسنوا ذلك ~~لمن بعدهم ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله ودينه من الخلوف التي خلفت بعدهم ~~وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل وقد كان عندهم من قبور ~~أصحاب رسول اللهبالأمصار عدد كثير وهم متوافرون فما منهم من استغاث عند قبر ~~صاحب ولا دعاه ولا دعا به ولا دعا عنده ولا استشفى به ولا استسقى به ولا ~~استنصر به ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله بل ~~على نقل ما هو دونه # وحينئذ فلا يخلو إما أن يكون الدعاء عندها والدعاء بأربابها أفضل منه في ~~غير تلك البقعة أولا يكون فإن كان أفضل فكيف خفي علما وعملا على الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظيم ~~وتظفر به الخلوف علما وعملا ولا يجوز أن يعلموه ويزهدوا فيه مع حرصهم على ~~كل خير لا سيما الدعاء فإن المضطر يتشبث بكل سبب وإن كان فيه كراهة ما فكيف ~~يكونون مضطرين في كثير من الدعاء وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور ثم لا ~~يقصدونه هذا محال طبعا وشرعا # فتعين القسم الآخر وهو أنه لا فضل للدعاء عندها ولا هو مشروع ولا مأذون ~~فيه بقصد الخصوص بل تخصيصها بالدعاء عندها ذريعة إلى ما تقدم من المفاسد ~~ومثل هذا مما لا يشرعه الله ورسوله ألبتة بل استحباب الدعاء عندها شرع ~~عبادة لم يشرعها الله ولم ينزل بها سلطانا # وقد أنكر الصحابة ما هو دون هذا بكثير # فروى غير واحد عن المعرور بن سويد قال : صليت مع عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه في طريق مكة صلاة الصبح فقرأ فيها : ألم تر كيف فعل ربك ms178 بأصحاب الفيل [ ~~الفيل : 1 ] و لإيلاف قريش ثم رأى الناس يذهبون مذاهب فقال : أين يذهب ~~هؤلاء فقيل : يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه النبي صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم فهم يصلون فيه فقال : PageV01P204 إنما هلك من كان قبلكم بمثل ~~هذا كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعا فمن أدركته الصلاة ~~منكم في هذه المساجد فليصل ومن لا فليمض ولا يتعمدها وكذلك أرسل عمر رضي ~~الله تعالى عنه أيضا فقطع الشجرة التي بايع تحتها أصحاب رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم # بل قد أنكر رسول اللهعلى الصحابة لما سألوه أن يجعل لهم شجرة يعلعقون ~~عليها أسلحتهم ومتاعهم بخصوصها # فروى البخاري في صحيحه عن أبي واقد الليثي قال : خرجنا مع رسول اللهقبل ~~حنين ونحن حديثو عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم ~~يقال لها : ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا : يا رسول الله اجعل لنا ذات ~~أنواط كما لهم ذات أنواط فقال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : الله ~~أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم ~~تجهلون [ الأعراف : 138 ] لتركبن سنن من كان قبلكم # فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها اتخاذ إله مع ~~الله تعالى مع أنهم لا يعبدونها ولا يسألونها فما الظن بالعكوف حول القبر ~~والدعاء به ودعائه والدعاء عنده فأي نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر ~~لو كان أهل الشرك والبدعة يعلمون # قال بعض أهل العلم من أصحاب مالك : فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة ~~أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها ويرجون البراء والشفاء من قبلها ويضربون ~~بها المسامير والخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها # ومن له خبرة بما بعث الله تعالى به رسوله وبما عليه أهل الشرك والبدع ~~اليوم في هذا الباب وغيره علم أن بين السلف وبين هؤلاء الخلوف من البعد ~~أبعد مما بين المشرق والمغرب وأنهم على شيء والسلف على شيء كما قيل : # سارت مشرقة وسرت مغربا % شتان بين مشرق ومغرب والأمر والله ms179 أعظم مما ~~ذكرنا PageV01P205 # وقد ذكر البخاري في الصحيح عن أم الدرداء رضي الله عنها قالت دخل على أبو ~~الدرداء مغضبا فقلت له : مالك فقال : والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد ~~إلا أنهم يصلون جميعا # وروي مالك في الموطأ عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال : ما أعرف ~~شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة يعني الصحابة رضي الله عنهم # وقال الزهرى : دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت له : ما يبكيك ~~فقال : ما أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيعت ذكره ~~البخاري # في لفظ آخر ما كنت أعرف شيئا على عهد رسول اللهإلا قد أنكرته اليوم # وقال الحسن البصري : سأل رجل أبا الدرداء رضي الله عنه فقال : رحمك الله ~~لو أن رسول اللهبين أظهرنا هل كان ينكر شيئا مما نحن عليه فغضب واشتد غضبه ~~وقال : وهل كان يعرف شيئا مما أنتم عليه # وقال المبارك بن فضالة : صلى الحسن الجمعة وجلس فبكى فقيل له : ما يبكيك ~~يا أبا سعيد فقال : تلومونني على البكاء ولو أن رجلا من المهاجرين اطلع من ~~باب مسجدكم ما عرف شيئا مما كان عليه على عهد رسول اللهأنتم اليوم عليه إلا ~~قبلتكم هذه # وهذه هي الفتنة العظمى التي قال فيها عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : ~~كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير وينشأ فيها الصغير تجري على ~~الناس يتخذونها سنة إذا غيرت قيل : غيرت السنة أو هذا منكر # وهذا مما يدل على أن العمل إذا جرى على خلاف السنة فلا عبرة به ولا ~~إلتفات إليه فإن العمل قد جرى على خلاف السنة منذ زمن أبي الدرداء وأنس كما ~~تقدم # وذكر أبو العباس أحمد بن يحيى قال : حدثني محمد بن عبيد بن ميمون حدثني ~~عبدالله PageV01P206 بن إسحق الجعفري قال : كان عبدالله بن الحسن يكثر ~~الجلوس إلى ربيعة قال : فتذاكروا يوما السنن فقال رجل كان في المجلس : ليس ~~العمل على هذا فقال عبدالله : أرأيت إن ms180 كثر الجهال حتى يكونوا هم الحكام ~~فهم الحجة على السنة فقال ربيعة : أشهد أن هذا كلام أبناء الأنبياء # | فصل ومن أعظم مكايده : ما نصبه للناس من الأنصاب والأزلام التي هي # من عمله وقد أمر الله تعالى باجتناب ذلك وعلق الفلاح باجتنابه فقال : يا ~~أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون [ المائده : 90 ] فالأنصاب : كل ما نصب يعبد من دون ~~الله : من حجر أو شجر أو وثن أو قبر وهي جمع واحدها نصب كطنب وأطناب قال ~~مجاهد : وقتادة وابن جريج : كانت حول البيت أحجار كان أهل الجاهلية يذبحون ~~عليها ويشرحون اللحم عليها وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها قالوا : ~~وليست بأصنام إنما الصنم ما يصور وينقش وقال ابن عباس : هي الأصنام التي ~~يعبدونها من دون الله تعالى وقال الزجاج : حجارة كانت لهم يعبدونها وهي ~~الأوثان وقال الفراء : هي الآلهة التي كانت تعبد من أحجار وغيرها ~~PageV01P207 # وأصل اللفظة : الشيء المنصوب الذي يقصده من رآه ومنه قوله تعالى : @QB@ ~~يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون @QE@ [ المعارج : 43 ] # قال ابن عباس : إلى غاية أو علم يسرعون # وهو قول أكثر المفسرين # وقال الحسن : يعني إلى أنصابهم أيهم يستلمها أولا # قال الزجاج : وهذا على قراءة من قرأ نصب بضمتين كقوله @QB@ وما ذبح على ~~النصب @QE@ [ المائده : 3 ] قال : ومعناه : أصنام لهم والمقصود : أن النصب ~~كل شيء نصب : من خشبة أو حجر أو علم والإيفاض : الإسراع # وأما الأزلام : فقال ابن عباس رضي الله عنهما : هي قداح كانوا يستقسون ~~بها الأمور أي يطلبون بها علم ما قسم لهم # وقال سعيد بن جبير : كانت لهم حصيات إذا اراد أحدهم أن يغزو أو يجلس ~~استقسم بها # وقال أيضا : هي القدحان اللذان كان يستقسم بهما أهل الجاهلية في أمورهم ~~أحدهما عليه مكتوب : أمرني ربي والآخر : نهاني ربي فإذا أرادوا أمراضربوا ~~بها فإن خرج الذي عليه أمرني فعلوا ما هموا به وإن خرج الذي عليه نهاني ~~تركوه # وقال أبو عبيد : الاستقسام : طلب القسمة # وقال ms181 المبرد : الاستقسام أخذ كل واحد قسمه وقيل الاستقسام : إلزام أنفسهم ~~بما تأمرهم به القداح كقسم اليمين # وقال الأزهري : @QB@ وأن تستقسموا بالأزلام @QE@ أي تطلبوا من جهة ~~الأزلام ما قسم لكم من أحد الأمرين # وقال أبو اسحاق الزجاج وغيره : الاستقسام بالأزلام حرام ولا فرق بين ذلك ~~وبين قول المنجم : لا تخرج من أجل نجم كذا واخرج من أجل طلوع نجم كذا لأن ~~الله تعالى يقول : @QB@ وما تدري نفس ماذا تكسب غدا @QE@ [ لقمان : 34 ] ~~PageV01P208 وذلك دخول في علم الله عز وجل الذي هو غيب عنا فهو حرام ~~كالأزلام التي ذكرها الله تعالى # والمقصود : أن الناس قد ابتلوا بالأنصاب والأزلام فالأنصاب للشرك ~~والعبادة والأزلام للتكهن وطلب علم ما استأثر الله به هذه للعلم وتلك للعمل ~~ودين الله سبحانه وتعالى مضاد لهذا وهذا والذي جاء به رسول اللهإبطالهما ~~وكسرالأنصاب والأزلام # فمن الأنصاب ما قد نصبه الشيطان للمشركين : من شجرة أو عمود أو وثن أو ~~قبر أو خشبة أو عين ونحو ذلك والواجب هدم ذلك كله ومحو أثره كما أمر ~~النبيعليا رضي الله عنه بهدم القبور المشرفة وتسويتها بالأرض كما روى مسلم ~~في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي قال : قال لي علي رضي الله عنه : ألا أبعثك ~~على ما بعثني عليه رسول الله أن لا أدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا ~~الا سويته وعمى الصحابة بأمر عمر رضي الله عنه قبر دانيال وأخفوه عن الناس ~~ولما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التي بايع تحتها رسول اللهأصحابه أرسل ~~فقطعها رواه ابن وضاح في كتابه : # فقال : سمعت عيسى بن يونس يقول : أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقطع ~~الشجرة التي بويع تحتها النبي PageV01P209 فقطعها لأن الناس كانوا يذهبون ~~فيصلون تحتها فخاف عليهم الفتنة # قال عيسى بن يونس : وهو عندنا من حديث ابن عون عن نافع أن الناس كانوا ~~يأتون الشجرة فقطعها عمر رضي الله عنه # فإذا كان هذا فعل عمر رضي الله عنه بالشجرة التي ذكرها الله تعالى في ~~القرآن وبايع تحتها الصحابة رسول اللهفماذا حكمه ms182 فيما عداها من هذه الأنصاب ~~والأوثان التي قد عظمت الفتنة بها واشتدت البلية بها # وأبلغ من ذلك : أن رسول اللههدم مسجد الضرار ففي هذا دليل على هدم ما هو ~~أعظم فسادا منه كالمساجد المبنية على القبور فإن حكم الإسلام فيها : أن ~~تهدم كلها حتى تسوى بالأرض وهي أولى بالهدم من مسجد الضرار وكذلك القباب ~~التي على القبور يحب هدمها كلها لأنها أسست على معصية الرسول لأنه قد نهى ~~عن البناء على القبور كما تقدم فبناء أسس على معصيته ومخافته بناء غير محرم ~~وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعا # وقد أمر رسول اللهبهدم القبور المشرفة كما تقدم # فهدم القباب والبناء والمساجد التي بنيت عليها أولى وأحرى لأنه لعن متخذي ~~المساجد عليها ونهى عن البناء عليه فيجب المبادرة والمساعدة إلى هدم ما لعن ~~رسول اللهفاعله ونهى عنه والله عز وجل يقيم لدينه وسنة رسوله من ينصرهما ~~ويذب عنهما فهو أشد غيرة وأسرع تغييرا # وكذلك يجب إزالة كل قنديل أو سراج فلى قبر وطفيه فإن فاعل ذلك ملعون ~~بلعنة رسول الله ولا يصح هذا الوقف ولا يحل إثباته وتنفيذه PageV01P210 # قال الإمام أبو بكر الطرطوشي : انظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو ~~شجرة يقصدها الناس ويعظمونها ويرجون البرء والشفاء من قبلها ويضربون بها ~~المسامير والخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها # وقال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتاب : ~~الحوادث والبدع : ومن هذا القسم أيضا ما قد عم به الابتلاء : من تزيين ~~الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد وسرج مواضع مخصوصة من كل بلد يحكي لهم ~~حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح والولاية فيفعلون ذلك ~~ويحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله وسننه ويظنون أنهم متقربون بذلك ثم ~~يتجاوزون هذا إلى ان يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها ويرجون ~~الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لها وهي من بين عيون وشجر وحائط وحجر ~~وفي مدينة دمشق من ذلك مواضع متعددة كعوينة الحمى خارج باب توما والعمود ~~المخلق داخل ms183 باب الصغير والشجرة الملعونة اليابسة خارج باب النصر في نفس ~~قارعة الطريق سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها فما أشبهها بذات أنواط ~~التي في الحديث ثم ساق حديث أبي واقد أنهم مروا مع رسول اللهبشجرة عظيمة ~~خضراء يقال لها : ذات أنواط فقالوا : يارسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما ~~لهم ذات أنواط فقال النبي الله أكبر هذا كما قال قوم موسى لموسى : اجعل لنا ~~إلها كما لهم آلهة قال : إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم قال ~~الترمذي : + هذا حديث حسن صحيح + # ثم ذكر ما صنعه بعض أهل العلم ببلاد إفريقية : أنه كان إلى جانبه عين ~~تسمى عين العافية كان العامة قد افتتنوا بها يأتونها من الآفاق فمن تعذر ~~عليه نكاح أو ولد قال : امضوا بي إلى العافية فيعرف فيها الفتنة فخرج في ~~السحر فهدمها وأذن للصبح عليها ثم PageV01P211 قال : اللهم إني هدمتها لك ~~فلا ترفع لها رأسا قال : فما رفع لها رأس إلى الآن # وقد كان بدمشق كثير من هذه الأنصاب فيسر الله سبحانه كسرها على يد شيخ ~~الإسلام وحزب الله الموحدين كالعمود المخلق والنصب الذي كان بمسجد النارنج ~~عند المصليى يعبده الجهال والنصب الذي كان تحت الطاحون الذي عند مقابر ~~النصارى ينتابه الناس للتبرك به وكان صورة صنم في نهر القلوط ينذرون له ~~ويتبركون به وقطع الله سبحانه النصب الذي كان عند الرحبة يسرج عنده ويتبرك ~~به المشركون وكان عمودا طويلاعلى رأسه حجر كالكرة وعند مسجد درب الحجر نصب ~~قد بنى عليه مسجد صغير يعبده المشركون يسر الله كسره # فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله ولو كانت ما كانت ~~ويقولون : إن هذا الحجر وهذه الشجرة وهذه العين تقبل النذر أي تقبل العبادة ~~من دون الله تعالى فإن النذر عبادة وقربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له ~~ويتمسحون بذلك النصب ويستلمونه ولقد أنكر السلف التمسح بحجر المقام الذي ~~أمر الله تعالى أن يتخذ منه مصلى كما ذكر الأزرقي في كتاب تاريخ مكة عن ~~قتادة ms184 في قوله تعالى : @QB@ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى @QE@ [ البقره : ~~125 ] قال : إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه ولقد تكلفت هذه ~~الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها ذكر لنا من رأى أثره وأصابعه فما زالت ~~هذه الأمة تمسحه حتى اخلولق # وأعظم الفتنة بهذه الأنصاب : فتنة أنصاب القبور وهي أصل فتنة عبادة ~~الأصنام كما قاله السلف من الصحابة والتابعين وقد تقدم # ومن أعظم كيد الشيطان : أنه ينصب لأهل الشرك قبر معظم يعظمه الناس ثم ~~يجعله وثنا يعبد من دون الله ثم يوحي إلى أوليائه : أن من نهى عن عبادته ~~واتخاذه عيدا وجعله وثنا فقد تنقصه وهضم حقه فيسعى الجاهلون المشركون في ~~قتله وعقوبته ويكفرونه وذنبه عند أهل الإشراك : أمره بما أمر الله به ~~ورسوله ونهيه عما نهى الله عنه ورسوله : من جعله وثنا وعيدا وإيقاد السرج ~~عليه وبناء المساجد والقباب عليه وتجصيصه وإشادته وتقبيله واستلامه ودعائه ~~أو الدعاء به أو السفر إليه أو الاستغاثة به من دون الله مما قد علم ~~بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله : من تجريد ~~التوحيد لله PageV01P212 وأن لا يعبد إلا الله فإذا نهى الموحد عن ذلك غضب ~~المشركون واشمأزت قلوبهم وقالوا : قد تنقص أهل الرتب العالية وزعم أنهم لا ~~حرمة لهم ولا قدر وسرى ذلك في نفوس الجهال والطعام وكثير ممن ينسب إلى ~~العلم والدين حتى عادوا أهل التوحيد ورموهم بالعظائم ونفروا الناس عنهم ~~ووالوا أهل الشرك وعظموهم وزعموا أنهم هم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله ~~ويأبى الله ذلك فما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتبعون له الموافقون له ~~العارفون بما جاء به الداعون إليه لا المتشبعون بما لم يعطوا لابسو ثياب ~~الزور الذين يصدون الناس عن سنة نبيهم ويبغونها عوجا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا # | فصل ولا تحسب أيها المنعم عليه باتباع صراط الله المستقيم صراط أهل # نعمته ورحمته وكرامته أن النهي عن اتخاذ القبور أوثانا وأعيادا وأنصابا ~~والنهي عن اتخاذها مساجد أو بناء المساجد عليها وإيقاد السرج عليها ms185 والسفر ~~إليها والنذر لها واستلامها وتقبيلها وتعفير الجباه في عرصاتها : غض من ~~أصحابها ولا تنقيص لهم ولا تنقص كما يحسبه أهل الإشراك والضلال بل ذلك من ~~إكرامهم وتعظيمهم واحترامهم ومتابعتهم فيما يحبونه وتجنب ما يكرهونه فأنت ~~والله وليهم ومحبهم وناصر طريقتهم وسنتهم وعلى هديهم ومنهاجهم وهؤلاء ~~المشركون أعصى الناس لهم وأبعدهم من هديهم ومتابعتهم كالنصارى مع المسيح ~~واليهود مع موسى عليهما السلام والرافضة مع علي رضي الله عنه فأهل الحق ~~أولى بأهل الحق من أهل الباطل فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ~~والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض # فاعلم أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن فتجد أكثر هؤلاء ~~العاكفين على القبور معرضين عن طريقة من فيها وهديه وسنته مشتغلين بقبره ~~عما أمر به ودعا إليه وتعظيم الأنبياء والصالحين ومحبتهم إنما هي باتباع ما ~~دعوا إليه من العلم النافع والعمل الصالح واقتفاء آثارهم وسلوك طريقتهم دون ~~عبادة قبورهم والعكوف عليها واتخاذها أعيادا PageV01P213 فإن من اقتفى ~~آثارهم كان متسببا إلى تكثير أجورهم باتباعه لهم ودعوته الناس إلى اتباعهم ~~فإذا أعرض عما دعوا إليه واشتغل بضده حرم نفسه وحرمهم ذلك الأجر فأي تعظيم ~~لهم واحترام في هذا وإنما اشتغل كثير من الناس بأنواع من العبادات المتبدعة ~~التي يكرهها الله ورسوله لإعراضهم عن المشروع أو بعضه وإن قاموا بصورته ~~الظاهرة فقد هجروا حقيقته المقصودة منه وإلا فمن أقبل على الصلوات الخمس ~~بوجهه وقلبه عارفا بما اشتملت عليه من الكلم الطيب والعمل الصالح مهتمزا ~~بها كل الاهتمام أغنته عن الشرك وكل من قصر فيها أو في بعضها تجد فيه من ~~الشرك بحسب ذلك ومن أصغى إلى كلام الله بقلبه وتدبره وتفهمه أغناه عن ~~السماع الشيطاني الذي يصد عن ذكر الله وعن الصلاة وينبت النعفاق في القلب ~~وكذلك من أصغى إليه وإلى حديث الرسولبكلعيته وحدث نفسه باقتباس الهدى ~~والعلم منه لا من غيره أغناه عن البدع والآراء والتخرصات والشطحات ~~والخيالات التي هي وساوس النفوس وتخيلاتها ومن بعد عن ذلك فلابد له أن ~~يتعوض عنه بما لا ms186 ينفعه كما أن من غمر قلبه بمحبة الله تعالى وذكره وخشيته ~~والتوكل لعيه والإنابة إليه أغناه ذلك عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه ~~وأغناه أيضا عن عشق الصور وإذا خلا من ذلك صار عبد هواه أي شيء استحسنه ~~ملكه واستعبده فالمعرض عن التوحيد مشرك شاء أو أبى والمعرض عن السنة مبتدع ~~ضال شاء أم أبى والمعرض عن محبة الله وذكره عبد الصور شاء أم أبى والله ~~المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم [ فصل ] ~~فإن قيل : فما الذي أوقع عباد القبور في الافتتان بها مع العلم بأن ساكنيها ~~أموات لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياتا ولا نشورا قيل : ~~أوقعهم في ذلك أمور : منها : الجهل بحقيقة ما بعث الله به رسوله بل جميع ~~الرسل : من تحقيق التوحيد وقطع أسباب الشرك فقل نصيبهم جدا من ذلك ودعاهم ~~الشيطان إلى الفتنة ولم يكن PageV01P214 عندهم من العلم ما يبطل دعوته ~~فاستجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل وعصموا بقدر ما معهم من العلم # ومنها : أحاديث مكذوبة مختلقة وضعها أشباه عباد الأصنام : من المقابرية ~~على رسول اللهتناقض دينه وما جاء به كحديث : إذا أعيتكم الأمور فعليكم ~~بأصحاب القبور وحديث : لو أحسن أحدكم ظنه بحجر نفعه وأمثال هذه الأحاديث ~~التي هي مناقضة لدين الإسلام وضعها المشركون وراجت على أشباههم من الجهال ~~الضلال والله بعث رسوله يقتل من حسن ظنه بالأحجار وجنب أمته الفتنة بالقبور ~~بكل طريق كما تقدم # ومنها : حكايات حكيت لهم عن تلك القبور : أن فلانا استغاث بالقبر الفلاني ~~في شدة فخلص منها وفلانا دعاه أو دعا به في حاجة فقضيت له وفلانا نزل به ~~ضرفاسترجى صاحب ذلك القبر فكشف ضره وعند السدنة والمقابرية من ذلك شيء كثير ~~يطول ذكره وهم من أكذب خلق الله تعالى على الأحياء والأموات والنفوس مولعة ~~بقضاء حوائجها وإزالة ضروراتها ويسمع بأن قبر فلان ترياق مجرب والشيطان له ~~تلطف في الدعوة فيدعوهم أولا إلى الدعاء عنده فيدعو العبد بحرقة وانكسار ~~وذلة فيجيب ms187 الله دعوته لما قام بقلبه لا لأجل القبر فإنه لو دعاه كذلك في ~~الحانة والخمارة والحمام والسوق أجابه فيظن الجاهل أن للقبر تأثيرا في ~~إجابة تلك الدعوة والله سبحانه يجيب دعوة المضطر ولو كان كافرا وقد قال ~~تعالى : @QB@ كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا ~~@QE@ [ ] وقد قال الخليل : @QB@ وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله ~~واليوم الآخر @QE@ [ البقره : 126 ] فقال الله سبحانه وتعالى : @QB@ ومن ~~كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير @QE@ [ البقره : 126 ~~] # فليس كل من أجاب الله دعاءه يكون راضيا عنه ولا محبا له ولا راضيا بفعله ~~فإنه يجيب البر والفاجر والمؤمن والكافر وكثير من الناس يدعو دعاء يعتدى ~~فيه أو يشترط في دعائه أو يكون مما لا يجوز أن يسأل فيحصل له ذلك أو بعضه ~~فيظن أن عمله صالح PageV01P215 مرضي لله ويكون بمنزلة من أملى له وأمد ~~بالمال والبنين وهو يظن أن الله تعالى يسارع له في الخيرات وقد قال تعالى : ~~@QB@ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء @QE@ [ الأنعام : 44 ~~] # فالدعاء قد يكون عبادة فيثاب عليه الداعي وقد يكون مسألة تقضى به حاجته ~~ويكون مضرة عليه إما أن يعاقب بما يحصل له أو تنقص به درجته فيقضي حاجته ~~ويعاقبه على ما جرأ عليه من إضاعة حقوقه واعتداء حدوده # والمقصود : أن الشيطان بلطف كيده يحسن الدعاء عند القبر وأنه أرجح منه في ~~بيته ومسجده وأوقات الأسحار فإذا تقرر ذلك عنده نقله درجة أخرى : من الدعاء ~~عنده إلى الدعاء به والإقسام على الله به وهذا أعظم من الذي قبله فإن شأن ~~الله أعظم من أن يقسم عليه أو يسأل بأحد من خلقه وقد أنكر أئمة الإسلام ذلك # فقال أبو الحسين القدوري في شرح كتاب الكرخي : قال بشر بن الوليد : سمعت ~~أبا يوسف يقول : قال أبو حنيفة : لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به قال : ~~وأكره أن يقول : أسألك بمعقد العز من عرشك وأكره أن يقول : بحق فلان ms188 وبحق ~~أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام # قال أبو الحسين : أما المسألة بغير الله فمنكرة في قولهم لأنه لا حق لغير ~~الله عليه وإنما الحق لله على خلقه وأما قوله : بمعقد العز من عرشك فكرهه ~~أبو حنيفة ورخص فيه أبو يوسف # وقال : وروى أن النبيدعا بذلك قال : ولأن معقد العز من العرش إنما يراد ~~به القدرة التي خلق الله بها العرش مع عظمته فكأنه سأله بأوصافه ~~PageV01P216 # وقال ابن بلدجى في شرح المختار : ويكره أن يدعو الله تعالى إلا به فلا ~~يقول : أسألك بفلان أو بملائكتك أو بأنبيائك ونحو ذلك لأنه لا حق للمخلوق ~~على خالقه أو يقول في دعائه : أسألك بمعقد العز من عرشك وعن أبي يوسف جوازه ~~وما يقول فيه أبو حنيفة وأصحابه : أكره كذا هو عند محمد حرام وعند أبي ~~حنيفة وأبي يوسف هو إلى الحرام أقرب وجانب التحريم عليه أغلب وفي فتاوى أبي ~~محمد بن عبدالسلام : أنه لا يجوز سؤال الله سبحانه بشيء من مخلوقاته لا ~~الأنبياء ولا غيرهم وتوقف في نبينا لاعتقاده أن ذلك جاء في حديث وأنه لم ~~يعرف صحة الحديث # فإذا قرر الشيطان عنده أن الإقسام على الله به والدعاء به أبلغ في تعظيمه ~~واحترامه وأنجع في قضاء حاجته نقله درجة أخرى إلى دعائه نفسه من دون الله ~~ثم ينقله بعد ذلك درجة أخرى إلى أن يتخذ قبره وثنا يعكف عليه ويوقد عليه ~~القنديل ويعلق عليه الستور ويبني عليه المسجد ويعبده بالسجود له والطواف به ~~وتقبيله واستلامه والحج إليه والذبح عنده ثم ينقله درجة أخرى إلى دعاء ~~الناس إلى عبادته واتخاذه عيدا ومنسكا وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم # قال شيخنا قدس الله روحه : وهذه الأمور المتبدعة عند القبور مراتب أبعدها ~~عن الشرع : أن يسأل الميت حاجته ويستغيث به فيها كما يفعله كثير من الناس ~~قال : وهؤلاء من جنس عباد الأصنام ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة ~~الميت أو الغائب كما يتمثل لعباد الأصنام وهذا يحصل للكفار من المشركين ~~وأهل الكتاب يدعو أحدهم ms189 من يعظمه فيتمثل له الشيطان أحيانا وقد يخاطبهم ~~ببعض الأمور الغائبة وكذلك السجود للقبر والتمسح به وتقبيله المرتبة ~~الثانية : أن يسأل الله عز وجل به وهذا يفعله كثير من المتأخرين وهو بدعة ~~باتفاق المسلمين # الثالثة : أن يسأله نفسه # الرابعة : أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب أو أنه أفضل من الدعاء في ~~المسجد PageV01P217 فيقصد زيارته والصلاة عنده لأجل طلب حوائجه فهذا أيضا ~~من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين وهي محرمة وما علمت في ذلك نزاعا بين ~~أئمة الدين وإن كان كثير من المتأخرين يفعل ذلك ويقول بعضهم : قبر فلان ~~ترياق مجرب # والحكاية المنقولة عن الشافعي : أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة ~~من الكذب الظاهر # | فصل في الفرق بين زيارة الموحدين للقبور وزيارة المشركين أما # زيارة الموحدين : فمقصودها ثلاثة أشياء : أحدها : تذكر الآخرة والاعتبار ~~والاتعاظ وقد أشار النبيإلى ذلك بقوله : زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة # الثاني : الإحسان إلى الميت وأن لا يطول عهده به فيهجره ويتناساه كما إذا ~~ترك زيارة الحي مدة طويلة تناساه فإذا زار الحي فرح بزيارته وسر بذلك ~~فالميت أولى لأنه قد صار في دار قد هجر أهلها إخوانهم وأهلهم ومعارفهم فإذا ~~زاره وأهدى إليه هدية : من دعاء أو صدقة أو أهدى قربة ازداد بذلك سروره ~~وفرحه كما يسر الحي بمن يزوره ويهدي له ولهذا شرع النبيللزائرين أن يدعوا ~~لأهل القبور بالمغفرة والرحمة وسؤال العافية فقط ولم يشرع أن يدعوهم ولا أن ~~يدعوا بهم ولا يصلي عندهم # الثالث : إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة والوقوف عند ما شرعه الرسول ~~فيحسن إلى نفسه وإلى المزور # وأما الزيارة الشركية : فأصلها مأخوذ عن عباد الأصنام PageV01P218 # قالوا : الميت المعظم الذي لروحه قرب ومنزلة ومزية عند الله تعالى لا ~~يزال تأتيه الألطاف من الله تعالى وتفيض على روحه الخيرات فإذا علق الزائر ~~روحه به وأدناها منه فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف ~~بواسطتها كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم ~~المقابل له # قالوا : فتمام الزيارة ms190 أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت ويعكف ~~بهمته عليه ويوجه قصده كله وإقباله عليه بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره ~~وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به # وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابي وغيرهما وصرح بها ~~عباد الكواكب في عبادتها # وقالوا : إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها النور # وبهذا السر عبدت الكواكب واتحذت لها الهياكل وصنفت لها الدعوات واتخذت ~~الأصنام المجسدة لها وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها أعيادا ~~وتعليق الستور عليها وإيقاد السرج عليها وبناء المساجد عليها وهو الذي قصد ~~رسول اللهإبطاله ومحوه بالكلية وسد الذرائع المفضية إليه فوقف المشركون في ~~طريقه وناقضوه في قصده وكانفي شق وهؤلاء في شق # وهذا الذي ذكره هؤلاء المشركون في زيارة القبور : هو الشفاعة التي ظنوا ~~أن آلهتهم تنفعهم بها وتشفع لهم عند الله تعالى # قالوا : فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المقرب عند الله وتوجه ~~بهمته إليه وعكف بقلبه عليه صار بينه وبينه اتصال يفيض به عليه منه نصيب ~~مما يحصل له من الله وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه وحظوة وقرب من السلطان فهو ~~شديد التعلق به فما يحصل لذلك من السلطان من الأنعام والإفضال ينال ذلك ~~المتعلق به بحسب تعلقه به # فهذا سر عبادة الأصنام وهو الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بإبطاله وتكفير ~~أصحابه ولعنهم وأباح دماءهم وأموالهم وسبي ذراريهم وأوجب لهم النار والقرآن ~~من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله وإبطال مذهبهم PageV01P219 قال ~~تعالى : أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا # يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض [ ~~الزمر : 43 ] # فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السموات والأرض وهو الله وحده فهو الذي يشفع ~~بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه فصارت الشفاعة في ~~الحقيقة إنما هي له والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه له وأمره ms191 بعد شفاعته ~~سبحانه إلى نفسه وهي إرادته من نفسه أن يرحم عبده وهذا ضد الشفاعة الشركية ~~التي أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم وهي التي أبطلها الله سبحانه في ~~كتابه بقوله : @QB@ واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ~~ولا تنفعها شفاعة @QE@ [ البقره : 123 ] وقوله : يا أيها الذين آمنوا ~~أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة [ ~~البقره : 254 ] وقال تعالى : وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس ~~لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون [ الأنعام 51 ] وقال : الله الذي خلق ~~السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من دونه ~~من ولى ولا شفيع [ الأنعام 32 : 4 ] # فأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيع من دونه بل إذا أراد الله سبحانه رحمة ~~عبده أذن هو لمن يشفع فيه كما قال تعالى : ما من شفيع إلا من بعد إذنه [ ~~يونس : 3 ] وقال : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [ البقره : 255 ] ~~فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه ولا الشافع شفيع من دونه بل شفيع بإذنه # والفرق بين الشفيعين كالفرق بين الشريك والعبد المأمور فالشفاعة التي ~~أبطلها الله : شفاعة الشريك فإنه لا شريك له والتي أثبتها : شفاعة العبد ~~المأمور الذي لا يشفع ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له ويقول : اشفع في ~~فلان ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد ~~الذين جردوا التوحيد وخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه وهم الذين ارتضى الله ~~سبحانه # قال تعالى : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى [ الأنبياء : 28 ] وقال : يومئذ لا ~~تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا [ طه : 109 ] PageV01P220 # فأخبر أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضاء قول المشفوع له وإذنه ~~للشافع فيه فأما المشرك فإنه لا يرتضيه ولا يرضى قوله فلا يأذن للشفعاء أن ~~يشفعوا فيه فإنه سبحانه علقها بأمرين : رضاه عن المشفوع له وإذنه للشافع ~~فما لم يوجد ms192 مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة # وسر ذلك : أن الأمر كله لله وحده فليس لأحد معه من الأمر شيء وأعلى الخلق ~~وأفضلهم وأكرمهم عنده : هم الرسل والملائكة المقربون وهم عبيد محض لا ~~يسبقونه بالقول ولا يتقدمون بين يديه ولا يفعلون شيئا إلا بعد إذنه لهم ~~وأمرهم ولا سيما يوم لا تملك نفس لنفس شيئا فهم مملوكون مربوبون أفعالهم ~~مقيدة بأمره وإذنه فإذا أشرك بهم المشرك واتخذهم شفعاء من دونه ظنا منه أنه ~~إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله فهو من أجهل الناس بحق الرب سبحانه ~~وما يجب له ويمتنع عليه فإن هذا محال ممتنع شبيه قياس الرب تعالى على ~~الملوك والكبراء حيث يتخذ الرجل من خواصهم وأوليائهم من يشفع له عندهم في ~~الحوائج وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام واتخذ المشركون من دون الله ~~الشفيع والولي # والفرق بينهما هو الفرق بين المخلوق والخالق والرب والمربوب والسيد ~~والعبد والمالك والمملوك والغني والفقير والذي لا حاجة به إلى أحد قط ~~والمحتاج من كلوجه إلى غيره # فالشفعاء عند المخلوقين : هم شركاؤهم فإن قيام مصالحهم بهم وهم أعوانهم ~~وأنصارهم الذين قيام أمر الملوك والكبراء بهم ولولاهم لما انبسطت أيديهم ~~وألسنتهم في الناس # فلحاجتهم إليهم يحتاجون إلى قبول شفاعتهم وإن لم يأذنوا فيها ولم يرضوا ~~عن الشافع لأنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم فتنتقض طاعتهم لهم ويذهبون إلى ~~غيرهم فلا يجدون بدا من قبول شفاعتهم على الكره والرضى فأما الغني الذي ~~غناه من لوازم ذاته وكل ما سواه فقير إليه بذاته وكل من في السموات والأرض ~~عبيد له مقهورون بقهره مصرفون بمشيئته لو أهلكهم جميعا لم ينقص من عزه ~~وسلطانه وملكه وربوبيته وإلهيته مثقال ذرة # قال تعالى : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك ~~من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ~~ولله ملك السموات والأرض وما بينهما والله على كل شىء قدير [ المائده : 17 ~~] وقال سبحانه في سيدة آى القرآن آية الكرسي ms193 : له ما في السموات وما في ~~الأرض من ذا الذي PageV01P221 يشفع عنده إلا بإذنه [ البقره : 255 ] وقال : ~~قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض [ الزمر : 44 ] # فأخبر أن حال ملكه للسموات والأرض يوجب أن تكون الشفاعة كلها له وحده وأن ~~أحدا لا يشفع عنده إلا بإذنه فإنه ليس بشريك بل مملوك محض بخلاف شفاعة أهل ~~الدينا بعضهم عند بعض فتبين أن الشفاعة التي نفاها الله سبحانه في القرآن ~~هي هذه الشفاعة الشركية التي يعرفها الناس ويفعلها بعضهم مع بعض ولهذا يطلق ~~نفيها تارة بناء على أنها هي المعروفة المشاهدة عند الناس ويقيدها تارة ~~بأنها لا تنفع إلا بعد إذنه وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه فإنه الذي أذن ~~والذي قبل والذي رضي عن المشفوع والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة وقوله # فمتخذ الشفيع مشرك لا تنفعه شفاعته ولا يشفع فيه ومتخذ الرب وحده إلهه ~~ومعبوده ومحبوبه ومرجوه ومخوفه الذي يتقرب إليه وحده ويطلب رضاه ويتباعد من ~~سخطه هو الذي يأذن الله سبحانه للشفيع أن يشفع فيه # قال تعالى : أم اتخذو من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ~~ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا [ الزمر : 43 ] وقال تعالى : ويعبدون من ~~دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما ~~يشركون [ يونس : 18 ] # فبين سبحانه أن المتخذين شفعاء مشركون وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم هم ~~وإنما تحصل بإذنه للشافع ورضاه عن المشفوع له # وسر الفرق بين الشفاعتين : أن شفاعة المخلوق للمخلوق وسؤاله للمشفوع عنده ~~لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده لا خلقا ولا أمرا ولا إذنا بل هو سبب محرك ~~له من خارج كسائر الأسباب التي تحرك الأسباب وهذا السبب المحرك قد يكون عند ~~المتحرك لأجله ما يوافقه كمن يشفع عنده في أمر يحبه ويرضاه وقد يكون عنده ~~ما يخالفه كمن يشفع إليه PageV01P222 في أمر يكرهه ثم قد يكون سؤاله ms194 ~~وشفاعته أقوى من المعارض فيقبل شفاعة الشافع وقد يكون المعارض الذي عنده ~~أقوى من شفاعة الشافع فيردها ولا يقبلها وقد يتعارض عنده الأمران فيبقى ~~مترددا بين ذلك المعارض الذي يوجب الرد وبين الشفاعة التي تقتضي القبول ~~فيتوقف إلى أن يترجح عنده أحد الأمرين بمرجح فشفاعة الإنسان عند المخلوق ~~مثله : هي سعى في سبب منفصل عن المشفوع إليه يحركه به ولو على كره منه ~~فمنزلة الشفاعة عنده منزلة من يأمر غيره أو يكرهه على الفعل إما بقوة ~~وسلطان وإما بما يرغبه فلابد أن يحصل للمشفوع إليه من الشافع إما رغبة ~~ينتفع بها وإما رهبة منه تندفع عنه بشفاعته وهذا بخلاف الشفاعة عند الرب ~~سبحانه فإنه ما لم يخلق شفاعة الشافع ويأذن له فيها ويحبها منه ويرضى عن ~~الشافع لم يمكن أن توجد والشافع لا يشفع عنده لحاجة الربإليه ولا لرهبته ~~منه ولا لرغبته فيما لديه وإنما يشفع عنده مجرد امتثال لأمره وطاعة له فهو ~~مأمور بالشفاعة مطيع بامتثال الأمر فإن أحدا من الأنبياء والملائكة وجميع ~~المخلوقات لا يتحرك بشفاعة ولا غيرها إلا بمشيئة الله تعالى وخلقه فالرب ~~سبحانه وتعالى هو الذي يحرك الشفيع حتى يشفع والشفيع عند المخلوق هو الذي ~~يحرك المشفوع إليه حتى يقبل والشافع عند المخلوق مستغن عنه في أكثر أموره ~~وهو في الحقيقة شريكه ولو كان مملوكه وعبده فالمشفوع عنده محتاج إليه فيما ~~يناله منه من النفع بالنصر والمعاونة وغير ذلك كما أن الشافع محتاج إليه ~~فيما يناله منه : من رزق أو نصر أو غيره فكلك منهما محتاج إلى الآخر # ومن وفقه الله تعالى لفهم هذا الموضع ومعرفته تبين له حقيقة التوحيد ~~والشرك والفرق بين ما أثبته الله تعالى من الشفاعة وبين ما نفاه وأبطله ومن ~~لم يجعل الله له نورا فما له من نور PageV01P223 # | فصل ومن مكايد عدو الله ومصايده التي كاد بها من قل نصيبه من # العلم والعقل والدين وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين : سماع المكاء ~~والتصدية والغناء بالآلات المحرمة الذي يصد القلوب عن القرآن ويجعلها ms195 عاكفة ~~على الفسوق والعصيان فهو قرآن الشيطان والحجاب الكثيف عن الرحمن وهو رقية ~~اللواط والزنا وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى كاد به الشيطان ~~النفوس المبطلة وحسنه لها مكرا منه وغرورا وأوحى إليها الشبه الباطلة على ~~حسنه فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجورا فلو رأيتهم عند ذياك السماع ~~وقد خشعت منهم الأصوات وهدأت منهم الحركات وعكفت قلوبهم بكليتها عليه ~~وانصبت انصبابة واحدة إليه فتمايلوا ولا كتمايل النشوان وتكسروا في حركاتهم ~~ورقصهم أرأيت تكسر المخانيث والنسوان ويحق لهم ذلك وقد خالط خماره النفوس ~~ففعل فيها أعظم ما يفعله حميا الكؤوس فلغير الله بل للشيطان قلوب هناك تمزق ~~وأثواب تشقق وأموال في غير طاعة الله تنفق حتى إذا عمل السكر فيهم عمله ~~وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله واستفزهم بصوبه وحيله وأجلب عليهم برجله ~~وخيله وخز في صدورهم وخزا وأزهم إلى ضرب الأرض بالأقدام أزا فطورا يجعلهم ~~كالحمير حول المدار وتارة كالدباب ترقص وسيط الديار فيا رحمتا للسقوف ~~والأرض من دك تلك الأقدام ويا سوأتا من أشباه الحمير والأنعام ويا شماتة ~~أعداء الإسلام بالدين يزعمون أنهم خواص الإسلام قضوا حياتهم لذة وطربا ~~واتخذوا دينهم لهوا ولعبا مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور القرآن ~~لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك له ساكنا ولا أزعج له قاطنا ~~ولا أثار فيه وجدا ولا قدح فيه PageV01P224 من لواعج الشوق إلى النار زندا ~~حتى إذا تلي عليه قرآن الشيطان وولج مزموره سمعه تفجرت ينابيع الوجد من ~~قلبه على عينيه فجرت وعلى أقدامه فرقصت وعلى يديه فصفقت وعلى سائر أعضائه ~~فاهتزت وطربت وعلى أنفاسه فتصاعدت وعلى زفراته فتزايدت وعلى نيران أشواقه ~~فاشتعلت فيا أيها الفاتن المفتون والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان ~~صفقة خاسر مغبون هلا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن وهذه الأذواق ~~والمواجيد عند قراءة القرآن المجيد وهذه الأحوال السنيات عند تلاوة السور ~~والآيات ولكن كل امرىء يصبو إلى ما يناسبه ويميل إلى ما يشاكله والجنسية ~~علة الضم قدرا ms196 وشرعا والمشاكلة سبب الميل عقلا وطبعا فمن أين هذا الإخاء ~~والنسب لولا التعلق من الشيطان بأقوى سبب ومن أين هذه المصالحة التي أوقعت ~~في عقد الإيمان وعهد الرحمن خللا أفتتخذونه وذرعيته أولياء من دوني وهم لكم ~~عدو بئس للظالمين بدلا [ ] # ولقد أحسن القائل : # تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة % لكنه إطراق ساه لاهي # وأتى الغناء فكالحمير تناهقوا % والله ما رقصوا لأجل الله # دف ومزمار ونغمة شادن % فمتى رأيت عبادة بملاهي # ثقل الكتاب عليهم لما رأوا % تقييده بأوامر ونواهي # سمعوا له رعدا وبرقا إذ حوى % زجرا وتخويفا بفعل مناهي # ورأوه أعظم قاطع للنفس عن % شهواتها يا ذبحها المتناهي # وأتى السماع موافقا أغراضها % فلأجل ذاك غدا عظيم الجاه # أين المساعد للهوى من قاطع % أسبابه عند الجهول الساهي # إن لم يكن خمر الجسوم فإنه % خمر العقول مماثل ومضاهي # فانظر إلى النشوان عند شرابه % وانظر إلى النسوان عند ملاهي PageV01P225 # وانظر إلى تمزيق ذا أثوابه % من بعد تمزيق الفؤاد اللاهي # واحكم فأي الخمرتين أحق بالتحريم والتأثيم عند الله # وقال آخر : # برئنا إلى الله من معشر % بهم مرض من سماع الغنا # وكم قلت : يا قوم أنتم على % شفا جرف ما به من بنا # شفا جرف تحته هوة % إلى درك كم به من عنا # وتكرار ذا النصح منا لهم % لنعذر فيهم إلى ربنا # فلما استهانوا بتنبيهنا % رجعنا إلى الله في أمرنا # فعشنا على سنة المصطفى % وماتوا على تنتنا تنتنا # ولم يزل أنصار الإسلام وأئمة المهدي تصيح بهؤلاء من أقطار الأرض وتحذر من ~~سلوك سبيلهم واقتفاء آثارهم من جميع طوائف الملة # قال الإمام أبو بكر الطرطوشي في خطبة كتابه في تحريم السماع : # الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين ~~ونسأله أن يرينا الحق حقا فنتبعه والباطل باطلا فنجتنبه وقد كان الناس فيما ~~مضى يستسر أحدهم بالمعصية إذا واقعها ثم يستغفر ويتوب إليه منها ثم كثر ~~الجهل وقل العلم وتناقص الأمر حتى صار أحدهم يأتي المعصية جهارا ثم ازداد ~~الأمر إدبارا حتى بلغنا أن طائفة من ms197 إخواننا المسلمين وفقنا الله وإياهم ~~استزلهم الشيطان واستغوى عقولهم في حب الأغاني واللهو وسماع الطقطقة ~~والنقير واعتقدته من الدين الذي يقربهم إلى الله وجاهرت به جماعة المسلمين ~~وشاقت سبيل المؤمنين وخالفت الفقهاء والعلماء وحملة الدين # ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ~~ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا [ النساء : 115 ] فرأيت أن أوضح الحق وأكشف ~~عن شبه أهل الباطل بالحجج التي تضمنها كتاب الله وسنة رسوله وأبدأ بذكر ~~أقاويل العلماء الذين تدور الفتيا عليهم في أقاصى الأرض ودانيها حتى تعلم ~~هذه الطائفة أنها قد خالفت علماء المسلمين في بدعتها والله ولي التوفيق # ثم قال : أما مالك فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه وقال : إذا اشترى ~~جارية فوجدها مغنية كان له أن يردها بالعيب PageV01P226 # وسئل مالك رحمه الله : عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال : إنما ~~يفعله عندنا الفساق # قال : وأما أبو حنيفة : فإنه يكره الغناء ويجعله من الذنوب # وكذلك مذهب أهل الكوفة : سفيان : وحماد وإبراهيم والشعبي وغيرهم لا ~~اختلاف بينهم في ذلك ولا نعلم خلافا أيضا بين أهل البصرة في المنع منه # قلت : مذهب أبي حنيفة في ذلك من أشد المذاهب وقوله فيه أغلظ الأقوال وقد ~~صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها كالمزمار والدف حتى الضرب بالقضيب ~~وصرحوا بأنه معصية يوجب الفسق وترد به الشهادة وأبلغ من ذلك أنهم قالوا : ~~إن السماع فسق والتلذذ به كفر هذا لفظهم ورووا في ذلك حديثا لا يصح رفعه # قالوا : ويجب عليه أن يجتهد في أن لا يسمعه إذا مر به أو كان في جواره # وقال أبو يوسف في دار يسمع منها صوت المعازف والملاهي : ادخل عليهم بغير ~~إذنهم لأن النهي عن المنكر فرض فلو لم يجز الدخول بغير إذن لامتنع الناس من ~~إقامة الفرض # قالوا : ويتقدم إليه الإمام إذا سمع ذلك من داره فإن أصر حبسه أو ضربه ~~سياطا وإن شاء أزعجه عن داره # وأما الشافعي : فقال في كتاب أدب القضاء : إن الغناء لهو مكروه ms198 يشبه ~~الباطل والمحال ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته # وصرح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه وأنكروا على من نسب إليه حله ~~كالقاضي أبي الطيب الطبري والشيخ أبي إسحاق وابن الصباغ # قال الشيخ أبو إسحق في التنبيه : ولا تصح يعني الإجارة على منفعة محرمة ~~كالغناء والزمر وحمل الخمر ولم يذكر فيه خلافا وقال في المهذب : ولا يجوز ~~على المنافع المحرمة لأنه محرم فلا يجوز أخذ العوض عنه كالميتة والدم فقد ~~تضمن كلام الشيخ أمورا PageV01P227 # أحدها : أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة # الثاني : أن الاستئجار عليها باطل # الثالث : أن أكل المال به أكل مال بالباطل بمنزلة أكله عوضا عن الميتة ~~والدم # الرابع : أنه لا يجوز للرجل بذل ماله للمغني ويحرم عليه ذلك فإنه بذل ~~ماله في مقابلة محرم وأن بذله في ذلك كبذله في مقابلة الدم والميتة الخامس ~~: أن الزمر حرام # وإذا كان الزمر الذي هو أخف آلات اللهو حراما فكيف بما هو أشد منه كالعود ~~والطنبور واليراع ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك فأقل ~~ما فيه : أنه من شعار الفساق وشاربي الخمور # وكذلك قال أبو زكريا النووي في روضته : # القسم الثاني : أن يغنى ببعض آلات الغناء بما هو من شعار شاربي الخمر وهو ~~مطرب كالطنبور والعود والصنج وسائر المعازف والأوتار يحرم استعماله ~~واستماعه قال : وفي اليراع وجهان صحح البغوي التحريم ثم ذكر عن الغزالي ~~الجواز قال : والصحيح تحريم اليراع وهو الشبابة # وقد صنف أبو القاسم الدولعى كتابا في تحريم اليراع # قد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع الذي جمع الدف ~~والشبابة والغناء فقال في فتاويه : # أما إباحة هذا السماع وتحليله فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا ~~اجتمعت فاستماع ذلك حرام عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين ولم ~~يثبت عن أحد ممن يعتد بقوله في الإجماع والاختلاف أنه أباح هذا السماع ~~والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعي إنما نقل في الشبابة منفردة والدفع ~~منفردا فمن لايحصل أو لا يتأمل ربما اعتقد خلافا بين ms199 الشافعيين في هذا ~~السماع الجامع هذه الملاهي وذلك وهم بين من الصائر إليه تنادي عليه أدلة ~~الشرع والعقل مع أنه ليس كل خلاف يستروح إليه ويعتمد عليه ومن تتبع ما ~~اختلف فيه العلماء وأخذ بالرخص من أقاويلهم تزندق أو كاد قال : وقولهم في ~~السماع PageV01P228 المذكور : إنه من القربات والطاعات قول مخالف لإجماع ~~المسلمين ومن خالف إجماعهم فعليه ما في قوله تعالى : ومن يشاقق الرسول من ~~بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ~~وساءت مصيرا [ النساء : 115 ] # وأطال الكلام في الرد على هاتين الطائفتين اللتين بلاء الإسلام منهم : ~~المحللون لما حرم الله والمتقربون إلى الله بما يباعدهم عنه # والشافعي وقدماء أصحابه والعارفون بمذهبه : من أغلظ الناس قولا في ذلك # وقد تواتر عن الشافعي أنه قال : خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه ~~التغبير يصدون به الناس عن القرآن فإذا كان هذا قوله في التغبير وتعليله : ~~أنه يصد عن القرآن وهو شعر يزهد في الدنيا بغنى به مغن فيضرب بعض الحاضرين ~~بقضيب على نطع أو مخدة على توقيع غنائه فليت شعري ما يقول في سماع التغبير ~~عنده كتفلة في بحر قد اشتمل على كل مفسدة وجمع كل محرم فالله بين دينه وبين ~~كل متعلم مفتون وعابد جاهل قال سفيان بن عيينة : كان يقال : احذروا فتنة ~~العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون ومن تأمل الفساد ~~الداخل على الأمة وجده من هذين المفتونين # | فصل وأما مذهب الإمام أحمد فقال عبدالله ابنه : سألت أبي عن الغناء # فقال : الغناء ينبت النفاق في القلب لا يعجبني : ثم ذكر قول مالك إنما ~~يفعله عندنا الفساق قال عبدالله : وسمعت أبي يقول : سمعت يحيى القطان يقول ~~: لو أن رجلا عمل بكل رخصة بقول أهل الكوفة في النبيذ وأهل المدينة في ~~السماع وأهل مكة في المتعة لكان فاسقا PageV01P229 # قال أحمد : وقال سليمان التيمي : لو أخذت برخصة كل عالم أو زلة كل عالم ~~اجتمع فيك الشر كله # ونص على كسر الآت اللهو كالطنبور ms200 وغيره إذا رآها مكشوفة وأمكنه كسرها ~~وعنه في كسرها إذا كانت مغطاة تحت ثيابه وعلم بها روايتان منصوصتان # ونص في أيتام ورثوا جارية مغنية وأرادوا بيعها فقال : لا تباع إلا على ~~أنها ساذجة فقالوا : إذا بيعت مغنية ساوت عشرين ألفا أو نحوها وإذا بيعت ~~ساذجة لا تساوي ألفين فقال : لا تباع إلا على أنها ساذجة ولو كانت منفعة ~~الغناء مباحة لما فوت هذا المال على الأيتام # | فصل وأما سماعه من المرأة الأجنبية أو الأمرد فمن أعظم المحرمات # وأشدها فسادا للدين # قال الشافعي رحمه الله : وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ~~ترد شهادته وأغلظ القول فيه وقال : هو دياثة فمن فعل ذلك كان ديوثا # قال القاضي أبو الطيب : وإنما جعل صاحبها سفيها لأنه دعا الناس إلى ~~الباطل ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيها فاسقا # قال : وكان الشافعي يكره التغبير وهو الطقطقة بالقضيب ويقول وضعته ~~الزنادقة ليشغلوا به عن القرآن # قال : وأما العود والطنبور وسائر الملاهي فحرام ومستمعه فاسق واتباع ~~الجماعة أولى من اتباع رجلين مطعون عليهما # قلت : يريد بهما إبراهيم بن سعد وعبيدالله بن الحسن فإنه قال : وما خالف ~~في الغناء إلا رجلان : إبراهيم بن سعد فإن الساجي حكى عنه : أنه كان لا يرى ~~به بأسا والثاني : عبيدالله بن الحسن العنبري قاضي البصرة وهو مطعون فيه ~~قال أبو بكر الطرطوشي : وهذه الطائفة مخالفة لجماعة المسلمين لأنهم جعلوا ~~الغناء دينا PageV01P230 وطاعة ورأت إعلانه في المساجد والجوامع وسائر ~~البقاع الشريفة والمشاهد الكريمة وليس في الأمة من رأى هذا الرأى # قلت : ومن أعظم المنكرات : تمكينهم من إقامة هذا الشعار الملعون هو وأهله ~~في المسجد الأقصى عشية عرفة ويقيمونه أيضا في مسجد الخيف أيام منى وقد ~~أخرجناهم منه بالضرب والنفي مرارا ورأيتهم يقيمونه بالمسجد الحرام نفسه ~~والناس في الطواف فاستدعيت حزب الله وفرقنا شملهم ورأيتهم يقيمونه بعرفات ~~والناس في الدعاء والتضرع والابتهال والضجيج إلى الله وهم في هذا السماع ~~الملعون باليراع والدف والغناء # فإقرار هذه الطائفة على ذلك فسق يقدح في عدالة ms201 من أقرهم ومنصبه الديني # وما أحسن ما قال بعض العلماء وقد شاهد هذا وأفعالهم : # ألا قل لهم قول عبد % نصوح وحق النصيحة أن تستمع # متى علم الناس في ديننا % بأن الغناء سنة تتبع # وأن يأكل المرء أكل الحمار % ويرقص في الجمع حتى يقع # وقالوا : سكرنا بحب الإله % وما أسكر القوم إلا القصع # كذاك البهائم إن أشبعت % يرقصها ريها والشبع # ويسكره الناى ثم الغنا % ويس لو تليت ما انصدع # فيا للعقول ويا للنهى % ألا منكر منكم للبدع # تهان مساجدنا بالسماع % وتكرم عن مثل ذاك البيع # وقال آخر وأحسن ما شاء : # ذهب الرجال وحال دون مجالهم % زمرمن الأوباش والأنذال PageV01P231 # زعموا بأنهم على آثارهم % ساروا ولكن سيرة البطال # لبسوا الدلوق مرقعا وتقشفوا % كتقشف الأقطاب والأبدال # قطعوا طريق السالكين وغوروا % سبل الهدى بجهالة وضلال # عمروا ظواهرهم بأثواب التقى % وحشوا بواطنهم من الأدغال # إن قلت : قال الله قال رسوله % همزوك همز المنكر المتغالي # أو قلت : قد قال الصحابة والأولى % تبعوهم في القول والأعمال # أو قلت : قال الآل آل المصطفى % صلى عليه الله أفضل آل # أو قلت : قال الشافعي : وأحمد % وأبو حنيفة والإمام العالي # أو قلت : قال صحابهم من بعدهم % فالكل عندهم كشبه خيال # ويقول : قلبي قال لي عن سره % عن سرع سري عن صفا أحوالي # عن حضرتي عن فكرتي عن خلوتي % عن شاهدي عن واردي عن حالي # عن صفو وقتي عن حقيقة مشهدي % عن سر ذاتي عن صفات فعالي # دعوى إذا حققتها ألفيتها % ألقاب زور لفقت بمحال # تركوا الحقائق والشرائع واقتدوا % بظواهر الجهال والضلال # جعلوا المرا فتحا وألفاظ الخنا % شطحا وصالوا صولة الإدلال # نبذوا كتاب الله خلف ظهورهم % نبذ المسافر فضلة الأكال # جعلوا السماع مطية لهواهم % وغلوا فقالوا فيه كل محال # هو طاعة هو قربة هو % سنة صدقوا لذاك الشيخ ذي الإضلال # شيخ قديم صادهم بتحيل % حتى أجابوا دعوة المحتال # هجروا له القرآن والأخبار % والآثار إذ شهدت لهم بضلال # ورأوا سماع الشعر أنفع للفتى % من أوجه سبع لهم بتوال # تالله ما ظفر العدو بمثلها % من ms202 مثلهم واخيبة الآمال # نصب الحبال لهم فلم يقعوا بها % فأتى بذا الشرك المحيط الغالي ~~PageV01P232 # فإذا بهم وسط العرين ممزقى % الأثواب والأديان والأحوال # لا يسمعون سوى الذي يهوونه % شغلا به عن سائر الأشغال # ودعوا إلى ذات اليمين فأعرضوا % عنها وسار القوم ذات شمال # خروا على القرآن عند سماعه % صما وعميانا ذوي إهمال # وإذا تلا القارى عليهم سورة % فأطالها عدوه في الأثقال # ويقول قائلهم : أطلت وليس ذا % عشر فخفف أنت ذو إملال # هذا وكم لغو وكم صخب وكم % ضحك بلا أدب ولا إجمال # حتى إذا قام السماع لديهم % خشعت له الأصوات بالإجلال # وامتدت الأعناق تسمع وحى % ذاك الشيخ من مترنم قوال # وتحركت تلك الرءوس وهزها % طرب وأشواق لنيل وصال # فهنا لك الأشواق والأشجان % والأحوال لا أهلا بذي الأحوال # تالله لو كانوا صحاة أبصروا % ماذا دهاهم من قبيح فعال # لكنما سكر السماع أشد % من سكر المدام وذا بلا إشكال # فإذا هما اجتمعا لنفس مرة % نالت من الخسران كل منال # يا أمة لعبت بدين نبيها % كتلاعب الصبيان في الأوحال # أشمتمو أهل الكتاب بدينكم % والله لن يرضوا بذي الأفعال # كم ذا نعير منهم بفريقكم % سرا وجهرا عند كل جدال # قالوا لنا : دين عبادة أهله % هذا السماع فذاك دين محال # بل لا تجىء شريعة بجوازه % فسلوا الشرائع تكتفوا بسؤال # لو قلتمو فسق ومعصية وتزيين % من الشيطان للأنذال # ليصد عن وحى الإله ودينه % وينال فيه حيلة المحتال # كنا شهدنا أن ذا دين أتى % بالحق دين الرسل لا بضلال # والله منهم قد سمعنا ذا إلى الآذان من أفواههم بمقال PageV01P233 # وتمام ذاك القول بالحيل التي % فسخت عقود الدين فسخ فصال # جعلته كالثوب المهلهل نسجه % فيه تفصله من الأوصال # ما شئت من مكر ومن خدع % ومن حيل وتلبيس بلا إقلال # فاحتل على إسقاط كل فريضة % وعلى حرام الله بالإحلال # واحتل على المظلوم يقلب ظالما وعلى الظلوم بضد تلك الحال # واقلب وحول فالتحيل كله % في القلب والتحويل ذو إعمال # إن كنت تفهم ذا ظفرت بكل ما % تبغى من الأفعال والأقوال # واحتل ms203 على شرب المدام وسمها % غير اسمها واللفظ ذو إجمال # واحتل على أكل الربا واهجر شنا % عة لفظه واحتل على الابدال # واحتل على الوطء الحرام ولا تقل % هذا زنا وانكح رخى البال # واحتل على حل العقود وفسخها % بعد اللزوم وذاك ذو إشكال # إلا على المحتال فهو طبيبها % يا محنة الأديان بالمحتال # واحتل على نقض الوقوف وعودها % طلقا ولا تستحي من إبطال # فكر وقدر ثم فصل بعد ذا % فإذا غلبت فلج في الإشكال # واحتل على الميراث فانزعه م % الوراث ثم ابلع جميع المال # قد أثبتوا نسبا وحصرا فيكم % حتى تحوز الإرث للأموال # واعمد إلى تلك الشهادة واجعل % الإبطال همك تحظ بالابطال # فالحصر إثبات ونفى غير % معلوم وهذا موضع الاشكال # واحتل على مال اليتيم فإنه % رزق هنى من ضعيف الحال # لا سوطه تخشى ولا من سيفه % والقول قولك في نفاذ المال # واحتل على أكل الوقوف فإنها % مثل السوائب ربة الإهمال # فأبو حنيفة عنده هي باطل % في الأصل لم تحتج إلى إبطال # فالمال مال ضائع أربابه % هلكوا فخذ منه بلا مكيال PageV01P234 # وإذا تصح بحكم قاض عادل % فشروطها صارت إلى اضمحلال # قد عطل الناس الشروط وأهملوا % مقصودها فالكل في إهمال # وتمام ذاك قضاتنا وشهودنا % فاسأل بهم ذا خبرة بالحال # أما الشهود فهم عدول عن طريق % العدل في الأقوال والأفعال # زورا وتنميقا وكتمانا % وتلبيسا وإسرافا بأخذ نوال # ينسى شهادته ويحلف إنه % ناس لها والقلب ذو إغفال # فإذا رأى المنقوش قال : ذكرتها % يا للمذكر جئت بالآمال # ويقول قائلهم : أخوض النار في % نزر يسير ذاك عين خبال # ثقل لى الميزان إني خائض % للمنكبين أجر بالأغلال # أما القضاة فقد تواتر عنهم % ما قد سمعت فلا تفه بمقال # ماذا تقول لمن يقول : حكمت أنت % فاسق أو كافر في الحال # فإذا استغثت أغثت بالجلد الذي % قد طرقوه كمثل طرق نعال # فيقول طق فتقول : قط فتعارضا % ويكون قول الجلد ذا إعمال # فأجارك الرحمن من ضرب ومن % عرض ومن كذب وسوء مقال # هذا ونسبة ذاك أجمعه إلى % دين الرسول وذا من الأهوال # حاشا ms204 رسول الله يحكم بالهوى % والجهل تلك حكومة الضلال # والله لو عرضت عليه كلها % لاجتثها بالنقض والإبطال # إلا التي منها يوافق حكمه % فهو الذي يلقاه بالإقبال # أحكامه عدل وحق كلها % في رحمة ومصالح وحلال # شهدت عقول الخلق قاطبة بما % في حكمه من صحة وكمال # فإذا أتت أحكامه ألفيتها % وفق العقول تزيل كل عقال # حتى يقول السامعون لحكمه : % ما بعد هذا الحق غير ضلال # لله أحكام الرسول وعدلها % بين العباد ونورها المتلالى PageV01P235 # كانت بها في الأرض أعظم رحمة % والناس في سعد وفي إقبال # أحكامهم تجرى على وجه السداد % وحالهم في ذاك أحسن حال # أمنا وعزا في هدى وتراحم % وتواصل ومحبة وجلال # فتغيرت أوضاعها حتى غدت % منكورة بتلوث الأعمال # فتغيرت أعمالهم وتبدلت % أحوالهم بالنقص بعد كمال # لو كان دين الله فيهم قائما % لرأيتهم في أحسن الأحوال # وإذا همو حكموا بحكم جائر % حكموا لمنكره بكل وبال # قالوا : أتنكر حكم شرع محمد % حاشا لذا الشرع الشريف العالي # عجت فروج الناس ثم حقوقهم % لله بالبكرات والآصال # كم تستحل بكل حكم باطل % لا يرتضيه ربنا المتعالي # والكل في قعر الجحيم سوى الذي % يقضى بدين الله لا لنوال # أو ما سمعت بأن ثلثيهم غدا % في النار في ذاك الزمان الخالي # وزماننا هذا فربك عالم % هل فيه ذاك الثلث أم هو خالي # يا باغى الإحسان يطلب ربه % ليفوز منه بغاية الآمال # انظر إلى هدة الصحابة والذي % كانوا عليه في الزمان الخالى # واسلك طريق القوم أين تيمموا % خذ يمنة ما الدرب ذات شمال # تالله ما اختاروا لأنفسهم سوى % سبل الهدى في القول والأفعال # درجوا على نهج الرسول وهديه % وبه اقتدوا في سائر الأحوال # نعم الرفيق لطالب يبغى الهدى % فمآله في الحشر خير مآل # القانتين المخبتين لربهم % الناطقين بأصدق الأقوال # التاركين لكل فعل سيء % والعاملين بأحسن الأعمال # أهواؤهم تبع لدين نبيهم % وسواهم بالضد في ذي الحال # ما شابهم في دينهم نفص % ولا في قولهم شطح الجهول الغالي PageV01P236 # عملوا بما علموا ولم يتكلفوا % فلذاك ما شابوا الهدى بضلال # وسواهم بالضد في الأمرين ms205 قد % تركوا الهدى ودعوا إلى الإضلال # فهم الأدلة للحيارى من يسر % بهداهم لم يخش من إضلال # وهم النجوم هداية وإضاءة % وعلو منزلة وبعد منال # يمشون بين الناس هونا % نطقهم بالحق لا بجهالة الجهال # حلما وعلما مع تقى % وتواضع ونصيحة مع رتبة الإفضال # يحيون ليلهم بطاعة ربهم % بتلاوة وتضرع وسؤال # وعيونهم تجرى بفيض دموعهم % مثل انهمال الوابل الهطال # في الليل رهبان وعند جهادهم % لعدوهم من أشجع الأبطال # وإذا بدا علم الرهان رأيتهم % يتسابقون بصالح الأعمال # بوجوههم أثر السجود لربهم % وبها أشعة نوره المتلالي # ولقد أبان لك الكتاب صفاتهم % في سورة الفتح المبين العالي # وبرابع السبع الطوال صفاتهم % قوم يحبهم ذوو إدلال # وبراءة والحشر فيها وصفهم % وبهل أتى وبسورة الأنفال # | فصل هذا السماع الشيطاني المضاد للسماع الرحماني له في الشرع بضعة # عشر اسما : اللهو واللغو والباطل والزور والمكاء والتصدية ورقية الزنا ~~وقرآن الشيطان ومنبت النفاق في القلب والصوت الأحمق والصوت الفاجر وصوت ~~الشيطان ومزمور الشيطان والسمود أسماؤه دلت على أوصافه تبا لذي الأسماء ~~والأصاف فنذكر مخازي هذه الأسماء ووقوعها عليه في كلام الله وكلام رسوله ~~والصحابة ليعلم أصحابه وأهله بما به ظفروا وأي تجارة رابحة خسروا : ~~PageV01P237 # فدع صاحب المزمار والدف والغنا وما اختاره عن طاعة الله مذهبا # ودعه يعش في غيه وضلاله % على تاتنا يحيا ويبعث أشيبا # وفي تنتنا يوم المعاد نجاته % إلى الجنة الحمراء يدعى مقربا # سيعلم يوم العرض أي بضاعة % أضاع وعند الوزن ما خف أو ربا # ويعلم ما قد كان فيه حياته % إذا حصلت أعماله كلها هبا # دعاه الهدى والغى من ذا يجيبه % فقال لداعي الغى : أهلا ومرحبا # وأعرض عن داعي الهدى قائلا له : % هواى إلى صوت المعازف قد صبا # يراع ودف بالصنوج وشاهد % وصوت مغن صوته يقنص الظبا # إذا ما تغنى فالظباء تجيبه % إلى أن تراها حوله تشبه الدبا # فما شئت من صيد بغير تطارد % ووصل حبيب كان بالهجر عذبا # فيا آمري بالرشد لو كنت حاضرا % لكان توالي اللهو عندك أقربا $ فصل ~~فالاسم الأول : اللهو ولهو الحديث قال ms206 تعالى : @QB@ ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين وإذا ~~تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب ~~أليم @QE@ [ لقمان : 7 ] # قال الواحدى وغيره : أكثر المفسرين : على أن المراد بلهو الحديث : الغناء ~~قاله ابن عباس في رواية سعيد بن جبير ومقسم عنه وقاله عبدالله بن مسعود في ~~رواية أبي الصهباء عنه وهو قول مجاهد وعكرمة # وروى ثور بن أبي فاختة عن أبيه عن ابن عباس في قوله تعالى : ومن الناس من ~~يشتري لهو الحديث [ لقمان : 7 ] قال : هو الرجل يشتري الجارية تغنيه ليلا ~~ونهارا PageV01P238 # وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : هو اشتراء المغني والمغنية بالمال الكثير ~~والاستماع إليه وإلى مثله من الباطل وهذا قول مكحول # وهذا اختيار أبي إسحاق أيضا # وقال : أكثر ما جاء في التفسير : أن لهو الحديث ههنا هو الغناء لأنه يلهى ~~عن ذكر الله تعالى # قال الواحدي : قال أهل المعاني : ويدخل في هذا كل من اختار اللهو والغناء ~~والمزامير والمعازف على القرآن وإن كان اللفظ قد ورد بالشراء فلفظ الشراء ~~يذكر في الاستبدال والاختيار وهو كثير في القرآن قال : ويدل على هذا : ما ~~قاله قتادة في هذه الآية : لعله أن لا يكون أنفق مالا قال : وبحسب المرء من ~~الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق # قال الواحدي : وهذه الآية على هذا التفسير تدل على تحريم الغناء ثم ذكر ~~كلام الشافعي في رد الشهادة بإعلان الغناء # قال : وأما غناء القينات : فذلك أشد ما في الباب وذلك لكثرة الوعيد ~~الوارد فيه وهو ما روي أن النبيقال : من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك ~~يوم القيامة الآنك : الرصاص المذاب # وقد جاء تفسير لهو الحديث بالغناء مرفوعا إلى النبي # ففي مسند الإمام أحمد ومسند عبدالله بن الزبير الحميدي وجامع الترمذي من ~~حديث أبي أمامة والسياق للترمذي : أن النبيقال : لا تبيعوا القينات ولا ~~تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام في ms207 مثل هذا نزلت ~~هذه الآية : @QB@ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله @QE@ [ ~~] وهذا الحديث وإن كان PageV01P239 مداره على عبيدالله بن زحر عن علي بن ~~يزيد الإلهانى عن القاسم فعبيد الله بن زحر ثقة والقاسم ثقة وعلي ضعيف إلا ~~أن للحديث شواهد ومتابعات سنذكرها إن شاء تعالى ويكفي تفسير الصحابة ~~والتابعين للهو الحديث : بأنه الغناء فقد صح ذلك عن ابن عباس وابن مسعود # قال أبو الصهباء : سألت ابن مسعود عن قوله تعالى : ومن الناس من يشتري ~~لهو الحديث فقال : والله الذي لا إله غيره هو الغناء يرددها ثلاث مرات # وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما أيضا أنه الغناء # قال الحاكم أبو عبدالله في التفسير من كتاب المستدرك : ليعلم طالب هذا ~~العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين : حديث مسند # وقال في موضع آخر من كتابه : هو عندنا في حكم المرفوع # وهذا وإن كان فيه نظر فلا ريب أنه أولى بالقبول من تفسير من بعدهم فهم ~~أعلم الأمة بمراد الله عز وجل من كتابه فعليهم نزل وهم أول من خوطب به من ~~الأمة وقد شاهدوا تفسيره من الرسولعلما وعملا وهم العرب الفصحاء على ~~الحقيقة فلا يعدل عن تفسيرهم ما وجد إليه سبيل ولا تعارض بين تفسير لهو ~~الحديث بالغناء وتفسيره : بأخبار الأعاجم وملوكها وملوك الروم ونحو ذلك مما ~~كان النضر بن الحارث يحدث به أهل مكة يشغلهم به عن القرآن فكلاهما لهو ~~الحديث ولهذا قال ابن عباس : لهو الحديث : الباطل والغناء # فمن الصحابة من ذكر هذا ومنهم من ذكر الآخر ومنهم من جمعهما # والغناء أشد لهوا وأعظم ضررا من أحاديث الملوك وأخبارهم فإنه رقية الزنا ~~ومنبت النفاق وشرك الشيطان وخمرة العقل وصده عن القرآن أعظم من صد # غيره من الكلام الباطل لشدة ميل النفوس إليه ورغبتها فيه # إذا عرف هذا فأهل الغناء ومستمعوه لهم نصيب من هذا الذم بحسب اشتغالهم ~~بالغناء عن القرآن وإن لم ينالوا جميعه فإن الآيات تضمنت ذم من استبدل لهو ~~الحديث ms208 PageV01P240 بالقرآن ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا وإذا ~~يتلى عليه القرآن ولى مستكبرا كأن لم يسمعه كأن في أذنيه وقرا وهو الثقل ~~والصمم وإذا علم منه شيئا استهزأ به فمجموع هذا لا يقع إلا من أعظم الناس ~~كفرا وإن وقع بعضه للمغنين ومستمعيهم فلهم حصة ونصيب من هذا الذم # يوضحه : أنك لا تجد أحدا عنى بالغناء وسماع آلاته إلا وفيه ضلال عن طريق ~~الهدى علما وعملا وفيه رغبة عن استماع القرآن إلى استماع الغناء بحيث إذا ~~عرض له سماع الغناء وسماع القرآن عدل عن هذا إلى ذاك وثقل عليه سماع القرآن ~~وربما حمله الحال على أن يسكت القارىء ويستطيل قراءته ويستزيد المغني ~~ويستقصر نوبته وأقل ما في هذا : أن يناله نصيب وافر من هذا الذم إن لم يحظ ~~به جميعه والكلام في هذا مع من قلبه بعض حياة يحس بها فأما من مات قلبه ~~وعظمت فتنته فقد سد على نفسه طريق النصيحة : ومن يرد الله فتنته فلن تملك ~~له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزى ~~ولهم في الآخرة عذاب عظيم [ المائده : 41 ] # | فصل الاسم الثاني والثالث : الزور واللغو # قال تعالى : والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما [ ] # قال محمد بن الحنفية : الزور ههنا الغناء وقاله ليث عن مجاهد وقال الكلبى ~~: لا يحضرون مجالس الباطل # واللغو في اللغة : كل ما يلغى ويطرح والمعنى : لا يحضرون مجالس الباطل ~~وإذا مروا بكل ما يلغى من قول وعمل أكرموا أنفسهم أن يقفوا عليه أو يميلوا ~~إليه ويدخل في هذا : أعياد المشركين كما فسرها به السلف والغناء وأنواع ~~الباطل كلها PageV01P241 # قال الزجاج : لا يجالسون أهل المعاصى ولا يمالئونهم ومروا مر الكرام ~~الذين لا يرضون باللغو لأنهم يكرمون أنفسهم عن الدخول فيه والاختلاط بأهله ~~وقد روى أن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : مر بلهو فأعرض عنه فقال رسول ~~الله إن أصبح ابن مسعود لكريما وقد أثنى الله سبحانه على من أعرض عن ms209 اللغو ~~إذا سمعه بقوله : وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم [ القصص : 55 ] # وهذه الآية وإن كان سبب نزولها خاصا فمعناها عام متناول لكل من سمع لغوا ~~فأعرض عنه وقال بلسانه أو بقلبه لأصحابه : لنا أعمالنا ولكم أعمالكم # وتأمل كيف قال سبحانه : لا يشهدون الزور [ الفرقان : 72 ] ولم يقل : ~~بالزور لأن يشهدون بمعنى : يحضرون فمدحهم على ترك حضور مجالس الزور فكيف ~~بالتكلم به وفعله والغناء من أعظم الزور # والزور : يقال على الكلام الباطل وعلى العمل الباطل وعلى العين نفسها كما ~~في حديث معاوية لما أخذ قصة من شعر يوصل به فقال : هذا الزور فالزور : ~~القول والفعل والمحل # وأصل اللفظة من الميل ومنه الزور بالفتح ومنه : زرت فلانا إذا ملت إليه ~~وعدلت إليه فالزور : ميل عن الحق الثابت إلى الباطل الذي لا حقيقة له قولا ~~وفعلا PageV01P242 # | فصل الاسم الرابع : الباطل والباطل : ضد الحق يراد به المعدوم # الذي لا وجود له والموجود الذي مضرة وجوده أكثر من منفعته # فمن الأول : قول الموحد : كل إله سوى الله باطل ومن الثاني قوله : السحر ~~باطل والكفر باطل قال تعالى : وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان ~~زهوقا [ الإسراء : 81 ] # فالباطل إما معدوم لا وجود له وإما موجود لا نفع له فالكفر والفسوق ~~والعصيان والسحر والغناء واستماع الملاهي : كله من النوع الثاني # قال ابن وهب : أخبرني سليمان بن بلال عن كثير بن زيد : أنه سمع عبيدالله ~~يقول للقاسم بن محمد : كيف ترى في الغناء فقال له القاسم : هو باطل فقال : ~~قد عرفت أنه باطل فكيف ترى فيه فقال القاسم : أرأيت الباطل أين هو قال : في ~~النار قال : فهو ذاك # وقال رجل لابن عباس رضي الله عنهما : ما تقول في الغناء أحلال هو أم حرام ~~فقال : لا أقول حراما إلا ما في كتاب الله فقال : أفحلال هو فقال : ولا ~~أقول ذلك ثم قال له : أرأيت الحق والباطل إذا جاءا يوم القيامة فأين يكون ~~الغناء فقال الرجل : يكون مع الباطل فقال له ابن عباس ms210 : اذهب فقد أفتيت ~~نفسك # فهذا جواب ابن عباس رضي الله عنهما عن غناء الأعراب الذي ليس فيه مدح ~~الخمر والزنا واللواط والتشبيب بالأجنبيات وأصوات المعازف والآلات المطربات ~~فإن غناء القوم لم يكن فيه شيء من ذلك ولو شاهدوا هذا الغناء لقالوا فيه ~~أعظم قول فإن مضرته وفتنته فوق مضرة شرب الخمر بكثير وأعظم من فتنته # فمن أبطل الباطل أن تأتي شريعة بإباحته فمن قاس هذا على غناء القوم ~~فقياسه من جنس قياس الربا على البيع والميتة على المذكاة والتحليل الملعون ~~فاعله على النكاح الذي هو PageV01P243 سنة رسول الله وهو أفضل من التخلي ~~لنوافل العبادة فلو كان نكاح التحليل جائزا في الشرع لكان أفضل من قيام ~~الليل وصيام التطوع فضلا أن يلعن فاعله # | فصل وأما اسم المكاء والتصدية فقال تعالى عن الكفار : وما كان # صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية [ ] # قال ابن عباس وابن عمر وعطية ومجاهد والضحاك والحسن وقتادة : المكاء : ~~الصفير والتصدية : التصفيق # وكذلك قال أهل اللغة : المكاء : الصفير يقال : مكا يمكو مكاء إذا جمع ~~يديه ثم صفر فيهما ومنه : مكت است الدابة إذا خرجت منها الريح بصوت ولهذا ~~جاء على بناء الأصوات كالرغاء والعواء والثغاء قال ابن السكيت : الأصوات ~~كلها مضمومة إلا حرفين : النداء والغناء # وأما التصدية : فهي في اللغة : التصفيق يقال : صدى يصدى تصدية إذا صفق ~~بيديه قال حسان بن ثابت يعيب المشركين بصفيرهم وتصفيقهم : # إذا قام الملائكة انبعثتم % صلاتكم التصدي والمكاء # وهكذا الأشباه يكون المسلمون في الصلوات الفرض والتطوع وهم في الصفير ~~والتصفيق # قال ابن عباس : كانت قريش يطوفون بالبيت عراة ويصفرون ويصفقون # وقال مجاهد : كانوا يعارضون النبيفي الطواف ويصفرون ويصفقون يخلطون عليه ~~طوافه وصلاته ونحوه عن مقاتل # ولا ريب أنهم كانوا يفعلون هذا وهذا PageV01P244 فالمتقربون إلى الله ~~بالصفير والتصفيق أشباه النوع الأول وإخوانهم المخلطون به على أهل الصلاة ~~والذكر والقراءة أشباه النوع الثاني # قال ابن عرفة وابن الأنباري : المكاء والتصدية ليسا بصلاة ولكن الله ~~تعالى أخبر أنهم جعلوا مكان الصلاة التي أمروا بها : المكاء والتصدية ~~فألزمهم ms211 ذلك عظيم الأوزار وهذا كقولك : زرته فجعل جفائي صلتي أي أقام ~~الجفاء مقام الصلة # والمقصود : أن المصفقين والصفارين في يراع أو مزمار ونحوه فيهم شبه من ~~هؤلاء ولو أنه مجرد الشبه الظاهر فلهم قسط من الذم بحسب تشبههم بهم وإن لم ~~يتشبهوا بهم في جميع مكائهم وتصديتهم والله سبحانه لم يشرع التصفيق للرجال ~~وقت الحاجة إليه في الصلاة إذا نابهم أمر بل أمروا بالعدول عنه إلى التسبيح ~~لئلا يتشبهوا بالنساء فكيف إذا فعلوه لا لحاجة وقرنوا به أنواعا من المعاصي ~~قولا وفعلا # | فصل وأما تسميته رقية الزنى فهو اسم موافق لمسماه ولفظ مطابق # لمعناه فليس في رقى الزنى أنجع منه وهذه التسمية معروفة عن الفضيل بن ~~عياض قال ابن أبي الدنيا : أخبرنا الحسين بن عبدالرحمن قال : قال فضيل بن ~~عياض : الغناء رقية الزنى # قال : وأخبرنا إبراهيم بن محمد المروزي عن أبي عثمان الليثي قال : قال ~~يزيد بن الوليد : يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزيد في ~~الشهوة ويهدم المروءة وإنه PageV01P245 لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل السكر ~~فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء فإن الغناء داعية الزنى # قال : وأخبرني محمد بن الفضل الأزدي قال : نزل الحطيئة برجل من العرب ~~ومعه ابنته مليكة فلما جنه الليل سمع غناء فقال لصاحب المنزل : كف هذا عني ~~فقال : وما تكره من ذلك فقال : إن الغناء رائد من رادة الفجور ولا أحب أن ~~تسمعه هذه يعني ابنته فإن كففته والإ خرجت عنك # ثم ذكر عن خالد بن عبدالرحمن قال : كنا في عسكر سليمان بن عبد الملك فسمع ~~غناء من الليل فأرسل إليهم بكرة فجىء بهم فقال : إن الفرس ليصهل فتستودق له ~~الرمكة وإن الفحل ليهدر فتضبع له الناقة وإن التيس لينب فتستحرم له العنز ~~وأن الرجل ليتغنى فتشتاق إليه المرأة ثم قال : اخصوهم فقال عمر بن عبد ~~العزيز : هذه المثلة ولا تحل فخل سبيلهم قال : فخلى سبيلهم # قال : وأخبرنا الحسين بن عبدالرحمن قال : قال أبو عبيدة معمر بن المثنى : ~~جاور الحطيئة قوما ms212 من بني كلب فمشى ذو الدين منهم بعضهم إلى بعض وقالوا : ~~يا قوم إنكم قد رميتم بداهية هذا الرجل شاعر والشاعر يظن فيحقق ولا يستأني ~~فيتثبت ولا يأخذ الفضل فيعفو فأتوه وهو في فناء خبائه فقالوا : يا أبا ~~مليكة إنه قد عظم حقك علينا يتخطيك القبائل إلينا وقد أتيناك لنسألك عما ~~تحب فنأتيه وعما تكره فنزدجر عنه فقال : جنبوني ندي مجلسكم ولا تسمعوني ~~أغاني شبيبتكم فإن الغناء رقية الزنى فإذا كان هذا الشاعر المفتون اللسان ~~الذي هابت العرب هجاءه خاف عاقبة الغناء وأن تصل رقيته إلى حرمته فما الظن ~~بغيره ولا ريب أن كل غيور يجنعب أهله سماع الغناء كما يجنبهن أسباب الريب ~~ومن طرق أهله إلى سماع رقية الزنى فهم أعلم بالإثم الذي يستحقه PageV01P246 # ومن الأمر المعلوم عند القوم : أن المرأة إذا استصعبت على الرجل اجتهد أن ~~يسمعها صوت الغناء فحينئذ تعطي الليان # وهذا لأن المرأة سريعة الانفعال للأصوات جدا فإذا كان الصوت بالغناء صار ~~انفعالها من وجهين : من جهة الصوت ومن جهة معناه ولهذا قال النبيلانجشة ~~حادية : يا أنجشة رويدك رفقا بالقوارير يعني النساء # فأما إذا اجتمع إلى هذه الرقية الدف والشبابة والرقص بالتخنث والتكسر فلو ~~حبلت المرأة من غناء لحبلت من هذا الغناء # فلعمر الله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا وكم من حر أصبح به عبدا ~~للصبيان أو الصبايا وكم من غيور تبدل به اسما قبيحا بين البرايا وكم من ذي ~~غنى وثروة أصبح بسببه على الأرض بعد المطارف والحشايا وكم من معافى تعرض له ~~فأمسى وقد حلت به أنواع البلايا وكم أهدى للمشغوف به من أشجان وأحزان فلم ~~يجد بدا من قبول تلك الهدايا وكم جرع من غصة وأزال من نعمة وجلب من نقمة ~~وذلك منه من إحدى العطايا وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة وغموم متوقعة وهموم ~~مستقبلة # فسل ذا خبرة ينبيك عنه % لتعلم كم خبايا في الزوايا # وحاذر إن شغفت به سهاما % مريشة بأهداب المنايا # إذا ما خالطت قلبا كئيبا % تمزق بين ms213 أطباق الرزايا # ويصبح بعد أن قد كان حرا % عفيف الفرج : عبدا للصبايا # ويعطي من به يغني غناء % وذلك منه من شر العطايا # | فصل وأما تسميته : منبت النفاق فقال علي بن الجعد : حدثنا # محمد بن طلحة عن سعيد بن كعب المروزي عن محمد بن عبدالرحمن بن يزيد عن ~~ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت ~~الماء الزرع PageV01P247 # وقال شعبة : حدثنا الحكم عن حماد عن إبراهيم قال : قال عبدالله بن مسعود ~~الغناء ينبت النفاق في القلب # وهو صحيح عن ابن مسعود من قوله وقد روى عن ابن مسعود مرفوعا رواه ابن أبي ~~الدنيا في كتاب ذمع الملاهي # قال : أخبرنا عصمة بن الفضل حدثنا حرمي بن عمارة حدثنا سلام بن مسكين ~~حدثنا شيع عن أبي وائل عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول ~~الله الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل # وقد تابع حرمي بن عمارة عليه بهذا الإسناد والمتن مسلم بن إبراهيم # قال أبو الحسين بن المنادي في كتاب أحكام الملاهي : حدثنا محمد بن علي بن ~~عبدالله ابن حمدان المعروف بحمدان الوراق حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا سلام ~~بن مسكين فذكر الحديث فمداره على هذا الشيخ المجهول وفي رفعه نظر والموقوف ~~أصح # فإن قيل : فما وجه إنباته للنفاق في القلب من بين سائر المعاصي # قيل : هذا من أدل شيء على فقه الصحابة في أحوال القلوب وأعمالها ومعرفتهم ~~بأدويتها وأدوائها وأنهم هم أطباء القلوب دون المنحرفين عن طريقتهم الذين ~~داووا أمراض القلوب بأعظم أدوائها فكانوا كالمداوي من السقم بالسم القاتل ~~وهكذا والله فعلوا بكثير من الأدوية التي ركبوها أو بأكثرها فاتفق قلة ~~الأطباء وكثرة المرضى وحدوث أمراض مزمنة لم تكن في السلف والعدول عن الدواء ~~النافع الذي ركبه الشارع وميل المريض إلى ما يقوي مادة المرض فاشتد البلاء ~~وتفاقم الأمر وامتلأت الدور والطرقات والأسواق من المرضى وقام كل جهول يطبب ~~الناس # فاعلم أن للغناء خواص لها تأثير في صبغ القلب بالنفاق ms214 ونباته فيه كنبات ~~الزرع بالماء # فمن خواصه : أنه يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره والعمل بما فيه ~~فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبدا لما بينهما من التضاد فإن ~~القرآن ينهى عن اتباع الهوى ويأمر بالعفة ومجانبة شهوات النفوس وأسباب الغي ~~وينهى عن اتباع PageV01P248 خطوات الشيطان والغناء يأمر بضد ذلك كله ويحسنه ~~ويهيج النفوس إلى شهوات الغى فيثير كامنها ويزعج قاطنها ويحركها إلى كل ~~قبيح ويسوقها إلى وصل كل مليحة ومليح فهو والخمررضيعا لبان وفي تهييجهما ~~على القبائح فرسا رهان فإنه صنو الخمر ورضيعه ونائبه وحليفه وخدينه وصديقه ~~عقد الشيطان بينهما عقد الإخاء الذي لا يفسخ وأحكم بينهما شريعة الوفاء ~~التي لا تنسخ وهو جاسوس القلب وسارق المروءة وسوس العقل يتغلغل في مكامن ~~القلوب ويطلع على سرائر الأفئدة ويدب إلى محل التخيل فيثير ما فيه من الهوى ~~والشهوة والسخافة والرقاعة والرعونة والحماقة فبينا ترى الرجل وعليه سمة ~~الوقار وبهاء العقل وبهجة الإيمان ووقار الإسلام وحلاوة القرآن فإذا استمع ~~الغناء ومال إليه نقص عقله وقل حياؤه وذهبت مروءته وفارقه بهاؤه وتخلى عنه ~~وقاره وفرح به شيطانه وشكا إلى الله تعالى إيمانه وثقل عليه قرآنه وقال : ~~يارب لا تجمع بيني وبين قرآن عدوك في صدر واحد فاستحسن ما كان قبل السماع ~~يستقبحه وأبدى من سره ما كان يكتمه وانتقل من الوقار والسكينة إلى كثرة ~~الكلام والكذب والزهزهة والفرقعة بالأصابع فيميل برأسه ويهز منكبيه ويضرب ~~الأرض برجليه ويدق على أم رأسه بيديه ويثب وثبات الدعباب ويدور دوران ~~الحمار حول الدولاب ويصفق بيديه تصفيق النسوان ويخور من الوجد ولا كخوار ~~الثيران وتارة يتأوه تأوه الحزين وتارة يزعق زعقات المجانين ولقد صدق ~~الخبير به من أهله حيث يقول : # أتذكر ليلة وقد اجتمعنا % على طيب السماع إلى الصباح # ودارت بيننا كأس الأغاني % فأسكرت النفوس بغير راح # فلم تر فيهم إلا نشاوى % سرورا والسرور هناك صاحي # إذا نادى أخو اللذات فيه % أجاب اللهو : حى على السماح # ولم نملك سوى المهجات شيئا % أرقناها لألحاظ الملاح # وقال ms215 بعض العارفين : السماع يورث النفاق في قوم والعناد في قوم والكذب في ~~قوم والفجور في قوم والرعونة في قوم PageV01P249 وأكثر ما يورث عشق الصور ~~واستحسان الفواحش وإدمانه يثقل القرآن على القلب ويكرهه إلى سماعه بالخاصية ~~وإن لم يكن هذا نفاقا فما للنفاق حقيقة # وسر المسألة : أنه قرآن الشيطان كما سيأتي فلا يجتمع هو وقرآن الرحمن في ~~قلب أبدا وأيضا فإن أساس النفاق : أن يخالف الظاهر الباطن وصاحب الغناء بين ~~أمرين إما أن يتهتك فيكون فاجرا أو يظهر النسك فيكون منافقا فإنه يظهر ~~الرغبة في الله والدار الآخرة وقلبه يغلي بالشهوات ومحبة ما يكرهه الله ~~ورسوله : من أصوات المعازف وآلات اللهو وما يدعو إليه الغناء ويهيجه فقلبه ~~بذلك معمور وهو من محبة ما يحبه الله ورسوله وكراهة ما يكرهه قفر وهذا محض ~~النفاق # وأيضا فإن الإيمان قول وعمل : قول بالحق وعمل بالطاعة وهذا ينبت على ~~الذكر وتلاوة القرآن والنفاق قول الباطل وعمل البغى وهذا ينبت على الغناء # وأيضا فمن علامات النفاق : قلة ذكر الله والكسل عند القيام إلى الصلاة ~~ونقر الصلاة وقل أن تجد مفتونا بالغناء إلا وهذا وصفه وأيضا : فإن النفاق ~~مؤسس على الكذب والغناء من أكذب الشعر فإنه يحسن القبيح ويزينه ويأمر به ~~ويقبح الحسن ويزهد فيه وذلك عين النفاق # وأيضا فإن النفاق غش ومكر وخداع والغناء مؤسس على ذلك # وأيضا فإن المنافق يفسد من حيث يظن أنه يصلح كما أخبر الله سبحانه بذلك ~~عن المنافقين وصاحب السماع يفسد قلبه وحاله من حيث يظن أنه يصلحه والمغنى ~~يدعو القلوب إلى فتنة الشهوات والمنافق يدعوها إلى فتنة الشبهات قال الضحاك ~~: الغناء مفسدة للقلب مسخطة للرب # وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى مؤدب ولده : ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض ~~الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن فإنه بلغني عن الثقات ~~من أهل العلم : أن صوت المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في ~~القلب كما ينبت العشب على الماء PageV01P250 فالغناء يفسد القلب وإذا فسد ~~القلب هاج فيه النفاق # وبالجملة ms216 فإذا تأمل البصير حال أهل الغناء وحال أهل الذكر والقرآن تبين ~~له حذق الصحابة ومعرفتهم بأدواء القلوب وأدويتها وبالله التوفيق # | فصل وأما تسميته قرآن الشيطان # فمأثور عن التابعين وقد روى في حديث مرفوع قال قتادة : لما أهبط إبليس ~~قال : يا رب لعنتني فما عملي قال : السحر قال : فما قرآني قال : الشعر قال ~~: فما كتابي قال : الوشم قال : فما طعامي قال : كل ميتة وما لم يذكر اسم ~~الله عليه قال : فما شرابي قال : كل مسكر قال : فأين مسكني قال : الأسواق ~~قال : فما صوتي قال : المزامير قال : فما مصايدي قال : النساء # هذا والمعروف في هذا وقفه وقد رواه الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة ~~مرفوعا إلى النبي # وقال ابن أبي الدنيا في كتاب مكايد الشيطان وحيله : حدثنا أبو بكر ~~التميمي حدثنا ابن أبي مريم حدثنا يحيى بن أيوب قال حدثنا ابن زجر عن علي ~~بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن رسول اللهقال : إن إبليس لما أنزل إلى ~~الأرض قال : يا رب أنزلتني إلى الأرض وجعلتني رجيما فاجعل لي بيتا قال : ~~الحمام قال : فاجعل لي مجلسا قال : الأسواق ومجامع الطرقات قال : فاجعل لي ~~طعاما قال : كل ما لم يذكر اسم الله عليه قال : فاجعل لي شرابا قال : كل ~~مسكر قال : فاجعل لي مؤذنا قال : المزمار قال : فاجعل لي قرآنا قال : الشعر ~~قال : فاجعل لي كتابا قال : الوشم قال : فاجعل لي حديثا قال : الكذب قال : ~~فاجعل لي رسلا قال : الكهنة قال : فاجعل لي مصايد قال : النساء وشواهد هذا ~~الأثر كثيرة فكل جملة منه لها شواهد من السنة أو من القرآن PageV01P251 ~~فكون السحر من عمل الشيطان شاهده قوله تعالى : # واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر [ البقره : 102 ] # وأما كون الشعر قرآنه فشاهده : ما رواه أبو داود في سننه من حديث جبير بن ~~مطعم : أنه رأى رسول اللهيصلي فقال : الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا الله ~~أكبر كبيرا الحمد لله كثيرا الحمد لله ms217 كثيرا الحمد لله كثيرا وسبحان الله ~~بكرة وأصيلا ثلاثا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : من نفخه ونفثه وهمزه قال ~~: نفثه الشعر ونفخه : الكبر وهمزه : الموتة # ولما علم الله رسوله القرآن وهو كلامه صانه عن تعليم قرآن الشيطان وأخبر ~~أنه لا ينبغي له فقال : # وما علمناه الشعر وما ينبغي له [ يس : 69 ] # وأما كون الوشم كتابه فإنه من عمله وتزيينه ولهذا لعن رسول اللهالواشمة ~~والمستوشمة فلعن الكاتبة والمكتوب عليها # وأما كون الميتة ومتروك التسمية طعامه فإن الشيطان يستحل الطعام إذا لم ~~يذكر عليه اسم الله عز وجل ويشارك آكله والميتة لا يذكر عليها اسم الله ~~تعالى فهي وكل طعام لا يذكر عليه اسم الله عز وجل من طعامه ولهذا لما سأل ~~الجن الذين آمنوا برسول اللهالزاد قال : لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه فلم ~~يبح لهم طعام الشياطين وهو متروك التسمية # وأما كون المسكر شرابه فقال تعالى : # يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان [ المائده : 90 ] فهو يشرب من الشراب الذي عمله أولياؤه بأمره ~~وشاركهم في عمله فيشاركهم في عمله وشربه وإثمه وعقوبته # وأما كون الأسواق مجلسه ففي الحديث الآخر : أنه يركز رايته بالسوق ولهذا ~~يحضره PageV01P252 اللغو واللغط والصخب والخيانة والغش وكثير من عمله وفي ~~صفة النبيفي الكتب المتقدمة : أنه ليس صخابا بالأسواق # وأما كون الحمام بيته فشاهده كونه غير محل للصلاة وفي حديث أبي سعيد : ~~الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ولأنه محل كشف العورات وهو بيت مؤسس ~~على النار وهي مادة الشيطان التي خلق منها # وأما كون المزمار مؤذنه ففي غاية المناسبة فإن الغناء قرآنه والرقص ~~والتصفيق اللذين هما المكاء والتصدية صلاته فلابد لهذه الصلاة من مؤذن وإما ~~ومأموم فالمؤذن المزمار والإمام المغني والمأموم الحاضرون # وأما كون الكذب حديثه فهو الكاذب الآمر بالكذب المزين له فكل كذب يقع في ~~العالم فهو من تعليمه وحديثه # وأما كون الكهنة رسله فلأن المشركين يهرعون إليهم ويفزعون إليهم في ~~أمورهم العظام ويصدقونهم ويتحاكمون إليهم ويرضون بحكمهم ms218 كما يفعل أتباع ~~الرسل بالرسل فإنهم يعتقدون أنهم يعلمون الغيب ويخبرون عن المغيبات التي لا ~~يعرفها غيرهم فهم عند المشركين بهم بمنزلة الرسل فالكهنة رسل الشيطان حقيقة ~~أرسلهم إلى حزبه من المشركين وشبههم بالرسل الصادقين حتى استجاب لهم حزبه ~~ومثل رسل الله بهم لينفر عنهم ويجعل رسله هم الصادقين العالمين بالغيب ولما ~~كان بين النوعين أعظم التضاد قال رسول الله من أتى كاهنا فصدقه بما يقول ~~فقد كفر بما أنزل على محمد فإن الناس قسمان : أتباع الكهنة وأتباع رسل الله ~~فلا يجتمع في العبد أن يكون من هؤلاء وهؤلاء بل يبعد عن رسول اللهبقدر قربه ~~من الكاهن ويكذب الرسول بقدر تصديقه للكاهن PageV01P253 # وقوله : اجعل لي مصايد قال : مصايدك النساء فالنساء أعظم شبكة له يصاد ~~بهن الرجال كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الفصل الذي بعد هذا # والمقصود : أن الغناء المحرم قرآن الشيطان # ولما أراد عدو الله أن يجمع عليه نفوس المبطلين قرنه بما يزينه من ~~الألحان المطربة وآلات الملاهي والمعازف وأن يكون من امرأة جميلة أو صبي ~~جميل ليكون ذلك أدعى إلى قبول النفوس لقرآنه وتعوضها به عن القرآن المجيد # | فصل وأما تسميته بالصوت الأحمق والصوت الفاجر # فهي تسمية الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى # فروى الترمذي من حديث ابن أبي ليلى عن عطاء عن جابر رضي الله عنه قال : ~~خرج رسول اللهمع عبدالرحمن بن عوف إلى النخل فإذا ابنه إبراهيم يجود بنفسه ~~فوضعه في حجره ففاضت عيناه فقال عبدالرحمن : أتبكي وأنت تنهى الناس قال : ~~إني لم أنه عن البكاء وإنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين : صوت عند نغمة : ~~لهو ولعب ومزامير شيطان وصوت عند مصيبة : خمش وجوه وشق جيوب ورنة وهذا هو ~~رحمة ومن لا يرحم لا يرحم لولا أنه أمر حق ووعد صدق وأن آخرنا سيلحق أولنا ~~لحزنا عليك حزنا هو أشد من هذا وإنا بك لمحزونون تبكي العين ويحزن القلب ~~ولا نقول ما يسخط الرب قال الترمذي : + هذا حديث حسن + # فانظر إلى هذا النهي المؤكد ms219 بتسميته صوت الغناء صوتا أحمق ولم يقتصر على ~~ذلك حتى وصفه بالفجور ولم يقتصر على ذلك حتى سماه من مزامير الشيطان وقد ~~أقر النبيأبا بكر الصديق على تسمية الغناء مزمور الشيطان في الحديث الصحيح ~~كما سيأتي فإن لم يستفد التحريم من هذا لم نستفده من نهي أبدا # وقد اختلف في قوله : لا تفعل وقوله نهيت عن كذا أيهما أبلغ في التحريم ~~PageV01P254 والصواب بلا ريب : أن صيغة نهيت أبلغ في التحريم لأن لا تفعل ~~يحتمل النهي وغيره بخلاف الفعل الصريح # فكيف يستحيز العارف إباحة ما نهى عنه رسول الله وسماه صوتا أحمق فاجرا ~~ومزمور الشيطان وجعله والنياحة التي لعن فاعلها أخوين وأخرج النهي عنهما ~~مخرجا واحدا ووصفهما بالحمق والفجور وصفا واحدا # وقال الحسن : صوتان ملعونان : مزمار عند نغمه ورنة عند مصيبة # وقال أبو بكر الهذلي : قلت للحسن : أكان نساء المهاجرات يصنعن ما يصنع ~~النساء اليوم قال : لا ولكن ههنا خمش وشق جيوب ونتف أشعار ولطم خدود ~~ومزامير شيطان صوتان قبيحان فاحشان : عند نغمة إن حدثت وعند مصيبة إن نزلت ~~ذكر الله المؤمنين فقال : والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم [ ~~المعارج : 24 ] وجعلتم أنتم في أموالكم حقا معلوما للمغنية عند النغمة ~~والنائحة عند المصيبة # | فصل وأما تسميته صوت الشيطان # فقد قال تعالى للشيطان وحزبه اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاءكم جزاء ~~موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في ~~الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا [ الاسراء : 63 ] # قال ابن أبي حاتم في تفسيره : حدثنا أبي أخبرنا أبو صالح كاتب الليث ~~حدثنا معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس واستفزز من استطعت ~~منهم بصوتك [ الاسراء : 63 ] قال : كل داع إلى معصية # ومن المعلوم أن الغناء من أعظم الدواعي إلى المعصية ولهذا فسر صوت ~~الشيطان به # قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي أخبرنا يحيى بن المغيرة أخبرنا جرير عن ليث ~~عن مجاهد PageV01P255 واستفزز من استطعت منهم بصوتك [ الاسراء : 63 ] قال : ~~استزل منهم ms220 من استطعت قال وصوته الغناء والباطل # وبهذا الإسناد إلى جرير عن منصور عن مجاهد قال : صوته هو المزامير # ثم روى بإسناده عن الحسن البصري قال : صوته هو الدف # وهذه الإضافة إضافة تخصيص كما أن إضافة الخيل والرجل إليه كذلك فكل متكلم ~~بغير طاعة الله ومصوت بيراع أو مزمار أو دف حرام أو طبل فذلك صوت الشيطان ~~وكل ساع في معصية الله على قدميه فهو من رجله وكل راكب في معصية الله فهو ~~خيالته كذلك قال السلف كما ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : رجله كل رجل ~~مشت في معصية الله # وقال مجاهد : كل رجل يقاتل في غير طاعة الله فهو من رجله # وقال قتادة : إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس # | فصل وأما تسميته مزمور الشيطان ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها # قالت : دخل على النبيوعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش ~~وحول وجهه ودخل أبو بكر رضي الله عنه فانتهرني وقال : مزمار الشيطان عند ~~النبي فأقبل عليه رسول الله فقال : دعهما فلما غفل غمزتهما فخرجتا ~~PageV01P256 فلم ينكر رسول اللهعلى أبي بكر تسمية الغناء مزمار الشيطان ~~وأقرهما لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب الذي قيل في يوم ~~حرب بعاث من الشجاعة والحرب وكان اليوم يوم عيد فتوسع حزب الشيطان في ذلك ~~إلى صوت امرأة جميلة أجنبية أو صبي أمرد صوته فتنة وصورته فتنة يغني بما ~~يدعو إلى الزنى والفجور وشرب الخمور مع آلات اللهو التي حرمها رسول اللهفي ~~عدة أحاديث كما سيأتي مع التصفيق والرقص وتلك الهيئة المنكرة التي لا ~~يستحلها أحد من أهل الأديان فضلا عن أهل العلم والإيمان ويحتجون بغناء جوير ~~يتين غير مكلفتين بنشيد الأعراب ونحوه في الشجاعة ونحوها في يوم عيد بغير ~~شبابة ولا دف ولا رقص ولا تصفيق ويدعون المحكم الصريح لهذا المتشابه وهذا ~~شأن كل مبطل # نعم نحن لا نحرم ولا نكره مثل ما كان في بيت رسول اللهعلى ذلك الوجه ~~وإنما نحرم نحن وسائر أهل العلم والإيمان السماع ms221 المخالف لذلك وبالله ~~التوفيق PageV01P257 # | فصل وأما تسميته بالسمود # فقد قال تعالى : أفمن هكذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون ~~[ النجم : 59 ] قال عكرمة عن ابن عباس : السمود : الغناء في لغة حمير يقال ~~: اسمدى لنا أي غنى لنا وقال أبو زبيد : # وكأن العزيف فيها غناء % للندامى من شارب مسمود # قال أبو عبيدة : المسمود : الذي غنى له وقال عكرمة : كانوا إذا سمعوا ~~القرآن تغنوا فنزلت هذه الآية # وهذا لا يناقض ما قيل في هذه الآية من أن السمود الغفلة والسهو عن الشيء ~~قال المبرد : هو الاشتغال عن الشيء بهم أو فرح يتشاغل به وأنشد : # رمى الحدثان نسوة آل حرب % بمقدار سمدن له سمودا # وقال ابن الأنباري : السامد اللاهي والسامد الساهي والسامد المتكبر ~~والسامد القائم # وقال ابن عباس في الآية : وأنتم مستكبرون وقال الضحاك أشرون بطرون وقال ~~مجاهد : غضاب مبرطمون وقال غيره : لا هون غافلون معرضون # فالغناء يجمع هذا كله ويوجبه فهذه أربعة عشر اسما سوى اسم الغناء # | فصل في بيان تحريم رسول اللهالصريح لآلات اللهو والمعازف وسياق # الأحاديث في ذلك عن عبدالرحمن بن غنم قال : حدثني أبو عامر أو أبو مالك ~~الأشعري رضي الله عنهما أنه سمع النبييقول : ليكونن من أمتي قوم يستحلون ~~الحر PageV01P258 والحرير والخمر والمعازف هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في ~~صحيحه محتجا به وعلقه تعليقا مجزوما به فقال : باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ~~ويسميه بغير اسمه وقال هشام ابن عمار : حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عبدالرحمن ~~بن يزيد بن جابر حدثنا عطية بن قيس الكلابي حدثني عبدالرحمن بن غنم الأشعرى ~~قال حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري والله ما كذبني أنه سمع النبييقول ~~ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ولينزلن أقوام ~~إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة فيقولوا : ارجع إلينا غدا ~~فيبيتهم الله تعالى ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة # ولم يصنع من قدح في صحة هذا الحديث شيئا كابن حزم نصرة لمذهبه الباطل في ~~إباحة الملاهي ms222 وزعم أنه منقطع لأن البخاري لم يصل سنده به وجواب هذا الوهم ~~من وجوه : PageV01P259 # أحدها : أن البخاري قد لقى هشام بن عمار وسمع منه فإذا قال : قال هشام ~~فهو بمنزلة قوله عن هشام # الثاني : أنه لو لم يسمع منه فهو لم يستجز الجزم به عنه إلا وقد صح عنه ~~أنه حدث به وهذا كثيرا ما يكون لكثرة من رواه عنه عن ذلك الشيخ وشهرته ~~فالبخاري أبعد خلق الله من التدليس # الثالث : أنه أدخله في كتابه المسمى بالصحيح محتجا به فلولا صحته عنده ~~لما فعل ذلك # الرابع : أنه علقه بصيغة الجزم دون صيغة التمريض فإنه إذا توقف في الحديث ~~أو لم يكن على شرطه يقول : ويروى عن رسول الله ويذكر عنه ونحو ذلك : فإذا ~~قال : قال رسول الله فقد جزم وقطع بإضافته إليه # الخامس : أنا لو أضربنا عن هذا كله صفحا فالحديث صحيح متصل عند غيره # قال أبو داود في كتاب العباس : حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا بشر بن ~~بكر عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا عطية بن قيس قال : سمعت عبدالرحمن ~~بن غنم الأشعري قال حدثنا أبو عامر أو أبو مالك فذكره مختصرا ورواه أبو بكر ~~الإسماعيلي في كتابه الصحيح مسندا فقال : أبو عامر ولم يشك # ووجه الدلالة منه : أن المعازف هي آلات اللهو كلها لا خلاف بين أهل اللغة ~~في ذلك ولو كانت حلالا لما ذمهم على استحلالها ولما قرن استحلالها باستحلال ~~الخمر والخز فإن كان بالحاء والراء المهملتين فهو استحلال الفروج الحرام ~~وإن كان بالخاء والزاى المعجمتين فهو نوع من الحرير غير الذي صح عن الصحابة ~~رضي الله عنهم لبسه إذ الخز نوعان أحدهما : من حرير والثاني : من صوف وقد ~~روى هذا الحديث بالوجهين # وقال ابن ماجه في سننه : حدثنا عبدالله بن سعيد عن معاوية بن صالح عن ~~حاتم ابن حريث عن ابن أبي مريم عن عبدالرحمن بن غنم الأشعري عن أبي مالك ~~الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول اللهليشربن ناس من أمتي الخمر ~~PageV01P260 يسمونها ms223 بغير اسمها يعزف على رءوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف ~~الله بهم الأرض ويجعل منهم قردة وخنازير + وهذا إسناد صحيح + وقد توعد ~~مستحلي المعازف فيه بأن يخسف الله بهم الأرض ويمسخهم قردة وخنازير وإن كان ~~الوعيد على جميع هذه الأفعال فلكل واحد قسط في الذم والوعيد # وفي الباب عن سهل بن سعد الساعدي وعمران بن حصين وعبدالله بن عمرو ~~وعبدالله بن عباس وأبي هريرة وأبي أمامة الباهلي وعائشة أم المؤمنين وعلي ~~ابن أبي طالب وأنس بن مالك وعبدالرحمن بن سابط والغازي بن ربيعة # ونحن نسوقها لتقر بها عيون أهل القرآن وتشجى بها حلوق أهل سماع الشيطان # فأما حديث سهل بن سعد فقال ابن أبي الدنيا : أخبرنا الهيثم بن خارجة ~~حدثنا عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي قال : ~~قال رسول الله يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ قيل : يا رسول الله متى قال : ~~إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمرة # وأما حديث عمران بن حصين فرواه الترمذي من حديث الأعمش عن هلال بن يساف ~~عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله يكون في أمتي قذف وخسف ومسخ فقال رجل ~~من المسلمين : متى ذاك يا رسول الله قال : إذا ظهرت القيان والمعازف وشربت ~~الخمور قال الترمذي : + هذا حديث غريب + # وأما حديث عبدالله بن عمرو فروى أحمد في مسنده وأبو داود عنه أن النبيقال ~~: إن الله تعالى حرم على أمتي الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وكل مسكر ~~حرام # وفي لفظ آخر لأحمد : إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمزر والكوبة ~~والقنين PageV01P261 # وأما حديث ابن عباس ففي المسند أيضا : عنه أن رسول اللهقال : إن الله حرم ~~الخمر والميسر والكوبة وكل مسكر حرام والكوبة الطبل قاله سفيان وقيل : ~~البربط والقنين هو الطنبور بالحبشية والتقنين : الضرب به قاله ابن الأعرابي # وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه فرواه الترمذي عنه قال : قال رسول الله ~~إذا اتخذ الفىء دولا والأمانة مغنما والزكاة مغرما وتعلم العلم لغير الدين ~~وأطاع الرجل امرأته وعق أمه ms224 وأدنى صديقه وأقصى أباه وظهرت الأصوات في ~~المساجد وساد القبيلة فاسقهم وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره ~~وظهرت القينات والمعازف وشربت الخمر ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا ~~عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا وآيات تتابع كنظام بال قطع ~~سلكه فتتابع قال الترمذي : + هذا حديث حسن غريب + # وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا عبدالله بن عمر الجشمى حدثنا سليمان بن سالم ~~أبو داود حدثنا حسان بن أبي سنان عن رجل عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ~~قال : قال رسول الله يمسخ قوم من هذه الأمة في آخر الزمان قردة وخنازير ~~قالوا : يا رسول الله أليس يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~قال : بلى ويصومون ويصلون ويحجون قيل : فما بالهم قال : اتخذوا المعازف ~~والدفوف والقينات فباتوا على شربهم ولهوهم فأصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير # وأما حديث أبي أمامة الباهلي فهو في مسند أحمد والترمذي عنه عن النبيقال ~~: يبيت طائفة من أمتي على أكل وشرب ولهو ولعب ثم يصبحون قردة وخنازير ويبعث ~~على أحياء من أحيائهم ريح فينسفهم كما نسف من كان قبلكم باستحلالهم الخمر ~~وضربهم بالدفوف واتخاذهم القينات في إسناده فرقد السبخي PageV01P262 وهو من ~~كبار الصالحين ولكنه ليس بقوى في الحديث وقال الترمذي : تكلم فيه يحيى بن ~~سعيد وقد روى عنه الناس # وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا عبدالله بن عمر الجشمي حدثنا جعفر بن سليمان ~~حدثنا فرقد السبخي حدثنا قتادة عن سعيد بن المسيب قال : حدثني عاصم بن عمرو ~~والبجلي عن أبي أمامة عن رسول اللهقال : يبيت قوم من هذه الأمة على طعم ~~وشرب ولهو فيصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير وليصيبنهم خسف وقذف حتى يصبح ~~الناس فيقولون : خسف الليلة بدار فلان خسف الليلة ببني فلان وليرسلن عليهم ~~حجارة من السماء كما أرسلت على قوم لوط على قبائل فيها وعلى دور فيها ~~وليرسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عادا بشربهم الخمر وأكلهم الربا ~~واتخاذهم القينات وقطيعتهم الرحم # وفي مسند أحمد من حديث عبيد الله ms225 بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي ~~أمامة عن النبيقال : إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين وأمرني أن أمحق ~~المزامير والكبارات يعني البرابط والمعازف والأوثان التي كانت تعبد في ~~الجاهلية # قال البخاري : عبيدالله بن زحر ثقة وعلى بن يزيد ضعيف والقاسم بن ~~عبدالرحمن أبو عبدالرحمن ثقة # وفي الترمذي ومسند أحمد بهذا الإسناد بعينه : أن النبيقال : لا تبيعوا ~~القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام وفي ~~مثل هذا نزلت هذه الآية 31 : 6 ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل ~~الله @QB@ الآية @QE@ PageV01P263 # وأما حديث عائشة رضي الله عنها فقال ابن أبي الدنيا حدثنا الحسن بن محبوب ~~حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم حدثنا أبو معشر عن محمد بن المنكدر عن ~~عائشة رضي الله تعالى عنها قالت قال رسول الله يكون في أمتي خسف ومسخ وقذف ~~قالت عائشة يا رسول الله وهم يقولون لا إله إلا الله فقال إذا ظهرت القينات ~~وظهر الزنى وشربت الخمر ولبس الحرير كان ذا عند ذا # وقال ابن أبي الدنيا أيضا حدثنا محمد بن ناصح حدثنا بقية بن الوليد عن ~~يزيد بن عبدالله الجهني حدثني أبو العلاء عن أنس بن مالك أنه دخل على عائشة ~~رضي الله عنها ورجل معه فقال لها الرجل يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة ~~فقال إذا استباحوا الزنى وشربوا الخمر وضربوا بالمعازف غار الله في سمائه ~~فقال تزلزلي بهم فإن تابوا وفزعوا وإلا هدمتها عليهم قال قلت يا أم ~~المؤمنين أعذاب لهم قالت بل موعظة ورحمة وبركة للمؤمنين ونكال وعذاب وسخط ~~على الكافرين قال أنس ما سمعت حديثا بعد رسول الله أنا أشد به فرحا مني ~~بهذا الحديث # وأما حديث علي فقال ابن أبي الدنيا أيضا حدثنا الربيع بن تغلب حدثنا فرج ~~بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن علي عن علي رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء قيل يا ms226 رسول الله وما هن ~~قال إذا كان المغنم دولا والأمانة مغنما والزكاة مغرما وأطاع الرجل زوجته ~~وعق أمه وبر صديقه وجفا أباه وارتفعت الأصوات في المساجد وكان زعيم القوم ~~أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وشربت الخمور ولبس الحرير واتخذت القيان ولعن ~~آخر هذه الآمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وخسفا ومسخا # حدثنا عبدالجبار بن عاصم قال حدثنا أبو طالب قال حدثنا إسماعيل بن عياش ~~عن عبدالرحمن التميمي عن عباد بن أبي علي عن علي رضي الله عنه عن النبي أنه ~~قال تمسخ طائفة من أمتي قردة وطائفة خنازير ويخسف بطائفة ويرسل على طائفة ~~الريح العقيم بأنهم شربوا الخمر ولبسوا الحرير واتخذوا القيان وضربوا ~~بالدفوف PageV01P264 # وأما حديث أنس رضي الله عنه فقال ابن أبي الدنيا حدثنا أبو عمرو هرون بن ~~عمر القرشي حدثنا الخصيب بن كثير عن أبي بكر الهذلي عن قتادة عن أنس رضي ~~الله عنه قال قال رسول الله ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ وذاك إذا ~~شربوا الخمور واتخذوا القينات وضربوا بالمعازف # قال وأنبأنا أبو إسحق الأزدي حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني عبدالرحمن ~~بن زيد بن أسلم عن أحد ولد أنس بن مالك وعن غيره عن أنس بن مالك قال قال ~~رسول الله ليبيتن رجال على أكل وشرب وعزف فيصبحون على أرائكهم ممسوخين قردة ~~وخنازير # وأما حديث عبدالرحمن بن سابط فقال ابن أبي الدنيا حدثنا إسحاق بن إسماعيل ~~حدثنا جرير عن أبان بن تغلب عن عمرو بن مرة عن عبدالرحمن بن سابط قال قال ~~رسول الله يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ قالوا فمتى ذاك يا رسول الله قال إذا ~~أظهروا المعازف واستحلوا الخمور # وأما حديث الغازي بن ربيعة فقال ابن أبي الدنيا حدثنا عبدالجبار بن عاصم ~~حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبيدالله بن عبيد عن أبي العباس الهمداني عن ~~عمارة بن راشد عن الغازي بن ربيعة رفع الحديث قال ليمسخن قوم وهم على ~~أريكتهم قردة وخنازير بشربهم الخمر وضربهم بالبرابط والقيان # قال ابن أبي ms227 الدنيا وحدثنا عبدالجبار بن عاصم قال حدثني المغيرة بن ~~المغيرة عن صالح بن خالد رفع ذلك إلى النبي أنه قال ليستحلن ناس من أمتي ~~الحرير والخمر والمعازف وليأتين الله على أهل حاضر منهم عظيم بجبل حتى ~~ينبذه عليهم ويمسخ آخرون قردة وخنازير # قال ابن أبي الدنيا حدثنا هارون بن عبيدالله حدثنا يزيد بن هرون حدثنا ~~أشرس أبو شيبان الهذلي قال قلت لفرقد السبخي أخبرني يا أبا يعقوب من تلك ~~الغرائب التي قرأت في التوراة فقال يا أبا شيبان والله ما أكذب على ربي ~~مرتين أو ثلاثا لقد قرأت PageV01P265 في التوراة ليكونن مسخ وخسف وقذف في ~~أمة محمد في أهل القبلة قال قلت يا أبا يعقوب ما أعمالهم قال باتخاذهم ~~القينات وضربهم بالدفوف ولباسهم الحرير والذهب ولئن بقيت حتى ترى أعمالا ~~ثلاثة فاستيقن واستعد واحذر قال قلت ما هي قال إذا تكافأ الرجال بالرجال ~~والنساء بالنساء ورغبت العرب في آنية العجم فعند ذلك قلت له العرب خاصة قال ~~لا بل أهل القبلة ثم قال والله ليقذفن رجال من السماء بحجارة يشدخون بها في ~~طرقهم وقبائلهم كما فعل بقوم لوط وليمسخن آخرون قردة وخنازير كما فعل ببني ~~إسرائيل وليخسفن بقوم كما خسف بقارون # وقد تظاهرت الأخبار بوقوع المسخ في هذه الأمة وهو مقيد في أكثر الأحاديث ~~بأصحاب الغناء وشاربي الخمر وفي بعضها مطلق # قال سالم بن أبي الجعد ليأتين على الناس زمان يجتمعون فيه على باب رجل ~~ينتظرون أن يخرج إليهم فيطلبون إليه حاجة فيخرج إليهم وقد مسخ قردا أو ~~خنزيرا وليمرن الرجل على الرجل في حانوته يبيع فيرجع إليه وقد مسخ قردا أو ~~خنزيرا # وقال أبو هريرة رضي الله عنه لا تقوم الساعة حتى يمشي الرجلان إلى الأمر ~~يعملانه فيمسخ أحدهما قردا أو خنزيرا فلا يمنع الذي نجا منهما ما رأى ~~بصاحبه أن يمضي إلى شأنه ذلك حتى يقضي شهوته وحتى يمشي الرجلان إلى الأمر ~~يعملانه فيخسف بأحدهما فلا يمنع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمشي ~~لشأنه ذلك حتى ms228 يقضي شهوته منه # وقال عبدالرحمن بن غنم سيكون حيان متجاورين فيشق بينهما نهر فيستقيان منه ~~قبسهم واحد يقبس بعضهم من بعض فيصبحان يوما من الأيام قد خسف بأحدهما ~~والآخر حي # وقال عبدالرحمن بن غنم أيضا يوشك أن يقعد اثنان على رحا يطحنان فيمسخ ~~أحدهما والآخر ينظر PageV01P266 # وقال مالك بن دينار بلغني أن ريحا تكون في آخر الزمان وظلم فيفزع الناس ~~إلى علمائهم فيجدونهم قد مسخوا # قال بعض أهل العلم إذا اتصف القلب بالمكر والخديعة والفسق وانصبغ بذلك ~~صبغا تاما صار صاحبه على خلق الحيوان الموصوف بذلك من القردة والخنازير ~~وغيرهما ثم لا يزال يتزايد ذلك الوصف فيه حتى يبدو على صفحات وجهه بدوا ~~خفيا ثم يقوى ويتزايد حتى يصير ظاهرا على الوجه ثم يقوى حتى يقلب الصورة ~~الظاهرة كما قلب الهيئة الباطنة ومن له فراسة تامة يرى على صور الناس مسخا ~~من صور الحيوانات التي تخلقوا بأخلاقها في الباطن فقل أن ترى محتالا مكارا ~~مخادعا ختارا إلا وعلى وجهه مسخة قرد وقل أن ترى رافضيا إلا وعلى وجهه مسخة ~~خنزير وقل أن ترى شرها نهما نفسه نفس كلبية إلا وعلى وجهه مسخة كلب فالظاهر ~~مرتبط بالباطن أتم ارتباط فإذا استحكمت الصفات المذمومة في النفس قويت على ~~قلب الصورة الظاهرة ولهذا خوف النبي من سابق الإمام في الصلاة بأن يجعل ~~الله صورته صورة حمار لمشابهته للحمار في الباطن فإنه لم يستفد بمسابقة ~~الإمام إلا فساد صلاته وبطلان أجره فإنه لا يسلم قبله فهو شبيه بالحمار في ~~البلادة وعدم الفطنة # إذا عرف هذا فأحق الناس بالمسخ هؤلاء الذين ذكروا في هذه الأحاديث فهم ~~أسرع الناس مسخا قردة وخنازير لمشابهتهم لهم في الباطن وعقوبات الرب تعالى ~~نعوذ بالله منها جارية على وفق حكمته وعدله # وقد ذكرنا شبه المغنين والمفتونين بالسماع الشيطاني ونقضناها نقضا ~~وإبطالا في كتابنا الكبير في السماع وذكرنا الفرق بين ما يحركه سماع ~~الأبيات وما يحركه سماع الآيات PageV01P267 وذكرنا الشبه التي دخلت على ~~كثير من العباد في حضوره حتى عدوه من ms229 القرب فمن أحب الوقوف على ذلك فهو ~~مستوفى في ذلك الكتاب وإنما أشرنا ههنا إلى نبذة يسيرة في كونه من مكايد ~~الشيطان وبالله التوفيق # | فصل ومن مكايده التي بلغ فيها مراده مكيدة التحليل الذي لعن رسول # الله فاعله وشبهه بالتيس المستعار وعظم بسببه العار والشنار وعير ~~المسلمين به الكفار وحصل بسببه من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد ~~واستكريت له التيوس المستعارات وضاقت بها ذرعا النفوس الأبيات ونفرت منه ~~أشد من نفارها من السفاح وقالت لو كان هذا نكاحا صحيحا لم يلعن رسول الله ~~من أتى بما شرعه من النكاح فالنكاح سنته وفاعل السنة مقرب غير ملعون ~~والمحلل مع وقوع اللعنة عليه بالتيس المستعار مقرون فقد سماه رسول الله ~~بالتيس المستعار وسماه السلف بمسمار النار فلو شاهدت الحرائر المصونات على ~~حوانيت المحللين متبذلات تنظر المرأة إلى التيس نظر الشاة إلى شفرة الجازر ~~وتقول يا ليتني قبل هذا كنت من أهل المقابر حتى إذا تشارطا على ما يجلب ~~اللعنة والمقت نهض واستتبعها خلفه للوقت بلا زفاف ولا إعلان بل بالتخفي ~~والكتمان فلا جهاز ينقل ولا فراش إلى بيت الزوج يحول ولا صواحب يهدينا إليه ~~ولا مصلحات يجلينها عليه ولا مهر مقبوض ولا مؤخر ولا نفقة ولا كسوة تقدر ~~ولا وليمة ولا نثار ولا دف ولا إعلان ولا شغار والزوج يبذل المهر وهذا ~~التيس يطأ بالأجر حتى إذا خلا بها وأرخى الحجاب والمطلق والولي واقفان على ~~الباب دنا ليطهرها بمائة النجس الحرام ويطيبها بلعنة الله ورسوله عليه ~~الصلاة والسلام حتى إذا قضيا عرس التحليل ولم يحصل بينهما المودة والرحمة ~~التي ذكرها الله تعالى في التنزيل فإنها لا تحصل باللعن الصريح ولا يوجبها ~~إلا النكاح الجائز الصحيح فإن كان قد قبض أجرة ضرابه سلفا وتعجيلا وإلا ~~حبسها حتى تعطيه أجره طويلا فهل سمعتم زوجا لا يأخذ بالساق PageV01P268 حتى ~~يأخذ أجرته بعد الشرط والإتفاق حتى إذا طهرها وطيبها وخلصها بزعمه من ~~الحرام وجنبها قال لها اعترفي بما جرى بيننا ليقع عليك الطلاق فيحصل ms230 بعد ~~ذلك بينكما الالتئام والإتفاق فتأتي المصخمة إلى حضرة الشهود فيسألونها هل ~~كان ذاك فلا يمكنها الجحود فيأخذون منها أو من المطلق أجرا وقد أرهقوهما من ~~أمرهما عسرا هذا وكثير من هؤلاء المستأجرين للضراب يحلل الأم وابنتها في ~~عقدين ويجمع ماءه في أكثر من أربع وفي رحم أختين وإذا كان هذا من شأنه ~~وصفته فهو حقيق بما رواه عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال لعن رسول ~~الله المحلل والمحلل له رواه الحاكم في الصحيح والترمذي وقال + حديث حسن ~~صحيح + قال والعمل عليه عند أهل العلم منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ~~وعبدالله بن عمر رضي الله عنهم وهو قول الفقهاء من التابعين # ورواه الإمام أحمد في مسنده والنسائي في سننه + بإسناد صحيح + ولفظها لعن ~~رسول الله الواشمة والمؤتشمة والواصلة والموصولة والمحلل والمحلل له وآكل ~~الربا وموكله # وفي مسند الإمام أحمد وسنن النسائي أيضا عن عبدالله بن مسعود رضي الله ~~عنه قال آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه إذا علموا به والواصلة والمستوصلة ~~ولاوى الصدقة والمعتدى فيها والمرتد على عقبيه أعرابيا بعد هجرته والمحلل ~~والمحلل له ملعونون على لسان محمد يوم القيامة # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي محمد أنه لعن المحلل والمحلل ~~له رواه الإمام أحمد وأهل السنن كلهم غير النسائي # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله PageV01P269 لعن الله ~~المحلل والمحلل له رواه الإمام أحمد + بإسناد رجاله كلهم ثقات وثقهم ابن ~~معين وغيره + # وقال الترمذي في كتاب العلل سألت أبا عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري عن ~~هذا الحديث فقال + هو حديث حسن + وعبدالله بن جعفر المخزومي صدوق ثقة ~~وعثمان بن محمد الأخنسي ثقة # وقال أبو عبدالله بن ماجه في سننه حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو عامر عن ~~زمعة بن صالح عن سلمة بن وهران عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ~~لعن رسول الله المحلل والمحلل له # وعن ابن عباس أيضا قال سئل رسول الله عن المحلل ms231 فقال لا إلا نكاح رغبة لا ~~نكاح دلسة ولا استهزاء بكتاب الله ثم تذوق العسيلة رواه أبو إسحق الجوزجاني ~~في كتاب المترجم قال أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حنيفة عن داود بن ~~حصين عن عكرمة عنه + وهؤلاء كلهم ثقات إلا إبراهيم فإن كثيرا من الحفاظ ~~يضعفه والشافعي حسن الرأي فيه ويحتج بحديثه + # وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال قال رسول الله ألا أخبركم بالتيس ~~المستعار قالوا بلى يا رسول الله قال هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له ~~رواه ابن ماجة + بإسناد رجاله كلهم موثقون لم يجرح واحد منهم + # وعن عمرو بن دينار وهو من أعيان التابعين أنه سئل عن رجل طلق امرأته فجاء ~~رجل من أهل القرية بغير علمه ولا علمها فأخرج شيئا من ماله فتزوجها ليحلها ~~له فقال لا ثم ذكر أن النبي سئل عن مثل ذلك فقال لا حتى ينكح مرتغبا لنفسه ~~فإذا فعل ذلك لم يحل له حتى يذوق العسيلة ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في ~~المصنف + بإسناد جيد + # وهذا المرسل قد احتج به من أرسله فدل على ثبوته عنده وقد عمل به أصحاب ~~رسول الله كما سيأتي وهو موافق لبقية الأحاديث الموصولة ومثل هذا حجة ~~PageV01P270 باتفاق الأئمة وهو والذي قبله نص في التحليل المنوي وكذلك حديث ~~نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا قال له امرأة تزوجتها أحلها لزوجها ~~لم يأمرني ولم يعلم قال لا إلا نكاح رغبة إن أعجبتك أمسكتها وإن كرهتها ~~فارقتها وإن كنا لنعد هذا على عهد رسول الله سفاحا ذكره شيخ الإسلام في ~~إبطال التحليل # | فصل وأما الآثار عن الصحابة ففي كتاب المصنف لابن أبي شيبة وسنن # الأثرم والأوسط لابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لا ~~أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما ولفظ عبدالرزاق وابن المنذر لا أوتى ~~بمحلل ولا محللة إلا رجمتهما + وهو صحيح عن عمر + # وقال عبدالرزاق عن معمر والزهري عن عبد الملك بن المغيرة قال سئل ms232 ابن عمر ~~رضي الله عنهما عن تحليل المرأة لزوجها فقال ذاك السفاح ورواه ابن أبي شيبة # وقال عبدالرزاق أخبرنا الثوري عبدالله بن شريك العامري سمعت ابن عمر رضي ~~الله تعالى عنهما سئل عن رجل طلق ابنة عم له ثم رغب فيها وندم فأراد أن ~~يتزوجها رجل يحللها له فقال ابن عمر رضي الله عنهما كلاهما زان وإن مكث ~~عشرين سنة أو نحو ذلك إذا كان الله يعلم أنه يريد أن يحلها له # قال وأخبرنا معمر عن الثوري عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما وسأله رجل فقال إن عمي طلق امرأته ثلاثا فقال إن عمك عصى الله ~~فأندمه وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا قال كيف ترى في رجل يحللها قال من ~~يخادع الله يخدعه PageV01P271 # وعن سليمان بن يسار قال رفع إلى عثمان رضي الله عنه رجل تزوج امرأة ~~ليحلها لزوجها ففرق بينهما وقال لا ترجع إليه إلا بنكاح رغبة غير دلسة رواه ~~أبو إسحق الجوزجاني في كتاب المترجم وذكره ابن المنذر عنه في كتاب الأوسط # وفي المهذب لأبي إسحق الشيرازي عن أبي مرزوق التجيبي أن رجلا أتى عثمان ~~رضي الله عنه فقال إن جاري طلق امرأته في غضبه ولقي شدة فأردت أن أحتسب ~~نفسي ومالي فأتزوجها ثم أبني بها ثم أطلقها فترجع إلى زوجها فقال له عثمان ~~رضي الله عنه لا تنكحها إلا نكاح رغبة # وذكر أبو بكر الطرطوشي في خلافه عن يزيد بن أبي حبيب عن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه في المحلل لا ترجع إليه إلا بنكاح رغبة غير دلسة ولا استهزاء ~~بكتاب الله وعلي رضي الله عنه هو ممن روى عن النبي أنه لعن المحلل فقد جعل ~~هذا من التحليل # وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لعن الله ~~المحلل والمحلل له وهو ممن روى عن النبي لعن المحلل وقد فسره بما قصد به ~~التحليل وإن لم تعلم به المرأة فكيف بما اتفقا ms233 عليه وتراضيا وتعاقدا على ~~أنه نكاح لعنة لا نكاح رغبة # وذكر ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال لعن الله المحلل ~~والمحلل له # وروى الجوزجاني + بإسناد جيد + عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سئل عن رجل ~~تزوج امرأة ليحلها لزوجها فقال لعن الله الحال والمحلل له # قال شيخ الإسلام وهذه الآثار عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر رضي ~~الله عنهم مع أنها نصوص فيما إذا قصد التحليل ولم يظهره ولم يتواطآ عليه ~~فهي مبينة أن هذا هو التحليل وهو المحلل الملعون على لسان رسول الله فإن ~~أصحاب رسول الله أعلم بمراده ومقصوده لا سيما إذا رووا حديثا وفسروه بما ~~يوافق الظاهر هذا مع أنه لم يعلم أن أحدا من أصحاب رسول الله فرق بين تحليل ~~وتحليل ولا رخص في شيء من أنواعه مع أن المطلقة PageV01P272 ثلاثا مثل ~~امرأة رفاعة القرظي قد كانت تختلف إليه المدة الطويلة وإلى خلفائه لتعود ~~إلى زوجها فيمنعونها من ذلك ولو كان التحليل جائزا لدلها رسول الله على ذلك ~~فإنها لم تكن تعدم من يحللها لو كان التحليل جائزا # قال والأدلة الدالة على أن هذه الأحاديث النبوية قصد بها التحليل وإن لم ~~يشترط في العقد كثيرة جدا ليس هذا موضع ذكرها انتهى # | ذكر الآثار عن التابعين # قال عبدالرزاق أخبرنا معمر عن قتادة قال إذا نوى الناكح أو المنكح أو ~~المرأة أو أحد منهم التحليل فلا يصلح # أخبرنا ابن جريج قال قلت لعطاء المحلل عامدا هل عليه عقوبة قال ما علمت ~~وإني لأرى أن يعاقب قال وكلهم إن تمالؤا على ذلك مسيئون وإن أعظموا الصداق # أخبرنا معمر عن قتادة قال إن طلقها المحلل فلا يحل لزوجها الأول أن يقر ~~بها إذا كان نكاحه على وجه التحليل # أخبرنا ابن جريج قال قلت لعطاء فطلق المحلل فراجعها زوجها قال يفرق ~~بينهما # أخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول في رجل تزوج امرأة يحللها ولا يعلمها ~~فقال الحسن اتق الله ولا تكن مسمار نار في ms234 حدود الله # قال ابن المنذر وقال إبراهيم النخعي إذا كان نية أحد الثلاثة الزوج الأول ~~أو الزوج الآخر أو المرأة أنه محلل فنكاح الآخر باطل ولا تحل للأول ~~PageV01P273 # قال وقال الحسن البصري إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل فقد أفسد # قال وقال بكر بن عبدالله المزني في الحال والمحلل له أولئك كانوا يسمون ~~في الجاهلية التيس المستعار # قال وقال عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى إن ظنا أن يقيما ~~حدود الله قال إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة ورواه ابن أبي حاتم في ~~التفسير عنه # وقال هشيم أخبرنا سيار عن الشعبي أنه سئل عن رجل تزوج امرأة كان زوجها ~~طلقها ثلاثا قبل ذلك أيطلقها لترجع إلى زوجها الأول فقال لا حتى يحدث نفسه ~~أنه يعمر معها وتعمر معه أي تقيم معه رواه الجوزجاني # ورورى النفيلي حدثنا يحيى بن عبدالملك بن أبي غنية حدثنا عبدالملك عن ~~عطاء في الرجل يطلق المرأة فينطلق الرجل الذي يتحزن له فيتزوجها من غير ~~مؤامرة منه فقال إن كان تزوجها ليحلها له لم تحل له وإن كان تزوجها يريد ~~إمساكها فقد حلت له # وقال سعيد بن المسيب في رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها الأول ولم يشعر ~~بذلك زوجها الأول ولا المرأة قال إن كان إنما نكحها ليحلها فلا يصلح ذلك ~~لهما ولا تحل له رواه حرب في مسائله # وعنه أيضا قال إن الناس يقولون حتى يجامعها وأنا أقول إذا تزوجها تزوجا ~~صحيحا لا يريد بذلك إحلالها فلا بأس أن يتزوجها الأول رواه سعيد بن منصور ~~عنه # فهؤلاء الأئمة الأربعة أركان التابعين وهم الحسن وسعيد بن المسيب وعطاء ~~بن أبي رباح وإبراهيم النخعي # وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد في رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها الأول وهو ~~لا يعلم قال لا يصلح ذلك إذا كان تزوجها ليحلها PageV01P274 # | ذكر الآثار عن تابعي التابعين ومن بعدهم # قال ابن المنذر : وممن قال : إن ذلك لا يصلح إلا نكاح رغبة : مالك ابن ~~أنس والليث ابن سعد وقال مالك ms235 رحمه الله : يفرق بينهما على كل حال وتكون ~~الفرقة فسخا بغير طلاق # وقال سفيان الثوري : إذا تزوجها وهو يريد أن يحلها لزوجها ثم بدا له أن ~~يمسكها لا يعجبني إلا أن يفارق ويستقبل نكاحا جديدا # قال أحمد بن حنبل : جيد # وقال إسحاق : لا يحل له أن يمسكها لأن المحلل لم تتم له عقدة النكاح # وكان أبو عبيد يقول بقول الحسن والنخعي # وقال الجوزجاني : حدثنا إسماعيل بن سعيد قال : سألت أحمد بن حنبل عن ~~الرجل يتزوج المرأة وفي نفسه أن يحللها لزوجها الأول ولم تعلم المرأة بذلك ~~فقال : هو محلل وإذا أراد بذلك الإحلال فهو ملعون # وقال الجوزجاني : وبه قال أيوب وقال ابن أبي شيبة : لست أرى أن ترجع بهذا ~~النكاح إلى زوجها الأول # قال الجوزجاني : وأقول : إن الإسلام دين الله الذي اختاره واصطفاه وطهره ~~حقيق بالتوقير والصيانة مما لعله يشينه وينزه مما أصبح أبناء الملل من أهل ~~الذمة يعيرون به المسلمين على ما تقدم فيه من النهي عن النبيولعنه عليه ثم ~~ساق الأحاديث المرفوعة في ذلك والآثار # | فصل ومن العجائب معارضة هذه الأحاديث والآثار عن الصحابة بقوله تعالى # : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره [ البقره : 230 ] ~~والذي أنزلت عليه هذه الآية PageV01P275 هو الذي لعن المحلل والمحلل له ~~وأصحابه أعلم الناس بكتاب الله تعالى فلم يجعلوه زوجا وأبطلوا نكاحه ولعنوه # وأعجب من هذا قول بعضهم : نحن نحتج بكونه سماه محللا فلولا أنه أثبت الحل ~~لم يكن محللا # فيقال : هذه من العظائم فإن هذا يتضمن أن رسول اللهلعن من فعل السنة التي ~~جاء بها وفعل ما هو جائز صحيح في شريعته وإنما سموه محللا لأنه أحل ما حرم ~~الله فاستحق اللعنة فإن الله سبحانه حرمها على المطلق حتى تنكح زوجا غيره ~~والنكاح اسم في كتاب الله وسنة رسوله للنكاح الذي يتعارفه الناس بينهم ~~نكاحا وهو الذي شرع إعلانه والضرب عليه بالدفوف والوليمة فيه وجعل للإيواء ~~والسكن وجعله الله مودة ورحمة وجرت العادة فيه بضد ما جرت به ms236 في نكاح ~~المحلل فان المحلل لم يدخل على نفقه ولا كسوة ولا سكنى ولا إعطاء مهر ولا ~~يحصل به نسب ولا صهر ولا قصد المقام مع الزوجة وإنما دخل عارية كالتيس ~~المستعار للضراب ولهذا شبههبه النبي ثم لعنه فعلم قطعا لا شك فيه أنه ليس ~~هو الزوج المذكور في القرآن ولا نكاحه هو النكاح المذكور في القرآن وقد فطر ~~الله سبحانه قلوب الناس على أن هذا ليس بنكاح ولا المحلل بزوج وأن هذا منكر ~~قبيح وتعير به المرأة والزوج والمحلل والولي فكيف يدخل هذا في النكاح الذي ~~شرعه الله ورسوله وأحبه وأخبر أنه سنته ومن رغب عنه فليس منه # وتأمل قوله تعالى : فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا [ البقره : 230 ~~] أي فإن طلقها هذا الثاني فلا جناح عليها وعلى الأول أن يتراجعا أي ترجع ~~إليه بعقد جديد فأتى بحرف إن الدالة على أنه يمكنه أن يطلق وأن يقيم ~~والتحليل الذي يفعله هؤلاء لا يتمكن الزوج فيه من الأمرين بل يشرطون عليه ~~أنه متى وطئها فهي طالق ثم لما علموا أنه قد لا يخبر بوطئها ولا يقبل قولها ~~في وقوع الطلاق انتقلوا إلى أن جعلوا الشرط إخبار المرأة بأنه دخل بها ~~فبمجرد إخبارها بذلك تطلق عليه والله سبحانه وتعالى شرع النكاح للوصلة ~~الدائمة PageV01P276 وللاستمتاع وهذا النكاح جعله أصحابه سببا لانقطاعه ~~ولوقوع الطلاق فيه فإنه متى وطىء كان وطؤه سببا لانقطاع النكاح وهذا ضد شرع ~~الله وأيضا فإن الله سبحانه جعل نكاح الثاني وطلاقه واسمه كنكاح الأول ~~وطلاقه واسمه فهذا زوج وهذا زوج وهذا نكاح وهذا نكاح وكذلك الطلاق ومعلوم ~~أن نكاح المحلل وطلاقه واسمه لا يشبه نكاح الأول ولا طلاقه ولا اسمه كاسمه ~~ذاك زوج راغب قاصد للنكاح باذل للمهر ملتزم للنفقة والسكنى والكسوة وغير ~~ذلك من خصائص النكاح والمحلل برىء من ذلك كله غير ملتزم لشىء منه # وإذا كان الله تعالى ورسوله قد حرم نكاح المتعة مع أن قصد الزوج ~~الاستمتاع بالمرأة وأن يقيم معها زمانا وهو ملتزم لحقوق ms237 النكاح فالمحلل ~~الذي ليس له غرض أن يقيم مع المرأة إلا قدر ما ينزو عليها كالتيس المستعار ~~لذلك ثم يفارقها أولى بالتحريم # وسمعت شيخ الإسلام يقول : نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من عشرة أوجه ~~: # أحدها : أن نكاح المتعة كان مشروعا في أول الإسلام ونكاح التحليل لم يشرع ~~في زمن من الأزمان # الثاني أن الصحابة تمتعوا على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~ولم يكن في الصحابة محلل قط # الثالث : أن نكاح المتعة مختلف فيه بين الصحابة فأباحه ابن عباس وإن قيل ~~: إنه رجع عنه وأباحه عبدالله بن مسعود ففي الصحيحين عنه قال : كنا نغزو مع ~~رسول الله وليس لنا نساء فقلنا : ألا نختصي فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ~~ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ عبدالله : يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم [ ] وفتوى ابن عباس بها مشهورة # قال عروة : قام عبدالله بن الزبير بمكة فقال : إن ناسا أعمى الله قلوبهم ~~كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة : يعرض بعبدالله بن عباس فناداه فقال : إنك ~~لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين يريد رسول الله ~~PageV01P277 فقال له ابن الزبير : فجرب نفسك فوالله لئن فعلتها لأرجمنك ~~بأحجارك # فهذا قول ابن مسعود وابن عباس في المتعة وذاك قولهما وروايتهما في نكاح ~~التحليل # الرابع : أن رسول اللهلم يجىء عنه في لعن المستمتع والمستمتع بها حرف ~~واحد وجاء عنه في لعن المحلل والمحلل له وعن الصحابة : ما تقدم # الخامس : أن المستمتع له غرض صحيح في المرأة ولها غرض أن تقيم معه مدة ~~النكاح فغرضه المقصود بالنكاح مدة والمحلل لا غرض له سوى أنه مستعار للضراب ~~كالتيس فنكاحه غير مقصود له ولا للمرأة ولا للولي وإنما هو كما قال الحسن : ~~مسمار نار في حدود الله وهذه التسمية مطابقة للمعنى # قال شيخ الإسلام : يريد الحسن : أن المسمار هو الذي يثبت الشىء المسمور ~~فكذلك هذا يثبت تلك المرأة لزوجها وقد حرمها الله عليه # السادس : أن المستمتع ms238 لم يحتل على تحليل ما حرم الله فليس من المخادعين ~~الذين يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان بل هو ناكح ظاهرا وباطنا والمحلل ~~ماكر مخادع متخذ آيات الله هزوا ولذلك جاء في وعيده مالم يجىء في وعيد ~~المستمتع مثله ولا قريب منه # السابع : أن المستمتع يريد المرأة لنفسه وهذا سر النكاح ومقصوده فيريد ~~بنكاحه حلها له ولا يطؤها حراما والمحلل لا يريد حلها لنفسه وإنما يريد ~~حلها لغيره ولهذا سمي محللا فأين من يريد أن يحل له وطىء امرأة يخاف أن ~~يطأها حراما إلى من لا يريد ذلك وإنما يريد بنكاحها أن يحل وطأها لغيره ~~فهذا ضد شرع الله ودينه وضد ما وضع له النكاح # الثامن : أن الفطر السليمة والقلوب التي لم يتمكن منها مرض الجهل ~~والتقليد تنفر من التحليل أشد نفار وتعير به أعظم تعيير حتى إن كثيرا من ~~النساء تعير المرأة به أكثر مما تعيرها بالزنا ونكاح المتعة لا تنفر منه ~~الفطر والعقول ولو نفرت منه لم يبح في أول الإسلام # التاسع : أن نكاح المتعة يشبه إجارة الدابة مدة للركوب وإجارة الدار مدة ~~للانتفاع PageV01P278 والسكنى وإجارة العبد للخدمة مدة ونحو ذلك مما للباذل ~~فيه غرض صحيح ولكن لما دخله التوقيت أخرجه عن مقصود النكاح الذي شرع بوصف ~~الدوام والاستمرار وهذا بخلاف نكاح المحلل فإنه لا يشبه شيئا من ذلك ولهذا ~~شبهه الصحابة رضي الله عنهم بالسفاح وشبهوه باستعارة التيس للضراب # العاشر : أن الله سبحانه نصب هذه الأسباب كالبيع والإجارة والهبة والنكاح ~~مفضية إلى أحكام جعلها مسببات لها ومقتضيات فجعل البيع سببا لملك الرقبة ~~والإجارة سببا لملك المنفعة أو الانتفاع والنكاح سببا لملك البضع وحل الوطء ~~والمحلل مناقض معاكس لشرع الله تعالى ودينه فإنه جعل نكاحه سببا لتمليك ~~المطلق البضع وإحلاله له ولم يقصد بالنكاح ما شرعه الله له من ملكه هو ~~للبضع وحله له ولا له غرض في ذلك ولا دخل عليه وإنما قصد به أمرا آخر لم ~~يشرع له ذلك السبب ولم يجعل طريقا له # الحادي عشر : أن ms239 المحلل من جنس المنافق فإن المنافق يظهر أنه مسلم ملتزم ~~لعقد الإسلام ظاهرا و باطنا وهو في الباطن غير ملتزم له وكذلك المحلل يظهر ~~أنه زوج وأنه يريد النكاح ويسمى المهر ويشهد على رضى المرأة وفي الباطن ~~بخلاف ذلك ولا القيام بحقوق النكاح وقد أظهر خلاف ما أبطن وأنه مريد لذلك ~~والله يعلم والحاضرون والمرأة وهو والمطلق : أن الأمر كذلك وأنه غير زوج ~~على الحقيقة ولا هي امرأته على الحقيقة # الثاني عشر : أن نكاح المحلل لا يشبه نكاح أهل الجاهلية ولا نكاح أهل ~~الإسلام فكان أهل الجاهلية يتعاطون في أنكحتهم أمورا منكرة ولم يكونوا ~~يرضون نكاح التحليل ولا يفعلونه ففي صحيح البخاري عن عروة بن الزبير أن ~~عائشة رضي الله عنها أخبرته : أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء : ~~فنكاح منها نكاح الناس اليوم : يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته ~~فيصدقها ثم ينكحها ونكاح آخر : كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها : ~~أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه فيعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين ~~حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب ~~وإنما يفعل ذلك PageV01P279 رغبة في نجابة الولد فكان هذا النكاح نكاح ~~الاستبضاع ونكاح آخر : يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم ~~يصيبها فإذا حملت ووضعت ومر ليالي بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع ~~رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم : قد عرفتم الذي كان من ~~أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان تسمى من أحبت باسمه فيلحق به ولدها لا ~~يستطيع أن يمتنع منه ونكاح رابع : يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة ~~لا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما فمن ~~أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة ~~ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاط به ودعى ابنه لا يمتنع من ذلك فلما بعث ~~الله تعالى محمدابالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح ms240 الناس اليوم # ومعلوم أن نكاح المحلل ليس من نكاح الناس الذي أشارت إليه عائشة رضي الله ~~عنها أن رسول اللهأقره ولم يهدمه ولا كان أهل الجاهلية يرضون به فلم يكن من ~~أنكحتهم فإن الفطر والأمم تنكره وتعير به # | فصل وسبب هذا كله : معصية الله ورسوله وطاعة الشيطان في إيقاع # الطلاق على غير الوجه الذي شرعه الله والله سبحانه يبغض الطلاق في الأصل ~~كما روى أبو داود من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله ~~أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق # وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله ما ~~بال قوم يلعبون بحدود الله يقول : قد طلقتك قد راجعتك قد طلقتك # وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله قال : قال رسول الله إن إبليس يضع عرشه ~~على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منزلة أعظمهم فتنة يجىء PageV01P280 ~~أحدهم فيقول : قد فعلت كذا وكذا فيقول : ما صنعت شيئا قال : ويجىء أحدهم ~~فيقول : ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله قال : فيدنيه منه أو قال : ~~فيلتزمه ويقول : نعم أنت أنت # فالشيطان وحزبه قد أغروا بإيقاع الطلاق والتفريق بين المرء وزوجه وكثيرا ~~ما يندم المطلق ولا يصبر عن امرأته ولا تطاوعه نفسه أن يصبر عنها إلى أن ~~تتزوج زواج رغبة تبقى فيه مع الزوج إلى أن يموت عنها أو يفارقها إذا قضى ~~وطره ولا بد له من المرأة فيهرع إلى التحليل وهو حيلة من عشر حيل نصبوها ~~للناس # إحداها : التحيل على عدم وقوع الطلاق وهو نوعان تحيل على عدم وقوعه مع ~~صحة النكاح بالتسريح فيأمرونه أن يقول لها : إذا طلقتك أو إذا وقع عليك ~~طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا فلا يمكن أن يقع عليها الطلاق بعد هذا لا مطلقا ~~ولا مقيدا عند المسرحين فسدوا باب الطلاق وجعلوا المرأة كالغل في عنق الزوج ~~لا سبيل له إلى طلاقها أبدا # الحيلة الثانية : التحيل على عدم وقوع الطلاق بكون النكاح فاسدا فلا يقع ~~فيه الطلاق ويتحيلون ms241 لبيان فساده من وجوه : # منها : أن عدالة الولى شرط في صحته فإذا كان في الولي ما يقدح في عدالته ~~فالنكاح باطل فلا يقع فيه الطلاق والقوادح كثيرة فلا تكاد تفتش فيمن شئت ~~إلا وجدت فيه قادحا # ومنها : أن عدالة الشهود شرط والشاهد يفسق بجلوسه على مقعد حرير أو ~~استناده إلى مسند حرير أو جلوسه تحت حركاة حرير أو تجمره بمجمرة فضة ونحو ~~ذلك مما لا يكاد يخلو البيت منه وقت العقد ونحو ذلك # فيا للعجب يكون الوطء حلالا والنسب لاحقا والنكاح صحيحا حتى يقع الطلاق ~~فحينئذ يطلب وجوه إفساده # الحيلة الثالثة : التحيل بالمخالعة حتى يفعل المحلوف عليه فإذا فعله ~~تزوجها بعقد جديد # الحيلة الرابعة : إذا وقع الفأس في الرأس وحنث ولا بد اشترى غلاما دون ~~البلوغ PageV01P281 وزوجه بها وأمرها أن تمكنه من إيلاج الحشفة هناك فإذا ~~فعل وهبها إياه فانفسخ نكاحها بملكه فتعتد وترد إلى المطلق فإن عجزوا عن ~~ذلك وأعوزهم انتقلوا إلى : # الحيلة الخامسة : وهي استكراء التيس الملعون المستعار لينزو عليها ويحلها ~~بزعمه فهذه خمس حيل للخاصة # وأما جهال العامة فلما رأوا أن المقصود التحيل على ردها إلى المطلق بأي ~~طريق اتفق قالوا : المقصود هو الرجوع والحيلة مقصودة لغيرها وأعيان الحيل ~~ليست مقصودة فاستنبطوا لهم خمس حيل أخرى # أحداها : أن يأمروا المحلل بأن يطأها برجله فيطؤها وهي قاعدة أو مضطجعة ~~برجله ثم يخرج ورأوا أن الوطء بالرجل أسهل عليهم وأقل مفسدة من الوطء ~~بالآلة فإنه إذا كان كلاهما غير مقصود فما كان أقل فسادا كان أقرب إلى ~~المقصود # الحيلة الثانية : أن تكون حاملا فتلد ذكرا وكأنهم قاسوا الذكر الذي شقها ~~خارجا على الذكر الذي يشقها داخلا وهذا من جنس قياس التيس الملعون على ~~الزوج المقصود # الحيلة الثانية : أن يصب المحلل عليها دهنا يشربه جسدها ولا يطؤها وكأنهم ~~قاسوا تشرب جسدها للدهن وسريانه فيه على شربه للنطفة وسريانها فيه # الحيلة الرابعة : السفر عنها أو سفرها عنه فإذا قدم ظن أن ذلك كاف عن ~~الزوج ولا أدري من أين ألقى إليهم ms242 الشيطان ذلك وكأنهم ظنوا أنهم قد التقوا ~~من الآن وأن السفر قطع حكم ما مضى رأسا # الحيلة الخامسة : أن يجتمعا على عرفات فإذا وقف بها على الجبل لم يحتج ~~بعد ذلك إلى زوج آخر عندهم وقد سئلنا نحن وغيرنا عن ذلك وسمعناه منهم ~~PageV01P282 # | فصل واعلم أن من اتقى الله في طلاقه فطلق كما أمره الله ورسوله # وشرعه له أغناه عن ذلك كله ولهذا قال تعالى بعد أن ذكر حكم الطلاق ~~المشروع : ومن يتق الله يجعل له مخرجا [ ] فلو اتقى الله عامة المطلقين ~~لاستغنوا بتقواه عن الآصار والأغلال والمكر والاحتيال فإن الطلاق الذي شرعه ~~الله سبحانه : أن يطلقها طاهرا من غير جماع ويطلقها واحدة ثم يدعها حتى ~~تنقضي عدتها فإن بدا له أن يمسكها في العدة أمسكها وإن لم يراجعها حتى ~~انتقضت عدتها أمكنه أن يستقبل العقد عليها من غير زوج آخر وإن لم يكن له ~~فيها غرض لم يضره أن تتزوج بزوج غيره فمن فعل هذا لم يندم ولم يحتج إلى ~~حيلة ولا تحليل # ولهذا سئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته مائة فقال : عصيت ربك وفارقت ~~امرأتك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا # وقال سعيد بن جبير : جاء رجل إلى ابن عباس فقال : إني طلقت امرأتي ألفا ~~فقال : أما ثلاث فتحرم عليك امرأتك وبقيتهن وزر اتخذت آيات الله هزوا # وقال مجاهد : كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال : إنه طلق امرأته ثلاثا ~~فسكت حتى طننت أنه رادها إليه ثم قال : ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول ~~: يا ابن عباس يا ابن عباس وإن الله تعالى قال : ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا [ ] وإنك لم تتق الله فلا أجد لك مخرجا عصيت ربك وبانت منك امرأتك ~~ذكره أبو داود # وقد روى النسائي عن محمود بن لبيد قال : أخبر رسول اللهعن رجل طلق امرأته ~~ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان ثم قال : أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ~~حتى قام رجل فقال : يا رسول الله ألا أقتله # وهذه الآثار موافقة لما دل ms243 عليه القرآن فإن الله سبحانه إنما شرع الطلاق ~~مرة بعد مرة ولم يشرعه جملة واحدة أصلا قال تعالى : الطلاق مرتان [ ] ~~والمرتان في لغة العرب بل وسائر لغات الناس : إنما تكون لما يأتي مرة بعد ~~مرة فهذا القرآن من أوله إلى PageV01P283 آخره وسنة رسول اللهوكلام العرب ~~قاطبة شاهد بذلك كقوله تعالى : سنعذبهم مرتين [ التوبة : 101 ] وقوله : ~~أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين [ التوبه : 126 ] وقوله ~~تعالى : يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم ~~يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات [ النور : 53 ] ثم فسرها بالأوقات الثلاثة ~~وشواهد هذا أكثر من أن تحصى # ثم قال سبحانه : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره [ ~~البقره : 230 ] فهذه هي المرة الثالثة فهذا هو الطلاق الذي شرعه الله ~~سبحانه وتعالى مرة بعد مرة بعد مرة فهذا شرعه من حيث العدد # وأما شرعه من حيث الوقت : فشرع الطلاق للعدة وقد فسره النبيبأن يطلقها ~~طاهرا من غير جماع فلم يشرع جمع ثلاث ولا تطليقتين ولم يشرع الطلاق في حيض ~~ولا في طهر وطئها فيه وكان المطلق في زمن رسول اللهكله وزمن أبي بكر كله ~~وصدرا من خلافه عمر رضي الله عنهما إذا طلق ثلاثا يحسب له واحدة وفي ذلك # حديثان صحيحان أحدهما رواه مسلم في صحيحه والثاني رواه الإمام أحمد في ~~مسنده # فأما حديث مسلم : فرواه من طريق ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال : كان الطلاق على عهد رسول اللهوأبي بكر وسنتين من خلافة عمر : ~~طلاق الثلاث واحدة فقال عمر رضي الله عنه : إن الناس قد استعجلوا في أمر ~~كانت لهم أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم # وفي صحيحه أيضا عن طاوس : أن أبا الصهباء قال لابن عباس هات من هنياتك : ~~ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر واحدة فقال : قد كان ذلك ~~فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق فأجازه عليهم # وفي لفظ لأبي داود : أن رجلا ms244 يقال له : أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن ~~عباس قال PageV01P284 أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن ~~يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول اللهوأبي بكر وصدرا من إمارة عمر رضي ~~الله عنهما فقال ابن عباس بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل ~~بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر رضي الله ~~عنهما فلما رأى الناس قد تتايعوا فيها قال أجروهن عليهم هكذا في هذه ~~الرواية قبل أن يدخل بها وبها أخذ إسحاق بن راهويه وخلق من السلف جعلوا ~~الثلاث واحدة في غير المدخول بها وسائر الروايات الصحيحة ليس فيها قبل ~~الدخول ولهذا لم يذكر مسلم منها شيئا # وهذا الحديث قد رواه عن ابن عباس ثلاثة نفر : طاوس وهو أجل من روى عنه ~~وأبو الصهباء العدوى وأبو الجوزاء وحديثه عند الحاكم في المستدرك # ولفظه : أن أبا الجوزاء أتى ابن عباس فقال : أتعلم أن الثلاث كن يرددن ~~على عهد رسول الله عليه السلام إلى واحدة قال : نعم قال الحاكم : + هذا ~~حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه + # ورواية طاوس نفسه عن ابن عباس ليس في شيء منها قبل الدخول وإنما حكى ذلك ~~طاوس عن سؤال أبي الصهباء لابن عباس فأجابه ابن عباس بما سأله عنه ولعله ~~إنما بلغه جعل الثلاث واحدة في حق مطلق قبل الدخول فسأل عن ذلك ابن عباس ~~وقال : كانوا يجعلونها واحدة فقال له ابن عباس نعم أي الأمر على ما قلت # وهذا لا مفهوم له فإن التقييد في الجواب وقع في مقابلة تقييد السؤال ومثل ~~هذا لا يعتبر مفهومه # نعم لو لم يكن السؤال مقيدا فقيد المسئول الجواب كان مفهومه معتبرا وهذا ~~كما إذا سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال : إذا وقعت الفأرة في السمن فألقوها ~~وما حولها وكلوه لم يدل ذلك على تقييد الحكم بالسمن خاصة # وبالجملة : فغير المدخول بها فرد من أفراد النساء فذكر النساء مطلقا في ~~أحد الحديثين PageV01P285 وذكر بعض أفرادهن في ms245 الحديث الآخر لا تعارض ~~بينهما # وأما الحديث الآخر : فقال أبو داود في سننه : حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ~~عبدالرزاق أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي عن ~~عكرمة عن ابن عباس قال : طلق عبد يزيد أبو ركانه وإخوته أم ركانه ونكح ~~امرأة من مزينة فجاءت إلى النبي فقالت : ما يغني ععني إلا كما تغني هذه ~~الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها ففرق بيني وبينه فأخذت النبيحمية فدعا بركانة ~~وإخوته ثم قال لجلسائه : أترون فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد وفلانا ~~يشبه منه كذا وكذا قالوا نعم : فقال الني طلقها ففعل فقال : راجع امرأتك أم ~~ركانة فقال : إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله قال : قد علمت راجعها وتلا : ~~يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة [ الطلاق : 1 ~~] الآية # فأمره أن يراجعها وقد طلقها ثلاثا وتلا الآية التي هي وما بعدها صريحة في ~~كون الطلاق الذي شرعه الله لعباده وهو الطلاق الذي يكون للعدة فإذا شارفت ~~انقضاءها فإما أن يمسكها بمعروف أو يفارقها بمعروف وأنه سبحانه شرعه على ~~وجه التوسعة والتيسير فلعل المطلق أن يندم فيكون له سبيل إلى الرجعة وهو ~~قوله تعالى : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا [ الطلاق : 1 ] فأمره ~~بالمراجعة وتلاوته الآية كاف في الاستدلال على ما كان عليه الحال # فإن قيل : فهذا الحديث فيه مجهول وهو بعض بني أبي رافع والمجهول لا تقوم ~~به حجة # فالجواب من ثلاثة أوجه : # أحدها : أن الإمام أحمد قد قال في المسند : حدثنا سعد بن إبراهيم حدثنا ~~أبي عن محمد ابن إسحق قال : حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس ~~عن ابن عباس قال : PageV01P286 طلق ركانة بن عبد يزيد أخو المطلب امرأته ~~ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا فسأله رسول الله كيف طلقتها قال ~~: طلقتها ثلاثا قال في مجلس واحد قال : نعم قال : فإنما تلك واحدة فارجعها ~~إن شئت قال : فراجعها قال وكان ابن عباس يرى أن الطلاق عند ms246 كل طهر # ورواه الحافظ أبو عبدالله محمد بن عبدالواحد المقدسي في مختاراته التي هي ~~أصح من صحيح الحاكم # فهذا موافق للأول وكلاهما موافق لحديث طاوس وأبي الصهباء وأبي الجوزاء عن ~~ابن عباس وطاوس وعكرمة أعلم أصحاب ابن عباس فإن عكرمة كان مولاه مصاحبا له ~~وكان يقيده على العلم وكان طاوس خاصا عنده يجتمع به كثيرا ويدخل عليه مع ~~الخاصة وكان طاوس وعكرمة يفتيان بأن الثلاث واحدة وكذلك ابن إسحق لما صح ~~عنده هذا الحديث أفتى بموجبه وكان يقول : جهل السنة فيرد إليها # فرواة هذا الحديث أفتوا به وعملوا به # وعن ابن عباس فيه روايتان إحداهما : موافقة عمر رضي الله عنه تأديبا ~~وتعزيرا للمطلقين والثانية : الإفتاء بموجبه # وروى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس وحسبك بهذا السند صحة ~~وجلالة : إذا قال أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة ذكره أبو داود في ~~السنن # الوجه الثاني : أن هذا المجهول هو من التابعين من أبناء مولى النبي ولم ~~يكن الكذب مشهورا فيهم والقصة معروفة محفوظة وقد تابعه عليها داود بن ~~الحصين وهذا يدل على أنه حفظها # الوجه الثالث : أن روايته لم يعتمد عليها وحدها فقد ذكرنا رواية داود بن ~~الحصين وحديث أبي الصهباء فهب أن وجود روايته وعدمها سواء ففي حديث داود ~~كفاية وقد زالت تهمة تدليس ابن إسحاق بقوله حدثني وقد احتج الأئمة بهذا ~~السند بعينه في حديث PageV01P287 تقدير العرايا بخمسة أوسق أو دونها وأخذوا ~~به وعملوا بموجبه مع مخالفة عمومات الأحاديث الصحيحة : في منع بيع الرطب ~~بالتمر له # فالقول بهذه الأحاديث موافق لظاهر القرآن ولأقوال الصحابة وللقياس ومصالح ~~بني آدم # أما ظاهر القرآن : فإن الله سبحانه شرع الرجعة في كل طلاق إلا طلاق غير ~~المدخول بها والمطلقة طلقة ثالثة بعد الأولتين وليس في القرآن طلاق بائن قط ~~إلا في هذين الموضعين وأحدهما بائن غير محرم والثاني بائن محرم وقال تعالى ~~: الطلاق مرتان والمرتان ما كان مرة بعد مرة كما تقدم PageV01P288 # وأما القياس فإن الله سبحانه قال : والذين ms247 يرمون أزواجهم ولم يكن لهم ~~شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله [ النور : 6 ] ثم قال : ~~ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله [ النور : 8 ] فلو قال : ~~أشهد بالله أربع شهادات إني صادق أو قالت : أشهد بالله أربع شهادات إنه ~~كاذب كانت شهادة واحدة ولم تكن أربعا فكيف يكون قوله : أنت طالق ثلاثا : ~~ثلاث تطليقات وأي قياس أصح من هذا وهكذا كل ما يعتبر فيه العدد من الإقرار ~~ونحوه ولهذا لو قال المقر بالزنى : إني أقر بالزنى أربع مرات كان ذلك مرة ~~واحدة وقد قال الصحابة لماعز : إن أقررت أربعا رجمك رسول الله فلو قال : ~~أقر به أربع مرات كانت مرة واحدة فهكذا الطلاق سواء # فهذا القياس وتلك الآثار وذاك ظاهر القرآن # وأما أقوال الصحابة : فيكفي كون ذلك على عهد الصديق ومعه جميع الصحابة لم ~~يختلف عليه منهم أحد ولا حكي في زمانه القولان حتى قال بعض أهل العلم : إن ~~ذلك إجماع قديم وإنما حدث الخلاف في زمن عمر رضي الله عنه واستمر الخلاف في ~~المسألة إلى وقتنا هذا كما سنذكره # قالوا : فقد صح بلا شك أنهم كانوا في زمن رسول الله وأبي بكر مدة خلافته ~~كلها وصدرا من خلافة عمر رضي الله عنهما يوقعون على من طلق ثلاثا واحدة ~~قالوا : فنحن أحق بدعوى الإجماع منكم لأنه لا يعرف في عهد الصديق أحد رد ~~ذلك ولا خالفه فإن كان إجماع فهو من جانبنا أظهر ممن يدعيه من نصف خلافة ~~عمر رضي الله عنه وهلم جرا فإنه لم يزل الاختلاف فيها قائما وذكره أهل ~~العلم في مصنفاتهم قديما وحديثا # فممن ذكر الخلاف في ذلك : داود وأصحابه واختاروا أن الثلاث واحدة # وممن حكى الخلاف : الطحاوى في كتابه اختلاف العلماء وفي كتاب تهذيب ~~الآثار PageV01P289 وأبو بكر الرازي في كتاب أحكام القرآن وحكاه ابن المنذر ~~وحكاه ابن جرير وحكاه المؤرج في تفسيره وحكى حجة القولين ثم قال : وهي ~~مسألة خلاف بين العلماء وحكاه محمد بن نصر المروزي واختار القول بالثلاث : ~~أنها واحدة ms248 في حق البكر ثلاث في حق المدخول بها وحكاه من المتأخرين المازرى ~~في كتاب المعلم وحكاه عن محمد بن محمد بن مقاتل من أصحاب أبي حنيفة وهو من ~~أجل أصحابهم من الطبقة الثالثة من أصحاب أبي حنيفة فهو أحد القولين في مذهب ~~أبي حنيفة وحكاه التلمساني في شرح التفريع في مذهب مالك قولا في مذهبه بل ~~رواية عن مالك وحكاه غيره قولا في المذهب فهو أحد القولين في مذهب مالك ~~وأبي حنيفة وحكاه غيره شيخ الإسلام عن بعض أصحاب أحمد وهو اختياره وأسوأ ~~أحواله أن يكون كبعض أصحاب الوجوه في مذهبه كالقاضي وأبي الخطاب وهو أجل من ~~ذلك فهو قول في مذهب أحمد بلا شك # وأما التابعون فقال ابن المنذر : كان سعيد بن جبير وطاوس وأبو الشعثاء ~~وعطاء وعمرو بن دينار يقولون : من طلق البكر ثلاثا فهي واحدة قال : واختلف ~~في هذا الباب عن الحسن فروي عنه أنه ثلاث وذكر قتادة وحميد ويونس عنه : أنه ~~رجع عن قوله بعد ذلك وقال : واحدة بائنة PageV01P290 # وقال محمد بن نصر في كتاب اختلاف العلماء : أجمع أهل العلم أن الرجل إذا ~~طلق امرأته تطليقة ولم يدخل بها أنها بانت منه وليس عليها عدة واختلفوا في ~~غير المدخول بها إذا طلقها الزوج ثلاثا بلفظ واحد فقال الأوزاعي ومالك وأهل ~~المدينة : لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وروي عن ابن عباس وغير واحد من ~~التابعين أنهم قالوا : إذا طلقها ثلاثا قبل أن يدخل بها فهي واحدة وأكثر ~~أهل الحديث على القول الأول # قال : وكان إسحق يقول : طلاق الثلاث للبكر واحدة وتأول حديث طاوس عن ابن ~~عباس : كان الطلاق الثلاث على عهد رسول اللهوأبي بكر وعمر رضي الله عنهم ~~يجعل واحدة : على هذا # قلت : هذا تأويل إسحق وأما أبو داود فجعله منسوخا فقال في كتاب السنن : ~~باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث ثم ساق حديث ابن عباس رضي الله ~~عنهما : أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا ثم ~~نسخ ذلك بقوله ms249 تعالى : الطلاق مرتان [ البقره : 229 ] ثم ذكر في أثناء ~~الباب حديث أبي الصهباء وكأنه اعتقد أن حكمه كان ثابتا لما كان الرجل يراجع ~~امرأته كلما طلقها وهذا وهم لوجهين : # أحدهما : أن المنسوخ هو ثبوت الرجعة بعد الطلاق ولو بلغ ما بلغ كما كان ~~في أول الإسلام # الثاني : أن النسخ لا يثبت بعد موت رسول الله وكون الثلاث واحدة قد عمل ~~به في خلافة الصديق كلها وأول خلافة عمر رضي الله عنه فمن المستحيل أن ينسخ ~~بعد ذلك # وأما ابن المنذر فقال : لم يكن ذلك عن علم النبي ولا عن أمره قال : وغير ~~جائز أن يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبيشيئا ثم يفتي بخلافه فلما لم يجز ~~ذلك دل فتيا ابن عباس رضي الله عنه على أن ذلك لم يكن عن علم النبيولا عن ~~أمره إذ لو كان ذلك عن علم النبيما استحل ابن عباس أن يفتي بخلافه أو يكون ~~ذلك منسوخا استدلالا بفتيا ابن عباس وهذا المسلك ضعيف جدا لوجوه : ~~PageV01P291 أحدها : أن حديث عكرمة عن ابن عباس في رد النبيامرأة ركانة ~~عليه بعد الطلاق الثلاث يبطل هذا التأويل رأسا # الثاني : أن هذا لو كان صحيحا لقال ابن عباس لأبي الصهباء : ما أدري أبلغ ~~ذلك رسول اللهأو لم يبلغه فلما أقره على ذلك كان إقراراه دليلا على أنه مما ~~بلغه # الثالث : أنه لو كان ذلك صحيحا لم يقل عمر : إن الناس قد استعجلوا في أمر ~~كانت لهم فيه أناة بل كان الواجب أن يبين له أن السنة عن رسول اللهفي خلاف ~~ذلك وأن هذا العمل من الناس خلاف دين الإسلام وشرع محمد ولا يقول : فلو أنا ~~أمضيناه عليهم فإن هذا إنما يكون إمضاء من الله تعالى ورسوله لا من عمر # الرابع : أنه من الممتنع أو المستحيل أن يكون خيار الخلق يطلقون في عهد ~~رسول اللهوعهد خليفته من بعده ويراجعون على خلاف دينه فيطلقون طلاقا محرما ~~ويراجعون رجعة محرمة ولا يعلمون بذلك رسول الله وهو بين أظهرهم # ثم حديث ابن عباس ms250 الذي رواه أحمد يرد ذلك ثم ترده فتوى ابن عباس في إحدى ~~الرواتين عنه وهي ثابتة عنه بأصح الإسناد كما أن الرواية الأخرى ثابتة عنه # وكيف يستمر جهل خيار الأمة بالطلاق والرجعة مدة حياتهومدة حياة الصديق ~~كلها وشطرا من خلافة عمر رضي الله عنه ثم يظهر لهم بعد ذلك الطلاق والرجعة ~~الجائزان # وكيف يصح قول عمر رضي الله عنه : إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم ~~فيه أناة # وكيف يصح قوله : فلو أنا أمضيناه عليهم فهذا المسلك كما ترى # وأما الإمام أحمد فإنما رده بفتوى ابن عباس بخلافه وهو راوي الحديثين قال ~~الأثرم : سألت أبا عبدالله عن حديث ابن عباس كان الطلاق الثلاث على عهد ~~PageV01P292 رسول الله وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما : طلاق الثلاث واحدة ~~بأي شيء تدفعه قال : برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه # وكذلك نقل عنه ابن منصور # وهذا المسلك إنما يجيء على إحدى الروايتين : أن الصحابي إذا عمل بخلاف ~~الحديث لم يحتج به واتبع عمل الصحابي والمشهور عنه : أن العبرة بما رواه ~~الصحابي لا بقوله إذا خالف الحديث ولهذا أخذ برواية ابن عباس في حديث بريرة ~~وأن بيع الأمة لا يكون طلاقا لها لأن رسول اللهخيرها ولو انفسخ النكاح ~~ببيعها لم يخيرها مع أن مذهب ابن عباس : أن بيع الأمة طلاقها واحتج بظاهر ~~القرآن وهو قوله تعالى : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم [ النساء ~~: 24 ] فأباح وطء مملوكته المزوجة ولو كان النكاح باقيا لم ينفسخ لم يبح له ~~وطأها # والجمهور وأحمد معهم خالفوه في ذلك وقالوا : لا يكون بيعها طلاقا # واحتجوا بحديث بريرة وتركوا رأيه لروايته فإن روايته معصومة ورأيه غير ~~معصوم # والمشهور من مذهب الشافعي : أن الأخذ بروايته دون رأيه والمشهور من مذهب ~~أبي حنفية عكس ذلك وعن أحمد روايتان # فهذا المسلك في ردع الحديث لا يقوى # وسلك آخرون في رد الحديث مسلكا آخر # فقالوا : هو حديث مضطرب لا يصح ولذلك أعرض عنه البخاري وترجم في صحيحه ~~على خلافه فقال باب ms251 فيمن جوز الطلاق الثلاث في كلمة لقوله تعالى الطلاق ~~مرتان PageV01P293 ثم ذكر حديث اللعان وفيه فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول ~~الله ولم يغير عليه النبي وهو لا يقر على باطل # قالوا : ووجه اضطرابه : أنه تارة يروى عن طاوس عن ابن عباس وتارة عن طاوس ~~عن أبي الصهباء عن ابن عباس وتارة عن أبي الجوزاء عن ابن عباس فهذا اضطرابه ~~من جهة السند # وأما المتن : فإن أبا الصهباء تارة يقول : ألم تعلم أن الرجل كان إذا طلق ~~امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة وتارة يقول : ألم يكن الطلاق ~~الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر واحدة فهذا يخالف ~~اللفظ الآخر # وهذا المسلك من أضعف المسالك ورد الحديث به ضرب من التعنت ولا يعرف أحد ~~من الحفاظ قدح في هذا الحديث ولا ضعفه والإمام أحمد لما قيل له : بأي شيء ~~ترده قال : برواية الناس عن ابن عباس خلافه ولم يرده بتضعيف ولا قدح في ~~صحته وكيف يتهيأ القدح في صحته ورواته كلهم أئمة حفاظ حدث به عبدالرزاق ~~وغيره عن ابن جريج بصيغة الإخبار وحدث به كذلك ابن جريج عن ابن طاوس وحدث ~~به ابن طاوس عن أبيه وهذا إسناد لا مطعن فيه لطاعن وطاوس من أخص أصحاب ابن ~~عباس ومذهبه : أن الثلاث واحدة وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن غير واحد ~~عن طاوس فلم ينفرد به عبدالرزاق ولا ابن جريج ولا عبدالله بن طاوس + ~~فالحديث من أصح الأحاديث + وترك رواية البخاري له لا يوهنه وله حكم أمثاله ~~من الأحاديث الصحيحة التي تركها البخاري لئلا يطول كتابه فإنه سماه : ~~الجامع المختصر الصحيح ومثل هذا العذر لا يقبله من له حظ من العلم # وأما رواية من رواه عن أبي الجوزاء فإن كانت محفوظة فهي مما يزيد الحديث ~~قوة وإن لم تكن محفوظة وهو الظاهر فهي وهم في الكنية انتقل فيها عبدالله بن ~~المؤمل عن ابن أبي مليكة من أبي الصهباء إلى أبي الجوزاء فإنه كان ms252 سيء ~~الحفظ والحفاظ قالوا : أبو الصهباء وهذا لا يوهن الحديث PageV01P294 # وهذه الطريق عند الحاكم في المستدرك # وأما رواية من رواه مقيدا قبل الدخول فإنه تقدم أنها لا تناقض رواية ~~الآخرين على أنها عند أبي داود عن أيوب عن غير واحد ورواية الإطلاق عن معمر ~~عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه فإن تعارضا فهذه الرواية أولى وإن لم ~~يتعارضا فالأمر واضح # وحديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس عن النبيصريح في كون الثلاث ~~واحدة في حق المدخول بها # وعامة ما يقدر في حديث أبي الصهباء : أن قوله قبل الدخول زيادة من ثقة ~~فيكون الأخذ بها أولى # وحينئذ فيدل أحد حديثى ابن عباس على أن هذا الحكم ثابت في حق البكر ~~وحديثه الآخر على أنه ثابت في حكم الثيب أيضا فأحد الحديثين يقوى الآخر ~~ويشهد بصحته وبالله التوفيق # وقد رده آخرون بمسلك أضعف من هذا كله : # فقالوا : هذا حديث لم يروه عن رسول الله إلا ابن عباس وحده ولاعن ابن ~~عباس إلا طاوس وحده قالوا : فأين أكابر الصحابة وحفاظهم عن رواية مثل هذا ~~الأمر العظيم الذي الحاجة إليه شديدة جدا فكيف خفي هذا على جميع الصحابة ~~وعرفه ابن عباس وحده وخفي على أصحاب ابن عباس كلهم وعلمه طاوس وحده # وهذا أفسد من جميع ما تقدم ولا ترد أحاديث الصحابة وأحاديث الأئمة الثقات ~~بمثل هذا فكم من حديث تفرد به واحد من الصحابة لم يروه غيره وقبلته الأمة ~~كلهم فلم يرده أحد منهم وكم من حديث تفرد به من هو دون طاوس بكثير ولم يرده ~~أحد من الأئمة ولا نعلم أحدا من أهل العلم قديما ولا حديثا قال : إن الحديث ~~إذا لم يروه إلا صحابي واحد لم يقبل وإنما يحكي عن أهل البدع ومن تبعهم في ~~ذلك أقوال لا يعرف لها قائل من الفقهاء PageV01P295 قد تفرد الزهري بنحو ~~ستين سنة لم يروها غيره وعملت بها الأمة ولم يردوها بتفرده # هذا مع أن عكرمة روى عن ابن عباس رضي الله ms253 عنهما حديث ركانة وهو موافق ~~لحديث طاوس عنه فإن قدح في عكرمة أبطل وتناقض فإن الناس احتجوا بعكرمة وصحح ~~أئمة الحفاظ حديثه ولم يلتفتوا إلى قدح من قدح فيه # فإن قيل : فهذا هو الحديث الشاذ وأقل أحواله أن يتوقف فيه ولا يجزم بصحته ~~عن رسول الله # قيل : ليس هذا هو الشاذ وإنما الشذوذ : أن يخالف الثقات فيما رووه فيشذ ~~عنهم بروايته فأما إذا روى الثقة حديثا منفردا به لم يرو الثقات خلافه فإن ~~ذلك لا يسمى شاذا وإن اصطلح على تسميته شاذا بهذا المعنى لم يكن هذا ~~الاصطلاح موجبا لرده ولا مسوغا له # قال الشافعي رحمه الله : وليس الشاذ أن ينفرد الثقة برواية الحديث بل ~~الشاذ أن يروي خلاف ما رواه الثقات قاله في مناظرته لبعض من رد الحديث ~~بتفرد الراوي به # ثم إن هذا القول لا يمكن احدا من أهل العلم ولا من الأئمة ولا من أتباعهم ~~طرده ولو طردوه لبطل كثير من أقوالهم وفتاويهم # والعجب أن الرادين لهذا الحديث بمثل هذا الكلام قد بنوا كثيرا من مذاهبهم ~~على أحاديث ضعيفة انفرد بها رواتها لا تعرف عن سواهم وذلك أشهر وأكثر من أن ~~يعد # ولما رأى بعضهم ضعف هذه المسالك وأنها لا تجدي شيئا استروح إلى تأويله ~~فقال : معنى الحديث : أن الناس كانوا يطلقون على عهد رسول الله وأبي بكر ~~وعمر واحدة ولا يوقعون الثلاث فلما كان في أثناء خلافة عمر رضي الله عنه ~~أوقعوا الثلاث وأكثروا من ذلك فأمضاه عليهم عمر رضي الله عنه كما أوقعوه ~~فقوله : كانت الثلاث على عهد رسول اللهواحدة أي في حق التطليق وإيقاع ~~المطلقين لا في حكم الشرع PageV01P296 # قال هذا القائل : وهذا من أقوى ما يجاب به وبه يزول كل إشكال # ولعمر الله لو سكت هذا كان خيرا له وأستر فإن هذا المسلك من أضعف ما قيل ~~في الحديث وسياقه يبيعن بطلانه بيانا ظاهرا لا إشكال فيه وكأن قائله أحب ~~الترويج على قوم ضعفاء العلم مخلدين إلى حضيض التقليد فروج عليهم مثل هذا ms254 ~~وهذا القائل كأنه لم يتأمل ألفاظ الحديث ولم يعن بطرقه فقد ذكرنا من بعض ~~ألفاظه قول أبي الصهباء لابن عباس : أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ~~ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله وأبي بكر رضي الله ~~عنه وصدرا من إمارة عمر رضي الله عنه فأقر ابن عباس بذلك وقال نعم # وأيضا فقول هذا المتأول : إنهم كانوا يطلقون على عهد رسول اللهواحدة فقد ~~نقضه هو بعينه وأبطله حيث احتج على وقوع الثلاث بحديث الملاعن وحديث محمود ~~بن لبيد أن رجلا طلق امرأته على عهد رسول اللهثلاثا فغضب النبيوقال : أيلعب ~~بكتاب الله وأنا بين أظهركم ثم زاد هذا القائل في الحديث زيادة من عنده ~~فقال وأمضاه عليه ولم يرده # وهذه اللفظة موضوعة لا تروى في شيء من طرق هذا الحديث ألبتة وليست في شيء ~~PageV01P297 من كتب الحديث وإنما هي من كيس هذا القائل حمله عليها فرط ~~التقليد ومحمود بن لبيد لم يذكر ما جرى بعد ذلك من إمضاء أو رد إلى واحدة # والمقصود : أن هذا القائل تناقض وتأول الحديث تأويلا يعلم بطلانه من ~~سياقه # ومن بعض ألفاظه أن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر وصدرا من ~~خلافة عمر يرد إلى الواحدة وهذا موافق للفظ الآخر كان إذا طلق امرأته ثلاثا ~~جعلوها واحدة وجميع ألفاظه متفقة على هذا المعنى يفسر بعضها بعضا # فجعل هذا وأمثاله المحكم متشابها والواضح مشكلا # كيف يصنع بقوله فلو أمضيناه عليهم فإن هذا يدل على أنه رأي من عمر رضي ~~الله عنه رأى أن يمضيه عليهم لتتايعهم فيه وسدهم على أنفسهم ما وسعه الله ~~عليهم وجمعهم ما فرقه وتطليقهم على غير الوجه الذي شرعه وتعديهم حدوده ومن ~~كمال علمه رضي الله عنه : أنه علم أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل المخرج ~~إلا لمن اتقاه وراعى حدوده وهؤلاء لم يتقوه في الطلاق ولا راعوا حدوده فلا ~~يستحقون المخرج الذي ضمنه لمن اتقاه # ولو كان الثلاث تقع ثلاثا على عهد رسول الله ms255 وهو دينه الذي بعثه الله ~~تعالى به لم يضف عمر رضي الله عنه إمضاءه إلى نفسه ولا كان يصح هذا القول ~~منه وهو بمنزلة أن يقول في الزنى وقتل النفس وقذف المحصنات : لو حرمناه ~~عليهم فحرمه عليهم وبمنزلة أن يقول في وجوب الظهر والعصر ووجوب صوم شهر ~~رمضان والغسل من الجنابة : لو فرضناه عليهم ففرضه عليهم # فدعوى هذه التأويلات المستكرهة التي كلما نظر فيها طالب العلم ازداد ~~بصيرة في المسألة وقوي جانبها عنده فإنه يرى أن الحديث لا يرد بمثل هذه ~~الأشياء # قد سلك أبو عبد الرحمن النسائي في سننه في الحديث مسلكا آخر وقوى جانبها ~~عنده فقال : باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة ثم ساقه فقال : ~~حدثنا أبو داود حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أن أبا ~~الصهباء جاء إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال : يا ابن عباس ألم تعلم أن ~~الثلاث كانت على عهد رسول الله PageV01P298 وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر ~~ترد إلى الواحدة قال : نعم وأنت إذا طابقت بين هذه الترجمة وبين لفظ الحديث ~~وجدتها لا يدل عليها ولا يشعر بها بوجه من الوجوه بل الترجمة لون والحديث ~~لون آخر وكأنه لما أشكل عليه لفظ الحديث حمله على ما إذا قال لغير المدخول ~~بها : أنت طالق أنت طالق طلقت واحدة ومعلوم أن هذا الحكم لم يزل ولا يزال ~~كذلك ولا يتقيد ذلك بزمان رسول اللهوأبي بكر وصدرا من خلافة عمر رضي الله ~~عنه ثم يتغير في خلافة عمر رضي الله عنه ويمضي الثلاث بعد ذلك على المطلق ~~فالحديث لا يندفع بمثل هذا ألبتة # وسلك آخرون في الحديث مسلكا آخر وقالوا : هذا الحديث يخالف أصول الشرع ~~فلا يلتفت إليه # قالوا : لأن الله سبحانه ملك الزوج ثلاث تطليقات وجعل إيقاعها إليه فإن ~~قلنا بقول الشافعي ومن وافقه أن جمع الثلاث جائز فقد فعل ما أبيح له فيصح ~~وإن قلنا : جمع الثلاث حرام وهو طلاق بدعي فالشارع إنما ملكه تفريق الثلاث ~~فسحة ms256 له فإذا جمعها فقد جمع ما فسح له في تفريقه فلزمه حكمه كما لو فرقه # قالوا : وهذا كما أنه يملك تفريق المطلقات وجمعهن فكذلك يملك تفريق ~~الطلاق وجمعه فهذا قياس الأصول فلا نبطله بخبر الواحد # قال الآخرون : هذا القياس لا يصلح أن يثبت به هذا الحكم لو لم يعارض بنص ~~فضلا عن أن يقدم على النص وهو قياس مخالف لأصول الشرع ولغة العرب وسنة رسول ~~الله وعمل الصحابة في عهد الصديق # فأما مخالفته لأصول الشرع فإن الله سبحانه إنما ملك المطلق بعد الدخول ~~طلاقا بملك فيه الرجعة ويكون مخيرا فيه بين الإمساك بالمعروف وبين التسريح ~~بالإحسان ما لم يكن بعوض أو يستوفي فيه العدد والقرآن قد بين ذلك كله فبين ~~أن الطلاق قبل الدخول تبين به المرأة ولا عدة عليها وبين أن المفتدية تملك ~~نفسها ولا رجعة لزوجها عليها وبين أن المطلقة الطلقة المسبوقة بطلقتين ~~قبلها تبين منه وتحرم عليه فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وبين PageV01P299 ~~أن ما عدا ذلك من الطلاق فللزوج فيه الرجعة وهو مخير بين الإمسك بالمعروف ~~والتسريح بإحسان # وهذا كتاب الله عز وجل قد تضمن هذه الأنواع الأربعة وأحكامها وجعل سبحانه ~~وتعالى أحكامها من لوازمها التي لا تنفك عنها فلا يجوز ان تتغير أحكامها ~~البتة فكما لا يجور في الطلاق قبل الدخول أن تثبت فيه الرجعة وتجب به العدة ~~ولا في الطلقة المسبوقة بطلقتين أن يثبت فيها الرجعة وأن تباح بغير زوج ~~وإصابة ولا في طلاق الفدية أن تثبت فيه الرجعة فكذلك لا يجوز في النوع ~~الآخر من الطلاق ان يتغير حكمه فيقع على وجه لا تثبت فيه الرجعة فإنه مخالف ~~لحكم الله تعالى الذي حكم به فيه وهذا صفة لازمة له فلا يكون على خلافها ~~البتة # ومن تأمل القرآن وجده لا يحتمل غير ذلك فما شرع الله سبحانه الطلاق إلا ~~وشرع فيه الرجعة إلا الطلاق قبل الدخول وطلاق الخلع والطلقة الثالثة فبيننا ~~وبينكم كتاب الله فإن كان فيه شيء غير هذا فأوجدونا إياه ms257 # ومما يوضح ذلك : أن جمهور الفقهاء من الطوائف الثلاثة احتجوا على الشافعي ~~في تجويزه جمع الثلاث بالقرآن وقالوا : ما شرع الله سبحانه جمع الطلاق ~~الثلاث وما شرع الطلاق بعد الدخول بغير عوض إلا شرع فيه الرجعة ما لم يستوف ~~العدد # واحتجوا عليه بقوله تعالى الطلاق مرتان [ ] قالوا : ولا يعقل في لغة من ~~لغات # الأمم المرتان إلا مرة بعد مرة فعارضهم بعض أصحابه بقوله تعالى ومن يقنت ~~منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين [ الأحزاب : 31 ] وقوله ~~ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين # فأجابهم الآخرون : بأن المرتين والمرات يراد بها الأفعال تارة والأعيان ~~تارة وأكثر ما تستعمل في الأفعال وأما الأعيان فكقوله في الحديث : انشق ~~القمر على عهد رسول الله PageV01P300 مرتين أي شقتين وفلقتين ولما خفي هذا ~~على من لم يحط به علما زعم أن الانشقاق وقع مرة بعد مرة في زمانين وهذا مما ~~يعلم أهل الحديث ومن له خبرة بأحوال الرسولوسيرته أنه غلط وأنه لم يقع ~~الانشقاق إلا مرة واحدة ولكن هذا وأمثاله فهموا من قوله مرتين المرة ~~الزمانية # اذا عرف هذا فقوله نؤتها أجرها مرتين [ الأحزاب : 31 ] وقوله يؤتون أجرهم ~~مرتين [ القصص : 54 ] أي ضعفين فيؤتون أجرهم مضاعفا وهذا يمكن اجتماع ~~المرتين منه في زمان واحد وأما المرتان من الفعل فمحال اجتماعهما في زمن ~~واحد فإنهما مثلان واجتماع المثلين محال وهو نظير اجتماع حرفين في آن واحد ~~من متكلم واحد وهذا مستحيل قطعا فيستحيل أن يكون مرتا الطلاق في إيقاع واحد # ولهذا جعل مالك وجمهور العلماء من رمى الجمار بسبع حصيات جملة أنه غير ~~مؤدي للواجب عليه وإنما يحتسب له رمي حصاة واحدة فهي رمية لا سبع رميات # واتفقوا كلهم على أنه لو قال في اللعان : أشهد بالله أربع شهادات أني ~~صادق كانت شهادة واحدة وفي الحديث الصحيح : من قال في يوم سبحان الله ~~وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر فلو قال : سبحان ~~الله وبحمده مائة مرة هذا اللفظ لم يستحق الثواب المذكور وكانت تسبيحة ms258 ~~واحدة # وكذلك قوله تسبحون الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وتحمدون ثلاثا وثلاثين ~~وتكبرون أربعا وثلاثين لو قال : سبحان الله ثلاثا وثلاثين لم يكن مسبحا هذا ~~العدد حتى يأتي به واحدة بعد واحدة # ونظائر ذلك في الكتاب والسنة اكثر من أن تذكر # قالوا : فقوله تعالى الطلاق مرتان إما أن يكون خبرا في معنى الأمر أي إذا ~~طلقتم PageV01P301 فطلقوا مرتين وإما أن يكون خبرا عن حكمه الشرعي الديني ~~أي الطلاق الذي شرعته لكم وشرعت فيه الرجعة مرتان # وعلى التقديرين إنما يكون ذلك مرة بعد مرة فلا يكون موقعا للطلاق الذي ~~شرع إلا إذا طلق مرة بعد مرة ولا يكون موقعا للمشروع بقوله أنت طالق ثلاثا ~~ولا مرتين # قالوا ويوضح ذلك أنه حصر الطلاق المشروع في مرتين فلو شرع جمع الطلاق في ~~دفعة واحدة لم يكن الحصر صحيحا ولم يكن الطلاق كله مرتان بل كان منه مرتان ~~ومنه مرة واحدة تجمعه وهذا خلاف ظاهر القرآن وأنه لا طلاق للمدخول بها إلا ~~مرتان وتبقى الثالثة المحرمة بعد ذلك # قالوا ويدل عليه أن الطلاق اسم محلي باللام وليست للعهد بل للعموم ~~فالمراد بالآية كل الطلاق مرتان والمرة الثالثة التي تحرمها عليه وتسقط ~~رجعته وهذا صريح في أن الطلاق المشروع هو المتفرق لأن المرات لا تكون إلا ~~متفرقة كما تقدم # قالوا ويدل عليه قوله تعالى 2 : 229 @QB@ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ~~@QE@ فهذا حكم كل طلاق شرعه الله إلا الطلقة المسبوقة بطلقتين قبلها فإنه ~~لا يبقى بعدها إمساك # قالوا ويدل عليه قوله تعالى 2 : 230 @QB@ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ~~فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف @QE@ وإذا من أدوات العموم كأنه قال أي ~~طلاق وقع منكم في أي وقت فحكمه هذا إلا أنه أخرج من هذا العموم الطلقة ~~المسبوقة باثنتين فبقي ما عداها داخلا في لفظ الآية نصا أو ظاهرا # قالوا ويدل عليه أيضا قوله تعالى 2 : 231 @QB@ وإذا طلقتم النساء فبلغن ~~أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن @QE@ فهذا عام في كل طلاق غير الثالثة ~~المسبوقة ms259 باثنتين فالقرآن يقتضي أن ترجع إلى زوجها إذا أراد في كل طلاق ما ~~عدا الثالثة # قالوا ويدل عليه أيضا قوله تعالى 65 : 1 @QB@ يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ~~ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله ~~فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف أو فارقوهن بمعروف @QE@ ووجه الاستدلال بالآية من وجوه PageV01P302 # أحدها أنه سبحانه وتعالى إنما شرع أن تطلق لعدتها أي لاستقبال عدتها ~~فتطلق طلاقا يعقبه شروعها في العدة ولهذا أمر رسول الله عبدالله بن عمر رضي ~~الله عنهما لما طلق امرأته في حيضها أن يراجعها وتلا هذه الآية تفسير ~~للمراد بها وأن المراد بها الطلاق في قبل العدة وكذلك كان يقرؤها عبدالله ~~بن عمر ولهذا قال كل من قال بتحريم جمع الثلاث إنه لا يجوز له أن يردف ~~الطلقة بأخرى في ذلك الطهر لأنه غير مطلق للعدة فإن العدة قد استقبلت من ~~حين الطلقة الأولى فلا تكون الثانية للعدة # ثم قال الإمام أحمد في ظاهر مذهبه ومن وافقه إذا أراد أن يطلقها ثانية ~~طلقها بعد عقد أو رجعة لأن العدة تنقطع بذلك فإذا طلقها بعد ذلك أخرى طلقها ~~للعدة # وقال في رواية أخرى عنه له أن يطلقها الثانية في الطهر الثاني ويطلقها ~~الثالثة في الطهر وهو قول أبي حنيفة فيكون مطلقا للعدة أيضا لأنها تبتني ~~على ما مضى والصحيح هو الأول وأنه ليس له أن يردف الطلاق قبل الرجعة والعقد ~~لأن الطلاق الثاني لم يكن لاستقبال العدة بل هو طلاق لغير العدة فلا يكون ~~مأذونا فيه فإن العدة إنما تحسب من الطلقة الأولى لأنها طلاق العدة بخلاف ~~الثانية والثالثة # ومن جعله مشروعا قال هو الطلاق لتمام العدة والطلاق لتمامها كالطلاق ~~لاستقبالها وكلاهما طلاق للعدة # وأصحاب القول الأول يقولون المراد بالطلاق للعدة الطلاق لاستقبالها كما ~~في القراءة الأخرى التي تفسر القراءة المشهورة فطلقوهن ms260 في قبل عدتهن # قالوا فإذا لم يشرع إرداف الطلاق للطلاق قبل الرجعة أو العقد فأن لا يشرع ~~جمعه معه أولى وأحرى فإن إرداف الطلاق أسهل من جمعه ولهذا يسوغ الإرداف في ~~الأطهار من لا يجوز الجمع في الطهر الواحد # وقد احتج عبدالله بن عباس على تحريم جمع الثلاث بهذه الآية # قال مجاهد كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال إنه طلق امرأته ثلاثا فسكت ~~حتى ظننت أنه رادها إليه ثم قال ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول يا ابن ~~عباس PageV01P303 وإن الله عز وجل قال @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ~~@QE@ فما أجد لك مخرجا عصيت ربك وبانت منك امرأتك وإن الله عز وجل قال يا ~~أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن + وهذا حديث صحيح + # ففهم ابن عباس من الآية أن جمع الثلاث محرم وهذا فهم من دعا له النبي أن ~~يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل وهو من أحسن الفهوم كما تقرر # الوجه الثاني من الاستدلال بالآية قوله تعالى @QB@ لا تخرجوهن من بيوتهن ~~ولا يخرجن @QE@ وهذا إنما هو الطلاق الرجعي فأما البائن فلا سكنى لها ولا ~~نفقة لسنة رسول الله الصحيحة التي لا مطعن في صحتها الصريحة التي لا شبهة ~~في دلالتها فدل على أن هذا حكم كل طلاق شرعه الله تعالى ما لم يسبقه طلقتان ~~قبله ولهذا قال الجمهور إنه لا يشرع له ولا يملك إبانتها بطلقة واحدة بدون ~~العوض # وأبو حنيفة قال لا يملك ذلك لأن الرجعة حقه وقد أسقطها # والجمهور يقولون ثبوت الرجعة وإن كان حقا له فلها عليه حقوق الزوجية فلا ~~يملك إسقاطها إلا بمخالعة أو باستيفاء العدد كما دل عليه القرآن # الوجه الثالث أنه قال 65 : 1 @QB@ وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ~~ظلم نفسه @QE@ فإذا طلقها ثلاثا جملة واحدة فقد تعدى حدود الله فيكون ظالما # الوجه الرابع أنه سبحانه قال @QB@ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ~~@QE@ وقد فهم أعلم الأمة بالقرآن وهم الصحابة أن الأمر ههنا ms261 هو الرجعة ~~قالوا وأي أمر يحدث بعد الثلاث # الوجه الخامس قوله تعالى 2 : 230 @QB@ فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف ~~أو فارقوهن بمعروف @QE@ فهذا حكم كل طلاق شرعه الله إلا أن يسبق بطلقتين ~~قبله وقد احتج ابن عباس على تحريم جمع الثلاث بقوله تعالى يا أيها النبي ~~إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن كما تقدم وهذا حق فإن الآية إذا دلت ~~على منع إرداف PageV01P304 الطلاق الطلاق في طهر أو أطهار قبل رجعة أو عقد ~~كما تقدم لأنه يكون مطلقا في غير قبل العدة فلأن تدل على تحريم الجمع أولى ~~وأحرى # قالوا والله سبحانه شرع الطلاق على أيسر الوجوه وأرفقها بالزوج والزوجة ~~لئلا يتسارع العبد في وقوعه ومفارقة حبيبته وقد وقت للعدة أجلا لاستدراك ~~الفارط بالرجعة فلم يبح له أن يطلق المرأة في حال حيضها لأنه وقت نفرته ~~عنها وعدم قدرته على استمتاعه بها ولا عقيب جماعها لأنه قد قضى غرضه منها ~~وربما فترت رغبته فيها وزهد في إمساكها لقضاء وطره فإذا طلقها في هاتين ~~الحالتين ربما يندم بعد هذا مع ما في الطلاق في الحيض من تطويل العدة وعقيب ~~الجماع من طلاق لعلها قد اشتمل رحمها على ولد منه فلا يريد فراقها فأما إذا ~~حاضت ثم طهرت فنفسه تتوق إليها لطول عهده بجماعها فلا يقدم على طلاقها في ~~هذه الحال إلا لحاجته إليه فلم يبح له الشارع أن يطلقها إلا في هذه الحال ~~أو في حال استبانة حملها لأن إقدامه أيضا على طلاقها في هذه الحال دليل على ~~حاجته إلى الطلاق # وقد أكد النبي هذا بمنعه لعبدالله بن عمر أن يطلق في الطهر الذي يلي ~~الحيضة التي طلق فيها بل أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن ~~بدا له أن يطلقها فليطلقها وفي ذلك عدة حكم # منها أن الطهر المتصل بالحيضة هو وهي في حكم القرء الواحد فإذا طلقها في ~~ذلك الطهر فكأنه طلقها في الحيضة لاتصاله بها وكونه معها كالشيء الواحد # الثانية أنه لو أذن ms262 له في طلاقها في ذلك الطهر فيصير كأنه راجع لأجل ~~الطلاق وهذا ضد مقصود الرجعة فإن الله تعالى إنما شرع الرجعة للإمساك ولم ~~شعث النكاح وعود الفراش فلا يكون لأجل الطلاق فيكون كأنه راجع ليطلق وإنما ~~شرعت الرجعة ليمسك وبهذا بعينه أبطلنا نكاح المحلل فإن الله سبحانه وتعالى ~~شرع النكاح للإمساك والمعاشرة والمحلل تزوج ليطلق فهو مضاد لله تعالى في ~~شرعه ودينه PageV01P305 # الثالثة أنه إذا صبر عليها حتى تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر زال ما في ~~نفسه من الغضب الحامل له على الطلاق وربما صلحت الحال بينهما وأقلعت عما ~~يدعوه إلى طلاقها فيكون تطويل هذه المدة رحمة به وبها وإذا كان الشارع ~~ملتفتا إلى مثل هذه الرحمة والشفقة على الزوج وشرع الطلاق على هذا الوجه ~~الذي هو أبعد شيء عن الندم فكيف يليق بشرعه أن يشرع إبانتها وتحريمها عليه ~~بكلمة واحدة يجمع فيها ما شرعه متفرقا بحيث لا يكون له سبيل إليها وكيف ~~يجتمع في حكمة الشارع وحكمه هذا وهذا # فهذه الوجوه ونحوها ما بين بها الجمهور أن جمع الثلاث غير مشروع هي ~~بعينها تبين عدم الوقوع وأنه إنما يقع المشروع وحده وهي الواحدة # قالوا فتبين أنا بأصول الشرع وقواعده أسعد منكم وأن قياس الأصول وقواعد ~~الشرع من جانبنا وقد تأيدت بالسنة الصحيحة التي ذكرناها # وقولكم إن المطلق ثلاثا قد جمع ما فسح له في تفريقه هو إلى أن يكون حجة ~~عليكم أقرب فإنه إنما أذن له فيه وملكه متفرقا لا مجموعا فإذا جمع ما أمر ~~بتفريقه فقد تعدى حدود الله وخالف ما شرعه ولهذا قال من قال من السلف رجل ~~أخطأ السنة فيرد إليها فهذا أحسن من كلامكم وأبين وأقرب إلى الشرع والمصلحة # ثم هذا ينتقض عليكم بسائر ما ملكه الله تعالى العبد وأذن فيه متفرقا ~~فأراد أن يجمعه كرمي الجمار الذي إنما شرع له مفرقا واللعان الذي شرع كذلك ~~وأيمان القسامة التي شرعت كذلك ونظير قياسكم هذا أن له أن يؤخر الصلوات ~~كلها ويصليها في وقت ms263 واحد لأنه جمع ما أمر بتفريقه على أن هذا قد فهمه كثير ~~من العوام يؤخرون صلاة اليوم إلى الليل ويصلون الجميع في وقت واحد ويحتجون ~~بمثل هذه الحجة بعينها ولو سكتم عن نصرة المسألة بمثل ذلك لكان أقوى لها ~~PageV01P306 # | فصل فاستروح بعضهم إلى مسلك آخر غير هذه المسالك لما تبين له # فسادها # فقال هذا حديث واحد والأحاديث الكثيرة عن رسول الله دالة على خلافه ~~وذكروا أحاديث # منها ما في الصحيحين عن فاطمة بنت قيس أن أبا حفص بن المغيرة طلقها ألبتة ~~وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته فجاءت رسول الله فذكرت له ذلك ~~فقال ليس لك عليه نفقة # وقد جاء تفسير هذه ألبتة في الحديث الآخر الصحيح أنه طلقها ثلاثا فلم ~~يجعل لها النبي سكنى ولا نفقة فقد أجاز عليه الثلاث وأسقط بذلك نفقتها ~~وسكناها # وفي المسند أن هذه الثلاث كانت جميعا فروى من حديث الشعبي أن فاطمة خاصمت ~~أخا زوجها إلى النبي لما أخرجها من الدار ومنعها النفقة فقال مالك ولابنة ~~قيس قال يا رسول الله إن أخي طلقها ثلاثا جميعا وذكر الحديث # ومنها ما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا طلق امرأته ثلاثا ~~فتزوجت فطلقت فسئل النبي أتحل للأول قال لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول # ووجه الدليل أنه لم يستفصل هل طلقها ثلاثا مجموعة أو متفرقة ولو اختلف ~~الحال لوجب الاستفصال # ومنها ما اعتمد عليه الشافعي في قصة الملاعنة أن عويمرا العجلاني أتى ~~رسول الله فقال يا رسول الله رأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه ~~أم كيف يفعل فقال رسول الله قد أنزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فائت بها قال سهل ~~فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله PageV01P307 فلما فرغا من تلاعنهما ~~قال عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره ~~رسول الله قال الزهري وكانت تلك سنة المتلاعنين متفق على صحته # قال الشافعي فقد أقره رسول الله على الطلاق ثلاثا ولو كان حراما لما ms264 أقره ~~عليه # ومنها ما رواه النسائي عن محمود بن لبيد قال أخبر رسول الله عن رجل طلق ~~امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان ثم قال أيلعب بكتاب الله وأنا بين ~~أظهركم حتى قام رجل فقال يا رسول الله ألا أقتله ولم يقل إنه لم يقع عليه ~~إلا واحدة بل الظاهر أنه أجازها عليه إذ لو كانت ولم يقع عليه إلا واحدة ~~لبين له ذلك لأنه إنما طلقها ثلاثا يعتقد لزومها فلو لم يلزمه لقال له هي ~~زوجتك بعد وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز # ومنها ما رواه أبو داود وابن ماجة عن ركانة أنه طلق امرأته ألبتة فأتى ~~رسول الله فقال ما أردت قال واحدة قال آلله ما أردت بها إلا واحدة قال آلله ~~ما أردت بها إلا واحدة ورواه الترمذي وفيه فقال يا رسول الله إني طلقت ~~امرأتي ألبتة فقال ما أردت بها فقلت واحدة قال والله قلت والله قال فهو ما ~~أردت قال أبو دواد وهذا أصح من حديث ابن جريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثا ~~وقال ابن ماجة سمعت أبا الحسن علي بن محمد الطنافسي يقول ما أشرف هذا ~~الحديث قال أبو عبدالله بن ماجه : أبو عبيد تركه ناجية وأحمد جبن عنه ~~PageV01P308 ووجه الدلالة : أنه حلفه ما أراد بها إلا واحدة وهذا يدل على ~~أنه لو أراد بها أكثر من واحدة لألزمه ذلك ولو كانت واحدة مطلقا لم يفترق ~~الحال بين أن يريد واحدة أو أكثر وإذا كان هذا في الكناية فكيف بالطلاق ~~الصريح إذا صرح فيه بالثلاث # ومنها : ما رواه الدارقطني من حديث حماد بن زيد : حدثنا عبدالعزيز بن ~~صهيب عن أنس قال سمعت أنس بن مالك يقول : سمعت معاذ بن جبل يقول : سمعت ~~رسول اللهيقول : يا معاذ من طلق للبدعة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ألزمناه ~~بدعته ومنها : ما رواه الدارقطني من حديث إبراهيم بن عبيدالله بن عبادة بن ~~الصامت عن أبيه عن جده قال : طلق بعض آبائي امرأته ألبتة فانطلق بنوه إلى ~~رسول ms265 الله فقالوا : يا رسول الله إن أبانا طلق امرأته ألفا فهل له من مخرج ~~فقال : إن أباكم لم يتق الله فيجعل له مخرجا بانت منه : بثلاث على غير ~~السنة وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم في عنقه # ومنها : ما رواه الدارقطني أيضا من حديث زاذان عن علي رضي الله عنه قال : ~~سمع النبيرجلا طلق ألبتة فغضب وقال : أتتخذون آيات الله هزوا أو دين الله ~~هزوا ولعبا من طلق ألبتة ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره # ومنها : ما رواه الدارقطني من حديث الحسن البصري قال : حدثنا عبدالله بن ~~عمر : أنه طلق امرأته وهي حائض ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين أخريين عند ~~القرءين فبلغ ذلك رسول اللهفقال : يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله تعالى إنك ~~قد أخطأت السنة والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق عند ذلك أو أمسك فقلت : يا ~~رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها قال : لا كانت ~~تبين منك وتكون معصية # ومنها : ما رواه أبو داود والنسائي عن حماد بن زيد قال : قلت لأيوب : هل ~~علمت أحدا قال في أمرك بيدك إنها ثلاث غير الحسن قال : لا ثم قال : اللهم ~~غفرا إلا ما حدثني PageV01P309 قتادة عن كثير مولى ابن سمرة عن أبي سلمة عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيقال : ثلاث فلقيت كثيرا فسألته فلم يعرفه ~~فرجعت إلى قتادة فأخبرته فقال : نسي رواه الترمذي وقال : لا نعرفه إلا من ~~حديث سليمان بن حرب عن حماد بن زيد وحسبك بسليمان بن حرب وحماد بن زيد ~~ثقتين ثبتين # ومنها : ما رواه البيهقي من حديث سويد بن غفلة عن الحسن أنه طلق عائشة ~~الخثعمية ثلاثا ثم قال : لولا أني سمعت جدي أو حدثني أبي أنه سمع جدي يقول ~~: أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند الأقراء أو ثلاثا مبهمة لم يحل له حتى ~~تنكح زوجا غيره : لراجعتها رواه من حديث محمد بن حميد : حدثنا سلمة بن ~~الفضل عن عمر بن أبي قيس عن إبراهيم بن عبد الأعلى ms266 عن سويد وهذا مرفوع ~~قالوا : فهذه الأحاديث أكثر وأشهر وعامتها أصح من حديث أبي الصهباء وحديث ~~ابن جريج عن عكرمة عن ابن عباس فيجب تقديمها عليه ولا سيما على قاعدة ~~الإمام أحمد فإنه يقدم الأحاديث المتعددة على الحديث الفرد عند التعارض وإن ~~كان الحديث الفرد متأخرا كما قدم في إحدى الروايتين أحاديث تحريم الأوعية ~~على حديث بريدة لكونها كثيرة متعددة وحديث بريدة في إباحتها فرد وهو متأخر ~~فانه قال : كنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية فاشربوا فيما بدا لكم غير أن ~~لا تشربوا مسكرا مع أنه + حديث صحيح + + رواه مسلم + ولا يعرف له علة ~~PageV01P310 # | فصل قال الآخرون : هذه الأحاديث التي ذكرتموها ولم تدعوا بعدها شيئا # هي بين أحاديث صحيحة لا مطعن فيها ولا حجة فيها وبين أحاديث صريحة ~~الدلالة ولكنها باطلة أو ضعيفة لا يصح شىء منها # ونحن نذكر ما فيها ليتبين الصواب ويزول الإشكال # أما حديث فاطمة بنت قيس : فمن أصح الأحاديث مع أن أكثر المنازعين لنا في ~~هذه المسئلة قد خالفوه ولم يأخذوا به فأوجبوا للمبتوتة النفقة والسكنى ولم ~~يلتفتوا إلى هذا الحديث ولا عملوا به وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه وأما ~~الشافعي ومالك فأوجبوا لها السكنى والحديث قد صرح فيه بأنه لا نفقة لها ولا ~~سكنى فخالفوه ولم يعملوا به فإن كان الحديث صحيحا فهو حجة عليكم وإن لم يكن ~~محفوظا بل هو غلط كما قال بعض المتقدمين فليس حجة علينا في جمع الثلاث فأما ~~أن يكون حجة على منازعيكم وليس حجة لهم عليكم فبعيد من الإنصاف والعدل هذا ~~مع أنا نتنزل عن هذا المقام ونقول : الاحتجاج بهذا الحديث فيه نوع سهو من ~~PageV01P311 المحتج به ولو تأمل طرق الحديث وكيف وقعت القصة لم يحتج به فإن ~~الثلاث المذكورة فيه لم تكن مجموعة وإنما كان قد طلقها تطليقتين من قبل ذلك ~~ثم طلقها آخر الثلاث هكذا جاء مصرحا به في الصحيح فروى مسلم في صحيحه عن ~~عبيدالله بن عتبة أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع ms267 علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه إلى اليمن فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت ~~من طلاقها وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة بنفقة فقالا لها : ~~والله مالك نفقة إلا أن تكوني حاملا فأتت النبيفذكرت له قولهما فقال : لا ~~نفقة لك وساق الحديث بطوله # فهذا المفسر يبين ذلك المجمل وهو قوله طلقها ثلاثا # وقال الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس : أنها ~~أخبرته أنها كانت تحت أبي حفص بن المغيرة وأن أبا حفص بن المغيرة طلقها آخر ~~ثلاث تطليقات وساق الحديث ذكره أبو داود ثم قال : وكذلك رواه صالح بن كسيان ~~وابن جريج وشعيب بن أبي حمزة كلهم عن الزهري ثم ساق من طريق عبد الرزاق عن ~~معمر عن PageV01P312 الزهري عن عبيدالله قال : أرسل مروان إلى فاطمة فسألها ~~فأخبرته : أنها كانت عند أبي حفص بن المغيرة وكان النبيأمر علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه على بعض اليمن فخرج معه زوجها فبعث إليها بتطليقة كانت بقيت ~~لها وذكر الحديث بتمامه والواسطة بين مروان وبينها هو قبيصة بن ذؤيب كذلك ~~ذكره أبو داود في طريق أخرى # فهذا بيان حديث فاطمة بنت قيس قالوا : ونحن أخذنا به جميعه ولم نخالف ~~شيئا منه إذ كان صحيحا صريحا لا مطعن فيه ولا معرض له فمن خالفه فهو محتاج ~~إلى الاعتذار # وقد جاء هذا الحديث بخمسة ألفاظ طلقها ثلاثا و طلقها البتة و طلقها آخر ~~ثلاث تطليقات و أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها و طلقها ثلاثا جميعا # هذه جملة ألفاظ الحديث والله الموفق # فأما اللفظ الخامس وهو قوله طلقها ثلاثا جميعا فهذا أولا من حديث مجالد ~~عن الشعبي ولم يقل ذلك عن الشعبي غيره مع كثرة من روى هذه القصة عن الشعبي ~~فتفرد مجالد على ضعفه من بينهم بقوله ثلاثا جميعا وعلى تقدير صحته : ~~فالمراد به : أنه أجتمع لها التطليقات الثلاث لا أنها وقعت بكلمة واحدة ~~فإذا طلقها آخر ثلاث صح أن ms268 يقال : طلقها ثلاثا جميعا فإن هذه اللفظة يراد ~~بها تأكيد العدد وهو الأغلب عليها لا الإجتماع في الآن الواحد لقوله تعالى ~~: @QB@ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا @QE@ [ يونس : 99 ] ~~فالمراد حصول إيمان من الجميع لا إيمانهم كلهم في آن واحد سابقهم ولاحقهم # | فصل وكذلك ما ذكروه من حديث عائشة رضي الله عنها : أن رجلا طلق # امرأته ثلاثا فسئل النبي أتحل للأول فقال : لا الحديث هو حق يجب المصير ~~إليه لكن ليس فيه أنه طلقها ثلاثا بفم واحد فلا تدخلوا فيه ما ليس فيه ~~وقولكم : ولم يستفصل جوابه : أن الحال قد كان عندهم معلوما وأن الثلاث إنما ~~PageV01P313 تكون ثلاثا واحدة بعد واحدة وهذا مقتضى اللغة والقرآن والشرع ~~والعرف كما بينا فخرج على المفهوم المتعارف من لغة القوم # | فصل وأما ما اعتمد عليه الشافعي : من طلاق الملاعن ثلاثا بحضرة رسول # اللهولم ينكره فلا دليل فيه لأن الملاعنة يحرم عليه إمساكها وقد حرمت ~~تحريما مؤبدا فما زاد الطلاق الثلاث هذا التحريم الذي هو مقصود اللعان إلا ~~تأكيدا وقوة وهذا جواب شيخنا رحمه الله وقال ابن المنذر وقد ذكر الأدلة على ~~تحريم جمع الطلاق الثلاث وأنه بدعة ثم # قال : وأما ما اعتل به من رأى أن مطلق الثلاث في مرة واحدة مطلق للسنة ~~بحديث العجلاني فإنما أوقع الطلاق عنده على أجنبية علم الزوج الذي طلق ذلك ~~أو لم يعلم لأن قائله يوقع الفرقة بالتعان الرجل قبل أن تلتعن المرأة فغير ~~جائز أن يحتج بمثل هذه الحجة من يرى أن الفرقة تقع بالتعاونى الزوج وحده ~~انتهى # وحينئذ فنقول : إما أن تقع الفرقة بالتعان الزوج وحده كما يقوله الشافعي ~~أو بالتعانهما كما يقوله أحمد أو يقف على تفريق الحاكم فإن وقعت بالتعانه ~~أو التعانهما فالطلاق الذي وقع منه لغو لم يفد شيئا البتة بل هو في طلاق ~~أجنبية وإن وقفت الفرقة على تفريق الحاكم فهو يفرق بينهما تفريقا يحرمها ~~عليه تحريما مؤبدا فالطلاق الثلاث أكد هذا التحريم الذي هو موجب اللعان ~~ومقصود الشارع ms269 فكيف يلحق به طلاق الملاعنة وبينهما أعظم فرق # | فصل وأما حديث محمود بن لبيد في قصة المطلق ثلاثا فالاحتجاج به على # الجواز من باب قلب الحقائق والاحتجاج بأعظم ما يدل على التحريم لا على ~~الإباحة والاستدلال به على PageV01P314 الوقوع من باب التكهن والخرص ~~والزيادة في الحديث ما ليس فيه ولا يدل عليه بشيء من وجوه الدلالات ألبتة ~~ولكن المقلد لا يبالي بنصرة تقليده بما اتفق له وكيف يظن برسول اللهأنه ~~أجاز عمل من استهزأ بكتاب الله وصححه واعتبره في شرعه وحكمه ونفذه وقد جعله ~~مستهزئا بكتاب الله تعالى وهذا صريح في أن الله سبحانه وتعالى لم يشرع جمع ~~الثلاث ولا جعله في أحكامه # | فصل وأما حديث ركانه أنه طلق امرأته البتة وأن رسول اللهاستحلفه ما # أراد بها إلا واحدة فحديث لا يصح قال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب العلل ~~له : قال أحمد : حديث ركانه ليس بشيء وقال الخلال في كتاب العلل عن الأثرم ~~: قلت لأبي عبدالله : حديث ركانه في البتة فضعفه وقال : ذاك جعله بنيته # وقال شيخنا : الأئمة الكبار العارفون بعلل الحديث : كالإمام أحمد ~~والبخاري وأبي عبيد وغيرهم ضعفوا حديث ركانه ألبتة وكذلك أبو محمد بن حزم ~~وقالوا : إن رواته قوم مجاهيل لا تعرف عدالتهم وضبطهم قال : وقال الإمام ~~أحمد : حديث ركانة أنه طلق امرأته ألبتة لا يثبت وقال أيضا : حديث ركانة في ~~ألبتة ليس بشىء لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن ~~عباس أن ركانة طلق امرأته ثلاثا وأهل المدينة يسمون من طلق ثلاثا : طلق ~~البتة # فإن قيل : فقد قال أبو داود : حديث ألبتة أصح من حديث ابن جريج أن ركانة ~~طلق امرأته ثلاثا لأنهم أهل بيته وهم أعلم به يعني وهم الذين رووا حديث ~~ألبتة # فقد قال شيخنا في الجواب : أبو اداود إنما رجح حديث البتة على حديث ابن ~~جريج لأنه روى حديث ابن جريج من طريق فيها مجهول فقال : حدثنا أحمد بن صالح ~~حدثنا عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني بعض ms270 ولد أبي رافع عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال : طلق PageV01P315 عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة ثلاثا ~~الحديث ولم يرو الحديث الذي رواه أحمد في مسنده عن إبراهيم بن سعد : حدثني ~~أبي عن محمد بن إسحاق حدثنا داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال : طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد فلهذا رجح ~~أبو داود حديث ألبتة على حديث ابن جريج ولم يتعرض لهذا الحديث ولا رواه في ~~سننه ولا ريب أنه أصح من الحديثين وحديث ابن جريج شاهد له وعاضد فإذا انضم ~~حديث أبي الصهباء إلى حديث ابن إسحق إلى حديث ابن جريج مع اختلاف مخارجها ~~وتعدد طرقها أفادت العلم بأنها أقوى من حديث البتة بلا شك ولا يمكن من شم ~~روائح الحديث ولو على بعد أن يرتاب في ذلك فكيف يقدم الحديث الضعيف الذي ~~ضعفه الائمة ورواته مجاهيل على هذه الأحاديث PageV01P316 # | فصل وأما حديث معاذ بن جبل فلقد وهت مسألة يحتج فيها بمثل هذا الحديث # الباطل والدارقطني إنما رواه للمعرفة وهو أجل من أن يحتج به وفي إسناده : ~~إسماعيل بن أمية الذارع يرويه عن حماد قال الدارقطني بعد روايته : إسماعيل ~~بن أمية ضعيف متروك الحديث # | فصل وأما حديث عبادة بن الصامت الذي وراه الدارقطني فقد قال عقيب # إخراجه : رواته مجهولون وضعفاء إلا شيخنا وابن عبد الباقي # | فصل وأما حديث زاذان عن علي رضي الله عنه فيرويه إسماعيل بن أمية # القرشي قال الدارقطني : إسماعيل بن أمية هذا كوفي ضعيف الحديث قلت : وفي ~~إسناده مجاهيل وضعفاء PageV01P317 # | فصل وأما حديث الحسن عن ابن عمر فهو أمثل هذه الأحاديث الضعاف قال # الدارقطني : حدثنا علي بن محمد بن عبيد الحافظ حدثنا محمد بن شاذان ~~الجوهري حدثنا يعلي بن منصور حدثنا شعيب بن رزيق أن عطاء الخرساني حدثهم عن ~~الحسن قال : حدثنا عبدالله بن عمر فذكره وشعيب وثقه الدارقطني وقال أبو ~~الفتح الأزدي : فيه لين وقال البيهقي وقد روى هذا الحديث : وهذه الزيادات ~~انفرد بها ms271 شعيب وقد تكلموا فيه انتهى # ولا ريب أن الثقات الأثبات الأئمة رووا حديث ابن عمر هذا فلم يأت أحد ~~منهم بما أتى به شعيب ألبتة ولهذا لم يرو حديثه هذا أحدمن أصحاب الصحيح ولا ~~السنن # | فصل وأما حديث كثير مولى ابن سمرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة فقد # أنكره كثير لما سئل عنه ومثل هذا بعيد أن ينسى وقد أعل البيهقي هذا ~~الحديث وقال : كثير لم يثبت PageV01P318 من معرفته ما يوجب الاحتجاج به قال ~~: وقول العامة بخلاف روايته وقد ضعفه عبد الحق في أحكامه وابن حزم في كتابه # | فصل وأما حديث سويد بن غفلة عن الحسن فمن رواية محمد بن حميد الرازي # قال أبو زرعة الرازي : كذاب وقال صالح جزرة : ما رأيت أحذق بالكذب منه ~~ومن الشاذكوني وسلمة بن الفضل قال أبو حاتم : منكر الحديث وإن كان رواته ~~شتى فقد ضعفه إسحاق بن راهوية وغيره # | فصل فلما رأى آخرون ضعف هذه المسالك استروحوا إلى مسلك آخر وظنوا # أنهم قد استروحوا به من كلفة التأويل ومشقته # فقالوا : الإجماع قد انعقد على لزوم الثلاث وهو أكبر من خبر الواحد كما ~~قال الشافعي رحمه الله : الاجماع أكبر من الخبر المنفرد وذلك أن الخبر يجوز ~~الخطأ والوهم على راويه بخلاف الاجماع فإنه معصوم # قالوا : ونحن نسوق عن الصحابة والتابعين ما يبين ذلك # فثبت في صحيح مسلم أن عمر رضي الله عنه أمضى عليهم الثلاث ووافقه الصحابة # قال سعيد بن منصور : حدثنا سفيان عن شفيق سمع أنسا يقول قال عمر : في ~~الرجل يطلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها قال : هي ثلاث لا تحل له حتى تنكح ~~زوجا غيره وكان إذا أتي به أوجعه # وروى البيهقي من حديث ابن أبي ليلى عن على رضي الله عنه فيمن طلق ثلاثا ~~قبل الدخول قال : لا تحل حتى تنكح زوجا غيره PageV01P319 وروى حاتم ابن ~~إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على لا تحل له حتى تنكح غيره وروى أبو ~~نعيم عن الأعمش عن حبيب بن ms272 أبي ثابت عن بعض أصحابه قال جاء رجل إلى علي رضي ~~الله عنه فقال : طلقت امرأتي ألفا فقال : ثلاث تحرمها عليك واقسم سائرها ~~بين نسائك # وقال علقمة بن قيس : أتى رجل ابن مسعود رضي الله عنه فقال : إن رجلا طلق ~~امرأته البارحة مائة قال : قلتها مرة واحدة قال : نعم قال : تريد أن تبين ~~منك امرأتك قال : نعم قال : هو كما قلت وأتاه رجل فقال : إنه طلق امرأته ~~البارحة عدد النجوم فقال له مثل ذلك ثم قال قد بين الله سبحانه أمر الطلاق ~~فمن طلق كما أمره الله تعالى فقد بين له ومن لبس جعلنا عليه لبسه والله لا ~~تلبسون إلا على أنفسكم ونتحمله عنكم هو كما تقولون # وروى مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد ~~بن إياس البكير قال : طلق رجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها ثم بدا له أن ~~ينكحها فجاء يستفتي فذهبت معه أسأل له فسأل أبا هريرة وابن عباس عن ذلك ~~فقالا : لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجا غيرك قال : إنما كان طلاقي إياها ~~واحدة فقال ابن عباس : إنك قد أرسلت من يدك ما كان لك من فضل # وفي الموطأ أيضا في هذه القصة أن ابن البكير سأل عنها ابن الزبير فقال : ~~إن هذا لأمر مالنا فيه قول اذهب إلى ابن عباس وأبي هريرة : فإني تركتهما ~~عند عائشة فاسألهما ثم ائتنا فأخبرنا فذهب فسألهما فقال ابن عباس لابي ~~هريرة : أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة فقال : أبو هريرة الواحد تبينها ~~والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره وقال ابن عباس مثل ذلك PageV01P320 # فهذه عائشة لم تنكر عليهما ولا ابن الزبير # وفي الموطأ أيضا : عن النعمان بن أبي عياش عن عطاء بن يسار قال جاء رجل ~~يستفتي عبدالله بن عمرو بن العاص عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يمسها قال ~~عطاء : فقلت : إنما طلاق البكر واحدة فقال لي عبدالله بن عمرو بن العاص : ~~إنما أنت قاص الواحدة ms273 تبينها والثلاث تحرمها : حتى تنكح زوجا غيره # وروى عبيدالله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما إذا طلق امرأته ثلاثا ~~قبل أن يدخل بها لم يحل له حتى تنكح زوجا غيره # وروي البيهقي من حديث معاذ بن معاذ : حدثنا شعبة عن طارق بن عبدالرحمن : ~~سمعت قيس بن أبي عاصم قال : سأل رجل المغيرة وأنا شاهد عن رجل طلق امرأته ~~مائة فقال : ثلاثة تحرم وسبع وتسعون فضل # وروى البيهقي عن سويد بن غفلة قال : كانت عائشة الخثعمية عند الحسن فلما ~~قتل علي رضي الله عنه قالت : لتهنك الخلافة يا أمير المؤمنين فقال : بقتل ~~علي تظهرين الشماتة اذهبي فأنت طالق يعني ثلاثا فتلفعت بثيابها حتى قضت ~~عدتها فبعث إليها ببقية لها من صداقها وعشرة آلاف صدقة فقالت لما جاءها ~~الرسول : متاع قليل من حبيب مفارق فلما بلغه قولها بكى وقال : لولا أني ~~سمعت جدي أو حدثني أبي أنه سمع جدي يقول : أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند ~~الأقراء أو ثلاثة مبهمة لم يحل له حتى تنكح زوجا غيره : لراجعتها # وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عطاء بن السائب عن ~~علي رضي الله عنه أنه قال في الحرام والبتة والبائن والخلية والبرية : ~~ثلاثا ثلاثا قال PageV01P321 شعبة : فلقيت عطاء فقلت : من حدثك عن هذا قال ~~أبو البختري قال أحمد : وأنا أهابها ولا أجيب فيها لأنه يروي عن عامة الناس ~~أنها ثلاث : علي وزيد وابن عمر وعامة التابعين وأما ابن عباس فروى عنه ~~مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار ومالك بن الحارث ~~ومحمد بن إياس بن البكير ومعاوية بن أبي عياش وغيرهم : أنه ألزم الثلاث من ~~أوقعها جملة قال الإمام أحمد وقد سأله الأثرم : بأي شيء ترد حديث ابن عباس ~~كان الطلاق على عهد رسول اللهوأبي بكر وعمر رضي الله عنهما طلاق الثلاث ~~واحدة بأي شىء تدفعه قال : برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه ثم ذكر ~~عن عدة عن ابن عباس : أنها ثلاث ms274 وإلى هذا نذهب # وذكر البيهقي : أن رجلا أتى عمران بن حصين وهو في المسجد فقال : رجل طلق ~~امرأته ثلاثا في مجلس فقال : أثم بربه وحرمت عليه امرأته فانطلق الرجل فذكر ~~ذلك لأبي موسى يريد بذلك عيبه فقال : ألا ترى أن عمران قال كذا وكذا فقال ~~أبو موسى : أكثر الله فينا مثل أبي نجيد # قالوا فهذا عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود وعبدالله ~~بن عمر وعبدالله بن عباس وعبدالله بن الزبير وعمران بن حصين والمغيرة بن ~~شعبة والحسن بن علي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين # وأما التابعون فأكثر من أن يذكروا والإجماع يثبت بدون هذا ولهذا حكاه غير ~~واحد منهم أبو بكر بن العربي وأبو بكر الرازي وهو ظاهر كلام الإمام أحمد ~~فإنه PageV01P322 قال في رواية الأثرم وذكر قول من قال : إذا خالف السنة ~~يرد إلى السنة : إنه ليس بشيء وقال هذا مذهب الرافضة وظاهر هذا : أن القول ~~بالوقوع إجماع أهل السنة # قال الآخرون : قد عرفتم ما في دعوى الإجماع الذي لم يعلم فيه مخالف : أنه ~~راجع إلى عدم العلم لا إلى العلم بانتفاء المخالف وعدم العلم ليس بعلم حتى ~~يحتج به ويقدم على النصوص الثابتة هذا إذا لم يعلم مخالف فكيف إذا علم ~~المخالف وحينئذ فتكون المسألة مسألة نزاع يجب ردها إلى الله تعالى ورسوله ~~ومن أبى ذلك فهو إما جاهل مقلد وإما متعصب صاحب هوى عاص لله تعالى ورسوله ~~متعرض للحوق الوعيد به فإن الله تعالى يقول : @QB@ فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر @QE@ الآية [ ~~النساء : 59 ] فإذا ثبت أن المسألة مسألة نزاع وجب قطعا ردها إلى كتاب الله ~~وسنة رسوله وهذه # المسألة مسألة نزاع بلا نزاع بين أهل العلم الذين هم أهله والنزاع فيها ~~من عهد الصحابة إلى وقتنا هذا # وبيان هذا من وجوه : # أحدها : ما رواه أبو داود وغيره من حديث حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما إذا قال ms275 : أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة وهذا ~~الإسناد على شرط البخاري # وقال عبدالرزاق : أخبرنا معمر عن أيوب قال : دخل الحكم بن عيينة على ~~الزهري بمكة وأنا معهم فسألوه عن البكر تطلق ثلاثا فقال : سئل عن ذلك ابن ~~عباس وأبو هريرة وعبدالله بن عمرو فكلهم قالوا : لا تحل له حتى تنكح زوجا ~~غيره قال : فخرج الحكم وأنا معه فأتى طاوسا وهو في المسجد فأكب عليه فسأله ~~عن قول ابن عباس فيها وأخبره بقول الزهري قال : فرأيت طاوسا رفع يديه تعجبا ~~من ذلك وقال : والله ما كان ابن عباس يجعلها إلا واحدة # أخبرنا ابن جريح قال وأخبرني حسن بن مسلم عن ابن شهاب أن ابن عباس قال : ~~إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا ولم يجمع كن ثلاثا قال : فأخبرت طاوسا فقال ~~أشهد ما كان ابن عباس يراهن إلا واحدة PageV01P323 فقوله إذا طلق ثلاثا ولم ~~يجمع كن ثلاثا أي إذا كن متفرقات فدل على أنه إذا جمعهن كانت واحدة وهذا هو ~~الذي حلف عليه طاوس : أن ابن عباس كان يجعله واحدة # ونحن لا نشك أن ابن عباس صح عنه خلاف ذلك وأنها ثلاث فهما روايتان : ~~ثابتتان عن ابن عباس بلا شك # الوجه الثاني : أن هذا مذهب طاوس قال عبدالرزاق : أخبرنا ابن جريج عن ابن ~~طاوس عن أبيه أنه كان لا يرى طلاقا ما خالف وجه الطلاق ووجه العدة وأنه كان ~~يقول : يطلقها واحدة ثم يدعها حتى تنقضي عدتها # وقال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا إسماعيل بن علية عن ليث عن طاوس وعطاء ~~أنهما قالا : إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها فهي واحدة الوجه ~~الثالث : أنه قول عطاء بن أبي رباح قال ابن أبي شيبة : حدثنا محمد بن بشر ~~حدثنا إسماعيل عن قتادة عن طاوس وعطاء وجابر بن زيد أنهم قالوا : إذا طلقها ~~ثلاثا قبل أن يدخل بها فهي واحدة # الوجه الرابع : أنه قول جابر بن زيد كما تقدم # الوجه الخامس : أن هذا مذهب محمد بن إسحاق عن داود عن ms276 الحصين حكاه عنه ~~الإمام أحمد في رواية الأثرم ولفظه : حدثنا سعيد بن إبراهيم عن أبيه عن ابن ~~إسحق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن ركانة طلق امرأته ثلاثا ~~فجعلها النبيواحدة قال أبو عبدالله : وكان هذا مذهب ابن إسحق يقول : خالف ~~السنة فيرد إلى السنة # الوجه السادس : أنه مذهب إسحاق بن راهوية في البكر قال محمد بن نصر ~~المروزي في كتاب اختلاف العلماء له : وكان إسحق يقول : طلاق الثلاث للبكر ~~واحدة وتأول حديث طاوس عن ابن عباس كان الطلاق الثلاث على عهد رسول ~~اللهوأبي بكر وعمر يجعل واحدة : على هذا قال : فإن قال لها ولم يدخل بها ~~أنت طالق أنت طالق أنت طالق فإن سفيان وأصحاب الرأي والشافعي وأحمد وأبا ~~عبيد قالوا : PageV01P324 بانت منه بالأولى وليست الثنتان بشيءلأن غير ~~المدخول بها تبين بواحدة ولا عدة عليها وقال مالك وربيعة وأهل المدينة ~~والأوزاعي وابن أبي ليلى : إذا قال لها ثلاث مرات : أنت طالق نسقا متتابعة ~~حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره فإن هو سكت بين التطليقتين بانت بالأولى ولم ~~تلحقها الثانية # فصار في وقوع الثلاث بغير المدخول بها ثلاث مذاهب للصحابة والتابعين ومن ~~بعدهم # أحدها : أنها واحدة سواء قالها بلفظ واحد أو بثلاثة ألفاظ # والثاني : أنها ثلاث سواء أوقع الثلاث بلفظ واحد أو بثلاثة ألفاظ # والثالث : أنه إن أقوعها بلفظ واحد فهي ثلاث وإن أوقعها بثلاثة ألفاظ فهي ~~واحد # الوجه السابع : أن هذا مذهب عمرو بن دينار في الطلاق قبل الدخول قال ابن ~~المنذر في كتابه الأوسط : وكان سعيد بن جبير وطاوس وأبو الشعثاء وعطاء ~~وعمرو بن دينار يقولون : من طلق البكر ثلاثا فهي واحدة # الوجه الثامن : أنه مذهب سعيد بن جبير كما حكاه ابن المنذر وغيره عنه ~~وحكاه الثعلبي عن سعيد بن المسيب وهو غلط عليه إنما هو مذهب سعيد بن جبير # الوجه التاسع : أنه مذهب الحسن البصري الذي استقر عليه قال ابن المنذر : ~~واختلف في # هذا الباب عن الحسن فروي عنه كما رويناه عن أصحاب النبيوذكر ms277 قتادة وحميد ~~ويونس عنه : أنه رجع عن قوله بعد ذلك فقال : واحدة بائنة وهذا الذي ذكره ~~ابن المنذر رواه عبدالرزاق في المصنف فقال : أخبرنا معمر عن قتادة قال : ~~سألت الحسن عن الرجل يطلق البكر ثلاثا فقال الحسن : وما بعد الثلاث فقلت ~~صدقت وما بعد الثلاث فأفتى الحسن بذلك زمنا ثم رجع فقال : واحد تبينها ~~ويحطها قاله حياته # الوجه العاشر : أنه مذهب عطاء بن يسار قال عبدالرزاق : أخبرنا مالك عن ~~يحيى ابن سعيد عن بكير عن يعمر بن أبي عياش قال سأل رجل عطاء بن يسار عن ~~الرجل PageV01P325 يطلق البكر ثلاثا فقال : إنما طلاق البكر واحدة فقال له ~~عبدالله بن عمرو بن العاص : أنت قاص الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى ~~تنكح زوجا غيره فذكر عطاء مذهبه وعبدالله بن عمرو مذهبه # الوجه الحادي عشر : أنه مذهب خلاس بن عمرو حكاه بشر بن الوليد عن أبي ~~يوسف عنه # الوجه الثاني عشر : أنه مذهب مقاتل الرازي حكاه عنه المازرى في كتابه ~~المعلم بفوائد مسلم قال الخطيب : حدث عن عبدالله بن المبارك وعباد بن ~~العوام ووكيع بن الجراح وأبي عاصم النبيل روى عنه الإمام أحمد والبخاري في ~~صحيحه وكان ثقة الوجة الثالث عشر : أنه إحدى الروايتين عن مالك حكاها عنه ~~جماعة من المالكية منهم التلمساني صاحب شرح الخلاف وعزاها إلى ابن أبي زيد ~~: أنه حكاها رواية عن مالك وحكاها غيره قولا في مذهب مالك وجعله شاذا # الوجه الرابع عشر : أن ابن مغيث المالكي حكاه في كتاب الوثائق وهو مشهور ~~عند المالكية عن بضعة عشر فقيها من فقهاء طليطلة المفتين على مذهب مالك ~~هكذا قال واحتج لهم بأن قوله : أنت طالق ثلاثا : كذب لأنه لم يطلق ثلاثا ~~ولم يطلق إلا واحدة كما لو قال : حلفت ثلاثا كان يمينا واحدة ثم ذكر حججهم ~~من الحديث # الوجه الخامس عشر : أن أبا الحسن علي بن عبدالله بن إبراهيم اللخمي ~~المشطي صاحب كتاب الوثائق الكبير الذي لم يصنف في الوثائق مثله حكى الخلاف ~~فيها عن السلف والخلف حتى عن المالكية ms278 أنفسهم فقال : وأما من قال : أنت ~~طالق ثلاثا فقد بانت منه قال ألبتة أو لم يقل قال : وقال بعض الموثقين يريد ~~المصنفين في الوثائق : اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق كم يلزمه ~~من الطلاق فالجمهور من العلماء على أنه يلزمه الثلاث وبه القضاء وعليه ~~الفتوى وهو الحق الذي لا شك فيه قال : وقال بعض السلف : يلزمه من ذلك طلقة ~~واحدة وتابعهم على ذلك قوم من الخلف من المفتين بالأندلس قال : واحتجوا على ~~ذلك بحجج كثيرة وأحاديث مسطورة أضربنا عنها واقتصرنا على الصحيح منها فمنها ~~: ما رواه داود بن الحصين عن PageV01P326 عكرمة عن ابن عباس أن ركانة طلق ~~زوجته عند رسول اللهثلاثا في مجلس واحد فقال له النبي إنما هي واحدة فإن ~~شئت فدعها وإن شئت فارتجعها ثم ذكر حديث أبي الصهباء وذكر بعض تأويلاته ~~التي ذكرناها # الوجه السادس عشر : أن أبا جعفر الطحاوي حكى القولين في كتابه تهذيب ~~الآثار فقال : باب الرجل يطلق امرأته ثلاثا معا ثم ذكر حديث أبي الصهباء ثم ~~قال : فذهب قوم إلى أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا معا فقد وقعت عليها ~~واحدة إذا كانت في وقت سنة وذلك أن تكون طاهرا في غير جماع واحتجوا في ذلك ~~بهذا الحديث وقالوا : لما كان الله عز وجل إنما أمر عباده أن يطلقوا لوقت ~~على صفة فطلقوا على غير ما أمرهم به لم يقع طلاقهم ألا ترى لو أن رجلا أمر ~~رجلا أن يطلق أمرأته في وقت فطلقها في غيره أو أمره أن يطلقها على شريطة ~~فطلقها على غير تلك الشريطة : أن طلاقه لا يقع إذ كان قد خالف ما أمر به ثم ~~ذكر حجج الآخرين والجواب عن حجج هؤلاء على عادة أهل العلم والدين في إنصاف ~~مخالفيهم والبحث معهم ولم يسلك طريق جاهل ظالم متعد يبرك على ركبتيه ويفجر ~~عينيه ويصول بمنصبه لا بعلمه وبسوء قصده لا بحسن فهمه ويقول : القول بهذه ~~المسألة كفر يوجب ضرب العنق ليبهت خصمه ويمنعه عن بسط لسانه والجري معه ms279 في ~~ميدانه والله تعالى عند لسان كل قائل وهو له يوم الوقوف بين يديه عما قاله ~~سائل # الوجه السابع عشر : أن شيخنا حكى عن جده أبي البركات : أنه كان يفتي بذلك ~~أحيانا سرا وقال في بعض مصنفاته : هذا قول بعض أصحاب مالك وأبي حنيفة وأحمد # قلت : أما المالكية فقد حكينا الخلاف عنهم وأما بعض أصحاب أبي حنيفة فإنه ~~محمد ابن مقاتل من الطبقة الثانية من أصحاب أبي حنيفة وأما بعض أصحاب أحمد ~~فإن كان أراد إفتاء جده بذلك أحيانا وإلا فلم أقف على نقل لأحد منهم # الوجه الثامن عشر : قال أبو الحسن النسفي في وثائقه وقد ذكر الخلاف في ~~المسألة PageV01P327 ثم قال : ومن بعض حججهم أيضا في ذلك : أن الله سبحانه ~~وتعالى أمر بتفريق الطلاق بقوله تعالى : @QB@ الطلاق مرتان @QE@ وإذا جمع ~~الإنسان ذلك في كلمة كان واحدة وكان ما زاد عليها لغوا كما جعل مالك رحمه ~~الله رمي السبع الجمرات في مرة واحدة جمرة واحدة وبنى عليها أن الطلاق ~~عندهم مثله قال : وممن نصر هذا القول من أهل الفتيا بالأندلس : أصبغ بن ~~الحباب ومحمد بن بقى ومحمد بن عبدالسلام الخشني وابن زنباع مع غيرهم من ~~نظرائهم هذا لفظه # الوجه التاسع عشر : أن أبا الوليد هشام بن عبدالله بن هشام الأزدي ~~القرطبي صاحب كتاب مفيد الحكام فيما يعرض لهم من النوازل والأحكام ذكر ~~الخلاف بين السلف والخلف في هذه المسألة حتى ذكر الخلاف فيها في مذهب مالك ~~نفسه وذكر من كان يفتي بها من المالكية والكتاب مشهور معروف عند أصحاب مالك ~~كثير الفوائد جدا ونحن نذكر نصه فيه بلفظه فنذكر ما ذكره عن ابن مغيث ثم ~~نتبعه كلامه ليعلم أن النقل بذلك معلوم متداول بين أهل العلم وأن من قصر في ~~العلم باعه وطال في الجهل والظلم ذراعه يبادر إلى الجهل والتكفير والعقوبة ~~جهلا منه وظلما ويحق له وهو الدعي في العلم وليس منه أقرب رحما # قال ابن هشام : قال ابن مغيث : الطلاق ينقسم على ضربين : طلاق السنة ~~وطلاق البدعة فطلاق ms280 السنة : هو الواقع على الوجه الذي ندب الشرع إليه وطلاق ~~البدعة : نقيضه وهو أن يطلقها في حيض أو نفاس أو ثلاثا في كلمة واحدة فإن ~~فعل لزمه الطلاق # ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق كم يلزمه من الطلاق # فقال علي بن أبي طالب وابن مسعود : يلزمه طلقة واحدة وقاله ابن عباس وقال ~~: قوله ثلاثا لا معنى له : لأنه لم يطلق ثلاث مرات وإنما يجوز قوله في ثلاث ~~إذا كان مخبرا عما مضى فيقول : طلقت ثلاثا يخبر عن ثلاثة أفعال كانت منه في ~~ثلاثة أوقات كرجل قال : قرأت أمس سورة كذا ثلاث مرات فذلك يصح ولو قرأها ~~مرة واحدة فقال : قرأتها ثلاث مرات لكان كاذبا وكذلك لو حلف بالله تعالى ~~ثلاثا يردد الحلف كانت ثلاثة أيمان ولو قال : أحلف بالله ثلاثا لم يكن حلف ~~إلا يمينا واحدة فالطلاق مثله ومثله PageV01P328 قال الزبير بن العوام ~~وعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنهما روينا ذلك كله عن ابن وضاح وبه قال من ~~شيوخ قرطبة ابن زنباع شيخ هدى ومحمد بن بقي بن مخلد ومحمد بن عبدالسلام ~~الخشني فقيه عصره وأصبغ بن الحباب وجماعة سواهم من فقهاء قرطبة وكان من حجة ~~ابن عباس : أن الله تعالى فرق في كتابه لفظ الطلاق فقال : @QB@ الطلاق ~~مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان @QE@ [ البقره : 229 ] يريد أكثر ~~الطلاق الذي يمكن بعده الإمساك بالمعروف وهو الرجعة في العدة ومعنى قوله : ~~@QB@ أو تسريح بإحسان @QE@ يريد تركها بلا ارتجاع حتى تنقضي عدتها وفي ذلك ~~إحسان إليه وإليها إن وقع ندم منهما قال الله تعالى : @QB@ لا تدري لعل ~~الله يحدث بعد ذلك أمرا @QE@ يريد الندم على الفرقة والرغبة في المراجعة ~~وموقع الثلاث غير محسن لأنه ترك المندوحة التي وسع الله تعالى بها ونبه ~~عليها فذكر الله سبحانه وتعالى لفظ الطلاق مفرقا فدل على أنه إذا جمع : أنه ~~لفظ واحد فتدبره # وقد يخرج من غير ما مسألة من الديانة ما يدل على ذلك # من ذلك : قول الرجل : مالي صدقة في المساكين ms281 : أن الثلث من ذلك يجزيه # هذا كله لفظ صاحب الكتاب بحروفه # أفترى الجاهل الظالم المعتدي يجعل هؤلاء كلهم كفارا مباحة دماؤهم سبحانك ~~هذا بهتان عظيم بل هؤلاء من أكابر أهل العلم والدين وذنبهم عند أهل العمى ~~أهل التقليد : كونهم لم يرضوا لأنفسهم بما رضي به المقلدون فردوا ما تنازع ~~فيه المسلمون إلى الله ورسوله # وتلك شكاة ظاهر عنك عارها # الوجه العشرون : أن هذا مذهب أهل الظاهر : داود وأصحابه وذنبهم عند كثير ~~من الناس : أخذهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم ونبذهم القياس وراء ظهورهم فلم ~~يعبئوا به شيئا وخالفهم أبو محمد بن حزم في ذلك فأباح جمع الثلاث وأوقعها # فهذه عشرون وجها في إثبات النزاع في هذه المسألة بحسب بضاعتنا المزجاة من ~~الكتب وإلا فالذي لم نقف عليه من ذلك كثير # وقد حكى ابن وضاح وابن مغيث ذلك عن علي وابن مسعود والزبير وعبدالرحمن ~~PageV01P329 بن عوف وابن عباس ولعله إحدى الروايتين عنهم وإلا فقد صح بلا ~~شك عن ابن مسعود وعلي وابن عباس : الألزام بالثلاث لمن أوقعها جملة وصح عن ~~ابن عباس أنه جعلها واحدة ولم نقل على نقف صحيح عن غيرهم من الصحابة بذلك ~~فلذلك لم نعد ما حكى عنهم في الوجوه المبينة للنزاع وإنما نعد ما وقفنا ~~عليه في مواضعه ونعزوه إليها وبالله التوفيق # فإن قيل : فقد ذكرتم أعذار الأئمة الملزمين بالثلاث عن تلك الأحاديث ~~المخالفة لقولهم فما عذركم أنتم عن أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين ~~المحدث الملهم الذي أمرنا باتباع سنته والاقتداء به أفتظنون به أنه كان يرى ~~رسول اللهوخليفته من بعده والصحابة في عهده يجعلون الثلاث واحدة مع أنه ~~أيسر على الأمة وأسهل وأبعد من الحرج ثم يعمد إلى مخالفة ذلك برأيه ويلزم ~~الأمة بالثلاث من قبل نفسه فيضيق عليهم ما وسعه الله تعالى ويعسر ما سهله ~~ويسد ما فتحه ويحرج ما فسحه ثم يتابعه على ذلك أكابر الصحابة ويوافقونه ولا ~~يخالفونه ثم هب أنهم خافوا منه في حياته وكلا فإنه كان أتقى لله سبحانه ~~وتعالى من ذلك ms282 وكان إذا بينت له المرأة ما خفي عليه من الحق رجع إليه وكان ~~الصحابة أتقى لله تعالى وأعلم به أن يأخذهم لومة لائم في الحق وأن يمسكوا ~~عنه خوفا من عمر رضي الله عنه فقد دار الأمر بين القدح في عمر رضي الله عنه ~~والصحابة معه وبين ردع تلك الأحاديث إما لضعفها وإما لنسخها وخفى علينا ~~الناسخ وإما بتأويلها وحملها على محمل يصح ولا ريب أن هذا أولى لتوفية حق ~~الصحابة الذين هم أعلم بالله تعالى ورسولهمن جميع من بعدهم # قيل : لعمر الله إن هذا لسؤال يورد أمثاله أهل العلم وإنه ليحتاج إلى ~~جواب شاف كاف فنقول : # الناس هنا طائفتان : طائفة اعتذرت عن هذه الأحاديث لأجل عمر ومن وافقه ~~وطائفة اعتذرت عن عمر رضي الله عنه ولم ترد الأحاديث # فقالوا : الأحكام نوعان : نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها لا بحسب ~~الأزمنة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأئمة كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات ~~والحدود PageV01P330 المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك فهذا لا يتطرق ~~إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه # والنوع الثاني : ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالا ~~كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة ~~فشرع التعزير بالقتل لمدمن الخمر في المرة الرابعة # وعزم على التعزير بتحريق البيوت على المتخلف عن حضور الجماعة لولا ما ~~منعه من تعدي العقوبة إلى غير من يستحقها من النساء والذرية # وعزز بحرمان النصيب المستحق من السلب # وأخبر عن تعزير مانع الزكاة بأخذ شطر ماله PageV01P331 # وعزر بالعقوبات المالية في عدة مواضع # وعزر من مثل بعبده بإخراجه عنه وإعتاقه عليه # وعزر بتضعيف الغرم على سارق مالا قطع فيه وكاتم الضالة # وعزر بالهجر ومنع قربان النساء # ولم يعرف أنه عزر بدرة ولا حبس ولا سوط وإنما حبس في تهمة # ليتبين حال المتهم وكذلك أصحابه تنوعوا في التعزيرات بعده # فكان عمر رضي الله عنه يحلق الرأس وينفي ويضرب ويحرق حوانيت الخمارين ~~PageV01P332 والقرية التي تباع فيها الخمر وحرق قصر سعد بالكوفة لما احتجب ms283 ~~فيه عن الرعية # وكان له رضي الله تعالى عنه في التعزيز اجتهاد وافقه عليه الصحابة لكمال ~~نصحه ووفور علمه وحسن اختياره للأمة وحدوث أسباب اقتضت تعزيره لهم بما ~~يردعهم لم يكن مثلها على عهد رسول الله أو كانت ولكن زاد الناس عليها ~~وتتايعوا فيها # فمن ذلك : أنهم لما زادوا في شرب الخمر وتتايعوا فيه وكان قليلا على عهد ~~رسول الله جعله عمر رضي الله عنه ثمانين ونفى فيه # ومن ذلك اتخاذه درة يضرب بها من يستحق الضرب # ومن ذلك : اتخاذه دارا للسجن # ومن ذلك : ضربه للنوائح حتى بدا شعرها # وهذا باب واسع اشتبه فيه على كثير من الناس الأحكام الثابتة اللازمة التي ~~لا # تتغير بالتعزيرات التابعة للمصالح وجودا وعدما # ومن ذلك : أنه رضي الله عنه لما رأى الناس قد أكثروا من الطلاق الثلاث ~~ورأى أنهم لا ينتهون عنه إلا بعقوبة فرأى إلزامهم بها عقوبة لهم ليكفوا ~~عنها # وذلك إما من التعزير العارض يفعل عند الحاجة كما كان يضرب في الخمر ~~ثمانين ويحلق فيها الرأس وينفي عن الوطن وكما منع النبيالثلاثة الذين خلفوا ~~عنه عن الإجتماع بنسائهم فهذا له وجه # وإما ظنا أن جعل الثلاث واحدة كان مشروعا بشرط وقد زال كما ذهب إلى ذلك ~~في متعة الحج إما مطلقا وإما متعة الفسخ فهذا وجه آخر PageV01P333 وإما ~~لقيام مانع قام في زمنه منع من جعل الثلاث واحدة كما قام عنده مانع من بيع ~~أمهات الأولاد ومانع من أخذ الجزية من نصارى بني تغلب وغير ذلك فهذا وجه ~~ثالث # فإن الحكم ينتفي لانتفاء شروطه أو لوجود مانعه والإلزام بالفرقة فسخا أو ~~طلاقا لمن لم يقم بالواجب مما يسوغ فيه الاجتهاد لكن تارة يكون حقا للمرأة ~~كما في العنة والإيلاء والعجز عن النفقة والغيبة الطويلة عند من يرى ذلك ~~وتارة يكون حقا للزوج كالعيوب المانعة له من استيفاء المعقود عليه أو كماله ~~وتارة يكون حقا لله تعالى كما في تفريق الحكمين بين الزوجين وعند من ~~يجعلهما وكيلين وهو الصواب وكما في وقوع الطلاق ms284 بالمولى إذا لم يفىء في مدة ~~التربص عند كثير من السلف والخلف وكما قال بعض السلف ووافقهم عليه بعض ~~أصحاب أحمد رحمه الله : أنهما إذا تطاوعا على الإتيان في الدبر فرق بينهما # وقريب من ذلك : أن الأب الصالح إذا أمر ابنه بالطلاق لما يراه من مصلحة ~~الولد فعليه أن يطيعه كما قاله أحمد رحمه الله وغيره # واحتجوا بأن النبيأمر عبدالله بن عمر أن يطيع أباه لما أمره بطلاق زوجته ~~PageV01P334 # فالإلزام إما من الشارع وإما من الإمام بالفرقة إذا لم يقم الزوج بالواجب ~~: هو من موارد الاجتهاد وأصل هذا : أن الله سبحانه وتعالى لما كان يبغض ~~الطلاق لما فيه من كسر الزوجة وموافقة رضى عدوعه إبليس حيث يفرح بذلك ~~ويلتزم من يكون على يديه من أولاده ويدنيه منه ومفارقة طاعته بالنكاح الذي ~~هو واجب أو مستحب وتعريض كل من الزوجين للفجور والمعصية وغير ذلك من مفاسد ~~الطلاق وكان مع ذلك قد يحتاج إليه الزوج أو الزوجة وتكون المصلحة فيه : ~~شرعه على وجه تحصل به المصلحة وتندفع به المفسدة وحرمه على غير ذلك الوجه ~~فشرعه على أحسن الوجوه وأقربها لمصلحة الزوج والزوجة # فشرع له أن يطلقها طاهرا من غير جماع طلقة واحدة ثم يدعها حتى تنقضي ~~عدتها فإن زال الشر بينهما وحصلت الموافقة كان له سبيل إلى لم الشعث وإعادة ~~الفراش كما كان وإلا تركها حتى انقضت عدتها فإن تبعتها نفسه كان له سبيل ~~إلى خطبتها وتجديد العقد عليها برضاها وإن لم تتبعها نفسه تركها فنكحت من ~~شاءت # وجعل العدة ثلاثة قروء ليطول زمن المهلة والاختيار # فهذا هو الذي شرعه وأذن فيه # ولم يأذن في إبانتها بعد الدخول إلا بالتراضي بالفسخ والافتداء فإذا ~~طلقها مرة بعد مرة بقي له طلقة واحدة فإذا طلقها الثالثة حرمها عليه عقوبة ~~له ولم يحل له أن ينكحها حتى تنكح زوجا غيره ويدخل بها ثم يفارقها بموت أو ~~طلاق # فإذا علم أن حبيبه يصير إلى غيره فيحظى به دونه أمسك عن الطلاق # فلما رأى أمير المؤمنين أن ms285 الله سبحانه عاقب المطلق ثلاثا بأن حال بينه ~~وبين زوجته وحرمها عليه حتى تنكح زوجا غيره علم أن ذلك لكراهته الطلاق ~~المحرم وبغضه له فوافقه أمير المؤمنين في عقوبته لمن طلق ثلاثا جميعا بأن ~~ألزمه بها وأمضاها عليه # فإن قيل : فكان أسهل من ذلك أن يمنع الناس من إيقاع الثلاث ويحرمه عليهم ~~ويعاقب بالضرب والتأديب من فعله لئلا يقع المحذور الذي يترتب عليه ~~PageV01P335 قيل : نعم لعمر الله قد كان يمكنه ذلك ولذلك ندم عليه في آخر ~~أيامه وود أنه كان فعله # قال الحافظ أبو بكر الاسماعيلي في مسند عمر : أخبرنا أبو يعلى : حدثنا ~~صالح بن مالك : حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه قال : قال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه : ما ندمت على شيء ندامتي على ثلاث : أن لا أكون حرمت ~~الطلاق وعلى أن لا أكون أنكحت الموالي وعلى أن لا أكون قتلت النوائح # ومن المعلوم أنه رضي الله عنه لم يكن مراده تحريم الطلاق الرجعي الذي ~~أباحه الله تعالى وعلم بالضرورة من دين رسول اللهجوازه ولا الطلاق المحرم ~~الذي أجمع المسلمون على تحريمه كالطلاق في الحيض وفي الطهر المجامع فيه ولا ~~الطلاق قبل الدخول الذي قال الله تعالى فيه : @QB@ لا جناح عليكم إن طلقتم ~~النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة @QE@ [ ] هذا كله من أبين المحال ~~أن يكون عمر رضي الله عنه أراده فتعين قطعا أنه أراد تحريم إيقاع الثلاث ~~فعلم أنه إنما كان أوقعها لاعتقاده جواز ذلك ولذلك قال : إن الناس قد ~~استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم وهذا كالصريح في أنه ~~غير حرام عنده وإنما أمضاه لأن المطلق كانت له فسحة من الله تعالى في ~~التفريق فرغب عما فسحه الله تعالى له إلى الشدة والتغليظ فأمضاه عمر رضي ~~الله عنه عليه فلما تبين له بأخرة ما فيه من الشر والفساد ندم على أن لا ~~يكون حرم عليهم إيقاع الثلاث ومنعهم منه وهذا هو مذهب الأكثرين : مالك ~~وأحمد وأبي حنيفة ms286 رحمهم الله # فرأى عمر رضي الله عنه أن المفسدة تندفع بإلزامهم به فلما تبين له أن ~~المفسدة لم تندفع بذلك وما زاد الأمر إلا شدة أخبر أن الأولى كان عدوله إلى ~~تحريم الثلاث الذي يدفع المفسدة من أصلها واندفاع هذه المفسدة بما كان عليه ~~الأمر في زمن رسول اللهوأبي بكر وأول خلافة عمر رضي الله عنهما أولى من ذلك ~~كله ولا يندفع الشر والفساد بغيره ألبتة ولا يصلح الناس سواه ولهذا لما رغب ~~عنه كثير من الناس احتاجوا إلى أحد أمرين لا بد لهم منهما : إما الدخول ~~فيما لعن رسول اللهفاعله وتابع عليه اللعنة وإما التزام الآصار والأغلال ~~ورؤية حبيبته حسرة PageV01P336 والذي شرعه الله تعالى ورسوله ودلت عليه ~~السنة الصحيحة الصريحة يخلص من هذا وهذا ولكن تأبى حكمة الله تعالى أن يفتح ~~للظالمين المتعدين لحدوده الراغبين عن تقواه وطاعته : أبواب الفرج واليسر ~~والسهولة فإن الله سبحانه وتعالى إنما جعل ذلك لمن اتقاه والتزم طاعته ~~وطاعة رسوله كما قال تعالى في السورة التي بين فيها الطلاق وأحكامه وحدوده ~~وما شرعه لعباده : @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا @QE@ [ ] وقال فيها : ~~@QB@ ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا @QE@ [ ] وقال فيها : @QB@ ومن يتق ~~الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا @QE@ [ ] فمن طلق على غير تقوى الله ~~كان حقيقا أن لا يجعل الله له مخرجا وأن لا يجعل له من أمره يسرا # وقد أشار إلى هذا بعينه الصحابة حيث قال ابن عباس وابن مسعود لمن طلق ~~ثلاثا جميعا : إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا # وقال شعبة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : سئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته ~~مائة فقال : عصيت ربك وبانت منك امرأتك إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا ~~@QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا @QE@ [ ] # وقال الأعمش : عن مالك بن الحارث عن ابن عباس : أن رجلا أتاه فقال : إن ~~عمي طلق امرأته ثلاثا فقال : إن عمك عصى الله فلم يجعل له مخرجا فأندمه ~~الله تعالى وأطاع الشيطان فقال : أفلا ms287 يحللها له رجل فقال : من يخادع الله ~~يخدعه # والله تعالى قد جرت سنته في خلقه بأن يحرم الطيبات شرعا وقدرا على من ظلم ~~وتعدى حدوده وعصى أمره وأن ييسر للعسرى من بخل بما أمره به فلم يفعله ~~واستغنى عن طاعته باتباع شهواته وهواه كما أنه سبحانه ييسر لليسرى من أعطى ~~واتقى وصدق بالحسنى فهذا نهاية أقدام الناس في باب الطلاق # يبقى أن يقال : فإذا خفي على أكثر الناس حكم الطلاق ولم يفرقوا بين ~~الحلال والحرام منه جهلا وأوقعوا الطلاق المحرم يظنونه جائزا هل يستحقون ~~العقوبة بالإلزام به PageV01P337 لكونهم لم يتعلموا دينهم الذي أمرهم الله ~~تعالى به وأعرضوا عنه ولم يسألوا أهل العلم : كيف يطلقون وماذا أبيح لهم من ~~الطلاق وماذا يحرم عليهم منه أم يقال : لا يستحقون العقوبة لأن الله سبحانه ~~لا يعاقب شرعا ولا قدرا إلا بعد قيام الحجة ومخالفة أمره كما قال تعالى : ~~@QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ [ ] وأجمع الناس على أن الحدود لا ~~تجب إلا على عالم بالتحريم متعمد لارتكاب أسبابها والتعزيرات ملحقة بالحدود # فهذا موضع نظر واجتهاد وقد قال النبي التائب من الذنب كمن لا ذنب له فمن ~~طلق على غير ما شرعه الله تعالى وأباحه جاهلا ثم علم به فندم وتاب فهو حقيق ~~بأن لا يعاقب وأن يفتى بالمخرج الذي جعله الله تعالى لمن اتقاه ويجعل له من ~~أمره يسرا # والمقصود : أن الناس لا بد لهم في باب الطلاق من أحد ثلاثة أبواب يدخلون ~~منها : أحدها : باب العلم والاعتدال الذي بعث الله تعالى به رسوله وشرعه ~~للأمة رحمة بهم وإحسانا إليهم # والثاني : باب الآصار والأغلال الذي فيه من العسر والشدة والمشقة ما فيه # والثالث : باب المكر والاحتيال الذي فيه من الخداع والتحيل والتلاعب ~~بحدود الله تعالى واتخاذ آياته هزوا ما فيه ولكل باب من المطلقين وغيرهم ~~جزء مقسوم # | فصل ومن مكايده التي كاد بها الإسلام وأهله : الحيل والمكر والخداع # الذي يتضمن تحليل ما حرم الله وإسقاط ما فرضه ومضادته في أمره ونهيه وهي ~~من ms288 الرأي الباطل الذي اتفق السلف على ذمه PageV01P338 فإن الرأي رأيان : ~~رأي يوافق النصوص وتشهد له بالصحة والاعتبار وهو الذي اعتبره السلف وعملوا ~~به # ورأي يخالف النصوص وتشهد له بالإبطال والإهدار فهو الذي ذموه وأنكروه # وكذلك الحيل نوعان : نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله تعالى به وترك ما ~~نهى عنه والتخلص من الحرام وتخليص الحق من الظالم المانع له وتخليص المظلوم ~~من يد الظالم الباغي فهذا النوع محمود يثاب فاعله ومعلمه # ونوع يتضمن إسقاط الواجبات وتحليل المحرمات وقلب المظلوم ظالما والظالم ~~مظلوما والحق باطلا والباطل حقا فهذا النوع الذي اتفق السلف على ذمه وصاحوا ~~بأهله من أقطار الأرض # قال الإمام أحمد رحمه الله : لا يجوز شيء من الحيل في إبطال حق مسلم # وقال الميموني : قلت لأبي عبدالله : من حلف على يمين ثم احتال لإبطالها ~~فهل تجوز # تلك الحيلة قال : نحن لا نرى الحيلة إلا بما يجوز قلت : أليس حيلتنا فيها ~~أن نتبع ما قالوا وإذا وجدنا لهم قولا في شيء اتبعناه قال : بلى هكذا هو ~~قلت : أو ليس هذا منا نحن حيلة قال : نعم # فبين الإمام أحمد أن من اتبع ما شرعه الله له وجاء عن السف في معاني ~~الأسماء التي علقت بها الأحكام : ليس بمحتال الحيل المذمومة وإن سميت حيلة ~~فليس الكلام فيها # وغرض الإمام أحمد بهذا : الفرق بين سلوك الطريق المشروعة التي شرعت لحصول ~~مقصود الشارع وبين الطريق التي تسلك لإبطال مقصوده # فهذا هو سر الفرق بين النوعين وكلامنا الآن في النوع الثاني # قال شيخنا : فالدليل على تحريم هذا النوع وإبطاله من وجوه : الوجه الأول ~~: قوله سبحانه وتعالى : @QB@ ومن الناس من يقول آمنا بالله @QE@ ~~PageV01P339 @QB@ وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا ~~وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون @QE@ [ ] وقال تعالى : @QB@ إن المنافقين ~~يخادعون الله وهو خادعهم @QE@ [ ] وقال في أهل العهد : @QB@ وإن يريدوا أن ~~يخدعوك فإن حسبك الله @QE@ [ ] فأخبر سبحانه وتعالى أن هؤلاء المخادعين ~~مخدوعون وهم لا يشعرون أن الله تعالى خادع من خدعه وأنه يكفي المخدوع ms289 شر من ~~خدعه والمخادعة : هي الاحتيال والمراوغة : بإظهار الخير مع إبطان خلافه ~~ليحصل مقصود المخادع وهذا موافق لاشتقاق اللفظ في اللغة فإنهم يقولون : ~~طريق خيدع إذا كان مخالفا للقصد لا يشعر به ولا يفطن له ويقال للسراب : ~~الخيدع لأنه يغر من يراه وضب خدع أي مراوغ كما قالوا : أخدع من ضب ومنه : ~~الحرب خدعة وسوق خادعة أي متلونة وأصله : الإخفاء والستر ومنه سميت الخزانة ~~مخدعا # فلما كان القائل آمنت مظهرا لهذه الكلمة غير مريد حقيقتها المرعية ~~المطلوبة شرعا بل مريد لحكمها وثمرتها فقط : مخادعا كان المتكلم بلفظ بعت و ~~اشتريت و طلقت و نكحت و خالعت و آجرت و ساقيت و أوصيت غير مريد لحقائقها ~~الشرعية المطلوبة منها شرعا بل مريد لأمور أخرى غير ما شرعت له أو ضد ما ~~شرعت له : مخادعا ذاك مخادع في أصل الإيمان وهذا مخادع في أعماله وشرائعه # قال شيخنا : وهذا ضرب من النفاق في آيات الله تعالى وحدوده كما أن الأول ~~نفاق في أصل الدين # يؤيد ذلك : ما رواه سعيد بن منصور عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه جاءه ~~رجل فقال : إن عمي طلق امرأته ثلاثا أيحلها له رجل فقال : من يخادع الله ~~يخدعه # وعن أنس بن مالك أنه سئل عن العينة يعني بيع الحريرة فقال : إن الله ~~تعالى لا يخدع هذا مما حرم الله تعالى ورسوله رواه أبو جعفر محمد بن سليمان ~~المعروف بمطين في كتاب البيوع له # وعن ابن عباس أنه سئل عن العينة يعني بيع الحريرة فقال : إن الله لا يخدع ~~هذا مما حرم الله تعالى ورسوله رواه الحافظ أبو محمد النخشبي PageV01P340 # فسمى الصحابة من أظهر عقد التبايع ومقصوده به الربا خداعا لله وهم ~~المرجوع إليهم في هذا الشأن والمعول عليهم في فهم القرآن وقد تقدم عن عثمان ~~وعبدالله بن عمر وغيرهما أنهما قالا في المطلقة ثلاثا : لا يحلها إلا نكاح ~~رغبة لا نكاح دلسة # قال أهل اللغة : المدالسة : المخادعة # وقال أيوب السختياني في المحتالين : يخادعون الله كما يخادعون الصبيان ms290 ~~فلو أتوا الأمر عيانا كان أهون علي # وقال شريك بن عبدالله القاضي في كتاب الحيل : هو كتاب المخادعة # وكذلك المعاهدون إذا أظهروا للرسولأنهم يريدون سلمه وهم يقصدون بذلك ~~المكربه من حيث لا يشعر فيظهرون له أمانا ويبطنون له خلافه كما أن المحلل ~~والمرابي يظهران النكاح والبيع المقصودين ومقصود هذا : الطلاق بعد استفراش ~~المرأة ومقصود الآخر : ما تواطآ عليه قبل إظهار العقد من بيع الألف الحالة ~~بالألف والمائتين إلى أجل فمخالفة ما يدل عليه العقد شرعا أو عرفا : خديعة # قال : وتلخيص ذلك : أن مخادعة الله تعالى حرام والحيل مخادعة لله # بيان الأول : أن الله تعالى ذم المنافقين بالمخادعة وأخبر أنه خادعهم ~~وخدعه للعبد عقوبة تستلزم فعله للمحرم # وبيان الثاني : أن ابن عباس وأنسا وغيرهما من الصحابة والتابعين أفتوا : ~~أن التحليل ونحوه من الحيل مخادعة لله تعالى وهم أعلم بكتاب الله تعالى # الثاني : أن المخادعة إظهار شيء من الخير وإبطان خلافه كما تقدم # الثالث : أن المنافق لما أظهر الإسلام ومراده غيره سمي مخادعا لله تعالى ~~وكذلك المرابي فإن النفاق والربى من باب واحد فإذا كان هذا الذي أظهر قولا ~~غير معتقد ولا مريد لما يفهم منه وهذا الذي أظهر فعلا غير معتقد ولا مريد ~~لما شرع له : مخادعا فالمحتال لا يخرج عن أحد القسمين : إما إظهار فعل لغير ~~مقصوده الذي شرع له أو إظهار قول لغير مقصوده الذي شرع له وإذا كان مشاركا ~~لهما في المعنى الذي سميا به مخادعين وجب أن يشركهما في اسم الخداع وعلم أن ~~الخداع اسم لعموم الحيل لا لخصوص هذا النفاق PageV01P341 # الوجه الثاني : أن الله تعالى ذم المستهزئين بآياته والمتكلم بالأقوال ~~التي جعل الشارع لها حقائق ومقاصد مثل كلمة الإيمان وكلمة الله تعالى التي ~~يستحل بها الفروج ومثل العهود والمواثيق التي بين المتعاقدين وهو لا يريد ~~بها حقائقها المقومة لها ولا مقاصدها التي جعلت هذه الألفاظ محصلة لها بل ~~يريد أن يراجع المرأة ليضرها ويسىء عشرتها ولا حاجة له في نكاحها أو ينكحها ~~ليحلها لمطلقها لا ليتخذها ms291 زوجا أو يخلعها ليلبسها أو يبيع بيعا جائزا ~~ومقصوده به ما حرمه الله تعالى ورسوله فهو ممن اتخذ آيات الله تعالى هزوا ~~يوضحه : # الوجه الثالث : ما رواه ابن ماجه بإسناد حسن عن أبي موسى الأشعري رضي ~~الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ما بال أقوام ~~يلعبون بحدود الله ويستهزئون بآياته طلقتك راجعتك طلقتك راجعتك فجعل ~~المتكلم بهذه العقود غير مريد لحقائقها وما شرعت له مستهزئا بآيات الله ~~تعالى متلاعبا بحدوده ورواه ابن بطة بإسناد جيد ولفظه خلعتك راجعتك خلعتك ~~راجعتك # الوجه الرابع : ما رواه النسائي عن محمود بن لبيد أن رجلا طلق امرأته ~~ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال : أيلعب بكتاب ~~الله وأنا بين أظهركم الحديث وقد تقدم فجعله لاعبا بكتاب الله مع قصده ~~الطلاق لكنه خالف وجه الطلاق وأراد غير ما أراد الله تعالى به فإن الله ~~سبحانه وتعالى أراد أن يطلق طلاقا يملك فيه رد المرأة إذا شاء فطلق هو ~~طلاقا لا يملك فيه ردها # وأيضا فإن المرتين والمرات في لغة القرآن والسنة بل ولغة العرب بل ولغات ~~سائر الأمم : لما كان مرة بعد مرة فإذا جمع المرتين والمرات في مرة واحدة ~~فقد تعدى حدود الله تعالى ومادل عليه كتابه فكيف إذا أراد باللفظ الذي رتب ~~عليه الشارع حكما ضد ما قصده الشارع # الوجه الخامس : أن الله سبحانه أخبر عن أهل الجنة الذين بلاهم مما بلاهم ~~به في سورة PageV01P342 وهم قوم كان للمساكين حق في أموالهم إذا جذوا نهارا ~~بأن يلتقط المساكين ما يتساقط من الثمر فأرادوا أن يجدوا ليلا ليسقط ذلك ~~الحق ولئلا يأتيهم مسكين وأنه عاقبهم بأنه أرسل على جنتهم طائفا وهم نائمون ~~فأصبحت كالصريم وذلك لما تحيلوا على إسقاط نصيب المساكين بأن يصرموها ~~مصبحين قبل مجىء المساكين فكان في ذلك عبرة لكل محتال على إسقاط حق من حقوق ~~الله تعالى أو حقوق عباده # الوجه السادس : أن الله تعالى أخبر عن أهل السبت من ms292 اليهود بمسخهم قردة ~~لما احتالوا على إباحة ما حرمه الله تعالى عليهم من الصيد بأن نصبوا الشباك ~~يوم الجمعة فلما وقع فيها الصيد أخذوه يوم الأحد قال بعض الأئمة : ففي هذا ~~زجر عظيم لمن يتعاطى الحيل على المناهي الشرعية ممن يتلبس بعلم الفقه وهو ~~غير فقيه إذ الفقيه من يخشى الله تعالى بحفظ حدوده وتعظيم حرماته والوقوف ~~عندها ليس المتحيل على إباحة محارمه وإسقاط فرائضه ومعلوم أنهم لم يستحلوا ~~ذلك تكذيبا لموسى عليه السلام وكفرا بالتوراة وإنما هو استحلال تأويل ~~واحتيال ظاهره ظاهر الإتقاء وباطنه باطن الاعتداء ولهذا والله أعلم مسخوا ~~قردة لأن صورة القرد فيها شبه من صورة الإنسان وفي بعض ما يذكر من أوصافه ~~شبه منه وهو مخالف له في الحد والحقيقة فلما مسخ أولئك المعتدون دين الله ~~تعالى بحيث لم يتمسكوا إلا بما يشبه الدين في بعض ظاهر دون حقيقته مسخهم ~~الله تعالى قردة يشبهونهم في بعض ظواهرهم دون الحقيقة جزاء وفاقا يوضحه : # الوجه السابع : أن بني إسرائيل كانوا أكلوا الربا وأموال الناس بالباطل ~~كما قصه الله PageV01P343 تعالى في كتابه وذلك أعظم من أكل الصيد الحرام في ~~يوم بعينه ولذلك كان الربا والظلم حراما في شريعتنا والصيد يوم السبت غير ~~محرم فيها ثم إن أكلة الربا وأموال الناس بالباطل لم يعاقبوا بالمسخ كما ~~عوقب به مستحلوا الحرام بالحيلة وإن كانوا عوقبوا بجنس آخر كعقوبات أمثالهم ~~من العصاة فيشبه والله أعلم أن هؤلاء لما كانوا أعظم جرما إذ هم بمنزلة ~~المنافقين ولا يعترفون بالذنب بل قد فسدت عقيدتهم وأعمالهم كانت عقوبتهم ~~أغلظ من عقوبة غيرهم فإن من أكل الربا والصيد الحرام عالما بأنه حرام فقد ~~اقترن بمعصيته اعترافه بالتحريم وهو إيمان بالله تعالى وآياته ويترتب على ~~ذلك من خشية الله تعالى ورجاء مغفرته وإمكان التوبة ما قد يفضي به إلى خير ~~ورحمة ومن أكله مستحلا له بنوع احتيال تأول فيه فهو مصر على الحرام وقد ~~اقترن به اعتقاده الفاسد في حل الحرام وذلك قد يفضي به إلى شر ms293 طويل # وقد جاء ذكر المسخ في عدة أحاديث قد تقدم بعضها في هذا الكتاب كقوله في ~~حديث أبي مالك الأشعري الذي رواه البخاري في صحيحه ويمسخ آخرين قردة ~~وخنازير إلى يوم القيامة # وقوله في حديث أنس ليبيتن رجال على أكل وشرب وعزف فيصبحون على أرائكهم ~~ممسوخين قردة وخنازير # وفي حديث أبي أمامة أيضا يبيت قوم من هكذه الأمة على طعم وشرب ولهو ~~فيصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير # وفي حديث عمران بن حصين يكون في أمتي قذف ومسخ وخسف # وكذلك في حديث سهل بن سعد وكذلك في حديث علي بن أبي طالب وقوله : ~~فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وخسفا ومسخا PageV01P344 # وفي حديثه الآخر يمسخ طائفة من أمتي قردة وطائفة خنازير # وفي حديث أنس رضي الله عنه ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ # وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه يمسخ قوم من هذه الأمة في آخر الزمان ~~قردة # وخنازير قالوا : يا رسول الله أليس يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا # رسول الله قال : بلى ويصومون ويصلون ويحجون قالوا : فما بالهم قال : ~~اتخذوا المعازف والدفوف والقينات فباتوا على شربهم ولهوهم فأصبحوا وقد ~~مسخوا قردة وخنازير # وفي حديث جبير بن نفير ليبتلين آخر هذه الأمة بالرجف فإن تابوا تاب الله ~~عليهم وإن عادوا عاد الله تعالى عليهم بالرجف والقذف والمسخ والصواعق # وقال سالم بن أبي الجعد : ليأتين على الناس زمان يجتمعون فيه على باب رجل ~~ينظرون أن يخرج إليهم فيطلبون إليه الحاجة فيخرج إليهم وقد مسخ قردا أو ~~خنزيرا وليمرن الرجل على الرجل في حانوته يبيع فيرجع إليه وقد مسخ قردا أو ~~خنزيرا # وقال أبو هريرة : لا تقوم الساعة حتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه ~~فيمسخ أحدهما قردا أو خنزيرا فلا يمنع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن ~~يمضي إلى شأنه ذلك حتى يقضي شهوته وحتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه ~~فيخسف بأحدهما فلا يمنع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمضي لشأنه ذلك ~~حتى يقضي شهوته منه ms294 # وقال عبدالرحمن بن غنم : يوشك أن يقعد اثنان على ثقال رحى يطحنان فيمسخ ~~أحدهما والآخر ينظر # وقال مالك بن دينار : بلغني أن ريحا تكون في آخر الزمان وظلم فيفزع الناس ~~إلى علمائهم فيجدونهم قد مسخهم الله وقد ساق هذه الأحاديث والآثار وغيرها ~~بأسانيدها ابن أبي الدنيا في كتاب ذمع الملاهي # فالمسخ على صورة القردة والخنازير واقع في هذه الأمة ولابد وهو في ~~طائفتين : علماء السوء الكاذبين على الله ورسوله الذين قلبوا دين الله ~~تعالى وشرعه فقلب الله تعالى صورهم كما قلبوا دينه والمجاهرين المتهتكين ~~بالفسق والمحارم ومن لم يمسخ منهم في الدنيا مسخ في قبره أو يوم القيامة ~~PageV01P345 # وقد جاء في حديث الله أعلم بحاله يحشر أكلة الربا يوم القيامة في صورة ~~الخنازير والكلاب من أجل حيلتهم على الربا كما مسخ أصحاب داود لاحتيالهم ~~على أخذ الحيتان يوم السبت # وبكل حال فالمسخ لأجل الاستحلال بالاحتيال قد جاء في أحاديث كثيرة # قال شيخنا : وإنما ذلك إذا استحلوا هذه المحرمات بالتأويلات الفاسدة ~~فإنهم لو استحلوها مع اعتقاد أن الرسول حرمها كانوا كفارا ولم يكونوا من ~~أمته ولو كانوا معترفين بأنها حرام لأوشك أن لا يعاقبوا بالمسخ كسائر الذين ~~يفعلون هذه المعاصي مع اعترافهم معصية ولما قيل فيهم : يستحلون فإن المستحل ~~للشيء هو الذي يفعله معتقدا حله فيشبه أن يكون استحلالهم للخمر يعني أنهم ~~يسمونها بغير اسمها كما جاء في الحديث فيشربون الأنبذة المحرمة ولا يسمونها ~~خمرا واستحلالهم المعازف باعتقادهم أن آلات اللهو مجرد سمع صوت فيه لذة ~~وهذا لا يحرم كأصوات الطيور واستحلال الحرير وسائر أنواعه باعتقادهم أنه ~~حلال في بعض الصور كحال الحرب وحال الحكة فيقيسون عليه سائر الأحوال ~~ويقولون : لا فرق بين حال وحال وهذه التأويلات ونحوها واقعة في الطوائف ~~الثلاثة الذين قال فيهم عبدالله بن المبارك رحمه الله : # وهل أفسد الدين إلا الملو % ك وأحبار سوء ورهبانها ومعلوم أنها لا تغني ~~عن أصحابها من الله شيئا بعد أن بلغ الرسول وبين تحريم هذه PageV01P346 ~~الأشياء بيانا قاطعا للعذر مقيما للحجة ms295 والحديث الذي رواه أبو داود بإسناد ~~صحيح من حديث عبدالرحمن بن غنم عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال : قال ~~رسول اللهليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم ~~بالمعازف والقينات يخسف الله تعالى بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير # الوجه الثامن : أن النبيقال : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما ~~نوى الحديث # وهو أصل في إبطال الحيل وبه احتج البخاري على ذلك فإن من أراد أن يعامل ~~رجلا معاملة يعطيه فيها ألفا بألف وخمسمائة إلى أجل فأقرضه تسعمائة وباعه ~~ثوبا بستمائة يساوي مائه إنما نوى بإقراض التسعمائه تحصيل الربح الزائد ~~وإنما نوى بالستمائه التي أظهر أنها ثمن الثوب : الربا والله يعلم ذلك من ~~جذر قلبه وهو يعلمه ومن عامله يعلمه ومن اطلع على حقيقة الحال يعلمه فليس ~~له من عمله إلا ما نواه وقصده حقيقة من إعطاء الألف حالة وأخذ الألف ~~والخمسمائة مؤجلة وجعل صورة القرض وصورة البيع محللا لهذا المحرم # الوجه التاسع : ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبيقال : ~~البيعان بالخيار حتى يتفرقا إلا أن يكون صفقة خيار ولا يحل له أن يفارقه ~~خشية أن يستقيله رواه أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي # وقد استدل به الإمام أحمد وقال : فيه إبطال الحيل # ووجه ذلك : أن الشارع أثبت الخيار إلى حين التفرق الذي يفعله المتعاقدان ~~بداعية طباعهما فحرمأن يقصد المفارق منع الآخر من الاستقالة وهي طلب الفسخ ~~سواء كان العقد جائزا أو لازما لأنه قصد بالتفرق غير ما جعل التفرق في ~~العرف له فإنه قصد به إبطال حق أخيه من الخيار ولم يوضع التفرق لذلك وإنما ~~جعل التفرق لذهاب كل منهما في حاجته ومصلحته PageV01P347 # الوجه العاشر : ما روى محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول ~~اللهقال : لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ~~رواه أبو عبدالله بن بطة : حدثنا أحمد بن محمد بن سلام : حدثنا الحسن بن ~~الصباح الزعفراني : حدثنا يزيد بن هارون : حدثنا محمد ms296 بن عمرو وهذا إسناد ~~جيد يصحح مثله الترمذي # وهو نص في تحريم استحلال محارم الله تعالى بالحيل وإنما ذكرأدنى الحيل ~~تنبيها على أن مثل هذا المحرم العظيم الذي قد توعد الله تعالى عليه بمحاربة ~~من لم ينته عنه فمن أسهل الحيل على من أراد فعله : أن يعطيه مثلا ألفا إلا ~~درهما باسم القرض ويبيعه خرقة تساوي درهما بخمسمائة # وكذلك المطلق ثلاثا : من أسهل الأشياء عليه أن يعطي بعض السفهاء عشرة ~~دراهم مثلا ويستعيره لينزو على مطلقته فتطيب له بخلاف الطريق الشرعي فإنه ~~يصعب معه عودها حلالا إذ من الممكن أن لا يطلق بل أن يموت المطلق أولا قبله # ثم إنهنهانا عن التشبه باليهود وقد كانوا احتالوا في الاصطياد يوم السبت ~~بأن حفروا خنادق يوم الجمعة تقع فيها الحيتان يوم السبت ثم يأخذونها يوم ~~الأحد وهذا عند المحتالين جائز لأن فعل الاصطياد لم يوجد يوم السبت وهو عند ~~الفقهاء حرام لأن المقصود هو الكف عما ينال به الصيد بطريق التسبب أو ~~المباشرة # ومن احتيالهم أن الله سبحانه وتعالى لما حرم عليهم الشحوم تأولوا أن ~~المراد نفس إدخاله الفم وأن الشحم هو الجامد دون المذاب فجملوه فباعوه ~~وأكلوا ثمنه وقالوا : ما أكلنا الشحم ولم ينظروا في أن الله تعالى إذا حرم ~~الانتفاع بشيء فلا فرق بين الانتفاع بعينه أو ببدله إذ البدل يسد مسده فلا ~~فرق بين حال جامده وودكه فلو كان ثمنه حلالا لم يكن في تحريمه كثير أمر ~~وهذا هو : PageV01P348 # الوجه الحادي عشر : وهو ما روى ابن عباس قال : بلغ عمر رضي الله عنه أن ~~فلانا باع خمرا فقال : قاتل الله فلانا ألم يعلم أن رسول اللهقال : قاتل ~~الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها متفق عليه # قال الخطابي : جملوها معناه : أذابوها حتى تصير ودكا فيزول عنها اسم ~~الشحم يقال : جملت الشحم وأجملته واجتملته والجميل : الشحم المذاب # وعن جابر بن عبدالله : أنه سمع النبييقول : إن الله حرم بيع الخمر ~~والميتة والخنزير والأصنام فقيل : يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه ms297 ~~يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال : لا هو حرام ثم ~~قال رسول اللهعند ذلك : قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها ~~جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه رواه البخاري وأصله متفق عليه قال الإمام أحمد ~~في رواية صالح وأبي الحارث في أصحاب الحيل : عمدوا إلى السنن فاحتالوا في ~~نقضها فالشيء الذي قيل : إنه حرام احتالوا فيه حتى أحلوه ثم احتج بهذا ~~الحديث وحديث : لعن الله المحلل والمحلل له قال الخطابي وقد ذكر حديث ~~الشحوم : في هذا الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوصل إلى المحرم وأنه ~~لا يتغير حكمه بتغير هيآته وتبديل اسمه وقد مثلت حيلة أصحاب الشحوم بمن قيل ~~له : لا تقرب مال اليتيم فباعه وأخذ ثمنه فأكله وقال : لم آكل نفس مال ~~اليتيم أو اشترى شيئا في ذمته ونقده وقال : هذا قد ملكته وصار عوضه دينا في ~~ذمتي فإنما أكلت ما هو ملكي ظاهرا وباطنا # ولولا أن الله سبحانه رحم هذه الأمة بأن نبيها نبههم على ما لعنت به ~~اليهود وكان السابقون منها فقهاء أتقياء علموا مقصود الشارع فاستقرت ~~الشريعة بتحريم المحرمات : من الميتة والدم ولحم الخنزير وغيرها وإن تبدلت ~~صورها وبتحريم أثمانها لطرق الشيطان لأهل الحيل ما طرق لهم في الأثمان ~~ونحوها إذ البابان باب واحد على ما لا يخفى # الوجه الثاني عشر : أن باب الحيل المحرمة مداره على تسمية الشيء بغير ~~اسمه وعلى تغيير PageV01P349 صورته مع بقاء حقيقته فمداره على تغيير الإسم ~~مع بقاء المسمى وتغيير الصورة مع بقاء الحقيقة فإن المحلل مثلا غير اسم ~~التحليل إلى اسم النكاح واسم المحلل إلى الزوج وغير مسمى التحليل بأن جعل ~~صورته صورة النكاح والحقيقة حقيقة التحليل # ومعلوم قطعا أن لعن رسول اللهعلى ذلك إنما هو لما فيه من الفساد العظيم ~~الذي اللعنة من بعض عقوبته وهذا الفساد لم يزل بتغيير الاسم والصورة مع ~~بقاء الحقيقة ولا بتقديم الشرط من صلب العقد إلى ما قبله فإن المفسدة تابعة ~~للحقيقة لا للإسم ولا لمجرد الصورة ms298 # وكذلك المفسدة العظيمة التي اشتمل عليها الربا لا تزول بتغيير اسمه من ~~الربا إلى المعاملة ولا بتغيير صورته من صورة إلى صورة والحقيقة معلومة ~~متفق عليها بينهما قبل العقد يعلمها من قلوبهما عالم السرائر فقد اتفقا على ~~حقيقة الربال الصريح قبل العقد ثم غيرا اسمه إلى المعاملة وصورته إلى ~~التبايع الذي لا قصد لهما فيه ألبتة وإنما هو حيلة ومكر ومخادعة لله تعالى ~~ولرسوله # وأي فرق بين هذا وبين ما فعلته اليهود من استحلال ما حرم الله عليهم من ~~الشحوم بتغيير اسمه وصورته فإنهم أذابوه حتى صار ودكا وباعوه وأكلوا ثمنه ~~وقالوا : إنما أكلنا الثمن لا المثمن فلم نأكل شحما # وكذلك من استحل الخمر باسم النبيذ كما في حديث أبي مالك الأشعري رضي الله ~~عنه عن النبيأنه قال : ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف ~~على رؤسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة ~~والخنازير # وإنما أتي هؤلاء من حيث استحلوا المحرمات بما ظنوه من انتفاء الاسم ولم ~~يلتفتوا إلى وجود المعنى المحرم وثبوته وهذا بعينه هو شبهة اليهود في ~~استحلال بيع الشحم بعد جمله واستحلال أخذ الحيتان يوم الأحد بما أوقعوها به ~~يوم السبت في الحفائر والشباك من فعلهم يوم الجمعة وقالوا : ليس هذا صيد ~~يوم السبت ولا استباحة لنفس الشحم بل الذي PageV01P350 يستحل الشراب المسكر ~~زاعما أنه ليس خمرا مع علمه أن معناه معنى الخمر ومقصوده مقصوده وعمله عمله ~~أفسد تأويلا فإن الخمر اسم لكل شراب مسكر كما دلت عليه النصوص الصحيحة ~~الصريحة وقد جاء هذا الحديث عن النبيمن وجوه أخرى # منها : ما رواه النسائي عنه يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ~~وإسناده صحيح # ومنها : ما رواه ابن ماجه عن عبادة بن الصامت يرفعه : يشرب ناس من أمتي ~~الخمر يسمونها بغير اسمها ورواه الإمام أحمد ولفظه : ليستحلن طائفة من أمتي ~~الخمر # ومنها : ما رواه ابن ماجه أيضا من حديث أبي أمامة قال : قال رسول الله لا ~~تذهب الليالي والأيام حتى تشرب طائفة ms299 من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها # فهؤلاء إنما شربوا الخمر استحلالا لما ظنوا أن المحرم مجرد ما وقع عليه ~~اللفظ وأن ذلك اللفظ لا يتناول ما استحلوه وكذلك شبهتهم في استحلال الحرير ~~والمعازف فإن الحرير أبيح للنساء وأبيح للضرورة وفي الحرب وقد قال تعالى : ~~@QB@ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده @QE@ [ ] والمعازف قد أبيح ~~بعضها في العرس ونحوه وأبيح الحداء وأبيح بعض أنواع الغناء وهذه الشبهة ~~أقوى بكثير من شبه أصحاب الحيل فإذا كان من عقوبة هؤلاء : أن يمسخ بعضهم ~~قردة وخنازير فما الظن بعقوبة من جرمهم أعظم وفعلهم أقبح فالقوم الذين يخسف ~~بهم ويمسخون إنما فعل ذلك بهم من جهة التأويل الفاسد الذي استحلوا به ~~المحارم بطريق الحيلة وأعرضوا عن مقصود الشارع وحكمته في تحريم هذه الأشياء ~~ولذلك مسخوا قردة وخنازير كما مسخ أصحاب السبت بما تأولوا من التأويل ~~الفاسد الذي استحلوا به المحارم وخسف ببعضهم كما خسف بقارون لأن في الخمر ~~والحرير والمعازف من الكبر والخيلاء ما في الزينة التي خرج فيها قارون على ~~قومه فلما مسخوا دين الله تعالى مسخهم الله ولما تكبروا عن الحق أذلهم الله ~~تعالى فلما جمعوا بين الأمرين جمع الله لهم بين هاتين PageV01P351 ~~العقوبتين وما هي من الظالمين ببعيد وقد جاء ذكر المسخ والخسف في عدة ~~أحاديث تقدم ذكر بعضها # | فصل وقد أخبرأن طائفة من أمته تستحل الربا باسم البيع كما أخبر عن # استحلالهم الخمر باسم آخر # فروى ابن بطة بإسناده عن الأوزاعي عن النبي يأتي على الناس زمان يستحلون ~~الربا بالبيع يعني العينة وهذا وإن كان مرسلا فإنه صالح للاعتضاد به ~~بالاتفاق وله من المسندات ما يشهد له وهي الأحاديث الدالة على تحريم العينة # فإنه من المعلوم أن العينة عند مستحلها إنما يسميها بيعا وفي هذا الحديث ~~بيان أنها ربا لا بيع فإن الأمة لم يستحل أحد منها الربا الصريح وإنما ~~استحل باسم البيع وصورته فصوروه بصورة البيع وأعاروه لفظه # ومن المعلوم أن الرعبا لم يحرم لمجرد صورته ولفظه وإنما حرم ms300 لحقيقته ~~ومعناه ومقصوده وتلك الحقيقة والمعنى والمقصود قائمة في الحيل الربوية ~~كقيامها في صريحه سواء والمتعاقدان يعلمان ذلك من أنفسهما ويعلمه من شاهد ~~حالهما والله يعلم أن قصدهما نفس الربا وإنما توسلا إليه بعقدغير مقصود ~~وسمياهباسم مستعار غير اسمه ومعلوم أن هذا لا يدفع التحريم ولا يرفع ~~المفسدة التي حرم الربا لأجلها بل يزيدها قوة وتأكيدا من وجوه عديدة # منها : أنه يقدم على مطالبة الغريم المحتاج بقوة لا يقدم بمثلها المربي ~~صريحا لأنه واثق بصورة العقد واسمه # ومنها : اعتقاده أن ذلك تجارة حاضرة مدارة والنفوس أرغب شيء في التجارة ~~فهو في ذلك بمنزلة من أحب امرأة حبا شديدا ويمنعه من وصالها كونها محرمة ~~عليه فاحتال إلى أن أبقى بينه وبينها صورة عقد لا حقيقة له يأمن به من ~~بشاعة الحرام وشناعته فصار PageV01P352 يأتيها آمنا وهما يعلمان في الباطن ~~أنها ليست زوجته وإنما أظهرا صورة عقد يتوصلان به إلى الغرض # ومن المعلوم أن هذا يزيد المفسدة التي حرم الحكيم الخبير لأجلها الربا ~~والزنى قوة فإن الله سبحانه وتعالى حرم الربا لما فيه من ضرر المحتاج ~~وتعريضه للفقر الدائم والدين اللازم الذي لا ينفك عنه وتولد ذلك وزيادته ~~إلى غاية تجتاحه وتسلبه متاعه وأثاثه كما هو الواقع في الواقع # فالربا أخو القمار يجعل المقمور سليبا حزينا محسورا # فمن تمام حكمة الشريعة الكاملة المنتظمة لمصالح العباد : تحريمه وتحريم ~~الذريعة الموصلة إليه كما حرم التفرق في الصرف قبل القبض وأن يبيعه درهما ~~بدرهم إلى أجل وإن لم يكن هناك زيادة فكيف يظن بالشارع مع كمال حكمته أن ~~يبيح التحيل والمكر على حصول هذه المفسدة ووقوعها زائدة متضاعفة بأكل ~~المحتال فيها مال المحتاج أضعافا مضاعفة ولو سلك مثل هذا بعض الأطباء مع ~~المرضى لأهلكهم فإن ما حرم الله تعالى ورسولهمن المحرمات إنما هو حمية لحفظ ~~صحة القلب وقوة الإيمان كما أن ما يمنع منه الطبيب مما يضر المريض حمية له ~~فإذا احتال المريض أو الطبيب على تناول ذلك المؤذي بتغيير صورته مع بقاء ~~حقيقته وطبعه ms301 أو تغيير اسمه مع بقاء مسماه ازداد المريض بتناوله مرضا إلى ~~مرضه وترامى به إلى الهلاك ولم ينفعه تغير صورته ولا تبدل اسمه # وأنت إذا تأملت الحيل المتضمنة لتحليل ما حرم الله سبحانه وتعالى وإسقاط ~~ما أوجب وحل ما عقد وجدت الأمر فيها كذلك ووجدت المفسدة الناشئة منها أعظم ~~من المفسدة الناشئة من المحرمات الباقية على صورها وأسمائها والوجدان شاهد ~~بذلك # فالله سبحانه إنما حرم هذه المحرمات وغيرها لما اشتملت عليه من المفاسد ~~المضرة بالدنيا والدين ولم يحرمها لأجل أسمائها وصورها ومعلوم أن تلك ~~المفاسد تابعة لحقائقها لا تزول بتبدل أسمائها وتغير صورتها ولو زالت تلك ~~المفاسد بتغير الصورة والأسماء لما لعن PageV01P353 الله سبحانه اليهود على ~~تغيير صورة الشحم واسمه بإذابته حتى استحدث اسم الودك وصورته ثم أكلوا ثمنه ~~وقالوا : لم نأكله وكذلك تغيير صورة الصيد يوم السبت بالصيد يوم الأحد # فتغيير صور المحرمات وأسمائها مع بقاء مقاصدها وحقائقها زيادة في المفسدة ~~التي حرمت لأجلها مع تضمنه لمخادعة الله تعالى ورسوله ونسبة المكر والخداع ~~والغش والنفاق إلى شرعه ودينه وأنه يحرم الشيء لمفسدة ويبيحه لأعظم منها # ولهذا قال أيوب السختياني : يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان لو أتوا ~~الأمر على وجهه كان أهون # وقال رسول الله لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى ~~الحيل # وقال بشر بن السري وهو من شيوخ الإمام أحمد : نظرت في العلم فإذا هو ~~الحديث والرأي فوجدت في الحديث ذكر النبيين والمرسلين وذكر الموت وذكر ~~ربوبية الرب تعالى وجلاله وعظمته وذكر الجنة والنار والحلال والحرام والحث ~~على صلة الأرحام وجماع الخير ونظرت في الرأي فإذا فيه المكر والخديعة ~~والتشاح واستقصاء الحق والمماراة في الدين واستعمال الحيل والبعث على قطيعة ~~الأرحام والتجرؤ على الحرام # وقال أبو داود : سمعت أحمد بن حنبل وذكر أصحاب الحيل فقال : يحتالون لنقض ~~سنن رسول الله # والرأي الذي اشتقت منه الحيل المتضمنة لإسقاط ما أوجب الله تعالى وإباحة ~~ما حرم الله : هو الذي اتفق السلف على ذمه وعيبه # فروى حرب عن الشعبي ms302 قال : قال ابن مسعود رضي الله عنه : إياكم وأرأيت ~~أرأيت فإنما هلك من كان قبلكم بأرأيت أرأيت ولا تقيسوا شيئا بشيء فتنزل قدم ~~بعد ثبوتها # وعن الشعبي عن مسروق قال : قال عبدالله : ليس من عام إلا والذي بعده شر ~~PageV01P354 منه لا أقول أمير خير من أمير ولا عام أخصب من عام ولكن ذهاب ~~خياركم وعلمائكم ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فينهدم الإسلام وينثلم # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن ~~أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين سئلوا أن ~~يقولوا : لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم # وقال أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد : لا يجوز شيء من الحيل # وفي رواية صالح ابنه : الحيل لا نراها # وقال في رواية الأثرم وذكر حديث عبدالله بن عمر في حديث البعيان بالخيار ~~ولا يحل لواحد منهما أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله قال : فيه إبطال الحيل # وقال في رواية أبي الحرث : هذه الحيل التي وضعها هؤلاء احتالوا في الشيء ~~الذي قيل لهم : إنه حرام فاحتالوا فيه حتى أحلوه وقد قال لعن الله اليهود ~~حرمت عليهم الشحوم فأذابوها وأكلوا أثمانها فإنما أذابوها حتى أزالوا عنها ~~اسم الشحوم وقد لعن النبيالمحلل والمحلل له # وقال في رواية ابنه صالح : ينقضون الأيمان بالحيل وقد قال الله تعالى : ~~@QB@ ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها @QE@ [ ] وقال تعالى : @QB@ يوفون ~~بالنذر @QE@ [ ] # وقال في رواية أبي طالب في التحيل لإسقاط العدة : سبحان الله ما أعجب هذا ~~PageV01P355 أبطلوا كتاب الله والسنة جعل الله على الحرائر العدة من الحمل ~~فليس من امرأة تطلق أو يموت زوجها إلا تعتد من أجل الحمل ففرج يوطأ ثم ~~يعتقها على المكان فيتزوجها فيطؤها فإن كانت حاملا كيف يصنع يطؤها رجل ~~اليوم ويطؤها الآخر غدا هذا نقض لكتاب الله والسنة قال النبي لا توطأ حامل ~~حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض فلا يدري : هي حامل أم لا سبحان الله ما ~~أسمج هذا # وقال في رواية حبيش بن سندي ms303 في الرجل يشتري الجارية ثم يعتقها من يومه ~~ويتزوجها : أيطؤها من يومه فقال : كيف يطؤها هذا من يومه وقد وطئها ذاك ~~بالأمس وغضب وقال : هذا أخبث قول # وقال في رواية الميموني : إذا حلف على شىء ثم احتال بحيلة فصار إليه فقد ~~صار إلى دلك بعينه # وقال في رواية الميموني فيمن حلف على يمين ثم احتال لإبطالها : هل يجوز ~~قال : نحن لا نرى الحيلة إلا بما يجوز فقال له الميموني : أليس حيلتنا فيها ~~أن نتبع ما قالوا فإذا وجدنا لهم فيها قولا اتبعناه قال : بلى هكذا هو قلت ~~: أوليس هذا منا نحن حيلة قال : نعم قلت : إنهم يقولون في رجل حلف على ~~امرأته وهي على درجة : إن صعدت أو نزلت فأنت طالق قالوا : تحمل حملا ولا ~~تنزل فقال : هذا الحنث بعينه ليس هذا حيلة هذا هو الحنث # وذكر لأحمد : أن امرأة كانت تريد أن تفارق زوجها فيأبى عليها فقال لها ~~بعض أرباب الحيل : لو ارتددت عن الإسلام بنت منه ففعلت فغضب أحمد رحمه الله ~~وقال : من أفتى بهذا أو علعمه أو رضي به فهو كافر # وكذلك قال عبدالله بن المبارك ثم قال : ما أرى الشيطان يحسن مثل هذا حتى ~~جاء هؤلاء فتعلمه منهم # وقال يزيد بن هارون : أفتى أصحاب الحيل بشيء لو أفتى به اليهود والنصارى ~~كان PageV01P356 قبيحا أفتوا رجلا حلف أن لا يطلق امرأته بوجه من الوجه ~~فبذلت له مالا كثيرا في طلاقها فأفتوه بأن يقبل أمها أو يباشرها # وذكرت الحيلة عند شريك فقال : من يخادع الله يخدعه # وقال النضر بن شميل : في كتاب الحيل ثلاثمائة وعشرون مسألة كلها كفر # وقال حفص بن غياث : ينبغي أن يكتب عليه : كتاب الفجور # وقال عبدالله بن المبارك في قصة بنت أبي روح حيث أمرت بالارتداد في أيام ~~أبي غسان فارتدت ففرق بينهما وأودعت السجن فقال ابن المبارك وهو غضبان : من ~~أمر بهذا فهو كافر ومن كان هذا الكتاب عنده أو في بيته ليأمر به فهو كافر ~~وإن هويه ولم يأمر به فهو كافر ms304 # وقال أيوب السختياني : ويل لهم من يخدعون يعني أصحاب الحيل # وقال بعض أصحاب الحيل : ما تنقمون منا إلا أنا عمدنا إلى أشياء كانت ~~عليكم حراما فاحتلنا فيها حتى صارت حلالا # وقال زاذان قال علي رضي الله عنه يعني وقد رأى مبادىء الحيل : إني أراكم ~~تحلون أشياء قد حرمها الله وتحرمون أشياء قد حللها الله قلت : ومن تأمل ~~الشريعة ورزق فيها فقه نفس رآها قد أبطلت على أصحاب الحيل مقاصدهم وقابلتهم ~~بنقيضها وسدت عليهم الطرق التي فتحوها للتحيل الباطل PageV01P357 فمن ذلك : ~~أن الشارع منع المتحيل على الميراث بقتل مورثه ميراثه ونقله إلى غيره دونه ~~لما احتال عليه بالباطل # ومن ذلك بطلان وصية الموصى له بمال إذا قتل الموصي # ومن ذلك : بطلان تدبير المدبر إذا قتل سيده ليعجل العتق # ومن ذلك : تحريم المنكوحة في عدتها على الزوج تحريما مؤبدا عند عمر بن ~~الخطاب ومالك وإحدى الروايتين عن أحمد لما احتال على وطئها بصورة العقد ~~المحرم # ومن ذلك : ما لو احتال المريض على منع امرأته من الميراث بطلاقها فإنها ~~ترثه ما دامت في العدة عند طائفة وعند آخرين : ترثه وإن انقضت عدتها ما لم ~~تتزوج وعند طائفة : ترث وإن تزوجت # ومن ذلك : بطلان إقرار المريض لوارثه بمال لأنه يتخذه حيلة على الوصية له # ونظائر ذلك كثيرة # فالمحتال الباطل معامل بنقيض قصده شرعا وقدرا # وقد شاهد الناس عيانا أنه من عاش بالمكر مات بالفقر # ولهذا عاقب الله سبحانه وتعالى من احتال على إسقاط نصيب المساكين وقت ~~الجداد بحرمانهم الثمرة كلها # وعاقب من احتال على الصيد المحرم بأن مسخهم قردة وخنازير وعاقب من احتال ~~على أكل أموال الناس بالربا بأن يمحق ماله كما قال تعالى : @QB@ يمحق الله ~~الربا ويربي الصدقات @QE@ [ ] فلا بد أن يمحق مال المرابي ولو بلغ ما بلغ # وأصل هذا : أن الله سبحانه جعل عقوبات أصحاب الجرائم بضد ما قصدوا له ~~بتلك الجرائم فجعل عقوبة الكاذب إهدار كلامه ورده عليه # وجعل عقوبة الغال من الغنيمة لما قصد تكثير ماله بالغلول : حرمانه سهمه ~~وإحراق ms305 متاعه PageV01P358 # وجعل عقوبة من اصطاد في الحرم أو الإحرام : تحريم أكل ما صاده وتغريمه ~~نظيره # وجعل عقوبة من تكبر عن قبول الحق والانقياد له : أن ألزمه من الذل ~~والصغار بحسب ما تكبر عنه من الحق # وجعل عقوبة من استكبر عن عبوديته وطاعته : أن صيره عبدا لأهل عبوديته ~~وطاعته # وجعل عقوبة من أخاف السبيل وقطع الطريق : أن تقطع أطرافه وتقطع عليه ~~الطرق كلها بالنفي من الأرض فلا يسير فيها إلا خائفا # وجعل عقوبة من التذ بدنه كله وروحه بالوطءالحرام : إيلام بدنه وروحه ~~بالجلد والرجم فيصل الألم إلى حيث وصلت اللذة # وشرع النبيعقوبة من اطلع في بيت غيره : أن تقلع عينه بعود ونحوه إفسادا ~~للعضو الذي خانه به وأولجه بيته بغير إذنه واطلع به على حرمته # وعاقب كل خائن بأنه يضل كيده ويبطله ولا يهديه لمقصوده وإن نال بعضه ~~فالذي ناله سبب لزيادة عقوبته وخيبته : @QB@ وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ~~@QE@ [ ] # وعاقب من حرص على الولاية والإمارة والقضاء بأن شرع منعه وحرمانه ما حرص ~~عليه كما قال إنا لا نولي عملنا هذا من سأله # ولهذا عاقب أبا البشر آدم عليه السلام : بأن أخرجه من الجنة لما عصاه ~~بالأكل من الشجرة ليخلد فيها فكانت عقوبته إخراجه منها ضد ما أمله # وعاقب من اتخذ معه إلها آخر ينتصر به ويتعزز به : بأن جعله عليه ضدا يذل ~~به ويخذل به كما قال تعالى : @QB@ واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم ~~عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا @QE@ [ ] وقال تعالى : @QB@ ~~واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند ~~محضرون @QE@ [ ] PageV01P359 وقال تعالى : @QB@ لا تجعل مع الله إلها آخر ~~فتقعد مذموما مخذولا @QE@ [ ] ضد ما أمله المشرك من اتخاذ الإله من النصر ~~والمدح # وعاقب الناس إذا بخسوا الكيل والميزان بجور السلطان عليهم يأخذ من ~~أموالهم أضعاف ما يبخس به بعضهم بعضا وعاقبهم إذا منعوا الزكاة والصدقة ~~ترفيها لأموالهم بحبس الغيث عنهم فيمحق بذلك أموالهم ويستوي غنيهم وفقيرهم ~~في الحاجة وعاقبهم إذا أعرضوا عن كتابه ms306 وسنة نبيهوطلبوا الهدى من غيره : ~~بأن يضلهم ويسد عليهم أبواب الهدى كما قال النبيفي حديث علي رضي الله عنه ~~الذي رواه الترمذي وغيره وذكر القرآن : من تركه من جبار قصمه الله ومن ~~ابتغى الهدى في غيره أضله الله فإن المعرض عن القرآن إما أن يعرض عنه كبرا ~~فجزاؤه : أن يقصمه الله أو طلبا للهدى من غيره فجزاؤه : أن يضله الله # وهذا باب واسع جدا عظيم النفع فمن تدبره يجده متضمنا لمعاقبة الرب سبحانه ~~من خرج عن طاعته بأن يعكس عليه مقصوده شرعا وقدرا دنيا وأخرى وقد اطردت ~~سنته الكونية سبحانه في عباده بأن من مكر بالباطل مكر به ومن احتال احتيل ~~عليه ومن خادع غيره خدع قال الله تعالى : @QB@ إن المنافقين يخادعون الله ~~وهو خادعهم @QE@ [ ] وقال تعالى : ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله [ ] فلا ~~تجد ماكرا إلا وهو ممكور به ولا مخادعا إلا وهو مخدوع ولا محتالا إلا وهو ~~محتال عليه PageV01P360 # | فصل وإذا تدبرت الشريعة وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرمات وذلك # عكس باب الحيل الموصلة إليها فالحيل وسائل وأبواب إلى المحرمات وسد ~~الذرائع عكس ذلك فبين البابين أعظم تناقض والشارع حرم الذرائع وإن لم يقصد ~~بها المحرم لإفضائها إليه فكيف إذا قصد بها المحرم نفسه فنهى الله تعالى عن ~~سبع آلهة المشركين لكونه ذريعة إلى أن يسبوا الله سبحانه وتعالى عدوا وكفرا ~~على وجه المقابلة # وأخبر النبي أن من أكبر الكبائر شتم الرجل والديه قالوا : وهل يشتم الرجل ~~والديه قال : نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه # ولما جاءت صفية رضي الله تعالى عنها تزوره وهو معتكف قام معها ليوصلها ~~إلى بيتها فرآهما رجلان من الأنصار فقال : على رسلكما إنها صفية بنت حييي ~~فقالا : سبحان الله يا رسول الله فقال : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى ~~الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا # فسد الذريعة إلى ظنهما السوء باعلامهما أنها صفية # وأمسكعن قتل المنافقين مع ما فيه من المصلحة لكونه ذريعة إلى التنفير ms307 ~~وقول الناس : إن محمدا يقتل أصحابه # وحرم القطرة من الخمر وإن لم تحصل بها مفسدة الكثير لكون قليلها ذريعة ~~إلى شرب كثيرها PageV01P361 وحرم إمساكها للتخليل وجعلها نجسة لئلأ تفضي ~~مقاربتها بوجه من الوجوه إلى شربها # ونهى عن الخليطين وعن شرب العصير والنبيذ بعد ثلاث وعن الانتباذ في ~~الأوعية التي لا يعلم بتخمير النبيذ فيها حسما للمادة وسدا للذريعة # وحرم الخلوة بالمرأة الأجنبية والسفر بها والنظر إليها لغير حاجة حسما ~~للمادة وسدا للذريعة # ومنع النساء إذا خرجن إلى المسجد من الطيب والبخور # ومنعهن من التسبيح في الصلاة لنائبة تنوب بل جعل لهن التصفيق # ومنع المعتدة من الوفاة من الزينة والطيبب والحلي # ومنع الرجل من التصريح بخطبتها في العدة وإن كان إنما يعقد النكاح بعد ~~انقضائها # ونهى المرأة أن تصف لزوجها امرأة غيرها حتى كأنه ينظر إليها # ونهى عن بناء المساجد على القبور ولعن فاعله # ونهى عن تعلية القبور وتشريفها وأمر بتسويتها # ونهى عن البناء عليها وتجصيصها والكتابة عليها والصلاة إليها وعندها ~~وإيقاد المصابيح عليها كل ذلك سدا لذريعة اتخاذها أوثانا وهذا كله حرام على ~~من قصده ومن لم يقصده بل على من قصد خلافه سدا للذريعة # ونهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لكون هذين الوقتين وقت سجود ~~الكفار للشمس ففي الصلاة نوع تشبه بهم في الظاهر وذلك ذريعة إلى الموافقة ~~والمشابهة في الباطن وكذلك النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر وإن لم ~~يحضر وقت سجود الكفار للشمس مبالغة في هذا المقصود وحماية لجانب التوحيد ~~وسدا لذريعة الشرك بكل ممكن # ومنع من التفرق في الصرف قبل التقابض وكذلك الربوي إذا بيع بربوي آخر من ~~غير جنسه سدا لذريعة النساء الذي هو صلب الربا ومعظمه بل من منع بيع الدرهم ~~PageV01P362 بالدرهمين نقداد سدا لذريعة ربا النساء كما عللبذلك في الحديث ~~الذي رواه مسلم في صحيحه وهذا أحسن العلل في تحريم ربا الفضل # وحرم الجمع بين السلف والبيع لما فيه من الذريعة إلى الربح في السلف بأخذ ~~أكثر مما أعطى والتوسل ms308 إلى ذلك أو الإجارة كما هو الواقع # ومنع البائع أن يشتري السلعة من مشتريها بأقل مما اشتراها به وهي مسألة ~~العينة وإن لم يقصد الربا لكونه وسيلة ظاهرة واقعة إلى بيع خمسة عشر نسيئة ~~بعشرة نقدا # وحرم جمع الشرطين في البيع لكونه وسيلة إلى ذلك وهو منطبق على مسألة ~~العينة # ومنع من القرض الذي يجر النفع وجعله ربا # ومنع المقرض من قبول هدية المقترض ما لم يكن بينهما عادة جارية بذلك قبل ~~القرض ففي سنن ابن ماجة عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي قال : سألت أنس بن ~~مالك الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي إليه فقال : قال رسول الله إذا أقرض ~~أحدكم قرضا فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبنها ولا يقبله إلا أن ~~يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك # وروى البخاري في تاريخه عن يزيد بن أبي يحيى الهنائي عن أنس ابن مالك قال ~~: قال رسول الله إذا أقرض أحدكم فلا يأخذ هدية # وفي صحيح البخاري عن أبي بردة عن أبي موسى قال : قدمت المدينة فلقيت ~~عبدالله بن سلام فقال لي : إنك بأرض الربا فيها فاش فإذا كان لك على رجل ~~حقفأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا # وروى سعيد بن منصور في سننه هذا المعنى عن أبي بن كعب # وجاء عن ابن مسعود وعبدالله بن عباس وعبدالله بن عمروونحوه PageV01P363 # وكل ذلك سدا لذريعة أخذ الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل # ونهى عن بيع الكالىء بالكالىء وهو الدين المؤخر بالدين المؤخر لأنه ذريعة ~~إلى ربا النسيئة فلو كان الدينان حالين لم يمتنع لأنهما يسقطان جيعا من ~~ذمتهما وفي الصورة المنهي عنها : ذريعة إلى تضاعف الدين في ذمة كل واحد ~~منهما في مقابلة تأجيله وهذه مفسدة ربا النساء بعينها # ونهى الله سبحانه النساء أن : @QB@ يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من ~~زينتهن @QE@ [ ] فلما كان الضرب بالرجل ذريعة إلى ظهور صوت الخلخال الذي هو ~~ذريعة إلى ميل الرجال إليهن نهاهن عنه # وأمر الله ms309 سبحانه الرجال والنساء بغض أبصارهم لما كان النظر ذريعة إلى ~~الميل والمحبة التي هي ذريعة إلى مواقعة المحظور # وحرم التجارة في الخمر وإن كان إنما يبيعها من كافر يستحل شربها فإن ~~التجارة فيها ذريعة إلى اقتنائها وشربها ولهذا لما نزلت الآيات في تحريم ~~الربا قرأها عليهم رسول الله وقرن بها تحريم التجارة في الخمر فإن الربا ~~ذريعة إلى إفساد الأموال والخمر ذريعة إلى إفساد العقول : فجمع بين تحريم ~~التجارة في هذا وهذا # ونهى عن استقبال رمضان بيوم أو يومين لئلا يتخذ ذريعة إلى الزيادة في ~~الصوم الواجب كما فعل أهل الكتاب # ونهى عن التشبه بأهل الكتاب وغيرهم من الكفار في مواضع كثيرة لأن ~~المشابهة الظاهرة ذريعة إلى الموافقة الباطنة فأنه إذا أشبه الهدي الهدي ~~أشبه القلب القلب وقد قال خالف هدينا هدي الكفار وفي المسند مرفوعا : من ~~تشبه بقوم فهو منهم # وحرم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها لكونه ذريعة إلى قطيعة ~~الرحم وبهذه العلة بعينها علل رسول اللهفقال : إنكم إذا فعلتم PageV01P364 ~~ذلك قطعتم أرحامكم # وأمر بالتسوية بين الأولاد في العطية وأخبر أن تخصيص بعضهم بها جور لا ~~يصلح ولا تنبغي الشهادة عليه وأمر فاعله برده ووعظه وأمره بتقوى الله تعالى ~~وأمره بالعدل لكون ذلك ذريعة ظاهرة قريبة جدا إلى وقوع العداوة بين الأولاد ~~وقطيعة الرحم بينهم كما هو المشاهد عيانا فلو لم تأت السنة الصحيحة الصريحة ~~التي لا معارض لها بالمنع منه لكان القياس وأصول الشريعة وما تضمنته من ~~المصالح ودرء المفاسد يقتضي تحريمه # ومنع من نكاح الأمة لكونه ذريعة ظاهرة إلى استرقاق ولده ثم جوز وطأها ~~بملك اليمين لزوال هذه المفسدة # ومنع من تجاوز أربع زوجات لكونه ذريعة ظاهرة إلى الجور وعدم العدل بينهن ~~وقصر الرجال على الأربع فسحة لهم في التخلص من الزنى وإن وقع منهم بعض ~~الجور فاحتماله أقل مفسدة من مفسدة الزنى # ومنع من عقد النكاح في حال العدة وحال الإحرام وإن تأخر الدخول إلى ما ~~بعد انقضائها وحصول الحل لكون العقد ذريعة إلى ms310 الوطء والنفوس لا تصبر غالبا ~~مع قوة الداعي # وشرط في النكاح شروطا زائدة على مجرد العقد فقطع عنه شبه بعض أنواع ~~السفاح به كاشتراط إعلانه إما بالشهادة أو بترك الكتمان أو بهما واشتراط ~~الولي ومنع المرأة أن تليه وندب إلى إظهاره حتى استحب فيه الدف والصوت ~~والوليمة وأوجب فيه المهر PageV01P365 # ومنع هبة المرأة نفسها لغير النبي وسر ذلك : أن في ضد ذلك والإخلال به ~~ذريعة إلى وقوع السفاح بصورة النكاح كما في الأثر إن الزانية هي التي تزوج ~~نفسها فإنه لا تشاء زانية تقول : زوجتك نفسي بكذا سرا من وليها بغير شهود ~~ولا إعلان ولا وليمة ولا دف ولا صوت إلا فعلت ومعلوم قطعا أن مفسدة الزنى ~~لا تنتفي بقولها : أنكحتك نفسي أو زوجتك نفسي أو أبحتك مني كذا وكذا فلو ~~انتفت مفسدة الزنى بذلك لكان هذا من أيسر الأمور عليها وعلى الرجل فعظم ~~الشارع أمر هذا العقد وسد الذريعة إلى مشابهته الزنى بكل طريق ثم أكد ذلك ~~بأن جعل له حريما من العدة يزيد على مقدار الاستبراء وأثبت له أحكاما من ~~المصاهرة وحرمتها ومن التوارث ولهذا كان الراجح في الدليل : أن الزنى لا ~~يثبت حرمة المصاهرة كما لا يثبت التوارث والنفقة وحقوق الزوجية ولا يثبت به ~~النسب ولا العدة على الصحيح وإنما تستبرأ بحيضة ليعلم براءة رحمها ولا يقع ~~فيه طلاق ولا ظهار ولا إيلاء ولا يثبت المحرمية بينه وبين أمها وابنتها فلا ~~يثبت حرمة المصاهرة ولا تحريمها فإن الشارع جعل وصلة الصهر فيه مع وصلة ~~النسب وجمع بينهما في قوله : @QB@ فجعله نسبا وصهرا @QE@ [ ] فإذا انتفت ~~وصلة النسب فيه انتفت وصلة الصهر # وكنا ننصر القول بالتحريم ثم رأينا الرجوع إلى عدم التحريم أولى لاقتضاء ~~الدليل له # وليس المقصود استيفاء أدلة المسئلة من الجانبين وإنما الغرض التنبيه على ~~أن من قواعد الشرع العظيمة : قاعدة سد الذرائع # ومن ذلك : نهى النبيأن تقام الحدود في دار الحرب وأن تقطع الأيدي في ~~الغزو لئلا يكون ذلك ذريعة إلى لحاق المحدود بالكفار # ومن ذلك ms311 : أن المسلم إذا احتاج إلى التزوج بدار الحرب وخاف على نفسه ~~الزنا عزل PageV01P366 عن امرأته نص عليه أحمد لئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن ~~ينشأ ولده كافرا # ومن ذلك : أن الصحابة اتفقوا على قتل الجماعة الكثيرة بالواحد وإن كان ~~القصاص يقتضي المساواة لئلا يتخذ ذريعة إلى إهدار الدماء وتعاون الجماعة ~~على قتل المعصوم # ومن ذلك : أن السكران لو قتل اقتص منه وإن كان في هذه الحالة لا قصد له ~~لئلا يتخذ السكر ذريعة إلى قتل المعصوم وسقوط القصاص # ومن ذلك : نهيه سبحانه رسولهعن الجهر بالقرآن بحضرة العدو لما كان ذريعة ~~إلى سبهم للقرآن ومن أنزله # ومن ذلك : أنه سبحانه نهى الصحابة أن يقولوا للنبي @QB@ راعنا @QE@ [ ] ~~مع قصدهم المعنى الصحيح وهو المراعاة لئلا يتخذ اليهود هذه اللفظة ذريعة ~~إلى السب ولئلا يتشبهوا بهم ولئلا يخاطب بلفظ يحتمل معنى فاسدا # ومن ذلك : أنهكره الصلاة إلى ما قد عبد من دون الله وأحب لمن صلى إلى ~~عمود أو عود أو شجرة أن يجعله على أحد حاجبيه ولا يصمد له صمدا سدا لذريعة ~~التشبه بالسجود لغير الله تعالى # ومن ذلك : أنه أمر المأمومين أن يصلوا جلوسا إذا صلى إمامهم جالسا سدا ~~لذريعة التشبه بفارس والروم في قيامهم على ملوكهم وهم قعود ومن ذلك : أن ~~النبيمنع الرجل من أخذ نظير حقه بصورة الخيانة ممن خانه وجحد حقه وإن كان ~~إنما يأخذ حقه أو دونه فقال لمن سأله عن ذلك : أد الأمانة إلى من ائتمنك ~~ولا تخن من خانك لأن ذلك ذريعة إلى إساءة الظن به ونسبته إلى الخيانة ولا ~~يمكنه أن يحتج عن نفسه ويقيم عذره مع أن ذلك أيضا ذريعة إلى أن لا يقتصر ~~على قدر الحق وصفته فإن النفوس لا تقتصر في الاستيفاء غالبا على قدر الحق ~~PageV01P367 # ومن ذلك : أن سلط الشريك على انتزاع الشقص المشفوع من يد المشتري سدا ~~لذريعة المفسدة الناشئة من الشركة والمخالطة بحسب الإمكان وقبل البيع ليس ~~أحدهما أولى بانتزاع نصيب شريكه من الآخر فإذا رغب عنه وعرضه للبيع ms312 كان ~~شريكه أحق به لما فيه من إزالة الضرر عنه وعدم تضرره هو فإنه يأخذه بالثمن ~~الذي يأخذه به الأجنبي ولهذا كان الحق : أنه لا يحل الاحتيال لإسقاط الشفعة ~~ولا تسقط بالاحتيال فإن الاحتيال على إسقاطها يعود على الحكمة التي شرعت ~~لها بالنقض والإبطال # ومن ذلك : أنه لا يقبل شهادة العدو ولا الظنين في تهمة أو قرابة ولا ~~الشريك فيما هو شريك فيه ولا الوصي فيما هو وصي فيه ولا الولد على ضرة أمه ~~ولا يحكم القاضي بعلمه كل ذلك سدا لذريعة التهمة والغرض الفاسد # ومن ذلك : أن السنة مضت بكراهة إفراد رجب بالصوم وإفراد يوم الجمعة لئلا ~~يتخذ ذريعة إلى الابتداع في الدين بتخصيص زمان لم يخصه الشارع بالعبادة ومن ~~ذلك : أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر بقطع الشجرة التي ~~كانت تحتها البيعة وأمر بإخفاء قبر دانيال سدا لذريعة الشرك والفتنة ونهى ~~عن تعمد الصلاة في الأمكنة التي كان رسول اللهينزل بها في سفره وقال : ~~أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد من أدركته الصلاة فيه فليصل وإلا ~~فلا # ومن ذلك : جمع عثمان بن عفان رضي الله عنه الأمة على حرف واحد من الأحرف ~~السبعة لئلا يكون اختلافهم فيها ذريعة إلى اختلافهم في القرآن ووافقه على ~~ذلك الصحابة رضي الله عنهم # ومن ذلك : أن النبيأمر الذي أرسل معه بهديه إذا عطب شيء منه دون المحل أن ~~ينحره وبصبغ نعله الذي قلده به بدمه ويخلي بينه وبين PageV01P368 المساكين ~~ونهاه أن يأكل منه هو أو أحد من أهل رفقته قالوا : لأنه لو جاز له أن يأكل ~~منه أو أحد من رفقته قبل بلوغ المحل لخادعته نفسه إلى أن يقصر في علفه ~~وحفظه حتى يشارف العطب فينحره فسد الشارع الذريعة ومنعه ورفقته من الأكل ~~منه # ومن ذلك : نهيهعن الذرائع التي توجب الاختلاف والتفرق والعداوة والبغضاء ~~كخطبة الرجل على خطبة أخيه وسومه على سومه وبيعه على بيعه وسؤال المرأة ~~طلاق ضرتها وقال : إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما سدزا لذريعة ms313 ~~الفتنة والفرقة # ونهى عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة وإن ظلموا وجاروا ما أقاموا ~~الصلاة سدا لذريعة الفساد العظيم والشر الكبير بقتالهم كما هو الواقع فإنه ~~حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم من الشرور أضعاف أضعاف ما هم عليه والأمة في ~~تلك الشرور إلى الآن # ومن ذلك : أن الشروط المضروبة على أهل الذمة تضمنت تمييزهم عن المسلمين ~~في اللباس والشعور والمراكب والمجالس لئلا تفضي مشابهتهم للمسلمين في ذلك ~~إلى معاملتهم معاملة المسلمين : في الإكرام والاحترام ففي إلزامهم بتمييزهم ~~عنهم سدا لهذه الذريعة # ومن ذلك : منعهمن بيع القلادة التي فيها خرز وذهب بذهب لئلا يتخذ ذريعة ~~إلى بيع الذهب بالذهب متفاضلا إذا ضم إلى أحدهما خرز أو نحوه # ولو لم يكن في هذا الباب إلا أن الله سبحانه وتعالى أوجب إقامة الحدود ~~سدا للذريعة إلى الجرائم إذا لم يكن عليها وازع طبيعي وجعل مقادير عقوباتها ~~وأجناسها وصفاتها PageV01P369 بحسب مفاسدها في نفسها وقوة الداعي إليها ~~وتقاضي الطباع لها # وبالجملة فالمحرمات قسمان : مفاسد وذرائع موصلة إليها مطلوبة الإعدام كما ~~أن المفاسد مطلوبة الإعدام # والقربات نوعان : مصالح للعباد وذرائع موصلة إليها ففتح باب الذرائع في ~~النوع الأول كسد باب الذرائع في النوع الثاني وكلاهما مناقض لما جاءت به ~~الشريعة فبين باب الحيل وباب سدع الذرائع أعظم تناقض # وكيف يظن بهذه الشريعة العظيمة الكاملة التي جاءت بدفع المفاسد وسد ~~أبوابها وطرقها : أن تجوز فتح باب الحيل وطرق المكر على إسقاط واجباتها ~~واستباحة محرماتها والتذرع إلى حصول المفاسد التي قصدت دفعها # وإذا كان الشيء الذي قد يكون ذريعة إلى الفعل المحرم إما بأن يقصد به ذلك ~~المحرم أو بأن لا يقصد به وإنما يقصد به المباح نفسه لكن قد يكون ذريعة إلى ~~المحرم يحرمه الشارع بحسب الإمكان ما لم يعارض ذلك مصلحة راجحة تقتضى حله ~~فالتذرع إلى المحرمات بالاحتيال عليها أولى أن يكون حراما وأولى بالإبطال ~~والإهدار إذا عرف قصد فاعله وأولى أن لا يعان فاعله عليه وأن يعامل بنقيض ~~قصده وأن يبطل عليه كيده ومكره # وهذا ms314 بحمد الله تعالى بين لمن له فقه وفهم في الشرع ومقاصده # قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وتجويز الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة ~~فإن الشارع يسد الطريق إلى ذلك المحرم بكل ممكن والمحتال يتوسل إليه بكل ~~ممكن ولهذا اعتبر الشارع في البيع والصرف والنكاح وغيرها شروطا سد ببعضها ~~التذرع إلى الربا والزنا وكمل بها مقصود العقود ولم يمكن المحتال الخروج ~~منها في الظاهر ومن يريد الاحتيال على ما منع الشارع منه فيأتي بها مع حيلة ~~أخرى توصله بزعمه إلى نفس ذلك الشيء الذي سد الشارع لذريعة إليه لم يبق ~~لتلك الشروط التي أتى بها فائدة ولا حقيقة بل تبقى بمنزلة العبث واللعب ~~وتطويل الطريق إلى المقصود من غير فائدة PageV01P370 # قال : واعتبر هذا بالشفعة فإن الشارع أباح انتزاع الشقص من مشتريه ~~والشارع لا يخرج الملك عن مالكه بقيمة أو غيرها إلا لمصلحة راجحة وكانت ~~المصلحة هكهنا تكميل العقار للشريك فإنه بذلك يزول ضرر المشاركة والمقاسمة ~~وليس في هذا التكميل ضرر على البائع لأن مقصوده من الثمن يحصل بأخذه من ~~المشتري شريكا كان أو أجنبيا فالمحتال لإسقاطها مناقض لمقصود الشارع مضاد ~~له في حكمه فالشارع يقول : لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ ~~وإن شاء ترك والمحتال يقول : لك أن تتحيل على منع الشريك من الأخذ بأنواع ~~من الحيل التى ظاهرها مكر وخداع وباطنها منع الشريك مما أباحه له الشارع ~~ومكنه منه وتفويت نفس مقصود الشارع والمصيبة الكبرى : إظهار المحتال أنه ~~إنما فعل ما أذن له الشارع في فعله وأنه مكنه من الخداع والمكر والتحيل على ~~إسقاط حق الشريك وهذا بين لمن تأمله # قال : والمقصود : بيان تحريم الحيل وأن صاحبها متعرض لسخط الله تعالى ~~وأليم عقابه ويترتب على ذلك أن ينقض على صاحبها مقصوده منها بحسب الإمكان ~~وذلك في كل حيلة بحسبها فلا يخلو الاحتيال إما أن يكون من واحد أو اثنين ~~فأكثر فإن كان من اثنين فأكثر فإن كان عقد بيع تواطآ عليه تحيلا على الربا ~~كما ms315 في العينة حكم بفساد العقدين ويرد إلى الأول رأس ماله كما قالت أم ~~المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وكان بمنزلة المقبوض بعقد ربا لا يحل ~~الانتفاع به بل يجب رده إن كان باقيا وبدله إن كان تالفا وكذلك إن جمعا بين ~~بيع وقرض أو إجارة وقرض أو مضاربة أو شركة أو مساقاة أو مزارعة وقرض حكم ~~بفسادهما فيجب أن يرد عليه بدل ماله الذي جعلاه قرضا والعقد الآخر فاسد ~~حكمه حكم العقود الفاسدة وكذلك إن كان نكاحا تواطآ عليه كان حكمه حكم ~~الأنكحة الفاسدة وكذلك إن تواطآ على هبة أو بيع لإسقاط الزكاة أو على هبة ~~لتصحيح نكاح فاسد أو وقف فاسد مثل أن تريد مواقعة مملوكها فتهبه لرجل ~~فيزوجها به فإذا قضت وطرها منه استوهبته من الرجل فوهبها إياه فانفسخ ~~النكاح فهذا البيع والهبة فاسدان في جميع الأحكام PageV01P371 وإن كان ~~الاحتيال من واحد فإن كانت الحيلة يستقل بها لم يحصل بها غرضه فإن كانت ~~عقدا كان فاسدا مثل أن يهب لابنه هبة يريد أن يرجع فيها لئلا يجب عليه ~~الزكاة فإن وجود هذه الهبة كعدمها ليست هبة في شيء من الأحكام لكن إن ظهر ~~المقصود ترتب الحكم عليه ظاهرا وباطنا وإلا كانت فاسدة في الباطن فقط وإن ~~كانت حيلة لا يستقل بها مثل أن ينوي التحليل ولا يظهره للزوجة أو يرتجع ~~المرأة إضرارا بها أو يهب ماله إضرارا للورثة ونحو ذلك كانت هذه العقود ~~بالنسبة إليه وإلى من علم غرضه باطلة فلا يحل له وطء المرأة ولا يرثها لو ~~ماتت وإذا علم الموهوب له أو الموصى له غرضه باطلا : لم يحصل له الملك في ~~الباطن فلا يحل له الانتفاع به بل يجب رده إلى مستحقه وأما بالنسبة إلى ~~العاقد الآخر الذي لم يعلم فإنه صحيح يفيد مقصود العقود الصحيحة ولهذا ~~نظائر كثيرة في الشريعة # وإن كانت الحيلة له وعليه كطلاق المريض صح الطلاق من جهة أنه أزال ملكه ~~ولم يصح من جهة أنه يمنع الإرث فإنه إنما منع ms316 من قطع الإرث لا من إزالة ملك ~~البضع # وإن كانت الحيلة فعلا يفضي إلى غرض له مثل أن يسافر في الصيف ليتأخر عنه ~~الصوم إلى الشتاء لم يحصل غرضه بل يجب عليه الصوم في هذا السفر # قلت : ونظير هذا : ما قالت المالكية : إنه لا يستبيح رخصة المسح على ~~الخفين إذا لبسهما لنفس المسح فلو مسح لذلك لم يجزه وعليه إعادة الصلاة ~~أبدا وإنما تثبت الرخصة في حق من لبسهما لحاجة كالبرد والركوب ونحوهما ~~فيمسح عليهما لمشقة النزع # وخالفهم باقي الفقهاء في ذلك والمنع جار على أصول من راعى المقاصد # قال شيخنا : وإن كان يفضي إلى سقوط حق غيره مثل أن يطأ امرأة أبيه أو ~~ابنه لينفسخ نكاحه أو مثل أن تباشر المرأة ابن زوجها أو أباه عند من يرى ~~ذلك موجبا للتحريم فهذه الحيل بمنزلة الإتلاف للملك بقتل أو غصب لا يمكن ~~إبطالها لأن حرمة المرأة بهذا السبب حق الله تعالى يترتب عليه فسخ النكاح ~~ضمنا والأفعال الموجبة للتحريم لا يعتبر لها العقل فضلا عن القصد وهذا ~~بمنزلة أن يحتال على نجاسة مائع فإن تنجيس PageV01P372 المائعات بالمخالطة ~~وتحريم المصاهرة بالمباشرة أحكام تثبت بأمور حسية فلا ترفع الأحكام مع وجود ~~تلك الأسباب # قلت : هذا كان قول الشيخ أولا ثم رجع إلى أن تحريم المصاهرة لا يثبت ~~بالمباشرة المحرمة وحينئذ فصورة ذلك : أن ترضع ابنته الكبيرة أو أمته ~~امرأته الصغيرة لينفسخ نكاحها فإن فسخ النكاح ههنا لا يتوقف على العقل ولا ~~على القصد بل لو كانت المرضعة مجنونة يثبت التحريم فهو بمنزلة أن يلقي في ~~مائعه ما ينجسه # قال : وإن كانت الحيلة فعلا يفضي إلى تحليل له أو لغيره مثل أن يقتل رجلا ~~ليتزوج امرأته أو يزوجها غيره فههنا تحل المرأة لغير من قصد تزويجها به ~~فإنها بالنسبة إليه كمن مات عنها زوجها أو قتل بحق أو في سبيل الله وأما ~~بالنسبة إلى من قصد بالقتل أن يتزوج المرأة إما بمواطأة منها أو بدونها ~~فهذا يشبه من بعض الوجوه ما لو خلل ms317 الخمر بنقلها من موضع إلى موضع من غير ~~أن يطرح فيها شيئا والصحيح : أنها لا تطهر وإن كانت تطهر إذا تخللت بفعل ~~الله تعالى وكذلك هذا الرجل لو مات بدون هذا القصد حلت المرأة فإذا قتله ~~لهذا القصد أمكن أن يقال : تحرم عليه مع حلها لغيره ويشبه هذا : الحلال إذا ~~صاد الصيد وذبحه لحرام فإنه يحرم على ذلك المحرم ويحل للحلال # ومما يؤيد هذا : أن القاتل يمنع الإرث ولا يمنعه غيره من الورثة لكن لما ~~كان مال الرجل تتطلع إليه نفوس الورثة كان القتل مما يقصد به المال بخلاف ~~الزوجة فإن ذلك لا يكاد يقصد فإن التفات الرجل إلى امرأة غيره بالنسبة إلى ~~التفات الورثة إلى مال المورث قليل وكونه يقتله ليتزوجها فهذا أقل فلذلك لم ~~يشرع أن من قتل رجلا حرمت عليه امرأته كما شرع أن من قتل مورثا منع ميراثه ~~فإذا قتله ليتزوج بها فقد وجدت الحكمة فيه فيعاقب بنقيض قصده وأكثر ما يقال ~~في رد هذا : أن الأفعال المحرمة لحق الله تعالى لا تفيد الحل كذبح الصيد ~~وتخليل الخمر والتذكية في غير المحل أما المحرم لحق الآدمي كذبح المغصوب ~~فإنه يفيد الحل أو يقال : إن الفعل المشروع لثبوت الحكم يشترط فيه وقوعه ~~على الوجه PageV01P373 المشروع كالذكاة والقتل لم يشرع لحل المرأة وإنما ~~انقضاء النكاح بانقضاء الأجل فحصل الحل ضمنا وتبعا # ويمكن أن يقال في جواب هذا : إن قتل الآدمي حرام لحق الله تعالى ~~وحقالآدمي ولهذا لا يستباح بالإباحة بخلاف ذبح المغصوب فإنه حرم لمحض حق ~~الآدمي ولهذا لو أباحه حل فالمحرم هناك إنما هو تفويت المالية على المالك ~~لا إزهاق الروح وقد اختلف في الذبح بآلة مغصوبة وفيه عن أحمد روايتان ~~واختلف العلماء في ذبح المغصوب وقد نص أحمد على أنه ذكي وفيه حديث رافع ابن ~~خديج في ذبح الغنم المنهوبة والحديث الآخر في المرأة التي أضافت النبي ~~فذبحت له شاة أخذتها بدون إذن أهلها فقال : أطعموها الأسارى وفي هذا دليل ~~على أن المذبوح بدون إذن أهله ms318 يمنع من أكله المذبوح له دون غيره كالصيد إذا ~~ذبحه الحلال لحرام حرم على الحرام دون الحلال وقد نقل صالح عن أبيه فيمن ~~سرق شاة فذبحها لا يحل أكلها يعني له قلت لأبي : فإن ردها على صاحبها قال : ~~تؤكل فهذه الرواية قد يؤخذ منها أنها حرام على الذابح مطلقا لأن أحمد لو ~~قصد التحريم من جهة أن المالك لم يأذن له في الأكل لم يخص الذابح بالتحريم ~~فهذا القول الذي دل عليه الحديث في الحقيقة حجة لتحريم مثل هذه المرأة على ~~القاتل ليتزوجها دون غيره بطريق الأولى هذا كله كلام شيخنا PageV01P374 # وبعد فالتحريم مطرد على قواعد أحمد ومالك من وجوه متعددة # منها مقابلة الفاعل بنقيض قصده كطلاق الفار وقاتل مورثه وقاتل الموصي ~~والمدبر إذا قتل سيده # ومنها : سد الذرائع # ومنها : تحريم الحيل # ومنها تخليل الخمر كما ذكره شيخنا والله تعالى أعلم # قال : فتلخص أن الحيل نوعان : أقوال وأفعال # فالأقوال يشترط لثبوت أحكامها العقل ويعتبر فيها القصد وتكون صحيحة تارة ~~وفاسدة أخرى # ثم ما ثبت حكمه منه ما يمكن فسخه ورفعه بعد وقوعه كالبيع والنكاح ومنه ما ~~لا يمكن فيه ذلك كالعتق والطلاق # فهذا الضرب إذا قصد به الاحتيال على فعل محرم أو إسقاط واجب أمكن إبطاله ~~إما من جميع الوجوه وإما من الوجه الذي يبطل مقصود المحتال بحيث لا يترتب ~~عليه الحكم المحتال على حصوله كما حكم به الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ~~في طلاق الفار # وأما الأفعال : فإن اقتضت الرخصة للمحتال لم تحصل كالسفر والفطر وإن ~~اقتضت تحريما على الغير فإنه قد يقع وتكون بمنزلة إتلاف النفس والمال وإن ~~اقتضت حلا عاما إما بنفسها أو بواسطة زوال الملك فهذه مسألة القتل وذبح ~~الصيد للحلال وذبح المغصوب للغاصب # وبالجملة : فإذا قصد بالفعل استباحة محرم لم يحل له وإن قصد إزالة ملك ~~الغير ليحل له فالأقيس : أن لا يحل له أيضا وإن حل لغيره # وقد دخل في القسم الأول احتيال المرأة على فسخ النكاح بالردة فهي لا تمشي ~~غالبا إلا عند ms319 من يقول : الفرقة تنجز بنفس الرعدة أو يقول : بأنها لا تقتل ~~فالواجب في مثل هذه الحيلة : أن لا ينفسخ بها النكاح وإذا علم الحاكم أنها ~~ارتدت لذلك لم يفرق بينهما وتكون مرتدة من حيث العقوبة والقتل غير مرتدة من ~~حيث فساد النكاح حتى لو توفيت أو قتلت قبل الرجوع استحق ميراثها لكن لا ~~يجوز له وطؤها في حالة الردة فإن PageV01P375 الزوجة قد يحرم وطؤها بأسباب ~~من جهتها كما لو أحرمت لكن لو ثبت أنها ارتدت ثم قالت : إنما ارتددت لفسخ ~~النكاح لم يقبل هذا فإنه قد يجعل ذريعة إلى عود نكاح كل مرتدة بأن تلقن ~~أنها إنما ارتدت للفسخ ولأنها متهمة في ذلك ولأن الأصل أنها مرتدة في جميع ~~الأحكام # | فصل وقد استدل البخاري في صحيحه على بطلان الحيل بقوله لا يجمع بين # متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة # فإن هذا النهي يعم ما قبل الحول وما بعده # واحتج بقولهفي الطاعون : إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه # وهذا من دقة فقهه رحمه الله فإنه إذا كان قد نهى عن الفرار من قدر الله ~~تعالى إذا نزل بالعبد رضا بقضاء الله تعالى وتسليما لحكمه فكيف بالفرار من ~~أمره ودينه إذا نزل بالعبد # واحتج بأنه صلى اللهنهى عن بيع فضل الماء ليمنع به الكلأ # فدل على أن الشيء الذي هو في نفسه غير محرم إذا قصد به أمر محرم صار ~~محرما # واحتج أحمد رحمه الله على بطلان الحيل وتحريمها بلعنة رسول اللهللمحلل ~~وبقوله : لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى ~~الحيل # واحتج على تحريم الحيل لإسقاط الشفعة بقوله : فلا يحل له أن يبيع حتى ~~يؤذن شريكه # واحتج ابن عباس وبعده أيوب السختياني وغيره من السلف : بأن الحيل مخادعة ~~لله تعالى وقد قال تعالى : @QB@ يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا ~~أنفسهم @QE@ [ ] قال ابن عباس : ومن يخادع الله يخدعه PageV01P376 ولا ريب ~~أن من تدبر القرآن والسنة ومقاصد الشارع جزم بتحريم الحيل وبطلانها فإن ~~القرآن دل على ms320 أن المقاصد والنيات معتبرة في التصرف والعادات كما هي معتبرة ~~في القربات والعبادات فيجعل الفعل حلالا أو حراما وصحيحا أو فاسدا وصحيحا ~~من وجه فاسدا من وجه كما أن القصد والنية في العبادات تجعلها كذلك # وشواهد هذه القاعدة كثيرة جدا في الكتاب والسنة فمنها : قوله تعالى في ~~آية الرجعة @QB@ ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا @QE@ [ ] وذلك نص في أن الرجعة ~~إنما تثبت لمن قصد الصلاح دون الضرار فإذا قصد الضرار لم يملكه الله تعالى ~~الرجعة # ومنها : قوله تعالى في آية الخلع : ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن ~~شيئا إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله ~~فلا جناح عليهما فيما افتدت به [ ] وهذا دليل على أن الخلع المأذون فيه ~~إنما هو إذا خاف الزوجان أن لا يقيما حدود الله وأن النكاح الثاني إنما ~~يباح إذا ظنا أن يقيما حدود الله فإنه شرط في الخلع عدم خوف إقامة حدوده ~~وشرط في العود ظن إقامة حدوده # ومنها : قوله تعالى في آية الفرائض من بعد وصية يوصى بها أودين غير مضار ~~[ ] فإنه سبحانه وتعالى إنما قدم على الميراث وصية من لم يضار الورثة فإذا ~~كانت الوصية وصية ضرار كانت حراما وكان للورثة إبطالها وحرم على الموصى له ~~أخذ ذلك بدون رضا الورثة وأكد سبحانه وتعالى ذلك بقوله : @QB@ تلك حدود ~~الله فلا تعتدوها @QE@ [ ] # وتأمل كيف ذكر سبحانه وتعالى الضرار في هذه الآية دون التي قبلها لأن ~~الأولى تضمنت ميراث العمودين والثانية تضمنت ميراث الأطراف : من الزوجين ~~والإخوة والعادة أن الميت قد يضار زوجته وإخوته ولا يكاد يضار والديه وولده # والضرار نوعان : جنف وإثم فإنه قد يقصد الضرار وهو الإثم وقد يضار من غير ~~قصد وهو الجنف فمن أوصى بزيادة على الثلث فهو مضار قصد أو لم يقصد فللوارث ~~رد هذه الوصية وإن أوصى بالثلث فما دون ولم يعلم أنه قصد الضرار وجب ~~إمضاؤها PageV01P377 فإن علم الموصى له أن الموصى إنما أوصى ضرارا لم يحل ~~له الأخذ ولو اعترف ms321 الموصي أنه إنما أوصى ضرارا لم تجز إعانته على إمضاء ~~هذه الوصية # وقد جوز سبحانه وتعالى إبطال وصية الجنف والإثم وأن يصلح الوصي أو غيره ~~بين الورثة والموصى له فقال تعالى : @QB@ فمن خاف من موص جنفا أو إثما ~~فأصلح بينهم فلا إثم عليه @QE@ [ ] وكذلك إذا ظهر للحاكم أو الوصى الجنف أو ~~الإثم في الوقف ومصرفه أو بعض شروطه فأبطل ذلك كان مصلحا لا مفسدا وليس له ~~أن يعين الواقف على إمضاء الجنف والإثم ولا يصحح هذا الشرط ولا يحكم به فإن ~~الشارع قد رده وأبطله فليس له أن يصحح ما رده الشارع وحرمه فإن ذلك مضادة ~~له ومنقاضة # ومن ذلك : قوله تعالى : @QB@ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا ~~أن يأتين بفاحشة مبينة @QE@ [ ] فهذا دليل على أنه إذا عضلها لتفتدي نفسها ~~منه وهو ظالم لها بذلك لم يحل له أخذ ما بذلته له ولا يملكه بذلك # ومن ذلك : قوله تعالى : @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا ~~النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن @QE@ [ ] فحرم سبحانه ~~وتعالى أن يأخذ مها شيئا مما آتاها إذا كان قد توسل إليه بالعضل # ومن ذلك : أن جداد النخل عمل مباح أي وقت شاء صاحبه لكن لما قصد به ~~أصحابه في الليل حرمان الفقراء عاقبهم الله تعالى بإهلاكه ثم قال : @QB@ ~~ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون @QE@ [ ] ثم جاءت السنة بكراهة الجداد ~~بالليل لكونه ذريعة إلى هذه المفسدة ونص عليه غير واحد من الأئمة كأحمد بن ~~حنبل وغيره # | فصل قال أصحاب الحيل : قد أسمعتمونا على بطلان الحيل وتحريمها ما فيه # كفاية فاسمعوا الآن على جوازها واستحبابها ما نقيم به عذرنا # قال الله سبحانه وتعالى : @QB@ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~قالوا @QE@ PageV01P378 فيم كنتم فالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم ~~تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا ~~المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ~~فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم [ ] # ووجه الاستدلال : أنه سبحانه ms322 وتعالى إنما عذرهم بتخلفهم وعجزهم إذ لم ~~يستطيعوا حيلة يتخلصون بها من المقام بين أظهر الكفار وهو حرام فعلم أن ~~الحيلة التي تخلص من الحرام مستحبة مأذون فيها وعامة الحيل التي تنكرونها ~~علينا هي من هذا الباب فإنها حيل تخلص من الحرام ولهذا سمى بعض من صنف في ~~ذلك كتابه المخارج الحرام والتخلص من الآثام واعتبر هذا بحيلة العينة فإنها ~~تخلص من الربا المحرم # وكذلك الجمع بن الإجارة والمساقاة يخلص من بيع الثمرة قبل بدو صلاحها وهو ~~حرام # وكذلك خلع اليمين يخلص من وقوع الطلاق الذي هو حرام أو مكروه أو من ~~مواقعة المرأة بعد الحنث وهو حرام وكذلك هبة الرجل ماله قل الحول لولده أو ~~امرأته يخلصه من إثم منع الزكاة كما يتخلص من إثم المنع بإخراجها فهما ~~طريقان للتخلص # فالحيل تخلعص من الحرج وتخلص من الإثم والله تعالى قد نفى الحرج عنا وعن ~~ديننا وندبنا إلى التخلص منه ومن الآثام فمن أفضل الأشياء معرفة ما يخلصنا ~~من هذا وهذا وتعليمه وفتح طريقه # ألا ترى أن الرجل إذا حلف بالطلاق : ليقتلن أباه أو ليشربن الخمر أو ~~ليزنين بامرأة ونحو ذلك كانت الحيلة تخليصه من مفسدة فعل ذلك ومن مفسدة ~~خراب بيته ومفارقة أهله فإن من لا يرى الحيلة ليس له عنده مخرج إلا بوقوع ~~الطلاق فإذا علم أنه يقع به الطلاق فزال فعل المحلوف عليه فأي شيء أفضل من ~~تخلصيه من هذا وهذا # وكذلك من وقع عليه الطلاق الثلاث ولا صبر له عن امرأته ويرى اتصالها ~~بغيره أشد من موته فاحتلنا له بأن زوجناها بعبد فوطئها ثم وهبناه منها ~~فانفسخ نكاحه وحلت لزوجها المطلق بعد انقضاء عدتها PageV01P379 قالوا : وقد ~~قال الله تعالى لنبيه أيوب عليه السلام وقد حلف ليجلدن امرأته مائة : @QB@ ~~وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث @QE@ [ ] قال سعيد عن قتادة : كانت امرأته ~~قد عرضت له بأمر وأرادها إبليس على شيء فقال لها : لو تكلمت بكذا وكذا إنما ~~حملها عليها الجوع فحلف نبي الله لئن شفاه الله تعالى ms323 ليجلدنها مائة جلدة ~~قال : فأمر بأصل فيه تسعة وتسعون قضيبا والأصل تكملة المائة فيضربها به ~~ضربة واحدة فأبر الله تعالى نبيه وخفف عن أمته # وقال عبدالرحمن بن جبير : لقيها إبليس فقال لها : والله لو تكلم صاحبك ~~بكلمة واحدة لكشف عنه كل ضر ولرجع إليه ماله وولده فأخبرت أيوب فقال : ويلك ~~ذاك عدو الله إنما مثلك مثل المرأة الزانية إذا جاءها صديقها بشيء قبلته ~~وأدخلته وإن لم يأتها بشيء طردته وأغلقت بابها عنه لما أعطانا الله تعالى ~~المال والولد آمنا به وإذا قبض الذي له منا نكفر به إن أقامني الله تعالى ~~من مرضي لأجلدنك مائة فأفتاه الله بما أخبر به : أن يأخذ ضغثا وهو الحزمة ~~من الشيء مثل الشماريخ الرطبة والعيدان ونحوها مما هو قائم على ساق فيضربها ~~ضربة واحدة وهذا تعليم منه سبحانه لعباده التخلص من الآثام والمخرج من ~~الحرج بأيسر شيء وهذا أصلنا في باب الحيل فإنا قسنا على هذا وجعلناه أصلا ~~قالوا : وقد أرشد النبيإلى التخلص من صريح الربا بأن يبيع التمر بدراهم ثم ~~يشتري بتلك الدراهم تمرا وروى أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : ~~جاء بلال إلى النبيبتمر برنيي فقال له النبي من أين هذا قال : كان عندنا ~~تمر ردىء فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي فقال له النبي عند ذلك : أوه عين ~~الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر بالدراهم ثم اشتر به + ~~متفق عليه + # وفي لفظ آخر بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبا والجمع والجنيب ~~نوعان من التمر PageV01P380 وفي لفظ لمسلم بعه بسلعة ثم ابتع بسلعتك أي ~~التمر شئت فقد أمره أن يبيع التمر بالدراهم أو السلعة ثم يبتاع بها تمرا ~~وهذا ضرب من الحيلة ولم يفرق بين بيعه ممن يشتري منه التمر أو من غيره وقد ~~جاء قوله تعالى @QB@ إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم @QE@ [ ] وهذا ~~إرشاد إلى حيلة العينة وما يشبهها فإن السلعة تدور بين المتعاقدين للتخلص ~~من الربا # قالوا : وقد دلت السنة على أنه ms324 يجوز للإنسان أن يتخلص من القول الذي يأثم ~~به أو يخاف : بالمعاريض وهي حيلة في الأقوال كما أن تلك حيلة في الأعمال # فروى قيس بن الربيع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه قال : إن في معاريض الكلام ما يغني الرجل عن الكذب # وقال الحكم عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما : ما يسرني بمعاريض ~~الكلام حمر النعم # وقال الزهري عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة ابن ~~أبي معيط وكانت من المهاجرات الأول لم أسمع رسول اللهيرخص في شيء مما يقول ~~الناس إنه كذب إلا في ثلاث : الرجل يصلح بين الناس والرجل يكذب لامرأته ~~والكذب في الحرب ومعنى الكذب في ذلك هو المعاريض لا صريح الكذب # وقال منصور : كان لهم كلام يدرءون به عن أنفسهم العقوبة والبلايا وقد لقي ~~رسول اللهطليعة للمشركين وهو في نفر من أصحابه فقال المشركون : ممن أنتم ~~فقال النبي نحن من ماء فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا : أحياء اليمن كثير لعلهم ~~منهم وانصرفوا وأرادبقوله نحن من ماء قوله تعالى : @QB@ خلق من ماء دافق ~~@QE@ [ ] # ولما وطىء عبدالله بن رواحة جاريته أبصرته امرأته فأخذت السكين وجاءته ~~فوجدته قد قضى حاجته فقالت : لو رأيتك حيث كنت لوجأت بها في عنقك فقال : ما ~~فعلت فقالت : إن كنت صادقا فاقرأ القرآن فقال : PageV01P381 # شهدت بأن وعد الله حق % وأن النار مثوى الكافرينا # وأن العرش فوق الماء طاف % وفوق العرش رب العالمينا # وتحمله ملائكة شداد % ملائكة الإله مسومينا فقالت : آمنت بكتاب الله ~~وكذبت بصري فبلغ ذلك رسول الله فضحك حتى بدت نواجذه # قال ابن عبدالبر : ثبت ذلك عن عبدالله بن رواحة # ويذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : عجبت لمن يعرف المعاريض ~~كيف يكذب # ودعي أبو هريرة رضي الله عنه إلى طعام فقال : إني صائم ثم رأوه يأكل ~~فقالوا : ألم تقل : إني صائم فقال : ألم يقل رسول الله صيام ثلاثة أيام من ~~كل شهر صيام الدهر ms325 # وكان محمد بن سيرين إذا اقتضاه غريم ولا شيء معه قال : أعطيك في أحد ~~اليومين إن شاء الله تعالى فيظن أنه أراد يومه والذي يليه وإنما أراد يومي ~~الدنيا والآخرة # وذكر الأعمش عن إبراهيم أنه قال له رجل : إن فلانا أمرني أن آتي مكان كذا ~~وكذا وأنا لا أقدر على ذلك المكان فكيف الحيلة فقال له : قل : والله ما ~~أبصر إلا ما سددني غيري يعني إلا ما بصرك ربك # وقال حماد عن إبراهيم في رجل أخذه رجل فقال : أن لي معك حقا فقال : لا ~~فقال : احلف بالمشي إلى بيت الله فقال : احلف بالمشي إلى بيت الله واعن ~~مسجد حيكوذكر هشام بن حسان عن ابن سيرين أن رجلا كان يصيب بالعين فرأى بغلة ~~شريح فأراد أن يعينها ففطن له شريح فقال : إنها إذا ربضت لم تقم حتى تقام ~~فقال الرجل : أف أف وسلمت بغلته وإنما أراد : أن الله سبحانه وتعالى هو ~~الذي يقيمها # وقال الأعمش عن إبراهيم : إنه سئل عن الرجل يبلغه عن الرجل الشيء يقوله ~~فيه فيسأله عنه فقال : قل : والله إن الله ليعلم ما من ذلك من شيء يعني ب ~~ما : الذي PageV01P382 # وقال عقبة بن المغيرة : كنا نأتي إبراهيم وهو خائف من الحجاج فكنا إذا ~~خرجنا من عنده يقول : إن سئلتم عني وحلفتم فاحلفوا بالله ما تدرون أين أنا ~~ولا لنا به علم ولا في أي موضع هو واعنوا أنكم لا تدرون أي موضع أنا فيه ~~قائم أو قاعد وقد صدقتم # وجاءه رجل فقال : إني اعترضت على دابة فنفقت فأخذت غيرها ويريدون أن ~~يحلفوني أنها الدابة التي اعترضت عليها فقال : اركبها واعترض عليها على ~~بطنك راكبا ثم احلف أنها الدابة التي اعترضت عليها # وقال أبو عوانة عن أبي مسكين : كنت عند إبراهيم وامرأته تعاقبه في جارية ~~له وبيده مروحة فقال : أشهدكم أنها لها فلما خرجنا قال : علام شهدتم قلنا : ~~شهدنا أنك جعلت الجارية لها قال : أما رأيتموني أشير إلى المروحة إنما # قلت لكم : اشهدوا أنها لها وأنا أعني المروحة ms326 وقال محمد بن الحسن عن عمر ~~بن ذر عن الشعبي : من حلف على يمين لا يستثنى فالبر والإثم فيها على علمه ~~قلت : ما تقول في الحيل قال : لا بأس بالحيل فيما يحل ويجوز وإنما الحيل ~~شيء يتخلص به الرجل من الحرام ويخرج به إلى الحلال فما كان من هذا ونحوه ~~فلا بأس به وإنما نكره من ذلك أن يحتال الرجل في حق لرجل حتى يبطله أو ~~يحتال في باطل حتى يموهه أو يحتال في شيء حتى يدخل فيه شبهة وأما ما كان ~~على السبيل الذي قلنا فلا بأس بذلك # وكان حماد رحمه الله إذا جاءه من لا يريد الاجتماع به وضع يده على ضرسه ~~ثم قال : ضرسي ضرسي # ووجه الرشيد إلى شريك رجلا ليحضره فسأله شريك أن ينصرف ويدافع بحضوره ~~ففعل فحبسه الرشيد ثم أرسل إليه رسولا آخر فأحضره وسأله عن تخلفه لما جاءه ~~رسوله فحلف له بالأيمان المغلظة أنه ما رأى الرسول في اليوم الذي أرسله فيه ~~وعنى بذلك الرسول الثاني فصدقه وأمر بإطلاق الرجل وأحضر الثوري إلى مجلس ~~المهدي فأراد أن يقوم فمنع فحلف بالله أنه يعود فترك نعله وخرج ثم رجع ~~فلبسها ولم يعد فقال المهدي : ألم يحلف أنه يعود فقالوا : PageV01P383 إنه ~~عاد فأخذ نعله # قالوا : وليس مذهب من مذاهب الأئمة المتبوعين إلا وقد تضمن كثيرا من ~~مسائل الحيل # فأبعد الناس عن القول بها مالك وأحمد وقد سئل أحمد عن المروزي وهو عنده ~~ولم يرد أن يخرج إلى السائل فوضع أحمد إصبعه في كفه وقال : ليس المروزي ~~ههنا وماذا يصنع المروزي ههنا # وقد سئل أحمد عن رجل حلف بالطلاق : ليطأن امرأته في نهار رمضان فقال : ~~يسافر بها ويطؤها في السفر # وقال صاحب المستوعب : وجدت بخط شيخنا أبي حكيم : حكى أن رجلا سأل أحمد عن ~~رجل حلف أن لا يفطر في رمضان فقال له : اذهب إلى بشر بن الوليد فاسأله ثم ~~ائتني فأخبرني فذهب فسأله فقال له بشر إذا أفطر أهلك فاقعد معهم ولا تفطر ~~فإذا كان وقت ms327 السحر فكل واحتج بقول النبيهلم إلى الغداء المبارك فاستحسنه ~~أحمد # قالوا : وقد علم الله سبحانه نبيه يوسف عليه السلام الحيلة التي توصل بها ~~إلى أخذ أخيه بإظهار أنه سارق ووضع الصواع في رحله ولم يكن كذلك حقيقة لكن ~~أظهر ذلك توصلا إلى أخذ أخيه وجعله عنده وأخبر الله سبحانه أن ذلك كيد كاده ~~سبحانه ليوسف ليأخذ أخاه ثم أخبر سبحانه وتعالى أن ذلك من العلم الذي رفع ~~به درجات من يشاء وأن الناس متفاوتون فيه ففوق كلع ذي علم عليم # | فصل قال منكروا الحيل # الحيل ثلاثة أنواع : # نوع هو قربة وطاعة وهو من أفضل الأعمال عند الله تعالى # ونوع هو جائز مباح لا حرج على فاعله ولا على تاركه وترجح فعله على تركه ~~أو عكس ذلك تابع لمصلحته PageV01P384 ونوع هو محرم ومخادعة لله تعالى ~~ورسوله متضمن لإسقاط ما أوجبه وإبطال ما شرعه وتحليل ما حرمه وإنكار السلف ~~والأئمة وأهل الحديث إنما هو لهذا النوع فإن الحيلة لا تذم مطلقا ولا تحمد ~~مطلقا ولفظها لا يشعر بمدح ولا ذم وإن غلب في العرف إطلاقها على ما يكون من ~~الطرق الخفية إلى حصول الغرض بحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة # وأخص من هذا : تخصيصها بما يذم من ذلك وهذا هو الغالب على عرف الفقهاء ~~المنكرين للحيل فإن أهل العرف لهم تصرف في تخصيص الألفاظ العامة ببعض ~~موضوعاتها وتقييد مطلقها ببعض أنواعه # فإن الحيلة فعلة من الحول وهو التصرف من حال إلى حال وهي من ذوات الواو ~~وأصلها حولة فسكنت الواو وانكسر ما قبلها فقلبت ياء كميزان وميقات وميعاد # قال في المحكم : الحول والحيل والحول والحولة والحيلة والحويل والمحالة ~~والمحال والاحتيال والتحول والتحيل : كل ذلك : الحذق وجودة النظر والقدرة ~~على وجه التصرف قال : والحول والحيل والحيلات : جمع حيلة ورجل حول وحولة ~~وحول وحولة وحوالي وحوالي وحولول وحولي : شديد الاحتيال وما أحوله وأحيله ~~وهو أحول منك وأحيل انتهى # فالحيلة : فعلة من الحول وهو التحول من حال إلى حال وكل من حاول ms328 أمرا ~~يريد فعله أو الخلاص منه فما يحاول به : حيلة يتوصل بها إليه # فالحيلة : معتبرة بالأمر المحتال بها عليه إطلاقا ومنعا ومصلحة ومفسدة ~~وطاعة ومعصية فإن كان المقصود أمرا حسنا كانت الحيلة حسنة وإن كان قبيحا ~~كانت الحيلة قبيحة وإن كان طاعة وقربة كانت الحيلة عليه كذلك وإن كانت ~~معصية وفسوقا كانت الحيلة عليه كذلك # ولما قال النبي لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله تعالى ~~بأدنى الحيل صارت في عرف الفقهاء إذا أطلقت : يقصد بها الحيل التي تستحل ~~بها المحارم كحيل اليهود وكل حيلة تتضمن إسقاط حقي لله تعالى أو لآدمي فهي ~~مما يستحل بها المحارم PageV01P385 ونظير ذلك : لفظ الخداع : فإنه ينقسم ~~إلى محمود ومذموم فإن كان بحق فهو محمود وإن كان بباطل فهو مذموم # ومن النوع المحمود : قولهالحرب خدعة وقوله في الحديث الذي رواه الترمذي ~~وغيره : كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا ثلاث خصال : رجل كذب على امرأته ~~ليرضيها ورجل كذب بين اثنين ليصلح بينهما ورجل كذب في خدعة حرب ومن النوع ~~المذموم : قوله في حديث عياض بن حمار الذي رواه مسلم في صحيحه : أهل النار ~~خمسة ذكر منهم رجلا لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك # وقوله تعالى : @QB@ يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما ~~يشعرون @QE@ [ ] وقوله تعالى : @QB@ وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله ~~@QE@ [ ] # ومن النوع المحمود : خدع كعب بن الأشرف وأبي رافع عدوي PageV01P386 رسول ~~الله حتى قتلا وقتل خالد بن سفيان الهذلي # ومن أحسن ذلك : خديعة معبد بن أبي معبد الخزاعي لأبي سفيان وعسكر ~~المشركين حين هموا بالرجوع ليستأصلوا المسلمين وردهم من فورهم # ومن ذلك : خديعة نعيم بن مسعود الأشجعي ليهود بني قريظة ولكفار قريش ~~والأحزاب PageV01P387 حتى ألقى الخلف بينهم وكان سبب تفرقهم ورجوعهم ونظائر ~~ذلك كثيرة # وكذلك المكر ينقسم إلى محمود ومذموم فإن حقيقته إظهار أمر وإخفاء خلافه ~~ليتوصل به إلى مراده # فمن المحمود : مكره تعالى بأهل المكر مقابلة لهم بفعلهم وجزاء لهم بجنس ~~عملهم قال تعالى ms329 : @QB@ ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين @QE@ [ ] ~~وقال تعالى : @QB@ ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون @QE@ [ ] # وكذلك الكيد ينقسم إلى نوعين قال تعالى : @QB@ وأملي لهم إن كيدي متين ~~@QE@ [ ] وقال تعالى : @QB@ كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين ~~الملك إلا أن يشاء الله @QE@ [ ] وقال تعالى : @QB@ إنهم يكيدون كيدا وأكيد ~~كيدا @QE@ [ ] # | فصل إذا عرف ذلك فلا إشكال أنه يجوز للإنسان أن يظهر قولا أو فعلا # مقصوده به مقصود صالح وإن كان ظاهره خلاف ما قصد به إذا كانت فيه مصلحة ~~دينية مثل دفع الظلم عن نفسه أو غيره أو إبطال حيلة محرمة # وإنما المحرم : أن يقصد بالعقود الشرعية غير ما شرعها الله تعالى ورسوله ~~له فيصير مخادعا لله تعالى ورسوله كائدا لدينه ماكرا بشرعه فإن مقصوده حصول ~~الشيء الذي حرمه الله تعالى ورسوله بتلك الحيلة وإسقاط الذي أوجبه بتلك ~~الحيلة PageV01P388 # وهذا ضد الذي قبله فإن ذلك مقصوده التوصل إلى إظهار دين الله تعالى ودفع ~~معصيته وإبطال الظلم وإزالة المنكر فهذا لون وذاك لون آخر # ومثال ذلك : التأويل في اليمين فإنه نوعان : نوع لا ينفعه ولا يخلصه من ~~الإثم وذلك إذا كان الحق عليه فجحده ثم حلف على إنكاره متأولا فإن تأويله ~~لا يسقط عنه إثم اليمين الغموس والنية للمستحلف في ذلك باتفاق المسلمين بل ~~لو تأول من غير حاجة لم ينفعه ذلك عند الأكثرين # وأما المظلوم المحتاج فإنه ينفعه تأويله ويخلصه من الإثم وتكون اليمين ~~على نيته فإذا استحلفه ظالم بأيمان البيعة أو أيمان المسلمين فتأول الأيمان ~~بجمع يمين وهي اليد أو حلفه بأن كل امرأة له طالق فتأول أنها طالق من وثاق ~~أو طالق عند الولادة أو طالق من غيري ونحو ذلك # أو استحلفه بأن كل مملوك له حر أو عتيق فتأول أنه عتيق أو كريم من قولهم ~~: فرس عتيق # أو استحلفه بأن تكون امرأته عليه كظهر أمه فتأول ظهر أمه بمركوبها فإن ~~ضيق عليه وألزمه أن يقول : إنه مظاهر من امرأته تأول بأنه قد ظاهر بين ~~ثوبين أو جبتين ms330 من عند امرأته # وإن استحلفه بالحرام تأول أن الحرام الذي حرمه الله تعالى عليه يلزمه ~~تحريمه فإن ضيق عليه بأن يلزمه أن يقول : الحرام يلزمني من زوجتي أو أن ~~تكون علي حراما قيد ذلك بنية : إذا أحرمت أو صامت أو قامت إلى الصلاة ونحو ~~ذلك # وإن استحلفه بأن كل ماله أو كل ما يملكه صدقة تأول بأنه صدقة من الله ~~سبحانه وتعالى عليه # وإن قال له : قل : وأن جميع ما أملكه : من دار وعقار وضيعة وقف على ~~المساكين تأول الفعل المضارع بما يملكه في المستقبل بعد كذا وكذا سنة # فإن ضيق عليه وقال قل : جميع ما هو جار في ملكي الآن نوى إضافة الملك إلى ~~PageV01P389 الآن لا إلى نفسه والآن لا يملك شيئا فإن قال : مما هو في ملكي ~~في هذا الوقت يكون وقفا أخرج معنى لفظ الوقف عن المعهود إلى معنى آخر ~~والعرب تسمي سواء العاج وقفا # وإن استحلفه بالمشي إلى بيت الله نوى مسجدا من مساجد المسلمين # فإن قال قل : علي الحج إلى بيت الله نوى بالحج القصد إلى المسجد فإن قال ~~: إلى البيت العتيق نوى المسجد القديم فإن قال : البيت الحرام نوى الحرام ~~هدمه واتخاذه دارا أو حماما ونحو ذلك # وإن استحلفه بالأمانة نوى بها الوديعة أو اللقطة ونحو ذلك # وإن استحلفه بصوم سنة نوى بالصوم الإمساك عن كلام يمكنه الإمساك عنه سنة ~~أو دائما # هذا كله في المحلوف به وأما المحلوف عليه فيجري هذا المجرى # فإذا استحلفه : ما رأيت فلانا نوى ما ضربت رئته أو ما كلمته نوى ما جرحته ~~أو ما عاشرته ولا خالطته نوى بالمعاشرة والمخالطة معاشرة الزوجة والسرية أو ~~ما بايعته ولا شاريته نوى بذلك ما بايعته بيعة اليمين ولا شاريته من ~~المشاراة وهي اللجاج أو الغضب تقول : شري على مثال علم إذا لج واستشاط غضبا # وإن استحلفه لصك أنه لا يدل عليه ولا يعلم به ولا يخبر به أحدا نوى أنه ~~لا يفعل ذلك ما دام معه وإن ضيق عليه وقال : ما ms331 عاش أو ما بقي أو ما دام في ~~هذه البلدة نوى قطع الظرف عما قبله وأن لا يكون متعلقا به أو نوى بما : ~~الذي أي لا أدل عليك الذي عاش أو بقي بعد أخذك # وإن استحلفه أن لا يطأ زوجته نوى وطأها برجله # وإن استحلفه أن لا يتزوج فلانة نوى أن لا يتزوجها نكاحا فاسدا # وكذلك إذا استحلفه أن لا يبيع كذا أو لا يشتريه أو لا يؤجره ونحو ذلك # وكذلك إذا استحلفه أن لا يدخل هذه الدار أو البلد أو المحلة قيد الدخول ~~بنوع معين بالنية PageV01P390 # وكذلك لو استحلفه : أنك لا تعلم أين فلان نوى مكانه الخاص من داره أو ~~بلده أو سوقه # ولو استحلفه : أنه ليس عنده في داره نوى أنه ليس عنده إذا خرج من الدار ~~فإن ضيق عليه وقال : الآن نوى أنه ليس حاضرا معه الآن وقد بر وصدق # وإن استحلفه ليس لي به علم نوى أنه ليس لي علم بسره وما ينطوي عليه وما ~~يضمره أو ليس لي علم به على جهة التفصيل فإن هذا لا يعلمه إلا الله سبحانه ~~وحده # | فصل وللمظلوم المستحلف مخرجان يتخلص بهما : مخرج بالتأويل حال الحلف # فإن فاته فله مخرج يتخلص به بعده إن أمكنه كما إذا استحلفه قطاع الطريق ~~أو اللصوص أن لا يخبر بهم أحدا فالحيلة في ذلك أن يجمع الوالي المتهمين ثم ~~يسأله عن واحد واحد فيبرىء البرىء ويسكت عن المتهم وهذا المخرج أضيق من ~~الأول # فإذا استحلفه ظالم أن لا يشكو غريمه ولا يطالبه بحقه فحلف ولم يتأول أحال ~~عليه بذلك الحق من يطالبه به ولم يحنث في يمينه # وإذا استحلفه ظالم أن يبيعه شيئا فله أن يملكه زوجته أو ولده فإذا باعه ~~بعد ذلك كان قد بر في يمينه ويمنع من تسليمه من ملكه إياه PageV01P391 بسم ~~الله الرحمن الرحيم # | فصل وللحيل التي يتخلص بها من مكر غيره والغدر به أمثلة المثال # الأول : إن استأجر منه أرضا أو بستانا أو دارا سنين ثم لا يأمن من ms332 مكره ~~إذا صلحت الأرض والبستان بنوع من أنواع المكر والغدر ولو لم يكن إلا بأن ~~يدعي أن أجرة المثل في هذه الحال أكثر مما سمى فالحيلة في أمنه من ذلك : أن ~~يسمي لكل سنة أجرا معلوماويجعل أجرة السنين المتأخرة معظم الأجرة وأقلها ~~للسنين الأول فلا يسهل عليه المكر بعد ذلك # وعكسه إذا خاف المؤجر مكر المستأجر وغدره في المستقبل جعل معظم الأجرة في ~~السنين الأول وأقلها في الأواخر # المثال الثاني : أن يخاف المؤجر غيبة المستأجر فلا يتمكن من مطالبة ~~امرأته بالأجرة ولا من إخراجها # فالحيلة في أمنه من ذلك : أن يؤجرها رب الدار من المرأة فإن دخل عليه ~~تعذر مطالبتها بالأجرة ضمن الزوج الأجرة أو أخذ بها رهنا فإن كان قد أجرها ~~من الزوج وخاف غيبته أشهد على إقرار المرأة أن الدار له وأنها في يدها بحكم ~~إجارة الزوج إلى مدة كذا وكذا وإن كفل المرأة وقت العقد أنها ترد إليه ~~الدار عند انقضاء المدة نفعه ذلك # المثال الثالث : أن يخاف المستأجر أن يزاد عليه في الأجرة ويفسخ عقده إما ~~بكون العين المؤجرة وقفا عند من يرى ذلك أو يتحيل عليه حتى يبطل عقده ~~PageV02P003 # فالحيلة في أمنه وتخليصه : أن يسمى للأجرة أكثر مما اتفقا عليه ثم يصارفه ~~عليه بقدر المسمى ويدفعه إليه ويشهد عليه أنه قبض المسمى الذي وقع عليه ~~العقد فإذا مكر به وطلب فسخ عقده طالبه بما قبضه من المسمى هذا إذا تعذر ~~عليه رفع تلك الإجارة إلى حاكم يحكم بلزومها وعدم فسخها للزيادة # المثال الرابع : أن يخاف أن يؤجره ما لا يملك فيأبى المالك ويفسخ العقد ~~ويرجع عليه بالأجرة فالحيلة في تخليصه : أن يضمن المؤجر درك العين ~~المستأجرة وإن ضمن من يخاف منه الاستحقاق ومطالبته كان أقوى # المثال الخامس : أن يخاف فلس المستأجر ولم يجد من يضمنه الأجرة # فالحيلة في فسخه : أن يشهد عليه في العقد أنه متى تعذر عليه القيام بأجرة ~~شهر أو سنة فله الفسخ ويصح هذا الشرط ولو لم يشرط ذلك فإنه يملك الفسخ ms333 عند ~~تعذر قبض أجرة ذلك الشهر أو السنة ويكون حدوث الفلس عيبا في الذمة يتمكن به ~~من الفسخ كما يكون حدوث العيب في العين المستأجرة مسوغا للفسخ وهذا ظاهر ~~إذا سمى لكل شهر أو سنة قسطا معلوما ولا يعين مقدار المدة بل يقول آجرتك كل ~~سنة بكذا أو كل شهر بكذا تقوم لي بالأجرة في أول الشهر أو السنة فإن أفلس ~~قبل مضي شيء من المدة ملك المؤجر الفسخ وإن أفلس بعد مضي شيء منها فهل يملك ~~الفسخ على وجهين : # أحدهما : لا يملكه لأن مضي بعضها كتلف بعض المبيع وهو يمنع الرجوع # والثاني : يملكه وهو قول القاضي وهو الصحيح لأن المنافع إنما تملك شيئا ~~فشيئا بخلاف الأعيان فإنها تملك في ان واحد فيتعذر تجدد العقد عند تجدد ~~المنافع # المثال السادس : إذا خاف المستأجر أن تنهدم الدار فيعمرها فلا يحتسب له ~~المؤجر بما أنفق في ذلك # فالحيلة في ذلك : أن يقول وقت العقد : وأذن المؤجر للمستأجر أن يعمر ما ~~تحتاج PageV02P004 الدار إلى عمارته من أجرتها ويقدر لذلك قدرا معلوما ~~فيقول مثلا : بمائة فما دونها أو يقول : من عشرة إلى مائة فإن لم يفعل ذلك ~~واحتاجت إلى عمارة لا يتم الانتفاع إلا بها أشهد على ذلك وعلى ما أنفق ~~عليها وأنه غير متبرع به وحسب له من الأجرة # وكذلك إذا استأجر منه دابة واحتاجت إلى علف وخاف أن لا يحتسب له به ~~المؤجر فعل مثل ذلك # فإن قال : أذنت لك أن تنفق على الدار أو الدابة ما تحتاج إليه فادعى قدرا ~~وأنكره المؤجر فالقول قول المؤجر # والحيلة في قبول قول المستأجر : أن يسلف رب الدار ما يعلم أنها تحتاج ~~إليه من العمارة ويشهد عليه بقبضه من الأجرة ثم يدفعه إليه ويوكله أن ينفق ~~منه على الدار أو الدابة ما تحتاج إليه فالقول حينئذ قوله لأنه أمين # فإن خاف المؤجر أن يستهلك المستأجر المال الذي قبضه ويقول : إنه تلف وهو ~~أمانة فلا يلزمني ضمانه فالحيلة في أمنه من ذلك : أن يقرضه إياه ويجعله ms334 في ~~ذمته ثم يوكله أن ينفق على العين ما تحتاج إليه من ذلك # المثال السابع : إذا آجره دابة أو دارا مدة معلومة وخاف أن يحبسها عنه ~~بعد انقضاء المدة فطريق التخلص من ذلك : أن يقول : فإذا انقضت المدة ~~فأجرتها بعد لكل يوم دينار أو نحوه فلا يسهل عليه حبسها بعد انقضاء المدة # المثال الثامن : إذا كان له عليه دين فقال : اشتر له به كذا وكذا ففعل لم ~~يبرأ من الدين بذلك لأنه لا يكون مبرئا لنفسه من دين الغير بفعله # وطريق التخلص : أن يشهد على إقرار رب الدين أن من عليه الدين برىء منه ~~بعد شرائه لمستحقه كذا وكذا والقياس أنه يبرأ بالشراء وإن لم يفعل ذلك لأنه ~~بتوكيله له قد أقامه مقام نفسه فكما قام مقامه في التصرف قام مقامه في ~~الإبراء فهو لم يبرأ بفعل نفسه لنفسه وإنما برىء بفعله لموكله القائم مقام ~~فعل الموكل المثال التاسع : إذا أراد أن يستأجر إلى مكان بأجرة معلومة فإن ~~لم يبلغه وأقام دونه فالأجرة كذا وكذا فقالوا : لا يصح العقد لأنا لا نعلم ~~على أي المسافتين وقع العقد PageV02P005 # قالوا : والحيلة في تصحيحه : أن يسمي للمكان الأقرب أجرة ثم يسمي منه إلى ~~المكان الأبعد أجرة أخرى فيقول مثلا : آجرتك إلى الرملة بمائة ومن الرملة ~~إلى مصر بمائة لكن لا يأمن المستأجر مطالبة المؤجر له بالأجرة إلى المكان ~~الأقصى ويكون قد أقام في المكان الأقرب فالحيلة في تخلصه : أن يشترط عليه ~~الخيار في العقد الثاني إن شاء أمضاه وإن شاء فسخه ويصح اشتراط الخيار في ~~عقد الإجارة إذا كانت على مدة لا تلي العقد والقياس يقتضي صحة الإجارة على ~~أنه إن وصل إلى مكان كذا وكذا فالأجرة مائة وإن وصل إلى مكان كذا وكذا ~~فالأجرة مائتان ولا غرر في ذلك ولا جهالة # وكذا إذا قال : إن خطت هذا الثوب روميا فلك درهم وإن خطته فارسيا فلك نصف ~~درهم فإن العمل إنما يقع على وجه واحد # وكذلك قطع المسافة فإنه إما أن يقطع القريبة ms335 أو البعيدة فلا يشبه هذا ~~قوله : بعتكه بعشرة نقدا أو بعشرين نسيئة فإنه إذا أخذه لا يدري بأي ~~الثمنين أخذ فيقع التنازع ولا سبيل لنا إلى العلم بالمعين منهما بخلاف عقد ~~الإجارة # فإن استيفاء المعقود عليه لا يقع إلا معينا فيجب أجرة عمله # المثال العاشر : إذا زرع أرضه ثم أراد أن يؤجرها والزرع قائم لم يجز ~~لتعذر انتفاع المستأجر بالأرض # وطريق تصحيحها : أن يؤجره يبيعه الزرع ثم يؤجر الأرض فإن أحب بقاء الزرع ~~على ملكه قدر لكماله مدة معينة ثم أجره الأرض بعد تلك المدة إجارة مضافة ~~فإن خاف أن يفسخ عليه العقد حاكم يرى بطلان هذه الإجارة فالحيلة : أن يبيعه ~~الزرع ثم يؤجره الأرض فإذا تم العقد اشترى منه الزرع فعاد الزرع إلى ملكه ~~وصحت الإجارة المثال الحادي عشر : إذا أراد أن يؤجر الأرض على أن خراجها ~~على المستأجر لم يصح PageV02P006 لأن الخراج تابع لرقبة الأرض فهو على ~~مالكها لا على المنتفع بها : من مستأجر أو مستعير # وطريق الجواز : أن يؤجره إياها بأجرة زائدة على أجر مثلها بقدر خراجها ثم ~~يشهد عليه أنه قد أذن للمستأجر أن يدفع من أجرة الأرض في الخراج كل سنة كذا ~~وكذا # وكذلك لو استأجر دابة على أن يكون علفها على المستأجر لم يصح وطريق ~~الحيلة : أن يستأجرها بشيء مسمى ثم يقدر له ما تحتاج إليه الدابة ويوكله في ~~إنفاقه عليها # والقياس يقتضي صحة العقد بدون ذلك فإنا نصحح استئجار الأجير بطعامه ~~وكسوته كما أجر موسى عليه السلام نفسه بعفة فرجه وشبع بطنه فكذلك يجوز ~~إجارة الدابة بعلفها وكما يجوز أن يكون علفها جميع الأجرة يجوز أن يكون بعض ~~الأجرة والبعض الآخر شيء مسمى # المثال الثاني عشر : لا تجوز إجارة الأشجار لأن المقصود منها الفواكه ~~وذلك بمنزلة بيعها قبل بدوها # قالوا : والحيلة في جوازه : أن يؤجره الأرض ويساقيه على الشجر بجزء معلوم # قال شيخ الإسلام : وهذا لا يحتاج إليه بل الصواب جواز إجارة الشجر كما ~~فعل عمر ابن الخطاب رضي الله عنه بحديقة أسيد ms336 بن حضير فإنه آجرها سنين وقضى ~~بها دينه # قال : وإجارة الأرض لأجل ثمرها بمنزلة إجارة الأرض لمغلها فإن المستأجر ~~يقوم على الشجر بالسقي والإصلاح والذيار في الكرم حتى تحصل الثمرة كما يقوم ~~على الأرض بالحرث والسقي والبذر حتى يحصل المغل فثمرة الشجر تجري مجرى مغل ~~الأرض PageV02P007 # فإن قيل : الفرق بين المسألتين : أن المغل من البذر وهو ملك المستأجر ~~والمعقود عليه الانتفاع بإيداعه في الأرض وسقيه والقيام عليه بخلاف استئجار ~~الشجر فإن الثمرة من الشجرة وهي ملك المؤجر # والجواب من وجوه : # أحدها : أن هذا لا تأثير له في صحة العقد وبطلانه وإنما هو فرق عديم ~~التأثير # الثاني : أن هذا يبطل باستئجار الأرض لكلئها وعشبها الذي ينبته الله ~~سبحانه وتعالى بدون بذر من المستأجر فهو نظير ثمرة الشجرة # الثالث : أن الثمرة إنما حصلت بالسقي والخدمة والقيام على الشجرة فهي ~~متولدة من عمل المستأجر ومن الشجرة فللمستأجر سعي وعمل في حصولها # الرابع : أن تولد الزرع ليس من البذر وحده بل من البذر والتراب والماء ~~والهواء فحصول الزرع من التراب الذي هو ملك المؤجر كحصول الثمرة من الشجرة ~~والبذرفي الأرض قائم مقام السقي للشجرة فهذا أودع في أرض المؤجر عينا جامدة ~~وهذا أودع في شجرة عينا مائعة ثم حصلت الثمرة من أصل هذا وماء المستأجر ~~وعمله كما حصل العمل من أرض هذا وبذر المستأجر وعمله وهذا من أصح قياس على ~~وجه الأرض # وبه يتبين أن الصحابة أفقه الأمة وأعلمهم بالمعاني المؤثرة في الأحكام ~~ولم ينكر أحد من الصحابة على عمر رضي الله عنه فهو إجماع منهم # ثم إن هذه الحيلة التي ذكرها هؤلاء تتعذر غالبا إذا كان البستان ليتيم أو ~~وقفا فإن المؤجر ليس له أن يحابي في المساقاة حينئذ ولا يخلص من ذلك محاباة ~~المستحق في أجارة الأرض فإنه إذا أربحه في عقد لم يجز له أن يخسره في عقد ~~آخر ولا يخلص من ذلك اشتراط عقد في عقد بأن يقول : إنما أساقيك على جزء من ~~ألف جزء بشرط أن أؤجرك الأرض بكذا ms337 وكذا فإن هذا لا يصح فعلى ما فعله ~~الصحابة وهو مقتضى القياس الصحيح لا يحتاج إلى هذه الحيلة وبالله التوفيق # المثال الثالث عشر : إذا اشترى دارا أو أرضا وخاف أن تخرج وقفا أو مستحقة ~~فتؤخذ منه هي وأجرتها فالحيلة : أن يضمن البائع أو غيره درك المبيع وأنه ~~ضامن لما PageV02P008 غرمه المشتري من ذلك ويصح ضمان الدرك حتى عند من يبطل ~~ضمان المجهول وضمان ما لم بجب للحاجة إلى ذلك فإن ضمن من يخاف استحقاقه : ~~كان أقوى فإن خاف أن يظهر استحقاق على وارثه بعد موته ضمن الدرك ورثة ~~البائع أو ورثه من يخاف استحقاقه إن أمكنه فإن كان على ثقة أنه متى استحق ~~عليه المبيع رجع بثمنه ولكن يغرم قيمة المنفعة وهي أجرة المثل لمدة ~~استيلائه على العين وهذا قول ضعيف جدا فإن المشتري إنما دخل على أن يستوفي ~~المنفعة بلا عوض والعوض الذي بذله في مقابلة العين لا للانتفاع فإلزامه ~~بالأجرة إلزام بما لا يلتزمه وكذلك نقول في المستعير : إذا استحقت العين لم ~~يلزمه عوض المنفعة لأنه إنما دخل على أن ينتفع مجانا بلا عوض بخلاف ~~المستأجر فإنه التزم الانتفاع بالعوض ولكن لا يلزمه إلا المسمى الذي دخل ~~عليه # وكذلك الأمة المشتراة إذا وطئها ثم استحقت لم يلزمه المهر لأنه دخل على ~~أن يطأها مجانا بخلاف الزوج فإنه دخل على أن الوطءفي مقابلة المهر ولكن لا ~~يلزمه إذا استحقت إلا المسمى وعلى هذا فليس للمستحق أن يطالب المغرور لأنه ~~معذور غير ملتزم للضمان وهو محسن غير ظالم فما عليه من سبيل وهذا هو الصواب ~~فإن طالبه على القول الآخر رجع على من غره بما لم يلتزم ضمانة خاصة ولا ~~يرجع عليه بما التزم غرامته # فإذا غرم المودع أو المتهب قيمة العين والمنفعة رجع على الغار بهما وإذا ~~غرم المستأجر ذلك رجع بقيمة العين دون قيمة المنفعة إلا أنه يرجع بالزائد ~~على المسمى حيث لم يلتزم ضمانه وإذا ضمن وهو مشتر أو مستعير قيمة العين ~~والمنفعة رجع بقيمة المنفعة دون ms338 قيمة العين لكنه يرجع بما زاد على الثمن ~~المسمى # والمقصود : أن هذا المشتري متى خاف أن يطالب بقيمة المنفعة إذا استحق ~~عليه المبيع فالحيلة في تخلصه من ذلك : أن يستأجر منه الدار أو الأرض سنين ~~معلومة بأجرة مسماة ثم يشتريها منه بعد ذلك ويشهد عليه أنه أقبضه الأجرة ~~فمتى استحقت العين وطولب بعوض المنفعة طالب هو المؤجر بما قبضه من الأجرة ~~لما ظهرت الإجارة باطلة # المثال الرابع عشر : إذا وكله أن يزوجه امرأة معينة أو يشتري له جارية ~~معينة ثم خاف الموكل أن تعجب وكليه فيتزوجها أو يشتريها لنفسه فطريق التخلص ~~من ذلك في PageV02P009 الجارية : أن يقول له : ومتى اشتريتها لنفسك فهي حرة ~~ويصح هذا التعليق والعتق وأما الزوجة : فمن صحح هذا التعليق فيها كمالك ~~وأبي حنيفة نفعه وأما على قول الشافعي وأحمد فإنه لا ينفعه # فطريق التخلص : أن يشهد عليه أنها لا تحل له وأن بينهما سببا يقتضي ~~تحريمها عليه وأنه متى نكحها كان نكاحه باطلا # فإن أراد الوكيل أن يتزوجها أو يشتريها لنفسه ولا يأثم فيما بينه وبين ~~الله تعالى فالحيلة : أن يعزل نفسه عن الوكالة ثم يعقد عليها لنفسه ولو عقد ~~عليها لنفسه كان ذلك عزلا لنفسه عن الوكالة # فإن خاف أن لا يتم له ذلك بأن يرفعه إلى حاكم حنفي يرى أنه لا يملك ~~الوكيل عزل نفسه في غيبة الموكل فأراد التخلص من ذلك فالطريق في ذلك : أن ~~يشتريها لنفسه بغير جنس ما أذن له فيه فإنه إذا اشتراها لنفسه بجنس ما أذن ~~له فيه تضمن ذلك عزل نفسه في غيبة موكله وهو ممتنع فإذا اشتراها بغير الجنس ~~حصل الشراء له ولم يكن ذلك عزلا # المثال الخامس عشر : إذا وكله في بيع جارية ووكله آخر في شرائها فإن قلنا ~~: الوكيل يتولى طرفي العقد جاز إن يكون بائعا مشتريا لهما وإن منعنا ذلك ~~فالطريق : أن يبيعها لمن يستوثق منه أن يشتريها منه ثم يشتريها لموكله فإن ~~خاف أن لا يفي له المشتري الذي توثق منه فالحيلة أن ms339 يبيعه إياها بشرط ~~الخيار فإن وفى له بالبيع وإلا كان متمكنا من الفسخ # المثال السادس عشر : لا يملك خلع ابنته بصداقها فإن ظهرت المصلحة في ذلك ~~لها فالطريق : أن يتملكه عليها ثم يخلعها من زوجها به فيكون قد اختلعها ~~بماله والصحيح : أنه لا يحتاج إلى ذلك بل إذا ظهرت المصلحة في افتدائها من ~~الزوج بصداقها جاز ذلك وكان بمنزلة افتدائها من الأسر بمالها وربما كان هذا ~~خيرا لها # المثال السابع عشر : إذا وكله أن يشتري له متاعا فاشتراه ثم أراد أن يبعث ~~به وإليه فخاف أن يهلك فيضمنه الوكيل فطريق التخلص من ذلك : أن يستأذن ~~الوكيل أن يعمل في ذلك برأية ويفوض إليه ذلك فإذا أذن له فبعث به فتلف لم ~~يضمنه PageV02P010 # المثال الثامن عشر : إذا أراد أن يسلم وعنده خمر أو خنازير وأراد أن لا ~~يتلف عليه فالحيلة : أن يبيعها لكافر قبل الإسلام ثم يسلم ويكون له ~~المطالبة بالثمن سواء أسلم المشتري أو بقي على كفره نص على هذا أحمد في ~~مجوسي باع مجوسيا خمرا ثم أسلما يأخذ الثمن الذي قد وجب له يوم باعه # المثال التاسع عشر : إذا كان له عصير فخاف أن يتخمر فلا يجوز له بعد ذلك ~~أن يتخذه خلا فالحيلة : أن يلقي فيه أولا ما يمنع تخمره فإن لم يفعل حتى ~~تخمر وجب عليه إراقته ولم يجز له حبسه حتى يتخلل فإن فعل لم يطهر لأن حبسه ~~معصية وعوده خلا نعمة فلا تستباح بالمعصية # المثال العشرون : إذا كان له على رجل دين مؤجل وأراد رب الدين السفر وخاف ~~أن يتوى ماله أو احتاج إليه ولا يمكنه المطالبة قبل الحلول فأراد ان يضع عن ~~الغريم البعض ويعجل له باقيه فقد اختلف السلف والخلف في هذه المسألة # فأجازها ابن عباس وحرمها ابن عمر وعن أحمد فيها روايتان أشهرهما عنه : ~~المنع وهي اختيار جمهور أصحابه والثانية : الجواز حكاها ابن أبي موسى وهي ~~اختيار شيخنا # وحكى ابن عبد البر في الاستذكار ذلك عن الشافعي قولا وأصحابه لا يكادون ~~يعرفون ms340 هذا القول ولا يحكونه وأظن أن هذا إن صح عن الشافعي فإنما هو فيما ~~إذا جرى ذلك بغير شرط بل لو عجل له بعض دينه وذلك جائز فأبرأه من الباقي ~~حتى لو كان قد شرط ذلك قبل الوضع والتعجيل ثم فعلاه بناء على الشرط المتقدم ~~صح عنده لأن الشرط المؤثر في مذهبه : هو الشرط المقارن لا السابق وقد صرح ~~بذلك بعض أصحابه والباقون قالوا : لو فعل ذلك من غير شرط جاز ومرادهم الشرط ~~المقارن # وأما مالك فإنه لا يجوزه مع الشرط ولا بدونه سدا للذريعة وأما أحمد ~~فيجوزه في دين الكتابة وفي غيره عنه روايتان واحتج المانعون بالآثار ~~والمعنى PageV02P011 # أما الآثار : ففي سنن البيهقي عن المقداد بن الأسود قال : أسلفت رجلا ~~مائة دينار ثم خرج سهمي في بعث بعثه رسول اللهفقلت له : عجل تسعين دينارا ~~وأحط عشرة دنانير فقال : نعم فذكرت ذلك لرسول الله فقال : أكلت ربا مقداد ~~وأطعمته وفي سنده ضعف # وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه : قد سئل عن الرجل له الدين على رجل ~~إلى أجل فيضع عنه صاحبه ويعجل له الآخر فكره ذلك ابن عمر ونهى عنه # وصح عن أبي المنهال أنه سأل ابن عمر رضي الله عنهما فقال : لرجل علي دين ~~فقال لي : عجل لي لأضع عنك قال : فنهاني عنه وقال : نهى أمير المؤمنين يعني ~~عمر أن يبيع العين بالدين # وقال أبو صالح مولى السفاح واسمه عبيد : بعت برا من أهل السوق إلى أجل ثم ~~أردت الخروج إلى الكوفة فعرضوا علي أن أضع عنهم وينقدوني فسألت عن ذلك زيد ~~بن ثابت فقال : لا آمرك أن تأكل هذا ولا تؤكله رواه مالك في الموطأ # وأما المعنى : فإنه إذا تعجل البعض وأسقط الباقي فقد باع الأجل بالقدر ~~الذي أسقطه وذلك عين الربا كما لو باع الأجل بالقدر الذي يزيده إذا حل عليه ~~الدين فقال : زدني في الدين وأزيدك في المدة فأي فرق بين أن تقول : حط من ~~الأجل وأحط من الدين أو تقول : زد في الأجل ms341 وأزيد في الدين # قال زيد بن أسلم : كان ربا الجاهلية : أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى ~~أجل فإذا حل الحق قال له غريمه : أتقضي أم تربي فإن قضاه أخذه وإلا زاذه في ~~حقه وأخر عنه في الأجل رواه مالك # وهذا الربا مجمع على تحريمه وبطلانه وتحريمه معلوم من دين الإسلام كما ~~يعلم تحريم الزنى واللواطة والسرقة # قالوا : فنقص الأجل في مقابلة نقص العوض كزيادته في مقابلة زيادته فكما ~~أن هذا ربا فكذلك الآخر PageV02P012 # قال المبيحون : صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان لا يرى بأسا أن ~~يقول : أعجل لك وتضع عني وهو الذي روى أن رسول الله لما أمر بإخراج بني ~~النضير من المدينة جاءه ناس منهم فقالوا : يا رسول الله إنك أمرت بإخراجهم ~~ولهم على الناس ديون لم تحل فقال النبي : ضعوا وتعجلوا قال أبو عبدالله ~~الحاكم : هو صحيح الإسناد # قلت : هو على شرط السنن وقد ضعفه البيهقي وإسناده ثقات : وإنما ضعف بمسلم ~~بن خالد الزنجي وهو ثقة فقيه روى عنه الشافعي واحتج به وقال البيهقي : باب ~~من عجل له أدنى من حقه قبل محله فوضع عنه طيبة به أنفسهما وكأن مراده أن ~~هذا وقع بغير شرط بل هذا عجل وهذا وضع ولا محذور في ذلك # قالوا : وهذا ضد الربا فإن ذلك يتضمن الزيادة في الأجل والدين وذلك إضرار ~~محض بالغريم ومسألتنا تتضمن براءة ذمة الغريم من الدين وانتفاع صاحبه بما ~~يتعجله فكلاهما حصل له الانتفاع من غير ضرر بخلاف الربا المجمع عليه فإن ~~ضرره لاحق بالمدين ونفعه مختص برب الدين فهذا ضد الربا صورة ومعنى # قالوا : ولأن مقابلة الأجل بالزيادة في الربا ذريعة إلى أعظم الضرر وهو ~~أن يصير الدرهم الواحد ألوفا مؤلفة فتشتغل الذمة بغير فائدة وفي الوضع ~~والتعجيل تتخلص ذمة هذا من الدين وينتفع ذاك بالتعجيل له # قالوا : والشارع له تطلع إلى براءة الذمم من الديون وسمى الغريم المدين : ~~أسيرا ففي براءة ذمته تخليص له من الأسر وهذا ضد شغلها بالزيادة مع الصبر ms342 ~~وهذا لازم لمن قال : يجوز ذلك في دين الكتابة وهو قول أحمد وأبي حنيفة فإن ~~المكاتب مع سيده كالأجنبي في باب المعاملات ولهذا لا يجوز أن يبيعه درهما ~~بدرهمين ولا يبايعه بالربا فإذا جاز له أن يتعجل بعض كتابته ويضع عنه ~~باقيها لما له في ذلك من مصلحة تعجيل العتق وبراءة ذمته من الدين لم يمنع ~~ذلك في غيره من الديون ولو ذهب ذاهب إلى التفصيل في المسألة وقال : لا يجوز ~~في دين القرض إذا قلنا بلزوم تأجيله ويجوز في ثمن المبيع والأجرة وعوض ~~الخلع والصداق لكان له وجه فإنه في القرض يجب رد المثل فإذا عجل له وأسقط ~~PageV02P013 باقيه خرج عن موجب العقد وكان قد أقرضه مائة فوفاه تسعين بلا ~~منفعة حصلت للمقرض بل اختص المقترض بالمنفعة فهو كالمربي سواء في اختصاصه ~~بالمنفعة دون الآخر وأما في البيع والإجارة فإنهما يملكان فسخ العقد وجعل ~~العوض حالا أنقص مما كان وهذا هو حقيقة الوضع والتعجيل لكن تحيلا عليه ~~والعبرة في العقود بمقاصدها لا بصورها فإن كان الوضع والتعجيل مفسدة ~~فالاحتيال عليه لا يزيل مفسدته وإن لم يكن مفسدة لم يحتج إلى الاحتيال عليه # فتلخص في المسألة أربعة مذاهب : # المنع مطلقا بشرط وبدونه في دين الكتابة وغيره كقول مالك # وجوازه في دين الكتابة دون غيره كالمشهور من مذهب أحمد وأبي حنيفة # وجوازه في الموضعين كقول ابن عباس وأحمد في الرواية الأخرى # وجوازه بلا شرط وامتناعه مع الشرط المقارن كقول أصحاب الشافعي والله أعلم # المثال الحادي والعشرون : إذا كان له عليه ألف درهم فصالحه منها على مائة ~~درهم يؤديها إليه في شهر كذا من سنة كذا فإن لم يفعل فعليه مائتان فقال ~~القاضي أبو يعلى : هو جائز وقد أبطله قوم آخرون # والحيلة في جوازه على مذهب الجميع : أن يعجل رب المال حط ثمانمائة بتا ثم ~~يصالح عن المطلوب من المائتين الباقيتين على مائة يؤديها إليه في شهر كذا ~~على أنه إن أخرها عن هذا الوقت فلا صلح بينهما # المثال الثاني والعشرون : إذا ms343 كاتب عبده على ألف يؤديها إليه في سنتين ~~فإن لم يفعل فعليه ألف أخرى فهي كتابة فاسدة ذكره القاضي لأنه علق إيجاب ~~المال بخطر ولا يجوز ذلك # والحيلة في جوازه : أن يكاتبه على ألفي درهم ثم يصالحه منها على ألف درهم ~~يؤديها إليه في سنتين فإن لم يفعل فلا صلح بينهما فيكون قد علق الفسخ بخطر ~~فيجوز وتكون كالمسألة التي قبلها # المثال الثالث والعشرون : إذا كان له عليه دين حال فصالحه على تأجيله أو ~~تأجيل بعضه PageV02P014 لم يلزمه التأجيل فإن الحال لا يتأجل والصحيح : أنه ~~يتأجل كما يتأجل بدل القرض وإن كان النزاع في الصورتين فمذهب أهل المدينة ~~في ذلك هو الراجح وطريق الحيلة في صحة التأجيل ولزومه : أن يشهد على إقرار ~~صاحب الدين أنه لا يستحق المطالبة به قبل الأجل الذي تفقا عليه وأنه متى ~~طالب به قبله فقد طالب بما لا يستحق فإذا فعل هذا أمن رجوعه في التأجيل ~~المثال الرابع والعشرون : إذا اشترى من رجل دارا بألف فجاء الشفيع يطلب ~~الشفعة فصالحه المشتري على نصف الدار بنصف الثمن جاز ذلك لأن الشفيع صالح ~~على بعض حقه كما أنه لو صالح من ألف على خمسمائة فإن صالحه على بيت من ~~الدار بعينه بحصته من الثمن يقوم البيت ثم تخرج حصته من الثمن جاز أيضا لأن ~~حصته معلومة في أثناء الحال فلا يضر كونها مجهولة حالة الصلح كما إذا اشترى ~~شقصا وسيفا فللشفيع أن يأخذ الشقص بحصته من الثمن وإن كانت مجهولة حال ~~العقد لأن مآلها إلى العلم وقال القاضي وغيره من أصحابنا : لا يجوز لأنه ~~صالحه على شيء مجهول ثم قال : والحيلة في تصحيح ذلك : أن يشتري الشفيع هذا ~~البيت من المشتري بثمن مسمى ثم يسلم الشفيع للمشتري ما بقي من الدار وشراء ~~الشفيع لهذا البيت تسليم للشفعة ومساومته بالبيت تسليم للشفعة # فإن أراد الشفيع شراء البيت المعين وبقاءه على شفعته في الباقي فالحيلة ~~أن لا يبدأ بالمساومة بل يصبر حتى يبتدىء المشتري فيقول : هذا البيت أخذته ~~بكذا ms344 وكذا فيقول الشفيع : قد استوجبته بما أخذته به ولا يكون مسلما للشفعة ~~في باقي الدار وليس في هذه الحيلة إبطال حق غيره وإنما فيها التوصل إلى حقه # المثال الخامس والعشرون : يجوز تعليق الوكالة على الشرط كما يجوز تعليق ~~الولاية والإمارة على الشرط وقد صح عن النبي تعليق الإمارة PageV02P015 ~~بالشرط وهي وكالة وتفويض وتولية ولا محذور في تعليق الوكالة بالشرط البتة # والحيلة في تصحيحها : أن ينجز الوكالة ويعلعق الإذن في التصرف بالشرط ~~وهذا في الحقيقة تعليق لها نفسها بالشرط فإن مقصود الوكالة صحة التصرف ~~ونفوذه والتوكل وسيلة وطريق إلى ذلك فإذا لم يمتنع تعليق المقصود بالشرط ~~فالوسيلة أولى بالجواز # المثال السادس والعشرون : يجوز تعليق الإبراء بالشرط ويصح وفعله الإمام ~~أحمد وقال أصحابنا : لا يصح # قالوا : فإذا قال : إن مت فأنت في حل مما لي عليك فإن علق ذلك بموت نفسه ~~صح لأنه وصية وإن علقه بموت من عليه الدين لم يصح لأنه تعليق البراءة ~~بالشرط ولا يصح كما لا يصح تعليق الهبة فيقال : أولا الحكم في الأصل غير ~~ثابت بالنص ولا بالإجماع فما الدليل على بطلان تعليق الهبة بالشرط وقد صح ~~عن النبي أنه علق الهبة بالشرط في حديث جابر لما قال : لو قد جاءمال ~~البحرين لأعطيتك هكذا وهكذا ثم هكذا ثلاث حثيات وأنجز ذلك له الصديق رضي ~~الله عنه لما جاء مال البحرين بعد وفاة رسول الله # فإن قيل : كان ذلك وعدا قلنا : نعم والهبة المعلقة بالشرط وعد وكذلك فعل ~~النبي لما بعث إلى النجاشي بهدية من مسك وقال لأم سلمة : إني قد أهديت إلى ~~النجاشي حلة PageV02P016 وأواقي من مسك ولا أرى النجاشي إلا قد مات ولا أرى ~~هديتي إلا مردودة فإن ردت علي فهي لك وذكر الحديث رواه أحمد # فالصحيح : صحة تعليق الهبة بالشرط عملا بهذين الحديثين # وأيضا فالوصية تمليك وهي في الحقيقة تعليق للتمليك بالموت فإنه إذا قال : ~~إن مت من مرضي هذا فقد أوصيت لفلان بكذا فهذا تميلك معلق بالموت وكذلك ~~الصحيح : صحة تعليق الوقف بالشرط نص ms345 عليه في رواية الميموني في تعليقه ~~بالموت # وسائر التعليق في معناه ولا فرق البتة ولهذا طرده أبو الخطاب وقال : لا ~~يصح تعليقه بالموت والصواب طردالنص وأنه يصح تعليقه بالموت وغيره وهو أحد ~~الوجهين في مذهب أحمد وهو مذهب مالك ولا يعرف عن أحمد نص على عدم صحته ~~وإنما عدم الصحة قول القاضي وأصحابه # وفي المسألة وجه ثالث : أنه يصح تعليقه بشرط الموت دون غيره من الشروط ~~وهذا اختيار الشيخ موفق الدين وفرق بأن تعليقه بالموت وصية والوصية أوسع من ~~التصرف في الحياة بدليل الوصية بالمجهول والمعدوم والحمل والصحيح : الصحة ~~مطلقا ولو كان تعليقه بالموت وصية لامتنع على الوارث ولا خلاف أنه يصح ~~تعليقه بالشرط بالنسبة إلى البطون بطنا بعد بطن وأن كونه وقفا على البطن ~~الثاني مشروط بانقضاء البطن الأول وقد قال تعالى : @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا أوفوا بالعقود @QE@ [ ] وقال النبي المسلمون عند شروطهم # والقياس الصحيح : يقتضي صحة تعليقه فإنه أشبه بالعتق منه بالتمليك ولهذا ~~لا يشترط فيه القبول إذا كان على جهة اتفاقا وكذلك إذا كان على آدمي معين ~~في أقوى الوجهين وما PageV02P017 ذاك إلا لشبهه بالعتق # والمقصود : أن تعليق الإبراء بالشرط أولى من ذلك كله فمنعه مخالف لموجب ~~الدليل والمذهب # ويقال ثانيا : لا يلزم من بطلان تعليق الهبة بطلان تعليق الإبراء بل ~~القياس الصحيح يقتضي صحة تعليقه لأنه إسقاط محض ولهذا لا يفتقر إلى قبول ~~المبرىء ولا رضاه فهو بالعتق والطلاق أشبه منه بالتمليك # وعلى هذا فيستغنى بالصحة في ذلك كله عن الحيلة # فإن احتاج إلى التعليق وخاف أن ينقض عليه فالحيلة : أن يقول : لا شيء لي ~~عليه بعد هذا الشهر أو العام أو لا شيء لي عليه عند قدوم زيد أو كل دعوى ~~أدعيها عليه بعد شهر كذا أو عام كذا أو عند قدوم زيد بسبب كذا أو من دين ~~كذا فهي دعوى باطلة أو يقول : كل دعوى أدعيها في تركته بعد موته : من دين ~~كذا أو ثمن كذا فهي دعوى باطلة # وعلى ما قررناه لا يحتاج ms346 إلى شيء من ذلك # المثال السابع والعشرون : إذا أعسر الزوج بنفقة المرأة ملكت الفسخ فإن ~~تحملها عنه غيره لم يسقط ملكها للفسخ لأن عليها في ذلك منة كما إذا أراد ~~قضاء دين عن الغير فامتنع ربه من قبوله لم يجبر على ذلك وطريق الحيلة في ~~إبطال حقها من الفسخ : أن يحيلها بما وجب لها عليه من النفقة على ذلك الغير ~~فتصح الحوالة وتلزم على أصلنا إذا كان المحال عليه غنيا # وطريق صحة الحوالة : أن يقر ذلك الغير للزوج بقدر معين لنفقتها سنة أو ~~شهرا أو نحو ذلك ثم يحيلها الزوج عليه فإن لم يمكنه الإجبار على القبول ~~لعدم من يرى ذلك وكل الزوج الملتزم لنفقتها في الإنفاق عليها والزوج مخير ~~بين أن ينفق عليها بنفسه أو بوكيله # وهكذا العمل في مسألة أداء الدين عن الغريم سواء PageV02P018 # المثال الثامن والعشرون : إذا خاف المضارب أن يضمنه المالك بسبب من ~~الأسباب التي لا يملكها بعقد المضاربة كخلط المال بغيره أو اشترائه بأكثر ~~من رأس المال والاستدانة على مال المضاربة أو دفعه إلى غيره مضاربة أو ~~إبضاعا أو إيداعا أو السفر به فطريق التخلص من ضمانه في هذا كله : أن يشهد ~~على رب المال أنه قال له : اعمل برأيك أو ما تراه مصلحة # المثال التاسع والعشرون : إذا كان لكل من الرجلين عروض وأرادا أن يشتركا ~~فيها شركة عنان ففي ذلك روايتان # إحداهما : تصح الشركة وتقوم العروض عند العقد ويكون قيمتها هو رأس المال ~~فيقسم الربح على حسبه أو على ما شرطاه وإذا أرادا الفسخ رجع كل منهما إلى ~~قيمة عروضه واقتسما الربح على ما شرطاه وهذا القول هو الصحيح # والرواية الثانية : لا تصح إلا على النقدين لأنهما إذا تفاسخا الشركة ~~وأراد كل واحد منهما الرجوع إلى رأس ماله أو يقتسما الربح لم يعلم ما مقدار ~~رأس مال كل منهما إلا بالتقويم وقد تزيد قيمة العروض وتنقص قبل العمل فلا ~~يستقر رأس المال # وأيضا فمقتضى عقد الشركة : أن لا ينفرد أحد الشريكين بربح مال الآخر ms347 وهذه ~~الشركة تفضي إلى ذلك لأنه قد تزيد قيمة عروض أحدهما ولا تزيد قيمة عروض ~~الآخر فيشاركه من لم تزد قيمة عروضه وهذا إنما يصح في المقومات كالرقيق ~~والحيوان ونحوهما فأما المثليات فإن ذلك منتف فيها ولهذا كان الصحيح عند من ~~منع الشركة بالعروض : جوازها بالمثليات فالصحيح : الجواز في الموضعين لأن ~~مبنى عقد الشركة على العدل من الجانبين وكل من الشريكين متردد بين الربح ~~والخسران فهما في هذا الجواز مستويان فتجويز ربح أحدهما دون الآخر في ~~مقابلة عكسه فقد استويا في رجاء الغنم وخوف الغرم وهذا هو العدل كالمضاربة ~~فإنه يجوز أن يربحا وأن يخسرا وكذلك المساقاة والمزارعة # وطريق الحيلة في تصحيح هذه المشاركة عند من لا يجوزها بالعروض : أن يبيع ~~كل منهما بعض عروضه ببعض عروض صاحبه فإذا كان عرض أحدهما يساوى خمسة آلاف ~~PageV02P019 وعرض الآخر يساوي ألفا فيشتري صاحب العرض الذي قيمته خمسة آلاف ~~من صاحبه خمسة أسداس عرضه الذي يساوي ألفا بسدس عرضه الذي يساوي خمسة آلاف ~~فإذا فعلا ذلك صارا شريكين فيصير للذي يساوي متاعه ألفا سدس جميع المتاع ~~وللآخر خمسة أسداسه أو يبيع كل منهما صاحبه بعض عرضه بثمن مسمى ثم يتقابضان ~~فيصير مشتركا بينهما ثم يأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف فما حصل من ~~الربح يكون بينهما على ما شرطاه عند أحمد وعلى قدر رءوس أموالهما عند ~~الشافعي والخسران على قدر المال اتفاقا # المثال الثلاثون : إذا تزوجها على أن لا يخرجها من دارها أو بلدها أو لا ~~يتزوج عليها ولا يتسرى عليها فالنكاح صحيح والشرط لازم هذا إجماع الصحابة ~~رضي الله عنهم فإنه صح عن عمر وسعد ومعاوية ولا مخالف لهم من الصحابة وإليه ~~ذهب عامة التابعين وقال به أحمد # وخالف في ذلك الثلاثة فأبطلوا الشرط ولم يوجبوا الوفاء به # فإذا احتاجت المرأة إلى ذلك ولم يكن عندها حاكم يرى صحة ذلك ولزومه ~~فالحيلة لها في حصول مقصودها : أن تمتنع من الإذن إلا أن تشترط بعد العقد ~~أنه إن سافر بها أو نقلها ms348 من دارها أو تزوج عليها فهي طالق أو لها الخيار ~~في المقام معه أو الفسخ فإن لم تثق به أن يفعل ذلك فإنها تطلب مهرا كثيرا ~~جدا إن لم يفعل وتطلب ما دونه إن فعل فإن شرط لها ذلك رضيت بالمهر الأدنى ~~وإن لم يشرط ذلك طالبته بالأعلى وجعلته حالا ولها أن تمنع نفسها حتى تقبضه ~~أو يشرط لها ما سألته # فإن قيل : فعلى أي المهرين يقع العقد # قيل : يقع على المهر الزائد لتتمكن من إلزامه بالشرط فإن خاف أن يشرط لها ~~ما طلبت ويستقر عليه المهر الزائد فالحيلة : أن يشهد عليها أنها لا تستحق ~~عليه بعد الاشتراط شيئا من المبلغ الزائد على الصداق الأدنى وأنها متى ادعت ~~به فدعواها باطلة فيستوثق منها بذلك ويكتب هو والشرط ولها أن تطالب بالصداق ~~الزائد إذا لم يف لها بالشرط لأنها لم ترض بأن يكون الأدنى مهرا إلا في ~~مقابلة منفعة PageV02P020 أخرى تسلم لها وهي المقام في دارها أو بلدها أو ~~يكون الزوج لها وحدها وهذا جار مجرى بعض صداقها فإذا فاتها فلها المطالبة ~~بالمهر الأعلى # المثال الحادي والثلاثون : إذا زوج ابنته بعبده صح النكاح فإن حضره الموت ~~فخاف هو أو المرأة أن ترث جزءا منه فينفسخ النكاح # فالحيلة في بقائه : أن يبيع العبد من أجنبي فإن شاء قبض ثمنه وإن شاء ~~جعله دينا في ذمته يكون حكمه حكم سائر ديونه فإذا ورثت نصيبها من ثمنه لم ~~ينفسخ نكاحها وإن باع العبد من أجنبي قبل العقد ثم زوجه الابنة أمن هذا ~~المحذور أيضا # وكذلك إذا أراد أن يزوج أمته بابنه وخاف أن يموت فيرث الابن زوجته فينفسخ ~~النكاح باعها من أجنبي ثم زوجها الابن أو يبيعها من الأجنبي بعد العقد # المثال الثاني والثلاثون : إذا أحاله بدينه وخاف المحتال أن يتوى ماله ~~عند المحال عليه وأراد التوثق لماله # فالحيلة في ذلك أن يقول : لا تحلني بالمال ولكن وكلني في المطالبة به ~~واجعل ما أقبضه في ذمتي قرضا فيبرآن جميعا بالمقاصة # فإن خاف المحيل أن ms349 يهلك المال في يد الوكيل قبل اقتراضه فيرجع عليه ~~بالدين # فالحيلة له : أن يقول للمحال عليه : اضمن عني هذا الدين لهذا الطالب ~~فيضمنه فإذا قبضه قبضه لنفسه فإن امتنع المحال عليه من الضمان احتال الطالب ~~عليه على أنه إن لم يوفه حقه إلى وقت كذا وكذا فالمحيل ضامن لهذا المال ~~ويصح تعليق الضمان بالشرط فإن وفاه المحيل عليه وإلا رجع إلى المحال وآخذه ~~بالمال # المثال الثالث والثلاثون : إذا كان له دين على رجل فرهنه به عبدا فخاف أن ~~يموت العبد فيحاكمه إلى من يرى سقوط الدين بتلف الرهن # فالحيلة في تخليصه من هذا المحذور : أن يشتري العبد منه بدينه ولا يقبض ~~العبد فإن وفاه دينه أقاله في البيع وإن لم يوفه الدين طالبه بالتسليم وإن ~~تلف العبد كان من ضمان البائع ورجع المشتري إلى دينه الذي هو ثمنه # المثال الرابع والثلاثون : إذا كان له عليه دين فرهنه به رهنا ثم خاف أن ~~يستحق الرهن فتبطل الوثيقة PageV02P021 # فالحيلة فيه : أن يضمن دينه لمن يخاف منه استحقاق الرهن فإذا استحقه عليه ~~طالبه بالمال أو يضمنه درك الرهن أو يشهد عليه أنه لاحق له فيه ومتى ادعى ~~فيه حقا فدعواه باطلة # المثال الخامس والثلاثون : إذا كان له عليه مائة دينار خمسون منها بوثيقة ~~وخمسون بغير وثيقة وجحده الغريم القدر الذي بغير وثيقة # فالحيلة له في تخليص ماله : أن يوكل رجلا غريبا بقبض المال الذي بالوثيقة ~~ويشهد على وكالته علانية ثم يشهد شهودا آخرين : أنه قد عزله عن الوكالة ثم ~~يطالب الوكيل المطلوب بذلك المال ويثبت شهود وكالته فإذا قبض الخمسين ~~دينارا دفعها إلى مستحقها وغاب ثم يطالبه المستحق بهذه الخمسين فإن قال : ~~دفعتها إلى وكيلك أقام البينة أنه كان قد عزله عن الوكالة فيلزمه الحاكم ~~بالمال ويقول له : اتبع القابض فخذ مالك منه # فإن كان الغريم حذرا لم يدفع إلى الوكيل شيئا خشية مثل هذا ويقول : لا ~~أدفع إليك إلا بحضرة الموكل وإقراره أنك وكيله فتبطل هذه الحيلة # المثال السادس والثلاثون : إذا حضره ms350 الموت ولبعض ورثته عليه دين وأراد ~~تخليص ذمته فإن أقر له به لم يصح إقراره وإن وصى له به كانت وصية لوارث # فالحيلة في خلاصه : أن يواطئه على أن يأتي بمن يثق به فيقر له بذلك الدين ~~فإذا قبضه أوصله إلى مستحقه فإن خاف الأجنبي أن يلزمه الحاكم أن يحلف أن ~~هذا الدين واجب لك على الميت ولم تبرئه منه ولا من شيء منه لم يجز له أن ~~يحلف على ذلك وانتقلنا إلى حيلة أخرى وهي أن يقول له المريض : بع دارك أو ~~عبدك من وارثي بالمال الذي له علي فيفعل فإذا لزمته اليمين بعد هذا حلف على ~~أمر صحيح فإن لم يكن له ما يبيعه إياه وهب له الوارث عبدا أو أمة فقبضه ثم ~~باعه من الوارث بالدين الذي على الميت # المثال السابع والثلاثون : إذا نكح أمة حيث يجوز له نكاح الإماء وخاف أن ~~يسترق سيدها ولده PageV02P022 # فالحيلة في ذلك : أن يسأل سيد الأمة أن يقول : كل ولد تلده منك فهو حر ~~فإذا قال هذا فما ولدته منه فهم أحرار # المثال الثامن والثلاثون : إذا قال لامرأته : إن سألتيني الخلع فأنت طالق ~~ثلاثا إن لم أخلعك وقالت المرأة : كل مملوك لها حر إن لم أسألك الخلع اليوم # فسئل أبو حنيفة عنها فقال للمرأة : سليه الخلع فقالت : أسألك أن تخلعني ~~فقال للزوج : قل خلعتك على ألف درهم فقال ذلك فقال أبو حنيفة للمرأة قولي : ~~لا أقبل فقالت : لا أقبل فقال أبو حنيفة : قومي مع زوجك فقد بر كل منكما في ~~يمينه # المثال التاسع والثلاثون : سئل أبو حنيفة عن أخوين تزوجا أختين فزفت ~~امرأة كل واحد منهما إلى الآخر فوطئها ولم يعلموا بذلك حتى أصبحوا فقيل له ~~: ما الحيلة في ذلك فقال : أكل منهما راض بالتي دخل بها قالوا : نعم فقال : ~~ليطلق كل واحد منهما امرأته طلقة ففعلا فقال : ليتزوج كل منهما المرأة التي ~~وطئها فطابت أنفسهما # المثال الأربعون : إذا كان لرجل على رجل مال وللذي عليه المال عقار فأراد ~~أن يحعل ms351 عقاره في يد غريمه يستغله ويقبض غلته من دينه جاز ذلك لأنه توكيل ~~له فيه فإن خاف الغريم أن يعزله صاحب العقار عن الوكالة # فالحيلة : أن يسترهنه منه ويستديم قبضه ثم يأذن له في قبض أجرته من دينه ~~ولو لم يأذن له فله أن يقبضها قصاصا # وله حيلة أخرى : أن يستأجره منه بمقدار دينه فما وجب له عليه من الأجرة ~~سقط من دينه بقدره قصاصا # المثال الحادي والأربعون : إذا كان له جارية فأراد وطأها وخاف أن تحبل ~~منه فتصير أم ولد لا يمكنه بيعها # فالحيلة : أن يبيعها لأبيه أو أخيه أو أخته فإذا ملكها سأله أن يزوجه # إياها فيطأها بالنكاح ويكون ولده منها أحرارا يعتقون على البائع بالرحم ~~وهذا إذا كان ممن PageV02P023 يجوز له نكاح الإماء بأن لا يكون تحته حرة ~~عند أبي حنيفة أو يكون خائفا للعنت عادما لطول حرة عند الجمهور # المثال الثاني والأربعون : إذا بانت منه إمرأته بينونة صغرى وأراد أن ~~يجدد نكاحها فخاف إن أعلمها لم تتزوج به فله في ذلك حيل : إحداها : أن يقول ~~: قد حلفت بيمين ثم استفتيت فقيل لي : جدد نكاحك فإن كانت قد بانت منك عاد ~~النكاح وإلا لم يضرك فإن كان لها ولي جدد نكاحها وإلا فالحاكم أو نائبه # ومنها : أن يظهر أنه يريد سفرا وأنه يريد أن يجعل لها شيئا من ماله وأن ~~الاحتياط أن يجعله صداقا بعقد يظهره # ومنها : أن يظهر مرضا وأنه يريد أن يقر لها بمال أو يوصي لها به وأن ذلك ~~لا يتم والأحوط أن أظهر عقد نكاح وأجعل ذلك صداقا فيه فإن قيل : إذا بانت ~~منه ملكت نفسها ولم يصح نكاحها إلا برضاها ولعلها لو علمت الحال لم ترض ~~بالنكاح الثاني # قيل : رضاها بتجديد العقد للغرض الذي يريده يتضمن رضاها بالنكاح وهي لو ~~هزلت بالإذن صح إذنها وصح النكاح مع أنها لم تقصده كما لو هزل الزوج ~~بالقبول صح نكاحه وههنا قد قصدت بقاء النكاح ورضيت به فهو أولى بالصحة # فإن قيل : فالرجل قاصد إلى ms352 النكاح والمرأة غير قاصدة له # قيل : بل قصدت إلى تجديد نكاح يتم به غرضها فلم تخرج بذلك عن القصد ~~والرضا # ولو قال رجل لرجل هزلا ومزاحا : زوجني ابنتك على مائة درهم أو قال : ~~زوجني موليتك وهي تسمع فقال له مزاحا وهزلا : قد زوجتكها انعقد النكاح وحل ~~له وطؤها لحديث أبي هريرة الذي رواه أهل السنن عن النبي ثلاث جدهن ~~PageV02P024 جد وهزلهن جد : النكاح والطلاق والرجعة # المثال الثالث والأربعون : إذا كان الرجل حسن التصرف في ماله غير مبذر له ~~PageV02P025 فرفع إلى الحاكم وشهد عليه أنه مبذر فخاف أن يحجر عليه فقال : ~~إن حجرت علي فعبيدي أحرار ومالى صدقة على المساكين لم يملك القاضي أن يحجر ~~عليه بعد ذلك لأنه إنما يحجر عليه صيانة لماله وفي الحجر عليه إتلاف ماله ~~فهو يعود على مقصود الحجر بالإبطال # المثال الرابع والأربعون : يصح الصلح عندنا وعند أبي حنيفة ومالك على ~~الإنكار فإذا ادعى عليه شيئا فأنكره ثم صالحه على بعضه جاز والشافعي لا ~~يصحح هذا الصلح لأنه لم يثبت عنده شيء فبأي طريق يأخذ ما صالحه عليه بخلاف ~~الصلح على الإقرار فإنه إذا أقر له بالدين والعين فصالحه على بعضه كان قد ~~وهبه أو أبرأه من البعض الآخر # والجمهور يقولون : قد دل الكتاب والسنة والقياس على صحة هذا الصلح فإن ~~الله سبحانه تعالى ندب إلى الإصلاح بين الناس وأخبر أن الصلح خير وقال : ~~@QB@ إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم @QE@ وقال النبي الصلح بين ~~المسلمين جائز إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا # وأما القياس : فإن المدعى عليه يفتدي مطالبته باليمين وإقامة البينة ~~وتوابع ذلك : بشيء من ماله يبذله ليتخلص من الدعوى ولوازمها وذلك غرض صحيح ~~مقصود عند العقلاء وغاية ما يقدر أن يكون المدعي كاذبا فهو يتخلص من تحليفه ~~له وتعريضه للنكول فيقضي عليه به أو ترد اليمين بل عند الخرقي : لا يصح ~~الصلح إلا على الإنكار ولا يصح مع الإقرار قال : لأنه يكون هضما للحق # فإذا صالحه مع الإنكار فخاف أن يرفعه إلى حاكم ms353 يبطل الصلح فالحيلة في ~~تخلصه من ذلك : أن يصالح أجنبي عن المنكر على مال ويقر الأجنبي لهذا المدعي ~~بما ادعاه على PageV02P026 غريمه ثم يصالحه من دعواه على مال ولا يفتقر إلى ~~إذن المدعى عليه ولا وكالته إن كان المدعى دينا لأنه يقول : إن كان كاذبا ~~فقد استنقذته من هذه الدعوى وذلك بمنزلة فكاك الأسير وإن كان صادقا فقد ~~قضيت عنه بعض دينه وأبرأه المدعي من باقيه وذلك لا يفتقر إلى إذنه وإن كان ~~المدعي عينا لم يصح حتى يقول : قد وكلني المنكر لأنه يقول : قد اشتريت له ~~هذه العين المدعاة بالمال الذي أصالحك عليه فإن لم يعترف أنه وكله وإلا لم ~~يصح # فإن لم يعترف بوكالته فطريق الصحة : أن يصالح الأجنبي لنفسه فيكون بمنزلة ~~شراء العين المغصوبة فإن اعترف بها المدعي باطنا صار هو الخصم فيها وإن لم ~~يعترف بها له لم يسعه أن يخاصم فيها المدعي عليه ويكون اعترافه له بها ~~ظاهرا حيلة على تصحيح الصلح # وعلى هذا فإذا كان المدعي دارا خلفها الميت لابنه وامرأته فادعاها رجل ~~فصالحاه من دعواه على مال فإن كان صلحا على الإنكار فالدار بينهما على ~~ثمانية أسهم على المرأة الثمن وعلى الابن سبعة أثمان وإن كان على الإقرار ~~فالمال بينها نصفان والدار لهما نصفان فإذا أراد لزوم الصلح على الإنكار ~~صالح عنهما أجنبي على الإقرار فلزوم الصلح وكان المال بينهما على سبعة ~~أثمان وكذلك الدار فإنهما لم يقرا له بالدار وإقرار الأجنبي لا يلزمهما ~~حكمه المثال الخامس والأربعون : إذا ادعى عليه أرضا في يده أو دارا أو ~~بستانا فصالحه على عشرة أذرع أو أقل أو أكثر جاز وكذلك لو صالحه على عشرة ~~أذرع من أرض أو دار أخرى جاز لأنه يقول : قد أخذت بعض حقي وأسقطت البعض فإن ~~خاف أن يرفعه إلى حاكم حنفي لا يرى جواز ذلك بناء على أنه لا يجوز بيع ذراع ~~ولا عشرة من أرض أو دار فطريق الجواز : أن يذرع الدار التي صالحه على هذا ~~القدر منها ثم ms354 ينسبه إلى المجموع فما أخرجته النسبة أوقع عقد الصلح عليه ~~ويصح ذلك ويلزم # المثال السادس والأربعون : إذا أوصى لرجل بخدمة عبده مدة معينة أو ما عاش ~~جاز PageV02P027 ذلك فإذا أراد الوارث أن يشتري من الموصى له خدمة العبد لم ~~يصح لأن الحق الموصى له به إنما هو في المنافع وبيع المنافع لا يجوز # والحيلة في الجواز : أن يصالحه الوارث من وصيته على مال معين فيجوز ذلك # وكذلك لو أوصى له بحمل شاته أو أمته أو بما يحمل شجره عاما فإذا أراد ~~الوارث شراءه منه لم يصح وله أن يصالحه عليه فإن الصلح وإن كان فيه شائبة ~~من البيع فهو أوسع منه # المثال السابع والأربعون : لو شجه رجل فعفا المشجوج عن الشجة وما يحدث ~~منها ثم مات منها لم يلزم الشاج شيئا ولو قال : عفوت عن هذه الجراحة أو ~~الشجة ولم يقل : وما يحدث منها فكذلك في إحدى الروايتين وفي الأخرى : تضمن ~~بقسطها من الدية # ولو قال : عفوت عن هذه الجناية فلا شيء له في السراية رواية واحدة # وعند أبي حنيفة له المطالبة بالدية في ذلك كله إلا إذا قال : عفوت عنها ~~وعما يحدث منها # فالحيلة في تخلص المعفو عنه : أن يشهد على المجني عليه : أنه عفا عن هذه ~~الجناية أو الشجة وما يحدث منها فيتخلص عند الجميع # المثال الثامن والأربعون : إذا مات وترك زوجة وورثة فأرادت الزوجة أن ~~يصالحها الورثة عن حقها نظرنا في التركة وفي الذي وقع عليه الصلح فإن كان ~~في التركة أثمان : ذهب وفضة فصالحتهم على شيء من الأثمان لم يصح لإفضائه ~~إلى الربا فإن صلحها بيع نصيبها منهم وإن صالحتهم على عرض أو عقار أو كان ~~في التركة دراهم فصالحتهم بدنانير أو بالعكس جاز ولا تضر جهالة حقها لأن ~~عقد الصلح أوسع من البيع كما تقدم # فإن كان في التركة ديون لم يصح الصلح لأن بيع الدين من غير الذي هو في ~~ذمته لا يصح ويحتمل أن يقول بصحته كما يصح عن المجهول وإن لم يصح ms355 بنفسه # فالحيلة في صلحها عن الدين أيضا : أن يعجل لها حصتها من الدين يقرضها ~~الورثة PageV02P028 ذلك وتوكلهم في اقتضائه ثم تصالحهم من الأعيان على ما ~~اتفقوا عليه لأنهم إذا أقرضوها حصتها من الدين ثم وكلتهم بقبض حصتها من ~~الدين فإذا قبضوا حصتها من الدين فقد حصل في أيديهم بمالها من جنس مالهم ~~عليها فيتقاصان ويكون عقد الصلح قد وقع على العروض والمتاع خاصة # فإن لم تطب أنفسهم أن يقرضوها قدر حصتها من الدين وأحبت تعجيل الصلح ~~صالحتهم عن حقها من المتاع والعروض دون الديون وكلما قبض من الدين شيء أخذت ~~حقها منه فإن تعسر ذلك وشق عليها وأحبت الخلاص حاسبوها في الصلح من الأعيان ~~بأكثر من حقها منها وأقرت أن الدين حق للورثة دونها من ثمن متاع باعه الميت ~~لهم فإن أرادوا قسمة الدين في الذمم فالمشهور : أنه لا يصح لأن الذمم لا ~~تتكافأ وفيه رواية أخرى تجوز قسمته وهي الصحيحة فإنه قد تكون مصلحة الورثة ~~والغرماء في # ذلك وتفاوت الذمم لا يمنع القسمة فإن التفاوت في المحل والمقسوم واحد ~~متماثل وإن اختلفت محاله وإذا كان الغرماء كلهم موسرين أو معسرين أو بعضهم ~~موسرا وبعضهم معسرا فأخذ كل من الورثة موسرا ومعسرا كان هذا عدلا غير ممتنع ~~وقد تراضوا به فلا وجه لبطلانه وبالله التوفيق # المثال التاسع والأربعون : إذا كان لرجل على رجل دين فقال : تصدق به عني ~~ففعل لم يبرأ وكان الصدقة عن المخرج ودينه باق قاله أصحابنا لأنه لم يتعين ~~ولأنه لا يكون مبرئا لنفسه بفعله قالوا : وطريق الصحة أن يقول : تصدق عني ~~بكذا بقدر دينه ويكون ذلك إقراضا منه فإذا فعل ثبت له في ذمته ذلك القدر ~~وعليه له مثله فيتقاصان PageV02P029 # وكذلك لو قال له : ضارب بالمال الذي عليك والربح بيننا لم يصح # والحيلة في صحته : أن يقول : أذنت لك في دفعه إلى ابنك أو زوجتك وديعة ثم ~~وكلتك في أخذه والمضاربة به # والظاهر : أنه لا يحتاج إلى شيء من ذلك ويكفي قبضه من نفسه لرب المال ms356 ~~وإذا تصدق عنه بالذي قال كان عن الآمر هذا هو الصحيح وهو تخريج لبعض ~~أصحابنا ولا حاجة به إلى هذه الحيلة فإذا عينه بالنية تعين وكان قابضا من ~~نفسه لموكله وأيمحذور في ذلك # المثال الخمسون : يجوز استئجار الأجير بطعامه وكسوته عندنا وكذلك الدابة ~~بعلفها وكذلك المرضعة وهو مذهب مالك وقال الشافعي : لا يجوز فيهما وجوزه ~~أبو حنيفة في الظئر خاصة # فإذا عقد الإجارة كذلك ثم خاف أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلانها فيلزمه ~~بأجرة مثله فالحيلة في تصحيح ذلك أن يستأجر بنقد معلوم يكون بقدر الطعام ~~والكسوة ثم يشهد عليه أنه وكله في إنفاق ذلك على نفسه وكسوته وكذلك في ~~الدابة المثال الحادي والخمسون : يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره المؤجره ~~كما يجوز لغيره وأبو حنيفة يبطل هذه الإجارة فالحيلة في لزومها : أن يؤجر ~~ذلك لأجنبي غير المؤجر ثم يؤجره إياها الأجنبي # المثال الثاني والخمسون : إذا كفل اثنان واحدا فسلمه أحدهما برىء الآخر ~~كما لو ضمنا دينا فقضاه أحدهما فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم لا يرى ذلك ويلزم ~~الآخر بتسليمه # فالحيلة في خلاصه : أن يكفلا هذا المكفول به على أنه إذا دفعه أحدهما ~~فهما جميعا بريئان أو يشهدا عليهما أن كل واحد منهما وكيل صاحبه في دفع ~~المكفول به إلى الطالب والتبرئة إليه منه فيبرآن على قول الجميع ~~PageV02P030 # المثال الثالث والخمسون : يصح ضمان المجهول وضمان ما لم يجب عندنا كما ~~يصح ضمان الدرك فإذا قال : ما أعطيت لفلان فأنا ضامن له صح ولزمه وقال ~~الشافعي : لا يصح # فالحيلة في صحته لئلا يبطل ذلك حاكم يرى بطلانه : أن يقول : ما أعطيت ~~لفلان من درهم إلى ألف فأنا ضامن له # فإن ضمنه اثنان وأطلقا جاز واستويا في الغرم فإن ضمناه على أن على أحدهما ~~الثلث وعلى الآخر الثلثين جاز ذلك لأن المال إنما يجب على كل منهما ~~بالتزامه فإذا التزماه على هذا الوجه صح # فإن أراد أحد الضامنين أن يضمن الآخر ما لزمه من هذا الضمان فيصير ضامنا ~~جاز ذلك أيضا ms357 لأن المال قد ثبت في ذمة كل واحد منهما فإذا ضمنه أحدهما جاز ~~كما يجوز في الأصل # المثال الرابع والخمسون : إذا اشترك رجلان شركة عنان فسافر أحدهما بالمال ~~بإذن شريكه فخاف أن يموت المقيم فيشتري بالمال بعد موته متاعا فيضمن لأنه ~~قد انتقل إلى الورثه وبطلت الشركة # فالحيلة في تخلصه من ذلك : أن يشهد على شريكه المقيم أن حصته في المال ~~الذي بينه وبينه لولده الصغار وقد أوصى إلى شريكه بالتصرف فيه وأمره أن ~~يشتري بها ما أحب في حياته وبعد وفاته فإن كان ولده كبارا أشهد على نفسه أن ~~هذا المال لهم ثم يأمر ولده الكبار هذا الشريك أن يعمل لهم في مالهم هذا ~~بما يرى ويشتري لهم ما أحب # المثال الخامس والخمسون : إذا كان لرجلين على امرأة ألف درهم مثلا ~~فتزوجها أحدهما على نصيبه في المال الذي عليها صح النكاح وبرئت ذمة المرأة ~~من ذلك المقدار ولم يلزم الزوج أن يضمن لصاحبه شيئا منه لأنه لم يقبض شيئا ~~من نصيبه ولم يحصل في ضمانه فجرى مجرى إبرائها له منه # وبعض الفقهاء يضمنه نصيب شريكه من المهر ويجعله كالمقبوض لأنه عاوض عليه ~~بالبضع فهو كما لو اشترى منها به سلعة فإنها تكون بينهما وههنا تعذرت ~~مشاركته في البضع فيشاركه في بدله وهو المهر فكأنها وفته نصيبه من الدين ~~PageV02P031 # وطريق الحيلة في تخليصه من ذلك : أن يهب لها نصيبه مما عليها ثم يتزوجها ~~بعد ذلك على خمسمائة في ذمته ثم تهب له المرأة ما لها عليه من الصداق فإن ~~أحد الشريكين إذا وهب نصيبه من المال المشترك لا يضمن لشريكه شيئا لأنه ~~متبرع # فإن خاف أن يهبها أو يبرئها فتعذر به ولا تتزوج به فالحيلة له : أن يشهد ~~على إقرارها أنه يستحق عليها ذلك المبلغ ما دامت أجنبية منه وأنه لا يستحق ~~على زوجته فلانة شيئا من ذلك المال # وأكثر ما فيه : أنه يسميها زوجة قبل العقد فإذا تم العقد برئت من الدين # فإن خاف أن لا تبرئه من الصداق ms358 وتطالبه به ويسقط حقه من المال الذي عليها ~~فالحيلة له : أن يشهد عليها في العقد : أنه برىء إليها من الصداق وأنها لا ~~تستحق المطالبة به # المثال السادس والخمسون : إذا أراد أن يشتري جارية وعرض له آخر يريد ~~شراءها فاستحلف أحدهما صاحبه : أنه إن اشتراها فهي بينه وبينه نصفين فأراد ~~أن يشتريها وتكون له تأول في يمينه : أنه إن اشتراها بنفسه فهي بينه وبينه ~~فإذا وكل من يشتريها له كانت له وحده # فإن استحلفه أنه إن ملكها فهو شريكه فيها بطلت هذه الحيلة فله أن يأمر من ~~يثق به أن يشتريها لنفسه ويؤدي هو عنه الثمن ثم يزوجه إياها فإذا أراد ~~بيعها استبرأها ثم أمر ذلك الرجل أن يبيعها ويرجع ثمنها إليه # المثال السابع والخمسون : إذا كان بينهما عرض من العروض فاشتراه منهما ~~أجنبي بمائة درهم وقبضه ثم إن المشترى أراد أن يصالح أحدهما من جميع الثمن ~~على بعضه على أن يضمن له الدرك من شريكه حتى يخلصه منه أو يرد عليه جميع ~~الثمن الذي وقع العقد عليه # فقال القاضي : لا يجوز ذلك لأن الضمان على شريكه إنما يجب بقبضه المال ~~وذلك لم يوجد فلا يكون مضمونا عليه # فالحيلة للمشتري : أن يكون بريئا وإن أدركه درك من شريكه رجع به على الذي ~~صالحه أن يحط الشريك المصالح عن المشتري نصيبه كله من الثمن ثم يدفع ~~المشتري إليه نصيب صاحبه فصالحه على أنه ضامن لما أدركه من شريكه حتى يخلصه ~~منه أو يرد عليه PageV02P032 ما قبضه منه ويبرئه هو من نصيبه لأنه إذا ~~أبرأه من نصيبه لم يبق من الدين إلا نصيب صاحبه فإذا قبضه كان مضمونا عليه ~~لأنه قبض دين الغير بغير أمره # المثال الثامن والخمسون : إذا كان عبد بين شريكين موسرين فأراد كل منهما ~~عتق نصيبه وأن لا يغرم لشريكه شيئا # فالحيلة : أن يوكلا رجلا فيعتقه عنهما ويكون ولاؤه بينهما المثال التاسع ~~والخمسون : إذا سأله عبده أن يزوجه أمته فحلف أن لا يفعل ثم بدا له في ~~تزويجه # فالحيلة : أن ms359 يبيع العبد والأمة لمن يثق به ثم يزوجه المشتري فإذا تم ~~العقد أقاله في البيع # ولا بأس بمثل هذه الحيلة فإنها لا تتضمن إبطال حق ولا تحليل محرم وذلك ~~غير ممتنع على أصلنا لأن الصفة وهي عقد النكاح قد وجدت في حال زوال ملكه ~~فلا يتعلق بها حنث ولا يحنث أيضا باستدامة التزويج بعد ملكهما لأن التزويج ~~عبارة عن العقد وقد انقضى وإنما بقي حكمه ولهذا لو حلف لا يتزوج فاستدام ~~التزويج لم يحنث وهذا بخلاف ما إذا حلف على عبده أنه لا يدخل الدار فباعه ~~ودخلها ثم ملكه فإن دخلها حنث لأنه ابتدأ الدخول واليمين باقية ولو دخلها ~~في حال زوال ملكه ثم ملكه وهو داخل فيها حنث لأن الدخول الأول عبارة عن ~~الكون وذلك موجود بعد الملك الثاني فيحنث به كما لو كان موجودا في الملك ~~الأول # وقد قال أحمد في رواية مهنا في رجل قال لامرأته : أنت طالق إن رهنت كذا ~~وكذا فإذا هي قد رهنته قبل يمينه فقال : أخاف أن يكون حنث # قال القاضي : وهذا محمول على أنه قال إن كنت رهنته وهذا تأويل منه لكلام ~~أحمد : فظاهر كلامه أنه جعل استدامة الرهن بمنزلة ابتدائه كالدخول # المثال الستون : إذا كان له عليه مال فمرض المستحق وأراد أن يبرئه منه ~~وهو يخرج من ثلثه فخاف أن تكتم الورثة ماله ويقولوا : لم يدع إلا الدين ~~الذي على هذا PageV02P033 # فالحيلة في خلاصه : أن يخرج المريض من ماله بقدر الدين الذي على غريمه ~~فيملكه إياه ثم يستوفيه منه ويشهد على ذلك وكذلك إذا أراد المريض أن يعتق ~~عبدا وله مال يخرج من ثلثه ويملكه ماله فخاف أن يقول الورثة : لم يخلف ~~الميت شيئا غير هذا العبد وماله # فالحيلة : أن يبيع المريض العبد من رجل يثق به ويقبض الثمن فيهبه للمشتري ~~ثم يعتقه المشتري # فإن كان على الميت دين وله وفاء وفضل يخرج العبد من ثلثه فخاف المريض أن ~~يغيب الورثة ماله ثم يقولوا : أعتق العبد ولا مال له غيره فلا ms360 نجيز له ما ~~صنع من ذلك # فالحيلة فيه : أن يبيع العبد من نفسه ويقبض الثمن منه بمحضر من الشهود ثم ~~يهب المريض للعبد ما قبض منه في السر فيأمن حينئذ من اعتراض الورثة فإن لم ~~يكن للعبد مال يشترى به نفسه وهبه مالا في السر وأقبضه إياه فيشتري به ~~العبد نفسه من سيده # فإن لم يرد السيد عتقه وأراد بيعه من بعض ورثته بمال على المريض ليست له ~~به بينة # فالحيلة في ذلك : أن يقبض وارثه ماله عليه في السر ثم يبيعه العبد ويشهد ~~له على ذلك ويقبض الثمن بمحضر من الشهود فيتخلص من اعتراض الورثة # المثال الحادي والستون : إذا أوصى إلى رجل فخاف أن لا يقبل فقال : إن لم ~~يقبل فلان وصيتي فهي لفلان صح ذلك بسنة رسول اللهالصحيحة الصريحة التي لا ~~تجوز مخالفتها حيث علق الإمارة بالشرط فتعليق الوصية أولى لأنه يستفيد ~~بالإمارة أكثر مما يستفيد بالوصية # وبعض الفقهاء يبطل ذلك # فالحيلة في ذلك : أن يشهد المريض أنهما جميعا وصياه فإن لم يقبل أحدهما ~~وقبل الآخر فالذي قبل منهما وصي وحده فإن قبلا جميعا فلكل واحد منهما أن ~~ينفرد بالتصرف عن صاحبه لأنه رضي بتصرف كل واحد منهما قاله القاضي ~~PageV02P034 # فإن خاف أن يمنع ذلك من لا يرى انفراد أحدهما بالتصرف ويقول : قد شرك ~~بينهما وجعلهما بمنزلة وصي واحد : # فالحيلة في الجواز : أن يقول : أوصيت إليهما على الاجتماع والانفراد # المثال الثاني والستون : إذا تصرف الوصي وباع واشترى وأنفق على اليتيم ~~فللحاكم أن يحاسبه ويسأله عن وجوه ذلك ولا يمنعه من محاسبته كونه أمينا فإن ~~النبي حاسب عماله كما ثبت في صحيح البخاري أنه بعث ابن اللتبية عاملا على ~~الصدقة فلما جاء حاسبه # فإن أراد الوصي أن يتخلص من ذلك فالحيلة له : أن يجعل غيره هو الذي يتولى ~~بيع التركة وقبض الدين والإنفاق ولا يشهد على نفسه بوصول شيء من ذلك إليه ~~فإذا سأله الحاكم قال : لم يصل إلى شيء من التركة ولا تصرفت فيها فإن كانت ~~التركة قد ms361 بيعت بأمره وقبض ثمنها بأمره وصرف بأمره فحلفه الحاكم إنه لم ~~يقبض ولم يوكل من قبض وتصرف وأنفق فإن كان محسنا قد وضع التركة موضعها ولم ~~يخن وسعه أن يتأول في يمينه وإن كان ظالما لم ينفعه تأويله # المثال الثالث والستون : يصح وقف الإنسان على نفسه على أصح الروايتين ~~ويجوز اشتراط النظر لنفسه ويجوز أن يستثني الإنفاق منه على نفسه ما عاش أو ~~على أهله وغيرنا ينازعنا في ذلك فإذا خاف من حاكم يبطل الوقف على هذا الوجه ~~فالحيلة له : أن يملكه لولده أو زوجته أو أجنبي يقفه عليه ويشترط له النظر ~~فيه PageV02P035 وأن يقدم على غيره من الموقوف عليهم بغلته أو بالإنفاق ~~عليه فيصح حينئذ ولا يبقى للاعتراض عليه سبيل # المثال الرابع والستون : إذا اشترى جارية وقبضها فوجد بها عيبا ولم يكن ~~نقد ثمنها فأراد ردها فصالحه البائع على أن يأخذ الجارية بأقل من الثمن ~~الذي اشتراها به # فقال القاضي : لا يجوز ذلك لأن هذا الصلح في معنى البيع وبيع المبيع من ~~بائعه بأقل من ثمنه لا يجوز لأنه ذريعة إلى الربا وهو كمسألة العينة فإن ~~كان قد حدث بالجارية عيب عند المشتري جاز ذلك لأن مقدارالحط يكون بإزاء ~~العيب الذي حدث عند المشتري فلا يؤدي إلى مسئلة العينة # والحيلة في جواز ذلك في الصورة الأولى على وجه لا يشبه العينة : أن يخرج ~~الجارية من ملكه فيبيعها الرجل بالثمن الذي يأخذها به البائع فيصالح الذي ~~في يده الجارية البائع على أن يقبلها بدون الثمن الذي وقع عليه العقد ويجعل ~~هذا الثمن الذي يأخذ به الجارية قضاء عن مشتري الجارية لأن المشتري الثاني ~~متى صالح البائع على أن يقبل الجارية بدون الثمن الذي اشتريت به فهو عقد ~~جرى بينهما مبتدأ من غير بناء أحد العقدين على الآخر فإذا اشتراها البائع ~~من هذا الثاني حصل ثمنها في ذمته له وله هو على المشتري الأول ثمنها فإذا ~~طالبه البائع بالثمن أحاله على المشتري الأول فيتقاصان # المثال الخامس والستون : الضمان لا تبرأ ذمة ms362 المضمون عنه بمجرده حيا كان ~~المضمون عنه أو ميتا # وفيه رواية أخرى : أنه يبرىء ذمة الميت دون الحي وهي مذهب أبي حنيفة # وفيه قول ثالث : أنه يبرىء ذمة الحي والميت كالحوالة وهو مذهب داود # فإذا أراد الضامن أن يكون ضمانه مبرئا لذمة المضمون عنه فالحيلة في ذلك : ~~أن يقول : لا أضمن دينه إلا بشرط أن تبرئه منه فمتى أبرأته منه فأنا ضامن ~~له ويصح تعليق الضمان بالشرط في أقوى الوجهين فإذا أبرأه صحت البراءة ولزم ~~الدين الضامن وحده # فإن خاف رب الدين أن يرفعه إلى حاكم لا يرى صحة الضمان المعلق فيبطل دينه ~~من ذمة الأصيل بالإبراء ولا يثبت له في ذمة الضامن PageV02P036 # فالحيلة له : أن يكتب ضمانه ضمانا مطلقا ويشهد عليه به من غير شرط بعد ~~إقراره ببراءة الأصيل فيحصل مقصودهما # المثال السادس والستون : الحوالة تنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال ~~عليه فلا يملك مطالبة المحيل بعد ذلك إلا في صورة واحدة وهي : أن يشترط ~~ملاءة المحال عليه فيتبين مفلسا # وعند أبي حنيفة : إذا توى المال على المحال عليه بأن جحده حقه إذ قرار ~~المحال على المحال عليه فإن جحده حقه وحلف عليه أو مات مفلسا رجع على ~~المحيل # وعند مالك : إن ظن ملاءته فبان مفلسا رجع وإن طرأ عليه الفلس لم يكن له ~~الرجوع # فإذا أراد صاحب الحق التوثق لنفسه وأنه إن توى ماله على المحال عليه رجع ~~على المحيل # فالحيلة له في ذلك : أن يحتال حوالة قبض لا حوالة استيفاء فيقول للمحيل : ~~أحلني على غريمك أن أقبض لك ما عليه من الدين فيجيبه إلى ذلك فما قبضه منه ~~كان على ملك المحيل فيأذن له في استيفائه # فإن خاف المحيل أن يهلك هذا المال في يد القابض ولا يغرمه لأنه وكيل في ~~قبضه # فالحيلة أن يقول له : ما قبضته فهو قرض في ذمتك فيثبت في ذمته نظير ماله ~~عليه فيتقاصان # فالحوالة ثلاثة أنواع : حوالة قبض محض فهي وكالة وحوالة استيفاء وهي التي ~~تنقل الحق وحوالة إقراض ms363 # فالأولى لا تثبت المقبوض في ذمة المحال والثانية تجعل حقه في ذمة المحال ~~عليه والثالثة تثبت المأخوذ في ذمته بحكم الاقتراض المثال السابع والستون : ~~إذا ضمن الدين ضامن فلمستحقه مطالبة أيهما شاء # وعن مالك روايتان إحداهما : كذلك والثانية : أنه ليس له مطالبة الضامن ~~إلا إذا تعذر مطالبة الأصيل # فإن أراد الضامن أن يضمن على هذا الوجه فالحيلة أن يقول : إن تعذر مالك ~~قبله فأنا ضامن له ويصح تعليق الضمان على الشرط على الأصح PageV02P037 # فإن أراد أن يصحح ذلك على كل قول ويأمن رفعه إلى من يرى بطلان ذلك # فالحيلة فيه : أن يقول : ضمنت لك ما يتوى لك على فلان أو يعجز عن أدائه ~~فيصح ذلك ولا يتمكن من مطالبته إلا إذا توى المال على الأصيل أو عجز عنه # المثال الثامن والستون : إذا بذت عليه امرأته فقال : الطلاق يلزمني منك ~~لا تقولين لي شيئا إلا قلت لك مثله فقالت : أنت طالق ثلاثا فقال بعضهم : ~~يقول لها : أنت طالق ثلاثا بفتح التاء ولا تطلق لأن الخطاب لا يصلح لها ~~وهذا ضعيف جدا لأن قوله : أنت طالق إما أن يعنيها به أو يعني غيرها فإن لم ~~يعنها لم يكن قد قال لها مثل ما قالت بل يكون القول لغيرها فلا يبر به وإن ~~عناها به طلقت للمواجهة وفتح التاء لا يمنع صحة الخطاب والمعنى : أنت أيها ~~الشخص أو الإنسان # ثم ما يقول هذا القائل : إذا قالت له : فعل الله بك كذا فقال لها : فعل ~~الله بك وفتح الكاف هل يكون بارا في يمينه بذلك فإن قال : لا يبر لزمه مثله ~~في الطلاق وإن قال : يبر كان قائلا لها مثل ذلك فيكون مطلقا لها # وأجود من هذا أن يكون قوله على التراخي ما لم يقيده بالفور بلفظه أو نيته # وقالت طائفة : يقول لها : أنت طالق ثلاثا إن لم أفعل كذا وكذا أو إن فعلت ~~لما لا تقدر هي عليه فيكون قد قال لها مثل ما قالت وزاد عليه وفي هذا ضعف ~~لا يخفى لأن ms364 هذه الزيادة تنقص الكلام فهي زيادة في اللفظ ونقصان في المعنى ~~فإنه إذا علق الطلاق بشرط خرج من التنجيز إلى التعليق وصار كله كلاما واحدا ~~وهي لم تعلق كلامها وإنما نجزته فالمماثلة تقتضي تنجيزا مثله # وأجود من هذا كله أن يقال : لا يدخل هذا الكلام الذي صدر منها في يمينه ~~لأنه لم يرده قطعا ولا خطر بباله فيمينه لم يتناوله فهو غير محلوف عليه بلا ~~شك واللفظ العام يختص بالنية والعرف والعرف في مثل هذا لا يدخل فيه قولها ~~له ذلك والأيمان يرجع فيها إلى العرف والنية والسبب وهذا مطرد ظاهر على ~~أصول مالك وأحمد في اعتبارهم PageV02P038 عرف الحالف ونيته وسبب يمينه ~~والله أعلم # المثال التاسع والستون : يجوز أن يستأجر الشاة والبقرة ونحوهما مدة ~~معلومة للبنها ويجوز أن يستأجرها لذلك بعلفها وبدراهم مسماة والعلف عليه ~~هذا مذهب مالك وخالفه الباقون وقوله هو الصحيح واختاره شيخنا لأن الحاجة ~~تدعو إليه ولأنه كاستئجار الظئرللبها مدة ولأن اللبن وإن كان عينا فهو ~~كالمنافع في استخلافه وحدوثه شيئا بعد شيء ولأن إجارة الأرض لما نبت فيها ~~من الكلأ والشوك جائزة وهو عين ولأن اللبن 4 حصل بعلفه وخدمته فهو كحصول ~~المغل ببذره وخدمته ولا فرق بينهما فإن تولد اللبن من العلف كتولد المغل من ~~البذر فهذا من أصح القياس # وأيضا فإنه يجوز أن يقفها فينتفع الموقوف عليها بلبنها وحق الواقف إنما ~~هو في منفعة الموقوف مع بقاء عينه # وأيضا فإنه يجوز أن يمنحها غيره مدة معلومة لأجل لبنها وهي باقية على ملك ~~المانح فتجري منحتها مجرى إعارتها والعارية إباحة المنافع فإذا كان اللبن ~~يجري مجرى المنفعة في الوقف والعارية جرى مجراها في الإجارة # وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى قال @QB@ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن @QE@ ~~[ الطلاق : 6 ] فسمى ما تأخذه المرضعة في مقابلة اللبن أجرا ولم يسمه ثمنا # وأيضا فيجوز أن يستأجر بئرا مدة معلومة لمائها والماء لم يحصل بعمله فلأن ~~يجوز استئجار الشاة للبنها الحاصل بعلفه والقيام عليها أولى # وأيضا فإنه يجوز أن يستأجر ms365 بركة يعشعش فيها السمك لأجله فهذا أولى ~~بالجواز لأنه معلوم بالعرف وهو حاصل بعلفه والقيام على الحيوان # وقياس المنع على تحريم بيع اللبن في الضرع قياس فاسد فإن ذاك بيع مجهول ~~لا يعرف قدره وما يتحصل منه وهو بيع معدوم فلا يجوز والإجارة أوسع من البيع ~~ولهذا يجوز على المنافع المعدومة المستخلفة شيئا بعد شيء فاللبن في ذلك ~~كالمنفعة سواء وإن كان عينا فهذا القول هو الصحيح PageV02P039 # فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم يبطل هذا العقد : # فالحيلة في لزومه : أن يؤجره الحيوان مدة بدارهم مسماة ثم يأذن له في ~~علفه بها ويبيحه اللبن # وهذه الحيلة تتأتي في إجارة البقرة والناقة والجاموس إذ يمكن الحرث عليها ~~وركوبها وأما الشاة فلا يراد منها إلا الدر والنسل فلا تتهيأ الإجارة على ~~منفعتها فالطريق في ذلك : أن يستأجرها لرضاع سخلة له مدة معلومة ويوكله في ~~النفقة عليها بأجرتها أو ببعضها ويبيحه اللبن # المثال السبعون : إذا دفع إليه ثوبه وقال : بعه بعشرة فما زاد فلك فنص ~~أحمد على صحته تبعا لعبدالله بن عباس ووافقه إسحاق ومنعه أكثرهم # ووجه الخلاف : أن في هذا العقد شائبة الوكالة والإجارة والمضاربة فمن رجح ~~جانب الوكالة صحح العقد ومن رجح جانب الإجارة أو المضاربة أبطله لأن الأجرة ~~والربح الذي جعل له مجهول # والصحيح : الجواز لأن العشرة تجري مجرى رأس المال في المضاربة وما زاد ~~فهو كالربح فإذا جعله كله له كان بمنزلة الإبضاع إذا دفع إليه مالا يضارب ~~به وقال : ما ربحت فهو لك فليس العقد من باب الإجارات بل هو بالمشاركات ~~أشبه # فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلانه # فالحيلة في ذلك : أن يقول : وكلتك في بيعه بعشرة : فإن بعته بأكثر فلا حق ~~لي في # الزيادة فيصح هذا وتكون الزيادة للوكيل # المثال الحادي والسبعون : قال الإمام أحمد في رواية مهنى : لا بأس أن ~~يحصد الزرع ويصرم النخل بسدس ما يخرج منه وهو أحب إلي من المقاطعة يعني أن ~~يقاطعه على كيل معين أو دراهم أو عروض # وكذلك نص ms366 في رواية الأثرم وغيره في رجل دفع دابته إلى آخر ليعمل عليها ~~وما رزق الله بينهما نصفين : أن ذلك جائز # وقال أحمد أيضا : لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع لحديث جابر : أن ~~النبي PageV02P040 أعطى خيبر على الشطر ونقل عنه أبو داود فيمن يعطي فرسه ~~على النصف من الغنيمة أرجو أن لا يكون به بأس # وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم : إذا كان على النصف والربع فهو جائز # ونقل عنه أحمد بن سعيد فيمن دفع عبده إلى رجل ليكتسب عليه ويكون له ثلث ~~الكسب أو ربعه أنه جائز # ونقل عنه حرب فيمن دفع ثوبا إلى خياط ليفصله قمصانا يبيعها وله نصف ربحها ~~بحق عمله فهو جائز ونص في رجل دفع غزله إلى رجل ينسجه ثوبا بثلث ثمنه أو ~~ربعه : أنه جائز # وقال في المغني : وعلى قياس قول أحمد : يجوز أن يعطى الطحان أقفزة معلومة ~~يطحنها بقفيز دقيق منها # وحكى عن ابن عقيل المنع منه واحتج بأن رسول اللهنهى عن قفيز الطحان قال ~~الشيخ وهذا الحديث لا نعرفه ولا ثبت عندنا صحته : وقياس قول أحمد : جوازه ~~لما ذكرنا عنه من المسائل # وكذلك لو دفع شبكته إلى صياد ليصيد بها والسمك بينهما نصفين قال في ~~المغني : فقياس قول أحمد صحة ذلك والسمك بينهما شركة وقال ابن عقيل : السمك ~~للصائد ولصاحب الشبكة أجرة مثلها # ولو كان له على رجل مال فقال لرجل : اقبضه منه ولك ربعه أو قال : كل ثلثه ~~أو ما قبضته منه فلك منه الربع أو الثلث فهو جائز PageV02P041 # وكذلك لو غصبت منه عين فقال لرجل : خلصها لي ولك نصفها جاز أيضا # ولو غرق متاعه في البحر فقال لرجل : ما خلصته منه فلك نصفه أو ربعه جاز ~~ولو أبق عبده فقال لرجل أو قال : من رده علي فله فيه نصفه أو ربعه أو شردت ~~دابته فقال ذلك صح ذلك كله # قلت : وكذلك يجوز أن يقول له : انقض لي هذا الزيتون بالسدس أو الربع أو ~~اعصره بالثلث أو الربع أو اكسر هذا الحطب ms367 بالربع أو اخبز هذا العجين بالربع ~~وما أشبه ذالك فكل هذا جائز على نصوصه وأصوله وهو أحب من المقاطعة في بعض ~~الصور # ولم يجوز الشافعي وأبو حنيفة شيئا من ذلك # وأما مالك فقال أصحابه عنه : إذا قال : احصد زرعي ولك نصفه فذلك جائز وإن ~~قال : احصد اليوم فما حصدت فلك نصفه لم يجز عند ابن القاسم وفي العينية أنه ~~يجوز # فإن قال : القط زيتوني فما لقطت فلك نصفه فهو جائز عند ابن القاسم وروى ~~سحنون أنه لا يجوز ولو قال : انقض زيتوني فما نقضت فلك نصفه لم يجز عند ابن ~~القاسم وأجازه عبد الملك بن حبيب # فإن قال : اقبض لي المائة دينار التي على فلان ولك عشرها جاز عند ابن ~~القاسم وابن وهب وعند أشهب لا يجوز # فلو قال : اقبض دينى الذي على فلان ولك من كل عشرة واحد ولم يبين قدر ~~الدين لم يجز عند ابن وهب وأجازه ابن القاسم وأصبغ # والذين منعوا الجواز في ذلك جعلوه إجارة والأجر فيها مجهول والصحيح : أن ~~هذا ليس من باب الإجارات بل من باب المشاركات وقد نص أحمد على ذلك # فاحتج على جواز دفع الثوب بالثلث والربع بحديث خيبر وقد دلت السنة على ~~جواز ذلك كما في المسند والسنن عن رويفع بن ثابت قال : إن كان أحدنا في زمن ~~رسول الله PageV02P042 ليأخذ نضو أخيه على أن له النعصف مما يغنم ولنا ~~النصف وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح وأصل هذا كله : أن ~~النبي دفع أرض خيبر إلى اليهود يعملونها بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع ~~وأجمع المسلمون على جواز المضاربة وأنها دفع ماله لمن يعمل عليه بجزء من ~~ربحه فكل عين تنمى فائدتها من العمل عليها جاز لصاحبها دفعها لمن يعمل ~~عليها بجزء من ربحها # فهذا محض القياس وموجب الأدلة وليس مع المانعين حجة سوى ظنهم أن هذا من ~~باب الإجارات بعوض مجهول وبهذا أبطلوا المساقاة والمزارعة واستثنى قوم بعض ~~صورها وقالوا : المضاربة على خلاف القياس لظنهم ms368 أنها إجارة بعوض عنده لم ~~يعلم قدره # وأحمد رحمه الله عنده هذا الباب كله أطيب وأحل من المؤجراة لأنه في ~~الإجارة يحصل PageV02P043 على سلامة العوض قطعا والمستأجر متردد بين سلامة ~~العوض وهلاكه فهو على خطر وقاعدة العدل في المعاوضات : أن يستوى المتعاقدان ~~في الرجاء والخوف وهذا حاصل في المزارعة والمساقاة والمضاربة وسائر هذه ~~الصور الملحقة بذلك فإن المنفعة إن سلمت سلمت لهما وإن تلفت تلفت عليهما ~~وهذا من أحسن العدل # واحتج المتأخرون من المانعين بحديث أبي سعيد الذي رواه الدارقطنى نهي عن ~~قفيز الطحان وهذا الحديث لا يصح وسمعت شيخ الإسلام يقول : هو موضوع # وحمله بعض أصحابنا على أن المنهي عنه طحن الصبرة لا يعلم كيلها بقفيز ~~منها لأن ما عداه مجهول فهو كبيعها إلا قفيزا منها فأما إذا كانت معلومة ~~القفزان فقال : اطحن هذه العشرة بقفيز منها صح حبا ودقيقا أما إذا كان حبا ~~فقد استأجره على طحن تسعة أقفزة بقفيز حنطة وأما إذا كان دقيقا فقد شاركه ~~في ذلك على أن العشر للعامل وتسعة الأعشار للآخر فيصيرشريكه بالجزء المسمى # فإن قيل فالشركة عندكم لا تصح بالعروض # قيل : بل أصح الروايتين صحتها وإن قلنا بالرواية الأخرى فإلحاق هذه ~~بالمساقاة والمزارعة أولى بها من إلحاقها بالمضاربة على العروض لأن ~~المضاربة بالعروض تتضمن التجارة والتصرف في رقبة المال بإبداله بغيره بخلاف ~~هذا فإن قيل : دفع حبه إلى من يطحنه بجزء منه مطحونا أو غزله إلى من ينسجه ~~بجزء منه منسوجا : يتضمن محذورين أحدهما : أن يكون طحن قدرالأجرة ونسجه ~~مستحقا على العامل بحكم الإجارة ومستحقا له بحكم كونه أجرة وذلك متناقض فإن ~~كونه مستحقا عليه يقتضي مطالبة المستأجر به وكونه مستحقا له يقتضي مطالبة ~~المؤجر به الثاني : أن يكون بعض المعقود عليه هو العوض نفسه وذلك ممتنع # قيل : إنما نشأ هذا من ظن كونه إجارة وقد بينا أنه مشاركة لا إجارة ولو ~~سلم أنه PageV02P044 من باب المؤاجرة فلا تناقض في ذلك فإن جهة الاستحقاق ~~مختلفة فإنه مستحق له بغير الجهة التي يستحق ms369 بها عليه فأي محذور في ذلك # وأما كون بعض المعقود عليه يكون عوضا فهو إنما عقد على عمله فالمعقود ~~عليه العمل والنفع بجزء من العين وهذا أمر متصور شرعا وحسا # فظهر أن صحة هذا الباب هى مقتضى النص والقياس وبالله التوفيق # وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة لتصحيح ذلك إلا إذا خيف غدر أحدهما وإبطاله ~~للعقد والرجوع إلى أجرة المثل # فالحيلة في التخلص من ذلك : أن يدفع إليه ربع الغزل والحب أو نصفه ويقول ~~: انسج لي باقيه بهذا القدر فيصيران شريكين في الغزل والحب فإذا تشاركا فيه ~~بعد ذلك صح وكان بينهما على قدر ما شرطاه والعجب أن المانعين جوزوا ذلك على ~~هذا الوجه وجعلوه مشاركة لا مؤاجرة فهلا أجازوه من أصله كذلك وهل الاعتبار ~~في العقود إلا بمقاصدها وحقائقها ومعانيها دون صورها وألفاظها وبالله ~~التوفيق # المثال الثاني والسبعون : إذا كان لرجل على رجل دين فتوارى عن غريمه وله ~~هو دين على آخر فأراد الغريم أن يقبض دينه من الدين الذي له على ذلك لم يكن ~~له ذلك إلا بحوالة أو وكالة وقد توارى عنه غريمه فيتعذر عليه الحوالة ~~والوكالة # فالحيلة له في اقتضاء دينه من ذلك : أن يوكله فيقول : وكلتك في اقتضاء ~~ديني الذي على فلان وبالخصومة فيه ووكلتك أن تجعل ماله عليك قصاصا مما لي ~~عليه وأجزت أمرك في ذلك فيقبل الوكيل ويشهد عليه شهودا ثم يشهد الوكيل ~~أولئك الشهود أو غيرهم : أن فلانا وكلني بقبض ماله على فلان وأن أجعله ~~قصاصا بما لفلان علي وأجاز أمري في ذلك وقد قبلت من فلان ما جعل إلى من ذلك ~~واشهدوا أني قد جعلت الألف درهم التي لفلان على قصاصا بالألف التي لفلان ~~موكلي عليه فتصير الألف قصاصا ويتحول ما كان للرجل المتواري على هذا الوكيل ~~للرجل الذي وكله # المثال الثالث والسبعون : إذا كان لرجل على رجل مال فغاب الذي عليه المال ~~وأراد PageV02P045 الرجل أن يثبت ماله عليه حتى يحكم الحاكم عليه وهو غائب ~~جاز للحاكم أن يحكم عليه في ms370 حال غيبته مع بقائه على حجته في أصح المذهبين ~~وهو قول أحمد في الصحيح عنه ومالك والشافعي وعند أبي حنيفة لا يجوز الحكم ~~على الغائب # فإذا لم يكن في الناحية إلا حاكم يرى هذا القول ويخشى صاحب الحق من ضياع ~~حقه # فالحيلة له : أن يجىء برجل فيضمن لهذا الرجل الذي له المال جميع ماله على ~~الرجل الغائب ويسميه وينسبه ويشهد على ذلك ثم يقدمه إلى القاضي فيقر الضامن ~~بالضمان ويقول : قد ضمنت له ماله على فلان بن فلان ولا أدري كم له عليه ولا ~~أدري : له عليه مال أم لا فإن القاضي يكلف المضمون له أن يحضر بينته على ~~ذلك بماله على فلان فإذا أحضر البينة قبلها القاضي بمحضر من هذا الضمين ~~وحكم على الغائب وعلى هذا الضامن المال بموجب ضمانه ويجعل القاضي هذا ~~الضمين بالمال خصما على الغائب لأنه قد ضمن ما عليه ولا يجوز الحكم على هذا ~~الضمين حتى يحكم على المضمون عنه ثم يحكم بذلك على الضمين لأنه فرعه فما لم ~~يثبت المال على الأصل لا يثبت على الفرع # المثال الرابع والسبعون : إذا غصبه متاعا له ويقر له في السر بعينه ~~ويجحده في العلانية ويريد تخليص ماله منه # فالحيلة له : أن يبيعه ممن يثق به ويشهد له على ذلك ببينة عادلة ثم يبيعه ~~بعد ذلك من الغاصب ويكون بين البيعين من المدة ما يعرفه الشهود ليوقتوا ~~بذلك عند الأداء فإذا أشهد الغاصب بالبيع في الوقت المعين جاء الذي باع منه ~~المغصوب قبله ببينته فيحكم له السبق بينته فيرجع الغاصب على المغصوب منه ~~بالثمن الذي دفعه إليه ويسلم العين للمغصوب منه # وكذلك لو أقر بها المغصوب منه لرجل يثق به ثم باعها بعد ذلك للغاصب ثم ~~جاء المقر له فأقام بينة على الإقرار السابق # فإن قيل : فلو خاف الغاصب من هذه الحيلة وقال للمغصوب منه : لست أبتاع ~~منك PageV02P046 هذه السلعة خشية هذا الصنيع ولكن آمر من يبتاعها منك لي ~~فأراد المغصوب منه حيلة ترجع إليه بها سلعته # فالحيلة ms371 : أن يبيعها أولا ممن يثق به ولا يكتب في كتاب هذا الشراء الثاني ~~قبض المشتري فإنه إذا أقر وكيل الغاصب بقبض العين من المغصوب منه ثم جاء ~~الرجل الذي كتب له المغصوب منه الشراء كان أولى بها من وكيل الغاصب لأن وقت ~~شرائه أقدم وإقراره بقبضها وتسليمها إلى الرجل المشتري لها أولا أولى ويرجع ~~وكيل الغاصب على المغصوب بالثمن الذي دفعه إليه # المثال الخامس والسبعون : إذا أقرضه مالا وأجله لزم تأجيله على أصح ~~المذهبين وهو مذهب مالك وقول في مذهب أحمد والمنصوص عنه : أنه لا يتأجل كما ~~هو قول الشافعي وأبي حنيفة ويدل على التأجيل قوله تعالى : @QB@ أوفوا ~~بالعقود @QE@ [ ] وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون ~~كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون [ ] وقوله @QB@ وأوفوا بالعهد ~~@QE@ [ ] وقوله المسلمون عند شروطهم وقوله آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ~~وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وقوله ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم ~~القيامة بقدر غدرته وقوله لا تغدروا وقوله إن الغدر لا يصلح وقوله في صفة ~~المنافق إذا وعد أخلف وإخلاف الوعد مما فطر الله العباد على ذمه واستقباحه ~~وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح وعلى هذا فلا حاجة إلى التحيل ~~على لزوم التأجيل # وعلى القول الآخر : قد يحتاج إلى حيلة يلزم بها التأجيل # فالحيلة فيه أن يحيل المستقرض صاحب المال بماله إلى سنة أو نحوها بقدر ~~مدة التأجيل فيكون المال على المحتال عليه إلى ذلك الأجل ولا يكون للطالب ~~ولا لورثته على المستقرض سبيل ولا على المحال عليه إلى الأجل فإن الحوالة ~~تنقل الحق PageV02P047 # ولو أحال المحال عليه صاحب المال على رجل آخر إلى ذلك الأجل جازت الحوالة ~~فإن مات المحال عليه الأول لم يكن لصاحب المال على تركته سبيل لا على ~~المحال عليه الثاني المثال السادس والسبعون : إذا رهنه دارا أو سلعة على ~~دين وليس عنده من يشهد على قدر الدين ويكتبه فالقول قول المرتهن في قدره ما ~~لم يدع أكثر من قيمته ms372 هذا قول مالك وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد : القول ~~قول الراهن وقول مالك هو الراجح وهو اختيار شيخنا لأن الله سبحانه جعل ~~الرهن بدلا من الكتاب يشهد بقدر الحق والشهود التي تشهد به وقائما مقامه ~~فلو لم يقبل قول المرتهن في ذلك بطلت الوثيقة من الرهن وادعى المرتهن أنه ~~رهن على أقل شىء فلم يكن في الرهن فائدة والله سبحانه قد قال في آية ~~المداينة : [ ] التي أرشد بها عباده إلى حفظ حقوق بعضهم على بعض خشية ~~ضياعها بالجحود أو النسيان فأرشدهم إلى حفظها بالكتاب وأكد ذلك بأن أمرهم ~~بكتابة الدين وأمر الكاتب أن يكتب ثم أكد ذلك بأن نهاه أن يأبى أن يكتب ثم ~~أعاد الأمر بأن يكتب مرة أخرى وأمر من عليه الحق أن يملل ويتقي ربه فلا ~~يبخس من الحق شيئا فإن تعذر إملاؤه لسفهه أو صغره أو جنونه أو عدم استطاعته ~~فوليه مأمور بالإملاء عنه # وأرشدهم إلى حفظها باستشهاد شهيدين من الرجال أو رجل وامرأتين فأمرهم ~~بالحفظ بالنصاب التام الذي لا يحتاج صاحب الحق معه إلى يمين ونهى الشهود أن ~~يأبوا إذا دعوا إلى إقامة الشهادة # ثم أكد ذلك عليهم بنهيهم أن يمتنعوا من كتابة الحقير والجليل من الحقوق ~~سآمة ومللا # وأخبر أن ذلك أعدل عنده وأقوم للشهادة فيتذكرها الشاهد إذا عاين خطه ~~فيقيمها وفي ذلك تنبيه على أن له أن يقيمها إذا رأى خطه وتيقنه وإلا لم يكن ~~بالتعليل بقوله @QB@ وأقوم للشهادة @QE@ فائدة # وأخبر أن ذلك أقرب إلى اليقين وعدم الريب ثم رفع عنهم الجناح بترك ~~الكتابة PageV02P048 إذا كان بيعا حاضرا فيه التقابض من الجانبين يأمن به ~~كل واحد من المتبايعين من جحود الآخر ونسيانه # ثم أمرهم مع ذلك بالإشهاد إذا تبايعوا خشية الجحود وغدر كل واحد منهما ~~بصاحبه فإذا أشهدا على التبايع أمنا ذلك # ثم نهى الكاتب والشهيد عن أن يضارا إما بأن يمتنعا من الكتابة والشهادة ~~تحملا وأداء أو أن يطلبا على ذلك جعلا يضر بصاحب الحق أو بأن يكتم الشاهد ~~بعض الشهادة أو ms373 يؤخر الكتابة والشهادة تأخيرا يضر بصاحب الحق أو يمطلاه ~~ونحو ذلك أو هو نهي لصاحب الحق أن يضار الكاتب والشهيد بأن يشغلهما عن ~~ضرورتهما وحوائجهما أو يكلفهما من ذلك ما يشق عليهما ثم أخبر أن ذلك فسوق ~~بفاعله # فهذا كله عند القدرة على الكتاب والشهود # ثم ذكر ما تحفظ به الحقوق عند عدم القدرة على الكتاب والشهود وهو السفر ~~في الغالب فقال : @QB@ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة @QE@ # فدل ذلك دلالة بينة أن الرهان قائمة مقام الكتاب والشهود شاهدة مخبرة ~~بالحق كما يخبر به الكتاب والشهود # وهذا والله أعلم سر تقييد الرهن بالسفر لأنه حال يتعذر فيها الكتاب الذي ~~ينطق بالحق غالبا فقام الرهن مقامه وناب منابه وأكد ذلك بكونه مقبوضا ~~للمرتهن حتى لا يتمكن الراهن من جحده # فلا أحسن من هذه النصيحة وهذا الإرشاد والتعليم الذي لو أخذ به الناس لم ~~يضع في الأكثر حق أحد ولم يتمكن المبطل من الجحود والنسيان # فهذا حكمه سبحانه المتضمن لمصالح العباد في معاشهم ومعادهم # والمقصود : أنه لو لم يقبل قول المرتهن على الراهن في قدر الدين لم يكن ~~وثيقة ولا PageV02P049 حافظا لدينه ولا بدلا من الكتاب والشهود فإن الراهن ~~يتمكن من أخذه منه ويقول : إنما رهنته منه على ثمن درهم ونحوه ومن يجعل ~~القول قول الراهن فإنه بصدقه على ذلك ويقبل قوله في رهن الربع والضيعة على ~~هذا القدر # فالذي نعتقده وندين الله به : هو قول أهل المدينة فإذا أراد الرجل حفظ ~~حقه وخاف أن يقع التحاكم عند حاكم لا يرى هذا المذهب # فالحيلة في قبول قوله : أن يسترهنه المرتهن على قيمته ويدفع إليه ما ~~اتفقا عليه ويشهد الراهن أن الباقي من قيمته أمانة عنده أو قرض في ذمته ~~يطالبه به متى شاء فيتمكن كل واحد منهما من أخذ حقه ويأمن ظلم الآخر له ~~والله أعلم # المثال السابع والسبعون : إذا كان لرجل على رجل ألف درهم وفي يده رهن ~~بالألف فطلب صاحب الدين الغريم بالألف وقدمه إلى الحاكم وقال ms374 : لي على هذا ~~ألف درهم وخاف أن يقول : وله عندي رهن بالألف وهو كذا وكذا فيقول الغريم : ~~ماله علي هذه الألف التي يدعيها ولا شيء منها وهذا الذي ادعى أنه لي رهن في ~~يده هو لي كما قال ولكنه ليس برهن بل وديعة أو عارية فيأخذه منه ويبطل حقه # فالحيلة في أمنه من ذلك : أن يدعي بالألف فيسأل الحاكم المطلوب عن المال ~~فإما أن يقر به وإما أن ينكره فإن أقر به وادعى أن له رهنا لزمه المال ودفع ~~الرهن إلى صاحبه أو بيع في وفائه وإن أنكره وقال : ليس له علي شيء ولي عنده ~~تلك العين : إما الدار وإما الدابة فليقل صاحب الحق للقاضي : سله عن هذا ~~الذي يدعي علي : على أي وجه هو عندي أعارية أم غصب أم وديعة أم رهن فإن ~~ادعى أنه في يده على غير وجه الرهن حلف على إبطال دعواه وكان صادقا وإن ~~ادعى أنه في يده على وجه الرهن قال للقاضي : سله : على كم هو رهن فإن أقر ~~بقدر الحق أقر له بالعين وطالب بحقه وإن جحد بعضه حلف على نفي ما ادعاه ~~وكان صادقا المثال الثامن والسبعون : إذا باعه سلعة ولم يقبضه إياها أو ~~آجره دارا ولم يتسلمها أو زوجه ابنته ولم يسلمها إليه ثم ادعى عليه بالثمن ~~أو الأجرة أو المهر فخاف إن أنكر أن يستحلفه أو يقيم عليه البينة بجريان ~~هذه العقود وإن أقر لزمه ما ادعى عليه به PageV02P050 # فالحيلة في تخلصه : أن يقول في الجواب : إن ادعيت هذا المبلغ من ثمن مبيع ~~لم أقبضه أو إجارة دار لم تسلمها إلي أو نكاح امرأة لم تسلمها إلي أو كانت ~~المرأة هي التي ادعت فقال : إن ادعيت هذا المبلغ من مهر أو كسوة أو نفقة من ~~نكاح لم تسلمي إلي نفسك فيه ولم تمكنيني من استيفاء المعقود عليه فأنا مقر ~~به وإن كان غير ذلك فلا أقر به وهذا جواب صحيح يتخلص به # فإن قيل : فهذا تعليق للإقرار بالشرط والإقرار لا ms375 يصح تعليقه كما لو قال ~~: إن شاء الله أو إن شاء زيد فله علي ألف # قيل : بل يصح تعليق الإقرار بالشرط في الجملة كقوله : إذا جاء رأس الشهر ~~فله علي ألف فهذا إقرار صحيح ولا يلزمه قبل مجيء الشهر وكذا لو قال : إن ~~شهد فلان علي بما ادعاه صدقته صح التعليق فإذا شهد به عليه فلان كان مقرا ~~به ولا فرق بين تقديم الشرط وتأخيره كما في تعليق الطلاق والعتاق والخلع # وفيه وجه آخر : أنه إن أخر الشرط لم ينفعه وكان إقرارا ناجزا وهذا ضعيف ~~جدا فإن الكلام بآخره ولو بطل الشرط الملحق به لبطل الاستثناء والبدل ~~والصفة فإن ذلك يغير الكلام ويخرجه من العموم إلى الخصوص والشرط يخرجه من ~~الإطلاق إلى التقييد فهو أولى بالصحة # وقد جاء تأخير الشرط في القرآن فيما هو أبلغ من الإقرار كقوله تعالى ~~حاكيا عن نبيه شعيب أنه قال لقومه : @QB@ قد افترينا على الله كذبا إن عدنا ~~في ملتكم @QE@ [ ] # وقد وافق صاحب هذا الوجه على أنه إذا قال : له علي ألف درهم إذا جاء رأس ~~الشهر : أنه يصح وجها واحدا وهذا يبطل تعليله بأن إلحاق الشرط بعد الخبر ~~كالرجوع عن الإقرار وعلى هذا فلو قال : له علي ألف مؤجلة صح الإقرار ولزمه ~~الألف مؤجلا # وقيل : القول قول خصمه في حلوله وشبهة هذا : أنه مقر بالدين مدع لتأجيله ~~وهذا ظاهر البطلان فإنه إنما أقر به على هذه الصفة فلا يجوز إلزامه به ~~مطلقا كما لو وصفها بنقد غير النقد الغالب أو استثنى منها شيئا PageV02P051 # وكذا لو قال : له علي ألف من ثمن مبيع لم أقبضه أو أجرة عن دار لم ~~أتسلمها أو قال : هلك قبل التمكن من قبضة على أصح الوجهين لأنه إنما أقر به ~~على هذه الصفة فلا يجوز إلزامه به مطلقا # وكذا لو قال : كان له علي ألف فقضيته لم يلزمه لأنه إنما أقر به في ~~الماضي لا في الآن هذا منصوص أحمد وليس الكلام بمتناقض في نفسه فيكون ~~بمنزلة قوله : له علي ms376 ألف لا تلزمني والفرق بين الكلامين أظهر من أن يحتاج ~~إلى بيان # وعن أحمد رواية أخرى : أنه مقر بالحق مدع لقضائه فلا يقبل منه إلا ببينة ~~وهذا قول الأئمة الثلاثة # وعنه رواية ثالثة : أن هذا ليس بجواب صحيح فيطالب برد الجواب وعلى هذا ~~فإذا قال : له علي ألف قضيته إياه ففيه ثلاث روايات منصوصات # إحداهن : أنه غير مقر كما لو قال : كان له علي والثانية : أنه مقر مدع ~~للقضاء فلا يقبل منه إلا ببينة والثالثة : أنه لا يسمع منه دعوى القضاء ولو ~~أقام به بينة بل يكون مكذبا لها وعلى هذا إذا قال : كان له علي ولم يزد على ~~هذا فهو مقر وخرج أنه غير مقر من نصه على أنه إذا قال : كان له علي وقضيته ~~: أنه غير مقر وهو تخريج في غاية الصحة فإن أحمد لم يجعله غير مقر من قوله ~~: وقضيته فإن هذا دعوى منه للقضاء وإنما جعله كذلك من جهة أنه أخبر عن ~~الماضي لا عن الحال فلا يلزم بكونه في ذمته في الحال وهو لم يقر به # والمقصود : أن المدعى عليه إذا كان مظلوما فالحيلة في تخصله أن يقول : إن ~~ادعيت كذا من جهة كذا وكذا فأنا غير مقر به وإن ادعيته من جهة كذا وكذا ~~فأنا مقر به كان جوابا صحيحا ولم يكن مقرا على الإطلاق # المثال التاسع والسبعون : قال أصحابنا : لا يملك البائع حبس المبيع على ~~قبض ثمنه بل يجبر على تسليمه إلى المشتري ثم إن كان الثمن معينا فتشاحنا في ~~المبتدىء بالتسليم جعل بينهما عدل يقبض منهما ويسلم إليهما وإن كان دينا ~~أجبر البائع على التسليم ثم يجبر PageV02P052 المشتري على دفع الثمن فإن ~~كان ماله غائبا عن المجلس حجر عليه في ماله كله حتى يسلم الثمن وإن كان ~~غائبا عن البلد فوق مسافة القصر ثبت للبائع الفسخ وإن كان دونها فهل يحجر ~~عليه أو يثبت للبائع الفسخ على وجهين وإن كان المشتري معسرا فللبائع الفسخ ~~والرجوع في عين ماله هذا منصوص أحمد والشافعي ms377 وللشافعية وجه أنه تباع ~~السلعة ويقضي دينه من ثمنها فإن فضل له فضل أخذه وإن فضل عليه شيء استقر في ~~ذمته والصحيح : أن البائع يملك حبس السلعة على الثمن حتى يقبضه هذا هو موجب ~~العدل وإلا ففي تمكين المشتري من القبض قبل الإقباض إضرار بالبائع فإنه قد ~~يتلف المبيع بأن يكون طعاما أو شرابا فيستهلكه ويتعذر أو يتعسر عليه ~~مطالبته بالثمن فيضر به ولا يزول ضرره إلا بحبس المبيع على ثمنه # وعلى هذا لو دفع الثمن إلا درهما منه فله حبس المبيع كله على باقي الثمن ~~كما نقول في الرهن # وفيه قول آخر : أنه يملك أنه يتسلم من المبيع بقدر ما دفع من الثمن لأن ~~كل جزء من المبيع في مقابلة كل جزء من أجزاء الثمن فإذا سلم بعض الثمن ملك ~~تسلم ما يقابله # والفرق بينه وبين الرهن : أن الرهن ليس بعوض من الدين وإنما هو وثيقة ~~فملك حبسه إلى أن يستوفي جميع الدين والأول هو الصحيح لأنه إنما رضي بإخراج ~~المبيع من ملكه إذا سلم له جميع الثمن ولم يرض بإخراجه ولا إخراج شيء منه ~~ببعض الثمن # فإذا خاف البائع أن يجبر على التسليم ثم يحال على تقاضي المشتري # فالحيلة له في الأمن من ذلك : أن يبيعه العين بشرط أن يرتهنها على ثمنها ~~ويجوز شرط الرهن والضمين في عقد البيع ويصح رهنه قبل قبضه على ثمنه في أصح ~~الوجهين كما يصح رهنه قبل القبض بدين آخر غير ثمنه ومن غير البائع بل رهنه ~~على ثمنه أولى فإنه يملك حبسه على الثمن بدون الرهن كما تقدم فلأن يصح حبسه ~~على الثمن رهنا أولى وأحرى # وأيضا فإذا جاز التصرف فيه بالرهن من الأجنبي قبل القبض فجوازه من البائع ~~أولى PageV02P053 لأن المشتري يملك من التصرف مع البائع قبل القبض بالإقالة ~~وغيرها ما لا يملكه مع الأجنبي ومن منع رهنه على ثمنه قبل قبضه لزمه أن ~~يمنع رهنه على غير الثمن أو من الأجنبي # فإن قيل : الفرق بينهما : أنه قبل القبض عرضة للتلف ms378 فيكون من ضمان البائع ~~وكونه رهنا يقتضي أن يكون من ضمان راهنه فتنافى الأمران حيث يكون مضمونا له ~~ومضمونا عليه من جهة واحدة وهذا بخلاف رهنه من أجنبي قبل القبض فإنه يكون ~~مضمونا عليه للأجنبي ومضمونا له من البائع ولا تنافي بين أن يكون مضمونا له ~~من شخص ومضمونا عليه لغيره كالعين المؤجرة إذا أجرها المستأجر صارت المنافع ~~مضمونة عليه للمستأجر الثاني ومضمونة له من المؤجر الأول وكذلك الثمار إذا ~~بدا صلاحها جاز للمشتري بيعها وهي مضمونة له على البائع ومضمونة عليه ~~للمشتري الثاني # فإن قيل : هذا هو الفرق الذي بني عليه هذا القول ولكن يقال : أي محذور في ~~ذلك وأن يكون مضمونا له وعليه وقولكم : إن ذلك من جهة واحدة ليس كذلك فإنه ~~مضمون له من جهة كونه مشتريا فهو من ضمان البائع حتى يمكنه من قبضه ومضمون ~~عليه من جهة كونه راهنا فإذا تلف تلف من ضمانه حتى لو اتحدت الجهة لم يكن ~~في ذلك محذور بحيث يكون مضومنا له وعليه من جهة واحدة كما قلتم : إنه يجوز ~~للمستأجر إجارة ما استأجره لمؤجره فتكون المنافع مضمونة عليه وله فأي محذور ~~في ذلك # فإن قيل : فإذا تلف هذا الرهن فمن ضمان من يكون فالبائع يقول للمشتري : ~~تلف من ضمانك لأنه رهن والمشتري يقول : تلف من ضمانك لأنه مبيع لم يقبض ~~وليس أحدهما بترجيح جانبه أولى من الآخر قيل : بل يكون تلفه من ضمان البائع ~~لأن ضمانه أسبق من ضمان الراهن لأنه لما باعه كان من ضمانه حتى يسلمه فحبسه ~~على ثمنه لا يسقط عنه ضمانه كما لو حبسه من غير ارتهان فارتهانه إياه لم ~~يسقط عنه ما لزمه بعقد البيع من التسليم فإنه إنما احتاط لنفسه PageV02P054 ~~بعقد الرهن والراهن لم يتعوض عن الرهن بدين يكون الرهن في مقابلته فإذا تلف ~~كان قد انتفع بالدين الذي أخذه في مقابلة الرهن # فإن أراد الحيلة في تصحيح الرهن والوثيقة وأن لا يعرضه للبطلان # فالحيلة له : أن يقبضه من البائع ثم يرهنه إياه ms379 على ثمنه بعد قبضه فيصح ~~الرهن ولا يتوالى هناك ضمانان فإذا تلف بعد ذلك تلف من ضمان المشتري ولا ~~يسقط الثمن عنه فإن خاف البائع أن يغيب المشتري أو يؤخر فكاك الرهن كتب ~~كتابا وأشهد فيه شهودا : أنه إن مضى وقت كذا وكذا ولم يفتك الرهن فقد أذن ~~له في بيعه وقبض دينه من ثمنه وما بقى منه فهو أمانة في يده # فإن خاف أن يبطل هذه الوكالة من يرى أنه لا يصح تعليقها بالشرط كتب في ~~الكتاب : أنه قد وكله الآن ويعلعق تصرفه فيه بالبيع بمجىء الوقت فيعلق ~~التصرف وينجز التوكيل # فإن خاف أن يعزله الموكل فلا ينفذ تصرفه فيه فالحيلة له : أن يوكله وكالة ~~دورية عند من يرى ذلك فيقول : وكلما عزلته فقد وكلته وإن شاء أن يقول : ~~وكلته وكالة لا تقبل العزل وإن شاء أن يقول : على أني متى عزلته فلا حق لي ~~عنده ولا دعوى وما ادعيته عليه من جهة كذا وكذا فدعواي باطلة والله أعلم # المثال الثمانون : إذا ادعت عليه المرأة أنه لم ينقق عليها ولم يكسها مدة ~~مقامها معه أو سنين كثيرة والحس والعرف يكذبها لم يحل للحاكم أن يسمع ~~دعواها ولا يطالبه برد الجواب فإن الدعوى إذا ردها الحس والعادة المعلومة ~~كانت كاذبة وفي الصحيح عنهمن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا ~~قلة وفي الصحيح أيضا عنهمن ادعى ما ليس له فليس منا PageV02P055 وليتبوأ ~~مقعده من النار # فلا يجوز لأحد حاكم ولا غيره أن يساعد من ادعى ما يشهد الحس والعرف ~~والعادة أنه ليس له وأن دعواه كاذبة ففي سماع دعواه وإحضار المدعى عليه ~~وإحلافه أعظم مساعدة ومعاونة على ما يكذبه الحس والعادة # ثم كيف يسع الحاكم أن يقبل قول المرأة : أنها هي التي كانت تنفق على ~~نفسها وتكسو نفسها هذه المدة كلها مع شهادة العرف والعادة المطردة بكذبها ~~ولا يقبل قول الزوج : أنه هو الذي كان ينفق عليها ويكسوها مع شهادة العرف ~~والعادة له ومشاهدة الجيران وغيرهم له : أنه ms380 كل وقت يدخل إلى بيته الطعام ~~والشراب والفاكهة وغير ذلك فكيف يكذب من معه مثل هذه الشهادة ويقبل قول من ~~يكذب دعواه ذلك وكيف يمكن الزوج أن يتخلص من مثل هذا البلاء الطويل والخطب ~~الجليل إلا بأن يشهد كل يوم بكرة وعشية شاهدي عدل على الإنفاق وعلى الكسوة ~~أو يفرض لها كل شهر دراهم معلومة يقبضها إياها بإشهاد ثم إما أن يمكنها أن ~~تخرج من بيته كل وقت تشتري لها ما يقوم بمصالحها أو يتصدى هو لخدمتها وشراء ~~حوائجها فيكون هو العاني الأسير المملوك وهي المالكة الحاكمة عليه وكل هذا ~~ضد ما قصده الشارع من النكاح : من الألفة والمودة والمعاشرة بالمعروف فإن ~~هذه المعاشرة من أنكر المعاشرة وأبعدها من المعروف # ثم من العجب : أنها إذا ادعت الكسوة والنفقة لمدة مقامها عنده فقال الزوج ~~للحاكم : سلها : من أين كانت تأكل وتشرب وتلبس فيقول الحاكم : لا يلزمها ~~ذلك # فيالله العجب : إذا كانت غير معروفة بالدخول والخروج ولا يمكن الزوج أحدا ~~يدخل عليها وهي في منزله عدد سنين تأكل وتشرب وتلبس كيف لا يسألها الحاكم : ~~من الذي كان يقوم لك بذلك ومتى سأل الزوج سؤالها وجب عليه ذلك ومتى تركه ~~كان تاركا PageV02P056 للحق فإن سمت أجنبيا غير الزوج كلفها الحاكم البينة ~~على ذلك وإن قالت : أنا الذي كنت أطعم نفسي وأكسوها في هذه المدة كان كذبها ~~معلوما ولم يقبل قولها فإن النفقة والكسوة واجبان على الزوج وهي تدعي أنها ~~هي التي قامت عنه بهذا الواجب وأدته من مالها وهو يدعي أنه هو الذي فعل هذا ~~الواجب وقام به وأسقطه عن نفسه ومعه الظاهر والأصل # أما الظاهر : فلا يمكن عاقلا أن يكابر فيه بل هو ظاهر ظهورا قريبا من ~~القطع بل يقطع به في حق أكثر الناس وأما الأصل : فهو أيضا من جانب الزوج ~~فإنهما قد اتفقا على القيام بواجب حقها وهي تضيف ذلك إلى نفسها أو إلى ~~أجنبي وهو يدعي أنه هو الذي قام بهذا الواجب فقد اتفقا على وصول النفقة ~~والكسوة إليها ms381 وهي تقول : كان ذلك بطريق البدل والنيابة عنك وهو يقول : لم ~~يكن بطريق النيابة بل بطريق الأصالة # وهذا بخلاف ما إذا لم يعلم وصول الحق إلى مستحقه كالديون والأعيان ~~المضمونة فإن قبول قول المنكر متوجه ومعه الأصل # ونظيره : أن يعترف بقضاء الدين ووصوله إليه ثم ينكر أن يكون وصل إليه من ~~جهة من عليه الدين فيقول : وصل إلي الدين الذي لي لكن ليس من جهتك بل غيرك ~~أداه عنك فهل يقبل قوله ههنا أحد ويقال : الأصل بقاء الدين في ذمته # وهذا نظير مسألة الإنفاق سواء بسواء فإنها مقرة بوصول النفقة إليها ولو ~~أنكرتها لكذبها الحس ومدعية أن وصول ذلك إلي لم يكن من جهتك فدعواها تخالف ~~الأصل والظاهر جميعا ولهذا لا يقبلها مالك وفقهاء أهل المدينة وقولهم هو ~~الصواب والحق الذي ندين الله به ولا نعتقد سواه # وأي قبيح أعظم من دعوى امرأة على الزوج ترك النفقة والكسوة ستين سنة أو ~~أكثر وهي لا تدخل ولا تخرج ولا يمكنها أن تعيش عيش الملائكة فيطالب الزوج ~~بنفقة جميع المدة التي ادعت ترك الإنفاق فيها وقد تستغرق جميع ماله وداره ~~وثيابه ودوابه فيؤخد PageV02P057 ذلك كله منه ويحبس على الباقي ويجعل دينا ~~مستقرا في ذمته تطالبه به متى شاءت وهي تعلم كذب دعواها ووليها يعلم ذلك ~~وجيرانها والله وملائكته والذي يساعدها ويخاصم عنها ولما علم فقهاء العراق ~~كأبي حنيفة وأصحابه ما في ذلك من الشر والفساد والضرر الذي لا تأتي به ~~شريعة أسقطوا النفقة والكسوة عن الزوج بمضي الزمان فلم يسمعوا دعوى المرأة ~~بذلك كما يقوله منازعوهم في نفقة القريب فنفسوا الخناق عن الأزواج بهذا ~~القول وأشموهم رائحة الحياة ونفسوا عنهم بعض الكرب ولقد أقام رسول اللهبعد ~~أن أرسله الله تعالى إلى الناس ثلاث عشرة سنة بمكة وعشرا بالمدينة فما ألزم ~~زوجا قط بنفقة وكسوة ماضية ولا ادعتها عنده امرأة وكذلك خلفاؤه الراشدون من ~~بعده وكذلك عصر الصحابة جميعهم وعصر التابعين ولا حبس على عهده وعهد أصحابه ~~وتابعيهم رجل واحد على ذلك ولا ms382 على صداق امرأته مع صيانة نسائهم ولزومهن ~~بيوتهن وعدم تبرجهن وتزينهن وخروجهن في الأسواق والطرقات والأزواج في ~~الحبوس وهن مسيبات يخرجن ويذهبن حيث أردن # فوالله لو رأى هذا رسول الله لشق عليه غاية المشقة ولعظم عليه وعز عليه ~~ولكان إلى دفعه وإنكاره أسرع منه إلى غيره # وبالجملة فالدعوى إذا كانت مما تردها العادة والعرف والظاهر لم يجز ~~سماعها # ومن ههنا قال أصحاب مالك : إذا كان رجل حائزا لدار متصرفا فيها مدة ~~السنين الطويلة بالبناء والهدم والإجارة والعمارة وينسبها إلى نفسه ويضيفها ~~إلى ملكه وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة وهو مع ذلك لا ~~يعارضه فيها ولا يذكر أن له فيها حقا ولا مانع يمنعه من مطالبته : من خوف ~~سلطان أو نحو ذلك من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق ولا بينه وبين ~~المتصرف في الدار قرابة ولا شركة في ميراث وما أشبه ذلك مما يتسامح به ~~القرابات وذوو الصهر بينهم في إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه بل كان ~~عريا عن ذلك كله ثم جاء بعد طول هذه المدة PageV02P058 يدعيها لنفسه ويزعم ~~أنها له ويريد أن يقيم بذلك بينة فدعواه غير مسموعة أصلا فضلا عن بينة وتقر ~~الدار بيد حائزها # قالوا : لأن كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها مرفوضة غير ~~مسموعة قال تعالى : @QB@ وأمر بالعرف @QE@ [ ] وأوجبت الشريعة الرجوع إليه ~~عند الاختلاف في الدعاوى وغيرها قلت : ومما يدل على ذلك : أن الظن المستفاد ~~من هذا الظاهر أقوى بكثير من الظن المستفاد من شاهدين أو شاهد ويمين أو ~~مجرد النكول أو الرد # وأيضا فإن البينة على المدعي والبينة هي كل ما يبين الحق والعرف والعادة ~~والظاهر القوي الذي إن لم يقطع به فهو أقرب إلى القطع يدل على صدق الزوج ~~وكذب المرأة في إمساكها عن كسوتها والإنفاق عليها مدة سنين متطاولة ولا ~~يدخل عليها أحد ولا هى ممن تخرج تشتري لها ما تأكل وتلبس # فالشريعة جاءت بما يعرف لا بما ينكر وقد أخبر الله سبحانه أن للزوجة مثل ~~الذي ms383 عليها بالمعروف وليس من المعروف إلزام الزوج بنفقة ستين سنة وكسوتها ~~واجتياح ماله كله وسلبه نعمة الله عليه وجعله مسكينا ذا متربة وجعله أسيرا ~~لها ينافي ما ادعت به بل هذا من أنكر المنكر ومما يراه المسلمون بل وغير ~~المسلمين قبيحا # وأيضا : فالرجل له ولاية الإنفاق على زوجته كما له ولاية حبسها ومنعها من ~~الخروج من بيته فالشارع جعل إليه ذلك وأمره أن يقوم على المرأة ولا يؤتيها ~~ماله بل يرزقها ويكسوها فيه وجعلها الله سبحانه في ذلك بمنزلة الصغير ~~والمجنون مع وليه كما قال تعالى : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله ~~لكم قياما واززقوهم فيها واكسوهم [ ] قال ابن عباس : لا تعمد إلى مالك الذي ~~خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك وبنيك فيكونوا هم الذين يقومون ~~عليك في كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم # فالسفهاء هم النساء والصبيان وقد جعل الله سبحانه الأزواج قوامين عليهم ~~كما جعل ولي الطفل قواما عليه والقوام على غيره أمير عليه ومن قبل قول ~~الزوجة أو الطفل بعد PageV02P059 البلوغ في عدم إيصال النفقة إليهما فقد ~~جعلهما قوامين على الأزواج والأولياء ولو لم يقبل قول الزوج لم يكن قواما ~~على المرأة فإن المرأة إذا كانت غريما مقبول القول دون الزوج كانت هي ~~القوامة # وبالجملة فللرجل على امرأته ولاية حتى في مالها فإن له أن يمنعها من ~~التبرع به لأنه إنما بذل لها المهر لما لها ونفسها فليس لها أن تتصرف في ~~ذلك بما يمنع الزوج من كمال استمتاعه وقد سوى النبي بين نفقة الزوجات ونفقة ~~المماليك وجعل المرأة عانية عند الزوج والعاني : هو الأسير وهو نوع من ~~الرقفقال في المرأة : تطعمها مما تأكل وتكسوها مما تلبس وكذلك قال في ~~الرقيق سواء فهو أمير على نفقة امرأته ورقيقه وأولاده بحكم قيامه عليهم ولم ~~يوجب الله سبحانه على الأزواج تمليك النساء طعاما وإداما ولا دراهم أصلا ~~وإنما أوجب إطعامهن وكسوتهن بالمعروف وإيجاب التمليك مما لم يدل عليه كتاب ~~ولا سنة ولا إجماع PageV02P060 # وكذلك فرض النفقة وتقديرها بدراهم لا أصل ms384 له من كتاب ولا سنة ولا قول ~~صاحب ولا تابع ولا أحد من الأئمة الأربعة # فإن الناس لهم قولان منهم من يرى تقديرها بالحب كالشافعي ومنهم من يردها ~~إلى العرف وهم الجمهور ولا يعرف عن أحد من السلف والأئمة تقديرها بالدراهم ~~البتة # ثم إن فيه إيجاب المعاوضة على الواجب لها بغير رضا الزوج ومن غير اعتبار ~~كون الدراهم قيمة الواجب لها من الحب أو الواجب بالعرف ففرض الدراهم مخالف ~~لهذا وهذا ولأقوال جميع السلف والأئمة وفيه من الفساد ما لا يحصيه إلا الله ~~فإنه إن مكن المرأة تخرج كل وقت تشتري لها طعاما وإداما دخل على الزوج ~~والزوجة من الشر والفساد ما يشهد به العيان وإن منعها من الخروج أضر بها ~~وبالزوج وجعله كالأجير والأسير معها # وبالجملة : فمبنى الحكم في الدعاوى على غلبة الظن المستفاد من براءة ~~الأصل تارة ومن الإقرار تارة ومن البينة تارة ومن النكول مع يمين الطالب ~~المردودة أو بدونها وهذا كله مما يبين الحق ظاهرا فهو بينة وتخصيص البينة ~~بالشهود عرف خاص وإلا فالبينة اسم لما يبين الحق فمن كان ظن الصدق من جانبه ~~أقوى كان بالحكم أولى ولهذا قدمنا جانب المدعى عليه حيث لا بينة ولا إقرار ~~ولا نكول ولا شاهد حال استنادا إلى الظن المستفاد من البراءة الأصلية # فإذا كان في جانب المدعي بينة شرعية قدم لقوة الظن في جانبه بالبينة ~~وكذلك إذا كان في جانبه قرينة ظاهرة كاللوث قدم جانبه # ولذلك قدم جانبه في اللعان إذا نكلت المرأة فإنها ترجم بأيمانه لقوة الظن ~~في جانبه بإقدامه على اللعان مع نكول المرأة عن دفع الحد والعار عنها ~~باليمين PageV02P061 # وقد أجمع الناس على جواز وطء المرأة التي تزف إلى الزوج ليلة العرس وإن ~~لم يكن رآها ولا وصفت له من غير اشتراط شاهدى عدل يشهدان أنها هي امرأته ~~التي وقع عليها العقد اكتفاء بالظن الغالب بل بالقطع المستفاد من شاهد ~~الحال # وكذلك يجوز الأكل من الهدي المنحور إذا كان بالفلاة ولا أحد عنده اكتفاء ~~بشاهد ms385 الحال # وكذلك درج السلف والخلف على جواز أكل الفقير مما يدفعه إليه الصبي ويخرجه ~~من البيت : من كسرة ونحوها اعتمادا على شاهد الحال # وكذلك يكتفى بشاهد الحال في بيع المحقرات بالمعاطاة وهو عمل الأمة قديما ~~وحديثا # واكتفى الشارع بسكوت البكر في الاستئذان وجعله دليلا على رضاها اكتفاء ~~بشاهد الحال واكتفت الأمة في الاعتماد على المعاملات والهدايا والتبرعات ~~بكونها بيد الباذل لأن دلالتها على ملكه تورث ظنا ظاهرا واكتفت بمعاملة ~~مجهول الحرية والرشد وإقراره وأكل طعامه وقبول هديته وإباحة الدخول إلى ~~منزله اعتمادا على شاهد الحال والظن الغالب واكتفى الشارع بقول الخارص ~~الواحد في محل الظن والخرص نظرا إلى الظن المستفاد من خرصه واكتفت الأمة ~~بقول المقومين فيما دق وجل اعتمادا على الظن المستفاد من تقويمهم # وقد اكتفى الشارع بتقويم اثنين في جزاء الصيد واكتفى بواحد في الخرص ~~PageV02P062 # واكتفى بواحد في رؤية هلال رمضان # واكتفت الأمة بقول القاسم وحده أو بقول اثنين وكذلك القائف أو القائفين ~~واكتفت بقول المؤذن الواحد # وقد اكتفى كثير من الفقهاء بانتساب الصغير وميل طبعه إلى من ادعاه من ~~رجلين أو أكثر اعتمادا على الظن المستفاد من ميل طبعه وهو من أضعف الظنون ~~ولذلك كان في آخر رتب الإلحاق عندهم عند عدم القائف # وكذلك الاعتماد في وجوب دفع اللقطة أو جوازه على الظن المستفاد من وصف ~~الواصف لها وكذلك الاعتماد على أمارات الطهارة والنجاسة والقبلة والاعتماد ~~على قول الكيال والوزانوقال كثير من الفقهاء يحبس المدعى عليه بشهادة ~~المستورين إلا أن يعدلا إذ الغالب من المستورين العدالة # فاستجازوا عقوبة الرجل المسلم بمثل هذا الظن # وقالوا تسمع الشهادة على المقر بالإقرار من غير اشتراط ذكر الشاهدين ~~أهلية المقر حال إقراره اعتمادا على ظن الرشد والاختيار # وقالوا : إذا كان الجدار حائلا بين الطريق وبين ملك المدعي أو بين ملكه ~~وبين موات اختص به المدعي لأن الظاهر أن الطريق والموات لا يحاط عليهما ~~وقالوا : لو كان بين الملكين جدار متصل بأبنية أحد المالكين اتصالا بدواخل ~~وترصيف اختص به صاحب الترصيف لقوة ms386 الظن من جانبه إذ معه دلالتان إحداهما : ~~الإتصال والثانية : التداخل والترصيف فلو تداخل من أحد طرفيه في ملك أحدهما ~~ومن الطرف الآخر في الملك الآخر اشتراكا فيه : لتساويهما في الدلالتين ~~PageV02P063 # وقالوا : إن الأبواب المشرعة في الدروب غير النافذة دالة على الاشتراك في ~~الدرب إلى حد كل باب منها فيكون الأول شريكا من أول الدرب إلى بابه والثاني ~~شريكاإلى إلى بابه والذي في آخر الدرب شريك من أول الدرب إلى بابه قولا ~~واحدا وإلى آخر الدرب على الصحيح وكل ذلك بناء على الظن المستفاد من ~~الاستطراق وأنه بحق # وقالوا : إن الأجنحة المطلة على ملك الجار وعلى الدروب غير النافذة أنها ~~ملك لأصحابها اعتمادا على غلبة الظن بذلك وأنها وضعت باستحقاق وكذلك ~~القنوات والجداول الجارية في ملك الغير دالة على اختصاصها بأرباب المياه ~~بناء على الظن المستفاد من ذلك وأن صورها دالة على أنها وضعت باستحقاق # ومن ذلك : دلالة الأيدي على الاستحقاق اعتمادا على الظن الغالب مع القطع ~~بكثرة وضع الأيدي عدوانا وظلما ولا سيما ما اطردت العادة بإجارته وخروجه من ~~يد مالكه إلى يد مستأجره كالأراضي والدواب والحوانيت والرباع والحمامات وأن ~~الغالب فيها الخروج عن يد مالكها وقد اعتبرتم اليد وقد استشكل كثير من ~~فضلاء أصحابكم هذا واعترف بأن جوابه مشكل جدا ولما كان الظن المستفاد من ~~الشهود أقوى من الظن المستفاد من هذه الوجوه قدم عليها # ولما كان الظن المستفاد من الإقرار أقوى من الظن المستفاد من الشهود قدم ~~الإقرار عليها # ولذلك اكتفى كثير من الفقهاء بالمرة الواحدة في الإقرار بالزنا والسرقة ~~لهذه القوة # قالوا : لأن وازع المقر طبعي ووازع الشهود شرعي والوازع الطبعي أقوى من ~~الوازع الشرعي ولذلك يقبل الإقرار من المسلم والكافر والبر والفاجر لقيام ~~الوازع الطبعي # ولما كان الوازع عن الكذب على نفسه مخصوصا بالمقر كان إقراره حجة قاصرة ~~عليه وعلى من يتلقى عنه لكونه فرعه ولما كان الوازع الشرعي عاما بالنسبة ~~إلى جميع الناس كان حجة عامة فإن خوف الله PageV02P064 يزع الشاهد عن الكذب ~~في حق ms387 كل أحد فكان قوله حجة عامة لكل أحد ولما كان وازع الكذب مختصا بالمقر ~~قصر عليه فهو خاص قوى والشهادة عامة ضعيفة بالنسبة إلى الإقرار قوية ~~بالنسبة إلى الأيدي وإلى ما ذكرناه من الدلالات # ومعلوم أن الظنون لا تقع إلا بأسباب تثيرها وتحركها # فمن أسبابها : الاستصحاب واطراد العادة أو كثرة وقوعها أو قول الشاهد أو ~~شاهد الحال ولا يقع في الظنون تعارض وإنما يقع في أسبابها وعلاماتها فإذا ~~تعارضت أسباب الظنون فإن حصل الشك لم يحكم بشيء وإن وجد الظن في أحد ~~الطرفين حكم به والحكم للراجح لأن مرجوحية مقابله تدل على ضعفه فإذا تعارض ~~سببا ظن وكان كل واحد منهما مكذبا للآخر تساقطا كتعارض البينتين والأمارتين ~~وإن لم يكن كل واحد منهما مكذبا للآخر عمل بهما على حسب الإمكان كدابة ~~عليها راكبان وعبد ممسك بيديه اثنان ودار فيها ساكنان وخشبة لها حاملان ~~وجدار متصل بملكين ونظائر هذا # فإن كان أحدهما أرجح من الآخر عمل بالراجح كالشاهد مع البراءة الأصلية ~~ومع اليد يقدم عليهما لرجحانه # ولما كانت اليد لها مراتب في القوة والضعف كانت يد اللابس لثيابه وعمامته ~~وخفه ومنطقته ونعله : أقوى من يد الجالس على البساط والراكب على الدابة ويد ~~الراكب أقوى من يد السائق والقائد ويد الساكن للدار أضعف من تلك الأيدي ويد ~~من هو داخل الحمام والخان أضعف من هذا كله قدم أقوى الأيدي على أضعفهما # فلو كان في الدار اثنان وتنازعا فيها وفي لباسهما الذي عليهما جعلت الدار ~~بينهما لاستوائهما في اليد وكان القول قول كل منهما في لباسه المختص به ~~لقوة يده بالقرب والاتصال ولو تنازع الراكب والسائق والقائد قدمت يد الراكب ~~وكذلك قال الجمهور PageV02P065 # لو تنازع الزوجان في متاع البيت أو الصانعان في حانوت كان القول قول من ~~يدعي منهما ما يصلح له وحده لغلبة الظن القريب من القطع باختصاصه به # وكذلك لو رأينا رجلا شريفا حاسر الرأس وأمامه داعر على رأسه عمامة وبيده ~~عمامة لا تليق به وهو هارب فتقديم يده على الظن ms388 المستفاد من كونها يدا ~~عادية مما يقطع ببطلانه # وكذلك فقيه له كتب في داره وامرأته غير معروفة بشيء من ذلك البتة فتقديم ~~يدها على شاهد حال الفقيه في غاية البعد وأين الظن المستفاد من هذا وأمثاله ~~إلى الظن المستفاد من النكول ومن الظن المستفاد من اليد بل أين ذاك الظن من ~~الظن المستفاد من الشاهد واليمين ومن الممتنع أن يرتب الشارع الأحكام على ~~هذه الظنون ولا يرتبها على الظنون التي هي أقوى منها بمراتب كثيرة بل تكاد ~~تقرب من القطع كما أنه من المحال أن يحرم التأفيف للوالدين ويبيح شتمهما ~~وضربهما # وهل تقديم قول المدعي في القسامة إلا اعتمادا على الظن الغالب باللوث ~~وقدم هذا الظن على ظن البراءة الأصيلة لقوته # وقد حكى الله سبحانه في كتابه عن الشاهد الذي شهد من أهل امرأة العزيز ~~وحكم بالقرائن الظاهرة على براءة يوسف عليه السلام وكذب المرأة بقوله @QB@ ~~إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر ~~فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن ~~عظيم @QE@ [ ] وسمى الله سبحانه ذلك آية وهي أبلغ من البينة فقال @QB@ ثم ~~بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين @QE@ [ ] وحكى سبحانه ذلك ~~مقررا له غير منكر وذلك يدل على رضاه به # ومن هذا : حكم نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام بالولد الذي تنازع ~~فيه المرأتان فقضى به داود للكبرى فخرجتا على سليمان فقصتا عليه القصة فقال ~~سليمان عليه السلام : ائتوني بالسكين أشقه بينكما فقالت الصغرى : لا تفعل ~~يا نبي الله هو ابنها فقضى به PageV02P066 للصغرى ولم يكن سليمان ليفعل ~~ولكن أوهمهما ذلك فطابت نفس الكبرى بذلك استرواحا منها إلى راحة التسلي ~~والتأسي بذهاب ابن الأخرى كما ذهب ابنها ولم تطب نفس الصغرى بذلك بل ~~أدركتها شفقة الأم ورحمتها فناشدته أن لا يفعل استرواحا إلى بقاء الولد ~~ومشاهدته حيا وإن اتصل إلى الأخرى # وتأمل حكم سليمان به للصغرى وقد ms389 أقرت به للكبرى تجد تحته : أن الإقرار ~~إذا ظهرت أمارات كذبه وبطلانه لم يلتفت إليه ولم يحكم به على المقر وكان ~~وجوده كعدمه وهذا هو الحق الذي لا يجوز الحكم بغيره # وكذلك إذا غلط المقر أو أخطأ أو نسي أو أقر بما لا يعرف مضمونه لم يؤاخذ ~~بذلك الإقرار ولم يحكم به عليه كما لو أقر مكرها # والله تعالى رفع المؤاخذة بلغو اليمين لكون الحلف لم يقصد موجبها وأخبر ~~أنه إنما يؤاخذ بكسب القلب والغالط والمخطىء والناسي والجاهل والمكره لم ~~يكسب قلبه ما أقر به أو حلف عليه فلا يؤاخذ به # والمقصود : أن الزوج المظلوم المدعي عليه دعوى كاذبة ظالمة : بأنه ترك ~~النفقة والكسوة تلك السنين كلها أو مدة مقامها عنده إذا تبين كذب المرأة في ~~دعواها لم يجز للحاكم سماعها فضلا عن مطالبته برد الجواب فله طرق في التخلص ~~من هذه الدعوى # أحدها : أن يقول : كيف يسوغ سماع دعوى تكذبها العادة والعرف ومشاهدة ~~الجيران # الثاني : أن يقول للحاكم : سلها : من كان ينفق عليها ويكسوها في هذه ~~المدة PageV02P067 # فإن ادعت أن غيره كان يؤدي ذلك عنه لم تسمع دعواها وكانت الدعوى لذلك ~~الغير ولا يقبل قولها على الزوج أن غيره قام بهذا الواجب عنه وهذا مما لا ~~خفاء به ولا إشكال فيه وإن قالت : أنا كنت أنفق على نفسي قال الزوج : سلها ~~: هل كانت هي التي تدخل وتخرج تشتري الطعام والإدام فإن قالت : نعم ظهر ~~كذبها ولا سيما إن كانت من ذوات الشرف والأقدار # وإن قالت : كنت أوكل غيري في ذلك ألزمت ببيانه وإلا ظهر كذبها وظلمها ~~وعدوانها وكانت معاونتها على ذلك معاونة على الإثم والعدوان # فإن أعوز الزوج حاكم عالم متحر للحق لا تأخذه فيه لومة لائم فليعدل إلى ~~التحيل بالخلاص بما يبطل دعواها الكاذبه إما بأن يجحد استحقاقها لما ادعت ~~به ولا يعدل إلى الجواب المفصل فتحتاج هي إلى إقامة البينة على سبب ~~الاستحقاق وقد يتعذر أو يتعسر عليها ذلك # فإن أحضرت الصداق وأقامت البينة فإن كانت لم ms390 تنتقل معه إلى داره جحد ~~تسليمها إليه والقول قوله إذا لم تكن معه في منزله # فإن كانت قد انتقلت معه إلى منزله وادعى نشوزها تلك المدة وأمكنه إقامة ~~البينة بذلك سقطت نفقتها في مدة النشوز وإن لم يمكنه إقامة البينة وادعى ~~عدم تمكينها له من الوطء وادعت أنها مكنته فالقول قوله لأن الأصل عدم ~~التمكين وهذا غير دعواه النشوز فإن النشوز هو العصيان والأصل عدمه وهذا ~~إنكار لاستيفاء حقه والأصل عدمه فتأمله # فإن كان له منها ولد لم يمكنه هذا الإنكار ومتى أحس بالشر والمكر احتال ~~بأن يخبىء شاهدي عدل بحيث يسمعان كلامها ولا تراهما ثم يدفع إليها مالا أو ~~ما ترضى به ويتلطف بها ثم يقول : أريد أن يجعل كل منا صاحبه في حل حتى تطيب ~~أنفسنا ولعل الموت يأتي بغتة ونحو ذلك من الكلام # وإن أمكنه أن يستنطقها بأنها لا تستحق عليه إلى ذلك الوقت نفقة ولا كسوة ~~وأنه PageV02P068 يرضيها من الآن ويدفع إليها ما ترضى به كان أقوى ثم يأخذ ~~خط الشاهدين بذلك ويكتمه منها فإن أعجله الأمر عن ذلك وأمكنه المبادرة ~~برفعها إلى حاكم مالكي أو حنفي بادر إلى ذلك # وبالجملة : فالحازم من يستعد لحيلهن ويعد لها حيلا يتخلص بها منها وهذا ~~لا بأس به ولا إثم فيه ولا في تعليمه فإن فيه تخليص المظلوم وإغاثة الملهوف ~~وإخزاء الظالم المعتدي والله الموفق للصواب وإنما أطلنا الكلام في هذا ~~المثال لشدة حاجة الناس إلى ذلك ولعموم البلوى وكثرة الفجور وانتشار الضرر ~~بتمكين المرأة من هذه الدعوى وسماعها وجعل القول قولها وفي ذلك كفاية وإلا ~~فهي تحتمل أكثر من ذلك # | فصل والمقصود بهذه الأمثلة وأضعافها مما لم نذكره : أن الله سبحانه # أغنانا بما شرعه لنا من الحنيفية السمحة وما يسره من الدين على لسان ~~رسولهوسهله للأمة عن الدخول في الآصار والأغلال وعن ارتكاب طرق المكر ~~والخداع والاحتيال كما # أغنانا عن كل باطل ومحرم وضار بما هو أنفع لنا منه : من الحق والمباح ~~النافع فأغنانا بأعياد الإسلام عن أعياد ms391 الكفار والمشركين من أهل الكتاب ~~والمجوس والصابئين وعبدة الأصنام # وأغنانا بوجوه التجارات والمكاسب الحلال عن الربا والميسر والقمار # وأغنانا بنكاح ما طاب لنا من النساء مثنى وثلاث ورباع والتسري بما شئنا ~~من الإماء عن الزنا والفواحش # وأغنانا بأنواع الأشربة اللذيذة النافعة للقلب والبدن عن الأشربة الخبيثة ~~المسكرة المذهبة للعقل والدين وأغنانا بأنواع الملابس الفاخرة : من الكتان ~~والقطن والصوف عن الملابس PageV02P069 المحرمة : من الحرير والذهب # وأغنانا عن سماع الأبيات وقرآن الشيطان بسماع الآيات وكلام الرحمن # وأغنانا عن الاستقسام بالأزلام طلبا لما هو خير وأنفع لنا باستخارته التي ~~هي توحيد وتفويض واستعانة وتوكل وأغنانا عن طلب التنافس في الدنيا وعاجلها ~~بما أحبه لنا وندبنا إليه من التنافس في الآخرة وما أعد لنا فيها وأباح ~~الحسد في ذلك وأغنانا به عن الحسد على الدنيا وشهواتها # وأغنانا بالفرح بفضله ورحمته وهما القرآن والإيمان عن الفرح بما يجعله ~~أهل الدنيا من المتاع والعقار والأثمان فقال تعالى : @QB@ قل بفضل الله ~~وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون @QE@ وأغنانا بالتكبر على أعداء ~~الله تعالى وإظهار الفخر والخيلاء لهم عن التكبر على أولياء الله تعالى ~~والفخر والخيلاء عليهم فقاللمن رآه يتبختر بين الصفين : إنها لمشية يبغضها ~~الله إلا في مثل هذا الموطن # وأغنانا بالفروسية الإيمانية والشجاعة الإسلامية التي تأثيرها في الغضب ~~على أعدائه ونصرة دينه عن الفروسية الشيطانية التي يبعث عليها الهوى وحمية ~~الجاهلية PageV02P070 # وأغنانا بالخلوة الشرعية حال الاعتكاف عن الخلوة البدعية التي يترك لها ~~الحج والجهاد والجمعة والجماعة # وكذلك أغنانا بالطرق الشرعية عن طرق أهل المكر والاحتيال # فلا تشتد حاجة الأمة إلى شيء إلا وفيما جاء به الرسول ما يقتضي إباحته ~~وتوسعته بحيث لا يحوجهم فيه إلى مكر واحتيال ولا يلزمهم الآصار والأغلال ~~فلا هذا من دينه ولا هذا # كما أغنانا بالبراهين والآيات التي أرشد إليها القرآن عن الطرق المتكلفة ~~المتعسفة المعقدة التي باطلها أضعاف حقها : من الطرق الكلامية التي الصحيح ~~منها كلحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل ونحن نعلم ms392 ~~علما لا نشك فيه أن الحيل التي تتضمن تحليل ما حرمه الله تعالى وإسقاط ما ~~أوجبه لو كانت جائزة لسنها الله سبحانه وندب إليها لما فيها من التوسعة ~~والفرج للمكروب والإغاثة للملهوف كما ندب إلى الإصلاح بين الخصمين # وقد قال المبعوث بالحنيفية السمحة ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا ~~وقد حدثتكم به ولا تركت من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به تركتكم ~~على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك # فهلا ندب النبيإلى الحيل وحض عليها كما حض على إصلاح ذات البين بل لم يزل ~~يحذر من الخداع والمكر والنفاق ومشابهة أهل الكتاب باستحلال محارمه بأدنى ~~الحيل ولو كان مقصود الشارع إباحة تلك المحرمات التي رتب عليها أنواع الذم ~~والعقوبات وسد الذرائع الموصلة إليها لم يحرمها ابتداء ولا رتب عليها ~~العقوبة ولا سد الذرائع إليها ولكان ترك أبوابها مفتحة أسهل من المبالغة في ~~غلقها وسدها ثم يفتح لها أنواع الحيل حتى ينقب المحتال عليها من كل ناحية ~~فهذا مما تصان عنه الشرائع فضلا عن أكملها شريعة وأفضلها دينا PageV02P071 # وقد قدمنا أن الضرر والمفاسد الحاصلة من تلك المحرمات لا يزول بالاحتيال ~~والتنقيب عليها بل تقوى وتشتد مفاسدها # | فصل إذا عرف هذا فالطرق التي تتضمن نفع المسلمين والذب عن الدين ونصر # المظلومين وإغاثة الملهوفين ومعارضة المحتالين بالباطل ليدحضوا به الحق ~~من أنفع الطرق وأجلها علما وعملا وتعليما # فيجوز للرجل أن يظهر قولا أو فعلا مقصوده به مقصود صالح وإن ظن الناس أنه ~~قصد به غير ما قصد به إذا كان فيه مصلحة دينية مثل دفع ظلم عن نفسه أو عن ~~مسلم أو معاهد أو نصرة حق أو إبطال باطل من حيلة محرمة أو غيرها أو دفع ~~الكفار عن المسلمين أو التوصل إلى تنفيذ أمر الله تعالى ورسوله # فكل هذه طرق جائزة أو مستحبة أو واجبة # وإنما المحرم : أن يقصد بالعقود الشرعية غير ما شرعت له فيصير مخادعا لله ~~فهذا مخادع لله ورسوله وذلك مخادع للكفار والفجار ms393 والظلمة وأرباب المكر ~~والاحتيال فبين هذا الخداع وذاك الخداع من الفرق كما بين البر والإثم ~~والعدل والظلم والطاعة والمعصية فأين من قصده إظهار دين الله تعالى ونصر ~~المظلوم وكسر الظالم إلى من قصده ضد ذلك # إذا عرف هذا فنقول : الحيل أقسام # أحدها : الطرق الخفية التي يتوصل بها إلى ما هو محرم في نفسه فمتى كان ~~المقصود بها محرما في نفسه فهي حرام باتفاق المسلمين وصاحبها فاجر ظالم آثم # وذلك كالتحيل على هلاك النفوس وأخذ الأموال المعصومة وفساد ذات البين ~~وحيل الشياطين على إغواء بني آدم وحيل المخادعين بالباطل على إدحاض الحق ~~وإظهار الباطل في الخصومات الدينية والدنيوية فكل ما هو محرم في نفسه ~~فالتوصل إليه محرم بالطرق الظاهرة والخفية بل التوصل إليه بالطرق الخفية ~~أعظم إثما وأكبر عقوبة فإن PageV02P072 أذى المخادع وشره يصل إلى المظلوم ~~من حيث لا يشعر ولا يمكنه الاحتراز عنه ولهذا قطع السارق دون المنتهب ~~والمختلس ومن هذا : رأى مالك ومن وافقه : أن القاتل غيلة يقتل وإن قتل من ~~لا يكافئه لمفسدة فعله وعدم إمكان التحرز منه ومن هذا : رأى عبدالله بن ~~الزبير : قطع يد الزغلي لعظم ضرره على الأموال وعدم إمكان التحرز منه فهو ~~أولى بالقطع من السارق وقوله قوي جدا # ومن هذا رأى الإمام أحمد قطع يد جاحد العارية لأنه لا يمكن الاحتراز منه ~~بخلاف جاحد الوديعة فإنه هو الذي إئتمنه والعمدة في ذلك على السنة الصحيحة ~~التي لا معارض لها # والقصد : أن التوصل إلى الحرام حرام سواء توصل إليه بحيلة خفية أو بأمر ~~ظاهر # وهذا النوع من الحيل ينقسم قسمين : # أحدهما : ما يظهر فيه أن مقصود صاحبه الشر والظلم كحيل اللصوص والظلمة ~~والخونة والثاني : ما لا يظهر ذلك فيه بل يظهر المحتال أن قصده الخير ~~ومقصوده الظلم والبغي مثل إقرار المريض لوارث لا شيء له عنده قصدا لتخصيصه ~~بالمقر به أو إقراره بوارث وهو غير وارث إضرارا بالورثة وهذا حرام باتفاق ~~الأمة وتعليمه لمن يفعله حرام والشهادة عليه حرام إذا علم الشاهد صورة ~~الحال ms394 والحكم بموجب ذلك حكم باطل حرام يأثم به الحاكم باتفاق المسلمين إذا ~~علم صورة الحال فهذه الحيلة في نفسها محرمة لأنها كذب وزور والمقصود بها ~~محرم لكونه ظلما وعدوانا # ولكن لما أمكن أن يكون صدقا اختلف العلماء في إقرار المريض لوارث هل هو ~~باطل سدا للذريعة وردا للإقرار الذي صادف حق الورثة فيما هو متهم فيه لأنه ~~شهادة على نفسه فيما تعلق به حقهم فيرد للتهمة كالشهادة على غيره أو هو ~~مقبول إحسانا للظن بالمقر ولا سيما عند الخاتمة ومن هذا الباب : احتيال ~~المرأة على فسخ نكاح الزوج مع إمساكه بالمعروف بإنكارها الإذن للولي أو ~~إساءة عشرة الزوج ونحو ذلك PageV02P073 و # احتيال البائع على فسخ البيع بدعواه أنه كان محجورا عليه # واحتيال المشتري على الفسخ بأنه لم ير المبيع # واحتيال المؤجر على المستأجر في فسخ الإجارة أو احتيال المستأجر عليه ~~بأنه استأجر ما لم يره # واحتيال الراهن على المرتهن في فسخ الرهن بأن يظهر أنه آجره قبل الرهن أو ~~كان رهنه عند زوجته أو أمته ونحو ذلك فهذا النوع لا يستريب أحد أنه من ~~كبائر الإثم وهو من أقبح المحرمات وهو بمنزلة لحم خنزير ميت حرام وأنه في ~~نفسه معصية لتضمنه الكذب والزور ومن جهة تضمنه إبطال الحق وإثبات الباطل # القسم الثالث : ما هو مباح في نفسه لكن بقصد المحرم صار حراما كالسفر ~~لقطع الطريق ونحو ذلك فههنا المقصود حرام والوسيلة في نفسها غير محرمة لكن ~~لما توسل بها إلى الحرام صارت حراما # القسم الرابع : أن يقصد بالحيلة أخذ حق أو دفع باطل لكن تكون الطريق إلى ~~حصول ذلك محرمة مثل أن يكون له على رجل حق فيجحده فيقيم شاهدين لا يعرفان ~~غريمه ولم يرياه يشهدان له بما ادعاه فهذا محرم أيضا وهو عندالله تعالى ~~عظيم لأن الشاهدين يشهدان بالزور وشهادة الزور من الكبائر وقد حملهما على ~~ذلك # وكذلك لو كان له عند رجل دين فجحده إياه وله عنده وديعة فجحد الوديعة ~~وحلف أنه لم يودعه أو كان له على ms395 رجل دين لا بينة له به ودين آخر به بينة ~~لكنه اقتضاه منه فيدعي هذا الدين ويقيم به بينة وينكر الاستيفاء # أو يكون قد اشترى منه شيئا فظهر به عيب تلف المبيع به فادعى عليه بثمنه ~~فأنكر أصل العقد وأنه لم يشتر منه شيئا أو تزوج امرأة فأنفق عليها مدة ~~طويلة فادعت عليه أنه لم ينفق عليها شيئا فجحد نكاحها بالكلية # فهذا حرام أيضا لأنه كذب ولا سيما إن حلف عليه ولكن لو تأول في يمينه لم ~~يكن به بأس فإنه مظلوم PageV02P074 # فإن قيل : فما تقولون لو عامله معاملة ربا فقبض رأس ماله ثم ادعى عليه ~~بالزيادة المحرمة هل يسوغ له أن ينكر المعاملة أو يحلف عليها # قيل : يسوغ له الحلف على عدم استحقاقها وأن دعواها دعوى باطلة فلو لم ~~يقبل منه الحاكم هذا الجواب ساغ له التأويل في اليمين لأنه مظلوم ولا يسوغ ~~له الإنكار والحلف من غير تأويل لأنه كذب صريح فليس له أن يقابل الفجور ~~بمثله # كما أنه ليس له أن يكذب على من كذب عليه أو يقذف من قذفه أو يفجر بزوجة ~~من فجر بزوجته أو بابن من فجر بابنه # فإن قيل : فما تقولون في مسألة الظفر هل هي من هذا الباب أو من القصاص ~~المباح قيل : قد اختلف الفقهاء فيها على خمسة أقوال # أحدها : أنها من هذا الباب وأنه ليس له أن يخون من خانه ولا يجحد من جحده ~~ولا يغصب من غصبه وهذا ظاهر مذهب أحمد ومالك # والثاني : يجوز له أن يستوفي قدر حقه إذا ظفر بجنسه أو غير جنسه وفي غير ~~الجنس يدفعه إلى الحاكم يبيعه ويستوفي ثمنه منه وهذا قول أصحاب الشافعي # والثالث : يجوز له أن يستوفي قدر حقه إذا ظفر بجنس ماله وليس له أن يأخذ ~~من غير الجنس وهذا قول أصحاب أبي حنيفة # والرابع : أنه إن كان عليه دين لغيره لم يكن له الأخذ وإن لم يكن عليه ~~دين فله الأخذ وهذا إحدى الروايتين عن مالك والخامس : أنه إن كان ms396 سبب الحق ~~ظاهرا كالنكاح والقرابة وحق الضيف جاز للمستحق الأخذ بقدر حقه كما أذن فيه ~~النبي لهند أن تأخذ من مال أبي سفيان ما يكفيها ويكفي بنيها وكما أذن لمن ~~نزل بقوم ولم يضيفوه أن يعقبهم PageV02P075 في مالهم بمثل قراه كما في ~~الصحيحين عن عقبة ابن عامر قال : قلت للنبي إنك تبعثنا فننزل بقوم لا ~~يقرونا فما ترى فقال لنا : إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف ~~فاقبلوا وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم وفي المسند من ~~حديث المقدام أبي كريمة أنه سمع النبييقول من نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن ~~لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه # وفي المسند لأحمد أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال ~~رسول الله أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محروما فله أن يأخذ بقدر قراه ولا ~~حرج عليه وإن كان سبب الحق خفيا بحيث يتهم بالأخذ وينسب إلى الخيانة ظاهرا ~~لم يكن له PageV02P076 الأخذ وتعريض نفسه للتهمة والخيانة وإن كان في ~~الباطن آخذا حقه كما أنه ليس له أن يتعرض للتهمة التي تسلط الناس على عرضه ~~وإن ادعى أنه محق غير متهم وهذا القول أصح الأقوال وأسدها وأوفقها لقواعد ~~الشريعة وأصولها وبه تجتمع الأحاديث فإنه قد روى أبو داود في سننه من حديث ~~يوسف بن ماهك قال : كنت أكتب لفلان نفقة أيتام كان وليهم فغالطوه بألف درهم ~~فأداها إليهم فأدركت له من أموالهم مثلها فقلت : اقبض الألف الذي ذهبوا به ~~منك قال : لا حدثني أبي أنه سمع رسول اللهيقول : أد الأمانة إلى من ائتمنك ~~ولا تخن من خانك # وهذا وإن كان في حكم المنقطع فإن له شاهدا من وجه آخر وهو حديث طلق بن ~~غنام : أخبرنا شريك وقيس عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن النبي قال : أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك وقيس هو ابن ~~الربيع وشريك ثقة وقد قوي حديثه بمتابعة قيس له ms397 وإن كان فيه ضعف # وله شاهد آخر من حديث أيوب بن سويد عن ابن شوذب عن أبي التياح عن أنس رضي ~~الله عنه عن النبينحوه وأيوب بن سويد وإن كان فيه ضعف فحديثه يصلح ~~للاستشهاد به وله شاهد آخر وإن كان فيه ضعف فهو يقوى بانضمام هذه الأحاديث ~~إليه رواه يحيى بن أيوب عن إسحاق بن أسيد عن أبي حفص الدمشقي عن مكحول : أن ~~رجلا قال لأبي أمامة الباهلي الرجل أستودعه الوديعة أو يكون لي عليه دين ~~فيجحدني ثم يستودعني أو يكون له عندي الشيء أفأجحده فقال : لا سمعت رسول ~~اللهيقول : أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك وله شاهد آخر مرسل ~~قال يحيى بن أيوب : عن ابن جريج عن الحسن عن النبي أد الأمانة إلى من ~~ائتمنك ولا تخن من خانك وله شاهد آخر وهو ما رواه الترمذي من حديث مالك بن ~~نضلة قال : قلت يا رسول الله PageV02P077 الرجل أمر به فلا يقريني ولا ~~يضيفني فيمر بي أفأجزيه قال : لا أقره قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح # وله شاهد آخر وهو ما رواه أبو داود من حديث بشر بن الخصاصية قال : قلت : ~~يا رسول الله إن أهل الصدقة يعتدون علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون ~~علينا فقال : لا # وله شاهد آخر من حديث بشر هذا أيضا قلت : يا رسول الله إن لنا جيرانا لا ~~يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا أخذوها فإذا قدرنا لهم على شيء أنأخذه فقال : ~~أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ذكره شيخنا في كتاب إبطال ~~التحليل # فهذه الآثار مع تعدد طرقها واختلاف مخارجها يشد بعضها بعضا ولا يشبه ~~الأخذ فيها الأخذ في الموضعين اللذين أباح رسول اللهفيهما الأخذ لظهور سبب ~~الحق فلا ينسب الآخذ إلى الخيانة ولا يتطرق إليه تهمة ولتعسر الشكوى في ذلك ~~إلى الحاكم وإثبات الحق والمطالبة به # والذين جوزوه يقولون : إذا أخذ قدر حقه من غير زيادة لم يكن ذلك خيانة ~~فإن الخيانة أخذ ما لا ms398 يحل له أخذه وهذا ضعيف جدا فإنه يبطل فائدة الحديث ~~فإنه قال : ولا تخن من خانك فجعل مقابلته له خيانة ونهاه عنها فالحديث نص ~~بعد صحته # فإن قيل : فهلا جعلتموه مستوفيا لحقه بنفسه إذ عجز عن استيفائه بالحاكم ~~كالمغصوب ماله إذا رآه في يد الغاصب وقدر على أخذه منه قهرا فهل تقولون : ~~إنه لا يحل له أخذ عين ماله وهو يشاهده في يد الظالم المعتدي ولا يحل له ~~إخراجه من داره وأرضه # وكذلك إذا غصب زوجته وحال بينه وبينها وعقد عليها ظاهرا بحيث لا يتهم فهل ~~يحرم على الزوج الأول انتزاع زوجته منه خشية التهمة وهذا لا تقولونه أنتم ~~ولا أحد من أهل العلم # ولهذا قال الشافعي وقد ذكر حديث هند : وإذ قد دلت السنة وإجماع كثير من ~~أهل العلم على أن يأخذ الرجل حقه لنفسه سرا فقد دل أن ذلك ليس بخيانة إذ ~~الخيانة أخذ ما لا يحل له أخذه PageV02P078 # فالجواب : أنا نقول يجوز له أن يستوفي قدر حقه لكن بطريق مباح فأما ~~بخيانة وطريق محرمة فلا # وقولكم : ليس ذلك بخيانة قلنا : بل هو خيانة حقيقة ولغة وشرعا وقد سماه ~~رسول اللهخيانة وغايتها أنها خيانة مقابلة ومقاصة لا خيانة ابتداء فيكون كل ~~واحد منهما مسيئا إلى الآخر ظالما له فإن تساوت الخيانتان قدرا وصفة فقد ~~يتساقط إثمهما والمطالبة في الآخرة أو يكون لكل منهما على الآخر مثل ما ~~للآخر عليه وإن بقي لأحدهما فضل رجع به فهذا في أحكام الثواب والعقاب # وأما في أحكام الدنيا فليس كذلك لأن الأحكام فيها مرتبة على الظواهر وأما ~~السرائر فإلى الله ولهذا قال النبي إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر أقضي ~~بنحو مما أسمع ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بشيء من ~~حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار فأخبرأنه يحكم بينهم ~~بالظاهر وأعلم المبطل في نفس الأمر أن حكمه لا يحل له أخذ ما يحكم له به ~~وأنه مع حكمه له به فإنما يقطع ms399 له قطعة من النار فإذا كان الحق مع هذا ~~الخصم في الظاهر وجب على الحاكم أن يحكم له به ويقره بيده وإن كانت يدا ~~عادية ظالمة عند الله تعالى فكيف يسوغ لخصمه أن يحكم لنفسه ويستوفي لنفسه ~~بطريق محرمة باطلة لا يحكم بمثلها الحاكم وإن كان محقزا في نفس الأمر وليس ~~هذا بمنزلة من رأى عين ماله أو أمته أو زوجته بيد غاصب ظالم فخلصها منه ~~قهرا فإنه قد تعين حقه في هذه العين بخلاف صاحب الدين فإن حقه لم يتعين في ~~تلك العين التي يريد أن يستوفي منها ولأنه لا يتكتم بذلك ولا يستخفي به كما ~~يفعل الخائن بل يكابر صاحب اليد العادية ويغالبه ويستعين عليه بالناس فلا ~~ينسب إلى خيانة والأول متكتم مستخف متصور بصورة خائن وسارق فإلحاق أحدهما ~~بالآخر باطل والله أعلم PageV02P079 # | فصل القسم الخامس من الحيل : أن يقصد حل ما حرمه الشارع # أو سقوط ما أوجبه بأن يأتي بسبب نصبه الشارع سببا إلى أمر مباح مقصود ~~فيجعله المحتال المخادع سببا إلى أمر محرم مقصود اجتنابه # فهذه هي الحيل المحرمة التي ذمها السلف وحرموا فعلها وتعليمها # وهذا حرام من جهتين : من جهة غايته ومن جهة سببه # أما غايته : فإن المقصود به إباحة ما حرمه الله ورسوله وإسقاط ما أوجبه # وأما من جهة سببه : فإنه اتخذ آيات الله هزوا وقصد بالسبب ما لم يشرع ~~لأجله ولا قصده به الشارع بل قصد ضده فقد ضاد الشارع في الغاية والحكمة ~~والسبب جميعا وقد يكون أصحاب القسم الأول من الحيل أحسن حالا من كثير من ~~أصحاب هذا القسم فإنهم يقولون : إن ما نفعله حرام وإثم ومعصية ونحن أصحاب ~~تحيل بالباطل عصاة لله ولرسوله مخالفون لدينه وكثير من هؤلاء يجعلون هذا ~~القسم من الدين الذي جاءت به الشريعة وأن الشارع جوز لهم التحيل بالطرق ~~المتنوعة على إباحة ما حرمه وإسقاط ما أوجبه فأين حال هؤلاء من حال أولئك ~~ثم إن هذا النوع من الحيل يتضمن نسبة الشارع إلى العبث وشرع ما لا ms400 فائدة ~~فيه إلا زيادة الكلفة والعناء فإن حقيقة الأمر عند أرباب الحيل الباطلة : ~~أن تصير العقود الشرعية عبثا لا فائدة فيها فإنها لم يقصد بها المحتال ~~مقاصدها التي شرعت لها بل لأغراض له في مقاصدها وحقائقها البتة وإنما غرضه ~~التوصل بها إلى ما هو ممنوع منه فجعلها سترة وجنة يتستر بها من ارتكاب ما ~~نهي عنه صرفا فأخرجه في قالب الشرع كما أخرجت الجهمية التعطيل في قالب ~~التنزيه # وأخرج المنافقون النفاق في قالب الإحسان والتوفيق والعقل المعيشي ~~PageV02P080 وأخرج الظلمة الفجرة الظلم والعدوان في قالب السياسة وعقوبة ~~الجناة وأخرج المكاسون أكل المكوس في قالب إعانة المجاهدين وسد الثغور ~~وعمارة الحصون وأخرج الروافض الإلحاد والكفر والقدح في سادات الصحابة وحزب ~~رسول الله وأوليائه وأنصاره في قالب محبة أهل البيت والتعصب لهم وموالاتهم # وأخرجت الإباحية وفسقة المنتسبين إلى الفقر والتصوف بدعهم وشطحهم في قالب ~~الفقر والزهد والأحوال والمعارف ومحبة الله ونحو ذلك وأخرجت الإتحادية أعظم ~~الكفر والإلحاد في قالب التوحيد وأن الوجود واحد لا اثنان وهو الله وحده ~~فليس ههنا وجودان : خالق ومخلوق ولا رب وعبد بل الوجود كله واحد وهو حقيقة ~~الرب # وأخرجت القدرية إنكار عموم قدرة الله تعالى على جميع الموجودات : أفعالها ~~وأعيانها في قالب العدل وقالوا : لو كان الرب قادرا على أفعال عباده لزم أن ~~يكون ظالما لهم فأخرجوا تكذيبهم بالقدر في قالب العدل # وأخرجت الجهمية جحدهم لصفات كماله سبحانه في قالب التوحيد وقالوا : لو ~~كان له سبحانه سمع وبصر وقدرة وحياة وإرادة وكلام يقوم به لم يكن واحدا ~~وكان آلهة متعددة # وأخرجت الفسقة والذين يتبعون الشهوات الفسوق والعصيان في قالب الرجاء ~~وحسن الظنع بالله تعالى وعدم إساءة الظن بعفوه وقالوا : تجنب المعاصي ~~والشهوات إزراء بعفو الله تعالى وإساءة للظن به ونسبة له إلى خلاف الجود ~~والكرم والعفو # وأخرجت الخوارج قتال الأئمة والخروج عليهم بالسيف في قالب الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر # وأخرج أرباب البدع جميعهم بدعهم في قوالب متنوعة بحسب تلك البدع ~~PageV02P081 # وأخرج المشركون شركهم في قالب التعظيم لله ms401 وأنه أجل من أن يتقرب إليه ~~بغير وسائط وشفعاء وآلهة تقربهم إليه # فكل صاحب باطل لا يتمكن من ترويج باطله إلا بإخراجه في قالب حق # والمقصود : أن أهل المكر والحيل المحرمة يخرجون الباطل في القوالب ~~الشرعية ويأتون بصور العقود دون حقائقها ومقاصدها # | فصل وهذا القسم من أقسام الحيل أنواع : أحدها : الاحتيال لحل # ما هو حرام في الحال كالحيل الربوية وحيلة التحليل # الثاني : الاحتيال على حل ما انعقد سبب تحريمه فهو صائر إلى التحريم ولا ~~بد كما إذا علق طلاقها بشرط محقق تعليقا يقع به ثم أراد منع وقوع الطلاق ~~عند الشرط فخالعها خلع الحيلة حتى بانت ثم تزوجها بعد ذلك # الثالث : الاحتيال على إسقاط ما هو واجب في الحال كالاحتيال على إسقاط ~~الإنفاق الواجب عليه وأداء الدين الواجب بأن يملك ماله لزوجته أو ولده ~~فيصير معسرا فلا يجب عليه الإنفاق والأداء وكمن يدخل عليه رمضان ولا يريد ~~صومه فيسافر ولا غرض له سوى الفطر ونحو ذلك # الرابع : الاحتيال على إسقاط ما انعقد سبب وجوبه ولم يجب لكنه صائر إلى ~~الوجوب فيحتال حتى يمنع الوجوب كالاحتيال على إسقاط الزكاة بتمليكه ماله ~~قبل مضيالحول لبعض أهله ثم استرجاعه بعد ذلك وهذا النوع ضربان : أحدهما ~~إسقاط حق الله تعالى بعد وجوبه أو انعقاد سببه والثاني : إسقاط حق المسلم ~~بعد وجوبه أو انعقاد سببه كالاحتيال على إسقاط الشفعة التي شرعت دفعا للضرر ~~عن الشريك قبل وجوبها أو بعده # الخامس : الاحتيال على أخذ حقه أو بعضه أو بدله بخيانة كما تقدم وله صور ~~كثيرة PageV02P082 # منها : أن يجحده دينه كما جحده # ومنها : أن يخونه في وديعته كما خانه # ومنها : أن يغشه في بيع معيب كما غشه هو في بيع معيب # ومنها : أن يسرق ماله كما سرق ماله # ومنها : أن يستعمله بأجرة دون أجرة مثله ظلما وعدوانا أو غرورا وخداعا أو ~~غبنا فيقدر المستأجر له على مال فيأخذ تمام أجرته # وهذا النوع يستعمله كثير من أرباب الديوان ونظار الوقوف والعمال وجباه ~~الفيء والخراج والجزية والصدقة وأمثالهم فإن ms402 كان المال مشتركا بين المسلمين ~~رتعوا وربعوا ورأى أحدهم أن من الغبن أن يفوته شيء منه ويرى إن عدل أن له ~~نصف ذلك المال ويسعى في السدس تكملة للثلثين كما قيل في بعضهم : # له نصف بيت المال فرض مقرر % وفي سدس التكميل يسعى ليخلصا من القوم لا ~~تثنيهم عن مرادهم % عقوبة سلطان بسوط ولا عصا # | فصل وقد عرف بما ذكرنا الفرق بين الحيل التي تخلص من الظلم والبغي # والعدوان والحيل التي يحتال بها على إباحة الحرام وإسقاط الواجبات وإن ~~جمعهما اسم الحيلة والوسيلة وعرف بذلك أن العينة لا تخلص من الحرام وإنما ~~يتوسل بها إليه وهو المقصود الذي اتفقا عليه ويعلمه الله تعالى من نفوسهما ~~وهما يعلمانه ومن شاهدهما يعلمه وكذلك تمليك ما له لولده عند قرب الحول ~~فرارا من الزكاة لا يخلص من الإثم بل يغمسه فيه لأنه قصد إلى إسقاط فرض قد ~~انعقد سببه ولكن عذر من جوز ذلك أنه لم يسقط الواجب وإنما أسقط الوجوب وفرق ~~بين الأمرين فإن له أن يمنع الوجوب وليس له أن يمنع الواجب # وهكذا القول في التحيل على إسقاط الشفعة قبل البيع فإنه يمنع وجوب ~~الاستحقاق PageV02P083 # ولا يمنع الحق الذي وجب بالبيع فذلك لا يجوز وهو نظير منع الزكاة بعد ~~وجوبها فذلك لا يجوز بحيلة ولا غيرها # وكذلك التحيل على منع وجوب الجمعة عليه بأن يسكن في مكان لا يبلغه النداء ~~أو لا يمكنه الذهاب منه إلى الجمعة والرجوع في يومه أو السفر قبل دخول ~~وقتها ولا يجوز له التحيل على تركها بعد وجوبها عليه # وكذلك التحيل على منع وجوب الإنفاق على القريب بأن لا يكتسب مالا يجب فيه ~~الإنفاق ولا يجوز له التحيل على إسقاط ما وجب من ذلك فهذا سر الفرق الذي ~~اعتمده أصحاب الحيل وأما المانعون فيجيبون عن ذلك : # بأن هذا لو أجدى على المتحيلين لم يعاقب الله سبحانه تعالى أصحاب الجنة ~~الذين عزموا على صرامها ليلا لئلا يحضرهم المساكين فهؤلاء قصدوا دفع الوجوب ~~بعد انعقاد سببه وهو نظير ms403 التحيل لإسقاط الزكاة بعد ثبوت سببها # وبأن هذا يبطل حكمة الإيجاب فإن الله سبحانه إنما أوجبها في أموال ~~الأغنياء طهرة لهم وزكاة ورحمة للمساكين وسدا لفاقتهم فالتحيل على منع ~~وجوبها يعود على ذلك كله بالإبطال # وبأن الشارع لو جوز التحيل على منع الإيجاب بعد انعقاد سببه لم يكن في ~~الإيجاب فائدة إذ ما من أحد إلا ويمكنه التحيل بأدنى حيلة على الدفع فيكون ~~الإيجاب عديم الفائدة فإنه إذا أوجبه وجوز إسقاطه بعد انعقاد سبب الإيجاب ~~عاد ذلك بنقض ما قصده # وبأنه إذا انعقد سبب الوجوب فقد تعلق الوجوب بالمكلف فلا يمكنه الشارع من ~~قطع هذا التعليق ولا سيما إذا شارف وقت الوجوب وحضر حتى كأنه داخل فيه كما ~~إذا بقي من الحول يوم أو ساعة فالإسقاط ههنا في حكم الإسقاط بعد الحول سواء ~~ومفسدته كمفسدته فإن المصلحة الفائتة بالمنع بعد تلك الساعة كالمفسدة ~~الحاصلة بالتسبب إلى المنع قبلها من كل وجه PageV02P084 # وبأن الحكم بعد انعقاد سببه كالثابت الذي قد صح ووجد # وبأن الوجوب قد تحقق بانعقاد سببه وإنما جوز له التأخير إلى تمام الحول ~~توسعة عليه ولهذا يجوز له أداء الواجب قبل الحول ويكون واقعا موقعه ولأن ~~الفرار من الإيجاب إنما يقصد به الفرار من أداء الواجب وأن يسقط ما فرضه ~~الله عليه عند مضي الحول وليس هذا كمن ترك اكتساب المال الذي يجب فيه ~~الزكاة فرارا من وجوبها عليه أو ترك بيع الشقص فرارا من أخذ الشفيع له أو ~~ترك التزوج فرارا من وجوب الإنفاق ونحو ذلك فإن هذا لم ينعقد في حقه السبب ~~بل ترك ما يفضي إلى الإيجاب ولم يتسبب إليه وهذا تحيل بعد السبب على إسقاط ~~ما تعلق به من أداء الواجب واحتال على قطع سببيته بعد ثبوتها # وأيضا فإن قطع سببية السبب تغيير لحكم الله وإسقاط للسببية بالتحيل وليس ~~ذلك للمكلف فإن الله سبحانه هو الذي جعل هذا سببا بحكمه وحكمته فليس له أن ~~يبطل هذا الجعل بالحيلة والمخادعة وهذا بخلاف ما إذا وهبه ظاهرا ms404 وباطنا أو ~~أنفقه فإنه لم يحتل بإظهار أمر وإبطان خلافه على منع الإيجاب وأداء الواجب # وأيضا فإنه إذا احتال على منع الإيجاب تضمن ذلك الحيلة على منع أداء ~~الواجب ومعلوم أن منعه أداء الواجب فقط أيسر من تحيله على الأمرين جميعا # وأيضا فإنه لا يصح فراره من الوجوب مع إتيانه بسببه فإن الفار من الشيء ~~فار من أسبابه وهذا أحرص شيء على الملك الذي هو سبب وجوب الحق عليه ومن ~~حرصه عليه : تحيل على ترك الإخراج حرصا وشحا فهو فار من أداء الواجب ظانا ~~أنه يفر من وجوبه عليه والأول حاصل له دون الثاني # ونكتة الفرق من جهة الوسيلة والمقصود فإن المحتال على المحرمات وإسقاط ~~الواجبات مقصوده فاسد ووسيلته باطلة فإنه توسل بالشيء إلى غير مقصوده وتوسل ~~به إلى مقصود محرم فإن الله سبحانه إنما جعل النكاح وسيلة إلى المودة ~~والرحمة والمصاهرة والنسل وغض PageV02P085 البصر وحفظ الفرج والتمتع ~~والإيواء وغير ذلك من مقاصد النكاح والمحلل لم يتوسل به إلى شيء من ذلك بل ~~إلى تحليل ما حرمه الله تعالى فإنه سبحانه حرمها على المطلق ثلاثا عقوبة له ~~فتوسل هذا بنكاحها إلى تحليل ما حرمه الله تعالى له ولم يتوسل به إلى ما ~~شرع له فكان القصد محرما والوسيلة باطلة # وكذلك شرع الله البيع وسيلة إلى انتفاع المشتري بالعين والبائع بالثمن ~~فتوسل به المرابي إلى محض الربا وأتى به لغير مقصوده فإنه لا غرض له في ~~تملك تلك العين ولا الانتفاع بها وإنما غرضه الربا فتوسل إليه بالبيع # وكذلك شرع سبحانه الأخذ بالشفعة دفعا للضرر عن الشريك فتوسل المبطل لها ~~بإظهار الصرف الذي لا حقيقة له إلى إبطالها فكانت وسيلته باطلة ومقصوده ~~محرما وكذلك الزكاة فرضها رحمة منه بالمساكين وطهرة للأغنياء فتوسل المسقط ~~لها إلى إبطال هذا المقصود بإظهار عقد لا حقيقة له من بيع أو هبة وكذلك ~~القرض شرع الله سبحانه فيه العدل وأن لا يزداد على مثل ما أقرض فإذا احتال ~~المقرض على الزيادة فقد احتال على مقصود محرم ms405 بطريق باطلة # وكذلك بيع الثمر قبل بدو صلاحها باطل لما يفضي إليه من أكل المال بالباطل ~~فإذا احتال عليه بأن شرط القطع ثم تركه حتى يكمل كان قد احتال على مقصود ~~محرم بشرط غير مقصود بل قد علم المتعاقدان وغيرهما أنه لا يقطعه ولا سيما ~~إن كان مما لا ينتفع به قبل الصلاح بوجه كالتوت والفرسك وغيرهما فاشتراط ~~قطعه خداع محض # وكذلك سائر الحيل التي تعود على مقصود الشارع وشرعه بالنقض والإبطال ~~غاياتها محرمة ووسائلها باطلة لا حقيقة لها # وكذلك الفدية والخلع التي شرعها الله يخلص كلا من الزوجين من الآخر إذا ~~وقع الشقاق بينهما فجعلوه حيلة للحنث في اليمين وبقاء النكاح والله سبحانه ~~إنما شرعه لقطع النكاح حيث يكون قطعه مصلحة لهما # وبهذا يتبين لك الفرق بين الحيل التي يتوصل بها إلى تنفيذ أمر الله ~~سبحانه وتعالى ورسوله وإقامة PageV02P086 دينه والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر ونصر المحق وكسر المبطل والحيل التي يتوصل بها إلى خلاف ذلك فتحصيل ~~المقاصد المشروعة بالطرق التي جعلت موصلة إليها شيء وتحصيل المقاصد الفاسدة ~~بالطرق التي جعلت لغيرها شيء آخر # فالفرق بين النوعين ثابت من جهة الوسيلة والمقصود اللذين هما : المحتال ~~به والمحتال عليه # فالطرق الموصلة إلى الحلال المشروع هي الطرق التي لا خداع في وسائلها ولا ~~تحريم في مقاصدها وبالله التوفيق # | فصل وأما قولكم : إن من حلف بطلاق زوجته : ليشربن هذا الخمر # أو ليقتلن هذا الرجل أو نحو ذلك كان في الحيلة تخليصه من هذه المفسدة ومن ~~مفسدة وقوع الطلاق # فيقال : نعم والله قد شرع الله له ما يتخلص به ولخلاصه طرق عديدة فلا ~~تتعين الحيلة التي هي خداع ومكر لتخليصه بل ههنا طرق عدة قد سلك كل طريق ~~منها طائفة من الفقهاء من سلف الأمة وخلفها الطريق الأولى : طريقة من قال : ~~لا تنعقد هذه اليمين بحال ولا يحنث فيها بشيء سواء كانت بصيغة الحلف كقوله ~~الطلاق يلزمني لأفعلن أو بصيغة التعليق المقصود كقوله إن طلعت الشمس أو إن ~~حضت أو إن جاء رأس ms406 الشهر فأنت طالق أو التعليق المقصود به اليمين من الحض ~~والمنع والتصديق والتكذيب كقوله إن لم أفعل كذا وإن فعلت كذا فامرأتي طالق ~~وهذا اختيار أجل أصحاب الشافعي الذين جالسوه أو من هو من أجلهم : أبي ~~عبدالرحمن وهو أجل من أصحاب الوجوه المنتسبين إلى الشافعي وهذا مذهب أكثر ~~أهل الظاهر PageV02P087 # فعندهم أن الطلاق لا يقبل التعليق كالنكاح ولم يرد مخالفوا هؤلاء عليهم ~~بحجة تشفي # الطريق الثانية : طريق من يقول : لا يقع الطلاق المحلوف به ولا العتق ~~المحلوف به ويلزمه كفارة اليمين إذا حنث فيه وهذا مذهب ابن عمر وابن عباس ~~وأبي هريرة وعائشة وزينب بنت أم سلمة وحفصة في الحلف بالعتق الذي هو قربة ~~إلى الله تعالى بل من أحب القرب إلى الله ويسري في ملك الغير فما يقول ~~هؤلاء في الحلف بالطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله تعالى وأحب الأشياء ~~إلى الشيطان والسائل لهؤلاء الصحابة إنما كان امرأة حلفت بأن كل مملوك لها ~~حرك إن لم تفرق بين عبدها وبين امرأته فقالوا لها : كفري عن يمينك وخلي بين ~~الرجل وبين امرأته PageV02P088 # وهؤلاء الصحابة أفقه في دين الله وأعلم من أن يفتوا بالكفارة في الحلف ~~بالعتق ويرونه يمينا ولا يرون الحلف بالطلاق يمينا ويلزمون الحانث بوقوعه ~~فإنه لا يجد فقيه شم رائحة العلم بين البابين والتعليقين فرقا بوجه من ~~الوجوه # وإنما لم يأخذ به أحمد لأنه لم يصح عنده إلا من طريق سليمان التيمي ~~واعتقد أنه تفرد به وقد تابعه عليه محمد بن عبدالله الأنصاري وأشعث ~~الحمراني ولهذا لما ثبت عند أبي ثور قال به وظن الإجماع في الحلف بالطلاق ~~على لزومه فلم يقل به # الطريق الثالثة : طريق من يقول : ليس الحلف بالطلاق شيئا وهذا صحيح عن ~~طاوس وعكرمة # أما طاوس فقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه ~~: أنه كان لا يرى الحلف بالطلاق شيئا وقد رد بعض المتعصبين لتقليدهم ~~ومذاهبهم هذا النقل بأن عبد الرزاق ذكره في باب يمين المكره فحمله على ms407 ~~الحلف بالطلاق مكرها وهذا فاسد فإن الحجة ليست في الترجمة وإنما الاعتبار ~~بما يروى في أثناء الترجمة ولا سيما المتقدمين كابن أبي شيبة وعبدالرزاق ~~ووكيع وغيرهم فإنهم يذكرون في أثناء الترجمة آثارا لا تطابق الترجمة وإن ~~كان لها بها نوع تعلق وهذا في كتبهم لمن تأمله أكثر وأشهر من أن يخفى وهو ~~في صحيح البخاري وغيره وفي كتب الفقهاء وسائر المصنفين ثم لو فهم عبد ~~الرزاق هذا وأنه في يمين المكره لم تكن الحجة في فهمه بل الأخذ بروايته وأي ~~فائدة في تخصيص الحلف بالطلاق بذلك بل كل مكره حلف بأي يمين كانت فيمينه ~~ليست بشيء # أما عكرمة فقال سنيد بن داود في تفسيره : حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن ~~عاصم الأحول عن عكرمة : في رجل قال لغلامه : إن لم أجلدك مائة سوط فامرأتي ~~طالق قال : لا يجلد غلامه ولا يطلق امرأته هذا من خطوات الشيطان # فإذا ضممت هذا الأثر إلى أثر ابن طاوس عن أبيه إلى أثر ابن عباس فيمن ~~قالت PageV02P089 لمملوكها : إن لم أفرق بينك وبين امرأتك فكل مملوك لي حتر ~~إلى الآثار المستفيضة عن ابن عباس في الحلف بتحريم الزوجة : أنها يمين ~~يكفرها تبين لك ما كان عليه ابن عباس وأصحابه في هذا الباب # فإذا ضممت ذلك إلى آثار الصحابة في الحلف بالتعليقات كالحج والصوم ~~والصدقة والهدي والمشي إلى مكة حافيا ونحو ذلك : أنها أيمان مكفرة تبين لك ~~حقيقة ما كان عليه الصحابة في ذلك فإذا ضممت ذلك إلى القياس الصحيح الذي ~~يستوي فيه حكم الأصل والفرع : تبين لك توافق القياس وهذه الآثار # فإذا ارتفعت درجة أخرى ووزنت ذلك بالنصوص من القرآن والسنة تبين لك ~~الراجح من المرجوح ومع هذا كله فلا يدان لك بمقاومة السلطان ومن يقول : ~~حكمت وثبت عندي فالله المستعان # الطريق الرابعة : طريق من يفرق بين أن يحلف على فعل امرأته أو على فعل ~~نفسه أو على غير الزوجة فيقول : إن قال لامرأته : إن خرجت من الدار أو كلمت ~~رجلا أو فعلت كذا فأنت ms408 طالق فلا يقع عليه الطلاق بفعلها ذلك وإن حلف على ~~فعل نفسه أو غير امرأته وحنث لزمه الطلاق # وهذا قول أفقه أصحاب مالك على الإطلاق وهو أشهب بن عبدالعزيز ومحله من ~~الفقه والعلم غير خاف ومأخذ هذا : أن المرأة إذا فعلت ذلك لتطلق نفسها لم ~~يقع به الطلاق معاقبة لها بنقيض قصدها وهذا جار على أصول مالك وأحمد ومن ~~وافقهما في معاقبة الفار من التوريث والزكاة وقاتل مورثه والموصي له ومن ~~دبره بنقيض قصده وهذا هو الفقه لا سيما وهو لم يرد طلاقها إنما أراد حضها ~~أو منعها وأن لا تتعرض لما يؤذيه فكيف يكون فعلها سببا لأعظم أذاه وهو لم ~~يتملكها ذلك بالتوكيل والخيار ولا ملكها الله إياه بالفسخ فكيف تكون الفرقة ~~إليها إن شاءت أقامت معه وإن شاءت فارقته بمجرد حضها ومنعها وأي شيء أحسن ~~من هذا الفقه وأطرد على قواعد الشريعة PageV02P090 # الطريق الخامسة : طريق من يفصل بين الحلف بصيغة الشرط والجزاء والحلف ~~بصيغة الالتزام # فالأول : كقوله : إن فعلت كذا أو إن لم أفعله فأنت طالق # والثاني : كقوله : الطلاق يلزمني أو لي لازم أو علي الطلاق إن فعلت أو إن ~~لم أفعل فلا يلزمه الطلاق في هذا القسم إذا حنث دون الأول # وهذا أحد الوجوه الثلاثة لأصحاب الشافعي وهو المنقول عن أبي حنيفة وقدماء ~~أصحابه ذكره صاحب الذخيرة وأبو الليث في فتاويه قال أبو الليث : ولو قال : ~~طلاقك علي واجب أو لازم أو فرض أو ثابت فمن المتأخرين من أصحابنا من قال : ~~يقع واحدة رجعية نواه أو لم ينوه ومنهم من قال : لا يقع وإن نوى والفارق : ~~العرف # قال صاحب الذخيرة : وعلى هذا الخلاف : إذا قال : إن فعلت كذا فطلاقك علي ~~واجب أو قال : لازم ففعلت وذكر القدوري في شرحه : أن على قول أبي حنيفة : ~~لا يقع الطلاق في الكل وعند أبي يوسف : إن نوى الطلاق يقع في الكل وعن محمد ~~: أنه يقع في قوله : لازم ولا يقع في : واجب # واختار الصدر الشهيد الوقوع في الكل وكان ظهير ms409 الدين المرغيناني يفتي ~~بعدم الوقوع في الكل هذا كله لفظ صاحب الذخيرة # وأما الشافعية : فقال ابن يونس في شرح التنبيه : وإن قال : الطلاق ~~والعتاق لازم لي ونواه لزمه لأنهما يقعان بالكناية مع النية وهذا اللفظ ~~محتمل فجعل كناية وقال الروياني : الطلاق لازم لي : صريح وعد ذلك في صرائح ~~الطلاق ولعل وجهه غلبة استعماله لإرادة الطلاق وقال القفال في فتاويه : ليس ~~بصريح ولا كناية حتى لا يقع به الطلاق وإن نواه لأن الطلاق لابد فيه من ~~الإضافة إلى المرأة ولم يتحقق هذا لفظه # وحكى شيخنا هذا القول عن بعض أصحاب أحمد # فقد صار الخلاف في هذا الباب في المذاهب الأربعة بنقل أصحابها في كتبهم ~~PageV02P091 # ولهذا التفريق مأخذ آخر أحسن من هذا الذي ذكره الشارح وهو أن الطلاق لا ~~يصح التزامه وإنما يلزم التطليق فإن الطلاق هو الواقع بالمرأة وهو اللازم ~~لها وإنما الذي يلتزمه الرجل : هو التطليق فالطلاق لازم لها إذا وقع # إذا تبين هذا فالتزام التطليق لا يوجب وقوع الطلاق فإنه لو قال : إن فعلت ~~كذا فعلي أن أطلقك أو فلله علي أن أطلقك أو فتطليقك لازم لي أو واجب علي ~~وحنث لم يقع عليه الطلاق فهكذا إذا قال : إن فعلت كذا فالطلاق يلزمني لأنه ~~إنما التزم التطليق لا يقع بالتزامه والموقعون يقولون : هو قد التزم حكم ~~الطلاق وهو خروج البضع من ملكه وإنما يلزمه حكمه إذا وقع فصار هذا الالتزام ~~مستلزما لوقوعه فقال لهم الآخرون : إنما يلزمه حكمه إذا أتى بسببه وهو ~~التطليق فحيئنذ يلزمه حكمه وهو لم يأت بالتطليق منجزا بلا ريب وإنما أتى به ~~معلقا له والتزام التطليق بالتنجيز لا يلزم فكيف يلزم بالتعليق والمنصف ~~المتبصر لا يخفى عليه الصحيح وبالله التوفيق # | فصل وممن ذكر الفرق بين الطلاق وبين الحلف بالطلاق : القاضي أبو # الوليد هشام بن عبدالله بن هشام الأزدي القرطبي في كتابه مفيد الحكام ~~فيما يعرض لهم من نوازل الأحكام فقال في كتاب الطلاق من ديوانه وقد ذكر ~~اختلاف أصحاب مالك في الأيمان اللازمة ثم قال ms410 : ولا ينبغي أن تتلقى هذه ~~المسألة هكذا تلقيا تقليديا إلا أن يشمها نور الفهم ويوضحها لسان البرهان ~~وأنا أشير لك إلى نكتة تسعد بالغرض فيها إن شاء الله تعالى منها : الفرق ~~بين الطلاق إيقاعا وبين اليمين بالطلاق وفي المدونة كتابان موضوعان : ~~أحدهما لنفس الطلاق والثاني للأيمان بالطلاق ووراء هذا الفن فقه على الجملة ~~وذلك PageV02P092 أن الطلاق صورته في الشرع : حل وارد على عقد واليمين ~~بالطلاق عقد فليفهم هذا وإذا كان عقدا لم يحصل منه حل إلا أن تنقله من موضع ~~العقد إلى موضع الحل نية ليخرج بها اللفظ من حقيقته إلى كنايته فقد نجمت ~~هذه المسألة في أيام الحجاج بعد أن استقل الشرع بأصوله وفروعه وحقائقه ~~ومجازاته في أيمان البيعة وليس في أيمان الطلاق إلا ما أذكره لك وذلك أن ~~الطلاق على ضربين : صريح وكناية # فالصريح : كل لفظ استقل بنفسه في إثبات حكمه تحديدا # والكناية : على ضربين كناية غالبة وكناية غير غالبة # فالغالبة : كل ما أشعر بثبوت الطلاق في موضوع اللغة أو الشرع كقوله : ~~الحقي بأهلك واعتدي # وغير الغالبة : كل ما لا يشعر بثبوت الطلاق في وضع اللغة والشرع كقوله : ~~ناوليني الثوب وقال : أردت بذلك الطلاق # فإذا عرضنا لفظ الأيمان على صريح الطلاق لم تكن من قسمه وإن عرضناها على ~~الكناية لم تكن من قسيمها إلا بقرينة من شاهد حال أو جارى عرف أو نية تقارن ~~اللفظ فإن اضطرب شاهد الحال أو جاري العرف باحتمال يحتمله فقد تعذر الوقوف ~~على النية ولا ينبغي لحاكم ولا لغيره أن يمد القلم في فتوى حتى يتأمل مثل ~~هذه المعاني فإن الحكم إن لم يقع مستوضحا عن نور فكري مشعر بالمعنى المربوط ~~اضمحل ثم قال : وأنا ذاكر لك ما بلغني في هذه اليمين من كلام العلماء ~~ورأيته من أقوال # الفقهاء وهي يمين محدثة لم تقع في الصدر الأول # ثم ذكر اختلاف أهل العلم في الحلف بالأيمان اللازم والمقصود : أنه ذكر ~~الفرق الفطري العقلي الشرعي بين إيقاع الطلاق والحلف بالطلاق وأنهما بابان ~~مفترقان بحقائقهما ومقاصدهما ms411 وألفاظهما فيجب افتراقهما حكما أما افتراقهما ~~بالحقيقة فما ذكره من أن الطلاق حل وفسخ واليمين عقد والتزام فهما إذن ~~حقيقتان مختلفتان قال تعالى : @QB@ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان @QE@ ~~PageV02P093 # ثم أشار إلى الافتراق في الحكم بقوله : وإذا كانت اليمين عقدا لم يحصل ~~بها حل إلا أن ينقل من موضع العقد إلى موضع الحل ومن البين أن الشارع لم ~~ينقلها من العقد إلى الحل فيجب بقاؤها على ما وضعت عليه نعم لو قصد الحالف ~~بها إيقاع الطلاق عند الحنث فقد استعملها في العقد والحل فتصير كناية في ~~الوقوع وقد نواه فيقع به الطلاق لأن هذا العقد صالح للكناية وقد اقترنت به ~~النية فيقع الطلاق أما إذا نوى مجرد العقد ولم ينو الطلاق البتة بل هو أكره ~~شيء إليه فلم يأت بما ينقل اليمين من موضوعها الشرعي ولا نقلها عنه الشارع ~~فلا يلزمه غير موجب الأيمان # فليتأمل المنصف العالم هذا الفرق ويخرج قلبه ساعة من التصعب والتقليد ~~واتباع غير الدليل # والمقصود : أن باب اليمين وباب الإيقاع مختلفان في الحقيقة والقصد واللفظ ~~فيجب اختلافهما في الحكم أما الحقيقة فما تقدم # وأما القصد فلأن الحالف مقصوده الحض والمنع أو التصديق أو التكذيب ~~والمطلق مقصوده التخلص من الزوجة من غير أن يخطر بباله حض ولا منع ولا ~~تصديق ولا تكذيب فالتسوية بينهما لا يخفى حالها # وأما اختلافهما لفظا فإن لفظ اليمين لابد فيها من التزام قسمي يأتي فيه ~~بجواب القسم أو تعليق شرطي يقصد فيه انتفاء الشرط والجزاء أو وقوع الجزاء ~~على تقدير وقوع الشرط وإن كان يكرهه ويقصد انتفاءه فالمقدم في الصورة ~~الأولى مؤخر في الثانية والمنفي في الأولى ثابت في الثانية ولفظ الإيقاع لا ~~يتضمن شيئا من ذلك ومن تصور هذا حق التصور جزم بالحق في هذه المسألة والله ~~الموفق # الطريقة السادسة : أن يزول المعنى الذي كانت اليمين لأجله فإذا فعل ~~المحلوف عليه بعد ذلك لم يحنث لأن امتناعه باليمين إنما كان لعلة فيزول ~~بزوالها وهذا مطرد على أصول الشرع وقواعد مذهب أحمد وغيره ms412 ممن يعتبر النية ~~والقصد في اليمين تعميما وتخصيصا وإطلاقا وتقييدا فإذا حلف : لا أكلم فلانة ~~وكان سبب اليمين الذي هيجها كونها أجنبية يخاف الوقوع في عرضه بكلامها ~~فتزوجها لم يحنث بكلامها إعمالا لسبب اليمين وما هيجها PageV02P094 في ~~التقييد بكونها أجنبية هذا إذا لم يكن له نية ما دامت كذلك أما إذا كانت له ~~نية فلا إشكال في تقييد اليمين بها ونظيره : أن يحلف : لا يكلم فلانا ولا ~~يعاشره لكونه صبيا فصار رجلا وكان نيته وسبب يمينه لأجل صباه ونظيره : أن ~~يحلف : لا دخلت هذه الدار لأجل من يظن به التهمة لدخولها فمات أو سافر ~~فدخلها لم يحنث وبذلك أفتى أبو حنيفة وأبو يوسف : من حلف : لادخلت دار فلان ~~هذه ولا كلمت عبده هذا فباع فلان العبد والدار # ونظير هذا : أن يحلف لا يكلم فلانا والحامل له على اليمين كونه تاركا ~~للصلاة أو مرابيا أو خمارا أو واليا فتاب من ذلك كله وزالت الصفة التي حلف ~~لأجلها لم يحنث بكلامه # وكذلك إذا حلف لاتزوجت فلانة والحامل له على اليمين صفة فيها مثل كونها ~~بغيا أو غير ذلك فزالت تلك الصفة لم يحنث بتزوجها # كل هذا مراعاة للمقاصد التي الالفاظ دالة عليها فإذا ظهر القصد كان هو ~~المعتبر ولهذا لو حلف : ليقضينه حقه في غد وقصده أو السبب : أن لا يجاوزه ~~فقضاه قبله لم يحنث ولو حلف : لا يبيع عبده إلا بألف فباعه بأكثر لم يحنث ~~ولو حلف : أن لا يخرج من البلد إلا بإذن الوالي والنية أو السبب : يقتضي ~~التقييد ما دام كذلك فعزل لم يحنث بالخروج بغير إذنه # وكذلك لو حلف على زوجته أو عبده أو أمته : أن لا تخرج إلا بإذنه فطلق أو ~~أعتق أو باع لم يحنث بخروجهم بغير إذنه لأن اقتضاء السبب والقصد بتقييد في ~~غاية الظهور # ونظائر ذلك كثيرة جدا # وسائر الفقهاء يعتبرون ذلك وإن خالفوه في كثير من المواضع وهذا هو الصواب ~~لأن الألفاظ إنما اعتبرت لدلاتها على المقاصد فإذا ظهر القصد كان ~~PageV02P095 الاعتبار له ms413 وتقيد اللفظ به ولهذا لو دعي إلى غداء فحلف لا ~~يتغدى تقيدت يمينه بذلك الغداء وحده لأن النية والسبب ومناط اليمين لا ~~يقتضي غيره # وقد أخبر النبي أن الأعمال بالنيات : وإنما لكل امرىء ما نوى وما لم ينوه ~~بيمينه أو كان السبب لا يقتضيه لا يجوز أن يلزم به مع القطع بأنه لم يرده ~~ولا خطر على باله # وقد أفتى غير واحد من الفقهاء منهم ابن عقيل وشيخنا وغيرهما : فيمن قيل ~~له : إن امرأتك قد خرجت من بيتك أو قد زنت بفلان فقال : هي طالق ثم تبين له ~~أنها لم تخرج من البيت وأن الذي رميت به في بلد بعيد لا يمكن وصوله إليها ~~أو أنه حين رميت به كان ميتا ونحو ذلك مما يعلم به أنها لم تزن فإنه لا يقع ~~عليه الطلاق لأنه إنما طلقها بناء على هذا السبب فهو كالشرط في طلاقها # وهذا الذي قالوه هو الذي لا يقتضي المذهب وقواعد الفقه غيره فإنهم قد ~~قالوا : لو قال : لها أنت طالق وقال : أردت إن قمت دين ولم يقع به الطلاق ~~فهذا مثله سواء ونظير هذا : ما قالوه : إن المكاتب لو أدى إلى سيده المال ~~فقال : أنت حر فبان أن المال الذي أعطاه مستحق أو زيوف لم يقع العتق وإن ~~كان قد صرح به ذكره أصحاب أحمد والشافعي لأنه إنما أعتقه بناء على سلامة ~~العوض ولم يسلم له وقواعد الشريعة كلها مبنية على أن الحكم إذا ثبت لعلة ~~يزول بزوالها # وأمثلة ذلك أكثر من أن تحصر # فهذه الطريقة تخلص من كثير من الحنث # وإذا تأملت هذه الطرق لرأيت أيتها سلكت أحسن من طرق الحيل التي يتحيلون ~~بها على عدم الحنث وهي أنواع # أحدها التسريح # الثاني : خلع اليمين # الثالث : التحيل لفساد النكاح إما بكون الولي كان قد فعل ما يفسق به أو ~~الشهود كانوا جلوسا على مقعد حرير ونحو ذلك فيكون النكاح باطلا فلا يقع فيه ~~الطلاق PageV02P096 # الرابع : الاحتيال على فعل المحلوف عليه بتغيير اسمه أو صفته أو نقله ms414 من ~~مالك إلى مالك ونحو ذلك # فإذا غلبوا عن شيء من هذه الحيل الأربعة فزعوا إلى التيس المستعار ~~فاستأجروه ليسفد ويأخذ على سفاده أجرا فليوازن من يعلم أنه موقوف بين يدي ~~الله تعالى ومسئول بين هذه الطرق وتلك الطرق التي قبلها وليقم لله ناظرا ~~ومناظرا متجردا من العصبية والحمية فإنه لا يكاد يخفى عليه الصواب والله ~~ولي التوفيق $ فصل وأما قوله تعالى لأيوب عليه السلام : @QB@ وخذ بيدك ضغثا ~~فاضرب به ولا تحنث @QE@ فمن العجب أن يحتج بهذه الآية من يقول : إنه لو حلف ~~: ليضربنه عشرة أسواط فجمعها وضربه بها ضربة واحدة لم يبر في يمينه # هذا قول أصحاب أبي حنيفة ومالك وأصحاب أحمد وقال الشافعي : إن علم أنها ~~مسته كلها بر في يمينه وإن علم أنها لم تمسه لم يبر وإن شك لم يحنث ولو كان ~~هذا موجبا لبر الحالف لسقط عن الزاني والقاذف والشارب تعدد الضرب بأن يجمع ~~له مائة سوط أو ثمانين ويضرب بها ضربة واحدة وهذا إنما يجزى في حق المريض ~~كما قال الإمام أحمد في المريض عليه الحد : يضرب بعثكال يسقط عنه الحد ~~واحتج بما رواه عن أبي أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد بن عبادة قال : كان بين ~~أبياتنا رويجل ضعيف مخدج فلم يرع الحي إلا وهو على أمة من إمائهم يخبث بها ~~قال : فذكر ذلك سعد بن عبادة لرسول الله وكان ذلك الرجل PageV02P097 مسلما ~~فقال : اضربوه حده فقالوا : يا رسول الله : إنه أضعف مما تحسب لو ضربناه ~~مائة قتلناه فقال : خذوا له عثكالا فيه مائة شمراخ ثم اضربوه به ضربة واحدة ~~ففعلوا # وأما قصة أيوب فلها فقه دقيق فإن امرأته كانت لشدة حرصها على عافيته ~~وخلاصه من دائه تلتمس له الدواء بما تقدر عليه فلما لقيها الشيطان وقال ما ~~قال : أخبرت أيوب عليه السلام بذلك فقال : إنه الشيطان ثم حلف : لئن شفاه ~~الله تعالى ليضربنها مائة سوط فكانت معذورة محسنة في شأنه ولم يكن في شرعهم ~~كفارة فإنه لو كان في شرعهم كفارة ms415 لعدل إلى التكفير ولم يحتج إلى ضربها ~~فكانت اليمين موجبة عندهم كالحدود وقد ثبت أن المحدود إذا كان معذورا خفف ~~عنه بأن يجمع له مائة شمراخ أو مائة سوط فيضرب بها ضربة واحدة وامرأة أيوب ~~كانت معذورة لم تعلم أن الذي خاطبها الشيطان وإنما قصدت الإحسان فلم تكن ~~تستحق العقوبة فأفتى الله نبيه أيوب عليه السلام أن يعاملها معاملة المعذور ~~هذا مع رفقها به وإحسانها إليه فجمع الله له بين البر في يمينه والرفق ~~بامرأته المحسنة المعذورة التي لا تستحق العقوبة # فظهر موافقة نص القرآن في قصة أيوب عليه السلام لنص السنة في شأن الضعيف ~~الذي زنى فلا يتعدى بها عن محلها # فإن قيل : فقولوا هذا في نظير ذلك ممن حلف ليضربن امرأته أو أمته مائة ~~وكانا معذورين لاذنب لهما : أنه يبر بجمع ذلك في ضربة بمائة شمراخ ~~PageV02P098 # قيل : قد جعل الله له مخرجا بالكفارة ويجب عليه أن يكفر عن يمينه ولا ~~يعصي الله بالبر في يمينه ههنا ولا يحل له أن يبر فيها بل بره فيها هو حنثه ~~مع الكفارة ولا يحل له أن يضربها لا مفرقا ولا مجموعا فإن قيل : فإذا كان ~~الضرب واجبا كالحد هل تقولون : ينفعه ذلك قيل : إما أن يكون العذر مرجو ~~الزوال كالحر والبرد الشديد والمرض اليسير فهذا ينتظر زواله ثم يحد الحد ~~الواجب كما روى مسلم في صحيحه عن علي رضي الله عنه أن أمة لرسول اللهزنت ~~فأمرني أن أجلدها فأتيتها فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن جلدتها أن ~~أقتلها فذكرت ذلك لرسول الله فقال : أحسنت اتركها حتى تماثل # | فصل وأما حديث بلال في شأن التمر وقول النبيله : بع التمر # بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبا # فقال شيخنا : ليس فيه دلالة على الاحتيال بالعقود التي ليست مقصودة لوجوه ~~: # أحدها : أن النبيأمره أن يبيع سلعته الأولى ثم يبتاع بثمنها سلعة أخرى ~~ومعلوم أن ذلك إنما يقتضي البيع الصحيح ومتى وجد البيعان على الوجه الصحيح ~~جاز ذلك بلا ريب ونحن نقول : كل بيع صحيح يفيد ms416 الملك لكن الشأن في بيوع قد ~~دلت السنة وأقوال الصحابة على أن ظاهرها وإن كان بيعا فإنها ربا وهي بيع ~~فاسد ومعلوم أن مثل هذا لا يدخل في الحديث ولو اختلف رجلان في بيع مثل هذا ~~هل هو صحيح أو فاسد وأراد أحدهما إدخاله في هذا اللفظ لم يمكنه ذلك حتى ~~يثبت أنه بيع صحيح ومتى أثبت أنه بيع صحيح لم يحتج إلى الاستدلال بهذا ~~الحديث # فتبين أنه لا حجة فيه على صورة من صور النزاع البتة # قلت : ونظير ذلك : أن يحتج به محتج على جواز بيع الغائب أو على البيع ~~بشرط الخيار PageV02P099 أكثر من ثلاث أو على البيع بشرط البراءة وغير ذلك ~~من أنواع البيوع المختلف فيها ويقول المنازع : الشارع قد أطلق الإذن في ~~البيع ولم يقيده # وحقيقة الأمر أن يقال : إن الأمر المطلق بالبيع إنما يقتضي البيع الصحيح ~~ونحن لا نسلم له أن هذه الصورة التي تواطآ فيها على ذلك بيع صحيح # الوجه الثاني : أن الحديث ليس فيه عموم لأنه قال : وابتع بالدراهم جنيبا ~~والأمر بالحقيقة المطلقة ليس أمرا بشيء من قيودها لأن الحقيقة مشتركة بين ~~الأفراد والقدر المشترك ليس هو ما يميز كل واحد من الأفراد عن الآخر ولا هو ~~مستلزما له فلا يكون الأمر بالمشترك أمرا بالمميز بحال نعم : هو مستلزم ~~لبعض تلك القيود لا بعينه فيكون عاما لها على سبيل البدل لكن ذلك لا يقتضي ~~العموم بالأفراد على سبيل الجمع وهو المطلوب فقوله : بع هذا الثوب لا يقتضي ~~الأمر ببيعه من زيد أو عمرو ولا بكذا وكذا ولا بهذه السوق أو هذا فإن اللفظ ~~لا دلالة له على شيء من ذلك لكن إذا أتى بالمسمى حصل ممتثلا من جهة وجود ~~تلك الحقيقة لا من جهة وجود تلك القيود إذا تبين ذلك فليس في الحديث أنه ~~أمره أن يبتاع من المشتري ولا أمره أن يبتاع من غيره ولا بنقد البلد ولا ~~غيره ولا بثمن حال أو مؤجل فإن هذه القيود خارجة عن مفهوم اللفظ ولو زعم ms417 ~~زاعم أن اللفظ يعم هذا كله كان مبطلا لكن اللفظ لا يمنع الأجزاء إذا أتى ~~بها # وقد قال بعض الناس : إن عدم الأمر بالقيود يستلزم عدم الأجزاء إذا أتى ~~بها إلا بقرينة وهذا غلط بين فإن اللفظ لا تعرض فيه للقيود بنفي ولا إثبات ~~ولا الإتيان بها ولا تركها من لوازم الامتثال وإن كان المأمور به لا يخلو ~~عن واحد منهما ضرورة وقوعه جزئيا مشخصا فذلك من لوازم الواقع لا أنه مقصود ~~الأمر وإنما يستفاد الأمر بتلك اللوازم أو النهي عنها من دليل منفصل # وقد خرج بهذا الجواب عن قول من قال : لو كان الابتياع من المشتري حراما ~~لنهى عنه فإن مقصودهإنما هو بيان الطريق التي يحصل بها PageV02P100 اشتراء ~~التمر الجيد لمن عنده # رديء وهو أن يبيع الرديء بثمن ثم يبتاع بالثمن جيدا ولم يتعرض لشروط ~~البيع وموانعه فلا معنى للاحتجاج بهذا الحديث على نفي شرط مخصوص كما لا ~~يحتج به على نفي سائر الشروط وهذا بمنزلة الاحتجاج بقوله تعالى : @QB@ ~~وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر @QE@ ~~على جواز أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير وعلى حل ما اختلف فيه من ~~الأشربة ونحو ذلك فالاستدلال بذلك استدلال غير صحيح بل هو من أبطل ~~الاستدلال إذ لا تعرض في اللفظ لذلك ولا أريد به تحليل مأكول ومشروب وإنما ~~أريد به بيان وقت الأكل والشرب وانتهائه # وكذلك من استدل بقوله تعالى : @QB@ وأنكحوا الأيامى منكم @QE@ على جواز ~~نكاح الزانية قبل التوبة وصحة نكاح المحلل وصحة نكاح الخامسة في عدة ~~الرابعة أو نكاح المتعة أو الشغار أو غير ذلك من الأنكحة الباطلة كان ~~استدلاه باطلا # وكذلك من استدل بقوله تعالى : @QB@ وأحل الله البيع @QE@ على حل بيع ~~الكلب أو غيره مما اختلف فيه فاستدلاله باطل فإن الآية لم يرد بها بيان ذلك ~~وإنما أريد بها الفرق بين عقد الربا وبين عقد البيع وأنه سبحانه حرم هذا ~~وأباح هذا فأما أن يفهم منه أنه أحل بيع كل شيء ms418 فهذا غير صحيح وهو بمنزلة ~~الاستدلال بقوله تعالى : وكلوا واشربوا ولا تسرفو على حل كل مأكول ومشروب # وبمنزلة الاستدلال بقوله من استطاع منكم الباءة فليتزوج على حل الأنكحة ~~المختلف فيها # وبمنزلة الاستدلال بقوله تعالى : @QB@ إذا طلقتم النساء @QE@ فطلقوهن ~~لعدتهن على جواز جمع الثلاث ونفوذه وعلى صحة طلاق المكره والسكران ~~PageV02P101 وبمنزلة الاستدلال بقوله تعالى : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ~~على صحه النكاح بلا ولي وبلا شهود وغير ذلك من الصور المختلف فيها # وبمنزلة الاستدلال بقوله تعالى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء على حل كل ~~نكاح اختلف فيه فيستدل به على صحة نكاح المتعة والمحلل والشغار والنكاح بلا ~~ولي وبلا شهود ونكاح الأخت في عدة أختها ونكاح الزانية والنكاح المنفي فيه ~~المهر وغير ذلك وهذا كله استدلال فاسد في النظر والمناظرة # ومن العجب أن ينكر من يسلكه على ابن حزم استدلاله بقوله تعالى : وعلى ~~الوارث مثل ذكلك على وجوب نفقة الزوج على زوجته إذا أعسر بالنفقة وكان لها ~~ما تنفق منه فإنها وارثة له وهذا أصح من تلك الاستدلالات فإنه استدلال بعام ~~لفظا ومعنى وقد علق الحكم فيه بمعنى مقصود يقتضي العموم وتلك مطلقة لا عموم ~~فيها لفظا ولا معنى ولم يقصد بها تلك الصور التي استدلوا بها عليها إذا عرف ~~هذا فالاستدلال بقوله : بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا لا يدل ~~على جواز بيع العينة بوجه من الوجوه فمن احتج به على جوازه وصحته فاحتجاجه ~~باطل # وليس الغالب أن بائع التمر بدراهم يبتاع بها من المشتري حتى يقال : هذه ~~الصورة غالبة بل الغالب أن من يفعل ذلك يعرضه على أهل السوق عامة أو حيث ~~يقصد أو ينادى عليه وإذا باعه لواحد منهم فقد تكون عنده السلعة التي يريدها ~~وقد لا تكون # ومثل هذا : إذا قال الرجل فيه لوكيله : بع هذا القطن واشتر بثمنه ثياب ~~قطن أو بع هذه الحنطة العتيقة واشتر بثمنها جديدة لا يكاد يخطر بباله ~~الاشتراء من ذلك المشتري بعينه بل يشتري من حيث وجد غرضه ووجود ms419 غرضه عند ~~غيره أغلب من وجوده عنده # فإن قيل : فهب أن الأمر كذلك فهلا نهاه عن تلك الصورة وإن لم يدخل في ~~لفظه فإطلاقه يقتضي عدم النهي عنه # قيل : إطلاق اللفظ لا يقتضي المنع منها ولا الإذن فيها كما تقدم بيانه ~~فحكمها إذنا PageV02P102 ومنعا يستفاد من مواضع أخر فغاية هذا اللفظ : أن ~~يكون قد سكت عنها فقد علم تحريمها من الأدلة الدالة على تحريم العينة # الوجه الثالث : أن قوله : بع الجمع بالدراهم إنما يفهم منه البيع المقصود ~~الخالي عن شرط يمنع كونه مقصودا بخلاف البيع الذي لا يقصد فإنه لو قال : بع ~~هذا الثوب أو بعت هذا الثوب لم يفهم منه بيع المكره ولا بيع الهازل ولا بيع ~~التلجئة وإنما يفهم منه البيع الذي يقصد به نقل ذلك العوض وقد تقدم تقرير ~~هذا يوضحه : أن مثل هذين قد يتراوضان أولا على بيع التمر بالتمر متفاضلا ثم ~~يجعلان الدراهم محللا غير مقصودة والمقصود إنما هو بيع صاع بصاعين ومعلوم ~~أن الشارع لا يأذن في مثل هذا فضلا عن أن يأمر به ويرشد إليه # الوجه الرابع : أن النبينهى عن بيعتين في بيعة ومتى تواطآ عل أن يبيعه ~~بالثمن ثم يبتاع به منه فهو بيعتان في بيعة فلا يكون داخلا في الحديث إذ ~~المنهى عنه لا يتناوله المأذون فيه # يبين ذلك الوجه الخامس : وهو أنهقال : بع الجمع بالدراهم ثم ابتع ~~بالدراهم جنيبا وهذا يقتضي بيعا ينشئه ويبتدئه بعد انقضاء البيع الأول ومتى ~~واطأه من أول الأمر على أن أبيعك وأبتاع منك فقد اتفقا على العقدين معا فلا ~~يكون داخلا في حديث الإذن بل في حديث النهي # الوجه السادس : أنه لو فرض أن في الحديث عموما لفظيا فهو مخصوص بصور لا ~~تعد فإن كل بيع فاسد فهو غير داخل فيه فتضعف دلالته وتخص منه الصورة التي ~~ذكرناها بالأدلة التي هي نصوص أو كالنصوص فاخراجها من العموم من أسهل ~~الأشياء وبالله التوفيق PageV02P103 # | فصل وقد تبين بهذا بطلان الاستدلال على جواز الحيل الباطلة بقوله # تعالى : إلا ms420 أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم وأن هذا يتناول صورة ~~العينة وغيرها فإن المتبايعين يديران السلعة بينهما # فإن الله سبحانه قسم البياعات المقصودة التي شرعها لعباده ونصبها ~~لمصالحهم في معاشهم ومعادهم إلى بيوع مؤجلة وبيوع حالة ثم أمرهم أن ~~يستوثقوا في البيوع المؤجلة بالكتاب والشهود وإن عدموا ذلك في السفر ~~استوثقوا بالرهن حفظا لأموالهم وتخلصا من بطلان الحقوق بجحود أو نسيان ثم ~~أخبرهم أنه لا حرج عليهم في ترك ذلك في البيوع الحالة لأمنهم فيها مفسدة ~~التجاحد والنسيان # فالمراد بالتجارة الدائرة : البيعات التي تقع غالبا بين الناس # ولم يفهم أحد من أصحاب رسول الله ولا من التابعين ولا تابعيهم ولا أهل ~~التفسير ولا أئمة الفقهاء منها : المعاملة الدائرة بالربا بين المترابيين ~~بل فهموا تحريمها من نصوص تحريم الربا ولا ريب أن دخولها في تلك النصوص ~~أظهر من دخولها في هذه الآية # ومما يدل عليه : أن هذه المعاملة الدائرة بينهما بالربا لا تكون في ~~الغالب إلا مع أجل بأن يبتاع منه سلعة بثمن حال ثم يبيعها إياه بأكثر منه ~~إلى أجل وذلك في الغالب مما يطلب عليه الشهود والكتاب خشية الجحود والله ~~سبحانه قال : إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها فاستثنى هذا من قوله : يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى ~~أجل مسمى فاكتبوه وهذه المعاملة الربوية قد اتفقا فيها على التداين إلى أجل ~~مسمى واتفقا فيها على المائة بمائة وثلاثين ونحو ذلك فأين هي من التجارة ~~الحاضرة التي يعرف الناس الفرق فيها بين التجارة والربا # فالتجارة في كلام الله ورسوله ولغة العرب وعرف الناس : إنما تنصرف إلى ~~البياعات PageV02P104 المقصودة التي يقصد فيها الثمن والمثمن وأما ما توطآ ~~فيه على الربا المحض ثم أظهرا بيعا غير مقصود لهما ألبتة يتوسلان به إلى أن ~~يعطيه مائة حالة بمائة وعشرين مؤجلة فهذا ليس من التجارة المأذون فيها بل ~~من الربا المنهي عنه والله أعلم # | فصل وأما استدلالكم بالمعاريض على جواز الحيل # فما أبطله من استدلال فأين ms421 المعاريض التي يتخلص بها الإنسان من الظلم ~~والكذب إلى الحيل التي يسقط بها ما فرض الله تعالى ويستحل بها ما حرم الله ~~فالمعرض تكلم بحق ونطق بصدق فيما بينه وبين الله تعالى لا سيما إذا لم ينو ~~باللفظ خلاف ظاهره في نفسه وإنما كان الظهور من ضعف فهم السامع وقصوره في ~~معرفة دلالة اللفظ ومعاريض النبي ومزاحه عامته كان من هذا الباب كقوله : ~~نحن من ماء و إنا حاملوك على ولد الناقة و وزوجك الذي في عينه بياض و لا ~~يدخل الجنة عجوز وأكثر معاريض السلف كانت من هذا فالمعرعض إنما يقصد باللفظ ~~ما جعل اللفظ دالا عليه ومثبتا له في الجملة فهو لم يخرج بتعريضه عن حدود ~~الكلام فإن الكلام فيه الحقيقة والمجاز والعام والخاص والمطلق والمقيد ~~والمفرد والمشترك والمتباين والمترادف وتختلف دلالته تارة بحسب اللفظ ~~المفرد وتارة بحسب التأليف فأين هذا من الحيل التي يقصد بالعقد فيها ما لم ~~يشرع العقد له أصلا ولا هو مقتضاه ولا موجبه شرعا ولا حقيقة PageV02P105 # وفرق ثان وهو أن المعرض لو صرح بقصده لم يكن باطلا ولا محرما بخلاف ~~المحتال فإنه لو صرح بما قصده بإظهار صورة العقد كان محرما باطلا فإن ~~المرابي بالحيلة لو قال : بعتك مائة حالة بمائة وعشرين إلى سنة كان حراما ~~باطلا وذلك عين مقصوده ومقصود الآخر # وكذلك المقرض لو قال : أقرضتك ألفا على أن تعيدها إلي ومعها زيادة كذا ~~وكذا كان حراما باطلا وذلك نفس مقصوده # وكذلك المحلل لو قال : تزوجتها على أن أحلها للمطلق ثلاثا # والمعرض لو صرح بمقصوده لم يكن حراما فأين أحدهما من الآخر # وفرق ثالث : وهو أن المعرض قصد بالقول ما يحتمله اللفظ أو يقتضيه ~~والمحتال قصد بالعقد ما لا يحتمله ولا جعل مقتضيا له لا شرعا ولا عرفا ولا ~~حقيقة # وفرق رابع : وهو أن المعرض مقصده صحيح ووسيلته جائزة فلا حجر عليه في ~~مقصوده ولا في وسيلته إلى مقصوده بخلاف المحتال فإن قصده أمر محرم ووسيلته ~~باطلة كما تقدم تقريره # وفرق خامس ms422 : وهو أن التعريض المباح ليس من مخادعة الله سبحانه في شيء ~~وإنما غايته أنه مخادعة لمخلوق أباح الشارع مخادعته لظلمه جزاء له على ذلك ~~ولا يلزم من جواز مخادعة الظالم جواز مخادعة المحق فما كان من التعريض ~~مخالفا لظاهر اللفظ في نفسه كان قبيحا إلا عند الحاجة وما لم يكن كذلك كان ~~جائزا إلا عند تضمن مفسدة والذي يدخل في الحيل المذمومة إنما هو الأول ~~فالمعرض قاصد لدفع الشر والمحتال بالباطل قاصد لدفع الحق والتعريض كما يكون ~~بالقول يكون بالفعل كما يظهر المحارب أنه يريد وجها من الوجوه ويسافر إلى ~~تلك الناحية ليحسب العدو أنه لا يريده ثم يكر عليه # ومثل أن يستطرد المبارز بين يدي خصمه ليظن هزيمته ثم يعطف عليه # ومثل أن يظهر ضعفا وعجزا يتخلص به من تسخيره وأذاه ونحو ذلك PageV02P106 # وقد يكون التعريض بالقول والفعل معا كما قال سليمان عليه السلام : ائتوني ~~بالسكين أشقه بينكما وقد يكون بإظهار الصمم وأنه لا يسمع وبإظهار النوم ~~وإظهار الشبع وإظهار الغنى بحيث يحسبه الجاهل غنيا # وكما يقع الإجمال في الأقوال فكذلك يقع في الأفعال كما أعطى النبيعمر رضي ~~الله عنه حلة من حرير فلما لبسها أنكر عليه وقال : لم أعطكها لتلبسها ~~فكساها أخا له مشركا بمكة # فكل من الإجمال والاشتراك والاشتباه يقع في الألفاظ تارة وفي الأفعال ~~تارة وفيهما معا تارة ومن أنواع التعريض : أن يتكلم المتكلم بكلام حق يقصد ~~به حقيقته وظاهره ويوهم السامع نسبته إلى غير قائله ليقبله ولا يرده عليه ~~أو ليتخلص به من شره وظلمه كما أنشد عبدالله بن رواحة رضي الله تعالى عنه ~~امرأته تلك الأبيات وأوهمها أنه يقرأ القرآن فتخلص بذلك من شرها # وكذلك إذا كان الرجل يريد تنفيذ حق صحيح ولكن لا يقبل منه لكونه هو أو من ~~لا يحسن به الظن قائله فإذا عرض للمخاطب بنسبة الكلام إلى معظم يقبله منه ~~كان من أحسن التعريض كما علمه أبو حنيفة رحمه الله أصحابه حين شكوا إليه : ~~إنا نقول لهم : قال أبو حنيفة ms423 فيبادرون بالإنكار فقال : قولوا لهم المسألة ~~فإذا استحسنوها ووقعت منهم بموقع فقولوا : هذا قول أبي حنيفة وكما يجري ~~لأصحابنا مع الجهمية وفروخهم كثيرا # | فصل وأما استدلالهم بأن الله سبحانه علم نبيه يوسف عليه السلام # الحيلة التي توصل بها إلى أخذ أخيه إلى آخره # فهذا قد ظن بعض أرباب الحيل أنه حجة لهم في هذا الباب وليس كما زعموا ~~والاستدلال بذلك من أبطل الباطل PageV02P107 فإن المحتجين بذلك لا يجوزون ~~شيئا مما في هذه القصة البتة ولا تجوزها شريعتنا بوجه من الوجوه فكيف يحتج ~~المحتج بما يحرم العمل به ولا يسوغه بوجه من الوجوه والله سبحانه إنما سوغ ~~ذلك لنبيه يوسف عليه السلام جزاءا لإخوته وعقوبة لهم على ما فعلوا به ونصرا ~~له عليهم وتصديقا لرؤياه ورفعة لدرجته ودرجة أبيه # وبعد ففي قصته مع إخوته ضروب من الحيل المستحسنة # أحدها قوله : لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا ~~انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون فإنه تسبب بذلك إلى رجوعهم وقد ذكروا في ~~ذلك معاني منها : أنه تخوف أن لا يكون عندهم ورق يرجعون بها # ومنها أنه خشى أن يضر أخذ الثمن بهم # ومنها : أنه رأى لؤما أخذ الثمن منهم # ومنها : أنه أراهم كرمه في ردع البضاعة ليكون أدعى لهم إلى العود # وقد قيل : إنه علم أن أمانتهم تحوجهم إلى الرجعة ليردوها إليه فهذا ~~المحتال به عمل صالح والمقصود : رجوعهم ومجيء أخيه وذلك أمر فيه منفعة لهم ~~ولأبيهم وله وهو مقصود صالح وإنما لم يعرفهم نفسه لأسباب أخر فيها منفعة ~~لهم ولأبيهم وله وتمام لما أراده الله تعالى بهم من الخير في هذا البلاء ~~وأيضا فلو عرفهم نفسه في أول مرة لم يقع الاجتماع بهم وبأبيه ذلك الموقع ~~العظيم ولم يحل ذلك المحل وهذه عادة الله سبحانه في الغايات العظيمة ~~الحميدة : إذا أراد أن يوصل عبده إليها هيأ لها أسبابا من المحن والبلايا ~~والمشاق فيكون وصوله إلى تلك الغايات بعدها كوصول أهل الجنة إليها بعد ~~الموت وأهوال البرزخ والبعث والنشور والموقف والحساب والصراط ms424 ومقاساة تلك ~~الأهوال والشدائد وكما أدخل رسولهإلى مكة ذلك المدخل العظيم بعد أن أخرجه ~~الكفار ذلك المخرج ونصره ذلك النصر العزيز بعد أن قاسى مع أعداء الله ما ~~قاساه PageV02P108 # وكذلك ما فعل برسله كنوح وإبراهيم وموسى وهود وصالح وشعيب عليهم السلام ~~فهو سبحانه وصل إلى الغايات الحميدة بالأسباب التي تكرهها النفوس وتشق ~~عليها كما قال تعالى : كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا ~~وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون # وربما كان مكروه النفوس إلى % محبوبها سببا ما مثله سبب # وبالجملة فالغايات الحميدة في خبايا الأسباب المكروهة الشاقة كما أن ~~الغايات المكروهة المؤلمة في خبايا الأسباب المشتهاة المستلذة وهذا من حين ~~خلق الله سبحانه الجنة وحفها بالمكاره وخلق النار وحفها بالشهوات # | فصل ومنها : أنه لما جهزهم في المرة الثانية بجهازهم جعل السقاية # في رحل أخيه وهذا القدر يتضمن اتهام أخيه بأنه سارق # وقد قيل : إنه كان بمواطأة من أخيه ورضا منه بذلك والحق كان له وقد أذن ~~فيه وطابت نفسه به ودل على ذلك قوله تعالى : فلما دخلوا على يوسف آوى إليه ~~أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون [ ] فهذا يدل على أنه ~~عرف أخاه نفسه وقد قيل : إنه لم يصرح له بأنه يوسف وأنه إنما أراد بقوله : ~~إنعي أنا أخوك أي أنا مكان أخيك المفقود # ومن قال هذا قال : إنه وضع السقاية في رحل أخيه والأخ لا يشعر بذلك ~~والقرآن يدل على خلاف هذا والعدل يرده وأكثر أهل التفسير على خلافه ومن ~~لطيف الكيد في ذلك : أنه لما أراد أخذ أخيه توصل إلى أخذه بما يقر إخوته ~~أنه حق وعدل ولو أخذه بحكم قدرته وسلطانه لنسب إلى الظلم والجور ولم يكن له ~~طريق في دين الملك يأخذه بها فتوصل إلى أخذه بطريق يعترف إخوته أنها ليست ~~ظلما فوضع الصواع PageV02P109 في رحل أخيه بمواطأة منه له على ذلك ولهذا ~~قال : لا تبتئس بما كانوا يعملون # ومن ms425 لطيف الكيد : أنه لم يفتش رحالهم وهم عنده بل أمهلهم حتى جهزهم ~~بجهازهم وخرجوا من البلد ثم أرسل في آثارهم لذلك # قال ابن أبي حاتم في تفسيره : حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن عيسى ~~حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال : أمهلهم حتى إذا انطلقوا فأمعنوا من القرية ~~أمر فأدركوا ثم جلسوا ثم ناداهم مناد : أيتها العير إنكم لسارقون فوقفوا ~~وانتهى إليهم رسوله فقال لهم فيما يذكرون : ألم نكرم ضيافتكم ونوفكم كيلكم ~~ونحسن منزلتكم ونفعل بكم ما لم نفعله بغيركم وأدخلنا كم علينا في بيوتنا ~~ومنازلنا قالوا : بلى وما ذاك قال إنكم لسارقون # وذكر عن السدي فلما ارتحلوا أذن مؤذن أيتها العير والسياق يقتضي ذلك إذ ~~لو كان هذا وهم بحضرته لم يحتج إلى الأذان وإنما يكون الأذان نداء لبعيد ~~يطلب وقوفه وحبسه # فكان في هذا من لطيف الكيد : أنه أبعد من التهمة للطالب بالمواطأة ~~والموافقة وأنه لا يشعر بما فقد له فكأنه لما خرج القوم وارتحلوا وفصلوا عن ~~المدينة احتاج الملك إلى صواعه لبعض حاجته إليه فالتمسه فلم يجده فسأل عنه ~~الحاضرين فلم يجدوه فأرسلوا في أثر القوم فهذا أحسن وأبعد من التفطن للحيلة ~~من التفتيش في الحال قبل انفصالهم عنه بل كلما ازدادوا بعدا عنه كان أبلغ ~~في هذه المعنى # ومن لطيف الكيد : أنه أذن فيهم بصوت عال رفيع يسمعه جميعهم ولم يقل لواحد ~~واحد منهم إعلاما بأن ذهاب الصواع أمر قد اشتهر ولم يبق فيه خفاء وأنتم قد ~~اشتهرتم بأخذه ولم يتهم به سواكم # ومن لطيف الكيد : أن المؤذن قال : إنكم لسارقون ولم يعين المسروق حتى ~~سألهم عنه القوم فقالوا لهم : ماذا تفقدون قالوا : نفقد صواع الملك فاستقر ~~عند القوم أن الصواع هو المتهم به وأنهم لم يفقدوا غيره فإذا ظهر لم يكونوا ~~ظالمين باتهامهم بغيره وظهر صدقهم وعدلهم في إتهامهم به وحده وهذا من لطيف ~~الكيد ومن لطيف الكيد : قول المؤذن وأصحابه لإخوة يوسف عليه السلام فما ~~جزاؤه إن PageV02P110 كنتم كاذبين أي ما عقوبة من ظهر ms426 عليه أنه سرقه منكم ~~ووجد معه أي ما عقوبته عندكم وفي دينكم قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو ~~جزاؤه فأخذوهم بما حكموا به على نفوسهم لا بحكم الملك وقومه # ومن لطيف الكيد : أن الطالب لما هم بتفتيش رواحلهم بدأ بأوعيتهم يفتشها ~~قبل وعاء من هو معه تطمينا لهم وبعدا عن تهمة المواطأة # فإنه لو بدأ بوعاء من هو فيه لقالوا : وما يدريه أنه في هذا الوعاء دون ~~غيره من أوعيتنا وما هذا إلا بمواطأة وموافقة فأزال هذه التهمة بأن بدأ ~~بأوعيتهم أولا # فلما لم يجده فيها هم بالرجوع قبل تفتيش وعاء من فيه الصواع وقال : ما ~~أراكم سارقين وما أظن هذا أيضا أخذ شيئا فقالوا : لا والله لا ندعكم حتى ~~تفتشوا متاعه فإنه أطيب لقلوبكم وأظهر لبراءتنا فلما ألحوا عليهم بذلك ~~فتشوا متاعه فاستخرجوا منه الصواع وهذا من أحسن الكيد فلهذا قال تعالى : ~~كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع ~~درجات من نشاء وفوق كل ذى علم عليم # فالعلم بالكيد الواجب أو المستحب الذي يتوصل به إلى طاعة الله تعالى ~~ورسوله ونصر المحق وكسر المبطل مما يرفع الله به درجة العبد # وقد ذكروا في تسميتهم سارقين وجهين : # أحدهما : أنه من باب المعاريض وأن يوسف عليه السلام نوى بذلك أنهم سرقوه ~~من أبيه حيث غيبوه عنه بالحيلة التي احتالوا بها عليه وخانوه فيه والخائن ~~يسمى سارقا وهو من الاستعمال المشهور # الثاني : أن المنادي هو الذي قال ذلك من غير أمر يوسف عليه السلام قال ~~القاضي أبو يعلى وغيره : أمر يوسف بعض أصحابه أن يجعل الصاع في رحل أخيه ثم ~~قال بعض الموكلين به لما فقده ولم يدر من أخذه أيتها العير إنكم لسارقون ~~على ظن منهم أنهم كذلك ولم يأمرهم يوسف عليه السلام بذلك ولعل يوسف عليه ~~السلام قال للمنادي هؤلاء قد سرقوا وعنى سرقته من أبيه والمنادي فهم سرقة ~~الصواع وصدق في قوله : إنكم PageV02P111 لسارقون ولم يقل : صواع الملك ثم ~~لما ms427 جاء إلى ذكر المفقود قال : نفقد صواع الملك وهو صادق في ذلك فحذف ~~المفعول في قوله لسارقون وذكره في قوله : نفقد صواع الملك وكذلك قال يوسف ~~عليه السلام لما عرضوا عليه أن يأخذ أحدهم مكان أخيهم معاذ الله أن نأخذ ~~إلا من وجدنا متاعنا عنده ولم يقل : أن نأخذ إلا من سرق فإن المتاع كان ~~موجودا عنده ولم يكن سارقا وهذا من أحسن المعاريض # وقد قال نصر بن حاجب : سئل سفيان بن عيينة عن الرجل يعتذر إلى أخيه من ~~الشيء الذي قد فعله ويحرف القول فيه ليرضيه أيأثم في ذلك فقال : ألم تسمع ~~قوله عليه السلام : ليس بكاذب من أصلح بين الناس فكذب فيه فإذا أصلح بينه ~~وبين أخيه المسلم كان خيرا من أن يصلح بين الناس بعضهم في بعض وذلك أنه ~~أراد به مرضاة الله وكراهية أذى المؤمن ويندم على ما كان منه ويدفع شره عن ~~نفسه ولا يريد بالكذب اتخاذ المنزلة عندهم ولا طمعا في شيء يصيبه منهم فإنه ~~لم يرخص في ذلك ورخص له إذا كره موجدتهم وخاف عداوتهم # قال حذيقة بن اليمان رضي الله عنه : إني أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن ~~أقدم على ما هو أعظم منه # قال سفيان : وقال الملكان : خصمان بغى بعضنا على بعض أرادا معنى شيء ولم ~~يكونا خصمين فلم يصيرابذلك كاذبين PageV02P112 وقال إبراهيم عليه السلام 37 ~~: 89 إني سقيم وقال : 2 : 63 بل فعله كبيرهم هذا وقال يوسف عليه السلام ~~إنكم لسارقون أراد يعني أخاهم # فبين سفيان رحمه الله تعالى أن هذا كله من المعاريض المباحة مع تسميته ~~كذبا وإن لم يكن في الحقيقة كذبا # وقد احتج بعض الفقهاء بقصة يوسف على أنه يجوز للإنسان التوصل إلى أخذ حقه ~~من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق # قال شيخنا وهذه الحجة ضعيفة فإن يوسف عليه السلام لم يكن يملك حبس أخيه ~~عنده بغير رضاه ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم يوسف حتى يقال قد اقتص منه وإنما ~~سائر ms428 الإخوة هم الذين كانوا قد فعلوا ذلك نعم كان تخلفه عنهم مما يؤذيهم ~~لتأذي أبيهم وللميثاق الذي أخذه عليهم وقد استثنى في الميثاق بقوله إلا أن ~~يحاط بكم وقد أحيط بهم ويوسف عليه السلام لم يكن قصده باحتباس أخيه ~~الإنتقام من إخوته فإنه كان أكرم من هذا وإن كان في ضمن ما فعل من تأذي ~~أبيه أعظم من أذى إخوته فإنما ذلك أمر أمره الله تعالى به ليبلغ الكتاب ~~أجله ويتم البلاء الذي استحق به يوسف ويعقوب عليهما السلام كمال الجزاء ~~وعلو المنزلة وتبلغ حكمة الله تعالى التي قدرها وقضاها نهايتها ولو فرض أن ~~يوسف عليه السلام قصد الإقتصاص منهم بما فعل فليس هذا بموضع خلاف بين ~~العلماء فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به وإنما موضع الخلاف هل له أن ~~يخونه كما خانه أو يسرقه كما سرقه ولم تكن قصة يوسف عليه السلام من هذا ~~النوع # نعم لو كان يوسف عليه السلام أخذ أخاه بغير أمره لكان لهذا المحتج شبهة ~~مع أنه لا شبهة له أيضا على هذا التقدير فإن مثل هذا لا يجوز في شرعنا ~~بالإتفاق ولو كان يوسف قد أخذ أخاه واعتقله بغير رضاه كان في هذا ابتلاء من ~~الله تعالى لذلك المعتقل كأمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه فيكون المبيح ~~له على هذا التقدير وحيا خاصا كالوحي إلى إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه ~~وتكون حكمته في حق الأخ امتحانه وابتلاءه لينال درجة الصبر على حكم الله ~~والرضا بقضائه ويكون حاله في هذا كحال أبيه يعقوب عليه السلام في احتباس ~~يوسف عليه السلام عنه PageV02P113 # وقد دل على هذا نسبة الله سبحانه ذلك الكيد إلى نفسه بقوله 12 : 76 كذلك ~~كدنا ليوسف ما كان ليأخذه أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله وهو سبحانه ~~ينسب إلى نفسه أحسن هذه المعاني وما هو منها حكمة وحق وصواب وجزاء للمسيء ~~وذلك غاية العدل والحق كقوله 86 : 15 إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا وقوله 3 ~~: 54 ومكروا ومكر ms429 الله وقوله 2 : 15 الله يستهزيء بهم وقوله 4 : 142 إن ~~المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وقوله 7 : 138 وأملي لهم إن كيدي متين # فهذا منه سبحانه في أعلى مراتب الحسن وإن كان من العبد قبيحا سيئا لأنه ~~ظالم فيه وموقعه بمن لا يستحقه والرب تعالى عادل فيه موقعه بأهله ومن ~~يستحقه سواء قيل إنه مجاز للمشاكلة الصورية أو للمقابلة أو سماه كذلك ~~مشاكلة لاسم ما فعلوه أو قيل إنه حقيقة وإن مسمى هذه الأفعال ينقسم إلى ~~مذموم ومحمود واللفظ حقيقة في هذا وهذا كما قد بسطنا هذا المعنى واستوفينا ~~الكلام عليه في كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة # | فصل وإذا عرف ذلك فيوسف صلوات الله عليه وسلامه أكيد من وجوه عديدة # أحدها أن إخوته كادوه حيث احتالوا في التفريق بينه وبين أبيه كما قال له ~~يعقوب عليه السلام 12 : 5 لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا # وثانيها أنهم كادوه حيث باعوه بيع العبيد وقالوا إنه غلام لنا أبق # وثالثها كيد امرأة العزيز له بتغليق الأبواب ودعائه إلى نفسها # ورابعها كيدها له بقولها 12 : 24 ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن ~~PageV02P114 يسجن أو عذاب أليم فكادته بالمراودة أولا وكادته بالكذب عليه ~~ثانيا ولهذا قال لها الشاهد لما تبين له براءة يوسف عليه السلام 12 : 28 ~~إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم # وخامسها كيدها له حيث جمعت له النسوة وأخرجته عليهن تستعين بهن عليه ~~وتستعذر إليهن من شغفها به # وسادسها كيد النسوة له حتى استجار بالله تعالى من كيدهن فقال 12 : 33 ~~وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه ~~كيدهن إنه هو السميع العليم ولهذا لما جاء الرسول بالخروج من السجن قال له ~~12 : 50 إرجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي ~~بكيدهن عليم # فإن قيل فما كان مكر النسوة اللاتي مكرن به وسمعت به امرأة العزيز فإن ~~الله سبحانه لم يقصه في كتابه # قيل ms430 بلى قد أشار إليه بقوله 12 : 30 وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز ~~تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين وهذا الكلام ~~متضمن لوجوه من المكر # أحدها قولهن امرأة العزيز تراود فتاها ولم يسموها باسمها بل ذكروها ~~بالوصف الذي ينادى عليها بقبيح فعلها بكونها ذات بعل فصدور الفاحشة منها ~~أقبح من صدورها ممن لا زوج لها # الثاني أن زوجها عزيز مصر ورئيسها وكبيرها وذلك أقبح لوقوع الفاحشة منها # الثالث أن الذي تراوده مملوك لا حر وذلك أبلغ في القبح PageV02P115 # الرابع أنه فتاها الذي هو في بيتها وتحت كنفها فحكمه حكم أهل البيت بخلاف ~~من طلب ذلك من الأجنبي البعيد # الخامس أنها هي المراودة الطالبة # السادس أنها أنها قد بلغ بها عشقها له كل مبلغ حتى وصل حبها له إلى شغاف ~~قلبها # السابع أن في ضمن هذا أنه أعف منها وأبر وأوفى حيث كانت هي المراودة ~~الطالبة وهو الممتنع عفافا وكرما وحياء وهذا غاية الذم لها # الثامن أنهن أتين بفعل المرادودة بصيغة المستقبل الدالة على الإستمرار ~~والوقوع حالا واستقبالا وأن هذا شأنها ولم يقلن راودت فتاها وفرق بين قولك ~~فلان أضاف ضيفا وفلان يقري الضيف ويطعم الطعام ويحمل الكل فإن هذا يدل على ~~أن هذا شأنه وعادته # التاسع قولهن إنا لنراها في ضلال مبين أي إنا لنستقبح منها ذلك غاية ~~الإستقباح فنسبن الإستقباح إليهن ومن شأنهن مساعدة بعضهن بعضا على الهوى ~~ولا يكدن يرين ذلك قبيحا كما يساعد الرجال بعضهم بعضا على ذلك فحيث استقبحن ~~منها ذلك كان هذا دليلا على أنه من أقبح الأمور وأنه مما لا ينبغي أن تساعد ~~عليه ولا يحسن معاونتها عليه # العاشر أنهن جمعن لها في هذا الكلام واللوم بين العشق المفرط والطلب ~~المفرط فلم تقتصد في حبها ولا في طلبها أما العشق فقولهن قد شغفها حبا أي ~~وصل حبه إلى شغاف قلبها وأما الطلب المفرط فقولهن تراود فتاها والمراودة ~~الطلب مرة بعد مرة فنسبوها إلى شدة العشق وشدة الحرص على ms431 الفاحشة فلما سمعت ~~بهذا المكر منهن هيأت لهن مكرا أبلغ منه فهيأت لهن متكأ ثم أرسلت إليهن ~~فجمعتهن وخبأت يوسف عليه السلام عنهن وقيل إنها جملته وألبسته أحسن ما تقدر ~~عليه وأخرجته عليهن فجأة فلم يرعهن إلا وأحسن خلق الله وأجملهم قد طلع ~~عليهن بغتة فراعهن ذلك المنظر البهي وفي أيديهن مدى يقطعن بها ما يأكلنه ~~فدهشن حتى قطعن أيديهن وهن لا يشعرن وقد قيل إنهن أبن أيديهن والظاهر خلاف ~~ذلك وإنما تقطيعهن أيديهن جرحها وشقها بالمدى لدهشهن بما رأين PageV02P116 ~~فقابلت مكرهن القولي بهذا المكر الفعلي وكانت هذه في النساء غاية في المكر # والمقصود أن الله سبحانه كاد ليوسف عليه السلام بأن جمع بينه وبين أخيه ~~وأخرجه من أيدي إخوته بغير اختيارهم كما أخرجوا يوسف من يد أبيه بغير ~~اختياره # وكاد له بأن أوقفهم بين يديه موقف الذليل الخاضع المستجدي فقالوا 12 : 88 ~~يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق ~~علينا إن الله يجزي المتصدقين فهذا الذل والخضوع في مقابلة ذله وخضوعه لهم ~~يوم إلقائه في الجب وبيعه بيع العبيد # وكاد له بأن هيأ له الأسباب التي سجدوا له هم وأبوه وخالته في مقابلة ~~كيدهم له حذرا من وقوع ذلك فإن الذي حملهم على إلقائه في الجب خشيتهم أن ~~يرتفع عليهم حتى يسجدوا له كلهم فكادوه خشية ذلك فكاد الله تعالى له حتى ~~وقع ذلك كما رآه في منامه # وهذا كما كاد فرعون بني إسرائيل 28 : 4 يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم خشية ~~أن يخرج فيهم من يكون زوال ملكه على يديه فكاده الله سبحانه بأن أخرج له ~~هذا المولود ورباه في بيته وفي حجره حتى وقع به منه ما كان يحذره كما قيل # وإذا خشيت من الأمور مقدرا % وفررت منه فنحوه تتوجه # | فصل وكيد الله سبحانه لا يخرج عن نوعين أحدهما أن يفعل سبحانه # فعلا خارجا عن قدرة العبد الذي كاد له فيكون الكيد قدرا محضا ليس من باب ~~الشرع كما كاد الذين كفروا ms432 بأن انتقم منهم بأنواع العقوبات وكذلك كانت قصة ~~يوسف عليه السلام فإن يوسف أكثر ما قدر عليه أن ألقى الصواع في رحل أخيه ~~وأرسل مؤذنا يؤذن أيتها العير إنكم لسارقون فلما أنكروا قال فما جزاؤه إن ~~كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه أي جزاؤه استعباد ~~المسروق ماله للسارق إما مطلقا وإما إلى مدة وهذه كانت شريعة آل يعقوب عليه ~~السلام PageV02P117 # حتى قيل إن مثل هذا كان مشروعا في أول الإسلام أن المدين إذا أعسر بالدين ~~استرقه صاحب الحق وعليه حمل حديث بيع النبي سرق # وقيل بل كان بيعه إياه إيجاره لمن يستعمله وقضى دينه بأجرته وعلى هذا ~~فليس بمنسوخ وهو إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله تعالى أن المفلس إذا ~~بقيت عليه ديون وله صنعة أجبر على إجارته نفسه أو أجره الحاكم ووفى دينه من ~~أجرته # وكان إلهام الله تعالى لإخوة يوسف عليه السلام قولهم من وجد في رحله فهو ~~جزاؤه كيدا من الله تعالى ليوسف عليه السلام أجراه على ألسن إخوته وذلك ~~خارج عن قدرته وكان يمكنهم أن يتخلصوا من ذلك بأن يقولوا لا جزاء عليه حتى ~~يثبت أنه هو الذي سرق فإن مجرد وجوده في رحله لا يوجب أن يكون سارقا # وقد كان يوسف عليه السلام عادلا لا يأخذهم بغير حجة وكان يمكنهم التخلص ~~أيضا بأن يقولوا جزاؤه أن يفعل به ما تفعلونه بالسراق في دينكم وقد كان من ~~دين ملك مصر فيما ذكر أن السارق يضرب ويغرم قيمة المسروق مرتين فلو قالوا ~~له ذلك لم يمكنه أن يلزمهم بما لا يلزم به غيرهم فلذلك قال سبحانه كذلك ~~كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله أي ما كان ~~ليمكنه أخذه في دين ملك مصر لأنه لم يكن في دينه طريق إلى أخذه # وقوله إلا أن يشاء الله استثناء منقطع أي لكن إن شاء الله أخذه بطريق آخر ~~ويجوز أن يكون متصلا والمعنى إلا أن يهيء الله سببا آخر ms433 يؤخذ به في دين ~~الملك غير السرقة PageV02P118 # وفي هذه القصة تنبيه على الأخذ باللوث الظاهر في الحدود وإن لم تقم بينة ~~ولم يحصل إقرار فإن وجود المسروق مع السارق أصدق من البينة فهو بينة لا ~~تلحقها التهمة وقد اعتبرت شريعتنا ذلك في مواضع # منها اللوث في القسامة والصحيح أنها يقاد بها كما دل عليه النص الصحيح ~~الصريح # ومنها حد الصحابة رضي الله عنهم في الخمر بالرائحة والقيء # ومنها حد عمر رضي الله عنه في الزنا بالحبل وجعله قسيم الإعتراف والشهادة ~~فوجود المسروق مع السارق إن لم يكن أظهر من هذا كله فليس دونه # فلما فتشوا متاعه فوجدوا فيه الصواع كان ذلك قائما مقام البينة والإعتراف ~~فلهذا لم يمكنهم أن يتظلموا من أخذه ولو كان هذا ظلما لقالوا كيف يأخذه ~~بغير بينة ولا إقرار # وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتاب الإعلام باتساع طرق الأحكام # والمقصود أنه ليس في قصة يوسف عليه السلام شبهة فضلا عن الحجة لأرباب ~~الحيل # فإنا إنما تكلمنا في الحيل التي يفعلها العبد وحكمها في الإباحة والتحريم ~~لا فيما يكيد الله سبحانه وتعالى لعبده بل في قصة يوسف عليه السلام تنبيه ~~على أن من كاد غيره كيدا محرما فإن الله سبحانه وتعالى لا بد أن يكيده وأنه ~~لا بد أن يكيد للمظلوم إذا صبر على كيد كائده وتلطف به فالمؤمن المتوكل على ~~الله إذا كاده الخلق فإن الله تعالى يكيد له وينتصر له بغير حول منه ولا ~~قوة # فهذا أحد النوعين من كيده سبحانه لعبده # النوع الثاني أن يلهمه أمرا مباحا أو مستحبا أو واجبا يوصله به إلى ~~المقصود الحسن فيكون على هذا إلهامه يوسف عليه السلام أن يفعل ما فعل هو من ~~كيده سبحانه أيضا فيكون قد كاد له نوعي الكيد ولهذا قال سبحانه نرفع درجات ~~من نشاء وفي ذلك تنبيه على أن العلم الدقيق بلطيف الحيل الموصلة إلى ~~المقصود الشرعي الذي يحبه الله تعالى ورسوله من نصر دينه وكسر أعدائه ونصر ~~المحق وقمع المبطل صفة ms434 مدح يرفع الله تعالى بها درجة العبد كما أن العلم ~~الذي يخصم به المبطل ويدحض حجته صفة مدح يرفع PageV02P119 بها درجة عبده ~~كما قال سبحانه في قصة إبراهيم عليه السلام ومناظرته قومه وكسر حجتهم 6 : ~~83 وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء # وعلى هذا فيكون من الكيد ما هو مشروع ولكن ليس هو الكيد الذي تستحل به ~~المحرمات وتسقط به الواجبات فإن هذا كيد لله تعالى ودينه فالله سبحانه ~~ودينه هو المكيد في هذا القسم فمحال أن يشرع الله سبحانه هذا النوع من ~~الكيد # وأيضا فإن هذا الكيد لا يتم إلا بفعل يقصد به غير مقصوده الشرعي ومحال أن ~~يشرع الله تعالى لعبد أن يقصد بفعله ما لم يشرع الله ذلك الفعل له # وأيضا فإن الأمر المشروع هو عام لا يختص به شخص دون شخص فالشيء مباح لكل ~~من كان حاله مثل حاله فمن احتال بحيلة فقهية محرمة أو مباحة لم يكن له ~~اختصاص بتلك الحيلة عمن لا يفهمها ولا يعلمها وإنما خاصية الفقيه إذا حدثت ~~به حادثة أن يتفطن لاندراجها تحت الحكم العام الذي يعلمه هو وغيره والله ~~سبحانه إنما كاد ليوسف عليه السلام كيدا خاصا به جزاء له على صبره وإحسانه ~~وذكره في معرض المنة عليه وهذه الأفعال التي فعلها يوسف عليه السلام ~~والأفعال التي فعلها الله سبحانه له إذا تأملها اللبيب رآها لا تخرج عن ~~نوعين # أحدهما إلهام الله سبحانه له فعلا كان مباحا له أن يفعله # الثاني فعل من الله تعالى به خارج عن مقدور العبد # وكلا النوعين مباين للحيل المحرمة التي يحتال بها على إسقاط الواجبات ~~وإباحة المحرمات # | فصل لعلك تقول قد أطلت الكلام في هذا الفصل جدا وقد كان يكفي # الإشارة إليه # فيقال بل الأمر أعظم مما ذكرنا وهو بالإطالة أجدر فإن بلاء الإسلام ~~ومحنته عظمت من هاتين الطائفتين أهل المكر والمخادعة والإحتيال في العمليات ~~وأهل التحريف والسفسطة والقرمطة في العلميات وكل فساد في الدين والدنيا ~~فمنشؤه من هاتين الطائفتين ms435 PageV02P120 # فبالتأويل الباطل قتل عثمان رضي الله عنه وعاثت الأمة في دمائها وكفر ~~بعضها بعضا وتفرقت على بضع وسبعين فرقة فجرى على الإسلام من تأويل هؤلاء ~~وخداع هؤلاء ومكرهم ما جرى واستولت الطائفتان وقويت شوكتهما وعاقبوا من لم ~~يوافقهم وأنكر عليهم ويأبى الله إلا أن يقيم لدينه من يذب عنه ويبين أعلامه ~~وحقائقه لكيلا تبطل حجج الله وبيناته على عباده # فلنرجع إلى ما نحن بصدده من بيان مكايد الشيطان ومصايده # | فصل ومن مكايده ومصايده ما فتن به عشاق الصور وتلك لعمر الله # الفتنة الكبرى والبلية العظمى التي استعبدت النفوس لغير خلاقها وملكت ~~القلوب لمن يسومها الهوان من عشاقها وألقت الحرب بين العشق والتوحيد ودعت ~~إلى موالاة كل شيطان مريد فصيرت القلب للهوى أسيرا وجعلته عليه حاكما ~~وأميرا فأوسعت القلوب محنة وملأتها فتنة وحالت بينها وبين رشدها وصرفتها عن ~~طريق قصدها ونادت عليها في سوق الرقيق فباعتها بأبخس الأثمان وأعاضتها بأخس ~~الحظوظ وأدنى المطالب عن العالي من غرف الجنان فضلا عما هو فوق ذلك من ~~القرب من الرحمن فسكنت إلى ذلك المحبوب الخسيس الذي ألمها به أضعاف لذتها ~~ونيله والوصول إليه أكبر أسباب مضرتها فما أوشكه حبيبا يستحيل عدوا عن قريب ~~ويتبرأ منه محبة لو أمكنه حتى كأن لم يكن له بحبيب وإن تمتع به في هذه ~~الدار فسوف يجد به أعظم الألم بعد حين لا سيما إذا صار الأخلاء يومئذ بعضهم ~~لبعض عدوا إلا المتقين # فيا حسرة المحب الذي باع نفسه لغير الحبيب الأول بثمن بخس وشهوة عاجلة ~~ذهبت لذتها وبقيت تبعتها وانقضت منفعتها وبقيت مضرتها فذهبت الشهوة وبقيت ~~الشقوة وزالت النشوة وبقيت الحسرة فوارحمتاه لصب جمع له بين الحسرتين حسرة ~~فوت المحبوب الأعلى والنعيم المقيم وحسرة ما يقاسيه من النصب في العذاب ~~الأليم فهناك يعلم PageV02P121 المخدوع أي بضاعة أضاع وأن من كان مالك رقة ~~وقلبه لم يكن يصلح أن يكون له من جملة الخدم والأتباع فاي مصيبة أعظم من ~~مصيبة ملك أنزل عن سرير ملكه وجعل لمن لا يصلح أن ms436 يكون مملوكه أسيرا وجعل ~~تحت أوامره ونواهيه مقهورا فلو رأيت قلبه وهو في يدمحبوبه لرأيته # كعصفورة في كف طفل يسومها % حياض الرديء والطفل يلهو ويلعب # ولو شاهدت حاله وعيشه لقلت # وما في الأرض أشقى من محب % وإن وجد الهوى حلو المذاق # تراه باكيا في كل حين % مخافة فرقة أو لاشتياق # فيبكي إن نأوا شوقا إليهم % ويبكي إن دنوا حذر الفراق # ولو شاهدت نومه وراحته لعلمت أن المحبة والمنام تعاهدا وتحالفا أن ليس ~~يلتقيان ولو شاهدت فيض مدامعه ولهيب النار في أحشائه لقلت # سبحان رب العرش متقن صنعه % ومؤلف الأضداد دون تعاند # قطر تولد عن لهيب في الحشا % ماء ونار في محل واحد # ولو شاهدت مسلك الحب في القلب وتغلغله فيه لعلمت أن الحب ألطف مسلكا فيه ~~من الأرواح في أبدانها # فهل يليق بالعاقل أن يبيع هذا الملك المطاع لمن يسومه سوء العذاب ويوقع ~~بينه وبين وليه ومولاه الحق الذي لا غناء له عنه ولا بد له منه أعظم الحجاب ~~فالمحب بمن أحبه قتيل وهوله عبد خاضع ذليل إن دعاه لباه وإن قيل له ما ~~تتمنى فهو غاية ما يتمناه لا يأنس ولا يسكن إلى سواه فحقيق به أن لا يملك ~~رقة إلا لأجل حبيب وأن لا يبيع نصيبه منه بأخس نصيب PageV02P122 # | فصل إذا عرف هذا فأصل كل فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة # فهما مبدأ لجميع الأفعال والحركات كما أن البغض والكراهية مبدأ كل ترك ~~وكف إذا قيل إن الترك والكف أمر وجودي كما عليه أكثر الناس وإن قيل إنه ~~عدمي فيكفي في عدمه عدم مقتضيه # والتحقيق أن الترك نوعان ترك هو أمر وجودي وهو كف النفس ومنعها وحبسها عن ~~الفعل فهذا سببه أمر وجودي وترك هو عدم محض فهذا يكفي فيه عدم المقتضى # فانقسم الترك إلى قسمين قسم يكفي فيه عدم السبب المقتضى لوجوده وقسم ~~يستلزم وجود السبب الموجب له من البغض والكراهة وهذا السبب لا يقتضي بمجرده ~~كف النفس وحبسها # والإلتئام مسبب عن المحبة والإرادة تقتضي أمرا ms437 هو أحب إليه من هذا الذي ~~كف نفسه عنه فيتعارض عنده الأمران فيؤثر خيرهما وأعلاهما وأنفعهما له ~~وأحبهما إليه على أدناهما فلا يترك محبوبا إلا لمحبوب هو أحب إليه منه ولا ~~يرتكب مبغوضا إلا ليتخلص به من مبغوض هو أكره إليه منه # ثم خاصية العقل واللب : التمييز بين مراتب المحبوبات والمكروهات بقوة ~~العلم والتمييز وإيثار أعلى المحبوبين على أدناهما واحتمال أدنى المكروهين ~~للتخلص من أعلاهما بقوة الصبر والثبات واليقين # فالنفس لا تترك محبوبا إلا لمحبوب ولا تتحمل مكروها إلا لتحصيل محبوب أو ~~للتخلص من مكروه آخر وهذا التخلص لا تقصده إلا لمنافاته لمحبوبها فصار ~~سعيها في تحصيل محبوبها بالذات وأسبابه بالوسيلة ودفع مبغوضها بالذات ~~وأسبابه بالوسيلة فسعيه في تحصيل محبوبه لما له فيه من اللذة وكذلك سعيه في ~~دفع مكروهه أيضا لما له في دفعه من اللذة كدفع ما يؤلمه من البول والنجو ~~والدم والقيء وما يؤلمه من الحر والبرد والجوع والعطش وغير ذلك PageV02P123 # وإذا علم أن هذا المكروه يفضي إلى ما يحبه يصير محبوبا له وإن كان يكرهه ~~فهو يحبه من وجه ويكرهه من وجه وكذلك إذا علم أن هذا المحبوب يفضي إلى ما ~~يكرهه يصير مكروها له وإن كان يحبه فهو يكرهه من وجه ويحبه من وجه # فلا يترك الحي ما يحبه ويهواه مع قدرته إلا لما يحبه ويهواه ولا يرتكب ما ~~يكرهه ويخشاه إلا حذار وقوعه فيما يكرهه ويخشاه لكن خاصية العقل أن يترك ~~أدنى المحبوبين وأقلهما نفعا لأعلاهما وأعظمهما نفعا ويرتكب أدنى المكروهين ~~ضررا ليتخلص به من أشدهما ضررا # فتبين بذلك أن المحبة والإرادة أصل للبغض والكراهة وعلة لهما من غير عكس ~~فكل بغض فهو لمنافاة البغيض للمحبوب ولولا وجود المحبوب لم يكن البغض بخلاف ~~الحب للشيء فإنه قد يكون لنفسه لا لأجل منافاته للبغيض وبغض الانسان لما ~~يضاد محبوبه مستلزم لمحبته لضده وكلما كان الحب أقوى كانت قوة البغض ~~للمنافي أشد # ولهذا كان أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله وكان من أحب ms438 لله ~~وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان # فإن الإيمان علم وعمل والعمل ثمرة العلم وهو نوعان : عمل القلب حبا وبغضا ~~ويترتب عليهما عمل الجوارح فعلا وتركا وهما العطاء والمنع # فإذا كانت هذه الأربعة لله تعالى كان صاحبها مستكمل الإيمان وما نقص منها ~~فكان لغير الله نقص من إيمانه بحسبه PageV02P124 # | فصل إذا عرف هذا فكل حركة في العالم العلوي والسفلي فسببها المحبة # والارادة وغايتها المحبة والارداة # فإن الحركات ثلاث : إرادية وطبعية وقسريه # فإن المتحرك إن كان له شعور بحركته وإرادة لها فحركته إرادية وإن لم يكن ~~له شعور بحركته أو له بها شعور وهو غير مريد لها فحركته إما على وفق طبعه ~~أو على خلافه فالأولى طبعية والثانية قسرية # أظهر من هذا أن يقال : مبدأ الحركة إما أن يكون أمرا مباينا للمتحرك أو ~~قوة فيه فالأول الحركة فيه قسرية والثاني إما أن يكون له به شعور أم لا ~~فالأول : الحركة فيه إرادية والثاني طبعية فالحركة متى لازمت الشعور ~~والإرادة فهي إرادية ومتى انتفى عنها الأمران فإن كانت بقوة في المتحرك فهي ~~الطبعية وإن كانت من غير قوة في المحرك فهي القسرية # فكل حركة في السموات والأرض : من حركات الأفلاك والنجوم والشمس والقمر ~~والرياح والسحاب والنبات والحيوان فهي ناشئة عن الملائكة الموكلين بالسموات ~~والأرض كما قال تعالى : فالمدبرات أمرا [ ] وقال : فالمقسمات أمرا [ ] وهي ~~الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرسل عليهم السلام وأما المكذبون للرسل ~~المنكرون للصانع فيقولون : هي النجوم # وقد أشبعنا الرد على هؤلاء في كتابنا الكبير المسمى بالمفتاح وقد دل ~~الكتاب والسنة على أصناف الملائكة وأنها موكلة بأصناف المخلوقات وأنه ~~سبحانه وكل بالجبال ملائكة ووكل بالسحاب والمطر ملائكة ووكل بالرحم ملائكة ~~تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظه وملائكة لحفظ ما ~~يعمله PageV02P125 وإحصائه وكتابته ووكل بالموت ملائكة ووكل بالسؤال في ~~القبر ملائكة ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها ووكل بالشمس والقمر ملائكة ~~ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة ووكل بالجنة وعمارتها ~~وغراسها وعمل الأنهار فيها ms439 ملائكة فالملائكة أعظم جنود الله تعالى ومنهم ~~المرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ~~ذكرا ومنهم : النازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا ~~فالمدبرات أمرا ومنهم : الصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا ومنهم : ~~ملائكة الرحمة وملائكة العذاب وملائكة قد وكلوا بحمل العرش PageV02P126 ~~وملائكة قد وكلوا بعمارة السموات بالصلاة والتسبيح والتقديس إلى غير ذلك من ~~أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله تعالى # ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره فليس لهم من الأمر شيء بل ~~الأمر له لله الواحد القهار وهم ينفذون أمره لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من ~~خشيته مشفقون @QB@ يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون @QE@ @QB@ لا ~~يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون @QE@ ولا تتنزل إلا بأمره ولا تفعل ~~شيئا إلا من بعد إذنه فهم عباد له مكرمون منهم الصافون ومنهم المسبحون ليس ~~منهم إلا من له مقام معلوم لا يتخطاه وهو على عمل قد أمر به لا يقصر عنه ~~ولا يتعداه وأعلاهم الذين عنده سبحانه @QB@ لا يستكبرون عن عبادته ولا ~~يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون @QE@ ورؤساؤهم الأملاك الثلاث : ~~جبريل وميكائيل وإسرافيل وكان النبييقول : اللهم رب جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما ~~كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى ~~صراط مستقيم PageV02P127 # فتوسل إليه سبحانه بربويبته العامة والخاصة لهؤلاء الأملاك الثلاثة ~~الموكلين بالحياة # فجبريل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح وميكائيل موكل بالقطر ~~الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي ~~به حياة الخلق بعد مماتهم # فسأله رسوله بربوبيته لهؤلاء أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه لما ~~في ذلك من الحياة النافعة # وقد أثنى الله سبحانه على عبده جبريل في القرآن أحسن الثناء ووصفه بأجمل ~~الصفات فقال : @QB@ فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح ~~إذا ms440 تنفس إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين @QE@ ~~فهذا جبريل فوصفه بأنه رسوله وأنه كريم عنده وأنه ذو قوة ومكانة عند ربه ~~سبحانه وأنه مطاع في السموات وأنه أمين على الوحي # فمن كرمه على ربه : أنه أقرب الملائكة إليه # قال بعض السلف : منزلته من ربه منزلة الحاجب من الملك ومن قوته : أنه رفع ~~مدائن قوم لوط على جناحه ثم قلبها عليهم فهو قوي على تنفيذ ما يؤمر به غير ~~عاجز عنه إذ تطيعه أملاك السموات فيما يأمرهم به عن الله تعالى قال ابن ~~جرير في تفسيره عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح : أمين على أن يدخل ~~سبعين سرادقا من نور بغير إذن # ووصفه بالأمانة يقتضي صدقه ونصحه وإلقاءه إلى الرسل ما أمر به من غير ~~زيادة ولا نقصان ولا كتمان وقد جمع له بين المكانة والأمانة والقوة والقرب ~~من الله # ونظير الجمع له بين المكانة والأمانة : قول العزيز ليوسف عليه السلام : ~~@QB@ إنك اليوم لدينا مكين أمين @QE@ والجمع بين القوة والأمانة : نظير قول ~~ابنة شعيب في موسى PageV02P128 عليهما السلام : @QB@ إن خير من استأجرت ~~القوي الأمين @QE@ وقال تعالى في وصفه : @QB@ علمه شديد القوى ذو مرة ~~فاستوى @QE@ قال ابن عباس رضي الله عنهما : ذو منظر حسن وقال قتادة : ذو ~~خلق حسن وقال ابن جرير : عنى بالمرة صحة الجسم وسلامته من الآفات والعاهات ~~والجسم إذا كان كذلك من الإنسان كان قويا والمرة واحدة المرر وإنما أريد به ~~ذو مرة سوية ومنه قول النبيلا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي # قلت : هذا حجة من قال : المرة القوة في الآية وهو قول مجاهد وابن زيد وهو ~~قول ضعيف لأنه قد وصفه قبل ذلك بأنه @QB@ شديد القوى @QE@ # ولا ريب أن المرة في الحديث هي القوة لا المنظر الحسن فإما أن يقال : ~~المرة تقال على هذا وعلى هذا وإما أن يقال وهو الأظهر : إن المرة هي الصحة ~~والسلامة من الآفات والعاهات الظاهرة والباطنة وذلك يستلزم كمال الخلقة ~~وحسنها وجمالها ms441 فإن العاهة والآفة إنما تكون من ضعف الخلقة والتركيب فهي ~~قوة وصحة تتضمن جمالا وحسنا والله تعالى أعلم وقالت اليهود للنبي من صاحبك ~~الذي يأتيك من الملائكة فإنه ليس من نبي إلا يأتيه ملك بالخبر قال : هو ~~جبريل قالوا : ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال ذاك عدونا لو قلت : ميكائيل ~~الذي ينزل بالنبات والقطر والرحمة فأنزل الله تعالى : من كان عدوا لجبريل ~~فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين من ~~كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدوك للكافرين ~~PageV02P129 # والمقصود : أن الله سبحانه وكل بالعالم العلوي والسفلي ملائكة فهي تدبر ~~أمر العالم بإذنه ومشيئته وأمره فلهذا يضيف التدبير إلى الملائكة تارة ~~لكونهم هم المباشرين للتدبير كقوله @QB@ فالمدبرات أمرا @QE@ ويضيف التدبير ~~إليه كقوله : إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش يدبر الأمر وقوله : قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك ~~السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر ~~فسيقولون الله فهو المدبر أمرا وإذنا ومشيئة والملائكة المدبرات مباشرة ~~وامتثالا # وهذا كما أضاف التوفي إليهم تارة كقوله : توفته رسلنا وإليه تارة كقوله : ~~الله يتوفى الأنفس ونظائره # والملائكة الموكلة بالإنسان من حين كونه نطفة إلى آخر أمره لهم وله شأن ~~آخر فإنهم موكلون بتخليقه ونقله من طور إلى طور وتصويره وحفظه في أطباق ~~الظلمات الثلاث وكتابة رزقه وعمله وأجله وشقاوته وسعادته وملازمته في جميع ~~أحواله وإحصاء أقواله وأفعاله وحفظه في حياته وقبض روحه عند وفاته وعرضها ~~على خالقه وفاطره وهم الموكلون بعذابه ونعيمه في البرزخ وبعد البعث وهم ~~الموكلون بعمل آلات النعيم والعذاب وهم المثبتون للعبد المؤمن بإذن الله ~~والمعلمون له ما ينفعه والمقاتلون الذابون عنه وهم أولياؤه في الدنيا ~~والآخرة وهم الذين يرونه في منامه ما يخافه ليحذره وما يحبه ليقوى قلبه ~~ويزداد شكرا وهم الذين يعدونه بالخير ويدعونه إليه وينهونه عن الشر ~~ويحذرونه منه # فهم أولياؤه وأنصاره وحفظته ومعلموه وناصحوه ms442 والداعون له والمستغفرون له ~~وهم الذين يصلون عليه ما دام في طاعة ربه ويصلون عليه ما دام يعلم الناس ~~الخير ويبشرونه بكرامة الله تعالى في منامه وعند موته ويوم بعثه وهم الذين ~~يزهدونه في الدنيا ويرغبونه في الآخرة وهم الذين يذكعرونه إذا نسي وينشطونه ~~إذا كسل ويثبتونه إذا جزع وهم الذين يسعون في مصالح دنياه وآخرته ~~PageV02P130 # فهم رسل الله في خلفه وأمره وسفراؤه بينه وبين عباده تتنزل بالأمر من ~~عنده في أقطار العالم وتصعد إليه بالأمر قد أطت بهم السماء وحق لها أن تئط ~~ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد ويدخل البيت ~~المعمور كل يوم منهم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم # والقرآن مملوء بذكر الملائكة وأصنافهم وأعمالهم ومراتبهم كقوله : وإذ قال ~~ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ~~ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون وعلم آدم ~~الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم ~~صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال ~~يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب ~~السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم إلى آخر القصة [ ] وقوله : @QB@ تنزل الملائكة والروح @QE@ فيها بإذن ~~ربهم وما بين هاتين السورتين من سور القرآن بل لا تخلو سورة من سور القرآن ~~عن ذكر الملائكة تصريحا أو تلويحا أو إشارة وأما ذكرهم في الأحاديث النبوية ~~فأكثر وأشهر من أن يذكر ولهذا كان الإيمان بالملائكة عليهم السلام أحد ~~الأصول الخمس التي هي أركان الإيمان وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر فلنرجع إلى المقصود وهو أن حركات العالم العلوي والسفلي ~~بالملائكة فالحركات الإرادية كلها تابعة للإرادة التي تحرك المريد إلى فعل ~~ما يفعله والحركة الطبيعيه سببها ما في PageV02P131 المتحرك من الميل ~~والطلب بكماله وانتهائه كحركة النار وحركة ms443 النبات وحركة الرياح وكذلك حركة ~~الجسم الثقيل إلى أسفل فإنه بطبعه يطلب مستقره من المركز ما لم يعقه عنه ~~عائق وأما الحركة القسرية كحركته بالقسر إلى العلو فتابعة لإرادة القاسر له ~~فلم يبق حركة أصلية إلا عن الإرادة والمحبة # | فصل فإذا عرف ذلك فالمحبة هي التي تحرك المحب في طلب محبوبه الذي # يكمل بحصوله له فتحرك محب الرحمن ومحب القرآن ومحب العلم والإيمان ومحب ~~المتاع والأثمان ومحب الأوثان والصلبان ومحب النسوان والمردوان ومحب ~~الأوطان ومحب الإخوان فتثير من كل قلب حركة إلى محبوبه من هذه الأشياء ~~فيتحرك عند ذكر محبوبه منها دون غيره ولهذا تجد محب النسوان والصبيان ومحب ~~قرآن الشيطان بالأصوات والألحان لا يتحرك عند سماع العلم وشواهد الإيمان ~~ولا عند تلاوة القرآن حتى إذا ذكر له محبوبه اهتز له وربا وتحرك باطنه ~~وظاهره شوقا إليه وطربا لذكره # فكل هذه المحاب باطلة مضمحلة سوى محبة الله وما والاها من محبة رسوله ~~وكتابه ودينه وأوليائه فهذه المحبة تدوم وتدوم ثمرتها ونعيمها بدوام من ~~تعلقت به وفضلها على سائر المحاب كفضل من تعلقت به على ما سواه وإذا انقطعت ~~علائق المحبين وأسباب توادعهم وتحابعهم لم تنقطع أسبابها قال تعالى : إذ ~~تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب # قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : المودة # وقال مجاهد : تواصلهم في الدنيا # وقال الضحاك : يعني تقطعت بهم الأرحام وتفرقت بهم المنازل في النار # وقال أبو صالح : الأعمال PageV02P132 والكل حق فإن الأسباب هي الوصل التي ~~كانت بينهم في الدنيا تقطعت بهم أحوج ما كانوا إليها وأما أسباب الموحدي ~~المخلصين لله فاتصلت بهم ودام اتصالها بدوام معبودهم ومحبوبهم فإن السبب ~~تبع لغايته في البقاء والانقطاع # | فصل إذا تبين هذا فأصل المحبة المحمودة التي أمر الله تعالى بها # وخلق خلقه لأجلها : هي محبته وحده لا شريك له المتصمنة لعبادته دون عبادة ~~ما سواه فإن العبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذلع ولا يصلح ذلك إلا لله عز ~~وجل وحده # ولما كانت المحبة ms444 جنسا تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف كان أغلب ما ~~يذكر فيها في حق الله تعالى : ما يختص به ويليق به كالعبادة والإنابة ~~والإخبات ولهذا لا يذكر فيها لفظ العشق والغرام والصبابة والشغف والهوى وقد ~~يذكر لفظ المحبة كقوله : يحبهم ويحبونه وقوله : @QB@ قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله @QE@ وقوله @QB@ والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ # ومدار كتب الله تعالى المنزلة من أولها إلى آخرها على الأمر بتلك المحبة ~~ولوازمها والنهي عن محبة ما يضادها وملازمتها وضرب الأمثال والمقاييس لأهل ~~المحبتين وذكر قصصهم ومآلهم ومنازلهم وثوابهم وعقابهم ولا يجد حلاوة ~~الإيمان بل لا يذوق طعمه إلا من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كما ~~في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه عن النبيقال : ثلاث من كن فيه وجد ~~حلاوة الإيمان وفي لفظ لا يجد طعم الإيمان إلا من كان فيه ثلاث من كان الله ~~ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن ~~يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله تعالى منه كما يكره أن يلقى في النار # وفي الصحيحين أيضا عنه قال : قال رسول الله والذي نفسي بيده لا يؤمن ~~أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين PageV02P133 # ولهذا اتفقت دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم على عبادة الله وحده لا شريك ~~له # وأصل العبادة وتمامها وكمالها هو المحبة وإفراد الرب سبحانه بها فلا يشرك ~~العبد به فيها غيره # والكلمة المتضمنة لهذين الأصلين هي الكلمة التي لا يدخل في الإسلام إلا ~~بها ولا يعصم دمه وماله إلا بالإتيان بها ولا ينجو من عذاب الله إلا ~~بتحقيقها بالقلب واللسان وذكرها أفضل الذكر كما في صحيح ابن حبان عنهأفضل ~~الذكر لا إله إلا الله والآيه المتضمنة لها ولتفضيلها سيدة أي القرآن ~~والسورة المختصة بتحقيقها تعدل ثلث القرآن وبها أرسل الله سبحانه جميع رسله ~~وأنزل جميع كتبه وشرع جميع شرائعه قياما بحقها وتكميلا لها وهي التي يدخل ~~بها العبد على ربه ويصير ms445 في جواره وهي مفزع أوليائه وأعدائه فإن أعداءه إذا ~~مسهم الضر في البر والبحر فزعوا إلى توحيده وتبرءوا من شركهم ودعوه مخلصين ~~له الدين وأما اولياؤه فهي مفزعهم في شدائد الدنيا والآخرة ولهذا كانت ~~دعوات المكروب لا إلكه إلا الله العظيم الحليم لا إلكه إلا الله رب العرش ~~العظيم لا إلكه إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم ودعوة ذي ~~النون التي مادعا بها مكروب إلا فرج الله كربه لا إله إلا انت سبحانك إني ~~كنت من الظالمين # وقال ثوبان رضي الله عنه : كان رسول اللهإذا راعه PageV02P134 أمر قال : ~~الله ربي لا أشرك به شيئا وفي لفظ قال : هو الله لا شريك له # وقالت أسماء بنت عميس : علمني رسول اللهكلمات أقولها عند الكرب : الله ~~الله ربي لا أشرك به شيئا # وفي الترمذي من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده ~~عن النبيقال : دعوة يونس إذ نادى في بطن الحوت : لا إله إلا أنت سبحانك إني ~~كنت من الظالمين فإنه لم يدع بها مسلم في شيء إلا استجيب له # وفي مسند الإمام أحمد مرفوعا دعوات المكروب : اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني ~~إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت # فالتوحيد ملجأ الطالبين ومفزع الهاربين ونجاة المكروبين وغياث الملهوفين ~~وحقيقته إفراد الرب سبحانه بالمحبة والإجلال والتعظيم والذل والخضوع # | فصل فإذا عرف أن كل حركة فأصلها الحب والإرادة فلا بد من محبوب # مراد لنفسه لا يطلب ويحب لغيره إذ كان كل محبوب يحب لغيره لزم الدور أو ~~التسلسل في العلل والغايات وهو باطل باتفاق العقلاء والشيء قد يحب من وجه ~~دون وجه وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله عز وجل وحده الذي لا تصلح ~~الألوهية إلا له فلو كان في السموات والأرض آلهة إلا الله لفسدتا والإلهية ~~التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها : هي العبادة والتأليه ومن ~~لوازمها : توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فاحتج الله ms446 عليهم به فإنه ~~يلزم من الإقرار به الاقرار بتوحيد الالهية PageV02P135 # | فصل وكل حي فله إرادة وعمل بحسبه وكل متحرك فله غاية يتحرك إليها # ولا صلاح له إلا أن تكون غاية حركته ونهاية مطلبه : هو الله وحده كما لا ~~وجود له إلا أن يكون الله وحده هو ربه وخالقه فوجوده بالله وحده وكماله أن ~~يكون لله وحده فما لا يكون به لا يكون وما لا يكون له لا ينفع ولا يدوم ~~ولهذا قال تعالى : @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا @QE@ ولم يقل ~~لعدمتا إذ هو سبحانه قادر على أن يبقيهما على وجه الفساد لكن لا يمكن أن ~~تكونا صالحتين إلا بأن يكون فاطرهما وخالقهما هو المعبود وحده لا شريك له ~~فإن صلاح الأعمال والحركات بصلاح نياتها ومقاصدها فكل عمل فهو تابع لنية ~~عامله وقصده وإرادته # وتقسيم الأعمال إلى صالح وفاسد هو باعتبارها في ذواتها تارة وباعتبار ~~مقاصدها ونياتها تارة # وأما تقسيم المحبة والإرادة إلى نافعة وضارة فهو باعتبار متعلقها ~~ومحبوبها ومرادها فإن كان المحبوب المراد هو الذي لا ينبغي أن يحب لذاته ~~ويراد لذاته إلا هو وهو المحبوب الأعلى الذي لا صلاح للعبد ولا فلاح ولا ~~نعيم ولا سرور إلا بأن يكون هو وحده محبوبه ومراده وغاية مطلوبه كانت محبته ~~نافعة له وإن كان محبوبه ومراده ونهاية مطلوبه غيره كانت محبته ضارة له ~~وعذابا وشقاء # فالمحبة النافعة هي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه من السعادة والنعيم ~~والمحبة الضارة هي التي تجلب لصاحبها ما يضره من الشقاء والألم والعناء # | فصل إذا تبين هذا فالحي العالم الناصح لنفسه لا يؤثر محبة ما يضره # ويشقى به ويتألم به ولا يقع ذلك إلا من فساد تصوره ومعرفته أو من فساد ~~قصده وإرادته فالأول : جهل والثاني ظلم : والإنسان خلق في الأصل ظلوما ~~جهولا ولا ينفك عن PageV02P136 الجهل والظلم إلا بأن يعلمه الله ما ينفعه ~~ويلهمه رشده فمن أراد به الخير علمه ما ينفعه فخرج به عن الجهل ونفعه بما ~~علمه فخرج به عن الظلم ومتى ms447 لم يرد به خيراأبقاه على أصل الخلقة كما في ~~المسند من حديث عبدالله بن عمرو عن النبيقال : إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ~~ألقى عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل # فالنفس تهوى ما يضرها ولا ينفعها لجهلها بمضرته لها تارة ولفساد قصدها ~~تارة ولمجموعهما تارة وقد ذم الله تعالى في كتابه من أجاب داعي الجهل ~~والظلم فقال : @QB@ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ~~ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين @QE@ وقال ~~: @QB@ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ ~~فأصل كل خير : هو العلم والعدل وأصل كل شر : هو الجهل والظلم # وقد جعل الله سبحانه للعدل المأمور به حدا فمن تجاوزه كان ظالما معتديا ~~وله من الذم والعقوبة بحسب ظلمه وعدوانه الذي خرج به عن العدل ولهذا قال ~~سبحانه وتعالى : @QB@ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين @QE@ ] ~~وقال فيمن ابتغى سوى زوجته أو ملك يمينه : فمن ابتغى وراء ذلك فأولكئك هم ~~العادون [ ] وقال : ولا تعتدوا إن الله لايحب المعتدين والمقصود : أن محبة ~~الظلم والعدوان سببها فساد العلم أو فساد القصد أو فسادهما جميعا # وقد قيل : إن فساد القصد من فساد العلم وإلا فلو علم ما في الضار من ~~المضرة ولوازمها حقيقة العلم لما آثره ولهذا من علم من طعام شهي لذيذ أنه ~~مسموم فإنه لا يقدم عليه فضعف علمه بما في الضار من وجوه المضرة وضعف عزمه ~~عن اجتنابه يوقعه في ارتكابه ولهذا كان الإيمان الحقيقي هو الذي يحمل صاحبه ~~على فعل ما ينفعه وترك ما يضره فإذا لم يفعل هذا ولم يترك هذا لم يكن ~~إيمانه على الحقيقة وإنما معه من الايمان بحسب ذلك فإن المؤمن بالنار حقيقة ~~الإيمان حتى كأنه يراها لا يسلك طريقها PageV02P137 الموصلة إليها فضلا عن ~~أن يسعى فيها بجهده والمؤمن بالجنة حقيقة الإيمان لا تطاوعه نفسه أن يقعد ~~عن طلبها وهذا أمر يجده الإنسان ms448 في نفسه فيما يسعى فيه في الدنيا من ~~المنافع أو التخلص منه من المضار # | فصل إذا تبين هذا فالعبد أحوج شيء إلى علم ما يضره ليجتنبه وما # ينفعه ليحرص عليه ويفعله فيحب النافع ويبغض الضار فتكون محبته وكراهته ~~موافقتين لمحبة الله تعالى وكراهته وهذا من لوازم العبودية والمحبة ومتى ~~خرج عن ذلك أحب ما يسخطه ربه وكره ما يحبه فنقصت عبوديته بحسب ذلك # وههنا طريقان : العقل والشرع أما العقل فقد وضع الله سبحانه في العقول ~~والفطر استحسان الصدق والعدل والإحسان والبر والعفة والشجاعة ومكارم ~~الأخلاق وأداء الأمانات وصلة الأرحام ونصيحة الخلق والوفاء بالعهد وحفظ ~~الجوار ونصر المظلوم والإعانة على نوائب الحق وقرى الضيف وحمل الكل ونحو ~~ذلك ووضع في العقول والفطر استقباح أضداد ذلك ونسبة هذا الاستحسان ~~والاستقباح إلى العقول والفطر كنسبة استحسان شرب الماء البارد عند الظمأ ~~وأكل الطعام اللذيذ النافع عند الجوع ولبس ما يدفئه عند البرد فكما لا ~~يمكنه أن يدفع عن نفسه وطبعه استحسان ذلك ونفعه فكذلك لا يدفع عن نفسه ~~وفطرته استحسان صفات الكمال ونفعها واستقباح أضدادها ومن قال : إن ذلك لا ~~يعلم بالعقل ولا بالفطرة وإنما عرف بمجرد السمع فقوله باطل قد بينا بطلانه ~~في كتاب المفتاح من ستين وجها وبينا هناك دلالة القرآن والسنة والعقول ~~والفطر على فساد هذا القول والطريق الثاني لمعرفة الضار والنافع من الأعمال ~~: السمع وهو أوسع وأبين وأصدق من الطريق الأول لخفاء صفات الأفعال وأحوالها ~~ونتائجها وأن العالم بذلك على التفصيل ليس هو إلا الرسول صلوات الله وسلامه ~~عليه فأعلم الناس وأصحهم عقلا ورأيا واستحسانا من PageV02P138 كان عقله ~~ورأيه واستحسانه وقياسه موافقا للسنة كما قال مجاهد : أفضل العبادة الرأي ~~الحسن وهو اتباع السنة قال تعالى : ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك ~~من ربك هو الحق وكان السلف يسمون أهل الآراء المخالفة للسنة وما جاء به ~~الرسول في مسائل العلم الخبرية وأهل مسائل الأحكام العملية يسمونهم : أهل ~~الشبهات والأهواء لأن الرأي المخالف للسنة جهل لا علم وهوى لا دين ms449 فصاحبه ~~ممن اتبع هواه بغير هدى من الله وغايته الضلال في الدنيا والشقاء في الآخرة ~~وإنما ينتفي الضلال والشقاء عمن اتبع هدى الله الذي أرسل به رسله وأنزل به ~~كتبه كما قال تعالى : @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا ~~يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى @QE@ ~~واتباع الهوى يكون في الحب والبغض كما قال تعالى : يأيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا ~~أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وقال : ولا يجر منكم ~~شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى والهوى المنهي عن اتباعه ~~كما يكون هو هوى الشخص في نفسه فقد يكون أيضا هوى غيره فهو منهي عن اتباع ~~هذا وهذا لمضادة كل منهما لهدى الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه # | فصل فمن المحبة النافعة : محبة الزوجة وما ملكت يمين الرجل فإنها # معينة على ما شرع الله سبحانه له من النكاح وملك اليمين من إعفاف الرجل ~~نفسه وأهله فلا تطمح نفسه إلى سواها من الحرام ويعفها فلا تطمح نفسها إلى ~~غيره وكلما كانت المحبة بين الزوجين أتم وأقوى كان هذا المقصود أتم وأكمل ~~قال تعالى : @QB@ هو الذي خلقكم من @QE@ PageV02P139 @QB@ نفس واحدة وجعل ~~منها زوجها ليسكن إليها @QE@ وقال : @QB@ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة @QE@ # وفي الصحيح عنهأنه سئل من أحب الناس إليك فقال : عائشة ولهذا كان مسروق ~~رحمه الله يقول إذا حدث عنها : حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله ~~المبرأة من فوق سبع سموات # وصح عنهأنه قال : حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في ~~الصلاة # فلا عيب على الرجل في محبته لأهله وعشقه لها إلا إذا شغله ذلك عن محبة ما ~~هو أنفع له من محبة الله ورسوله وزاحم حبه وحب رسوله فإن كل محبة زاحمت ~~محبة الله ورسوله بحيث ms450 تضعفها وتنقصها فهي مذمومة وإن أعانت على محبة الله ~~ورسوله وكانت من أسباب قوتها فهي محمودة ولذلك كان رسول اللهيحب الشراب ~~البارد الحلو ويحب الحلواء والعسل ويحب الخيل وكان أحب الثياب إليه القميص ~~وكان يحب الدباء فهذه المحبة لا تزاحم محبة الله بل قد تجمع الهم والقلب ~~على التفرغ لمحبة الله فهذه محبة طبيعية تتبع نية صاحبها وقصده بفعل ما ~~يحبه # فإن نوى به القوة على أمر الله تعالى وطاعته كانت قربة وإن فعل ذلك بحكم ~~الطبع والميل المجرد لم يثب ولم يعاقب وإن فاته درجة من فعله متقربا به إلى ~~الله # فالمحبة النافعة ثلاثة أنواع : محبة الله ومحبة في الله ومحبة ما يعين ~~على طاعة الله تعالى واجتناب معصيته # والمحبة الضارة ثلاثة أنواع : المحبة مع الله ومحبة ما يبغضه الله تعالى ~~ومحبة ما تقطع محبته عن محبة الله تعالى أو تنقصها فهذه ستة أنواع عليها ~~مدار محاب الخلق فمحبة الله عز وجل أصل المحاب المحمودة وأصل الإيمان ~~والتوحيد والنوعان الآخران تبع لها PageV02P140 # والمحبة مع الله أصل الشرك والمحاب المذمومة والنوعان الآخران تبع لها # ومحبة الصور المحرمة وعشقها من موجبات الشرك وكلما كان العبد أقرب إلى ~~الشرك وأبعد من الإخلاص كانت محبته بعشق الصور أشد وكلما كان أكثر إخلاصا ~~وأشد توحيدا كان أبعد من عشق الصور ولهذا أصاب امرأة العزيز ما أصابها من ~~العشق لشركها ونجا منه يوسف الصديق عليه السلام بإخلاصه قال تعالى : @QB@ ~~كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين @QE@ فالسوء : العشق ~~والفحشاء : الزنا فالمخلص قد خلص حبه لله فخلصه الله من فتنة عشق الصور ~~والمشرك قلبه متعلق بغير الله لم يخلص توحيده وحبه لله عز وجل # | فصل ومن أبلغ كيد الشيطان وسخريته بالمفتونين بالصور : أنه يمنعى # أحدهم أنه إنما يحب ذلك الأمرد أو تلك المرأة الأجنبية لله تعالى لا ~~للفاحشة ويأمره بمواخاته # وهذا من جنس المخادنة بل هو مخادنة باطنة كذوات الأخدان اللاتي قال الله ~~تعالى فيهن : محصنات غير مسافحات ولا متخذان أخدان [ ] وقال في حق ms451 الرجال : ~~محصنين غير مسافحين ولا متخذي آخران فيظهرون للناس أن محبتهم تلك الصورة ~~لله تعالى ويبطنون اتخاذها خدنا يتلذذون بها فعلا أو تقبيلا أو تمتعا بمجرد ~~النظر والمخادنة والمعاشرة واعتقادهم أن هذا لله وأنه قربة وطاعة : هو من ~~أعظم الضلال والغي وتبديل الدين حيث جعلوا ما كرهه الله سبحانه محبوبا له ~~وذلك من نوع الشرك والمحبوب المتخذ من دون الله طاغوت فإن اعتقاد كون ~~التمتع بالمحبة والنظر والمخادنة وبعض المباشرة لله وأنه حبك فيه : كفر ~~وشرك كاعتقاد محبي الأوثان في أوثانهم PageV02P141 # وقد يبلغ الجهل بكثير من هؤلاء إلى أن يعتقد أن التعاون على الفاحشة ~~تعاون على الخير والبر وأن الجالب محسن إلى العاشق جدير بالثواب وأنه ساع ~~في دوائه وشفائه وتفريج كرب العشق عنه وأن من نفس عن مؤمن كربة من كرب ~~الدينا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة # | فصل ثم هم بعد هذا الضلال والغي أربعة أقسام قوم يعتقدون أن # هذا لله وهذا كثير في طوائف العامة والمنتسبين إلى الفقر والتصوف وكثير ~~من الأتراك وقوم يعلمون في الباطن أن هذا ليس لله وإنما يظهرون أنه لله ~~خداعا ومكرا وتسترا # وهؤلاء من وجه أقرب إلى المغفرة من أولئك لما يرجى لهم من التوبة ومن وجه ~~أخبث لأنهم يعلمون التحريم ويأتون المحرم وأولئك قد يشتبه الأمر على بعضهم ~~كما اشتبه على كثير من الناس أن استماع أصوات الملاهي قربة وطاعة ووقع في ~~ذلك من شاء الله من الزهاد والعباد فكذلك اشتبه على من هو أضعف علما ~~وإيمانا أن التمتع بعشق الصور ومشاهدتها ومعاشرتها عبادة وقربة # القسم الثالث : مقصودهم الفاحشة الكبرى فتارة يكونون من أولئك الضالين ~~الذين يعتقدون أن هذه المحبة التي لا وطء فيها لله تعالى وأن الفاحشة معصية ~~فيقولون : نفعل شيئا لله تعالى ونفعل أمرا لغير الله تعالى وتارة يكونون من ~~أهل القسم الثاني الذين يظهرون أن هذه المحبة لله وهم يعلمون أن الأمر ~~بخلاف ذلك فيجمعون بين الكذب والفاحشة وهم في هذه المخادنة والمواخاة ~~مضاهئون للنكاح فإنه ms452 يحصل بين هذين من الاقتران والازدواج والمخالطة نظير ~~ما يحصل بين الزوجين وقد يزيد عليه تارة في الكم والكيف وقد ينقص عنه وقد ~~يحصل بينهما من الاقتران ما يشبه اقتران المتواخيين المتحابين في الله لكن ~~الذين PageV02P142 آمنوا أشد حبا لله فإن المتحابين في الله يعظم تحابهما ~~ويقوى ويثبت بخلاف هذه المواخاة والمحبة الشيطانية ثم قد يشتد بينهما ~~الإتصال حتى يسمونها زواجا ويقولون : تزوج فلان بفلان كما يفعله المستهزئون ~~بآيات الله تعالى ودينه من مجان الفسقة ويقرهم الحاضرون على ذلك ويضحكون ~~منه ويعجبهم مثل ذلك المزاح والنكاح وربما يقول بعض زنادقة هؤلاء : الأمرد ~~حبيب الله والملتحي عدو الله وربما اعتقد كثير من المردان أن هذا صحيح وأنه ~~المراد بقوله إذا أحب الله العبد نادى يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه الحديث ~~وأنه توضع له المحبة في الأرض فيعجبه أن يحب ويفتخر بذلك بين الناس ويعجبه ~~أن يقال : هو معشوق أو حظوة البلد وأن الناس يتغايرون على محبته ونحو ذلك ~~وقد آل الأمر بكثير من هؤلاء إلى ترجيح وطء المردان على نكاح النسوان ~~وقالوا : هو أسلم من الحبل والولادة ومؤنة النكاح والشكوى إلى القاضي وفرض ~~النفقة والحبس على الحقوق # وربما قال بعضهم : إن جماع النساء يأخذ من القوة أكثر مما يأخذ جماع ~~الصبيان لأن الفرج يجذب من القوة والماء أكثر مما يجذب المحل الآخر بحكم ~~الطبيعة # وقسمت هذه الطائفة المفعول به إلى ثلاثة أقسام : مؤاجر ومملوك ومعشوق خاص ~~فالأول : بإزاء البغايا المؤجرات أنفسهن والثاني : بإزاء الأمة والسرية ~~والثالث : بإزاء الزوجة أو الأجنبية المعشوقة # وتعوض كل منهم بقسم عن نظيره من الإناث وربما فضل بعضهم اتخاذ المردان ~~PageV02P143 واستفراشهم على النساء من وجوه وهذا مضادة ومحادة لله ودينه ~~وكتبه ورسله وصنف بعضهم كتابا في هذا الباب وقال في أثنائه : باب في المذهب ~~المالكي وذكر فيه الجماع في الدبر من الذكور والإناث # وقد علم أن مالكا رحمه الله تعالى من أشد الناس وأسدهم مذهبا في هذا ~~الباب حتى إنه يوجب قتل اللوطي حدا بكرا كان ms453 أو ثيبا وقوله في ذلك هو أصح ~~المذاهب كما دلت عليه النصوص واتفق عليه أصحاب رسول الله وإن اختلفت ~~أقوالهم في كيفية قتله كما سنذكره إن شاء الله تعالى # وسبب غلط هذا وأمثاله : أنه قد نسب إلى مالك رحمه الله تعالى القول بجواز ~~وطء الرجل امرأته في دبرها وهو كذب على مالك وعلى أصحابه فكتبهم كلها مصرحة ~~بتحريمه ثم لما استقر عند هؤلاء أن مالكا يبيح ذلك نقلوا الإباحة من الإناث ~~إلى الذكور وجعلوا البابين بابا واحدا وهذا كفر وزندقة من قائله بإجماع ~~الأمة # ونظير هذا : ما يتوهمه كثير من الفسقة وجهال الترك وغيرهم أن مذهب أبي ~~حنيفة رحمه الله تعالى أن هذا ليس من الكبائر وغايته أن يكون صغيرة من ~~الصغائر وهذا من أعظم الكذب والبهت على الأئمة فقد أعاذ الله أبا حنيفة ~~وأصحابه من ذلك # وشبهة هؤلاء الفسقة الجهلة : أنهم لما رأوا أبا حنيفة رحمه الله تعالى لم ~~يوجب فيه الحد ركبوا على ذلك أنه ليس من كبائر الذنوب بل من صغائرها وهذا ~~ظن كاذب فإن أبا حنيفة لم يسقط فيه الحد لخفة أمره فان جرمه عنده وعند جميع ~~أهل الإسلام أعظم من جرم الزنا ولهذا عاقب الله سبحانه أهله بما لم يعاقب ~~به أمة من الأمم وجمع عليهم من أنواع العذاب ما لم يجمعه على غيرهم ~~PageV02P144 وشبهة من أسقط فيه الحد : أن فحش هذا مركوز في طباع الأمم ~~فاكتفي فيه بالوازع الطبعي كما اكتفي بذلك في أكل الرجيع وشرب البول والدم ~~ورتب الحد على شرب الخمر لكونه مما تدعو إليه النفوس والجمهور يجيبون عن ~~هذا بأن في النفوس الخبيثة المتعدية حدود الله أقوى الداعي لذلك فالحد فيه ~~أولى من الحد في الزنا ولذلك وجب الحد على من وطىء أمه وابنته وخالته وجدته ~~وإن كان في النفوس وازع وزاجر طبعي عن ذلك بل حد هذا القتل بكل حال بكرا ~~كان أو محصنا في أصح الأقوال وهو مذهب أحمد وغيره هذا ونفرة النفوس عن ذلك ~~أعظم بكثير من نفرتها ms454 عن المردان ونظير هذا الظن الكاذب والغلط الفاحش : ظن ~~كثير من الجهال أن الفاحشة بالمملوك كالمباحة أو مباحة أو أنها أيسر من ~~ارتكابها من الحرع وتأولت هذه الفرقة القرآن على ذلك وأدخلت المملوك في ~~قوله : @QB@ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين @QE@ حتى ~~إن بعض النساء لتمكن عبدها من نفسها وتتأول القرآن على ذلك كما رفع إلى عمر ~~بن الخطاب امرأة تزوجت عبدها وتأولت هذه الآية ففرق عمر رضي الله عنه ~~بينهما وأدبها وقال : ويحك إنما هذا للرجال لا للنساء ومن تأول هذه الآية ~~على وطء الذكران من المماليك فهو كافر باتفاق الأمة قال شيخنا : ومن هؤلاء ~~من يتأول قوله تعالى : @QB@ ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم @QE@ على ~~ذلك قال : وقد سألني بعض الناس عن هذه الآية وكان ممن يقرأ القرآن فظن أن ~~معناها في إباحة ذكران العبيد المؤمنين قال : ومنهم من يجعل ذلك مسألة نزاع ~~يبيحه بعض العلماء ويحرمه بعضهم ويقول : اختلافهم شبهة وهذا كذب وجهل فإنه ~~ليس في فرق الأمة من يبيح ذلك بل ولا في دين من أديان الرسل وإنما يبيحه ~~زنادقة العالم الذين لا يؤمنون بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر PageV02P145 # قال : ومنهم من يقول : هو مباح للضرورة مثل أن يبقى الرجل أربعين يوما لا ~~يجامع إلى أمثال هذه الأمور التي خاطبني فيها وسألني عنها طوائف من الجند ~~والعامة والفقراء قال : ومنهم من قد بلغه خلاف بعض العلماء في وجوب الحدع ~~فيه فظن أن ذلك خلاف في التحريم ولم يعلم أن الشيء قد يكون من أعظم ~~المحرمات كالميتة والدم ولحم الخنزير وليس فيه حد مقدر # ثم ذلك الخلاف قد يكون قولا ضعيفا فيتولد من ذلك القول الضعيف الذي هو من ~~خطأ بعض المجتهدين وهذا الظن الفاسد الذي هو خطأ بعض الجاهلين : تبديل ~~الدين وطاعة الشيطان ومعصية رب العالمين فإذا انضافت الأقوال الباطلة إلى ~~الظنون الكاذبة وأعانتها الأهواء الغالبة فلا تسأل عن تبديل الدين بعد ذلك ~~والخروج عن جملة الشرائع بالكلية # ولما سهل هذا ms455 الأمر في نفوس كثير من الناس صار كثير من المماليك يتمدح ~~بأنه لا يعرف غير سيده وأنه لم يطأه سواه كما تتمدح الأمة والمرأة بأنها لا ~~تعرف غير سيدها وزوجها وكذلك كثير من المردان يتمدح بأنه لا يعرف غير خدينه ~~وصديقه أو مؤاخيه أو معلمه وكذلك كثير من الفاعلين يتمدح بأنه عفيف عما سوى ~~خدنه الذي هو قرينه وعشيره كالزوجة أو عما سوى مملوكه الذي هو كسريته ومنهم ~~من يرى أن التحريم إنما هو إكراه الصبي على فعل الفاحشة فإذا كان مختارا ~~راضيا لم يكن بذلك بأس فكأن المحرم عنده من ذلك إنما هو الظلم والعدوان ~~بإكراه المفعول به # قال شيخنا : وحكى لي من أثق به : أن بعض هؤلاء أخذ على هذه الفاحشة فحكم ~~عليه بالحد فقال : والله هو ارتضى بذلك وما أكرهته ولا غصبته فكيف أعاقب ~~فقال نصير المشركين وكان حاضرا هذا حكم محمد بن عبدالله وليس لهؤلاء ~~PageV02P146 ذنب # ومن هؤلاء من يعتقد أن العشق إذا بلغ بالعاشق إلى حد يخاف معه التلف أبيح ~~له وطء معشوقه للضرورة وحفظ النفس كما يباح له الدم والميتة ولحم الخنزير ~~في المخمصة # وقد يبيح هؤلاء شرب الخمر على وجه التداوي وحفظ الصحة إذا سلم من معرة ~~السكر # ولاريب أن الكفر والفسوق والمعاصي درجات كما أن الإيمان والعمل الصالح ~~درجات كما قال تعالى : @QB@ هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون @QE@ ~~وقال : ولكلع درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون وقال : إنما النيىء ~~زيادة في الكفر وقال : @QB@ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ~~وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم @QE@ ونظائره في القرآن ~~كثيرة # ومن أخف هؤلاء جرما : من يرتكب ذلك معتقدا تحريمه وإنه إذا قضى حاجته قال ~~: استغفر الله فكأن ما كان لم يكن # فقد تلاعب الشيطان بأكثر هذا الخلق كتلاعب الصبيان بالكرة وأخرج لهم ~~أنواع الكفر والفسوق والعصيان في كل قالب # وبالجملة فمراتب الفاحشة متفاوتة بحسب مفاسدها فالمتخذ خدنا من النساء ~~والمتخذة خدنا من الرجال أقل شرا ms456 من المسافح والمسافحة مع كل أحد والمستخفي ~~بما يرتكبه أقل إثما من المجاهر المستعلن والكاتم له أقل إثما من المخبر ~~المحدث للناس به فهذا بعيد من عافية الله تعالى وعفوه كما قال النبي كل ~~أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يستر الله تعالى عليه ثم يصبح ~~يكشف ستر الله عنه يقول : يا فلان فعلت البارحة كذا وكذا فيبيت ربه يستره ~~ويصبح يكشف ستر الله عن نفسه أو كما قال # وفي الحديث الآخر عنهمن ابتلي من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر الله ~~فإنه من يبدلنا صفحته نقم عليه كتاب الله PageV02P147 وفي الحديث الآخر إن ~~الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة # وكذلك الزنا بالمرأة التي لا زوج لها أيسر إثما من الزنا بذات الزوج لما ~~فيه من ظلم الزوج والعدوان عليه وإفساد فراشه عليه وقد يكون إثم هذا أعظم ~~من إثم مجرد الزنا أو دونه والزنا بحليلة الجار أعظم من الزنا ببعيدة الدار ~~لما اقترن بذلك من أذى الجار وعدم حفظ وصية الله تعالى ورسوله به # وكذلك الزنا بامرأة الغازي في سبيل الله أعظم إثما عندالله من الزنا ~~بغيرها ولهذا يقام له يوم القيامة ويقال له : خذ من حسناته ما شئت وكما ~~تختلف درجاته بحسب المزني بها فكذلك تتفاوت درجاته بحسب الزمان والمكان ~~والأحوال وبحسب الفاعل فالزنا في رمضان ليلا أو نهارا أعظم إثما منه في ~~غيره # وكذلك في البقاع الشريفة المفضلة هو أعظم إثما منه فيما سواها وأما ~~تفاوته بحسب الفاعل : فالزنا من الحر أقبح منه من العبد ولهذا كان حده على ~~النصف من حده ومن المحصن أقبح منه من البكر ومن الشيخ أقبح منه من الشاب ~~ولهذا كان أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم : الشيخ الزاني ومن العالم أقبح منه من الجاهل لعلمه بقبحه وما ~~يترتب عليه وإقدامه على بصيرة ومن القادر على الاستغناء عنه أقبح من الفقير ~~العاجز PageV02P148 # | فصل ومما ينبغي أن ms457 يعلم : أنه قد يقترن بالأيسر إثما ما يجعله # أعظم إثما مما هو فوقه مثاله : أنه قد يقترن بالفاحشة من العشق الذي يوجب ~~اشتغال القلب المعشوق وتأليهه له وتعظيمه والخضوع له والذل له وتقديم طاعته ~~وما يأمر به على طاعة الله تعالى ورسوله وأمره فيقترن بمحبة خدنه وتعظيمه ~~وموالاة من يواليه ومعاداة من يعاديه ومحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه ما قد ~~يكون أعظم ضررا على صاحبه من مجرد ركوب الفاحشة # فإن المحبوبات لغير الله قد أثبت الشارع فيها اسم التعبد كقولهفي الحديث ~~الصحيح : تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة ~~تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش إن أعطى رضي وإن منع سخط رواه البخاري فسمى ~~هؤلاء الذين إن أعطوا رضوا وإن منعوا سخطوا عبيدا لهذه الأشياء لانتهاء ~~محبتهم ورضاهم ورغبتهم إليها فإذا شغف الإنسان بمحبة صورة لغير الله بحيث ~~يرضيه وصوله إليها وظفره بها ويسخطه فوات ذلك كان فيه من التعبد لها بقدر ~~ذلك PageV02P149 ولهذا يجعلون الحب مراتب أوله : العلاقة ثم الصبابة ثم ~~الغرام ثم العشق وآخر ذلك : التتيم وهو التعبد للمعشوق فيصير العاشق عبدا ~~لمعشوقه والله سبحانه إنما حكى عشق الصور في القرآن عن المشركين فحكاه عن ~~امرأة العزيز وكانت مشركة على دين زوجها وكانوا مشركين وحكاه عن اللوطية ~~وكانوا مشركين فقال تعالى في قصتهم : @QB@ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ~~@QE@ وأخبر سبحانه أنه يصرفه عن أهل الإخلاص فقال : كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين وقال عن عدوه إبليس : أنه قال : فبعزتك ~~لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين وقال تعالى : إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين والغاوي ضد الراشد والعشق المحرم من ~~أعظم الغي ولهذا كان أتباع الشعراء أهل السماع الشعري غاوين كما سماهم الله ~~تعالى بذلك في قوله : والشعراء يتبعهم الغاوون فالغاوون يتبعون الشعراء ~~وأصحاب السماع الشعري الشيطاني وهؤلاء لا ينفكون عن طلب وصال أو سؤال نوال ~~كما قال أبو تمام لرجل : أما تعرفني فقال : ومن ms458 أعرف بك مني # أنت بين اثنتين تبرز للنا % س وكلتاهما بوجه مذال # لست تنفك طالبا لوصال % من حبيب أو راجيا لنوال # أي ماء يبقى لوجهك هذا % بين ذل الهوى وذل السؤال والزنا بالفرج وإن كان ~~أعظم من الإلمام بالصغيرة كالنظرة والقبلة والمس لكن إصرار العاشق على محبة ~~الفعل وتوابعه ولوازمه وتمنيه له وحديث نفسه به : أنه لا يتركه واشتغال ~~قلبه بالمعشوق قد يكون أعظم ضررا من فعل الفاحشة مرة بشيء كثير فإن ~~PageV02P150 الإصرار على الصغيرة قد يساوي إثمه إثم الكبيرة أو يربى عليها ~~وأيضا فإن تعبد القلب للمعشوق شرك وفعل الفاحشة معصية ومفسدة الشرك أعظم من ~~مفسدة المعصية # وأيضا فإنه قد يتخلص من الكبيرة بالتوبة والاستغفار وأما العشق إذا تمكن ~~من القلب فإنه يعز عليه التخلص منه كما قال القائل : تالله ما أسرت لواحظك ~~امرء % إلا وعز على الورى استنقاذه بل يصير تعبدا لازما للقلب لا ينفك عنه ~~ومعلوم أن هذا أعظم ضررا وفسادا من فاحشة يرتكبها مع كراهيته لها وقلبه غير ~~معبد لمن ارتكبها منه وقد أخبر الله سبحانه أن سلطان الشيطان إنما هو : على ~~الذين يتولونه والذين هم به مشركون وأن سلطانه إنما هو على من اتبعه من ~~الغاوين والغي اتباع الهوى والشهوات كما أن الضلال اتباع الظنون والشبهات # وأصل الغي من الحب لغير الله فإنه يضعف الإخلاص به ويقوى الشرك بقوته # فأصحاب العشق الشيطاني لهم من تولى الشيطان والإشراك به بقدر ذلك لما ~~فيهم من الإشراك بالله ولما فاتهم من الإخلاض له ففيهم نصيب من اتخاذ ~~الأنداد ولهذا ترى كثيرا منهم عبدا لذلك المعشوق متيما فيه يصرخ في حضوره ~~ومغيبه : أنه عبده فهو أعظم ذكرا له من ربه وحبه في قلبه أعظم من حب الله ~~فيه وكفى به شاهدا بذلك على نفسه بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى ~~معاذيره فلو خير بين رضاه ورضا الله لاختار رضا معشوقه على رضا ربه ولقاء ~~معشوقه أحب إليه من لقاء ربه وتمنيه لقربه أعظم تمنيه لقرب ربه وهربه من ms459 ~~سخطه عليه أشد من هربه من سخط ربه يسخط ربه بمرضاة معشوقه ويقدم مصالح ~~معشوقه وحوائجه على طاعة ربه فإن فصل من وقته فضلة وكان عنده قليل من ~~الإيمان صدق تلك المفضلة في طاعة ربه وإن استغرق الزمان حوائج معشوقه ~~ومصالحه صرف زمانه كله فيها وأهمل أمر الله تعالى يجود لمعشوقه بكل نفيسة ~~ونفيس ويجعل لربه من ماله إن جعل له كل رذيلة PageV02P151 وخسيس فلمعشوقه ~~لبه وقلبه وهمه ووقته وخالص ماله وربه على الفضلة قد اتخذه وراءه ظهريا ~~وصار لذكره نسيا إن قام في خدمته في الصلاة فلسانه يناجيه وقلبه يناجي ~~معشوقه ووجه بدنه إلى القبلة ووجه قلبه إلى المعشوق ينفر من خدمة ربه حتى ~~كأنه واقف في الصلاة على الجمر من ثقلها عليه وتكلفه لفعلها فإذا جاءت خدمة ~~المعشوق أقبل عليها بقلبه وبدنه فرحا بها ناصحا له فيها خفيفة على قلبه لا ~~يستثقلها ولا يستطيلها ولا ريب أن هؤلاء من الذين اتخذوا من دون الله ~~أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله # وعشقهم يجمع المحرمات الأربع : من الفواحش الظاهرة والباطنة والإثم ~~والبغي بغير الحق والشرك بالله ما لم ينزل به سلطانا والقول على الله ما لا ~~يعلمون فإن هذا من لوازم الشرك فكل مشرك يقول على الله ما لا يعلم فكثيرا ~~ما يوجد في هذا العشق من الشرك الأكبر والأصغر ومن قتل النفوس تغايرا على ~~المعشوق وأخذ أموال الناس بالباطل ليصرفها في رضا المعشوق ومن الفاحشة ~~والكذب والظلم ما لا خفاء به # وأصل ذلك كله من خلو القلب من محبة الله تعالى والإخلاص له والتشريك بينه ~~وبين غيره في المحبة ومن محبة ما يحب لغير الله فيقوم ذلك بالقلب ويعمل ~~بموجبه بالجوارح وهذا هو حقيقة اتباع الهوى وفي الأثر ما تحت أديم السماء ~~إله يعبد أعظم عند الله من هوى متبع وقال تعالى : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ~~وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من ~~بعد الله أفلا تذكرون ms460 # وإذا تأملت حال عشاق الصور المتيمين فيها وجدت هذه الآية منطبقة عليهم ~~مخبرة عن حالهم # قال بعض العلماء : ليس شيء من المحبوبات يستوعب محبة القلب إلا محبة الله ~~أو محبة بشر مثلك أما محبة الله فهي التي خلق لها العباد وبها غاية سعادتهم ~~وكمال نعيمهم وأما البشر المماثل من ذكر أو انثى فإن فيه من المشاكلة ~~والمناسبة بين العاشق وبينه PageV02P152 ما ليس مثله وبينه وبين جنس آخر من ~~المخلوقات ولهذا لا يعرف في محبة شيء من المحبوبات المخالفة للمحب في الجنس ~~ما يزيل العقل ويفسد الإدراك ويوجب انقطاع الإرادة لغير ذلك المحبوب وإنما ~~يعرف ذلك في محبته لجنسه فتستوعب قلبه وتسلب لبه ويصير لمعشوقة سامعا مطيعا ~~كما قيل : # إن هواك الذب بقلبي % صيرني سامعا مطيعا # ويقوى هذا السمع والطاعة عند كثير من العشاق حتى يبذل نفسه ويسلمها للتلف ~~في طاعة معشوقه كما يبذل المجاهد نفسه لربه حتى يقتل في سبيله وإذا كان ~~النبيقد قال في الحديث الذي رواه أحمد وغيره : شارب الخمر أو قال مدمن ~~الخمر كعابد وثن # ومر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوم يلعبون بالشطرنج فقال ما هذه ~~التماثيل التي أنتم لها عاكفون # فما الظن بالعاشق المتيم الفاني في معشوقه ولهذا قرن الله سبحانه بين ~~الخمر والأنصاب وهي الأصنام التي تعبد من دون الله فقال : يا أيها الذين ~~آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ~~لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ] ومعلوم أن شارب ~~الخمر لا يدوم سكره بل لابد أن يفيق ولعل أوقات إفاقته أكثر من أوقات سكره ~~وأما سكرة العشق فقل أن يستفيق صاحبها إلا إذا جاءت الرسل تطلبه للقدوم على ~~الله تعالى ولهذا استمرت سكرة اللوطية حتى فجأهم عذاب الله وعقوبته ~~PageV02P153 وهم في سكرتهم يعمهون فكيف إذا خرج العشق إلى حد الجنون المطبق ~~كما أنشد محمد بن جعفر الخرائطي في كتاب اعتلال القلوب ms461 قال : أنشد ~~الصيدلاني قالت : # جننت على رأسي فقلت لها % العشق أعظم مما بالمجانين # العشق ليس يفيق الدهر صاحبه % وإنما يصرع المجنون في الحين فصاحبه أحق ~~بأن يشبه بعابد الوثن والعاكف على التماثيل فإن عكوف قلب العاشق على صورة ~~محبوبه وتمثاله يشبه عكوف عابد الصنم على صنمه # وإذا كان الشيطان يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بين المسلمين في الخمر ~~والميسر ويصدهم بذلك عن ذكر الله وعن الصلاة فالعداوة والبغضاء والصد الذي ~~يوقعه بالعشق أعظم بكثير # وجميع المعاصي يجتمع فيها هذان الوصفان وهما العداوة والبغضاء والصد عن ~~ذكر الله وعن الصلاة فإن التحاب والتآلف إنما هو بالإيمان والعمل الصالح ~~كما قال تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن @QB@ ودا ~~@QE@ أي يلقي بينهم المحبة فيحب بعضهم بعضا فيتراحمون ويتعاطفون بما جعل ~~الله لبعضهم في قلوب بعض من المحبة وقال ابن عباس : يحبهم ويحبعبهم إلى ~~عباده قال هرم بن حيان : ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا أقبل الله ~~بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم PageV02P154 وأهل المعاصي ~~والفسوق وإن كان بينهم نوع مودة وتحابي فإنها تنقلب عداوة وبغضا وفي الغالب ~~يتعجل لهم ذلك في الدنيا قبل الآخرة وأما في الآخرة ف الأخلاء يومئذ بعضهم ~~لبعض عدوك إلا المتقين وقال إمام الحنفاء لقومه : @QB@ إنما اتخذتم من دون ~~الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ~~ويلعن بعضكم بعضا @QE@ فالمعاصي كلها توجب ذلك وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة ~~وذكر ذلك في الخمر والميسر اللذين هما من أواخر المحرمات تنبيه على ما في ~~غيرهما من ذلك مما حرم قبلهما وهو أشد تحريما منهما فإن ما يوقعه قتل ~~النفوس وسرقة الأموال وارتكاب الفواحش من ذلك وما يصد به عن ذكر الله وعن ~~الصلاة أضعاف أضعاف ما يقتضيه الخمر والميسر والواقع شاهد بذلك # وكم وقع وهو واقع بين الناس بسبب عشق الصور من العداوة والبغضاء وزوال ~~الألفة والمحبة وانقلابها عداوة # وأما صده عن ذكر الله فقلب العاشق ليس ms462 فيه موضع لغير معشوقه كما قيل # ما في الفؤاد لغير حبك موضع % كلا ولا أحد سواك يحله # وأما صده عن الصلاة فهو إن لم يصد عن صورتها وأعمالها الظاهرة فإنه يصد ~~عن حقيقتها ومقاصدها الباطنة # | فصل ومما يبين أن هذه الفواحش أصلها المحبة لغير الله تعالى سواء # كان المطلوب المشاهدة أو المباشرة أو غير ذلك أنها في المشركين أكثر منها ~~في المخلصين ويوجد فيهم منها ما لا يوجد مثله في المخلصين # قال تعالى 7 : 27 @QB@ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من ~~الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث @QE@ ~~PageV02P155 @QB@ لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ~~وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا ~~يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون قل أمر ربي بالقسط وأقيموا ~~وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن ~~تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ # فأخبر سبحانه أنه جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون وهو قوله 18 : 50 ~~@QB@ أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا @QE@ ~~وقال تعالى في الشيطان 60 : 100 @QB@ إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين ~~هم به مشركون @QE@ وأخبر عنه 38 : 82 أنه أقسم بعزة ربه أنه يغوي عباده ~~أجمعين واستثنى أهل الإخلاص منهم وأخبر سبحانه عن أولياء الشيطان أنهم إذا ~~فعلوا فاحشة احتجوا بتقليد أسلافهم وزعموا أن الله سبحانه أمرهم بها ~~فاتبعوا الظن الكاذب والهوى الباطل # قال شيخنا وفي هذا الوصف نصيب كبير لكثير من المنتسبين إلى القبلة من ~~الصوفية والعباد والأمراء والأجناد والمتفلسفة والمتكلمين والعامة وغيرهم ~~يستحلون من الفواحش ما حرمه الله ورسوله ظانين أن الله أباحه أو تقليدا ~~لأسلافهم وأصله العشق الذي يبغضه الله فكثير منهم يجعله دينا ويرى أنه ~~يتقرب به إلى ms463 الله إما لزعمه أنه يزكي النفس ويهذبها وإما لزعمه أنه يجمع ~~بذلك قلبه على آدمي ثم ينقله إلى عبادة الله وحده وإما لزعمه أن الصور ~~الجميلة مظاهر الحق ومشاهده ويسميها مظاهر الجمال الأحدى وإما لاعتقاده ~~حلول الرب فيها واتحاده بها ولهذا تجد بين نساك هؤلاء وفقرائهم وأمرائهم ~~وأصحابهم توافقا وتآلفا على اتخاذ أنداد من دون الله يحبونهم كحب الله إما ~~تدينا وإما شهوة وإما جمعا بين الأمرين ولهذا يتآلفون ويجتمعون على السماع ~~الشيطاني الذي يهيج الحب المشترك فيهيج من كل قلب ما فيه من الحب # وسبب ذلك خلو القلب مما خلق له من عبادة الله تعالى التي تجمع محبته ~~وتعظيمه والخضوع والذل له والوقوف مع أمره ونهيه ومحابه ومساخطه فإذا كان ~~في القلب وجدان حلاوة الإيمان وذوق طعمه أغناه ذلك عن محبة الأنداد ~~وتأليهها وإذا خلا القلب من ذلك احتاج إلى أن يستبدل به ما يهواه ويتخذه ~~إلهه وهذا من تبديل الدين وتغيير فطرة الله التي PageV02P156 فطر عليها ~~عباده قال تعالى 30 : 30 @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله @QE@ أي نفس خلق الله لا تبديل له فلا يخلق ~~الخلق إلا على الفطرة كما أن خلقه للأعضاء على السلامة من الشق والقطع ولا ~~تبديل لنفس هذا الخلق ولكن يقع التغيير في المخلوق بعد خلقه كما قال النبي ~~كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج ~~البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها ~~PageV02P157 # فالقلوب مفطورة على حب إلهها وفاطرها وتأليهه فصرف ذلك التأله والمحبة ~~إلى غيره تغيير للفطرة # ولما تغيرت فطر الناس بعث الله الرسل بصلاحها وردها إلى حالتها التي خلقت ~~عليها فمن استجاب لهم رجع إلى أصل الفطرة ومن لم يستجب لهم استمر على تغيير ~~الفطرة وفسادها # | فصل والفتنة بعشق الصور تنافي أن يكون دين العبد كله لله بل ينقص # من كون دينه لله بحسب ما حصل له من فتنة العشق وربما أخرجت صاحبه من ms464 أن ~~يبقى معه شيء من الدين لله قال تعالى 8 : 39 @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة ويكون الدين كله لله @QE@ # فناقض بين كون الفتنة وبين كون الدين كله فكل منهما يناقض الآخر # والفتنة قد فسرت بالشرك # فما حصلت به فتنة القلوب فهو إما شرك وإما من أسباب الشرك # وهي جنس تحته أنواع من الشبهات والشهوات # وفتنة الذين اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله من أعظم الفتن # ومنه فتنة أصحاب العجل كما قال تعالى لموسى 20 : 85 إنا قد فتنا قومك من ~~بعدك # وكذلك فتنة العشق من أعظم الفتن قال تعالى 9 : 49 @QB@ ومنهم من يقول ~~ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا @QE@ نزلت في الجد بن قيس لما غزا ~~رسول الله تبوك قال له هل لك يا جد في بلاد بني الأصفر تتخذ منهم السراري ~~والوصفاء فقال جد ائذن لي في القعود عنك فقد عرف قومي أني مغرم بالنساء ~~وأني أخشى إن رأيت بنات الأصفر أن لا أصبر عنهن فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~PageV02P158 # قال ابن زيد يريد لا تفتني بصباحة وجوههن # وقال أبو العالية لا تعرضني للفتنة # وقوله تعالى @QB@ ألا في الفتنة سقطوا @QE@ قال قتادة ما سقط فيه من ~~الفتنة بتخلفه عن رسول الله والرغبة بنفسه عنه أعظم # فالفتنة التي فر منها بزعمه هي فتنة محبة النساء وعدم صبره عنهن والفتنة ~~التي وقع فيها هي فتنة الشرك والكفر في الدنيا والعذاب في الآخرة # ولفظ الفتنة في كتاب الله تعالى يراد بها الإمتحان الذي لم يفتتن صاحبه ~~بل خلص من الإفتتان ويراد بها الإمتحان الذي حصل معه افتتان # فمن الأول قوله تعالى لموسى عليه السلام 20 : 40 @QB@ وفتناك فتونا @QE@ # ومن الثاني قوله تعالى 8 : 39 @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة @QE@ وقوله ~~@QB@ ألا في الفتنة سقطوا @QE@ # ويطلق على ما يتناول الأمرين كقوله تعالى 29 : 1 @QB@ الم أحسب الناس أن ~~يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن ~~الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين @QE@ ومنه ms465 قول موسى عليه السلام 7 : 155 ~~@QB@ إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء @QE@ أي امتحانك ~~وابتلاؤك تضل بها من وقع فيها وتهدي من نجا منها PageV02P159 # وتطلق الفتنة على أعم من ذلك كقوله تعالى 64 : 15 @QB@ أنما أموالكم ~~وأولادكم فتنة @QE@ قال مقاتل أي بلاء وشغل عن الآخرة قال ابن عباس فلا ~~تطيعوهم في معصية الله تعالى # وقال الزجاج أعلمهم الله عز وجل أن الأموال والأولاد مما يفتنون به وهذا ~~عام في جميع الأولاد فإن الإنسان مفتون بولده لأنه ربما عصى الله تعالى ~~بسببه وتناول الحرام لأجله ووقع في العظائم إلا من عصمه الله تعالى # ويشهد لهذا ما روى أن النبي كان يخطب فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما ~~وعليهما قميصان أحمران يعثران فنزل النبي إليهما فأخذهما فوضعهما في حجره ~~على المنبر وقال صدق الله @QB@ أنما أموالكم وأولادكم فتنة @QE@ رأيت هذين ~~الصبيين فلم أصبر عنهما # وقال ابن مسعود رضي الله عنه لا يقولن أحدكم اللهم إني أعوذ بك من الفتنة ~~فإنه ليس منكم أحد إلا وهو مشتمل على فتنة لأن الله تعالى يقول @QB@ أنما ~~أموالكم وأولادكم فتنة @QE@ فأيكم استعاذ فليستعذ بالله تعالى من مضلات ~~الفتن # ومنه قوله تعالى 25 : 20 @QB@ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة @QE@ وهذا عام في ~~جميع الخلق امتحن بعضهم ببعض فامتحن الرسل بالمرسل إليهم ودعوتهم إلى الحق ~~والصبر على أذاهم وتحمل PageV02P160 المشاق في تبليغهم رسالات ربهم وامتحن ~~المرسل إليهم بالرسل وهل يطيعونهم وينصرونهم ويصدقونهم أم يكفرون بهم ~~ويردون عليهم ويقاتلونهم وامتحن العلماء بالجهال هل يعلمونهم وينصحونهم ~~ويصبرون على تعليمهم ونصحهم وإرشادهم ولوازم ذلك وامتحن الجهال بالعلماء هل ~~يطيعونهم ويهتدون بهم وامتحن الملوك بالرعية والرعية بالملوك وامتحن ~~الأغنياء بالفقراء والفقراء بالأغنياء وامتحن الضعفاء بالأقوياء والأقوياء ~~بالضعفاء والسادة بالأتباع والأتباع بالسادة وامتحن المالك بمملوكه ومملوكه ~~به وامتحن الرجل بامرأته وامرأته به وامتحن الرجال بالنساء والنساء بالرجال ~~والمؤمنين بالكفار والكفار بالمؤمنين وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم ~~وامتحن المأمورين بهم ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم من أتباع الرسل ~~فتنة لأغنيائهم ms466 ورؤسائهم امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسل وقالوا ~~: @QB@ لو كان خيرا ما سبقونا إليه @QE@ هؤلاء وقالوا لنوح عليه السلام : ~~@QB@ أنؤمن لك واتبعك الأرذلون @QE@ قال تعالى : @QB@ وكذلك فتنا بعضهم ~~ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا @QE@ فإذا رأى الشريف الرئيس ~~المسكين الذليل قد سبقه إلى الإيمان ومتابعة الرسول حمى وأنف أن يسلم فيكون ~~مثله وقال : أسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حد سواء PageV02P161 # قال الزجاج : كان الرجل الشريف ربما أراد الإسلام فيمتنع منه لئلا يقال : ~~أسلم قبله من هو دونه فيقيم على كفره لئلا يكون للمسلم السابقة عليه في ~~الفضل # ومن كون بعض الناس لبعضهم فتنة : أن الفقير يقول : لم لم أكن مثل الغني ~~ويقول الضعيف : هلا كنت مثل القوى ويقول المبتلى هلا كنت مثل المعافى وقال ~~الكفار : @QB@ لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله @QE@ # قال مقاتل : نزلت في افتتان المشركين بفقراء المهاجرين نحو بلال وخباب ~~وصهيب وأبي ذر وابن مسعود وعمار كان كفار قريش يقولون : انظروا إلى هؤلاء ~~الذين تبعوا محمدا من موالينا وأراذلنا قال الله تعالى : @QB@ إنه كان فريق ~~من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم ~~سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم ~~هم الفائزون @QE@ فأخبر سبحانه أنه جزاهم على صبرهم كما قال تعالى : @QB@ ~~وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون @QE@ قال الزجاج أي أتصبرون على البلاء فقد ~~عرفتم ما وجد الصابرون # قلت : قرن الله سبحانه الفتنة بالصبر ههنا وفي قوله : @QB@ ثم إن ربك ~~للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا @QE@ فليس لمن قد فتن بفتنة ~~دواء مثل الصبر فإن صبر كانت الفتنة ممحصة له ومخلصة من الذنوب كما يخلص ~~الكير خبث الذهب والفضة # فالفتنة كير القلوب ومحك الإيمان وبها يتبين الصادق من الكاذب # قال تعالى : @QB@ ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا ~~وليعلمن الكاذبين @QE@ # فالفتنة قسمت الناس إلى صادق وكاذب ومؤمن ومنافق وطيب وخبيث فمن صبر ~~عليها كانت رحمة في حقه ms467 ونجا بصبره من فتنة أعظم منها ومن لم يصبر عليها ~~وقع في فتنة أشد منها # فالفتنة لا بد منها في الدنيا والآخرة كما قال تعالى : @QB@ يوم هم على ~~النار يفتنون ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون @QE@ فالنار فتنة من ~~لم PageV02P162 يصبر على فتنة الدنيا قال تعالى في شجرة الزقوم : @QB@ إنا ~~جعلناها فتنة للظالمين @QE@ قال قتادة : لما ذكر الله تعالى هذه الشجرة ~~افتتن بها الظلمة فقالوا : يكون في النار شجرة والنار تأكل الشجر فأنزل ~~الله عز وجل : @QB@ إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم @QE@ فأخبرهم أن غذاءها ~~من النار أي غذيت بالنار قال ابن قتيبة : قد تكون شجرة الزقوم نبتا من ~~النار ومن جوهر لا تأكله النار وكذلك سلاسل النار وأغلالها وأنكالها ~~وعقاربها وحياتها ولو كانت على ما يعلم لم تبق على النار وإنما دلنا الله ~~تعالى على الغائب عنده بالحاضر عندنا فالأسماء متفقة الدلالة والمعاني ~~مختلفة وما في الجنة من ثمرها وفرشها وشجرها وجميع آلاتها على مثل ذلك # والمقصود : أن هذه الشجرة فتنة لهم في الدنيا بتكذيبهم بها وفتنة لهم في ~~الآخرة بأكلهم منها # وكذلك إخباره سبحانه بأن عدة الملائكة الموكلين بالنار تسعة عشر كان فتنة ~~للكفار حيث قال عدو الله أبو جهل : أيخوفكم محمد بتسعة عشر وأنتم الدهم ~~أفيعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد منهم ثم تخرجون من النار فقال أبو ~~الأسد : يا معشر قريش إذا كان يوم القيامة فأنا أمشي بين أيديكم على الصراط ~~فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن وتسعة بمنكبي الأيسر في النار ونمضي فندخل الجنة # فكان ذكر هذا العدد فتنة لهم في الدنيا وفتنة لهم يوم القيامة # والكافر مفتون بالمؤمن في الدنيا كما أن المؤمن مفتون به ولهذا سأل ~~المؤمنون PageV02P163 ربهم أن لا يجعلهم فتنة للذين كفروا كما قال الحنفاء ~~: @QB@ ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ربنا لا تجعلنا فتنة ~~للذين كفروا @QE@ وقال أصحاب موسى عليه السلام : @QB@ ربنا لا تجعلنا فتنة ~~للقوم الظالمين @QE@ قال مجاهد : المعنى لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من ~~عندك فيقولون : لو ms468 كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا وقال الزجاج : معناه : ~~لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتنوا بذلك وقال الفراء : لا تظهر ~~علينا الكفار فيروا أنهم على حق وأنا على باطل وقال مقاتل : لا تقتر علينا ~~الرزق وتبسطه عليهم فيكون ذلك فتنة لهم وقد أخبر الله سبحانه أنه قد فتن ~~كلا من الفريقين بالفريق الآخر فقال : وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا ~~أهؤلاء من الله عليهم من بينننا فقال الله تعالى : @QB@ أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين @QE@ # والمقصود : أن الله سبحانه فتن أصحاب الشهوات بالصور الجميلة وفتن أولئك ~~بهم فكل من النوعين فتنة للآخر فمن صبر منهم على تلك الفتنة نجا مما هو ~~أعظم منها ومن أصابته تلك الفتنة سقط فيما هو شر منها فإن تدارك ذلك ~~بالتوبة النصوح وإلا فبسبيل من هلك ولهذا قال النبي ما تركت بعدي فتنة أضر ~~من النساء على الرجال أو كما قال # فالعبد في هذه الدار مفتون بشهواته ونفسه الأمارة وشيطانه المغوى المزين ~~وقرنائه وما يراه ويشاهد مما يعجز صبره عنه ويتفق مع ذلك ضعف الإيمان ~~واليقين وضعف القلب ومرارة الصبر وذوق حلاوة العاجل وميل النفس إلى زهرة ~~الحياة الدنيا وكون العوض مؤجلا في دار أخرى غير هذه الدار التي خلق فيها ~~وفيها نشأ فهو مكلف بأن يترك شهوته الحاضرة المشاهدة لغيب طلب منه الإيمان ~~به : # فوالله لولا الله يسعد عبده % بتوفيقه والله بالعبد أرحم PageV02P164 # لما ثبت الأيمان يوما بقلبه % على هذه العلات والأمر أعظم # ولا طاوعته النفس في ترك شهوة مخافة % نار جمرها يتضرم # ولا خاف يوما من مقام إلهه % عليه بحكم القسط إذ ليس يظلم # | فصل والفتنة نوعان : فتنة الشبهات وهي أعظم الفتنتين وفتنة الشهوات # وقد يجتمعان للعبد وقد ينفرد بإحداهما # ففتنة الشبهات من ضعف البصيرة وقلة العلم ولا سيما إذا اقترن بذلك فساد ~~القصد وحصول الهوى فهنالك الفتنة العظمى والمصيبة الكبرى فقل ما شئت في ~~ضلال سيء القصد الحاكم عليه الهوى لا الهدى مع ضعف بصيرته وقلة علمه بما ~~بعث الله به رسوله ms469 فهو من الذين قال الله تعالى فيهم : @QB@ إن يتبعون إلا ~~الظن وما تهوى الأنفس @QE@ وقد أخبر الله سبحانه أن اتباع الهوى يضل عن ~~سبيل الله فقال : @QB@ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ~~بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم ~~عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب @QE@ # وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق وهي فتنة المنافقين وفتنة أهل البدع ~~على حسب مراتب بدعهم فجميعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات التي اشتبه ~~عليهم فيها الحق بالباطل والهدى بالضلال # ولا ينجى من هذه الفتنة إلا تجريد اتباع الرسول وتحكيمه في دق الدين وجله ~~ظاهره وباطنه عقائده وأعماله حقائقه وشرائعه فيتلقى عنه حقائق الإيمان ~~وشرائع الإسلام وما يثبته لله من الصفات والأفعال والأسماء وما ينفيه عنه ~~كما يتلقى عنه وجوب الصلوات وأوقاتها وأعدادها ومقادير نصب الزكاة ~~ومستحقيها ووجوب الوضوء والغسل PageV02P165 من الجنابة وصوم رمضان فلا ~~يجعله رسولا في شيء دون شيء من أمور الدين بل هو رسول في كل شيء تحتاج إليه ~~الأمة في العلم والعمل لا يتلقى إلا عنه ولا يؤخد إلا منه فالهدى كله دائر ~~على أقواله وأفعاله وكل ما خرج عنها فهو ضلال فإذا عقد قلبه على ذلك وأعرض ~~ما سواه ووزنه بما جاء به الرسول فإن وافقه قبله لا لكون ذلك القائل قاله ~~بل لموافقته للرسالة وإن خالفه رده ولو قاله من قاله فهذا الذي ينجيه من ~~فتنة الشبهات وإن فاته ذلك أصابه من فتنتها بحسب ما فاته منه # وهذه الفتنة تنشأ تارة من فهم فاسد وتارة من نقل كاذب وتارة من حق ثابت ~~خفى على الرجل فلم يظفر به وتارة من غرض فاسد وهوى متبع فهي من عمى في ~~البصيرة وفساد في الإرادة # | فصل وأما النوع الثاني من الفتنة : ففتنة الشهوات وقد جمع سبحانه # بين ذكر الفتنتين في قوله : @QB@ كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة ~~وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم @QE@ أي تمتعوا ~~بنصيبهم من الدنيا ms470 وشهواتها والخلاق هو النصيب المقدر ثم قال : @QB@ وخضتم ~~كالذي خاضوا @QE@ فهذا الخوض بالباطل وهو الشبهات # فأشار سبحانه في هذه الآية إلى ما يحصل به فساد القلوب والأديان من ~~الاستمتاع بالخلاق والخوض بالباطل لأن فساد الدعين إما أن يكون باعتقاد ~~الباطل والتكم به أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح فالأول : هو البدع وما ~~والاها والثاني : فسق الأعمال # فالأول فساد من جهة الشبهات والثاني من جهة الشهوات # ولهذا كان السلف يقولون : احذروا من الناس صنفين : صاحب هوى قد فتنه هواه ~~وصاحب دنيا أعمته دنياه PageV02P166 وكانوا يقولون : احذروا فتنة العالم ~~الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون # وأصل كل فتنة إنما هو من تقديم الرأي على الشرع والهوى على العقل # فالأول : أصل فتنة الشبهة والثاني : أصل فتنة الشهوة # ففتنة الشبهات تدفع باليقين وفتنة الشهوات تدفع بالصبر ولذلك جعل سبحانه ~~إمامة الدين منوطة بهذين الأمرين فقال : @QB@ وجعلنا منهم أئمة يهدون ~~بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون @QE@ # فدل على أنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين # وجمع بينهما أيضا في قوله : @QB@ وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر @QE@ ~~فتواصوا بالحق الذي يدفع الشبهات وبالصبر الذي يكف عن الشهوات وجمع بينهما ~~في قوله : واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولى الأيدي والأبصار فالأيدي ~~: القوى والعزائم في ذات الله والأبصار : البصائر في أمر الله وعبارات ~~السلف تدور على ذلك # قال ابن عباس : أولى القوة في طاعة الله والمعرفة بالله # وقال الكلبي : أولى القوة في العبادة والبصر فيها # وقال مجاهد : الأيدي : القوة في طاعة الله والأبصار : البصر في الحق # وقال سعيد بن جبير : الأيدي : القوة في العمل والأبصار : بصرهم بما هم ~~فيه من دينهم # وقال جاء في حديث مرسل : إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ويحب ~~العقل الكامل عند حلول الشهوات # فبكمال العقل والصبر تدفع فتنة الشهوة وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة ~~الشبهة والله المستعان PageV02P167 # | فصل إذا سلم العبد من فتنة الشبهات والشهوات حصل له أعظم غايتين # مطلوبتين بهما سعادته وفلاحه وكماله وهما الهدى والرحمة # قال تعالى عن موسى وفتاه ms471 : @QB@ فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من ~~عندنا وعلمناه من لدنا علما @QE@ فجمع له بين الرحمة والعلم وذلك نظير قول ~~أصحاب الكهف ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا فإن الرشد هو ~~العلم بما ينفع والعمل به والرشد والهدى إذا أفرد كل منهما تضمن الآخر وإذا ~~قرن أحدهما بالآخر فالهدى هو العلم بالحق والرشد هو العمل به وضدهما الغي ~~واتباع الهوى # وقد يقابل الرشد بالضر والشر قال تعالى : قل إني لا أملك لكم ضرا ولا ~~رشدا وقال مؤمنوا الجن @QB@ وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد ~~بهم ربهم رشدا @QE@ فالرشد يقابل الغى كما في قوله : @QB@ وإن يروا سبيل ~~الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا @QE@ ويقابل الضر ~~والشر كما تقدم وذلك لأن الغي سبب لحصول الشر والضرع ووقوعهما بصاحبه # فالضرر والشر غاية الغي وثمرته كما أن الرحمة والفلاح غاية الهدى وثمرته # فلهذا يقابل كل منهما بنقيضه وسبب نقيضه فيقابل الهدى بالضلال كقوله : ~~@QB@ يضل من يشاء ويهدي من يشاء @QE@ وقوله : @QB@ إن تحرص على هداهم فإن ~~الله لا يهدي من يضل @QE@ وهو كثير # ويقابل بالضلال والعذاب كقوله : فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى فقابل ~~الهدى بالضلال والشقاء # وجمع سبحانه بين الهدى والفلاح والهدى والرحمة كما يجمع بين الضلال ~~والشقاء والضلال والعذاب : كقوله إن المجرمين في ضلال وسعر فالضلال ضد ~~الهدى والسعر العذاب وهو ضد الرحمة PageV02P168 وقال : @QB@ ومن أعرض عن ~~ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى @QE@ # والمقصود : أن من سلم من فتنة الشبهات والشهوات جمع له بين الهدى والرحمة ~~والهدى والفلاح # قال تعالى عن أوليائه : @QB@ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا ~~من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب @QE@ وقال تعالى : @QB@ ولما سكت عن موسى ~~الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون @QE@ وقال ~~تعالى : هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يوقنون وقال تعالى : @QB@ لقد ~~كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ms472 ولكن تصديق الذي بين ~~يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون @QE@ وقال تعالى : @QB@ يا أيها ~~الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ~~@QE@ فقوله : @QB@ هذا بصائر من ربكم @QE@ عام مطلق وقوله : @QB@ وهدى ~~ورحمة لقوم يوقنون @QE@ خاص بأهل اليقين # ونظير ذلك قوله @QB@ يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في ~~الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين @QE@ # ونظيره في الخصوص قوله تعالى : @QB@ هدى للمتقين @QE@ وقوله : @QB@ يهدي ~~به الله من اتبع رضوانه سبل السلام @QE@ # ونظيره أيضا قوله : @QB@ هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين @QE@ # وقد أخبر أنه هدى عام لجميع المكلفين فقال @QB@ إن يتبعون إلا الظن وما ~~تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ # فأخبر سبحانه أن القرآن بصائر لجميع الناس والبصائر جمع بصيرة وهي فعيلة ~~بمعنى مفعلة أي مبصرة لمن تبصر ومنه قوله تعالى : @QB@ وآتينا ثمود الناقة ~~مبصرة @QE@ PageV02P169 أي مبينة موجبة للتبصر وفعل الإبصار يستعمل لازما ~~ومتعديا يقال : أبصرته بمعنى أريته وأبصرته بمعنى رأيته فمبصرة في الآية : ~~بمعنى مرئية لا بمعنى رائية والذين ظنوها بمعنى رائية غلطوا في الآية ~~وتحيروا في معناها # فإنه يقال : بصر به وأبصره فيعدى بالباء تارة والهمزة تارة ثم يقال : ~~أبصرته كذا أي أريته إياه كما يقال : بصرته به وبصر هو به # فههنا بصيرة وتبصرة ومبصرة فالبصيرة : المبينة التي تبصر والتبصرة مصدر ~~مثل التذكرة وسمى بها ما يوجب التبصرة فيقال : هذه الآية تبصرة لكونها آلة ~~التبصر وموجبه # فالقرآن بصيرة وتبصرة وهدى وشفاء ورحمة بمعنى عام وبمعنى خاص ولهذا يذكر ~~الله سبحانه هذا وهذا فهو هدى للعالمين وموعظة للمتقين وهدى للمتقين وشفاء ~~للعالمين وشفاء للمؤمنين وموعظة للعالمين وموعظة للمتقين فهو في نفسه هدى ~~ورحمة وشفاء وموعظة # فمن اهتدى به واتعظ واشتفى كان بمنزلة من استعمل الدواء الذي يحصل به ~~الشفاء فهو دواء له بالفعل وإن لم يستعمله فهو دواء له بالقوة وكذلك الهدى # فالقرآن هدى بالفعل لمن اهتدى به وبالقوة لمن لم يهتد به فإنما يهتدى به ~~ويرحم ويتعظ المتقون الموقنون # والهدى في ms473 الأصل : مصدر هدى يهدي هدى # فمن لم يعمل بعلمه لم يكن مهتديا كما في الأثر من ازداد علما ولم يزدد ~~هدى لم يزدد من الله تعالى إلا بعدا ولكن يسمى هدى لأن من شأنه أن يهدي # وهذا أحسن من قول من قال : إنه هدى بمعنى هاد فهو مصدر بمعنى الفاعل كعدل ~~بمعنى العادل وزور بمعنى الزائر ورجل صوم أي بمعنى صائم فإن الله سبحانه قد ~~أخبر أنه يهدي به # فالله الهادي وكتابه الهدى الذي يهدي به على لسان رسوله فههنا ثلاثة ~~أشياء : فاعل وقابل وآلة فالفاعل : هو الله تعالى والقابل : قلب ~~PageV02P170 العبد والآلة هو الذي يحصل به الهدى وهو الكتاب المنزل والله ~~سبحانه يهدي خلقه هدى كما يقال : دلهم دلالة وأرشدهم إرشادا وبين لهم بيانا # والمقصود : أن المحل القابل هو قلب العبد المتقي المنيب إلى ربه الخائف ~~منه الذي يبتغي رضاه ويهرب من سخطه فإذا هداه الله فكأنه وصل أثر فعله إلى ~~محل قابل فيتأثر به فصار هدى له وشفاء ورحمة وموعظة بالوجود والفعل والقبول ~~وإذا لم يكن المحل قابلا وصل إليه الهدى فلم يؤثر فيه كما يصل الغذاء إلى ~~محل غير قابل للاغتذاء فإنه لا يؤثر فيه شيئا بل لا يزيده إلا ضعفا وفسادا ~~إلى فساده كما قال تعالى في السورة التي نزلها : @QB@ فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم @QE@ وقال : @QB@ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا ~~يزيد الظالمين إلا خسارا @QE@ # فتخلف الاهتداء يكون لعدم قبول المحل تارة ولعدم آلة الهدى تارة ولعدم ~~فعل الفاعل وهو الهادي تارة ولا يحصل الهدى على الحقيقة إلا عند اجتماع هذه ~~الأمور الثلاثة # وقد قال سبحانه : @QB@ ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا ~~وهم معرضون @QE@ فأخبر سبحانه أنه قطع عنهم مادة الاهتداء وهو إسماع قلوبهم ~~وإفهامها ما ينفعها لعدم قبول المحل فإنه لا خير فيه فإن الرجل إنما ينقاد ~~للحق بالخير الذي فيه والميل إليه والطلب له ومحبته والحرص ms474 عليه والفرح ~~بالظفر به وهؤلاء ليس في قلوبهم شيء من ذلك فوصل الهدى إليها ووقع عليها ~~كما يصل الغيث النازل من السماء ويقع على الأرض الغليظة العالية التي لا ~~تمسك ماء ولا تنبت كلأ فلا هي قابلة للماء ولا للنبات فالماء في نفسه رحمة ~~وحياة ولكن ليس فيها قبول له ثم أكد الله هذا المعنى في حقهم بقوله : @QB@ ~~ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون @QE@ فأخبر أن فيهم مع عدم القبول والفهم آفة ~~أخرى وهي الكبر والإعراض وفساد القصد فلو فهموا لم ينقادوا ولم يتبعوا الحق ~~ولم يعملوا به فالهدى في حق هؤلاء هدى بيان وإقامة PageV02P171 حجة لا هدى ~~توفيق وإرشاد فلم يتصل الهدى في حقهم بالرحمة # وأما المؤمنون : فاتصل الهدى في حقهم بالرحمة فصار القرآن لهم هدى ~~ولأولئك هدى بلا رحمة # والرحمة المقارنة للهدى في حق المؤمنين عاجلة وآجلة # فأما العاجلة فما يعطيهم الله تعالى في الدنيا من محبة الخير والبر وذوق ~~طعم الإيمان ووجدان حلاوته والفرح والسرور بأن هداهم الله تعالى لما أضل ~~عنه غيرهم ولما اختلف فيه من الحق بإذنه فهم يتقلبون في نور هداه ويمشون به ~~في الناس ويرون غيرهم متحيرا في الظلمات فهم أشد الناس فرحا بما آتاهم ربهم ~~من الهدى قال تعالى : قل بفضل الله وبرحمته فبذكلك فليفرحوا هو خير مما ~~يجمعون فأمر سبحانه عباده المؤمنين المهتدين أن يفرحوا بفضله ورحمته # وقد دارت عبارات السلف على أن الفضل والرحمة هو العلم والإيمان والقرآن ~~وهما اتباع الرسول وهذا من أعظم الرحمة التي يرحم الله بها من يشاء من ~~عباده فإن الأمن والعافية والسرور ولذة القلب ونعيمه وبهجته وطمأنينته : مع ~~الإيمان والهدى إلى طريق الفلاح والسعادة والخوف والهم والغم والبلاء ~~والألم والقلق : مع الضلال والحيرة # ومثل هذا بمسافرين أحدهما قد اهتدى لطريق مقصده فسار آمنا مطمئنا والآخر ~~قد ضل الطريق فلم يدر أين يتوجه كما قال تعالى قل أندعوا من دون الله ما لا ~~ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته ~~الشياطين في ms475 الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله ~~هو الهدى # فالرحمة التي تحصل لمن حصل له الهدى هي بحسب هداه فكلما كان نصيبه من ~~الهدى اتم كان حظه من الرحمة أوفر وهذه هي الرحمة الخاصة بعباده المؤمنين ~~هي غير الرحمة العامة بالبر والفاجر # وقد جمع الله سبحانه لأهل هدايته بين الهدى والرحمة والصلاة عليهم فقال ~~تعالى : أولكئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون قال عمر ~~PageV02P172 ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه : نعم العدلان ونعمت العلاوة ~~فبالهدى خلصوا من الضلال وبالرحمة نجوا من الشقاء والعذاب وبالصلاة عليهم ~~نالوا منزلة القرب والكرامة والضالون حصل لهم ضد هذه الثلاثة : الضلال عن ~~طريق السعادة والوقوع في ضد الرحمة من الألم والعذاب والذم واللعن الذي هو ~~ضد الصلاة ولما كان نصيب كل عبد من الرحمة على قدر نصيبه من الهدى كان أكمل ~~المؤمنين إيمانا أعظمهم رحمة كما قال تعالى في أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم محمد رسول الله والذين معه أشدزاء على الكفار رحماء بينهم وكان ~~الصديق رضي الله عنه من ارحم الأمة وقد روى عن النبي أنه قال : أرحم أمتي ~~بأمتي أبو بكر رواه الترمذي وكان أعلم الصحابة باتفاق الصحابة كما قال أبو ~~سعيد الخدري رضي الله عنه : وكان أبو بكر رضي الله عنه أعلمنا به يعني ~~النبي فجمع الله له بين سعة العلم والرحمة # وهكذا الرجل كلما اتسع علمه اتسعت رحمته وقد وسع ربنا كل شيء رحمة وعلما ~~فوسعت رحمته كل شىء وأحاط بكل شىء علما فهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها ~~بل PageV02P173 هو أرحم بالعبد من نفسه كما هو أعلم بمصلحة العبد من نفسه ~~والعبد لجهله بمصالح نفسه وظلمه لها يسعى فيما يضرها ويؤلمها وينقص حظها من ~~كرامته وثوابه ويبعدها من قربه وهو يظن أنه ينفعها ويكرمها وهذا غاية الجهل ~~والظلم والإنسان ظلوم جهول فكم من مكرم لنفسه بزعمه وهو لها مهين ومرفه لها ~~وهو لها متعب ومعطيها بعض غرضها ولذتها وقد حال بينها ms476 وبين جميع لذاتها فلا ~~علم له بمصالحها التي هي مصالحها ولا رحمة عنده لها فما يبلغ عدوه منه ما ~~يبلغ هو من نفسه فقد بخسها حظها وأضاع حقها وعطل مصالحها وباع نعيمها ~~الباقي ولذتها الدائمة الكاملة بلذة فانية مشوبة بالتنغيص إنما هي كأضغاث ~~أحلام أو كطيف زار في المنام وليس هذا بعجيب من شأنه وقد فقد نصيبه من ~~الهدى والرحمة فلو هدي ورحم لكان شأنه غير هذا الشأن ولكن الرب تعالى أعلم ~~بالمحل الذي يصلح للهدى والرحمة فهو الذي يؤتيها العبد كما قال عن عبده ~~الخضر : فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ~~ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا # | فصل ومما ينبغي أن يعلم : أن الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع # والمصالح إلى العبد وإن كرهتها نفسه وشقت عليها فهذه هي الرحمة الحقيقية ~~فأرحم الناس بك من شق عليك في إيصال مصالحك ودفع المضار عنك # فمن رحمة الأب بولده : أن يكرهه على التأدب بالعلم والعمل ويشق عليه في ~~ذلك بالضرب وغيره ويمنعه شهواته التي تعود بضرره ومتى أهمل ذلك من ولده كان ~~لقلة رحمته به وإن ظن أنه يرحمه ويرفهه ويريحه فهذه رحمة مقرونة بجهل كرحمة ~~الأم # ولهذا كان من تمام رحمة أرحم الراحمين : تسليط أنواع البلاء على العبد ~~فإنه أعلم بمصلحته فابتلاؤه له وامتحانه ومنعه من كثير من أغراضه وشهواته : ~~من رحمته به ولكن العبد لجهله وظلمه يتهم ربه بابتلائه ولا يعلم إحسانه ~~إليه بابتلائه وامتحانه PageV02P174 # وقد جاء في الأثر : إن المبتلى إذا دعي له : اللهم ارحمه يقول الله ~~سبحانه : كيف أرحمه من شيء به أرحمه وفي أثر آخر : إن الله إذا أحب عبده ~~حماه الدنيا وطيباتها وشهواتها كما يحمي أحدكم مريضه # فهذا من تمام رحمته به لا من بخله عليه # كيف وهو الجواد الماجد الذي له الجود كله وجود جميع الخلائق في جنب جوده ~~أقل من ذرة في جبال الدنيا ورمالها # فمن رحمته سبحانه بعباده : ابتلاؤهم بالأوامر والنواهي رحمة وحمية ms477 لا ~~حاجة منه إليهم بما أمرهم به فهو الغني الحميد ولا بخلا منه عليهم بما ~~نهاهم عنه فهو الجواد الكريم # ومن رحمته : أن نغص عليهم الدنيا وكدرها لئلا يسكنوا إليها ولا يطمئنوا ~~إليها ويرغبوا في النعيم المقيم في داره وجواره فساقهم إلى ذلك بسياط ~~الابتلاء والامتحان فمنعهم ليعطيهم وابتلاهم ليعافيهم وأماتهم ليحييهم ومن ~~رحمته بهم : أن حذرهم نفسه لئلا يغتروا به فيعاملوه بما لا تحسن معاملته به ~~كما قال تعالى : ويحذركم الله نفسه والله رؤزف بالعباد # قال غير واحد من السلف : من رأفته بالعباد : حذرهم من نفسه لئلا يغتروا ~~به # | فصل ولما كان تمام النعمة على العبد إنما هو بالهدى والرحمة كان # لهما ضدان : الضلال والغضب # فأمرنا الله سبحانه أن نسأله كل يوم وليلة مرات عديدة أن يهدينا صراط ~~الذين أنعم عليهم وهم أولو الهدى والرحمة ويجنبنا طريق المغضوب عليهم وهم ~~ضد المرحومين وطريق الضالين وهم ضد المهتدين ولهذا كان هذا الدعاء من أجمع ~~الدعاء وأفضله وأوجبه وبالله التوفيق PageV02P175 # | فصل إذا كان كل عمل فأصله المحبة والإرادة والمقصود به التنعم # بالمراد المحبوب فكل حي إنما يعمل لما فيه تنعمه ولذته فالتنعم هو ~~المقصود الأول من كل قصد وكل حركة كما أن العذاب والتألم هو المكروه ~~المقصود أولا بكل بغض وكل امتناع وكف ولكن وقع الجهل والظلم من بني آدم ~~بمعنيين : بالدعين الفاسد والدنيا الفاجرة طلبوا بهما النعيم وفي الحقيقة ~~فإنما فيهما ضده ففاتهم النعيم من حيث طلبوه وآثروه ووقعوا في الألم ~~والعذاب من حيث هربوا منه وبيان ذلك : أن الأعمال التي يعملها جميع بني آدم ~~إما أن يتخذوها دينا أولا يتخذوها دينا # والذين يتخذونها دينا إما أن يكون الدين بها دين حقا وإما أن يكون دينا ~~باطلا فنقول : النعيم التام هو في الدين الحق علما وعملا فأهله هم أصحاب ~~النعيم الكامل كما أخبر الله تعالى بذلك في كتابه في غير موضع كقوله @QB@ ~~اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين @QE@ وقوله عن المتقين المهتدين بالكتاب @QB@ أولئك ms478 على هدى من ~~ربهم وأولئك هم المفلحون @QE@ وقوله @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع ~~هداي فلا يضل ولا يشقى @QE@ وفي الآية الأخرى @QB@ فمن تبع هداي فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون @QE@ وقوله إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ~~والقرآن مملوء من هذا # فوعد أهل الهدى والعمل الصالح بالنعيم التام في الدار الآخرة ووعيد أهل ~~الضلال والفجور بالشقاء في الدار الآخرة مما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى ~~آخرهم وتضمنته الكتب ولكن نذكر ههنا نكتة نافعة # وهي : أن الإنسان قد يسمع ويرى ما يصيب كثيرا من أهل الإيمان في الدنيا ~~من المصائب وما ينال كثيرا من الكفار والفجار والظلمة في الدنيا من الرياسة ~~والمال وغير ذلك فيعتقد أن النعيم في الدنيا لا يكون إلا للكفار والفجار ~~وأن المؤمنين حظهم من النعيم في الدنيا قليل وكذلك قد يعتقد أن العزة ~~والنصرة في الدنيا تستقر للكفار والمنافقين على المؤمنين فإذا سمع في ~~القرآن قوله تعالى : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [ ] وقوله : PageV02P176 ~~@QB@ وإن @QE@ جندنا لهم الغالبون وقوله : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي وقوله ~~: والعاقبة للمتقين ونحو هذه الآيات وهو ممن يصدق بالقرآن حمل ذلك على أن ~~حصوله في الدار الآخرة فقط وقال : أما الدنيا فإنا نرى الكفار والمنافقين ~~يغلبون فيها ويظهرون ويكون لهم النصر والظفر والقرآن لا يرد بخلاف الحس ~~ويعتمد على هذا الظن إذا أديل عليه عدو من جنس الكفار والمنافقين أو الفجرة ~~الظالمين : وهو عند نفسه من أهل الإيمان والتقوى فيرى أن صاحب الباطل قد ~~علا على صاحب الحق فيقول : أنا على الحق وأنا مغلوب فصاحب الحق في هذه ~~الدنيا مغلوب مقهور والدولة فيها للباطل # فإذا ذكر بما وعده الله تعالى من حسن العاقبة للمتقين والمؤمنين قال : ~~هذا في الآخرة فقط # وإذا قيل له : كيف يفعل الله تعالى هذا بأوليائه وأحبائه وأهل الحق # فإن كان ممن لا يعلل أفعال الله تعالى بالحكم والمصالح قال : يفعل الله ~~في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد : @QB@ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون @QE@ # وإن كان ms479 ممن يعلل الأفعال قال : فعل بهم هذا ليعرضهم بالصبر عليه لثواب ~~الآخرة وعلو الدرجات وتوفية الأجر بغير حساب # ولكل أحد مع نفسه في هذا المقام مباحثات وإيرادات وإشكالات وأجوبة بحسب ~~حاصله وبضاعته من المعرفة بالله تعالى وأسمائه وصفاته وحكمته والجهل بذلك ~~فالقلوب تغلي بما فيها كالقدر إذا استجمعت غليانا # فلقد بلغنا وشاهدنا من كثير من هؤلاء من التظلم للرب تعالى واتهامه ما لا ~~يصدر إلا من عدو فكان الجهم يخرج بأصحابه فيقفهم على الجذمى وأهل البلاء ~~ويقول : انظروا أرحم الراحمين يفعل مثل هذا إنكارا لرحمته كما أنكر حكمته # فليس الله عند جهم وأتباعه حكيما ولا رحيما PageV02P177 # وقال آخر من كبار القوم : ما على الخلق أضر من الخالق # وكان بعضهم يتمثل : # إذا كان هذا فعله بمحبه % فماذا تراه في أعاديه يصنع # وأنت تشاهد كثيرا من الناس إذا أصابه نوع من البلاء يقول : يا ربي ما كان # ذنبي حتى فعلت بي هذا # وقال لي غير واحد : إذا تبت إليه وأنبت وعملت صالحا ضيق علي رزقي ونكد ~~علي معيشتي وإذا رجعت إلى معصيته وأعطيت نفسي مرادها جاءني الرزق والعون ~~ونحو هذا # فقلت لبعضهم : هذا امتحان منه ليرى صدقك وصبرك هل أنت صادق في مجيئك إليه ~~وإقبالك عليه فتصبر على بلائه فتكون لك العاقبة أم أنت كاذب فترجع على عقبك # وهذه الأقوال والظنون الكاذبة الحائدة عن الصواب مبنية على مقدمتين # إحداهما : حسن ظن العبد بنفسه وبدينه واعتقاده أنه قائم بما يجب عليه ~~وتارك ما نهى عنه واعتقاده في خصمه وعدوه خلاف ذلك وأنه تارك للمأمور مرتكب ~~للمحظور وأنه نفسه أولى بالله ورسوله ودينه منه # والمقدمة الثانية : اعتقاده أن الله سبحانه وتعالى قد لا يؤيد صاحب الدين ~~الحق وينصره وقد لا يجعل له العاقبة في الدنيا بوجه من الوجوه بل يعيش عمره ~~مظلوما مقهورا مستضاما مع قيامه بما أمر به ظاهرا وباطنا وانتهائه عما نهي ~~عنه باطنا وظاهرا فهو عند نفسه قائم بشرائع الإسلام وحقائق الإيمان وهو تحت ~~قهر أهل الظلم والفجور والعدوان # فلا إله ms480 إلا الله كم فسد بهذا الاغترار من عابد جاهل ومتدين لا بصيرة له ~~ومنتسب إلى العلم لا معرفة له بحقائق الدين PageV02P178 # فإنه من المعلوم : أن العبد وإن آمن بالآخرة فإنه طالب في الدنيا لما لا ~~بد له منه : من جلب النفع ودفع الضر بما يعتقد أنه مستحب أو واجب أو مباح ~~فإذا اعتقد أن الدين الحق واتباع الهدى والاستقامة على التوحيد ومتابعة ~~السنة ينافي ذلك وأنه يعادي جميع أهل الأرض ويتعرض لما لا يقدر عليه من ~~البلاء وفوات حظوظه ومنافعه العاجلة لزم من ذلك إعراضه عن الرغبة في كمال ~~دينه وتجرده لله ورسوله فيعرض قلبه عن حال السابقين المقربين بل قد يعرض عن ~~حال المقتصدين أصحاب اليمين بل قد يدخل مع الظالمين بل مع المنافقين وإن لم ~~يكن هذا في أصل الدين كان في كثير من فروعه وأعماله كما قال النبي بادروا ~~بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسى كافرا ~~ويصبح مؤمنا يبيع دينه بعرض من الدنيا # وذلك أنه إذا اعتقد أن الدين الكامل لا يحصل إلا بفساد دنياه من حصول ضرر ~~لا يحتمله وفوات منفعة لا بد له منها لم يقدم على احتمال هذا الضرر ولا ~~تفويت تلك المنفعة # فسبحان الله كم صدت هذه الفتنة الكثير من الخلق بل أكثرهم عن القيام ~~بحقيقة الدين وأصلها ناشىء من جهلين كبيرين : جهل بحقيقة الدين وجهل بحقيقة ~~النعيم الذي هو غاية مطلوب النفوس وكمالها وبه ابتهاجها والتذاذها فيتولد ~~من بين هذين الجهلين إعراضه عن القيام بحقيقة الدين وعن طلب حقيقة النعيم # ومعلوم أن كمال العبد هو بأن يكون عارفا بالنعيم الذي يطلبه والعمل الذي ~~يوصل إليه وأن يكون مع ذلك فيه إرادة جازمة لذلك العمل ومحبة صادقة لذلك ~~النعيم وإلا فالعلم بالمطلوب وطريقه لا يحصله إن لم يقترن بذلك العمل ~~والإرادة الجازمة لا توجب وجود المراد إلا إذا لازمها الصبر PageV02P179 ~~فصارت سعادة العبد وكمال لذته ونعيمه موقوفا على هذه المقامات الخمسة : ~~علمه بالنعيم المطلوب ومحبته له وعلمه بالطريق ms481 الموصل إليه وعلمه به وصبره ~~على ذلك # قال الله تعالى والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر # والمقصود أن المقدمتين اللتين تثبت عليهما هذه الفتنه أصلهما الجهل بأمر ~~الله ودينه وبوعده ووعيده # فإن العبد إذا اعتقد أنه قائم بالدين الحق فقد اعتقد أنه قد قام بفعل ~~المأمور باطنا وظاهرا وترك المحظور باطنا وظاهرا وهذا من جهله بالدين الحق ~~وما لله عليه وما هو المراد منه فهو جاهل بحق الله عليه جاهل بما معه من ~~الدين قدرا ونوعا وصفة # وإذا اعتقد أن صاحب الحق لا ينصره الله تعالى في الدنيا والآخرة بل قد ~~تكون العاقبة في الدنيا للكفار والمنافقين على المؤمنين وللفجار الظالمين ~~على الأبرار المتقين فهذا من جهله بوعد الله تعالى ووعيده # فأما المقام الأول : فإن العبد كثيرا ما يترك واجبات لا يعلم بها ولا ~~بوجوبها فيكون مقصرا في العلم وكثيرا ما يتركها بعد العلم بها وبوجوبها إما ~~كسلا وتهاونا وإما لنوع تأويل باطل أو تقليد أو لظنه أنه مشتغل بما هو أوجب ~~منها أو لغير ذلك فواجبات القلوب أشد وجوبا من واجبات الأبدان وآكد منها ~~وكأنها ليست واجبات الدين عند كثير من الناس بل هي من باب الفضائل ~~والمستحبات # فتراه يتحرج من ترك فرض أو من ترك واجب من واجبات البدن وقد ترك ما هو ~~أهم من واجبات القلوب وأفرضها ويتحرج من فعل أدنى المحرمات وقد ارتكب من ~~محرمات القلوب ما هو أشد تحريما وأعظم إثما # بل ما أكثر من يتعبد لله عز وجل بترك ما أوجب عليه فيتخلى وينقطع عن ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قدرته عليه ويزعم أنه متقرب إلى الله ~~تعالى بذلك مجتمع على ربه تارك ما لا يعنيه فهذا من أمقت الخلق إلى الله ~~تعالى وأبغضهم إليه مع PageV02P180 ظنه أنه قائم بحقائق الإيمان وشرائع ~~الإسلام وأنه من خواص أوليائه وحزبه # بل ما أكثر من يتعبد لله بما حرمه الله عليه ويعتقد أنه طاعة وقربة وحاله ~~في ذلك ms482 شر من حال من يعتقد ذلك معصية وإثما كأصحاب السماع الشعري الذي ~~يتقربون به إلى الله تعالى ويظنون أنهم من أولياء الرحمن وهم في الحقيقة من ~~أولياء الشيطان # وما أكثر من يعتقد أنه هو المظلوم المحق من كل وجه ولا يكون الأمر كذلك ~~بل يكون معه نوع من الحق ونوع من الباطل والظلم ومع خصمه نوع من الحق ~~والعدل وحبك الشيء يعمي ويصم والإنسان مجبول على حب نفسه فهو لا يرى إلا ~~محاسنها ومبغض لخصمه فهو لا يرى إلا مساويه بل قد يشتد به حبه لنفسه حتى ~~يرى مساويها محاسن كما قال تعالى أفمن زينا له سوء عمله فرآه حسنا ويشتد به ~~بغض خصمه حتى يرى محاسنه مساوىء كما قيل : # نظروا بعين عداوة ولو أنها % عين الرضا لاستحسنوا ما استقبحوا وهذا الجهل ~~مقرون بالهوى والظلم غالبا فإن الإنسان ظلوم جهول # وأكثر ديانات الخلق إنما هي عادات أخذوها عن آبائهم وأسلافهم وقلدوهم ~~فيها : في الإثبات والنفي والحب والبغض والموالاة والمعاداة والله سبحانه ~~إنما ضمن نصر دينه وحزبه وأوليائه القائمين بدينه علما وعملا لم يضمن نصر ~~الباطل ولو اعتقد صاحبه أنه محق وكذلك العزة والعلو إنما هما لأهل الإيمان ~~الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وهو علم وعمل وحال قال تعالى : وأنتم ~~الأعلون إن كنتم مؤمنين فللعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان وقال تعالى ~~: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين فله من العزة بحسب ما معه من الإيمان ~~وحقائقه فإذا فاته حظ من العلو والعزة ففي مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان ~~علما وعملا ظاهرا وباطنا # وكذلك الدفع عن العبد هو بحسب إيمانه قال تعالى : إن الله يدافع عن الذين ~~آمنوا فإذا ضعف الدفع عنه فهو من نقص إيمانه PageV02P181 # وكذلك الكفاية والحسب هي بقدر الإيمان قال تعالى : يا أيها النبي حسبك ~~الله ومن اتبعك من المؤمنين أي الله حسبك وحسب اتباعك أي كافيك وكافيهم ~~فكفايته لهم بحسب اتباعهم لرسوله وانقيادهم له وطاعتهم له فما نقص من ~~الإيمان عاد بنقصان ذلك ms483 كله # ومذهب أهل السنة والجماعة : أن الإيمان يزيد وينقص # وكذلك ولاية الله تعالى لعبده هي بحسب إيمانه قال تعالى : والله ولي ~~المؤمنين وقال الله تعالى : الله ولي الذين آمنوا وكذلك معيته الخاصة هي ~~لأهل الإيمان كما قال تعالى : وإن الله لمع المؤمنين فإذا نقص الإيمان وضعف ~~كان حظ العبد من ولاية الله له ومعيته الخاصة بقدر حظه من الإيمان # وكذلك النصر والتأييد الكامل إنما هو لأهل الإيمان الكامل قال تعالى إنا ~~لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد وقال : ~~فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين # فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة ~~في نفسه أو ماله أو بإدالة عدوعه عليه فإنما هي بذنوبه إما بترك واجب أو ~~فعل محرم وهو من نقص إيمانه # وبهذا يزول الإشكال الذي يورده كثير من الناس على قوله تعالى : ولن يجعل ~~الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ويجيب عنه كثير منهم بأنه لن يجعل لهم ~~عليهم سبيلا في الآخرة ويجيب آخرون بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلا في الحجة # والتحقيق : أنها مثل هذه الآيات وأن انتفاء السبيل عن أهل الإيمان الكامل ~~فإذا ضعف الإيمان صار لعدوهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم فهم ~~جعلوا لهم عليهم السبيل بما تركوا من طاعة الله تعالى فالمؤمن عزيز غالب ~~مؤيد منصور مكفي مدفوع عنه بالذات أين كان ولو اجتمع عليه من بأقطارها إذا ~~قام بحقيقة PageV02P182 الإيمان وواجباته ظاهرا وباطنا وقد قال تعالى ~~للمؤمنين : ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين وقال تعالى ~~: فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم # فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم التي هي جند من جنود الله يحفظهم ~~بها ولا يفردها عنهم ويقتطعها عنهم فيبطلها عليهم كما يتر الكافرين ~~والمنافقين أعمالهم إذ كانت لغيره ولم تكن موافقة لأمره # | فصل وأما المقام الثاني الذي وقع فيه الغلط فكثير من الناس يظن أن # أهل الدين الحق في الدنيا ms484 يكونون أذلاء مقهورين مغلوبين دائما بخلاف من ~~فارقهم إلى سبيل أخرى وطاعة أخرى فلا يثق بوعد الله بنصر دينه وعباده بل ~~إما أن يجعل ذلك خاص بطائفة دون طائفة أو بزمان دون زمان أو يجعله معلقا ~~بالمشيئة وإن لم يصرح بها # وهذا من عدم الوثوق بوعد الله تعالى ومن سوء الفهم في كتابه # والله سبحانه قد بين في كتابه أنه ناصر المؤمنين في الدنيا والآخرة # قال تعالى : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد # وقال تعالى : ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم ~~الغالبون وقال تعالى : إن الذين يحادون الله ورسوله أولكئك في الأذلين كتب ~~الله لأغلبن أنا ورسلي وهذا كثير في القرآن # وقد بين سبحانه فيه أن ما أصاب العبد من مصيبة أو إدالة عدو أو كسر وغير ~~ذلك فبذنوبه # فبين سبحانه في كتابه كلا المقدمتين فإذا جمعت بينهما تبين لك حقيقة ~~الأمر وزال الإشكال بالكلية واستغنيت عن تلك التكلفات الباردة والتأويلات ~~البعيدة فقرر سبحانه المقام الأول بوجوه من التقرير : منها ما تقدم ~~PageV02P183 # ومنها : أنه ذم من يطلب النصر والعزة من غير المؤمنين كقوله : يا أيها ~~الذين ا منوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في ~~قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي ~~بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ويقول الذين ~~ا منوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم ~~فأصبحوا خاسرين يكأيها الذين ا منوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل ~~الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ~~إنما وليكم الله ورسوله والذين ا منوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين ا منوا فإن ms485 حزب الله هم الغالبون : # فأنكر على من طلب النصر من غير حزبه وأخبر أن حزبه هم الغالبون # ونظير هذا : قوله : بشرع المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا # وقال تعالى : @QB@ يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ~~ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون @QE@ # وقال تعالى : @QB@ من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ أي من كان يزيد العزة فليطلبها بطاعة الله ~~من الكلم الطيب والعمل الصالح # وقال تعالى : @QB@ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله @QE@ PageV02P184 # وقال تعالى : @QB@ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من ~~عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من ~~الله وفتح قريب وبشر المؤمنين @QE@ أي ويعطيكم أخرى فوق مغفرة الذنوب ودخول ~~الجنة وهي النصر والفتح : @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما ~~قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار ~~الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ~~فأصبحوا ظاهرين @QE@ # وقال تعالى للمسيح : @QB@ إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ~~وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة @QE@ فلما كان للنصارى ~~نصيب ما من اتباعه كانوا فوق اليهود إلى يوم القيامة ولما كان المسلمون ~~أتبع له من النصارى كانوا فوق النصارى إلى يوم القيامة # وقال تعالى للمؤمنين : @QB@ ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا ~~يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا @QE@ فهذا خطاب للمؤمنين الذين قاموا بحقائق الإيمان ظاهرا وباطنا # وقال تعالى : @QB@ إن العاقبة للمتقين @QE@ وقال : @QB@ والعاقبة للتقوى ~~@QE@ والمراد : العاقبة في الدنيا قبل الآخرة لأنه ms486 ذكر عقيب قصة نوح ونصره ~~وصبره على قومه فقال تعالى : تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها ~~أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين أي عاقبة النصر لك ولمن ~~معك كما كانت لنوح عليه السلام ومن آمن معه # وكذلك قوله : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك ~~والعاقبة للتقوى # وقال تعالى : وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا PageV02P185 وقال : ~~بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من ~~الملائكة مسومين ] # وقال إخبارا عن يوسف عليه السلام أنه نصر بتقواه وصبره فقال : أنا يوسف ~~وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ~~وقال : يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم ~~سيئاتكم والفرقان : هو العز والنصر والنجاة والنور الذي يفرق بين الحق ~~والباطل وقال تعالى : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ~~ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا # وقد روى ابن ماجه وابن أبي الدنيا عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبيقال : ~~لو عمل الناس كلهم بهذه الآية لوسعتهم فهذا في المقام الأول # وأما المقام الثاني : فقال تعالى في قصة أحد : أو لما أصابتكم مصيبة قد ~~أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم وقال تعالى : إن الذين ~~تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا وقال ~~تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير # وقال : @QB@ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض ~~الذي عملوا لعلهم يرجعون @QE@ # وقال : @QB@ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة ~~@QE@ PageV02P186 @QB@ بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور @QE@ # وقال : @QB@ وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت ~~أيديهم إذا هم يقنطون @QE@ # وقال : @QB@ أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير @QE@ # وقال ms487 : @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ # ولهذا أمر الله سبحانه رسوله والمؤمنين باتباع ما أنزل إليهم وهو طاعته ~~وهو المقدمة الأولى وأمر بانتظار وعده وهو المقدمة الثانية وأمر بالاستغفار ~~والصبر لأن العبد لابد أن يحصل له نوع تقصير وسرف يزيله الاستغفار ولابد في ~~انتظار الوعد من الصبر فبالاستغفار تتم الطاعة وبالصبر يتم اليقين بالوعد ~~وقد جمع الله سبحانه بينهما في قوله : فاصبر إن وعد الله حقك واستغفر لذنبك ~~وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار # وقد ذكر الله سبحانه في كتابه قصص الأنبياء وأتباعهم وكيف نجاهم بالصبر ~~والطاعة ثم قال : @QB@ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب @QE@ # | فصل وتمام الكلام في هذا المقام العظيم يتبين بأصول نافعة جامعة # الأول : أن ما يصيب المؤمنين من الشرور والمحن والأذى دون ما يصيب الكفار ~~والواقع شاهد بذلك وكذلك ما يصيب الأبرار في هذه الدنيا دون ما يصيب الفجار ~~والفساق والظلمة بكثير الأصل الثاني : أن ما يصيب المؤمنين في الله تعالى ~~مقرون بالرضا والاحتساب فإن فاتهم الرضا فمعولهم على الصبر وعلى الاحتساب ~~وذلك يخفف عنهم ثقل البلاء ومؤنته فإنهم كلما شاهدوا العوض هان عليهم تحمل ~~المشاق والبلاء والكفار لا رضا عندهم ولا احتساب وإن صبروا فكصبر البهائم ~~وقد نبه تعالى على ذلك بقوله : @QB@ ولا @QE@ PageV02P187 @QB@ تهنوا في ~~ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما ~~لا يرجون @QE@ # فاشتركوا في الألم وامتاز المؤمنون برجاء الأجر والزلفى من الله تعالى # الأصل الثالث : أن المؤمن إذا أوذي في الله فإنه محمول عنه بحسب طاعته ~~وإخلاصه ووجود حقائق الإيمان في قلبه حتى يحمل عنه من الأذى ما لو كان شيء ~~منه على غيره لعجز عن حمله وهذا من دفع الله عن عبده المؤمن فإنه يدفع عنه ~~كثيرا من البلاء وإذا كان لا بد له من شيء منه دفع عنه ثقله ومؤنته ومشقته ~~وتبعته الأصل الرابع : أن المحبة كلما تمكنت في القلب ورسخت فيه كان أذى ~~المحب في رضى محبوبه مستحلى ms488 غير مسخوط والمحبون يفتخرون عند أحبابهم بذلك ~~حتى قال قائلهم : # لئن ساءني أن نلتني بمساءة % لقد سرني أني خطرت ببالك فما الظن بمحبة ~~المحبوب الأعلى الذي ابتلاؤه لحبيبه رحمة منه له وإحسان إليه الأصل الخامس ~~: أن ما يصيب الكافر والفاجر والمنافق من العز والنصر والجاه دون ما يحصل ~~للمؤمنين بكثير بل باطن ذلك ذل وكسر وهوان وإن كان في الظاهر بخلافه # قال الحسن رحمه الله : إنهم وإن هملجت بهم البراذين وطقطقت بهم البغال إن ~~ذل المعصية لفي قلوبهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه # الأصل السادس : أن ابتلاء المؤمن كالدواء له يستخرج منه الأدواء التي لو ~~بقيت فيه أهلكته أو نقصت ثوابه وأنزلت درجته فيستخرج الابتلاء والامتحان ~~منه تلك الأدواء ويستعد به لتمام الأجر وعلو المنزلة ومعلوم أن وجود هذا ~~خير للمؤمن من عدمه كما PageV02P188 قال النبي والذي نفسي بيده لا يقضي ~~الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر ~~فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له # فهذا الابتلاء والامتحان من تمام نصره وعزه وعافيته ولهذا كان أشد الناس ~~بلاء الأنبياء ثم الأقرب إليهم فالأقرب يبتلى المرء على حسب دينه فإن كان ~~في دينه صلابة شدد عليه البلاء وإن كان في دينه رقة خفف عنه ولا يزال ~~البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليس عليه خطيئة # الأصل السابع : أن ما يصيب المؤمن في هذه الدار من إدالة عدوه عليه ~~وغلبته له وأذاه له في بعض الأحيان : أمر لازم لابد منه وهو كالحر الشديد ~~والبرد الشديد والأمراض والهموم والغموم فهذا أمر لازم للطبيعة والنشأة ~~الإنسانية في هذه الدار حتى للأطفال والبهائم لما اقتضته حكمة أحكم ~~الحاكمين فلو تجرد الخير في هذا العالم عن الشر والنفع عن الضر واللذة عن ~~الألم لكان ذلك عالما غير هذا ونشأة أخرى غير هذه النشأة وكانت تفوت الحكمة ~~التي مزج لأجلها بين الخير والشر والألم واللذة والنافع والضار وإنما يكون ~~تخليص هذا من هذا ms489 وتمييزه في دار أخرى غير هذه الدار كما قال تعالى : @QB@ ~~ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله ~~في جهنم أولئك هم الخاسرون @QE@ الأصل الثامن : أن ابتلاء المؤمنين بغلبة ~~عدوهم لهم وقهرهم وكسرهم لهم أحيانا فيه حكمة عظيمة لا يعلمها على التفضيل ~~إلا الله عز وجل # فمنها : استخراج عبوديتهم وذلهم لله وانكسارهم له وافتقارهم إليه وسؤاله ~~نصرهم على أعدائهم ولو كانوا دائما منصورين قاهرين غالبين لبطروا وأشروا ~~ولو كانوا دائما مقهورين مغلوبين منصورا عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة ~~ولا كانت للحق PageV02P189 دولة فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن صرفهم بين ~~غلبهم تارة وكونهم مغلوبين تارة فإذا غلبوا تضرعوا إلى ربهم وأنابوا إليه ~~وخضعوا له وانكسروا له وتابوا إليه وإذا غلبوا أقاموا دينه وشعائره وأمروا ~~بالمعروف ونهوا عن المنكر وجاهدوا عدوه ونصروا أولياءه # ومنها : أنهم لو كانوا دائما منصورين غالبين قاهرين لدخل معهم من ليس ~~قصده الدين ومتابعة الرسول فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة ولو ~~كانوا مقهورين مغلوبين دائما لم يدخل معهم أحد فاقتضت الحكمة الإلهية أن ~~كانت لهم الدولة تارة وعليهم تارة فيتميز بذلك بين من يريد الله ورسوله ومن ~~ليس له مراد إلا الدنيا والجاه # ومنها : أنه سبحانه يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء وفي ~~حال العافية والبلاء وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم فلله سبحانه على ~~العباد في كلتا الحالين عبودية بمقتضى تلك الحال لا تحصل إلا بها ولا ~~يستقيم القلب بدونها كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد والجوع والعطش ~~والتعب والنصب وأضدادها فتلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني ~~والاستقامة المطلوبة منه ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع # ومنها : أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم ويخلصهم ويهذبهم كماقال ~~تعالى في حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أحد @QB@ ولا تهنوا ولا ~~تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ~~وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ~~والله ms490 لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ولقد كنتم ~~تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون وما محمد إلا رسول ~~قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على ~~عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين @QE@ PageV02P190 # فذكر سبحانه أنواعا من الحكم التي لأجلها أديل عليهم الكفار بعد أن ثبتهم ~~وقواهم وبشرهم بأنهم الأعلون بما أعطوا من الإيمان وسلاهم بأنهم وإن مسهم ~~القرح في طاعته وطاعة رسوله فقد مس أعداءهم القرح في عداوته وعداوة رسوله ~~ثم أخبرهم أنه سبحانه بحكمته يجعل الأيام دولا بين الناس فيصيب كلا منهم ~~نصيبه منها كالأرزاق والا جال ثم أخبرهم أنه فعل ذلك ليعلم المؤمنين منهم ~~وهو سبحانه بكل شيء عليم قبل كونه وبعد كونه ولكنه أراد أن يعلمهم موجودين ~~مشاهدين فيعلم إيمانهم واقعا # ثم أخبر أنه يحب أن يتخذ منهم شهداء فإن الشهادة درجة عالية عنده ومنزلة ~~رفيعة لا تنال إلا بالقتل في سبيله فلولا إدالة العدوع لم تحصل درجة ~~الشهادة التي هي من أحب الأشياء إليه وأنفعها للعبد # ثم أخبر سبحانه أنه يريد تمحيص المؤمنين أي تخليصهم من ذنوبهم بالتوبة ~~والرجوع إليه واستغفاره من الذنوب التي أديل بها عليهم العدو وأنه مع ذلك ~~يريد ان يمحق الكافرين ببغيهم وطغيانهم وعدوانهم إذا انتصروا # ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم دخول الجنة بغير جهاد ولا صبر وأن حكمته ~~تأبى ذلك فلا يدخلونها إلا بالجهاد والصبر ولو كانوا دائما منصورين غالبين ~~لما جاهدهم أحد ولما ابتلوا بما يصبرون عليه من أذى أعدائهم # فهذا بعض حكمه في نصرة عدوهم عليهم وإدالته في بعض الأحيان # الأصل التاسع : أنه سبحانه وتعالى إنما خلق السموات والأرض وخلق الموت ~~والحياة وزين الأرض بما عليها لابتلاء عباده وامتحانهم ليعلم من يريده ~~ويريد ما عنده ممن يريد الدنيا وزينتها قال تعالى وهو الذي خلق السموات ~~والأرض في ستة أيام وكان ms491 عرشه على الماء ليبلوكم أيم أحسن عملا PageV02P191 # وقال : إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وقال : ~~الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وقال تعالى : ونبلوكم ~~بالشرع والخير فتنة وإلينا ترجعون # وقال تعالى : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ~~وقال تعالى : الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد ~~فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين # فالناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين إما أن يقول أحدهم : آمنت أو لا ~~يؤمن بل يستمر على السيئات والكفر ولابد من امتحان هذا وهذا # فأما من قال : آمنت فلابد أن يمتحنه الرب ويبتليه ليتبين : هل هو صادق في ~~قوله آمنت أو كاذب فإن كان كاذبا رجع على عقبيه وفر من الامتحان كما يفر من ~~عذاب الله وإن كان صادقا ثبت على قوله ولم يزده الابتلاء والامتحان إلا ~~إيمانا على إيمانه قال تعالى : ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما ~~وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما وأما من ~~لم يؤمن فإنه يمتحن في الآخرة بالعذاب ويفتن به وهي أعظم المحنتين هذا إن ~~سلم من امتحانه بعذاب الدنيا ومصائبها وعقوبتها التي أوقعها الله بمن لم ~~يتبع رسله وعصاهم فلابد من المحنة في هذه الدار وفي البرزخ وفي القيامة لكل ~~أحد ولكن المؤمن أخف محنة وأسهل بلية فإن الله يدفع عنه بالإيمان ويحمل عنه ~~به ويرزقه من الصبر والثبات والرضى والتسليم ما يهون به عليه محنته وأما ~~الكافر والمنافق والفاجر فتشتد محنته PageV02P192 وبليته وتدوم فمحنة ~~المؤمن خفيفة منقطعة ومحنة الكافر والمنافق والفاجر شديدة متصلة فلا بد من ~~حصول الألم والمحنة لكل نفس آمنت أو كفرت لكن المؤمن يحصل له الألم في ~~الدنيا ابتداء ثم تكون له عاقبة الدنيا والآخرة والكافر والمنافق والفاجر ~~تحصل له اللذة والنعيم ابتداء ثم يصير إلى الألم فلا يطمع أحد أن يخلص من ~~المحنة والألم ألبتة يوضحه : # الأصل العاشر : وهو أن الإنسان مدني ms492 بالطبع لابد له أن يعيش مع الناس ~~والناس لهم إرادات وتصورات واعتقادات فيطلبون منه أن يوافقهم عليها فإن لم ~~يوافقهم آذوه وعذبوه وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب من وجه آخر فلابد له ~~من الناس ومخالطتهم ولا ينفك عن موافقتهم أو مخالفتهم وفي الموافقة ألم ~~وعذاب إذا كانت على باطل وفي المخالفة ألم وعذاب إذا لم يوافق أهواءهم ~~واعتقاداتهم وإراداتهم ولا ريب أن ألم المخالفة لهم في باطلهم أسهل وأيسر ~~من الألم المترتب على موافقتهم # واعتبر هذا بمن يطلبون منه الموافقة على ظلم أو فاحشة أو شهادة زور أو ~~المعاونة على محرم فإن لم يوافقهم آذوه وظلموه وعادوه ولكن له العاقبة ~~والنصرة عليهم إن صبر واتقى وإن وافقهم فرارا من ألم المخالفة أعقبه ذلك من ~~الألم أعظم مما فر منه والغالب أنهم يسلطون عليه فيناله من الألم منهم ~~أضعاف ما ناله من اللذة أولا بموافقتهم # فمعرفة هذا ومراعاته من أنفع ما للعبد فألم يسير يعقب لذة عظيمة دائمة ~~أولى بالاحتمال من لذة يسيرة تعقب ألما عظيما دائما والتوفيق بيد الله # الأصل الحادي عشر : أن البلاء الذي يصيب العبد في الله لا يخرج عن أربعة ~~أقسام فإنه إما أن يكون في نفسه أو في ماله أو في عرضه أو في أهله ومن يحب ~~والذي في نفسه قد يكون بتلفها تارة وبتألمها بدون التلف فهذا مجموع ما ~~يبتلى به العبد في الله PageV02P193 # وأشد هذه الأقسام : المصيبة في النفس # ومن المعلوم : أن الخلق كلهم يموتون وغاية هذا المؤمن أن يستشهد في الله ~~وتلك أشرف الموتات وأسهلها فإنه لا يجد الشهيد من الألم إلا مثل ألم القرصة ~~فليس في قتل الشهيد مصيبة زائدة على ما هو معتاد لبني آدم فمن عد مصيبة هذا ~~القتل أعظم من مصيبة الموت على الفراش فهو جاهل بل موت الشهيد من أيسر ~~الميتات وأفضلها وأعلاها ولكن الفار يظن أنه بفراره يطول عمره فيتمتع ~~بالعيش وقد أكذب الله سبحانه هذا الظن حيث يقول : قل لن ينفعكم الفرار إن ~~فررتم من ms493 الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا # فأخبر الله أن الفرار من الموت بالشهادة لا ينفع فلا فائدة فيه وأنه لو ~~نفع لم ينفع إلا قليلا إذ لابد له من الموت فيفوته بهذا القليل ما هو خير ~~منه وأنفع من حياة الشهيد عند ربه # ثم قال : قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم ~~رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا فأخبر سبحانه أن العبد لا ~~يعصمه أحد من الله إن أراد به سوءا غير الموت الذي فر منه فإنه فر من الموت ~~لما كان يسوءه فأخبر الله سبحانه أنه لو أراد به سوءا غيره لم يعصمه أحد من ~~الله وأنه قد يفر مما يسوءه من القتل في سبيل الله فيقع فيما يسوءه مما هو ~~أعظم منه وإذا كان هذا في مصيبة النفس فالأمر هكذا في مصيبة المال والعرض ~~والبدن فإن من بخل بماله أن ينفقه في سبيل الله تعالى وإعلاء كلمته سلبه ~~الله إياه أو قيض له إنفاقه فيما لا ينفعه دنيا ولا أخرى بل فيما يعود عليه ~~بمضرته عاجلا وآجلا وإن حبسه وادخره منعه التمتع به ونقله إلى غيره فيكون ~~له مهنؤه وعلى مخلفه وزره وكذلك من رفه بدنه وعرضه وآثر راحته على التعب ~~لله وفي سبيله أتعبه الله سبحانه أضعاف ذلك في غير سبيله ومرضاته وهذا أمر ~~يعرفه الناس بالتجارب PageV02P194 # قال أبو حازم : لما يلقى الذي لا يتقي الله من معالجة الخلق أعظم مما ~~يلقى الذي يتقى الله من معالجة التقوى # واعتبر ذلك بحال إبليس فإنه امتنع من السجود لأدم فرارا أن يخضع له ويذل ~~وطلب إعزاز نفسه فصيره الله أذل الأذلين وجعله خادما لأهل الفسوق والفجور ~~من ذريته فلم يرض بالسجود له ورضى أن يخدم هو وبنوه فساق ذريته # وكذلك عباد الأصنام أنفوا أن يتبعوا رسولا من البشر وأن يعبدوا إلها ~~واحدا سبحانه ورضوا أن يعبدوا آلهة من الأحجار # وكذلك كل من امتنع أن يذل لله ms494 أو يبذل ماله في مرضاته أو يتعب نفسه وبدنه ~~في طاعته لابد أن يذل لمن لا يسوى ويبذل له ماله ويتعب نفسه وبدنه في طاعته ~~ومرضاته عقوبة له كما قال بعض السلف من امتنع أن يمشي مع أخيه خطوات في ~~حاجته أمشاه الله تعالى أكثر منها في غير طاعته # | فصل في خاتمة لهذا الباب هي الغاية المطلوبة وجميع ما تقدم # كالوسيلة إليها وهي : أن محبة الله سبحانه والأنس به والشوق إلى لقائه ~~والرضى به وعنه : أصل الدين وأصل أعماله وإراداته كما أن معرفته والعلم ~~بأسمائه وصفاته وأفعاله أجل علوم الدين كلها فمعرفته أجل المعارف وإرادة ~~وجهه أجل المقاصد وعبادته أشرف الأعمال والثناء عليه بأسمائه وصفاته ومدحه ~~وتمجيده أشرف الأقوال وذلك أساس الحنيفية ملة إبراهيم # وقد قال تعالى لرسوله : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما ~~كان من المشركين PageV02P195 # وكان النبي يوصي أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا : أصبحنا على فطرة الإسلام ~~وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من ~~المشركين # وذلك هو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وعليها قام دين الإسلام الذي هو ~~دين جميع الأنبياء والمرسلين وليس لله دين سواه ولا يقبل من أحد دينا غيره ~~: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين # فمحبته تعالى بل كونه أحب إلى العبد من كل ما سواه على الإطلاق من أعظم ~~واجبات الدين وأكبر أصوله وأجل قواعده ومن أحب معه مخلوقا مثل ما يحبه فهو ~~من الشرك الذي لا يغفر لصاحبه ولا يقبل معه عمل قال تعالى : ومن الناس من ~~يتخد من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله وإذا ~~كان العبد لا يكون من أهل الإيمان حتى يكون عبدالله ورسوله أحب إليه من ~~نفسه وأهله وولده ووالده والناس أجمعين ومحبته تبع لمحبة الله فما الظن ~~بمحبته سبحانه وهو سبحانه لم يخلق الجن والإنس إلا لعبادته التي تتضمن كمال ~~محبته وكمال تعظيمه والذل له ms495 ولأجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه ~~وعلى ذلك وضع الثواب والعقاب وأسست الجنة والنار وانقسم الناس إلى شقي ~~وسعيد وكما أنه سبحانه ليس كثله شيء فليس كمحبته وإجلاله وخوفه محبة وإجلال ~~ومخافة # فالمخلوق كلما خفته استوحشت منه وهربت منه والله سبحانه كلما خفته أنست ~~به وفررت إليه والمخلوق يخاف ظلمه وعدوانه والرب سبحانه إنما يخاف عدله ~~وقسطه # وكذلك المحبة فإن محبة المخلوق إذا لم تكن لله فهي عذاب للمحب ووبال عليه ~~PageV02P196 وما يحصل له بها من التألم أعظم مما يحصل له من اللذة وكلما ~~كانت أبعد عن الله كان ألمها وعذابها أعظم # هذا إلى ما في محبته من الإعراض عنك والتجني عليك وعدم الوفاء لك إما ~~لمزاحمة غيرك من المحبين له وإما لكراهته ومعاداته لك وإما لاشتغاله عنك ~~بمصالحه وما هو أحب إليه منك وإما لغير ذلك من الآفات # وأما محبة الرب سبحانه فشأنها غير هذا الشأن فإنه لا شيء أحب إلى القلوب ~~من خالقها وفاطرها فهو إلهها ومعبودها ووليها ومولاها وربها ومدبرها ~~ورازقها ومميتها ومحييها فمحبته نعيم النفوس وحياة الأرواح وسرور النفوس ~~وقوت القلوب ونور العقول وقرة العيون وعمارة الباطن فليس عند القلوب ~~السليمة والأرواح الطيبة والعقول الزاكية أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا أسر ~~ولا أنعم من حبته والأنس به والشوق إلى لقائه والحلاوة التي يجدها المؤمن ~~في قلبه بذلك فوق كل حلاوة والنعيم الذي يحصل له بذلك أتم من كل نعيم ~~واللذة التي تناله أعلى من كل لذة كما أخبر بعض الواجدين عن حاله بقوله : ~~إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها : إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي ~~عيش طيب # وقال آخر : إنه ليمر بالقلب أوقات يهتز فيها طربا بأنسه بالله وحبه له # وقال آخر : مساكين أهل الغفلة خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها # وقال آخر : لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه ~~بالسيوف ووجدان هذه الأمور وذوقها هو بحسب قوة المحبة وضعفها وبحسب ادراك ~~جمال المحبوب والقرب ms496 منه وكلما كانت المحبة أكمل وإدراك المحبوب أتم والقرب ~~منه أوفر كانت الحلاوة واللذة والسرور والنعيم أقوى # فمن كان بالله سبحانه وأسمائه وصفاته أعرف وفيه أرغب وله أحب وإليه أقرب ~~PageV02P197 وجد من هذه الحلاوة في قلبه مالا يمكن التعبير عنه ولا يعرف ~~إلا بالذوق والوجد ومتى ذاق القلب ذلك لم يمكنه أن يقدم عليه حبا لغيره ولا ~~أنسا به وكلما ازداد له حبا ازداد له عبودية وذلا وخضوعا ورقا له وحرية عن ~~رق غيره # فالقلب لا يفلح ولا يصلح ولا يتنعم ولا يبتهج ولا يلتذ ولا يطمئن ولا ~~يسكن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه ولو حصل له جميع ما يلتذ به من ~~المخلوقات لم يطمئن إليها ولم يسكن إليها بل لا تزيده إلا فاقة وقلقا حتى ~~يظفر بما خلق له وهيء له : من كون الله وحده نهاية مراده وغاية مطالبه فإن ~~فيه فقرا ذاتيا إلى ربه وإلهه من حيث هو معبوده ومحبوبه وإلهه ومطلوبه كما ~~أن فيه فقرا ذاتيا إليه من حيث هو ربه وخالقه ورازقه ومدبره وكلما تمكنت ~~محبة الله من القلب وقويت فيه أخرجت منه تألهه لما سواه وعبوديته له # فأصبح حرا عزة وصيانة % على وجهه أنواره وضياؤه # وما من مؤمن إلا وفي قلبه محبة لله تعالى وطمأنينة بذكره وتنعم بمعرفته ~~ولذة وسرور بذكره وشوق إلى لقائه وأنس بقربه وإن لم يحس به لاشتغال قلبه ~~بغيره وانصرافه إلى ما هو مشغول به فوجود الشيء غير الإحساس والشعور به # وقوة ذلك وضعفه وزيادته ونقصانه : هو بحسب قوة الإيمان وضعفه وزيادته ~~ونقصانه ومتى لم يكن الله وحده غاية مراد العبد ونهاية مقصوده وهو المحبوب ~~المراد له بالذات والقصد الأول وكل ما سواه فإنما يحبه ويريده ويطلبه تبعا ~~لأجله لم يكن قد حقق شهادة أن لا إله إلا الله وكان فيه من النقص والعيب ~~والشرك بقدره وله من موجبات ذلك من الألم والحسرة والعذاب بحسب ما فاته من ~~ذلك ولو سعى في هذا المطلوب بكل طريق واستفتح من كل باب ms497 ولم يكن مستعينا ~~بالله متوكلا عليه مفتقرا إليه في حصوله متيقنا أنه إنما يحصل بتوفيقه ~~ومشيئته وإعانته لا طريق له سوى ذلك بوجه من الوجوه لم يحصل له مطلوبه فإنه ~~ما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن فلا يوصل إليه سواه ولا يدل عليه سواه ~~ولا يعبد إلا بإعانته ولا يطاع إلا بمشيئته لمن شاء منكم أن يستقيم وما ~~تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين PageV02P198 وإذا عرف هذا فالعبد في ~~حال معصيته واشتغاله عنه بشهوته ولذته تكون تلك اللذة والحلاوة الإيمانية ~~قد استترت عنه وتوارت أو نقصت أو ذهبت فإنها لو كانت موجودة كاملة لما قدم ~~عليها لذة وشهوة لا نسبة بينها وبينها بوجه ما بل هي أدنى من حبة خردل ~~بالنسبة إلى الدنيا وما فيها ولهذا قال النبي لا يزني الزاني حين يزني وهو ~~مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو ~~مؤمن فإن ذوق حقيقة الإيمان ومباشرته لقلبه يمنعه من أن يؤثر عليه ذلك ~~القدر الخسيس وينهاه عما يشعثه وينقصه ولهذا تجد العبد إذا كان مخلصا لله ~~منيبا إليه مطمئنا بذكره مشتاق قلبه إلى لقائه منصرفا عن هذه المحرمات لا ~~يلتفت إليها ولا يعول عليها ويرى استبداله بها عما هو فيه كاستبداله البعر ~~الخسيس بالجوهر النفيس وبيعه الذهب بأعقاب الجزر وبيعه المسك بالرجيع # ولا ريب أن في النفوس البشرية من هو بهذه المثابة إنما يصبو إلى ما ~~يناسبه ويميل إلى ما يشاكله ينفر من المطالب العالية واللذات الكاملة كما ~~ينفر الجعل من رائحة الورد وشاهدنا من يمسك بأنفه عند وجود رائحة المسك ~~ويتكره بها لما يناله بها من المضرة # فمن خلق للعمل في الدباغة لا يجىء منه العمل في صناعة الطيب ولا يليق ولا ~~يتأتى منه والنفس لا تترك محبوبا إلا لمحبوب هو أحب إليها منه أو للخوف من ~~مكروه هو أشق عليها من فوات ذلك المحبوب # فالذنب يعدم لعدم المقتضى له تارة ولاشتغال القلب بما هو أحب إليه منه ms498 ~~ولوجود المانع تارة ومن خوف فوات محبوب هو أحب إليه منه تارة # فالأول : حال من حصل له من ذوق حلاوة الإيمان وحقائقه والتنعم به ما عوض ~~قلبه عن ميله إلى الذنوب PageV02P199 # والثاني : حال من عنده داع وارادة لها وعنده إيمان وتصديق بوعد الله ~~تعالى ووعيده فهو يخاف إن واقعها أن يقع فيما هو أكره إليه وأشق عليه ~~فالأول : للنفوس المطمئنة إلى ربها والثاني : لأهل الجهاد والصبر وهاتان ~~النفسان هما المخصوصتان بالسعادة والفلاح قال الله تعالى في النفس الأولى : ~~يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي ~~جنتي # وقال في الثانية : @QB@ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم ~~جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم @QE@ # فالنفوس ثلاثة : نفس مطمئنة إلى ربها وهي أشرف النفوس وأزكاها ونفس ~~مجاهدة صابرة ونفس مفتونة بالسهوات والهوى وهي النفس الشقية التي حظها ~~الألم والعذاب والبعد عن الله تعالى والحجاب # | فصل في بيان كيد الشيطان لنفسه قبل كيده للأبوين ثم لم يقتصر على ذلك # حتى كاد ذرية نفسه وذرية آدم فكان مشئوما على نفسه وعلى ذريته وأوليائه ~~وأهل طاعته من الجن والإنس # أما كيده لنفسه : # فإن الله سبحانه لما أمره بالسجود لآدم عليه السلام كان في امتثال أمره ~~وطاعته سعادته وفلاحه وعزه ونجاته فسولت له نفسه الجاهلة الظالمة : أن في ~~سجوده لآدم عليه السلام غضاضة عليه وهضما لنفسه إذ يخضع ويقع ساجدا لمن خلق ~~من طين وهو مخلوق من نار والنار بزعمه أشرف من الطين فالمخلوق منه خير من ~~المخلوق منها وخضوع الأفضل لمن هو دونه غضاضة عليه وهضم لمنزلته فلما قام ~~بقلبه هذا الهوس وقارنه الحسد لآدم لما رأى ربه سبحانه قد خصه به من أنواع ~~الكرامة فإنه خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل ~~شيء وميزه بذلك عن الملائكة PageV02P200 وأسكنه جنته فعند ذلك بلغ الحسد من ~~عدو الله كل مبلغ وكان عدو الله يطيف به وهو صلصال كالفخار فيتعجب منه ~~ويقول ms499 : لأمر عظيم قد خلق هذا ولئن سلط علي لأعصينه ولئن سلطت عليه لأهلكنه ~~فلما تم خلق آدم عليه السلام في أحسن تقويم وأكمل صورة وأجملها وكملت ~~محاسنه الباطنة بالعلم والحلم والوقار وتولى ربه سبحانه خلقه بيده فجاء في ~~أحسن خلق وأتم صورة طوله في السماء ستون ذراعا قد ألبس رداء الجمال والحسن ~~والمهابة والبهاء فرأت الملائكة منظرا لم يشاهدوا أحسن منه ولا أجمل فوقعوا ~~كلهم سجودا له بأمر ربهم تبارك وتعالى فشق الحسود قميصه من دبر واشتعلت في ~~قلبه نيران الحسد المتين فعارض النص بالمعقول بزعمه كفعل أوليائه من ~~المبطلين وقال : @QB@ أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين @QE@ فاعرض ~~عن النص الصريح وقابله بالرأي الفاسد القبيح ثم أردف ذلك بالاعتراض على ~~العليم الحكيم الذي لا تجد العقول إلى الاعتراض على حكمته سبيلا فقال : ~~@QB@ أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته ~~إلا قليلا @QE@ # وتحت هذا الكلام من الاعتراض معنى : أخبرني لم كرمته على وغور هذا ~~الاعتراض : أن الذي فعلته ليس بحكمة ولا صواب وأن الحكمة كانت تقتضي أن ~~يسجد هو لي لأن المفضول يخضع للفاضل فلم خالفت الحكمة # ثم أردف ذلك بتفضيل نفسه عليه وإزرائه به فقال : @QB@ أنا خير منه @QE@ # ثم قرر ذلك بحجته الداحضة في تفضيل مادته وأصله على مادة آدم عليه السلام ~~وأصله فأنتجت له هذه المقدمات إباءه وامتناعه من السجود ومعصيته الرب ~~المعبود فجمع بين الجهل والظلم والكبر والحسد والمعصية ومعارضة النص بالرأي ~~والعقل فأهان نفسه كل الإهانة من حيث أراد تعظيمها ووضعها من حيث أراد ~~رفعتها وأذلها من حيث أراد عزتها وآلمها كل الألم من حيث أراد لذتها ففعل ~~بنفسه ما لو اجتهد أعظم أعدائه في مضرته لم يبلغ منه ذلك المبلغ ومن كان ~~هذا غشه لنفسه فكيف يسمع منه العاقل ويقبل ويواليه قال تعالى : @QB@ وإذ ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من @QE@ PageV02P201 الجن ~~ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدوك بئس ~~للظالمين ms500 بدلا # | فصل وأما كيده للأبوين فقد قص الله سبحانه علينا قصته معهما وأنه لم # يزل يخدعهما ويعدهما ويمنيهما الخلود في الجنة حتى حلف لهما بالله جهد ~~يمينه : إنه ناصح لهما حتى اطمأنا إلى قوله وأجاباه إلى ما طلب منهما فجرى ~~عليهما من المحنة والخروج من الجنة ونزع لباسهما عنهما ما جرى وكان ذلك ~~بكيده ومكره الذي جرى به القلم وسبق به القدر ورد الله سبحانه كيده عليه ~~وتدارك الأبوين برحمته ومغفرته فأعادهما إلى الجنة على أحسن الأحوال ~~وأجملها وعاد عاقبة مكره عليه ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله # وظن عدو الله بجهله أن الغلبة والظفر له في هذا الحرب ولم يعلم بكمين جيش ~~: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ولا ~~بإقبال دولة ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى وظن اللعين بجهله أن الله سبحانه ~~يتخلى عن صفيه وحبيبه الذي خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته ~~وعلمه أسماء كل شيء من أجل أكلة أكلها وما علم أن الطبيب قد علم المريض ~~الدواء قبل المرض فلما أحس بالمرض بادر إلى استعمال الدواء لما رماه العدو ~~بسهم وقع في غير مقتل فبادر إلى مداواة الجرح فقام كأن لم يكن به قلبة ~~PageV02P202 بلي العدو بالذنب فأصر واحتج وعارض الأمر وقدح في الحكمة ولم ~~يسأل الإقالة ولا ندم على الزلة وبلي الحبيب بالذنب فاعترف وتاب وندم وتضرع ~~واستكان وفزع إلى مفزع الخليقة وهو التوحيد والاستغفار فأزيل عنه العتب ~~وغفر له الذنب وقبل منه المتاب وفتح له من الرحمة والهداية كل باب ونحن ~~الأبناء ومن أشبه أباه فما ظلم ومن كانت شيمته التوبة والاستغفار فقد هدي ~~لأحسن الشيم # | فصل ثم كاد أحد ولدي آدم ولم يزل يتلاعب به حتى قتل أخاه # وأسخط أباه وعصى مولاه فسن للذرعية قتل النفوس وقد ثبت في الصحيح عنهأنه ~~قال : ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول ~~من سن القتل فكاد العدو هذا القاتل ms501 بقطيعة رحمه وعقوق والديه وإسخاط ربه ~~ونقص عدده وظلم نفسه وعرضه لأعظم العقاب وحرمه حظه من جزيل الثواب # | فصل ثم جرى الأمر على السداد والاستقامة والأمة واحدة والدين واحد # والمعبود واحد فقال تعالى : وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا ~~كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون وقال تعالى : كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه # قال سعيد عن قتادة : ذكر لنا : أنه كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة ~~قرون PageV02P203 كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق ثم اختلفوا بعد ذلك ~~فبعث الله عز وجل نوحا وكان أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض وبعث ~~عند الاختلاف بين الناس وترك الحق وقال ابن عباس : كان الناس أمة واحدة : ~~كانوا على الإسلام كلهم وهذا هو القول الصحيح في الآية وقد روى عطية عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما : كانوا أمة واحدة كانوا كفارا وهذا قول الحسن وعطاء ~~قالا : كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح عليهما السلام أمة واحدة ~~على ملة واحدة وهي الكفر كانوا كفارا كلهم أمثال البهائم فبعث الله نوحا ~~وإبراهيم والنبيين وهذا القول ضعيف جدا وهو منقطع عن ابن عباس والصحيح عنه ~~خلافه قال ابن أبي حاتم : حدثنا # أبو زرعة حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا همام حدثنا قتادة عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال : كانوا على الإسلام كلهم وهذا هو الصواب قطعا فإن قراءة أبي بن ~~كعب فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ويشهد لهذه القراءة : قوله ~~تعالى في سورة يونس وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا # والمقصود : أن العدو كادهم وتلاعب بهم حتى انقسموا قسمين كفارا ومؤمنين ~~فكادهم بعبادة الأصنام وإنكار البعث PageV02P204 # وكان أول ما كاد به عباد الأصنام من جهة العكوف على القبور وتصاوير أهلها ~~ليتذكروهم بها كما قص الله سبحانه قصصهم في كتابه فقال : وقالوا لا تزرن ~~آلهتكم ولا تزرن ودآ ولا سواعا ولا يغوث ms502 ويعوق ونسرا قال البخاري في صحيحه ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما : هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا ~~أوحى الشيطان إلى قومهم : أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا ~~وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت # وقال ابن جرير عن محمد بن قيس قال : كانوا قوما صالحين من بني آدم وكان ~~لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم : لو ~~صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم فلما ماتوا وجاء ~~آخرون دب إليهم إبليس فقال : إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم # وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي : أخبرني أبي قال : أول ما عبدت ~~الأصنام أن آدم عليه السلام لما مات جعله بنو شيث بن آدم في مغارة في الجبل ~~الذي أهبط عليه آدم بأرض الهند ويقال للجبل : نود وهو أخصب جبل في الأرض ~~قال هشام : فأخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : فكان بنو شيث عليه ~~السلام يأتون جسد آدم في المغارة فيعظمونه ويترحمون عليه فقال رجل من بني ~~قابيل بن آدم : يا بني قابيل إن لبنى شيث دوارا يدورون حوله ويعظمونه وليس ~~لكم شيء فنحت لهم صنما فكان أول من عملها قال هشام : وأخبرني أبي قال : كان ~~ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر : قوما صالحين فماتوا في شهر فجزع عليهم ذوو ~~أقاربهم فقال رجل من بني قابيل : يا قوم هل لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام على ~~صورهم غير أني لا أقدر أن أجعل فيها أرواحا قالوا : PageV02P205 نعم فنحت ~~لهم خمسة أصنام على صورهم ونصبها لهم فكان الرجل يأتي أخاه وعمه وابن عمه ~~فيعظمه ويسعى حوله حتى ذهب ذلك القرن الأول وكانت عملت على عهد برد بن ~~مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ثم جاء قرن آخر فعظموهم أشد من ~~تعظيم القرن الأول ثم جاء من بعدهم القرن الثالث فقالوا : ما عظم أولونا ~~هؤلاء إلا يرجون شفاعتهم عند ms503 الله تعالى فعبدوهم وعظموا أمرهم واشتد كفرهم ~~فبعث الله إليهم إدريس عليه السلام نبيا فدعاهم فكذبوه فرفعه الله إليه ~~مكانا عليا ولم يزل أمرهم يشتد فيما قال ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن ~~عباس : حتى أدرك نوح [ بن لمك بن متو شلح بن أخنوخ ] عليه السلام فبعثه ~~الله تعالى نبيا وهو يومئذ ابن أربعمائة وثمانين سنة فدعاهم إلى الله تعالى ~~في نبوته عشرين ومائة سنة فعصوه وكذبوه فأمره الله تعالى أن يصنع الفلك ~~ففرغ منها وركبها وهو ابن ستمائة سنة وغرق من غرق ومكث بعد ذلك ثلاثمائة ~~وخمسين سنة وكان بين آدم ونوح ألفا سنة ومائتا سنة فأهبط الماء هذه الأصنام ~~[ من جبل نوذ إلى الأرض وجعل الماء يشتد جريه وعبابه ] من أرض إلى أرض حتى ~~قذفها إلى أرض جده فلما نضب الماء وبقيت على الشط فسفت الريح عليه حتى ~~وارتها قلت : ظاهر القرآن يدل على خلاف هذا وأن نوحا عليه السلام لبث في ~~قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وأن الله عز وجل أهلكهم بالغرق بعد أن لبث ~~فيهم هذه المدة # قال الكلبي : وكان عمرو بن لحي كاهنا وله رئي من الجن [ وكان يكنى ~~PageV02P206 أبا ثمامة ] فقال له : عجل المسير والظعن من تهامة بالسعد ~~والسلامة [ قال : جير ولا إقامة قال ] : ائت [ ضف ] جدة تجد فيها أصناما ~~معدة فأوردها تهامة ولا تهب ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب فأتى نهر جدة ~~فاستثارها ثم حملها حتى ورد تهامة وحضر الحج فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة ~~فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللات [ ابن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن ~~تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ] فدفع إليه ودا فحمله فكان ~~بوادي القرى بدومة الجندل وسمى ابنه عبد ود فهو أول من سمي به وجعل عوف ~~ابنه عامرا [ الذي يقال له : عامر الأجدار سادنا له فلم يزل بنوه يسدنونه ~~حتى جاء الله بالإسلام # قال الكلبي : فحدثني مالك بن حارثة أنه رأى ودا قال : وكان أبي يبعثني ms504 ~~باللبن إليه فيقول : اسقه إلهك فأشربه قال : ثم رأيت خالد بن الوليد رضي ~~الله عنه بعد كسره فجعله جذاذا وكان رسول اللهبعث خالد بن الوليد لهدمه ~~فحالت بينه وبين هدمه بنو عبد ود وبنو عامر الأجدار فقاتلهم فقتلهم وهدمه ~~وكسره قال الكلبي : فقلت لمالك بن حارثة : صف لي ودا حتى كأني أنظر إليه ~~قال : كان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال قد دبر أي نقش عليه حلتان ~~متزر بحلة مرتد بأخرى عليه سيف قد تقلده وقد تنكب قوسا وبين يديه حربة فيها ~~لواء ووفضة فيها نبل يعني جعبة PageV02P207 [ قال : ورجع الحديث قال : ] ~~وأجابت عمرو بن حيي مضر بن نزار فدفع إلى رجل من هذيل يقال له : الحرث بن ~~تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر : سواعا فكان بأرض يقال لها ~~: وهاط من بطن نخلة يعبده من يليه من مضر وفي ذلك يقول رجل من العرب : # تراهم حول قبلتهم عكوفا % كما عكفت هذيل على سواع تظل جنابه صرعى لديه % ~~عتائر من ذخائر كلع راع وأجابته مذحج فدفع إلى أنعم بن عمرو المرادي يغوث ~~وكان بأكمة باليمن تعبده مذحج ومن والاها # وأجابته همدان فدفع إلى مالك بن مرثد بن جشم [ بن حاشد بن جشم بن خيران ~~بن نوف بن همدان ] : يعوق فكان بقرية يقال لها : خيوان تعبده همدان ومن ~~والاها من اليمن # وأجابت حمير : فدفع إلى رجل من ذي رعين يقال له : معد يكرب نسرا فكان ~~بموضع من أرض سبإ يقال له : بلخع تعبده حمير ومن والاها فلم يزل يعبدونه ~~حتى هودهم ذو نواس # فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله النبيفهدمها وكسرها # قلت : هذا شرح ما ذكره البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال : صارت الأوثان ~~التي كانت في قوم نوح في العرب تعبد أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل وأما ~~سواع فكانت لهذيل وأما يغوث فكان لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ وأما ~~يعوق فكانت لهمدان وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع ms505 قال : وهؤلاء أسماء ~~رجال صالحين من قوم نوح وذكر ما تقدم PageV02P208 # وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله رأيت عمرو بن عامر ~~الخزاعي يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السوائب # وفي لفظ وغير دين إبراهيم # وقال ابن إسحق : حدثني محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي أن أبا صالح ~~السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول : سمعت رسول اللهيقول لأكثم بن الجون ~~الخزاعي : يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار فما ~~رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا به منك فقال أكثم : عسى أن يضرني شبهه يا ~~رسول الله قال : لا إنك مؤمن وهو كافر إنه كان أول من غير دين إسماعيل فنصب ~~الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحام # قال ابن هشام : وحدثني بعض أهل العلم : أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى ~~الشام في بعض أموره فلما قدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق وهم ~~ولد عملاق ابن لاوذ بن سام بن نوح رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم : ما هذه ~~الأصنام التي تعبدون فقالوا : نستمطر بها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا فقال : ~~أفلا تعطوني منها صنما فأسير به إلى PageV02P209 أرض العرب فيعبدونه فأعطوه ~~صنما يقال له : هبل فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه قال هشام ~~: وحدثني أبي وغيره : أن إسماعيل عليه السلام لما سكن مكة وولد بها أولاده ~~فكثروا حتى ملئوا مكة ونفوا من كان بها من العماليق ضاقت عليهم مكة ووقعت ~~بينهم الحروب والعداوات وأخرج بعضهم بعضا فتفسحوا في البلاد والتماس المعاش ~~فكان الذي حملهم على عبادة الأوثان والحجارة : أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن ~~إلا احتمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم وصبابة بمكة فحيثما حلوا ~~وضعوه وطافوا به كطوافهم بالبيت حبا للبيت وصبابة به وهم على ذلك يعظمون ~~البيت ومكة ويحجون ويعتمرون على إرث إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ثم ~~عبدوا ما استحسنوا ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين ms506 إبراهيم غيره فعبدوا ~~الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم واستخرجوا ما كان يعبد قوم ~~نوح عليه السلام [ منها على إرث ما بقى من ذكرها فيهم وفيهم على ذلك بقايا ~~] من عهد إبراهيم وإسماعيل يتنسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج ~~والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة وإهداء البدن [ مع إدخالهم فيه ما ليس ~~منه ] وكانت نزار تقول في إهلالها : لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا ~~شريك هو لك تملكه وما ملك # [ ويوحدونه التلبية ويدخلون معه آلهتهم ويجعلون ملكها بيده يقول الله عز ~~وجل لتبيهوما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم PageV02P210 @QB@ مشركون @QE@ أي ~~ما يوحدونني بمعرفة حقى إلا جعلوا معي شريكا من خلقي # وكانت تلبية عك إذا خرجوا حجاجا قدموا أمامهم غلامين أسودين فكانا أمام ~~ركبهم فيقولان : نحن غرابا عك فتقول عك من بعدهما : عك إليك عانيه % عبادك ~~اليمانيه # وكانت ربيعة إذا حجت فقضت المناسك ووقفت في المواقف نفرت في النفر الأول ~~ولم تقم إلى آخر التشريق ] وكان أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وسيب ~~السائبة [ وبحر البحيرة ] ووصل الوصيلة وحمى الحامي : عمرو بن ربيعة وهو ~~لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي وهو أبو خزاعة وكانت أم عمرو فهيرة ~~بنت عامر بن الحرث [ ويقال قمعة بنت مضاض ] وكان الحارث هو الذي يلي أمر ~~الكعبة فلما بلغ عمرو بن لحي نازعه في الولاية وقاتل جرهما بني إسماعيل ~~فظفر بهم وأجلاهم عن الكعبة ونفاهم من بلاد مكة وتولى حجابة البيت [ بعدهم ~~] ثم إنه مرض مرضا شديدا فقيل له : إن بالبلقاء من الشام حمة إن أتيتها ~~برأت فأتاها فاستحم فيها فبرأ ووجد أهلها يعبدون الأصنام فقال : ما هذه ~~فقالوا : نستسقي بها المطر ونستنصر بها على العدو فسألهم أن يعطوه منها ~~ففعلوا فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة واتخذت العرب الأصنام فكان أقدمها ~~مناة [ وقد كانت العرب تسمى : عبد مناة وزيد مناة ] وكان منصوبا على ساحل ~~البحر من ناحية المشلل بقديد بين مكة والمدينة وكانت العرب جميعها تعظمه ms507 ~~وكانت الأوس والخزرج ومن ينزل المدينة ومكة وما قارب PageV02P211 من ~~المواضع يعظمونه ويذبحون له ويهدون له [ وكان أولاد معد على بقية من دين ~~إسماعيل وكانت ربيعة ومضر على بقية من دينه ] ولم يكن أحد أشد إعظاما له من ~~الأوس والخزرج # قال هشام : وحدثنا رجل من قريش عن أبي عبيدة بن عبدالله بن أبي عبيدة بن ~~محمد بن عمار بن ياسر قال : كانت الأوس والخزرج ومن جاورهم من عرب أهل يثرب ~~وغيرها يحجون فيقفون مع الناس المواقف كلها ولا يحلقون رؤوسهم فإذا نفروا ~~أتوه فحلقوا عنده رؤوسهم وأقاموا عنده لا يرون لحجهم تماما إلا بذلك وكانت ~~مناة لهذيل وخزاعة فبعث رسول اللهعليا فهدمها عام الفتح ثم اتخذوا اللات ~~بالطائف وهي أحدث من مناة وكانت صخرة مربعة [ وكان يهودي يلت عندها السويق ~~] وكان سدنتها من ثقيف [ بنو عتاب بن مالك ] وكانوا قد بنوا عليها وكانت ~~قريش وجميع العرب تعظمها وبها كانت العرب تسمي زيد اللات وتيم اللات وكانت ~~في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى اليوم فلم تزل كذلك PageV02P212 حتى ~~أسلمت ثقيف فبعث رسول اللهالمغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار ثم اتخذوا ~~العزى وهي أحدث من اللات ومناة اتخذها ظالم بن أسعد وكانت بواد من نخلة [ ~~الشآمية يقال له : حراض بإزاء الغمير عن يمين المصعد إلى العراق من مكة ~~وذلك ] فوق ذات عرق وبنوا عليها بيتا وكانوا يسمعون منه الصوت PageV02P213 # قال هشام : وحدثني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : كانت العزى شيطانة ~~تأتى ثلاث سمرات ببطن نخلة فلما افتتح رسول اللهمكة بعث خالد بن الوليد ~~فقال : ائت بطن نخلة فإنك ستجد ثلاث سمرات فاعضد الأولى فأتاها فعضدها فلما ~~جاء إليه قال : هل رأيت شيئا قال : لا قال : فاعضد الثانية فأتاها فعضدها ~~ثم أتى النبي فقال : هل رأيت شيئا قال : لا قال فاعضد الثالثة فأتاها فإذا ~~هو بحبشية نافشة شعرها واضعة يديها على عاتقها تصرف بأنيابها وخلفها [ دبية ~~بن حرمى الشيباني ثم السلمي وكان ] سادنها [ فلما نظر إلى خالد قال : # أعزاء شدى ms508 شدة لا تكذبي % على خالد ألقى الخمار وشمعري # فإنك إلا تقتلى اليوم خالدا % تبوئي بذل عاجلا وتنصري فقال خالد : # يا عزى كفرانك لا سبحانك % إني رأيت الله قد أهانك ثم ضربها ففلق رأسها ~~فإذا هي حممة ثم عضد الشجرة وقتل دبية السادن ثم أتى النبيفأخبره فقال : ~~تلك العزى ولا عزى بعدها للعرب [ أما إنها لن تعبد بعد اليوم ] PageV02P214 # قال هشام : وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها وأعظمها عندهم : هبل ~~وكان فيما بلغني من عقيق أحمر على صورة إنسان مكسور اليد اليمنى أدركته ~~قريش كذلك فجعلوا له يدا من ذهب وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة بن إلياس ~~بن مضر [ وكان يقال له : هبل خزيمة ] وكان في جوف الكعبة وكان قدامه [ سبعة ~~] قداح مكتوب في أحدها صريح وفي الآخر ملصق فإذا شكوا في مولود أهدوا له ~~هدية ثم ضربوا بالقداح فإن خرج صريح ألحقوه وإن خرج ملصق دفعوه [ وقدح على ~~الميت وقدح على النكاح وثلاثة لم تفسر لى علام كانت ] وكانوا إذا اختصموا ~~في أمر أو أرادوا سفرا أو عملا أتوه فاستقسموا بالقداح عنده [ فما خرج ~~عملوا به وانتهوا إليه وعنده ضرب عبد المطلب بالقداح على ابنه عبدالله والد ~~النبي وهو الذي قال له أبو سفيان يوم أحد : أعل هبل فقال رسول الله قولوا ~~له : الله أعلى وأجل # وكان لهم إساف ونائلة قال هشام : فحدث الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس : ~~أن إسافا رجل من جرهم يقال له : إساف بن يعلى ونائلة بنت زيد من جرهم وكان ~~يتعشقها في أرض اليمن فأقبلوا حجاجا فدخلا الكعبة فوجدا غفلة من الناس ~~وخلوة من البيت ففجر بها في البيت فمسخا حجرين فأصبحوا فوجدوهما مسخين ~~فأخرجوهما فوضعوهما موضعهما فعبدتهما خزاعة وقريش ومن حج البيت بعد من ~~العرب قال هشام : لما مسخا حجرين وضعا عند الكعبة ليتعظ بهما الناس فلما ~~طال مكثهما وعبدت الأصنام عبدا معها وكان أحدهما ملصقا بالكعبة والآخر في ~~موضع زمزم فنقلت قريش الذي كان ملصقا بالكعبة إلى الآخر فكانوا ms509 يذبحون ~~وينحرون عندهما # وكان من تلك الأصنام ذو الخلصة وكان مروة بيضاء منقوشة عليها كهيئة التاج ~~وكان له بيت بين مكة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكة [ وكان سدنتها بنو ~~أمامة PageV02P215 من باهلة بن أعصر ] وكانت تعظمها وتهدى لها خثعم وبجبيلة ~~[ وأزد السراة ومن قاربهم من بطون العرب من هوازن ] فقال رسول اللهلجرير : ~~ألا تكفيني ذا الخلصة فسار إليه بأحمس فقاتلته خثعم وباهلة دونه فظفر بهم ~~وهدم بيت ذي الخلصة وأضرم فيه النار فاحترق # وذو الخلصة اليوم عتبة باب مسجد تبالة # وكان لدوس صنم يقال له ذو الكفين فلما أسلموا بعث رسول اللهالطفيل بن ~~عمرو فحرقه # وكان لبني الحارث بن يشكر [ بن مبشر من الأزد ] صنم يقال له ذو الشرى # وكان لقضاعة ولخم وجذام وعاملة وغطفان صنم في مشارف الشام يقال له ~~الأقيصر # وكان لمزينة صنم يقال له نهم وبه كانت تسمى عبد نهم [ وكان لأزد السراة ~~صنم يقال له عائم ] PageV02P216 # وكان لعنزة صنم يقا له سعير # وكان لطييء صنم يقا له الفلس # وكان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم كان يعبدونه فإذا أراد أحدهم السفر ~~كانآخر ما يصنع في منزله : أن يتمسح به وإذا قدم من سفره كان أول ما يصنع ~~إذا دخل منزله : أن يتمسح به قال ابن إسحاق : وكان لخولان صنم يقال له : عم ~~أنس بأرض خولان يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسما بينه وبين الله بزعمهم ~~فما دخل في حق الله من حق عم أنس ردوه عليه وما دخل في حق الصنم من حق الله ~~الذي سمو له تركوه له وفيهم أنزل الله سبحانه وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والانعام نصيبا فقالوا هكذا لله بزعمهم وهكذا لشركائنا فما كان لشركائهم ~~فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون ~~PageV02P217 # قال ابن إسحق : وكان لبني ملكان بن كنانة بن خزيمة بن مدركة صنم يقال له ~~: سعد صخرة بفلاة من الأرض طويلة فأقبل رجل من بني ملكان بإبل مؤبلة ms510 ليقفها ~~عليه ابتغاء بركته فيما يزعم فلما رأته الإبل [ وكانت مرعية لا تركب ] وكان ~~يهراق عليه الدماء نفرت منه فذهبت في كل وجه فغضب ربها فأخذ حجرا فرماه به ~~ثم قال : لا بارك الله فيك نفرت عني إبلي ثم خرج في طلبها حتى جمعها فلما ~~اجتمعت له قال : # أتينا إلى سعد ليجمع شملنا % فشتتنا سعد فلا نحن من سعد # وهل سعد إلا صخرة بتنوفة % من الأرض لا تدعو لغي ولا رشد قال ابن إسحق : ~~وكان عمرو بن الجموح سيدا من سادات بني سلمة وشريفا من أشرافهم وكان قد ~~اتخذ في داره صنما من خشب يقال له مناة [ كما كان الأشراف يصنعون يتخذه ~~إلها يعظمه ويظهره ] فلما أسلم فتيان بني سلمة معاذ بن جبل وابنه معاذ بن ~~عمرو وغيرهم ممن أسلم وشهد العقبة وكانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك ~~فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها عذرات الناس منكسا على رأسه ~~فإذا أصبح عمرو قال : ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة قال : ثم يغدو ~~يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطهره وطيبه ثم قال : والله لو أعلم من فعل هذا ~~بك لأخزينه فإذا أمسى ونام غدوا PageV02P218 ففعلوا بصنمه مثل ذلك فيغدو ~~فيلتمسه فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى فيغسله ويطهره ويطيبه فيغدون ~~عليه إذا أمسى فيفعلون به ذلك فلما طال عليه استخرجه من حيث ألقوه يوما ~~فغسله وطهره وطيبه ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ثم قال له : والله إني لا أعلم ~~من يصنع بك ما ترى فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك فلما أمسى ونام ~~غدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل ثم ~~ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر من عذر الناس وغدا عمرو فلم يجده ~~في مكانه الذي كان به فخرج يتبعه حتى وجده في تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ~~ميت فلما رآه أبصر شأنه وكلمه من أسلم من قومه فأسلم وحسن إسلامه فقال حين ms511 ~~أسلم وعرف من الله ما عرف وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره ويشكر الله ~~إذ أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة ويقول : # والله لو كنت إلها لم تكن % أنت وكلب وسط بئر في قرن # أف لملقاك إلها مستدن % الآن فتشناك عن سوء الغبن # الحمد لله العلي ذي المنن % الواهب الرزاق ديان الدين # هو الذي أنقذني من قبل أن % أكون في ظلمة قبر مرتهن # قال ابن إسحق : واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه فإذا أراد رجل ~~منهم سفرا تمسح به وإذا قدم من سفر تسمح به فيكون آخر عهده به وأول عهده به ~~فلما بعث الله محمدا بالتوحيد قالت قريش : @QB@ أجعل الآلهة إلها واحدا إن ~~هذا لشيء عجاب @QE@ # وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة ~~لها سدنة وحجاب وتهدى لها كما تهدى للكعبة وتطوف بها كما تطوف بالكعبة ~~وتنحر عندها كما تنحر عند الكعبة PageV02P219 # وكان الرجل إذا سافر فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها فاتخذه ~~ربا وجعل الثلاثة أثا في لقدره فإذا ارتحل تركه فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ~~ذلك # قال حنبل : حدثنا حسن بن الربيع قال : حدثنا مهدي بن ميمون قال : سمعت ~~أبا رجاء العطاردي يقول : لما بعث النبيفسمعنا به لحقنا بمسيلمة الكذاب ~~فلحقنا بالنار قال : وكنا نعبد الحجر في الجاهلية فإذا وجدنا حجرا هو أحسن ~~منه نلقي ذلك ونأخذه فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من تراب ثم جئنا بغنم ~~فحلبناها عليه ثم طفنا به وقال أبو رجاء : كنا نعمد إلى الرمل فنجمعه ونحلب ~~عليه فنعبده وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده زمانا ثم نلقيه وقال أبو ~~بكر بن أبي شيبة : حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا الحجاج بن أبي زينب قال : ~~PageV02P220 سمعت أبا عثمان النهدي يقول : كنا في الجاهلية نعبد حجرا ~~فسمعنا مناديا ينادي : يا أهل الرحال إن ربكم قد هلك فالتمسوا ربا قال : ~~فخرجنا على كل صعب وذلول فبينا نحن كذلك نطلبه إذا نحن بمناد ms512 ينادي : إنا ~~قد وجدنا ربكم أو شبهه فإذا حجر فنحرنا عليه الجزر # وقال محمد بن سعد : أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني الحجاج بن صفوان عن ابن ~~أبي حسين عن شهر بن حوشب عن عمرو بن عبسة قال : كنت امرأ ممن يعبد الحجارة ~~فينزل الحى ليس معهم إلكه فيخرج الرجل منهم فيأتي بأربعة أحجار فينصب ثلاثة ~~لقدره ويجعل أحسنها إلكها يعبده ثم لعله يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل ~~فيتركه ويأخذ غيره # ولما فتح رسول الله مكه وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنما فجعل يطعن ~~بسية قوسه في وجوهها وعيونها ويقول : @QB@ جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل ~~كان زهوقا @QE@ وهي تتساقط على رؤوسها ثم أمر بها فأخرجت من المسجد وحرقت ~~PageV02P221 # | فصل وتلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام له أسباب عديدة # تلاعب بكل قوم على قدر عقولهم # فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام ~~على صورهم كما تقدم عن قوم نوح عليه السلام ولهذا لعن النبي المتخذين على ~~القبور المساجد والسرج ونهى عن الصلاة إلى القبور وسأل ربه سبحانه أن لا ~~يجعل قبره وثنا يعبد ونهى أمته أن يتخذوا قبره عيدا وقال : اشتد غضب الله ~~على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وأمر بتسوية القبور وطمس التماثيل # فأبى المشركون إلا خلافه في ذلك كله إما جهلا وإما عنادا لأهل التوحيد ~~ولم يضرهم ذلك شيئا وهذا السبب هو الغالب على عوام المشركين # وأما خواصهم فإنهم اتخذوها بزعمهم على صور الكواكب المؤثرة في العالم ~~عندهم وجعلوا لها بيوتا وسدنة وحجابا وحجا وقربانا ولم يزل هذا في الدنيا ~~قديما وحديثا # فمنها : بيت على رأس جبل بإصبهان كان به أصنام أخرجها بعض ملوك المجوس ~~وجعله بيت نار # ومنها بيت ثان وثالث ورابع بصنعاء بناه بعض المشركين على اسم الزهرة فخر ~~به عثمان ابن عفان رضي الله تعالى عنه # ومنها بيت بناه قابوس الملك على اسم الشمس بمدينة فرغانة فخر به المعتصم # وأشد الأمم في هذا النوع من الشرك : الهند ms513 # قال يحيى بن بشر : إن شريعة الهند وضعها لهم رجل يقال له برهمن ووضع لهم ~~أصناما وجعل أعظم بيوتها بيتا بمدينة من مدائن السند وجعل فيه صنمهم الأعظم ~~وزعم PageV02P222 أنه بصورة الهيولى الأكبر وفتحت هذه المدينة في أيام ~~الحجاج واسمها الملتان فأراد المسلمون قلع الصنم فقيل : إن تركتموه ولم ~~تقلعوه جعلنا لكم ثلث ما يجتمع له من المال فأمر عبد الملك بن مروان بتركه ~~فالهند تحج إليه من نحو ألفي فرسخ ولا بد لمن يحجه أن يحمل معه من النقد ما ~~يمكنه من مائة إلى عشرة آلاف لا يكون أقل من هذا ولا أكثر فيلقيه في صندوق ~~هناك عظيم ويطوف بالصنم فإذا ذهبوا ورجعوا إلى بلادهم قسم ذلك المال فثلثه ~~للمسلمين وثلثه لعمارة المدينة وحصونها وثلثه لسدنة الصنم ومصالحه # وأصل هذا المذهب من مشركي الصابئة وهم قوم إبراهيم عليه السلام الذين ~~ناظرهم في بطلان الشرك وكسر حجتهم بعلمه وآلهتهم بيده فطلبوا تحريقه # وهو مذهب قديم في العالم وأهله طوائف شتى فمنهم عباد الشمس زعموا أنها ~~ملك من الملائكة لها نفس وعقل وهي أصل نور القمر والكواكب وتكون الموجودات ~~السفلية كلها عندهم منها وهي عندهم ملك الفلك فيستحق التعظيم والسجود ~~والدعاء ومن شريعتهم في عبادتها : أنهم اتخذوا لها صنما بيده جوهرة على لون ~~النار وله بيت خاص قد بنوه باسمه وجعلوا له الوقوف الكثيرة من القرى ~~والضياع وله سدنة وقوام وحجبة يأتون البيت ويصلون فيه لها ثلاث كرات في ~~اليوم ويأتيه أصحاب العاهات فيصومون لذلك الصنم ويصلون ويدعون ويستسقون به ~~وهم إذا طلعت الشمس سجدوا كلهم لها وإذا غربت وإذا توسطت الفلك ولهذا ~~يقارنها الشيطان في هذه الأوقات الثلاثة لتقع عبادتهم وسجودهم له ولهذا نهى ~~النبيعن تحري الصلاة في هذه الأوقات قطعا لمشابهة الكفار ظاهرا وسدا لذريعة ~~الشرك وعبادة الأصنام PageV02P223 # | فصل وطائفة أخرى اتخذت للقمر صنما وزعموا أنه يستحق التعظيم # والعبادة وإليه تدبير هذا العالم السفلي # ومن شريعة عباده : أنهم اتخذوا له صنما على شكل عجل يجره اربعة وبيد ~~الصنم جوهرة ms514 ويعبدونه ويسجدون له ويصومون له أياما معلومة من كل شهر ثم ~~يأتون إليه بالطعام والشراب والفرح والسرور فإذا فرغوا من الأكل أخذوا في ~~الرقص والغناء وأصوات المعازف بين يديه # ومنهم من يعبد أصناما اتخذوها على صورة الكواكب وروحانيتها بزعمهم وبنوا ~~لها هياكل ومتعبدات لكل كوكب منها هيكل يخصه وصنم يخصه وعبادة تخصه # ومتى أردت الوقوف على هذا فانظر في كتاب السر المكتوم في مخاطبة النجوم ~~المنسوب إلى ابن الخطيب الري تعرف سر عبادة الأصنام وكيفية تلك العبادة ~~وشرائطها # وكل هؤلاء مرجعهم إلى عبادة الأصنام فإنهم لا تستمر لهم طريقة إلا بشخص ~~خاص على شكل خاص ينظرون إليه ويعكفون عليه # ومن ههنا اتخذ اصحاب الروحانيات والكواكب أصناما زعموا أنها على صورتها # فوضع الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبود غائب فجعلوا الصنم على شكله ~~وهيأته وصورته ليكون نائبا منابه وقائما مقامه وإلا فمن المعلوم أن عاقلا ~~لا ينحت خشبة أو حجرا بيده ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده ومن أسباب عبادتها ~~أيضا : أن الشياطين تدخل فيها وتخاطبهم منها وتخبرهم ببعض المغيبات وتدلهم ~~على بعض ما يخفى عليهم وهم لا يشاهدون الشياطين فجهلتهم وسقطهم يظنون أن ~~الصنم نفسه هو المتكلم المخاطب وعقلاؤهم يقولون : إن تلك روحانيات الأصنام ~~وبعضهم يقول : إنها ملائكة وبعضهم يقول : إنها العقول المجردة وبعضهم يقول ~~: PageV02P224 هي روحانيات الأجرام العلوية وكثير منهم لا يسأل عما عهد بل ~~إذا سمع الخطاب من الصنم اتخذه إلكها ولا يسأل عما وراء ذلك # وبالجملة فأكثر أهل الأرض مفتونون بعبادة الأصنام والأوثان ولم يتخلص ~~منها إلا الحنفاء أتباع ملة إبراهيم عليه السلام وعبادتها في الأرض من قبل ~~نوح عليه السلام كما تقدم وهيا كلها ووقوفها وسدنتها وحجابها والكتب ~~المصنفة في شرائع عبادتها طبق ذلك كله الأرض قال إمام الحنفاء @QB@ واجنبني ~~وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس @QE@ والأمم التي ~~أهلكها الله بأنواع الهلاك كلهم وكانوا يعبدون الأصنام كما قص الله تعالى ~~ذلك عنهم في القرآن وأنجى الرسل وأتباعهم من الموحدين ويكفي في ms515 معرفة ~~كثرتهم وأنهم أكثر أهل الأرض : ما صح عن النبيأن بعث النار من كل ألف ~~تسعمائة وتسعة وتسعون وقد قال تعالى : @QB@ فأبى أكثر الناس إلا كفورا @QE@ ~~وقال : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله وقال : وما أكثر الناس ~~ولو حرصت بمؤمنين وقال 7 : 101 وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم ~~لفاسقين # ولو لم تكن الفتنة بعبادة الأصنام عظيمة لما أقدم عبادها على بذل نفوسهم ~~وأموالهم وأبنائهم دونها فهم يشاهدون مصارع إخوانهم وما حل بهم ولا يزيدهم ~~ذلك إلا حبا لها وتعظيما ويوصي بعضهم بعضا بالصبر عليها وتحمل أنواع ~~المكاره في نصرتها وعبادتها وهم يسمعون أخبار الأمم التي فتنت بعبادتها وما ~~حل بهم من عاجل العقوبات ولا يثنيهم ذلك عن عبادتها # ففتنة عبادة الأصنام أشد من فتنة عشق الصور وفتنة الفجور بها والعاشق لا ~~يثنيه PageV02P225 عن مراده خشية عقوبة في الدنيا ولا في الآخرة وهو يشاهد ~~ما يحل بأصحاب ذلك من الآلام والعقوبات والضرب والحبس والنكال والفقر غير ~~ما أعد الله له في الآخرة وفي البرزخ ولا يزيده ذلك إلا إقداما وحرصا على ~~الوصول والظفر بحاجته # فهكذا الفتنة بعبادة الأصنام وأشد فإن تأله القلوب لها أعظم من تألهها ~~للصور التي يريد منها الفاحشة بكثير # والقرآن بل وسائر الكتب الإلهية من أولها إلى آخرها مصرحة ببطلان هذا ~~الدين وكفر أهله وأنهم أعداء الله ورسله وأنهم أولياء الشيطان وعباده وأنهم ~~هم أهل النار الذين لا يخرجون منها وهم الذين حلت بهم المثلات ونزلت بهم ~~العقوبات وأن الله سبحانه بريء منهم هو وجميع رسله وملائكته وأنه سبحانه لا ~~يغفر لهم ولا يقبل لهم عملا # وهذا معلوم بالضرورة من الدين الحنيف # وقد أباح الله عز وجل لرسوله وأتباعه من الحنفاء دماء هؤلاء وأموالهم ~~ونساءهم وأبناءهم وأمرهم بتطهير الأرض منهم حيث وجدوا وذمهم بسائر أنواع ~~الذم وتوعدهم بأعظم أنواع العقوبة فهؤلاء في شق ورسل الله تعالى كلهم في شق # | فصل ومن أسباب عبادة الأصنام الغلو في المخلوق وإعطاؤه فوق منزلته # حتى ms516 جعل فيه حظ من الإلهية وشبهوه بالله سبحانه وهذا هو التشبيه الواقع ~~في الأمم الذي أبطله الله سبحانه وبعث رسله وأنزل كتبه بإنكاره والرد على ~~أهله # فهو سبحانه ينفي وينهي أن يجعل غيره مثلاله وندا له وشبها له لا أن يشبه ~~هو بغيره إذ ليس في الأمم المعروفة أمه جعلته سبحانه مثلا لشيء من مخلوقاته ~~فجعلت المخلوق أصلا وشبهت به الخالق فهذا لا يعرف في طائفة من طوائف بني ~~آدم وإنما الأول هو PageV02P226 المعروف في طوائف أهل الشرك غلوا فيمن ~~يعظمونه ويحبونه حتى شبهوه بالخالق وأعطوه خصائص الإلهية بل صرحوا أنه إله ~~وأنكروا جعل الآلهة إلها واحدا وقالوا 38 : 6 اصبروا على آلهتكم وصرحوا ~~بأنه إله معبود يرجى ويخاف ويعظم ويسجد له ويحلف باسمه وتقرب له القرابين ~~إلى غير ذلك من خصائص العبادة التي لا تنبغي إلا لله تعالى # فكل مشرك فهو مشبه لالهه ومعبوده بالله سبحانه وإن لم يشبهه به من كل وجه ~~حتى إن الذين كفروا وصفوه سبحانه بالنقائص والعيوب كقولهم 3 : 181 إن الله ~~فقير وإن 5 : 64 يد الله مغلولة وإنه استراح لما فرغ من خلق العالم والذين ~~جعلوا له ولدا وصاحبة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا لم يكن قصدهم أن يجعلوا ~~المخلوق أصلا ثم يشبهون به الخالق بل وصفوه بهذه الأشياء استقلالا لا قصدا ~~أن يكون غيره أصلا فيها وهو مشبه به # ولهذا كان وصفه سبحانه بهذه الأمور من أبطل الباطل لكونها في نفسها نقائص ~~وعيوبا ليس جهة البطلان في اتصافه بها هو التشبيه والتمثيل فلا يتوقف في ~~نفيها عنه على ثبوت انتفاء التشبيه كما يفعله بعض أهل الكلام الباطل حيث ~~صرحوا بأنه لا يقوم دليل عقلي على انتفاء النقائص والعيوب عنه وإنما تنفي ~~عنه لاستلزامها التشبيه والتمثيل # وهؤلاء إذا قال لهم الواصفون لله سبحانه بهذه الصفات نحن نثبتها له على ~~وجه لا يماثل فيها خلقه بل نثبت له فقرا وصاحبة وإيلادا لا يماثل فيه خلقه ~~كما تثبتون أنتم له علما وقدرة وحياة وسمعا ms517 وبصرا لا يماثل فيها خلقه ~~فقولنا في هذا كقولكم فيما أثبتموه سواء لم يتمكنوا من إبطال قولهم ويصيرون ~~أكفاء لهم في المناظرة فإنهم قد أعطوهم أنه لا يقوم دليل عقلي على انتفاء ~~النقائص والعيوب وإنما ننفي ما نفى عنه لأجل التشبيه والتمثيل وقد أثبتوا ~~له صفات على وجه لا يستلزم التشبيه فقال أولئك وهكذا نقول نحن # ولما عرف بعضهم أن هذا لازم له لا محالة استروح إلى دليل الإجماع وقال ~~إنما نفينا النقائص والعيوب عنه بالإجماع وعندهم أن الإجماع أدلته ظنية لا ~~تفيد اليقين فليس عند PageV02P227 القوم يقين وقطع بأن الله سبحانه منزه عن ~~النقائص والعيوب # وأهل السنة يقولون إن تنزيهه سبحانه عن العيوب والنقائص واجب لذاته كما ~~أن إثبات صفات الكمال والحمد واجب لذاته وهو أظهر في العقول والفطر وجميع ~~الكتب الإلهية وأقوال الرسل من كل شيء # ومن العجب أن هؤلاء جاءوا إلى ما علم بالإضطرار أن الرسل جاءوا به ووصفوا ~~الله سبحانه به ودلت عليه العقول والفطر والبراهين فنفوه وقالوا إثباته ~~يستلزم التجسيم والتشبيه فلم يثبت لهم قدم ألبتة فيما يثبتونه له سبحانه ~~وينفونه عنه وجاءوا إلى ما علم بالإضطرار والفطر والعقول وجميع الكتب ~~الإلهية من تنزيه الله سبحانه عن كل نقص وعيب فقالوا ليس في أدلة العقل ما ~~ينفيه وإنما ننفيه بما ننفي به التشبيه # وليس في الخذلان فوق هذا بل إثبات هذه العيوب والنقائص يضاد كماله المقدس ~~وهو سبحانه موصوف بما يضادها وينافيها من كل وجه ونفيها أظهر وأبين في ~~العقول من نفي التشبيه فلا يجوز أن تثبت له على وجه لا يشابه فيه خلقه # والمقصود أنه لم يكن في الأمم من مثله بخلقه وجعل المخلوق أصلا ثم شبهه ~~به وإنما كان التمثيل والتشبيه في الأمم حيث شبهوا أوثانهم ومعبوديهم به في ~~الألهية وهذا التشبيه هو أصل عبادة الأصنام فأعرض عنه وعن بيان بطلانه أهل ~~الكلام وصرفوا العناية إلى إنكار تشبيهه بالخلق الذي لم تعرف أمة من الأمم ~~عليه وبالغوا فيه حتى نفوا به عنه صفات ms518 الكمال # وهذا موضع مهم نافع جدا به يعرف الفرق بين ما نزه الرب سبحانه نفسه عنه ~~وذم به المشركين المشبهين العادلين به خلقه وبين ما ينفيه الجهمية المعطلة ~~من صفات كماله ويزعمون أن القرآن دل عليه وأريد به نفيه # والقرآن مملوء من إبطال أن يكون في المخلوقات ما يشبه الرب تعالى أو ~~يماثله فهذا هو الذي قصد بالقرآن إبطالا لما عليه المشركون والمشبهون ~~العادلون بالله تعالى غيره # قال تعالى 2 : 22 فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون وقال 2 : 165 ~~PageV02P228 ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله فهؤلاء ~~جعلوا المخلوق مثلا للخالق فالند الشبه يقال فلان ند فلان ونديده أي مثله ~~وشبهه ومنه قول حسان بن ثابت # أتهجوه ولست له بند % فشركما لخيركما الفداء # ومنه قول النبي لمن قال له ما شاء الله وشئت أجعلتني لله ندا وقال جرير # أتيما تجعلون إلي ندا % وما تيم لذي حسب نديد # قال ابن مسعود وابن عباس لا تجعلوا لله أكفاء من الرجال تطيعونهم في ~~معصية الله # وقال ابن زيد الأنداد الآلهة التي جعلوها معه # وقال الزجاج أي لا تجعلوا لله أمثالا # فالذي أنكره الله سبحانه عليهم هو تشبيه المخلوق به حتى جعلوه ندا لله ~~تعالى يعبدونه كما يعبدون الله وكذلك قوله في الآية الأخرى 2 : 165 ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله فأنكر هذا التشبيه ~~عليهم وهو أصل عبادة الأصنام # ونظير هذا قوله سبحانه 6 : 1 الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون أي يعدلون به غيره فيجعلون له ~~من خلقه عدلا وشبها PageV02P229 # قال ابن عباس يريد عدلوا بي من خلقي الحجارة والأصنام بعد أن أقروا ~~بنعمتي وربوبيتي # وقال الزجاج أعلم الله سبحانه أنه خالق ما ذكر في هذه الآية وأن خالقها ~~لا شيء مثله مثله وأعلم أن الكفار يجعلون له عديلا والعدل التسوية يقال عدل ~~الشيء بالشيء إذا سواه به ومعنى يعدلون به يشركون به غيره ms519 # قال مجاهد قال الأحمر يقال عدل الكافر بربه عدلا وعدولا إذا سوى به غيره ~~فعبده # وقال الكسائي عدلت الشيء بالشيء أعدله عدولا إذا ساويته به # ومثله قوله تعالى عن هؤلاء المشبهين إنهم يقولون في النار لآلهتهم 26 : ~~97 تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين فاعترفوا أنهم كانوا ~~في أعظم الضلال وأبينه إذ جعلوا لله شبها وعدلا من خلقه سووهم به في ~~العبادة والتعظيم # وقال تعالى 19 : 65 رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته ~~هل تعلم له سميا قال ابن عباس شبها ومثلا وهو من يساميه # وذلك نفي عن المخلوق أن يكون مشابها للخالق ومماثلا له بحيث يستحق ~~العبادة التعظيم ولم يقل سبحانه هل تعلمه سميا أو مشبها لغيره فإن هذا لم ~~يقله أحد بل المشركون المشبهون جعلوا بعض المخلوقات مشابها له مساميا وندا ~~وعدلا فأنكر عليهم هذا التشبيه والتمثيل # وكذلك قوله 16 : 73 ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات ~~والأرض شيئا ولا يستطيعون فلا تضربوا لله الأمثال فنهاهم أن يضربوا له مثلا ~~من خلقه ولم ينههم أن يضربوه هو مثلا لخلقه فإن هذا لم يقله أحد ولم يكونوا ~~يفعلونه فإن الله سبحانه أجل وأعظم وأكبر من كل شيء في فطر الناس كلهم ولكن ~~المشبهون المشركون يغلون فيمن يعظمونه فيشبهونهم بالخالق والله تعالى أجل ~~في صدور جميع الخلق من أن يجعلوا غيره أصلا ثم يشبهونه سبحانه بغيره ~~PageV02P230 # فالذي يشبهه بغيره إن قصد تعظيمه لم يكن في هذا تعظيم لأنه مثل أعظم ~~العظماء بما هو دونه بل بما ليس بينه وبينه نسبة وشبه في العظمة والجلالة ~~وعاقل لا يفعل هذا # وإن قصد التنقيص شبهه بالناقصين المذمومين لا بالكاملين الممدوحين # ومن هنا يعلم أن إثبات صفات الكمال له لا يتضمن التشبيه والتمثيل لا ~~بالكاملين ولا بالناقصين وأن نفي تلك الصفات يستلزم تشبيهه بأنقص الناقصين # فانظر إلى الجهمية وأتباعهم جاءوا إلى التشبيه المذموم فأعرضوا عنه صفحا ~~وجاءوا إلى الكمال والمدح فجعلوه تشبيها وتمثيلا ms520 عكس ما يثبته القرآن وجاء ~~به من كل وجه # ومن هذا قوله تعالى ولم يكن له كفوا أحد هو سلب عن المخلوق مكافأته ~~ومماثلته للخالق سبحانه ولم يقل ولم يكن هو كفوا لأحد فينفي عن نفسه ~~مشابهته للمخلوق ومكافأته له إذ كان ذلك أبين وأظهر من أن يحتاج إلى نفيه # وسر ذلك أن المقصود أن المخلوق لا يماثله سبحانه في شيء من صفاته وخصائصه ~~وأما كونه سبحانه هو لا يماثل المخلوق ولا يشابهه ولا هو ند له ولا كفؤ ~~فليس فيه مدح له # فإنه لو مدح بعض الملوك أو غيرهم بأنه لا يشبه الحيوانات ولا الحجارة ولا ~~الخشب ونحو ذلك لم يعد هذا مدحا ولا ثناء عليه ولا كمالا له بخلاف ما إذا ~~قيل لا تجعل للملك ندا ولا كفؤا ولا شبيها من رعيته تعظمه كتعظيمه وتطيعه ~~كطاعته فإنه ليس في رعيته من يساميه ولا يماثله ولا يكافئه كان هذا غاية ~~المدح # وكذلك قوله سبحانه 42 : 11 ليس كمثله شيء وهو السميع البصير إنما قصد به ~~نفي أن يكون معه شريك أو معبود يستحق العبادة والتعظيم كما يفعله المشبهون ~~والمشركون ولم يقصد به نفي صفات كماله وعلوه على خلقه وتكلمه بكتبه وتكليمه ~~لرسله PageV02P231 ورؤية المؤمنين له جهرة بأبصارهم كما ترى الشمس والقمر ~~في الصحو فإنه سبحانه إنما ذكر هذا في سياق رده على المشركين الذين اتخذوا ~~من دونه أولياء يوالونهم من دونه فقال تعالى 42 : 6 والذين اتخذوا من دونه ~~أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا ~~لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق ~~في السعير ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته ~~والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي ~~وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ~~الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب ms521 فاطر السموات والأرض جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير # فتأمل كيف ذكر هذا النفي تقريرا للتوحيد وإبطالا لما عليه أهل الشرك من ~~تشبيه آلهتهم وأوليائهم به حتى عبدوهم معه فحرفها المحرفون وجعلوها ترسا ~~لهم في نفي صفات كماله وحقائق أسمائه وأفعاله # وهذا التشبيه الذي أبطله الله سبحانه نفيا ونهيا هو أصل شرك العالم ~~وعبادة الأصنام ولهذا نهى النبي أن يسجد أحد لمخلوق مثله أو يحلف بمخلوق ~~مثله أو يصلي إلى قبر أو يتخذ عليه مسجدا أو يعلق عليه PageV02P232 قنديلا ~~أو يقول القائل ما شاء الله وشاء فلان ونحو ذلك حذرا من هذا التشبيه الذي ~~هو أصل الشرط # وأما إثبات صفات الكمال فهو أصل التوحيد # فتبين أن المشبهة هم الذين يشبهون المخلوق بالخالق في العبادة والتعظيم ~~والخضوع والحلف به والنذر له والسجود له والعكوف عند بيته وحلق الرأس له ~~والإستغاثة به والتشريك بينه وبين الله في قولهم ليس لي إلا الله وأنت وأنا ~~متكل على الله وعليك وهذا من الله ومنك وأنا في حسب الله وحسبك وما شاء ~~الله وشئت وهذا لله ولك وأمثال ذلك # فهؤلاء هم المشبهه حقا لا أهل التوحيد المثبتون لله ما أثبته لنفسه ~~والنافون عنه ما نفاه عن نفسه الذين لا يجعلون له ندا من خلقه ولا عدلا ولا ~~كفؤا ولا سميا وليس لهم من دونه ولي ولا شفيع # فمن تدبر هذا الفصل حق التدبر تبين له كيف وقعت الفتنة في الأرض بعبادة ~~الأصنام وتبين له سر القرآن في الإنكار على هؤلاء المشبهة الممثلة ولا سيما ~~إذا جمعوا إلى هذا التشبيه تعطيل الصفات والأفعال كما هو الغالب عليهم ~~فيجمعون بين تعطيل الرب سبحانه عن صفات كماله وبين تشبيه خلقه به # | فصل ومن كيده وتلاعبه ما تلاعب بعباد النار حتى اتخذوها إلها # معبودة وقد قيل إن هذا كان من عهد قابيل كما ذكر أبو جعفر محمد بن جرير ~~أنه لما قتل قابيل هابيل وهرب من أبيه آدم عليه ms522 السلام أتاه إبليس فقال له ~~إن هابيل إنما قبل قربانه وأكلته النار لأنه كان يخدمها ويعبدها فانصب أنت ~~أيضا نارا تكون لك ولعقبك فبنى بيت نار فهو أول من نصب النار وعبدها # وسرى هذا المذهب في المجوس فبنوا لها بيوتا كثيرة واتخذوا لها الوقوف ~~والسدنة PageV02P233 والحجاب فلا يدعوها تخمد لحظة واحدة فاتخذ لها إفريدون ~~بيتا بطوس وآخر ببخارى واتخذ لها بهمن بيتا بسجستان واتخذ لها أبو قباذ ~~بيتا بناحية بخارى واتخذت لها بيوت كثيرة وعباد النار يفضلونها على التراب ~~ويعظمونها ويصوبون رأي إبليس وقد رمي بشار بن برد بهذا المذهب لقوله في ~~قصيدته : # الأرض سافلة سوداء مظلمة % والنار معبودة مذ كانت النار ويقولون : إنها ~~أوسع العناصر خيرا وأعظمها جرما وأوسعها مكانا وأشرفها جوهرا وألطفها جرما ~~ولا كون في العالم إلا بها ولا نمو ولا انعقاد إلا بممازجتها # ومن عبادتهم لها : أن يحفروا لها أخدودا مربعا في الأرض ويطوفون به # وهم أصناف مختلفة # فمنهم من يحرم إلقاء النفوس فيها وإحراق الأبدان بها وهم أكثر المجوس ~~وطائفة أخرى منهم : تبلغ بهم عبادتهم لها إلى أن يقربوا أنفسهم وأولادهم ~~لها وهؤلاء أكثر ملوك الهند وأتباعهم ولهم سنة معروفة في تقريب نفوسهم ~~وإلقائهم فيها فيعمد الرجل الذي يريد أن يفعل ذلك بنفسه أو بولده أو حبيبه ~~فيحمله ويلبسه أحسن اللباس وأفخر الحلبي ويركبه أعلى المراكب وحوله المعازف ~~والطبول والبوقات فيزف إلى النار أعظم من زفافه ليلة عرسه حتى إذا ما ~~قابلها ووقف عليها وهي تأجج طرح نفسه فيها فضج PageV02P234 الحاضرون ضجة ~~واحدة بالدعاء له وغبطته على ما فعل فلا يلبث إلا يسيرا حتى يأتيهم الشيطان ~~في صورته وشكله وهيأته لا ينكرون منه شيئا فيأمرهم بأمره ويوصيهم بما ~~يوصيهم به ويوصيهم بالتمسك بهذا الدين ويخبرهم أنه صار إلى جنة ورياض ~~وأنهار وأنه لم يتألم بمس النار له فلا يهولنهم ذلك ولا يمنعهم عن أن ~~يفعلوا مثله ومنهم زهاد وعباد يجلسون حول النار صائمين عاكفين عليها ومن ~~سنتهم : الحث على الأخلاق الجملية كالصدق والوفاء وأداء الأمانة ms523 والعفة ~~والعدل وترك أضدادها ولهؤلاء شرائع في عبادتها ونواميس وأوضاع لا يخلون بها # | فصل ومن كيده وتلاعبه : تلاعبه بطائفه أخرى تعبد الماء من دون الله # وتسمى الحلبانية # وتزعم أن الماء لما كان أصل كل شيء وبه كل ولادة ونمو ونشوء وطهارة ~~وعمارة وما من عمل في الدنيا إلا ويحتاج إلى الماء فكان حقه أن يعبد # ومن شريعتهم في عبادته : أن الرجل منهم إذا أراد عبادته تجرد وستر عورته ~~ثم دخل فيه حتى يصير إلى وسطه فيقيم هناك ساعتين أو أكثر بقدر ما أمكنه ~~ويكون معه ما يمكنه أخذه من الرياحين فيقطعها صغارا فيلقيها فيه شيئا فشيئا ~~وهو يسبحه ويمجده فإذا أراد الانصراف حرك الماء بيديه ثم أخذ منه فيضعه على ~~رأسه ووجهه وجسده ثم يسجد وينصرف # | فصل ومن تلاعبه : تلاعبه بعباد الحيوانات فطائفة عبدت الخيل وطائفة # عبدت PageV02P235 البقر وطائفة عبدت البشر الأحياء والأموات وطائفة تعبد ~~الشجر وطائفة تعبد الجن كما قال سبحانه : ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول ~~للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولعينا من دونهم بل ~~كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون وقال تعالى : ألم أعهد إليكم يا بني ~~آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم # وقال تعالى : @QB@ ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ~~وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ~~قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم @QE@ يعني ~~قد استكثرتم من إضلالهم وإغوائهم PageV02P236 # قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم : أضللتم منهم كثيرا فيجيبه سبحانه ~~أولياؤهم من الإنس بقولهم @QB@ ربنا استمتع بعضنا ببعض @QE@ يعنون استمتاع ~~كلع نوع بالنوع الآخر فاستمتاع الجن بالإنس : طاعتهم لهم فيما يأمرونهم به ~~: من الكفر والفسوق والعصيان فإن هذا أكثر أغراض الجن من الإنس فإذا ~~أطاعوهم فيه فقد أعطوهم مناهم واستمتاع الإنس بالجن : أنهم أعانوهم على ~~معصية الله تعالى والشرك به بكل ما يقدرون عليه : من التحسين والتزيين ~~والدعاء وقضاء ms524 كثير من حوائجهم واستخدامهم بالسحر والعزائم وغيرها فأطاعهم ~~الإنس فيما يرضيهم : من الشرك والفواحش والفجور وأطاعتهم الجن فيما يرضيهم ~~: من التأثيرات والإخبار ببعض المغيبات # فتمتع كل من الفريقين بالآخر # وهذه الآية منطبقة على أصحاب الأحوال الشيطانية الذين لهم كشوف شيطانية ~~وتأثير شيطاني فيحسبهم الجاهل أولياء الرحمن وإنما هم من أولياء الشيطان ~~أطاعوه في الإشراك ومعصية الله والخروج عما بعث به رسله وأنزل به كتبه ~~فأطاعهم في أن خدمهم بإخبارهم بكثير من المغيبات والتأثيرات واغتر بهم من ~~قل حظه من العلم والإيمان فوالى أعداء الله وعادى أولياءه وحسن الظن بمن ~~خرج عن سبيله وسنته وأساء الظن بمن اتبع سنة الرسول وما جاء به ولم يدعها ~~لأقوال المختلفين وآراء المتحيرين وشطحات المارقين وترهات المتصوفين # والبصير الذي نور الله بصيرته بنور الإيمان والمعرفة إذا عرف حقيقة ما ~~عليه أكثر هذا الخلق وكان ناقدا لا يروج عليه الزغل تبين له أنهم داخلون ~~تحت حكم هذه الآية وهي منطبقة عليهم # فالفاسق يستمتع بالشيطان بإعانته له على أسباب فسوقه والشيطان يستمتع به ~~في PageV02P237 قبوله منه وطاعته له فيسره ذلك ويفرح به منه والمشرك يستمتع ~~به الشيطان بشركه به وعبادته له ويستمتع هو بالشيطان في قضاء حوائجه ~~وإعانته له # ومن لم يحط علما بهذا لم يعلم حقيقة الإيمان والشرك وسر امتحان الرب ~~سبحانه كلا من الثقلين بالآخر # ثم قالوا : @QB@ وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا @QE@ وهو يتناول أجل الموت ~~وأجل البعث فكلاهما أجل أجله الله تعالى لعباده وهما الأجلان اللذان قال ~~الله فيهما @QB@ ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده @QE@ # وكأن هذا والله أعلم إشارة منهم إلى نوع استعطاف وتوبة فكأنهم يقولون : ~~هذا أمر قد كان إلى وقت وانقطع بانقطاع أجله فلم يستمر ولم يدم فبلغ الأمر ~~الذي كان أجله وانتهى إلى غايته ولكل شيء آخر فقال تعالى : @QB@ النار ~~مثواكم خالدين فيها @QE@ فإنه وإن انقطع زمن التمتع وانقضى أجله فقد بقي ~~زمن العقوبة فلا يتوهم أنه إذا انقصى زمن الكفر والشرك وتمتع بعضكم ببعض أن ~~مفسدته زالت بزواله وانتهت ms525 بانتهائه والمقصود : أن الشيطان تلاعب بالمشركين ~~حتى عبدوه واتخذوه وذريته أولياء من دون الله # | فصل ومن تلاعبه بهم : أن زين لقوم عبادة الملائكة فعبدوهم بزعمهم # ولم تكن عبادتهم في الحقيقة لهم ولكن كانت للشياطين فعبدوا أقبح خلق الله ~~وأحقهم باللعن والذم قال تعالى : ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة ~~أهكؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا ~~يعبدون الجنع أكثرهم بهم مؤمنون وقال تعالى : ويوم يحشرهم وما يعبدون من ~~دون الله فيقول أأنتم PageV02P238 أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ~~قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم ~~وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا فقد كذبوكم بما تقولون فما ~~تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا وهذه الآيات تحتاج ~~إلى تفسير وبيان فقوله سبحانه : ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله عام في ~~كل عابد ومن عبده من دون الله # وأما قوله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل فقال مجاهد ~~فيما رواه ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه قال : هذا خطاب لعيسى وعزير والملائكة ~~وروى عنه ابن جريج نحوه # وأما عكرمة والضحاك والكلبي فقالوا : هو عام في الأوثان وعبدتها # ثم يأذن سبحانه لها في الكلام فيقول : أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء قال ~~مقاتل : يقول سبحانه أأنتم أمرتموهم بعبادتكم أم هم ضلوا السبيل أى أم هم ~~أخطؤا الطريق فأجاب المعبودون بما حكى الله عنهم من قولهم سبحانك ما كان ~~ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء # وهذا الجواب إنما يحسن من الملائكة والمسيح وعزيز ومن عبدهم المشركون من ~~أولياء الله ولهذا قال ابن جرير يقول تعالى ذكره قالت الملائكة وعيسى الذين ~~كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله تنزيها لك يا ربنا وتبرئه مما ~~أضاف إليك هؤلاء المشركون ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ~~نواليهم بل أنت ولينا من دونهم # وقال ابن عباس ومقاتل نزهوا الله وعظموه أن يكون معه ms526 إله PageV02P239 # وفيها قراءتان أشهرهما نتخذ بفتح النون وكسر الخاء على البناء للفاعل وهي ~~قراءة السبعة والثانية نتخذ بضم النون وفتح الخاء على البناء للمفعول وهي ~~قراءة الحسن ويزيد بن القعقاع # وعلى كل واحدة من القراءتين إشكال # فأما قراءة الجمهور فإن الله سبحانه إنما سألهم هل أضلوا المشركين بأمرهم ~~إياهم بعبادتهم أم هم ضلوا السبيل باختيارهم وأهوائهم وكيف يكون هذا الجواب ~~مطابقا للسؤال فإنه لم يسألهم هل اتخذتم من دوني من أولياء حتى يقولوا ما ~~كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء وإنما سألهم هل أمرتم عبادي هؤلاء ~~بالشرك أم هم أشركوا من قبل أنفسهم فالجواب المطابق أن يقولوا لم نأمرهم ~~بالشرك وإنما هم آثروه وارتضوه أو لم نأمرهم بعبادتنا كما قال في الآية ~~الأخرى عنهم 28 : 13 تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون # فلما رأى أصحاب القراءة الأخرى ذلك فروا إلى بناء الفعل للمفعول وقالوا ~~الجواب يصح على ذلك ويطابق إذ المعنى ليس يصلح لنا أن نعبد ونتخذ آلهة فكيف ~~نأمرهم بما لا يصلح لنا ولا يحسن منا # ولكن لزم هؤلاء من الإشكال أمر آخر وهو قوله من أولياء فإن زيادة من لا ~~يحسن إلا مع قصد العموم كما تقول ما قام من رجل وما ضربت من رجل فأما إذا ~~كان النفي واردا على شيء مخصوص فإنه لا يحسن زيادة من فيه وهم إنما نفوا عن ~~أنفسهم ما نسب إليهم من دعوى المشركين أنهم أمروهم بالشرك فنفوا عن أنفسهم ~~ذلك بأنه لا تحسن منهم ولا يليق بهم أن يعبدوا فكيف ندعوا عبادك إلى أن ~~يعبدونا فكان الواجب على هذا أن تقرأ ما كان ينبغي لنا أن نتخذ أولياء من ~~دونك @QB@ أو @QE@ من دونك أولياء # فأجاب أصحاب القراءة الأولى بوجوه # أحدها أن المعنى ما كان ينبغي لنا أن نعبد غيرك ونتخذ غيرك وليا ومعبودا ~~فكيف ندعو أحدا إلى عبادتنا أي إذا كنا نحن لا نعبد غيرك فكيف ندعو أحدا ~~إلى أن PageV02P240 يعبدنا والمعنى أنهم إذا كانوا لا يرون لأنفسهم ms527 عبادة ~~غير الله تعالى فكيف يدعون غيرهم إلى عبادتهم وهذا جواب الفراء # وقال الجرجاني هذا بالتدريج يصير جوابا للسؤال الظاهر وهو أن من عبد شيئا ~~فقد تولاه وإذا تولاه العابد صار المعبود وليا للعابد يدل على هذا قوله ~~تعالى ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم فدل على أن العابد يصير وليا للمعبود # ويصير المعنى كأنهم قالوا ما كان ينبغي لنا أن نأمر غيرنا باتخاذنا ~~أولياء وأن نتخذ من دونك وليا يعبدنا وهذا بسط لقول ابن عباس في هذه الآية # قال يقولون ما توليناهم ولا أحببنا عبادتهم قال ويحتمل أن يكون قولهم ما ~~كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء أن يريدوا معشر العبيد لا أنفسهم ~~أي نحن وهم عبيدك ولا ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دونك أولياء ولكنهم أضافوا ~~ذلك إلى أنفسهم تواضعا منهم كما يقول الرجل لمن أتى منكرا ما كان ينبغي لي ~~أن أفعل مثل هذا أي أنت مثلي عبد محاسب فإذا لم يحسن من مثلي أن يفعل هذا ~~لم يحسن منك أيضا # قال ولهذا الإشكال قرأ من قرأ نتخذ بضم النون وهذه القراءة أقرب في ~~التأويل # لكن قال الزجاج هذه القراءة خطأ لأنك تقول ما اتخذت من أحد وليا ولا يجوز ~~ما اتخذت أحدا من ولي لأن من إنما دخلت لأنها تنفي واحدا من معنى جميع تقول ~~ما من أحد قائما وما من رجل محبا لما يضره ولا يجوز ما رجل من محب لما يضره # قال ولا وجه عندنا لهذا ألبتة ولو جاز هذا لجاز في 69 : 47 فما منكم من ~~أحد عنه حاجزين ما أحد عنه من حاجزين فلو لم تدخل من لصحت هذه القراءة # قال صاحب النظم العلة في سقوط هذه القراءة أن من لا تدخل إلا على مفعول ~~لا مفعول دونه فإذا كان قبل المفعول مفعول سواه لم يحسن دخول من كقوله ~~PageV02P241 1935 : ما كان لله أن يتخذ من ولد فقوله من ms528 ولد لا مفعول دونه ~~سواه ولو قال ما كان لله أن يتخذ أحدا من ولد لم يحسن فيه دخول من لأن فعل ~~الإتخاذ مشغول بأحد # وصحح آخرون هذه القراءة لفظا ومعنى وأجروها على قواعد العربية # قالوا وقد قرأ بها من لا يرتاب في فصاحته فقرأ بها زيد بن ثابت وأبو ~~الدرداء وأبو جعفر ومجاهد ونصر بن علقمة ومكحول وزيد بن علي وأبو رجاء ~~والحسن وحفص بن حميد ومحمد بن علي على خلاف عن بعض هؤلاء ذكر ذلك أبو الفتح ~~بن جني ثم وجهها بأن يكون من أولياء في موضع الحال أي ما كان ينبغي لنا أن ~~نتخذ من دونك أولياء ودخلت من زائدة لمكان النفي كقولك اتخذت زيدا وكيلا ~~فإذا نفيت قلت ما اتخذت زيدا من وكيل وكذلك أعطيته درهما وما أعطيته من ~~درهم وهذا في المفعول فيه # قلت يعني أن زيادتها مع الحال كزيادتها مع المفعول # ونظير ذلك أن تقول ما ينبغي لي أن أخدمك متثاقلا فإذا أكدت قلت من متثاقل # فإن قيل فقد صحت القراءتان لفظا ومعنى فأيهما أحسن # قلت قراءة الجمهور أحسن وأبلغ في المعنى المقصود والبراءة مما لا يليق ~~بهم فإنهم على قراءة الضم يكونون قد نفوا حسن اتخاذ المشركين لهم أولياء ~~وعلى قراءة الجمهور يكونون قد أخبروا أنهم لا يليق بهم ولا يحسن منهم أن ~~يتخذوا وليا من دونه بل أنت وحدك ولينا ومعبودنا فإذا لم يحسن بنا أن نشرك ~~بك شيئا فكيف يليق بنا أن ندعو عبادك إلى أن يعبدونا من دونك وهذا المعنى ~~أجل من الأول وأكبر فتأمله # والمقصود أنه على القراءتين فهذا الجواب من الملائكة ومن عبد من دون الله ~~من أوليائه وأما كونه من الأصنام فليس بظاهر # وقد يقال إن الله سبحانه أنطقها بذلك تكذيبا لهم وردا عليهم وبراءة منهم ~~كقوله 2 : 166 إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا وفي الآية الأخرى 28 : ~~63 تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون PageV02P242 # ثم ذكر المعبودون سبب ترك العابدين الإيمان بالله تعالى بقولهم ms529 ولكن ~~متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا قال ابن عباس أطلت لهم ~~العمر وأفضلت عليهم ووسعت لهم في الرزق # وقال الفراء ولكنك متعتهم بالأموال والأولاد حتى نسوا ذكرك وكانوا قوما ~~بورا أي هلكى فاسدين قد غلب عليهم الشقاء والخذلان والبوار الهلاك والفساد ~~يقال بارت السلعة وبارت المرأة إذا كسدت ولم يحصل لها من يتزوجها # قال قتادة والله ما نسي قوم ذكر الله عز وجل إلا باروا وفسدوا # والمعنى ما أضللناهم ولكنهم ضلوا # قال الله تعالى فقد كذبوكم بما تقولون أي كذبكم المعبودون بقولكم فيهم ~~إنهم آلهة وإنهم شركاء أو بما تقولون إنهم أمروكم بعبادتهم ودعوكم إليها # وقيل الخطاب للمؤمنين في الدنيا أي فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء ~~المشركون بما تقولونه مما جاء به محمد عن الله من التوحيد والإيمان # والأول أظهر وعليه يدل السياق # ومن قرأها بالياء آخر الحروف فالمعنى فقد كذبوكم بقولهم ثم قال فما ~~تستطيعون صرفا ولا نصرا إخبارا عن حالهم يومئذ وأنهم لا يستطيعون صرف ~~العذاب عن أنفسهم ولا نصرها من الله # قال ابن زيد ينادي مناد يوم القيامة حتى يجتمع الخلائق 37 : 25 ما لكم لا ~~تناصرون يقول من عبد من دون الله لا ينصر اليوم من عبده والعابد لا ينصر ~~إلهه 26 بل هم اليوم مستسلمون فهذا حال عباد الشيطان يوم لقاء الرحمن ~~فواسوء حالهم حين امتيازهم عن المؤمنين إذا سمعوا النداء 36 : 59 وامتازوا ~~اليوم أيها المجرمون ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه ~~لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم ~~تكونوا تعقلون PageV02P243 # | فصل ومن تلاعبه وكيده تلاعبه بالثنوية وهم طائفة قالوا الصانع # اثنان ففاعل الخير نور وفاعل الشر ظلمة وهما قديمان لم يزالا ولن يزالا ~~قويين حساسين مدركين سميعين بصيرين وهما مختلفان في النفس والصورة متضادان ~~في الفعل والتدبير فالنور فاضل حسن نقي طيب الريح حسن المنظر ونفسه خيرة ~~كريمة حكيمة نفاعة منها الخيرات والمسرات والصلاح وليس فيها شيء من ms530 الضرر ~~ولا من الشر # والظلمة على ضد ذلك من الكدر والنقص ونتن الريح وقبح المنظر ونفسها نفس ~~شريرة بخيلة سفيهة منتنة مضرة منها الشر والفساد # ثم اختلفوا فقالت فرقة منهم إن النور لم يزل فوق الظلمة # وقالت فرقة بل كل واحد منهما إلى جانب الآخر # وقالت فرقة النور لم يزل مرتفعا في ناحية الشمال والظلمة منحطة في الجنوب ~~ولم يزل كل واحد منهما مباينا لصاحبه # وزعموا أن لكل واحد منهما أربعة أبدان وخامس هو الروح فأبدان النور ~~الأربعة النار والنور والريح والماء وروحه النسيم ولم يزل يتحرك في هذه ~~الأبدان # وأبدان الظلمة الأربعة الحريق والظلمة والسموم والضباب وروحها الدخان ~~وسموا أبدان النور ملائكة وسموا أبدان الظلمة شياطين وعفاريت # وبعضهم يقول الظلمة تتولد شياطين والنور يتولد ملائكة والنور لا يقدر على ~~الشر ولا يجيء منه والظلمة لا تقدر على الخير ولا يجي منها # ولهم مذاهب سخيفة جدا PageV02P244 # وفرض عليهم صوم سبع العمر وأن لا يؤذي أحدهم ذا روح ألبتة # ومن شريعتهم أن لا يدخروا إلا قوت يوم وتجنب الكذب والبخل والسحر وعبادة ~~الأوثان والزنا والسرقة # واختلفوا هل الظلمة قديمة أو حادثة # فقالت فرقة منهم هي قديمة لم تزل مع النور # وقالت فرقة بل النور هو القديم ولكنه فكر فكرة رديئة حدثت منها الظلمة # فدار مذهبهم على أصلين من أبطل الباطل # أحدهما أن شر الموجودات وأخبثها وأردأها كفؤ لخير الموجودات وضد له ~~ومناوء له يعارضه ويضاده ويناقضه دائما ولا يستطيع دفعه # وهذا أعظم من شرك عباد الأصنام الذين عبدوها لتقربهم إلى الله تعالى ~~فإنهم جعلوها مملوكة له مربوبة مخلوقة كما كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك ~~اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه ومالك # والأصل الثاني أنهم نزهو النور أن يصدره منه شر ثم جعلوه منبع الشر كله ~~وأصله ومولده وأثبتوا إلهين وربين وخالقين فجمعوا بين الكفر بالله تعالى ~~وأسمائه وصفاته ورسله وأنبيائه وملائكته وشرائعه وأشركوا به أعظم الشرك # وحكى أرباب المقالات عنهم أن قوما منهم يقال لهم الديصانية ms531 زعموا أن طينة ~~العالم كانت طينة خشنة وكانت تحاكي جسم النور الذي هو الباري عندهم زمانا ~~فتأذى بها # فلما طال ذلك عليه قصد تنحيتها عنه فتوحل فيها واختلط بها فتركب من ~~بينهما PageV02P245 هذا العالم المشتمل على النور والظلمة فما كان من جهة ~~الصلاح فمن النور وما كان من جهة الفساد فمن الظلمة قال : وهؤلاء يغتالون ~~الناس ويخنقونهم ويزعمون أنهم يحسنون إليهم بذلك وأنهم يخلصون الروح ~~النورانية من الجسد المظلم # وقال بعضهم : إن الباري سبحانه لما طالت وحدته استوحش ففكر فكرة سوء ~~فتجسمت فكرته فاستحالت ظلمة فحدث منها إبليس فرام الباري إبعاده عن نفسه ~~فلم يستطع فتحرز منه بخلق الجنود والخيرات فشرع إبليس في خلق الشر وأصل عقد ~~مذهبهم الذي عليه خواصهم : إثبات القدماء الخمسة : الباري والزمان والخلاء ~~والهيولي وإبليس فالباري خالق الخيرات وإبليس خالق الشرور وكان محمد بن ~~زكريا الرازى على هذا المذهب لكنه لم يثبت إبليس فجعل مكانه النفس وقال : ~~بقدم الخمسة مع ما رشحه به من مذاهب الصابئة والدهرية والفلاسفة والبراهمة ~~فكان قد أخذ من كل دين شر ما فيه وصنف كتابا في إبطال النبوات ورسالة في ~~إبطال المعاد فركب مذهبا مجموعا من زنادقة العالم # وقال : أنا أقول : إن الباري والنفس والهيولي والمكان والزمان : قدماء ~~وأن العالم محدث # فقيل له : فما العلة في إحداثه # فقال : إن النفس اشتهت أن تحبل في هذا العالم وحركتها الشهوة لذلك ولم ~~تعلم ما يلحقها من الوبال إذا حبلت فيه فاضطربت وحركت الهيولي حركات مشوشة ~~مضطربة على غير نظام وعجزت عما أرادت فأعانها الباري على إحداث هذا العالم ~~وحملها على النظام والاعتدال وعلم أنها إذا ذاقت وبال ما اكتسبته عادت إلى ~~عالمها وسكن اضطرابها وزالت شهواتها واستراحت فأحدثت هذا العالم بمعاونة ~~الباري لها قال : ولولا ذلك لما قدرت على إحداث هذا العالم ولولا هذه العلة ~~لما حدث هذا العالم # ولولا أن الله سبحانه يحكي عن المشركين والكفار أقوالا أسخف من هذا وأبطل ~~لاستحيى العاقل من حكاية مثل هذا ولكن الله سبحانه سن لنا ms532 حكاية أقوال ~~أعدائه PageV02P246 وفي ذلك من قوة الإيمان وظهور جلالته ومعرفة قدره وتمام ~~نعمة الله تعالى على أهله به ومعرفة قدر خذلانه للعبد وإلى أي شيء يصيره ~~الخذلان حتى يصير ضحكة لكل عاقل فأي ضلال وأي خذلان أعجب ممن أن يفني عمره ~~في النظر والبحث وهذا غاية علمه بالله عز وجل وبالمبدأ والمعاد # | فصل والمجوس تعظم الأنوار والنيران والماء والأرض ويقرون بنبوة زرا # دشت ولهم شرائع يصيرون إليها وهم فرق شتى منهم : المزدكية أصحاب مزدك ~~الموبذ والموبذ عندهم : العالم القدوة وهؤلاء يرون الاشتراك في النساء ~~والمكاسب كما يشترك في الهواء والطرق وغيرها ومنهم الخرمية : أصحاب بابك ~~الخرمي وهم شر طوائفهم لا يقرون بصانع ولا PageV02P247 معاد ولا نبوة ولا ~~حلال ولا حرام وعلى مذهبهم : طوائف القرامطة والإسماعلية والنصيرية ~~والبشكية والدرزية والحاكمية وسائر العبيدية الذين PageV02P248 يسمون ~~أنفسهم الفاطمية وهم من أكفر الكفار كما ستأتي ترجمتهم فكل هؤلاء يجمعهم ~~هذا المذهب ويتفاوتون في التفصيل # فالمجوس شيوخ هؤلاء كلهم وأئمتهم وقدوتهم وإن كان المجوس قد يتقيدون بأصل ~~دينهم وشرائعهم وهؤلاء لا يتقيدون بدين من ديانات العالم ولا بشريعة من ~~الشرائع # | ذكر تلاعبه بالصابئة هذه أمة كبيرة من الأمم الكبار # وقد اختلف الناس فيهم اختلافا كثيرا بحسب ما وصل إليهم من معرفة دينهم ~~وهم منقسمون إلى مؤمن وكافر قال الله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون # فذكرهم في الأمم الأربعة الذين تنقسم كل أمة منهم إلى ناج وهالك ~~PageV02P249 وذكرهم أيضا في الأمم الستة الذين انقسمت جملتهم إلى ناج وهالك ~~كما في قوله : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس ~~والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة # فذكر الأمتين اللتين لا كتاب لهم ولا ينقسمون إلى شقي وسعيد وهما : ~~المجوس والمشركون في آية الفصل ولم يذكرهما في آية الوعد بالجنة وذكر ~~الصابئين فيهما فعلم أن فيهم الشقي والسعيد # وهؤلاء كانوا قوم إبراهيم الخليل وهم أهل ms533 دعوته وكانوا بحران فهي دار ~~الصابئة وكانوا قسمين صائبة حنفاء وصابئة مشركين والمشركون منهم يعظمون ~~الكواكب السبعة والبروج الاثني عشر ويصورونها في هياكلهم # ولتلك الكواكب عندهم هياكل مخصوصة وهي المتعبدات الكبار كالكنائس للنصارى ~~والبيع لليهود فلهم هيكل كبير للشمس وهيكل للقمر وهيكل للزهرة وهيكل ~~للمشتري وهيكل للمريخ وهيكل لعطارد وهيكل لزحل وهيكل للعلة الأولى # ولهذه الكواكب عندهم عبادات ودعوات مخصوصة ويصورونها في تلك الهياكل ~~ويتخذون لها أصناما تخصها ويقربون لها القرابين ولها صلوات خمس في اليوم ~~والليلة نحو صلوات المسلمين # وطوائف منهم يصومون شهر رمضان ويستقبلون في صلواتهم الكعبة ويعظمون مكة ~~ويرون الحج إليها ويحرمون الميتة والدم ولحم الخنزير ويحرمون من القرابات ~~في النكاح ما يحرمه المسلمون PageV02P250 وعلى هذا المذهب كان جماعة من ~~أعيان الدولة ببغداد منهم هلال بن المحسن الصابىء صاحب الديوان الإنشائي ~~وصاحب الرسائل المشهورة وكان يصوم مع المسلمين ويعيد معهم ويزكي ويحرم ~~المحرمات وكان الناس يعجبون من موافقته للمسلمين وليس على دينهم وأصل دين ~~هؤلاء فيما زعموا أنهم يأخذون بمحاسن ديانات العالم ومذاهبهم ويخرجون من ~~قبيح ما هم عليه قولا وعملا ولهذا سموا صابئة أي خارجين فقد خرجوا عن ~~تقيدهم بجملة كل دين وتفصيله إلا ما رأوه فيه من الحق وكانت قريش تسمي ~~النبيالصابىء وأصحابه الصبأة يقال : صبأ الرجل بالهمز إذا خرج من شيء إلى ~~شيء وصبا يصبو إذا مال ومنه قوله : وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن أي أمل ~~والمهموز والمعتل يشتركان فالمهموز : ميل عن الشيء والمعتل : ميل إليه واسم ~~الفاعل من المهموز : صابىء بوزن قارىء ومن المعتل : صاب بوزن قاض وجمع ~~الأول : صابئون كقارئون وجمع الثاني : صابون كقاضون وقد قرىء بهما # والمقصود : أن هذه الأمة قد شاركت جميع الأمم وفارقتهم فالحنفاء منهم ~~شاركوا أهل الاسلام في الحنيفية والمشركون منهم شاركوا عباد الأصنام ورأوا ~~أنهم على صواب وأكثر هذه الأمة فلاسفة والفلاسفة يأخذون من كل دين بزعمهم ~~محاسن ما دلت عليه العقول وعقلاؤهم يوجبون اتباع الأنبياء وشرائعهم وبعضهم ~~لا يوجب ذلك ولا يحرمه وسفهاؤهم وسفلتهم يمنعون ms534 ذلك كما سيأتي ذكر تلاعب ~~الشيطان بهم بعد هذا PageV02P251 # ولهذا لم يكن هؤلاء الفلاسفة ولا الصابئة من الأمم المستقلة التي لها ~~كتاب ونبي وإن كانوا من أهل دعوة الرسل فما من أمة إلا وقد أقام الله ~~سبحانه عليها حجته وقطع عنها حجتها لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ~~وتكون حجته عليهم والمقصود : أن الصابئة فرق فصابئة حنفاء وصابئة مشركون ~~وصابئة فلاسفة وصابئة يأخذون بمحاسن ما عليه أهل الملل والنحل من غير تقيد ~~بملة ولا نحلة ثم منهم من يقر بالنبوات جملة ويتوقف في التفصيل ومنهم من ~~يقر بها جملة وتفصيلا ومنهم من ينكرها جملة وتفصيلا # وهم يقرون أن للعالم صانعا فاطرا حكيما مقدسا عن العيوب والنقائص ثم قال ~~المشركون منهم : لا سبيل لنا إلى الوصول إلى جلاله إلا بالوسائط فالواجب ~~علينا أن نتقرب إليه بتوسطات الروحانيات القريبة منه وهم الروحانيون ~~المقربون المقدسون عن المواد الجسمانية وعن القوى الجسدانية بل قد جبلوا ~~على الطهارة فنحن نتقرب إليهم ونتقرب بهم إليه فهم أربابنا وا لهتنا ~~وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الا لهة فما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن الشهوات الطبيعية ونهذب أخلاقنا من ~~علائق القوى الغضبية حتى تحصل المناسبة بيننا وبين الروحانيات وتتصل ~~أرواحنا بهم فحينئذ نسأل حاجتنا منهم ونعرض أحوالنا عليهم ونصبوا في جميع ~~أمورنا إليهم فيشفعون لنا إلى إلهنا وإلهكهم # وهذا التطهير والتهذيب لا يحصل إلا باستمداد من جهة الروحانيات وذلك ~~بالتضرع والابتهال بالدعوات : من الصلوات والزكوات وذبح القرابين والبخورات ~~والعزائم فحينئذ يحصل لنفوسنا استعداد واستمداد من غير واسطة الرسل بل نأخذ ~~من المعدن الذي أخذت منه الرسل فيكون حكمنا وحكمهم واحدا ونحن وإياهم ~~بمنزلة واحدة # قالوا : والأنبياء أمثالنا في النوع وشركاؤنا في المادة وأشكالنا في ~~الصورة يأكلون PageV02P252 مما نأكل ويشربون مما نشرب وما هم إلا بشر مثلنا ~~يريدون أن يتفضلوا علينا # وزادت الاتحادية أتباع ابن عربي وابن سبعين والعفيف التلمساني وأضرابهم ~~على هؤلاء بما قاله شيخ الطائفة محمد بن عربي ms535 : أن الولي أعلى درجة من ~~الرسول لأنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي إلى الرسول فهو ~~أعلى منه بدرجتين # فجعل هؤلاء الملاحدة أنفسهم وشيوخهم أعلى في التلقي من الرسل بدرجتين ~~وإخوانهم من المشركين جعلوا أنفسهم في ذلك التلقي بمنزلة الأنبياء ولم ~~يدعوا أنهم فوقهم # والمقصود : أن هؤلاء كفروا بالأصلين اللذين جاءت بهما جميع الرسل ~~والأنبياء من أولهم إلى ا خرهم # أحدهما : عبادة الله وحده لا شريك له والكفر بما يعبد من دونه من إله ~~والثاني : الإيمان برسله وما جاؤا به من عند الله تصديقا وإقرارا وانقيادا ~~وامتثالا وليس هذا مختصا بمشركي الصابئة كما غلط فيه كثير من أرباب ~~المقالات بل هذا مذهب المشركين من سائر الأمم لكن شرك الصابئة كان من جهة ~~الكواكب والعلويات ولذلك ناظرهم إمام الحنفاء صلوات الله وسلامه عليه في ~~بطلان إلهيتها بما حكاه الله سبحانه في سورة الأنعام أحسن مناظرة وأبينها ~~ظهرت فيها حجته ودحضت حجتهم فقال بعد أن بين بطلان إلهية الكواكب والقمر ~~والشمس بأفولها وأن الإله لا يليق به أن يغيب ويأفل بل لا يكون إلا شاهدا ~~غير غائب كما لا يكون إلا غالبا قاهرا غير مغلوب ولا مقهور نافعا لعباده ~~يملك لعابده الضر والنفع فيسمع كلامه ويرى مكانه ويهديه ويرشده ويدفع عنه ~~كل ما يضره ويؤذيه وذلك ليس إلا لله وحده فكل معبود سواه باطل # فلما رأى إمام الخنفا أن الشمس والقمر والكواكب ليست بهذه المثابة صعد ~~منها إلى فاطرها وخالقها ومبدعها فقال : إنعى وجهت وجهي للذي فطر السموات ~~والأرض حنيفا # وفي ذلك إشارة إلى أنه سبحانه خالق أمكنتها ومحالها التي هي مفتقرة إليها ~~ولا قوام لها إلا بها فهي محتاجة إلى محل تقوم به وفاطر يخلقها ويدبرها ~~ويربها والمحتاج المخلوق المربوب المدبر لا يكون إلها فحاجه قومه في الله ~~ومن حاج في عبادة الله فحجته داحضة فقال PageV02P253 إبراهيم عليه السلام : ~~أتحاجونى ع في الله وقد هدان وهذا من أحسن الكلام أي أتريدون أن تصرفوني عن ~~الإقرار بربي وبتوحيده وعن ms536 عبادته وحده وتشككوني فيه وقد أرشدني وبين لي ~~الحق حتى استبان لي كالعيان وبين لي بطلان الشرك وسوء عاقبته وأن ا لهتكم ~~لا تصلح للعبادة وأن عبادتها توجب لعابديها غاية الضرر في الدنيا والا خرة ~~فكيف تريدون مني أن أنصرف عن عبادته وتوحيده إلى الشرك به وقد هداني إلى ~~الحق وسبيل الرشاد فالمحاجة والمجادلة إنما فائدتها طلب الرجوع والانتقال ~~من الباطل إلى الحق ومن الجهل إلى العلم ومن العمى إلى الإبصار ومجادلتكم ~~إياي في الاله الحق الذي كل معبود سواه باطل تتضمن خلاف ذلك # فخوفوه با لهتهم أن تصيبه بسوء كما يخوف المشرك الموحد بإلهه الذي يألهه ~~مع الله أن يناله بسوء فقال الخليل : ولا أخاف ما تشركون به فإن ا لهتكم ~~أقل وأحقر من أن تضر من كفر بها وجحد عبادتها ثم رد الأمر إلى مشيئة الله ~~وحده وأنه هو الذي يخاف ويرجى فقال : @QB@ إلا أن يشاء ربي شيئا @QE@ وهذا ~~استثناء منقطع والمعنى : لا أخاف ا لهتكم فإنها لا مشيئة لها ولا قدرة لكن ~~إن شاء ربي شيئا نالني وأصابني لا ا لهتكم التي لا تشاء ولا تعلم شيئا وربي ~~له المشيئة النافذة وقد وسع كل شيء علما فمن أولى بأن يخاف ويعبد : هو ~~سبحانه أم هي # ثم قال : @QB@ أفلا تتذكرون @QE@ فتعلمون ما أنتم عليه من إشراك من لا ~~مشيئة له ولا يعلم شيئا ممن له المشيئة التامة والعلم التام ثم قال : وكيف ~~أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزعل به عليكم سلطانا ~~وهذا من أحسن قلب الحجة وجعل حجة المبطل بعينها دالة على فساد قوله وبطلان ~~مذهبه فإنهم خوفوه با لهتهم التي لم ينزل الله عليهم سلطانا بعبادتها وقد ~~تبين بطلان إلهيتها ومضرة عبادتها ومع هذا فلا تخافون شرككم بالله وعبادتكم ~~معه ا لهة أخرى فأي الفريقين أحق بالأمن وأولى بأن لا يلحقه الخوف فريق ~~الموحدين أم فريق المشركين PageV02P254 فحكم الله سبحانه بين الفريقين ~~بالحكم العدل الذي لا حكم أصح منه فقال : الذين ا ms537 منوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم أي بشرك @QB@ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون @QE@ # ولما نزلت هذه الا ية شق أمرها على الصحابة وقالوا : يا رسول الله وأينا ~~لم يظلم نفسه فقال إنما هو الشرك : ألم تسمعوا قول العبد الصالح إن الشرك ~~لظلم عظيم # فحكم سبحانه للموحدين بالهدى والأمن وللمشركين بضد ذلك وهو الضلال والخوف ~~ثم قال @QB@ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ~~ربك حكيم عليم @QE@ # قال أبو محمد بن حزم وكان الذي ينتحله الصابئون أقدم الأديان على وجه ~~الدهر والغالب على الدنيا إلى أن أحدثوا الحوادث وبدلوا شرائعه فبعث الله ~~إليهم إبراهيم خليله بدين الإسلام الذي نحن عليه اليوم وتصحيح ما أفسدوه ~~بالحنيفية السمحة التي أتانا بها محمد رسول الله من عند الله تعالى وكانوا ~~في ذلك الزمان وبعده يسمون الحنفاء # قلت هم قسمان صابئة مشركون وصابئة حنفاء وبينهم مناظرات وقد حكى ~~الشهرستاني بعض مناظراتهم في كتابه # | فصل في ذكر تلاعبه بالدهرية وهؤلاء قوم عطلوا المصنوعات عن # صانعها وقالوا ما حكاه الله عنهم 45 : 24 @QB@ وقالوا ما هي إلا حياتنا ~~الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر @QE@ # وهؤلاء فرقتان فرقة قالت إن الخالق سبحانه لما خلق الأفلاك متحركة أعظم ~~حركة دارت عليه فأحرقته ولم يقدر على ضبطها وإمساك حركاتها PageV02P255 # وفرقة قالت إن الأشياء ليس لها أول ألبتة وإنما تخرج من القوة إلى الفعل ~~فإذا خرج ما كان بالقوة إلى الفعل تكونت الأشياء مركباتها وبسائطها من ~~ذاتها لا من شيء آخر # وقالوا إن العالم دائم لم يزل ولا يزال لا يتغير ولا يضمحل ولا يجوز أن ~~يكون المبدع يفعل فعلا يبطل ويضمحل إلا وهو يبطل ويضمحل مع فعله وهذا ~~العالم هو الممسك لهذه الأجزاء التي هي فيه # وهؤلاء هم المعطلة حقا وهم فحول المعطلة وقد سرى هذا التعطيل إلى سائر ~~فرق المعطلة على اختلاف آرائهم وتباينهم في التعطيل كما سرى داء الشرك ~~تأصيلا وتفصيلا في سائر فرق المشركين على اختلاف مذاهبهم فيه وكما سرى جحد ~~النبوات تأصيلا ms538 وتفصيلا في سائر من جحد النبوة أو صفة من صفاتها أو أقر بها ~~جملة وجحد مقصودها وزبدتها أو بعضه # فهذه الفرق الثلاثة سرى داؤها وبلاؤها في الناس ولم ينج منه إلا أتباع ~~الرسل العارفون بحقيقة ما جاء به المتمسكون به دون ما سواه ظاهرا وباطنا # فداء التعطيل وداء الإشراك وداء مخالفة الرسول وجحد ما جاء به أو شيء منه ~~هو أصل بلاء العالم ومنبع كل شر وأساس كل باطل فليست فرقة من فرق أهل ~~الإلحاد والباطل والبدع إلا وقولها مشتق من هذه الأصول الثلاثة أو من بعضها # فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة % وإلا فإني لا أظنك ناجيا # | فصل فسرت هذه البلايا الثلاثة في كثير من طوائف الفلاسفة لا في # جميعهم فإن الفلسفة من حيث هي لا تعطي ذلك فإن معناها محبة الحكمة ~~والفيلسوف أصله فيلاسوفا أي محبة الحكمة ففيلا هي المحب وسوفا هي الحكمة ~~والحكمة نوعان قولية وفعلية فالقولية قول الحق والفعلية فعل الصواب وكل ~~طائفة من الطوائف لهم حكمة يتقيدون بها # وأصح الطوائف حكمة من كانت حكمتهم أقرب إلى حكمة الرسل التي جاءوا بها عن ~~الله PageV02P256 تعالى قال تعالى عن نبيه داود عليه السلام 38 : 20 @QB@ ~~وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب @QE@ وقال عن المسيح عليه السلام 3 : 48 @QB@ ~~ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل @QE@ وقال عن يحيى عليه السلام 19 ~~: 12 @QB@ وآتيناه الحكم صبيا @QE@ والحكم هو الحكمة وقال لرسوله محمد صلى ~~الله عليه وسلم 4 : 113 @QB@ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة @QE@ وقال 2 : ~~219 @QB@ يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا @QE@ ~~وقال لأهل بيت رسوله 33 : 33 @QB@ واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ~~والحكمة @QE@ # فالحكمة التي جاءت بها الرسل هي الحكمة الحق المتضمنة للعلم النافع ~~والعمل الصالح للهدى ودين الحق لإصابة الحق اعتقادا وقولا وعملا وهذه ~~الحكمة فرقها الله سبحانه بين أنبيائه ورسله وجمعها لمحمد كما جمع له من ~~المحاسن ما فرقه في الأنبياء قبله وجمع في كتابه من العلوم والأعمال ما ~~فرقه ms539 في الكتب قبله فلو جمعت كل حكمة صحيحة في العالم من كل طائفة لكانت في ~~الحكمة التي أوتيها صلوات الله وسلامه عليه جزءا يسيرا جدا لا يدرك البشر ~~نسبته # والمقصود أن الفلاسفة اسم جنس لمن يجب الحكمة ويؤثرها # وقد صار هذا الإسم في عرف كثير من الناس مختصا بمن خرج عن ديانات ~~الأنبياء ولم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل في زعمه # وأخص من ذلك أنه في عرف المتأخرين اسم لاتباع إرسطو وهم المشاءون خاصة ~~وهم الذين هذب ابن سينا طريقتهم وبسطها وقررها وهي التي يعرفها بل لا يعرف ~~سواها المتأخرون من المتكلمين # وهؤلاء فرقة شاذة من فرق الفلاسفة ومقالتهم واحدة من مقالات القوم حتى ~~قيل إنه ليس فيهم من يقول بقدم الأفلاك غير إرسطو وشيعته فهو أول من عرف ~~أنه قال بقدم هذا العالم والأساطين قبله كانوا يقولون بحدوثه وإثبات الصانع ~~ومباينته للعالم وأنه فوق PageV02P257 العالم وفوق السموات بذاته كما حكاه ~~عنهم أعلم الناس في زمانه بمقالاتهم أبو الوليد بن رشد في كتابه مناهج ~~الأدلة # فقال فيه القول في الجهة # وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه ~~حتى نفتها المعتزلة ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية كأبي المعالي ومن ~~اقتدى بقوله إلى أن قال والشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء وأن منه ~~تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين وأن من السموات نزلت الكتب وإليها كان ~~الإسراء بالنبي حتى قرب من سدرة المنتهى وجميع الحكماء اتفقوا على أن الله ~~والملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك ثم ذكر تقرير ذلك ~~بالمعقول وبين بطلان الشبهة التي لأجلها نفتها الجهمية ومن وافقهم إلى أن ~~قال : فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل وأنه الذي جاء ~~به الشرع وانبنى عليه وأن إبطال هذه القاعدة إبطال للشرائع # فقد حكى لك هذا المطلع على مقالات القوم الذي هو أعرف بالفلسفة من ابن ~~سينا وأضرابه : إجماع الحكماء على أن الله سبحانه في السماء ms540 فوق العالم # والمتطفلون في حكايات مقالات الناس لا يحكون ذلك أما جهلا وإما عمدا ~~وأكثر من رأيناه يحكي مذاهبهم ومقالات الناس متطفل # وكذلك الأساطين منهم متفقون على إثبات الصفات والأفعال وحدوث العالم ~~وقيام الأفعال الاختيارية بذاته سبحانه كما ذكره فيلسوف الإسلام في وقته ~~أبو البركات البغدادي وقرره غاية التقرير وقال : لا يستقيم كون الرب سبحانه ~~رب العالمين إلا بذلك وأن نفي هذه المسألة ينفي ربوبيته قال : والإجلال من ~~هذا الإجلال والتنزيه من هذا التنزيه أولى PageV02P258 # | فصل وكذلك كان أساطينهم ومتقدموهم العارفون فيهم معظمين للرسل # والشرائع موجبين لاتباعهم خاضعين لأقوالهم معترفين بأن ما جاءوا به طور ~~آخر وراء طور العقل وأن عقول الرسل وحكمتهم فوق عقول العالمين وحكمتهم ~~وكانوا لا يتكلمون في الإلهيات ويسلمون باب الكلام فيها إلى الرسل ويقولون ~~: علومنا إنما هي الرياضيات والطبيعيات وتوابعها وكانوا يقرون بحدوث العالم ~~وقد حكى أرباب المقالات أن أول من عرف عنه القول بقدم هذا العالم أرسطو ~~وكان مشركا يعبد الأصنام وله في الإلهيات كلام كله خطأ من أوله إلى آخره ~~وقد تعقبه بالرد عليه طوائف المسلمين حتى الجهمية والمعتزلة والقدرية ~~والرافضة وفلاسفة الإسلام أنكروه عليه وجاء فيه بما يسخر منه العقلاء # وأنكر أن يكون الله سبحانه يعلم شيئا من الموجودات وقرر ذلك بأنه لو علم ~~شيئا لكمل بمعلوماته ولم يكن كاملا في نفسه وبأنه كان يلحقه التعب والكلال ~~من تصور المعلومات # فهذا غاية عقل هذا المعلم والأستاذ # وقد حكى ذلك أبو البركات وبالغ في إبطال هذه الحجج وردها # فحقيقة ما كان عليه هذا المعلم لأتباعه : الكفر بالله تعالى وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر ودرج على أثره أتباعه من الملاحدة ممن يتستر ~~باتباع الرسل وهو منحل من كل ما جاءوا به وأتباعه يعظمونه فوق ما يعظم به ~~الأنبياء ويرون عرض ما جاءت به الأنبياء على كلامه فما وافقه منها قبلوه ~~وما خالفه لم يعبئوا به شيئا # ويسمونه المعلم الأول لأنه أول من وضع لهم التعاليم المنطقية كما أن ~~الخليل بن أحمد أول من وضع ms541 عروض الشعر PageV02P259 # وزعم أرسطو وأتباعه أن المنطق ميزان المعاني كما أن العروض ميزان الشعر ~~وقد بين نظار الإسلام فساد هذا الميزان وعوجه وتعويجه للعقول وتخبيطه ~~للأذهان وصنفوا في رده وتهافته كثيرا وآخر من صنف في ذلك شيخ الاسلام ابن ~~تيمية ألف في رده وإبطاله كتابين كبيرا وصغيرا بين فيه تناقضه وتهافته فساد ~~كثير من أوضاعه ورأيت فيه تصنيفا لأبي سعيد السيرافي # والمقصود : أن الملاحدة درجت على أثر هذا المعلم الأول حتى انتهت نوبتهم ~~إلى معلمهم الثاني : أبي نصر الفارابي فوضع لهم التعاليم الصوتية كما أن ~~المعلم الأول وضع لهم التعاليم الحرفية ثم وسع الفارابي الكلام في صناعة ~~المنطق وبسطها وشرح فلسفة أرسطو وهذبها وبالغ في ذلك وكان على طريقة سلفه : ~~من الكفر بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فكل فيلسوف لا ~~يكون عند هؤلاء كذلك فليس بفيلسوف في الحقيقة وإذا رأوه مؤمنا بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله ولقائه متقيدا بشريعة الإسلام نسبوه إلى الجهل ~~والغباوة فإن كان ممن لا يشكون في فضيلته ومعرفته نسبوه إلى التلبيس ~~والتنميس بناموس الدين استمالة لقلوب العوام # فالزندقة والإلحاد عند هؤلاء جزء من مسمى الفضيلة أو شرط # ولعل الجاهل يقول : إنا تحاملنا عليهم في نسبة الكفر بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله إليهم وليس هذا من جهله بمقالات القوم وجهله بحقائق الاسلام ~~ببعيد # فاعلم أن الله سبحانه وتعالى عما يقولون عندهم كما قرره أفضل متأخريهم ~~ولسانهم وقدوتهم الذي يقدمونه على الرسل : أبو علي بن سينا : هو الوجود ~~المطلق بشرط الإطلاق وليس له عندهم صفة ثبوتية تقوم به ولا يفعل شيئا ~~باختياره البتة ولا يعلم شيئا من الموجودات أصلا لا يعلم عدد الأفلاك ولا ~~شيئا من المغيبات ولا له كلام يقوم به ولا صفة # ومعلوم أن هذا إنما هو خيال مقدر في الذهن لا حقيقة له وإنما غايته ان ~~يفرضه الذهن PageV02P260 ويقدره كما يفرض الأشياء المقدرة وليس هذا هو الرب ~~الذي دعت إليه الرسل وعرفته الأمم بل بين هذا الرب الذي دعت إليه الملاحدة ~~وجردته عن الماهية وعن ms542 كل صفة ثبوتية وكل فعل اختياري وأنه لا داخل العالم ~~ولا خارجه ولا متصل به ولا مباين له ولا فوقه ولا تحته ولا أمامه ولا خلفه ~~ولا عن يمينه ولا عن شماله وبين رب العالمين وإله المرسلين من الفرق ما بين ~~الوجود والعدم والنفي والإثبات فأي موجود فرض كان أكمل من هذا الإله الذي ~~دعت إليه الملاحدة ونحتته أفكارهم بل منحوت الأيدي من الأصنام له وجود وهذا ~~الرب ليس له وجود ويستحيل وجوده إلا في الذهن هذا وقول هؤلاء الملاحدة أصلح ~~من قول معلمهم الأول أرسطو فإن هؤلاء أثبتوا وجودا واجبا ووجودا ممكنا هو ~~معلول له وصادر عنه صدور المعلول عن العلة وأما أرسطو فلم يثبته إلا من جهة ~~كونه مبدأ عقليا للكثرة وعلة غائية لحركة الفلك فقط وصرح بأنه لا يعقل شيئا ~~ولا يفعل باختياره وأما هذا الذي يوجد في كتب المتأخرين من حكاية مذهبه ~~فإنما هو من وضع ابن سينا فإنه قرب مذهب سلفه الملاحدة من دين الإسلام ~~بجهده وغاية ما أمكنه أن قربه من أقوال الجهمية الغالين في التجهم فهم في ~~غلوهم في تعطيلهم ونفيهم أسد مذهبا وأصح قولا من هؤلاء # فهذا ما عند هؤلاء من خبر الإيمان بالله عز وجل # وأما الإيمان بالملائكة فهم لا يعرفون الملائكة ولا يؤمنون بهم وإنما ~~الملائكة عندهم ما يتصوره النبي بزعمهم في نفسه من أشكال نورانية هي العقول ~~عندهم وهي مجردات ليست داخل العالم ولا خارجه ولا فوق السموات ولا تحتها ~~ولا هي أشخاص تتحرك ولا تصعد ولا تنزل ولا تدبر شيئا ولا تتكلم ولا تكتب ~~أعمال العبد ولا لها إحساس ولا حركة البتة ولا تنتقل من مكان إلى مكان ولا ~~تصف عند ربها ولا تصلي ولا لها تصرف في أمر العالم البتة فلا تقبض نفس ~~العبد ولا تكتب رزقه وأجله وعمله ولا عن اليمين ولا عن الشمال قعيد كل هذا ~~لا حقيقة له عندهم البتة وربما تقرب بعضهم إلى الإسلام فقال : الملائكة هي ~~القوى الخيرة الفاضلة التي في العبد ms543 والشياطين هي القوى الشريرة الرديئة ~~هذا إذا تقربوا إلى الإسلام وإلى الرسل PageV02P261 وأما الكتب فليس لله ~~عندهم كلام أنزله إلى الأرض بواسطة الملك فإنه ما قال شيئا ولا يقول ولا ~~يجوز عليه الكلام ومن تقرب منهم إلى المسلمين يقول : الكتب المنزلة فيض فاض ~~من العقل الفعال على النفس المستعدة الفاضلة الزكية فتصورت تلك المعاني ~~وتشكلت في نفسه بحيث توهمها أصواتا تخاطبه وربما قوي الوهم حتى يراها ~~أشكالا نورانية تخاطبه وربما قوي ذلك حتى يخيلها لبعض الحاضرين فيرونها ~~ويسمعون خطابها ولا حقيقة لشيء من ذلك في الخارج وأما الرسل والأنبياء ~~فللنبوة عندهم ثلاث خصائص من استكملها فهو نبي : أحدها : قوة الحدس يحيث ~~يدرك الحد الأوسط بسرعة الثانية : قوة التخيل والتخييل بحيث يتخيل في نفسه ~~أشكالا نورانية تخاطبه ويسمع الخطاب منها ويخيلها إلى غيره # الثالثة : قوة التأثير بالتصرف في هيولى العالم وهذا يكون عندهم بتجرد ~~النفس عن العلائق واتصالها بالمفارقات من العقول والنفوس المجردة وهذه ~~الخصائص تحصل بالاكتساب ولهذا طلب النبوة من تصوف على مذهب هؤلاء كابن ~~سبعين وابن هود وأضرابهما والنبوة عند هؤلاء صنعة من الصنائع بل من أشرف ~~الصنائع كالسياسة بل هي سياسة العامة وكثير منهم لا يرضى بها ويقول : ~~الفلسفة نبوة الخاصة والنبوة : فلسفة العامة # وأما الإيمان باليوم الآخر فهم لا يقرون بانفطار السموات وانتثار الكواكب ~~وقيامة الأبدان ولا يقرون بأن الله خلق السموات والآرض في ستة أيام وأوجد ~~هذا العالم بعد عدمه # فلا مبدأ عندهم ولا معاد ولا صانع ولا نبوة ولا كتب نزلت من السماء تكلم ~~الله بها ولا ملائكة تنزلت بالوحي من الله تعالى فدين اليهود والنصارى بعد ~~النسخ والتبديل خير وأهون من دين هؤلاء # وحسبك جهلا بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله من يقول : إنه سبحانه لو ~~علم الموجودات لحقه الكلال والتعب واستكمل بغيره وحسبك خذلانا وضلالا وعمى ~~: السير خلف هؤلاء وإحسان الظن بهم وأنهم أولوا العقول PageV02P262 وحسبك ~~عجبا من جهلهم وضلالهم : ما قالوه في سلسلة الموجودات وصدور العالم عن ~~العقول والنفوس إلى أن أنهوا صدور ms544 ذلك إلى واحد من كل جهة لا علم له بما ~~صدر عنه ولا قدرة له عليه ولا إرادة وأنه لم يصدر عنه إلا واحد فذلك الصادر ~~إن كان فيه كثرة بوجه ما فقد بطل ما أصلوه وإن لم يكن فيه كثرة البتة لزم ~~أن لا يصدر عنه إلا واحد مثله وتكثر الموجودات وتعددها يكذب هذا الرأي الذي ~~هو ضحكة للعقلاء وسخرية لأولي الألباب مع أن هذا كله من تخليط ابن سينا ~~وإرادته تقريب هذا المذهب من الشرائع وهيهات وإلا فالمعلم الأول لم يثبت ~~صانعا للعالم البتة # فالرجل معطل مشرك جاحد للنبوات والمعاد لا مبدأ عنده ولا معاد ولا رسول ~~ولا كتاب # والرازي وفروخه لا يعرفون من مذاهب الفلاسفة غير طريقه # ومذاهبهم وآراؤهم كثيرة جدا قد حكاها أصحاب المقالات كالأشعري في مقالاته ~~الكبيرة وأبي عيسى الوراق والحسن بن موسى النوبختين وأبو الوليد بن رشد ~~يحكي مذهب أرسطو غير ما حكاه ابن سينا ويغلطه في كثير من المواضع وكذلك أبو ~~البركات البغدادي يحكي نفس كلامه على غير ما يحكيه ابن سينا # | فصل والفلاسفة لا تختص بأمة من الأمم بل هم موجودون في سائر الأمم # وإن كان المعروف عند الناس الذين اعتنوا بحكاية مقالاتهم : هم فلاسفة ~~اليونان فهم طائفة من طوائف الفلاسفة وهؤلاء أمة من الأمم لهم مملكة وملوك ~~وعلماؤهم فلاسفتهم ومن ملوكهم الإسكندر المقدوني وهو ابن فيلبس وليس هو ~~بالإسكندر ذي القرنين الذي قص الله PageV02P263 تعالى نبأه في القرآن بل ~~بينهما قرون كثيرة وبينهما في الدين أعظم تباين فذو القرنين كان رجلا صالحا ~~موحدا لله تعالى يؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وكان ~~يغزو عباد الأصنام وبلغ مشارق الأرض ومغاربها وبنى السد بين الناس وبين ~~يأجوج ومأجوج وأما هذا المقدوني فكان مشركا يعبد الأصنام هو وأهل مملكته ~~وكان بينه وبين المسيح نحو ألف سنة وستمائة سنة والنصارى تؤرخ له وكان ~~أرسطاطاليس وزيره وكان مشركا يعبد الأصنام وهو الذي غزا دارا بن دار ملك ~~الفرس في عقر داره فثل عرشه ومزق ms545 ملكه وفرق جمعه ثم دخل إلى الصين والهند ~~وبلاد الترك فقتل وسبى # وكان لليونانيين في دولته عز وسطوة بسبب وزيره أرسطو فإنه كان مشيره ~~ووزيره ومدبر مملكته # وكان بعده لليونان عدة ملوك يعرفون بالبطالسة واحدهم بطليموس كما أن كسرى ~~ملك الفرس وقيصر ملك الروم # ثم غلبهم الروم واستولوا على ممالكهم فصاروا رعية لهم وانقرض ملكهم فصارت ~~المملكة للروم وصارت المملكة واحدة وهم على شركهم من عبادة الأصنام وهو ~~دينهم الظاهر ودين آبائهم فنشأ فيهم سقراط أحد تلامذة فيثاغورس وكان من ~~عبادهم ومتألهيهم وجاهرهم بمخالفتهم في عبادة الأصنام وقابل رؤساءهم ~~بالأدلة والحجج على بطلان عبادتها فثار عليه العامة واضطروا الملك إلى قتله ~~فأودعه السجن ليكفهم عنه ثم لم يرض المشركون إلا بقتله فسقاه السم خوفا من ~~شرهم بعد مناظرات طويلة جرت له معهم وكان مذهبه في الصفات قريبا من مذهب ~~أهل الإثبات فقال : إنه إله كل شىء وخالقه PageV02P264 ومقدره وهو عزيز أي ~~منيع ممتنع أن يضام وحكيم أي محكم أفعاله على النظام # وقال : إن علمه وقدرته ووجوده وحكمته بلا نهاية لا يبلغ العقل أن يضعها # وقال : إن تناهي المخلوقات بحسب احتمال القوابل لا بحسب الحكمة والقدرة ~~فلما كانت المادة لا تحتمل صورا بلا نهاية تناهت الصور لا من جهة بخل في ~~الواهب بل لقصور في المادة # قال : وعن هذا اقتضت الحكمة الإلهية أنها وإن تناهت ذاتا وصورة وحيزا ~~ومكانا إلا أنها لا تتناهى زمانا في آخرها لا من نحو أولها فاقتضت الحكمة ~~استبقاء الأشخاص باستبقاء الأنواع وذلك بتجدد أمثالها ليحفظ الأشخاص ببقاء ~~الأنواع ويستبقى الأنواع بتجدد الأشخاص فلا تبلغ القدرة إلى حد النهاية ولا ~~الحكمة تقف على غاية # ومن مذهبه : أن أخص ما يوصف به الرب سبحانه هو كونه حيا قيوما لأن العلم ~~والقدرة والجود والحكمة تندرج تحت كونه حيا قيوما فهما صفتان جامعتان للكل ~~وكان يقول : هو حي ناطق من جوهره أي من ذاته وحياته ونطقنا وحياتنا لا من ~~جوهرنا ولهذا يتطرق إلى حياتنا ونطقنا العدم والدثور والفساد ولا يتطرق ms546 ذلك ~~إلى حياته ونطقه وكلامه في المعاد والصفات والمبدأ أقرب إلى كلام الأنبياء ~~من كلام غيره وبالجملة فهو أقرب القوم إلى تصديق الرسل ولهذا قتله قومه ~~وكان يقول : إذا أقبلت الحكمة خدمت الشهوات العقول وإذا أدبرت خدمت العقول ~~الشهوات وقال : لا تكرهوا أولادكم على آثاركم فإنهم مخلوقون لزمان غير ~~زمانكم وقال : ينبغي أن يغتم بالحياة ويفرح بالموت لأن الإنسان يحيا ليموت ~~ثم يموت ليحيا وقال : قلوب المغرمين بالمعرفة بالحقائق منابر الملائكة ~~وقلوب المؤثرين للشهوات مقاعد للشياطين PageV02P265 # وقال : للحياة حدان أحدهما : الأمل والآخر : الأجل فبالأول بقاؤها ~~وبالآخر فناؤها وكذلك أفلاطون كان معروفا بالتوحيد وإنكار عبادة الأصنام ~~وإثبات حدوث العالم وكان تلميذ سقراط ولما هلك سقراط قام مقامه وجلس على ~~كرسيه # وكان يقول : إن للعالم صانعا محدثا مبدعا أزليا واجبا بذاته عالما بجميع ~~المعلومات # قال : وليس في الوجود رسم ولا طلل إلا ومثاله عند الباري تعالى يشير إلى ~~وجود صور المعلومات في علمه # فهو مثبت للصفات وحدوث العالم ومنكر لعبادة الأصنام ولكن لم يواجه قومه ~~بالرد عليهم وعيب آلهتهم فسكتوا عنه وكانوا يعرفون له فضله وعمله وصرح ~~أفلاطون بحدوث العالم كما كان عليه الأساطين وحكى ذلك عنه تلميذه أرسطو ~~وخالفه فيه فزعم أنه قديم وتبعه على ذلك ملاحدة الفلاسفة من المنتسبين إلى ~~الملل وغيرهم حتى انتهت النوبة إلى أبي علي بن سينا فرام بجهده تقريب هذا ~~الرأي من قول أهل الملل وهيهات اتفاق النقيضين واجتماع الضدين # فرسل الله تعالى وكتبه وأتباع الرسل في طرف وهؤلاء القوم في طرف # وكان ابن سينا كما أخبر عن نفسه قال : أنا وأبي من أهل دعوة الحاكم فكان ~~من القرامطة الباطنية الذين لا يؤمنون بمبدأ ولا معاد ولا رب خالق ولا رسول ~~مبعوث جاء من عند الله تعالى # وكان هؤلاء زنادقة يتسترون بالرفض ويبطنون الإلحاد المحض وينتسبون إلى ~~أهل بيت الرسول وهو وأهل بيته برآء منهم نسبا ودينا وكانوا PageV02P266 ~~يقتلون أهل العلم والإيمان ويدعون أهل الإلحاد والشرك والكفران لا يحرمون ~~حراما ولا يحلون حلالا وفي زمنهم ولخواصهم ms547 وضعت رسائل إخوان الصفا ولما ~~انتهت النوبة إلى نصير الشرك والكفر الملحد وزير الملاحدة النصير الطسى ~~وزير هولاكو شفا نفسه من أتباع الرسول وأهل دينه فعرضهم على السيف حتى شفا ~~إخوانه من الملاحدة واشتفى هو فقتل الخليفة والقضاة والفقهاء والمحدثين ~~واستبقى الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين والسحرة ونقل أوقاف المدارس ~~والمساجد والربط إليهم وجعلهم خاصته وأولياءه ونصر في كتبه قدم العالم ~~وبطلان المعاد وإنكار صفات الرب جل جلاله : من علمه وقدرته وحياته وسمعه ~~وبصره وأنه لا داخل العالم ولا خارجه وليس فوق العرش إله يعبد ألبتة واتخذ ~~للملاحدة مدارس ورام جعل إشارات إمام الملحدين ابن سينا مكان القرآن فلم ~~يقدر على ذلك فقال : هي قرآن الخواص وذاك قرآن العوام ورام تغيير الصلاة ~~وجعلها صلاتين فلم يتم له الأمر وتعلم السحر في آخر الأمر فكان ساحرا يعبد ~~الأصنام # وصارع محمد الشهرستاني ابن سينا في كتاب سماه المصارعة أبطل فيه قوله ~~بقدم العالم وإنكار المعاد ونفي علم الرب تعالى وقدرته وخلقه العالم فقام ~~له نصير الإلحاد وقعد ونقضه بكتاب سماه مصارعة المصارعة ووقفنا على ~~الكتابين نصر فيه : أن الله تعالى لم يخلق السموات والأرض في ستة أيام وأنه ~~لا يعلم شيئا وأنه لا يفعل شيئا بقدرته واختياره ولا يبعث من في القبور # وبالجملة فكان هذا الملحد هو وأتباعه من الملحدين الكافرين بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر PageV02P267 # والفلسفة التي يقرؤها أتباع هؤلاء اليوم هي مأخوذة عنه وعن إمامه ابن ~~سينا وبعضها عن أبي نصر الفارابي وشيء يسير منها من كلام أرسطو وهو مع قلته ~~وغثاثته وركاكة ألفاظه كثير التطويل لا فائدة فيه وخيار ما عند هؤلاء فالذي ~~عند مشركي العرب من كفار قريش وغيرهم أهون منه فإنهم يدأبون حتى يثبتوا ~~واجب الوجود ومع إثباتهم له فهو عندهم وجود مطلق لا صفة له ولا نعت ولا فعل ~~يقوم به لم يخلق السموات والأرض بعد عدمها ولا له قدرة على فعل ولا يعلم ~~شيئا وعباد الأصنام كانوا يثبتون ربا خالقا مبدعا عالما قادرا حيا ويشركون ~~به ms548 في العبادة فنهاية أمر هؤلاء الوصول إلى شيء برز عليهم فيه عباد الأصنام # وهم فرق شتى لا يحصيهم إلا الله عز وجل # وأحصى المعتنون بمقالات الناس منهم اثنتي عشرة فرقة كل فرقة منها مختلفة ~~اختلافا كثيرا عن الأخرى فمنهم أصحاب الرواق وأصحاب الظلة والمشاءون وهم ~~شيعة أرسطو وفلسفتهم هي الدائرة اليوم بين الناس وهي التي يحكيها ابن سينا ~~والفارابي وابن خطيب الري وغيرهم # ومنهم الفيثاغورية والأفلاطونية ولا تكاد تجد منهم اثنين متفقين على رأي ~~واحد بل قد تلاعب بهم الشيطان كتلاعب الصبيان بالكرة ومقالاتهم أكثر من أن ~~نذكرها على التفصيل # وبالجملة : فملاحدتهم هم أهل التعطيل المحض فإنهم عطلوا الشرائع وعطلوا ~~المصنوع عن الصانع وعطلوا الصانع عن صفات كماله وعطلوا العالم عن الحق الذي ~~خلق له وبه فعطلوه عن مبدئه ومعاده وعن فاعله وغايته ثم سرى هذا الداء منهم ~~في الأمم وفي فرق المعطلة فكان منهم إمام المعطلين فرعون فإنه أخرج التعطيل ~~إلى العمل وصرح به وأذن به بين قومه ودعا إليه وأنكر أن يكون لقومه إله ~~غيره وأنكر أن يكون الله تعالى PageV02P268 فوق سمواته على عرشه وأن يكون ~~كلم عبده موسى تكليما وكذب موسى في ذلك وطلب من وزيره هامان أن يبني له ~~صرحا ليطلع بزعمه إلى إله موسى عليه السلام وكذبه في ذلك فاقتدى به كل جهمي ~~فكذب أن يكون الله مكلعما مكلما أو أن يكون فوق سمواته على عرشه بائنا من ~~خلقه على العرش استوى ودرج قومه وأصحابه على ذلك حتى أهلكهم الله تعالى ~~بالغرق وجعلهم عبرة لعباده المؤمنين ونكالا لأعدائه المعطلين ثم استمر ~~الأمر على عهد نبوة موسى كليم الرحمن على التوحيد وإثبات الصفات وتكليم ~~الله لعبده موسى تكليما إلى أن توفى موسى عليه السلام ودخل الداخل على بني ~~إسرائيل ورفع التعطيل رأسه بينهم وأقبلوا على علوم المعطلة أعداء موسى عليه ~~السلام وقدموها على نصوص التوراة فسلط الله تعالى عليهم من أزال ملكهم ~~وشردهم من أوطانهم وسبى ذراريهم كما هي عادته سبحانه وسنته في عباده إذا ~~أعرضوا ms549 عن الوحى وتعوضوا عنه بكلام الملاحدة والمعطلة من الفلاسفة وغيرهم ~~كما سلط النصارى على بلاد المغرب لما ظهرت فيها الفلسفة والمنطق واشتغلوا ~~بها فاستولت النصارى على أكثر بلادهم وأصاروهم رعية لهم وكذلك لما ظهر ذلك ~~ببلاد المشرق سلط عليهم عساكر التتار فأبادوا أكثر البلاد الشرقية واستولوا ~~عليها وكذلك في أواخر المائة الثالثة وأول الرابعة لما اشتغل أهل العراق ~~بالفلسفة وعلوم أهل الإلحاد سلط عليهم القرامطة الباطنية فكسروا عسكر ~~الخليفة عدة مرات واستولوا على الحاج واستعرضوهم قتلا وأسرا واشتدت شوكتهم ~~واتهم بموافقتهم في الباطن كثير من الأعيان من الوزراء والكتاب والأدباء ~~وغيرهم واستولى أهل دعوتهم على بلاد المغرب واستقرت دار مملكتهم بمصر وبنيت ~~في أيامهم القاهرة واستولوا PageV02P269 على الشام والحجاز واليمن والمغرب ~~وخطب لهم على منبر بغداد # والمقصود أن هذا الداء لما دخل في بني إسرائيل كان سبب دمارهم وزوال ~~مملكتهم ثم بعث الله سبحانه عبده ورسوله وكلمته المسيح ابن مريم فجدد لهم ~~الدين وبين لهم معالمه ودعاهم إلى عبادة الله وحده والتبرى من تلك الأحداث ~~والآراء الباطلة فعادوه وكذبوه ورموه وأمه بالعظائم وراموا قتله فطهره الله ~~تعالى منهم ورفعه إليه فلم يصلوا إليه بسوء وأقام الله تعالى للمسيح أنصارا ~~دعوا إلى دينه وشريعته حتى ظهر دينه على من خالفه ودخل فيه الملوك وانتشرت ~~دعوته واستقام الأمر على السداد بعده نحو ثلثمائة سنة # ثم أخذ دين المسيح في التبديل والتغيير حتى تناسخ واضمحل ولم يبق بأيدي ~~النصارى منه شيء بل ركبوا دينا بين دين المسيح ودين الفلاسفة عباد الأصنام ~~وراموا بذلك أن يتلطفوا للأمم حتى يدخلوهم في النصرانية فنقلوهم من عبادة ~~الأصنام المجسدة إلى عبادة الصور التي لا ظل لها ونقلوهم من السجود للشمس ~~إلى السجود إلى جهة المشرق ونقلوهم من القول باتحاد العاقل والمعقول والعقل ~~إلى القول باتحاد الأب والإبن وروح القدس # هذا ومعهم بقايا من دين المسيح كالختان والاغتسال من الجنابة وتعظيم ~~السبت وتحريم الخنزير وتحريم ما حرمته التوراة إلا ما أحل لهم بنصها ثم ~~تناسخت الشريعة إلى أن ms550 استحلوا الخنزير وأحلوا السبت وعوضوا منه يوم الأحد ~~وتركوا الختان والاغتسال من الجنابة وكان المسيح يصلي إلى بيت المقدس فصلوا ~~هم إلى المشرق ولم يعظم المسيح عليه السلام صليبا قط فعظموا هم الصليب ~~وعبدوه ولم يصم المسيح عليه السلام صومهم هذا أبدا ولا شرعه ولا أمر به ~~البتة بل هم وضعوه على هذا العدد ونقلوه إلى زمن الربيع فجعلوا ما زادوا ~~فيه من العدد عوضا عن نقله من الشهور الهلالية إلى الشهور الرومية وتعبدوا ~~بالنجاسات وكان المسيح عليه السلام في غاية الطهارة والطيب والنظافة وأبعد ~~الخلق عن النجاسة فقصدوا بذلك تغيير دين اليهود ومراغمتهم فغيروا دين ~~المسيح وتقربوا إلى الفلاسفة وعباد الأصنام بأن وافقوهم في بعض الأمر ~~ليرضوهم به وليستنصروا بذلك على اليهود # ولما أخذ دين المسيح عليه السلام في التغيير والفساد اجتمعت النصارى عدة ~~مجامع تزيد PageV02P270 على ثمانين مجمعا ثم يتفرقون على الاختلاف والتلاعن ~~يلعن بعضهم بعضا حتى قال فيهم بعض العقلاء : # لو اجتمع عشرة من النصارى يتكلمون في حقيقة ما هم عليه لتفرقوا عن أحد ~~عشر مذهبا # حتى جمعهم قسطنطين الملك آخر ذلك من الجزائر والبلاد وسائر الأقطار فجمع ~~كل بترك وأسقف وعالم فكانوا ثلثمائة وثمانية عشر # فقال : أنتم اليوم علماء النصرانية وأكابر النصارى فاتفقوا على أمر تجتمع ~~عليه كلمة النصرانية ومن خالفها لعنتموه وحرمتموه فقاموا وقعدوا وفكروا ~~وقدروا واتفقوا على وضع الأمانة التي بأيديهم اليوم وكان ذلك بمدينة نيقية ~~سنة خمس عشرة من ملك قسطنطين # وكان أحد أسباب ذلك أن بطريق الاسكندرية منع أريوس من دخول الكنيسة ولعنه ~~فخرج أريوس إلى قسطنطين الملك مستعديا عليه ومعه أسقفان فشكوه إليه وطلبوا ~~مناظرته بين يدي الملك فاستحضره الملك وقال لأريوس : اشرح مقالتك فقال ~~أريوس : أقول : إن الأب كان إذ لم يكن الابن ثم أحدث الابن فكان كلمة له ~~إلا أنه محدث مخلوق ثم فوض الأمر إلى ذلك الابن المسمى كلمة فكان هو خالق ~~السموات والأرض وما بينهما كما قال في إنجيله إذ يقول : وهب لي سلطانا على ~~السماء والأرض ms551 فكان هو الخالق لهما بما أعطى من ذلك ثم إن تلك الكلمة بعد ~~تجسدت من مريم العذراء ومن روح القدس فصار ذلك مسيحا واحدا فالمسيح الآن ~~معنيان : كلمة وجسد إلا أنهما جميعا مخلوقان PageV02P271 # فقال بطريق الإسكندرية : أخبرنا : أيما أوجب علينا عندك عبادة من خلقنا ~~أو عبادة من لم يخلقنا فقال أريوس : بل عبادة من خلقنا فقال : [ فإن كان ~~الابن خالقنا كما وصفت وكان الابن مخلوقا ] فعبادة الابن الذي خلقنا وهو ~~مخلوق أوجب من عبادة الأب الذي ليس بمخلوق بل تصير عبادة الأب الخالق كفرا ~~وعبادة الابن المخلوق إيمانا [ وذلك من أقبح الأقوال ] # فاستحسن الملك والحاضرون مقالته وأمرهم الملك أن يلعنوا أريوس وكل من ~~يقول مقالته # فلما انتصر البطريق قال للملك : استحضر البطارقة والأساقفة حتى يكون لنا ~~مجمع ونصنع قصة نشرح فيها الدين ونوضحه للناس فحشرهم قسطنطين من سائر ~~الآفاق فاجتمع عنده بعد سنة وشهرين ألفان وثمانية وأربعون أسقفا وكانوا ~~مختلفي الآراء متباينين في أديانهم فلما أجتمعوا كثر اللغط بينهم وارتفعت ~~الأصوات وعظم الاختلاف فتعجب الملك من شدة اختلافهم فأجرى عليهم الأنزال ~~وأمرهم أن يتناظروا حتى يعلم PageV02P272 الدين الصحيح مع من منهم فطالت ~~المناظرة بينهم فاتفق منهم ثلثمائة وثمانية عشر أسقفا على رأي واحد فناظروا ~~بقية الأساقفة فظهروا عليهم فعقد الملك لهؤلاء الثلثمائة والثمانية عشر ~~مجلسا خاصا وجلس في وسطه وأخذ خاتمه وسيفه وقضيبه فدفعها إليهم وقال لهم : ~~قد سلطتكم على المملكة فاصنعوا ما بدا لكم مما فيه قوام دينكم وصلاح أمتكم ~~فباركوا عليه وقلدوه سيفه وقالوا له : أظهر دين النصرانية وذب عنه ودفعوا ~~إليه الأمانة التي اتفقوا على وضعها فلا يكون عندهم نصراني من لم يقر بها ~~ولا يتم لهم قربان إلا بها وهي هذه : نؤمن بالله الواحد الأب مالك كل شيء ~~صانع ما يرى وما لا يرى وبالرب الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد بكر ~~الخلائق كلها الذي ولد من أبيه قبل العوالم كلها وليس بمصنوع إله حق من إله ~~حق من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم وخلق ms552 كل شيء الذي من أجلنا معشر ~~الناس ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنسانا وحمل ~~به ثم ولد من مريم البتول وألم وشج وقتل وصلب ودفن وقام في اليوم الثالث ~~وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه وهو مستعد للمجىء تارة أخرى للقضاء بين ~~الأموات والأحياء ونؤمن بروح القدس الواحد روح الحق الذي يخرج من أبيه روح ~~محبته وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا وبجماعة واحدة قديسية جاثليقية ~~وبقيامة أبداننا والحياة الدائمة إلى أبد الآبدين فهذا العقد الذي أجمع ~~عليه الملكية والنسطورية واليعقوبية وهذه الأمانة التي ألفها أولئك ~~البتاركة والأساقفة والعلماء وجعلوها شعار النصرانية # وكان رؤساء هذا المجمع بترك الاسكندرية وبترك أنطاكية وبترك بيت المقدس # فافترقوا عليها وعلى لعن ما خالفها ومن خالفها والتبري منه وتكفيره ~~PageV02P273 ثم ذهب أريوس يدعو إلى مقالته وينفر النصارى عن أولئك ~~الثلثمائة والثمانية عشر فجمع جمعا عظيما وصاروا إلى بيت المقدس وخالف ~~بكثير من النصارى لأولئك المجمع فلما اجتمعوا قال أريوس : إن أولئك النفر ~~تعدوا علي وظلموني ولم ينصفوني في الحجاج وحرموني ظلما وعدوانا ووافقه كثير ~~من الذين معه وقالوا : صدق فوثبوا عليه فضربوه حتى كاد أن يقتل لولا ابن ~~أخت الملك خلصه وافترقوا على هذه الحال ثم كان لهم مجمع ثالث بعد ثمان ~~وخمسين سنة من المجمع الأول اجتمع الوزراء والقواد إلى الملك وقالوا : إن ~~مقالة الناس قد فسدت وغلب عليهم مقالة أريوس فاكتب إلى جميع البتاركة ~~والأساقفة : أن يجتمعوا ويوضحوا دين النصرانية فكتب الملك إلى سائر بلاده ~~فاجتمع بقسطنطينية مائة وخمسون أسقفزا وكان مقدموهم بترك الاسكندرية وبترك ~~أنطاكية وبترك بيت المقدس فنظروا في مقالة أريوس وكان من مقالته : أن روح ~~القدس مخلوق مصنوع ليس بإله فقال بترك الاسكندرية ليس لروح القدس عندنا ~~معنى غير روح الله تعالى وليس روح الله تعالى شيئا غير حياته فإذا قلنا : ~~إن روح القدس مخلوق فقد قلنا : إن روح الله مخلوق وإذا قلنا : إن روح الله ~~مخلوقة فقد قلنا : إن حياته مخلوقة فقد جعلناه غير ms553 حي ومن جعله غير حي فقد ~~كفر ومن كفر وجب عليه اللعن فلعنوا بأجمعهم أريوس وأشياعه وأتباعه ~~والبتاركة الذين قالوا بمقالته وبينوا أن روح القدس خالق غير مخلوق إله حق ~~وأن طبيعة الأب والابن جوهر واحد وطبيعة PageV02P274 واحدة وزادوا في ~~الأمانة التي وضعها الثلثمائة والثمانية عشر أسقفا ونؤمن بروح القدس الرب ~~المحيى المميت المنبثق من الأب الذي مع الابن والأب وهو مسجود وممجد # وكان في الأمانة الأولى وبروح القدس فقط # وبينوا أن الأب وروح القدس ثلاثة أقانيم وثلاث وجوه وثلاثة خواص وحدة في ~~تثليث وتثليث في وحدة وزادوا ونقصوا في الشريعة # وأطلق بترك الاسكندرية للرهبان والأساقفة والبتاركة أكل اللحم وكانوا على ~~مذهب ماني لا يرون أكل ذوات الأرواح # فانفض هذا المجمع وقد لعنوا فيه أكثر أساقفتهم وبتاركتهم ومضوا على تلك ~~الأمانة # ثم كان لهم مجمع رابع بعد إحدى وخمسين سنة من هذا المجمع على نسطورس وكان ~~مذهبه أن مريم ليست بوالدة الإله على الحقيقة ولكن ثمة اثنان الإله الذي هو ~~موجود من الأب والآخر إنسان الذي هو موجود من مريم وأن هذا الإنسان الذي ~~نقول إنه المسيح بالمحبة متوحد مع ابن الإله وابن الإله ليس ابنا على ~~الحقيقة ولكن على سبيل الموهبة والكرامة واتفاق الأسمين فبلغ ذلك بتاركة ~~سائر البلاد فجرت بينهم مراسلات واتفقوا على تخطئته واجتمع منهم مائتا أسقف ~~في مدينة أقسيس وأرسلوا إلى نسطورس للمناظرة فامتنع ثلاث مرات فأوجبوا عليه ~~الكفر فلعنوه ونفوه وحرموه وثبتوا أن مريم ولدت إلها وأن المسيح إله حق ~~وإنسان معروف بطبيعتين متوحد في الأقنوم PageV02P275 فلما لعنوا نسطورس غضب ~~له يوحنا بترك أنطاكية فجمع أساقفته الذين قدموا معه وناظرهم فقطعم ~~فتقاتلوا ووقع الحرب والشر بينهم وتفاقم أمرهم فلم يزل الملك [ تذوس ] حتى ~~أصلح بينهم فكتب أولئك صحيفة أن مريم القدسية ولدت إلها وهو ربنا يسوع ~~المسيح الذي هو مع أبيه في الطبيعة ومع الناس في الناسوت وأنفذوا لعن ~~نسطورس فلما نفي نسطورس سار إلى أرض مصر وأقام بإخميم سبع سنين ودفن بها ~~ودرست مقالته ms554 إلى أن أحياها ابن صرما مطران نصيبين وبثها في بلاد المشرق ~~فأكثر نصارى العراق والمشرق نسطورية # وانفض ذلك المجمع أيضا على لعن نسطورس ومن قال بقوله # وكل مجامعهم كانت تجتمع على الضلال وتفترق على اللعن فلا ينفض المجمع إلا ~~وهم ما بين لاعن وملعون ثم كان لهم مجمع خامس وذلك أنه كان بالقسطنطينية ~~طبيب راهب يقال له : أوطيوس يقول : إن جسد المسيح ليس هو مع أجسادنا في ~~الطبيعة وأن المسيح قبل التجسد طبيعتان وبعد التجسد طبيعة واحدة وهذه مقالة ~~اليعقوبية فرحل إليه أسقف دولته فناظره فقطعه ودحض حجته ثم سار إلى ~~قسطنطينية فأخبر بتركها بالمناظرة وبانقطاعه فأرسل بترك الاسكندرية إليه ~~فاستحضره وجمع جمعا عظيما وسأله عن قوله فقال : إن قلنا : إن المسيح ~~طبيعتان فقد قلنا بقول نسطورس ولكنا نقول : إن المسيح طبيعة واحدة وأقنوم ~~واحد لأنه من طبيعتين كانتا قبل التجسد فلما تجسد زالت عنه الإثنينية وصار ~~طبيعة واحدة وأقنوما واحدا PageV02P276 فقال له بترك القسطنطينة : إن كان ~~المسيح طبيعة واحدة فالطبيعة القديمة هي الطبيعة المحدثة وإن كان القديم هو ~~المحدث فالذي لم يزل هو الذي لم يكن ولو جاز أن يكون القديم هو المحدث لكان ~~القائم هو القاعد والحار هو البارد فأبى أن يرجع عن مقالته فلعنوه فاستعدى ~~عليهم الملك وزعم أنهم ظلموه وسأله أن يكتب إلى جميع البتاركة للمناظرة # فاستحضر الملك البتاركة والأساقفة من سائر البلاد إلى مدينة أفسيس فثبت ~~بطريق الاسكندرية مقالة أوطيوس وقطع بتاركة القسطنطينية وأنطاكية وبيت ~~المقدس وسائر البتاركة والأساقفة وكتب إلى بترك رومية وإلى جماعة البتاركة ~~والأساقفة فحرمهم ومنعهم من القربان إن لم يقبلوا مقالة أوطيوس # ففسدت الأمانة وصارت المقالة مقالة أوطيوس وخاصة بمصر والاسكندرية وهو ~~مذهب اليعقوبية # فافترق هذا المجمع الخامس وهم ما بين لاعن وملعون وضال ومضل وقائل يقول : ~~الصواب مع اللاعنين وقائل يقول : الحق مع الملاعنين # ثم كان لهم بعد هذا مجمع سادس في دولة مرقيون فإنه اجتمع إليه الأساقفه ~~من سائر البلاد فأعلموه ما كان من ظلم ذلك المجمع وقلة الإنصاف ms555 وأن مقالة ~~أوطيوس قد غلبت على الناس وأفسدت دين النصرانية فأمر الملك باستحضار سائر ~~الأساقفة والبطارقة إلى حضرته فاجتمع عنده ستمائة وثلاثون أسقفزا فنظروا في ~~مقالة أوطيوس وبترك الأسكندرية التي قطعا بها جميع البتاركة فأفسدوا ~~مقالتهما ولعنوهما وأثبتوا أن المسيح إله وإنسان وهو مع الله في اللاهوت ~~ومعنا في الناسوت له طبيعتان تامتان فهو تام باللاهوت تام بالناسوت وهو ~~مسيح واحد وثبتوا قول الثلثمائة والثمانية عشر أسقفا وقبلوا قولهم بأن ~~الابن مع الله في المكان وأنه إله حق من إله حق ولعنوا أريوس وقالوا : إن ~~روح القدس إله وقالوا : إن الأب وروح القدس واحد بطبيعة واحدة وأقانيم ~~ثلاثة # وثبتوا قول أهل المجمع الثالث وقالوا : إن مريم العذراء ولدت إلها ربنا ~~يسوع المسيح الذي هو مع الله في الطبيعة ومعنا في الناسوت # وقالوا : إن المسيح طبيعتان وأقنوم واحد ولعنوا نسطورس وبترك الإسكندرية ~~PageV02P277 فانفض هذا المجمع وهم ما بين لاعن وملعون ثم كان لهم بعد هذا ~~مجمع سابع في أيام أنسطاس الملك وذلك أن سورس القسطنطين جاء إلى الملك فقال ~~: إن أصحاب ذلك المجمع الستمائة والثلاثين قد أخطئوا والصواب ما قاله ~~أوطيوس وبترك الأسكندرية فلا تقبل ممن سواهما واكتب إلى جميع بلادك أن ~~العنوا الستمائة والثلاثين وأن يأخذوا الناس بطبيعة واحدة ومشيئة واحدة ~~وأقنوم واحد فأجابه الملك إلى ذلك فلما بلغ بترك بيت المقدس جمع الرهبان ~~فلعنوا أنسطاس الملك وسورس ومن يقول بمقالتهما فبلغ ذلك الملك فغضب وبعث ~~فنفى البترك إلى أيلة وبعث يوحنا بتركا على بيت المقدس لأنه كان قد ضمن ~~للملك أن يلعن الستمائة والثلاثين # فلما قدم إلى بيت المقدس اجتمع الرهبان وقالوا : إياك أن تقبل عن سورس ~~ولكن اقبل عن الستمائة والثلاثين ونحن معك ففعل وخالف الملك فلما بلغه أرسل ~~قائدا وأمره أن يأخذ يوحنا بلعنة أولئك فإن لم يفعل أنزله عن الكرسي ونفاه ~~فقدم القائد وطرح يوحنا في الحبس فصار إليه الرهبان في الحبس وأشاروا عليه ~~بأن يضمن للقائد أن يفعل ذلك فإذا حضر فليقر بلعنة كلمن لعنه ms556 الرهبان # فاجتمع الرهبان وكانوا عشرة آلاف راهب فلعنوا أوطسوس ونسطورس وسورس ومن ~~لا يقبل من أولئك الستمائة والثلاثين # ففزع رسول الملك من الرهبان وبلغ ذلك الملك فهم بنفي يوحنا فاجتمع ~~الرهبان والأساقفة فكتبوا إلى الملك أنهم لا يقبلون مقالة سورس ولو أريقت ~~دماؤهم وسألوه أن يكف أذاه عنهم # وكتب بترك رومية إلى الملك بقبح فعله وبلعنه فانفض هذا المجمع على اللعنة ~~أيضا # وكان لسورس تلميذ يقال له يعقوب البراذعي لأنه كان يلبس من قطع براذع ~~الدواب يرقع بعضها ببعض وإليه ينسب اليعاقبة فأفسد أمانة القوم # ثم هلك أنسطاس الملك وولى بعده قسطنطين فرد كل من نفاه أنسطاس إلى موضعه ~~وكتب إلى بيت المقدس بأمانته PageV02P278 # فاجتمع الرهبان وأظهروا كتابه وفرحوا به وأثبتوا قول الستمائة والثلاثين ~~أسقفا وغلبت اليعقوبية على الإسكندرية وقتلوا بتركا لهم يقال له بولس وكان ~~ملكانيا فولى الملك إسطفانوس فأرسل قائدا ومعه عسكر عظيم إلى الاسكندرية ~~فدخل الكنيسة في ثياب البتركة وتقدم وقدس فرموه بالحجارة حتى كادوا يقتلونه ~~فانصرف وتوارى عنهم ثم أظهر لهم بعد ثلاثة أيام أنه أتاه كتاب من الملك ~~وأمر الحرس أن يجمعوا الناس لسماعه فلم يبق أحد بالإسكندرية حتى حضر لسماعه ~~وكان قد جعل بينه وبين جنده علامة إذا هو فعلها وضعوا السيف في الناس فصعد ~~المنبر وقال : يا معشر أهل الاسكندرية وإن رجعتم إلى الحق وتركتم مقالة ~~اليعاقبة وإلا لم تأمنوا أن يوجه الملك إليكم من يسفك دماءكم فرموا ~~بالحجارة حتى خاف على نفسه فأظهر العلامة فوضعوا السيوف على من بالكنيسة ~~فقتل خلق لا يحصيهم إلا الله تعالى حتى خاض الجند في الدماء وظهرت مقالة ~~الملكانية بالإسكندرية # ثم كان لهم بعد ذلك مجمع ثامن وذلك أن أسقف منبج كان يقول بالتناسخ وأنه ~~ليس ثمة قيامة ولا بعث وكان أسقف الرها وأسقف المصيصة وأسقف ثالث يقولون : ~~إن جسد المسيح خيال غير حقيقة فحشرهم الملك إلى قسطنطينية فقال لهم بتركها ~~: إن كان جسده خيالا فيجب أن يكون فعله خيالا وقوله خيالا وكل جسد نعاينه ~~لأحد من ms557 الناس أو فعل أو قول فهو كذلك # وقال له : إن المسيح قد قام من الموتى وأعلمنا أنه كذلك يقوم الناس يوم ~~الدين # واحتج بنصوص من الإنجيل كقوله : ان كل من في القبور اذا سمعوا قول الله ~~سبحانه يحيون فأوجب عليهم اللعن وأمر الملك أن يكون لهم مجمع يلعنون فيه ~~واستحضر بتاركة البلاد # فاجتمع عنده مائة وأربعة وستون أسقفا فلعنوا أسقف منبج وأسقف المصيصة ~~وثبتوا أن جسد المسيح حقيقة لا خيال وأنه إله تام وإنسان تام معروف ~~بطبيعتين ومشئيتين وفعلين أقنوم واحد وأن الدنيا زائلة وأن القيامة كائنة ~~وأن المسيح يأتى PageV02P279 بمجد عظيم فيدين الأحياء والأموات كما قال ~~الثلثمائة والثمانية عشر الأوائل فتفرقوا على ذلك # ثم كان لهم مجمع تاسع على عهد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه تلاعنوا ~~فيه # وذلك أنه كان برومية راهب له تلميذان فجاء إلى قسطا الوالي فوبخه على قبح ~~مذهبه وشناعة كفره فأمر به قسطا فقطعت يداه ورجلاه ونزع لسانه وفعل بأحد ~~التلميذين كذلك وضرب الآخر بالسياط ونفاه فبلغ ذلك ملك قسطنطينية فأرسل ~~إليه أن يوجعه إليه من أفاضل الأساقفة ليعلم وجه هذه الشبهة ومن كان ابتدأ ~~بها ويعلم من يستحق اللعن فبث إليه مائة وأربعين أسقفا وثلثمائة شماس فلما ~~وصلوا إليه جمع الملك مائة وثمانية وخمسين أسقفا فصاروا مائتين وثمانية ~~وتسعين : وأسقطوا الشمامسة # وكان رئيس هذا المجمع بترك قسطنطينية وبترك أنطاكية فلعنوا من تقدم من ~~القديسين والبتاركة واحدا واحدا فلما لعنوهم جلسوا فلخصوا الأمانة وزادوا ~~فيها ونقصوا فقالوا : نؤمن بأن الواحد من الناسوت الابن الوحيد الذي هو ~~الكلمة الألية الدائم المستوى مع الآب الإله في الجوهر الذي هو ربنا يسوع ~~المسيح بطبيعتين تامتين وفعلين ومشيئتين في أقنوم واحد ووجه واحد تامزا بلا ~~هوته تاما بناسوته وشهدت أن الإله الابن في آخر الأيام اتخذ من العذراء ~~السيدة مريم القدسية جسدا إنسانا بنفس ناطقة عقلية وذلك برحمة الله تعالى ~~محب البشر ولم يلحقه اختلاط ولا فساد ولا فرقة ولا فصل ولكن هو واحد يعمل ~~بما يشبه ms558 الإنسان أن يعمله في طبيعته وما يشبه الإله أن يعمله في طبيعته ~~الذي هو الابن الوحيد والكلمة الأزلية المتجسدة التي صارت في الحقيقة لحما ~~كما يقول الإنجيل المقدس من غير أن ينتقل من مجده الأزلي وليست بمتغيرة ~~لكنها بفعلين ومشيئتين وطبيعتين إلهي وإنسى الذي بهما يكمل قول الحق وكل ~~واحدة من الطبيعتين تعمل مع شركة صاحبتها مشيئتين غير متضادتين ولا ~~متصارعتين ولكن مع المشيئة الإنسية المشيئة الإلهية القادرة على كل شيء # هذه أمانة هذا المجمع فوضعوها ولعنوا من لعنوه وبين المجمع الخامس الذي ~~اجتمع فيه الستمائة والثلاثون وبين هذا المجمع مائة سنة # ثم كان لهم مجمع عاشر : PageV02P280 # وذلك لما مات الملك وولي ابنه بعده فاجتمع أهل المجمع السادس وزعموا أن ~~اجتماعهم كان على الباطل فجمع الملك مائة وثلاثين أسقفا فثبتوا قول أهل ~~المجامع الخمسة ولعنوا من لعنهم وخالفهم وانصرفوا بين لاعن وملعون فهذه ~~عشرة مجامع كبار من مجامعهم مشهورة اشتملت على أكثر من أربعة عشر ألفا من ~~البتاركة والأساقفة والرهبان كلهم ما بين لاعن وملعون فهذه حال المتقدمين ~~مع قرب زمانهم من أيام المسيح ووجود أخباره فيهم والدولة دولتهم والكلمة ~~كلمتهم وعلماؤهم إذ ذاك أوفر ما كانوا واهتمامهم بأمر دينهم واحتفالهم به ~~كما ترى وهم حيارى تائهون ضالون مضلون لا يثبت لهم قدم ولا يستقر لهم قول ~~في إلههم بل كل منهم قد اتخذ إلهه هواه وصرح بالكفر والتبري ممن اتبع سواه ~~قد تفرقت بهم في نبيهم وإلههم الأقاويل وهم كما قال الله تعالى : قد ضلوا ~~من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ] فلو سألت أهل البيت الواحد عن ~~دينهم ومعتقدهم في ربهم ونبيهم لأجابك الرجل بجواب وامرأته بجواب وابنه ~~بجواب والخادم بجواب فما ظنك بمن في عصرنا هذا وهم نخالة الماضين وزبالة ~~الغابرين ونفاية المتحيرين وقد طال عليهم الأمد وبعد عهدهم بالمسيح ودينه # وهؤلاء هم الذين أوجبوا لأعداء الرسل من الفلاسفة والملاحدة أن يتمسكوا ~~بما هم عليه فإنهم شرحوا لهم دينهم الذي جاء به المسيح على هذا الوجه ms559 ولا ~~ريب أن هذا دين لا يقبله عاقل فتواصى أولئك بينهم أن يتمسكوا بما هم عليه ~~وساءت ظنونهم بالرسل والكتب ورأوا أن ما هم عليه من الآراء أقرب إلى ~~المعقول من هذا الدين وقال لهم هؤلاء الحيارى الضلال : إن هذا هو الحق الذي ~~جاء به المسيح فتركب من هذين الظنين الفاسدين إساءة الظن بالرسل وإحسان ~~الظن بما هم عليه # ولهذا قال بعض ملوك الهند وقد ذكرت له الملل الثلاث فقال : أما النصارى ~~فإن كان محاربوهم من أهل الملل يحاربونهم بحكم شرعي فإني أرى ذلك بحكم عقلي ~~وإن كنا لا نرى بحكم عقولنا قتالا ولكن أستثني هؤلاء القوم من بين جميع ~~العوالم PageV02P281 لأنهم قصدوا مضادة العقل وناصبوه العداوة وحلوا ببيت ~~الاستحالات وحادوا عن المسلك الذي انتهجه غيرهم من أهل الشرائع فشذوا عن ~~جميع مناهج العالم الصالحة العقلية والشرعية واعتقدوا كل مستحيل ممكنا ~~وبنوا على ذلك شريعة لا تؤدى ألبتة إلى صلاح نوع من أنواع العالم إلا أنها ~~تصير العاقل إذا تشرع بها أخرق والرشيد سفيها والمحسن مسيئا لأن من كان أصل ~~عقيدته التي جرى نشوءه عليها : الإساءة إلى الخالق والنيل منه ووصفه بضد ~~صفاته الحسنى فأخلق به أن يستسهل الإساءة إلى المخلوق مع ما بلغنا عنهم من ~~الجهل وضعف العقل وقلة الحياء وخساسة الهمة فهذا وقد ظهر له من باطلهم ~~وضلالهم غيض من فيض وكانوا إذ ذاك أقرب عهدا بالنبوة # وقال أفلاطون رئيس سدنة الهياكل بمصر وليس بأفلاطون تلميذ سقراط إذ ذاك ~~أقدم من : هذا لما ظهر محمد بتهامة ورأينا أمره يعلو على الأمم المجاورة له ~~رأينا أن نقصد اصطمر البابلي لنعلم ما عنده ونأخذ برأيه فلما اجتمعنا على ~~الخروج من مصر رأينا أن نصير إلى قراطيس معلمنا وحكيمنا لنودعه فلما دخلنا ~~عليه ورأى جمعنا أيقن أن الهياكل قد خلت منا فغشى عليه حينا غشية ظننا أنه ~~فارق الحياة فيها فبكينا فأومأ إلينا أن كفوا عن البكاء فتصبرنا جهدنا حتى ~~هدأ وفتح عينيه وقال : هذا ما كنت أنهاكم عنه وأحذركم منه ms560 إنكم قوم غيرتم ~~فغير بكم أطعتم جهالا من ملوككم فخلطوا عليكم في الأدعية فقصدتم البشر من ~~التعظيم بما هو للخالق وحده فكنتم في ذلك كمن أعطى القلم مدحة الكاتب وإنما ~~حركة القلم بالكاتب # ومن المعلوم أن هذه الأمة ارتكبت محذورين عظيمين لا يرضى بهما ذو عقل ولا ~~معرفة # أحدهما : الغلو في المخلوق حتى جعلوه شريك الخالق وجزءا منه وإلها آخر ~~معه وأنفوا أن يكون عبدا له والثاني : تنقص الخالق وسبه ورميه بالعظائم حيث ~~زعموا أنه سبحانه وتعالى عن قولهم علوا كبيرا نزل من العرش عن كرسي عظمته ~~ودخل في فرج امرأة وأقام هناك تسعة أشهر يتخبط بين البول والدم والنجو وقد ~~علته أطباق المشيمة والرحم والبطن ثم خرج من حيث دخل رضيعا صغيرا يمص الثدي ~~ولف في القمط وأودع السرير يبكي ويجوع ويعطش PageV02P282 ويبول ويتغوط ~~ويحمل على الأيدي والعواتق ثم صار إلى أن لطمت اليهود خديه وربطوا يديه ~~وبصقوا في وجهه وصفعوا قفاه وصلبوه جهرا بين لصين وألبسوه إكليلا من الشوك ~~وسمروا يديه ورجليه وجرعوه أعظم الآلام هذا هو الإله الحق الذي بيده أتقنت ~~العوالم وهو المعبود المسجود له # ولعمر الله إن هذه مسبة لله سبحانه ما سبه بها أحد من البشر قبلهم ولا ~~بعدهم # كما قال تعالى فيما يحكي عنه رسوله الذي نزهه ونزه أخاه المسيح عن هذا ~~الباطل الذي : تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدزا فقال ~~: شتمنى ابن آدم وما ينبغى له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك أما ~~شتمه إياى فقوله : اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ~~ولم يكن لي كفوا أحد وأما تكذيبه إياى فقوله : لن يعيدني كما بدأني وليس ~~أول الخلق بأهون علي من إعادته وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في ~~هذه الأمة : أهينوهم ولا تظلموهم فلقد سبوا الله عز وجل مسبة ما سبه إياها ~~أحد من البشر ولعمر الله إن عباد الأصنام مع أنهم أعداء الله عز وجل على ~~الحقيقة وأعداء ms561 رسله عليهم السلام وأشد الكفار كفرا يأنفون أن يصفوا آلهتهم ~~التي يعبدونها من دون الله تعالى وهي من الحجارة والحديد والخشب بمثل ما ~~وصفت به هذه الأمة رب العالمين وإله السموات والأرضين وكان الله تعالى في ~~قلوبهم أجل وأعظم من أن يصفوه بذلك أو بما يقاربه وإنما شرك القوم : أنهم ~~عبدوا من دونه آلهة مخلوقة مربوبة محدثة وزعموا أنها تقربهم إليه لم يجعلوا ~~شيئا من آلهتهم كفوا له ولا نظيرا ولا ولدا ولم ينالوا من الرب تعالى ما ~~نالت منه هذه الأمة وعذرهم في ذلك أقبح من قولهم فإن أصل معتقدهم : أن ~~أرواح الأنبياء عليهم السلام كانت في الجحيم في سجن إبليس من عهد آدم إلى ~~زمن المسيح فكان إبراهيم وموسى ونوح PageV02P283 وصالح وهود معذبين مسجونين ~~في النار بسبب خطيئة آدم عليه السلام وأكله من الشجرة وكان كلما مات واحد ~~من بني آدم أخذه إبليس وسجنه في النار بذنب أبيه ثم إن الله سبحانه وتعالى ~~لما أراد رحمتهم وخلاصهم من العذاب تحيل على إبليس بحيلة فنزل عن كرسي ~~عظمته والتحم ببطن مريم حتى ولد وكبر وصار رجلا فمكن أعداءه اليهود من نفسه ~~حتى صلبوه وتوجوه بالشوك على رأسه فخلص أنبياءه ورسله وفداهم بنفسه ودمه ~~فهرق دمه في مرضاة جميع ولد آدم إذ كان ذنبه باقيا في أعناق جميعهم فخلصهم ~~منه بأن مكن أعداءه من صلبه وتسميره وصفعه إلا من أنكر صلبه أو شك فيه أو ~~قال : بأن إلاله يجل عن ذلك فهو في سجن إبليس معذب حتى يقر بذلك وأن إلهه ~~صلب وصفع وسمر فنسبوا الإله الحق سبحانه إلى ما يأنف أسقط الناس وأقلهم أن ~~يفعله بمملوكه وعبده وإلى ما يأنف عباد الأصنام أن ينسب إليه أوثانهم ~~وكذبوا الله عز وجل في كونه تاب على آدم عليه السلام وغفر له خطيئته ونسبوه ~~إلى أقبح الظلم حيث زعموا أنه سجن أنبياءه ورسله وأولياءه في الجحيم بسبب ~~خطيئة أبيهم ونسبوه إلى غاية السفه حيث خلصهم من العذاب بتمكينه أعداءه من ~~نفسه حتى ms562 قتلوه وصلبوه وأراقوا دمه ونسبوه إلى غاية العجز حيث عجزوه أن ~~يخلصهم بقدرته من غير هذه الحيلة ونسبوه إلى غاية النقص حيث سلط أعداءه على ~~نفسه وابنه ففعلوا به ما فعلوا وبالجملة فلا نعلم أمة من الأمم سبت ربها ~~ومعبودها وإلهها بما سبت به هذه الأمة كما قال عمر رضي الله عنه : إنهم ~~سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر وكان بعض أئمة الاسلام إذا رأى ~~صليبيا أغمض عينيه عنه وقال : لا أستطيع أن أملأ عيني ممن سب إلهه ومعبوده ~~بأقبح السب ولهذا قال عقلاء الملوك : إن جهاد هؤلاء واجب شرعا وعقلا فإنهم ~~عار على بني آدم مفسدون للعقول والشرائع PageV02P284 وأما شريعتهم ودينهم ~~فليسوا متمسكين بشيء من شريعة المسيح ولا دينه ألبته # فأول ذلك أمر القبلة فإنهم ابتدعوا الصلاة إلى مطلع الشمس مع علمهم أن ~~المسيح عليه السلام لم يصل إلى المشرق أصلا بل قد نقل مؤرخوهم أن ذلك حدث ~~بعد المسيح بنحو ثلثمائة سنة وإلا فالمسيح إنما كان يصلي إلى قبلة بيت ~~المقدس وهي قبلة الأنبياء قبله وإليها كان يصلي النبيمدة مقامه بمكة وبعد ~~هجرته ثمانية عشر شهرا ثم نقله الله تعالى إلى قبلة أبيه إبراهيم # ومن ذلك : أن طوائف منهم وهم الروم وغيرهم لا يرون الاستنجاء بالماء ~~فيبول أحدهم ويتغوط ويقوم بأثر البول والغائط إلى صلاته بتلك الرائحة ~~الكريهة فيستقبل المشرق ويصلب على وجهه ويحدث من يليه بأنواع الحديث كذبا ~~كان أو فجورا أو غيبة أو سبا وشتما ويخبره بسعر الخمر ولحم الخنزير وما ~~شاكل ذلك ولا يضر ذلك في الصلاة ولا يبطلها وإن دعته الحاجة إلى البول في ~~الصلاة بال وهو يصلي صلاته # وكل عاقل يعلم أن مواجهة إله العالمين بهذه العبادة قبيح جدا وصاحبها إلى ~~استحقاق غضبه وعقابه أقرب منه إلى الرضا والثواب ومن العجيب أنهم يقرؤن في ~~التوراة ملعون من تعلق بالصليب وهم قد جعلوا شعار دينهم ما يلعنون عليه ولو ~~كان لهم أدنى عقل لكان الأولى بهم أن يحرقوا الصليب حيث وجدوه ms563 ويكسروه ~~ويضمخوه بالنجاسة فإنه قد صلب عليه إلههم ومعبودهم بزعمهم وأهين عليه وفضح ~~وخزي # فيا للعجب بأي وجه بعد هذا يستحق الصليب التعظيم لولا أن القوم أضل من ~~الأنعام # وتعظيمهم للصليب مما ابتدعوه في دين المسيح بعده بزمان ولا ذكر له في ~~الإنجيل البتة وإنما ذكر في التوراة باللعن لمن تعلق به فاتخذته هذه الأمة ~~معبودا يسجدون له PageV02P285 وإذا اجتهد أحدهم في اليمين بحيث لا يحنث ولا ~~يكذب حلف بالصليب ويكذب إذا حلف بالله ولا يكذب إذا حلف بالصليب ولو كان ~~لهذه الأمة أدنى مسكة من عقل لكان ينبغي لهم أن يلعنوا الصليب من أجل ~~معبودهم وإلههم حين صلب عليه كما قالوا : إن الأرض لعنت من أجل آدم حين ~~أخطأ وكما لعنت الأرض حين قتل قابيل أخاه وكما في الإنجيل : إن اللعنة تنزل ~~على الأرض إذا كان أمراؤها الصبيان # فلو عقلوا لكان ينبغي لهم أن لا يحملوا صليبا ولا يمسوه بأيديهم ولا ~~يذكروه بألسنتهم وإذا ذكر لهم سدوا مسامعهم عن ذكره ولقد صدق القائل : عدو ~~عاقل خير من صديق أحمق لأنهم بحمقهم قصدوا تعظيم المسيح فاجتهدوا في ذمه ~~وتنقصه والإزراء به والطعن عليه وكان مقصودهم بذلك التشنيع على اليهود ~~وتنفير الناس عنهم وإغراءهم بهم فنفروا الأمم عن النصرانية وعن المسيح ~~ودينه أعظم تنفير وعلموا أن الدين لا يقوم بذلك فوضع لهم رهبانهم وأساقفتهم ~~من الحبل والمخاريق وأنواع الشعبذة ما استمالوا به الجهال وربطوهم به وهم ~~يستجيزون ذلك ويستحسنونه ويقولون : يشد دين النصرانية وكأنهم إنما عظموا ~~الصليب لما رأوه قد ثبت لصلب إلههم ولم ينشق ولم يتطاير ولم يتكسر من هيبته ~~لما حمل عليه وقد ذكروا أن الشمس اسودت وتغير حال السماء والأرض فلما لم ~~يتغير الصليب ولم يتطاير استحق عندهم التعظيم وأن يعبد ولقد قال بعض ~~عقلائهم : إن تعظيمنا للصليب جار مجرى تعظيم قبور الأنبياء فإنه كان قبر ~~المسيح وهو عليه ثم لما دفن صار قبره في الأرض وليس وراء هذا الحمق والجهل ~~حمق فإن السجود لقبور الأنبياء وعبادتها شرك ms564 بل من أعظم الشرك وقد لعن إمام ~~الحنفاء وخاتم الأنبياء اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ~~وأصل الشرك وعبادة الأوثان من العكوف على القبور واتخاذها مساجد # ثم يقال : فأنتم تعظمون كل صليب لا تخصون التعظيم بذلك الصليب بعينه فإن ~~قلتم : الصليب من حيث هو يذكر بالصليب الذي صلب عليه إلهنا PageV02P286 ~~قلنا : وكذلك الحفر تذكر بحفرته فعظموا كل حفرة واسجدوا لها لأنها كحفرته ~~أيضا بل أولى لأن خشبة الصلب لم يستقر عليها استقراره في الحفرة # ثم يقال : اليد التي مسته أولى أن تعظم من الصليب فعظموا أيدي اليهود ~~لمسهم إياه وإمساكهم له ثم انقلوا ذلك التعظيم إلى سائر الأيدي # فإن قلتم : منع من ذلك مانع العداوة فعندكم أنه هو الذي رضي بذلك واختاره ~~ولو لم يرض به لم يصلوا إليه منه فعلى هذا فينبغي لكم أن تشكروهم وتحمدوهم ~~إذ فعلوا مرضاته واختياره الذي كان سبب خلاص جميع الأنبياء والمؤمنين ~~والقديسين من الجحيم ومن سجن إبليس فما أعظم منة اليهود عليكم وعلى آبائكم ~~وعلى سائر النبيين من لدن آدم عليه السلام إلى زمن المسيح والمقصود : أن ~~هذه الأمة جمعت بين الشرك وعيب الإله وتنقصه وتنقص نبيعهم وعيبه ومفارقة ~~دينه بالكلية فلم يتمسكوا بشيء مما كان عليه المسيح لا في صلاتهم ولا في ~~صيامهم ولا في أعيادهم بل هم في ذلك أتباع كل ناعق مستجيبون لكل ممخرق ~~ومبطل أدخلوا في الشريعة ما ليس منها وتركوا ما أتت به # وإذا شئت أن ترى التغيير في دينهم فانظر إلى صيامهم الذي وضعوه لملوكهم ~~وعظمائهم فلهم صيام للحواريين وصيام لماري مريم وصيام لماري جرجس وصيام ~~للميلاد وتركهم أكل اللحم في صيامهم مما أدخلوه في دين المسيح وإلا فهم ~~يعلمون أن المسيح عليه السلام كان يأكل اللحم ولم يمنعهم منه لا في صوم ولا ~~فطر وأصل ذلك : أن المانوية كانوا لا يأكلون ذا روح فلما دخلوا في ~~النصرانية خافوا أن يتركوا أكل اللحم فيقتلوا فشرعوا لأنفسهم صياما فصاموا ~~للميلاد والحواريين وماري مريم وتركوا في هذا الصوم ms565 أكل اللحم محافظة على ~~ما اعتادوه من مذهب ماني فلما طال الزمان تبعهم على ذلك النسطورية ~~واليعقوبية فصارت سنة متعارفة بينهم ثم تبعهم على ذلك الملكانية ~~PageV02P287 # | فصل ثم إنك إذا كشفت عن حالهم وجدت أئمة دينهم ورهبانهم قد نصبوا # حبائل الحيل ليقتنصوا بها عقول العوام ويتوصلوا بالتمويه والتلبيس إلى ~~استمالتهم وانقيادهم واستدرار أموالهم وذلك أشهر وأكثر من أن يذكر # فمن ذلك : ما يعتمدونه في العيد الذي يسمونه عيد النور ومحله بيت المقدس ~~فيجتمعون من سائر النواحي في ذلك اليوم ويأتون إلى بيت فيه قنديل معلق لا ~~نار فيه فيتلوا أحبارهم الإنجيل ويرفعون أصواتهم ويبتهلون في الدعاء ~~فبيناهم كذلك وإذا نار قد نزلت من سقف البيت فتقع على ذبالة القنديل فيشرق ~~ويضىء ويشتعل فيضجون ضجة واحدة ويصلبون على وجوههم ويأخذون في البكاء ~~والشهيق # قال أبو بكر الطرطوشي : كنت ببيت المقدس وكان واليها إذ ذاك رجلا يقال له ~~سقمان فلما نما خبر هذا العيد إليه أنفذ إلى بتاركتهم وقال : أنا نازل ~~إليكم في يوم هذا العيد لأكشف عن حقيقة ما تقولون فإن كان حقا ولم يتضح لي ~~وجه الحيلة فيه أقررتكم عليه وعظمته معكم بعلم وإن كان مخرقة على عوامكم ~~أوقعت بكم ما تكرهونه فصعب ذلك عليهم جدا وسألوه أن لا يفعل فأبى ولج ~~فحملوا له مالا عظيما فأخذه وأعرض عنهم # قال الطرطوشي : ثم اجتمعت بأبي محمد بن الأقدم بالإسكندرية فحدثني أنهم ~~يأخذون خيطا دقيقا من نحاس وهو الشريط ويجعلونه في وسط قبة البيت إلى رأس ~~الفتيلة التي في القنديل ويدهنونه بدهن اللبان والبيت مظلم بحيث لا يدرك ~~الناظرون الخيط النحاس وقد عظموا ذلك البيت فلا يمكنون كل أحد من دخوله وفي ~~رأس القبة رجل فإذا قدسوا ودعوا ألقى على ذلك الخيط النحاس شيئا من نار ~~النفط فتجرى النار مع دهن اللبان إلى آخر الخيط النحاس فتلقى الفتيلة ~~فيتعلق بها # فلو نصح أحد منهم نفسه وفتش على نجاته لتتبع هذا القدر وطلب الخيط النحاس ~~وفتش رأس القبة ليرى القبة ليرى الرجل والنفط ms566 ويرى أن منبع ذلك النور من ~~ذلك الممخرق الملبس وأنه لو نزل من السماء لظهر من فوق ولم يكن ظهوره من ~~الفتيلة PageV02P288 ومن حيلهم أيضا : أنه قد كان بأرض الروم في زمان ~~المتوكل كنيسة إذا كان يوم عيدها يحج الناس إليها ويجتمعون عند صنم فيها ~~فيشاهدون ثدي ذلك الصنم في ذلك اليوم يخرج منه اللبن وكان يجتمع للسادن في ~~ذلك اليوم مال عظيم فبحث الملك عنها فانكشف له أمرها فوجد القيم قد ثقب من ~~وراء الحائط ثقبا إلى ثدى الصنم وجعل فيها أنبوبة من رصاص وأصلحها بالجبس ~~ليخفى أمرها فإذا كان يوم العيد فتحها وصب فيها اللبن فيجرى إلى الثدي ~~فيقطر منه فيعتقد الجهال أن هذا سر في الصنم وأنه علامة من الله تعالى ~~لقبول قربانهم وتعظيمهم له فلما انكشف له ذلك أمر بضرب عنق السادن ومحو ~~الصور من الكنائس وقال : إن هذه الصور مقام الأصنام فمن سجد للصورة فهو كمن ~~سجد للأصنام # ولقد كان من الواجب على ملوك الإسلام أن يمنعوا هؤلاء من هذا وأمثاله لما ~~فيه من الإعانة على الكفر وتعظيم شعائره فالمساعد على ذلك والمعين عليه ~~شريك للفاعل لكن لما هان عليهم دين الإسلام وكان السحت الذي يأخذونه منهم ~~أحب إليهم من الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام أقروهم على ذلك ~~ومكنوهم منه # | فصل والمقصود : أن دين الأمة الصليبية بعد أن بعث الله عز وجل # محمدا بل قبله بنحو ثلاثمائة سنة مبني على معاندة العقول والشرائع وتنقص ~~إله العالمين ورميه بالعظائم فكل نصراني لا يأخذ بحظه من هذه البلية فليس ~~بنصراني على الحقيقة # أفليس هو الدين الذي أسسه أصحاب المجامع المتلاعنين على أن الواحد ثلاثة ~~والثلاثة واحد # فيا عجباكيف رضى العاقل أن يكون هذا مبلغ عقله ومنتهى علمه أفترى لم يكن ~~في هذه الأمة من يرجع إلى عقله وفطرته ويعلم أن هذا عين المحال وإن ضربوا ~~له الأمثال واستخرجوا له الأشباه فلا يذكرون مثالا ولا شبها إلا وفيه بيان ~~خطئهم وضلالهم PageV02P289 # كتشبيه بعضهم اتحاد اللاهوت بالناسوت ms567 وامتزاجه به باتحاد النار والحديد ~~وتمثيل غيرهم ذلك باختلاط الماء باللبن وتشبيه آخرين ذلك بامتزاج الغذاء ~~واختلاطه بأعضاء البدن إلى غير ذلك من الأمثال والمقاييس التي تتضمن امتزاج ~~حقيقتين واختلاطهما حتى صارا حقيقة أخرى تعالى الله عز وجل عن إفكهم وكذبهم ~~ولم يقنعهم هذا القول في رب السموات والأرض حتى اتفقوا بأسرهم على أن ~~اليهود أخذوه وساقوه بينهم ذليلا مقهورا وهو يحمل خشبته التي صلبوه عليها ~~واليهود يبصقون في وجهه ويضربونه ثم صلبوه وطعنوه بالحربة حتى مات وتركوه ~~مصلوبا حتى التصق شعره بجلده لما يبس دمه بحرارة الشمس ثم دفن وأقام تحت ~~التراب ثلاثة أيام # ثم قام بلا هوتيته من قبره # هذا قول جميعهم ليس فيهم من ينكر منه شيئا # فيا للعقول كيف كان حال هذا العالم الأعلى والأسفل في هذه الأيام الثلاثة ~~ومن كان يدبر أمر السموات والأرض ومن الذي خلف الرب سبحانه وتعالى في هذه ~~المدة ومن الذي كان يمسك السماء أن تقع على الأرض وهو مدفون في قبره # ويا عجبا هل دفنت الكلمة معه بعد أن قتلت وصلبت أم فارقته وخذلته أحوج ما ~~كان إلى نصرها له كما خذله أبوه وقومه فإن كانت قد فارقته وتجرد منها فليس ~~هو حينئذ المسيح وإنما هو كغيره من آحاد الناس وكيف يصح مفارقتها له بعد أن ~~اتحدت به وما زجت لحمه ودمه وأين ذهب الاتحاد والامتزاج وإن كانت لم تفارقه ~~وقتلت وصلبت ودفنت معه فكيف وصل المخلوق إلى قتل الإله وصلبه ودفنه ويا ~~عجبا أي قبر يسع إله السموات والأرض هذا هو الملك القدوس السلام المؤمن ~~المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون # الحمد لله ثم الحمد لله تعالى الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن ~~هدانا الله # يا ذا الجلال والإكرام كما هديتنا للإسلام أسألك أن لا تنزعه عنا حتى ~~تتوفانا على الإسلام # أعباد المسيح لنا سؤال % نريد جوابه ممن وعاه إذا مات الإلكه بصنع قوم % ~~أماتوه فما هذا الإله PageV02P290 # وهل أرضاه ما نالوه منه % فبشراهم إذا ms568 نالوا رضاه # وإن سخط الذي فعلوه فيه % فقوتهم إذا أوهت قواه # وهل بقي الوجود بلا إله % سميع يستجيب لمن دعاه # وهل خلت الطباق السبع لما % ثوى تحت التراب وقد علاه # وهل خلت العوالم من إله % يدبعرها وقد سمرت يداه # وكيف تخلت الأملاك عنه % بنصرهم وقد سمعوا بكاه # وكيف أطاقت الخشبات حمل الإله % الحق شد على قفاه # وكيف دنا الحديد إليه حتى % يخالطه ويلحقه أذاه # وكيف تمكنت أيدي عداه % وطالت حيث قد صفعوا قفاه # وهل عاد المسيح إلى حياة % أم المحيي له ربك سواه # ويا عجبا لقبر ضم ربا % وأعجب منه بطن قد حواه # أقام هناك تسعا من شهور % لدى الظلمات من حيض غذاه # وشق الفرج مولودا صغيرا % ضعيفا فاتحا للثدى فاه # ويأكل ثم يشرب ثم يأتي % بلازم ذاك هل هذا إلكه # تعالى الله عن إفك النصارى % سيسأل كلهم عما افتراه # أعباد الصليب لأيع معنى % يعظم أو يقبح من رماه # وهل تقضى العقول بغير كسر % وإحراق له ولمن بغاه # إذا ركب الإلكه عليه كرها % وقد شدت لتسمير يداه # فذاك المركب الملعون حقا % فدسه لا تبسه إذ تراه # يهان عليه رب الخلق طرا % وتعبده فإنك من عداه # فإن عظمته من أجل أن قد % حوى رب العباد وقد علاه # وقد فقد الصليب فإن رأينا % له شكلا تذكرنا سناه PageV02P291 # فهلا للقبور سجدت طرا % لضم القبر ربك في حشاه فيا عبد المسيح أفق فهذا % ~~بدايته وهذا منتهاه # | فصل فقد بان لكل ذي عقل أن الشيطان تلاعب بهذه الأمة الضالة كل التلاعب # ودعاهم فأجابوه واستخفهم فأطاعوه فتلاعب بهم في شأن المعبود سبحانه ~~وتعالى # وتلاعب بهم في أمر المسيح # وتلاعب بهم في شأن الصليب وعبادته # وتلاعب بهم في تصوير الصور في الكنائس وعبادتها فلا تجد كنيسة من كنائسهم ~~تخلو عن صورة مريم والمسيح وجرجس وبطرس وغيرهم من القديسين عندهم والشهداء ~~وأكثرهم يسجدون للصور ويدعونها من دون الله تعالى حتى لقد كتب بطريق ~~الاسكندرية إلى ملك الروم كتابا يحتج فيه للسجود للصور : بأن الله تعالى ~~أمر موسى عليه ms569 السلام أن يصور في قبة الزمان صورة الساروس وبأن سليمان بن ~~داود لما عمل الهيكل عمل صورة الساروس من ذهب ونصبها داخل الهيكل ثم قال في ~~كتابه : وإنما مثال هذا مثال الملك يكتب إلى بعض عماله كتابا فيأخذه العامل ~~ويقبله ويضعه على عينيه ويقوم له لا تعظيما للقرطاس والمداد بل تعظيما ~~للملك كذلك السجود للصور تعظيم لاسم ذلك المصور لا للأصباغ والألوان # وبهذا المثال بعينه عبدت الأصنام # وما ذكره هذا المشرك عن موسى وسليمان عليهما السلام لو صح لم يكن فيه ~~دليل على السجود للصور وغايته : أن يكون بمثابة ما يذكر عن داود : أنه نقش ~~خطيئته في كفه كيلا ينساها فأين هذا مما يفعله هؤلاء المشركون : من التذلل ~~والخضوع والسجود بين يدي تلك الصور وإنما المثال المطابق لما يفعله هؤلاء ~~المشركون مثال خادم من خدام الملك دخل على رجل فوثب الرجل من مجلسه وسجد له ~~وعبده وفعل به ما لا يصلح أن يفعل إلا مع الملك PageV02P292 وكل عاقل ~~يستجهله ويستحمقه في فعله إذ قد فعل مع عبد الملك ما كان ينبغي له أن يخص ~~به الملك دون عبيده : من الإكرام والخضوع والتذلل ومعلوم أن هذا إلى مقت ~~الملك له وسقوطه من عينه أقرب منه إلى إكرام له ورفع منزلته # كذلك حال من سجد لمخلوق أو لصورة مخلوق لأنه عمد إلى السجود الذي هو غاية ~~ما يتوصل به العبد إلى رضا الرب ولا يصلح إلا له ففعله لصورة عبد من عبيده ~~وسوى بين الله وبين عبده في ذلك وليس وراء هذا في القبح والظلم شيء # ولهذا قال تعالى : إن الشرك لظلم عظيم وقد فطر الله سبحانه عباده على ~~استقباح معاملة عبيد الملك وخدمه بالتعظيم والإجلال والخضوع والذل الذي ~~يعامل به الملك فكيف حال من فعل ذلك بأعداء الملك فإن الشيطان عدو الله ~~والمشرك إنما يشرك به لا بولي الله ورسوله بل رسول الله وأولياؤه بريئون ~~ممن أشرك بهم معادون لهم أشد الناس مقتا لهم فهم في نفس الأمر إنما أشركوا ~~بأعداء ms570 الله وسووا بينهم وبين الله في العبادة والتعظيم والسجود والذل ~~ولهذا كان بطلان الشرك وقبحه معلوما بالفطرة السليمة والعقول الصحيحة ~~والعلم بقبحه أظهر من العلم بقبح سائر القبائح والمقصود : ذكر تلاعب ~~الشيطان بهذه الأمة في أصول دينهم وفروعه كتلاعبه بهم في صيامهم فإن أكثر ~~صومهم لا أصل له في شرع المسيح بل هو مختلق مبتدع فمن ذلك : أنهم زادوا ~~جمعة في بدء الصوم الكبير يصومونها لهرقل مخلص بيت المقدس وذلك أن الفرس ~~لما ملكوا بيت المقدس وقتلوا النصارى وهدموا الكنائس أعانهم اليهود على ذلك ~~وكانوا أكثر قتلا وفتكا في النصارى من الفرس # فلما سار هرقل إليه استقبله اليهود بالهدايا وسألوه أن يكتب لهم عهدا ~~ففعل فلما دخل بيت المقدس شكا إليه من فيه من النصارى ما كان اليهود صنعوه ~~بهم PageV02P293 فقال لهم هرقل : وما تريدون مني قالوا : تقتلهم قال : كيف ~~أقتلهم وقد كتبت لهم عهدا بالأمان وأنتم تعلمون ما يجب على ناقض العهد # فقالوا له : إنك حين أعطيتهم الأمان لم تدر ما فعلوا من قتل النصارى وهدم ~~الكنائس وقتلهم قربان إلى الله تعالى ونحن نتحمل عنك هذا الذنب ونكفره عنك ~~ونسأل المسيح أن لا يؤاخذك به ونجعل لك جمعة كاملة في بدء الصوم نصومها لك ~~ونترك فيها أكل اللحم ما دامت النصرانية ونكتب به إلى جميع الآفاق غفرانا ~~لما سألناك # فأجابهم وقتل من اليهود حول بيت المقدس وجبل الخليل مالا يحصى كثرة # فصيروا أول جمعة من الصوم الذي يترك فيه الملكية أكل اللحم يصومونها ~~لهرقل الملك غفرانا لنقضه العهد وقتل اليهود وكتبوا بذلك إلى الآفاق # وأهل بيت المقدس وأهل مصر يصومونها وبقية أهل الشام والروم يتركون اللحم ~~فيه ويصومون الأربعاء والجمعة # وكذلك لما أرادوا نقل الصوم إلى فصل الربيع المعتدل وتغيير شريعة المسيح ~~زادوا فيه عشرة أيام عوضا وكفارة لنقلهم له ومن ذلك : تلاعبه في أعيادهم : ~~فكلها موضوعة مختلقة محدثة بآرائهم واستحسانهم فمن ذلك : عيد ميكائيل وسببه ~~: أنه كان بالاسكندرية صنم وكان جميع من بمصر والإسكندرية يعيدون له عيدا ~~عظيما ms571 ويذبحون له الذبائح فولي بتركة الاسكندرية واحدا منهم فأراد أن يكسره ~~PageV02P294 ويبطل الذبائح فامتنعوا عليه فاحتال عليهم وقال إن هذا الصنم ~~لا ينفع ولا يضر فلو جعلتم هذا العيد لميكائيل ملك الله تعالى وجعلتم هذه ~~الذبائح له كان يشفع لكم عند الله وكان خيرا لكم من هذا الصنم فأجابوه إلى ~~ذلك فكسر الصنم وصيره صلبانا وسمى الكنيسة كنيسة ميكائيل وسماها قيسارية ثم ~~احترقت الكنيسة وخربت وصيروا العيد والذبائح لميكائيل فنقلهم من كفر إلى ~~كفر ومن شرك إلى شرك # فكانوا في ذلك كمجوسي أسلم فصار رافضيا فدخل الناس عليه يهنئونه فدخل ~~عليه رجل وقال : إنك إنما انتقلت من زاوية من النار إلى زاوية أخرى # ومن ذلك عيد الصليب وهو مما اختلقوه وابتدعوه فإن ظهور الصليب إنما كان ~~بعد المسيح بزمن كثير وكان الذي أظهره زورا وكذبا أخبرهم به بعض اليهود أن ~~هذا هو الصليب الذي صلب عليه إلهم وربهم فانظر إلى هذا السند وهذا الخبر ~~فاتخذوا ذلك الوقت الذي ظهر فيه عيدا وسموه عيد الصليب ولو أنهم فعلوا كما ~~فعل أشباههم من الرافضة حيث اتخذوا وقت قتل الحسين رضي الله عنه مأتما ~~وحزنا لكان أقرب إلى العقول # وكان من حديث الصليب : أنه لما صلب المسيح على زعمهم الكاذب وقتل ودفن ~~رفع من القبر إلى السماء وكان التلاميذ كل يوم يصيرون إلى القبر إلى موضع ~~الصلب ويصلون فقالت اليهود : إن هذا الموضع لا يخفى وسيكون له نبأ وإذا رأى ~~الناس القبر خاليا آمنوا به فطرحوا عليه التراب والزبل حتى صار مزبلة عظيمة ~~فلما كان في أيام قسطنطين الملك جاءت زوجته إلى بيت المقدس تطلب الصليب ~~فجمعت من اليهود والسكان ببيت المقدس وجبل الخليل مائة رجل واختارت منهم ~~عشرة واختارت من العشرة ثلاثة اسم أحدهم يهوذا فسألتهم أن يدلوها على ~~الموضع فامتنعوا وقالوا : لا علم لنا بالموضع PageV02P295 فطرحتهم في الحبس ~~في جب لا ماء فيه فأقاموا سبعة أيام لا يطعمون ولا يسقون فقال يهوذا ~~لصاحبيه : إن أباه عرفه بالموضع الذي تطلب فصاح الإثنان ms572 فأخرجوهما فخبراها ~~بما قال يهوذا فأمرت بضربه بالسياط فأقر وخرج إلى الموضع الذي فيه المقبرة ~~وكان مزبلة عظيمة فصلى وقال : اللهم إن كان في هذا الموضع فاجعله أن يتزلزل ~~ويخرج منه دخان فتزلزل الموضع وخرج منه دخان فأمرت الملكة بكنس الموضع من ~~التراب فظهرت المقبرة وأصابوا ثلاثة صلبان فقالت الملكة : كيف لنا أن نعلم ~~صليب سيدنا المسيح وكان بالقرب منهم عليل شديد العلة قد أيس منه فوضع ~~الصليب الأول عليه ثم الثاني ثم الثالث فقام عند الثالث واستراح من علته ~~فعلمت أنه صليب المسيح فجعلته في غلاف من ذهب وحملته إلى قسطنطين # وكان من ميلاد المسيح إلى ظهور هذا الصليب : ثلاثمائة وثمانية وعشرون سنة # هذا كله نقله سعيد بن بطريق النصراني في تاريخه # والمقصود : أنهم ابتدعوا هذا العيد بنقل علمائهم بعد المسيح بهذه المدة : # وبعد فسند هذه الحكاية من بين يهودي ونصراني مع انقطاعها وظهور الكذب ~~فيها # لمن له عقل من وجوه كثيرة ويكفي في كذبها وبيان اختلاقها : أن ذلك الصليب ~~الذي شفي العليل كان أولى أن لا يميت الإله الرب المحيي المميت ومنها : أنه ~~إذا بقي تحت التراب خشب ثلثمائة وثمانية وعشرون سنة فإنه ينخر ويبلى لدون ~~هذه المدة فإن قال عباد الصليب : إنه لما مس جسم المسيح حصل له الثبات ~~والقوه والبقاء قيل لهم : فما بال الصليبين الباقيين لم يتفتتا واشتبها به ~~فلعلهم يقولون : لما مست صليبه مسها البقاء والثبات وجهل القوم وحمقهم أعظم ~~من ذلك والرب سبحانه لما تجلى للجبل تدكدك الجبل وساخ في الأرض ولم يثبت ~~لتجليه فكيف تثبت الخشبة لركوبه عليها في تلك الحال # ولقد صدق القائل : إن هذه الأمة عار على بني آدم أن يكونوا منهم فإن كانت ~~هذه الحكاية صحيحة فما أقربها من حيل اليهود التي تخلصوا بها من ~~PageV02P296 الحبس والهلاك وحيل بني آدم تصل إلى أكثر من ذلك بكثير ولا ~~سيما لما علم اليهود أن ملكة دين النصرانية قاصدة إلى بيت المقدس وأنها ~~تعاقبهم حتى يدلوها على موضع القتل والصلب وعلموا أنهم ms573 إن لم يفعلوا لم ~~يتخلصوا من عقوبتها # ومنها : أن عباد الصليب يقولون : إن المسيح لما قتل غار دمه ولو وقع منه ~~قطرة على الأرض ليبست ولم تنبت فيا عجبا كيف يحيى الميت ويبرأ العليل ~~بالخشبة التي شهر عليها وصلب أهذا كله من بركتها وفرحها به وهو مشدود عليها ~~يبكي ويستغيث # ولقد كان الأليق أن يتفتت الصليب ويضمحل لهيبة من صلب عليه وعظمته ولخسفت ~~الأرض بالحاضرين عند صلبه والمتمالئين عليه بل تتفطر السموات وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا # ثم يقال لعباد الصليب : لا يخلو أن يكون المصلوب الناسوت وحده أو مع ~~اللاهوت فإن كان المصلوب هو الناسوت وحده فقد فارقته الكلمة وبطل اتحادها ~~به وكان المصلوب جسدا من الأجساد ليس بإله ولا فيه شىء من الإلهية ~~والربوبية ألبتة وإن قلتم : إن الصلب وقع على اللاهوت والناسوت معا فقد ~~أقررتم بصلب الإله وقتله وموته وقدرة الخلق على أذاه وهذا أبطل الباطل ~~وأمحل المحال فبطل تعلقكم بالصليب من كل وجه عقلا وشرعا وأما تلاعبه بهم في ~~صلاتهم فمن وجوه أحدها : صلاة كثير منهم بالنجاسة والجنابة والمسيح برىء من ~~هذه الصلاة وسبحان الله أن يتقرب إليه بمثل هذه الصلاة فقدره أعلى وشأنه ~~أجل من ذلك ومنها : صلاتهم إلى مشرق الشمس وهم يعلمون أن المسيح لم يصل إلى ~~المشرق أصلا وإنما كان يصلي إلى قبلة بيت المقدس # ومنها : تصليبهم على وجوههم عند الدخول في الصلاة والمسيح برىء من ذلك ~~فصلاة مفتاحها النجاسة وتحريمها التصليب على الوجه وقبلتها الشرق وشعارها ~~الشرك كيف يخفى على العاقل أنها لا تأتي بها شريعة من الشرائع ألبتة ~~PageV02P297 ولما علمت الرهبان والمطارنة والأساقفة : إن مثل هذا الدين ~~تنفر عنه العقول أعظم نفرة شدوه بالحيل والصور في الحيطان بالذهب واللازورد ~~والزنجفر وبالأرغل وبالأعياد المحدثة ونحو ذلك مما يروج على السفهاء وضعفاء ~~العقول والبصائر وساعدهم ما عليه اليهود من القسوة والغلظة والمكر والكذب ~~والبهت وما عليه كثير من المسلمين من الظلم والفواحش والفجور والبدعة ~~والغلو في المخلوق حتى يتخذه إلها من دون الله ms574 واعتقاد كثير من الجهال أن ~~هؤلاء من خواصالمسلمين وصالحيهم فتركب من هذا وأمثاله تمسك القوم بما هم ~~فيه ورؤيتهم أنه خير من كثير مما عليه المنتسبون إلى الإسلام من البدع ~~والفجور والشرك والفواحش # ولهذا لما رأى النصارى الصحابة وما هم عليه آمن أكثرهم اختيارا وطوعا ~~وقالوا : ما الذين صحبوا المسيح بأفضل من هؤلاء ولقد دعونا نحن وغيرنا ~~كثيرا من أهل الكتاب إلى الإسلام فأخبروا أن المانع لهم ما يرون عليه ~~المنتسبين إلى الإسلام ممن يعظمهم الجهال : من البدع والظلم والفجور والمكر ~~والاحتيال ونسبة ذلك إلى الشرع ولمن جاء به فساء ظنهم بالشرع وبمن جاء به ~~فالله طليب قطاع طريق الله وحسيبهم فهذه إشارة يسيرة جدا إلى تلاعب الشيطان ~~بعباد الصليب تدل على ما بعدها والله الهادي الموفق # | فصل في ذكر تلاعبه بالأمة الغضبية وهم اليهود قال الله تعالى في حقهم # بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل PageV02P298 الله بغيا أن ~~ينزل الله من فضله على من يشاء يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وقال ~~تعالى : قل هل أنبعئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه ~~وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء ~~السبيل وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله ~~أعلم بما كانوا يكتمون وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم ~~السحت لبئس ما كانوا يعملون لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم ~~وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون # وقال تعالى : @QB@ ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم ~~أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون @QE@ # وقد أمرنا الله سبحانه أن نسأله في صلواتنا أن يهدينا صراط الذين أنعم ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين # وثبت عن النبيأنه قال : اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون فأول تلاعب ~~الشيطان بهذه الأمة في حياة نبيها وقرب العهد بإنجائهم من فرعون وإغراقه ~~وإغراق قومه فلما جاوزوا البحر رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم ms575 فقالوا : ~~@QB@ يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة @QE@ فقال لهم موسى عليه السلام ~~@QB@ إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون @QE@ ~~فأي جهل فوق هذا والعهد قريب وإهلاك المشركين أمامهم بمرأى من عيونهم ~~فطلبوا من موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلها فطلبوا من مخلوق أن يجعل لهم ~~إلكها مخلوقا وكيف يكون الإله مجعولا فإن الإله هو الجاعل لكل ما سواه ~~والمجعول مربوب مصنوع فيستحيل أن يكون إلها PageV02P299 وما أكثر الخلف ~~لهؤلاء في اتخاذ إله مجعول فكل من اتخذ إلها غير الله فقد اتخذ إلها مجعولا ~~وقد ثبت عن النبي أنه كان في بعض غزواته فمروا بشجرة يعلق عليها المشركون ~~أسلحتهم وشاراتهم وثيابهم يسمونها ذات أنواط فقال بعضهم : يا رسول الله ~~اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال : الله أكبر قلتم كما قال قوم ~~موسى لموسى : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ثم قال لتركبن سنن من كان قبلكم ~~حذو القذة بالقذة # | فصل ومن تلاعبه بهم عبادتهم العجل من دون الله تعالى وقد شاهدوا ما # حل بالمشركين من العقوبة والأخذة الرابية ونبيهم حي لم يمت هذا وقد ~~شاهدوا صانعه يصنعه ويصوغه ويصليه النار ويدقه بالمطرقة ويسطو عليه بالمبرد ~~ويقلبه بيديه ظهرا لبطن ومن عجيب أمرهم : أنهم لم يكتفوا بكونه إلههم حتى ~~جعلوه إله موسى فنسبوا موسى عليه السلام إلى الشرك وعبادة غير الله تعالى ~~بل عبادة أبلد الحيوانات وأقلها دفعا عن نفسه بحيث يضرب به المثل في ~~البلادة والذل فجعلوه إله كليم الرحمن # ثم لم يكتفوا بذلك حتى جعلوا موسى عليه السلام ضالا مخطئا فقالوا : فنسي # قال ابن عباس : أي ضل وأخطأ الطريق PageV02P300 وفي رواية عنه أي إن موسى ~~ذهب يطلب ربه فضل ولم يعلم مكانه # وعنه أيضا نسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه وإلهكم وقال السدى : أي ترك موسى ~~إلهه ههنا وذهب يطلبه وقال قتادة : أي إن موسى إنما يطلب هذا ولكنه نسيه ~~وخالفه في طريق آخر # هذا هو القول ms576 المشهور : أن قوله فنسى من كلام السامريع وعباد العجل معه ~~وعن ابن عباس رواية أخرى أن هذا من إخبار الله تعالى عن السامري : أنه نسى ~~أى ترك ما كان عليه من الإيمان والصحيح : القول الأول والسياق يدل عليه ولم ~~يذكر البخاري في التفسير غيره فقال : [ فنسى موساهم ] يقولونه : أخطأ الرب ~~فإنه لما جعله إله موسى استحضر سؤالا من بني إسرائيل يوردونه عليه فيقولون ~~له : إذا كان هذه إله موسى فلأي شيء ذهب عنه لموعد إلهه فأجاب عن هذا ~~السؤال قبل إيراده عليه بقوله فنسى وهذا من أقبح تلاعب الشيطان بهم فانظر ~~إلى هؤلاء كيف اتخذوا إلها مصنوعا مصنوغا من جوهر أرضى إنما يكون تحت ~~التراب محتاجا إلى سبك بالنار وتصفية وتخليص لخبثه منه مدقوقا بمطارق ~~الحديد مقلبا في النار مرة بعد مرة قد نحت بالمبارد وأحدث الصانع صورته ~~وشكله على صورة الحيوان المعروف بالبلادة والذل والضيم وجعلوه إله موسى ~~ونسبوه إلى الضلال حيث ذهب يطلب إلها غيره # قال محمد بن جرير : وكان سبب اتخاذهم العجل ما حدثني به عبدالكريم بن ~~الهيثم # قال حدثنى إبراهيم بن بشار الرمادي حدثنا سيفان بن عيينة حدثنا أبو سعيد ~~عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : لما هجم فرعون على البحر ~~هو وأصحابه وكان فرعون على فرس أدهم [ ذنوب ] فلما هجم فرعون على البحر هاب ~~الحصان أن يقتحم في البحر فمثل له جبريل على فرس أنثى [ وديق ] فلما رآها ~~الحصان تقحم خلفها قال : وعرف السامري PageV02P301 جبريل [ لأن أمه حين ~~خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه وكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه ~~فيجد في بعض أصابعه لبنا وفي الأخرى عسلا وفي الأخرى سمنا فلم يزل يغذوه ~~حتى نشأ فلما عاينه في البحر عرفه ] فقبض قبضة من أثر فرسه قال : أخذ قبضة ~~من تحت الحافر # قال سفيان : وكان ابن مسعود يقرؤها فقبضت قبضة من أثر فرس الرسول # قال أبو سعيد قال عكرمة عن ابن عباس : وألقي في روع السامري : إنك لا ~~تلقيها على ms577 شيء فتقول : كن كذا وكذا إلا كان فلم تزل القبضة معه في يده حتى ~~جاوز البحر فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر وأغرق الله آل فرعون قال ~~موسى لأخيه هارون : اخلفني في قومي وأصلح ومضي موسى لموعد ربه قال : وكان ~~مع بني إسرائيل حلى ك من حلى آل فرعون قد استعاروه فكأنهم تأثموا منه ~~فأخرجوه لتنزل النار فتأكله فلما جمعوه قال السامري بالقبضة التي كانت في ~~يده هكذا [ وأومأ ابن إسحاق بيده هكذا ] فقذفها فيه وقال : كن عجلا جسدا له ~~خوار فصار عجلا جسدا له خوار فكان يدخل الريح من دبره ويخرج من فيه يسمع له ~~صوت : فقال هذا إلهكم وإله موسى فعكفوا على العجل يعبدونه فقال هارون : ~~@QB@ يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن ~~نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى @QE@ # وقال السدي : لما أمر الله موسى أن يخرج ببني إسرائيل من أرض مصر أمر ~~موسى بني إسرائيل أن يخرجوا وأمرهم أن يستعيروا الحلي من القبط فلما نجى ~~الله موسى ومن معه من بني إسرائيل من البحر وأغرق آل فرعون أتى جبريل إلى ~~موسى ليذهب به إلى الله فأقبل على فرس فرآه السامري فأنكره ويقال : إنه فرس ~~الحياة فقال حين رآه : إن لهذا لشأنا فأخذ من تربة حافر الفرس فانطلق موسى ~~عليه السلام واستخلف هارون على بني إسرائيل وواعدهم ثلاثين ليلة فأتمها ~~الله تعالى بعشر فقال لهم هارون : يا بني إسرائيل إن الغنيمة لا تحل لكم ~~وإن حلي القبط إنما هو غنيمة فاجمعوها جميعا PageV02P302 واحفروا لها حفرة ~~فادفنوها فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها [ وإلا كان شيئا لم تأكلوه ] فجمعوا ~~ذلك الحلي في تلك الحفرة وجاء السامرى بتلك القبضة فقذفها فأخرج الله من ~~الحلي عجلا جسدا له خوار [ وعدت بنو إسرائيل موعد موسى فعدوا الليلة يوما ~~واليوم يوما فلما كان تمام العشرين أخرج لهم العجل ] فلما رأوه قال لهم ~~السامرى : هذا إلهكم وإله موسى فنسى يقول : ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه ~~فعكفوا عليه ms578 يعبدونه وكان يخور ويمشي فقال لهم هارون : يا بني إسرائيل إنما ~~فتنتم به يقول : إنما ابتليتم بالعجل وإن ربكم الرحمن فأقام هارون ومن معه ~~من بني إسرائيل لا يقاتلونهم وانطلق موسى إلى الله يكلمه فلما كلمه قال له ~~: ما أعجلك عن قومك يا موسى قال : هم أولاء على أثرى وعجلت إليك رب لترضى ~~قال : فإنا قد فتنا قومك من بعدك [ وأضلهم السامرى فأخبره خبرهم قال موسى : ~~يا رب هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل PageV02P303 فالروح من نفخها فيه ~~قال الرب تعالى : أنا قال : يا رب أنت إذا أضللتهم وقال ابن إسحق عن حكيم ~~بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان السامري [ ~~من أهل باجرما ] وكان من قوم يعبدون البقر فكان يحب عبادة البقر في نفسه ~~وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل فلما ذهب موسى إلى ربه قال لهم هرون : ~~أنتم قد حملتم أوزارا من زينة القوم آل فرعون وأمتعة وحليا فتطهروا منها ~~فإنها نجس وأوقد لهم نارا فقال : اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها فجعلوا ~~يأتون بما كان معهم من تلك الأمتعة والحلى فيقذفون به فيها حتى إذا انكسر ~~الحلي فيها ورأى السامرى أثر فرس جبريل فأخذ ترابا من أثر حافره ثم أقبل ~~إلى النار فقال لهرون : يا نبي الله ألقى ما في يدي ولا يظن هارون إلا أنه ~~كبعض ما جاء به غيره من الحلى والأمتعة فقذفه فيها فقال : كن عجلا جسدا له ~~خوار فكان البلاء والفتنة فقال : هذا إلهكم وإله موسى فعكفوا عليه وأحبوه ~~حبا لم يحبوا شيئا مثله قط يقول الله عز وجل : فنسى أي ترك ما كان عليه من ~~الإسلام يعني السامرى أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ~~ولا نفعا [ وكان اسم السامرى موسى بن ظفر وقع في أرض مصر فدخل في بني ~~إسرائيل ] فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال : يا قوم إنما فتنتم به وإن ~~ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري ms579 قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع ~~إلينا موسى فأقام هرون فيمن معه من المسلمين ممن لم يفتتن وأقام من يعبد ~~العجل على عبادة العجل وتخوف هارون إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له ~~موسى : فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي وكان له هائبا مطيعا # فقال تعالى مذكرا لبني إسرائيل بهذه القصة التي جرت لأسلافهم مع نبيهم : ~~PageV02P304 وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده يعني من ~~بعد ذهابه إلى ربه وليس المراد من بعد موته وأنتم ظالمون أي بعبادة غير ~~الله تعالى لأن الشرك أظلم الظلم لأن المشرك وضع العبادة في غير موضعها # فلما قدم موسى عليه السلام ورأى ما أصاب قومه من الفتنة اشتد غضبه وألقى ~~الألواح عن رأسه وفيها كلام الله الذي كتبه له وأخذ برأس أخيه ولحيته ولم ~~يعتب الله عليه في ذلك لأنه حمله عليه الغضب لله وكان الله عز وجل قد أعلمه ~~بفتنة قومه ولكن لما رأى الحال مشاهدة حدث له غضب آخر فإنه ليس الخبر ~~كالمعاينة # | فصل ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة في حياة نبيهم أيضا : ما # قصه الله تعالى في كتابه حيث يقول : وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى ~~الله جهرة أي عيانا قال ابن جرير : ذكرهم الله تعالى بذلك اختلاف آبائهم ~~وسوء استقامة أسلافهم لأنبيائهم مع كثرة معاينتهم من آيات الله ما يثلج ~~بأقلها الصدور وتطمئن بالتصديق معها النفوس وذلك مع تتابع الحجج عليهم ~~وسبوغ النعم من الله تعالى لديهم وهم مع ذلك مرة يسألون نبيهم أن يجعل لهم ~~إلها غير الله ومرة يعبدون العجل من دون الله ومرة يقولون : لا نصدقك حتى ~~نرى الله جهرة وأخرى يقولون له إذا دعوا إلى القتال : اذهب أنت وربك فقاتلا ~~إنا هاهنا قاعدون ومرة يقال لهم : قولوا حطة PageV02P305 وادخلوا الباب ~~سجدا نغفر لكم خطاياكم فيقولون : حبة في شعيرة ويدخلون من قبل أستاههم ومرة ~~يعرض عليهم العمل بالتوراة فيمتنعون من ذلك حتى نتق الله تعالى عليهم الجبل ms580 ~~كأنه ظلة إلى غير ذلك من أفعالهم التي آذوا بها نبيهم التي يكثر إحصاؤها ~~فأعلم ربنا تبارك وتعالى الذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بني إسرائيل ~~الذين كانوا على عهد رسول اللهأنهم لن يعدوا أن يكونوا في تكذيبهم محمدا ~~وجحودهم نبوته وتركهم الإقرار به وبما جاء به مع علمهم به ومعرفتهم بحقيقة ~~أمره كأسلافهم وآبائهم الذين قص الله علينا قصصهم # وقال محمد بن إسحاق : لما رجع موسى إلى قومه فرأى ما هم فيه من عبادة ~~العجل وقال لأخيه وللسامرى ما قال وحرق العجل وذراه في اليم اختار موسى ~~منهم سبعين رجلا الخير فالخير وقال : انطلقوا إلى الله عز وجل فتوبوا إلى ~~الله مما صنعتم واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم فصوموا ~~وتطهروا وطهروا نياتكم فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه وكان لا ~~يأتيه إلا بإذن منه فقال له السبعون فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به ~~وخرجوا للقاء الله : يا موسى اطلب لنا إلى ربك أن نسمع كلام ربنا فقال : ~~أفعل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله ودنا موسى ~~فأدخل فيه وقال للقوم : ادنوا وكان موسى عليه السلام إذا كلمه ربه وقع على ~~جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم ان ينظر إليه فضرب دونه بالحجاب ~~ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا فسمعوه تعالى وهو يكلم ~~نبيه موسى يأمره وينهاه : افعل ولا تفعل فلما فرغ الله من أمره انكشف عن ~~موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا لموسى عليه السلام : لن نؤمن لك حتى نرى ~~الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا جميعا وقام موسى عليه السلام يناشد ربه ~~ويدعوه ويرغب إليه ويقول : @QB@ رب لو شئت أهلكتهم @QE@ PageV02P306 @QB@ ~~من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا @QE@ # فإن قيل : فما مقصود موسى بقوله : @QB@ لو شئت أهلكتهم من قبل @QE@ فقد ~~ذكر فيه وجوه # فقال السدي : لما ماتوا قام موسى يبكي ويقول : يا رب ماذا أقول لبني ~~إسرائيل إذا أتيتتهم وقد ms581 أهلكت خيارهم # وقال محمد بن إسحاق : اخترت منهم سبعين رجلا الخير فالخير أرجع إليهم ~~وليس معي منهم رجل واحد فما الذي يصدقوني به أو يأمنوني عليه بعد هذا # وعلى هذا فالمعنى : لو شئت أهلكتهم من قبل خروجنا فكان بنو إسرائيل ~~يعاينون ذلك ولا يتهموني # وقال الزجاج : المعنى : لو شئت أهلكتهم من قبل أن تبتليهم بما أوجب عليهم ~~الرجفة قلت : وهؤلاء كلهم حاموا حول المقصود والذي يظهر والله اعلم بمراده ~~ومراد نبيه : أن هذا استعطاف من موسى عليه السلام لربه وتوسل إليه بعفوه ~~عنهم من قبل حين عبد قومهم العجل ولم ينكروا عليهم يقول موسى : إنهم قد ~~تقدم منهم ما يقتضي هلاكهم ومع هذا فوسعهم عفوك ومغفرتك ولم تهلكهم فليسعهم ~~اليوم ما وسعهم من قبل # وهذا كما يقول من واخذه سيده بجرم لو شئت واخذتني من قبل هذا بما هو أعظم ~~من هذا الجرم ولكن وسعني عفوك أولا فليسعني اليوم # ثم قال نبي الله : @QB@ أتهلكنا بما فعل السفهاء منا @QE@ # فقال ابن الإنباري وغيره : هذا استفهام على معنى الجحد أي لست تفعل ذلك # والسفهاء هنا : عبدة العجل قال الفراء : ظن موسى أنهم أهلكوا باتخاذ ~~قومهم العجل فقال : @QB@ أتهلكنا بما فعل @QE@ PageV02P307 @QB@ السفهاء ~~منا @QE@ وإنما كان إهلاكهم بقولهم @QB@ أرنا الله جهرة @QE@ ثم قال : @QB@ ~~إن هي إلا فتنتك @QE@ وهذا من تمام الاستعطاف أي ما هي إلا ابتلاؤك ~~واختبارك لعبادك فأنت ابتليتهم وامتحنتهم فالأمر كله لك وبيدك لا يكشفه إلا ~~أنت كما لم يمتحن به ويختبر به إلا أنت فنحن عائذون بك منك ولاجئون منك ~~إليك # | فصل ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة وكيده لهم # أنهم قيل لهم وهم مع نبيهم والوحي ينزل عليه من الله تعالى @QB@ ادخلوا ~~هذه القرية @QE@ قال قتادة وابن زيد والسدي وابن جرير وغيرهم : هي قرية بيت ~~المقدس @QB@ فكلوا منها حيث شئتم رغدا @QE@ أي هنيئا واسعا @QB@ وادخلوا ~~الباب سجدا @QE@ قال السدعي : هو باب من أبواب بيت المقدس وكذلك قال بن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما قال والسجود بمعنى الركوع وأصل السجود الانحناء ~~لمن ms582 تعظمه فكل منحن لشيء تعظيما له فهو ساجد قاله ابن جرير وغيره # قلت : وعلى هذا فانحناء المتلاقين عند السلام أحدهما لصاحبه من السجود ~~المحرم وفيه نهي صريح عن النبي # ثم قيل لهم : قولوا حطة أي حط عنا خطايانا هذا قول الحسن وقتادة وعطاء # وقال عكرمة وغيره : أي قولوا : لا إله إلا الله وكأن أصحاب هذا القول ~~اعتبروا الكلمة التي تحط بها الخطايا وهي كلمة التوحيد # وقال سعيد بن جبيرعن ابن عباس : أمروا بالاستغفار PageV02P308 وعلى ~~القولين : فيكونون مأمورين بالدخول بالتوحيد والاستغفار وضمن لهم بذلك ~~مغفرة خطاياهم فتلاعب الشيطان بهم فبدلوا قولا غير الذي قيل لهم وفعلا غير ~~الذي أمروا به # فروى البخاري في صحيحه ومسلم أيضا من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة رضي ~~الله تعالى عنه قال : قال رسول الله قيل لبني إسرائيل : ادخلوا الباب سجدا ~~وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم ~~وقالوا : حبة في شعرة فبدلوا القول والفعل معا فأنزل الله عليهم رجزا من ~~السماء قال أبو العالية : هو الغضب وقال ابن زيد : هو الطاعون # وعلى هذا فالطاعون بالرصد لمن بدل دين الله قولا وعملا # | فصل ومن تلاعب الشيطان بهم # أنهم كانوا في البرية قد ظلل عليه الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى فملو ~~ذلك وذكروا عيش الثوم والبصل والعدس والبقل والقثاء فسألوه موسى عليه ~~السلام وهذا من سوء اختيارهم لأنفسهم وقلة بصرهم بالأغذية النافعة الملائمة ~~واستبدال الأغذية الضارة القليلة التغذية منها ولهذا قال لهم موسى عليه ~~السلام : @QB@ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا @QE@ أي ~~مصرا من الأمصار @QB@ فإن لكم ما سألتم @QE@ PageV02P309 # فكانوا في أفسح الأمكنة وأوسعها وأطيبها هواء وأبعدها عن الأذى ومجاورة ~~الأنتان والأقذار سقفهم الذي يظلهم من الشمس : الغمام وطعامهم : السلوى ~~وشرابهم : المن # قال ابن زيد : كان طعام بني إسرائيل في التيه واحدا وشرابهم واحدا كان ~~شرابهم عسلا ينزل من السماء يقال له : المن وطعامهم طير يقال له : السلوى ~~يأكلون الطير ويشربون العسل لم يكن لهم خبز ولا غيره ms583 # ومعلوم فضل هذا الغذاء والشراب على غيرهما من الأغذية والأشربة # وكانوا مع ذلك يتفجر لهم من الحجر اثنا عشر عينا من الماء فطلبوا ~~الاستبدال بما هو دون ذلك بكثير فذموا على ذلك فكيف بمن استبدل الضلال ~~بالهدى والغي بالرشاد والشرك بالتوحيد والسنة بالبدعة وخدمة الخالق بخدمة ~~المخلوق والعيش الطيب في المساكن الطيبة في جوار الله تعالى بحظه من العيش ~~النكد الفاني في هذه الدار PageV02P310 # | فصل ومن تلاعبه بهم # أنهم لما عرضت عليهم التوراة لم يقبلوها وقد شاهدوا من الآيات ما شاهدوه ~~حتى أمر الله سبحانه جبريل فقلع جبلا من أصله على قدرهم ثم رفعه فوق رؤوسهم ~~وقيل لهم : إن لم تقبلوها ألقيناه عليكم فقبلوه كرها قال الله تعالى : @QB@ ~~وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون @QE@ قال عبدالله بن وهب قال ابن زيد : لما رجع ~~موسى من عند ربه بالألواح قال لبني إسرائيل : إن هذه الألواح فيها كتاب ~~الله وأمره الذي أمركم به ونهيه الذي نهاكم عنه فقالوا : ومن يأخذ بقولك ~~أنت لا والله حتى نرى الله جهرة حتى يطلع الله إلينا فيقول : هذا كتابي ~~فخذوه فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى فيقول : هذا كتابي فخذوه ~~فجاءت غضبة من الله تعالى فجاءتهم صاعقة فصعقتهم فماتوا أجمعون قال : ثم ~~أحياهم الله تعالى بعد موتهم فقال لهم موسى : خذوا كتاب الله فقالوا : لا ~~فقال : أي شيء أصابكم قالوا : متنا ثم حيينا فقال : خذوا كتاب الله قالوا : ~~لا قال : فبعث الله ملائكته فنتقت الجبل فوقهم فقيل لهم : أتعرفون هذا ~~قالوا : نعم الطور قال : خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم قال : فأخذوه ~~بالميثاق وقال السدى : لما قال الله تعالى لهم : ادخلوا الباب سجدا وقولوا ~~حطة فأبوا أن يسجدوا فأمر الله الجبل أن يرتفع فوق رؤوسهم فنظروا إليه وقد ~~غشيهم فسقطوا سجدا على شق ونظروا بالشق الآخر فكشفه عنهم ثم تولوا من بعد ~~هذه الآيات وأعرضوا PageV02P311 ولم يعملوا بما في كتاب الله ms584 ونبذوه وراء ~~ظهورهم فقال تعالى مذكرا لهؤلاء بما جرى من أسلافهم @QB@ وإذ أخذنا ميثاقكم ~~ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ثم ~~توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين @QE@ # | فصل ومن تلاعبه بهم # أن الله سبحانه أنجاهم من فرعون وسلطانه وظلمه وفرق بهم البحر وأراهم ~~الآيات والعجائب ونصرهم وآواهم وأعزهم وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين # ثم أمرهم أن يدخلوا القرية التي كتب الله لهم وفي ضمن هذا بشارتهم بأنهم ~~منصورون ومفتوح لهم وأن تلك القرية لهم فأبوا طاعته وامتثال أمره وقابلوا ~~هذا الأمر والبشارة بقولهم : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون # وتأمل : تلطف نبي الله تعالى موسى عليه السلام بهم وحسن خطابه لهم ~~وتذكيرهم بنعم الله عليهم وبشارتهم بوعد الله لهم : بأن القرية مكتوبة لهم ~~ونهيهم عن معصيته بارتدادهم على أدبارهم وأنهم إن عصوا أمره ولم يمتثلوا : ~~انقلبوا خاسرين # فجمع لهم بين الأمر والنهى والبشارة والنذارة والترغيب والترهيب والتذكير ~~بالنعم السالفة فقابلوه أقبح المقابلة فعارضوا أمر الله تعالى بقولهم : ~~@QB@ يا موسى إن فيها قوما جبارين @QE@ فلم يوقروا رسول الله وكليمه حتى ~~نادوه باسمه ولم يقولوا : يا نبى الله وقالوا : إن فيها قوما جبارين ونسوا ~~قدرة جبار السموات والأرض الذي يذل الجبابرة لأهل طاعته وكان خوفهم من ~~أولئك الجبارين الذين نواصيهم بيد الله أعظم من خوفهم من الجبار الأعلى ~~سبحانه وكانوا أشد رهبة في صدورهم منه # ثم صرحوا بالمعصية والامتناع من الطاعة فقالوا : إنا لن ندخلها حتى ~~يخرجوا منها فأكدوا معصيتهم بأنواع من التأكيد PageV02P312 # أحدها : تمهيد عذر العصيان بقولهم @QB@ إن فيها قوما جبارين @QE@ # والثاني : تصريحهم بأنهم غير مطيعين وصدروا الجملة بحرف التأكيد وهو إن ~~ثم حققوا النفي بأداة لن الدالة على نفي المستقبل أي لا ندخلها الآن ولا في ~~المستقبل # ثم علقوا دخولها بشرط خروج الجبارين منها @QB@ فقال @QE@ لهم @QB@ رجلان ~~من الذين يخافون أنعم الله عليهما @QE@ بطاعته والانقياد إلى أمره من الذين ~~يخافون الله هذا قول الأكثرين وهو ms585 الصحيح وقيل : من الذين يخافونهم من ~~الجبارين أسلما واتبعا موسى عليه السلام @QB@ ادخلوا عليهم الباب @QE@ أي ~~باب القرية فاهجموا عليهم فإنهم قد ملئوا منكم رعبا @QB@ فإذا دخلتموه ~~فإنكم غالبون @QE@ ثم ارشداهم إلى ما يحقق النصر والغلبة لهم وهو التوكل # فكان جواب القوم أن قالوا : يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ماداموا فيها ~~فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون فسبحان من عظم حلمه حيث يقابل أمره ~~بمثل هذه المقابلة ويواجه رسوله بمثل هذا الخطاب وهو يحلم عنهم ولا يعاجلهم ~~بالعقوبة بل وسعهم حلمه وكرمه وكان أقصى ما عاقبهم به : أن رددهم في برية ~~التيه أربعين عاما يظلل عليهم الغمام من الحر وينزل عليهم المن والسلوى # وفي الصحيحين : عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : لقد شهدت من ~~المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به أتى النبيوهو ~~يدعو على المشركين فقال : لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى : اذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكنا نقاتل عن يمينك وشمالك وبين يديك ومن ~~خلفك فرأيت رسول اللهأشرق وجهه لذلك وسر به PageV02P313 فلما قابلوا نبي ~~الله بهذه المقابلة قال : @QB@ رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا ~~وبين القوم الفاسقين قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا ~~تأس على القوم الفاسقين @QE@ # | فصل ومن تلاعبه بهم في حياة نبيهم أيضا # ما قصه الله سبحانه وتعالى في كتابه من قصة القتيل الذي قتلوه وتدافعوا ~~فيه حتى أمروا بذبح بقرة وضربه ببعضها # وفي هذه القصة أنواع من العبر : # منها : أن الإخبار بها من أعلام نبوة رسول الله # ومنها : الدلالة على نبوة موسى وأنه رسول رب العالمين # ومنها : الدلالة على صحة ما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم : من ~~معاد الأبدان وقيام الموتى من قبورهم # ومنها : إثبات الفاعل المختار وأنه عالم بكل شيء قادر على كل شىء عدل لا ~~يجوز عليه الظلم والجور حكيم لا يجوز عليه العبث # ومنها : إقامة أنواع الآيات والبراهين والحجج ms586 على عباده بالطرق المتنوعات ~~زيادة في هداية المهتدي وإعذارا وإنذارا للضال PageV02P314 # ومنها : إنه لا ينبغي مقابلة أمر الله تعالى بالتعنت وكثرة الأسئلة بل ~~يبادر إلى الإمتثال فإنهم لما أمروا أن يذبحوا بقرة كان الواجب عليهم أن ~~يبادروا إلى الإمتثال بذبح أي بقرة اتفقت فإن الأمر بذلك لا إجمال فيه ولا ~~إشكال بل هو بمنزلة قوله : اعتق رقبة وأطعم مسكينا وصم يوما ونحو ذلك ولذلك ~~غلط من احتج بالآية على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب فإن الآية غنية عن ~~البيان المنفصل مبينة بنفسها ولكن لما تعنتوا وشددوا شدد عليهم # قال أبو جعفر بن جرير عن الربيع عن أبي العالية : لو أن القوم حين أمروا ~~أن يذبحوا بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها ولكنهم شددوا ~~على أنفسهم فشدد الله عليهم # ومنها : أنه لا يجوز مقابلة أمر الله الذي لا يعلم المأمور به وجه الحكمة ~~فيه بالإنكار وذلك نوع من الكفر فإن القوم لما قال لهم نبيهم : إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة قابلوا هذا الأمر بقولهم أتتخذنا هزوا فلما لم ~~يعلموا وجه الحكمة في ارتباط هذا الأمر بما سألوه عنه قالوا : أتتخذنا هزوا ~~وهذا من غاية جهلهم بالله ورسوله فإنه أخبرهم عن أمر الله لهم بذلك ولم يكن ~~هو الآمر به ولو كان هو الآمر به لم يجز لمن آمن بالرسول أن يقابل أمره ~~بذلك فلما قال لهم : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين وتيقنوا أن الله ~~سبحانه أمره بذلك أخذوا في التعنت بسؤالهم عن عينها ولونها فلما أخبروا عن ~~ذلك رجعوا إلى السؤال مرة ثالثة عن عينها فلما تعينت لهم ولم يبق إشكال ~~توقفوا في الامتثال ولم يكادوا يفعلون PageV02P315 # ثم من أقبح جهلهم وظلمهم قولهم لنبيهم الآن جئت بالحق فإن أرادوا بذلك : ~~أنك لم تأت بالحق قبل ذلك في أمر البقرة فتلك ردة وكفر ظاهر وإن أرادوا : ~~أنك الآن بيت لنا البيان التام في تعيين البقرة المأمور بذبحها فذلك جهل ~~ظاهر فإن البيان قد حصل بقوله @QB@ إن الله ms587 يأمركم أن تذبحوا بقرة @QE@ ~~فإنه لا إجمال في الأمر ولا في الفعل ولا في المذبوح فقد جاء رسول الله ~~بالحق من أول مرة # قال محمد بن جرير : وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم ~~وكفروا بقولهم لموسى : الآن جئت بالحق وزعم أن ذلك نفي منهم أن يكون موسى ~~عليه السلام أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك وأن ذلك كفر منهم قال : ~~وليس الأمر كما قال عندنا لأنهم قد أذعنوا بالطاعة بذبحها وإن كان قولهم ~~الذي قالوا لموسى جهلا منهم وهفوة من هفواتهم PageV02P316 # | فصل ومنها : الإخبار عن قساوة قلوب هذه الأمة وغلظها وعدم تمكن # الإيمان فيها قال عبد الصمد بن معقل عن وهب : كان ابن عباس يقول : إن ~~القوم بعد أن أحي الله تعالى الميت فأخبرهم بقاتله أنكروا قتله وقالوا : ~~والله ما قتلناه بعد أن رأوا الآيات والحق قال الله تعالى @QB@ ثم قست ~~قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة @QE@ # ومنها : مقابلة الظالم الباغي بنقيض قصده شرعا وقدرا فإن القاتل قصده ~~ميراث المقتول ودفع القتل عن نفسه ففضحه الله تعالى وهتكه وحرمه ميراث ~~المقتول # ومنها : أن بني إسرائيل فتنوا بالبقرة مرتين من بين سائر الدواب ففتنوا ~~بعبادة العجل وفتنوا بالأمر بذبح البقرة والبقر من أبلد الحيوان حتى ليضرب ~~به المثل # والظاهر : أن هذه القصة كانت بعد قصة العجل ففي الأمر بذبح البقرة تنبيه ~~على أن هذا النوع من الحيوان الذي لا يمتنع من الذبح والحرث والسقي لا يصلح ~~أن يكون إلها معبودا من دون الله تعالى وأنه إنما يصلح للذبح والحرث والسقى ~~والعمل # | فصل ومن تلاعبه بهذه الأمة أيضا # ما قصه الله تعالى علينا من قصة أصحاب السبت حتى مسخهم قردة لما تحيلوا ~~على استحلال محارم الله تعالى # ومعلوم أنهم كانوا يعصون الله تعالى بأكل الحرام واستباحة الفروج والحرام ~~PageV02P317 والدم الحرام وذلك أعظم إثما من مجرد العمل يوم السبت ولكن لما ~~استحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل وتلاعبوا بدينه وخادعوه مخادعة ~~الصبيان ومسخوا دينه ms588 بالاحتيال مسخهم الله تعالى قردة وكان الله تعالى قد ~~أباح لهم الصيد في كل أيام الأسبوع إلا يوما واحدا فلم يدعهم حرصهم وجشعهم ~~حتى تعدوا إلى الصيد فيه وساعد القدر بأن عوقبوا بإمساك الحيتان عنهم في ~~غير يوم السبت وإرسالها عليهم يوم السبت وهكذا يفعل الله سبحانه بمن تعرض ~~لمحارمه فإنه يرسلها عليه بالقدر تزدلف إليه بأيها يبدأ فانظر ما فعل الحرص ~~وما أوجب من الحرمان بالكلية ومن ههنا قيل : من طلبه كله فاته كله # | فصل ومن تلاعب الشيطان بهم أيضا أنهم لما حرمت عليهم الشحوم # أذابوها ثم باعوها وأكلوا ثمنها وهذا من عدم فقههم وفهمهم عن الله تعالى ~~دينه فان ثمنها بدل منها فتحريمها تحريم لبدلها والمعاوضة عنها كما أن ~~تحريم الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير يتناول تحريم أعيانها وأبدالها ~~PageV02P318 # ومن تلاعبه بهم أيضا : إتخاذ قبور أنبيائهم مساجد وقد لعنهم رسول اللهعلى ~~ذلك ولعنته تتناول فعلهم # ومن تلاعبه بهم أيضا : أنهم كانوا يقتلون الأنبياء الذين لا تنال الهداية ~~إلا على أيديهم ويتخذون أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله تعالى يحرمون ~~عليهم ويحلون لهم فيأخذون بتحريمهم وتحليلهم ولا يلتفتون : هل ذلك التحريم ~~والتحليل من عند الله تعالى أم لا # قال عدي بن حاتم : أتيت رسول الله فسألته عن قوله : @QB@ اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله @QE@ فقلت : يا رسول الله ما عبدوهم فقال : ~~حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فأطاعوهم فكانت تلك عبادتهم إياهم ~~رواه الترمذي وغيره # وهذا من أعظم تلاعب الشيطان بالانسان : أن يقتل أو يقاتل من هداه على ~~يديه ويتخذ من لم تضمن له عصمته ندا لله يحرم عليه ويحلل له ومن تلاعبه بهم ~~: ما كان منهم في شأن زكريا ويحيى عليهما السلام وقتلهم لهما حتى سلط الله ~~عليهم بختنصر وسنجاريب وجنودهما فنالوا منهم ما نالوه PageV02P319 # ثم كان منهم في شأن المسيح ورميه وأمه بالعظائم وهم يعلمون أنه رسول الله ~~تعالى إليهم فكفروا به بغيا وعنادا وراموا قتله وصلبه فصانه الله تعالى من ~~ذلك ورفعه إليه وطهره منهم ms589 فأوقعوا القتل والصلب على شبهه وهم يظنون أنه ~~رسول الله عيسى فانتقم الله تعالى منهم ودمر عليهم أعظم تدمير وألزمهم كلهم ~~حكم الكفر بتكذيبهم بالمسيح كما ألزم النصارى معهم حكم الكفر بتكذيبهم ~~بمحمد # ولم يزل أمر اليهود بعد تكذيبهم بالمسيح وكفرهم به في سفال ونقص إلى أن ~~قطعهم الله تعالى في الأرض أمما ومزقهم كل ممزق وسلبهم عزهم وملكهم فلم يقم ~~لهم بعد ذلك ملك إلى أن بعث الله تعالى محمدافكفروا به وكذبوه فأتم عليهم ~~غضبه ودمرهم غاية التدمير وألزمهم ذلا وصغارا لا يرفع عنهم إلى أن ينزل ~~أخوه المسيح من السماء فيستأصل شأفتهم ويطهر الأرض منهم ومن عباد الصليب ~~قال تعالى : @QB@ بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ~~ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين ~~عذاب مهين @QE@ # فالغضب الأول : بسبب كفرهم بالمسيح والغضب الثاني : بسبب كفرهم بمحمد ~~صلوات الله وسلامه عليهما # | فصل ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة أن ألقى إليهم أن الرب تعالى # محجور عليه في نسخ الشرائع فحجروا عليه أن يفعل ما يشاء PageV02P320 ~~ويحكم ما يريد وجعلوا هذه الشبهة الشيطانية ترسا لهم في جحد نبوة رسول الله ~~محمد وقرروا ذلك بأن النسخ يستلزم البداء وهو على الله تعالى محال # وقد أكذبهم الله تعالى في نص التوراة كما أكذبهم في القرآن قال الله ~~تعالى : @QB@ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ~~من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فمن ~~افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون قل صدق الله فاتبعوا ~~ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين @QE@ # فتضمنت هذه الآيات بيان كذبهم صريحا في إبطال النسخ فإنه سبحانه وتعالى ~~أخبر أن الطعام كله كان حلالا لبني إسرائيل قبل نزول التوراة سوى ما حرم ~~إسرائيل على نفسه منه # ومعلوم أن بني إسرائيل كانوا على شريعة أبيهم اسرائيل وملته وأن الذي كان ~~لهم حلالا إنما هو بإحلال ms590 الله تعالى له على لسان إسرائيل والأنبياء بعده ~~إلى حين نزول التوراة ثم جاءت التوراة بتحريم كثير من المآكل عليهم التي ~~كانت حلالا لبني إسرائيل وهذا محض النسخ # وقوله تعالى : @QB@ من قبل أن تنزل التوراة @QE@ أي كانت حلالا لهم قبل ~~نزول التوراة وهم يعلمون ذلك ثم قال تعالى : @QB@ قل فأتوا بالتوراة ~~فاتلوها إن كنتم صادقين @QE@ هل تجدون فيها أن إسرائيل حرم على نفسه ما ~~حرمته التوارة عليكم أم تجدون فيها تحريم ما خصه بالتحريم وهي لحوم الإبل ~~وألبانها خاصة وإذا كان إنما حرم هذا وحده وكان ما سواه حلالا له ولبنيه ~~وقد حرمت التوراة كثيرا منه ظهر كذبكم وافتراؤكم في إنكار نسخ الشرائع ~~والحجر على الله تعالى في نسخها # فتأمل هذا الموضع الشريف الذي حام حوله أكثر المفسرين وما وردوه # وهذا أولى من احتجاج كثير من أهل الكلام عليهم بأن التوراة حرمت أشياء ~~كثيرة PageV02P321 من المناكح والذبائح والأفعال والأقوال وذلك نسخ لحكم ~~البراءة الأصلية فإن هذه المناظرة ضعيفة جدا فإن القوم لم ينكروا رفع ~~البراءة الأصلية بالتحريم والإيجاب إذ هذا شأن كل الشرائع وإنما أنكروا ~~تحريم ما أباحه الله تعالى فيجعله حراما أو تحليل ما كان حرمه فيجعله مباحا ~~وأما رفع البراءة والاستصحاب فلم ينكره أحد من أهل الملل # ثم يقال لهذه الأمة الغضبية : هل تقرون أنه كان قبل التوراة شريعة أم لا ~~فهم لا ينكرون أن يكون قبل التوراة شريعة # فيقال لهم : فهل رفعت التوراة شيئا من أحكام تلك الشرائع المتقدمة أم لا # فإن قالوا : لم ترفع شيئا من أحكام تلك الشرائع فقد جاهروا بالكذب # والبهت وإن قالوا : قد رفعت بعض الشرائع المتقدمة فقد أقروا بالنسخ قطعا ~~PageV02P322 # وأيضا فيقال للأمة الغضبية : هل أنتم اليوم على ما كان عليه موسى عليه ~~السلام فإن قالوا : نعم قلنا : أليس في التوراة أن من مس عظم ميت أو وطيء ~~قبرا أو حضر حضر ميتا عند موته فإنه يصير من النجاسة بحال لا مخرج له منها ~~إلا برماد البقرة التي كان الإمام الهاروني يحرقها ms591 فلا يمكنهم إنكار ذلك ~~فيقال لهم : فهل أنتم اليوم على ذلك # فإن قالوا : لا نقدر عليه فيقال لهم : لم جعلتم أن من مس العظم والقبر ~~والميت طاهرا يصلح للصلاة والذي في كتابكم خلافه # فإن قالوا : لأنا عدمنا أسباب الطهارة وهي رماد البقرة وعدمنا الإمام ~~المطهر المستغفر # فيقال لهم : فهل أغناكم عدمه عن فعله أو لم يغنكم # فإن قالوا : أغنانا عدمه عن فعله # قيل لهم : قد تبدل الحكم الشرعي من الوجوب إلى إسقاطه لمصلحة التعذر # فيقال : وكذلك يتبدل الحكم الشرعي بنسخه لمصلحة النسخ فإنكم إن بنيتم على ~~اعتبار المصالح والمفاسد في الأحكام فلا ريب أن الشيء يكون مصلحة في وقت ~~دون وقت وفي شريعة دون أخرى كما كان تزويج الأخ بالأخت مصلحة في شريعة آدم ~~عليه السلام # ثم صار مفسدة في سائر الشرائع وكذلك إباحة العمل يوم السبت كان مصلحة في ~~شريعة إبراهيم عليه السلام ومن قبله وفي سائر الشرائع ثم صار مفسدة في ~~شريعة موسى عليه السلام وأمثال ذلك كثيرة # وإن منعتم مراعاة المصالح في الأحكام ومنعتم تعليلها بها فالأمر حينئذ ~~أظهر # فإنه سبحانه يحلل ما يشاء ويحرم ما يشاء والتحليل والتحريم تبع لمجرد ~~مشيئته لا يسأل عما يفعل وإن قلتم : لا نستغني في الطهارة عن ذلك الطهور ~~الذي كان عليه أسلافنا فقد أقررتم بأنكم الأنجاس أبدا ولا سبيل لكم إلى ~~حصول الطهارة PageV02P323 # فإن قالوا : نعم الأمر كذلك # قيل لهم : فإذا كنتم أنجاسا على مقتضى أصولكم فما بالكم تعتزلون الحائض ~~بعد انقطاع الحيض وارتفاعه سبعة أيام اعتزالا تخرجون فيه إلى حد لو أن ~~أحدكم لمس ثوبه ثوب المرأة نجستموه مع ثوبه # فإن قلتم : ذلك من أحكام التوراة # قيل لكم : ليس في التوراة أن ذلك يراد به الطهارة فإذا كانت الطهارة قد ~~تعذرت عندكم والنجاسة التي أنتم عليها لا ترتفع بالغسل فهي إذا أشد من ~~نجاسة الحيض # ثم إنكم ترون أن الحائض طاهر إذا كانت من غير ملتكم ولا تنحسون من لمسها ~~ولا الثوب الذي تلمسه فتخصيص هذا الأمر بطائفتكم ليس ms592 في التوراة # | فصل قالت الأمة الغضبية : التوراة قد حظرت أمورا كانت مباحة من # قبل ولم تأت بإباحة محظور والنسخ الذي ننكره ونمنع منه : هو ما أوجب ~~إباحة محظور لأن تحريم الشيء إنما هو لأجل ما فيه من المفسدة فإذا جاءت ~~شريعة بتحريمه كان ذلك من مؤكداتها ومقرراتها فإذا جاء من أباحه علمنا ~~بإباحة المفسدة : أنه غير نبي بخلاف تحريم ما كان مباحا فإنا نكون متعبدين ~~بتحريمه # قالوا : وشريعتكم جاءت بإباحة كثير مما حرمته التوراة مع أنه إنما حرم ~~لما فيه من المفسدة # فهذه النكتة هي التي تعتمد عليها الأمة الغضبية ويتلقاها خالف منهم عن ~~سالف # والمتكلمون لم يشفوهم في جوابها وإنما أطالوا معهم الكلام في رفع البراءة ~~الأصلية بالشرائع وفي نسخ الإباحة بالتحريم # ولعمر الله إنه بما يبطل شبهتهم لأن رفع البراءة الأصلية ورفع الإباحة ~~بالتحريم : هو تغيير لما كان عليه الحكم الاستصحابي أو الشرعي بحكم آخر ~~لمصلحة اقتضت تغييره ولا فرق في اقتضاء المصلحة بين تغيير الإباحة بالتحريم ~~أو تغيير التحريم بالإباحة PageV02P324 # والشبهة التي عرضت لهم في أحد الموضعين هي بعينها في الموضع الآخر فإن ~~إباحة الشيء في الشريعة تابع لعدم مفسدته إذ لو كانت فيه مفسدة راجحة لم ~~تأت الشريعة باباحته فإذا حرمته الشريعة الأخرى وجب قطعا أن يكون تحريمه ~~فيها هو المصلحة كما كان إباحته في الشريعة الأولى هو المصلحة فإن تضمن ~~إباحة الشحوم المحرمة في الشريعة الأولى إباحة المفاسد وحاشا لله تضمن ~~تحريم المباح في الشريعة الأولى تحريم المصالح وكلاهما باطل قطعا # فإذا جاز أن تأتي شريعة التوراة بتحريم ما كان إبراهيم ومن تقدمه يستبيحه ~~فجائز أن تأتي شريعة أخرى بتحليل بعض ما كان في التوراة محظورا # وهذه الشبهة الباطلة الداحضة هي التي ردت بها الأمة الغضبية نبوة سيدنا ~~محمد هي بعينها رد بها أسلافهم نبوة المسيح وتوارثوها كافرا عن كافر وقالوا ~~لمحمد كما قال أسلافهم للمسيح : لا نقر بنبوة من غير شريعة التوراة # فيقال لهم : فكيف أقررتم لموسى بالنبوة وقد جاء بتغيير بعض شرائع من ms593 ~~تقدمه فإن قدح ذلك في المسيح ومحمد عليهما الصلاة والسلام قدح في موسى فلا ~~تقدحون في نبوتهما بقادح PageV02P325 إلا ومثله في نبوة موسى سواء كما أنكم ~~لا تثبتون نبوة موسى ببرهان إلا وأضعافه شاهد على نبوة محمد فمن أبين ~~المحال أن يكون موسى رسولا صادقا ومحمد ليس برسول أو يكون المسيح رسولا ~~ومحمدليس برسول # ويقال للأمة الغضبية أيضا : لا يخلو المحرم إما أن يكون تحريمه لعينه ~~وذاته بحيث تمنع إباحته في زمان من الأزمنة وإما أن يكون تحريمه لما تضمنه ~~من المفسدة في زمان دون زمان ومكان دون مكان وحال دون حال # فإن كان الأول لزم أن يكون ما حرمته التوراة محرما على جميع الأنبياء في ~~كل زمان ومكان من عهد نوح إلى خاتم الأنبياء عليهم السلام # وإن كان الثاني ثبت أن التحريم والإباحة تابعان للمصالح وإنما يختلفان ~~باختلاف الزمان والمكان والحال فيكون الشيء الواحد حراما في ملة دون ملة ~~وفي وقت دون وقت وفي مكان دون مكان وفي حال دون حال وهذا معلوم بالاضطرار ~~من الشرائع ولا يليق بحكمة أحكم الحاكمين غير ذلك # ألا ترى أن تحريم السبت لو كان لعينه لكان حراما على إبراهيم ونوح وسائر ~~النبيين # وكذلك ما حرمته التوراة من المطاعم والمناكح وغيرها لو كان حراما لعينه ~~وذاته لوجب تحريمه على كل نبي وفي كل شريعة # وإذا كان الرب تعالى لا حجر عليه بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ويبتلي ~~عباده بما يشاء ويحكم ولا يحكم عليه فما الذي يحيل عليه ويمنعه أن يأمر أمة ~~بأمر من أوامر الشريعة ثم ينهى أمة أخرى عنه أو يحرم محرما على أمة ويبيحه ~~لأمة أخرى # بل أي شيء يمنعه سبحانه أن يفعل ذلك في الشريعة الواحدة في وقتين مختلفين ~~بحسب المصلحة وقد بين ذلك سبحانه وتعالى بقوله ما ننسخ من آية أو ننسها نأت ~~بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شىء قدير ألم تعلم أن الله له ~~ملك السموات والأرض [ ] # فأخبر سبحانه أن عموم ms594 قدرته وملكه وتصرفه في مملكته وخلقه لا يمنعه أن ~~ينسخ ما يشاء ويثبت ما يشاء كما أنه يمحو من أحكامه القدرية الكونية ما ~~يشاء ويثبت PageV02P326 فهكذا أحكامه الدينية الأمرية ينسخ منها ما يشاء ~~ويثبت منها ما يشاء فمن أكفر الكفر وأظلم الظلم : أن يعارض الرسول الذي جاء ~~بالبينات والهدى وتدفع نبوته وتجحد رسالته : بكونه أتى بإباحة بعض ما كان ~~محرما على من قبله أو تحريم بعض ما كان مباحا لهم وبالله التوفيق يضل من ~~يشاء ويهدي من يشاء # ومن العجب أن هذه الامة الغضبية تحجر على الله تعالى أن ينسخ ما يشاء من ~~شرائعه وقد تركوا شريعة موسى عليه السلام في أكثر ما هم عليه وتمسكوا بما ~~شرعه لهم أحبارهم وعلماؤهم # فمن ذلك : أنهم يقولون في صلاتهم ما ترجمته هكذا : اللهم اضرب ببوق عظيم ~~لفيفنا واقبضنا جميعا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك سبحانك يا جامع شتات ~~قوم إسرائيل # ويقولون كل يوم ما ترجمته هكذا : أردد حكامنا كالأولين ومسراتنا ~~كالابتداء وابن أو رشليم قرية قدسك في أيامنا وأعزنا بابتنائها سبحانك ~~ياباني يورشليم # فهذا قولهم في صلاتهم مع علمهم بأن موسى وهارون عليهما السلام لم يقولا ~~شيئا من ذلك ولكنها فصول لفقوها بعد زوال دولتهم # وكذلك صيامهم كصوم إحراق بيت المقدس وصوم أحصا وصوم كدليا التي جعلوها ~~فرضا لم يصمها موسى ولا يوشع بن نون وكذلك صوم صلب هامان ليس شيء من ذلك في ~~التوراة وإنما وضعوها لأسباب اقتضت وضعها عندهم # هذا مع أن في التوراة ما ترجمته لا تزيدوا على الأمر الذي أنا موصيكم به ~~شيئا ولا تنقصوا منه شيئا وقد تضمنت التوراة أوامر كثيرة جدا هم مجمعون على ~~تعطيلها وإلغائها فإما أن تكون منسوخة بنصوص أخرى من التوراة أو بنقل صحيح ~~عن موسى عليه السلام أو باجتهاد PageV02P327 علمائهم وعلى التقادير الثلاث ~~فقد بطلت شبهتهم في إنكار النسخ ثم من العجب أن أكبر تلك الأوامر التي هم ~~مجمعون على عدم القول والعمل بها إنما يستندون فيها إلى أقوال علمائهم ~~وأمرائهم ms595 وقد اتفقوا على تعطيل الرجم للزاني وهو نص التوراة وتعطيل أحكام ~~كثيرة منصوصة في التوراة ومن تلاعب الشيطان بهم # أنهم يزعمون أن الفقهاء إذا أحلوا لهم الشيء صار حلالا وإذا حرموه صار ~~حراما وإن كان نص التوراة بخلافه # وهذا تجويز منهم لنسخهم ما شاءوا من شريعة التوراة فحجروا على الرب تعالى ~~وتقدس أن ينسخ ما يريد من شريعته وجوزوا ذلك لأحبارهم وعلمائهم كما تكبر ~~إبليس أن يسجد لأدم ورأى أن ذلك يغض منه ثم رضي أن يكون قوادا لكل عاص ~~وفاسق # وكما أبى عباد الأصنام أن يكون النبي المرسل إليهم بشرا ثم رضوا أن يكون ~~إلههم ومعبودهم حجرا # وكما نزهت النصارى بتاركتهم عن الولد والصاحبة ولم يتحاشوا من نسبة ذلك ~~إلى الله سبحانه وتعالى وكما نزهت الفرعونية من الجهمية الرب سبحانه أن ~~يكون مستويا على عرشه لئلا يلزم الحصر ثم جعلوه سبحانه في الآبار والحانات ~~وأجواف الحيوانات PageV02P328 # | فصل ومن تلاعب الشيطان بهم ما شددوه على أنفسهم في باب الذبائح # وغيرها مما ليس له أصل عن موسى عليه السلام ولا هو في التوراة وإنما هو ~~من أوضاع الحاخاميم وآرائهم وهم فقهاؤهم # ولقد كان لهذه الأمة في قديم الزمان بالشأم والعراق والمدائن مدارس ~~وفقهاء كثيرون وذلك في زمن دولة البابليين والفرس ودولة اليونان والروم حتى ~~اجتمع فقهاؤهم في بعض تلك الدول على تأليف المشنا والتلمود # فأما المشنا فهو الكتاب الأصغر ومبلغ حجمه نحو ثمانمائة ورقة # وأما التلمود فهو الكتاب الأكبر ومبلغه نحو نصف حمل بغل لكبره ولم يكن ~~الفقهاء الذين ألفوه في عصر واحد وإنما ألفوه جيلا بعد جيل فلما نظر ~~المتأخرون منهم إلى هذا التأليف وأنه كلما مر عليه الزمان زادوا فيه وأن في ~~الزيادات المتأخرة ما يناقض أوائل هذا التأليف علموا أنهم إن لم يقطعوا ذلك ~~ويمنعوا من الزيادة فيه أدى إلى الخلل الذي لا يمكن سده قطعوا الزيادة فيه ~~ومنعوا منها وحظروا على الفقهاء الزيادة فيه وإضافة شيء آخر إليه وحرموا من ~~يضيف إليه شيئا آخر فوقف على ذلك ms596 المقدار # وكانت أئمتهم قد حرموا عليهم في هذين الكتابين مؤاكلة الأجانب وهم من كان ~~على غير ملتهم فحرموا عليهم الأكل من ذبيحة من لم يكن على دينهم لأن ~~علماءهم علموا أن دينهم لا يبقى في هذه الجلوة مع كونهم تحت الذل والعبودية ~~إلا أن يصدوهم عن مخالطة من هو على غير ملتهم فحرموا عليهم الأكل من ~~ذبائحهم ومناكحتهم ولم يمكن تقرير ذلك إلا بحجة يبتدعونها من أنفسهم ~~ويكذبون بها على الله تعالى لأن التوراة إنما حرمت عليهم PageV02P329 ~~مناكحة غيرهم من الأمم لئلا يوافقوا الأزواج في عبادة الأصنام والشرك وحرم ~~عليهم في التوراة أكل ذبائح الأمم التي يذبحونها قربانا إلى الأصنام لأنه ~~قد سمي عليها اسم غير الله تعالى فأما الذبائح التي لم تذبح قربانا للأصنام ~~فلم تنطق التوراة بتحريمها وإنما نطقت بإباحة الأكل من أيدي غيرهم من الأمم ~~وموسى عليه السلام إنما نهاهم عن مناكحة عباد الأصنام وأكل ما يذبحونها على ~~اسمها # فما بال هؤلاء لا يأكلون من ذبائح المسلمين وهم لا يذبحون للأصنام ولا ~~يذكرون اسمها عليها # فلما نظر أئمتهم إلى أن التوراة غير ناطقة بتحريم مآكل الأمم عليهم إلا ~~عباد الأصنام وأن التوراة قد صرحت بأن تحريم مواكلتهم ومخالطتهم خوف ~~استدارج المخالطة إلى المناكحة وأن مناكحتهم إنما منع منها خوف استتباعها ~~إلى الانتقال إلى أديانهم وعبادة أوثانهم ووجدوا جميع هذا واضحا في التوراة ~~اختلقوا كتابا في علم الذباحة ووضعوا فيه من التشديد والآصار والأغلال ما ~~شغلوهم به عما هم فيه من الذل والمشقة # وذلك أنهم أمروهم أن ينفخوا الرئة حتى يملؤها هواء ويتأملوها هل يخرج ~~الهواء من ثقب منها أم لا فإن خرج منها الهواء حرموها وإن كان بعض أطراف ~~الرئة لاصقا ببعض لم يأكلوه وأمروا الذي يتفقد الذبيحة أن يدخل يده في بطن ~~الذبيحة ويتأمل بأصابعه فإن وجد القلب ملتصقا إلى الظهر أو أحد الجانبين ~~ولو كان الالتصاق بعرق دقيق كالشعرة حرموه ولم يأكلوه وسموه طريفا يعنون ~~بذلك أنه تنجس وأكله حرام PageV02P330 # وهذه التسمية هي أصل بلائهم ms597 # وذلك أن التوراة حرمت عليهم أكل الطريفا والطريفا : هي الفريسة التي ~~يفترسها الأسد أو الذئب أو غيرها من السباع وهو الذي عبر عنه القرآن بقوله ~~تعالى : وما أكل السبع # والدليل على ذلك : أنه قال في التوراة : ولحما في الصحراء فريسة لا ~~تأكلوه وللكلب ألقوه # وأصل لفظ طريفا طوارف وقد جاءت هذه اللفظة في التوراة في قصة يوسف عليه ~~السلام لما جاء إخوته على قميصه بدم كذب وزعموا أن الذئب افترسه وقال في ~~الترواة : ولحما في الصحراء فريسة لا تأكلوا والفريسة إنما توجد غالبا في ~~الصحراء وكان سبب نزول هذا عليهم : أنهم كانوا ذوي أخبية يسكنون البر لأنهم ~~مكثوا يترددون في التيه أربعين سنة وكانوا لا يجدون طعاما إلا المن والسلوى ~~وهو طائر صغير يشبه السمان وفيه من الخاصية : أن أكل لحمه يلين القلب ويذهب ~~بالخنزوانه والقساوة فإن هذا الطائر يموت إذا سمع صوت الرعد كما أن الخطاف ~~يقتله البرد فألهمه الله سبحانه وتعالى أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون ~~بها مطر ولا رعد إلى انقضاء أوان المطر والرعد فيخرج من الجزائر وينتشر في ~~الأرض فجلب الله تعالى إليهم هذا الطائر لينتفعوا به ويكون اغتذاؤهم به ~~كالدواء لغلظ قلوبهم وقسوتها PageV02P331 # والمقصود : أن مشايخهم تعدوا في تفسير الطريفا عن موضوعها وما أريد بها ~~وكذلك فقهاؤهم اختلقوا من أنفسهم هذيانات وخرافات تتعلق بالرئة والقلب ~~وقالوا : ما كان من الذبائح سليما من تلك الشروط فهو دحيا ومعنى هذه اللفظة ~~أنه طاهر وما كان خارجا عن هذه الشروط فهو طريفا وتفسيرها : أنه حرام # قالوا : ومعنى نص التوراة ولحما فريسة في الصحراء لا تأكلوه وللكلب ألقوه ~~أي إنكم إذا ذبحتم ذبيحة ولم توجد فيها هذه الشروط فلا تأكلوها بل تبيعونها ~~على من ليس من أهل ملتكم # وفسروا قوله للكلب ألقوه أي لمن ليس من أهل ملتكم فأطعموه وبيعوه وهم أحق ~~بهذا اللقب وأشبه الناس بالكلاب [ فرقتا اليهود ] # ثم إن هذه الأمة الغضبية فرقتان إحداهما : عرفوا أن أولئك السلف الذين ~~ألفوا المشنا والتلمود هم فقهاء اليهود ms598 وهم قوم كذابون على الله وعلى موسى ~~النبي وهم أصحاب حماقات وتنطع ودعاوى كاذبة يزعمون أنهم كانوا إذا اختلفوا ~~في شيء من تلك المسائل يوحى الله تعالى إليهم بصوت يسمعه جمهورهم يقول : ~~الحق في هذه المسألة مع الفقيه فلان ويسمون هذا الصوت بث قول فلما نظرت ~~اليهود القراءون وهم أصحاب عانان وبنيامين إلى هذه المحالات الشنيعة وهذا ~~الافتراء الفاحش والكذب البارد وانفصلوا بأنفسهم عن الفقهاء وعن كل من يقول ~~بمقالاتهم وكذبوهم في كل ما افتروا به على الله وزعموا أنه لا يجوز قبول ~~شيء من أقوالهم حيث ادعوا النبوة وأن الله تعالى كان يوحي إليهم كما يوحي ~~إلى الأنبياء PageV02P332 # وأما تلك الترهات التي ألفها الحاخاميم وهم فقهاؤهم ونسبوها إلى التوراة ~~وإلى موسى فإن القرائين أطرحوها كلها وألقوها ولم يحرموا شيئا من الذبائح ~~التي يتولون ذباحتها البته ولم يحرموا سوى لحم الجدي بلبن أمه فقط # مراعاة لنص التوراة لا تنضج الجدي بلبن أمه وليسوا بأصحاب قياس بل أصحاب ~~ظاهر فقط وأما الفرقة الثانية فهم الربانون وهم أصحاب القياس وهم أكثر عددا ~~من القرائين وفيهم الحاخاميم المفترون على الله تعالى الكذب الذين زعموا أن ~~الله تعالى كان يخاطب جميعهم في كل مسألة مسألهبالصوت الذي يسمونه بث قول # وهذه الطائفة أشد اليهود عداوة لغيرهم من الأمم لأن حاخاميمهم أوهموهم أن ~~المأكولات إنما تحل للناس إن استعملوا فيها هذا العلم الذي نسبوه إلى موسى ~~عليه السلام وإلى الله تعالى وأن سائر الأمم لا يعرفون هذا وأنهم إنما ~~شرفهم الله تعالى بهذا وأمثال ذلك من الترهات فصار أحدهم ينظر إلى من ليس ~~على مذهبه وملته كما ينظر إلى الحيوان الهيم وينظر مآكل الأمم وذبائحهم كما ~~ينظر إلى العذرة # وهذا من كيد الشيطان لهم ولعبه بهم فإن الحاخاميم قصدوا بذلك المبالغة في ~~مخالفتهم الأمم والإزراء عليهم ونسبتهم إلى قلة العلم وأنهم اختصوا دون ~~الأمم بهذه الآصار والأغلال والتشديدات # وكلما كان الحاخاميم فيهم أكثر تكلفا وأشد إصرا وأكثر تحريما قالوا : هذا ~~هو العالم الرباني # ومما دعاهم إلى ms599 التضييق والتشديد : أنهم مبددون في شرق الأرض وغربها فما ~~من جماعة منهم في بلدة إلا إذا قدم عليهم رجل من أهل دينهم من بلاد بعيدة ~~يظهر لهم الخشونة في دينهم والمبالغة في الاحتياط فإن كان من المتفقهة فهو ~~يسرع في إنكار أشياء عليهم ويوهمهم التنزه عما هم عليهم وينسبهم إلى قلة ~~الدين وينسب ما ينكره عليهم إلى مشايخه وإلى أهل بلده PageV02P333 ويكون في ~~أكثر تلك الأشياء كاذبا وقصده بذلك إما الرياسة عليهم وإما تحصيل بعض مآربه ~~منهم ولا سيما إن أراد المقام عندهم # فتراه أول ما ينزل بهم لا يأكل من أطعمتهم ولا من ذبائحهم ويتأمل سكين ~~ذابحهم وينكر عليهم بعض أمره ويقول : أنا لا آكل إلا من ذبيحة يدي فتراهم ~~معه في عذاب لا يزال ينكر عليهم المباح ويوهمهم تحريمه بأشياء يخترعها حتى ~~لا يشكون في ذلك # فإن قدم عليهم قادم آخر فخاف المقيم أن ينقض عليه القادم تلقاه وأكرمه ~~وسعى في موافقته وتصديقه فيستحسن مافعله الأول ويقول لهم : لقد عظم الله ~~تعالى ثواب فلان إذ قوى ناموس الدين في قلوب هذه الجماعة وشد سياج الشرع ~~عندهم وإذا لقيه يظهر من مدحه وشكره والدعاء له ما يؤكد أمره # وإن كان القادم الثاني منكرا لما جاء به الأول من التشديد والتضييق لم ~~يقع عندهم بموقع وينسبونه إما إلى الجهل وإما إلى رقة الدين لأنهم يعتقدون ~~أن تضييق المعيشة وتحريم الحلال هو المبالغة في الدين # وهم أبدا يعتقدون الصواب والحق مع من يشدد ويضيق عليهم هذا إن كان القادم ~~من فقهائهم # فأما إن كانوا من عبادهم وأحبارهم فهناك ترى العجب العجاب من الناموس ~~الذي يعتمد والسنن التي يحدثها ويلحقها بالفرائض فتراهم مسلمين له منقادين ~~وهو يحتلب درهم ويجتلب درهمهم حتى إذا بلغه أن يهوديا جلس على قارعة الطريق ~~يوم السبت أو اشترى لبنا من مسلم ثلبه وسبه في مجمع اليهود وأباح عرضه ~~ونسبه إلى قلة الدين PageV02P334 # | فصل ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة الغضبية أنهم إذا رأوا الأمر أو # النهي مما أمروا ms600 به أو نهوا عنه شاقا عليهم طلبوا التخلص منه بوجوه الحيل ~~فإن أعيتهم الحيل قالوا : هذا كان علينا لما كان لنا الملك والرياسة # فمن ذلك : أنهم إذا أقام أخوان في موضع واحد ومات أحدهما ولم يعقب ولدا ~~فلا تخرج امرأة الميت إلى رجل أجنبي بل ولد حميها ينكحها وأول ولد ممن ~~ينكحها ينسب إلى أخيه الدارج فإن أبى أن ينكحها خرجت مشتكية منه إلى مشيخة ~~قومه تقول : قد أبى ابن حمي أن يستبقى اسما لأخيه في إسرائيل ولم يرد نكاحي ~~فيحضره الحاكم هناك ويكلفه أن يقف ويقول : ما أردت نكاحها فتتناول المرأة ~~نعله فتخرجها من رجله وتمسكها بيدها وتبصق في وجهه وتنادي عليه : كذا ~~فليصنع بالرجل الذي لا يبني بيت أخيه ويدعى فيما بعد : بالمخلوع النعل ~~وينبز بنوه ببني مخلوع النعل # هذا كله مفترض عليهم فيما يزعمون في التوراة وفيه حكمة ملجئة للرجل إلى ~~نكاح زوجة أخيه الدارج فإنه إذا علم أن ذلك يناله إن لم ينكحها آثر نكاحها ~~عليه فإن كان مبغضا لها زهدا في نكاحها أو كانت هي زاهدة في نكاحه مبغضة له ~~استخرج له الفقهاء حيلة يتخلص بها منها وتتخلص منه فيلزمونها الحضور عند ~~الحاكم بمحضر من مشايخهم ويلقنونها أن تقول : أبى ابن حمى أن يقيم لأخيه ~~اسما في إسرائيل لم يرد نكاحي فيلزمونها بالكذب عليه لأنه أراد نكاحها ~~وكرهته وإذا لقنوها هذه الألفاظ قالتها فيأمرونه بالكذب وأن يقوم ويقول : ~~ما أرت نكاحها ولعل ذلك سؤله وأمنيته فيأمرونه بأن يكذب ولم يكفهم أن كذبوا ~~عليه وألزموه أن يكذب حتى سلطوها على الإخراق به والبصاق في وجهه ويسمون ~~هذه المسألة البياما والجالوس # وقد تقدم من التنبيه على حيلهم في استباحتهم محارم الله تعالى بعض ما فيه ~~كفاية # فالقوم بيت الحيل والمكر والخبث # وقد كانوا يتنوعون في عهد رسول اللهبأنواع الحيل والكيد والمكر عليه وعلى ~~أصحابه ويرد الله سبحانه وتعالى ذلك كله عليهم # فتحيلوا عليه وأرادوا قتله مرارا والله تعالى ينجيه من كيدهم PageV02P335 # فتحيلوا عليه وصعدوا فوق سطح وأخذوا ms601 رحا أرادوا طرحها عليه وهو جالس في ~~ظلحائط فأتاه الوحي فقام منصرفا وأخذ في حربهم وإجلائهم # ومكروا به وظاهروا عليه أعدائه من المشركين فظفره الله تعالى بهم # ومكروا به وأخذوا في جمع العدو له فظفره الله تعالى برئيسهم فقتله # ومكروا به وأرادوا قتله بالسم فأعلمه الله تعالى به ونجاه منه ~~PageV02P336 # ومكروا به فسحروه حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله فشفاه الله ~~تعالى وخلصه # ومكروا به في قولهم : آمنوا به وجه النهار واكفروا آخره يريدون بذلك ~~تشكيك المسلمين في نبوته فإنهم إذا اسلموا اول النهار إطمأن المسلمون إليهم ~~وقالوا : قد اتبعوا الحق وظهرت لهم أدلته فيكفرون آخر النهار ويجحدون نبوته ~~ويقولون : لم نقصد إلا الحق واتباعه فلما تبين لنا أنه ليس به رجعنا عن ~~الإيمان به # وهذا من أعظم خبثهم ومكرهم # ولم يزالوا موضعين مجتهدين في المكر والخبث إلى أن أخزاهم الله بيد رسوله ~~وأتباعه عنهم أعظم الخزي ومزقهم كل ممزق وشتت شملهم كل مشتت # وكانوا يعاهدونه عليه الصلاة والسلام ويصالحونه فإذا خرج لحرب عدوه نقضوا ~~عهده # ولما سلب الله تعالى هذه الأمة ملكها وعزها وأذلها وقطعهم في الأرض ~~انتقلوا من التدبير بالقدرة والسلطان إلى التدبير بالمكر والدهاء والخيانة ~~والخداع وكذلك كل عاجز جبان سلطانه في مكره وخداعه وبهته وكذبه ولذلك كان ~~النساء بيت المكر والخداع والكذب والخيانة كما قال الله تعالى عن شاهد يوسف ~~عليه السلام أنه قال : إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ومن تلاعب الشيطان بهذه ~~الأمة # أنهم يمثلون أنفسهم بعناقيد الكرم وسائر الأمم بالشوك المحيط بأعالي ~~حيطان الكرم PageV02P337 وهذا من غاية جهلهم وسفههم فإن المعتنين بمصالح ~~الكرم إنما يجعلون على أعالي حيطانه الشوك حفظا له وحياطة وصيانة ولسنا نرى ~~لليهود من سائر الأمم إلا الضرر والذل والصغار كما يفعل الناس بالشوك ومن ~~تلاعبه بهم أنهم ينتظرون قائما من ولد داود النبي إذا حرك شفتيه بالدعاء ~~مات جميع الأمم وأن هذا المنتظر يزعمهم هو المسيح الذي وعدوا به # وهم في الحقيقة إنما ينتظرون مسيح الضلالة ms602 الدجال فهم أكثر أتباعه وإلا ~~فمسيح الهدى عيسى بن مريم عليه السلام يقتلهم ولا يبقي منهم أحدا # والأمم الثلاث تنتظر منتظرا يخرج في آخر الزمان فإنهم وعدوا به في كل ملة ~~والمسلمون ينتظرون نزول المسيح عيسى بن مريم من السماء لكسر الصليب وقتل ~~الخنزير وقتل اعدائه من اليهود وعباده من النصارى وينتظرون خروج المهدي من ~~أهل بيت النبوة يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا # | فصل ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة الغضبية أنهم في العشر الأول من # الشهر الأول من كل سنة يقولون في صلاتهم : لم تقول الأمم : أين إلههم ~~انتبه كم تنام يا رب استيقظ من رقدتك # وهؤلاء إنما أقدموا على هذه الكفريات من شدة ضجرهم من الذل والعبودية ~~وانتظار فرج لا يزداد منهم إلا بعدا فأوقعهم ذلك في الكفر والتزندق الذي لا ~~يستحسنه إلا أمثالهم وتجرؤا على الله سبحانه وتعالى بهذه المناجاة القبيحة ~~كأنهم ينخونه بذلك لينتخي لهم ويحمي لنفسه فكأنهم يخبرونه سبحانه وتعالى ~~بأنه قد اختار الخمول لنفسه ولأحبابه ولأبناء أنبيائه فينخونه للنباهة ~~واشتهار الصيت PageV02P338 # فترى أحدهم إذا تلا هذه الكلمات في الصلاة يقشعر جلده ولا يشك أن هذه ~~المناجاة تقع عند الله تعالى بموقع عظيم وأنها تؤثر فيه وتحركه وتهره ~~وتنخيه ومن ذلك : أنهم ينسبون إلى الله سبحانه وتعالى الندم على الفعل فمن ~~ذلك : قولهم في التوراة التي بأيديهم : وندم الله سبحانه وتعالى على خلق ~~البشر الذين في الأرض وشق عليه وعاد في رأيه # وذلك عندهم في قصة قوم نوح # وزعموا أن الله سبحانه وتعالى وتقدس لما رأى فساد قوم نوح وأن شركهم ~~وكفرهم قد عظم ندم على خلق البشر # وكثير منهم يقول : إنه بكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة وأنه عض ~~على أنامله حتى جرى الدم منها # وقالوا أيضا : إن الله تعالى ندم على تمليكه شاؤول على بني إسرائيل وأنه ~~قال ذلك لشمويل # وعندهم أيضا : أن نوحا عليه السلام لما خرج من السفينة بدأ ببناء مذبح ~~لله تعالى وقرب عليه قرابين وأن الله تعالى استنشق ms603 رائحة القتار فقال الله ~~تعالى في ذاته : لن أعاود لعنة الأرض بسبب الناس لأن خاطر البشر مطبوع على ~~الرداءة ولن أهلك جميع الحيوان كما صنعت # وقد واجهوا رسول الله وأصحابه رضي الله تعالى عنهم بأمثال هذه الكفريات # فقال قائل منهم للنبي إن الله سبحانه وتعالى خلق السموات والأرض في ستة ~~أيام ثم استراح فشق ذلك على النبي فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم ولقد خلقنا ~~السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب PageV02P339 # وتأمل قوله تعالى عقيب ذلك : فاصبر على ما يقولون فإن أعداء الرسولنسبوه ~~إلى ما لا يليق به وقالوا فيه ما هو منزه عنه فأمره الله سبحانه وتعالى أن ~~يصبر على قولهم ويكون له أسوة بربه سبحانه وتعالى حيث قال أعداؤه فيه مالا ~~يليق # وكذلك قال فنحاص لأبي بكر رضي الله عنه : إن الله فقير ونحن أغنياء ولهذا ~~استقرضنا من أموالنا فأنزل الله سبحانه وتعالى : لقد سمع الله قول الذين ~~قالوا إن الله فقير ونحن اغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ~~ونقول ذوقوا عذاب الحريق [ ] # وقالوا أيضا @QB@ يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه ~~مبسوطتان ينفق كيف يشاء @QE@ ويقولون في العشر الأول من الشهر الأول من كل ~~سنة : يا إلهنا وإله آبائنا املك على جميع أهل الأرض ليقول كل ذي نسمة : ~~الله إله إسرائيل قد ملك ومملكته في الكل متسلطة # ويقولون في هذه الصلاة أيضا : وسيكون لله تعالى الملك وفي ذلك اليوم يكون ~~الله تعالى واحدا واسمه واحدا # ويعنون بذلك : أنه لا يظهر الملك لله تعالى إلا إذا صارت الدولة لليهود ~~الذين هم صفوته PageV02P340 وأمته فأما ما دامت الدولة لغير اليهود فإنه ~~سبحانه وتعالى خامل الذكر عند الأمم مطعون في ملكه مشكوك في قدرته # | فصل ومن تلاعب الشيطان بهم # أنهم يقولون بالقدح في الأنبياء وأذيتهم # وقد أذوا موسى عليه السلام في حياته ونسبوه إلى ما برأه الله تعالى منه ~~ونهى الله سبحانه هذه الأمة عن الاقتداء بهم في ذلك حيث يقول ms604 يا أيها الذين ~~ا منوا لا تكونوا كالذين ا ذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله ~~وجيها # وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيقال : كانت بنو ~~إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض وكان موسى عليه السلام يغتسل ~~وحده فقالت بنو إسرائيل : والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه ا در ~~فذهب موسى يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه قال : فجمح موسى بأثره ~~يقول : ثوبي حجر ثوبي حجر حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى وقالوا : ~~والله ما بموسى من بأس فقال الحجر حتى نظر إليه بنو إسرائيل وأخذ ثوبه وطفق ~~بالحجر ضربا قال أبو هريرة : والله إن بالحجر لندبا ستة أو سبعة من أثر ضرب ~~موسى الحجر وأنزل الله تعالى هذه الا ية يا أيها الذين ا منوا لا تكونوا ~~كالذين ا ذوا موسى فبرأه الله مما قالوا الآية # وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد حدثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد قالت بنو ~~إسرائيل : إن موسى ا در وقالت طائفة : هو أبرص من شدة تستره # وقال ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي كان موسى حييا ستيرا لا يكاد يرى ~~من جلده شيء استحياء منه فا ذاه من ا ذاه من بني إسرائيل وقالوا : ما يتستر ~~هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص وإما أدرة وإما ا فة وإن الله تعالى ~~أراد أن يبرئه مما قالوا وذكر الحديث PageV02P341 # وقال سفيان بن حسين عن الحكم عن ابن جبير عن ابن عباس عن على بن أبي طالب ~~في قوله تعالى : لا تكونوا كالذين آذوا موسى قال : صعد موسى وهارون الجبل ~~فمات هارون فقالت بنو إسرائيل : أنت قتلته وكان أشد حبا لنا منك وألين لنا ~~منك وآذوه بذلك فأمر الله تعالى الملائكة فحملته حتى مروا به على بني ~~إسرائيل وتكلمت الملائكة بموته حتى عرف بنو إسرائيل أنه مات فبرأه الله ~~تعالى من ذلك فانطلقوا به فدفنوه فلم يطلع على ms605 قبره أحد من خلق الله تعالى ~~إلا الرخم فجعله الله تعالى أصم أبكم # وقال الله تعالى : وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني ~~رسول الله إليكم # وتأمل قوله : وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فإنها جملة في موضع الحال ~~أي أتؤذونني وأنتم تعلمون أني رسول الله إليكم وذلك أبلغ في العناد # وكذلك المسيح قال : يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين ~~يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات ~~قالوا هذا سحر مبين # فهذا قليل من كثير من أذاهم لأنبيائهم # وأما أذاهم لهم بالقتل والبغي فأشهر من أن يذكر # ولقد بالغوا في أذى النبي بجهدهم بالقول والفعل حتى ردهم الله تعالى ~~خاسئين # ومن قدحهم في الأنبياء : ما نسبوه إلى نص التوراة # أنه لما أهلك الله أمة لوط لفسادها ونجى لوطا بابنتيه فقط ظن ابنتاه أن ~~الأرض قد PageV02P342 خلت ممن يستبقين منه نسلا فقالت الصغرى للكبرى : إن ~~أبانا شيخ ولم يبق في الأرض إنسان يأتينا كسبيل البشر فهلمي نسقي أبانا ~~خمرا ونضاجعه لنستبقي من أبينا نسلا ففعلتا ذلك بزعمهم # فنسبوا لوطا النبي عليه السلام إلى أنه سكر حتى لم يعرف ابنتيه ثم وطئهما ~~وأحبلهما وهو لا يعرفهما فولدت إحداهما ولدا أسمته مواب يعني أنه من الأب ~~والثانية سمت ولدها بني عمو يعني أنه من قبيلها # وقد أجاب بعضهم عن هذا : بأنه كان قبل نزول التوراة فلم يكن نكاح الأقارب ~~حراما والتوراة تكذبهم # فإن فيها أن إبراهيم الخليل خاف في ذلك العصر أن يقتله المصريون حسدا له ~~على زوجته سارة فأخفى نكاحها وقال : هي أختي علما منه بأنه إذا قال ذلك لم ~~يبق للظنون إليهما سبيل # وهذا أظهر دليل على أن تحريم نكاح الأخت كان ثابتا في ذلك الزمان فما ظنك ~~بنكاح البنت الذي لم يشرع ولا في زمن آدم عليه السلام # وعندهم أيضا في التوراة التي بأيديهم : قصة أعجب من هذه # وهي أن يهوذا بن يعقوب النبي زوج ولده ms606 الأكبر من امرأة يقال لها تامار ~~فكان يأتيها مستدبرا فغضب الله تعالى من فعله فأماته فزوجها يهوذا من ولده ~~الآخر فكان إذا دخل بها أنزل على الأرض علما منه بأنه إن أولدها كان أول ~~الأولاد مدعوا باسم أخيه ومنسوبا إلى أخيه فكره الله تعالى ذلك من فعله ~~فأماته أيضا فأمرها يهوذا باللحاق ببيت أبيها إلى أن يكبر ولده شبلا ويتم ~~عقله حذرا من أن يصيبه ما أصاب أخويه فأقامت في بيت أبيها ثم ماتت من بعد ~~زوجة يهوذا وصعد إلى منزل [ يقال له تمناث ] ليحرس غنمه فلما أخبرت المرأة ~~تامار بإصعاد حموها إلى المنزل لبست زي الزواني وجلست في مستشرف على طريقه ~~لعلمها بشبقه فلما مر بها خالها زانية فراودها فطالبته بالأجرة فوعدها بجدى ~~ورهن عندها عصاه وخاتمه ودخل بها فعلقت منه فلما أخبر يهوذا أن كنته علقت ~~من الزنا أذن PageV02P343 بإحراقها فبعثت إليه بخاتمه وعصاه فقالت : من رب ~~هذين أنا حامل فقال : صدقت ومني ذلك واعتذر بأنه لم يعرفها ولم يستحل ~~معاودتها ولا تسليمها إلى ولده وعلقت من هذا الزنا بفارص قالوا : ومن ولدها ~~داود النبي # ففي ذلك من نسبتهم الزنا والكفر إلى بيت النبوة ما يقارب ما نسبوه إلى ~~لوط عليه السلام # وهذا كله عندهم وفي نص كتابهم وهم يجعلون هذا نسبا لداود وسليمان عليهما ~~السلام ولمسيحهم المنتظر ومن العجب : أنهم يجعلون المسلمين أولاد زنا ~~ويسمونهم ممزيريم واحدهم ممزير وهو اسم لولد الزنا لأن شرعهم أن الزوج إذا ~~راجع زوجته بعد أن نكحت زوجا غيره فأولادهما أولاد زنا وزعموا أن ما جاءت ~~به شريعة الإسلام من ذلك هو من موضوعات عبدالله بن سلام قصد به أن يجعل ~~أولاد المسلمين ممزيريم بزعمهم # قالوا : وكان محمدقد رأى أحلاما تدل على أنه صاحب دولة فسافر إلى الشام ~~في تجارة لخديجة واجتمع بأحبار اليهود وقص عليهم أحلامه فعلموا أنه صاحب ~~دولة فأصحبوه عبدالله بن سلام فقرأ عليه علوم التوراة وفقهها مدة ونسبوا ~~الفصاحة والإعجاز اللذين في القرآن إلى عبدالله بن سلام وأن ms607 من جملة ما ~~دبره عبدالله بن سلام : أن الزوجة لا تحل للمطلق ثلاثا إلا بعد أن ينكحها ~~رجل آخر ليجعل أولاد المسلمين ممزيريم أولاد زنا # ولا ريب أن مثل هذا البهت يروج على كثير من حميرهم # وقد خلق الله تعالى لكل باطل وبهت حملة كما جعل للحق حملة وليس وراء هذا ~~البهت بهت # وليس بمستنكر من أمة قدحت في معبودها وإلهها ونسبته إلى ما لا يليق ~~بعظمته وجلاله ونسبت أنبياءه إلى ما لا يليق بهم ورمتهم بالعظائم : أن ~~ينسبوا محمدا PageV02P344 وبجل وكرم وعظم إلى ذلك وعداوته لهم وملاحمه فيهم ~~وإجلاؤه لهم من ديارهم وأموالهم وسبي ذراريهم ونسائهم : معلوم غير مجهول # وقد نسبت هذه الأمة الغضبية عيسى ابن مريم إلى أنه ساحر ولد بغية ونسبت ~~أمه إلى الفجور # ونسبت لوطا إلى أنه وطىء ابنتيه وأولدهما وهو سكران من الخمر # ونسبوا سليمان عليه السلام إلى أنه كان ملكا ساحرا وكان أبوه عندهم ملكا ~~مسيحا # ونسبوا يوسف عليه السلام إلى أنه حل تكة سراويله وتكة سراويل سيدته وأنه ~~قعد منها مقعد الرجل من امرأته وأن الحائط انشق له فرأى أباه يعقوب عليه ~~السلام عاضا على أنامله فلم يقم حتى نزل جبريل عليه السلام فقال : يا يوسف ~~تكون من الزناة وأنت معدود عند الله تعالى من الأنبياء فقام حينئذ # ومعلوم أن ترك الفاحشة عن هذا لا مدح فيه فإن أفسق الناس لو رأى هذا لولى ~~هاربا وترك الفاحشة # ومنهم من يزعم أن المسيح كان من العلماء وأنه كان يداوى المرضى بالأدوية ~~ويوهمهم أن الانتفاع إنما حصل لهم بدعائهم وأنه داوى جماعة من المرضى في ~~يوم السبت فأنكرت عليه اليهود ذلك فقال لهم : أخبروني عن الشاة من الغنم إن ~~وقعت في بئر أما تنزلون إليها وتحلون السبت لتخليصها قالوا : بلى قال : فلم ~~أحللتم السبت لتخليص الغنم ولا تحلونه لتخليص الإنسان الذي هو أكبر حرمة من ~~الغنم فأفحموا PageV02P345 # ويحكون أيضا عنه : أنه مشى مع قوم من تلاميذه في جبل ولم يحضرهم الطعام ~~فأذن لهم في تناول ms608 الحشيش يوم السبت فأنكرت عليه اليهود قطع الحشيش في يوم ~~السبت فقال لهم : أرأيتم لو أن أحدكم كان وحيدا مع قوم على غير ملته وأمروه ~~بقطع النبات وإلقائه لدوابهم لا يقصدون بذلك إبطال السبت ألستم تجيزون له ~~قطع النبات قالوا : بلى قال : فإن هؤلاء القوم أمرتهم بقطع النبات ليأكلوه ~~وليتغذوا به لا لقطع السبت # ومن العجب : أن عندهم في التوراة التي بأيديهم : لا يزول الملك من آل ~~يهوذا والراسم من بين ظهرانيهم إلى أن يأتي المسيح وهم لا يقدرون أن يجحدوا ~~ذلك # فيقال لهم : إنكم كنتم أصحاب دولة حتى ظهر المسيح ثم انقضى ملككم ولم يبق ~~لكم اليوم ملك وهذا برهان على أن المسيح قد أرسل # ومن حين بعث المسيح وكفروا به وطلبوا قتله استولت ملوك الروم على اليهود ~~وبيت المقدس وانقضت دولتهم وتفرق شملهم # فيقال لهم : ما تقولون في عيسى بن مريم # فيقولون : إنه ولد يوسف النجار لغية لا لرشدة وقد كان عرف اسم الله ~~الأعظم يسخر به كثيرا من الأشياء # وعند هذه الأمة الغضبية أيضا : أن الله تعالى كان قد أطلع موسى عليه ~~السلام على الاسم المركب من اثنين وأربعين حرفا وبه شق البحر وعمل المعجزات ~~فيقال لهم : فإذا كان موسى قد عمل المعجزات باسم الله فلم صدقتم نبوته ~~وأقررتم بها وجحدتم نبوة عيسى وقد عمل المعجزات بالاسم الأعظم PageV02P346 # فأجاب بعضهم عن الإلزام : بأن الله سبحانه وتعالى علم موسى ذلك الاسم ~~فعلمه بالوحي وعيسى إنما تعلم من حيطان بيت المقدس # وهذا هو اللائق ببهتهم وكذبهم على الله تعالى وأنبيائه وهو يسد عليهم ~~العلو بنبوة موسى لأن كلا الرسولين اشتركا في المعجزات والآيات الظاهرة ~~التي لا يقدر أحد أن يأتي بمثلها فإن كان أحدهما قد تعلمها بحيلة أو بعلم ~~فالآخر يمكن ذلك في حقه وقد أخبرا جميعا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي ~~أجرى ذلك على أيديهما وأنه ليس من صنعهما فتكذيب أحدهما وتصديق الآخر تفريق ~~بين المتماثلين # وأيضا فإنه لا دليل لهم على أن موسى تلقى تلك المعجزات ms609 عن الله تعالى إلا ~~وهو يدل على أن عيسى عليه السلام تلقاها أيضا عن الله تعالى فإن أمكن القدح ~~في معجزات عيسى أمكن القدح في معجزات موسى عليه السلام وإن كان ذلك باطلا ~~فهذا أيضا باطل # وإذا كان هذا شأن معجزات هذين الرسولين مع بعد العهد وتشتت شمل أمتيهما ~~في الأرض وانقطاع معجزاتهما فما الظن بنبوة من معجزاته وآياته تزيد على ~~الألف والعهد بها قريب وناقلوها أصدق الخلق وأبرهم ونقلها ثابت بالتواتر ~~قرنا بعد قرن وأعظمها معجزة كتاب باق غض طري لم يتغير ولم يتبدل منه شيء بل ~~كأنه منزل الآن وهو القرآن العظيم وما أخبر به يقع كل وقت على الوجه الذي ~~أخبر به كأنه كان يشاهده عيانا # | فصل ولا يمكن ألبتة أن يؤمن يهودي بنبوة موسى عليه السلام إن لم # يؤمن بنبوة محمد ولا يمكن نصرانيا أن يقر بنبوة المسيح إلا بعد إقراره ~~بنبوة محمد PageV02P347 # وبيان ذلك : أن يقال لهاتين الأمتين : # أنتم لم تشاهدوا هذين الرسولين ولا شاهدتم آياتهما وبراهين نبوتهما فكيف ~~يسع العاقل أن يكذب نبيا ذا دعوة سابقة وكلمة قائمة وآيات باهرة ويصدق من ~~ليس مثله ولا قريبا منه في ذلك لأنه لم ير أحد النبيين ولا شاهد معجزاته ~~فإذا كذب بنبوة أحدهما لزمه التكذيب بنبوتهما وإن صدق بأحدهما لزمه التصديق ~~بنبوتهما فمن كفر بنبي واحد فقد كفر بالأنبياء كلهم ولم ينفعه إيمانه به ~~قال الله تعالى : إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ~~ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك ~~هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا والذين آمنوا بالله ورسله ~~ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما ~~وقال تعالى : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلك آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله فنقول للمغضوب عليه : هل ~~رأيت موسى وعاينت معجزاته فبالضرورة يقول : لا فنقول له : بأي شيء عرفت ~~نبوته وصدقه فله جوابان ms610 : أحدهما : أن يقول : أبي عرفني ذلك وأخبرنى به ~~PageV02P348 # والثاني : أن يقول : التواتر وشهادات الأمم حقق ذلك عندي كما حققت ~~شهادتهم وجود البلاد النائية والبحار والأنهار المعروفة وإن لم أشاهدها فإن ~~اختار الجواب الأول وقال : إن شهادة أبي وإخباره إياى بنبوة موسى هي سبب ~~تصديقى بنبوته # قلنا له : ولم كان أبوك عندك صادقا في ذلك معصوما عن الكذب وأنت ترى ~~الكفار يعلمهم آباؤهم ما هو كفر عندك فإذا كنت ترى الأديان الباطلة ~~والمذاهب الفاسدة قد أخذها أربابها عن آبائهم كأخذك مذهبك عن أبيك وأنت ~~تعلم أن الذي هم عليه ضلال فلزمك أن تبحث عما أخذته عن أبيك خوفا أن تكون ~~هذه حاله # فإن قال : إن الذي أخذته عن أبي أصح من الذي أخذه الناس عن آبائهم كفاه ~~معارضة غيره له بمثل قوله # فإن قال : أبي أصدق من آبائهم وأعرف وأفضل عارضه سائر الناس في آبائهم ~~بنظير ذلك فإن قال : أنا أعرف حال أبي ولا أعرف حال غيره قيل له : فما ~~يؤمنك أن يكون غير أبيك أصدق من أبيك وأفضل وأعرف وبكل حال : فإن كان تقليد ~~أبيه حجة صحيحة كان تقليد غيره لأبيه كذلك وإن كان ذلك باطلا كان تقليده ~~لأبيه باطلا # فإن رجع عن هذا الجواب واختار الجواب الثاني وقال : إنما علمت نبوة موسى ~~بالتواتر قرنا بعد قرن فإنهم أخبروا بظهوره وبمعجزاته وآياته وبراهين نبوته ~~التي تضطرني إلى تصديقه # فيقال له : لا ينفعك هذا الجواب لأنك قد أبطلت ما شهد به التواتر من نبوة ~~عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام # فإن قلت : تواتر ظهور موسى ومعجزاته وآياته ولم يتواتر ذلك في المسيح ~~ومحمد عليهما الصلاة والسلام قيل لك هذا هو اللائق ببهت الأمة الغضبية فإن ~~الأمم جميعهم قد عرفوا أنهم قوم بهت وإلا فمن المعلوم أن الناقلين لمعجزات ~~المسيح ومحمدأضعاف أضعافكم بكثير والمعجزات التي شاهدها أوائلهم لا تنقص عن ~~المعجزات التي أتى بها موسى عليه السلام وقد نقلها عنهم أهل التواتر جيلا ~~بعد جيل وقرنا بعد قرن وأنت لا تقبل PageV02P349 خبر التواتر ms611 في ذلك وترد ه ~~فيلزمك أن لا تقربه في أمر موسى عليه السلام # ومن المعلوم بالضرورة : أن من أثبت شيئا ونفى نظيره فقد تناقض وإذا اشتهر ~~النبي في عصر وصحت نبوته في ذلك العصر بالآيات التي ظهرت عليه لأهل عصره ~~ووصل خبره إلى أهل عصر آخر وجب عليهم تصديقه والإيمان به وموسى ومحمد ~~والمسيح في هذا سواء ولعل تواتر الشهادات بنبوة موسى أضعف من تواتر ~~الشهادات بنبوة عيسى ومحمد لأن الأمة الغضبية قد مزقها الله تعالى كل ممزق ~~وقطعها في الأرض وسلبها ملكها وعزها فلا عيش لها إلا تحت قهر سواها من ~~الأمم لها بخلاف أمة عيسى عليه السلام فإنها قد انتشرت في الأرض وفيهم ~~الملوك ولهم الممالك وأما الحنفاء فممالكهم قد طبقت مشارق الأرض ومغاربها ~~وملأوا الدنيا سهلا وجبلا فكيف يكون نقلهم لما نقلوه كذبا ونقل الأمة ~~الغضبية الخاملة القليلة الزائلة صدقا # فثبت أنه لا يمكن يهوديا على وجه الأرض أن يصدق بنبوة موسى عليه السلام ~~إلا بتصديقه وإقراره بنبوة محمد ولا يمكن نصرانيا ألبتة الإيمان بالمسيح ~~عليه السلام إلا بعد الإيمان بمحمد # ولا ينفع هاتين الأمتين شهادة المسلمين بنبوة موسى والمسيح لأنهم آمنوا ~~بهما على يد محمد وكان إيمانهم بهما من الإيمان بمحمد وبما جاء به فلولاه ~~ما عرفنا نبوتهما ولا آمنا بهما # ولا سيما فإن أمة الغضب والضلال ليس بأيديهم عن أنبيائهم ما يوجب الإيمان ~~بهم فلولا القرآن ومحمدما عرفنا شيئا من آيات الأنبياء المتقدمين ~~فمحمدوكتابه هو الذي قرر نبوة موسى ونبوة المسيح لا اليهود ولا النصارى بل ~~كان نفس ظهوره ومجيئه تصديقا لنبوتهما فإنهما أخبرا بظهوره وبشرا به قبل ~~ظهوره فلما بعث كان بعثه تصديقا لهما وهذا أحد المعنيين في قوله تعالى ~~ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق وصدق المرسلين أي ~~مجيئه تصديق لهم من جهتين : من PageV02P350 جهة إخبارهم بمجيئه ومبعثه ومن ~~جهة إخباره بمثل ما أخبروه به ومطابقة ما جاءو به لما جاؤا به فإن الرسول ~~الأول إذا أتى بأمر لا يعلم ms612 إلا بالوحي ثم جاء نبي آخر لم يقارنه في الزمان ~~ولا في المكان ولا تلقى عنه ما جاء به وأخبر بمثل ما أخبر به سواء دل ذلك ~~على صدق الرسولين الأول والآخر وكان ذلك بمنزلة رجلين أخبر أحدهما بخبر عن ~~عيان ثم جاء آخر من غير بلده وناحيته بحيث يعلم أنه لم يجتمع به ولا تلقى ~~عنه ولا عمن تلقى عنه فأخبر بمثل ما أخبر به الأول سواء فإنه يضطر السامع ~~إلى تصديق الأول والثاني والمعنى الثاني : أنه لم يأت مكذبا لمن قبله من ~~الأنبياء مزريا عليهم كما يفعل الملوك المتغلبون على الناس بمن تقدمهم من ~~الملوك بل جاء مصدقا لهم شاهدا بنبوتهم ولو كان كاذبا متقولا منشئا من عنده ~~سياسة لم يصدق من قبله بل كان يزري بهم ويطعن عليهم كما يفعل أعداء ~~الأنبياء # | فصل وقد اختلفت أقوال الناس في التوراة التي بأيديهم : هل هي مبدلة # أم التبديل والتحريف وقع في التأويل دون التنزيل على ثلاثة أقوال : طرفين ~~ووسط # فأفرطت طائفة وزعمت أنها كلها أو أكثرها مبدلة مغيرة ليست التوراة التي ~~أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام وتعرض هؤلاء لتناقضها وتكذيب بعضها ~~لبعض وغلا بعضهم فجوز الاستجمار بها من البول # وقابلهم طائفة أخرى من أئمة الحديث والفقه والكلام فقالوا : بل التبديل ~~وقع في التأويل لا في التنزيل PageV02P351 # وهذا مذهب أبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري PageV02P352 # قال في صحيحه يحرفون : يزيلون وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله تعالى ~~ولكنهم يحرفونه : يتأولونه على غير تأويله # وهذا اختيار الرازي في تفسيره # وسمعت شيخنا يقول : وقع النزاع في هذه المسألة بين بعض الفضلاء فاختار ~~هذا المذهب ووهن غيره فأنكر عليه فأحضر لهم خمسة عشر نقلا به # ومن حجة هؤلاء : أن التوراة قد طبقت مشارق الأرض ومغاربها وانتشرت جنوبا ~~وشمالا ولا يعلم عدد نسخها إلا الله تعالى ومن الممتنع أن يقع التواطؤ على ~~التبديل والتغيير في جميع تلك النسخ بحيث لا يبقى في الأرض نسخة إلا مبدلة ~~مغيرة والتغيير على منهاج ms613 واحد وهذا مما يحيله العقل ويشهد ببطلانه # قالوا : وقد قال الله تعالى لنبيهمحتجا على اليهود بها : قل فائتوا ~~بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين قالوا : وقد اتفقوا على ترك فريضة الرجم ~~ولم يمكنهم تغييرها من التوراة ولهذا لما قرؤها على النبيوضع القارىء يده ~~على آية الرجم فقال له عبدالله بن سلام : ارفع يدك عن آية الرجم فرفعها ~~فإذا هي تلوح تحتها فلو كانوا قد بدلوا ألفاظ التوراة لكان هذا من أهم ما ~~يبدلونه قالوا : وكذلك صفات النبيومخرجه هو في التوراة بين جدا ولم ~~PageV02P353 يمكنهم إزالته وتغييره : وإنما ذمهم الله تعالى بكتمانهم ~~وكانوا إذا احتج عليهم بما في التوراة من نعمته وصفته يقولون : ليس هو ونحن ~~ننتظره # قالوا : وقد روى أبو داود في سننه عن ابن عمر قال : أتى نفر من اليهود ~~فدعوا رسول اللهإلى القف فأتاهم في بيت المدراس فقالوا : يا أبا القاسم إن ~~رجلا منا زنى بامرأة فاحكم فوضعوا لرسول اللهوسادة فجلس عليها ثم قال : ~~ائتوني بالتوراة فأتي بها فنزع الوسادة من تحته ووضع التوراة عليها ثم قال ~~: آمنت بك وبمن أنزلك ثم قال : ائتوني بأعلمكم فأتي بفتى شاب ثم ذكر قصة ~~الرجم # قالوا : فلو كانت مبدلة مغيرة لم يضعها على الوسادة ولم يقل : آمنت بك ~~وبمن أنزلك قالوا : وقد قال تعالى : وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل ~~لكلماته وهو السميع العليم والتوراة من كلماته # قالوا : والآثار التي في كتمان اليهود صفة رسول اللهفي التوراة ومنعهم ~~أولادهم وعوامهم الاطلاع عليها مشهورة ومن اطلع عليها منهم قالوا له : ليس ~~به فهذا بعض ما احتجت به هذه الفرقة # وتوسطت طائفة ثالثة وقالوا : قد زيد فيها وغير ألفاظ يسيرة ولكن أكثرها ~~باق على ما أنزل عليه والتبديل في يسير منها جدا وممن اختار هذا القول ~~شيخنا في كتابه الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح # قال : وهذا كما في التوراة عندهم : أن الله سبحانه وتعالى قال لإبراهيم ~~عليه السلام : PageV02P354 إذبح ولدك بكرك ووحيدك إسحق ف إسحق زيادة منهم ~~في لفظ التوراة قلت : وهي ms614 باطلة قطعا من عشرة أوجه # أحدها : أن بكره ووحيده هو إسماعيل باتفاق الملل الثلاث فالجمع بين كونه ~~مأمورا بذبح بكره وتعيينه بإسحق جمع بين النقيضين الثاني : أن الله سبحانه ~~وتعالى أمر إبراهيم أن ينقل هاجر وابنها إسماعيل عن سارة ويسكنها في برية ~~مكة لئلا تغير سارة فأمر بابعاد السرية وولدها عنها حفظا لقلبها ودفعا لأذى ~~الغيرة عنها فكيف يأمر الله سبحانه وتعالى بعد هذا بذبح ابن سارة وإبقاء ~~ابن السرعية فهذا مما لا تقتضيه الحكمة # الثالث : أن قصة الذبح كانت بمكة قطعا ولهذا جعل الله تعالى ذبح الهدايا ~~والقرابين بمكة تذكيرا للأمة بما كان من قصة أبيهم إبراهيم مع ولده الرابع ~~: أن الله سبحانه بشر سارة أم إسحق بإسحق ومن وراء إسحاق يعقوب فبشرها بهما ~~جميعا فكيف يأمر بعد ذلك بذبح إسحق وقد بشر أبويه بولد ولده # الخامس : أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر قصة الذبيح وتسليمه نفسه لله ~~تعالى وإقدام إبراهيم على ذبحه وفرغ من قصته قال بعدها : وبشرناه بإسحق ~~نبيا من الصالحين فشكر الله تعالى له استسلامه لأمره وبذل ولده له وجعل من ~~إثابته على ذلك : أن آتاه إسحق فنجى إسماعيل من الذبح وزاده عليه إسحق # السادس : أن إبراهيم صلوات الله تعالى وسلامه عليه سأل ربه الولد فأجاب ~~الله دعاءه وبشره فلما بلغ معه السعي أمره بذبحه قال تعالى : وقال إني ذاهب ~~إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم PageV02P355 فهذا ~~دليل على أن هذا الولد إنما بشر به بعد دعائه وسؤاله ربه أن يهب له ولدا ~~وهذا المبشر به هو المأمور بذبحه قطعا بنص القرآن وأما إسحق فإنما بشر به ~~من غير دعوة منه بل على كبر السن وكون مثله لا يولد له وإنما كانت البشارة ~~به لامرأته سارة ولهذا تعجبت من حصول الولد منها ومنه # قال تعالى : ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما ~~لبث أن جاء بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ~~قالوا ms615 لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ~~ومن وراء إسحاق يعقوب قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا ~~لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله # فتأمل سياق هذه البشارة وتلك تجدهما بشارتين متفاوتتين مخرج إحداهما غير ~~مخرج الأخرى # والبشارة الأولى كانت له والثانية كانت لها # والبشارة الأولي هي التي أمر بذبح من بشر فيها دون الثانية السابع : أن ~~إبراهيم عليه السلام لم يقدم بإسحاق إلى مكة البتة ولم يفرق بينه وبين أمه ~~وكيف يأمره الله تعالى أن يذهب بابن امرأته فيذبحه بموضع ضرتها في بلدها ~~ويدع ابن ضرتها # الثامن : أن الله تعالى لما اتخذ إبراهيم خليلا والخلة تتضمن أن يكون ~~قلبه كله متعلقا بربه ليس في شعبة لغيره فلما سأله الولد وهبه اسماعيل ~~فتعلق به شعبة من قلبه فأراد خليله سبحانه أن تكون تلك الشعبة له ليست ~~لغيره من الخلق فامتحنه بذبح ولده فلما أقدم على الامتثال خلصت له تلك ~~الخلة وتمحضت لله وحده فنسخ الأمر بالذبح لحصول المقصود وهو العزم وتوطين ~~النفس على الامتثال # ومن المعلوم : أن هذا إنما يكون في أول الأولاد لا في آخرها فلما حصل هذا ~~المقصود من الولد الأول لم يحتج في الولد الآخر إلى مثله فإنه لو زاحمت ~~محبة الولد الآخر الخلة لأمر بذبحه كما أمر بذبح الأول فلو كان المأمور ~~بذبحه هو الولد الآخر لكان قد أقره في الأول PageV02P356 على مزاحمة الخلة ~~به مدة طويلة ثم أمره بما يزيل المزاحم بعد ذلك وهذا خلاف مقتضى الحكمة ~~فتأمله # التاسع : أن إبراهيم عليه السلام إنما رزق إسحاق عليه السلام على الكبر ~~وإسماعيل عليه السلام رزقه في عنفوانه وقوته والعادة أن القلب أعلق بأول ~~الأولاد وهو إليه أميل وله أحب بخلاف من يرزقه على الكبر ومحل الولد بعد ~~الكبر كمحل الشهوة للمرأة # العاشر : أن النبيكان يفتخر بقوله : أنا ابن الذبيحين يعني أباه عبدالله ~~وجده إسماعيل PageV02P357 # والمقصود : أن هذه اللفظة مما زادوها في التوراة # ونحن نذكر السبب الموجب ms616 لتغيير ما غير منها والحق أحق ما اتبع فلا نغلو ~~غلو المستهينين بها المتمسخرين بها بل معاذ الله من ذلك # ولا نقول : إنها باقية كما أنزلت من كل وجه كالقرآن # فنقول وبالله التوفيق : # علماء اليهود وأحبارهم يعتقدون أن هذه التوراة التي بأيديهم ليست هي التي ~~أنزلها الله تعالى على موسى بن عمران بعينها لأن موسى عليه السلام صان ~~التوراة عن بني إسرائيل خوفا من اختلافهم من بعده في تأويلها المؤدي إلى ~~تفرقهم أحزابا وإنما سلمها إلى عشيرته أولاد لاوي # ودليل ذلك قوله في التوراة وكتب موسى هذه التوراة ودفعها إلى بني إسرائيل ~~إلى الأئمة من بني لاوي # وكان بنو هارون قضاة اليهود وحكامهم لأن الإمامة وخدمة القرابين وبيت ~~المقدس كانت موقوفة عليهم ولم يبذل موسى عليه السلام من التوراة لبني ~~إسرائيل إلا نصف سورة وهي التي قال فيها : وكتب موسى هذه السورة وعلمها بني ~~إسرائيل PageV02P358 # هذا نص التوراة عندهم قال : وتكون لي هذه السورة شاهدة على بني إسرائيل ~~وفيها : قال الله تعالى : إن هذه السورة لا تنسى من أفواه أولادهم # يعني أن هذه السورة مشتملة على ذم طبائعهم وأنهم سيخالفون شرائع التوراة ~~وأن السخط يأتيهم بعد ذلك وتخرب ديارهم ويسبون في البلاد فهذه السورة تكون ~~متداولة في أفواهم كالشاهد عليهم الموقف لهم على صحة ما قيل لهم # فلما نصت التوراة أن هذه السورة لا تنسى من أفواه أولادهم دل ذلك على أن ~~غيرها من السور ليس كذلك وأنه يجوز أن ينسى من أفواههم # وهذا يدل على أن موسى عليه السلام لم يعط بني إسرائيل من التوراة إلا هذه ~~السورة فأما بقيتها فدفعها إلى أولاد هارون وجعلها فيهم وصانها عمن سواهم ~~وهؤلاء الأئمة الهارونيون الذين كانوا يعرفون التوراة ويحفظون أكثرها قتلهم ~~بختنصر على دم واحد يوم فتح بيت المقدس ولم يكن حفظ التوراة فرضا عليهم ولا ~~سنة بل كان كل واحد من الهارونيين يحفظ فصلا من التوراة فلما رأى عزرا أن ~~القوم قد أحرق هيكلهم وزالت دولتهم وتفرق جمعهم ورفع كتابهم ms617 جمع من ~~محفوظاته ومن الفصول التي يحفظها الكهنة ما اجتمعت منه هذه التوراة التي ~~بأيديهم ولذلك بالغوا في تعظيم عزرا هذا غاية المبالغة # فزعموا أن النور الآن يظهر على قبره وهو عند بطائح العراق لأنه جمع لهم ~~ما يحفظ دينهم PageV02P359 # وغلا بعضهم فيه حتى قال : هو ابن الله ولذلك نسب الله تعالى ذلك إلى ~~اليهود إلى جنسهم لا إلى كل واحد منهم # فهذه التوراة التي بأيديهم في الحقيقة كتاب عزرا وفيها كثير من التوراة ~~التي أنزلها الله تعالى على موسى عليه الصلاة والسلام ثم تداولتها أمة قد ~~مزقها الله تعالى كل ممزق وشتت شملها فلحقها ثلاثة أمور # أحدها : بعض الزيادة والنقصان # الثاني : اختلاف الترجمة PageV02P360 # الثالث : اختلاف التأويل والتفسير # ونحن نذكر من ذلك أمثلة تبين حقيقة الحال المثال الأول # ما تقدم من قوله ولحم فريسة في الصحراء لا تأكلوه وللكلب ألقوه # وتقدم بيان تحريفهم هذا النص وحمله على غير محمله المثال الثاني قوله في ~~التوراة نبيا أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك به فليؤمنوا فحرفوا تأويله إذ لم ~~يمكنهم أن يبدلوا تنزيله وقالوا : هذه بشارة بني من بني إسرائيل وهذا باطل ~~من وجوه # أحدها : أنه لو أراد ذلك لقال : من أنفسهم كما قال في حق محمد لقد من ~~الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم وقال تعالى : لقد جاءكم ~~رسول من أنفسكم ولم يقل : من إخوتكم الثاني : أن المعهود في التوراة : أن ~~إخوتهم غير بني إسرائيل ففي الجزء الأول من السفر الخامس قوله : أنتم ~~عابرون في تخوم إخوتكم بني العيص المقيمين في سيعير إياكم أن تطمعوا في شيء ~~من أرضهم # فإذا كان بنو العيص إخوة لبني إسرائيل لأن العيص وإسرائيل ولدا إسحاق ~~والروم هم بنو العيص واليهود هم بنو إسرائيل وهم إخوتهم فكذلك بنو إسماعيل ~~إخوة لجميع ولد إبراهيم PageV02P361 الثالث : أن هذه البشارة لو كانت ~~بشمويل أو غيره من بني إسرائيل لم يصح أن يقال : بنو إسرائيل إخوة بني ~~إسرائيل وإنما المفهوم من هذا أن بني إسماعيل أو بني ms618 العيص هم إخوة بني ~~إسرائيل # الرابع : أنه قال : سأقيم لهم نبيا مثلك وفي موضع آخر : أنزل عليه توراة ~~مثل توراة موسى # ومعلوم أن شمويل وغيره من أنبياء بني إسرائيل لم يكن فيهم مثل موسى لا ~~سيما وفي التوراة لا يقوم في بني إسرائيل مثل موسى وأيضا فليس في بني ~~إسرائيل من أنزل عليه توراة مثل توراة موسى إلا محمد والمسيح عليهم الصلاة ~~والسلام والمسيح كان من أنفس بني إسرائيل لا من إخوتهم بخلاف محمدفإنه من ~~إخوتهم بني إسماعيل # وأيضا فإن في بعض ألفاظ هذا النص كلكم له تسمعون وشموئيل لم يأت بزيادة ~~ولا بنسخ لأنه إنما أرسل ليقوي أيديهم على أهل فلسطين وليردهم إلى شرع ~~التوراة فلم يأت بشريعة جديدة ولا كتاب جديد وإنما حكمه حكم سائر الأنبياء ~~من بني إسرائيل فإنهم كانوا يسوسهم الأنبياء كلما مات نبي قام فيهم نبي فإن ~~كانت هذه البشارة لشمويل فهي بشارة بسائر الأنبياء الذي بعثوا فيهم ويكونون ~~كلهم مثل موسى عليه السلام وكلهم قد أنزل عليهم كتاب مثل كتاب موسى عليه ~~السلام PageV02P362 المثال الثالث # قوله في التوراة جاء الله تعالى من طور سيناء وأشرق نوره من سيعير ~~واستعلن من جبال فاران ومعه ربوات المقدسين # وهم يعلمون أن جبل سيعير هو جبل السراة الذي يسكنه بنو العيص الذين آمنوا ~~بعيسى ويعلمون أن في هذا الجبل كان مقام المسيح ويعلمون أن سيناء هو جبل ~~الطور # وأما جبال فاران فهم يحملونها على جبال الشأم وهذا من بهتهم وتحريف ~~التأويل # فإن جبال فاران هي جبال مكة و فاران اسم من أسماء مكة وقد دل على هذا نص ~~التوراة : أن إسماعيل لما فارق أباه سكن برية فاران وهي جبال مكة ولفظ ~~التوراة أن إسماعيل أقام في برية فاران وأنكحته أمه امرأة من أرض مصر # فثبت بنص التوراة أن جبال فاران مسكن لولد إسماعيل وإذا كانت التوراة قد ~~أشارت إلى نبوة تنزل على جبال فاران لزم أنها تنزل على ولد إسماعيل لأنهم ~~سكانها # ومن المعلوم بالضرورة أنها لم تنزل ms619 على غير محمدمن ولد إسماعيل عليه ~~السلام # وهذا من أظهر الأمور بحمد الله تعالى PageV02P363 # | فصل ومما يدل على غلظ أفهام هذه الأمة الغضبية وقلة فقههم وفساد # رأيهم وعقولهم كما في التوراة أنهم شعب عادم الرأي فليس فيهم فطانة : ~~أنهم سمعوا في التوراة يكون ثمار أرضك تحمل إلى بيت الله ربك ولا ينضج ~~الجدي بلبن أمه # والمراد بذلك : أنهم أمروا عقيب افتراض الحج إلى بيت المقدس عليهم : أن ~~يستصحبوا معهم إذا حجوا أبكار أغنامهم وأبكار مستغلات أرضهم لأنه كان فرض ~~عليهم قبل ذلك أن تبقى سخولة الغنم والبقر وراء أمها سبعة أيام وفي اليوم ~~الثامن فصاعدا يصلح أن تكون قربانا فأشار في هذا النص بقوله : لا ينضج ~~الجدى بلبن أمه إلى أنهم لا يبالغون في إطالة مكث باكور أولاد البقر والغنم ~~وراء أمها بل يستصحبون أبكارهم اللاتي قد عبرت سبعة أيام منذ ميلادهن معهم ~~إذا حجوا إلى بيت المقدس ليتخذوا منها القرابين # فتوهم المشايخ البله أن الشرع يريد بالإنضاج إنضاج الطبيخ في القدر وأنهم ~~نهوا أن يطبخوا لحم الجدي باللبن ولم يكفهم هذا الغلط في تفسير هذه اللفظة ~~حتى حرموا أكل سائر اللحمان باللبن فألغوا لفظ الجدى وألغوا لفظ أمه وحملوا ~~النص مالا يحتمله وإذا أراد أن يأكلوا اللحم واللبن أكلوا كلا منهما على ~~حدة والأمر في هذا ونحوه قريب PageV02P364 # | فصل ولا يستبعد اصطلاح كافة هذه الأمة على المحال واتفاقهم على أنواع # الضلال # فإن الدولة إذا انقرضت عن أمة باستيلاء غيرها عليها وأخذها انطمست معالم ~~دينها واندرست آثارها فإن الدولة إنما يكون زوالها بتتابع الغارات ~~والمصافات وإخراب البلاد وإحراقها ولا تزال هذه الأمور متواترة عليها إلى ~~أن يعود علمها جهلا وعزها ذلا وكثرتها قلة # وكلما كانت الأمة أقدم واختلفت عليها الدول المتناولة لها بالذل والصغار ~~كان حظها من اندراس معالم دينها وآثارها أوفر # وهذه الأمة أوفر الأمم حظا من هذا الأمر لأنها من أقدم الأمم ولكثرة ~~الأمم التي استولت عليها : من الكلدانيين والبابليين والفرس واليونان ~~والنصارى وآخر ذلك المسلمون وما من ms620 هذه الأمم إلا من طلب استئصالهم وبالغ ~~في إحراق بلادهم وكتبهم وقطع آثارهم إلا المسلمين فإنهم أعدل الأمم فيهم ~~وفي غيرهم حفظا لوصية الله تعالى بهم حيث قال : يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا ~~أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا ~~فإن الله كان بما تعملون خبيرا ويقول : يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ~~لله شهداء بالقسط ولا يجر منكم شنآن قم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب ~~للتقوى وصادف الإسلام هذه الأمة تحت ذمة الفرس وذمة النصارى بحيث لم يبق ~~لهم مدينة ولا جيش # وأعز ما صادفه الإسلام من هذه الأمة يهود خيبر والمدينة وما جاورها ~~PageV02P365 # فإنهم إنما قصدوا تلك الناحية لما كانوا وعدوا به من ظهور رسول الله ~~وكانوا يقاتلون المشركين من العرب فيستنصرون عليهم بالإيمان برسول الله قبل ~~ظهوره ويعدونهم بأنه سيخرج نبي نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما بعث ~~الله عز وجل نبيه سبقهم إليه من كانوا يحاربونهم من العرب فحملهم الحسد ~~والبغي على الكفر به وتكذيبه # وأشد ما على هذه الأمة الغضبية من ذلك ما نالهم من ملوك العصاة وغيرهم من ~~ملوك الإسرائيليين الذين قتلوا الأنبياء وبالغوا في تطلبهم وعبدوا الأصنام ~~وأحضروا من البلاد سدنتها ليعلموا رسومها في العبادة وبنوا لها البيع ~~والهياكل وعكفوا على عبادتها وتركوا أحكام التوراة أعصارا متصلة # فإذا كان هذا تواتر الآفات على دينهم من قبل ملوكهم ومن قبل أنفسهم فما ~~الظن بالآفات التي نالتهم من غير ملوكهم وقتلهم أئمتهم وإحراقهم كتبهم ~~ومنعهم من القيام بدينهم # فإن الفرس كثيرا ما منعوهم عن الختان وكثيرا ما منعوهم من الصلاة ~~لمعرفتهم بأن معظم صلاة هذه الطائفة دعاء على الأمم بالبوار وعلى العالم ~~بالخراب [ سوى بلادهم التي PageV02P366 هي أرض كنعان ] # فلما رأت هذه الأمة الجد من الفرس في منعهم من الصلاة اخترعوا أدية [ ~~زعموا أنها فصول من صلاتهم ] سموها الحزانة وصاغوا لها ألحانا ms621 عديدة وصاروا ~~يجتمعون في أوقات صلاتهم على تلحينها وتلاوتها وسموا القائم بها الحزان # والفرق بينها وبين الصلاة : أن الصلاة بغير لحن والمصلي يتلو الصلاة وحده ~~ولا يجهر معه غيره والحزان يشاركه غيره في الجهر بالحزانة ويعاونونه في ~~الألحان # فكانت الفرس إذا أنكرت ذلك منهم قالت اليهود : إنا ننعى أحيانا وننوح على ~~أنفسنا فيتركونهم وذلك # فلما قام الإسلام وأقرهم على صلاتهم استصحبوا تلك الحزانة ولم يعطلوها ~~فهذه فصول مختصرة في كيد الشيطان وتلاعبه بهذه الأمة يعرف بها المسلم ~~الحنيف قدر نعمة الله تعالى عز وجل عليه وما من به عليه من نعمة العلم ~~والإيمان ويهتدي بها من أراد الله تعالى هدايته من طالبي الحق من هذه الأمة # ومن الله التوفيق والإرشاد إلى سواء الطريق والحمد لله رب العالمين اللهم ~~صل وسلم على جميع الأنبياء والمرسلين خصوصا من بينهم محمدا وآله بفضل ~~الصلاة والتسليم # اللهم صل وسلم على سيدنا محمد كلما ذكره الذاكرون وصل وسلم على سيدنا ~~محمد كلما غفل عن ذكره الغافلون وهدانا الله لهدايته وحشرنا في زمرته تحت ~~لوائه وأوردنا حوضه الذي لا يظمأ من شرب منه وأوفر نصيبنا من شفاعته إنه ~~جواد كريم PageV02P367 ms622