######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011688 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن القيم #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011688 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11688 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11688 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد حامد الفقي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المجلد الأول ### | مقدمة # ... # إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان # تأليف: أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الشهير بابن قيم الجوزية # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذى ظهر لأوليائه بنعوت جلاله، وأنار قلوبهم بمشاهدة صفات ~~كماله، وتعرف إليهم بما أسداه إليهم من إنعامه وإفضاله، فعلموا أنه الواحد ~~الأحد الفرد الصمد. الذى لا شريك له فى ذاته ولا صفاته ولا فى أفعاله، بل ~~هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به أحد من خلقه فى إكثاره وإقلاله، لا ~~يحصى أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه على لسان من أكرمهم بإرساله، ~~الأول الذى ليس قبله شئ، والظاهر الذى ليس فوقه شئ، والباطن الذى ليس دونه ~~شئ، ولا يحجب المخلوق عنه تستره بسر باله، الحى القيوم، الواحد الأحد، ~~الفرد الصمد، المنفرد بالبقاء، وكل مخلوق ينتهى إلى زواله، السميع الذى ~~يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، فلا يشغله سمع عن سمع، ~~ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين فى سؤاله، البصير الذى يرى ~~دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء فى الليلة الظلماء حيث كانت من سهله ~~أو جباله. وألطف من ذلك رؤيته لتقلب قلب عبده، ومشاهدته لاختلاف أحواله، ~~فإن أقبل إليه تلقاه، وإنما إقبال العبد عليه من إقباله، وإن أعرض عنه لم ~~يكله إلى عدوه، ولم يدعه فى إهماله، بل يكون أرحم به من الوالدة بولدها، ~~الرفيقة به فى حمله ورضاعه وفصاله، فإن تاب فهو أفرح بتوبته من الفاقد ~~لراحلته التى عليها طعامه وشرابه فى الأرض الدوية المهلكة إذا وجدها وقد ~~تهيأ لموته وانقطع أوصاله، وإن أصر على الإعراض، ولم يتعرض لأسباب الرحمة، ~~بل أصر على العصيان فى إدباره وإقباله، # PageV01P003 # وصالح عدوه وقاطع سيده، فقد استحق الهلاك، ولا يهلك على الله إلا الشقى ~~الهالك لعظيم رحمته وسعة إفضاله. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحدا أحدا فردا صمدا، ~~جل عن الأشباه والأمثال، وتقدس عن الأضداد والأنداد والشركاء والأشكال، لا ~~مانع لما أعطى ولا ms001 معطى لما منع، ولا راد لحكمه ولا معقب لأمره: {وإذا أراد ~~الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال} [الرعد: 11] . # وأشهد أن محمد عبده ورسوله القائم له بحقه، وأمينه على وحيه وخيرته من ~~خلقه، أرسله رحمة للعالمين، وإماما للمتقين، وحسرة على الكافرين، وحجة على ~~العباد أجمعين، بعثه على حين فترة من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح ~~السبل. وافترض على العباد طاعته ومحبته، وتعظيمه وتوقيره والقيام بحقوقه، ~~وسد إلى جنته جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه. فشرح له صدره، ووضح ~~له عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل الذل والصغار على من خالف أمره، وأقسم ~~بحياته فى كتابه المبين وقرن اسمه باسمه، فلا يذكر إلا ذكر معه، كما فى ~~التشهد والخطب والتأذين. فلم يزل صلى الله عليه وسلم قائما بأمر الله لا ~~يرجه عنه راد، مشمرا فى مرضاة الله لا يصده عن ذلك صاد، إلى أن أشرقت ~~الدنيا برسالته ضياء وابتهاجا، ودخل الناس فى دين الله أفواجا (أفواجا) ، ~~وسارت دعوته مسير الشمس فى الأقطار، وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار، ~~ثم استأثر الله به لينجز له ما وعده به فى كتابه المبين، بعدم أ، بلغ ~~رسالته، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد فى الله حق جهاده، وأقام الدين، ~~وترك أمته على البيضاء الواضحة البينة للسالكين. وقال {هذه سبيلي أدعو إلى ~~الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} [يوسف: ~~108] . # PageV01P004 # أما بعد: فإن الله سبحانه لم يخلق خلقه سدى مهملا، بل جعلهم موردا ~~للتكليف، ومحلا للأمر والنهى، وألزمهم (فهم) ما أرشدهم إليه مجملا ومفصلا ~~وقسمهم إلى شقى وسعيد، وجعل لكل واحد من الفريقين منزلا، وأعطاهم مواد ~~العلم والعمل: من القلب، والسمع، والبصر، والجوارح، نعمة منه وتفضلا، فمن ~~استعمل ذلك فى طاعته، وسلك به طريق معرفته على ما أرشد إله ولم يبغ عنه ~~عدولا، فقد قام بشكر ما أوتيه من ذلك، وسلك به إلى مرضاة الله سبيلا. ومن ~~استعمله فى إرادته وشهوته ms002 ولم يرع حق خالقه فيه يخسر إذا سئل عن ذلك، ويحزن ~~حزنا طويلا. فإنه لا بد من الحساب على حق هذه الأعضاء لقوله تعالى: {إن ~~السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} [الإسراء: 36] . # ولما كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرف فى الجنود، الذى تصدر كلها ~~عن أمره، ويستعملها فيما شاء، فكلها تحت عبوديته وقهره، وتكتسب منه ~~الاستقامة والزيغ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله، قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم: "ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله". فهو ملكها، ~~وهى المنفذة لما يأمرها به، القابلة لما كان يأتيها من هديته، ولا يستقيم ~~لها شئ من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته. وهو المسؤول عنها كلها "لأن كل ~~راع مسؤول عن رعيته" كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه ~~السالكون. والنظر فى أمراضه وعلاجها أهم ما تنسك به الناسكون. # ولما علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه، أجلب عليه ~~بالوساوس، وأقبل بوجوه الشهوات إله، وزين له من الأقوال والأعمال ما يصده ~~عن الطريق، وأمده من أسباب الغى بما يقطعه عن أسباب التوفيق، ونصب له من ~~المصايد والحبائل ما إن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها ~~التعويق، فلا نجاة من مصائده ومكائده إلا بدوام الاستعانة بالله تعالى، ~~والتعريض لأسباب مرضاته، والتجاء القلب إليه، وإقباله عليه فى حركاته ~~وسكناته، والتحقق بذل العبودية الذى هو أولى ما تلبس به الإنسان ليحصل له ~~الدخول فى ضمان {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر: 42] فهذه الإضافة هى ~~القاطعة بين العبد وبين الشياطين، وحصولها يسبب تحقيق مقام العبودية لرب ~~العالمين، وإشعار القلب # PageV01P005 # إخلاص العمل ودام اليقين، فإذا أشرب القلب العبودية والإخلاص صار عند ~~الله من المقربين، وشمله استثناء {إلا عبادك منهم المخلصين} [الحجر: 40] . # ولما من الله الكريم بلطفه بالاطلاع على ما اطلع عليه من أمراض القلوب ~~وأدوائها، وما يعرض لها من وساوس الشياطين أعدائها، وما تثمر تلك الوساوس ~~من الأعمال. وما يكتسب القلب ms003 بعدها من الأحوال. فإن العمل السيئ مصدر عن ~~فساد قصد القلب، ثم يعرض للقلب من فساد العمل قسوة، فيزداد مرضا على مرضه ~~حتى يموت، ويبقى لا حياة فيه ولا نور له. وكل ذلك من انفعاله لوسوسة ~~الشيطان، وركونه إلى عدوه الذى لا يفلح. إلى من جاهده بالعصيان: أردت أن ~~أقيد ذلك فى هذا الكتاب، لأستذكره معترفا فيه لله بالفضل والإحسان، ولينتفع ~~له من نظر فيه داعيا لمؤلفه بالمغفرة والرحمة والرضوان، وسميته " إغاثة ~~اللهفان من مصايد الشيطان " ورتبته ثلاثة عشر بابا: # الباب الأول: فى انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت. # الباب الثانى: فى ذكر حقيقة مرض القلب. # الباب الثالث: فى انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبيعية وشرعية. # الباب الرابع: فى أن حياة القلب وإشراقة مادة كل خير فيه، وموته وظلمته ~~مادة كل شر (وفتنة) فيه. # الباب الخامس: فى أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا للحق ~~مريدا له مؤثرا له على غيره. # الباب السادس: فى أنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن ~~يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه، وأحب إليه مما سواه. # الباب السابع: فى أ، القرآن الكريم متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع ~~أمراضه. # الباب الثامن: فى زكاة القلب. # الباب التاسع: فى طهارة القلب من أدرانه وأنجاسه. # الباب العاشر: فى علامات مرض القلب وصحته. # PageV01P006 # الباب الحادى عشر: فى علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه. # الباب الثانى عشر: فى علاج مرض القلب بالشيطان. # الباب الثالث عشر: فى مكايد الشيطان التى يكيد بها ابن آدم. وهو الذى وضع ~~لأجله الكتاب. وفيه فصول جمة الفوائد حسنة المقاصد. # والله تعالى يجعله خالصا لوجهه، مؤمنا من الكرة الخاسرة، وينفع به مصنفه ~~وكاتبه، والناظر فيه فى الدنيا والآخرة، إنه سميع عليم، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلى العظيم. # PageV01P007 ### | الباب الأول: فى انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت # لما كان القلب يوصف بالحياة وضدها، انقسم بحسب ذلك إلى هذه الأحوال ~~الثلاثة. # فالقلب الصحيح: هو القلب ms004 السليم الذى لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى ~~الله به، كما قال تعالى: # {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 88-89] ~~. # والسليم هو السالم، وجاء على هذا المثال لأنه للصفات، كالطويل والقصير ~~والظريف؛ فالسليم القلب الذى قد صارت السلامة صفة ثابتة له، كالعليم ~~والقدير، وأيضا فإنه ضد المريض، والسقيم، والعليل. # وقد اختلفت عبارات الناس فى معنى القلب السليم، والأمر الجامع لذلك: أنه ~~الذى قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره. ~~فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله. فسلم فى محبة غير الله ~~معه ومن خوفه ورجائه والتوكل عليه، والإنابة إليه، والذل له، وإيثار مرضاته ~~فى كل حال والتباعد من سخطه بكل طريق. وهذا هو حقيقة العبودية التى لا تصلح ~~إلا لله وحده. # فالقلب السليم: هو الذى سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد ~~خلصت عبوديته لله تعالى: إرادة ومحبة، وتوكلا، وإنابة، وإخباتا، وخشية، ~~ورجاء. وخلص عمله لله، # PageV01P007 # فإن أحب أحب فى الله، وإن أبغض أبغض فى الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع ~~منع لله ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فيعقد قلبه معه عقدا محكما على الائتمام ~~والاقتداء به وحده، دون كل أحد فى الأقوال والأعمال من أقوال القلب، وهى ~~العقائد، وأقوال اللسان؛ وهى الخبر عما فى القلب. وأعمال القلب، وهى ~~الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها، وأعمال الجوارح. فيكون الحاكم عليه فى ~~ذلك كله دقه وجله هو ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فلا ~~يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل، كما قال تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله} [الحجرات: 1] . # أى لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر، قال بعض السلف: ما من فعلة ~~وإن صغرت إلا ينشر لها ديوانان: لم؟ وكيف؟ أى لم ms005 فعلت؟ وكيف فعلت؟ فالأول: ~~سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه؛ هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل، وغرض من ~~أغراض الدنيا فى محبة المدح من الناس أو خوف ذمهم، أو استجلاب محبوب عاجل، ~~أو دفع مكروه عاجل؟ أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية، وطلب التودد ~~والتقرب إلى الرب سبحانه وتعالى، وابتغاء الوسيلة إليه؟. # ومحل هذا السؤال: أنه، هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك، أم فعلته ~~لحظك وهواك؟. # والثانى: سؤال عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام فى ذلك التعبد، أى ~~هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولى، أم كان عملا لم أشرعه ولم ~~أرضه؟. # فالأول سؤال عن الإخلاص، والثانى عن المتابعة، فإن الله سبحانه لا يقبل ~~عملا إلا بهما. # فطريق التخلص من السؤال الأول: بتجريد الإخلاص، وطريق التخلص من السؤال ~~الثانى: بتحقيق المتابعة، وسلامة القلب من إرادة تعارض الإخلاص، وهوى يعارض ~~الاتباع. فهذه حقيقة سلامة القلب الذى ضمنت له النجاة والسعادة. # PageV01P008 # فصل فى القلب الميت # والقلب الثانى: ضد هذا، وهو القلب الميت الذى لا حياة به، فهو لا يعرف ~~ربه، ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه، بل هو واقف مع شهواته ولذاته؛ ولو ~~كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو لا يبالى إذا فاز بشهوته وحظه، رضى ربه أم ~~سخط، فهو متعبد لغير الله: حبا، وخوفا، ورجاء، ورضا، وسخطا، وتعظيما؛ وذلا. ~~إن أحب أحب لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع ~~لهواه. فهواه آثر عنده وأحب إليه من رضا مولاه. فالهوى إمامه، والشهوة ~~قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركبه. فهو بالفكر فى تحصيل أغراضه الدنيوية ~~مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور. ينادى إلى الله وإلى الدار الآخرة ~~من مكان بعيد، فلا يستجيب للناصح، ويتبع كل شيطان مريد. الدنيا تسخطه ~~وترضيه. والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه. فهو فى الدنيا كما قيل فى ~~ليلى: # عدو لمن عادت، وسلم لأهلها ... ومن قربت ليلى أحب وأقربا # فمخالطة صاحب هذا القلب سقم. ومعاشرته سم. ومجالسته هلاك. ms006 # فصل فى القلب المريض # والقلب الثالث: قلب له حياة وبه علة؛ فله مادتان، تمده هذه مرة، وهذه ~~أخرى، وهو لما غلب عليه منهما، ففيه من محبة الله تعالى والإيمان به ~~والإخلاص له، والتوكل عليه: ما هو مادة حياته، وفيه من محبة الشهوات ~~وإيثارها والحرص على تحصيلها، والحسد والكبر والعجب؛ وحب العلو والفساد فى ~~الأرض بالرياسة: ما هو مادة هلاكه وعطبه، وهو ممتحن بين داعيين: داع يدعوه ~~إلى الله ورسوله والدار الآخرة، وداع يدعوه إلى العاجلة. وهو إنما يجيب ~~أقربهما منه بابا، وأدناهما إليه جوارا. # فالقلب الأول، حى مخبت لين واع، والثانى يابس ميت، والثالث مريض، فإما ~~إلى السلامة أدنى، وإما إلى العطب أدنى. # وقد جمع الله سبحانه بين هذه القلوب الثلاثة فى قوله: # {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى ~~أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ~~ليجعل ما يلقى الشيطان # PageV01P009 # ف تنة للذين فى قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفى شقاق بعيد ~~وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن ~~الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم} [الحج: 52 - 54] . # فجعل الله سبحانه وتعالى القلوب فى هذه الآيات ثلاثة: قلبين مفتونين، ~~وقلبا ناجيا، فالمفتونان: القلب الذى فيه مرض، والقلب القاسى. والناجى: ~~القلب المؤمن المخبت إلى ربه. وهو المطمئن إليه الخاضع له، المستسلم ~~المنقاد. # وذلك: أن القلب وغيره من الأعضاء يراد منه أن يكون صحيحا سليما لا آفة ~~به، يتأتى منه ما هيئ له وخلق لأجله. وخروجه عن الاستقامة إما ليبسه ~~وقساوته، وعدم التأتى لما يراد منه، كاليد الشلاء، واللسان الأخرس، والأنف ~~الأخشم، وذكر العنين والعين التى لا تبصر شيئا. وإما بمرض وآفة فيه تمنعه ~~من كمال هذه الأفعال ووقوعها على السداد. فلذلك انقسمت القلوب إلى هذه ~~الأقسام الثلاثة. # فالقلب الصحيح السليم: ليس بينه وبين قبول الحق ومحبته وإيثاره سوى ~~إدراكه، فهو صحيح الإدراك للحق، تام الانقياد والقبول له. # والقلب الميت ms007 القاسى: لا يقبله ولا ينقاد له. # والقلب المريض: إن غلب عليه مرضه التحق بالميت القاسى. وإن غلبت عليه ~~صحته التحق بالسليم. # فما يلقيه الشيطان فى الأسماع من الألفاظ، وفى القلوب من الشبه والشكوك: ~~فيه فتنة لهذين القلبين، وقوة للقلب الحى السليم. لأنه يرد ذلك ويكرهه ~~ويبغضه، ويعلم أن الحق فى خلافه، فيخبت للحق قلبه ويطمئن وينقاد، ويعلم ~~بطلان ما ألقاه الشيطان، فيزداد إيمانا بالحق ومحبة له وكفرا بالباطل ~~وكراهة له. فلا يزال القلب المفتون فى مرية من إلقاء الشيطان. وأما القلب ~~الصحيح السليم فلا يضره ما يلقيه الشيطان أبدا. # قال حذيفة بن اليمان رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم: # " تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا. فأى قلب أشربها نكتت فيه ~~نكتة سوداء، وأى قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تعود القلوب على ~~قلبين: قلب # PageV01P010 # أسود مربادا كالكوز مجخيا. لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب ~~من هواه، وقلب أبيض لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض". # فشبه عرض الفتن على # PageV01P011 # القلوب شيئا فشيئا كعرض عيدان الحصير، وهى طاقاتها شيئا فشيئا، وقسم ~~القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين: قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها، كما ~~يشرب السفنج الماء فتنكت فيه نكتة سوداء، فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه ~~حتى يسود وينتكس، وهو معنى قوله "كالكوز مجخيا" أى مكبوبا منكوسا، فإذا ~~اسود وانتكس عرض له من هاتين الآفتين مرضان خطران متراميان به إلى الهلاك: ~~أحدهما: اشتباه المعروف عليه بالمنكر، فلا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، ~~وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكرا والمنكر معروفا، ~~والسنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلا والباطل حقا، الثانى: تحكيمه هواه ~~على ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وانقياده للهوى ~~واتباعه له. # وقلب أبيض قد أشرق فيه نور الإيمان، وأزهر فيه مصباحه، فإذا عرضت عليه ~~الفتنة أنكرها وردها، فازداد نوره وإشراقه وقوته. # والفتن التى تعرض على القلوب هى أسباب مرضها، ms008 وهى فتن الشهوات وفتن ~~الشبهات، فتن الغى والضلال، فتن المعاصى والبدع، فتن الظلم والجهل فالأولى ~~توجب فساد القصد والإرادة، والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد. # وقد قسم الصحابة رضى الله تعالى عنهم القلوب إلى أربعة، كما صح عن حذيفة ~~بن اليمان: # "القلوب أربعة: قلب أجرد، فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلف، ~~فذلك قلب الكافر، وقلب منكوس، فذلك قلب المنافق، عرف ثم أنكر، وأبصر ثم ~~عمى، وقلب تمده مادتان: مادة إيمان، ومادة نفاق، وهو لما غلب عليه منهما". # فقوله "قلب أجرد" أى متجرد مما سوى الله ورسوله، فقد تجرد وسلم مما سوى ~~الحق. و"فيه سراج يزهر" وهو مصباح الإيمان: فأشار بتجرده إلى سلامته من ~~شبهات # PageV01P012 # الباطل وشهوات الغى، وبحصول السراج فيه إلى إشراقه واستنارته بنور العلم ~~والإيمان. وأشار بالقلب الأغلف إلى قلب الكافر؛ لأنه داخل فى غلافه وغشائه، ~~فلا يصل إليه نور العلم والإيمان، كما قال تعالى، حاكيا عن اليهود: # {وقالوا قلوبنا غلف} [البقرة: 88] . وهو جمع أغلف، وهو الداخل فى غلافه، ~~كقلف وأقلف، وهذه الغشاوة هى الأكنة التى ضربها الله على قلوبهم، عقوبة لهم ~~على رد الحق والتكبر عن قبوله. فهى أكنة على القلوب ووقر فى الأسماع، وعمى ~~فى الأبصار، وهى الحجاب المستور عن العيون فى قوله تعالى: # {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ~~وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا} [الإسراء: 45-46] . ~~فإذا ذكر لهذه القلوب تجريد التوحيد وتجريد المتابعة، ولى أصحابها على ~~أدبارهم نفورا. # وأشار بالقلب المنكوس- وهو المكبوب- إلى قلب المنافق، كما قال تعالى: # {فما لكم فى المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا} [النساء: 88] . أى ~~نكسهم وردهم فى الباطل الذى كانوا فيه، بسبب كسبهم وأعمالهم الباطلة وهذا ~~شر القلوب وأخبثها، فإنه يعتقد الباطل حقا ويوالى أصحابه، والحق باطلا ~~ويعادى أهله، فالله المستعان. # وأشار بالقلب الذى له مادتان إلى القلب الذى لم يتمكن فيه الإيمان ولم ~~يزهر فيه سراجه، حيث لم يتجرد للحق المحض الذى بعث الله به رسوله، بل فيه ~~مادة ms009 منه ومادة من خلافه، فتارة يكون للكفر أقرب منه للإيمان، وتارة يكون ~~للإيمان أقرب منه للكفر، والحكم للغالب وإليه يرجع. # PageV01P013 ### | الباب الثانى: فى ذكر حقيقة مرض القلب # قال الله تعالى عن المنافقين {فى قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} [البقرة: ~~10] ، وقال تعالى {ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين فى قلوبهم مرض} [الحج: ~~53] ، وقال تعالى {يا نساء النبى لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن ~~بالقول فيطمع الذى فى قلبه مرض} [الأحزاب:32] ، أمرهن أن لا يلن فى كلامهن، ~~كما تلين المرأة المعطية الليان فى منطقها، فيطمع الذى فى قلبه مرض الشهوة، ~~ومع ذلك فلا يخشن فى القول بحيث يلتحق بالفحش، بل يقلن قولا معروفا، وقال ~~تعالى {لئن لم ينته المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والمرجفون فى المدينة ~~لنغرينك بهم} [الأحزاب: 60] ، وقال تعالى {وما جعلنا أصحاب النار إلا ~~ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ~~ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول ~~الذين فى قلوبهم مرض وا-لكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا} [المدثر: 31] . # أخبر الله سبحانه عن الحكمة التى جعل لأجلها عدة الملائكة الموكلين ~~بالنار تسعة عشر، فذكر سبحانه خمس حكم: فتنة الكافرين. فيكون ذلك زيادة فى ~~كفرهم وضلالهم، وقوة يقين أهل الكتاب، فيقوى يقينهم بموافقة الخبر بذلك لما ~~عندهم عن أنبيائهم من غير تلق من رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~عنهم، فتقوم الحجة على معاندهم، وينقاد للإيمان من يريد الله أن يهديه. ~~وزيادة الذين آمنوا بكمال تصديقهم بذلك والإقرار به، وانتفاء الريب عن أهل ~~الكتاب لجزمهم بذلك، وعن المؤمنين لكمال تصديقهم به. # فهذه أربعة حكم: فتنة الكفار، ويقين أهل الكتاب، وزيادة إيمان المؤمنين، ~~وانتفاء الريب عن المؤمنين، وأهل الكتاب. # PageV01P014 # والخامسة: حيرة الكافر ومن فى قلبه مرض، وعمى قلبه عن المراد بذلك، ~~فيقول: # {ماذا أراد الله بهذا مثلا} [البقرة: 26] . # وهذا حال القلوب عند ورود الحق المنزل عليها: قلب يفتتن به كفرا وجحودا. ~~وقلب يزداد به إيمانا وتصديقا، وقلب يتيقنه، فتقوم ms010 عليه به الحجة، وقلب ~~يوجب له حيرة وعمى، فلا يدرى ما يراد به. # واليقين وعدم الريب فى هذا الموضع، إن رجعا إلى شىء واحد، كان ذكر عدم ~~الريب مقررا لليقين ومؤكدا له، ونافيا عنه ما يضاده بوجه من الوجوه. وإن ~~رجعا إلى شيئين، بأن يكون اليقين راجعا إلى الخبر المذكور عن عدة الملائكة، ~~وعدم الريب عائدا إلى عموم ما أخبر الرسول به، لدلالة هذا الخبر الذى لا ~~يعلم إلا من جهة الرسل على صدقه، فلا يرتاب من قد عرف صحة هذا الخبر بعد ~~صدق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ظهرت فائدة ذكره. # والمقصود: ذكر مرض القلب وحقيقته. # وقال تعالى {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور ~~وهدى ورحمة للمؤمنين} [يونس: 57] . # فهو شفاء لما فى الصدور من مرض الجهل والغى، فإن الجهل مرض شفاؤه العلم ~~والهدى. والغى مرض شفاؤه الرشد، وقد نزه الله سبحانه نبيه عن هذين الداءين. ~~فقال: # {والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى} [النجم: 1،2] . # ووصف رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم خلفاءه بضدهما فقال: " عليكم ~~بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى". # وجعل كلامه سبحانه موعظة للناس عامة، وهدى ورحمة لمن آمن به خاصة، وشفاء ~~تاما لما فى الصدور، فمن استشفى به صح وبرئ من مرضه ومن لم يستشف به فهو ~~كما قيل: # PageV01P015 # إذا بل من داء به ظن أنه ... نجا وبه الداء الذى هو قاتله # وقال تعالى {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد ~~الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82] # والأظهر أن "من" هاهنا لبيان الجنس، فالقرآن جميعه شفاء ورحمة للمؤمنين. # فصل: فى أسباب ومشخصات مرض البدن والقلب # ولما كان مرض البدن خلاف صحته وصلاحه، وهو خروجه عن اعتداله الطبيعى ~~لفساد يعرض له، يفسد به إدراكه وحركته الطبيعية، فإما أن يذهب إدراكه ~~بالكلية كالعمى والصمم والشلل، وإما أن ينقص إدراكه لضعف فى آلات الإدراك ~~مع استقامة إدراكه، وإما أن يدرك الأشياء على خلاف ما هى عليه، كما ms011 يدرك ~~الحلو مرا، والخبيث طيبا، والطيب خبيثا. # وأما فساد حركته الطبيعية: فمثل أن تضعف قوته الهاضمة، أو الماسكة، أو ~~الدافعة أو الجاذبة، فيحصل له من الألم بحسب خروجه عن الاعتدال، ولكن مع ~~ذلك لم يصل إلى حد الموت والهلاك، بل فيه نوع قوة على الإدراك والحركة. # وسبب هذا الخروج عن الاعتدال: إما فساد فى الكمية أو فى الكيفية. # فالأول: إما لنقص فى المادة، فيحتاج إلى زيادتها، وإما لزيادة فيها، ~~فيحتاج إلى نقصانها. # والثانى: إما بزيادة الحرارة، أو البرودة، أو الرطوبة، أو اليبوسة، أو ~~نقصانها عن القدر الطبيعى، فيداوى بمقتضى ذلك، ومدار الصحة على حفظ القوة، ~~والحمية عن المؤذى، واستفراغ المواد الفاسدة. ونظر الطبيب دائر على هذه ~~الأصول الثلاثة، وقد تضمنها الكتاب العزيز، وأرشد إليها من أنزله شفاء ~~ورحمة. # PageV01P016 # فأما حفظ القوة: فإنه سبحانه أمر المسافر والمريض أن يفطرا فى رمضان، ~~ويقضى المسافر إذا قدم، والمريض إذا برئ، حفظا لقوتهما عليهما، فإن الصوم ~~يزيد المريض ضعفا، والمسافر يحتاج إلى توفير قوته عليه لمشقة السفر، والصوم ~~يضعفها. # وأما الحمية عن المؤذى: فإنه سبحانه حمى المريض عن استعمال الماء البارد ~~فى الوضوء والغسل، إذا كان يضره، وأمره بالعدول إلى التيمم، حمية له عن ~~ورود المؤذى عليه من ظاهر بدنه، فكيف بالمؤذى له فى باطنه. # وأما استفراغ المادة الفاسدة: فإنه سبحانه أباح للمحرم الذى به أذى من ~~رأسه أن يحلقه، فيستفرغ بالحلق الأبخرة المؤذية له، وهذا من أسهل أنواع ~~الاستفراغ وأخفها، فنبه به على ما هو أحوج إليه منه. # وذاكرت مرة بعض رؤساء الطب بمصر بهذا، فقال: والله لو سافرت إلى الغرب فى ~~معرفة هذه الفائدة لكان سفرا قليلا، أو كما قال. # وإذا عرف هذا، فالقلب محتاج إلى ما يحفظ عليه قوته، وهو الإيمان وأوراد ~~الطاعات، وإلى حمية عن المؤذى الضار، وذلك باجتناب الآثام والمعاصى، وأنواع ~~المخالفات، وإلى استفراغه من كل مادة فاسدة تعرض له، وذلك بالتوبة النصوح، ~~واستغفار غافر الخطيئات. ومرضه هو نوع فساد يحصل له، يفسد به تصوره للحق ~~وإرادته له، فلا ms012 يرى الحق حقا، أو يراه على خلاف ما هو عليه، أو ينقص ~~إدراكه له، وتفسد به إرادته له، فيبغض الحق النافع، أو يحب الباطل الضار، ~~أو يجتمعان له، وهو الغالب، ولهذا يفسر المرض الذى يعرض له، تارة بالشك ~~والريب، كما قال مجاهد وقتادة فى قوله تعالى: # {فى قلوبهم مرض} [البقرة: 10] . أى شك. # وتارة بشهوة الزنا، كما فسر به قوله تعالى: # {فيطمع الذى فى قلبه مرض} [الأحزاب: 32] . # PageV01P017 # فالأول مرض الشبهة، والثانى مرض الشهوة. # والصحة تحفظ بالمثل والشبه، والمرض يدفع بالضد والخلاف، وهو يقوى بمثل ~~سببه، ويزول بضده، والصحة تحفظ بمثل سببها وتضعف أو تزول بضده. # ولما كان البدن المريض يؤذيه ما لا يؤذى الصحيح: من يسير الحر، والبرد، ~~والحركة، ونحو ذلك، فكذلك القلب إذا كان فيه مرض آذاه أدنى شىء: من الشبهة ~~أو الشهوة، حيث لا يقدر على دفعهما إذا وردا عليه، والقلب الصحيح القوى ~~يطرقه أضعاف ذلك وهو يدفعه بقوته وصحته. # وبالجملة فإذا حصل للمريض مثل سبب مرضه زاد مرضه وضعفت قوته وترامى إلى ~~التلف، ما لم يتدارك ذلك بأن يحصل له ما يقوى قوته ويزيل مرضه. # PageV01P018 ### | الباب الثالث: في انقسام أمراض القلب إلى قسمين: طبيعية, وشرعية # ... # الباب الثالث: فى انقسام أدوية أمراض القلب إلى قسمين: طبيعية، وشرعية # مرض القلب نوعان: نوع لا يتألم به صاحبه فى الحال، وهو النوع المتقدم، ~~كمرض الجهل، ومرض الشبهات والشكوك، ومرض الشهوات. وهذا النوع هو أعظم ~~النوعين ألما، ولكن لفساد القلب لا يحس بالألم، ولأن سكرة الجهل والهوى ~~تحول بينه وبين إدراك الألم، وإلا فألمه حاضر فيه حاصل له، وهو متوار عنه ~~باشتغاله بضده، وهذا أخطر المرضين وأصعبهما. وعلاجه إلى الرسل وأتباعهم، ~~فهم أطباء هذا المرض. # والنوع الثانى: مرض مؤلم له فى الحال، كالهم والغم والحزن والغيظ، وهذا ~~المرض قد يزول بأدوية طبيعية، كإزالة أسبابه، أو بالمداواة بما يضاد تلك ~~الأسباب، ويدفع موجبها مع قيامها، وهذا كما أن القلب قد يتألم بما يتألم به ~~البدن ويشقى بما يشقى به البدن فكذلك البدن يتألم كثيرا ms013 بما يتألم به ~~القلب، ويشقيه ما يشقيه. # PageV01P018 # فأمراض القلب التى تزول بالأدوية الطبيعية من جنس أمراض البدن، وهذه قد ~~لا توجب وحدها شقاءه وعذابه بعد الموت. وأما أمراضه التى لا تزول إلا ~~بالأدوية الإيمانية النبوية فهى التى توجب له الشقاء والعذاب الدائم، إن لم ~~يتداركها بأدويتها المضادة لها، فإذا استعمل تلك الأدوية حصل له الشفاء، ~~ولهذا يقال "شفى غيظه" فإذا استولى عليه عدوه آلمه ذلك، فإذا انتصف منه ~~اشتفى قلبه، قال تعالى: # {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ~~ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء} [التوبة: 14-15] . # فأمر بقتال عدوهم، وأعلمهم أن فيه ست فوائد. # فالغيظ يؤلم القلب، ودواؤه فى شفاء غيظه، فإن شفاه بحق اشتفى، وإن شفاه ~~بظلم وباطل زاده مرضا من حيث ظن أنه يشفيه، وهو كمن شفى مرض العشق بالفجور ~~بالمعشوق، فإن ذلك يزيد مرضه، ويوجب له أمراضا أخر أصعب من مرض العشق كما ~~سيأتى إن شاء الله تعالى، وكذلك الغم والهم والحزن أمراض للقلب، وشفاؤها ~~بأضدادها: من الفرح والسرور، فإن كان ذلك بحق اشتفى القلب وصح وبرئ من ~~مرضه، وإن كان بباطل توارى ذلك واستتر، ولم يزل، وأعقب أمراضا هى أصعب ~~وأخطر. # وكذلك الجهل مرض يؤلم القلب. فمن الناس من يداويه بعلوم لا تنفع، ويعتقد ~~أنه قد صح من مرضه بتلك العلوم، وهى فى الحقيقة إنما تزيده مرضا إلى مرضه، ~~لكن اشتغال القلب بها عن إدراك الألم الكامن فيه، بسبب جهله بالعلوم ~~النافعة، التى هى شرط فى صحته وبرئه، وقال النبى صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم فى الذين أفتوا بالجهل، فهلك المستفتى بفتواهم "قتلوه، قتلهم الله، ~~ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العى السؤال"، فجعل الجهل مرضا وشفاءه ~~سؤال أهل العلم. # وكذلك الشاك فى الشىء المرتاب فيه، يتألم قلبه حتى يحصل له العلم ~~واليقين، ولما كان # PageV01P019 # ذلك يوجب له حرارة قيل لمن حصل له اليقين: ثلج صدره، وحصل له برد اليقين، ~~وهو كذلك يضيق بالجهل والضلال عن طريق ms014 رشده، وينشرح بالهدى والعلم، قال ~~الله تعالى: # {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ~~ضيقا حرجا كأنما يصعد فى السماء} [الأنعام: 125] . # وسيأتى ذكر مرض ضيق الصدر وسببه وعلاجه، إن شاء الله تعالى. # والمقصود: أن من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبيعية. ومنها ما لا ~~يزول إلا بالأدوية الشرعية الإيمانية، والقلب له حياة وموت، ومرض وشفاء، ~~وذلك أعظم مما للبدن. # PageV01P020 ### | الباب الرابع: فى أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته مادة كل شر وفتنة فيه # أصل كل خير وسعادة للعبد، بل لكل حى ناطق: كمال حياته ونوره. فالحياة ~~والنور مادة الخير كله، قال الله تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له ~~نورا يمشى به فى الناس كمن مثله فى الظلمات ليس بخارج منها} [الأنعام: 122] ~~. # فجمع بين الأصلين: الحياة، والنور، فبالحياة تكون قوته، وسمعه وبصره، ~~وحياؤه وعفته، وشجاعته وصبره، وسائر أخلاقه الفاضلة، ومحبته للحسن، وبغضه ~~للقبيح. فكلما قويت حياته قويت فيه هذه الصفات، وإذا ضعفت حياته ضعفت فيه ~~هذه الصفات، وحياؤه من القبائح هو بحسب حياته فى نفسه، فالقلب الصحيح الحى ~~إذا عرضت عليه القبائح نفر منها بطبعه وأبغضها ولم يلتفت إليها، بخلاف ~~القلب الميت، فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح، كما قال عبد الله بن مسعود ~~رضى الله تعالى عنه: "هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف وينكر به ~~المنكر". # PageV01P020 # وكذلك القلب المريض بالشهوة، فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب ~~قوة المرض وضعفه. # وكذلك إذا قوى نوره وإشراقه انكشفت له صور المعلومات وحقائقها على ما هى ~~عليه، فاستبان حسن الحسن بنوره، وآثره بحياته، وكذلك قبح القبيح، وقد ذكر ~~سبحانه وتعالى هذين الأصلين فى مواضع من كتابه. فقال تعالى: # {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ~~ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم} ~~[الشورى: 52] . # فجمع بين الروح الذى يحصل به الحياة، والنور الذى ms015 يحصل به الإضاءة ~~والإشراق، وأخبر أن كتابه الذى أنزله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~متضمن للأمرين، فهو روح تحيا به القلوب، ونور تستضىء وتشرق به، كما قال ~~تعالى: # {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به فى الناس كمن مثله فى ~~الظلمات ليس بخارج منها} [الأنعام: 122] . # أى أو من كان كافرا ميت القلب، مغمورا فى ظلمة الجهل: فهديناه لرشده، ~~ووفقناه للإيمان، وجعلنا قلبه حيا بعد موته، مشرقا مستنيرا بعد ظلمته؟ فجعل ~~الكافر لانصرافه عن طاعته، وجهله بمعرفته، وتوحيده وشرائع دينه، وترك الأخذ ~~بنصيبه من رضاه، والعمل بما يؤديه إلى نجاته وسعادته: بمنزلة الميت الذى لا ~~ينفع نفسه بنافعة، ولا يدفع عنها من مكروه، فهديناه للإسلام وأنعشناه به، ~~فصار يعرف مضار نفسه ومنافعها، ويعمل فى خلاصها من سخط الله تعالى وعقابه، ~~فأبصر الحق بعد عماه عنه، وعرفه بعد جهله به، واتبعه بعد إعراضه عنه، وحصل ~~له نور وضياء يستضىء به، فيمشى بنوره بين الناس، وهم فى سدف الظلام، كما ~~قيل: # ليلى بوجهك مشرق ... وظلامه فى الناس سارى # الناس فى سدف الظلا ... م ونحن فى ضوء النهار # ولهذا يضرب الله سبحانه وتعالى المثلين المائى والنارى لوحيه ولعباده. # أما الأول فكما قال فى سورة الرعد {أنزل من السماء ماء فسالت أودية ~~بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه فى النار ابتغاء حلية أو ~~متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ~~ينفع الناس فيمكث فى الأرض كذلك يضرب الله الأمثال} [الرعد: 17] . # PageV01P021 # فضرب لوحيه المثل بالماء، لما يحصل به من الحياة، وبالنار لما يحصل بها ~~من الإضاءة والإشراق، وأخبر سبحانه أن الأودية تسيل بقدرها، فواد كبير يسع ~~ماء كثيرا، وواد صغير يسع ماء قليلا. كذلك القلوب مشبهة بالأودية، فقلب ~~كبير يسع علما كثيرا، وقلب صغير إنما يسع بقدره. وشبه ما تحمله القلوب من ~~الشبهات والشهوات، بسبب مخالطة الوحى لها، وإمارته لما فيها من ذلك، بما ~~يحتمله السيل من الزبد. وشبه بطلان تلك الشبهات باستقرار ms016 العلم النافع ~~فيها، بذهاب ذلك الزبد، وإلقاء الوادى له، وإنما يستقر فيه الماء الذى به ~~النفع. وكذلك فى المثل الذى بعده: يذهب الخبث الذى فى ذلك الجوهر، ويستقر ~~صفوه. # وأما ضرب هذين المثلين للعباد، فكما قال فى سورة البقرة: # {مثلهم كمثل الذى استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم ~~فى ظلمات لا يبصرون صم بكم عمى فهم لا يرجعون} [البقرة: 17-18] .فهذا المثل ~~النارى ثم قال {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم فى ~~آذانهم من الصواعق حذر الموت} [البقرة: 19] . # فهذا المثل المائى. # وقد ذكرنا الكلام على أسرار هذين المثلين وبعض ما تضمناه من الحكم فى ~~كتاب المعالم وغيره. # والمقصود: أن صلاح القلب وسعادته وفلاحه موقوف على هذين الأصلين. قال ~~تعالى: # {إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا} [يس: 69-70] . # فأخبر أن الانتفاع بالقرآن والإنذار به إنما يحصل لمن هو حى القلب، كما ~~قال فى موضع آخر: # {إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب} [ق: 37] . # وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم} [الأنفال: 24] . # فأخبر سبحانه وتعالى أن حياتنا إنما هى بما يدعونا إليه الله والرسول من ~~العلم والإيمان. فعلم أن موت القلب وهلاكه بفقد ذلك. # وشبه سبحانه من لا يستجيب لرسوله بأصحاب القبور. وهذا من أحسن التشبيه، ~~فإن أبدانهم قبور لقلوبهم. فقد ماتت قلوبهم وقبرت فى أبدانهم. فقال الله ~~تعالى: # {إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من فى القبور} [فاطر: 22] . # ولقد أحسن القائل: # PageV01P022 # وفى الجهل قبل الموت موت لأهله ... وأجسامهم، قبل القبور، قبور # وأرواحهم فى وحشة من جسومهم ... وليس لهم حتى النشور نشور # ولهذا جعل سبحانه وحيه الذى يلقيه إلى الأنبياء روحا، كما قال تعالى: # {يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده} [غافر: 15] . فى موضعين من ~~كتابه، وقال {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52] ؛ لأن حياة ~~الأرواح والقلوب به، وهذه الحياة الطيبة هى التى خص بها سبحانه من قبل ms017 ~~وحيه، وعمل به فقال: # {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم ~~أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل: 97] . # فخصهم سبحانه وتعالى بالحياة الطيبة فى الدارين، ومثله قوله تعالى: # {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت ~~كل ذى فضل فضله} [هود: 3] . ومثله قوله تعالى {للذين أحسنوا فى هذه الدنيا ~~حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين} [النحل:30] ومثله قوله تعالى ~~{للذين أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة} [الزمر: 10] . # فبين سبحانه أنه يسعد المحسن بإحسانه فى الدنيا وفى الآخرة، كما أخبر أنه ~~يشقى المسىء بإساءته فى الدنيا والآخرة. قال تعالى: # {ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} [طه: 124] ~~. # وقال تعالى، وقد جمع بين النوعين: # {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ~~ضيقا حرجا كأنما يصعد فى السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} ~~[الأنعام: 125] . # فأهل الهدى والإيمان لهم شرح الصدر واتساعه وانفساحه، وأهل الضلال لهم ~~ضيق الصدر والحرج. # وقال تعالى: # {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} [الزمر: 22] . # فأهل الإيمان فى النور وانشراح الصدور، وأهل الضلال فى الظلمة وضيق ~~الصدور. # وسيأتى فى باب طهارة القلب مزيد تقرير لهذا إن شاء الله تعالى. # والمقصود: أن حياة القلب وإضاءته مادة كل خير فيه، وموته وظلمته مادة كل ~~شر فيه. # PageV01P023 ### | الباب الخامس: فى أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا للحق مريدا له، مؤثرا له على غيره. # لما كان فى القلب قوتان: قوة العلم والتمييز، وقوة الإرادة والحب. كان ~~كماله وصلاحه باستعمال هاتين القوتين فيما ينفعه، ويعود عليه بصلاحه ~~وسعادته. فكماله باستعمال قوة العلم فى إدراك الحق، ومعرفته، والتمييز بينه ~~وبين الباطل، وباستعمال قوة الإرادة والمحبة فى طلب الحق ومحبته وإيثاره ~~على الباطل. فمن لم يعرف الحق فهو ضال، ومن عرفه وآثر غيره عليه فهو مغضوب ~~عليه. ومن عرفه واتبعه فهو منعم ms018 عليه. # وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نسأله فى صلاتنا أن يهدينا صراط الذين ~~أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، ولهذا كان النصارى أخص ~~بالضلال؛ لأنهم أمة جهل. واليهود أخص بالغضب؛ لأنهم أمة عناد. وهذه الأمة ~~هم المنعم عليهم. ولهذا قال سفيان بن عيينة: من فسد من عبادنا ففيه شبه من ~~النصارى، ومن فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود؛ لأن النصارى عبدوا بغير ~~علم، واليهود عرفوا الحق وعدلوا عنه. # وفى المسند والترمذى من حديث عدى بن حاتم عن النبى صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم قال: # "اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون". # وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين فى غير موضع من كتابه، فمنها قوله ~~تعالى: # {وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لى ~~وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون} [البقرة: 186] . # فجمع سبحانه بين الاستجابة له والإيمان به. ومنها قوله عن رسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: # {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون} [الأعراف: 157] وقال تعالى {آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى ~~للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين ~~يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون # PageV01P024 # أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} [البقرة:1-5] . وقال تعالى فى ~~وسط السورة: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ~~والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ... إلى آخر الآية} ~~[البقرة: 177] وقال تعالى: {والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر: 1- 3] . # فأقسم سبحانه وتعالى بالدهر الذى هو زمن الأعمال الرابحة والخاسرة، على ~~أن كل واحد فى خسر، إلا من كمل قوته العلمية بالإيمان بالله، وقوته العملية ~~بالعمل بطاعته. فهذا كماله فى نفسه، ثم كمل غيره بوصيته له بذلك، وأمره ~~إياه به، وبملاك ذلك، وهو الصبر. فكمل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، ~~وكمل ms019 غيره بتعليمه إياه ذلك، ووصيته له بالصبر عليه، ولهذا قال الشافعى ~~رحمه الله: لو فكر الناس فى سورة والعصر، لكفتهم. # وهذا المعنى فى القرآن فى مواضع كثيرة: يخبر سبحانه أن أهل السعادة هم ~~الذين عرفوا الحق واتبعوه، وأهل الشقاوة هم الذين جهلوا الحق وضلوا عنه، أو ~~علموه وخالفوه واتبعوا غيره. # وينبغى أن يعرف أن هاتين القوتين لا تتعطلان فى القلب، بل إن استعمل قوته ~~العلمية فى معرفة الحق وإدراكه، وإلا استعملها فى معرفة ما يليق به ويناسبه ~~من الباطل، وإن استعمل قوته الإرادية العملية فى العمل به، وإلا استعملها ~~فى ضده، فالإنسان حارث همام بالطبع، كما قال النبى صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم: "أصدق الأسماء: حارث وهمام". # فالحارث الكاسب العامل، والهمام المريد، فإن النفس متحركة بالإرادة. ~~وحركتها الإرادية لها من لوازم ذاتها، والإرادة تستلزم مرادا يكون متصورا ~~لها، متميزا عندها، فإن لم تتصور الحق وتطلبه وتريده تصورت الباطل وطلبته، ~~وأرادته ولا بد. وهذا يتبين بالباب الذى بعده. فنقول: # PageV01P025 ### | الباب السادس: فى أنه لا سعادة للقلب، ولا لذة، ولا نعيم، ولا صلاح إلا بأن يكون الله هو إلهه وفاطره وحده، وهو معبوده وغاية مطلوبه، وأحب إليه من كل ما سواه. # معلوم أن كل حى سوى الله سبحانه: من ملك أو إنس أو جن أو حيوان، فهو فقير ~~إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ولا يتم ذلك له إلا بتصوره للنافع والضار، ~~والمنفعة من جنس النعيم واللذة، والمضرة من جنس الألم والعذاب. # فلا بد له من أمرين: أحدهما معرفة ما هو المحبوب المطلوب الذى ينتفع به ~~ويلتذ بإدراكه، والثانى: معرفة المعين الموصل المحصل لذلك المقصود. وبإزاء ~~ذلك أمران آخران، أحدهما: مكروه بغيض ضار، والثانى: معين دافع له عنه، فهذه ~~أربعة أشياء: # أحدها: أمر هو محبوب مطلوب الوجود. الثانى: أمر مكروه مطلوب العدم. ~~الثالث: الوسيلة إلى حصول المطلوب المحبوب. الرابع: الوسيلة إلى دفع ~~المكروه. # فهذه الأمور الأربعة ضرورية للعبد، بل ولكل حيوان لا يقوم وجوده وصلاحه ~~إلا بها. # فإذا تقرر ذلك، ms020 فالله تعالى هو الذى يجب أن يكون هو المقصود المدعو ~~المطلوب، الذى يراد وجهه، ويبتغى قربه، ويطلب رضاه، وهو المعين على حصول ~~ذلك. وعبودية ما سواه والالتفات إليه، والتعلق به: هو المكروه الضار، والله ~~هو المعين على دفعه، فهو سبحانه الجامع لهذه الأمور الأربعة دون ما سواه. ~~فهو المعبود المحبوب المراد. وهو المعين لعبده على وصوله إليه وعبادته له. ~~والمكروه البغيض إنما يكون بمشيئته وقدرته، وهو المعين لعبده على دفعه عنه، ~~كما قال أعرف الخلق به صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أعوذ برضاك من ~~سخطك، وأعوذ بمعافاتك من # PageV01P026 # عقوبتك، وأعوذ بك منك" # وقال: "اللهم إنى أسلمت نفسى إليك، ووجهت وجهى إليك، وفوضت أمرى إليك، ~~وألجأت ظهرى إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك". # فمنه المنجى، وإليه الملجأ، وبه الاستعاذة من شر ما هو كائن بمشيئته ~~وقدرته، فالإعاذة فعله، والمستعاذ منه فعله، أو مفعوله الذى خلقه بمشيئته. # فالأمر كله له، والحمد كله له، والملك كله له، والخير كله فى يديه، لا ~~يحصى أحد من خلقه ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثنى عليه ~~كل أحد من خلقه. # ولهذا كان صلاح العبد وسعادته فى تحقيق معنى قوله: # {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] . # فإن العبودية تتضمن المقصود المطلوب، لكن على أكمل الوجوه، والمستعان هو ~~الذى يستعان به على المطلوب. # فالأول: من معنى ألوهيته، والثانى: من معنى ربوبيته، فإن الإله هو الذى ~~تألهه القلوب: محبة، وإنابة، وإجلالا، وإكراما، وتعظيما، وذلا، وخضوعا، ~~وخوفا ورجاء، وتوكلا. والرب تعالى هو الذى يربى عبده، فيعطيه خلقه، ثم ~~يهديه إلى مصالحه فلا إله إلا هو ولا رب إلا هو، فكما أن ربوبية ما سواه ~~أبطل الباطل، فكذلك إلهية ما سواه. # وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين فى مواضع من كتابه كقوله: # {فاعبده وتوكل عليه} [هود: 123] وقوله عن نبيه شعيب {وما توفيقى إلا ~~بالله عليه توكلت وإليه أنيب} [هود: 88] وقوله {وتوكل على الحى الذى لا ~~يموت وسبح بحمده} [الفرقان: 58] وقوله: ms021 {وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق ~~والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} [المزمل: 8-9] وقوله {قل هو ربى لا ~~إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب} [الرعد: 30] وقوله عن الحنفاء أتباع ~~إبراهيم عليه لسلام {ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير} ~~[الممتحنة: 4] . # PageV01P027 # فهذه سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين الجامعين لمعنيى التوحيد اللذين لا ~~سعادة للعبد بدونهما البتة. # الوجه الثانى: أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته، الجامعة لمعرفته ~~والإنابة إليه ومحبته، والإخلاص له، فبذكره تطمئن قلوبهم، وتسكن نفوسهم، ~~وبرؤيته فى الآخرة تقر عيونهم، ويتم نعيمهم، فلا يعطيهم فى الآخرة شيئا ~~خيرا لهم ولا أحب إليهم، ولا أقر لعيونهم، ولا أنعم لقلوبهم: من النظر ~~إليه، وسماع كلامه منه بلا واسطة. ولم يعطهم فى الدنيا شيئا خيرا لهم ولا ~~أحب إليهم، ولا أقر لعيونهم من الإيمان به، ومحبته والشوق إلى لقائه، ~~والأنس بقربه، والتنعم بذكره. # وقد جمع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بين هذين الأمرين فى الدعاء الذى ~~رواه النسائى والإمام أحمد، وابن حبان فى صحيحه وغيرهم، من حديث عمار ابن ~~ياسر: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يدعو به "اللهم بعلمك ~~الغيب، وقدرتك على الخلق، أحينى ما علمت الحياة خيرا لى، وتوفنى إذا كانت ~~الوفاة خيرا لى، وأسألك خشيتك فى الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق فى ~~الرضى والغضب، وأسألك القصد فى الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك ~~قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، ~~وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك الشوق إلى لقائك فى غير ضراء مضرة، ولا ~~فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين". # فجمع فى هذا الدعاء العظيم القدر بين أطيب شىء فى الدنيا، وهو الشوق إلى ~~لقائه سبحانه، وأطيب شىء فى الآخرة، وهو النظر إلى وجهه سبحانه. # ولما كان كمال ذلك وتمامه موقوفا على عدم ما يضر فى الدنيا. ويفتن فى ~~الدين قال: "فى غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة". # ولما كان كمال العبد فى ms022 أن يكون عالما بالحق متبعا له معلما لغيره، مرشدا ~~له قال: # "واجعلنا هداة مهتدين". # ولما كان الرضى النافع المحصل للمقصود هو الرضى بعد وقوع القضاء لا قبله، ~~فإن ذلك عزم على الرضى، فإذا وقع القضاء انفسخ ذلك العزم، سأل الرضى بعده، ~~فإن المقدور يكتنفه أمران: الاستخارة قبل وقوعه والرضى بعد وقوعه. فمن ~~سعادة العبد أن يجمع بينهما، كما فى المسند وغيره عنه صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم "إن من سعادة ابن آدم استخارة الله ورضاه # PageV01P028 # بما قضى الله، وإن من شقاوة ابن آدم ترك استخارة الله، وسخطه بما قضى ~~الله تعالى". # ولما كانت خشية الله عز وجل رأس كل خير فى المشهد والمغيب، سأله خشيته فى ~~الغيب والشهادة. # ولما كان أكثر الناس إنما يتكلم بالحق فى رضاه، فإذا غضب أخرجه غضبه إلى ~~الباطل، وقد يدخله أيضا رضاه فى الباطل، سأل الله عز وجل من توفيقه لكلمة ~~الحق فى الغضب والرضى. ولهذا قال بعض السلف: لا تكن ممن إذا رضى أدخله رضاه ~~فى الباطل، وإذا غضب أخرجه غضبه من الحق. # ولما كان الفقر والغنى محنتين وبليتين، يبتلى الله بهما عبده. ففى الغنى ~~يبسط يده، وفى الفقر يقبضها، سأل الله عز وجل القصد فى الحالين، وهو التوسط ~~الذى ليس معه إسراف ولا تقتير. # ولما كان النعيم نوعين: نوعا للبدن، ونوعا للقلب، وهو قرة العين، وكماله ~~بدوامه واستمراره، جمع بينهما فى قوله "أسألك نعيما لا ينفد، وقرة عين لا ~~تنقطع". # ولما كانت الزينة زينتين: زينة البدن، وزينة القلب، وكانت زينة القلب ~~أعظمهما قدرا وأجلهما خطرا، وإذا حصلت زينة البدن على أكمل الوجوه فى ~~العقبى، سأل ربه الزينة الباطنة فقال: "زينا بزينة الإيمان". # ولما كان العيش فى هذه الدار لا يبرد لأحد كائنا من كان، بل هو محشو ~~بالغصص والنكد، ومحفوف بالآلام الباطنة والظاهرة، سأل برد العيش بعد الموت. # والمقصود: أنه جمع فى هذا الدعاء بين أطيب ما فى الدنيا، وأطيب ما فى ~~الآخرة. # فإن حاجة العباد إلى ربهم فى عبادتهم إياه وتألههم ms023 له، كحاجتهم إليه فى ~~خلقه لهم، ورزقه إياهم، # PageV01P029 # ومعافاة أبدانهم، وستر عوراتهم، وتأمين روعاتهم، بل حاجتهم إلى تألهه ~~ومحبته وعبوديته أعظم، فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم. ولا صلاح لهم ولا ~~نعيم ولا فلاح ولا لذة ولا سعادة بدون ذلك بحال # ولهذا كانت "لا إله إلا الله" أحسن الحسنات، وكان توحيد الإلهية رأس ~~الأمر، وأما توحيد الربوبية الذى أقر به المسلم والكافر، وقرره أهل الكلام ~~فى كتبهم، فلا يكفى وحده، بل هو الحجة عليهم، كما بين ذلك سبحانه فى كتابه ~~الكريم فى عدة مواضع، ولهذا كان حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به ~~شيئا، كما فى الحديث الصحيح الذى رواه معاذ بن جبل رضى الله عنه عن النبى ~~صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "أتدرى ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ~~ورسوله أعلم، قال: حقه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. أتدرى ما ~~حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم عليه ~~أن لا يعذبهم بالنار"، ولذلك يحب سبحانه عباده المؤمنين الموحدين ويفرح ~~بتوبتهم، كما أن فى ذلك أعظم لذة العبد وسعادته ونعيمه، فليس فى الكائنات ~~شىء غير الله سبحانه يسكن القلب إليه، ويطمئن به ويأنس به، ويتنعم بالتوجه ~~إليه، ومن عبد غيره سبحانه وحصل له به نوع منفعة ولذة، فمضرته بذلك أضعاف ~~أضعاف منفعته، وهو بمنزلة أكل الطعام المسموم اللذيذ، وكما أن السماوات ~~والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا، كما قال تعالى: # {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] . # فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادا لا يرجى صلاحه ~~إلا بأن يخرج ذلك المعبود من قلبه، ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده ~~الذى يحبه ويرجوه، ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه. # الوجه الثالث: أن فقر العبد إلى أن يعبد الله سبحانه وحده لا يشرك به ~~شيئا ليس له نظير فيقاس به، ولكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الغذاء ~~والشراب والنفس، فيقاس ms024 بها، ولكن بينهما فروق كثيرة، فإن حقيقة العبد قلبه ~~وروحه، ولا صلاح له إلا بإلهه الحق الذى لا إله إلا هو، فلا يطمئن إلا ~~بذكره، ولا يسكن إلا بمعرفته وحبه، وهو كادح إليه كدحا فملاقيه، ولا بد له ~~من لقائه، ولا صلاح له إلا بتوحيد محبته وعبادته وخوفه ورجائه، ولو حصل له ~~من اللذات والسرور بغيره ما حصل فلا يدوم له ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ~~ومن شخص إلى شخص ويتنعم بهذا فى حال، وبهذا فى حال، وكثيرا ما يكون ذلك ~~الذى # PageV01P030 # يتنعم به هو أعظم أسباب ألمه ومضرته. وأما إلهه الحق فلا بد له منه فى كل ~~وقت وفى كل حال، وأينما كان فنفس الإيمان به ومحبته وعبادته وإجلاله وذكره ~~هو غذاء الإنسان وقوته، وصلاحه وقوامه، كما عليه أهل الإيمان، ودلت عليه ~~السنة والقرآن، وشهدت به الفطرة والجنان، لا كما يقوله من قل نصيبه من ~~التحقيق والعرفان، وبخس حظه من الإحسان: إن عبادته وذكره وشكره تكليف ~~ومشقة، لمجرد الابتلاء والامتحان، أو لأجل مجرد التعويض بالثواب المنفصل ~~كالمعاوضة بالأثمان، أو لمجرد رياضة النفس وتهذيبها ليرتفع عن درجة البهيم ~~من الحيوان، كما فى مقالات من بخس حظه من معرفة الرحمن، وقل نصيبه من ذوق ~~حقائق الإيمان، وفرح بما عنده من زبد الأفكار وزبالة الأذهان، بل عبادته ~~ومعرفته وتوحيده وشكره قرة عين الإنسان، وأفضل لذة للروح والقلب والجنان، ~~وأطيب نعيم ناله من كان أهلا لهذا الشان، والله المستعان، وعليه التكلان. # وليس المقصود بالعبادات والأوامر المشقة والكلفة بالقصد الأول، وإن وقع ~~ذلك ضمنا وتبعا فى بعضها، لأسباب اقتضته لابد منها، هى من لوازم هذه ~~النشأة. # فأوامره سبحانه، وحقه الذى أوجبه على عباده، وشرائعه التى شرعها لهم هى ~~قرة العيون ولذة القلوب، ونعيم الأرواح وسرورها، وبها شفاؤها وسعادتها ~~وفلاحها، وكمالها فى معاشها ومعادها، بل لا سرور لها ولا فرح ولا لذة ولا ~~نعيم فى الحقيقة إلا بذلك، كما قال تعالى: # {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور ms025 وهدى ورحمة ~~للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} [يونس: ~~57- 58] . # قال أبو سعيد الخدرى "فضل الله: القرآن، ورحمته: أن جعلكم من أهله" وقال ~~هلال بن يساف "بالإسلام الذى هداكم إليه. وبالقرآن الذى علمكم إياه، هو خير ~~مما تجمعون: من الذهب والفضة" وكذلك قال ابن عباس والحسن وقتادة "فضله: ~~الإسلام، ورحمته: القرآن" وقالت طائفة من السلف "فضله: القرآن، ورحمته: ~~الإسلام". # والتحقيق: أن كلا منهما فيه الوصفان، الفضل والرحمة، وهما الأمران اللذان ~~امتن الله بهما على رسوله عليه الصلاة والسلام فقال: # {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان} ~~[الشورى: 52] . # والله سبحانه إنما رفع من رفع بالكتاب والإيمان. ووضع من وضع بعدمهما. # PageV01P031 # فإن قيل: فقد وقع تسمية ذلك تكليفا فى القرآن كقوله: # {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] وقوله: {لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها} [الأنعام: 152] . # قيل: نعم، إنما جاء ذلك فى جانب النفى، ولم يسم سبحانه أوامره ووصاياه ~~وشرائعه تكليفا قط، بل سماها روحا ونورا، وشفاء وهدى ورحمة، وحياة، وعهدا، ~~ووصية، ونحو ذلك. # الوجه الرابع: أن أفضل نعيم الآخرة وأجله وأعلاه على الإطلاق هو النظر ~~إلى وجه الرب جل جلاله، وسماع خطابه، كما فى صحيح مسلم عن صهيب رضى الله ~~عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إذا دخل أهل الجنة الجنة ~~نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ~~ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ ~~قال: فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر ~~إليه" وفى حديث آخر: "فلا يلتفتون إلى شىء من النعيم ما داموا ينظرون إليه" ~~فبين النبى عليه الصلاة والسلام أنهم مع كمال تنعمهم بما أعطاهم ربهم فى ~~الجنة، لم يعطهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه، وإنما كان ذلك أحب إليهم ~~لأن ما يحصل لهم به من اللذة والنعيم والفرح والسرور وقرة العين، فوق ما ~~يحصل لهم من التمتع ms026 بالأكل والشرب والحور العين، ولا نسبة بين اللذتين ~~والنعيمين البتة. ولهذا قال سبحانه وتعالى فى حق الكفار: # {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم} [المطففين: ~~15-16] . # فجمع عليهم نوعى العذاب: عذاب النار، وعذاب الحجاب عنه سبحانه، كما جمع ~~لأوليائه نوعى النعيم: نعيم التمتع بما فى الجنة. ونعيم التمتع برؤيته، ~~وذكر سبحانه هذه الأنواع الأربعة فى هذه السورة فقال فى حق الأبرار: # {إن الأبرار لفى نعيم على الأرائك ينظرون} [المطففين: 22، 23] . # ولقد هضم معنى الآية من قال: ينظرون إلى أعدائهم يعذبون، أو ينظرون إلى ~~قصورهم وبساتينهم، أو ينظر بعضهم إلى بعض، وكل هذا عدول عن المقصود إلى ~~غيره، وإنما المعنى ينظرون إلى وجه ربهم، ضد حال الكفار الذين هم عن ربهم ~~لمحجوبون. # {ثم إنهم لصالوا الجحيم} [المطففين: 16] . # وتأمل كيف قابل سبحانه ما قاله الكفار فى أعدائهم فى الدنيا وسخروا به ~~منهم، بضده فى القيامة، فإن الكفار كانوا إذا مر بهم المؤمنون يتغامزون ~~ويضحكون منهم: {وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون} [المطففين: 32] # PageV01P032 # فقال تعالى: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} [المطففين: 34] ~~مقابلة لتغامزهم وضحكهم منهم، ثم قال: فأطلق النظر، ولم يقيده بمنظور دون ~~منظور، وأعلى ما نظروا إليه وأجله وأعظمه هو الله سبحانه. والنظر إليه أجل ~~أنواع النظر وأفضلها، وهو أعلى مراتب الهداية، فقابل بذلك قولهم: # {إن هؤلاء لضالون} [المطففين: 32] . # فالنظر إلى الرب سبحانه مراد من هذين الموضعين ولا بد، إما بخصوصه، وإما ~~بالعموم والإطلاق، ومن تأمل السياق لم يجد الآيتين تحتملان غير إرادة ذلك، ~~خصوصا أو عموما. # فصل: # [فى أن لذة النظر إلى وجه الله يوم القيامة تابعة للتلذذ بمعرفته ومحبته ~~فى الدنيا] # وكما أنه لا نسبة لنعيم ما فى الجنة إلى نعيم النظر إلى وجه الأعلى ~~سبحانه، فلا نسبة لنعيم الدنيا إلى نعيم محبته ومعرفته والشوق إليه والأنس ~~به، بل لذة النظر إليه سبحانه تابعة لمعرفتهم به ومحبتهم له، فإن اللذة ~~تتبع الشعور والمحبة. فكلما كان المحب أعرف بالمحبوب، وأشد محبة له كان ~~التذاذه بقربه ورؤيته ووصوله إليه ms027 أعظم. # الوجه الخامس: أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا منع، ~~ولا هدى ولا ضلال، ولا نصر ولا خذلان، ولا خفض ولا رفع، ولا عز ولا ذل، بل ~~الله وحده هو الذى يملك له ذلك كله، قال الله تعالى: # {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ~~وهو العزيز الحكيم} [فاطر: 2] وقال تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له ~~إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور ~~الرحيم} [يونس: 107] وقال تعالى: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم ~~فمن ذا الذى ينصركم من بعده} [آل عمران:160] . وقال تعالى عن صاحب يس: ~~{أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون} [يس: 23] وقال تعالى: {يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من ~~خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} [فاطر: ~~3] وقال تعالى: {أمن هذا الذى هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون ~~إلا # PageV01P033 # فى غرور أمن هذا الذى يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا فى عتو ونفور} [الملك: ~~20- 21] . # فجمع سبحانه بين النصر والرزق، فإن العبد مضطر إلى من يدفع عنه عدوه ~~بنصره، ويجلب له منافعه برزقه، فلا بد له من ناصر ورازق. والله وحده هو ~~الذى ينصر ويرزق، فهو الرزاق ذو القوة المتين. ومن كمال فطنة العبد ~~ومعرفته: أن يعلم أنه إذا مسه الله بسوء لم يرفعه عنه غيره وإذا ناله بنعمة ~~لم يرزقه إياها سواه. ويذكر أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: # "أدرك لى لطيف الفطنة، وخفى اللطف، فإنى أحب ذلك. قال: يا رب وما لطيف ~~الفطنة؟ قال: إن وقعت عليك ذبابة فاعلم أنى أنا أوقعتها فاسألنى أرفعها. ~~قال: وما خفى اللطف؟ قال: إذا أتتك حبة فاعلم أنى أنا ذكرتك بها" وقد قال ~~تعالى عن السحرة: {وما هم بضارين به من أحد ms028 إلا بإذن الله} [البقرة: 102] . # فهو سبحانه وحده الذى يكفى عبده وينصره ويرزقه ويكلؤه. # قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال: سمعت وهبا يقول: قال ~~الله تعالى فى بعض كتبه: # "بعزتى، إنه من اعتصم بى، فإن كادته السموات بمن فيهن، والأرضون بمن ~~فيهن، فإنى أجعل له من ذلك مخرجا، ومن لم يعتصم بى، فإنى أقطع يديه من ~~أسباب السماء وأخسف به من تحت قدميه الأرض، فأجعله فى الهواء، ثم أكله إلى ~~نفسه، كفى لعبدى ملأى، إذا كان عبدى فى طاعتى أعطيه قبل أن يسألنى، وأستجيب ~~له قبل أن يدعونى، فإنى أعلم بحاجته التى ترفق به منه". # قال أحمد: وحدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو سعيد المؤدب، حدثنا من سمع ~~عطاء الخراسانى قال: لقيت وهب بن منبه، وهو يطوف بالبيت، فقلت له: حدثنى ~~حديثا أحفظه عنك فى مقامى هذا وأوجز، قال نعم: # "أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود: يا داود، أما وعزتى وعظمتى لا يعتصم ~~بى عبد من عبيدى دون خلقى - أعرف ذلك من نيته - فتكيده السموات السبع ومن ~~فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن إلا جعلت له من بينهن مخرجا؛ أما وعزتى ~~وعظمتى لا يعتصم عبد من عبادى بمخلوق دونى - أعرف ذلك من نيته- إلا قطعت ~~أسباب السماء من يده، وأسخت الأرض من تحت قدميه، ثم لا أبالى بأى واد هلك". # وهذا الوجه أظهر للعامة من الذى قبله. ولهذا خوطبوا به فى القرآن أكثر من ~~الأول ومنه دعت الرسل إلى الوجه الأول. وإذا تدبر اللبيب القرآن وجد الله ~~سبحانه يدعو عباده # PageV01P034 # بهذا الوجه إلى الوجه الأول، وهذا الوجه يقتضى التوكل على الله تعالى ~~والاستعانة به، ودعاءه ومسألته دون ما سواه، ويقتضى أيضا: محبته وعبادته، ~~لإحسانه إلى عبده، وإسباغ نعمه عليه، فإذا أحبوه وعبدوه وتوكلوا عليه من ~~هذا الوجه دخلوا منه إلى الوجه الأول. # ونظير ذلك: من ينزل به بلاء عظيم، أو فاقة شديدة، أو خوف مقلق، فجعل يدعو ~~الله سبحانه ويتضرع إليه، حتى فتح له من لذيذ مناجاته وعظيم الإيمان به، ms029 ~~والإنابة إليه ما هو أحب إليه من تلك الحاجة التى قصدها أولا، ولكنه لم يكن ~~يعرف ذلك أولا حتى يطلبه، ويشتاق إليه، وفى نحو ذلك قال القائل: # جزى الله يوم الروع خيرا، فإنه ... أرانا على علاته أم ثابت # أرانا مصونات الحجاب، ولم نكن ... نراهن إلا عند نعت النواعت # الوجه السادس: أن تعلق العبد بما سوى الله تعالى مضرة عليه، إذا أخذ منه ~~فوق القدر الزائد على حاجته، غير مستعين به على طاعته، فإذا نال من الطعام ~~والشراب والنكاح واللباس فوق حاجته ضره ذلك، ولو أحب سوى الله ما أحب، فلا ~~بد أن يسلبه ويفارقه، فإن أحبه لغير الله فلا بد أن تضره محبته ويعذب ~~بمحبوبه، إما فى الدنيا وإما فى الآخرة، والغالب أنه يعذب به فى الدارين، ~~قال تعالى: # {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب ~~أليم* يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما ~~كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} [التوبة: 34- 35] . # وقال تعالى: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها ~~فى الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} [التوبة: 55] . # ولم يصب من قال: إن الآية على التقديم والتأخير، كالجرجانى، حيث قال: ~~ينتظم قوله {فى الحياة الدنيا} بعد فصل آخر ليس بموضعه، على تأويل {فلا ~~تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الحياة الدنيا} ~~[التوبة: 55] وهذا القول يروى عن ابن عباس رضى الله عنهما. وهو منقطع، ~~واختاره قتادة وجماعة، وكأنهم لما أشكل عليهم وجه تعذيبهم بالأموال ~~والأولاد فى الدنيا، وأن سرورهم ولذتهم ونعيمهم بذلك، فروا إلى التقديم ~~والتأخير. # وأما الذين رأوا أن الآية على وجهها ونظمها فاختلفوا فى هذا التعذيب، ~~فقال الحسن البصرى: يعذبهم بأخذ الزكاة منها والإنفاق فى الجهاد، واختاره ~~ابن جرير، وأوضحه. فقال: العذاب بها إلزامهم بما أوجب الله عليهم فيها من ~~حقوقه وفرائضه، إذ كان يؤخذ منه ذلك، # PageV01P035 # وهو غير طيب النفس، ولا راج من الله جزاء، ولا من الآخذ منه حمدا ولا ms030 ~~شكرا، بل على صغار منه وكره. # وهذا أيضا عدول عن المراد بتعذيبهم فى الدنيا بها، وذهاب عن مقصود الآية. # وقالت طائفة: تعذيبهم بها أنهم يتعرضون بكفرهم لغنيمة أموالهم، وسبى ~~أولادهم فإن هذا حكم الكافر، وهم فى الباطن كذلك. وهذا أيضا من جنس ما قبله ~~فإن الله سبحانه أقر المنافقين، وعصم أموالهم وأولادهم بالإسلام الظاهر ~~وتولى سرائرهم، فلو كان المراد ما ذكره هؤلاء لوقع مراده سبحانه من غنيمة ~~أموالهم وسبى أولادهم، فإن الإرادة هاهنا كونية بمعنى المشيئة، وما شاء ~~الله كان ولا بد، وما لم يشأ لم يكن. والصواب، والله أعلم، أن يقال: ~~تعذيبهم بها هو الأمر المشاهد من تعذيب طلاب الدنيا ومحبيها ومؤثريها على ~~الآخرة: بالحرص على تحصيلها، والتعب العظيم فى جمعها ومقاساة أنواع المشاق ~~فى ذلك، فلا تجد أتعب ممن الدنيا أكبر همه، وهو حريص بجهده على تحصيلها. ~~والعذاب هنا هو الألم والمشقة والتعب، كقوله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: "السفر قطعة من العذاب" وقوله: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه". # أى يتألم ويتوجع، لا أنه يعاقب بأعمالهم، وهكذا من كانت الدنيا كل همه أو ~~أكبر همه كما قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى الحديث الذى رواه ~~الترمذى وغيره من حديث أنس رضى الله عنه: # " من كانت الآخرة همه جعل الله غناه فى قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا ~~وهى راغمة. ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ~~ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له". # ومن أبلغ العذاب فى الدنيا: تشتيت الشمل وتفرق القلوب، وكون الفقر نصب ~~عينى العبد لا يفارقه، ولولا سكرة عشاق الدنيا بحبها لاستغاثوا من هذا ~~العذاب، على أن أكثرهم # PageV01P036 # لا يزال يشكو أو يصرخ منه. وفى الترمذى أيضا عن أبى هريرة رضى الله عنه ~~عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "يقول الله تبارك وتعالى: ابن ~~آدم، تفرغ لعبادتى أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلا، ~~ولم أسد فقرك". # وهذا ms031 أيضا من أنواع العذاب، وهو اشتغال القلب والبدن بتحمل أنكاد الدنيا ~~ومحاربة أهلها إياه، ومقاساة معاداتهم، كما قال بعض السلف: من أحب الدنيا ~~فليوطن نفسه على تحمل المصائب. ومحب الدنيا لا ينفك من ثلاث: هم لازم، وتعب ~~دائم، وحسرة لا تنقضى، وذلك أن محبها لا ينال منها شيئا إلا طمحت نفسه إلى ~~ما فوقه، كما فى الحديث الصحيح عن النبى عليه الصلاة والسلام: "لو كان لابن ~~آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثا". # وقد مثل عيسى ابن مريم عليه السلام محب الدنيا بشارب الخمر، كلما ازداد ~~شربا ازداد عطشا. # وذكر ابن أبى الدنيا أن الحسن البصرى كتب إلى عمر بن عبد العزيز "أما ~~بعد: فإن الدنيا دار ظعن، ليست بدار إقامة، إنما أنزل إليها آدم عليه ~~السلام عقوبة، فاحذرها يا أمير المؤمنين، فإن الزاد منها تركها، والغنى ~~فيها فقرها، لها فى كل حين قتيل، تذل من أعزها، وتفقر من جمعها. هى كالسم ~~يأكله من لا يعرفه، وهو حتفه فكن فيها كالمداوى جراحه، يحتمى قليلا، مخافة ~~ما يكره طويلا، ويصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء، فاحذر هذه الدار ~~الغرارة، الخداعة الختالة، التى قد تزينت بخدعها، وفتنت بغرورها، وختلت ~~بآمالها، وتشوفت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلوة، فالعيون إليها ناظرة، ~~والقلوب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهى لأزواجها كلهم قاتلة، فعاشق ~~لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى، ونسى المعاد فشغل بها لبه، حتى زلت ~~عنها قدمه، فعظمت عليه ندامته، وكثرت حسرته، واجتمعت عليه سكرات الموت ~~وألمه، وحسرات الفوت. وعاشق لم ينل منها بغيته، فعاش بغصته، وذهب بكمده، ~~ولم يدرك منها ما طلب، ولم تسترح نفسه من التعب، فخرج بغير # PageV01P037 # زاد، وقدم على غير مهاد. فكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، فإن ~~صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه، وصل الرخاء منها ~~بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء. سرورها مشوب بالحزن، أمانيها كاذبة، ~~وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد، فلو كان ربنا لم يخبر عنها خبرا، ~~ولم ms032 يضرب لها مثلا، لكانت قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل. فكيف وقد جاء من ~~الله فيها واعظ وعنها زاجر؟ فما لها عند الله قدر ولا وزن، ولا نظر إليها ~~منذ خلقها. ولقد عرضت على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بمفاتيحها ~~وخزائنها لا تنقصه عند الله جناح بعوضة، فأبى أن يقبلها، كره أن يحب ما ~~أبغض خالقه، أو يرفع ما وضع مليكه. فزواها عن الصالحين اختيارا، وبسطها ~~لأعدائه اغترارا. فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها، ونسى ما ~~صنع الله عز وجل برسوله صلى الله عليه وسلم حين شد الحجر على بطنه". # وقال الحسن أيضا: إن قوما أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب. فأهينوها ~~فأهنأ ما تكون إذا أهنتموها. وهذا باب واسع. # وأهل الدنيا وعشاقها أعلم بما يقاسونه من العذاب وأنواع الألم فى طلبها. # ولما كانت هى أكبر هم من لا يؤمن بالآخرة، ولا يرجو لقاء ربه، كان عذابه ~~بها بحسب حرصه عليها، وشدة اجتهاده فى طلبها. # وإذا أردت أن تعرف عذاب أهلها بها فتأمل حال عاشق فان فى حب معشوقه، ~~وكلما رام قربا من معشوقه نأى عنه، ولا يفى له ويهجره ويصل عدوه. فهو مع ~~معشوقه فى أنكد عيش، يختار الموت دونه، فمعشوقه قليل الوفاء، كثير الجفاء، ~~كثير الشركاء، سريع الاستحالة، عظيم الخيانة، كثير التلون، لا يأمن عاشقه ~~معه على نفسه ولا على ماله، مع أنه لا صبر له عنه ولا يجد عنه سبيلا إلى ~~سلوة تريحه، ولا وصال يدوم له، فلو لم يكن لهذا العاشق عذاب إلا هذا العاجل ~~لكفى به، فكيف إذا حيل بينه وبين لذاته كلها، وصار معذبا بنفس ما كان ملتذا ~~به على قدر لذته به، التى شغلته عن سعيه فى طلب زاده، ومصالح معاده؟، # وسنعود إلى تمام الكلام فى هذا الباب فى باب ذكر علاج مرض القلب بحب ~~الدنيا إن شاء الله تعالى، إذ المقصود بيان أن من أحب شيئا سوى الله تعالى، ~~ولم تكن محبته له # PageV01P038 # لله تعالى، ولا لكونه معينا له على طاعة ms033 الله تعالى: عذب به فى الدنيا ~~قبل يوم القيامة. كما قيل: # أنت القتيل بكل من أحببته ... فاختر لنفسك فى الهوى من تصطفى # فإذا كان يوم المعاد ولى الحكم العدل سبحانه كل محب ما كان يحبه فى ~~الدنيا. فكان معه: إما منعما أو معذبا. ولهذا: # "يمثل لصاحب المال ماله شجاعا أقرع يأخذ بلهزمتيه، يعنى شدقيه، يقول: أنا ~~مالك، أنا كنزك، ويصفح له صفائح من نار يكوى بها جبينه وجنبه وظهره". # وكذلك عاشق الصور إذا اجتمع هو ومعشوقه على غير طاعة الله تعالى جمع الله ~~بينهما فى النار، وعذب كل منهما بصاحبه. قال تعالى: # {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} [الزخرف: 67] . # وأخبر سبحانه أن الذين توادوا فى الدنيا على الشرك يكفر بعضهم ببعض يوم ~~القيامة، ويلعن بعضهم بعضا ومأواهم النار وما لهم من ناصرين. # فالمحب مع محبوبه دنيا وأخرى. ولهذا يقول الله تعالى يوم القيامة للخلق: ~~"أليس عدلا منى أن أولى كل رجل منكم ما كان يتولى فى دار الدنيا؟ ". # وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: "المرء مع من أحب". وقال تعالى: {ويوم ~~يعض الظالم على يديه يقول يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتا ليتنى ~~لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلنى عن الذكر بعد إذ جاءنى وكان الشيطان للإنسان ~~خذولا} [الفرقان: 27 - 29] . وقال تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما ~~كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسئولون ~~مالكم لا تناصرون} [الصافات: 22 - 25] . # قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه "أزواجهم: أشباههم ونظراؤهم" وقال تعالى: ~~{وإذا النفوس زوجت} [التكوير:7] . # فقرن كل شكل إلى شكله، وجعل معه قرينا وزوجا: البر مع البر، والفاجر مع ~~الفاجر. # والمقصود: أن من أحب شيئا سوى الله عز وجل فالضرر حاصل له بمحبوبه: إن ~~وجد وإن فقد، فإنه إن فقده عذب بفراقه وتألم على قدر تعلق قلبه به، وإن ~~وجده كان ما يحصل # PageV01P039 # له من الألم قبل حصوله، ومن النكد فى حال حصوله، ومن الحسرة عليه بعد ~~فوته، أضعاف أضعاف ما فى ms034 حصوله له من اللذة: # فما فى الأرض أشقى من محب ... وإن وجد الهوى حلو المذاق # تراه باكيا فى كل ... حالمخافة فرقة، أو لاشتياق # فيبكى إن نأوا، شوقا إليهم ... ويبكى إن دنوا، حذر الفراق # فتسخن عينه عند التلاقى ... وتسخن عينه عند الفراق # وهذا أمر معلوم بالاستقراء والاعتبار والتجارب، ولهذا قال النبى صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم فى الحديث الذى رواه الترمذى وغيره: "الدنيا ملعونة، ~~ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه" فذكره: جميع أنواع طاعته، فكل من ~~كان فى طاعته فهو ذاكره، وإن لم يتحرك لسانه بالذكر، وكل من والاه الله فقد ~~أحبه وقربه؛ فاللعنة لا تنال ذلك إلا بوجهه، وهى نائلة كل ما عداه. # الوجه السابع: أن اعتماد العبد على المخلوق وتوكله عليه يوجب له الضرر من ~~جهته هو ولا بد، عكس ما أمله منه، فلا بد أن يخذل من الجهة التى قدر أن ~~ينصر منها، ويذم من حيث قدر أن يحمد، وهذا أيضا كما أنه ثابت بالقرآن ~~والسنة فهو معلوم بالاستقراء والتجارب، قال تعالى: # {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون ~~عليهم ضدا} [مريم: 81- 82] وقال تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ~~ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون} [يس: 74- 75] . # أى يغضبون لهم ويحاربون، كما يغضب الجند ويحارب عن أصحابه، وهم لا ~~يستطيعون نصرهم، بل هم كل عليهم. وقال تعالى: # {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التى يدعون من دون ~~الله من شىء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب} [هود: 101] . أى غير ~~تخسير، وقال تعالى: {فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين} ~~[الشعراء: 213] وقال تعالى: {لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما ~~مخذولا} [الإسراء: 22] . # فإن المشرك يرجو بشركه النصر تارة، والحمد والثناء تارة، فأخبر سبحانه أن ~~مقصوده ينعكس عليه، ويحصل له الخذلان والذم. # والمقصود: أن هذين الوجهين فى المخلوق وضدهما فى الخالق سبحانه. فصلاح ~~القلب # PageV01P040 # وسعادته وفلاحه فى عبادة الله تعالى والاستعانة به، ms035 وهلاكه وشقاؤه وضرره ~~العاجل والآجل فى عبادة المخلوق والاستعانة به. # الوجه الثامن: أن الله سبحانه غنى كريم، عزيز رحيم. فهو محسن إلى عبده مع ~~غناه عنه، يريد به الخير، ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعه إليه من العبد، ~~ولا لدفع مضرة، بل رحمة منه وإحسانا. فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثر بهم ~~من قلة، ولا ليعتز بهم من ذلة، ولا ليرزقوه قوة، ولا لينفعوه، ولا ليدفعوا ~~عنه، كما قال تعالى: # {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن ~~يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} [الذاريات: 56 - 58] وقال ~~تعالى: {وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك ولم يكن ~~له ولى من الذل وكبره تكبيرا} [الإسراء: 111] . # فهو سبحانه لا يوالى من يواليه من الذل، كما يوالى المخلوق المخلوق، ~~وإنما يوالى أولياءه إحسانا ورحمة ومحبة لهم. وأما العباد فإنهم كما قال عز ~~وجل: # {والله الغنى وأنتم الفقراء} [محمد: 38] . # فهم لفقرهم وحاجتهم إنما يحسن بعضهم إلى بعض لحاجته إلى ذلك وانتفاعه به ~~عاجلا أو آجلا. ولولا تصور ذلك النفع لما أحسن إليه. فهو فى الحقيقة إنما ~~أراد الإحسان إلى نفسه، وجعل إحسانه إلى غيره وسيلة وطريقا إلى وصول نفع ~~ذلك الإحسان إليه. فإنه إما أن يحسن إليه لتوقع جزائه فى العاجل، فهو محتاج ~~إلى ذلك الجزاء، أو معاوضة بإحسانه، أو لتوقع حمده وشكره. وهو أيضا إنما ~~يحسن إليه ليحصل منه ما هو محتاج إليه من الثناء والمدح، فهو محسن إلى نفسه ~~بإحسانه إلى الغير. وإما أن يريد الجزاء من الله تعالى فى الآخرة، فهو أيضا ~~محسن إلى نفسه بذلك، وإنما أخر جزاءه إلى يوم فقره وفاقته، فهو غير ملوم فى ~~هذا القصد، فإنه فقير محتاج، وفقره وحاجته أمر لازم له من لوازم ذاته، ~~فكماله أن يحرص على ما ينفعه ولا يعجز عنه، وقال تعالى: # {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} [الإسراء: 7] وقال: {وما تنفقوا من خير يوف ~~إليكم وأنتم لا تظلمون} [البقرة: ms036 272] . # وقال تعالى، فيما رواه عنه رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: " يا ~~عبادى: إنكم لن تبلغوا نفعى فتنفعونى، ولن تبلغوا ضري فتضرونى، يا عبادى: ~~إنما هى أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ~~ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". # PageV01P041 # فالمخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول، بل إنما يقصد انتفاعه بك. # والرب تعالى إنما يريد نفعك لا انتفاعه به، وذلك منفعة محضة لك خالصة من ~~المضرة، بخلاف إرادة المخلوق نفعك، فإنه قد يكون فيه مضرة عليك، ولو بتحمل ~~منته. # فتدبر هذا فإن ملاحظته تمنعك أن ترجو المخلوق أو تعامله دون الله عز وجل، ~~أو تطلب منه نفعا، أو دفعا أو تعلق قلبك به، فإنه إنما يريد انتفاعه بك لا ~~محض نفعك، وهذا حال الخلق كلهم بعضهم مع بعض، وهو حال الولد مع والده، ~~والزوج مع زوجه، والمملوك مع سيده، والشريك مع شريكه. فالسعيد من عاملهم ~~لله تعالى لا لهم، وأحسن إليهم لله تعالى، وخاف الله تعالى فيهم، ولم يخفهم ~~مع الله تعالى، ورجا الله تعالى بالإحسان إليهم، ولم يرجهم مع الله، وأحبهم ~~بحب الله، ولم يحبهم مع الله تعالى، كما قال أولياء الله عز وجل: {إنما ~~نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} [الإنسان: 9] . # الوجه التاسع: أن العبد المخلوق لا يعلم مصلحتك حتى يعرفه الله تعالى ~~إياها، ولا يقدر على تحصيلها لك، حتى يقدره الله تعالى عليها، ولا يريد ذلك ~~حتى يخلق الله فيه إرادة ومشيئة. فعاد الأمر كله لمن ابتدأ منه، وهو الذى ~~بيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، فتعلق القلب بغيره رجاء وخوفا ~~وتوكلا وعبودية: ضرر محض، لا منفعة فيه، وما يحصل بذلك من المنفعة فهو ~~سبحانه وحده الذى قدرها ويسرها وأوصلها إليك. # الوجه العاشر: أن غالب الخلق إنما يريدون قضاء حوائجهم منك، وإن أضر ذلك ~~بدينك ودنياك، فهم إنما غرضهم قضاء حوائجهم ولو بمضرتك، والرب تبارك وتعالى ~~إنما يريدك لك، ويريد الإحسان إليك لك لا لمنفعته، ويريد دفع ms037 الضرر عنك، ~~فكيف تعلق أملك ورجاءك، وخوفك بغيره؟ وجماع هذا أن تعلم: # "أن الخلق كلهم لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشىء لم ينفعوك إلا بشىء قد ~~كتبه الله تعالى لك، ولو اجتمعوا كلهم على أن يضروك بشىء لم يضروك إلا بشىء ~~قد كتبه الله تعالى عليك" قال تعالى: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو ~~مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [التوبة: 51] . # PageV01P042 # خاتمة لهذا الباب # لما كان الإنسان؛ بل وكل حى متحرك بالإرادة، لا ينفك عن علم وإرادة وعمل ~~بتلك الإرادة، وله مراد مطلوب، وطريق وسبب يوصل إليه، معين عليه، وتارة ~~يكون السبب منه، وتارة من خارج منفصل عنه، وتارة منه ومن الخارج، فصار الحى ~~مجبولا على أن يقصد شيئا ويريده، ويستعين بشىء ويعتمد عليه فى حصول مراده. # والمراد قسمان: أحدهما: ما هو مراد لنفسه. والثانى: ما هو مراد لغيره. # والمستعان قسمان؛ أحدهما: ما هو مستعان بنفسه، والثانى: ما هو تبع له ~~وآلة. # فهذه أربعة أمور: مراد لنفسه، ومراد لغيره، ومستعان بنفسه، ومستعان بكونه ~~آلة وتبعا للمستعان بنفسه. # فلا بد للقلب من مطلوب يطمئن إليه، وينتهى إليه محبته. ولا بد له من شىء ~~يتوصل به؛ ويستعين به فى حصول مطلوبه، والمستعان مدعو ومسئول، والعبادة ~~والاستعانة كثيرا ما يتلازمان، فمن اعتمد القلب عليه فى رزقه ونصره ومتفعته ~~ونفعه خضع له، وذل له، وانقاد له وأحبه من هذه الجهة، وإن لم يحبه لذاته، ~~لكن قد يغلب عليه حكم الحال حتى يحبه لذاته، وينسى مقصوده منه، وأما من ~~أحبه القلب وأراده وقصده فقد لا يستعين به، ويستعين بغيره عليه كمن أحب ~~مالا أو منصبا أو امرأة، فإن علم أن محبوبه قادر على تحصيل غرضه استعان به، ~~فاجتمع له محبته والاستعانة به. # فالأقسام أربعة: محبوب لنفسه وذاته، مستعان بنفسه. فهذا أعلى الأقسام، ~~وليس ذلك إلا لله وحده. وكل ما سواه فإنما ينبغى أن يحب تبعا لمحبته، ~~ويستعان به لكونه آلة وسببا. # الثانى: محبوب لغيره ومستعان به أيضا، كالمحبوب الذى هو قادر على تحصيل ms038 ~~غرض محبه # الثالث: محبوب مستعان عليه بغيره # الرابع: مستعان به غير محبوب فى نفسه. # فإذا عرف ذلك تبين من أحق هذه الأقسام الأربعة بالعبودية والاستعانة، وأن ~~محبة غيره واستعانته به إن لم تكن وسيلة إلى محبته واستعانته، وإلا كانت ~~مضرة على العبد، ومفسدتها أعظم من مصلحتها. والله المستعان وعليه التكلان. # PageV01P043 ### | الباب السابع: فى أن القرآن متضمن لأدوية القلب، وعلاجه من جميع أمراضه # قال الله عز وجل: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى ~~الصدور} [يونس: 57] وقال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة ~~للمؤمنين} [الإسراء: 82] . # وقد تقدم أن جماع أمراض القلب هى أمراض الشبهات والشهوات. والقرآن شفاء ~~للنوعين. ففيه من البينات والبراهين القطعية ما يبين الحق من الباطل، فتزول ~~أمراض الشبه المفسدة للعلم والتصور والإدراك، بحيث يرى الأشياء على ما هى ~~عليه، وليس تحت أديم السماء كتاب متضمن للبراهين والآيات على المطالب ~~العالية: من التوحيد، وإثبات الصفات، وإثبات المعاد والنبوات، ورد النحل ~~الباطلة والآراء الفاسدة، مثل القرآن. فإنه كفيل بذلك كله، متضمن له على ~~أتم الوجوه وأحسنها، وأقربها إلى العقول وأفصحها بيانا. فهو الشفاء على ~~الحقيقة من أدواء الشبه والشكوك، ولكن ذلك موقوف على فهمه ومعرفة المراد ~~منه. فمن رزقه الله تعالى ذلك أبصر الحق والباطل عيانا بقلبه، كما يرى ~~الليل والنهار، وعلم أن ما عداه من كتب الناس وآرائهم ومعقولاتهم بين علوم ~~لا ثقة بها، وإنما هى آراء وتقليد. وبين ظنون كاذبة لا تغنى من الحق شيئا. ~~وبين أمور صحيحة لا منفعة للقلب فيها. وبين علوم صحيحة قد وعروا الطريق إلى ~~تحصيلها، وأطالوا الكلام فى إثباتها، مع قلة نفعها. فهى: # "لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتفل". # وأحسن ما عند المتكلمين وغيرهم فهو فى القرآن أصح تقريرا وأحسن تفسيرا، ~~فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد، كما قيل: # لولا التنافس فى الدنيا لما وضعت ... كتب التناظر، لا المغنى ولا العمد # يحللون بزعم منهم عقدا ... وبالذى وضعوه زادت العقد # PageV01P044 # فهم ms039 يزعمون أنهم يدفعون بالذى وضعوه الشبه والشكوك، والفاضل الذكى يعلم ~~أن الشبه والشكوك زادت بذلك. ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى، والعلم ~~واليقين من كتاب الله تعالى وكلام رسوله، ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين ~~المتشككين الشاكين، الذين أخبر الواقف على نهايات إقدامهم بما انتهى إليه ~~من ميراثهم، حيث يقول: # نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعى العالمين ضلال # وأرواحنا فى وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال # ولم نستفد من بحثنا طول عمرناسوى ... أن جمعنا فيه قيل وقالوا # لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفى عليلا، ~~ولا تروى غليلا. ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ فى الإثبات: # {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ، {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه} [فاطر: 10] وأقرأ فى النفى: {ليس كمثله شىء} [الشورى: 11] ، ~~{ولا يحيطون به علما} [طه: 110] . # ومن جرب مثل تجربتى عرف مثل معرفتى. # فهذا إنشاده وألفاظه فى آخر كتبه. وهو أفضل أهل زمانه على الإطلاق فى علم ~~الكلام والفلسفة، وكلام أمثاله فى مثل ذلك كثير جدا قد ذكرناه فى كتاب ~~الصواعق وغيره. وذكرنا قول بعض العارفين بكلام هؤلاء "آخر أمر المتكلمين ~~الشك، وآخر أمر المتصوفين الشطح" والقرآن يوصلك إلى نفس اليقين فى هذه ~~المطالب التى هى أعلى مطالب العباد، ولذلك أنزله من تكلم به. وجعله شفاء ~~لما فى الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين. # وأما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة ~~بالترغيب والترهيب، والتزهيد فى الدنيا، والترغيب فى الآخرة، والأمثال ~~والقصص التى فيها أنواع العبر والاستبصار، فيرغب القلب السليم إذا أبصر ذلك ~~فيما ينفعه فى معاشه ومعاده ويرغب عما يضره، فيصير القلب محبا للرشد، مبغضا ~~للغى. فالقرآن مزيل للأمراض الموجهة للإرادات الفاسدة، فيصلح القلب، فتصلح ~~إرادته، ويعود إلى فطرته التى فطر عليها، فتصلح أفعاله # PageV01P045 # الاختيارية الكسبية، كما يعود البدن بصحته وصلاحه إلى الحال الطبيعى، ~~فيصير بحيث لا يقبل إلا الحق، كما أن الطفل ليس بقابل إلا اللبن. # وعاد الفتى كالطفل، ليس بقابل ... سوى المحض شيئا، واستراحت عواذله # فيتغذى القلب من ms040 الإيمان والقرآن بما يزكيه ويقويه، ويؤيده ويفرحه، ويسره ~~وينشطه، ويثبت ملكه، كما يتغذى البدن بما ينميه ويقويه. وكل من القلب ~~والبدن محتاج إلى أن يتربى؛ فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح فكما أن البدن ~~محتاج إلى أن يزكو بالأغذية المصلحة له والحمية عما يضره، فلا ينمو إلا ~~بإعطائه ما ينفعه، ومنع ما يضره، فكذلك القلب لا يزكو ولا ينمو، ولا يتم ~~صلاحه إلا بذلك، ولا سبيل له إلى الوصول إلى ذلك إلا من القرآن، وإن وصل ~~إلى شىء منه من غيره فهو نزر يسير لا يحصله به تمام المقصود، وكذلك الزرع ~~لا يتم إلا بهذين الأمرين، فحينئذ يقال: زكا الزرع وكمل. # ولما كانت حياته ونعيمه لا تتم إلا بزكاته وطهارته لم يكن بد من ذكر هذا ~~وهذا، فنقول: # PageV01P046 ### | الباب الثامن: فى زكاة القلب # الزكاة فى اللغة: هى النماء والزيادة فى الصلاح، وكمال الشىء، يقال: زكا ~~الشىء إذا نما، قال الله تعالى: # {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] . # فجمع بين الأمرين: الطهارة والزكاة، لتلازمهما. فإن نجاسة الفواحش ~~والمعاصى فى القلب بمنزلة الأخلاط الرديئة فى البدن، وبمنزلة الدغل فى ~~الزرع، وبمنزلة الخبث فى الذهب والفضة والنحاس والحديد، فكما أن البدن إذا ~~استفرغ من الأخلاط الرديئة تخلصت القوة الطبيعية منها فاستراحت، فعملت ~~عملها بلا معوق ولا ممانع، فنما البدن، فكذلك القلب إذا تخلص من الذنوب ~~بالتوبة فقد استفرغ من تخليطه، فتخلصت إرادة القلب وإرادته للخير، فاستراح # PageV01P046 # من تلك الجواذب الفاسدة والمواد الرديئة: زكا ونما، وقوى واشتد، وجلس على ~~سرير ملكه، ونفذ حكمه فى رعيته، فسمعت له وأطاعت. فلا سبيل له إلى زكاته ~~إلا بعد طهارته كما قال تعالى: # {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير ~~بما يصنعون} [النور: 30] . # فجعل الزكاة بعد غض البصر وحفظ الفرج. # ولهذا كان غض البصر عن المحارم يوجب ثلاث فوائد عظيمة الخطر، جليلة ~~القدر: # إحداها: حلاوة الإيمان ولذته، التى هى أحلى وأطيب وألذ مما صرف بصره عنه ~~وتركه لله تعالى فإن من ms041 ترك شيئا لله عوضه الله عز وجل خيرا منه، والنفس ~~مولعة بحب النظر إلى الصور الجميلة، والعين رائد القلب. فيبعث رائده لنظر ~~ما هناك، فإذا أخبره بحسن المنظور إليه وجماله، تحرك اشتياقا إليه، وكثيرا ~~ما يتعب ويتعب رسوله ورائده كما قيل: # وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر # رأيت الذى لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر # فإذا كف الرائد عن الكشف والمطالعة استراح القلب من كلفة الطلب والإرادة، ~~فمن أطلق لحظاته دامت حسراته، فإن النظر يولد المحبة. فتبدأ علاقة يتعلق ~~بها القلب بالمنظور إليه. ثم تقوى فتصير صبابة. ينصب إليه القلب بكليته. ثم ~~تقوى فتصير غراما يلزم القلب، كلزوم الغريم الذى لا يفارق غريمه. ثم يقوى ~~فيصير عشقا. وهو الحب المفرط. ثم يقوى فيصير شغفا. وهو الحب الذى قد وصل ~~إلى شغاف القلب وداخله. ثم يقوى فيصير تتيما. والتتيم التعبد ومنه تيمه ~~الحب إذا عبده. وتيم الله عبد الله. فيصير القلب عبدا لمن لا يصلح أن يكون ~~هو عبدا له. وهذا كله جناية النظر فحينئذ يقع القلب فى الأسر. فيصير أسيرا ~~بعد أن كان ملكا، ومسجونا بعد أن كان مطلقا. يتظلم من الطرف ويشكوه. والطرف ~~يقول: أنا رائدك ورسولك، وأنت بعثتنى. وهذا إنما ابتلى به القلوب الفارغة ~~من حب الله والإخلاص له، فإن القلب لا بد له من التعلق بمحبوب. فمن لم يكن ~~الله وحده محبوبه وإلهه ومعبوده فلا بد أن ينعقد قلبه لغيره. قال تعالى عن ~~يوسف الصديق عليه السلام: # {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} [يوسف: 24] . # فامرأة العزيز لما كانت مشركة وقعت فيما وقعت فيه، مع كونها ذات زوج، ~~ويوسف عليه السلام لما كان مخلصا لله تعالى نجا من ذلك مع كونه شابا عزبا ~~غريبا مملوكا. # PageV01P047 # لفائدة الثانية فى غض البصر: نور القلب وصحة الفراسة. قال أبو شجاع ~~الكرمانى: "من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وكف نفسه عن ~~الشهوات، وغض بصره عن المحارم، واعتاد أكل الحلال لم ms042 تخطئ له فراسة" وقد ~~ذكر الله سبحانه قصة قوم لوط وما ابتلوا به، ثم قال بعد ذلك: # {إن فى ذلك لآيات للمتوسمين} [الحجر: 75] . # وهم المتفرسون الذين سلموا من النظر المحرم والفاحشة، وقال تعالى عقيب ~~أمره للمؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم: # {الله نور السموات والأرض} [النور: 35] . # وسر هذا الخبر: أن الجزاء من جنس العمل. فمن غض بصره عما حرم الله عز وجل ~~عليه عوضه الله تعالى من جنسه ما هو خير منه، فكما أمسك نور بصره عن ~~المحرمات أطلق الله نور بصيرته وقلبه، فرأى به ما لم يره من أطلق بصره ولم ~~يغضه عن محارم الله تعالى، وهذا أمر يحسه الإنسان من نفسه. فإن القلب ~~كالمرآة، والهوى كالصدأ فيها. فإذا خلصت المرآة من الصدأ انطبعت فيها صورة ~~الحقائق كما هى عليه. وإذا صدئت لم ينطبع فيها صورة المعلومات. فيكون علمه ~~وكلامه من باب الخرص والظنون. # الفائدة الثالثة قوة القلب وثباته وشجاعته، فيعطيه الله تعالى بقوته ~~سلطان النصرة، كما أعطاه بنوره سلطان الحجة، فيجمع له بين السلطانين، ويهرب ~~الشيطان منه، كما فى الأثر: # "إن الذى يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله". ولهذا يوجد فى المتبع هواه من ~~ذل النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه، فإنه سبحانه جعل العز لمن ~~أطاعه والذل لمن عصاه. قال تعالى: # {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون: 8] وقال تعالى: {ولا تهنوا ~~ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139] وقال تعالى: {من ~~كان يريد العزة فلله العزة جميعا} [فاطر: 10] . # أى من كان يطلب العزة فليطلبها بطاعة الله: بالكلم الطيب، والعمل الصالح، ~~وقال بعض السلف: "الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا فى طاعة ~~الله" وقال الحسن: "وإن هملجت بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال إن ذل ~~المعصية لفى قلوبهم، أبى الله عز وجل إلا أن يذل من عصاه، وذلك أن من أطاع ~~الله تعالى فقد والاه، ولا يذل من والاه الله، كما فى دعاء القنوت: # "إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت". # PageV01P048 # والمقصود: أن ms043 زكاة القلب موقوفة على طهارته، كما أن زكاة البدن موقوفة ~~على استفراغه من أخلاطه الرديئة الفاسدة، قال تعالى: # {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكى من ~~يشاء والله سميع عليم} [النور: 21] . # وذكر ذلك سبحانه عقيب تحريم الزنا والقذف ونكاح الزانية، فدل على أن ~~التزكى هو باجتناب ذلك. # وكذلك قوله تعالى فى الاستئذان على أهل البيوت: # {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم} [النور: 28] . # فإنهم إذا أمروا بالرجوع لئلا يطلعوا على عورة لم يحب صاحب المنزل أن ~~يطلع عليها كان ذلك أزكى لهم، كما أن رد البصر وغضه أزكى لصاحبه، وقال ~~تعالى: # {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: 14- 15] . # وقال تعالى عن موسى عليه السلام فى خطابه لفرعون: # {هل لك إلى أن تزكى} [النازعات: 18] وقال تعالى {وويل للمشركين الذين لا ~~يؤتون الزكاة} [فصلت: 6- 7] . # قال أكثر المفسرين من السلف ومن بعدهم: هى التوحيد: شهادة أن لا إله إلا ~~الله، والإيمان الذى به يزكو القلب، فإنه يتضمن نفى إلهية ما سوى الحق من ~~القلب، وذلك طهارته، وإثبات إلهيته سبحانه؛ وهو أصل كل زكاة ونماء، فإن ~~التزكى- وإن كان أصله النماء والزيادة والبركة- فإنما يحصل بإزالة الشر. ~~فلهذا صار التزكى ينتظم الأمرين جمعيا. فأصل ما تزكو به القلوب والأرواح. ~~هو التوحيد: والتزكية جعل الشىء زكيا، إما فى ذاته، وإما فى الاعتقاد ~~والخبر عنه، كما يقال: عدلته وفسقته، إذا جعلته كذلك فى الخارج، أو فى ~~الاعتقاد والخبر. # وعلى هذا فقوله تعالى: # {فلا تزكوا أنفسكم} [النجم: 32] هو على غير معنى {قد أفلح من زكاها} ~~[الشمس: 9] . # أى لا تخبروا بزكاتها وتقولوا: نحن زاكون صالحون متقون، ولهذا قال عقيب ~~ذلك: # {هو أعلم بمن اتقى} [النجم: 32] . # وكان اسم "زينب" "برة" فقال: "تزكى نفسها؟ " فسماها رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم "زينب" وقال: "الله أعلم بأهل البر منكم" وكذلك قوله: # PageV01P049 # {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} [النساء: 49] . # أى يعتقدون زكاءها ويخبرون به، كما يزكى المزكى الشاهد، فيقول عن نفسه ما ms044 ~~يقول المزكى فيه، كما قال الله تعالى: # {بل الله يزكى من يشاء} [النساء: 49] . # أى هو الذى يجعله زاكيا، ويخبر بطاعة الله فيصير زاكيا، وهذا بخلاف قوله: # {قد أفلح من زكاها} [الشمس: 9] فإنه من باب قوله: {هل لك إلى أن تزكى} ~~[النازعات: 18] أى تعمل بطاعة الله تعالى، فتصير زاكيا، ومثله قوله: {قد ~~أفلح من تزكى} [الأعلى: 14] . # وقد اختلف فى الضمير المرفوع فى قوله: زكاها فقيل: هو الله. أى أفلحت نفس ~~زكاها الله عز وجل، وخابت نفس دساها، وقيل: إن الضمير يعود على فاعل أفلح، ~~وهو "من" سواء كانت موصولة أو موصوفة، فإن الضمير لو عاد على الله سبحانه ~~لقال: قد أفلح من زكاه وقد خاب من دساه. والأولون يقولون "من" وإن كان ~~لفظها مذكرا فإذا وقعت على مؤنث جاز إعادة الضمير عليها بلفظ المؤنث، ~~مراعاة للمعنى، وبلفظ المذكر مراعاة للفظ، وكلاهما من الكلام الفصيح، وقد ~~وقع فى القرآن اعتبار لفظها ومعناها، فالأول كقوله: # {ومنهم من يستمع إليك} [الأنعام: 25] فأفرد الضمير، والثانى كقوله: ~~{ومنهم من يستمعون إليك} [يونس: 42] . # قال المرجحون للقول الأول: يدل على صحة قولنا: ما رواه أهل السنن من حديث ~~ابن أبى مليكة عن عائشة رضى الله عنها قالت: "أتيت ليلة، فوجدت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: رب أعط نفسى تقواها، وزكها، أنت خير من زكاها، ~~أنت وليها ومولاها". # فهذا الدعاء كالتفسير لهذه الآية، وأن الله تعالى هو الذى يزكى النفوس ~~فتصير زاكية، فالله هو المزكى، والعبد هو المتزكى. والفرق بينهما فرق ما ~~بين الفاعل والمطاوع. قالوا: والذى جاء فى القرآن من إضافة الزكاة إلى ~~العبد إنما هو بالمعنى الثانى، دون الأول. كقوله: # {قد أفلح من تزكى} [الأعلى: 14] ، وقوله: {هل لك إلى أن تزكى} [النازعات: ~~18] . # أى تقبل تزكية الله تعالى لك، فتتزكى؟ قالوا: وهذا هو الحق. فإنه لا يفلح ~~إلا من زكاه الله تعالى. قالوا: وهذا اختيار ترجمان القرآن ابن عباس، فإنه ~~قال فى رواية على بن أبى طلحة وعطاء والكلبى: # "قد أفلح من زكى الله تعالى نفسه" ms045 وقال ابن زيد: "قد أفلح من زكى الله ~~تعالى نفسه". # PageV01P050 # واختاره ابن جرير. قالوا: ويشهد لهذا القول أيضا قوله فى أول السورة: # {فألهمها فجورها وتقواها} [الشمس: 8] . # قالوا: وأيضا فإنه سبحانه وتعالى أخبر أنه خالق النفس وصفاتها. وذلك فى ~~معنى التسوية. # قال أصحاب القول الآخر: ظاهر الكلام ونظمه الصحيح: يقتضى أن يعود الضمير ~~على "من" أى أفلح من زكى نفسه. هذا هو المفهوم المتبادر إلى الفهم، بل لا ~~يكاد يفهم غيره، كما إذا قلت: هذه جارية قد ربح من اشتراها، وصلاة قد سعد ~~من صلاها، وضالة قد خاب من آواها. ونظائر ذلك. # قالوا: والنفس مؤنثة، فلو عاد الضمير على الله سبحانه لكان وجه الكلام: ~~قد أفلحت نفس زكاها، أو أفلحت من زكاها، لوقوع "من" على النفس. قالوا: وإن ~~جاز تفريغ الفعل من التاء لأجل لفظ "من" كما تقول: قد أفلح من قامت منكن، ~~فذاك حيث لا يقع اشتباه والتباس. فإذا وقع الاشتباه لم يكن بد من ذكر ما ~~يزيله. # قالوا: و "من" موصولة بمعنى الذى. ولو قيل: قد أفلح الذى زكاها الله لم ~~يكن جائزا، لعود الضمير المؤنث على الذى، وهو مذكر. قالوا: وهو سبحانه قصد ~~نسبة الفلاح إلى صاحب النفس إذا زكى نفسه. ولهذا فرغ الفعل من التاء، وأتى ~~ب "من" التى هى بمعنى "الذى" وهذا الذى عليه جمهور المفسرين، حتى أصحاب ابن ~~عباس رضى الله عنهما. وقال قتادة: # {قد أفلح من زكاها} [الشمس: 9] . # "من عمل خيرا زكاها بطاعة الله عز وجل" وقال أيضا: "قد أفلح من زكى نفسه ~~بعمل صالح" وقال الحسن: "قد أفلح من زكى نفسه فأصلحها وحملها على طاعة الله ~~تعالى، وقد خاب من أهلكها وحملها على معصية الله تعالى" قال ابن قتيبة: ~~"يريد أفلح من زكى نفسه، أى نماها وأعلاها بالطاعة والبر والصدقة، واصطناع ~~المعروف". # {وقد خاب من دساها} [الشمس: 10] . # أى نقصها وأخفاها بترك عمل البر وركوب المعاصى. والفاجر أبدا خفى المكان، ~~زمن المروءة، غامض الشخص، ناكس الرأس. فمرتكب الفواحش قد دس نفسه وقمعها، ~~ومصطنع المعروف ms046 قد شهر نفسه ورفعها. وكانت أجواد العرب تنزل الربى ويفاع ~~الأرض # PageV01P051 # لتشهر أماكنها للمعتفين. وتوقد النيران فى الليل للطارقين. وكانت اللئام ~~تنزل الأولاج والأطراف والأهضام، لتخفى أماكنها على الطالبين، فأولئك أعلوا ~~أنفسهم وزكوها، وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسوها. وأنشد: # وبواب بيتك فى معلم ... رحيب المباءة والمسرح # كفيت العفاة طلاب القرى ... ونبح الكلاب لمستنبح # فهذان قولان مشهوران فى الآية. # وفيها قول ثالث: أن المعنى: خاب من دس نفسه مع الصالحين وليس منهم، حكاه ~~الواحدى، قال: ومعنى هذا: أنه أخفى نفسه فى الصالحين، يرى الناس أنه منهم ~~وهو منطو على غير ما ينطوى عليه الصالحون. # وهذا- وإن كان حقا فى نفسه- لكن فى كونه هو المراد بالآية نظر، وإنما ~~يدخل فى الآية بطريق العموم. فإن الذى يدس نفسه بالفجور إذا خالط أهل الخير ~~دس نفسه فيهم، والله تعالى أعلم. # PageV01P052 ### | الباب التاسع: فى طهارة القلب من أدرانه ونجاساته # ... # لباب التاسع: فى طهارة القلب من أدرانه ونجاساته # هذا الباب وإن كان داخلا فيما قبله، كما بينا أن الزكاة لا تحصل إلا ~~بالطهارة، ولكنا أفردناه بالذكر لبيان معنى طهارته، وشدة الحاجة إليها، ~~ودلالة القرآن والسنة عليها. قال الله تعالى: # {يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر} [المدثر: 1- 4] وقال ~~تعالى: {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم فى الدنيا خزى ولهم فى ~~الآخرة عذاب عظيم} [المائدة: 41] . # وجمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم على أن المراد بالثياب هاهنا القلب، ~~والمراد بالطهارة إصلاح الأعمال والأخلاق. # PageV01P052 # قال الواحدى: اختلف المفسرون فى معناه، فروى عطاء عن ابن عباس رضى الله ~~عنهما قال "يعنى من الإثم، ومما كانت الجاهلية تجيزه" وهذا قول قتادة ~~ومجاهد، قالا: "نفسك فطهرها من الذنب" ونحوه قول الشعبى وإبراهيم والضحاك ~~والزهرى. وعلى هذا القول: "الثياب" عبارة عن النفس، والعرب تكنى بالثياب عن ~~النفس ومنه قول الشماخ: # رموها بأثواب خفاف، فلا ترى ... لها شبها إلا النعام المنفرا # رموها يعنى الركاب بأبدانهم. وقال عنترة: # فشككت بالرمح الأصمثيابه ... ليس الكريم على القنى بمحرم # يعنى نفسه. # وقال فى رواية الكلبى: ms047 يعنى لا تغدر، فتكون غادرا دنس الثياب. وقال سعيد ~~بن جبير: "كان الرجل إذا كان غادرا قيل: دنس الثياب، وخبيث الثياب" وقال ~~عكرمة: "لا تلبس ثوبك على معصية، ولا على فجرة" وروى ذلك عن ابن عباس، ~~واحتج بقول الشاعر: # وإنى بحمد الله لا ثوب غادر ... لبست، ولا من خزية أتقنع # وهذا المعنى أراد من قال فى هذه الآية "وعملك فأصلح" وهو قول أبى رزين ~~ورواية منصور عن مجاهد وأبى روق، وقال السدى: يقال للرجل إذا كان صالحا: ~~إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرا: إنه لخبيث الثياب. قال الشاعر: # لا هم إن عامر بن جهم ... أو ذم حجا فى ثياب دسم # يعنى أنه متدنس بالخطايا، وكما وصفوا الغادر الفاجر بدنس الثوب وصفوا ~~الصالح بطهارة الثوب، قال امرؤ القيس: # ثياب بنى عوف طهارى نقية # يريد أنهم لا يغدرون، بل يفون، وقال الحسن: "خلقك فحسنه"، وهذا قول ~~القرطبى، وعلى هذا: الثياب عبارة عن الخلق؛ لأن خلق الإنسان يشتمل على ~~أحواله اشتمال ثيابه على نفسه. # PageV01P053 # .. # وروى العوفى عن ابن عباس فى هذه الآية "لا تكن ثيابك التى تلبس من مكسب ~~غير طيب" والمعنى طهرها من أن تكون مغصوبة، أو من وجه لا يحل اتخاذها منه، ~~وروى عن سعيد بن جبير: "وقلبك ونيتك فطهر" وقال أبو العباس: الثياب اللباس. ~~ويقال: القلب، وعلى هذا ينشد: # فسلى ثيابى من ثيابك تنسلى # وذهب بعضهم فى تفسير هذه الآية إلى ظاهرها، وقال: إنه أمر بتطهير ثيابه ~~من النجاسات التى لا تجوز معها الصلاة، وهو قول ابن سيرين، وابن زيد. وذكر ~~أبو إسحاق: "وثيابك فقصر" قال: لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسة، فإنه إذا ~~انجر على الأرض لم يؤمن أن يصيبه ما ينجسه، وهذا قول طاوس. وقال ابن عرفة ~~"معناه: نساءك طهرهن" وقد يكنى عن النساء بالثياب واللباس. قال تعالى: # {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} ~~[البقرة: 187] . # ويكنى عنهن بالإزار، ومنه قول الشاعر: # ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخى ثقة: ms048 إزارى # أى أهلى، ومنه قول البراء بن معرور للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة ~~العقبة: "لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا" أى نساءنا. # قلت: الآية تعم هذا كله، وتدل عليه بطريق التنبيه واللزوم، إن لم تتناول ~~ذلك لفظا فإن المأمور به إن كان طهارة القلب، فطهارة الثوب وطيب مكسبه ~~تكميل لذلك، فإن خبث الملبس يكسب القلب هيئة خبيثة، كما أن خبث المطعم ~~يكسبه ذلك، ولذلك حرم لبس جلود النمور والسباع بنهى النبى صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم عن ذلك فى عدة أحاديث صحاح لا معارض لها، لما تكسب القلب من ~~الهيئة المشابهة لتلك الحيوانات، فإن الملابسة # PageV01P054 # الظاهرة تسرى إلى الباطن، ولذلك حرم لبس الحرير والذهب على الذكور لما ~~يكتسب القلب من الهيئة التى تكون لمن ذلك لبسه من النساء وأهل الفخر ~~والخيلاء. # والمقصود: أن طهارة الثوب وكونه من مكسب طيب هو من تمام طهارة القلب ~~وكمالها، فإن كان المأمور به ذلك فهو وسيلة مقصودة لغيرها، فالمقصود لنفسه ~~أولى أن يكون مأمورا به وإن كان المأمور به طهارة القلب وتزكية النفس، فلا ~~يتم إلا بذلك، فتبين دلالة القرآن على هذا وهذا. # وقوله: {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} [المائدة: 41] عقيب ~~قوله: {سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد ~~مواضعه} [المائدة: 41] . # مما يدل على أن العبد إذا اعتاد سماع الباطل وقبوله أكسبه ذلك تحريفا ~~للحق عن مواضعه، فإنه إذا قبل الباطل أحبه ورضيه، فإذا جاء الحق بخلافه رده ~~وكذبه إن قدر على ذلك، وإلا حرفه، كما تصنع الجهمية بآيات الصفات ~~وأحاديثها، يردون هذه بالتأويل الذى هو تكذيب بحقائقها، وهذه بكونها أخبار ~~آحاد لا يجوز الاعتماد عليها فى باب معرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته. ~~فهؤلاء وإخوانهم من الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، فإنها لو طهرت لما ~~أعرضت عن الحق، وتعوضت بالباطل عن كلام الله تعالى ورسوله، كما أن ~~المنحرفين من أهل الإرادة لما لم تطهر قلوبهم تعوضوا بالسماع الشيطانى عن ~~السماع القرآنى الإيمانى. قال ms049 عثمان بن عفان رضى الله عنه: "لو طهرت قلوبنا ~~لما شبعت من كلام الله". # فالقلب الطاهر، لكمال حياته ونوره وتخلصه من الأدران والخبائث، لا يشبع ~~من القرآن، ولا يتغذى إلا بحقائقه، ولا يتداوى إلا بأدويته، بخلاف القلب ~~الذى لم يطهره الله تعالى، فإنه يتغذى من الأغذية التى تناسبه، بحسب ما فيه ~~من النجاسة. فإن القلب النجس كالبدن العليل المريض، لا تلائمه الأغذية التى ~~تلائم الصحيح. # ودلت الآية على أن طهارة القلب موقوفة على إرادة الله تعالى، وأنه سبحانه ~~لما لم يرد أن يطهر قلوب القائلين بالباطل، المحرفين للحق، لم يحصل لها ~~الطهارة. # PageV01P055 # ولا يصح أن تفسر الإرادة هاهنا بالإرادة الدينية، وهى الأمر والمحبة، ~~فإنه سبحانه قد أراد ذلك لهم أمرا ومحبة، ولم يرده منهم كونا فأراد الطهارة ~~لهم وأمرهم بها، ولم يرد وقوعها منهم، لما له فى ذلك من الحكمة التى فواتها ~~أكره إليه من فوات الطهارة منهم. # وقد أشبعنا الكلام فى ذلك فى كتابنا الكبير فى القدر. # ودلت الآية على أن من لم يطهر الله قلبه فلا بد أن يناله الخزى فى الدنيا ~~والعذاب فى الآخرة، بحسب نجاسة قلبه وخبثه. ولهذا حرم الله سبحانه الجنة ~~على من فى قلبه نجاسة وخبث، ولا يدخلها إلا بعد طيبه وطهره. فإنها دار ~~الطيبين. ولهذا يقال لهم: # {طبتم فادخلوها خالدين} [الزمر: 73] . # أى ادخلوها بسبب طيبكم. والبشارة عند الموت لهؤلاء دون غيرهم، كما قال ~~تعالى: # {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم ~~تعملون} [النحل: 32] . # فالجنة لا يدخلها خبيث، ولا من فيه شىء من الخبث. فمن تطهر فى الدنيا ~~ولقى الله طاهرا من نجاساته دخلها بغير معوق، ومن لم يتطهر فى الدنيا فإن ~~كانت نجاسته عينية، كالكافر، لم يدخلها بحال. وإن كانت نجاسته كسبية عارضة ~~دخلها بعد ما يتطهر فى النار من تلك النجاسة، ثم يخرج منها، حتى إن أهل ~~الإيمان إذا جازوا الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيهذبون ~~وينقون من بقايا بقيت عليهم، قصرت بهم عن الجنة، ولم ms050 توجب لهم دخول النار، ~~حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم فى دخول الجنة. # والله سبحانه بحكمته جعل الدخول عليه موقوفا على الطهارة، فلا يدخل ~~المصلى عليه حتى يتطهر. وكذلك جعل الدخول إلى جنته موقوفا على الطيب ~~والطهارة، فلا يدخلها إلا طيب طاهر. فهما طهارتان: طهارة البدن، وطهارة ~~القلب. ولهذا شرع للمتوضئ أن يقول عقيب وضوئه: # "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم اجعلنى من ~~التوابين واجعلنى من المتطهرين". # فطهارة القلب بالتوبة، وطهارة البدن بالماء. فلما اجتمع له الطهران صلح ~~للدخول على الله تعالى، والوقوف بين يديه ومناجاته. # PageV01P056 # وسألت شيخ الإسلام عن معنى دعاء النبى صلى الله عليه وسلم: "اللهم طهرنى ~~من خطاياى بالماء والثلج والبرد". # كيف يطهر الخطايا بذلك؟ وما فائدة التخصيص بذلك؟ وقوله فى لفظ آخر ~~"والماء البارد" والحار أبلغ فى الإنقاء؟. # فقال: الخطايا توجب للقلب حرارة ونجاسة وضعفا، فيرتخى القلب وتضطرم فيه ~~نار الشهوة وتنجسه، فإن الخطايا والذنوب له بمنزلة الحطب الذى يمد النار ~~ويوقدها ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدت نار القلب وضعفه، والماء يغسل الخبث ~~ويطفئ النار، فإن كان باردا أورث الجسم صلابة وقوة، فإن كان معه ثلج وبرد ~~كان أقوى فى التبريد وصلابة الجسم وشدته، فكان أذهب لأثر الخطايا. هذا معنى ~~كلامه، وهو محتاج إلى مزيد بيان وشرح. # فاعلم أن هاهنا أربعة أمور: أمران حسيان، وأمران معنويان. فالنجاسة التى ~~تزول بالماء هى ومزيلها حسيان، وأثر الخطايا التى تزول بالتوبة والاستغفار ~~هى ومزيلها معنويان، وصلاح القلب وحياته ونعيمه لا يتم إلا بهذا وهذا. فذكر ~~النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من كل شطر قسما نبه به على القسم ~~الآخر. فتضمن كلامه الأقسام الأربعة فى غاية الاختصار، وحسن البيان. كما فى ~~حديث الدعاء بعد الوضوء: # "اللهم اجعلنى من التوابين واجعلنى من المتطهرين". # فإنه يتضمن ذكر الأقسام الأربعة. ومن كمال بيانه صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم، وتحقيقه لما يخبر به، ويأمر به: تمثيله الأمر المطلوب المعنوى ~~بالأمر المحسوس. # وهذا كثير فى كلامه، ms051 كقوله فى حديث على بن أبى طالب: # " سل الله الهدى والسداد، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد ~~السهم". # هذا من أبلغ التعليم والنصح، حيث أمره أن يذكر إذا سأل الله الهدى إلى ~~طريق رضاه وجنته: كونه مسافرا، وقد ضل عن الطريق، ولا يدرى أين يتوجه، فطلع ~~له رجل خبير بالطريق عالم بها، فسأله أن يدله على # PageV01P057 # الطريق، فهكذا شأن طريق الآخرة تمثيلا لها بالطريق المحسوس للمسافر. ~~وحاجة المسافر إلى الله سبحانه: إلى أن يهديه تلك الطريق، أعظم من حاجة ~~المسافر إلى بلد من يدله على الطريق الموصل إليها. وكذلك السداد، وهو إصابة ~~القصد قولا وعملا، فمثله مثل رامى السهم، إذا وقع سهمه فى نفس الشىء الذى ~~رماه، فقد سدد سهمه وأصاب ولم يقع باطلا، فهكذا المصيب للحق فى قوله وعمله ~~بمنزلة المصيب فى رميه. وكثيرا ما يقرن فى القرآن هذا وهذا. فمنه قوله ~~تعالى: # {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} [البقرة: 197] . # أمر الحاج بأن يتزودوا لسفرهم، ولا يسافروا بغير زاد، ثم نبههم على زاد ~~سفر الآخرة، وهو التقوى. فكما أنه لا يصل المسافر إلى مقصده إلا بزاد يبلغه ~~إياه، فكذلك المسافر إلى الله تعالى والدار الآخرة لا يصل إلا بزاد من ~~التقوى، فجمع بين الزادين، ومنه قوله تعالى: # {يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك ~~خير} [الأعراف: 26] . # فجمع بين الزينتين: زينة البدن باللباس، وزينة القلب بالتقوى، زينة ~~الظاهر والباطن، وكمال الظاهر والباطن، ومنه قوله تعالى: # {فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى} [طه: 123] . # فنفى عنه الضلال، الذى هو عذاب القلب والروح، والشقاء الذى هو عذاب البدن ~~والروح أيضا، فهو منعم القلب والبدن بالهدى والفلاح، ومنه قول امرأة العزيز ~~عن يوسف عليه السلام لما أرته النسوة اللائمات لها فى حبه: # {فذلكن الذى لمتننى فيه} [يوسف: 32] فأرتهن جماله الظاهر. ثم قالت: {ولقد ~~راودته عن نفسه فاستعصم} [يوسف: 32] . # فأخبرت عن جماله الباطن بعفته، فأخبرتهن بجمال باطنه، وأرتهن جمال ظاهره. ~~فنبه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقوله: "اللهم ms052 طهرنى من خطاياى بالماء ~~والثلج والبرد". # على شدة حاجة البدن والقلب إلى ما يطهرهما ويبردهما ويقويهما، وتضمن ~~دعاؤه سؤال هذا وهذا، والله تعالى أعلم. # وقريب من هذا: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "كان إذا خرج من ~~الخلاء قال: غفرانك". # وفى هذا من السر والله أعلم، أن النجو يثقل البدن ويؤذيه باحتباسه، ~~والذنوب تثقل القلب وتؤذيه باحتباسها فيه، فهما مؤذيان مضران بالبدن ~~والقلب، فحمد الله عند خروجه # PageV01P058 # على خلاصه من هذا المؤذى لبدنه، وخفة البدن وراحته، وسأل أن يخلصه من ~~المؤذى الآخر ويريح قلبه منه ويخففه. # وأسرار كلماته وأدعيته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فوق ما يخطر ~~بالبال. # فصل فيما فى الشرك والزنا واللواطة من الخبث # وقد وسم الله سبحانه الشرك والزنا واللواطة بالنجاسة والخبث فى كتابه دون ~~سائر الذنوب وإن كانت مشتملة على ذلك، لكن الذى وقع فى القرآن قوله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس} [التوبة: 28] وقوله تعالى فى حق ~~اللوطية: {ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التى كانت تعمل ~~الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين} [الأنبياء: 74] ، وقالت اللوطية: ~~{أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} [النمل: 56] . # فأقروا مع شركهم وكفرهم أنهم هم الأخابث الأنجاس، وأن لوطا وآله مطهرون ~~من ذلك باجتنابهم له، وقال تعالى فى حق الزناة: # {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات} [النور: 26] . # فأما نجاسة الشرك فهى نوعان: نجاسة مغلظة، ونجاسة مخففة، فالمغلظة: الشرك ~~الأكبر الذى لا يغفره الله عز وجل، فإن الله لا يغفر أن يشرك به. والمخففة: ~~الشرك الأصغر، كيسير الرياء، والتصنع للمخلوق، والحلف به وخوفه ورجائه. ~~ونجاسة الشرك عينية. ولهذا جعل سبحانه الشرك نجسا، بفتح الجيم، ولم يقل: ~~إنما المشركون نجس، بالكسر، فإن النجس عين النجاسة، والنجس، بالكسر، هو ~~المتنجس. فالثوب إذا أصابه بول أو خمر نجس. والبول والخمر نجس. فأنجس ~~النجاسة الشرك، كما أنه أظلم الظلم. فإن النجس فى اللغة والشرع هو المستقذر ~~الذى يطلب مباعدته والبعد منه، بحيث لا يلمس ولا يشم ولا يرى، # PageV01P059 # فضلا أن يخالط ms053 ويلابس لقذارته، ونفرة الطباع السليمة عنه. وكلما كان الحى ~~أكمل حياة وأصح حياء كان إبعاده لذلك أعظم ونفرته منه أقوى. # فالأعيان النجسة إما أن تؤذى البدن أو القلب، أو تؤذيهما معا. والنجس قد ~~يؤذى برائحته، وقد يؤذى بملابسته، وإن لم تكن له رائحة كريهة. # والمقصود: أن النجاسة تارة تكون محسوسة ظاهرة، وتارة تكون معنوية باطنة ~~فيغلب على الروح والقلب الخبث والنجاسة، حتى إن صاحب القلب الحى ليشم من ~~تلك الروح والقلب رائحة خبيثة يتأذى بها، كما يتأذى من يشم رائحة النتن، ~~ويظهر ذلك كثيرا فى عرقه، حتى ليوجد لرائحة عرقه نتنا. فإن نتن الروح ~~والقلب يتصل بباطن البدن أكثر من ظاهره. والعرق يفيض من الباطن، ولهذا كان ~~الرجل الصالح طيب العرق. وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~أطيب الناس عرقا. قالت أم سليم، وقد سألها رسول الله عليه الصلاة والسلام ~~عنه وهى تلتقطه "هو من أطيب الطيب" فالنفس النجسة الخبيثة يقوى خبثها ~~ونجاستها حتى يبدو على الجسد. والنفس الطيبة بضدها، فإذا تجردت وخرجت من ~~البدن وجد لهذه كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، ولتلك كأنتن ريح جيفة ~~وجدت على وجه الأرض. # والمقصود: أن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات، ~~كان أبغض الأشياء إلى الله تعالى وأكرهها له، وأشدها مقتا لديه. ورتب عليه ~~من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، ~~وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه، وحرم ذبائحهم ومناكحتهم، وقطع ~~الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداء له سبحانه ولملائكته ورسله ~~وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يتخذوهم ~~عبيدا، وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية، وتنقيص لعظمة الإلهية، وسوء ظن # PageV01P060 # برب العالمين، كما قال تعالى: # {ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء ~~عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا} [الفتح: 6] ~~. # فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك، فإنهم ظنوا ~~به ظن السوء، حتى أشركوا ms054 به، ولو أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده، ولهذا ~~أخبر سبحانه عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره فى ثلاثة مواضع من كتابه ~~وكيف يقدره حق قدره من جعل له عدلا وندا، يحبه، ويخافه، ويرجوه، ويذل له، ~~ويخضع له، ويهرب من سخطه، ويؤثر مرضاته؟ قال تعالى: # {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} [البقرة: 165] ~~. # وقال تعالى: {الحمد لله الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون} [الأنعام: 1] . # أى يجعلون له عدلا فى العبادة والمحبة والتعظيم. وهذه هى التسوية التى ~~أثبتها المشركون بين الله وبين آلهتهم، وعرفوا، وهم فى النار، أنها كانت ~~ضلالا وباطلا، فيقولون لآلهتهم وهم فى النار معهم: # {تالله إن كنا لفى ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} [الشعراء: 97-98] . # ومعلوم أنهم ما سووهم به فى الذات والصفات والأفعال، ولا قالوا: إن ~~آلهتهم خلقت السماوات والأرض، وأنها تحيى وتميت، وإنما سووها به فى محبتهم ~~لها، وتعظيمهم لها، وعبادتهم إياها، كما ترى عليه أهل الإشراك ممن ينتسب ~~إلى الإسلام. ومن العجب أنهم ينسبون أهل التوحيد إلى التنقص بالمشايخ ~~والأنبياء والصالحين، وما ذنبهم إلا أن قالوا: إنهم عبيد لا يملكون لأنفسهم ~~ولا لغيرهم ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وأنهم لا يشفعون ~~لعابديهم أبدا، بل قد حرم الله شفاعتهم لهم، ولا يشفعون لأهل التوحيد إلا ~~بعد إذن الله لهم فى الشفاعة، فليس لهم من الأمر شىء، بل الأمر كله لله، ~~والشفاعة كلها له سبحانه، والولاية له، فليس لخلقه من دونه ولى ولا شفيع. # PageV01P061 # فالشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن بالله تعالى، ولهذا قال إبراهيم ~~إمام الحنفاء لخصمائه من المشركين: # {أإفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين} [الصافات: 86-87] . # وإن كان المعنى: ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به، وقد عبدتم معه غيره، ~~وجعلتم له ندا؟ فأنت تجد تحت هذا التهديد: ما ظننتم بربكم من السوء حتى ~~عبدتم معه غيره؟ فإن المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج ms055 إلى من يدبر ~~أمر العالم معه: من وزير، أو ظهير، أو عون. وهذا أعظم التنقيص لمن هو غنى ~~عن كل ما سواه بذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته، وإما أن يظن أن الله ~~سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك، وإما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يعلمه ~~الواسطة، أو لا يرحم حتى يجعله الواسطة يرحم، أو لا يكفى عبده وحده، أو لا ~~يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة، كما يشفع المخلوق عند المخلوق، ~~فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به، وتكثره به من القلة، ~~وتعززه به من الذلة، أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك ~~الحاجات إليه، كما هو حال ملوك الدنيا، وهذا أصل شرك الخلق. أو يظن أنه لا ~~يسمع دعاءهم لبعده عنهم، حتى يرفع الوسائط إليه ذلك، أو يظن أن للمخلوق ~~عليه حقا، فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه، ويتوسل إليه بذلك المخلوق، ~~كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم ولا يمكنهم مخالفته، ~~وكل هذا تنقص للربوبية، وهضم لحقها، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله ~~تعالى وخوفه ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، من قلب المشرك، بسبب ~~قسمته ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به، فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم ~~والمحبة والخوف والرجاء، بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه- لكفى ~~فى شناعته. # فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه، والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم ~~أبى، ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته أن لا يغفره، وأن يخلد صاحبه ~~فى العذاب الأليم، ويجعله أشقى البرية. فلا تجد مشركا قط إلا وهو متنقص لله ~~سبحانه، وإن زعم أنه يعظمه بذلك. كما أنك لا تجد مبتدعا إلا وهو متنقص ~~للرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وإن زعم أنه معظم له بتلك البدعة. ~~فإنه يزعم أنها خير من السنة وأولى بالصواب، أو يزعم أنها هى السنة، وإن ~~كان مستبصرا فى بدعته فهو مشاق لله ورسوله. ms056 # PageV01P062 # فالمتنقصون المنقوصون عند الله تعالى ورسوله وأوليائه: هم أهل الشرك ~~والبدعة ولا سيما من بنى دينه على أن كلام الله ورسوله أدلة لفظية لا تفيد ~~اليقين، ولا تغنى من اليقين والعلم شيئا. فيالله للمسلمين، أى شىء فات من ~~هذا التنقص؟. # وكذلك من نفى صفات الكمال عن الرب تعالى، خشية ما يتوهمه من التشبيه ~~والتجسيم فقد جاء من التنقص بضد ما وصف الله سبحانه نفسه من الكمال. # والمقصود: أن هاتين الطائفتين هم أهل التنقص فى الحقيقة، بل هم أعظم ~~الناس تنقصا، لبس عليهم الشيطان حتى ظنوا أن تنقصهم هو الكمال. ولهذا كانت ~~البدعة قرينة الشرك فى كتاب الله تعالى، قال تعالى: # {قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى بغير الحق ~~وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ~~[الأعراف: 33] . # فالإثم والبغى قرينان، والشرك والبدعة قرينان. # فصل # وأما نجاسة الذنوب والمعاصى، فإنها بوجه آخر، فإنها لا تستلزم تنقيص ~~الربوبية، ولا سوء الظن بالله عز وجل. ولهذا لم يرتب الله سبحانه عليها من ~~العقوبات والأحكام ما رتبه على الشرك، وهكذا استقرت الشريعة على أنه يعفى ~~عن النجاسة المخففة، كالنجاسة فى محل الاستجمار، وأسفل الخف، والحذاء، وبول ~~الصبى الرضيع وغير ذلك، مالا يعفى عن المغلظة. # وكذلك يعفى عن الصغائر ما لا يعفى عن الكبائر، ويعفى لأهل التوحيد المحض ~~الذى لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك # فلو لقى الموحد الذى لم يشرك بالله شيئا # PageV01P063 # البتة ربه بقراب الأرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة، ولا يحصل هذا لمن نقص ~~توحيده وشابه بالشرك. فإن التوحيد الخالص الذى لا يشوبه شرك لا يبقى معه ~~ذنب. فإنه يتضمن من محبة الله تعالى وإجلاله، وتعظيمه، وخوفه، ورجائه وحده ~~ما يوجب غسل الذنوب، ولو كانت قراب الأرض، فالنجاسة عارضة، والدافع لها قوى ~~فلا تثبت معه، ولكن نجاسة الزنا واللواط أغلظ من غيرهما من النجاسات، من ~~جهة أنها تفسد القلب، وتضعف توحيده جدا، ولهذا كان أحظى الناس بهذه ms057 النجاسة ~~أكثرهم شركاء، فكلما كان الشرك فى العبد أغلب كانت هذه النجاسة والخبائث ~~فيه أكثر، وكلما كان أعظم إخلاصا كان منها أبعد، كما قال تعالى عن يوسف ~~الصديق عليه السلام. # {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} [يوسف: 24] . # فإن عشق الصور المحرمة نوع تعبد لها، بل هو من أعلى أنواع التعبد، ولا ~~سيما إذا استولى على القلب وتمكن منه صار تتيما، والتتيم التعبد، فيصير ~~العاشق عابدا لمعشوقه، وكثيرا ما يغلب حبه وذكره والشوق إليه، والسعى فى ~~مرضاته، وإيثار محابه على حب الله وذكره، والسعى فى مرضاته، بل كثيرا ما ~~يذهب ذلك من قلب العاشق بالكلية، ويصير متعلقا بمعشوقه من الصور، كما هو ~~مشاهد، فيصير المعشوق هو إلهه من دون الله عز وجل يقدم رضاه وحبه على رضى ~~الله وحبه، ويتقرب إليه ما لا يتقرب إلى الله، وينفق فى مرضاته ما لا ينفقه ~~فى مرضاة الله، ويتجنب من سخطه ما لا يتجنب من سخط الله تعالى، فيصير آثر ~~عنده من ربه: حبا، وخضوعا، وذلا، وسمعا، وطاعة. # ولهذا كان العشق والشرك متلازمين، وإنما حكى الله سبحانه العشق عن ~~المشركين من قوم لوط، وعن امرأة العزيز، وكانت إذ ذاك مشركة، فكلما قوى شرك ~~العبد بلى بعشق الصور، وكلما قوى توحيده صرف ذلك عنه. والزنا واللواطة كمال ~~لذتهما إنما يكون مع العشق ولا يخلو صاحبهما منه، وإنما لتنقله من محل إلى ~~محل لا يبقى عشقه مقصورا على محل واحد بل ينقسم على سهام كثيرة، لكل محبوب ~~نصيب من تألهه وتعبده. # PageV01P064 # فليس فى الذنوب أفسد للقلب والدين من هاتين الفاحشتين، ولهما خاصية فى ~~تبعيد القلب من الله، فإنهما من أعظم الخبائث، فإذا انصبغ القلب بهما بعد ~~ممن هو طيب، لا يصعد إليه إلا طيب، وكلما ازداد خبثا ازداد من الله بعدا، ~~ولهذا قال المسيح عليه السلام فيما رواه الإمام أحمد فى كتاب الزهد: "لا ~~يكون البطالون من الحكماء، ولا يلج الزناة ملكوت السماء". # ولما كانت هذا حال الزنا كان قريبا للشرك فى كتاب ms058 الله تعالى. قال الله ~~تعالى: # {الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ~~وحرم ذلك على المؤمنين} [النور: 3] . # والصواب: القول بأن هذه الآية محكمة يعمل بها لم ينسخها شىء، وهى مشتملة ~~على خبر وتحريم، ولم يأت من ادعى نسخها بحجة البتة، والذى أشكل منها على ~~كثير من الناس واضح بحمد الله تعالى، فإنهم أشكل عليهم قوله: {الزانى لا ~~ينكح إلا زانية أو مشركة} [النور: 3] هل هو خبر أو نهى، أو إباحة؟ فإن كان ~~خبرا فقد رأينا كثيرا من الزناة ينكح عفيفة، وإن كان نهيا فيكون قد نهى ~~الزانى أن يتزوج إلا بزانية أو مشركة، فيكون نهيا له عن نكاح المؤمنات ~~العفائف، وإباحة له فى نكاح المشركات والزوانى، والله سبحانه لم يرد ذلك ~~قطعا، فلما أشكل عليهم ذلك طلبوا للآية وجها يصح حملها عليه. # فقال بعضهم: المراد من النكاح الوطء والزنا، فكأنه قال: الزانى لا يزنى ~~إلا بزانية أو مشركة. # وهذا فاسد، فإنه لا فائدة فيه، ويصان كلام الله تعالى عن حمله على مثل ~~ذلك، فإنه من المعلوم أن الزانى لا يزنى إلا بزانية، فأى فائدة فى الإخبار ~~بذلك؟ ولما رأى الجمهور فساد هذا التأويل أعرضوا عنه. # ثم قالت طائفة: هذا عام اللفظ خاص المعنى، والمراد به رجل واحد وامرأة ~~واحدة وهى عناق البغى وصاحبها فإنه أسلم، واستأذن رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وسلم فى نكاحها فنزلت هذه الآية. # PageV01P065 # وهذا أيضا فاسد، فإن هذه الصورة المعينة وإن كانت سبب النزول فالقرآن لا ~~يقتصر به على محال أسبابه ولو كان كذلك لبطل الاستدلال به على غيرها. # وقالت طائفة: بل الآية منسوخة بقوله: {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] ~~. # وهذا أفسد من الكل، فإنه لا تعارض بين هاتين الآيتين، ولا تناقض إحداهما ~~الأخرى، بل أمر سبحانه بإنكاح الأيامى، وحرم نكاح الزانية، كما حرم نكاح ~~المعتدة والمحرمة، وذوات المحارم، فأين الناسخ والمنسوخ فى هذا؟. # فإن قيل: فما وجه الآية؟. # قيل: وجهها، والله أعلم، أن المتزوج أمر أن يتزوج المحصنة ms059 العفيفة، وإنما ~~أبيح له نكاح المرأة بهذا الشرط، كما ذكر ذلك سبحانه فى سورتى النساء ~~والمائدة والحكم المعلق على الشرط ينتفى عند انتفائه، والإباحة قد علقت على ~~شرط الإحصان، فإذا انتفى الإحصان انتفت الإباحة المشروطة به، فالمتزوج إما ~~أن يلتزم حكم الله وشرعه الذى شرعه على لسان رسوله، أو لا يلتزمه، فإن لم ~~يلتزمه فهو مشرك لا يرضى بنكاحه إلا من هو مشرك مثله، وإن التزمه وخالفه ~~ونكح ما حرم عليه، لم يصح النكاح، فيكون زانيا، فظهر معنى قوله: # {لا ينكح إلا زانية أو مشركة} [النور: 3] # وتبين غاية البيان وكذلك حكم المرأة. # وكما أن هذا الحكم هو موجب القرآن وصريحه فهو موجب الفطرة. ومقتضى العقل، ~~فإن الله سبحانه حرم على عبده أن يكون قرنانا ديوثا زوج بغى، فإن الله ~~تعالى فطر الناس على استقباح ذلك واستهجانه، ولهذا إذا بالغوا فى سب الرجل ~~قالوا زوج قحبة، فحرم الله على المسلم أن يكون كذلك. # فظهرت حكمة التحريم وبان معنى الآية، والله الموفق. # ومما يوضح التحريم، وأنه هو الذى يليق بهذه الشريعة الكاملة: أن هذه ~~الجناية من المرأة تعود بفساد فراش الزوج وفساد النسب الذى جعله الله تعالى ~~بين الناس لتمام مصالحهم، # PageV01P066 # وعده من جملة نعمه عليهم، فالزنا يفضى إلى اختلاط المياه، واشتباه ~~الأنساب، فمن محاسن الشريعة: تحريم نكاح الزانية، حتى تتوب وتستبرأ. # وأيضا فإن الزانية خبيثة، كما تقدم بيانه، والله سبحانه جعل النكاح سببا ~~للمودة والرحمة والمودة وخالص الحب، فكيف تكون الخبيثة مودودة للطيب، زوجا ~~له، والزوج سمى زوجا من الازدواج وهو الاشتباه فالزوجان الاثنان ~~المتشابهان، والمنافرة ثابتة بين الطيب والخبيث شرعا وقدرا، فلا يحصل معها ~~الازدواج والتراحم والتواد، فلقد أحسن كل الإحسان من ذهب إلى هذا المذهب، ~~ومنع الرجل أن يكون زوج قحبة. # فأين هذا من قول من جوز أن يتزوجها ويطأها الليلة، وقد وطئها الزانى ~~البارحة، وقال: ماء الزانى لا حرمة له، فهب أن الأمر كذلك، فماء الزوج له ~~حرمة، فكيف يجوز اجتماعه مع ماء الزانى فى رحم واحد؟ # والمقصود: ms060 أن الله سبحانه سمى الزوانى والزناة خبيثين وخبيثات، وجنس هذا ~~الفعل قد شرعت فيه الطهارة، وإن كان حلالا، وسمى فاعله جنبا، لبعده عن ~~قراءة القرآن، وعن الصلاة، وعن المساجد، فمنع من ذلك كله حتى يتطهر بالماء. ~~فكذلك إذا كان حراما يبعد القلب عن الله تعالى، وعن الدار الآخرة، بل يحول ~~بينه وبين الإيمان، حتى يحدث طهرا كاملا بالتوبة، وطهرا لبدنه بالماء. وقول ~~اللوطية: # {أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} [الأعراف: 82] . # من جنس قوله سبحانه فى أصحاب الأخدود: # {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد} [البروج: 8] وقوله ~~تعالى: {قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا ~~وما أنزل من قبل} [المائدة: 59] . # وهكذا المشرك إنما ينقم على الموحد تجريده للتوحيد، وأنه لا يشوبه ~~بالإشراك. وهكذا المبتدع: إنما ينقم على السنى تجريده متابعة الرسول، وأنه ~~لم يشبها بآراء الرجال، ولا بشىء مما خالفها. فصبر الموحد المتبع للرسول ~~على ما ينقمه عليه أهل الشرك والبدعة خير له وأنفع، وأسهل عليه من صبره على ~~ما ينقمه الله ورسوله عليه من موافقة أهل الشرك والبدعة. # إذا لم يكن بد من الصبر فاصطبر ... على الحق ذاك الصبر تحمد عقباه # PageV01P067 ### | الباب العاشر: فى علامات مرض القلب وصحته # كل عضو من أعضاء البدن خلق لفعل خاص، به كماله فى حصول ذلك الفعل منه، ~~ومرضه: أن يتعذر عليه الفعل الذى خلق له، حتى لا يصدر منه، أو يصدر مع نوع ~~من الاضطراب، فمرض اليد: أن يتعذر عليها البطش، ومرض العين: أن يتعذر عليها ~~النظر والرؤية، ومرض اللسان: أن يتعذر عليه النطق، ومرض البدن: أن يتعذر ~~عليه حركته الطبيعية أو يضعف عنها، ومرض القلب: أن يتعذر عليه ما خلق له من ~~المعرفة بالله ومحبته والشوق إلى لقائه، والإنابة إليه، وإيثار ذلك على كل ~~شهوته، فلو عرف العبد كل شىء ولم يعرف ربه، فكأنه لم يعرف شيئا، ولو نال كل ~~حظ من حظوظ الدنيا ولذاتها وشهواتها ولم يظفر بمحبة الله، والشوق إليه، ~~والأنس به، ms061 فكأنه لم يظفر بلذة ولا نعيم ولا قرة عين، بل إذا كان القلب ~~خاليا عن ذلك عادت تلك الحظوظ واللذات عذابا له ولا بد، فيصير معذبا بنفس ~~ما كان منعما به من جهتين من جهة حسرة فوته، وأنه حيل بينه وبينه، مع شدة ~~تعلق روحه به، ومن جهة فوت ما هو خير له وأنفع وأدوم، حيث لم يحصل له، ~~فالمحبوب الحاصل فات، والمحبوب الأعظم لم يظفر به، وكل من عرف الله أحبه، ~~وأخلص العبادة له ولا بد، ولم يؤثر عليه شيئا من المحبوبات، فمن آثر عليه ~~شيئا من المحبوبات فقلبه مريض، كما أن المعدة إذا اعتادت أكل الخبيث وآثرته ~~على الطيب سقطت عنها شهوة الطيب، وتعوضت بمحبة غيره. # وقد يمرض القلب ويشتد مرضه، ولا يعرف به صاحبه، لاشتغاله وانصرافه عن ~~معرفة صحته وأسبابها، بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته، وعلامة ذلك أنه لا ~~تؤلمه جراحات القبائح، ولا يوجعه جهله بالحق وعقائده الباطلة، فإن القلب ~~إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه، وتألم بجهله بالحق بحسب حياته. # وما لجرح بميت إيلام # PageV01P068 # وقد يشعر بمرضه، ولكن يشتد عليه تحمل مرارة الدواء والصبر عليها، فهو ~~يؤثر بقاء ألمه على مشقة الدواء، فإن دواءه فى مخالفة الهوى، وذلك أصعب شىء ~~على النفس وليس لها أنفع منه. # وتارة يوطن نفسه على الصبر، ثم ينفسخ عزمه، ولا يستمر معه لضعف علمه ~~وبصيرته وصبره: كمن دخل فى طريق مخوف مفض إلى غاية الأمن، وهو يعلم أنه إن ~~صبر عليه انقضى الخوف وأعقبه الأمن، فهو محتاج إلى قوة صبر، وقوة يقين بما ~~يصير إليه، ومتى ضعف صبره ويقينه رجع من الطريق، ولم يتحمل مشقتها، ولا ~~سيما إن عدم الرفيق، واستوحش من الوحدة، وجعل يقول: أين ذهب الناس فلى بهم ~~أسوة. وهذه حال أكثر الخلق، وهى التى أهلكتهم، فالصبر الصادق لا يستوحش من ~~قلة الرفيق ولا من فقده إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول، الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، ~~فتفرد ms062 العبد فى طريق طلبه دليل على صدق طلبه. # ولقد سئل إسحاق بن راهويه عن مسألة فأجاب عنه. فقيل له: إن أخاك أحمد ابن ~~حنبل يقول فيها بمثل ذلك. فقال: ما ظننت أن أحدا يوافقنى عليها ولم يستوحش ~~بعد ظهور الصواب له من عدم الموافقة، فإن الحق إذا لاح وتبين لم يحتج إلى ~~شاهد يشهد به والقلب يبصر الحق كما تبصر العين الشمس. فإذا رأى الرائى ~~الشمس لم يحتج فى علمه بها واعتقاده أنها طالعة إلى من يشهد بذلك ويوافقه ~~عليه. # وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبى شامة فى ~~كتاب الحوادث والبدع: "حيث جاء به الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم ~~الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا والمخالف له كثيرا" لأن الحق هو ~~الذى كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ~~وأصحابه، ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم. قال عمرو بن ميمون الأودى: ~~"صحبت معاذا باليمن. فما فارقته حتى واريته فى التراب بالشام، ثم صحبت بعده ~~أفقه الناس عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، ~~فإن يد الله على الجماعة، ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول: سيلى عليكم ~~ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها، فهى الفريضة، ~~وصلوا معهم فإنها لكم نافلة. قال قلت: يا أصحاب محمد ما أدرى ما تحدثونا؟ ~~قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرنى بالجماعة وتحضنى عليها ثم تقول: صل الصلاة وحدك، ~~وهى # PageV01P069 # الفريضة، وصل مع الجماعة وهى نافلة؟ قال: يا عمرو بن ميمون، قد كنت أظنك ~~من أفقه أهل هذه القرية، تدرى ما الجماعة؟ قلت: لا: قال: إن جمهور الجماعة: ~~الذين فارقوا الجماعة. الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك" وفى طريق أخرى: ~~"فضرب على فخذى وقال: ويحك، إن جمهور الناس فارقوا الجماعة. وإن الجماعة ما ~~وافق طاعة الله عز وجل"، قال نعيم بن حماد: "يعنى إذا فسدت الجماعة فعليك ~~بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت ms063 وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ" ~~ذكره البيهقى وغيره. # وقال أبو شامة عن مبارك عن الحسن البصرى قال: "السنة، والذى لا إله إلا ~~هو بين الغالى والجافى، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل ~~الناس فيما مضى وهم أقل الناس فيما بقى: الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف فى ~~إترافهم، ولا مع أهل البدع فى بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، ~~فكذلك إن شاء الله فكونوا". # وكان محمد بن أسلم الطوسى، الإمام المتفق على إمامته، مع رتبته أتبع ~~الناس للسنة فى زمانه، حتى قال: "ما بلغنى سنة عن رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وسلم إلا عملت بها، ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكبا، فما مكنت من ~~ذلك"، فسئل بعض أهل العلم فى زمانه عن السواد الأعظم الذين جاء فيهم ~~الحديث: "إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم". فقال: "محمد بن أسلم ~~الطوسى هو السواد الأعظم" وصدق والله، فإن العصر إذا كان فيه إمام عارف ~~بالسنة داع إليها فهو الحجة، وهو الإجماع، وهو السواد الأعظم، وهو سبيل ~~المؤمنين التى من فارقها واتبع سواها ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم، ~~وساءت مصيرا. # والمقصود: أن من علامات أمراض القلوب عدولها عن الأغذية النافعة الموافقة ~~لها إلى الأغذية الضارة، وعدولها عن دوائها النافع إلى دوائها الضار، فهنا ~~أربعة أمور: غذاء نافع، ودواء شاف، وغذاء ضار، ودواء مهلك. # فالقلب الصحيح يؤثر النافع الشافى على الضار المؤذى، والقلب المريض بضد ~~ذلك. # وأنفع الأغذية غذاء الإيمان، وأنفع الأدوية دواء القرآن، وكل منهما فيه ~~الغذاء والدواء. # ومن علامات صحته أيضا: أن يرتحل عن الدنيا حتى ينزل بالآخرة، ويحل فيها ~~حتى يبقى كأنه من أهلها وأبنائها، جاء إلى هذه الدار غريبا يأخذ منها ~~حاجته، ويعود إلى وطنه، # PageV01P070 # كما قال النبى عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر: "كن فى الدنيا كأنك ~~غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من أهل القبور". # فحى على جنات عدن ... فإنهامنازلك الأولى وفيها المخيم # ولكننا سبى العدو، فهل ... ترىنعود إلى أوطاننا ونسلم؟ ms064 # وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه "إن الدنيا قد ترحلت مدبرة، وإن ~~الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا ~~تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل". # وكلما صح القلب من مرضه ترحل إلى الآخرة وقرب منها حتى يصير من أهلها، ~~وكلما مرض القلب واعتل آثر الدنيا واستوطنها، حتى يصير من أهلها. # ومن علامات صحة القلب أنه لا يزال يضرب على صاحبه حتى ينيب إلى الله ~~ويخبت إليه، ويتعلق به تعلق المحب المضطر إلى محبوبه، الذى لا حياة له ولا ~~فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا برضاه وقربه والأنس به، فبه يطمئن، وإليه يسكن، ~~وإليه يأوى، وبه يفرح، وعليه يتوكل، وبه يثق، وإياه يرجو، وله يخاف. فذكره ~~قوته وغذاؤه ومحبته، والشوق إليه حياته ونعيمه ولذته وسروره، والالتفات إلى ~~غيره والتعلق بسواه داؤه، والرجوع إليه دواؤه، فإذا حصل له ربه سكن إليه ~~واطمأن به وزال ذلك الاضطراب والقلق، وانسدت تلك الفاقة، فإن فى القلب فاقة ~~لا يسدها شىء سوى الله تعالى أبدا، وفيه شعث لا يلمه غير الإقبال عليه، ~~وفيه مرض لا يشفيه غير الإخلاص له، وعبادته وحده، فهو دائما يضرب على صاحبه ~~حتى يسكن ويطمئن إلى إلهه ومعبوده، فحينئذ يباشر روح الحياة، ويذوق طعمها، ~~ويصير له حياة أخرى غير حياة الغافلين المعرضين عن هذا الأمر الذى له خلق ~~الخلق، ولأجله خلقت الجنة والنار، وله أرسلت الرسل ونزلت الكتب، ولو لم يكن ~~جزاء إلا نفس وجوده لكفى به جزاء وكفى بفوته حسرة وعقوبة. # PageV01P071 # قال بعض العارفين: "مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ~~ما فيها"، وقال آخر "إنه ليمر بى أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة فى مثل ~~هذا إنهم لفى عيش طيب". # وقال آخر: "والله ما طابت الدنيا إلا بمحبته وطاعته، ولا الجنة إلا ~~برؤيته ومشاهدته". # وقال أبو الحسين الوراق: "حياة القلب فى ذكر الحى الذى لا يموت، والعيش ~~الهنى الحياة مع الله تعالى لا ms065 غير". # ولهذا كان الفوت عند العارفين بالله أشد عليهم من الموت؛ لأن الفوت ~~انقطاع عن الحق، والموت انقطاع عن الخلق، فكم بين الانقطاعين؟،. # وقال آخر: "من قرت عينه بالله تعالى قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه ~~بالله تقطع قلبه على الدنيا حسرات". # وقال يحيى بن معاذ: "من سر بخدمة الله سرت الأشياء كلها بخدمته، ومن قرت ~~عينه بالله قرت عيون كل واحد بالنظر إليه". # ومن علامات صحة القلب: أن لا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته، ولا ~~يأنس بغيره، إلا بمن يدله عليه، ويذكره به، ويذاكره بهذا الأمر. # ومن علامات صحته: أنه إذا فاته ورده وجد لفواته ألما أعظم من تألم الحريص ~~بفوات ماله وفقده. # ومن علامات صحته: أنه يشتاق إلى الخدمة، كما يشتاق الجائع إلى الطعام ~~والشرب. # ومن علامات صحته: أن يكون همه واحدا، وأن يكون فى الله. # ومن علامات صحته: أنه إذا دخل فى الصلاة ذهب عنه همه وغمه بالدنيا، واشتد ~~عليه خروجه منها، ووجد فيها راحته ونعيمه، وقرة عينه وسرور قلبه. # ومن علامات صحته: أن يكون أشح بوقته أن يذهب ضائعا من أشد الناس شحا ~~بماله. # ومنها: أن يكون اهتمامه بتصحيح العمل أعظم منه بالعمل، فيحرص على الإخلاص ~~فيه والنصيحة والمتابعة والإحسان، ويشهد مع ذلك منة الله عليه فيه وتقصيره ~~فى حق الله. # PageV01P072 # فهذه ست مشاهد لا يشهدها إلا القلب الحى السليم. # وبالجملة فالقلب الصحيح: هو الذى همه كله فى الله، وحبه كله له، وقصده ~~له، وبدنه له، وأعماله له، ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى ~~إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابه، والخلوة به آثر عنده من ~~الخلطة إلا حيث تكون الخلطة أحب إليه وأرضى له، قرة عينه به، وطمأنينته ~~وسكونه إليه، فهو كلما وجد من نفسه التفاتا إلى غيره تلا عليها: # {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية} [الفجر: 27-28] . # فهو يردد عليها الخطاب بذلك ليسمعه من ربه يوم لقائه فينصبغ القلب بين ~~يدى إلهه ms066 ومعبوده الحق بصبغة العبودية، فتصير العبودية صفة له وذوقا لا ~~تكلفا، فيأتى بها توددا وتحببا وتقربا، كما يأتى المحب المتيم فى محبة ~~محبوبه بخدمته وقضاء أشغاله. فكلما عرض له أمر من ربه أو نهى أحس من قلبه ~~ناطقا ينطق: "لبيك وسعديك، إنى سامع مطيع ممتثل، ولك على المنة فى ذلك، ~~والحمد فيه عائد إليك". # وإذا أصابه قدر وجد من قلبه ناطقا يقول: "أنا عبدك ومسكينك وفقيرك، وأنا ~~عبدك الفقير العاجز الضعيف المسكين، وأنت ربى العزيز الرحيم، لا صبر لى إن ~~لم تصبرنى، ولا قوة لى إن لم تحملنى وتقونى، لا ملجأ لى منك إلا إليك ولا ~~مستعان لى إلا بك، ولا انصراف لى عن بابك، ولا مذهب لى عنك". # فينطرح بمجموعه بين يديه، ويعتمد بكليته عليه، فإن أصابه بما يكره قال: ~~رحمة أهديت إلى، ودواء نافع من طبيب مشفق، وإن صرف عنه ما يحب قال: شرا صرف ~~عنى: # وكم رمت أمرا خرت لى فى انصرافه # وما زلت بى منى أبر وأرحما # فكل ما مسه به من السراء والضراء اهتدى بها طريقا إليه، وانفتح له منه ~~باب يدخل منه عليه، كما قيل: # ما مسنى قدر بكره أو رضى ... إلا اهتديت به إليك طريقا # أمض القضاء على الرضى به ... منى بهإنى وجدتك فى البلاء رفيقا # فلله هاتيك القلوب وما انطوت عليه من الضمائر، وماذا أودعته من الكنوز # والذخائر، ولله طيب أسرارها ولا سيما يوم تبلى السرائر. # سيبدو لها طيب ونور وبهجة ... وحسن ثناء يوم تبلى السرائر # PageV01P073 # تالله، لقد رفع لها علم عظيم فشمرت له، واستبان لها صراط مستقيم فاستقامت ~~عليه، ودعاها ما دون مطلوبها الأعلى فلم تستجب له، واختارت على ما سواه ~~وآثرت ما لديه. # PageV01P074 ### | الباب الحادى عشر: فى علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه # هذا الباب كالأساس والأصل لما بعده من الأبواب، فإن سائر أمراض القلب ~~إنما تنشأ من جانب النفس، فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصب، ثم تنبعث منها ~~إلى الأعضاء. وأول ما تنال القلب. # وقد كان رسول الله صلى ms067 الله عليه وسلم يقول فى خطبة الحاجة: # "الحمد لله نستعينه ونستهديه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~وسيئات أعمالنا". # وفى المسند والترمذى من حديث حصين بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال له: # "يا حصين، كم تعبد؟ قال: سبعة، ستة فى الأرض وواحد فى السماء، قال: فمن ~~الذى تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذى فى السماء. قال: أسلم حتى أعلمك كلمات ~~ينفعك الله بها، فأسلم. فقال: قل: اللهم ألهمنى رشدى، وقنى شر نفسى". # وقد استعاذ صلى الله عليه وسلم من شرها عموما، ومن شر ما يتولد منها من ~~الأعمال، ومن شر ما يترتب على ذلك من المكاره والعقوبات، وجمع بين ~~الاستعاذة من شر النفس وسيئات الأعمال. وفيه وجهان: # PageV01P074 # أحدهما: أنه من باب إضافة النوع إلى جنسه، أى أعوذ بك من هذا النوع من ~~الأعمال. # والثانى: أن المراد به عقوبات الأعمال التى تسوء صاحبها. # فعلى الأول: يكون قد استعاذ من صفة النفس وعملها. # وعلى الثانى: يكون قد استعاذ من العقوبات وأسبابها. # ويدخل العمل السيئ فى شر النفس. فهل المعنى: ما يسوءنى من جزاء عملى، أو ~~من عملى السيئ؟ وقد يترجح الأول، فإن الاستعاذة من العمل السيئ بعد وقوعه ~~إنما هى استعاذة من جزائه وموجبه، وإلا فالموجود لا يمكن رفعه بعينه. # وقد اتفق السالكون إلى الله على اختلاف طرقهم، وتباين سلوكهم على أن ~~النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وأنه لا يدخل عليه سبحانه ولا ~~يوصل إليه إلا بعد إماتتها وتركها بمخالفتها والظفر بها. # فإن الناس على قسمين: قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته وصار طوعا لها تحت ~~أوامرها. وقسم ظفروا بنفوسهم فقهروها، فصارت طوعا لهم منقادة لأوامرهم. # قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم. فمن ظفر بنفسه ~~أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك. قال تعالى: # {فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هى المأوى وأما من خاف ~~مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى} [النازعات: 37 - 41] . # فالنفس تدعو إلى ms068 الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه ~~ونهى النفس عن الهوى. والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعى مرة وإلى ~~هذا مرة وهذا موضع المحنة والابتلاء، وقد وصف سبحانه النفس فى القرآن بثلاث ~~صفات: المطمئنة، والأمارة بالسوء، واللوامة. # فاختلف الناس: هل النفس واحدة، وهذه أوصاف لها؟ أم للعبد ثلاث أنفس؟: نفس ~~مطمئنة، ونفس لوامة، ونفس أمارة. # فالأول قول الفقهاء والمتكلمين وجمهور المفسرين وقول محققى الصوفية. # والثانى قول كثير من أهل التصوف. # PageV01P075 # والتحقيق: أنه لا نزاع بين الفريقين، فإنها واحدة باعتبار ذاتها، وثلاث ~~باعتبار صفاتها. فإذا اعتبرت بنفسها فهى واحدة، وإن اعتبرت مع كل صفة دون ~~الأخرى فهى متعددة، وما أظنهم يقولون إن لكل أحد ثلاث أنفس قائمة بذاتها ~~مساوية للأخرى فى الحد والحقيقة، وأنه إذا قبض العبد قبضت له ثلاث أنفس، كل ~~واحدة مستقلة بنفسها. # وحيث ذكر سبحانه النفس، وأضافها إلى صاحبها، فإنما ذكرها بلفظ الإفراد، ~~وهكذا فى سائر الأحاديث، ولم يجئ فى موضع واحد "نفوسك" و "نفوسه" ولا ~~"أنفسك" و"أنفسه" وإنما جاءت مجموعة عند إرادة العموم، كقوله: # {وإذا النفوس زوجت} [التكوير: 7] # أو عند إضافتها إلى الجمع، كقوله صلى الله عليه وسلم: # "إنما أنفسنا بيد الله". # ولو كانت فى الإنسان ثلاث أنفس لجاءت مجموعة إذا أضيفت إليه ولو فى موضع ~~واحد. # فالنفس إذا سكنت إلى الله، واطمأنت بذكره، وأنابت إليه، واشتاقت إلى ~~لقائه، وأنست بقربه، فهى مطمئنة، وهى التى يقال لها عند الوفاة. # {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية} [الفجر: 27-28] . # قال ابن عباس: "يا أيتها النفس المطمئنة". ارجعى إلى ربك راضية مرضية ~~يقول: المصدقة، وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله" وقال ~~الحسن: "المطمئنة بما قال الله. والمصدقة بما قال" وقال مجاهد: "هى المنيبة ~~المخبتة التى أيقنت أن الله ربها، وضربت جأشا لأمره وطاعته، وأيقنت ~~بلقائه". # وحقيقة الطمأنينة: السكون والاستقرار، فهى التى قد سكنت إلى ربها وطاعته ~~وأمره وذكره، ولم تسكن إلى سواه، فقد اطمأنت إلى محبته وعبوديته وذكره، ~~واطمأنت إلى ms069 أمره ونهيه وخبره، واطمأنت إلى لقائه ووعده، واطمأنت إلى ~~التصديق بحقائق أسمائه وصفاته، واطمأنت إلى الرضى به ربا، وبالإسلام دينا، ~~وبمحمد رسولا واطمأنت إلى قضائه وقدره، واطمأنت إلى كفايته وحسبه وضمانه، ~~فاطمأنت بأنه وحده ربها وإلهها ومعبودها ومليكها ومالك أمرها كله، وأن ~~مرجعها إليه، وأنها لا غنى لها عنه طرفة عين. # PageV01P076 # وإذا كانت بضد ذلك فهى أمارة بالسوء تأمر صاحبها بما تهواه: من شهوات ~~الغى، واتباع الباطل، فهى مأوى كل سوء، وإن أطاعها قادته إلى كل قبيح وكل ~~مكروه. وقد أخبر سبحانه أنها أمارة بالسوء، ولم يقل "آمرة" لكثرة ذلك منها، ~~وأنه عادتها ودأبها إلا إذا رحمها الله وجعلها زاكية تأمر صاحبها بالخير، ~~فذلك من رحمة الله، لا منها. فإنها بذاتها أمارة بالسوء؛ لأنها خلقت فى ~~الأصل جاهلة ظالمة، إلا من رحمه الله، والعدل والعلم طارئ عليها بإلهام ~~ربها وفاطرها لها ذلك، فإذا لم يلهمها رشدها بقيت على ظلمها وجهلها. فلم ~~تكن أمارة إلا بموجب الجهل والظلم، فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما ~~زكت منهم نفس واحدة. # فإذا أراد الله سبحانه بها خيرا جعل فيها ما تزكو به وتصلح: من الإرادات ~~والتصورات، وإذا لم يرد بها ذلك تركها على حالها التى خلقت عليها من الجهل ~~والظلم. # وسبب الظلم: إما جهل، وإما حاجة. وهى فى الأصل جاهلة. والحاجة لازمة لها، ~~فلذلك كان أمرها بالسوء لازما لها إن لم تدركها رحمة الله وفضله. # وبهذا يعلم أن ضرورة العبد إلى ربه فوق كل ضرورة، ولا تشبهها ضرورة تقاس ~~بها، فإنه إن أمسك عنه رحمته وتوفيقه وهدايته طرفة عين خسر وهلك. # فصل # وأما اللوامة فاختلف فى اشتقاق هذه اللفظة، هل هى من التلوم، وهو التلون ~~والتردد، أو هى من اللوم؟ وعبارات السلف تدور على هذين المعنيين. # قال سعيد بن جبير: "قلت لابن عباس: ما اللوامة؟ قال: هى النفس اللئوم". # وقال مجاهد: "هى التى تندم على ما فات وتلوم عليه". # وقال قتادة: "هى الفاجرة" وقال عكرمة: "تلوم على الخير والشر" وقال عطاء ~~عن ابن ms070 عباس: "كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة، تلوم المحسن نفسه أن لا يكون ~~ازداد إحسانا، وتلوم المسىء نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته". # وقال الحسن: "إن المؤمن، والله، ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته؛ ~~يستقصرها فى كل ما يفعل فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليمضى قدما لا يعاتب ~~نفسه". # PageV01P077 # فهذه عبارات من ذهب إلى أنها من اللوم. # وأما من جعلها من التلوم فلكثرة ترددها وتلومها، وأنها لا تستقر على حال ~~واحدة. # والأول أظهر، فإن هذا المعنى لو أريد لقيل: المتلومة. كما يقال: المتلونة ~~والمترددة. ولكن هو من لوازم القول الأول، فإنها لتلومها وعدم ثباتها تفعل ~~الشىء ثم تلوم عليه. فالتلوم من لوازم اللوم. # والنفس قد تكون تارة أمارة، وتارة لوامة، وتارة مطمئنة، بل فى اليوم ~~الواحد والساعة الواحدة يحصل منها هذا وهذا. والحكم للغالب عليها من ~~أحوالها، فكونها مطمئنة وصف مدح لها. وكونها أمارة بالسوء وصف ذم لها. ~~وكونها لوامة ينقسم إلى المدح والذم، بحسب ما تلوم عليه. # والمقصود: ذكر علاج مرض القلب باستيلاء النفس الأمارة عليه. وله علاجان: ~~محاسبتها، ومخالفتها، وهلاك القلب من إهمال محاسبتها، ومن موافقتها واتباع ~~هواها، وفى الحديث الذى رواه أحمد وغيره من حديث شداد بن أوس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز ~~من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله" دان نفسه: أى حاسبها. # وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: "حاسبوا أنفسكم ~~قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم فى الحساب ~~غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى ~~منكم خافية". # وذكر أيضا عن الحسن قال: "لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه: وماذا أردت # تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين؟. والفاجر يمضى قدما قدما ~~لا يحاسب نفسه". وقال قتادة فى قوله تعالى: # {وكان أمره فرطا} [الكهف: 28] . # أضاع نفسه وغبن، مع ذلك تراه حافظا لماله مضيعا لدينه. # وقال ms071 الحسن: "إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت ~~المحاسبة من همته". # PageV01P078 # وقال ميمون بن مهران: "لا يكون العبد تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من ~~الشريك لشريكه، ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك". # وقال ميمون بن مهران أيضا: "إن التقى أشد محاسبة لنفسه من سلطان عاص، ومن ~~شريك شحيح". # وذكر الإمام أحمد عن وهب قال: "مكتوب فى حكمة آل داود: حق على العاقل أن ~~لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجى فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة ~~يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلى ~~فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن فى هذه الساعة عونا على تلك ~~الساعات، وإجماما للقلوب" وقد روى هذا مرفوعا من كلام النبى صلى الله عليه ~~وسلم. رواه أبو حاتم وابن حبان وغيره. # وكان الأحنف بن قيس يجىء إلى المصباح، فيضع أصبعه فيه، ثم يقول: حس يا ~~حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ويبكى. # وكتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله: "حاسب نفسك فى الرخاء قبل حساب الشدة ~~فإن من حاسب نفسه فى الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضى والغبطة، ~~ومن ألهته حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة". # وقال الحسن: "المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم ~~القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم فى الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على ~~قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة. إن المؤمن يفاجئه الشىء ويعجبه، فيقول: ~~والله إنى لأشتهيك. وإنك لمن حاجتى، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات ~~هيهات، حيل بينى وبينك، ويفرط منه الشىء فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردت ~~إلى هذا؟ مالى ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا أبدا، إن المؤمنين قوم أوقفهم ~~القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير فى الدنيا يسعى فى فكاك ~~رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى ms072 الله، يعلم أنه مأخوذ عليه فى سمعه وفى بصره، ~~وفى لسانه، وفى جوارحه، مأخوذ عليه فى ذلك كله". # قال مالك بن دينار: "رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست ~~صاحبة كذا؟ ثم زمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها ~~قائدا". # وقد مثلت النفس مع صاحبها بالشريك فى المال، فكما أنه لا يتم مقصود ~~الشركة من # PageV01P079 # الربح إلا بالمشارطة على ما يفعل الشريك أولا، ثم بمطالعة ما يعمل، ~~والإشراف عليه ومراقبته ثانيا، ثم بمحاسبته ثالثا، ثم بمنعه من الخيانة إن ~~اطلع عليه رابعا، فكذلك النفس: يشارطها أولا على حفظ الجوارح السبعة التى ~~حفظها هو رأس المال، والربح بعد ذلك. فمن ليس له رأس مال، فكيف يطمع فى ~~الربح؟ وهذه الجوارح السبعة وهى العين، والأذن، والفم، واللسان والفرج، ~~واليد، والرجل: هى مراكب العطب والنجاة، فمنها عطب من عطب بإهمالها. وعدم ~~حفظها، ونجا من نجا بحفظها ومراعاتها فحفظها أساس كل خير، وإهمالها أساس كل ~~شر. قال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} [النور: 30] ~~. وقال تعالى: {ولا تمش فى الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال ~~طولا} [الإسراء: 37] وقال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع ~~والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} [الإسراء: 36] وقال تعالى: {وقل ~~لعبادى يقولوا التى هى أحسن} [الإسراء: 53] وقال تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} [الأحزاب: 70] وقال تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد} [الحشر: 18] . # فإذا شارطها على حفظ هذه الجوارح انتقل منها إلى مطالعتها والإشراف عليها ~~ومراقبتها، فلا يهملها، فإنه إن أهملها لحظة رتعت فى الخيانة ولا بد، فإن ~~تمادى على الإهمال تمادت فى الخيانة حتى تذهب رأس المال كله، فمتى أحس ~~بالنقصان انتقل إلى المحاسبة، فحينئذ يتبين له حقيقة الربح والخسران، فإذا ~~أحس بالخسران وتيقنه استدرك منها ما يستدركه الشريك من شريكه: من الرجوع ~~عليه بما مضى، والقيام بالحفظ والمراقبة فى المستقبل، ولا مطمع له ms073 فى فسخ ~~عقد الشركة مع هذا الخائن، والاستبدال بغيره، فإنه لا بد له منه فليجتهد فى ~~مراقبته ومحاسبته، وليحذر من إهماله. # ويعينه على هذه المراقبة والمحاسبة: معرفته أنه كلما اجتهد فيها اليوم ~~استراح منها غدا إذا صار الحساب إلى غيره، وكلما أهملها اليوم اشتد عليه ~~الحساب غدا. # ويعينه عليها أيضا: معرفته أن ربح هذه التجارة سكنى الفردوس، والنظر إلى ~~وجه الرب سبحانه، وخسارتها: دخول النار والحجاب عن الرب تعالى، فإذا تيقن ~~هذا هان عليه الحساب اليوم. فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر أن ~~لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها فى حركاتها وسكناتها وخطراتها ~~وخطواتها، فكل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة # PageV01P080 # لا حظ لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد. ~~فإضاعة هذه الأنفاس، أو اشتراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه: خسران عظيم لا ~~يسمح بمثله إلا أجهل الناس وأحمقهم وأقلهم عقلا. وإنما يظهر له حقيقة هذا ~~الخسران يوم التغابن: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من ~~سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } [آل عمران: 30] . # فصل # ومحاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل، ونوع بعده. # فأما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى ~~يتبين له رجحانه على تركه. # قال الحسن رحمه الله: رحم الله عبدا وقف عند همه، فإن كان لله مضى، وإن ~~كان لغيره تأخر. # وشرح هذا بعضهم فقال: إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهم به العبد، وقف ~~أولا ونظر: هل ذلك العمل مقدور له أو غير مقدور ولا مستطاع؟ فإن لم يكن ~~مقدورا لم يقدم عليه، وإن كان مقدورا وقف وقفة أخرى ونظر: هل فعله خير له ~~من تركه، أو تركه خير له من فعله؟ فإن كان الثاني تركه ولم يقدم عليه، وإن ~~كان الأول وقف وقفة ثالثة ونظر: هل الباعث عليه إرادة وجه الله عز وجل ~~وثوابه أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق؟ فإن كان الثاني ms074 لم يقدم، ~~وإن أفضى به إلى مطلوبه، لئلا تعتاد النفس الشرك. ويخف عليها العمل لغير ~~الله، فبقدر ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله تعالى، حتى يصير أثقل ~~شىء عليها، وإن كان الأول وقف وقفة أخرى ونظر هل هو معان عليه، وله أعوان ~~يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك أم لا؟ فإن لم يكن له ~~أعوان أمسك عنه، كما أمسك النبي صلى الله عليه وسلم عن الجهاد بمكة حتى صار ~~له شوكة وأنصار، # PageV01P081 # وإن وجده معانا عليه فليقدم عليه فإنه منصور، ولا يفوت النجاح إلا من فوت ~~خصلة من هذه الخصال، وإلا فمع اجتماعها لا يفوته النجاح. # فهذه أربعة مقامات يحتاج إلى محاسبة نفسه عليها قبل الفعل، فما كل ما ~~يريد العبد فعله يكون مقدورا له، ولا كل ما يكون مقدورا له يكون فعله خيرا ~~له من تركه، ولا كل ما يكون فعله خيرا له من تركه يفعله لله، ولا كل ما ~~يفعله لله يكون معانا عليه، فإذا حاسب نفسه على ذلك تبين له ما يقدم عليه، ~~وما يحجم عنه. # فصل # النوع الثانى: محاسبة النفس بعد العمل، وهو ثلاثة أنواع: # أحدها: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى، فلم توقعها على ~~الوجه الذى ينبغي. # وحق الله تعالى فى الطاعة ستة أمور قد تقدمت، وهى: الإخلاص فى العمل، ~~والنصيحة لله فيه، ومتابعة الرسول فيه، وشهود مشهد الإحسان فيه، وشهود منة ~~الله عليه فيه، وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله. # فيحاسب نفسه: هل وفى هذه المقامات حقها؟ وهل أتى بها فى هذه الطاعة؟. # الثاني: أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيرا له من فعله. # الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح، أو معتاد: لم فعله؟ وهل أراد به ~~الله والدار الآخرة؟ فيكون رابحا، أو أراد به الدنيا وعاجلها، فيخسر ذلك ~~الربح ويفوته الظفر به. # فصل # وأضر ما عليه الإهمال، وترك المحاسبة والاسترسال، وتسهيل الأمور ~~وتمشيتها، فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرور: ms075 يغمض عينيه عن ~~العواقب، ويمشى الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر فى ~~العاقبة. وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة # PageV01P082 # الذنوب، وأنس بها، وعسر عليها فطامها، ولو حضره رشده لعلم أن الحمية أسهل ~~من الفطام وترك المألوف والمعتاد. # قال ابن أبى الدنيا: حدثني رجل من قريش، ذكر أنه من ولد طلحة بن عبيد ~~الله قال: "كان توبة بن الصمة بالرقة، وكان محاسبا لنفسه، فحسب يوما، فإذا ~~هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها، فإذا هى أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم، ~~فصرخ، وقال: يا ويلتى، ألقى ربي بأحد وعشرين ألف ذنب؟ كيف وفى كل يوم آلاف ~~من الذنوب؟. ثم خرج مغشيا عليه، فإذا هو ميت، فسمعوا قائلا يقول: "يا لك ~~ركضة إلى الفردوس الأعلى"". # وجماع ذلك: أن يحاسب نفسه أولا على الفرائض، فإن تذكر فيها نقصا تداركه، ~~إما بقضاء أو إصلاح. ثم يحاسبها على المناهي، فإن عرف أنه ارتكب منها شيئا ~~تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية. ثم يحاسب نفسه على الغفلة، ~~فإن كان قد غفل عما خلق له تداركه بالذكر والإقبال على الله تعالى. ثم ~~يحاسبها بما تكلم به، أو مشت إليه رجلاه، أو بطشت يداه، أو سمعته أذناه: ~~ماذا أرادت بهذا؟ ولم فعلته؟ وعلى أي وجه فعلته؟ ويعلم أنه لابد أن ينشر ~~لكل حركة وكلمة منه ديوانان: ديوان لم فعلته؟ وكيف فعلته؟ فالأول سؤال عن ~~الإخلاص، والثانى سؤال عن المتابعة، وقال تعالى: # {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} [الحجر: 92 - 93] وقال تعالى ~~{فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا ~~غائبين} [الأعراف: 6 - 7] وقال تعالى {ليسأل الصادقين عن صدقهم} [الأحزاب: ~~8] . # فإذا سئل الصادقون وحوسبوا على صدقهم فما الظن بالكاذبين؟. # قال مقاتل: "يقول تعالى: أخذنا ميثاقهم لكي يسأل الله الصادقين، يعني ~~النبيين، عن تبليغ الرسالة". وقال مجاهد: "يسأل المبلغين المؤدين عن الرسل، ~~يعني: هل بلغوا عنهم كما يسأل الرسل، هل بلغوا عن الله تعالى؟ ". # والتحقيق: أن الآية تتناول هذا وهذا، فالصادقون هم الرسل، والمبلغون ~~عنهم، فيسأل الرسل ms076 عن تبليغ رسالاته ويسأل المبلغين عنهم عن تبليغ ما ~~بلغتهم الرسل، ثم يسأل الذين بلغتهم الرسالة ماذا أجابوا المرسلين، كما قال ~~تعالى: # {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} [القصص: 65] . # PageV01P083 # قال قتادة: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا ~~أجبتم المرسلين؟ فيسأل عن المعبود وعن العبادة. # وقال تعالى: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} [التكاثر: 8] . # قال محمد بن جرير: يقول الله تعالى: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم ~~الذي كنتم فيه فى الدنيا: ماذا عملتم فيه؟ من أين دخلتم إليه؟ وفيم ~~أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟. # وقال قتادة: "إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه". # والنعيم المسئول عنه نوعان: نوع أخذ من حله وصرف فى حقه، فيسأل عن شكره. ~~ونوع أخذ بغير حله وصرف فى غير حقه، فيسأل عن مستخرجه ومصرفه. # فإذا كان العبد مسئولا ومحاسبا على كل شىء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، ~~كما قال تعالى: # {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} [الإسراء: 36] . # فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب. # وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد} [الحشر: 18] . # يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصالحات ~~التى تنجيه، أم من السيئات التى توبقه؟ # قال قتادة: "ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد". # والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها. # فصل # وفى محاسبة النفس عدة مصالح منها: الاطلاع على عيوبها، ومن لم يطلع على ~~عيب نفسه لم يمكنه إزالته، فإذا اطلع على عيبها مقتها فى ذات الله تعالى. # وقد روى الإمام أحمد عن أبى الدرداء رضي الله عنه قال: "لا يفقه الرجل كل ~~الفقه حتى يمقت الناس فى جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا". # وقال مطرف بن عبد الله: "لولا ما أعلم من نفسي لقليت الناس". # PageV01P084 # وقال مصرف فى دعائه بعرفة: "اللهم لا ترد الناس لأجلى". # وقال بكر ms077 بن عبد الله المزني: "لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غفر ~~لهم، لولا أني كنت فيهم". # وقال أيوب السختياني: "إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل". # ولما احتضر سفيان الثوري دخل عليه أبو الأشهب، وحماد بن سلمة، فقال له ~~حماد: "يا أبا عبد الله، أليس قد أمنت مما كنت تخافه؟ وتقدم على من ترجوه، ~~وهو أرحم الراحمين، فقال: يا أبا سلمة، أتطمع لمثلي أن ينجو من النار؟ قال: ~~إي والله، إنى لأرجو لك ذلك". # وذكر زيد عن مسلم بن سعيد الواسطي قال: أخبرني حماد بن جعفر بن زيد: أن ~~أباه أخبره قال: "خرجنا فى غزاة إلى كابل، وفى الجيش: صلة بن أشيم، فنزل ~~الناس عند العتمة، فصلوا ثم اضطجع فقلت: لأرمقن عمله، فالتمس غفلة الناس، ~~حتى إذا قلت: هدأت العيون وثب فدخل غيضة قريبا منا، فدخلت على أثره، فتوضأ، ~~ثم قام يصلي، وجاء أسد حتى دنا منه، فصعدت فى شجرة فتراه التفت أو عده ~~جروا؟ فلما سجد قلت: الآن يفترسه، فجلس ثم سلم ثم قال: أيها السبع، اطلب ~~الرزق من مكان آخر. فولى وإن له لزئيرا، أقول: تصدع الجبال منه. قال فما ~~زال كذلك يصلي حتى كان عند الصبح جلس، فحمد الله تعالى بمحامد لم أسمع ~~بمثلها، ثم قال: اللهم إنى أسألك أن تجيرني من النار، ومثلى يصغر أن يجترئ ~~أن يسألك الجنة، قال: ثم رجع وأصبح كأنه بات على الحشايا، وأصبحت وبى من ~~الفترة شىء الله به عالم". # وقال يونس بن عبيد: "إنى لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن فى ~~نفسي منها واحدة". # وقال محمد بن واسع: "لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد يجلس إلى". # وذكر ابن أبى الدنيا عن الخلد بن أيوب قال: "كان راهب فى بنى إسرائيل فى ~~صومعة # PageV01P085 # منذ ستين سنة. فأتى فى منامه. فقيل له: إن فلانا الإسكافي خير منك- ليلة ~~بعد ليلة- فأتى الإسكافي، فسأله عن عمله. فقال: إني رجل لا يكاد يمر بى أحد ~~إلا ظننته أنه فى الجنة وأنا ms078 فى النار، ففضل على الراهب بإزرائه على نفسه". # وذكر داود الطائي عند بعض الأمراء؛ فأثنوا عليه فقال: "لو يعلم الناس بعض ~~ما نحن فيه ما ذل لنا لسان بذكر خير أبدا". # وقال أبو حفص: "من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ولم يخالفها فى جميع ~~الأحوال، ولم يجرها إلى مكروهها فى سائر أوقاته، كان مغرورا، ومن نظر إليها ~~باستحسان شىء منها فقد أهلكها". # فالنفس داعية إلى المهالك، معينة للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متبعة لكل ~~سوء؛ فهى تجري بطبعها فى ميدان المخالفة. # فالنعمة التى لا خطر لها: الخروج منها، والتخلص من رقها، فإنها أعظم حجاب ~~بين العبد وبين الله تعالى، وأعرف الناس بها أشدهم إزراء عليها، ومقتا لها. # قال ابن أبى حاتم فى تفسيره: حدثنا علي بن الحسين المقدمي: حدثنا عامر ~~ابن صالح عن أبيه عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: "اللهم ~~اغفر لى ظلمى وكفرى، فقال قائل: يا أمير المؤمنين، هذا الظلم، فما بال ~~الكفر؟ قال: إن الإنسان لظلوم كفار". # قال: وحدثنا يونس بن حبيب: حدثنا أبو داود، عن الصلت بن دينار: حدثنا ~~عقبة بن صهبان الهنائى قال: "سألت عائشة رضى الله عنها عن قول الله عز وجل: # {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم ~~مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} [فاطر: 32] . فقالت: يا بنى، هؤلاء ~~في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضي علي عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة والرزق، وأما المقتصد ~~فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلى ومثلكم، ~~فجعلت نفسها معنا". # PageV01P086 # وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج: حدثنا شريك عن عاصم عن أبى وائل عن مسروق، ~~قال: دخل عبد الرحمن علي أم سلمة رضي الله عنها، فقالت: # "سمعت النبي صلي الله وسلم يقول: إن من أصحابى لمن لا يرانى بعد أن أموت ~~أبدا فخرج عبد الرحمن من عندها مذعورا، حتى دخل علي عمر ms079 رضى الله عنه. فقال ~~له: اسمع ما تقول أمك، فقام عمر رضى الله عنه حتى أتاها فدخل عليها فسألها، ~~ثم قال: أنشدك بالله، أمنهم أنا؟ قالت: لا، ولن أبرئ بعدك أحدا". # فسمعت شيخنا يقول: إنما أرادت أني لا أفتح عليها هذا الباب، ولم ترد أنك ~~وحدك البرئ من ذلك دون سائر الصحابة. # ومقت النفس فى ذات الله من صفات الصديقين، ويدنو العبد به من الله سبحانه ~~فى لحظة واحدة أضعاف أضعاف ما يدنو به بالعمل. # ذكر ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: "إن قوما من بني إسرائيل كانوا ~~في مسجد لهم فى يوم عيد، فجاء شاب حتى قام على باب المسجد، فقال: ليس مثلي ~~يدخل معكم، أنا صاحب كذا، أنا صاحب كذا؛ يزري على نفسه، فأوحى الله عز وجل ~~إلى نبيهم: إن فلانا صديق". # وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الحسن بن أنس: حدثنا منذر عن وهب: "أن ~~رجلا سائحا عبد الله عز وجل سبعين سنة. ثم خرج يوما فقلل عمله وشكا إلى ~~الله تعالى منه. واعترف بذنبه فأتاه آت من الله عز وجل فقال: إن مجلسك هذا ~~أحب إلي من عملك فيما مضى من عمرك". # قال أحمد: وحدثنا عبد الصمد، أبو هلال، عن قتادة قال: قال عيسى ابن مريم ~~عليه السلام: "سلونى، فإنى لين القلب، صغير عند نفسى". # PageV01P087 # وذكر أحمد أيضا عن عبد الله بن رباح الأنصاري قال "كان داود عليه السلام ~~ينظر أغمص حلقة فى بني إسرائيل فيجلس بين ظهرانيهم، ثم يقول: يا رب مسكين ~~بين ظهرانى مساكين". # وذكر عن عمران بن موسى القصير قال: قال موسى عليه السلام: "يا رب أين ~~أبغيك؟ قال: ابغنى عند المنكسرة قلوبهم، فإني أدنو منهم كل يوم باعا، ولولا ~~ذلك انهدموا". # وفى كتاب الزهد للإمام أحمد: "أن رجلا من بنى إسرائيل تعبد ستين سنة فى ~~طلب حاجة. فلم يظفر بها. فقال فى نفسه: والله لو كان فيك خير لظفرت بحاجتك، ~~فأتى فى منامه، فقيل له: أرأيت ازدراءك على نفسك تلك ms080 الساعة؟ فإنه خير من ~~عبادتك تلك السنين". # ومن فوائد محاسبة النفس: أنه يعرف بذلك حق الله تعالى عليه. ومن لم يعرف ~~حق الله تعالى عليه فإن عبادته لا تكاد تجدي عليه، وهى قليلة المنفعة جدا. # وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج: حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال: "بلغني ~~أن نبي الله موسى عليه السلام مر برجل يدعو ويتضرع، فقال: يا رب ارحمه، ~~فإني قد رحمته، فأوحى الله تعالى إليه: لو دعاني حتى تنقطع قواه ما استجيب ~~له حتى ينظر فى حقي عليه". # فمن أنفع ما للقلب النظر فى حق الله على العبد. فإن ذلك يورثه مقت نفسه، ~~والإزدراء عليها، ويخلصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل ~~والانكسار بين يدي الله، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو ~~الله ومغفرته ورحمته، فإن من حقه أن يطاع ولا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن ~~يشكر فلا يكفر. # فمن نظر فى هذا الحق الذى لربه عليه علم علم اليقين أنه غير مؤد له كما ~~ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أحيل على عمله هلك. # فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله تعالى وبنفوسهم، وهذا الذى أيأسهم من ~~أنفسهم، وعلق رجاءهم كله بعفو الله ورحمته. # وإذا تأملت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك، ينظرون فى حقهم على الله، ولا ~~ينظرون فى حق الله عليهم. ومن هاهنا انقطعوا عن الله، وحجبت قلوبهم عن ~~معرفته، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره، وهذا غاية جهل الإنسان ~~بربه وبنفسه. # فمحاسبة النفس هو نظر العبد فى حق الله عليه أولا، ثم نظره هل قام به كما ~~ينبغي # PageV01P088 # ثانيا؟ وأفضل الفكر الفكر فى ذلك؛ فإنه يسير القلب إلى الله ويطرحه بين ~~يديه ذليلا خاضعا منكسرا كسرا فيه جبره، ومفتقرا فقرا فيه غناه. وذليلا ذلا ~~فيه عزه، ولو عمل من الأعمال ما عساه أن يعمل؛ فإذا فاته هذا فالذي فاته من ~~البر أفضل من الذي أتى. # وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن القاسم ms081 حدثنا صالح المدني عن أبي عمران ~~الجونى عن أبي الخلد أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: "إذا ذكرتني ~~فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكري خاشعا مطمئنا، وإذا ذكرتني فاجعل ~~لسانك من وراء قلبك، وإذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير الذليل، وذم ~~نفسك فهي أولى بالذم، وناجنى حين تناجيني بقلب وجل ولسان صادق". # ومن فوائد نظر العبد في حق الله عليه # أن لا يتركه ذلك يدل بعمل أصلا كائنا ما كان، ومن أدل بعمله لم يصعد إلى ~~الله تعالى كما ذكر الإمام أحمد عن بعض أهل العلم بالله أنه قال له رجل: ~~"إني لأقوم في صلاتى؛ فأبكى حتى يكاد ينبت البقل من دموعى؛ فقال له: إنك إن ~~تضحك وأنت تعترف لله بخطيئتك خير من أن تبكى وأنت مدل بعملك. فإن صلاة ~~المدل لا تصعد فوقه. فقال له: أوصنى، قال: عليك بالزهد فى الدنيا، وأن لا ~~تنازعها أهلها، وأن تكون كالنحلة إن أكلت أكلت طيبا، وإن وضعت وضعت طيبا، ~~وإن وقعت على عود لم تضره ولم تكسره، وأوصيك بالنصح لله عز وجل نصح الكلب ~~لأهله، فإنهم يجيعونه ويطردونه ويأبى إلا أن يحوطهم، وينصحهم". # ومن هاهنا أخذ الشاطبى قوله: # وقد قيل: كن كالكلب يقصيه ... أهلهولا يأتلى فى نصحهم متبتلا # وقال الإمام أحمد: حدثنا سيار: حدثنا جعفر: حدثنا الجريرى قال: "بلغنى أن ~~رجلا من بني إسرائيل كانت له إلى الله عز وجل حاجة. فتعبد واجتهد، ثم طلب ~~إلي الله تعالى حاجته، فلم ير نجاحا، فبات ليلته مزريا على نفسه. وقال: يا ~~نفس، مالك لا [تقضى] حاجتك؟ فبات محزونا قد أزرى على نفسه وألزم الملامة ~~نفسه، فقال: أما والله ما من قبل ربى أتيت ولكن من قبل نفسى أتيت، فبات ~~ليلته مزريا، وألزم نفسه الملامة، فقضيت حاجته". # PageV01P089 ### | الباب الثانى عشر: فى علاج مرض القلب بالشيطان # هذا الباب من أهم أبواب الكتاب وأعظمها نفعا، والمتأخرون من أرباب السلوك ~~لم يعتنوا به اعتناءهم بذكر النفس وعيوبها وآفاتها، فإنهم توسعوا في ذلك، ~~وقصروا ms082 فى هذا الباب. # ومن تأمل القرآن والسنة وجد اعتناءهما بذكر الشيطان وكيده ومحاربته أكثر ~~من ذكر النفس، فإن النفس المذمومة ذكرت فى قوله: {إن النفس لأمارة بالسوء} ~~[يوسف: 53] . # واللوامة فى قوله: {ولا أقسم بالنفس اللوامة} [القيامة: 2] . # وذكرت النفس المذمومة فى قوله: {ونهى النفس عن الهوى} [النازعات: 40] . # وأما الشيطان فذكر فى عدة مواضع، وأفردت له سورة تامة. فتحذير الرب تعالى ~~لعباده منه جاء أكثر من تحذيره من النفس، وهذا هو الذى لا ينبغي غيره، فإن ~~شر النفس وفسادها ينشأ من وسوسته، فهى مركبه وموضع شره، ومحل طاعته، وقد ~~أمر الله سبحانه بالاستعاذة منه عند قراءة القرآن وغير ذلك، وهذا لشدة ~~الحاجة إلى التعوذ منه، ولم يأمر بالاستعاذة من النفس فى موضع واحد، وإنما ~~جاءت الاستعاذة من شرها فى خطبة الحاجة فى قوله صلى الله عليه وسلم: "ونعوذ ~~بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا". # كما تقدم ذلك فى الباب الذى قبله. # وقد جمع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بين الاستعاذة من الأمرين ~~فى الحديث الذى رواه الترمذي وصححه عن أبي هريرة رضى الله عنه: # "أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه قال: يا رسول الله، علمنى شيئا أقوله ~~إذا أصبحت وإذا أمسيت، قال قل: اللهم عالم الغيب والشهادة، فاطر السموات ~~والأرض، رب كل شىء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسى وشر ~~الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسى سوءا أو أجره إلى مسلم، قله إذا أصبحت ~~وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك". # PageV01P090 # فقد تضمن هذا الحديث الشريف الاستعاذة من الشر وأسبابه وغايته، فإن الشر ~~كله إما أن يصدر من النفس أو من الشيطان، وغايته: إما أن تعود على العامل. ~~أو على أخيه المسلم، فتضمن الحديث مصدرى الشر اللذين يصدر عنهما وغايتيه ~~اللتين يصل إليهما. # فصل # قال تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له ~~سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون} [النحل: ms083 98 - 100] . # ومعنى "استعذ بالله" امتنع به واعتصم به والجأ إليه، ومصدره العوذ، ~~والعياذ، والمعاذ؛ وغالب استعماله فى المستعاذ به، ومنه قوله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم: "لقد عذت بمعاذ". # وأصل اللفظة: من اللجأ إلى الشيء والاقتراب منه، ومن كلام العرب "أطيب ~~اللحم عوذه" أى الذى قد عاذ بالعظم واتصل به. وناقة عائذ: يعوذ بها ولدها، ~~وجمعها "عوذ" كحمر. ومنه فى حديث الحديبية: "معهم العوذ المطافيل". # والمطافيل: جمع مطفل، وهى الناقة التى معها فصيلها. # قالت طائفة منهم صاحب جامع الأصول: استعار ذلك للنساء، أى معهم النساء ~~وأطفالهم، ولا حاجة إلى ذلك، بل اللفظ على حقيقته. أى قد خرجوا إليك ~~بدوابهم # PageV01P091 # ومراكبهم حتى أخرجوا معهم النوق التى معها أولادها، فأمر سبحانه ~~بالاستعاذة به من الشيطان عند قراءة القرآن. وفى ذلك وجوه: # منها: أن القرآن شفاء لما في الصدور يذهب لما يلقيه الشيطان فيها من ~~الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة، فهو دواء لما أمره فيها الشيطان، فأمر ~~أن يطرد مادة الداء ويخلى منه القلب ليصادف الدواء محلا خاليا، فيتمكن منه، ~~ويؤثر فيه، كما قيل: # أتانى هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا # فيجىء هذا الدواء الشافى إلى قلب قد خلا من مزاحم ومضاد له فينجع فيه. # ومنها: أن القرآن مادة الهدى والعلم والخير فى القلب، كما أن الماء مادة ~~النبات، والشيطان نار يحرق النبات أولا فأولا، فكلما أحس بنبات الخير فى ~~القلب سعى فى إفساده وإحراقه، فأمر أن يستعيذ بالله عز وجل منه لئلا يفسد ~~عليه ما يحصل له بالقرآن. # والفرق بين هذا الوجه والوجه الذى قبله، أن الاستعاذة فى الوجه الأول ~~لأجل حصول فائدة القرآن، وفى الوجه الثاني لأجل بقائها وحفظها وثباتها. # وكأن من قال: إن الاستعاذة بعد القراءة لاحظ هذا المعنى، وهو لعمر الله ~~ملحظ جيد، إلا أن السنة وآثار الصحابة إنما جاءت بالاستعاذة قبل الشروع في ~~القراءة وهو قول جمهور الأمة من السلف والخلف، وهو محصل للأمرين. # ومنها: أن الملائكة تدنو من قارئ القرآن وتستمع لقراءته. كما فى ms084 حديث ~~أسيد ابن حضير لما كان يقرأ ورأى مثل الظلة فيها مثل المصابيح، فقال النبى ~~عليه الصلاة والسلام: "تلك الملائكة". # والشيطان ضد الملك وعدوه. فأمر القارئ أن يطلب من الله تعالى مباعدة عدوه ~~عنه حتى يحضره خاصته وملائكته، فهذه وليمة لا يجتمع فيها الملائكة ~~والشياطين. # PageV01P092 # ومنها: أن الشيطان يجلب على القارئ بخيله ورجله، حتى يشغله عن المقصود ~~بالقرآن، وهو تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد به المتكلم به سبحانه، فيحرص ~~بجهده على أن يحول بين قلبه وبين مقصود القرآن، فلا يكمل انتفاع القارئ به، ~~فأمر عند الشروع أن يستعيذ بالله عز وجل منه. # ومنها: أن القارئ مناج لله تعالى كلامه، والله تعالى أشد أذنا للقارئ ~~الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته. والشيطان إنما قراءته الشعر ~~والغناء. فأمر القارئ أن يطرده بالاستعاذة عند مناجاته تعالى واستماع الرب ~~قراءته. # ومنها: أن الله سبحانه أخبر أنه ما أرسل من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ~~ألقى الشيطان فى أمنيته، والسلف كلهم على أن المعنى: إذا تلا ألقى الشيطان ~~فى تلاوته. كما قال الشاعر فى عثمان: # تمنى كتاب الله أول ليله ... وآخره لاقى حمام المقادر # فإذا كان هذا فعله مع الرسل عليهم الصلاة والسلام فكيف بغيرهم؟ ولهذا ~~يغلط القارئ تارة ويخلط عليه القراءة، ويشوشها عليه، فيخبط عليه لسانه، أو ~~يشوش عليه ذهنه وقلبه، فإذا حضر عند القراءة لم يعدم منه القارئ هذا أو ~~هذا، وربما جمعهما له، فكان من أهم الأمور: الاستعاذة بالله تعالى منه عند ~~القراءة. # ومنها: أن الشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهم بالخير، أو يدخل ~~فيه فهو يشتد عليه حينئذ ليقطعه عنه، وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "إن شيطانا تفلت على البارحة، فأراد أن يقطع على صلاتي" الحديث. # وكلما كان الفعل أنفع للعبد وأحب إلى الله تعالى كان اعتراض الشيطان له ~~أكثر. وفى مسند الإمام أحمد من حديث سبرة بن أبى الفاكه أنه سمع النبى صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # "إن الشيطان قعد لابن آدم ms085 بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتسلم ~~وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟ فعصاه # PageV01P093 # فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك؟ وإنما ~~مثل المهاجر كالفرس فى الطول فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، وهو ~~جهاد النفس والمال فقال: تقاتل فتقتل، فتنكح المرأة ويقسم المال؟ قال: ~~فعصاه فجاهد". # فالشيطان بالرصد للإنسان على طريق كل خير. # وقال منصور عن مجاهد رحمه الله: "ما من رفقة تخرج إلى مكة إلا جهز معهم ~~إبليس مثل عدتهم" رواه ابن أبي حاتم فى تفسيره، فهو بالرصد، ولاسيما عند ~~قراءة القرآن، فأمر سبحانه العبد أن يحارب عدوه الذى يقطع عليه الطريق ~~ويستعيذ بالله تعالى منه أولا، ثم يأخذ فى السير، كما أن المسافر إذا عرض ~~له قاطع طريق اشتغل بدفعه، ثم اندفع فى سيره. # ومنها: أن الاستعاذة قبل القراءة عنوان وإعلام بأن المأتى به بعدها ~~القرآن، ولهذا لم تشرع الاستعاذة بين يدى كلام غيره، بل الاستعاذة مقدمة ~~وتنبيه للسامع أن الذي يأتي بعدها هو التلاوة، فإذا سمع السامع الاستعاذة ~~استعد لاستماع كلام الله تعالى، ثم [شرع] ذلك للقارئ، وإن كان وحده، لما ~~ذكرنا من الحكم وغيرها. # فهذه بعض فوائد الاستعاذة. # وقد قال أحمد فى رواية حنبل: "لا يقرأ فى صلاة ولا غير صلاة، إلا استعاذ؛ ~~لقوله عز وجل: # {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: 98] . # وقال فى رواية ابن مشيش: "كلما قرأ يستعيذ". # وقال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي كان إذا قرأ استعاذ، يقول: أعوذ بالله ~~من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم". # وفى المسند والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري قال: "كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة استفتح ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من ~~الشيطان الرجيم: من همزه ونفخه ونفثه". # PageV01P094 # وقال ابن المنذر: "جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول قبل ~~القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". # واختار الشافعي وأبو حنيفة والقاضي فى الجامع أنه كان يقول: "أعوذ بالله ms086 ~~من الشيطان الرجيم" وهو رواية عن أحمد، لظاهر الآية، وحديث ابن المنذر. # وعن أحمد من رواية عبد الله: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان ~~الرجيم". # لحديث أبى سعيد، وهو مذهب الحسن وابن سيرين، ويدل عليه ما رواه أبو داود ~~فى قصة الإفك: # "أن النبى صلى الله عليه وسلم جلس وكشف عن وجهه وقال: أعوذ بالله السميع ~~العليم من الشيطان الرجيم". # وعن أحمد رواية أخرى أنه يقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو ~~السميع العليم". # وبه قال سفيان الثوري ومسلم بن يسار، واختاره القاضي فى المجرد وابن ~~عقيل؛ لأن قوله: {فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [فصلت: 36] . # ظاهره أنه يستعيذ بقوله "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" وقوله فى الآية ~~الأخرى: {فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم} [فصلت: 36] . # يقتضي أن يلحق بالاستعاذة وصفه بأنه هو السميع العليم فى جملة مستقلة ~~بنفسها مؤكدة بحرف "إن" لأنه سبحانه هكذا ذكره. # وقال إسحاق: الذى أختاره ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم إنى ~~أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه". # وقد جاء فى الحديث تفسير ذلك، قال: "وهمزه: المؤتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: ~~الشعر". # وقال تعالى: {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون} ~~[المؤمنون: 97 - 98] . # والهمزات: جمع همزة كتمرات وتمرة. وأصل الهمز الدفع، قال أبو عبيد عن ~~الكسائي: همزته، ولمزته، ولهزته، ونهزته- إذا دفعته، والتحقيق: أنه دفع ~~بنخز، وغمز يشبه الطعن، فهو دفع خاص، فهمزات الشياطين: دفعهم الوساوس ~~والإغواء إلى القلب، قال ابن عباس والحسن: "همزات الشياطين: نزغاتهم ~~ووساوسهم" وفسرت همزاتهم بنفخهم ونفثهم، وهذا قول مجاهد، وفسرت بخنقهم وهو ~~المؤتة التى تشبه الجنون. # وظاهر الحديث أن الهمز نوع غير النفخ والنفث، وقد يقال- وهو الأظهر- إن ~~همزات الشياطين إذا أفردت دخل فيها جميع إصاباتهم لابن آدم، وإذا قرنت ~~بالنفخ والنفث كانت نوعا خاصا، كنظائر ذلك # PageV01P095 # ثم قال: {وأعوذ بك رب أن يحضرون} [المؤمنون: 98] . # قال ابن زيد: فى أموري. وقال الكلبي: عند تلاوة القرآن، وقال عكرمة: عند ~~النزع والسياق، فأمره ms087 أن يستعيذ من نوعي شر إصابتهم له بالهمز وقربهم ~~ودنوهم منه. # فتضمنت الاستعاذة أن لا يمسوه ولا يقربوه، وذكر ذلك سبحانه عقيب قوله: ~~{ادفع بالتى هى أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون} [المؤمنون: 96] . # فأمره أن يحترز من شر شياطين الإنس بدفع إساءتهم إليه بالتى هى أحسن، وأن ~~يدفع شر شياطين الجن بالاستعاذة منهم. # ونظير هذا قوله فى سورة الأعراف: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين} [الأعراف: 199] . # فأمره بدفع شر الجاهلين بالإعراض عنهم، ثم أمره بدفع شر الشيطان ~~بالاستعاذة منه فقال: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع ~~عليم} [الأعراف: 200] . # ونظير ذلك قوله فى سورة فصلت: {ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتى ~~هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم} [فصلت: 34] . # فهذا لدفع شر شياطين الإنس ثم قال: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله إنه هو السميع العليم} [فصلت: 36] وقال هاهنا: {إنه هو السميع ~~العليم} [فصلت: 36] ، فأكد بإن وبضمير الفصل وأتى باللام فى {السميع ~~العليم} [فصلت: 36] . وقال فى الأعراف: {إنه سميع عليم} [الأعراف: 200] . # وسر ذلك- والله أعلم- أنه حيث اقتصر على مجرد الاسم ولم يؤكده أريد إثبات ~~مجرد الوصف الكافى في الاستعاذة والإخبار بأنه سبحانه يسمع ويعلم، فيسمع ~~استعاذتك فيجيبك ويعلم ما تستعيذ منه فيدفعه عنك، فالسمع لكلام المستعيذ ~~والعلم بالفعل المستعاذ منه، وبذلك يحصل مقصود الاستعاذة، وهذا المعنى شامل ~~للموضعين، وامتاز المذكور فى سورة فصلت بمزيد التأكيد والتعريف والتخصيص؛ ~~لأن سياق ذلك بعد إنكاره سبحانه على الذين شكوا فى سمعه لقولهم وعلمهم به، ~~كما جاء فى الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: "اجتمع عند البيت ثلاثة نفر ~~قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فقالوا: ~~أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال أحدهم: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، ~~فقال الآخر: إن سمع بعضه سمع كله، فأنزل الله عز وجل: {وما كنتم تستترون أن ~~يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا ~~مما تعملون} إلى ms088 قوله: {فأصبحتم # PageV01P096 # من الخاسرين} [فصلت: 22 - 23] . # فجاء التوكيد فى قوله: {إنه هو السميع العليم} [فصلت: 36] . # فى سياق هذا الإنكار: أى هو وحده الذى له كمال قوة السمع وإحاطة العلم، ~~لا كما يظن به أعداؤه الجاهلون: أنه لا يسمع إن أخفوا وأنه لا يعلم كثيرا ~~مما يعملون، وحسن ذلك أيضا: أن المأمور به فى سورة فصلت دفع إساءتهم إليه ~~بإحسانه إليهم، وذلك أشق على النفوس من مجرد الإعراض عنهم ولهذا عقبه ~~بقوله: {وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} [فصلت: 35] ~~. # فحسن التأكيد لحاجة المستعيذ. # وأيضا فإن السياق هاهنا لإثبات صفات كماله وأدلة ثبوتها وآيات ربوبيته ~~وشواهد توحيده ولهذا عقب ذلك بقوله: {ومن آياته الليل والنهار} [فصلت: 37] ~~وبقوله: {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة} [فصلت: 39] . # فأتى بأداة التعريف الدالة على أن من أسمائه "السميع العليم" كما جاءت ~~الأسماء الحسنى كلها معرفة، والذى فى الأعراف فى سياق وعيد المشركين ~~وإخوانهم من الشياطين ووعد المستعيذ بأن له ربا يسمع ويعلم، وآلهة المشركين ~~التي عبدوها من دونه ليس لهم أعين يبصرون بها ولا آذان يسمعون بها، فإنه ~~سميع عليم، وآلهتهم لا تسمع ولا تبصر ولا تعلم، فكيف تسوونها به في ~~العبادة، فعلمت أنه لا يليق بهذا السياق غير التنكير، كما لا يليق بذلك غير ~~التعريف، والله أعلم بأسرار كلامه. # ولما كان المستعاذ منه فى سورة "حم المؤمن" هو شر مجادلة الكفار فى آياته ~~وما ترتب عليها من أفعالهم المرئية بالبصر قال: {إن الذين يجادلون فى آيات ~~الله بغير سلطان أتاهم إن فى صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله ~~إنه هو السميع البصير} [غافر: 56] . # فإنه لما كان المستعاذ منه كلامه وأفعالهم المشاهدة عيانا قال: {إنه هو ~~السميع البصير} [غافر: 56] ، وهناك المستعاذ منه غير مشاهد لنا، فإنه يرانا ~~هو وقبيله من حيث لا نراه. بل هو معلوم بالإيمان وإخبار الله ورسوله. # PageV01P097 # فصل # فالقرآن أرشد إلى دفع هذين العدوين بأسهل الطرق بالاستعاذة والإعراض عن ~~الجاهلين ودفع إساءتهم بالإحسان. وأخبر عن عظم حظ ms089 من لقاه ذلك فإنه ينال ~~بذلك كف شر عدوه وانقلابه صديقا، ومحبة الناس له، وثناءهم عليه، وقهر هواه، ~~وسلامة قلبه من الغل والحقد وطمأنينة الناس- حتى عدوه- إليه. هذا غير ما ~~يناله من كرامة الله وحسن ثوابه ورضاه عنه، وهذا غاية الحظ عاجلا وآجلا، ~~ولما كان ذلك لا ينال إلا بالصبر قال: {وما يلقاها إلا الذين صبروا} [فصلت: ~~35] فإن النزق الطائش لا يصبر على المقابلة. # ولما كان الغضب مركب الشيطان، فتتعاون النفس الغضبية والشيطان على النفس ~~المطمئنة التى تأمر بدفع الإساءة بالإحسان - أمر أن يعاونها بالاستعاذة ~~منه، فتمد الاستعاذة النفس المطمئنة فتقوى على مقاومة جيش النفس الغضبية، ~~ويأتي مدد الصبر الذى يكون النصر معه، وجاء مدد الإيمان والتوكل، فأبطل ~~سلطان الشيطان: # {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} [النحل: 99] . # قال مجاهد وعكرمة والمفسرون: ليس له حجة. # والصواب: أن يقال: ليس له طريق يتسلط به عليهم: لا من جهة الحجة، ولا من ~~جهة القدرة. والقدرة داخلة فى مسمى السلطان، وإنما سميت الحجة سلطانا؛ لأن ~~صاحبها يتسلط بها تسلط صاحب القدرة بيده، وقد أخبر سبحانه أنه لا سلطان ~~لعدوه على عباده المخلصين المتوكلين، فقال فى سورة الحجر: # {قال رب بما أغويتنى لأزينن لهم فى الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك ~~منهم المخلصين قال هذا صراط على مستقيم إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين} [الحجر: 39 - 42] . # وقال فى سورة النحل: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} [النحل: 99- ~~100] . # فتضمن ذلك أمرين: أحدهما نفى سلطانه وإبطاله على أهل التوحيد والإخلاص. ~~والثاني إثبات سلطانه على أهل الشرك وعلى من تولاه. # PageV01P098 # ولما علم عدو الله أن الله تعالى لا يسلطه على أهل التوحيد والإخلاص قال: ~~{فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: 82- 83] . # فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله، عز وجل، وأخلص له وتوكل عليه لا يقدر ~~على إغوائه وإضلاله، وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك ms090 مع الله، ~~فهؤلاء رعيته وهو وليهم وسلطانهم ومتبوعهم. # فإن قيل: فقد أثبت له السلطان على أوليائه فى هذا الموضع. فكيف ينفيه فى ~~قوله: # {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين وما كان له ~~عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها فى شك} [سبأ: 20- ~~21] . # قيل: إن كان الضمير فى قوله: {وما كان له عليهم من سلطان} [سبأ: 21] . # عائدا على المؤمنين فالسؤال ساقط، ويكون الاستثناء منقطعا: أى لكن ~~امتحناهم بإبليس، لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها فى شك. وإن كان عائدا ~~على ما عاد عليه فى قوله: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه} [سبأ: 20] . # وهو الظاهر، ليصح الاستثناء المنقطع بوقوعه بعد النفى ويكون المعنى: وما ~~سلطناه عليهم إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة. # قال ابن قتيبة: "إن إبليس لما سأل الله تعالى النظرة قال لأغوينهم ~~ولأضلنهم ولآمرنهم بكذا، ولأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا وليس هو فى وقت هذه ~~المقالة مستيقنا أن ما قدره فيه يتم، وإنما قال ظانا، فلما اتبعوه وأطاعوه ~~صدق عليهم ما ظنه فيهم، فقال تعالى: وما كان تسليطنا إياه إلا لنعلم ~~المؤمنين من الشاكين، يعني نعلمهم موجودين ظاهرين فيحق القول ويقع الجزاء". # وعلى هذا فيكون السلطان هاهنا على من لم يؤمن بالآخرة وشك فيها، وهم ~~الذين تولوه وأشركوا به فيكون السلطان ثابتا لا منفيا، فتتفق هذه الآية مع ~~سائر الآيات. # فإن قيل: فما تصنع بالتي فى سورة إبراهيم. حيث يقول لأهل النار: # PageV01P099 # {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} [إبراهيم: 22] . # وهذا وإن كان قوله فالله سبحانه أخبر به عنه مقررا له، لا منكرا، فدل على ~~أنه كذلك. # قيل: هذا سؤال جيد. وجوابه: أن السلطان المنفي فى هذا الموضع: هو الحجة ~~والبرهان، أى ما كان لي عليكم من حجة وبرهان أحتج به عليكم، كما قال ابن ~~عباس: "ما كان لي من حجة أحتج بها عليكم" أى: ما أظهرت لكم حجة إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لى، وصدقتم مقالتي، واتبعتمونى بلا ms091 برهان ولا حجة. فأما ~~السلطان الذي أثبته فى قوله: {إنما سلطانه على الذين يتولونه} [النحل: 100] ~~. # فهو تسلطه عليهم بالإغواء والإضلال، وتمكنه منهم، بحيث يؤزهم إلى الكفر ~~والشرك ويزعجهم إليه، ولا يدعهم يتركونه كما قال تعالى: {ألم تر أنا أرسلنا ~~الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} [مريم: 83] . # قال ابن عباس: "تغريهم إغراء" وفى رواية: "تشليهم إشلاء" وفى لفظ: ~~"تحرضهم تحريضا" وفى آخر: "تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا" وفى آخر: "توقدهم" ~~أى تحركهم كما يحرك الماء بالإيقاد تحته، قال الأخفش: "توهجهم". # وحقيقة ذلك: أن "الأز" هو التحريك والتهييج، ومنه يقال لغليان القدر: ~~الأزيز؛ لأن الماء يتحرك عند الغليان. ومنه الحديث: "لجوفه أزيز كأزيز ~~المرجل من البكاء". # قال أبو عبيدة "الأزيز" الالتهاب والحركة، كالتهاب النار فى الحطب، يقال: ~~إز قدرك، أى ألهب تحتها بالنار، وأيزت القدر إذا اشتد غليانها، فقد حصل ~~للأز معنيان: أحدهما: التحريك، والثاني: الإيقاد والإلهاب، وهما متقاربان، ~~فإنه تحريك خاص بإزعاج وإلهاب. # فهذا من السلطان الذي له على أوليائه وأهل الشرك، ولكن ليس له على ذلك ~~سلطان حجة وبرهان، وإنما استجابوا له بمجرد دعوته إياهم، لما وافقت أهواءهم ~~وأغراضهم، فهم الذين أعانوا على أنفسهم ومكنوا عدوهم من سلطانه عليهم، ~~بموافقته ومتابعته فلما أعطوا # PageV01P100 # بأيديهم واستأسروا له سلط عليهم؛ عقوبة لهم. وبهذا يظهر معنى قوله ~~سبحانه: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} [النساء: 141] . # فالآية على عمومها وظاهرها، وإنما المؤمنون تصدر منهم من المعصية ~~والمخالفة التى تضاد الإيمان ما يصير به للكافرين عليهم سبيل بحسب تلك ~~المخالفة، فهم الذين تسببوا إلى جعل السبيل عليهم كما تسببوا إليه يوم أحد ~~بمعصية الرسول ومخالفته، والله سبحانه لم يجعل للشيطان على العبد سلطانا، ~~حتى جعل له العبد سبيلا إليه بطاعته والشرك به، فجعل الله حينئذ له عليه ~~تسلطا وقهرا، فمن وجد خيرا فليحمد الله تعالى، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن ~~إلا نفسه. # فالتوحيد والتوكل والإخلاص يمنع سلطانه، والشرك وفروعه يوجب سلطانه، ~~والجميع بقضاء من أزمة الأمور بيده، ومردها إليه، وله الحجة البالغة، فلو ~~شاء لجعل ms092 الناس أمة واحدة، لكن أبت حكمته وحمده وملكه إلا ذلك. {فلله الحمد ~~رب السموات ورب الأرض رب العالمين وله الكبرياء في السموات والأرض وهو ~~العزيز الحكيم} [الجاثية: 36 - 37] . # PageV01P101 ### | الباب الثالث عشر: في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم # قال الله تعالى إخبارا عن عدوه إبليس، لما سأله عن امتناعه عن السجود ~~لآدم واحتجاجه بأنه خير منه وإخراجه من الجنة أنه سأله أن ينظره، فأنظره، ~~ثم قال عدو الله: # {فبما أغويتنى لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن ~~خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين} [الأعراف: 16- 17] . # قال جمهور المفسرين والنحاة: حذف "على" فانتصب بالفعل. والتقدير: لأقعدن ~~لهم على صراطك. والظاهر: أن الفعل مضمر، فإن القاعد على الشىء ملازم له، ~~فكأنه قال: لألزمنه، ولأرصدنه، ولأعوجنه، ونحو ذلك. # قال ابن عباس: "دينك الواضح" وقال ابن مسعود: "هو كتاب الله" وقال جابر: ~~"هو الإسلام" وقال مجاهد: "هو الحق". # والجميع عبارات عن معنى واحد، وهو الطريق الموصل إلى الله تعالى، وقد ~~تقدم حديث سبرة بن أبى الفاكه: "إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه كلها" ~~الحديث. # فما من طريق خير إلا والشيطان قاعد عليه يقطعه على السالك. # وقوله: {ثم لآتينهم من بين أيديهم} [الأعراف: 17] . # قال ابن عباس، فى رواية عطية عنه: "من قبل الدنيا" وفى رواية علي عنه ~~"أشككهم فى آخرتهم". # وكذلك قال الحسن: "من قبل الآخرة، تكذيبا بالبعث والجنة والنار". # وقال مجاهد: "من بين أيديهم من حيث يبصرون" # PageV01P102 # ومن خلفهم. # قال ابن عباس: "أرغبهم فى دنياهم" وقال الحسن: "من قبل دنياهم أزينها لهم ~~وأشهيها لهم". # وعن ابن عباس رواية أخرى: "من قبل الآخرة". # وقال أبو صالح: "أشككهم فى الآخرة وأباعدها عليهم" وقال مجاهد أيضا: "من ~~حيث لا يبصرون". # وعن أيمانهم قال ابن عباس: "أشبه عليهم أمر دينهم" وقال أبو صالح: "الحق ~~أشككهم فيه" وعن ابن عباس أيضا: "من قبل حسناتهم". # قال الحسن: "من قبل الحسنات أثبطهم عنها". # وقال أبو صالح أيضا: "من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن ms093 شمائلهم: ~~أنفقه عليهم وأرغبهم فيه". # وقال الحسن "وعن شمائلهمالسيئات يأمرهم بها ويحثهم عليها ويرغبهم فيها ~~ويزينها فى أعينهم". # وصح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: "ولم يقل من فوقهم؛ لأنه علم أن ~~الله من فوقهم". # قال الشعبي: "فالله عز وجل أنزل الرحمة عليهم من فوقهم". # وقال قتادة: "أتاك الشيطان يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من ~~فوقك. لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله". # قال الواحدي: "وقول من قال: الأيمان كناية عن الحسنات، والشمائل كناية عن ~~السيئات، حسن؛ لأن العرب تقول: اجعلني فى يمينك، ولا تجعلني فى شمالك، ~~تريد: اجعلني من المقدمين عندك، ولا تجعلني، من المؤخرين"، وأنشد لابن ~~الدمينة: # ألبنى، أفى يمنى يديك جعلتنى ... فأفرح، أم صيرتنى فى شمالك؟ # وروى أبو عبيد عن الأصمعى: "هو عندنا باليمين: أى بمنزلة حسنة، وبضد ذلك ~~هو عندنا بالشمال"، وأنشد: # رأيت بنى العلات لما تظافروا ... يحوزون سهمى بينهم فى الشمائل # PageV01P103 # أى ينزلونى بالمنزلة السيئة. # وحكى الأزهرى عن بعضهم فى هذه الآية {لآتينهم من بين أيديهم} [الأعراف: ~~17] : "أى لأغوينهم حتى يكذبوا بما تقدم من أمور الأمم السالفة {ومن خلفهم} ~~[الأعراف: 17] بأمر البعث {وعن أيمانهم وعن شمائلهم} [الأعراف: 17] : أى ~~لأضلنهم فيما يعملون؛ لأن الكسب يقال فيه: ذلك بما كسبت يداك، وإن كانت ~~اليدان لم تجنيا شيئا؛ لأنهما الأصل فى التصرف، فجعلتا مثلا لجميع ما يعمل ~~بغيرهما". # وقال آخرون منهم أبو إسحاق والزمخشرى، واللفظ لأبى إسحاق: ذكر هذه الوجوه ~~للمبالغة فى التوكيد، أى: لآتينهم من جميع الجهات، والله أعلم، أتصرف لهم ~~فى الإضلال من جميع جهاتهم. # وقال الزمخشرى: ثم لآتينهم من الجهات الأربع التى يأتى منها العدو فى ~~الغالب، وهذا مثل لوسوسته إليهم وتسويله ما أمكنه وقدر عليه، كقوله: # {واستفزز من استطعت منهم بسوطك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك} [الإسراء: 64] . # وهذا يوافق ما حكيناه عن قتادة: "أتاك من كل وجه غير أنه لم يأتك من ~~فوقك". وهذا القول أعم فائدة ولا يناقض ما قاله السلف، فإن ذلك على جهة ~~التمثيل ms094 لا التعيين. # قال شقيق: "ما من صباح إلا قعد لى الشيطان على أربعة مراصد: من بين يدي، ~~ومن خلفى، وعن يمينى، وعن شمالي، فيقول: لا تخف فإن الله غفور رحيم، فأقرأ: ~~{وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} [طه: 82] . # وأما من خلفي فيخوفنى الضيعة على من أخلفه، فأقرأ: {وما من دابة فى الأرض ~~إلا على الله رزقها} [هود: 6] . # ومن قبل يميني يأتيني من قبل النساء، فأقرأ: {والعاقبة للمتقين} ~~[الأعراف: 128] . # ومن قبل شمالى فيأتيني من قبل الشهوات، فأقرأ: {وحيل بينهم وبين ما ~~يشتهون} [سبأ: 54] . # قلت: السبل التى يسلكها الإنسان أربعة لا غير، فإنه تارة يأخذ على جهة ~~يمينه، وتارة على شماله، وتارة أمامه، وتارة يرجع خلفه، فأي سبيل سلكها من ~~هذه وجد الشيطان عليها رصدا له، فإن سلكها فى طاعة وجده عليها يثبطه عنها ~~ويقطعه، أو يعوقه ويبطئه، وإن سلكها لمعصية وجده عليها حاملا له وخادما ~~ومعينا وممنيا، ولو اتفق له الهبوط إلى أسفل لأتاه من هناك. # PageV01P104 # ومما يشهد لصحة أقوال السلف قوله تعالى: {وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم} [فصلت: 25] . # قال الكلبي: "ألزمناهم قرناء من الشياطين". وقال مقاتل: "هيأنا لهم قرناء ~~من الشياطين". وقال ابن عباس: "ما بين أيديهم من أمر الدنيا وما خلفهم من ~~أمر الآخرة". # والمعنى: زينوا لهم الدنيا حتى آثروها، ودعوهم إلى التكذيب بالآخرة ~~والإعراض عنها. وقال الكلبى: "زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة: أنه ~~لا جنة، ولا نار، ولا بعث، وما خلفهم من أمر الدنيا: ما هم عليه من ~~الضلالة". وهذا اختيار الفراء. # وقال ابن زيد: "زينوا لهم ما مضى من خبث أعمالهم، وما يستقبلون منها". ~~والمعنى: على هذا زينوا لهم ما عملوه فلم يتوبوا منه وما يعزمون عليه فلا ~~ينوون تركه. # فقول عدو الله تعالى: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم} [الأعراف: ~~17] . # يتناول الدنيا والآخرة، وقوله: {وعن أيمانهم وعن شمائلهم} [الأعراف: 17] ~~. # فإن ملك الحسنات عن اليمين يستحث صاحبه على فعل الخير، فيأتيه الشيطان من ~~هذه الجهة ms095 يثبطه عنه، وإن ملك السيئات عن الشمال ينهاه عنها فيأتيه الشيطان ~~من تلك الجهة يحرضه عليها، وهذا يفصل ما أجمله فى قوله: {فبعزتك لأغوينهم ~~أجمعين} [ص: 82] وقال تعالى: {إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا ~~شيطانا مريدا لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ~~ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن ~~يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمنيهم وما ~~يعدهم الشيطان إلا غرورا} [النساء: 117 - 120] . # قال الضحاك: "مفروضا أى معلوما" وقال الزجاج: "أى نصيبا افترضته على ~~نفسى" قال الفراء: "يعنى ما جعل له عليه السبيل من الناس، فهو كالمفروض". # قلت: حقيقة الفرض هو التقدير. والمعنى: أن من اتبع الشيطان وأطاعه فهو من ~~نصيبه المفروض وحظه المقسوم، فكل من أطاع عدو الله فهو من مفروضه، فالناس ~~قسمان: نصيب الشيطان ومفروضه، وأولياء الله وحزبه وخاصته. # وقوله {ولأضلنهم} يعنى عن الحق {ولأمنيهم} ، قال ابن عباس: "يريد تعويق ~~التوبة وتأخيرها". # PageV01P105 # وقال الكلبى: "منيهم أنه لا جنة، ولا نار، ولا بعث". # وقال الزجاج: "أجمع لهم مع الإضلال أن أوهمهم أنهم ينالون مع ذلك حظهم من ~~الآخرة". # وقيل: "لأمنينهم ركوب الأهواء الداعية إلى العصيان والبدع". # وقيل: "أمنيهم طول البقاء فى نعيم الدنيا، فأطيل لهم الأمل فيها ليؤثروها ~~على الآخرة". # وقوله: {ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام} [النساء: 119] . # البتك: القطع وهو فى هذا الموضع: قطع آذان البحيرة، عن جميع المفسرين، ~~ومن هاهنا كره جمهور أهل العلم تثقيب أذنى الطفل للحلق، ورخص بعضهم فى ذلك ~~للأنثى، دون الذكر، لحاجتها إلى الحلية، واحتجوا بحديث أم زرع، وفيه: "أناس ~~من حلى أذنى " # وقال النبى صلى الله عليه وسلم: "كنت لك كأبى زرع لأم زرع". # ونص أحمد رحمه الله على جواز ذلك فى حق البنت وكراهته فى حق الصبي. # وقوله: {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} [النساء: 119] . # قال ابن عباس: "يريد دين الله". وهو قول إبراهيم، ومجاهد، والحسن، ~~والضحاك، وقتادة، والسدى، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير. # ومعنى ذلك: هو أن الله تعالى ms096 فطر عباده على الفطرة المستقيمة؛ وهى ملة ~~الإسلام؛ كما قال تعالى: # {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه} ~~[الروم: 30- 31] . # ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه ~~يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، فهل تحسون ~~فيها من جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها". # ثم قرأ أبو هريرة: {فطرت الله التى فطر الناس عليها} [الروم: 30] الآية، ~~متفق عليه. # PageV01P106 # فجمع النبى عليه الصلاة والسلام بين الأمرين: تغيير الفطرة بالتهويد ~~والتنصير، وتغيير الخلقة بالجدع، وهما الأمران اللذان أخبر إبليس أنه لا بد ~~أن يغيرهما، فغير فطرة الله بالكفر، وهو تغيير الخلقة التى خلقوا عليها، ~~وغير الصورة بالجدع والبتك، فغيروا الفطرة إلى الشرك، والخلقة إلى البتك ~~والقطع، فهذا تغيير خلقة الروح، وهذا تغيير خلقة الصورة. # ثم قال: {يعدهم ويمنيهم} [النساء: 120] فوعده ما يصل إلى قلب الإنسان، ~~نحو: سيطول عمرك، وتنال من الدنيا إربك، وستعلو على أقرانك، وتظفر بأعدائك، ~~والدنيا دول ستكون لك كما كانت لغيرك، ويطول أمله، ويعده بالحسنى على شركه ~~ومعاصيه، ويمنيه الأمانى الكاذبة على اختلاف وجوهها، والفرق بين وعده ~~وتمنيته أن الوعد فى الخير والتمنية فى الطلب والإرادة، فيعده الباطل الذى ~~لا حقيقة له- وهو الغرور- ويمنيه المحال الذى لا حاصل له. ومن تأمل أحوال ~~أكثر الناس وجدهم متعلقين بوعده وتمنيه وهم لا يشعرون أنه يعد الباطل، ~~ويمنى المحال، والنفس المهينة التى لا قدر لها تغتذى بوعده وتمنيته، كما ~~قال القائل: # منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا # فالنفس المبطلة الخسيسة تلتذ بالأمانى الباطلة والوعود الكاذبة، وتفرح ~~بها، كما يفرح بها النساء والصيبان ويتحركون لها، فالأقوال الباطلة مصدرها ~~وعد الشيطان وتمنيه، فإن الشيطان يمنى أصحابها الظفر بالحق وإدراكه، ويعدهم ~~الوصول إليه من غير طريقه، فكل مبطل فله نصيب من قوله: {يعدهم ويمنيهم وما ~~يعدهم الشيطان إلا غرورا} [النساء: 120] . # ومن ذلك قوله ms097 تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم ~~مغفرة منه وفضلا} [البقرة: 268] . # قيل: {يعدكم الفقر} [البقرة: 268] : يخوفكم به، يقول: إن أنفقتم أموالكم ~~افتقرتم، {ويأمركم بالفحشاء} [البقرة: 268] قالوا: هى البخل فى هذا الموضع ~~خاصة، ويذكر عن مقاتل والكلبى كل فحشاء فى القرآن فهى الزنا إلا فى هذا ~~الموضع فإنها البخل. # والصواب: أن الفحشاء على بابها، وهى كل فاحشة، فهى صفة لموصوف محذوف، ~~فحذف موصوفها إرادة للعموم، أى بالفعلة الفحشاء والخلة الفحشاء، ومن جملتها ~~البخل، فذكر سبحانه وعد الشيطان وأمره يأمرهم بالشر ويخوفهم من فعل الخير، ~~وهذان الأمران هما جماع ما يطلبه الشيطان من الإنسان فإنه إذا خوفه من فعل ~~الخير تركه، وإذا أمره بالفحشاء وزينها له ارتكبها، وسمى سبحانه تخويفه وعد ~~الانتظار الذى خوفه إياه كما ينتظر الموعود ما وعد به ثم ذكر سبحانه وعده ~~على طاعته، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهى المغفرة # PageV01P107 # والفضل، فالمغفرة: وقاية الشر، والفضل: إعطاء الخير، وفى الحديث المشهور: ~~"إن للملك بقلب ابن آدم لمة، وللشيطان لمة، فلمة الملك: إيعاد بالخير، ~~وتصديق بالوعد، ولمة الشيطان: إيعاد بالشر، وتكذيب بالوعد"، ثم قرأ: ~~{الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء} [البقرة: 268] الآية. # فالملك والشيطان يتعاقبان على القلب تعاقب الليل والنهار، فمن الناس من ~~يكون ليله أطول من نهاره، وآخر بضده، ومنهم من يكون زمنه نهارا كله، وآخر ~~بضده، نستعيذ بالله تعالى من شر الشيطان. # فصل # ومن كيده للإنسان: أنه يورده الموارد التى يخيل إليه أن فيها منفعته، ثم ~~يصدره المصادر التى فيها عطبه، ويتخلى عنه ويسلمه ويقف يشمت به، ويضحك منه، ~~فيأمره بالسرقة والزنا والقتل، ويدل عليه ويفضحه، قال تعالى: {وإذ زين لهم ~~الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم فلما تراءت ~~الفئتان نكص على عقبيه وقال إنى برىء منكم إنى أرى مالا ترون إنى أخاف الله ~~والله شديد العقاب} [الأنفال: 48] . # فإنه تراءى للمشركين عند خروجهم إلى بدر فى صورة سراقة بن مالك، وقال: ~~أنا جار لكم من بنى كنانة أن يقصدوا أهلكم وذراريكم بسوء، فلما ms098 رأى عدو ~~الله جنود الله تعالى من الملائكة نزلت لنصر رسوله فر عنهم، وأسلمهم، كما ~~قال حسان: # PageV01P108 # دلاهم بغرور، ثم أسلمهم ... إن الخبيث لمن والاه غرار # وكذلك فعل بالراهب الذى قتل المرأة وولدها، أمره بالزنا ثم بقتلها، ثم دل ~~أهلها عليه، وكشف أمره لهم، ثم أمره بالسجود له، فلما فعل فر عنه وتركه. ~~وفيه أنزل الله سبحانه: # {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إنى برىء منك إنى أخاف ~~الله رب العالمين} [الحشر: 16] . # وهذا السياق لا يختص بالذى ذكرت عنه هذه القصة، بل هو عام فى كل من أطاع ~~الشيطان فى أمره له بالكفر، لينصره ويقضى حاجته، فإنه يتبرأ منه ويسلمه كما ~~يتبرأ من أوليائه جملة فى النار، ويقول لهم: {إنى كفرت بما أشركتمون من ~~قبل} [إبراهيم: 22] . # فأوردهم شر الموارد وتبرأ منهم كل البراءة. # وتكلم الناس فى قول عدو الله {إني أخاف الله} [الأنفال: 48] فقال قتادة ~~وابن إسحاق: "صدق عدو الله فى قوله {إني أرى ما لا ترون} [الأنفال: 48] ~~وكذب فى قوله {إني أخاف الله} [الأنفال: 48] والله ما به مخافة الله، ولكن ~~علم أنه لا قوة له ولا منعة فأوردهم وأسلمهم. وكذلك عادة عدو الله بمن ~~أطاعه". # وقالت طائفة: "إنما خاف بطش الله تعالى به فى الدنيا، كما يخاف الكافر ~~والفاجر أن يقتل أو يؤخذ بجرمه، لا أنه خاف عقابه فى الآخرة". وهذا أصح، ~~وهذا الخوف لا يستلزم إيمانا ولا نجاة. # قال الكلبى: "خاف أن يأخذه جبريل فيعرفهم حاله فلا يطيعونه". # وهذا فاسد، فإنه إنما قال لهم ذلك بعد أن فر ونكص على عقبيه، إلا أن يريد ~~أنه إذا عرف المشركون أن الذى أجارهم وأوردهم إبليس لم يطيعوه فيما بعد ~~ذلك، وقد أبعد النجعة إن أراد ذلك، وتكلف غير المراد. # وقال عطاء: "إنى أخاف الله أن يهلكنى فيمن يهلك"، وهذا خوف هلاك الدنيا ~~فلا ينفعه. # PageV01P109 # وقال الزجاج وابن الأنبارى: "ظن أن الوقت الذى أنظر إليه قد حضر". زاد ~~ابن الأنبارى قال: "أخاف أن يكون الوقت المعلوم الذى يزول ms099 معه إنظارى قد ~~حضر فيقع بى العذاب، فإنه لما عاين الملائكة خاف أن يكون وقت الإنظار قد ~~انقضى، فقال ما قال إشفاقا على نفسه". # فصل # ومن كيد عدو الله تعالى: أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه، فلا ~~يجاهدونهم ولا يأمرونهم بالمعروف، ولا ينهونهم عن المنكر، وهذا من أعظم ~~كيده بأهل الإيمان، وقد أخبرنا الله سبحانه عنه بهذا فقال: # {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} [آل ~~عمران: 175] . # المعنى عند جميع المفسرين: يخوفكم بأوليائه. قال قتادة: "يعظمهم فى ~~صدوركم، ولهذا قال: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} فكلما قوى إيمان ~~العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمان العبد قوى خوفه ~~منهم". # ومن مكايده أنه يسحر العقل دائما حتى يكيده، ولا يسلم من سحره إلا من شاء ~~الله، فيزين له الفعل الذى يضره حتى يخيل إليه أنه من أنفع الأشياء، وينفر ~~من الفعل الذى هو أنفع الأشياء له، حتى يخيل له أنه يضره، فلا إله إلا ~~الله. كم فتن بهذا السحر من إنسان، وكم حال به بين القلب وبين الإسلام ~~والإيمان والإحسان؟ وكم جلا الباطل وأبرزه فى صورة مستحسنة، وشنع الحق ~~وأخرجه فى صورة مستهجنة؟ وكم بهرج من الزيوف على الناقدين، وكم روج من ~~الزغل على العارفين؟ فهو الذى سحر العقول حتى ألقى أربابها فى الأهواء ~~المختلفة والآراء المتشعبة، وسلك بهم فى سبل الضلال كل مسلك وألقاهم من ~~المهالك فى مهلك بعد مهلك، وزين لهم عبادة الأصنام، وقطيعة الأرحام، ووأد ~~البنات، ونكاح الأمهات، ووعدهم الفوز بالجنات مع الكفر والفسوق والعصيان، ~~وأبرز لهم الشرك فى صورة التعظيم، والكفر بصفات الرب تعالى وعلوه على عرشه ~~وتكلمه بكتبه فى قالب التنزيه، وترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى ~~قالب التودد إلى الناس، وحسن الخلق معهم، والعمل بقوله: # {عليكم أنفسكم} [المائدة: 105] . # والإعراض عما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام فى قالب التقليد، # PageV01P110 # والاكتفاء بقول من هو أعلم منهم، والنفاق والإدهان فى دين الله فى قالب ~~العقل المعيشى الذى يندرج ms100 به العبد بين الناس. # فهو صاحب الأبوين حين أخرجهما من الجنة، وصاحب قابيل حين قتل أخاه، وصاحب ~~قوم نوح حين أغرقوا، وقوم عاد حين أهلكوا بالريح العقيم، وصاحب قوم صالح ~~حين أهلكوا بالصيحة، وصاحب الأمة اللوطية حين خسف بهم وأتبعوا بالرجم ~~بالحجارة، وصاحب فرعون وقومه حين أخذوا الأخذة الرابية، وصاحب عباد العجل ~~حين جرى عليهم ما جرى، وصاحب قريش حين دعوا يوم بدر، وصاحب كل هالك ومفتون. # فصل # وأول كيده ومكره: أنه كاد الأبوين بالأيمان الكاذبة: أنه ناصح لهما، وأنه ~~إنما يريد خلودهما فى الجنة، قال تعالى: {فوسوس لهما الشيطان ليبدى لهما ما ~~وورى عنهما من سوءاتهما وقال مانهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ~~ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور} ~~[الأعراف: 20 - 22] . # فالوسوسة: حديث النفس والصوت الخفى، وبه سمى صوت الحلى وسواسا، ورجل ~~موسوس بكسر الواو، ولا يفتح فإنه لحن، وإنما قيل له: موسوس؛ لأن نفسه توسوس ~~إليه، قال تعالى: {ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} ~~[ق: 16] . # وعلم عدو الله أنهما إذا أكلا من الشجرة بدت لهما عوراتهما، فإنها معصية، ~~والمعصية تهتك ستر ما بين الله وبين العبد، فلما عصيا انهتك ذلك الستر فبدت ~~لهما سوآتهما فالمعصية تبدى السوأة الباطنة والظاهرة، ولهذا رأى النبى صلى ~~الله تعالى عليه وسلم فى رؤياه الزناة والزوانى عراة بادية سوآتهم، وهكذا ~~إذا رؤى الرجل أو المرأة فى منامه مكشوف السوأة يدل على فساد فى دينه، قال ~~الشاعر: # PageV01P111 # إنى كأنى أرى من لا حياء له ... ولا أمانة وسط الناس عريانا # فإن الله سبحانه أنزل لباسين: لباسا ظاهرا يوارى العورة ويسترها، ولباسا ~~باطنا من التقوى، يجمل العبد ويستره، فإذا زال عنه هذا اللباس انكشفت عورته ~~الباطنة، كما تنكشف عورته الظاهرة بنزع ما يسترها. # ثم قال: {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين} [الأعراف: ~~20] . # أى: إلا كراهة أن تكونا ملكين، وكراهة أن تخلدا فى الجنة، ومن هاهنا دخل ~~عليهما لما عرف ms101 أنهما يريدان الخلود فيها، وهذا باب كيده الأعظم الذى يدخل ~~منه على ابن آدم، فإنه يجرى منه مجرى الدم حتى يصادف نفسه ويخالطها، ~~ويسألها عما تحبه وتؤثره، فإذا عرفه استعان بها على العبد، ودخل عليه من ~~هذا الباب، وكذلك علم إخوانه وأولياءه من الإنس إذا أرادوا أغراضهم الفاسدة ~~من بعضهم بعضا أن يدخلوا عليهم من الباب الذى يحبونه ويهوونه، فإنه باب لا ~~يخذل عن حاجته من دخل منه، ومن رام الدخول من غيره فالباب عليه مسدود، وهو ~~عن طريق مقصده مصدود. # فشام عدو الله الأبوين، فأحس منهما إيناسا وركونا إلى الخلد فى تلك الدار ~~فى النعيم المقيم فعلم أنه لا يدخل عليهما من غير هذا الباب، فقاسمهما ~~بالله إنه لهما لمن الناصحين، وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. # وكان عبد الله بن عباس يقرؤها ملكين بكسر اللام، ويقول: لم يطمعا أن ~~يكونا من الملائكة، ولكن استشرفا أن يكونا ملكين فأتاهما من جهة الملك، ~~ويدل على هذه القراءة قوله فى الآية الأخرى: {قال يا آدم هل أدلك على شجرة ~~الخلد وملك لا يبلى} [طه: 120] . # وأما على القراءة المشهورة فيقال: كيف أطمع عدو الله آدم عليه السلام أن ~~يكون بأكله من الشجرة من الملائكة، وهو يرى الملائكة لا تأكل ولا تشرب؟ ~~وكان آدم عليه السلام أعلم بالله وبنفسه وبالملائكة من أن يطمع أن يكون ~~منهم بأكله، ولا سيما مما نهاه الله عز وجل عنه؟، # فالجواب: أن آدم وحواء عليهما السلام لم يطمعا فى ذلك أصلا، وإنما كذبهما ~~عدو الله وغرهما، وخدعهما بأن سمى تلك الشجرة شجرة الخلد، فهذا أول المكر ~~والكيد ومنه ورث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التى تحب النفوس ~~مسمياتها، فسموا الخمر: أم الأفراح، # PageV01P112 # وسموا أخاها بلقيمة الراحة، وسموا الربا بالمعاملة، وسموا المكوس بالحقوق ~~السلطانية، وسموا أقبح الظلم وأفحشه شرع الديوان، وسموا أبلغ الكفر، وهو ~~جحد صفات الرب، تنزيها، وسموا مجالس الفسوق مجالس الطيبة. فلما سماها شجرة ~~الخلد قال: ما نهاكما ms102 ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تأكلا منها فتخلدا ~~فى الجنة ولا تموتا فتكونان مثل الملائكة الذين لا يموتون، ولم يكن آدم ~~عليه السلام قد علم أنه يموت بعد، واشتهى الخلود فى الجنة، وحصلت الشبهة من ~~قول العدو وإقسامه بالله جهد أيمانه، أنه ناصح لهما، فاجتمعت الشبهة ~~والشهوة، وساعده القدر، ولما فرغ الله سبحانه من تقديره فأخذتهما سنة ~~الغفلة، واستيقظ لهما العدو، كما قيل: # واستيقظوا وأراد الله غفلتهم ... لينفذ القدر المحتوم فى الأزل # إلا أن هذا الجواب يعترض عليه قوله {أو تكونا من الخالدين} [الأعراف: 20] ~~. فيقال: الماكر المخادع لا بد أن يكون فيما يمكر به ويكيد من التناقض ~~والباطل ما يدل على مكره وكيده، ولا حاجة بنا إلى تصحيح كلام عدو الله، ~~والاعتذار عنه، وإنما يعتذر عن الأب فى كون ذلك راج عليه وولج سمعه، فهو لم ~~يجزم لهما بأنهما إن أكلا منها صارا ملكين، وإنما ردد الأمر بين أمرين: ~~أحدهما ممتنع، والآخر: ممكن، وهذا من أبلغ أنواع الكيد والمكر، ولهذا لما ~~أطمعه فى الأمر الممكن جزم له به ولم يردده. # فقال: {يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} [طه: 120] . # فلم يدخل أداة الشك هاهنا كما أدخلها فى قوله: {إلا أن تكونا ملكين أو ~~تكونا من الخالدين} [الأعراف: 20] فتأمله، ثم قال: {وقاسمهما إنى لكما لمن ~~الناصحين} [الأعراف: 21] . # فتضمن هذا الخبر أنواعا من التأكيد: # أحدها: تأكيده بالقسم. # الثانى: تأكيده بإن. # الثالث: تقديم المعمول على العامل، إيذانا بالاختصاص. أى نصيحتى مختصة ~~بكما، وفائدتها إليكما لا إلى. # الرابع: إتيانه باسم الفاعل الدال على الثبوت واللزوم، دون الفعل الدال ~~على التجدد: أى النصح صفتى وسجيتى، ليس أمرا عارضا لى. # PageV01P113 # الخامس: إتيانه بلام التأكيد فى جواب القسم. # السادس: أنه صور نفسه لهما ناصحا من جملة الناصحين، فكأنه قال لهما: ~~الناصحون لكما فى ذلك كثير، وأنا واحد منهم، كما تقول لمن تأمره بشىء: كل ~~أحد معى على هذا وأنا من جملة من يشير عليك به. # سعى نحوها حتى تجاوز حده ... وكثر فارتابت، ms103 ولو شاء قللا # وورث عدو الله هذا المكر لأوليائه وحزبه عند خداعهم للمؤمنين كما كان ~~المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا جاءوه: {نشهد ~~إنك لرسول الله} [المنافقون: 1] . فأكدوا خبرهم بالشهادة وبإن وبلام ~~التأكيد، وكذلك قوله سبحانه: {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم} ~~[التوبة: 56] . # ثم قال تعالى: {فدلاهما بغرور} [الأعراف: 22] . # قال أبو عبيدة: "خذلهما وخلاهما، من تدلية الدلو، وهو إرسالها فى البئر". # وذكر الأزهرى لهذه اللفظة أصلين: أحدهما قال: "أصله الرجل العطشان يتدلى ~~فى البئر ليروى من الماء فلا يجد فيها ماء فيكون قد تدلى فيها بالغرور. ~~فوضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدى نفعا، فيقال: دلاه، إذا أطمعه"، ~~ومنه قول أبى جندب الهذلى: # أحص، فلا أجير ومن أجره ... فليس كمن تدلى بالغرور # أحص: أى أقطع. # الثانى: "فدلاهما بغرور، أى جرأهما على أكل الشجرة، وأصله: دللهما من ~~الدلال والدالة وهى الجراءة"، قال شمر: "يقال: ما دلك على أى ما جرأك على"، ~~وأنشد لقيس بن زهير: # أظن الحلم دل على قومى ... وقد يستجهل الرجل الحليم # PageV01P114 # قلت: أصل التدلية فى اللغة الإرسال والتعليق. يقال: دلى الشىء فى مهواة، ~~إذا أرسله بتعليق. وتدلى الشىء بنفسه. ومنه قوله تعالى: {فأرسلوا واردهم ~~فأدلى دلوه} [يوسف: 19] . # قال عامة أهل اللغة: يقال: أدلى دلوه إذا أرسلها فى البئر. ودلاها ~~بالتخفيف إذا نزعها من البئر، فأدلى دلوه يدليه إدلاء إذا أرسلها، ودلاها ~~يدلوها دلوا، إذا نزعها وأخرجها، ومنه الإدلاء، وهو التوصل إلى الرجل برحم ~~منه، ويشاركه فى الاشتقاق الأكبر الدلالة وهى التوصل إلى الشىء بإبانته ~~وكشفه، ومنه الدل وهو ما يدل على العبد من أفعاله، وكان عبد الله بن مسعود ~~يتشبه برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى هديه ودله وسمته، فالهدى ~~الطريقة التى عليها العبد، من أخلاقه وأقواله وأعماله، والدل ما يدل من ~~ظاهره على باطنه، والسمت هيأته ووقاره ورزانته. # والمقصود: ذكر كيد عدو الله ومكره بالأبوين. # قال مطرف بن عبد الله: "قال لهما إنى خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، ~~فاتبعانى أرشدكما ms104 وحلف لهما، وإنما يخدع المؤمن بالله"، قال قتادة: "وكان ~~بعض أهل العلم يقول من خادعنا بالله خدعنا"، فالمؤمن غر كريم والفاجر خب ~~لئيم، وفى الصحيح: "أن عيسى بن مريم عليه السلام رأى رجلا يسرق، فقال: ~~سرقت؟ فقال: لا والله الذى لا إله إلا هو، فقال المسيح: آمنت بالله وكذبت ~~بصرى". # وقد تأوله بعضهم على أنه لما حلف له جوز أن يكون قد أخذ من ماله، فظنه ~~المسيح سرقة، وهذا تكلف، وإنما كان الله سبحانه وتعالى فى قلب المسيح عليه ~~السلام أجل وأعظم من أن يحلف به أحد كاذبا، فلما حلف له السارق دار الأمر ~~بين تهمته وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره لما اجتهد له فى اليمين بالله، ~~كما ظن آدم عليه السلام صدق إبليس لما حلف له بالله عز وجل، وقال: ما ظننت ~~أحدا يحلف بالله تعالى كاذبا. # فصل # ومن كيده العجيب: أنه يشام النفس، حتى يعلم أى القوتين تغلب عليها: قوة ~~الإقدام والشجاعة، أم قوة الانكفاف والإحجام والمهانة؟. # PageV01P115 # فإن رأى الغالب على النفس المهانة والإحجام أخذ فى تثبيطه وإضعاف همته ~~وإرادته عن المأمور به، وثقله عليه، فهون عليه تركه، حتى يتركه جملة، أو ~~يقصر فيه ويتهاون يه. # وإن رأى الغالب عليه قوة الإقدام وعلو الهمة أخذ يقلل عنده المأمور به، ~~ويوهمه أنه لا يكفيه، وأنه يحتاج معه إلى مبالغة وزيادة فيقصر بالأول ~~ويتجاوز بالثانى، كما قال بعض السلف: "ما أمر الله سبحانه بأمر إلا ~~وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغلو. ولا ~~يبالى بأيهما ظفر". # وقد اقتطع أكثر الناس إلا أقل القليل فى هذين الواديين: وادى التقصير، ~~ووادى المجاوزة والتعدى. والقليل منهم جدا الثابت على الصراط الذى كان عليه ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه. # فقوم قصر بهم عن الإتيان بواجبات الطهارة، وقوم تجاوز بهم إلى مجاوزة ~~الحد # وقوم قصر بهم عن إخراج الواجب من المال، وقوم تجاوز بهم حتى أخرجوا جميع ~~ما فى أيديهم وقعدوا كلا على الناس، مستشرفين إلى ما ms105 بأيديهم. # وقوم قصر بهم عن تناول ما يحتاجون إليه من الطعام والشراب واللباس حتى ~~أضروا بأبدانهم وقلوبهم، وقوم تجاوز بهم حتى أخذوا فوق الحاجة فأضروا ~~بقلوبهم وأبدانهم. # وكذلك قصر بقوم فى حق الأنبياء وورثتهم حتى قتلوهم، وتجاوز بآخرين حتى ~~عبدوهم. # وقصر بقوم فى خلطة الناس حتى اعتزلوهم فى الطاعات، كالجمعة والجماعات ~~والجهاد وتعلم العلم، وتجاوز بقوم حتى خالطوهم فى الظلم والمعاصى والآثام. # وقصر بقوم حتى امتنعوا من ذبح عصفور أو شاة ليأكله، وتجاوز بآخرين حتى ~~جرأهم على الدماء المعصومة. # وكذلك قصر بقوم حتى منعهم من الاشتغال بالعلم الذى ينفعهم، وتجاوز بآخرين ~~حتى جعلوا العلم وحده هو غايتهم دون العمل به. # وقصر بقوم حتى أطعمهم من العشب ونبات البرية دون غذاء بنى آدم، وتجاوز ~~بآخرين حتى أطعمهم الحرام الخالص. # وقصر بآخرين حتى زين لهم ترك سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من ~~النكاح فرغبوا عنه بالكلية، وتجاوز بآخرين حتى ارتكبوا ما وصلوا إليه من ~~الحرام. # PageV01P116 # وقصر بقوم حتى جفوا الشيوخ من أهل الدين والصلاح، وأعرضوا عنهم، ولم ~~يقوموا بحقهم، وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم مع الله تعالى. # وكذلك قصر بقوم حتى منعهم قبول أقوال أهل العلم والالتفات إليها بالكلية، ~~وتجاوز بآخرين حتى جعلوا الحلال ما حللوه والحرام ما حرموه، وقدموا أقوالهم ~~على سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الصحيحة الصريحة. # وقصر بقوم حتى قالوا: إن الله سبحانه لا يقدر على أفعال عباده ولا شاءها ~~منهم، ولكنهم يعملونها بدون مشيئة الله تعالى وقدرته، وتجاوز بآخرين حتى ~~قالوا: إنهم لا يفعلون شيئا البتة، وإنما الله سبحانه هو فاعل تلك الأفعال ~~حقيقة، فهى نفس فعله لا أفعالهم. والعبيد ليس لهم قدرة ولا فعل البتة. # وقصر بقوم حتى قالوا: إن رب العالمين ليس داخلا فى خلقه ولا بائنا عنهم، ~~ولا هو فوقهم ولا تحتهم ولا خلفهم ولا أمامهم ولا عن أيمانهم ولا عن ~~شمائلهم، وتجاوز بآخرين حتى قالوا: هو فى كل مكان بذاته، كالهواء الذى هو ~~داخل فى كل مكان. # وقصر بقوم ms106 حتى قالوا: لم يتكلم الرب سبحانه بكلمة واحدة البتة، وتجاوز ~~بآخرين حتى قالوا: لم يزل أزلا وأبدا قائلا: يا إبليس ما منعك أن تسجد لما ~~خلقت بيدى، ويقول لموسى {اذهب إلى فرعون} فلا يزال هذا الخطاب قائما به ~~ومسموعا منه، كقيام صفة الحياة به. # وقصر بقوم حتى قالوا: إن الله سبحانه لا يشفع أحدا فى أحد البتة، ولا ~~يرحم أحدا بشفاعة أحد، وتجاوز بآخرين حتى زعموا أن المخلوق يشفع عنده بغير ~~إذنه، كما يشفع ذو الجاه عند الملوك ونحوهم. # وقصر بقوم حتى قالوا: إيمان أفسق الناس وأظلمهم كإيمان جبريل وميكائيل، ~~فضلا عن أبى بكر وعمر، وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا من الإسلام بالكبيرة ~~الواحدة. # وقصر بقوم حتى نفوا حقائق أسماء الرب تعالى وصفاته وعطلوه منها، وتجاوز ~~بآخرين حتى شبهوه بخلقه ومثلوه بهم. # وقصر بقوم حتى عادوا أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقاتلوهم، ~~واستحلوا حرمتهم، وتجاوز بقوم حتى ادعوا فيهم خصائص النبوة: من العصمة ~~وغيرها. وربما ادعوا فيهم الإلهية. # PageV01P117 # وكذلك قصر باليهود فى المسيح حتى كذبوه ورموه وأمه بما برأهما الله تعالى ~~منه، وتجاوز بالنصارى حتى جعلوه ابن الله، وجعلوه إلها يعبد مع الله. # وقصر بقوم حتى نفوا الأسباب والقوى والطبائع والغرائز، وتجاوز بآخرين حتى ~~جعلوها أمرا لازما لا يمكن تغييره ولا تبديله، وربما جعلها بعضهم مستقلة ~~بالتأثير. وقصر بقوم حتى تعبدوا بالنجاسات، وهم النصارى وأشباههم، وتجاوز ~~بقوم حتى أفضى بهم الوسواس إلى الآصار والأغلال، وهم أشباه اليهود. # وقصر بقوم حتى تزينوا للناس وأظهروا لهم من الأعمال والعبادات ما ~~يحمدونهم عليه، وتجاوز بقوم حتى أظهروا لهم من القبائح ومن الأعمال السيئة ~~ما يسقطون به جاههم عندهم، وسموا أنفسهم الملامية. # وقصر بقوم حتى أهملوا أعمال القلوب ولم يلتفتوا إليها وعدوها فضلا، أو ~~فضولا، وتجاوز بآخرين حتى قصروا نظرهم وعملهم عليها، ولم يلتفتوا إلى كثير ~~من أعمال الجوارح، وقالوا: العارف لا يسقط وارده لورده. # وهذا باب واسع جدا لو تتبعناه لبلغ مبلغا كثيرا، وإنما أشرنا إليه أدنى ~~إشارة. # فصل # ومن حيله ms107 ومكايده: الكلام الباطل، والآراء المتهافتة، والخيالات ~~المتناقضة، التى هى زبالة الأذهان، ونحاتة الأفكار، والزبد الذى يقذف به ~~القلوب المظلمة المتحيرة، التى تعدل الحق بالباطل، والخطأ بالصواب، قد ~~تقاذفت بها أمواج الشبهات، ورانت عليها غيوم الخيالات، فمركبها القيل ~~والقال، والشك والتشكيك، وكثرة الجدال، ليس لها حاصل من اليقين يعول عليه، ~~ولا معتقد مطابق للحق يرجع إليه، يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، فقد ~~اتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورا، وقالوا من عند أنفسهم فقالوا منكرا من ~~القول وزورا فهم فى شكهم يعمهون، وفى حيرتهم يترددون، نبذوا كتاب الله وراء ~~ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تلته الشياطين على ألسنة أسلافهم من ~~أهل الضلال، فهم إليه يتحاكمون، وبه يتخاصمون، فارقوا الدليل واتبعوا أهواء ~~قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل. # PageV01P118 # فصل # ومن كيده بهم وتحيله على إخراجهم من العلم والدين: أن ألقى على ألسنتهم ~~أن كلام الله ورسوله ظواهر لفظية لا تفيد اليقين، وأوحى إليهم أن القواطع ~~العقلية والبراهين اليقينية فى المناهج الفلسفية، والطرق الكلامية، فحال ~~بينهم وبين اقتباس الهدى واليقين من مشكاة القرآن، وأحالهم على منطق يونان، ~~وعلى ما عندهم من الدعاوى الكاذبة العرية عن البرهان، وقال لهم: تلك علوم ~~قديمة صقلتها العقول والأذهان، ومرت عليها القرون والأزمان، فانظر كيف تلطف ~~بكيده ومكره حتى أخرجهم من الإيمان والدين، كإخراج الشعرة من العجين. # فصل # ومن كيده: ما ألقاه إلى جهال المتصوفة من الشطح والطامات، وأبرزه لهم فى ~~قالب الكشف من الخيالات، فأوقعهم فى أنواع الأباطيل والترهات، وفتح لهم ~~أبواب الدعاوى الهائلات، وأوحى إليهم: أن وراء العلم طريقا إن سلكوه أفضى ~~بهم إلى الكشف العيان، وأغناهم عن التقيد بالسنة والقرآن، فحسن لهم رياضة ~~النفوس وتهذيبها، وتصفية الأخلاق والتجافى عما عليه أهل الدنيا، وأهل ~~الرياسة والفقهاء، وأرباب العلوم والعمل على تفريغ القلب وخلوه من كل شىء، ~~حتى ينتقش فيه الحق بلا واسطة تعلم، فلما خلا من صورة العلم الذى جاء به ~~الرسول نقش فيه الشيطان بحسب ما هو مستعد له ms108 من أنواع الباطل، وخيله للنفس ~~حتى جعله كالمشاهد كشفا وعيانا، فإذا أنكره عليهم ورثة الرسل قالوا: لكم ~~العلم الظاهر، ولنا الكشف الباطن، ولكم ظاهر الشريعة، وعندنا باطن الحقيقة، ~~ولكم القشور ولنا اللباب، فلما تمكن هذا من قلوبهم سلخها من الكتاب والسنة ~~والآثار كما ينسلخ الليل عن النهار، ثم أحالهم فى سلوكهم على تلك الخيالات، ~~وأوهمهم أنها عن الآيات البينات، وأنها من قبل الله سبحانه إلهامات ~~وتعريفات فلا تعرض على السنة والقرآن، ولا تعامل إلا بالقبول والإذعان. # فلغير الله لا له سبحانه ما يفتحه عليهم الشيطان من الخيالات والشطحات، ~~وأنواع # PageV01P119 # لهذيان. وكلما ازدادوا بعدا وإعراضا عن القرآن وما جاء به الرسول كان هذا ~~الفتح على قلوبهم أعظم. # فصل # ومن أنواع مكايده ومكره: أن يدعو العبد بحسن خلقه وطلاقته وبشره إلى ~~أنواع من الآثام والفجور، فيلقاه من لا يخلصه من شره إلا تجهمه والتعبيس فى ~~وجهه والإعراض عنه، فيحسن له العدو أن يلقاه ببشره، وطلاقة وجهه، وحسن ~~كلامه، فيتعلق به، فيروم التخلص منه فيعجز، فلا يزال العدو يسعى بينهما حتى ~~يصيب حاجته، فيدخل على العبد بكيده من باب حسن الخلق، وطلاقة الوجه، ومن ~~هاهنا وصى أطباء القلوب بالإعراض عن أهل البدع وأن لا يسلم عليهم، ولا ~~يريهم طلاقة وجهه، ولا يلقاهم إلا بالعبوس والإعراض. # وكذلك أوصوا عند لقاء من يخاف الفتنة بلقائه من النساء والمردان، وقالوا: ~~متى كشفت للمرأة أو الصبى عن بياض أسنانك كشفا لك عما هنالك، ومتى لقيتهما ~~بوجه عابس وقيت شرهما. # ومن مكايده: أنه يأمرك أن تلقى المساكين وذوى الحاجات بوجه عبوس ولا ~~تريهم بشرا ولا طلاقة، فيطمعوا فيك، ويتجرأوا عليك، وتسقط هيبتك من قلوبهم، ~~فيحرمك صالح أدعيتهم، وميل قلوبهم إليك، ومحبتهم لك فيأمرك بسوء الخلق، ~~ومنع البشر والطلاقة مع هؤلاء، وبحسن الخلق والبشر مع أولئك، ليفتح لك باب ~~الشر، ويغلق عنك باب الخير. # فصل # ومن مكايده أنه يأمرك بإعزاز نفسك وصونها حيث يكون رضى الرب تعالى فى ~~إذلالها وابتذالها، كجهاد الكفار والمنافقين، وأمر الفجار والظلمة بالمعروف ~~ونهيهم عن ms109 المنكر، فيخيل إليك أن ذلك تعريض لنفسك إلى مواطن الذل، وتسليط ~~الأعداء وطعنهم فيك، فيزول جاهك فلا يقبل منك بعد ذلك ولا يسمع منك. # PageV01P120 # ويأمرك بإذلالها وامتهانها حيث تكون مصلحتها فى إعزازها وصيانتها، كما ~~يأمرك بالتبذل لذوى الرياسات، وإهانة نفسك لهم، ويخيل إليك أنك تعزها بهم، ~~وترفع قدرها بالذل لهم، ويذكرك قول الشاعر: # أهين لهم نفسى لأرفعها بهم ... ولن تكرم النفس التى لا تهينها # وغلط هذا القائل: فإن ذلك لا يصلح إلا لله وحده، فإنه كلما أهان العبد ~~نفسه له أكرمه وأعزه، بخلاف المخلوق، فإنك كلما أهنت نفسك له ذللت عند الله ~~وعند أوليائه وهنت عليه. # ويأمرك بإذلالها وامتهانها حيث تكون مصلحتها فى إعزازها وصيانتها، كما ~~يأمرك بالتبذل لذوى الرياسات، وإهانة نفسك لهم، ويخيل إليك أنك تعزها بهم، ~~وترفع قدرها بالذل لهم، ويذكرك قول الشاعر: # أهين لهم نفسى لأرفعها بهم ... ولن تكرم النفس التى لا تهينها # وغلط هذا القائل: فإن ذلك لا يصلح إلا لله وحده، فإنه كلما أهان العبد ~~نفسه له أكرمه وأعزه، بخلاف المخلوق، فإنك كلما أهنت نفسك له ذللت عند الله ~~وعند أوليائه وهنت عليه. # فصل # ومن كيده وخداعه: أنه يأمر الرجل بانقطاعه فى مسجد، أو رباط، أو زاوية أو ~~تربة، ويحبسه هناك، وينهاه عن الخروج، ويقول له: متى خرجت تبذلت للناس، ~~وسقطت من أعينهم، وذهبت هيبتك من قلوبهم، وربما ترى فى طريقك منكرا، وللعدو ~~فى ذلك مقاصد خفية يريدها منه: منها الكبر، واحتقار الناس، وحفظ الناموس، ~~وقيام الرياسة، ومخالطة الناس تذهب ذلك. وهو يريد أن يزار ولا يزور، ويقصده ~~الناس ولا يقصدهم، ويفرح بمجىء الأمراء إليه، واجتماع الناس عنده، وتقبيل ~~يده، فيترك من الواجبات والمستحبات والقربات ما يقربه إلى الله، ويتعوض عنه ~~بما يقرب الناس إليه. # وقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يخرج إلى السوق، قال بعض ~~الحفاظ: "وكان يشترى حاجته ويحملها بنفسه". # ذكره أبو الفرج بن الجوزى وغيره. # وكان أبو بكر رضى الله عنه يخرج إلى السوق يحمل الثياب، فيبيع ويشترى. # ومر ms110 عبد الله بن سلام رضى الله عنه وعلى رأسه حزمة حطب، فقيل له: ما ~~يحملك على هذا، وقد أغناك الله عز وجل؟ فقال: أردت أن أدفع به الكبر، فإنى ~~سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: "لا يدخل الجنة عبد فى قلبه ~~مثقال ذرة من كبر". # وكان أبو هريرة رضى الله تعالى عنه يحمل الحطب وغيره من حوائج نفسه وهو ~~أمير على المدينة، ويقول: "افسحوا لأميركم، افسحوا لأميركم". # PageV01P121 # وخرج عمر بن الخطاب رضى الله عنه يوما وهو خليفة فى حاجة له ماشيا، ~~فأعيى، فرأى غلاما على حمار له، فقال: يا غلام احملنى فقد أعييت، فنزل ~~الغلام عن الدابة، وقال: اركب يا أمير المؤمنين، فقال: لا، اركب أنت وأنا ~~خلفك، فركب خلف الغلام، حتى دخل المدينة والناس يرونه. # فصل # ومن كيده: أنه يغرى الناس بتقبيل يده، والتمسح به، والثناء عليه، وسؤاله ~~الدعاء، ونحو ذلك، حتى يرى نفسه، ويعجبه شأنها، فلو قيل له: إنك من أوتاد ~~الأرض، وبك يدفع البلاء عن الخلق، ظن ذلك حقا، وربما قيل له: إنه يتوسل به ~~إلى الله تعالى ويسأل الله تعالى به وبحرمته، فيقضى حاجتهم، فيقع ذلك فى ~~قلبه، ويفرح به، ويظنه حقا، وذلك كل الهلاك، فإذا رأى من أحد من الناس ~~تجافيا عنه، أو قلة خضوع له، تذمر لذلك ووجد فى باطنه، وهذا شر من أرباب ~~الكبائر المصرين عليها، وهم أقرب إلى السلامة منه. # فصل # ومن كيده: أنه يحسن إلى أرباب التخلى والزهد والرياضة العمل بهاجسهم ~~وواقعهم، دون تحكيم أمر الشارع، ويقولون: القلب إذا كان محفوظا مع الله ~~كانت هواجسه وخواطره معصومة من الخطإ، وهذا من أبلغ كيد العدو فيهم. # فإن الخواطر والهواجس ثلاثة أنواع: رحمانية، وشيطانية، ونفسانية، ~~كالرؤيا، فلو بلغ العبد من الزهد والعبادة ما بلغ فمعه شيطانه ونفسه لا ~~يفارقانه إلى الموت، والشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم، والعصمة إنما هى ~~للرسل صلوات الله وسلامه عليهم الذين هم وسائط بين الله عز وجل وبين خلقه، ~~فى تبليغ أمره ونهيه ووعده ms111 ووعيده، ومن عداهم يصيب ويخطئ، وليس بحجة على ~~الخلق. # وقد كان سيد المحدثين الملهمين عمر بن الخطاب رضى الله عنه، يقول الشىء ~~فيرده عليه # PageV01P122 # من هو دونه، فيتبين له الخطأ، فيرجع إليه وكان يعرض هواجسه وخواطره على ~~الكتاب والسنة، ولا يلتفت إليها ولا يحكم بها ولا يعمل بها. # وهؤلاء الجهال يرى أحدهم أدنى شىء فيحكم هواجسه وخواطره على الكتاب ~~والسنة، ولا يلتفت إليهما، ويقول: حدثنى قلبى عن ربى، ونحن أخذنا عن الحى ~~الذى لا يموت، وأنتم أخذتم عن الوسائط، ونحن أخذنا بالحقائق، وأنتم اتبعتم ~~الرسوم، وأمثال ذلك من الكلام الذى هو كفر وإلحاد، وغاية صاحبه أن يكون ~~جاهلا يعذر بجهله، حتى قيل لبعض هؤلاء: ألا تذهب فتسمع الحديث من عبد ~~الرزاق؟ فقال: ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الملك الخلاق؟. # وهذا غاية الجهل، فإن الذى سمع من الملك الخلاق موسى بن عمران كليم ~~الرحمن. وأما هذا وأمثاله فلم يحصل لهم السماع من بعض ورثة الرسول، وهو ~~يدعى أنه يسمع الخطاب من مرسله، فيستغنى به عن ظاهر العلم، ولعل الذى ~~يخاطبهم هو الشيطان، أو نفسه الجاهلة، أو هما مجتمعتين، ومنفردتين. # ومن ظن أنه يستغنى عما جاء به الرسول بما يلقى فى قلبه من الخواطر ~~والهواجس فهو من أعظم الناس كفرا. وكذلك إن ظن أنه يكتفى بهذا تارة وبهذا ~~تارة، فما يلقى فى القلوب لا عبرة به ولا التفات إليه إن لم يعرض على ما ~~جاء به الرسول ويشهد له بالموافقة، وإلا فهو من إلقاء النفس والشيطان. # وقد سئل عبد الله بن مسعود عن مسألة المفوضة شهرا، فقال بعد الشهر: "أقول ~~فيها برأيى فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان، والله ~~برىء # PageV01P123 # منه ورسوله". # وكتب كاتب لعمر رضى الله عنه بين يديه: هذا ما أرى الله عمر، فقال: لا. ~~امحه واكتب: هذا ما رأى عمر. # وقال عمر رضى الله عنه أيضا: "أيها الناس اتهموا الرأى على الدين، فلقد ~~رأيتنى يوم أبى جندل ولو أستطيع أن ms112 أرد أمر رسول الله عليه السلام لرددته". # واتهام الصحابة لآرائهم كثير مشهور، وهم أبر الأمة قلوبا، وأعمقها علما، ~~وأبعدها من الشيطان، فكانوا أتبع الأمة للسنة، وأشدهم اتهاما لآرائهم، ~~وهؤلاء ضد ذلك. # وأهل الاستقامة منهم سلكوا على الجادة، ولم يلتفتوا إلى شىء من الخواطر ~~والهواجس والإلهامات، حتى يقوم عليها شاهدان. # قال الجنيد: قال أبو سليمان الدارانى: "ربما يقع فى قلبى النكتة من نكت ~~القوم أياما فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين من الكتاب والسنة". # وقال أبو زيد: "لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يتربع فى الهواء، ~~فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهى، وحفظ الحدود". # PageV01P124 # وقال أيضا: "من ترك قراءة القرآن، ولزوم الجماعات، وحضور الجنائز، وعيادة ~~المرضى، وادعى بهذا الشأن، فهو مدع". # وقال سرى السقطى: "من ادعى باطن علم ينقضه ظاهر حكم فهو غالط". # وقال الجنيد: "مذهبنا هذا مقيد بالأصول بالكتاب والسنة، فمن لم يحفظ ~~الكتاب ويكتب الحديث، ويتفقه، لا يقتدى به". # وقال أبو بكر الدقاق: "من ضيع حدود الأمر والنهى فى الظاهر حرم مشاهدة ~~القلب فى الباطن". # وقال أبو الحسين النورى: "من رأيته يدعى مع الله حالة تخرجه عن حد العلم ~~الشرعى فلا تقربه، ومن رأيته يدعى حالة لا يشهد لها حفظ ظاهره فاتهمه على ~~دينه". # وقال أبو سعيد الخراز: "كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل". # وقال الجريرى: "أمرنا هذا كله مجموع على فصل واحد: أن تلزم قلبك ~~المراقبة، ويكون العلم على ظاهرك قائما". # وقال أبو حفص الكبير الشأن: "من لم يزن أحواله وأفعاله بالكتاب والسنة ~~ولم يتهم خواطره فلا تعدوه فى ديوان الرجال". # وما أحسن ما قال أبو أحمد الشيرازى: "كان الصوفية يسخرون من الشيطان، ~~والآن الشيطان يسخر منهم". # ونظير هذا ما قاله بعض أهل العلم: "كان الشيطان فيما مضى يهب من الناس، ~~واليوم الرجل الذى يهب من الشيطان". # فصل # ومن كيده: أمرهم بلزوم زى واحد، ولبسة واحدة، وهيئة ومشية معينة، وشيخ ~~معين، وطريقة مخترعة، ويفرض عليهم لزوم ذلك بحيث يلزمونه كلزوم الفرائض، ~~فلا يخرجون ms113 عنه ويقدحون فيمن خرج عنه ويذمونه، وربما يلزم أحدهم موضعا ~~معينا للصلاة لا يصلى إلا فيه، وقد نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وسلم: "أن يوطن الرجل المكان للصلاة # PageV01P125 # كما يوطن البعير". # وكذلك ترى أحدهم لا يصلى إلا على سجادة، ولم يصل رسول الله عليه السلام ~~على سجادة قط ولا كانت السجادة تفرش بين يديه، بل كان يصلى على الأرض، ~~وربما سجد فى الطين، وكان يصلى على الحصير، فيصلى على ما اتفق بسطه، فإن لم ~~يكن ثمة شىء صلى على الأرض. # وهؤلاء اشتغلوا بحفظ الرسوم عن الشريعة والحقيقة، فصاروا واقفين مع ~~الرسوم المبتدعة ليسوا مع أهل الفقه، ولا مع أهل الحقائق، فصاحب الحقيقة ~~أشد شىء عليه التعبد بالرسوم الوضعية، وهى من أعظم الحجب بين قلبه وبين ~~الله، فمتى تقيد بها حبس قلبه عن سيره. وكان أخس أحواله الوقوف معها، ولا ~~وقوف فى السير، بل إما تقدم وإما تأخر، كما قال تعالى: {لمن شاء منكم أن ~~يتقدم أو يتأخر} [المدثر: 37] . # فلا وقوف فى الطريق إنما هو ذهاب وتقدم، أو رجوع وتأخر. # ومن تأمل هدى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وسيرته وجده مناقضا ~~لهدى هؤلاء فإنه كان يلبس القميص تارة، والقباء تارة، والجبة تارة، والإزار ~~والرداء تارة، ويركب البعير وحده، ومردفا لغيره، ويركب الفرس مسرجا ~~وعريانا، ويركب الحمار، ويأكل ما حضر، ويجلس على الأرض تارة، وعلى الحصير ~~تارة، وعلى البساط تارة، ويمشى وحده تارة، ومع أصحابه تارة، وهديه عدم ~~التكلف والتقيد بغير ما أمره به ربه، فبين هديه وهدى هؤلاء بون بعيد. # فصل # ومن كيده الذى بلغ به من الجهال ما بلغ: الوسواس الذى كادهم به فى أمر ~~الطهارة والصلاة عند النية، حتى ألقاهم فى الآصار والأغلال، وأخرجهم عن ~~اتباع سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وخيل إلى أحدهم أن ما جاءت ~~به السنة لا يكفى حتى يضم إليه غيره، فجمع لهم بين هذا الظن الفاسد، والتعب ~~الحاضر، وبطلان الأجر أو تنقيصه. # PageV01P126 # ولا ريب أن الشيطان هو ms114 الداعى إلى الوسواس: فأهله قد أطاعوا الشيطان، ~~ولبوا دعوته، واتبعوا أمره ورغبوا عن اتباع سنة رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وسلم وطريقته، حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وسلم، أو اغتسل كاغتساله، لم يطهر ولم يرتفع حدثه، ولولا ~~العذر بالجهل لكان هذا مشاقة للرسول، فقد كان رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وسلم يتوضأ بالمد، وهو قريب من ثلث رطل بالدمشقى، ويغتسل بالصاع وهو ~~نحو رطل وثلث، والموسوس يرى أن ذلك القدر لا يكفيه لغسل يديه، وصح عنه عليه ~~السلام أنه توضأ مرة مرة، ولم يزد على ثلاث، بل أخبر أن: # "من زاد عليها فقد أساء وتعدى وظلم". # فالموسوس مسىء متعد ظالم بشهادة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم، فكيف يتقرب إلى الله بما هو مسىء به متعد فيه لحدوده؟، # وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يغتسل هو وعائشة رضى الله عنها من ~~قصعة بينهما فيها أثر العجين، ولو رأى الموسوس من يفعل هذا لأنكر عليه غاية ~~الإنكار، وقال: ما يكفى هذا القدر لغسل اثنين؟ كيف والعجين يحلله الماء ~~فيغيره؟ هذا والرشاش ينزل فى الماء فينجسه عند بعضهم، ويفسده عند آخرين، ~~فلا تصح به الطهارة، وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يفعل ذلك مع غير عائشة، ~~مثل ميمونة وأم سلمة، وهذا كله فى الصحيح. # وثبت أيضا فى الصحيح عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال: "كان الرجال ~~والنساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضئون من إناء واحد". # والآنية التى كان رسول الله عليه السلام وأزواجه وأصحابه ونساؤهم يغتسلون ~~منها لم تكن من كبار الآنية ولا كانت لها مادة تمدها؛ كأنبوب الحمام ونحوه، ~~ولم يكونوا يراعون فيضانها حتى يجرى الماء من حافاتها، كما يراعيه جهال ~~الناس ممن بلى بالوسواس فى جرن الحمام. # فهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى من رغب عنه فقد رغب عن سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، جواز ms115 الاغتسال من الحياض والآنية وإن كانت ناقصة ~~غير فائضة، ومن انتظر الحوض حتى # PageV01P127 # يفيض، ثم استعمله وحده ولم يمكن أحدا أن يشاركه فى استعماله فهو مبتدع ~~مخالف للشريعة. # قال شيخنا: "ويستحق التعزير البليغ الذى يزجره وأمثاله عن أن يشرعوا فى ~~الدين ما لم يأذن به الله، ويعبدوا الله بالبدع لا بالاتباع". # ودلت هذه السنن الصحيحة على أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه ~~لم يكونوا يكثرون صب الماء، ومضى على هذا التابعون لهم بإحسان. # قال سعيد بن المسيب: "إنى لأستنجى من كوز الحب وأتوضأ وأفضل منه لأهلى". # وقال الإمام أحمد: "من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء". # وقال المروزى: "وضأت أبا عبد الله بالعسكر، فسترته من الناس، لئلا يقولوا ~~إنه لا يحسن الوضوء لقلة صبه الماء". # وكان أحمد يتوضأ فلا يكاد يبل الثرى. # وثبت عنه صلى الله عليه وسلم فى الصحيح: "أنه توضأ من إناء فأدخل يده فيه ~~ثم تمضمض واستنشق". # وكذلك كان صلى الله عليه وسلم فى غسله يدخل يده فى الإناء، ويتناول الماء ~~منه، والموسوس لا يجوز ذلك، ولعله أن يحكم بنجاسة الماء ويسلبه طهوريته ~~بذلك. # وبالجملة فلا تطاوعه نفسه لاتباع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ~~وأن يأتى بمثل ما أتى به أبدا، وكيف يطاوع الموسوس نفسه أن يغتسل هو ~~وامرأته من إناء واحد قدر الفرق قريبا من خمسة أرطال بالدمشقى، يغمسان ~~أيديهما فيه، ويفرغان عليهما؟ فالمسوس يشمئز من ذلك كما يشمئز المشرك إذا ~~ذكر الله وحده. # قال أصحاب الوسواس: إنما حملنا على ذلك الاحتياط لديننا، والعمل بقوله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم: # "دع ما يريبك إلى مالا يريبك" وقوله: "من اتقى الشبهات استبرأ لدينه ~~وعرضه" وقوله: "الإثم ما حاك فى الصدر". # PageV01P128 # وقال بعض السلف: "الإثم خوار القلوب"، وقد وجد النبى صلى الله تعالى عليه ~~وسلم تمرة فقال: # "لولا أنى أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها". # أفلا يرى أنه ترك أكلها احتياطا؟ وقد أفتى مالك رحمه الله تعالى فيمن طلق ~~امرأته وشك هل هى واحدة أم ms116 ثلاث: بأنها ثلاث، احتياطا للفروج. # وأفتى من حلف بالطلاق: أن فى هذه اللوزة حبتين، وهو لا يعلم ذلك، فبان ~~الأمر كما حلف عليه: أنه حانث؛ لأنه حلف على ما لا يعلم. # وقال فيمن طلق واحدة من نسائه ثم أنسيها: يطلق عليه جميع نسائه احتياطا ~~وقطعا للشك. # وقال أصحاب مالك فيمن حلف بيمين ثم نسيها: إنه يلزمه جميع ما يحلف به ~~عادة فيلزمه الطلاق، والعتاق، والصدقة بثلث المال، وكفارة الظهار، وكفارة ~~اليمين بالله تعالى، والحج ماشيا، ويقع الطلاق فى جميع نسائه، ويعتق عليه ~~جميع عبيده وإمائه. وهذا أحد القولين عندهم. ومذهب مالك أيضا إنه إذا حلف ~~ليفعلن كذا: أنه على حنث حتى يفعله، فيحال بينه وبين امرأته. # ومذهبه أيضا: أنه إذا قال: إذا جاء رأس الحول فأنت طالق ثلاثا: أنها تطلق ~~فى الحال، وهذا كله احتياط. # وقال الفقهاء: "من خفى عليه موضع النجاسة من الثوب وجب عليه غسله كله". # وقالوا: "إذا كان معه ثياب طاهرة وتنجس منها ثياب، وشك فيها، صلى فى ثوب ~~بعد ثوب، بعدد النجس، وزاد صلاة ليتيقن براءة ذمته". # وقالوا: "إذا اشتبهت الأوانى الطاهرة بالنجسة أراق الجميع وتيمم، وكذلك ~~إذا اشتبهت عليه القبلة، فلا يدرى فى أى جهة، فإنه يصلى أربع صلوات عند بعض ~~الأئمة لتبرأ ذمته بيقين". # وقالوا: "من ترك صلاة من يوم ثم نسيها وجب عليه أن يصلى خمس صلوات". # وقد أمر النبى عليه الصلاة والسلام من شك فى صلاته أن يبنى على اليقين. # PageV01P129 # وحرم أكل الصيد إذا شك صاحبه هل مات بسهمه أو بغيره، كما إذا وقع فى ~~الماء. وحرم أكله إذا خالط كلبه كلبا آخر، للشك فى تسمية صاحبه عليه. # وهذا باب يطول تتبعه. # فالاحتياط والأخذ باليقين غير مستنكر فى الشرع، وإن سميتموه وسواسا. # وقد كان عبد الله بن عمر يغسل داخل عينيه فى الطهارة حتى عمى. # وكان أبو هريرة إذا توضأ أشرع فى العضد، وإذا غسل رجليه أشرع فى الساقين. # فنحن إذا احتطنا لأنفسنا وأخذنا باليقين وتركنا ما يريب إلى ما لا يريب، ms117 ~~وتركنا المشكوك فيه للمتيقن المعلوم، وتجنبنا محل الاشتباه، لم نكن بذلك عن ~~الشريعة خارجين ولا فى البدعة والجين، وهل هذا إلا خير من التسهيل ~~والاسترسال؟ حتى لا يبالى العبد بدينه، ولا يحتاط له، بل يسهل الأشياء ~~ويمشى حالها، ولا يبالى كيف توضأ؟ ولا بأى ماء توضأ؟ ولا بأى مكان صلى؟ ولا ~~يبالى ما أصاب ذيله وثوبه. ولا يسأل عما عهد بل يتغافل، ويحسن ظنه، فهو ~~مهمل لدينه لا يبالى ما شك فيه. ويحمل الأمور على الطهارة، وربما كانت أفحش ~~النجاسة، ويدخل بالشك ويخرج بالشك. فأين هذا ممن استقصى فى فعل ما أمر به، ~~واجتهد فيه، حتى لا يخل بشىء منه، وإن زاد على المأمور فإنما قصده بالزيادة ~~تكميل المأمور، وأن لا ينقص منه شيئا؟ # قالوا: وجماع ما ينكرونه علينا احتياط فى فعل مأمور، أو احتياط فى اجتناب ~~محظور وذلك خير وأحسن عاقبة من التهاون بهذين، فإنه يفضى غالبا إلى النقص ~~من الواجب والدخول فى المحرم، وإذا وازنا بين هذه المفسدة ومفسدة الوسواس ~~كانت مفسدة الوسواس أخف، هذا إن ساعدناكم على تسميته وسواسا، وإنما نسميه ~~احتياطا واستظهارا فلستم بأسعد منا بالسنة، ونحن حولها ندندن، وتكميلها ~~نريد. # وقال أهل الاقتصاد والاتباع: قال الله تعالى: # {لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} ~~[الأحزاب: 21] وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله} ~~[آل عمران: 31] وقال تعالى: {واتبعوه لعلكم تهتدون} [الأعراف: 158] وقال ~~تعالى: {وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} [الأنعام: 153] . # PageV01P130 # وهذا الصراط المستقيم الذى وصانا باتباعه هو الصراط الذى كان عليه رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه، وهو قصد السبيل، وما خرج عنه ~~فهو من السبل الجائرة، وإن قاله من قاله، لكن الجور قد يكون جورا عظيما عن ~~الصراط، وقد يكون يسيرا، وبين ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله وهذا كالطريق ~~الحسى، فإن السالك قد يعدل عنه ويجور جورا فاحشا، وقد يجور ms118 دون ذلك، ~~فالميزان الذى يعرف به الاستقامة على الطريق والجور عنه هو ما كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عليه، والجائر عنه إما مفرط ظالم، أو ~~مجتهد متأول، أو مقلد جاهل. فمنم المستحق للعقوبة. ومنهم المغفور له. ومنهم ~~المأجور أجرا واحدا، بحسب نياتهم ومقاصدهم واجتهادهم فى طاعة الله تعالى ~~ورسوله، أو تفريطهم. # ونحن نسوق من هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدى أصحابه ما يبين أى ~~الفريقين أولى باتباعه ثم نجيب عما احتجوا به بعون الله وتوفيقه. # ونقدم قبل ذلك ذكر النهى عن الغلو، وتعدى الحدود، والإسراف، وأن الاقتصاد ~~والاعتصام بالسنة عليهما مدار الدين. # قال الله تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم} [النساء: 171] وقال ~~تعالى: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأنعام: 141] وقال تعالى: {تلك ~~حدود الله فلا تعتدوها} [البقرة: 229] وقال تعالى: {ولا تعتدوا إن الله لا ~~يحب المعتدين} [البقرة: 190] وقال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا ~~يحب المعتدين} [الأعراف: 55] . # وقال ابن عباس رضى الله عنهما: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ~~غداة العقبة وهو على ناقته: # "القط لى حصى، فلقطت له سبع حصيات من حصى الخذف، فجعل ينفضهن فى كفه ~~ويقول: أمثال هؤلاء فارموا، ثم قال: أيها الناس: إياكم والغلو فى الدين، ~~فإنما أهلك الذين من قبلكم الغلو فى الدين". # رواه الإمام أحمد والنسائى. # وقال أنس رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ~~"لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد ~~الله عليهم. فتلك بقاياهم فى الصوامع والديار: رهبانية ابتدعوها ما كتبناها ~~عليهم". # PageV01P131 # فنهى النبى صلى الله عليه وآله وسلم عن التشديد فى الدين، وذلك بالزيادة ~~على المشروع، وأخبر أن تشديد العبد على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه، ~~إما بالقدر، وإما بالشرع. # فالتشديد بالشرع: كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل، فيلزمه الوفاء به، ~~وبالقدر كفعل أهل الوسواس. فإنهم شددوا على أنفسهم فشدد عليهم القدر، حتى ~~استحكم ذلك وصار صفة لازمة ms119 لهم. # قال البخارى: "وكره أهل العلم الإسراف فيه- يعنى الوضوء- وأن يجاوزوا فعل ~~النبى صلى الله تعالى عليه وسلم"، وقال ابن عمر رضى الله عنهما: "إسباع ~~الوضوء: الإنقاء". # فالفقه كل الفقه الاقتصاد فى الدين، والاعتصام بالسنة. # قال أبى بن كعب رضى الله عنه: "عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ما من عبد على ~~السبيل والسنة ذكر الله عز وجل فاقشعر جلده من خشية الله تعالى إلا تحاتت ~~عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها. وإن اقتصادا فى سبيل وسنة ~~خير من اجتهاد فى خلاف سبيل وسنة. فاحرصوا إذا كانت أعمالكم اقتصادا أن ~~تكون على منهاج الأنبياء وسنتهم". # قال الشيخ أبو محمد المقدسى فى كتابه ذم الوسواس: "الحمد لله الذى هدانا ~~بنعمه، وشرفنا بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وبرسالته، ووفقنا للاقتداء ~~به والتمسك بسنته، ومن علينا باتباعه الذى جعله علما على محبته ومغفرته ~~وسببا لكتابة رحمته وحصول هدايته، فقال سبحانه: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} [آل عمران: 31] ، وقال تعالى: ~~{ورحمتي وسعت كل شىء فسأكتبها للذين يتقون} إلى قوله: {الذين يتبعون الرسول ~~النبى الأمى} [الأعراف: 156-157] ثم قال: {فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى ~~الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} [الأعراف: 158] . أما بعد: ~~فإن الله سبحانه جعل الشيطان عدوا للإنسان، يقعد له الصراط المستقيم، ~~ويأتيه من كل جهة وسبيل، كما أخبر الله تعالى عنه أنه قال: {لأقعدن لهم ~~صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن ~~شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين} [الأعراف: 16-17] . وحذرنا الله عز وجل من ~~متابعته، وأمرنا بمعاداته ومخالفته، فقال # PageV01P132 # سبحانه: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} [فاطر: 6] وقال: {يا بنى آدم ~~لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة} [الأعراف: 27] وأخبرنا بما ~~صنع بأبوينا تحذيرا لنا من طاعته، وقطعا للعذر فى متابعته، وأمرنا الله ~~سبحانه وتعالى باتباع صراطه المستقيم ونهانا عن اتباع السبل، فقال سبحانه: # {وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ~~[الأنعام: 153] . وسبيل الله ms120 وصراطه المستقيم هو الذى كان عليه رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وصحابته بدليل قوله عز وجل: {يس والقرآن ~~الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم} [يس: 1- 4] وقال: {وإنك لعلى هدى ~~مستقيم} [الحج: 67] وقال: {إنك لتهدى إلى صراط مستقيم} [الشورى: 52] ، فمن ~~اتبع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى قوله وفعله فهو على صراط ~~الله المستقيم، وهو ممن يحبه الله ويغفر له ذنوبه، ومن خالفه فى قوله أو ~~فعله فهو مبتدع متبع لسبيل الشيطان غير داخل فيمن وعد الله بالجنة والمغفرة ~~والإحسان". # فصل # ثم إن طائفة الموسوسين قد تحقق منهم طاعة الشيطان، حتى اتصفوا بوسوسته. ~~وقبلوا قوله، وأطاعوه، ورغبوا عن اتباع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ~~وصحابته، حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله عليه الصلاة ~~والسلام أو صلى كصلاته، فوضوؤه باطل، وصلاته غير صحيحة. ويرى أنه إذا فعل ~~مثل فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام فى مؤاكلة الصبيان، وأكل طعام عامة ~~المسلمين، أنه قد صار نجسا يجب عليه تسبيع يده وفيه، كما لو ولغ فيهما كلب ~~أو بال عليهما هر. # ثم إنه بلغ من استيلاء إبليس عليهم أنهم أجابوه إلى ما يشبه الجنون، ~~ويقارب مذهب السوفسطائية الذين ينكرون حقائق الموجودات، والأمور المحسوسات، ~~وعلم الإنسان بحال نفسه من الأمور الضروريات اليقينيات، وهؤلاء يغسل أحدهم ~~عضوه غسلا يشاهده ببصره ويكبر، ويقرأ بلسانه، بحيث تسمعه أذناه ويعلمه ~~بقلبه، بل يعلمه غيره منه ويتيقنه # PageV01P133 # ثم يشك: هل فعل ذلك أم لا؟ وكذلك يشككه الشيطان فى نيته وقصده التى ~~يعلمها من نفسه يقينا، بل يعلمها غيره منه بقرائن أحواله. ومع هذا يقبل قول ~~إبليس فى أنه ما نوى الصلاة، ولا أرادها، مكابرة منه لعيانه، وجحدا ليقين ~~نفسه، حتى تراه متلددا متحيرا، كأنه يعالج شيئا يجتذبه، أو يجد سيئا فى ~~باطنه يستخرجه. كل ذلك مبالغة فى طاعة إبليس، وقبول وسوسته، ومن انتهت ~~طاعته لإبليس إلى هذا الحد فقد بلغ النهاية فى طاعته. # ثم إنه يقبل قوله ms121 فى تعذيب نفسه ويطيعه فى الإضرار بجسده، تارة بالغوص فى ~~الماء البارد، وتارة بكثرة استعماله وإطالة العرك. وربما فتح عينيه فى ~~الماء البارد، وغسل داخلهما حتى يضر ببصره، وربما أفضى إلى كشف عورته ~~للناس، وربما صار إلى حال يسخر منه الصبيان ويستهزئ به من يراه. # قلت: ذكر أبو الفرج بن الجوزى عن أبى الوفاء بن عقيل: "أن رجلا قال له: ~~أنغمس فى الماء مرارا كثيرة وأشك: هل صح لى الغسل أم لا؟ فما ترى فى ذلك؟ ~~فقال له الشيخ: اذهب فقد سقطت عنك الصلاة. قال: وكيف؟ قال: لأن النبى صلى ~~الله تعالى عليه وسلم قال: "رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والنائم ~~حتى يستيقظ، والصبى حتى يبلغ". # ومن ينغمس فى الماء مرارا ويشك هل أصابه الماء أم لا، فهو مجنون". # قال: وربما شغله بوسواسه حتى تفوته الجماعة، وربما فاته الوقت، ويشغله ~~بوسوسته فى النية حتى تفونه التكبيرة الأولى، وربما فوت عليه ركعة أو أكثر، ~~ومنهم من يحلف أنه لا يزيد على هذا، ثم يكذب. # قلت: وحكى لى من أثق به عن موسوس عظيم رأيته أنا يكرر عقد النية مرارا ~~عديدة فيشق على المأمومين مشقة كبيرة، فعرض له أن حلف بالطلاق أنه لا يزيد ~~على تلك المرة فلم يدعه إبليس حتى زاد، ففرق بينه وبين امرأته، فأصابه لذلك ~~غم شديد وأقاما متفرقين # PageV01P134 # دهرا طويلا، حتى تزوجت تلك المرأة برجل آخر، وجاءه منها ولد ثم إنه حنث ~~فى يمين حلفها ففرق بينهما وردت إلى الأول بعد أن كاد يتلف لمفارقتها. # وبلغنى عن آخر أنه كان شديد التنطع فى التلفظ بالنية والتقعر فى ذلك، ~~فاشتد به التنطع والتقعر يوما إلى أن قال: أصلى، أصلى، مرارا، صلاة كذا ~~وكذا. وأراد أن يقول: أداء، فأعجم الدال، وقال: أذاء لله. فقطع الصلاة رجل ~~إلى جانبه، فقال: ولرسوله وملائكته وجماعة المصلين. # قال: ومنهم من يتوسوس فى إخراج الحرف حتى يكرره مرارا. # قال: فرأيت منهم من يقول: الله أكبر. قال: وقال لى إنسان منهم: قد عجزت ~~عن ms122 قول السلام عليكم، فقلت له: قل مثل ما قد قلت الآن، وقد استرحت. # وقد بلغ الشيطان منهم أن عذبهم فى الدنيا قبل الآخرة، وأخرجهم عن اتباع ~~الرسول وأدخلهم فى جملة أهل التنطع والغلو، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # فمن أراد التخلص من هذه البلية فليستشعر أن الحق فى اتباع رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وسلم فى قوله وفعله، وليعزم على سلوك طريقة عزيمة من لا ~~يشك أنه على الصراط المستقيم، وأن ما خالفه من تسويل إبليس ووسوسته، ويوقن ~~أنه عدو له لا يدعوه إلى خير. # {إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6] . وليترك التعريج ~~على كل ما خالف طريقة رسول الله عليه الصلاة والسلام كائنا ما كان، فإنه لا ~~يشك أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان على الصراط المستقيم. ومن شك فى ~~هذا فليس بمسلم. ومن علمه فإلى أين العدول عن سنته؟ وأى شىء يبتغى العبد ~~غير طريقته؟ ويقول لنفسه: ألست تعلمين أن طريقة رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وسلم هى الصراط المستقيم؟ فإذا قالت له: بلى، قال لها: فهل كان يفعل ~~هذا؟ فستقول: لا، فقل لها: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وهل بعد طريق الجنة ~~إلا طريق النار؟ وهل بعد سبيل الله وسبيل رسوله إلا سبيل الشيطان؟ فإن ~~اتبعت # PageV01P135 # سبيله كنت قرينه، وستقولين: {يا ليت بينى وبينك بعد المشرقين فبئس ~~القرين} [الزخرف: 38] . ولينظر أحوال السلف فى متابعتهم لرسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وسلم فليقتد بهم وليختر طريقهم فقد روينا عن بعضهم أنه ~~قال: لقد تقدمنى قوم لو لم يتجاوزوا بالوضوء الظفر ما تجاوزته. قلت: هو ~~إبراهيم النخعى. # وقال زين العابدين يوما لابنه: "يا بنى، اتخذ لى ثوبا ألبسه عند قضاء ~~الحاجة، فإنى رأيت الذباب يسقط على الشىء ثم يقع على الثوب، ثم انتبه فقال: ~~ما كان للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه إلا ثوب واحد، فتركه". # وكان عمر رضى الله تعالى عنه يهم بالأمر ويعزم عليه، فإذا قيل له: لم ~~يفعله رسول الله ms123 صلى الله تعالى عليه وسلم انتهى، حتى إنه قال: "لقد هممت ~~أن أنهى عن لبس هذه الثياب، فإنه قد بلغنى أنها تصبغ ببول العجائز فقال له ~~أبى: ما لك أن تنهى، فإن رسول الله عليه الصلاة والسلام قد لبسها ولبست فى ~~زمانه ولو علم الله أن لبسها حرام لبينه لرسوله صلى الله عليه وسلم. فقال ~~عمر: صدقت". # ثم ليعلم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيهم موسوس. ولو ~~كان الوسوسة فضيلة لما ادخرها الله عن رسوله وصحابته، وهم خير الخلق ~~وأفضلهم، ولو أدرك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الموسوسين لمقتهم، ~~ولو أدركهم عمر رضى الله تعالى عنه لضربهم وأدبهم، ولو أدركهم الصحابة ~~لبدعوهم، وها أنا أذكر ما جاء فى خلاف مذهبهم على ما يسره الله تعالى ~~مفصلا: # الفصل الأول: فى النية فى الطهارة والصلاة # النية هى القصد والعزم على فعل الشىء، ومحلها القلب، لا تعلق لها باللسان ~~أصلا ولذلك لم ينقل عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولا عن أصحابه فى ~~النية لفظ بحال، ولا سمعنا # PageV01P136 # عنهم ذكر ذلك. وهذه العبارات التى أحدثت عند افتتاح الطهارة والصلاة قد ~~جعلها الشيطان معتركا لأهل الوسواس، يحبسهم عندها ويعذبهم فيها، ويوقعهم فى ~~طلب تصحيحها فترى أحدهم يكررها ويجهد نفسه فى التلفظ بها، وليست من الصلاة ~~في شىء، وإنما النية قصد فعل الشىء، فكل عازم على فعل فهو ناويه، لا يتصور ~~انفكاك ذلك عن النية فإنه حقيقتها، فلا يمكن عدمها فى حال وجودها، ومن قعد ~~ليتوضأ فقد نوى الوضوء، ومن قام ليصلى فقد نوى الصلاة، ولا يكاد العاقل ~~يفعل شيئا من العبادات ولا غيرها بغير نية، فالنية أمر لازم لأفعال الإنسان ~~المقصودة، لا يحتاج إلى تعب ولا تحصيل. ولو أراد إخلاء أفعاله الاختيارية ~~عن نيته لعجز عن ذلك. ولو كلفه الله عز وجل الصلاة والوضوء بغير نية لكلفه ~~ما لا يطيق، ولا يدخل تحت وسعه. وما كان هكذا فما وجه التعب فى تحصيله؟ وإن ~~شك فى حصول ms124 نيته فهو نوع جنون. فإن علم الإنسان بحال نفسه أمر يقينى. فكيف ~~يشك فيه عاقل من نفسه؟ ومن قام ليصلى صلاة الظهر خلف الإمام فكيف يشك فى ~~ذلك؟ ولو دعاه داع إلى شغل فى تلك الحال لقال: إنى مشتغل أريد صلاة الظهر، ~~ولو قال له قائل فى وقت خروجه إلى الصلاة: أين تمضى؟ لقال: أريد صلاة الظهر ~~مع الإمام، فكيف يشك عاقل فى هذا من نفسه وهو يعلمه يقينا؟. # بل أعجب من هذا كله أن غيره يعلم بنيته بقرائن الأحوال، فإنه إذا رأى ~~إنسانا جالسا فى الصف فى وقت الصلاة عند اجتماع الناس علم أنه ينتظر ~~الصلاة. وإذا رآه قد قام عند إقامتها ونهوض الناس إليها علم أنه إنما قام ~~ليصلى. فإن تقدم بين يدى المأمومين علم أنه يريد إمامتهم، فإن رآه فى الصف ~~علم أنه يريد الائتمام. # قال: فإذا كان غيره يعلم نيته الباطنة بما ظهر من قرائن الأحوال، فكيف ~~يجهلها من نفسه، مع اطلاعه هو على باطنه؟ فقبوله من الشيطان أنه ما نوى ~~تصديق له فى جحد العيان، وإنكار الحقائق المعلومة يقينا. ومخالفة للشرع، ~~ورغبة عن السنة، وعن طريق الصحابة. # ثم إن النية الحاصلة لا يمكن تحصيلها، والموجودة لا يمكن إيجادها؛ لأن من ~~شرط إيجاد # PageV01P137 # الشىء كونه معدوما، فإن إيجاد الموجود محال، وإذا كان كذلك فما يحصل له ~~بوقوفه شىء، لو وقف ألف عام. # قال: ومن العجب أنه يتوسوس حال قيامه، حتى يركع الإمام، فإذا خشى فوات ~~الركوع كبر سريعا وأدركه. فمن لم يحصل النية فى الوقوف الطويل حال فراغ ~~باله كيف يحصلها فى الوقت الضيق مع شغل باله بفوات الركعة؟، # ثم ما يطلبه إما أن يكون سهلا أو عسيرا، فإن كان سهلا فكيف يعسره؟ وإن ~~كان عسيرا فكيف تيسر عند ركوع الإمام سواه؟ وكيف خفى ذلك على النبى صلى ~~الله تعالى عليه وسلم وصحابته من أولهم إلى آخرهم، والتابعين ومن بعدهم؟ ~~وكيف لم ينتبه له سوى من استحوذ عليه الشيطان، أفيظن بجهله أن الشيطان ناصح ~~له؟ أما ms125 علم أنه لا يدعو إلى هدى، ولا يهدى إلى خير؟ وكيف يقول فى صلاة ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وسائر المسلمين الذين لم يفعلوا فعل ~~هذا الموسوس؟ أهى ناقصة عنده مفضولة؟ أم هى التامة الفاضلة؟ فما دعاه إلى ~~مخالفتهم والرغبة عن طريقهم؟. # فإن قال: هذا مرض بليت به، قلنا: نعم، سببه قبولك من الشيطان، ولم يعذر ~~الله تعالى أحدا بذلك، ألا ترى أن آدم وحواء لما وسوس لهما الشيطان فقبلا ~~منه أخرجا من الجنة، ونودى عليهما بما سمعت، وهما أقرب إلى العذر؛ لأنهما ~~لم يتقدم قبلهما من يعتبران به، وأنت قد سمعت وحذرك الله تعالى من فتنته، ~~وبين لك عداوته، وأوضح لك الطريق، فمالك عذر ولا حجة فى ترك السنة والقبول ~~من الشيطان. # قلت: قال شيخنا: ومن هؤلاء من يأتى بعشر بدع لم يفعل رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم ولا أحد من أصحابه واحدة منها، فيقول: أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم، نويت أصلى صلاة الظهر فريضة الوقت، أداء لله تعالى، إماما ~~أو مأموما، أربع ركعات، مستقبل القبلة، ثم يزعج أعضاءه ويحنى جبهته ويقيم ~~عروق عنقه، ويصرح بالتكبير. كأنه يكبر على العدو. ولو مكث أحدهم عمر نوح ~~عليه السلام يفتش: هل فعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو أحد من ~~أصحابه شيئا من ذلك، لما ظفر به، إلا أن يجاهر بالكذب البحت. فلو كان # PageV01P138 # فى هذا خير لسبقونا إليه، ولدلونا عليه. فإن كان هذا هدى فقد ضلوا عنه، ~~وإن كان الذى كانوا عليه هو الهدى والحق فماذا بعد الحق إلا الضلال. # قال: ومن أصناف الوسواس ما يفسد الصلاة، مثل تكرير بعض الكلمة، كقوله فى ~~التحيات: إت إت، التحى التحى، وفى السلام: أس أس. وقوله فى التكبير: أكككبر ~~ونحو ذلك، فهذا الظاهر بطلان الصلاة به، وربما كان إماما فأفسد صلاة ~~المأمومين، وصارت الصلاة التى هى من أكبر الطاعات أعظم إبعادا له عن الله ~~من الكبائر، وما لم تبطل به الصلاة من ذلك فمكروه وعدول عن السنة، ms126 ورغبة عن ~~طريقة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهديه، وما كان عليه أصحابه. ~~وربما رفع صوته بذلك فآذى سامعيه، وأغرى الناس بذمه والوقيعة فيه، فجمع على ~~نفسه طاعة إبليس ومخالفة السنة، وارتكاب شر الأمور ومحدثاتها، وتعذيب نفسه ~~وإضاعة الوقت، والاشتغال بما ينقص أجره، وفوات ما هو أنفع له، وتعريض نفسه ~~لطعن الناس فيه، وتغرير الجاهل بالاقتداء به؛ فإنه يقول: لولا أن ذلك فضل ~~لما اختاره لنفسه، وأساء الظن بما جاءت به السنة، وأنه لا يكفى وحده، ~~وانفعال النفس وضعفها للشيطان، حتى يشتد طمعه فيه وتعريضه نفسه للتشديد ~~عليه بالقدر، عقوبة له، وإقامته على الجهل، ورضاه بالخبل فى العقل، كما قال ~~أبو حامد الغزالى وغيره: "الوسوسة سببها إما جهل بالشرع، وإما خبل فى ~~العقل، وكلاهما من أعظم النقائص والعيوب". # فهذه نحو خمسة عشر مفسدة فى الوسواس، ومفاسده أضعاف ذلك بكثير. # وقد روى مسلم فى صحيحه من حديث عثمان بن أبى العاص قال: قلت: "يا رسول ~~الله، إن الشيطان قد حال بينى وبين صلاتى يلبسها على، فقال رسول الله صلى ~~عليه وسلم: ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن ~~يسارك ثلاثا، ففعلت ذلك، فأذهبه الله تعالى عنى". # فأهل الوسواس قرة عين خنزب وأصحابه، نعوذ بالله عز وجل منه. # PageV01P139 # فصل # ومن ذلك الإسراف فى ماء الوضوء والغسل. # وقد روى أحمد فى مسنده من حديث عبد الله بن عمرو: "أن رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: لا تسرف، فقال: يا رسول الله، ~~أوفى الماء إسراف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جار". # وفى جامع الترمذى من حديث أبى بن كعب: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ~~قال: "إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان، فاتقوا وسواس الماء". # وفى المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "جاء أعرابى ~~إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثا ~~ثلاثا، وقال: هذا الوضوء فمن زاد ms127 على هذا فقد أساء وتعدى وظلم". # وفى كتاب الشافى لأبى بكر عبد العزيز من حديث أم سعد قالت: قال رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم: "يجزئ من الوضوء مد، والغسل صاع. وسيأتى قوم ~~يستقلون ذلك، فأولئك خلاف أهل سنتى، والآخذ بسنتى فى حضرة القدس منتزه أهل ~~الجنة". # وفى سنن الأثرم من حديث سالم بن أبى الجعد عن جابر بن عبد الله قال: ~~"يجزئ من الوضوء المد، ومن الغسل من الجنابة الصاع، فقال رجل: ما يكفينى، ~~فغضب جابر حتى تربد وجهه، ثم قال: قد كفى من هو خير منك وأكثر شعرا". # وقد رواه الإمام أحمد فى مسنده مرفوعا. ولفظه عن جابر قال: قال رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم: "يجزئ من الغسل الصاع، ومن الوضوء المد". # وفى صحيح مسلم عن عائشة رضى الله تعالى عنها: "أنها كانت تغتسل هى والنبى ~~صلى الله تعالى عليه وسلم من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد، أو قريبا من ذلك". # وفى سنن النسائى عن عبيد بن عمير: "أن عائشة رضى الله عنها قالت: لقد ~~رأيتنى أغتسل # PageV01P140 # أنا ورسول الله من هذا، فإذا تور موضوع مثل الصاع أو دونه - نشرع فيه ~~جميعا، فأفيض بيدى على رأسى ثلاث مرات، وما أنقض لى شعرا". # وفى سنن أبى داود والنسائى عن عباد بن تميم عن أم عمارة بنت كعب أن النبى ~~صلى الله تعالى عليه وسلم: "توضأ فأتى بماء فى إناء قدر ثلثى المد". # وقال عبد الرحمن بن عطاء: سمعت سعيد بن المسيب يقول: "إن لى ركوة أو ~~قدحا، ما يسع إلا نصف المد أو نحوه، أبول ثم أتوضأ منه، وأفضل منه فضلا". ~~قال عبد الرحمن: "فذكرت ذلك لسليمان بن يسار فقال: وأنا يكفينى مثل ذلك". ~~قال عبد الرحمن: "فذكرت ذلك لأبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر فقال: ~~وهكذا سمعنا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"، رواه الأثرم فى ~~سننه. # وقال إبراهيم النخعى: "كانوا أشد استيفاء للماء منكم، وكانوا يرون أن ربع ~~المد ms128 يجزئ من الوضوء". # وهذا مبالغة عظيمة، فإن ربع المد لا يبلغ أوقية ونصفا بالدمشقى. # وفى "الصحيحين" عن أنس قال: "كان رسول صلى الله تعالى عليه وسلم يتوضأ ~~بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد". # وفى "صحيح مسلم" عن سفينة قال: "كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ~~يغسله الصاع من الجنابة، ويوضئه المد". # وقال إبراهيم النخعى: "إنى لأتوضأ من كوز الحب مرتين". # وتوضأ القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق بقدر نصف المد أو أزيد بقليل. # وقال محمد بن عجلان: "الفقه فى دين الله إسباغ الوضوء وقلة إهراق الماء". # وقال الإمام أحمد: "كان يقال: من قلة فقه الرجل ولعه بالماء" وقال ~~الميمونى: "كنت أتوضأ بماء كثير: فقال لى أحمد: يا أبا الحسن، أترضى أن ~~تكون كذا؟ فتركته". # PageV01P141 # وقال عبد الله بن أحمد: "قلت لأبى: إنى لأكثر الوضوء، فنهانى عن ذلك، ~~وقال يا بنى، يقال: إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان. قال لى ذلك غير مرة، ~~ينهانى عن كثرة صب الماء، وقال لى: أقلل من هذا الماء يا بنى". # وقال إسحاق بن منصور: "قلت لأحمد: نزيد على ثلاث فى الوضوء؟ فقال: لا ~~والله إلا رجل مبتلى". # وقال أسود بن سالم، الرجل الصالح شيخ الإمام أحمد: "كنت مبتلى بالوضوء، ~~فنزلت دجلة أتوضأ، فسمعت هاتفا يقول: يا أسود، يحيى عن سعيد: الوضوء ثلاث، ~~ما كان أكثرلم يرفع، فالتفت فلم أر أحدا". # وقد روى أبو داود فى سننه من حديث عبد الله بن مغفل قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: "سيكون فى هذه الأمة قوم يعتدون فى الطهور ~~والدعاء". # فإذا قرنت هذا الحديث بقوله تعالى: {إن الله لا يحب المعتدين} [الأعراف: ~~55] . وعلمت أن الله يحب عبادته، أنتج لك من هذا أن وضوء الموسوس ليس ~~بعبادة يقبلها الله تعالى، وإن أسقطت الفرض عنه، فلا تفتح أبواب الجنة ~~الثمانية لوضوئه يدخل من أيها شاء. # ومن مفاسد الوسواس: أنه يشغل ذمته بالزائد على حاجته، إذا كان الماء ~~مملوكا لغيره كماء الحمام، فيخرج منه ms129 وهو مرتهن الذمة بما زاد على حاجته، ~~ويتطاول عليه الدين حتى يرتهن من ذلك بشئ كثير جدا يتضرر به فى البرزخ ويوم ~~القيامة. # فصل # ومن ذلك الوسواس فى انتقاض الطهارة لا يلتفت إليه. # وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه، قال رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم. # " إذا وجد أحد كم فى بطنه شيئا فأشكل عليه: أخرج منه شئ أم لا؟ فلا يخرج ~~من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". # PageV01P142 # وفى الصحيحين عن عبد الله بن زيد قال: # "شكى إلى رسول صلى الله عليه وسلم: الرجل يخيل إليه أنه يجد الشئ فى ~~الصلاة، قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". # وفى المسند وسنن أبى داود عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم قال: # "إن الشيطان يأتى أحدكم وهو فى الصلاة، فيأخذ بشعرة من دبره فيمدها فيرى ~~أنه قد أحدث، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" ولفظ أبى داود: "إذا ~~أتى الشيطان أحدكم فقال له: إنك قد أحدثت، فليقل له: كذبت، إلا ما وجد ريحا ~~بأنفه أو سمع صوتا بأذنه". # فأمر عليه الصلاة والسلام بتكذيب الشيطان فيما يحتمل صدقه فيه، فكيف إذا ~~كان كذبه معلوما متيقنا، كقوله للموسوس: لم تفعل كذا، وقد فعله؟ # قال الشيخ أبو محمد: ويستحب للإنسان أن ينضح فرجه وسراويله بالماء إذا ~~بال، ليدفع عن نفسه الوسوسة، فمتى وجد بللا قال: هذا من الماء الذى نضحتا، ~~لما روى أبو داود بإسناده عن سفيان بن الحكم الثقفى، أو الحكم بن سفيان ~~قال: # "كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إذا بال توضأ وينتضح". # وفى رواية: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم نضح فرجه". # وكان ابن عمر ينضح فرجه حتى يبل سراويله. # وشكا إلى الإمام أحمد بعض أصحابه أنه يجد البلل بعد الوضوء، فأمره أن ~~ينضح فرجه إذا بال، قال: "ولا تجعل ذلك من همتك واله عنه". # وسئل الحسن أو غيره عن مثل ms130 هذا فقال: "اله عنه". فأعاد عليه المسألة ~~فقال: "أتستدره لا أب لك، أله عنه". # فصل # ومن هذا ما يفعله كثير من الموسوسين بعد البول وهو عشرة أشياء: السلت، ~~والفطر، والنحنحة، والمشى، والقفز، والحبل، والتفقد، والجور، والحشو، ~~والعصابة، والدرجة. # PageV01P143 # أما السلت فيسلته من أصله إلى رأسه، على أنه قد روى فى ذلك حديث غريب لا ~~يثبت، ففى المسند وسنن ابن ماجه عن عيسى بن يزداد عن أبيه قال: قال: رسول ~~الله تعالى عليه وسلم: "إذا بال أحدكم فليمسح ذكره ثلاث مرات". # وقال جابر بن زيد: "إذا بلت فامسح أسفل ذكرك فإنه ينقطع". رواه سعيد عنه. # قالوا: ولأنه بالسلت والنتر يستخرج ما يخشى عوده بعد الاستنجاء. # قالوا: وإن احتاج إلى مشى خطوات لذلك ففعل فقد أحسن، والنحنحة ليستخرج ~~الفضلة. وكذلك القفز يرتفع عن الأرض شيئا ثم يجلس بسرعة، والحبل يتخذ بعضهم ~~حبلا يتعلق به حتى يكاد يرتفع، ثم ينخرط منه حتى يقعد، والتفقد: يمسك الذكر ~~ثم ينظر فى المخرج هل بقى فيه شىء أم لا. والوجور: يمسكه ثم يفتح الثقب ~~ويصب فيه الماء: والحشو: يكون معه ميل وقطن يحشوه به كما يحشو الدمل بعد ~~فتحها. والعصابة: يعصبه بخرقة، والدرجة يصعد فى سلم قليلا ثم ينزل بسرعة، ~~والمشى يمشى خطوات ثم يعيد الاستجمار. # قال شيخنا: "وذلك كله وسواس وبدعة"، فراجعته فى السلت والنتر فلم يره، ~~وقال: "لم يصح الحديث"، قال: "والبول كاللبن فى الضرع إن تركته قر وإن ~~حلبته در". # قال: "ومن اعتاد ذلك ابتلى منه بما عوفى منه من لها عنه". # قال: "ولو كان هذا سنة لكان أولى الناس به رسول الله عليه الصلاة والسلام ~~وأصحابه"، وقد قال اليهودى لسلمان: "لقد علمكم نبيكم كل شىء حتى الخرأة، ~~فقال: أجل"، فأين علمنا نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك أو شيئا منه؟ ~~بلى علم المستحاضة أن تتلجم، وعلى قياسها من به سلس البول أن يتحفظ، ويشد ~~عليه خرقة. # فصل # ومن ذلك أشياء سهل فيها المبعوث بالحنيفية السمحة فشدد فيها هؤلاء. # فمن ذلك المشى ms131 حافيا فى الطرقات، ثم يصلى ولا يغسل رجليه، فقد روى أبو ~~داود فى # PageV01P144 # سننه: عن امرأة من بنى عبد الأشهل قالت: # "قلت: يا رسول الله، إن لنا طريقا إلى المسجد منتنة، فكيف نفعل إذا ~~تطهرنا؟ قال: أليس بعدها طريق أطيب منها؟ قالت: قلت: بلى، قال: فهذه بهذه". # وقال عبد الله بن مسعود: "كنا لا نتوضأ من موطىء". # وعن على رضى الله عنه: أنه خاص فى طين المطر، ثم دخل المسجد فصلى، ولم ~~يغسل رجليه. # وسئل ابن عباس رضى الله عنهما عن الرجل يطأ العذرة؟ قال: "إن كانت يابسة ~~فليس بشىء، وإن كانت رطبة غسل ما أصابه". # وقال حفص: أقبلت مع عبد الله بن عمر عامدين إلى المسجد. فلما انتهينا ~~عدلت إلى المطهرة لأغسل قدمى من شىء أصابهما، فقال عبد الله: لا تفعل، فإنك ~~تطأ الموطىء الردئ، ثم تطأ بعده الموطئ الطيب- أو قال: النظيف- فيكون ذلك ~~طهورا، فدخلنا المسجد جميعا فصلينا. # وقال أبو الشعثاء: "كان ابن عمر يمشى بمنى فى الفروث والدماء اليابسة ~~حافيا، ثم يدخل المسجد فيصلى فيه، ولا يغسل قدميه". # وقال عمران بن حدير: كنت أمشى مع أبى مجلز إلى الجمعة، وفى الطريق عذرات ~~يابسة، فجعل يتخطاهن ويقول: ما هذه إلا سوادات، ثم جاء حافيا إلى المسجد ~~فصلى، ولم يغسل قدميه". # وقال عاصم الأحول: "أتينا أبا العالية، فدعونا بوضوء، فقال: ما لكم؟ ~~ألستم متوضئين؟ قلنا: # PageV01P145 # بلى، ولكن هذه الأقذار التى مررنا بها. قال: هل وطئتم على شىء رطب تعلق ~~بأرجلكم؟ قلنا: لا. فقال: فكيف بأشد من هذه الأقذار يجف، فينسفها الريح فى ~~رؤوسكم ولحاكم"؟ # فصل # ومن ذلك أن الخف والحذاء إذا أصابت النجاسة أسفله أجزأ دلكه بالأرض مطلقا ~~وجازت الصلاة فيه بالسنة الثابتة. نص عليه أحمد. واختاره المحققون من ~~أصحابه قال أبو البركات: ورواية: "أجزأ الدلك مطلقا". # هى الصحيحة عندى لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم قال: "إذا وطىء أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له ~~طهور"، وفى لفظ: " إذا وطىء ms132 أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب". رواهما ~~أبو داود. # وروى أبو سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. "صلى ~~فخلع نعليه فخلع الناس نعالهم فلما انصرف قال: لم خلعتم؟ قالوا: يا رسول ~~الله، رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: إن جبريل أتانى فأخبرنى أن بهما خبثا، ~~فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ثم لينظر، فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض ~~ثم ليصل فيهما". رواه الإمام أحمد. # وتأويل ذلك: على ما يستقذر من مخاط أو نحوه من الطاهرات لا يصح، لوجوه: # أحدها: أن ذلك لا يسمى خبثا. # الثانى: أن ذلك لا يؤمر بمسحه عند الصلاة فإنه لا يبطلها. # الثالث: أنه لا تخلع النعل لذلك فى الصلاة، فإنه عمل لغير حاجة، فأقل ~~أحواله الكراهة. # الرابع: أن الدارقطنى روى فى سننه فى حديث الخلع من رواية ابن عباس: أن ~~النبى عليه الصلاة والسلام قال: "إن جبريل أتانى، فأخبرنى أن فيهما دم ~~حلمة" والحلم كبار القراد. # PageV01P146 # ولأنه بمحل يتكرر ملاقاة النجاسة غالبا، فأجزأ مسحه بالجامد، كمحل ~~الاستجمار، بل أولى. فإن محل الاستجمار يلاقى النجاسة فى اليوم مرتين أو ~~ثلاثا. # فصل # وكذلك ذيل المرأة على الصحيح، وقالت امرأة لأم سلمة: "إنى أطيل ذيلى ~~وأمشى فى المكان القذر. فقالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ~~"يطهره ما بعده" رواه أحمد وأبو داود. # وقد رخص النبى عليه الصلاة والسلام للمرأة أن ترخى ذيلها ذراعا، ومعلوم ~~أنه يصيب القذر ولم يأمرها بغسل ذلك، بل أفتاهن بأنه تطهره الأرض. # فصل # ومما لا تطيب به قلوب الموسوسين: الصلاة فى النعال. وهى سنة رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه، فعلا منه وأمرا. "كان يصلى فى ~~نعليه"، متفق عليه. # وعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ~~"خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون فى خفافهم ولا نعالهم". رواه أبو داود. # وقيل للإمام أحمد: أيصلى الرجل فى نعليه؟ فقال: إى والله. # وترى أهل الوسواس إذا بلى أحدهم بصلاة الجنازة فى نعليه قام على ms133 عقبيهما ~~كأنه واقف على الجمر، حتى لا يصلى فيهما. # PageV01P147 # وفى حديث أبى سعيد الخدرى: "إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر، فإن رأى على ~~نعليه قذرا فليمسحه، وليصل". # فصل # ومن ذلك: أن سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: الصلاة حيث ~~كان، وفى أى مكان كان، سوى ما نهى عنه من المقبرة والحمام وأعطان الإبل، ~~فصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: # "جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا، فحيثما أدركت رجلا من أمتى الصلاة فليصل". # وكان يصلى فى مرابض الغنم، وأمر بذلك، ولم يشترط حائلا. # قال ابن المنذر: "أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة فى ~~مرابض الغنم، إلا الشافعي". فإنه قال: "أكره ذلك، إلا إذا كان سليما من ~~أبعارها". وقال: أبو هريرة رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم: "صلوا فى مرابض الغنم، ولا تصلوا فى أعطان الإبل". رواه ~~الترمذى وقال: حديث حسن صحيح. # وروى الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم: "صلوا فى مرابض الغنم، ولا تصلوا فى أعطان الإبل، أو ~~مبارك الإبل". # وفى المسند أيضا، من حديث عبد الله بن المغفل قال: قال رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم: "صلوا فى مرابض الغنم ولا تصلوا فى أعطان ~~الإبل، فإنها خلقت من الشياطين". # وفى الباب عن جابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وأسيد بن الحضير وذى الغرة، ~~كلهم رووا عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: "صلوا فى مرابض الغنم". # وفى بعض ألفاظ الحديث: "صلوا فى مرابض الغنم، فإن فيها بركة". # PageV01P148 # وقال: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام". رواه أهل السنن كلهم، إلا ~~النسائى. # فأين هذا الهدى من فعل من لا يصلى إلا على سجادة تفرش فوق البساط فوق ~~الحصير ويضع عليها المنديل؟ ولا يمشى على الحصير ولا على البساط، بل يمشى ~~عليها نقرا كالعصفور. فما أحق هؤلاء بقول ابن مسعود: "لأنتم أهدى من أصحاب ~~محمد أو أنتم ms134 على شعبة ضلالة". # وقد صلى النبى عليه الصلاة والسلام على حصير قد اسود من طول ما لبس، فنضح ~~له بالماء وصلى عليه، ولم يفرش له فوقه سجادة ولا منديل، وكان يسجد على ~~التراب تارة، وعلى الحصى تارة، وفى الطين تارة، حتى يرى أثره على جبهته ~~وأنفه. # وقال ابن عمر: "كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول فى المسجد، ولم يكونوا ~~يرشون شيئا من ذلك". # رواه البخارى، ولم يقل "وتبول" وهو عند أبى داود بإسناد صحيح بهذه ~~الزيادة. # فصل # ومن ذلك: أن الناس فى عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم كانوا يأتون ~~المساجد حفاة فى الطين وغيره. # قال يحيى بن وثاب: "قلت لابن عباس: الرجل يتوضأ ثم يخرج إلى المسجد ~~حافيا؟ قال: لا بأس به". # وقال كميل بن زياد: "رأيت عليا رضى الله عنه يخوض طين المطر ثم دخل ~~المسجد فصلى ولم يغسل رجليه". # قال إبراهيم النخعى: "كانوا يخوضون الماء والطين إلى المسجد فيصلون". # وقال يحيى بن وثاب: "كانوا يمشون فى ماء المطر وينتضح عليهم". رواها سعيد ~~بن منصور فى سننه. # PageV01P149 # وقال ابن المنذر: "وطئ ابن عمر بمنى وهو حاف فى ماء وطين ثم صلى ولم ~~يتوضأ". قال: "وممن رأى ذلك علقمة، والأسود، وعبد الله بن مغفل وسعيد بن ~~المسيب، والشعبى، والإمام أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، وأحد الوجهين ~~للشافعية"، قال: "وهو قول عامة أهل العلم، ولأن تنجيسها فيه مشقة عظيمة ~~منتفية بالشرع، كما فى أطعمة الكفار وثيابهم، وثياب الفساق شربة المسكر ~~وغيرهم". # قال أبو البركات بن تيمية: "وهذا كله يقوى طهارة الأرض بالجفاف، لأن ~~الإنسان فى العادة لا يزال يشاهد النجاسات فى بقعة من طرقاته التى يكثر ~~فيها تردده إلى سوقه ومسجده وغيرهما، فلو لم تطهر إذا أذهب الجفاف أثرها ~~للزمه تجنب ما شاهده من بقاع النجاسات بعد ذهاب أثرها، ولما جاز له التحفى ~~بعد ذلك، وقد علم أن السلف الصالح لم يحترزوا من ذلك. ويعضده أمره عليه ~~الصلاة والسلام بمسح النعلين بالأرض لمن أتى المسجد ورأى فيهما خبثا، ولو ~~تنجست الأرض بذلك نجاسة ms135 لا تطهر بالجفاف لأمر بصيانة طريق المسجد عن ذلك، ~~لأنه يسلكه الحافى وغيره". # قلت: وهذا اختيار شيخنا رحمه الله. # وقال أبو قلابة: "جفاف الأرض طهورها". # فصل # ومن ذلك: أن النبى عليه الصلاة والسلام سئل عن المذى، فأمر بالوضوء منه، ~~فقال: # "كيف ترى بما أصاب ثوبى منه؟ قال: تأخذ كفا من ماء فتنضح به حيث ترى أنه ~~أصابه". رواه أحمد والترمذى والنسائى. # فجوز نضح ما أصابه المذى، كما أمر بنضح بول الغلام. # قال شيخنا: وهذا هو الصواب، لأن هذه نجاسة يشق الأحتراز منها، لكثرة ما ~~يصيب ثياب الشاب العزب، فهى أولى بالتخفيف من بول الغلام، ومن أسفل الخف ~~والحذاء. # PageV01P150 # فصل # ومن ذلك: إجماع المسلمين على ما سنه لهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ~~من جواز الاستجمار بالأحجار فى زمن الشتاء والصيف، مع أن المحل يعرق، فينضح ~~على الثوب ولم يأمر بغسله من ذلك. # ومن ذلك: أنه يعفى عن يسير أرواث البغال والحمير والسباع، فى إحدى ~~الروايتين عن أحمد، اختارها شيخنا لمشقة الاحتراز. # قال الوليد بن مسلم: "قلت للأوزاعى: فأبوال الدواب مما لا يؤكل لحمه، ~~كالبغل والحمار والفرس؟ فقال: قد كانوا يبتلون بذلك فى مغازيهم، فلا ~~يغسلونه من جسد ولا ثوب". # ومن ذلك: نص أحمد على أن الودى يعفى عن يسيره كالمذى، وكذلك يعفى عن يسير ~~القئ نص عليه أحمد. # وقال شيخنا: "لا يجب غسل الثوب ولا الجسد من المدة والقيح والصديد"، قال: ~~"ولم يقم دليل على نجاسته". # وذهب بعض أهل العلم إلى أنه طاهر، حكاه أبو البركات. وكان ابن عمر رضى ~~الله عنهما لا ينصرف منه فى الصلاة، وينصرف من الدم. وعن الحسن نحوه. # وسئل أبو مجلز عن القيح يصيب البدن والثوب؟ فقال: "ليس بشىء، إنما ذكر ~~الله الدم ولم يذكر القيح". # وقال إسحاق بن راهويه: "كل ما كان سوى الدم فهو عندى مثل العرق المنتن ~~وشبهه، ولا يوجب وضوءا". # وسئل أحمد رحمه الله: الدم والقيح عندك سواء؟ فقال: "لا، الدم لم يختلف ~~الناس فيه، والقيح قد اختلف الناس فيه". ms136 وقال مرة: "القيح والصديد والمدة ~~عندى أسهل من الدم". # ومن ذلك: ما قاله أبو حنيفة: "أنه لو وقع بعر الفأر فى حنطة فطحنت، أو فى ~~دهن مائع جاز أكله ما لم يتغير، لأنه لا يمكن صونه عنه". قال: "فلو وقع فى ~~الماء نجسه". # PageV01P151 # وذهب بعض أصحاب الشافعى إلى جواز أكل الحنطة التى أصابها بول الحمير عند ~~الدياس من غير غسل. قال: "لأن السلف لم يحترزوا من ذلك". # وقالت عائشة رضى الله عنها: "كنا نأكل اللحم، والدم خطوط على القدر". # وقد أباح الله عز وجل صيد الكلب وأطلق، ولم يأمر بغسل موضع فمه من الصيد ~~ومعضه ولا تقويره، ولا أمر به رسوله، ولا أفتى به أحد من الصحابة. # ومن ذلك: ما أفتى به عبد الله بن عمر، وعطاء بن أبى رباح، وسعيد بن ~~المسيب وطاووس وسالم، ومجاهد، والشعبى، وإبراهيم النخعى، والزهرى، ويحيى بن ~~سعيد الأنصارى، والحكم، والأوزاعى، ومالك، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور ~~والإمام أحمد فى أصح الروايتين، وغيرهم: "أن الرجل إذا رأى على بدنه أو ~~ثوبه نجاسة بعد الصلاة لم يكن عالما بها، أو كان يعلمها لكنه نسيها أو لم ~~ينسها، لكنه عجز عن إزالتها أن صلاته صحيحة، ولا إعادة عليه". # فصل # ومن ذلك: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: "كان يصلى وهو حامل أمامة ~~بنت ابنته زينب، فإذا ركع وضعها، وإذا قام حملها" متفق عليه. # ولأبى داود: "أن ذلك كان فى إحدى صلاتى العشى". # وهو دليل على جواز الصلاة فى ثياب المربية والمرضع والحائض والصبى، ما لم ~~يتحقق نجاستها. # وقال أبو هريرة: "كنا مع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى صلاة ~~العشاء فلما سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فلما رفع رأسه أخذهما بيده من ~~خلفه أخذا رفيقا ووضعهما على الأرض، فإذا عاد عادا، حتى قضى صلاته". رواه ~~الإمام أحمد. # وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: عن أبيه: "خرج علينا رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم وهو حامل الحسن، والحسين، فوضعه ثم كبر ms137 للصلاة، فصلى ~~فسجد بين ظهرانى صلاته سجدة أطالها. فلما قضى الصلاة قال: إن ابنى ارتحلنى ~~فكرهت أن أعجله". رواه أحمد والنسائى. # وقالت عائشة رضى الله تعالى عنها: "كان رسول صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم يصلى بالليل وأنا إلى جنبه، وأنا حائض، وعلى مرط وعليه بعضه". رواه ~~أبو داود. # PageV01P152 # وقالت: " كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نبيت فى الشعار الواحد، ~~وأنا طامث- حائض- فإن أصابه منى شى غسل مكانه، ولم يعده، وصلى فيه" رواه ~~أبو داود. # فصل # ومن ذلك: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يلبس الثياب التى نسجها ~~المشركون ويصلى فيها. # وتقدم قول عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه، وهمه أن ينهى عن ثياب بلغه ~~أنها تصبغ بالبول، وقول أبى له: "مالك أن تنهى عنها، فإن رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم لبسها، ولبست فى زمانه؟ ولو علم الله أنها حرام ~~لبينه لرسوله. قال: صدقت". # قلت: وعلى قياس ذلك: الجوخ، بل أولى بعدم النجاسة من هذه الثياب، فتجنبه ~~من باب الوسواس. # ولما قدم عمر بن الخطاب رضى الله عنه الجابية استعار ثوبا من نصرانى ~~فلبسه، حتى خاطوا له قميصه وغسلوه. وتوضأ من نجرة نصرانية. # وصلى سلمان وأبو الدرداء رضى الله عنهما فى بيت نصرانية. فقال لها أبو ~~الدرداء: "هل فى بيتك مكان طاهر فنصلى فيه؟ " فقالت: طهرا قلوبكما، ثم صليا ~~اين أحببتما. فقال له سلمان: "خذها من غير فقيه". # فصل # ومن ذلك: أن الصحابة والتابعين كانوا يتوضئون من الحياض والأوانى ~~المكشوفة ولا يسألون: هل أصابتها نجاسة، أو وردها كلب أو سبع؟ ففى الموطإ ~~عن يحيى ابن سعيد أن عمر رضى الله عنه خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص، حتى ~~وردوا حوضا، فقال عمرو: "يا صاحب الحوض، هل ترد حوضك السباع؟ "، فقال عمر ~~رضى الله عنه: "لا تخبرنا. فإنا نرد على السباع وترد علينا". # PageV01P153 # وفى سنن ابن ماجه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "سئل: ~~أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم، ms138 وبما أفضلت السباع". # ومن ذلك: أنه لو سقط عليه شئ من ميزاب، لا يدرى هل هو أو بول. لم يجب ~~عليه أن يسأل عنه. فلو سأل لم يجب على المسئول أن يجيبه ولو علم أنه نجس، ~~ولا يجب عليه غسل ذلك. # ومر عمر بن الخطاب رضى الله عنه يوما، فسقط عليه شئ من ميزاب، ومعه صاحب ~~له، فقال: يا صاحب الميزاب ماؤك طاهر أو نجس؟ فقال عمر رضى الله عنه: "يا ~~صاحب الميزاب لا تخبرنا ومضى"، ذكره أحمد. # قال شيخنا: "وكذلك إذا أصاب رجله أو ذيله بالليل شىء رطب ولا يعلم ما هو ~~لم يجب عليه أن يشمه ويتعرف ما هو. واحتج بقصة عمر رضى الله عنه فى الميزاب ~~وهذا هو الفقه، فإن الأحكام إنما تترتب على المكلف بعد علمه بأسبابها، وقبل ~~ذلك هى على العفو. فما عفا الله عنه فلا ينبغى البحث عنه". # فصل # ومن ذلك: الصلاة مع يسير الدم، ولا يعيد. # قال البخارى: قال الحسن رحمه الله: "مازال المسلمون يصلون فى جراحاتهم". # قال: "وعصر ابن عمر رضى الله عنهما بثرة، فخرج منها دم فلم يتوضأ، وبصق ~~ابن أبى أو فى دما ومضى فى صلاته. وصلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه وجرحه ~~يثعب دما". # PageV01P154 # ومن ذلك: أن المراضع مازلن من عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ~~وإلى الآن يصلين فى ثيابهن، والرضعاء يتقيئون ويسيل لعابهم على ثياب ~~المرضعة وبدنها، فلا يغسلن شيئا من ذلك، لأن ريق الرضيع مطهر لقمه لأجل ~~الحاجة. كما أن ريق الهرة مطهر لفمها. # وقد قال رسول الله صلى الله تعالي عليه وآله وسلم: # "إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات وكان يصغى لها الإناء ~~حتى تشرب". # وكذلك فعل أبو قتادة. مع العلم اليقينى أنها تأكل الفأر والحشرات، والعلم ~~القطعى أنه لم يكن بالمدينة حياض فوق القلتين تردها السنانير وكلاهما معلوم ~~قطعا. # ومن ذلك: أن الصحابة ومن بعدهم كانوا يصلون وهم حاملو سيوفهم، وقد أصابها ~~الدم. وكانوا يمسحونها، ويجتزئون بذلك. # وعلى قياس ms139 هذا: مسح المرآة الصقيلة إذا أصابتها النجاسة، فإنه يطهرها. # وقد نص أحمد على طهارة سكين الجزار بمسحها. # ومن ذلك: أنه نص على حبل الغسال أنه ينشر عليه الثوب النجس، ثم تجففه ~~الشمس، فينشر عليه الثوب الطاهر. فقال: لا بأس به. وهذا كقول أبى حنيفة: ~~"إن الأرض النجسة يطهرها الريح والشمس". وهو وجه لأصحاب أحمد، حتى إنه يجوز ~~التيمم بها. وحديث ابن عمر رضى الله عنهما كالنص فى ذلك وهو قوله: "كانت ~~الكلاب تقبل وتدبر وتبول فى المسجد ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك". # PageV01P155 # وهذا لا يتوجه إلا على القول بطهارة الأرض بالريح والشمس. # ومن ذلك: أن الذى دلت عليه سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~وآثار أصحابه: أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وإن كان يسيرا. # وهذا قول أهل المدينة وجمهور السلف، وأكثر أهل الحديث. وبه أفتى عطاء بن ~~أبى رباح، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، والأوزاعى، وسفيان الثورى، ومالك ~~بن أنس، وعبد الرحمن بن مهدى، واختاره ابن المنذر. وبه قال أهل الظاهر. ونص ~~عليه أحمد فى إحدى روايتيه. وإختاره جماعة من أصحابنا، منهم ابن عقيل فى ~~مفرداته وشيخنا أبو العباس، وشيخه ابن أبى عمر. # وقال ابن عباس رضى الله عنهما: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: # "الماء لا ينجسه شئ" رواه الإمام أحمد. # وفى المسند والسنن عن أبى سعيد قال: "قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر ~~بضاعة؟ وهى بئر تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال: الماء طهور، لا ~~ينجسه شئ". # قال الترمذى: "هذا حديث حسن". وقال الإمام أحمد: "حديث بئر بضاعة صحيح". # وفى لفظ للإمام أحمد: "إنه يستقى لك من بئر بضاعة، وهى بئر يطرح فيها ~~حايض النساء، ولحم الكلاب، وعذر الناس؟ فقال رسول الله تعالى عليه وسلم: إن ~~الماء طهور لا ينجسه شى". # وفى سنن ابن ماجه من حديث أبى أمامة مرفوعا: # "الماء لا ينجسه شى إلا ما غلب على ريحه، أو طعمه، أو لونه". # وفيها من حديث أبى ms140 سعيد الحدرى: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ~~"سئل عن الحياض التى بين مكة والمدينة، تردها السباع والكلاب والحمر، وعن ~~الطهارة بها؟ فقال: لها ما حملت فى بطونها ولنا ما غبر طهور". # وإن كان فى إسناد هذين الحديثين مقال. فإنا ذكرناهما للاستشهاد لا ~~للاعتماد. # وقال البخارى: قال الزهرى: "لا بأس بالماء ما لم يتغير منه طعم أو ريح أو ~~لون". # PageV01P156 # وقال الزهرى أيضا: "إذا ولغ الكلب فى الإناء ليس له وضوء غيره يتوضأ به ~~ثم يتيمم". # قال سفيان: "هذا الفقه بعينه"، يقول الله تعالى: # " {فلم تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة: 6] . وهذا ماء، وفى النفس منه شىء ~~يتوضأ به ثم يتيمم" ونص أحمد رحمه الله فى جب زيت ولغ فيه كلب، فقال: ~~"يؤكل". # فصل # ومن ذلك: أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يجيب من دعاه، ~~فيأكل من طعامه وأضافه يهودى بخبز شعير وإهالة سنخة. وكان المسلمون يأكلون ~~من أطعمة أهل الكتاب. # وشرط عمر رضى الله تعالى عنه عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين، وقال: ~~"أطعموهم مما تأكلون". وقد أحل الله عز وجل ذلك فى كتابه. # ولما قدم عمر رضى الله عنه الشام صنع له أهل الكتاب طعاما فدعوه، فقال: ~~"أين هو؟ " قالوا: فى الكنيسة، فكره دخولها، وقال لعلى رضى الله عنه: "اذهب ~~بالناس، فذهب على بالمسلمين". فدخلوا وأكلوا، وجعل على رضى الله عنه: ينظر ~~إلى الصور، وقال: "ما على أمير المؤمنين لو دخل وأكل؟ ". # وكان النبى عليه السلام يقبل ابنى ابنته فى أفواههما، ويشرب من موضع فم ~~عائشة رضى الله عنها، ويتعرق العرق، فيضع فاه على موضع فيها، وهى حائض. # وحمل أبو بكر رضى الله عنه الحسن على عاتقه ولعابه يسيل عليه. # وأتى رسول الله عليه السلام بصبى، فوضعه فى حجره، فبال عليه فدعا بماء، ~~فنضحه ولم يغسله. # وكان يؤتى بالصبيان فيضعهم فى حجره يبرك عليهم، ويدعو لهم. # PageV01P157 # وهذا الذى ذكرناه قليل من كثير من السنة، ومن له اطلاع على ما كان عليه ~~رسول الله صلى ms141 الله تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه لا يخفى عليه حقيقة ~~الحال. # وقد روى الإمام أحمد فى مسنده عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "بعثت ~~بالحنيفية السمحة". # فجمع بين كونها حنيفية وكونها سمحة. فهى حنيفية فى التوحيد، سمحة فى ~~العمل. وضد الأمرين: الشرك، وتحريم الحلال، وهما اللذان ذكرهما النبى صلى ~~الله تعالى عليه وآله فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: # " إنى خلقت عبادى حنفاء وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت ~~عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطانا". # فالشرك وتحريم الحلال قرينان. وهما اللذان عابهما الله تعالى فى كتابه ~~على المشركين فى سورة الأنعام والأعراف. # وقد ذم النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم المتنطعين فى الدين، وأخبر ~~بمهلكهم حيث يقول: # "ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون". وقال ابن ~~أبى شيبة: حدثنا أبو أسامة عن مسعر قال: "أخرج إلى معن بن عبد الرحمن ~~كتابا، وحلف بالله أنه خط أبيه، فإذا فيه: قال عبد الله: والله الذى لا إله ~~غيره ما رأيت أحدا كان أشد على المتنطعين من رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم، ولا رأيت بعده أحدا أشد خوفا عليهم من أبى بكر، وإنى لأظن عمر ~~رضى الله عنه كان أشد أهل الأرض خوفا عليهم". # وكان عليه الصلاة والسلام يبغض المتعمقين، حتى إنه لما واصل بهم ورأى ~~الهلال. قال: "لو تأخر الهلال لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم، كالمنكل ~~بهم". # PageV01P158 # وكان الصحابة أقل الأمة تكلفا، اقتداء بنبيهم صلى الله تعالى وسلم. قال ~~الله تعالى: # {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} [ص: 86] . وقال عبد ~~الله بن مسعود رضى الله عنه: "من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات. فإن ~~الحى لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد، كانوا أفضل هذه الأمة: أبرها ~~قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا. اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه، ~~ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم وسيرتهم، فإنهم كانوا ~~على الهدى ms142 المستقيم". # وقال أنس رضى الله عنه: "كنا عند عمر رضى الله عنه، فسمعته يقول: نهينا ~~عن التكلف". # وقال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: "سن رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وسلم وولاة الأمور بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستعمال لطاعة ~~الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيما ~~خالفها. من اقتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها ~~واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا". # وقال مالك: بلغنى أن عمر بن الخطاب كان يقول: "سنت لكم السنن، وفرضت لكم ~~الفرائض، وتركتم على الواضحة، إلا أن تميلوا بالناس يمينا وشمالا". # وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون ~~عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين". # فأخبر أن الغالبين يحرفون ما جاء به. والمبطلون ينتحلون بباطلهم غير ما ~~كان عليه. والجاهلون يتأولونه على غير تأويله. وفساد الإسلام من هؤلاء ~~الطوائف الثلاثة. فلولا أن الله تعالى يقيم لدينه من ينفى عنه ذلك لجرى ~~عليه ما جرى على أديان الأنبياء قبله من هؤلاء. # PageV01P159 # فصل # ومن ذلك الوسوسة فى مخارج الحروف والتنطع فيها. # ونحن نذكر ما ذكره العلماء بألفاظهم: # قال أبو الفرج بن الجوزى: "قد لبس إبليس على بعض المصلين فى مخارج ~~الحروف، فتراه يقول: الحمد، الحمد. فيخرج بإعادة الكلمة عن قانون أدب ~~الصلاة. وتارة يلبس عليه فى تحقيق التشديد فى إخراج ضاد "المغضوب" قال: ~~"ولقد رأيت من يخرج بصاقه مع إخراج الضاد لقوة تشديده. والمراد تحقيق الحرف ~~حسب. وإبليس يخرج هؤلاء بالزيادة عن حد التحقيق، ويشغلهم بالمبالغة فى ~~الحروف عن فهم التلاوة. وكل هذه الوساوس من إبليس". # وقال محمد بن قتيبة فى مشكل القرآن: "وقد كان الناس يقرؤون القرآن ~~بلغاتهم، ثم خلف من بعدهم قوم من أهل الأمصار وأبناء العجم ليس لهم طبع ~~اللغة، ولا علم التكلف، فهفوا فى كثير من الحروف. وذلوا فأخلوا. ومنهم رجل ~~ستر الله عليه عند العوام بالصلاح، ms143 وقربه من القلوب بالدين. فلم أر فيمن ~~تتبعت فى وجوه قراءته أكثر تخليطا ولا أشد اضطرابا منه، لأنه يستعمل فى ~~الحروف ما يدعه فى نظيره، ثم يؤصل أصلا ويخالف إلى غيره بغير علة، ويختار ~~فى كثير من الحروف ما لا مخرج له إلا على طلب الحيلة الضعيفة. هذا إلى نبذه ~~فى قراءته مذاهب العرب وأهل الحجاز، بإفراطه فى المد والهمز والإشباع، ~~وإفحاشه فى الإضجاع والإدغام، وحمله المتعلمين على المذهب الصعب، وتعسيره ~~على الأمة ما يسره الله تعالى، وتضييقه ما فسحه الله. ومن العجب أنه يقرئ ~~الناس بهذه المذاهب، ويكره الصلاة بها. ففى أى موضع يستعمل هذه القراءة، إن ~~كانت الصلاة لا تجوز بها؟، وكان ابن عيينة يرى لمن قرأ فى صلاته بحرفه، أو ~~ائتم بإمام يقرأ بقراءته أن يعيد، ووافقه على ذلك كثير من خيار المسلمين. ~~منهم بشر بن الحارث، والإمام أحمد بن حنبل، وقد شغف بقراءته عوام الناس ~~وسوقتهم. وليس ذلك إلا لما يرونه من مشقتها وصعوبتها، وطول اختلاف المتعلم ~~إلى المقرئ فيها. فإذا رأوه قد اختلف فى أم الكتاب عشرا. وفى مائة آية ~~شهرا، وفى السبع الطوال حولا. ورأوه # PageV01P160 # عند قراءته مائل الشدقين، دار الوريدين، راشح الجبين، توهموا أن ذلك ~~لفضله فى القراءة وحذقه بها، وليس هكذا كانت قراءة رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم، ولا خيار السلف ولا التابعين، ولا القراء العالمين، ~~بل كانت سهلة رسلة". # وقال الخلال فى الجامع: عن أبى عبد الله، إنه قال: "لا أحب قراءة فلان"، ~~يعنى هذا الذى أشار إليه ابن قتيبة، وكرهها كراهية شديدة، وجعل يعجب من ~~قراءته، وقال: "لا تعجبنى. فإن كان رجل يقبل منك فانهه". # وحكى عن ابن المبارك عن الربيع بن أنس: أنه نهاه عنها. # وقال الفضل بن زياد: "إن رجلا قال لأبى عبد الله: فما أترك من قراءته؟ ~~قال: الإدغام، والكسر. ليس يعرف فى لغة من لغات العرب". # وسأله عبد الله ابنه عنها فقال: "أكره الكسر الشديد والإضجاع". # وقال فى موضع آخر: "إن لم يدغم ms144 ولم يضجع ذلك الإضجاع فلا بأس به". # وسأله الحسن بن محمد بن الحارث: "أتكره أن يتعلم الرجل تلك القراءة؟ "، ~~قال: "أكرهه أشد كراهة، إنما هى قراءة محدثة". وكرهها شديدا حتى غضب. # وروى عنه ابن سنيد أنه سئل عنها فقال: "أكرهها أشد الكراهة"، قيل له: ما ~~تكره منها؟ قال: "هى قراءة محدثة، ما قرأ بها أحد". # وروى جعفر بن محمد عنه أنه سئل عنها فكرهها. وقال: "كرهها ابن إدريس"، ~~وأراه قال: وعبد الرحمن بن مهدى. وقال: "ما أدرى، إيش هذه القراءة؟ " ثم ~~قال: "وقراءتهم ليست تشبه كلام العرب". # وقال عبد الرحمن بن مهدى "لو صليت خلف من يقرأ بها لأعدت الصلاة". # PageV01P161 # ونص أحمد رحمه الله على أنه يعيد. وعنه رواية أخرى: "أنه لا يعيد". # والمقصود. أن الأئمة كرهوا التنطع والغلو فى النطق بالحرف. # ومن تأمل هدى رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم، وإقراره أهل كل لسان ~~على قراءتهم تبين له أن التنطع والتشدق والوسوسة فى إخراج الحروف ليس من ~~سنته. # فصل # فى الجواب عما احتج به أهل الوسواس # أما قولهم: إن ما نفعله احتياط لا وسواسا. # قلنا: سموه ما شئتم، فنحن نسألكم: هل هو موافق لفعل رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم وأمره، وما كان عليه أصحابه، أو مخالف؟ # فإن زعمتم أنه موافق، فبهت وكذب صريح. فإذن لا بد من الإقرار بعدم ~~موافقته وأنه مخالف له، فلا ينفعكم تسمية ذلك احتياطا. وهذا نظير من ارتكب ~~محظورا وسماه بغير اسمه، كما يسمى الخمر بغير اسمها، والربا معاملة، ~~والتحليل الذى لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فاعله: نكاحا، ~~ونقر الصلاة الذى أخبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن فاعله ~~لم يصل، وأنه لا تجزيه صلاته ولا يقبلها الله تعالى منه: تخفيفا. فهكذا ~~تسمية الغلو فى الدين والتنطع: احتياطا. # وينبغى أن يعلم أن الاحتياط الذى ينفع صاحبه ويثيبه الله عليه الاحتياط ~~فى موافقة السنة، وترك مخالفتها. فالاحتياط كل الاحتياط فى ذلك، وإلا فما ~~احتاط لنفسه ms145 من خرج عن السنة، بل ترك حقيقة الاحتياط فى ذلك. # وكذلك المتسرعون إلى وقوع الطلاق فى موارد النزاع الذى اختلف فيه الأئمة، ~~كطلاق # PageV01P162 # لمكره، وطلاق السكران، والبتة، وجمع الثلاث، والطلاق بمجرد النية، ~~والطلاق المؤجل المعلوم مجئ أجله، واليمين بالطلاق، وغير ذلك مما تنازع فيه ~~العلماء إذا أوقعه المفتى تقليدا بغير برهان، وقال: ذلك احتياط للفروج. فقد ~~ترك معنى الاحتياط. فإنه يحرم الفرج على هذا، ويبيحه لغيره. فأين الاحتياط ~~هاهنا؟ بل لو أبقاه على حاله حتى تجمع الأمة على تحريمه وإخراجه عمن هو ~~حلال له، أو يأتى برهان من الله ورسوله على ذلك، لكان قد عمل بالاحتياط. ~~ونص على مثل ذلك الإمام أحمد فى طلاق السكران. # فقال فى رواية أبى طالب: "والذى لا يأمر بالطلاق فإنما أتى خصلة واحدة. ~~والذى يأمر بالطلاق فقد أتى خصلتين: حرمها الله عليه وأحلها لغيره". فهذا ~~خير من هذا، فلا يمكن الاحتياط فى وقوع الطلاق إلا حيث أجمعت الأمة. أو كان ~~هناك نص عن الله ورسوله يجب المصير إليه. # قال شيخنا: "والاحتياط حسن، ما لم يفض بصاحبه إلى مخالفة السنة. فإذا ~~أفضى إلى ذلك فالاحتياط ترك هذا الاحتياط"، وبهذا خرج الجواب عن احتجاجهم ~~بقوله صلى الله عليه وسلم: "من ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" وقوله: ~~"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" وقوله: "الإثم ما حاك فى الصدر". # فهذا كله من أقوى الحجج على بطلان الوسواس. # فإن الشبهات ما يشتبه فيه الحق بالباطل، والحلال بالحرام، على وجه لا ~~يكون فيه دليل على أحد الجانبين، أو تتعارض الأمارتان عنده، فلا يترجح فى ~~ظنه احداها، فيشتبه عليه هذا بهذا، فأرشده النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ~~إلى ترك المشتبه والعدول إلى الواضح الجلى. # ومعلوم أن غاية الوسواس أن يشتبه على صاحبه: هل هو طاعة وقربة، أم معصية ~~وبدعة؟ هذا أحسن أحواله، والواضح الجلى هو اتباع طريق رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم، وما سنه للأمة قولا وعملا. فمن أراد ترك الشبهات عدل عن ~~ذلك المشتبه إلى ms146 هذا الواضح. فكيف ولا شبهة بحمد الله هناك؟ إذ قد بينت ~~بالسنة أنه تنطع وغلو، فالمصير إليه ترك للسنة، وأخذ بالبدعة، وترك لما ~~يحبه الله تعالى ويرضاه، وأخذ بما يكرهه ويبغضه، ولا يتقرب به إليه البتة، ~~فإنه لا يتقرب إليه إلا بما شرع، لا بما يهواه العبد ويفعله من تلقاء # PageV01P163 # نفسه. فهذا هو الذى يحيك فى الصدر ويتردد فى القلب، وهو حواز القلوب. # وأما التمرة التى ترك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أكلها، ~~وقال: "أخشى أن تكون من الصدقة". # فذلك من باب اتقاء الشبهات، وترك ما اشتبه فيه الحلال بالحرام، فإن ~~التمرة كانت قد وجدها فى بيته، وكان يؤتى بتمر الصدقة، يقسمه على من تحل له ~~الصدقة، ويدخل بيته تمر يقتات منه أهله، فكان فى بيته النوعان، فلما وجد ~~تلك التمرة لم يدر عليه الصلاة والسلام، من أى النوعين هى؟ فأمسك عن أكلها. ~~فهذا الحديث أصل فى الورع واتقاء الشبهات، فما لأهل الوسواس وما له؟. # وأما قولكم: إن مالكا أفتى فيمن طلق ولم يدر: أواحدة طلق أم ثلاثا: إنها ~~ثلاث احتياطا، فنعم، هذا قول مالك، فكان ماذا؟ أفحجة هو على الشافعى، وأبى ~~حنيفة وأحمد، وعلى كل من خالفه فى هذه المسألة؟ حتى يجب عليهم أن يتركوا ~~قولهم لقوله، وهذا القول مما يحتج له، لا مما يحتج به، على أن هذا ليس من ~~باب الوسواس فى شىء وإنما حجة هذا القول: أن الطلاق يوجب تحريم الزوجة. ~~والرجعة ترفع ذلك التحريم، فهو يقول: قد تيقن سبب التحريم، وهو الطلاق، وشك ~~فى رفعه بالرجعة، فإنه يحتمل أن يكون رجعيا فترفعه الرجعة، ويحتمل أن يكون ~~ثلاثا، فلا ترفعه الرجعة فقد تيقن سبب التحريم، وشك فيما يرفعه. # والجمهور يقولون: النكاح متيقن. والقاطع له المزيل لحل الفرج مشكوك فيه، ~~فإنه يحتمل أن يكون المأتى به رجعيا فلا يزيل النكاح. ويحتمل أن يكون بائنا ~~فيزيله، فقد تيقنا يقين النكاح، وشككنا فيما يزيله. فالأصل بقاء النكاح حتى ~~يتيقن ما يرفعه. # فإن قلتم: فقد تيقن التحريم ms147 وشك فى التحليل، قلنا: الرجعية ليست بحرام ~~عندكم ولهذا تجوزون وطأها، ويكون رجعة، إذا نوى به الرجعة. # فإن قلتم: بل هى حرام، والرجعة حصلت بالنية حال الوطء. قلنا: لا ينفعكم ~~ذلك أيضا. # PageV01P164 # فإنه إنما تيقن تحريما يزول بالرجعة، ولم يتيقن تحريما لا تؤثر فيه ~~الرجعة. # وليس المقصود تقرير هذه المسألة. والمقصود أنه لا راحة فى ذلك لأهل ~~الوسواس. # فصل # وأما من حلف بالطلاق: أن فى هذه اللوزة حبتين، ونحو ذلك، مما لا يتيقنه ~~الحالف، فبان كما حلف عليه. # فهذا لا يحنث عند الأكثرين. وكذلك لو لم يتبين الحال استمر مجهولا. فإن ~~النكاح ثابت بيقين، فلا يزيله بالشك. # ولمالك رحمه الله أصل نازعه فيه غيره. وهو إيقاع الطلاق بالشك فى الحنث، ~~وإيقاعه بالشك فى عدده كما تقدم. وإيقاعه بالشك فى المطلقة. كما لو طلق ~~واحدة من نسائه ثم أنسيها، ووقف الحال مدة الإيلاء ولم يتبين، طلق عليه ~~الجميع. # وكما لو حلف أن هذا فلان أو حيوان، وهو غير متيقن له، بل هو شاك حال ~~الحلف، فتبين أن الأمر كما حلف عليه. فإنه يحنث عنده، وتطلق امرأته. فمن ~~حلف على رجل أنه زيد فتبين أنه غيره، أو لم يتبين: أهو المحلوف عليه أم لا، ~~حنث عنده. وإن تبين أنه المحلوف عليه- وكان حال اليمين لا يعلم حقيقته، ولا ~~يغلب على ظنه. ولا طريق له إلى العلم به فى العادة- فإنه يحنث عنده لشكه ~~حال الحلف. فالحالف يحنث بالمخالفة لما حلف عليه. أما فى الطلب فبأن يفعل ~~ما حلف على تركه، وأما فى الخبر فبأن يتبين كذبه. وعند مالك يحنث بأمر آخر، ~~وهو الشك حال اليمين، سواء تبين صدقة أم لا. # وأبلغ من هذا: أنه يحنث من حلف بالطلاق على إنسان إلى جانبه إنسان أو ~~حجر: أنه حجر، ونحو ذلك مما لا شك فيه. # وعمدته فى الموضعين: أن الحالف هازل. فإن من قال: أنت طالق إذ لم تكونى ~~امرأة، أو إن لم أكن رجلا، لا معنى لكلامه إلا الهزل، فإن هذا مما لا غرض ~~للعقلاء ms148 فيه. # قالوا: وإن لم يكن هذا هزلا فإن الهزل لا حقيقة له. # PageV01P165 # وربما عللوا الحنث بأنه أراد أن يجزم الطلاق، ثم ندم، فوصله بما لا يفيد ~~ليرفعه. # وأما فى القسم الأول: فأصله فيه: تغليب الحنث بالشك، كمن حلف ثم شك: هل ~~حنث أم لا، فإنهم يأمرونه بفراق زوجته، وهل هو للوجوب أم للاستحباب؟ على ~~قولين، الأول: لابن القاسم، والثانى: لمالك. # فمالك يراعى بقاء النكاح، وقد شككنا فى زواله، والأصل البقاء. وابن ~~القاسم يقول: قد صار حل الوطء مشكوكا فيه، فيجب عليه مفارقتها. والأكثرون ~~يقولون: لا يجب عليه مفارقتها، ولا يستحب له، فإن قاعدة الشريعة: أن الشك ~~لا يقوى على إزالة الأصل المعلوم، ولا يزول اليقين إلا بيقين أقوى منه، أو ~~مساو له. # فصل # وأما من طلق واحدة من نسائه ثم أنسيها، أو طلق واحدة مبهمة ولم يعينها، ~~فقد اختلف الفقهاء فى حكم هذه المسألة على أقوال: # فقال أبو حنيفة، والشافعى، والثورى، وحماد: يختار أيتهن شاء، فيوقع عليها ~~الطلاق فى المبهمة. وأما فى المنسية. وأما فى المنسية فيمسك عنهن وينفق ~~عليهن، حتى ينكشف الأمر. فإن مات الزوج قبل أن يقرع، فقال أبو حنيفة: يقسم ~~بينهن كلهن ميراث امرأة. # وقال الشافعى: "يوقف ميراث امرأة حتى يصطلحن". # وقالت المالكية: إذا طلق واحدة منهن غير معلومة عنده، بأن قال: أنت طالق، ~~ولا يدرى من هى. طلق الجميع. وإن طلق واحدة معلومة ثم أنسيها، وقف عنهن حتى ~~يتذكر. فإن طال ذلك ضرب له مدة المولى. فإن تذكر فيها وإلا طلق عليه الجميع ~~ولو قال: إحداكن طالق، ولم يعينها بالنية طلق الجميع. # وقال أحمد: "يقرع بينهن فى الصورتين"، نص على ذلك فى رواية جماعة من ~~أصحابه، وحكاه عن على وابن عباس. # وظاهر المذهب الذى عليه جل الأصحاب: أنه لا فرق بين المبهمة والمنسية. # PageV01P166 # وقال صاحب المغنى: "يخرج المبهمة بالقرعة، وأما المنسية فإنه يحرم عليه ~~الجميع. حتى يتيقن المطلقة، ويؤخذ بنفقة الجميع، فإن مات أقرع بينهن ~~للميراث"، قال: وقد روى إسماعيل بن سعيد عن أحمد ما يدل ms149 على أن القرعة لا ~~تستعمل فى المنسية لمعرفة الحل، وإنما تستعمل لمعرفة الميراث. فإنه قال: ~~"سألت أحمد عن الرجل يطلق امرأة من نسائه ولا يعلم أيتهن طلق". قال: "أكره ~~أن أقول فى الطلاق بالقرعة". قلت: "أرأيت إن مات هذا؟ "، قال: "أقول ~~بالقرعة وذلك لأنه تصير القرعة على المال". قال: "وجماعة من روى عنه القرعة ~~فى المطلقة المنسية إنما هو فى التوريث. وأما فى الحل فلا ينبغى أم تثبت ~~القرعة". قال: "وهذا قول أكثر أهل العلم". # واحتج الشيخ لصحة قوله: بأنه اشتبهت عليه زوجته بأجنبية، فلم تحل له ~~إحداهما بالقرعة، كما لو اشتبهت عليه بأجنبية لم يكن له عليها عقد، ولأن ~~القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة، فلا يرفع الطلاق عمن وقع عليها، ~~ولاحتمال كون المطلقة غير من خرجت عليها القرعة. ولهذا لو ذكر أن المطلقة ~~غيرها حرمت عليه. ولو ارتفع التحريم أو زال بالطلاق لما عاد بالذكر. فيجب ~~بقاء التحريم بعد القرعة، كما كان قبلها. # قال: "وقد قال الخرقى فيمن طلق امرأته فلم يدر، واحدة طلق أم ثلاثا، ومن ~~حلف بالطلاق لا يأكل تمرة، فوقعت فى تمر، فأكل منه واحدة: لا تحل له امرأته ~~حتى يعلم أنها ليست التى وقعت اليمين عليها. فحرمها، مع أن الأصل بقاء ~~النكاح، ولم يعارضه يقين التحريم، فهاهنا أولى". # قال: "وهكذا الحكم فى كل موضع وقع الطلاق على امرأة بعينها، ثم اشتبهت ~~بغيرها. مثل أن يرى امرأة فى روزنة، أو مولية، فيقول: أنت طالق، ولا يعلم ~~عينها من نسائه. وكذلك إذا أوقع الطلاق على واحدة من نسائه فى مسألة الطائر ~~وشبهها، فإنه يحرم عليه جميع نسائه حتى تتبين المطلقة. ويؤخذ بنفقة الجميع، ~~لأنهن محبوسات عليه، وإن أقرع بينهن لم تفد القرعة شيئا. ولا يحل لمن وقعت ~~عليها القرعة التزويج، لأنها يجوز أن تكون غير المطلقة. ولا يحل للزوج ~~غيرها لاحتمال أن تكون المطلقة". # وقال أصحابنا: إذا أقرع بينهن فخرجت القرعة على إحداهن: ثبت حكم الطلاق ~~فيها # PageV01P167 # فحل لها النكاح بعد انقضاء عدتها. وحل للزوج من ms150 سواها. كما لو كان الطلاق ~~فى واحدة غير معينة. # وقال شيخنا: الصحيح استعمال القرعة فى الصورتين. # قلت: وهو منصوص أحمد فى رواية الجماعة. وأما رواية الشالنجى فإنه توقف، ~~وكره أن يقول فى الطلاق بالقرعة، ولم يعين المنسية، ولا المبهمة، وأكثر ~~نصوصه على القرعة فى الصورتين. # قال فى رواية الميمونى، فيمن له أربع نسوة طلق واحدة منهن، ولم يدر: ~~"يقرع بينهن، وكذلك فى الأعبد. فإن أقرع بينهن، فوقعت القرعة على واحدة، ثم ~~ذكر التى طلق رجعت هذه التى وقعت عليها القرعة. ويقع الطلاق على التى ذكر. ~~فإن تزوجت فذاك شىء قد مر". # وكذلك نقل أبو الحارث عنه فى رجل له أربع نسوة طلق إحداهن، ولم يكن له ~~نية فى واحدة بعينها: "يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة فهى المطلقة، ~~وكذلك إن قصد إلى واحدة بعينها ونسيها". # فنص على القرعة فى الصورتين، مسويا بينهما. # والذى أفتى به على رضى الله عنه هو فى المنسية. وبه احتج أحمد رحمه الله. # قال وكيع: سمعت عبد الله قال: "سألت أبا جعفر عن رجل كان له أربع نسوة ~~وطلق إحداهن، لا يدرى أيتهن طلق"، فقال: قال على رضى الله عنه: "يقرع ~~بينهن". # والأدلة الدالة على القرعة تتناول الصورتين، والمنسية قد صارت كالمجهولة ~~شرعا فلا فرق بينها وبين المبهمة المجهولة، ولأن فى الإيقاف والإمساك حتى ~~يتذكر، وتحريم الجميع عليه، وإيجاب النفقة على الجميع عدة مفاسد له ~~وللزوجات مندفعة شرعا، ولأن القرعة أقرب إلى مقاصد الشرع، ومصلحة الزوج ~~والزوجات من تركهن معلقات، لا ذوات أزوج ولا أيامى، وتركه هو معلقا، لا ذا ~~زوج ولا عزبا، وليس فى الشريعة نظير ذلك، بل ليس فيها وقف الأحكام، بل ~~الفصل وقطع الخصومات بأقرب الطرق. فإذا ضاقت الطرق، ولم يبق إلا القرعة، ~~تعينت طريقا، كما عينها الشارع فى عدة قضايا، حيث لم يكن هناك غيرها، ولم # PageV01P168 # يوقف الأمر إلى وقت الانكشاف، فإنه إذا علم أنه لا سبيل له إلى انكشاف ~~الحال، كان إيقاف الأمر إلى آخر العمر من أعظم المفاسد التى لا تأتى ms151 بها ~~الشريعة. وغاية ما يقدر أن القرعة تصيب التى لم يقع عليها الطلاق وتخطئ ~~المطلقة. وهذا لا يضرها هاهنا، فإنها لما جهل كونها هى التى وقع عليها ~~الطلاق صار المجهول كالمعدوم، وكل ما يقدر من المفسدة فى ذلك فمثلها فى ~~العتق سواء. وقد دلت سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام الصحيحة الصريحة ~~على إخراج المعتق من غيره بالقرعة، وقد نص أحمد على حل البضع بالقرعة. # فقال- فى رواية ابن منصور وحنبل- إذا زوجها الوليان من رجلين، ولم يعلم ~~السابق منهما أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حكم أنه الأول. # فإذا قويت القرعة على تعيين الزوج فى حل البضع له فلأن تقوى على تعيين ~~المطلقة فى تحريم بضعها عنه أولى. فإن الطلاق مبنى على التغليب والسراية، ~~وهو أسرع نفوذا وثبوتا من النكاح من وجوه كثيرة. # وقول الشيخ أبى محمد، قدس الله تعالى روحه: "إنه اشتبهت عليه زوجته ~~بأجنبية فلم تحل له إحداهما بالقرعة، كما لو اشتبهت بأجنبية لم يكن عليها ~~عقد". # جوابه: بالفرق بين حالتى الدوام والابتداء، فإنه هناك شك فى هذه الأجنبية ~~هل حصل عقد أم لا؟ والأصل فيها التحريم، فإذا اشتبهت بها الزوجة لم يقدم ~~على واحدة منهما. وهاهنا ثبت الحل والنكاح. وحصل الشك بعده، هل ترك التحريم ~~فى هذا أو فى هذه. فإما أن يحرما جميعا أو يحلا جميعا، أو يقال له: اختر من ~~ينزل عليه التحريم، أو يوقف الأمر أبدا، أو تستعمل القرعة، والأقسام ~~الأربعة الأول باطلة، لا أصل لها فى السنة، ولم يعتبرها الشارع بخلاف ~~القرعة. # وبالجملة فلا يصح إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى، إذ هناك تحريم متيقن، ~~ونحن # PageV01P169 # نشك فى حله، وهنا حل متيقن نشك فى تحريمه بالنسبة إلى كل واحدة. # قوله: ولأن القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة، ولا ترفع الطلاق على من ~~وقع عليه. # فيقال: إذا جهلت المطلقة. ولم يكن له سبيل إلى تعيينها قامت القرعة مقام ~~الشاهد والمخبر بأنها المطلقة للضرورة، حيث تعينت طريقا، فالمطلقة المجهولة ~~قد صار طلاقها بعينها كالمعدوم، ولو كانت مطلقة فى ms152 نفس الأمر فإن الشارع لم ~~يكلفنا بما فى نفس الأمر، بل بما ظهر وبدا. ولهذا لو نسى الطلاق بالكلية ~~وأقام على وطئها حتى توفى، كانت أحكامه أحكام الزوج، والنسب لاحق به، ~~والميراث ثابت، وهى مطلقة فى نفس الأمر، ولكن ليست مطلقة فى حكم الله، كما ~~لو طلع الهلال فى نفس الأمر ولم يره أحد من الناس، أو كان الهلال تحت ~~الغيم، فإنه لا يترتب عليه حكم الشهر، ولا يكون طالعا فى حكم الله تعالى، ~~وإن كان طالعا فى نفس الأمر، ونظائر هذا كثيرة جدا. # فغاية الأمر: أن هذه مطلقة فى نفس الأمر، ولا علم له بطلاقها، فلا تكون ~~مطلقة فى الحكم، كما لو نسى طلاقها. # قوله: ولهذا لو ذكر أن المطلقة غيرها حرمت عليه، ولو ارتفع التحريم أو ~~زال الطلاق لما عاد بالذكر. # جوابه: أن القرعة إنما عملت مع استمرار النسيان، فإذا زال النسيان بطل ~~عمل القرعة، كما أن المتيمم إذا قدر على استعمال الماء بطل حكم تيممه. فإن ~~التراب إنما يعمل عند العجز عن الماء، فإذا قدر عليه بطل حكمه. ونظائر ذلك ~~كثيرة. # منها: أن الاجتهاد إنما يعمل به عند عدم النص، فإذا تبين النص، فلا ~~اجتهاد إلا فى إبطال ما خالفه. # قوله: وقد قال الخرقى فيمن طلق امرأته ولم يدر أواحدة طلق أم ثلاثا؟ ~~يلزمه الثلاث. ومن حلف بالطلاق أن لا يأكل تمرة، فوقعت فى تمر، فأكل منه ~~واحدة لا تحل له امرأته حتى يعلم # PageV01P170 # نها ليست التى وقعت اليمين عليها فحرمها، مع أن الأصل بقاء النكاح، ولم ~~يعارضه يقين التحريم فهاهنا أولى. # فيقال: الخرقى نص على المسألتين مفرقا بينهما فى مختصره، فقال: وإذا طلق ~~واحدة من نسائه وأنسيها أخرجت بالقرعة. وقال: ما حكاه الشيخ عنه فى ~~الموضعين. فأما من شك: هل طلق واحدة أم ثلاثا، فأكثر النصوص أنه إنما يلزمه ~~واحدة، وهو ظاهر المذهب. والخرقى اختار الرواية الأخرى. وهى مذهب مالك، وقد ~~تقدم مأخذ القولين وبيان الراجح منهما. # وعلى القول بلزوم الثلاث فالفرق بين ذلك، وبين إخراج ms153 المنسية بالقرعة: أن ~~المجهول فى الشرع كالمعدوم. فقد جهلنا وقوع الطلاق بأى الزوجتين، فلم يتحقق ~~تحريم إحداهما. ولم يكن لنا سبيل إلى تحريمهما ولا إباحتهما. والوقف مفسدة ~~ظاهرة فتعينت القرعة، بخلاف من أوقع على زوجته طلاقا قد شك فى عدده فإنه قد ~~شك: هل يرتفع ذلك الطلاق بالرجعة أولا يرتفع بها؟ فألزمه بالثلاث. فظهر ~~الفرق بينهما على هذا القول. # وأما على المشهور من المذهب فلا إشكال. # وأما من حلف بالطلاق لا يأكل تمرة فوقعت فى تمر، أكل منه واحدة. فقد قال ~~الخرقى: إنه يمنع من وطء زوجته حتى يتيقن. وهذا يحتمل الكراهة والتحريم. ~~ومذهب الشافعى وأبى حنيفة: أنه لا يحنث، ولا يحرم عليه وطء زوجته: هو ~~اختيار أبى الخطاب، وهو الصحيح. وإن أراد به التحريم فهو يشبه ما قاله هو ~~ومالك فيمن طلق وشك، هل طلق واحدة أم ثلاثا؟ # فصل # وأما من حلف على يمين ثم نسيها. وقولهم: يلزمه جميع ما يحلف به، فقول شاذ ~~جدا. وليس عن مالك، إنما قاله بعض أصحابه. وسائر أهل العلم على خلافه. وأنه ~~لا يلزمه شىء حتى يتيقن، كما لو شك: هل حلف أو لا؟ # فإن قيل: فينبغى أن يلزمه كفارة يمين، لأنها الأقل. # قيل: موجب الأيمان مختلف. فما من يمين إلا وهى مشكوك فيها، هل حلف بها أم ~~لا؟ # PageV01P171 # وعلى قول شيخنا: يلزمه كفارة يمين حسب، لأن ذلك موجب الأيمان كلها عنده. # فصل # وأما من حلف ليفعلن كذا ولم يعين وقتا. فعند الجمهور هو على التراخى إلى ~~آخر عمره، إلا أن يعين بنيته وقتا، فيتقيد به. فإن عزم الترك بالكلية حنث ~~حالة عزمه، نص عليه أحمد. # وقال مالك: هو على حنث حتى يفعل، فيحال بينه وبين امرأته إلى أن يأتى ~~بالمحلوف، عليه وهذا صحيح على أصله فى سد الذرائع، فإنه إذا كان على ~~التراخى إلى وقت الموت لم يكن لليمين فائدة، وصار لا فرق بين الحلف وعدمه، ~~والحمل فى ذلك على القرينة والعرف، وإن لم تكن نية. ولا يكاد اليمين يتجرد ~~عن هذه ms154 الثلاثة. # فصل # وأما تعليق الطلاق بوقت يجئ لا محالة، كرأس الشهر والسنة، وآخر النهار ~~ونحوه. فللفقهاء فى ذلك أربعة أقوال: # أحدها: أنها لا تطلق بحال، وهذا مذهب ابن حزم، واختيار أبى عبد الرحمن ~~الشافعى، وهو من أجل أصحاب الوجوه. # وحجتهم: أن الطلاق لا يقبل التعليق بالشرط، كما لا يقبله النكاح والبيع ~~والإجارة والإبراء. # قالوا: والطلاق لا يقع فى الحال، ولا عند مجئ الوقت. أما فى الحال فلأنه ~~لم يوقعه منجزا، وأما عند مجئ الوقت فلأنه لم يصدر منه طلاق حينئذ، ولم ~~يتجدد سوى مجئ الزمان. ومجئ الزمان لا يكون طلاقا. # وقابل هذا القول آخرون، وقالوا: يقع الطلاق فى الحال، وهذا مذهب مالك، ~~وجماعة من التابعين. # PageV01P172 # وحجتهم أن قالوا: لو لم يقع فى الحال لحصل منه استباحة وطء مؤقت، وذلك ~~غير جائز فى الشرع، لأن استباحة الوطء فيه لا تكون إلا مطلقا غير مؤقت، ~~ولهذا حرم نكاح المتعة لدخول الأجل فيه، وكذلك وطء المكاتبة. ألا ترى أنه ~~لو عرى من الأجل، بأن يقول: إن جئتنى بألف درهم فأنت حرة، لم يمنع ذلك ~~الوطء. # قال الموقعون عند الأجل: لا يجوز أن يؤخذ حكم الدوام من حكم الابتداء، ~~فإن الشريعة فرقت بينهما فى مواضع كثيرة، فإن ابتداء عقد النكاح فى الإحرام ~~فاسد دون دوامه، وابتداء عقده على المعتدة فاسد دون دوامه، وابتداء عقده ~~على الأمة مع الطول وعدم خوف العنت فاسد، دون دوامه، وابتداء عقده على ~~الزانية فاسد عند أحمد ومن وافقه دون دوامه. ونظائر ذلك كثيرة جدا. # قالوا: والمعنى الذى حرم لأجله نكاح المتعة: كون العقد مؤقتا من أصله، ~~وهذا العقد مطلق، وإنما عرض له ما يبطله ويقطعه، فلا يبطل، كما لو علق ~~الطلاق بشرط وهو يعلم أنها تفعله، أو يفعله هو ولا بد، ولكن يجوز تخلفه. # والقول الثالث: أنه إن كان الطلاق المعلق بمجئ الوقت المعلوم ثلاثا وقع ~~فى الحال، وإن كان رجعيا لم يقع قبل مجيئه، وهذا إحدى الروايتين عن الإمام ~~أحمد، نص عليه فى رواية مهنا: "إذا قال: أنت ms155 طالق ثلاثا قبل موتى بشهر: هى ~~طالق الساعة. كان سعيد بن المسيب والزهرى لا يوقتون فى الطلاق". قال مهنا: ~~فقلت له: "أفتزوج هذه التى قال لها: أنت طالق ثلاثا قبل موتى بشهر؟ "، قال ~~"لا: ولكن يمسك عن الوطء أبدا حتى يموت" هذا لفظه. # وهو فى غاية الإشكال، فإنه قد أوقع عليها الطلاق منجزا، فكيف يمنعها من ~~التزويج؟ # PageV01P173 # وقوله "يمسك عن الوطء أبدا" يدل على أنها زوجته إلا أنه لا يطأها، وهذا ~~لا يكون مع وقوع الطلاق. فإن الطلاق إذا وقع زالت أحكام الزوجية كلها. # فقد يقال: أخذ بالاحتياط فأوقع الطلاق، ومنعها من التزويج للخلاف فى ذلك ~~فحرم وطأها وهو أثر الطلاق، ومنعها من التزويج لأن النكاح لم ينقطع بإجماع ~~ولا نص. # ووجه هذا: أنه إذا كان الطلاق ثلاثا لم يحل وطؤها بعد الأجل. فيصير حال ~~الوطء مؤقتا، وإن كان رجعيا جاز له وطؤها بعد الأجل. فلا يصير الحال مؤقتا، ~~وهذا أفقه من القول الأول. # والقول الرابع: أنها لا تطلق إلا عند مجئ الأجل، وهو قول الجمهور. وإنما ~~تنازعوا، هل هو مطلق فى الحال، ومجئ الوقت شرط لنفوذ الطلاق، كما لو وكله ~~فى الحال. وقال: لا تتصرف إلى رأس الشهر فمجئ رأس الشهر شرط لنفوذ تصرفه، ~~لا بحصول الوكالة، بخلاف ما إذا قال: إذا جاء رأس الشهر فقد وكلتك. وهذا ~~يفرق الشافعى بينهما. فيصحح الأولى ويبطل الثانية، أو يقال: ليس مطلقا فى ~~الحال. وإنما هو مطلق عند مجئ الأجل، فيقدر حينئذ أنه قال: أنت طالق. فيكون ~~حصول الشرط وتقدير حصول: أنت طالق معا. فعلى التقدير الأول: السبب تقدم، ~~وتأخر شرط تأثيره، وعلى التقدير الثانى: نفس السبب تأخر تقدير إلى مجئ ~~الوقت. وكأنه قال إذا جاء رأس الشهر فحينئذ أنا قائل لك: أنت طالق فإذا جاء ~~رأس الشهر قدر قائلا لذلك اللفظ المتقدم. # فمذهب الحنفية: أن الشرط يمتنع به وجود العلة. فإذا وجد الشرط وجدت العلة ~~فيصير وجودها مضافا إلى الشرط، وقيل تحققه لم يكن المعلق عليه علة، بخلاف ~~الوجوب. فإنه ثابت ms156 قبل مجئ الشرط، فإذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، ~~فالعلة للوقوع: التلفظ بالطلاق، والشرط الدخول، وتأثيره فى امتناع وجود ~~العلة قبله، فإذا وجد وجدت. # وأصحاب الشافعى يقولون: أثر الشرط فى تراخى الحكم، والعلة قد وجدت، وإنما ~~تراخى تأثيرها إلى وقت مجئ الشرط، فالمتقدم عله قد تأخر تأثيرها إلى مجئ ~~الشرط. # PageV01P174 # فصل # وأما ما أفتى به الحسن وإبراهيم النخعى ومالك، فى إحدى الروايتين عنه: أن ~~من شك هل انتقض وضوءه أم لا؟ وجب عليه أن يتوضأ احتياطا، ولا يدخل فى ~~الصلاة بطهارة مشكوك فيها فهذه مسألة نزاع بين الفقهاء. # وقد قال الجمهور، منهم الشافعى، وأحمد، وأبو حنيفة، وأصحابهم، ومالك فى ~~الرواية الأخرى عنه: إنه لا يجب عليه الوضوء، وله أن يصلى بذلك الوضوء الذى ~~تيقنه وشك فى انتقاضه. # واحتجوا بما رواه مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: # "إذا وجد أحدكم فى بطنه شيئا فأشكل عليه: أخرج منه شى أم لا؟ فلا يخرج من ~~المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". # وهذا يعم المصلى وغيره. # وأصحاب القول الأول يقولون: الصلاة ثابته فى ذمته بيقين، وهو يشك فى ~~براءة الذمة منها بهذا الوضوء، فإنه على تقدير بقائه هى صحيحة، وعلى تقدير ~~انتقاضه باطلة، فلم يتيقن براءة ذمته، ولأنه شك فى شرط الصلاة: هل هو ثابت ~~أم لا؟ فلا يدخل فيها بالشك. # والآخرون يجيبون عن هذا بأنها صلاة مستندة إلى طهارة معلومة قد شك فى ~~بطلانها فلا يلتفت إلى الشك، ولا يزيل اليقين به، كما لو شك: هل أصاب ثوبه ~~أو بدنه نجاسة؟ فإنه لا يجب عليه غسله، وقد دخل فى الصلاة بالشك. # ففرقوا بينهما بفرقين. # أحدهما: أن اجتناب النجاسة ليس بشرط. ولهذا لا يجب نيته، وإنما هو مانع، ~~والأصل عدمه، بخلاف الوضوء، فإنه شرط، وقد شك فى ثبوته، فأين هذا من هذا؟. # الثانى: أنه قد كان قبل الوضوء محدثا، وهو الأصل فيه. فإذا شك فى بقائه ~~كان ذلك رجوعا ms157 إلى الأصل. وليس الأصل فيه النجاسة، حتى نقول: إذا شك فى ~~حصولها رجعنا إلى أصل النجاسة، فهنا يرجع إلى أصل الطهارة، وهناك يرجع إلى ~~أصل الحدث. # PageV01P175 # قال الآخرون: أصل الحدث قد زال بيقين الطهارة، فصارت هى الأصل، فإذا ~~شككنا فى الحدث رجعنا إليه، فأين هذا من الوسواس المذموم شرعا، وعقلا ~~وعرفا؟. # فصل # وأما قولكم: إن من خفى عليه موضع النجاسة من الثوب وجب عليه غسله كله: ~~فليس هذا من باب الوسواس، وإنما ذلك من باب ما لا يتم الواجب إلا به. فإنه ~~قد وجب عليه غسل جزء من ثوبه ولا يعلمه بعينه، ولا سبيل إلى العلم بأداء ~~هذا الواجب إلا بغسل جميعه. # فصل # وأما مسألة الثياب التى اشتبه الطاهر منها بالنجس، فهذه مسألة نزاع. # فذهب مالك، فى رواية عنه، وأحمد: إلى أنه يصلى فى ثوب بعد ثوب، حتى يتيقن ~~أنه صلى فى ثوب طاهر. # وقال الجمهور، ومنهم أبو حنيفة، والشافعى، ومالك، فى الرواية الأخرى: إنه ~~يتحرى فيصلى فى واحد منها صلاة واحدة، كما يتحرى فى القبلة. # وقال المزنى وأبو ثور: "بل يصلى عريانا ولا يصلى فى شىء منها، لأن الثوب ~~النجس فى الشرع كالمعدوم، والصلاة فيه حرام، وقد عجز عن السترة بثوب طاهر، ~~فيسقط فرض السترة"، وهذا أضعف الأقوال. # والقول بالتحرى هو الراجح الظاهر، سواء كثر عدد الثياب الطاهرة أو قل. ~~وهو اختيار شيخنا. وابن عقيل يفصل، فيقول: "إن كثر عدد الثياب تحرى دفعا ~~للمشقة، وإن قل عمل باليقين". # قال شيخنا: "اجتناب النجاسة من باب المحظورات، فإذا تحرى وغلب على ظنه ~~طهارة ثوب منها فصلى فيه، لم يحكم ببطلان صلاته بالشك، فإن الأصل عدم ~~النجاسة، وقد شك فيها فى هذا الثوب، فيصلى فيه، كما لو استعار ثوبا أو ~~اشتراه ولا يعلم حاله". # PageV01P176 # وقول أبى ثور فى غاية الفساد. فإنه لو تيقن نجاسة الثوب لكانت صلاته فيه ~~خيرا وأحب إلى الله من صلاته عريانا، بادى السوءة للناظرين. # وبكل حال فليس هذا من الوسواس المذموم. # فصل # وأما مسألة اشتباه الأوانى فكذلك ليست ms158 من باب الوسواس. # وقد اختلف فيها الفقهاء اختلافا متباينا. # فقال أحمد: "يتيمم ويتركها، وقال مرة يريقها ويتيمم، ليكون عادما للماء ~~الطهور بيقين". # وقال أبو حنيفة: "إن كان عدد الأوانى الطاهرة أكثر، تحرى، وإن تساوت أو ~~كثرت النجسة، لم يتحر". وهذا اختيار أبى بكر وابن شاقلا والنجاد من أصحاب ~~أحمد. # وقال الشافعى وبعض المالكية: "يتحرى بكل حال". # وقال عبد الملك بن الماجشون: "يتوضأ بكل واحد منها وضوءا ويصلى". # وقال محمد بن مسلمة من المالكية: "يتوضأ من أحدها ويصلى، ثم يغسل ما ~~أصابه منه، ثم يتوضأ من الآخر ويصلى". # وقالت طائفة- منهم شيخنا- يتوضأ من أيها شاء، بناء على أن الماء لا ينجس ~~إلا بالتغير، فتستحيل المسألة، وليس هذا موضع ذكر حجج هذه الأقوال وترجيح ~~راجحها. # فصل # وأما إذا اشتبهت عليه القبلة، فالذى عليه أهل العلم كلهم: أنه يجتهد ~~ويصلى صلاة واحدة. # PageV01P177 # وشذ بعض الناس فقال: يصلى أربع صلوات إلى أربع جهات، وهذا قول شاذ مخالف ~~للسنة، وإنما التزمه قائله فى مسألة اشتباه الثياب، وهذا ونحوه من وجوه ~~الالتزامات عند المضايق، طردا لدليل المستدل مما لا يلتفت إليها، ولا يعول ~~عليها. # ونظيره: التزام من التزم اشتراط النية لإزالة النجاسة، لما ألزمهم أصحاب ~~أبى حنيفة بذلك، قال بعضهم: نقول به. # ونظيره: إدراك الجمعة والجماعة بإدراك تكبيرة مع الإمام، لما ألزمت ~~الحنفية من نازعها فى ذلك بالتسوية بين الجمعة والجماعة التزمه بعضهم، ~~وقال: نقول به. # فصل # وأما من ترك صلاة من يوم لا يعلم عينها، فاختلف الفقهاء فى هذه المسألة ~~على أقوال. # أحدها: أنه يلزمه خمس صلوات. نص عليه أحمد، وهو قول مالك، والشافعى، وأبى ~~حنيفة وإسحاق، لأنه لا سبيل له إلى العلم ببراءة ذمته يقينا إلا بذلك. # القول الثانى: أنه يصلى رباعية ينوى بها ما عليه. ويجلس عقيب الثانية ~~والثالثة والربعة. وهذا قول الأوزاعى، وزفر بن الهذيل، ومحمد بن مقاتل من ~~الحنفية، بناء على أنه يخرج من الصلاة بدون الصلاة على النبى صلى الله ~~تعالى وآله عليه وسلم، وبدون السلام، وأن نية الفرضية تكفى من ms159 غير تعيين، ~~كما فى الزكاة، ولا يضر جلوسه عقيب الثالثة، إن كانت المنسية رباعية، لأنه ~~زيادة من جنس الصلاة، لا على وجه العمد. # القول الثالث: أنه يجزيه أن يصلى فجرا، ومغربا ورباعية ينوى ما عليه. ~~وهذا قول سفيان الثورى، ومحمد بن الحسن. # ويخرج على المذهب إذا قلنا بأن نية المكتوبة تكفى من غير تعيين. # وقد قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبى يسأل: ما تقول فى رجل ذكر أن عليه ~~صلاة لم يعينها، فصلى ركعتين وجلس وتشهد، ونوى بها الغداة ولم يسلم، ثم قام ~~فأتى بركعه وجلس وتشهد ونوى بها المغرب، وقام ولم يسلم، وأتى برابعة ثم ~~جلس، فتشهد ونوى بها ظهرا أو عصرا أو عشاء الآخرة ثم سلم؟ فقال له أبى: ~~"هذا يجزيه، ويقضى عنه على مذهب العراقيين، # PageV01P178 # لأنهم اعتمدوا فى التشهد على خبر ابن مسعود: "إذا قلت هذا فقد تمت ~~صلاتك". # وأما على مذهب صاحبنا أبى عبد الله الشافعى، ومذهبنا: لا يجزئ عنه، لأنا ~~نذهب إلى قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: # "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم". # ونذهب إلى الصلاة على رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيها"، ~~وهذا لفظه. # قال أبو البركات: "هذا من أحمد يبين أن قضاء الواحدة لا يجزيه، لتعذر ~~التحليل المعتبر لا لفوات نية التعيين، فإذا قضى ثلاثا كما قال الثورى- ~~اندفع المفسد- وبكل حال فليس فى هذا راحة للموسوسين". # فصل # وأما من شك فى صلاته، فإنه يبنى على اليقين، لأنه لا تبرأ ذمته منه ~~بالشك. # وأما تحريم أكل الصيد إذا شك صاحبه: هل مات بالجرح أو بالماء؟ وتحريم ~~أكله # PageV01P179 # إذا خالط كلابه كلبا من غيره، فهو الذى أمر به رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم، لأنه قد شك فى سبب الحل، والأصل فى الحيوان التحريم. فلا ~~يستباح بالشك فى شرط حله، بخلاف ما إذا كان الأصل فيه الحل. فإنه لا يحرم ~~بالشك فى سبب تحريمه كما لو اشترى ماء أو طعاما، أو ثوبا لا يعلم حاله، جاز ~~شربه وأكله ولبسه. وإن ms160 شك هل تنجس أم لا؟ فإن الشرط متى سبق اعتباره، أو ~~كان الأصل عدم المانع، لم يلتفت إلى ذلك. # فالأول: كما إذا أتى بلحم لا يعلم: هل سمى عليه ذابحه أم لا؟. وهل ذكاه ~~فى الحلق واللبة، واستوفى شروط الذكاة أم لا؟ لم يحرم أكله، لمشقة التفتيش ~~عن ذلك وقد قالت عائشة رضى الله عنها: # " يا رسول الله، إن ناسا من الأعراب يأتوننا باللحم، لا ندرى أذكروا اسم ~~الله عليه أم لا؟ فقال: سموا أنتم وكلوا". # مع أنه قد نهى عن أكل ما لم يذكر عليه اسم الله تعالى. # والثانى كما ذكرنا من الماء والطعام واللباس. فإن الأصل فيها الطهارة، ~~وقد شك فى وجود المتنجس، فلا يلتفت إليه. # فصل # وأما ما ذكرتموه عن ابن عمر، وأبى هريرة رضى الله عنهما فشئ تفردا به، ~~دون الصحابة ولم يوافق ابن عمر على ذلك أحد منهم، وكان ابن عمر رضى الله ~~عنهما يقول: "إن بى وسواسا فلا تقتدوا بى". # وظاهر مذهب الشافعى وأحمد: أن غسل داخل العينين فى الوضوء لا يستحب، وإن ~~أمن الضرر. لأنه لم ينقل عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه فعله ~~قط، ولا أمر به، وقد نقل وضوءه جماعة كعثمان، وعلى، وعبد الله بن زيد، ~~والربيع بنت معوذ وغيرهم، فلم يقل أحد منهم إنه غسل داخل عينيه. وفى وجوبه ~~فى الجنابة روايتان عن أحمد، أصحهما أنه لا يجب، وهو قول الجمهور. وعلى هذا ~~فلا يجب غسلهما من النجاسة، وأولى لأن المضرة به أغلب لزيادة التكرار ~~والمعالجة. # PageV01P180 # وقالت الشافعية والحنفية: يجب، لأن إصابة النجاسة لهما تندر، فلا يشق ~~غسلهما منها. # وغلا بعض الفقهاء من أصحاب أحمد، فأوجب غسلهما فى الوضوء. وهو قول لا ~~يلتفت إليه ولا يعرج عليه. والصحيح أنه لا يجب غسلهما فى وضوء ولا جنابة ~~ولا من نجاسة. # وأما فعل أبى هريرة رضى الله عنه فهو شئ تأوله، وخالفه فيه غيره، ينكرونه ~~عليه، وهذه المسألة تلقب بمسألة إطالة الغرة، وإن كانت الغرة فى الوجه ~~خاصة. # وقد ms161 اختلف الفقهاء فى ذلك، وفيها روايتان عن الإمام أحمد. # إحداهما: يستحب إطالتها، وبها قال أبو حنيفة والشافعى، واختارها أبو ~~البركات ابن تيمية وغيره. # والثانية: لا يستحب، وهى مذهب مالك، وهى اختيار شيخنا أبى العباس. # فالمستحبون يحتجون بحديث أبى هريرة رضى الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أنتم الغر المحجلون يوم ~~القيامة من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله" متفق عليه، ~~ولأن الحلية تبلغ من المؤمن حيث يبلغ الوضوء. # قال النافون للاستحباب: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ~~"إن الله حد حدودا فلا تعتدوها". # والله سبحانه قد حد المرفقين والكعبين، فلا ينبغى تعديهما، ولأن رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لم ينقل من نقل عنه وضوءه أنه تعداهما، ~~ولأن ذلك أصل الوسواس ومادته، ولأن فاعله إنما يفعله قربة وعبادة، ~~والعبادات مبناها على الاتباع، ولأن ذلك ذريعة إلى الغسل إلى الفخذ، وإلى ~~الكتف. # وهذا مما لا يعلم أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه لم ~~يفعلوه ولا مرة واحدة، ولأن هذا من الغلو، وقد قال صلى الله تعالى عليه ~~وسلم: "إياكم والغلو فى الدين". # ولأنه تعمق، وهو منهى عنه، ولأنه عضو من أعضاء الطهارة، فكره مجاوزته ~~كالوجه. # PageV01P181 # وأما الحديث فراويه عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه نعيم المجمر. وقد ~~قال: "لا أدرى قوله: فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل، من قول رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، أو من قول أبى هريرة رضى الله عنه؟ "، ~~روى ذلك عنه الإمام أحمد فى المسند. # وأما حديث الحلية، فالحليه المزينة ما كان فى محله، فإذا جاوز محله لم ~~تكن زينة. # فصل # وأما قولكم: إن الوسواس خير مما عليه أهل التفريط والاسترسال، وتمشية ~~الأمر كيف اتفق، وإلى آخره. # فلعمر الله إنهما لطرفا إفراط وتفريط، وغلو وتقصير، وزيادة ونقصان، وقد ~~نهى الله سبحانه وتعالى عن الأمرين فى غير موضع. كقوله: # {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ms162 كل البسط} [الإسراء: 29] . ~~وقوله: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا} ~~[الإسراء: 26] . وقوله: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ~~ذلك قواما} [الفرقان: 67] . وقوله {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين} [الأعراف: 31] فدين الله بين الغالى فيه والجافى عنه. وخير الناس ~~النمط الأوسط، الذين ارتفعوا عن تقصير المفرطين، ولم يلحقوا بغلو المعتدين، ~~وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطا، وهى الخيار العدل، لتوسطها بين ~~الطرفين المذمومين، والعدل هو الوسط بين طرفى الجور والتفريط. والآفات إنما ~~ينتظرون إلى الأطراف، والأوساط محمية بأطرافها، فخيار الأمور أوساطها. قال ~~الشاعر: # كانت هى الوسط المحمى، فاكتنفت ... بها الحوادث حتى أصبحت طرفا # فصل # ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يرد ~~الله تعالى فتنته: ما أوحاه قديما وحديثا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة ~~بالقبور. حتى آل الأمر فيها إلى # PageV01P182 # أن عبد أربابها من دون الله، وعبدت قبورهم، واتخذت أوثانا، وبنيت عليها ~~الهياكل، وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادا لها ظل، ثم ~~جعلت أصناما، وعبدت مع الله تعالى. # وكان أول هذا الداء العظيم فى قوم نوح، كما أخبر سبحانه عنهم فى كتابه، ~~حيث يقول: # {قال نوح رب إنهم عصونى واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ومكروا ~~مكرا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ~~ونسرا وقد أضلوا كثيرا} [نوح: 21-24] . قال ابن جرير: "وكان من خبر هؤلاء ~~فيما بلغنا ما حدثنا به ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن ~~قيس: أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما صالحين من بنى آدم. وكان لهم أتباع ~~يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم ~~كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم. فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب ~~إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم". قال ~~سفيان عن أبيه عن عكرمة قال: "كان بين آدم ونوح ms163 عليهما السلام عشرة قرون، ~~كلهم على الإسلام". حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن ~~قتادة فى هذه الآية قال: "كانت آلهة يعبدها قوم نوح، ثم عبدتها العرب بعد ~~ذلك، فكان ود لكلب بدومة الجندل، وكان سواع لهذيل. وكان يغوث لبنى غطيف من ~~مراد. وكان يعوق لهمدان. وكان نسر لذى الكلاع من حمير". وقال الوالبى، عن ~~ابن عباس: "هذه أصنام كانت تعبد فى زمان نوح عليه السلام". # وقال البخارى: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن ابن جريج قال: قال ~~عطاء عن ابن عباس: "صارت الأوثان التى كانت فى قوم نوح فى العرب بعد. أما ~~ود فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما سواع فكانت لهذيل. وأما يغوث فكانت ~~لمراد، ثم لبنى غطيف بالجرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان. وأما نسر ~~فكانت لحمير لآل ذى الكلاع، # PageV01P183 # أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن ~~انصبوا إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ~~فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسى العلم، عبدت". # وقال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قوما صالحين فى قوم نوح عليه السلام، ~~فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد ~~فعبدوهم. # فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل. وهما الفتنتان ~~اللتان أشار إليهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى الحديث ~~المتفق على صحته عن عائشة رضى الله عنها: # "أن أم سلمة رضى الله عنها ذكرت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة، يقال لها: مارية. فذ كرت له ما رأت فيها من ~~الصور. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: أولئك قوم إذا مات ~~فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك ~~الصور، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى". # وفى لفظ آخر فى الصحيحين: # "أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها". # فجمع فى هذا الحديث بين التماثيل والقبور، ms164 وهذا كان سبب عبادة اللات. # فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: # {أفرأيتم اللات والعزى} [النجم: 19] . قال: "كان يلت لهم السويق. فمات، ~~فعكفوا على قبره". وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس رضى الله عنهما: "كان ~~يلت السويق للحاج". # فقد رأيت أن سبب عبادة ود ويغوث ويعوق ونسرا واللات إنما كانت من تعظيم ~~قبورهم ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبى صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم. # قال شيخنا: "وهذه العلة التى لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على ~~القبور هى التى أوقعت كثيرا من الأمم إما فى الشرك الأكبر، أو فيما دونه من ~~الشرك. فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنه ~~طلاسم للكواكب ونحو ذلك. فإن الشرك بقبر الرجل الذى يعتقد صلاحه أقرب إلى ~~النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا نجد أهل الشرك كثيرا يتضرعون عندها، ~~ويخشعون ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة # PageV01P184 # لا يفعلونها فى بيوت الله، ولا وقت السحر. منهم من يسجد لها. وأكثرهم ~~يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه فى المساجد. فلأجل هذه ~~المفسدة حسم النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مادتها حتى نهى عن الصلاة ~~فى المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد المصلى بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته ~~بركة المساجد، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها، لأنها أوقات يقصد ~~المشركون الصلاة فيها للشمس. فنهى أمته عن الصلاة حينئذ، وإن لم يقصد ~~المصلى ما قصده المشركون، سدا للذريعة". # قال: وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركا بالصلاة فى تلك ~~البقعة، فهذا عين المخادعة لله ولرسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم ~~يأذن به الله تعالى. فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن الصلاة عند القبور منهى عنها، ~~وأنه لعن من اتخذها مساجد. فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها ~~واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها. وقد تواترت النصوص عن النبى عليه ~~الصلاة ms165 والسلام بالنهى عن ذلك والتغليظ فيه. فقد صرح عامة الطوائف بالنهى ~~عن بناء المساجد عليها، متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة. وصرح أصحاب ~~أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعى بتحريم ذلك. وطائفة أطلقت الكراهة. ~~والذى ينبغى أن يحمل على كراهة التحريم إحسانا للظن بالعلماء، وأن لا يظن ~~بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~لعن فاعله والنهى عنه. ففى صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلى قال: # سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قبل أن يموت بخمس وهو ~~يقول: "إنى أبرأ إلى الله أن يكون لى منكم خليلا. فإن الله تعالى قد اتخذنى ~~خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتى خليلا لاتخذت أبا ~~بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا ~~تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك". # وعن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: "لما نزل برسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه. فإذا اغتم كشفها فقال: وهو ~~كذلك، لعنة الله على اليهود # PageV01P185 # والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا" متفق عليه. # وفى الصحيحين أيضا عن أبى هريرة رضى الله عنه: # أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: " قاتل الله اليهود ~~والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". # وفى رواية مسلم: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد". # فقد نهى عن اتخاذ القبور مساجد فى آخر حياته، ثم إنه لعن وهو فى السياق ~~من فعل ذلك من أهل الكتاب، ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك. # قالت عائشة رضى الله عنها: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~فى مرضه الذى لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد، ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشى أن يتخذ مسجدا" متفق عليه. # وقولها: "خشى" هو بضم الخاء تعليلا لمنع إبراز قبره. # وروى الإمام أحمد فى مسنده بإسناد ms166 جيد عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ~~أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إن من شرار الناس من تدركهم ~~الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد". # وعن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لعن ~~الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" رواه الإمام أحمد. # وعن ابن عباس قال: "لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زائرات ~~القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" رواه الإمام أحمد وأهل السنن. # وفى صحيح البخارى: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه رأى أنس بن مالك يصلى ~~عند قبر، فقال: القبر، القبر. وهذا يدل على أنه كان من المستقر عند الصحابة ~~رضى الله عنهم ما نهاهم عنه نبيهم من الصلاة عند القبور. وفعل أنس رضى الله ~~عنه لا يدل على اعتقاده جوازه، فإنه لعله لم يره، أو لم يعلم أنه قبر، أو ~~ذهل عنه. فلما نبهه عمر رضى الله تعالى عنه تنبه. # وقال أبو سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام". # رواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة، وصححه أبو حاتم بن حبان # PageV01P186 # وأبلغ من هذا: أنه نهى عن الصلاة إلى القبر، فلا يكون القبر بين المصلى ~~وبين القبلة. # فروى مسلم فى صحيحه عن أبى مرثد الغنوى رحمه الله أن رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم قال: # "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها". # وفى هذا إبطال قول من زعم أن النهى عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا ~~أبعد شئ عن مقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو باطل من عدة أوجه: # منها: أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة، كما ~~يقوله المعللون بالنجاسة. # ومنها: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعن اليهود والنصارى على اتخاذ ~~قبور أنبيائهم مساجد. ومعلوم قطعا أن هذا ليس لأجل النجاسة. فإن ذلك لا ~~يختص بقبور الأنبياء، ولأن قبور الأنبياء ms167 من أطهر البقاع، وليس للنجاسة ~~عليها طريق البتة، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم فهم فى قبورهم ~~طريون. # ومنها: أنه نهى عن الصلاة إليها. # ومنها: أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام. ولو كان ذلك ~~لأجل النجاسة لكان ذكر الحشوش والمجازر ونحوها أولى من ذكر القبور. # ومنها: أن موضع مسجده صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان مقبرة للمشركين، ~~فنبش قبورهم وسواها واتخذه مسجدا: ولم ينقل ذلك التراب، بل سوى الأرض ~~ومهدها وصلى فيه، كما ثبت فى الصحيحين عن أنس بن مالك قال: # "لما قدم النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم المدينة فنزل بأعلى ~~المدينة فى حى يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام النبى صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملاء بنى النجار، فجاءوا ~~متقلدى السيوف، وكأنى أنظر إلى النبى صلى الله عليه وسلم على راحلته، وأبو ~~بكر ردفه، وملأ بنى النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب. وكان يحب أن ~~يصلى حيث أدركته الصلاة، ويصلى فى مرابض الغنم، وأنه أمر ببناء المسجد، ~~فأرسل إلى ملإ بنى النجار، فقال: يا بنى النجار، ثامنونى بحائطكم هذا. ~~قالوا: لا والله، ما نطلب ثمنه إلا إلى الله # PageV01P187 # فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين. وفيه خرب. وفيه نخل. فأمر النبى ~~صلى الله تعالى عليه واله وسلم بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت. ~~وبالنخل فقطع. فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة. وجعلوا ~~ينقلون الصخر. وهم يريجزون، وذكر الحديث". # ومنها: أن فتنة الشرك بالصلاة فى القبور ومشابهة عباد الأوثان أعظم بكثير ~~من مفسدة الصلاة بعد العصر والفجر. فإذا نهى عن ذلك سدا لذريعة التشبه التى ~~لا تكاد تخطر ببال المصلى، فكيف بهذه الذريعة القريبة التى كثيرا ما تدعو ~~صاحبها إلى الشرك ودعاء الموتى، واستغاثتهم، وطلب الحوائج منهم، واعتقاد أن ~~الصلاة عند قبورهم أفضل منها فى المساجد. وغير ذلك، مما هو محادة ظاهرة لله ~~ورسوله. فأين التعليل بنجاسة البقعة من هذه المفسدة؟ ms168 ومما يدل على أن النبى ~~صلى الله عليه وآله وسلم قصد منع هذه الأمة من الفتنة بالقبور كما افتتن ~~بها قوم نوح ومن بعدهم. # ومنها: أنه لعن المتخذين عليها المساجد. ولو كان ذلك لأجل النجاسة لأمكن ~~أن يتخذ عليها المسجد مع تطيينها بطين طاهر، فتزول اللعنة، وهو باطل قطعا. # ومنها: أنه قرن فى اللعن بين متخذى المساجد عليها وموقدي السرج عليها. ~~فهما فى اللعنة قرينان. وفى ارتكاب الكبيرة صنوان. فإن كل ما لعن رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهو من الكبائر، ومعلوم أن إيقاد السرج ~~عليها إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها، وجعلها نصبا يوفض إليه ~~المشركون، كما هو الواقع، فهكذا اتخاذ المساجد عليها. ولهذا قرن بينهما. ~~فإن اتخاذ المساجد عليها تعظيم لها وتعريض للفتنة بها ولهذا حكى الله ~~سبحانه وتعالي عن المتغلبين على أمر أصحاب الكهف، أنهم قالوا: {لنتخذن ~~عليهم مسجدا} [الكهف: 21] . ومنها: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: # "اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد". # فذكره ذلك عقيب قوله: "اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد" تنبيه منه على سبب ~~لحوق اللعن لهم. وهو توصلهم بذلك إلى أن تصير أوثانا تعبد. # PageV01P188 # وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن الرسول صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم مقاصده، جزم جزما لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة ~~منه باللعن والنهى بصيغتيه: صيغة "لا تفعلوا" وصيغة "إنى أنهاكم" ليس لأجل ~~النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، ~~واتبع هواه، ولم يخش ربه ومولاه، وقل نصيبه أو عدم فى تحقيق شهادة أن لا ~~إله إلا الله. فإن هذا وأمثاله من النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به ~~سواه. فأبى المشركون إلا معصية لأمره وارتكابا لنهيه وغرهم الشيطان. فقال: ~~بل هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين. وكلما كنتم أشد لها ms169 تعظيما، وأشد ~~فيهم غلوا، كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد. # ولعمر الله، من هذا الباب بعينه دخل على عباد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دخل ~~على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة. فجمع المشركون بين الغلو ~~فيهم، والطعن فى طريقتهم وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم، وإنزالهم ~~التى أنزلهم الله إياها: من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم. وهذا غاية ~~تعظيمهم وطاعتهم. # فأما المشركون فعصوا أمرهم، وتنقصوهم فى صورة التعظيم لهم. قال الشافعى: ~~"أكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا، مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده ~~من الناس". # وممن علل بالشرك ومشابهة اليهود والنصارى: الأثرم فى كتاب ناسخ الحديث ~~ومنسوخه فقال- بعد أن ذكر حديث أبى سعيد أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم قال: "جعلت لى الأرض مسجدا إلا المقبرة والحمام" وحديث زيد بن جبير عن ~~داود بن الحصين عن نافع عن ابن عمر: أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: "نهى عن الصلاة فى سبع مواطن، وذكر منها المقبرة" قال الأثرم: إنما ~~كرهت الصلاة فى المقبرة للتشبه بأهل الكتاب، لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم ~~وصالحيهم مساجد". # PageV01P189 # فصل # ومن ذلك اتخاذها عيدا. # والعيد: ما يعتاد مجيئه وقصده: من مكان وزمان. # فأما الزمان، فكقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "يوم عرفة ويوم ~~النحر وأيام منى، عيدنا أهل الإسلام". رواه أبو داود وغيره. # وأما المكان، فكما روى أبو داود فى سننه أن رجلا قال: "يا رسول الله، إنى ~~نذرت أن أنحر إبلا ببوانة، فقال: أبها وثن من أوثان المشركين، أو عيد من ~~أعيادهم؟ قال: لا. قال: فأوف بنذرك" وكقوله: "لا تجعلوا قبرى عيدا". # والعيد: مأخوذ من المعاودة، والاعتياد، فإذا كان اسما للمكان فهو المكان ~~الذى بقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة، أو لغيرها، كما أن المسجد ~~الحرام، ومنى، ومزدلفة، وعرفة، والمشاعر، جعلها الله تعالى عيدا للحنفاء، ~~ومثابة، كما جعل أيام التعبد فيها عيدا. # وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية. فلما جاء الله بالإسلام أبطلها، ~~وعوض الحنفاء منها عيد الفطر، وعيد النحر، وأيام ms170 منى، كما عوضهم عن أعياد ~~المشركين المكانية بالكعبة البيت الحرام، وعرفة، ومنى، والمشاعر. # PageV01P190 # فاتخاذ القبور عيدا هو من أعياد المشركين التى كانوا عليها قبل الإسلام، ~~وقد # نهى عنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى سيد القبور، منبها ~~به على غيره. # فقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن نافع ~~أخبرنى ابن أبى ذئب عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: # "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبرى عيدا، وصلوا على فإن صلاتكم ~~تبلغنى حيث كنتم". # صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وهذا إسناد حسن، رواته كلهم ثقات مشاهير. # وقال أبو يعلى الموصلى، فى مسنده: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا زيد ~~ابن الحباب، حدثنا جعفر بن إبراهيم، من ولد ذى الجناحين، حدثنا على بن عمر ~~عن أبيه عن على بن الحسين: أنه رأى رجلا يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبى ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم ~~حديثا سمعته من أبى عن جدى عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم؟ ~~قال: "لا تتخذوا قبرى عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغنى أينما ~~كنتم" رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسى فى مختاراته. # وقال سعيد بن منصور فى السنن: حدثنا حبان بن على، حدثنى محمد بن عجلان عن ~~أبى سعيد مولى المهرى قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ~~"لا تتخذوا بيتى عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا على حيثما كنتم، فإن صلاتكم ~~تبلغنى". # وقال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرنى سهيل بن أبى سهيل قال: رآنى ~~الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب عند القبر، فنادانى، وهو فى بيت فاطمة ~~يتعشى فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: مالى رأتيك عند القبر؟ ~~فقلت: سلمت على النبى الله تعالى عليه وآله وسلم، فقال: ms171 إذا دخلت المسجد ~~فسلم. ثم قال: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لا تتخذوا ~~بيتى عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن # PageV01P191 # الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا على فإن صلاتكم ~~تبلغنى حيثما كنتم" ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء. # فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث، لا ~~سيما وقد احتج به من أرسله به، وذلك يقتضى ثبوته عنده، هذا لو لم يكن روى ~~من وجوه مسندة غير هذين، فكيف وقد تقدم مسندا؟. # قال شيخ الإسلام قدس الله روحه: "ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه ~~عيدا، فقبر غيره أولى بالنهى كائنا من كان، ثم إنه قرن ذلك بقوله "ولا ~~تتخذوا بيوتكم قبورا" أى لا تعطلوها من الصلاة فيها، والدعاء والقراءة، ~~فتكون بمنزلة القبور. فأمر بتحرى النافلة فى البيوت، ونهى عن تحرى العبادة ~~عند القبور، وهذا ضد ما عليه المشركون من النصارى وأشباههم، ثم إنه عقب ~~النهى عن اتخاذه عيدا بقوله: "وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم" يشير ~~بذلك إلى أن ما ينالنى منكم من الصلاة والسلام تحصل مع قربكم من قبرى ~~وبعدكم، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدا". # وقد حرف هذه الأحاديث بعض من أخذ شبها من النصارى بالشرك، وشبها من ~~اليهود بالتحريف، فقال: هذا أمر بملازمة قبره، والعكوف عنده، واعتياد قصده ~~وانتيابه، ونهى أن يجعل كالعيد الذى إنما يكون فى العام مرة أو مرتين، ~~فكأنه قال: لا تجعلوه بمنزلة العيد الذى يكون من الحول إلى الحول، واقصدوه ~~كل ساعة وكل وقت. # وهذا مراغمة ومحادة لله ومناقضة لما قصده الرسول صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم وقلب للحقائق، ونسبة الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى ~~التدليس والتلبيس، بعد التناقض. فقاتل الله أهل الباطل أنى يؤفكون. ولا ريب ~~أن من أمر الناس باعتياد أمر ملازمة إتيانه بقوله: "لا تجعلوا عيدا" فهو ~~إلى التلبيس وضد البيان ms172 أقرب منه إلى الدلالة والبيان. فإن لم يكن هذا ~~تنقيصا فليس للتنقيص حقيقة فينا، كمن يرمى أنصار الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وحزبه بدائه ومصابه وينسل كأنه برئ، ولا ريب أن ارتكاب كل كبيرة، بعد ~~الشرك، أسهل إثما، وأخف عقوبة من تعاطى مثل ذلك فى دينه وسنته. وهكذا # PageV01P192 # غيرت ديانات الرسل. ولولا أن الله أقام لدينه الأنصار والأعوان الذابين ~~عنه، لجرى عليه ما جرى على الأديان قبله. # ولو أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما قاله هؤلاء الضلال لم ينه ~~عن اتخاذ. قبور الأنبياء مساجد، ويلعن فاعل ذلك. فإنه إذا لعن من اتخذها ~~مساجد يعبد الله فيها، فكيف يأمر بملازمتها والعكوف عندها، وأن يعتاد قصدها ~~واتيانها، ولا تجعل كالعيد الذى يجئ من الحول إلى الحول؟ وكيف يسأل ربه أن ~~لا يجعل قبره وثنا يعبد؟ وكيف يقول أعلم الخلق بذلك: "ولولا ذلك لأبرز ~~قبره، ولكن خشى أن يتخذ مسجدا"؟ وكيف يقول: "لا تجعلوا قبرى عيدا، وصلوا ~~على حيثما كنتم"؟ وكيف لم يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك ما فهمه هؤلاء ~~الضلال، الذين جمعوا بين الشرك والتحريف؟ # وهذا أفضل التابعين من أهل بيته على بن الحسين رضى الله عنهما نهى ذلك ~~الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، واستدل ~~بالحديث. وهو الذى رواه وسمعه من أبيه الحسين عن جده على رضى الله عنه، وهو ~~أعلم بمعناه من هؤلاء الضلال. وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن، شيخ أهل بيته، ~~كره أن يقصد الرجل القبر إذا لم يكن يريد المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه ~~عيدا. # قال شيخنا: فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت، الذين ~~لهم من رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قرب النسب، وقرب الدار؟ ~~لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، فكانوا له أضبط. # فصل # ثم إن فى اتخاذ القبور أعيادا من المفاسد العظيمة التى لا يعلمها إلا ~~الله تعالى ما يغضب لأجله كل من فى قلبه وقار لله ms173 تعالى، وغيرة على ~~التوحيد، وتهجين وتقبيح للشرك. # ولكن ما لجرح بميت إيلام # PageV01P193 # فمن مفاسد اتخاذها أعيادا: الصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها ~~واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستغاثة بهم، ~~وسؤالهم النصر والرزق والعافية، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة ~~اللهفات، وغير ذلك من أنواع الطلبات، التى كان عباد الأوثان يسألونها ~~أوثانهم. # فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيدا، وقد نزلوا عن الأكوار والدواب إذا ~~رأوها من مكان بعيد، فوضعوا لها الجباه، وقبلوا الأرض وكشفوا الرؤوس، ~~وارتفعت أصواتهم بالضجيج، وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج، ورأوا أنهم قد ~~أربوا فى الربح على الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يبدى ولا يعيد، ونادوا ولكن ~~من مكان بعيد، حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين ورأوا أنهم قد ~~أحرزوا من الأجر ولا أجر من صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبر ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الميت ورضوانا، وقد ملئوا أكفهم خيبة وخسرانا، فلغير الله، ~~بل للشيطان ما يراق هناك من العبرات، ويرتفع من الأصوات، ويطلب من الميت من ~~الحاجات ويسأل من تفريج الكربات، وإغناء ذوى الفاقات، ومعافاة أولى العاهات ~~والبليات، ثم انبثوا بعد ذلك حول القبر طائفين، تشبيها له بالبيت الحرام، ~~الذى جعله الله مباركا وهدى للعالمين، ثم أخذوا فى التقبيل والاستلام، ~~أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفد البيت الحرام؟ ثم عفروا لديه تلك ~~الجباه والخدود، التى يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه فى السجود. ثم ~~كملوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحلاق، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك ~~الوثن إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق، وقربوا لذلك الوثن القرابين. وكانت ~~صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب العالمين، فلو رأيتهم يهنئ بعضهم بعضا ~~ويقول: أجزل الله لنا ولكم أجرا وافرا وحظا، فإذا رجعوا سألهم غلاة ~~المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر بحج المتخلف إلى البيت الحرام، ~~فيقول: لا، ولو بحجك كل عام. # هذا، ولم نتجاوز فيما حكيناه عنهم، ولا استقصينا جميع بدعهم وضلالهم. إذ ~~هى فوق ما يخطر بالبال، أو يدور فى ms174 الخيال. وهذا كان مبدأ عبادة الأصنام فى ~~قوم نوح، كما تقدم. وكل من شم أدنى رائحة من العلم والفقه يعلم أن من أهم ~~الأمور سد الذريعة إلى هذا المحظور، # PageV01P194 # وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه لما يئول إليه، وأحكم فى نهيه عنه ~~وتوعده عليه. وأن الخير والهدى فى اتباعه وطاعته، والشر والضلال فى معصيته ~~ومخالفته. # ورأيت لأبى الوفاء بن عقيل فى ذلك فصلا حسنا، فذكرته بلفظه، قال: "لما ~~صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع ~~وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم ~~عندى كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها، بما نهى عنه الشرع: من ~~إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع ~~فيها: يا مولاى افعل بى كذا وكذا. وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب على ~~القبور. وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر، اقتداء بمن عبد اللات ~~والعزى. والويل عندهم لمن لم يقبل مشهد الكف، ويتمسح بآجرة مسجد الملموسة ~~يوم الأربعاء. ولم يقل الحمالون على جنازته: الصديق أبو بكر، أو محمد وعلى، ~~أو لم يعقد على قبر أبيه أزجا بالجص والآجر، ولم يخرق ثيابه إلى الذيل، ولم ~~يرق ماء الورد على القبر". انتهى. # ومن جمع بين سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى القبور، وما ~~أمر به ونهى عنه وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى ~~أحدهما مضادا للآخر، مناقضا له، بحيث لا يجتمعان أبدا. # فنهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الصلاة إلى القبور، ~~وهؤلاء يصلون عندها. # ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويسمونها مشاهد، ~~مضاهاة لبيوت الله تعالى. # ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل ~~عليها. # ونهى أن تتخذ أعيادا، وهؤلاء يتخذونها أعيادا ومناسك، ويجتمعون لها ~~كاجتماعهم للعيد أو أكثر. # وأمر بتسويتها، كما روى مسلم فى صحيحه عن أبى الهياج الأسدى قال: قال على # PageV01P195 # بن أبى طالب ms175 رضى الله عنه: "ألا أبعثك على ما بعثنى عليه رسول صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا ~~سويته". # وفى صحيحه أيضا عن ثمامة بن شفى قال: "كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم ~~برودس. فتوفى صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسوى، ثم قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم يأمر بتسويتها، وهؤلاء يبالغون فى مخالفة هذين ~~الحديثين. ويرفعونها عن الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب". # ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه، كما روى مسلم فى صحيحه عن جابر قال: " ~~نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن تجصيص القبر، وأن يقعد ~~عليه، وأن يبنى عليه بناء". # ونهى عن الكتابة عليها، كما روى أبو داود والترمذى فى سننهما عن جابر رضى ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "نهى أن تجصص ~~القبور، وأن يكتب عليها". # قال الترمذى: حديث حسن صحيح، وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها ~~القرآن وغيره. # ونهى أن يزاد عليها غير ترابها، كما روى أبو داود من حديث جابر أيضا: أن ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "نهى أن يجصص القبر، أو يكتب ~~عليه، أو يزاد عليه" وهؤلاء لا يزيدون عليه سوى التراب الآجر والأحجار ~~والجص. # ونهى عمر بن عبد العزيز أن يبنى القبر بأجر، وأوصى أن لا يفعل ذلك بقبره. # وأوصى الأسود بن يزيد: "أن لا تجعلوا على قبرى آجرا". # وقال إبراهيم النخعى: "كانوا يكرهون الأجر على قبورهم". # وأوصى أبو هريرة حين حضرته الوفاة: "أن لا تضربوا على قبرى فسطاطا". # وكره الإمام أحمد أن يضرب على القبر فسطاطا. # والمقصود: أن هؤلاء المعظمين للقبور، المتخذينها أعيادا، الموقدين عليها ~~السرج، الذين يبنون عليها المساجد والقباب. مناقضون لما أمر به رسول الله ~~صلى الله تعالى عليها وسلم، # PageV01P196 # محادون لما جاء به. وأعظم ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها. وهو من ~~الكبائر. وقد صرح الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم بتحريمه. # قال أبو محمد ms176 المقدسى: "ولو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن النبى صلى ~~الله تعالى عليه من فعله. ولأن فيه تضييعا للمال فى غير فائدة، وإفراطا فى ~~تعظيم القبور، أشبه تعظيم الأصنام". قال: "ولا يجوز اتخاذ المساجد على ~~القبور لهذا الخبر. ولأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "لعن الله ~~اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا" متفق عليه. وقالت ~~عائشة: "إنما لم يبرز قبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لئلا ~~يتخذ مسجدا" لأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود ~~لها والتقرب إليها. وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات ~~باتخاذ صورهم، والتمسح بها، والصلاة عندها". انتهى. # وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا، ووضعوا له ~~مناسك، حتى صنف بعض غلاتهم فى ذلك كتابا وسماه "مناسك حج المشاهد" مضاهاه ~~منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول فى ~~دين عباد الأصنام. # فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وسلم وقصده من النهى عما تقدم ذكره فى القبور، وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه. ~~ولا ريب أن فى ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره. # فمنها: تعظيمها المواقع فى الافتتان بها. ومنها: اتخاذها عيدا. ومنها: ~~السفر إليها. ومنها: مشابهة عبادة الأصنام بما يفعل عندها: من العكوف ~~عليها، والمجاورة عندها. وتعليق الستور عليها وسدانتها، وعبادها يرجحون ~~المجاورة عندها على المجاورة عند المسجد الحرام، ويرون سدانتها أفضل من ~~خدمة المساجد، والويل عندهم لقيمها ليلة يطفئ القنديل المعلق عليها. ومنها: ~~النذر لها ولسدنتها. ومنها: اعتقاد المشركين بها أن بها يكشف البلاء، وينصر ~~على الأعداء، ويستنزل غيث السماء، وتفرج الكروب، وتقضى الحوائج، وينصر ~~المظلوم، ويجار الخائف، وإلى غير ذلك. ومنها: الدخول فى لعنة الله تعالى ~~ورسوله باتخاذ المساجد عليها، وإيقاد السرج عليها، ومنها: الشرك الأكبر ~~الذى يفعل عندها. ومنها: إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم، فإنهم ~~يؤذيهم بما يفعل عند قبورهم. ويكرهونه غاية الكراهة. كما ms177 أن المسيح يكره # PageV01P197 # ما يفعله النصارى عند قبره. وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء والمشايخ ~~يؤذيهم ما يفعله أشباه النصارى عند قبورهم. ويوم القيامة يتبرءون منهم. كما ~~قال تعالى: # {ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادى هؤلاء أم ~~هم ضلوا السبيل قالوا سبحانك ما كان ينبغى لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ~~ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا} [الفرقان: 17-18] . ~~قال الله للمشركين {فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا} ~~[الفرقان: 19] الآية، وقال تعالى {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت ~~للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ~~ليس لى بحق} [المائدة: 116] الآية، وقال تعالى {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول ~~للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك، أنت ولينا من دونهم بل ~~كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} [سبأ: 40-41] . ومنها: مشابهة اليهود ~~والنصارى فى اتخاذ المساجد والسرج عليها ومنها: محادة الله ورسوله ومناقضة ~~ما شرعه فيها. ومنها: التعب العظيم مع الوزر الكثير، والإثم العظيم. ومنها: ~~إماتة السنن وإحياء البدع. # ومنها: تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله. فإن عباد القبور ~~يقصدونها مع التعظيم والاحترام والخشوع ورقة القلب والعكوف بالهمة على ~~الموتى بما لا يفعلونه فى المساجد. ولا يحصل لهم فيها نظيره ولا قريب منه.، ~~ومنها: أن ذلك يتضمن عمارة المشاهد وخراب المساجد. ودين الله الذى بعث به ~~رسوله بضد ذلك. ولهذا لما كانت الرافضة من أبعد الناس عن العلم والدين، ~~عمروا المشاهد، وأخربوا المساجد. # ومنها: أن الذى شرعه الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم عند زيارة القبور: ~~إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له، والترحم عليه، ~~والاستغفار له، وسؤال العافية له. فيكون الزائر محسنا إلى نفسه وإلى الميت، ~~فقلب هؤلاء المشركون الأمر، وعكسوا الدين وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك ~~بالميت، ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم، واستنزال البركات منه، ونصره ~~لهم على الأعداء ونحو ذلك. فصاورا مسيئين إلى نفوسهم وإلى ms178 الميت # PageV01P198 # ولو لم يكن إلا بحرمانه بركة ما شرعه الله تعالى من الدعاء له والترحم ~~عليه والاستغفار له. # فاسمع الآن زيارة أهل الإيمان التى شرعها الله تعالي على لسان رسوله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم، ثم وازن بينها وبين زيارة أهل الإشراك، التى ~~شرعها لهم الشيطان، واختر لنفسك. # قالت عائشة رضى الله عنها: "كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~كلما كان ليلتها منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: السلام عليكم ~~دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدا، مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" رواه مسلم. # وفى صحيحه عنها أيضا: "أن جبريل أتاه، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتى أهل ~~البقيع، فتستغفر لهم قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولى: ~~السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا ~~والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون". # وفى صحيحه أيضا عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: "كان رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: السلام على ~~أهل الديار". # وفى لفظ: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء ~~الله بكم لاحقون. نسأل الله لنا ولكم العافية". # وعن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "كنت ~~نهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هجرا" رواه ~~أحمد والنسائى. # PageV01P199 # وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قد نهى الرجال عن زيارة ~~القبور، سدا للذريعة، فلما تمكن التوحيد فى قلوبهم أذن لهم فى زيارتها على ~~الوجه الذى شرعه ونهاهم أن يقولوا هجرا، فمن زارها على غير الوجه المشروع ~~الذى يحبه الله ورسوله فإن زيارته غير مأذون فيها، ومن أعظم الهجر: الشرك ~~عندها قولا وفعلا. # وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم: # "زوروا القبور، فإنها تذكر الموت ms179 ". # وعن على بن طالب رضى الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم قال: "إنى كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم ~~الآخرة" رواه الإمام أحمد. # وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: "مر رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: السلام عليكم يا ~~أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، ونحن بالأثر" رواه أحمد، والترمذى وحسنه. # وعن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور، فإنها تزهد فى ~~الدنيا، وتذكر الآخرة" رواه ابن ماجه. # وروى الإمام أحمد عن أبى سعيد رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإن فيها ~~عبرة". # فهذه الزيارة التى شرعها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لأمته، ~~وعلمهم إياها، هل تجد فيها شيئا مما يعتمده أهل الشرك والبدع؟ أم تجدها ~~مضادة لما هم عليه من كل وجه؟. # وما أحسن ما قال مالك بن أنس رحمه الله: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما ~~أصلح أولها. ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، ونقص إيمانهم، عوضوا ~~عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك". # ولقد جرد السلف الصالح التوحيد، وحموا جانبه، حتى كان أحدهم إذا سلم على # PageV01P200 # النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ثم أراد الدعاء، استقبل القبلة، ~~وجعل ظهره إلى جدار القبر، ثم دعا. # فقال سلمة بن وردان: "رأيت أنس بن مالك رضى الله عنه يسلم على النبى صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم، ثم يسند ظهره إلى جدار القبر، ثم يدعو". # ونص على ذلك الأئمة الأربعة: أنه يستقبل القبلة وقت الدعاء، حتى لا يدعو ~~عند القبر، فإن الدعاء عبادة. # وفى الترمذى وغيره مرفوعا. "الدعاء هو العبادة ". # فجرد السلف العبادة الله، ولم يفعلوا عند القبور منها إلا ما أذن فيه ~~رسول الله صلى الله ms180 تعالى عليه وآله وسلم: من السلام على أصحابها ~~والاستغفار لهم، والترحم عليهم. # وبالجملة. فالميت قد انقطع عمله، فهو محتاج إلى من يدعو له ويشفع له. ~~ولهذا شرع فى الصلاة عليه من الدعاء له، وجوبا واستحبابا، ما لم يشرع مثله ~~فى الدعاء للحى. # قال عوف بن مالك: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة، فحفظت من ~~دعائه وهو يقول: "اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع ~~مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب ~~الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا ~~خيرا من زوجه. وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، أو من عذاب النار. حتى ~~تمنيت أن أكون أنا الميت، لدعاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~على ذلك الميت" رواه مسلم. # وقال أبو هريرة رضى الله تعالى عنه: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم يقول فى صلاته على الجنازة: # "اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها وأنت ~~أعلم بسرها وعلانيتها جئنا شفعاء فاغفر له" رواه الإمام أحمد. # وفى سنن أبى داود عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم قال: # "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء". # وقالت عائشة، وأنس عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "ما من ميت ~~يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له، إلا شفعوا فيه". ~~رواه مسلم # PageV01P201 # وعن ابن عباس رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم يقول: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا، لا يشركون ~~بالله شيئا، إلا شفعهم الله فيه" رواه مسلم. # فهذا مقصود الصلاة على الميت، وهو الدعاء له والاستغفار، والشفاعة فيه. # ومعلوم أنه فى قبره أشد حاجة منه على نعشه. فإنه حينئذ معرض للسؤال ~~وغيره. # وقد كان النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقف على القبر ms181 بعد الدفن ~~فيقول: "سلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل". # فعلم أنه أحوج إلى الدعاء له بعد الدفن، فإذا كنا على جنازته ندعو له، لا ~~ندعو به، ونشفع له، لا نشفع به. فبعد الدفن أولى وأحرى. # فبدل أهل البدع والشرك قولا غير الذى قيل لهم: بدلوا الدعاء له بدعائه ~~نفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به. وقصدوا بالزيارة التى شرعها رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إحسانا إلى الميت وإحسانا إلى الزائر، ~~وتذكيرا بالآخرة: سؤال الميت، والإقسام به على الله، وتخصيص تلك البقعة ~~بالدعاء الذى هو مخ العبادة، وحضور القلب عندها، وخشوعه أعظم منه فى ~~المساجد، وأوقات الأسحار. # ومن المحال أن يكون دعاء الموتى، أو الدعاء بهم، أو الدعاء عندهم، مشروعا ~~وعملا صالحا، ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم، ثم يرزقه الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ~~ما لا يؤمرون. # فهذه سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى أهل القبور بضعا ~~وعشرين سنة، حتى توفاه الله تعالى، وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة ~~جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هل يمكن بشر على وجه الأرض أن يأتى عن ~~أحد منهم بنقل صحيح، أو حسن، أو ضعيف، أو منقطع: أنهم كانوا إذا كان لهم ~~حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلا أن يصلوا عندها، أو ~~يسألوا الله بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم. فليوقفوا على أثر واحد: أو حرف ~~واحد مى ذلك، بلى، يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التى خلفت بعدهم بكثير من ~~ذلك، وكلما تأخر الزمان وطال العهد، كان ذلك أكثر، حتى لقد وجد فى ذلك عدة # PageV01P202 # مصنفات ليس فيها عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولا عن ~~خلفائه الراشدين، ولا عن أصحابه حرف واحد من ذلك، بلى فيها من خلاف ذلك ~~كثير كما قدمناه من الأحاديث المرفوعة. # وأما آثار الصحابة فأكثر من أن يحاط بها. وقد ذكرنا إنكار عمر رضى الله ~~عنه على أنس رضى الله عنه ms182 صلاته عند القبر. وقوله له: القبر، القبر. # وقد ذكر محمد بن إسحاق فى مغازيه من زيادات يونس بن بكير عن أبى خلدة ~~خالد بن دينار قال: حدثنا أبو العالية قال: "لما فتحنا تستر وجدنا فى بيت ~~مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف له، فأخذنا المصحف، ~~فحملناه إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فدعا له كعبا، فنسخه بالعربية. ~~فأنا أول رجل من العرب قرأه، قرأته مثل ما أقرأ القرآن. فقلت لأبى العالية: ~~ما كان فيه؟ قال سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم. وما هو كائن بعد. قلت: فما ~~صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة، فلما كان الليل ~~دفناه وسوينا القبور كلها، لنعميه على الناس لا ينبشونه، فقلت: وما يرجون ~~منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير فيمطرون. فقلت من كنتم ~~تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال، فقلت: مذ كم وجدتموه مات؟ قال: مذ ~~ثلاثمائة سنة، قلت: ما كان تغير منه شىء؟ قال: لا، إلا شعيرات من قفاه، إن ~~لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع" ففى هذه القصة ما فعله ~~المهاجرون والأنصار من تعمية قبره # PageV01P203 # لئلا يفتتن به الناس، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به، ولو ظفر به ~~المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف، ولعبدوه من دون الله، فهم قد اتخذوا من ~~القبور أوثانا من لا يدانى هذا ولا يقاربه، وأقاموا لها سدنة، وجعلوها ~~معابد أعظم من المساجد. # فلو كان الدعاء عند القبور والصلاة عندها والتبرك بها فضيلة أو سنة أو ~~مباحا، لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر علما لذلك، ودعوا عنده، وسنوا ~~ذلك لمن بعدهم ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله ودينه من الخلوف التى خلفت ~~بعدهم، وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل، وقد كان عندهم من ~~قبور أصحاب رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم بالأمصار عدد كثير، وهم ~~متوافرون. فما منهم من استغاث عند قبر صاحب، ولا دعاه، ولا دعا به، ولا دعا ~~عنده، ولا استشفى به، ولا استسقى به، ولا ms183 استنصر به، ومن المعلوم أن مثل ~~هذا مما تتوفر الهمم والدواعى على نقله، بل على نقل ما هو دونه. # وحينئذ، فلا يخلو، إما أن يكون الدعاء عندها والدعاء بأربابها أفضل منه ~~فى غير تلك البقعة، أولا يكون، فإن كان أفضل، فكيف خفى علما وعملا على ~~الصحابة والتابعين وتابعيهم؟ فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة بهذا ~~الفضل العظيم، وتظفر به الخلوف علما وعملا؟ ولا يجوز أن يعلموه ويزهدوا ~~فيه، مع حرصهم على كل خير لا سيما الدعاء، فإن المضطر يتشبث بكل سبب، وإن ~~كان فيه كراهة ما، فكيف يكونون مضطرين فى كثير من الدعاء، وهم يعلمون فضل ~~الدعاء عند القبور، ثم لا يقصدونه؟ هذا محال طبعا وشرعا. # فتعين القسم الآخر. وهو أنه لا فضل للدعاء عندها، ولا هو مشروع، ولا ~~مأذون فيه بقصد الخصوص، بل تخصيصها بالدعاء عندها ذريعة إلى ما تقدم من ~~المفاسد. ومثل هذا مما لا يشرعه الله ورسوله البتة، بل استحباب الدعاء ~~عندها شرع عبادة لم يشرعها الله، ولم ينزل بها سلطانا. # وقد أنكر الصحابة ما هو دون هذا بكثير. # فروى غير واحد عن المعرور بن سويد قال: "صليت مع عمر بن الخطاب رضى الله ~~عنه فى طريق مكة صلاة الصبح، فقرأ فيها: # {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} [الفيل: 1] و {لإيلاف قريش} [قريش: 1] ~~. # ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال: "أين يذهب هؤلاء؟ "، فقيل: يا أمير ~~المؤمنين، مسجد صلى فيه النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فهم يصلون ~~فيه، فقال: # PageV01P204 # "إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا. كانوا يتبعون آثار أنبيائهم، ويتخذونها ~~كنائس وبيعا. فمن أدركته الصلاة منكم فى هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض، ~~ولا يتعمدها"، وكذلك أرسل عمر رضى الله تعالى عنه أيضا فقطع الشجرة التى ~~بايع تحتها أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. # بل قد أنكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على الصحابة لما ~~سألوه أن يجعل لهم شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ومتاعهم بخصوصها. # فروى البخارى فى صحيحة ms184 عن أبى واقد الليثى قال: "خرجنا مع رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم قبل حنين، ونحن حديثوا عهد بكفر، وللمشركين ~~سدرة، يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط. فمررنا ~~بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال ~~النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: # "الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال ~~إنكم قوم تجهلون} [الأعراف: 138] لتركبن سنن من كان قبلكم". فإذا كان اتخاذ ~~هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها اتخاذ إله مع الله تعالى، مع أنهم ~~لا يعبدونها، ولا يسألونها. فما الظن بالعكوف حول القبر، والدعاء به ~~ودعائه، والدعاء عنده؟ فأى نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر؟ لو كان ~~أهل الشرك والبدعة يعلمون. # قال بعض أهل العلم من أصحاب مالك: فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة ~~أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، ويضربون ~~بها المسامير والخرق، فهى ذات أنواط، فاقطعوها. # ومن له خبرة بما بعث الله تعالى به رسوله، وبما عليه أهل الشرك والبدع ~~اليوم فى هذا الباب وغيره، علم أن بين السلف وبين هؤلاء الخلوف من البعد ~~أبعد مما بين المشرق والمغرب، وأنهم على شىء والسلف على شىء، كما قيل: # سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب # والأمر والله أعظم مما ذكرنا. # PageV01P205 # وقد ذكر البخارى فى الصحيح عن أم الدرداء رضى الله عنها قالت: "دخل على ~~أبو الدرداء مغضبا، فقلت له: مالك؟ "، فقال: "والله ما أعرف فيهم شيئا من ~~أمر محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، إلا أنهم يصلون جميعا". # وروى مالك فى الموطأ عن عمه أبى سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال: "ما أعرف ~~شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة، يعنى الصحابة رضى الله ~~عنهم". # وقال الزهرى: "دخلت على أنس بن مالك بدمشق، وهو يبكى، فقلت له: ما يبكيك؟ ~~"، فقال: "ما أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة. وهذه الصلاة قد ضيعت". ms185 ~~ذكره البخارى. # وفى لفظ آخر: "ما كنت أعرف شيئا على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم إلا قد أنكرته اليوم". # وقال الحسن البصرى: "سأل رجل أبا الدرداء رضى الله عنه فقال: رحمك الله، ~~لو أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بين أظهرنا، هل كان ينكر ~~شيئا مما نحن عليه؟ فغضب، واشتد غضبه، وقال: وهل كان يعرف شيئا مما أنتم ~~عليه؟ ". # وقال المبارك بن فضالة: "صلى الحسن الجمعة وجلس، فبكى، فقيل له: ما يبكيك ~~يا أبا سعيد؟ فقال: "تلوموننى على البكاء، ولو أن رجلا من المهاجرين اطلع ~~من باب مسجدكم ما عرف شيئا مما كان عليه على عهد رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم أنتم اليوم عليه إلا قبلتكم هذه". # وهذه هى الفتنة العظمى التى قال فيها عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: ~~"كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، وينشأ فيها الصغير، تجرى على ~~الناس، يتخذونها سنة إذا غيرت قيل: غيرت السنة، أو هذا منكر". # وهذا مما يدل على أن العمل إذا جرى على خلاف السنة فلا عبرة به ولا ~~التفات إليه. فإن العمل قد جرى على خلاف السنة منذ زمن أبى الدرداء وأنس ~~كما تقدم. # وذكر أبو العباس أحمد بن يحيى قال: حدثنى محمد بن عبيد بن ميمون، حدثنى ~~عبد الله # PageV01P206 # بن إسحاق الجعفرى قال: كان عبد الله بن الحسن يكثر الجلوس إلى ربيعة، ~~قال: فتذاكروا يوما السنن، فقال رجل كان فى المجلس: ليس العمل على هذا، ~~فقال عبد الله: "أرأيت إن كثر الجهال، حتى يكونوا هم الحكام، فهم الحجة على ~~السنة؟ "، فقال ربيعة: "أشهد أن هذا كلام أبناء الأنبياء". # فصل # ومن أعظم مكايده: ما نصبه للناس من الأنصاب والأزلام، التى هى من عمله، ~~وقد أمر الله تعالى باجتناب ذلك، وعلق الفلاح باجتنابه، فقال: # {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} [المائدة: 90] . فالأنصاب: كل ما نصب يعبد ~~من دون الله: ms186 من حجر، أو شجر، أو وثن، أو قبر. وهى جمع، واحدها نصب، كطنب ~~وأطناب. # قال مجاهد: وقتادة، وابن جريج: "كانت حول البيت أحجار كان أهل الجاهلية ~~يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها، وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها ~~قالوا: وليست بأصنام، إنما الصنم ما يصور وينقش". # وقال ابن عباس: "هى الأصنام التى يعبدونها من دون الله تعالى". # وقال الزجاج: "حجارة كانت لهم يعبدونها، وهى الأوثان". # وقال الفراء: "هى الآلهة التى كانت تعبد، من أحجار وغيرها". # PageV01P207 # وأصل اللفظة: الشئ المنصوب الذى يقصده من رآه، ومنه قوله تعالى: # {يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون} [المعارج: 43] . قال ~~ابن عباس: إلى غاية، أو علم يسرعون. # وهو قول أكثر المفسرين. # وقال الحسن: "يعنى إلى أنصابهم، أيهم يستلمها أولا". # قال الزجاج: "وهذا على قراءة من قرأ "نصب" بضمتين، كقوله: {وما ذبح على ~~النصب} [المائدة: 3] . قال: ومعناه: أصنام لهم". # والمقصود: أن النصب كل شئ نصب من خشبة، أو حجر، أو علم. والإيفاض ~~الإسراع. # وأما الأزلام. فقال ابن عباس رضى الله عنهما: "هى قداح كانوا يستقسمون ~~بها الأمور. أى يطلبون بها علم ما قسم لهم". # وقال سعيد بن جبير: "كانت لهم حصيات إذا أراد أحدهم أن يغزو، أو يجلس ~~استقم بها". # وقال أيضا: "هى القدحان اللذان كان يستقسم بهما أهل الجاهلية فى أمورهم. ~~أحدهما عليه مكتوب: أمرنى ربى، والآخر: نهانى. فإذا أرادوا أمرا ضربوا بها، ~~فإن خرج الذى عليه أمرنى فعلوا ما هموا به. وإن خرج الذى عليه نهانى ~~تركوه". # وقال أبو عبيد: "الاستقسام: طلب القسمة". # وقال المبرد: "الاستقسام: أخذ كل واحد قسمه". # وقيل: الاستقسام: إلزام أنفسهم بما تأمرهم به القداح، كقسم اليمين. # وقال الأزهرى: "وأن تستقسموا بالأزلام: أى تطلبوا من جهة الأزلام ما قسم ~~لكم من أحد الأمرين". # وقال أبو إسحاق الزجاج وغيره: "الاستقسام بالأزلام حرام". # ولا فرق بين ذلك وبين قول المنجم: لا تخرج من أجل نجم كذا، واخرج من أجل ~~طلوع نجم كذا، لأن الله تعالى يقول: {وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا} [لقمان: ms187 ~~34] . # PageV01P208 # وذلك دخول فى علم الله عز وجل الذى هو غيب عنا. فهو حرام كالأزلام التى ~~ذكرها الله تعالى. # والمقصود: أن الناس قد ابتلوا بالأنصاب والأزلام. فالأنصاب للشرك ~~والعبادة، والأزلام للتكهن، وطلب علم ما استأثر الله به. هذه للعلم، وتلك ~~للعمل، ودين الله سبحانه وتعالى مضاد لهذا وهذا، والذى جاء به رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إبطالهما، وكسر الأنصاب والأزلام. # فمن الأنصاب ما قد نصبه الشيطان للمشركين: من شجرة، أو عمود أو وثن، أو ~~قبر أو خشبة، أو غير ذلك. والواجب هدم ذلك كله، ومحو أثره كما أمر النبى ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عليا رضى الله عنه بهدم القبور المشرفة ~~وتسويتها بالأرض. كما روى مسلم فى صحيحه عن أبى الهياج الأسدى. قال: قال لى ~~على رضى الله عنه: # "ألا أبعثك على ما بعثنى عليه رسول الله تعالى عليه وآله وسلم؟ أن لا أدع ~~تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته". # وعمى الصحابة بأمر عمر رضى الله عنه قبر دانيال، وأخفوه عن الناس. ولما ~~بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التى بايع تحتها رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه # PageV01P209 # وآله وسلم أصحابه أرسل فقطعها. رواه ابن وصاح فى كتابه فقال: سمعت عيسى ~~بن يونس يقول: "أمر عمر بن الخطاب رضى الله عنه بقطع الشجرة التى بويع ~~تحتها النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقطعها، لأن الناس كانوا يذهبون ~~فيصلون تحتها فخاف عليهم الفتنة". # قال عيسى بن يونس: وهو عندنا من حديث ابن عون عن نافع: "أن الناس كانوا ~~يأتون الشجرة، فقطعها عمر رضى الله عنه". # فإذا كان هذا فعل عمر رضى الله عنه بالشجرة التى ذكرها الله تعالى فى ~~القرآن، وبايع تحتها الصحابة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~فماذا حكمه فيما عداها من هذه الأنصاب والأوثان، التى قد عظمت الفتنة بها، ~~واشتدت البلية بها؟. # وأبلغ من ذلك: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم هدم مسجد ~~الضرار. # ففى هذا دليل على ms188 هدم ما هو أعظم فسادا منه، كالمساجد المبنية على ~~القبور. فإن حكم الإسلام فيها أن تهدم كلها، حتى تسوى بالأرض، وهى أولى ~~بالهدم من مسجد الضرار. وكذلك القباب التى على القبور يجب هدمها كلها، ~~لأنها أسست على معصية الرسول، لأنه قد نهى عن البناء على القبور كما تقدم. ~~فبناء أسس على معصيته ومخالفته بناء غير محترم. وهو أولى بالهدم من بناء ~~الغاصب قطعا. # وقد أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بهدم القبور المشرفة ~~كما تقدم. # فهدم القباب والبناء والمساجد التى بنيت عليها أولى وأحرى، لأنه لعن ~~متخذى المساجد عليها ونهى عن البناء عليها فيجب المبادرة والمساعدة إلى هدم ~~ما لعن رسول الله تعالى عليه وآله وسلم فاعله ونهى عنه. والله عز وجل يقيم ~~لدينه وسنة رسوله من ينصرهما ويذب عنهما. فهو أشد غيرة وأسرع تغييرا. # وكذلك يجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، وطفيه. فإن فاعل ذلك ملعون ~~بلعنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. ولا يصح هذا الوقف ولا يحل ~~إثباته وتنفيذه. # PageV01P210 # قال الإمام أبو بكر الطرطوشى: "انظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة، أو ~~شجرة يقصدها الناس ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، ويضربون بها ~~المسامير والخرق، فهى ذات أنواط، فاقطعوها". # وقال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبى شامة فى كتاب ~~الحوادث والبدع: "ومن هذا القسم ما قد عم به الابتلاء من تزيين الشيطان ~~للعامة تخليق الحيطان والعمد، وسرج مواضع مخصوصة من كل بلد، يحكى لهم حاك ~~أنه رأى فى منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك، ~~ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله، وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك. ~~ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن فى قلوبهم فيعظمونها، ويرجون ~~الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهى من بين عيون، وشجر وحائط، ~~وحجر. وفى مدينة دمشق من ذلك مواضع متعددة. كعوينة الحمى خارج باب توما، ~~والعمود المخلق داخل باب الصغير، والشجرة الملعونة اليابسة خارج باب النصر، ~~فى ms189 نفس قارعة الطريق، سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها، فما أشبهها بذات ~~أنواط التى فى الحديث"، ثم ساق حديث أبى واقد: # "أنهم مروا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بشجرة عظيمة ~~خضراء يقال لها: ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما ~~لهم ذات أنواط. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، هذا كما قال قوم ~~موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن ~~من كان قبلكم". قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. # ثم ذكر ما صنعه بعض أهل العلم ببلاد إفريقية: "أنه كان إلى جانبه عين ~~تسمى عين العافية، كان العامة قد افتتنوا بها يأتونها من الآفاق، فمن تعذر ~~عليه نكاح، أو ولد، قال: امضوا بى إلى العافية، فيعرف فيها الفتنة، فخرج فى ~~السحر فهدمها، وأذن للصبح عليها، ثم # PageV01P211 # قال: اللهم إنى هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسا، قال: فما رفع لها رأس إلى ~~الآن". # وقد كان بدمشق كثير من هذه الأنصاب، فيسر الله سبحانه كسرها على يد شيخ ~~الإسلام وحزب الله الموحدين، كالعمود المخلق، والنصب الذى كان بمسجد ~~النارنج عند المصلى يعبده الجهال، والنصب الذى كان تحت الطاحون الذى عند ~~مقابر النصارى ينتابه الناس للتبرك به، وكان صورة صنم فى نهر القلوط ينذرون ~~له ويتبركون به، وقطع الله سبحانه النصب الذى كان عند الرحبة يسرج عنده، ~~ويتبرك به المشركون. وكان عمودا طويلا على رأسه حجر كالكرة. وعند مسجد درب ~~الحجر نصب قد بنى عليه مسجد صغير، يعبده المشركون يسر الله كسره. # فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله، ولو كانت ما كانت، ~~ويقولون: إن هذا الحجر، وهذه الشجرة، وهذه العين تقبل النذر، أى تقبل ~~العبادة من دون الله تعالى، فإن النذر عبادة وقربة، يتقرب بها الناذر إلى ~~المنذور له، ويتمسحون بذلك النصب، ويستلمونه. ولقد أنكر السلف التمسح بحجر ~~المقام الذى أمر الله تعالى أن يتخذ منه مصلى، كما ذكر الأزرقى فى كتاب ms190 ~~تاريخ مكة عن قتادة فى قوله تعالى: # {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [البقرة: 125] . قال: "إنما أمروا أن ~~يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم ~~قبلها، ذكر لنا من رأى أثره وأصابعه، فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى ~~اخلولق". # وأعظم الفتنة بهذه الأنصاب فتنة أنصاب القبور، وهى أصل فتنة عبادة ~~الأصنام كما قاله السلف من الصحابة والتابعين، وقد تقدم. # ومن أعظم كيد الشيطان: أنه ينصب لأهل الشرك قبر معظم يعظمه الناس، ثم ~~يجعله وثنا يعبد من دون الله، ثم يوحى إلى أوليائه: أن من نهى عن عبادته، ~~واتخاذه عيدا، وجعله وثنا فقد تنقصه وهضم حقه. فيسعى الجاهلون المشركون فى ~~قتله وعقوبته ويكفرونه. وذنبه عند أهل الإشراك: أمره بما أمر الله به ~~ورسوله، ونهيه عما نهى الله عنه ورسوله: من جعله وثنا وعيدا، وإيقاد السرج ~~عليه، وبناء المساجد والقباب عليه وتجصيصه، وإشادته وتقبيله، واستلامه، ~~ودعائه، والدعاء به أو السفر إليه أو الاستغاثة به من دون الله، مما قد علم ~~بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله: من تجريد ~~التوحيد لله # PageV01P212 # وأن لا يعبد إلا الله. فإذا نهى الموحد عن ذلك غضب المشركون، واشمأزت ~~قلوبهم، وقالوا: قد تنقص أهل الرتب العالية. وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا ~~قدر. ويسرى ذلك فى نفوس الجهال والطغام، وكثير ممن ينسب إلى العلم والدين ~~حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم. ووالوا أهل ~~الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم هم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله، ويأبى الله ~~ذلك. فما كانوا أولياءه، وإن أولياؤه إلا المتبعون له الموافقون له، ~~العارفون بما جاء به، الداعون إليه، لا المتشبعون بما لم يعطوا، لابسو ثياب ~~الزور، الذين يصدون الناس عن سنة نبيهم، ويبغونها عوجا، وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا. # فصل # ولا تحسب أيها المنعم عليه باتباع صراط الله المستقيم، صراط أهل نعمته ~~ورحمته وكرامته أن النهى عن اتخاذ القبور أوثانا وأعيادا وأنصابا، والنهى ~~عن اتخاذها مساجد، أو بناء المساجد عليها، وإيقاد ms191 السرج عليها، والسفر ~~إليها، والنذر لها، واستلامها، وتقبيلها، وتعفير الجباه في عرصاتها: غض من ~~أصحابها، ولا تنقيص لهم، ولا تنقص كما يحسبه أهل الإشراك والضلال. بل ذلك ~~من إكرامهم وتعظيمهم واحترامهم، ومتابعتهم فيما يحبونه وتجنب ما يكرهونه. ~~فأنت والله وليهم ومحبهم، وناصر طريقهم وسنتهم، وعلى هديهم ومنهاجهم. ~~وهؤلاء المشركون أعصى الناس لهم، وأبعدهم من هديهم ومتابعتهم. كالنصارى مع ~~المسيح، واليهود مع موسى عليهما السلام، والرافضة مع على رضى الله عنه. ~~فأهل الحق أولى بأهل الحق من أهل الباطل، فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء ~~بعض. والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض. # فاعلم أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد أكثر هؤلاء ~~العاكفين على القبور معرضين عن طريقة من فيها وهديه وسنته، مشتغلين بقبره ~~عما أمر به ودعا إليه. وتعظيم الأنبياء والصالحين ومحبتهم إنما هى باتباع ~~ما دعو إليه من العلم النافع والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم، وسلوك طريقتهم ~~دون عبادة قبورهم والعكوف عليها واتخاذها أعيادا. # PageV01P213 # فإن من اقتفى آثارهم كان متسببا إلى تكثير أجورهم باتباعه لهم، ودعوته ~~الناس إلى اتباعهم، فإذا أعرض عما دعوا إليه، واشتغل بضده حرم نفسه وحرمهم ~~ذلك الأجر. فأى تعظيم لهم واحترام فى هذا؟. # وإنما اشتغل كثير من الناس بأنواع من العبادات المبتدعة التى يكرهها الله ~~ورسوله لإعراضهم عن المشروع أو بعضه، وإن قاموا بصورته الظاهرة فقد هجروا ~~حقيقته المقصودة منه، وإلا فمن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه، عارفا ~~بما اشتملت عليه من الكلام الطيب والعمل الصالح، مهتما بها كل الاهتمام، ~~أغنته عن الشرك، وكل من قصر فيها أو فى بعضها تجد فيه من الشرك بحسب ذلك. # ومن أصغى إلى كلام الله بقلبه، وتدبره وتفهمه أغناه عن السماع الشيطانى ~~الذى يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وينبت النفاق فى القلب. وكذلك من أصغى ~~إليه وإلى حديث الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بكليته، وحدث نفسه ~~باقتباس الهدى والعلم منه، لا من غيره أغناه عن البدع والآراء والتخرصات ~~والشطحات والخيالات، التى هى وساوس النفوس وتخيلاتها. # ومن بعد ms192 عن ذلك فلا بد له أن يتعوض عنه بما لا ينفعه، كما أن من عمر قلبه ~~بمحبة الله تعالى وذكره، وخشيته، والتوكل عليه، والإنابة إليه: أغناه ذلك ~~عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه، وأغناه أيضا عن عشق الصور. وإذا خلا من ~~ذلك صار عبد هواه، أى شئ استحسنه ملكه واستعبده. # فالمعرض عن التوحيد مشرك، شاء أم أبى، والمعرض عن السنة مبتدع ضال، شاء ~~أم أبى، والمعرض عن محبة الله وذكره عبد الصور، شاء أم أبى، والله ~~المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. # فصل # فإن قيل: فما الذى أوقع عباد القبور فى الافتتان بها، مع العلم بأن ~~ساكنيها أموات، لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا؟ # قيل: أوقعهم فى ذلك أمور: # منها: الجهل بحقيقة ما بعث الله به رسوله، بل جميع الرسل من تحقيق ~~التوحيد وقطع أسباب الشرك، فقل نصيبهم جدا من ذلك. ودعاهم الشيطان إلى ~~الفتنة، ولم يكن # PageV01P214 # عندهم من العلم ما يبطل دعوته، فاستجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل، ~~وعصموا بقدر ما معهم من العلم. # ومنها: أحاديث مكذوبة مختلقة، وضعها أشباه عباد الأصنام من المقابرية على ~~رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم تناقض دينه، وما جاء به كحديث: "إذا ~~أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور" وحديث: "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر نفعه" ~~وأمثال هذه الأحاديث التى هى مناقضة لدين الإسلام. وضعها المشركون وراجت ~~على أشباههم من الجهال الضلال. والله بعث رسوله يقتل من حسن ظنه بالأحجار، ~~وجنب أمته الفتنة بكل طريق كما تقدم. # ومنها: حكايات حكيت لهم عن تلك القبور: أن فلانا استغاث بالقبر الفلانى ~~فى شدة فخلص منها. وفلانا دعاه به فى حاجة فقضيت له. وفلانا نزل به ضر ~~فاسترجى صاحب ذلك القبر فكشف ضره. وعند السدنة والمقابرية من ذلك شىء كثير ~~يطول ذكره. وهم من أكذب خلق الله تعالى على الأحياء والأموات. والنفوس ~~مولعة بقضاء حوائجها، وإزالة ضروراتها ويسمع بأن قبر فلان ترتاق مجرب. ~~والشيطان له ms193 تلطف فى الدعوة فيدعوهم أولا إلى الدعاء، فيدعو العبد عنده ~~بحرقة وانكسار وذلة، فيجيب الله دعوته لما قام بقلبه، لا لأجل القبر. فإنه ~~لو دعاه كذلك فى الحانة والخمارة والحمام والسوق أجابه، فيظن الجاهل أن ~~للقبر تأثيرا فى إجابة تلك الدعوة والله سبحانه يجيب دعوة المضطر، ولو كان ~~كافرا. وقد قال تعالى: # {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا} ~~[الإسراء:20] وقد قال الخليل: {وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله ~~واليوم الآخر} [البقرة: 126] فقال الله سبحانه وتعالى: {ومن كفر فأمتعه ~~قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} [البقرة: 126] . # فليس كل من أجاب الله دعاءه يكون راضيا عنه، ولا محبا له، ولا راضيا ~~بفعله فإنه يجيب البر والفاجر، والمؤمن والكافر، وكثير من الناس يدعو دعاء ~~يعتدى فيه، أو يشترط فى دعائه، أو يكون مما لا يجوز أن يسأل، فيحصل له ذلك ~~أو بعضه. فيظن أن عمله صالح # PageV01P215 # مرضى لله، ويكون بمنزلة من أملى له وأمد بالمال والبنين، وهو يظن أن الله ~~تعالى يسارع له فى الخيرات. وقد قال تعالى: # {فلما نسوا ماذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شىء} [الأنعام: 44] . ~~فالدعاء قد يكون عبادة فيثاب عليه الداعى. وقد يكون مسألة تقضى به حاجته ~~ويكون مضرة عليه، إما أن يعاقب بما يحصل له، أو تنقص به درجته، فيقضى حاجته ~~ويعاقبه على ما جرأ عليه من إضاعة حقوقه واعتداء حدوده. # والمقصود: أن الشيطان بلطف كيده يحسن الدعاء عند القبر، وأنه أرجح منه فى ~~بيته ومسجده وأوقات الأسحار. فإذا تقرر ذلك عنده نقله درجة أخرى، من الدعاء ~~عنده إلى الدعاء به، والإقسام على الله به، وهذا أعظم من الذى قبله، فإن ~~شأن الله أعظم من أن يقسم عليه، أو يسأل بأحد من خلقه، وقد أنكر أئمة ~~الإسلام ذلك. # فقال أبو الحسين القدورى فى شرح كتاب الكرخى: قال بشر بن الوليد: سمعت ~~أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة: "لا ينبغى لأحد أن يدعو الله إلا به. قال: ~~وأكره أن ms194 يقول: أسألك بمعقد العز من عرشك. وأكره أن يقول: بحق فلان، وبحق ~~أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام". # قال أبو الحسين: "أما المسألة بغير الله فمنكرة فى قولهم، لأنه لا حق ~~لغير الله عليه، وإنما الحق لله على خلقه، وأما قوله: بمعقد العز من عرشك، ~~فكرهه أبو حنيفة ورخص فيه أبو يوسف". # وقال: "وروى أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم دعا بذلك، قال: ولأن ~~معقد العز من العرش إنما يراد به القدرة التى خلق بها العرش، مع عظمته. ~~فكأنه سأله بأوصافه". # PageV01P216 # وقال ابن بلدجى فى شرح المختار: "ويكره أن يدعو الله تعالى إلا به، فلا ~~يقول: أسألك بفلان، أو بملائكتك، أو بأنبيائك ونحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق ~~على خالقه، أو يقول فى دعائه: أسألك بمعقد العز من عرشك. وعن أبى يوسف ~~جوازه". # وما يقول فيه أبو حنيفة وأصحابه أكره كذا، هو عند محمد حرام. وعند أبى ~~حنيفة وأبى يوسف هو إلى الحرام أقرب، وجانب التحريم عليه أغلب. # وفى فتاوى أبى محمد بن عبد السلام: "أنه لا يجوز سؤال الله سبحانه بشىء ~~من مخلوقاته، لا الأنبياء، ولا غيرهم، وتوقف فى نبينا صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم، لاعتقاده أن ذلك جاء فى حديث، وأنه لم يعرف صحة الحديث". # فإذا قرر الشيطان عنده أن الإقسام على الله به، والدعاء به أبلغ فى ~~تعظيمة واحترامه، وأنجع فى قضاء حاجته، نقله درجة أخرى إلى دعائه نفسه من ~~دون الله. ثم ينقله بعد ذلك درجة أخرى إلى أن يتخذ وثنا يعكف عليه ويوقد ~~عليه القنديل، ويعلق عليه الستور، ويبنى عليه المسجد، ويعبده بالسجود له، ~~والطواف به وتقبيله واستلامه والحج إليه والذبح عنده. ثم ينقله درجة أخرى ~~إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيدا ومنسكا وأن ذلك أنفع لهم فى ~~دنياهم وآخرتهم. # قال شيخنا قدس الله روحه: "وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب، ~~ابعدها عن الشرع: أن يسأل الميت حاجته، ويستغيث به فيها، كما يفعله كثير من ~~الناس. قال: وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، ms195 ولهذا قد يتثمل لهم الشيطان فى ~~صورة الميت أو الغائب كما يتمثل لعباد الأصنام. وهذا يحصل للكفار من ~~المشركين وأهل الكتاب، يدعو أحدهم من يعظمه فيتمثل له الشيطان أحيانا. وقد ~~يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة. وكذلك السجود للقبر، والتمسح به وتقبيله". # والمرتبة الثانية: أن يسأل الله عز وجل به. وهذا يفعله كثير من ~~المتأخرين، وهو بدعة باتفاق المسلمين. # الثالثة: أن يسأله نفسه. # الرابعة: أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء فى ~~المسجد # PageV01P217 # فيقصد زيارته والصلاة عنده لأجل طلب حوائجه. فهذا أيضا من المنكرات ~~المبتدعة باتفاق المسلمين. وهى محرمة، وما علمت فى ذلك نزاعا بين أئمة ~~الدين وإن كان كثير من المتأخرين يفعل ذلك، ويقول بعضهم: قبر فلان ترياق ~~مجرب. # والحكاية المنقولة عن الشافعى أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبى حنيفة، من ~~الكذب الظاهر. # فصل # فى الفرق بين زيارة الموحدين للقبور، وزيارة المشركين # أما زيارة الموحدين: فمقصودها ثلاثة أشياء: # أحدها: تذكر الآخرة والاعتبار والاتعاظ. وقد أشار النبى صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم إلى ذلك بقوله: "زوروا القبور، فإنها تذكركم الآخرة". # الثانى: الإحسان إلى الميت، وأن لا يطول عهده به، فيهجره، ويتناساه، كما ~~إذا ترك زيارة الحى مدة طويلة تناساه، فإذا زار الحى فرح بزيارته وسر بذلك، ~~فالميت أولى. لأنه قد صار فى دار قد هجر أهلها إخوانهم وأهلهم ومعارفهم، ~~فإذا زاره وأهدى إليه هدية: من دعائه، أو صدقة، أو أهدى قربة، ازداد بذلك ~~سروره وفرحه، كما يسر الحى بمن يزوره ويهدى له. ولهذا شرع النبى صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم للزائرين أن يدعوا لأهل القبور بالمغفرة والرحمة، ~~وسؤال العافية فقط. ولم يشرع أن يدعوهم، ولا يدعوا بهم، ولا يصلى عندهم. # الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة، والوقوف عند ما شرعه الرسول ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فيحسن إلى نفسه وإلى المزور. # وأما الزيارة الشركية فأصلها مأخوذ عن عباد الأصنام. # PageV01P218 # قالوا: الميت المعظم الذى لروحه قرب ومنزلة ومزية عند الله تعالى لا يزال ms196 ~~تأتيه الألطاف من الله تعالى وتفيض على روحه الخيرات. فإذا علق الزائر روحه ~~به، وأدناها منه فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف ~~بواسطتها، كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم ~~المقابل له. # قالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت، ويعكف ~~بهمته عليه، ويوجه قصده كله وإقباله عليه، بحيث لا يبقى فيه التفات إلى ~~غيره. وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به. # وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابى وغيرهما. وصرح بها ~~عباد الكواكب فى عبادتها. # وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها النور. # وبهذا السر عبدت الكواكب واتخذت لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات، واتخذت ~~الأصنام المجسدة لها. وهذا بعينه هو الذى أوجب لعباد القبور اتخاذها ~~أعيادا، وتعليق الستور عليها، وإيقاد السرج عليها، وبناء المساجد عليها. ~~وهو الذى قصد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إبطاله ومحوه ~~بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه. فوقف المشركون فى طريقه وناقضوه فى ~~قصده. وكان صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى شق، وهؤلاء فى شق. # وهذا الذى ذكره هؤلاء المشركون فى زيارة القبور هو الشفاعة التى ظنوا أن ~~آلهتهم تنفعهم بها وتشفع لهم عند الله تعالى. # قالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المقرب عند الله وتوجه ~~بهمته إليه وعكف بقلبه عليه صار بينه وبينه اتصال، يفيض به عليه منه نصيب ~~مما يحصل له من الله. وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه وحظوة وقرب من السلطان، ~~فهو شديد التعلق به. فما يحصل لذلك من السلطان من الإنعام والإفضال ينال ~~ذلك المتعلق به بحسب تعلقه به. # فهذا سر عبادة الأصنام، وهو الذى بعث الله رسله، وأنزل كتبه بإبطاله، ~~وتكفير أصحابه ولعنهم. وأباح دماءهم وأموالهم وسبى ذراريهم، وأوجب لهم ~~النار. والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله، وإبطال مذهبهم. # PageV01P219 # قال تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا ms197 لا يملكون شيئا ~~ولا يعقلون * قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض} [الزمر:43-44] . # فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السموات والأرض، وهو الله وحده. فهو الذى ~~يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده. فيأذن هم لمن يشاء أن يشفع فيه. فصارت ~~الشفاعة فى الحقيقة إنما هى له، والذى يشفع عنده إنما يشفع بإذنه له وأمره ~~بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه وهى إرادته من نفسه أن يرحم عبده. وهذا ضد ~~الشفاعة الشركية التى أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم، وهى التى أبطلها ~~الله سبحانه فى كتابه، بقوله تعالى: # {واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها ~~شفاعة} [البقرة: 123] وقوله {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من ~~قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} [البقرة: 254] وقال تعالى: ~~{وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع ~~لعلهم يتقون} [الأنعام: 51] وقال: {الله الذى خلق السموات والأرض بينهما فى ~~ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من دونه من ولى ولا شفيع} [السجدة: 4] . ~~فأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيع من دونه، بل إذا أراد الله سبحانه رحمة ~~عبده أذن هو لمن يشفع فيه. كما قال تعالى: # {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} [يونس: 3] . وقال: {من ذا الذى يشفع عنده ~~إلا بإذنه} [البقرة: 255] فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه، ولا الشافع ~~شفيع من دونه، بل شفيع بإذنه. # والفرق بين الشفيعين، كالفرق بين الشريك والعبد المأمور. # فالشفاعة التى أبطلها الله: شفاعة الشريك فإنه لا شريك له، والتى أثبتها: ~~شفاعة العبد المأمور الذى لا يشفع ولا يتقدم بين يدى مالكه حتى يأذن له. ~~ويقول: اشفع فى فلان. ولهذا كان أسعد الناس بشفاعته سيد الشفعاء يوم ~~القيامة أهل التوحيد، الذين جردوا التوحيد وخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه، ~~وهم الذين ارتضى الله سبحانه. # قال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28] ، وقال: {يومئذ لا ~~تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى ms198 له قولا} [طه: 109] # PageV01P220 # فأخبر أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضاء قول المشفوع له، وإذنه ~~للشافع فيه، فأما المشرك فإنه لا يرتضيه، ولا يرضى قوله، فلا يأذن للشفعاء ~~أن يشفعوا فيه فإنه سبحانه علقها بأمرين: رضاه عن المشفوع له، وإذنه ~~للشافع، فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة. # وسر ذلك: أن الله له الأمر كله وحده، فليس لأحد معه من الأمر شىء، وأعلى ~~الخلق وأفضلهم وأكرمهم عنده: هم الرسل والملائكة المقربون، وهم عبيد محض، ~~لا يسبقونه بالقول، ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئا إلا بعد إذنه ~~لهم، وأمرهم. ولاسيما يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، فهم مملوكون مربوبون، ~~أفعالهم مقيدة بأمره وإذنه. فإذا أشرك بهم المشرك، واتخذهم شفعاء من دونه، ~~ظنا منه أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله، فهو من أجهل الناس بحق ~~الرب سبحانه وما يجب له ويمتنع عليه فإن هذا محال ممتنع، شبيه قياس الرب ~~تعالى على الملوك والكبراء، حيث يتخذ الرجل من خواصهم وأوليائهم من يشفع له ~~عندهم فى الحوائج. # وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام، واتخذ المشركون من دون الله الشفيع ~~والولى. # والفرق بينهما هو الفرق بين المخلوق والخالق، والرب والمربوب، والسيد ~~والعبد، والمالك والمملوك، والغنى والفقير، والذى لا حاجة به إلى أحد قط، ~~والمحتاج من كل وجه إلى غيره. # فالشفعاء عند المخلوقين: هم شركاؤهم، فإن قيام مصالحهم بهم، وهم أعوانهم ~~وأنصارهم، الذين قيام أمر الملوك والكبراء بهم، ولولاهم لما انبسطت أيديهم ~~وألسنتهم فى الناس، فلحاجتهم إليهم يحتاجون إلى قبول شفاعتهم، وإن لم ~~يأذنوا فيها ولم يرضوا عن الشافع، لأنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم، فتنتقض ~~طاعتهم لهم، ويذهبون إلى غيرهم. فلا يجدون بدا من قبول شفاعتهم على الكره ~~والرضى. فأما الغنى الذى غناه من لوازم ذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته. ~~وكل من فى السماوات والأرض عبد له، مقهورون بقهره، مصرفون. بمشيئته. لو ~~أهلكهم جميعا لم ينقص من عزه وسلطانه وملكه وربوبيته وإلهيته مثقال ذرة. # قال تعالي: {لقد كفر ms199 الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك ~~من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعا ~~ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شىء قدير} ~~[المائدة: 17] ، وقال سبحانه فى سيدة آى القرآن: آية الكرسى: {له ما فى ~~السموات وما فى الأرض من ذا الذى # PageV01P221 # يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] ، وقال: {قل لله الشفاعة جميعا له ~~ملك السموات والأرض} [الزمر: 44] . # فأخبر أن حال ملكه للسموات والأرض يوجب أن تكون الشفاعة كلها له وحده، ~~وأن أحدا لا يشفع عنده إلا بإذنه، فإنه ليس بشريك، بل مملوك محض، بخلاف ~~شفاعة أهل الدنيا بعضهم عند بعض. # فتبين أن الشفاعة التى نفاها الله سبحانه فى القرآن هى هذه الشفاعة ~~الشركية التى يعرفها الناس، ويفعلها بعضهم مع بعض، ولهذا يطلق نفيها تارة، ~~بناء على أنها هى المعروفة المتعاهدة عند الناس، ويقيدها تارة بأنها لا ~~تنفع إلا بعد إذنه، وهذه الشفاعة فى الحقيقة هى منه، فإنه الذى أذن، والذى ~~قبل، والذى رضى عن المشفوع والذى وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة وقوله. # فمتخذ الشفيع مشرك، لا تنفعه شفاعته، ولا يشفع فيه، ومتخذ الرب وحده إلهه ~~ومعبوده ومحبوبه، ومرجوه، ومخوفه الذى يتقرب إليه وحده، ويطلب رجاءه، ~~ويتباعد من سخطه هو الذى يأذن الله سبحانه للشفيع أن يشفع فيه. # قال تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء؟} ، إلى قوله: {قل لله الشفاعة ~~جميعا} [الزمر: 43-44] ، وقال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ~~ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم فى ~~السموات ولا فى الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} [يونس: 18] ، فبين سبحانه ~~أن المتخذين شفعاء مشركون، وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم هم، وإنما تحصل ~~بإذنه للشافع، ورضاه عن المشفوع. # وسر الفرق بين الشفاعتين: أن شفاعة المخلوق للمخلوق، وسؤاله للمشفوع ~~عنده، لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده، لا خلقا، ولا أمرا، ولا إذنا، بل هو ~~سبب محرك له ms200 من خارج، كسائر الأسباب التى تحرك الأسباب، وهذا السبب المحرك ~~قد يكون عند المتحرك لأجله ما يوافقه كمن يشفع عنده فى أمر يحبه ويرضاه، ~~وقد يكون عنده ما يخالفه كمن يشفع إليه # PageV01P222 # فى أمر يكرهه، ثم قد يكون سؤاله وشفاعته أقوى من المعارض، فيقبل شفاعة ~~الشافع. وقد يكون المعارض الذى عنده أقوى من شفاعة الشافع، فيردها ولا ~~يقبلها، وقد يتعارض عنده الأمران، فيبقى مترددا بين ذلك المعارض الذى يوجب ~~الرد، وبين الشفاعة التى تقتضى القبول، فيتوقف إلى أن يترجح عنده أحد ~~الأمرين بمرجح، فشفاعة الإنسان عند المخلوق مثله: هى سعى فى سبب منفصل عن ~~المشفوع إليه يحركه به، ولو على كره منه، فمنزلة الشفاعة عنده منزلة من ~~يشفع يأمر غيره، أو يكرهه على الفعل، إما بقوة وسلطان، وإما يرغبه شفاعته، ~~فلا بد أن يحصل للمشفوع إليه من الشافع إما رغبة ينتفع بها، وإما رهبة منه ~~تندفع عنه بشفاعته. وهذا بخلاف الشفاعة عند الرب سبحانه، فإنه ما لم يخلق ~~شفاعة الشافع، ويأذن له فيها، ويحبها منه، ويرضى عن الشافع، لم يمكن أن ~~توجد، والشافع لا يشفع عنده لحاجة الرب إليه، ولا لرهبته منه، ولا لرغبته ~~فيما لزمه، وإنما يشفع عنده مجرد امتثال أمره وطاعته له، فهو مأمور ~~بالشفاعة، مطيع بامتثال الأمر، فإن أحدا من الأنبياء والملائكة وجميع ~~المخلوقات لا يتحرك بشفاعة ولا غيرها إلا بمشيئة الله تعالى، وخلقه، فالرب ~~سبحانه وتعالى هو الذى يحرك الشفيع حتى يشفع، والشفيع عند المخلوق هو الذى ~~يحرك المشفوع إليه حتى يقبل، والشافع عند المخلوق مستغن عنه فى أكثر أموره، ~~وهو فى الحقيقة شريكه، ولو كان مملوكه وعبده. فالمشفوع عنده محتاج إليه ~~فيما يناله منه من النفع بالنصر، والمعاونة وغير ذلك، كما أن الشافع محتاج ~~إليه فيما يناله منه: من رزق، أو نصر، أو غيره، فكل منهما محتاج إلى الآخر. # ومن وفقه الله تعالى لفهم هذا الموضع ومعرفته، تبين له حقيقة التوحيد ~~والشرك، والفرق بين ما أثبته الله تعالى من الشفاعة وبين ما نفاه وأبطله، ~~{ومن ms201 لم يجعل الله له نورا فماله من نور} [النور: 40] . # PageV01P223 # فصل # ومن مكايد عدو الله ومصايده، التى كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل ~~والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين، سماع المكاء، والتصدية، والغناء ~~بالآلات المحرمة، الذى يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق ~~والعصيان، فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط ~~والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقة غاية المنى، كاد به الشيطان ~~النفوس المبطلة، وحسنه لها مكرا منه وغرورا، وأوحى إليها الشبه الباطلة على ~~حسنه فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجورا، فلو رأيتهم عند ذياك السماع ~~وقد خشعت منهم الأصوات، وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، ~~وانصبت انصبابة واحدة إليه، فتمايلوا له ولا كتمايل النشوان، وتكسروا فى ~~حركاتهم ورقصهم، أرأيت تكسر المخانيث والنسوان؟ ويحق لهم ذلك، وقد خالط ~~خمارة النفوس، ففعل فيها أعظم ما تفعله حميه الكؤوس، فلغير الله، بل ~~الشيطان، قلوب هناك تمزق، وأثواب تشقق، وأموال فى غير طاعة الله تنفق، حتى ~~إذا عمل السكر فيهم عمله، وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله، واستفزهم بصوته ~~وحيله، وأجلب عليهم برجله وخيله، وخز فى صدورهم وخزا. وأزهم إلى ضرب الأرض ~~بالأقدام أزا، فطورا يجعلهم كالحمير حول المدار، وتارة كالذباب ترقص وسيط ~~الديار. فيا رحمتا للسقوف والأرض من دك تلك الأقدام، ويا سوأتا من أشباه ~~الحمير والأنعام، وياشماتة أعداء الإسلام، بالذين يزعمون أنهم خواص الإسلام ~~قضوا حياتهم لذة وطربا، واتخذوا دينهم لهوا ولعبا، مزامير الشيطان أحب ~~إليهم من استماع سور القرآن، لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك ~~له ساكنا، ولا أزعج له قاطنا، ولا أثار فيه وجدا، ولا قدح فيه # PageV01P224 # من لواعج الشوق إلى الله زندا، حتى إذا تلى عليه قرآن الشيطان، وولج ~~مزمور سمعه، تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينه فجرت، وعلى أقدامه فرقصت، ~~وعلى يديه فصفقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، ~~وعلى زفراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه فاشتعلت، فيا أيها الفاتن المفتون، ~~والبائع حظه من الله ms202 بنصيبه من الشيطان صفقة خاسر مغبون، هلا كانت هذه ~~الأشجان، عند سماع القرآن؟ وهذه الأذواق والمواجيد، عند قراءة القرآن ~~المجيد؟ وهذه الأحوال السنيات، عند تلاوة السور والآيات؟ ولكن كل امرئ يصبو ~~إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، والجنسية علة الضم قدرا وشرعا، ~~والمشاكلة سبب الميل عقلا وطبعا، فمن هذا أين الإخاء والنسب؟ لولا التعلق ~~من الشيطان بأقوى سبب، ومن أين هذه المصالحة التى أوقعت فى عقد الإيمان ~~وعهد الرحمن خللا؟ # {أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا} ~~[الكهف: 50] . # ولقد أحسن القائل: # تلى الكتاب، فأطرقوا، لا خيفة ... لكنه إطراق ساه لاهى # وأتى الغناء، فكالحميرتناهقوا ... والله ما رقصوا لأجل الله # دف ومزمار، ونغمة شاذن ... فمتى رأيت عبادة بملاهى؟ # ثقل الكتاب عليهم لما رأوا ... تقييده بأوامر ونواهى # سمعوا له رعدا وبرقا، إذحوى ... زجرا وتخويفا مناهى # ورأوه أعظم قاطع للنفس عن ... شهواتها، ياذبحها المتناهى # وأتى السماع موافقاأغراضها ... فلأجل ذاك غدا عظيم الجاه # أين المساعدللهوى من قاطع ... أسبابه، عند الجهول الساهى؟ # إن لم يكن خمر الجسوم، فإنه ... خمر العقول مماثل ومضاهى # فانظر إلى النشوان عند شرابه ... وانظر إلى النسوان عند ملاهى # وانظر إلى تمزيق ذا أثوابه ... من بعد تمزيق الفؤاد اللاهى # PageV01P225 # واحكم فأى الخمرتين أحق بالتحريم، والتأثيم عند الله؟ # وقال آخر: # برئنا إلى الله من معشر ... يهم مرض من سماع الغنا # وكم قلت ياقوم، أنتم على ... شفا جرف مابه من بنا # شفا جرف تحته هوة ... إلى درك، كم به من عنا # وتكرار النصح منا لهم ... لنعذر فيهم إلى ربنا # فلما استهانوا بتنبيهنا ... رجعنا إلى الله فى أمرنا # فعشنا على سنة المصطفى ... وماتوا على تنتنا تنتنا # ولم يزل أنصار الإسلام وأئمة الهدى، تصيح بهؤلاء من أقطار الأرض، وتحذر ~~من سلوك سبيلهم، واقتفاء آثارهم من، جميع طوائف الملة. # قال الإمام أبو بكر الطرطوشى فى خطبة كتابه، فى تحريم السماع: # الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ~~ونسأله أن يرينا الحق حقا فنتبعه، والباطل باطلا فنجتنبه. وقد كان الناس ms203 ~~فيما مضى يستتر أحدهم بالمعصية إذا واقعها، ثم يستغفر الله ويتوب إليه ~~منها، ثم كثر الجهل، وقل العلم، وتناقص الأمر، حتى صار أحدهم يأتى المعصية ~~جهارا، ثم ازداد الأمر إدبارا، حتى بلغنا أن طائفة من إخواننا المسلمين- ~~وفقنا الله وإياهم- استزلهم الشيطان، واستغوى عقولهم فى حب الأغانى واللهو، ~~وسماع الطقطقة والنقير، واعتقدته من الدين الذى يقربهم إلى الله وجاهرت به ~~جماعة المسلمين وشاقت سبيل المؤمنين، وخالفت الفقهاء والعلماء وحملة الدين # {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المومنين نوله ~~ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] . فرأيت أن أوضح الحق، ~~وأكشف عن شبه أهل الباطل، بالحجج التى تضمنها كتاب الله، وسنة رسوله، وأبدأ ~~بذكر أقاويل العلماء الذين تدور الفتيا عليهم فى أقاصى الأرض ودانيها، حتى ~~تعلم هذه الطائفة أنها قد خالفت علماء المسلمين فى بدعتها. والله ولى ~~التوفيق. # ثم قال: أما مالك فإنه نهى عن الغناء، وعن استماعه، وقال: "إذا اشترى ~~جارية فوجدها مغنية له أن يردها بالعيب". # PageV01P226 # وسئل مالك رحمه الله: عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: "إنما ~~يفعله عندنا الفساق". # قال: "وأما أبو حنيفة: فإنه يكره الغناء، ويجعله من الذنوب"، # وكذلك مذهب أهل الكوفة: سفيان، وحماد، وإبراهيم، والشعبى، وغيرهم، لا ~~اختلاف بينهم فى ذلك، ولا نعلم خلافا أيضا بين أهل البصرة فى المنع منه. # قلت: مذهب أبى حنيفة فى ذلك من أشد المذاهب، وقوله فيه أغلظ الأقوال. وقد ~~صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهى كلها، كالمزمار، والدف، حتى الضرب بالقضيب، ~~وصرحوا بأنه معصية، يوجب الفسق، وترد به الشهادة، وأبلغ من ذلك أنهم قالوا: ~~إن السماع فسق، والتلذذ به كفر، هذا لفظهم، ورووا فى ذلك حديثا لا يصح ~~رفعه. # قالوا: ويجب عليه أن يجتهد فى أن لا يسمعه إذا مر به، أو كان فى جواره # وقال أبو يوسف، فى دار يسمع منها صوت المعازف والملاهى: "أدخل عليهم بغير ~~إذنهم، لأن النهى عن المنكر فرض"، فلو لم يجز الدخول بغير إذن لامتنع الناس ~~من إقامة الفرض". ms204 # قالوا: ويتقدم إليه الإمام إذا سمع ذلك من داره، فإن أصر حبسه وضربه ~~سياطا، وإن شاء أزعجه عن داره. # وأما الشافعى: فقال فى كتاب "أدب القضاء": "إن الغناء لهو مكروه، يشبه ~~الباطل والمحال. ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته". # وصرح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه، وأنكروا على من نسب إليه حله، ~~كالقاضى أبى الطيب الطبرى، والشيخ أبى إسحاق، وابن الصباغ. # قال الشيخ أبو إسحاق فى "التنبيه": "ولا تصح الإجارة على منفعة محرمة، ~~كالغناء، والزمر، وحمل الخمر، ولم يذكر فيه خلافا". # وقال فى "المهذب": "ولا يجوز على المنافع المحرمة، لأنه محرم، فلا يجوز ~~أخذ العوض عنه كالميتة والدم". # فقد تضمن كلام الشيخ أمورا. # PageV01P227 # أحدها: أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة. # الثانى: أن الاستئجار عليها باطل. # الثالث: أن أكل المال به أكل مال بالباطل بمنزلة أكله عوضا عن الميتة ~~والدم. # الرابع: أنه لا يجوز للرجل بذل ماله للمغنى، ويحرم عليه ذلك، فإنه بذل ~~ماله فى مقابلة محرم. وأن بذله فى ذلك كبذله فى مقابلة الدم والميتة. # الخامس: أن الزمر حرام. # وإذا كان الزمر، الذى هو أخف آلات اللهو، حراما، فكيف بما هو أشد منه؟ ~~كالعود، والطنبور، واليراع، ولا ينبغى لمن شم رائحة العلم أن يتوقف فى ~~تحريم ذلك. فأقل ما فيه: أنه من شعار الفساق وشاربى الخمور. # وكذلك قال أبو زكريا النووى في "روضته". # القسم الثانى: أن يغنى ببعض آلات الغناء، بما هو فى شعار شاربى الخمر، ~~وهو مطرب كالطنبور، والعود والصنبح، وسائر المعازف، والأوتار. يحرم ~~استعماله، واستماعه. قال: وفى اليراع وجهان، صحح البغوى التحريم. # ثم ذكر عن الغزالى الجواز. قال: والصحيح تحريم اليراع، وهو الشبابة. # وقد صنف أبو القاسم الدولعى كتابا فى تحريم اليراع. # وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع، الذى جمع الدف ~~والشبابة. والغناء. فقال فى فتاويه: # وأما إباحة هذا السماع وتحليله، فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا ~~اجتمعت، فاستماع ذلك حرام، عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين. ولم ~~يثبت عن أحد- ممن يعتد بقوله فى ms205 الإجماع والاختلاف- أنه أباح هذا السماع، ~~والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعى إنما نقل فى الشبابة منفردة، والدف ~~منفردا، فمن لا يحصل، أو لا يتأمل، ربما اعتقد خلافا بين الشافعيين فى هذا ~~السماع الجامع هذه الملاهى، وذلك وهم بين من الصائر إليه، تنادى عليه أدلة ~~الشرع والعقل، مع أنه ليس كل خلاف يستروح إليه، ويعتمد عليه، ومن تتبع ما ~~اختلف فيه العلماء، وأخذ بالرخص من أقاويلهم، تزندق أو كاد. قال: وقولهم فى ~~السماع # PageV01P228 # المذكور: إنه من القربات والطاعات، قول مخالف لإجماع المسلمين، ومن خالف ~~إجماعهم، فعليه ما فى قوله تعالى: # {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ~~ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] . وأطال الكلام فى الرد على ~~هاتين الطائفتين اللتين بلاء الإسلام منهم: المحللون لما حرم الله، ~~والمتقربون إلى الله بما يباعدهم عنه. # والشافعى وقدماء أصحابه، والعارفون بمذهبه: من أغلظ الناس قولا فى ذلك. # وقد تواتر عن الشافعى أنه قال: "خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة، ~~يسمونه التغبير، يصدون به الناس عن القرآن". # فإذا كان هذا قوله فى التغبير، وتعليله: أنه يصد عن القرآن، وهو شعر يزهد ~~فى الدنيا، يغنى به مغن فيضرب بعض الحاضرين بقضيب على نطع أو مخذة على ~~توقيع غنائه- فليت شعرى ما يقول فى سماع التغبير عنده كتفلة فى بحر. قد ~~اشتمل على كل مفسدة، وجمع كل محرم، فالله بين دينه وبين كل متعلم مفتون، ~~وعابد جاهل. # قال سفيان بن عيينة: "كان يقال: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد ~~الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون". # ومن تأمل الفساد الداخل على الأمة وجده من هذين المفتونين. # فصل # وأما مذهب الإمام أحمد؛ فقال عبد الله ابنه: "سألت أبى عن الغناء؟ فقال: ~~الغناء ينبت النفاق فى القلب، لا يعجبنى"، ثم ذكر قول مالك: "إنما يفعله ~~عندنا الفساق". # قال عبد الله: وسمعت أبى يقول: سمعت يحيى القطان يقول: "لو أن رجلا عمل ~~بكل رخصة، بقول أهل الكوفة فى النبيذ، وأهل المدينة فى السماع، وأهل مكة ms206 فى ~~المتعة، لكان فاسقا". # PageV01P229 # قال أحمد: وقال سليمان التيمى: "لو أخذت برخصة كل عالم، أو زلة كل عالم، ~~اجتمع فيك الشر كله". # ونص على كسر آلات اللهو كالطنبور وغيره، إذا رآها مكشوفة، وأمكنه كسرها ~~وعنه فى كسرها إذا كانت مغطاة تحت ثيابه وعلم بها روايتان منصوصتان. # ونص فى أيتام ورثوا، جارية مغنية، وأرادوا بيعها، فقال: "لا تباع إلا على ~~أنها ساذجة؛ فقالوا: إذا بيعت مغنية ساوت عشرين ألفا أو نحوها، وإذا بيعت ~~ساذجة لا تساوى ألفين؛ فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة". # ولو كانت منفعة الغناء مباحة لما فوت هذا المال على الأيتام. # فصل # وأما سماعه من المرأة الأجنبية، أو الأمرد فمن. أعظم المحرمات، وأشدها ~~فسادا للدين. # قال الشافعى رحمه الله: "وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها، فهو سفيه ~~ترد شهادته"، وأغلظ القول فيه. وقال: "هو دياثة، فمن فعل ذلك كان ديوثا". # قال القاضى أبو الطيب: "وإنما جعل صاحبها سفيها، لأنه دعا الناس إلى ~~الباطل ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيها فاسقا". # قال: وكان الشافعى يكره التغبير، وهو الطقطقة بالقضيب، ويقول: "وضعته ~~الزنادقة ليشغلوا به عن القرآن". # قال: "وأما العود والطنبور وسائر الملاهى فحرام، ومستمعه فاسق، واتباع ~~الجماعة أولى من اتباع رجلين مطعون عليهما". # قلت: يريد بهما إبراهيم بن سعد، وعبيد الله بن الحسن. فإنه قال: "وما ~~خالف فى الغناء إلا رجلان: إبراهيم بن سعد، فإن الساجى حكى عنه: أنه كان لا ~~يرى به بأسا، والثانى: عبيد الله بن الحسن العنبرى، قاضى البصرة، وهو مطعون ~~فيه". # قال أبو بكر الطرطوشى: "وهذه الطائفة مخالفة لجماعة المسلمين، لأنهم ~~جعلوا الغناء دينا # PageV01P230 # وطاعة، ورأت إعلانه فى المساجد والجوامع، وسائر البقاع الشريفة والمشاهد ~~الكريمة. وليس فى الأمة من رأى هذا الرأى". # قلت: ومن أعظم المنكرات: تمكينهم من إقامة هذا الشعار الملعون هو وأهله ~~فى المسجد الأقصى، عشية عرفة. ويقيمونه أيضا فى، مسجد الخيف أيام منى. وقد ~~أخرجناهم منه بالضرب والنفى مرارا، ورأيتهم يقيمون بالمسجد الحرام نفسه ~~والناس فى الطواف، فاستدعيت حزب الله ms207 وفرقنا شملهم. ورأيتهم يقيمون بعرفات، ~~والناس فى الدعاء، والتضرع، والابتهال والضجيج إلى الله، وهم فى هذا السماع ~~الملعون باليراع والدف والغناء. # فإقرار هذه الطائفة على ذلك فسق يقدح فى عدالة من أقرهم ومنصبه الدينى. # وما أحسن ما قال بعض العلماء وقد شاهد هذا وأفعالهم: # ألا قل لهم قول عبد نصوح ... وحق النصيحة أن تستمع: # متى علم الناس فى ديننا ... بأن الغنا سنة تتبع؟ # وأن يأكل المرء أكل الحما ... ر ويرقص فى الجمع حتى يقع؟ # وقالوا: سكرنا بحب الإله ... وما أسكر القوم إلا القصع # كذاك البهائم إن أشبعت ... يرقصها ريها والشبع # ويسكره الناى، ثم الغنا ... ويس لو تليت ما انصدع # فيا للعقول، ويا للنهى ... ألا منكر منكم للبدع # تهان مساجدنا بالسما ... ع وتكرم عن مثل ذاك البيع # وقال آخر، وأحسن ما شاء: # ذهب الرجال وحال دون مجالهم ... زمر من الأوباش والأنذال # PageV01P231 # زعموا بأنهم على آثارهم ... ساروا، ولكن سيرة البطال # لبسوا الدلوق مرقعا، وتقشفوا ... كتقشف الأقطاب والأبدال # قطعوا طريق السالكين، وغوروا ... سبل الهدى، بجهالة وضلال # عمروا ظواهرهم بأثواب التقى ... وحشوا بواطنهم من الأدغال # إن قلت: قال الله، قال رسوله ... همزوك همز المنكر المتغالى # أو قلت: قد قال الصحابة، والأولى ... تبعوهم فى القول والأعمال # أو قلت: قال الآل، آل المصطفى ... صلى عليه الله، أفضل آل # أو قلت: قال الشافعى، وأحمد ... وأبو حنيفة، والإمام العالى # أو قلت: قال صحابهم من بعدهم ... فالكل عندهم كشبه خيال # ويقول: قلبى قال لى، عن سره، ... عن سر سرى، عن صفا أحوالى # عن حضرتى، عن فكرت عن خلوتى ... عن شاهدى عن واردى عن حالى # عن صفو وقتى، عن حقيقة مشهدى ... عن سر ذاتى، عن صفات فعالى # دعوى، إذا حققتها، ألفيتها ... ألقاب زور، لففت بمحال # تركوا الحقائق والشرائع، واقتدوا ... بظواهر الجهال والضلال # جعلوا المراد فتحا، وألفاظ الخنا ... شطحا، وصالوا صولة الإدلال # نبذوا كتاب الله خلف ظهورهم ... نبذ المسافر فضلة الأكال # جعلوا السماع مطية لهواهمو ... غلوا فقالوا فيه كل محال # هو طاعة، هو قربة، هو سنة ... صدقوا لذاك الشيخ ذى الإضلال ms208 # شيخ قديم، صادهم بتحيل ... حتى أجابوا دعوة المحتال # ورأوا سماع الشعر أنفع للفتى ... من أوجه سبع لهم بتوال # هجروا له القرآن والأخبار والآ ... ثار، إذ شهدت لهم بضلال # تالله ما ظفر العدو بمثلها ... من مثلهم، واخيبة الآمال # نصب الحبال لهم، فلم يقعوا بها ... فأتى بذا الشرك المحيط الغالى # PageV01P232 # فإذا هموا وسط العرين ممزقىال ... آثواب، والأديان، والأحوال # لا يسمعون سوى الذى يهوونه ... شغلا به عن سائر الأشغال # ودعوا إلى ذات اليمين فأعرضوا ... عنها، وسار القوم ذات شمال # خروا على القرآن عند سماعه ... صما، وعميانا ذوى إهمال # وإذا تلا القارى عليهم سورة ... فأطالها، عدوه فى الأثقال # ويقول قائلهم: أطلت، وليس ذا ... عشر، فخفف، أنت ذو إملال # هذا، وكم لغو، وكم صخب، وكم ... ضحك بلا أدب، ولا إجمال # حتى إذا قام السماع لديهم ... خشعت له الأصوات بالإجلال # وامتدت الأعناق، تسمع وحى ذا ... ك الشيخ من مترنم قوال # وتحركت تلك الرءوس، وهزها ... طرب، وأشواق لنيل وصال # فهنالك الأشواق والأشجان وال ... أحوال، لا أهلا بذى الأحوال # تالله لو كانت صحاة أبصروا ... ماذا دهاهم من قبيح فعال # لكنما سكر السماع أشد من ... سكر المدام، وذا بلا إشكال # فإذا هما اجتمعا لنفس مرة ... نالت من الخسران كل منال # يا أمة لعبت بدين نبيها ... كتلاعب الصبيان فى الأوحال # أشمتوا أهل الكتاب بدينكم ... والله لن يرضوا بذى الأفعال # كم ذا نعير منهم بقريقكم ... سرا وجهرا عند كل جدال # قالوا لنا: دين عبادة أهله ... هذا السماع، فذاك دين محال # بل لا تجئ شريعة بجوازه ... فسلوا الشرائع تكتفوا بسؤال # لو قلتموا فسق، ومعصية، وتز ... بين من الشيطان للأنذال # كنا شهدنا أن ذا دين أتى ... بالحق، دين الرسل، لا بضلال # والله منهم قدسمعنا ذاإلى اللآ ... ذان من أفواههم بمقال # ... # PageV01P233 # وتمام ذاك القول بالحيل التى ... فسخت عقود الدين فسخ فصال # جعلته كالثوب المهلهل نسجه ... فيه تفصله من الأوصال # ما شئت من مكر ومن ... خدع ومنحيل، وتلبيس بلا إقلال # فاحتل على إسقاط كل فريضة ... وعلى حرام الله بالإحلال # واحتل على المظلوم يقلب ظالما ... وعلى ms209 الظلوم، بضد تلك الحال # واقلب، وحول، فالتحيل كله ... فى القلب، والتحويل ذو إعمال # إن كنت تفهم ذا ظفرت بكل ما ... تبغى من الأفعال والأقوال # واحتل على شرب المدام وسمها ... غير اسمها، واللفظ ذو إجمال # واحتل على أكل الربا واهجر شنا ... عة لفظه، واحتل على الأبدال # واحتل على الوطء الحرام، ولا تقل ... هذا زنا، وانكح رخى البال # واحتل على حل العقود وفسخها ... بعد اللزوم، وذاك ذو إشكال # إلا على المحتال، فهو طبيبها ... يا محنة الأديان بالمحتال # واحتل على نقض الوقوف، وعودها ... طلقا، ولا تستحى من إبطال # فكر، وقدر، ثم فصل بعد ذا ... فإذا غلبت فلج فى الإشكال # واحتل على الميراث، فانزعه من ... الوراث، ثم أبلع جميع المال # قد أثبتوا نسبا وحصرا فيكم ... حتى تحوز الإرث للأموال # واعمد إلى تلك الشهادة واجعل ... الإبطال همك تحظ بالأبطال # فالحصر إثبات، ونفى، غير مع ... لوم، وهذا موضع الإشكال # واحتل على مال اليتيم، فإنه ... رزق هنى من ضعيف الحال # لا سوطه تخشى، ولا من سيفه ... والقول قولك فى ذهاب المال # واحتل على أكل الوقوف فإنها ... مثل السوائب ربة الإهمال # فأبو حنيفة عنده هى باطل ... فى الأصل، لم تحتج إلى إبطال # فالمال مال ضائع، أربابه ... هلكوا فخذ منه بلا مكيال # PageV01P234 # وإذا تصح بحكم قاض عاد ... لفشروطها صارت إلى اضمحلال # قد عطل الناس الشروط، وأهملوا ... مقصودها، فالكل فى إهمال # وتمام ذاك قضاتنا، وشهودنا ... فاسأل بهم ذا خبرة بالحال # أما الشهود فهم عدول عن طري ... ق العدل فى الأقوال والأفعال # زورا وتنميقا وكتمانا، وتل ... بيسا، وإسرافا بأخذ نوال # ينسى شهادته، ويحلف إنه ... ناس لها، والقلب ذو إغفال # فإذا رأى المنقوش، قال: ذكرتها ... يا للمذكر، جئت بالآمال # ويقول قائلهم: أخوض النار فى ... نزر يسير؟ ذاك عين خبال # ثقل لى الميزان، إنى خائض ... للمنكبين، أجر بالأغلال # أما القضاة فقد تواتر عنهم ... ما قد سمعت، فلا تفه بمقال # ماذا تقول لمن يقول: حكمت أن ... ك فاسق، أو كافر فى الحال؟ # فإذا استغثت أغثت بالجلد الذى ... قد طرقوه كمثل طرق نعال # فيقول طق، ms210 فتقول: قط، فتعارضا ... ويكون قول الجلد ذا إعمال # فأجارك الرحمن ضرب، ومن ... عرض، ومن كذب وسوء مقال # هذا ونسبة ذاك أجمعه إلى ... دين الرسول، وذا من الأهوال # حاشا رسول الله يحكم بالهوى ... والجهل، تلك حكومة الضلال # والله لو عرضت عليه كلها ... لاجتثها بالنقض والإبطال # إلا التى منها يوافق حكمه ... فهو الذى يلقاه بالإقبال # أحكامه عدل، وحق كلها ... فى رحمة، ومصالح، وحلال # شهدت عقول الخلق قاطبة بما ... فى حكمه من صحة وكمال # فإذا أتت أحكامه ألفيتها ... وفق العقول، تزيل كل عقال # حتى يقول السامعون لحكمه ... ما بعد هذا الحق غير ضلال # لله أحكام الرسول وعدلها ... بين العباد ونورها المتلالى # PageV01P235 # كانت بها فى الأرض أعظم رحمة ... والناس فى سعد وفى إقبال # أحكامهم تجرى على وجه السد ... اد، وحالهم فى ذاك أحسن حال # أمنا، وعزا فى هدى، وتراحم ... وتواصل، ومحبة، وجلال # فتغيرت أوضاعها، حتى غدت ... منكورة، بتلوث الأعمال # فتغيرت أعمالهم وتبدلت ... أحوالهم بالنقص بعد كمال # لو كان دين الله فيهم قائما ... لرأيتهم فى أحسن الأحوال # وإذا هموا حكموا بحكم جائر ... حكموا لمنكره بكل وبال # قالوا: أتنكر حكم شرع محمد؟ ... حاشا لذا الشرع الشريف العالى # عجت فروج الناس، ثم حقوقهم ... لله بالبكرات والآصال # كم تستحل بكل حكم باطل ... لا يرتضيه ربنا المتعالى # والكل فى قعر الجحيم، سوى الذى ... يقضى بدين الله، لا لنوال # أو ما سمعت بأن ثلثيهم غدا ... فى النار، فى ذاك الزمان الخالى؟ # وزماننا هذا، فربك عالم ... هل فيه ذاك الثلث، أم هو خالى؟ # يا باغى الإحسان يطلب ربه ... ليفوز منه بغايه الآمال # انظر إلى هدى الصحابة والذى ... كانوا عليه فى الزمان الخالى # واسلك طريق القوم أين تيمموا ... خذ يمنة ما الدرب ذات شمال # تالله ما اختاروا لأنفسهم سوى ... سبل الهدى فى القول والأفعال # درجوا على نهج الرسول وهديه ... وبه اقتدوا فى سائر الأحوال # نعم الرفيق لطالب يبغى الهدى ... فمآله فى الحشر خير مآل # القانتين المخبتين لربهم ... الناطقين بأصدق الأقوال # التاركين لكل فعل منكر ... والعاملين بأحسن الأعمال # أهواؤهم تبع لدين نبيهم ... وسواهم ms211 بالضد فى ذى الحال # ما شانهم فى دينهم نقص، ولا ... فى قولهم شطح الجهول الغالى # PageV01P236 # عملوا بما علموا، ولم يتكلفوا ... فلذاك ما شابوا الهدى بضلال # وسواهم بالضد فى الأمرين، قد ... تركوا الهدى، ودعوا لكل ضلال # فهم الأدلة للحيارى، من يسر ... بهداهم لم يخش من إضلال # وهم النجوم هداية وإضاءة ... وعلو منزلة، وبعد منال # يمشون بين الناس هونا، نطقهم ... بالحق، لا بجهالة الجهال # حلما، وعلما، مع تقى وتواضع ... ونصيحة، مع رتبة الإفضال # يحيون ليلهم بطاعة ربهم ... بتلاوة، وتضرع، وسؤال # وعيونهم تجرى بفيض دموعهم ... مثل انهمال الوابل الهطال # فى الليل رهبان، وعند جهادهم ... لعدوهم من أشجع الأبطال # وإذا بدا علم الرهان رأيتهم ... يتسابقون بصالح الأعمال # بوجوههم أثر السجود لربهم ... وبها أشعة نوره المتلالى # ولقد أبان لك الكتاب صفاتهم ... فى سورة الفتح المبين العالى # وبرابع السبع الطوال صفاتهم ... قوم يحبهم ذوو إدلال # وبراءة، والحشر فيها وصفهم ... وبهل أتى، وبسورة الأنفال # فصل # هذا السماع الشيطانى المضاد للسماع الرحمانى، له فى الشرع بضعة عشر اسما: # اللهو، واللغو، والباطل، والزور، والمكاء، والتصدية، ورقية الزنا، وقرآن ~~الشيطان، ومنبت النفاق فى القلب، والصوت الأحمق، والصوت الفاجر، وصوت ~~الشيطان، ومزمور الشيطان، والسمود: # أسماؤه دلت على أوصافه ... تبا لذى الأسماء والأوصاف # فنذكر مخازى هذه الأسماء، ووقوعها عليه فى كلام الله عز وجل وكلام رسوله ~~والصحابة ليعلم أصحابه وأهله بما به ظفروا، وأى تجارة رابحة خسروا: # PageV01P237 # فدع صاحب المزمار والدف والغنا ... وما اختاره الله عن طاعة الله مذهبا # ودعه يعش في غيه وضلاله ... على تاتنا يحيا ويبعث أشيبا # وفي تنتنا يوم المعاد نجاته ... إلى الجنة الحمراء يدعى مقربا # سيعلم يوم العرض أي بضاعة ... أضاع، وعند الوزن ما خف أو ربا # ويعلم ما قد كان فيه حياته ... إذا حصلت أعماله كلها هبا # دعاه الهدى والغي من ذا يجيبه؟ ... فقال لداعي الغي: أهلا ومرحبا # وأعرض عن داعي الهدى، قائلا له ... هواي إلى صوت المعارف قد صبا # يراع، ودف بالصنوج، وشاهد ... وصوت مغن، صوته يقنص الظبا # إذا ما تغني فالظباء تجيبه ... إلى أن تراها ms212 حوله تشبه الدبا # فما شئت من صيد بغير تطارد ... ووصل حبيب كان بالهجر عذبا # فيا آمري بالرشد، لو كنت حاضرا ... لكان توالي اللهو عندك أقربا # فصل # فالاسم الأول: اللهو، ولهو الحديث: # قال تعالى: {ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ~~ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن ~~لم يسمعها كأن فى أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم} [لقمان: 6 7] . # قال الواحدى وغيره: أكثر المفسرين: على أن المراد بلهو الحديث: الغناء، ~~قاله ابن عباس فى رواية سعيد بن جبير ومقسم عنه، وقاله عبد الله بن مسعود، ~~فى رواية أبى الصهباء عنه، وهو قول مجاهد وعكرمة. # وروى ثور بن أبى فاختة عن أبيه عن ابن عباس فى قوله تعالى: # {ومن الناس من يشترى لهو الحديث} [لقمان: 6] قال: "هو الرجل يشترى ~~الجارية تغنيه ليلا ونهارا"} # PageV01P238 # وقال ابن أبى نجيح عن مجاهد: "هو اشتراء المغنى والمغنية بالمال الكثير، ~~والاستماع إليه، وإلى مثله من الباطل" وهذا قول مكحول. # وهذا اختيار أبى إسحاق أيضا. # قال: أكثر ما جاء فى التفسير: أن لهو الحديث هاهنا هو الغناء، لأنه يلهى ~~عن ذكر الله تعالى. # قال الواحدى: قال أهل المعانى: ويدخل فى هذا كل من اختار اللهو، والغناء ~~والمزامير والمعازف على القرآن، وإن كان اللفظ قد ورد بالشراء، فلفظ الشراء ~~يذكر فى الاستبدال، والاختيار، وهو كثير فى القرآن. قال: ويدل على هذا: ما ~~قاله قتادة فى هذه الآية "لعله أن لا يكون أنفق مالا" قال: "وبحسب المرء من ~~الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق". # قال الواحدى: وهذه الآية على هذا التفسير تدل على تحريم الغناء، ثم ذكر ~~كلام الشافعى فى رد الشهادة بإعلان الغناء. # قال: وأما غناء القينات: فذلك أشد ما فى الباب، وذلك لكثرة الوعيد الوارد ~~فيه وهو ما روى أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "من استمع إلى ~~قينة صب فى أذنيه الآنك يوم القيامة". # الآنك: الرصاص المذاب. # وقد جاء تفسير لهو ms213 الحديث بالغناء مرفوعا إلى النبى صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم. # ففى "مسند الإمام أحمد"، "ومسند عبد الله بن الزبير الحميدى"، "وجامع ~~الترمذى" من حديث أبى أمامة، والسياق للترمذى: أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قال:"لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير فى تجارة فيهن ~~وثمنهن حرام". # فى مثل هذا نزلت هذه الآية: {ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل ~~الله} [لقمان: 6] . # وهذا الحديث وإن كان # PageV01P239 # مداره على عبيد الله بن زحر عن على بن يزيد الإلهانى عن القاسم، فعبيد ~~الله بن زحر ثقة، والقاسم ثقة، وعلى ضعيف، إلا أن للحديث شواهد ومتابعات، ~~سنذكرها إن شاء الله، ويكفى تفسير الصحابة والتابعين للهو الحديث: بأنه ~~الغناء، فقد صح ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود. # قال أبو الصهباء: "سألت ابن مسعود عن قوله تعالى: {ومن الناس من يشترى ~~لهو الحديث} [لقمان: 6] فقال: والله الذى لا إله غيره هو الغناء -يرددها ~~ثلاث مرات. # وصح عن ابن عمر رضى الله عنهما أيضا أنه: [الغناء] . # قال الحاكم أبو عبد الله فى التفسير، من كتاب المستدرك: "ليعلم طالب هذا ~~العلم أن تفسير الصحابى الذى شهد الوحى والتنزيل عند الشيخين: حديث مسند. # وقال فى موضع آخر من كتابه: "هو عندنا فى حكم المرفوع". # وهذا، وإن كان فيه نظر، فلا ريب أنه أولى بالقبول من تفسير من بعدهم، فهم ~~أعلم الأمة بمراد الله عز وجل من كتابه، فعليهم نزل، وهم أول من خوطب به من ~~الأمة. وقد شاهدوا تفسيره من الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم علما ~~وعملا، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة، فلا يعدل عن تفسيرهم ما وجد إليه ~~سبيل. # ولا تعارض بين تفسير "لهو الحديث" بالغناء، وتفسيره: بأخبار الأعاجم ~~وملوكها، وملوك الروم، ونحو ذلك مما كان النضر بن الحارث يحدث به أهل مكة، ~~يشغلهم به عن القرآن، فكلاهما لهو الحديث، ولهذا قال ابن عباس: "لهو ~~الحديث: الباطل والغناء". # فمن الصحابة من ذكر هذا، ومنهم من ذكر الآخر، ومنهم من جمعهما. # والغناء ms214 أشد لهوا، وأعظم ضررا من أحاديث الملوك وأخبارهم، فإنه رقية ~~الزنا، ومنبت النفاق، وشرك الشيطان، وخمرة العقل، وصده عن القرآن أعظم من ~~صد غيره من الكلام الباطل، لشدة ميل النفوس إليه، ورغبتها فيه. # إذا عرف هذا، فأهل الغناء ومستمعوه لهم نصيب من هذا الذم بحسب اشتغالهم ~~بالغناء عن القرآن، وإن لم ينالوا جميعه، فإن الآيات تضمنت ذم من استبدل ~~لهو الحديث # PageV01P240 # بالقرآن ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا، وإذا تليى عليه القرآن ~~ولى مستكبرا كأن لم يسمعه، كأن فى أذنيه وقرا، وهو الثقل والصمم، وإذا علم ~~منه شيئا استهزأ به، فمجموع هذا لا يقع إلا من أعظم الناس كفرا، وإن وقع ~~بعضه للمغنين ومستمعيهم، فلهم حصة ونصيب من هذا الذم. # يوضحه: أنك لا تجد أحدا عنى بالغناء وسماع آلاته، إلا وفيه ضلال عن طريق ~~الهدى، علما وعملا، وفيه رغبة عن استماع القرآن إلى استماع الغناء، بحيث ~~إذا عرض له سماع الغناء وسماع القرآن عدل عن هذا إلى ذاك، وثقل عليه سماع ~~القرآن، وربما حمله الحال على أن يسكت القارئ ويستطيل قراءته، ويستزيد ~~المغنى ويستقصر نوبته، وأقل ما فى هذا: أن يناله نصيب وافر من هذا الذم، إن ~~لم يحظ به جميعه # والكلام فى هذا مع من فى قلبه بعض حياة يحس بها. فأما من مات قلبه، وعظمت ~~فتنته، فقد سد على نفسه طريق النصيحة: # {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله ~~أن يطهر قلوبهم لهم فى الدنيا خزى ولهم فى الآخرة عذاب عظيم} [المائدة: 41] ~~. # فصل # الاسم الثانى والثالث: الزور، واللغو. # قال تعالى: {والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما} ~~[الفرقان: 72] . # قال محمد بن الحنفية: "الزور هاهنا الغناء"، وقاله ليث عن مجاهد، وقال ~~الكلبى: لا يحضرون مجالس الباطل. # واللغو فى اللغة: كل ما يلغى ويطرح، والمعنى: لا يحضرون مجالس الباطل، ~~وإذا مروا بكل ما يلغى من قول وعمل أكرموا أنفسهم أن يقفوا عليه أو يميلوا ~~إليه. ويدخل فى هذا: ms215 أعياد المشركين، كما فسرها به السلف، والغناء، وأنواع ~~الباطل كلها. # PageV01P241 # قال الزجاج: "لا يجالسون أهل المعاصى، ولا يمالئونهم عليها، ومروا مر ~~الكرام الذين لا يرضون باللغو، لأنهم يكرمون أنفسهم عن الدخول فيه، ~~والاختلاط بأهله". # وقد روى أن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: مر بلهو فأعرض عنه، فقال ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إن أصبح ابن مسعود لكريما ". # وقد أثنى الله سبحانه على من أعرض عن اللغو إذا سمعه نقال: {وإذا سمعوا ~~اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} [القصص: 55] . # وهذه الآية، وإن كان سبب نزولها خاصا، فمعناها عام، متناول لكل من سمع ~~لغوا فأعرض عنه، وقال بلسانه أو بقلبه لأصحابه: "لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم". # وتأمل كيف قال سبحانه {لا يشهدون الزور} [الفرقان: 72] . # ولم يقل: بالزور، لأن يشهدون بمعنى: يحضرون. فمدحهم على ترك حضور مجالس ~~الزور، فكيف بالتكلم به، وفعله؟. والغناء من أعظم الزور. # والزور: يقال على الكلام الباطل، وعلى العمل الباطل، وعلى العين نفسها ~~كما فى حديث معاوية لما أخذ قصة من شعر يوصل به، فقال: "هذا الزور" فالزور: ~~القول، والفعل، والمحل. # وأصل اللفظة من الميل، ومنه الزور بالفتح، ومنه: زرت فلانا، إذا ملت ~~إليه، وعدلت إليه، فالزور: ميل عن الحق الثابت إلى الباطل الذى لا حقيقة له ~~قولا وفعلا. # PageV01P242 # فصل # الاسم الرابع: الباطل. # والباطل: ضد الحق، يراد به المعدوم الذى لا وجود له، والموجود الذى مضرة ~~وجوده أكثر من منفعته. # فمن الأول: قول الموحد: كل إله سوى الله باطل، ومن الثانى قوله: السحر ~~باطل، والكفر باطل، قال تعالى: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان ~~زهوقا} [الإسراء: 81] . # فالباطل إما معدوم لا وجود له، وإما موجود لا نفع فيه، فالكفر والفسوق ~~والعصيان والسحر، والغناء، واستماع الملاهى: كله من النوع الثانى. # قال ابن وهب: أخبرنى سليمان بن بلال عن كثير بن زيد: أنه سمع عبيد الله ~~يقول للقاسم بن محمد: "كيف ترى فى الغناء، قال: فقال له القاسم: هو باطل، ~~فقال: قد عرفت أنه ms216 باطل، فكيف ترى فيه؟ فقال له القاسم: أرأيت الباطل، أين ~~هو؟ قال: فى النار، قال: فهو ذاك". # وقال رجل لابن عباس رضى الله عنهما: "ما تقول فى الغناء، أحلال هو أم ~~حرام؟ فقال: لا أقول حراما إلا ما فى كتاب الله. فقال: أفحلال هو؟ فقال: ~~ولا أقول ذلك، ثم قال له: أرأيت الحق والباطل، إذا جاء يوم القيامة، فأين ~~يكون الغناء؟ فقال الرجل: يكون مع الباطل، فقال له ابن عباس: اذهب فقد ~~أفتيت نفسك". # فهذا جواب ابن عباس رضى الله عنهما عن غناء الأعراب، الذى ليس فيه مدح ~~الخمر والزنا واللواط، والتشبيب بالأجنبيات، وأصوات المعازف، والآلات ~~المطربات. [فإن غناء القوم لم يكن فيه شىء من ذلك، ولو شاهدوا هذا الغناء ~~لقالوا] أعظم قول. فإن مضرته وفتنته فوق مضرة شرب الخمر بكثير، وأعظم من ~~فتنته. # فمن أبطل الباطل أن تأتى شريعة بإباحته، فمن قاس هذا على غناء القوم ~~فقياسه من جنس قياس الربا على البيع، والميتة على المذكاة، والتحليل ~~الملعون فاعله على النكاح الذى هو # PageV01P243 # سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. وهو أفضل من التخلى لنوافل ~~العبادة، فلو كان نكاح التحليل جائزا فى الشرع لكان أفضل من قيام الليل، ~~وصيام التطوع، فضلا أن يلعن فاعله. # فصل # وأما اسم المكاء والتصدية. # فقال تعالى عن الكفار: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} ~~[الأنفال: 35] . # قال ابن عباس، وابن عمر، وعطية، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وقتادة: ~~"المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق". # وكذلك قال أهل اللغة: المكاء: الصفير، يقال: مكا، يمكو، مكاء، إذا جمع ~~يديه ثم صفر فيهما، ومنه: مكت است الدابة، إذا خرجت منها الريح بصوت. ولهذا ~~جاء على بناء الأصوات، كالرغاء، والعواء، والثغاء. قال ابن السكيت: الأصوات ~~كلها مضمومة، إلا حرفين: النداء، والغناء. # وأما التصدية: فهى فى اللغة: التصفيق، يقال: صدى يصدى تصدية، إذا صفق ~~بيديه. قال حسان بن ثابت، يعيب المشركين بصفيرهم وتصفيقهم: # إذا قام الملائكة انبعثتم ... صلاتكم التصدى والمكاء # وهكذا الأشباه يكون المسلمون فى الصلوات الفرض والتطوع، وهم فى ms217 الصفير ~~والتصفيق. # قال ابن عباس رضى الله عنهما: "كانت قريش يطوفون بالبيت عراة، ويصفرون ~~ويصفقون". # وقال مجاهد: "كانوا يعارضون النبى صلى الله عليه وسلم فى الطواف ويصفرون ~~ويصفقون، يخلطون عليه صلاته وطوافه"، ونحو ذلك عن مقاتل. # ولا ريب أنهم كانوا يفعلوا هذا وهذا. # PageV01P244 # فالمتقربون إلى الله بالصفير والتصفيق أشباه النوع الأول، وإخوانهم ~~المخلطون به على أهل الصلاة والذكر والقراءة أشباه النوع الثانى. # قال ابن عرفة، وابن الأنبارى: المكاء والتصدية ليسا بصلاة ولكن الله ~~تعالى أخبر أنهم جعلوا مكان الصلاة التى أمروا بها المكاء والتصدية، ~~فألزمهم ذلك عظيم الأوزار، وهذا كقولك: زرته، فجعل جفائى صلتى، أى أقام ~~الجفاء مقام الصلة. # والمقصود: أن المصفقين والصفارين فى يراع أو مزمار ونحوه فيهم شبه من ~~هؤلاء، ولو أنه مجرد الشبه الظاهر، فلهم قسط من الذم، بحسب تشبههم بهم، وإن ~~لم يتشبهوا بهم فى جميع مكائهم وتصديتهم، والله سبحانه لم يشرع التصفيق ~~للرجال [وقت الحاجة إليه] فى الصلاة إذا نابهم أمر، بل أمروا بالعدول عنه ~~إلى التسبيح، لئلا يتشبهوا بالنساء، فكيف إذا فعلوه لا لحاجة، وقرنوا به ~~أنواعا من المعاصى قولا وفعلا؟. # فصل # وإنما تسميته رقية الزنى: # فهو اسم موافق لمسماه، ولفظ مطابق لمعناه، فليس فى رقى الزنى أنجع منه، ~~وهذه التسمية معروفة عن الفضيل بن عياض. # قال ابن أبى الدنيا: أخبرنا الحسن بن عبد الرحمن قال: قال فضيل بن عياض: ~~"الغناء رقية الزنى". # قال: إبراهيم بن محمد المروزى عن أبى عثمان الليثى قال: قال يزيد بن ~~الوليد: "يا بنى أمية، إياكم والغناء، فإنه ينقص الحياء، ويزيد فى الشهوة، ~~ويهدم المروءة، وإنه # PageV01P245 # لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لابد فاعلين فجنبوه ~~النساء، فإن الغناء داعية الزنى". # قال: وأخبرنى محمد بن الفضل الأزدى قال: نزل الحطيئة برجل من العرب، ومعه ~~ابنته مليكة، فلما جنه الليل سمع غناء، فقال لصاحب المنزل: كف هذا عنى، ~~فقال: وما تكره من ذلك؟ فقال: إن الغناء رائد من رادة الفجور، ولا أحب أن ~~تسمعه هذه، يعنى ابنته، فإن ms218 كففته وإلا خرجت عنك. # ثم ذكر عن خالد بن عبد الرحمن قال: "كنا فى عسكر سليمان بن عبد الملك، ~~فسمع غناء من الليل، فأرسل إليهم بكرة، فجئ بهم، فقال: إن الفرس ليصهل ~~فتستودق له الرمكة، وإن الفحل ليهدر فتضبع له الناقة، وإن التيس لينب ~~فتستحرم له العنز، وإن الرجل ليتغنى فتشتاق إليه المرأة. ثم قال: اخصوهم، ~~فقال عمر بن عبد العزيز: هذه المثلة، ولا تحل، فخل" [سبيلهم قال:] فخلى ~~سبيلهم". # قال: وأخبرنى الحسين بن عبد الرحمن قال: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: ~~"جاوروا الحطيئة قوما من بنى كلاب، فمشى ذو النهى منهم بعضهم إلى بعض، ~~وقالوا: يا قوم، إنكم قد رميتم بداهية، هذا الرجل شاعر، والشاعر يظن فيحقق، ~~ولا يستأنى فيتثبت، ولا يأخذ الفضل فيعفو، فأتوه وهو فى فناء خبائه، ~~فقالوا: يا أبا مليكة، إنه قد عظم حقك علينا بتخطيك القبائل إلينا، وقد ~~أتيناك لنسألك عما تحب، فنأتيه، وعما تكره، فنزدجر عنه، فقال: جنبونى ندى ~~مجلسكم، ولا تسمعونى أغانى شبيبتكم. فإن الغناء رقية الزنى". # فإذا كان هذا الشاعر المفتون اللسان، الذى هابت العرب هجاه خاف عاقبة ~~الغناء وأن تصل رقيته إلى حرمته، فما الظن بغيره؟ # ولا ريب أن كل غيور يجنب أهله سماع الغناء، كما يجنبهن أسباب الريب، ومن ~~طرق أهله إلى سماع رقية الزنى فهو أعلم بالإثم الذى يستحقه. # PageV01P246 # ومن الأمر المعلوم عند القوم: أن المرأة إذا استصعبت على الرجل اجتهد أن ~~يسمعها صوت الغناء، فحينئذ تعطى الليان. # وهذا لأن المرأة سريعة الانفعال للأصوات جدا، فإذا كان الصوت بالغناء، ~~صار انفعالها من وجهين: من جهة الصوت، ومن جهة معناه، ولهذا قال النبى صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم لأنجشة حادية: # "يا أنجشة، رويدك رفقا بالقوارير": يعنى النساء. # فأما إذا اجتمع إلى هذه الرقية الدف والشبابة، والرقص بالتخنث والتكسر، ~~فلو حبلت المرأة من غناء لحبلت من هذا الغناء. # فلعمر الله، كم من حرة صارت بالغناء من البغايا، وكم من حر أصبح به عبدا ~~للصبيان أو الصبايا، وكم من غيور ms219 تبدل به اسما قبيحا بين البرايا، وكم من ~~ذى غنى وثروة أصبح بسببه على الأرض بعد المطارف والحشايا، وكم من معافى ~~تعرض له فأمسى، وقد حلت به أنواع البلايا، وكم أهدى للمشغوف به من أشجان ~~وأحزان، فلم يجد بدا من قبول تلك الهدايا، وكم جرع من غصة وأزال من نعمة، ~~وجلب من نقمة، وذلك منه من إحدى العطايا، وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة، ~~وغموم متوقعة، وهموم مستقبلة كما قيل: # فسل ذا خبرة ينبيك عنه ... لتعلم كم خبايا فى الزوايا # وحاذر إذا شغفت به سهاما ... مريشة بأهداب المنايا # إذا ما خالطت قلبا كئيبا ... يقلب بين أطباق الرزايا # ويصبح بعد أن قد كان حرا ... عفيف الفرج: عبدا للصبايا # ويعطى من به يغنى غناء ... وذلك منه من شر العطايا # فصل # وأما تسميته: منبت النفاق. # فقال على بن الجعد: حدثنا [محمد بن] طلحة عن سعيد بن كعب المروزى عن محمد ~~بن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: "الغناء ينبت النفاق ~~فى القلب كما ينبت الماء الزرع". # PageV01P247 # وقال شعبة: حدثنا الحكم عن حماد عن إبراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود: ~~"الغناء ينبت النفاق فى القلب". # وهو صحيح عن ابن مسعود من قوله. وقد روى عن ابن مسعود مرفوعا رواه ابن ~~أبى الدنيا فى "كتاب ذم الملاهى". # قال: أخبرنا عصمة بن الفضل حدثنا حرمى بن عمارة حدثنا سلام بن مسكين ~~حدثنا شيخ عن أبى وائل عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: # "الغناء ينبت النفاق فى القلب كما ينبت الماء البقل". # وقد تابع حرمى بن عمارة عليه بهذا الإسناد والمتن مسلم بن إبراهيم. # قال أبو الحسين بن المنادى فى كتاب "أحكام الملاهى": حدثنا محمد بن على ~~بن عبد الله بن حمدان المعروف بحمدان الوراق، حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا ~~سلام بن مسكين فذكر الحديث. فمداره على هذا الشيخ المجهول، وفى رفعه نظر، ~~والموقوف أصح. # فإن قيل: فما وجه ms220 إنباته للنفاق فى القلب من بين سائر المعاصى؟ # قيل: هذا من أدل شئ على فقه الصحابة فى أحوال القلوب وأعمالها، ومعرفتهم ~~بأدويتها وأدوائها، وأنهم هم أطباء القلوب، دون المنحرفين عن طريقتهم، ~~الذين داووا أمراض القلوب بأعظم أدوائها، فكانوا كالمدوى من السقم بالسم ~~القاتل، وهكذا والله فعلوا بكثير من الأدوية التى ركبوها أو بأكثرها، فاتفق ~~قلة الأطباء، وكثرة المرضى، وحدوث أمراض مزمنة لم تكن فى السلف، والعدول عن ~~الدواء النافع الذى ركبه الشارع، وميل المريض إلى ما يقوى مادة المرض، ~~فاشتد المرض وتفاقم الأمر، وامتلأت الدور والطرقات والأسواق من المرضى، قام ~~كل جهول يطبب الناس. # فاعلم أن للغناء خواص لها تأثير فى صبغ القلب بالنفاق، ونباته فيه كنبات ~~الزرع بالماء. # فمن خواصه: أنه يلهى القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره، والعمل بما فيه، ~~فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر بالعفة، ومجانبة شهوات النفوس، ~~وأسباب الغى، وينهى عن اتباع # PageV01P248 # خطوات الشيطان، والغناء يأمر بضد ذلك كله، ويحسنه، ويهيج النفوس إلى ~~شهوات الغى فيثير كامنها، ويزعج قاطنها، ويحركها إلى كل قبيح، ويسوقها إلى ~~وصل كل مليحة ومليح، فهو والخمر رضيعا لبان، وفى تهييجهما على القبائح فرسا ~~رهان، فإنه صنو الخمر ورضيعه ونائبه وخليفته، وخدينه وصديقه، عقد الشيطان ~~بينهما عقد الإخاء الذى لا يفسخ، وأحكم بينهما شريعة الوفاء التى لا تفسخ، ~~وهو جاسوس القلوب، وسارق المروءة، وسوس العقل، يتغلغل فى مكامن القلوب، ~~ويطلع على سرائر الأفئدة، ويدب إلى محل التخيل، فيثير ما فيه من الهوى ~~والشهوة والسخافة والرقاعة، والرعونة، والحماقة. فبينا ترى الرجل وعليه سمة ~~الوقار وبهاء العقل، وبهجة الإيمان، ووقار الإسلام، وحلاوة القرآن. فإذا ~~استمع الغناء ومال إليه نقص عقله، وقل حياؤه، وذهبت مروءته، وفارقه بهاؤه، ~~وتخلى عنه وقاره، وفرح به شيطانه، وشكا إلى الله تعالى إيمانه، وثقل عليه ~~قرآنه، وقال: يا رب لا تجمع بينى وبين قرآن عدوك فى صدر واحد، فاستحسن ما ~~كان قبل السماع يستقبحه، وأبدى من سره ما كان يكتمه، وانتقل من الوقار ~~والسكينة إلى كثرة الكلام والكذب، ms221 والزهزهة والفرقعة بالأصابع، فيميل ~~برأسه، ويهز منكبيه، ويضرب الأرض برجليه، ويدق على أم رأسه بيديه، ويثب ~~وثبات الدباب، ويدور دوران الحمار حول الدولاب، ويصفق بيديه تصفيق النسوان، ~~ويخور من الوجد كخوران الثيران، وتارة يتأوه تأوه الحزين، وتارة يزعق زعقات ~~المجانين، ولقد صدق الخبير به من أهله حيث يقول: # أتذكر ليلة وقد اجتمعنا ... على طيب السماع إلى الصباح؟ # ودارت بيننا كأس الأغانى ... فأسكرت النفوس بغير راح # فلم تر فيهم إلا نشاوى ... سرورا، والسرور هناك صاحى # إذا نادى أخو اللذات فيه ... أجاب اللهو: حى على السماح # ولم نملك سوى المهجات شيئا ... أرقناها لألحاظ الملاح # وقال بعض العارفين: السماع يورث النفاق فى قوم، والعناد فى قوم، والتكذيب ~~فى قوم، والفجور فى قوم، والرعونة فى قوم. # PageV01P249 # وأكثر ما يورث عشق الصور، واستحسان الفواحش، وإدمانه يثقل القرآن على ~~القلب، ويكرهه إلى سماعه بالخاصية، وإن لم يكن هذا نفاقا فما للنفاق حقيقة. # وسر المسألة: أنه قرآن الشيطان، كما سيأتى، فلا يجتمع هو وقرآن الرحمن فى ~~قلب أبدا. # وأيضا فإن أساس النفاق: أن يخالف الظاهر الباطن، وصاحب الغناء بين أمرين، ~~إما أن يتهتك فيكون فاجرا، أو يظهر النسك فيكون منافقا، فإنه يظهر الرغبة ~~فى الله والدار الآخرة وقلبه يغلى بالشهوات، ومحبة ما يكرهه الله ورسوله من ~~أصوات المعازف، وآلات اللهو، وما يدعو إليه الغناء ويهيجه، فقلبه بذلك ~~معمور، وهو من محبة ما يحبه الله ورسوله وكراهة ما يكرهه قفر، وهذا محض ~~النفاق. # وأيضا فإن الإيمان قول وعمل: قول الحق، وعمل بالطاعة، وهذا ينبت على ~~الذكر، وتلاوة القرآن. والنفاق: قول الباطل، وعمل البغى، هذا ينبت على ~~الغناء. # وأيضا، فمن علامات النفاق: قلة ذكر الله، والكسل عند القيام إلى الصلاة، ~~ونقر الصلاة، وقل أن تجد مفتونا بالغناء إلا وهذا وصفه. # وأيضا: فإن النفاق مؤسس على الكذب، والغناء من أكذب الشعر، فإنه يحسن ~~القبيح ويزينه، ويأمر به، ويقبح الحسن ويزهد فيه، وذلك عين النفاق. # وأيضا، فإن النفاق غش ومكر وخداع، والغناء مؤسس على ذلك. # وأيضا: فإن المنافق يفسد من حيث ms222 يظن أنه يصلح، كما أخبر الله سبحانه بذلك ~~عن المنافقين وصاحب السماع يفسد قلبه وحاله من حيث [يظن] أنه يصلحه. ~~والمغنى يدعو القلوب إلى فتنة الشهوات، والمنافق يدعوها إلى فتنة الشبهات، ~~قال الضحاك: "الغناء مفسدة للقلب، مسخطة للرب". # وكتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده: "ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض ~~الملاهى، التى بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغنى عن ~~الثقات من أهل العلم: أن صوت المعازف، واستماع الأغانى، واللهج بها ينبت ~~النفاق فى القلب كما ينبت العشب على الماء". # PageV01P250 # فالغناء يفسد القلب، وإذا فسد القلب هاج فيه النفاق. # وبالجملة. فإذا تأمل البصير حال أهل الغناء، وحال أهل الذكر والقرآن، ~~تبين له حذق الصحابة ومعرفتهم بأدواء القلوب، وأدويتها وبالله التوفيق. # فصل # وأما تسميته قرآن الشيطان. # فمأثور عن التابعين، وقد روى فى حديث مرفوع، # قال قتادة: "لما أهبط إبليس قال: يا رب لعنتنى، فما عملى؟ قال: السحر، ~~قال فما قرآنى؟ قال: الشعر، قال: فما كتابى؟ قال: الوشم، قال: فما طعامى؟ ~~قال: كل ميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه، قال: فما شرابى؟ قال: كل مسكر، ~~قال: فأين مسكنى؟ قال: الأسواق، قال فما صوتى؟ قال: المزامير، قال: فما ~~مصايدى؟ قال: النساء". # هذا والمعروف فى هذا وقفه، وقد رواه الطبرانى فى "معجمه" من حديث أبى ~~أمامة مرفوعا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. وقال ابن أبى ~~الدنيا فى كتاب "مكايد الشيطان وحيله" حدثنا أبو بكر التميمى، حدثنا ابن ~~أبى مريم حدثنا يحيى بن أيوب قال حدثنا ابن زحر عن على بن يزيد عن القاسم ~~عن أبى أمامة عن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: "إن إبليس لما أنزل إلى ~~الأرض قال: يا رب، أنزلتنى إلى الأرض، وجعلتنى رجيما، فاجعل لى بيتا، قال: ~~الحمام، قال: فاجعل لى مجلسا، قال: الأسواق ومجامع الطرقات، قال: فاجعل لى ~~طعاما، قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه، قال: فاجعل لى شرابا، قال: كل ~~مسكر، قال: فاجعل لى مؤذنا، قال: المزمار، ms223 قال: فاجعل لى قرآنا، قال: ~~الشعر، قال: فاجعل لى كتابا، قال: الوشم، قال: فاجعل لى حديثا، قال: الكذب، ~~قال: فاجعل لى رسلا، قال الكهنة، قال: فاجعل لى مصايد، قال: النساء". # وشواهد هذا الأثر كثيرة، فكل جملة منه لها شواهد من السنة، أو من القرآن. # PageV01P251 # فكون السحر من عمل الشيطان شاهده قوله تعالى: # {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] . # وأما كونه الشعر قرآنه فشاهده: ما رواه أبو داود فى "سننه" من حديث جبير ~~بن مطعم: # "أنه رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يصلى، فقال: الله أكبر ~~كبيرا، الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، الحمد لله كثيرا، الحمد لله ~~كثيرا، الحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثا أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم: من نفخه، ونفثه، وهمزه"، قال: نفثه: الشعر، ونفخه: الكبر، ~~وهمزه: الموته. # ولما علم الله رسوله القرآن وهو كلامه صانه عن تعليم قرآن الشيطان. وأخبر ~~أنه لا ينبغى له، فقال: # {وما علمناه الشعر وما ينبغى له} [يس: 69] . # وأما كون الوشم كتابه، فإنه من عمله وتزيينه، ولهذا لعن رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم "الواشمة والمستوشمة" فلعن الكاتبة والمكتوب ~~عليها. # وأما كون الميته ومتروك التسمية طعامه، فإن الشيطان يستحل الطعام، إذا لم ~~يذكر عليه اسم الله، ويشارك آكله، والميتة لا يذكر عليها اسم الله تعالى، ~~فهى وكل طعام إذا لم يذكر عليه اسم الله عز وجل من طعامه، ولهذا لما سأل ~~الجن الذين آمنوا برسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الزاد، قال: ~~"لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه". # فلم يبح لهم طعام الشياطين، وهو متروك التسمية. # وأما كون المسكر شرابه. فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان} [المائدة: 90] . # فهو يشرب من الشراب الذى عمله أولياؤه بأمره، وشاركهم فى عمله. فيشاركهم ~~فى عمله وشربه، وإثمه، وعقوبته. # وأما كون الأسواق مجلسه ففى الحديث الآخر: "أنه يركز ms224 رايته بالسوق" ولهذا ~~يحضره # PageV01P252 # اللغو واللغط والصخب والخيانة والغش. وكثير من عمله، وفى صفة النبى صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم فى الكتب المتقدمة: # "أنه ليس صخابا بالأسواق". # وأما كون الحمام بيته فشاهده كونه غير محل للصلاة، وفى حديث أبى سعيد: # "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام". # ولأنه محل كشف العورات، وهو بيت مؤسس على النار، وهى مادة الشيطان التى ~~خلق منها. # وأما كون المزمار مؤذنه، ففى غاية المناسبة، فإن الغناء قرآنه، والرقص ~~والتصفيق اللذين هما المكاء والتصدية صلاته، فلابد لهذه الصلاة من مؤذن ~~وإمام ومأموم. فالمؤذن المزمار، والإمام المغنى، والمأموم الحاضرون. # وأما كون الكذب حديثه، فهو الكاذب، الآمر بالكذب، المزين له، فكل كذب يقع ~~فى العالم فهو تعليمه وحديثه. # وأما كون الكهنة رسله، فلأن المشركين يهرعون إليهم، ويفزعون إليهم فى ~~أمورهم العظام، ويصدقونهم، ويتحاكمون إليهم ويرضون بحكمهم، كما يفعل أتباع ~~الرسل بالرسل، فإنهم يعتقدون أنهم يعلمون الغيب، ويخبرون عن المغيبات التى ~~لا يعرفها غيرهم، فهم عند المشركين بهم بمنزلة الرسل، فالكهنة رسل الشيطان ~~حقيقة، أرسلهم إلى حزبه من المشركين وشبههم بالرسل الصادقين، حتى استجاب ~~لهم حزبه، ومثل رسل الله بهم لينفر عنهم، ويجعل رسله هم الصادقين العالمين ~~بالغيب، ولما كان بين النوعين أعظم التضاد قال رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم: "من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد". # فإن الناس قسمان: أتباع الكهنة، وأتباع رسل الله، فلا يجتمع فى العبد أن ~~يكون من هؤلاء وهؤلاء، بل يبعد عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~بقدر قربه من الكاهن، ويكذب الرسول بقدر تصديقه للكاهن # PageV01P253 # وقوله: اجعل لى مصايد، قال: مصايدك النساء، فالنساء أعظم شبكة له، يصطاد ~~بهن الرجال، كما سيأتى إن شاء الله تعالى فى الفصل الذى بعد هذا. # والمقصود أن: الغناء المحرم قرآن الشيطان. # ولما أراد عدو الله أن يجمع عليه نفوس المبطلين قرنه بما يزينه من ~~الألحان المطربة وآلات الملاهى والمعازف، وأن يكون من امرأة جملية، أو صبى ~~جميل. ms225 ليكون ذلك أدعى إلى قبول النفوس لقرآنه، تعويضا به عن القرآن المجيد. # فصل # وأما تسميته بالصوت الأحمق، والصوت الفاجر. # فهى تسمية الصادق المصدوق، الذى لا ينطق عن الهوى. # فروى الترمذى من حديث ابن أبى ليلى عن عطاء عن جابر رضى الله عنه قال: ~~"خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مع عبد الرحمن بن عوف إلى ~~النخل، فإذا ابنه إبراهيم يجود بنفسه فوضعه فى حجره، ففاضت عيناه، فقال عبد ~~الرحمن: أتبكى، وأنت تنهى الناس؟ قال: إنى لم أنه عن البكاء، وإنما نهيت عن ~~صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة: لهو ولعب ومزامير شيطان، وصوت عند ~~مصيبة: خمش وجوه، وشق جيوب، ورنة وهذا هو رحمة، ومن لا يرحم لا يرحم لولا ~~أنه أمر حق، ووعد صدق، وأن آخرنا سيلحق أولنا، لحزنا عليك حزنا هو أشد من ~~هذا، وإنا بك لمحزونون، تبكى العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب". ~~قال الترمذى: هذا حديث حسن. # فانظر إلى هذا النهى المؤكد، بتسميته صوت الغناء صوتا أحمق ولم يقتصر على ~~ذلك، حتى وصفه بالفجور، ولم يقتصر على ذلك حتى سماه من مزامير الشيطان، وقد ~~أقر النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أبا بكر الصديق على تسمية الغناء ~~مزمور الشيطان فى الحديث الصحيح، كما سيأتى، فإن لم يستفد التحريم من هذا ~~لم نستفده من نهى أبدا. # وقد اختلف فى قوله "لا تفعل" وقوله "نهيت عن كذا" أيهما أبلغ فى ~~"التحريم"؟ # PageV01P254 # والصواب بلا ريب: أن صيغة "نهيت" أبلغ فى التحريم، لأن "لا تفعل" يحتمل ~~النهى وغيره، بخلاف الفعل لصريح. # فكيف يستجيز العارف إباحة ما نهى عنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم، وسماه صوتا أحمق فاجرا، ومزمور الشيطان، وجعله والنياحة التى لعن ~~فاعلها أخوين؟ وأخرج النهى عنهما مخرجا واحدا، ووصفهما بالحمق والفجور وصفا ~~واحدا. # وقال الحسن: "صوتان ملعونان: مزمار عند نغمة، ورنة عند مصيبة". # وقال أبو بكر الهذلى: "قلت للحسن: أكان نساء المهاجرات يصنعن ما يصنع ~~النساء اليوم؟ قال: لا، ولكن ms226 هاهنا خمش وجوه، وشق جيوب، ونتف أشعار، ولطم ~~خدود، ومزامير شيطان، صوتان قبيحان فاحشان: عند نغمة إن حدثت، وعند مصيبة ~~إن نزلت، ذكر الله المؤمنين فقال: # {والذين فى أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم} [المعارج: 24-25] . # وجعلتم أنتم فى أموالكم حقا معلوما للمغنية عند النغمة، والنائحة عند ~~المصيبة. # فصل # وأما تسميته صوت الشيطان. # فقد قال تعالى للشيطان وحزبه: {اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء ~~موفورا * واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم فى ~~الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} [الإسراء: 63-64] . # قال ابن أبى حاتم فى تفسيره: حدثنا أبى أخبرنا أبو صالح كاتب الليث حدثنا ~~معاوية بن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس: واستفزز من استطعت منهم ~~بصوتك # قال: "كل داع إلى معصية". # ومن المعلوم أن الغناء من أعظم الدواعى إلى المعصية، ولهذا فسر صوت ~~الشيطان به. قال ابن أبى حاتم: حدثنا أبى. أخبرنا يحيى بن المغيرة. أخبرنا ~~جرير عن ليث عن مجاهد. # PageV01P255 # {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} # قال: "استزل منهم من استطعت قال: "وصوته الغناء، والباطل". # وبهذا الإسناد إلى جرير عن منصور عن مجاهد قال: "صوته المزامير". # ثم روى بإسناده عن الحسن البصرى قال: "صوته هو الدف". # وهذه الإضافة إضافة تخصيص، كما أن إضافة الخيل والرجل إليه كذلك، فكل ~~متكلم بغير طاعة الله، ومصوت بيراع أو مزمار، أو دف حرام، أو طبل، فذلك صوت ~~الشيطان، وكل ساع فى معصية الله على قدميه فهو من رجله، وكل راكب فى معصية ~~الله فهو من خيالته، كذلك قال السلف، كما ذكر ابن أبى حاتم عن ابن عباس ~~قال: "رجله كل رجل مشت فى معصية الله". # وقال مجاهد: "كل رجل يقاتل فى غير طاعة الله فهو من رجله". # وقال قتادة: "إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس". # فصل # وأما تسميته مزمور الشيطان. # ففى "الصحيحين" عن عائشة رضى الله عنها قالت: "دخل على النبى صلى الله ~~عليه وآله وسلم وعندى جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع ms227 على الفراش، وحول ~~وجهه، ودخل أبو بكر رضى الله عنه، فانتهرنى، وقال: مزمار الشيطان عند النبى ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم؟ فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: "دعهما"، فلما غفل غمزتهما، فخرجن". # PageV01P256 # فلم ينكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على أبى بكر تسميته ~~الغناء مزمار الشيطان، وأقرهما، لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء ~~الأعراب، الذى قيل فى يوم حرب بعاث من الشجاعة، والحرب، وكان اليوم يوم ~~عيد، فتوسع حزب الشيطان فى ذلك إلى صوت امرأة جميلة أجنبية، أو صبى أمرد ~~صوته فتنة، وصورته فتنة، يغنى بما يدعو إلى الزنى والفجور، وشرب الخمور، مع ~~آلات اللهو التى حرمها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى عدة ~~أحاديث، كما سيأتى. مع التصفيق والرقص وتلك الهيئة المنكرة التى لا يستحلها ~~أحد من أهل الأوثان، فضلا عن أهل العلم والإيمان، ويحتجون بغناء جويريتين ~~غير مكلفتين بنشيد الأعراب ونحوها فى الشجاعة ونحوها وفى يوم عيد، بغير ~~شبابة ولا دف، ولا رقص ولا تصفيق، ويدعون المحكم الصريح، لهذا المتشابه ~~وهذا شأن كل مبطل. # نعم، نحن لا نحرم ولا نكره مثل ما كان فى بيت رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم على ذلك الوجه، وإنما نحرم وسائر أهل العلم والإيمان السماع ~~المخالف لذلك، وبالله التوفيق. # PageV01P257 # فصل # وأما تسميته بالسمود. # فقد قال تعالى: {أفمن هذا الحديث تعجبون * وتضحكون ولا تبكون * وأنتم ~~سامدون} [النجم: 59-61] . # قال عكرمة عن ابن عباس "السمود: الغناء فى لغة حمير". يقال: اسمدى لنا، ~~أى غنى لنا، وقال أبو زبيد: # وكأن العزيف فيها غناء ... للندامى من شارب مسمود # قال أبو عبيدة: "المسمود: الذى غنى له"، وقال عكرمة: "كانوا إذا سمعوا ~~القرآن تغنوا، فنزلت هذه الآية". # وهذا لا يناقض ما قيل فى هذه الآية من أن السمود الغفلة والسهو عن الشئ، ~~قال المبرد: هو الاشتغال عن الشئ بهم أو فرح يتشاغل به، وأنشد: # رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا # وقال ابن الأنبارى: ms228 السامد اللاهى، والسامد الساهى، والسامد المتكبر، ~~والسامد القائم. # وقال ابن عباس فى الآية: "وأنتم مستكبرون". وقال الضحاك: "أشرون بطرون"، ~~وقال مجاهد: "غضاب مبرطمون"، وقال غيره: "لاهون غافلون معرضون". # فالغناء يجمع هذا كله ويوجبه. # فهذه أربعة عشر اسما سوى اسم الغناء. # فصل # فى بيان تحريم رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الصريح لآلات ~~اللهو والمعازف وسيأتى الأحاديث فى ذلك. # عن عبد الرحمن بن غنم قال: حدثنى أبو عامر، أو أبو مالك الأشعرى رضى الله ~~عنهما أنه سمع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "ليكونن من أمتى ~~قوم يستحلون الحر # PageV01P258 # والحرير والخمر والمعازف". # هذا حديث صحيح، أخرجه البخارى فى "صحيحه" محتجا به، وعلقه تعليقا مجزوما ~~به، فقال: "باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه"، وقال هشام بن ~~عمار: حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن ~~قيس الكلابى حدثنى عبد الرحمن بن غنم الأشعرى حدثنى أبو عامر، أو أبو مالك ~~الأشعرى والله ما كذبنى أنه سمع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: # "ليكونن من أمتى أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن ~~أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم لحاجة، فيقولوا ارجع ~~إلينا غدا، فيبيتهم الله تعالى ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى ~~يوم القيامة". # ولم يصنع من قدح فى صحة هذا الحديث شيئا، كابن حزم، نصرة لمذهبه الباطل ~~فى إباحة الملاهى، وزعم أنه منقطع، لأن البخارى لم يصل سنده به. # وجواب هذا الوهم من وجوه: # PageV01P259 # أحدها: أن البخارى قد لقى هشام بن عمار وسمع منه، فإذا قال "قال هشام" ~~فهو بمنزلة قوله "عن هشام". # الثانى: أنه لو لم يسمع منه فهو لم يستجز الجزم به عنه إلا، وقد صح عنه ~~أنه حدث به. وهذا كثيرا ما يكون لكثرة من رواه عنه عن ذلك الشيخ وشهرته. ~~فالبخارى أبعد خلق الله من التدليس. # الثالث: أنه أدخله فى كتابه المسمى بالصحيح محتجا به، فلولا صحته عنده ~~لما ms229 فعل ذلك. # الرابع: أنه علقه بصيغة الجزم، دون صيغة التمريض، فإذا توقف فى الحديث أو ~~لم يكن على شرطه يقول: "ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكر عنه"، ~~نحو ذلك: فإذا قال: "قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم" فقد جزم ~~وقطع بإضافته إليه. # الخامس: أنا لو أضربنا عن هذا كله صفحا فالحديث صحيح متصل عند غيره. # قال أبو داود فى كتاب اللباس: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا بشر بن بكر ~~عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا عطية بن قيس قال: سمعت عبد الرحمن ابن ~~غنم الأشعرى قال حدثنا أبو عامر أو أبو مالك، فذكره مختصرا. ورواه أبو بكر ~~الإسماعيلى فى كتابه الصحيح مسندا، فقال: أبو عامر ولم يشك. # ووجه الدلالة منه: أن المعازف هى آلات اللهو كلها، لا خلاف بين أهل اللغة ~~فى ذلك. ولو كانت حلالا لما ذمهم على استحلالها، ولما قرن استحلالها ~~باستحلال الخمر والخز. فإن كان بالحاء والراء المهملتين، فهو استحلال ~~الفروج الحرام. وإن كان بالخاء والزاى المعجمتين فهو نوع من الحرير، غير ~~الذى صح عن الصحابة رضى الله عنهم لبسه. إذ الخز نوعان أحدهما: من حرير. ~~والثانى: من صوف. وقد روى هذا الحديث بالوجهين. # وقال ابن ماجه فى "سننه": حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا معن بن عيسى عن ~~معاوية بن صالح عن حاتم بن حريث عن ابن أبى مريم عن عبد الرحمن بن غنم ~~الأشعرى عن أبى مالك الأشعرى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم: "ليشربن ناس من أمتى الخمر، # PageV01P260 # يسمونها بغير اسمها، يعزف على رءوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم ~~الأرض، ويجعل منهم قردة وخنازير". # وهذا إسناد صحيح. وقد توعد مستحلى المعازف فيه بأن يخسف الله بهم الأرض، ~~ويمسخهم قردة وخنازير. وإن كان الوعيد على جميع هذه الأفعال، فلكل واحد قسط ~~فى الذم والوعيد. # وفى الباب عن سهل بن سعد الساعدى، وعمران بن حصين، وعبد الله بن عمرو، ~~وعبد ms230 الله بن عباس، وأبى هريرة، وأبى أمامة الباهلى، وعائشة أم المؤمنين، ~~وعلى بن أبى طالب، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سابط، والغازى بن ربيعة ~~رضى الله عنهم. # ونحن نسوقها لتقربها عيون أهل القرآن، وتشجى بها حلوق أهل سماع الشيطان. # فأما حديث سهل بن سعد، فقال ابن أبى الدنيا: أخبرنا الهيثم بن خارجة ~~حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبى حازم عن سهل بن سعد الساعدى قال: ~~قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: # "يكون فى أمتى خسف وقذف ومسخ، قيل: يا رسول الله، متى؟ قال: إذا ظهرت ~~المعازف والقينات واستحلت الخمرة". # وأما حديث عمران بن حصين فرواه الترمذى من حديث الأعمش عن هلال ابن يساف ~~عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "يكون ~~فى أمتى قذف وخسف ومسخ، فقال رجل من المسلمين: متى ذاك، يا رسول الله؟ قال: ~~إذا ظهرت القيان، والمعازف، وشربت الخمور" قال الترمذى: هذا حديث غريب. # وأما حديث عبد الله بن عمرو، فروى أحمد فى "مسنده" وأبو داود عنه أن ~~النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إن الله تعالى حرم على أمتى ~~الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وكل مسكر حرام". # وفى لفظ آخر لأحمد: "إن الله حرم على أمتى الخمر والميسر والمزر والكوبة ~~والقنين". # PageV01P261 # وأما حديث ابن عباس ففى المسند أيضا: عنه أن رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم قال: "إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة وكل مسكر حرام" ~~والكوبة الطبل. قاله سفيان وقيل: البربط، والقنين: هو الطنبور بالحبشية، ~~والتقنين: الضرب به، قاله ابن الأعرابى. # وأما حديث أبى هريرة رضى الله عنه. فرواه الترمذى عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: # "إذا اتخذ الفئ دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وتعلم العلم لغير ~~الدين، وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه، وظهرت ~~الأصوات فى المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم ~~الرجل مخافة شره، وظهرت ms231 القينات والمعازف، وشربت الخمر، ولعن آخر هذه الأمة ~~أولها، فلير تقبوا عند ذلك ريحا حمراء، وزلزلة وخسفا، ومسخا، وقذفا، وآيات ~~تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع". # قال الترمذى: هذا حديث حسن غريب. # وقال ابن أبى الدنيا: حدثنا عبد الله بن عمر الجشمى حدثنا سليمان بن سالم ~~أبو داود حدثنا حسان بن أبى سنان عن رجل عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يمسخ قوم من هذه الأمة فى آخر الزمان ~~قردة وخنازير. قالوا: يا رسول الله، أليس يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن ~~محمدا رسول الله؟ قال: بلى، ويصومون ويصلون، ويحجون، قيل: فما بالهم؟ قال: ~~اتخذوا المعازف والدفوف والقينات، فباتوا على شربهم ولهوهم، فأصبحوا وقد ~~مسخوا قردة وخنازير". # وأما حديث أبى أمامة الباهلى فهو فى "مسند" أحمد والترمذى عنه عن النبى ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "تبيت طائفة من أمتى على أكل وشرب، ~~ولهو ولعب، ثم يصبحون قردة وخنازير، ويبعث على أحياء من أحيائهم ريح، ~~فينسفهم كما نسف من كان قبلكم، باستحلالهم الخمر، وضربهم بالدفوف، واتخاذهم ~~القينات". # فى إسناده فرقد السبخى، وهو # PageV01P262 # من كبار الصالحين. ولكنه ليس بقوى فى الحديث، # وقال الترمذى: تكلم فيه يحيى بن سعيد وقد روى عنه الناس. # وقال ابن أبى الدنيا: حدثنا عبد الله بن عمر الجشمى حدثنا جعفر بن سليمان ~~حدثنا فرقد السبخى حدثنا قتادة عن سعيد بن المسيب قال: وحدثنى عاصم بن عمرو ~~البجلى عن أبى أمامة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: # "يبت قوم من هذه الأمة على طعم، وشرب ولهو، فيصبحون وقد مسخوا قردة ~~وخنازير، وليصيبنهم خسف وقذف حتى يصبح الناس فيقولون: خسف الليله بدار ~~فلان، خسف الليلة ببنى فلان، وليرسلن عليهم حجارة من السماء كما أرسلت على ~~قوم لوط، على قبائل فيها، وعلى دور فيها، وليرسلن عليهم الريح العقيم التى ~~أهلكت عادا، بشربهم الخمر، وأكلهم الربا، واتخاذهم القينات، وقطيعتهم ~~الرحم". # وفى "مسند" أحمد من حديث عبيد الله ms232 بن زحر عن على بن يزيد عن القاسم عن ~~أبى أمامة عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إن الله بعثنى ~~رحمة وهدى للعالمين، وأمرنى أن أمحق المزامير والكبارات يعنى البرابط، ~~والمعازف والأوثان، التى كانت تعبد فى الجاهلية". # قال البخارى: عبيد الله بن زحر ثقة، وعلى بن يزيد ضعيف، والقاسم بن عبد ~~الرحمن أبو عبد الرحمن ثقة. # وفى الترمذى و"مسند" أحمد بهذا الإسناد بعينه: أن النبى صلى الله تعالي ~~عليه وآله وسلم قال: "لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا ~~خير فى تجارة فيهن، وثمنهن حرام". # وفى مثل هذا نزلت هذه الآية: {ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن ~~سبيل الله ... الآية} [لقمان: 6] . # PageV01P263 # وأما حديث عائشة رضى عنها فقال ابن أبى الدنيا: حدثنا الحسن بن محبوب ~~حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا أبو معشر عن محمد بن المنكدر عن ~~عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: "يكون فى أمتى خسف ومسخ وقذف، قالت عائشة: يا رسول الله، وهم يقولون ~~لا إله إلا الله؟ فقال: إذا ظهرت القينات، وظهر الزنى، وشربت الخمر، ولبس ~~الحرير، كان ذا عند ذا". # وقال ابن أبى الدنيا أيضا: حدثنا محمد بن ناصح حدثنا بقية بن الوليد عن ~~يزيد ابن عبد الله الجهنى حدثنى أبو العلاء عن أنس بن مالك أنه دخل على ~~عائشة رضى الله عنها ورجل معه، فقال لها الرجل: "يا أم المؤمنين، حدثينا عن ~~الزلزلة، فقالت: إذا استباحوا الزنى، وشربوا الخمر، وضربوا بالمعازف، غار ~~الله فى سمائه، فقال: تزلزلى [بهم] ، فإن تابوا وفزعوا وإلا هدمتها عليهم، ~~قال قلت: يا أم المؤمنين، أعذاب لهم؟ قالت: بل موعظة ورحمة وبركة للمؤمنين، ~~ونكال وعذاب وسخط على الكافرين"، قال أنس: "ما سمعت حدثيا بعد رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنا أشد به فرحا منى بهذا الحديث". # وأما حديث على فقال ابن أبى الدنيا أيضا: حدثنا الربيع بن تغلب حدثنا فرج ~~ابن فضالة ms233 عن يحيى بن سعيد عن محمد بن على عن على رضى الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا عملت أمتى خمس عشرة خصلة حل بها ~~البلاء، قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: إذا كان المغنم دولا، والأمانة ~~مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته وعق أمه، وبر صديقه وجفا أباه، ~~وارتفعت الأصوات فى المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة ~~شره، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتخذت القيان، ولعن آخر هذه الأمة أولها، ~~فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وخسفا ومسخا". # حدثنا عبد الجبار بن عاصم قال: حدثنا أبو طالب قال حدثنا إسماعيل ابن ~~عياش عن عبد الرحمن التميمى عن عباد بن أبى على عن على رضى الله عنه رضى ~~الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: " تمسخ طائفة من ~~أمتى قردة وطائفة خنازير، ويخسف بطائفة، ويرسل على طائفة الريح العقيم، ~~بأنهم شربوا الخمر، ولبسوا الحرير واتخذوا القيان، وضربوا بالدفوف". # PageV01P264 # وأما حديث أنس رضى الله عنه فقال ابن أبى الدنيا: حدثنا أبو عمرو هارون ~~ابن عمر القرشى حدثنا الخصيب بن كثير عن أبى بكر الهذلى عن قتادة عن أنس ~~رضى الله عنه قال: قال رسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "ليكونن فى هذه ~~الأمة خسف وقذف ومسخ، ذلك إذا شربوا الخمور، واتخذوا القينات، وضربوا ~~بالمعازف". # قال: وأخبرنا أبو إسحاق الأزدى حدثنا إسماعيل بن أبى أويس حدثنى عبد ~~الرحمن [بن زيد] بن أسلم عن أحد ولد أنس بن مالك، وعن غيره، عن أنس بن مالك ~~قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "ليبيتن رجال على أكل ~~وشرب وعزف، فيصبحون على أرائكهم ممسوخين قردة وخنازير". # وأما حديث عبد الرحمن بن سابط فقال ابن أبى الدنيا: أخبرنا إسحاق بن ~~إسماعيل حدثنا جرير، عن أبان بن تغلب عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن سابط ~~قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "يكون فى أمتى خسف وقذف ms234 ~~ومسخ، قالوا: فمتى ذاك، يا رسول الله؟ قال: إذا أظهرت المعازف، واستحلوا ~~الخمور". # وأما حديث الغازى بن ربيعة. فقال ابن أبى الدنيا حدثنا: عبد الجبار بن ~~عاصم حدثنا إسمعيل بن عياش عن عبيد الله بن عبيد عن أبى العباس الهمدانى عن ~~عمارة بن راشد عن الغازى بن ربيعة رفع الحديث قال: "ليمسخن قوم وهم على ~~أريكتهم قردة وخنازير، بشربهم الخمر، وضربهم بالبرابط والقيان". # قال ابن أبى الدنيا: وحدثنا عبد الجبار بن عاصم قال حدثنى المغيرة بن ~~المغيرة عن صالح بن خالد رفع ذلك إلى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~أنه قال: "ليستحلن ناس من أمتى الحرير والخمر والمعازف، وليأتين الله على ~~أهل حاضر منهم عظيم بجبل حتى ينبذه عليهم ويمسخ آخرون قردة وخنازير". # قال ابن أبى الدنيا: حدثنا هارون بن عبيد الله، حدثنا يزيد بن هارون، ~~حدثنا أشرس أبو شيبان الهذلى قال: قلت لفرقد السبخى: أخبرنى يا أبا يعقوب، ~~من تلك الغرائب التى قرأت فى التوراة، فقال: "يا أبا شيبان، والله ما أكذب ~~على ربى، مرتين أو ثلاثا، لقد قرأت # PageV01P265 # فى التوراة: ليكونن مسخ وخسف وقذف فى أمة محمد صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم فى أهل القبلة، قال: قلت، يا أبا يعقوب ما أعمالهم؟ قال: باتخاذهم ~~القينات، وضربهم بالدفوف، ولباسهم الحرير والذهب، ولئن بقيت حتى ترى أعمالا ~~ثلاثة، فاستيقن واستعد واحذر. قال قلت: ما هى؟ قال: إذا تكافأ الرجال ~~بالرجال، والنساء بالنساء، ورغبت العرب فى ابنه العجم، فعند ذلك. قلت له: ~~العرب خاصة؟ قال: لا؛ بل أهل القبلة، ثم قال: والله ليقذفن رجال من السماء ~~بحجارة يشدخون بها فى طرقهم وقبائلهم. كما فعل بقوم لوط، وليمسخن آخرون ~~قردة وخنازير، كما فعل ببنى إسرائيل وليخسفن بقوم كما خسف بقارون". # وقد تظاهرت الأخبار بوقوع المسخ فى هذه الأمة، وهو مقيد فى أكثر الأحاديث ~~بأصحاب الغناء، وشراب الخمر، وفى بعضها مطلق. # قال سالم بن أبى الجعد: "ليأتين على الناس زمان يجتمعون فيه على باب رجل ~~ينتظرون أن يخرج إليهم، فيطلبون ms235 إليه حاجتهم، فيخرج إليهم وقد مسخ قردا أو ~~خنزيرا، وليمرن الرجل على الرجل، حانوته يبيع فيرجع إليه وقد مسخ قردا أو ~~خنزيرا". # وقال أبو هريرة رضى الله عنه: "لا تقوم الساعة حتى يمشى الرجلان إلى ~~الأمر يعملانه فيمسخ أحدهما قردا أو خنزيرا، فلا يمنع الذى نجا منهما ما ~~رأى بصاحبه أن يمضى إلى شأنه ذلك حتى يقضى شهوته، وحتى يمشى الرجلان إلى ~~الأمر يعملانه، فيخسف بأحدهما، فلا يمنع الذى نجا منهما ما رأى بصاحبه أن ~~يمشى لشأنه ذلك، حتى يقضى شهوته منه". # وقال عبد الرحمن بن غنم: "سيكون حيان متجاورين، فيشق بينهما نهر، ~~فيستقيان منه، قبسهم واحد، يقبس بعضهم من بعض، فيصبحان يوما من الأيام قد ~~خسف بأحدهما والآخر حى". # وقال عبد الرحمن بن غنم أيضا: "يوشك أن يقعد اثنان على رحا يطحنان فيمسخ ~~أحدهما والآخر ينظر". # PageV01P266 # وقال مالك بن دينار: "بلغنى أن ريحا تكون فى آخر الزمان وظلم، فيفزع ~~الناس إلى علمائهم، فيجدونهم قد مسخوا". # قال بعض أهل العلم: إذا اتصف القلب بالمكر والخديعة والفسق، وانصبغ بذلك ~~صبغا تاما، صار صاحبه على خلق الحيوان الموصوف بذلك: من القردة، والخنازير، ~~وغيرهما، ثم لا يزال يتزايد ذلك الوصف فيه حتى يبدو على صفحات وجهه بدوا ~~خفيا ثم يقوى ويتزايد حتى يصير ظاهرا على الوجه، ثم يقوى حتى يقلب الصورة ~~الظاهرة، كما قلب الهيئة الباطنة، ومن له فراسة تامة يرى على صور الناس ~~مسخا من صور الحيوانات التى تخلقوا بأخلاقها فى الباطن، فقل أن ترى محتالا ~~مكارا مخادعا ختارا إلا وعلى وجهه مسخة قرد، وقل ترى رافضيا إلا وعلى وجهه ~~مسخة خنزير، وقل أن ترى شرها نهما، نفسه نفس كلبية إلا وعلى وجهه مسخة كلب. ~~فالظاهر مرتبط بالباطن أتم ارتباط، فإذا استحكمت الصفات المذمومة فى النفس ~~قويت على قلب الصورة الظاهرة، ولهذا خوف النبى صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم من سابق الإمام فى الصلاة بأن يجعل الله صورته صورة حمار، لمشابهته ~~للحمار فى الباطن، فإنه لم يستفد بمسابقة الإمام إلا فساد ms236 صلاته، وبطلان ~~أجره، فإنه لا يسلم قبله، فهو شبه الحمار فى البلادة، وعدم الفطنة. # إذا عرف هذا فأحق الناس بالمسخ هؤلاء الذين ذكروا فى هذه الأحاديث، فهم ~~أسرع الناس مسخا قردة وخنازير، لمشابهتهم لهم فى الباطن، وعقوبات الرب ~~تعالى نعوذ بالله منها جارية على وفق حكمته وعدله. # وقد ذكرنا شبه المغذين والمفتونين بالسماع الشيطانى، ونقضناها نقضا ~~وإبطالا فى كتابنا الكبير فى السماع، وذكرنا الفرق بين ما يحركه سماع ~~الأبيات وما يحركه سماع الآيات، # PageV01P267 # وذكرنا الشبهة التى دخلت على كثير من العباد فى حضوره حتى عدوه من القرب ~~فمن أحب الوقوف على ذلك فهو مستوفى فى ذلك الكتاب، وإنما أشرنا ههنا إلى ~~نبذة يسيرة فى كونه من مكايد الشيطان، وبالله التوفيق. # فصل # ومن مكايده التى بلغ فيها مرادة: مكيدة التحليل، الذى لعن رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم فاعله، وشبهه بالتيس المستعار، وعظم بسببه العار ~~والشنار، وعير المسلمين به الكفار، وحصل بسببه من الفساد مالا يحصيه إلا رب ~~العباد واستكريت له التيوس المستعارات، وضاقت به ذرعا النفوس الأبيات، ~~ونفرت منه أشد من نفارها من السفاح وقالت: لو كان هذا نكاحا صحيحا لم يلعن ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من أتى بما شرعه من النكاح، ~~فالنكاح سنته، وفاعل السنة مقرب غير ملعون، والمحلل مع وقوع اللعنة عليه ~~بالتيس المستعار مقرون، فقد سماه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~بالتيس المستعار، وسماه السلف بمسمار النار، فلو شاهدت الحرائر المصونات، ~~على حوانيت المحللين متبذلات، تنظر المرأة إلى التيس نظرة الشاة إلى شفرة ~~الجازر، وتقول: يا ليتنى قبل هذا كنت من أهل المقابر، حتى إذا تشارطا على ~~ما يجلب اللعنة والمقت، نهض واستتبعها خلفه للوقت، بلا زفاف ولا إعلان، بل ~~بالتخفى والكتمان، فلا جهاز ينقل، ولا فراش إلى بيت الزوج يحول، ولا صواحب ~~يهدينها إليه، ولا مصلحات يجلينها عليه، ولا مهر مقبوض ولا مؤخر ولا نفقة ~~ولا كسوة تقدر، ولا وليمة ولا نثار، ولا دف إعلان ولا شعار، ms237 والزوج يبذل ~~المهر وهذا التيس يطأ بالأجر، حتى إذا خلا بها وأرخى الحجاب، والمطلق ~~والولى واقفان على الباب، دنا ليطهرها بمائه النجس الحرام، ويطيبها بلعنة ~~الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، حتى إذا قضيا عرس التحليل، ولم يحصل ~~بينهما المودة والرحمة التى ذكرها الله تعالى فى التنزيل. فإنها لا تحصل ~~باللعن الصريح، ولا يوجبها إلا النكاح الجائر الصحيح. فإن كان قد قبض أجرة ~~ضرابه سلفا وتعجيلا، وإلا حبسها حتى تعطيه أجره طويلا. فهل سمعتم بزوج لا ~~يأخذ بالساق # PageV01P268 # حتى يأخذ أجرته بعد الشرط والاتفاق؟ حتى إذا طهرها وطيبها، وخلصها بزعمه ~~من الحرام وجنبها. قال لها: اعترفى بما جرى بيننا ليقع عليك الطلاق، فيحصل ~~بعد ذلك بينكما الالتئام والاتفاق، فتأتى المصخمة إلى حضرة الشهود ~~فيسألونها: هل كان ذاك؟ فلا يمكنها الجحود، فيأخذون منها أو من المطلق ~~أجرا، وقد أرهقوهما من أمرهما عسرا هذا، وكثير من هؤلاء المستأجرين للضراب ~~يحلل الأم وابنتها فى عقدين، ويجمع ماءه فى أكثر من أربع وفى رحم أختين، ~~وإذا كان هذا من شأنه وصفته، فهو حقيق بما رواه عبد الله ابن مسعود رضى ~~الله تعالى عنه قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل ~~له". # رواه الحاكم فى الصحيح والترمذى وقال: حديث حسن صحيح، قال: والعمل عليه ~~عند أهل العلم. منهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر رضى ~~الله عنهم، وهو قول الفقهاء من التابعين. # ورواه الإمام أحمد فى "مسنده"، والنسائى فى "سننه" بإسناد صحيح، ولفظهما ~~"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمؤتشمة، والواصلة والموصولة، ~~والمحلل والمحلل له، وآكل الربا وموكله". # وفى "مسند الإمام أحمد"، و"سنن النسائى" أيضا: عن عبد الله بن مسعود رضى ~~الله عنه قال: "آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه، إذا علموا به، والواصلة ~~والمستوصلة، ولاوى الصدقة والمعتدى فيها، والمرتد على عقبيه أعرابيا بعد ~~هجرته، والمحلل والمحلل له: ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يوم ~~القيامة". # وعن على بن أبى طالب رضى الله عنه عن النبى ms238 صلى الله تعالى عليه وسلم ~~"أنه لعن المحلل له"، رواه الإمام أحمد وأهل السنن كلهم غير النسائى. # وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم # PageV01P269 # "لعن الله المحلل والمحلل له" رواه الإمام أحمد بإسناد رجاله كلهم ثقات، ~~وثقهم ابن معين وغيره. # وقال الترمذى فى كتاب "العلل": سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل ~~البخارى عن هذا الحديث؟ فقال: هو حديث حسن، وعبد الله بن جعفر المخزومي ~~صدوق ثقة، وعثمان بن محمد الأخنسي ثقة. # وقال أبو عبد الله بن ماجه فى سننه: حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو عامر ~~عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهران عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما ~~قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له". # وعن ابن عباس أيضا قال: "سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن ~~المحلل؟ فقال: لا، إلا نكاح رغبة، لا نكاح دلسة ولا استهزاء بكتاب الله، ثم ~~تذوق العسيلة". # رواه أبو إسحاق الجوزجانى فى كتاب المترجم قال: أخبرنى إبراهيم بن ~~إسماعيل ابن أبى جبيبة عن داود بن حصين عن عكرمة عنه، وهؤلاء كلهم ثقات إلا ~~إبراهيم، فإن كثيرا من الحفاظ يضعفه والشافعى حسن الرأى فيه، ويحتج بحديثه. # وعن عقبة بن عامر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم: # "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: هو المحلل. ~~لعن الله المحلل والمحلل له". # رواه ابن ماجه بإسناد رجاله كلهم موثقون، لم يجرح واحد منهم. # وعن عمرو بن دينار وهو من أعيان التابعين: "أنه سئل عن رجل طلق امرأته، ~~فجاء رجل من أهل القرية، بغير علمه ولا علمها فأخرج شيئا من ماله فتزوجها ~~ليحلها له، فقال لا، ثم ذكر أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن مثل ذلك ~~فقال: "لا، حتى ينكح مرتغبا لنفسه، فإذا فعل ذلك لم تحل له حتى يذوق ~~العسيلة". # ورواه أبو بكر بن ms239 أبى شيبة فى المصنف بإسناد جيد. # وهذا المرسل قد احتج به من أرسله، فدل على ثبوته عنده، وقد عمل به أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتى، وهو موافق لبقية الأحاديث ~~الموصولة، ومثل هذا حجة # PageV01P270 # باتفاق الأئمة، وهو والذى قبله نص فى التحليل المنوى، وكذلك حديث نافع عن ~~ابن عمر رضى الله عنهما: "أن رجلا له: امرأة تزوجتها أحلها لزوجها، لم ~~يأمرنى، ولم يعلم؟ قال: لا. إلا نكاح رغبة، إن أعجبتك أمسكتها وإن كرهتها ~~فارقتها، وإن كنا لنعد هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سفاحا" ~~ذكره شيخ الإسلام فى إبطال التحليل. # فصل # وأما الآثار عن الصحابة. # ففى كتاب "المصنف" لابن أبى شيبة، و"سنن" الأثرم، و"الأوسط" لابن المنذر، ~~عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: "لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا ~~رجمتهما". # ولفظ عبد الرزاق وابن المنذر: "لا أوتى بمحلل ولا محللا إلا رجمتهما" وهو ~~صحيح عن عمر. # وقال عبد الرزاق: عن معمر عن الزهرى عن عبد الملك بن المغيرة قال: "سئل ~~ابن عمر رضى الله تعالى عنهما عن تحليل المرأة لزوجها؟ فقال: ذاك السفاح"، ~~ورواه ابن أبى شيبة. # وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثورى عبد الله بن شريك العامرى، قال: سمعت ابن ~~عمر رضى الله تعالى عنهما: "سئل عن رجل طلق ابنة عم له، ثم رغب فيها وندم، ~~فأراد أن يتزوجها رجل يحللها له، فقال ابن عمر رضى الله عنهما: كلاهما زان، ~~وإن مكث عشرين سنة، أو نحو ذلك، إذا كان الله يعلم أنه يريد أن يحلها له". # قال وأنبأنا معمر والثورى عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن ابن عباس رضى ~~الله عنهما وسأله رجل فقال: "إن عمى طلق امرأته ثلاثا؟ فقال: إن عمك عصى ~~الله فأندمه، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا، قال: كيف ترى فى رجل ~~يحللها؟ قال: من يخادع الله يخدعه". # PageV01P271 # وعن سليمان بن يسار قال: "رفع إلى عثمان رضى الله عنه رجل تزوج امرأة ~~ليحلها لزوجها، ففرق بينهما، ms240 وقال: لا ترجع إليه إلا بنكاح رغبة غير دلسة". ~~رواه أبو إسحق الجورجانى فى "كتاب المترجم"، وذكره ابن المنذر عنه فى كتاب ~~الأوسط". # وفى "المهذب" لأبى إسحق الشيرازى، عن أبى مرزوق التجيبى: "أن رجلا أتى ~~عثمان رضى الله عنه فقال: إن جارى طلق امرأته فى غضبه، ولقى شدة، فأردت أن ~~أحتسب نفسى ومالى، فأتزوجها" ثم أبنى بها ثم أطلقها فترجع إلى زوجها الأول، ~~فقال له عثمان رضى الله عنه: لا تنكحها إلا نكاح رغبة". # وذكر أبو بكر الطرطوشى فى خلافه عن يزيد بن أبى حبيب عن على بن أبى طالب ~~رضى الله عنه فى المحلل: "لا ترجع إليه إلا بنكاح رغبة غير دلسة ولا ~~استهزاء بكتاب الله"، وعلى رضى الله عنه هو ممن روى عن النبى صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم: "أنه لعن المحلل"، فقد جعل هذا من التحليل. # وروى ابن أبى شيبة فى "مصنفه" عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "لعن الله ~~المحلل والمحلل له"، وهو ممن روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~لعن المحلل. وقد فسره بما قصد به التحليل وإن لم تعلم به المرأة، فكيف بما ~~اتفقا عليه وتراضيا وتعاقدا على أنه نكاح لعنة لا نكاح رغبة؟ # وذكر ابن أبى شيبة عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: "لعن الله المحلل ~~والمحلل له". # وروى الجوزجانى بإسناد جيد عن ابن عمر رضى الله عنهما: "أنه سئل عن رجل ~~تزوج امرأة ليحلها لزوجها، فقال: لعن الله الحال والمحلل له". # قال شيخ الإسلام: وهذه الآثار عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وابن عمر ~~رضى الله عنهم مع أنها نصوص فيما إذا قصد التحليل ولم يظهره، ولم يتواطآ ~~عليه فهى مبينة أن هذا هو التحليل، وهو المحلل الملعون على لسان رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فإن أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم أعلم بمراده ومقصوده. لاسيما إذا رووا حديثا وفسروه بما يوافق ~~الظاهر. هذا مع أنه لم يعلم أن أحدا ms241 من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم فرق بين تحليل وتحليل، ولا رخصوا فى شىء من أنواعه، مع أن ~~المطلقة # PageV01P272 # ثلاثا مثل امرأة رفاعة القرظى قد كانت تختلف إليه المدة الطويلة: وإلى ~~خلفائه لتعود إلى زوجها، فيمنعونها من ذلك. ولو كان التحليل جائزا لدلها ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على ذلك، فإنها لم تكن تعدم من ~~يحللها، لو كان التحليل جائزا. # قال: والأدلة الدالة على أن هذه الأحاديث النبوية قصد بها التحليل وإن لم ~~يشترط فى العقد كثير جدا ليس هذا موضع ذكرها، انتهى. # ذكر الآثار عن التابعين # قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن قتادة قال: "إذا نوى الناكح، أو المنكح، ~~أو المرأة، أو أحد منهم التحليل. فلا يصلح". # أخبرنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: "المحلل عامدا، هل عليه عقوبة؟ قال: ما ~~علمت، وإنى لأرى أن يعاقب" قال: وكلهم إن تمالئووا على ذلك مستوون، وإن ~~أعظموا الصداق". # أخبرنا معمر عن قتادة قال: "إن طلقها المحلل فلا يحل لزوجها الأول أن ~~يقربها إذا كان نكاحه على وجه التحليل". # أخبرنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: "فطلق المحلل، فراجعها زوجها؟ قال: يفرق ~~بينهما". # أخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول، فى رجل تزوج امرأة يحللها ولا يعلمها؟ ~~فقال الحسن: "اتق الله، ولا تكن مسمار نار فى حدود الله". # قال ابن المنذر: وقال إبراهيم النخعى: "إذا كان نية أحد الثلاثة: الزوج ~~الأول، أو الزوج الآخر، أو المرأة: أنه محلل، فنكاح الآخر باطل، ولا تحل ~~للأول". # PageV01P273 # [قال: وقال الحسن البصرى: "إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل فقد أفسد"] . # قال: وقال بكر بن عبد الله المزنى فى الحال والمحلل له: "أولئك كانوا ~~يسمون فى الجاهلية: التيس المستعار". # قال: وقال عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد فى قوله تعالى: {إن ظنا أن ~~يقيما حدود الله} [البقرة: 230] . # قال: "إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة" ورواه ابن أبى حاتم فى التفسير ~~عنه. # وقال هشيم: أخبرنا سيار عن الشعبى: "أنه سئل عن رجل تزوج ms242 امرأة كان زوجها ~~طلقها ثلاثا قبل ذلك: أيطلقها لترجع إلى زوجها الأول؟ فقال: لا، حتى يحدث ~~نفسه أنه يعمر معها وتعمر معه" أى تقيم معه، رواه الجوزجانى. # وروى عن النفيلى، حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبى غنية، حدثنا عبد الملك ~~عن عطاء: "فى الرجل يطلق المرأة، فينطلق الرجل الذى يتحزن له، فيتزوجها من ~~غير مؤامرة منه، فقال: إن كان تزوجها ليحلها له لم تحل له، وإن كان تزوجها ~~يريد إمساكها، فقد حلت له". # وقال سعيد بن المسيب: "فى رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها الأول، ولم يشعر ~~بذلك زوجها الأول ولا المرأة، قال: إن كان إنما نكحها ليحلها، فلا يصلح ذلك ~~لهما، ولا تحل له" رواه حرب فى مسائله. # وعنه أيضا قال: "إن الناس يقولون: حتى يجامعها، وأنى أقول: إذا تزوجها ~~تزويجا صحيحا لا يريد بذلك إحلالها، فلا بأس أن يتزوجها الأول" رواه سعيد ~~ابن منصور عنه. # فهؤلاء الأئمة الأربعة أركان التابعين، وهم: الحسن، وسعيد بن المسيب، ~~وعطاء بن أبى رباح وإبراهيم النخعى. # وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد: "فى رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها الأول، ~~وهو لا يعلم، قال لا يصلح ذلك، إذا كان تزوجها ليحلها". # PageV01P274 # ذكر الاثار عن تابعى التابعين ومن بعدهم # قال ابن المنذر: وممن قال: إن ذلك لا يصلح إلا نكاح رغبة: مالك بن أنس، ~~والليث بن سعد، وقال مالك رحمة الله: "يفرق بينهما على كل حال وتكون الفرقة ~~فسخا بغير طلاق". # وقال سفيان الثورى: "إذا تزوجها، وهو يريد أن يحلها لزوجها، ثم بدا له أن ~~يمسكها لا يعجبنى إلا أن يفارق، ويستقبل نكاحا جديدا". # قال أحمد بن حنبل: "جيد". # وقال إسحاق: "لا يحل له أن يمسكها، لأن المحلل لم تتم له عقدة النكاح". # وكان أبو عبيد يقول بقول الحسن والنخعى. # وقال الجوزجانى: حدثنا إسماعيل بن سعيد قال: سألت أحمد بن حنبل عن الرجل ~~تزوج المرأة وفى نفسه أن يحللها لزوجها الأول ولم تعلم المرأة بذلك؟ فقال: ~~"هو محلل، وإذا أراد بذلك الإحلال فهو ملعون". # قال ms243 الجوزجانى: وبه قال أيوب. # وقال ابن أبى شيبة: "لست أرى أن ترجع بهذا النكاح إلى زوجها الأول". # قال الجوزجانى: وأقول: إن الإسلام دين الله الذى اختاره واصطفاه، وطهره، ~~حقيق بالتوقير والصيانة مما لعله يشينه، وينزه مما أصبح أبناء الملل من أهل ~~الذمة يعيرون به المسلمين، على ما تقدم فيه من النهى عن النبى صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم ولعنه عليه، ثم ساق الأحاديث المرفوعة فى ذلك ~~والآثار. # فصل # ومن العجائب معارضة هذه الأحاديث والآثار عن الصحابة بقوله تعالى: {فإن ~~طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] . # والذى أنزلت عليه هذه الآية # PageV01P275 # هو الذى لعن المحلل والمحلل له، وأصحابه أعلم الناس بكتاب الله تعالى: ~~فلم يجعلوه زوجا وأبطلوا نكاحه، ولعنوه. # وأعجب من هذا قول بعضهم: نحن نحتج بكونه سماه "محللا" فلولا أنه أثبت ~~الحل لم يكن محللا. # فيقال: هذه من العظائم، فإن هذا يتضمن أن رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم لعن من فعل السنة التى جاء بها، وفعل ما هو جائز صحيح فى شريعته، ~~وإنما سماه محللا لأنه أحل ما حرم الله، فاستحق اللعنة، فإن الله سبحانه ~~حرمها على المطلق، حتى تنكح زوجا غيره، والنكاح اسم فى كتاب الله وسنة ~~رسوله للنكاح الذى يتعارفه الناس بينهم نكاحا، وهو الذى شرع إعلانه، والضرب ~~عليه بالدفوف، والوليمة فيه، وجعل للإيواء والسكن، وجعله الله مودة ورحمة، ~~وجرت العادة فيه بضد ما جرت به فى نكاح المحلل، فإن المحلل لم يدخل على ~~نفقة ولا كسوة، ولا سكنى، ولا إعطاء مهر، ولا تحصل نسب ولا صهر، ولا قصد ~~المقام مع الزوجة، وإنما دخل عارية كالتيس المستعار للضراب، ولهذا شبهه به ~~النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ثم لعنه، فعلم قطعا [لا شك فيه أنه ~~ليس هو الزوج المذكور فى القرآن، ولا نكاحه هو النكاح المذكور فى القرآن، ~~وقد فطر الله سبحانه قلوب الناس على أن هذا] ليس بنكاح، ولا المحلل بزوج، ~~وأن هذا منكر قبيح تعير به ms244 المرأة والزوج، والمحلل والولى، فكيف يدخل هذا ~~فى النكاح الذى شرعه الله ورسوله، وأحبه، وأخبر أنه سنته، ومن رغب عنه فليس ~~منه؟ # وتأمل قوله تعالى: {فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا} [البقرة: 230] ~~. # أى فإن طلقها هذا الثانى، فلا جناح عليها وعلى الأول أن يتراجعا، أى ترجع ~~إليه بعقد جديد، فأتى بحرق "إن" الدالة على أنه يمكنه أن يطلق وأن يقيم، ~~والتحليل الذى يفعله هؤلاء لا يتمكن الزوج فيه من الأمرين، بل يشرطون عليه ~~أنه متى وطئها فهى طالق، ثم لما علموا أنه قد لا يخبر بوطئها ولا يقبل ~~قولها فى وقوع الطلاق، انتقلوا إلى أن جعلوا الشرط إخبار المرأة بأنه دخل ~~بها، فبمجرد إخبارها بذلك تطلق عليه، والله سبحانه أنه شرع النكاح للوصلة ~~الدائمة # PageV01P276 # وللاستمتاع، وهذا النكاح جعله أصحابه سببا لا نقطاعه، ولوقوع الطلاق فيه، ~~فإنه متى وطئ كان وطؤه سببا لانقطاع النكاح، وهذا ضد شرع الله. # وأيضا. فإن الله سبحانه جعل نكاح الثانى وطلاقه واسمه كنكاح الأول وطلاقه ~~واسمه. فهذا زوج، وهذا زوج، وهذا نكاح، وهذا نكاح، وكذلك الطلاق، ومعلوم أن ~~نكاح المحلل وطلاقه واسمه لا يشبه نكاح الأول ولا طلاقه، ولا اسمه كاسمه، ~~ذاك زوج راغب، قاصد للنكاح. باذل للمهر، ملتزم للنفقة والسكنى والكسوة وغير ~~ذلك من خصائص النكاح، والمحلل برئ من ذلك كله، غير ملتزم لشئ منه. # وإذا كان الله تعالى ورسوله قد حرم نكاح المتعة مع أن قصد الزوج ~~الاستمتاع بالمرأة، وأن يقيم معها زمانا، وهو ملتزم لحقوق النكاح، فالمحلل ~~الذى ليس له غرض أن يقيم مع المرأة إلا قدر ما ينزو عليها كالتيس المستعار ~~لذلك ثم يفارقها أولى بالتحريم. # وسمعت شيخ الإسلام يقول: نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من عشرة أوجه: # أحدها: أن نكاح المتعة كان مشروعا فى أول الإسلام، ونكاح التحليل لم يشرع ~~فى زمن من الأزمان. # الثانى: أن الصحابة تمتعوا على عهد النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ~~ولم يكن فى الصحابة محلل قط. # الثالث: أن نكاح المتعة مختلف فيه ms245 بين الصحابة، فأباحه ابن عباس، وإن ~~قيل: إنه رجع عنه، وأباحه عبد الله بن مسعود. ففى "الصحيحين" عنه قال: "كنا ~~نغزو مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وليس لنا نساء، فقلنا: ~~ألا نختصى؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل". # ثم قرأ عبد الله: {يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} ~~[المائدة: 87] . وفتوى ابن عباس بها مشهورة. # قال عروة: "قام عبد الله بن الزبير بمكة فقال: إن ناسا أعمى الله قلوبهم، ~~كما أعمى أبصارهم، يفتون بالمتعة يعرض بعبد الله بن عباس، فناداه، فقال: ~~إنك لجلف جاف، فلعمرى لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين، يريد ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، # PageV01P277 # فقال له ابن الزبير: فجرب نفسك، فو الله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك". # فهذا قول ابن مسعود وابن عباس فى المتعة، وذاك قولهما وروايتهما فى نكاح ~~التحليل. # الرابع: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لم يجئ عنه فى لعن ~~المستمتع والمستمتع بها حرف واحد، وجاء عنه فى لعن المحلل والمحلل له، وعن ~~الصحابة: ما قد تقدم. # الخامس: أن المستمتع له غرض صحيح فى المرأة، ولها غرض أن تقيم معه مدة ~~النكاح. فغرضه المقصود بالنكاح مدة، والمحلل لا غرض له سوى أنه مستعار ~~للضراب كالتيس. فنكاحه غير مقصود له، ولا للمرأة، ولا للولى، وإنما هو كما ~~قال الحسن: "مسمار نار فى حدود الله" وهذه التسمية مطابقة للمعنى. # قال شيخ الإسلام: يريد الحسن: أن المسمار هو الذى يثبت الشئ المسمور، ~~فكذلك هذا يثبت تلك المرأة لزوجها، وقد حرمها الله عليه. # السادس: أن المستمتع لم يحتل على تحليل ما حرم الله، فليس من المخادعين ~~الذين يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، بل هو ناكح ظاهرا وباطنا، ~~والمحلل ماكر مخادع، متخذ آيات الله هزوا. ولذلك جاء فى وعيده ولعنه ما لم ~~يجئ فى وعيد المستمتع مثله، ولا قريب منه. # السابع: أن المستمتع يريد المرأة لنفسه، وهذا هو سر ms246 النكاح ومقصوده، ~~فيريد بنكاحه حلها له، ولا يطؤها حراما، والمحلل لا يريد حلها لنفسه، وإنما ~~يريد حلها لغيره، ولهذا سمى محللا، فأين من يريد أن يحل له وطء امرأة يخاف ~~أن يطأها حراما إلى من لا يريد ذلك، وإنما يريد بنكاحها أن يحل وطأها ~~لغيره؟ فهذا ضد شرع الله ودنيه، وضد ما وضع له النكاح. # الثامن: أن الفطر السليمة والقلوب التى لم يتمكن منها مرض الجهل والتقليد ~~تنفر من التحليل أشد نفار، وتعير به أعظم تعيير، حتى إن كثيرا من النساء ~~تعير المرأة به أكثر مما تعيرها بالزنا، ونكاح المتعة لا تنفر منه الفطر ~~والعقول، ولو نفرت منه لم يبح فى أول الإسلام. # التاسع: أن نكاح المتعة يشبه إجارة الدابة مدة للركوب، وإجارة الدار مدة ~~للانتفاع # PageV01P278 # والسكنى، وإجارة العبد للخدمة مدة، ونحو ذلك، مما للباذل فيه غرض صحيح. ~~ولكن لما دخله التوقيت أخرجه عن مقصود النكاح، الذى شرع بوصف الدوام ~~والاستمرار، وهذا بخلاف نكاح المحلل، فإنه لا يشبه شيئا من ذلك، ولهذا شبهه ~~الصحابة رضى الله عنهم بالسفاح، وشبهوه باستعارة التيس للضراب. # العاشر: أن الله سبحانه نصب هذه الأسباب، كالبيع والإجارة، والهبة ~~والنكاح، مفضية إلى أحكام جعلها مسببات لها ومقتضيات، فجعل البيع سببا لملك ~~الرقبة، والاجارة سببا لملك المنفعة أو الانتفاع، والنكاح سببا لملك البضع ~~وحل الوطء. والمحلل مناقض معاكس لشرع الله تعالى ودينه، فإنه جعل نكاحه ~~سببا لتمليك المطلق- البضع وإحلاله له، ولم يقصد بالنكاح ما شرعه الله له ~~من ملكه هو للبضع، وحله له، ولا له غرض فى ذلك، ولا دخل عليه. وإنما قصد به ~~أمرا آخر لم يشرع له ذلك السبب، ولم يجعل طريقا له. # الحادى عشر: أن المحلل من جنس المنافق، فإن المنافق يظهر أنه مسلم ملتزم ~~لعقد الإسلام ظاهرا وباطنا، وهو فى الباطن غير ملتزم له. وكذلك المحلل يظهر ~~أنه زوج، وأنه يريد النكاح، ويسمى المهر، ويشهد على رضى المرأة، وفى الباطن ~~بخلاف ذلك، لا يريد أن يكون زوجا، ولا أن تكون المرأة زوجة له، ولا ms247 يريد ~~بذل الصداق، ولا القيام بحقوق النكاح، وقد أظهر خلاف ما أبطن، وأنه مريد ~~لذلك. والله يعلم والحاضرون والمرأة وهو، والمطلق: أن الأمر كذلك، وأنه غير ~~زوج على الحقيقة، ولا هى امرأته على الحقيقة. # الثانى عشر: أن نكاح المحلل لا يشبه نكاح أهل الجاهلية، ولا نكاح أهل ~~الإسلام، فكان أهل الجاهلية يتعاطون فى أنكحتهم أمورا منكرة، ولم يكونوا ~~يرضون نكاح التحليل، ولا يفعلونه. ففى "صحيح البخارى" عن عروة بن الزبير أن ~~عائشة رضى الله عنها أخبرته: "أن النكاح فى الجاهلية كان على أربعة أنحاء: ~~فنكاح منها نكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته، ~~فيصدقها ثم ينكحها". و"نكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته، إذا طهرت من ~~طمثها: أرسلى إلى فلان، فاستبضعى منه، فيعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا، حتى ~~يتبين حملها من ذلك الرجل، الذى تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها ~~إذا أحب، وإنما يفعل ذلك # PageV01P279 # رغبة فى نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر: يجتمع ~~الرهط مادون العشرة، فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومر ~~ليالى بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى ~~يجتمعوا عندها، فتقول لهم: قد عرفتم الذى كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك ~~يا فلان، تسمى من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع منه، ~~ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، ولا تمنع من جاءها، ~~وهن البغايا. كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما، فمن أرادهن دخل عليهن، ~~فإذا حملت إحداهن فوضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها ~~بالذى يرون فالتاط به ودعى ابنه لا يمتنع من ذلك. فلما بعث الله تعالى ~~محمدا صلى الله تعالي عليه وآله وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله، إلا ~~نكاح الناس اليوم. # ومعلوم أن نكاح المحلل ليس من نكاح الناس الذى أشارت إليه عائشة رضى الله ~~عنها أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أقره ولم يهدمه، ولا ms248 كان ~~أهل الجاهلية يرضون به، فلم يكن من أنكحتهم، فإن الفطر والأمم تنكره وتعير ~~به. # فصل # وسبب هذا كله: معصية الله ورسوله، وطاعة الشيطان فى إيقاع الطلاق على غير ~~الوجه الذى شرعه الله، والله سبحانه يبغض الطلاق فى الأصل، كما روى أبو ~~داود من حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم: "أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق". # وفى سنن ابن ماجه من حديث أبى موسى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم: "ما بال قوم يلعبون بحدود الله يقول: قد طلقتك، ~~قد راجعتك، قد طلقتك". # وفى "صحيح" مسلم عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث ~~سراياه، فأدناهم منزلة أعظمهم فتنة، يجىء # PageV01P280 # أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا فيقول: ما صنعت شيئا، قال: ويجىء أحدهم، ~~فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، قال: فيدنيه منه، أو قال ~~فيلتزمه، ويقول: نعم أنت أنت". # فالشيطان وحزبه قد أغروا بإيقاع الطلاق، والتفريق بين المرء وزوجه، ~~وكثيرا ما يندم المطلق، ولا يصبر عن امرأته، ولا تطاوعه نفسه أن يصبر عنها ~~إلى أن تتزوج زواج رغبة تبقى فيه مع الزوج إلى أن يموت عنها أو يفارقها إذا ~~قضى منها وطره، ولابد له من المرأة، فيهرع إلى التحليل وهو حيلة من عشر حيل ~~نصبوها للناس. # إحداها: التحيل على عدم وقوع الطلاق، وهو نوعان، تحيل على عدم وقوعه مع ~~صحة النكاح بالتسريح، فيأمرونه أن يقول لها: إذا طلقتك، أو إذا وقع عليك ~~طلاقى، فأنت طالق قبله ثلاثا، فلا يمكن أن يقع عليها الطلاق بعد هذا، لا ~~مطلقا ولا مقيدا عن المسرحين، فسدوا باب الطلاق وجعلوا المرأة كالغل فى عنق ~~الزوج، لا سبيل له إلى طلاقها أبدا. # الحيلة الثانية: التحيل على عدم وقوع الطلاق، يكون النكاح فاسدا، فلا يقع ~~فيه الطلاق، ويتحيلون لبيان ms249 فساده من وجوه: # منها: أن عدالة الولى شرط فى صحته، فإذا كان فى الولى ما يقدح فى عدالته، ~~فالنكاح باطل، فلا يقع فيه الطلاق، والقوادح كثيرة، فلا تكاد تفتش فيمن شئت ~~إلا وجدت فيه قادحا. # ومنها: أن عدالة الشهود شرط، والشاهد يفسق بجلوسه على مقعد حرير، أو ~~استناده إلى مسند حرير، أو جلوسه تحت حركاة حرير، أو تجمره بمجمرة فضة، ~~ونحو ذلك، مما لا يكاد يخلو البيت منه وقت العقد ونحو ذلك. # فيا للعجب، يكون الوطء حلالا، والنسب لاحقا، والنكاح صحيحا حتى يقع ~~الطلاق، فحينئذ يطلب وجوه إفساده. # الحيلة الثالثة: التحيل بالمخالعة، حتى يفعل المحلوف عليه، فإذا فعله ~~تزوجها بعقد جديد. # الحيلة الرابعة: إذا وقع الفأس فى الرأس، وحنث، ولابد، اشترى غلاما دون ~~البلوغ # PageV01P281 # وزوجه بها وأمرها أن تمكنه من إيلاج الحشفة هناك، فإذا فعل وهبها إياه ~~فانفسخ نكاحها بملكه فتعتد وترد إلى المطلق، فإن عجزوا عن ذلك وآعوزهم ~~انتقلوا إلى: # الحيلة الخامسة: وهى استكراء التيس الملعون المستعار لينزوا عليها ويحلها ~~بزعمه، فهذه خمس حيل للخاصة. # وأما جهال العامة فلما رأوا أن المقصود التحيل على ردها إلى المطلق بأى ~~طريق اتفق 0 قالوا: المقصود هو الرجوع، والحيلة مقصودة لغيرها، وأعيان ~~الحيل ليست مقصودة، فاستنبطوا لهم خمس حيل أخرى. # إحداها: أن يأمروا المحلل بأن يطأها برجله، فيطأها، وهى قاعدة أو مضطجعة ~~برجله ثم يخرج، ورأوا أن الوطء بالرجل أسهل عليهم وأقل مفسدة من الوطء ~~بالآلة. فإنه إذا كان كلاهما غير مقصود، فما كان أقل فسادا كان أقرب إلى ~~المقصود. # الحيلة الثانية: أن تكون حاملا فتلد ذكرا، وكأنهم قاسوا الذكر الذى شقها ~~خارجا على الذكر الذى يشقها داخلا، وهذا من جنس قياس التيس الملعون على ~~الزوج المقصود. # الحيلة الثالثة: أن يصب المحلل عليها دهنا يشربه جسدها ولا يطؤها، وكأنهم ~~قاسوا تشرب جسدها للدهن وسريانه فيه على شربه للنطفة وسريانها فيه. # الحيلة الرابعة: السفر عنها أو سفرها عنه، فإذا قدم ظن أن ذلك كاف عن ~~الزوج، ولا أدرى من أين ألقى إليهم الشيطان ms250 ذلك، وكأنهم ظنوا أنهم قد ~~التقوا من الآن، وأن السفر قطع حكم ما مضى رأسا. # الحيلة الخامسة: أن يجتمعا على عرفات، فإذا وقف بها على الجبل لم يحتج ~~بعد ذلك إلى زوج آخر عندهم، وقد سئلنا نحن وغيرنا عن ذلك وسمعناه منهم. # PageV01P282 # فصل # واعلم أن من اتقى الله فى طلاقة، فطلق كما أمره الله ورسوله، وشرعه له. ~~أغناه عن ذلك كله، ولهذا قال تعالى، بعد أن ذكر حكم الطلاق المشروع: {ومن ~~يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] . # فلو اتقى الله عامة المطلقين لاستغنوا بتقواه عن الآصار والأغلال، والمكر ~~والاحتيال، فإن الطلاق الذى شرعه الله سبحانه: أن يطلقها طاهرا من غير ~~جماع، ويطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضى عدتها. فإن بدا له أن يمسكها فى ~~العدة أمسكها، وإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها أمكنه أن تستقبل عليها من ~~غير زوج آخر، وإن لم يكن له فيها غرض لم يضره أن تتزوج بزوج غيره، فمن فعل ~~هذا لم يندم، ولم يحتج إلى حيلة بزوج ولا تحليل. # ولهذا سئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته مائة؟ فقال: "عصيت ربك، وفارقت ~~امرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجا". # وقال سعيد بن جبير: "جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: إنى طلقت امرأتى ألفا، ~~فقال: أما ثلاث فتحرم عليك امرأتك، وبقيتهن وزر، اتخذت آيات الله هزوا". # وقال مجاهد: "كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا. ~~فسكت، حتى ظننت أنه رادها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم ~~يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس، وإن الله تعالى قال: {ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا} [الطلاق: 2] ، وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، ~~وبانت منك امرأتك، ذكره أبو داود. # وقد روى النسائى عن محمود بن لبيد قال: " أخبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبان، ثم قال: أيلعب ~~بكتاب الله وأنآ بين أظهركم؟ حتى قام رجل، فقال: يا رسول الله، ألا ms251 أقتله؟ ~~". # وهذه الآثار موافقة لما دل عليه القرآن، فإن الله سبحانه إنما شرع الطلاق ~~مرة بعد مرة. ولم يشرعه جملة واحدة أصلا. قال تعالى: {الطلاق مرتان} ~~[البقرة: 229] ، والمرتان فى لغة العرب، بل وسائر لغات الناس إنما تكون لما ~~يأتى مرة بعد مرة، فهذا القرآن من أوله إلى # PageV01P283 # آخره، وسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وكلام العرب قاطبة ~~شاهد بذلك، كقوله تعالى: # {سنعذبهم مرتين} [التوبة: 101] وقوله: {أولا يرون أنهم يفتنون فى كل عام ~~مرة أو مرتين} [التوبة: 126] وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم ~~الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات} [النور: 58] . # ثم فسرها بالأوقات الثلاثة، وشواهد هذا أكثر من أن تحصى. # ثم قال سبحانه: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} ~~[البقرة: 230] . # فهذه هى المرة الثالثة. # فهذا هو الطلاق الذى شرعه الله سبحانه مرة بعد مرة، فهذا شرعه من حيث ~~العدد. # وأما شرعه من حيث الوقت: فشرع الطلاق للعدة، وقد فسره النبى صلى الله ~~عليه وآله وسلم بأن يطلقها طاهرا من غير جماع، فلم يشرع جمع ثلاث، ولا ~~تطليقتين، ولم يشرع الطلاق فى حيض، ولا فى طهر وطئها فيه، وكان المطلق فى ~~زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كله وزمن أبى بكر كله، وصدرا من ~~خلافة عمر رضى الله عنهما، إذا طلق ثلاثا يحسب له واحدة، وفى ذلك حديثان ~~صحيحان: أحدهما رواه مسلم فى "صحيحه"، والثانى: رواه الإمام أحمد فى ~~"مسنده". # فأما حديث مسلم: فرواه من طريق ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضى الله ~~عنهما قال: # "كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر ~~وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر رضى الله عنه: إن الناس ~~قد استعجلوا فى أمر كانت لهم أناة، فلو أمضيناه عليهم؟ فأمضاه عليهم". # وفى "صحيحه" أيضا عن طاوس: أن أبا الصهباء قال لابن عباس: # "هات من هنياتك: ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد ms252 رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم، وأبى بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك فلما كان فى عهد عمر ~~تتايع الناس فى الطلاق، فأجازه عليهم". # وفى لفظ لأبى داود: "أن رجلا يقال له: أبو الصهباء، كان كثير السؤال لابن ~~عباس، قال: # PageV01P284 # أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها ~~واحدة على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر، وصدرا من ~~إمارة عمر رضى الله عنهما؟ فقال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ~~ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة، على عهد رسول الله صلى الله تعالى ~~وآله وسلم، وأبى بكر، وصدرا من إمارة عمر رضى الله عنهما، فلما رأى الناس ~~قد تتابعوا فيها قال: أجرهن عليهم"، هكذا فى هذه الرواية: "قبل أن يدخل ~~بها" وبها أخذ إسحاق بن راهويه، وخلق من السلف، جعلوا الثلاث واحدة فى غير ~~المدخول بها. وسائر الروايات الصحيحة ليس فيها: "قبل الدخول" ولهذا لم يذكر ~~مسلم منها شيئا. # وهذا الحديث قد رواه عن ابن عباس ثلاثة نفر: طاوس وهو أجل من روى عنه، ~~وأبو الصهباء العدوى، وأبو الجوزاء. وحديثه عند الحاكم فى "المستدرك". # ولفظه: "أن أبا الجوزاء أتى ابن عباس فقال: أتعلم أن الثلاث كن يرددن على ~~عهد رسول الله عليه الصلاة السلام إلى واحدة؟ قال: نعم"، قال الحاكم: هذا ~~حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. # ورواية طاوس نفسه عن ابن عباس ليس فى شئ منها "قبل الدخول" وإنما حكى ذلك ~~طاوس عن سؤال أبى الصهباء لابن عباس، فأجابه ابن عباس بما سأله عنه. ولعله ~~إنما بلغه جعل الثلاث واحدة فى حق مطلق قبل الدخول، فسأل عن ذلك ابن عباس، ~~وقال: "كانوا يجعلونها واحدة"، فقال له ابن عباس "نعم" أى الأمر على ما ~~قلت. # وهذا لا مفهوم له فإن التقييد فى الجواب وقع فى مقابلة تقييد السؤال، ~~ومثل هذا لا يعتبر مفهومه. # نعم. لو لم يكن السؤال مقيدا فقيد المسئول الجواب، كان مفهومه معتبرا، ms253 ~~وهذا كما إذا سئل عن فأرة وقعت فى سمن، فقال: "إذا وقعت الفأرة فى السمن ~~فألقوها وما حولها وكلوه". # لم يدل ذلك على تقييد الحكم بالسمن خاصة. # وبالجملة فغير المدخول بها فرد من أفراد النساء، فذكر النساء مطلقا فى ~~أحد الحديثين، # PageV01P285 # وذكر بعض أفرادهن فى الحديث الآخر، لا تعارض بينهما. # وأما الحديث الآخر: فقال أبو داود فى "سننه": حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ~~عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال: أخبرنى بعض بنى أبى رافع- مولى النبى صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم- عن عكرمة عن ابن عباس قال: "طلق عبد يزيد- أبو ~~ركانة وإخوته- أم ركانة ونكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى النبى صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم، فقالت: ما يغنى عنى إلا كما تغنى هذه الشعرة- لشعرة ~~أخذتها من رأسها- ففرق بينى وبينه، فأخذت النبى صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم حمية، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: "أترون فلانا يشبه منه كذا ~~وكذا؟ من عبد يزيد، وفلانا يشبه منه كذا وكذا؟ " قالوا: نعم، فقال النبى ~~صلى الله عليه وآله وسلم: "طلقها"، ففعل، فقال: راجع امرأتك أم ركانة، ~~فقال: إنى طلقتها ثلاثا يا رسول الله، قال: قد علمت، راجعها، وتلا: {يأيها ~~النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ... الآية} [الطلاق: ~~1] ". # فأمره أن يراجعها وقد طلقها ثلاثا، وتلا الآية التى هى وما بعدها صريحة ~~فى كون الطلاق الذى شرعه الله لعباده هو الطلاق الذى يكون للعدة، فإذا ~~شارفت انقضاءها، فإما أن يمسكها بمعروف أو يفارقها بمعروف، وأنه سبحانه ~~شرعه على وجه التوسعة والتيسير، فلعل المطلق أن يندم، فيكون له سبيل إلى ~~الرجعة، وهو قوله تعالى: {لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1] ~~. # فأمره بالمراجعة، وتلاوته الآية كاف فى الاستدلال على ما كان عليه الحال. # فإن قيل: فهذا الحديث فيه مجهول، وهو بعض بنى [أبى] رافع، والمجهول لا ~~تقوم به حجة. # فالجواب من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن الإمام أحمد قد قال فى "المسند": حدثنا سعد بن إبراهيم حدثنا ~~أبى عن محمد بن إسحق ms254 قال: حدثنى داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن ~~ابن عباس قال: # PageV01P286 # "طلق ركانة بن عبد يزيد- أخو المطلب- امرأته ثلاثا فى مجلس واحد، فحزن ~~عليها حزنا شديدا، فسأله رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "كيف ~~طلقتها؟ " قال: طلقتها ثلاثا قال: "فى مجلس واحد؟ " قال: نعم، قال: "فإنما ~~تلك واحدة، فارجعها إن شئت"، قال: فراجعها" قال: "وكان ابن عباس يرى أن ~~الطلاق عند كل طهر". # ورواه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسى فى "مختاراته" ~~التى هى أصح من "صحيح الحاكم". # فهذا موافق للأول، وكلاهما موافق لحديث طاوس، وأبى الصهباء، وأبى الجوزاء ~~عن ابن عباس، وطاوس وعكرمة أعلم أصحاب ابن عباس. فإن عكرمة كان مولاه ~~مصاحبا له وكان يقيده على العلم، وكان طاوس خاصا عنده يجتمع به كثيرا، ~~ويدخل عليه مع الخاصة. وكان طاوس وعكرمة يفتيان بأن الثلاث واحدة، وكذلك ~~ابن إسحق، لما صح عنده هذا الحديث أفتى بموجبه، وكان يقول: "جهل السنة فيرد ~~إليها". # فرواة هذا الحديث أفتوا به وعملوا به. # وعن ابن عباس فيه روايتان إحداهما: موافقة عمر رضى الله عنه تأديبا ~~وتعزيرا للمطلقين، والثانية: الإفتاء بموجبه. # وروى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس- وحسبك بهذا السند صحة ~~وجلالة- "إذا قال: أنت طالق ثلاثا بفم واحد، فهى واحدة" ذكره أبو داود في ~~"السنن". # الوجه الثانى: أن هذا المجهول هو من التابعين، من أبناء مولى النبى صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم، ولم يكن الكذب مشهورا فيهم، والقصة معروفة ~~محفوظة، وقد تابعه عليها داود بن الحصين وهذا يدل على أنه حفظها. # الوجه الثالث: أن روايته لم يعتمد عليها وحدها، فقد ذكرنا رواية داود بن ~~الحصين، وحديث أبى الصهباء، فهب أن وجود روايته وعدمها سواء، ففى حديث داود ~~كفاية، وقد زالت تهمة تدليس ابن إسحاق بقوله "حدثنى به" وقد احتج الأئمة ~~بهذا السند بعينه فى حديث # PageV01P287 # تقدير العرايا بخمسة أوسق أو دونها، وأخذوا به وعملوا بموجبه، مع مخالفة ~~عمومات الأحاديث الصحيحة فى منع بيع ms255 الرطب بالتمر له: # والقول بهذه الأحاديث موافق لظاهر القرآن، ولأقوال الصحابة، وللقياس ~~ومصالح بنى آدم. # أما ظاهر القرآن: فإن الله سبحانه شرع الرجعة فى كل طلاق، إلا طلاق غير ~~المدخول بها، والمطلقة طلقة ثالثة بعد الأولتين، وليس فى القرآن طلاق بائن ~~قط، إلا فى هذين الموضعين وأحدهما بائن غير محرم، والثانى بائن محرم، وقال ~~تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] . # والمرتان ما كان مرة بعد مرة، كما تقدم. # PageV01P288 # وأما القياس، فإن الله سبحانه قال: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم ~~شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: 6] ، ثم قال: ~~{ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله} [النور: 8] ، # فلو قال: أشهد بالله أربع شهادات إنى صادق، أو قالت: أشهد بالله أربع ~~شهادات إنه كاذب، كانت شهادة واحدة، ولم تكن أربعا، فكيف يكون قوله، أنت ~~طالق ثلاثا ثلاث تطليقات؟ وأى قياس أصح من هذا؟ وهكذا كل ما يعتبر فيه ~~العدد من الإقرار ونحوه، ولهذا لو قال المقر بالزنى: إنى أقر بالزنى أربع ~~مرات، كان ذلك مرة واحدة، وقد قال الصحابة لماعز: "إن أقررت أربعا رجمك ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم" فلو قال: أقر به أربع مرات، كانت ~~مرة واحدة. فهكذا الطلاق سواء. # فهذا القياس، وتلك الآثار، وذاك ظاهر القرآن. # وأما أقوال الصحابة: فيكفى كون ذلك على عهد الصديق، ومعه جميع الصحابة، ~~لم يختلف عليه منهم أحد، ولا حكى في زمانه القولان، حتى قال بعض أهل العلم: ~~إن ذلك إجماع قديم وإنما حدث الخلاف فى زمن عمر رضى الله عنه، واستمر ~~الخلاف فى المسألة إلى وقتنا هذا، كما سنذكره. # قالوا: فقد صح بلا شك أنهم كانوا فى زمن رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم، وأبى بكر مدة خلافته كلها، وصدرا من خلافة عمر رضى الله عنهما ~~يوقعون على من طلق ثلاثا واحدة. # قالوا: فنحن أحق بدعوى الإجماع منكم، لأنه لا يعرف فى عهد الصديق أحد رد ~~ذلك ولا خالفه، فإن كان إجماع فهو من جانبنا أظهر ممن ms256 يدعيه من نصف خلافة ~~عمر رضى الله عنه، وهلم جرا، فإنه لم يزل الاختلاف فيها قائما، وذكره أهل ~~العلم فى مصنفاتهم قديما وحدثنا. # فممن ذكر الخلاف فى ذلك: داود، وأصحابه، واختاروا أن الثلاث واحدة. # وممن حكى الخلاف: الطحاوى فى كتابه "اختلاف العلماء"، وفى كتاب "تهذيب ~~الآثار"، # PageV01P289 # وأبو بكر الرازى فى كتاب "أحكام القرآن"، وحكاه ابن المنذر، وحكاه ابن ~~جرير، وحكاه المؤرخ فى "تفسيره"، وحكى حجة القولين، ثم قال: وهى مسألة خلاف ~~بين العلماء، وحكاه محمد بن نصر المروزى، واختار القول بالثلاث: أنها واحدة ~~في حق البكر، ثلاث فى "حق" المدخول بها، وحكاه من المتأخرين المازرى فى ~~كتاب "المعلم"، وحكاه عن محمد بن مقاتل من أصحاب أبى حنيفة، وهو من أجل ~~أصحابهم من الطبقة الثالثة من أصحاب أبى حنيفة. فهو أحد القولين فى مذهب ~~أبى حنيفة. وحكاه التلمسانى فى "شرح التفريع فى مذهب مالك"، قولا فى مذهبه، ~~بل رواية عن مالك، وحكاه غيره قولا فى المذهب، فهو أحد القولين فى مذهب ~~مالك، وأبى حنيفة، وحكاه شيخ الإسلام عن بعض أصحاب أحمد، وهو اختياره، ~~وأسوأ أحواله أن يكون لبعض أصحاب الوجوه فى مذهبه، كالقاضى وأبى الخطاب وهو ~~أجل من ذلك، فهو قول فى مذهب، أحمد بلا شك. # وأما التابعون فقال ابن المنذر: كان سعيد بن جبير، وطاوس، وأبو الشعثاء، ~~وعطاء، وعمرو بن دينار، يقولون: من طلق البكر ثلاثا فهى واحدة. قال: واختلف ~~فى هذا الباب عن الحسن، فروى عنه أنه ثلاث، وذكر قتادة، وحميد، ويونس عنه: ~~أنه رجع عن قوله بعد ذلك، وقال: واحدة بائنة. # PageV01P290 # وقال محمد بن نصر فى كتاب "اختلاف العلماء": أجمع أهل العلم أن الرجل إذا ~~طلق امرأته تطليقة، ولم يدخل، بها أنها بانت منه، وليس عليها عدة، واختلفوا ~~فى غير المدخول بها، إذا طلقها الزوج ثلاثا بلفظ واحد، فقال الأوزاعى، ~~ومالك، وأهل المدينة: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وروى عن ابن عباس وغير ~~واحد من التابعين أنهم قالوا: "إذا طلقها ثلاثا قبل أن يدخل بها فهى ms257 ~~واحدة". وأكثر أهل الحديث على القول الأول. # قال: وكان إسحق يقول: طلاق الثلاث للبكر واحدة، وتأول حديث طاوس عن ابن ~~عباس: # "كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~وأبى بكر وعمر رضى الله عنهم يجعل واحدة"، على هذا: # قلت: هذا تأويل إسحاق، وأما أبو داود فجعله منسوخا، فقال فى كتاب ~~"السنن": باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث، ثم ساق حديث ابن عباس رضى ~~الله عنهما: "أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ~~ثلاثا، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] . # ثم ذكر فى أثناء الباب حديث أبى الصهباء، وكأنه اعتقد أن حكمه كان ثابتا، ~~لما كان الرجل يراجع امرأته كلما طلقها، وهذا وهم؛ لوجهين: # أحدهما: أن المنسوخ هو ثبوت الرجعة بعد الطلاق ولو بلغ ما بلغ، كما كان ~~فى أول الإسلام. # الثانى: أن النسخ لا يثبت بعد موت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم، وكون الثلاث واحدة قد عمل به فى خلافة الصديق كلها، وأول خلافة عمر ~~رضى الله عنه، فمن المستحيل أن ينسخ بعد ذلك. # وأما ابن المنذر فقال: لم يكن ذلك عن علم النبى صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم، ولا عن أمره، قال: وغير جائز أن يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبى صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم شيئا ثم يفتى بخلافه، فلما لم يجز ذلك دل فتيا ~~ابن عباس رضى الله عنه على أن ذلك لم يكن عن علم النبى صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم ولا عن أمره، إذ لو كان ذلك عن علم النبى صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم ما استحل ابن عباس أن يفتى بخلافه، أو يكون ذلك منسوخا، استدلالا ~~بفتيا ابن عباس، وهذا المسلك ضعيف جدا لوجوه: # PageV01P291 # أحدها: أن حديث عكرمة عن ابن عباس فى رد النبى صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم امرأة ركانة عليه بعد الطلاق الثلاث. يبطل هذا التأويل رأسا. # الثانى: أن هذا لو ms258 كان صحيحا لقال ابن عباس لأبى الصهباء: ما أدرى، أبلغ ~~ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أو لم يبلغه؟ فلما أقره على ~~ذلك كان إقراره دليلا على أنه مما بلغه. # الثالث: أنه لو كان ذلك صحيحا، لم يقل عمر: "إن الناس قد استعجلوا فى أمر ~~كانت لهم فيه أناة"، بل كان الواجب أن يبين السنة عن رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم فى خلاف ذلك، وأن هذا العمل من الناس خلاف دين ~~الإسلام، وشرع محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولا يقول: "فلو أنا ~~أمضيناه عليهم" فإن هذا إنما يكون إمضاء من الله تعالى ورسوله، لا من عمر. # الرابع: أنه من الممتنع، والمستحيل أن يكون خيار الخلق يطلقون فى عهد ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وعهد خليفته من بعده، ويراجعون ~~على خلاف دينه، فيطلقون طلاقا محرما، ويراجعون رجعة محرمة، ولا يعلمون بذلك ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وهو بين أظهرهم. # ثم حديث ابن عباس الذى رواه أحمد يرد ذلك، ثم يرده فتوى ابن عباس فى إحدى ~~الروايتين عنه، وهى ثابته عنه بأصح الإسناد كما أن الرواية الأخرى ثابته ~~عنه. # وكيف يستمر جهل أخيار الأمة بالطلاق والرجعة مدة حياته صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم ومدة حياة الصديق كلها، وشطرا من خلافة عمر رضى الله عنهما، ~~ثم ظهر لهم بعد ذلك الطلاق والرجعة الجائزان؟ # وكيف يصح قول عمر رضى الله عنه: "إن الناس قد استعجلوا فى شىء كانت لهم ~~فيه أناة"؟ وكيف يصح قوله: "فلو أنا أمضيناه عليهم"؟ فهذا المسلك كما ترى. # وأما الإمام أحمد فإنما رده بفتوى ابن عباس بخلافه، وهو راوى الحديثين. # قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: "كان الطلاق الثلاث على ~~عهد # PageV01P292 # رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وأبى بكر، وعمر رضى الله ~~عنهما: طلاق الثلاث واحدة" بأى شىء تدفعه؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس ~~من وجوه خلافه. # وكذلك ms259 نقل عنه ابن منصور # وهذا المسلك إنما يجىء على إحدى الروايتين: أن الصحابى إذا عمل بخلاف ~~الحديث لم يحتج به، واتبع عمل الصحابى والمشهور عنه: أن العبرة بما رواه ~~الصحابى لا بقوله، إذا خالف الحديث، ولهذا أخذ برواية ابن عباس فى حديث ~~بريرة، وأن بيع الأمة لا يكون طلاقا لها، لأن رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم خيرها ولو انفسخ ببيعها لم يخيرها، مع أن مذهب ابن عباس: أن ~~بيع الأمة طلاقها، واحتج بظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: {والمحصنات من ~~النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] . # فأباح وطء مملوكته المزوجة ولو كان النكاح باقيا لم ينفسخ، لم يبح له ~~وطأها. # والجمهور وأحمد معهم خالفوه فى ذلك، وقالوا: لا يكون بيعها طلاقا. # واحتجوا بحديث بريرة، وتركوا رأيه لروايته، فإن روايته معصومة ورأيه غير ~~معصوم. # والمشهور من مذهب الشافعى: أن الأخذ بروايته دون رأيه، والمشهور من مذهب ~~أبى حنيفة عكس ذلك، وعن أحمد روايتان. فهذا المسلك فى رد الحديث لا يقوى. # وسلك آخرون فى رد الحديث مسلكا آخر. # فقالوا: هو حديث مضطرب، لا يصح، ولذلك أعرض عنه البخارى، وترجم فى ~~"صحيحه" على خلافه، فقال: "باب جواز الطلاق الثلاث فى كلمة، لقوله تعالى: ~~{الطلاق مرتان} [البقرة: 229] . # PageV01P293 # ثم ذكر حديث اللعان، وفيه: "فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم" # ولم يغير عليه النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وهو لا يقر على ~~باطل". # قالوا: ووجه اضطرابه: أنه تارة يروى عن طاوس عن ابن عباس، تارة عن طاوس ~~عن أبى الصهباء عن ابن عباس، وتارة عن أبى الجوزاء عن ابن عباس، فهذا ~~اضطرابه من جهة السند. # وأما المتن: فإن أبا الصهباء تارة يقول: "ألم تعلم أن الرجل كان إذا طلق ~~امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة؟ " وتارة يقول: "ألم يكن الطلاق ~~الثلاث على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وأبى بكر، وصدرا ~~من خلافة عمر واحدة؟ " فهذا يخالف اللفظ الآخر. # وهذا ms260 المسلك من أضعف المسالك ورد الحديث به ضرب من التعنت ولا يعرف أحد ~~من الحفاظ قدح فى هذا الحديث، ولا ضعفه، والإمام أحمد لما قيل له: بأى شىء ~~ترده؟ قال: "برواية الناس عن ابن عباس خلافه" ولم يرده بتضعيف، ولا قدح فى ~~صحته، وكيف يتهيأ القدح فى صحته ورواته كلهم أئمة حفاظ؟ حدث به عبد الرزاق ~~وغيره عن ابن جريج بصيغة الإخبار. وحدث به كذلك ابن جريج عن ابن طاوس، وحدث ~~به ابن طاووس عن أبيه، وهذا إسناد لا مطعن فيه لطاعن، وطاووس من أخص أصحاب ~~ابن عباس، ومذهبه: أن الثلاث واحدة، وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن غير ~~واحد عن طاووس، فلم ينفرد به عبد الرزاق، ولا ابن جريج، ولا عبد الله بن ~~طاووس، فالحديث من أصح الأحاديث، وترك رواية البخارى له لا يوهنه، وله حكم ~~أمثاله من الأحاديث الصحيحة التى تركها البخارى، لئلا يطول كتابه، فإنه ~~سماه: "الجامع المختصر الصحيح" مثل هذا العذر لا يقبله من له حظ من العلم. # وأما رواية من رواه عن أبى الجوزاء فإن كانت محفوظة فهى مما يزيد الحديث ~~قوة، وإن لم تكن محفوظة وهو الظاهر فهى وهم فى الكنية، انتقل فيها عبد الله ~~بن المؤمل عن ابن أبى مليكة من أبى الصهباء، إلى أبى الجوزاء، فإنه كان سىء ~~الحفظ، والحفاظ قالوا: "أبو الصهباء" وهذا لا يوهن الحديث. # PageV01P294 # وهذه الطريق عند الحاكم فى "المستدرك". # وأما رواية من رواه، مقيدا "قبل الدخول"، فإنه تقدم أنها لا تناقض رواية ~~الآخرين، على أنها عند أبى داود عن أيوب عن غير واحد، ورواية الأطلاق عن ~~معمر عن ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه، فإن تعارضا فهذه الرواية أولى، وإن ~~لم يتعارضا فالأمر واضح. # وحديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم صريح فى كون الثلاث واحدة فى حق المدخول بها. # وعامة ما يقدر فى حديث أبى الصهباء: أن قوله "قبل الدخول" زيادة ms261 من ثقة، ~~فيكون الأخذ بها أولى، # وحينئذ فيدل أحد حديثى ابن عباس على أن هذا الحكم ثابت فى حق البكر، ~~وحديثه الآخر على أنه ثابت فى حكم الثيب أيضا، فأحد الحديثين يقوى الآخر، ~~ويشهد بصحته. وبالله التوفيق. # وقد رده آخرون بمسلك أضعف من هذا كله: # فقالوا: هذا حديث لم يروه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ابن عباس ~~وحده، ولا عن ابن عباس إلا طاووس وحده. # قالوا: فأين أكابر الصحابة وحفاظهم عن رواية مثل هذا الأمر العظيم، الذى ~~الحاجة إليه شديدة جدا؟ فكيف خفى هذا على جميع الصحابة، وعرفه ابن عباس ~~وحده؟ وخفى على أصحاب ابن عباس كلهم وعلمه طاووس وحده؟ # وهذا أفسد من جميع ما تقدم، ولا ترد أحاديث الصحابة وأحاديث الأمة الثقات ~~بمثل هذا. فكم من حديث تفرد به واحد من الصحابة، لم يروه غيره، وقبلته ~~الأمة كلهم، فلم يرده أحد منهم وكم من حديث تفرد به من هو دون طاووس بكثير ~~ولم يرده أحد من الأئمة؟، ولا نعلم أحدا من أهل العلم قديما ولا حديثا قال: ~~إن الحديث إذا لم يروه إلا صحابى واحد لم يقبل، وإنما يحكى عن أهل البدع ~~ومن تبعهم فى ذلك أقوال، لا يعرف لها قائل من الفقهاء. # PageV01P295 # قد تفرد الزهرى بنحو ستين سنة، لم يردها غيره، وعملت بها الأمة، ولم ~~يردوها بتفرده. هذا، مع أن عكرمة روى عن ابن عباس رضى الله عنهما حديث ~~ركانة، وهو موافق لحديث طاووس عنه، فإن قدح فى عكرمة أبطل وتناقض، فإن ~~الناس احتجوا بعكرمة، وصحح أئمة الحفاظ حديثه، ولم يلتفتوا إلى قدح من قدح ~~فيه. # فإن قيل: فهذا هو الحديث الشاذ، وأقل أحواله؟ أن يتوقف فيه، ولا يجزم ~~بصحته عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. # قيل: ليس هذا هو الشاذ، وإنما الشاذ: أن يخالف الثقات فيما رووه، فيشذ ~~عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة حدثيا منفردا به، لم يرو الثقات خلافه، ~~فإن ذلك لا يسمى شاذا، وإن اصطلح على تسميته شاذا ms262 بهذا المعنى، لم يكن ~~الاصطلاح موجبا لرده ولا مسوغا له. # قال الشافعى رحمه الله: "وليس الشاذ أن ينفرد الثقة برواية الحديث، بل ~~الشاذ أن يروى خلاف ما رواه الثقات"، قاله فى مناظرته لبعض من رد الحديث ~~بتفرد الراوى به. # ثم إن هذا القول لا يمكن أحدا من أهل العلم، ولا من الأئمة، ولا من ~~أتباعهم طرده ولو طردوه لبطل كثير من أقوالهم وفتاويهم. # والعجب أن الرادين لهذا الحديث بمثل هذا الكلام قد بنوا كثيرا من مذاهبهم ~~على أحاديث ضعيفة، انفرد بها رواتها، لا تعرف عن سواهم، وذلك أشهر وأكثر من ~~أن يعد. # ولما رأى بعضهم ضعف هذه المسالك وأنها لا تجدى شيئا استروح إلى تأويله. ~~فقال: معنى الحديث: أن الناس كانوا يطلقون على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأبى بكر، وعمر واحدة، ولا يوقعون الثلاث، فلما كان فى أثناء خلافة ~~عمر رضى الله عنه أوقعوا الثلاث، وأكثروا من ذلك، فأمضاه عليهم عمر رضى ~~الله عنه. كما أوقعوه، فقوله: "كانت الثلاث على عهد رسول الله عليه الصلاة ~~والسلام واحدة" أى فى التطليق، وإيقاع المطلقين: لا فى حكم الشرع. # PageV01P296 # قال هذا القائل: وهذا من أقوى ما يجاب به، وبه يزول كل إشكال. # ولعمر الله، لو سكت هذا كان خيرا له وأستر، فإن هذا المسلك من أضعف ما ~~قيل فى الحديث. وسياقه يبين بطلانه بيانا ظاهرا لا إشكال فيه، وكأن قائله ~~أحب الترويج على قوم ضعفاء العلم، مخلدين إلى حضيض التقليد، فروج عليهم مثل ~~هذا، وهذا القائل كأنه لم يتأمل ألفاظ الحديث، ولم يعن بطرقه، فقد ذكرنا من ~~بعض ألفاظه قول أبى الصهباء لابن عباس: "أما علمت أن الرجل كان إذا طلق ~~امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم، وأبى، وصدرا من إمارة عمر رضى الله عنهما؟ " فأقر ~~ابن عباس بذلك، وقال: "نعم". # وأيضا فقول هذا المتأول: إنهم كانوا يطلقون على عهد رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم ms263 واحدة، فقد نقضه هو بعينه وأبطله حيث احتج على وقوع ~~الثلاث بحديث الملاعن، وحديث محمود بن لبيد: "أن رجلا طلق امرأته على عهد ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ثلاثا، فغضب النبى صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم وقال: أيلعب بكتاب الله، وأنا بين أظهركم؟ " ثم زاد هذا ~~القائل فى الحديث زيادة من عنده، فقال: "وأمضاه عليه، ولم يرده". # وهذه اللفظة موضوعة لا تروى فى شىء من طرق هذا الحديث ألبته، وليست فى ~~شىء # PageV01P297 # من كتب الحديث، وإنما هى من كيس هذا القائل، حمله عليها فرط التقليد. ~~ومحمود بن لبيد لم يذكر ما جرى بعد ذلك، من إمضاء أو رد إلى واحدة. # والمقصود: أن هذا القائل تناقص، وتأول الحديث تأويلا بطلانه من سياقه. # ومن بعض ألفاظه: "أن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبى بكر وصدرا من خلافة عمر رضى الله عنهما يرد إلى الواحدة"، وهذا موافق ~~للفظ الآخر: "كان إذا طلق امرأته ثلاثا جعلوها واحدة"، وجميع ألفاظه متفقة ~~على هذا المعنى، يفسر بعضها بعضا. # فجعل هذا وأمثاله المحكم متشابها، والواضح مشكلا # وكيف يصنع بقوله: "فلو أمضيناه عليهم"؟ فإن هذا يدل على أنه رأى من عمر ~~رضى الله عنه رأى أن يمضيه عليهم لتتايعهم فيه، وسدهم على أنفسهم ما وسعه ~~الله عليهم، وجمعهم ما فرقه وتطليقهم على غير الوجه الذى شرعه، وتعديهم ~~حدوده، ومن كمال علمه رضى الله عنه أنه علم أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل ~~المخرج إلا لمن اتقاه، وراعى حدوده، وهؤلاء لم يتقوه فى الطلاق، ولم يراعوا ~~حدوده، فلا يستحقون المخرج الذى ضمنه لمن اتقاه. # ولو كان الثلاث تقع ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم، وهو دينه الذى بعثه الله تعالى به، لم يضف عمر رضى الله عنه إمضاءه ~~إلى نفسه، ولا كان يصح هذا القول منه، وهو بمنزلة أن يقول فى الزنى، وقتل ~~النفس، وقذف المحصنات: لو حرمناه عليهم. [فحرمه عليهم] ، وبمنزلة أن يقول ~~فى ms264 وجوب الظهر والعصر، ووجوب صوم شهر رمضان، والغسل من الجنابة: فلو فرضناه ~~عليهم، ففرضه عليهم. # فدعوى هذه التأويلات المستكرهة التى كلما نظر فيها طالب العلم ازداد ~~بصيرة فى المسألة، وقوى جانبها عنده، فإنه يرى أن الحديث لا يرد يمثل هذه ~~الأشياء. # وقد سلك أبو عبد الرحمن النسائى فى "سننه" فى الحديث مسلكا آخر، فقال: ~~باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة، ثم ساقه قال: حدثنا أبو داود ~~حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه: أن أبا الصهباء جاء إلى ~~ابن عباس رضى الله عنهما فقال: "يا ابن عباس، ألم تعلم أن الثلاث كانت على ~~عهد رسول الله صلى عليه وآله وسلم # PageV01P298 # وأبى بكر وصدرا من خلافة عمر ترد إلى الواحدة؟ قال: نعم" وأنت إذا طابقت ~~بين هذه الترجمة، وبين لفظ الحديث وجدتها لا يدل عليها ولا يشعر بها بوجه ~~من الوجوه، بل الترجمة لون والحديث لون أخر. وكأنه لما أشكل عليه وجه ~~الحديث حمله على ماذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ~~طلقت واحدة، ومعلوم أن الحكم لم يزل ولا يزال كذلك، ولا يتقيد ذلك بزمان ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر، وصدرا من خلافة عمر رضى ~~الله عنهما، ثم يتغير فى خلافة عمر رضى الله عنه، ويمضى الثلاث بعد ذلك علي ~~المطلق. فالحديث لا يندفع بمثل هذا ألبتة. # وسلك آخرون فى الحديث مسلكا آخر، وقالوا: هذا حديث يخالف أصول الشرع، فلا ~~يلتفت إليه. # قالوا: لأن الله سبحانه ملك الزوج ثلاث تطليقات وجعل إيقاعها إليه، فإن ~~قلنا بقول الشافعى ومن وافقه: أن جمع الثلاث جائز، فقد فعل ما أبيح له ~~فيصح، وإن قلنا: جمع الثلاث حرام، وهو طلاق بدعى، فالشارع إنما ملكه تفريق ~~الثلاث فسحة له، فإذا جمعها فقد جمعها ما فسح له فى تفريقه، فلزمه حكمه كما ~~لو فرقه. # قالوا: وهذا كما أنه يملك تفريق المطلقات وجمعهن فكذلك يملك تفريق الطلاق ~~وجمعه، فهذا قياس الأصول، فلا نبطله ms265 بخبر الواحد. # قال الآخرون: هذا القياس لا يصلح أن يثبت به هذا الحكم لو لم يعارض بنص، ~~فضلا عن أن يقدم على النص، وهو قياس مخالف لأصول الشرع، ولغة العرب، وسنة ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وعمل الصحابة فى عهد الصديق. # فأما مخالفته لأصول الشرع، فإن الله سبحانه إنما ملك المطلق بعد الدخول ~~طلاقا يملك فيه الرجعة ويكون مخيرا فيه بين الإمساك بالمعروف، وبين التسريح ~~بالإحسان، ما لم يكن بعوض أو يستوفى فيه العدد. والقرآن قد بين ذلك كله: ~~فبين أن الطلاق قبل الدخول تبين به المرأة، ولا عدة عليها، وبين أن ~~المفتدية تملك نفسها، ولا رجعة لزوجها عليها، وبين أن المطلقة الطلقة ~~المسبوقة بطلقتين قبلها تبين منه، وتحرم عليه فلا تحل له حتى تنكح زوجا ~~غيره، وبين # PageV01P299 # أن ما عدا ذلك من الطلاق فللزوج فيه الرجعة، وهو مخير بين الإمساك ~~بالمعروف والتسريح بإحسان. # وهذا كتاب الله عز وجل قد تضمن هذه الأنواع الأربعة وأحكامها، وجعل ~~سبحانه أحكامها من لوازمها التى لا تنفك عنها. فلا يجوز أن تتغير أحكامها ~~البته، فكما لا يجوز فى الطلاق قبل الدخول أن تثبت فيه الرجعة وتجب فيه ~~العدة، ولا فى الطلقة المسبوقة بطلقتين أن تثبت فيها الرجعة، وأن تباح بغير ~~زوج وإصابة، ولا فى طلاق الفدية أن تثبت فيه الرجعة، فكذلك لا يجوز فى ~~النوع الآخر من الطلاق أن يتغير حكمه، فيقع على وجه لا تثبت فيه الرجعة، ~~فإنه مخالف لحكم الله تعالى الذى حكم به فيه. وهذا صفة لازمة له فلا يكون ~~على خلافها البتة. # ومن تأمل القرآن وجده لا يحتمل غير ذلك، فما شرع الله سبحانه الطلاق إلا ~~وشرع فيه الرجعة، إلا الطلاق قبل الدخول، وطلاق الخلع، والطلقة الثالثة. ~~فبيننا وبينكم كتاب الله، فإن كان فيه شىء غير هذا فأوجدونا إياه. # ومما يوضح ذلك: أن جمهور الفقهاء من الطوائف الثلاثة احتجوا على الشافعى ~~فى تجويزه جمع الثلاث بالقرآن وقالوا: ما شرع الله سبحانه جمع الطلاق ~~الثلاث، وما شرع الطلاق ms266 بعد الدخول بغير عوض إلا شرع فيه الرجعة ما لم ~~يستوف العدد. # واحتجوا عليه بقوله تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] . # قالوا: ولا يعقل فى لغة من لغات الأمم المرتان إلا مرة بعد مرة. # فعارضهم بعض أصحابه بقوله تعالى: {ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا ~~نؤتها أجرها مرتين} [الأحزاب: 31] . # وقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين".فأجابهم ~~الآخرون بأن المرتين والمرات يراد بها الأفعال تارة، والأعيان تارة. وأكثر ~~ما تستعمل فى الأفعال. وأما الأعيان فكقوله فى الحديث: # "انشق القمر على عهد رسول الله صلى # PageV01P300 # الله تعالى عليه وآله وسلم مرتين ". # أى شقتين وفلقتين. ولما خفى هذا على من لم يحط به علما زعم أن الانشقاق ~~وقع مرة بعد مرة فى زمانين. وهذا مما يعلم أهل الحديث ومن له خبرة بأحوال ~~الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وسيرته أنه غلط وأنه لم يقع الانشقاق ~~إلا مرة واحدة، ولكن هذا وأمثاله فهموا من قوله "مرتين" المرة الزمانية. # إذا عرف هذا فقوله: {نؤتها أجرها مرتين} [الأحزاب: 31] وقوله "يؤتون ~~أجرهم مرتين". # أى ضعفين فيؤتون أجرهم مضاعفا. وهذا يمكن اجتماع المرتين منه فى زمان ~~واحد. # وأما المرتان من الفعل فمحال اجتماعهما فى زمن واحد، فإنهما مثلان، ~~واجتماع المثلين محال. وهو نظير اجتماع حرفين فى آن واحد من متعلم واحد، ~~وهذا مستحيل قطعا فيستحيل أن يكون مرتا الطلاق فى إيقاع واحد. # ولهذا جعل مالك وجمهور العلماء من رمى الجمار بسبع حصيات جملة أنه غير ~~مؤد للواجب عليه، وإنما يستحب له رمى حصاة واحدة، فهى رمية لا سبع رميات ~~واتفقوا كلهم على أنه لو قال فى اللعان: أشهد بالله أربع شهادات أنى صادق، ~~كانت شهادة واحدة. وفى الحديث الصحيح: # "من قال فى يوم سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل ~~زبد البحر". # فلو قال: سبحان الله وبحمده مائه مرة، هذا اللفظ، لم يستحق الثواب ~~المذكور وكانت تسبيحة واحدة. # وكذلك قوله: "تسبحون الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وتحمدون ثلاثا ~~وثلاثين، ms267 وتكبرون أربعا وثلاثين". # لو قال: سبحان الله ثلاثا وثلاثين، لم يكن مسبحا هذا العدد حتى يأتى به ~~واحدة بعد واحدة. # ونظائر ذلك فى الكتاب والسنة أكثر من أن تذكر. # قالوا: فقوله تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] . إما أن يكون خبرا فى ~~معنى الأمر، أى إذا طلقتم # PageV01P301 # فطلقوا مرتين. وإما أن يكون خبرا عن حكمه الشرعى الدينى، أى الطلاق الذى ~~شرعته لكم، وشرعت فيه الرجعة: مرتان. # وعلى التقديرين: إما أن يكون ذلك مرة بعد مرة، فلا يكون موقعا للطلاق ~~الذى شرع إلا إذا طلق مرة بعد مرة، ولا يكون موقعا للمشروع بقوله: أنت طالق ~~ثلاثا، ولا مرتين. # قالوا: ويوضح ذلك أنه حصر الطلاق المشروع فى مرتين، فلو شرع جمع الطلاق ~~فى دفعة واحدة لم يكن الحصر صحيحا، ولم يكن الطلاق كله مرتان بل كان منه ~~مرتان ومنه مرة واحدة بجمعه. وهذا خلال ظاهر القرآن، وأنه لا طلاق للمدخول ~~بها إلا مرتان. وتبقى الثالثة المحرمة بعد ذلك. # قالوا: ويدل عليه أن الطلاق اسم محلى باللام، وليست للعهد بل للعموم، ~~فالمراد بالآية: كل الطلاق مرتان. والمرة الثالثة التى تحرمها عليه، وتسقط ~~رجعته. وهذا صريح فى أن الطلاق المشروع هو المتفرق، لأن المرات لا تكون إلا ~~متفرقة كما تقدم. # قالوا: ويدل عليه قول تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: ~~229] . # فهذا حكم كل طلاق شرعه الله، إلا الطلقة المسبوقة بطلقتين قبلها، فإنه لا ~~يبقى بعدها إمساك. # قالوا: ويدل عليه قوله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف أو سرحوهن بمعروف} [البقرة: 231] . # و"إذا" من أدوات العموم، كأنه قال: أى طلاق وقع منكم فى أى وقت فحكمه ~~هذا، إلا أنه أخرج من هذا العموم الطلقة المسبوقة باثنتين فبقى ما عدها ~~داخلا فى لفظ الآية نصا أو ظاهرا. # قالوا: ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا ~~تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} [البقرة: 232] . # فهذا عام فى كل طلاق غير الثالثة المسبوقة باثنتين، فالقرآن يقتضى أن ~~ترجع إلى زوجها إذا أرادت فى كل طلاق ماعدا الثالثة. ms268 # قالوا: ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {يا أيها النبى إذا طلقتم النساء ~~فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا ~~يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ~~ظلم نفسه لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا * فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف أو فارقوهن بمعروف} [الطلاق: 1-2] . # ووجه الأستدلال بالآية من وجوه. # PageV01P302 # أحدها: أنه سبحانه وتعالى إنما شرع أن تطلق لعدتها، أى لاستقبال عدتها. ~~فتطلق طلاقا يعقبه شروعها فى العدة، ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عبد الله بن عمر رضى الله عنهما لما طلق امرأته فى حيضها أن ~~يراجعها، وتلا هذه الآية تفسيرا للمراد بها، وأن المراد بها الطلاق فى قبل ~~العدة. وكذلك كان يقرؤها عبد الله بن عمر، ولهذا قال كل من قال بتحريم جمع ~~الثلاث: إنه لا يجوز له أن يردف الطلقة بأخرى فى ذلك الطهر، لأنه غير مطلق ~~للعدة. فإن العدة قد استقبلت من حين الطلقة الأولى فلا تكون الثانية للعدة. # ثم قال الإمام أحمد فى ظاهر مذهبه ومن وافقه: إذا أراد أن يطلقها ثانية ~~طلقها بعد عقد أو رجعة لأن العدة تنقطع بذلك. فإذا طلقها بعد ذلك أخرى ~~طلقها للعدة. # وقال فى رواية أخرى عنه: له أن يطلقها الثانية فى الطهر الثانى، ويطلقها ~~الثالثة فى الطهر الثالث، وهو قول أبى حنيفة فيكون مطلقا للعدة أيضا لأنها ~~تبتنى على ما مضى. والصحيح هو الأول، وأنه ليس له أن يردف الطلاق قبل ~~الرجعة # أو العقد، لأن الطلاق البائن لم يكن لاستقبال العدة، بل هو طلاق لغير ~~العدة، فلا يكون مأذونا فيه. فإن العدة إنما تحسب من الطلقة الأولى، لأنها ~~طلاق العدة بخلاف الثانية والثالثة. # ومن جعله مشروعا قال: هو الطلاق لتمام العدة، والطلاق لتمامها كالطلاق ~~لاستقبالها. وكلاهما طلاق للعدة. # وأصحاب القول الأول يقولون: المراد بالطلاق للعدة الطلاق لاستقبالها كما ~~فى القراءة الأخرى التى تفسر القراءة المشهورة فطلقوهن فى قبل عدتهن. # قالوا: فإذا لم ms269 يشرع إرداف الطلاق للطلاق قبل الرجعة أو العقد فإن لا ~~يشرع جمعه معه أولى وأحرى، فإن إرداف الطلاق أسهل من جمعه ولهذا يسوغ ~~الإرداف فى الأطهار من لا يجوز الجمع فى الطهر الواحد. # وقد احتج عبد الله بن عباس على تحريم جمع الثلاث بهذه الآية. # قال مجاهد: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، فسكت ~~حتى ظننت أنه رادها إليه. ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ~~ابن عباس، # PageV01P303 # وإن الله عز وجل قال: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] . # فما أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، وإن الله عز وجل قال: ~~{يأيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] . # ففهم ابن عباس من الآية أن جمع الثلاث محرم، وهذا فهم من دعا له النبى ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أن يفقهه الله الدين، ويعلمه التأويل". # وهو من أحسن الفهوم كما تقرر. # الوجه الثانى من الاستدلال بالآية: قوله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن ~~ولا يخرجن} [الطلاق: 1] . # وهذا إنما هو فى الطلاق الرجعى. فأما البائن فلا سكنى لها ولا نفقة لسنة ~~رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم الصحيحة التى لا مطعن فى صحتها، ~~الصريحة التى لا شبهة فى دلالتها. فدل على أن هذا حكم كل طلاق شرعه الله ~~تعالى ما لم يسبقه طلقتان قبله، ولهذا قال الجمهور: إنه لا يشرع له ولا ~~يملك إبانتها بطلقة واحدة بدون العوض. # وأبو حنيفة قال: لا يملك ذلك لأن الرجعة حقه وقد أسقطها. # والجمهور يقولون: ثبوت الرجعة وإن كان حقا له فلها عليه حقوق الزوجية، ~~فلا يملك إسقاطها إلا بمخالعة أو باستيفاء العدد كما دل عليه القرآن. # الوجه الثالث: أنه قال: {وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم ~~نفسه} [الطلاق: 1] . # فإذا طلقها ثلاثا جملة واحدة فقد تعدى حدود الله فيكون ظالما. # الوجه الرابع: أنه سبحانه قال: {لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} ~~[الطلاق: 1] . # وقد فهم أعلم الأمة بالقرآن وهم الصحابة ms270 أن الأمر هاهنا هو الرجعة. قالوا ~~"وأى أمر يحدث بعد الثلاث؟ ". # الوجه الخامس: قوله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن ~~بمعروف} [البقرة: 231] . # فهذا حكم كل طلاق شرعه الله إلا أن يسبق بطلقتين قبله، وقد احتج ابن عباس ~~على تحريم جمع الثلاث بقوله تعالى: {يأيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن ~~لعدتهن} [الطلاق: 1] . # كما تقدم وهذا حق، فإن الآية إذا دلت على منع إرداف # PageV01P304 # الطلاق الطلاق فى طهر أو أطهار قبل رجعة أو عقد كما تقدم لأنه يكون مطلقا ~~فى غير قبل العدة، فلأن تدل على تحريم الجمع أولى وأحرى. # قالوا: والله سبحانه شرع الطلاق على أيسر الوجوه وأرفقها بالزوج والزوجة ~~لئلا يتسارع العبد فى وقوعه ومفارقة حبيبته. وقد وقت للعدة أجلا لاستدراك ~~الفارط بالرجعة فلم يبح له أن يطلق المرأة فى حال حيضها، لأنه وقت نفرته ~~عنها، وعدم قدرته على استمتاعه بها ولا عقيب جماعها لأنه قد قضى غرضه منها ~~وربما فترت رغبته فيها وزهد فى إمساكها لقضاء وطره. فإذا طلقها فى هاتين ~~الحالتين ربما يندم بعد هذا مع ما فى الطلاق فى الحيض من تطويل العدة، ~~وعقيب الجماع من طلاق من لعلها. قد اشتمل رحمها على ولد منه فلا يريد ~~فراقها. فأما إذا حاضت ثم طهرت فنفسه تتوق إليها لطول عهده بجماعها فلا ~~يقدم على طلاقها فى هذه الحال إلا لحاجته إليه. فلم يبح له الشارع أن ~~يطلقها إلا فى هذه الحال أو فى حال استبانة حملها، لأن إقدامه أيضا على ~~طلاقها فى هذه الحال دليل على حاجته إلى الطلاق. # وقد أكد النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم هذا بمنعه لعبد الله بن عمر ~~أن يطلق فى الطهر الذى يلى الحيضة التى طلق فيها، بل أمره أن يراجعها حتى ~~تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن بدا له أن يطلقها فليطلقها. وفى ذلك عدة حكم: # منها: أن الطهر المتصل بالحيضة هو وهى فى حكم القرء الواحد، فإذا طلقها ~~فى ذلك الطهر فكأنه طلقها فى الحيضة لاتصاله بها ms271 وكونه معها كالشىء الواحد. # الثانية: أنه لو أذن له فى طلاقها فى ذلك الطهر فيصير كأنه راجع لأجل ~~الطلاق، وهذا ضد مقصود الرجعة. فإن الله تعالى إنما شرع الرجعة للإمساك ولم ~~شعث النكاح وعود الفراش، فلا يكون لأجل الطلاق فيكون كأنه راجع ليطلق، ~~وإنما شرعت الرجعة ليمسك وبهذا بعينه أبطلنا نكاح المحلل، فإن الله سبحانه ~~وتعالى شرع النكاح للإمساك والمعاشرة، والمحلل تزوج ليطلق فهو مضاد الله ~~تعالى فى شرعه ودينه. # PageV01P305 # الثالثة: أنه إذا صبر عليها حتى تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر زال ما فى ~~نفسه من الغضب الحامل له على الطلاق، وربما صلحت الحال بينهما، وأقلعت عما ~~يدعوه إلى طلاقها، فيكون تطويل هذه المدة رحمة به وبها. وإذا كان الشارع ~~ملتفتا إلى مثل هذه الرحمة والشفقة على الزوج وشرع الطلاق على هذا الوجه ~~الذى هو أبعد شىء عن الندم، فكيف يليق بشرعه أن يشرع إبانتها وتحريمها عليه ~~بكلمة واحدة يجمع فيها ما شرعه متفرقا بحيث لا يكون له سببا إليها؟ وكيف ~~يجتمع فى حكمة الشارع وحكمة هذا وهذا؟. # فهذه الوجوه ونحوها ما بين بها الجمهور أن جمع الثلاث غير مشروع هى ~~بعينها تبين عدم الوقوع وأنه إنما يقع المشروع وحده وهى الواحدة. # قالوا: فتبين أنا بأصول الشرع وقواعده أسعد منكم، وأن قياس الأصول وقواعد ~~الشرع من جانبنا، وقد تأيدت بالسنة الصحيحة التى ذكرناها. # وقولكم: إن المطلق ثلاثا قد جمع ما فسح له فى تفريقه: هو إلى أن يكون حجة ~~عليكم أقرب، فإنه إنما أذن له فيه وملكه متفرقا لا مجموعا، فإذا جمع ما أمر ~~بتفريقه فقد تعدى حدود الله وخالف ما شرعه، ولهذا قال من قال من السلف: ~~"رجل أخطأ السنة، فيرد إليها" فهذا أحسن من كلامكم وأبين وأقرب إلى الشرع ~~والمصلحة. # ثم هذا ينتقض عليكم بسائر ما ملكه الله تعالى العبد وأذن فيه متفرقا ~~فأراد أن يجمعه كرمى الجمار الذى إنما شرع له مفرقا، واللعان الذى شرع ~~كذلك، وأيمان القسامة التى شرعت كذلك. ونظير قياسكم هذا: أن ms272 له أن يؤخر ~~الصلوات كلها ويصليها فى وقت واحد، لأنه جمع ما أمر بتفريقه. على أن هذا قد ~~فهمه كثير من العوام، يؤخرون صلاة اليوم إلى الليل ويصلون الجميع فى وقت ~~واحد ويحتجون بمثل هذه الحجة بعينها، ولو سكتم عن نصرة المسألة بمثل ذلك ~~لكان أقوى لها. # PageV01P306 # فصل # فاستروح بعضهم إلى مسلك آخر غير هذه المسالك لما تبين له فسادها. # فقال هذا حديث واحد والأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم دالة على خلافه، وذكروا أحاديث. # منها: ما فى الصحيحين عن فاطمة بنت قيس: # "أن أبا حفص بن المغيرة طلقها البتة، وهو غائب. فأرسل إليها وكيله بشعير ~~فسخطته، فجاءت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فذكرت له ذلك. ~~فقال ليس لك عليه نفقة". # وقد جاء تفسير هذه "البتة" فى الحديث الآخر الصحيح أنه طلقها ثلاثا، فلم ~~يجعل لها النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم سكنى ولا نفقة. فقد أجاز ~~عليه الثلاث، وأسقط بذلك نفقتها وسكناها. # وفى المسند "أن هذه الثلاث كانت جميعا" فروى من حديث الشعبى: # "أن فاطمة خاصمت أخا زوجها إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لما ~~أخرجها من الدار، ومنعها النفقة. فقال: مالك ولابنة قيس؟ قال: يا رسول الله ~~إن أخى طلقها ثلاثا جميعا" وذكر الحديث. # ومنها ما فى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها: "أن رجلا طلق امرأته ~~ثلاثا. فتزوجت، فطلقت، فسئل النبى صلى الله تعالى علي وآله وسلم: أتحل ~~للأول؟ قال: لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول". # ووجه الدليل: أنه لم يستفصل، هل طلقها ثلاثا مجموعة أو متفرقة؟ ولو اختلف ~~الحال لوجب الاستفصال. # ومنها: ما اعتمد عليه الشافعى فى قصة الملاعنة: "أن عويمرا العجلانى أتى ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، رأيت رجلا ~~وجد مع امرأته رجلا، أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم: قد أنزل فيك وفى صاحبتك، فاذهب فائت بها. قال ~~سهل ms273 فتلاعنا، وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. # PageV01P307 # فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، ~~فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. قال ~~الزهرى: وكانت تلك سنة المتلاعنين" متفق على صحته. # قال الشافعى: فقد أقره رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على ~~الطلاق ثلاثا ولو كان حراما لما أقره عليه. # ومنها: ما رواه النسائى عن محمود بن لبيد قال "أخبر رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبان، ~~ثم قال: أيلعب بكتاب الله. وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل فقال: يا رسول ~~الله ألا أقتله؟ " ولم يقل: إنه لم يقع عليه إلا واحدة، بل الظاهر أنه ~~أجازها عليه، إذ لو كانت زوجته ولم يقع عليه إلا واحدة لبين له ذلك، لأنه ~~إنما طلقها ثلاثا يعتقد لزومها، فلو لم يلزمه لقال له: هى زوجتك بعد، ~~وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. # ومنها: ما رواه أبو داود وابن ماجه عن ركانة: "أنه طلق امرأته البتة. ~~فأتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: ما أردت؟ قال: واحدة. ~~قال: الله ما أردت بها إلا واحدة؟ قال: الله ما أردت بها إلا واحدة" ورواه ~~الترمذى وفيه "فقال: يا رسول الله، إنى طلقت امرأتى ألبتة، فقال: ما أردت ~~بها؟ فقلت: واحدة قال: والله؟ قلت: والله، قال: فهو ما أردت" قال أبو داود: ~~وهذا أصح من حديث ابن جريج "أن ركانة طلق امرأته ثلاثا" وقال ابن ماجه: ~~سمعت أبا الحسن على بن محمد الطنافسى يقول: ما أشرف هذا الحديث، قال أبو ~~عبد الله بن ماجه: "أبو عبيد" تركه ناجية، وأحمد جبن عنه. # PageV01P308 # ووجه الدلالة: أنه حلفه "ما أراد بها إلا واحدة" وهذا يدل على أنه لو ~~أراد بها أكثر من واحدة لألزمه ذلك، ولو كانت واحدة مطلقا لم يفترق الحال ~~بين أن يريد واحدة أو ms274 أكثر، وإذا كان هذا فى الكناية، فكيف بالطلاق الصريح ~~إذا صرح فيه بالثلاث؟. # ومنها: ما رواه الدارقطنى من حديث حماد بن زيد: حدثنا عبد العزيز بن صهيب ~~عن أنس قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت معاذ بن جبل يقول: سمعت رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "يا معاذ، من طلق للبدعة واحدة أو ~~اثنتين أو ثلاثا ألزمناه بدعته". # ومنها: ما رواه الدارقطنى من حديث إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن ~~الصامت عن أبيه عن جده قال: # "طلق بعض آبائى امرأته البتة، فانطلق بنوه إلى رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم، فقالوا: يا رسول الله، إن أبانا طلق امرأته ألفا، فهل له ~~من مخرج؟ فقال: إن أباكم لم يتق الله فيجعل له مخرجا بانت منه بثلاث على ~~غير السنة، وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم فى عنقه". # ومنها: ما رواه الدارقطنى أيضا من حديث زاذان عن على رضى الله عنه قال: ~~"سمع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم رجلا طلق البتة فغضب وقال: ~~أتتخذون آيات الله هزوا، أو دين الله هزوا ولعبا؟ من طلق البتة ألزمناه ~~ثلاثا، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره". # ومنها: ما رواه الدارقطنى من حديث الحسن البصرى قال: حدثنا عبد الله بن ~~عمر "أنه طلق امرأته وهى حائض، ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين أخريين عند ~~القرءين، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فقال: يا ابن ~~عمر، ما هكذا أمرك الله تعالى. إنك قد أخطأت السنة، والسنة أن تستقبل ~~الطهر، فتطلق عند ذلك أو أمسك. فقلت: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا، ~~أكان يحل لى أن أراجعها؟ قال: لا. كانت تبين منك، تكون معصية". # ومنها: ما رواه أبو داود والنسائى عن حماد بن زيد قال "قلت لأيوب: هل ~~علمت أحدا قال فى "أمرك بيدك" إنها ثلاث غير الحسن؟ قال: لا. ثم قال: اللهم ~~غفرا إلا ما حدثنى # PageV01P309 # قتادة عن كثير مولى ابن سمرة عن أبى سلمة ms275 عن أبى هريرة رضى الله عنه عن ~~النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "ثلاث". فلقيت كثيرا، فسألته فلم ~~يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته: فقال: نسى. # ورواه الترمذى وقال: لا نعرفه إلا من حديث سلمان بن حرب عن حماد بن زيد. ~~وحسبك بسليمان بن حرب، وحماد بن زيد، ثقتين ثبتين. # ومنها: ما رواه البيهقى من حديث سويد بن غفلة عن الحسن أنه طلق عائشة ~~الخثعمية ثلاثا. ثم قال: لولا أنى سمعت جدى أو حدثنى أبى أنه سمع جدى يقول: # "أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند الأقراء، أو ثلاثا مبهمة لم تحل له حتى ~~تنكح زوجا غيره لراجعتها". # رواه من حديث محمد بن حميد: حدثنا سلمة بن الفضل عن عمر بن أبى قيس عن ~~إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد، وهذا مرفوع. # قالوا: فهذه الأحاديث أكثر وأشهر، وعامتها أصح من حديث أبى الصهباء، ~~وحديث ابن جريج عن عكرمة عن ابن عباس. فيجب تقديمها عليه ولا سيما على ~~قاعدة الإمام أحمد، فإنه يقدم الأحاديث المتعددة على الحديث الفرد عند ~~التعارض، وإن كان الحديث الفرد متأخرا. كما قدم فى إحدى الروايتين أحاديث ~~تحريم الأوعية على حديث بريدة لكونها متعددة، وحديث بريدة فى إباحتها فرد ~~وهو متأخر، فإنه قال: "كنت نهيتكم عن الانتباذ فى الأوعية فاشربوا فيما بدا ~~لكم، غير أن لا تشربوا مسكرا". # مع أنه حديث صحيح. رواه مسلم، ولا يعرف له علة. # PageV01P310 # فصل # قال الآخرون: هذه الأحاديث التى ذكرتموها ولم تدعوا بعدها شيئا، هى بين ~~أحاديث صحيحة لا مطعن فيها ولا حجة فيها. وبين أحاديث صريحة الدلالة ولكنها ~~باطلة أو ضعيفة، لا يصح شئ منها. # ونحن نذكر ما فيها ليتبين الصواب ويزال الإشكال. # أما حديث فاطمة بنت قيس فمن أصح الأحاديث مع أن أكثر المنازعين لنا فى ~~هذه المسألة قد خالفوه ولم يأخذوا به. فأوجبوا للمبتوته النفقة والسكنى ولم ~~يلتفتوا إلى هذا الحديث ولا عملوا به، وهذا قول أبى حنيفة وأصحابه. وأما ~~الشافعى ومالك فأوجبوا لها السكنى. والحديث قد صرح فيه ms276 بأنه لا نفقة لها ~~ولا سكنى فخالفوه ولم يعملوا به. فإن كان الحديث صحيحا فهو حجة عليكم، وإن ~~لم يكن محفوظا، بل هو غلط كما قال بعض المتقدمين فليس حجة علينا فى جمع ~~الثلاث. فأما أن يكون حجة لكم على منازعيكم وليس حجة لهم عليكم فبعيد من ~~الإنصاف والعدل. # هذا مع أنا نتنزل عن هذا المقام ونقول: الاحتجاج بهذا الحديث فيه نوع سهو ~~من # PageV01P311 # المحتج به. ولو تأمل طرق الحديث وكيف وقعت القصة لم يحتج به. فإن الثلاث ~~المذكورة فيه لم تكن مجموعة، وإنما كان قد طلقها تطليقتين من قبل ذلك ثم ~~طلقها آخر الثلاث، هكذا جاء مصرحا به فى الصحيح. # فروى مسلم فى صحيحه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة "أنا أبا عمرو بن ~~حفص بن المغيرة خرج مع على بن أبى طالب رضى الله عنه إلى اليمن، فأرسل إلى ~~امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأمر لها الحارث بن ~~هشام وعياش بن أبى ربيعة بنفقة، فقالا لها: والله مالك نفقة إلا أن تكونى ~~حاملا. فأتت النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "فذكرت له قولهما فقال: ~~لا نفقة لك" وساق الحديث بطوله. # فهذا المفسر يبين ذلك المجمل، وهو قوله "طلقها ثلاثا". # وقال الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أبى سلمة عن فاطمة بنت قيس: أنها ~~أخبرته "أنها كانت تحت أبى حفص بن المغيرة، وأن أبا حفص بن المغيرة طلقها ~~آخر ثلاث تطليقات" وساق الحديث ذكره أبو داود ثم قال: وكذلك رواه صالح بن ~~كيسان، وابن جريج وشعيب بن أبى حمزة، كلهم عن الزهرى. ثم ساق من طريق عبد ~~الرزاق عن معمر عن # PageV01P312 # الزهرى عن عبيد الله قال: "أرسل مروان إلى فاطمة فسألها فأخبرته أنها ~~كانت عند أبى حفص ابن المغيرة، وكان النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~أمر على بن أبى طالب رضى الله عنه على بعض اليمن، فخرج معه زوجها فبعث ~~إليها بتطليقة كانت بقيت لها". # وذكر الحديث بتمامه، والواسطة ms277 بين مروان وبينها هو قبيصة بن ذؤيب. كذلك ~~ذكره أبو داود فى طريق أخرى. # فهذا بيان حديث فاطمة بنت قيس. # قالوا: ونحن أخذنا به جميعه ولم نخالف شيئا منه إذ كان صحيحا صريحا لا ~~مطعن فيه ولا معارض له. فمن خالفه فهو محتاج إلى الاعتذار. # وقد جاء هذا الحديث بخمسة ألفاظ "طلقها ثلاثا" و "طلقها ألبتة" و "طلقها ~~آخر ثلاث تطليقات" و "أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها" و "طلقها ثلاثا ~~جميعا". # هذه جملة ألفاظ الحديث، وبالله التوفيق. # فأما اللفظ الخامس وهو قوله "طلقها ثلاثا جميعا" هذه القصة عن الشعبى. ~~ولم يقل ذلك عن الشعبى غيره مع كثرة من روى هذه القصة عن الشعبى. # فتفرد مجالد على ضعفه من بينهم بقوله "ثلاثا جميعا" وعلى تقدير صحته ~~فالمراد به: أنه اجتمع لها التطليقات الثلاث، لا أنها وقعت بكلمة واحدة، ~~فإذا طلقها آخر ثلاث صح أن يقال طلقها ثلاثا جميعا. فإن هذه اللفظة يراد ~~بها تأكيد العدد وهو الأغلب عليها، لا الاجتماع فى الآن الواحد لقوله ~~تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا} [يونس: 99] . # فالمراد حصول الإيمان من الجميع لا إيمانهم كلهم فى آن واحد، سابقهم ~~ولاحقهم. # فصل # وكذلك ما ذكروه من حديث عائشة رضى الله عنها: "أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، ~~فسئل النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: هل تحل للأول؟ فقال: لا" ~~الحديث. # هو حق يجب المصير إليه لكن ليس فيه أنه طلقها ثلاثا بفم واحد، فلا تدخلوا ~~فيه ما ليس فيه. # وقولكم: "ولم يستفصل" جوابه: أن الحال قد كان عندهم معلوما، وأن الثلاث ~~إنما # PageV01P313 # تكون ثلاثا، واحدة بعد واحدة، وهذا مقتضى اللغة والقرآن والشرع والعرف ~~كما بينا. فخرج الكلام على المفهوم المتعارف من لغة القوم. # فصل # وأما ما اعتمد عليه الشافعى من طلاق الملاعن ثلاثا بحضرة رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم ولم ينكره، فلا دليل فيه. لأن الملاعنة يحرم ~~عليه إمساكها وقد حرمت تحريما مؤبدا، فما زاد الطلاق الثلاث هذا التحريم ~~الذى ms278 هو مقصود اللعان إلا تأكيدا وقوة، وهذا جواب شيخنا رحمه الله. # وقال ابن المنذر: وقد ذكر الأدلة على تحريم جمع الطلاق الثلاث، وأنه بدعة ~~ثم قال: وأما ما اعتل به من رأى أن مطلق الثلاث فى مرة واحدة مطلق للسنة ~~بحديث العجلانى. فإنما أوقع الطلاق عنده على أجنبية، علم الزوج الذى طلق ~~ذلك أو لم يعلم. لأن قائله يوقع الفرقة بالتعان الرجل قبل أن تلتعن المرأة، ~~فغير جائز أن يحتج بمثل هذه الحجة من يرى أن الفرقة تقع بالتعان الزوج ~~وحده، انتهى. # وحينئذ فنقول: إما أن تقع الفرقة بالتعان الزوج وحده كما يقوله الشافعى، ~~أو بالتعانهما كما يقوله أحمد، أو يقف على تفريق الحاكم. فإن وقعت بالتعانه ~~أو التعانهما فالطلاق الذى وقع منه لغو لم يفد شيئا ألبتة، بل هو طلاق فى ~~أجنبية. وإن وقفت الفرقة على تفريق الحاكم فهو يفرق بينهما تفريقا يحرمها ~~عليه تحريما مؤبدا. فالطلاق الثلاث أكد هذا التحريم الذى هو موجب اللعان ~~ومقصود الشارع. فكيف يلحق به طلاق الملاعنة وبينهما أعظم فرق؟. # فصل # وأما حديث محمود بن لبيد فى قصة المطلق ثلاثا، فالاحتجاج به على الجواز ~~من باب قلب الحقائق، والاحتجاج بأعظم ما يدل على التحريم لا على الإباحة. ~~والاستدلال به على # PageV01P314 # الوقوع من باب التكهن والخرص، والزيادة فى الحديث ما ليس فيه، ولا يدل ~~عليه بشئ من وجوه الدلالات ألبتة، ولكن المقلد لا يبالى بنصرة تقليده بما ~~اتفق له، وكيف يظن برسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه أجاز عمل ~~من استهزأ بكتاب الله وصححه واعتبره فى شرعه وحكمه ونفذه؟ وقد جعله مستهزئا ~~بكتاب الله تعالى؟ وهذا صريح فى أن الله سبحانه وتعالى لم يشرع جمع الثلاث ~~ولا جعله فى أحكامه. # فصل # وأما حديث ركانة "أنه طلق امرأته البتة، وأن رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم استحلفه ما أراد بها إلا واحدة" فحديث لا يصح. # قال أبو الفرح بن الجوزى فى كتاب العلل له: قال أحمد: حديث ركانة ليس ~~بشىء. # وقال ms279 الخلال فى كتاب العلل عن الأثرم: قلت لأبى عبد الله: حديث ركانة فى ~~"البتة" فضعفه وقال "ذاك جعله بنيته". # وقال شيخنا: الأئمة الكبار العارفون بعلل الحديث كالإمام أحمد، والبخارى، ~~وأبى عبيد، وغيرهم ضعفوا حديث ركانة "البتة" وكذلك أبو محمد بن حزم وقالوا: ~~إن رواته قوم مجاهيل، لا تعرف عدالتهم وضبطهم، قال: وقال الإمام أحمد: حديث ~~ركانة أنه طلق امرأته ألبتة لا يثبت. وقال أيضا: حديث ركانة فى ألبتة ليس ~~بشئ، لأن ابن إسحق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس "أن ركانة ~~طلق امرأته ثلاثا" وأهل المدينة يسمون من طلق ثلاث، طلق البتة". # فإن قيل: فقد قال أبو داود: حديث "البتة" أصح من حديث ابن جريج "أن ركانة ~~طلق امرأته ثلاثا" لأنهم أهل بيته وهم أعلم به، يعني وهم الذين رووا حديث ~~"البتة". # فقال شيخنا في الجواب: أبو داود إنما رجح حديث "البتة" على حديث ابن جريج ~~لأنه روى حديث ابن جريج من طريق فيها مجهول فقال: حدثنا أحمد ابن صالح ~~حدثنا عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرنى بعض ولد أبي رافع عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال: "طلق # PageV01P315 # عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة ثلاثا" الحديث، ولم يرو الحديث الذى ~~رواه أحمد في مسنده عن إبراهيم بن سعد: حدثني أبى عن محمد بن إسحق حدثنا ~~داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "طلق ركانة ابن ~~عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد" فلهذا رجح أبو داود حديث "البتة" على ~~حديث ابن جريج. ولم يتعرض لهذا الحديث، ولا رواه فى سننه ولا ريب أنه أصح ~~من الحديثين. وحديث ابن جريج شاهد له وعاضد، فإذا انضم حديث أبى الصهباء ~~إلى حديث ابن إسحاق إلى حديث ابن جريج، مع اختلاف مخارجها وتعدد طرقها، ~~أفادت العلم بأنها أقوى من حديث "البتة" بلا شك ولا يمكن من شم روائح ~~الحديث ولو على بعد أن يرتاب فى ذلك. فكيف يقدم الحديث الضعيف الذى ضعفه ~~الأئمة ورواته ms280 مجاهيل على هذه الأحاديث؟ # PageV01P316 # فصل # وأما حديث معاذ بن جبل، فلقد وهت مسألة يحتج فيها بمثل هذا الحديث ~~الباطل. والدارقطنى إنما رواه للمعرفة، وهو أجل من أن يحتج به. وفى إسناده: ~~إسماعيل ابن أمية الذارع، يرويه عن حماد. قال الدارقطنى بعد روايته: ~~إسماعيل ابن أمية ضعيف متروك الحديث # فصل # وأما حديث عبادة بن الصامت الذى رواه الدارقطنى. فقد قال عقيب إخراجه: ~~رواته مجهولون وضعفاء، إلا شيخنا وابن عبد الباقى. # فصل # وأما حديث زاذان عن على رضى الله عنه. فيرويه إسماعيل بن أمية القرشى. ~~قال الدارقطنى: إسماعيل بن أمية هذا كوفى ضعيف. # قلت: وفى إسناده مجاهيل وضعفاء. # PageV01P317 # فصل # وأما حديث الحسن عن ابن عمر فهو أمثل هذه الأحاديث الضعاف. قال ~~الدارقطنى: حدثنا على بن محمد بن عبيد الحافظ: حدثنا محمد بن شاذان ~~الجوهرى: حدثنا يعلى بن منصور: حدثنا شعيب بن رزيق: أن عطاء الخرسانى حدثهم ~~عن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن عمر، فذكره. وشعيب وثقه الدارقطنى. وقال ~~أبو الفتح الأزدى فيه لين. وقال البيهقى، وقد روى هذا الحديث: وهذه ~~الزيادات انفرد بها شعيب وقد تكلموا فيه، انتهى. # ولا ريب أن الثقات الأثبات الأئمة رووا حديث ابن عمر هذا، فلم يأت أحد ~~منهم بما أتى به شعيب ألبتة، ولهذا لم يرو حديثه هذا أحد من أصحاب الصحيح ~~ولا السنن. # فصل # وأما حديث كثير مولى ابن سمرة عن أبى سلمة عن أبى هريرة فقد أنكره كثير ~~لما سئل عنه، ومثل هذا بعيد أن ينسى. وقد أعل البيهقى هذا الحديث، وقال: ~~كثير لم يثبت # PageV01P318 # من معرفته ما يوجب الاحتجاج به، قال: وقول العامة بخلاف روايته وقد ضعفه ~~عبد الحق فى أحكامه" وابن حزم فى كتابه. # فصل # وأما حديث سويد بن غفلة عن الحسن فمن رواية محمد بن حميد الرازى. قال أبو ~~زرعة الرازى: كذاب، وقال صالح جزرة: ما رأيت أحذق بالكذب منه ومن ~~الشاذكونى، سلمة بن الفضل. قال أبو حاتم: منكر الحديث، وإن كان رواته شتى، ~~فقد ضعفه إسحاق بن راهويه وغيره. # فصل ms281 # فما رأى آخرون ضعف هذه المسالك استروحوا إلى مسلك آخر، وظنوا أنهم قد ~~استروحوا به من كلفة التأويل ومشقته. # فقالوا: الإجماع قد انعقد على لزوم الثلاث، وهو أكبر من خبر الواحد كما ~~قال الشافعى رحمه الله الإجماع أكبر من الخبر المنفرد. وذلك أن الخبر يجوز ~~الخطأ والوهم على راويه بخلاف الإجماع فإنه معصوم. # قالوا: ونحن نسوق عن الصحابة والتابعين ما يبين ذلك. # فثبت فى صحيح مسلم أن عمر رضى الله عنه أمضى عليهم الثلاث ووافقه ~~الصحابة. # قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان عن شقيق سمع أنسا يقول: قال عمر فى الرجل ~~يطلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، قال: هى ثلاث، لا تحل له حتى تنكح زوجا ~~غيره، وكان إذا أتى به أوجعه. # وروى البيهقى من حديث ابن أبى ليلى عن على رضى الله عنه فيمن طلق ثلاثا ~~قبل الدخول، قال: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. # PageV01P319 # وروى حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على: لا تحل له حتى ~~تنكح غيره. # وروى أبو نعيم عن الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن بعض أصحابه قال: جاء رجل ~~إلى على رضى الله عنه. فقال: طلقت امرأتى ألفا؟ فقال: ثلاث تحرمها عليك، ~~واقسم سائرها بين نسائك. # وقال علقمة بن قيس: أتى رجل ابن مسعود رضى الله عنه، فقال: إن رجلا طلق ~~امرأته البارحة مائة؟ قال: قلتها مرة واحدة؟ قال: نعم. قال: تريد أن تبين ~~منك امرأتك؟ قال: نعم، قال هو كما قلت. وأتاه رجل، فقال: إنه طلق امرأته ~~البارحة عدد النجوم، فقال له مثل ذلك، ثم قال: قد بين الله سبحانه أمر ~~الطلاق. فمن طلق كما أمره الله تعالى فقد بين له. ومن لبس جعلنا عليه لبسه. ~~والله لا تلبسون إلا على أنفسكم، ونتحمله عنكم؟ هو كما تقولون. # وروى مالك فى الموطأ عن ابن شهاب عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد ~~بن إياس البكير قال: طلق رجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها ثم ms282 بدا له أن ~~ينكحها فجاء يستفتى. فذهبت معه أسأل له، فسأل أبا هريرة وابن عباس عن ذلك. ~~فقالا لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجا غيرك. قال: إنما كان طلاقى إياها ~~واحدة. فقال ابن عباس: إنك قد أرسلت من يدك ما كان لك من فضل. # وفى الموطأ أيضا فى هذه القصة: أن ابن البكير سأل عنها ابن الزبير. فقال: ~~إن هذا الأمر مالنا فيه قول، اذهب إلى ابن عباس وأبى هريرة، فإنى تركتهما ~~عند عائشة فاسألهما ثم ائتنا فأخبرنا. فذهب فسألهما فقال ابن عباس لأبى ~~هريرة: أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة. فقال أبو هريرة: الواحد تبينها، ~~والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره. وقال ابن عباس مثل ذلك. # PageV01P320 # فهذه عائشة لم تنكر عليهما ولا ابن الزبير. # وفى الموطأ أيضا: عن النعمان بن أبى عياش عن عطاء بن يسار قال "جاء رجل ~~يستفتى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يمسها ~~قال عطاء فقلت إنما طلاق البكر واحدة. فقال لى عبد الله بن عمرو بن العاص: ~~إنما أنت قاص. الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره". # وروى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما إذا طلق امرأته ثلاثا ~~قبل أن يدخل بها، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره. # وروى البيهقى من حديث معاذ بن معاذ: حدثنا شعبة عن طارق بن عبد الرحمن ~~سمعت قيس بن أبى عاصم قال: سأل رجل المغيرة وأنا شاهد عن رجل طلق امرأته ~~مائة، فقال: ثلاثة تحرم، وسبع وتسعون فضل". # وروى البيهقى عن سويد بن غفلة قال: كانت عائشة الخثعمية عند الحسن، فلما ~~قتل على رضى الله عنه قالت: لنهنئك الخلافة قال: بقتل على تظهرين الشماتة؟ ~~اذهبى فأنت طالق: يعنى ثلاثا، فتلفعت بثيابها حتى قضت عدتها، فبعث إليها ~~ببقية بقيت لها من صداقها وعشرة آلاف صدقة، فقالت لما جاءها الرسول: متاع ~~قليل من حبيب مفارق. فلما بلغه قولها بكى، وقال: لولا أنى سمعت جدى، أو ms283 ~~حدثنى أبى أنه سمع جدى يقول: أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند الأقراء، أو ~~ثلاثة مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، لراجعتها. # وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عطاء بن السائب عن ~~على رضى الله عنه أنه قال فى الحرام، والبتة، والبائن، والخلية، والبرية: ~~ثلاثا، ثلاثا. قال # PageV01P321 # شعبة: فلقيت عطاء فقلت: من حدثك عن على؟ قال أبو البخترى قال أحمد: وأنا ~~أهابها، لا أحب فيها لأنه يروى عن عامة الناس أنها ثلاث: على، وزيد، وابن ~~عمر، وعامة التابعين. # وأما ابن عباس فروى عنه مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبى رباح، وعمرو ~~بن دينار، ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن البكير، ومعاوية بن أبى عياش ~~وغيرهم: أنه ألزم الثلاث من أوقعها جملة. # قال الإمام أحمد وقد سأله الأثرم: بأى شئ ترد حديث ابن عباس "كان الطلاق ~~على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر وعمر رضى عنهما ~~طلاق الثلاث واحدة" بأى شئ تدفعه؟ قال "برواية الناس عن ابن عباس من وجوه ~~خلافه" ثم ذكر عن عدة عن ابن عباس أنها ثلاث، وإلى هذا نذهب. # وذكر البيهقى أن رجلا أتى عمران بن حصين وهو فى المسجد فقال: رجل طلق ~~امرأته ثلاثا فى مجلس، فقال: أثم بربه، وحرمت عليه امرأته. فانطلق الرجل ~~فذكر ذلك لأبى موسى، يريد بذلك عيبه، فقال: ألا ترى أن عمران قال كذا وكذا؟ ~~فقال أبو موسى: أكثر الله فينا مثل أبى نجيد. # قالوا: فهذا عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب وعبد الله بن مسعود، وعبد ~~الله ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، ~~وعمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة، والحسن بن على رضوان الله تعالى عليهم ~~أجمعين. # وأما التابعون فأكثر من أن يذكروا والإجماع يثبت بدون هذا، ولهذا حكاه ~~غير واحد، منهم أبو بكر بن العربى، وأبو بكر الرازى، وهو ظاهر كلام الإمام ~~أحمد، فإنه # PageV01P322 # قال فى رواية الأثرم ms284 وذكر قول من قال: إذا خالف السنة يرد إلى السنة، إنه ~~ليس بشىء. وقال: هذا مذهب الرافضة. وظاهر هذا أن القول بالوقوع إجماع أهل ~~السنة. # قال الآخرون: قد عرفتم ما فى دعوى الإجماع الذى لم يعلم فيه مخالف: أنه ~~راجع إلى عدم العلم لا إلى العلم بانتفاء المخالف، وعدم العلم ليس بعلم حتى ~~يحتج به ويقدم على النصوص الثابتة، هذا إذا لم يعلم مخالف، فكيف إذا علم ~~المخالف؟ وحينئذ فتكون المسألة مسألة نزاع يجب ردها إلى الله تعالى ورسوله، ~~ومن أبى ذلك فهو إما جاهل مقلد وإما متعصب صاحب هوى، عاص لله تعالى ورسوله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، متعرض للحوق الوعيد به. فإن الله تعالى ~~يقول: {فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر} [النساء: 59] . # فإذا ثبت أن المسألة مسألة نزاع وجب قطعا ردها إلى كتاب الله وسنة رسوله، ~~وهذه المسألة مسألة نزاع بلا نزاع بين أهل العلم الذين هم أهله. والنزاع ~~فيها من عهد الصحابة إلى وقتنا هذا، وبيان هذا من وجوه: # أحدها: ما رواه أبو داود وغيره من حديث حماد بن زيد عن أيوب عن كرمة عن ~~ابن عباس رضى الله عنهما: إذا قال أنت طالق ثلاثا بفم واحد، فهى واحدة وهذا ~~الإسناد على شرط البخارى. # وقال عبد الرزاق. أخبرنا معمر عن أيوب قال: دخل الحكم بن عيينة على ~~الزهرى بمكة وأنا معهم فسألوه عن البكر تطلق ثلاثا؟ فقال: سئل عن ذلك ابن ~~عباس وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو فكلهم قالوا: لا تحل له حتى تنكح زوجا ~~غيره، قال: فخرج الحكم وأنا معه فأتى طاوسا وهو فى المسجد فأكب عليه فسأله ~~عن قول ابن عباس فيها، وأخبره بقول الزهرى، قال: فرأيت طاوسا رفع يديه ~~تعجبا من ذلك وقال: والله ما كان ابن عباس يجعلها إلا واحدة. # أخبرنا ابن جريج قال: وأخبرنى حسن بن مسلم عن ابن شهاب أن ابن عباس قال: ~~إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا ولم يجمع كن ms285 ثلاثا، قال: فأخبرت طاوسا فقال: ~~أشهد ما كان ابن عباس يراهن إلا واحدة. # PageV01P323 # فقوله "إذا طلق ثلاثا ولم يجمع كن ثلاثا" أى إذا كن متفرقات، فدل على أنه ~~إذا جمعهن كانت واحدة. وهذا هو الذى حلف عليه طاووس: أن ابن عباس كان يجعله ~~واحدة. # ونحن لا نشك أن ابن عباس صح عنه خلاف ذلك، وأنها ثلاث، فهما روايتان ~~ثابتتان عن ابن عباس بلا شك. # الوجه الثانى: أن هذا مذهب طاوس "، قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن ~~بن طاوس عن أبيه أنه كان لا يرى طلاقا ما خالف وجه الطلاق ووجه العدة، وأنه ~~كان يقول: يطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضى عدتها. # وقال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا إسماعيل بن عليه عن ليث عن طاوس وعطاء ~~أنهما قالا: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها فهى واحدة. # الوجه الثالث: أنه قول عطاء بن أبى رباح قال ابن أبى شيبة: حدثنا محمد بن ~~بشر: حدثنا إسماعيل عن قتادة عن طاوس وعطاء وجابر بن زيد أنهم قالوا: إذا ~~طلقها ثلاثا قبل أن يدخل بها فهى واحدة. # الوجه الرابع: أنه قول جابر بن زيد كما تقدم. # الوجه الخامس: أن هذا مذهب محمد بن إسحق عن داود بن الحصين، حكاه عنه ~~الإمام أحمد فى رواية الأثرم ولفظه، حدثنا سعيد بن إبراهيم عن أبيه عن ابن ~~إسحق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: أن ركانة طلق امرأته ثلاثا، ~~فجعلها النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم واحدة. قال أبو عبد الله: وكان ~~هذا مذهب ابن إسحاق يقول: خالف السنة فيرد إلى السنة. # الوجه السادس: أنه مذهب إسحاق بن راهويه فى البكر. قال محمد بن نصر ~~المروزى فى كتاب "اختلاف العلماء" له: وكان إسحاق يقول: طلاق الثلاث للبكر ~~واحدة. وتأول حديث طاووس عن ابن عباس "كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر وعمر يجعل واحدة": على هذا. قال: ~~فإن قال لها ولم ms286 يدخل بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. فإن سفيان، ~~وأصحاب الرأى والشافعى، وأحمد، وأبا عبيدة، قالوا: # PageV01P324 # بانت منه بالأولى، وليست الثنتان بشىء. لأن غير المدخول بها تبين بواحدة، ~~ولا عدة عليها. وقال مالك وربيعة، وأهل المدينة والأوزاعى، وابن أبى ليلى: ~~إذا قال لها ثلاث مرات أنت طالق، نسقا متتابعة حرمت عليه حتى تنكح زوجا ~~غيره. فإن هو سكت بين التطليقتين، بانت بالأولى ولم تلحقها الثانية. # فصار فى وقوع الثلاث بغير المدخول بها ثلاثة مذاهب للصحابة والتابعين ومن ~~بعدهم. # أحدها: أنها واحدة سواء قالها بلفظ واحد، أو بثلاثة ألفاظ. # والثانى: أنها ثلاث سواء أوقع الثلاث بلفظ واحد، أو بثلاثة ألفاظ. # والثالث: أنه إن أوقعها بلفظ واحد فهى ثلاث. وإن أوقعها بثلاثة ألفاظ فهى ~~واحدة. # الوجه السابع: أن هذا مذهب عمرو بن دينار فى الطلاق قبل الدخول. قال ابن ~~المنذر فى كتابه الأوسط: وكان سعيد بن جبير، وطاوس، وأبو الشعثاء، وعطاء، ~~وعمرو بن دينار يقولون: من طلق البكر ثلاثا فهى واحدة. # الوجه الثامن: أنه مذهب سعيد بن جبير، كما حكاه ابن المنذر وغيره عنه، ~~وحكاه الثعلبى عن سعيد بن المسيب وهو غلط عليه، وإنما هو مذهب سعيد بن ~~جبير. # الوجه التاسع: أنه مذهب الحسن البصرى الذى استقر عليه. قال ابن المنذر: ~~واختلف فى هذا الباب عن الحسن. فروى عنه كما رويناه عن أصحاب النبى صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم. وذكر قتادة وحميد ويونس عنه: أنه رجع عن قوله ~~بعد ذلك فقال: واحدة بائنة. # وهذا الذى ذكره ابن المنذر رواه عبد الرزاق فى المصنف فقال: أخبرنا معمر ~~عن قتادة قال: سألت الحسن عن الرجل يطلق البكر ثلاثا، فقال الحسن: وما بعد ~~الثلاث فقلت صدقت، وما بعد الثلاث؟ فأفتى الحسن بذلك زمنا، ثم رجع، فقال: ~~واحد تبينها ويحطها، قاله حياته. # الوجه العاشر: أنه مذهب عطاء بن يسار، قال عبد الرزاق: أخبرنا مالك عن ~~يحيى بن سعيد عن بكير عن [النعمان] بن أبى عياش قال: سأل رجل عطاء بن يسار ~~عن الرجل # PageV01P325 # يطلق ms287 البكر ثلاثا، فقال إنما طلاق البكر واحدة، فقال له عبد الله ابن ~~عمرو بن العاص: أنت قاص، الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا ~~غيره مالك: فذكر عطاء مذهبه، وعبد الله بن عمرو مذهبه. # الوجه الحادى عشر: أنه مذهب خلاس بن عمرو، حكاه بشر بن الوليد عن أبى ~~يوسف عنه. # الوجه الثانى عشر: أنه مذهب محمد بن مقاتل الرازى، حكاه عنه المازرى فى ~~كتابه "المعلم بفوائد مسلم" قال الخطيب: حدث عن عبد الله بن المبارك، عباد ~~بن العوام، ووكيع بن الجراح وأبى عاصم النبيل، روى عنه الإمام أحمد ~~والبخارى فى صحيحه، وكان ثقة. # الوجه الثالث عشر: أنه إحدى الروايتين عن مالك، حكاها عنه جماعة من ~~المالكية منهم التلمسانى صاحب شرح الخلاف، وعزاها إلى ابن أبى زيد أنه ~~حكاها رواية عن مالك، وحكاها غيره قولا فى مذهب مالك وجعله شاذا. # الوجه الرابع عشر: أن ابن مغيث المالكى حكاه فى كتاب "الوثائق" وهو مشهور ~~عند المالكية، عن بضعة عشر فقيها من فقهاء طليطلة المفتين على مذهب مالك، ~~هكذا قال، واحتج لهم بأن قوله: أنت طالق ثلاثا: كذب، لأنه لم يطلق ثلاثا، ~~ولم يطلق إلا واحدة. كما لو قال: حلفت ثلاثا كانت يمينا واحدة، ثم ذكر ~~حججهم من الحديث. # الوجه الخامس عشر: أن أبا الحسن على بن عبد الله بن إبراهيم اللخمى ~~المشطى، صاحب كتاب الوثائق الكبير الذى لم يصنف فى الوثائق مثله حكى الخلاف ~~فيها عن السلف والخلف حتى عن المالكية أنفسهم، فقال: # وأما من قال: أنت طالق ثلاثا، فقد بانت منه، قال "البتة" أو لم يقل. قال: ~~وقال بعض الموثقين، يريد المصنفين فى الوثائق: اختلف أهل العلم بعد إجماعهم ~~على أنه مطلق، كم يلزمه من الطلاق؟ فالجمهور من العلماء على أنه يلزمه ~~الثلاث، وبه القضاء، وعليه الفتوى، وهو الحق الذى لا شك فيه، قال: وقال بعض ~~السلف: يلزمه من ذلك طلقة واحدة، وتابعهم على ذلك قوم من الخلف من المفتين ~~بالأندلس. قال: واحتجوا على ذلك بحجج كثيرة وأحاديث مسطورة أضربنا عنها ms288 ~~واقتصرنا على الصحيح منها، فمنها: ما رواه داود بن الحصين عن # PageV01P326 # عكرمة عن ابن عباس "أن ركانة طلق زوجته عند رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم ثلاثا فى مجلس واحد، فقال له النبى صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم: إنما هى واحدة، فإن شئت فدعها، وإن شئت فار تجعها"، ثم ذكر حديث ~~أبى الصهباء، وذكر بعض تأويلاته التى ذكرناها. # الوجه السادس عشر: أن أبا جعفر الطحاوى حكى القولين فى كتابه "تهذيب ~~الآثار" فقال: باب الرجل يطلق امرأته ثلاثا معا، ثم ذكر حديث أبى الصهباء ~~ثم قال: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا معا فقد وقعت عليها ~~واحدة إذا كانت فى وقت سنة، وذلك أن تكون طاهرا فى غير جماع، واحتجوا فى ~~ذلك بهذا الحديث وقالوا: لما كان الله عز وجل إنما أمر عباده أن يطلقوا ~~لوقت على صفة فطلقوا على غير ما أمرهم به لم يقع طلاقهم. ألا ترى لو أن ~~رجلا أمر رجلا أن يطلق امرأته فى وقت فطلقها فى غيره، أو أمره أن يطلقها ~~على شريطة فطلقها على غير تلك الشريطة أن طلاقه لا يقع؟ إذ كان قد خالف ما ~~أمر به. # ثم ذكر حجج الآخرين والجواب عن حجج هؤلاء على عادة أهل العلم والدين فى ~~إنصاف مخالفيهم والبحث معهم،. ولم يسلك طريق جاهل ظالم متعد يبرك على ~~ركبتيه، ويفجر عينيه ويصول بمنصبه لا بعلمه، وبسوء قصده لا بحسن فهمه، ~~ويقول: القول بهذه المسألة كفر يوجب ضرب العنق، ليبهت خصمه ويمنعه عن بسط ~~لسانه والجرى معه فى ميدانه، والله سبحانه عند لسان كل قائل، وهو له يوم ~~الوقوف بين يديه عما قاله سائل. # الوجه السابع عشر: أن شيخنا حكى عن جده أبى البركات: أنه كان يفتى بذلك ~~أحيانا سرا، وقال فى بعض مصنفاته: هذا قول بعض أصحاب مالك، وأبى حنيفة، ~~وأحمد. # قلت: أما المالكية فقد حكينا الخلاف عنهم، وأما بعض أصحاب أبى حنيفة فإنه ~~محمد بن مقاتل من الطبقة الثانية من أصحاب أبى ms289 حنيفة، وأما بعض أصحاب أحمد، ~~فإن كان أراد إفتاء جده بذلك أحيانا، وإلا فلم أقف على نقل لأحد منهم. # الوجه الثامن عشر: قال أبو الحسن النسفى فى وثائقه وقد ذكر الخلاف فى ~~المسألة، # PageV01P327 # ثم قال: ومن بعض حججهم أيضا فى ذلك: أن الله سبحانه وتعالى أمر بتفريق ~~الطلاق بقوله تعالى: # {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] . # وإذا جمع الإنسان ذلك فى كلمة واحدة وكان ما زاد عليها لغوا، كما جعل ~~مالك رحمه الله رمى السبع الجمرات فى مرة واحدة جمرة واحدة، وبنى عليها أن ~~الطلاق عندهم مثله، قال: وممن نصر هذا القول من أهل الفتيا بالأندلس: أصبغ ~~بن الحباب، ومحمد بن بقى، ومحمد بن عبد السلام الخشنى، وابن زنباع مع غيرهم ~~من نظرائهم، هذا لفظه. # الوجه التاسع عشر: أن أبا الوليد هشام بن عبد الله بن هشام الأزدى ~~القرطبى صاحب كتاب "مفيد الحكام فيما يعرض لهم من النوازل والأحكام" ذكر ~~الخلاف بين السلف والخلف فى هذه المسألة حتى ذكر الخلاف فيها فى مذهب مالك ~~نفسه. وذكر من كان يفتى بها من المالكية. والكتاب مشهور معروف عند أصحاب ~~مالك، كثير الفوائد جدا، ونحن نذكر نصه فيه بلفظه، فنذكر ما ذكره عن ابن ~~مغيث، ثم نتبعه كلامه، ليعلم أن النقل بذلك معلوم متداول بين أهل العلم، ~~وأن من قصر فى العلم باعه وطال فى الجهل والظلم ذراعه، يبادر إلى الجهل ~~والتكفير والعقوبة جهلا منه وظلما ويحق له وهو الدعى فى العلم وليس منه ~~أقرب رحما. # قال ابن هشام: قال ابن مغيث: الطلاق ينقسم على ضربين: طلاق السنة، وطلاق ~~البدعة. فطلاق السنة: هو الواقع على الوجه الذى ندب الشرع إليه. وطلاق ~~البدعة: نقيضه، وهو أن يطلقها فى حيض أو نفاس، أو ثلاثا فى كلمة واحدة، فإن ~~فعل لزمه الطلاق. # ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق، كم يلزمه من الطلاق. # فقال على بن أبى طالب، وابن مسعود: يلزمه طلقة واحدة، وقاله ابن عباس. ~~وقال: قوله "ثلاثا" لا معنى له: لأنه لم يطلق ثلاث مرات، ms290 وإنما يجوز قوله ~~فى "ثلاث" إذا كان مخبرا عما مضى فيقول طلقت ثلاثا، بخبر عن ثلاثة أفعال ~~كانت منه فى ثلاثة أوقات كرجل قال: قرأت أمس سورة كذا ثلاث مرات، فذلك يصح. ~~ولو قرأها مرة واحدة، فقال: قرأتها ثلاث مرات، لكان كاذبا. وكذلك لو حلف ~~بالله تعالى ثلاثا يردد الحلف، كانت ثلاثة أيمان، ولو قال: أحلف بالله ~~ثلاثا، لم يكن حلف إلا يمينا واحدة. فالطلاق مثله. ومثله # PageV01P328 # قال الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما، روينا ذلك كله ~~عن ابن وضاح. وبه قال من شيوخ قرطبة ابن زنباع شيخ هدى، ومحمد بن بقى بن ~~مخلد، ومحمد بن عبد السلام الخشنى فقيه عصره، وأصبغ بن الحباب، وجماعة ~~سواهم من فقهاء قرطبة. # وكان من حجة ابن عباس: أن الله تعالى فرق فى كتابه لفظ الطلاق، فقال: ~~{الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] . # يريد أكثر الطلاق الذى يمكن بعده الإمساك بالمعروف وهو الرجعة فى العدة، ~~ومعنى قوله: {أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] . # يريد تركها بلا ارتجاع حتى تنقضى عدتها، وفى ذلك إحسان إليه وإليها إن ~~وقع ندم منهما، قال الله تعالى: {لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} ~~[الطلاق: 1] . # يريد الندم على الفرقة والرغبة فى المراجعة، وموقع الثلاث غير محسن، لأنه ~~ترك المندوحة التى وسع الله تعالى بها ونبه عليها، فذكر الله سبحانه وتعالى ~~لفظ الطلاق مفرقا. فدل على أنه إذا جمع أنه لفظ واحد فتدبره. # وقد يخرج من غير ما مسألة من الديانة ما يدل على ذلك. # من ذلك: قول الرجل: مالى صدقة في المساكين: أن الثلث من ذلك يجزيه. # هذا كله لفظ صاحب الكتاب بحروفه. # أفترى الجاهل الظالم المعتدى يجعل هؤلاء كلهم كفارا مباحة دماؤهم؟ ~~سبحانك، هذا بهتان عظيم، بل هؤلاء من أكابر أهل العلم والدين، وذنبهم عند ~~أهل العمى، أهل التقليد: كونهم لم يرضوا لأنفسهم بما رضى به المقلدون، ~~وردوا ما تنازع فيه المسلمون إلى الله ورسوله. # وتلك شكاة ظاهر عنك عارها # الوجه العشرون: أن ms291 هذا مذهب أهل الظاهر: داود، وأصحابه. وذنبهم عند كثير ~~من الناس أخذهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم، ونبذهم القياس وراء ظهورهم، فلم ~~يعبئوا به شيئا، وخالفهم أبو محمد بن حزم فى ذلك، فأباح جمع الثلاث ~~وأوقعها. # فهذه عشرون وجها فى إثبات النزاع فى هذه المسألة بحسب بضاعتنا المزجاة من ~~الكتب، وإلا فالذى لم نقف عليه من ذلك كثير. # وقد حكى ابن وضاح وابن مغيث ذلك عن على وابن مسعود والزبير وعبد الرحمن # PageV01P329 # بن عوف وابن عباس. ولعله إحدى الروايتين عنهم، وإلا فقد صح بلا شك عن ابن ~~مسعود وعلى وابن عباس: الإلزام بالثلاث لمن أوقعها جملة، وصح عن ابن عباس ~~أنه جعلها واحدة. ولم نقف على نقل صحيح عن غيرهم من الصحابة بذلك، فلذلك لم ~~نعد ما حكى عنهم فى الوجوه المبينة للنزاع، وإنما نعد ما وقفنا عليه فى ~~مواضعه ونعزوه إليها، وبالله التوفيق. # فإن قيل: فقد ذكرتم أعذار الأئمة الملزمين بالثلاث عن تلك الأحاديث ~~المخالفة لقولهم، فما عذركم أنتم عن أمير المؤمنين، وثانى الخلفاء الراشدين ~~المحدث الملهم، الذى أمرنا باتباع سنته والاقتداء به؟ أفتظنون به أنه كان ~~يرى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وخليفته من بعده والصحابة في ~~عهده يجعلون الثلاث واحدة؟ مع أنه أيسر على الأمة وأسهل، وأبعد من الحرج، ~~ثم يعمد إلى مخالفة ذلك برأيه ويلزم الأمة بالثلاث من قبل نفسه، فيضيق ~~عليهم ما وسعه الله تعالى ويعسر ما سهله ويسد ما فتحه ويحرج ما فسحه، ثم ~~يتابعه على ذلك أكابر الصحابة، ويوافقونه ولا يخالفونه؟، ثم هب أنهم خافوا ~~منه في حياته، وكلا، فإنه كان أتقى لله سبحانه وتعالى من ذلك. وكان إذا ~~بينت له المرأة ما خفى عليه من الحق رجع إليه. وكان الصحابة أتقى لله تعالى ~~وأعلم به أن يأخذهم لومة لائم في الحق، وأن يمسكوا عنه خوفا من عمر رضى ~~الله عنه. فقد دار الأمر بين القدح فى عمر رضى الله عنه والصحابة معه، وبين ~~رد تلك الأحاديث إما لضعفها وإما لنسخها ms292 وخفى علينا الناسخ، وإما بتأويلها ~~وحملها على محمل يصح. ولا ريب أن هذا أولى لتوفية حق الصحابة الذين هم أعلم ~~بالله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من جميع من بعدهم؟ # قيل: لعمر الله، وإن هذا لسؤال يورد أمثاله أهل العلم، وإنه ليحتاج إلى ~~جواب شاف كاف، فيقول: # الناس هنا طائفتان: طائفة اعتذرت عن هذه الأحاديث لأجل عمر ومن وافقه. ~~وطائفة اعتذرت عن عمر رضى الله عنه ولم ترد الأحاديث. # فقالوا: الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها. لا بحسب ~~الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، ~~والحدود # PageV01P330 # المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا ~~اجتهاد يخالف ما وضع عليه. # والنوع الثانى: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالا، ~~كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها. فإن الشارع بنوع فيها بحسب المصلحة، ~~فشرع التعزير بالقتل لمدمن الخمر فى المرة الرابعة. # وعزم على التعزير بتحريق البيوت على المتخلف عن حضور الجماعة لولا ما ~~منعه من تعدى العقوبة إلى غير من يستحقها من النساء والذرية. # وعزر بحرمان النصيب المستحق من السلب. # وأخبر عن تعزير مانع الزكاة بأخذ شطر ماله. # PageV01P331 # وعزر بالعقوبات المالية فى عدة مواضع. # وعزر من مثل بعبده بإخراجه عنه وإعتاقه عليه. # وعزر بتضعيف الغرم على سارق مالا قطع فيه، وكاتم الضالة. # وعزر بالهجر ومنع قربان النساء. # ولم يعرف أنه عزر بدرة، ولا حبس، ولا سوط، وإنما حبس فى تهمة، ليتبين حال ~~المتهم. # وكذلك أصحابه تنوعوا فى التعزيرات بعده. # فكان عمر رضى الله عنه يحلق الرأس وينفي ويضرب، ويحرق حوانيت الخمارين # PageV01P332 # والقرية التى تباع فيها الخمر وحرق قصر سعد بالكوفة لما احتجب فيه عن ~~الرعية. # وكان له رضى الله تعالى عنه فى التعزير اجتهاد وافقه عليه الصحابة لكمال ~~نصحه ووفور علمه وحسن اختياره للأمة، وحدوث أسباب اقتضت تعزيره لهم بما ~~يردعهم، لم يكن مثلها على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، أو ~~كانت، ولكن زاد الناس ms293 عليها وتتابعوا فيها. # فمن ذلك: أنهم لما زادوا فى شرب الخمر وتتابعوا فيه، وكان قليلا على عهد ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، جعله عمر رضى الله عنه ثمانين ~~ونفى فيه. # ومن ذلك: اتخاذه درة يضرب بها من يستحق الضرب. # ومن ذلك: اتخاذه دارا للسجن. # ومن ذلك: ضربه لنوائح حتى بدا شعرها. # وهذا باب واسع اشتبه فيه على كثير من الناس الأحكام الثابتة اللازمة التى ~~لا تتغير بالتعزيرات التابعة للمصالح وجودا وعدما. # ومن ذلك: أنه رضى الله عنه لما رأى الناس قد أكثروا من الطلاق الثلاث، ~~ورأى أنهم لا ينتهون عنه إلا بعقوبة، رأى إلزامهم بها عقوبة لهم، ليكفوا ~~عنها. # وذلك إما من التعزير العارض الذى يفعل عند الحاجة، كما كان يضرب فى الخمر ~~ثمانين ويحلق فيها الرأس، وينفى عن الوطن، وكما منع النبى صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم الثلاثة الذين خلفوا عنه عن الاجتماع بنسائهم، فهذا له وجه. # وإما ظنا أن جعل الثلاث واحدة كان مشروعا بشرط وقد زال، كما ذهب إلى ذلك ~~فى متعة الحج، إما مطلقا، وإما متعة الفسخ فهذا وجه آخر. # PageV01P333 # وإما لقيام مانع قام فى زمنه منع من جعل الثلاث واحدة كما قام عنده مانع ~~من بيع أمهات الأولاد، ومانع من أخذ الجزية من نصارى بنى تغلب وغير ذلك. ~~فهذا وجه ثالث: # فإن الحكم ينتفى لانتفاء شروطه، أو لوجود مانعه. والإلزام بالفرقة فسخا ~~أو طلاقا لمن لم يقم بالواجب مما يسوغ فيه الاجتهاد، لكن تارة يكون حقا ~~للمرأة، كما فى العنة والإيلاء والعجز عن النفقة والغيبة الطويلة عند من ~~يرى ذلك. وتارة يكون حقا للزوج، كالعيوب المانعة له من استيفاء المعقود ~~عليه أو كماله. وتارة يكون حقا لله تعالى كما فى تفريق الحكمين بين الزوجين ~~عند من يجعلهما وكيلين، وهو الصواب وكما فى وقوع الطلاق بالمولى إذا لم يفئ ~~فى مدة التربص عند كثير من السلف والخلف وكما قال بعض السلف ووافقهم عليه ~~بعض أصحاب أحمد رحمه الله: إنهما إذا تطاوعا على ms294 الإتيان فى الدبر فرق ~~بينهما. # وقريب من ذلك: أن الأب الصالح إذا أمر ابنه بالطلاق لما يراه من مصلحة ~~الولد فعليه أن يطيعه، كما قاله أحمد رحمه الله وغيره. # واحتجوا بأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: "أمر عبد الله بن عمر أن ~~يطيع أباه، لما أمره بطلاق زوجته". # PageV01P334 # فالإلزام إما من الشارع، وإما من الإمام بالفرقة إذا لم يقم الزوج ~~بالواجب: هو من موارد الاجتهاد. # وأصل هذا: أن الله سبحانه وتعالى لما كان يبغض الطلاق لما فيه من كسر ~~الزوجة وموافقة رضى عدوه إبليس حيث يفرح بذلك، ويلتزم من يكون على يديه من ~~أولاده ويدنيه منه، ومفارقة طاعته بالنكاح الذى هو واجب أو مستحب، وتعريض ~~كل من الزوجين للفجور والمعصية، وغير ذلك من مفاسد الطلاق. وكان مع ذلك قد ~~يحتاج إليه الزوج أو الزوجة وتكون المصلحة فيه، شرعه على وجه تحصل به ~~المصلحة وتندفع به المفسدة، وحرمه على غير ذلك الوجه. فشرعه على أحسن ~~الوجوه وأقربها لمصلحة الزوج والزوجة. # فشرع له أن يطلقها طاهرا من غير جماع طلقة واحدة، ثم يدعها حتى تنقضى ~~عدتها، فإن زال الشر بينهما وحصلت الموافقة، كان له سبيل إلى لم الشعث ~~وإعادة الفراش، كما كان، وإلا تركها حتى انقضت عدتها، فإن تبعتها نفسه كان ~~له سبيل إلى خطبتها، وتجديد العقد عليها برضاها، وإن لم تتبعها نفسه تركها ~~فنكحت من شاءت. # وجعل العدة ثلاثة قروء ليطول زمن المهلة والاختيار. # فهذا هو الذى شرعه وأذن فيه. # ولم يأذن فى إبانتها بعد الدخول إلا بالتراضى بالفسخ والافتداء، فإذا ~~طلقها مرة بعد مرة بقى له طلقة واحدة. فإذا طلقها الثالثة حرمها عليه عقوبة ~~له، ولم يحل له أن ينكحها حتى تنكح زوجا غيره ويدخل بها ثم يفارقها بموت أو ~~طلاق. # فإذا علم أن حبيبته تصير إلى غيره فيحظى به دونه أمسك عن الطلاق. # فلما رأى أمير المؤمنين أن الله سبحانه عاقب المطلق ثلاثا بأن حال بينه ~~وبين زوجته وحرمها عليه حتى تنكح زوجا غيره، علم أن ذلك لكراهته ms295 الطلاق ~~المحرم وبغضه له. فوافقه أمير المؤمنين فى عقوبته لمن طلق ثلاثا جميعا بأن ~~ألزمه بها وأمضاها عليه. # فإن قيل: فكان أسهل من ذلك أن يمنع الناس من إيقاع الثلاث، ويحرمه عليهم ~~ويعاقب بالضرب والتأديب من فعله، لئلا يقع المحذور الذى يترتب عليه. # PageV01P335 # قيل: نعم لعمر الله، قد كان يمكنه ذلك ولذلك ندم عليه فى آخر أيامه، وود ~~أنه كان فعله. # قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلى فى مسند عمر: أخبرنا أبو يعلى: حدثنا صالح ~~ابن مالك: حدثنا خالد بن يزيد بن أبى مالك عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب ~~رضى الله عنه: ما ندمت على شىء ندامتى على ثلاث: أن لا أكون حرمت الطلاق، ~~وعلى أن لا أكون أنكحت الموالى، وعلى أن لا أكون قتلت النوائح. # ومن المعلوم أنه رضى الله عنه لم يكن مراده تحريم الطلاق الرجعى، الذى ~~أباحه الله تعالى وعلم بالضرورة من دين رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم جوازه. ولا الطلاق المحرم الذى أجمع المسلمون على تحريمه كالطلاق فى ~~الحيض، وفى الطهر المجامع فيه. ولا الطلاق قبل الدخول الذى قال الله تعالى ~~فيه: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} ~~[البقرة: 236] . # هذا كله من أبين المحال أن يكون عمر رضى الله عنه أراده: فتعين قطعا أنه ~~أراد تحريم إيقاع الثلاث، فعلم أنه إنما كان أوقعها لاعتقاده جواز ذلك، ~~ولذلك قال: إن الناس قد استعجلوا فى شئ كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه ~~عليهم؟ وهذا كالصريح فى أنه غير حرام عنده، وإنما أمضاه لأن المطلق كانت له ~~فسحة من الله تعالى فى التفريق فرغب عما فسحه الله تعالى له إلى الشدة ~~والتغليظ. فأمضاه عمر رضى الله عنه عليه، فلما تبين له بأخرة ما فيه من ~~الشر والفساد ندم على أن لا يكون حرم عليهم إيقاع الثلاث ومنعهم منه. وهذا ~~مذهب الأكثرين: مالك، وأحمد، وأبى حنيفة رحمهم الله. # فرأى عمر رضى الله عنه أن المفسدة تندفع بإلزامهم به. فلما ms296 تبين له أن ~~المفسدة لم تندفع بذلك وما زاد الأمر إلا شدة، أخبر أن الأولى كان عدوله ~~إلى تحريم الثلاث الذى يدفع المفسدة من أصلها. واندفاع هذه المفسدة بما كان ~~عليه الأمر فى زمن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر، وأول ~~خلافة عمر رضى الله عنهما أولى من ذلك كله. ولا يندفع الشر والفساد بغيره ~~البتة ولا يصلح الناس سواه، ولهذا لما رغب عنه كثير من الناس احتاجوا إلى ~~أحد أمرين لابد لهم منهما: إما الدخول فيما لعن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فاعله وتابع عليه اللعنة، وإما التزام الآصار والأغلال ورؤية ~~حبيبته حسرة. # PageV01P336 # والذى شرعه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ودلت عليه السنة ~~الصحيحة الصريحة يخلص من هذا وهذا ولكن تأتى حكمة الله تعالى أن يفتح ~~للظالمين المتعدين لحدوده، الراغبين عن تقواه وطاعته أبواب اليسر والفرج ~~السهولة. فإن الله سبحانه وتعالى إنما جعل ذلك لمن اتقاه والتزم طاعته ~~وطاعة رسوله، كما قال تعالى فى السورة التى بين فيها الطلاق، وأحكامه ~~وحدوده وما شرعه لعباده: # {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] وقال فيها {ومن يتق الله يجعل ~~له من أمره يسرا} [الطلاق: 4] وقال فيها {ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ~~ويعظم له أجرا} [الطلاق: 5] . # فمن طلق على غير تقوى الله كان حقيقا أن لا يجعل الله له مخرجا وأن لا ~~يجعل له من أمره يسرا. # وقد أشار إلى هذا بعينه الصحابة حيث قال ابن عباس، وابن مسعود، لمن طلق ~~ثلاثا جميعا: إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا. # وقال شعبة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد: سئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته ~~مائة؟ فقال: عصيت ربك: وبانت منك امرأتك، إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا. # {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] . # وقال الأعمش: عن مالك بن الحارث عن ابن عباس: أن رجلا أتاه فقال: إن عمى ~~طلق امرأته ثلاثا، فقال: إن عمك عصى الله فلم يجعل له ms297 مخرجا، فاندمه الله ~~تعالى، أطاع الشيطان فقال: أفلا يحللها له رجل؟ فقال من يخادع الله يخدعه. # والله تعالى قد جرت سنته فى خلقه بأن يحرم الطيبات شرعا وقدرا على من ظلم ~~وتعدى حدوده وعصى أمره، وأن ييسر للعسرى من بخل بما أمره به فلم يفعله، ~~واستغنى عن طاعته باتباع شهواته وهواه، كما أنه سبحانه ييسر لليسرى من أعطى ~~واتقى وصدق بالحسنى. # فهذا نهاية إقدام الناس فى باب الطلاق. # يبقى أن يقال: فإذا خفى على أكثر الناس حكم الطلاق، ولم يفرقوا بين ~~الحلال والحرام منه جهلا، وأوقعوا الطلاق المحرم يظنونه جائزا هل يستحقون ~~العقوبة بالإلزام به، # PageV01P337 # لكونهم لم يتعلموا دينهم الذى أمرهم الله تعالى به وأعرضوا عنه ولم ~~يسألوا أهل العلم كيف يطلقون؟ وماذا أبيح لهم من الطلاق؟ وماذا يحرم عليهم ~~منه؟ أم يقال لا يستحقون العقوبة، لأن الله سبحانه لا يعاقب شرعا ولا قدرا ~~إلا بعد قيام الحجة ومخالفة أمره، كما قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا} [الإسراء: 15] . # وأجمع الناس على أن الحدود لا تجب إلا على عالم بالتحريم متعمد لارتكاب ~~أسبابها، والتعزيرات ملحقة بالحدود. # فهذا موضع نظر واجتهاد، وقد قال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ~~"التائب من الذنب كمن لا ذنب له". # فمن طلق على غير ما شرعه الله تعالى وأباحه جاهلا، ثم علم به فندم وتاب، ~~فهو حقيق بأن لا يعاقب وأن يفتى بالمخرج الذى جعله الله تعالى لمن اتقاه، ~~ويجعل له من أمره يسرا. # والمقصود: أن الناس لابد لهم فى باب الطلاق من أحد ثلاثة أبواب يدخلون ~~منها. # أحدها: باب العلم والاعتدال الذى بعث الله تعالى به رسوله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم، وشرعه للأمة رحمة بهم وإحسانا إليهم. # والثانى: باب الآصار والأغلال، الذى فيه من العسر والشدة والمشقة ما فيه. # والثالث: باب المكر والاحتيال الذى فيه من الخداع والتحيل والتلاعب بحدود ~~الله تعالى، واتخاذ آياته هزوا ما فيه، ولكل باب من المطلقين وغيرهم جزء ~~مقسوم. # فصل # ومن مكايده التى كاد بها ms298 الإسلام وأهله: الحيل والمكر والخداع الذى يتضمن ~~تحليل ما حرم الله، وإسقاط ما فرضه، ومضادته فى أمره ونهيه، وهى من الرأى ~~الباطل الذى اتفق السلف على ذمه # PageV01P338 # فإن الرأى رأيان: رأى يوافق النصوص وتشهد له بالصحة والاعتبار، وهو الذى ~~اعتبره السلف، وعملوا به. # ورأى يخالف النصوص وتشهد له بالإبطال والإهدار، فهو الذى ذموه وأنكروه. ~~وكذلك الحيل نوعان: نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله تعالى به، وترك ما ~~نهى عنه والتخلص من الحرام، وتخليص الحق من الظالم المانع له، وتخليص ~~المظلوم من يد الظالم الباغى، فهذا النوع محمود يثاب فاعله ومعلمه. # ونوع يتضمن إسقاط الواجبات، وتحليل المحرمات، وقلب المظلوم ظالما، ~~والظالم مظلوما، والحق باطلا والباطل حقا، فهذا النوع الذى اتفق السلف على ~~ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض. # وقال الإمام أحمد رحمة الله: لا يجوز شئ من الحيل فى إبطال حق مسلم. # وقال الميمونى: قلت لأبى عبد الله: من حلف على يمين ثم احتال لإبطالها، ~~فهل تجوز تلك الحيلة؟ قال: نحن لا نرى الحيلة إلا بما يجوز. قلت: أليس ~~حيلتنا فيها أن نتبع ما قالوا، وإذا وجدنا لهم قولا فى شئ اتبعناه؟ قال: ~~بلى هكذا هو. قلت: أو ليس هذا منا نحن حيلة؟ قال: نعم. # فبين الإمام أحمد أن من اتبع ما شرعه الله له وجاء عن السلف فى معانى ~~الأسماء التى علقت بها الأحكام ليس بمحتال الحيل المذمومة.. وإن سميت حيلة ~~فليس الكلام فيها. # وغرض الإمام أحمد بهذا: الفرق بين سلوك الطريق المشروعة التى شرعت لحصول ~~مقصود الشارع، وبين الطريق التى تسلك لإبطال مقصوده. # فهذا هو سر الفرق بين النوعين، وكلامنا الآن فى النوع الثانى. # قال شيخنا: فالدليل على تحريم هذا النوع وإبطاله من وجوه: # الوجه الأول: قوله سبحانه وتعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله # PageV01P339 # وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا ~~أنفسهم وما يشعرون} [البقرة: 8-9] وقال تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله ~~وهو خادعهم} [النساء: 142] . # وقال فى أهل العهد: {وإن يريدوا ms299 أن يخدعوك فإن حسبك الله} [الأنفال: 62] ~~. # فأخبر سبحانه وتعالى أن هؤلاء المخادعين مخدوعون، وهم لا يشعرون أن الله ~~تعالى خادع من خدعه، وأنه يكفى المخدوع شر من خدعه. # والمخادعة: هى الاحتيال والمراوغة بإظهار الخير مع إبطان خلافه، ليحصل ~~مقصود المخادع. وهذا موافق لاشتقاق اللفظ فى اللغة. فإنهم يقولون: طريق ~~خيدع، إذا كان مخالفا للقصد لا يشعر به ولا يفطن له، ويقال للسراب الخيدع، ~~لأنه يغر من يراه، وضب خدع، أى مراوغ. كما قالوا: أخدع من ضب، ومنه: "الحرب ~~خدعة" وسوق خادعة، أى متلونة، وأصله: الإخفاء والستر. ومنه سميت الخزانة ~~مخدعا. # فلما كان القائل "آمنت" مظهرا لهذه الكلمة، غير مريد حقيقتها المرعية ~~المطلوبة شرعا، بل مريد لحكمها وثمرتها فقط مخادعا، كان المتكلم بلفظ "بعت" ~~و "اشتريت" و "طلقت" و "نكحت" و"خالعت" و "آجرت"، و "ساقيت" و "أو صيت" غير ~~مريد لحقائقها الشرعية المطلوبة منها شرعا، بل مريد لأمور أخرى غير ما شرعت ~~له، أو ضد ما شرعت له مخادعا. ذاك مخادع فى أصل الإيمان، وهذا مخادع فى ~~أعماله وشرائعه. # قال شيخنا: وهذا ضرب من النفاق فى آيات الله تعالى وحدوده، كما أن الأول ~~نفاق فى أصل الدين. # يؤيد ذلك: ما رواه سعيد بن منصور عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما "أنه ~~جاءه رجل فقال: إن عمى طلق امرأته ثلاثا، أيحلها له رجل؟ فقال: من يخادع ~~الله يخدعه". # وعن أنس بن مالك: أنه سئل عن العينة، يعنى بيع الحريرة؟ فقال: إن الله ~~تعالى لا يخدع، هذا ما حرم الله تعالى ورسوله. رواه أبو جعفر محمد بن ~~سليمان الحافظ المعروف بمطين فى كتاب البيوع له. # وعن ابن عباس: أنه سئل عن العينة، يعنى بيع الحريرة، فقال: إن الله لا ~~يخدع، هذا مما حرم الله تعالى ورسوله، رواه الحافظ أبو محمد النخشى. # PageV01P340 # فسمى الصحابة من أظهر عقد التبايع ومقصود به الربا خداعا لله، وهم ~~المرجوع إليهم فى هذا الشأن والمعول عليهم فى فهم القرآن. وقد تقدم عن ~~عثمان، وعبد الله بن عمر، وغيرهما ms300 أنهما قالا فى المطلقة ثلاثا: لا يحلها ~~إلا نكاح رغبة، لا نكاح دلسة. # قال أهل اللغة: المدالسة: المخادعة. # وقال أيوب السختيانى فى المحتالين: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، ~~فلو أتوا الأمر عيانا كان أهون على. # وقال شريك بن عبد الله القاضى فى كتاب الحيل: هو كتاب المخادعة. # وكذلك المعاهدون إذا أظهروا للرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنهم ~~يريدون سلمه، وهم يقصدون بذلك المكر به من حيث لا يشعر. فيظهرون له أمانا ~~ويبطنون له خلافه. كما أن المحلل والمرابى يظهران النكاح والبيع المقصودين، ~~ومقصود هذا الطلاق بعد استفراش المرأة، ومقصود الآخر ما تواطآ عليه قبل ~~إظهار العقد، من بيع الألف الحالة بالألف والمائتين إلى أجل، فمخالفة ما ~~يدل عليه العقد شرعا أو عرفا خديعة. # قال: وتلخيص ذلك أن مخادعة الله تعالى حرام، والحيل مخادعة لله. # بيان الأول: أن الله تعالى ذم المنافقين بالمخادعة وأخبر أنه خادعهم، ~~وخدعه للعبد عقوبة تستلزم فعله للمحرم. # وبيان الثانى: أن ابن عباس وأنسا وغيرهما من الصحابة والتابعين أفتوا أن ~~التحليل ونحوه من الحيل مخادعة لله تعالى، وهم أعلم بكتاب الله تعالى. # الثانى: أن المخادعة إظهار شئ من الخير وإبطان خلافه كما تقدم. # الثالث: أن المنافق لما أظهر الإسلام، ومراده غيره، سمى مخادعا لله ~~تعالى، وكذلك المرابى. فإن النفاق والربى من باب واحد. فإذا كان هذا الذى ~~أظهر قولا غير معتقد ولا مريد لما يفهم منه، وهذا الذى أظهر فعلا غير معتقد ~~ولا مريد لما شرع له مخادعا. فالمحتال لا يخرج عن أحد القسمين: إما إظهار ~~فعل لغير مقصوده الذى شرع له، أو إظهار قول لغير مقصوده الذى شرع له. وإذا ~~كان مشاركا لهما فى المعنى الذى سميا به مخادعين وجب أن يشركهما فى اسم ~~الخداع، وعلم أن الخداع اسم لعموم الحيل لا لخصوص هذا النفاق. # PageV01P341 # الوجه الثانى: أن الله تعالى ذم المستهزئين بآياته، والمتكلم بالأقوال ~~التى جعل الشارع لها حقائق ومقاصد مثل كلمة الإيمان، وكلمة الله تعالى التى ~~يستحل بها الفروج، ومثل العهود والمواثيق ms301 التى بين المتعاقدين وهو يريد بها ~~حقائقها المقومة لها، ولا مقاصدها التى جعلت هذه الألفاظ محصلة لها، بل ~~يريد أن يراجع المرأة ليضرها ويسئ عشرتها ولا حاجة فى نكاحها، أو ينكحها ~~ليحلها لمطلقها، لا ليتخذها زوجا، أو يخلعها ليلبسها، أو يبيع بيعا جائزا ~~ومقصوده به ما حرمه الله تعالى ورسوله، فهو ممن اتخذ آيات الله تعالى هزوا. ~~يوضحه: # الوجه الثالث: ما رواه ابن ماجه بإسناد حسن عن أبى موسى الأشعرى رضى الله ~~عنه. قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "ما بال أقوام ~~يلعبون بحدود الله، ويستهزئون بآياته؟ طلقتك، راجعتك، طلقتك، راجعتك؟ " ~~فجعل المتكلم بهذه العقود غير مريد لحقائقها وما شرعت له مستهزئا بآيات ~~الله تعالى، متلاعبا بحدوده. ورواه ابن بطة بإسناد جيد، ولفظة "خلعتك، ~~راجعتك، خلعتك، راجعتك". # الوجه الرابع: ما رواه النسائى عن محمود بن لبيد "أن رجلا طلق امرأته ~~ثلاثا، على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فقال: أيلعب ~~بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ " الحديث، وقد تقدم. فجعله لاعبا بكتاب الله، ~~مع قصده الطلاق، لكنه خالف وجه الطلاق وأراد غير ما أراد الله تعالى به، ~~فإن الله سبحانه وتعالى أراد أن يطلق طلاقا يملك فيه رد المرأة إذا شاء، ~~فطلق هو طلاقا لا يملك فيه ردها. # وأيضا فإن المرتين والمرات فى لغة القرآن والسنة، بل ولغة العرب، بل ~~ولغات سائر الأمم: لما كان مرة بعد مرة، فإذا جمع المرتين والمرات فى مرة ~~واحدة فقد تعدى حدود الله تعالى وما دل عليه كتابه، فكيف إذا أراد باللفظ ~~الذى رتب عليه الشارع حكما ضد ما قصده الشارع؟. # الوجه الخامس: أن الله سبحانه أخبر عن أهل الجنة الذين بلاهم ما بلاهم به ~~فى سورة # PageV01P342 # ن وهم قوم كان للمساكين حق فى أموالهم، إذا جذوا نهارا، بأن يلتقط ~~المساكين ما يتساقط من التمر فأرادوا أن يجدوا ليلا ليسقط ذلك الحق لئلا ~~يأتيهم مسكين وأنه عاقبهم بأنه أرسل على جنتهم طائفا وهم نائمون فأصبحت ~~كالصريم. وذلك لما ms302 تحيلوا على إسقاط نصيب المساكين بأن يصرموها مصبحين قبل ~~مجئ المساكين، فكان فى ذلك عبرة لكل محتال على إسقاط حق من حقوق الله تعالى ~~أو حقوق عباده. # الوجه السادس: أن الله تعالى أخبر [الأعراف: 163 167] عن أهل السبت من ~~اليهود بمسخهم قردة لما احتالوا على إباحة ما حرمه الله تعالى عليهم من ~~الصيد بأن نصبوا الشباك يوم الجمعة، فلما وقع فيها الصيد أخذوه يوم الأحد. ~~قال بعض الأئمة: ففى هذا زجر عظيم لمن يتعاطى الحيل على المناهى الشرعية ~~ممن يتلبس بعلم الفقه وهو غير فقيه إذ الفقيه من يخشى الله تعالى بحفظ ~~حدوده وتعظيم حرماته والوقوف عندها، ليس المحتال على إباحة محارمه وإسقاط ~~فرائضه. ومعلوم أنهم لم يستحلوا ذلك تكذيبا لموسى عليه السلام وكفرا ~~بالتوراة، وإنما هو استحلال تأويل واحتيال، ظاهره ظاهر الاتقاء، وباطنه ~~باطن الاعتداء، ولهذا والله أعلم مسخوا قردة، لأن صورة القرد فيها شبه من ~~صورة الإنسان وفى بعض ما يذكر من أوصافه شبه منه، وهو مخالف له فى الحد ~~والحقيقة. فلما مسخ أولئك المعتدون دين الله تعالى بحيث لم يتمسكوا إلا بما ~~يشبه # الدين فى بعض ظاهره دون حقيقته، مسخهم الله تعالى قردة، يشبهونهم فى بعض ~~ظواهرهم دون الحقيقة جزاء وفاقا، يوضحه: # الوجه السابع: أن بنى إسرائيل كانوا أكلى الربا وأموال الناس بالباطل كما ~~قصه الله # PageV01P343 # تعالى فى كتابه، وذلك أعظم من أكل الصيد الحرام فى يوم بعينه، ولذلك كان ~~الربا والظلم حراما فى شريعتنا والصيد يوم السبت غير محرم فيها ثم أن أكلة ~~الربا وأموال الناس بالباطل لم يعاقبوا بالمسخ كما عوقب به مستحلو الحرام ~~بالحيلة وإن كانوا عوقبوا بجنس آخر كعقوبات أمثالهم من العصاة. فيشبه، ~~والله أعلم أن هؤلاء لما كانوا أعظم جرما إذ هم بمنزلة المنافقين ولا ~~يعترفون بالذنب، بل قد فسدت عقيدتهم وأعمالهم كانت عقوبتهم أغلظ من عقوبة ~~غيرهم، فإن من أكل الربا والصيد الحرام عالما بأنه حرام فقد اقترن بمعصيته ~~اعترافه بالتحريم، وهو إيمان بالله تعالى وآياته. ويترتب على ذلك من خشية ms303 ~~الله تعالى ورجاء مغفرته وإمكان التوبة ما قد يقضى به إلى خير ورحمة. ومن ~~أكله مستحلا له بنوع احتيال تأول فيه، فهو مصر على الحرام، وقد اقترن به ~~اعتقاده الفاسد فى حل الحرام، وذلك قد يفضى به إلى شر طويل. # وقد جاء ذكر المسخ فى عدة أحاديث قد تقدم بعضها فى هذا الكتاب كقوله فى ~~حديث أبى مالك الأشعرى، الذى رواه البخارى فى صحيحه: "ويمسخ آخرين قردة ~~وخنازير إلى يوم القيامة". # وقوله فى حديث أنس: "ليبيتن رجال على أكل وشرب وعزف، فيصبحون على أرائكهم ~~ممسوخين قردة وخنازير". # وفى حديث أبى أمامة أيضا: "يبيت قوم من هذه الامة على طعم وشرب ولهو ~~فيصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير". # وفى حديث عمران بن حصين: "يكون فى أمتى قذف ومسخ وخسف". # وكذلك فى حديث سهل بن سعد وكذلك فى حديث على بن أبى طالب، وقوله: " ~~فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء، وخسفا، ومسخا". # PageV01P344 # وفى حديثه الآخر: "يمسخ طائفة من أمتى قردة وطائفة خنازير". # وفى حديث أنس رضى الله عنه "ليكونن فى هذه الأمة خسف وقذف ومسخ". # وفى حديث أبى هريرة رضى الله عنه "يمسخ قوم من هذه الأمة فى آخر الزمان ~~قردة وخنازير. قالوا: يا رسول الله، أليس يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن ~~محمدا رسول الله؟ قال: بلى، ويصومون، ويصلون، ويحجون. قالوا: فما بالهم ~~لله؟ قال: اتخذوا المعازف والدفوف، القينات، فباتوا على شربهم ولهوهم. ~~فأصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير". # وفى حديث جبير بن نفير: ليبتلين آخر هذه الأمة بالرجف. فإن تابوا تاب ~~الله عليهم، وإن عادوا عاد الله تعالى عليهم بالرجف، والقذف، والمسخ، ~~والصواعق. # وقال سالم بن أبى الجعد: ليأتين على الناس زمان يجتمعون فيه على باب رجل، ~~ينظرون أن يخرج إليهم، فيطلبوا إليه الحاجة، فيخرج إليهم وقد مسخ قردا أو ~~خنزيرا، وليمرن الرجل على الرجل فى حانوته يبيع، فيرجع إليه وقد مسخ قردا ~~أو خنزيرا. # وقال أبو هريرة: لا تقوم الساعة حتى يمشى الرجلان إلى الأمر يعملانه، ~~فيمسخ أحدهما قردا أو خنزيرا. ms304 فلا يمنع الذى نجا منهما ما رأى بصاحبه أن ~~يمضى إلى شأنه ذلك حتى يقضى شهوته، وحتى يمشى الرجلان إلى الأمر يعملانه، ~~فيخسف بأحدهما، فلا يمنع الذى نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمضى لشأنه ذلك، ~~حتى يقضى شهوته منه. # وقال عبد الرحمن بن غنم: "يوشك أن يقعد أثنان على ثفال رحى يطحنان، فيمسخ ~~أحدهما والآخر ينظر". # وقال مالك بن دينار: بلغنى أن ريحا تكون فى آخر الزمان، وظلم، فيفزع ~~الناس إلى علمائهم، فيجدونهم قد مسخوا. # وقد ساق هذه الأحاديث والآثار وغيرها بأسانيدها ابن أبى الدنيا فى كتاب ~~ذم الملاهى. # فالمسخ على صورة القردة والخنازير واقع فى هذه الأمة ولا بد وهو فى ~~طائفتين: علماء السوء الكاذبين على الله ورسوله، الذين قلبوا دين الله ~~تعالى وشرعه. فقلب الله تعالى صورهم كما قلبوا دينه. والمجاهرين المتهتكين ~~بالفسق والمحارم. ومن لم يمسخ منهم فى الدنيا مسخ فى قبره أو يوم القيامة. # PageV01P345 # وقد جاء فى حديث الله أعلم بحاله: "يحشر أكلة الربا يوم القيامة فى صور ~~الخنازير والكلاب من أجل حيلهم على الربا كما مسخ أصحاب داود لاحتيالهم على ~~أخذ الحيتان يوم السبت". # وبكل حال فالمسخ لأجل الاستحلال بالاحتيال قد جاء فى أحاديث كثيرة. # قال شيخنا: وإنما ذلك إذا استحلوا هذه المحرمات بالتأويلات الفاسدة. ~~فإنهم لو استحلوها مع اعتقد أن الرسول حرمها كانوا كفار ولم يكونوا من ~~أمته. ولو كانوا معترفين بأنها حرام لأوشك أن لا يعاقبوا بالمسخ، كسائر ~~الذين يفعلون هذه المعاصى، مع اعترافهم بأنها معصية، ولما قيل فيهم: ~~يستحلون. فإن المستحل للشئ هو الذى يفعله معتقدا حله. فيشبه أن يكون ~~استحلالهم للخمر، يعنى أنهم يسمونها بغير اسمها، كما جاء فى الحديث. ~~فيشربون الأنبذة المحرمة، ولا يسمونه خمرا. واستحلالهم المعازف باعتقادهم ~~أن آلات اللهو مجرد سمع صوت فيه لذة. وهذا لا يحرم كأصوات الطيور، واستحلال ~~الحرير وسائر أنواعه باعتقادهم أنه حلال فى بعض الصور كحال الجرب وحال ~~الحكة. فيقيسون عليه سائر الأحوال ويقولون: لا فرق بين حال وحال. وهذه ~~التأويلات ونحوها واقعة ms305 فى الطوائف الثلاثة الذين قال فيهم عبد الله بن ~~المبارك رحمه الله: # وهل أفسد الدين إلا الملو ... ك وأحبار سوء ورهبانها # ومعلوم أنها لا تغنى عن أصحابها من الله شيئا بعد أن بلغ الرسول وبين ~~تحريم هذه # PageV01P346 # الأشياء بيانا قاطعا للعذر مقيما للحجة. والحديث الذى رواه أبو داود ~~بإسناد صحيح من حديث عبد الرحمن بن غنم عن أبى مالك الأشعرى رضى الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "ليشربن ناس من أمتى ~~الخمر، يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله ~~تعالى بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير". # الوجه الثامن: أن النبى صلى الله تعالى وآله وسلم قال: "إنما الأعمال ~~بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" الحديث. # وهو أصل فى إبطال الحيل وبه احتج البخارى على ذلك. فإن من أراد أن يعامل ~~رجلا معاملة يعطيه فيها ألفا بألف وخمسمائة إلى أجل فأقرضه تسعمائة، وباعه ~~ثوبا بستمائة يساوى مائة، إنما نوى بإقراض التسعمائة تحصيل الربح الزائد. ~~وإنما نوى بالستمائة التى أظهر أنها ثمن الثوب الربا. والله يعلم ذلك من ~~جذر قلبه وهو يعلمه، ومن عامله يعلمه، ومن أطلع على حقيقة الحال يعلمه، ~~فليس له من عمله إلا ما نواه وقصده حقيقة من إعطاء الألف حالة، وأخذ الألف ~~والخمسمائة مؤجلة، وجعل صورة القرض وصورة البيع محللا لهذا المحرم. # الوجه التاسع: ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم قال: # "البيعان بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن يكون صفقة خيار. ولا يحل له أن ~~يفارقه خشية أن يستقله". # رواه أحمد وأهل السنن، وحسنه الترمذى. # وقد استدل به الإمام أحمد، وقال: فيه إبطال الحيل. # ووجه ذلك: أن الشارع أثبت الخيار إلى حين التفرق الذى يفعله المتعاقدان ~~بداعية طباعهما. فحرم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن يقصد المفارق منع ~~الآخر من الاستقالة وهى طلب الفسخ، سواء كان العقد جائزا أو لازما، لأنه ~~قصد بالتفرق غير ما جعل التفرق فى ms306 العرف له. فإنه قصد به إبطال حق أخيه من ~~الخيار، ولم يوضع التفرق لذلك. وإنما جعل التفرق لذهاب كل منهما فى حاجته ~~ومصلحته. # PageV01P347 # الوجه العاشر: ما روى محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: # "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل". # رواه أبو عبد الله بن بطة: حدثنا أحمد بن محمد بن سلام حدثنا الحسن بن ~~الصباح الزعفرانى حدثنا يزيد بن هارون حدثنا محمد بن عمرو، وهذا إسناد جيد ~~يصحح مثله الترمذى. # وهو نص فى تحريم استحلال محارم الله تعالى بالحيل. وإنما ذكر صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم أدنى الحيل تنبيها على أن مثل هذا المحرم العظيم الذى ~~قد توعد الله تعالى عليه بمحاربة من لم ينته عنه. # فمن أسهل الحيل على من أراد فعله: أن يعطيه مثلا ألفا إلا درهما باسم ~~القرض، ويبيعه خرقة تساوى درهما بخمسمائة. # وكذلك المطلق ثلاثا: من أسهل الأشياء عليه أن يعطى بعض السفهاء عشرة ~~دراهم مثلا. ويستعيره لينزو على مطلقته فتطيب له، بخلاف الطريق الشرعى. ~~فإنه يصعب معه عودها حلالا إذ من الممكن أن لا يطلق بل أن يموت المطلق أولا ~~قبله ثم إنه صلى الله عليه وآله وسلم نهانا عن التشبه باليهود، وقد كانوا ~~احتالوا # فى الاصطياد يوم السبت، بأن حفروا خنادق يوم الجمعة تقع فيها الحيتان يوم ~~السبت ثم يأخذونها يوم الأحد، وهذا عند المحتالين جائز. لأن فعل الاصطياد ~~لم يوجد يوم السبت، وهو عند الفقهاء حرام لأن المقصود هو الكف عما ينال به ~~الصيد بطريق التسبب أو المباشرة. # ومن احتيالهم: أن الله سبحانه وتعالى لما حرم عليهم الشحوم، تأولوا أن ~~المراد نفس إدخاله الفم، وأن الشحم هو الجامد دون المذاب، فجملوه فباعوه ~~وأكلوا ثمنه، وقالوا: ما أكلنا الشحم، ولم ينظروا فى أن الله تعالى إذا حرم ~~الانتفاع بشئ فلا فرق بين الانتفاع بعينه أو ببدله، إذ البدل يسد مسده. فلا ~~فرق بين حال جامده وودكه، ms307 فلو كان ثمنه حلالا لم يكن فى تحريمه كثير أمر، ~~وهذا هو: # PageV01P348 # الوجه الحادى عشر: وهو ما روى ابن عباس قال: "بلغ عمر رضى الله عنه أن ~~فلانا باع خمرا. فقال: قاتل الله فلانا، ألم يعلم أن رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم قال: "قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها ~~فباعوها" متفق عليه. # قال الخطابى: "جملوها" معناه: أذابوها حتى تصير ودكا فيزول عنها اسم ~~الشحم يقال: جملت الشحم، وأجملته، واجتملته. والجميل: الشحم المذاب. # وعن جابر بن عبد الله: أنه سمع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~يقول: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة، والخنزير، والأصنام، فقيل: يا رسول ~~الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح ~~بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام. ثم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم ~~باعوه فأكلوا ثمنه" رواه البخارى وأصله متفق عليه. # قال الإمام أحمد، فى رواية صالح، وأبى الحارث فى أصحاب الحيل: عمدوا إلى ~~السنن، فاحتالوا فى نقضها، فالشئ الذى قيل إنه حرام احتالوا فيه حتى أحلوه. ~~ثم احتج بهذا الحديث، وحديث: "لعن الله المحلل والمحلل له". # قال الخطابى قد ذكر حديث الشحوم: فى هذا الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها ~~المتوصل إلى المحرم، وأنه لا يتغير حكمه بتغير هيئة وتبديل اسمه، وقد مثلت ~~حيلة أصحاب الشحوم بمن قيل له: لا تقرب مال اليتيم، فباعه وأخذ ثمنه فأكله ~~وقال: لم آكل نفس مال اليتيم. أو اشترى شيئا فى ذمته ونقده وقال: هذا قد ~~ملكته وصار عوضه دينا فى ذمتى، فإنما أكلت ما هو ملكى باطنا وظاهرا. # ولولا أن الله سبحانه رحم هذه الأمة بأن نبيها نبههم على ما لعنت به ~~اليهود، وكان السابقون منها فقهاء أتقياء، علموا مقصود الشارع، فاستقرت ~~الشريعة بتحريم المحرمات: من الميتة والدم ولحم الخنزير وغيرها وإن تبدلت ~~صورها، وبتحريم أثمانها، لطرق الشيطان لأهل الحيل ما طرق ms308 لهم فى الأثمان ~~ونحوها. إذ البابان باب واحد على ما لا يخفى. # الوجه الثانى عشر: أن باب الحيل المحرمة مداره على تسمية الشئ بغير اسمه، ~~على تغيير # PageV01P349 # صورته مع بقاء حقيقته، فمداره على تغيير الاسم مع بقاء المسمى، وتغيير ~~الصورة مع بقاء الحقيقة. فإن المحلل مثلا غير اسم التحليل إلى اسم النكاح، ~~واسم المحلل إلى الزوج، وغير مسمى التحليل بأن جعل صورته صورة النكاح، ~~والحقيقة حقيقة التحليل. # ومعلوم قطعا أن لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على ذلك ~~إنما هو لما فيه من الفساد العظيم الذى اللعنة من بعض عقوبته، وهذا الفساد ~~لم يزل بتغيير الاسم والصورة مع بقاء الحقيقة، ولا بتقديم الشرط من صلب ~~العقد إلى ما قبله. فإن المفسدة تابعة للحقيقة، لا للاسم ولا لمجرد الصورة. # وكذلك المفسدة العظيمة التى اشتمل عليها الربا لا تزول بتغيير اسمه من ~~الربا إلى المعاملة ولا بتغيير صورته من صورة إلى صورة، والحقيقة معلومة ~~متفق عليها بينهما قبل العقد يعلمها من قلوبهما عالم السرائر فقد اتفقا على ~~حقيقة الربا الصريح قبل العقد، ثم غير اسمه إلى المعاملة، وصورته إلى ~~التبايع الذى لا قصد لهما فيه ألبتة وإنما هو حيلة ومكر ومخادعة الله تعالى ~~ولرسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. # وأى فرق بين هذا وبين ما فعلته اليهود من استحلال ما حرم الله عليهم من ~~الشحوم بتغيير اسمه وصورته؟ فإنهم أذابوه حتى صار ودكا وباعوه وأكلوا ثمنه ~~وقالوا: إنما أكلنا الثمن، لا المثمن، فلم نأكل شحما. # وكذلك من استحل الخمر باسم النبيذ كما فى حديث أبى مالك الأشعرى رضى الله ~~عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: "ليشربن ناس من أمتى ~~الخمر، يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله ~~بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير". # وإنما أتى هؤلاء من حيث استحلوا المحرمات بما ظنوه من انتفاء الاسم، ولم ~~يلتفتوا إلى وجود المعنى المحرم وثبوته، وهذا بعينه هو شبهة اليهود فى ~~استحلال بيع ms309 الشحم بعد جمله، واستحلال أخذ الحيتان يوم الأحد بما أو ~~أوقعوها به يوم السبت فى الحفائر والشباك من فعلهم يوم الجمعة، وقالوا: ليس ~~هذا صيد يوم السبت، ولا استباحة لنفس الشحم بل الذى # PageV01P350 # يستحل الشراب المسكر، زاعما أنه ليس خمرا مع علمه أن معناه معنى الخمر ~~ومقصوده مقصوده وعمله عمله أفسد تأويلا. فإن الخمر اسم لكل شراب مسكر كما ~~دلت عليه النصوص الصحيحة الصريحة، وقد جاء هذا الحديث عن النبى صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم من وجوه أخرى. # منها: ما رواه النسائى عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "يشرب ناس من ~~أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها" وإسناده صحيح. # ومنها: ما رواه ابن ماجه عن عبادة بن الصامت يرفعه: "يشرب ناس من أمتى ~~الخمر يسمونها بغير اسمها" ورواه الإمام أحمد، ولفظه: "ليستحلن طائفة من ~~أمتى الخمر". # ومنها: ما رواه ابن ماجه أيضا من حديث أبى أمامة قال: قال رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم: "لا تذهب الليالى والأيام حتى تشرب طائفة من ~~أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها". # فهؤلاء إنما شربوا الخمر استحلالا لما ظنوا أن المحرم مجرد ما وقع عليه ~~اللفظ، وأن ذلك اللفظ لا يتناول ما استحلوه. وكذلك شبهتهم فى استحلال ~~الحرير والمعازف، فإن الحرير أبيح للنساء وأبيح للضرورة، وفى الحرب. وقد ~~قال تعالى: {قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده} [الأعراف: 32] . # والمعازف قد أبيح بعضها فى العرس ونحوه، وأبيح الحداء، وأبيح بعض أنواع ~~الغناء. وهذه الشبهة أقوى بكثير من شبه أصحاب الحيل. فإذا كان من عقوبة ~~هؤلاء: أن يمسخ بعضهم قردة وخنازير، فما الظن بعقوبة من جرمهم أعظم، وفعلهم ~~أقبح؟ فالقوم الذين يخسف بهم ويمسخون،. إنما فعل ذلك بهم من جهة التأويل ~~الفاسد الذى استحلوا به المحارم بطريق الحيلة، وأعرضوا عن مقصود الشارع ~~وحكمته فى تحريم هذه الأشياء. ولذلك مسخوا قردة وخنازير كما مسخ أصحاب ~~السبت بما تأولوا من التأويل الفاسد الذى استحلوا به المحارم، وخسف ببعضهم ~~كما خسف بقارون، لأن فى الخمر والحرير ms310 والمعازف من الكبر والخيلاء ما فى ~~الزينة التى خرج فيها قارون على قومه، فلما مسخوا دين الله تعالى مسخهم ~~الله، ولما تكبروا عن الحق أذلهم الله تعالى، فلما جمعوا بين الأمرين جمع ~~الله لهم بين هاتين # PageV01P351 # العقوبتين، وما هى من الظالمين ببعيد وقد جاء ذكر المسخ والخسف فى عدة ~~أحاديث تقدم ذكر بعضها. # فصل # وقد أخبر صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن طائفة من أمته تستحل الربا ~~باسم البيع كما أخبر عن استحلالهم الخمر باسم آخر. # فروى ابن بطة بإسناده عن الأوزاعى عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: "يأتى على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع". # يعنى العينة، وهذا وإن كان مرسلا فإنه صالح للاعتضاد به بالاتفاق، وله من ~~المسندات ما يشهد له، وهى الأحاديث الدالة على تحريم العينة. فإنه من ~~المعلوم أن العينة عند مستحلها إنما يسميها بيعا، وفى هذا الحديث بيان أنها ~~ربا لا بيع، فإن الأمة لم يستحل أحد منها الربا الصريح، وإنما استحل باسم ~~البيع وصورته، فصوروه بصورة البيع وأعاروه لفظه. # ومن المعلوم أن الربا لم يحرم لمجرد صورته ولفظه، وإنما حرم لحقيقته ~~ومعناه ومقصوده، وتلك الحقيقة والمعنى والمقصود قائمة فى الحيل الربوية ~~كقيامها فى صريحه سواء، والمتعاقدان يعلمان ذلك من أنفسهما ويعلمه من شاهد ~~حالهما، والله يعلم أن قصدهما نفس الربا، وإنما توسلا إليه بعقد غير مقصود ~~وسمياه باسم مستعار غير اسمه. ومعلوم أن هذا لا يدفع التحريم ولا يرفع ~~المفسدة التى حرم الربا لأجلها، بل يزيدها قوة وتأكيدا من وجوه عديدة. # منها: أنه يقدم على مطالبة الغريم المحتاج بقوة لا يقدم بمثلها المربى ~~صريحا، لأنه واثق بصورة العقد واسمه. # ومنها: أنه يطالبه مطالبه معتقد حل تلك الزيادة وطيبها بخلاف مطالبه ~~المربى صريحا. # ومنها: اعتقاده أن ذلك تجارة حاضرة مدارة. والنفوس أرغب شئ فى التجارة، ~~فهو فى ذلك بمنزلة من أحب امرأة حبا شديدا ويمنعه من وصالها كونها محرمة ~~عليه. فاحتال إلى أن أوقع بينه وبينها صورة عقد لا حقيقة له، يأمن به ms311 من ~~بشاعة الحرام وشناعته، فصار # PageV01P352 # يأتيها آمنا. وهما يعلمان فى الباطن أنها ليست زوجته، وإنما أظهرا صورة ~~عقد يتوصلان بها إلى الغرض. # ومن المعلوم أن هذا يزيد المفسدة التى حرم الحكيم الخبير لأجلها الربا ~~قوة فإن الله سبحانه وتعالى حرم الربا لما فيه من ضرر المحتاج، وتعريضه ~~للفقر الدائم. والدين اللازم الذى لا ينفك عنه. وتولد ذلك وزيادته إلى غاية ~~تجتاحه وتسلبه متاعه وأثاثه كما هو الواقع فى الواقع. # فالربا أخو القمار الذى يجعل المقمور سليبا حزينا محسورا. # فمن تمام حكمة الشريعة الكاملة المنتظمة لمصالح العباد تحريمه، وتحريم ~~الذريعة الموصلة إليه، كما حرم التفرق فى الصرف قبل القبض، وأن يبيعه درهما ~~بدرهم إلى أجل، وإن لم يكن هناك زيادة، فكيف يظن بالشارع مع كمال حكمته أن ~~يبيح التحيل والمكر على حصول هذه المفسدة، ووقوعها زائدة متضاعفة بأكل ~~المحتال فيها مال المحتاج أضعافا مضاعفة؟ ولو سلك مثل هذا بعض الأطباء مع ~~المرضى لأهلكهم. فإن ما حرم الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم من المحرمات إنما هو حمية لحفظ صحة القلب، وقوة الإيمان، كما أن ما ~~يمنع منه الطبيب مما يضر المريض حمية له، فإذا احتال المريض أو الطبيب على ~~تناول ذلك المؤذى بتغيير صورته، مع بقاء حقيقته وطبعه، أو تغيير اسمه مع ~~بقاء مسماه، ازداد المريض بتناوله مرضا إلى مرضه، وترامى به إلى الهلاك، ~~ولم ينفعه تغير صورته ولا تبدل اسمه. # وأنت إذا تأملت الحيل المتضمنة لتحليل ما حرم الله سبحانه وتعالى، وإسقاط ~~ما أوجب وحل ما عقد وجدت الأمر فيها كذلك، ووجدت المفسدة الناشئة منها أعظم ~~من المفسدة الناشئة من المحرمات الباقية على صورتها وأسمائها، والوجدان ~~شاهد بذلك. # فالله سبحانه إنما حرم هذه المحرمات وغيرها لما اشتملت عليه من المفاسد ~~المضرة بالدنيا والدين، ولم يحومها لأجل أسمائها وصورها. ومعلوم أن تلك ~~المفاسد تابعة لحقائقها، لا تزول بتبدل أسمائها وتغير صورتها، ولو زالت تلك ~~المفاسد بتغير الصورة والأسماء لما لعن # PageV01P353 # الله سبحانه اليهود على تغيير صورة الشحم واسمه ms312 بإذابته حتى استحدث اسم ~~الودك وصورته ثم أكلوا ثمنه وقالوا لم نأكله. وكذلك تغيير صورة الصيد يوم ~~السبت بالصيد يوم الأحد. # فتغيير صور المحرمات وأسمائها مع بقاء مقاصدها وحقائقها زيادة فى المفسدة ~~التى حرمت لأجلها، مع تضمنه لمخادعة الله تعالى ورسوله، ونسبة المكر ~~والخداع والغش والنفاق إلى شرعه ودينه، وأنه يحرم الشئ لمفسدة ويبيحه لأعظم ~~منها. # ولهذا قال أيوب السختيانى: يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، لو أتوا ~~الأمر على وجهه كان أهون. # وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لا ترتكبوا ما ارتكبت ~~اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل". # وقال بشر بن السرى وهو من شيوخ الإمام أحمد: نظرت فى العلم، فإذا هو ~~الحديث والرأى، فوجدت فى الحديث ذكر النبيين والمرسلين، وذكر الموت، وذكر ~~ربوبية الرب تعالى وجلاله وعظمته، وذكر الجنة والنار، والحلال والحرام، ~~والحث على صلة الأرحام وجماع الخير. ونظرت فى الرأى فإذا فيه المكر ~~والخديعة، والتشاح، واستقصاء الحق والمماراة فى الدين، واستعمال الحيل، ~~والبعث على قطيعة الأرحام، والتجرؤ على الحرام. # وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل، وذكر أصحاب الحيل فقال: يحتالون لنقض ~~سنن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. # والرأى الذى اشتقت منه الحيل المتضمنة لإسقاط ما أوجب الله تعالى وإباحة ~~ما حرم الله هو الذى اتفق السلف على ذمه وعيبه. # فروى حرب عن الشعبى قال: قال ابن مسعود رضى الله عنه: إياكم وأرأيت، ~~أرأيت، فإنما هلك من كان قبلكم بأرأيت أرأيت، ولا تقيسوا شيئا بشئ فتزل قدم ~~بعد ثبوتها. # وعن الشعبى عن مسروق قال: قال عبد الله: ليس من عام إلا والذى بعده شر # PageV01P354 # منه، لا أقول أمير خير من أمير، ولا عام أخصب من عام، ولكن ذهاب خياركم ~~وعلمائكم ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم، فينهدم الإسلام وينثلم. # وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: إياكم وأصحاب الرأى، فإنهم أعداء ~~السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين ~~سئلوا أن يقولوا: لا نعلم. فعارضوها برأيهم، فإياكم وإياهم. # وقال ms313 أحمد فى رواية إسماعيل بن سعيد: لا يجوز شئ من الحيل. # وفى رواية صالح ابنه: الحيل لا نراها. # وقال فى رواية الأثرم، وذكر حديث عبد الله بن عمر فى حديث: "البيعان ~~بالخيار ولا يحل لواحد منهما أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله" قال فيه ~~إبطال الحيل. # وقال فى رواية أبى الحارث: هذه الحيل التى وضعها هؤلاء، احتالوا فى الشئ ~~الذى قيل لهم: إنه حرام، فاحتالوا فيه حتى أحلوه، وقد قال صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم: "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فأذابوها وأكلوا ~~أثمانها" فإنما أذابوها حتى أزالوا عنها اسم الشحوم. وقد لعن النبى صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم المحلل والمحلل له. # وقال فى رواية ابنه صالح: ينقضون الأيمان بالحيل، وقد قال الله تعالى: ~~{ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} [النحل: 91] ، وقال تعالى: {يوفون ~~بالنذر} [الإنسان: 7] . # وقال فى رواية أبى طالب فى التحيل لإسقاط العدة "سبحان الله، ما أعجب ~~هذا، # PageV01P355 # أبطلوا كتاب الله والسنة، جعل الله على الحرائر العدة من الحمل، فليس من ~~امرأة تطلق، أو يموت زوجها، إلا تعتد من أجل الحمل، ففرج يوطأ، ثم يعتقها ~~على المكان فيتزوجها فيطؤها، فإن كانت حاملا، كيف يصنع؟ يطؤها رجل اليوم، ~~ويطؤها الآخر غدا؟ هذا نقض لكتاب الله والسنة، قال النبى صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل تحيض" فلا يدرى هى ~~حامل أم لا؟ سبحان الله ما أسمج هذا. # وقال فى رواية حبيش بن سندى فى الرجل يشترى الجارية ثم يعتقها من يومه ~~ويتزوجها: # أيطؤها من يومه؟ فقال: كيف يطؤها هذا من يومه، وقد وطئها ذاك بالأمس؟ ~~وغضب وقال: هذا أخبث قول. # وقال فى رواية الميمونى: إذا حلف على شئ ثم احتال بحيلة، فصار إليه، فقد ~~صار إلى ذلك بعينه. # وقال فى رواية الميمونى، فيمن حلف على يمين، ثم احتال لإبطالها: هل يجوز؟ ~~قال: نحن لا نرى الحيلة إلا بما يجوز. فقال له الميمونى: أليس # حيلتنا فيها أن نتبع ما قالوا؟ فإذا ms314 وجدنا لهم فيها قولا اتبعناه؟ قال: ~~بلى هكذا هو. قلت: أو ليس هذا منا نحن حيلة؟ قال: نعم، فقلت: إنهم يقولون ~~فى رجل حلف على امرأته، وهى على درجة: إن صعدت أو نزلت فأنت طالق. قالوا: ~~تحمل حملا ولا تنزل. فقال: هذا الحنث بعينه، ليس هذا حيلة، هذا هو الحنث. # وذكر لأحمد: أن امرأة كانت تريد أن تفارق زوجها، فيأبى عليها، فقال لها ~~بعض أرباب الحيل: لو ارتددت عن الإسلام بنت منه، ففعلت، فغضب أحمد رحمه ~~الله وقال: من أفتى بهذا أو علمه أو رضى به فهو كافر. # وكذلك قال عبد الله بن المبارك ثم قال: ما أرى الشيطان يحسن مثل هذا حتى ~~جاء هؤلاء فتعلمه منهم. # وقال يزيد بن هارون: أفتى أصحاب الحيل بشيء لو أفتى به اليهود والنصارى ~~كان # PageV01P356 # قبيحا. أفتوا رجلا حلف أن لا يطلق امرأته بوجه من الوجوه فبذلت له مالا ~~كثيرا فى طلاقها، فأفتوه بأن يقبل أمها أو يباشرها. # وذكرت الحيلة عند شريك، فقال: من يخادع الله يخدعه. # وقال النضر بن شميل: فى كتاب الحيل ثلاثمائة وعشرون مسألة كلها كفر. # وقال حفص بن غياث: ينبغى أن يكتب عليه: كتاب الفجور. # وقال عبد الله بن المبارك فى قصة بنت أبى روح حيث أمرت بالارتداد فى أيام ~~أبى غسان فارتدت ففرق بينهما وأودعت السجن: فقال ابن المبارك وهو غضبان: من ~~أمر بهذا فهو كافر، ومن كان هذا الكتاب عنده، أو فى بيته ليأمر به فهو ~~كافر، وإن هويه ولم يأمر به فهو كافر. # وقال أيوب السختيانى: ويل لهم، من يخدعون؟ يعنى أصحاب الحيل. # وقال بعض أصحاب الحيل: ما تنقمون منا إلا أنا عمدنا إلى أشياء كانت عليكم ~~حراما فاحتلنا فيها حتى صارت حلالا. # وقال زاذان. قال على رضى الله عنه، يعنى وقد رأى مبادئ الحيل: إنى أراكم ~~تحلون أشياء قد حرمها الله، وتحرمون أشياء قد حللها الله. # قلت: ومن تأمل الشريعة ورزق فيها فقه نفس رآها قد أبطلت على أصحاب الحيل ~~مقاصدهم وقابلتهم بنقيضها، وسدت عليهم الطرق ms315 التى فتحوها للتحيل الباطل. # PageV01P357 # فمن ذلك: أن الشارع منع المتحيل على الميراث بقتل مورثه ميراثه، ونقله ~~إلى غيره دونه لما احتال عليه بالباطل. # ومن ذلك: بطلان وصية الموصى له بمال إذا قتل الموصى. # ومن ذلك: بطلان تدبير المدبر إذا قتل سيده ليعجل العتق. # ومن ذلك: تحريم المنكوحة فى عدتها على الزوج، تحريما مؤبدا، عند عمر ابن ~~الخطاب، ومالك، وإحدى الروايتين عن أحمد، لما احتال على وطئها بصورة العقد ~~المحرم. # ومن ذلك: ما لو احتال المريض على منع امرأته من الميراث بطلاقها، فإنها ~~ترثه مادامت فى العدة، عند طائفة، وعند آخرين ترثه وإن انقضت عدتها، ما لم ~~تتزوج، وعند طائفة: ترث وإن تزوجت. # ومن ذلك: بطلان إقرار المريض لوارثه بمال لأنه يتخذه حيلة على الوصية له. ~~ونظائر ذلك كثيرة: # فالمحتال بالباطل معامل بنقبض قصده شرعا وقدرا. # وقد شاهد الناس عيانا أنه من عاش بالمكرمات بالفقر. # ولهذا عاقب الله سبحانه وتعالى من احتال على إسقاط نصيب المساكين وقت ~~الجداد بحرمانهم الثمرة كلها. # وعاقب من احتال على الصيد المحرم بأن مسخهم قردة وخنازير. # وعاقب من احتال على أكل أموال الناس بالربا بأن يمحق ماله. كما قال ~~تعالى: {يمحق الله الربا ويربى الصدقات} [البقرة: 276] . # فلا بد أن يمحق مال المرابى ولو بلغ ما بلغ. # وأصل هذا: أن الله سبحانه جعل عقوبات أصحاب الجرائم بضد ما قصدوا له بتلك ~~الجرائم، فجعل عقوبة الكاذب إهدار كلامه ورده عليه. # وجعل عقوبة الغال من الغنيمة لما قصد تكثير ماله بالغلول: حرمانه سهمه، ~~وإحراق متاعه. # PageV01P358 # وجعل عقوبة من اصطاد فى الحرم أو الإحرام: تحريم أكل ما صاده، وتغريمه ~~نظيره. # وجعل عقوبة من تكبر عن قبول الحق والانقياد له: أن ألزمه من الذل والصغار ~~بحسب ما تكبر عنه من الحق. # وجعل عقوبة من استكبر عن عبوديته وطاعته: أن صيره عبدا لأهل عبوديته ~~وطاعته. # وجعل عقوبة من أخاف السبيل وقطع الطريق: أن تقطع أطرافه، وتقطع عليه ~~الطرق كلها بالنفى من الأرض، فلا يسير فيها إلا خائفا. # وجعل عقوبة من التذ بدنه ms316 كله وروحه بالوطء الحرام: إيلام بدنه وروحه ~~بالجلد والرجم فيصل الألم إلى حيث وصلت اللذة. # وشرع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عقوبة من اطلع فى بيت غيره: أن ~~تقلع عينه بعود ونحوه، إفسادا للعضو الذى خانه، وأولجه بيته بغير إذنه، ~~واطلع به على حرمته. # وعاقب كل خائن بأنه يضل كيده ويبطله ولا يهديه المقصوده وإن نال بعضه، ~~فالذى ناله سبب لزيادة عقوبته وخيبته: {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} ~~[يوسف: 52] . # وعاقب من حرص على الولاية، والإمارة والقضاء، بأن شرع منعه وحرمانه ما ~~حرص عليه كما قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: " إنا لا نولى عملنا هذا ~~من سأله". # ولهذا عاقب أبا البشر آدم عليه السلام: بأن أخرجه من الجنة لما عصاه ~~بالأكل من الشجرة ليخلد فيها، فكانت عقوبته إخراجه منها، ضد ما أمله. # وعاقب من اتخذ معه إلها آخر، ينتصر به، ويتعزز به: بأن جعله عليه ضدا يذل ~~به، ويخذل به. كما قال تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ~~كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} [مريم: 81-82] وقال تعالى ~~{واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند ~~محضرون} [يس: 74-75] # PageV01P359 # وقال تعالى {لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا} [الإسراء: ~~22] . # ضد ما أمله المشرك من اتخاذ الإله من النصر والمدح. # وعاقب الناس إذا بخسوا الكيل والميزان بجور السلطان عليهم، يأخذ من ~~أموالهم أضعاف ما يبخس به بعضهم بعضا. # وعاقبهم إذا منعوا الزكاة والصدقة ترفيها لأموالهم بحبس الغيث عنهم، ~~فيمحق بذلك أموالهم، ويستوى غيهم وفقيرهم فى الحاجة. # وعاقبهم إذا أعرضوا عن كتابه وسنة نبيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~وطلبوا الهدى من غيره: بأن يضلهم، ويسد عليهم أبواب الهدى كما قال النبى ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى حديث على رضى الله عنه الذى رواه الترمذى ~~وغيره، وذكر القرآن: # "من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى فى غيره أضله الله". # فإن المعرض عن القرآن ms317 إما أن يعرض عنه كبرا، فجزاؤه أن يقصمه الله، أو ~~طلبا للهدى من غيره فجزاؤه أن يضله الله. # وهذا باب واسع جدا عظيم النفع. لمن تدبره يجده متضمنا لمعاقبة الرب ~~سبحانه من خرج عن طاعته، بأن يعكس عليه مقصوده شرعا وقدرا، دنيا وآخره. وقد ~~اطردت سنته الكونية سبحانه فى عباده، بأن من مكر بالباطل مكربه، ومن احتال ~~احتيل عليه، ومن خادع غيره خدع. قال الله تعالى: # {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء: 142] وقال تعالى {ولا ~~يحيق المكر السيئ إلا بأهله} [فاطر: 43] . # فلا تجد ما كرا إلا وهو ممكور به، ولا مخادعا إلا وهو مخدوع، ولا محتالا ~~إلا وهو محتال عليه. # PageV01P360 # فصل # وإذا تدبرت الشريعة وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرمات، وذلك عكس ~~باب الحيل الموصلة إليها. فالحيل وسائل وأبواب إلى المحرمات، وسد الذرائع ~~عكس ذلك. فبين البابين أعظم تناقض، والشارع حرم الذرائع، وإن لم يقصد بها ~~المحرم، لإفضائها إليه. # فكيف إذا قصد بها المحرم نفسه؟ # فنهى الله تعالى عن سب آلهة المشركين، لكونه ذريعة إلى أن يسبوا الله ~~سبحانه وتعالى عدوا وكفرا، على وجه المقابلة. # وأخبر النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن: "من أكبر الكبائر شتم ~~الرجل والديه. قالوا: وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل، ~~فيسب أباه. ويسب أمه فيسب أمه". # ولما جاءت صفية رضى الله تعالى عنها تزوره صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم، وهو معتكف قام معها ليوصلها إلى بيتها فرآهما رجلان من الأنصار فقال: ~~"على رسلكما إنها صفية بنت حيى. فقالا: سبحان الله، يا رسول الله. فقال: إن ~~الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم. إنى خشيت أن يقذف فى قلوبكما شرا". # فسد الذريعة إلى ظنهما السوء بإعلامهما أنها صفية. # وأمسك صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن قتل المنافقين مع ما فيه من ~~المصلحة، لكونه ذريعة إلى التنفير وقول الناس: # "إن محمدا يقتل أصحابه". # وحرم القطرة من الخمر وإن لم تحصل بها مفسدة الكثير، لكون قليلها ذريعة ~~إلى شرب ms318 كثيرها. # PageV01P361 # وحرم إمساكها للتخليل وجعلها نجسة، لئلا تفضى مقاربتها بوجه من الوجوه ~~إلى شربها. # ونهى عن الخليطين وعن شرب العصير والنبيذ بعد ثلاث، وعن الانتباذ فى ~~الأوعية التى لا يعلم بتخمير النبيذ فيها حسما للمادة وسدا للذريعة. # وحرم الخلوة بالمرأة الأجنبية والسفر بها والنظر إليها لغير حاجة، حسما ~~للمادة وسدا للذريعة. # ومنع النساء إذا خرجن إلى المسجد من الطيب والبخور. # ومنعهن من التسبيح فى الصلاة لنائبة تنوب، بل جعل لهن التصفيق. # ومنع المعتدة من الوفاة، من الزينة والطيب والحلى. # ومنع الرجل من التصريح بخطبتها فى العدة وإن كان إنما يعقد النكاح بعد ~~انقضاءها. # ونهى المرأة أن تصف لزوجها امرأة غيرها حتى كأنه ينظر إليها. # ونهى عن بناء المساجد على القبور ولعن فاعله. # ونهى عن تعلية القبور وتشريفها وأمر بتسويتها. # ونهى عن البناء عليها وتجصيصها والكتابة عليها والصلاة إليها وعندها، ~~وإيقاد المصابيح عليها. كل ذلك سدا لذريعة اتخاذها أوثانا. وهذا كله حرام ~~على من قصده ومن لم يقصده، بل على من قصد خلافه، سدا للذريعة. # ونهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، لكون هذين الوقتين وقته سجود ~~الكفار للشمس. ففى الصلاة نوع تشبه بهم فى الظاهر. وذلك ذريعة إلى الموافقة ~~والمشابهة فى الباطن، وأكد كذلك بالنهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر وإن ~~لم يحضر وقت سجود الكفار للشمس مبالغة فى هذا المقصود، وحماية لجانب ~~التوحيد، وسدا لذريعة الشرك بكل ممكن. # ومنع من التفرق فى الصرف قبل التقابض، وكذلك الربوى إذا بيع بربوى آخر، ~~من غير جنسه، سدا لذريعة النساء، الذى هو صلب الربا ومعظمه، بل منع من بيع ~~الدرهم # PageV01P362 # بالدرهمين نقدا سدا لذريعة ربا النساء، كما علل بذلك صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم فى الحديث الذى رواه مسلم فى صحيحه، وهذا أحسن العلل فى تحريم ~~ربا الفضل. # وحرم الجمع بين السلف والبيع، لما فيه من الذريعة إلى الربح فى السلف، ~~بأخذ أكثر مما أعطى، والتوسل إلى ذلك بالبيع أو الإجارة كما هو الواقع. # ومنع البائع أن يشترى السلعة ms319 من مشتريها بأقل مما اشتراها به، وهى مسألة ~~العينة وإن لم يقصد الربا، لكونه وسيلة ظاهرة واقعة إلى بيع خمسة عشر نسيئة ~~بعشرة نقدا. # وحرم جمع الشرطين فى البيع، لكونه وسيلة إلى ذلك، وهو منطبق على مسألة ~~العينة. # ومنع من القرض الذى يجر النفع وجعله ربا. # ومنع المقرض من قبول هدية المقترض، ما لم يكن بينهما عادة جارية بذلك قبل ~~القرض. ففى سنن ابن ماجه عن يحيى بن أبى إسحاق الهنائى. قال سألت أنس بن ~~مالك: الرجل منا يقرض أخاه المال، فيهدى إليه؟ فقال: قال رسول الله صلى ~~الله تعالي عليه وآله وسلم: # "إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه، أو حمله على الدابة فلا يركبنها، ولا ~~يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك". # وروى البخارى فى تاريخه عن يزيد بن أبى يحيى الهنائى عن أنس بن مالك رضى ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إذا أقرض ~~أحدكم فلا يأخذ هدية". # وفى صحيح البخارى عن أبى بردة عن أبى موسى قال: "قدمت المدينة فلقيت عبد ~~الله بن سلام فقال لى: إنك بأرض الربا فيها فاش، فإذا كان لك على رجل حق ~~فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير، أو حمل قت، فلا تأخذه فإنه ربا". # وروى سعيد بن منصور فى سننه هذا المعنى عن أبى بن كعب. # وجاء عن ابن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو رضى الله عنهم ~~نحوه. # PageV01P363 # وكل ذلك سدا لذريعة أخذ الزيادة فى القرض الذى موجبه رد المثل. # ونهى عن بيع الكالئ بالكالئ، وهو الدين المؤخر بالدين المؤخر، لأنه ذريعة ~~إلى ربا النسيئة، فلو كان الدينان حالين لم يمتنع، لأنهما يسقطان جميعا من ~~ذمتيهما، وفى الصورة المنهى عنها ذريعة إلى تضاعف الدين فى ذمة كل واحد ~~منهما فى مقابلة تأجيله وهذه مفسدة ربا [النسيئة] بعينها. # ونهى الله سبحانه وتعالى النساء أن {يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من ~~زينتهن} [النور: 31] . # فلما كان الضرب بالرجل ذريعة إلى ظهور ms320 صوت الخلخال الذى هو ذريعة إلى ميل ~~الرجال إليهن نهاهن عنه. # وأمر الله سبحانه الرجال والنساء بغض أبصارهم لما كان النظر ذريعة إلى ~~الميل والمحبة التى هى ذريعة إلى مواقعة المحظور. # وحرم التجارة فى الخمر وإن كان إنما يبيعها من كافر يستحل شربها، فإن ~~التجارة فيها ذريعة إلى اقتنائها وشربها، ولهذا لما نزلت الآيات فى تحريم ~~الربا قرأها عليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وقرن بها ~~تحريم التجارة فى الخمر، فإن الربا ذريعة إلى إفساد الأموال. والخمر ذريعة ~~إلى إفساد العقول. فجمع بين تحريم التجارة فى هذا وهذا. # ونهى عن استقبال رمضان بيوم أو يومين، لئلا يتخذ ذريعة إلى الزيادة فى ~~الصوم الواجب كما فعل أهل الكتاب. # ونهى عن التشبه بأهل الكتاب وغيرهم من الكفار فى مواضع كثيرة، لأن ~~المشابهة الظاهرة ذريعة إلى الموافقة الباطنة فإنه إذا أشبه الهدى الهدى ~~أشبه القلب القلب. وقد قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "خالف هدينا هدى ~~الكفار". # وفى المسند مرفوعا: "من تشبه بقوم فهو منهم". # وحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، لكونه ذريعة إلى ~~قطيعة الرحم. وبهذه العلة بعينها علل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم فقال: "إنكم إذا فعلتم # PageV01P364 # ذلك قطعتم أرحامكم". # وأمر بالتسوية بين الأولاد فى العطية، وأخبر أن تخصيص بعضهم بها جور لا ~~يصلح، ولا تنبغى الشهادة عليه. وأمر فاعله برده ووعظه وأمره بتقوى الله ~~تعالى، وأمره بالعدل لكون ذلك ذريعة ظاهرة قريبة جدا إلى وقوع العداوة بين ~~الأولاد وقطيعة الرحم بينهم، كما هو المشاهد عيانا، فلو لم تأت السنة ~~الصحيحة الصريحة التى لا معارض لها بالمنع منه، لكان القياس وأصول الشريعة ~~وما تضمنته من المصالح ودرء المفاسد يقتضى تحريمه. # ومنع من نكاح الأمة، لكونه ذريعة ظاهرة إلى استرقاق ولده ثم جوز وطأها ~~يملك اليمين لزوال هذه المفسدة. # ومنع من تجاوز أربع زوجات لكونه ذريعة ظاهرة إلى الجور وعدم العدل بينهن، ~~وقصر الرجال على الأربع، فسحة لهم فى التخلص من الزنا، وإن ms321 وقع منهم بعض ~~الجور فاحتماله أقل مفسدة من مفسدة الزنى. # ومنع من عقد النكاح فى حال العدة وحال الإحرام، وإن تأخر الدخول إلى ما ~~بعد انقضائها وحصول الحل، لكون العقد ذريعة إلى الوطء، والنفوس لا تصبر ~~غالبا مع قوة الداعى. # وشرط فى النكاح شروطا زائدة على مجرد العقد، فقطع عنه شبه بعض أنواع ~~السفاح به كاشتراط إعلانه، إما بالشهادة أو بترك الكتمان أو بهما. واشتراط ~~الولى، ومنع المرأة أن تليه. وندب إلى إظهاره، حتى استحب فيه الدف، والصوت، ~~والوليمة وأوجب فيه المهر. # PageV01P365 # ومنع هبة المرأة نفسها لغير النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. # وسر ذلك: أن فى ضد ذلك والإخلال به ذريعة إلى وقوع السفاح بصورة النكاح ~~كما فى الأثر: # "إن الزانية هى التى تزوج نفسها". # فإنه لا تشاء زانية تقول: زوجتك نفسى بكذا سرا من وليها، بغير شهود ولا ~~إعلان ولا وليمة ولا دف ولا صوت إلا فعلت. ومعلوم قطعا أن مفسدة الرنا لا ~~تنتفى بقولها: أنكحتك نفسى، أو زوجتك نفسى. أو أبحتك منى كذا وكذا. فلو ~~انتفت مفسدة الزنا بذلك لكان هذا من أيسر الأمور عليها وعلى الرجل. # فعظم الشارع أمر هذا العقد. وسد الذريعة إلى مشابهته للزنا بكل طريق. ثم ~~أكد ذلك، بأن جعل له حريما من العدة يزيد على مقدار الاستبراء، وأثبت له ~~أحكاما من المصاهرة وحرمتها، ومن التوارث. ولهذا كان الراجح فى الدليل: أن ~~الزنى لا يثبت حرمة المصاهرة كما لا يثبت التوارث والنفقة وحقوق الزوجية. ~~ولا يثبت به النسب، ولا العدة على الصحيح. وإنما تستبرأ بحيضة ليعلم براءة ~~رحمها، ولا يقع فيه طلاق، ولا ظهار، ولا إيلاء. ولا يثبت المحرمية بينه ~~وبين أمها وابنتها. فلا يثبت حرمة المصاهرة ولا تحريمها. فإن الشارع جعل ~~وصلة الصهر فيه مع وصلة النسب. وجمع بينهما فى قوله: {فجعله نسبا وصهرا} ~~[الفرقان: 54] . # فإذا انتفت وصلة النسب فيه انتفت وصلة الصهر. # وكنا ننصر القول بالتحريم ثم رأينا الرجوع إلى عدم التحريم أولى لاقتضاء ~~الدليل له. # وليس المقصود استيفاء أدلة ms322 المسألة من الجانبين، وإنما الغرض التنبيه على ~~أن من قواعد الشرع العظيمة: قاعدة سد الذرائع. # ومن ذلك: نهى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن تقام الحدود فى دار ~~الحرب. وأن تقطع الأيدى فى الغزو، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى لحاق المحدود ~~بالكفار. # ومن ذلك: أن المسلم إذا احتاج إلى التزوج بدار الحرب، وخاف على نفسه ~~الزنا عزل # PageV01P366 # عن امرأته، نص عليه أحمد، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن ينشأ ولده كافرا. # ومن ذلك: أن الصحابة اتفقوا على قتل الجماعة الكثيرة بالواحد، وإن كان ~~القصاص يقتضى المساواة، لئلا يتخذ ذريعة إلى إهدار الدماء، وتعاون الجماعة ~~على قتل المعصوم. # ومن ذلك: أن السكران لو قتل اقتص منه، وإن كان فى هذه الحالة لا قصد له. ~~لئلا يتخذ السكر ذريعة إلى قتل المعصوم وسقوط القصاص. # ومن ذلك: نهيه سبحانه رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الجهر ~~بالقرآن بحضرة العدو، لما كان ذريعة إلى سبهم للقرآن ومن أنزله. # ومن ذلك: أنه سبحانه نهى الصحابة أن قالوا للنبى صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم: # {راعنا} [البقرة: 104] . # مع قصدهم المعنى الصحيح، وهو المراعاة، لئلا يتخذ اليهود هذه اللفظة ~~ذريعة إلى السب، ولئلا يتشبهوا بهم، ولئلا يخاطب بلفظ يحتمل معنى فاسدا. # ومن ذلك: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كره الصلاة إلى ما قد عبد من ~~دون الله، وأحب لمن صلى إلى عمود أو عود أو شجرة، أن يجعله على أحد حاجبيه، ~~ولا يصمد له صمدا سدا لذريعة التشبه بالسجود لغير الله تعالى. # ومن ذلك: أنه أمر المأمومين أن يصلوا جلوسا إذا صلى إمامهم جالسا، سدا ~~لذريعة التشبه بفارس والروم فى قيامهم على ملوكهم وهم قعود. # ومن ذلك: أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم منع الرجل من أخذ نظير ~~حقه بصورة الخيانة ممن خانه وجحد حقه، وإن كان إنما يأخذ حقه أو دونه، فقال ~~لمن سأله: عن ذلك: # "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". # لأن ذلك ذريعة ms323 إلى إساءة الظن به ونسبته إلى الخيانة. ولا يمكنه أن يحتج ~~عن نفسه، ويقيم عذره، مع أن ذلك أيضا ذريعة إلى أن لا يقتصر على قدر الحق ~~وصفته، فإن النفوس لا تقتصر فى الاستيفاء غالبا على قدر الحق. # PageV01P367 # ومن ذلك: أن سلط الشريك على انتزاع الشقص المشفوع من يد المشترى سدا ~~لذريعة المفسدة الناشئة من الشركة والمخالطة بحسب الإمكان. وقبل البيع ليس ~~أحدهما أولى بانتزاع نصيب شريكه من الآخر. فإذا رغب عنه وعرضه للبيع كان ~~شريكه أحق به لما فيه من إزالة الضرر عنه، وعدم تضرره هو. فإنه يأخذه ~~بالثمن الذى يأخذه به الأجنبى، ولهذا كان الحق: أنه لا يحل الاحتيال لإسقاط ~~الشفعة، ولا تسقط بالاحتيال. فإن الاحتيال على إسقاطها يعود على الحكمة ~~التى شرعت لها بالنقض والإبطال. # ومن ذلك: أنه لا يقبل شهادة العدو، ولا الظنين فى تهمة أو قرابة. ولا ~~الشريك فيما هو شريك فيه، ولا الوصى فيما هو وصى فيه، ولا الولد على ضرة ~~أمه، ولا يحكم القاضى بعلمه. كل ذلك سدا لذريعة التهمة والغرض الفاسد. # ومن ذلك: أن السنة مضت بكراهة إفراد رجب بالصوم، وإفراد يوم الجمعة، لئلا ~~يتخذ ذريعة إلى الابتداع فى الدين بتخصيص زمان لم يخصه الشارع بالعبادة. # ومن ذلك: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه أمر بقطع الشجرة ~~التى كانت تحتها البيعة وأمر بإخفاء قبر دانيال، سدا لذريعة الشرك والفتنة. ~~ونهى عن تعمد الصلاة فى الأمكنة التى كان رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم ينزل بها فى سفره وقال "أتريدون أن تتخدوا آثار أنبيائكم مساجد؟ ~~من أدركته الصلاة فيه فليصل، وإلا فلا". # ومن ذلك: جمع عثمان بن عفان رضى الله عنه الأمة على حرف واحد من الأحرف ~~السبعة، لئلا يكون اختلافهم فيها ذريعة إلى اختلافهم فى القرآن. ووافقه على ~~ذلك الصحابة رضى الله عنهم. # ومن ذلك: أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أمر الذى أرسل معه ~~بهدية إذا عطب شئ منه دون المحل أن ينحره، ويصبغ ms324 نعله الذى قلده به بدمه، ~~ويخلى بينه وبين # PageV01P368 # المساكين، ونهاه أن يأكل منه هو أو أحد من أهل رفقته، قالوا: لأنه لو جاز ~~له أن يأكل منه، أو أحد من رفقته قبل بلوغ المحل لخادعته نفسه إلى أن يقصر ~~فى علفه وحفظه حتى يشارف العطب فينحره. فسد الشارع الذريعة ومنعه ورفقته من ~~الأكل منه. # ومن ذلك: نهيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الذرائع التى توجب ~~الاختلاف والتفرق والعداوة والبغضاء، كخطبة الرجل على خطبة أخيه، وسومه على ~~سومه، وبيعه على بيعه، وسؤال المرأة طلاق ضرتها، وقال: # "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما". # سدا لذريعة الفتنة والفرقة. # ونهى عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة وإن ظلموا وجاروا ما أقاموا ~~الصلاة سدا لذريعة الفساد العظيم، والشر الكبير بقتالهم كما هو الواقع، ~~فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم من الشرور أضعاف أضعاف ما هم عليه، ~~والأمة فى بقايا تلك الشرور إلى الآن. # ومن ذلك: أن الشروط المضروبة على أهل الذمة تضمنت تمييزهم عن المسلمين في ~~اللباس والشعور والمراكب، لئلا تفضى مشابهتهم للمسلمين فى ذلك إلى معاملتهم ~~معاملة المسلمين فى الإكرام والاحترام ففى إلزامهم بتمييزهم عنهم سدا لهذه ~~الذريعة. # ومن ذلك: منعه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من بيع القلادة التى فيها ~~خرز وذهب بذهب، لئلا يتخذ ذريعة إلي بيع الذهب بالذهب متفاضلا، إذا ضم إلى ~~أحدهما خرز أو نحوه. # ولو لم يكن فى هذا الباب إلا أن الله سبحانه وتعالى أوجب إقامة الحدود، ~~سدا للذريعة إلى الجرائم إذا لم يكن عليها وازع طبيعى، وجعل مقادير ~~عقوباتها وأجناسها وصفاتها # PageV01P369 # بحسب مفاسدها في نفسها وقوة الداعى إليها وتقاضى الطباع لها. # وبالجملة، فالمحرمات قسمان: مفاسد، وذرائع موصلة إليها، مطلوبة الإعدام، ~~كما أن المفاسد مطلوبة الإعدام. # والقربات نوعان: مصالح للعباد، وذرائع موصلة إليها. # ففتح باب الذرائع فى النوع الأول كسد باب الذرائع فى النوع الثانى، ~~وكلاهما مناقض لما جاءت به الشريعة، فبين باب الحيل وباب سد الذرائع أعظم ~~تناقض. # وكيف يظن بهذه الشريعة العظيمة الكاملة ms325 التى جاءت بدفع المفاسد وسد ~~أبوابها وطرقها أن تجوز فتح باب الحيل، وطرق المكر على إسقاط واجباتها، ~~واستباحة محرماتها. والتذرع إلى حصول المفاسد التى قصدت دفعها. # وإذا كان الشئ الذى قد يكون ذريعة إلى الفعل المحرم إما بأن يقصد به ذلك ~~المحرم، أو بأن لا يقصد به، وإنما يقصد به المباح نفسه، لكن قد يكون ذريعة ~~إلى المحرم، يحرمه الشارع بحسب الإمكان، ما لم يعارض ذلك مصلحة راجحة تقتضى ~~حله، فالتذرع إلى المحرمات بالاحتيال عليها أولى أن يكون حراما، وأولى ~~بالإبطال والإهدار إذا عرف قصد فاعله، وأولى أن لا يعان فاعله عليه، وأن ~~يعامل بنقيض قصده، وأن يبطل عليه كيده ومكره. # وهذا بحمد الله تعالى بين لمن له فقه وفهم فى الشرع ومقاصده. # قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وتجويز الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة، ~~فإن الشارع يسد الطريق إلى ذلك المحرم بكل ممكن، والمحتال يتوسل إليه بكل ~~ممكن، ولهذا اعتبر الشارع فى البيع والصرف والنكاح وغيرها، شروطا سد ببعضها ~~التذرع إلى الربا والزنا، وكمل بها مقصود العقود، ولم يمكن المحتال الخروج ~~منها فى الظاهر. ومن يريد الاحتيال على ما منع الشارع منه فيأتى بها مع ~~حيلة أخرى توصله بزعمه إلى نفس ذلك الشئ الذى سد الشارع الذريعة إليه، لم ~~يبق لتلك الشروط التى أتى بها فائدة ولا حقيقة، بل تبقى بمنزلة العبث ~~واللعب، وتطويل الطريق إلى المقصود من غير فائدة. # PageV01P370 # قال: واعتبر هذا بالشفعة، فإن الشارع أباح انتزاع الشقص من مشتريه، ~~والشارع لا يخرج الملك عن مالكه بقيمة أو غيرها، إلا لمصلحة راجحة، وكانت ~~المصلحة هاهنا تكميل العقار للشريك فإنه بذلك يزول ضرر المشاركة والمقاسمة، ~~وليس فى هذا التكميل ضرر على البائع، لأن مقصوده من الثمن يحصل بأخذه من ~~المشترى، شريكا كان أو أجنبيا، فالمحتال لإسقاطها مناقض لمقصود الشارع، ~~مضاد له فى حكمه. فالشارع يقول: لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء ~~أخذ وإن شاء ترك، والمحتال يقول: لك أن تتحيل على منع الشريك من الأخذ ms326 ~~بأنواع من الحيل، التى ظاهرها مكر وخداع، وباطنها منع الشريك مما أباحه له ~~الشارع ومكنه منه، وتفويت نفس مقصود الشارع. والمصيبة الكبرى: إظهار ~~المحتال أنه إنما فعل ما أذن له الشارع فى فعله، وأنه مكنه من المكر ~~والخداع، والتحيل على إسقاط حق الشريك، وهذا بين لمن تأمله. # قال: والمقصود: بيان تحريم الحيل، وأن صاحبها متعرض لسخط الله تعالى، ~~وأليم عقابه. ويترتب على ذلك أن ينقض على صاحبها مقصوده منها بحسب الإمكان، ~~وذلك فى كل حيلة بحسبها. فلا يخلو الاحتيال: إما أن يكون من واحد أو اثنين ~~فأكثر، فإن كان من اثنين فأكثر، فإن كان عقد بيع تواطآ عليه تحيلا على ~~الربا، كما في العينة حكم بفساد العقدين، ويرد إلى الأول رأس ماله، كما ~~قالت أم المؤمنين عائشة رضى الله تعالى عنها، وكان بمنزلة المقبوض بعقد ~~ربا، لا يحل الانتفاع به، بل يجب رده إن كان باقيا، وبدله إن كان تالفا، ~~وكذلك إن جمعا بين بيع وقرض، أو إجارة وقرض، أو مضاربة، أو شراكه أو ~~مساقاة، أو مزارعة، وقرض، حكم بفسادهما، فيجب أن يرد عليه بدل ماله الذى ~~جعلاه قرضا، والعقد الآخر فاسد، حكمه حكم العقود الفاسدة. وكذلك إن كان ~~نكاحا تواطآ عليه كان حكمه حكم الأنكحة الفاسدة. وكذلك إن تواطآ على هبة أو ~~بيع لإسقاط الزكاة، أو على هبة لتصحيح نكاح فاسد، أو وقف فاسد، مثل أن تريد ~~مواقعة مملوكها فتهبه لرجل فيزوجها به، فإذا قضت وطرها منه استوهبته من ~~الرجل فوهبتها إياه، فانفسخ النكاح، فهذا البيع والهبة فاسدان فى جميع ~~الأحكام. # PageV01P371 # وإن كان الاحتيال من واحد، فإن كانت الحيلة يستقل بها لم يحصل بها غرضه. ~~فإن كانت عقدا كان فاسدا، مثل أن يهب لابنه هبة يريد أن يرجع فيها لئلا يجب ~~عليه الزكاة فإن وجود هذه الهبة كعدمها ليست هبة فى شئ من الأحكام، لكن إن ~~ظهر المقصود ترتب الحكم عليه ظاهرا وباطنا وإلا كانت فاسدة فى الباطن فقط. # وإن كانت حيلة لا يستقل بها، مثل أن ينوى التحليل، ms327 ولا يظهره للزوجة، أو ~~يرتجع المرأة إضرارا بها، أو يهب ماله إضرارا للورثة ونحو ذلك، كانت هذه ~~العقود بالنسبة إليه وإلى من علم غرضه باطلة، فلا يحل له وطء المرأة ولا ~~يرثها لو ماتت. وإذا علم الموهوب له، والموصى له غرضه باطلا: لم يحصل له ~~الملك فى الباطن. فلا يحل له الانتفاع به بل يجب رده إلى مستحقه. وأما ~~بالنسبة إلى العاقد الآخر الذى لم يعلم فإنه صحيح يفيد مقصود العقود ~~الصحيحة، ولهذا نظائر كثيرة فى الشريعة. # وإن كانت الحلية له وعليه كطلاق المريض، صح الطلاق من جهة أنه أزال ملكه ~~ولم يصح من جهة أنه يمنع الإرث. فإنه إنما منع من قطع الإرث، لا من إزالة ~~ملك البضع. # وإن كانت الحيلة فعلا يفضى إلى غرض له مثل أن يسافر فى الصيف ليتأخر عنه ~~الصوم إلى الشتاء، لم يحصل غرضه بل يجب عليه الصوم في هذا السفر. # قلت: ونظير هذا ما قالت المالكية: إنه لا يستبيح رخصة المسح على الخفين ~~إذا لبسهما لنفس المسح، فلو مسح لذلك لم يجزه، وعليه إعادة الصلاة أبدا. ~~وإنما تثبت الرخصة فى حق من لبسهما لحاجة، كالبرد والركوب ونحوهما. فيمسح ~~عليهما لمشقة النزع. # وخالفهم باقى الفقهاء فى ذلك، والمنع جار على أصول من راعى المقاصد. # قال شيخنا: وإن كان يفضى إلى سقوط حق غيره مثل أن يطأ امرأة أبيه أو ~~ابنه، لينفسخ نكاحه، أو مثل أن تباشر المرأة ابن زوجها، أو أباه عند من يرى ~~ذلك موجبا للتحريم، فهذه الحيل بمنزلة الإتلاف للملك بقتل أو غصب لا يمكن ~~إبطالها، لأن حرمة المرأة بهذا السبب حق الله تعالى يترتب عليه فسخ النكاح ~~ضمنا. والأفعال الموجبة للتحريم لا يعتبر لها العقل فضلا عن القصد. وهذا ~~بمنزلة أن يحتال على نجاسة مائع فإن نجاسات # PageV01P372 # المائعات بالمخالطة، وتحريم المصاهرة بالمباشرة، أحكام تثبت بأمور حسية ~~فلا ترفع الأحكام مع وجود تلك الأسباب. # قلت: هذا كان قول الشيخ أولا ثم رجع إلى أن تحريم المصاهرة لا يثبت ~~بالمباشرة المحرمة. وحينئذ فصورة ms328 ذلك: أن ترضع ابنته الكبيرة أو أمته ~~امرأته الصغيرة. لينفسخ نكاحها. فإن فسخ النكاح هاهنا لا يتوقف على العقل ~~ولا على القصد، بل لو كانت المرضعة مجنونة يثبت التحريم، فهو بمنزلة أن ~~يلقى فى مائعه ما ينجسه. # قال: وإن كانت الحيلة فعلا يفضى إلى تحليل له أو لغيره مثل أن يقتل رجلا ~~ليتزوج امرأته، أو يزوجها غيره. فهاهنا تحل المرأة لغير من قصد تزويجها به. ~~فإنها بالنسبة إليه كمن مات عنها زوجها، أو قتل بحق أو فى سبيل الله. وأما ~~بالنسبة إلى من قصد بالقتل أن يتزوج المرأة إما بمواطأة منها أو بدونها، ~~فهذا يشبه من بعض الوجوه ما لو خلل الخمر بنقلها من موضع إلى موضع، من غير ~~أن يطرح فيها شيئا. والصحيح أنها لا تطهر، وإن كانت تطهر إذا تخللت بفعل ~~الله تعالى. وكذلك هذا الرجل لو مات بدون هذا القصد حلت المرأة، فإذا قتله ~~لهذا القصد أمكن أن يقال تحرم عليه مع حلها لغيره. # ويشبه هذا: الحلال إذا صاد الصيد وذبحه لحرام، فإنه يحرم على ذلك المحرم ~~ويحل للحلال. # ومما يؤيد هذا: أن القاتل يمنع الإرث، ولا يمنعه غيره من الورثة. لكن لما ~~كان مال الرجل تتطلع إليه نفوس الورثة كان القتل مما يقصد به المال، بخلاف ~~الزوجة فإن ذلك لا يكاد يقصد، فإن التفات الرجل إلى امرأة غيره بالنسبة إلى ~~التفات الورثة إلى مال المورث قليل. وكونه يقتله ليتزوجها، فهذا أقل. فلذلك ~~لم يشرع أن من قتل رجلا حرمت عليه امرأته، كما شرع أن من قتل مورثا منع ~~ميراثه، فإذا قتله ليتزوج بها فقد وجدت الحكمة فيه فيعاقب بنقيض قصده. # وأكثر ما يقال فى رد هذا: أن الأفعال المحرمة لحق الله تعالى لا تفيد ~~الحل، كذبح الصيد، وتحليل الخمر، والتذكية فى غير المحل. أما المحرم لحق ~~الآدمى، كذبح المغصوب، فإنه بفيد الحل. أو يقال: إن الفعل المشروع لثبوت ~~الحكم يشترط فيه وقوعه على الوجه # PageV01P373 # المشروع كالذكاة والقتل لم يشرع لحل المرأة، وإنما انقضاء النكاح بانقضاء ~~الأجل، ms329 فحصل الحل صمنا وتبعا. # ويمكن أن يقال فى جواب هذا: إن قتل الآدمى حرام لحق الله تعالى وحق ~~الآدمى. ولهذا لا يستباح بالإباحة، بخلاف ذبح المغصوب، فإنه حرم لمحض حق ~~الآدمى. ولهذا لو أباحه حل، فالمحرم هناك إنما هو تفويت المالية على المالك ~~لا إزهاق الروح. # وقد اختلف فى الذبح بآلة مغصوبة، وفيه عن أحمد روايتان واختلف العلماء فى ~~ذبح المغصوب، وقد نص أحمد على أنه ذكى. وفيه حديث رافع بن خديج فى ذبح ~~الغنم المنهوبة، والحديث الآخر فى المرأة التى أضافت النبى صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم، فذبحت له شاة أخذتها بدون إذن أهلها، فقال: # "أطعموها الأسارى". # وفى هذا دليل على أن المذبوح بدون إذن أهله يمنع من أكله المذبوح له دون ~~غيره، كالصيد إذا ذبحه الحلال لحرام، حرم على الحرام دون الحلال. # وقد نقل صالح عن أبيه فيمن سرق شاة فذبحها: لا يحل أكلها، يعنى له، قلت ~~لأبى: فإن ردها على صاحبها؟ قال: تؤكل. # فهذه الرواية قد يؤخذ منها أنها حرام على الذابح مطلقا، لأن أحمد لو قصد ~~التحريم من جهة أن المالك لم يأذن له فى الأكل، لم يخص الذابح بالتحريم. # فهذا القول الذى دل عليه الحديث فى الحقيقة حجة لتحريم مثل هذه المرأة ~~على القاتل ليتزوجها دون غيره بطريق الأولى. # هذا كله كلام شيخنا. # PageV01P374 # وبعد، فالتحريم مطرد على قواعد أحمد، ومالك من وجوه متعددة. # منها: مقابلة الفاعل بنقيض قصده كطلاق الفار، وقاتل مورثه، وقاتل الموصى، ~~والمدبر إذا قتل سيده. # ومنها: سد الذرائع. # ومنها: تحريم الحيل. # ومنها: تخليل الخمر كما ذكره شيخنا، والله تعالى أعلم. # قال: فتلخص أن الحيل نوعان: أقوال، وأفعال. # فالأقوال: يشترط لثبوت أحكامها العقل، ويعتبر فيها القصد، وتكون صحيحة ~~تارة، وفاسدة أخرى. # ثم ما ثبت حكمه، منه ما يمكن فسخه ورفعه بعد وقوعه، كالبيع والنكاح. ومنه ~~مالا يمكن فيه ذلك كالعتق والطلاق. # فهذا الضرب إذا قصد به الاحتيال على فعل محرم، أو إسقاط واجب أمكن ~~إبطاله، إما من جميع الوجوه، وإما من الوجه ms330 الذى يبطل مقصود المحتال، بحيث ~~لا يترتب عليه الحكم المحتال على حصوله، كما حكم به الصحابة رضوان الله ~~تعالى عليهم فى طلاق الفار. # وأما الأفعال: فإن اقتضت الرخصة للمحتال لم تحصل كالسفر للقصر والفطر. ~~وإن اقتضت تحريما على الغير فإنه قد يقع وتكون بمنزلة إتلاف النفس والمال. ~~وإن اقتضت حلا عاما إما بنفسها أو بواسطة زوال الملك، فهذه مسألة القتل ~~وذبح الصيد للحلال، وذبح المغصوب للغاصب. # وبالجملة: فإذا قصد بالفعل استباحة محرم لم يحل له، وإن قصد إزالة ملك ~~الغير ليحل له فالأقيس أن لا يحل له أيضا وإن حل لغيره. # وقد دخل فى القسم الأول احتيال المرأة على فسخ النكاح بالردة، فهى لا ~~تمشى غالبا إلا عند من يقول: الفرقة تنجز بنفس الردة، أو يقول: بأنها لا ~~تقتل، فالواجب فى مثل هذه الحيلة: أن لا ينفسخ بها النكاح، وإذا علم الحاكم ~~أنها ارتدت لذلك لم يفرق بينهما. وتكون مرتدة من حيث العقوبة والقتل، غير ~~مرتدة من حيث فساد النكاح، حتى لو توفيت أو قتلت قبل الرجوع استحق ميراثها، ~~لكن لا يجوز له وطؤها فى حالة الردة، فإن # PageV01P375 # الزوجة قد يحرم وطؤها بأسباب من جهتها كما لو أحرمت، لكن لو ثبت أنها ~~ارتدت ثم قالت: إنما ارتدت لفسخ النكاح، لم يقبل هذا، فإنه قد يجعل ذريعة ~~إلى عود نكاح كل مرتدة، بأن تلقن أنها إنما ارتدت للفسخ، ولأنها متهمة فى ~~ذلك، ولأن الأصل أنها مرتدة فى جميع الأحكام. # فصل # وقد استدل البخارى فى صحيحه على بطلان الحيل بقوله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم: # "لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة". # فإن هذا النهى يعم ما قبل الحول وما بعده. # واحتج بقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى الطاعون: "إذا وقع بأرض ~~وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه". # وهذا من دقة فقهه رحمه الله، فإنه إذا كان قد نهى صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم عن الفرار من قدر الله تعالي إذا نزل بالعبد، رضا بقضاء ms331 الله ~~تعالى وتسليما لحكمه، فكيف بالفرار من أمره ودينه إذا نزل بالعبد؟. # واحتج بأنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "نهى عن بيع فضل الماء ليمنع ~~به الكلأ". # فدل على أن الشئ الذى هو فى نفسه غير محرم إذا قصد به أمر محرم صار ~~محرما. # واحتج أحمد رحمه الله على بطلان الحيل وتحريمها بلعنة رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم للمحلل، وبقوله "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، ~~فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل". # واحتج على تحريم الحيل لإسقاط الشفعة بقوله "فلا يحل له أن يبيع حتى يؤذن ~~شريكه". # واحتج ابن عباس وبعده أيوب السختيانى، وغيره من السلف: بأن الحيل مخادعة ~~لله تعالى. وقد قال الله تعالى: {يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا ~~أنفسهم} [البقرة: 9] . # قال ابن عباس: ومن يخادع الله يخدعه. # PageV01P376 # ولا ريب أن من تدبر القرآن والسنة، ومقاصد الشارع جزم بتحريم الحيل ~~وبطلانها فإن القرآن دل على أن المقاصد والنيات معتبرة فى التصرف والعادات، ~~كما هى معتبرة فى القربات والعبادات، فيجعل الفعل حلالا أو حراما، وصحيحا ~~أو فاسدا، وصحيحا من وجه، فاسدا من وجه، كما أن القصد والنية فى العبادات ~~تجعلها كذلك. # وشواهد هذه القاعدة كثير ة جدا فى الكتاب والسنة. # فمنها: قوله تعالى فى آية الرجعة: {ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} [البقرة: ~~231] . # وذلك نص فى أن الرجعة إنما تثبت لمن قصد الصلاح دون الضرار، فإذا قصد ~~الضرار لم يملكه الله تعالى الرجعة. # ومنها: قوله تعالى فى آية الخلع: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن ~~شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا ~~جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] . # وهذا دليل على أن الخلع المأذون فيه إنما هو إذا خاف الزوجان أن لا يقيما ~~حدود الله، وأن النكاح الثانى إنما يباح إذا ظنا أن يقيما حدود الله، فإنه ~~شرط فى الخلع عدم خوف إقامة حدوده، وشرط فى العود ظن إقامة حدوده. # ومنها: قوله تعالى فى آية الفرائض: {من بعد ms332 وصية يوصى بها أو دين غير ~~مضار} [النساء: 12] . # فإنه سبحانه وتعالى إنما قدم على الميراث وصية من لم يضار الورثة، فإذا ~~كانت الوصية وصية ضرار كانت حراما، وكان للورثة إبطالها، وحرم على الموصى ~~له أخذ ذلك بدون رضا الورثة، وأكد سبحانه وتعالى ذلك بقوله: # {تلك حدود الله فلا تعتدوها} [البقرة: 229] . # وتأمل كيف ذكر سبحانه وتعالى الضرار فى هذه الآية دون التى قبلها. لأن ~~الأولى تضمنت ميراث العمودين، والثانية تضمنت ميراث الأطراف: من الزوجين، ~~والإخوة. والعادة أن الميت قد يضار زوجته وإخوته، ولا يكاد يضار والديه ~~وولده. # والضرار نوعان: جنف، وإثم. فإنه قد يقصد الضرار، وهو الإثم، وقد يضار من ~~غير قصد، وهو الجنف، فمن أوصى بزيادة على الثلث فهو مضار، قصد أو لم يقصد، ~~فللوارث رد هذه الوصية. وإن أوصى بالثلث فما دون ولم يعلم أنه قصد الضرار ~~وجب إمضاؤها. # PageV01P377 # فإن علم الموصى له أن الموصى إنما أوصى ضرارا لم يحل له الأخذ، ولو اعترف ~~الموصى أنه إنما أوصى ضرارا لم تجز إعانته على إمضاء هذه الوصية. # وقد جوز سبحانه وتعالى إبطال وصية الجنف والإثم، وأن يصلح الوصى أو غيره ~~بين الورثة والموصى له فقال تعالى: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح ~~بينهم فلا إثم عليه} [البقرة: 182] . # وكذلك إذا ظهر للحاكم أو الوصى الجنف أو الإثم في الوقف ومصرفه أو بعض ~~شروطه فأبطل ذلك كان مصلحا لا مفسدا. وليس له أن يعين الواقف على إمضاء ~~الجنف والإثم، ولا يصحح هذا الشرط ولا يحكم به، فإن الشارع قد رده وأبطله. ~~فليس له أن يصحح ما رده الشارع وحرمه، فإن ذلك مضادة له ومناقضة. # ومن ذلك: قوله تعالى: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن ~~يأتين بفاحشة مبينة} [النساء: 19] . # فهذا دليل على أنه إذا عضلها لتفتدى نفسها منه وهو ظالم لها بذلك لم يحل ~~له أخذ ما بذلته له ولا يملكه بذلك. # ومن ذلك قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ~~ولا تعضلوهن لتذهبوا ms333 ببعض ما آتيتموهن} [النساء: 19] . # فحرم سبحانه وتعالى أن يأخذ منها شيئا مما آتاها إذا كان قد توسل إليه ~~بالعضل. # ومن ذلك: أن جداد النخل عمل مباح أى وقت شاء صاحبه لكن لما قصد به أصحابه ~~في الليل حرمان الفقراء عاقبهم الله تعالى بإهلاكه. ثم قال: {ولعذاب الآخرة ~~أكبر لو كانوا يعلمون} [القلم: 33] [الزمر: 26] . # ثم جاءت السنة بكراهة الجداد بالليل، لكونه ذريعة إلى هذه المفسدة. ونص ~~عليه غير واحد من الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره. # قال أصحاب الحيل: قد أسمعتمونا على بطلان الحيل وتحريمها ما فيه كفاية. ~~فاسمعوا الآن على جوازها واستحبابها ما نقيم به عذرنا. # قال الله سبحانه وتعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا # PageV01P378 # فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن ~~يعفو عنهم} [النساء: 97-99] . # ووجه الاستدلال: أنه سبحانه وتعالى إنما عذرهم بتخلفهم وعجزهم إذ لم ~~يستطيعوا حيلة يتخلصون بها من المقام بين أظهر الكفار، وهو حرام. فعلم أن ~~الحيلة التى تخلص من الحرام مستحبة مأذون فيها. وعامة الحيل التى تنكرونها ~~علينا هى من هذا الباب. فإنها حيل تخلص من الحرام، ولهذا سمى بعض من صنف فى ~~ذلك كتابه: "المخارج الحرام والتخلص من الآثام" واعتبر هذا بحيلة العينة، ~~فإنها تخلص من الربا المحرم. # وكذلك الجمع بين الإجارة والمساقاة يخلص من بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، ~~وهو حرام. # وكذلك خلع اليمين يخلص من وقوع الطلاق الذى هو حرام أو مكروه، أو من ~~مواقعة المرأة بعد الحنث وهو حرام. # وكذلك هبة الرجل ماله قبل الحول لولده أو امرأته، يخلصه من إثم منع ~~الزكاة، كما يتخلص من إثم المنع بإخراجها، فهما طريقان للتخلص. # فالحيل تخلص من الحرج وتخلص من الإثم. والله تعالى قد نفى الحرج عنا وعن ~~ديننا، وندبنا إلى التخلص منه ومن الآثام، فمن أفضل الأشياء معرفة ما ~~يخلصنا من هذا ms334 وهذا وتعليمه، وفتح طريقه. # ألا ترى أن الرجل إذا حلف بالطلاق ليقتلن أباه، أو ليشربن الخمر، أو ~~ليزنين بامرأة ونحو ذلك. كانت الحيلة تخليصه من مفسدة فعل ذلك، ومن مفسدة ~~خراب بيته، ومفارقة أهله. فإن من لا يرى الحيلة ليس له عنده مخرج إلا بوقوع ~~الطلاق، فإذا علم أنه يقع به الطلاق فزال، فعل المحلوف عليه، فأى شئ أفضل ~~من تخليصه من هذا وهذا؟ # وكذلك من وقع عليه الطلاق الثلاث ولا صبر له عن امرأته، ويرى اتصالها ~~بغيره أشد من موته، فاحتلنا له بأن زوجناها بعبد فوطئها، ثم وهبناه منها ~~فانفسخ نكاحه، وحلت لزوجها المطلق بعد انقضاء العدة. # PageV01P379 # قالوا: وقد قال الله تعالى لنبيه أيوب عليه السلام، وقد حلف ليجلدن ~~امرأته مائة. {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} [ص: 44] . # قال سعيد عن قتادة: كانت امرأته قد عرضت له بأمر، وأرادها إبليس على شئ ~~فقال لها: لو تكلمت بكذا وكذا؟ وإنما حملها عليها الجوع. فحلف نبى الله لئن ~~شفاه الله تعالى ليجلدنها مائة جلدة، قال: فأمر بأصل فيه تسعة وتسعون ~~قضيبا، والأصل تكملة المائة، فيضربها به ضربة واحدة. فأبر الله تعالى نبيه. ~~وخفف عن أمته. وقال عبد الرحمن بن جبير: لقيها إبليس فقال لها: والله لو ~~تكلم صاحبك بكلمة واحدة لكشف عنه كل ضر، ولرجع إليه ماله وولده، فأخبرت ~~أيوب فقال: ويلك، ذاك عدو الله، إنما مثلك المرأة الزانية، إذا جاءها ~~صديقها بشئ قبلته وأدخلته. وإن لم يأتها بشئ طردته وأغلقت بابها عنه. لما ~~أعطانا الله تعالى المال والولد آمنا به، وإذا قبض الذى له منا نكفر به. إن ~~أقامنى الله تعالى من مرضى لأجلدنك مائة. فأفتاه الله بما أخبر به: أن يأخذ ~~ضغثا، وهو الحزمة من الشئ، مثل الشماريخ الرطبة والعيدان ونحوها، مما هو ~~قائم على ساق، فيضربها ضربة واحدة. # وهذا تعليم منه سبحانه لعباده التخلص من الآثام، والمخرج من الحرج بأيسر ~~شئ وهذا أصلنا فى باب الحيل، فإنا قسنا على هذا وجعلناه أصلا. # قالوا: وقد أرشد النبى صلى ms335 الله تعالى عليه وآله وسلم إلى التخلص من صريح ~~الربا بأن يبيع التمر بدراهم، ثم يشترى بتلك الدراهم تمرا. وروى أبو سعيد ~~الخدرى رضى الله تعالى عنه قال: # "جاء بلال إلى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بتمر برنى، فقال له ~~النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: من أين هذا؟ قال: كان عندنا تمر رديء ~~فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. فقال له ~~النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عند ذلك: أوه عين الربا، لا تفعل ولكن ~~إذا أردت أن تشترى فبع التمر بالدراهم، ثم اشتر به" متفق عليه. # وفى لفظ آخر: "بع الجمع بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبا". والجمع ~~والجنيب نوعان من التمر. # PageV01P380 # وفى لفظ لمسلم: "بعه بسلعة، ثم ابتع بسلعتك أى التمر شئت". # فقد أمره أن يبيع التمر بالدراهم أو السلعة، ثم يبتاع بها تمرا. وهذا ضرب ~~من الحيلة. ولم يفرق بين بيعه ممن يشترى منه التمر، أو من غيره. وقد جاء ~~قوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم} [البقرة: 282] . # وهذا إرشاد إلى حيلة العينة وما يشبهها. فإن السلعة تدور بين المتعاقدين، ~~للتخلص من الربا. # قالوا: وقد دلت السنة على أنه يجوز للإنسان أن يتخلص من القول الذى يأثم ~~به أو يخاف بالمعاريض، وهى حيلة فى الأقوال، كما أن تلك حيلة فى الأعمال. # فروى قيس بن الربيع عن سليمان التيمى عن أبى عثمان النهدى عن عمر بن ~~الخطاب رضى الله عنه قال: إن فى معاريض الكلام ما يغنى الرجل عن الكذب. # وقال الحكم عن مجاهد عن ابن عباس رضى الله عنهما: ما يسرنى بمعاريض ~~الكلام حمر النعم. # وقال الزهرى عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة ابن ~~أبى معيط، وكانت من المهاجرات الأول: "لم أسمع رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم يرخص فى شئ مما يقول الناس إنه كذب إلا فى ثلاث: الرجل يصلح ~~بين الناس، والرجل يكذب لامرأته، ms336 والكذب فى الحرب". # ومعنى الكذب فى ذلك هو المعاريض لا صريح الكذب. # وقال منصور: كان لهم كلام يدرءون به عن أنفسهم العقوبة والبلايا، وقد لقى ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم طليعة للمشركين، وهو فى نفر من ~~أصحابه فقال المشركون: "ممن أنتم؟ فقال النبى صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: نحن من ماء. فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: أحياء اليمن كثير، لعلهم ~~منهم، وانصرفوا". # وأراد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقوله "نحن من ماء" قوله تعالى: ~~{خلق من ماء دافق} [الطارق: 6] . # ولما وطئ عبد الله بن رواحة جاريته أبصرته امرأته فأخذت السكين وجاءته ~~فوجدته قد قضى حاجته. فقالت: لو رأيتك حيث كنت لوجأت بها فى عنقك. فقال ما ~~فعلت؟ فقالت: إن كنت صادقا فاقرأ القرآن. فقال: # PageV01P381 # شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا # وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمين # وتحمله ملائكة شداد ... ملائكة الإله مسومينا # فقالت: آمنت بكتاب الله وكذبت بصرى. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم فضحك حتى بدت نواجذه. # قال ابن عبد البر: ثبت ذلك عن عبد الله بن رواحة. # ويذكر عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: عجبت لمن يعرف المعاريض، ~~كيف يكذب؟. # ودعى أبو هريرة رضى الله عنه إلى طعام فقال: "إنى صائم ثم رأوه يأكل. ~~فقالوا: ألم تقل: إنى صائم. فقال: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر". # وكان محمد بن سيرين إذا اقتضاه غريم ولا شئ معه، قال: أعطيك فى أحد ~~اليومين إن شاء الله تعالى. فيظن أنه أراد يومه والذى يليه، وإنما أراد ~~يومى الدنيا والآخرة. # وذكر الأعمش عن إبراهيم أنه قال له رجل: إن فلانا أمرنى أن آتى مكان كذا ~~وكذا وأنا لا أقدر على ذلك المكان، فكيف الحيلة؟ فقال له: قل والله ما أبصر ~~إلا ما سددنى غيرى، يعنى إلا ما أبصرك ربك. # وقال حماد عن إبراهيم ms337 فى رجل أخذه رجل، فقال: إن لى معك حقا. فقال: لا. ~~فقال: احلف بالمشى إلى بيت الله، فقال احلف بالمشى إلى بيت الله واعن مسجد ~~حيك. # وذكر هشام بن حسان عن ابن سيرين أن رجلا كان يصيب بالعين، فرأى بغلة شريح ~~فأراد أن يعينها ففطن له شريح. فقال: إنها إذا ربضت لم تقم حتى تقام. فقال ~~الرجل: أف أف. وسلمت بغلته. وإنما أراد: أن الله سبحانه وتعالى هو الذى ~~يقيمها. # وقال الأعمش عن إبراهيم: إنه سئل عن الرجل يبلغه عن الرجل الشيء يقوله ~~فيه: فيسأله عنه، فقال: قل: والله إن الله ليعلم ما من ذلك من شيئ، يعنى ~~ب"ما": الذى. # PageV01P382 # وقال عقبة بن المعيرة: كنا نأتى إبراهيم وهو خائف من الحجاج فكنا إذا ~~خرجنا من عنده يقول: إن سئلتم عنى وحلفتم، فاحلفوا بالله ما تدرون أين أنا. ~~ولا لنا به علم ولا فى أى موضع هو. واعنوا أنكم لا تدرون أى موضع أنا فيه ~~قائم أو قاعد، وقد صدقتم. # وجاءه رجل فقال: إنى اعترضت على دابة فنفقت فأخذت غيرها، ويريدون أن ~~يحلفونى أنها الدابة التى اعترضت عليها؟ فقال: اركبها واعترض عليها على ~~بطنك راكنا. ثم احلف أنها الدابة التى اعترضت عليها. # وقال أبو عوانة عن أبى مسكين: كنت عند إبراهيم، وامرأته تعاتبه فى جارية ~~له، وبيده مروحة، فقال: أشهدكم أنها لها، فلما خرجنا قال: علام شهدتم؟ ~~قلنا: شهدنا أنك جعلت الجارية لها. قال: أما رأيتمونى أشير إلى المروحة؟ ~~إنما قلت لكم: اشهدوا أنها لها، وأنا أعنى المروحة. # وقال محمد بن الحسن عن عمر بن ذر عن الشعبى: من حلف على يمين لا يستثنى، ~~فالبر والإثم فيها على علمه. قلت: ما تقول فى الحيل؟ قال: لا بأس بالحيل ~~فيما يحل ويجوز، وإنما الحيل شئ يتخلص به الرجل من الحرام، ويخرج به إلى ~~الحلال. فما كان من هذا ونحوه، فلا بأس به، وإنما نكره من ذلك أن يحتال ~~الرجل فى حق لرجل حتى يبطله، أو يحتال فى باطل حتى يموهه، أو يحتال ms338 فى شئ ~~حتى يدخل فيه شبهة، وأما ما كان على السبيل الذى قلنا فلا بأس بذلك. # وكان حماد رحمه الله إذا جاءه من لا يريد الاجتماع به وضع يده على ضرسه ~~ثم قال: ضرسى، ضرسى. # ووجه الرشيد إلى شريك رجلا ليحضره، فسأله شريك أن ينصرف ويدافع بحضوره، ~~ففعل. فحبسه الرشيد، ثم أرسل إليه رسولا آخر فأحضره، وسأله عن تخلفه لما ~~جاءه رسوله. فحلف له بالأيمان المغلظة أنه ما رأى الرسول فى اليوم الذى ~~أرسله فيه، وعنى بذلك الرسول الثانى، فصدقه، وأمر بإطلاق الرجل. # وأحضر الثورى إلى مجلس المهدى فأراد أن يقوم فمنع، فحلف بالله أنه يعود، ~~فترك نعله وخرج ثم رجع فلبسها ولم يعد، فقال المهدى: ألم يحلف أنه يعود؟ ~~فقالوا: # PageV01P383 # إنه عاد فأخذ نعله. # قالوا: وليس مذهب من مذاهب الأئمة المتبوعين إلا وقد تضمن كثيرا من مسائل ~~الحيل. # فأبعد الناس عن القول بها مالك، وأحمد، وقد سئل أحمد عن المروزى وهو ~~عنده، ولم يرد أن يخرج إلى السائل، فوضع أحمد إصبعه فى كفه، وقال: ليس ~~المروزى هاهنا. وماذا يصنع المروزى هاهنا؟،. # وقد سئل أحمد عن رجل حلف بالطلاق ليطأن امرأته فى نهار رمضان، فقال يسافر ~~بها ويطؤها فى السفر. # وقال صاحب المستوعب: وجدت بخط شيخنا أبى حكيم: حكى أن رجلا سأل أحمد عن ~~رجل حلف أن لا يفطر فى رمضان؟ فقال له: اذهب إلى بشر ابن الوليد، فاسأله ثم ~~ائتنى فأخبرنى، فذهب فسأله، فقال له بشر: إذا أفطر أهلك فاقعد معهم ولا ~~تفطر، فإذا كان وقت السحر، فكل، واحتج بقول النبى صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: # "هلم إلى الغداء المبارك" فاستحسنه أحمد. # قالوا: وقد علم الله سبحانه نبيه يوسف عليه السلام الحيلة التى توصل بها ~~إلى أخذ أخيه، بإظهار أنه سارق ووضع الصواع فى رحله، ولم يكن كذلك حقيقة. ~~لكن أظهر ذلك توصلا إلى أخذ أخيه وجعله عنده. وأجزه الله سبحانه أن ذلك ~~كيد، كاده سبحانه ليوسف، ليأخذ أخاه، ثم أخبر سبحانه وتعالى أن ذلك من ~~العلم الذى ms339 رفع به درجات من يشاء، وأن الناس متفاوتون فيه. فوق كل ذى علم ~~عليم. # فصل # قال منكرو الحيل: # الحيل ثلاثة أنواع: # نوع هو قربة وطاعة، وهو من أفضل الأعمال عند الله تعالى. # ونوع هو جائز مباح، لا حرج على فاعله، ولا على تاركه تركه، وترجح فعله ~~على تركه أو عكس ذلك تابع لمصلحته. # PageV01P384 # ونوع هو محرم ومخادعة لله تعالى ورسوله، متضمن لإسقاط ما أوجبه، وإبطال ~~ما شرعه، وتحليل ما حرمه. وإنكار السلف والأئمة، وأهل الحديث إنما هو لهذا ~~النوع. # فإن الحيلة لا تذم مطلقا، ولا تحمد مطلقا، ولفظها لا يشعر بمدح ولا ذم، ~~وإن غلب فى العرف إطلاقها على ما يكون من الطرق الخفية إلى حصول الغرض، ~~بحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة. # وأخص من هذا: تخصيصها بما يذم من ذلك، وهذا هو الغالب على عرف الفقهاء ~~المنكرين للحيل، فإن أهل العرف لهم تصرف فى تخصيص الألفاظ العامة ببعض ~~موضوعاتها وتقييد مطلقها ببعض أنواعه. # فإن الحيلة فعلة، من الحول، وهو التصرف من حال إلى حال، وهى من ذوات ~~الواو، وأصلها "حولة" فسكنت الواو وانكسر ما قبلها، فقلبت ياء، كميزان، ~~وميقات، وميعاد. # قال فى المحكم: الحول، والحيل، والحول، والحولة، والحيلة، والحويل، ~~والمحالة، والمحال، والاحتيال، والتحول، والتحيل: كل ذلك: الحذق، وجودة ~~النظر، والقدرة على وجه التصرف. قال: والحول والحيل، والحيلات: جمع حيلة، ~~ورجل حول، وحولة، وحول، وحولة، وحوالى، وحولول، وحولى: شديد الاحتيال. وما ~~أحوله وأحيله، وهو أحول منك، وأحيل، انتهى. # فالحيلة: فعلة من الحول، وهو التحول من حال إلى حال، وكل من حاول أمرا ~~يريد فعله أو الخلاص منه، فما يحاوله به حيلة يتوصل بها إليه. # فالحيلة: معتبرة بالأمر المحتال بها عليه إطلاقا ومنعا ومصلحة ومفسدة ~~وطاعة ومعصية. فإن كان المقصود أمرا حسنا كانت الحيلة حسنة. وإن كان قبيحا ~~كانت الحيلة قبيحة. وإن كان طاعة وقربة كانت الحيلة عليه كذلك. وإن كانت ~~معصية وفسوقا كانت الحيلة عليه كذلك. # ولما قال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لا ترتكبوا ms340 ما ارتكبت ~~اليهود، فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل". # صارت فى عرف الفقهاء إذا أطلقت: يقصد بها الحيل التى تستحل بها المحارم ~~كحيل اليهود. وكل حيلة تتضمن إسقاط حق لله تعالى أو لآدمى، فهى مما يستحل ~~بها المحارم. # PageV01P385 # ونظير ذلك: لفظ الخداع، فإنه ينقسم إلى محمود ومذموم، فإن كان بحق فهو ~~محمود، وإن كان بباطل فهو مذموم. # ومن النوع المحمود: قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "الحرب خدعة" ~~وقوله فى الحديث الذى رواه الترمذى وغيره: # "كل الكذب يكتب على ابن آدم، إلا ثلاث خصال: رجل كذب على امرأته ليرضيها، ~~ورجل كذب بين اثنين ليصلج بينهما، ورجل كذب فى خدعة حرب. # ومن النوع المذموم قوله فى حديث عياض بن جمار، الذى رواه مسلم فى صحيحه: ~~"أهل النار خمسة، ذكر منهم رجلا لا يصبح ولا يمسى إلا وهو يخادعك عن أهلك ~~ومالك". # وقوله تعالى: {يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما ~~يشعرون} [البقرة: 9] وقوله تعالى: {وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله} ~~[الأنفال: 62] . # ومن النوع المحمود: خدع كعب بن الأشراف وأبى رافع، عدوى رسول الله # PageV01P386 # صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، حتى قتلا، وقتل خالد بن سفيان الهذلى. # ومن أحسن ذلك: خديعة معبد بن أبى معبد الخزاعى لأبى سفيان وعسكر المشركين ~~حين هموا بالرجوع ليستأصلوا المسلمين، وردهم من فورهم. # ومن ذلك: خديعة نعيم بن مسعود الأشجعى ليهود بنى قريظة، ولكفار قريش ~~والأحزاب، # PageV01P387 # حتى ألقى الخلف بينهم، وكان سبب تفرقهم ورجوعهم. ونظائر ذلك كثيرة. # وكذلك المكر، ينقسم إلى محمود ومذموم. فإن حقيقته إظهار أمر وإخفاء خلافه ~~ليتوصل به إلى مراده. # فمن المحمود: مكره تعالى بأهل المكر، مقابلة لهم بفعلهم، وجزاء لهم بجنس ~~عملهم. # قال تعالى: {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30] وقال ~~تعالى {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون} [النمل: 50] . # وكذلك الكيد ينقسم إلى نوعين. قال تعالى: {وأملى لهم إن كيدى متين} ~~[الأعراف: 183] وقال تعالى: {كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه فى دين ~~الملك إلا أن يشاء ms341 الله} [يوسف: 76] وقال تعالى {إنهم يكيدون كيدا وأكيد ~~كيدا} [الطارق: 15-16] . # فصل # إذا عرف ذلك فلا إشكال أنه يجوز للإنسان أن يظهر قولا أو فعلا مقصوده به ~~مقصود صالح وإن كان ظاهره خلاف ما قصد به إذا كانت فيه مصلحة دينية، مثل ~~دفع الظلم عن نفسه أو غيره، أو إبطال حيلة محرمة. # وإنما المحرم: أن يقصد بالعقود الشرعية غير ما شرعها الله تعالى ورسوله ~~له. فيصير مخادعا لله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، كائدا ~~لدينه، ماكرا بشرعه، فإن مقصوده حصول الشئ الذى حرمه الله تعالى ورسوله ~~بتلك الحيلة، وإسقاط الذى أوجبه بتلك الحيلة. # PageV01P388 # وهذا ضد الذى قبله. فإن ذلك مقصوده التوصل إلى إظهار دين الله تعالى. ~~ودفع معصيته، وإبطال الظلم وإزالة المنكر. فهذا لون، وذاك لون آخر. # ومثال ذلك: التأويل فى اليمين، فإنه نوعان: نوع لا ينفعه، ولا يخلصه من ~~الإثم وذلك إذا كان الحق عليه فجحده، ثم حلف على إنكاره متأولا، فإن تأويله ~~لا يسقط عنه إثم اليمين الغموس، والنية للمستحلف فى ذلك باتفاق المسلمين، ~~بل لو تأول من غير حاجة لم ينفعه ذلك عند الأكثرين. # وأما المظلوم المحتاج فإنه ينفعه تأويله، ويخلصه من الإثم، وتكون اليمين ~~على نيته. # فإذا استحلفه ظالم بأيمان البيعة، أو أيمان المسلمين فتأول الأيمان بجمع ~~يمين وهى اليد أو حلفه بأن كل امرأة له طالق فتأول أنها طالق من وثاق، أو ~~طالق عند الولادة أو طالق من غيرى ونحو ذلك. # أو استحلفه بأن كل مملوك له حر أو عتيق، فتأول أنه عتيق أو كريم، من ~~قولهم: فرس عتيق. # أو استحلفه بأن تكون امرأته عليه كظهر أمه، فتأول ظهر أمه بمركوبها، فإن ~~ضيق عليه وألزمه أن يقول: إنه مظاهر من امرأته، تأول بأنه قد ظاهر بين ~~ثوبين، أو جبتين من عند امرأته. # وإن استحلفه بالحرام، تأول أن الحرام الذى حرمه الله تعالى عليه يلزمه ~~تحريمه، فإن ضيق عليه بأن يلزمه أن يقول: الحرام يلزمنى من زوجتى، أو أن ~~تكون على حراما، قيد ms342 ذلك بنية: إذا أحرمت، أو صامت، أو قامت إلى الصلاة، ~~ونحو ذلك. # وإن استحلفه بأن كل ماله، أو كل ما يملكه صدقة، تأول بأنه صدقة من الله ~~سبحانه وتعالى عليه. # وإن قال له: قل: وإن جميع ما أملكه: من دار وعقار وضيعة وقف على ~~المساكين، تأول الفعل المضارع بما يملكه فى المستقبل، بعد كذا وكذا سنة. # فإن ضيق عليه، وقال قل: جميع ما هو جار فى ملكى الآن، نوى إضافة الملك ~~إلى # PageV01P389 # الآن، لا إلى نفسه، والآن لا يملك شيئا، فإن قال: مما هو فى ملكى فى هذا ~~الوقت يكون وقفا، أخرج معنى لفظ الوقف عن المعهود إلى معنى آخر، والعرب ~~تسمى سوار العاج وقفا. # وإن استحلفه بالمشى إلى بيت الله، نوى مسجدا من مساجد المسلمين. # فإن قال قل: على الحج إلى بيت الله، نوى بالحج القصد إلى المسجد. فإن ~~قال: إلى البيت العتيق، نوى المسجد القديم، فإن قال: البيت الحرام، نوى ~~الحرام هدمه واتخاذه دار أو حماما ونحو ذلك. # وإن استحلفه بالأمانة، نوى بها الوديعة، أو اللقطة، ونحو ذلك. # وإن استحلفه بصوم سنة، نوى بالصوم الإمساك عن كلام يمكنه الإمساك عنه سنة ~~أو دائما. # هذا كله فى المحلوف به. # وأما المحلوف عليه، فيجرى هذا المجرى. # فإذا استحلفه: ما رأيت فلانا، نوى ما ضربت رئته. أو ما كلمته، نوى ما ~~جرحته. أو ما عاشرته ولا خالطته، نوى بالمعاشرة والمخالطة معاشرة الزوجة ~~والسرية. أو ما بايعته ولا شاريته، نوى بذلك ما بايعته بيعة اليمين، ولا ~~شاريته من المشاراة، وهى اللجاج أو الغضب، تقول: شرى، على مثال علم، إذا لج ~~أو استشاط غضبا. # وإن استحلفه لص أنه لا يدل عليه، ولا يعلم به ولا يخبر به أحدا، نوى أنه ~~لا يفعل ذلك مادام معه. وإن ضيق عليه وقال: ما عاش، أو ما بقى، أو مادام فى ~~هذه البلدة، نوى قطع الظرف عما قبله، وأن لا يكون متعلقا به، أو نوى بما: ~~الذى، أى لا أدل عليك الذى عاش أو بقى بعد أخذك. ms343 # وإن استحلفه أن لا يطأ زوجته نوى وطأها برجله. # وإن استحلفه أن لا يتزوج فلانة، نوى أن لا يتزوجها نكاحا فاسدا. # وكذلك إذا استحلفه أن لا يبيع كذا، أو لا يشتريه، أو لا يؤجره، ونحو ذلك. # وكذلك إذا استحلفه أن لا يدخل هذه الدار أو البلد أو المحلة، قيد الدخول ~~بنوع معين بالنية. # PageV01P390 # وكذلك لو استحلفه: أنك لا تعلم أين فلان؟ نوى مكانه الخاص من داره، أو ~~بلده أو سوقه. # ولو استحلفه: أنه ليس عنده فى داره، نوى أنه ليس عنده إذا خرج من الدار. ~~فإن ضيق عليه، وقال: الآن، نوى أنه ليس حاضرا معه الآن، وقد بر وصدق. # وإن استحلفه ليس لى به علم، نوى أنه ليس لى علم بسره وما ينطوى عليه، وما ~~يضمره، أو ليس لى علم به على جهة التفصيل، فإن هذا لا يعلمه إلا الله ~~سبحانه وحده. # فصل # وللمظلوم المستحلف مخرجان يتخلص بهما: مخرج بالتأويل حال الحلف. فإن فاته ~~فله مخرج يتخلص به بعده إن أمكنه، كما إذا استحلفه قطاع الطريق أو اللصوص ~~أن لا يخبر بهم أحدا. فالحيلة فى ذلك أن يجمع الوالى المتهمين، ثم يسأله عن ~~واحد واحد، فيبرئ البرئ، ويسكت عن المتهم، وهذا المخرج أضيق من الأول. # فإذا استحلفه ظالم أن لا يشكو غريمه، ولا يطالبه بحقه، فحلف ولم يتأول ~~أحال عليه بذلك الحق من يطالبه به، ولم يحنث فى يمينه. # وإذا استحلفه ظالم أن يبيعه شيئا، فله أن يملكه زوجته أو ولده، فإذا باعه ~~بعد فلك كان قد بر فى يمينه، ويمنع من تسليمه من ملكه إياه. # PageV01P391 ### | المجلد الثاني ### | الثالث عشر (تابع) # ... # فصل # وللحيل التى يتخلص بها من مكر غيره والغدر به أمثلة: # المثال الأول: إن استأجر منه أرضا أو بستانا أو دارا سنين، ثم لا يأمن من ~~مكره إذا صلحت الأرض والبستان، بنوع من أنواع المكر والغدر، ولو لم يكن إلا ~~بأن يدعى أن أجرة المثل فى هذه الحال أكثر مما سمى. # فالحيلة فى أمنه من ذلك: أن يسمى لكل ms344 سنة أجرا معلوما، ويجعل أجرة السنين ~~المتأخرة معظم الأجرة، وأقلها للسنين الأول، فلا يسهل عليه المكر بعد ذلك. ~~وعكسه إذا خاف المؤجر مكر المستأجر وغدره فى المستقبل جعل معظم الأجرة فى ~~السنين الأول، وأقلها فى الأواخر. # المثال الثانى: أن يخاف المؤجر غيبة المستأجر، فلا يتمكن من مطالبة ~~امرأته بالأجرة، ولا من إخراجها. # فالحيلة فى أمنه من ذلك: أن يؤجرها رب الدار من المرأة. فإن دخل عليه ~~تعذر مطالبتها بالأجرة، ضمن الزوج الأجرة أو أخذ بها رهنا. فإن كان قد ~~أجرها من الزوج، وخاف غيبته أشهد على إقرار المرأة أن الدار له، وأنها فى ~~يدها بحكم إجارة الزوج إلى مدة كذا وكذا، وإن كفل المرأة وقت العقد أنها ~~ترد إليه الدار عند انقضاء المدة نفعه ذلك. # المثال الثالث: أن يخاف المستأجر أن يزاد عليه فى الأجرة، ويفسخ عقده، ~~إما بكون العين المؤجرة وقفا عند من يرى ذلك، أو يتحيل عليه، حتى يبطل ~~عقده. # PageV02P003 # فالحيلة فى أمنه وتخليصه: أن يسمى للأجرة أكثر مما اتفقا عليه، ثم يصارفه ~~عليه بقدر المسمى ويدفعه إليه، ويشهد عليه أنه قبض المسمى الذى وقع عليه ~~العقد. فإذا مكر به وطلب فسخ عقده طالبه بما قبضه من المسمى. هذا إذا تعذر ~~عليه رفع تلك الإجارة إلى حاكم يحكم بلزومها، وعدم فسخها للزيادة. # المثال الرابع: أن يخاف أن يؤجره مالا يملك، فيأبى المالك ويفسخ العقد، ~~ويرجع عليه بالأجرة. فالحيلة فى تخليصه: أن يضمن المؤجر درك العين ~~المستأجرة، وإن ضمن من يخاف منه الاستحقاق ومطالبته كان أقوى. # المثال الخامس: أن يخاف فلس المستأجر ولم يجد من يضمنه الأجرة. # فالحيلة فى فسخه: أن يشهد عليه فى العقد أنه متى تعذر عليه القيام بأجرة ~~شهر أو سنة فله الفسخ. ويصح هذا الشرط ولو لم يشرط ذلك. فإنه يملك الفسخ ~~عند تعذر قبض أجرة ذلك الشهر، أو السنة، ويكون حدوث الفلس عيبا فى الذمة ~~يتمكن به من الفسخ. كما يكون حدوث العيب فى العين المستأجرة مسوغا للفسخ. ~~وهذا ظاهر إذا سمى لكل شهر ms345 أو سنة قسطا معلوما. ولا يعين مقدار المدة، بل ~~يقول آجرتك كل سنة بكذا، أو كل شهر بكذا، تقوم لى بالأجرة فى أول الشهر أو ~~السنة، فإن أفلس قبل مضى شئ من المدة ملك المؤجر الفسخ. وإن أفلس بعد مضى ~~شئ منها، فهل يملك الفسخ؟ على وجهين: # أحدهما: لا يملكه. لأن مضى بعضها كتلف بعض المبيع، وهو يمنع الرجوع. # والثانى: يملكه. وهو قول القاضى. وهو الصحيح، لأن المنافع إنما تملك شيئا ~~فشيئا بخلاف الأعيان فإنها تملك فى آن واحد. فيتعذر تجدد العقد عند تجدد ~~المنافع. # المثال السادس: إذا خاف المستأجر أن تنهدم الدار فيعمرها، فلا يحتسب له ~~المؤجر بما أنفق فى ذلك. # فالحيلة فى ذلك: أن يقول وقت العقد: وأذن المؤجر للمستأجر أن يعمر ما ~~تحتاج # PageV02P004 # الدار إلى عمارته من أجرتها، ويقدر لذلك قدرا معلوما. فيقول، مثلا: بمائة ~~فما دونها، أو يقول: من عشرة إلى مائة. فإن لم يفعل ذلك واحتاجت إلى عمارة ~~لا يتم الانتفاع إلا بها، أشهد على ذلك وعلى ما أنفق عليها، وأنه غير متبرع ~~به، وحسب له من الأجرة. # وكذلك إذا استأجر منه دابة، واحتاجت إلى علف وخاف أن لا يحتسب له به ~~المؤجر فعل مثل ذلك. فإن قال: أذنت لك أن تنفق على الدار، أو الدابة ما ~~تحتاج إليه، فادعى قدرا وأنكره المؤجر. فالقول قول المؤجر. # والحيلة فى قبول المستأجر: أن يسلف رب الدار ما يعلم أنها تحتاج إليه من ~~العمارة، ويشهد عليه بقبضه من الأجرة ثم يدفعها إليه، ويوكله أن ينفق منه ~~على الدار أو الدابة ما تحتاج إليه، فالقول حينئذ قوله لأنه أمين. فإن خاف ~~المؤجر أن يستهلك المستأجر المال الذى قبضه ويقول إنه تلف، وهو أمانة، فلا ~~يلزمنى ضمانه، فالحيلة فى أمنه من ذلك: أن يقرضه إياه، ويجعله فى ذمته، ثم ~~يوكله أن ينفق على العين ما تحتاج إليه من ذلك. # المثال السابع: إذا آجره دابة، أو دارا مدة معلومة، وخاف أن يحبسها عنه ~~بعد انقضاء المدة. # فطريق التخلص من ذلك: أن ms346 يقول: فإذا انقضت المدة فأجرتها بعدها لكل يوم ~~دينار أو نحوه، فلا يسهل عليه حبسها بعد انقضاء المدة. # المثال الثامن: إذا كان له عليه دين فقال: اشتر له به كذا وكذا ففعل، لم ~~يبرأ من الدين بذلك لأنه لا يكون مبرئا لنفسه من دين الغير بفعله. # وطريق التخلص: أن يشهد على إقرار رب الدين أن من عليه الدين برئ منه بعد ~~شرائه لمستحقه كذا وكذا، والقياس أنه يبرأ بالشراء وإن لم يفعل ذلك، لأنه ~~بتوكيله له قد أقامه مقام نفسه، فكما قام مقامه فى التصرف قام مقامه فى ~~الإبراء. فهو لم يبرأ بفعل نفسه لنفسه، وإنما برئ بفعله لموكله القائم مقام ~~فعل الموكل. # المثال التاسع: إذا أراد أن يستأجر إلى مكان بأجرة معلومة. فإن لم يبلغه ~~وأقام دونه فالأجرة كذا وكذا، فقالوا: لا يصح العقد. لأنا لا نعلم على أى ~~المسافتين وقع العقد. # PageV02P005 # قالوا: والحيلة فى تصحيحه: أن يسمى للمكان الأقرب أجرة، ثم يسمى منه إلى ~~المكان الأبعد أجرة أخرى. فيقول مثلا: آجرتك إلى الرملة بمائة، ومن الرملة ~~إلى مصر بمائة. لكن لا يأمن المستأجر مطالبة المؤجر له بالأجرة إلى المكان ~~الأقصى، ويكون قد أقام فى المكان الأقرب. فالحيلة فى تخلصه: أن يشترط عليه ~~الخيار فى العقد الثانى. إن شاء أمضاه، وإن شاء فسخه. ويصح اشتراط الخيار ~~فى عقد الإجارة، إذا كانت على مدة لا تلى العقد. والقياس يقتضى صحة الإجارة ~~على أنه إن وصل إلى مكان كذا وكذا فالأجرة مائة. وإن وصل إلى مكان كذا وكذا ~~فالأجرة مائتان. ولا غرر فى ذلك، ولا جهالة. وكذا إذا قال: إن خطت هذا ~~الثوب روميا. فلك درهم، وإن خطته فارسيا، فلك نصف درهم، إنما يقع على وجه ~~واحد. وكذلك قطع المسافة، فإنه إما أن يقطع القريبة أو البعيدة، فلا يشبه ~~هذا قوله: بعتكه بعشرة نقدا، أو بعشرين نسيئة. فإنه إذا أخذه لا يدرى بأى ~~الثمنين أخذ. فيقع التنازع، ولا سبيل لنا إلى العلم بالمعين منهما. بخلاف ~~عقد الإجارة، فإن استيفاء المعقود عليه ms347 لا يقع إلا معينا، فيجب أجرة عمله. # المثال العاشر: إذا زرع أرضه. ثم أراد أن يؤجرها، والزرع قائم لم يجز، ~~لتعذر انتفاع المستأجر بالأرض. # طريق تصحيحها: أن يبيعه الزرع، ثم يؤجره الأرض، فإن أحب بقاء الزرع على ~~ملكه قدر لكماله مدة معينة. ثم أجره الأرض بعد تلك المدة إجارة مضافة. فإن ~~خاف أن يفسخ عليه العقد حاكم يرى بطلان هذه الإجارة، فالحيلة: أن يبيعه ~~الزرع، ثم يؤجره الأرض، فإذا تم العقد اشترى منه الزرع، فعاد الزرع إلى ~~ملكه، وصحت الإجارة. # المثال الحادى عشر: إذا أراد أن يؤجر الأرض على أن خراجها على المستأجر. ~~لم يصح، # PageV02P006 # لأن الخراج تابع لرقبة الأرض، فهو على مالكها، لا على المنتفع بها: من ~~مستأجر، أو مستعير. # وطريق الجواز: أن يؤجره إياها بأجرة زائدة على أجر مثلها بقدر خراجها، ثم ~~يشهد عليه أنه قد أذن للمستأجر أن يدفع من أجرة الأرض فى الخراج كل سنة كذا ~~وكذا. وكذلك لو استأجر دابة على أن يكون علفها على المستأجر لم يصح. وطريق ~~الحيلة: أن يستأجرها بشيء مسمى، ثم يقدر له ما تحتاج إليه الدابة، ويوكله ~~فى إنفاقه عليها. والقياس يقتضى صحة العقد بدون ذلك، فإنا نصحح استئجار ~~الأجير بطعامه وكسوته، كما أجر موسى عليه السلام نفسه بعفة فرجه وشبع بطنه. ~~فكذلك يجوز إجارة الدابة بعلفها، وكما يجوز أن يكون علفها جميع الأجرة، ~~يجوز أن يكون بعض الأجرة، والبعض الآخر شيئا مسمى. # المثال الثانى عشر: لا تجوز إجارة الأشجار، لأن المقصود منها الفواكه. ~~وذلك بمنزلة بيعها قبل بدوها. # قالوا: والحيلة فى جوازه: أن يؤجره الأرض، ويساقيه على الشجر بجزء معلوم. # قال شيخ الإسلام: وهذا لا يحتاج إليه، بل الصواب جواز إجارة الشجر. كما ~~فعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه بحديقة أسيد بن حضير. فإنه أجرها سنين، ~~وقضى بها دينه. قال: وإجارة الأرض لأجل ثمنها بمنزلة إجارة الأرض لمغلها. ~~فإن المستأجر يقوم على الشجر بالسقى والإصلاح، والذيار فى الكرم، حتى تحصل ~~الثمرة. كما يقوم على الأرض بالحرث والسقى والبذر، ms348 حتى يحصل المغل. فثمرة ~~الشجر تجرى مجرى مغل الأرض. # PageV02P007 # فإن قيل: الفرق بين المسألتين: أن المغل من البذر. وهو ملك المستأجر، ~~والمعقود عليه الانتفاع بإيداعه فى الأرض. وسقيه، والقيام عليه. بخلاف ~~استئجار الشجر، فإن الثمرة من الشجرة، وهى ملك المؤجر. # والجواب من وجوه: # أحدها: أن هذا لا تأثير له فى صحة العقد وبطلانه. وإنما هو فرق عديم ~~التأثير. # الثانى: أن هذا يبطل باستئجار الأرض لكلئها وعشبها الذى ينبته الله ~~سبحانه وتعالى، بدون بذر من المستأجر، فهو نظير ثمرة الشجر. # الثالث: أن الثمرة إنما حصلت بالسقى والخدمة، والقيام على الشجرة، فهى ~~متولدة من عمل المستأجر، ومن الشجرة. فللمستأجر سعى وعمل فى حصولها. # الرابع: أن تولد الزرع ليس من البذر وحده. بل من البذر: والتراب، والماء، ~~والهواء. فحصول الزرع من التراب الذى هو ملك المؤجر كحصول الثمرة من ~~الشجرة. والبذر فى الأرض قائم مقام السقى للشجرة. فهذا أودع فى أرض المؤجر ~~عينا جامدة. وهذا أودع فى شجرة عينا مائعة، ثم حصلت الثمرة من أصل هذا وماء ~~المستأجر وعمله، كما حصل العمل من أرض هذا وبذر المستأجر وعمله. وهذا من ~~أصح قياس على وجه الأرض. # وبه يتبين أن الصحابة أفقه الأمة وأعلمهم بالمعانى المؤثرة فى الأحكام، ~~ولم ينكر أحد من الصحابة على عمر رضى الله عنه، فهو إجماع منهم. ثم إن هذه ~~الحيلة التى ذكرها هؤلاء تتعذر غالبا إذا كان البستان ليتيم، أو وقفا، فإن ~~المؤجر ليس له أن يحابى فى المساقاة حينئذ، ولا يخلص من ذلك محاباة المستحق ~~فى إجارة الأرض، فإنه إذا أربحه فى عقد لم يجز له أن يخسره فى عقد آخر، ولا ~~يخلص من ذلك اشتراط عقد فى عقد، بأن يقول: إنما أساقيك على جزء من ألف جزء، ~~بشرط أن أؤجرك الأرض بكذا وكذا، فإن هذا لا يصح. فعلى ما فعله الصحابة - ~~وهو مقتضى القياس الصحيح - لا يحتاج إلى هذه الحيلة، وبالله التوفيق. # المثال الثالث عشر: إذا اشترى دارا أو أرضا، وخاف أن تخرج وقفا أو مستحقة ~~فتؤخذ منه ms349 هى وأجرتها، # فالحيلة: أن يضمن البائع أو غيره درك المبيع، وأنه ضامن لما # PageV02P008 # غرمه المشترى من ذلك، ويصح ضمان الدرك، حتى عند من يبطل ضمان المجهول، ~~وضمان ما لم يجب، للحاجة إلى ذلك، فإن ضمن من يخاف استحقاقه: كان أقوى، فإن ~~خاف أن يظهر الاستحقاق على وارثه بعد موته، ضمن الدرك ورثة البائع، أو ورثة ~~من يخاف استحقاقه إن أمكنه. فإن كان على ثقة أنه متى استحق عليه المبيع رجع ~~بثمنه ولكن يغرم قيمة المنفعة، وهى أجرة المثل لمدة استيلائه على العين، ~~وهذا قول ضعيف جدا. فإن المشترى إنما دخل على أن يستوفى المنفعة بلا عوض، ~~والعوض الذى بذله فى مقابلة العين لا للانتفاع، فإلزامه بالأجرة إلزام ما ~~لم يلتزمه، وكذلك نقول فى المستعير إذا استحقت العين، لم يلزمه عوض ~~المنفعة، لأنه إنما دخل على أن ينتفع مجانا بلا عوض، بخلاف المستأجر، فإنه ~~التزم الانتفاع بالعوض، ولكن لا يلزمه إلا المسمى الذى دخل عليه. # وكذلك الأمة المشتراة إذا وطئها، ثم استحقت، لم يلزمه المهر، لأنه دخل ~~على أن يطأها مجانا، بخلاف الزوج، فإنه دخل على أن الوطء فى مقابلة المهر، ~~ولكن لا يلزمه إذا استحقت إلا المسمى، وعلى هذا فليس للمستحق أن يطالب ~~المغرور، لأنه معذور، غير ملتزم للضمان، وهو محسن غير ظالم، فما عليه من ~~سبيل، وهذا هو الصواب. فإن طالبه على القول الآخر رجع على من غره بما لم ~~يلتزم ضمانه خاصة، ولا يرجع عليه بما التزم غرامته. فإذا غرم المودع أو ~~المتهب قيمة العين والمنفعة، رجع على الغار بهما، وإذا غرم المستأجر ذلك ~~رجع بقيمة العين، دون قيمة المنفعة، إلا أنه يرجع بالزائد على المسمى، حيث ~~لم يلتزم ضمانه، وإذا ضمن وهو مشتر، أو مستعير قيمة العين والمنفعة، رجع ~~بقيمة المنفعة دون قيمة العين، لكنه يرجع بما زاد على الثمن المسمى. # والمقصود: أن هذا المشترى متى خاف أن يطالب بقيمة المنفعة إذا استحق عليه ~~المبيع. فالحيلة فى تخلصه من ذلك: أن يستأجر منه الدار، أو الأرض سنين ms350 ~~معلومة بأجرة مسماة، ثم يشتريها منه بعد ذلك ويشهد عليه أنه أقبضه الأجرة، ~~فمتى استحقت العين وطولب بعوض المنفعة، طالب هو المؤجر بما قبضه من الأجرة ~~لما ظهرت الإجارة باطلة. # المثال الرابع عشر: إذا وكله أن يزوجه امرأة معينة أو يشترى له جارية ~~معينة، ثم خاف الموكل أن تعجب وكيله فيتزوجها، أو يشتريها لنفسه. فطريق ~~التخلص من ذلك فى # PageV02P009 # الجارية: أن يقول له: ومتى اشتريتها لنفسك فهى حرة. ويصح هذا التعليق ~~والعتق، وأما الزوجة: فمن صحيح هذا التعليق فيها، كمالك، وأبى حنيفة، نفعه. ~~وأما على قول الشافعى وأحمد، فإنه لا ينفعه. # فطريق التخلص: أن يشهد عليه أنها لا تحل له، وأن بينهما سببا يقتضى ~~تحريمها عليه، وأنه متى نكحها كان نكاحه باطلا. فإن أراد الوكيل أن يتزوجها ~~أو يشتريها لنفسه ولا يأثم فيما بينه وبين الله تعالى، # فالحيلة: أن يعزل نفسه عن الوكالة، ثم يعقد عليها لنفسه، ولو عقد عليها ~~لنفسه كان ذلك عزلا لنفسه عن الوكالة. فإن خاف أن لا يتم له ذلك بأن يرفعه ~~إلى حاكم حنفى يرى أنه لا يملك الوكيل عزل نفسه فى غيبة الموكل، فأراد ~~التخلص من ذلك. فالطريق فى ذلك: أن يشتريها لنفسه بغير جنس ما أذن له فيه، ~~فإنه إذا اشترها لنفسه بجنس ما أذن له فيه تضمن ذلك عزل نفسه فى غيبة ~~موكله، وهو ممتنع. فإذا اشتراها بغير الجنس حصل الشراء له ولم يكن ذلك ~~عزلا. # المثال الخامس عشر: إذا وكله فى بيع جارية، ووكله آخر فى شرائها. فإن ~~قلنا: الوكيل يتولى طرفى العقد. جاز أن يكون بائعا مشتريا لهما. وإن منعنا ~~ذلك، فالطريق: أن يبيعها لمن يستوثق منه أن يشتريها منه، ثم يشتريها ~~لموكله. فإن خاف أن لا يفى له المشترى الذى توثق منه، فالحيلة أن يبيعه ~~إياها بشرط الخيار. فإن وفى له بالبيع، وإلا كان متمكنا من الفسخ. # المثال السادس عشر: لا يملك خلع ابنته بصداقها. فإن ظهرت المصلحة فى ذلك ~~لها. # فالطريق: أن يتملكه عليها، ثم يخلعها من زوجها ms351 به، فيكون قد اختلعها ~~بماله. والصحيح: أنه لا يحتاج إلى ذلك، بل إذا ظهرت المصلحة فى افتدائها من ~~الزوج بصداقها جاز بذلك. وكان بمنزلة افتدائها من الأسر بمالها، وربما كان ~~هذا خيرا لها. # المثال السابع عشر: إذا وكله أن يشترى له متاعا فاشتراه، ثم أراد أن يبعث ~~به إليه. فخاف أن يهلك، فيضمنه الوكيل. # فطريق التخلص من ذلك: أن يستأذن الوكيل أن يعمل فى ذلك برأيه، ويفوض إليه ~~ذلك. فإذا أذن له فبعث به فتلف لم يضمنه. # PageV02P010 # المثال الثامن عشر: إذا أراد أن يسلم وعنده خمر، أو خنازير، وأراد أن لا ~~يتلف عليه، # فالحيلة: أن يبيعها لكافر قبل الإسلام. ثم يسلم، ويكون له المطالبة ~~بالثمن، سواء أسلم المشترى أو بقى على كفره. نص على هذا أحمد فى مجوسى باع ~~مجوسيا خمرا، ثم أسلما، يأخذ الثمن الذى قد وجب له يوم باعه. # المثال التاسع عشر: إذا كان له عصير فخاف أن يتخمر، فلا يجوز له بعد ذلك ~~أن يتخذه خلا. # فالحيلة: أن يلقى فيه أولا ما يمنع تخمره، فإن لم يفعل حتى تخمر وجب عليه ~~إراقته. ولم يجز له حبسه حتى يتخلل، فإن فعل لم يطهر، لأن حبسه معصية، ~~وعوده خلا نعمة، فلا تستباح بالمعصية. # المثال العشرون: إذا كان له على رجل دين مؤجل، وأراد رب الدين السفر وخاف ~~أن يتوى ماله، أو احتاج إليه، ولا يمكنه المطالبة قبل الحلول. فأراد أن يضع ~~عن الغريم البعض ويعجل له باقيه. فقد اختلف السلف والخلف فى هذه المسألة. ~~فأجازها ابن عباس، وحرمها ابن عمر. وعن أحمد فيها روايتان. أشهرهما عنه: ~~المنع، وهى اختيار جمهور أصحابه، والثانية: الجواز، حكاها ابن موسى. وهى ~~اختيار شيخنا. # وحكى ابن عبد البر فى الاستذكار ذلك عن الشافعى قولا. وأصحابه لا يكادون ~~يعرفون هذا القول، ولا يحكونه، وأظن أن هذا - إن صح عن الشافعى- فإنما هو ~~فيما إذا جرى ذلك بغير شرط، بل لو عجل له بعض دينه، وذلك جائز، فأبرأه من ~~الباقى، حتى لو كان قد شرط ذلك قبل ms352 الوضع والتعجيل، ثم فعلاه بناء على ~~الشرط المتقدم، صح عنده. لأن الشرط المؤثر فى مذهبه: هو الشرط المقارن، لا ~~السابق، وقد صرح بذلك بعض أصحابه. والباقون قالوا: لو فعل ذلك من غير شرط ~~جاز، ومرادهم الشرط المقارن. وأما مالك فإنه لا يجوزه مع الشرط، ولا بدونه، ~~سدا للذريعة. # وأما أحمد فيجوزه فى دين الكتابة، وفى غيره عنه روايتان. # واحتج المانعون بالآثار والمعنى. # PageV02P011 # أما الآثار: ففى سنن البيهقى عن المقداد بن الأسود قال: "أسلفت رجلا مائة ~~دينار، ثم خرج سهمى فى بعث بعثه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. ~~فقلت له: عجل تسعين دينارا، وأحط عشرة دنانير. فقال: نعم. فذكرت ذلك لرسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: فقال: أكلت ربا، مقداد، وأطعمته" وفى ~~سنده ضعف. # وصح عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه: "قد سئل عن الرجل يكون له الدين على ~~رجل إلى أجل، فيضع عنه صاحبه، ويعجل له الآخر. فكره ذلك ابن عمر، ونهى ~~عنه". # وصح عن أبى المنهال أنه سأل ابن عمر رضى الله عنهما رضى الله عنهما. ~~فقال: لرجل على دين، فقال لى: عجل لى لأضع عنك، قال: فنهانى عنه، وقال: نهى ~~أمير المؤمنين - يعنى عمر- أن يبيع العين بالدين. # وقال أبو صالح مولى السفاح، واسمه عبيد: بعت برا من أهل السوق إلى أجل، ~~ثم أردت الخروج إلى الكوفة، فعرضوا، على أن أضع عنهم، وينقدونى، فسألت عن ~~ذلك زيد بن ثابت. فقال: لا آمرك أن تأكل هذا، ولا تؤكله. رواه مالك فى ~~الموطأ. # وأما المعنى: فإنه إذا تعجل البعض وأسقط الباقى، فقد باع الأجل بالقدر ~~الذى أسقطه وذلك عين الربا، كما لو باع الأجل بالقدر الذى يزيده، إذا حل ~~عليه الدين، فقال: زدنى فى الدين وأزيدك فى المدة، فأى فرق بين أن تقول: حط ~~من الأجل، وأحط من الدين، أو تقول: زد فى الأجل، وأزيد فى الدين؟ # قال زيد بن أسلم: كان ربا الجاهلية: أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى ~~أجل، فإذا حل الحق ms353 قال له غريمه: أتقضى أم تربى؟ فإن قضاه أخذه، وإلا زاده ~~فى حقه وأخر عنه فى الأجل. رواه مالك. # وهذا الربا مجمع على تحريمه، وبطلانه، وتحريمه معلوم من دين الإسلام، كما ~~يعلم تحريم الزنى، واللواطة، والسرقة. # قالوا: فنقص الأجل فى مقابلة نقص العوض، كزيادته فى مقابلة زيادته، فكما ~~أن هذا ربا، فكذلك الآخر. # PageV02P012 # قال المبيحون: صح عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه كان لا يرى بأسا أن ~~يقول: "أعجل لك وتضع عنى" وهو الذى روى: # "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: لما أمر بإخراج بنى النضير ~~من المدينة جاءه ناس منهم، فقالوا: يا رسول الله، إنك أمرت بإخراجهم، ولهم ~~على الناس ديون لم تحل، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ضعوا ~~وتعجلوا". # قال أبو عبد الله الحاكم: هو صحيح الإسناد. # قلت: هو على شرط السنن، وقد ضعفه البيهقى، وإسناده ثقات: وإنما ضعف بمسلم ~~بن خالد الزنجى، وهو ثقة فقيه، روى عنه الشافعى واحتج به. # وقال البيهقى: باب من عجل له أدنى من حقه قبل محله، فوضع عنه، طيبة به ~~أنفسهما. وكأن مراده أن هذا وقع بغير شرط، بل هذا عجل، وهذا وضع، ولا محذور ~~فى ذلك. # قالوا: وهذا ضد الربا، فإن ذلك يتضمن الزيادة فى الأجل والدين، وذلك ~~إضرار محض بالغريم، ومسألتنا تتضمن براءة ذمة الغريم من الدين، وانتفاع ~~صاحبه بما يتعجله فكلاهما حصل له الانتفاع من غير ضرر، بخلاف الربا المجمع ~~عليه، فإن ضرره لا حق بالمدين، ونفعه مختص برب الدين، فهذا ضد الربا صورة ~~ومعنى. # قالوا: ولأن مقابلة الأجل بالزيادة فى الربا ذريعة إلى أعظم الضرر، وهو ~~أن يصير الدرهم الواحد ألوفا مؤلفة، فتشتغل الذمة بغير فائدة، وفى الوضع ~~والتعجيل تتخلص ذمة هذا من الدين، وينتفع ذاك بالتعجيل له. # قالوا: والشارع له تطلع إلى براءة الذمم من الديون، وسمى الغريم المدين: ~~أسيرا ففى براءة ذمته تخليص له من الأسر، وهذا ضد شغلها بالزيادة مع الصبر، ~~وهذا لازم لمن قال: يجوز ذلك فى ms354 دين الكتابة. وهو قول أحمد، وأبى حنيفة، ~~فإن المكاتب مع سيده كالأجنبى فى باب المعاملات، ولهذا لا يجوز أن يبيعه ~~درهما بدرهمين، ولا يبايعه بالربا، فإذا جاز له أن يتعجل بعض كتابته، ويضع ~~عنه باقيها، لما له فى ذلك من مصلحة تعجيل العتق، وبراءة ذمته من الدين، لم ~~يمنع ذلك فى غيره من الديون. ولو ذهب ذاهب إلى التفصيل فى المسألة وقال: لا ~~يجوز فى دين القرض إذا قلنا بلزوم تأجيله ويجوز فى ثمن المبيع والأجرة، ~~وعوض الخلع، والصداق، لكان له وجه، فإنه فى القرض يجب رد المثل، فإذا عجل ~~له وأسقط # PageV02P013 # باقيه، خرج عن موجب العقد، وكان قد أقرضه مائة، فوفاه تسعين، بلا منفعة ~~حصلت للمقرض، بل اختص المقترض بالمنفعة، فهو كالمربى سواء فى اختصاصه ~~بالمنفعة، دون الآخر، وأما فى البيع والإجارة فإنهما يملكان فسخ العقد، ~~وجعل العوض حالا أنقص مما كان، وهذا هو حقيقة الوضع والتعجيل، لكن تحيلا ~~عليه، والعبرة فى العقود بمقاصدها لا بصورها. فإن كان الوضع والتعجيل مفسدة ~~فالاحتيال عليه لا يزيل مفسدته، وإن لم يكن مفسدة لم يحتج إلى الاحتيال ~~عليه. # فتلخص فى المسألة أربعة مذاهب: # المنع مطلقا، بشرط، وبدونه، فى دين الكتابة وغيره، كقول مالك. # وجوازه فى دين الكتابة، دون غيره، كالمشهور من مذهب أحمد وأبى حنيفة. # وجوازه فى الموضعين. كقول ابن عباس، وأحمد فى الرواية الأخرى. # وجوازه بلا شرط، وامتناعه مع الشرط المقارن، كقول أصحاب الشافعى، والله ~~أعلم. # المثال الحادى والعشرون: إذا كان له عليه ألف درهم، فصالحه منها على مائة ~~درهم يؤديها إليه فى شهر كذا من سنة كذا، فإن لم يفعل فعليه مائتان، فقال ~~القاضى أبو يعلى: هو جائز، وقد أبطله قوم آخرون. # والحيلة فى جوازه على مذهب الجميع: أن يعجل رب المال حط ثمانمائة بتا، ثم ~~يصالح عن المطلوب من المائتين الباقيتين على مائة، يؤديها إليه فى شهر كذا، ~~على أنه إن أخرها عن هذا الوقت فلا صلح بينهما. # المثال الثانى والعشرون: إذا كاتب عبده على ألف يؤديها إليه فى ms355 سنتين، ~~فإن لم يفعل فعليه ألف أخرى، فهى كتابة فاسدة، ذكره القاضى، لأنه علق إيجاب ~~المال بخطر ولا يجوز ذلك. # والحيلة فى جوازه: أن يكاتبه على ألفى درهم، ثم يصالحه منها على ألف درهم ~~يؤديها إليه فى سنتين. فإن لم يفعل فلا صلح بينهما، فيكون قد علق الفسخ ~~بخطر، فيجوز. وتكون كالمسألة التى قبلها. # المثال الثالث والعشرون: إذا كان له عليه دين حال فصالحه على تأجيله، أو ~~تأجيل بعضه، # PageV02P014 # لم يلزمه التأجيل. فإن الحال لا يتأجل. والصحيح: أنه يتأجل، كما يتأجل ~~بدل القرض. وإن كان النزاع فى الصورتين. فمذهب أهل المدينة فى ذلك هو ~~الراجح. # وطريق الحيلة فى صحة التأجيل ولزومه: أن يشهد على إقرار صاحب الدين أنه ~~لا يستحق المطالبة به قبل الأجل الذى اتفقا عليه، وأنه متى طالب به قبله ~~فقد طالب بما لا يستحق. فإذا فعل هذا من رجوعه فى التأجيل. # المثال الرابع والعشرون: إذا اشترى من رجل دارا بألف، فجاء الشفيع يطلب ~~الشفعة، فصالحه المشترى على نصف الدار بنصف الثمن جاز ذلك، لأن الشفيع صالح ~~على بعض حقه، كما أنه صالح من ألف على خمسمائة. فإن صالحه على بيت من الدار ~~بعينه بحصته من الثمن يقوم البيت ثم تخرج حصته من الثمن، جاز أيضا، لأن ~~حصته معلومة فى أثناء الحال. فلا يضر كونها مجهولة حالة الصلح. كما إذا ~~اشترى شقصا وسيفا: فللشفيع أن يأخذ الشقص بحصته من الثمن، وإن كانت مجهولة ~~حال العقد، لأن مآلها إلى العلم. وقال القاضى وغيره من أصحابنا: لا يجوز، ~~لأنه صالحه على شئ مجهول. # ثم قال: والحيلة فى تصحيح ذلك: أن يشترى الشفيع هذا البيت من المشترى ~~بثمن مسمى، ثم يسلم الشفيع للمشترى ما بقى من الدار، وشراء الشفيع لهذا ~~البيت تسليم للشفعة، ومساومته بالبيت تسليم للشفعة. # فإن أراد الشفيع شراء البيت المعين وبقاءه على شفعته فى الباقى. # فالحيلة أن لا يبدأ بالمساومة، بل يصبر حتى يبتدئ المشترى، فيقول: هذا ~~البيت أخذته بكذا وكذا، فيقول الشفيع: قد استوجبته بما أخذته به، ms356 ولا يكون ~~مسلما للشفعة فى باقى الدار وليس فى هذه الحيلة إبطال حق غيره، وإنما فيها ~~التوصل إلى حقه. # المثال الخامس والعشرون: يجوز تعليق الوكالة على الشرط. كما يجوز تعليق ~~الولاية والإمارة على الشرط. وقد صح عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم تعليق الإمارة # PageV02P015 # بالشرط وهى وكالة وتفويض، وتولية، ولا محذور فى تعليق الوكالة بالشرط ~~البتة. # والحيلة فى تصحيحها: أن ينجز الوكالة ويعلق الإذن فى التصرف بالشرط وهذا ~~فى الحقيقة تعليق لها نفسها بالشرط، فإن مقصود الوكالة صحة التصرف ونفوذه، ~~والتوكل وسيلة وطريق إلى ذلك، فإذا لم يمتنع تعليق المقصود بالشرط، ~~فالوسيلة أولى بالجواز. # المثال السادس والعشرون: يجوز تعليق الإبراء بالشرط. ويصح، وفعله الإمام ~~أحمد وقال أصحابنا: لا يصح. قالوا: فإذا قال: إن مت فأنت فى حل مما لى ~~عليك. فإن علق ذلك بموت نفسه صح، لأنه وصية. وإن علقه بموت من عليه الدين ~~لم يصح. لأنه تعليق البراءة بالشرط ولا يصح كما لا يصح تعليق الهبة. فيقال: ~~أولا، الحكم فى الأصل غير ثابت بالنص، ولا بالإجماع، فما الدليل على بطلان ~~تعليق الهبة بالشرط؟ وقد صح عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه ~~علق الهبة بالشرط فى حديث جابر لما قال: # "لو قد جاء مال البحرين لأعطيتك هكذا، وهكذا، ثم هكذا" - ثلاث حثيات. ~~وأنجز ذلك له الصديق رضى الله عنه لما جاء مال البحرين بعد وفاة رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. # فإن قيل: كان ذلك وعدا؟. # قلنا: نعم، والهبة المعلقة بالشرط وعد. وكذلك فعل النبى صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم لما بعث إلى النجاشى بهدية من مسك، وقال لأم سلمة: "إنى قد ~~أهديت إلى النجاشى حلة # PageV02P016 # وأواقى من مسك، ولا أرى النجاشى لا قد مات، ولا أرى هديتى إلا مردودة فإن ~~ردت على فهى لك" وذكر الحديث، رواه أحمد. فالصحيح: صحة تعليق الهبة بالشرط، ~~عملا بهذين الحديثين. # وأيضا. فالوصية تمليك، وهى فى الحقيقة تعليق للتمليك بالموت، فإنه إذا ~~قال: إن مت من ms357 مرضى هذا فقد أوصيت لفلان بكذا، فهذا تمليك معلق بالموت. ~~وكذلك الصحيح: صحة تعليق الوقف بالشرط. نص عليه فى رواية الميمونى فى ~~تعليقه بالموت. وسائر التعليق فى معناه، ولا فرق البتة. ولهذا طرده أبو ~~الخطاب. وقال: لا يصح تعليقه بالموت. والصواب طرد النص، وأنه يصح تعليقه ~~بالموت وغيره. وهو أحد الوجهين فى مذهب أحمد. وهو مذهب مالك. ولا يعرف عن ~~أحمد نص على عدم صحته. وإنما عدم الصحة قول القاضى وأصحابه. # وفى المسألة وجه ثالث: أنه يصح تعليقه بشرط الموت دون غيره من الشروط، ~~وهذا اختيار الشيخ موفق الدين. وفرق بأن تعليقه بالموت وصية، والوصية أوسع ~~من التصرف فى الحياة، بدليل الوصية بالمجهول والمعدوم، والحمل والصحيح: ~~الصحة مطلقا. ولو كان تعليقه بالموت وصية لامتنع على الوارث، ولا خلاف أنه ~~يصح تعليقه بالشرط بالنسبة إلى البطون، بطنا بعد بطن، وأن كونه وقفا على ~~البطن الثانى مشروط بانقضاء البطن الأول. وقد قال تعالى: {يأيها الذين ~~آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] . # وقال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "المسلمون عند شروطهم". # والقياس الصحيح: يقتضى صحة تعليقه، فإنه أشبه بالعتق منه بالتمليك، ولهذا ~~لا يشترط فيه القبول إذا كان على جهة، اتفاقا، وكذلك إذا كان على آدمى ~~معين، فى أقوى الوجهين، # PageV02P017 # وما ذاك إلا لشبهه بالعتق. # والمقصود: أن تعليق الإبراء بالشرط أولى من ذلك كله، فمنعه مخالف لموجب ~~الدليل والمذهب. # ويقال ثانيا: لا يلزم من بطلان تعليق الهبة بطلان تعليق الإبراء، بل ~~القياس الصحيح يقتضى صحة تعليقه، لأنه إسقاط محض، ولهذا لا يفتقر إلى قبول ~~المبرئ، ولا رضاه، فهو بالعتق والطلاق أشبه منه بالتمليك. # وعلى هذا، فيستغنى بالصحة فى ذلك كله عن الحيلة. فإن احتاج إلى التعليق، ~~وخاف أن ينقض عليه، # فالحيلة: أن يقول: لا شئ لى عليه بعد هذا الشهر أو العام، أو لا شئ لى ~~عليه عند قدوم زيد، أو كل دعوى أدعيها عليه بعد شهر كذا، أو عام كذا، أو ~~عند قدوم زيد بسبب كذا، أو من دين كذا، فهى دعوى ms358 باطلة، أو يقول: كل دعوى ~~أدعيها فى تركته بعد موته: من دين كذا أو ثمن كذا، فهى دعوى باطلة. وعلى ما ~~قررناه لا يحتاج إلى شئ من ذلك. # المثال السابع والعشرون: إذا أعسر الزوج بنفقة المرأة، ملكت الفسخ، فإن ~~تحملها عنه غيره لم يسقط ملكها للفسخ، لأن عليها فى ذلك منة، كما أراد قضاء ~~دين عن الغير، فامتنع ربه من قبوله، لم يجبر على ذلك. # وطريق الحيلة فى إبطال حقها من الفسخ: أن يحيلها بما وجب لها عليه من ~~النفقة على ذلك الغير، فتصح الحوالة، وتلزم على أصلنا، إذا كان المحال عليه ~~غنيا. وطريق صحة الحوالة: أن يقر ذلك الغير للزوج بقدر معين لنفقتها سنة أو ~~شهرا، أو نحو ذلك، ثم يحيلها الزوج عليه، فإن لم يمكنه الإجبار على القبول، ~~لعدم من يرى ذلك، وكل الزوج الملتزم لنفقتها فى الإنفاق عليها، والزوج مخير ~~بين أن ينفق عليها بنفسه، أو بوكيله. وهكذا العمل فى مسألة أداء الدين عن ~~الغريم سواء. # PageV02P018 # المثال الثامن والعشرون: إذا خاف المضارب أن يضمنه المالك بسبب من ~~الأسباب التى لا يملكها بعقد المضاربة، فخلط المال بغيره، أو استبراء به ~~بأكثر من رأس المال، والاستدانة على مال المضاربة، أو دفعه إلى غيره مضاربة ~~أو إبضاعا، أو إيداعا، أو السفر به. فطريق التخلص من ضمانه فى هذا كله: أن ~~يشهد على رب المال أنه قال له: اعمل برأيك، أو ما تراه مصلحة. # المثال التاسع والعشرون: إذا كان لكل من الرجلين عروض، وأرادا أن يشتركا ~~فيها شركة عنان، ففى ذلك روايتان: # إحداهما: تصح الشركة. وتقوم العروض عند العقد، ويكون قيمتها هو رأس ~~المال. فيقسم الربح على حسبه، أو على ما شرطاه. وإذا أرادا الفسخ رجع كل ~~منهما إلى قيمة عروضه، واقتسما الربح على ما شرطاه، وهذا القول هو الصحيح. # والرواية الثانية: لا تصح إلا على النقدين، لأنهما إذا تفاسخا الشركة، ~~وأراد كل منهما الرجوع إلى رأس ماله، ويقتسما الربح، لم يعلم ما مقدار رأس ~~مال كل منهما إلا بالتقويم، وقد ms359 تزيد قيمة العروض وتنقص قبل العمل، فلا ~~يستقر رأس المال. # وأيضا فمقتضى عقد الشركة: أن لا ينفرد أحد الشريكين بربح مال الآخر، وهذه ~~الشركة تفضى إلى ذلك، لأنه قد تزيد قيمة عرض أحدهما، ولا تزيد قيمة عرض ~~الآخر، فيشاركه من لم تزد قيمة عروضه. وهذا إنما يصح فى المقومات كالرقيق، ~~والحيوان، ونحوهما. فأما المثليات، فإن ذلك منتف فيها، ولهذا كان الصحيح ~~عند من منع الشركة بالعروض: جوازها بالمثليات. فالصحيح: الجواز فى ~~الموضعين. لأن مبنى عقد الشركة على العدل من الجانبين، وكل من الشريكين ~~متردد بين الربح والخسران، فهما فى هذا الجواز مستويان. فتجويز ربح أحدهما ~~دون الآخر فى مقابلة عكسه، فقد استويا فى رجاء الغنم وخوف الغرم، وهذا هو ~~العدل، كالمضاربة، فإنه يجوز أن يربحا، وأن يخسرا، وكذلك المساقاة ~~والمزارعة. # وطريق الحيلة فى تصحيح هذه المشاركة، عند من لا يجوزها بالعروض: أن يبيع ~~كل منهما بعض عروضه ببعض عروض صاحبه، فإذا كان عرض أحدهما يساوى خمسة آلاف، # PageV02P019 # وعرض الآخر يساوى ألفا، فيشترى صاحب العرض الذى قيمته خمسة آلاف من صاحبه ~~خمسة أسداس عرضه الذى يساوى ألفا بسدس عرضه الذى يساوى خمسة آلاف، فإذا ~~فعلا ذلك صارا شريكين، فتصير للذى يساوى متاعه ألفا سدس جميع المتاع. ~~وللآخر خمسة أسداسه. أو يبيع كل منهما صاحبه بعض عرضه بثمن مسمى، ثم ~~يتقابضان فيصير مشتركا بينهما، ثم يأذن كل واحد منهما لصاحبه فى التصرف، ~~فما حصل من الربح يكون بينهما على ما شرطاه عند أحمد، وعلى قدر رءوس ~~أموالهما عند الشافعى، والخسران على قدر المال اتفاقا. # المثال الثلاثون: إذا تزوجها على أن لا يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا ~~يتزوج عليها، ولا يتسرى عليها، فالنكاح صحيح. والشرط لازم. هذا إجماع ~~الصحابة رضى الله عنهم، فإنه صح عن عمر، وسعد، ومعاوية، ولا مخالف لهم من ~~الصحابة. وإليه ذهب عامة التابعين وقال به أحمد. # وخالف فى ذلك الثلاثة، فأبطلوا الشرط ولم يوجبوا الوفاء به. # فإذا احتاجت المرأة إلى ذلك، ولم يكن عندها حاكم يرى صحة ms360 ذلك ولزومه، ~~فالحيلة لها فى حصول مقصودها: أن تمتنع من الإذن، إلا أن تشترط بعد العقد ~~أنه إن سافر بها، أو نقلها من دارها، أو تزوج عليها فهى طالق، أو لها ~~الخيار فى المقام معه، أو الفسخ. فإن لم تثق به أن يفعل ذلك، فإنها تطلب ~~مهرا كثيرا جدا، إن لم يفعل، وتطلب ما دونه إن فعل، فإن شرط لها ذلك رضيت ~~بالمهر الأدنى، وإن لم يشرط ذلك طالبته بالأعلى، وجعلته حالا، ولها أن تمنع ~~نفسها حتى تقبضه، أو يشرط لها ما سألته. # فإن قيل: فعلى أى المهرين يقع العقد؟ # قيل: يقع على المهر الزائد، لتتمكن من إلزامه بالشرط. # فإن خاف أن يشرط لها ما طلبت، ويستقر عليه المهر الزائد، فالحيلة: أن ~~يشهد عليها أنها لا تستحق عليه بعد الاشتراط شيئا من المبلغ الزائد على ~~الصداق الأدنى، وأنها متى ادعت به فدعواها باطلة، فيستوثق منها بذلك، ويكتب ~~هو الشرط، ولها أن تطالب بالصداق الزائد، إذا لم يف لها بالشرط، لأنها لم ~~ترض بأن يكون الأدنى مهرا إلا فى مقابلة منفعة # PageV02P020 # أخرى تسلم لها، وهى المقام فى دارها، أو بلدها، أو يكون الزوج لها وحدها، ~~وهذا جار مجرى بعض صداقها. فإذا فاتها فلها المطالبة بالمهر الأعلى. # المثال الحادى والثلاثون: إذا زوج ابنته بعبده صح النكاح، فإن حضره الموت ~~فخاف هو، أو المرأة، أن ترث جزءا منه، فينفسخ النكاح. # فالحيلة فى بقائه: أن يبيع العبد من أجنبى، فإن شاء قبض ثمنه، وإن شاء ~~جعله دينا فى ذمته، يكون حكمه حكم سائر ديونه، فإذا ورثت نصيبها من ثمنه، ~~لم ينفسخ نكاحها. وإن باع العبد من أجنبى قبل العقد، ثم زوجه الابنة، أمن ~~هذا المحذور أيضا. # وكذلك إذا أراد أن يزوج أمته بابنه، وخاف أن يموت فيرث الابن زوجته، ~~فينفسخ النكاح، باعها من أجنبى، ثم زوجها الابن، أو يبيعها من الأجنبى بعد ~~العقد. # المثال الثانى والثلاثون: إذا أحاله بدينه، وخاف المحتال أن يبور ماله ~~عند المحال عليه، وأراد التوثق لماله. # فالحيلة فى ذلك، أن ms361 يقول: لا تحلنى بالمال، لكن وكلنى فى المطالبة به، ~~واجعل ما أقبضه فى ذمتى قرصا، فييرآن جميعا بالمقاصة. فإن خاف المحيل أن ~~يهلك المال فى يد الوكيل قبل اقتراضه، فيرجع عليه بالدين. # فالحيلة له: أن يقول للمحال عليه: اضمن عنى هذا الدين لهذا الطالب، ~~فيضمنه فإذا قبضه قبضه لنفسه. فإن امتنع المحال عليه من الضمان احتال ~~الطالب عليه على أنه إن لم يوفه حقه إلى وقت كذا وكذا، فالمحيل ضامن لهذا ~~المال، ويصح تعليق الضمان بالشرط. فإن وفاه المحيل عليه وإلا رجع إلى ~~المحال، وأخذه بالمال. # المثال الثالث والثلاثون: إذا كان له دين على رجل فرهنه به عبدا، فخاف أن ~~يموت العبد، فيحاكمه إلى من يرى سقوط الدين بتلف الرهن. # فالحيلة فى تخليصه من هذا المحذور: أن يشترى العبد منه بدينه، ولا يقبض ~~العبد فإن وفاه دينه أقاله فى البيع. وإن لم يوفه الدين طالبه بالتسليم، ~~وإن تلف العبد كان من ضمان البائع، ورجع المشترى إلى دينه الذى هو ثمنه. # المثال الرابع والثلاثون: إذا كان له عليه دين، فرهنه به رهنا، ثم خاف أن ~~يستحق الرهن فتبطل الوثيقة. # PageV02P021 # فالحيلة فيه: أن يضمن دينه لمن يخاف منه استحقاق الرهن. فإذا استحقه عليه ~~طالبه بالمال، أو يضمنه درك الرهن، أو يشهد عليه أنه لا حق له فيه. ومتى ~~ادعى فيه حقا فدعواه باطلة. # المثال الخامس والثلاثون: إذا كان له عليه مائة دينار خمسون منها بوثيقة، ~~وخمسون بغير وثيقة، وجحده الغريم القدر الذى بغير وثيقة. # فالحيلة له فى تخليص ماله: أن يوكل رجلا غريبا بقبض المال الذى بالوثيقة. ~~ويشهد على وكالته علانية، ثم يشهد شهودا آخرين: أنه قد عزله عن الوكالة، ثم ~~يطالب الوكيل المطلوب بذلك المال، ويثبت شهود وكالته. فإذا قبض الخمسين ~~دينارا دفعها إلى مستحقها وغاب، ثم يطالبه المستحق بهذه الخمسين. فإن قال: ~~دفعتها إلى وكيلك. أقام البينة أنه كان قد عزله عن الوكالة، فيلزمه الحاكم ~~بالمال، ويقول له: اتبع القابض، فخذ مالك منه. فإن كان الغريم حذرا لم يدفع ~~إلى ms362 الوكيل شيئا خشية مثل هذا. ويقول: لا أدفع إليك إلا بحضرة الموكل ~~وإقراره أنك وكيله، فتبطل هذه الحيلة. # المثال السادس والثلاثون: إذا حضره الموت، ولبعض ورثته عليه دين، وأراد ~~تخليص ذمته. فإن أقر له به، لم يصح إقراره، وإن وصى له به، كانت وصية ~~لوارث. # فالحيلة فى خلاصه: أن يواطئه على أن يأتى بمن يثق به، فيقر له بذلك ~~الدين، فإذا قبضه أوصله إلى مستحقه، فإن خاف الأجنبى أن يلزمه الحاكم أن ~~يحلف أن هذا الدين واجب لك على الميت، ولم تبرئه منه، ولا من شئ منه لم يجز ~~له أن يحلف على ذلك. وانتقلنا إلى حيلة أخرى، وهى أن يقول له المريض: بع ~~دارك، أو عبدك من وارثى، بالمال الذى له على فيفعل. فإذا لزمته اليمين بعد ~~هذا حلف على أمر صحيح، فإن لم يكن له ما يبيعه إياه وهب له الوارث عبدا أو ~~أمة، فقبضه، ثم باعه من الوارث بالدين على الميت. # المثال السابع والثلاثون: إذا نكح أمة، حيث يجوز له نكاح الإماء، وخاف أن ~~يسترق سيدها ولده. # PageV02P022 # فالحيلة فى ذلك: أن يسأل سيد الأمة أن يقول: كل ولد تلده منك فهو حر. ~~فإذا قال فما ولدته منه فهم أحرار. # المثال الثامن والثلاثون: إذا قال لامرأته: إن سألتنى الخلع، فأنت طالق ~~ثلاثا إن لم أخلعك. وقالت المرأة: كل مملوك لها حر، إن لم أسألك الخلع ~~اليوم. # فسئل أبو حنيفة عنها فقال للمرأة: سليه الخلع، فقالت: أسألك أن تخلعنى. ~~فقال للزوج: قل خلعتك على ألف درهم، فقال ذلك. فقال أبو حنيفة للمرأة قولى: ~~لا أقبل. فقالت: لا أقبل، فقال أبو حنيفة: قومى مع زوجك، فقد بر كل منكما ~~فى يمينه. # المثال التاسع والثلاثون: سئل أبو حنيفة عن أخوين تزوجا أختين، فزفت ~~امرأة كل واحد منهما إلى الآخر، فوطئها، ولم يعلموا بذلك حتى أصبحوا، فقيل ~~له: ما الحيلة فى ذلك؟ فقال: أكل منهما راض بالتى دخل بها؟ قالوا: نعم، ~~فقال: ليطلق كل واحد منهما امرأته طلقة، ففعلا، فقال: ليتزوج كل ms363 منهما ~~المرأة التى وطئها، فطابت أنفسهما. # المثال الأربعون: إذا كان لرجل على رجل مال وللذى عليه المال عقار، فأراد ~~أن يجعل عقاره فى يد غريمه يستغله، ويقبض غلته من دينه جاز ذلك، لأنه توكيل ~~له فيه، فإن خاف الغريم أن يعزله صاحب العقار عن الوكالة. # فالحيلة: أن يسترهنه منه ويستديم قبضه، ثم يأذن له فى قبض أجرته من دينه، ~~ولو لم يأذن له فله أن يقبضها قصاصا. # وله حيلة أخرى: أن يستأجره منه بمقدار دينه، فما وجب له عليه من الأجرة ~~سقط من دينه بقدره قصاصا. # المثال الحادى والأربعون: إذا كان له جارية فأراد وطأها، وخاف أن تحبل ~~منه فتصير أم ولد، لا يمكنه بيعها. # فالحيلة: أن يبيعها لأبيه، أو أخيه، أو أخته، فإذا ملكها سأله أن يزوجه ~~إياها فيطأها بالنكاح، ويكون ولده منها أحرارا يعتقون على البائع بالرحم، ~~وهذا إذا كان ممن # PageV02P023 # يجوز له نكاح الإماء، بأن لا يكون تحته حرة عند أبى حنيفة. أو يكون خائفا ~~للعنت عادما لطول حرة، عند الجمهور. # المثال الثانى والأربعون: إذا بانت منه امرأته ببينونة صغرى، وأراد أن ~~يجدد نكاحها فخاف إن أعلمها لم تتزوج به، فله فى ذلك حيل: # إحداها: أن يقول: قد حلفت بيمين، ثم استفتيت، فقيل لى: جدد نكاحك، فإن ~~كانت قد بانت منك عاد النكاح، وإلا لم يضرك. فإن كان لها ولى جدد نكاحها، ~~وإلا فالحاكم أو نائبه. # ومنها: أن يظهر أنه يريد سفرا، وأنه يريد أن يجعل لها شيئا من ماله، وأن ~~الاحتياط أن يجعله صداقا بعقد يظهره. # ومنها: أن يظهر مرضا، وأنه يريد أن يقر لها بمال، أو يوصى لها به، وأن ~~ذلك لا يتم. والأحوط أن أظهر عقد نكاح وأجعل ذلك صداقا فيه. # فإن قيل: إذا بانت منه ملكت نفسها، ولم يصح نكاحها إلا برضاها، ولعلها لو ~~علمت الحال لم ترض بالنكاح الثانى. # قيل: رضاها بتجديد العقد للغرض الذى يريده يتضمن رضاها بالنكاح، وهى لو ~~هزلت بالإذن صح إذنها وصح النكاح، مع أنها لم تقصده كما ms364 لو هزل الزوج ~~بالقبول صح نكاحه، وهاهنا قد قصدت بقاء النكاح، ورضيت به، فهو أولى بالصحة. # فإن قيل: فالرجل قاصد إلى النكاح، والمرأة غير قاصدة له؟ # قيل: بل قصدت إلى تجديد نكاح يتم به غرضها، فلم تخرج بذلك عن القصد ~~والرضا. # ولو قال رجل لرجل، هزلا ومزاحا: زوجنى ابنتك على مائة درهم، أو قال: ~~زوجنى موليتك، وهى تسمع، فقال له، مزاحا وهزلا: قد زوجتكها. انعقد النكاح ~~وحل له وطؤها لحديث أبى هريرة الذى رواه أهل السنن عن النبى صلى الله تعالى ~~عليه وسلم: "ثلاث جدهن # PageV02P024 # جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة". # المثال الثالث والأربعون: إذا كان الرجل حسن التصرف فى ماله، غير مبذر ~~له، # PageV02P025 # فرفع إلى الحاكم وشهد عليه أنه مبذر، فخاف أن يحجر عليه. فقال: إن حجرت ~~على فعبيدى أحرار، ومالى صدقة على المساكين لم يملك القاضى أن يحجر عليه ~~بعد ذلك، لأنه إنما يحجر عليه صيانة لماله، وفى الحجر عليه إتلاف ماله، فهو ~~يعود على مقصود الحجر بالإبطال. # المثال الرابع والأربعون: يصح الصلح عندنا، وعند أبى حنيفة، ومالك، على ~~الإنكار، فإذا ادعى عليه شيئا فأنكره ثم صالحه على بعضه جاز. والشافعى لا ~~يصحح هذا الصلح، لأنه لم يثبت عنده شئ، فبأى طريق يأخذ ما صالحه عليه؟ ~~بخلاف الصلح على الإقرار، فإنه إذا أقر له بالدين والعين، فصالحه على بعضه، ~~كان قد وهبه، أو أبرأه من البعض الآخر. # والجمهور يقولون: قد دل الكتاب والسنة والقياس على صحة هذا الصلح، فإن ~~الله سبحانه وتعالى ندب إلى الإصلاح بين الناس. وأخبر أن الصلح خير وقال: ~~{إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 10] . # وقال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "الصلح بين المسلمين جائز، ~~إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا". # وأما القياس: فإن المدعى عليه يفتدى مطالبته باليمين وإقامة البينة، ~~وتوابع ذلك: بشيء من ماله يبذله، ليتخلص من الدعوى ولوازمها. وذلك غرض ~~صحيح، مقصود عند العقلاء. وغاية ما يقدر أن يكون المدعى كاذبا، فهو يتخلص ~~من تحليفه له، وتعريضه للنكول، ms365 فيقضى عليه به، أو ترد اليمين، بل عند ~~الخرقى: لا يصح الصلح إلا على الإنكار، ولا يصح مع الإقرار، قال: لأنه يكون ~~هضما للحق. # فإذا صالحه مع الإنكار، فخاف أن يرفعه إلى حاكم يبطل الصلح، فالحيلة فى ~~تخلصه من ذلك: أن يصالح أجنبى عن المنكر على مال، ويقر الأجنبى لهذا المدعى ~~بما ادعاه على # PageV02P026 # غريمه، ثم يصالحه من دعواه على مال، ولا يفتقر إلى إذن المدعى عليه، ولا ~~وكالته، إن كان المدعى دينا، لأنه يقول: إن كان كاذبا فقد استنقذته من هذه ~~الدعوى، وذلك بمنزلة فكاك الأسير، وإن كان صادقا فقد قضيت عنه بعض دينه، ~~وأبرأه المدعى من باقيه، وذلك لا يفتقر إلى إذنه. وإن كان المدعى عينا، لم ~~يصح حتى يقول: قد وكلنى المنكر. لأنه يقول: قد اشتريت له هذه العين المدعاة ~~بالمال الذى أصالحك عليه، فإن لم يعترف أنه وكله، وإلا لم يصح. # فإن لم يعترف بوكالته، فطريق الصحة: أن يصالح الأجنبى لنفسه، فيكون ~~بمنزلة شراء العين المغصوبة. فإن اعترف بها المدعى باطنا، صار هو الخصم ~~فيها. وإن لم يعترف بها له لم يسعه أن يخاصم فيها المدعى عليه، ويكون ~~اعترافه له بها ظاهرا حيلة على تصحيح الصلح. # وعلى هذا، فإن كان المدعى دار خلفها الميت لابنه وامرأته، فادعاها رجل ~~فصالحاه من دعواه على مال، فإن كان صلحا على الإنكار فالدار بينهما على ~~ثمانية أسهم، على المرأة الثمن، وعلى الابن سبعة أثمان. وإن كان على ~~الإقرار، فالمال بينهما نصفان والدار لهما نصفان. فإذا أراد لزوم الصلح على ~~الإنكار، صالح عنهما أجنبى على الإقرار فلزم الصلح، وكان المال بينهما على ~~سبعة أثمان، وكذلك الدار، فإنهما لم يقرا له بالدار وإقرار الأجنبى لا ~~يلزمهما حكمه. # المثال الخامس والأربعون: إذا ادعى عليه أرضا فى يده، أو دارا أو بستانا. ~~فصالحه على عشرة أذرع، أو أقل، أو أكثر، جاز، وكذلك لو صالحه على عشرة أذرع ~~من أرض أو أخرى، جاز، لأنه يقول: قد أخذت بعض حقى وأسقطت البعض. # فإن خاف أن يرفعه ms366 إلى حاكم حنفى، لا يرى جواز ذلك بناء على أنه لا يجوز ~~بيع ذراع، ولا عشرة، من أرض أو دار. فطريق الجواز: أن يذرع الدار التى ~~صالحه على هذا القدر منها، ثم ينسبه إلى المجموع، فما أخرجته النسبة أوقع ~~الصلح عليه، ويصح ذلك ويلزم. # المثال السادس والأربعون: إذا أوصى لرجل بخدمة عبده مدة معينة، أو ما ~~عاش، جاز # PageV02P027 # ذلك. فإذا أراد الوارث أن يشترى من الموصى له خدمة العبد لم يصح، لأن ~~الحق الموصى له به إنما هو فى المنافع، وبيع المنافع لا يجوز. # والحيلة فى الجواز: أن يصالحه الوارث من وصيته على مال معين، فيجوز ذلك. ~~وكذلك لو أوصى له بحمل شاته أو أمته، أو بما يحمل شجره عاما. فإذا أراد ~~الوارث شراءه منه لم يصح، وله أن يصالحه عليه، فإن الصلح - وإن كان فيه ~~شائبة من البيع - فهو أوسع منه. # المثال السابع والأربعون: لو شجه رجل، فعفا المشجوج عن الشجة، وما يحدث ~~منها ثم مات منها، لم يلزم الشاج شيئا، ولو قال: عفوت عن هذه الجراحة، أو ~~الشجة، ولم يقل: وما يحدث منها، فكذلك فى إحدى الروايتين، وفى الأخرى: تضمن ~~بقسطها من الدية. ولو قال: عفوت عن هذه الجناية، فلا شئ له فى السراية، ~~رواية واحدة. وعند أبى حنيفة له المطالبة بالدية فى ذلك كله، إلا إذا قال: ~~عفوت عنها، وعما يحدث منها. # فالحيلة فى تخلص المعفو عنه: أن يشهد على المجنى عليه: أنه عفا عن هذه ~~الجناية أو الشجة وما يحدث منها، فيتخلص عند الجميع. # المثال الثامن والأربعون: إذا مات وترك زوجة وورثة، فأرادت الزوجة أن ~~يصالحها الورثة عن حقها نظرنا فى التركة، وفى الذى وقع عليه الصلح، فإن كان ~~فى التركة أثمان: ذهب وفضة، فصالحتهم على شئ من الأثمان لم يصح، لإفضائه ~~إلى الربا. لأن صلحها بيع نصيبها منهم. وإن صالحتهم على عرض أو عقار، أو ~~كان فى التركة دراهم، فصالحتهم بدنانير، أو بالعكس جاز. ولا تضر جهالة ~~حقها، لأن عقد الصلح أوسع من البيع كما ms367 تقدم. # فإن كان فى التركة ديون لم يصح، لأن بيع الدين من غير الذى هو فى ذمته لا ~~يصح. ويحتمل أن يقول بصحته، كما يصح عن المجهول، وإن لم يصح بنفسه. # فالحيلة فى صلحها عن الدين أيضا: أن يعجل لها حصتها من الدين، يقرضها ~~الورثة # PageV02P028 # ذلك، وتوكلهم فى اقتضائه، ثم تصالحهم من الأعيان، على ما اتفقوا عليه، ~~لأنهم إذا أقرضوها حصتها من الدين ثم وكلتهم بقبض حصتها من الدين، فإذا ~~قبضوا حصتها من الدين فقد حصل فى أيديهم بمالها من جنس مالهم عليها ~~فيتقاصان. ويكون عقد الصلح قد وقع على العروض والمتاع خاصة. # فإن لم تطب أنفسهم أن يقرضوها قدر حصتها من الدين، وأحبت تعجيل الصلح ~~صالحتهم عن حقها من المتاع والعروض، دون الديون. وكلما قبض من الدين شئ ~~أخذت حقها منه، فإن تعسر ذلك، وشق عليها، وأحبت الخلاص. حاسبوها فى الصلح ~~من الأعيان بأكثر من حقها منها، وأقرت أن الدين حق للورثة دونها، من ثمن ~~متاع باعه الميت لهم. # فإن أرادوا قسمة الدين فى الذمم. فالمشهور: أنه لا يصح لأن الذمم لا ~~تتكافأ، وفيه رواية أخرى تجوز قسمته، وهى الصحيحة. فإن قد تكون مصلحة ~~الورثة والغرماء فى ذلك، وتفاوت الذمم لا يمنع القسمة، فإن التفاوت فى ~~المحل، والمقسوم واحد متماثل، وإن اختلفت محاله. وإذا كان الغرماء كلهم ~~موسرين أو معسرين، أو بعضهم موسرا، وبعضهم معسرا، فأخذ كل من الورثة موسرا ~~ومعسرا، كان هذا عدلا غير ممتنع وقد تراضوا به فلا وجه لبطلانه، وبالله ~~التوفيق. # المثال التاسع والأربعون: إذا كان لرجل على رجل دين، فقال: تصدق به عنى ~~ففعل لم يبرأ، وكانت الصدقة عن المخرج ودينه باقيا، قاله أصحابنا لأنه لم ~~يتعين، ولأنه لا يكون مبرئا لنفسه بفعله. # قالوا: وطريق الصحة أن يقول: تصدق عنى بكذا، بقدر دينه، ويكون ذلك إقراضا ~~منه. فإذا فعل ثبت له فى ذمته ذلك القدر، وعليه له مثله، فيتقاصان # PageV02P029 # وكذلك لو قال له: ضارب بالمال الذى عليك والربح بيننا، لم يصح. # والحيلة فى صحته: أن ms368 يقول: أذنت لك فى دفعه إلى ابنك، أو زوجتك وديعة ثم ~~وكلتك فى أخذه والمضاربة به. # والظاهر: أنه لا يحتاج إلى شئ من ذلك. ويكفى قبضه من نفسه لرب الناس. ~~وإذا تصدق عنه بالذى قال، كان عن الآمر. هذا هو الصحيح، وهو تخريج لبعض ~~أصحابنا ولا حاجة به إلى هذه الحيلة، فإذا عينه بالنية تعين، وكان قابضا من ~~نفسه لموكله، وأى محذور فى ذلك؟. # المثال الخمسون: يجوز استئجار الأجير بطعامه وكسوته عندنا، وكذلك الدابة ~~بعلفها وكذلك المرضعة، وهو مذهب مالك، وقال الشافعى: لا يجوز فيهما، وجوزه ~~أبو حنيفة فى الظئر خاصة. فإذا عقد الإجارة كذلك، ثم خاف أن يرفعه إلى حاكم ~~يرى بطلانها، فيلزمه بأجرة مثله، فالحيلة فى تصحيح ذلك: أن يستأجر بنقد ~~معلوم، يكون بقدر الطعام والكسوة، ثم يشهد عليه أنه وكله فى إنفاق ذلك على ~~نفسه وكسوته، وكذلك فى الدابة. # المثال الحادى والخمسون: يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره المؤجر، كما ~~يجوز لغيره. وأبو حنيفة يبطل هذه الإجارة. # فالحيلة فى لزومها: أن يؤجر ذلك لأجنبى غير المؤجر، ثم يؤجره إياها ~~الأجنبى. # المثال الثانى والخمسون: إذا كفل اثنان واحدا، فسلمه أحدهما برئ الآخر، ~~كما لو ضمنا دينا، فقضاه أحدهما، فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم لا يرى ذلك، ~~ويلزم الآخر بتسليمه. # فالحيلة فى خلاصه: أن يكفلا هذا المكفول به، على أنه إذا دفعه أحدهما ~~فهما جميعا بريئان، أو يشهدا عليهما أن كل واحد منهما وكيل صاحبه فى دفع ~~المكفول به إلى الطالب، والتبرى إليه منه، فيبرآن على قول الجميع. # PageV02P030 # المثال الثالث والخمسون: يصح ضمان المجهول، وضمان ما لم يجب عندنا، كما ~~يصح ضمان الدرك، فإذا قال: ما أعطيت لفلان فأنا ضامن له، صح ولزمه. وقال ~~الشافعى: لا يصح. # فالحلية فى صحته، لئلا يبطل ذلك حاكم يرى بطلانه: أن يقول: ما أعطيت ~~لفلان من درهم إلى ألف، فأنا ضامن له. فإن ضمنه اثنان وأطلقا جاز، واستويا ~~فى الغرم. فإن ضمناه على أن على أحدهما الثلث، وعلى الآخر الثلثين، جاز ذلك ms369 ~~لأن المال إنما يجب على كل منها بالتزامه، فإذا التزماه على هذا الوجه صح. ~~فان أراد أحد الضامنين أن يضمن الآخر ما لزمه من هذا الضمان، فيصير ضامنا، ~~جاز ذلك أيضا، لأن المال قد ثبت فى ذمة كل واحد منهما، فإذا ضمنه أحدهما ~~جاز كما يجوز فى الأصل. # المثال الرابع والخمسون: إذا اشترك رجلان شركة عنان، فسافر أحدهما بالمال ~~بإذن شريكه، فخاف أن يموت المقيم، فيشترى بالمال بعد موته متاعا، فيضمن، ~~لأنه قد انتقل إلى الورثة، وبطلت الشركة. # فالحيلة فى تخلصه من ذلك: أن يشهد على شريكه المقيم أن حصته فى المال ~~الذى بينه وبينه لولده الصغار، وقد أوصى إلى شريكه بالتصرف فيه، وأمره أن ~~يشترى بها ما أحب فى حياته وبعد وفاته، فإن كان ولده كبارا أشهد على نفسه ~~أن هذا المال لهم ثم يأمر ولده الكبار هذا الشريك أن يعمل لهم فى مالهم هذا ~~بما يرى، ويشترى لهم ما أحب. # المثال الخامس والخمسون: إذا كان لرجلين على امرأة ألف درهم مثلا، ~~فتزوجها أحدهما على نصيبه فى المال عليها صح النكاح، وبرئت ذمة المرأة من ~~ذلك المقدار، ولم يلزم الزوج أن يضمن لصاحبه شيئا منه، لأنه لم يقبض شيئا ~~من نصيبه، ولم يحصل فى ضمانه، فجرى مجرى إبرائها له منه. وبعض الفقهاء ~~يضمنه نصيب شريكه من المهر، ويجعله كالمقبوض، لأنه عاوض عليه بالبضع، فهو ~~كما لو اشترى منها به سلعة، فإنها تكون بينهما، وهاهنا تعذرت مشاركته فى ~~البضع، فيشاركه فى بدله وهو المهر، فكأنها وفته نصيبه من الدين. # PageV02P031 # وطريق الحيلة فى تخليصه من ذلك: أن يهب لها نصيبه مما عليها، ثم يتزوجها ~~بعد ذلك على خمسمائة فى ذمته، ثم تهب له المرأة مالها عليه من الصداق، فإن ~~أحد الشريكين إذا وهب نصيبه من المال المشترك لا يضمن لشريكه شيئا، لأنه ~~متبرع. فإن خاف أن يهبها أو يبرئها فتغدر به، ولا تتزوج به، فالحيلة له: أن ~~يشهد على إقرارها أنه يستحق عليها ذلك المبلغ، مادامت أجنبية منه، وأنه لا ~~يستحق ms370 على زوجته فلانة شيئا من ذلك المال. # وأكثر ما فيه: أنه يسميها زوجة قبل العقد برئت من الدين. فإن خاف أن لا ~~تبرئه من الصداق، وتطالبه به، ويسقط حقه من المال الذى عليها، فالحيلة له: ~~أن يشهد عليها فى العقد: أنه برئ إليها من الصداق، وأنها لا تستحق المطالبة ~~به. # المثال السادس والخمسون: إذا أراد أن يشترى جارية، وعرض له آخر يريد ~~شراءها. فاستحلف أحدهما صاحبه: أنه إن اشتراها فهى بينه وبينه نصفين، فأراد ~~أن يشتريها وتكون له. تأول فى يمينه: أنه إن اشتراها بنفسه فهى بينه وبينه. ~~فإذا وكل من يشتريها له كانت له وحده. # فإن استحلفه أنه إن ملكها فهو شريكه فيها، بطلت هذه الحيلة، فله أن يأمر ~~من يثق به أن يشتريها لنفسه، ويؤدى هو عنه الثمن. ثم يزوجه إياها. فإذا ~~أراد بيعها استبرأها، ثم أمر ذلك الرجل أن يبيعها ويرجع ثمنها إليه. # المثال السابع والخمسون: إذا كان بينهما عرض من العروض، فاشتراه منهما ~~أجنبى بمائه درهم وقبضه. ثم إن المشترى أراد أن يصالح أحدهما من جميع الثمن ~~على بعضه، على أن يضمن له الدرك من شريكه، حتى يخلصه منه، أو يرد عليه جميع ~~الثمن الذى وقع العقد عليه فقال القاضى: لا يجوز ذلك، لأن الضمان على شريكه ~~إنما يجب بقبضه المال، وذلك لم يوجد، فلا يكون مضمونا عليه. # فالحلية للمشترى: أن يكون بريئا. وإن أدركه درك من شريكه رجع به على الذى ~~صالحه أن يحط الشريك المصالح عن المشترى نصيبه كله من الثمن ثم يدفع ~~المشترى إليه نصيب صاحبه، فصالحه على أنه ضامن لما أدركه من شريكه، حتى ~~يخلصه منه، أو يرد عليه # PageV02P032 # ما قبضه منه، ويبرئه هو من نصيبه، لأنه إذا أبرأه من نصيبه لم يبق من ~~الدين إلا نصيب صاحبه، فإذا قبضه كان مضمونا عليه، لأنه قبض دين الغير بغير ~~أمره. # المثال الثامن والخمسون: إذا كان عبد بين شريكين موسرين، فأراد كل منهما ~~عتق نصيبه، وأن لا يغرم لشريكه شيئا. # فالحيلة: أن يوكلا رجلا ms371 فيعتقه عنهما، ويكون ولاؤه بينهما. # المثال التاسع والخمسون: إذا سأله عبده أن يزوجه أمته فحلف أن لا يفعل، ~~ثم بداله فى تزويجه. # فالحيلة: أن يبيع العبد والأمة لمن يثق به، ثم يزوجه المشترى، فإذا تم ~~العقد أقاله فى البيع. # ولا بأس هذه الحيلة، فإنها لا تتضمن إبطال حق، ولا تحليل محرم. وذلك غير ~~ممتنع على أصلنا، لأن الصفة، وهى عقد النكاح قد وجدت فى حال زوال ملكه. فلا ~~يتعلق بها حنث، ولا يحنث أيضا باستدامة التزويج بعد ملكهما. لأن التزويج ~~عبارة عن العقد، وقد انقضى، وإنما بقى حكمه. ولهذا لو حلف لا يتزوج فاستدام ~~التزويج. لم يحنث، وهذا بخلاف ما إذا حلف على عبده أنه لا يدخل الدار، ~~فباعه. ودخلها ثم ملكه. فإن دخلها حنث، لأنه ابتدأ الدخول واليمين باقية، ~~ولو دخلها فى حال زوال ملكه وهو داخل فيها حنث، لأن الدخول الأول عبارة عن ~~الكون وذلك موجود بعد الملك الثانى فيحنث به، كما لو كان موجودا فى الملك ~~الأول. # وقد قال أحمد فى رواية مهنا، فى رجل قال لامرأته: أنت طالق إن رهنت كذا ~~وكذا. فإذا هى قد رهنته قبل يمينه، فقال: أخاف أن يكون حنث. # قال القاضى: وهذا محمول على أنه قال إن كنت رهنته. وهذا تأويل منه لكلام ~~أحمد: فظاهر كلامه أنه جعل استدامة الرهن بمنزلة ابتدائه، كالدخول. # المثال الستون: إذا كان له عليه مال، فمرض المستحق وأراد أن يبرئه منه، ~~وهو يخرج من ثلثه. فخاف أن تكتم الورثة ماله، ويقولوا: لم يدع إلا الدين ~~الذى على هذا. # PageV02P033 # فالحلية فى خلاصه: أن يخرج المريض من ماله بقدر الدين الذى على غريمه، ~~فيملكه إياه، ثم يستوفيه منه، ويشهد على ذلك، وكذلك إذا أراد المريض أن ~~يعتق عبدا، وله مال يخرج من ثلثه، ويملكه ماله، فخاف أن يقول الورثة: لم ~~يخلف الميت شيئا غير هذا العبد وماله. # فالحيلة: أن يبيع المريض العبد من رجل يثق به، ويقبض الثمن، فيهبه ~~للمشترى ثم يعتقه المشترى. فإن كان على الميت دين وله ms372 وفاء وفضل يخرج العبد ~~من ثلثه فخاف المريض أن يغيب الورثة ماله، ثم يقولوا: أعتق العبد ولا مال ~~له غيره، فلا نجيز له ما صنع من ذلك. # فالحيلة فيه: أن يبيع العبد من نفسه، ويقبض الثمن منه بمحضر من الشهود. ~~ثم يهب المريض للعبد ما قبض منه فى السر، فيأمن حينئذ من اعتراض الورثة، ~~فإن لم يكن للعبد مال يشترى به نفسه، وهبه مالا فى السر، وأقبضه إياه، ~~فيشترى به العبد نفسه من سيده. فإن لم يرد السيد عتقه، وأراد بيعه من بعض ~~ورثته بمال على المريض ليست له به بينة. # فالحيلة فى ذلك: أن يقبض وارثه ماله فى السر، ثم يبيعه العبد ويشهد له ~~على ذلك، ويقبض الثمن بمحضر من الشهود، فيتخلص من اعتراض الورثة. # المثال الحادى والستون: إذا أوصى إلى رجل، فخاف أن لا يقبل، فقال: إن لم ~~يقبل فلان وصيتى فهى لفلان. صح ذلك بسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم الصحيحة الصريحة، التى لا تجوز مخالفتها حيث علق الإمارة بالشرط. ~~فتعليق الوصية أولى، لأنه يستفيد بالإمارة أكثر مما يستفيد بالوصية. وبعض ~~الفقهاء يبطل ذلك. # فالحيلة فى ذلك: أن يشهد المريض أنهما جميعا وصياه، فإن لم يقبل أحدهما، ~~وقبل الآخر، فالذى قبل منهما وصى وحده. فإن قبلا جميعا، فلكل واحد منهما أن ~~ينفرد بالتصرف عن صاحبه، لأنه رضى بتصرف كل واحد منهما، قاله القاضى: # PageV02P034 # فإن خاف أن يمنع ذلك من لا يرى انفراد أحدهما بالتصرف، ويقول: قد شرك ~~بينهما وجعلهما بمنزلة وصى واحد. # فالحيلة فى الجواز: أن يقول: أو صيت إليهما على الاجتماع والانفراد. # المثال الثانى والستون: إذا تصرف الوصى وباع واشترى وأنفق على اليتيم. ~~فللحاكم أن يحاسبه ويسأله عن وجوه ذلك، ولا يمنعه من محاسبته كونه أمينا، ~~فإن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حاسب عماله، كما ثبت فى صحيح ~~البخارى: "أنه بعث ابن اللتبية عاملا على الصدقة، فلما جاء حاسبه". # فإن أراد الوصى أن يتخلص من ذلك. # فالحيلة له: أن يجعل غيره ms373 هو الذى يتولى بيع التركة، وقبض الدين ~~والإنفاق، ولا يشهد على نفسه بوصول شئ من ذلك إليه، فإذا سأله الحاكم، قال: ~~لم يصل إلى شئ من التركة، ولا تصرفت فيها. فإن كانت التركة قد بيعت بأمره ~~وقبض ثمنها بأمره، وصرف بأمره. فحلفه الحاكم إنه لم يقبض، ولم يوكل من قبض ~~وتصرف وأنفق. فإن كان محسنا قد وضع التركة موضعها ولم يخن، وسعه أن يتأول ~~فى يمينه. وإن كان ظالما لم ينفعه تأويله. # المثال الثالث والستون: يصح وقف الإنسان على نفسه، على أصح الروايتين، ~~ويجوز اشتراط النظر لنفسه، ويجوز أن يستثنى الإنفاق منه على نفسه ما عاش، ~~أو على أهله. وغيرنا ينازعنا فى ذلك، فإذا خاف من حاكم يبطل الوقف على هذا ~~الوجه. # فالحيلة له: أن يملكه لولده أو زوجته، أو أجنبى يقفه عليه، ويشترط له ~~النظر فيه. # PageV02P035 # وأن يقدم على غيره من الموقوف عليهم بغلته، أو بالإنفاق عليه، فيصح ~~حينئذ، ولا يبقى للاعتراض عليه سبيل. # المثال الرابع والستون: إذا اشترى جارية وقبضها، فوجد بها عيبا ولم يكن ~~نقد ثمنها، فأراد ردها. فصالحه البائع على أن يأخذ البائع الجارية بأقل من ~~الثمن الذى اشتراها به. فقال القاضى: لا يجوز ذلك، لأن هذا الصلح فى معنى ~~البيع، وبيع المبيع من بائعه بأقل من ثمنه لا يجوز، لأنه ذريعة إلى الربا، ~~وهو كمسألة العينة، فإن كان قد حدث بالجارية عيب عند المشترى جاز ذلك، لأن ~~مقدار الحط يكون بإزاء العيب الذى حدث عند المشترى، فلا يؤدى إلى مسألة ~~العينة. # والحيلة فى جواز ذلك، فى الصورة الأولى على وجه لا يشبه العينة: أن يخرج ~~الجارية من ملكه، فيبيعها لرجل بالثمن الذى يأخذها به البائع، فيصالح الذى ~~فى يده الجارية البائع على أن يقبلها بدون الثمن الذى وقع عليه العقد، ~~ويجعل هذا الثمن الذى يأخذ به الجارية قضاء عن مشترى الجارية، لأن المشترى ~~الثانى متى صالح البائع على أن يقبل الجارية بدون الثمن الذى اشتريت به، ~~فهو عقد جرى بينهما مبتدأ، من غير بناء أحد ms374 العقدين على الآخر، فإذا ~~اشتراها البائع من هذا الثانى حصل ثمنها فى ذمته له، وله هو على المشترى ~~الأول ثمنها، فإذا طالبه البائع بالثمن أحاله على المشترى الأول، فيتقاصان. # المثال الخامس والستون: الضمان لا تبرأ ذمة المضمون عنه بمجرده، حيا كان ~~المضمون عنه أو ميتا. # وفيه رواية أخرى: أنه يبرئ ذمة الميت دون الحى، وهى مذهب أبى حنيفة. # وفيه قول ثالث: أنه يبرئ ذمة الحى والميت، كالحوالة، وهو مذهب داود. # فإذا أراد الضامن أن يكون مراجعه مبرئا لذمة المضمون عنه، # فالحيلة فى ذلك: أن يقول: لا أضمن دينه إلا بشرط أن تبرئه منه، فمتى ~~أبرأته منه فأنا ضامن له، ويصح تعليق الضمان بالشرط فى أقوى الوجهين، فإذا ~~أبرأه صحت البراءة، ولزم الدين الضامن وحده. فإن خاف رب الدين أن يرفعه إلى ~~حاكم لا يرى صحة الضمان المعلق فيبطل دينه من ذمة الأصيل بالإبراء، ولا ~~يثبت له فى ذمة الضامن. # PageV02P036 # فالحيلة له: أن يكتب ضمانه ضمانا مطلقا، ويشهد عليه به من غير شرط، بعد ~~إقراره ببراءة الأصيل، فيحصل مقصودهما. # المثال السادس والستون: الحوالة تنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال ~~عليه، فلا يملك مطالبة المحيل بعد ذلك إلا فى صورة واحدة، وهى: أن يشترط ~~ملاءة المحال عليه فيتبين مفلسا. # وعند أبى حنيفة: إذا قرر المال على المحال عليه [بأن جحده حقه، إذ قرار ~~المحال على المحال عليه] . فإن جحده حقه وحلف عليه أو مات مفلسا رجع على ~~المحيل. # وعند مالك: إن ظن ملاءته، فبان مفلسا، رجع وإن طرأ عليه الفلس لم يكن له ~~الرجوع. # فإذا أراد صاحب الحق التوثق لنفسه، وأنه إن تقرر ماله على المحال عليه ~~رجع على المحيل. # فالحيلة له فى ذلك: أن يحتال حوالة قبض لا حوالة استيفاء. فيقول للمحيل: ~~أحلنى على غريمك أن أقبض لك ما عليه من الدين، فيجيبه إلى ذلك. فما قبضه ~~منه كان على ملك المحيل فيأذن له فى استيفائه. فإن خاف المحيل أن يهلك هذا ~~المال فى يد القابض ولا يغرمه لأنه ms375 وكيل فى قبضه. # فالحيلة أن يقول له: ما قبضته فهو قرض فى ذمتك، فيثبت فى ذمته نظير ماله ~~عليه، فيتقاصان. # فالحوالة ثلاثة أنواع: حوالة قبض محض، فهى وكالة، وحوالة استيفاء، وهى ~~التى تنقل الحق، وحوالة إقراض. # فالأولى لا تثبت المقبوض فى ذمة المحال، والثانية تجعل حقه فى ذمة المحال ~~عليه، والثالثة تثبت المأخوذ فى ذمته بحكم الاقتراض. # المثال السابع والستون: إذا ضمن الدين ضامن فلمستحقه مطالبة أيهما شاء. # وعن مالك روايتان، إحداهما: كذلك. والثانية: أنه ليس له مطالبة الضامن ~~إلا إذا تعذر مطالبة الأصيل. # فإن أراد الضامن أن يضمن على هذا الوجه فالحيلة أن يقول: إن تعذر مالك ~~قبله فأنا ضامن له. ويصح تعليق الضمان على الشرط على الأصح. # PageV02P037 # فإن أراد أن يصحح ذلك على كل قول، ويأمن رفعه إلى من يرى بطلان ذلك. # فالحيلة فيه: أن يقول: ضمنت لك ما يتقرر لك على فلان، أو يعجز عن أدائه، ~~فيصح ذلك، ولا يتمكن من مطالبته إلا إذا تقرر المال على الأصيل، أو عجز ~~عنه. # المثال الثامن والستون: إذا بذت عليه امرأته، فقال: الطلاق يلزمنى منك لا ~~تقولين لى شيئا إلا قلت لك مثله، فقالت: أنت طالق ثلاثا، فقال بعضهم: يقول ~~لها: أنت طالق ثلاثا بفتح التاء، ولا تطلق، لأن الخطاب لا يصلح لها، وهذا ~~ضعيف جدا، لأن قوله: أنت طالق إما أن يعنيها به، أو يعنى غيرها، فإن لم ~~يعنها لم يكن قد قال لها مثل ما قالت بل يكون القول لغيرها فلا يبر به وإن ~~عناها به طلقت للمواجهة وفتح لتاء لا يمنع صحة الخطاب، والمعنى: أنت أيها ~~الشخص، أو الإنسان. # ثم ما يقول هذا القائل: إذا قالت له: فعل الله بك كذا، فقال لها: فعل ~~الله بك وفتح الكاف، هل يكون بارا فى يمينه بذلك؟ فإن قال: لا يبر لزمه ~~مثله فى الطلاق وإن قال: يبر، كان قائلا لها مثل ذلك فيكون مطلقا لها. ~~وأجود من هذا، أن يكون قوله على التراخى، ما لم يقيده بالفور، بلفظه أو ms376 ~~نيته. # وقالت طائفة: يقول لها: أنت طالق ثلاثا، إن لم أفعل كذا وكذا، أو إن فعلت ~~لما لا تقدر هى عليه، فيكون قد قال لها مثل ما قالت، وزاد عليه، وفى هذا ~~ضعف لا يخفى، لأن هذه الزيادة تنقص الكلام، فهى زيادة فى اللفظ ونقصان فى ~~المعنى، فإنه إذا علق الطلاق بشرط خرج من التنجيز إلى التعليق، وصار كله ~~كلاما واحدا، وهى لم تعلق كلامها، وإنما نجزته. فالمماثلة تقتضى تنجيزا ~~مثله. # وأجود من هذا كله أن يقال: لا يدخل هذا الكلام الذى صدر منها فى يمينه، ~~لأنه لم يرده قطعا، ولا خطر بباله، فيمينه لم يتناوله، فهو غير محلوف عليه ~~بلا شك، واللفظ العام يختص بالنية والعرف، والعرف فى مثل هذا لا يدخل فيه ~~قولها له ذلك، والأيمان يرجع فيها إلى العرف والنية والسبب، وهذا مطرد ظاهر ~~على أصول مالك وأحمد، فى اعتبارهم # PageV02P038 # عرف الحالف ونيته وسبب يمينه، والله أعلم. # المثال التاسع والستون: يجوز أن يستأجر الشاة والبقرة ونحوهما مدة معلومة ~~للبنها. ويجوز أن يستأجرها لذلك بعلفها وبدراهم مسماة، والعلف عليه، هذا ~~مذهب مالك، وخالفه الباقون. # وقوله هو الصحيح، واختاره شيخنا. لأن الحاجة تدعو إليه، ولأنه كاستئجار ~~الظئر للبنها مدة، ولأن اللبن وإن كان عينا فهو كالمنافع فى استخلافه ~~وحدوثه شيئا بعد شئ ولأن إجارة الأرض لما نبت فيها من الكلأ والشوك جائزة، ~~وهو عين، ولأن اللبن حصل بعلفه وخدمته، فهو كحصول المغل ببذره وخدمته، ولا ~~فرق بينهما، فإن تولد اللبن من العلف كتولد المغل من البذر، فهذا من أصح ~~القياس. # وأيضا فإنه يجوز أن يقفها، فينتفع الموقوف عليها بلبنها، وحق الواقف إنما ~~هو فى منفعة الموقوف مع بقاء عينه. # وأيضا فإنه يجوز أن يمنحها غيره مدة معلومة لأجل لبنها. وهى باقية على ~~ملك المانح. فتجرى منحتها مجرى إعارتها، والعارية إباحة المنافع، فإذا كان ~~اللبن يجرى مجرى المنفعة فى الوقف والعارية، جرى مجراها فى الإجارة. # وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى قال: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} ~~[الطلاق: 6] . # فسمى ما تأخذه ms377 المرضعة فى مقابلة اللبن أجرا، ولم يسمه ثمنا. # وأيضا فيجوز أن يستأجر بئرا مدة معلومة لمائها، والماء لم يحصل بعمله، ~~فلأن يجوز استئجار الشاة للبنها الحاصل بعلفه والقيام عليها أولى. # وأيضا: فإنه يجوز أن يستأجر بركة يعشش فيها السمك لأجله، فهذا أولى ~~بالجواز، لأنه معلوم بالعرف. وهو حاصل بعلفه والقيام على الحيوان. # وقياس المنع على تحريم بيع اللبن فى الضرع قياس فإن ذاك بيع مجهول لا ~~يعرف قدره، وما يتحصل منه، وهو بيع معدوم، فلا يجوز. والإجارة أوسع من ~~البيع ولهذا يجوز على المنافع المعدومة المستخلفة شيئا بعد شئ، فاللبن فى ~~ذلك كالمنفعة سواء وإن كان عينا، فهذا القول هو الصحيح. # PageV02P039 # فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم يبطل هذا العقد. # فالحيلة فى لزومه: أن يؤجره الحيوان مدة بدراهم مسماة، ثم يأذن له فى ~~علفه بها، ويبيحه اللبن. # وهذه الحيلة تتأتى فى إجارة البقرة، والناقة، والجاموس، إذ يمكن الحرث ~~عليها وركوبها، وأما الشاة فلا يراد منها إلا الدر والنسل، فلا تتهيأ ~~الإجارة على منفعتها، فالطريق فى ذلك: أن يستأجرها لرضاع سخلة له مدة ~~معلومة، ويوكله فى النفقة عليها بأجرتها، أو ببعضها ويبيحه اللبن. # المثال السبعون: إذا دفع إليه ثوبه وقال: بعه بعشرة، فما زاد فلك. فنص ~~أحمد على صحته، تبعا لعبد الله بن عباس، ووافقه إسحاق، ومنعه أكثرهم. # ووجه الخلاف. أن فى هذا العقد شائبة الوكالة والإجارة والمضاربة، فمن رجح ~~جانب الوكالة صحح العقد، ومن رجح جانب الإجازة أو المضاربة أبطله، لأن ~~الأجرة والربح الذى جعل له مجهول. # والصحيح: الجواز لأن العشرة تجرى مجرى رأس المال فى المضاربة، وما زاد ~~فهو كالربح، فإذا جعله كله له، كان بمنزلة الإبضاع، إذا دفع إليه مالا ~~يضارب به، وقال: ما ربحت فهو لك، فليس العقد من باب الإجارات، بل هو ~~بالمشاركات أشبه. فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلانه. # فالحيلة فى ذلك: أن يقول: وكلتك فى بيعه بعشرة، فإن بعته بأكثر فلا حق لى ~~فى الزيادة، فيصح هذا. وتكون الزيادة للوكيل. # المثال الحادى ms378 والسبعون: قال الإمام أحمد، فى رواية مهنا: "لا بأس أن ~~يحصد الزرع ويصرم النخل بسدس ما يخرج منه، وهو أحب إلى من المقاطعة" يعنى ~~أن يقاطعه على كيل معين، أو دراهم أو عروض. # وكذلك نص فى رواية الأثرم وغيره، فى رجل دفع دابته إلى آخر ليعمل عليها، ~~وما رزق الله بينهما نصفين: "أن ذلك جائز". # وقال أحمد أيضا: "لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع"، لحديث جابر: "أن ~~النبى صلى الله # PageV02P040 # تعالى عليه وآله وسلم أعطى خيبر على الشطر". # ونقل عنه أبو داود فيمن يعطى فرسه على النصف من الغنيمة: "أرجو أن لا ~~يكون به بأس". # وقال فى رواية إسحاق بن إبراهيم: "إذا كان على النصف والربع فهو جائز". # ونقل عنه أحمد بن سعيد فيمن دفع عبده إلى رجل ليكتسب عليه ويكون له ثلث ~~الكسب أو ربعه: "أنه جائز". # ونقل عنه حرب فيمن دفع ثوبا إلى خياط ليفصله قمصانا يبيعها، وله نصف ~~ربحها بحق عمله فهو جائز. ونص فى رجل دفع غزله إلى رجل ينسجه ثوبا بثلث ~~ثمنه أو ربعه: أنه جائز. # وقال فى "المغنى": وعلى قياس قول أحمد: يجوز أن يعطى الطحان أقفزة معلومة ~~يطحنها بقفيز دقيق منها. # وحكى عن ابن عقيل المنع منه. واحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # "نهى عن قفيز الطحان". # قال الشيخ: وهذا الحديث لا نعرفه ولا ثبت عندنا صحته. وقياس قول أحمد: ~~جوازه لما ذكرنا عنه من المسائل. # وكذلك لو دفع شبكته إلى صياد ليصيد بها، والسمك بينهما نصفين. قال فى ~~"المغنى": فقياس قول أحمد صحة ذلك، والسمك بينهما شركة. وقال ابن عقيل: ~~السمك للصائد، ولصاحب الشبكة أجرة مثلها. # ولو كان له على رجل مال، فقال لرجل: اقبضه منه، ولك ربعه، أو ثلثه، أو ما ~~اقتضيته منه فلك منه الربع أو الثلث، فهو جائز # PageV02P041 # وكذلك لو غصبت منه عين، فقال لرجل: خلصها لى، ولك نصفها، جاز أيضا. # ولو غرق متاعه فى البحر، فقال لرجل: ما خلصته منه، فلك نصفه، أو ربعه، ~~جاز. # ولو ms379 أبق عبده، فقال لرجل، أو قال: من رده على فله فيه نصفه، أو ربعه، أو ~~شردت دابته فقال ذلك، صح ذلك كله. # قلت: وكذلك يجوز أن يقول له: انقض لى هذا الزيتون بالسدس، أو الربع. أو ~~اعصره بالثلث، أو الربع، أو اكسر هذا الحطب بالربع، أو اخبز هذا العجين ~~بالربع، وما أشبه ذلك. فكل هذا جائز على نصوصه وأصوله، وهو أحب من المقاطعة ~~فى بعض الصور. # ولم يجوز الشافعى وأبو حنيفة شيئا من ذلك. # وأما مالك فقال أصحابه عنه: إذا قال: احصد زرعى ولك نصفه، فذلك جائز، وإن ~~قال: احصد اليوم، فما حصدت فلك نصفه، لم يجز عند ابن القاسم وفى العينية ~~أنه يجوز. # فإن قال: القط زيتونى فما لقطت فلك نصفه، فهو جائز عند ابن القاسم، وروى ~~سحنون أنه لا يجوز. ولو قال: انقض زيتونى، فما نقضت فلك نصفه، لم يجز عند ~~ابن القاسم وأجازه عبد الملك بن حبيب. # فإن قال: اقبض لى المائة دينار التى على فلان، ولك عشرها، جاز عند ابن ~~القاسم وابن وهب. وعند أشهب لا يجوز. # فلو قال: اقبض دينى الذى على فلان، ولك من كل عشرة واحد، ولم يبين قدر ~~الدين، لم يجز عند ابن وهب. وأجازه ابن القاسم وأصبغ. # والذين منعوا الجواز فى ذلك جعلوه إجارة، والأجر فيها مجهول، والصحيح: أن ~~هذا ليس من باب الإجارات، بل من باب المشاركات، وقد نص أحمد على ذلك. # فاحتج على جواز دفع الثوب بالثلث والربع بحديث خيبر. وقد دلت السنة على ~~جواز ذلك، كما فى المسند والسنن عن رويفع بن ثابت، قال: "أن كان أحدنا فى ~~زمن رسول الله # PageV02P042 # صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ليأخذ نضو أخيه على أن له النصف مما يغنم ~~ولنا النصف، وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح". # وأصل هذا كله: أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم دفع أرض خيبر إلى ~~اليهود يعملونها بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع. وأجمع المسلمون على جواز ~~المضاربة. وأنها ms380 دفع ماله لمن يعمل عليه بجزء من ربحه. فكل عين تنمى ~~فائدتها من العمل عليها جاز لصاحبها دفعها لمن يعمل بجزء من ربحها. # فهذا محض القياس، وموجب الأدلة. وليس مع المانعين حجة، سوى ظنهم أن هذا ~~من باب الإجارات بعوض مجهول. وبهذا أبطلوا المساقاة والمزارعة. # واستثنى قوم بعض صورها، وقالوا: المضاربة على خلاف القياس، لظنهم أنها ~~إجارة بعوض عنده لم يعلم قدره. # وأحمد رحمه الله عنده هذا الباب كله أطيب وأحل من المؤاجرة، لأنه فى ~~الإجارة يحصل # PageV02P043 # على سلامة العوض قطعا، والمستأجر متردد بين سلامة العوض وهلاكه فهو على ~~خطر. وقاعدة العدل فى المعاوضات: أن يستوى المتعاقدان فى الرجاء والخوف. ~~وهذا حاصل فى المزارعة، والمساقاة، والمضاربة، وسائر هذه الصور الملحقة ~~بذلك، فإن المنفعة إن سلمت سلمت لهما، وإن تلفت عليهما، وهذا من أحسن ~~العدل. # واحتج المتأخرون من المانعين بحديث أبى سعيد الذى رواه الدارقطنى: # "نهى عن قفيز الطحان" وهذا الحديث لا يصح. وسمعت شيخ الإسلام يقول: هو ~~موضوع. # وحمله بعض أصحابنا على أن المنهى عنه طحن الصبرة لا يعلم كيلها بقفيز ~~منها، لأن ماعداه مجهول، فهو كبيعها إلا قفيزا منها، فأما إذا كانت معلومة ~~القفزان، فقال: اطحن هذه العشرة بقفيز منها، صح حبا ودقيقا. أما إذا كان ~~حبا فقد استأجره على طحن تسعة أقفزة بقفيز حنطة. وأما إذا كان دقيقا شاركه ~~فى ذلك على أن العشر للعامل وتسعة الأعشار للآخر، فيصير شريكه بالجزء ~~المسمى. # فإن قيل: فالشركة عندكم لا تصح بالعروض؟ # قيل: بل أصح الروايتين صحتها، وإن قلنا بالرواية الأخرى، فإلحاق هذه ~~بالمساقاة والمزارعة أولى بها من إلحاقها بالمضاربة على العروض، لأن ~~المضاربة بالعروض تتضمن التجارة والتصرف فى رقبة المال بإبداله بغيره، ~~بخلاف هذا. # فإن قيل: دفع حبه إلى من يطحنه بجزء منه مطحونا، أو غزله إلى من ينسجه ~~بجزء منه منسوجا يتضمن محذورين. # أحدهما: أن يكون طحن قدر الأجرة ونسجه مستحقا على العامل بحكم الإجارة، ~~ومستحقا له بحكم كونه أجرة، وذلك متناقض. فإن كونه مستحقا عليه يقتضى ~~مطالبة المستأجر ms381 به، وكونه مستحقا له يقتضى مطالبة المؤجر به. # الثانى: أن يكون بعض المعقود عليه هو العوض نفسه، وذلك ممتنع. # قيل: إنما نشأ هذا من ظن كونه إجارة، وقد بينا أنه مشاركة لا إجارة، ولو ~~سلم أنه # PageV02P044 # من باب المؤاجرة فلا تناقض فى ذلك، فإن جهة الاستحقاق مختلفة، فإنه مستحق ~~له بغير الجهة التى يستحق بها عليه، فأى محذور فى ذلك؟ # وأما كون بعض المعقود عليه يكون عوضا، فهو إنما عقد على عمله فالمعقود ~~عليه العمل والنفع بجزء من العين، وهذا أمر متصور شرعا وحسا. # فظهر أن صحة هذا الباب هى مقتضى النص والقياس، وبالله التوفيق. # وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة لتصحيح ذلك، إلا إذا خيف غدر أحدهما، ~~وإبطاله للعقد، والرجوع إلى أجرة المثل. # فالحيلة فى التخلص من ذلك: أن يدفع إليه ربع الغزل والحب، أو نصفه. ~~ويقول: انسج لى باقيه بهذا القدر، فيصيران شريكين فى الغزل والحب، فإذا ~~تشاركا فيه بعد ذلك صح، وكان بينهما على قدر ما شرطاه. # والعجب أن المانعين جوزوا ذلك على هذا الوجه، وجعلوه مشاركة لا مؤاجرة، ~~فهلا أجازوه من أصله كذلك؟ وهل الاعتبار فى العقود إلا بمقاصدها وحقائقها ~~[ومعانيها] ، دون صورها وألفاظها؟ وبالله التوفيق. # المثال الثانى والسبعون: إذا كان لرجل على رجل دين فتوارى عن غريمه، وله ~~هو دين على آخر. فأراد الغريم أن يقبض دينه من الدين الذى له على ذلك، لم ~~يكن له ذلك إلا بحوالة أو وكالة، وقد توارى عنه غريمه، فيتعذر عليه الحوالة ~~والوكالة. # فالحيلة له فى اقتضاء دينه من ذلك: أن يوكله، فيقول: وكلتك فى اقتضاء ~~دينى الذى على فلان، وبالخصومة فيه، ووكلتك أن تجعل ماله عليك قصاصا مما لى ~~عليه، وأجزت أمرك فى ذلك. فيقبل الوكيل، ويشهد عليه شهودا، ثم يشهد الوكيل ~~أولئك الشهود، أو غيرهم أن فلانا وكلنى بقبض ماله على فلان، وأن أجعله ~~قصاصا بما لفلان على، وأجاز أمرى فى ذلك، وقد قبلت من فلان ما جعل إلى من ~~ذلك، واشهدوا أنى قد جعلت الألف درهم ms382 التى لفلان على قصاصا بالألف التى ~~لفلان موكلى عليه، فتصير الألف قصاصا، ويتحول ما كان للرجل المتوارى على ~~هذا الوكيل للرجل الذى وكله. # المثال الثالث والسبعون: إذا كان لرجل على رجل مال فغاب الذى عليه المال. ~~وأراد # PageV02P045 # الرجل أن يثبت ماله عليه، حتى يحكم الحاكم عليه وهو غائب، جاز للحاكم أن ~~يحكم عليه فى حال غيبته مع بقائه على حجته فى أصح المذهبين. وهو قول أحمد ~~فى الصحيح عنه، ومالك، والشافعى. وعند أبى حنيفة لا يجوز الحكم على الغائب. ~~فإذا لم يكن فى الناحية إلا حاكم يرى هذا القول ويخشى صاحب الحق من ضياع ~~حقه. # فالحيلة له: أن يجئ برجل، فيضمن لهذا الرجل الذى له المال جميع ماله على ~~الرجل الغائب، ويسميه وينسبه، ويشهد على ذلك، ثم يقدمه إلى القاضى، فيقر ~~الضامن بالضمان، ويقول: قد ضمنت له ماله على فلان بن فلان، ولا أدرى كم له ~~عليه. ولا أدرى: له عليه مال، أم لا؟ فإن القاضى يكلف المضمون له أن يحضر ~~بينته على ذلك بماله على فلان فإذا أحضر البينة قبلها القاضى بمحضر من هذا ~~الضمين، وحكم على الغائب، وعلى هذا الضامن بالمال بموجب ضمانه، ويجعل ~~القاضى هذا الضمين بالمال خصما على الغائب، لأنه قد ضمن ما عليه. ولا يجوز ~~الحكم على هذا الضمين حتى يحكم على المضمون عنه. ثم يحكم بذلك على الضمين ~~لأنه فرعه، فما لم يثبت المال على الأصل لا يثبت على الفرع. # المثال الرابع والسبعون: إذا غصبه متاعا له، ويقر له فى السر بعينه. ~~ويجحده فى العلانية، ويريد تخليص ماله منه. # فالحيلة له: أن يبيعه ممن يثق به، ويشهد له على ذلك ببينة عادلة. ثم ~~يبيعه بعد ذلك من الغاصب. ويكون بين البيعين من المدة ما يعرفه الشهود ~~ليوقنوا بذلك عند الأداء، فإذا أشهد الغاصب بالبيع فى الوقت المعين جاء ~~الذى باع منه المغصوب قبله ببينته فيحكم له لسبق بينته فيرجع الغاصب على ~~المغصوب منه بالثمن الذى دفعه إليه فيسلم العين للمغصوب منه. وكذلك لو ~~أقربها ms383 المغصوب منه لرجل يثق به، ثم باعها بعد ذلك للغاصب، ثم جاء المقر له ~~فأقام بينة على الإقرار السابق. # فإن قيل: فلو خاف الغاصب من هذه الحيلة، وقال للمغصوب منه: لست أبتاع منك # PageV02P046 # هذه السلعة، خشية هذا الصنيع، ولكن آمر من يبتاعها منك لى، فأراد المغصوب ~~منه حيلة ترجع إليه بها سلعته. # فالحيلة: أن يبيعها أولا ممن يثق به، ولا يكتب فى كتاب هذا الشراء الثانى ~~قبض المشترى، فإنه إذا أقر وكيل الغاصب بقبض العين من المغصوب منه، ثم جاء ~~الرجل الذى كتب له المغصوب منه الشراء، كان أولى بها من وكيل الغاصب لأن ~~وقت شرائه أقدم، وإقراره بقبضها وتسليمها إلى الرجل المشترى لها أولا أولى، ~~ويرجع وكيل الغاصب على المغصوب منه بالثمن الذى دفعه إليه. # المثال الخامس والسبعون: إذا أقرضه مالا وأجله. لزم تأجيله على أصح ~~المذهبين، وهو مذهب مالك، وقول فى مذهب أحمد. والمنصوص عنه: أنه لا يتأجل، ~~كما هو قول الشافعى، وأبى حنيفة، ويدل على التأجيل قوله تعالى: {أوفوا ~~بالعقود} [المائدة: 1] وقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون} [الصف: 2- 3] وقوله ~~{وأوفوا بالعهد} [الإسراء: 34] . # وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "المسلمون عند شروطهم" وقوله: "آية ~~المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف" وقوله: "ينصب ~~لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة بقدر غدرته" وقوله: "لا تغدروا" وقوله: ~~"إن الغدر لا يصلح". وقوله فى صفة المنافق: "إذا وعد أخلف". # وإخلاف الوعد مما فطر الله العباد على ذمه واستقباحه، وما رآه المؤمنون ~~قبيحا فهو عند الله قبيح، وعلى هذا فلا حاجة إلى التحيل على لزوم التأجيل. # وعلى القول الأخر: قد يحتاج إلى حيلة يلزم بها التأجيل. # فالحيلة فيه: أن يحيل المستقرض صاحب المال بماله إلى سنة أو نحوها، بقدر ~~مدة التأجيل، فيكون المال على المحتال عليه إلى ذلك الأجل ولا يكون للطالب، ~~ولا لورثته على المستقرض سبيل، ولا على المحال عليه إلى الأجل. فإن ms384 الحوالة ~~تنقل الحق. # PageV02P047 # ولو أحال المحال عليه صاحب المال على رجل آخر إلى ذلك الأجل جازت ~~الحوالة، فإن مات المحال عليه الأول، لم يكن لصاحب المال على تركته سبيل، ~~ولا على المحال عليه الثانى. # المثال السادس والسبعون: إذا رهنه دارا أو سلعة على دين، وليس عنده من ~~يشهد على قدر الدين ويكتبه. # فالقول قول المرتهن فى قدره، ما لم يدع أكثر من قيمته هذا قول مالك: وقال ~~الشافعى، وأبو حنيفة، وأحمد: القول قول الراهن، وقول مالك هو الراجح. وهو ~~اختيار شيخنا، لأن الله سبحانه جعل الرهن بدلا من الكتاب يشهد بقدر الحق، ~~والشهود التى تشهد به، وقائما مقامه. فلو لم يقبل قول المرتهن فى ذلك بطلت ~~الوثيقة من الرهن، وادعى المرتهن أنه رهن على أقل شئ، فلم يكن فى الرهن ~~فائدة. والله سبحانه وتعالى قد قال فى آية المداينة [البقرة: 282] التى ~~أرشد بها عباده إلى حفظ حقوق بعضهم على بعض خشية ضياعها بالجحود، أو ~~النسيان، فأرشدهم إلى حفظها بالكتاب وأكد ذلك بأن أمرهم بكتابة الدين، وأمر ~~الكاتب أن يكتب، ثم أكد ذلك بأن نهاه أن يأبى أن يكتب. ثم أعاد الأمر بأن ~~يكتب مرة أخرى، وأمر من عليه الحق أن يملل، ويتقى ربه فلا يبخس من الحق ~~شيئا. فإن تعذر إملاؤه لسفهه أو صغره أو جنونه، أو عدم استطاعته، فوليه ~~مأمور بالإملاء عنه. فأرشدهم إلى حفظها باستشهاد شهيدين من الرجال أو رجل ~~وامرأتين. فأمرهم بالحفظ بالنصاب التام الذى لا يحتاج صاحب الحق معه إلى ~~يمين، ونهى الشهود أن يأبوا إذا دعوا إلى إقامة الشهادة. ثم أكد ذلك عليهم ~~بنهيهم أن يمتنعوا من كتابة الحقير والجليل من الحقوق، سآمة ومللا. وأخبر ~~أن ذلك أعدل عنده، وأقوم للشهادة. فيتذكرها الشاهد إذا عاين خطه فيقيمها. ~~وفى ذلك تنبيه على أن له أن يقيمها إذا رأى خطه وتيقنه. وإلا لم يكن ~~بالتعليل بقوله {وأقوم للشهادة} [البقرة: 282] فائدة. # وأخبر أن ذلك أقرب إلى اليقين، وعدم الريب. ثم رفع عنهم الجناح بترك ~~الكتابة # PageV02P048 # إذا كان بيعا ms385 حاضرا فيه التقايض من الجانبين، يأمن به كل واحد من ~~المتبايعين من جحود الآخر ونسيانه. ثم أمرهم مع ذلك بالإشهاد إذا تبايعوا، ~~خشية الجحود وغدر كل واحد منهما بصاحبه فإذا أشهدا على التبايع أمنا ذلك. ~~ثم نهى الكاتب والشهيد عن أن يضارا، إما بأن يمتنعا من الكتابة والشهادة ~~تحملا وأداء، أو أن يطلبا على ذلك جعلا يضر بصاحب الحق، أو بكتم الشاهد بعض ~~الشهادة، أو يؤخر الكتابة والشهادة تأخيرا يضر بصاحب الحق، أو يمطلاه، ونحو ~~ذلك، أو هو نهى لصاحب الحق أن يضار الكاتب والشهيد، بأن يشغلهما عن ~~ضرورتهما وحوائجهما، أو يكلفهما من ذلك ما يشق عليهما. ثم أخبر أن ذلك فسوق ~~بفاعله. فهذا كله عند القدرة على الكتاب والشهود. ثم ذكر ما تحفظ به الحقوق ~~عند عدم القدرة على الكتاب والشهود، وهو السفر فى الغالب، فقال سبحانه: ~~{وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] . # فدل ذلك دلالة بينة أن الرهان قائمة مقام الكتاب والشهود، شاهدة مخبرة ~~بالحق، كما يخبر به الكتاب والشهود. وهذا، والله أعلم، سر تقييد الرهن ~~بالسفر، لأنه حال يتعذر فيها الكتاب الذى ينطق بالحق غالبا، فقام الرهن ~~مقامه، وناب منابه، وأكد ذلك بكونه مقبوضا للمرتهن حتى لا يتمكن الراهن من ~~جحده. فلا أحسن من هذه النصيحة، وهذا الإرشاد والتعليم، الذى لو أخذ به ~~الناس لم يضع فى الأكثر حق أحد، ولم يتمكن المبطل من الجحود والنسيان. فهذا ~~حكمه سبحانه المتضمن لمصالح العباد فى معاشهم ومعادهم. # والمقصود: أنه لو لم يقبل قول المرتهن على الراهن فى قدر الدين لم يكن ~~وثيقة ولا # PageV02P049 # حافظا لدينه، ولا بدلا من الكتاب الشهود، فإن الراهن يتمكن من أخذه منه، ~~ويقول: إنما رهنته منه على ثمن درهم ونحوه، ومن يجعل القول قول الراهن، ~~فإنه يصدقه على ذلك ويقبل قوله فى رهن الربع والضيعة على هذا القدر. فالذى ~~نعتقده وندين الله به: هو قول أهل المدينة. فإذا أراد الرجل حفظ حقه، وخاف ~~أن يقع التحاكم عند حاكم لا يرى هذا ms386 المذهب. # فالحيلة فى قبول قوله: أن يسترهنه المرتهن على قيمته، ويدفع إليه ما ~~اتفقا عليه، ويشهد الراهن أن الباقى من قيمته أمانة عنده، أو قرض فى ذمته ~~يطالبه به متى شاء، فيتمكن كل واحد منهما من أخذ حقه، ويأمن ظلم الآخر له، ~~والله أعلم. # المثال السابع والسبعون: إذا كان لرجل على رجل ألف درهم، وفى يده رهن ~~بالألف، فطالب صاحب الدين الغريم بالألف، وقدمه إلى الحاكم، وقال: لى على ~~هذا ألف درهم، وخاف أن يقول: وله عندى رهن بالألف وهو كذا وكذا. فيقول ~~الغريم: ماله على هذه الألف التى يدعيها، ولا شئ منها، وهذا الذى ادعى أنه ~~لى رهن فى يده هو لى، كما قال، ولكنه ليس برهن، بل وديعة، أو عارية، فيأخذه ~~منه ويبطل حقه. # فالحيلة فى أمنه من ذلك: أن يدعى بالألف، فيسأل الحاكم المطلوب عن المال، ~~فإما أن يقر به، وإما أن ينكره، فإن أقر به وادعى أن له رهنا لزمه المال ~~ودفع الرهن إلى صاحبه، أو بيع فى وفائه. وإن أنكره وقال: ليس له على شئ، ~~ولى عنده تلك العين: إما الدار وإما الدابة. فليقل صاحب الحق للقاضى: سله ~~عن هذا الذى يدعى على: على أى وجه هو عندى؟ أعارية، أم غصب أم وديعة، أم ~~رهن؟ فإن ادعى أنه فى يده على غير وجه الرهن حلف على إبطال دعواه، وكان ~~صادقا، وإن ادعى أنه فى يده على وجه الرهن، قال للقاضى: سله: على كم هو ~~رهن؟ فإن أقر بقدر الحق أقر له بالعين، وطالب بحقه. وإن جحد بعضه حلف على ~~نفى ما ادعاه، وكان صادقا. # المثال الثامن والسبعون: إذا باعه سلعة ولم يقبضه إياها، أو أجره دارا ~~ولم يتسلمها، أو زوجه ابنته ولم يسلمها إليه. ثم ادعى عليه بالثمن، أو ~~الأجرة، أو المهر، فخاف إن أنكر أن يستحلفه، أو يقيم عليه البينة بجريان ~~هذه العقود، وإن أقر لزمه ما ادعى عليه به. # PageV02P050 # فالحيلة فى تخلصه: أن يقول فى الجواب: إن ادعيت هذا المبلغ من ثمن مبيع ms387 ~~لم أقبضه، أو إجارة دار لم تسلمها إلى، أو نكاح امرأة لم تسلمها إلى، أو ~~كانت المرأة هى التى ادعت فقال: إن ادعيت هذا المبلغ من مهر أو كسوة أو ~~نفقة من نكاح لم تسلمى إلى نفسك فيه، ولم تمكنينى من استيفاء المعقود عليه ~~فأنا مقر به. وإن كان غير ذلك فلا أقر به. وهذا جواب صحيح يتخلص به. # فإن قيل: فهذا تعليق للإقرار بالشرط، والإقرار لا يصح تعليقه، كما لو ~~قال: إن شاء الله، أو إن شاء زيد، فله على ألف. # قيل: بل يصح تعليق الإقرار بالشرط فى الجملة، كقوله: إذا جاء رأس الشهر ~~فله على ألف، فهذا إقرار صحيح، ولا يلزمه قبل مجيء الشهر، وكذا لو قال: إن ~~شهد فلان على بما ادعاه صدقته، صح التعليق. فإذا شهد به عليه فلان كان مقرا ~~به، ولا فرق بين تقديم الشرط وتأخيره، كما فى تعليق الطلاق والعتاق والخلع. # وفيه وجه آخر: أنه إن أخر الشرط لم ينفعه، وكان إقرارا ناجزا. وهذا ضعيف ~~جدا، فإن الكلام بآخره، ولو بطل الشرط الملحق به لبطل الاستثناء والبدل ~~والصفة، فإن ذلك يغير الكلام، ويخرجه من العموم إلى الخصوص. والشرط يخرجه ~~من الإطلاق إلى التقييد، فهو أولى بالصحة. # وقد جاء تأخير الشرط فى القرآن فيما هو أبلغ من الإقرار. كقوله تعالى، ~~حاكيا عن نبيه شعيب أنه قال لقومه: {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا فى ~~ملتكم} [الأعراف: 89] . # وقد وافق صاحب هذا الوجه على أنه إذا قال: له على ألف درهم إذا جاء رأس ~~الشهر: أنه يصح، وجها واحدا. وهذا يبطل تعليله بأن إلحاق الشرط بعد الخبر ~~كالرجوع عن الإقرار. وعلى هذا فلو قال: له على ألف مؤجلة، صح الإقرار ولزمه ~~الألف مؤجلا. # وقيل: القول قول خصمه فى حلوله، وشبهة هذا: أنه مقر بالدين مدع لحلوله ~~وهذا ظاهر البطلان، فإنه إنما أقر به على هذه الصفة فلا يجوز إلزامه به ~~مطلقا، كما لو وصفها بنقد غير النقد الغالب، أو استثنى منها شيئا. # PageV02P051 # وكذلك لو قال: ms388 له على ألف من ثمن مبيع لم أقبضه، أو أجرة عن دار لم ~~أتسلمها، أو قال: هلك قبل التمكن من قبضه، على أصح الوجهين، لأنه إنما أقر ~~به على هذه الصفة، فلا يجوز إلزامه به مطلقا. # وكذا لو قال: كان له على ألف فقصيته، لم يلزمه، لأنه إنما أقر به فى ~~الماضى، لا فى الآن، هذا منصوص أحمد، وليس الكلام بمتناقض فى نفسه، فيكون ~~بمنزلة قوله: له على ألف لا تلزمنى. والفرق بين الكلامين أظهر من أن يحتاج ~~إلى بيان. # وعن أحمد رواية أخرى: أنه مقر بالحق مدع لقضائه، فلا يقبل منه إلا ببينة. ~~وهذا قول الأئمة الثلاثة. # وعنه رواية ثالثة: أن هذا ليس بجواب صحيح، فيطالب برد الجواب. # وعلى هذا، فإذا قال: له على ألف قضيته إياه. ففيه ثلاث روايات منصوصات. # إحداهن: أنه غير مقر، كما لو قال: كان له على. # والثانية: أنه مقر مدع للقضاء، فلا يقبل منه إلا ببينة. # والثالثة: أنه لا يسمع منه دعوى القضاء، ولو أقام به بينة. بل يكون مكذبا ~~لها، وعلى هذا إذا قال: كان له على، ولم يزد على هذا فهو مقر. # وخرج أنه غير مقر من نصه، على أنه إذا قال: كان له على وقضيته: أنه غير ~~مقر، وهو تخريج فى غاية الصحة، فإن أحمد لم يجعله غير مقر من قوله: وقضيته. ~~فإن هذا دعوى منه للقضاء، وإنما جعله كذلك من جهة أنه أخبر عن الماضى، لا ~~عن الحال، فلا يلزم بكونه فى ذمته فى الحال، وهو لم يقربه. # والمقصود: أن المدعى عليه إذا كان مظلوما، فالحيلة فى تخلصه، أن يقول: إن ~~ادعيت كذا من جهة كذا وكذا، فأنا غير مقر به، وإن ادعيته من جهة كذا وكذا ~~فأنا مقر به، كان جوابا صحيحا، ولم يكن مقرا على الإطلاق. # المثال التاسع والسبعون: قال أصحابنا: لا يملك البائع حبس المبيع على قبض ~~ثمنه، بل يجبر على تسليمه إلى المشترى، ثم إن كان الثمن معينا فتشاحنا فى ~~المبتدئ بالتسليم، جعل بينهما عدل يقبض ms389 منهما، ويسلم إليهما. وإن كان دينا ~~أجبر البائع على التسليم، ثم يجبر # PageV02P052 # المشترى على دفع الثمن. فإن كان ماله غائبا عن المجلس حجر عليه فى ماله ~~كله حتى يسلم الثمن. وإن كان غائبا عن البلد فوق مسافة القصر، ثبت للبائع ~~الفسخ. وإن كان دونها، فهل يحجر عليه، أو يثبت للبائع الفسخ؟ على وجهين. ~~وإن كان المشترى معسرا، فللبائع الفسخ والرجوع فى عين ماله. هذا منصوص ~~أحمد، والشافعى. # وللشافعية وجه: أنه تباع السلعة، ويقضى دينه من ثمنها. فإن فضل له فضل ~~أخذه وإن فضل عليه شئ استقر فى ذمته. # والصحيح: أن البائع يملك حبس السلعة على الثمن، حتى يقبضه، هذا هو موجب ~~العدل، وإلا ففى تمكين المشترى من القبض قبل الإقباض إضرار بالبائع، فإنه ~~قد يتلف المبيع بأن يكون طعاما أو شرابا فيستهلكه، ويتعذر أو يتعسر عليه ~~مطالبته بالثمن فيضر به ولا يزول ضرره إلا بحبس المبيع على ثمنه. # وعلى هذا، لو دفع الثمن إلا درهما منه، فله حبس المبيع كله على باقى ~~الثمن، كما نقول فى الرهن. # وفيه قول آخر: أنه يملك أن يتسلم من المبيع بقدر ما دفع من الثمن، لأن كل ~~جزء من المبيع فى مقابلة كل جزء من أجزاء الثمن، فإذا سلم بعض الثمن ملك ~~تسليم ما يقابله. والفرق بينه وبين الرهن: أن الرهن ليس بعوض من الدين. ~~وإنما هو وثيقة، فملك حبسه إلى أن يستوفى جميع الدين. والأول هو الصحيح، ~~لأنه إنما رضى بإخراج المبيع من ملكه إذا سلم له جميع الثمن، ولم يرض ~~بإخراجه، ولا إخراج شئ منه ببعض الثمن. # فإذا خاف البائع أن يجبر على التسليم، ثم يحال على تقاضى المشترى. # فالحيلة له فى الأمن من ذلك: أن يبيعه العين بشرط أن يرتهنها على ثمنها، ~~ويجوز شرط الرهن والضمين فى عقد البيع، ويصح رهنه قبل قبضه على ثمنه فى أصح ~~الوجهين، كما يصح رهنه قبل القبض بدين آخر غير ثمنه، ومن غير البائع، بل ~~رهنه على ثمنه أولى. فإنه يملك حبسه على الثمن بدون ms390 الرهن كما تقدم، فلأن ~~يصح حبسه على الثمن رهنا أولى وأحرى. # وأيضا. فإذا جاز التصرف فيه بالرهن من الأجنبى قبل القبض، فجوازه من ~~البائع أولى. # PageV02P053 # لأن المشترى يملك من التصرف مع البائع قبل القبض بالإقالة وغيرها مالا ~~يملكه مع الأجنبى، ومن منع رهنه على ثمنه قبل قبضه لزمه أن يمنع رهنه على ~~غير الثمن، أو من الأجنبى. # فإن قيل: الفرق بينهما: أنه قبل القبض عرضة للتلف، فيكون من ضمان البائع، ~~وكونه رهنا يقتضى أن يكون من ضمان راهنه، فتنافى الأمران، حيث يكون مضمونا ~~له ومضمونا عليه من جهة واحدة. وهذا بخلاف رهنه من أجنبى قبل القبض. فإنه ~~يكون مضمونا عليه للأجنبى ومضمونا له من البائع، ولا تنافى بين أن يكون ~~مضمونا له من شخص، ومضمونا عليه لغيره. كالعين المؤجرة إذا أجرها المستأجر، ~~صارت المنافع مضمونة عليه للمستأجر الثانى، ومضمونة له من المؤجر الأول. ~~وكذلك الثمار إذا بدا صلاحها جاز للمشترى بيعها، وهى مضمونة له على البائع ~~الأول، ومضمونة عليه للمشترى الثانى. # فإن قيل: هذا هو الفرق الذى بنى عليه هذا القول، ولكن يقال: أى محذور فى ~~ذلك، وأن يكون مضمونا له وعليه؟ وقولكم: إن ذلك من جهة واحدة، ليس كذلك، ~~فإنه مضمون له من جهة كونه مشتريا، فهو من ضمان البائع حتى يمكنه من قبضه، ~~ومضمونا عليه من جهة كونه راهنا، فإذا تلف تلف من ضمانه، حتى لو اتحدت ~~الجهة لم يكن فى ذلك محذور بحيث يكون مضمونا له وعليه من جهة واحدة، كما ~~قلتم: إنه يجوز للمستأجر إجارة ما استأجره لمؤجره، فتكون المنافع مضمونة ~~عليه وله، فأى محذرو فى ذلك؟ # فإن قيل: فإذا تلف هذا الرهن، فمن ضمان من يكون؟ فالبائع يقول للمشترى: ~~يتلف من ضمانك، لأنه رهن. والمشترى يقول: يتلف من ضمانك، لأنه مبيع لم ~~يقبض، وليس أحدهما بترجيح جانبه أولى من الآخر. # قيل: بل يكون تلفه من ضمان البائع، لأن ضمانه أسبق من ضمان الراهن، لأنه ~~لما باعه كان من ضمانه حتى يسلمه، فحبسه على ثمنه لا ms391 يسقط عنه ضمانه، كما ~~لو حبس من غير ارتهان فارتهانه إياه لم يسقط عنه ما لزمه بعقد البيع من ~~التسليم، فإنه إنما احتاط لنفسه # PageV02P054 # بعقد الرهن، والراهن لم يتعوض عن الرهن بدين يكون الرهن فى مقابلته، فإذا ~~تلف كان قد انتفع بالدين الذى أخذه فى مقابلة الرهن. # فإن أراد الحيلة فى تصحيح الرهن والوثيقة، وأن لا يعرضه للبطلان. # فالحيلة له: أن يقبضه من البائع، تم يرهنه إياه على ثمنه بعد قبضه، فيصح ~~الرهن، ولا يتوالى هناك ضمانان، فإذا تلف بعد ذلك تلف من ضمان المشترى، ولا ~~يسقط الثمن عنه، فإن خاف البائع أن يغيب المشترى، أو يؤخر فكاك الرهن، كتب ~~كتابا وأشهد فيه شهودا: أنه إن مضى وقت كذا وكذا ولم يفتك الرهن فقد أذن له ~~فى بيعه وقبض دينه من ثمنه، وما بقى منه فهو أمانة فى يده. # فإن خاف أن يبطل هذه الوكالة من يرى أنه لا يصح تعليقها بالشرط. كتب فى ~~الكتاب: أنه قد وكله الآن، ويعلق تصرفه فيه بالبيع بمجيء الوقت فيعلق ~~التصرف، وينجز التوكيل. # فإن خاف أن يعز له الموكل فلا ينفذ تصرفه فيه. # فالحيلة له: أن يوكل وكالة دورية، عند من يرى ذلك، فيقول: وكلما عزلته ~~فقد وكلته، وإن شاء أن يقول: وكلته وكالة لا تقبل العزل، وإن شاء أن يقول: ~~على أنى متى عزلته فلا حق لى عنده ولا دعوى، وما ادعيته عليه من جهة كذا ~~وكذا فدعواى باطلة، والله أعلم. # المثال الثمانون: إذا ادعت عليه المرأة أنه لم ينفق عليها، ولم يكسها مدة ~~مقامها معه أو سنين كثيرة، والحس والعرف يكذبها، لم يحل للحاكم أن يسمع ~~دعواها، ولا يطالبه برد الجواب، فإن الدعوى إذا ردها الحس والعادة المعلومة ~~كانت كاذبة. # وفى الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "من ادعى دعوى كاذبة ~~ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة". # وفى الصحيح أيضا عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "من ادعى ما ليس له ~~فليس منا # PageV02P055 # وليتبوأ مقعده من النار". # فلا ms392 يجوز لأحد. حاكم ولا غيره، أن يساعد من ادعى ما يشهد الحس والعرف ~~والعادة أنه ليس له، وأن دعواه كاذبة، ففى سماع دعواه وإحضار المدعى عليه ~~وإحلافه أعظم مساعدة ومعاونة على ما يكذبه الحس والعادة. # ثم كيف يسع الحاكم أن يقبل قول المرأة: أنها هى التى كانت تنفق على ~~نفسها، وتكسو نفسها هذه المدة كلها، مع شهادة العرف والعادة المطردة ~~بكذبها؟ ولا يقبل قول الزوج: أنه هو الذى كان ينفق عليها ويكسوها، مع شهادة ~~العرف والعادة له، ومشاهدة الجيران وغيرهم له: أنه كل وقت يدخل إلى بيته ~~الطعام والشراب والفاكهة، وغير ذلك. فكيف يكذب من معه مثل هذه الشهادة، ~~ويقبل قول من يكذب دعواه ذلك؟ وكيف يمكن الزوج أن يتخلص من مثل هذا البلاء ~~الطويل، والخطب الجليل إلا بأن يشهد كل يوم بكرة وعشية شاهدى عدل على ~~الإنفاق وعلى الكسوة. أو يفرض لها كل شهر بكرة وعشية شاهدى عدل على الإنفاق ~~وعلى الكسوة. أو يفرض لها كل شهر دراهم معلومة يقبضها إياها بإشهاد؟. ثم ~~إما أن يمكنها أن تخرج من بيته كل وقت تشترى لها ما يقوم بمصالحها، أو ~~يتصدى هو لخدمتها، وشراء حوائجها، فيكون هو العانى الأسير المملوك، وهى ~~المالكة الحاكمة عليه. وكل هذا ضد ما قصده الشارع من النكاح: من الألفة ~~والمودة، والمعاشرة بالمعروف. فإن هذه المعاشرة من أنكر المعاشرة، وأبعدها ~~من المعروف. # ثم من العجب: أنها إذا ادعت الكسوة والنفقة لمدة مقامها عنده، فقال الزوج ~~للحاكم: سلها: من أين كانت تأكل، وتشرب، وتلبس؟ فيقول الحاكم: لا يلزمها ~~ذلك!!. # فيالله العجب: إذا كانت غير معروفة بالدخول والخروج، ولا يمكن الزوج أحدا ~~يدخل عليها، وهى فى منزله عدد سنين، تأكل، وتشرب، وتلبس، كيف لا يسألها ~~الحاكم: من الذى كان يقوم لك بذلك؟ فمتى سأل الزوج سؤالها وجب عليه ذلك. ~~ومتى تركه كان تاركا # PageV02P056 # للحق؟ فإن سمت أجنبيا غير الزوج كلفها الحاكم البينة على ذلك، وإن قالت: ~~أنا الذى كنت أطعم نفسى وأكسوها فى هذه المدة، كان كذبها معلوما، ولم ms393 يقبل ~~قولها، فإن النفقة والكسوة واجبان على الزوج، وهى تدعى أنها هى التى قامت ~~عنه بهذا الواجب وأدته من مالها، وهو ويدعى أنه هو الذى فعل هذا الواجب، ~~وقام به، وأسقطه عن نفسه، ومعه الظاهر والأصل. # أما الظاهر: فلا يمكن عاقلا أن يكابر فيه، بل هو ظاهر ظهورا قريبا من ~~القطع بل يقطع به فى حق أكثر الناس. # وأما الأصل: فهو أيضا من جانب الزوج. فإنهما قد اتفقا على القيام بواجب ~~حقها، وهى تضيف ذلك إلى نفسها، أو إلى أجنبى، وهو يدعى أنه هو الذى قام ~~بهذا الواجب، فقد اتفقا على وصول النفقة والكسوة إليها، وهى تقول: كان ذلك ~~بطريق البدل والنيابة عنك. وهو يقول: لم يكن بطريق النيابة، بل بطريق ~~الأصالة. # وهذا بخلاف ما إذا لم يعلم وصول الحق إلى مستحقه كالديون والأعيان ~~المضمونة، فإن قبول قول المنكر متوجه ومعه الأصل. # ونظيره: أن يعترف بقضاء الدين ووصوله إليه، ثم ينكر أن يكون وصل إليه من ~~جهة من عليه الدين. فيقول: وصل إلى الدين الذى لى، لكن ليس من جهتك، بل ~~غيرك أداه عنك. فهل يقبل قوله هاهنا أحد؟ ويقال: الأصل بقاء الدين فى ~~ذمته؟. # وهذا نظير مسألة الإنفاق سواء بسواء، فإنها مقرة بوصول النفقة إليها، ولو ~~أنكرتها لكذبها الحس، ومدعية أن وصول ذلك إلى لم يكن من جهتك، فدعواها ~~تخالف الأصل والظاهر جميعا. ولهذا لا يقبلها مالك، وفقهاء أهل المدينة، ~~وقولهم هو الصواب والحق الذى ندين الله به، ولا نعتقد سواه. # وأى قبيح أعظم من دعوى امرأة على الزوج ترك النفقة والكسوة ستين سنة أو ~~أكثر وهى لا تدخل ولا تخرج، ولا يمكنها أن تعيش عيش الملائكة، فيطالب الزوج ~~بنفقة جميع المدة التى ادعت ترك الإنفاق فيها، وقد تستغرق جميع ماله وداره ~~وثيابه ودوابه. فيؤخذ # PageV02P057 # ذلك كله منه، ويحبس على الباقى، ويجعل دينا مستقرا فى ذمته، تطالبه به ~~متى شاءت. وهى تعلم كذب دعواها، ووليها يعلم ذلك، وجيرانها والله وملائكته، ~~والذى يساعدها ويخاصم عنها. # ولما علم فقهاء العراق، كأبى ms394 حنيفة وأصحابه، ما فى ذلك من الشر والفساد، ~~والضرر الذى لا تأتى به شريعة. أسقطوا النفقة والكسوة عن الزوج بمضى ~~الزمان. فلم يسمعوا دعوى المرأة بذلك. كما يقوله منازعوهم فى نفقة القريب، ~~فنفسوا الخناق عن الأزواج بهذا القول، وأشموهم رائحة الحياة، ونفسوا عنهم ~~بعض الكرب. # ولقد أقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعد أن أرسله الله ~~تعالى إلى الناس ثلاث عشرة سنة بمكة، وعشرا بالمدينة، فما ألزم زوجا قط ~~بنفقة وكسوة ماضية، ولا ادعتها عنده امرأة. وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده، ~~وكذلك عصر الصحابة جميعهم، وعصر التابعين، ولا حبس على عهده وعهد أصحابه ~~وتابعيهم رجل واحد على ذلك. ولا على صداق امرأته، مع صيانة نسائهم، ولزومهن ~~بيوتهن، وعدم تبرجهن وتزينهن وخروجهن فى الأسواق والطرقات. والأزواج فى ~~الحبوس، وهن مسيبات يخرجن ويذهبن حيث أردن. فوالله لو رأى هذا رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لشق عليه غاية المشقة ولعظم عليه وعز عليه، ~~ولكان إلى دفعه وإنكاره أسرع منه إلى غيره. وبالجملة فالدعوى، إذا كانت مما ~~تردها العادة والعرف والظاهر لم يجز سماعها. # ومن هاهنا قال أصحاب مالك: إذا كان رجل حائزا لدار، متصرفا فيها مدة ~~السنين الطويلة، بالبناء والهدم، والإجارة والعمارة وينسبها إلى نفسه، ~~ويضيفها إلى ملكه، وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة، وهو ~~مع ذلك لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له فيها حقا ولا مانع يمنعه من ~~مطالبته: من خوف سلطان، أو نحو ذلك من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق، ~~ولا بينه وبين المتصرف فى الدار قرابة، ولا شركة فى ميراث، وما أشبه ذلك ~~مما يتسامح به القرابات وذوو الصهر بينهم فى إضافة أحدهم أموال الشركة إلى ~~نفسه، بل كان عريا عن ذلك كله، ثم جاء بعد طول هذه المدة # PageV02P058 # يدعيها لنفسه، ويزعم أنها له، ويريد أن يقيم بذلك بينة. فدعواه غير ~~مسموعة أصلا، فضلا عن بينة، وتقر الدار بيد حائزها. # قالوا: لأن كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها مرفوضة، ms395 غير ~~مسموعة قال تعالى: # {وأمر بالعرف} [الأعراف: 199] . # وأوجبت الشريعة الرجوع إليه عند الاختلاف فى الدعاوى وغيرها. # قلت: ومما يدل على ذلك: أن الظن المستفاد من هذا الظاهر أقوى بكثير من ~~الظن المستفاد من شاهدين، أو شاهد ويمين، أو مجرد النكول، أو الرد. # وأيضا، فإن البينة على المدعى، والبينة هى كل ما يبين الحق، والعرف ~~والعادة والظاهر القوى الذى إن لم يقطع به فهو أقرب إلى القطع، يدل على صدق ~~الزوج، وكذب المرأة فى إمساكها عن كسوتها والإنفاق عليها مدة سنين متطاولة، ~~ولا يدخل عليها أحد، ولا هى ممن تخرج تشترى لها ما تأكل وتلبس. # فالشريعة جاءت بما يعرف لا بما ينكر، وقد أخبر الله سبحانه أن للزوجة مثل ~~الذى عليها بالمعروف، وليس من المعروف إلزام الزوج بنفقة ستين سنة وكسوتها، ~~واجتياح ماله كله، وسلبه نعمة الله عليه، وجعله مسكينا ذا متربة، وجعله ~~أسيرا لها، ينافى ما ادعت به، بل هذا من أنكر المنكر، ومما يراه المسلمون، ~~بل وغير المسلمين، قبيحا. # وأيضا: فالرجل له ولاية الإنفاق على زوجته، كما له ولاية حبسها ومنعها من ~~الخروج من بيته، فالشارع جعل إليه ذلك، وأمره أن يقوم على المرأة ولا يؤتها ~~ماله بل يرزقها ويكسوها فيه، وجعلها الله سبحانه فى ذلك بمنزلة الصغير ~~والمجنون مع وليه، كما قال تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل ~~الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم} [النساء: 5] . # قال ابن عباس: لا تعمد إلى مالك الذى خولك الله وجعله لك معيشة، فتعطيه ~~امرأتك وبنيك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك فى كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم. ~~فالسفهاء هم النساء والصبيان وقد جعل الله سبحانه الأزواج قوامين عليهم، ~~كما جعل ولى الطفل قواما عليه والقوام على غيره أمين عليه. ومن قبل قول ~~الزوجة أو الطفل بعد # PageV02P059 # البلوغ فى عدم إيصال النفقة إليهما، فقد جعلهما قوامين على الأزواج ~~والأولياء، ولو لم يقبل قول الزوج لم يكن قواما على المرأة. فإن المرأة إذا ~~كانت غريما مقبول القول دون الزوج، كانت هى القوامة. # وبالجملة فللرجل على امرأته ms396 ولاية، حتى فى مالها، فإن له أن يمنعها من ~~التبرع به لأنه إنما بذل لها المهر لمالها ونفسها، فليس لها أن تتصرف فى ~~ذلك بما يمنع الزوج من كمال استمتاعه، وقد سوى النبى صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم بين نفقة الزوجات، ونفقة المماليك، وجعل المرأة عانية عند الزوج، ~~والعانى: هو الأسير، وهو نوع من الرق، فقال فى المرأة: "تطعمها مما تأكل، ~~وتكسوها مما تلبس". # وكذلك قال فى الرقيق سواء، فهو أمير على نفقة امرأته ورقيقه، وأولاده، ~~بحكم قيامه عليهم، ولم يوجب الله سبحانه على الأزواج تمليك النساء طعاما ~~وإداما، ولا دراهم أصلا، وإنما أوجب إطعامهن وكسوتهن بالمعروف، وإيجاب ~~التمليك مما لم يدل عليه كتاب ولا سنة، ولا إجماع. # PageV02P060 # وكذلك فرض النفقة وتقديرها بدراهم، لا أصل له من كتاب، ولا سنة، ولا قول ~~صحابى ولا تابعى، ولا أحد من الأئمة الأربعة. # فإن الناس لهم قولان، منهم من يرى تقديرها بالحب كالشافعى، ومنهم من ~~يردها إلى العرف، وهم الجمهور، ولا يعرف عن أحد من السلف والأئمة تقديرها ~~بالدراهم البتة. # ثم أن فيه إيجاب المعاوضة على الواجب لها بغير رضا الزوج، ومن غير اعتبار ~~كون الدراهم قيمة الواجب لها من الحب، أو الواجب بالعرف، ففرض الدراهم ~~مخالف لهذا وهذا، ولأقوال جميع السلف والأئمة، وفيه من الفساد ما لا يحصيه ~~إلا الله. فإنه إن مكن المرأة تخرج كل وقت تشترى لها طعاما وإداما دخل على ~~الزوج والزوجة من الشر والفساد ما يشهد به العيان، وإن منعها من الخروج أضر ~~بها وبالزوج، وجعله كالأجير والأسير معها. # وبالجملة: فمبنى الحكم فى الدعاوى على غلبة الظن المستفاد من براءة الأصل ~~تارة ومن الإقرار تارة، ومن البينة تارة، ومن النكول مع يمين الطالب ~~المردودة. أو بدونها وهذا كله مما يبين الحق ظاهرا فهو بينة، وتخصيص البينة ~~بالشهود عرف خاص، وإلا فالبينة اسم لما يبين الحق. فمن كان ظن الصدق من ~~جانبه أقوى كان بالحكم أولى ولهذا قدمنا جانب المدعى عليه، حيث لا بينة ولا ~~إقرار، ولا نكول، ms397 ولا شاهد حال استنادا إلى الظن المستفاد من البراءة ~~الأصلية. فإذا كان فى جانب المدعى بينة شرعية قدم، لقوة الظن فى جانبه ~~بالبينة. # وكذلك إذا كان فى جانبه قرينة ظاهرة، كاللوث قدم جانبه. # ولذلك قدم جانبه فى اللعان، إذا نكلت المرأة، فإنها ترجم بأيمانه. لقوة ~~الظن فى جانبه بإقدامه على اللعان، مع نكول المرأة عن دفع الحد والعار عنها ~~باليمين. # PageV02P061 # وقد أجمع الناس على جواز وطء المرأة التى تزف إلى الزوج ليلة العرس، وإن ~~لم يكن رآها، ولا وصفت له، من غير اشتراط شاهدى عدل يشهدان أنها هى امرأته ~~التى وقع عليها العقد، اكتفاء بالظن الغالب، بالقطع المستفاد من شاهد ~~الحال. # وكذلك يجوز الأكل من الهدى المنحور إذا كان بالفلاة، ولا أحد عنده، ~~اكتفاء بشاهد الحال. # وكذلك درج السلف والخلف على جواز أكل الفقير مما يدفعه إليه الصبى ويخرجه ~~من البيت: من كسرة ونحوها، اعتمادا على شاهد الحال. # وكذلك يكتفى بشاهد الحال فى بيع المحقرات بالمعاطاة. وهو عمل الأمة قديما ~~وحديثا. # واكتفى الشارع بسكوت البكر فى الاستئذان، وجعله دليلا على رضاها، اكتفاء ~~بشاهد الحال. # واكتفت الأمة فى الاعتماد على المعاملات، والهدايا، والتبرعات، بكونها ~~بيد الباذل، لأن دلالتها على ملكه تورث ظنا ظاهرا. # واكتفت بمعاملة مجهول الحرية والرشد، وإقراره، وأكل طعامه، وقبول هديته ~~وإباحة الدخول إلى منزله، اعتمادا على شاهد الحال والظن الغالب. # واكتفى الشارع بقول الخارص. الواحد فى محل الظن، والخرص، نظرا إلى الظن ~~المستفاد من خرصه. # واكتفت الأمة بقول المقومين فيما دق وجل، اعتمادا على الظن المستفاد من ~~تقويمهم. # وقد اكتفى الشارع بتقويم اثنين فى جزاء الصيد. واكتفى بواحد فى الخرص # PageV02P062 # واكتفى بواحد فى رؤية هلال رمضان. # واكتفت الأمة بقول القاسم وحده، أو بقول اثنين، وكذلك القائف، أو ~~القائفين. واكتفت بقول المؤذن الواحد. # وقد اكتفى كثير من الفقهاء بانتساب الصغير، وميل طبعه إلى من ادعاه، من ~~رجلين أو أكثر، اعتمادا على الظن المستفاد من ميل طبعه، وهو من أضعف ~~الظنون، ولذلك كان فى آخر رتب الإلحاق عندهم، عند عدم ms398 القائف. # وكذلك الاعتماد فى وجوب دفع اللقطة، أو جوازه، على الظن المستفاد من وصف ~~الواصف لها. # وكذلك الاعتماد على أمارات الطهارة، والنجاسة. والقبلة، والاعتماد على ~~قول الكيال والوزان. # وقال كثير من الفقهاء: يحبس المدعى عليه بشهادة المستورين، إلا أن يعدلا، ~~إذ الغالب من المستورين العدالة. فاستجازوا عقوبة الرجل المسلم يمثل هذا ~~الظن. # وقالوا: تسمع الشهادة على المقر بالإقرار من غير اشتراط ذكر الشاهدين ~~أهلية المقر حال إقراره، اعتمادا على ظن الرشد والاختيار. # وقالوا: إذا كان الجدار حائلا بين الطريق وبين ملك المدعى، أو بين ملكه ~~وبين موات، اختص به المدعى، لأن الظاهر أن الطريق والموات لا يحاط عليهما. # وقالوا: لو كان بين الملكين جدار متصل بأبنية أحد المالكين اتصالا بدواخل ~~وترصيف، اختص به صاحب الترصيف لقوة الظن من جانبه، إذ معه دلالتان، ~~إحداهما: الاتصال. والثانية: التداخل والترصيف فلو تداخل من أحد طرفيه فى ~~ملك أحدهما، ومن الطرف الآخر فى الملك الأخر اشتراكا فيه: لتساويهما فى ~~الدلالتين. # PageV02P063 # وقالوا: إن الأبواب المشرعة فى الدروب غير النافذة دالة على الاشتراك فى ~~الدرب إلى حد كل باب منها، فيكون الأول شريكا من أول الدرب إلى بابه، ~~والثانى شريكا إلى بابه، والذى فى آخر الدرب شريك من أول الدرب إلى بابه، ~~قولا واحدا، وإلى آخر الدرب على الصحيح، وكل ذلك بناء على الظن المستفاد من ~~الاستطراق، وأنه بحق. # وقالوا: إن الأجنحة المطلة على ملك الجار وعلى الدروب غير النافذة أنها ~~ملك لأصحابها اعتمادا على غلبة الظن بذلك، وأنها وضعت باستحقاق. وكذلك ~~القنوات، والجداول الجارية فى ملك الغير، دالة على اختصاصها بأرباب المياه، ~~بناء على الظن المستفاد من ذلك، وأن صورها دالة على أنها وضعت باستحقاق. # ومن ذلك: دلالة الأيدى على الاستحقاق، اعتمادا على الظن الغالب، مع القطع ~~بكثرة وضع الأيدى عدوانا وظلما، ولا سيما ما اطردت العادة بإجارته وخروجه ~~من يد مالكه، إلى يد مستأجره، كالأراضى والدواب، والحوانيت، والرباع، ~~والحمامات وأن الغالب فيها الخروج عن يد مالكها، وقد اعتبرتم اليد، وقد ~~استشكل كثير من فضلاء ms399 أصحابكم هذا، واعترف بأن جوابه مشكل جدا، ولما كان ~~الظن المستفاد من الشهود أقوى من الظن المستفاد من هذه الوجوه قدم عليها. # ولما كان الظن المستفاد من الإقرار أقوى من الظن المستفاد من الشهود قدم ~~الإقرار عليها. ولذلك اكتفى كثير من الفقهاء بالمرة الواحدة فى الإقرار ~~بالزنا والسرقة لهذه القوة. # قالوا: لأن وازع المقر طبعى، ووازع الشهود شرعى، والوازع الطبعى أقوى من ~~الوازع الشرعى، ولذلك يقبل الإقرار من المسلم، والكافر، والبر، والفاجر: ~~لقيام الوازع الطبعى. ولما كان الوازع عن الكذب على نفسه مخصوصا بالمقر كان ~~إقراره حجة قاصرة عليه وعلى من يتلقى عنه، لكونه فرعه. # ولما كان الوازع الشرعى عاما بالنسبة إلى جميع الناس، كان حجة عامة: فإن ~~خوف # PageV02P064 # الله يزع الشاهد عن الكذب فى حق كل أحد. فكان قوله حجة عامة لكل أحد. ~~ولما كان وازع الكذب مختصا بالمقر قصر عليه، فهو خاص قوى، والشهادة عامة ~~ضعيفة بالنسبة إلى الإقرار، قوية بالنسبة إلى الأيدى وإلى ما ذكرناه من ~~الدلالات. # ومعلوم أن الظنون لا تقع إلا بأسباب تثيرها وتحركها. فمن أسبابها: ~~الاستصحاب واطراد العادة، أو كثرة وقوعها، أو قول الشاهد، أو شاهد الحال. ~~ولا يقع فى الظنون تعارض، وإنما يقع فى أسبابها وعلاماتها. فإذا تعارضت ~~أسباب الظنون، فإن حصل الشك لم يحكم بشئ، وإن وجد الظن فى أحد الطرفين، حكم ~~به، والحكم للراجح. لأن مرجوحية مقابله تدل على ضعفه. # فإذا تعارض سببا ظن- وكان كل واحد منهما مكذبا للآخر- تساقطا: كتعارض ~~البينتين والأمارتين، وإن لم يكن كل واحد منهما مكذبا للآخر عمل بهما، على ~~حسب الإمكان، كدابة عليها راكبان، وعبد ممسك بيديه اثنان، ودار فيها ~~ساكنان، وخشبة لها حاملان، وجدار متصل بملكين، ونظائر هذا. # فإن كان أحدهما أرجح من الآخر، عمل بالراجح، كالشاهد مع البراءة الأصلية، ~~ومع اليد، يقدم عليهما، لرجحانه. # ولما كانت اليد لها مراتب فى القوة والضعف. كانت يد اللابس لثيابه، ~~وعمامته، وخفه، ومنطقته، ونعله: أقوى من يد الجالس على البساط، والراكب على ~~الدابة، ويد الراكب أقوى من يد السائق ms400 والقائد، ويد الساكن للدار أضعف من ~~تلك الأيدى، ويد من هو داخل الحمام والخان، أضعف من هذا كله- قدم أقوى ~~الأيدى على أضعفها. فلو كان فى الدار اثنان، وتنازعا فيها، وفى لباسهما ~~الذى عليهما، جعلت الدار بينهما، لاستوائهما فى اليد. وكان القول قول كل ~~منهما فى لباسه المختص به، لقوة يده بالقرب والاتصال. ولو تنازع الراكب ~~والسائق والقائد، قدمت يد الراكب. وكذلك قال الجمهور. # PageV02P065 # ولو تنازع الزوجان فى متاع البيت، أو الصانعان فى حانوت، كان القول قول ~~من يدعى منهما ما يصلح له وحده، لغلبة الظن القريب من القطع باختصاصه به. # وكذلك لو رأينا رجلا شريفا حاسر الرأس، وأمامه داعر على رأسه عمامة، ~~وبيده عمامة لا تليق به وهو هارب. فتقديم يده على الظن المستفاد من كونها ~~يدا عادية مما يقطع ببطلانه. # وكذلك فقيه له كتب فى داره. وامرأته غير معروفة بشئ من ذلك البتة. فتقديم ~~يدها على شاهد حال الفقيه فى غاية البعد. # وأين الظن المستفاد من هذا وأمثاله إلى الظن المستفاد من النكول، ومن ~~الظن المستفاد من اليد؟ بل أين ذاك الظن من الظن المستفاد من الشاهد ~~واليمين؟. # ومن الممتنع أن يرتب الشارع الأحكام على هذه الظنون، ولا يرتبها على ~~الظنون التى هى أقوى منها بمراتب كثيرة. بل تكاد تقرب من القطع. كما أنه من ~~المحال أن يحرم التأفيف للوالدين، ويبيح شتمهما وضربهما. # وهل تقديم قول المدعى فى القسامة إلا اعتمادا على الظن الغالب باللوث؟ ~~وقدم هذا الظن على ظن البراءة الأصلية لقوته. # وقد حكى الله سبحانه فى كتابه عن الشاهد الذى شهد من أهل امرأة العزيز. ~~وحكم بالقرائن الظاهرة على براءة يوسف عليه السلام. وكذب المرأة بقوله: {إن ~~كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت ~~وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم} ~~[يوسف: 26 - 28] . # وسمى الله سبحانه ذلك أية، وهى أبلغ من البينة، فقال: {ثم بدا لهم من بعد ~~ما ms401 رأوا الآيات ليسجننه حتى حين} [يوسف: 35] . # وحكى سبحانه ذلك مقررا له غير منكر، وذلك يدل على رضاه به. # ومن هذا: حكم نبى الله سليمان بن داود عليهما السلام بالولد الذى تنازع ~~فيه المرأتان، فقضى به داود للكبرى، فخرجتا على سليمان، فقصتا عليه القصة، ~~فقال سليمان عليه السلام: ائتونى بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا ~~تفعل يا نبى الله، هو ابنها. فقضى به # PageV02P066 # للصغرى، ولم يكن سليمان ليفعل، ولكن أوهمهما ذلك، فطابت نفس الكبرى بذلك. ~~استرواحا منها إلى راحة التسلى والتأسى بذهاب ابن الأخرى. كما ذهب ابنها، ~~ولم تطب نفس الصغرى بذلك، بل أدركتها شفقة الأم ورحمتها، فناشدته أن لا ~~يفعل، استرواحا إلى بقاء الولد، ومشاهدته حيا، وإن اتصل إلى الأخرى. # وتأمل حكم سليمان به للصغرى، وقد أقرت به للكبرى تجد تحته: أن الإقرار ~~إذا ظهرت أمارات كذبه، وبطلانه، لم يلتفت إليه، ولم يحكم به على المقر، ~~وكان وجوده كعدمه. وهذا هو الحق الذى لا يجوز الحكم بغيره. # وكذلك إذا غلط المقر، أو أخطأ أو نسى، أو أقر بما لا يعرف مضمونه. لم ~~يؤاخذ بذلك الإقرار، ولم يحكم به عليه، كما لو أقر مكرها. # والله تعالى رفع المؤاخذة بلغو اليمين، لكون الحلف لم يقصد موجبها. وأخبر ~~أنه إنما يؤاخذ بكسب القلب، والغالط والمخطئ والناسى والجاهل والمكره، لم ~~يكسب قلبه ما أقر به أو حلف عليه، فلا يؤاخذ به. # والمقصود: أن الزوج المظلوم المدعى عليه دعوى كاذبة ظالمة: بأنه ترك ~~النفقة والكسوة تلك السنين كلها، أو مدة مقامها عنده، إذا تبين كذب المرأة ~~فى دعواها، لم يجز للحاكم سماعها فضلا عن مطالبته برد الجواب. # فله طرق فى التخلص من هذه الدعوى. # أحدها: أن يقول: كيف يسوغ سماع دعوى تكذبها العادة والعرف، ومشاهدة ~~الجيران؟. # الثانى: أن يقول للحاكم: سلها: من كان ينفق عليها، ويكسوها فى هذه ~~المدة؟. # PageV02P067 # فإن ادعت أن غيره كان يؤدى ذلك عنه، لم تسمع دعواها، وكانت الدعوى لذلك ~~الغير. ولا يقبل قولها على الزوج إن غيره قام بهذا الواجب عنه. ms402 وهذا مما لا ~~خفاء به، ولا إشكال فيه. # وإن قالت: أنا كنت أنفق على نفسى. قال الزوج: سلها: هل كانت هى التى كانت ~~تدخل وتخرج تشترى الطعام والإدام؟ فإن قالت: نعم، ظهر كذبها ولا سيما إن ~~كانت من ذوات الشرف والأقدار. # وإن قالت: كنت أوكل غيرى فى ذلك، ألزمت ببيانه، وإلا ظهر كذبها وظلمها ~~وعدوانها. وكانت معاونتها على ذلك معاونة على الإثم والعدوان. # فإن أعوز الزوج حاكم عالم متحر للحق لا تأخذه فيه لومة لائم، فليعدل إلى ~~التحيل بالخلاص بما يبطل دعواها الكاذبة، إما بأن يجحد استحقاقها لما ادعت ~~به، ولا يعدل إلى الجواب المفصل، فتحتاج هى إلى إقامة البينة على سبب ~~الاستحقاق. وقد يتعذر أو يتعسر عليها ذلك. # فإن أحضرت الصداق وأقامت البينة، فإن كانت لم تنتقل معه إلى داره، جحد ~~تسليمها إليه، والقول قوله إذا لم تكن معه فى منزله. # فإن كانت قد انتقلت معه إلى منزله وادعى نشوزها تلك المدة، وأمكنه إقامة ~~البينة بذلك، سقطت نفقتها فى مدة النشوز. وإن لم يمكنه إقامة البينة، وادعى ~~عدم تمكينها له من الوطء، وادعت أنها مكنته فالقول قوله، لأن الأصل عدم ~~التمكين، وهذا غير دعواه النشوز فإن النشوز هو العصيان، والأصل عدمه، وهذا ~~إنكار لاستيفاء حقه، والأصل عدمه فتأمله. فإن كان له منها ولد لم يمكنه هذا ~~الإنكار. # ومتى أحس بالشر والمكر احتال، بأن يخبئ شاهدى عدل، بحيث يسمعان كلامها، ~~ولا تراهما، ثم يدفع إليها مالا، أو ترضى به، ويتلطف بها، ثم يقول: أريد أن ~~يجعل كل منا صاحبه فى حل حتى تطيب أنفسنا، ولعل الموت يأتى بغتة، ونحو ذلك ~~من الكلام. # وإن أمكنه أن يستنطقها بأنها لا تستحق عليه إلى ذلك الوقت نفقة ولا كسوة، ~~وأنه # PageV02P068 # يرضيها من الآن، ويدفع إليها ما ترضى به كان أقوى. ثم يأخذ خط الشاهدين ~~بذلك، ويكتمه منها. فإن أعجله الأمر عن ذلك، وأمكنه المبادرة برفعها إلى ~~حاكم مالكى، أو حنفى بادر إلى ذلك. وبالجملة فالحازم من يستعد لحيلهن، ويعد ~~لها حيلا يتخلص بها ms403 منها، وهذا لا بأس به، ولا إثم فيه، ولا فى تعليمه، فإن ~~فيه تخليص المظلوم، وإغاثة الملهوف، وإخزاء الظالم المعتدى. والله الموفق ~~للصواب. # وإنما أطلنا الكلام فى هذا المثال، لشدة حاجة الناس إلى ذلك، ولعموم ~~البلوى، وكثرة الفجور، وانتشار الضرر بتمكين المرأة من هذه الدعوى وسماعها، ~~وجعل القول قولها، وفى ذلك كفاية، وإلا فهى تحتمل أكثر من ذلك. # فصل # والمقصود بهذه الأمثلة وأضعافها، مما لم نذكره: أن الله سبحانه أغنانا ~~بما شرعه لنا من الحنيفية السمحة، وما يسره من الدين على لسان رسوله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم وسهله للأمة عن الدخول فى الآصار والأغلال، وعن ~~ارتكاب طرق المكر والخداع، والاحتيال، كما أغنانا عن كل باطل ومحرم وضار، ~~بما هو أنفع لنا منه من الحق، والمباح النافع. # فأغنانا بأعياد الإسلام عن أعياد الكفار والمشركين من أهل الكتاب والمجوس ~~والصابئين وعبدة الأصنام. وأغنانا بوجوه التجارات والمكاسب الحلال عن الربا ~~والميسر والقمار. وأغنانا بنكاح ما طاب لنا من النساء مثنى وثلاث ورباع، ~~والتسرى بما شئنا من الإماء، عن الزنا والفواحش. وأغنانا بأنواع الأشربة ~~اللذيذة، النافعة للقلب والبدن، عن الأشربة الخبيثة المسكرة المذهبة للعقل ~~والدين. وأغنانا بأنواع الملابس الفاخرة: من الكتان، والقطن، والصوف، عن ~~الملابس # PageV02P069 # المحرمة من الحرير والذهب. وأغنانا عن سماع الأبيات وقرآن الشيطان بسماع ~~الآيات وكلام الرحمن. وأغنانا عن الاستقسام بالأزلام، طلبا لما هو خير ~~وأنفع لنا باستخارته التى هى توحيد وتفويض واستعانة وتوكل. وأغنانا عن طلب ~~التنافس فى الدنيا وعاجلها بما أحبه لنا وندبنا إليه من التنافس فى الآخرة، ~~وما أعد لنا فيها، وأباح الحسد فى ذلك. وأغنانا به عن الحسد على الدنيا ~~وشهواتها. وأغنانا بالفرح بفضله ورحمته، وهما القرآن والإيمان، عن الفرح ~~بما يجمعه أهل الدنيا من المتاع، والعقار، والأثمان، فقال تعالى: {قل بفضل ~~الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} [يونس: 58] . # وأغنانا بالتكبر على أعداء الله تعالى، وإظهار الفخر والخيلاء لهم، عن ~~التكبر على أولياء الله تعالى والفخر والخيلاء عليهم، فقال صلى الله تعالى ~~عليه وآله ms404 وسلم لمن رآه يتبختر بين الصفين: "إنها لمشية يبغضها الله إلا فى ~~مثل هذا الموطن". # وأغنانا بالفروسية الإيمانية والشجاعة الإسلامية التى تأثيرها فى الغضب ~~على أعدائه ونصرة دينه، عن الفروسية الشيطانية التى يبعث عليها الهوى وحمية ~~الجاهلية. # PageV02P070 # وأغنانا بالخلوة الشرعية حال الاعتكاف، عن الخلوة البدعية التى يترك لها ~~الحج والجهاد والجمعة والجماعة. وكذلك أغنانا بالطرق الشرعية عن طرق أهل ~~المكر والاحتيال. # فلا تشتد حاجة الأمة إلى شئ إلا وفيما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم ما يقتضى إباحته وتوسعته، بحيث لا يحوجهم فيه إلى مكر واحتيال، ~~ولا يلزمهم الآصار والأغلال، فلا هذا من دينه، ولا هذا. كما أغنانا ~~بالبراهين والآيات التى أرشد إليها القرآن عن الطرق المتكلفة المتعسفة ~~المعقدة، التى باطلها أضعاف حقها: من الطرق الكلامية، التى الصحيح منها ~~كلحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل. # ونحن نعلم علما لا نشك فيه أن الحيل التى تتضمن تحليل ما حرمه الله ~~تعالى، وإسقاط ما أوجبه لو كانت جائزة لسنها الله سبحانه. وندب إليها، لما ~~فيها من التوسعة، والفرج للمكروب، والإغاثة للملهوف، كما ندب إلى الإصلاح ~~بين الخصمين. وقد قال المبعوث بالحنيفية السمحة صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: "ما تركت من شئ يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا تركت من شئ ~~يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به، وتركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا ~~يزيغ عنها بعدى إلا هالك". # فهلا ندب النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى الحيل، وحض عليها، كما ~~حض على إصلاح ذات البين؟ بل لم يزل يحذر من الخداع، والمكر، والنفاق، ~~ومشابهة أهل الكتاب باستحلال محارمه بأدنى الحيل. # ولو كان مقصود الشارع إباحة تلك المحرمات التى رتب عليها أنواع الذم ~~والعقوبات وسد الذرائع الموصلة إليها لم يحرمها ابتداء، ولا رتب عليها ~~العقوبة، ولا سد الذرائع إليها. ولكان ترك أبوابها مفتحة أسهل من المبالغة ~~فى غلقها وسدها، ثم يفتح لها أنواع الحيل، حتى ينقب المحتال عليها ms405 من كل ~~ناحية. فهذا مما تصان عنه الشرائع، فضلا عن أكملها شريعة وأفضلها دينا. # PageV02P071 # وقد قدمنا أن الضرر والمفاسد الحاصلة من تلك المحرمات لا يزول بالاحتيال ~~والتنقيب عليها، بل تقوى وتشتد مفاسدها. # فصل # إذا عرف هذا. فالطرق التى تتضمن نفع المسلمين، والذب عن الدين، ونصر ~~المظلومين، وإغاثة الملهوفين، ومعارضة المحتالين بالباطل ليدحضوا به الحق، ~~من أنفع الطرق، وأجلها علما وعملا وتعليما. فيجوز للرجل أن يظهر قولا أو ~~فعلا مقصوده به مقصود صالح، وإن ظن الناس أنه قصد به غير ما قصد به، إذا ~~كان فيه مصلحة دينية، مثل دفع ظلم عن نفسه أو عن مسلم، أو معاهد، أو نصرة ~~حق، أو إبطال باطل، من حيلة محرمة، أو غيرها، أو دفع الكفار عن المسلمين أو ~~التوصل إلى تنفيذ أمر الله تعالى ورسوله. # فكل هذه طرق جائزة أو مستحبة، أو واجبة. # وإنما المحرم: أن يقصد بالعقود الشرعية غير ما شرعت له، فيصير مخادعا له، ~~فهذا مخادع لله ورسوله، وذلك مخادع للكفار والفجار، والظلمة، وأرباب المكر ~~والاحتيال. فبين هذا الخداع وذاك الخداع من الفرق كما بين البر والإثم، ~~والعدل والظلم، والطاعة والمعصية، فأين من قصده إظهار دين الله تعالى، ونصر ~~المظلوم، وكسر الظالم إلى من قصده ضد ذلك؟. # إذا عرف هذا، فنقول: الحيل أقسام: # أحدها: الطرق الخفية التى يتوصل بها إلى ما هو محرم فى نفسه، فمتى كان ~~المقصود بها محرما فى نفسه، فهى حرام باتفاق المسلمين، وصاحبها فاجر ظالم ~~آثم. وذلك كالتحيل على هلاك النفوس. وأخذ الأموال المعصومة، وفساد ذات ~~البين، وحيل الشياطين على إغواء بنى آدم، وحيل المخادعين بالباطل على إدحاض ~~الحق، وإظهار الباطل فى الخصومات الدينية والدنيوية. فكل ما هو محرم فى ~~نفسه، فالتوصل إليه محرم بالطرق الظاهرة والخفية، بل التوصل إليه بالطرق ~~الخفية أعظم إثما، وأكبر عقوبة، فإن # PageV02P072 # أذى المخادع وشره يصل إلى المظلوم من حيث لا يشعر، ولا يمكنه الاحتراز ~~عنه، ولهذا قطع السارق دون المنتهب والمختلس. # ومن هذا: رأى مالك ومن وافقه: أن القاتل غيلة يقتل، وإن ms406 قتل من لا ~~يكافئه، لمفسدة فعله، وعدم إمكان التحرز منه. ومن هذا: رأى عبد الله بن ~~الزبير: قطع يد الزغلى، لعظم ضرره على الأموال، وعدم إمكان التحرز منه، فهو ~~أولى بالقطع من السارق، وقوله قوى جدا. ومن هذا رأى الأمام أحمد قطع يد ~~جاحد العارية، لأنه لا يمكن الاحتراز منه، بخلاف جاحد الوديعة فإنه هو الذى ~~ائتمنه. # والعمدة فى ذلك على السنة الصحيحة التى لا معارض لها. # والقصد: أن التوصل إلى الحرام حرام، سواء توصل إليه بحيلة خفية أو بأمر ~~ظاهر. # وهذا النوع من الحيل ينقسم قسمين: # أحدهما: ما يظهر فيه أن مقصود صاحبه الشر والظلم كحيل اللصوص، والظلمة ~~والخونة. # والثانى: ما لا يظهر ذلك فيه، بل يظهر المحتال أن قصده الخير، ومقصوده ~~الظلم والبغى، مثل إقرار المريض لوارث لا شئ له عنده، قصدا لتخصيصه بالمقر ~~به، أو إقراره بوارث، وهو غير وارث، إضرارا بالورثة وهذا حرام باتفاق ~~الأمة، وتعليمه لمن يفعله حرام، والشهادة عليه حرام، إذا علم الشاهد صورة ~~الحال. والحكم بموجب ذلك حكم باطل حرام يأثم به الحاكم باتفاق المسلمين. ~~إذا علم صورة الحال، فهذه الحيلة فى نفسها محرمة، لأنها كذب وزور، والمقصود ~~بها محرم، لكونه ظلما وعدوانا. # ولكن لما أمكن أن يكون صدقا اختلف العلماء فى إقرار المريض لوارث، هل هو ~~باطل، سدا للذريعة، وردا للإقرار الذى صادف حق الورثة فيما هو متهم فيه، ~~لأنه شهادة على نفسه فيما تعلق به حقهم، فيرد للتهمة، كالشهادة على غيره، ~~أو هو مقبول، إحسانا للظن بالمقر، ولا سيما عند الخاتمة؟. # ومن هذا الباب: احتيال المرأة على فسخ نكاح الزوج، مع إمساكه بالمعروف، ~~بإنكارها الإذن للولى، أو إساءة عشرة الزوج، ونحو ذلك. # PageV02P073 # واحتيال البائع على فسخ البيع، بدعواه أنه كان محجورا عليه. واحتيال ~~المشترى على الفسخ بأنه لم ير المبيع. واحتيال المؤجر على المستأجر فى فسخ ~~الإجارة. أو احتيال المستأجر عليه بأنه استأجر ما لم يره. واحتيال الراهن ~~على المرتهن فى فسخ الرهن، بأن يظهر أنه آجره قبل الرهن، أو كان ms407 رهنه عند ~~زوجته، أو أمته، ونحو ذلك. # فهذا النوع لا يستريب أحد أنه من كبائر الإثم، وهو من أقبح المحرمات، وهو ~~بمنزلة لحم خنزير ميت حرام، وأنه فى نفسه معصية، لتضمنه الكذب والزور. ومن ~~جهة تضمنه إبطال الحق، وإثبات الباطل. # القسم الثالث: ما هو مباح فى نفسه، لكن بقصد المحرم صار حراما، كالسفر ~~لقطع الطريق، ونحو ذلك، فهاهنا المقصود حرام، والوسيلة فى نفسها غير محرمة، ~~لكن لما توسل بها إلى الحرام صارت حراما. # القسم الرابع: أن يقصد بالحيلة أخذ حق، أو دفع باطل، لكن تكون الطريق إلى ~~حصول ذلك محرمة. مثل أن يكون له على رجل حق فيجحده، فيقيم شاهدين لا يعرفان ~~غريمه، ولم يرياه يشهدان له بما ادعاه. فهذا محرم أيضا، وهو عند الله تعالى ~~عظيم، لأن الشاهدين يشهدان بالزور، وشهادة الزور من الكبائر. وقد حملهما ~~على ذلك. # وكذلك لو كان له عند رجل دين فيجحده إياه. وله عنده وديعة فجحد الوديعة، ~~وحلف أنه لم يودعه، أو كان له على رجل دين لا بينة له به. ودين آخر به ~~بينه، لكنه اقتضاه منه، فيدعى هذا الدين. ويقيم به بينة. وينكر الاستيفاء. # أو يكون قد اشترى منه شيئا، فظهر به عيب تلف المبيع به، فادعى عليه ~~بثمنه، فأنكر أصل العقد. وأنه لم يشتر منه شيئا، أو تزوج امرأة فأنفق عليها ~~مدة طويلة. فادعت عليه أنه لم ينفق عليها شيئا، فجحد نكاحها بالكلية. # فهذا حرام أيضا لأنه كذب. ولاسيما إن حلف عليه. ولكن لو تأول فى يمينه لم ~~يكن به بأس فإنه مظلوم. # PageV02P074 # فإن قيل: فما تقولون لو عامله معاملة ربا، فقبض رأس ماله، ثم ادعى عليه ~~بالزيادة المحرمة، هل يسوغ له أن ينكر المعاملة أو يحلف عليها؟. # قيل: يسوغ له الحلف على عدم استحقاقها، وأن دعواها دعوى باطلة، فلو لم ~~يقبل منه الحاكم هذا الجواب ساغ له التأويل فى اليمين، لأنه مظلوم، ولا ~~يسوغ له الإنكار والحلف من غير تأويل، لأنه كذب صريح. فليس له أن يقابل ~~الفجور بمثله، كما ms408 أنه ليس له أن يكذب على من كذب عليه، أو يقذف من قذفه، ~~أو يفجر بزوجة من فجر بزوجته، أو بابنة من فجر بابنته. # فإن قيل: فما تقولون فى مسألة الظفر؟ هل هى من هذا الباب، أو من القصاص ~~المباح؟. # قيل: قد اختلف الفقهاء فيها على خمسة أقوال: # أحدها: أنها من هذا الباب، وأنه ليس له أن يخون من خانه. ولا يجحد من ~~جحده. ولا يغصب من غصبه. وهذا ظاهر مذهب أحمد ومالك. # والثانى: يجوز له أن يستوفى قدر حقه، إذا ظفر بجنسه أو غير جنسه. وفى غير ~~الجنس يدفعه إلى الحاكم يبيعه ويستوفى ثمنه منه. وهذا قول أصحاب الشافعى. # والثالث: يجوز له أن يستوفى قدر حقه، إذا ظفر بجنس ماله. وليس له أن يأخذ ~~من غير الجنس. وهذا قول أصحاب أبى حنيفة. # والرابع: أنه إن كان عليه دين لغيره لم يكن له الأخذ، وإن لم يكن عليه ~~دين فله الأخذ. وهذا إحدى الروايتين عن مالك. # والخامس: أنه إن كان سبب الحق ظاهرا، كالنكاح، والقرابة، وحق الضيف، جاز ~~للمستحق الأخذ بقدر حقه، كما أذن فيه النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~لهند. "أن تأخذ من مال أبى سفيان ما يكفيها ويكفى بنيها". # وكما أذن لمن نزل بقوم ولم يضيفوه أن يعقبهم # PageV02P075 # فى مالهم بمثل قراه كما فى الصحيحين عن عقبة بن عامر قال: # "قلت للنبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: إنك تبعثنا فننزل بقوم لا ~~يقرونا فما ترى؟ فقال لنا: إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغى لضيف ~~فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذى ينبغى لهم". # وفى المسند من حديث المقدام أبى كريمة أنه سمع النبى صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم يقول: "من نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم ~~بمثل قراه". # وفى المسند لأحمد أيضا من حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف ms409 ~~محروما، فله أن يأخذ بقدر قراه، ولا حرج عليه". # وإن كان سبب الحق خفيا، بحيث يتهم بالأخذ وينسب إلى الخيانة ظاهرا، لم ~~يكن له # PageV02P076 # الأخذ وتعريض نفسه للتهمة والخيانة وإن كان فى الباطن آخذا حقه. كما أنه ~~ليس له أن يتعرض للتهمة التى تسلط الناس على عرضه، وإن ادعى أنه محق غير ~~متهم. # وهذا القول أصح الأقوال وأسدها، وأوفقها لقواعد الشريعة وأصولها، وبه ~~تجتمع الأحاديث. # فإنه قد روى أبو داود فى سننه من حديث يوسف بن ماهك قال: "كنت أكتب لفلان ~~نفقه أيتام كان وليهم، فغالطوه بألف درهم، فأداها إليهم، فأدركت له من ~~أموالهم مثلها، فقلت: اقبض الألف الذى ذهبوا به منك، قال: لا حدثنى أبى أنه ~~سمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: " أد الأمانة إلى من ~~ائتمنك، ولا تخن من خانك". # وهذا، وإن كان فى حكم المنقطع، فإن له شاهدا من وجه آخر، وهو حديث طلق بن ~~غنام: أخبرنا شريك وقيس عن أبى حصين عن أبى صالح عن أبى هريرة رضى الله عنه ~~أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ~~ولا تخن من خانك" وقيس هو ابن الربيع، وشريك ثقة، وقد قوى حديثه بمتابعة ~~قيس له، وإن كان فيه ضعف. # وله شاهد آخر من حديث أيوب بن سويد عن ابن شوذب عن أبى التياح عن أنس رضى ~~الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم نحوه، وأيوب بن سويد - ~~وإن كان فيه ضعف - فحديثه يصلح للاستشهاد به. وله شاهد آخر، وإن كان فيه ~~ضعف، فهو يقوى بانضمام هذه الأحاديث إليه. رواه يحيى بن أيوب عن إسحاق بن ~~أسيد عن أبى حفص الدمشقى عن مكحول: أن رجلا قال لأبى أمامة الباهلى: "الرجل ~~أستودعه الوديعة، أو يكون لى عليه دين، فيجحدنى، ثم يستودعنى أو يكون له ~~عندى الشيء، أفأجحده؟ فقال: لا، سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم يقول: أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن ms410 من خانك". # وله شاهد آخر مرسل. قال يحيى بن أيوب: عن ابن جريج عن الحسن عن النبى صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". # وله شاهد. آخر. وهو ما رواه الترمذى من حديث مالك بن نضله قال: "قلت: يا ~~رسول الله، # PageV02P077 # الرجل أمر به فلا يقرينى، ولا يضيفنى. فيمر بى، أفأجزيه؟ قال: لا، أقره". # قال الترمذى: هذا الحديث حسن صحيح. # وله شاهد آخر. وهو ما رواه أبو داود من حديث بشر بن الخصاصية، قال: "قلت: ~~يا رسول الله، إن أهل الصدقة يعتدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما ~~يعتدون علينا؟ فقال: لا". # وله شاهد آخر من حديث بشر هذا أيضا: # "قلت: يا رسول الله، إن لنا جيرانا لا يدعون لنا شاذة، ولا فاذة إلا ~~أخذوها فإذا قدرنا لهم على شئ أنأخذه؟ فقال: أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا ~~تخن من خانك". # ذكره شيخنا فى كتاب إبطال التحليل. # فهذه الآثار، مع تعدد طرقها واختلاف مخارجها، يشد بعضها بعضا، ولا يشبه ~~الأخذ فيها الأخذ فى الموضعين اللذين أباح رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم فيهما الأخذ لظهور سبب الحق، فلا ينسب الآخذ إلى الخيانة، ولا ~~يتطرق إليه تهمة، ولتعسر الشكوى فى ذلك إلى الحاكم، وإثبات الحق والمطالبة ~~به والذين جوزوه يقولون: إذا أخذ قدر حقه من غير زيادة، لم يكن ذلك خيانة، ~~فإن الخيانة أخذ ما لا يحل له أخذه، وهذا ضعيف جدا، فإنه يبطل فائدة ~~الحديث. فإنه قال: "ولا تخن من خانك" فجعل مقابلته له خيانة، ونهاه عنها، ~~فالحديث نص، بعد صحته. # فإن قيل: فهلا جعلتموه مستوفيا لحقه بنفسه، إذ عجز عن استيفائه بالحاكم، ~~كالمغصوب ماله. إذا رآه فى يد الغاصب، وقدر على أخذه منه قهرا؟ فهل تقولون: ~~إنه لا يحل له أخذ عين ماله، وهو يشاهده فى يد الظالم المعتدى؟ ولا يحل له ~~إخراجه من داره وأرضه؟. # وكذلك إذا غصب زوجته وحال بينه وبينها، وعقد عليها ظاهرا، بحيث لا يتهم ms411 ~~فهل يحرم على الزوج الأول انتزاع زوجته منه، خشية التهمة؟ وهذا لا تقولونه ~~أنتم، ولا أحد من أهل العلم. # ولهذا قال الشافعى، وقد ذكر حديث هند: وإذ قد دلت السنة وإجماع كثير من ~~أهل العلم على أن يأخذ الرجل حقه لنفسه سرا، فقد دل أن ذلك ليس بخيانة. إذ ~~الخيانة أخذ ما لا يحل له أخذه. # PageV02P078 # فالجواب: أنا نقول، يجوز له أن يستوفى قدر حقه، لكن بطريق مباح، فأما ~~بخيانة وطريق محرمة فلا. # وقولكم: ليس ذلك بخيانة قلنا: بل هو خيانة حقيقة، ولغة، وشرعا، وقد سماه ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم خيانة، وغايتها أنها خيانة مقابلة ~~ومقاصة، لا خيانة ابتداء، فيكون كل واحد منهما مسيئا إلى الآخر ظالما له، ~~فإن تساوت الخيانتان قدرا وصفة فقد يتساقط إثمهما، والمطالبة فى الآخرة، أو ~~يكون لكل منهما على الآخر مثل ما للآخر عليه وإن بقى لأحدهما فضل رجع به، ~~فهذا فى أحكام الثواب والعقاب. # وأما فى أحكام الدنيا فليس كذلك، لأن الأحكام فيها مرتبة على الظواهر، ~~وأما السرائر فإلى الله، ولهذا قال النبى صلى الله تعالى عليه وأله وسلم: ~~"إنكم تختصمون إلى، وإنما أنا بشر أقضى بنحو ما أسمع، ولعل بعضكم أن يكون ~~ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له ~~قطعة من النار". # فأخبر صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه يحكم بينهم بالظاهر، وأعلم ~~المبطل فى نفس الأمر أن حكمه لا يحل له أخذ ما يحكم له به، وأنه مع حكمه له ~~به فإنما يقطع له قطعة من النار، فإذا كان الحق مع هذا الخصم فى الظاهر وجب ~~على الحاكم أن يحكم له به، ويقره بيده وإن كانت يدا عادية ظالمة عند الله ~~تعالى، فكيف يسوغ لخصمه أن يحكم لنفسه، ويستوفى لنفسه بطريق محرمة باطلة، ~~لا يحكم بمثلها الحاكم وإن كان محقا فى نفس الأمر؟. # وليس هذا بمنزلة من رأى عين ماله أو أمته أو زوجته بيد غاصب ظالم، فخلصها ms412 ~~منه قهرا، فإنه قد تعين حقه فى هذا العين، بخلاف صاحب الدين، فإن حقه لم ~~يتعين فى تلك العين التى يريد أن يستوفى منها، ولأنه لا يتكتم بذلك، ولا ~~يستخفى به، كما يفعل الخائن، بل يكابر صاحب اليد العادية ويغالبه، ويستعين ~~عليه بالناس، فلا ينسب إلى خيانة، والأول متكتم مستخف، متصور بصورة خائن ~~وسارق. فإلحاق أحدهما بالآخر باطل، والله أعلم. # PageV02P079 # فصل # القسم الخامس من الحيل. # أن يقصد حل ما حرمه الشارع، أو سقوط ما أوجبه، بأن يأتى بسبب نصبه الشارع ~~سببا إلى أمر مباح مقصود، فيجعله المحتال المخادع سببا إلى أمر محرم مقصود ~~اجتنابه. فهذه هى الحيل المحرمة التى ذمها السلف، وحرموا فعلها وتعليمها. # وهذا حرام من جهتين: من جهة غايته، ومن جهة سببه. # أما غايته: فإن المقصود به إباحة ما حرمه الله ورسوله، وإسقاط ما أوجبه. # وأما من جهة سببه: فإنه اتخذ آيات الله هزوا، وقصد بالسبب ما لم يشرع ~~لأجله، ولا قصده به الشارع، بل قصد ضده، فقد ضاد الشارع فى الغاية والحكمة ~~والسبب جميعا. # وقد يكون أصحاب القسم الأول من الحيل أحسن حالا من كثير من أصحاب هذا ~~القسم، فإنهم يقولون: إن ما نفعله حرام، وإثم، ومعصية، ونحن أصحاب تحيل ~~بالباطل، عصاة لله ورسوله، مخالفون لدينه. وكثير من هؤلاء يجعلون هذا القسم ~~من الدين الذى جاءت به الشريعة، وأن الشارع جوز لهم التحيل بالطرق المتنوعة ~~على إباحة ما حرمه، وإسقاط ما أوجبه، فأين حال هؤلاء من حال أولئك؟. # ثم إن هذا النوع من الحيل يتضمن نسبة الشارع إلى العبث، وشرع ما لا فائدة ~~فيه إلا زيادة الكلفة والعناء، فإن حقيقة الأمر عند أرباب الحيل الباطلة: ~~أن تصير العقود الشرعية عبثا لا فائدة فيها، فإنها لم يقصد بها المحتال ~~مقاصدها التى شرعت لها، بل لا غرض له فى مقاصدها وحقائقها البتة، وإنما ~~غرضه التوصل بها إلى ما هو ممنوع منه، فجعلها سترة وجنة يتستر بها من ~~ارتكاب ما نهى عنه صرفا، فأخرجه فى قالب الشرع. # كما أخرجت الجهمية ms413 التعطيل فى قالب التنزيه. # وأخرج المنافقون النفاق فى قالب الإحسان والتوفيق والعقل المعيشى. # PageV02P080 # وأخرج الظلمة الفجرة الظلم والعدوان فى قالب السياسة وعقوبة الجناة. # وأخرج المكاسون أكل المكوس فى قالب إعانة المجاهدين، وسد الثغور، وعمارة ~~الحصون. # وأخرج الروافض الإلحاد والكفر، والقدح فى سادات الصحابة وحزب رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وأوليائه وأنصاره، فى قالب محبة أهل البيت، ~~والتعصب لهم، وموالاتهم. # وأخرجت الإباحية وفسقة المنتسبين إلى الفقر والتصوف بدعهم وشطحهم فى قالب ~~الفقر، والزهد، والأحوال، والمعارف، ومحبة الله، ونحو ذلك. # وأخرجت الاتحادية أعظم الكفر والإلحاد فى قالب التوحيد، وأن الوجود واحد ~~لا اثنان، وهو الله وحده، فليس هاهنا وجودان: خالق، ومخلوق ولا رب وعبد، بل ~~الوجود كله واحد، وهو حقيقة الرب. # وأخرجت القدرية إنكار عموم قدرة الله تعالى على جميع الموجودات: أفعالها، ~~وأعيانها، فى قالب العدل، وقالوا: لو كان الرب قادرا على أفعال عباده لزم ~~أن يكون ظالما لهم، فأخرجوا تكذيبهم بالقدر فى قالب العدل. # وأخرجت الجهمية جحدهم لصفات كماله سبحانه فى قالب التوحيد، وقالوا: لو ~~كان له سبحانه سمع وبصر، وقدرة، وحياة، وإرادة، وكلام يقوم به لم يكن واحدا ~~وكان آلهة متعددة. # وأخرجت الفسقة والذين يتبعون الشهوات الفسوق والعصيان فى قالب الرجاء ~~وحسن الظن بالله تعالى، وعدم إساءة الظن بعفوه، وقالوا: تجنب المعاصى ~~والشهوات إزراء بعفو الله تعالى، وإساءة للظن به، ونسبة له إلى خلاف الجود ~~والكرم والعفو. # وأخرجت الخوارج قتال الأئمة، والخروج عليهم بالسيف فى قالب الأمر ~~بالمعروف، والنهى عن المنكر. # وأخرج أرباب البدع جميعهم بدعهم فى قوالب متنوعة، بحسب تلك البدع. # PageV02P081 # وأخرج المشركون شركهم فى قالب التعظيم لله، وأنه أجل من أن يتقرب إليه ~~بغير وسائط وشفعاء، وآلهة تقربهم إليه. # فكل صاحب باطل لا يتمكن من ترويج باطله إلا بإخراجه فى قالب حق. # والمقصود: أن أهل المكر والحيل المحرمة يخرجون الباطل فى القوالب ~~الشرعية، ويأتون بصور العقود دون حقائقها ومقاصدها. # فصل # وهذا القسم من أقسام الحيل أنواع: # أحدها: الاحتيال لحل ما هو حرام فى الحال. كالحيل ms414 الربوية، وحيلة ~~التحليل. # الثانى: الاحتيال على حل ما انعقد سبب تحريمه، فهو صائر إلى التحريم ولا ~~بد، كما إذا علق طلاقها بشرط محقق، تعليقا يقع به، ثم أراد منع وقوع الطلاق ~~عند الشرط فخالعها خلع الحيلة، حتى بانت، ثم تزوجها بعد ذلك. # الثالث: الاحتيال على إسقاط ما هو واجب فى الحال، كالاحتيال على إسقاط ~~الإنفاق الواجب عليه، وأداء الدين الواجب، بأن يملك ماله لزوجته أو ولده، ~~فيصير معسرا، فلا يجب عليه الإنفاق والأداء، وكمن يدخل عليه رمضان ولا يريد ~~صومه، فيسافر ولا غرض له سوى الفطر، ونحو ذلك. # الرابع: الاحتيال على إسقاط ما انعقد سبب وجوبه ولم يجب، لكنه صائر إلى ~~الوجوب. فيحتال حتى يمنع الوجوب، كالاحتيال على إسقاط الزكاة، بتمليكه ماله ~~قبل مضى الحول لبعض أهله، ثم استرجاعه بعد ذلك. وهذا النوع ضربان: # أحدهما: إسقاط حق الله تعالى بعد وجوبه، أو انعقاد سببه. # والثانى: إسقاط حق المسلم بعد وجوبه. أو انعقاد سببه. كالاحتيال على ~~إسقاط الشفعة التى شرعت دفعا للضرر عن الشريك، قبل وجوبها أو بعده. # الخامس: الاحتيال على أخذ حقه أو بعضه أو بدله بخيانة كما تقدم. وله صور ~~كثيرة. # PageV02P082 # منها: أن يجحده دينه، كما جحده. # ومنها: أن يخونه فى وديعته، كما خانه. # ومنها: أن يغشه فى بيع معيب، كما غشه هو فى بيع معيب. # ومنها: أن يسرق ماله كما سرق ماله. # ومنها: أن يستعمله بأجره دون أجرة مثله ظلما وعدوانا، أو غرورا وخداعا. ~~أو غبنا، فيقدر المستأجر له على مال فيأخذ تمام أجرته. # وهذا النوع يستعمله كثير من أرباب الديوان، ونظار الوقوف، والعمال، وجباة ~~الفيء والخراج والجزية والصدقة، وأمثالهم. فإن كان المال مشتركا بين ~~المسلمين رتعوا وربعوا، ورأى أحدهم أن من الغبن أن يفوته شئ منه. ويرى إن ~~عدل أن له نصف ذلك المال. ويسعى فى السدس، تكملة للثلثين كما قيل فى بعضهم: # له نصف بيت المال فرض مقرر ... وفى سدس التكميل يسعى ليخلصا # من القوم لا تثنيهم عن مرادهم ... عقوبة سلطان بسوط ولا عصا # فصل # وقد ms415 عرف بما ذكرنا الفرق بين الحيل التى تخلص من الظلم والبغى والعدوان، ~~والحيل التى يحتال بها على إباحة الحرام، وإسقاط الواجبات، وإن جمعهما اسم ~~الحيلة والوسيلة. وعرف بذلك أن العينة لا تخلص من الحرام، وإنما يتوسل بها ~~إليه، وهو المقصود الذى اتفقا عليه، ويعلمه الله تعالى من نفوسهما وهما ~~يعلمانه، ومن شاهدهما يعلمه. # وكذلك تمليك ماله لولده عند قرب الحول، فرارا من الزكاة، لا يخلص من ~~الإثم، بل يغمسه فيه، لأنه قصد إلى إسقاط فرض قد انعقد سببه، ولكن عذر من ~~جوز ذلك أنه لم يسقط الواجب، وإنما أسقط الوجوب وفرق بين الأمرين، فإن له ~~أن يمنع الوجوب، وليس له أن يمنع الواجب. # وهكذا القول فى التحيل على إسقاط الشفعة قبل البيع، فإنه يمنع وجوب ~~الاستحقاق. # PageV02P083 # ولا يمنع الحق الذى وجب بالبيع فذلك لا يجوز، وهو نظير منع الزكاة بعد ~~وجوبها فذلك لا يجوز بحيلة ولا غيرها. # وكذلك التحيل على منع وجوب الجمعة عليه، بأن يسكن فى مكان لا يبلغه ~~النداء أولا يمكنه الذهاب منه إلى الجمعة والرجوع فى يومه، أو السفر قبل ~~دخول وقتها، ولا يجوز له التحيل على تركها بعد وجوبها عليه. # وكذلك التحيل على منع وجوب الإنفاق على القريب، بأن لا يكتسب ما لا يجب ~~فيه الإنفاق. ولا يجوز له التحيل على إسقاط ما وجب من ذلك. # فهذا سر الفرق اعتمده أصحاب الحيل. # وأما المانعون فيجيبون عن ذلك: # بأن هذا لو أجدى على المتحيلين لم يعاقب الله سبحانه وتعالى أصحاب الجنة ~~الذين عزموا على صرامها ليلا، لئلا يحضرهم المساكين، فهؤلاء قصدوا دفع ~~الوجوب بعد انعقاد سببه، وهو نظير التحيل لإسقاط الزكاة بعد ثبوت سببها. ~~وبأن هذا يبطل حكمة الإيجاب. فإن الله سبحانه إنما أوجبها فى أموال ~~الأغنياء طهرة لهم وزكاة، ورحمة للمساكين، وسدا لفاقتهم. فالتحيل على منع ~~وجوبها يعود على ذلك كله بالإبطال. # وبأن الشارع لوجوز التحيل على منع الإيجاب بعد انعقاد سببه، لم يكن فى ~~الإيجاب فائدة، إذ ما من أحد إلا ويمكنه التحيل بأدنى حيلة ms416 على الدفع، ~~فيكون الإيجاب عديم الفائدة فإنه إذا أوجبه وجوز إسقاطه بعد انعقاد سبب ~~الإيجاب عاد ذلك بنقض ما قصده. # وبأنه إذا انعقد سبب الوجوب فقد تعلق الوجوب بالمكلف، فلا يمكنه الشارع ~~من قطع هذا التعليق، ولا سيما إذا شارف وقت الوجوب وحضر، حتى كأنه داخل ~~فيه، كما إذا بقى من الحول يوم، أو ساعة، فالإسقاط هاهنا فى حكم الإسقاط ~~بعد الحول سواء، ومفسدته كمفسدته، فإن المصلحة الفائتة بالمنع بعد تلك ~~الساعة كالمفسدة الحاصلة بالتسبب إلى المنع قبلها من كل وجه. # PageV02P084 # وبأن الحكم بعد انعقاد سببه كالثابت الذى قد صح ووجد. # وبأن الوجوب قد تحقق بانعقاد سببه وإنما جوز له التأخير إلى تمام الحول ~~توسعة عليه ولهذا يجوز له أداء الواجب قبل الحول، ويكون واقعا موقعه، ولأن ~~الفرار من الإيجاب إنما يقصد به الفرار من أداء الواجب، وأن يسقط ما فرضه ~~الله عليه عند مضى الحول. وليس هذا كمن ترك اكتساب المال الذى يجب فيه ~~الزكاة، فرارا من وجوبها عليه، أو ترك بيع الشقص فرارا من أخذ الشفيع له ~~أوترك التزوج فرار أمن وجوب الإنفاق ونحو ذلك، فإن هذا لم ينعقد فى حقه ~~السبب. بل ترك ما يفضى إلى الإيجاب، ولم يتسبب إليه، وهذا تحيل بعد السبب ~~على إسقاط ما تعلق به من أداء الواجب. واحتال على قطع سببيته بعد ثبوتها. # وأيضا، فإن قطع سببية السبب تغيير لحكم الله، وإسقاط للسببيه بالتحيل، ~~وليس ذلك للمكلف، فإن الله سبحانه هو الذى جعل هذا سببا بحكمه وحكمته، فليس ~~له أن يبطل هذا الجعل بالحيلة والمخادعة، وهذا بخلاف ما إذا وهبه ظاهرا ~~وباطنا، أو أنفقه فإنه لم يحتل بإظهار أمر وإبطان خلافه على منع الإيجاب، ~~وأداء الواجب. # وأيضا، فإنه إذا احتال على منع الإيجاب تضمن ذلك الحيلة على منع أداء ~~الواجب. ومعلوم أن منعه أداء الواجب فقط أيسر من تحيله على الأمرين جميعا. # وأيضا فإنه لا يصح فراره من الوجوب مع إتيانه بسببه، فإن الفار من الشيء ~~فار من أسبابه، وهذا أحرص شئ ms417 على الملك الذى هو سبب وجوب الحق عليه، ومن ~~حرصه عليه: تحيل على ترك الإخراج حرصا وشحا. فهو فار من أداء الواجب، ظانا ~~أنه يفر من وجوبه عليه. والأول حاصل له دون الثانى. # ونكتة الفرق من جهة الوسيلة والمقصود، فإن المحتال على المحرمات، وإسقاط ~~الواجبات، مقصوده فاسد، ووسيلته باطلة. فإنه توسل بالشيء إلى غير مقصوده، ~~وتوسل به إلى مقصود محرم. # فإن الله سبحانه إنما جعل النكاح وسيلة إلى المودة والرحمة، والمصاهرة ~~والنسل، وغض # PageV02P085 # البصر، وحفظ الفرج، والتمتع والإيواء، وغير ذلك من مقاصد النكاح، والمحلل ~~لم يتوسل به إلى شئ من ذلك بل إلى تحليل ما حرمه الله تعالى، فإنه سبحانه ~~حرمها على المطلق ثلاثا عقوبة له، فتوسل هذا بنكاحها إلى تحليل ما حرمه ~~الله تعالى له، ولم يتوسل به إلى ما شرع له. فكان القصد محرما، والوسيلة ~~باطلة. # وكذلك شرع الله البيع وسيلة إلى انتفاع المشترى بالعين والبائع بالثمن، ~~فتوسل به المرابى إلى محض الربا، وأتى به لغير مقصوده. فإنه لا غرض له فى ~~تملك تلك العين، ولا الانتفاع بها، وإنما غرضه الربا، فتوسل إليه بالبيع. # وكذلك شرع سبحانه الأخذ بالشفعة دفعا للضرر عن الشريك. فتوسل المبطل لها ~~بإظهار الصرف الذى لا حقيقة له إلى إبطالها، فكانت وسيلته باطلة، ومقصوده ~~محرما. # وكذلك الزكاة. فرضها رحمة منه بالمساكين، وطهرة للأغنياء، فتوسل المسقط ~~لها إلى إبطال هذا المقصود بإظهار عقد لا حقيقة له، من بيع، أو هبة. # وكذلك القرض شرع الله سبحانه فيه العدل، وأن لا يزداد على مثل ما أقرضه. ~~فإذا احتال المقرض على الزيادة فقد احتال على مقصود محرم بطريق باطلة. # وكذلك بيع الثمر قبل بدو صلاحها باطل، لما يفضى إليه من أكل المال ~~بالباطل، فإذا احتال عليه بأن شرط القطع ثم تركه حتى يكمل، كان قد احتال ~~على مقصود محرم بشرط غير مقصود، بل قد علم المتعاقدان وغيرهما أنه لا ~~يقطعه، ولا سيما إن كان مما لا ينتفع به قبل الصلاح بوجه كالتوت والفرسك ~~وغيرهما. فاشتراط قطعه خداع محض. ms418 # وكذلك سائر الحيل التى تعود على مقصود الشارع وشرعه بالنقض والإبطال، ~~غاياتها محرمة، ووسائلها باطلة لا حقيقة لها. # وكذلك الفدية والخلع التى شرعها الله ليخلص كلا من الزوجين من الآخر إذا ~~وقع الشقاق بينهما، فجعلوه حيلة للحنث فى اليمين، وبقاء النكاح. والله ~~سبحانه إنما شرعه لقطع النكاح. حيث يكون قطعه مصلحة لهما. # وبهذا يتبين لك الفرق بين الحيل التى يتوصل بها إلى تنفيذ أمر الله تعالى ~~ورسوله وإقامة # PageV02P086 # دينه، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، ونصر المحق، وكسر المبطل. ~~والحيل التى يتوصل بها إلى خلاف ذلك. فتحصيل المقاصد المشروعة بالطرق التى ~~جعلت موصلة إليها شئ، وتحصيل المقاصد الفاسدة بالطرق التى جعلت لغيرها شئ ~~آخر. # فالفرق بين النوعين ثابت من جهة الوسيلة والمقصود، اللذين هما: المحتال ~~به والمحتال عليه. # فالطرق الموصلة إلى الحلال المشروع هى الطرق التى لا خداع فى وسائلها، ~~ولا تحريم فى مقاصدها، وبالله التوفيق. # فصل # [الرد على أقوال من يجيز الحيل] # وأما قولكم: إن من حلف بطلاق زوجته: ليشربن هذا الخمر، أو ليقتلن هذا ~~الرجل، أو نحو ذلك - كان فى الحيلة تخليصه من هذه المفسدة. ومن مفسدة وقوع ~~الطلاق. # فيقال: نعم والله، قد شرع الله له ما يتخلص به، ولخلاصه طرق عديدة، فلا ~~تتعين الحيلة التى هى خداع ومكر لتخليصه، بل هاهنا طرق عدة قد سلك كل طريق ~~منها طائفة من الفقهاء من سلف الأمة وخلفها. # الطريق الأولى: طريقة من قال: لا تنعقد هذه اليمين بحال، ولا يحنث فيها ~~بشيء سواء كانت بصيغة الحلف، كقوله "الطلاق يلزمنى لأفعلن" أو بصيغة ~~التعليق المقصود كقوله "إن طلعت الشمس، أو إن حضت، أو إن جاء رأس الشهر، ~~فأنت طالق" أو التعليق المقصود به اليمين، من الحض والمنع، والتصديق ~~والتكذيب، كقوله "إن لم أفعل كذا، وإن فعلت كذا، فامرأتى طالق" وهذا اختيار ~~أجل أصحاب الشافعى، الذين جالسوه، أو من هو من أجلهم: أبى عبد الرحمن. وهو ~~أجل من أصحاب الوجوه المنتسبين إلى الشافعى، وهذا مذهب أكثر أهل الظاهر. # PageV02P087 # فعندهم أن الطلاق لا يقبل ms419 التعليق كالنكاح، ولم يرد مخالفوا هؤلاء عليهم ~~بحجة تشفى. # الطريق الثانية: طريق من يقول: لا يقع الطلاق المحلوف به، ولا العتق ~~المحلوف به، ويلزمه كفارة اليمين إذا حنث فيه، وهذا مذهب ابن عمر، وابن ~~عباس، وأبى هريرة، وعائشة، وزينب بنت أم سلمة، وحفصة، فى الحلف بالعتق الذى ~~هو قربه إلى الله تعالى، بل من أحب القرب إلى الله، ويسرى فى ملك الغير، ~~فما يقول هؤلاء فى الحلف بالطلاق الذى هو أبغض الحلال إلى الله تعالى، وأحب ~~الأشياء إلى الشيطان؟. والسائل لهؤلاء الصحابة إنما كان امرأة حلفت بأن كل ~~مملوك لها حر إن لم تفرق بين عبدها وبين امرأته. فقالوا لها كفرى عن يمينك، ~~وخلى بين الرجل وبين امرأته. # PageV02P088 # وهؤلاء الصحابة أفقه فى دين الله وأعلم من أن يفتوا بالكفارة فى الحلف ~~بالعتق ويرونه يمينا. ولا يرون الحلف بالطلاق يمينا،. ويلزمون الحانث ~~بوقوعه، فإنه لا يجد فقيه شم رائحة بين البابين والتعليقين فرقا بوجه من ~~الوجوه. # وإنما لم يأخذ به أحمد، لأنه لم يصلح عنده إلا من طريق سليمان التيمى، ~~واعتقد أنه تفرد به. وقد تابعه عليه محمد بن عبد الله الأنصارى، وأشعث ~~الحمرانى، ولهذا لما ثبت عند أبى ثور قال به، وظن الإجماع فى الحلف بالطلاق ~~على لزومه، فلم يقل به. # الطريق الثالثة: طريق من يقول: ليس الحلف بالطلاق شيئا، وهذا صحيح عن ~~طاوس، وعكرمة. # أما طاوس فقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه: ~~أنه كان لا يرى الحلف بالطلاق شيئا. # وقد رد بعض المتعصبين لتقليدهم ومذاهبهم هذا النقل بأن عبد الرزاق ذكره ~~فى باب يمين المكره، فحمله على الحلف بالطلاق مكرها، وهذا فاسد، فإن الحجة ~~ليست فى الترجمة. وإنما الاعتبار بما يروى فى أثناء الترجمة، ولا سيما ~~المتقدمين، كابن أبى شيبة، وعبد الرزاق ووكيع وغيرهم، فإنهم يذكرون فى ~~أثناء الترجمة آثارا لا تطابق الترجمة، وإن كان لها بها نوع تعلق، وهذا فى ~~كتبهم - لمن تأمله - أكثر وأشهر من أن يخفى، وهو فى صحيح ms420 البخارى وغيره، ~~وفى كتب الفقهاء وسائر المصنفين. # ثم لو فهم عبد الرزاق هذا، وأنه فى يمين المكره، لم تكن الحجة فى فهمه، ~~بل الأخذ بروايته، وأى فائدة فى تخصيص الحلف بالطلاق بذلك؟ بل كل مكره حلف ~~بأى يمين كانت، فيمينه ليست بشيء. # وأما عكرمة، فقال سنيد بن داود فى تفسيره: حدثنا عباد بن عباد المهلبى عن ~~عاصم الأحول عن عكرمة: فى رجل قال لغلامه: إن لم أجلدك مائة سوط فامرأتى ~~طالق، قال "لا يجلد غلامه، ولا يطلق امرأته، هذا من خطوات الشيطان". # فإذا ضممت هذا الأثر إلى أثر ابن طاوس عن أبيه، إلى أثر ابن عباس، فيمن ~~قالت # PageV02P089 # لمملوكها: إن لم أفرق بينك وبين امرأتك فكل مملوك لى حر، إلى الآثار ~~المستفيضة عن ابن عباس فى الحلف بتحريم الزوجة: أنها يمين يكفرها - تبين لك ~~ما كان عليه ابن عباس وأصحابه فى هذا الباب. # فإذا ضممت ذلك إلى آثار الصحابة فى الحلف بالتعليقات. كالحج، والصوم، ~~والصدقة، والهدى، والمشى إلى مكة حافيا، ونحو ذلك: أنها أيمان مكفرة - تبين ~~لك حقيقة ما كان عليه الصحابة فى ذلك. # فإذا ضممت ذلك إلى القياس الصحيح الذى يستوفى فيه حكم الأصل والفرع: تبين ~~لك توافق القياس وهذه الآثار. # فإذا ارتفعت درجة أخرى، ووزنت ذلك بالنصوص من القرآن والسنة، تبين لك ~~الراجح من المرجوح. # ومع هذا كله فلا يدان لك بمقاومة السلطان، ومن يقول: حكمت وثبت عندى، ~~فالله المستعان. # الطريق الرابعة: طريق من يفرق بين أن يحلف على فعل امرأته أو فعل نفسه، ~~أو على غير الزوجة، فيقول: إن قال لامرأته "إن خرجت من الدار، أو كلمت ~~رجلا، أو فعلت كذا فأنت طالق" فلا يقع عليه الطلاق بفعلها ذلك، وإن حلف على ~~فعل نفسه، أو غير امرأته، وحنث لزمه الطلاق. # وهذا قول أفقه أصحاب مالك على الإطلاق، وهو أشهب بن عبد العزيز، ومحله من ~~الفقه، والعلم غير خاف. # ومأخذ هذا: أن المرأة إذا فعلت ذلك لتطلق نفسها، لم يقع به الطلاق، ~~معاقبة لها بنقيض قصدها، وهذا جار ms421 على أصول مالك وأحمد، ومن وافقهما فى ~~معاقبة الفار من التوريث والزكاة، وقاتل مورثه، والموصى له، ومن دبره بنقيض ~~قصده، وهذا هو الفقه، لا سيما وهو لم يرد طلاقها، إنما أراد حضها، أو ~~منعها، وأن لا تتعرض لما يؤذيه، فكيف يكون فعلها سببا لأعظم أداه؟ وهو لم ~~يملكها ذلك بالتوكيل والخيار، ولا ملكها الله إياه بالفسخ، فكيف تكون ~~الفرقة إليها، إن شاءت أقامت معه، وإن شاءت فارقته بمجرد حضها ومنعها؟ وأى ~~شئ أحسن من هذا الفقه، وأطرد على قواعد الشريعة؟. # PageV02P090 # الطريق الخامسة: طريق من يفصل بين الحلف بصيغة الشرط والجزاء، والحلف ~~يصيغه الالتزام. # فالأول: كقوله: إن فعلت كذا، أو إن لم أفعله، فأنت طالق. # والثانى: كقوله: الطلاق يلزمنى، أو لى لازم، أو على الطلاق إن فعلت، أو ~~إن لم أفعل. فلا يلزمه الطلاق فى هذا القسم، إذا حنث دون الأول. # وهذا أحد الوجوه الثلاثة لأصحاب الشافعى، وهو المنقول عن أبى حنيفة ~~وقدماء أصحابه، ذكره صاحب الذخيرة، وأبو الليث فى فتاويه. # قال أبو الليث: ولو قال: طلاقك على واجب، أو لازم، أو فرض، أو ثابت فمن ~~المتأخرين من أصحابنا من قال: يقع واحدة رجعية، نواه أو لم ينوه، ومنهم من ~~قال: لا يقع وإن نوى، والفارق: العرف. # قال صاحب الذخيرة: وعلى هذا الخلاف: إذا قال: إن فعلت كذا فطلاقك على ~~واجب، أو قال: لازم، ففعلت. # وذكر القدورى فى شرحه: أن على قول أبى حنيفة: لا يقع الطلاق فى الكل، ~~وعند أبى يوسف: إن نوى الطلاق يقع فى الكل، وعن محمد: أنه يقع فى قوله: ~~لازم، ولا يقع فى: واجب. # واختار الصدر الشهيد الوقوع فى الكل، وكان ظهير الدين المرغينانى يفتى ~~بعدم الوقوع فى الكل، هذا كله لفظ صاحب الذخيرة. # وأما الشافعية: فقال ابن يونس، فى شرح التنبيه: وإن قال: الطلاق والعتاق ~~لازم لى، ونواه لزمه لأنهما يقعان بالكناية مع النية، وهذا اللفظ محتمل، ~~فجعل كناية وقال الرويانى: الطلاق لازم لى: صريح، وعد ذلك فى صرائح الطلاق، ~~ولعل وجهه غلبة استعماله لإرادة ms422 الطلاق. وقال القفال فى فتاويه: ليس بصريح ~~ولا كناية، حتى لا يقع به الطلاق وإن نواه، لأن الطلاق لابد فيه من الإضافة ~~إلى المرأة، ولم يتحقق، هذا لفظه. # وحكى شيخنا هذا القول عن بعض أصحاب أحمد. # فقد صار الخلاف فى هذا الباب فى المذاهب الأربعة بنقل أصحابها فى كتبهم. # PageV02P091 # ولهذا التفريق مأخذ آخر من هذا الذى ذكره الشارح، وهو أن الطلاق لا يصح ~~التزامه، وإنما يلزم التطليق، فإن الطلاق هو الواقع بالمرأة، وهو اللازم ~~لها، وإنما الذى يلتزمه الرجل: هو التطليق، فالطلاق لازم لها إذا وقع. # إذا تبين هذا فالتزام التطليق لا يوجب وقوع الطلاق، فإنه لو قال: إن فعلت ~~كذا فعلى أن أطلقك، أو تالله على أن أطلقك، أو فتطليقك لازم لى، أو واجب ~~على، وحنث لم يقع عليه الطلاق. فهكذا إذا قال: إن فعلت كذا فالطلاق يلزمنى، ~~لأنه إنما التزم التطليق، ولا يقع بالتزامه. # والموقعون يقولون: هو قد التزم حكم الطلاق، وهو خروج البضع من ملكه، ~~وإنما يلزمه حكمه إذا وقع، فصار هذا الالتزام مستلزما لوقوعه. # فقال لهم الآخرون: إنما يلزمه حكمه إذا أتى بسببه، وهو التطليق، فحينئذ ~~يلزمه حكمه، وهو لم يأت بالتطليق منجزا بلا ريب، وإنما أتى به معلقا له، ~~والتزام التطليق بالتنجيز لا يلزم، فكيف يلزم بالتعليق؟. # والمنصف المتبصر لا يخفى عليه الصحيح، وبالله التوفيق. # فصل # وممن ذكر الفرق بين الطلاق، وبين الحلف بالطلاق: القاضى أبو الوليد هشام ~~ابن عبد الله بن هشام الأزدى القرطبى فى كتابه "مفيد الحكام فيما يعرض لهم ~~من نوازل الأحكام". # فقال فى كتاب الطلاق من ديوانه، وقد ذكر اختلاف أصحاب مالك فى الأيمان ~~اللازمة. ثم قال: ولا ينبغى أن تتلقى هذه المسألة هكذا تلقيا تقليديا إلا ~~أن يشمها نور الفهم ويوضحها لسان البرهان، وأنا أشير لك إلى نكتة تسعد ~~بالغرض فيها إن شاء الله تعالى. # منها: الفرق بين الطلاق إيقاعا، وبين اليمين بالطلاق، وفى المدونة كتابان ~~موضوعان: أحدهما لنفس الطلاق، والثانى للأيمان بالطلاق، ووراء هذا الفن فقه ~~على الجملة. وذلك ms423 # PageV02P092 # أن الطلاق صورته فى الشرع. حل وارد على عقد، واليمين بالطلاق عقد فليفهم ~~هذا. وإذا كان عقدا لم يحصل منه حل إلا أن تنقله من موضع العقد إلى موضع ~~الحل بنية، ليخرج بها اللفظ من حقيقته إلى كنايته، فقد نجمت هذه المسألة فى ~~أيام الحجاج بعد أن استقل الشرع بأصوله وفروعه، وحقائقه ومجازاته، فى أيمان ~~البيعة، وليس فى أيمان الطلاق إلا ما أذكره لك. وذلك أن الطلاق على ضربين: ~~صريح، وكناية. # فالصريح: كل لفظ استقل بنفسه فى إثبات حكمه تحديدا. # والكناية: على ضربين، كناية غالبة، وكناية غير غالبة. # فالغالبة: كل ما أشعر بثبوت الطلاق فى موضوع اللغة، أو الشرع، كقوله: ~~الحقى بأهلك، واعتدى. # وغير الغالبة: كل مالا يشعر بثبوت الطلاق فى وضع اللغة والشرع، كقوله: ~~ناولينى الثوب، وقال: أردت بذلك الطلاق. # فإذا عرضنا لفظ الأيمان يلزمنى على صريح الطلاق لم تكن من قسمه، وإن ~~عرضناها على الكناية، لم تكن من قسيمها إلا بقرينة، من شاهد حال، أو جارى ~~عرف، أو نية تقارن اللفظ، فإن اضطرب شاهد الحال، أو جارى العرف باحتمال ~~يحتمله، فقد تعذر الوقوف على النية، ولا ينبغى لحاكم ولا لغيره أن يمد ~~القلم فى فتوى حتى يتأمل مثل هذه المعانى، فإن الحكم إن لم يقع مستوضحا عن ~~نور فكرى مشعر بالمعنى المربوط اضمحل. # ثم قال: وأنا ذاكر لك ما بلغنى فى هذه اليمين من كلام العلماء، ورأيته من ~~أقوال الفقهاء، وهى يمين محدثة، لم تقع فى الصدر الأول. # ثم ذكر اختلاف أهل العلم فى الحلف بالأيمان اللازمة. # والمقصود: أنه ذكر الفرق الفطرى العقلى الشرعى بين إيقاع الطلاق، والحلف ~~بالطلاق، وأنهما بابان مفترقان بحقائقهما، ومقاصدهما، وألفاظهما، فيجب ~~افتراقهما حكما. # أما افتراقهما بالحقيقة، فما ذكره من أن الطلاق حل وفسخ، واليمين عقد ~~والتزام. فهما إذن حقيقتان مختلفتان، قال تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان} [المائدة: 89] . # PageV02P093 # ثم أشار إلى الافتراق فى الحكم بقوله: وإذا كانت اليمين عقدا لم يحصل بها ~~حل، إلا أن ينقل من موضع العقد إلى موضع الحل، ومن ms424 البين أن الشارع لم ~~ينقلها من العقد إلى الحل. فيجب بقاؤها على ما وضعت عليه، نعم لو قصد ~~الحالف بها إيقاع الطلاق عند الحنث فقد استعملها فى العقد والحل، فتصير ~~كناية فى الوقوع، وقد نواه. فيقع به الطلاق، لأن هذا العقد صالح للكناية. ~~وقد اقترنت به النية، فيقع الطلاق. أما إذا نوى مجرد العقد، ولم ينو الطلاق ~~البتة، بل هو أكره شئ إليه، فلم يأت بما ينقل اليمين من موضوعها الشرعى، ~~ولا نقلها عنه الشارع. فلا يلزمه غير موجب الأيمان. # فليتأمل المنصف العالم هذا الفرق، ويخرج قلبه ساعة من التعصب والتقليد، ~~واتباع غير الدليل. # والمقصود: أن باب اليمين وباب الإيقاع مختلفان فى الحقيقة والقصد واللفظ، ~~فيجب اختلافهما فى الحكم. أما الحقيقة فما تقدم. # وأما القصد. فلأن الحالف مقصوده الحض والمنع، أو التصديق أو التكذيب، ~~والمطلق مقصوده التخلص من الزوجة من غير أن يخطر بباله حض ولا منع، ولا ~~تصديق ولا تكذيب. فالتسوية بينهما لا يخفى حالها. # وأما اختلافهما لفظا، فإن لفظ اليمين لا بد فيها من التزام قسمى يأتى فيه ~~بجواب القسم، أو تعليق شرطى يقصد فيه انتفاء الشرط والجزاء، أو وقوع الجزاء ~~على تقدير وقوع الشرط، وإن كان يكرهه، ويقصد انتفاءه، فالمقدم فى الصورة ~~الأولى مؤخر فى الثانية، والمنفى فى الأولى ثابت فى الثانية، ولفظ الإيقاع ~~لا يتضمن شيئا من ذلك، ومن تصور هذا حق التصور جزم بالحق فى هذه المسألة، ~~والله الموفق. # الطريقة السادسة: أن يزول المعنى الذى كانت اليمين لأجله، فإذا فعل ~~المحلوف عليه بعد ذلك لم يحنث، لأن امتناعه باليمين إنما كان لعلة، فيزول ~~بزوالها، وهذا مطرد على أصول الشرع، وقواعد مذهب أحمد وغيره ممن يعتبر ~~النية والقصد فى اليمين، تعميما وتخصيصا وإطلاقا وتقييدا. فإذا حلف: لا ~~أكلم فلانة، وكان سبب اليمين الذى هيجها كونها أجنبية، يخاف الوقوع فى عرضه ~~بكلامها، فتزوجها. لم يحنث بكلامها، إعمالا لسبب اليمين وما هيجها # PageV02P094 # فى التقييد بكونها أجنبية. هذا إذا لم يكن له نية مادامت كذلك، أما إذا ~~كانت له ms425 نية فلا إشكال فى تقييد اليمين بها. # ونظيره: أن يحلف: لا يكلم فلانا، ولا يعاشره. لكونه صبيا، فصار رجلا، ~~وكانت نيته وسبب يمينه لأجل صباه. # ونظيره: أن يحلف: لا دخلت هذه الدار لأجل من يظن به التهمة لدخولها، فمات ~~أو سافر، فدخلها، لم يحنث. # وبذلك أفتى أبو حنيفة وأبو يوسف: من حلف: لا دخلت دار فلان هذه، ولا كلمت ~~عبده هذا. فباع العبد والدار. # ونظير هذا: أن يحلف لا يكلم فلانا، والحامل له على اليمين كونه تاركا ~~للصلاة، أو مرابيا أو خمارا، أو واليا، فتاب من ذلك كله، وزالت الصفة التى ~~حلف لأجلها، لم يحنث بكلامه. # وكذلك إذا حلف: لا تزوجت فلانة. والحامل له على اليمين صفة فيها، مثل ~~كونها بغيا أو غير ذلك، فزالت تلك الصفة لم يحنث بتزوجها. # كل هذا مراعاة للمقاصد التى الألفاظ دالة عليها. فإذا ظهر القصد كان هو ~~المعتبر. ولهذا لو حلف: ليقضينه حقه فى غد. وقصده، أو السبب: أن لا يجاوزه، ~~فقضاه قبله لم يحنث. ولو حلف: لا يبيع عبده إلا بألف فباعه بأكثر لم يحنث. # ولو حلف أن لا يخرج من البلد إلا بإذن الوالى. والنية أو السبب: يقتضى ~~التقييد مادام كذلك فعزل لم يحنث بالخروج بغير إذنه. # وكذلك لو حلف على زوجته، أو عبده، أو أمته: أن لا تخرج إلا بإذنه، فطلق ~~أو أعتق أو باع، لم يحنث بخروجهم بغير إذنه. لأن اقتضاء السبب والقصد ~~التقييد فى غاية الظهور. # ونظائر ذلك كثيرة جدا. وسائر الفقهاء يعتبرون ذلك وإن خالفوه فى كثير من ~~المواضع. # وهذا هو الصواب، لأن الألفاظ إنما اعتبرت لدلالتها على المقاصد، فإذا ظهر ~~القصد كان # PageV02P095 # الاعتبار له، وتقيد اللفظ به. ولهذا لو دعى إلى غداء، فحلف لا يتغذى ~~تقيدت يمينه بذلك الغداء وحده، لأن النية والسبب ومناط اليمين لا يقتضى ~~غيره. # وقد أخبر النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "أن الأعمال بالنيات، ~~وإنما لكل امرئ ما نوى" وما لم ينوه بيمينه، أو كان السبب لا يقتضيه، لا ~~يجوز أن ms426 يلزم به، مع القطع بأنه لم يرده، ولا خطر على باله. # وقد أفتى غير واحد من الفقهاء، منهم ابن عقيل وشيخنا، وغيرهما: فيمن قيل ~~له: إن امرأتك قد خرجت من بيتك، أو قد زنت بفلان، فقال هى طالق، ثم تبين له ~~أنها لم تخرج من البيت، وأن الذى رميت به فى بلد بعيد لا يمكن وصوله إليها، ~~أو أنه حين رميت به كان ميتا، ونحو ذلك مما يعلم به أنها لم تزن، فإنه لا ~~يقع عليه الطلاق، لأنه إنما طلقها بناء على هذا السبب، فهو كالشرط فى ~~طلاقها. # وهذا الذى قالوه هو الذى لا يقتضى المذهب وقواعد الفقه غيره، فإنهم قد ~~قالوا: لو قال: لها أنت طالق، وقال: أردت إن قمت، دين، ولم يقع به الطلاق، ~~فهذا مثله سواء. # ونظير هذا: ما قالوه: إن المكاتب لو أدى إلى سيده المال، فقال: أنت حر، ~~فبان أن المال الذى أعطاه مستحق، أو زيوف، لم يقع العتق، وإن كان قد صرح ~~به. ذكره أصحاب أحمد والشافعى، لأنه إنما أعتقه بناء على سلامة العوض، ولم ~~يسلم له، وقواعد الشريعة كلها مبنية على أن الحكم إذا ثبت لعلة زال ~~بزوالها. # وأمثلة ذلك أكثر من أن تحصر. # فهذه الطريقة تخلص من كثير من الحنث. # وإذا تأملت هذه الطرق لرأيت أيتها سلكت أحسن من طرق الحيل التى يتحيلون ~~بها على عدم الحنث، وهى أنواع: # أحدها: التسريج. # الثانى: خلع اليمين. # الثالث: التحيل لفساد النكاح، إما بكون الولى كان قد فعل ما يفسق به، أو ~~الشهود كانوا جلوسا على مقعد حرير، ونحو ذلك، فيكون النكاح باطلا. فلا يقع ~~فيه الطلاق. # PageV02P096 # الرابع: الاحتيال على فعل المحلوف عليه، بتغيير اسمه، أو صفته. أو نقله ~~من مالك إلى مالك، ونحو ذلك. # فإذا غلبوا عن شئ من هذه الحيل الأربعة فزعوا إلى التيس المستعار، ~~فاستأجروه ليسفد ويأخذ على سفاده أجرا. # فليوازن من يعلم أنه موقوف بين يدى الله تعالى ومسئول، بين هذه الطرق ~~وتلك الطرق التى قبلها. وليقم لله ناظرا، ومناظرا متجردا من ms427 العصبية ~~والحمية، فإنه لا يكاد يخفى عليه الصواب، والله ولى التوفيق. # فصل # وأما قوله تعالى لأيوب عليه السلام: {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} ~~[ص: 44] . # فمن العجب أن يحتج بهذه الآية من يقول إنه لو حلف ليضربنه عشرة أسواط، ~~فجمعها وضربه بها ضربة واحدة لم يبر فى يمينه. # هذا قول أصحاب أبى حنيفة، ومالك، وأصحاب أحمد. # وقال الشافعى: إن علم أنها مسته كلها بر فى يمينه، وإن علم أنها لم تمسه ~~لم يبر. وإن شك لم يحنث، ولو كان هذا موجبا لبر الحالف لسقط عن الزانى ~~والقاذف والشارب تعدد الضرب، بأن يجمع له مائة سوط، أو ثمانين، ويضرب بها ~~ضربة واحدة، وهذا إنما يجزئ فى حق المريض، كما قال الإمام أحمد فى المريض ~~عليه الحد "يضرب بعثكال يسقط عنه الحد". # واحتج بما رواه عن أبى أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: "كان ~~بين أبياتنا رويجل ضعيف مخدع، فلم يرع الحى إلا وهو على أمة من إمائهم يخبث ~~بها، قال: فذكر ذلك سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم، وكان ذلك الرجل # PageV02P097 # مسلما، فقال: "اضربوه حده"، فقالوا: يا رسول الله: إنه أضعف مما تحسب، لو ~~ضربناه مائة قتلناه، فقال: "خذوا له عثكالا فيه مائة شمراخ، ثم اضربوه به ~~ضربة واحدة، ففعلوا". # وأما قصة أيوب فلها فقه دقيق، فإن امرأته كانت لشدة حرصها على عافيته ~~وخلاصه من دائه تلتمس له الدواء بما تقدر عليه. فلما لقيها الشيطان وقال ما ~~قال، أخبرت أيوب عليه السلام بذلك، فقال: إنه الشيطان، ثم حلف: لئن شفاه ~~الله تعالى ليضربنها مائة سوط، فكانت معذورة محسنة فى شأنه، ولم يكن فى ~~شرعهم كفارة، فإنه لو كان فى شرعهم كفارة لعدل إلى التكفير، ولم يحتج إلى ~~ضربها، فكانت اليمين موجبة عندهم، كالحدود، وقد ثبت أن المحدود إذا كان ~~معذورا خفف عنه، بأن يجمع له مائة شمراخ، أو مائة سوط، فيضرب بها ضربة ~~واحدة، وامرأة أيوب كانت معذورة، لم تعلم أن ms428 الذى خاطبها الشيطان، وإنما ~~قصدت الإحسان، فلم تكن تستحق العقوبة، فأفتى الله نبيه أيوب عليه السلام أن ~~يعاملها معاملة المعذور، هذا مع رفقها به، وإحسانها إليه، فجمع الله له بين ~~البر فى يمينه، والرفق بامرأته المحسنة المعذورة التى لا تستحق العقوبة. ~~فظهر موافقة نص القرآن فى قصة أبوب عليه السلام لنص السنة فى شأن الضعيف ~~الذى زنى، فلا يتعدى بها عن محلها. # فإن قيل: فقولوا هذا فى نظير ذلك، ممن حلف ليضربن امرأته أو أمته مائة، ~~وكانتا معذورتين، لا ذنب لهما: أنه يبر بجمع ذلك فى ضربة بمائة شمراخ. # PageV02P098 # قيل: قد جعل الله له مخرجا بالكفارة، ويجب عليه أن يكفر عن يمينه، ولا ~~يعصى الله بالبر فى يمينه هاهنا، ولا يحل له أن يبر فيها، بل بره فيها هو ~~حنثه مع الكفارة، ولا يحل له أن يضربها، لا مفرقا ولا مجموعا. # فإن قيل: فإذا كان الضرب واجبا. كالحد، هل تقولون: ينفعه ذلك؟ # قيل: إما أن يكون العذر مرجو الزوال، كالحر والبرد الشديد، والمرض ~~اليسير، فهذا ينتظر زواله، ثم يحد الحد الواجب، كما روى مسلم فى صحيحه عن ~~على رضى الله عنه: # "أن أمة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم زنت، فأمرنى أن ~~أجلدها، فأتيتها، فإذا هى حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، ~~فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فقال: أحسنت، اتركها ~~حتى تماثل". # فصل # وأما حديث بلال فى شأن التمر، وقول النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~له: "بع التمر بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبا". # فقال شيخنا: ليس فيه دلالة على الاحتيال بالعقود التى ليست مقصودة لوجوه: # أحدها: أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أمره أن يبيع سلعته ~~الأولى، ثم يبتاع بثمنها سلعة أخرى ومعلوم أن ذلك إنما يقتضى البيع الصحيح، ~~ومتى وجد البيعان على الوجه الصحيح جاز ذلك بلا ريب، ونحن نقول: كل بيع ~~صحيح يفيد الملك، لكن الشأن فى بيوع قد دلت السنة وأقوال الصحابة على أن ms429 ~~ظاهرها، وإن كان بيعا، فإنها ربا وهى بيع فاسد، ومعلوم أن مثل هذا لا يدخل ~~فى الحديث، ولو اختلف رجلان فى بيع مثل هذا، هل هو صحيح، أو فاسد؟ وأراد ~~أحدهما إدخاله فى هذا اللفظ، لم يمكنه ذلك، حتى يثبت أنه بيع صحيح، ومتى ~~أثبت أنه بيع صحيح، لم يحتج إلى الاستدلال بهذا الحديث. # فتبين أنه لا حجة فيه على صورة من صور النزاع البتة. # قلت: ونظير ذلك أن يحتج به محتج على جواز بيع الغائب، أو على البيع بشرط ~~الخيار # PageV02P099 # أكثر من ثلاث، أو على البيع بشرط البراءة، وغير ذلك من أنواع البيوع ~~المختلف فيها، ويقول المنازع: الشارع قد أطلق الإذن فى البيع، ولم يقيده. # وحقيقة الأمر، أن يقال: إن الأمر المطلق بالبيع إنما يقتضى البيع الصحيح، ~~ونحن لا نسلم له أن هذه الصورة التى تواطأ فيها على ذلك بيع صحيح. # والوجه الثانى: أن الحديث ليس فيه عموم، لأنه قال: "وابتع بالدراهم ~~جنيبا" والأمر بالحقيقة المطلقة ليس أمرا بشيء من قيودها، لأن الحقيقة ~~مشتركة بين الأفراد. والقدر المشترك ليس هو ما يميز كل واحد من الأفراد عن ~~الآخر، ولا هو مستلزما له، فلا يكون الأمر بالمشترك ليس هو ما يميز كل واحد ~~من الأفراد عن الآخر، ولا هو مستلزما له، فلا يكون الأمر بالمشترك أمرا ~~بالمميز بحال. نعم: هو مستلزم لبعض تلك القيود لا بعينه فيكون عاما لها على ~~سبيل البدل، لكن ذلك لا يقتضى العموم بالأفراد على سبيل الجمع، وهو ~~المطلوب، فقوله: بع هذا الثوب، لا يقتضى الأمر ببيعه من زيد أو عمرو، ولا ~~بكذا وكذا، ولا بهذه السوق أو هذه. فإن اللفظ لا دلالة له على شئ من ذلك، ~~لكن إذا أتى بالمسمى حصل ممتثلا من جهة وجود تلك الحقيقة، لا من جهة وجود ~~تلك القيود. # إذا تبين ذلك، فليس فى الحديث أنه أمره أن يبتاع من المشترى، ولا أمره أن ~~يبتاع من غيره، ولا بنقد البلد ولا غيره، ولا بثمن حال أو مؤجل، فإن هذه ~~القيود ms430 خارجة عن مفهوم اللفظ، ولو زعم زاعم أن اللفظ يعم هذا كله كان ~~مبطلا، لكن اللفظ لا يمنع الأجزاء إذا أتى بها. # وقد قال بعض الناس: إن عدم الأمر بالقيود يستلزم عدم الأجزاء إذا أتى بها ~~إلا بقرينة، وهذا غلط بين، فإن اللفظ لا تعرض فيه للقيود بنفى ولا إثبات ~~ولا الإتيان بها ولا تركها من لوازم الامتثال، وإن كان المأمور به لا يخلو ~~عن واحد منهما، ضرورة وقوعه جزئيا مشخصا، فذلك من لوازم الواقع، لأنه مقصود ~~الأمر، وإنما يستفاد الأمر بتلك اللوازم، أو النهى عنها من دليل منفصل. # وقد خرج بهذا الجواب عن قول من قال: لو كان الابتياع من المشترى حراما ~~لنهى عنه. فإن مقصوده صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إنما هو بيان الطريق ~~التى يحصل بها اشتراء # PageV02P100 # التمر الجيد لمن عنده رديء. وهو أن يبيع الردئ بثمن ثم يبتاع بالثمن ~~جيدا. ولم يتعرض لشروط البيع وموانعه فلا معنى للاحتجاج بهذا الحديث على ~~نفى شرط مخصوص، كما لا يحتج به على نفى سائر الشروط، وهذا بمنزلة الاحتجاج ~~بقوله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر} [البقرة: 187] . # على جواز أكل كل ذى ناب من السباع، ومخلب من الطير، وعلى حل ما اختلف فيه ~~من الأشربة، ونحو ذلك. فالاستدلال بذلك استدلال غير صحيح، بل هو من أبطل ~~الاستدلال. إذ لا تعرض فى اللفظ لذلك، ولا أريد به تحليل مأكول ومشروب. ~~وإنما أريد به بيان وقت الأكل والشرب وانتهائه. # وكذلك من استدل بقوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] . # على جواز نكاح الزانية قبل التوبة، وصحة نكاح المحلل، وصحة نكاح الخامسة ~~فى عدة الرابعة، أو نكاح المتعة، أو الشغار، أو غير ذلك من الأنكحة ~~الباطلة، كان استدلاله باطلا. # وكذلك من استدل بقوله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] . # على حل بيع الكلب، أو غيره مما اختلف فيه، فاستدلاله باطل، فإن الآية لم ~~يرد بها بيان ذلك. وإنما أريد بها الفرق بين عقد الربا وبين عقد البيع، ms431 ~~وأنه سبحانه حرم هذا وأباح هذا فأما أن يفهم منه أنه أحل بيع كل شئ، فهذا ~~غير صحيح، وهو بمنزلة الاستدلال بقوله تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} ~~[الأعراف: 31] . # على حل كل مأكول ومشروب. # وبمنزلة الاستدلال بقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "من استطاع منكم ~~الباءة فليتزوج". # على حل الأنكحة المختلف فيها. # وبمنزلة الاستدلال بقوله تعالى: {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} ~~[الطلاق: 1] . # على جواز جمع الثلاث ونفوذه، وعلى صحة طلاق المكره والسكران. # PageV02P101 # وبمنزلة الاستدلال بقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: ~~221] . # على صحة النكاح بلا ولى وبلا شهود وغير ذلك من الصور المختلف فيها. # وبمنزلة الاستدلال بقوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: ~~3] . # على حل كل نكاح اختلف فيه، فيستدل به على صحة نكاح المتعة، والمحلل، ~~والشغار، والنكاح بلا ولى وبلا شهود، ونكاح الأخت، ونكاح الزانية، والنكاح ~~المنفى فيه المهر، وغير ذلك، وهذا كله استدلال فاسد فى النظر والمناظرة. # ومن العجب أن ينكر من يسلكه على ابن حزم استدلاله بقوله تعالى: {وعلى ~~الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] . # على وجوب نفقة الزوج على زوجته، إذا أعسر بالنفقة، وكان لها ما تنفق منه، ~~فإنها وارثة له، وهذا أصح من تلك الاستدلالات، فإنه استدلال بعام لفظا ~~ومعنى. وقد علق الحكم فيه بمعنى مقصود يقتضى العموم وتلك مطلقة لا عموم ~~فيها لفظا ولا معنى، ولم يقصد بها تلك الصور التى استدلوا بها عليها. # إذا عرف هذا، فالاستدلال بقوله "بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم ~~جنيبا" لا يدل على جواز بيع العينة بوجه من الوجوه، فمن احتج به على جوازه ~~وصحته فاحتجاجه باطل. # وليس الغالب أن بائع التمر بدراهم يبتاع بها من المشترى، حتى يقال: هذه ~~الصورة غالبة، بل الغالب أن من يفعل ذلك يعرضه على أهل السوق عامة، أو حيث ~~يقصد، أو ينادى عليه. وإذا باعه لواحد منهم، فقد تكون عنده السلعة التى ~~يريدها وقد لا تكون. # ومثل هذا: إذا قال الرجل فيه لموكله: بع هذا القطن واشتر بثمنه ثياب قطن، ~~أو ms432 بع هذه الحنطة العتيقة، واشتر بثمنها جديدة، لا يكاد يخطر بباله ~~الاشتراء من ذلك المشترى بعينه، بل يشترى من حيث وجد غرضه. ووجود غرضه عند ~~غيره أغلب من وجوده عنده. # فإن قيل: فهب أن الأمر كذلك، فهلا نهاه عن تلك الصورة، وإن لم يدخل فى ~~لفظه؟ فإطلاقه يقتضى عدم النهى عنه. # قيل: إطلاق اللفظ لا يقتضى المنع منها، ولا الإذن فيها، كما تقدم بيانه، ~~فحكمها إذنا # PageV02P102 # ومنعا يستفاد من مواضع أخر، فغاية هذا اللفظ: أن يكون قد سكت عنها فقد ~~علم تحريمها من الأدلة الدالة على تحريم العينة. # الوجه الثالث: أن قوله: "بع الجمع بالدراهم" إنما يفهم منه البيع ~~المقصود، الخالى عن شرط يمنع كونه مقصودا، بخلاف البيع الذى لا يقصد، فإنه ~~لو قال: بع هذا الثوب، أو بعت هذا الثوب، لم يفهم منه بيع المكره، ولا بيع ~~الهازل، ولا بيع التلجئة، وإنما يفهم منه البيع الذى يقصد به نقل ذلك ~~العوض. وقد تقدم تقرير هذا. # يوضحه: أن مثل هذين قد يتراوضان أولا على بيع التمر بالتمر متفاضلا، ثم ~~يجعلان الدراهم محللا غير مقصودة. والمقصود إنما هو بيع صاع بصاعين، ومعلوم ~~أن الشارع لا يأذن فى مثل هذا، فضلا عن أن يأمر به ويرشد إليه. # الوجه الرابع: إن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. "نهى عن بيعتين ~~فى بيعة". # ومتى تواطآ على أن يبيعه بالثمن، ثم يبتاع منه، فهو بيعتان فى بيعة، فلا ~~يكون داخلا فى الحديث، إذ المنهى عنه لا يتناوله المأذون فيه. # يبين ذلك الوجه الخامس: وهو أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "بع ~~الجمع ثم ابتع بالدراهم جنيبا" وهذا يقتضى بيعا ينشئه ويبتدئه، بعد انقضاء ~~البيع الأول، ومتى واطأه من أول الأمر على أن أبيعك وأبتاع منك، فقد اتفقا ~~على العقدين معا، فلا يكون داخلا فى حديث الإذن، بل فى حديث النهى. # الوجه السادس: أنه لو فرض أن فى الحديث عموما لفظيا، فهو مخصوص بصور لا ~~تعد. فإن كل بيع فاسد فهو غير داخل ms433 فيه، فتضعف دلالته، وتخص منه الصورة ~~التى ذكرناها بالأدلة، التى هى نصوص، أو كالنصوص، فإخراجها من العموم من ~~أسهل الأشياء، وبالله التوفيق. # PageV02P103 # فصل # وقد تبين بهذا بطلان الاستدلال على جواز الحيل الباطلة، بقوله تعالى: ~~{إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم} [البقرة: 282] . # وأن هذا يتناول صورة العينة وغيرها، فإن المتبايعين يديران السلعة ~~بينهما. # فإن الله سبحانه قسم البياعات المقصودة التى شرعها لعباده، ونصبها ~~لمصالحهم فى معاشهم ومعادهم إلى بيوع مؤجلة وبيوع حالة، ثم أمرهم أن ~~يستوثقوا فى البيوع المؤجلة بالكتاب والشهود، وإن عدموا ذلك فى السفر ~~استوثقوا بالرهن، حفظا لأموالهم وتخلصا من بطلان الحقوق بجحود أو نسيان، ثم ~~أخبرهم أنه لا حرج عليهم فى ترك ذلك فى البيوع الحالة، لأمنهم فيها مفسدة ~~التجاحد والنسيان. # فالمراد بالتجارة الدائرة: البيعات التى تقع غالبا بين الناس. # ولم يفهم أحد من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولا من ~~التابعين، ولا تابعيهم، ولا أهل التفسير، ولا أئمة الفقهاء منها: المعاملة ~~الدائرة بالربا بين المترابيين، بل فهموا تحريمها من نصوص تحريم الربا. ولا ~~ريب أن دخولها فى تلك النصوص أظهر من دخولها فى هذه الآية. # ومما يدل عليه: أن هذه المعاملة الدائرة بينهما بالربا لا تكون فى الغالب ~~إلا مع أجل، بأن يبتاع منه سلعة بثمن حال، ثم يبيعها إياه بأكثر منه إلى ~~أجل، وذلك فى الغالب مما يطلب عليه الشهود والكتاب خشية الجحود، والله ~~سبحانه قال: {إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها} [البقرة: 282] . # فاستثنى هذا من قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل ~~مسمى فاكتبوه} [البقرة:282] . # وهذه المعاملة الربوية قد اتفقا فيها على التداين إلى أجل مسمى، واتفقا ~~فيها على المائة بمائة وثلاثين ونحو ذلك، فأين هى من التجارة الحاضرة، التى ~~يعرف الناس الفرق فيها بين التجارة والربا؟ # فالتجارة فى كلام الله ورسوله، ولغة العرب، وعرف الناس: إنما تنصرف إلى ~~البياعات # PageV02P104 # المقصودة التى يقصد فيها الثمن، والمثمن. وأما ما تواطآ فيه على ms434 الربا ~~المحض، ثم أظهرا بيعا غير مقصود لهما البتة، يتوسلان به إلى أن يعطيه مائة ~~حالة بمائة وعشرين مؤجلة، فهذا ليس من التجارة المأذون فيها، بل من الربا ~~المنهى عنه، والله أعلم. # فصل # وأما استدلالكم بالمعاريض على جواز الحيل. # فما أبطله من استدلال، فأين المعاريض التى يتخلص بها الإنسان من الظلم ~~والكذب إلى الحيل التى يسقط بها ما فرض الله تعالى، ويستحل بها ما حرم ~~الله، فالمعرض تكلم بحق، ونطق بصدق فيما بينه وبين الله تعالى، لا سيما إذا ~~لم ينو باللفظ خلاف ظاهره فى نفسه، وإنما كان الظهور من ضعف فهم السامع ~~وقصوره فى معرفة دلالة اللفظ، ومعاريض النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~ومزاحه عامته كان من هذا الباب، كقوله صلى الله عليه وسلم: "نحن من ماء" و ~~"إنا حاملوك على ولد الناقة" و "وزوجك الذى فى عينه بياض" و "لا يدخل الجنة ~~عجوز". # وأكثر معاريض السلف كانت من هذا. # فالمعرض إنما يقصد باللفظ ما جعل اللفظ دالا عليه ومثبتا له فى الجملة، ~~فهو لم يخرج بتعريضه عن حدود الكلام، فإن الكلام فيه الحقيقة والمجاز، ~~والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمفرد والمشترك، والمتباين والمترادف، ~~وتختلف دلالته تارة بحسب اللفظ المفرد، وتارة بحسب التأليف، فأين هذا من ~~الحيل التى يقصد بالعقد فيها ما لم يشرع العقد له أصلا، ولا هو مقتضاه، ولا ~~موجبة شرعا ولا حقيقة؟،. # PageV02P105 # وفرق ثان، وهو أن المعرض لو صرح بقصده لم يكن باطلا ولا محرما، بخلاف ~~المحتال، فإنه لو صرح بما قصده بإظهار صورة العقد كان محرما باطلا، فإن ~~المرابى بالحيلة لو قال: بعتك مائة حالة بمائة وعشرين إلى سنة، كان حراما ~~باطلا، وذلك عين مقصوده، ومقصوده الآخر. # وكذلك المقرض لو قال: أقرضتك ألفا على أن تعيدها إلى ومعها زيادة كذا ~~وكذا، كان حراما باطلا، وذلك نفس مقصوده. # وكذلك المحلل لو قال: تزوجتها على أن أحلها للمطلق ثلاثا. # والمعرض لو صرح بمقصوده لم يكن حراما، فأين أحدهما من الآخر؟ # وفرق ثالث: وهو أن المعرض قصد ms435 بالقول ما يحتمله اللفظ، أو يقتضيه. ~~والمحتال قصد بالعقد مالا يحتمله، ولا جعل مقتضيا له، شرعا ولا عرفا ولا ~~حقيقة. # وفرق رابع: وهو أن المعرض مقصده صحيح، ووسيلته جائزة، فلا حجر عليه فى ~~مقصوده، ولا فى وسيلته إلى مقصوده، بخلاف المحتال، فإن قصده أمر محرم، ~~ووسيلته باطلة، كما تقدم تقريره. # وفرق خامس: وهو أن التعريض المباح ليس من مخادعة الله سبحانه فى شئ، ~~وإنما غايته أنه مخادعة لمخلوق أباح الشارع مخادعته لظلمه، جزاء له على ~~ذلك، ولا يلزم من جواز مخادعة الظالم جواز المحق، فما كان من التعريض لظاهر ~~اللفظ فى نفسه كان قبيحا إلا عند الحاجة، وما لم يكن كذلك كان جائزا إلا ~~عند تضمن مفسدة، والذى يدخل فى الحيل المذمومة إنما هو الأول، فالمعرض قاصد ~~لدفع الشر، والمحتال بالباطل قاصد لدفع الحق. # والتعريض كما يكون بالقول يكون بالفعل، كما يظهر المحارب أنه يريد وجها ~~من الوجوه، ويسافر إلى تلك الناحية، ليحسب العدو أنه لا يريده، ثم يكر ~~عليه. # ومثل أن يستطرد المبارز بين يدى خصمه ليظن هزيمته، ثم يعطف عليه. # ومثل أن يظهر ضعفا وعجزا يتخلص به من تسخيره وأذاه، ونحو ذلك. # PageV02P106 # وقد يكون التعريض بالقول والفعل معا، كما قال سليمان عليه السلام "ائتونى ~~بالسكين أشقه بينكما" وقد يكون بإظهار الصمم وأنه لا يسمع، وبإظهار النوم، ~~وإظهار الشبع، وإظهار الغنى، بحيث يحسبه الجاهل غنيا. # وكما يقع الإجمال فى الأقوال فكذلك يقع فى الأفعال، كما أعطى النبى صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم عمر رضى الله عنه حلة من حرير، فلما لبسها أنكر ~~عليه وقال: "لم أعطكها لتلبسها" فكساها أخا له مشركا بمكة. # فكل من الإجمال والاشتراك والاشتباه يقع فى الألفاظ تارة، وفى الأفعال ~~تارة، وفيهما معا تارة. # ومن أنواع التعريض: أن يتكلم المتكلم بكلام حق يقصد به حقيقته وظاهره، ~~ويوهم السامع نسبته إلى غير قائله، ليقبله ولا يرده عليه، أو ليتخلص به من ~~شره وظلمه، كما أنشد عبد الله بن رواحة رضى الله تعالى عنه امرأته تلك ~~الأبيات، ms436 وأوهمها أنه يقرأ وكذلك إذا كان الرجل يريد تنفيذ حق صحيح، ولكن ~~لا يقبل منه، لكونه هو أو من لا يحسن به الظن قائله، فإذا عرض للمخاطب ~~بنسبة الكلام إلى معظم يقبله منه كان من أحسن التعريض، كما علمه أبو حنيفة ~~- رحمه الله أصحابه -، حين شكوا إليه: إنا نقول لهم: قال أبو حنيفة، ~~فيبادرون بالإنكار. فقال: قولوا لهم المسألة، فإذا استحسنوها ووقعت منهم ~~بموقع، فقولوا: هذا قول أبى حنيفة. وكما يجرى لأصحابنا مع الجهمية وفروخهم ~~كثيرا. # فصل # وأما استدلالهم بأن الله سبحانه علم نبيه يوسف عليه السلام الحيلة التى ~~توصل بها إلى أخذ أخيه، إلى آخره. # فهذا قد ظن بعض أرباب الحيل أنه حجة لهم فى هذا الباب، وليس كما زعموا، ~~والاستدلال بذلك من أبطل الباطل. # PageV02P107 # فإن المحتجين بذلك لا يجوزون شيئا مما فى هذه القصة البتة، ولا تجوزها ~~شريعتنا بوجه من الوجوه، فكيف يحتج المحتج بما يحرم العمل به، ولا يسوغه ~~بوجه من الوجوه؟ والله سبحانه إنما سوغ ذلك لنبيه يوسف عليه السلام جزاء ~~لإخوته، وعقوبة لهم على ما فعلوا به، ونصرا له عليهم، وتصديقا لرؤياه، ~~ورفعة لدرجته ودرجة أبيه. # وبعد، ففى قصته مع إخوته ضروب من الحيل المستحسنة. # أحدها قوله لفتيانه: {اجعلوا بضاعتهم فى رحالهم لعلهم يعرفونها إذا ~~انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون} [يوسف: 62] . # فإنه تسبب بذلك إلى رجوعهم، وقد ذكروا فى ذلك معانى: # منها: أنه تخوف أن لا يكون عندهم ورق يرجعون بها. # ومنها: أنه خشى أن يضر أخذ الثمن بهم. # ومنها: أنه إذا رأى لؤما أخذ الثمن منهم. # ومنها: أنه أراهم كرمه فى رد البضاعة، ليكون أدعى لهم إلى العود. # وقد قيل: إنه علم أن أمانتهم تحوجهم إلى الرجعة، ليردوها إليه، فهذا ~~المحتال به عمل صالح. # والمقصود: رجوعهم ومجيء أخيه، وذلك أمر فيه منفعة لهم ولأبيهم وله، وهو ~~مقصود صالح، وإنما لم يعرفهم نفسه لأسباب أخر، فيها منفعة لهم ولأبيهم وله، ~~وتمام لما أراده الله تعالى بهم من الخير فى هذا البلاء. # وأيضا، فلو عرفهم نفسه ms437 فى أول مرة لم يقع الاجتماع بهم وبأبيه ذلك الموقع ~~العظيم، ولم يحل ذلك المحل، وهذه عادة الله سبحانه فى الغايات العظيمة ~~الحميدة: إذا أراد أن يوصل عبده إليها هيأ لها أسبابا من المحن والبلايا ~~والمشاق، فيكون وصوله إلى تلك الغايات بعدها كوصول أهل الجنة إليها بعد ~~الموت، وأهوال البرزخ، والبعث والنشور والموقف، والحساب، والصراط، ومقاساة ~~تلك، الأهوال والشدائد، وكما أدخل رسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى ~~مكة ذلك المدخل العظيم، بعد أن أخرجه الكفار ذلك المحرج ونصره ذلك النصر ~~العزيز، بعد أن قاسى مع أعداء الله ما قاساه. # PageV02P108 # وكذلك ما فعله برسله، كنوح، وإبراهيم، وموسى، وهود، وصالح، وشعيب عليهم ~~السلام، فهو سبحانه يوصل إلى الغايات الحميدة بالأسباب التى تكرهها النفوس ~~وتشق عليها. كما قال تعالى: # {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216] . # وربما كان مكروه النفوس إلىمحبوبها سببا ما مثله سبب # وبالجملة، فالغايات الحميدة فى خبايا الأسباب المكروهة الشاقة، كما أن ~~الغايات المكروهة المؤلمة فى خبايا الأسباب المشتهاة المستلذة، وهذا من حين ~~خلق الله سبحانه الجنة وحفها بالمكاره، وخلق النار وحفها بالشهوات. # فصل # ومنها: أنه لما جهزهم فى المرة الثانية بجهازهم جعل السقاية فى رحل أخيه. ~~وهذا القدر يتضمن اتهام أخيه بأنه سارق. # وقد قيل: إنه كان بمواطأة من أخيه ورضا منه بذلك، والحق كان له، وقد أذن ~~فيه، وطابت نفسه به، ودل على ذلك قوله تعالى: {ولما دخلوا على يوسف آوى ~~إليه أخاه، قال إنى أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون} [يوسف: 69] . # فهذا يدل على أنه عرف أخاه نفسه. # وقد قيل: إنه لم يصرح له بأنه يوسف، وأنه إنما أراد بقوله: {إنى أنا ~~أخوك} [يوسف: 69] . # أى أنا مكان أخيك المفقود. # ومن قال هذا قال: إنه وضع السقاية فى رحل أخيه، والأخ لا يشعر بذلك، ~~والقرآن يدل على خلاف هذا، والعدل يرده. وأكثر أهل التفسير على خلافه. ms438 # ومن لطيف الكيد فى ذلك: أنه لما أراد أخذ أخيه توصل إلى أخذه بما يقر ~~إخوته أنه حق وعدل، ولو أخذه بحكم قدرته وسلطانه لنسب إلى الظلم والجور، ~~ولم يكن له طريق فى دين الملك يأخذه بها. فتوصل إلى أخذه بطريق يعترف إخوته ~~أنها ليست ظلما، فوضع الصواع # PageV02P109 # فى رحل أخيه بمواطأة منه له على ذلك. ولهذا قال: {فلا تبتئس بما كانوا ~~يعملون} [يوسف: 69] . # ومن لطيف الكيد: أنه لم يفتش رحالهم وهم عنده، بل أمهلهم حتى جهزهم ~~بجهازهم، وخرجوا من البلد، ثم أرسل فى آثارهم لذلك. # قال ابن أبى حاتم فى تفسيره: حدثنا على بن الحسين حدثنا محمد بن عيسى ~~حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال: "أمهلهم حتى إذا انطلقوا فأمعنوا من القرية ~~أمر فأدركوا ثم جلسوا، ثم ناداهم مناد: أيتها العير إنكم لسارقون، فوقفوا، ~~وانتهى إليهم رسوله، فقال لهم فيما يذكرون: ألم نكرم ضيافتكم، ونوفكم كيلكم ~~ونحسن منزلتكم، ونفعل بكم ما لم نفعله بغيركم، وأدخلنا كم علينا فى بيوتنا ~~ومنازلنا؟ قالوا: بلى، وما ذاك؟ {قال إنكم لسارقون} . # وذكر عن السدى "فلما ارتحلوا أذن مؤذن أيتها العير". # والسياق يقتضى ذلك، إذ لو كان هذا وهم بحضرته لم يحتج إلى الأذان، وإنما ~~يكون الأذان نداء لبعيد، يطلب وقوفه وحبسه. # فكان فى هذا من لطيف الكيد: أنه أبعد من التهمة للطالب بالمواطأة ~~والموافقة، وأنه لا يشعر بما فقد له، فكأنه لما خرج القوم وارتحلوا، وفصلوا ~~عن المدينة احتاج الملك إلى صواعه لبعض حاجته إليه، فالتمسه، فلم يجده، ~~فسأل عنه الحاضرين، فلم يجدوه، فأرسلوا فى أثر القوم. فهذا أحسن وأبعد من ~~التفطن للحيلة من التفتيش فى الحال قبل انفصالهم عنه. بل كلما ازدادوا بعدا ~~عنه كان أبلغ فى هذه المعنى. # ومن لطيف الكيد: أنه أذن فيهم بصوت عال رفيع، يسمعه جميعهم، ولم يقل ~~لواحد واحد منهم، إعلاما بزن ذهاب الصواع أمر قد اشتهر، ولم يبق فيه خفاء، ~~وأنتم قد اشتهرتم بأخذه، ولم يتهم به سواكم. # ومن لطيف الكيد: أن المؤذن قال إنكم لسارقون ms439 ولم يعين المسروق، حتى سألهم ~~عنه القوم، فقالوا لهم: ماذا تفتقدون؟ قالوا: نفقد صواع الملك فاستقر عند ~~القوم أن الصواع هو المتهم به، وأنهم لم يفقدوا غيره. فإذا ظهر لم يكونوا ~~ظالمين باتهامهم بغيره. وظهر صدقهم وعدلهم فى اتهامهم به وحده، وهذا من ~~لطيف الكيد. # ومن لطيف الكيد: قول المؤذن وأصحابه لإخوة يوسف عليه السلام – {قالوا فما ~~جزاؤه إن # PageV02P110 # كنتم كاذبين} - أى ما عقوبة من ظهر عليه أنه سرقه منكم، ووجد معه؟ أى ما ~~عقوبته عندكم وفى دينكم؟. {قالوا جزاؤه من وجد فى رحله فهو جزاؤه} [يوسف: ~~75] . # فأخذوهم بما حكموا به على نفوسهم، لا بحكم الملك وقومه. # ومن لطيف الكيد: أن الطالب لما هم بتفتيش رواحلهم بدأ بأوعيتهم يفتشها ~~قبل وعاء من هو معه، تطمينا لهم، وبعدا عن تهمة المواطأة. # فإنه لو بدأ بوعاء من هو فيه لقالوا: وما يدريه أنه فى هذا الوعاء دون ~~غيره من أوعيتنا؟ وما هذا إلا بمواطأة وموافقة. فأزال هذه التهمة بأن بدأ ~~بأوعيتهم أولا، فلما لم يجده فيها هم بالرجوع قبل تفتيش وعاء من فيه ~~الصواع، وقال: ما أراكم سارقين وما أظن هذا أيضا أخذ شيئا. فقالوا: لا ~~والله، لا ندعكم حتى تفتشوا متاعه، فإنه أطيب لقلوبكم، وأظهر لبراءتنا، ~~فلما ألحوا عليهم بذلك فتشوا متاعه، فاستخرجوا منه الصواع. وهذا من أحسن ~~الكيد. فلهذا قال تعالى: {كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك ~~إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذى علم عليم} [يوسف: 76] . # فالعلم بالكيد الواجب أو المستحب الذى يتوصل به إلى طاعة الله تعالى ~~ورسوله، ونصر المحق وكسر المبطل مما يرفع الله به درجة العبد. # وقد ذكروا فى تسميتهم سارقين وجهين: # أحدهما: أنه من باب المعاريض، وأن يوسف عليه السلام نوى بذلك أنهم سرقوه ~~من أبيه، حيث غيبوه عنه بالحيلة التى احتالوا بها عليه، وخانوه فيه. ~~والخائن يسمى سارقا، وهو من الاستعمال المشهور. # الثانى: أن المنادى هو الذى قال ذلك، من غير أمر يوسف عليه السلام. # قال ms440 القاضى أبو يعلى وغيره: أمر يوسف بعض أصحابه أن يجعل الصاع فى رحل ~~أخيه. ثم قال بعض الموكلين به لما فقده، ولم يدر من أخذه - أيتها العير ~~إنكم لسارقون - على ظن منهم أنهم كذلك ولم يأمرهم يوسف عليه السلام بذلك، ~~ولعل يوسف عليه السلام قال للمنادى: هؤلاء قد سرقوا، وعنى سرقته من أبيه، ~~والمنادى فهم سرقة الصواع، وصدق فى قوله: إنكم # PageV02P111 # لسارقون - ولم يقل: صواع الملك ثم لما جاء إلى ذكر المفقود قال - نفقد ~~الملك - وهو صادق فى ذلك، فحذف المفعول فى قوله - لسارقون - وذكره فى قوله ~~- نفقد صواع الملك - وكذلك قال يوسف عليه السلام لما عرضوا عليه أن يأخذ ~~أحدهم مكان أخيهم - معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده - ولم يقل: ~~أن نأخذ إلا من سرق، فإن المتاع كان موجودا عنده، ولم يكن سارقا. وهذا من ~~أحسن المعاريض. # وقد قال نصر بن حاجب: سئل سفيان بن عيينة عن الرجل يعتذر إلى أخيه من ~~الشيء الذى قد فعله، ويحرف القول فيه ليرضيه، أيأثم فى ذلك؟ فقال: ألم تسمع ~~قوله عليه الصلاة والسلام: # "ليس بكاذب من أصلح بين الناس فكذب فيه". # فإذا أصلح بينه وبين أخيه المسلم كان خيرا من أن يصلح بين الناس بعضهم فى ~~بعض، ذلك أنه أراد به مرضاة الله، وكراهية أذى المؤمن، ويندم على ما كان ~~منه، ويدفع شره عن نفسه، ولا يريد بالكذب اتخاذ المنزلة عندهم، ولا طمعا فى ~~شئ يصيبه منهم، فإنه لم يرخص فى ذلك ورخص له إذا كره موجدتهم وخاف عداوتهم. # قال حذيفة بن اليمان رضى الله عنه "إنى أشترى دينى بعضه ببعض، مخافة أن ~~أقدم على ما هو أعظم منه". # قال سفيان: وقال الملكان: {خصمان بغى بعضنا على بعض} [ص: 22] . # أراد معنى شئ ولم يكونا خصمين، فلم يصيرا بذلك كاذبين. # PageV02P112 # وقال إبراهيم عليه السلام: {إنى سقيم} [الصافات: 89] وقال {بل فعله ~~كبيرهم هذا} [الأنبياء: 63] . # وقال يوسف عليه السلام {إنكم لسارقون} [يوسف: 70] أراد يعنى أخاهم. # فبين سفيان رحمه الله تعالى أن هذا ms441 كله من المعاريض المباحة، مع تسميته ~~كذبا. وإن لم يكن فى الحقيقة كذبا. # وقد احتج بعض الفقهاء بقصة يوسف على أنه يجوز للإنسان التوصل إلى أخذ حقه ~~من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق. # قال شيخنا: وهذه الحجة ضعيفة، فإن يوسف عليه السلام لم يكن يملك حبس أخيه ~~عنده بغير رضاه، ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم يوسف. حتى يقال قد اقتص منه، ~~وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا قد فعلوا ذلك، نعم كان تخلفه عنهم مما ~~يؤذيهم لتأذى أبيهم، وللميثاق الذى أخذه عليهم، وقد استثنى فى الميثاق ~~بقوله: # {إلا أن يحاط بكم} [يوسف: 66] . # وقد أحيط بهم ويوسف عليه السلام لم يكن قصده باحتباس أخيه الانتقام من ~~إخوته، فإنه كان أكرم من هذا وإن كان فى ضمن ما فعل من تأذى أبيه أعظم من ~~أذى إخوته، فإنما ذلك أمر أمره الله تعالى به، ليبلغ الكتاب أجله، ويتم ~~البلاء الذى استحق به يوسف ويعقوب عليهما السلام كمال الجزاء، وعلو ~~المنزلة، وتبلغ حكمة الله تعالى - التى قدرها وقضاها - نهايتها، ولو فرض أن ~~يوسف عليه السلام قصد الاقتصاص منهم بما فعل، فليس هذا، بموضع خلاف بين ~~العلماء. فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به، وإنما موضع الخلاف: هل له ~~أن يخونه، كما خانه؟ أو يسرقه، كما سرقه؟ ولم تكن قصة يوسف عليه السلام من ~~هذا النوع. # نعم لو كان يوسف عليه السلام أخذ أخاه بغير أمره لكان لهذا المحتج شبهة، ~~مع أنه لا شبهة له أيضا على هذا التقدير، فإن مثل هذا لا يجوز فى شرعنا ~~بالاتفاق، ولو كان يوسف قد أخذ أخاه واعتقله بغير رضاه، كان فى هذا ابتلاء ~~من الله تعالى لذلك المعتقل، كأمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه، فيكون ~~المبيح له على هذا التقدير وحيا خاصا، كالوحى إلى إبراهيم عليه السلام بذبح ~~ابنه، وتكون حكمته فى حق الأخ امتحانه وابتلاءه، لينال درجة الصبر على حكم ~~الله، والرضا بقضائه، ويكون حاله فى هذا كحال أبيه ms442 يعقوب عليه السلام فى ~~احتباس يوسف عليه السلام عنه. # PageV02P113 # وقد دل على هذا نسبة الله سبحانه ذلك الكيد إلى نفسه بقوله: # {كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك إلا أن يشاء الله} ~~[يوسف: 76] . # وهو سبحانه ينسب إلى نفسه أحسن هذه المعانى، وما هو منها حكمة وحق وصواب، ~~وجزاء للمسيء، وذلك غاية العدل والحق، كقوله تعالى: # {إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا} [الطارق: 15 - 16] وقوله {ومكروا ومكر ~~الله} [آل عمران:54] وقوله {الله يستهزئ بهم} [البقرة: 15] وقوله {إن ~~المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء: 142] وقوله {وأملى لهم إن ~~كيدى متين} [القلم: 45] . # فهذا منه سبحانه فى أعلى مراتب الحسن، وإن كان من العبد قبيحا سيئا، لأنه ~~ظالم فيه، وموقعه بمن لا يستحقه، والرب تعالى عادل فيه، موقعه بأهله ومن ~~يستحقه، سواء قيل: إنه مجاز للمشاكلة الصورية، أو للمقابلة، أو سماه كذلك ~~مشاكلة لاسم ما فعلوه، أو قيل: إنه حقيقة، وإن مسمى هذه الأفعال ينقسم إلى ~~مذموم ومحمود، واللفظ حقيقة فى هذا وهذا، كما قد بسطنا هذا المعنى ~~واستوفينا عليه الكلام فى كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة. # فصل # وإذا عرف ذلك، فيوسف صلوات الله عليه وسلامه أكيد، من وجوه عديدة. # أحدها: أن إخوته كادوه، حيث احتالوا فى التفريق بينه وبين أبيه، كما قال ~~له يعقوب عليه السلام: {لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا} [يوسف: ~~5] . # وثانيها: أنهم كادوه حيث باعوه بيع العبيد، وقالوا: إنه غلام لنا أبق. # وثالثها: كيد امرأة العزيز له، بتغليق الأبواب، ودعائه إلى نفسها. # ورابعها: كيدها له بقولها: {ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن # PageV02P114 # يسجن أو عذاب أليم} [يوسف:25] . # فكادته بالمراودة أولا، وكادته بالكذب عليه ثانيا، ولهذا قال لها الشاهد ~~لما تبين له براءة يوسف عليه السلام: {إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم} [يوسف: ~~28] . # وخامسها، كيدها له حيث جمعت له النسوة، وأخرجته عليهن، تستعين بهن عليه، ~~وتستعذر إليهن من شغفها به. # وسادسها: كيد النسوة له، حتى استجار بالله تعالى من كيدهن فقال: {وإلا ~~تصرف عنى ms443 كيدهن إليهن أصب وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن ~~إنه هو السميع العليم} [يوسف: 33- 34] . # ولهذا لما جاء الرسول بالخروج من السجن قال له: {ارجع إلى ربك فاسأله ما ~~بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم} [يوسف: 50] . # فإن قيل: فما كان مكر النسوة اللاتى مكرن به، وسمعت به امرأة العزيز، فإن ~~الله سبحانه لم يقصه فى كتابه؟. # قيل: بلى، قد أشار إليه بقوله: {وقال نسوة فى المدينة امرأة العزيز تراود ~~فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها فى ضلال مبين} [يوسف: 30] . # وهذا الكلام متضمن لوجوه من المكر: # أحدها: قولهن: {امرأة العزيز تراود فتاها} [يوسف: 30] . # ولم يسموها باسمها، بل ذكروها بالوصف الذى ينادى عليها بقبيح فعلها، ~~بكونها ذات بعل. فصدور الفاحشة منها أقبح من صدورها ممن لا زوج لها. # الثانى، أن زوجها عزيز مصر ورئيسها وكبيرها، وذلك أقبح لوقوع الفاحشة ~~منها. # الثالث: أن الذى تراوده مملوك لا حر، وذلك أبلغ فى القبح. # PageV02P115 # الرابع: أنه فتاها الذى هو فى بيتها وتحت كنفها، فحكمه حكم أهل البيت، ~~بخلاف من طلب ذلك من الأجنبى البعيد. # الخامس: أنها هى المراودة الطالبة. # السادس: أنها قد بلغ بها عشقها له كل مبلغ، حتى وصل حبها له إلى شغاف ~~قلبها. # السابع: أن فى ضمن هذا أنه أعف منها وأبر، وأوفى، حيث كانت هى المراودة ~~الطالبة، وهو الممتنع، عفافا وكرما وحياء، وهذا غاية الذم لها. # الثامن: أنهن أتين بفعل المراودة بصيغة المستقبل الدالة على الاستمرار ~~والوقوع، حالا واستقبالا: وأن هذا شأنها، ولم يقلن: راودت فتاها. وفرق بين ~~قولك: فلان أضاف ضيفا، وفلان يقرى الضيف، ويطعم الطعام، ويحمل الكل. فإن ~~هذا يدل على أن هذا شأنه وعادته. # التاسع قولهن: {إنا لنراها فى ضلال مبين} [يوسف: 30] . # أى إنا لنستقبح منها ذلك غاية الاستقباح فنسبن الاستقباح إليها. ومن ~~شأنهن مساعدة بعضهن بعضا على الهوى، ولا يكدن يرين ذلك قبيحا، كما يساعد ~~الرجال بعضهم بعضا على ذلك، فحيث استقبحن منها ذلك كان هذا دليلا على أنه ~~من أقبح ms444 الأمور، وأنه مما لا ينبغى أن تساعد عليه، ولا يحسن معاونتها عليه. # العاشر: أنهن جمعن لها فى هذا الكلام واللوم بين العشق المفرط، والطلب ~~المفرط. فلم تقتصد فى حبها، ولا فى طلبها. أما العشق فقولهن: {قد شغفها ~~حبا} [يوسف: 30] . # أى وصل حبه إلى شغاف قلبها. وأما الطلب المفرط فقولهن: {تراود فتاها} ~~[يوسف: 30] . # والمراودة: الطلب مرة بعد مرة، فنسبوها إلى شدة العشق، وشدة الحرص على ~~الفاحشة. فلما سمعت بهذا المكر منهن هيأت لهن مكرا أبلغ منه، فهيأت لهن ~~متكأ، ثم أرسلت إليهن، فجمعتهن وخبأت يوسف عليه السلام عنهن. وقيل: إنها ~~جملته وألبسته أحسن ما تقدر عليه، وأخرجته عليهن فجأة، فلم يرعهن إلا وأحسن ~~خلق الله وأجملهم قد طلع عليهن بغتة، فراعهن ذلك المنظر البهى، وفى أيديهن ~~مدى يقطعن بها ما يأكلنه فدهشن حتى قطعن أيديهن، وهن لا يشعرن. وقد قيل: ~~إنهن أبن أيديهن، والظاهر خلاف ذلك، وإنما تقطيعهن أيديهن: جرحها وشقها ~~بالمدى لدهشهن بما رأين، # PageV02P116 # فقابلت مكرهن القولى بهذا المكر الفعلى، وكانت هذه فى النساء غاية فى ~~المكر. # والمقصود: أن الله سبحانه كاد ليوسف عليه السلام، بأن جمع بينه وبين ~~أخيه، وأخرجه من أيدى إخوته بغير اختيارهم، كما أخرجوا يوسف من يد أبيه ~~بغير اختياره. وكاد له بأن أوقفهم بين يديه موقف الذليل الخاضع المستجدى، ~~فقالوا: {يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا ~~الكيل وتصدق علينا إن الله يجزى المتصدقين} [يوسف: 88] . # فهذا الذل والخضوع فى مقابلة ذله وخضوعه لهم يوم إلقائه فى الجب وبيعه ~~بيع العبيد. # وكاد له بأن هيأ له الأسباب التى سجدوا له هم وأبوه وخالته، فى مقابلة ~~كيدهم له، حذرا من وقوع ذلك، فإن الذى حملهم على إلقائه فى الجب خشيتهم أن ~~يرتفع عليهم حتى يسجدوا له كلهم، فكادوه خشية ذلك. فكاد الله تعالى له حتى ~~وقع ذلك. كما رآه فى منامه. # وهذا كما كاد فرعون بنى إسرائيل: {يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم} [القصص: ~~4] . # خشية أن يخرج فيهم من يكون زوال ملكه على يديه، فكاده ms445 الله سبحانه، بأن ~~أخرج له هذا المولود، ورباه فى بيته، وفى حجره، حتى وقع به منه ما كان ~~يحذره، كما قيل: # وإذا خشيت من الأمور مقدرا ... وفررت منه، فنحوه تتوجه # فصل # وكيد الله سبحانه لا يخرج عن نوعين. # أحدهما: أن يفعل سبحانه فعلا خارجا عن قدرة العبد الذى كاد له، فيكون ~~الكيد قدرا محضا، ليس من باب الشرع، كما كاد الذين كفروا، بأن انتقم منهم ~~بأنواع العقوبات وكذلك كانت قصة يوسف عليه السلام، فإن يوسف أكثر ما قدر ~~عليه أن ألقى الصواع فى رحل أخيه، وأرسل مؤذنا يؤذن: {أيتها العير إنكم ~~لسارقون} [يوسف: 70] فلما أنكروا قال: {فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا ~~جزاؤه من وجد فى رحله فهو جزاؤه} [يوسف: 74] . # أى جزاؤه استعباد المسروق ماله للسارق، إما مطلقا، وإما إلى مدة. وهذه ~~كانت شريعة آل يعقوب عليه السلام # PageV02P117 # حتى قيل: إن مثل هذا كان مشروعا فى أول الإسلام: أن المدين إذا أعسر ~~بالدين استرقه صاحب الحق، وعليه حمل حديث بيع النبى صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم سرق. # وقيل: بل كان بيعه إياه: إيجاره لمن يستعمله، وقضى دينه بأجرته، وعلى هذا ~~فليس بمنسوخ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله تعالى: أن المفلس إذا ~~بقيت عليه ديون وله صنعة أجبر على إجارته نفسه، أو أجره الحاكم ووفى دينه ~~من أجرته. # وكان إلهام الله تعالى لإخوة يوسف عليه السلام قولهم: {من وجد فى رحله ~~فهو جزاؤه} [يوسف: 75] . # كيدا من الله تعالى ليوسف عليه السلام، أجراه على ألسن إخوته، وذلك خارج ~~عن قدرته. وكان يمكنهم أن يتخلصوا من ذلك، بأن يقولوا: لا جزاء عليه، حتى ~~يثبت أنه هو الذى سرق، فإن مجرد وجوده فى رحله لا يوجب أن يكون سارقا. # وقد كان يوسف عليه السلام عادلا لا يأخذهم بغير حجة، وكان يمكنهم التخلص ~~أيضا بأن يقولوا: جزاؤه أن يفعل به ما تفعلونه بالسراق فى دينكم، وقد كان ~~من دين ملك مصر - فيما ذكر -: أن السارق يضرب ويغرم قيمة المسروق مرتين، ~~فلو قالوا ms446 له ذلك، لم يمكنه أن يلزمهم بما لا يلزم به غيرهم، فلذلك قال ~~سبحانه: {كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك إلا أن يشاء ~~الله} [يوسف: 76] . # أى ما كان ليمكنه أخذه فى دين ملك مصر، لأنه لم يكن فى دينه طريق إلى ~~أخذه. # وقوله {إلا أن يشاء الله} [يوسف: 76] . # استثناء منقطع، أى لكن إن شاء الله أخذه بطريق آخر، ويجوز أن يكون متصلا، ~~والمعنى: إلا أن يهيئ الله سببا آخر يؤخذ به فى دين الملك غير السرقة. # PageV02P118 # وفى هذه القصة تنبيه على الأخذ باللوث الظاهر فى الحدود، وإن لم تقم ~~بينة، ولم يحصل إقرار، فإن وجود المسروق مع السارق أصدق من البينة، فهو ~~بينة لا تلحقها التهمة، وقد اعتبرت شريعتنا ذلك فى مواضع. # منها: اللوث فى القسامة، والصحيح: أنها يقاد بها، كما دل عليه النص ~~الصحيح الصريح. # ومنها: حد الصحابة رضى الله عنهم فى الخمر بالرائحة والقيء. # ومنها: حد عمر رضى الله عنه فى الزنا بالحبل، وجعله قسيم الاعتراف ~~والشهادة فوجود المسروق مع السارق إن لم يكن أظهر من هذا كله فليس دونه. # فلما فتشوا متاعه فوجدوا فيه الصواع كان ذلك قائما مقام البينة ~~والاعتراف، فلهذا لم يمكنهم أن يتظلموا من أخذه ولو كان هذا ظلما لقالوا: ~~كيف يأخذه بغير بينة ولا إقرار؟. # وقد أشبعنا الكلام فى ذلك فى كتاب "الإعلام باتساع طرق الأحكام". # والمقصود: أنه ليس فى قصة يوسف عليه السلام شبهة، فضلا عن الحجة، لأرباب ~~الحيل. # فإنا إنما تكلمنا فى الحيل التى يفعلها العبد، وحكمها فى الإباحة، ~~والتحريم، لا فيما يكيد الله سبحانه وتعالى لعبده، بل فى قصة يوسف عليه ~~السلام تنبيه على أن من كاد غيره كيدا محرما فإن الله سبحانه وتعالى لا بد ~~أن يكيده، وأنه لا بد أن يكيد للمظلوم إذا صبر على كيد كائده، وتلطف به، ~~فالمؤمن المتوكل على الله إذا كاده الخلق فإن الله تعالى يكيد له، وينتصر ~~له، بغير حول منه ولا قوة. # فهذا أحد النوعين من كيده سبحانه ms447 لعبده. # النوع الثانى: أن يلهمه أمرا مباحا، أو مستحبا، أو واجبا، يوصله به إلى ~~المقصود الحسن، فيكون على هذا إلهامه ليوسف عليه السلام أن يفعل ما فعل هو ~~من كيده سبحانه أيضا، فيكون قد كاد له نوعى الكيد، ولهذا قال سبحانه: {نرفع ~~درجات من نشاء} [يوسف: 76] . # وفى ذلك تنبيه على أن العلم الدقيق بلطيف الحيل الموصلة إلى المقصود ~~الشرعى الذى يحبه الله تعالى ورسوله، من نصر دينه وكسر أعدائه، ونصر المحق ~~وقمع المبطل: صفة مدح يرفع الله تعالى بها درجة العبد، كما أن العلم الذى ~~يخصم به المبطل، ويدحض حجته صفة مدح يرفع # PageV02P119 # بها درجة عبده، كما قال سبحانه فى قصة إبراهيم عليه السلام، ومناظرته ~~قومه، وكسر حجتهم: # {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء} [الأنعام: 83] ~~. # وعلى هذا فيكون من الكيد ما هو مشروع، ولكن ليس هو الكيد الذى تستحل به ~~المحرمات، وتسقط به الواجبات، فإن هذا كيد لله تعالى ودينه، فالله سبحانه ~~ودينه هو المكيد فى هذا القسم، فمحال أن يشرع الله سبحانه هذا النوع من ~~الكيد. # وأيضا، فإن هذا الكيد لا يتم إلا بفعل يقصد به غير مقصوده الشرعى، ومحال ~~أن يشرع الله تعالى لعبد أن يقصد بفعله ما لم يشرع الله ذلك الفعل له. # وأيضا، فإن الأمر المشروع هو عام لا يختص به شخص دون شخص، فالشيء إذا كان ~~مباحا لشخص كان مباح لكل من كان حاله مثل حاله، فمن احتال بحيلة فقهية ~~محرمة أو مباحة لم يكن له اختصاص بتلك الحيلة عمن لا يفهمها ولا يعلمها، ~~وإنما خاصية الفقيه، إذا حدثت به حادثة: أن يتفطن لاندراجها تحت الحكم ~~العام الذى يعلمه هو وغيره والله سبحانه إنما كاد ليوسف عليه السلام كيدا ~~خاصا به، جزاء له على صبره، وإحسانه، وذكره فى معرض المنة عليه، وهذه ~~الأفعال التى فعلها يوسف عليه السلام والأفعال التى فعلها الله سبحانه له ~~إذا تأملها اللبيب رآها لا تخرج عن نوعين: # أحدهما: إلهام الله سبحانه له فعلا كان مباحا له ms448 أن يفعله. # الثانى: فعل من الله تعالى به خارج عن مقدور العبد. # وكلا النوعين مباين للحيل المحرمة التى يحتال بها على إسقاط الواجبات ~~وإباحة المحرمات. # فصل # لعلك تقول: قد أطلت الكلام فى هذا الفصل جدا، وقد كان يكفى الإشارة إليه. # فيقال: بل الأمر أعظم مما ذكرنا، وهو بالإطالة أجدر. فإن بلاء الإسلام ~~ومحنته عظمت من هاتين الطائفتين: أهل المكر والمخادعة، والاحتيال فى ~~العمليات، وأهل التحريف والسفسطة والقرمطة فى العلميات. وكل فساد فى الدين ~~- بل والدنيا - فمنشؤه من هاتين الطائفتين. # PageV02P120 # فبالتأويل الباطل قتل عثمان رضى الله عنه، وعاثت الأمة فى دمائها، وكفر ~~بعضها بعضا وتفرقت على بضع وسبعين فرقة، فجرى على الإسلام من تأويل هؤلاء، ~~وخداع هؤلاء ومكرهم ما جرى، واستولت الطائفتان، وقويت شوكتهما، وعاقبوا من ~~لم يوافقهم وأنكر عليهم، ويأبى الله إلا أن يقيم لدينه من يذب عنه، ويبين ~~أعلامه وحقائقه، لكيلا تبطل حجج الله وبيناته على عباده. # فلنرجع إلى ما نحن بصدده من بيان مكايد الشيطان ومصايده. # فصل # ومن مكايده ومصايده: ما فتن به عشاق الصور. # وتلك لعمر الله الفتنة الكبرى والبلية العظمى التى استعبدت النفوس لغير ~~خلاقها. وملكت القلوب لمن يسومها الهوان من عشاقها، وألقت الحرب بين العشق ~~والتوحيد، ودعت إلى موالاة كل شيطان مريد. فصيرت القلب للهوى أسيرا وجعلته ~~عليه حاكما وأميرا. فأوسعت القلوب محنة. وملأتها فتنة، وحالت بينها وبين ~~رشدها. وصرفتها عن طريق قصدها. # ونادت عليها فى سوق الرقيق فباعتها بأبخس الأثمان، وأعاضتها بأخس الحظوظ ~~وأدنى المطالب عن العالى من غرف الجنان، فضلا عما هو فوق ذلك من القرب من ~~الرحمن، فسكنت إلى ذلك المحبوب الخسيس، الذى ألمها به أضعاف لذتها، ونيله ~~والوصول إليه أكبر أسباب مضرتها، فما أوشكه حبيبا يستحيل عدوا عن قريب. ~~ويتبرأ منه محبه لو أمكنه حتى كأنه لم يكن له بحبيب. وإن تمتع به فى هذه ~~الدار فسوف يجد به أعظم الألم بعد حين. لاسيما إذا صار الأخلاء يومئذ بعضهم ~~لبعض عدوا إلا المتقين. # فيا حسرة المحب الذى باع نفسه لغير الحبيب ms449 الأول بثمن بخس، وشهوة عاجلة، ~~ذهبت لذتها وبقيت تبعتها وانقضت منفعتها، وبقيت مضرتها، فذهبت الشهوة، ~~وبقيت الشقوة، وزالت النشوة، وبقيت الحسرة، فوا رحمتاه لصب جمع له بين ~~الحسرتين، حسرة فوت المحبوب الأعلى والنعيم المقيم، وحسرة ما يقاسيه من ~~النصب فى العذاب الأليم. فهناك يعلم # PageV02P121 # المخدوع أى بضاعة أضاع، وأن من كان مالك رقه وقلبه لم يكن يصلح أن يكون ~~له من جملة الخدم والأتباع، فأى مصيبة أعظم من مصيبة ملك أنزل عن سرير ~~ملكه، وجعل لمن لا يصلح أن يكون مملوكه أسيرا، وجعل تحت أوامره ونواهيه ~~مقهورا. فلو رأيت قلبه وهو فى يد محبوبه لرأيته: # كعصفورة فى يد طفل يسومها ... حياض الردى، والطفل يلهو ويلعب # ولو شاهدت حاله وعيشه لقلت: # وما فى الأرض أشقى من محب ... وإن وجد الهوى حلو المذاق # تراه باكيا فى كل حين ... مخافة فرقة، أو لاشتياق # فيبكى إن نأوا، شوقا إليهم ... ويبكى إن دنوا، حذر الفراق # ولو شاهدت نومه وراحته، لعلمت أن المحبة والمنام تعاهدا وتحالفا أن ليسا ~~يلتقيان ولو شاهدت فيض مدامعه، ولهيب النار فى أحشائه لقلت: # سبحان رب العرش، متقن صنعه ... ومؤلف الأضداد دون تعاند # قطر تولد عن لهيب فى الحشا ... ماء ونار فى محل واحد # ولو شاهدت مسلك الحب فى القلب وتغلغه فيه، لعلمت: أن الحب ألطف مسلكا فيه ~~من الأرواح فى أبدانها. # فهل يليق بالعاقل أن يبيع هذا الملك المطاع لمن يسومه سوء العذاب، ويوقع ~~بينه وبين وليه ومولاه الحق الذى لا غناء له عنه ولا بد له منه أعظم ~~الحجاب؟ فالمحب بمن أحبه قتيل. وهو له عبد خاضع ذليل. إن دعاه لباه. وإن ~~قيل له: ما تتمنى؟ فهو غاية ما يتمناه، لا يأنس بغيره ولا يسكن إلى سواه، ~~فحقيق به أن لا يملك رقه إلا لأجل حبيب. وأن لا يبيع نصيبه منه بأخس نصيب. # PageV02P122 # فصل # إذا عرف هذا فأصل كل فعل وحركة فى العالم: من الحب والإرادة، فهما مبدأ ~~لجميع الأفعال والحركات، كما أن البغض والكراهية مبدأ كل ترك وكف، إذا ms450 قيل: ~~إن الترك والكف أمر وجودى، كما عليه أكثر الناس، وإن قيل: إنه عدمى فيكفى ~~فى عدمه عدم مقتضيه. # والتحقيق: أن الترك نوعان: ترك هو أمر وجودى. وهو كف النفس ومنعها وحبسها ~~عن الفعل، فهذا سببه أمر وجودى، وترك هو عدم محض، فهذا يكفى فيه عدم ~~المقتضى. # فانقسم الترك إلى قسمين: قسم يكفى فيه عدم السبب المقتضى لوجوده، وقسم ~~يستلزم وجود السبب الموجب له: من البغض والكراهة، وهذا السبب لا يقتضى ~~بمجرده كف النفس وحبسها. # والالتئام مسبب عن المحبة، والإرادة تقتضى أمرا هو أحب إليه من هذا الذى ~~كف نفسه عنه، فيتعارض عنده الأمران. فيؤثر خيرهما وأعلاهما وأنفعهما له، ~~وأحبهما إليه، على أدناهما، فلا يترك محبوبا إلا لمحبوب هو أحب إليه منه ~~ولا يرتكب مبغوضا إلا ليتخلص به من مبغوض هو أكره إليه منه. # ثم خاصية العقل واللب: التمييز بين مراتب المحبوبات والمكروهات بقوة ~~العلم والتمييز، وإيثار أعلى المحبوبين على أدناهما، واحتمال أدنى ~~المكروهين التخلص من أعلاهما، بقوة الصبر واليقين. # فالنفس لا تترك محبوبا إلا لمحبوب، ولا تتحمل مكروها إلا لتحصيل محبوب، ~~أو للتخلص من مكروه آخر، وهذا التخلص لا تقصده إلا لمنافاته لمحبوبها، فصار ~~سعيها فى تحصيل بالذات، وأسبابه بالوسيلة، ودفع مبغوضها بالذات، وأسبابه ~~بالوسيلة، فسعيه فى تحصيل محبوبه لماله فيه من اللذة، وكذلك سعيه فى دفع ~~مكروهه أيضا لماله فى دفعه من اللذة. كدفع ما يؤلمه من البول والنجو، والدم ~~والقيء، وما يؤلمه من الحر والبرد، والجوع والعطش، وغير ذلك. # PageV02P123 # وإذا علم أن هذا المكروه يفضى إلى ما يحبه يصير محبوبا له، وإن كان ~~يكرهه. فهو يحبه من وجه، ويكرهه من وجه، وكذلك إذا علم أن هذا المحبوب يفضى ~~إلى ما يكرهه يصير مكروها له، وإن كان يحبه. فهو يكرهه من وجه، ويحبه من ~~وجه. # فلا يترك الحى ما يحبه ويهواه مع قدرته إلا لما يحبه ويهواه. ولا يرتكب ~~ما يكرهه ويخشاه إلا حذار وقوعه فيما يكرهه ويخشاه، لكن خاصية العقل أن ~~يترك أدنى المحبوبين وأقلهما نفعا لأعلاهما ms451 وأعظمهما نفعا، ويرتكب أدنى ~~المكروهين ضررا ليتخلص به من أشدهما ضررا. # فتبين بذلك أن المحبة والإرادة أصل للبغض والكراهة، وعلة لهما، من غير ~~عكس فكل بغض فهو لمنافاة البغيض للمحبوب. ولولا وجود المحبوب لم يكن البغض، ~~بخلاف الحب للشيء. فإنه قد يكون لنفسه، لا لأجل منافاته للبغيض. وبغض ~~الإنسان لما يضاد محبوبه مستلزم لمحبته لضده. وكلما كان الحب أقوى كانت قوة ~~البغض للمنافى أشد. # ولهذا كان "أوثق عرى الإيمان الحب فى الله والبغض فى الله"، وكان "من أحب ~~لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان". # فإن الإيمان علم وعمل، والعمل ثمرة العلم، وهو نوعان: عمل القلب حبا ~~وبغضا، ويترتب عليهما عمل الجوارح، فعلا، وتركا، وهما العطاء والمنع. # فإذا كانت هذه الأصول الأربعة لله تعالى، كان صاحبها مستكمل الإيمان، وما ~~نقص منها فكان لغير الله، نقص من إيمانه بحسبه. # PageV02P124 # فصل # إذا عرف هذا فكل حركة فى العالم العلوى والسفلى فسببها المحبة والإرادة، ~~وغايتها المحبة والإرادة. # فإن الحركات ثلاث: إرادية، وطبعية، وقسرية. # فإن المتحرك إن كان له شعور بحركته وإرادة لها، فحركته إرادية، وإن لم ~~يكن له شعور بحركته، أوله بها شعور وهو غير مريد لها، فحركته إما على وفق ~~طبعه، أو على خلافه، فالأولى طبعية، والثانية قسرية. # أظهر من هذا أن يقال: مبدأ الحركة إما أن يكون أمرا مباينا للمتحرك، أو ~~قوة فيه، فالأول الحركة فيه قسرية، والثانى، إما أن يكون له به شعور أم لا، ~~فالأول: الحركة فيه إرادية، والثانى طبعية. # فالحركة متى لازمت الشعور والإرادة فهى إرادية، ومتى انتفى عنها الأمران، ~~فإن كانت بقوة فى المتحرك فهى الطبعية، وإن كانت من غير قوة فى المحرك فهى ~~القسرية. # وكل حركة فى السماوات والأرض: من حركات الأفلاك، والنجوم، والشمس، ~~والقمر، والرياح، والسحاب، والنبات، والحيوان، فهى ناشئة عن الملائكة ~~الموكلين بالسماوات والأرض، كما قال تعالى: # {فالمدبرات أمرا} [النازعات: 5] ، وقال {فالمقسمات أمرا} [الذاريات: 4] . # وهى الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرسل عليهم السلام، وأما المكذبون ~~للرسل، المنكرون للصانع، فيقولون: هى النجوم. ms452 # وقد أشبعنا الرد على هؤلاء فى كتابنا الكبير المسمى بالمفتاح. # وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، ~~وأنه سبحانه وكل بالجبال ملائكة، ووكل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكل بالرحم ~~ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها. ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظه، ~~وملائكة لحفظ ما يعمله # PageV02P125 # وإحصائه وكتابته، ووكل بالموت ملائكة، ووكل بالشمس والقمر ملائكة، ووكل ~~بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكل بالسؤال فى القبر ~~ملائكة، ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها، ووكل بالجنة وعمارتها وغراسها، ~~وعمل الأنهار فيها ملائكة فالملائكة أعظم جنود الله تعالى. ومنهم: # {والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ~~ذكرا} [المرسلات: 1-5] ومنهم {والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات ~~سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا} [النازعات:1-5] ومنهم {والصافات صفا ~~فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا} [الصافات:1-3] . # ومنهم ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وملائكة قد وكلوا بحمل العرش، # PageV02P126 # وملائكة قد وكلوا بعمارة السماوات بالصلاة والتسبيح والتقديس، إلى غير ~~ذلك من أصناف الملائكة التى لا يحصيها إلا الله تعالى. # ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره، فليس لهم من الأمر شيء، بل ~~الأمر كله لله الواحد القهار، وهم ينفذون أمره: # {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} [الأنبياء: 27 - 28] {يخافون ~~ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} [النحل: 50] {لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6] . # ولا تتنزل إلا بأمره، ولا تفعل شيئا إلا من بعد إذنه، فهم: # {عباد مكرمون} [الأنبياء: 26] . # منهم الصافون، ومنهم المسبحون. ليس منهم إلا من له مقام معلوم، لا يتخطاه ~~وهو على عمل قد أمر به لا يقصر عنه، ولا يتعداه، وأعلاهم الذين عنده ~~سبحانه: # {لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون} ~~[الأنبياء: 19- 20] . # ورؤساؤهم الأملاك الثلاث: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وكان النبى صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر ~~السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه ~~يختلفون. ms453 اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك تهدى من تشاء إلى صراط ~~مستقيم". # PageV02P127 # فتوسل إليه سبحانه بربوبيته العامة والخاصة لهؤلاء الأملاك الثلاثة ~~الموكلين بالحياة. # فجبريل موكل بالوحى الذى به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقطر ~~الذى به حياة الأرض والنبات والحيوان، وإسرافيل موكل بالنفخ فى الصور الذى ~~به حياة الخلق بعد مماتهم. # فسأله رسوله بربوبيته لهؤلاء أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، لما ~~فى ذلك من الحياة النافعة. # وقد أثنى الله سبحانه على عبده جبريل فى القرآن أحسن الثناء، ووصفه بأجمل ~~الصفات فقال: # {فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس إنه لقول ~~رسول كريم ذى قوة عند ذى العرش مكين مطاع ثم أمين} [التكوير: 15- 21] . # فهذا جبريل، فوصفه بأنه رسوله، وأنه كريم عنده، وأنه ذو قوة ومكانة عند ~~ربه سبحانه، وأنه مطاع فى السماوات، وأنه أمين على الوحى. # فمن كرمه على ربه: أنه أقرب الملائكة إليه. # قال بعض السلف: منزلته من ربه منزلة الحاجب من الملك. # ومن قوته: أنه رفع مدائن قوم لوط على جناحه، ثم قلبها عليهم. فهو قوى على ~~تنفيذ ما يؤمر به، غير عاجز عنه، إذ تطيعه أملاك السماوات فيما يأمرهم به ~~عن الله تعالى. # قال ابن جرير فى "تفسيره": عن إسماعيل بن أبى خالد عن أبى صالح: أمين على ~~أن يدخل سبعين سرادقا من نور بغير إذن. # ووصفه بالأمانة يقتضى صدقه ونصحه، وإلقاءه إلى الرسل ما أمر به من غير ~~زيادة ولا نقصان ولا كتمان. فالمكانة والأمانة والقوة والقرب من الله. ~~ونظير الجمع له بين المكانة والأمانة: قول العزيز ليوسف عليه السلام: {إنك ~~اليوم لدينا مكين أمين} [يوسف: 54] . # والجمع بين القوة والأمانة: نظير قول ابنه شعيب فى موسى # PageV02P128 # عليهما السلام: {إن خير من استأجرت القوى الأمين} [القصص: 26] . # وقال تعالى فى وصفه: {علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى} [النجم: 5-6] . # قال ابن عباس رضى الله عنهما "ذو منظر حسن" وقال قتادة "ذو خلق حسن" وقال ~~ابن جرير: "عنى بالمرة صحة الجسم وسلامته ms454 من الآفات والعاهات، والجسم إذا ~~كان كذلك من الإنسان كان قويا". # والمرة واحدة المرر، وإنما أريد به ذو مرة سوية، ومنه قول النبى صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم: # "لا تحل الصدقة لغنى، ولا لذى مرة سوى". # قلت: هذا حجة من قال: المرة القوة فى الآية، وهو قول مجاهد وابن زيد، وهو ~~قول ضعيف. لأنه قد وصفه قبل ذلك بأنه: {شديد القوى} [النجم: 5] . # ولا ريب أن المرة فى الحديث هى القوة، لا المنظر الحسن، فإما أن يقال: ~~المرة تقال على هذا وعلى هذا، وإما أن يقال - وهو الأظهر -: إن المرة هى ~~الصحة والسلامة من الآفات والعاهات الظاهرة والباطنة، وذلك يستلزم كمال ~~الخلقة وحسنها وجمالها. فإن العاهة والآفة إنما تكون من ضعف الخلقة ~~والتركيب، فهى قوة وصحة تتضمن جمالا وحسنا، والله أعلم. # وقالت اليهود للنبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "من صاحبك الذى يأتيك ~~من الملائكة؟ فإنه ليس من نبى إلا يأتيه ملك بالخبر؟ قال: "هو جبريل". ~~قالوا: ذاك الذى ينزل بالحرب والقتال، ذاك عدونا، لو قلت: ميكائيل الذى ~~ينزل بالنبات والقطر والرحمة؟ فأنزل الله تعالى: {من كان عدوا لجبريل فإنه ~~نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين من كان ~~عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين} [البقرة: 97 ~~- 98] . # PageV02P129 # والمقصود: أن الله سبحانه وكل بالعالم العلوى والسفلى ملائكة، فهى تدبر ~~أمر العالم بإذنه ومشيئته وأمره، فلهذا يضيف التدبير إلى الملائكة تارة، ~~لكونهم هم المباشرين للتدبير، كقوله: # {فالمدبرات أمرا} [النازعات: 5] . # ويضيف التدبير إليه كقوله: {إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض فى ستة ~~أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر} [يونس: 3] قوله: {قل من يرزقكم من ~~السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحى من الميت ويخرج الميت ~~من الحى ومن يدبر الأمر، فسيقولون الله} [يونس: 31] . فهو المدبر أمرا ~~وإذنا ومشيئة، والملائكة المدبرات مباشرة وامتثالا. # وهذا كما أضاف التوفى إليهم تارة، كقوله تعالى: {توفته رسلنا} [الأنعام: ~~61] . # وإليه تارة، كقوله: {الله يتوفى الأنفس} ms455 [الزمر: 42] ونظائره. # والملائكة الموكلة بالإنسان من حين كونه نطفة إلى آخر أمره لهم وله شأن ~~آخر فإنهم موكلون بتخليقه، ونقله من طور إلى طور، وتصويره، وحفظه فى أطباق ~~الظلمات الثلاث، وكتابة رزقه، وعمله، وأجله، وشقاوته، وسعادته، وملازمته فى ~~جميع أحواله، وإحصاء أقواله وأفعاله، وحفظه فى حياته، وقبض روحه عند وفاته، ~~وعرضها على خالقه وفاطره. وهم الموكلون بعذابه ونعيمه فى البرزخ، وبعد ~~البعث. وهم الموكلون بعمل آلات النعيم والعذاب. وهم المثبتون للعبد المؤمن ~~بإذن الله، والمعلمون له ما ينفعه، والمقاتلون الذابون عنه، وهم أولياؤه فى ~~الدنيا والآخرة، وهم الذين يرونه فى منامه ما يخافه ليحذره، وما يحبه ليقوى ~~قلبه، ويزداد شكرا، وهم الذين يعدونه بالخير ويدعونه إليه، وينهونه عن ~~الشر، ويحذرونه منه. # فهم أولياؤه وأنصاره، وحفظته، ومعلموه، وناصحوه، والداعون له، ~~والمستغفرون له، وهم الذين يصلون عليه مادام فى طاعة ربه، ويصلون عليه ~~مادام يعلم الناس الخير، ويبشرونه بكرامة الله تعالى فى منامه، وعند موته، ~~ويوم بعثه. وهم الذين يزهدونه فى الدنيا، ويرغبونه فى الآخرة. وهم الذين ~~يذكرونه إذا نسى. وينشطونه إذا كسل، ويثبتونه إذا جزع. وهم الذين يسعون فى ~~مصالح دنياه وآخرته. # PageV02P130 # فهم رسل الله فى خلقه وأمره، وسفراؤه بينه وبين عباده، تتنزل بالأمر من ~~عنده فى أقطار العالم، وتصعد إليه بالأمر قد أطت بهم السماء، وحق لها أن ~~تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم، أو راكع أو ساجد ويدخل البيت ~~المعمور كل يوم منهم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه آخر ما عليه. # والقرآن مملوء بذكر الملائكة، وأصنافهم، وأعمالهم، ومراتبهم. كقوله ~~تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم مالا تعلمون ~~وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن ~~كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ~~قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل ms456 لكم إنى أعلم ~~غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم} إلى آخر القصة [البقرة: 30 - 38] وقوله: {تنزل الملائكة ~~والروح فيها بإذن ربهم} [القدر: 4] . # وما بين هاتين السورتين فى سور القرآن. بل لا تخلو سورة من سور القرآن عن ~~ذكر الملائكة تصريحا، أو تلويحا، أو إشارة. # وأما ذكرهم فى الأحاديث النبوية فأكثر وأشهر من أن يذكر. # ولهذا كان الإيمان بالملائكة عليهم السلام أحد الأصول الخمس التى هى ~~أركان الإيمان، وهى الأيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. # فلنرجع إلى المقصود. وهو أن حركات العالم العلوى والسفلى بالملائكة. ~~فالحركات الإرادية كلها تابعة للإرادة التى تحرك المريد إلى فعل ما يفعله، ~~والحركة الطبيعية سببها ما فى # PageV02P131 # المتحرك من الميل والطلب لكماله وانتهائه، كحركة النار، وحركة النبات، ~~وحركة الرياح. وكذلك حركة الجسم الثقيل إلى أسفل فإنه بطبعه يطلب مستقره من ~~المركز، ما لم يعقه عنه عائق. وأما الحركة القسرية: كحركته بالقسر إلى ~~العلو، فتابعه لإرادة القاسر له، فلم يبق حركة أصلية إلا عن الإرادة ~~والمحبة. # فصل # فإذا عرف ذلك فالمحبة هى التى تحرك المحب فى طلب محبوبه الذى يكمل بحصوله ~~له، فتحرك محب الرحمن، ومحب القرآن، ومحب العلم والإيمان، ومحب المتاع ~~والأثمان، ومحب الأوثان والصلبان، ومحب النسوان والمردان، ومحب الأوطان ~~ومحب الإخوان فتثير من كل قلب حركة إلى محبوبه من هذه الأشياء. فيتحرك عند ~~ذكر محبوبه منه دون غيره، ولهذا تجد محب النسوان والصبيان، ومحب قرآن ~~الشيطان بالأصوات والألحان لا يتحرك عند سماع العلم وشواهد الإيمان، ولا ~~عند تلاوة القرآن، حتى إذا ذكر له محبوبه اهتز له وربا، وتحرك باطنه وظاهره ~~شوقا إليه وطربا لذكره. # فكل هذه المحاب باطلة مضمحلة سوى محبة الله وما والاها، من محبة رسوله، ~~وكتابه، ودينه، وأوليائه. فهذه المحبة تدوم وتدوم ثمرتها ونعيمها بدوام من ~~تعلقت به، وفضلها على سائر المحاب كفضل من تعلقت به على ما سواه. وإذا ~~انقطعت علائق المحبين، وأسباب توادهم وتحابهم لم تنقطع أسبابها. قال تعالى: ~~{إذ تبرأ الذين ms457 اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب} ~~[البقرة: 166] . # قال عطاء عن ابن عباس رضى الله عنهما: "المودة". # وقال مجاهد: "تواصلهم فى الدنيا". # وقال الضحاك: "يعنى تقطعت بهم الأرحام، وتفرقت بهم المنازل فى النار". # وقال أبو صالح: "الأعمال". # PageV02P132 # والكل حق. فإن الأسباب هى الوصل التى كانت بينهم فى الدنيا، تقطعت بهم ~~أحوج ما كانوا إليها. وأما أسباب الموحدين المخلصين لله فاتصلت بهم ودام ~~اتصالها بدوام معبودهم ومحبوبهم. فإن السبب تبع لغايته فى البقاء ~~والانقطاع. # فصل # إذا تبين أصل هذا فأصل المحبة المحمودة التى أمر الله تعالى بها وخلق ~~خلقه لأجلها: هى محبته وحده لا شريك له، المتضمنة لعبادته دون عبادة ما ~~سواه. # فإن العبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل، ولا يصلح ذلك إلا لله عز وجل ~~وحده. # ولما كانت المحبة جنسا تندرج تحته أنواع متفاوتة فى القدر والوصف، كان ~~أغلب ما يذكر فيها فى حق الله تعالى: ما يختص به ويليق به، كالعبادة ~~والإنابة والإخبات، ولهذا لا يذكر فيها لفظ العشق والغرام، والصبابة، ~~والشغف، والهوى، وقد يذكر لها لفظ المحبة، كقوله: {يحبهم ويحبونه} ~~[المائدة: 54] وقوله {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله} [آل ~~عمران: 31] وقوله {والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165] . # ومدار كتب الله تعالى المنزلة من أولها إلى آخرها على الأمر بتلك المحبة ~~ولوازمها والنهى عن محبة ما يضادها وملازمتها، وضرب الأمثال والمقاييس لأهل ~~المحبتين، وذكر قصصهم ومآلهم، ومنازلهم، وثوابهم، وعقابهم، ولا يجد حلاوة ~~الإيمان، بل لا يذوق طعمه، إلا من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ~~كما فى الصحيحين من حديث أنس رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه ~~وآله سلم قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان - وفى لفظ: لا يجد طعم ~~الإيمان إلا من كان فيه ثلاث: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن ~~يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع فى الكفر بعد إذ أنقذه الله ~~تعالى منه، كما يكره أن يلقى فى النار". ms458 # وفى الصحيحين أيضا عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: "والذى نفسى بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ~~والناس أجمعين". # PageV02P133 # ولهذا اتفقت دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم، على عبادة الله وحده لا شريك ~~له. # وأصل العبادة وتمامها وكمالها هو المحبة، وإفراد الرب سبحانه بها، فلا ~~يشرك العبد به فيها غيره. # والكلمة المتضمنة لهذين الأصلين هى الكلمة التى لا يدخل فى الإسلام إلا ~~بها، ولا يعصم دمه وماله إلا بالإتيان بها، ولا ينجو من عذاب الله إلا ~~بتحقيقها بالقلب واللسان وذكرها أفضل الذكر، كما فى صحيح ابن حبان عنه صلى ~~الله تعالى عليه وسلم: # "أفضل الذكر لا إله إلا الله". # والآية المتضمنة لها ولتفضيلها سيدة آى القرآن، والسورة المختصة بتحقيقها ~~تعدل ثلث القرآن، بها أرسل الله سبحانه جميع رسله، وأنزل جميع كتبه، وشرع ~~جميع شرائعه، قياما بحقها وتكميلا لها. وهى التى يدخل بها العبد على ربه، ~~ويصير فى جواره وهى مفزع أوليائه وأعدائه، فإن أعداءه إذا مسهم الضر فى ~~البر والبحر فزعوا إلى توحيده، وتبرءوا من شركهم، ودعوه مخلصين له الدين. ~~وأما أولياؤه فهى مفزعهم فى شدائد الدنيا والآخرة. # ولهذا كانت دعوات المكروب "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا ~~الله رب العرش العظيم، لا إله الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش ~~الكريم". # ودعوة ذى النون التى ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه "لا إله إلا ~~أنت، سبحانك إنى كنت من الظالمين". # وقال ثوبان رضى الله تعالى عنه "كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم إذا راعه # PageV02P134 # أمر قال: الله ربى لا أشرك به شيئا" وفى لفظ قال: " هو الله لا شريك له". # وقالت أسماء بنت عميس رضى الله عنها "علمنى رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم كلمات أقولها عند الكرب: الله، الله ربى، لا أشرك به شيئا". # وفى الترمذى من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه ms459 عن جده ~~عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: # "دعوة يونس إذ نادى فى بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من ~~الظالمين، فإنه لم يدع بها مسلم فى شئ إلا استجيب له". # وفى "مسند الإمام أحمد" مرفوعا "دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا ~~تكلنى إلى نفسى طرفة عين، وأصلح لى شأنى كله، لا إله إلا أنت". # فالتوحيد ملجأ الطالبين، ومفزع الهاربين، ونجاة المكروبين، وغياث ~~الملهوفين، وحقيقته إفراد الرب سبحانه بالمحبة والإجلال التعظيم، والذل ~~والخضوع. # فصل # فإذا عرف أن كل حركة فأصلها الحب والإرادة، فلا بد من محبوب مراد لنفسه، ~~لا يطلب ويحب لغيره، إذ لو كان كل محبوب يحب لغيره لزم الدور أو التسلسل فى ~~العلل والغايات، وهو باطل باتفاق العقلاء، والشيء قد يحب من وجه دون وجه، ~~وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله عز وجل وحده، الذى لا تصلح الألوهية ~~إلا له، فلو كان فى السماوات والأرض آلهة إلا الله لفسدتا. والإلهية التى ~~دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها: هى العبادة والتأليه. ومن لوازمها: ~~توحيد الربوبية الذى أقر به المشركون، فاحتج الله عليهم به، فإنه يلزم من ~~الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية. # PageV02P135 # فصل # وكل حى فله إرادة وعمل بحسبه، وكل متحرك فله غاية يتحرك إليها، ولا صلاح ~~له إلا أن تكون غاية حركته ونهاية مطلبه: هو الله وحده. كما لا وجود له إلا ~~أن يكون الله وحده هو ربه وخالقه، فوجوده بالله وحده، وكماله أن يكون لله ~~وحده. فما لا يكون به لا يكون، ومالا يكون له لا ينفع ولا يدوم، ولهذا قال ~~تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] . # ولم يقل لعدمتا، إذ هو سبحانه قادر على أن يبقيهما على وجه الفساد، لكن ~~لا يمكن أن تكونا صالحين إلا بأن يكون فاطرهما وخالقهما هو المعبود وحده لا ~~شريك له، فإن صلاح الأعمال والحركات بصلاح نياتها ومقاصدها، فكل عمل فهو ~~تابع عامله وقصده وإرادته. # وتقسيم الأعمال إلى صالح ms460 فاسد، هو باعتبارها فى ذواتها تارة وباعتبار ~~مقاصدها ونياتها تارة. # وأما تقسيم المحبة والإرادة إلى نافعة وضارة، فهو باعتبار متعلقها، ~~ومحبوبها، ومرادها، فإن كان المحبوب المراد هو الذى لا ينبغى أن يحب لذاته ~~ويراد لذاته إلا هو، وهو المحبوب الأعلى، الذى لا صلاح للعبد، ولا فلاح، ~~ولا نعيم، ولا سرور، إلا بأن يكون هو وحده محبوبه، ومراده، وغاية مطلوبه، ~~كانت محبته نافعة له. وإن كان محبوبه ومراده ونهاية مطلوبه غيره كانت محبته ~~ضارة غيره كانت محبته ضارة له وعذابا شقاء. # فالمحبة النافعة هى التى تجلب لصاحبها ما ينفعه من السعادة والنعيم، ~~والمحبة الضارة هى التى تجلب لصاحبها ما يضره من الشقاء والألم والعناء. # فصل # إذا تبين هذا فالحى العالم الناصح لنفسه لا يؤثر محبة ما يضره ويشقى به ~~ويتألم به، ولا يقع ذلك إلا من فساد تصوره ومعرفته، أو من فساد قصده ~~وإرادته. # فالأول: جهل، والثانى ظلم: والإنسان خلق فى الأصل ظلوما جهولا، ولا ينفك ~~عن # PageV02P136 # الجهل والظلم إلا بأن يعلمه الله ما ينفعه، ويلهمه رشده، فمن أراد به ~~الخير علمه ما ينفعه، فخرج به عن الجهل، ونفعه بما علمه، فخرج به عن الظلم، ~~ومتى لم يرد به خيرا أبقاه على أصل الخلقة، كما فى المسند من حديث عبد الله ~~بن عمرو عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: # "إن الله خلق خلقه فى ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور ~~اهتدى، ومن أخطأه ضل". # فالنفس تهوى ما يضرها ولا ينفعها، لجهلها بمضرته لها تارة، ولفساد قصدها ~~تارة، ولمجموعهما تارة، وقد ذم الله تعالى فى كتابه من أجاب داعى الجهل ~~والظلم، فقال: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن ~~اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدى القوم الظالمين} [القصص: 50] ~~وقال {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} ~~[النجم: 23] . # فأصل كل خير: هو العلم والعدل، وأصل كل شر: هو الجهل والظلم. # وقد جعل الله ms461 سبحانه للعدل المأمور به حدا، فمن تجاوزه كان ظالما معتديا، ~~وله من الذم والعقوبة بحسب ظلمه وعدوانه، الذى خرج به عن العدل، ولهذا قال ~~سبحانه وتعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف: ~~31] . # قال فيمن ابتغى سوى زوجته أو ملك يمينه: # {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون: 7] وقال {ولا تعتدوا ~~إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190] . # والمقصود: أن محبة الظلم والعدوان سببها فساد العلم. أو فساد القصد، أو ~~فسادهما جميعا. # وقد قيل: إن فساد القصد من فساد العلم، وإلا فلو علم ما فى الضار من ~~المضرة ولوازمها حقيقة العلم لما آثره، ولهذا من علم من طعام شهى لذيذ أنه ~~مسموم فإنه لا يقدم عليه، فضعف علمه بما فى الضار من وجوه المضرة، وضعف ~~عزمه عن اجتنابه # يوقعه فى ارتكابه، ولهذا كان الإيمان الحقيقى هو الذى يحمل صاحبه على فعل ~~ما ينفعه، وترك ما يضره، فإذا لم يفعل هذا ولم يترك هذا لم يكن إيمانه على ~~الحقيقة، وإنما معه من الإيمان بحسب ذلك. فإن المؤمن بالنار حقيقة الإيمان، ~~حتى كأنه يراها، لا يسلك طريقها # PageV02P137 # الموصلة إليها، فضلا عن أن يسعى فيها بجهده، والمؤمن بالجنة حقيقة ~~الإيمان لا تطاوعه نفسه أن يقعد عن طلبها، وهذا أمر يجده الإنسان فى نفسه ~~فيما يسعى فيه فى الدنيا من المنافع، أو التخلص منه من المضار. # فصل # إذا تبين هذا، فالعبد أحوج شئ إلى معرفة ما يضره ليجتنبه، وما ينفعه ~~ليحرص عليه ويفعله، فيحب النافع: ويبغض الضار، فتكون محبته وكراهته ~~موافقتين لمحبة الله تعالى وكراهته، وهذا من لوازم العبودية والمحبة، ومتى ~~خرج عن ذلك أحب ما يسخطه ربه وكره ما يحبه، فنقصت عبوديته بحسب ذلك. # وهاهنا طريقان: العقل، والشرع. أما العقل، فقد وضع الله سبحانه فى العقول ~~والفطر استحسان الصدق والعدل، والإحسان، والبر، والعفة، والشجاعة، ومكارم ~~الأخلاق، وأداء الأمانات، وصلة الأرحام، ونصيحة الخلق، والوفاء بالعهد، ~~وحفظ الجوار، ونصر المظلوم، والإعانة على نوائب الحق، وقرى الضيف، وحمل ~~الكل، ونحو ذلك. ووضع فى العقول ms462 والفطر استقباح أضداد ذلك، ونسبة هذا ~~الاستحسان والاستقباح إلى العقول والفطر كنسبة استحسان شرب الماء البارد ~~عند الظمأ، وأكل الطعام اللذيذ النافع عند الجوع، ولبس ما يدفئه عند البرد، ~~فكما لا يمكنه أن يدفع عن نفسه وطبعه استحسان ذلك ونفعه. فكذلك لا يدفع عن ~~نفسه وفطرته استحسان صفات الكمال ونفعها، واستقباح أضدادها، ومن قال: إن ~~ذلك لا يعلم بالعقل، ولا بالفطرة، وإنما عرف بمجرد السمع، فقوله باطل، قد ~~بينا بطلانه فى كتاب المفتاح من ستين وجها وبينا هناك دلالة القرآن والسنة ~~والعقول والفطر على فساد هذا القول. # والطريق الثانى لمعرفة الضار والنافع من الأعمال: السمع. وهو أوسع وأبين ~~وأصدق من الطريق الأول، لخفاء صفات الأفعال وأحوالها ونتائجها، وأن العالم ~~بذلك على التفصيل ليس هو إلا الرسول صلوات الله وسلامه عليه. # فأعلم الناس وأصحهم عقلا ورأيا واستحسانا من # PageV02P138 # كان عقله ورأيه واستحسانه وقياسه موافقا للسنة، كما قال مجاهد "أفضل ~~العبادة الرأى الحسن، وهو اتباع السنة" قال تعالى: {ويرى الذين أوتوا العلم ~~الذى أنزل إليك من ربك هو الحق} [سبأ: 6] . # وكان السلف يسمون أهل الآراء المخالفة للسنة وما جاء به الرسول فى مسائل ~~العلم الخبرية وأهل مسائل الأحكام العملية يسمونهم: أهل الشبهات والأهواء، ~~لأن الرأى المخالف للسنة جهل لا علم، وهوى لا دين. فصاحبه ممن اتبع هواه ~~بغير هدى من الله واتبع هواه بغير علم وغايته الضلال فى الدنيا والشقاء فى ~~الآخرة، وإنما ينتفى الضلال والشقاء عمن اتبع هدى الله الذى أرسل به رسله، ~~وأنزل به كتبه، كما قال تعالى: {فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا ~~يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة ~~أعمى} [طه: 123-124] . # واتباع الهوى يكون فى الحب والبغض، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن ~~يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا} [النساء: ~~135] ، وقال: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا ms463 اعدلوا هو أقرب ~~للتقوى} [المائدة: 8] . # والهوى المنهى عن اتباعه كما يكون هو هوى الشخص فى نفسه، فقد يكون أيضا ~~هوى غيره، فهو منهى عن اتباع هذا وهذا، لمضادة كل منهما لهدى الله الذى ~~أرسل به رسله، وأنزل به كتبه. # فصل # فمن المحبة النافعة: محبة الزوجة وما ملكت يمين الرجل، فإنها معينة على ~~ما شرع الله سبحانه له من النكاح وملك اليمين، من إعفاف الرجل نفسه وأهله، ~~فلا تطمح نفسه إلى سواها من الحرام، ويعفها، فلا تطمح نفسها إلى غيره، ~~وكلما كانت المحبة بين الزوجين أتم وأقوى كان هذا المقصود أتم وأكمل، قال ~~تعالى: {هو الذى خلقكم من # PageV02P139 # نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها} [الأعراف: 189] ، وقال: {ومن ~~آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} ~~[الروم: 21] . # وفى الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه سئل "من أحب الناس ~~إليك؟ فقال: عائشة" ولهذا كان مسروق رحمه الله يقول، إذا حدث عنها: "حدثتنى ~~الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ~~المبرأة من فوق سبع سماوات". # وصح عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: "حبب إلى من دنياكم ~~النساء والطيب. وجعلت قرة عينى فى الصلاة". # فلا عيب على الرجل فى محبته لأهله، وعشقه لها، إلا إذا شغله ذلك عن محبة ~~ما هو أنفع له، من محبة الله ورسوله، وزاحم حبه وحب رسوله، فإن كل محبة ~~زاحمت محبة الله ورسوله، بحيث تضعفها وتنقصها فهى مذمومة. وإن أعانت على ~~محبة الله ورسوله وكانت من أسباب قوتها فهى محمودة، ولذلك كان رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يحب الشراب البارد الحلو، ويحب الحلواء ~~والعسل، ويحب الخيل، وكان أحب الثياب إليه القميص، وكان يحب الدباء، فهذه ~~المحبة لا تزاحم محبة الله، بل قد تجمع الهم والقلب على التفرغ لمحبة الله، ~~فهذه محبة طبيعية تتبع نية صاحبها وقصده بفعل ما يحبه. # فإن نوى به القوة على أمر الله تعالى وطاعته كانت قربة، ms464 وإن فعل ذلك بحكم ~~الطبع والميل المجرد لم يثب ولم يعاقب. وإن فاته درجة من فعله متقربا به ~~إلى الله. # فالمحبة النافعة ثلاثة أنواع: محبة الله ومحبة فى الله، ومحبة ما يعين ~~على طاعة الله تعالى واجتناب معصيته. # والمحبة الضارة ثلاثة أنواع: المحبة مع الله، ومحبة ما يبغضه الله تعالى، ~~ومحبة ما تقطع محبته عن محبة الله تعالى أو تنقصها. # فهذه ستة أنواع، عليها مدار محاب الخلق. # فمحبة الله عز وجل أصل المحاب المحمودة، وأصل الإيمان والتوحيد، والنوعان ~~الآخران تبع لها. # PageV02P140 # والمحبة مع الله أصل الشرك والمحاب المذمومة، والنوعان الآخران تبع لها. # ومحبة الصور المحرمة وعشقها من موجبات الشرك، وكلما كان العبد أقرب إلى ~~الشرك وأبعد من الإخلاص كانت محبته بعشق الصور أشد، وكلما كان أكثر إخلاصا ~~وأشد توحيدا، كان أبعد من عشق الصور، ولهذا أصاب امرأة العزيز ما أصابها من ~~العشق، لشركها. ونجا منه يوسف الصديق عليه السلام بإخلاصه، قال تعالى: ~~{كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} [يوسف: 24] . # فالسوء: العشق، والفحشاء: الزنا. فالمخلص قد خلص حبه لله، فخلصه الله من ~~فتنة عشق الصور. والمشرك قلبه متعلق بغير الله، لم يخلص توحيده وحبه لله عز ~~وجل. # فصل # ومن أبلغ كيد الشيطان وسخريته بالمفتونين بالصور: أنه يمنى أحدهم أنه ~~إنما يحب ذلك الأمرد، أو تلك المرأة الأجنبية لله تعالى، لا للفاحشة، ~~ويأمره بمواخاته. # وهذا من جنس المخادنة، بل هو مخادنة باطنة. كذوات الأخدان اللاتى قال ~~الله تعالى فيهن: {محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان} [النساء: 25] . # وقال فى حق الرجال: {محصنين غير مسافحين ولا متخذى أخدان} [المائدة: 5] . # فيظهرون للناس أن محبتهم تلك الصورة لله تعالى، ويبطنون اتخاذها خدنا، ~~يتلذذون بها فعلا، أو تقبيلا، أو تمتعا مجرد النظر والمخادنة، والمعاشرة، ~~واعتقادهم أن هذا لله، وأنه قربة وطاعة: هو من أعظم الضلال والغى، وتبديل ~~الدين، حيث جعلوا ما كرهه الله سبحانه محبوبا له، وذلك من نوع الشرك، ~~والمحبوب المتخذ من دون الله طاغوت. فإن اعتقاد كون التمتع بالمحبة والنظر ~~والمخادنة وبعض ms465 المباشرة لله، وأنه حب فيه: كفر وشرك، كاعتقاد محبى الأوثان ~~فى أوثانهم. # PageV02P141 # وقد يبلغ الجهل بكثير من هؤلاء إلى أن يعتقد أن التعاون على الفاحشة ~~تعاون على الخير والبر، وأن الجالب محسن إلى العاشق، جدير بالثواب، وأنه ~~ساع فى دوائه وشفائه، وتفريج كرب العشق عنه، وأن "من نفس عن مؤمن كربة من ~~كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة". # فصل # ثم هم بعد هذا الضلال والغى أربعة أقسام: # قوم يعتقدون أن هذا لله، وهذا كثير فى طوائف العامة، والمنتسبين إلى ~~الفقر والتصوف، وكثير من الأتراك. # وقوم يعلمون فى الباطن أن هذا ليس لله، وإنما يظهرون أنه لله خداعا ومكرا ~~وتسترا. # وهؤلاء من وجه أقرب إلى المغفرة من أولئك، لما يرجى لهم من التوبة. ومن ~~وجه أخبث، لأنهم يعلمون التحريم ويأتون المحرم، وأولئك قد يشتبه الأمر على ~~بعضهم كما اشتبه على كثير من الناس أن استماع أصوات الملاهى قربة وطاعة، ~~ووقع فى ذلك من شاء الله من الزهاد والعباد، فكذلك اشتبه على من هو أضعف ~~علما وإيمانا أن التمتع بعشق الصور ومشاهدتها ومعاشرتها عبادة وقربة. # القسم الثالث: مقصودهم الفاحشة الكبرى. فتارة يكونون من أولئك الضالين ~~الذين يعتقدون أن هذه المحبة التى لا وطء فيها لله تعالى، وأن الفاحشة ~~معصية، فيقولون نفعل شيئا لله تعالى، ونفعل أمرا لغير الله تعالى، وتارة ~~يكونون من أهل القسم الثانى الذين يظهرون أن هذه المحبة لله، وهم يعلمون أن ~~الأمر بخلاف ذلك، فيجمعون بين الكذب والفاحشة، وهم فى هذه المخادنة ~~والمواخاة مضاهئون للنكاح، فإنه يحصل بين هذين من الاقتران والازدواج ~~والمخالطة نظير ما يحصل بين الزوجين. وقد يزيد عليه تارة فى الكم والكيف، ~~وقد ينقص عنه. وقد يحصل بينهما من الاقتران ما يشبه اقتران المتواخيين ~~المتحابين فى الله، لكن الذين # PageV02P142 # آمنوا أشد حبا لله، فإن المتحابين فى الله يعظم تحابهما ويقوى ويثبت، ~~بخلاف هذه المواخاة والمحبة الشيطانية. # ثم قد يشتد بينهما الاتصال حتى يسمونه زواجا، ويقولون: تزوج فلان بفلان، ~~كما يفعله المستهزئون بآيات ms466 الله تعالى ودينه من مجان الفسقة، ويقرهم ~~الحاضرون على ذلك، ويضحكون منه، ويعجبهم مثل ذلك المزاح والنكاح. وربما ~~يقول بعض زنادقة هؤلاء: الأمرد حبيب الله، والملتحى عدو الله، وربما اعتقد ~~كثير من المرادن أن هذا صحيح، وأنه المراد بقوله "إذا أحب الله العبد نادى: ~~يا جبريل إنى أحب فلانا فأحبه - الحديث". # وأنه توضع له المحبة فى الأرض، فيعجبه أن يحب، ويفتخر بذلك بين الناس، ~~ويعجبه أن يقال: هو معشوق، أو حظوة البلد، وأن الناس يتغايرون على محبته ~~ونحو ذلك. # وقد آل الأمر بكثير من هؤلاء إلى ترجيح وطء المردان على نكاح النسوان. ~~وقالوا: هو أسلم من الحبل والولادة ومؤنة النكاح، والشكوى إلى القاضى، وفرض ~~النفقة، والحبس على الحقوق. # وربما قال بعضهم: إن جماع النساء يأخذ من القوة أكثر مما يأخذ جماع ~~الصبيان. لأن الفرج يجذب من القوة والماء أكثر مما يجذب المحل الأخر بحكم ~~الطبيعة. # وقسمت هذه الطائفة المفعول به إلى ثلاثة أقسام: مؤاجر، ومملوك، ومعشوق ~~خاص. # فالأول: بإزاء البغايا المؤجرات أنفسهن. # والثانى: بإزاء الأمة والسرية. # والثالث: بإزاء الزوجة أو الأجنبية المعشوقة. # وتعوض كل منهم بقسم عن نظيره من الإناث. وربما فضل بعضهم اتخاذ المردان # PageV02P143 # واستفراشهم على النساء من وجوه. # وهذا مضادة ومحادة لله ودينة وكتبه ورسله. # وصنف بعضهم كتابا فى هذا الباب، وقال فى أثنائه: باب فى المذهب المالكى، ~~وذكر فيه الجماع فى الدبر من الذكور والإناث. # وقد علم أن مالكا رحمه الله تعالى من أشد الناس وأشدهم مذهبا فى هذا ~~الباب، حتى إنه يوجب قتل اللوطى حدا، بكرا أو ثيبا، وقوله فى ذلك هو أصح ~~المذاهب، كما دلت عليه النصوص، واتفق عليه أصحاب رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم، وإن اختلفت أقوالهم فى كيفية قتله، كما سنذكره إن شاء الله ~~تعالى. # وسبب غلط هذا وأمثاله: أنه قد نسب إلى مالك رحمه الله تعالى القول بجواز ~~وطء الرجل امرأته فى دبرها، وهو كذب على مالك وعلى أصحابه فكتبهم كلها ~~مصرحة بتحريمه. ثم لما استقر عند هؤلاء أن ms467 مالكا يبيح ذلك نقلوا الإباحة من ~~الإناث إلى الذكور، وجعلوا البابين بابا واحدا. وهذا كفر وزندقة من قائله ~~بإجماع الأمة. # ونظير هذا: ما يتوهمه كثير من الفسقة وجهال الترك وغيرهم أن مذهب أبى ~~حنيفة رحمه الله تعالى أن هذا ليس من الكبائر وغايته أن تكون صغيرة من ~~الصغائر. # وهذا من أعظم الكذب والبهت على الأئمة. فقد أعاذ الله أبا حنيفة وأصحابه ~~من ذلك. # وشبهة هؤلاء الفسقة الجهلة: أنهم لما رأوا أبا حنيفة رحمه الله تعالى لم ~~يوجب فيه الحد ركبوا على ذلك أنه ليس من كبائر الذنوب، بل من صغائرها. وهذا ~~ظن كاذب. فإن أبا حنيفة لم يسقط فيه الحد لخفة أمره، فإن جرمه عنده وعند ~~جميع أهل الإسلام أعظم من جرم الزنا. ولهذا عاقب الله سبحانه أهله بما لم ~~يعاقب به أمة من الأمم، وجمع عليهم من أنواع العذاب ما لم يجمعه على غيرهم. # PageV02P144 # وشبهة من أسقط فيه الحد: أن فحش هذا مركوز فى طباع الأمم. فاكتفى فيه ~~بالوازع الطبعى، كما اكتفى بذلك فى أكل الرجيع وشرب البول والدم، ورتب الحد ~~على شرب الخمر، لكونه مما تدعو إليه النفوس. # والجمهور يجيبون عن هذا بأن فى النفوس الخبيثة المتعدية حدود الله أقوى ~~الداعى لذلك فالحد فيه أولى من الحد فى الزنا، ولذلك وجب الحد على من وطئ ~~أمه وابنته وخالته وجدته وإن كان فى النفوس وازع وزاجر طبعى عن ذلك، بل حد ~~هذا القتل بكل حال بكرا كان أو محصنا فى أصح الأقوال، وهو مذهب أحمد وغيره. ~~هذا ونفرة النفوس عن ذلك أعظم بكثير من نفرتها عن المردان. # ونظير هذا الظن الكاذب، والغلط الفاحش: ظن كثير من الجهال أن الفاحشة ~~بالمملوك كالمباحة، أو مباحة، أو أنها أيسر من ارتكابها من الحر، وتأولت ~~هذه الفرقة القرآن على ذلك، وأدخلت المملوك فى قوله: {إلا على أزواجهم أو ~~ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6، المعارج: 30] . # وحتى إن بعض النساء لتمكن عبدها من نفسها، تتأول القرآن على ذلك، كما رفع ~~إلى عمر بن ms468 الخطاب امرأة تزوجت عبدها، وتأولت هذه الآية، ففرق عمر رضى الله ~~عنه بينهما، وأدبها، وقال "ويحك، إنما هذا للرجال لا للنساء". # ومن تأول هذه الآية على وطء الذكران من المماليك فهو كافر باتفاق الأمة ~~قال شيخنا: ومن هؤلاء من يتأول قوله تعالى: {ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو ~~أعجبكم} [البقرة: 221] . # على ذلك، قال: وقد سألنى بعض الناس عن هذه الآية، وكان ممن يقرأ القرآن ~~فظن أن معناها فى إباحة ذكران العبيد المؤمنين. # قال: ومنهم من يجعل ذلك مسألة نزاع، يبيحه بعض العلماء، ويحرمه بعضهم، ~~ويقول: اختلافهم شبهة، وهذا كذب وجهل، فإنه ليس فى فرق الأمة من يبيح ذلك، ~~بل ولا فى دين من أديان الرسل، وإنما يبيحه زنادقة العالم، الذين لا يؤمنون ~~بالله ورسله، وكتبه واليوم الآخر. # PageV02P145 # قال: ومنهم من يقول: هو مباح للضرورة، مثل أن يبقى الرجل أربعين يوما لا ~~يجامع، إلى أمثال هذه الأمور التى خاطبنى فيها وسألنى عنها طوائف من الجند ~~والعامة والفقراء. # قال: ومنهم من قد بلغه خلاف بعض العلماء فى وجوب الحد فيه، فظن أن ذلك ~~خلاف فى التحريم، ولم يعلم أن الشيء قد يكون من أعظم المحرمات، كالميتة ~~والدم ولحم الخنزير، وليس فيه حد مقدر. # ثم ذلك الخلاف قد يكون قولا ضعيفا، فيتولد من ذلك القول الضعيف الذى هو ~~من خطأ بعض المجتهدين، وهذا الظن الفاسد الذى هو خطأ بعض الجاهلين: تبديل ~~الدين، وطاعة الشيطان، ومعصية رب العالمين، فإذا انضافت الأقوال الباطلة ~~إلى الظنون الكاذبة، وأعانتها الأهواء الغالبة، فلا تسأل عن تبديل الدين ~~بعد ذلك، والخروج عن جملة الشرائع بالكلية. # ولما سهل هذا الأمر فى نفوس كثير من الناس صار كثير من المماليك يتمدح ~~بأنه لا يعرف غير سيده، أنه لم يطأه سواه، كما تتمدح الأمة والمرأة بأنها ~~لا تعرف غير سيدها وزوجها، وكذلك كثير من المردان يتمدح بأنه لا يعرف غير ~~خدينه وصديقه، أو مؤاخيه أو معلمه، وكذلك من الفاعلين يتمدح بأنه عفيف عما ~~سوى خدنه الذى هو قرينه وعشيره كالزوجة، أو عما ms469 سوى مملوكه، الذى هو ~~كسريته. # ومنهم من يرى أن التحريم إنما هو إكراه الصبى على فعل الفاحشة، فإذا كان ~~مختارا راضيا لم يكن بذلك بأس، فكأن المحرم عنده من ذلك إنما هو الظلم ~~والعدوان بإكراه المفعول به. # قال شيخنا: وحكى لى من أثق به: أن بعض هؤلاء أخذ على هذه الفاحشة، فحكم ~~عليه بالحد، فقال: والله هو ارتضى بذلك، وما أكرهته ولا غصبته، فكيف أعاقب؟ ~~فقال نصير المشركين - وكان حاضرا - هذا حكم محمد بن عبد الله وليس لهؤلاء ~~ذنب. # PageV02P146 # ومن هؤلاء من يعتقد أن العشق إذا بلغ بالعاشق إلى حد يخاف معه التلف أبيح ~~له وطء معشوقه للضرورة، وحفظ النفس، كما يباح له الدم والميتة ولحم الخنزير ~~فى المخمصة. # وقد يبيح هؤلاء شرب الخمر على وجه التدواى، وحفظ الصحة إذا سلم من معرة ~~السكر ولا ريب أن الكفر والفسوق والمعاصى درجات، كما أن الإيمان والعمل ~~الصالح درجات، كما قال تعالى: # {هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون} [آل عمران: 163] وقال: {ولكل ~~درجات مما عملوا، وما ربك بغافل عما يعملون} [الأنعام: 132] . وقال {إنما ~~النسئ زيادة فى الكفر} [التوبة: 37] وقال {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا ~~وهم يستبشرون وأما الذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم} [التوبة: ~~124 - 125] . # ونظائره فى القرآن كثيرة. # ومن أخف هؤلاء جرما: من يرتكب ذلك معتقدا تحريمه، وأنه إذا قضى حاجته ~~قال: استغفر الله فكأن ما كان لم يكن. # فقد تلاعب الشيطان بأكثر هذا الخلق، كتلاعب الصبيان بالكرة، وأخرج لهم ~~أنواع الكفر والفسوق والعصيان فى كل قالب. # وبالجملة فمراتب الفاحشة متفاوتة بحسب مفاسدها، فالمتخذ خدنا من النساء ~~والمتخذة خدنا من الرجال أقل شرا من المسافح والمسافحة مع كل أحد، ~~والمستخفى بما يرتكبه أقل إثما من المجاهر المستعلن، والكاتم له أقل إثما ~~من المخبر المحدث للناس به، فهذا بعيد عن عافية الله تعالى وعفوه، كما قال ~~النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "كل أمتى معافى إلا المجاهرين، وإن ~~من المجاهرة أن يستر الله تعالى عليه ثم يصبح ms470 يكشف ستر الله عنه، يقول، يا ~~فلان، فعلت البارحة كذا وكذا فيبيت ربه يستره، ويصبح يكشف ستر الله عن ~~نفسه" أو كما قال. # وفى الحديث الآخر عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "من ابتلى من هذه ~~القاذورات بشيء فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب ~~الله": # PageV02P147 # وفى الحديث الآخر "إن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا ~~أعلنت فلم تنكر ضرت العامة". # وكذلك الزنا بالمرأة التى لا زوج لها أيسر إثما من الزنا بذات الزوج، لما ~~فيه من ظلم الزوج والعدوان عليه، وإفساد فراشه عليه، وقد يكون إثم هذا أعظم ~~من إثم مجرد الزنا، أو دونه. # والزنا بحليلة الجار أعظم إثما من الزنا ببعيدة الدار، لما اقترن بذلك من ~~أذى الجار، وعدم حفظ وصية الله تعالى ورسوله به. # وكذلك الزنا بامرأة الغازى فى سبيل الله أعظم إثما عند الله من الزنا ~~بغيرها. ولهذا يقام له يوم القيامة ويقال له: "خذ من حسناته ما شئت". # وكما تختلف درجاته بحسب المزنى بها فكذلك تتفاوت درجاته بحسب الزمان ~~والمكان والأحوال، وبحسب الفاعل. فالزنا فى رمضان ليلا أو نهارا أعظم إثما ~~منه فى غيره. وكذلك فى البقاع الشريفة المفضلة هو أعظم إثما منه فيما ~~سواها. # وأما تفاوته بحسب الفاعل: فالزنا من الحر أقبح منه من العبد. ولهذا كان ~~حده على النصف من حده. ومن المحصن أقبح منه من البكر، ومن الشيخ أقبح منه ~~من الشاب. ولهذا كان أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ~~يزكيهم ولهم عذاب أليم: الشيخ الزانى. ومن العالم أقبح منه من الجاهل، ~~لعلمه بقبحه، وما يترتب عليه، وإقدامه على بصيرة. ومن القادر على الاستغناء ~~عنه أقبح من الفقير العاجز. # PageV02P148 # فصل # ومما ينبغى أن يعلم: أنه قد يقترن بالأيسر إثما ما يجعله أعظم إثما مما ~~هو فوقه. # مثاله: أنه قد يقترن بالفاحشة من العشق الذى يوجب اشتغال القلب بالمعشوق، ~~وتأليهه له وتعظيمه، والخضوع له، والذل له، وتقديم طاعته وما يأمر به، على ms471 ~~طاعة الله تعالى ورسوله وأمره، فيقترن بمحبة خدنه وتعظيمه، وموالاة من ~~يواليه، ومعاداة من يعاديه، ومحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه، ما قد يكون ~~أعظم ضررا على صاحبه من مجرد ركوب الفاحشة. # فإن المحبوبات لغير الله قد أثبت الشارع فيها اسم التعبد. كقوله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم فى الحديث الصحيح: # "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، ~~تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، إن أعطى رضى، وإن منع سخط" رواه البخارى. # فسمى هؤلاء الذين إن أعطوا رضوا، وإن منعوا سخطوا عبيدا لهذه الأشياء، ~~لانتهاء محبتهم ورضاهم ورغبتهم إليها. # فإذا شغف الإنسان بمحبة صورة لغير الله، بحيث يرضيه وصوله إليها وظفره ~~بها، ويسخطه فوات ذلك كان فيه من التعبد لها بقدر ذلك. # PageV02P149 # ولهذا يجعلون الحب مراتب: أوله: العلاقة، ثم الصبابة، ثم الغرام، ثم ~~العشق. وآخر ذلك: التتيم. وهو التعبد للمعشوق. فيصير العاشق عبدا لمعشوقه. # والله سبحانه إنما حكى عشق الصور فى القرآن عن المشركين. # فحكاه عن امرأة العزيز، وكانت مشركة على دين زوجها. وكانوا مشركين، وحكاه ~~عن اللوطية، وكانوا مشركين، فقال تعالى فى قصتهم: {لعمرك إنهم لفى سكرتهم ~~يعمهون} [الحجر: 72] . # أخبر سبحانه أنه يصرفه عن أهل الإخلاص، فقال: {كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} [يوسف: 24] وقال عن عدوه إبليس أنه قال: ~~{فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: 82 - 83] وقال ~~تعالى: {إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} [الحجر: 42] ~~. # والغاوى ضد الراشد، والعشق المحرم من أعظم الغى. # لهذا كان أتباع الشعراء وأهل السماع الشعرى غاوين. كما سماهم الله تعالى ~~بذلك فى قوله: # {الشعراء يتبعهم الغاوون} [الشعراء: 224] . # فالغاوون يتبعون الشعراء، وأصحاب السماع الشعرى الشيطانى، وهؤلاء لا ~~ينفكون عن طلب وصال، أو سؤال نوال. كما قال أبو تمام لرجل: أما تعرفنى؟ ~~فقال: ومن أعرف بك منى؟. # أنت بين اثنتين تبرز للن ... اس وكلتاهما بوجه مذال # لست تنفك طالبا لوصال ... من حبيب أو راجيا لنوال # أى ماء يبقى لوجهك ms472 هذا ... بين ذل الهوى، وذل السؤال؟ # والزنا بالفرج - وإن كان أعظم من الإلمام بالصغيرة، كالنظرة والقبلة ~~واللمس- لكن إصرار العاشق على محبة الفعل، وتوابعه، ولوازمه، وتمنيه له، ~~وحديث نفسه به: أنه لا يتركه، واشتغال قلبه بالمعشوق، قد يكون أعظم ضررا من ~~فعل الفاحشة مرة بشيء كثير. فإن # PageV02P150 # الإصرار على الصغيرة قد يساوى إثمه إثم الكبيرة، أو يربى عليها. # وأيضا، فإن تعبد القلب للمعشوق شرك، وفعل الفاحشة معصية، ومفسدة الشرك ~~أعظم من مفسدة المعصية. # وأيضا، فإنه قد يتخلص من الكبيرة بالتوبة والاستغفار، وأما العشق إذا ~~تمكن من القلب فإنه يعز عليه التخلص منه، كما قال القائل: # تالله ما أسرت لواحظك امرأ ... إلا وعز على الورى استنقاذه # بل يصير تعبدا لازما للقلب لا ينفك عنه، ومعلوم أن هذا أعظم ضررا وفسادا ~~من فاحشة يرتكبها مع كراهيته لها، وقلبه غير معبد لمن ارتكبها منه. # وقد أخبر الله سبحانه أن سلطان الشيطان إنما هو: {على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون} [النحل: 100] . # وأن سلطانه إنما هو على من اتبعه من الغاوين، والغى اتباع الهوى ~~والشهوات، كما أن الضلال اتباع الظنون والشبهات. # وأصل الغى من الحب لغير الله، فإنه يضعف الإخلاص به، ويقوى الشرك بقوته، ~~فأصحاب العشق الشيطانى لهم من تولى الشيطان والإشراك به بقدر ذلك، لما فيهم ~~من الإشراك بالله، ولما فاتهم من الإخلاص له، ففيهم نصيب من اتخاذ الأنداد، ~~ولهذا ترى كثيرا منهم عبدا لذلك المعشوق، متيما فيه. يصرخ فى حضوره ومغيبه: ~~أنه عبده، فهو أعظم ذكرا له من ربه، وحبه فى قلبه أعظم من حب الله فيه، ~~وكفى به شاهدا بذلك على نفسه: {بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى ~~معاذيره} [القيامة: 14- 15] . # فلو خير بين رضاه ورضا الله، لاختار رضا معشوقه على رضا ربه، ولقاء ~~معشوقه أحب إليه من لقاء ربه، وتمنيه لقربه أعظم من تمنيه لقرب ربه، وهربه ~~من سخطه عليه أشد من هربه من سخط ربه عليه، يسخط ربه بمرضاة معشوقه، ويقدم ~~مصالح معشوقة وحوائجه على طاعة ربه، فإن فضل من ms473 وقته، وكان عنده قليل من ~~الإيمان، صرف تلك الفضلة فى طاعة ربه، وإن استغرق الزمان حوائج معشوقه ~~ومصالحه صرف زمانه كله فيها، وأهمل أمر الله تعالى، يجود لمعشوقه بكل نفيسة ~~ونفيس، ويجعل لربه من ماله - إن جعل له - كل رذيلة # PageV02P151 # وخسيس، فلمعشوقه لبه وقلبه، وهمه ووقته، وخالص ماله، وربه على الفضلة، قد ~~اتخذه وراءه ظهريا، وصار لذكره نسيا، إن قام فى خدمته فى الصلاة فلسانه ~~يناجيه وقلبه يناجى معشوقه، ووجه بدنه إلى القبلة ووجه قلبه إلى المعشوق. ~~ينفر من خدمة ربه حتى كأنه واقف فى الصلاة على الجمر من ثقلها عليه، وتكلفه ~~لفعلها، فإذا جاءت خدمة المعشوق أقبل عليها بقلبه وبدنه فرحا بها، ناصحا له ~~فيها، خفيفة على قلبه لا يستثقلها ولا يستطيلها. # ولا ريب أن هؤلاء من الذين اتخذوا من دون الله أندادا، يحبونهم كحب الله، ~~والذين آمنوا أشد حبا لله. # وعشقهم يجمع المحرمات الأربع: من الفواحش الظاهرة، والباطنة، والإثم، ~~والبغى بغير الحق، والشرك بالله ما لم ينزل به سلطانا، والقول على الله ما ~~لا يعلمون، فإن هذا من لوازم الشرك، فكل مشرك يقول على الله ما لا يعلم. ~~فكثيرا ما يوجد فى هذا العشق من الشرك الأكبر الأصغر، ومن قتل النفوس، ~~تغايرا على المعشوق، وأخذ أموال الناس بالباطل ليصرفها فى رضا المعشوق، ومن ~~الفاحشة والكذب والظلم مالا خفاء به. # وأصل ذلك كله من خلو القلب من محبة الله تعالى، والإخلاص له، والتشريك ~~بينه وبين غيره فى المحبة، ومن محبة ما يحب لغير الله، فيقوم ذلك بالقلب، ~~ويعمل بموجبه بالجوارح، وهذا هو حقيقة اتباع الهوى. وفى الأثر. "ما تحت ~~أديم السماء إله يعبد أعظم عند الله من هوى متبع". # وقال تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه ~~وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} [الجاثية: ~~23] . # وإذا تأملت حال عشاق الصور المتيمين فيها، وجدت هذه الآية منطبقة عليهم، ~~مخبرة عن حالهم. # قال بعض العلماء: ليس شيء من المحبوبات يستوعب ms474 محبة القلب إلا محبة الله، ~~أو محبة بشر مثلك، أما محبة الله فهى التى خلق لها العباد، وبها غاية ~~سعادتهم، وكمال نعيمهم وأما البشر المماثل من ذكر أو أنثى، فإن فيه من ~~المشاكلة والمناسبة بين العاشق وبينه # PageV02P152 # ما ليس مثله وبين جنس آخر من المخلوقات. ولهذا لا يعرف فى محبة شيء من ~~المحبوبات المخالفة للمحب فى الجنس ما يزيل العقل، ويفسد الإدراك، ويوجب ~~انقطاع الإرادة لغير ذلك المحبوب، وإنما يعرف ذلك فى محبته لجنسه، فتستوعب ~~قلبه، وتسلب لبه، ويصير لمعشوقه سامعا مطيعا كما قيل: # إن هواك الذى بقلبىصيرنى سامعا مطيعا # ويقوى هذا السمع والطاعة عند كثير من العشاق، حتى يبذل نفسه، ويسلمها ~~للتلف فى طاعة معشوقه، كما يبذل المجاهد نفسه لربه، حتى يقتل فى سبيله، ~~وإذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قد قال فى الحديث الذى رواه ~~أحمد وغيره: # "شارب الخمر - أو قال مدمن الخمر - كعابد وثن". # ومر على بن طالب رضى الله عنه بقوم يلعبون بالشطرنج فقال "ما هذه ~~التماثيل التى أنتم لها عاكفون؟ ". # فما الظن بالعاشق المتيم الفانى فى معشوقه؟ ولهذا قرن الله سبحانه بين ~~الخمر والأنصاب وهى الأصنام التى تعبد من دون الله، فقال: {يا أيها الذين ~~آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ~~لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر ~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 90 - ~~91] . # ومعلوم أن شارب الخمر لا يدوم سكره، بل لا بد أن يفيق، ولعل أوقات إفاقته ~~أكثر من أوقات سكره. وأما سكرة العشق فقل أن يستفيق صاحبها إلا إذا جاءت ~~الرسل تطلبه للقدوم على الله تعالى، ولهذا استمرت سكرة اللوطية حتى فاجأهم ~~عذاب الله وعقوبته # PageV02P153 # وهم فى سكرتهم يعمهون، فكيف إذا خرج العشق إلى حد الجنون المطبق؟ كما ~~أنشد محمد بن جعفر الخرائطى فى كتاب اعتلال القلوب، قال: أنشد الصيدلانى: # قالت: جننت على رأسى، فقلت لها ... العشق أعظم مما بالمجانين # العشق لا يستفيق ms475 الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون فى الحين # فصاحبه أحق بأن يشبه بعابد الوثن، والعاكف على التماثيل، فإن عكوف قلب ~~العاشق على صورة محبوبه وتمثاله يشبه عكوف عابد الصنم على صنمه. # وإذا كان الشيطان يريد أن يوقع العدواة والبغضاء بين المسلمين فى الخمر ~~والميسر، ويصدهم بذلك عن ذكر الله وعن الصلاة، فالعدواة والبغضاء والصد ~~الذى يوقعه بالعشق أعظم بكثير. # وجميع المعاصى يجتمع فيها هذان الوصفان، وهما العدواة والبغضاء، والصد عن ~~ذكر الله وعن الصلاة، فإن التحاب والتآلف إنما هو بالإيمان والعمل الصالح، ~~كما قال تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} ~~[مريم: 96] . # أى يلقى بينهم المحبة، فيحب بعضهم بعضا، فيتراحمون، ويتعاطفون بما جعل ~~الله لبعضهم فى قلوب بعض من المحبة. # وقال ابن عباس "يحبهم ويحببهم إلى عبادة". # قال هرم بن حيان "ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب ~~المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم". # PageV02P154 # وأهل المعاصى والفسوق وإن كان بينهم نوع مودة وتحاب، فإنها تنقلب عدواة ~~وبغضا وفى الغالب يتعجل لهم ذلك فى الدنيا قبل الآخرة، أما فى الآخرة ~~فالأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين. # وقال إمام الحنفاء لقومه: {إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم فى ~~الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا} ~~[العنكبوت: 25] . # فالمعاصى كلها توجب ذلك، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وذكر ذلك فى الخمر ~~الميسر - اللذين هما من أواخر المحرمات - تنبيه على ما فى غيرهما من ذلك، ~~مما حرم قبلهما، وهو أشد تحريما منهما، فإن ما يوقعه قتل النفوس، وسرقة ~~الأموال، وارتكاب الفواحش من ذلك، وما يصد به عن ذكر الله وعن الصلاة أضعاف ~~أضعاف ما يقتضيه الخمر والميسر، والواقع شاهد بذلك. # وكم وقع، وهو واقع بين الناس - بسبب عشق الصور - من العداوة والبغضاء، ~~وزوال الألفة والمحبة، وانقلا بها عدواة. # وأما صده عن ذكر الله، فقلب العاشق ليس فيه موضع لغير معشوقه، كما قيل: # ما فى الفؤاد لغير حبك موضع ... كلا، ولا ms476 أحد سواك يحله # وأما صده عن الصلاة، فهو إن لم يصد عن صورتها وأعمالها الظاهرة، فإنه يصد ~~عن حقيقتها ومقاصدها الباطنة. # فصل # ومما يبين أن هذه الفواحش أصلها المحبة لغير الله تعالى، سواء كان ~~المطلوب المشاهدة أو المباشرة، أو غير ذلك: أنها فى المشركين أكثر منها فى ~~المخلصين، ويوجد فيهم منها ما لا يوجد مثله فى المخلصين. # قال تعالى {يا بنى آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع ~~عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث # PageV02P155 # لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون وإذا فعلوا فاحشة ~~قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ~~أتقولون على الله مالا تعلمون قل أمر ربى بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل ~~مسجد وادعوه مخلصين له الدين - إلى قوله تعالى - قل إنما حرم ربى الفواحش ~~ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل ~~به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون} [الأعراف: 27- 33] . # فأخبر سبحانه أنه جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون، وهو قوله: ~~{أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا} [الكهف: ~~50] . # وقال تعالى فى الشيطان: {إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به ~~مشركون} [النحل: 100] . # وأخبر عنه أنه أقسم بعزة ربه أنه يغوى عباده أجمعين، واستثنى أهل الإخلاص ~~منهم، وأخبر سبحانه عن أولياء الشيطان: أنهم إذا فعلوا فاحشة احتجوا بتقليد ~~أسلافهم، وزعموا أن الله سبحانه أمرهم بها، فاتبعوا الظن الكاذب والهوى ~~الباطل. # قال شيخنا: وفى هذا الوصف نصيب كبير لكثير من المنتسبين إلى القبلة، من ~~الصوفية والعباد، والأمراء، والأجناد، والمتفلسفة، والمتكلمين، والعامة ~~وغيرهم، يستحلون من الفواحش ما حرمه الله ورسوله، ظانين أن الله أباحه، أو ~~تقليدا لأسلافهم وأصله العشق الذى يبغضه الله، فكثير منهم يجعله دينا، ويرى ~~أنه يتقرب به إلى الله، إما لزعمه أنه يزكى النفس ويهذبها، وإما لزعمه أنه ~~يجمع بذلك قلبه على آدمى، ثم ينقله إلى عبادة الله وحده، ms477 وإما لزعمه أن ~~الصور الجميلة مظاهر الحق ومشاهده، ويسميها "مظاهر الجمال الأحدى" وإما ~~لاعتقاده حلول الرب فيها، واتحاده بها، ولهذا تجد بين نساك هؤلاء وفقرائهم ~~وأمرائهم وأصحابهم توافقا وتآلفا على اتخاذ أنداد من دون الله يحبونهم كحب ~~الله. إما تدينا، وإما شهوة، وإما جمعا بين الأمرين. ولهذا يتآلفون ويجتمون ~~على السماع الشيطانى، الذى يهيج الحب المشترك، فيهيج من كل قلب ما فيه من ~~الحب. # وسبب ذلك: خلو القلب مما خلق له، من عبادة الله تعالى التى تجمع محبته ~~وتعظيمه، والخضوع والذل له، والوقوف مع أمره، ونهيه ومحابه ومساخطه. فإذا ~~كان فى القلب وجدان حلاوة الإيمان وذوق طعمه أغناه ذلك عن محبة الأنداد ~~وتأليهها. وإذا خلا القلب من ذلك احتاج إلى أن يستبدل به ما يهواه، ويتخذه ~~إلهه، وهذا من تبديل الدين، وتغيير فطرة الله التى # PageV02P156 # فطر عليها عباده. قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرة الله التى فطر ~~الناس عليها. لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] . # أى نفس خلق الله لا تبديل له، فلا يخلق الخلق إلا على الفطرة، كما أن ~~خلقه للأعضاء على السلامة من الشق والقطع. ولا تبديل لنفس هذا الخلق. ولكن ~~يقع التغيير فى المخلوق بعد خلقه، كما قال النبى صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم: " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه، ~~كما تنتج البهمية بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، حتى تكونوا أنتم ~~تجدعونها". # PageV02P157 # فالقلوب مفطورة على حب إلهها وفاطرها وتأليهه. فصرف ذلك التأله والمحبة ~~إلى غيره تغيير للفطرة. # ولما تغيرت فطر الناس بعث الله الرسل بصلاحها وردها إلى حالتها التى خلقت ~~عليها فمن استجاب لهم رجع إلى أصل الفطرة، ومن لم يستجب لهم استمر على ~~تغيير الفطرة وفسادها. # فصل # والفتنة بعشق الصور تنافى أن يكون دين العبد كله الله، بل ينقص من كون ~~دينه لله بحسب ما حصل له من فتنة العشق. وربما أخرجت صاحبه من أن يبقى معه ~~شئ من الدين لله. قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين ms478 كله ~~لله} [الأنفال: 39] . # فناقض بين كون الفتنة وبين كون الدين كله. فكل منهما يناقض الآخر. # والفتنة قد فسرت بالشرك. # فما حصلت به فتنة القلوب فهو إما شرك، وإما من أسباب الشرك. # وهى جنس تحته أنواع من الشبهات، والشهوات. # وفتنة الذين اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله من أعظم الفتن. # ومنه فتنة أصحاب العجل، كما قال تعالى لموسى: {إنا قد فتنا قومك من بعدك} ~~[طه: 85] . # وكذلك فتنة العشق من أعظم الفتن، قال تعالى: {ومنهم من يقول ائذن لى ولا ~~تفتنى ألا فى الفتنة سقطوا} [التوبة: 49] . # نزلت فى الجد بن قيس لما غزا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~تبوك قال له "هل لك يا جد فى بلاد بنى الأصفر، تتخذ منهم السرارى والوصفاء؟ ~~فقال جد: ائذن لى فى القعود عنك. فقد عرف قومى أنى مغرم بالنساء، وأنى أخشى ~~إن رأيت بنات الأصفر أن لا أصبر عنهن، فأنزل الله تعالى هذه الآية". # PageV02P158 # قال ابن زيد: يريد لا تفتنى بصباحة وجوههن. # وقال أبو العالية: لا تعرضنى للفتنة. # وقوله تعالى: {ألا فى الفتنة سقطوا} [التوبة: 49] . # قال قتادة: "ما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله سلم والرغبة بنفسه عنه أعظم". # فالفتنة التى فر منها - بزعمه - هى فتنة محبة النساء، وعدم صبره عنهن، ~~والفتنة التى وقع فيها هى فتنة الشرك والكفر فى الدنيا، والعذاب فى الآخرة. # لفظ الفتنة فى كتاب الله تعالى يراد بها الامتحان الذى لم يفتتن صاحبه، ~~بل خلص من الافتتان. ويراد بها الامتحان الذى حصل معه افتتان. # فمن الأول: قوله تعالى لموسى عليه السلام: {وفتناك فتونا} [طه: 40] . # ومن الثانى: قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [الأنفال:39] ~~وقوله: {ألا فى الفتنة سقطوا} [التوبة: 49] . # ويطلق على ما يتناول الأمرين، كقوله تعالى: {الم أحسب الناس أن يتركوا أن ~~يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين ~~صدقوا وليعلمن الكاذبين} [العنكبوت: 1 -3] . # ومنه قول موسى عليه السلام: {إن هى إلا ms479 فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من ~~تشاء} [الأعراف: 155] . أى امتحانك وابتلاؤك، تضل بها من وقع فيها، وتهدى ~~من نجا منها. # PageV02P159 # وتطلق الفتنة على أعم من ذلك، كقوله تعالى: # {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} [التغابن: 15] . # قال مقاتل "أى بلاء، وشغل عن الآخرة. قال ابن عباس: فلا تطيعوهم فى معصية ~~الله تعالى". # وقال الزجاج: أعلمهم الله عز وجل أن الأموال والأولاد مما يفتنون به، ~~وهذا عام فى جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده، لأنه ربما عصى الله ~~تعالى بسببه، تناول الحرام لأجله، ووقع فى العظائم، إلا من عصمه الله ~~تعالى. # ويشهد لهذا ما روى أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "كان يخطب، ~~فجاء الحسن والحسين رضى الله عنهما، وعليهما قميصان أحمران يعثران، فنزل ~~النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إليهما فأخذهما، فوضعهما فى حجره على ~~المنبر، وقال: صدق الله: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} [التغابن: 15] رأيت ~~هذين الصبيين فلم أصبر عنهما". # وقال ابن مسعود رضى الله عنه "لا يقولن أحدكم: اللهم إنى أعوذ بك من ~~الفتنة، فإنه ليس منكم أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، لأن الله تعالى يقول: ~~{إنما أموالكم وأولادكم فتنة} [التغابن: 15] فأيكم استعاذ فليستعذ بالله ~~تعالى من مضلات الفتن". # ومنه قوله تعالى: {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة} [الفرقان: 20] . # وهذا عام فى جميع الخلق، امتحن بعضهم ببعض، فامتحن الرسل بالمرسل إليهم ~~ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم. وتحمل # PageV02P160 # المشاق فى تبليغهم رسالات ربهم، وامتحن المرسل إليهم بالرسل، وهل ~~يطيعونهم، وينصرونهم، ويصدقونهم، أم يكفرون بهم، ويردون عليهم، ويقاتلونهم؟ ~~وامتحن العلماء بالجهال، هل يعلمونهم، وينصحونهم، ويصبرون على تعليمهم ~~ونصحهم، وإرشادهم، ولوازم ذلك؟ وامتحن الجهال بالعلماء، هل يطيعونهم، ~~ويهتدون بهم؟ وامتحن الملوك بالرعية، والرعية بالملوك، وامتحن الأغنياء ~~بالفقراء، والفقراء بالغنياء، وامتحن الضعفاء بالأقوياء، والأقوياء ~~بالضعفاء، والسادة بالأتباع والأتباع بالسادة، وامتحن المالك بمملوكه، ~~ومملوكه به، وامتحن الرجل بامرأته وامرأته به، وامتحن الرجال بالنساء ~~والنساء بالرجال، والمؤمنين بالكفار ولكفار بالمؤمنين. وامتحن الآمرين ~~بالمعروف بمن يأمرونهم، وامتحن المأمورين بهم، ولذلك كان فقراء المؤمنين ~~وضعفاؤهم، من ms480 أتباع الرسل، فتنة لأغنيائهم ورؤسائهم، امتنعوا من الإيمان ~~بعد معرفتهم بصدق الرسل، وقالوا: {لو كان خيرا ما سبقونا إليه} [الأحقاف: ~~11] هؤلاء. # وقالوا لنوح عليه السلام: {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} [الشعراء: 111] . # قال تعالى: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا} [الأنعام: 53] . # فإذا رأى الشريف الرئيس المسكين الذليل قد سبقه إلى الإيمان ومتابعة ~~الرسول حمى وأنف أن يسلم، فيكون مثله، وقال: أسلم فأكون أنا وهذا الوضيع ~~على حد سواء؟. # PageV02P161 # قال الزجاج: كان الرجل الشريف ربما أراد الإسلام، فيمتنع منه لئلا يقال ~~أسلم قبله من هو دونه فيقيم على كفره لئلا يكون للمسلم السابقة عليه فى ~~الفضل. # ومن كون بعض الناس لبعضهم فتنة، أن الفقير يقول: لم لم أكن مثل الغنى؟ ~~ويقول الضعيف: هلا كنت مثل القوى؟ ويقول المبتلى، هلا كنت مثل المعافى؟ ~~وقال الكفار: {لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله} [الأنعام: 124] . # قال مقاتل: نزلت فى افتتان المشركين بفقراء المهاجرين، نحو بلال، وخباب، ~~وصهيب، وأبى ذر، وابن مسعود، وعمار، كان كفار قريش يقولون: انظروا إلى ~~هؤلاء الذين تبعوا محمدا من موالينا وأراذلنا؟ قال الله تعالى: {إنه كان ~~فريق من عبادى يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين ~~فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكرى وكنتم منهم تضحكون إنى جزيتهم اليوم بما ~~صبروا أنهم هم الفائزون} [المؤمنون: 109- 111] . # فأخبر سبحانه أنه جزاهم على صبرهم، كما قال تعالى: {وجعلنا بعضكم لبعض ~~فتنة أتصبرون} [الفرقان: 20] . # قال الزجاج: أى أتصبرون على البلاء، فقد عرفتم ما وجد الصابرون: # قلت: قرن الله سبحانه الفتنة بالصبر هاهنا، وفى قوله: {ثم إن ربك للذين ~~هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا} [النحل: 110] . # فليس لمن قد فتن بفتنة دواء مثل الصبر، فإن صبر كانت الفتنة ممحصة له، ~~ومخلصة من الذنوب، كما يخلص الكير خبث الذهب والفضة. # فالفتنة كير القلوب، ومحك الإيمان، وبها يتبين الصادق من الكاذب: قال ~~تعالى: {ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين} [العنكبوت: 3] . # فالفتنة قسمت الناس، إلى صادق ms481 وكاذب ومؤمن ومنافق، وطيب وخبيث. فمن صبر ~~عليها كانت رحمة فى حقه، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها، ومن لم يصبر عليها ~~وقع فى فتنة أشد منها. # فالفتنة لا بد منها فى الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: # {يوم هم على النار يفتنون ذوقوا فتنتكم هذا الذى كنتم به تستعجلون} ~~[الذاريات: 13، 14] . # فالنار فتنة من لم يصبر # PageV02P162 # على فتنة الدنيا، قال تعالى فى شجرة الزقوم: {إنا جعلناها فتنة للظالمين} ~~[الصافات: 63] . # قال قتادة: لما ذكر الله تعالى هذه الشجرة افتتن بها الظلمة، فقالوا: ~~يكون فى النار شجرة والنار تأكل الشجر؟ فأنزل الله عز وجل: {إنها شجرة تخرج ~~فى أصل الجحيم} [الصافات: 64] . # فأخبرهم أن غذاءها من النار، أى غذيت بالنار. # قال ابن قتيبة: قد تكون شجرة الزقوم نبتا من النار، ومن جوهر لا تأكله ~~النار، وكذلك سلاسل النار وأغلالها وأنكالها، وعقاربها وحياتها، ولو كانت ~~على ما يعلم لم تبق على النار، وإنما دلنا الله تعالى على الغائب عنده ~~بالحاضر عندنا، فالأسماء متفقة الدلالة، والمعانى مختلفة، وما فى الجنة من ~~ثمرها وفرشها وشجرها وجميع آلاتها على مثل ذلك. # والمقصود: أن هذه الشجرة فتنة لهم فى الدنيا، بتكذيبهم بها، وفتنة لهم فى ~~الآخرة بأكلهم منها. # وكذلك إخباره سبحانه بأن عدة الملائكة الموكلين بالنار تسعة عشر، كان ~~فتنة للكفار، حيث قال عدو الله أبو جهل: أيخوفكم محمد بتسعة عشر، وأنتم ~~الدهم أفيعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد منهم، ثم تخرجون من النار؟ فقال ~~أبو الأسد: يا معشر قريش، إذا كان يوم القيامة فأنا أمشى بين أيديكم على ~~الصراط، فأدفع عشرة بمنكبى الأيمن، وتسعة بمنكبى الأيسر فى النار، ونمضى ~~فندخل الجنة. # فكان ذكر هذا العدد فتنة لهم فى الدنيا، وفتنة لهم يوم القيامة. # والكافر مفتون بالمؤمن فى الدنيا، كما أن المؤمن مفتون به، ولهذا سأل ~~المؤمنون # PageV02P163 # ربهم أن لا يجعلهم فتنة للذين كفروا، كما قال الحنفاء: {ربنا عليك توكلنا ~~وإليك أنبنا وإليك المصير ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} [الممتحنة: ~~4-5] . # وقال أصحاب موسى عليه السلام: {ربنا ms482 لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين} ~~[يونس: 85] . # قال مجاهد: المعنى، لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولون: لو ~~كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا. # وقال الزجاج: معناه: لا تظهرهم علينا، فيظنوا أنهم على حق، فيفتنوا بذلك. # وقال الفراء: لا تظهر علينا الكفار، فيروا أنهم على حق وأنا على باطل. # وقال مقاتل: لا تقتر علينا الرزق وتبسطه عليهم، فيكون ذلك فتنة لهم. # وقد أخبر الله سبحانه أنه قد فتن كلا من الفريقين بالفريق الآخر، فقال: # {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} ~~[الأنعام: 52] فقال الله تعالى {أليس الله بأعلم بالشاكرين} [الأنعام: 53] ~~. # والمقصود: أن الله سبحانه فتن أصحاب الشهوات بالصور الجميلة، وفتن أولئك ~~بهم، فكل من النوعين فتنة للآخر، فمن صبر منهم على تلك الفتنة نجا مما هو ~~أعظم منها، ومن أصابته تلك الفتنة سقط فيما هو شر منها، فإن تدارك ذلك ~~بالتوبة النصح وإلا فبسبيل من هلك، ولهذا قال النبى صلى الله تعالى عليه ~~وآله سلم: "ما تركت بعدى فتنة أضر من النساء على الرجال" أو كما قال. # فالعبد فى هذه الدار مفتون بشهواته ونفسه الأمارة، وشيطانه المغوى ~~المزين، وقرنائه وما يراه، ويشاهده، مما يعجز صبره عنه، ويتفق مع ذلك ضعف ~~الإيمان واليقين وضعف القلب ومرارة الصبر، وذوق حلاوة العاجل، وميل النفس ~~إلى زهرة الحياة الدنيا، وكون العوض مؤجلا فى دار أخرى غير هذه الدار التى ~~خلق فيها، وفيها نشأ، فهو مكلف بأن يترك شهوته الحاضرة المشاهدة لغيب طلب ~~منه الإيمان به: # فو الله، لولا الله يسعد عبده ... توفيقه والله بالعبد أرحم # PageV02P164 # لما ثبت الإيمان يوما بقلبه ... على هذه العلات، والأمر أعظم # ولا طاوعته النفس فى ترك شهوة ... مخافة نار جمرها يتضرم # ولا خاف يوما من مقام إلهه ... عليه بحكم القسط، إذ ليس يظلم # فصل # والفتنة نوعان: فتنة الشبهات. وهى أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات. # وقد يجتمعان للعبد. وقد ينفرد بإحداهما. # ففتنة الشبهات من ضعف البصيرة، وقلة العلم، ولا سيما إذا اقترن بذلك فساد ~~القصد، وحصول الهوى، ms483 فهنالك الفتنة العظمى، والمصيبة الكبرى، فقل ما شئت فى ~~ضلال سيئ القصد، الحاكم عليه الهوى لا الهدى، مع ضعف بصيرته، وقلة علمه بما ~~بعث الله به رسوله، فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: # {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} [النجم: 23] . # وقد أخبر الله سبحانه أن اتباع الهوى يضل عن سبيل الله، فقال: {يا داود ~~إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} ~~[ص: 26] . # وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق، وهى فتنة المنافقين، وفتنة أهل ~~البدع، على حسب مراتب بدعهم. فجميعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات التى ~~اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل، والهدى بالضلال. # ولا ينجى من هذه الفتنة إلا تجريد اتباع الرسول، وتحكيمه فى دق الدين ~~وجله، ظاهره وباطنه، عقائده وأعماله، حقائقه وشرائعه، فيتلقى عنه حقائق ~~الإيمان وشرائع الإسلام. وما يثبته الله من الصفات والأفعال، والأسماء، وما ~~ينفيه عنه، كما يتلقى عنه وجوب الصلوات وأوقاتها وأعدادها، ومقادير نصب ~~الزكاة ومستحقيها، ووجوب الوضوء والغسل # PageV02P165 # من الجنابة، وصوم رمضان، فلا يجعله رسولا فى شيء دون شيء من أمور الدين، ~~بل هو رسول فى كل شيء تحتاج إليه الأمة فى العلم والعمل، لا يتلقى إلا عنه، ~~ولا يؤخذ إلا منه، فالهدى كله دائر على أقواله وأفعاله، وكل ما خرج عنها ~~فهو ضلال، فإذا عقد قلبه على ذلك وأعرض عما سواه، ووزنه بما جاء به الرسول، ~~فإن وافقه قبله، لا لكون ذلك القائل قاله، بل لموافقته للرسالة، وإن خالفه ~~رده، ولو قاله من قاله، فهذا الذى ينجيه من فتنة الشبهات، وإن فاته ذلك ~~أصابه من فتنتها بحسب ما فاته منه. # وهذه الفتنة تنشأ تارة من فهم فاسد، وتارة من نقل كاذب، وتارة من حق ثابت ~~خفى على الرجل فلم يظفر به، وتارة من غرض فاسد وهوى متبع، فهى من عمى فى ~~البصيرة، وفساد فى الإرادة. # فصل # وأما النوع الثانى من الفتنة. ms484 ففتنة الشهوات. # وقد جمع سبحانه بين ذكر الفتنتين فى قوله: {كالذين من قبلكم كانوا أشد ~~منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقهم} ~~[التوبة: 69] . # أى تمتعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتها، والخلاق هو النصيب المقدر، ثم قال ~~وخضتم كالذى خاضوا فهذا الخوض بالباطل، وهو الشبهات. # فأشار سبحانه فى هذه الآية إلى ما يحصل به فساد القلوب والأديان، من ~~الاستمتاع بالخلاق، والخوض بالباطل، لأن فساد الدين إما أن يكون باعتقاد ~~الباطل والتكلم به، أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح. # فالأول: هو المبدع وما والاها، والثانى: فسق الأعمال. # فالأول فساد من جهة الشبهات، والثانى من جهة الشهوات. # ولهذا كان السلف يقولون "احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، ~~وصاحب دنيا أعمته دنياه". # PageV02P166 # وكانوا يقولون "احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما ~~فتنة لكل مفتون". # وأصل كل فتنة إنما هو من تقديم الرأى على الشرع، والهوى على العقل. # فالأول: أصل فتنة الشبهة، والثانى: أصل فتنة الشهوة. # ففتنة الشبهات تدفع باليقين، وفتنة الشهوات تدفع بالصبر، ولذلك جعل ~~سبحانه إمامة الدين منوطة بهذين الأمرين، فقال: {وجعلنا منهم أئمة يهدون ~~بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة: 24] . # فدل على أنه بالصبر واليقين تنال الإمامة فى الدين. # وجمع بينهما أيضا فى قوله: {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر: 3] . # فتواصوا بالحق الذى يدفع الشبهات، وبالصبر الذى يكف عن الشهوات. وجمع ~~بينهما فى قوله: # {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولى الأيدى والأبصار} [ص: 45] . # فالأيدى: القوى والعزائم فى ذات الله، والأبصار: البصائر فى أمر الله. ~~وعبارات السلف تدور على ذلك. # قال ابن عباس "أولى القوة فى طاعة الله، والمعرفة بالله". # وقال الكلبى "أولى القوة فى العبادة، والبصر فيها". # وقال مجاهد "الأيدى: القوة فى طاعة الله، والأبصار: البصر فى الحق". # وقال سعيد بن جبير "الأيدى: القوة فى العمل، والأبصار: بصرهم بما هم فيه ~~من دينهم". # وقد جاء فى حديث مرسل "إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب ~~العقل الكامل عند حلول الشهوات". # فبكمال العقل والصبر تدفع فتنة الشهوة، ms485 وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة ~~الشبهة والله المستعان. # PageV02P167 # فصل # إذا سلم العبد من فتنة الشبهات والشهوات حصل له أعظم غايتين مطلوبتين، ~~بهما سعادته وفلاحه وكماله. وهما الهدى، والرحمة. # قال تعالى عن موسى وفتاه: # {فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما} ~~[الكهف: 65] . # فجمع له بين الرحمة والعلم، وذلك نظير قول أصحاب الكهف: {ربنا آتنا من ~~لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا} [الكهف: 10] . # فإن الرشد هو العلم بما ينفع، والعمل به. والرشد والهدى إذا أفرد كل منها ~~تضمن الآخر، وإذا قرن أحدهما. فالهدى هو العلم بالحق. والرشد هو العمل به ~~وضدهما الغى واتباع الهوى. # وقد يقابل الرشد بالضر والشر. قال تعالى: {قل إنى لا أملك لكم ضرا ولا ~~رشدا} [الجن: 21] . # وقال مؤمنو الجن: {وأنا لا ندرى أشر أريد بمن فى الأرض أم أراد بهم ربهم ~~رشدا} [الجن: 10] . # فالرشد يقابل الغى، كما فى قوله: {وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، ~~وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا} [الأعراف: 146] . # ويقابل الضر والشر كما تقدم، وذلك لأن الغى سبب حصول الشر والضر ووقوعهما ~~بصاحبه. # فالضر والشر غاية البغى وثمرته، كما أن الرحمة والفلاح غاية الهدى ~~وثمرته. # فلهذا يقابل كل منهما بنقيضه وسبب نقبضه، فيقابل الهدى بالضلال، كقوله: ~~{يضل من يشاء ويهدى من يشاء} [النحل: 93] وقوله {إن تحرص على هداهم فإن ~~الله لا يهدى من يضل} [النحل: 37] وهو كثير. # ويقابل بالضلال والعذاب. كقوله: {فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى} [طه: ~~123] . # فقابل الهدى بالضلال والشقاء. # وجمع سبحانه بين الهدى والفلاح، والهدى والرحمة، كما يجمع بين الضلال ~~والشقاء والضلال والعذاب: كقوله: {إن المجرمين فى ضلال وسعر} [القمر: 47] . # فالضلال ضد الهدى، والسعر العذاب، وهو ضد الرحمة. # PageV02P168 # وقال: {ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمي} ~~[طه: 124] . # والمقصود: أن من سلم من فتنة الشبهات والشهوات جمع له بين الهدى والرحمة، ~~والهدى والفلاح. # قال تعالى عن أوليائه: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من ~~لدنك رحمة إنك ms486 أنت الوهاب} [آل عمران: 8] وقال تعالى: {ولما سكت عن موسى ~~الغضب أخذ الألواح وفى نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون} [الأعراف: ~~154] وقال تعالى: {هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يوقنون} [الأعراف: ~~203] وقال تعالى: {لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثا يفترى ~~ولكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [يوسف: ~~111] وقال تعالى: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى ~~الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين} [يونس: 57] . # فقوله: "هذا بصائر من ربكم" عام مطلق، وقوله: "وهدى ورحمة لقوم يوقنون" ~~خاص بأهل اليقين. # ونظير ذلك قوله {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى ~~الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين} [يونس: 57] . # ونظيره فى الخصوص قوله تعالى: {هدى للمتقين} [البقرة: 2] وقوله: {يهدى به ~~الله من اتبع رضوانه سبل السلام} [المائدة: 16] . # ونظيره أيضا قوله: {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} [آل عمران: 138] ~~. # وقد أخبر أنه هدى عام لجميع المكلفين. فقال: {إن يتبعون إلا الظن وما ~~تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} [النجم: 23] . # فأخبر سبحانه أن القرآن بصائر لجميع الناس. والبصائر جمع بصيرة، وهى ~~فعيلة بمعنى مفعلة، أى مبصرة لمن تبصر. ومنه قوله تعالى: {وآتينا ثمود ~~الناقة مبصرة} [الإسراء: 59] . # PageV02P169 # أى مبينة موجبة للتبصر. وفعل الإبصار يستعمل لازما ومتعديا. يقال: ~~أبصرته، بمعنى أريته، وأبصرته، بمعنى رأيته، فمبصرة فى الآية: بمعنى مرئية، ~~لا بمعنى رائية، والذين ظنوها بمعنى رائية غلطوا فى الآية، وتحيروا فى ~~معناها. # فإنه يقال: بصر به، وأبصره، فيعدى بالباء تارة، والهمزة تارة. ثم يقال: ~~أبصرته كذا، أى أريته إياه، كما يقال: بصرته به. وبصر هو به. # فهاهنا بصيرة، وتبصرة، ومبصرة. فالبصيرة: المبينة التى تبصر، والتبصرة ~~مصدر مثل التذكرة، وسمى بها ما يوجب التبصرة، فيقال: هذه الآية تبصرة، ~~لكونها آلة التبصر، وموجبه. # فالقرآن بصيرة وتبصرة، وهدى وشفاء، ورحمة، بمعنى عام، وبمعنى خاص. ولهذا ~~يذكر الله سبحانه هذا وهذا، فهو هدى للعالمين، وموعظة للمتقين، وهدى ~~للمتقين، وشفاء للعالمين، وشفاء للمؤمنين، وموعظة للعالمين، وموعظة ms487 ~~للمتقين، فهو فى نفسه هدى ورحمة، وشفاء وموعظة. # فمن اهتدى به واتعظ واشتفى، كان بمنزلة من استعمل الدواء الذى يحصل به ~~الشفاء فهو دواء له بالفعل. وإن لم يستعمله، فهو دواء له بالقوة، وكذلك ~~الهدى. # فالقرآن هدى بالفعل لمن اهتدى به، وبالقوة لمن يهتد به، فإنما يهتدى به ~~ويرحم ويتعظ المتقون الموقنون. # والهدى فى الأصل: مصدر هدى يهدى هدى. # فمن لم يعمل بعلمه لم يكن مهتديا، كما فى الأثر "من ازداد علما ولم يزدد ~~هدى لم يزدد من الله تعالى إلا بعدا" ولكن يسمى هدى، لأن من شأنه أن يهدى. # وهذا أحسن من قول من قال: إنه هدى، بمعنى هاد، فهو مصدر بمعنى الفاعل، ~~كعدل بمعنى العادل، وزور بمعنى الزائر، ورجل صوم أى بمعنى صائم، فإن الله ~~سبحانه قد أخبر أنه يهدى به. # فالله الهادى، وكتابه الهدى الذى يهدى به على لسان رسوله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم. # فهاهنا ثلاثة أشياء: فاعل وقابل وآله. فالفاعل: هو الله تعالى، والقابل: ~~قلب # PageV02P170 # العبد، والآلة: هو الذى يحصل به الهدى، وهو الكتاب المنزل، والله سبحانه ~~يهدى خلقه هدى، كما يقال: دلهم دلالة، وأرشدهم إرشادا، وبين لهم بيانا. # والمقصود: أن المحل القابل هو قلب العبد المتقى، المنيب إلى ربه، الخائف ~~منه، الذى يبتغى رضاه، ويهرب من سخطه، فإذا هداه الله فكأنه وصل أثر فعله ~~إلى محل قابل، فيتأثر به، فصار هدى له وشفاء ورحمة وموعظة بالوجود والفعل ~~والقبول، وإذا لم يكن المحل قابلا وصل إليه الهدى فلم يؤثر فيه، كما يصل ~~الغذاء إلى محل غير قابل للاغتذاء، فإنه لا يؤثر فيه شيئا، بل لا يزيده إلا ~~ضعفا وفسادا إلى فساده، كما قال تعالى فى السورة التى نزلها: {فأما الذين ~~آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجسا ~~إلى رجسهم} [التوبة: 124 - 125] ، وقال: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة ~~للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82] . # فتخلف الاهتداء يكون لعدم قبول المحل تارة، ولعدم آلة الهدى تارة، ولعدم ~~فعل ms488 الفاعل، وهو الهادى تارة، ولا يحصل الهدى على الحقيقة إلا عند اجتماع ~~هذه الأمور الثلاثة. # وقد قال سبحانه: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم ~~معرضون} [الأنفال: 23] . # فأخبر سبحانه أنه قطع عنهم مادة الاهتداء، وهو إسماع قلوبهم وإفهامها ما ~~ينفعها، لعدم قبول المحل، فإنه لا خير فيه، فإن الرجل إنما ينقاد للحق ~~بالخير الذى فيه، والميل إليه، والطلب له، ومحبته، والحرص عليه، والفرح ~~بالظفر به، وهؤلاء ليس فى قلوبهم شيء من ذلك، فوصل الهدى إليها ووقع عليها ~~كما يصل الغيث النازل من السماء ويقع على الأرض الغليظة العالية، والتى لا ~~تمسك ماء، ولا تنبت كلاء، فلا هى قابلة للماء ولا للنبات، فالماء فى نفسه ~~رحمة وحياة، ولكن ليس فيها قبول له. # ثم أكد الله هذا المعنى فى حقهم بقوله: {ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} ~~[الأنفال: 23] . # فأخبر أن فيهم مع عدم القبول والفهم آفة أخرى، وهى الكبر والإعراض، وفساد ~~القصد، فلو فهموا لم ينقادوا، ولم يتبعوا الحق. ولم يعملوا به، فالهدى فى ~~حق هؤلاء هدى بيان وإقامة # PageV02P171 # حجة، لا هدى توفيق وإرشاد، فلم يتصل الهدى فى حقهم بالرحمة. # وأما المؤمنون: فاتصل الهدى فى حقهم بالرحمة، فصار القرآن لهم هدى ورحمة ~~ولأولئك هدى بلا رحمة. # والرحمة المقارنة للهدى فى حق المؤمنين عاجلة وآجلة. # فأما العاجلة فما يعطيهم الله تعالى فى الدنيا من محبة الخير والبر، وذوق ~~طعم الإيمان، ووجد حلاوته، والفرح والسرور بأن هداهم الله تعالى لما أضل ~~عنه غيرهم، ولما اختلف فيه من الحق، فهم يتقلبون فى نور هداه، ويمشون به فى ~~الناس، ويرون غيرهم متحيرا فى الظلمات، فهم أشد الناس فرحا بما آتاهم ربهم ~~من الهدى، قال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما ~~يجمعون} [يونس: 58] . # فأمر سبحانه عباده المؤمنين المهتدين أن يفرحوا بفضله ورحمته. # وقد دارت عبارات السلف على أن الفضل والرحمة هو العلم والإيمان والقرآن، ~~واتباع الرسول، وهذا من أعظم الرحمة التى يرحم الله بها من يشاء من عباده، ~~فإن الأمن والعافية ms489 والسرور، ولذة القلب ونعيمه وبهجته، وطمأنينته: مع ~~الإيمان والهدى إلى طريق الفلاح والسعادة، والخوف، ولهم، والغم، والبلاء، ~~والألم، والقلق: مع الضلال والحيرة. # ومثل هدا بمسافرين أحدهما قد اهتدى لطريق مقصده، فسار آمنا مطمئنا، ~~والآخر قد ضل الطريق فلم يدر أين يتوجه؟ كما قال تعالى: {قل أندعو من دون ~~الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذى ~~استهوته الشياطين فى الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن ~~هدى الله هو الهدى} [الأنعام: 71] . # فالرحمة التى تحصل لمن حصل له الهدى، هى بحسب هداه، فكلما كان نصيبه من ~~الهدى أتم كان حظه من الرحمة أوفر، وهذه هى الرحمة الخاصة بعباده المؤمنين، ~~وهى غير الرحمة العامة بالبر والفاجر. # وقد جمع الله سبحانه لأهل هدايته بين الهدى والرحمة والصلاة عليهم، فقال ~~تعالى: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} [البقرة: ~~157] . قال عمر # PageV02P172 # بن الخطاب رضى الله تعالى عنه "نعم العدلان، ونعمت العلاوة" فبالهدى ~~خلصوا من الضلال، وبالرحمة نجوا من الشقاء والعذاب، وبالصلاة عليهم نالوا ~~منزلة القرب والكرامة. والضالون حصل لهم ضد هذه الثلاثة: الضلال عن طريق ~~السعادة، والوقوع فى ضد الرحمة من الألم والعذاب، والذم واللعن، الذى هو ضد ~~الصلاة. # ولما كان نصيب كل عبد من الرحمة على قدر نصيبه من الهدى كان أكمل ~~المؤمنين إيمانا أعظمهم رحمة، كما قال تعالى فى أصحاب رسوله صلى الله عليه ~~وسلم: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} [الفتح: ~~29] . # وكان الصديق رضى الله تعالى عنه من أرحم الأمة، وقد روى عن النبى صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: "أرحم أمتى بأمتى أبو بكر" رواه ~~الترمذى، وكان أعلم الصحابة باتفاق الصحابة، كما قال أبو سعيد الخدرى رضى ~~الله عنه "وكان أبو بكر رضى الله عنه أعلمنا به، يعنى النبى صلى الله تعالى ~~وآله وسلم" فجمع الله له بين سعة العلم والرحمة. # وهكذا الرجل كلما اتسع علمه اتسعت رحمته، وقد وسع ربنا كل شيء ms490 رحمة ~~وعلما. فوسعت رحمته كل شيء، وأحاط بكل شيء علما، فهو أرحم بعباده من ~~الوالدة بولدها، بل # PageV02P173 # هو أرحم بالعبد من نفسه، كما هو أعلم بمصلحة العبد من نفسه، والعبد لجهله ~~بمصالح نفسه وظلمه لها يسعى فيما يضرها ويؤلمها، وينقص حظها من كرامته ~~وثوابه، ويبعدها من قربه، وهو يظن أنه ينفعها ويكرمها، وهذا غاية الجهل ~~والظلم والإنسان ظلوم جهول، فكم من مكرم لنفسه بزعمه، وهو لها مهين، ومرفه ~~لها، وهو لها متعب، ومعطيها بعض غرضها ولذتها، وقد حال بينها وبين جميع ~~لذاتها، فلا علم له بمصالحها التى هى مصالحها، ولا رحمة عنده لها، فما يبلغ ~~عدوه منه ما يبلغ هو من نفسه. فقد بخسها حظها، وأضاع حقها، وعطل مصالحها، ~~وباع نعيمها الباقى، ولذتها الدائمة الكاملة، بلذة فانية مشوبة بالتنغيص، ~~إنما هى كأضغاث أحلام أو كطيف زار فى المنام، وليس هذا بعجيب من شأنه، وقد ~~فقد نصيبه من الهدى والرحمة. فلو هدى ورحم لكان شأنه غير هذا الشأن، ولكن ~~الرب تعالى أعلم بالمحل الذى يصلح للهدى والرحمة. فهو الذى يؤتيها العبد. ~~كما قال عن عبده الخضر: {فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا ~~وعلمناه من لدنا علما} [الكهف: 65] ، {ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من ~~أمرنا رشدا} [الكهف: 10] . # فصل # ومما ينبغى أن يعلم: أن الرحمة صفة تقتضى إيصال المنافع والمصالح إلى ~~العبد، وإن كرهتها نفسه، وشقت عليها. فهذه هى الرحمة الحقيقية فأرحم الناس ~~بك من شق عليك فى إيصال مصالحك، ودفع المضار عنك. # فمن رحمة الأب بولده: أن يكرهه على التأدب بالعلم والعمل، ويشق عليه فى ~~ذلك بالضرب وغيره، ويمنعه شهواته التى تعود بضرره، ومتى أهمل من ولده كان ~~لقلة رحمته به، وإن ظن أنه يرحمه [ويرفهه] ويريحه. فهذه رحمة مقرونة بجهل، ~~كرحمة الأم. # ولهذا كان من إتمام رحمة أرحم الراحمين: تسليط أنواع البلاء على العبد، ~~فإنه أعلم بمصلحته، فابتلاؤه له وامتحانه ومنعه من كثير من أعراضه وشهواته: ~~من رحمته به ولكن العبد لجهله وظلمه يتهم ربه بابتلائه، ولا ms491 يعلم إحسانه ~~إليه بابتلائه وامتحانه. # PageV02P174 # وقد جاء فى الأثر "إن المبتلى إذا دعى له: اللهم ارحمه، يقول الله ~~سبحانه: كيف أرحمه من شيء به أرحمه؟ " وفى أثر آخر "إن الله إذا أحب عبدا ~~حماه الدنيا وطيباتها وشهواتها، كما يحمى أحدكم مريضه". # فهذا من تمام رحمته به، لا من بخله عليه. # كيف؟ وهو الجواد الماجد، الذى له الجود كله، وجود جميع الخلائق فى جنب ~~وجود أقل من ذرة فى جبال الدنيا ورمالها. # فمن رحمته سبحانه بعباده: ابتلاؤهم بالأوامر والنواهى رحمة وحمية، لا ~~حاجة منه إليهم بما أمرهم به، فهو الغنى الحميد، ولا بخلا منه عليهم بما ~~نهاهم عنه، فهو الجواد الكريم. # ومن رحمته: أن نغص عليهم الدنيا وكدرها لئلا يسكنوا إليها، ولا يطمئنوا ~~إليها ويرغبوا فى النعيم المقيم فى داره وجواره، فساقهم إلى ذلك بسياط ~~الابتلاء والامتحان، فمنعهم ليعطيهم، وابتلاهم ليعافيهم، وأماتهم ليحييهم. # ومن رحمته بهم: أن حذرهم نفسه، لئلا يغتروا به، فيعاملوه بما لا تحسن ~~معاملته به كما قال تعالى: # {ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد} [آل عمران: 30] . # قال غير واحد من السلف: من رأفته بالعباد: حذرهم من نفسه، لئلا يغتروا ~~به. # فصل # ولما كان تمام النعمة على العبد إنما هو بالهدى والرحمة، كان لهما ضدان: ~~الضلال والغضب. # فأمرنا الله سبحانه أن نسأله كل يوم وليلة مرات عديدة أن يهدينا صراط ~~الذين أنعم عليهم، وهم أولو الهدى والرحمة، يجنبنا طريق المغضوب عليهم، وهم ~~ضد المرحومين وطريق الضالين وهم ضد المهتدين، ولهذا كان هذا الدعاء من أجمع ~~الدعاء، وأفضله وأوجبه، وبالله التوفيق. # PageV02P175 # فصل # إذا كان كل عمل فأصله المحبة والإرادة، والمقصود به التنعم بالمراد ~~المحبوب، فكل حى إنما يعمل لما فيه تنعمه ولذته. فالتنعم هو المقصود الأول ~~من كل قصد وكل حركة، كما أن العذاب والتألم هو المكروه المقصود أولا بكل ~~بغض وكل امتناع وكف، ولكن وقع الجهل والظلم من بنى آدم بمعنيين: بالدين ~~الفاسد، والدنيا الفاجرة، طلبوا بهما النعيم وفى الحقيقة فإنما فيهما ضده. ~~ففاتهم النعيم من حيث طلبوه، وآثروه، ms492 ووقعوا فى الألم والعذاب من حيث هربوا ~~منه. # وبيان ذلك: أن الأعمال التى يعملها جميع بنى آدم إما أن يتخذوها دينا أو ~~لا يتخذوها دينا. # والذين يتخذونها دينا إما أن يكون الدين بها دين حق، وإما أن يكون دينا ~~باطلا. # فنقول: النعيم التام: هو فى الدين الحق علما وعملا. فأهله هم أصحاب ~~النعيم الكامل. كما أخبر الله تعالى بذلك فى كتابه فى غير موضع، كقوله: # {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين} [الفاتحة:6-7] . # وقوله عن المتقين المهتدين بالكتاب: {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون} [البقرة: 5] وقوله {فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ~~ولا يشقى} [طه: 123] وفى الآية الأخرى {فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون} [البقرة: 38] ، وقوله: {إن الأبرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم} ~~[الانفطار: 13-14] . # فوعد أهل الهدى والعمل الصالح بالنعيم التام فى الدار الآخرة، ووعيد أهل ~~الضلال والفجور بالشقاء فى الدار الآخرة مما اتفقت عليه الرسل، من أولهم ~~إلى آخرهم، وتضمنته الكتب. # ولكن نذكر هاهنا نكتة نافعة. وهى: أن الإنسان قد يسمع ويرى ما يصيب كثيرا ~~من أهل الإيمان فى الدنيا من المصائب، وما ينال كثيرا من الكفار والفجار ~~والظلمة فى الدنيا من الرياسة والمال، وغير ذلك، فيعتقد أن النعيم فى ~~الدنيا لا يكون إلا للكفار والفجار، وأن المؤمنين حظهم من النعيم فى الدنيا ~~قليل، وكذلك قد يعتقد أن العزة والنصرة فى الدنيا قد تستقر للكفار ~~والمنافقين على المؤمنين. فإذا سمع فى القرآن قوله تعالى: # {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون: 8] # PageV02P176 # وقوله {وإن جندنا لهم الغالبون} [الصافات: 173] وقوله {كتب الله لأغلبن ~~أنا ورسلى} [المجادلة: 21] وقوله {والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 128، القصص: ~~83] . # ونحو هذه الآيات، وهو ممن يصدق بالقرآن، حمل ذلك على أن حصوله فى الدار ~~الآخرة فقط وقال: أما الدنيا فإنا نرى الكفار والمنافقين يغلبون فيها ~~ويظهرون، ويكون لهم النصر والظفر. والقرآن لا يرد بخلاف الحس، ويعتمد على ~~هذا الظن إذا أديل عليه عدو من جنس الكفار والمنافقين، ms493 أو الفجرة الظالمين: ~~وهو عند نفسه من أهل الإيمان والتقوى. فيرى أن صاحب الباطل قد علا على صاحب ~~الحق، فيقول: أنا على الحق. وأنا مغلوب: فصاحب الحق فى هذه الدنيا مغلوب ~~مقهور، والدولة فيها الباطل. # فإذا ذكر بما وعده الله تعالى من حسن العاقبة للمتقين والمؤمنين، قال: ~~هذا فى الآخرة فقط. # وإذا قيل له: كيف يفعل الله تعالى هذا بأوليائه وأحبائه، وأهل الحق؟ # فإن كان ممن لا يعلل أفعال الله تعالى بالحكم والمصالح، قال: يفعل الله ~~فى ملكه ما يشاء، ويحكم ما يريد: # {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 23] . # وإن كان ممن يعلل الأفعال، قال: فعل بهم هذا ليعرضهم بالصبر عليه لثواب ~~الآخرة وعلو الدرجات، وتوفية الأجر بغير حساب. # ولكل أحد مع نفسه فى هذا المقام مباحثات وإيرادات وإشكالات وأجوبة، بحسب ~~حاصله وبضاعته، من المعرفة بالله تعالى وأسمائه وصفاته وحكمته، والجهل ~~بذلك، فالقلوب تغلى بما فيها، كالقدر إذا استجمعت غليانا. # فلقد بلغنا وشاهدنا من كثير من هؤلاء من التظلم للرب تعالى واتهامه، ما ~~لا يصدر إلا من عدو، فكان الجهم يخرج بأصحابه، فيقفهم على الجذمى وأهل ~~البلاء، ويقول انظروا، أرحم الراحمين يفعل مثل هذا؟ إنكارا لرحمته، كما ~~أنكر حكمته. # فليس الله عند جهم وأتباعه حكيما ولا رحيما. # PageV02P177 # وقال آخر من كبار القوم: ما على الخلق أضر من الخالق. # وكان بعضهم يتمثل: # إذا كان هذا فعله محبة ... فما تراه فى أعاديه يصنع؟ # وأنت تشاهد كثيرا من الناس إذا أصابه نوع من البلاء يقول: يا ربى ما كان ~~ذنبى، حتى فعلت بى هذا؟ # وقال لى غير واحد: إذا تبت إليه وأنبت وعملت صالحا ضيق على رزقى، ونكد ~~على معيشتى، وإذا رجعت إلى معصيته، وأعطيت نفسى مرادها، جاءنى الرزق والعون ~~ونحو هذا. # فقلت لبعضهم: هذا امتحان منه، ليرى صدقك وصبرك، هل أنت صادق فى مجيئك ~~إليه وإقبالك عليه، فتصبر على بلائه، فتكون لك العاقبة، أم أنت كاذب فترجع ~~على عقبك؟. # وهذه الأقوال والظنون الكاذبة الحائدة عن الصواب مبنية على مقدمتين. # إحداهما: حسن ms494 ظن العبد بنفسه وبدينه، واعتقاده أنه قائم بما يجب عليه، ~~وتارك ما نهى عنه، واعتقاده فى خصمه وعدوه خلاف ذلك، وأنه تارك للمأمور، ~~مرتكب للمحظور، وأنه نفسه أولى بالله ورسوله ودينه منه. # والمقدمة الثانية: اعتقاده أن الله سبحانه وتعالى قد لا يؤيد صاحب الدين ~~الحق وينصره، وقد لا يجعل له العاقبة فى الدنيا بوجه من الوجوه، بل يعيش ~~عمره مظلوما مقهورا مستضاما، مع قيامه بما أمر به ظاهرا وباطنا، وانتهائه ~~عما نهى عنه باطنا وظاهرا، فهو عند نفسه قائم بشرائع الإسلام، وحقائق ~~الإيمان، وهو تحت قهر أهل الظلم، والفجور والعدوان. # فلا إله إلا الله، كم فسد بهذا الاغترار من عابد جاهل، ومتدين لا بصيرة ~~له، ومنتسب إلى العلم لا معرفة له بحقائق الدين. # PageV02P178 # فإنه من المعلوم: أن العبد وإن آمن بالآخرة فإنه طالب فى الدنيا لما لا ~~بد له منه: من جلب النفع، ودفع الضر، بما يعتقد أنه مستحب أو واجب أو مباح. ~~فإذا اعتقد أن الدين الحق واتباع الهدى، والاستقامة على التوحيد، ومتابعة ~~السنة ينافى ذلك. وأنه يعادى جميع أهل الأرض لما لا يقدر عليه من البلاء، ~~وفوات حظوظه ومنافعه العاجلة، لزم من ذلك إعراضه عن الرغبة فى كمال دينه، ~~وتجرده لله ورسوله، فيعرض قلبه عن حال السابقين المقربين، بل قد يعرض عن ~~حال المقتصدين أصحاب اليمين، بل قد يدخل مع الظالمين، بل مع المنافقين، وإن ~~لم يكن هذا فى أصل الدين كان فى كثير من فروعه وأعماله، كما قال النبى صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم: # "بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسى كافرا، ~~ويمسى كافرا ويصبح مؤمنا، يبيع دينه بعرض من الدنيا". # وذلك أنه إذا اعتقد أن الدين الكامل لا يحصل إلا بفساد دنياه، من حصول ~~ضرر لا يحتمله، وفوات منفعة لابد له منها، لم يقدم على احتمال هذا الضرر، ~~ولا تفويت تلك المنفعة. # فسبحان الله، كم صدت هذه الفتنة الكثير من الخلق، بل أكثرهم عن القيام ~~بحقيقة الدين. # وأصلها ناشئ من جهلين كبيرين: ms495 جهل بحقيقة الدين، وجهل بحقيقة النعيم الذى ~~هو غاية مطلوب النفوس، وكمالها، وبه ابتهاجها والتذاذها، فيتولد من بين ~~هذين الجهلين إعراضه عن القيام بحقيقة الدين، وعن طلب حقيقة النعيم. # ومعلوم أن كمال العبد هو بأن يكون عارفا بالنعيم الذى يطلبه، والعمل الذى ~~يوصل إليه، وأن يكون مع ذلك فيه إرادة جازمة لذلك العمل، ومحبة صادقة لذلك ~~النعيم، وإلا فالعلم بالمطلوب وطريقه لا يحصله إن لم يقترن بذلك العمل، ~~والإرادة الجازمة لا توجب وجود المراد إلا إذا لازمها الصبر. # PageV02P179 # فصارت سعادة العبد وكمال لذته ونعيمه موقوفا على هذه المقامات الخمسة ~~علمه بالنعيم المطلوب ومحبته له، وعلمه بالطريق الموصل إليه وعمله به، ~~وصبره على ذلك. # قال الله تعالى {والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر: 1-3] . # والمقصود: أن المقدمتين اللتين تثبت عليهما هذه الفتنة أصلهما الجهل بأمر ~~الله ودينه، وبوعده ووعيده. # فإن العبد إذا اعتقد أنه قائم بالدين الحق، فقد اعتقد أنه قد قام بفعل ~~المأمور باطنا وظاهرا، وترك المحظور باطنا وظاهرا، وهذا من جهله بالدين ~~الحق، وما لله عليه وما هو المراد منه، فهو جاهل بحق الله عليه، جاهل بما ~~معه من الدين قدرا ونوعا وصفة. # وإذا اعتقد أن صاحب الحق لا ينصره الله تعالى فى الدنيا والآخرة، بل قد ~~تكون العاقبة فى الدنيا للكفار والمنافقين على المؤمنين، وللفجار الظالمين، ~~على الأبرار المتقين، فهذا من جهله بوعد الله تعالى ووعيده. # فأما المقام الأول: فإن العبد كثيرا ما يترك واجبات لا يعلم بها، ولا ~~بوجوبها، فيكون مقصرا فى العلم، وكثيرا ما يتركها بعد العلم بها وبوجوبها، ~~إما كسلا وتهاونا، وإما لنوع تأويل باطل، أو تقليد، أو لظنه أنه مشتغل بما ~~هو أوجب منها، أو لغير ذلك، فواجبات القلوب أشد وجوبا من واجبات الأبدان، ~~وآكد منها، وكأنها ليست من واجبات الدين عند كثير من الناس، بل هى من باب ~~الفضائل والمستحبات. # فتراه يتحرج من ترك فرض أو من ترك واجب من واجبات البدن، وقد ترك ms496 ما هو ~~أهم من واجبات القلوب وأفرضها، ويتحرج من فعل أدنى المحرمات وقد ارتكب من ~~محرمات القلوب ما هو أشد تحريما وأعظم إثما. # بل ما أكثر من يتعبد لله عز وجل بترك ما أوجب عليه، فيتخلى وينقطع عن ~~الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، مع قدرته عليه، وبزعم أنه متقرب إلى الله ~~تعالى بذلك، مجتمع على ربه، تارك ما لا يعنيه، فهذا من أمقت الخلق إلى الله ~~تعالى، وأبغضهم له، مع # PageV02P180 # ظنه أنه قائم بحقائق الإيمان وشرائع الإسلام وأنه من خواص أوليائه وحزبه. # بل ما أكثر من يتعبد لله بما حرمه الله عليه، ويعتقد أنه طاعة وقربة، ~~وحاله فى ذلك شر من حال من يعتقد ذلك معصية وإثما، كأصحاب السماع الشعرى ~~الذى يتقربون به إلى الله تعالى، ويظنون أنهم من أولياء الرحمن، وهم فى ~~الحقيقة من أولياء الشيطان. # وما أكثر من يعتقد أنه هو المظلوم المحق من كل وجه، ولا يكون الأمر كذلك، ~~بل يكون معه نوع من الحق ونوع من الباطل والظلم، ومع خصمه نوع من الحق ~~والعدل، حبك الشيء يعمى ويصم. والإنسان مجبول على حب نفسه، فهو لا يرى إلا ~~محاسنها، ومبغض لخصمه، فهو لا يرى إلا مساوئه، بل قد يشتد به حبه لنفسه، ~~حتى يرى مساويها محاسن، كما قال تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا} ~~[فاطر: 8] . # ويشتد به بغض خصمه، حتى يرى محاسنه مساوئ، كما قيل: # نظروا بعين عداوة، ولو أنها ... عين الرضا، لاستحسنوا ما استقبحوا # وهذا الجهل مقرون بالهوى والظلم غالبا، فإن الإنسان ظلوم جهول. # وأكثر ديانات الخلق إنما هى عادات أخذوها عن آبائهم وأسلافهم، وقلدوهم ~~فيها: فى الإثبات والنفى، والحب والبغض، والموالاة والمعاداة. # والله سبحانه إنما ضمن نصر دينه وحزبه وأوليائه بدينه علما وعملا، لم ~~يضمن نصر الباطل، ولو اعتقد صاحبه أنه محق، وكذلك العزة والعلو إنما هما ~~لأهل الإيمان الذى بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو علم وعمل وحال، ~~قال تعالى: {وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139] . # فللعبد من العلو ms497 بحسب ما معه من الإيمان، وقال تعالى: {ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون: 8] . # فله من العزة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه، فإذا فاته حظ من العلو ~~والعزة، ففى مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان، علما وعملا ظاهرا وباطنا. # وكذلك الدفع عن العبد هو بحسب إيمانه، قال تعالى: {إن الله يدافع عن ~~الذين آمنوا} [الحج: 38] . # فإذا ضعف الدفع عنه فهو من نقص إيمانه. # PageV02P181 # وكذلك الكفاية والحسب هى بقدر الإيمان، قال تعالى: {يأيها النبى حسبك ~~الله ومن اتبعك من المؤمنين} [الأنفال: 64] . # أى الله حسبك وحسب أتباعك، أى كافيك وكافيهم، فكفايته لهم بحسب اتباعهم ~~لرسوله، وانقيادهم له، وطاعتهم له، فما نقص من الإيمان عاد بنقصان ذلك كله. # ومذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص. # وكذلك ولاية الله تعالى لعبده هى بحسب إيمانه قال تعالى: {والله ولى ~~المؤمنين} [آل عمران: 68] وقال الله تعالى: {الله ولى الذين آمنوا} ~~[البقرة: 257] . # وكذلك معيته الخاصة هى لأهل الإيمان، كما قال تعالى: {وأن الله مع ~~المؤمنين} [الأنفال: 19] . # فإذا نقص الإيمان وضعف، كان حظ العبد من ولاية الله له ومعيته الخاصة ~~بقدر حظه من الإيمان. # وكذلك النصر والتأييد الكامل. إنما هو لأهل الإيمان الكامل، قال تعالى: ~~{إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [غافر: ~~51] وقال {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} [الصف: 14] . # فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد، ولهذا إذا أصيب العبد ~~بمصيبة فى نفسه أو ماله، أو بإدالة عدوه عليه، فإنما هى بذنوبه، إما بترك ~~واجب، أو فعل محرم وهو من نقص إيمانه. # وبهذا يزول الإشكال الذى يورده كثير من الناس على قوله تعالى: {ولن يجعل ~~الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} [النساء: 141] . # ويجيب عنه كثير منهم بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلا فى الآخرة، ويجيب ~~آخرون بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلا فى الحجة. # والتحقيق: أنها مثل هذه الآيات، وأن انتفاء السبيل عن أهل الإيمان ~~الكامل، فإذا ضعف الإيمان صار لعدوهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من ~~إيمانهم، فهم جعلوا ms498 لهم عليهم السبيل بما تركوا من طاعة الله تعالى. ~~فالمؤمن عزيز غالب مؤيد منصور، مكفى، مدفوع عنه بالذات أين كان، ولو اجتمع ~~عليه من بأقطارها، إذا قام بحقيقة # PageV02P182 # الإيمان وواجباته، ظاهرا وباطنا. وقد قال تعالى للمؤمنين: {ولا تهنوا ولا ~~تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139] وقال تعالى {فلا ~~تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم} ~~[محمد: 35] . # فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم، التى هى جند من جنود الله، ~~يحفظهم بها، ولا يفردها عنهم ويقتطعها عنهم، فيبطلها عليهم، كما يتر ~~الكافرين والمنافقين أعمالهم إذ كانت لغيره ولم تكن موافقة لأمره. # فصل # وأما المقام الثانى الذى وقع فيه الغلط، فكثير من الناس يظن أن أهل الدين ~~الحق فى يكونون الدنيا أذلاء مقهورين مغلوبين دائما، بخلاف من فارقهم إلى ~~سبيل أخرى وطاعة أخرى، فلا يثق بوعد الله بنصر دينه وعباده، بل إما أن يجعل ~~ذلك خاصا بطائفة دون طائفة، أو بزمان دون زمان أو يجعله معلقا بالمشيئة، ~~وإن لم يصرح بها. # وهذا من عدم الوثوق بوعد الله تعالى، ومن سوء الفهم فى كتابه. # والله سبحانه قد بين فى كتابه أنه ناصر المؤمنين فى الدنيا والآخرة. # قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد} [غافر: 51] . # وقال تعالى: {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم ~~الغالبون} [المائدة: 56] . # وقال تعالى: {إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك فى الأذلين * كتب الله ~~لأغلبن أنا ورسلي} [المجادلة: 20- 21] وهذا كثير فى القرآن. # وقد بين سبحانه فيه أن ما أصاب العبد من مصيبة، أو إدالة عدو، أو كسر، ~~وغير ذلك فبذنوبه. # فبين سبحانه فى كتابه كلا المقدمتين، فإذا جمعت بينهما تبين لك حقيقة ~~الأمر، وزال الإشكال بالكلية، واستغنيت عن تلك التكليفات الباردة، ~~والتأويلات البعيدة. # فقرر سبحانه المقام الأول بوجوه من التقرير: منها ما تقدم. # PageV02P183 # ومنها: أنه ذم من يطلب النصر والعزة من غير المؤمنين، كقوله: # {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض ~~ومن ms499 يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم الظالمين فترى الذين فى ~~قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة، فعسى الله أن يأتى ~~بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا فى أنفسهم نادمين ويقول الذين ~~آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم ~~فأصبحوا خاسرين يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل ~~الله ولا يخافون لومة لائم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم ~~إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} ~~[المائدة: 51 - 56] . # فأنكر على من طلب النصر من غير حزبه، وأخبر أن حزبه هم الغالبون. # ونظير هذا قوله: {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون عندهم العزة؟ فإن العزة لله ~~جميعا} [النساء: 138 - 139] . # وقال تعالى: {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله ~~العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يعلمون} [المنافقون: 8] . # وقال تعالى: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] . # أى من كان يريد العزة فليطلبها بطاعة الله من الكلم الطيب والعمل الصالح. # وقال تعالى: {هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} ~~[التوبة: 33، الفتح: 29، الصف: 9] . # PageV02P184 # وقال: {يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون ~~بالله ورسوله وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار ومساكن طيبة فى ~~جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر ~~المؤمنين} [الصف: 10 - 13] أى ويعطيكم أخرى فوق مغفرة الذنوب ودخول الجنة، ~~وهى النصر والفتح {يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن ~~مريم للحواريين من أنصارى ms500 إلى الله، قال الحواريون نحن أنصار الله، فآمنت ~~طائفة من بنى إسرائيل وكفرت طائفة، فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ~~ظاهرين} [الصف: 14] . # وقال تعالى للمسيح: {إنى متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل ~~الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} [آل عمران: 55] . # فلما كان للنصارى نصيب ما من اتباعه كانوا فوق اليهود إلى يوم القيامة، ~~ولما كان المسلمون أتبع له من النصارى كانوا فوق النصارى إلى يوم القيامة. # وقال تعالى للمؤمنين: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون ~~وليا ولا نصيرا سنة الله التى قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} ~~[الفتح: 22- 23] . # فهذا خطاب للمؤمنين الذين قاموا بحقائق الإيمان ظاهرا وباطنا. # وقال تعالى: {والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 128] وقال: {والعاقبة للتقوى} ~~[طه: 132] . # والمراد: العاقبة فى الدنيا قبل الآخرة، لأنه ذكر ذلك عقيب قصة نوح، ~~ونصره وصبره على قومه. فقال تعالى: # {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ~~فاصبر إن العاقبة للمتقين} [هود: 49] . # أى عاقبة النصر لك ولمن معك، كما كانت لنوح عليه السلام ومن آمن معه. # وكذلك قوله: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك ~~والعاقبة للتقوى} [طه: 132] . # وقال تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} [آل عمران: 120] . # PageV02P185 # وقال: {بلى إن تصبروا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من ~~الملائكة مسومين} [آل عمران: 125] . # وقال تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام أنه نصر بتقواه وصبره، فقال: # {أنا يوسف وهذا أخى قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين} [يوسف: 90] {يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم ~~فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم} [الأنفال: 29] . # والفرقان: هو العز والنصر، والنجاة والنور الذى يفرق بين الحق والباطل. # وقال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن ~~يتوكل على الله فهو حسب إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدرا} ~~[الطلاق: 2- 3] . # وقد روى ابن ماجه ms501 وابن أبى الدنيا عن أبى ذر رضى الله عنه عن النبى صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لو عمل الناس كلهم بهذه الآية لوسعتهم" ~~فهذا فى المقام الأول. # وأما المقام الثانى: فقال تعالى فى قصة أحد: {أولما أصابتكم مصيبة قد ~~أصبتم مثليها قلتم أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم} [آل عمران: 165] . # وقال تعالى: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم ~~الشيطان ببعض ما كسبوا} [آل عمران: 155] . # وقال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير} ~~[الشورى: 30] . # وقال: {ظهر الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض الذى ~~عملوا لعلهم يرجعون} [الروم: 41] . # وقال: {وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة # PageV02P186 # بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور} [الشورى: 48] . # وقال: {وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ~~إذا هم يقنطون} [الروم: 36] . # وقال: {أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير} [الشورى: 34] . # وقال: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: ~~79] . # ولهذا أمر الله سبحانه رسوله والمؤمنين باتباع ما أنزل إليهم، وهو طاعته، ~~وهو المقدمة الأولى، وأمر بانتظار وعده، وهو المقدمة الثانية، وأمر ~~بالاستغفار والصبر لأن العبد لا بد أن يحصل له نوع تقصير وسرف يزيله ~~الاستغفار، ولا بد فى انتظار الوعد من الصبر، فبالاستغفار تتم الطاعة. ~~وبالصبر يتم اليقين بالوعد. وقد جمع الله سبحانه بينهما فى قوله: # {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشى والإبكار} ~~[غافر: 55] . # وقد ذكر الله سبحانه فى كتابه قصص الأنبياء وأتباعهم، وكيف نجاهم بالصبر ~~والطاعة، ثم قال: # {لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب} [يوسف: 111] . # فصل # وتمام الكلام فى هذا المقام العظيم يتبين بأصول نافعة جامعة. # الأول: أن ما يصيب المؤمنين من الشرور والمحن والأذى دون ما يصيب الكفار. ~~والواقع شاهد بذلك. وكذلك ما يصيب الأبرار فى هذه الدنيا دون ما يصيب ~~الفجار والفساق والظلمة بكثير. # الأصل الثانى: أن ما يصيب المؤمنين فى ms502 الله تعالى مقرون بالرضا ~~والاحتساب، فإن فاتهم الرضا فمعولهم على الصبر، وعلى الاحتساب، وذلك يخفف ~~عنهم ثقل البلاء، ومؤنته، فإنهم كلما شاهدوا العوض هان عليهم تحمل المشاق ~~والبلاء والكفار لا رضا عندهم ولا احتساب، وإن صبروا فكصبر البهائم، وقد ~~نبه تعالى على ذلك بقوله: # {ولا # PageV02P187 # تهنوا فى ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون ~~من الله مالا يرجون} [النساء: 104] . # فاشتركوا فى الألم، وامتاز المؤمنون برجاء الأجر والزلفى من الله تعالى. # الأصل الثالث: أن المؤمن إذا أوذى فى الله فإنه محمول عنه بحسب طاعته ~~وإخلاصه ووجود حقائق الإيمان فى قلبه، حتى يحمل عنه من الأذى ما لو كان شيء ~~منه على غيره لعجز عن حمله، وهذا من دفع الله عن عبده المؤمن، فإنه يدفع ~~عنه كثيرا من البلاء، وإذا كان لابد له من شيء منه دفع عنه ثقله ومؤنته ~~ومشقته وتبعته. # الأصل الرابع: أن المحبة كلما تمكنت فى القلب ورسخت فيه، كان أذى المحب ~~فى رضى محبوبه مستحلى غير مسخوط، والمحبون يفتخرون عند أحبابهم بذلك، حتى ~~قال قائلهم: # لئن ساءنى أن نلتنى بمساءة ... لقد سرنى أنى خطرت ببالك # فما الظن بمحبة المحبوب الأعلى، الذى ابتلاؤه لحبيبه رحمة منه له وإحسان ~~إليه. # الأصل الخامس: أن ما يصيب الكافر والفاجر والمنافق من العز والنصر والجاه ~~دون ما يحصل للمؤمنين بكثير، بل باطن ذلك ذل وكسر وهوان، وإن كان فى الظاهر ~~بخلافه. # الأصل السادس: أن ابتلاء المؤمن كالدواء له يستخرج منه الأدواء التى لو ~~بقيت فيه أهلكته، أو نقصت ثوابه، وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاء والامتحان ~~منه تلك الأدواء ويستعد به لتمام الأجر، وعلو المنزلة، ومعلوم أن وجود هذا ~~خير للمؤمن من عدمه، كما # PageV02P188 # قال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "والذى نفسى بيده لا يقضى الله ~~للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر ~~فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له". # فهذا الابتلاء والامتحان من تمام نصره وعزه وعافيته، ولهذا كان ms503 أشد الناس ~~بلاء الأنبياء، ثم الأقرب إليهم فالأقرب، يبتلى المرء حسب دينه، فإن كان فى ~~دينه صلابة شدد عليه البلاء، وإن كان فى دينه رقة خفف عنه، ولا يزال البلاء ~~بالمؤمن حتى يمشى على وجه الأرض وليس عليه خطيئة. # الأصل السابع: أن ما يصيب المؤمن فى هذه الدار من إدالة عدوه عليه، ~~وغلبته له، وأذاه له فى بعض الأحيان: أمر لازم، لابد منه، وهو كالحر ~~الشديد، والبرد الشديد، والأمراض والهموم والغموم، فهذا أمر لازم للطبيعة ~~والنشأة الإنسانية فى هذه الدار، حتى للأطفال والبهائم، لما اقتضته حكمة ~~أحكم الحاكمين، فلو تجرد الخير فى هذا العالم عن الشر، والنفع عن الضر، ~~واللذة عن الألم، لكان ذلك عالما غير هذا، ونشأة أخرى غير هذه النشأة، ~~وكانت تفوت الحكمة التى مزج لأجلها بين الخير والشر، والألم واللذة، ~~والنافع والضار، وإنما يكون تخليص هذا من هذا، وتمييزه فى دار أخرى، غير ~~هذه الدار، كما قال تعالى: # {ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا ~~فيجعله فى جهنم أولئك هم الخاسرون} [الأنفال: 37] . # الأصل الثامن: أن ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم، وقهرهم، وكسرهم لهم ~~أحيانا فيه حكمة عظيمة، لا يعلمها على التفصيل إلا الله عز وجل. # فمنها: استخراج عبوديتهم وذلهم لله، وانكسارهم له، وافتقارهم إليه، ~~وسؤالهم نصرهم على أعدائهم، ولو كانوا دائما منصورين قاهرين غالبين لبطروا ~~وأشروا: ولو كانوا دائما مقهورين مغلوبين منصورا عليهم عدوهم لما قامت ~~للدين قائمة، ولا كانت للحق دولة # PageV02P189 # فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن صرفهم بين غلبهم تارة، وكونهم مغلوبين ~~تارة، فإذا غلبوا تضرعوا إلى ربهم، وأنابوا إليه، وخضعوا له، وانكسروا له ~~وتابوا إليه، وإذا غلبوا أقاموا دينه وشعائره، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن ~~المنكر، وجاهدوا عدوه، ونصروا أو لياءه. # ومنها: أنهم لو كانوا دائما منصورين، غالبين قاهرين، لدخل معهم من ليس ~~قصده الدين، ومتابعة الرسول. فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة، ولو ~~كانوا مقهورين مغلوبين دائما لم يدخل معهم أحد. فاقتضت الحكمة الإلهية أن ~~كانت لهم الدولة ms504 تارة وعليهم تارة. فيتميز بذلك بين من يريد الله ورسوله، ~~ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه. # ومنها: أنه سبحانه يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء، وفى ~~حال العافية والبلاء، وفى حال إدالتهم والإدالة عليهم. فلله سبحانه على ~~العباد فى كلتا الحالين عبودية بمقتضى تلك الحال لا تحصل إلا بها، ولا ~~يستقيم القلب بدونها، كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد، والجوع ~~والعطش والنصب، وأضدادها. فتلك المحن والبلايا شرط فى حصول الكمال الإنسانى ~~والاستقامة المطلوبة منه، ووجود الملزوم بدون لازمة ممتنع. # ومنها: أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم، ويخلصهم، ويهذبهم كما قال ~~تعالى فى حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أحد: # {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد ~~مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ~~ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق ~~الكافرين أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ~~وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين} [آل ~~عمران: 139 - 144] . # PageV02P190 # فذكر سبحانه أنواعا من الحكم التى لأجلها أديل عليهم الكفار، بعد أن ~~ثبتهم وقواهم وبشرهم بأنهم الأعلون بما أعطوه من الإيمان، وسلاهم بأنهم وإن ~~مسهم القرح فى طاعته وطاعة رسوله فقد مس أعداءهم القرح فى عداوته وعداوة ~~رسوله. # ثم أخبرهم أنه سبحانه بحكمته يجعل الأيام دولا بين الناس، فيصيب كلا منهم ~~نصيبه منها، كالأرزاق والآجال. # ثم أخبرهم أنه فعل ذلك ليعلم المؤمنين منهم، وهو سبحانه بكل شيء عليم قبل ~~كونه وبعد كونه، ولكنه أراد أن يعلمهم موجودين مشاهدين، فيعلم إيمانهم ~~واقعا. # ثم أخبر أنه يحب أن يتخذ منهم شهداء، فإن الشهادة درجة عالية عنده، ~~ومنزلة رفيعة لا تنال إلا بالقتل فى سبيله، فلولا ms505 إدالة العدو لم تحصل درجة ~~الشهادة التى هى من أحب الأشياء إليه، وأنفعها للعبد. # ثم أخبر سبحانه أنه يريد تمحيص المؤمنين: أى تخليصهم من ذنوبهم بالتوبة ~~والرجوع إليه واستغفاره من الذنوب التى أديل بها عليهم العدو، وأنه مع ذلك ~~يريد أن يمحق الكافرين ببغيهم وطغيانهم، وعدوانهم إذا انتصروا. # ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم دخول الجنة بغير جهاد ولا صبر. وأن حكمته ~~تأبى ذلك فلا يدخلونها إلا بالجهاد والصبر، ولو كانوا دائما منصورين غالبين ~~لما جاهدهم أحد ولما ابتلوا بما يصبرون عليه من أذى أعدائهم فهذا بعض حكمه ~~فى نصر عدوهم عليهم، وإدالته فى بعض الأحيان. # الأصل التاسع: أنه سبحانه وتعالى إنما خلق السماوات والأرض وخلق الموت ~~والحياة وزين الأرض بما عليها لابتلاء عباده، وامتحانهم، ليعلم من يريده ~~ويريد ما عنده ممن يريد الدنيا وزينتها. # قال تعالى: {وهو الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام وكان عرشه عل الماء ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [هود: 7] . # PageV02P191 # وقال {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا} ~~[الكهف:7] . # وقال {الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [الملك: 2] . # وقال تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} [الأنبياء: 35] . # وقال تعالى {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} ~~[محمد: 31] . # وقال تعالى {الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ~~ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} ~~[العنكبوت: 1-3] . # فالناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنت، أولا ~~يؤمن، بل يستمر على السيئات والكفر، ولابد من امتحان هذا وهذا. # فأما من قال: آمنت فلا بد أن يمتحنه الرب ويبتليه، ليتبين: هل هو صادق فى ~~قوله، آمنت، أو كاذب؟ فإن كان كاذبا رجع على عقبيه، وفر من الامتحان، كما ~~يفر من عذاب الله، وإن كان صادقا ثبت على قوله، ولم يزده الابتلاء ~~والامتحان إلا إيمانا على إيمانه. # قال تعالى {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ~~وصدق الله ورسوله وما زادهم ms506 إلا إيمانا وتسليما} [الأحزاب: 22] . # وأما من لم يؤمن، فإنه يمتحن فى الآخرة بالعذاب، ويفتن به، وهى أعظم ~~المحنتين، هذا إن سلم من امتحانه بعذاب الدنيا ومصائبها، وعقوبتها التى ~~أوقعها الله بمن لم يتبع رسله وعصاهم، فلا بد من المحنة فى هذه الدار وفى ~~البرزخ، وفى القيامة لكل أحد، ولكن المؤمن أخف محنة وأسهل بلية. فإن الله ~~يدفع عنه بالإيمان، ويحمل عنه به ويرزقه من الصبر والثبات والرضى والتسليم ~~ما يهون به عليه محنته. وأما الكافر والمنافق والفاجر، فتشتد محنته # PageV02P192 # وبليته وتدوم، فمحنة المؤمن خفيفة منقطعة، ومحنة الكافر والمنافق والفاجر ~~شديدة متصلة. # فلا بد من حصول الألم والمحنة لكل نفس آمنت أو كفرت، لكن المؤمن يحصل له ~~الألم فى الدنيا ابتداء، ثم تكون له عاقبة الدنيا والآخرة، والكافر ~~والمنافق والفاجر، تحصل له اللذة والنعيم ابتداء، ثم يصير إلى الألم، فلا ~~يطمع أحد أن يخلص من المحبة والألم البتة، يوضحه: # الأصل العاشر: وهو أن الإنسان مدنى بالطبع، لا بد له أن يعيش مع الناس، ~~والناس لهم إرادات وتصورات، واعتقادات، فيطلبون منه أن يوافقهم عليها، فإن ~~لم يوافقهم آذوه وعذبوه، وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب من وجه آخر، فلا ~~بد له من الناس ومخالطتهم، ولا ينفك عن موافقتهم أو مخالفتهم. وفى الموافقة ~~ألم وعذاب، إذا كانت على باطل، وفى المخالفة ألم وعذاب، إذا لم يوافق ~~أهواءهم واعتقاداتهم، وإراداتهم ولا ريب أن ألم المخالفة لهم فى باطلهم ~~أسهل من الألم المترتب على موافقتهم. # واعتبر هذا بمن يطلبون منه الموافقة على ظلم أو فاحشة أو شهادة زور، أو ~~المعاونة على محرم. فإن لم يوافقهم آذوه وظلموه وعادوه، ولكن له العاقبة ~~والنصرة عليهم إن صبر واتقى، وإن وافقهم فرارا من ألم المخالفة أعقبه ذلك ~~من الألم أعظم مما فر منه، والغالب أنهم يسلطون عليه، فيناله من الألم منهم ~~أضعاف ما ناله من اللذة أولا بموافقتهم. # فمعرفة هذا ومراعاته من أنفع ما للعبد، فألم يسير يعقب لذة عظيمة دائمة ~~أولى بالاحتمال من لذة يسيرة تعقب ألما ms507 عظيما دائما، والتوفيق بيد الله. # الأصل الحادى عشر: أن البلاء الذى يصيب العبد فى الله لا يخرج عن أربعة ~~أقسام. فإنه إما أن يكون فى نفسه، أو فى ماله، أو فى عرضه أو فى أهله ومن ~~يحب. # والذى فى نفسه قد يكون بتلفها تارة، وبتألمها بدون التلف، فهذا مجموع ما ~~يبتلى به العبد فى الله. # PageV02P193 # وأشد هذه الأقسام: المصيبة فى النفس. # ومن المعلوم أن الخلق كلهم يموتون، وغاية هذا المؤمن أن يستشهد فى الله، ~~وتلك أشرف الموتات وأسهلها، فإنه لا يجد الشهيد من الألم إلا مثل ألم ~~القرصة، فليس فى قتل الشهيد مصيبة زائدة على ما هو معتاد لبنى آدم. فمن عد ~~مصيبة هذا القتل أعظم من مصيبة الموت على الفراش فهو جاهل، بل موت الشهيد ~~من أيسر الميتات وأفضلها وأعلاها ولكن الفار يظن أنه بفراره يطول عمره، ~~فيتمتع بالعيش، وقد أكذب الله سبحانه هذا الظن، حيث يقول: # {قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا ~~قليلا} [الأحزاب: 16] . # فأخبر الله أن الفرار من الموت بالشهادة لا ينفع، فلا فائدة فيه، وأنه لو ~~نفع لم ينفع إلا قليلا، إذ لابد له من الموت، فيفوته بهذا القليل ما هو خير ~~منه وأنفع من حياة الشهيد عند ربه. # ثم قال: {من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة؟ ~~ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا} [الأحزاب: 17] . # فأخبر سبحانه أن العبد لا يعصمه أحد من الله، إن أراد به سوءا غير الموت ~~الذى فر منه، فإنه من الموت لما كان يسوءه، فأخبر الله سبحانه أنه لو أراد ~~به سوءا غيره لم يعصمه أحد من الله، وأنه قد يفر مما يسوءه من القتل فى ~~سبيل الله، فيقع فيما يسوءه مما هو أعظم منه. # وإذا كان هذا فى مصيبة النفس، فالأمر هكذا فى مصيبة المال والعرض والبدن، ~~فإن من بخل بماله أن ينفقه فى سبيل الله تعالى وإعلاء كلمته، سلبه الله ~~إياه، ms508 أو قيض له إنفاقه فيما لا ينفعه دنيا ولا أخرى، بل فيما يعود عليه ~~بمضرته عاجلا وآجلا، وإن حبسه وادخره منعه التمتع به، ونقله إلى غيره. ~~فيكون له مهنؤه وعلى مخلفه وزوه. وكذلك من رفه بدنه وعرضه وآثر راحته على ~~التعب لله وفى سبيله أتعبه الله سبحانه أضعاف ذلك فى غير سبيله، ومرضاته ~~وهذا أمر يعرفه الناس بالتجارب. # PageV02P194 # قال أبو حازم: "لما يلقى الذى لا يتقى الله معالجة الخلق أعظم مما يلقى ~~الذى يتقى الله من معالجة التقوى". # واعتبر ذلك بحال إبليس. فإنه امتنع من السجود لآدم فرارا أن يخضع له ~~ويذل، وطلب إعزاز نفسه، فصيره الله أذل الأذلين، وجعله خادما لأهل الفسوق ~~والفجور من ذريته فلم يرض بالسجود له، ورضى أن يخدم هو وبنوه فساق ذريته. # وكذلك عباد الأصنام، أنفوا أن يتبعوا رسولا من البشر، وأن يعبدوا إلها ~~واحدا سبحانه، ورضوا أن يعبدوا آلهة من الأحجار. # وكذلك كل من امتنع أن يذل لله، أو يذل ماله فى مرضاته، أو يتعب نفسه ~~وبدنه فى طاعته ومرضاته عقوبة له، كما قال بعض السلف: "من امتنع أن يمشى مع ~~أخيه خطوات فى حاجته أمشاه الله تعالى أكثر منها فى غير طاعته". # فصل # فى خاتمة لهذا الباب، هى الغاية المطلوبة، وجميع ما تقدم كالوسيلة إليها. # وهى: أن محبة الله سبحانه، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والرضى به وعنه: ~~أصل الدين وأصل أعماله وإرادته، كما أن معرفته والعلم بأسمائه وصفاته ~~وأفعاله أجل علوم الدين كلها. فمعرفته أجل المعارف، وإرادة وجهة أجل ~~المقاصد، وعبادته أشرف الأعمال، والثناء عليه بأسمائه وصفاته ومدحه وتمجيده ~~أشرف الأقوال، وذلك أساس الحنيفية ملة إبراهيم. # وقد قال تعالى لرسوله: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما ~~كان من المشركين} [النحل: 123] . # PageV02P195 # وكان النبى صلى الله عليه وآله وسلم يوصى أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا ~~"أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا ~~إبراهيم، حنيفا مسلما، وما كان من المشركين". # وذلك هو حقيقة شهادة أن لا إله إلا ms509 الله، وعليها قام دين الإسلام الذى هو ~~دين جميع الأنبياء والمرسلين، وليس لله دين سواه ولا يقبل من أحد دينا ~~غيره. # {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين} [آل ~~عمران: 85] . # فمحبته تعالى، بل كونه أحب إلى العبد من كل ما سواه على الإطلاق، من أعظم ~~واجبات الدين، وأكبر أصوله، وأجل قواعده، ومن أحب معه مخلوقا مثل ما يحبه ~~فهو من الشرك الذى لا يغفر لصاحبه، ولا يقبل معه عمل. # قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله، ~~والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165] . # وإذا كان العبد لا يكون من أهل الإيمان حتى يكون عبد الله ورسوله أحب ~~إليه من نفسه وأهله وولده ووالده والناس أجمعين، ومحبته تبع لمحبة الله، ~~فما الظن بمحبته سبحانه؟ وهو سبحانه لم يخلق الجن والإنس إلا لعبادته، التى ~~تتضمن كمال تعظيمه والذل له، ولأجل ذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه، وشرع ~~شرائعه. وعلى ذلك وضع الثواب والعقاب، وأسست الجنة والنار، وانقسم الناس ~~إلى شقى وسعيد، وكما أنه سبحانه ليس كمثله شيء، فليس كمحبته وإجلاله محبة ~~وإجلال ومخافة. # فالمخلوق كلما خفته استوحشت منه، وهربت منه. والله سبحانه كلما خفته أنست ~~به وفررت إليه. والمخلوق يخاف ظلمه، وعدوانه، والرب سبحانه إنما يخاف عدله ~~وقسطه. # وكذلك المحبة. فإن محبة المخلوق إذا لم تكن لله فهى عذاب للمحب ووبال ~~عليه. # PageV02P196 # وما يحصل له بها من التألم أعظم مما يحصل له من اللذة. وكلما كانت أبعد ~~عن الله كان ألمها وعذابها أعظم. # هذا إلى ما فى محبته من الإعراض عنك، والتجنى عليك، وعدم الوفاء لك، إما ~~لمزاحمة غيرك من المحبين له، وإما لكراهته ومعاداته لك، وإما لاشتغاله عنك ~~بمصالحه وما هو أحب إليه منك، وإما لغير ذلك من الآفات. # وأما محبة الرب سبحانه فشأنها غير هذا الشأن، فإنه لا شيء أحب إلى القلوب ~~من خالقها وفاطرها، فهو إلهها ومعبودها، ووليها ومولاها، وربها ومدبرها ~~ورازقها، ومميتها ومحييها. فمحبة نعيم النفوس، وحياة الأرواح، ms510 وسرور ~~النفوس، وقوت القلوب، ونور العقول، وقرة العيون، وعمارة الباطن. فليس عند ~~القلوب السليمة والأرواح الطيبة، والعقول الزاكية أحلى، ولا ألذ، ولا أطيب، ~~ولا أسر، ولا أنعم من محبته والأنس به، والشوق إلى لقائه، والحلاوة التى ~~يجدها المؤمن فى قلبه بذلك فوق كل حلاوة، والنعيم الذى يحصل له بذلك أتم من ~~كل نعيم، واللذة التى تناله أعلى من كل لذة. كما أخبر بعض الواجدين عن حاله ~~بقوله "إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة فى مثل هذا، ~~إنهم لفى عيش طيب". # وقال آخر: "إنه ليمر بالقلب أوقات يهتز فيها طربا بأنسه بالله وحبه له". # وقال آخر: "مساكين أهل الغفلة، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها". # وقال آخر: "لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه ~~بالسيوف". # ووجدان هذه الأمور وذوقها هو بحسب قوة المحبة وضعفها، وبحسب إدراك جمال ~~المحبوب والقرب منه، وكلما كانت المحبة أكمل، وإدراك المحبوب أتم، والقرب ~~منه أوفر، كانت الحلاوة واللذة والسرور والنعيم أقوى. # فمن كان بالله سبحانه وأسمائه وصفاته أعرف، وفيه أرغب، وله أحب، وإليه ~~أقرب # PageV02P197 # وجد من هذه الحلاوة فى قلبه ما لا يمكن التعبير عنه، ولا يعرف إلا بالذوق ~~والوجد، ومتى ذاق القلب ذلك لم يمكنه أن يقدم عليه حبا لغيره، ولا أنسابه، ~~وكلما ازداد له حبا ازداد له عبودية وذلا، وخضوعا ورقا له، وحرية عن رق ~~غيره. # فالقلب لا يفلح ولا يصلح ولا يتنعم ولا يبتهج ولا يلتذ ولا يطمئن ولا ~~يسكن، إلا بعبادة ربه وحبه، والإنابة إليه، ولو حصل له جميع ما يلتذ به من ~~المخلوقات لم يطمئن إليها، ولم يسكن إليها، بل لا تزيده إلا فاقة وقلقا، ~~حتى يظفر بما خلق له، وهيئ له: من كون الله وحده نهاية مراده، وغاية ~~مطالبه. فإن فيه فقرا ذاتيا إلى ربه وإلهه، من حيث هو معبوده ومحبوبه وإلهه ~~ومطلوبه، كما أن فيه فقرا ذاتيا إليه من حيث هو ربه وخالقه ورازقه ومدبره. ~~وكلما تمكنت محبة الله من ms511 القلب وقويت فيه أخرجت منه تألهه لما سواه ~~وعبودبته له. # فأصبح حرا عزة وصيانة ... على وجهه أنواره وضياؤه # وما من مؤمن إلا وفى قلبه محبة لله تعالى. وطمأنينة بذكره، وتنعم ~~بمعرفته، ولذة وسرور بذكره، وشوق إلى لقائه، وأنس بقربه، وإن لم يحسن به، ~~لاشتغال قلبه بغيره، وانصرافه إلى ما هو مشغول به، فوجود الشيء غير الإحساس ~~والشعور به. # وقوة ذلك وضعفه وزيادته ونقصانه: هو بحسب قوة الإيمان وضعفه وزيادته ~~ونقصانه. # ومتى لم يكن الله وحده غاية مراد العبد ونهاية مقصوده، وهو المحبوب ~~المراد له بالذات والقصد الأول، وكل ما سواه فإنما يحبه ويريده ويطلبه تبعا ~~لأجله، لم يكن قد حقق شهادة أن لا إله إلا الله، وكان فيه من النقص والعيب ~~والشرك بقدره، وله من موجبات ذلك من الألم والحسرة والعذاب بحسب ما فاته من ~~ذلك. # ولو سعى فى هذا المطلوب بكل طريق، واستفتح من كل باب، ولم يكن مستعينا ~~بالله، متوكلا عليه، مفتقرا إليه فى حصوله، متيقنا أنه إنما يحصل بتوفيقه ~~ومشيئته، وإعانته، لا طريق له سوى ذلك بوجه من الوجوه، لم يحصل له مطلوبه. ~~فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. فلا يوصل إليه سواه، ولا يدل ~~عليه سواه، ولا يعبد إلا بإعانته، ولا يطاع إلا بمشيئته. # {لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} ~~[التكوير: 28 - 29] . # PageV02P198 # وإذا عرف هذا، فالعبد فى حال معصيته واشتغاله عنه بشهوته ولذته، تكون تلك ~~اللذة والحلاوة الإيمانية قد استترت عنه وتوارت، أو نقصت، أو ذهبت. فإنها ~~لو كانت موجودة كاملة لما قدم عليها لذة وشهوة، لا نسبة بينها بوجه ما، بل ~~هى أدنى من حبة خردل بالنسبة إلى الدنيا وما فيها. ولهذا قال النبى صلى ~~الله تعالى عليه وسلم: # "لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ~~ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". # فإن ذوق حقيقة الإيمان ومباشرته لقلبه يمنعه من أن يؤثر عليه ذلك القدر ~~الخسيس، ms512 وينهاه عما يشعثه وينقصه. # ولهذا تجد العبد إذا كان مخلصا لله منيبا إليه، مطمئنا بذكره، مشتاقا إلى ~~لقائه منصرفا عن هذه المحرمات، لا يلتفت إليها، ولا يعول عليها، ويرى ~~استبداله بها عما هو فيه كاستبداله البعر الخسيس بالجوهر النفيس، وبيعه ~~الذهب بأعقاب الجزر، وبيعه المسك بالرجيع. # ولا ريب أن فى النفوس البشرية من هو بهذه المثابة، إنما يصبو إلى ما ~~يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، ينفر من المطالب العالية، واللذات الكاملة ~~ينفر الجعل من رائحة الورد. وشاهدنا من يمسك بأنفه عند وجود المسك ويتكره ~~بها، لما يناله بها من المضرة. # فمن خلق للعمل فى الدباغة لا يجيء منه العمل فى صناعة الطيب، ولا يليق ~~ولا يتأتى منه. والنفس لا تترك محبوبا وإلا لمحبوب هو أحب إليها منه، أو ~~للخوف من مكروه هو أشق عليها من فوات ذلك المحبوب. # فالذنب يعدم لعدم المقتضى له تارة، ولاشتغال القلب بما هو أحب إليه منه، ~~ولوجود المانع تارة، ومن خوف فوات محبوب هو أحب إليه منه تارة. # فالأول: حال من حصل له من ذوق حلاوة الإيمان وحقائقه والتنعم به، ما عوض ~~قلبه عن ميله إلى الذنوب. # PageV02P199 # والثانى: حال من عنده داع وإرادة لها، وعنده إيمان وتصديق بوعد الله ~~تعالى ووعيده، فهو يخاف إن واقعها أن يقع فيما هو أكره إليه، وأشق عليه. # فالأول: النفوس المطمئنة إلى ربها. والثانى: لأهل الجهاد والصبر. # وهاتان النفسان هما المخصوصتان بالسعادة والفلاح. # قال الله تعالى فى النفس الأولى: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك ~~راضية مرضية فادخلى فى عبادى وادخلى جنتى} [الفجر: 27 - 30] . # وقال فى الثانية: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا ~~وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} [النحل: 110] . # فالنفوس ثلاثة: نفس مطمئنة إلى ربها. وهى أشرف النفوس وأزكاها. ونفس ~~مجاهدة صابرة. ونفس مفتونة بالشهوات والهوى، وهى النفس الشقية، التى حظها ~~الألم والعذاب، والبعد عن الله تعالى والحجاب. # فصل # فى بيان كيد الشيطان لنفسه، قبل كيده للأبوين. ثم لو يقتصر على ذلك، ms513 حتى ~~كاد ذرية نفسه، وذرية آدم. فكان مشئوما على نفسه وعلى ذريته وأوليائه وأهل ~~طاعته من الجن والإنس. # أما كيده لنفسه: # فإن الله سبحانه لما أمره بالسجود لآدم عليه السلام، كان فى امتثال أمره ~~وطاعته سعادته وفلاحه وعزه ونجاته. فسولت له نفسه الجاهلة الظالمة: أن فى ~~سجوده لآدم عليه السلام غضاضة عليه، وهضما لنفسه، إذ يخضع ويقع ساجدا لمن ~~خلق من طين، وهو مخلوق من نار. والنار - بزعمه - أشرف من الطين. فالمخلوق ~~منها خير من المخلوق منه، وخضوع الأفضل لمن هو دونه غضاضة عليه، وهضم ~~لمنزلته. فلما قام بقلبه هذا الهوس، وقارنه الحسد لآدم، لما رأى ربه سبحانه ~~قد خصه به من أنواع الكرامة. فإنه خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ~~ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وميزه بذلك عن الملائكة # PageV02P200 # وأسكنه جنته، فعند ذلك بلغ الحسد من عدو الله كل مبلغ، وكان عدو الله ~~يطيف به وهو صلصال كالفخار، فيتعجب منه، ويقول: لأمر عظيم قد خلق هذا، ولئن ~~سلط على لأعصينه، ولئن سلطت عليه لأهلكنه، فلما تم خلق آدم عليه السلام فى ~~أحسن تقويم وأكمل صورة وأجملها، وكملت محاسنه الباطنة، بالعلم والحلم ~~والوقار، وتولى ربه سبحانه خلقه بيده، فجاء فى أحسن خلق، وأتم صورة، طوله ~~فى السماء ستون ذراعا، قد ألبس رداء الجمال والحسن، والمهابة والبهاء، فرأت ~~الملائكة منظرا لم يشاهدوا أحسن منه ولا أجمل، فوقعوا كلهم سجودا له، بأمر ~~ربهم تبارك وتعالى، فشق الحسود قميصه من دبر، واشتعلت فى قلبه نيران الحسد ~~المتين، فعارض النص بالمعقول بزعمه، كفعل أوليائه من المبطلين. # وقال: {أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] . # فأعرض عن النص الصريح، وقابله بالرأى الفاسد القبيح. ثم أردف ذلك ~~بالاعتراض على العليم الحكيم، الذى لا تجد العقول إلى الاعتراض على حكمته ~~سبيلا. فقال: # {أرأيتك هذا الذى كرمت على؟ لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا ~~قليلا} [الإسراء: 62] . # وتحت هذا الكلام من الاعتراض معنى: أخبرنى، لم كرمته على؟ وغور هذا ~~الاعتراض: أن الذى ms514 فعلته ليس بحكمة ولا صواب، وأن الحكمة كانت تقتضى أن ~~يسجد هو لى، لأن المفضول يخضع للفاضل، فلم خالفت الحكمة؟. # ثم أردف ذلك بتفضيل نفسه عليه، وإزرائه به، فقال: # {أنا خير منه} [الأعراف: 12] . # ثم قرر ذلك بحجته الداحضة، فى تفضيل مادته وأصله على مادة آدم عليه ~~السلام وأصله. فأنتجت له هذه المقدمات إباءه وامتناعه من السجود، ومعصيته ~~الرب المعبود. فجمع بين الجهل والظلم، والكبر والحسد والمعصية، ومعارضة ~~النص بالرأى والعقل، فأهان نفسه كل الإهانة من حيث أراد تعظيمها، ووضعها من ~~حيث أراد رفعتها، وأذلها من حيث أراد عزتها، وآلها كل الألم من حيث أراد ~~لذتها، ففعل بنفسه ما لو اجتهد أعظم أعدائه فى مضرته لم يبلغ منه ذلك ~~المبلغ. ومن كان هذا غشه لنفسه فكيف يسمع منه العاقل ويقبل ويواليه؟. # قال تعالى {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من # PageV02P201 # الجن ففسق عن أمر ربه، أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو؟ بئس ~~للظالمين بدلا} [الكهف: 50] . # فصل # وأما كيده للأبوين: # فقد قص الله [الأعراف: 20- 22] سبحانه علينا قصته معهما، وأنه لم يزل ~~يخدعهما، ويعدهما، ويمنيهما الخلود فى الجنة، حتى حلف لهما بالله جهد ~~يمينه: إنه ناصح لهما، حتى اطمأنا إلى قوله وأجاباه إلى ما طلب منهما، فجرى ~~عليهما من المحبة والخروج من الجنة ونزع لباسهما عنهما ما جرى، وكان ذلك ~~بكيده ومكره الذى جرى به القلم، وسبق به القدر، ورد الله سبحانه كيده عليه، ~~وتدارك الأبوين برحمته ومغفرته، فأعادهما إلى الجنة على أحسن الأحوال ~~وأجملها، وعاد عاقبة مكره عليه. # {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} [فاطر: 43] . # وظن عدو الله بجهله أن الغلبة والظفر له فى هذه الحرب، ولم يعلم بكمين ~~جيش: # {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} ~~[الأعراف: 23] . # ولا بإقبال دولة {ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} [طه: 122] . # وظن اللعين بجهله أن الله سبحانه يتخلى عن صفيه وحبيبه الذى خلقه بيده، ~~ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، من ms515 أجل أكلة ~~أكلها. # وما علم أن الطبيب قد علم المريض الدواء قبل المرض، فلما أحس بالمرض بادر ~~إلى استعمال الدواء، لما رماه العدو وبسهم وقع فى غير مقتل فى غير مقتل، ~~فبادر إلى مداواة الجرح، فقام كأن لم يكن به قلبة. # PageV02P202 # بلى العدو بالذنب فأصر واحتج وعارض الأمر، وقدح فى الحكمة، ولم يسأل ~~الإقالة، ولا ندم على الزلة. وبلى الحبيب بالذنب فاعترف وتاب وندم، وتضرع ~~واستكان وفزع إلى مفزع الخليقة، وهو التوحيد والاستغفار، فأزيل عنه العتب، ~~وغفر له الذنب، وقبل منه المتاب، وفتح له من الرحمة والهداية كل باب، ونحن ~~الأبناء، ومن أشبه أباه فما ظلم، ومن كانت شيمته التوبة والاستغفار فقد هدى ~~لأحسن الشيم. # فصل # ثم كاد أحد ولدى آدم، ولم يزل يتلاعب به، حتى قتل أخاه، وأسخط أباه، وعصى ~~مولاه، فسن للذرية قتل النفوس، وقد ثبت فى الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم أنه قال: # "ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم كفل من دمها، لأنه أول من سن ~~القتل". # فكاد العدو هذا القاتل بقطيعة رحمه، وعقوق والديه، وإسخاط ربه، ونقص ~~عدده، وظلم نفسه، وعرضه لأعظم العقاب، وحرمه حظه من جزيل الثواب. # فصل # [كيده بالناس من بعد آدم] # ثم جرى الأمر على السداد والاستقامة، والأمة واحدة، والدين واحد، ~~والمعبود واحد. قال تعالى: # {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى ~~بينهم فيما فيه يختلفون} [يونس: 19] وقال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث ~~الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه} [البقرة: 213] . # قال سعيد عن قتادة "ذكر لنا: أنه كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة ~~قرون # PageV02P203 # كلهم على الهدى، وعلى شريعة من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله عز ~~وجل نوحا، وكان أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض، وبعث عند الاختلاف ~~بين الناس وترك الحق". # وقال ابن عباس "كان الناس أمة واحدة: كانوا على الإسلام كلهم". # وهذا هو القول ms516 الصحيح فى الآية. # وقد روى عطية عن ابن عباس رضى الله عنهما "كانوا أمة واحدة، كانوا ~~كفارا". # وهذا قول الحسن وعطاء، قالا "كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح ~~عليهما السلام أمة واحدة على ملة واحدة، وهى الكفر، كانوا كفارا كلهم أمثال ~~البهائم، فبعث الله نوحا وإبراهيم والنبيين". # وهذا القول ضعيف جدا، وهو منقطع عن ابن عباس، والصحيح عنه خلافه. # قال ابن حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا همام حدثنا ~~قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال "كانوا على الإسلام كلهم". # وهذا هو الصواب قطعا، فإن قراءة أبى بن كعب "فاختلفوا فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين". # ويشهد لهذه القراءة: قوله تعالى فى سورة يونس: # {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا} [يونس: 19] . # والمقصود: أن العدو كادهم وتلاعب بهم حتى انقسموا قسمين، كفارا ومؤمنين ~~فكادهم بعبادة الأصنام، وإنكار البعث. # PageV02P204 # وكان أول ما كاد به عباد الأصنام من جهة العكوف على القبور، وتصاوير ~~أهلها ليتذكروهم بها، كما قص الله سبحانه قصصهم فى كتابه، فقال: # {وقالوا لا تذرن آلهتكم، ولا تذرن ودا، ولا سواعا، ولا يغوث، ويعوق، ~~ونسرا} [نوح: 13] . # قال البخارى فى صحيحه عن ابن عباس رضى الله عنهما "هذه أسماء رجال صالحين ~~من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم ~~التى كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك ~~أولئك ونسخ العلم عبدت". # وقال ابن جرير عن محمد بن قيس قال: "كانوا قوما صالحين من بنى آدم، كان ~~لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم، الذين كانوا يقتدون بهم: لو ~~صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء ~~آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، ~~فعبدوهم". # وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبى: أخبرنى أبى قال: "أول ما عبدت ~~الأصنام أن آدم عليه السلام لما مات جعله بنو شيث بن آدم فى مغارة فى الجبل ~~الذى أهبط عليه أدم بأرض ms517 الهند، ويقال للجبل: نوذ، وهو أخصب جبل فى الأرض". # قال هشام: فأخبرنى أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال: "فكان بنو شيث عليه ~~السلام يأتون جسد آدم فى المغارة، فيعظمونه، ويترحمون عليه، فقال رجل من ~~بنى قابيل بن آدم: يا بنى قابيل، إن لبنى شيث دوارا يدورون حوله ويعظمونه، ~~وليس لكم شيء فنحت لهم صنما، فكان أول من عملها". # قال هشام: وأخبرنى أبى قال: "كان ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر: قوما ~~صالحين، فماتوا فى شهر، فجزع عليهم ذوو أقاربهم، فقال رجل من بنى قابيل: يا ~~قوم، هل لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام على صورهم؟ غير أنى لا أقدر أن أجعل ~~فيها أرواحا، قالوا: # PageV02P205 # نعم، فنحت لهم خمسة أصنام على صورهم، ونصبها لهم، فكان الرجل يأتى أخاه ~~وعمه وابن عمه، فيعظمه ويسعى حوله، حتى ذهب ذلك القرن الأول وكانت عملت على ~~عهد برد ابن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم، ثم جاء قرن آخر ~~فعظموهم أشد من تعظيم القرن الأول، ثم جاء من بعدهم القرن الثالث، فقالوا: ~~ما عظم أولونا هؤلاء إلا يرجون شفاعتهم عند الله تعالى، فعبدوهم، وعظموا ~~أمرهم، واشتد كفرهم، فبعث الله إليهم إدريس عليه السلام نبيا فدعاهم، ~~فكذبوه، فرفعه الله مكانا عليا، ولم يزل أمرهم يشتد فيما قال ابن الكلبى عن ~~أبى الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس: - حتى أدرك نوح عليه السلام، فبعثه ~~الله تعالى نبيا، وهو يومئذ ابن أربعمائة وثمانين سنة، فدعاهم إلى الله ~~تعالى فى نبوته عشرين ومائة سنة، فعصوه وكذبوه، فأمره الله تعالى أن يصنع ~~الفلك، ففرغ منها وركبها، وهو ابن ستمائة سنة، وغرق من غرق، ومكث بعد ذلك ~~ثلاثمائة وخمسين سنة فدعاهم إلى الله. وكان بين آدم ونوح ألفا سنة ومائتا ~~سنة: فأهبط الماء هذه الأصنام من أرض إلى أرض حتى قذفها إلى أرض جدة، فلما ~~نضب الماء وبقيت على الشط فسفت الريح عليها حتى وارتها". # قلت: ظاهر القرآن يدل على خلاف هذا، وأن نوحا عليه السلام ms518 لبث فى قومه ~~ألف سنة إلا خمسين عاما، وأن الله عز وجل أهلكهم بالغرق بعد أن لبث فيهم ~~هذه المدة. # قال الكلبى: وكان عمرو بن لحى كاهنا وله رئى من الجن: # PageV02P206 # عجل المسير والظعن من تهامة، بالسعد والسلامة قال: جير ولا إقامة، قال: ~~ائت ضف جدة، تجد فيها أصناما معدة، فأوردها تهامة ولا تهب، ثم ادع العرب ~~إلى عبادتها تجب. فأتى نهر جدة فاستثارها، ثم حملها حتى ورد تهامة، وحضر ~~الحج، فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة، فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللات، ابن ~~رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب ابن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ~~فدفع إليه ودا، فحمله فكان بوادى القرى بدومة الجندل، وسمى ابنه عبدود، فهو ~~أول من سمى به، وجعل عرف ابنه عامرا الذى يقال له: عامر الأجدار سادنا له. ~~فلم يزل بنوه يسد نونه حتى جاء الله بالإسلام. # قال الكلبى: فحدثنى مالك بن حارثة أنه رأى ودا. قال: وكان أبى يبعثنى ~~باللبن إليه، فيقول: اسقه إلهك، فأشربه. قال: ثم رأيت خالد بن الوليد رضى ~~الله عنه بعد كسره فجعله جذاذا. وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم بعث خالد بن الوليد لهدمه، فحالت بينه وبين هدمه بنو عذرة وبنو عامر ~~الأجدار. فقاتلهم، فقتلهم وهدمه وكسره. # قال الكلبى: فقلت لمالك بن حارثة: صف لى ودا، حتى كأنى أنظر إليه. قال: ~~كان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال، قد دبر - أى نقش - عليه حلتان، ~~متزر بحلة مرتد بأخرى، عليه سيف قد تقلده، وقد تنكب قوسا، وبين يديه حربة ~~فيها لواء ووفضة فيها نبل، يعنى جعبة. # PageV02P207 # قال: ورجع الحديث. قال: وأجابت عمرو بن لحى مضر بن نزار. فدفع إلى رجل من ~~هذيل يقال له: الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر: ~~سواعا، فكان بأرض يقال لها: وهاط من بطن نخلة، يعبده من يليه من مضر. وفى ~~ذلك يقول رجل من العرب: # تراهم حول قبلتهم ms519 عكوفا ... كما عكفت هذيل على سواع # تظل جنابه صرعى لديه ... عتائر من ذخائر كل راع # وأجابته مذحج، فدفع إلى أنعم بن عمرو المرادى يغوث. وكان بأكمة باليمن ~~تعبده مذحج ومن والاها. # وأجابته همدان. فدفع إلى مالك بن مرثد بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن ~~نوف بن همدان: يعوق. فكان بقرية يقال لها: خيوان. تعبده همدان ومن والاها ~~من اليمن. # وأجابت حمير: فدفع إلى رجل من ذى رعين. يقال له: معد يكرب نسرا. فكان ~~بموضع من أرض سبأ، يقال له: بلخع تعبده حمير ومن والاها. فلم يزل يعبدونه ~~حتى هودهم ذو نواس. # فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله النبى صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم فهدمها وكسرها. # قلت: هذا شرح ما ذكره البخارى فى صحيحه عن ابن عباس قال "صارت الأوثان ~~التى كانت فى قوم نوح فى العرب تعبد. أما ود، فكانت لكلب بدومة الجندل. ~~وأما سواع فكانت لهذيل. وأما يغوث، فكان لمراد، ثم لبنى غطيف، بالحرف عند ~~سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر، فكانت لحمير، لآل ذى الكلاع، قال: ~~وهؤلاء أسماء رجال صالحين من قوم نوح" وذكر ما تقدم. # PageV02P208 # وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم: # "رأيت عمرو بن عامر الخزاعى يجر قصبه فى النار. وكان أول من سيب ~~السوائب". # وفى لفظ "وغير دين إبراهيم". # وقال بن إسحق: حدثنى محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى أن أبا صالح ~~السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وسلم يقول لأكثم ابن الجون الخزاعى "يا أكثم رأيت عمرو بن لحى بن قمعة بن ~~خندف يجر قصبه فى النار فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا به منك، فقال ~~أكثم: عسى أن يضرنى شبهه يا رسول الله، قال: لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه ~~كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ~~ووصل الوصيلة، وحمى الحام". # قال ms520 ابن هشام: وحدثنى بعض أهل العلم "أن عمرو بن لحى خرج من مكة إلى ~~الشام فى بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق، ~~وهم ولد عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام. فقال لهم: ما ~~هذه الأصنام التى تعبدون؟ فقالوا: نستمطر بها فتمطرنا. ونستنصرها فتنصرنا. ~~فقال: أفلا تعطونى منها صنما، فأسير به # PageV02P209 # إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنما يقال له: هبل. فقدم به مكة، فنصبه، ~~وأمر الناس بعبادته وتعظيمه". # قال هشام: وحدثنى أبى وغيره "أن إسماعيل عليه السلام لما سكن مكة وولد ~~بها أولاده، فكثروا، حتى ملؤوا مكة، ونفوا من كان بها من العماليق ضاقت ~~عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضا، فتفسحوا فى ~~البلاد والتماس المعاش، فكان الذى حملهم على عبادة الأوثان والحجارة: أنه ~~كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرا من حجارة الحرم، تعظيما للحرم، ~~وصبابة بمكة. فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالبيت، حبا للبيت ~~وصبابة به، وهم على ذلك يعظمون البيت ومكة، ويحجون ويعتمرون، على إرث ~~إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. ثم عبدوا ما استحسنوا ونسوا ما كانوا ~~عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت ~~عليه الأمم من قبلهم، واستخرجوا ما كان يعبد قوم نوح عليه السلام منها على ~~إرث ما بقى من ذكرها فيهم وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل، ~~يتنسكون بها من تعظيم البيت والطواف به، والحج والعمرة والوقوف على عرفة ~~والمزدلفة. وإهداء البدن مع إدخالهم فيه ما ليس منه وكانت نزار تقول فى ~~إهلالها: # لبيك اللهم لبيك ... لبيك لا شريك لك # إلا شريك هو لك ... تملكه وما ملك # ويوحدونه بالتلبية، ويدخلون معه آلهتهم، ويجعلون ملكها بيده. يقول الله ~~عز وجل لنبيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: # {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم # PageV02P210 # مشركون} [يوسف: 106] . # أى ما يوحدوننى بمعرفة حقى إلا جعلوا معى شريكا من خلقى. # وكانت تلبية عك، إذا خرجوا حجاجا، قدموا أمامهم غلامين أسودين. ms521 فكانا ~~أمام ركبهم فيقولان: # نحن غرابا عك # فتقول عك من بعدهما: # عك إليك عانيه ... عبادك اليمانيه # وكانت ربيعة إذا حجت فقضت المناسك ووقفت فى المواقف، نفرت فى النفر ~~الأول، ولم تقم إلى آخر التشريق. # وكان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيب السائبة وبحر البحيرة ~~ووصل الوصيلة، وحمى الحامى: عمرو بن ربيعة. وهو لحى بن حارثة ابن عمرو بن ~~عامر الأزدى - وهو أبو خزاعة. وكانت أم عمرو فهيرة بنت عامر بن الحارث. ~~ويقال قمعة بنت مضاض وكان الحرث الذى يلى أمر الكعبة، فلما بلغ عمرو بن لحى ~~نازعه فى الولاية، وقاتل جرهما ببنى إسماعيل، فظفر بهم وأجلاهم عن الكعبة، ~~ونفاهم من بلاد مكة. وتولى حجابة البيت بعدهم ثم إنه مرض مرضا شديدا فقيل ~~له: إن بالبلقاء من الشام حمة إن أتيتها برأت فأتاها، فاستحم فيها فبرأ، ~~ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقى بها المطر، ~~ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها، ففعلوا، فقدم بها مكة، ~~ونصبها حول الكعبة. # واتخذت العرب الأصنام، فكان أقدمها مناة وقد كانت العرب تسمى: عبد مناة ~~وزيد مناة وكان منصوبا على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد، بين مكة ~~والمدينة وكانت العرب جميعها تعظمه. وكانت الأوس والخرزج ومن ينزل المدينة ~~ومكة وما قارب # PageV02P211 # من المواضع يعظمونه، ويذبحون له، ويهدون له وكان أولاد معد على بقية من ~~دين إسماعيل. وكانت ربيعة ومضر على بقية من دينه ولم يكن أحد أشد إعظاما له ~~من الأوس والخزرج. # قال هشام: وحدثنا رجل من قريش عن أبى عبيدة بن عبد الله بن أبى عبيدة ابن ~~محمد بن عمار بن ياسر قال: "كانت الأوس والخزرج ومن جاورهم من عرب أهل ~~يثرب، وغيرها يحجون، فيقفون مع الناس المواقف كلها. ولا يحلقون رؤوسهم. ~~فإذا نفروا أتوه، فحلقوا عنده رؤوسهم، وأقاموا عنده لا يرون لحجهم تمام إلا ~~بذلك". # وكانت مناة لهذيل وخزاعة. فبعث رسول الله عليه السلام عليا فهدمها عام ~~الفتح. # ثم اتخذوا اللات بالطائف. وهى أحدث من مناة. وكانت ms522 صخرة مربعة وكان يهودى ~~يلت عندها السويق وكان سدنتها من ثقيف بنو عتاب بن مالك. وكانوا قد بنوا ~~عليها. وكانت قريش وجميع العرب تعظمها. وبها كانت العرب تسمى زيد اللات. ~~وتيم اللات. وكانت فى موضع منارة مسجد الطائف اليسرى اليوم. # فلم تزل كذلك # PageV02P212 # حتى أسلمت ثقيف. فبعث رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم المغيرة بن ~~شعبة فهدمها وحرقها بالنار. # ثم اتخذوا العزى. وهى أحدث من اللات ومناة، اتخذها ظالم بن أسعد. وكانت ~~بواد من نخلة [الشامية. يقال له: حراض، بإزاء الغمير، عن يمين المصعد إلى ~~العراق من مكة. وذلك] ، فوق ذات عرق، وبنوا عليها بيتا. وكانوا يسمعون منه ~~الصوت. # PageV02P213 # قال هشام: وحدثنى أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال: كانت العزى شيطانة ~~تأتى ثلاث سمرات ببطن نخلة. فلما افتتح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ~~مكة بعث خالد بن الوليد، فقال: ائت بطن نخلة. فإنك ستجد ثلاث سمرات، فاعضد ~~الأولى. فأتاها فعضدها. فلما جاء إليه قال: هل رأيت شيئا؟ قال: لا. قال: ~~فاعضد الثانية. فأتاها فعضدها. ثم أتى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: هل ~~رأيت شيئا؟ قال: لا. قال: فاعضد الثالثة. فأتاها فإذا هو بحبشية نافشة ~~شعرها واضعة يديها على عاتقها، تصرف بأنيابها، وخلفها [دبية ابن حرمى ~~الشيبانى ثم السلمى وكان] سادنها [فلما نظر إلى خالد] قال: # أعزاء شدى شدة لا تكذبى ... على خالد، ألقى الخمار وشمري # فإنك إلا تقتلى اليوم خالدا ... تبوئى بذل عاجلا وتنصري # فقال خالد: # يا عزى كفرانك، لا سبحانك ... إنى رأيت الله قد أهانك # ثم ضربها، ففلق رأسها. فإذا هى حممة. ثم عضد الشجرة، وقتل السادن ثم أتى ~~النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره، فقال: تلك العزى، ولا عزى بعدها ~~للعرب [أما إنها لن تعبد بعد اليوم] . # PageV02P214 # قال هشام: وكانت لقريش أصنام فى جوف الكعبة وحولها، وأعظمها عندهم: هبل. ~~وكان - فيما بلغنى - من عقيق أحمر، على صورة إنسان مكسور اليد اليمنى، ~~أدركته قريش كذلك. فجعلوا له يدا من ذهب. وكان أول ms523 من نصبه خزيمة بن مدركة ~~بن إلياس بن مضر [وكان يقال له: هبل خزيمة] . وكان فى جوف الكعبة. وكان ~~قدامه [سبعة] قداح، مكتوب فى أحدها: صريح، وفى الآخر: ملصق. فإذا شكوا فى ~~مولود أهدوا له هدية، ثم ضربوا بالقداح، فإن خرج "صريح" ألحقوه. وإن خرج ~~"ملصق" دفعوه [وقدح على الميت، وقدح على النكاح. وثلاثة لم تفسر، لى علام ~~كانت؟] . # وكانوا إذا اختصموا فى أمر، أو أرادوا سفرا أو عملا، أتوه فاستقسموا ~~بالقداح عنده [فما خرج عملوا به وانتهوا إليه. وعنده ضرب عبد المطلب ~~بالقداح على ابنه عبد الله والد النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم] وهو ~~الذى قال له أبو سفيان يوم أحد أعل هبل. فقال رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وسلم: "قولوا له: الله أعلى وأجل". # وكان لهم إساف ونائلة. # قال هشام: فحدث الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس "أن إسافا رجل من جرهم ~~يقال له: إساف بن يعلى، ونائله بنت زيد من جرهم، وكان يتعشقها فى أرض اليمن ~~فأقبلوا حجاجا، فدخلا الكعبة، فوجدا غفلة من الناس وخلوة من الناس وخلوة من ~~البيت، ففجر بها فى البيت، فمسخا حجرين، فأصبحوا فوجدوهما مسخين، فأخرجوهما ~~فوضعوهما موضعهما، فعبدتهما خزاعة وقريش ومن حج البيت بعد من العرب". # قال هشام: لما مسخا حجرين وضعا عند الكعبة ليتعظ بهما الناس، فلما طال ~~مكثهما وعبدت الأصنام عبدا معها. وكان أحدهما ملصقا بالكعبة والآخر فى موضع ~~زمزم، فنقلت قريش الذى كان ملصقا بالكعبة إلى الآخر، فكانوا يذبحون عندهما. # وكان من تلك الأصنام ذو الخلصة، وكان مروة بيضاء، منقوشة، عليها كهيئة ~~التاج، وكان له بيت بين مكة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكة [وكان سدنتها ~~بنو أمامة من # PageV02P215 # باهلة بن أعصر] وكانت تعظمها وتهدى لها خثعم وبجيلة، [وأزد السراة ومن ~~قلوبهم من بطون العرب من هوازن] فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم لجرير: # "ألا تكفينى ذا الخلصة؟ ". # فسار إليه بأحمس، فقاتلته خثعم وباهلة دونه، فظفر بهم. وهدم بيت ذى ~~الخلصة ms524 وأضرم فيه النار فاحترق. # وذو الخلصة اليوم عتبة باب مسجد تبالة. # وكان لدوس صنم يقال له "ذو الكفين" فلما أسلموا بعث رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم الطفيل بن عمرو فحرقه. # وكان لبنى الحارث بن يشكر [بن مبشر من الأزد] صنم يقال له "ذو الشرى". # وكان لقضاعة ولحم وجذام، وعاملة وغطفان، صنم فى مشارف الشام يقال له ~~"الأقيصر". # وكان لمزينة صنم يقال له "نهم" وبه كانت تسمى عبد نهم. # [وكان لأزد السراة صنم يقال له "عائم"] . # PageV02P216 # وكان لعنزة صنم يقال له "سعير". # وكان لطيء صنم يقال له "الفلس". # وكان لأهل كل دار من مكة صنم فى دارهم، كان يعبدونه، فإذا أراد أحدهم ~~السفر كان آخر ما يصنع فى منزله: أن يتمسح به، وإذا قدم من سفره، كان أول ~~ما يصنع إذا دخل منزله: أن يتمسح به. # قال ابن إسحاق: وكان لخولان صنم يقال له: عم أنس بأرض خولان يقسمون له من ~~أنعامهم، وحروثهم، قسما بينه وبين الله، بزعمهم، فما دخل فى حق الله من حق ~~عم أنس رده عليه، وما دخل فى الحق الصنم من حق الله الذى سموا له تركوه له ~~وفيهم أنزل الله سبحانه: # {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا، فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم ساء ما يحكمون} [الأنعام: 136] . # PageV02P217 # قال ابن إسحق: وكان لبنى ملكان بن كنانة بن خزيمة بن مدركة صنم يقال له: ~~"سعد" صخرة بفلاة من الأرض طويلة، فأقبل رجل من بنى ملكان بإبل مؤبلة، ~~ليقفها عليه ابتغاء بركته - فيما يزعم - فلما رأته الإبل، [وكانت مرعية لا ~~تركب] وكان يهراق عليه الدماء، نفرت منه فذهب فى كل وجه، فغضب ربها، فأخذ ~~حجرا فرماه به، ثم قال: لا بارك الله فيك نفرت عنى إبلى، ثم خرج فى طلبها ~~حتى جمعها، فلما اجتمعت له، قال: # أيتنا إلى سعد ليجمع شملنا ... فشتتنا سعد، فلا نحن من سعد # وهل سعد إلا ms525 صخرة بتنوفة ... من الأرض لا تدعو لغى ولا رشد؟ # قال ابن إسحق: وكان عمرو بن الجموح سيدا من سادات بنى سلمة، وشريفا من ~~أشرافهم. وكان قد اتخذ فى داره صنما من خشب، يقال له مناة [كما كان الأشراف ~~يصنعون. يتخذه إلها يعظمه ويظهره] فلما أسلم فتيان بنى سلمة معاذ بن جبل، ~~وابنه معاذ بن عمرو، وغيرهم ممن أسلم، وشهد العقبة، وكانوا يدلجون بالليل ~~على صنم عمرو ذلك، فيحملونه، فيطرحونه فى بعض حفر بنى سلمة، وفيها عذرات ~~الناس منكسا على رأسه، فإذا أصبح عمرو، قال: ويلكم، من عدا على إلهنا هذه ~~الليلة؟ قال ثم يغدو يلتمسه، حتى إذا وجده غسله وطهره، وطيبه، ثم قال: ~~والله لو أعلم من فعل هذا بك لأخزينه. فإذا أمسى ونام غدوا # PageV02P218 # ففعلوا بصنمهم مثل ذلك، فيغدو فيلتمسه، فيجده فى مثل ما كان فيه من ~~الأذى، فيغسله ويطهره ويطيبه، فيغدون عليه إذا أمسى فيفعلون به ذلك، فلما ~~طال عليه استخرجه من حيث ألقوه يوما، فغسله وطهره وطيبه، ثم جاء بسيفه، ~~فعلقه عليه، ثم قال له: والله إنى لا أعلم من يصنع بك ما ترى. فإن كان فيك ~~خير فامتنع: فهذا السيف معك، فلما أمسى ونام غدوا عليه، فأخذوا السيف من ~~عنقه، ثم أخذوا كلبا ميتا فقربوه به بحبل، ثم ألقوه فى بئر من آبار بنى ~~سلمة فيها عذر من عذر الناس وغدا عمرو، فلم يجده فى مكانه الذى كان به فخرج ~~يتبعه، حتى وجده فى تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت. فلما رآه أبصر شأنه، ~~وكلمه من أسلم من قومه فأسلم وحسن إسلامه، فقال حين أسلم وعرف من الله ما ~~عرف، وهو يذكر صنمه ذلك، وما أبصر من أمره، ويشكر الله إذ أنقذه مما كان ~~فيه من العمى والضلالة، ويقول: # والله لو كنت إلها لم تكن ... أنت وكلب وسط بئر فى قرن # أف لملقاك إلها مستدن ... الآن فتشناك عن سوء الغبن # الحمد لله العلى ذى المنن ... الواهب الرزاق ديان الدين # هو الذى أنقذنى من قبل أن ... أكون ms526 فى ظلمة قبر مرتهن # قال ابن إسحق: واتخذ أهل كل دار فى دارهم صنما يعبدونه، فإذا أراد رجل ~~منهم سفرا تمسح به، وإذا قدم من سفر تمسح به، فيكون آخر عهده به، وأول عهده ~~به، فلما بعث الله محمدا صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالتوحيد قالت ~~قريش: # {أجعل الآلهة إلها واحدا؟ إن هذا لشيء عجاب} [ص: 5] . # وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهى بيوت تعظمها، كتعظيم الكعبة ~~لها سدنة وحجاب، وتهدى لها كما تهدى للكعبة، وتطوف بها كما تطوف بالكعبة ~~وتنحر عندها كما تنحر عند الكعبة. # PageV02P219 # وكان الرجل إذا سافر، فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها، ~~فاتخذه ربا، وجعل الثلاثة أثافى القدرة، فإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلا ~~آخر فعل مثل ذلك. # قال حنبل: حدثنا حسن بن الربيع قال: حدثنا مهدى بن ميمون قال: سمعت أبا ~~رجاء العطاردى يقول "لما بعث النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فسمعنا ~~به، لحقنا بمسيلمة الكذاب، فلحقنا بالنار، قال: وكنا نعبد الحجر فى ~~الجاهلية، فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه نلقى ذلك ونأخذه، فإذا لم نجد حجرا ~~جمعنا حثية من تراب ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه، ثم طفنا به". # وقال أبو رجاء أيضا "كنا نعمد إلى الرمل فنجمعه، ونحلب عليه، فنعبده، ~~وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده، زمانا، ثم نلقيه". # وقال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا الحجاج بن أبى ~~زينب قال # PageV02P220 # سمعت أبا عثمان النهدى يقول "كنا فى الجاهلية نعيد حجرا، فسمعنا مناديا ~~ينادى: يا أهل الرحال، إن ربكم قد هلك، فالتمسوا ربا، قال: فخرجنا على كل ~~صعب وذلول، فبينا نحن كذلك نطلبه إذا نحن بمناد ينادى: إنا قد وجدنا ربكم، ~~أو شبهه، فإذا حجر، فنحرنا عليه الجزر". # وقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى الحجاج بن صفوان عن ابن ~~أبى حسين عن شهر بن حوشب عن عمر بن عبسة قال "كنت امرأ ممن يعبد الحجارة، ~~فينزل الحى ليس معهم إله، ms527 فيخرج الرجل منهم، فيأتى بأربعة أحجار، فينصب ~~ثلاثة لقدره، ويجعل أحسنها إلها يعبده، ثم لعله يجد ما هو أحسن منه قبل أن ~~يرتحل فيتركه، ويأخذ غيره". # ولما فتح رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مكة وجد حول البيت ~~ثلاثمائة وستين صنما، فجعل يطعن بسية قوسه فى وجوهها، وعيونها، ويقول: # {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} [الإسراء: 81] . # وهى تتساقط على رؤوسها، ثم أمر بها، فأخرجت من المسجد وحرقت. # PageV02P221 # فصل # وتلاعب الشيطان بالمشركين فى عبادة الأصنام له أسباب عديدة، تلاعب بكل ~~قوم على قدر عقولهم. # فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى، الذين صوروا تلك الأصنام ~~على صورهم، كما تقدم عن قوم نوح عليه السلام، ولهذا لعن النبى صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم المتخذين على القبور المساجد والسرج، ونهى عن الصلاة ~~إلى القبور، وسأل ربه سبحانه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد، ونهى أمته أن ~~يتخذوا قبره عيدا، وقال: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد" وأمر بتسوية القبور، وطمس التماثيل. # فأبى المشركون إلا خلافه فى ذلك كله، إما جهلا، وإما عنادا لأهل التوحيد، ~~ولم يضرهم ذلك شيئا. وهذا السبب هو الغالب على عوام المشركين. # وأما خواصهم فإنهم اتخذوها - بزعمهم - على صور الكواكب المؤثرة فى العالم ~~عندهم، وجعلوا لها بيوتا وسدنة، وحجابا، وحجا وقربانا، ولم يزل هذا فى ~~الدنيا قديما وحديثا. # فمنها: بيت على رأس جبل بأصبهان. كان به أصنام أخرجها بعض ملوك المجوس، ~~وجعله بيت نار. # ومنها بيت ثان وثالث ورابع بصنعاء. بناه بعض المشركين على اسم الزهرة، ~~فخربه عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه. # ومنها بيت بناه قابوس الملك على اسم الشمس بمدينة فرغانه، فخربه المعتصم. # وأشد الأمم فى هذا النوع من الشرك: الهند. # قال يحيى بن بشر: إن شريعة الهند وضعها لهم رجل يقال له برهمن، ووضع لهم ~~أصناما، وجعل أعظم بيوتها بيتا بمدينة من مدائن السند. وجعل فيه صنمهم ~~الأعظم. وزعم # PageV02P222 # أنه بصورة الهيولى الأكبر. وفتحت هذه المدينة فى ms528 أيام الحجاج. واسمها ~~"الملتان" فأراد المسلمون قلع الصنم. فقيل: إن تركتموه ولم تقلعوه جعلنا ~~لكم ثلث ما يجتمع له من المال، فأمر عبد الملك بن مروان بتركه، فالهند تحج ~~إليه من نحو ألفى فرسخ ولا بد لمن يحجه أن يحمل معه من النقد ما يمكنه، من ~~مائة إلى عشرة آلاف، لا يكون أقل من هذا ولا أكثر. فيلقيه فى صندوق هناك ~~عظيم، ويطوف بالصنم، فإذا ذهبوا ورجعوا إلى بلادهم قسم ذلك المال، فثلثه ~~للمسلمين، وثلثه لعمارة المدينة وحصونها، وثلثه لسدنة الصنم ومصالحه. # وأصل هذا المذهب من مشركى الصابئة، وهم قوم إبراهيم عليه السلام، الذين ~~ناظرهم فى بطلان الشرك، وكسر حجتهم بعلمه، وآلهتهم بيده، فطلبوا تحريقه. # وهو مذهب قديم فى العالم، وأهله طوائف شتى. # فمنهم عباد الشمس، زعموا أنها ملك من الملائكة، لها نفس وعقل، وهى أصل ~~نور القمر والكواكب، وتكون الموجودات السفلية كلها عندهم، منها، من عندهم ~~ملك الفلك، فيستحق التعظيم والسجود، والدعاء. # ومن شريعتهم فى عبادتها: أنهم اتخذوا لها صنما بيده جوهرة على لون النار. ~~وله بيت خاص قد بنوه باسمه، وجعلوا له الوقوف الكثيرة، من القرى والضياع، ~~وله سدنة وقوام وحجبة، يأتون البيت ويصلون فيه لها ثلاث كرات فى اليوم. ~~ويأتيه أصحاب العاهات، فيصومون لذلك الصنم ويصلون، ويدعون ويستسقون به، وهم ~~إذا طلعت الشمس سجدوا كلهم لها، وإذا غربت، وإذا توسطت الفلك، ولهذا ~~يقارنها الشيطان فى هذه الأوقات الثلاثة لتقع عبادتهم وسجودهم له. ولهذا ~~نهى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن تحرى الصلاة فى هذه الأوقات، ~~قطعا لمشابهة الكفار ظاهرا، وسدا لذريعة الشرك، وعبادة الأصنام. # PageV02P223 # فصل # وطائفة أخرى اتخذت للقمر صنما، وزعموا أنه يستحق التعظيم والعبادة، وإليه ~~تدبير هذا العالم السفلى. # ومن شريعة عباده: أنهم اتخذوا له صنما على شكل عجل يجره أربعة، ويبد ~~الصنم جوهرة، ويعبدونه، ويسجدون له ويصومون له أياما معلومة من كل شهر، ثم ~~يأتون إليه بالطعام والشراب، والفرح والسرور، فإذا فرغوا من الأكل أخذوا فى ~~الرقص والغناء وأصوات المعازف بين يديه. # ومنهم ms529 من يعبد أصناما اتخذوها على صورة الكواكب وروحانيتها بزعمهم، وبنوا ~~لها هياكل، ومتعبدات، لكل كوكب منها هيكل يخصه، وصنم يخصه، وعبادة تخصه. # ومتى أردت الوقوف على هذا، فانظر فى كتاب "السر المكتوم فى مخاطبة ~~النجوم" المتسوب إلى ابن خطيب الرى تعرف سر عبادة الأصنام، وكيفية تلك ~~العبادة وشرائطها. # وكل هؤلاء مرجعهم إلى عبادة الأصنام، فإنهم لا تستمر لهم طريقة إلا بشخص ~~خاص على شكل خاص، ينظرون إليه، ويعكفون عليه. # ومن هاهنا اتخذ أصحاب الروحانيات والكواكب أصناما، زعموا أنها على صورتها ~~فوضع الصنم إنما كان الأصل على شلك معبود غائب فجعلوا الصنم على شكله ~~وهيأته وصورته، ليكون نائبا، وقائما مقامه. وإلا فمن المعلوم أن عاقلا لا ~~ينحت خشبة أو حجرا بيده، ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده. # ومن أسباب عبادتها أيضا: أن الشياطين تدخل فيها، وتخاطبهم منها وتخبرهم ~~ببعض المغيبات، وتدلهم على بعض ما يخفى عليهم، وهم لا يشاهدون الشياطين، ~~فجهلتهم وسقطهم يظنون أن الصنم نفسه هو المتكلم المخاطب، وعقلاؤهم يقولون: ~~إن تلك روحانيات الأصنام، وبعضهم يقولون: إنها الملائكة وبعضهم يقول: إنها ~~العقول المجردة. وبعضهم يقول: # PageV02P224 # هى روحانيات الأجرام العلوية. وكثير منهم لا يسأل عما عهد بل إذا سمع ~~الخطاب من الصنم اتخذه إلها، ولا يسأل عما وراء ذلك. # وبالجملة فأكثر أهل الأرض مفتونون بعبادة الأصنام والأوثان، ولم يتخلص ~~منها إلا الحنفاء، أتباع ملة إبراهيم عليه السلام، وعبادتها فى الأرض من ~~قبل نوح عليه السلام كما تقدم، وهياكلها ووقوفها وسدنتها وحجابها. والكتب ~~المصنفة فى شرائع عبادتها طبق ذلك كله الأرض. # قال إمام الحنفاء: {واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من ~~الناس} [إبراهيم: 35 - 36] . # والأمم التى أهلكها الله بأنواع الهلاك كلهم كانوا يعبدون الأصنام، كما ~~قص الله تعالى ذلك عنهم فى القرآن، وأنجى الرسل وأتباعهم من الموحدين. # ويكفى فى معرفة كثرتهم، وأنهم أكثر أهل الأرض: ما صح عن النبى صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم: # "أن بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون" وقد قال تعالى: {فأبى ~~أكثر الناس ms530 إلا كفورا} [الإسراء: 89] وقال: {وإن تطع أكثر من فى الأرض ~~يضلوك عن سبيل الله} [الأنعام: 116] وقال: {وما أكثر الناس ولو حرصت ~~بمؤمنين} [يوسف: 103] وقال: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم ~~لفاسقين} [الأعراف: 102] . # ولو لم تكن الفتنة بعبادة الأصنام عظيمة لما أقدم عبادها على بذل نفوسهم ~~وأموالهم وأبنائهم دونها، فهم يشاهدون مصارع إخوانهم وما حل بهم، ولا ~~يزيدهم ذلك إلا حبا لها وتعظيما، ويوصى بعضهم بعضا بالصبر عليها، وتحمل ~~أنواع المكاره فى نصرتها وعبادتها، وهم يسمعون أخبار الأمم التى فتنت ~~بعبادتها، وما حل بهم من عاجل العقوبات، ولا يثنيهم ذلك عن عبادتها. # ففتنة عبادة الأصنام أشد من فتنة عشق الصور، وفتنة الفجور بها. والعاشق ~~لا يثنيه # PageV02P225 # عن مراده خشية عقوبة فى الدنيا، ولا فى الآخرة، وهو يشاهد ما يحل بأصحاب ~~ذلك: من الآلام والعقوبات، والضرب، والحبس، والنكال، والفقر، غير ما أعد ~~الله له فى الآخرة وفى البرزخ، ولا يزيده ذلك إلا إقداما وحرصا على الوصول ~~والظفر بحاجته. # فهكذا الفتنة بعبادة الأصنام أشد، فإن تأله القلوب لها أعظم من تألها ~~للصور التى يريد منها الفاحشة بكثير. # والقرآن بل وسائر الكتب الإلهية، من أولها إلى آخرها، مصرحة ببطلان هذا ~~الدين وكفر أهله، وأنهم أعداء الله ورسله، وأنهم أولياء الشيطان وعباده ~~وأنهم هم أهل النار الذين لا يخرجون منها، وهم الذين حلت بهم المثلاث، ~~ونزلت بهم العقوبات، وأن الله سبحانه برئ منهم هو وجميع وملائكته، وأنه ~~سبحانه لا يغفر لهم، ولا يقبل لهم عملا. # وهذا معلوم بالضرورة من الدين الحنيف. # وقد أباح الله عز وجل لرسوله وأتباعه من الحنفاء دماء هؤلاء، وأموالهم، ~~ونساءهم وأبناءهم بتطهير الأرض منهم، حيث وجدوا، وذمهم بسائر أنواع الذم، ~~وتوعدهم بأعظم أنواع العقوبة، فهؤلاء فى شق ورسل الله تعالى كلهم فى شق. # فصل # ومن أسباب عبادة الأصنام: الغلو فى المخلوق، وإعطاؤه فوق منزلته، حتى جعل ~~فيه حظ من الإلهية، وشبهوه بالله سبحانه، وهذا التشبيه الواقع فى الأمم، ~~الذى أبطله الله سبحانه، وبعث رسله، وأنزل كتبه بإنكاره والرد على ms531 أهله. # فهو سبحانه ينفى، وينهى، أن يجعل غيره مثلا له، وندا له، وشبها له، لا أن ~~يشبه هو بغيره، إذ ليس فى الأمم المعروفة أمة جعلته سبحانه مثلا لشيء من ~~مخلوقاته، فجعلت المخلوق أصلا وشبهت به الخالق، فهذا لا يعرف فى طائفة من ~~طائفة بنى آدم، وإنما الأول هو # PageV02P226 # المعروف فى طوائف أهل الشرك، غلوا فيمن يعظمونه، ويحبونه، حتى شبهوه ~~بالخالق، وأعطوه خصائص الإلهية، بل صرحوا أنه إله، وأنكروا جعل الآلهة إلها ~~واحدا وقالوا: # {اصبروا على آلهتكم} [ص: 6] . # وصرحوا بأنه إله معبود، يرجى ويخاف، ويعظم ويسجد له، ويحلف باسمه، وتقرب ~~له القرابين، إلى غير ذلك من خصائص العبادة، التى لا تنبغى إلا لله تعالى. # فكل مشرك فهو مشبه لإلهه ومعبوده بالله سبحانه، وإن لم يشبهه به من كل ~~وجه، حتى إن الذين كفروا وصفوه سبحانه بالنقائص والعيوب كقولهم: # {إن الله فقير} [آل عمران: 181] وإن {يد الله مغلولة} [المائدة: 64] . # وإنه استراح لما فرغ من خلق العالم. والذين جعلوا له ولدا وصاحبة، تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا - لم يكن قصدهم أن يجعلوا المخلوق أصلا، ثم يشبهون ~~به الخالق، بل وصفوه بهذه الأشياء استقلالا، لا قصدا أن يكون غيره أصلا ~~فيها، وهو مشبه به. # ولهذا كان وصفه سبحانه بهذه الأمور من إبطال الباطل، لكونها فى نفسها ~~نقائص وعيوبا، ليس جهة البطلان فى اتصافه بها: هو التشبيه والتمثيل، فلا ~~يتوقف فى نفيها عنه على ثبوت انتفاء التشبيه، كما يفعله بعض أهل الكلام ~~الباطل، حيث صرحوا بأنه لا يقوم دليل عقلى على انتفاء النقائص والعيوب عنه، ~~وإنما تنفى عنه لاستلزامها التشبيه والتمثيل. # وهؤلاء إذا قال لهم الواصفون لله سبحانه بهذه الصفات: نحن نثبتها له على ~~وجه لا يماثل فيها خلقه، بل نثبت له فقرا وصاحبة وإيلادا يماثل فيه خلقه، ~~كما تثبتون أنتم له علما وقدرة، وحياة وسمعا، وبصرا، لا يماثل فيها خلقه. ~~فقولنا فى هذا كقولكم فيما أثبتموه سواء - لم يتمكنوا من إبطال قولهم، ~~ويصيرون أكفاء لهم فى المناظرة، فإنهم قد أعطوهم أنه لا ms532 يقوم دليل عقلى على ~~انتفاء النقائص والعيوب، وإنما ننفى ما نفى عنه لأجل التشبيه والتمثيل، وقد ~~أثبتوا له صفات على وجه لا يستلزم التشبيه، فقال أولئك: وهكذا نقول نحن. # ولما عرف بعضهم أن هذا لازم له لا محالة استروح إلى دليل الإجماع، وقال: ~~إنما نفينا النقائص والعيوب عنه بالإجماع، وعندهم أن الإجماع أدلته ظنية، ~~لا تفيد اليقين، فليس عند # PageV02P227 # القوم يقين وقطع بأن الله سبحانه منزه عن النقائص والعيوب. # وأهل السنة يقولون: إن تنزيهه سبحانه عن العيوب والنقائص واجب لذاته، كما ~~أن إثبات صفات الكمال والحمد واجب له لذاته، وهو أظهر فى العقول والفطر ~~وجميع الكتب الإلهية وأقوال الرسل من كل شيء. # ومن العجب أن هؤلاء جاءوا إلى ما علم بالاضطرار أن الرسل جاءوا به، ~~ووصفوا الله سبحانه به، ودلت عليه العقول والفطر والبراهين، فنفوه، وقالوا: ~~إثباته يستلزم التجسيم والتشبيه، فلم يثبت لهم قدم البتة، فيما يثبتونه له ~~سبحانه، وينفونه عنه. وجاءوا إلى ما علم بالاضطرار والفطر والعقول، وجميع ~~الكتب الإلهية من تنزيه الله سبحانه عن كل نقص وعيب، فقالوا: ليس فى أدلة ~~العقل ما ينفيه، وإنما ننفيه بما ننفى به التشبيه. # وليس فى الخذلان فوق هذا، بل إثبات هذه العيوب والنقائص يضاد كماله ~~المقدس وهو سبحانه موصوف بما يضادها وينافيها من كل وجه، ونفيها أظهر وأبين ~~فى العقول من نفى التشبيه، فلا يجوز أن يثبت له على وجه لا يشابه فيه خلقه. # والمقصود: أنه لم يكن فى الأمم من مثله بخلقه، وجعل المخلوق أصلا ثم شبهه ~~به، وإنما كان التمثيل والتشبيه فى الأمم، حيث شبهوا أوثانهم ومعبوديهم به ~~فى الإلهية، وهذا التشبيه هو أصل عبادة الأصنام، فأعرض عنه وعن بيان بطلانه ~~أهل الكلام، صرفوا العناية إلى إنكار تشبيهه بالخلق الذى لم تعرف أمة من ~~الأمم عليه، وبالغوا فيه حتى نفوا به عنه صفات الكمال. # ولهذا موضع مهم نافع جدا، به يعرف الفرق بين ما نزه الرب سبحانه نفسه ~~عنه، وذم به المشركين المشبهين العادلين به خلقه، وبين ما ينفيه ms533 الجهمية ~~المعطلة من صفات كماله، ويزعمون أن القرآن دل عليه وأريد به نفيه. # والقرآن مملوء من إبطال أن يكون فى المخلوقات ما يشبه الرب تعالى أو ~~يماثله، فهذا هو الذى قصد بالقرآن، إبطالا لما عليه المشركون والمشبهون ~~العادلون بالله تعالى غيره. # قال تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} [البقرة: 22] # PageV02P228 # وقال: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} [البقرة: ~~165] . # فهؤلاء جعلوا المخلوق مثلا للخالق. فالند: الشبه. يقال فلان ند فلان، ~~ونديده أى مثله وشبهه، ومنه قول حسان بن ثابت: # أتهجوه ولست له بند؟ ... فشر كما لخير كما الفداء # ومنه قول النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - لمن قال له ما شاء الله ~~وشئت: "أجعلتنى لله ندا" وقال جرير: # أتيما تجعلون إلى ندا؟ ... وما تيم لذى حسب نديد # قال ابن مسعود، وابن عباس: "لا تجعلوا لله أكفاء من الرجال، تطيعونهم فى ~~معصية الله". # وقال ابن زيد: "الأنداد الآلهة التى جعلوها معه". # وقال الزجاج: "أى لا تجعلوا لله أمثالا". # فالذى أنكره الله سبحانه عليهم: هو تشبيه المخلوق به، حتى جعلوه ندا لله ~~تعالى، يعبدونه كما يعبدون الله، وكذلك قوله فى الآية الأخرى: # {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} [البقرة: 165] ~~فأنكر هذا التشبيه عليهم، وهو أصل عبادة الأصنام. # ونظير هذا قوله سبحانه: {الحمد لله الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات ~~والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} [الأنعام: 1] . # أى يعدلون به غيره، فيجعلون له من خلقه عدلا وشبها. # PageV02P229 # قال ابن عباس: يريد عدلوا بى من خلقى الحجارة والأصنام، بعد أن أقروا ~~بنعمتى وربوبيتى. # وقال الزجاج: أعلم الله سبحانه أنه خالق ما ذكر فى هذه الآية. وأن خالقها ~~لا شيء مثله، وأعلم أن الكفار يجعلون له عديلا. والعدل التسوية، يقال: عدل ~~الشيء بالشيء إذا سواه به، ومعنى يعدلون به: يشركون به غيره. # قال مجاهد قال الأحمر: يقال: عدل الكافر بربه عدلا، وعدولا: إذا سوى به ~~غيره فعبده. # وقال الكسائى: عدلت الشيء بالشيء أعدله عدولا إذا ms534 ساويته به. # ومثله قوله تعالى عن هؤلاء المشبهين إنهم يقولون فى النار لآلهتهم: ~~{تالله إن كنا لفى ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} [الشعراء: 97- 98] . # فاعترفوا أنهم كانوا فى أعظم الضلال وأبينه، إذ جعلوا لله شبها وعدلا من ~~خلقه سووهم به فى العبادة والتعظيم. # وقال تعالى: {رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته، هل ~~تعلم له سميا} [مريم: 65] . # قال ابن عباس: "شبها ومثلا، وهو من يساميه". # وذلك نفى عن المخلوق أن يكون مشابها للخالق، ومماثلا له، بحيث يستحق ~~العبادة والتعظيم، ولم يقل سبحانه: هل تعلمه سميا، أو مشبها لغيره، فإن هذا ~~لم يقله أحد. بل المشركون المشبهون جعلوا بعض المخلوقات مشابها له، مساميا، ~~وندا وعدلا، فأنكر عليهم هذا التشبيه والتمثيل. # وكذلك قوله: {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض ~~شيئا ولا يستطيعون فلا تضربوا لله الأمثال} [النحل: 73 - 74] . # فنهاهم أن يضربوا له مثلا من خلقه، ولم ينههم أن يضربوه هو مثلا لخلقه ~~فإن هذا لم يقله أحد، ولم يكونوا يفعلونه. فإن الله سبحانه أجل وأعظم وأكبر ~~من كل شيء فى فطر الناس كلهم. ولكن المشبهون المشركون يغلون فيمن يعظمونه. ~~فيشبهونهم بالخالق، والله تعالى أجل فى صدور جميع الخلق من أن يجعلوا غيره ~~أصلا ثم يشبهونه سبحانه بغيره. # PageV02P230 # فالذى يشبهه بغيره، إن قصد تعظيمه، لم يكن فى هذا تعظيم، لأنه مثل أعظم ~~العظماء بما هو دونه، بل بما ليس بينه نسبة وشبه فى العظمة والجلالة، وعاقل ~~لا يفعل هذا. # وإن قصد التنقيص شبهه بالناقصين المذمومين، لا بالكاملين الممدوحين. # ومن هنا يعلم أن إثبات صفات الكمال له لا يتضمن التشبيه والتمثيل، لا ~~بالكاملين ولا بالناقصين وأن نفى تلك الصفات يستلزم تشبيهه بأنقص الناقصين. # فانظر إلى الجهمية وأتباعهم، جاءوا إلى التشبيه المذموم فأعرضوا عنه ~~صفحا، وجاءوا إلى الكمال والمدح فجعلوه تشبيها وتمثيلا، عكس ما يثبته ~~القرآن، وجاء به من كل وجه. # ومن هذا قوله تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 4] . # هو سلب عن المخلوق مكافأته ومماثلته للخالق ms535 سبحانه، ولم يقل: ولم يكن هو ~~كفوا لأحد، فينفى عن نفسه مشابهته للمخلوق ومكافأته له، إذ كان ذلك أبين ~~وأظهر من أن يحتاج إلى نفيه. # وسر ذلك: أن المقصود أن المخلوق لا يماثله سبحانه فى شيء من صفاته ~~وخصائصه. وأما كونه سبحانه هو لا يماثل المخلوق لا يماثل المخلوق، ولا ~~يشابهه، ولا هو ند له ولا كفؤ، فليس فيه مدح له. # فإنه لو مدح بعض الملوك أو غيرهم بأنه لا يشبه الحيوانات، ولا الحجارة، ~~ولا الخشب، ونحو ذلك، لم يعد هذا مدحا، ولا ثناء عليه، ولا كمالا له بخلاف ~~ما إذا قيل: لا تجعل للملك ندا ولا كفؤا، ولا شبيها من رعيته، تعظمه ~~كتعظيمه، وتطيعه كطاعته، فإنه ليس فى رعيته من يساميه. ولا يماثله، ولا ~~يكافئه: كان هذا غاية المدح. # وكذلك قول سبحانه: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] . # إنما قصد به نفى أن يكون معه شريك، أو معبود يستحق العبادة والتعظيم، كما ~~يفعله المشبهون والمشركون. ولم يقصد به نفى صفات كماله، وعلوه على خلقه، ~~وتكلمه بكتبه، وتكليمه لرسله، # PageV02P231 # ورؤية المؤمنين له جهرة بأبصارهم، كما ترى الشمس والقمر فى الصحو. فإنه ~~سبحانه إنما ذكر هذا فى سياق رده على المشركين، الذين اتخذوا من دونه ~~أولياء. يوالونهم من دونه فقال تعالى: # {والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل ~~وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع ~~لا ريب فيه فريق فى الجنة وفريق فى السعير ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ~~ولكن يدخل من يشاء فى رحمته والظالمون مالهم من ولى ولا نصير أم اتخذوا من ~~دونه أولياء فالله هو الولى وهو يحيى الموتى وهو على كل شيء قدير وما ~~اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربى عليه توكلت وإليه أنيب ~~فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم ~~فيه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 6 - 11] . # فتأمل كيف ذكر هذا النفى ms536 تقريرا للتوحيد، وإبطالا لما عليه أهل الشرك: من ~~تشبيه آلهتهم، وأوليائهم به، حتى عبدوهم معه. فحرفها المحرفون وجعلوها ترسا ~~لهم فى نفى صفات كماله، وحقائق أسمائه وأفعاله. # وهذا التشبيه الذى أبطله الله سبحانه نفيا ونهيا: هو أصل شرك العالم، ~~وعبادة الأصنام: ولهذا نهى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يسجد أحد ~~لمخلوق مثله أو يحلف بمخلوق مثله، أو يصلى إلى قبر، أو يتخذ عليه مسجدا، أو ~~يعلق عليه # PageV02P232 # قنديلا أو يقول القائل: ما شاء الله وشاء فلان. ونحو ذلك، حذرا من هذا ~~التشبيه الذى هو أصل الشرك. # وأما إثبات صفات الكمال فهو أصل التوحيد. # فتبين أن المشبهة هم الذين يشبهون المخلوق بالخالق فى العبادة والتعظيم ~~والخضوع، والحلف به، والنذر له، والسجود له، والعكوف عند بيته، وحلق الرأس ~~له، والاستغاثة به، والتشريك بينه وبين الله، فى قولهم: ليس لى إلا الله ~~وأنت، وأنا متكل على الله وعليك. وهذا من الله ومنك. وأنا فى حسب الله ~~وحسبك، وما شاء الله وشئت. وهذا لله ولك. وأمثالك ذلك. # فهؤلاء هم المشبهة حقا، لا أهل التوحيد، المثبتون لله ما أثبته لنفسه، ~~والنافون عنه ما نفاه عن نفسه، الذين لا يجعلون له ندا من خلقه، ولا عدلا، ~~ولا كفؤا، ولا سميا، وليس لهم من دونه ولى ولا شفيع. # فمن تدبر هذا الفصل حق التدبر تبين له كيف وقعت الفتنة فى الأرض بعبادة ~~الأصنام، وتبين له سر القرآن فى الإنكار على هؤلاء المشبهة الممثلة، ولا ~~سيما إذا جمعوا إلى هذا التشبيه تعطيل الصفات والأفعال. كما هو الغالب ~~عليهم. فيجمعون بين تعطيل الرب سبحانه عن صفات كماله، وبين تشبيه خلقه به. # فصل # ومن كيده وتلاعبه: ما تلاعب بعباد النار، حتى اتخذوها إلها معبودة. # وقد قيل: إن هذا كان من عهد قابيل. كما ذكر أبو جعفر محمد بن جرير: "أنه ~~لما قتل قابيل هابيل وهرب من أبيه آدم عليه السلام. أتاه إبليس. فقال له: ~~إن هابيل إنما قبل قربانه وأكلته النار، لأنه كان يخدمها ويعبدها، فانصب ~~أنت أيضا ms537 نارا تكون لك ولعقبك. فبنى بيت نار، فهو أول من نصب النار ~~وعبدها". # وسرى هذا المذهب فى المجوس، فبنوا لها بيوتا كثيرة، واتخذوا لها الوقوف ~~والسدنة # PageV02P233 # والحجاب، فلا يدعوها تخمد لحظة واحدة، فاتخذ لها إفريدون بيتا بطوس، وآخر ~~ببخارى. واتخذ لها بهمن بيتا بسجستان، واتخذ لها أبو قباذ بيتا بناحية ~~بخارى، واتخذت لها بيوت كثيرة. # وعباد النار يفضلونها على التراب، ويعظمونها، ويصوبون رأى إبليس، وقد رمى ~~بشار بن برد بهذا المذهب، لقوله فى قصيدته: # الأرض سافلة سوداء مظلمة ... والنار معبودة مذ كانت النار # ويقولون: إنها أوسع العناصر خيرا، وأعظمها جرما، وأوسعها مكانا، وأشرفها ~~جوهرا، وألطفها جسما، ولا كون فى العالم إلا بها، ولا نمو ولا انعقاد، إلا ~~بممازجتها. # ومن عبادتهم لها: أن يحفروا لها أخدودا مربعا فى الأرض ويطوفون به. # وهم أصناف مختلفة. # فمنهم من يحرم إلقاء النفوس فيها، وإحراق الأبدان بها، وهم أكثر المجوس. # وطائفة أخرى منهم: تبلغ بهم عبادتهم لها إلى أن يقربوا أنفسهم وأولادهم ~~لها، وهؤلاء أكثر ملوك الهند وأتباعهم. ولهم سنة معروفة فى تقريب نفوسهم، ~~وإلقائهم فيها، فيعمد الرجل الذى يريد أن يفعل ذلك بنفسه، أو بولده، أو ~~حبيبه. فيجمله ويلبسه أحسن اللباس، وأفخر الحلى. ويركبه أعلى المراكب وحول ~~المعازف والطبول والبوقات، فيزف إلى النار أعظم من زفافه ليلة عرسه. حتى ~~إذا ما قابلها ووقف عليها وهى تأجج طرح نفسه فيها، فضج # PageV02P234 # الحاضرون ضجة واحدة بالدعاء له، وغبطته على ما فعل. فلا يلبث إلا يسيرا ~~حتى يأتيهم الشيطان فى صورته وشكله وهيأته، لا ينكرون منه شيئا، فيأمرهم ~~بأمره، ويوصيهم بما يوصيهم به، ويوصيهم بالتمسك بهذا الدين. ويخبرهم أنه ~~صار إلى جنة ورياض وأنهار، وأنه لم يتألم بمس النار له، فلا يهولنهم ذلك ~~ولا يمنعهم عن أن يفعلوا مثله. # ومنهم زهاد وعباد، يجلسون حول النار صائمين، عاكفين عليها. # ومن سنتهم: الحث على الأخلاق الجميلة، كالصدق، والوفاء، وأداء الأمانة، ~~والعفة، والعدل، وترك أضدادها. ولهؤلاء شرائع فى عبادتها، ونواميس وأوضاع ~~لا يخلون بها. # فصل # ومن كيده وتلاعبه: تلاعبه بطائفة ms538 أخرى تعبد الماء من دون الله، وتسمى ~~الحلبانية. # وتزعم أن الماء لما كان أصل كل شيء، وبه كل ولادة ونمو ونشوء، وطهارة ~~وعمارة. وما من عمل فى الدنيا إلا ويحتاج إلى الماء، فكان حقه أن يعبد. # ومن شريعتهم فى عبادته: أن الرجل منهم إذا أراد عبادته تجرد وستر عورته ~~ثم دخل فيه، حتى يصير إلى وسطه، فيقيم هناك ساعتين أو أكثر، بقدر ما أمكنه ~~ويكون معه ما يمكنه أخذه من الرياحين. فيقطعها صغارا، فيلقيها فيه شيئا ~~فشيئا، وهو يسبحه ويمجده. فإذا أراد الانصراف حرك الماء بيديه، ثم أخذ منه ~~فيضعه على رأسه ووجهه وجسد، ثم يسجد وينصرف. # فصل # ومن تلاعبه: تلاعبه بعباد الحيوانات. فطائفة عبدت الخيل، وطائفة عبدت # PageV02P235 # البقر، وطائفة عبدت البشر الأحياء والأموات، وطائفة تعبد الشجر، وطائفة ~~تعبد الجن، كما قال سبحانه: # {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم، بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} [سبأ: ~~40- 41] . # وقال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم ~~عدو مبين * وأن اعبدونى هذا صراط مستقيم} [يس: 60- 61] . # وقال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد آستكثرتم من الإنس وقال ~~أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا قال ~~النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: ~~128] . # يعنى قد استكثرتم من إضلالهم وإغوائهم. # PageV02P236 # قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن وغيرهم "أضللتم منهم كثيرا" فيجيبه سبحانه ~~أولياؤهم من الإنس بقولهم: # {ربنا استمتع بعضنا ببعض} [الأنعام: 128] . # يعنون استمتاع كل نوع بالنوع الآخر. فاستمتاع الجن بالإنس: طاعتهم لهم ~~فيما يأمرونهم به: من الكفر، والفسوق، والعصيان. فإن هذا أكثر أغراض الجن ~~من الإنس. فإذا أطاعوهم فيه فقد أعطوهم مناهم. واستمتاع الإنس بالجن: أنهم ~~أعانوهم على معصية الله تعالى، والشرك به بكل ما يقدرون عليه: من التحسين، ~~والتزيين، والدعاء، وقضاء كثير من حوائجهم، واستخدامهم بالسحر والعزائم، ~~وغيرها. فأطاعهم الإنس فيما يرضيهم: من الشرك، والفواحش، والفجور، ms539 وأطاعتهم ~~الجن فيما يرضيهم: من التأثيرات، والإخبار ببعض المغيبات. # فتمتع كل من الفريقين بالآخر. # وهذه الآية منطبقة على أصحاب الأحوال الشيطانية الذين لهم كشوف شيطانية ~~وتأثير شيطانى. فيحسبهم الجاهل أولياء الرحمن، وإنما هم من أولياء الشيطان. ~~أطاعوه فى الإشراك، ومعصية الله، والخروج عما بعث به رسله، وأنزل به كتبه. ~~فأطاعهم فى أن خدمهم بإخبارهم بكثير من المغيبات والتأثيرات، واغتر بهم من ~~قل حظه من العلم والإيمان فوالى أعداء الله، وعادى أولياءه، وحسن الظن بمن ~~خرج عن سبيله وسنته، وأساء الظن بمن اتبع سنة الرسول، وما جاء به، ولم ~~يدعها لأقوال المختلفين، وآراء المتحيرين وشطحات المارقين، وترهات ~~المتصوفين. # والبصير الذى نور الله بصيرته بنور الإيمان والمعرفة إذا عرف حقيقة ما ~~عليه أكثر هذا الحلق، وكان ناقدا، لا يروج عليه الزغل، تبين له أنهم داخلون ~~تحت حكم هذه الآية، وهى منطبقة عليهم. # فالفاسق يستمتع بالشيطان، بإعانته له على أسباب فسوقه، والشيطان يستمتع ~~به فى # PageV02P237 # قبوله منه وطاعته له فيسره ذلك، ويفرح به منه. # والمشرك يستمتع به الشيطان بشركه به، وعبادته له. ويستمتع هو بالشيطان فى ~~قضاء حوائجه، وإعانته له. # ومن لم يحط علما بهذا لم يعلم حقيقة الإيمان والشرك، وسر امتحان الرب ~~سبحانه كلا من الثقلين بالآخر. # ثم قالوا {وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا} [الأنعام: 128] . # وهو يتناول أجل الموت، وأجل البعث. فكلاهما أجل أجله الله تعالى لعباده ~~وهما الأجلان اللذان قال الله فيهما: {ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده} ~~[الأنعام: 2] . # وكأن هذا - والله أعلم - إشارة منهم إلى نوع استعطاف وتوبة. فكأنهم ~~يقولون: هذا أمر قد كان إلى وقت وانقطع بانقطاع أجله. فلم يستمر ولم يدم، ~~فبلغ الأمر الذى كان أجله وانتهى إلى غايته. ولكل شيء آخر، فقال تعالى: ~~{النار مثواكم خالدين فيها} [الأنعام: 128] . # فإنه وإن انقطع زمن التمتع وانقضى أجله، فقد بقى زمن العقوبة، فلا يتوهم ~~أنه إذا انقضى زمن الكفر والشرك، وتمتع بعضكم ببعض أن مفسدته زالت بزواله، ~~وانتهت بانتهائه. # والمقصود: أن الشيطان تلاعب بالمشركين حتى عبدوه، واتخذوه وذريته أولياء ~~من ms540 دون الله. # فصل # ومن تلاعبه بهم: أن زين لقوم عبادة الملائكة فعبدوهم بزعمهم. ولم تكن ~~عبادتهم فى الحقيقة لهم، ولكن كانت للشياطين. فعبدوا أقبح خلق الله وأحقهم ~~باللعن والذم. # قال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم ~~مؤمنون} [سبأ: 40-41] . # وقال تعالى: {ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله، فيقول أأنتم # PageV02P238 # أضللتم عبادى هؤلاء، أم هم ضلوا السبيل قالوا سبحانك ما كان ينبغى لنا أن ~~نتخذ من دونك من أولياء، ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما ~~بورا فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا. ومن يظلم منكم ~~نذقه عذابا كبيرا} [الفرقان: 17- 19] . # وهذه الآيات تحتاج إلى تفسير وبيان. # فقوله سبحانه {ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله} [الفرقان: 17] . # عام فى كل عابد ومن عبده من دون الله. # وأما قوله {فيقول أأنتم أضللتم عبادى هؤلاء، أم هم ضلوا السبيل} ~~[الفرقان: 17] . # فقال مجاهد، فيما رواه ورقاء عن ابن أبى نجيح - عنه قال: "هذا خطاب لعيسى ~~وعزير، والملائكة" وروى عنه ابن جريج نحوه. # وأما عكرمة والضحاك والكلبى، فقالوا: هو عام فى الأوثان وعبدتها. # ثم يأذن سبحانه لها فى الكلام، فيقول: {أأنتم أضللتم عبادى هؤلاء} ~~[الفرقان: 17] . # قال مقاتل: يقول سبحانه: "أأنتم أمرتموهم بعبادتكم، أم هم ضلوا السبيل؟ ~~أى أم هم أخطأوا الطريق؟ فأجاب المعبودون بما حكى الله عنهم من قولهم: ~~{سبحانك ما كان ينبغى لنا أن نتخذ من دونك من أولياء} [الفرقان: 18] . # وهذا الجواب إنما يحسن من الملائكة والمسيح وعزير، ومن عبدهم المشركون من ~~أولياء الله. # ولهذا قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: قالت الملائكة وعيسى الذين كان ~~هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله [تنزيها لك يا ربنا وتبرئة مما أضاف ~~إليك هؤلاء المشركون] . # {ما كان ينبغى لنا أن نتخذ من دونك من أولياء} [الفرقان: 18] . # نواليهم، بل أنت ولينا من دونهم. # وقال ابن عباس ومقاتل "نزهوا الله وعظموه أن يكون معه إله". # PageV02P239 # وفيها قراءتان: أشهرهما ms541 - نتخذ - بفتح النون وكسر الخاء، على البناء ~~للفاعل وهى قراءة السبعة. والثانية - نتخذ - بضم النون وفتح الخاء، على ~~البناء للمفعول. وهى قراءة الحسن ويزيد بن القعقاع. # وعلى كل واحدة من القراءتين إشكال. # فأما قراءة الجمهور، فإن الله سبحانه إنما سألهم: هل أضلوا المشركين ~~بأمرهم إياهم بعبادتهم، أم هم ضلوا السبيل باختيارهم وأهوائهم؟ وكيف يكون ~~هذا الجواب مطابقا للسؤال؟ فإنه لم يسألهم: هل اتخذتم من دونى من أولياء؟ ~~حتى يقولوا: {ما كان ينبغى لنا أن نتخذ من دونك من أولياء} [الفرقان: 18] . # وإنما سألهم هل أمرتم عبادى هؤلاء بالشرك، أم هم أشركوا من قبل أنفسهم؟ ~~فالجواب المطابق أن يقولوا: لم نأمرهم بالشرك، وإنما هم آثروه وارتضوه أو ~~لم نأمرهم بعبادتنا، كما قال فى الآية الأخرى عنهم: {تبرأنا إليك ما كانوا ~~إيانا يعبدون} [القصص: 13] . # فلما رأى أصحاب القراءة الأخرى ذلك فروا إلى بناء الفعل للمفعول. وقالوا: ~~الجواب يصح على ذلك، ويطابق. إذ المعنى: ليس يصلح لنا أن نعبد ونتخذ آلهة، ~~فكيف نأمرهم بما لا يصلح لنا، ولا يحسن منا؟. # ولكن لزم هؤلاء من الإشكال أمر آخر، وهو قوله: {من أولياء} [الفرقان: 18] ~~. # فإن زيادة ((من)) لا يحسن إلا مع قصد العموم، كما تقول: ما قام من رجل. ~~وما ضربت من رجل. فأما إذا كان النفى واردا على شيء مخصوص فإنه لا يحسن ~~زيادة ((من فيه، وهم إنما نفوا عن أنفسهم ما نسب إليهم من دعوى المشركين: ~~أنهم أمروهم بالشرك. فنفوا عن أنفسهم ذلك بأنه لا تحسن منهم، ولا يليق بهم ~~أن يعبدوا، فكيف ندعو عبادك إلى أن يعبدونا؟ فكان الواجب على هذا: أن تقرأ: ~~{ما كان ينبغى لنا أن نتخذ أولياء من دونك أو من دونك أولياء} . # فأجاب أصحاب القراءة الأولى بوجوه: # أحدها: أن المعنى: ما كان ينبغى لنا أن نعبد غيرك، ونتخذ غيرك وليا ~~ومعبودا فكيف ندعو أحدا إلى عبادتنا؟ أى إذا كنا نحن لا نعبد غيرك، فكيف ~~ندعو أحدا إلى أن # PageV02P240 # عبادتنا؟ أى إذا كنا نحن لا نعبد غيرك، فكيف ندعو أحدا ms542 إلى أن يعبدنا؟ ~~والمعنى: أنهم إذا كانوا لا يرون لأنفسهم عبادة الله تعالى، فكيف يدعون ~~غيرهم إلى عبادتهم؟ وهذا جواب الفراء. # وقال الجرجانى: هذا بالتدريج يصير جوابا للسؤال الظاهر، وهو أن من عبد ~~شيئا فقد تولاه، وإذا تولاه العابد صار المعبود وليا للعابد، يدل على هذا ~~قوله تعالى: # {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون؟ * قالوا ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم} [سبأ: 40 - 41] . # فدل على أن العابد يصير وليا للمعبود. # ويصير المعنى كأنهم قالوا: ما كان ينبغى لنا أن نأمر غيرنا باتخاذنا ~~أولياء، وأن نتخذ من دونك وليا يعبدنا. وهذا بسط لقول ابن عباس فى هذه ~~الآية. # قال: يقولون: ما توليناهم، ولا أحببنا عبادتهم. قال: ويحتمل أن يكون ~~قولهم: {ما كان ينبغى لنا أن نتخذ من دونك من أولياء} [الفرقان: 18] . # أن يريدوا معشر العبيد، لا أنفسهم: أى نحن وهم عبيدك، ولا ينبغى لعبيدك ~~أن يتخذوا من دونك أولياء ولكنهم أضافوا ذلك إلى أنفسهم تواضعا منهم. كما ~~يقول الرجل لمن أتى منكرا: ما كان ينبغى لى أن أفعل مثل هذا: أى أنت مثلى ~~عبد محاسب، فإذا لم يحسن من مثلى أن يفعل هذا لم يحسن منك أيضا. # قال: ولهذا الإشكال قرأ من قرأ نتخذ بضم النون. وهذه القراءة أقرب فى ~~التأويل. # لكن قال الزجاج: هذه القراءة خطأ، لأنك تقول: ما اتخذت من أحد وليا، ولا ~~يجوز ما اتخذت أحدا من ولى لأن "من" إنما دخلت لأنها تنفى واحدا من معنى ~~جميع، تقول: ما من أحد قائما، وما من رجل محبا لما يضره، ولا يجوز: ما رجل ~~من محب لما يضره. # قال: ولا وجه عندنا لهذا البتة، ولو جاز هذا لجاز فى: {فما منكم من أحد ~~عنه حاجزين} [الحاقة: 47] . # ما أحد عنه من حاجزين. فلو لم تدخل "من" لصحت هذه القراءة. # قال صاحب النظم: العلة فى سقوط هذه القراءة: أن "من" لا تدخل إلا على ~~مفعول لا مفعول دونه: فإذا كان قبل المفعول مفعول سواه لم يحسن دخول "من" ms543 ~~كقوله: # PageV02P241 # {ما كان لله أن يتخذ من ولد} [مريم: 35] . # فقوله "من ولد" لا مفعول دونه سواه، ولو قال: ما كان لله أن يتخذ أحدا من ~~ولد، لم يحسن فيه دخول "من" لأن فعل الاتخاذ مشغول بأحد. # وصحح آخرون هذه القراءة لفظا ومعنى، وأجروها على قواعد العربية. # قالوا وقد قرأ بها من لا يرتاب فى فصاحته. فقرأ بها زيد بن ثابت، وأبو ~~الدرداء وأبو جعفر، ومجاهد، ونصر بن علقمة، ومكحول، وزيد بن على، وأبو ~~رجاء، والحسن، وحفص بن حميد، ومحمد بن على، على خلاف عن بعض هؤلاء ذكر ذلك ~~أبو الفتح ابن جنى. ثم وجهها بأن يكون "من أولياء" فى موضع الحال: أى ما ~~كان ينبغى لنا أن نتخذ من دونك أولياء. ودخلت "من" زائدة لمكان النفى. ~~كقولك اتخذت زيدا وكيلا، فإذا نفيت قلت: ما اتخذت زيدا من وكيل. وكذلك ~~أعطيته درهما وما أعطيته من درهم. وهذا فى المفعول فيه. # قلت: يعنى أن زيادتها مع الحال، كزيادتها مع المفعول. # ونظير ذلك أن تقول: ما ينبغى لى أن أخدمك متثاقلا، فإذا أكدت، قلت: من ~~متثاقل. # فإن قيل: فقد صحت القراءتان لفظا ومعنى، فأيهما أحسن؟ # قلت: قراءة الجمهور أحسن وأبلغ فى المعنى المقصود والبراءة مما لا يليق ~~بهم، فإنهم على قراءة الضم: يكونون قد نفوا حسن اتخاذ المشركين لهم أولياء، ~~وعلى قراءة الجمهور: يكونون قد أخبروا أنهم لا يليق بهم، ولا يحسن منهم أن ~~يتخذوا وليا من دونه، بل أنت وحدك ولينا ومعبودنا، فإذا لم يحسن بنا أن ~~نشرك بك شيئا، فكيف يليق بنا أن ندعو عبادك إلى أن يعبدونا من دونك؟ وهذا ~~المعنى أجل من الأول وأكبر، فتأمله. # والمقصود: أنه على القراءتين: فهذا الجواب من الملائكة ومن عبد من دون ~~الله من أوليائه. وأما كونه من الأصنام فليس بظاهر. # وقد يقال: إن الله سبحانه أنطقها بذلك، تكذيبا لهم، وردا عليهم، وبراءة ~~منهم كقوله: # {إذ تبرا الذين اتبعوا من الذين اتبعوا} [البقرة: 166] . # وفى الآية الأخرى {تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون} [القصص: 63] . # PageV02P242 # ثم ms544 ذكر المعبودون سبب ترك العابدين الإيمان بالله تعالى: بقولهم: # {ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا} [الفرقان: 18] . # قال ابن عباس: أطلت لهم العمر، وأفضلت عليهم ووسعت لهم فى الرزق. # وقال الفراء: ولكنك متعتهم بالأموال والأولاد، حتى نسوا ذكرك، وكانوا ~~قوما بورا: أى هلكى فاسدين، قد غلب عليهم الشقاء والخذلان. والبوار: الهلاك ~~والفساد، يقال: بارت السلعة، وبارت المرأة، إذا كسدت ولم يحصل لها من ~~يتزوجها. # قال قتادة: والله ما نسى قوم ذكر الله عز وجل إلا باروا وفسدوا. # والمعنى: ما أضللناهم ولكنهم ضلوا. # قال الله تعالى {فقد كذبوكم بما تقولون} [الفرقان: 19] . # أى كذبكم المعبودون بقولكم فيهم: إنهم آلهة، وإنهم شركاء، أو بما تقولون ~~إنهم أمروكم بعبادتهم، ودعوكم إليها. # وقيل: الخطاب للمؤمنين فى الدنيا: أى فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء ~~المشركون بما تقولونه، مما جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن ~~الله من التوحيد والإيمان والأول أظهر، وعليه يدل السياق. # ومن قرأها - آخر الحروف - فالمعنى، فقد كذبوكم بقولهم، ثم قال: # {فما تستطيعون صرفا ولا نصرا} [الفرقان: 19] . # إخبارا عن حالهم يومئذ، وأنهم لا يستطيعون صرف العذاب عن أنفسهم، ولا ~~نصرها من الله. # قال ابن زيد: ينادى مناد يوم القيامة، حين يجمع الخلائق: # يقول: من عبد من دون الله، لا ينصر اليوم من عبده، والعابد لا ينصر إلهه: # {بل هم اليوم مستسلمون} [الصافات: 26] . # فهذا حال عباد الشيطان يوم لقاء الرحمن، فوا سوء حالهم حين امتيازهم عن ~~المؤمنين إذا سمعوا النداء. # {وامتازوا اليوم أيها المجرمون ألم أعهد إليكم يا بنى آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدونى هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا ~~كثيرا أفلم تكونوا تعقلون} [يس: 59 - 62] . # PageV02P243 # فصل # ومن تلاعبه وكيده: تلاعبه بالثنوية. # وهم طائفة قالوا: الصانع اثنان، ففاعل الخير نور، وفاعل الشر ظلمة، وهما ~~قديمان لم يزالا ولن يزالا قويين حساسين، مدركين، سميعين، بصيرين، وهما ~~مختلفان فى النفس والصورة، متضادان فى الفعل والتدبير. فالنور فاضل حسن ~~نقى، طيب الريح حسن المنظر، ونفسه ms545 خيرة، كريمة، حكيمة، نفاعة، منها الخيرات ~~والمسرات، والصلاح. وليس فيها شيء من الضرر، ولا من الشر. # والظلمة على ضد ذلك: من الكدر، والنقص، ونتن الريح، وقبح المنظر، ونفسها ~~نفس شريرة، بخيلة، سفيهة. منتنة، مضرة، منها الشر والفساد. # ثم اختلفوا، فقالت منهم: إن النور لم يزل فوق الظلمة. # وقالت فرقة: بل كل واحد منهما إلى جانب الآخر. # وقالت فرقة: النور لم يزل مرتفعا فى ناحية الشمال، والظلمة منحطة فى ~~الجنوب، ولم يزل كل واحد منهما مباينا لصاحبه. # وزعموا أن لكل واحد منهما أربعة أبدان، وخامس هو الروح. فأبدات النور ~~الأربعة: النار، والنور، والريح، والماء، وروحه: النسيم، ولم يزل يتحرك فى ~~هذه الأبدان. # وأبدان الظلمة الأربعة: الحريق، والظلمة، والسموم، والضباب، وروحها: ~~الدخان. وسموا أبدان النور ملائكة، سموا أبدان الظلمة شياطين وعفاريت. # وبعضهم يقول: الظلمة تتولد شياطين، والنور يتولد ملائكة، والنور لا يقدر ~~على الشر، ولا يجئ منه، والظلمة لا تقدر على الخير، ولا يجئ منها. # ولهم مذاهب سخيفة جدا. # PageV02P244 # وفرض عليهم صوم سبع العمر، وأن لا يؤذى أحدهم ذا روح البتة. # ومن شريعتهم: أن لا يدخروا إلا قوت يوم، وتجنب الكذب، والبخل، والسحر ~~وعبادة الأوثان، والزنا والسرقة. # واختلفوا: هل الظلمة قديمة أو حادثة؟ # فقالت فرقة منهم: هى قديمة لم تزل مع النور. # وقالت فرقة: بل النور هو القديم، ولكنه فكر فكرة رديئة حدثت منها الظلمة. # فدار مذهبهم على أصلين من أبطل الباطل. # أحدهما: أن شر الموجودات وأخبثها، وأردأها: كفؤ لخير الموجودات، وضد له ~~ومناوئ له يعارضه، ويضاده، ويناقضه دائما. ولا يستطيع دفعه. # وهذا أعظم من شرك عباد الأصنام، الذين عبدوها لتقربهم إلى الله تعالى. ~~فإنهم جعلوها مملوكة له، مربوبة مخلوقة، كما كانوا يقولون فى تلبيتهم. # لبيك اللهم لبيك ... لبيك لا شريك لك # إلا شريك هو لك ... تملكه وما ملك # والأصل الثانى: أنهم نزهوا النور أن يصدر منه شر. ثم جعلوه منبع الشر كله ~~وأصله ومولده وأثبتوا إلهين، وربين، وخالقين. فجمعوا بين الكفر بالله ~~تعالى، وأسمائه وصفاته، ورسله، وأنبيائه، وملائكته، وشرائعه، وأشركوا به ms546 ~~أعظم الشرك. # وحكى أرباب المقالات عنهم: أن قوما منهم يقال لهم: الديصانية زعموا أن ~~طينة العالم كانت طينة خشنة، وكانت تحاكى جسم النور - الذى هو البارى عنهم ~~- زمانا فتأذى بها. # فلما طال ذلك عليه قصد تنميتها عنه فتوحل فيها واختلط بها، فتركب من ~~بينهما # PageV02P245 # هذا العالم المشتمل على النور والظلمة، فما كان من جهة الصلاح فمن النور، ~~وما كان من جهة الفساد فمن الظلمة. # قال: وهؤلاء يغتالون الناس، ويخقونهم، ويزعمون أنهم يحسنون إليهم بذلك، ~~وأنهم يخلصون الروح النورانية من الجسد المظلم. # وقال بعضهم: إن البارى سبحانه لما طالت وحدته استوحش، ففكر فكرة سوء ~~فتجسمت فكرته، فاستحالت ظلمة. فحدث منها إبليس، فرام البارى إبعاده عن نفسه ~~فلم يستطع، فتحرز منه بخلق الجنود والخيرات، فشرع إبليس فى خلق الشر وأصل ~~عقد مذهبهم، الذى عليه خواصهم: إثبات القدماء الخمسة: البارى، والزمان، ~~والخلاء، والهيولى، وإبليس. فالبارى خالق الخيرات، وإبليس خالق الشرور. # وكان محمد بن زكريا الرازى على هذا المذهب، لكنه لم يثبت إبليس، فجعل ~~مكانه النفس، وقال: يقدم الخمسة، مع ما رشحه به من مذاهب الصابئة والدهرية ~~والفلاسفة، والبراهمة، فكان قد أخذ من كل دين شر ما فيه، وصنف كتابا فى ~~إبطال النبوات، ورسالة فى إبطال المعاد، فركب مذهبا مجموعا من زنادقة ~~العالم: # وقال: أنا أقول: إن البارى، والنفس، والهيولى، والمكان، والزمان: قدماء ~~وأن العالم محدث. # فقيل له: فما العلة فى إحداثه؟ # فقال: إن النفس اشتهت أن تحبل فى هذا العالم، وحركتها الشهوة لذلك، ولم ~~تعلم ما يلحقها من الوبال إذا حبلت فيه، فاضطربت وحركت الهيولى حركات مشوشة ~~مضطربة على غير نظام، وعجزت عما أرادت، فأعانها البارى على إحداث هذا ~~العالم وحملها على النظام والاعتدال. وعلم أنها إذا ذاقت وبال ما اكتسبته ~~عادت إلى عالمها، وسكن اضطرابها، وزالت شهواتها، واستراحت، فأحدثت هذا ~~العالم بمعاونة البارى لها. # قال: ولولا ذلك لما قدرت على إحداث هذا العالم، ولولا هذه العلة لما حدث ~~هذا العالم. # ولولا أن الله سبحانه يحكى عن المشركين والكفار أقوالا أسخف من هذا ms547 وأبطل ~~لاستحيى العاقل من حكاية مثل هذا. ولكن الله سبحانه سن لنا حكاية أقوال ~~أعدائه. # PageV02P246 # وفى ذلك من قوة الإيمان، وظهور جلالته، ومعرفة قدره، وتمام نعمة الله ~~تعالى على أهله به، ومعرفة قدر خذلانه للعبد، وإلى أى شيء يصيره الخذلان، ~~حتى يصير ضحكة لكل عاقل. فأى ضلال، وأى خذلان، أعجب من أن يفنى عمره فى ~~النظر والبحث. وهذا غاية علمه بالله عز وجل، وبالمبدإ والمعاد؟ # فصل # والمجوس تعظم الأنوار، والنيران، والماء، والأرض. ويقرون بنبوة زرادشت. ~~ولهم شرائع يصيرون إليها. وهم فرق شتى. # منهم: المزدكية، أصحاب مزدك الموبذ. والموبذ عندهم: العالم القدوة. ~~وهؤلاء يرون الاشتراك فى النساء والمكاسب كما يشترك فى الهواء، والطرق، ~~وغيرها. # ومنهم الخرمية: أصحاب بابك الخرمى. وهم شر طوائفهم، لا يقرون بصانع، ولا # PageV02P247 # معاد، ولا نبوة، ولا حلال، ولا حرام. وعلى مذهبهم: طوائف القرامطة، ~~والإسماعيلية، والنصيرية، والبشكية، والدرزية، والحاكمية، وسائر العبيدية، ~~الذين # PageV02P248 # يسمون أنفسهم الفاطمية، وهم من أكفر الكفار، كما ستأتى ترجمتهم. # فكل هؤلاء يجمعهم هذا المذهب ويتفاوتون فى التفصيل. # فالمجوس شيوخ هؤلاء كلهم وأئمتهم وقدوتهم. وإن كان المجوس قد يتقيدون ~~بأصل دينهم وشرائعهم. وهؤلاء لا يتقيدون بدين من ديانات العالم، ولا بشريعة ~~من الشرائع. # ذكر تلاعبه بالصابئة # هذه أمة كبيرة من الأمم الكبار. # وقد اختلف الناس فيهم اختلافا كثيرا، بحسب ما وصل إليهم من معرفة دينهم. # وهم منقسمون إلى مؤمن وكافر. قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا، والذين ~~هادوا والنصارى، والصابئين، من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 62] . # فذكرهم فى الأمم الأربعة الذين تنقسم كل أمة منهم إلى ناج وهالك. # PageV02P249 # وذكرهم أيضا فى الأمم الستة الذين انقسمت جملتهم إلى ناج وهالك، كما فى ~~قوله: # {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا ~~إن الله يفصل بينهم يوم القيامة} [الحج: 17] . # فذكر الأمتين اللتين لا كتاب لهم، ولا ينقسمون إلى شقى وسعيد، وهما: ~~المجوس والمشركون - فى آية الفصل، ولم يذكرهما فى آية الوعد بالجنة. وذكر ~~الصابئين ms548 فيهما، فعلم أن فيهم الشقى والسعيد. # وهؤلاء كانوا قوم إبراهيم الخليل. وهم أهل دعوته. وكانوا بحران، فهى دار ~~الصابئة. # وكانوا قسمين صابئة حنفاء، وصابئة مشركين، والمشركون منهم يعظمون الكواكب ~~السبعة، والبروج الاثنى عشر، ويصورونها فى هياكلهم. # ولتلك الكواكب عندهم هياكل مخصوصة، وهى المتعبدات الكبار، كالكنائس ~~للنصارى والبيع لليهود. # فلهم هيكل كبير للشمس، وهيكل للقمر، وهيكل للزهرة، وهيكل للمشترى، وهيكل ~~للمريخ، وهيكل لعطادر، وهيكل لزحل وهيكل للعلة الأولى. # ولهذه الكواكب عندهم عبادات ودعوات مخصوصة. ويصورونها فى تلك الهياكل. ~~ويتخذون لها أصناما تخصها، ويقربون لها القرابين. ولها صلوات خمس فى اليوم ~~والليلة، نحو صلوات المسلمين. # وطوائف منهم يصومون شهر رمضان، ويستقبلون فى صلواتهم الكعبة، ويعظمون ~~مكة، ويرون الحج إليها، ويحرمون الميتة والدم ولحم الخنزير، ويحرمون من ~~القرابات فى النكاح ما يحرمه المسلمون. # PageV02P250 # وعلى هذا المذهب كان جماعة من أعيان الدولة ببغداد، منهم هلال بن المحسن ~~الصابئ، صاحب الديوان الإنشائى، وصاحب الرسائل المشهورة. وكان يصوم مع ~~المسلمين، ويعيد معهم، ويزكى ويحرم المحرمات. وكان الناس يعجبون من موافقته ~~للمسلمين، وليس على دينهم. # وأصل دين هؤلاء - فيما زعموا - أنهم يأخذون بمحاسن ديانات العالم ~~ومذاهبهم، ويخرجون من قبيح ما هم عليه قولا وعملا، ولهذا سموا صابئة، أى ~~خارجين. فقد خرجوا عن تقيدهم بجملة كل دين وتفصيله، إلا ما رأوه فيه من ~~الحق. # وكانت كفار قريش تسمى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الصابئ، وأصحابه ~~الصبأة، يقال: صبأ الرجل، بالهمز، إذا خرج من شيء إلى شيء. وصبا يصبو إذا ~~مال، ومنه قوله: # {وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن} [يوسف: 33] . # أى أمل. والمهموز والمعتل يشتركان. فالمهوز: ميل عن الشيء. والمعتل: ميل ~~إليه، واسم الفاعل من المهموز: صابئ، بوزن قارئ، ومن المعتل: صاب، بوزن قاض ~~وجمع الأول: صابئون، كقارئون، وجمع الثانى: صابون كقاضون، وقد قرئ بهما. # والمقصود: أن هذه الأمة قد شاركت جميع الأمم وفارقتهم، فالحنفاء منهم ~~شاركوا أهل الإسلام فى الحنيفية. والمشركون منهم شاركوا عباد الأصنام، ~~ورأوا أنهم على صواب. # وأكثر هذه الأمة فلاسفة. والفلاسفة يأخذون من كل ms549 دين - بزعمهم - محاسن ما ~~دلت عليه العقول. وعقلاؤهم يوجبون اتباع الأنبياء وشرائعهم. وبعضهم لا يوجب ~~ذلك ولا يحرمه. وسفهاؤهم وسفلتهم يمنعون ذلك. كما سيأتى ذكر تلاعب الشيطان ~~بهم بعد هذا. # PageV02P251 # ولهذا لم يكن هؤلاء الفلاسفة ولا الصابئة من الأمم المستقلة التى لها ~~كتاب ونبى، وإن كانوا من أهل دعوة الرسل. # فما من أمة إلا وقد أقام الله سبحانه عليها حجته وقطع عنها حجتها. # {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165] . # وتكون حجته عليهم. # والمقصود: أن الصابئة فرق. صابئة حنفاء، وصابئة مشركون، وصابئة فلاسفة، ~~وصابئة يأخذون بمحاسن ما عليه أهل الملل والنحل من غير تقيد بملة ولا نحلة. # ثم منهم من يقر بالنبوات جملة ويتوقف فى التفصيل، ومنهم من يقر بها جملة ~~وتفضيلا ومنهم من ينكرها جملة وتفصيلا. # وهم يقرون أن للعالم صانعا فاطرا حكيما، مقدسا عن العيوب والنقائص. # ثم قال المشركون منهم: لا سبيل لنا إلى الوصول إلى جلاله إلا بالوسائط. ~~فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسطات الروحانيات القريبة منه. وهم ~~الروحانيون المقربون المقدسون عن المواد الجسمانية، وعن القوى الجسدانية، ~~بل قد جبلوا على الطهارة، فنحن نتقرب إليهم، ونتقرب بهم إليه، فهم أربابنا ~~وآلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الآلهة. فما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى. فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن الشهوات الطبيعية، ونهذب ~~أخلاقنا عن علائق القوى، الغضبية حتى تحصل المناسبة بيننا وبين الروحانيات، ~~وتتصل أرواحنا بهم، فحينئذ نسأل حاجتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونصبوا ~~فى جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى إلهنا وإلههم. # وهذا التطهير والتهذيب لا يحصل إلا باستمداد من جهة الروحانيات. وذلك ~~بالتضرع والابتهال بالدعوات: من الصلوات. والزكوات، وذبح القرابين، ~~والبخورات، والعزائم، فحينئذ يحصل لنفوسنا استعداد واستمداد من غير واسطة ~~الرسل، بل نأخذ من المعدن الذى أخذت منه الرسل. فيكون حكمنا وحكمهم واحدا: ~~ونحن وإياهم بمنزلة واحدة. # قالوا: والأنبياء أمثالنا فى النوع وشركاؤنا فى المادة، وأشكالنا فى ~~الصورة، يأكلون # PageV02P252 # مما نأكل ويشربون مما نشرب، وما هم إلا بشر مثلنا يريدون أن يتفضلوا ms550 ~~علينا. # وزادت الاتحادية أتباع ابن عربى، وابن سبعين والعفيف التلمسانى، وأضرابهم ~~على هؤلاء بما قاله شيخ الطائفة محمد بن عربى: أن الولى أعلى درجة من ~~الرسول، لأنه يأخذ من المعدن الذى يأخذ منه الملك الذى يوحى إلى الرسول فهو ~~أعلى منه بدرجتين. # فجعل هؤلاء الملاحدة أنفسهم وشيوخهم أعلى فى التلقى من الرسل بدرجتين، ~~وإخوانهم من المشركين جعلوا أنفسهم فى ذلك التلقى بمنزلة الأنبياء، ولم ~~يدعوا أنهم فوقهم. # والمقصود: أن هؤلاء كفروا بالأصلين اللذين جاءت بهما جميع الرسل ~~والأنبياء، من أولهم إلى آخرهم. # أحدهما: عبادة الله وحده لا شريك له. والكفر بما يعبد من دونه من إله. # والثانى: الإيمان برسله، وما جاءوا به من عند الله، تصديقا وإقرارا، ~~وانقيادا، وامتثالا. # وليس هذا مختصا بمشركى الصابئة، كما غلط فيه كثير من أرباب المقالات، بل ~~هذا مذهب المشركين من سائر الأمم. لكن شرك الصابئة كان من جهة الكواكب ~~والعلويات ولذلك ناظرهم إمام الحنفاء صلوات الله، وسلامه عليه فى بطلان ~~إلهيتها بما حكاه الله سبحانه فى سورة الأنعام [74 - 83] أحسن مناظرة ~~وأبينها، ظهرت فيها حجته ودحضت حجتهم. فقال بعد أن بين بطلان إلهية ~~الكواكب، والقمر، والشمس بأفولها، وأن الإله لا يليق به أن يغيب ويأفل، بل ~~لا يكون إلا شاهدا غير غائب، كما لا يكون إلا غالبا قاهرا، غير مغلوب ولا ~~مقهور. نافعا لعبادة، يملك لعابده الضر والنفع، فيسمع كلامه، ويرى مكانه، ~~ويهديه، ويرشده، ويدفع عنه كل ما يضره ويؤذيه. وذلك ليس إلا لله وحده. فكل ~~معبود سواه باطل. # فلما رأى إمام الحنفاء أن الشمس والقمر والكواكب ليست بهذه المثابة صعد ~~منها إلى فاطرها وخالقها ومبدعها فقال: # {إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض حنيفا} [الأنعام: 79] . # وفى ذلك إشارة إلى أنه سبحانه خالق أمكنتها ومحالها التى هى مفترة إليها، ~~ولا قوام لها إلا بها، فهى محتاجة إلى محل تقوم به، وفاطر يخلقها ويدبرها ~~ويربها. والمحتاج المخلوق المربوب المدبر لا يكون إلها. فحاجة قومه فى ~~الله، ومن حاج فى عبادة الله فحجته داحضة. فقال # PageV02P253 # إبراهيم ms551 عليه السلام: {أتحاجونى فى الله وقد هدان} [الأنعام: 80] . # وهذا من أحسن الكلام، أى أتريدون أن تصرفونى عن الإقرار بربى وبتوحيده، ~~وعن عبادته وحده، وتشككونى فيه. وقد أرشدنى وبين لى الحق، حتى استبان لى ~~كالعيان، وبين لى بطلان الشرك وسوء عاقبته، وأن آلهتكم لا تصلح للعبادة، ~~وأن عبادتها توجب لعابديها غاية الضرر فى الدنيا والآخرة، فكيف تريدون منى ~~أن أنصرف عن عبادته وتوحيده إلى الشرك به؟ وقد هدانى إلى الحق، وسبيل ~~الرشاد؟ فالمحاجة والمجادلة إنما فائدتها طلب الرجوع والانتقال من الباطل ~~إلى الحق ومن الجهل إلى العلم، ومن العمى إلى الإبصار، ومجادلتكم إياى فى ~~الإله الحق الذى كل معبود سواه باطل تتضمن خلاف ذلك. # فخوفوه بآلهتهم أن تصيبه بسوء، كما يخوف المشرك الموحد بإلهه الذى يأله ~~مع الله أن يناله بسوء، فقال الخليل: # {ولا أخاف ما تشركون به} [الأنعام: 80] . # فإن آلهتكم أقل وأحقر من أن تضر من كفر بها وجحد عبادتها، ثم رد الأمر ~~إلى مشيئة الله وحده، وأنه هو الذى يخاف ويرجى. فقال: {إلا أن يشاء ربى ~~شيئا} [الأنعام: 80] . # وهذا استثناء منقطع. والمعنى: لا أخاف آلهتكم، فإنها لا مشيئة لها ولا ~~قدرة، لكن إن شاء ربى شيئا نالنى وأصابنى، لا آلهتكم التى لا تشاء ولا تعلم ~~شيئا، وربى له المشيئة النافذة، وقد وسع كل شيء علما. فمن أولى بأن يخاف ~~ويعبد: هو سبحانه، أم هى؟ ثم قال {أفلا تتذكرون} [الأنعام: 80] . # فتعلمون ما أنتم عليه من إشراك من لا مشيئة له ولا يعلم شيئا ممن له ~~المشيئة التامة، والعلم التام. # ثم قال {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به ~~عليكم سلطانآ} [الأنعام: 81] . # وهذا من أحسن قلب الحجة، وجعل حجة المبطل بعينها دالة على فساد قوله، ~~وبطلان مذهبه. فإنهم خوفوه بآلهتهم التى لم ينزل الله عليهم سلطانا ~~بعبادتها. وقد تبين بطلان إلهيتها ومضرة عبادتها. ومع هذا فلا تخافون شرككم ~~بالله وعبادتكم معه آلهة أخرى؟ فأى الفريقين أحق بالأمن وأولى بأن لا يلحقه ~~الخوف؟ فريق الموحدين، أم ms552 فريق المشركين؟ # PageV02P254 # فحكم الله سبحانه بين الفريقين بالحكم العدل الذى لا حكم أصح منه. فقال: # {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم - أى بشرك - أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون} [الأنعام: 82] . # ولما نزلت هذه الآية شق أمرها على الصحابة، وقالوا: يا رسول الله "وأينا ~~لم يظلم نفسه؟ فقال إنما هو الشرك: ألم تسمعوا قول العبد الصالح: # {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] ". # فحكم سبحانه للموحدين بالهدى والأمن، وللمشركين بضد ذلك، وهو الضلال ~~والخوف ثم قال: # {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم ~~عليم} [الأنعام: 83] . # قال أبو محمد بن حزم: وكان الذى ينتحله الصابئون أقدم الأديان على وجه ~~الدهر والغالب على الدنيا، إلى أن أحدثوا الحوادث، وبدلوا شرائعه. فبعث ~~الله إليهم إبراهيم خليله بدين الإسلام، الذى نحن عليه اليوم، وتصحيح ما ~~أفسدوه، وبالحنيفية السمحة التى أتانا بها محمد رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وسلم من عند الله تعالى. وكانوا فى ذلك الزمان وبعده يسمون الحنفاء. # قلت: هم قسمان: صابئة مشركون، وصابئة حنفاء وبينهم مناظرات. وقد حكى ~~الشهرستانى بعض مناظراتهم فى كتابه. # فصل # فى ذكر تلاعبه بالدهرية # وهؤلاء قوم عطلوا المصنوعات عن صانعها، وقالوا ما حكاه الله عنهم. # {وقالوا ما هى حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: ~~24] . # وهؤلاء فرقتان. فرقة قالت: إن الخالق سبحانه لما خلق الأفلاك متحركة أعظم ~~حركة دارت عليه فأحرقته، ولم يقدر على ضبطها وإمساك حركاتها. # PageV02P255 # .. # وفرقة قالت: إن الأشياء ليس لها أول البتة، وإنما تخرج من القوة إلى ~~الفعل. فإذا خرج ما كان بالقوة إلى الفعل، تكونت الأشياء: مركباتها، ~~وبسائطها، من ذاتها لا من شيء آخر. # وقالوا: إن العالم دائم لم يزل ولا يزال، لا يتغير، ولا يضمحل، ولا يجوز ~~أن يكون المبدع يفعل فعلا يبطل ويضمحل إلا وهو يبطل ويضمحل مع فعله، وهذا ~~العالم هو الممسك لهذه الأجزاء التى فيه. # وهؤلاء هم المعطلة حقا، وهم فحول المعطلة، وقد سرى هذا التعطيل إلى سائر ~~فرق المعطلة، على اختلاف آرائهم وتباينهم فى ms553 التعطيل، كما سرى داء الشرك ~~تأصيلا وتفصيلا فى سائر فرق المشركين على اختلاف مذاهبهم فيه، وكما سرى جحد ~~النبوات تأصيلا وتفصيلا فى سائر من جحد النبوة أو صفة من صفاتها، أو أقر ~~بها جملة وجحد مقصودها وزبدتها أو بعضه. # فهذه الفرق الثلاثة سرى داؤها وبلاؤها فى الناس، ولم ينج منه إلا أتباع ~~الرسول، العارفون بحقيقة ما جاء به، المتمسكون به دون ما سواه، ظاهرا ~~وباطنا. # فداء التعطيل، وداء الإشراك، وداء مخالفة الرسول وجحد ما جاء به، أو شيء ~~منه: هو أصل بلاء العالم، ومنبع كل شر، وأساس كل باطل. فليست فرقة من فرق ~~أهل الإلحاد والباطل والبدع إلا وقولها مشتق من هذه الأصول الثلاثة، أو من ~~بعضها. # فإن تنج منها تنج من ذى عظيمة ... وإلا فإنى لا أظنك ناجيا # فصل # فسرت هذه البلايا الثلاثة فى كثير من طوائف الفلاسفة، لا فى جميعهم. فإن ~~الفلسفة من حيث هى لا تعطى ذلك. فإن معناها محبة الحكمة، والفيلسوف أصله ~~"فيلاسوفا" أى محب الحكمة "ففيلا" هى المحب "وسوفا" هى الحكمة. والحكمة ~~نوعان: قولية وفعلية. فالقولية: قول الحق، والفعلية. فعل الصواب، وكل طائفة ~~من الطوائف لهم حكمة يتقيدون بها. # وأصح الطوائف حكمة: من كانت حكمتهم أقرب إلى حكمة الرسل التى جاءوا بها ~~عن الله # PageV02P256 # تعالى. قال تعالى عن نبيه داود عليه السلام: {وآتيناه الحكمة وفصل ~~الخطاب} [ص: 20] . # وقال عن المسيح عليه السلام: {ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} ~~[آل عمران: 48] . # وقال عن يحيى عليه السلام: {وآتيناه الحكم صبيا} [مريم: 12] . # والحكم: هو الحكمة، وقال لرسوله محمد صلى الله تعالى عليه وسلم: {وأنزل ~~الله عليك الكتاب والحكمة} [النساء: 113] وقال {يؤتى الحكمة من يشاء ومن ~~يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا} [البقرة: 269] . # وقال لأهل بيت رسوله: {واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة} ~~[الأحزاب: 33] . # فالحكمة التى جاءت بها الرسل: هى الحكمة الحق المتضمنة للعلم النافع ~~والعمل الصالح للهدى ودين الحق، لإصابة الحق اعتقادا وقولا وعملا. وهذه ~~الحكمة فرقها الله سبحانه بين أنبيائه ورسله، وجمعها لمحمد صلى الله ms554 تعالى ~~عليه وسلم، كما جمع له من المحاسن ما فرقه فى الأنبياء قبله، وجمع فى كتابه ~~من العلوم والأعمال ما فرقه فى الكتب قبله. فلو جمعت كل حكمة صحيحة فى ~~العالم من كل طائفة لكانت فى الحكمة التى أوتيها صلوات الله وسلامه عليه ~~جزاء يسيرا جدا لا يدرك البشر نسبته. # والمقصود: أن الفلاسفة اسم جنس لمن يحب الحكمة ويؤثرها. # وقد صار هذا الاسم فى عرف كثير من الناس مختصا بمن خرج عن ديانات ~~الأنبياء، ولم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل فى زعمه. # وأخص من ذلك: أنه فى عرف المتأخرين اسم لأتباع إرسطو، وهم المشاؤون خاصة. ~~وهم الذين هذب ابن سينا طريقتهم وبسطها، وقررها، وهى التى يعرفها، بل لا ~~يعرف سواها، المتأخرون من المتكلمين. # وهؤلاء فرقة شاذة من فرق الفلاسفة، ومقالتهم واحدة من مقالات القوم، حتى ~~قيل: إنه ليس فيهم من يقول بقدم الأفلاك غير إرسطو وشيعته، فهو أول من عرف ~~أنه قال بقدم هذا العالم. والأساطين قبله كانوا يقولون بحدوثه، وإثبات ~~الصانع، ومباينته للعالم، وأنه فوق # PageV02P257 # العالم وفوق السماوات بذاته كما حكاه عنهم أعلم الناس فى زمانه ~~بمقالاتهم: أبو الوليد بن رشد فى كتابه "مناهج الأدلة". # فقال فيه: # "القول فى الجهة" # وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه، ~~حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخروا الأشعرية، كأبى المعالى ~~ومن اقتدى بقوله - إلى أن قال -: والشرائع كلها مبنية على أن الله فى ~~السماء، وأن منه تنزل الملائكة بالوحى إلى النبيين، وأن من السماوات نزلت ~~الكتب، وإليها كان الإسراء بالنبى صلى الله عليه وسلم حتى قرب من سدرة ~~المنتهى. وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة فى السماء، كما ~~اتفقت جميع الشرائع على ذلك. # ثم ذكر تقرير ذلك بالمعقول، وبين بطلان الشبهة التى لأجلها نفتها الجهمية ~~ومن وافقهم، إلى أن قال: # فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل، وأنه الذى جاء به ~~الشرع وانبنى عليه، وأن إبطال هذه القاعدة ms555 إبطال للشرائع. # فقد حكى لك هذا المطلع على مقالات القوم، الذى هو أعرف بالفلسفة من ابن ~~سينا وأضرابه: إجماع الحكماء على أن الله سبحانه فى السماء، فوق العالم. # والمتطفلون فى حكايات مقالات الناس لا يحكون ذلك، إما جهلا، وإما عمدا، ~~وأكثر من رأيناه يحكى مذاهبهم ومقالات الناس يتطفل. # وكذلك الأساطين منهم متفقون على إثبات الصفات والأفعال، وحدوث العالم، ~~وقيام الأفعال الاختيارية بذاته سبحانه، كما ذكره فيلسوف الإسلام فى وقته ~~أبو البركات البغدادى، وقرره غاية التقرير. # وقال: لا يستقيم كون الرب سبحانه رب العالمين إلا بذلك، وأن نفى هذه ~~المسألة ينفى ربوبيته. # قال: والإجلال من هذا الإجلال، والتنزيه من هذا التنزيه أولى. # PageV02P258 # فصل # وكذلك كان أساطينهم ومتقدموهم، العارفون فيهم، معظمين للرسل والشرائع، ~~موجبين لاتباعهم، خاضعين لأقوالهم، معترفين بأن ما جاءوا به آخر وراء طور ~~العقل، وأن عقول الرسل وحكمتهم فوق عقول العالمين وحكمتهم. # وكانوا لا يتكلمون فى الإلهيات، ويسلمون باب الكلام فيها إلى الرسل، ~~ويقولون: علومنا إنما هى الرياضيات والطبيعيات وتوابعها. وكانوا يقرون ~~بحدوث العالم. # وقد حكى أرباب المقالات أن أول من عرف عنه القول بقدم هذا العالم إرسطو. ~~وكان مشركا يعبد الأصنام. وله فى الإلهيات كلام كله خطأ من أوله إلى آخره، ~~فقد تعقبه بالرد عليه طوائف المسلمين، حتى الجهمية والمعتزلة، والقدرية، ~~والرافضة، وفلاسفة الإسلام أنكروه عليه، وجاء فيه بما يسخر منه العقلاء. # وأنكر أن يكون الله سبحانه يعلم شيئا من الموجوادت، وقرر ذلك بأنه لو علم ~~شيئا لكمل بمعلوماته، ولم يكن كاملا فى نفسه، وبأنه كان يلحقه التعب ~~والكلال من تصور المعلومات. # فهذا غاية عقل هذا المعلم والأستاذ. # وقد حكى ذلك أبو البركات، وبالغ فى إبطال هذه الحجج وردها. # فحقيقة ما كان عليه هذا المعلم لأتباعه: الكفر بالله تعالى، وملائكته، ~~وكتبه، ورسله واليوم الآخر، ودرج على أثره أتباعه من الملاحدة، ممن يتستر ~~باتباع الرسل، وهو منحل من كل ما جاءوا به. # وأتباعه يعظمونه فوق ما يعظم به الأنبياء، ويرون عرض ما جاءت به الأنبياء ~~على كلامه فما وافقه منها ms556 قلبوه، وما خالفه لم يعبأوا به شيئا. # ويسمونه المعلم الأول، لأنه أول من وضع لهم التعاليم المنطقية، كما أن ~~الخليل بن أحمد أول من وضع عروض الشعر. # PageV02P259 # وزعم إرسطو وأتباعه أن المنطق ميزان المعانى، كما أن العروض ميزان الشعر. # وقد بين نظار الإسلام فساد هذا الميزان وعوجه، وتعويجه للعقول، وتخبيطه ~~للأذهان. وصنفوا فى رده وتهافته كثيرا. # وآخر من صنف فى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، ألف فى رده وإبطاله كتابين، ~~كبيرا، وصغيرا، بين فيه تناقضه وتهافته وفساد كثير من أوضاعه. # ورأيت فيه تصنيفا لأبى سعيد السيرافى. # والمقصود: أن الملاحدة درجت على أثر هذا المعلم الأول، حتى انتهت نوبتهم ~~إلى معلمهم الثانى: أبى نصر الفارابى. فوضع لهم التعاليم الصوتية، كما أن ~~المعلم الأول وضع لهم التعاليم الحرفية، ثم وسع الفارابى الكلام فى صناعة ~~المنطلق، وبسطها وشرح فلسفة إرسطو وهذبها، وبالغ فى ذلك. وكان على طريقة ~~سلفه: من الكفر بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله واليوم الآخر. # فكل فيلسوف لا يكون عند هؤلاء كذلك فليس بفيلسوف فى الحقيقة. وإذا رأوه ~~مؤمنا بالله وملائكته، وكتبه ورسله، ولقائه، متقيدا بشريعة الإسلام، نسبوه ~~إلى الجهل والغباوة. فإن كان ممن لا يشكون فى فضيلته ومعرفته، نسبوه إلى ~~التلبيس والتنميس بناموس الدين استمالة لقلوب العوام. # فالزندقة والإلحاد عند هؤلاء جزء من مسمى الفضيلة، أو شرط. # ولعل الجاهل يقول: إنا تحاملنا عليهم فى نسبة الكفر بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله إليهم. وليس هذا من جهلة بمقالات القوم، وجهلة بحقائق الإسلام ببعيد. # فاعلم أن الله - سبحانه وتعالى عما يقولون عندهم كما قرره أفضل متأخريهم، ~~ولسانهم، وقدوتهم الذى يقدمونه على الرسل: أبو على بن سينا: هو الوجود ~~المطلق بشرط الإطلاق. وليس له عندهم صفة ثبوتية تقوم به، ولا يفعل شيئا ~~باختياره البتة ولا يعلم شيئا من الموجوادت أصلا، لا يعلم عدد الأفلاك، ولا ~~شيئا من المغيبات. ولا له كلام يقوم به، ولا صفة. # ومعلوم أن هذا إنما هو خيال مقدر فى الذهن، لا حقيقة له، وإنما غايته أن ~~يفرضه الذهن # PageV02P260 # ويقدره، كما ms557 يفرض الأشياء المقدرة، وليس هذا هو الرب الذى دعت إليه الرسل ~~وعرفته الأمم، بل بين هذا الرب الذى دعت إليه الملاحدة وجردته عن الماهية، ~~وعن كل صفة ثبوتية، وكل فعل اختيارى، وأنه لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا ~~متصل به، ولا مباين له ولا فوقه ولا تحته، ولا أمامه ولا خلفه، ولا عن ~~يمينه ولا عن شماله - وبين رب العالمين، وإله المرسلين، ومن الفرق ما بين ~~الوجود والعدم، والنفى والإثبات. # فأى موجود فرض كان أكمل من هذا الإله، الذى دعت إليه الملاحدة، ونحتته ~~أفكارهم، بل منحوت الأيدى من الأصنام له وجود، وهذا الرب ليس له وجود، ~~ويستحيل وجوده إلا فى الذهن. # هذا، وقول هؤلاء الملاحدة أصلح من قول معلمهم الأول إرسطو. فإن هؤلاء ~~أثبتوا وجودا واجبا ممكنا، هو معلول له وصادر عنه صدور المعلول عن العلة، ~~وأما إرسطو فلم يثبته إلا من جهة كونه مبدأ عقليا للكثرة، وعلة غائية لحركة ~~الفلك فقط، وصرح بأنه لا يعقل شيئا، ولا يفعل باختياره. # وأما هذا الذى يوجد فى كتب المتأخرين من حكاية مذهبه، فإنما هو من وضع ~~ابن سينا. فإنه قرب مذهب سلفه الملاحدة من دين الإسلام بجهده، وغاية ما ~~أمكنه أن قربه من أقوال الجهمية الغالين فى التجهم، فهم فى غلوهم فى ~~تعطيلهم ونفيهم أشد مذهبا وأصح قولا من هؤلاء. # فهذا ما عند هؤلاء من خبر الإيمان بالله عز وجل. # وأما الإيمان بالملائكة فهم لا يعرفون الملائكة، ولا يؤمنون بهم. وإنما ~~الملائكة عندهم ما يتصوره النبى بزعمهم فى نفسه من أشكال نورانية، هى ~~العقول عندهم، وهى مجردات ليست داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوق السماوات، ~~ولا تحتها، ولا هى أشخاص تتحرك، ولا تصعد، ولا تنزل، ولا تدبر شيئا، ولا ~~تتكلم، ولا تكتب أعمال العبد، ولا لها إحساس ولا حركة البتة، ولا تنتقل من ~~مكان إلى مكان، ولا تصف عند ربها، ولا تصلى، ولا لها تصرف فى أمر العالم ~~البتة، فلا تقبض نفس العبد، ولا تكتب رزقه وأجله وعمله، ولا عن اليمين وعن ms558 ~~الشمال قعيد، كل هذا لا حقيقة له عندهم البتة. # وربما تقرب بعضهم إلى الإسلام، فقال: الملائكة هى القوى الخيرة الفاضلة ~~التى فى العبد. والشياطين هى القوى الشريرة الرديئة، هذا إذا تقربوا إلى ~~الإسلام وإلى الرسل. # PageV02P261 # وأما الكتب، فليس لله عندهم كلام أنزله إلى الأرض بواسطة الملك، فإنه ما ~~قال شيئا، ولا يقول، ولا يجوز عليه الكلام. ومن تقرب منهم إلى المسلمين ~~يقول: الكتب المنزلة فيض فاض من العقل الفعال على النفس المستعدة الفاضلة ~~الزكية، فتصورت تلك المعانى، وتشكلت فى نفسه بحيث توهمها أصواتا تخاطبه، ~~وربما قوى الوهم حتى يراها أشكالا نورانية تخاطبه، وربما قوى ذلك حتى ~~يخيلها لبعض الحاضرين فيرونها ويسمعون خطابها، ولا حقيقة لشيء من ذلك فى ~~الخارج. # وأما الرسل والأنبياء. فللنبوة عندهم ثلاث خصائص، من استكملها فهو نبى: # أحدها: قوة الحدس، بحيث يدرك الحد الأوسط بسرعة. # الثانية: قوة التخيل والتخييل، بحيث يتخيل فى نفسه أشكالا نورانية ~~تخاطبه، ويسمع الخطاب منها، ويخيلها إلى غيره. # الثالثة: قوة التأثير بالتصرف فى هيولى العالم. وهذا يكون عندهم بتجرد ~~النفس عن العلائق، واتصالها بالمفارقات، من العقول والنفوس المجردة. # وهذه الخصائص تحصل بالاكتساب. ولهذا طلب النبوة من تصوف على مذهب هؤلاء ~~كابن سبعين، وابن هود، وأضرابهما. والنبوة عند هؤلاء صنعة من الصنائع، بل ~~من أشرف الصنائع، كالسياسة، بل هى سياسة العامة، وكثير منهم لا يرضى بها، ~~ويقول: الفلسفة: نبوة الخاصة. والنبوة: فلسفة العامة. # وأما الإيمان باليوم الآخر. فهم لا يقرون بانفطار السماوات، وانتثار ~~الكواكب، وقيامة الأبدان، ولا يقرون بأن الله خلق السماوات والأرض فى ستة ~~أيام، وأوجد هذا العالم بعد عدمه. # فلا مبدأ عندهم، ولا معاد، ولا صانع، ولا نبوة، ولا كتب نزلت من السماء، ~~تكلم الله بها، ولا ملائكة تنزلت بالوحى من الله تعالى. # فدين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خير وأهون من دين هؤلاء. # وحسبك جهلا بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، من يقول: إنه سبحانه ~~لو علم الموجودات لحقه الكلال والتعب، واستكمل بغيره. وحسبك خذلانا وضلالا ~~وعمى: السير خلف هؤلاء، وإحسان الظن ms559 بهم، وأنهم أولو العقول. # PageV02P262 # وحسبك عجبا من جهلهم، وضلالهم: ما قالوه فى سلسلة الموجودات، وصدور ~~العالم عن العقول والنفوس، إلى أن أنهوا صدور ذلك إلى واحد من كل جهة، لا ~~علم له بما صدر عنه ولا قدرة له عليه، ولا إرادة، وأنه لم يصدر عنه إلا ~~واحد. فذلك الصادر إن كان فيه كثرة بوجه ما فقد بطل ما أصلوه، وإن لم يكن ~~فيه كثرة البتة لزم أن لا يصدر عنه إلا واحد مثله، وتكثر الموجودات وتعددها ~~يكذب هذا الرأى الذى هو ضحكة للعقلاء وسخرية لأولى الألباب، مع أن هذا كله ~~من تخليط ابن سينا، وإرادته تقريب هذا المذهب من الشرائع، وهيهات. وإلا ~~فالمعلم الأول لم يثبت صانعا للعالم البتة. # والرجل معطل مشرك، جاحد للنبوات والمعاد، لا مبدأ عنده ولا معاد، ولا ~~رسول ولا كتاب والرازى وفروخه لا يعرفون مذهب الفلاسفة غير طريقه. # ومذاهبهم وآراؤهم كثيرة جدا، قد حكاها أصحاب المقالات، كالأشعرى فى ~~مقالاته الكبيرة، وأبى عيسى الوراق، والحسن بن موسى النوبختى. # وأبو الوليد بن رشد يحكى مذهب إرسطو غير ما حكاه ابن سينا، ويغلطه فى ~~كثير من المواضع. وكذلك أبو البركات البغدادى يحكى نفس كلامه على غير ما ~~يحكيه ابن سينا. # فصل # والفلاسفة لا تختص بأمة من الأمم، بل هم موجودون فى سائر الأمم، وإن كان ~~المعروف عند الناس الذين اعتنوا بحكاية مقالاتهم: هم فلاسفة اليونان. فهم ~~طائفة من طوائف الفلاسفة، وهؤلاء أمة من الأمم، لهم مملكة وملوك، وعلماؤهم ~~فلاسفتهم، ومن ملوكهم الإسكندر المقدونى. وهو ابن فيلبس. وليس هو بالإسكندر ~~ذى القرنين الذى قص الله # PageV02P263 # تعالى نبأه فى القرآن، بل بينهما قرون كثيرة، وبينهما فى الدين أعظم ~~تباين. فذو القرنين كان رجلا صالحا موحدا لله تعالى، يؤمن بالله تعالى ~~وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وكان يغزو عباد الأصنام، وبلغ مشارق ~~الأرض ومغاربها، وبنى السد بين الناس وبين يأجوج ومأجوج. وأما هذا المقدونى ~~فكان مشركا يعبد الأصنام هو وأهل مملكته. وكان بينه وبين المسيح نحو ألف ~~سنة وستمائة سنة. والنصارى تؤرخ ms560 له. وكان إرسطاطاليس وزيره وكان مشركا يعبد ~~الأصنام. وهو الذى غزا دارا بن دارا ملك الفرس فى عقر داره فثل عرشه، ومزق ~~ملكه، وفرق جمعه، ثم دخل إلى الصين، والهند، وبلاد الترك، فقتل وسبى. # وكان لليونانيين فى دولته عز وسطوة بسبب وزيره إرسطو، فإنه كان مشيره ~~ووزيره ومدبر مملكته. # وكان بعده لليونان عدة ملوك يعرفون بالبطالسة، وأحدهم بطليموس، كما إن ~~كسرى ملك الفرس، وقيصر ملك الروم. # ثم غلبهم الروم واستولوا على ممالكهم، فصاروا رعية لهم، وانقرض ملكهم، ~~فصارت المملكة للروم، وصارت المملكة واحدة. وهم على شركهم من عبادة الأصنام ~~وهو دينهم الظاهر، ودين آبائهم، فنشأ فيهم سقراط أحد تلامذة فيثاغورس، وكان ~~من عبادهم، ومتألهيهم، وجاهرهم بمخالفتهم فى عبادة الأصنام، وقابل رؤساءهم ~~بالأدلة والحجج على بطلان عبادتها، فثار عليه العامة، واضطروا الملك إلى ~~قتله، فأودعه السجن ليكفهم عنه، ثم لم يرض المشركون إلا بقتله، فسقاه السم ~~خوفا من شرهم، بعد مناظرات طويلة جرت له معهم. ومذهبه فى الصفات قريبا من ~~مذهب أهل الإثبات، فقال: إنه إله كل شيء وخالقه، # PageV02P264 # ومقدره. وهو عزيز، أى منيع، ممتنع أن يضام وحكيم، أى محكم أفعاله على ~~النظام. # وقال: إن علمه، وقدرته، ووجوده، وحكمته، بلا نهاية، لا يبلغ العقل أن ~~يصفها. # وقال: إن تناهى المخلوقات بحسب احتمال القوابل، لا بحسب الحكمة والقدرة، ~~فلما كانت المادة لا تحتمل صورا بلا نهاية تناهت الصور، لا من جهة بخل فى ~~الواهب، بل لقصور فى المادة. # قال: وعن هذا اقتضت الحكمة الإلهية أنها وإن تناهت ذاتا وصورة وحيزا ~~ومكانا. إلا أنها لا تتناهى زمانا فى آخرها، لا من نحو أولها، فاقتضت ~~الحكمة استبقاء الأشخاص باستبقاء الأنواع، وذلك بتجدد أمثالها، ليحفظ ~~الأشخاص ببقاء الأنواع، ويستبقى الأنواع بتجدد الأشخاص. فلا تبلغ القدرة ~~إلى حد النهاية، ولا الحكمة تقف على غاية. # ومن مذهبه: أن أخص ما يوصف به الرب سبحانه، هو كونه حيا قيوما، لأن ~~العلم، والقدرة، والجود، والحكمة، تندرج تحت كونه حيا قيوما، فهما صفتان ~~جامعتان للكل. # وكان يقول: هو حى ناطق ms561 من جوهره، أى من ذاته وحياته، ونطقنا وحياتنا لا ~~من جوهرنا، ولهذا يتطرق إلى حياتنا ونطقنا العدم والدثور والفساد، ولا ~~يتطرق ذلك إلى حياته ونطقه. # وكلامه فى المعاد والصفات والمبدأ أقرب إلى كلام الأنبياء من كلام غيره. # وبالجملة، فهو أقرب القوم إلى تصديق الرسل، ولهذا قتله قومه. # وكان يقول: إذا أقبلت الحكمة خدمت الشهوات العقول، وإذا أدبرت خدمت ~~العقول الشهوات. # وقال: لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم. ~~وقال: ينبغى أن يغتم بالحياة ويفرح بالموت، لأن الإنسان يحيا ليموت، ثم ~~يموت ليحيا. # وقال: قلوب المغرمين بالمعرفة بالحقائق منابر الملائكة. وقلوب المؤثرين ~~للشهوات مقاعد للشياطين. # PageV02P265 # وقال: للحياة حدان: أحدهما: الأمل، والآخر: الأجل. فبالأول بقاؤها، ~~وبالآخر فناؤها. # وكذلك أفلاطون. كان معروفا بالتوحيد، وإنكار عبادة الأصنام، وإثبات حدوث ~~العالم وكان تلميذ سقراط، ولما هلك سقراط قام مقامه، وجلس على كرسيه. # وكان يقول إن للعالم صانعا محدثا، مبدعا أزليا، واجبا بذاته عالما بجميع ~~المعلومات. # قال: وليس فى الوجود رسم ولا طلل إلا ومثاله عند البارى تعالى. # يشير إلى وجود صور المعلومات فى علمه. # فهو مثبت للصفات، وحدوث العالم. ومنكر لعبادة الأصنام، ولكن لم يواجه ~~قومه بالرد عليهم، وعيب آلهتهم فسكتوا عنه. وكانوا يعرفون له فضله وعمله. # وصرح أفلاطون بحدوث العالم. كما كان عليه الأساطين. وحكى ذلك عنه تلميذه ~~إرسطو. وخالفه فيه، فزعم أنه قديم، وتبعه على ذلك ملاحدة الفلاسفة، من ~~المنتسبين إلى الملل وغيرهم، حتى انتهت النوبة إلى أبى على بن سينا، فرام ~~بجهده تقريب هذا الرأى من قول أهل الملل، وهيهات اتفاق النقيضين، واجتماع ~~الضدين. # فرسل الله تعالى وكتبه وأتباع الرسل فى طرف. وهؤلاء القوم فى طرف. # وكان ابن سينا، كما أخبر عن نفسه قال: أنا وأبى من أهل دعوة الحاكم، فكان ~~من القرامطة الباطنية، الذين لا يؤمنون بمبدأ ولا معاد، ولا رب خالق، ولا ~~رسول مبعوث جاء من عند الله تعالى. # وكان هؤلاء الزنادقة، يتسترون بالرفض، ويبطنون الإلحاد المحض، وينتسبون ~~إلى أهل بيت الرسول صلى الله تعالى عليه وآله ms562 وسلم. وهو وأهل بيته براء ~~منهم نسبا ودينا، وكانوا # PageV02P266 # يقتلون أهل العلم والإيمان، ويدعون أهل الإلحاد والشرك والكفران، لا ~~يحرمون حراما، ولا يحلون حلالا. وفى زمنهم ولخواصهم وضعت رسائل إخوان ~~الصفا. # ولما انتهت النوبة إلى نصير الشرك، والكفر الملحد، وزير الملاحدة، النصير ~~الطوسى وزير هولاكو، شفا نفسه من أتباع الرسول وأهل دينه، فعرضهم على ~~السيف، حتى شفا إخوانه من الملاحدة، واشتفى هو، فقتل الخليفة والقضاة ~~والفقهاء والمحدثين، واستبقى الفلاسفة، والمنجمين، والطبائعيين، والسحرة. ~~ونقل أوقاف المدارس والمساجد، والربط إليهم، وجعلهم خاصته وأولياءه، ونصر ~~فى كتبه قدم العالم، وبطلان المعاد، وإنكار صفات الرب جل جلاله: من عمله، ~~وقدرته، وحياته، وسمعه، وبصره، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، وليس فوق ~~العرش إله يعبد البتة. # واتخذ للملاحدة مدارس، ورام جعل إشارات إمام الملحدين ابن سينا مكان ~~القرآن فلم يقدر على ذلك. فقال: هى قرآن الخواص. وذاك قرآن العوام. ورام ~~تغيير الصلاة وجعلها صلاتين، فلم يتم له الأمر. وتعلم السحر فى آخر الأمر. ~~فكان ساحرا يعبد الأصنام. # وصارع محمد الشهرستانى ابن سينا فى كتاب سماه "المصارعة" أبطل فيه قوله ~~بقدم العالم وإنكار المعاد، ونفى علم الرب تعالى وقدرته، وخلقه العالم، ~~فقام له نصير الإلحاد وقعد، ونقضه بكتاب سماه "مصارعة المصارعة" ووقفنا على ~~الكتابين - نصر فيه: أن الله تعالى لم يخلق السماوات والأرض فى ستة أيام. ~~وأنه لا يعلم شيئا، وأنه لا يفعل شيئا بقدرته واختياره، ولا يبعث من فى ~~القبور. # وبالجملة فكان هذا الملحد هو وأتباعه من الملحدين الكافرين بالله، ~~وملائكته، وكتبه، ورسوله، واليوم الآخر. # PageV02P267 # والفلسفة التى يقرؤها أتباع هؤلاء اليوم هى مأخوذة عنه وعن إمامه ابن ~~سينا، وبعضها عن أبى نصر الفارابى، وشيء يسير منها من كلام إرسطو. وهو - مع ~~قلته وغثاتته وركاكة ألفاظه - كثير التطويل، لا فائدة فيه. وخيار ما عند ~~هؤلاء، فالذى عند مشركى العرب من كفار قريش وغيرهم خير منهم فإنهم يدأبون ~~حتى يثبتوا واجب الوجود، ومع إثباتهم له فهو عندهم وجود مطلق، لا صفة له ~~ولا نعت، ولا فعل يقوم ms563 به، لم يخلق السماوات والأرض بعد عدمهما، ولا له ~~قدرة على فعل، ولا يعلم شيئا. وعباد الأصنام كانوا يثبتون ربا خالقا مبدعا ~~عالما، قادرا حيا، ويشركون به فى العبادة فنهاية أمر هؤلاء الوصول إلى شيء ~~برز عليهم فيه عباد الأصنام وهم فرق شتى لا يحصيهم إلا الله عز وجل. # وأحصى المعتنون بمقالات الناس منهم اثنتى عشرة فرقة، كل فرقة منها مختلفة ~~اختلافا كثيرا عن الأخرى. # فمنهم أصحاب الرواق، وأصحاب الظلة، والمشاؤون، وهم شيعة إرسطو. وفلسفتهم ~~هى الدائرة اليوم بين الناس، وهى التى يحكيها ابن سينا والفارابى، وابن ~~خطيب الرى وغيرهم. # ومنهم الفيثاغورية، والأفلاطونية، ولا تكاد تجد منهم اثنين متفقين على ~~رأى واحد، بل قد تلاعب بهم الشيطان كتلاعب الصبيان بالكرة. ومقالاتهم أكثر ~~من أن نذكرها على التفصيل. # وبالجملة: فملاحدتهم هم أهل التعطيل المحض. فإنهم عطلوا الشرائع، وعطلوا ~~المصنوع عن الصانع، وعطلوا الصانع عن صفات كماله، وعطلوا العالم عن الحق ~~الذى خلق له ربه، فعطلوه عن مبدئه ومعاده، وعن فاعله وغايته. # ثم سرى هذا الداء منهم فى الأمم، وفى فرق المعطلة. # فكان منهم إمام المعطلين فرعون، فإنه أخرج التعطيل إلى العمل، وصرح به، ~~وأذن به بين قومه، ودعا إليه، وأنكر أن يكون لقومه إله غيره. وأنكر أن يكون ~~الله تعالى # PageV02P268 # فوق سماواته على عرشه، وأن يكون كلم عبده موسى تكليما، وكذب موسى فى ذلك، ~~وطلب من وزيره هامان أن يبنى له صرحا ليطلع - بزعمه - إلى إله موسى عليه ~~السلام وكذبه فى ذلك، فاقتدى به كل جهمى. فكذب أن يكون الله مكلما متكلما، ~~أو أن يكون فوق سماواته على عرشه بائنا من خلقه، على العرش استوى، ودرج ~~قومه وأصحابه على ذلك، حتى أهلكهم الله تعالى بالغرق، وجعلهم عبرة لعباده ~~المؤمنين، ونكالا لأعدائه المعطلين. # ثم استمر الأمر على عهد نبوة موسى كليم الرحمن، على التوحيد وإثبات ~~الصفات، وتكليم الله لعبده موسى تكليما، إلى أن توفى موسى عليه السلام، ~~ودخل الداخل على بنى إسرائيل، ورفع التعطيل رأسه بينهم، وأقبلوا على عموم ~~المعطلة، أعداء موسى ms564 عليه السلام، وقدموها على نصوص التوراة، فسلط الله ~~تعالى عليهم من أزال ملكهم وشردهم من أوطانهم، وسبى ذراريهم، كما هى عادته ~~سبحانه وسنته فى عباده إذا أعرضوا عن الوحى، وتعوضوا عنه بكلام الملاحدة ~~والمعطلة من الفلاسفة وغيرهم، كما سلط النصارى على بلاد العرب لما ظهرت ~~فيها الفلسفة والمنطق، واشتغلوا بها، فاستولت النصارى على أكثر بلادهم، ~~وأصاروهم رعية لهم، وكذلك لما ظهر ذلك ببلاد المشرق، سلط عليهم عساكر ~~التتار، فأبادوا أكثر البلاد الشرقية، واستولوا عليها. وكذلك فى أواخر ~~المائة الثالثة، وأول الرابعة، لما اشتغل أهل العراق بالفلسفة وعلوم أهل ~~الإلحاد سلط عليهم القرامطة الباطنية، فكسروا عسكر الخليفة عده مرات ~~واستولوا على الحاج، واستعرضوهم قتلا وأسرا، واشتدت شوكتهم، واتهم ~~بموافقتهم فى الباطن كثير من الأعيان، من الوزراء والكتاب، والأدباء ~~وغيرهم، واستولى أهل دعوتهم على بلاد المعرب، واستقرت دار مملكتهم بمصر، ~~وبنيت فى أيامهم القاهرة، واستولوا # PageV02P269 # على الشام والحجاز واليمن والمغرب، وخطب لهم على منبر بغداد. # والمقصود أن هذا الداء لما دخل فى بنى إسرائيل كان سبب دمارهم وزوال ~~مملكتهم، ثم بعث الله سبحانه عبده ورسوله وكلمته المسيح ابن مريم، فجدد لهم ~~الدين وبين لهم معالمه، ودعاهم إلى عبادة الله وحده، والتبرى من تلك ~~الأحداث، والآراء الباطلة، فعادوه وكذبوه، ورموه وأمه بالعظائم، وراموا ~~قتله، فطهره الله تعالى منهم، ورفعة إليه، فلم يصلوا إليه بسوء. وأقام الله ~~تعالى للمسيح أنصارا دعوا إلى دينه وشريعته، حتى ظهر دينه على من خالفه، ~~ودخل فيه الملوك، وانتشرت دعوته، واستقام الأمر على السداد بعده نحو ~~ثلاثمائة سنة. # ثم أخذ دين المسيح فى التبديل والتغيير، حتى تناسخ واضمحل، ولم يبق بأيدى ~~النصارى منه شيء، بل ركبوا دينا بين دين المسيح ودين الفلاسفة عباد الأصنام ~~وراموا بذلك أن يتلطفوا للأمم حتى يدخلوهم فى النصرانية، فنقلوهم من عبادة ~~الأصنام المجسدة إلى عبادة الصور التى لا ظل لها، ونقلوهم من السجود للشمس ~~إلى السجود إلى جهة المشرق، ونقلوهم من القول باتحاد العاقل والمعقول ~~والعقل إلى القول باتحاد الأب والابن وروح القدس. # هذا ms565 ومعهم بقايا من دين المسيح، كالختان، والاغتسال من الجنابة، وتعظيم ~~السبت وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرمته التوراة، إلا ما أحل لهم بنصها. # ثم تناسخت الشريعة إلى أن استحلوا الخنزير، وأحلوا السبت، وعوضوا منه يوم ~~الأحد وتركوا الختان، والاغتسال من الجنابة، وكان المسيح يصلى إلى بيت ~~المقدس، فصلوا هم إلى المشرق، ولم يعظم المسيح عليه السلام صليبا قط، ~~فعظموا هم الصليب وعبدوه، ولم يصم المسيح عليه السلام صومهم هذا أبدا، ولا ~~شرعه، ولا أمر به البتة بل هم وضعوه على هذا العدد، ونقلوه إلى زمن الربيع، ~~فجعلوا ما زادوا فيه من العدد عوضا عن نقله من الشهور الهلالية إلى الشهور ~~الرومية، وتعبدوا بالنجاسات، وكان المسيح عليه السلام فى غاية الطهارة ~~والطيب والنظافة، وأبعد الخلق عن النجاسة، فقصدوا بذلك تغيير دين اليهود، ~~ومراغمتهم، فغيروا دين المسيح، وتقربوا إلى الفلاسفة وعباد الأصنام، بأن ~~وافقوهم فى بعض الأمر ليرضوهم به، وليستنصروا بذلك على اليهود. # ولما أخذ دين المسيح عليه السلام فى التغيير والفساد اجتمعت النصارى عدة ~~مجامع تزيد # PageV02P270 # على ثمانين مجمعا، ثم يتفرقون على الاختلاف والتلاعن يلعن بعضهم بعضا، ~~حتى قال فيهم بعض العقلاء: # "لو اجتمع عشرة من النصارى يتكلمون فى حقيقة ما هم عليه لتفرقوا عن أحد ~~عشر مذهبا". # حتى جمعهم قسطنطين الملك آخر ذلك، من الجزائر والبلاد، وسائر الأقطار. ~~فجمع كل بترك وأسقف وعالم فكانوا ثلاثمائة وثمانية عشر. # فقال: أنتم اليوم علماء النصرانية، وأكابر النصارى فاتفقوا على أمر تجتمع ~~عليه كلمة النصرانية، ومن خالفها لعنتموه، وحرمتموه، فقاموا وقعدوا وفكروا ~~وقدروا، واتفقوا على وضع الأمانة التى بأيديهم اليوم، وكان ذلك بمدينة ~~نيقية، سنة خمس عشرة من ملك قسطنطين. # وكان أحد أسباب ذلك أن بطريق الإسكندرية منع أريوس من دخول الكنيسة ~~ولعنه، فخرج أريوس إلى قسطنطين الملك مستعديا عليه، ومعه أسقفان فشكوه ~~إليه، وطلبوا مناظرته بين يدى الملك، فاستحضره الملك، وقال لأريوس: اشرح ~~مقالتك. فقال أريوس: أقول: إن الأب كان إذ لم يكن الابن، ثم أحدث الابن، ~~فكان كلمة له، إلا أنه محدث مخلوق، ms566 ثم فوض الأمر إلى ذلك الابن المسمى ~~كلمة. فكان هو خالق السماوات والأرض وما بينهما كما قال فى إنجيله، إذ يقول ~~"وهب لى سلطانا على السماء والأرض" فكان هو الخالق لهما بما أعطى من ذلك. ~~ثم إن تلك الكلمة بعد تجسدت من مريم العذراء ومن روح القدس. فصار ذلك مسيحا ~~واحدا. فالمسيح الآن معنيان: كلمة، وجسد، إلا أنهما جميعا مخلوقان. # PageV02P271 # فقال بطريق الإسكندرية: أخبرنا: أيما أوجب علينا عندك؟ عبادة من خلقنا، ~~أو عبادة من لم يخلقنا؟. # فقال أريوس: بل عبادة من خلقنا. # فقال: [فإن كان الابن خالقنا كما وصفت. وكان الابن مخلوقا] فعبادة الابن ~~الذى خلقنا - وهو مخلوق - أوجب من عبادة الأب الذى ليس بمخلوق، بل تصير ~~عبادة الأب الخالق كفرا. وعبادة الابن المخلوق إيمانا [وذلك من أقبح ~~الأقوال] . # فاستحسن الملك والحاضرون مقالته، وأمرهم الملك أن يلعنوا أريوس وكل من ~~يقول مقالته. # فلما انتصر البطريق قال للملك: استحضر البطارقة والأساقفة، حتى يكون لنا ~~مجمع ونصنع قصة نشرح فيها الدين ونوضحه للناس، فحشرهم قسطنطين من سائر ~~الآفاق فاجتمع عنده بعد سنة وشهرين ألفان وثمانية وأربعون أسقفا. وكانوا ~~مختلفى الآراء متباينين فى أديانهم. فلما اجتمعوا كثر اللغط بينهم، وارتفعت ~~الأصوات، وعظم الاختلاف فتعجب الملك من شدة اختلافهم. فأجرى عليهم الأنزال ~~وأمرهم أن يتناظروا حتى يعلم # PageV02P272 # الدين الصحيح مع من منهم. فطالت المناظرة بينهم. فاتفق منهم ثلاثمائة ~~وثمانية عشر أسقفا على رأى واحد. فناظروا بقية الأساقفة، فظهروا عليهم. ~~فعقد الملك لهؤلاء الثلاثمائة والثمانية عشر مجلسا خاصا وجلس فى وسطه، وأخذ ~~خاتمه وسيفه وقضيبه، فدفعها إليهم، وقال لهم: قد سلطتكم على المملكة. ~~فاصنعوا ما بدا لكم مما فيه قوام دينكم، وصلاح أمتكم. فباركوا عليه وقلدوه ~~سيفه، وقالوا له: أظهر دين النصرانية وذب عنه. ودفعوا إليه الأمانة التى ~~اتفقوا على وضعها. فلا يكون عندهم نصرانى من لم يقر بها. ولا يتم لهم قربان ~~إلا بها، وهى هذه: # "نؤمن بالله الواحد الأب، مالك كل شئ، صانع ما يرى وما لا يرى، وبالرب ~~الواحد يسوع المسيح ابن ms567 الله الواحد، بكر الخلائق كلها، الذى ولد من أبيه ~~قبل العوالم كلها. وليس بمصنوع، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه، الذى بيده ~~أتقنت العوالم، وخلق كل شيء الذى من أجلنا - معشر الناس، ومن أجل خلاصنا ~~نزل من السماء وتجسد من روح القدس، وصار إنسانا وحمل به، ثم ولد من مريم ~~البتول، وألم، وشج، وقتل، وصلب، ودفن، وقام فى اليوم الثالث، وصعد إلى ~~السماء، وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات ~~والأحياء. ونؤمن بروح القدس الواحد، روح الحق الذى يخرج من أبيه روح محبته، ~~وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا، وبجماعة واحدة قديسية جاثليقية، وبقيامة ~~أبداننا والحياة الدائمة إلى أبد الآبدين". # فهذا العقد الذى أجمع عليه الملكية والنسطورية، واليعقوبية. # وهذه الأمانة التى ألفها أولئك البتاركة، والأساقفة، والعلماء، وجعلوها ~~شعار النصرانية. # وكان رؤساء هذا المجمع بترك الإسكندرية، وبترك أنطاكية، وبترك بيت ~~المقدس. # فافترقوا عليها، وعلى لعن ما خالفها ومن خالفها، والتبرى منه، وتكفيره. # PageV02P273 # ثم ذهب أريوس يدعو إلى مقالته، وينفر النصارى عن أولئك الثلاثمائة ~~والثمانية عشر. فجمع جمعا عظيما، وصاروا إلى بيت المقدس، وخالف بكثير من ~~النصارى لأولئك المجمع. # فلما اجتمعوا قال أريوس: إن أولئك النفر تعدوا على، وظلمونى، ولم ينصفونى ~~فى الحجاج، وحرمونى ظلما وعدوانا. ووافقه كثير من الذين معه. وقالوا: صدق. ~~فوثبوا عليه فضربوه، حتى كاد أن يقتل لولا ابن أخت الملك خلصه. وافترقوا ~~على هذه الحال. # ثم كان لهم مجمع ثالث بعد ثمان وخمسين سنة من المجمع الأول. اجتمع ~~الوزراء والقواد إلى الملك، وقالوا: إن مقالة الناس قد فسدت، وغلب عليهم ~~مقالة أريوس، فاكتب إلى جميع البتاركة والأساقفة: أن يجتمعوا، ويوضحوا دين ~~النصرانية، فكتب الملك إلى سائر بلاده. فاجتمع بقسطنطينية مائة وخمسون ~~أسقفا. وكان مقدموهم بترك الإسكندرية، وبترك أنطاكية، وبترك بيت المقدس. ~~فنظروا فى مقالة أريوس. # وكان من مقالته: أن روح القدس مخلوق مصنوع، ليس بإله. # فقال بترك الإسكندرية: ليس لروح القدس عندنا معنى غير روح الله تعالى ~~وليس روح الله تعالى شيئا غير ms568 حياته. فإذا قلنا: إن روح القدس مخلوق، فقد ~~قلنا: إن روح الله مخلوق. وإذا قلنا: إن روح الله مخلوقة، فقد قلنا: إن ~~حياته مخلوقة. فقد جعلناه غير حى. ومن جعله غير حى فقد كفر. ومن كفر وجب ~~عليه اللعن. # فلعنوا بأجمعهم أريوس وأشياعه وأتباعه، والبتاركة الذين قالوا بمقالته، ~~وبينوا أن روح القدس خالق غير مخلوق، إله حق، وأن طبيعة الأب والابن جوهر ~~واحد، وطبيعة واحدة # PageV02P274 # وزادوا فى الأمانة التى وضعها الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفا "ونؤمن ~~بروح القدس الرب المحيى المميت، المنبثق من الأب، الذى مع الابن والأب، وهو ~~مسجود وممجد". # وكان فى الأمانة الأولى "وبروح القدس فقط". # وبينوا أن الأب والابن وروح القدس ثلاثة أقانيم، وثلاث وجوه، وثلاثة ~~خواص، وحدة فى تثليث وتثليث فى وحدة، وزادوا ونقصوا فى الشريعة. # وأطلق بترك الإسكندرية للرهبان والأساقفة والبتاركة أكل اللحم وكانوا على ~~مذهب مانى، لا يرون أكل ذوات الأرواح. # فانفض هذا المجمع وقد لعنوا فيه أكثر أساقفتهم وبتاركتهم، ومضوا على تلك ~~الأمانة. # ثم كان لهم مجمع رابع بعد إحدى وخمسين سنة من هذا المجمع على نسطورس. # وكان مذهبه "أن مريم ليست بوالدة الإله على الحقيقة، ولكن ثمة اثنان: إله ~~الذى هو موجود من الأب، والآخر إنسان الذى هو موجود من مريم. وأن هذا ~~الإنسان الذى نقول إنه المسيح بالمحبة متوحد مع ابن الإله وابن الإله ليس ~~ابنا على الحقيقة. لكن على سبيل الموهبة والكرامة، واتفاق الاسمين". # فبلغ ذلك بتاركة سائر البلاد، فجرت بينهم مراسلات. واتفقوا على تخطئته. ~~واجتمع منهم مائتا أسقف فى مدينة أفسيس، وأرسلوا إلى نسطورس للمناظرة. ~~فامتنع ثلاث مرات. فأوجبوا عليه الكفر، فلعنوه، ونفوه وحرموه، وثبتوا "أن ~~مريم ولدت إلها، وأن المسيح إله حق، وإنسان معروف بطبيعتين، متوحد فى ~~الأقنوم". # PageV02P275 # فلما لعنوا نسطورس غضب له يوحنا بترك أنطاكية. فجمع أساقفته الذين قدموا ~~معه، وناظرهم، فقطعهم، فتقاتلوا. ووقع الحرب والشر بينهم، وتفاقم أمرهم. ~~فلم يزل الملك [تذوس] حتى أصلح بينهم. فكتب أولئك صحيفة "أن مريم القدسية ~~ولدت إلها، وهو ربنا يسوع المسيح، ms569 الذى هو مع أبيه فى الطبيعة، ومع الناس ~~فى الناسوت" وأنفذوا لعن نسطورس. # فلما نفى نسطورس سار إلى أرض مصر، وأقام بإخميم سبع سنين، ودفن بها، ~~ودرست مقالته، إلى أن أحياها ابن صرما، مطران نصيبين، وبثها فى بلاد المشرق ~~فأكثر نصارى العراق والمشرق نسطورية. # وانفض ذلك المجمع أيضا على لعن نسطورس، ومن قال بقوله. # وكل مجامعهم كانت تجتمع على الضلال، وتفترق على اللعن. فلا ينفض المجمع ~~إلا وهم ما بين لاعن وملعون. # ثم كان لهم مجمع خامس. وذلك أنه كان بالقسطنطينية طبيب راهب يقال له: ~~أوطيوس يقول. إن جسد المسيح ليس هو مع أجسادنا فى الطبيعة، وأن المسيح قبل ~~التجسد طبيعتان، وبعد التجسد طبيعة واحدة. # وهذه مقالة اليعقوبية. # فرحل إليه أسقف دولته، فناظره فقطعه، ودحض حجته. # ثم سار إلى قسطنطينية فأخبر بتركها بالمناظرة وبانقطاعه. فأرسل بترك ~~الإسكندرية إليه، فاستحضره، وجمع جمعا عظيما، وسأله عن قوله. فقال: إن ~~قلنا: إن للمسيح طبيعتان فقد قلنا بقول نسطورس. ولكنا نقول: إن المسيح ~~طبيعة واحدة، وأقنوم واحد، لأنه من طبيعتين، كانتا قبل التجسد فلما تجسد ~~زالت عنه الاثنينية، وصار طبيعة واحدة، وأقنوما واحدا. # PageV02P276 # فقال له بترك القسطنطينية: إن كان المسيح طبيعة واحدة، فالطبيعة القديمة ~~هى الطبيعة المحدثة. وإن كان القديم هو المحدث فالذى لم يزل هو الذى لم ~~يكن. ولو جاز أن يكون القديم هو المحدث، لكان القائم هو القاعد والحار هو ~~البارد، فأبى أن يرجع عن مقالته، فلعنوه، فاستعدى عليهم الملك، وزعم أنهم ~~ظلموه، وسأله أن يكتب إلى جميع البتاركة للمناظرة: # فاستحضر الملك البتاركة والأساقفة من سائر البلاد إلى مدينة أفسيس، فثبت ~~بطريق الإسكندرية مقالة أوطيوس، وقطع بتاركة القسطنطينية وأنطاكية وبيت ~~المقدس وسائر البتاركة والأساقفة. وكتب إلى بترك رومية وإلى جماعة البتاركة ~~والأساقفة، فحرمهم ومنعهم من القربان إن لم يقلبوا مقالة أوطيوس. # ففسدت الأمانة، صارت المقالة مقالة أوطيوس، وخاصة بمصر، والإسكندرية وهو ~~مذهب اليعقوبية. # فافترق هذا المجمع الخامس وهم ما بين لاعن وملعون، وضال ومضل، وقائل ~~يقول: الصواب مع اللاعنين، وقائل يقول: الحق ms570 مع الملاعنين. # ثم كان لهم بعد هذا مجمع سادس فى دولة مرقيون فإنه اجمتع إليه الأساقفة ~~من سائر البلاد فأعلموه ما كان من ظلم ذلك المجمع، وقلة الإنصاف، وأن مقالة ~~أوطيوس قد غلبت على الناس وأفسدت دين النصرانية، فأمر الملك باستحضار سائر ~~الأساقفة والبطارقة إلى حضرته. فاجتمع عنده ستمائة وثلاثون أسقفا، فنظروا ~~فى مقالة أوطيوس وبترك الإسكندرية، التى قطعا بها جميع البتاركة. فأفسدوا ~~مقالتهما ولعنوهما. وأثبتوا "أن المسيح إله وإنسان، وهو مع الله فى اللاهوت ~~ومعنا فى الناسوت، له طبيعتان تامتان. فهو تام باللاهوت، تام بالناسوت، وهو ~~مسيح واحد" وثبتوا قول الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفا، وقبلوا قولهم "بأن ~~الابن مع الله فى المكان، وأنه إله حق من إله حق" ولعنوا أريوس وقالوا: "إن ~~روح القدس إله، وقالوا: إن الأب وروح القدس واحد بطبيعة واحدة، وأقانيم ~~ثلاثة". # وثبتوا قول أهل المجمع الثالث، وقالوا "إن مريم العذراء ولدت إلها ربنا ~~يسوع المسيح الذى هو مع الله فى الطبيعة، ومعنا فى الناسوت". # وقالوا: إن للمسيح طبيعتان وأقنوم واحد، ولعنوا نسطورس، وبترك ~~الإسكندرية. # PageV02P277 # فانفض هذا المجمع وهم ما بين لاعن وملعون. # ثم كان لهم بعد هذا مجمع سابع فى أيام أنسطاس الملك. # وذلك أن سورس القسطنطين جاء إلى الملك، فقال "إن أصحاب ذلك المجمع ~~الستمائة والثلاثين قد أخطأوا، والصواب ما قاله أوطيوس وبترك الإسكندرية، ~~فلا تقبل ممن سواهما، واكتب إلى جميع بلادك أن العنوا الستمائة والثلاثين، ~~وأن يأخذوا الناس بطبيعة واحدة ومشيئة واحدة، وأقنوم واحد" فأجابه الملك ~~إلى ذلك. # فلما بلغ بترك بيت المقدس جمع الرهبان، فلعنوا أنسطاس الملك، وسورس، ومن ~~يقول بمقالتهما فبلغ ذلك الملك، فغضب، وبعث، فنفى البترك إلى أيلة، وبعث ~~يوحنا بتركا على بيت المقدس: لأنه كان قد ضمن للملك أن يلعن الستمائة ~~والثلاثين. # فلما قدم إلى بيت المقدس اجتمع الرهبان وقالوا: إياك أن تقبل عن سورس، ~~ولكن اقبل عن الستمائة والثلاثين ونحن معك. ففعل، وخالف الملك. # فلما بلغه أرسل قائدا وأمره أن يأخذ يوحنا بلعنة أولئك، فإن لم يفعل ~~أنزله ms571 عن الكرسى ونفاه. فقدم القائد وطرح يوحنا فى الحبس، فصار إليه ~~الرهبان فى الحبس وأشاروا عليه بأن يضمن للقائد أن يفعل ذلك. فإذا حضر ~~فليقر بلعنة كل من لعنه الرهبان. # فاجتمع الرهبان وكانوا عشرة آلاف راهب، فلعنوا أوطسوس، ونسطورس، وسورس، ~~ومن لا يقبل من أولئك الستمائة والثلاثين. # ففزع رسول الملك من الرهبان، وبلغ ذلك الملك فهم بنفى يوحنا. فاجتمع ~~الرهبان والأساقفة، فكتبوا إلى الملك: أنهم لا يقبلون مقالة سورس، ولو ~~أريقت دماؤهم، وسألوه أن يكف أذاه عنهم. # وكتب بترك رومية إلى الملك بقبح فعله وبلعنه، فانفض هذا المجمع على ~~اللعنة أيضا. # وكان لسورس تلميذ، يقال له يعقوب البراذعى، لأنه كان يلبس من قطع براذع ~~الدواب، يرقع بعضها ببعض. وإليه ينسب اليعاقبة. فأفسد أمانة القوم. # ثم هلك أنسطاس الملك، وولى بعده قسطنطين، فرد كل من نفاه أنسطاس إلى ~~موضعه. وكتب إلى بيت المقدس بأمانته. # PageV02P278 # فاجتمع الرهبان وأظهروا كتابه، وفرحوا به، وأثبتوا قول الستمائة ~~والثلاثين أسقفا وغلبت اليعقوبية على الإسكندرية، وقتلوا بتركا لهم يقال له ~~بولس، وكان ملكانيا. فولى الملك إسطفانوس. فأرسل قائدا ومعه عسكر عظيم إلى ~~الإسكندرية، فدخل الكنيسة فى ثياب البتركة، وتقدم وقدس، فرموه بالحجارة، ~~حتى كادوا يقتلونه. فانصرف وتوارى عنهم. ثم أظهر لهم بعد ثلاثة أيام أنه ~~أتاه كتاب من الملك. وأمر الحرس أن يجمعوا الناس لسماعه. فلم يبق أحد ~~بالإسكندرية حتى حضر لسماعه. وكان قد جعل بينه وبين جنده علامة إذا هو ~~فعلها وضعوا السيف فى الناس. فصعد المنبر، وقال: يا معشر أهل الإسكندرية، ~~إن رجعتم إلى الحق وتركتم مقالة اليعاقبة، وإلا لم تأمنوا أن يوجه الملك ~~إليكم من يسفك دماءكم. فرموه بالحجارة حتى خاف على نفسه. فأظهر العلامة، ~~فوضعوا السيوف على من بالكنيسة. فقتل خلق لا يحصيهم إلا الله تعالى، حتى ~~خاض الجند فى الدماء. وظهرت مقالة الملكانية بالإسكندرية. # ثم كان لهم بعد ذلك مجمع ثامن. # وذلك أن أسقف منبج كان يقول بالتناسخ، وأنه ليس ثمة قيامة، ولا بعث. وكان ~~أسقف الرها وأسقف المصيصة، وأسقف ثالث يقولون: ms572 إن جسد المسيح خيال غير ~~حقيقة. فحشرهم الملك إلى قسطنطينية. فقال لهم بتركها: إن: كان جسده خيالا ~~فيجب أن يكون فعله خيالا، وقوله خيالا، وكل جسد نعاينه لأحد من الناس، أو ~~فعل أو قول، فهو كذلك. # وقال له: إن المسيح قد قام من الموتى، وأعلمنا أنه كذلك يقوم الناس يوم ~~الدين. # واحتج بنصوص من الإنجيل كقوله "إن كل من فى القبور إذا سمعوا قول الله ~~سبحانه يحيون" فأوجب عليهم اللعن. # وأمر الملك أن يكون لهم مجمع يلعنون فيه، واستحضر بتاركة البلاد. # فاجتمع عنده مائة وأربعة وستون أسقفا فلعنوا أسقف منبج، وأسقف المصيصة، ~~وثبتوا "أن جسد المسيح حقيقة لا خيال، وأنه إله تام، وإنسان تام معروف ~~بطبيعتين ومشيئتين وفعلين، أقنوم واحد، وأن الدنيا زائلة، وأن القيامة ~~كائنة، وأن المسيح يأتى # PageV02P279 # بمجد عظيم، فيدين الأحياء والأموات، كما قال الثلاثمائة والثمانية عشر ~~الأوائل" فتفرقوا على ذلك. # ثم كان لهم مجمع تاسع على عهد معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه، تلاعنوا ~~فيه. # وذلك أنه كان برومية راهب له تلميذان، فجاء إلى قسطا الوالى فوبخه على ~~قبح مذهبه وشناعة كفره، فأمر به قسطا فقطعت يداه ورجلاه، ونزع لسانه، وفعل ~~بأحد التلميذين كذلك، وضرب الآخر بالسياط، ونفاه. فبلغ ذلك ملك قسطنطينية، ~~فأرسل إليه أن يوجه إليه من أفاضل الأساقفة ليعلم وجه هذه الشبهة، ومن كان ~~ابتدأ بها، ويعلم من يستحق اللعن. # فبعث إليه مائة وأربعين أسقفا وثلاثمائة شماس، فلما وصلوا إليه جمع الملك ~~مائة وثمانية وخمسين أسقفا فصاروا ثلاثمائة وثمانية، وأسقطوا الشمامسة. ~~وكان رئيس هذا المجمع بترك قسطنطينية وبترك أنطاكية، فلعنوا من تقدم من ~~القديسين والبتاركة واحدا واحدا، فلما لعنوهم جلسوا، فلخصوا الأمانة، ~~وزادوا فيها ونقصوا فقالوا "نؤمن بأن الواحد من الناسوت الابن الوحيد، الذى ~~هو الكلمة الأزلية الدائم المستوى مع الأب، الإله فى الجوهر، الذى هو ربنا ~~يسوع المسيح بطبيعتين تامتين وفعلين ومشيئتين، فى أقنوم واحد، ووجه واحد، ~~تاما بلاهوته، تاما بناسوته، وشهدت أن الإله الابن فى آخر الأيام اتخذ من ~~العذراء السيدة مريم ms573 القدسية جسدا، إنسانا بنفس ناطفة عقلية. وذلك برحمة ~~الله تعالى محب البشر. ولم يلحقه اختلاط ولا فساد ولا فرقة، ولا فصل ولكن ~~هو واحد، يعمل بما يشبه الإنسان أن يعمله فى طبيعته، وما يشبه الإله أن ~~يعمله فى طبيعته الذى هو الابن الوحيد، والكلمة الأزلية المتجسدة التى صارت ~~فى الحقيقة لحما، كما يقول الإنجيل المقدس، من غير أن ينتقل من مجده ~~الأزلى، وليست بمتغيرة، لكنها بفعلين ومشيئتين وطبيعتين إلهى وإنسى، الذى ~~بهما يكمل قول الحق. وكل واحدة من الطبيعتين تعمل مع شركة صاحبتها مشيئتين، ~~غير متضادتين، ولا متصارعتين، ولكن مع المشيئة الإنسية المشيئة الإلهية ~~القادرة على كل شيء". # هذه أمانة هذا المجمع. فوضعوها ولعنوا من لعنوه، وبين المجمع الخامس الذى ~~اجتمع فيه الستمائة والثلاثون، وبين هذا المجمع مائة سنة. # ثم كان لهم مجمع عاشر: # PageV02P280 # وذلك لما مات الملك وولى ابنه بعده. فاجتمع أهل المجمع السادس. وزعموا أن ~~اجتماعهم كان على الباطل. فجمع الملك مائة وثلاثين أسقفا. فثبتوا قول أهل ~~المجامع الخمسة، ولعنوا من لعنهم وخالفهم، وانصرفوا بين لاعن وملعون. # فهذه عشرة مجامع كبار من مجامعهم مشهورة، اشتملت على أكثر من أربعة عشر ~~ألفا من البتاركة والأساقفة والرهبان. كلهم ما بين لاعن وملعون. # فهذه حال المتقدمين مع قرب زمانهم من أيام المسيح، ووجود أخباره فيهم، ~~والدولة دولتهم، والكلمة كلمتهم، وعلماؤهم إذ ذاك أوفر ما كانوا، واهتمامهم ~~بأمر دينهم واحتفالهم به كما ترى، وهم حيارى تائهون، ضالون مضلون. لا يثبت ~~لهم قدم، ولا يستقر لهم قول فى إلههم، بل كل منهم قد اتخذ إلهه هواه، وصرح ~~بالكفر والتبرى ممن اتبع سواه. قد تفرقت بهم فى نبيهم وإلههم الأقاويل، وهم ~~كما قال الله تعالى: # {قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} [المائدة: 77] . # فلو سألت أهل البيت الواحد عن دينهم ومعتقدهم فى ربهم ونبيهم لأجابك ~~الرجل بجواب، وامرأته بجواب، وابنه بجواب، والخادم بجواب. فما ظنك بمن فى ~~عصرنا هذا، وهم نخالة الماضين، وزبالة الغابرين، ونفاية المتحيرين؟ وقد طال ~~عليهم الأمد وبعد ms574 عهدهم بالمسيح ودينه. # وهؤلاء هم الذين أوجبوا لأعداء الرسل - من الفلاسفة والملاحدة - أن ~~يتمسكوا بما هم عليه، فإنهم شرحوا لهم دينهم الذى جاء به المسيح على هذا ~~الوجه، ولا ريب أن هذا دين لا يقبله عاقل. فتواصى أولئك بينهم أن يتمسكوا ~~بما هم عليه، وساءت ظنونهم بالرسل والكتب. ورأوا أن ما هم عليه من الآراء ~~أقرب إلى المعقول من هذا الدين. وقال لهم هؤلاء الحيارى النصارى الضلال: إن ~~هذا هو الحق الذى جاء به المسيح. فتركب من هذين الظنين الفاسدين إساءة الظن ~~بالرسل، وإحسان الظن بما هم عليه. # ولهذا قال بعض ملوك الهند - وقد ذكرت له الملل الثلاث - فقال: أما ~~النصارى فإن كان محاربوهم من أهل الملل يحاربونهم بحكم شرعى، فإنى أرى ذلك ~~بحكم عقلى وإن كنا لا نرى بحكم عقولنا قتالا. ولكن أستثنى هؤلاء القوم من ~~بين جميع العوالم، # PageV02P281 # لأنهم قصدوا مضادة العقل، وناصبوه العداوة. وحلوا ببيت الاستحالات، ~~وحادوا عن المسلك الذى انتهجه غيرهم من أهل الشرائع، فشذوا عن جميع مناهج ~~العالم الصالحة العقلية والشرعية، واعتقدوا كل مستحيل ممكنا، وبنوا على ذلك ~~شريعة لا تؤدى البتة إلى صلاح نوع من أنواع العالم، إنها تصير العاقل إذا ~~تشرع بها أخرق، والرشيد سفيها، والمحسن مسيئا. لأن من كان أصل عقيدته التى ~~جرى نشوءه عليها: لإساءة إلى الخالق، والنيل منه، ووصفه بضد صفاته الحسنى، ~~فأخلق به أن يستسهل الإساءة إلى المخلوق، مع ما بلغنا عنهم من الجهل، وضعف ~~العقل، وقلة الحياء، وخساسة الهمة. # فهذا وقد ظهر له من باطلهم وضلالهم غيض من فيض، وكانوا إذ ذاك أقرب عهدا ~~بالنبوة. # وقال أفلاطون رئيس سدنة الهياكل بمصر، وليس بأفلاطون تلميذ سقراط، إذ ذاك ~~أقدم من هذا: "لما ظهر محمد بتهامة، ورأينا أمره يعلو على الأمم المجاورة ~~له، رأينا أن نقصد اصطمر البابلى لنعلم ما عنده، ونأخذ برأيه. فلما اجتمعنا ~~على الخروج من مصر، رأينا أن نصبر إلى قراطيس معلمنا وحكيمنا لنودعه. فلما ~~دخلنا عليه، ورأى جمعنا أيقن أن الهياكل قد خلت منا، فغشى عليه ms575 حينا غشية ~~ظننا أنه فارق الحياة فيها، فبكينا فأومأ إلينا أن كفوا عن البكاء، فتصبرنا ~~جهدنا هدأ وفتح عينيه، وقال: هذا ما كنت أنهاكم عنه، وأحذركم منه، إنكم قوم ~~غيرتم فغير بكم. أطعتم جهالا من ملوككم، فخلطوا عليكم فى الأدعية فقصدتم ~~البشر من التعظيم بما هو للخالق وحده، فكنتم فى ذلك كمن أعطى القلم مدحة ~~الكاتب. وإنما حركة القلم بالكاتب". # ومن المعلوم أن هذه الأمة ارتكبت محذورين عظيمين، لا يرضى بهما ذو عقل ~~ولا معرفة. # أحدهما: الغلو فى المخلوق، حتى جعلوه شريك الخالق وجزءا منه، وإلها آخر ~~معه، وأنفوا أن يكون عبدا له. # والثانى: تنقص الخالق وسبه، ورميه بالعظائم، حيث زعموا أنه - سبحانه ~~وتعالى عن قولهم علوا كبيرا - نزل من العرش عن كرسى عظمته، ودخل فى فرج ~~امرأة، وأقام هناك تسعة أشهر يتخبط بين البول والدم والنجو، وقد علته أطباق ~~المشيمة والرحم والبطن، ثم خرج من حيث دخل، رضيعا صغيرا يمص الثدى، ولف فى ~~القمط، وأودع السرير، يبكى ويجوع، ويعطش، # PageV02P282 # ويبول، ويتغوط، ويحمل على الأيدى والعواتق، ثم صار إلى أن لطمت اليهود ~~خديه، وربطوا يديه، وبصقوا فى وجهه، وصفعوا قفاه، وصلبوه جهرا بين لصين، ~~وألبسوه إكليلا من الشوك،. وسمروا يديه ورجليه، وجرعوه أعظم الآلام، هذا ~~وهو الإله الحق الذى بيده أتقنت العوالم، وهو المعبود المسجود له. # ولعمر الله إن هذه مسبة لله سبحانه ما سبه بها أحد من البشر قبلهم، ولا ~~بعدهم، كما قال تعالى، فيما يحكى عنه رسوله الذى نزهه ونزه أخاه المسيح عن ~~هذا الباطل الذى. # {تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا} [مريم: 90] . # فقال: "شتمنى ابن آدم، وما ينبغى له ذلك. وكذبنى ابن آدم وما ينبغى له ~~ذلك. أما شتمه إياى، فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد الذى لم ألد، ~~ولم أولد، ولم يكن لى كفوا أحد، وأما تكذيبه إياى. فقوله: لن يعيدنى كما ~~بدأنى. وليس أول الخلق بأهون على من إعادته". # وقال عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه فى هذه الأمة: أهينوهم، ms576 ولا ~~تظلموهم، فلقد سبوا الله عز وجل مسبة ما سبه إياها أحد من البشر". # ولعمر الله، إن عباد الأصنام، مع أنهم أعداء الله عز وجل على الحقيقة، ~~وأعداء رسله عليهم السلام، وأشد الكفار كفرا يأنفون أن يصفوا آلهتهم التى ~~يعبدونها من دون الله تعالى - وهى من الحجارة والحديد، والخشب - بمثل ما ~~وصفت به هذه الأمة رب العالمين، إله السماوات والأرضين. وكان الله تعالى فى ~~قلوبهم أجل وأعظم من أن يصفوه بذلك، أو بما يقاربه. وإنما شرك القوم: أنهم ~~عبدوا من دونه آلهة مخلوقة مربوبة محدثة، وزعموا أنها تقربهم إليه، لم ~~يجعلوا شيئا من آلهتهم كفوا له، ولا نظيرا ولا ولدا، ولم ينالوا من الرب ~~تعالى ما نالت منه هذه الأمة. # عذرهم فى ذلك أقبح من قولهم، فإن أصل معتقدهم: أن أرواح الأنبياء عليهم ~~السلام كانت فى الجحيم فى سجن إبليس، من عهد آدم إلى زمن المسيح، وكان ~~إبراهيم وموسى ونوح # PageV02P283 # وصالح وهود معذبين مسجونين فى النار بسبب خطيئة آدم عليه السلام، وأكله ~~من الشجرة، وكان كلما مات واحد من بنى آدم أخذه إبليس وسجنه فى النار بذنب ~~أبيه. ثم إن الله سبحانه وتعالى لما أراد رحمتهم وخلاصهم من العذاب، تحيل ~~على إبليس بحيلة، فنزل عن كرسى عظمته، والتحم ببطن مريم، حتى ولد وكبر وصار ~~رجلا. فمكن أعداءه اليهود من نفسه، حتى صلبوه، وتوجوه بالشوك على رأسه، ~~فخلص أنبياءه ورسله، وفداهم بنفسه ودمه، فهرق دمه فى مرضاة جميع ولد آدم. ~~إذ كان ذنبه باقيا فى أعناق جميعهم، فخلصهم منه بأن مكن أعداءه من صلبه، ~~وتسميره وصفعه، إلا من أنكر صلبه أو شك فيه، أو قال: بأن الإله يجل عن ذلك، ~~فهو فى سجن إبليس معذب حتى يقر بذلك. وأن إلهه صلب وصفع وسمر. # فنسبوا الإله الحق سبحانه إلى ما يأنف أسقط الناس وأقلهم أن يفعله ~~بمملوكه وعبده وإلى ما يأنف عباد الأصنام أن ينسب إليه أوثانهم، وكذبوا ~~الله عز وجل فى كونه تاب على آدم عليه السلام وغفر له خطيئته، ونسبوه ms577 إلى ~~أقبح الظلم، حيث زعموا أنه سجن أنبياءه ورسله وأولياءه فى الجحيم، بسبب ~~خطيئة أبيهم، ونسبوه إلى غاية السفه، حيث خلصهم من العذاب بتمكينه أعداءه ~~من نفسه، حتى قتلوه: وصلبوه وأراقوا دمه، ونسبوه إلى غاية العجز حيث عجزوه ~~أن يخلصهم بقدرته من غير هذه الحلية، ونسبوه إلى غاية النقص، حيث سلط ~~أعداءه على نفسه وابنه ففعلوا به ما فعلوا. # وبالجملة، فلا نعلم أمة من الأمم سبت ربها ومعبودها وإلهها بما سبت به ~~هذه الأمة كما قال عمر رضى الله عنه "إنهم سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد ~~من البشر". # وكان بعض أئمة الإسلام إذا رأى صليبيا أغمض عينيه عنه، وقال: لا أستطيع ~~أن أملأ عينى ممن سب إلهه ومعبوده بأقبح السب. # ولهذا قال عقلاء الملوك: إن جهاد هؤلاء واجب شرعا وعقلا، فإنهم عار، على ~~بنى آدم، مفسدون للعقول والشرائع. # PageV02P284 # وأما شريعتهم ودينهم فليسوا متمسكين بشيء من شريعة المسيح، ولا دينه ~~البتة. # فأول ذلك أمر القبلة. # فإنهم ابتدعوا الصلاة إلى مطلع الشمس مع علمهم أن المسيح عليه السلام لم ~~يصل إلى المشرق أصلا. بل قد نقل مؤرخوهم أن ذلك حدث بعد المسيح بنحو ~~ثلاثمائة سنة، وإلا فالمسيح إنما كان يصلى إلى قبلة بيت المقدس، وهى قبلة ~~الأنبياء قبله، وإليها كان يصلى النبى صلى الله عليه وسلم مدة مقامه بمكة، ~~وبعد هجرته ثمانية عشر شهرا، ثم نقله الله تعالى إلى قبلة أبيه إبراهيم ~~عليه السلام. # ومن ذلك: أن طوائف منهم - وهم الروم وغيرهم - لا يرون الاستنجاء بالماء، ~~فيبول أحدهم ويتغوط، ويقوم بأثر البول والغائط إلى صلاته بتلك الرائحة ~~الكريهة، فيستقبل المشرق ويصلب على وجهه، ويحدث من يليه بأنواع الحديث، ~~كذبا كان أو فجورا، أو غيبة، أو سبا وشتما، ويخبره بسعر الخمر ولحم ~~الخنزير، وما شاكل ذلك ولا يضر ذلك فى الصلاة ولا يبطلها. وإن دعته الحاجة ~~إلى البول فى الصلاة بال وهو يصلى ولا يضر صلاته. # وكل عاقل يعلم أن مواجهة إله العالمين بهذه العبادة قبيح جدا، وصاحبها ~~إلى استحقاق غضبه ms578 وعقابه أقرب منه إلى الرضا والثواب. # ومن العجيب إنهم يقرءون فى نص التوراة "ملعون من تعلق بالصليب" وهم قد ~~جعلوا شعار دينهم ما يلعنون عليه. ولو كان لهم أدنى عقل لكان الأولى بهم أن ~~يحرقوا الصليب، حيث وجدوه، ويكسروه ويضمخوه بالنجاسة. فإنه صلب عليه إلههم ~~ومعبودهم بزعمهم، وأهين عليه، وفضح، وخزى. # فيا للعجب، بأى وجه - بعد هذا - يستحق الصليب التعظيم، لولا أن القوم أضل ~~من الأنعام. # وتعظيمهم للصليب مما ابتدعوه فى دين المسيح بعده بزمان. ولا ذكر له فى ~~الإنجيل البتة. وإنما ذكر فى التوراة باللعن لمن تعلق به. فاتخذته هذه ~~الأمة معبودا يسجدون له، # PageV02P285 # وإذا اجتهد أحدهم فى اليمين، بحيث لا يحنث ولا يكذب، حلف بالصليب، ويكذب ~~إذا حلف بالله، ولا يكذب إذا حلف بالصليب، ولو كان لهذه الأمة أدنى مسكة من ~~عقل لكان ينبغى لهم أن يلعنوا الصليب من أجل معبودهم، وإلههم حين صلب عليه، ~~كما قالوا: إن الأرض لعنت من أجل آدم حين أخطأ، وكما لعنت الأرض حين قتل ~~قابيل أخاه، وكما فى الإنجيل: إن اللعنة تنزل على الأرض إذا كان أمراؤها ~~الصبيان. # فلو عقلوا لكان ينبغى لهم أن لا يحملوا صليبا، ولا يمسوه بأيديهم، ولا ~~يذكرونه بألسنتهم. وإذا ذكر لهم سدوا مسامعهم عن ذكره. # ولقد صدق القائل: "عدو عاقل خير من صديق أحمق" لأنهم بحمقهم قصدوا تعظيم ~~المسيح فاجتهدوا فى ذمه وتنقصه والإزراء به، والطعن عليه. وكان مقصودهم ~~بذلك التشنيع على اليهود، وتنفير الناس عنهم وإغراءهم بهم، فنفروا الأمم عن ~~النصرانية وعن المسيح ودينه أعظم تنفير، وعلموا أن الدين لا يقوم بذلك. ~~فوضع لهم رهبانهم وأساقفتهم من الحيل والمخاريق وأنواع الشعبذة ما استمالوا ~~به الجهال، وربطوهم به، وهم يستجيزون ذلك ويستحسنونه، ويقولون: يشذ دين ~~النصرانية. # وكأنهم إنما عظموا الصليب لما رأوه قد ثبت لصلب إلههم، ولم ينشق ولم ~~يتطاير، ولم يتكسر من هيبته لما حمل عليه. وقد ذكروا أن الشمس اسودت وتغير ~~حال السماء والأرض، فلما لم يتغير الصليب ولم يتطاير، استحق عندهم التعظيم ~~وأن يعبد. ms579 # ولقد قال بعض عقلائهم: إن تعظيمنا للصليب جار مجرى تعظيم قبور الأنبياء، ~~فإنه كان قبر المسيح وهو عليه، ثم لما دفن صار قبره فى الأرض، وليس وراء ~~هذا الحمق والجهل حمق، فإن السجود لقبور الأنبياء وعبادتها شرك، بل من أعظم ~~الشرك، وقد لعن إمام الحنفاء وخاتم الأنبياء صلى الله تعالى عليه وسلم ~~اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وأصل الشرك وعبادة ~~الأوثان من العكوف على القبور، واتخاذها مساجد. # ثم يقال: فأنتم تعظمون كل صليب، لا تخصون التعظيم بذلك الصليب بعينه. # فإن قلتم: الصليب من حيث هو يذكر بالصليب الذى صلب عليه إلهنا. # PageV02P286 # قلنا: وكذلك الحفر تذكر بحفرته. فعظموا كل حفرة، واسجدوا لها لأنها ~~كحفرته أيضا بل أولى، لأن خشبة الصلب لم يستقر عليها استقراره فى الحفرة. # ثم يقال: اليد التى مسته أولى أن تعظم من الصليب، فعظموا أيدى اليهود ~~لمسهم إياه وإمساكهم له. ثم انقلوا ذلك التعظيم إلى سائر الأيدى. # فإن قلتم: منع من ذلك مانع العداوة، فعندكم أنه هو الذى رضى بذلك ~~واختاره. ولو لم يرض به لم يصلوا إليه منه، فعلى هذا فينبغى لكم أن تشكروهم ~~وتحمدوهم، إذ فعلوا مرضاته واختياره الذى كان سبب خلاص جميع الأنبياء ~~والمؤمنين والقديسين من الجحيم ومن سجن إبليس، فما أعظم منة اليهود عليكم ~~وعلى آبائكم، وعلى سائر النبيين من لدن آدم عليه السلام إلى زمن المسيح. # والمقصود: أن هذه الأمة جمعت بين الشرك وعيب الإله وتنقصه، وتنقص نبيهم ~~وعيبه ومفارقة دينه بالكلية، فلم يتمسكوا بشيء مما كان عليه المسيح، لا فى ~~صلاتهم ولا فى صيامهم ولا فى أعيادهم. بل هم فى ذلك أتباع كل ناعق، ~~مستجيبون لكل ممخرق ومبطل. أدخلوا فى الشريعة ما ليس منها، وتركوا ما أتت ~~به. # وإذا شئت أن ترى التغيير فى دينهم فانظر إلى صيامهم الذى وضعوه لملوكهم ~~وعظمائهم فلهم صيام للحواريين، وصيام لمار مريم، وصيام لمار جرجس، وصيام ~~للميلاد. وتركهم أكل اللحم فى صيامهم مما أدخلوه فى دين المسيح. وإلا فهم ~~يعلمون أن المسيح عليه السلام ms580 كان يأكل اللحم، ولم يمنعهم منه لا فى صوم، ~~ولا فطر. # وأصل ذلك: أن المانوية كانوا لا يأكلون ذا روح، فلما دخلوا فى النصرانية ~~خافوا أن يتركوا أكل اللحم فيقتلوا، فشرعوا لأنفسهم صياما، فصاموا للميلاد ~~والحواريين، ومار مريم، وتركوا فى هذا الصوم أكل اللحم محافظة على ما ~~اعتادوه من مذهب مانى. فلما طال الزمان تبعهم على ذلك النسطورية ~~واليعقوبية. فصارت سنة متعارفة بينهم، ثم تبعهم على ذلك الملكانية. # PageV02P287 # فصل # ثم إنك إذا كشفت عن حالهم وجدت أئمة دينهم ورهبانهم قد نصبوا حبائل الحيل ~~ليقتنصوا بها عقول العوام، ويتوصلوا بالتمويه والتلبيس إلى استمالتهم ~~وانقيادهم لهم، واستدرار أموالهم. وذلك أشهر وأكثر من أن يذكر. # فمن ذلك: ما يعتمدونه فى العيد الذى يسمونه عيد النور، ومحله بيت المقدس ~~فيجتمعون من سائر النواحى فى ذلك اليوم، ويأتون إلى بيت فيه قنديل معلق لا ~~نار فيه فيتلو أحبارهم الإنجيل، ويرفعون أصواتهم ويبتهلون فى الدعاء، فبينا ~~هم كذلك وإذا نار قد نزلت من سقف البيت فتقع على ذبالة القنديل فيشرق ويضيء ~~ويشتعل، فيضجون ضجة واحدة، ويصلبون على وجوههم، ويأخذون فى البكاء والشهيق. # قال أبو بكر الطرطوشى: كنت ببيت المقدس، وكان واليها إذ ذاك رجلا يقال له ~~سقمان. فلما نما خبر هذا العيد إليه أنفذ إلى بتاركتهم، وقال: أنا نازل ~~إليكم فى يوم هذا العيد لأكشف عن حقيقة ما تقولون، فإن كان حقا ولم يتضح لى ~~وجه الحيلة فيه أقررتكم عليه وعظمته معكم بعلم. وإن كان مخرقة على عوامكم ~~أوقعت بكم ما تكرهونه. فصعب ذلك عليهم جدا، وسألوه أن لا يفعل فأبى ولج، ~~فحملوا له مالا عظيما فأخذه وأعرض عنهم. # قال الطرطوشى: ثم اجتمعت بأبى محمد بن الأقدم بالإسكندرية. فحدثنى أنهم ~~يأخذون خيطا دقيقا من نحاس وهو الشريط، ويجعلونه فى وسط قبة البيت إلى رأس ~~الفتيلة التى فى القنديل، ويدهنونه بدهن اللبان. والبيت مظلم، بحيث لا يدرك ~~الناظرون الخيط النحاس، وقد عظموا ذلك البيت، فلا يمكنون كل أحد من دخوله. ~~وفى رأس القبة رجل، فإذا قدسوا ودعوا ms581 ألقى على ذلك الخيط شيئا من نار ~~النفط، فتجرى النار مع دهن اللبان إلى آخر الخيط النحاس، فتلقى فيتعلق بها. # فلو نصح أحد منهم نفسه وفتش على نجاته لتتبع هذا القدر، وطلب الخيط ~~النحاس وفتش رأس القبة ليرى الرجل والنفط، ويرى أن منبع ذلك النور من ذلك ~~الممخرق الملبس، وأنه لو نزل من السماء لظهر من فوق ولم يكن ظهوره من ~~الفتيلة. # PageV02P288 # ومن حيلهم أيضا: أنه قد كان بأرض الروم فى زمن المتوكل كنيسة، إذا كان ~~يوم عيدها يحج الناس إليها، ويجتمعون عند صنم فيها، فيشاهدون ثدى ذلك الصنم ~~فى ذلك اليوم يخرج منه اللبن. وكان يجتمع للسادن فى ذلك اليوم مال عظيم. ~~فبحث الملك عنها. فانكشف له أمرها فوجد القيم قد ثقب من وراء الحائط ثقبا ~~إلى ثدى الصنم، وجعل فيها أنبوبة من رصاص، وأصلحها بالجبس ليخفى أمرها، ~~فإذا كان يوم العيد فتحها وصب فيها اللبن، فيجرى إلى الثدى فيقطر منه، ~~فيعتقد الجهال أن هذا سر فى الصنم، وأنه علامة من الله تعالى لقبول ~~قربانهم، وتعظيمهم له. فلما انكشف له ذلك أمر بضرب عنق السادن، ومحو الصور ~~من الكنائس. وقال: إن هذه الصور مقام الأصنام. فمن سجد للصورة فهو كمن سجد ~~للأصنام. # ولقد كان من الواجب على ملوك الإسلام أن يمنعوا هؤلاء من هذا وأمثاله، ~~لما فيه من الإعانة على الكفر، وتعظيم شعائره. فالمساعد على ذلك، والمعين ~~عليه شريك للفاعل. لكن لما هان عليهم دين الإسلام، وكان السحت الذى يأخذونه ~~منهم أحب إليهم من الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام أقروهم على ذلك ~~ومكنوهم منه. # فصل # والمقصود: أن دين الأمة الصليبية، بعد أن بعث الله عز وجل محمدا صلى الله ~~تعالى عليه وسلم، بل قبله بنحو ثلاثمائة سنة، مبنى على معاندة العقول ~~والشرائع، وتنقص إله العالمين ورميه بالعظائم، فكل نصرانى لا يأخذ بحظه من ~~هذه فليس بنصرانى على الحقيقة. # أفليس هو الدين الذى أسسه أصحاب المجامع المتلاعنين على أن الواحد ثلاثة ~~والثلاثة واحد؟. # فيا عجبا، كيف رضى العاقل ms582 أن يكون هذا مبلغ عقله، ومنتهى علمه؟. # أترى لم يكن فى هذه الأمة من يرجع إلى عقله وفطرته، ويعلم أن هذا عين ~~المحال، وإن ضربوا له الأمثال، واستخرجوا له الأشباه. فلا يذكرون مثالا. ~~ولا شبها إلا وفيه بيان خطئهم وضلالهم. # PageV02P289 # كتشبيه بعضهم اتحاد اللاهوت بالناسوت، وامتزاجه به باتحاد النار والحديد، ~~وتمثيل غيرهم ذلك باختلاط الماء باللبن، وتشبيه آخرين ذلك بامتزاج الغذاء، ~~واختلاطه بأعضاء البدن، إلى غير ذلك من الأمثال والمقاييس التى تتضمن ~~امتزاج حقيقتين واختلاطهما، حتى صارا حقيقة أخرى، تعالى الله عز وجل عن ~~إفكهم وكذبهم. # ولم يقنعهم هذا القول فى رب السماوات والأرض، حتى اتفقوا بأسرهم على أن ~~اليهود أخذوه، وساقوه بينهم ذليلا مقهورا، وهو يحمل خشبته التى صلبوه ~~عليها، واليهود يبصقون فى وجهه، ويضربونه، ثم صلبوه وطعنوه بالحربة حتى ~~مات، وتركوه مصلوبا حتى التصق شعره بجلده، لما يبس دمه بحرارة الشمس، ثم ~~دفن، وأقام تحت التراب ثلاثة أيام، ثم قام بلاهوتيته من قبره. # هذا قول جميعهم، ليس فيهم من ينكر منه شيئا. # فيا للعقول، كيف كان حال هذا العالم الأعلى والأسفل فى هذه الأيام ~~الثلاثة؟ ومن كان يدبر أمر السماوات والأرض؟ ومن الذى خلف الرب سبحانه ~~وتعالى فى هذه المدة؟ ومن الذى كان يمسك السماء أن تقع على الأرض، وهو ~~مدفون فى قبره؟. # ويا عجبا، هل دفنت الكلمة معه، بعد أن قتلت وصلبت؟ أم فارقته وخذلته أحوج ~~ما كان إلى نصرها له، كما خذله أبوه وقومه؟ فإن كانت قد فارقته وتجرد منها، ~~فليس هو حينئذ المسيح. وإنما هو كغيره من آحاد الناس. وكيف يصح مفارقتها له ~~بعد أن اتحدت به، ومازجت لحمه ودمه؟ وأين ذهب الاتحاد والامتزاج؟ وإن كانت ~~لم تفارقه وقتلت وصلبت، ودفنت معه. فكيف وصل المخلوق إلى قتل الإله، وصلبه ~~ودفنه؟. # ويا عجبا، أى قبر يسع إله السماوات والأرض؟ هذا وهو الملك القدوس السلام ~~المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون. # الحمد لله، ثم الحمد لله تعالى، الذى هدانا للإسلام وما كنا لنهتدى لولا ms583 ~~أن هدانا الله. # يا ذا الجلال والإكرام، كما هديتنا للإسلام أسألك أن لا تنزعه عنا، حتى # تتوفانا على الإسلام. # أعباد المسيح لنا سؤال ... نريد جوابه ممن وعاه # إذا مات الإله بصنع قوم ... أماتوه فما هذا الإله؟ # PageV02P290 # وهل أرضاه ما نالوه منه؟ ... فبشراهم إذا نالوا رضاه # وإن سخط الذى فعلوه فيه ... فقوتهم إذا أوهت قواه # وهل بقى الوجود بلا إله ... سميع يستجيب لمن دعاه؟ # وهل خلت الطباق السبع لما ... ثوى تحت التراب، وقد علاه # وهل خلت العوالم من إله ... يدبرها، وقد سمرت يداه؟ # وكيف تخلت الأملاك عنه ... بنصرهم، وقد سمعوا بكاه؟ # وكيف أطاقت الخشبات حمل ال ... إله الحق مشدودا قفاه؟ # وكيف دنا الحديد إليه حتى ... يخالطه، ويلحقه أذاه؟ # وكيف تمكنت أيدى عداه ... وطالت حيث قد صفعوا قفاه؟ # وهل عاد المسيح إلى حياة ... أم المحيى له رب سواه؟ # ويا عجبا لقبر ضم ربا ... وأعجب منه بطن قد حواه # أقام هناك تسعا من شهور ... لدى الظلمات من حيض غذاه # وشق الفرج مولودا صغيرا ... ضعيفا، فاتحا للثدى فاه # ويأكل، ثم يشرب، ثم يأتى ... بلازم ذاك، هل هذا إله؟ # تعالى الله عن إفك النصارى ... سيسأل كلهم عما افتراه # أعباد الصليب، لأى معنى ... يعظم أو يقبح من رماه؟ # وهل تقضى العقول بغير كسر ... وإحراق له، ولمن بغاه؟ # إذا ركب الإله عليه كرها ... وقد شدت لتسمير يداه # فذاك المركب الملعون حقا ... فدسه، لا تبسه إذ تراه # يهان عليه رب الخلق طرا ... وتعبده؟ فإنك من عداه # فإن عظمته من أجل أن قد ... حوى رب العباد، وقد علاه # وقد فقد الصليب، فإن رأينا ... له شكلا تذكرنا سناه # PageV02P291 # فهلا للقبور سجدت طرا ... لضم القبر ربك فى حشاه؟ # فيا عبد المسيح أفق، فهذا ... بدايته، وهذا منتهاه # فصل # فقد بان لكل ذى عقل أن الشيطان تلاعب بهذه الأمة الضالة كل التلاعب، ~~ودعاهم فأجابوه، واستخفهم فأطاعوه. # فتلاعب بهم فى شأن المعبود سبحانه وتعالى. # وتلاعب بهم فى أمر المسيح. # وتلاعب بهم فى شأن الصليب وعبادته. # وتلاعب بهم فى تصوير الصور فى الكنائس وعبادتها. فلا ms584 تجد كنيسة من ~~كنائسهم تخلو عن صورة مريم والمسيح، وجرجس، وبطرس، وغيرهم من القديسين ~~عندهم، والشهداء وأكثرهم يسجدون للصور، ويدعونها من دون الله تعالى. # حتى لقد كتب بطريق الإسكندرية إلى ملك الروم كتابا يحتج فيه للسجود ~~للصور: بأن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يصور فى قبة الزمان صورة ~~الساروس، وبأن سليمان بن داود لما عمل الهيكل عمل صورة الساروس من ذهب، ~~ونصبها داخل الهيكل. # ثم قال فى كتابه: وإنما هذا مثال الملك يكتب إلى بعض عماله كتابا، فيأخذه ~~العامل ويقبله ويضعه على عينيه، ويقوم له، لا تعظيما للقرطاس والمداد، بل ~~تعظيما للملك، كذلك السجود للصور تعظيم لاسم ذلك المصور، لا للأصباغ ~~والألوان. # وبهذا المثال بعينه عبدت الأصنام. # وما ذكره هذا المشرك عن موسى وسليمان عليهما السلام لو صح لم يكن فيه ~~دليل على السجود للصور. وغايته: أن يكون بمثابة ما يذكر عن داود: أنه نقش ~~خطيئته فى كفه كيلا ينساها. فأين هذا مما يفعله هؤلاء المشركون: من التذلل، ~~والخضوع والسجود بين يدى تلك الصور؟. # وإنما المثال المطابق لما يفعله هؤلاء المشركون مثال خادم من خدام الملك ~~دخل على رجل. فوثب الرجل من مجلسه، وسجد له، وعبده، وفعل به ما لا يصلح أن ~~يفعل إلا مع الملك. # PageV02P292 # فكل عاقل يستجهله ويستحمقه فى فعله، إذ قد فعل مع عبد الملك ما كان ينبغى ~~له أن يخص به الملك دون عبيده: من الإكرام، والخضوع، والتذلل. # ومعلوم أن هذا إلى مقت الملك له، وسقوطه من عينه، أقرب منه إلى إكرام له ~~ورفع منزلته. # كذلك حال من سجد لمخلوق، أو لصورة مخلوق، لأنه عمد إلى السجود الذى هو ~~غاية ما يتوصل به العبد إلى رضى الرب، ولا يصلح إلا له، ففعله لصورة عبد من ~~عبيده، وسوى بين الله وبين عبده فى ذلك. وليس وراء هذا فى القبح والظلم شيء ~~ولهذا قال تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 33] . # وقد فطر الله سبحانه عباده على استقباح معاملة عبيد الملك وخدمه بالتعظيم ~~والإجلال والخضوع، والذل الذى ms585 يعامل به الملك. فكيف حال من فعل ذلك بأعداء ~~الملك؟ فإن الشيطان عدو الله والمشرك إنما يشرك به، لا بولى الله ورسوله، ~~بل رسول الله وأولياؤه بريئون ممن أشرك بهم، معادون لهم، أشد الناس مقتا ~~لهم. فهم فى نفس الأمر إنما أشركوا بأعداء الله، وسووا بينهم وبين الله فى ~~العبادة والتعظيم، والسجود، والذل، ولهذا كان بطلان الشرك وقبحه معلوما ~~بالفطرة السليمة، والعقول الصحيحة، والعلم بقبحه أظهر من العلم بقبح سائر ~~القبائح. # والمقصود: ذكر تلاعب الشيطان بهذه الأمة فى أصول دينهم، وفروعه. # كتلاعبه بهم فى صيامهم. فإن أكثر صومهم لا أصل له فى شرع المسيح، بل هو ~~مختلق مبتدع. # فمن ذلك: أنهم زادوا جمعة فى بدء الصوم الكبير، يصومونها لهرقل مخلص بيت ~~المقدس. # وذلك أن الفرس لما ملكوا بيت المقدس، وقتلوا النصارى، وهدموا الكنائس ~~أعانهم اليهود على ذلك، وكانوا أكثر قتلا وفتكا فى النصارى من الفرس. # فلما سار هرقل إليه استقبله اليهود بالهدايا، وسألوه أن يكتب لهم عهدا. ~~ففعل فلما دخل بيت المقدس، شكا إليه من فيه من النصارى ما كان اليهود صنعوه ~~بهم. # PageV02P293 # فقال لهم هرقل: وما تريدون منى؟ قالوا: تقتلهم. # قال: كيف أقتلهم، وقد كتبت لهم عهدا بالأمان، وأنتم تعلمون ما يجب على ~~ناقض العهد؟. # فقالوا له: إنك حين أعطيتهم الأمان لم تدر ما فعلوا من قتل النصارى، وهدم ~~الكنائس. وقتلهم قربان إلى الله تعالى. ونحن نتحمل عنك هذا الذنب ونكفره ~~عنك ونسأل المسيح أن لا يؤاخذك به، ونجعل لك جمعة كاملة فى بدء الصوم، ~~نصومها لك، ونترك فيها أكل اللحم، مادامت النصرانية، ونكتب به إلى جميع ~~الأفاق، غفران لما سألناك. # فأجابهم. وقتل من اليهود حول بيت المقدس وجبل الخليل ما لا يحصى كثرة. # فصيروا أول جمعة من الصوم الذى يترك فيه الملكية أكل اللحم، يصومونها ~~لهرقل الملك، غفرانا لنقضه العهد، وقتل اليهود، وكتبوا بذلك إلى الآفاق. # وأهل بيت المقدس، وأهل مصر يصومونها، وبقية أهل الشام والروم يتركون أكل ~~اللحم فيها، ويصومون الأربعاء والجمعة. # وكذلك لما أرادوا نقل الصوم ms586 إلى فصل الربيع المعتدل، وتغيير شريعة ~~المسيح، زادوا فيه عشرة أيام، عوضا وكفارة، لنقلهم له. # ومن ذلك: تلاعبه بهم فى أعيادهم: فكلها موضوعة مختلقة، محدثة بآرائهم ~~واستحسانهم. # فمن ذلك: عيد ميكائيل. # وسببه: أنه كان بالإسكندرية صنم، وكان جميع من بمصر والإسكندرية يعيدون ~~له عيدا عظيما، ويذبحون له الذبائح. فولى بتركه الإسكندرية واحدا منهم ~~فأراد أن يكسره، # PageV02P294 # ويبطل الذبائح، فامتنعوا عليه، فاحتال عليهم، وقال: إن هذا الصنم لا ينفع ~~ولا يضر فلو جعلتم هذا العيد لميكائيل ملك الله تعالى وجعلتم هذه الذبائح ~~له كان يشفع لكم عند الله وكان خيرا لكم من هذا الصنم. فأجابوه إلى ذلك، ~~فكسر الصنم، وصيره صلبانا، وسمى الكنيسة كنيسة ميكائيل. وسماها قيسارية، ثم ~~احترقت الكنيسة وخربت، وصيروا العيد والذبائح لميكائيل. # فنقلهم من كفر إلى كفر، ومن شرك إلى شرك. # فكانوا فى ذلك كمجوسى أسلم، فصار رافضيا. فدخل الناس عليه يهنئونه، فدخل ~~عليه رجل وقال: إنك إنما انتقلت من زاوية من النار إلى زاوية أخرى. # ومن ذلك عيد الصليب. وهو مما اختلقوه وابتدعوه. فإن ظهور الصليب إنما كان ~~بعد المسيح بزمن كثير. # وكان الذى أظهره - زورا وكذبا - أخبرهم به بعض اليهود أن هذا هو الصليب ~~الذى صلب عليه إلههم وربهم. فانظر إلى هذا السند، وهذا الخبر، فاتخذوا ذلك ~~الوقت الذى ظهر فيه عيدا، وسموه عيد الصليب، ولو أنهم فعلوا كما فعل ~~أشباههم من الرافضة، حيث اتخذوا وقت قتل الحسين رضى الله عنه مأتما وحزنا ~~لكان أقرب إلى العقول. # وكان من حديث الصليب: أنه لما صلب المسيح - على زعمهم الكاذب - وقتل ودفن ~~رفع من القبر إلى السماء وكان التلاميذ كل يوم يصيرون إلى القبر إلى موضع ~~الصلب ويصلون. فقالت اليهود: إن هذا الموضع لا يخفى، وسيكون له نبأ. وإذا ~~رأى الناس القبر خاليا آمنوا به، فطرحوا عليه التراب والزبل، حتى صار مزبلة ~~عظيمة. فلما كان فى أيام قسطنطين الملك، جاءت زوجته إلى بيت المقدس، تطلب ~~الصليب، فجمعت من اليهود والسكان ببيت المقدس وجبل الخليل مائة رجل، ~~واختارت منهم ms587 عشرة، واختارت من العشرة ثلاثة، اسم أحدهما يهوذا، فسألتهم أن ~~يدلوها على الموضع، فامتنعوا وقالوا: لا علم لنا بالموضع، # PageV02P295 # فطرحتهم فى الحبس فى جب لا ماء فيه. فأقاموا سبعة أيام لا يطعمون، ولا ~~يسقون. فقال يهوذا لصاحبيه: إن أباه عرفه بالموضع الذى تطلب. فصاح الاثنان، ~~فأخرجوهما. فخبراها بما قال يهوذا. فأمرت بضربه بالسياط، فأقر، وخرج إلى ~~الموضع الذى فيه المقبرة. وكان مزبلة عظيمة. فصلى، وقال: اللهم إن كان فى ~~هذا الموضع، فاجعله أن يتزلزل ويخرج منه دخان فتزلزل الموضع، وخرج منه ~~دخان، فأمرت الملكة بكنس الموضع من التراب، فظهرت المقبرة وأصابوا ثلاثة ~~صلبان. فقالت الملكة: كيف لنا أن نعلم صليب سيدنا المسيح؟. وكان بالقرب ~~منهم عليل شديد العلة قد أيس منه، فوضع الصليب الأول عليه، ثم الثانى، ثم ~~الثالث. فقام عند الثالث، واستراح من علته. فعلمت أنه صليب المسيح، فجعلته ~~فى غلاف من ذهب، وحملته إلى قسطنطين. # وكان من ميلاد المسيح إلى ظهور هذا الصليب ثلاثمائة وثمانية وعشرون سنة. # هذا كله نقله سعيد بن بطريق النصرانى فى تاريخه. # والمقصود: أنهم ابتدعوا هذا العيد بنقل علمائهم بعد المسيح بهذه المدة. # وبعد، فسند هذه الحكاية من بين يهودى ونصرانى، مع انقطاعها، وظهور الكذب ~~فيها لمن له عقل من وجوه كثيرة. # ويكفى فى كذبها وبيان اختلاقها: أن ذلك الصليب الذى شفى العليل كان أولى ~~أن لا يميت الإله الرب المحيى المميت. # ومنها: أنه إذا بقى تحت التراب خشب ثلاثمائة وثمانية وعشرون سنة، فإنه ~~ينخر ويبلى لدون هذه المدة. # فإن قال عباد الصليب: إنه لما مس جسم المسيح حصل له الثبات والقوة ~~والبقاء. # قيل لهم: فما بال الصليبين الباقيين لم يتفتتا واشتبها به؟ # فلعلهم يقولون: لما مست صليبه مسها البقاء والثبات. # وجهل القوم وحمقهم أعظم من ذلك، والرب سبحانه لما تجلى للجبل تدكدك ~~الجبل، وساخ فى الأرض، ولم يثبت لتجليه، فكيف تثبت الخشبة لركوبه عليها فى ~~تلك الحال؟ # ولقد صدق القائل: إن هذه الأمة لعار على بنى آدم أن يكونوا منهم. # فإن كانت هذه ms588 الحكاية صحيحة، فما أقربها من حيل اليهود التى تخلصوا بها ~~من # PageV02P296 # الحبس والهلاك، وحيل بنى آدم تصل إلى أكثر من ذلك بكثير. ولا سيما لما ~~علم اليهود أن ملكة دين النصرانية قاصدة إلى بيت المقدس، وأنها تعاقبهم حتى ~~يدلوها على موضع القتل والصلب، وعلموا أنهم إن لم يفعلوا لم يتخلصوا من ~~عقوبتها. # ومنها: أن عباد الصليب يقولون: إن المسيح لما قتل غار دمه. ولو وقع منه ~~قطرة على الأرض ليبست ولم تنبت، فيا عجبا، كيف يحيى الميت، ويبرأ العليل ~~بالخشبة التى شهر عليها وصلب؟ أهذا كله من بركتها وفرحها به، وهو مشدود ~~عليها يبكى ويستغيث؟. # ولقد كان الأليق أن يتفتت الصليب ويضمحل لهيبة من صلب عليه وعظمته. ~~ولخسفت الأرض بالحاضرين عند صلبه، والمتمائلين عليه. بل تتفطر السماوات ~~وتنشق الأرض، وتخر الجبال هدا. # ثم يقال لعباد الصليب: لا يخلوا أن يكون المصلوب الناسوت وحده، أو مع ~~اللاهوت؟ فإن كان المصلوب هو الناسوت وحده، فقد فارقته الكلمة، وبطل ~~اتحادها به. وكان المصلوب جسدا من الأجساد، ليس بإله. ولا فيه شيء من ~~الإلهية والربوبية البتة. # وإن قلتم: إن الصلب وقع على اللاهوت والناسوت معا. فقد أقررتم بصلب الإله ~~وقتله وموته، وقدرة الخلق على أذاه. وهذا أبطل الباطل، وأمحل المحال. فبطل ~~تعلقكم بالصليب من كل وجه عقلا وشرعا. # وأما تلاعبه بهم فى صلاتهم فمن وجوه أحدها: صلاة كثير منهم بالنجاسة ~~والجنابة. والمسيح بريء من هذه الصلاة، وسبحانه الله أن يتقرب إليه بمثل ~~هذه الصلاة، فقدره أعلى، وشأنه أجل من ذلك. # ومنها: صلاتهم إلى مشرق الشمس، وهم يعلمون أن المسيح لم يصل إلى المشرق ~~أصلا. وإنما كان يصلى إلى قبلة بيت المقدس. # ومنها: تصليبهم على وجوههم عند الدخول فى الصلاة، والمسيح بريء من ذلك، ~~فصلاة مفتاحها النجاسة، وتحريمها التصليب على الوجه، وقبلتها الشرق، ~~وشعارها الشرك، كيف يخفى على العاقل أنها لا تأتى بها شريعة من الشرائع ~~البتة؟. # PageV02P297 # ولما علمت الرهبان والمطارنة والأساقفة: أن مثل هذا الدين تنفر عنه ~~العقول أعظم نفرة، شدوه بالحيل والصور فى ms589 الحيطان، بالذهب واللازورد ~~والزنجفر وبالأرغل وبالأعياد المحدثة، ونحو ذلك مما يروج على السفهاء ~~وضعفاء العقول البصائر، وساعدهم ما عليه اليهود من القسوة، والغلظة والمكر ~~والكذب والبهت، وما عليه كثير من المسلمين من الظلم، والفواحش، والفجور، ~~والبدعة، والغلو فى المخلوق، حتى يتخذه إلها من دون الله، واعتقاد كثير من ~~الجهال أن هؤلاء من خواص المسلمين وصالحيهم، فتركب من هذا وأمثاله تمسك ~~القوم بما هم فيه، ورؤيتهم أنه خير من كثير مما عليه المنتسبون إلى الإسلام ~~من البدع والفجور، والشرك، والفواحش. # ولهذا لما رأى النصارى الصحابة وما هم عليه آمن أكثرهم اختيارا وطوعا. ~~وقالوا: ما الذين صحبوا المسيح بأفضل من هؤلاء. # ولقد دعونا نحن وغيرنا كثيرا من أهل الكتاب إلى الإسلام، فأخبروا أن ~~المانع لهم ما يرون عليه المنتسبين إلى الإسلام، ممن يعظمهم الجهال: من ~~البدع والظلم، والفجور والمكر والاحتيال، ونسبة ذلك إلى الشرع ولمن جاء به. ~~فساء ظنهم بالشرع وبمن جاء به. # فالله طليب قطاع طريق الله، وحسيبهم. # فهذه إشارة يسيرة جدا إلى تلاعب الشيطان بعباد الصليب، تدل على ما بعدها. ~~والله الهادى الموفق. # فصل: فى ذكر تلاعبه بالأمة الغضبية وهم اليهود # قال الله تعالى فى حقهم: {بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل # PageV02P298 # الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على ~~غضب} [البقرة: 90] . # وقال تعالى: {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله؟ من لعنه الله وغضب ~~عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء ~~السبيل وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله ~~أعلم بما كانوا يكتمون وترى كثيرا منهم يسارعون فى الإثم والعدوان وأكلهم ~~السحت لبئس ما كانوا يعملون لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم ~~وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون} [المائدة: 60 - 63] . # وقال تعالى: {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ~~أن سخط الله عليهم وفى العذاب هم خالدون} [المائدة: 80] . # وقد أمرنا الله سبحانه ms590 أن نسأله فى صلواتنا أن يهدينا صراط الذين أنعم ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. # وثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اليهود مغضوب عليهم، ~~والنصارى ضالون". # فأول تلاعب الشيطان بهذه الأمة فى حياة نبيها، وقرب العهد بإنجائهم من ~~فرعون وإغراقه وإغراق قومه، فلما جاوزوا البحر رأوا قوما يعكفون على أصنام ~~لهم فقالوا: {يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} [الأعراف: 138] . # فقال لهم موسى عليه السلام: {إنكم قوم تجهلون. إن هؤلاء متبر ما هم فيه، ~~وباطل ما كانوا يعملون} [الأعراف: 138] . # فأى جهل فوق هذا؟ والعهد قريب، وإهلاك المشركين أمامهم، بمرأى من عيونهم. ~~فطلبوا من موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلها. فطلبوا من مخلوق أن يجعل لهم ~~إلها مخلوقا وكيف يكون الإله مجعولا؟ فإن الإله هو الجاعل لكل ما سواه. ~~والمجعول مربوب مصنوع، فيستحيل أن يكون إلها. # PageV02P299 # وما أكثر الخلف لهؤلاء فى اتخاذ إله مجعول، فكل من اتخذ إلها غير الله ~~فقد اتخذ إلها مجعولا. # وقد ثبت عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم "أنه كان فى بعض غزواته، ~~فمروا بشجرة يعلق عليها المشركون أسلحتهم وشاراتهم وثيابهم، يسمونها ذات ~~أنواط. فقال بعضهم: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، ~~فقال: الله أكبر، قلتم كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم ~~آلهة، ثم قال: لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة". # فصل # ومن تلاعبه بهم: عبادتهم العجل من دون الله تعالى، وقد شاهدوا ما حل ~~بالمشركين من العقوبة، والأخذة الرابية، ونبيهم حى لم يمت. # هذا، وقد شاهدوا صانعه يصنعه ويصوغه، ويصليه النار، ويدقه بالمطرقة، ~~ويسطو عليه بالمبرد، ويقلبه بيديه ظهرا لبطن. # ومن عجيب أمرهم: أنهم لم يكتفوا بكونه إلههم، حتى جعلوه إله موسى. فنسبوا ~~موسى عليه السلام إلى الشرك وعبادة غير الله تعالى، بل عبادة أبلد ~~الحيوانات، وأقلها دفعا على نفسه، بحيث يضرب به المثل فى البلادة والذل. ~~فجعلوه إله كليم الرحمن. # ثم لم يكتفوا بذلك حتى جعلوا موسى عليه ms591 السلام ضالا مخطئا، فقالوا {فنسى} ~~[طه: 88] . # قال ابن عباس "أى ضل وأخطأ الطريق". # PageV02P300 # وفى رواية عنه "أى إن موسى ذهب يطلب ربه فضل ولم يعلم مكانه". # وعنه أيضا "نسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه وإلهكم". # وقال السدى "أى ترك موسى إلهه هاهنا، وذهب يطلبه". # وقال قتادة "أى إن موسى إنما يطلب هذا، ولكنه نسيه وخالفه فى طريق آخر". # هذا هو القول المشهور: أن قوله "فنسى" من كلام السامرى وعباد العجل معه. # وعن ابن عباس رواية أخرى "أن هذا من إخبار الله تعالى عن السامرى: أنه ~~نسى، أى ترك ما كان عليه من الإيمان". # والصحيح القول الأول. والسياق يدل عليه، ولم يذكر البخارى فى التفسير ~~غيره، فقال يقولونه: "أخطأ الرب". # فإنه لما جعله إله موسى استحضر سؤالا من بنى إسرائيل يوردونه عليه، ~~فيقولون له: إذا كان هذا إله موسى، فلأى شيء ذهب عنه لموعد إلهه؟ فأجاب عن ~~هذا السؤال قبل إيراده عليه بقوله "فنسى". # وهذا من أقبح تلاعب الشيطان بهم. # فانظر إلى هؤلاء، كيف اتخذوا إلها مصنوعا من جوهر أرضى، إنما يكون تحت ~~التراب، محتاجا إلى سبك بالنار، وتصفية وتخليص لخبثه منه، مدقوقا بمطارق ~~الحديد، مقلبا فى النار مرة بعد مرة، قد نحت بالمبارد، وأحدث الصانع صورته ~~وشكله على صورة الحيوان المعروف بالبلادة والذل والضيم. وجعلوه إله موسى، ~~ونسبوه إلى الضلال، حيث ذهب يطلب إلها غيره. # قال محمد بن جرير: وكان سبب اتخاذهم العجل ما حدثنى به عبد الكريم بن ~~الهيثم قال: حدثنى إبراهيم بن بشار الرمادى حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا أبو ~~سعيد عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: "لما هجم فرعون على ~~البحر هو وأصحابه، وكان فرعون على فرس أدهم [ذنوب] فلما هجم فرعون على ~~البحر هاب الحصان أن يقتحم فى البحر، فمثل له جبريل على فرس أنثى [وديق] ~~فلما رآها الحصان تقحم خلفها، قال: وعرف السامرى # PageV02P301 # جبريل [لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته فى غار وأطبقت عليه. وكان جبريل ~~يأتيه فيغذوه بأصابعه، ms592 فيجد فى بعض أصابعه لبنا، وفى الأخرى عسلا، وفى ~~الأخرى سمنا، فلم يزل يغذوه حتى نشأ، فلما عاينه فى البحر عرفه] . فقبض ~~قبضة من أثر فرسه. قال: أخذ قبضة من تحت الحافر. # قال سفيان: وكان ابن مسعود يقرؤها: "فقبضت قبضة من أثر فرس الرسول". # قال أبو سعيد: قال عكرمة عن ابن عباس "وألقى فى روع السامرى: إنك لا ~~تلقيها على شيء، فتقول: كن كذا وكذا إلا كان، فلم تزل القبضة معه فى يده، ~~حتى جاوز البحر، فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر، وأغرق الله آل فرعون. ~~قال موسى لأخيه هارون: اخلفنى فى قومى وأصلح، ومضى موسى لموعد ربه. قال: ~~وكان مع بنى إسرائيل حلى من حلى آل فرعون قد استعاروه، فكأنهم تأثموا منه، ~~فأخرجوه لتنزل النار فتأكله. فلما جمعوه قال السامرى بالقبضة التى كانت فى ~~يده هكذا. [وأومأ ابن إسحاق بيده هكذا] ، فقذفها فيه وقال: كن عجلا جسدا له ~~خوار، فصار عجلا جسدا له خوار، فكان يدخل الريح من دبره ويخرج من فيه، يسمع ~~له صوت. # {فقال هذا إلهكم وإله موسى} [طه: 88] . # فعكفوا على العجل يعبدونه. فقال هارون: {يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم ~~الرحمن فاتبعونى وأطيعوا أمرى قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا ~~موسى} [طه: 89 - 90] . # وقال السدى "لما أمر الله موسى أن يخرج ببنى إسرائيل من أرض مصر أمر موسى ~~بنى إسرائيل أن يخرجوا، وأمرهم أن يستعيروا الحلى من القبط. فلما نجى الله ~~موسى ومن معه من بنى إسرائيل من البحر، وأغرق آل فرعون أتى جبريل إلى موسى ~~ليذهب به إلى الله، فأقبل على فرس، فرآه السامرى، فأنكره. ويقال: إنه فرس ~~الحياة. فقال حين رآه: إن لهذا لشأنا، فأخذ من تربة حافر الفرس. فانطلق ~~موسى عليه السلام واستخلف هارون على بنى إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلة، ~~فأتمها الله تعالى بعشر. فقال لهم هارون: يا بنى إسرائيل، إن الغنيمة لا ~~تحل لكم، وإن حلى القبط إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعا # PageV02P302 # واحفروا لها حفرة فادفنوها، فإن جاء موسى ms593 فأحلها أخذ تموها [وإلا كان ~~شيئا لم تأكلوه] فجمعوا ذلك الحلى فى تلك الحفرة، وجاء السامرى بتلك القبضة ~~فقذفها، فأخرج الله من الحلى عجلا جسدا له خوار [وعدت بنو إسرائيل موعد ~~موسى فعدوا الليلة يوما واليوم يوما. فلما كان تمام العشرين أخرج لهم ~~العجل] فلما رأوه قال لهم السامرى- هذا إلهكم وإله موسى فنسى- يقول: ترك ~~موسى إلهه هاهنا، وذهب يطلبه. فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشى، فقال ~~لهم هارون: يا بنى إسرائيل، إنما فتنتم به، يقول إنما ابتليتم بالعجل: # {وإن ربكم الرحمن} [طه: 90] ، فأقام هارون ومن معه من بنى إسرائيل، لا ~~يقاتلونهم. وانطلق موسى إلى الله يكلمه، فلما كلمه قال له: {ما أعجلك عن ~~قومك يا موسى؟ قال هم أولاء على أثرى وعجلت إليك رب لترضى قال فإنا قد فتنا ~~قومك من بعدك وأضلهم السامرى} [طه: 83-85] . # فأخبره خبرهم. قال موسى: "يا رب هذا السامرى أمرهم أن يتخذوا العجل. # PageV02P303 # فالروح من نفخها فيه؟ قال الرب تعالى: أنا، قال: يا رب أنت إذا أضللتهم". # وقال ابن إسحق عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله ~~عنهما قال: "كان السامرى [من أهل باجرما] من قوم يعبدون البقر، فكان يحب ~~عبادة البقر فى نفسه، وكان قد أظهر الإسلام فى بنى إسرائيل. فلما ذهب موسى ~~إلى ربه قال لهم هارون: أنتم قد حملتم أوزارا من زينة القوم آل فرعون ~~وأمتعة وحليا فتطهروا منها، فإنها نجس، وأوقد لهم نارا. فقال: اقذفوا ما ~~كان معكم من ذلك فيها فجعلوا يأتون بما كان معهم من تلك الأمتعة والحلى، ~~فيقذفون به فيها، حتى إذا انكسر الحلى فيها، ورأى السامرى أثر فرس جبريل، ~~فأخذ ترابا من أثر فرس جبريل، فأخذ ترابا من أثر حافره، ثم أقبل إلى النار، ~~فقال لهارون: يا نبى الله، ألقى ما فى يدى؟ ولا يظن هارون إلا أنه كبعض ما ~~جاء به غيره من الحلى والأمتعة. فقذفه فيها، فقال: كن عجلا جسدا له خوار، ~~فكان البلاء والفتنة. فقال هذا إلهكم وإله ms594 موسى، فعكفوا عليه، وأحبوه حبا ~~لم يحبوا شيئا مثله قط. يقول الله عز وجل: فنسى أى ترك ما كان عليه من ~~الإسلام، يعنى السامرى. # {أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} [طه: 89] . # [وكان اسم السامرى موسى بن ظفر وقع فى أرض مصر فدخل فى بنى إسرائيل] . # فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال: {يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ~~فاتبعونى وأطيعوا أمرى. قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسي} ~~[طه:90] . # فأقام هارون فيمن معه من المسلمين ممن لم يفتتن، وأقام من يعبد العجل على ~~عبادة العجل وتخوف هارون إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: # {فرقت بين بنى إسرائيل ولم ترقب قولى} [طه: 94] . # وكان له هائبا مطيعا. # فقال تعالى مذكرا لبنى إسرائيل بهذه القصة التى جرت لأسلافهم مع نبيهم # PageV02P304 # {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده} [البقرة: 51] . # يعنى من بعد ذهابه إلى ربه، وليس المراد من بعد موته. # {وأنتم ظالمون} [البقرة: 51] . # أى بعبادة غير الله تعالى، لأن الشرك أظلم الظلم، لأن المشرك وضع العبادة ~~فى غير موضعها. # فلما قدم موسى عليه السلام ورأى ما أصاب قومه من الفتنة اشتد غضبه، وألقى ~~الألواح عن رأسه، وفيها كلام الله الذى كتبه له، وأخذ برأس أخيه ولحيته، ~~ولم يعتب الله عليه فى ذلك، لأنه حمله عليه الغضب لله. وكان الله عز وجل قد ~~أعلمه بفتنة قومه، ولكن لما رأى الحال مشاهدة حدث له غضب آخر، فإنه ليس ~~الخبر كالمعاينة. # فصل # ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة فى حياة نبيهم أيضا: # ما قصه الله تعالى فى كتابه حيث يقول: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى ~~نرى الله جهرة} [البقرة: 55] [أى عيانا] . # قال ابن جرير: ذكرهم الله سبحانه بذلك اختلاف آبائهم، وسوء استقامة ~~أسلافهم لأنبيائهم، مع كثرة معاينتهم من آيات الله ما يثلج بأقلها الصدور، ~~وتطمئن بالتصديق معها النفوس. وذلك مع تتابع الحجج عليهم، وسبوغ النعم من ~~الله ms595 تعالى لديهم. وهم مع ذلك مرة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلها غير الله، ~~ومرة يعبدون العجل من دون الله، ومرة يقولون: لا نصدقك حتى نرى الله جهرة، ~~وأخرى يقولون له إذا دعوا إلى القتال. # {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} [المائدة: 24] ومرة يقال لهم ~~{قولوا حطة # PageV02P305 # وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطاياكم} [البقرة: 58] . # فيقولون "حبة فى شعيرة" ويدخلون من قبل أستاههم. ومرة يعرض عليهم العمل ~~بالتوراة، فيمتنعون من ذلك، حتى نتق الله تعالى عليهم الجبل كأنه ظلة، إلى ~~غير ذلك من أفعالهم، التى آذوا بها نبيهم، التى يكثر إحصاؤها. فأعلم ربنا ~~تبارك وتعالى الذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بنى إسرائيل، الذين كانوا ~~على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنهم لن يعدوا أن يكونوا فى ~~تكذيبهم محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم وجحودهم نبوته، وتركهم الإقرار به ~~وبما جاء به، مع علمهم به ومعرفتهم بحقيقة أمره كأسلافهم، وآبائهم الذين قص ~~الله علينا قصصهم. # وقال محمد بن إسحق: لما رجع موسى إلى قومه، فرأى ما هم فيه من عبادة ~~العجل، وقال لأخيه وللسامرى ما قال، وحرق العجل وذراه فى اليم، اختار موسى ~~منهم سبعين رجلا، الخير فالخير، وقال: انطلقوا إلى الله عز وجل، فتوبوا إلى ~~الله مما صنعتم، واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قوكم، فصوموا ~~وتطهروا، وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه، وكان ~~لا يأتيه إلا بإذن منه، فقال له السبعون - فيما ذكر لى - حين صنعوا ما ~~أمرهم به، وخرجوا للقاء الله: يا موسى اطلب لنا إلى ربك أن نسمع كلام ربنا، ~~فقال: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه الغمام، حتى تغشى الجبل كله، ~~ودنا موسى فأدخل فيه وقال للقوم: ادنوا وكان موسى عليه السلام إذا كلمه ربه ~~وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بنى آدم أن ينظر إليه. فضرب دونه ~~بالحجاب، ودنا القوم، حتى إذا دخلوا فى الغمام وقعوا سجودا، فسمعوه تعالى ~~وهو ms596 يكلم نبيه موسى، يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل. فلما فرغ الله من أمره ~~انكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم، فقالوا لموسى عليه السلام: # {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة} [البقرة: 55] . # فماتوا جميعا. وقام موسى عليه السلام يناشد ربه ويدعوه، ويرغب إليه، ~~ويقول: {رب لو شئت أهلكتهم # PageV02P306 # من قبل وإياى، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} [الأعراف: 155] . # فإن قيل: فما مقصود موسى بقوله: {لو شئت أهلكتهم من قبل} [الأعراف: 155] ~~. # فقد ذكر فيه وجوه: # فقال السدى: لما ماتوا قام موسى يبكى، ويقول: يا رب، ماذا أقول لبنى ~~إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟. # وقال محمد بن إسحق: اخترت منهم سبعين رجلا، الخير فالخير، أرجع إليهم ~~وليس معى منهم رجل واحد؟ فما الذى يصدقونى به، أو يأمنونى عليه بعد هذا؟. # وعلى هذا، فالمعنى: لو شئت أهلكتهم من قبل خروجنا. فكان بنو إسرائيل ~~يعاينون ذلك، ولا يتهموننى. # وقال الزجاج: المعنى: لو شئت أهلكتهم من قبل أن تبتليهم بما أوجب عليهم ~~الرجفة. # قلت: وهؤلاء كلهم حاموا حول المقصود. والذى يظهر- والله أعلم بمراده ~~ومراد نبيه: أن هذا استعطاف من موسى عليه السلام لربه، وتوسل إليه بعفوه ~~عنهم من قبل، حين عبد قومهم العجل، ولم ينكروا عليهم. يقول موسى: إنهم قد ~~تقدم منهم ما يقتضى هلاكهم. ومع هذا فوسعهم عفوك ومغفرتك، ولم تهلكهم، ~~فليسعهم اليوم ما وسعهم من قبل. # وهذا كما يقول من واخذه سيده بجرم: لو شئت واخذتنى من قبل هذا بما هو ~~أعظم من هذا الجرم، ولكن وسعنى عفوك أولا، فليسعنى اليوم. # ثم قال نبى الله {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} [الأعراف: 155] . # فقال ابن الأنبارى وغيره: هذا استفهام على معنى الجحد، أى لست تفعل ذلك. # والسفهاء هنا: عبدة العجل. # قال الفراء: ظن موسى أنهم أهلكوا باتخاذ قومهم العجل، فقال: {أتهلكنا بما ~~فعل # PageV02P307 # السفهاء منا} [الأعراف: 155] . # وإنما كان إهلاكهم بقولهم: {أرنا الله جهرة} [البقرة: 55] ثم قال {إن هى ~~إلا فتنتك} [الأعراف: 155] . # وهذا من تمام الاستعطاف، أى ما هى إلا ابتلاؤك واختبارك لعبادك. فأنت ~~ابتليتهم ms597 وامتحنتهم، فالأمر كله لك وبيدك، لا يكشفه إلا أنت، كما لم يمتحن ~~به ويختبر به إلا أنت. فنحن عائذون بك منك. ولاجئون منك إليك. # فصل # ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة وكيده لهم: أنهم قيل لهم، وهم مع نبيهم، ~~والوحى ينزل عليه من الله تعالى: {ادخلوا هذه القرية} [البقرة: 58] . # قال قتادة، وابن زيد، والسدى، وابن جرير وغيرهم: هى قرية بيت المقدس: # {فكلوا منها حيث شئتم رغدا} [البقرة: 58] ، أى: هنيئا واسعا، {وادخلوا ~~الباب سجدا} [البقرة: 58] . # قال السدى: هو باب من أبواب بيت المقدس. وكذلك قال ابن عباس رضى الله ~~تعالى عنهما، قال: والسجود بمعنى الركوع. وأصل السجود: الانحناء لمن تعظمه. ~~فكل منحن لشيء تعظيما له فهو ساجد، قاله ابن جرير وغيره. # قلت: وعلى هذا فانحناء المتلاقيين عند السلام، أحدهما لصاحبه من السجود ~~المحرم، وفيه نهى صريح عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. # ثم قيل لهم {قولوا حطة} [البقرة: 58] . # أى حط عنا خطايانا. هذا قول الحسن، وقتادة، وعطاء. # وقال عكرمة وغيره: أى قولوا: "لا إله إلا الله" وكأن أصحاب هذا القول ~~اعتبروا الكلمة التى تحط بها الخطايا، وهى كلمة التوحيد. # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس "أمروا بالاستغفار". # PageV02P308 # وعلى القولين: فيكونون مأمورين بالدخول بالتوحيد والاستغفار، وضمن لهم ~~بذلك مغفرة خطاياهم. فتلاعب الشيطان بهم، فبدلوا قولا غير الذى قيل لهم، ~~وفعلا غير الذى أمروا به. # فروى البخارى فى صحيحه ومسلم أيضا، من حديث همام بن منبه عن أبى هريرة ~~رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "قيل ~~لبنى إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة، نغفر لكم خطاياكم فبدلوا، ~~فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة فى شعرة. فبدلوا القول والفعل ~~معا. فأنزل الله عليهم رجزا من السماء". # قال أبو العالية: هو الغضب. وقال ابن زيد: هو الطاعون. # وعلى هذا فالطاعون بالرصد لمن بدل دين الله قولا وعملا. # فصل # ومن تلاعب الشيطان بهم: أنهم كانوا فى البرية قد ظلل عليهم الغمام، وأنزل ~~عليهم المن والسلوى، فملوا ذلك، ms598 وذكروا عيش الثوم والبصل، والعدس، والبقل، ~~والقثاء. فسألوه موسى عليه السلام. # وهذا من سوء اختيارهم لأنفسهم، وقلة بصرهم بالأغذية النافعة الملائمة، ~~واستبدال الأغذية الضارة القليلة التغذية منها، ولهذا قال لهم موسى عليه ~~السلام: {أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير؟ اهبطوا مصرا -أى مصرا من ~~الأمصار- فإن لكم ما سألتم} [البقرة: 61] . # PageV02P309 # فكانوا فى أفسح الأمكنة وأوسعها، وأطيبها هواء، وأبعدها عن الأذى، ~~ومجاورة الأنتان والأقذار، سقفهم الذى يظلهم من الشمس: الغمام، وطعامهم: ~~السلوى، وشرابهم: المن. # قال ابن زيد: كان طعام بنى إسرائيل فى التيه واحدا، وشرابهم واحدا. كان ~~شرابهم عسلا ينزل من السماء، يقال له: المن. وطعامهم طير، يقال له: السلوى ~~يأكلون الطير ويشربون العسل، لم يكن لهم خبز ولا غيره. # ومعلوم فضل هذا الغذاء والشراب على غيرهما من الأغذية والأشربة. # وكانوا مع ذلك يتفجر لهم من الحجر اثنا عشر عينا من الماء. فطلبوا ~~الاستبدال بما هو دون ذلك بكثير. فذموا على ذلك فكيف بمن استبدل الضلال ~~بالهدى، والغى بالرشاد، والشرك بالتوحيد، والسنة بالبدعة، وخدمة الخالق ~~بخدمة المخلوق، والعيش الطيب فى المساكن الطيبة فى جوار الله تعالى بحظه من ~~العيش النكد الفانى فى هذه الدار؟ # PageV02P310 # فصل # ومن تلاعبه بهم: أنهم لما عرضت عليهم التوراة لم يقبلوها، وقد شاهدوا من ~~الآيات ما شاهدوه، حتى أمر الله سبحانه جبريل، فقلع جبلا من أصله على ~~قدرهم. ثم رفعه فوق رؤوسهم، وقيل لهم: إن لم تقبلوها ألقيناه عليكم، ~~فقبلوها كرها. قال الله تعالى: # {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم، خذوا ما آتيناكم ~~بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون} [الأعراف: 171] . # قال عبد الله بن وهب قال ابن زيد: لما رجع موسى من عند ربه بالألواح، قال ~~لبنى إسرائيل: إن هذه الألواح فيها كتاب الله، وأمره الذى أمركم به، ونهيه ~~الذى نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذ بقولك أنت؟ لا والله، حتى نرى الله جهرة، ~~حتى يطلع الله إلينا، فيقول: هذا كتابى فخذوه. فما له لا يكلمنا كما كلمك ~~أنت يا موسى، فيقول: هذا كتابى ms599 فخذوه؟ فجاءت غضبة من الله تعالى. فجاءتهم ~~صاعقة فصعقتهم فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله تعالى بعد موتهم. فقال ~~لهم موسى: خذوا كتاب الله. فقالوا: لا. فقال: أى شيء أصابكم؟ قالوا: متنا ~~ثم حيينا. فقال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. قال: فبعث الله ملائكته فنتقت ~~الجبل فوقهم، فقيل لهم: أتعرفون هذا؟ قالوا: نعم، الطور. قال: خذوا الكتاب ~~وإلا طرحناه عليكم. قال: فأخذوه بالميثاق. # وقال السدى: لما قال الله تعالى لهم: {ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة} ~~[البقرة: 58] . # فأبوا أن يسجدوا، فأمر الله الجبل أن يرتفع فوق رؤوسهم، فنظروا إليه وقد ~~غشيهم، فسقطوا سجدا على شق، ونظروا بالشق الآخر فكشفه عنهم، ثم تولوا من ~~بعد هذه الآيات وأعرضوا، # PageV02P311 # ولم يعملوا بما فى كتاب الله ونبذوه وراء ظهورهم. فقال تعالى مذكرا ~~لهؤلاء بما جرى من أسلافهم. # {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما ~~فيه لعلكم تتقون ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم ~~من الخاسرين} [البقرة: 63 - 64] . # فصل # ومن تلاعبهم بهم: أن الله سبحانه أنجاهم من فرعون وسلطانه وظلمه، وفرق ~~بهم البحر، وأراهم الآيات والعجائب، ونصرهم وآواهم وأعزهم، وآتاهم ما لم ~~يؤت أحدا من العالمين. # ثم أمرهم أن يدخلوا القرية التى كتب الله لهم وفى ضمن هذا بشارتهم بأنهم ~~منصورون ومفتوح لهم. وأن تلك القرية لهم. فأبوا طاعته وامتثال أمره، ~~وقابلوا هذا الأمر والبشارة، بقولهم: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا ~~قاعدون} [المائدة: 24] . # وتأمل: تلطف نبى الله تعالى موسى عليه السلام بهم، وحسن خطابه لهم، ~~وتذكيرهم بنعم الله عليهم، وبشارتهم بوعد الله لهم: بأن القرية مكتوبة لهم، ~~ونهيهم عن معصيته بارتدادهم على أدبارهم، وأنهم إن عصوا أمره، ولم يمتثلوا ~~انقلبوا خاسرين. # فجمع لهم بين الأمر والنهى، والبشارة والنذارة، والترغيب والترهيب، ~~والتذكير بالنعم السالفة. فقابلوه أقبح المقابلة. فعارضوا أمر الله تعالى ~~بقولهم: {يا موسى إن فيها قوما جبارين} [المائدة: 22] . # فلم يوقروا رسول الله وكليمه، حتى نادوه باسمه، ولم يقولوا: يا نبى الله. ~~وقالوا: "إن فيها ms600 قوما جبارين" ونسوا قدرة جبار السماوات والأرض الذى يذل ~~الجبابرة لأهل طاعته. وكان خوفهم من أولئك الجبارين - الذين نواصيهم بيد ~~الله- أعظم من خوفهم من الجبار الأعلى سبحانه وكانوا أشد رهبة فى صدورهم ~~منه. # ثم صرحوا بالمعصية والامتناع من الطاعة. فقالوا: {إنا لن ندخلها حتى ~~يخرجوا منها} [المائدة: 22] . # فأكدوا معصيتهم بأنواع من التأكيد. # PageV02P312 # أحدها: تمهيد عذر العصيان بقولهم: {إن فيها قوما جبارين} [المائدة: 22] . # والثانى: تصريحهم بأنهم غير مطيعين، وصدروا الجملة بحرق تأكيد، وهو "إن" ~~ثم حققوا النفى بأداة "لن" الدالة على نفى المستقبل: أى لا ندخلها الآن، ~~ولا فى المستقبل. # ثم علقوا دخولها بشرط خروج الجبارين منها فقال لهم: {رجلان من الذين ~~يخافون أنعم الله عليهما} [المائدة: 23] . # بطاعته والانقياد إلى أمره، من الذين يخافون الله. هذا قول الأكثرين، وهو ~~الصحيح. وقيل: من الذين يخافونهم من الجبارين، أسلما واتبعا موسى عليه ~~السلام: # {ادخلوا عليهم الباب} [المائدة: 23] . # أى باب القرية، فاهجموا عليهم، فإنهم قد ملئوا منكم رعبا: {فإذا دخلتموه ~~فإنكم غالبون} [المائدة: 23] . # ثم أرشدهم إلى ما يحقق النصر والغلبة لهم وهو التوكل. # فكان جواب القوم أن {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها، ~~فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} [المائدة: 24] . # فسبحان من عظم حلمه حيث يقابل أمره بمثل هذه المقابلة، ويواجه رسوله بمثل ~~هذا الخطاب، وهو يحلم عنهم، ولا يعاجلهم بالعقوبة، بل وسعهم حلمه وكرمه، ~~وكان أقصى ما عاقبهم به: أن رددهم فى برية التيه أربعين عاما يظل عليهم ~~الغمام من الحر، وينزل عليهم المن والسلوى. # وفى الصحيحين: عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: "لقد شهدت من ~~المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلى مما عدل به، أتى النبى صلى ~~الله تعالى عليه وسلم وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول لك كما قال قوم ~~موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكنا نقاتل عن يمينك ~~وشمالك، وبين يديك ومن خلفك. فرأيت رسول الله صلى الله تعالى وسلم أشرق ~~وجهه لذلك وسر ms601 به". # PageV02P313 # فما قابلوا نبى الله بهذه المقابلة. # {قال رب لا أملك إلا نفسى وأخى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين. قال ~~فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين} ~~[المائدة: 25] . # فصل # ومن تلاعبه بهم فى حياة نبيهم أيضا: ما قصه الله سبحانه وتعالى [البقرة: ~~67 - 74] فى كتابه من قصة القتيل الذى قتلوه وتدافعوا فيه، حتى أمروا بذبح ~~بقرة وضربه ببعضها. # وفى القصة أنواع من العبر: # منها: أن الإخبار بها من أعلام نبوه رسول الله تعالى عليه وآله وسلم. # ومنها: الدلالة على نبوة موسى، وأنه رسول رب العالمين. # ومنها: الدلالة على صحة ما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم: من ~~معاد الأبدان، وقيام الموتى من قبورهم. # ومنها: إثبات الفاعل المختار، وأنه عالم بكل شيء، قادر على كل شيء، عدل ~~لا يجوز عليه الظلم والجور، حكيم لا يجوز عليه العبث. # ومنها: إقامة أنواع الآيات والبراهين والحجج على عباده بالطرق المتنوعات، ~~زيادة فى هداية المهتدين، وإعذار وإنذارا للضال. # PageV02P314 # ومنها: أنه لا ينبغى مقابلة أمر الله تعالى بالتعنت، وكثرة الأسئلة، بل ~~يبادر إلى الامتثال، فإنهم لما أمروا أن يذبحوا بقرة كان الواجب عليهم أن ~~يبادروا إلى الامتثال بذبح أى بقرة اتفقت فإن الأمر بذلك لا إجمال فيه ولا ~~إشكال، بل هو بمنزلة قوله: أعتق رقبة، وأطعم مسكينا، وصم يوما، ونحو ذلك، ~~ولذلك غلط من احتج بالآية على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، فإن الآية ~~غنية عن البيان المنفصل، مبينة بنفسها، ولكن لما تعنتوا وشدودا شدد عليهم. # قال أبو جعفر بن جرير عن الربيع عن أبى العالية "لو أن القوم حين أمروا ~~أن يذبحوا بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها. ولكنهم شددوا ~~على أنفسهم فشدد الله عليهم". # ومنها: أنه لا يجوز مقابلة أمر الله الذى لا يعلم المأمور به وجه الحكمة ~~فيه بالإنكار. وذلك نوع من الكفر. فإن القوم لما قال لهم نبيهم: {إن الله ~~يأمر كم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] . # قابلوا هذا الأمر بقولهم: {أتتخذنا هزوا} ms602 [البقرة: 67] . # فلما لم يعلموا وجه الحكمة فى ارتباط هذا الأمر بما سألوه عنه، قالوا: ~~{أتتخذنا هزوا} [البقرة: 67] . # وهذا من غاية جهلهم بالله ورسوله. فإنه أخبرهم عن أمر الله لهم بذلك، ولم ~~يكن هو الآمر به. ولو كان هو الآمر به لم يجز لمن آمن بالرسول أن يقابل ~~أمره بذلك. فلما قال لهم: {أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} [البقرة: 67] . # وتيقنوا أن الله سبحانه أمره بذلك، أخذوا فى التعنت بسؤالهم عن عينها ~~ولونها. فلما أخبروا عن ذلك رجعوا إلى السؤال مرة ثالثة عن عينها. فلما ~~تعينت لهم ولم يبق إشكال، توقفوا فى الامتثال، ولم يكادوا يفعلون. # PageV02P315 # ثم من أقبح جهلهم وظلمهم قولهم لنبيهم: {الآن جئت بالحق} [البقرة: 71] . # فإن أرادوا بذلك: إنك لم تأت بالحق قبل ذلك فى أمر البقرة، فتلك ردة وكفر ~~ظاهر. وإن أرادوا: أنك الآن بينت لنا البيان التام فى تعيين البقرة المأمور ~~بذبحها فذلك جهل ظاهر، فإن البيان قد حصل بقوله: # {إن الله يأمر كم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] . # فإنه لا إجمال فى الأمر، ولا فى الفعل، ولا فى المذبوح، فقد جاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالحق من أول مرة. # قال محمد بن جرير: وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم ~~وكفروا بقولهم لموسى "الآن جئت بالحق" وزعم أن ذلك نفى منهم أن يكون موسى ~~عليه السلام أتاهم بالحق فى أمر البقرة قبل ذلك، وأن ذلك كفر منهم، قال: ~~وليس الأمر كما قال عندنا، لأنهم قد أذعنوا بالطاعة بذبحها، وإن كان قولهم ~~الذى قالوا لموسى جهلا منهم، وهفوة من هفواتهم. # PageV02P316 # فصل # ومنها: الإخبار عن قساوة قلوب الأمة وغلظها، وعدم تمكن الإيمان فيها. # قال عبد الصمد بن معقل عن وهب: كان ابن عباس يقول "إن القوم بعد أن أحيى ~~الله تعالى الميت فأخبرهم بقاتله، أنكروا قتله. وقالوا: والله ما قتلناه، ~~بعد أن رأوا الآيات والحق" قال الله تعالى: # {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو أشد قسوة} [البقرة: 74] . # ومنها: مقابلة الظالم ms603 الباغى بنقيض قصده شرعا وقدرا. فإن القاتل قصده ~~ميراث المقتول، ودفع القتل عن نفسه، ففضحه الله تعالى وهتكه وحرمه ميراث ~~المقتول. # ومنها: أن بنى إسرائيل فتنوا بالبقرة مرتين من بين سائر الدواب. ففتنوا ~~بعبادة العجل وفتنوا بالأمر بذبح البقرة. والبقر من أبلد الحيوان، حتى ~~ليضرب به المثل. # والظاهر: أن هذه القصة كانت بعد قصة العجل. ففى الأمر بذبح البقرة تنبيه ~~على أن هذا النوع من الحيوان الذى لا يمتنع من الذبح والحرث والسقى، لا ~~يصلح أن يكون إلها معبودا من دون الله تعالى، وأنه إنما يصلح للذبح والحرث ~~والسقى والعمل. # فصل # ومن تلاعبه بهذه الأمة أيضا: ما قصه الله تعالى علينا [البقرة: 65 - 66] ~~من قصة أصحاب السبت، حتى مسخهم قردة لما تحيلوا على استحلال محارم الله ~~تعالى. # ومعلوم أنهم كانوا يعصون الله تعالى بأكل الحرام، واستباحة الفروج ~~والحرام، # PageV02P317 # والدم الحرام. وذلك أعظم إثما من مجرد العمل يوم السبت. ولكن لما استحلوا ~~محارم الله تعالى بأدنى الحيل، وتلاعبوا بدينه، وخادعوه مخادعة الصبيان، ~~ومسخوا دينه بالاحتيال، مسخهم الله تعالى قردة. وكان الله تعالى قد أباح ~~لهم الصيد فى كل أيام الأسبوع إلا يوما واحدا، فلم يدعهم حرصهم وجشعهم حتى ~~تعدوا إلى الصيد فيه، وساعد القدر بأن عوقبوا بإمساك الحيتان عنهم فى غير ~~يوم السبت، وإرسالها عليهم يوم السبت، وهكذا يفعل الله سبحانه بمن تعرض ~~لمحارمه. فإنه يرسلها عليه بالقدر تزدلف إليه بأيها يبدأ. # فانظر ما فعل الحرص، وما أوجب من الحرمان بالكلية. ومن هاهنا قيل: من ~~طلبه كله فاته كله. # فصل # ومن تلاعب الشيطان بهم أيضا: أنهم لما حرمت عليهم الشحوم أذابوها، ثم ~~باعوها، وأكلوا أثمانها، وهذا من عدم فقههم وفهمهم عن الله تعالى دينه. فإن ~~ثمنها بدل منها. فتحريمها تحريم لبدلها والمعاوضة عنها. كما أن تحريم الخمر ~~والميتة والدم ولحم الخترير يتناول تحريم أعيانها وأبدالها. # PageV02P318 # ومن تلاعبه بهم أيضا: اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، وقد لعنهم رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم على ذلك، ولعنته تتناول من فعل فعلهم. # ومن تلاعبه ms604 بهم أيضا: أنهم كانوا يقتلون الأنبياء الذين لا تنال الهداية ~~إلا على أيديهم. ويتخذون أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله تعالى، ~~يحرمون عليهم ويحلون لهم. فيأخذون بتحريمهم وتحليلهم. ولا يلتفتون: هل ذلك ~~التحريم والتحليل من عند الله تعالى أم لا؟. # قال عدى بن حاتم: "أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فسألته ~~عن قوله. {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] . ~~فقلت: يا رسول الله، ما عبدوهم، فقال: حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم ~~الحرام، فأطاعوهم. فكانت تلك عبادتهم إياهم" رواه الترمذى وغيره. # وهذا من أعظم تلاعب الشيطان بالإنسان: أن يقتل أو يقاتل من هداه على ~~يديه، ويتخذ من لم تضمن له عصمته ندا لله يحرم عليه، ويحلل له. # ومن تلاعبه بهم: ما كان منهم فى شأن زكريا ويحيى عليهما السلام، وقتلهم ~~لهما، حتى سلط الله عليهم بختنصر، وسنحاريب وجنودهما، فنالوا منهم ما ~~نالوه. # PageV02P319 # ثم كان منهم فى شأن المسيح ورميه وأمه بالعظائم، وهم يعلمون أنه رسول ~~الله تعالى إليهم فكفروا به بغيا وعنادا، وراموا قتله وصلبه، فصانه الله ~~تعالى من ذلك، ورفعه إليه، وطهره منهم. فأوقعوا القتل والصلب على شبهه، وهم ~~يظنون أنه رسول الله عيسى صلى الله تعالى عليه وسلم. فانتقم الله تعالى ~~منهم، ودمر عليهم أعظم تدمير، وألزمهم كلهم حكم الكفر بتكذيبهم بالمسيح كما ~~ألزم النصارى معهم حكم الكفر بتكذيبهم بمحمد صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم. # ولم يزل أمر اليهود بعد تكذيبهم بالمسيح وكفرهم به فى سفال ونقص إلى أن ~~قطعهم الله تعالى فى الأرض أمما، ومزقهم كل ممزق، وسلبهم عزهم وملكهم، فلم ~~يقم لهم بعد ذلك ملك إلى أن بعث الله تعالى محمدا صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم فكفروا به وكذبوه، فأتم عليهم غضبه، ودمرهم غاية التدمير، وألزمهم ذلا ~~وصغارا لا يرفع عنهم إلى أن ينزل أخوه المسيح من السماء، فيستأصل شأفتهم، ~~ويطهر الأرض منهم، ومن عباد الصليب. # قال تعالى: {بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ~~ينزل ms605 الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين ~~عذاب مهين} [البقرة: 90] . # فالغضب الأول: بسبب كفرهم بالمسيح، والغضب الثانى: بسبب كفرهم بمحمد، ~~صلوات الله وسلامه عليهما. # فصل # ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة: أن ألقى إليهم أن الرب تعالى محجور عليه ~~فى نسخ الشرائع، فحجروا عليه أن يفعل ما يشاء # PageV02P320 # ويحكم ما يريد، وجعلوا هذه الشبهة الشيطانية ترسا لهم فى جحد نبوة رسول ~~الله محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. وقرروا ذلك بأن النسخ يستلزم ~~البداء وهو على الله تعالى محال. # وقد أكذبهم الله سبحانه فى نص التوراة، كما أكذبهم فى القرآن. قال الله ~~تعالى: # {كل الطعام كان حلا لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن ~~تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فمن افترى على الله ~~الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين} [آل عمران: 93- 95] . # فتضمنت هذه الآيات بيان كذبهم صريحا فى إبطال النسخ، فإنه سبحانه وتعالى ~~أخبر أن الطعام كله كان حلالا لبنى إسرائيل، قبل نزول التوراة، سوى ما حرم ~~إسرائيل على نفسه منه. # ومعلوم أن بنى إسرائيل كانوا على شريعة أبيهم إسرائيل وملته، وأن الذى ~~كان لهم حلالا إنما هو بإحلال الله تعالى له على لسان إسرائيل والأنبياء ~~بعده إلى حين نزول التوراة ثم جاءت التوراة بتحريم كثير من المآكل عليهم، ~~التى كانت حلالا لبنى إسرائيل، وهذا محض النسخ. # وقوله تعالى: {من قبل أن تنزل التوراة} [آل عمران: 93] متعلق بقوله: كان ~~حلا لبنى إسرائيل. # أى كان حلالا لهم قبل نزول التوراة، وهم يعلمون ذلك. # ثم قال تعالى: {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} [آل عمران: ~~93] . # هل تجدون فيها أن إسرائيل حرم على نفسه ما حرمته التوراة عليكم؟ أم تجدون ~~فيها تحريم ما خصه بالتحريم؟ وهى لحوم الإبل وألبانها خاصة. وإذا كان إنما ~~حرم هذا وحده، وكان ما سواه حلالا له ولبنيه، وقد حرمت التوراة كثيرا ms606 منه، ~~ظهر كذبكم وافتراؤكم فى إنكار نسخ الشرائع، والحجر على الله تعالى فى ~~نسخها. # فتأمل هذا الموضع الشريف الذى حام حوله أكثر المفسرين، وما وردوه. # وهذا أولى من احتجاج كثير من أهل الكلام عليهم بأن التوراة حرمت أشياء ~~كثيرة # PageV02P321 # من المناكح، والذبائح، والأفعال، والأقوال. وذلك نسخ لحكم البراءة ~~الأصلية فإن هذه المناظرة ضعيفة جدا. فإن القوم لم ينكروا رفع البراءة ~~الأصلية بالتحريم والإيجاب، إذ هذا شأن كل الشرائع، وإنما أنكروا تحريم ما ~~أباحه الله تعالى، فيجعله حراما، أو تحليل ما كان حرمه فيجعله مباحا. وأما ~~رفع البراءة والاستصحاب فلم ينكره أحد من أهل الملل. # ثم يقال لهذه الأمة الغضبية: هل تقرون أنه كان قبل التوراة شريعة أم لا؟ ~~فهم لا ينكرون أن يكون قبل التوراة شريعة. # فيقال لهم: فهل رفعت التوراة شيئا من أحكام تلك الشرائع المتقدمة أم لا؟ # فإن قالوا: لم ترفع شيئا من أحكام تلك الشرائع، فقد جاهروا بالكذب والبهت ~~وإن قالوا: قد رفعت بعض الشرائع المتقدمة، فقد أقروا بالنسخ قطعا. # PageV02P322 # وأيضا، فيقال للأمة الغضبية: هل أنتم اليوم على ما كان عليه موسى عليه ~~السلام؟ فإن قالوا: نعم قلنا أليس فى التوراة أن من مس عظم ميت، أو وطئ ~~قبرا، أو حضر ميتا عند موته، فإنه يصير من النجاسة بحال لا مخرج له منها ~~إلا برماد البقرة التى كان الإمام الهارونى يحرقها؟ فلا يمكنهم إنكار ذلك. # فيقال لهم: فهل أنتم اليوم على ذلك؟. # فإن قالوا: لا نقدر عليه، فيقال لهم: لم جعلتم أن من مس العظم والقبر ~~والميت طاهرا يصلح للصلاة، والذى فى كتابكم خلافه؟. # فإن قالوا: لأنا عدمنا أسباب الطهارة، وهى رماد البقرة، وعدمنا الإمام ~~المطهر ليستغفر. # فيقال لهم: فهل أغناكم عدمه عن فعله، أو لم يغنكم؟ # فإن قالوا: أغنانا عدمه عن فعله. # قيل لهم: قد تبدل الحكم الشرعى من الوجوب إلى إسقاطه لمصلحة التعذر. # فيقال: وكذلك يتبدل الحكم الشرعى بنسخه لمصلحة النسخ، فإنكم إن بنيتم على ~~اعتبار المصالح والمفاسد فى الأحكام، فلا ريب أن الشيء يكون ms607 مصلحة فى وقت ~~دون وقت، وفى شريعة دون أخرى، كما كان تزويج الأخ بالأخت مصلحة فى شريعة ~~آدم عليه السلام، ثم صار مفسدة فى سائر الشرائع، وكذلك إباحة العمل يوم ~~السبت كان مصلحة فى شريعة إبراهيم عليه السلام ومن قبله وفى سائر الشرائع، ~~ثم صار مفسدة فى شريعة موسى عليه السلام، وأمثال ذلك كثيرة. # وإن منعتم مراعاة المصالح فى الأحكام، ومنعتم تعليلها بها، فالأمر حينئذ ~~أظهر، فإنه سبحانه يحلل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، والتحليل والتحريم تبع ~~لمجرد مشيئته، لا يسأل عما يفعل. # وإن قلتم: لا نستغنى فى الطهارة عن ذلك الطهور الذى كان عليه أسلافنا، ~~فقد أقررتم بأنكم الأنجاس أبدا، ولا سبيل لكم إلى حصول الطهارة. # PageV02P323 # فإن قالوا: نعم، الأمر كذلك. # قيل لهم: فإذا كنتم أنجاسا على مقتضى أصولكم، فما بالكم تعتزلون الحائض ~~بعد انقطاع الحيض وارتفاعه سبعة أيام، اعتزالا تخرجون فيه إلى حد لو أن ~~أحدكم لمس ثوبه ثوب المرأة نجستموه مع ثوبه. # فإن قلتم: ذلك من أحكام التوراة. # قيل لكم: ليس فى التوراة أن ذلك يراد به الطهارة، فإذا كانت الطهارة قد ~~تعذرت عندكم، والنجاسة التى أنتم عليها لا ترتفع بالغسل، فهى إذا أشد من ~~نجاسة الحيض. # ثم إنكم ترون أن الحائض طاهر إذا كانت من غير ملتكم، ولا تنجسون من ~~لمسها، ولا الثوب الذى تلمسه، فتخصيص هذا الأمر بطائفتكم ليس فى التوراة. # فصل # قالت الأمة الغضبية: # التوراة قد حظرت أمورا، كانت مباحة من قبل، ولم تأت بإباحة محظور، والنسخ ~~الذى ننكره ونمنع منه: هو ما أوجب إباحة محظور، لأن تحريم الشيء إنما هو ~~لأجل ما فيه من المفسدة، فإذا جاءت شريعة بتحريمه كان ذلك من مؤكداتها ~~ومقرراتها فإذا جاء من أباحه علمنا بإباحة المفسدة: أنه غير نبى، بخلاف ~~تحريم ما كان مباحا، فإنا نكون متعبدين بتحريمه. # قالوا: وشريعتكم جاءت بإباحة كثير مما حرمته التوراة، مع أنه إنما حرم ~~لما فيه من المفسدة. # فهذه النكتة هى التى تعتمد عليها الأمة الغضبية، ويتلقاها خالف منهم عن ~~سالف والمتكلمون ms608 لم يشفوهم فى جوابها. وإنما أطالوا معهم الكلام فى رفع ~~البراءة الأصلية بالشرائع، وفى نسخ الإباحة بالتحريم. # ولعمر الله إنه لمما يبطل شبهتهم، لأن رفع البراءة الأصلية، ورفع الإباحة ~~بالتحريم هو تغيير لما كان عليه الحكم الاستصحابى أو الشرعى، بحكم آخر ~~لمصلحة اقتضت تغييره، ولا فرق فى اقتضاء المصلحة بين تغيير الإباحة ~~بالتحريم، أو تغيير التحريم بالإباحة. # PageV02P324 # والشبهة التى عرضت لهم فى أحد الموضعين هى بعينها فى الموضع الآخر، فإن ~~إباحة الشى فى الشريعة تابع لعدم مفسدته، إذا لو كانت فيه مفسدة راجحة لم ~~تأت الشريعة بإباحته. فإذا حرمته الشريعة الأخرى وجب قطعا أن يكون تحريمه ~~فيها هو المصلحة، كما كان إباحته فى الشريعة الأولى هو المصلحة، فإن تضمن ~~إباحة الشحوم المحرمة فى الشريعة الأولى هو المصلحة، فإن تضمن إباحة الشحوم ~~المحرمة فى الشريعة الأولى إباحة المفاسد- وحاشا لله- تضمن تحريم المباح فى ~~الشريعة الأولى تحريم المصالح. وكلاهما باطل قطعا. # فإذا جاز أن تأتى شريعة التوراة بتحريم ما كان إبراهيم ومن تقدمه ~~يستبيحه، فجائز أن تأتى شريعة أخرى بتحليل بعض ما كان فى التوراة محظورا. # وهذه الشبهة الباطلة الداحضة هى التى ردت بها الأمة الغضبية نبوة سيدنا ~~محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، هى بعينها التى رد بها أسلافهم نبوة ~~المسيح، وتوارثوها كافرا عن كافر. وقالوا لمحمد صلى الله تعالى عليه وآله ~~وسلم، كما قال أسلافهم للمسيح: لا نقر بنبوة من غير شريعة التوراة. # فيقال لهم: فكيف أقررتم لموسى بالنبوة، وقد جاء بتغيير بعض شرائع من ~~تقدمه فإن قدح ذلك فى المسيح ومحمد عليهما الصلاة والسلام قدح فى موسى فلا ~~تقدحون، فى نبوتهما بقادح # PageV02P325 # إلا ومثله فى نبوة موسى سواء، كما أنكم لا تثبتون نبوءة موسى ببرهان إلا ~~وأضعافه شاهد على نبوة محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. فمن أبين ~~المحال أن يكون موسى رسولا صادقا ومحمد ليس برسول، أو يكون المسيح رسولا ~~ومحمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ليس برسول. # ويقال للأمة الغضبية أيضا: لا يخلو المحرم، إما ms609 أن يكون تحريمه لعينه ~~وذاته، بحيث تمنع إباحته فى زمان من الأزمنة، وإما أن يكون تحريمه لما ~~تضمنه من المفسدة فى زمان دون زمان، ومكان دون مكان، وحال دون حال. # فإن كان الأول، لزم أن يكون ما حرمته التوراة محرما على جميع الأنبياء فى ~~كل زمان ومكان، من عهد نوح إلى خاتم الأنبياء عليهم السلام. # وإن كان الثانى، ثبت أن التحريم والإباحة تابعان للمصالح، وإنما يختلفان ~~باختلاف الزمان والمكان والحال، فيكون الشيء الواحد حراما فى ملة دون ملة، ~~وفى وقت دون وقت، وفى مكان دون مكان، وفى حال دون حال. وهذا معلوم ~~بالاضطرار من الشرائع، ولا يليق بحكمة أحكم الحاكمين غير ذلك. # ألا ترى أن تحريم السبت لو كان لعينه لكان حراما على إبراهيم ونوح وسائر ~~النبيين؟. # وكذلك ما حرمته التوراة من المطاعم والمناكح وغيرها لو كان حراما لعينه ~~وذاته لوجب تحريمه على كل نبى وفى كل شريعة. # وإذا كان الرب تعالى لا حجر عليه، بل يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ~~ويبتلى عباده لما يشاء، ويحكم ولا يحكم عليه. فما الذى يحيل عليه ويمنعه أن ~~يأمر أمة بأمر من أوامر الشريعة، ثم ينهى أمة أخرى عنه أو يحرم محرما على ~~أمة ويبيحه لأمة أخرى؟. # بل أى شيء يمنعه سبحانه أن يفعل ذلك فى الشريعة الواحدة فى وقتين ~~مختلفين، بحسب المصلحة، وقد بين ذلك سبحانه وتعالى بقوله: {ما ننسخ من آية ~~أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير * ألم ~~تعلم أن الله له ملك السموات والأرض} [البقرة: 106- 107] . # فأخبر سبحانه أن عموم قدرته وملكه وتصرفه فى مملكته وخلقه لا يمنعه أن ~~ينسخ ما يشاء، ويثبت # PageV02P326 # ما يشاء كما أنه يمحو من أحكامه القدرية الكونية ما يشاء، ويثبت فهكذا ~~أحكامه الدينية الأمرية، ينسخ منها ما يشاء، ويثبت منها ما يشاء. # فمن أكفر الكفر وأظلم الظلم: أن يعارض الرسول الذى جاء بالبينات والهدى ~~وتدفع نبوته، وتجحد رسالته: بكونه أتى بإباحة بعض ما كان محرما على ms610 من ~~قبله، أو تحريم بعض ما كان مباحا لهم. وبالله التوفيق، يضل من يشاء ويهدى ~~من يشاء. # ومن العجب أن هذه الأمة الغضبية تحجر على الله تعالى أن ينسخ ما يشاء من ~~شرائعه، وقد تركوا شريعة موسى عليه السلام فى أكثر ما هم عليه، وتمسكوا بما ~~شرعه لهم أحبارهم وعلماؤهم. # فمن ذلك: أنهم يقولون فى صلاتهم ما ترجمته هكذا "اللهم اضرب ببوق عظيم ~~لفيفنا واقبضنا جميعا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك، سبحانك يا جامع شتات ~~قوم إسرائيل". # ويقولون كل يوم ما ترجمته هكذا "أردد حكامنا كالأولين، ومسراتنا ~~كالابتداء وابن أورشليم قرية قدسك فى أيامنا، وأعزنا بابتنائها، سبحانك يا ~~بانى يورشليم". # فهذا قولهم فى صلاتهم، مع علمهم بأن موسى وهارون عليهما السلام لم يقولا ~~شيئا من ذلك. ولكنها فصول لفقوها بعد زوال دولتهم. # وكذلك صيامهم، كصوم إحراق بيت المقدس، وصوم حصا، وصوم كدليا التى جعلوها ~~فرضا لم يصمها موسى، ولا يوشع بن نون. وكذلك صوم صلب هامان، ليس شيء من ذلك ~~فى التوراة، وإنما وضعوها لأسباب اقتضت وضعها عندهم. # هذا. مع أنه فى التوراة ما ترجمته "لا تزيدوا على الأمر الذى أنا موصيكم ~~به شيئا، ولا تنقصوا منه شيئا". # وقد تضمنت التوراة أوامر كثيرة جدا، هم مجمعون على تعطليها وإلغائها فإما ~~أن تكون منسوخة بنصوص أخرى من التوراة أو بنقل صحيح عن موسى عليه السلام، ~~أو باجتهاد # PageV02P327 # علمائهم. وعلى التقادير الثلاث. فقد بطلت شبهتهم فى إنكار النسخ. # ثم من العجب أن أكبر تلك الأوامر التى هم مجمعون على عدم القول والعمل ~~بها إنما يستندون فيها إلى أقوال علمائهم وأمرائهم. وقد اتفقوا على تعطيل ~~الرجم للزانى، وهو نص التوراة. وتعطيل أحكام كثيرة منصوصة فى التوراة. # ومن تلاعب الشيطان بهم: أنهم يزعمون أن الفقهاء إذا أحلوا لهم الشيء صار ~~حلالا، وإذا حرموه صار حراما وإن كان نص التوراة بخلافه. # وهذا تجويز منهم لنسخهم ما شاءوا من شريعة التوراة. فحجروا على الرب ~~تعالى وتقدس أن ينسخ ما يريد من شريعته، وجوزوا ذلك لأحبارهم ms611 وعلمائهم. # كما تكبر إبليس أن يسجد لآدم، ورأى أن ذلك يغض منه. ثم رضى أن يكون قوادا ~~لكل عاص وفاسق. # وكما أبى عباد الأصنام أن يكون النبى المرسل إليهم بشرا، ثم رضوا أن يكون ~~إلههم ومعبودهم حجرا. # وكما نزهت النصارى بتاركتهم عن الولد والصاحبة، ولم يتحاشوا من نسبة ذلك ~~إلى الله سبحانه تعالى. # وكما نزهت الفرعونية من الجهمية الرب سبحانه أن يكون مستويا على عرشه، ~~لئلا يلزم الحصر، ثم جعلوه سبحانه فى الآبار والحانات، وأجواف الحيوانات. # PageV02P328 # فصل # ومن تلاعب الشيطان بهم: ما شددوه على أنفسهم فى باب الذبائح وغيرها، مما ~~ليس له أصل عن موسى عليه السلام، ولا هو فى التوراة، وإنما هو من أوضاع ~~الحاخاميم وآرائهم، وهم فقهاءهم. # ولقد كان لهذه الأمة فى قديم الزمان بالشام والعراق والمدائن مدراس ~~وفقهاء كثيرون، وذلك فى زمن دولة البابليين والفرس، ودولة اليونان والروم، ~~حتى فقهاؤهم فى بعض تلك الدول على تأليف المشنا والتلمود. # فأما المشنا فهو الكتاب الأصغر، ومبلغ حجمه نحو ثمانمائة ورقة. # وأما التلمود فهو الكتاب الأكبر. ومبلغه نحو نصف حمل بغل لكبره. # ولم يكن الفقهاء الذين ألفوه فى عصر واحد. وإنما ألفوه جيلا بعد جيل. ~~فلما نظر المتأخرون منهم إلى هذا التأليف، وأنه كلما مر عليه الزمان زادوا ~~فيه، وأن فى الزيادات المتأخرة ما يناقض أوائل هذا التأليف، علموا أنهم إن ~~لم يقطعوا ذلك ويمنعوا من الزيادة فيه أدى إلى الخلل الذى لا يمكن سده، ~~قطعوا الزيادة فيه، ومنعوا منها. وحظروا على الفقهاء الزيادة فيه، وإضافة ~~شيء آخر إليه، وحرموا من يضيف إليه شيئا آخر فوقف على ذلك المقدار. # وكانت أئمتهم قد حرموا عليهم فى هذين الكتابين مؤاكلة الأجانب، وهم من ~~كان على غير ملتهم. فحرموا عليهم الأكل من ذبيحة من لم يكن على دينهم، لأن ~~علماءهم علموا أن دينهم لا يبقى فى هذه الخلوة مع كونهم تحت الذل ~~والعبودية، إلا أن يصدوهم عن مخالطة من هو على غير ملتهم. فحرموا عليهم ~~الأكل من ذبائحهم، ومناكحتهم. ولم يمكن تقرير ذلك ms612 إلا بحجة يبتدعونها من ~~أنفسهم، ويكذبون بها على الله تعالى. لأن التوراة إنما حرمت # PageV02P329 # عليهم مناكحة غيرهم من الأمم، لئلا يوافقوا الأزواج فى عبادة الأصنام ~~والشرك. وحرم عليهم فى التوراة أكل ذبائح الأمم التى يذبحونها قربانا إلى ~~الأصنام. لأنه قد سمى عليها اسم غير الله تعالى. فأما الذبائح التى لم تذبح ~~قربانا للأصنام فلم تنطق التوراة بتحريمها. وإنما نطقت بإباحة الأكل من ~~أيدى غيرهم من الأمم وموسى عليه السلام إنما نهاهم عن مناكحة عباد الأصنام، ~~وأكل ما يذبحونها على اسمها. # فما بال هؤلاء لا يأكلون من ذبائح المسلمين وهم لا يذبحون للأصنام، ولا ~~يذكرون اسمها عليها؟ # فلما نظر أئمتهم إلى أن التوراة غير ناطقة بتحريم مآكل الأمم عليهم إلا ~~عباد الأصنام، وأن التوراة قد صرحت بأن تحريم مؤاكلتهم ومخالطتهم خوف ~~استدراج المخالطة إلى المناكحة وأن مناكحتهم إنما منع منها خوف استتباعها ~~إلى الانتقال إلى أديانهم وعبادة أوثانهم، ووجدوا جميع هذا واضحا فى ~~التوراة. اختلقوا كتابا فى علم الذباحة، ووضعوا فيه من التشديد والآصار ~~والأغلال ما شغلوهم به عما هم فيه من الذل والمشقة. # وذلك أنهم أمروهم أن ينفخوا الرئة حتى يملؤها هواء ويتأملوها، هل يخرج ~~الهواء من ثقب منها أم لا؟ فإن خرج منها الهواء حرموها. وإن كان بعض أطراف ~~الرئة لاصقا ببعض لم يأكلوه. # وأمروا الذى يتفقد الذبيحة أن يدخل يده فى بطن الذبيحة، ويتأمل بأصابعه، ~~فإن وجد القلب ملتصقا إلى الظهر، أو أحد الجانبين، ولو كان الالتصاق بعرق ~~دقيق كالشعرة، حرموه، ولم يأكلوه. وسموه طريفا. يعنون بذلك أنه تنجس وأكله ~~حرام. # PageV02P330 # وهذه التسمية هى أصل بلائهم. # وذلك أن التوراة حرمت عليهم أكل الطريفا. والطريفا: هى الفريسة التى ~~يفترسها الأسد أو الذئب، أو غيرهما من السباع. وهو الذى عبر عنه القرآن ~~بقوله تعالى: # {وما أكل السبع} [المائدة: 3] . # والدليل على ذلك: أنه قال فى التوراة "ولحما فى الصحراء فريسة لا تأكلوه، ~~وللكلب ألقوه". # وأصل لفظ "طريفا" طوارف. وقد جاءت هذه اللفظة فى التوراة فى قصة يوسف ~~عليه السلام، لما جاء ms613 إخوته على قميصه بدم كذب، وزعموا أن الذئب افترسه. # وقال فى التوراة "ولحما فى الصحراء فريسة لا تأكلوا" والفريسة إنما توجد ~~غالبا فى الصحراء. # وكان سبب نزول هذا عليهم: أنهم كانوا ذوى أخبية يسكنون البر والتيه، ~~لأنهم مكثوا يترددون فى التيه أربعين سنة، كانوا لا يجدون طعاما إلا المن ~~والسلوى. وهو طائر صغير يشبه السمان. وفيه من الخاصية أن أكل لحمه يلين ~~القلب ويذهب بالخروب والقساوة، فإن هذا الطائر يموت إذا سمع صوت الرعد، كما ~~أن الخطاف يقتله البرد فألهمه الله سبحانه وتعالى أن يسكن جزائر البحر التى ~~لا يكون بها مطر ولا رعد إلى انقضاء أوان المطر والرعد، فيخرج من الجزائر، ~~وينتشر فى الأرض. # فجلب الله تعالى إليهم هذا الطائر لينتفعوا به، ويكون اغتذاؤهم به ~~كالدواء لغلظ قلوبهم وقسوتها. # PageV02P331 # والمقصود: أن مشايخهم تعدوا فى تفسير الطريفا عن موضوعها وما أريد بها. # وكذلك فقهاؤهم اختلقوا من أنفسهم هذيانات وخرافات تتعلق بالرئة والقلب، ~~وقالوا: ما كان من الذبائح سليما من تلك الشروط فهو "دحيا". ومعنى هذه ~~الفظة أنه طاهر. وما كان خارجا عن هذه الشروط فهو "طريفا" وتفسيرها أنه ~~حرام. # قالوا: ومعنى نص التوراة "ولحما فريسة فى الصحراء لا تأكلوه، وللكلب ~~ألقوه" أى إنكم إذا ذبحتم ذبيحة ولم توجد فيها هذه الشروط فلا تأكلوها، بل ~~تبيعونها على من ليس من أهل ملتكم. # وفسروا قوله "للكلب ألقوه" أى لمن ليس من أهل ملتكم فأطعموه وبيعوه. وهم ~~أحق بهذا اللقب وأشبه الناس بالكلاب. # ثم إن هذه الأمة الغضبية فرقتان: # إحداهما: عرفوا أن أولئك السلف الذين ألفوا المشنا والتلمود، هم فقهاء ~~اليهود، وهم قوم كذابون على الله وعلى موسى النبى. وهم أصحاب حماقات وتنطع، ~~ودعاوى كاذبة، يزعمون أنهم كانوا إذا اختلفوا فى شيء من تلك المسائل يوحى ~~الله تعالى إليهم بصوت يسمعه جمهورهم، يقول: الحق فى هذه المسألة مع الفقيه ~~فلان، ويسمون هذا الصوت "بث قول". # فلما نظرت اليهود القراءون، وهم أصحاب "عانان وبنيامين" إلى هذه المحالات ~~الشنيعة، وهذا الافتراء الفاحش، والكذب البارد. انفصلوا ms614 بأنفسهم عن الفقهاء ~~وعن كل من يقول بمقالاتهم، وكذبوهم فى كل ما افتروا به على الله وزعموا أنه ~~لا يجوز قبول شيء من أقوالهم، حيث ادعوا النبوة، وأن الله تعالى كان يوحى ~~إليهم، كما يوحى إلى الأنبياء. # PageV02P332 # وأما تلك الترهات التى ألفها الحاخاميم، وهم فقهاؤهم، ونسبوها إلى ~~التوراة وإلى موسى فإن القرائين اطرحوها كلها، وألقوها ولم يحرموا شيئا من ~~الذبائح التى يتولون ذباحتها البتة، ولم يحرموا سوى لحم الجدى بلبن أمه ~~فقط، مراعاة لنص التوراة: # "لا تنضج الجدى بلبن أمه" وليسوا بأصحاب قياس، بل أصحاب ظاهر فقط. # وأما الفرقة الثانية: فهم الربانون، وهم أصحاب القياس، وهم أكثر عددا من ~~القرائين، وفيهم الحاخاميم المفترون على الله تعالى الكذب، الذين زعموا أن ~~الله تعالى كان يخاطب جميعهم فى كل مسألة بالصوت، الذى يسمونه "بث قول". # وهذه الطائفة أشد اليهود عداوة لغيرهم من الأمم، لأن حاخاميمهم أوهموهم ~~أن المأكولات إنما تحل للناس إن استعملوا فيها هذا العلم، الذى نسبوه إلى ~~موسى عليه السلام وإلى الله تعالى، وأن سائر الأمم لا يعرفون هذا، وأنهم ~~إنما شرفهم الله تعالى بهذا وأمثال ذلك من الترهات، فصار أحدهم ينظر من ليس ~~على مذهبه وملته كما ينظر إلى الحيوان البهيم، وينظر مآكل الأمم وذبائحهم، ~~كما ينظر إلى العذرة. # وهذا من كيد الشيطان لهم، ولعبه بهم، فإن الحاخاميم قصدا بذلك المبالغة ~~فى مخالفتهم الأمم، والإزراء عليهم، ونسبتهم إلى قلة العلم، وأنهم اختصوا ~~دون الأمم بهذه الآصار والأغلال، والتشديدات. # وكلما كان الحاخاميم فيهم أكثر تكلفا وأشد إصرا، وأكثر تحريما، قالوا: ~~هذا هو العالم الربانى. # ومما دعاهم إلى التضييق والتشديد: أنهم مبددون فى شرق الأرض وغربها، فما ~~من جماعة منهم فى بلدة إلا إذا قدم عليهم رجل من أهل دينهم من بلاد بعيدة، ~~يظهر لهم الخشونة فى دينهم والمبالغة فى الاحتياط، فإن كان من المتفقهة فهو ~~يسرع فى إنكار أشياء عليهم، ويوهمهم التنزه عما هم عليهم، وينسبهم إلى قلة ~~الدين، وينسب ما ينكره عليهم إلى مشايخه، وإلى أهل بلده، # PageV02P333 # ويكون فى ms615 أكثر تلك الأشياء كاذبا، وقصده بذلك إما الرياسة عليهم، وإما ~~تحصيل بعض مآربه منهم، ولا سيما إن أراد المقام عندهم. # فتراه أول ما ينزل بهم لا يأكل من أطعمتهم ولا من ذبائحهم، ويتأمل سكين ~~ذابحهم، وينكر عليهم بعض أمره، ويقول: أنا لا آكل إلا من ذبيحة يدى، فتراهم ~~معه فى عذاب، لا يزال ينكر عليهم المباح، ويوهمهم تحريمه بأشياء يخترعها، ~~حتى لا يشكون فى ذلك. # فإن قدم عليهم قادم آخر، فخاف المقيم أن ينقض عليه القادم، تلقاه وأكرمه، ~~وسعى فى موافقته وتصديقه، فيستحسن ما فعله الأول، ويقول لهم: لقد عظم الله ~~تعالى ثواب فلان، إذ قوى ناموس الدين فى قلوب هذه الجماعة، وشد سياج الشرع ~~عندهم، وإذا لقيه يظهر من مدحه وشكره والدعاء له ما يؤكد أمره. # وإن كان القادم الثانى منكرا لما جاء به الأول من التشديد والتضييق لم ~~يقع عندهم بموقع، وينسبونه إما إلى الجهل، وإما إلى رقة الدين، لأنهم ~~يعتقدون أن تضييق المعيشة، وتحريم الحلال، هو المبالغة فى الدين. # وهم أبدا يعتقدون الصواب والحق مع من يشدد ويضيق عليهم. # هذا إن كان القادم من فقهائهم. # فأما إن كانوا من عبادهم وأحبارهم فهناك ترى العجب العجاب من الناموس ~~الذى يعتمد، والسنن التى يحدثها ويلحقها بالفرائض. فتراهم مسلمين له ~~منقادين، وهو يحتلب درهم، ويجتلب درهمهم، حتى إذا بلغه أن يهوديا جلس على ~~قارعة الطريق يوم السبت، أو اشترى لبنا من مسلم، تلبسه وسبه فى مجمع ~~اليهود، وأباح عرضه ونسبه إلى قلة الدين. # PageV02P334 # فصل # ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة الغضبية: أنهم إذا رأوا الأمر أو النهى مما ~~أمروا به أو نهوا عنه شاقا عليهم، طلبوا التخلص منه بوجوه الحيل. فإن ~~أعيتهم الحيل قالوا: هذا كان علينا لما كان لنا الملك والرياسة. # فمن ذلك: أنهم إذا أقام أخوان فى موضع واحد، ومات أحدهما ولم يعقب ولدا، ~~فلا تخرج امرأة الميت إلى رجل أجنبى، بل ولد حميها ينكحها. وأول ولد ممن ~~ينكحها ينسب إلى أخيه الدارج. فإن أبى أن ينكحها خرجت مشتكية ms616 منه إلى مشيخة ~~قومه، تقول: قد أبى ابن حمى أن يستبقى اسما لأخيه فى إسرائيل. ولم يرد ~~نكاحى، فيحضره الحاكم هناك، ويكلفه أن يقف ويقول: ما أردت نكاحها. فتتناول ~~المرأة نعله فيخرجه من رجله، وتمسكها بيدها وتبصق فى وجهه، وتنادى عليه: ~~كذا فليصنع بالرجل الذى لا يبنى بيت أخيه، ويدعى فيما بعد بالمخلوع النعل ~~وينبز بنوه ببنى مخلوع النعل. # هذا كله مفترض عليهم فيما يزعمون فى التوراة. # وفيه حكمة ملجئة للرجل إلى نكاح زوجة أخيه الدارج. فإنه إذا علم أن ذلك ~~يناله إن لم ينكحها آثر نكاحها عليه. فإن كان مبغضا لها زاهدا فى نكاحها، ~~أو كانت هى زاهدة فى نكاحه مبغضه له، استخرج له الفقهاء حيلة يتخلص بها ~~منها وتتخلص منه، فيلزمونها الحضور عند الحاكم بمحضر من مشايخهم، ويلقنونها ~~أن تقول: أبى ابن حمى أن يقيم لأخيه اسما فى إسرائيل، لم يرد نكاحى: ~~فيلزمونها بالكذب عليه، لأنه أراد نكاحها وكرهته، وإذا لقنوها هذه الألفاظ ~~قالتها، فيأمرونه بالكذب، وأن يقوم ويقول: ما أردت نكاحها. ولعل ذلك سؤله ~~وأمنيته، فيأمرونه بأن يكذب، ولم يكفهم أن كذبوا عليه، وألزموه أن يكذب، ~~حتى سلطوها على الإخراق به والبصاق فى وجهه. ويسمون هذه مسألة "البياما ~~والجالوس". # وقد تقدم من التنبيه على حيلهم فى استباحتهم محارم الله تعالى بعض ما فيه ~~كفاية. # فالقوم بيت الحيل والمكر، والخبث. # وقد كانوا يتنوعون فى عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأنواع ~~الحيل والكيد والمكر عليه وعلى أصحابه، ويرد الله سبحانه وتعالى ذلك كله ~~عليهم. # فتحيلوا عليه وأرادوا قتله مرارا والله تعالى ينجيه من كيدهم. # PageV02P335 # فتحيلوا عليه وصعدوا فوق سطح وأخذوا رحا أرادوا طرحها عليه، وهو جالس فى ~~ظل حائط، فأتاه الوحى، فقام منصرفا، وأخذ فى حربهم وإجلائهم. # ومكروا به وظاهروا عليه أعداءه من المشركين، فظفره الله تعالى بهم. # ومكروا به وأخذوا فى جمع العدو له فظفره الله تعالى برئيسهم، فقتله. # ومكروا به وأرادوا قتله بالسم، فأعلمه الله تعالى به، ونجاه منه. # PageV02P336 # ومكروا فسحروه، حتى كان يخيل ms617 إليه أنه يفعل الشيء، ولم يفعله. فشفاه الله ~~تعالى وخلصه. # ومكروا به فى قولهم: {آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ~~واكفروا آخره} [آل عمران: 72] . # يريدون بذلك تشكيك المسلمين فى نبوته، فإنهم إذا أسلموا أول النهار اطمأن ~~المسلمون إليهم، وقالوا: قد اتبعوا الحق، وظهرت لهم أدلته، فيكفرون آخر ~~النهار، ويجحدون نبوته، ويقولون: لم نقصد إلا الحق واتباعه، فلما تبين لنا ~~أنه ليس به رجعنا عن الإيمان به. # وهذا من أعظم خبثهم ومكرهم. # ولم يزالوا موضعين مجتهدين فى المكر والخبث إلى أن أخزاهم الله بيد رسوله ~~وأتباعه - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ورضى عنهم - أعظم الخزى، ومزقهم ~~كل ممزق وشتت شملهم كل مشتت. # وكانوا يعاهدونه عليه الصلاة والسلام، ويصالحونه. فإذا خرج لحرب عدوه ~~نقضوا عهده. # ولما سلب الله تعالى هذه الأمة ملكها وعزها، وأذلها، وقطعهم فى الأرض، ~~انتقلوا من التدبير بالقدرة والسلطان، إلى التدبير بالمكر والدهاء، ~~والخيانة والخداع. وكذلك كل عاجز جبان سلطانه فى مكره وخداعه، وبهته وكذبه، ~~ولذلك كان النساء بيت المكر والخداع والكذب والخيانة، كما قال الله تعالى ~~عن شاهد يوسف عليه السلام أن قال: # {إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم} [يوسف: 28] . # ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة: أنهم يمثلون أنفسهم بعناقيد الكرم، وسائر ~~الأمم بالشوك المحيط بأعالى حيطان الكرم. # PageV02P337 # وهذا من غاية جهلهم وسفههم. فإن المعتنين بمصالح الكرم إنما يجعلون على ~~أعالى حيطانه الشوك، حفظا له، وحياطة وصيانة. ولسنا نرى لليهود من سائر ~~الأمم إلا الضرر والذل والصغار. كما يفعل الناس بالشوك. # ومن تلاعبه بهم أنهم ينتظرون قائما من ولد داود النبى، إذا حرك شفتيه ~~بالدعاء مات جميع الأمم، وأن هذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذى وعدوا به. # وهم فى الحقيقة إنما ينتظرون مسيح الضلالة الدجال. فهم أكثر أتباعه. وإلا ~~فمسيح الهدى عيسى ابن مريم عليه السلام يقتلهم، ولا يبقى منهم أحدا. # والأمم الثلاث تنتظر منتظرا يخرج فى آخر الزمان، فإنهم وعدوا به فى كل ~~ملة. والمسلمون ينتظرون نزول المسيح عيسى ابن مريم من السماء، لكسر الصليب، ms618 ~~وقتل الخنزير، وقتل أعدائه من اليهود، وعباده من النصارى، وينتظرون خروج ~~المهدى من أهل بيت النبوة، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا. # فصل # ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة الغضبية: أنهم فى العشر الأول من الشهر ~~الأول من كل سنة يقولون فى صلاتهم "لم تقول الأمم: أين إلههم؟ انتبه. كم ~~تنام يارب؟ استيقظ من رقدتك". # وهؤلاء إنما أقدموا على هذه الكفريات من شدة ضجرهم من الذل والعبودية، ~~وانتظار فرج لا يزداد منهم إلا بعدا. فأوقعهم ذلك فى الكفر والتزندق الذى ~~لا يستحسنه إلا أمثالهم. وتجرءوا على الله سبحانه وتعالى بهذه المناجاة ~~القبيحة، كأنهم ينخونه بذلك لينتخى لهم ويحمى لنفسه فكأنهم يخبرونه سبحانه ~~وتعالى بأنه قد اختار الخمول لنفسه ولأحبابه، ولأبناء أنبيائه. فينخونه ~~للنباهة، واشتهار الصيت. # PageV02P338 # فترى أحدهم إذا تلا هذه الكلمات فى الصلاة يقشعر جلده، ولا يشك أن هذه ~~المناجاة تقع عند الله تعالى بموقع عظيم. وأنها تؤثر فيه، وتحركه، وتهزه ~~وتنخيه. # ومن ذلك: أنهم ينسبون إلى الله سبحانه وتعالى الندم على الفعل. # فمن ذلك: قولهم فى التوراة التى بأيديهم "وندم الله سبحانه وتعالى على ~~خلق البشر الذين فى الأرض، وشق عليه، وعاد فى رأيه". # وذلك عندهم فى قصة قوم نوح. # وزعموا أن الله سبحانه وتعالى وتقدس لما رأى فساد قوم نوح، وأن شركهم ~~وكفرهم قد عظم ندم على خلق البشر. # وكثير منهم يقول: إنه بكى على الطوفان، حتى رمد، وعادته الملائكة. وأنه ~~عض على أنامله حتى جرى الدم منها. # وقالوا أيضا: إن الله تعالى ندم على تمليكه شاؤول على بنى إسرائيل. وأنه ~~قال ذلك لشمويل. # وعندهم أيضا: أن نوحا عليه السلام لما خرج من السفينة بدأ ببناء مذبح لله ~~تعالى، وقرب عليه قرابين، وأن الله تعالى استنشق رائحة القتار فقال الله ~~تعالى فى ذاته "لن أعاود لعنة الأرض بسبب الناس، لأن خاطر البشر مطبوع على ~~الرداءة، ولن أهلك جميع الحيوان كما صنعت". # وقد واجهوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه رضى الله تعالى ~~عنهم بأمثال هذه الكفريات. # فقال ms619 قائل منهم للنبى صلى الله عليه وسلم: "إن الله سبحانه وتعالى خلق ~~السماوات والأرض فى ستة أيام، ثم استراح. فشق ذلك على النبى صلى الله تعالى ~~عليه وسلم. فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم: # {ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام وما مسنا من لغوب} ~~[ق: 38] . # PageV02P339 # وتأمل قوله تعالى عقيب ذلك: {فاصبر على ما يقولون} [ق: 39] . # فإن أعداء الرسول عليه الصلاة والسلام نسبوه إلى ما لا يليق به، وقالوا ~~فيه ما هو منزه عنه. فأمره الله سبحانه وتعالى أن يصبر على قولهم، ويكون له ~~أسوة بربه سبحانه وتعالى، حيث قال أعداؤه فيه ما لا يليق. # وكذلك قال فنحاص لأبى بكر رضى الله عنه: إن الله فقير ونحن أغنياء. لهذا ~~استقرضنا من أموالنا. فأنزل الله سبحانه وتعالى: # {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا ~~وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق} [آل عمران: 182] . # وقالوا أيضا: {يد الله مغلولة غلت أيديهم، ولعنوا بما قالوا بل يداه ~~مبسوطتان ينفق كيف يشاء} [المائدة: 64] . # ويقولون فى العشر الأول من الشهر الأول من كل سنة: "يا إلهنا وإله ~~آبائنا، أملك على جميع أهل الأرض، ليقول كل ذى نسمة: الله إله إسرائيل قد ~~ملك، ومملكته فى الكل متسلطة". # ويقولون فى هذه الصلاة أيضا: "وسيكون لله تعالى الملك. وفى ذلك اليوم ~~يكون الله تعالى واحدا، واسمه واحدا". # ويعنون بذلك: أنه لا يظهر الملك لله تعالى إلا إذا صارت الدولة لليهود ~~الذين هم صفوته # PageV02P340 # وأمته. فأما ما دامت الدولة لغير اليهود فإنه سبحانه، وتعالى خامل الذكر ~~عند الأمم، مطعون فى ملكه، مشكوك فى قدرته. # فصل # ومن تلاعب الشيطان بهم: أنهم يقولون بالقدح فى الأنبياء، وأذيتهم. # وقد آذوا موسى عليه السلام فى حياته، ونسبوه إلى ما برأه الله تعالى منه. ~~ونهى الله سبحانه هذه الأمة عن الاقتداء بهم فى ذلك حيث يقول: {يأيها الذين ~~آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله ~~وجيها} [الأحزاب: 69] . # وثبت فى ms620 الصحيحين من حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه عن النبى صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم قال "كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم ~~إلى سوأة بعض، وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده، فقالت بنو إسرائيل: والله ~~ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، فذهب موسى يغتسل. فوضع ثوبه على ~~حجر، ففر الحجر بثوبه. قال: فجمع موسى بأثره، يقول: ثوبى حجر، ثوبى حجر، ~~حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى. وقالوا: والله ما بموسى من بأس، فقام ~~الحجر، حتى نظر إليه بنو إسرائيل، وأخذ ثوبه، وطفق بالحجر ضربا" قال أبو ~~هريرة "والله إن بالحجر لندبا، ستة أو سبعة. من أثر ضرب موسى الحجر" وأنزل ~~الله تعالى هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى ~~فبرأه الله مما قالوا} [الأحزاب: 69] الآية. # وقال ابن جرير، حدثنا ابن حميد حدثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد "قالت بنو ~~إسرائيل: إن موسى آدر. وقالت طائفة: هو أبرص، من شدة تستره". # وقال ابن سيرين عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه ~~وسلم "كان موسى رجلا حييا ستيرا، لا يكاد يرى من جلده شيء، استحياء منه. ~~فآذاه من آذاه من بنى إسرائيل وقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب ~~بجلده، إما برص، وإما أدرة، وإما آفة. وإن الله تعالى أراد أن يبرئه مما ~~قالوا" وذكر الحديث. # PageV02P341 # وقال سفيان بن حسين عن الحكم عن ابن جبير عن الحكم بن جبير عن ابن عباس ~~عن على بن أبى طالب فى قوله تعالى: {لا تكونوا كالذين آذوا موسى} [الأحزاب: ~~69] . # قال "صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون. فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته، ~~وكان أشد حبا لنا منك وألين لنا منك، وآذوه بذلك. فأمر الله تعالى الملائكة ~~فحملته حتى مروا به على بنى إسرائيل، وتكلمت الملائكة بموته، حتى عرف بنو ~~إسرائيل أنه مات، فبرأه الله تعالى من ذلك، فانطلقوا به فدفنوه فلم يطلع ~~على قبره أحد من خلق الله تعالى ms621 إلا الرخم، فجعله الله تعالى أصم أبكم". # وقال الله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذننى؟ وقد تعلمون أنى ~~رسول الله إليكم} [الصف: 5] . # فإنها جملة فى موضع الحال: أى أتؤذوننى وأنتم تعلمون أنى رسول الله ~~إليكم. # وتأمل قوله: {وقد تعلمون أنى رسول الله إليكم} [الصف: 5] . # وذلك أبلغ فى العناد. # وكذلك المسيح قال: {يا بنى إسرائيل إنى رسول الله إليكم مصدقا لما بين ~~يدى من التوراة ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات ~~قالوا هذا سحر مبين} [الصف: 6] . # فهذا قليل من كثير من أذاهم لأنبيائهم. # وأما أذاهم لهم بالقتل والبغى فأشهر من أن يذكر. # ولقد بالغوا فى أذى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بجهدهم بالقول ~~والفعل، حتى ردهم الله تعالى خاسئين. # ومن قدحهم فى الأنبياء: ما نسبوه إلى نص التوراة. # أنه لما أهلك الله أمة لوط لفسادها، ونجى لوطا بابنتيه فقط، ظن ابنتاه أن ~~الأرض قد # PageV02P342 # خلت ممن يستبقين منه نسلا. فقالت الصغرى للكبرى: إن أبانا شيخ ولم يبق فى ~~الأرض إنسان يأتينا كسبيل البشر، فهلمى نسقى أبانا خمرا ونضاجعه لنستبقى من ~~أبينا نسلا ففعلتا ذلك بزعمهم. # فنسبوا لوطا النبى عليه السلام إلى أنه سكر، حتى لم يعرف ابنتيه، ثم ~~وطئهما وأحبلهما وهو لا يعرفهما. فولدت إحداهما ولدا أسمته "مواب" يعنى أنه ~~من الأب. # والثانية سمت ولدها "بنى عمو" يعنى أنه من قبيلتها. # وقد أجاب بعضهم عن هذا: بأنه كان قبل نزول التوراة، فلم يكن نكاح الأقارب ~~حراما والتوراة تكذبهم. # فإن فيها "أن إبراهيم الخليل خاف فى ذلك العصر أن يقتله المصريون، حسدا ~~له على زوجته سارة، فأخفى نكاحها، وقال: هى أختى، علما منه بأنه إذا قال ~~ذلك لم يبق للظنون إليهما سبيل". # وهذا أظهر دليل على أن تحريم نكاح الأخت كان ثابتا فى ذلك الزمان. فما ~~ظنك بنكاح البنت الذى لم يشرع ولا فى زمن آدم عليه السلام؟. # وعندهم أيضا فى التوراة التى بأيديهم قصة أعجب من هذه. # وهى أن يهوذا بن يعقوب النبى ms622 زوج ولده الأكبر من امرأة يقال لها "تامار" ~~فكان يأتها مستدبرا، فغضب الله تعالى من فعله. فأماته، فزوجها يهوذا من ~~ولده الآخر. فكان إذا دخل بها أنزل على الأرض، علما منه بأنه إن أولدها كان ~~أول الأولاد مدعوا باسم أخيه، ومنسوبا إلى أخيه. فكره الله تعالى ذلك من ~~فعله، فأماته أيضا. فأمرها يهوذا باللحاق ببيت أبيها إلى أن يكبر ولده ~~شبلا، ويتم عقله، حذرا من أن يصيبه ما أصاب أخويه. فأقامت فى بيت أبيها. ثم ~~ماتت من بعد زوجة يهوذا، وصعد إلى منزل [يقال له مناث] ليحرس غنمه، فلما ~~أخبرت المرأة "تامار" بإصعاد حموها إلى المنزل، لبست زى الزوانى، وجلست فى ~~مستشرف على طريقه لعلمها بشبقه فلما مر بها خالها زانية، فراودها، فطالبته ~~بالأجرة، فوعدها بجدى، ورهن عندها عصاه وخاتمه، ودخل بها، فعلقت منه. فلما ~~أخبر يهوذا أن كنته علقت من الزنا أذن # PageV02P343 # بإحراقها، فبعث إليه بخاتمه وعصاه. فقالت: من رب هذين أنا حامل. فقال ~~صدقت، ومنى ذلك. واعتذر بأنه لم يعرفها. ولم يستحل معاودتها. ولا تسليمها ~~إلى ولده، وعلقت من هذا الزنا بفارص. قالوا: ومن ولدها داود النبى. # ففى ذلك من نسبتهم الزنا والكفر إلى بيت النبوة ما يقارب ما نسبوه إلى ~~لوط عليه السلام وهذا كله عندهم وفى نص كتابهم. وهم يجعلون هذا نسبا لداود ~~وسليمان عليهما السلام ولمسيحهم المنتظر. # ومن العجب: أنهم يجعلون المسلمين أولاد زنا، ويسمونهم "ممزيريم" واحدها ~~"ممزير" وهو اسم لولد الزنا. لأن فى شرعهم أن الزوج إذا راجع زوجته بعد أن ~~نكحت زوجا غيره فأولادهما أولاد زنا. # وزعموا أن ما جاءت به شريعة الإسلام من ذلك هو من موضوعات عبد الله بن ~~سلام قصد به أن يجعل أولاد المسلمين "ممزيريم" بزعمهم. # قالوا: وكان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم قد رأى أحلاما تدل على أنه ~~صاحب دولة، فسافر إلى الشام فى تجارة لخديجة. واجتمع بأحبار اليهود، وقص ~~عليهم أحلامه، فعلموا أنه صاحب دولة، فأصحبوه عبد الله بن سلام. فقرأ عليه ~~علوم التوراة وفقهها مدة، ms623 ونسبوا الفصاحة والإعجاز اللذين فى القرآن إلى ~~عبد الله بن سلام، وأن من جملة ما قرره عبد الله بن سلام: أن الزوجة لا تحل ~~للمطلق ثلاثا إلا بعد أن ينكحها رجل آخر ليجعل أولاد المسلمين "ممزيريم" ~~أولاد زنا. # ولا ريب أن مثل هذا البهت يروج على كثير من حميرهم. # وقد خلق الله تعالى لكل باطل وبهت حملة، كما للحق حملة وليس وراء هذا ~~البهت بهت. # وليس بمستنكر من أمة قدحت فى معبودها وإلهها، ونسبته إلى مالا يليق ~~بعظمته وجلاله، ونسبت أنبياءه إلى ما لا يليق بهم، ورمتهم بالعظائم، أن ~~ينسبوا محمدا صلى الله تعالى وآله # PageV02P344 # وسلم وبجل وكرم وعظم - إلى ذلك. وعدواته لهم، وملاحمه فيهم، وإجلاؤه لهم ~~من ديارهم وأموالهم، وسبى ذراريهم ونسائهم معلوم، غير مجهول. # وقد نسبت هذه الأمة الغضبية عيسى ابن مريم إلى أنه ساحر، ولد بغية. ونسبت ~~أمه إلى الفجور. # ونسبت لوطا إلى أنه وطئ ابنتيه وأولدهما وهو سكران من الخمر. # ونسبوا سليمان عليه السلام إلى أنه كان ملكا ساحرا. وكان أبوه عندهم ملكا ~~مسيحا. # ونسبوا يوسف عليه السلام إلى أنه حل تكة سراويله وتكة سراويل سيدته، وأنه ~~قعد منها مقعد الرجل من امرأته، وأن الحائط انشق له فرأى أباه يعقوب عليه ~~السلام عاضا على أنامله، فلم يقم حتى نزل جبريل عليه السلام فقال "يا يوسف ~~تكون من الزناة، وأنت معدود عند الله تعالى من الأنبياء؟ " فقام حينئذ. # ومعلوم أن ترك الفاحشة عن هذا لا مدح فيه، فإن أفسق الناس لو رأى هذا ~~لولى هاربا وترك الفاحشة. # ومنهم من يزعم أن المسيح كان من العلماء، وأنه كان يداوى المرضى ~~بالأدوية، ويوهمهم أن الانتفاع إنما حصل لهم بدعائه، وأنه داوى جماعة من ~~المرضى فى يوم السبت، فأنكرت عليه اليهود ذلك، فقال لهم: "أخبرونى عن الشاة ~~من الغنم إن وقعت فى بئر، أما تنزلون إليها وتحلون السبت لتخليصها؟ قالوا: ~~بلى. قال: فلم أحللتم السبت لتخليص الغنم ولا تحلونه لتخليص الإنسان الذى ~~هو أكبر حرمة من الغنم؟ " فأفحموا. # PageV02P345 # ويحكون أيضا ms624 عنه. أنه مشى مع قوم من تلاميذه فى جبل، ولم يحضرهم الطعام، ~~فأذن لهم فى تناول الحشيش يوم السبت، فأنكرت عليه اليهود قطع الحشيش فى يوم ~~السبت، فقال لهم: أرأيتم لو أن أحدكم كان وحيدا مع قوم على غير ملته، ~~وأمروه بقطع النبات وإلقائه لدوابهم لا يقصدون بذلك إبطال السبت، ألستم ~~تجيزون له قطع النبات؟ قالوا: بلى. قال: فإن هؤلاء القوم أمرتهم بقطع ~~النبات ليأكلوه، وليتغذوا به، لا لقطع السبت. # ومن العجب: أن عندهم فى التوراة التى بأيديهم: "لا يزول الملك من آل ~~يهودا والراسم من بين ظهرانيهم إلى أن يأتى المسيح" وهم لا يقدرون أن ~~يجحدوا ذلك. فيقال لهم: إنكم كنتم أصحاب دولة حتى ظهر المسيح، ثم انقضى ~~ملككم، ولم يبق لكم اليوم ملك. وهذا برهان على أن المسيح قد أرسل. # ومن حين بعث المسيح وكفروا به وطلبوا قتله، استولت ملوك الروم على اليهود ~~وبيت المقدس، وانقضت دولتهم وتفرق شملهم. # فيقال لهم: ما تقولون فى عيسى ابن مريم؟. # فيقولون: إنه ولد يوسف النجار لغية لا لرشدة وقد كان عرف اسم الله الأعظم ~~سحر به كثيرا من الأشياء. # وعند هذه الأمة الغضبية أيضا: أن الله تعالى كان قد أطلع موسى عليه ~~السلام على الاسم المركب من اثنين وأربعين حرفا، وبه شق البحر، وعمل ~~المعجزات. # فيقال لهم فإذا كان موسى قد عمل المعجزات باسم الله، فلم صدقتم نبوته، ~~وأقررتم بها وجحدتم نبوة عيسى، وقد عمل المعجزات بالاسم الأعظم؟ # PageV02P346 # فأجاب بعضهم عن الإلزام: بأن الله سبحانه وتعالى علم موسى ذلك الاسم، ~~فعلمه بالوحى، وعيسى إنما تعلم من حيطان بيت المقدس. # وهذا هو اللائق ببهتهم وكذبهم على الله تعالى وأنبيائه. وهو يسد عليهم ~~العلم بنبوة موسى. لأن كلا الرسولين اشتركا فى المعجزات والآيات الظاهرة، ~~التى لا يقدر أحد أن يأتى بمثلها. فإن كان أحدهما قد تعلمها بحيله أو بعلم. ~~فالآخر يمكن ذلك فى حقه. # وقد أخبرا جميعا أن الله سبحانه وتعالى هو الذى أجرى ذلك على أيديهما، ~~وأنه ليس من صنعهما. فتكذيب أحدهما ms625 وتصديق الآخر تفريق بين المتماثلين. # وأيضا، فإنه لا دليل لهم على أن موسى تلقى تلك المعجزات عن الله تعالى ~~إلا وهو يدل على أن عيسى عليه السلام تلقاها أيضا عن الله تعالى. فإن أمكن ~~القدح فى معجزات عيسى أمكن القدح فى معجزات موسى عليه السلام. وإن كان ذلك ~~باطلا فهذا أيضا باطل. # وإذا كان هذا شأن معجزات هذين الرسولين - مع بعد العهد، وتشتت شمل ~~أمتيهما فى الأرض، وانقطاع معجزاتهما - فما الظن بنبوة من معجزاته وآياته ~~تزيد على الألف؟ والعهد بها قريب، وناقلوها أصدق الخلق وأبرهم، ونقلها ثابت ~~بالتواتر قرنا بعد قرن. وأعظهما معجزة كتاب باق غض طرى لم يتغير ولم يتبدل ~~منه شيء، بل كأنه منزل الآن، وهو القرآن العظيم، وما أخبر به يقع كل وقت ~~على الوجه الذى أخبر به كأنه كان يشاهده عيانا؟. # فصل # ولا يمكن البتة أن يؤمن يهودى بنبوة موسى عليه السلام إن لم يؤمن بنبوة ~~محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. ولا يمكن نصرانيا أن يقر بنبوة المسيح إلا ~~بعد إقراره بنبوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. # PageV02P347 # وبيان ذلك أن يقال لهاتين الأمتين: # أنتم لم تشاهدوا هذين الرسولين، ولا شاهدتم آياتهما وبراهين نبوتهما. ~~فكيف يسع العاقل أن يكذب نبيا ذا دعوة سابقة، وكلمة قائمة، وآيات باهرة، ~~وتصديق من ليس مثله ولا قريبا منه فى ذلك؟ لأنه لم ير أحد النبيين، ولا ~~شاهد معجزاته. فإذا كذب بنبوة أحدهما لزمه التكذيب بنبوتهما. وإن صدق ~~بأحدهما لزمه التصديق بنبوتهما فمن كفر بنبى واحد فقد كفر بالأنبياء كلهم، ~~ولم ينفعه إيمانه به. # قال الله تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين ~~الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ~~أولئك هم الكافرون، حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا * والذين آمنوا بالله ~~ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا ~~رحيما} [النساء: 150 - 152] ، وقال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ~~ربه والمؤمنون كل آمن بالله ملائكته ms626 وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} ~~[البقرة: 285] . # فنقول للمغضوب عليه: هل رأيت موسى وعاينت معجزاته؟ فبالضرورة يقول: لا. # فنقول له: بأى شيء عرفت نبوته وصدقه؟ فله جوابان. # أحدهما: أن يقول: أبى عرفنى ذلك، وأخبرنى به. # PageV02P348 # والثانى: أن يقول: التواتر وشهادات الأمم حقق ذلك عندى، كما حققت شهادتهم ~~وجود البلاد النائية، والبحار، والأنهار المعروفة وإن لم أشاهدها. # فإن اختار الجواب الأول، وقال: إن شهادة أبى وإخباره إياى بنبوة موسى هى ~~سبب تصديقى بنبوته. # قلنا له: ولم كان أبوك عندك صادقا فى ذلك، معصوما عن الكذب؟ وأنت ترى ~~الكفار يعلمهم آباؤهم ما هو كفر عندك. فإذا كنت ترى الأديان الباطلة، ~~والمذاهب الفاسدة، قد أخذها أربابها عن آبائهم كأخذك مذهبك عن أبيك، وأنت ~~تعلم أن الذى هم عليه ضلال. فلزمك أن تبحث ما أخذته عن أبيك، خوفا أن تكون ~~هذه حاله. # فإن قال: إن الذى أخذته عن أبى أصح من الذى أخذه الناس عن آبائهم، كفاه ~~معارضة غيره له بمثل قوله. # فإن قال: أبى أصدق من آبائهم وأعرف وأفضل، عارضه سائر الناس فى آبائهم ~~بنظير ذلك. # فإن قال: أنا أعرف حال أبى، ولا أعرف حال غيره. # قيل له: فما يؤمنك أن يكون غير أبيك أصدق من أبيك، وأصدق وأعرف؟. # وبكل حال. فإن كان تقليد أبيه حجة صحيحة، كان تقليد غيره لأبيه كذلك. وإن ~~كان ذلك باطلا، كان تقليده لأبيه باطلا. # فإن رجع عن هذا الجواب واختار الجواب الثانى، وقال: إنما علمت نبوة موسى ~~بالتواتر قرنا بعد قرن. فإنهم أخبروا بظهوره وبمعجزاته وآياته وبراهين ~~نبوته التى تضطرنى إلى تصديقه. # فيقال له: لا ينفعك هذا الجواب. لأنك قد أبطلت ما شهد به التواتر من نبوة ~~عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام: # فإن قلت: تواتر ظهور موسى ومعجزاته وآياته، ولم يتواتر ذلك فى المسيح ~~ومحمد عليهما الصلاة والسلام. # قيل لك: هذا هو اللائق ببهت الأمة الغضبية. فإن الأمم جميعهم قد عرفوا ~~أنهم قوم بهت. وإلا فمن المعلوم أن الناقلين لمعجزات المسيح ومحمد صلى الله ~~تعالى ms627 عليهما وسلم أضعاف أضعافكم بكثير. والمعجزات التى شاهدها أوائلهم لا ~~تنقص عن المعجزات التى أتى بها موسى عليه السلام، وقد نقلها عنهم أهل ~~التواتر جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن. وأنت لا تقبل # PageV02P349 # خبر التواتر فى ذلك وترده، فيلزمك أن لا تقبله فى أمر موسى عليه السلام. # ومن المعلوم بالضرورة: أن من أثبت شيئا ونفى نظيره فقد تناقض. # وإذا اشتهر النبى فى عصر وصحت نبوته فى ذلك العصر بالآيات التى ظهرت عليه ~~لأهل عصره، ووصل خبره إلى أهل عصر آخر، وجب عليهم تصديقه والإيمان به. ~~وموسى ومحمد والمسيح فى هذا سواء ولعل تواتر الشهادات بنبوة موسى أضعف من ~~تواتر الشهادات بنبوة عيسى ومحمد، لأن الأمة الغضبية قد مزقها الله تعالى ~~كل ممزق، وقطعها فى الأرض، وسلبها ملكها وعزها، فلا عيش لها إلا تحت قهر ~~سواهم من الأمم لها، بخلاف أمة عيسى عليه السلام، فإنها قد انتشرت فى ~~الأرض، وفيهم الملوك، ولهم الممالك. # وأما الحنفاء، فممالكهم قد طبقت مشارق الأرض ومغاربها، وملأوا الدنيا ~~سهلا وجبلا فكيف يكون نقلهم لما نقلوه كذبا، ونقل الأمة الغضبية الخاملة ~~القليلة الزائلة صدقا؟. # فثبت أنه لا يمكن يهوديا على وجه الأرض أن يصدق بنبوة موسى عليه السلام ~~إلا بتصديقه وإقراره بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ولا يمكن نصرانيا ~~البتة الإيمان بالمسيح عليه السلام إلا بعد الإيمان بمحمد صلى الله تعالى ~~عليه وسلم. # ولا ينفع هاتين الأمتين شهادة المسلمين بنبوة موسى والمسيح. لأنهم آمنوا ~~بهما على يد محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان إيمانهم بهما من الإيمان ~~بمحمد، وبما جاء له. فلولاه ما عرفنا نبوتهما، ولا أمنا بهما. # ولا سيما فإن أمة الغضب والضلال ليس بأيديهم عن أنبيائهم ما يوجب الإيمان ~~بهم فلولا القرآن ومحمد صلى الله تعالى عليه وسلم ما عرفنا شيئا من آيات ~~الأنبياء المتقدمين. # فمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وكتابه هو الذى قرر نبوة موسى ونبوة ~~المسيح، لا اليهود ولا النصارى. # بل كان نفس ظهوره ومجيئه تصديقا لنبوتهما. فإنهما أخبرا بظهوره، ms628 وبشرا به ~~قبل ظهوره. فلما بعث كان بعثه تصديقا لهما. # وهذا أحد المعنيين فى قوله تعالى: {ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر ~~مجنون؟ بل جاء بالحق وصدق المرسلين} [الصافات: 36- 37] . # أى مجيئه تصديق لهم من جهتين. من # PageV02P350 # جهة إخبارهم بمجيئه ومبعثه، ومن جهة إخباره بمثل ما أخبروا به، ومطابقة ~~ما جاءوا به لما جاءوا به. فإن الرسول الأول إذا أتى بأمر لا يعلم إلا ~~بالوحى، ثم جاء نبى آخر لم يقارنه فى الزمان ولا فى المكان، ولا تلقى عنه ~~ما جاء به، وأخبر بمثل ما أخبر به سواء، دل ذلك على صدق الرسولين الأول ~~والآخر. وكان ذلك بمنزلة رجلين أخبر أحدهما بخبر عن عيان، ثم جاء آخر من ~~غير بلده وناحيته، بحيث يعلم أنه لم يجتمع به، ولا تلقى عنه، ولا عمن تلقى ~~عنه فأخبر بمثل ما أخبر به الأول سواء. فإنه يضطر السامع إلى تصديق الأول ~~والثانى. # والمعنى الثانى: أنه لم يأت مكذبا لمن قبله من الأنبياء، مزريا عليهم، ~~كما يفعل الملوك المتغلبون على الناس بمن تقدمهم من الملوك بل جاء مصدقا ~~لهم، شاهدا بنبوتهم. ولو كان كاذبا متقولا منشئا من عنده سياسة، لم يصدق من ~~قبله، بل كان يزرى بهم، ويطعن عليهم، كما يفعل أعداء الأنبياء. # فصل # وقد اختلف أقوال الناس فى التوراة التى بأيديهم: هل هى مبدلة، أم التبديل ~~والتحريف وقع فى التأويل دون التنزيل؟ على ثلاثة أقوال طرفين، ووسط. # فأفرطت طائفة وزعمت أنها كلها أو أكثرها مبدلة مغيرة. ليست التوراة التى ~~أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام، وتعرض هؤلاء لتناقضها وتكذيب ~~بعضها لبعض: # وغلا بعضهم. فجوز الاستجمار بها من البول. # وقابلهم طائفة أخرى من أئمة الحديث والفقه والكلام، فقالوا: بل التبديل ~~وقع فى التأويل، لا فى التنزيل. # PageV02P351 # وهذا مذهب أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى. # PageV02P352 # قال فى صحيحه: "يحرفون: يزيلون. وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله ~~تعالى ولكنهم يحرفونه: يتأولونه على غير تأويله". # وهذا اختيار الرازى فى تفسيره. # وسمعت شيخنا يقول: وقع النزاع فى ms629 هذه المسألة بين بعض الفضلاء. فاختار ~~هذا المذهب ووهن غيره، فأنكر عليه، فأحضر لهم خمسة عشر نقلا به. # ومن حجة هؤلاء: أن التوراة قد طبقت مشارق الأرض ومغاربها، وانتشرت جنوبا ~~وشمالا. ولا يعلم عدد نسخها إلا الله تعالى. ومن الممتنع أن يقع التواطؤ ~~على التبديل والتغيير فى جميع تلك النسخ. بحيث لا يبقى فى الأرض نسخة إلا ~~مبدلة مغيرة. والتغيير على منهاج واحد. وهذا مما يحيله العقل، ويشهد ~~ببطلان. # قالوا: وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم محتجا على اليهود بها: {قل ~~فائتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} [آل عمران: 93] . # قالوا: وقد اتفقوا على ترك فريضة الرجم، ولم يمكنهم تغييرها من التوراة، ~~ولهذا لما قرؤوها على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وضع القارئ يده على ~~آية الرجم. فقال له عبد الله بن سلام: # "ارفع يدك عن آية الرجم". # فرفعها فإذا هى تلوح تحتها. فلو كانوا قد بدلوا ألفاظ التوراة لكان هذا ~~من أهم ما يبدلونه. # قالوا: وكذلك صفات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ومخرجه هو فى التوراة ~~بين جدا. ولم # PageV02P353 # يمكنهم إزالته وتغييره. وإنما ذمهم الله تعالى بكتمانهم. وكانوا إذا احتج ~~عليهم بما فى التوراة من نعته وصفته يقولون: ليس هو، ونحن ننتظره. # قالوا: وقد روى أبو داود فى سننه عن ابن عمر رضى الله عنه، قال: # "أتى نفر من اليهود. فدعوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى القف ~~فأتاهم فى بيت المدراس، فقالوا يا أبا القاسم، إن رجلا منا زنى بامرأة، ~~فاحكم، فوضعوا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وسادة، فجلس عليها ثم ~~قال ائتونى بالتوراة فأتى بها فنزع الوساده من تحته، ووضع التوراة عليها ثم ~~قال آمنت بك وبمن أنزلك قال ائتونى بأعلمكم فأتى بفتى ثم ذكر قصة الرجم". # قالوا: فلو كانت مبدلة مغيرة لم يضعها على الوسادة، ولم يقل: "آمنت بك ~~وبمن أنزلك". # قالوا وقد قال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو ~~السميع العليم} [الأنعام: 115] والتوراة من ms630 كلماته. # قالوا: والآثار التى فى كتمان اليهود صفة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فى التوراة ومنعهم أولادهم وعوامهم الاطلاع عليها مشهورة، ومن اطلع ~~عليها منهم، قالوا له ليس به. # فهذا بعض ما احتجت به هذه الفرقة. # وتوسطت طائفة ثالثة. وقالوا: قد زيد فيها، وغير ألفاظ يسيرة، ولكن أكثرها ~~باق على ما أنزل عليه. والتبديل فى يسير منها جدا. # وممن اختار هذا القول شيخنا فى كتابه "الجواب الصحيح لمن بدل دين ~~المسيح". # قال: وهذا كما فى التوراة عندهم: أن الله سبحانه وتعالى قال لإبراهيم ~~عليه السلام: # PageV02P354 # "اذبح ولدك بكرك، ووحيدك إسحاق" زيادة منهم فى لفظ التوراة. # قلت: وهى باطلة قطعا من عشرة أوجه. # أحدها: أن بكره ووحيده هو إسماعيل باتفاق الملل الثلاث. فالجمع بين كونه ~~مأمور بذبح بكره وتعيينه بإسحاق جمع بين النقيضين. # الثانى: أن الله سبحانه وتعالى أمر إبراهيم أن ينقل هاجر وابنها إسماعيل ~~عن سارة، ويسكنها فى برية مكة، لئلا تغير سارة. فأمر بإبعاد السرية وولدها ~~عنها، حفظا لقلبها، ودفعا لأذى الغيرة عنها. فكيف يأمر سبحانه وتعالى بعد ~~هذا بذبح ابن سارة وإبقاء ابن السرية؟ فهذا مما لا تقتضيه الحكمة. # الثالث: أن قصة الذبح كانت بمكة قطعا، ولهذا جعل الله تعالى ذبح الهدايا ~~والقرابين بمكة، تذكيرا للأمة بما كان من قصة أبيهم إبراهيم مع ولده. # الرابع: أن الله سبحانه بشر سارة أم إسحاق: {بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب} ~~[هود: 71] . فبشرها بهما جمعيا، فكيف يأمر بعد ذلك بذبح إسحق، وقد بشر ~~أبويه بولد ولده؟. # الخامس: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر قصة الذبيح وتسليمه نفسه لله ~~تعالى، وإقدام إبراهيم على ذبحه، وفرغ من قصته، قال بعدها: # {وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين} [الصافات: 112] . # فشكر الله تعالى له استسلامه لأمره، وبذل ولده له، وجعل من إثابته على ~~ذلك: أن آتاه إسحق. فنجى إسماعيل من الذبح، وزاده عليه إسحق. # السادس: أن إبراهيم - صلوات الله تعالى وسلامه عليه - سأل ربه الولد. ~~فأجاب الله دعاءه، وبشره، فلما بلغ معه السعى أمره بذبحه. قال ms631 تعالى: # {وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين رب هب لى من الصالحين فبشر ناه بغلام ~~حليم} [الصافات: 99- 101] . # PageV02P355 # فهذا دليل على أن هذا الولد إنما بشر به بعد دعائه وسؤاله ربه أن يهب له ~~ولدا، وهذا المبشر به هو المأمور بذبحه قطعا بنص القرآن. # وأما إسحق فإنما بشر به من غير دعوة منه، بل على كبر السن، وكون مثله لا ~~يولد له، وإنما كانت البشارة به لامرأته سارة، ولهذا تعجبت من حصول الولد ~~منها ومنه. # قال تعالى: {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما ~~لبث أن جاء بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة، ~~قالوا لا تحف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحق ~~ومن وراء إسحق يعقوب، قالت ياويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخا؟ إن هذا ~~لشئ عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله} [هود: 69-73] . # فتأمل سياق هذه البشارة وتلك، تجدهما بشارتين، متفاوتتين، مخرج إحداهما ~~غير مخرج الأخرى. # والبشارة الأولى كانت له. والثانية كانت لها. # والبشارة الأولى هى التى أمر بذبح من بشر به فيها، دون الثانية. # السابع: أن إبراهيم عليه السلام لم يقدم بإسحاق إلى مكة البتة، ولم يفرق ~~بينه وبين أمه. وكيف يأمره الله تعالى أن يذهب بابن امرأته، فيذبحه بموضع ~~ضرتها فى بلدها، ويدع ابن ضرتها؟. # الثامن: أن الله تعالى لما اتخذ إبراهيم خليلا. والخلة تتضمن أن يكون ~~قلبه كله متعلقا بربه، ليس فيه شعبة لغيره. فلما سأله الولد، وهبه إسماعيل. ~~فتعلق به شعبة من قلبه. فأراد خليله سبحانه أن تكون تلك الشعبة له، ليست ~~لغيره من الخلق. فامتحنه بذبح ولده. فلما أقدم على الامتثال. خلصت له تلك ~~الخلة، وتمحضت لله وحده. فنسخ الأمر بالذبح، لحصول المقصود وهو العزم، ~~وتوطين النفس على الامتثال. # ومن المعلوم: أن هذا إنما يكون فى أول الأولاد، لا فى آخرها. فلما حصل ~~هذا المقصود من الولد الأول لم يحتج فى الولد الآخر إلى مثله. فإنه لو ~~زاحمت محبة الولد الآخر ms632 الخلة لأمر بذبحه. كما أمر بذبح الأول. فلو كان ~~المأمور بذبحه هو الولد الآخر لكان قد أقره فى الأول # PageV02P356 # على مزاحمة الخلة به مدة طويلة. ثم أمره بما يزيل المزاحم بعد ذلك. وهذا ~~خلاف مقتضى الحكمة فتأمله. # التاسع: أن إبراهيم عليه السلام إنما رزق إسحاق عليه السلام على الكبر، ~~وإسماعيل عليه السلام رزقه فى عنفوانه وقوته. والعادة أن القلب أعلق بأول ~~الأولاد، وهو إليه أميل وله أحب، بخلاف من يرزقه على الكبر. ومحل الولد بعد ~~الكبر كمحل الشهوة للمرأة. # العاشر: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يفتخر بقوله: # "أنا ابن الذبيحين". # يعنى أباه عبد الله، وجده إسماعيل. # PageV02P357 # والمقصود: أن هذه اللفظة مما زادوها فى التوراة. # ونحن نذكر السبب الموجب لتغيير ما غير منها، والحق أحق ما اتبع، فلا ~~تغلوا غلو المستهينين لها، المتمسخرين بها، بل معاذ الله من ذلك. # ولا نقول: إنها باقية كما أنزلت من كل وجه، كالقرآن. # فنقول، وبالله التوفيق: # علماء اليهود وأحبارهم يعتقدون أن هذه التوراة التى بأيديهم ليست هى التى ~~أنزلها الله تعالى على موسى بن عمران بعينها. لأن موسى عليه السلام صان ~~التوراة عن بنى إسرائيل، خوفا من اختلافهم من بعده فى تأويلها، المؤدى إلى ~~تفرقهم أحزابا. وإنما سلمها إلى عشيرته أولاد لاوى. # ودليل ذلك قوله فى التوراة: "وكتب موسى هذه التوراة ودفعها إلى بنى ~~إسرائيل إلى الأئمة من بنى لاوى". # وكان بنو هارون قضاة اليهود وحكامهم، لأن الإمامة وخدمة القرابين وبيت ~~المقدس كانت موقوفة عليهم. ولم يبذل موسى عليه السلام من التوراة لبنى ~~إسرائيل إلا نصف سورة، وهى التى قال فيها: "وكتب موسى هذه السورة وعلمها ~~بنى إسرائيل". # PageV02P358 # هذا نص التوراة عندهم، قال: "وتكون لى هذه السورة شاهدة على بنى ~~إسرائيل". # وفيها: قال الله تعالى: "إن هذه السورة لا تنسى من أفواه أولادهم". # يعنى أن هذه السورة مشتملة على ذم طبائعهم، وأنهم سيخالفون شرائع ~~التوراة، وأن السخط يأتيهم بعد ذلك، وتخرب ديارهم، ويسبون فى البلاد. فهذه ~~السورة تكون متداولة فى أفواههم. كالشاهد ms633 عليهم. الموقف لهم على صحة ما قيل ~~لهم. # فما نصت التوراة أن هذه السورة لا تنسى من أفواه أولادهم، دل ذلك على أن ~~غيرها من السور ليس كذلك، وأنه يجوز أن ينسى من أفواههم. # وهذا يدل على أن موسى عليه السلام لم يعط بنى إسرائيل من التوراة إلا هذه ~~السورة فأما بقيتها فدفعها إلى أولاد هارون، وجعلها فيهم، وصانها عمن ~~سواهم. # وهؤلاء الأئمة الهارونيون - الذين كانوا يعرفون التوراة، ويحفظون أكثرها ~~- قتلهم بختنصر على دم واحد، يوم فتح بيت المقدس، ولم يكن حفظ التوراة فرضا ~~عليهم ولا سنة. بل كان كل واحد من الهارونيين يحفظ فصلا من التوراة. # فلما رأى عزرا أن القوم قد أحرق هيكلهم، وزالت دولتهم، وتفرق جمعهم، ورفع ~~كتابهم جمع من محفوظاته، ومن الفصول التى يحفظها الكهنة ما اجتمعت منه هذه ~~التوراة التى بأيديهم ولذلك بالغوا فى تعظيم عزرا هذا غاية المبالغة. # فزعموا أن النور الآن يظهر على قبره، وهو عند بطائح العراق. لأنه جمع لهم ~~ما يحفظ دينهم. # PageV02P359 # وغلا بعضهم فيه حتى قال: هو ابن الله. ولذلك نسب الله تعالى ذلك إلى ~~اليهود، إلى جنسهم، لا إلى كل واحد منهم. # فهذه التوراة التى بأيديهم فى الحقيقة كتاب عزرا. وفيها كثير من التوراة ~~التى أنزلها الله تعالى على موسى عليه الصلاة والسلام. ثم تداولتها أمة قد ~~مزقها الله تعالى كل ممزق، وشتت شملها فلحقها ثلاثة أمور. # أحدها: بعض الزيادة والنقصان. # الثانى: اختلاف الترجمة. # PageV02P360 # الثالث: اختلاف التأويل والتفسير. # ونحن نذكر من ذلك أمثلة تبين حقيقة الحال. # المثال الأول: # نص ما تقدم من قوله "ولحم فريسة فى الصحراء لا تأكلوه، وللكلب ألقوه". # وتقدم بيان تحريفهم هذا النص وحمله على غير محمله. # المثال الثاني: # قوله فى التوراة "نبيا أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك، به فليؤمنوا". # فحرفوا تأويله، إذ لم يمكنهم أن يبدلوا تنزيله، وقالوا: هذه بشارة بنبى ~~من بنى إسرائيل. وهذا باطل من وجوه. # أحدها: أنه لو أراد ذلك لقال "من أنفسهم" كما قال فى حق محمد صلى الله ~~تعالى ms634 عليه وسلم: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} ~~[آل عمران: 164] وقال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [التوبة: 128] ولم ~~يقل من إخوتكم. # الثانى: أن المعهود فى التوراة: أن إخوتهم غير بنى إسرائيل. # ففى الجزء الأول من السفر الخامس قوله "أنتم عابرون فى تخوم إخوتكم بنى ~~العيص المقدس فى سيعير، إياكم أن تطمعوا فى شيء من أرضهم". # فإذا كان بنو العيص إخوة لبنى إسرائيل، لأن العيص وإسرائيل ولدا إسحاق. ~~والروم هم بنو العيص، واليهود بنو إسرائيل، وهم إخوتهم. فكذلك بنو إسماعيل ~~إخوة لجميع ولد إبراهيم. # PageV02P361 # الثالث: أن هذه البشارة لو كانت بشمويل أو غيره من بنى إسرائيل، لم يصح ~~أن يقال: بنو إسرائيل إخوة بنى إسرائيل. وإنما المفهوم من هذا: أن بنى ~~إسماعيل أو بنى العيص هم إخوة بنى إسرائيل. # الرابع: أنه قال: "سأقيم لهم نبيا مثلك" وفى موضع آخر "أنزل عليه التوراة ~~مثل توراة موسى". # ومعلوم أن شمويل وغيره من أنبياء بنى إسرائيل لم يكن فيهم مثل موسى، لا ~~سيما وفى التوراة "لا يقوم فى بنى إسرائيل مثل موسى". # وأيضا فليس فى بنى إسرائيل من أنزل عليه توراة مثل توراة موسى إلا محمد ~~والمسيح عليهم الصلاة والسلام. والمسيح كان من أنفس بنى إسرائيل، لا من ~~إخوتهم، بخلاف محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. فإنه من إخوتهم بنى إسماعيل. # وأيضا. فإن فى بعض ألفاظ هذا النص "كلكم له تسمعون" وشمويل لم يأت بزيادة ~~ولا بنسخ، لأنه إنما أرسل ليقوى أيديهم على أهل فلسطين، وليردهم إلى شرع ~~التوراة. فلم يأت بشريعة جديدة، ولا كتاب جديد. وإنما حكمه حكم سائر ~~الأنبياء من بنى إسرائيل. فإنهم كانوا يسوسهم الأنبياء. كلما هلك نبى قام ~~فيهم نبى. # فإن كانت هذه البشارة لشمويل، فهى بشارة بسائر الأنبياء الذين بعثوا ~~فيهم. ويكونون كلهم مثل موسى عليه السلام، وكلهم قد أنزل عليهم كتاب مثل ~~كتاب موسى عليه السلام. # PageV02P362 # المثال الثالث: # قوله فى التوراة "جاء الله تعالى من طور سيناء، وأشرق نوره من سيعير، ~~واستعلن ms635 من جبال فاران، ومعه ربوات المقدسين". # وهم يعلمون أن جبل سيعير هو جبل السراة، الذى يسكنه بنو العيص، الذين ~~آمنوا بعيسى. ويعلمون أن فى هذا الجبل كان مقام المسيح. ويعلمون أن سيناء ~~هو جبل الطور. # وأما جبال فاران فهم يحملونها على جبال الشام. وهذا من بهتهم، وتحريف ~~التأويل. # فإن جبال فاران هى جبال مكة و"فاران" اسم من أسماء مكة. وقد دل على هذا ~~نص التوراة: أن إسماعيل لما فارق أباه سكن برية فاران، وهى جبال مكة. ولفظ ~~التوراة "أن إسماعيل أقام فى برية فاران وأنكحته أمه امرأة من أرض مصر". # فثبت بنص التوراة أن جبال فاران مسكن لولد إسماعيل، وإذا كانت التوراة قد ~~أشارت إلى نبوة تنزل على جبال فاران، لزم أنها تنزل على ولد إسماعيل لأنهم ~~سكانها. # ومن المعلوم بالضرورة أنها لم تنزل على غير محمد صلى الله تعالى عليه ~~وسلم من ولد إسماعيل عليه السلام. # وهذا من أظهر الأمور بحمد الله تعالى. # PageV02P363 # فصل # ومما يدل على غلظ أفهام هذه الأمة الغضبية وقلة فقههم، وفساد رأيهم ~~وعقولهم كما فى التوراة "أنهم شعب عادم الرأى. فليس فيهم فطانة": أنهم ~~سمعوا فى التوراة "يكون ثمار أرضك تحمل إلى بيت الله ربك، ولا ينضج الجدى ~~بلبن أمه". # والمراد بذلك: أنهم أمروا عقيب افتراض الحج إلى بيت المقدس عليهم: أن ~~يستصحبوا معهم إذا حجوا أبكار أغنامهم، وأبكار مستغلات أرضهم، لأنه كان فرض ~~عليهم قبل ذلك أن تبقى سخولة الغنم والبقر وراء أمها سبعة أيام، وفى اليوم ~~الثامن فصاعدا يصلح أن تكون قربانا. فأشار فى هذا النص بقوله "لا ينضج ~~الجدى بلبن أمه" إلى أنهم لا يبالغون فى إطالة مكث باكور أولاد البقر ~~والغنم وراء أمها، بل يستصحبون أبكارهم اللاتى قد عبرت سبعة أيام منذ ~~ميلادهن معهم إذا حجوا إلى بيت المقدس، ليتخذوا منها القرابين. # فتوهم المشايخ البله أن الشرع يريد بالإنضاج إنضاج الطبيخ فى القدر، ~~وأنهم نهوا أن يطبخوا لحم الجدى باللبن. # ولم يكفهم هذا الغلط فى تفسير هذه اللفظة حتى حرموا أكل ms636 سائر اللحمان ~~باللبن فألغوا لفظ "الجدى" وألغوا لفظ "أمه" وحملوا النص ما لا يحتمله، ~~وإذا أرادوا أن يأكلوا اللحم واللبن أكلوا كلا منهما على حدة. والأمر فى ~~هذا ونحوه قريب. # PageV02P364 # فصل # ولا يستبعد اصطلاح كافة هذه الأمة على المحال، واتفاقهم على أنواع ~~الضلال. # فإن الدولة إذا انقرضت عن أمة باستيلاء غيرها عليها وأخذها، انطمست معالم ~~دينها واندرست آثارها. # فإن الدولة إنما يكون زوالها بتتابع الغارات والمصافات، وإخراب البلاد ~~وإحراقها، لا تزال هذه الأمور متواترة عليها إلى أن يعود علمها جهلا، وعزها ~~ذلا، وكثرتها قلة. # وكلما كانت الأمة أقدم، واختلفت عليها الدول المتناولة لها بالذل ~~والصغار، كان حظها من اندراس معالم دينها وآثارها أوفر. # وهذه الأمة أوفر الأمم حظا من هذا الأمر، لأنها من أقدم الأمم، ولكثرة ~~الأمم التى استولت عليها: من الكلدانيين، والبانليين، والفرس، واليونان، ~~والنصارى وآخر ذلك المسلمون. # وما من هذه الأمم إلا من طلب استئصالهم، وبالغ فى إحراق بلادهم وكتبهم، ~~وقطع آثارهم إلا المسلمين، فإنهم أعدل الأمم فيهم، وفى غيرهم، حفظا لوصية ~~الله تعالى بهم حيث قال: # {يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ~~أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} [النساء: ~~135] ويقول: {يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم ~~شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة: 8] . # وصادف الإسلام هذه الأمة تحت ذمة الفرس، وذمة النصارى، بحيث لم يبق لهم ~~مدينه ولا جيش. # وأعز ما صادفه الإسلام من هذه الأمة يهود خيبر والمدينة وما جاورها. # PageV02P365 # فإنهم إنما قصدوا تلك الناحية لما كانوا وعدوا به من ظهور رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم، وكانوا يقاتلون المشركين من العرب، فيستنصرون ~~عليهم بالإيمان برسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قبل ظهوره، ~~ويعدونهم بأنه سيخرج نبى نتبعه، ونقتلكم معه قتل عاد وإرم. # فلما بعث الله عز وجل نبيه ms637 صلى الله تعالى وآله وسلم سبقهم إليه من كانوا ~~يحاربونهم من العرب، فحملهم الحسد والبغى على الكفر به وتكذيبه. # وأشد ما على هذه الأمة الغضبية من ذلك ما نالهم من ملوك العصاة وغيرهم من ~~ملوك، الإسرائيلين الذين قتلوا الأنبياء، وبالغوا فى تطلبهم، وعبدوا ~~الأصنام، وأحضروا من البلاد سدنتها ليعلموا رسومها فى العبادة، وبنوا لها ~~البيع والهياكل، وعكفوا على عبادتها وتركوا أحكام التوراة أعصارا متصلة. # فإذا كان هذا تواتر الآفات على دينهم من قبل ملوكهم ومن قبل أنفسهم، فما ~~الظن بالآفات التى نالتهم من غير ملوكهم، وقتلهم أئمتهم، وإحراقهم كتبهم، ~~ومنعهم من القيام بدينهم؟. # فإن الفرس كثيرا ما منعوهم عن الختان. وكثيرا ما منعوهم من الصلاة، ~~لمعرفتهم بأن معظم صلاة هذه الطائفة دعاء على الأمم بالبوار، وعلى العالم ~~بالخراب [سوى بلادهم التى # PageV02P366 # هى أرض كنعان] . # فلما رأت هذه الأمة الجد من الفرس فى منعهم من الصلاة، اخترعوا أدعية ~~[زعموا أنها فصول من صلاتهم] سموها الحزانة، وصاغوا لها ألحانا عديدة، ~~وصاروا يجتمعون فى أوقات صلاتهم على تلحينها وتلاوتها. وسموا القائم بها ~~الحزان. # والفرق بينها وبين الصلاة: أن الصلاة بغير لحن، والمصلى يتلو الصلاة ~~وحده، ولا يجهر معه غيره. والحزان يشاركه غيره فى الجهر بالحزانة، ~~ويعاونونه فى الألحان. # فكانت الفرس إذا أنكرت ذلك منهم، قالت اليهود: إنا ننعى أحيانا، وننوح ~~على أنفسنا. فيتركونهم وذلك. # فلما قام الإسلام وأقرهم على صلاتهم استصحبوا تلك الحزانة، ولم يعطلوها. # فهذه فصول مختصرة فى كيد الشيطان وتلاعبه بهذه الأمة، يعرف بها المسلم ~~الحنيف قدر نعمة الله تعالى عز وجل عليه، وما من به عليه من نعمة العلم ~~والإيمان، ويهتدى بها من أراد الله تعالى هدايته من طالبى الحق من هذه ~~الأمة. # ومن الله التوفيق والإرشاد إلى سواء الطريق. والحمد لله رب العالمين. ~~PageV02P367 ms638